عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

"فضائح جزيرة إبستين إنموذجًا"

تؤكد لنا معرفتنا وجميع المشتغلين بالتحليل النفسي سواءً بالعلاجات النفسية التحليلية، أو معرفة الاسباب، أو التفسير النفسي التحليلي لظواهر تمر بها المجتمعات المعاصرة في عصر ما بعد الانترنيت وعوالم الاليكترونيات وعالم المجتمعات "السوشيال ميديا" بأنواعها، فالإنسان هو هو، في عالم السكينة والهدوء إن وجدت، وعالم الانترنيت ومشكلاته من مواقع اليكترونية وغرف ودهاليز الاعلام الرقمي والمشفر، أو العالم الخبيء في جزر تحولت لتحقيق الرغبات المكبوتة، ولنقل المقموعة في فجر طفولة الإنسان وقيدت في السجل الرمزي في صفحة الفرد بكل حرفياته، لم تمحى أبدًا حتى وإن أشبعت بالمال والجاه والسلطة والمنصب وإدارة الشركات والبنوك والاستثمارات الهائلة، إلا انها تظل تقرع أجراس الرغبة بتوحش وشدة لا تطاق، تعود في السجل الخيالي بصور مجسمة تارة، وتارة أخرى ملطفة بتشويق به من الحفزات الغريزية بحثًا عن الإشباع الوهمي، وعلمتنا التجربة اللاكانية ان موضوع الرغبة المستحيل بلوغه والذي يعبر عن عجز الذات المنقسمة عن ان تحقق الإشباع، هو في الحقيقة علة الرغبة في الدرجة الأولى، ويدلنا " جاك لاكان " بأن الذات تعتقد إن رغبتها تستهدف موضوعًا بعينه، مخطئة في إدراك إن الرغبة إنما تُبنى وتنشأ من الوضع البنيوي للنقصان الذي فيه تجد الذات نفسها، والذي فيه لا يكون موضوع الرغبة إلا بديلا، ويضيف " لاكان " في كتابه " كتابات" لذا فإن سعي الذات وراء موضوع رغبتها الخاصة هو شكل من أشكال الخطأ في التصنيف، حيث فيه تكون الذات مدفوعة إلى السعي وراء كل موضوع بعينه على أمل تحقيق الإشباع والكمال اللذين منعت منهما بعد دخولها إلى العالم الرمزي، هذا السجل الذي ضم كل ما يتعلمه الإنسان ويدركه بصور مختلفة والديه " الأم والاب والأخ الكبير" والتقاليد والقيم والأعراف والدين.. الخ حسب تنوع كل فرد وخصوصيته وتنوع افراد البشرية بكيفية إدراك ما تقدم في ذلك السجل.

إن إشراك أكبر عدد ممكن من البشر ممن يحتاج لإشباع تلك الرغبة، والحاجة تبحث عن طلب لتحقيق هذه الرغبة، جاءت اللحظة التي تعلن فيها النفس البشرية عن ما ينقصها رغم ضخامة المال والجاه والمنصب.. كل تلك كانت محاولات فاشلة في سد فجوة بنيوية حدثت جراء الدخول في الرمزي " ما بنته النفس في مرحلة عمرية من حياة الإنسان، تأسس معها النقص والشعور بالدونية، ففي هذه المرحلة من الطفولة يعجز فيها الفرد دومًا عن تجسيد الخبرة المعاشة تجسيدًا كاملا باستبعاده لجزء من الواقعي الذي نحن نتجذر فيه، وهو لذلك سعي الذات العقيم في نهاية المطاف وراء موضوع الرغبة العميقة والمتجذرة لمواصلة الرغبة التي لا تنتهي ولا تشبع.

هي النفس في كل ما بعمقها وما تحتويه من شذوذها، فالذين حضروا وشاركوا في المنتدى العالمي لشذوذ النفس البشرية هم من دعا إلى حق وسط الكذابين، وهم من دعا إلى الفضيلة وسط الرذلاء، وهم أنفسهم من دعا إلى عدالة وسط الظالمين، وإلى الحرية في وسط ركام الدكتاتورية، في حقيقة أنفسهم هم بشر دعوا شعوبهم ومريديهم وزبائنهم في الحياة العملية إلى رؤية أفضل لإنسان أفضل يحيا حياة أفضل، فمحفل " جيفري ابستين " أعلن عن التسامح فوق المحسوسات، وأرتفع بمبادئه محلقًا في سماء الفضيلة ساعيًا لخدمة الناس في مختلف مجتمعات العالم المتحضر والأقل تحضرًا أيضًا، نحاول في هذه المطوية ذات السطور المهتمة في التحليل النفسي عرضنا بعض من أفكار التحليل النفسي، وكما علمنا التحليل النفسي أيضًا بأن الإنسان هو لغة رغبة التي يعلن بها عنها يجمع بين الإفصاح والإخفاء، بأعلان يقدم فيه رغبته على الوضع الذي يرغبه، أو أن يخضع رغبة الآخر ويريد منه أن يقدم بها هذه الرغبة. ومثال ذلك فضائح جزيرة " جيفري ابستين ".

أثبت التحليل النفسي إن دراسة الإنسان هي محور دراساته منذ تأسيسه على يد المحلل النفسي النمساوي " سيجموند فرويد". وجاء بعده من يرى أن كل تحليل نفسي هو نقد للمجتمع، لأن المجتمع يتغير باستمرار كما يرى المحلل النفسي الألماني " ليون برينر " ويضيف المحلل النفسي الفرنسي "جاك لاكان" إن الإنسان يتعايش تمامًا مع عدم الحقيقة.

إننا نعيش هذا العالم المتجدد والسريع في التطور، هذا يجعل رغباتنا تضغط علينا لمواكبة هذا التطور، هذا كله لإشباع رغبة – شهوة – متعة، هذه كلها ليست سد الحاجة، أو طلب إنساني بل هي نزوع مرضي لعدم الإشباع حتى وإن كان الاشباع عند المليونير في المال، أو السلطة، أو في المنصب، أو إدارة الدولة، هناك شيء غير مشبع ظل هائمًا بين المال والسلطة والمنصب، ولن يشبع فأخذ منحى آخر هو ممارسة كل ما هو شاذ، لأنه يمثل حقيقة النفس، ونقول لا فائدة من المال أو السلطة أو المنصب أو الشهادة العليا في التخصص والعلم إذا لم تعترف بجهل ما تشتهي النفس، ويقودنا قول جاك لاكان من الرغبة تنبثق الهيئة التي تمارس المتعة – النشوة، ونقول ما بني في تكوين النفس لابد وإن يعلن عن نفسه مهما طال الزمن، أو تخفى تحت ستار المال، أو المنصب، أو الجاه، أو شرف المهنة، أو الوطنية والمواطنة.. الخ.

ظواهر الإنسان اليوم لا تبتعد كثيرًا عن ظواهر الأمس إلا من حيث النوع، وإن زاد فيها الكم وتنوع فيها المسبب، فما يعانيه إنساننا اليوم من أعراض هي وليدة حضارتنا، وزيادة الحصر في الحضارة مما أدى إلى تضخم الأزمات واحداث الصدمات النفسية فضلا عن التداخل الشخصي في شحن الرغبات غير المتحققة، والمتحققة منها.. لإن الصراع لا ينتهي. وساستعير من المحلل النفسي الفرنسي "جاك لاكان" تشكيل بنية الفرد وانعكاساتها على سلوكه وتعامله اللاحق في حياته في عدة صور من صور الحياة اليومية والممارسات، نقول تظهر تلك البنية وتكشر عن أنيابها.

تعتمد صورة التخييل عند من تعاون وتعامل مع شخصية المدير - الرئيس – الوزير في هذه الجزيرة هي بنية متخيلة تحمل ذات منشطرة وهي في الآن نفسه لا تشير فقط إلى نوع من الشطح المتخيل، وإنما تشكل النسيج الاجتماعي الحق للواقع الذي يعيشه فعلا وعندئذ تكون الذات بطبيعتها مغتربة وناقصة، وكما عرفنا ان النقص " العميق في النفس" يولد الرغبة بكل أشكالها ومنها الهمجية البدائية، وكذلك غياب أو عدم وجود شيء في اعماق أنفسنا لا يشبع أبدًا.. أبدًا.

***

د. اسعد الامارة

تفكيك الثوابت واستشراف مستقبل المسؤولية الفاعلة

إنّ الوعي العربي المعاصر يستحيل علينا أن نتناول أبعاده الحقيقية بشكلٍ دقيق، بعد محاولاتٍ كانت حُبلى بالمصاعب، من أجل النهوض بالوعي العربي بشكلٍ عام، فالمجتمعات العربية كلّ منها في وادٍ مختلف عن الآخر، كما أن المجتمعات في منحى، والأنظمة العربية في منحى آخر.

ولعل الوعي العربي هو الأكثر تشابكاً، إن كان في جوانب التعليم أو الثقافة أو البيئة، أو في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بشكلٍ عام.

ولكي نتناول مفهوم الوعي، لا بُدّ لنا في البداية من ربط الوعي بحالة الإدراك، مثل المفاهيم، المعرفة، الأفكار، والتقييم النظري، أو وجهات النظر، وكذلك ربط الوعي بمفهوم التفاعل والقدرة عليه، والقدرة على التواصل في البيئة الخارجية أو المحيط الخارجي، عبر كافة الحواس.

وكذلك ربط الوعي بالقدرة على ترجمة المفاهيم عبر القدرة على التعبير بأي وسيلة من وسائل التواصل الإنساني، وبالمحصّلة لا بُدّ من امتلاك المهارات في مجال التفكير، والتفكير النقدي، ومن ثُمّ التفكير الإبداعي.

إنّ الدراسات التي تمت حول مفهوم الوعي قد شغلت إهتمام العديد من التخصصات وكانت في بدايتها الفلسفة.

وأعتقد ليس من المفيد الآن الرجوع إلى إشكاليات الفكر الفلسفي، حيث أن هذا الفكر كانت أولى تساؤلاته حول الحرية، والولوج الآن في مسائل الميتافيزيقا، كأن نتساءل: هل الإنسان حر؟. أو هل الحرية موجودة؟.

الآن نتناول الأمور على أساس بأن الحرية هي حقيقة، ومُمارسة عملياً بنفسِ الوقت، بهدفِ فك الإشتباك التاريخي بين الحتمية والحرية، من أجل البعد الإنساني.

في بدايةِ الأمر لا بُدّ من تأسيس التأمل الذاتي، المُراقب من الذات، عبر عملية استبطان الذات نفسها بنفسها، وعندما تنجح هذه العملية، نبدأ بتأسيس الواجب الفلسفي الذي يروم إلى فهم الحرية بعيداً عن الوهم.

فهل نجح الوعي العربي المعاصر، أو الفلسفة العربية الراهنة من مواجهة أشكال الإحتلال المُمارس على أراضٍ من الوطن العربي؟.

وهل الوعي العربي بكلِ أشكاله ومع الفلسفة أيضاً، إستطاع أن يُفكّك الجغرافيات الفلسفية القديمة، وولج بطرحٍ جديد لمعالجة واقعنا الحالي؟.

الإجابة دوماً تأتي بالنفي مع الأسف، لأننا لا نتناول معطيات الحاضر حينما نفكر، كي لا نتحمّل عناء تحسين واقعنا ومستقبلنا.

إنّ فقداننا للوعي، وفقدان الفكر العربي الراهن لهذا الوعي، هو الذي فسح المجال لممارسة كلّ أشكال الإقصاء والتهميش كما الإدانة والاستعباد، لكل فكرٍ مُغايرٍ يبتغي التجديد والإصلاح وبناء مستقبلٍ أفضل، يعتمد على تبنّي المسؤوليات الجادة، والتجديد الذي يُعتبر تنويراً للمجتمع وللعقل وللفكر العربي.

إنّ واقعنا الراهن يُعتبر مليئاً بالشوائب والغموض والتشويه الذي ليس بإمكانه ولا بأي شكلٍ من الأشكال أن يأخذ بيد المواطن إلى بر الأمان، وإلى مرفأ اليقين.

إنّ الوعي العربي وسلطته اعتمد طروحاتٍ شديدة الشبه بالشراك المُفخخة، أو القنابل الموقوتة، مثل ثنائيات السلم والحرب، العقل والنقل، الخير والشر والعلم والدين، وكأننا من خلال وعينا الراهن نقوم بانتاج إرهاصاتٍ عربية، وموروث، ومنتوج مُشتّت الأصول.

وكم من سرديات فلسفية عربية تحمل بين طيّاتها مصائب آنية، والحديث عن مشكلة الألوهية، والموروثات، وطروحات الفارابي وإبن سينا، ممّا يُرشدنا إلى ضآلة ونضوب العقل العربي، الذي في الأساس يجب أن يكون ساعياً وجاداً نحو التنوير والتجديد، في الوقت الذي لا يزال فيه العقل العربي يبحث في الوجود والممكن، وكل هذه الطروحات هي بعيدة تماماً عن واقع المواطن العربي الذي يُهرول نحو الوصول إلى منصّات المعرفة والنهوض.

لذلك فإن كتاباتنا ووعينا وفلسفتنا المبعثرة بعد ابن رشد، هي مجرد ارتحال اضطراري لتفسير ما خطّه ابن رشد بعيداً عن أي فكرة وظيفية، أو حتى إرهاصات القابلية للتداول المجتمعي، حتّى ولو تمّ استيراد نظرياتٍ ما، بهدف إعادة صياغتها، تبدو سخيفة بشكلٍ مُجمل.

عبثاً نحاول تحسين حياة وفكر المواطن، من خلال فلسفةٍ عقيمةٍ في وقتنا الراهن، من خلال تبريرات تحرّض الفلاسفة العرب لإعادة نمذجة فلسفة الكبار في ظروفٍ مغايرة، وبشكلٍ كُلّي مختلفة.

لذلك نرى أن الفلسفة العربية المعاصرة غائبة، لأنها بعيدة عن الولوج والاشتباك بالأحداث الجارية والمتسارعة، لذا نعتها كثيرون بأنها صناعة الوهم، وإذا حاولنا تفكيك الخطاب الفلسفي العربي لوجدناه متناقضاً وبمنأى عن الواقع الملموس والمعاش، وهنا نتجرأ لنتساءل بشكلٍ رئيسي لفائدة الفلسفة، والإجابة بكلمةٍ واحدة هي بكل تأكيد الوعي.

مع الأسف فلسفتنا الراهنة تُعاني من الكثير من حالات الغياب عن كثيرٍ من القضايا الرئيسية مثل الهوية والتعليم والدراما والعقلانية الاجتماعية وانتهاءً بالحريات والسياسة.

فمتى تصبح الفلسفة العربية الراهنة ملموسة واقعاً وتطبيقاً، نظرية وممارسة، وليست مجرد ترميم لنظرياتٍ سابقة أو بائدة.

ومن جانبٍ آخر نستطيع أن نقول أن الظاهرة الثقافية تشوّه الكيان الفلسفي العربي، بسبب غياب مفهوم الجماعة الفلسفية، ذات الهم المشترك، وهذا مؤشر كافٍ على غياب الوعي لدى المهتمين بالفلسفة أنفسهم، وأنهم مكانهم كمرضى على سرير الحكمة.

إنّ التغيير الجاد والمستدام هو الذي يعتمد على التوازن بين الماضي والحاضر، مع الإدراك بأن الثوابت والمبادىء والقيم التي نشأ عليها الإنسان هي ليست عبثية، بل هي أداة فاعلة بالإمكان توظيفها لتحقيق التغيير الإيجابي بما يتناسب مع الوقت الراهن، مع ضرورة التمييز بين المبادئ الجوهرية التي تلعب دوراً مهماً الذي يشكل أساس الهوية، وبين العادات التي قد تكون قابلة للتكيّف مع الزمن بعيداً عن دوّامات الضياع ومخاطر فقدان أو الابتعاد عن الهوية والشخصية.

آخذين بعين الاعتبار أن مفهوم الثوابت معمول به حتّى في المجال السياسي في منطقتنا العربية، لكنه غير متناول في المجتمعات الغربية حتّى سياسياً، هم يتعاطون العلوم والقوانين، وعند الغرب التعامل بروح العاطفة ليس هو الحال كما هو في المنطقة العربية، فعند العرب عنصر العاطفة متفوق على العقل والحكمة أو المادة، وهذا المفهوم يُختصر بالخيالِ والوهم الاجتماعي والسياسي.

وعندما نتعمّق في فحوى " الثوابت " نجدها بأنها عبارة عن سلوك وقواعد بمثابة الحاكمة على الأفراد، وهي ليست للمساومة أو المراجعة، أمّا المتغيرات فهي شؤون يشملها التبديل والتغيير نحو التطوير، وهذا التطوير بالتأكيد لا يخرج الأصل عن خصائصه المميّزة واستمراريته، لأن التغيير يحتاج إلى سلاسة ومرونة وتكيّف، وتجاوباً مع الاحتفاظ بالثوابت، والمتغيرات يجب أن تكفل الصلاحية والملاءمة للمكان والزمان.

وإذا تعمّقنا أكثر في مفهوم كلمة الثوابت، نراها تختزن فعلاً وضمناً مفهوم رفض الواقع، وبالتالي رفض أي تغيير إن كان اجتماعياً أو سياسياً.

في عام 1789 ومع الثورة الفرنسية، كانت هناك محطّات مهمة فيما يخصّ الثوابت، حيث كانت ثورة إنفصال عن الكنيسة، وثورة مساواة، وإلغاء الامتيازات التي كانت تتمتع بها الكنيسة، وتأكيد مبدأ حقوق الإنسان والمواطن على حرية التعبير والمساواة وحرية الضمير، ومن ثمّ تسارعت التحولات، وتم إلغاء تهمة الإبتعاد عن الدين، في قانون صدر عام 1881، وإقرار الطلاق المدني عام 1884، وكذلك القبول بالدفن المدني عام 1887.

وترتّب على هذه التحولات التي طالت الحداثة السياسية، إنفصال المجتمع عن السلطة، والإقرار بمسؤولية أي مواطن على أفعاله، والممارسات البشرية في ظلّ السياسة والقانون، خاضعة للمحاسبة والنقد والمراجعة، وأصبحت الشرعية السياسية تتم بعيداً عن الكنيسة، وأصبحت مُستمدة من الشعب وفق صناديق الاقتراع، كما تم إقرار مبدأ المواطنة، الذي أكّد أن كلّ المواطنين متساوون أمام القانون، بغض النظر عن الدين أو المذهب أو الجنس أو اللون أو المعتقد، وابتعدت الدولة عن مظاهر حياة الناس الشخصية.

الوعي العربي يتعامل مع الماضي ويستثمره على أنه حاضر أبدي، هذا الواقع هو خلاصة التعلّق بالوهم، هكذا هو فكر الثوابت لا التحوّلات والتغيرات وحسب، بل يروم إلى إيقاف الفكر والتنوير أيضاً.

حيث أن التنوير هو بمثابة انطلاقة وخروج أي إنسان عن حالة القصور التي يُعاني منها، والتي هو المسؤول عنها، والتي لا يعود سببها إلى تشويهٍ في قدرة الفهم، بل إلى فقدانه الشجاعة، واتخاذ القرار الذي يجعله ينطلق بعيداً عن الوصاية من قِبل أي كان.

من يتابع الأمور يُدرك أنه في المنطقة العربية رُصدت أموال طائلة جداً، وتم تأسيس مؤسسات مُتسلسلة ولا تنتهي كي تعيق أي تطور لهذه المنطقة، ورغم كل مظاهر العنف الأصولي، إلاّ أن أُفق الحرية والمساواة لا بُدّ إلاّ أن يُفتح، فصخور الثوابت لا يمكنها بكل تأكيد إيقاف مجرى النهر، أو أن تُغلق الأفق الرحب.

لذلك على كلّ فرد أن يتحلّى بالآثار الإيجابية المترتبة على تحمّل المسؤولية، والقرار الذي يتخذه، فمن الضروري أن يكون الإنسان يملك السيطرة الحقيقية، وقائداً لمسيرة حياته، واتخاذ قراراته بحرية، وأن يحترم ويُقدّر الذات بهدف أن يتمتع بفعالية بالثقة بالنفس، والقدرة على رسم مسار حياته بعيداً عن وصاية أي أحد، وأن يتحلّى فعلاً بالشجاعة كي لا يتردد، وبنفس الوقت كسب صداقة واحترام الآخرين، وفتح آفاق جديدة من خلال المسؤولية التي يمتلكها، واكتساب مهارة القدرة على التغيير، والتي تمكّنه من الارتقاء بالمجتمع وبمؤسّساته.

إنّ الإرتقاء بالمجتمع، والتفكير بمستقبلٍ حضاري للعرب، يُصيبنا بالدهشة، حيث أن هكذا عناوين تمنحنا الخيبة أكثر مما تجعلنا نتفاءل، فهكذا عناوين كان من المفروض أن تُمرّر دون نقدٍ سليم، وهذه الأفكار بحاجةٍ ماسّة إلى غرفٍ خاصّة بالعناية المركّزة، بهدف تشريحها وتفكيكها، وإعادة النظر فيها، ولأن أفق هذه العناوين واسعٌ ورحب، وتتّسم بالشمولية، لذا فإنها لا تتوافق مع الحالة الراهنة التي تعيشها الأمّة ومجتمعاتها، وكأن الزمن لا يزال مُبكّراً كي نتناول هكذا أفق حضاري لمجتمعاتنا ولأمّتنا، لأنه بشكلٍ أوّلي ومبدئي يجب على المجتمعات العربية أن تتمتع بشيءٍ من التحرر والتقدم، والنمو والتحديث، والإصلاح والتغيير، نحو مستقبلٍ مشرق، وهذه الأمور ليست مهمة نخب مُعيّنة بعينها، بل هي مهمة كلّ المجتمع، ففي الوقت الراهن هذه الأمور ليست محصورة بيد نخبة ثقافية ما، لأن زمن النخب الفكرية والثقافية قد ولّى، والمشروع الحضاري العربي، والوعي الحضاري قد وصل إلى آفاقٍ مسدودة.

حتّى الثورة الرقمية ودورها في إعادة تشكيل الوعي الإنساني تجاوزتنا، حيث شهد العالم خلال العقود الأخيرة ثورة غيّرت مسيرة الحياة الإنسانية في معظم المجالات، وخاصّة مجال الإعلام والاتصالات، من خلال تقنيات المعلومات، والإعلام الإلكتروني الذي هيمن على وسائل الإعلام التقليدية، وسادت أزمة المعرفة والتضليل في عصر الإعلام الرقمي، ممّا أدّى إلى تضاعف البيئة الإعلامية الهشّة، وتصاعد الخطاب الشعبوي، وانتشار الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والنقص الحاد في الدراسات النقدية العميقة.

وللدقّة نؤكّد بأن الثقافة الرقمية هي من بين العوامل المؤثّرة بشكلٍ عميق على مفهوم الهوية في المجتمع العربي، حيث أحدثت تغييراً جذرياً في كيفية فهم الفرد لنفسه وللآخرين، حيث أن الثقافة الرقمية تسهم بشكلٍ مباشر في تعزيز وتشكيل الهوية الفردية، وتقبّل هويات أخرى ومتعددة، وعدم التحمّل للبقاء على هوية واحدة ثابتة، آخذين بعين الاعتبار بأن إنتشار المعلومات المضللة، والضغط الاجتماعي يؤثّر سلباً على مفهوم الهوية، وهذا بالتالي يؤدّي إلى الاعتماد على هويّاتٍ ذات معايير خارجية، بعيداً عن الخصوصية الثقافية.

ومن ناحية أخرى يمكن للثقافة الرقمية تعزيز دور الأفراد مع الثقافة الأصلية لهم عبر طرقٍ جديدة، من خلالِ إحياء القديم أو بعض التراث الثقافي بواسطة الإبداع الرقمي، على الرغم من الضغوطات والسبل المستحدثة، وهذه العملية يمكن أن تكون عبارة عن فرصة لاستكشاف هوية قد تكون مركّبة وشاملة، تلعب دوراً في تقدم التعاطي مع الثقافة العربية وتطويره في عصر المعلومات، وهذا هنا يؤكّد لنا أو يعكس كيفية تكيّف الهوية مع المناخ المتحيّز عبر التوازن بين الأصالة والحداثة الذي قد يؤدّي إلى أفق جديد في فهم الذات والمجتمع.

وإذا تناولنا الهوية الوطنية في المجتمع العربي نجدها تتميّز بالكثير من الثراء والتعقيد، حيث تتشابك فيها عوامل كثيرة، مثل: الدينية واللغوية والثقافية والتاريخية، ممّا يجعلها غنيّة بالتنوّع الفريد الذي يعكس خصوصية بيئية أو محلّية.

ولقد أفرزت الثقافة الرقمية وساهمت في بلورة هذه الهوية، عبر منصّات التواصل الاجتماعي التي أفرزت مساحات واسعة للتعبير، وأصبح الأفراد يملكون القدرة على المساهمة في النقاش، وخاصّة حول تجليات الهوية الوطنية، حيث يتم تداول التراث الثقافي، والأساطير، وحالات الإحباط الوطني والسياسي في البلاد، ممّا يُعزّز الشعور بالولاء والانتماء، والسعي من أجل الأفضل، والتكيّف مع السياقات الجديدة، مّما يؤدّي إلى تغيير مستمر في اللحظة الراهنة في المجتمعات العربية المعاصرة.

فعند المواطن العربي، يُعتبر التعبير عن الذات في العصر الرقمي أحد أبرز وجوه الهوية الرقمية، مما يسهم في توسيع الفضاء الثقافي، وتبادل الحوار والأفكار، كما يؤخذ بعين الاعتبار، أن العصر الرقمي يحمل أيضاً البعد السلبي، مثل التذمّر الإلكتروني، والهوية الزائفة، وهنا يتطلب من الأفراد الوعي التام بهدف حماية خصوصياتهم، وضمان تعاملهم مع البيئة الرقمية، التي قد تكون معقّدة أو مشبوهة في بعض الأحيان، والتصدي للتحديات التي قد تطرأ نتيجة لذلك، والأخذ بعين الاعتبار الخصوصية الثقافية، كي يستطيع المجتمع العربي، إيجاد التوازن المستدام بين الخصوصية والتقليدي والرقمي في بناء الهوية المتجددة.

ويجب أخذ الحذر من أن الخوارزميات الرقمية تلعب دوراً واضحاً كفاعل اجتماعي، لديه القدرة على توجيه المحتوى العام وفق اهتمامات المستخدم، وتتم تغذيته وفق ميوله وأفكاره.

وينتج عن ذلك خلق فقاعة فكرية تمارس دورها في عزل هذا المستخدم عن الرأي الآخر، وينتج عن ذلك تشكيل تنشئة رقمية انتقائية، تغذّي المستخدم بما يريده هو، وتضعف مقدرته على الحوار، أو التنوّع والتفكير النقدي.

لذا على المجتمعات أن تتألق في توجهاتها الرقمية، لتحمي مفهوم الخصوصية والكرامة الإنسانية، وبالتالي تمنع الاستغلال النفسي والمعلوماتي لأبناء الأمّة، حيث أن التوازن بين الواقعي والرقمي، هو السلوك الأمثل لحماية الإبداع والهوية الإنسانية من الذوبان في الأفق الافتراضي.

حيث أن الإبداع في حقيقة الأمر لا يتأتّى دوماً من الحريات المطلقة، بل إن القيود في أغلب الأمر هي التي تدفع الإنسان إلى التفكير خارج منحى القيود، والواقع العملي الذي عايشناه يؤكّد لنا أن القيود والقمع تُشكّل أرضية خصبة للإبداع الفكري، وخاصّة عندما تكون الخيارات متعددة، هنا قد يشعر الإنسان بالضياع أو في المجمل الإحباط، وهذه الأمور تشحن العقل، وتضع حداً للتشتت، مّما قد يؤدّي إلى حلول مبتكرة وناجعة.

حتّى في الشركات الضخمة بالإمكان تحويل القيود إلى أداة إيجابية تدفع الإبتكار وتحرّضه عبر تحديد أهداف بعينها، فالقيود تجعل الشخص أو فريق عملٍ ما، بالعمل من خلال تنسيقٍ مركّز، الذي بدوره يساعد في إيجاد حلول هي بحدِ ذاتها إبداعية لمشاكل مُعقّدة.

القيود بحد ذاتها لا تعني الإعاقة إطلاقاً، بل قد تكون عاملاً مهماً وناجحاً للتحفيز والإبداع لتجاوز الواقع نحو آفاقٍ جديدةٍ ورحبة، وخاصّة عندما تكون هناك حاجة حقيقية لتخطي صعوباتٍ ما،

حينما يكون الجهد موظّفاً بالشكلِ السليم.

آخذين بعين الإعتبار بأن الحرية بدون هدفٍ معيّن، أو إطارٍ سليم، قد تؤدّي إلى ضياعٍ وهدر الوقت، وخاصّة عندما تكون التجارب غير موفقة أو مفيدة، إنّ التوازن بين الحرية والقيود هو الذي يكون دافعاً حقيقياً للإبداع.

إن القيود والضغوط قد تكون المحرّك الخفي وراء أي إبداع، حيث أن القيود قد لا تكون عوائق عند الإنسان المتماسك، بقدر ما هي مُحفّزات تدفع العقل للبحث عن حلولٍ مبتكرة، خاصّة عندما تكون واضحة ومحددة، ومُعدة بعناية وبطريقةٍ مدروسة، بعقلٍ عربي حضاري بعيداً عن قيود الموروثات.

لأن العقل العربي بشكلٍ عام مُقيّداً بثلاث قيودٍ جدرانها سميكة وصمّاء، لعل أولها هو الفهم البدائي للدين، إضافةً إلى قيود الموروثات والمفاهيم الثقافية التي أنتجتها تجربتنا الثقافية التاريخية، أمّا القيد الثالث، فهو قيد الرعب من الحداثة المعاصرة، بحجة التخوّف على الخصائص الثقافية التي نتمتع بها، من الضياع أو الزوال، أو إمتزاج دمائنا الشريفة المتعلّقة بهذه الخصائص، بالدماء غير الشريفة لثقافاتٍ وافدة. !.

إن المحنة المعاصرة التي نعيش بها، جعلتنا في منأى عن طموحاتنا، على كافة المستويات، السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وفي المقام الأول الثقافية.

إن محنة مجتمعاتنا العربية الآنيّة أخذتنا في حقيقة الأمر بعيداً عن مسيرة التقدم والتمدّن الإنساني، فأين هو العقل العربي؟.

مع الأسف إن أي عربي حينما يتمعّن الفترة الزمنية التي شهدت فعلاً نهضة عربية حديثة، يجدها قد تمّت أثناء خضوع الساحة العربية المترامية الأطراف للإستعمار الأوروبي.

وعندما تراجع الاستعمار الغربي، وحدث التحرّر، تراجع الفكر العربي، والعقل العربي، وبالتالي تراجعت النهضة العربية الحديثة.

لو تناولنا الوقائع بدقةٍ أكثر، نرى أن المنطقة قد شهدت في عهد الاستعمار الأوروبي تغيراً كبيراً في واقع المجتمع العربي، حيث تمّ تشييد البنى التحتية، وتمت صياغة دساتير قائمة على التعددية، كما تمّ تأسيس جامعات ومعاهد بهدف الربط الفكري والثقافي بين البلاد العربية وأوروبا، وتشكّلت بيئة خصبة للحوار والجدل والنقد في عددٍ من المجتمعات العربية، وفي ظل هكذا بيئة تجاوز العقل العربي مرحلة جموده الفكري الذي فُرض عليه من قِبلِ العهد العثماني، وحاولت الرموز الثقافية والفكرية والأدبية تحديث واقع المجتمع العربي في مختلف المجالات، بهدفِ اللحاق بركب الحضارة حديثاً.

ومع بدايات النهضة دخلت المعرفة والعقل العربي طرق التفكير الحديثة التي أبدعها العقل العربي، حيث محت قسماً كبيراً من تركيبته العقلية التقليدية.

ومثّل التطور الحضاري الأوروبي تحدّياً واضحاً، حيث إرتفعت أصوات تطالب بالانفتاح على أوروبا والاستفادة من المعرفة العلمية منها، بما يتماشى مع الواقع العربي.

كما ظهرت خلال النهضة العربية عدة اتجاهات فكرية نذكر منها، حركة القومية العربية بمختلف اتجاهاتها، وحركة الإصلاح الديني، وحركة التنوير العربية، إضافة إلى تياراتٍ يسارية وتيار ليبرالي، واتجاهات فكرية أخرى.

ولقد نشطت وساهمت رموز هذه التيارات في الحوار الفكري والثقافي عبر الصحافة والمنتديات والصالونات الثقافية والأدبية والكتب والمجلات، حينها حدث تحوّل إيجابي في العقل العربي، بعد أن عاش فترة طويلة من الجمود، من خلال المحرك الأساسي الذي ساهم في خلق الواقع الجديد، والمجتمع الجديد، الذي يختلف كل منهما عن عمّا كان سائداً عليه، وبشكلٍ أدق، تم تحرير العقل العربي من جموده الفكري، وربط تفكيره ورؤيته للواقع مع العصر، من خلال الأساليب الفكرية والعلمية، وتحليل الواقع، وصناعة المستقبل، وبناء المجتمع والدولة الحديثة، ودمج الثقافة العربية مع الحداثة، والرؤية النقدية للتراث، وسوى ذلك.

وبعد التحرر تمّ وبشكلٍ تدريجي القضاء على محاولات التحديث، والتطوير الثقافي والفكري، وعاد العقل العربي مرّة أخرى إلى الجمود، مع تصاعد تيارات أخرى، مثل الحركات الأصولية، وحركات الإسلام السياسي، وبالتالي القيام بتسييس كلّ شيء في المجتمع العربي، وإحياء ثقافة المجموعات التقليدية في المجتمع، وغياب الحريات، وتلاشى القوى المدنية والتنويرية في مختلف أنحاء الوطن العربي، وكلّ هذه الأمور ساهمت بشكلٍ فعلي في تراجع وجمود العقل العربي، وتراجع الدول العربية، وغياب الفلسفة العربية، وتحويل المجتمع العربي من مجتمع منتج، إلى مجتمع مستهلك، وتسييس وأدلجة التعليم، وانتشار العصبيات، وتفشي التطرف والإرهاب.

ومع ذلك كله، بقي هناك أفراد لا يزالون يقاومون تيار الجمود الفكري الجارف، ويواجهون بشجاعة، ومن خلال القلم مظاهر التعصب والتطرف، وهؤلاء الأفراد وسواهم من الذين ينشطون في نفس المنحى، هم كانوا وسيبقون نبراساً ينير الدرب للعديد من أبناء أمّتنا، وخاصّة الجيل الجديد الذي يعيش واقعاً تكنولوجياً جديداً، وهو أمر يدعو فعلاً للتفاؤل، نحو إزاحة ضباب الضياع الفكري الراهن، وتعيد للعقل العربي حيويته الإبداعية، كي يُحيك لشباب الأمّة ثوباً جديداً لواقعها وفكرها ومستقبلها.

آخذين بعين الإعتبار بأن هذا الجيل يحتاج إلى إعدادٍ جيد، والسبيل الوحيد والناجع من أجل هكذا مهمة، هو العلم والتعليم، إنّ القلم النبيل هو كفيل بإعداد هذا الجيل من أجل مستقبلٍ أفضل.

حيث أن التعليم هو عاملٌ أساسي يسهم بشكلٍ مباشر في تربية وإعداد الجيل الجديد، وفي تطوير المجتمعات، وتعزيز حالات الإبتكار والإبداع عند الشباب، الذين يكتسبون العلم والمعرفة والمهارات، من خلال تشجيعهم على التعبير عن أفكارهم بحرية.

حيث أن العلم يوفّر لهم كلّ اللوازم التي تدعم التفكير النقدي عندهم وتجاوز المعضلات، وحلّ المشكلات التي تواجههم، كما تنمو عندهم مهارات التفكير النقدي، وكيفية تحليل المعطيات أو المعلومات، وبالتالي تقييمها، وتقييم نتائجها بشكلٍ موضوعي، ومن ناحيةٍ أخرى يتعلمون الاستكشاف والتجربة، وتطوير أفكار جديدةٍ مبتكرة، وبالتالي تنمو عندهم روح المبادرة، ويكون الإبداع عندهم نشطاً في مختلف المجالات، وكلّ هذه الأمور ستؤدّي بالضرورة إلى مساهمة الشباب في تطوير مشاريع مبتكرة، وتوسيع آفاق الفكر، وتعزيز مهارات التواصل، وتعزيز الفكر النقدي، وتحفيز الإبداع في المجالات الجماعية، والإلتزام بروح الولاء والانتماء الوطني والقومي.

كلّ هذه الأمور تتوقّف عند خلق بيئة تعليمية ملهمة، لأنها الوسيلة الوحيدة لتحقيق الإبتكار والإبداع في مختلف المجالات، وخلق جيلٍ وطني معطاء ومثمر.

هنا تتجلّى روح المسؤولية على حقيقتها، والمسؤولية الفاعلة قولاً واحداً هي المسؤولية الأخلاقية، وأي فرد حينما يرى أن شخصاً آخراً قد قام بفعلٍ ما وفشل في إنجازه، رغم أنّه كان مهتماً، يتشكّل عند هذا الفرد ردة فعلٍ مُعيّنة، غالباً هذه ردة الفعل هي المعمول بها، فإمّا أن تكون ردة فعلٍ إيجابية أو ردة فعلٍ سلبية، بمعنى أن ردة الفعل هي إمّا الثناء أو الملامة.

التأمل الفلسفي في المسؤولية الفاعلة له تاريخٌ طويل، وأكثر شيءٍ يُميّز الأفراد هو موقفهم الأخلاقي كفاعلين مسؤولين، فكيف سيكون النظر إليهم، وكيف هو سلوك سواهم، وهل تُفسّر الأمور مادّياً والقوانين التي تحكمها، أو من خلال قوانين سماوية، وتكثر هذه التساؤلات حينما نتعرّض للمسؤولية الفاعلة الأخلاقية.

ولعلّ " أرسطو 323- 384 قبل الميلاد " هو أول من أسّس نظرية المسؤولية الأخلاقية، ويقف أرسطو عند الفضائل والرذائل لدى البشر، وحول المسؤولية الأخلاقية يقول أرسطو " من المناسب الرد على فاعلٍ بالثناء أو الملامة على أساس فعله، وهناك نوعاً معيّناً من الفاعلين، ’مؤهّلين ليكونوا فاعلين أخلاقيين، وبالتالي يصبحون عرضةً بشكلٍ دائم لتطلعات المسؤولية، ذلك الذي يملك القدرة على القرار ".

فالقرار عند أرسطو هو القصد الذي يُعبّر عن مفهوم الفاعل، الذي يرى حوله أرسطو بأن الفعل يجب أن يكون أمره بيد الفاعل، ولا يمكن أن يُفرض عليه من الخارج، وعلى الفاعل أن يكون واعياً ومدركاً ما يفعله.

من المؤكد أن مفهوم المسؤولية خضعت لبعدها التاريخي ومسارها التطوري، والكثير من التطورات، والنقاش من قبل كثير من علماء الإجتماع والمُنظّرين، وبشكلٍ عام من الصعب الحديث عن المسؤولية دون الأخذ بالأسس الأخلاقية في المسألة، ولعل من أهم أُسس المسؤولية هو الناتج الإيجابي.

المسؤولية يُنظر إليها من خلال بند الحكمة العملية، وباعتبارها مسألة شخصية، ولا تحتاج إلى الإبحار في مجالات التحليل والتقييم المتعدد الجوانب والمستويات، أو إلى مُقاربات في علم النفس والاجتماع والإدارة على سبيل المثال.

الشخص الفاعل هو من المفروض أن يتمتع بالحكمة العملية، وهو المستفيد بهدف ضمان مخرجات إيجابية.

سوف لن نربط المسؤولية بين النظرية والتطبيق أو الممارسة، حيث أن النظرية هنا، وفي مجال المسؤولية تأخذ شكلاً من أشكال الاعتقاد، لأن المعطيات واضحة، وهناك نسق ما، وفرض ما، يمكن الاستدلال عليه من خلال الرؤية أو التقييم والتفسير، ومن شأن هذا الاعتقاد في المجال المعرفي ترشيد السلوك بشأن الرؤية والتحليل واتخاذ القرارات.

وتبقى هناك اجتهادات فكرية معاصرة بشأن النظرية والممارسة تبحث من خلال نظريات جديدة، معالجة القصور حصراً، في مجال عملٍ ما بعينه.

ومن جهةٍ أخرى إن مفهوم الممارسة اُستخدم في النظريات اليسارية، ويُشير إلى السلوك الفعلي في اكتشاف المعرفة، وهذا السلوك بشكلٍ طبيعي يرتبط بالأُسس المادية للمجتمع، ويُمارس على أساس طبقي وليس بشكلٍ فردي.

وهذه الممارسة تنشط في مجال اكتشاف المعرفة الموضوعية، وتجنّب الوعي الزائف المعتمد على التشوّه الإيديولوجي.

وتكتسب نظرية الممارسة الاجتماعية الأهمية من خلال العلوم الإنسانية والاجتماعية، لقدرتها على تفسير طبيعة الظواهر الاجتماعية على اختلافها، وبالتالي تحليلها من خلال سياقٍ اجتماعي مُنظّم، لأن هذه النظرية تُحوّل الانتباه بعيداً عن اتخاذ القرار الفردي.

إنّ البناء الاجتماعي يرتبط بالممارسة الاجتماعية عبر المجال، لذا فإن المجالات تصبح بمثابة البيئة التي تكمن فيها عمليات الإنتاج والاستهلاك، وبالتالي توزيع مختلف أشكال الموارد الرمزية والمادية، وبامكاننا أن نستوعب بنية المجال من خلال درجة القوة بين الفاعلين، ومراكز تمركز المصالح في لحظةٍ تاريخيةٍ بعينها.

وحينما نربط المسؤولية بدور النخب، نرى أن النخب التي نقصدها لم تتحمّل المسؤولية والممارسة الفعلية لقيادة المجتمع، لأن " النخب " الراهنة هي بعيدة كل البعد وبشكلٍ فعلي عن المجتمع وأفراده، حتّى أن الجمهور يُحمّلها مسؤولية التراجع والتردّي، " حيتان الفساد " أي النخب الراهنة، هي قليلة الخبرة مّما يرتبط بالسياسة والاقتصاد، والتبعية وحدها هي التي تُسيّرهم، فهذه النخب أحادية، ليس لديها القدرة أو الجرأة لترسيخ مفهوم المشاركة السياسية، أو التداول السلمي للسلطة، بينما النخب الفعلية العربية الفعلية، هي أسيرة القمع والاستبداد، ومصادرة الرأي الآخر، والتهميش والمعتقلات.

ومن هنا نستطيع أن نلمس الفرق بين نشأة النخبة عند الغرب، وبين البلاد العربية، إن العالم العربي لم يُوفق في إيجاد نخب سياسية تتميّز بالقبول الجماهيري، حيث أن النخب السياسية المتوفّرة في وقتنا الراهن، معظمها ينحدر من المؤسسات العسكرية، وحينها يتحوّل العسكر إلى سياسيين، وبالتالي أصبحوا يسيطرون على تنظيمات سياسية، ومنظماتٍ شعبية، ومجالس النواب، وعلى بعض الكتاب والمفكرين والمثقفين، الذين يعتاشون على موائد وصالونات السلاطين، والذين هم مُسخّرون لخدمة النظام والمديح به وله، وبنفس الوقت هم بحماية مراكز القوى.

ولو دقٌقنا النظر نرى أن معظم العالم العربي يحكمه العسكر، وكلهم مرتبطون بالتبعية العمياء التي تدمّر المواطن والأوطان والأمّة.

في أوطاننا ينتشر الفساد السياسي والاقتصادي والثقافي والإعلامي، وينتشر حتّى في المؤسسات القضائية والصحية والتربوية والتعليمية.

إنّ النخب العربية الحقيقية والفعلية تعيش حالة تردٍ، وهي في مأزقٍ حقيقي، من خلال الدور القمعي الذي تمارسه الأنظمة وأجهزتها الأمنية، فالميدان للبطشِ والاعتقال، في ظلّ غياب النهج الديمقراطي.

إنّ وجود الأنظمة القمعية المستبدّة يزداد ويشتدّ يوماً بعد يوم، وحالة الاحتقان في الشارع الثقافي والسياسي لا حدود له.

إنّ الأنظمة العربية تفتقد الشرعية الشعبية، لذلك فإنها تبحث عن شرعيتها من خلال سياسة التبعية، والانحياز المطلق للمشروع الصهيوأمريكي الذي يسيطر على المنطقة، والذي يدعم شرعيتهم في المرحلة الراهنة، لأنهم سيفتقدون شرعيتهم في يومٍ ما.

إنّ سيادة القانون، وإنتشار العدالة والمساواة، وإطلاق الحريات، والتداول السلمي للسلطة، من شأن هذه النقاط أن تأخذ بيد المواطن والوطن إلى بر الأمان.

لكن الواقع المُعاش هو، إرهاب الدولة، والفساد وسرقة المال العام، والخيانة واحتكار السلطة، والتهميش والإقصاء، وغياب مفهوم المواطنة والتعايش الوطني، وغياب القانون.

إنّه الواقع المرير الذي تحياه شعوبنا المتعطّشة للحرية والديمقراطية والكرامة والحسّ الإنساني.

إنّ الوعي العربي ليس سلعة نستوردها، وليس هندسة وراثية، بل جملة مواقف نبيلة، وتضحيات تتشكّل في خضم حياتنا اليومية.

فهل يستطيع المفكرون والسياسيون والكتّاب والمثقفون، وعلماء الاجتماع والمؤرخين، أن يأخذوا دورهم الجدّي والجريء لبناء جيلٍ حر، يتجاوز جدار الخوف من أجل الحرية، وبتر كل معالم القمع والاستبداد في البلاد، وأخذ دوره الفاعل والمشارك في صناعة القرار السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي في البلاد.

***

د. أنور ساطع أصفري

نص ميتا سريالي

على خشبة مسرحٍ لم تكنس أرضيته منذ الأزل، حيث تتراكم جثث الساعات المحطمة مع عظام من المنتحرين فوق الارصفة، لفافات التبغ التي لم تدخن بعد تنتظر يداً لن تأتي، يقف "نرسيس"؛ ذلك الكائن الممسوخ من فرط التكرار الممل. يرتدي معطفاً ثقيلاً نُسج من ورق الجرائد الصفراء التي تتحدث عن حروبٍ انتهت لتبدأ أخرى تشبهها تماماً، في دورة عبثية تشبه أفعى "أوربوروس" التي تلتهم ذيلها. هنا، في هذا الفراغ الشاسع، المسرح ليس مكاناً للعرض أو بقعة للضوء، بل هو الجلاد الحقيقي؛ إنه مشهد التلاشي المستمر الذي لا يغمض له جفن.

يدخل "نرسيس" بخطوات متعثرة حاملاً دلواً معدنيًا مثقوباً، يحاول بيأس أن يجمع فيه الضوء المتساقط من كشاف وحيد معلق في السقف كعين إله غادر المكان. كلما امتلأ الدلو بالوهج، سقط الضوء من الثقوب ليتحول فوراً إلى بقع من العتمة اللزجة على الأرض. يلتفت "نرسيس" بفزع قائلاً:

 "لقد أضاعوا مفتاح الباب الخارجي.. أو ربما نسوا، في غمرة التيه العظيم، أن هناك باباً من الأساس. نحن هنا محكومون كي نؤدي دور النزيف الرمزي أمام الكراسي الخشبية الفارغة التي ترفض حتى أن تئن تحت وطأة وجودنا". يتوقف قليلاً ثم يصرخ:

 "هل حان موعد الصرخة الكبرى؟ الجدول الزمني المكتوب بدم بارد يقول إننا يجب أن نصرخ الآن، لكن الحبال الصوتية بيعت في المزاد العلني الأسبوع الماضي لسداد ديون العدم المتراكمة علينا".

هنا في هذه الزاوية المظلمة، الإنسان ليس "آدم" البدايات، بل هو مجرد فائض عن حاجة الوجود. هو تلك القطعة اليتيمة التي تبقت من لعبة "بازل" ضاعت صورتها الأصلية في زحام التاريخ. الزمان هنا ليس إلا ساعة رملية ترابها هو رماد أحلام الممثلين الذين قضوا نحبهم وهم ينتظرون التصفيق. المكان: "الجدار الرابع" لم يُخلق ليتحدث مع الجمهور، بل وجد ليبصق على فكرة "المعنى" ويحطم مرآة التوقعات.

أشعر الان أنني مكتوب بحبرٍ مغشوش يتلاشى مع كل شهيق. كلما حاولت بجهد جهيد أن أكون 'أنا'، امحى بممحاة المخرج المختبئ خلف ستائر الصمت المطبق. هل نحن بشر بدم ولحم أم مجرد هوامش باهتة في رواية مملة لكاتب انتحر قبل أن يضع النقطة الأخيرة على السطر؟

في هذه اللحظة التاريخية يظهر "ساتان" من تحت الأنقاض، يضحك ضحكة جافة كخريفٍ مسموم يقتل العصافير في أعشاشها:

 "أنت متفائل جداً يا نرسيس. لكي نكون هامشا، يجب أن يكون هناك متن عظيم نلتصق به. انت حتى لست غلطة مطبعية يمكن تصحيحها. انت الفراغ الأبيض الذي يفصل بين الكلمات المهجورة في قاموس لغة ميتة.. فجأة، يسقط إطار مرآة ضخم من السماء القماشية، لكنه لا يعكس الوجوه المذعورة، بل يعكس ما وراء الجدران، خلاء لامتناهي يبتلع البصر. ينظر "نرسيس" في المرآة، فيرى ثقباً أسود يسكن مكان قلبه، وفراغاً يمتص النور والصدق.

 (الإنسان المهدور...!).. يا لها من تسمية فاخرة ومنمقة لشيء لا يصلح حتى ليكون وقوداً لمدفأة في ليلة شتاء. لقد استهلكنا العمر كله في انتظار إشارة البدء التي لم تأتِ، ولم ندرك بوعينا المشلول أن العرض قد انتهى وسدلت أستاره قبل أن نولد أصلاً. نحن الآن مجرد صدى باهت لصفقة خاسرة بين الوجود والعدم.

يتقدم "نرسيس" ويحاول إغلاق الستارة، لكن الستارة لا تغطي الخشبة لتنهي المشهد، بل تسقط فوق الممثلين ككفنٍ ثقيل من الرصاص، بينما يستمر صوت تصفيق مسجل في التصاعد ببرود، تصفيق آلي مقزز لا ينتمي لأحد من الأحياء. في هذا المسرح الفوضوي، لا يوجد تطهير "كاثار سيس"، ولا توجد حكمة تقال في النهاية لتواسي الجرحى. فقط رائحة الغبار المعدني، وإحساس خانق بأن كل الكلمات التي قيلت لم تكن سوى محاولة يائسة ومبتذلة لملء ثقب المعنى، الذي يتسع يوماً بعد يوم ليبتلع الخشبة، والممثلين، واللغة التي تحاول وصفهم.

يظل "نرسيس" و"ساتان" تحت الستارة الساقطة، التي تحولت الآن إلى سماء قماشية ملطخة بظلال كوابيس قديمة لا تموت. الرائحة هي خليط من العرق البارد، وورق بردي محترق في مكتبة مهجورة.

 تندفع "دافني" من جانب المسرح، لكنها ليست دافني الشجرة المتمنعة التي نعرفها في الأساطير، بل هي امرأة بجلد يشبه لحاء شجر جاف ومتقشر، وجذور تتخبط في الفراغ بدلاً من قدميها الرشيقتين. عيناها تحملان نظرة خوف أبدي من مطارد لم يأتِ، مطارد وهمي تسكن أقدامه في رأسها فقط

دافني:

 "أتمنى لو تحوّلتُ إلى صخرة صماء، لا إلى شجرة تشعر بالريح. الصخرة لا تنتظر شيئاً، ولا تأمل في الربيع. أنا أتنفس الأمل الذي لن يأتي، وأتحول إلى تراب يائس مع كل فجر يشرق على هذا القحط. المطاردة لم تتوقف يوماً، إنها كامنة في جذوري، في مسامي، في كل ورقة تسقط مني وتُعلن موتاً صغيراً ومجانياً.

يحدق نرسيس في مرآة صدئة لا تُظهر شيئاً سوى ذلك الثقب الأسود. يمسك بيده زهرة ذابلة، هي صورته التي لم يستطع قط أن يلمسها. "البحث عن انعكاس، عن معنى في الماء أو في العيون، هو لعنة بحد ذاتها. كلما اقتربت من الحقيقة تلاشت الصورة وتحولت إلى سراب. أنا أُحبّ فراغي، أعشق هذا العدم الذي يملأني، لأنني أخشى بصدق أن أجد شيئاً آخر غير العدم إذا ما فتشت في أعماقي".

تتعثر دافني بقدمها الخشبية، وتقترب من نرسيس ببطء:

 "نحن وجهان لعملة واحدة زائفة. أنا أُطارد بالتحول القسري نحو النبات، وأنت تطارد بالتحول المستحيل نحو الذات. كلانا يقود الآخر إلى هذا الفراغ الذي يبتلع الروح كما تبتلع الأرض المطر الملوث". يخرج "نرسيس" من تحت الستارة، معطفه المزين بورق الجرائد يبدو أثقل الآن، وكأن الحروف والكلمات المكتوبة عليه شربت كل أحزان العالم وصارت وزناً لا يطاق.

المسرح يدور حول نفسه كدرويش مخمور، لكن لا شيء يتغير في العمق. أليس هذا هو التحول الحقيقي؟ أن تتحرك الديكورات الصامتة، وتتغير الأقنعة البلاستيكية، بينما جوهر الفشل البشري يبقى، راسخاً كالجبال. أنا 'نرسيس' الذي لم يتحول، أبقى دائماً في نقطة البداية التي لا تعرف طريق النهاية.

يضيف ساتان بسخرية:

"بل نحن نسجنا حياتنا خيوطاً من العبث الصافي، فاستحالت الى شبكة عنكبوت لا تصطاد سوى غبار الأيام الخوالي. لا نملك حتى رفاهية أن نتحول إلى عنكبوت حقيقي يملك غريزة البقاء؛ نبقى مجرد نساجين بلا غاية، خيوطنا تُقطع مع كل تنهيدة تخرج من صدورنا المهجورة".

في نقطة بعيدة على أطراف عمق المسرح، تظهر "ميدوسا"؛ لكنها ليست ذات الشعر الثعابيني المرعب الذي يحول الرجال إلى تماثيل. بل هي امرأة بملابس مهترئة تفوح منها رائحة القدم، كل ما فيها يتحول إلى حجر بطيء أمام عينيها الذابلتين. يدها تبدأ في التيبس، ونظرتها ليست لتحجر الآخرين، بل تنظر الى الداخل، لتحجر ذاتها ببطء شديد ومؤلم.

ميدوسا:

 "لقد حوّلوني في البدء إلى وحش لتكتمل الأسطورة، والآن أتحول إلى شاهدة على زوالي. أشاهد كل قطعة من أنوثتي ومن جسدي تتحول إلى حجر بارد، إلى صمت أبدي لا يكسره شيء. ليس الموت هو المخيف في هذا الكرنفال، بل أن تُصبح ذكرى صلبة لحجر، شاهد صامت على مأساة لا تنتهي فصولها. هل هناك تحول أسوأ من أن تُصبح مجرد تمثال لنفسك المهزومة في ساحة عامة"؟

في دائرة ضيقة يتجمعون، كل منهم يمثل جانباً من فقدان المعنى الكلي والتحولات القسرية والذات المهدورة في الزحام. لا يتحدثون مع بعضهم البعض، بل يتحدث كل منهم إلى الفراغ الذي يمثله الآخر، كأنهم مرايا تعكس العدم.

نرسيس:

 "كلما بحثت عن صورتي في وجوهكم، وجدت صورة أخرى غريبة عني؛ صورة وهمية، صورة لم تكن لي قط في أي يوم. أليس هذا هو مصير الإنسان الملعون؟ أن يبحث عن ذاته في وجوه الغرباء، وفي المرايا الكاذبة التي تصنعها السلطة أو الخوف، وفي مياه عكرة لا تعكس سوى السحب العابرة"؟

دافني:

 "أنا أتحول إلى شجرة في كل لحظة، لكنني لا أستطيع أن أتجذر في أي أرض. أبقى معلقة في برزخ بين هويتين، شجرة بلا أرض تغذيها، وإنسان بلا جسد يحميه. هل هذه هي الحرية المزعومة التي وعدونا بها؟ حرية التيه في الفراغ، حرية أن تكون لا شيء في كل شيء"؟

ميدوسا:

 "والحجر يزحف كاللبلاب السام. يصعد من قدمي المتعبة، إلى ساقي، إلى قلبي الذي كان يوماً ينبض. سيأتي يوم قريب أكون فيه تمثالاً كاملاً من الرخام الأسود، يوماً أُصبح فيه مجرد ذكرى صماء لما كانت تُسمى يوماً 'حياة'. نحن هنا لنشهد تحولنا البطيء والمنتظم إلى لا شيء، إلى صمت مطلق يغلفه الغبار".

ساتان:

 "إنه مسرح العبث الكوني بامتياز. نحن هنا لنحتفل بتفاهة وجودنا الهش، لنصفق بحرارة على فكرة أننا مجرد هوامش، أشباح بائسة تدور في فلك مسرح لا يُضيء كشافاته إلا ليرينا ضخامة الظل الذي نتركه خلفنا. التحول الأكبر والوحيد هو أن نُدرك، في لحظة صدق نادرة، أننا لم نكن هنا قط نص فارغ من محتواه، والمسرح مهجور من روحه، والممثلون أشباح تطارد أشباحاً. هل هذا هو معنى أن تكون إنساناً في هذا العصر؟ أن تُصبح قصة لم تُكتب بعناية، حواراً مشوشاً لم يُقل في وقته، نهاية حزينة بلا بداية تبررها"؟"

تتلاشى الأضواء ببطء شديد، تتصلب الشخصيات في أماكنها كأنها أصيبت بلعنة ميدوسا الجماعية، تتحول إلى تماثيل صامتة تعبر عن لحظة من التحول البائس الذي لا يكتمل أبداً. المسرح يتحول تدريجياً إلى مقبرة للأحلام المجهضة، ومتحفا للفشل البشري، ومكانا لا يصدح فيه سوى صدى الكلمات التي قيلت ولم تُفهم قط، كأنها لغة عصافير انقرضت.

بينما يتكاثف الضباب المصنوع من بخار المواد الكيماوية، تزداد خشبة المسرح ازدحاماً بكائنات "أوفيد" التي نُفيت من كتب الأساطير لتستقر في قاع هذا "المهدور" العظيم. هنا لا يتحوّل البشر إلى كائنات أسمى أو آلهة، بل إلى أدوات معطلة في ماكينة الوجود الفوضوية التي تفتقد لزيت المعنى.

يدخل "إريسيكثون"؛ ذلك الرجل الذي لعنته "ديمتير" بجوع لا ينتهي وقدر لا يهدأ. لكنه هنا في مسرحنا لا يأكل الطعام العادي، بل يلتهم ذكرياته الشخصية قطعة قطعة. يرتدي بدلة رسمية ممزقة توحي بمجد غابر، ويمضغ أطراف أصابعه الورقية بشراهة:

 "لقد أكلتُ أمسي بالكامل، وأكلتُ التاريخ الذي صنعني، وأكلتُ أسماء أجدادي حتى لم يعد لي لقب. الجوع ليس في الأمعاء الخاوية، بل في المعنى المفقود. أنا الإنسان الذي كلما استهلك شيئاً، ازداد الثقب في روحه اتساعاً. سألتهم هذا المسرح بجمهوره وكراسيه، سألتهم الستارة، ثم في النهاية سألتهم نفسي، ولن أشبع أبداً.. لأن الصفر لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يملأ الصفر".

تظهر "فيلوميلا" في زاوية معتمة يغسلها الضوء الشاحب. لا يوجد طائر يغرد هنا، بل امرأة ترتدي وشاحاً طويلاً منسوجاً من أسلاك شائكة تدمي العنق. لسانها مقطوع بآلة حادة، لكنها تحاول بكل قوتها أن تصرخ عبر نسيجها الصامت. كلما حركت يدها لتنسج قصتها الموجعة، جرحت الأسلاك أصابعها الرقيقة، فيقطر الدم القاني ليصبح هو "الحروف" التي تكتب بها مأساتها.

فيلوميلا:

 "العالم القاسي انتزع لساني ليمنعني من قول الحقيقة العارية، فاكتشفتُ متأخرة أن الحقيقة لا تحتاج لسان لتموت؛ الحقيقة تموت بالاختناق داخل نسيج الأكاذيب. أنا المهدورة التي تحولت قصتها إلى قطعة قماش بالية يمسح بها المخرج غبار كرسيه الفاخر قبل أن يبدأ العرض".

يهبط من سقف المسرح "إيكاروس" معلقاً بحبال قنب مهترئة تكاد تنقطع. أجنحته ليست من ريش طبيعي وشمع نحل، بل من فواتير ديون قديمة وشهادات جامعية منتهية الصلاحية لم تعد تنفع أحداً. لم يسقط إيكاروس لأنه اقترب من قرص الشمس، بل سقط لأن "الشمس" في هذا المسرح كانت مجرد مصباح كهربائي رخيص ومحترق لا يبعث دفئاً.

إيكاروس:

"لم يكن هناك بحر عميق لأغرق فيه بكرامة، فقط بلاط المسرح البارد والقاسي. سقطتُ من علوّ التوقعات الشاهقة إلى قاع الواقع المرير. أجنحتي لم تذب من حرارة الطموح، بل تفتتت من صدأ الروتين. الإنسان المهدور هو من يخدع نفسه ويظن أنه يطير، بينما الحبال الخفية تشده دائماً نحو الحفرة الجماعية".

انظروا ملياً. دافني خشبية بلا حياة، نرسيس وهمي يطارد سراباً، إريسيكثون جائع للمعنى، وفيلوميلا صامتة للأبد. نحن 'تحولات' أوفيد، لكن في نسختها المشوهة التي لم تصل إلى أسماع الآلهة. نحن التحولات التي تعطلت في منتصف الطريق، فلم نعد بشراً ولم نصبح آلهة".

الإنسان المهدور ليس من يأتيه الموت، بل من يتحول إلى 'شيء' صامت وهو لا يزال يشعر بمرارة كونه كان يوماً ما 'أحداً'. نحن الآن الديكور الحقيقي والوحيد لهذا المسرح الخرب. نحن الكراسي التي لا تجلس، نحن الجدران التي لا تسمع، نحن الصدأ الذي يأكل الحديد.

تنطفئ الأضواء تماماً، عدا كشاف صغير جداً يسلط نوره على "لسان" فيلوميلا المقطوع الملقى بإهمال وسط الخشبة، والذي يبدأ بالاهتزاز المريب وكأنه يحاول بنزعه الأخير نطق كلمة واحدة أخيرة، لكن بدلاً من الكلمات الواضحة، يخرج صوت ضحك آلي مسجل ينتهي بصرير باب صدئ يُغلق للأبد في وجه الجميع.

تتقدم ميدوسا بخطوات ثقيلة جداً، صوت احتكاك قدميها الرخاميتين بالخشب يشبه صوت طحن الصوان في مطحنة قديمة. تقف في بقعة ضوء شاحبة كوجه الموت، وجهها نصف حجر ونصف شحوب آدمي، وعيناها تنظران إلى الفراغ الساكن وراء مقاعد الجمهور، حيث لا يوجد سوى العدم المطلق الذي ينتظر الجميع.

يقولون في كتبهم إن التحول هو النجاة الكبرى.. إن الغصن أخف حملاً من الجسد المثقل بالخطايا، وأن الحجر أصلب وأدوم من الألم البشري الزائل. لكنهم كذبوا في كل حرف. التحول هو الطريقة الخبيثة التي يختارها الوجود ليتخلص منا دون أن يضطر لتكبد عناء دفننا.

"أنا الآن لا أبكي كما تفعل النساء، فالدموع تجمدت في قنواتها الملحية وصارت لآلئ من ملح أسود لا تلمع. انظروا إلى يدي.. لم تعد تلمس الأشياء لتشعر بملمسها، بل تنفيها من الوجود. كل ما ألمسه يتحول إلى حجر، ليس لأنني قوية ومقدسة، بل لأنني أعدتُ تعريف الأشياء بـ 'بيَباسي' الداخلي. الإنسان المهدور هو من يحمل موته في ملامح وجهه، ويمشي بين الناس كأنه تمثال نُسي في ساحة معركة انتهت منذ ألف عام ولم يعد أحد يذكر اسم الحرب"

"ما هو المعنى الذي يطاردنا؟ هل هو تلك الكلمة الغامضة التي بحث عنها 'نرسيس' في جوف الماء فغرق؟ أم هو السراب الذي طاردته 'دافني' فصارت شجرة تسكنها الريح؟ المعنى هو النكتة السمجة التي ألقاها المتعالي في بداية الزمان ونسي أن يضحك عليها، فبقيت معلقة في الهواء. نحن هنا، في هذا المسرح الفوضوي، لا نمثل أدواراً مكتوبة.. نحن نؤدي 'الجمود' ببراعة منقطعة النظير".

"أشعر بالحجر البارد يصعد فوق لساني. قريباً جداً، ستصبح كلماتي هذه مجرد نتوءات صخرية بلا صوت ولا صدى. لن يهتم أحد بهذا التحول. سيمر العابرون غداً ويقولون بفخر، 'يا له من تمثال متقن يجسد الحزن'، ولن يدركوا أبداً أن خلف هذا الرخام الأصم كان هناك قلب ينبض بالخيبة، وأن هذا الحجر ليس فنّاً يُعرض، بل هو سجن الجسد الذي لم يجد سبباً واحداً للبقاء بشرياً في عالم المسوخ".

يا إله التحولات. لقد جعلتني حجراً قاسياً كي لا أشعر بالوجع، لكني أشعر بـ 'ثقل' الحجر على صدري. هذا هو المعنى الوحيد الذي عثرتُ عليه في رحلتي، أننا مهدورون تماماً سواء كنا لحماً يئن تحت السياط أو صخراً يصمت تحت المطر. الستارة لن تسقط أبداً لتعلن النهاية، لأنها هي أيضاً تحجرت في منتصف الطريق، معلقة بين السماء والأرض كخطيئة لا تُغتفر.

"تتصلب ميدوسا تماماً في وضعية الصراخ الصامت، وينطفئ الضوء تدريجياً حتى يتلاشى كل شيء في الظلمة. يرتفع إيقاع الفوضى ليعلن أن المسرح ليس محطة مؤقتة، بل هو الثقب الأسود للتاريخ الذي يبتلع كل شيء. هنا، لا توجد "نقطة نهاية" تريح المتعبين، لأن التحول في هذا الفضاء ليس تطوراً للأمام، بل هو دوران أبدي ومضنٍ في دوامة المسخ التي تلتهم ذاتها كأفعى "أوربوروس".

بينما تتصلب "ميدوسا" وتفقد بريق عينيها، تبدأ جدران المسرح نفسه بالتموج والاضطراب كأنها رئة عملاقة مصابة بالربو الحاد. الشخصيات هنا لا تموت موتاً طبيعياً، بل تفقد حدودها الفيزيائية وتختلط ببعضها. "دافني" التي كانت شجرة، تبدأ أغصانها الخشبية في التحول إلى أصابع معدنية باردة تطبع كلمات بلا معنى على هواء المسرح المسموم. "إيكاروس" لا يسقط سقطة مدوية، بل يستحيل جسده بالكامل إلى دخان أسود كثيف يملأ رئتي المكان.

ساتان:

"أرأيتم يا رفاق؟ لا يوجد خلاص حقيقي في الثبات أو في التحول. نحن محكومون بـ 'السيولة القاتلة'. الفوضى هي هويتنا الوحيدة والمقدسة، لأننا كلما حاولنا بجهدنا تشكيل فكرة عن أنفسنا، سخرت منا 'التحولات' وصهرتنا في قالب جديد أكثر قبحاً وهدراً من سابقه".

"إلى نهاية التاريخ المكتوب بالدم. سنبقى هكذا. الفكر يتحول إلى هذيان، والشكل يتحول إلى شظايا متناثرة. نحن لسنا بشرًا مهدورين فحسب، نحن المادة الخام للعبث المطلق. المسرح سيبقى فوضوياً للأبد لأن 'المخرج' فقد السيطرة على النص، والنص نفسه بدأ في نوبة جنون يأكل حروفه وسطوره".

يغرق المسرح بالكامل في ضوء أرجواني خانق يضغط على الأنفاس، ويبدؤون في الرقص بحركات مكسرة، ميكانيكية، وغير متناسقة، بينما تسقط أوراق "التحولات" من سقف السماء كأنه مطر أسود من الرماد، معلنةً بصمت مطبق أن العرض مستمر.. إلى ما لا نهاية، في دورة لا تعرف التوقف...!

***

غالب المسعودي

كنت والصديق الكاتب ـ الطبيب ـ حيدر المحسن نتبادل الحديث عن جمال المرأة، الجمال لا يخصّ مظهراً بعينه فيها، بقدر ما يعود إلى رؤية جمالية وثقافية كاملة، تعكس ذائقة مجتمع، وخبراته الفنية، وتصوراته عن الرقة والفتنة والعذوبة. لذلك بدا لافتاً لي ما أشار إليه المحسن حين يرى أن كفّ المرأة معيار دقيق لجمالها، في رقّته، وتناسق أصابعه، ورشاقة حركته، وحتى في علاقته غير المرئية بعذوبة الصوت. كأن الجمال مستور لا يعلن عن نفسه، إنما نستدلّ عليه. ظل هذا الرأي عالقاً في ذهني منذ سنوات، صار الإحساس مقيماً فيّ لا عارضاً، ولهذا لم يغادرني. والمحسن نقلني من حيث لا أدري من مناطق الجمال المعروفة، إلى أخرى، أسميها: الجمال الهامس. لقد وجدت ما هو أصدق منها، حينما لا تجيد الكفّ التمثيل، بينما تحسنه الملامح الأخرى. أراقب المرأة كيف تحرك يدها، كيف تتركها تستريح، أو تمشط شعرها، أو حين تضعها في جيب معطفها، أو تشتبك بيد حبيبها.

الحديث عن كفّ المرأة بوصفه مؤشراً للجمال ليس شائعاً في التداول الثقافي، ومن النادر أن يتناوله الشعراء، لكنه رأي ذكي ودقيق، وينتمي إلى ما يمكن تسميته بالجماليات الخفية. الكف لا تتجمّل، ولا تتباهى، لا تطلب الإعجاب، تفعل ما تفعل، الوجه يتعلّم الأقنعة، أما اليد فتبقى الأقرب إلى حقيقتها الأولى. وحقيقة الأمر هي غير ما نتوهم، لا معيار واحد يمكن ترجيحه دون أن نظلم سواه. فالجمال ليس مسابقة قياس، بل تجربة إحساس. وما يجمع عليه البشر، على اختلاف ثقافاتهم، هو أن الجمال الأعمق هو ذاك الذي يستمر: جمال الذكاء، واللطف، والحضور، والقدرة على الإشراق في حياة الآخرين. والجمال الحقيقي يعمل بصمت بعيداً عن الضوء، وحين نتحدث عن جمال المرأة، فإنَ أخطر ما يمكن الوقوع فيه هو لغة السوق: القياس، المقارنة، وكأن الجمال سلعة موضوعة على رفّ، والعيون زبائن، والإعجاب فعل شراء.

الجمال حالة وجود، شيء آخر حين تكون المرأة على طبيعتها، تمارس حضورها في الحياة بلا ادّعاء، فلم نعد نبحث عمّا يرضي ذائقتنا، بل عمّا يكشف جوهر حضورها الإنساني. جمال المرأة، بهذا المعنى ليس شيئاً نمتلكه بنظرة، بل تجربة نستدعى إليها، هو جمال لا يقبل التصنيف. هو ليس موضعاً جغرافياً في الجسد، بل حالة انسجام. في الكفّ حين تمنح، وفي الساق حين تخطو بثقة، وفي الوجه حين يبتسم بصدق، وفي العقل حين يضيء. أما أجمل ما فيه، فهو قابليته الدائمة لأن يُرى بعيون مختلفة، ويُعاد اكتشافه في كل ثقافة، وكل زمن، وكل قلب.

في الثقافة الصينية، ذائقة جمالية حديثة تشكّلت مع التحوّل الحضري، والأزياء، والإعلام، وصناعة الموضة. الساق لدى الصينيين تُعدّ رمزاً للرشاقة، والصحة، والتوازن الجسدي، وتُستثمر بقوة في تلك الميادين حتى باتت جزءاً من «الهوية الجمالية» الشائعة، لاسيما في المدن الكبرى. تعرفت على هذا المزاج حين زرت الصين، وتحديداً مدينتي «شنغهاي» و»أوهان» أثناء وجود نجلي فرات هناك لإكمال دراسة الدكتوراه في مجال تخصصه الجمالي. كنت أمارس دهشتي بصمت أب يزور عالماً آخر، كانت عيناي ـ على عادتهما القديمة ـ تذهبان إلى الوجوه، تلتقطان الملامح كما تعودتا، أعود بخيبة سريعة: الجمال هنا لا يشبه ما خزّنته الذاكرة. يراقبني فرات من طرف خفي، يعرف تلك النظرة التي تسبق السؤال ولا تبوح به، ابتسم، ثم قال بنبرة العارف الذي اكتشف سراً صغيراً: بابا: أنت تبحث في المكان الخطأ، الصينيون لا يضعون جمال المرأة في وجهها، بل في سيقانها. توقفت لحظة، ضحكت، أدركت أنني في حضرة الولد، كنت ما أزال تلميذاً في جغرافيا الجمال. لكن الأهم، يتابع فرات القول: ليست الساق وحدها. فالجمال في الصين يتوزّع أيضاً على نعومة البشرة، والانسجام العام، وخفّة الحركة. أي أن الساق اختُيرت بوصفها «علامة» دالّة لا كجوهرٍ وحيد.

هل توجد حالات مماثلة لدى شعوب أخرى؟ سألته، بوصفه طالباً يدرس علم الجمال:

نعم، وبكثرة. كل ثقافة تميل إلى إبراز عضو أو سمة بوصفها معياراً مفضّلاً للجمال، وفق تاريخها وبيئتها وقيمها: يُحتفى بالطول والقامة في دول أوروبا الشمالية (الإسكندنافية مثلاً). وتتقدم العيون في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. وفي ثقافات افريقية ومتوسطية تبدو كثافة الشعر وقوّته وتموّجه علامة جمال وحيوية، بينما ارتبط الشعر الأشقر تاريخياً بالأنوثة المثالية في المخيال الغربي. أدركت حينذاك أن لكل شعب بوصلته الجمالية، والجمال مثل الحقيقة لا يقيم دائماً حيث نظن ونعتقد.

***

جمال العتّابي

كان هربرت سبنسر أول من صاغ عبارة "بقاء الأصلح" وطبّق التفكير التطوري على الثقافة والمجتمع البشري. هذا خلق بعض الاستياء لدى بعض الباحثين والطلاب الذين تساءلوا لماذا يستعملون عبارة "الدارونية الاجتماعية" بينما وصفت أعمال هربرت سبنسر سلفا تكيّف الانسان للبيئة الاجتماعية؟ "الدارونية الاجتماعية" تعني تطبيق أفكار دارون على دراسة المجتمع البشري. نظرية دارون في التطور نشأت من مشاهداته الميدانية للعالم الطبيعي خاصة تلك المشاهدات التي أجراها اثناء رحلته الاستكشافية المكثفة على متن سفينة HMS بيغل في بداية عام 1830، في جنوب أمريكا وجزر غالاباغوس. هو لاحظ ان مختلف الأنواع الحية ذات الترابط الوثيق مثل الطيور والسلاحف وحيوانات أخرى اختلفت عن بعضها البعض بطرق بدت فيها "ملائمة" بشكل خاص لبيئاتها المحددة. دارون استنتج انها كانت تتطور عبر ملايين السنين. جوهر نظرية دارون في الكيفية التي يعمل بها التطور هو ان الطفرات (تغيرات جسدية عشوائية قابلة للتوريث) تحدث من حين لآخر. ان بعض هذه الطفرات تحسّن قدرة الافراد على النجاة من بيئتهم، لذا يكون لديهم فرصة أكبر للبقاء لفترة تكفي للتكاثر، عندما يتم "اختيار" السمات المحسنة عشوائيا. هذه السمات الجديدة تنتقل الى الجيل القادم، والسمات المحسنة سوف تنتشر تدريجيا عبر السكان بسبب ملائمتها.

بدأ دارون نشر نتائج بحوثه في العديد من المطبوعات بدءاً من أواخر عام 1830. أفكاره في الاختيار الطبيعي لم يتم توضيحها بشكل تفصيلي الاّ في عام 1858 في ورقة بعنوان "حول ميل الأنواع لتشكيل سمات مختلفة، وادامة أصناف وأنواع بوسائل الاختيار الطبيعي". القليل من الناس في ذلك الوقت اولوا اهتماما لهذه الورقة، وان بعض النقاد يدّعون ان لا شيء فيها يحمل قيمة جديدة. في النهاية نشر دارون مفهومه للاختيار الطبيعي بعد سنة في كتابه اصل الأنواع بوسائل الاختيار الطبيعي ، او الحفاظ على الاجناس المفضلة في الصراع لأجل الحياة.

في تلك الاثناء، وفي جزء آخر من إنجلترا، كان هربرت سبنسر (1820-1903) يكتسب سمعة سيئة بسبب نظرياته في التطور. لاحظ سبنسر انه، تماما مثل العديد من الأنواع الحيوانية، انتشر الانسان على نطاق واسع عبر الكوكب وواجه مجموعة من المناخات والبيئات. هو تساءل لماذا لم يتطور الناس الى أنواع متنوعة ومنفصلة على نطاق واسع كما فعلت الحيوانات الأخرى، مثل السلاحف والسحالي. علل سبنسر ذلك في ان البشر يتكيفون للتغيرات في البيئة المادية من خلال التكيف الثقافي بدلا من التكيف البايولوجي. هو وصف التكيفات الثقافية الناجحة طبقا لمفهومه في بقاء الأصلح. في هذا التطبيق، تعلن عقيدة البقاء للأصلح ان أولئك الذين هم اكثر قدرة على التكيف مع التغيرات الثقافية للبيئة هم الأكثر نجاحا  في المجتمع (مثل المكانة، الموارد وغيرها). هؤلاء الافراد الناجحون ينقلون قدراتهم في التكيف الثقافي لذريتهم. كذلك، تتمتع الذرية بالرفاهية من وضع اكثر فائدة وتميزا في المجتمع، وهكذا هم يصبحون مرة أخرى في افضل موقع للتطور بالمعنى السوشيواقتصادي. بعد عدة أجيال، يبدأ ناس معينون التمتع بالرفاهيات التي لا تتوفر لنظرائهم. جادل سبنسر انه كما في التطور البايولوجي، التطور الثقافي كان قوة مستمرة لا يمكن ايقافها.

في كتابه (السكون الاجتماعي،1851) ادّعى سبنسر ان التطور في المجتمع الإنساني هو في النهاية مسألة بقاء الاصلح. وطبقا لذلك، تتولى العمليات التطورية تصفية غير اللائقين، والمحصلة النهائية تكون مجتمع اكثر تقدما. يكرر سبنسر ان التكيف الناجح مع التغير الثقافي هو الأساس عندما يُراد للأفراد وحتى المجتمعات البقاء في البيئة الثقافية. وهكذا اعتقد سبنسر ان هذه المجتمعات التي تواجه تحدي التغير الثقافي الضروري كانت هي الأصلح (ولذلك) الأكثر احتمالا في البقاء. فمثلا، اعترف سبنسر ان رعاية الأطفال والولاء للشريك تتجذر في طبيعة البشر. المجتمع أيضا يسمح بالتغيير عند الضرورة، ربما يأخذ شكل تعدد الزوجات عندما يصبح عدد سكان المجتمع صغير جدا، على سبيل المثال.

في هذا الشأن، كان سبنسر يعتنق نوعا من النسبية الأخلاقية: معتقدات قابلة للتكيف، واخلاق يجب النظر اليها من وجهة نظر ثقافة محددة. هذه الحاجة لتكيف اخلاقي هي خصيصا صحيحة اذا كان استمرار المجتمع يعتمد على التغيير. سبنسر اعترف بطبيعة البشر البايولوجية لكنه اعتقد انها ليس ثابتة دائما وان الناس عرضة لتغيير تطوري اجتماعي. عبّر سبنسر عن نسبيته الأخلاقية وأسباب الاختلافات في العادات الاجتماعية في كتابه (مبادئ الاخلاق،1897).

في كتابه (مبادئ السوسيولوجي، 1898) وصف سبنسر أهمية حاجة المجتمع للتكيف مع بيئته عبر الفعالية الاقتصادية. اعتقد سبنسر ان المجتمعات الصناعية باستمرار تجرّب طرقا لأداء الفعاليات الاقتصادية. بعض الطرق سنكون ناجحة بينما أخرى غير ناجحة. لكن عملية التجريب بحد ذاتها لطرق جديدة للعمل اقتصاديا تحفز نحو تطوير تكنلوجيات جديدة. وان تطوير تكنلوجيات متقدمة يجعل المجتمع اكثر لياقة للبقاء في البيئة الاقتصادية العالمية. ان تطوير تكنلوجيا الكومبيوتر وتكنلوجيا الليزر وعلوم الطب يعطي امثلة عن التطور الثقافي الحالي (سبنسرية اجتماعية).

في المجتمعات الغربية يتم تعليم الأطفال في المدرسة كيفية استعمال الكومبيوتر بالمعنى الثقافي والاقتصادي، هذا يعطيهم ويعطي المجتمع الذي ينتمون اليه ميزة هائلة قياسا بالمجتمعات التي فشلت بدمج هذه التكنلوجيا. جادل سبنسر ان التطورات في التكنلوجيا العسكرية ساعدت أيضا لجعل المجتمع اكثر لياقة. في كتابه (تطور المجتمع،1876) هو يقول:

"في الصراع لأجل الوجود بين المجتمعات، بقاء الاصلح هو بقاء أولئك الذين تكون فيهم  قوة التعاون العسكري هي الأكبر، والتعاون العسكري هو النوع الرئيسي للتعاون الذي يمهد الطريق للأنواع الأخرى. لذلك فان هذا التكوين لمجتمعات اكبر بواسطة اتحاد مجتمعات اصغر في الحرب، وهذا التحطيم او امتصاص المجتمعات الصغيرة غير الموحدة من جانب المجتمعات الموحدة الأكبر هو عملية حتمية من خلالها حل تكيف مختلف الناس لحياة اجتماعية محل الأنواع الأقل تكيفا"(ص78).

نقاش سبنسر للمجتمعات الصناعية العسكرية يقدم رؤى لنظرياته التطورية. بالتأكيد تمثل الحرب اكثر الاشكال تطرفا لبقاء الاصلح.

سبنسر مقابل دارون

موضوع دارون الرئيسي للدراسة كان العالم الطبيعي للنباتات والحيوانات، بينما موضوع سبنسر الرئيسي كان المجتمع البشري. هذا الادراك يقودنا رجوعا للسؤال المطروح في بداية المقال هذا – لماذا نستعمل تعبير "الدارونية الاجتماعية" بدلا من القول "سبنسرية اجتماعية"؟ الدارونية الاجتماعية تستلزم تطبيق أفكار دارون البايولوجية (الاختيار الطبيعي) على العالم الاجتماعي – لكن هربرت سبنسر عمل ذلك سلفا بعمله بقاء الاصلح من خلال التطور الثقافي.

ان شعار "الدارونية الاجتماعية "جرى تطبيقه على أفكار كثيرة نوقشت في علم اجتماع سبنسر. فمثلا، جرى تطبيقه على الصراع بين الجماعات، والمنافسة، خاصة دور السلطة والثروة، الكولنيالية والامبريالية، مبادئ عدم التدخل في الاقتصاد، العسكرتاريا، وبرامج تحسين النسل. عالج سبنسر كل هذه المجالات من منظور التطور الثقافي وبقاء الاصلح.

دراسات دارون الطبيعية الملفتة اثّرت على العديد من العلماء في الماضي والحاضر وتستحق أوسمة التقدير. لكن الفكرة التي نطرحها هنا هي ان سبنسر أيضا أعطى رؤى عظيمة حول الطبيعة الثقافية. باختصار، مفاهيم "الاختيار الطبيعي" و "بقاء الاصلح" هي بالتأكيد مترابطة، لكن هناك أيضا بقاء الاصلح في عبارات او سياقات ثقافية. لابد من الاعتراف بمساهمات سبنسر عبر استخدام مصطلح "السبنسرية الاجتماعية" حينما يطبق التفكير التكيفي بشكل خاص على المجتمع الإنساني.

***

حاتم حميد محسن

لسنا جيلا بلا قلق، بل نحن جيل يتنفس القلق كما يتنفس الهواء، لكنه يتظاهر بالطمأنينة. نعيش في زمن يفيض بالشاشات، ويضج بالاخبار، ويتخمنا بالصور، حتى نظن اننا نعرف كل شيء، بينما نحن في الحقيقة نهرب من السؤال الاهم: ماذا يعني ان نكون؟

ونحن نعبر ربع الالفية الثالثة، لا يبدو القلق الوجودي اثرا من بقايا قرن مضى، ولا رجع صدى لفلسفات ما بعد الحروب، بل يبدو كأنه اعاد تشكيل ذاته، وارتدى اقنعة جديدة. لم يعد القلق سؤالا بسيطا عن الموت او العدم، بل صار قلقا رقميا يتعلق بالهوية في فضاء افتراضي، وقلقا بيئيا يتهدد مصير الكوكب، وقلقا سياسيا يزعزع معنى المواطنة والحرية. انه قلق متعدد الطبقات، يتسلل الى وعينا كما تتسلل البيانات الى شاشاتنا.

لم يعد الخطر في الموت وحده، بل في التبلد. لم يعد الرعب في العدم، بل في الامتلاء الزائف. نحن محاطون بكل وسائل الاتصال، ومع ذلك تتسع في داخلنا فجوة صامتة، فجوة لا يردمها عدد المتابعين، ولا يملؤها بريق اللحظة الرقمية. انه قلق يتخفى في هيئة انشغال دائم، ويتقنع بقناع السرعة، لكنه في جوهره صرخة كينونة تبحث عن معنى.

في هذا العصر، لم يعد الانسان يهرب من القلق الى الايمان او الفلسفة فحسب، بل يهرب منه الى الاشعارات الفورية والتنبيهات المتلاحقة، الى ضجيج يصنعه بيديه كي لا يسمع صوته الداخلي. لكن الصوت هناك، عميق، حاد، لا يختفي. يذكرنا باننا لسنا مجرد حسابات، ولسنا مجرد ارقام في سوق الاستهلاك، بل ذوات حرة، هشة، ومسؤولة.

حين تحدث مارتن هايدغر عن القلق بوصفه انكشافا للكينونة، لم يقصده اضطرابا نفسيا عابرا، بل تجربة وجودية يتعرى فيها الكائن امام هشاشته. القلق، في تصوره، ليس انفعالا سلبيا، بل لحظة اصالة ينكشف فيها الانسان امام حقيقة انه ملقى في هذا العالم، ومسؤول عن اختياراته في افق الفناء. القلق هنا هو نداء الكينونة، وهو لحظة وعي تتجاوز اليومي والعابر.

غير ان سؤالنا اليوم يتجاوز هذا التصور. هل ما زلنا نملك شروط الانصات الى هذا النداء، ام ان التقنية، بوصفها نسقا شاملا، قد غلفت وجودنا بطبقة كثيفة من الضجيج؟

لقد نبه جان بول سارتر الى ان الانسان محكوم عليه بالحرية، وان القلق هو الاثر الملازم لهذه الحرية الجذرية. فالوعي عنده وعي بالعدم، والذات مشروع مفتوح على امكاناته. لكن عالم الخوارزميات يسعى اليوم الى تحويل هذا المشروع الى معطى قابل للتنبؤ، الى ملف بيانات يعاد تشكيله وفق انماط الاستهلاك والرغبة. هنا يتحول القلق من سؤال حرية الى ارتباك هوية، ومن توتر وجودي الى تشظ داخلي.

ووصف زيغمونت باومان عالمنا بالحداثة السائلة، حيث تتفكك الثوابت وتذوب المعايير. في هذا السياق يصبح القلق بنية دائمة لا استثناء عارضا. السيولة لا تمنحنا زمنا للتأمل، بل تدفعنا الى سباق دائم مع صورنا، ومع انجازات الاخرين، ومع خوفنا من التلاشي الاجتماعي. اننا نعيش اغترابا مضاعفا، اغترابا عن الطبيعة التي ندمرها، واغترابا عن ذواتنا التي نعرضها في سوق الاعتراف.

وقد حذر يورغن هابرماس من هيمنة العقل الاداتي، ومن تشوه الفعل التواصلي حين تتحول اللغة الى اداة تاثير، ويتحول الحوار الى تبادل اشارات سريعة. في هذا المناخ يفقد الخطاب عمقه، وتفقد الذات قدرتها على بناء معنى مشترك. القلق هنا لا يجد فضاء يعبر فيه عن نفسه، بل يختزل الى عبارة عابرة او صورة خاطفة.

اما كيركغارد فقد راى في القلق دوار الحرية. غير ان دوارنا اليوم ليس فقط دوار الامكان، بل دوار التشويش. لم نعد نرتجف امام اتساع اختياراتنا، بل امام تدفق لا ينقطع من المعلومات، وامام فائض المعنى الذي ينتهي الى خواء. الضجيج الرقمي لا يسكت القلق، بل يخدره، ويحوله الى قلق مبعثر بلا اتجاه.

وهنا تكمن المفارقة. القلق لم يختف، بل تضخم، لكنه فقد صوته العميق، ذلك الصوت الذي يدعونا الى اختيار ذواتنا بوعي، وتحمل مسؤولية وجودنا. الخطر ليس في القلق ذاته، بل في فقدان القدرة على الاصغاء اليه. فالقلق، كما فهمه الوجوديون، هو لحظة كشف، اما حين يغرق في بحر الاشعارات والتنبيهات، فانه يتحول الى ضجيج داخلي بلا بوصلة.

وفي ظل الازمة البيئية يتخذ القلق بعدا انطولوجيا جديدا. لم يعد السؤال كيف اعيش، بل هل سيبقى العالم قابلا للعيش. اننا نواجه هشاشة الوجود لا كافراد فحسب، بل كنوع بشري. وهنا يتقاطع القلق الوجودي مع المسؤولية الاخلاقية، ومع سؤال العدالة بين الاجيال.

يبقى السؤال الجوهري، هل يمكن استعادة الصمت بوصفه شرطا للوعي. هل نستطيع ان نمارس زهدا رقميا، لا هروبا من العالم، بل استعادة لمسافة تاملية تتيح لنا اعادة طرح سؤال الكينونة.

ربما يكون الرهان اليوم هو اعادة تاويل القلق لا كعرض مرضي، بل كقيمة معرفية واخلاقية، بوصفه لحظة كشف تحررنا من السقوط في اللامبالاة الجماعية. ان الاصغاء الى القلق هو في النهاية اصغاء الى هشاشتنا، والى حريتنا، والى مسؤوليتنا.

وفي عالم يتكاثر فيه الكلام وتتناقص فيه المعاني، قد يكون اعظم فعل فلسفي هو ان نتوقف لحظة، ان نصمت، وان نصغي. فربما ما زال صوت وجودنا هناك، ينتظر ان نمنحه شجاعة السماع

فان لم نصغ اليوم الى قلقنا، فلن نصغي غدا الا الى فراغنا.

القلق ليس عدوا ينبغي اسكاته، بل جرس انذار يدق في اعماق الكينونة، ليوقظنا من سبات التكرار ومن غيبوبة الضجيج. انه الشرارة التي تفضح زيف الطمأنينة السطحية، وتكشف هشاشة عالم نظنه صلبا وهو يتآكل من الداخل.

اما الذين يهربون من القلق الى اللهو الدائم، ومن السؤال الى الشاشة، ومن المواجهة الى الانكار، فانهم لا يلغون قلقهم، بل يؤجلون انفجاره. فالوجود الذي لا يجرؤ على مساءلة نفسه، يتحول الى ظل باهت، والحرية التي لا تحتمل رجفتها، تنقلب قيدا ناعما.

***

ابتهال عبد الوهاب

قراءة في تفكك الرأسمال الرمزي للنموذج الغربي وأثره في إعادة تشكّل الوعي النقدي

الملخّص: تهدف هذه القراءة إلى تحليل الأثر المعرفي والرمزي لقضية جيفري إبستين في الوعي الليبرالي العربي، من خلال مقاربة سوسيولوجية–فكرية تستند إلى مفاهيم الرأسمال الرمزي (بيير بورديو) وإشكالية المثال الحداثي في الفكر العربي المعاصر (عبد الله العروي، محمد عابد الجابري). تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن القضية لم تُحدث صدمة أخلاقية فحسب، بل كشفت عن تصدّع في التمثّلات المثالية للنموذج الليبرالي الغربي، وأعادت طرح سؤال المرجعية والمعيار في خطاب المثقف العربي. مع اعتماد القراءة منهج تحليل الخطاب والمقارنة المرجعية، مع توثيقٍ يعتمد المصادر العربية الأساسية وترجماتٍ معتمدة.

المقدّمة

شكّلت قضية إبستين، منذ إعادة فتح ملفها سنة 2019 ووفاته في مركز الإصلاح المتروبوليتاني، لحظة كاشفة في العلاقة بين السلطة والمال والنخبة الثقافية في الولايات المتحدة. غير أن أثرها تجاوز السياق الأمريكي، لتتحوّل إلى مرآة عاكسة لرهانات المثقف العربي الذي طالما استند—جزئيًا أو كليًا—إلى النموذج الليبرالي الغربي بوصفه أفقًا معياريًا في نقد السلطوية المحلية.

تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك بنية هذه الصدمة، عبر الإجابة عن الأسئلة التالية:

- كيف تمثّل المثقف الليبرالي العربي النموذج الغربي قبل القضية؟

- ما طبيعة الانكسار الرمزي الذي أحدثته القضية؟

- هل أنتجت الصدمة مراجعة نقدية أم انزلاقًا إلى رفضٍ عدميّ؟

أولًا: الإطار النظري

1. مفهوم الرأسمال الرمزي

يعرف بيير بورديو الرأسمال الرمزي بوصفه شكلًا من أشكال السلطة المعترف بها اجتماعيًا، والتي تمنح حاملها شرعية وتأثيرًا يتجاوز القوة المادية¹. حين تتورّط النخبة الحاملة لهذا الرأسمال في فضيحة أخلاقية، فإن الانهيار لا يطال الأفراد فحسب، بل يهدّد شرعية البنية الرمزية ذاتها.

في هذا السياق، يمكن فهم قضية إبستين بوصفها أزمة في الرأسمال الرمزي للنخبة الليبرالية الغربية، لا باعتبارها مجرد ملف جنائي.

2. الحداثة بوصفها مشروعًا تاريخيًا

يرى عبد الله العروي أن الحداثة ليست منظومة قيم مجرّدة، بل سيرورة تاريخية تتشكّل عبر صراعات اجتماعية وسياسية². ومن ثمّ، فإن نقل النموذج دون تفكيكه نقديًا يفضي إلى هشاشة في التمثّل. أما محمد عابد الجابري فيؤكد أن التعامل مع “الآخر” ينبغي أن يتمّ ضمن أفق نقدي مزدوج: نقد الذات ونقد المرجعية³.

ثانيًا: تمثّل المثقف الليبرالي العربي للنموذج الغربي

منذ عصر النهضة، تشكّل الوعي الإصلاحي العربي في تماسٍّ مع أوروبا. فقد قدّم رفاعة الطهطاوي صورة إيجابية عن التنظيم القانوني والمؤسساتي في فرنسا، بينما رسّخ طه حسين فكرة الانتماء إلى الفضاء المتوسطي الحداثي.

في السياق المعاصر، عزّزت أدبيات حقوق الإنسان هذا التمثّل، بحيث صار النموذج الليبرالي معيارًا نقديًا في مواجهة الاستبداد المحلي. غير أن هذا التمثّل ظلّ، في بعض تجلياته، أقرب إلى المثال الأخلاقي منه إلى التحليل البنيوي.

ثالثًا: قضية إبستين كحدث كاشف

1. البعد القانوني والمؤسسي

أظهرت التحقيقات أن إبستين استفاد سابقًا من تسوية قضائية سنة 2008 أثارت جدلًا واسعًا، قبل إعادة فتح القضية سنة 2019. وقد أدّى الجدل إلى مساءلة أداء المدعي العام آنذاك ألكسندر أكوستا، كما أثار نقاشًا حول دور وزارة العدل في عهد ويليام بار.

2. البعد الرمزي

تكمن أهمية القضية في شبكة العلاقات التي أحاطت بإبستين، والتي ضمّت شخصيات سياسية وأكاديمية وإعلامية. هنا يتجلّى الانكسار: فالمشكلة ليست في الجريمة وحدها، بل في التناقض بين الخطاب الليبرالي المعلن وحماية الامتيازات داخل دوائر النفوذ.

رابعًا: صدمة المثقف الليبرالي العربي

يمكن توصيف الصدمة في ثلاثة مستويات:

المستوى الأخلاقي: انهيار صورة “النخبة الحارسة للقيم”.

المستوى المعرفي: التشكيك في صلاحية النموذج بوصفه معيارًا مطلقًا.

المستوى الخطابي: انتقال بعض المثقفين من خطاب تمجيدي إلى خطاب عدمي.

غير أن القراءة النقدية المتوازنة تكشف أن آليات المساءلة—الصحافة الاستقصائية، القضاء الفيدرالي، الضغط الإعلامي—عملت، ولو بعد تأخير، على إعادة فتح الملف. وهو ما يثبت أن النموذج الغربي ليس كتلة صمّاء، بل فضاء صراع بين السلطة والمساءلة.

خامسًا: نحو إعادة بناء المعيار

لا تعني الصدمة سقوط الفكرة الليبرالية ذاتها، بل سقوط التمثّل المثالي لها. إن التحدّي الحقيقي أمام المثقف العربي يتمثّل في:

تجاوز الثنائية (شرق فاسد/غرب منضبط).

اعتماد نقدٍ مزدوج: للذات وللنموذج المرجعي.

إعادة تعريف الحداثة بوصفها مشروعًا إنسانيًا مشتركًا، لا ملكيةً حضاريةً مغلقة.

الخاتمة

تكشف قضية إبستين أن السلطة، حيثما اجتمعت بالمال، تملك قدرة على التستّر ما لم تُحاصر بثقافة مساءلة حقيقية. وقد شكّلت القضية لحظة اختبار لوعي المثقف الليبرالي العربي، بين الانكسار وإعادة البناء.

إن التحوّل من الانبهار إلى النقد، ومن المثال إلى التحليل البنيوي، هو ما يمنح هذه الصدمة قيمتها المعرفية. فالمعيار لا يُستورد، بل يُعاد إنتاجه داخل كل سياق تاريخي.

***

مجيدة محمدي – أديبة وباحثة تونسية

........................

المراجع

بورديو، بيير. الهيمنة الذكورية، ترجمة عربية، دار الفارابي، بيروت.

بورديو، بيير. أسئلة علم الاجتماع، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال، الدار البيضاء.

العروي، عبد الله. مفهوم الحرية، المركز الثقافي العربي، 1993.

العروي، عبد الله. مفهوم العقل، المركز الثقافي العربي، 1996.

الجابري، محمد عابد. نقد العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.

المسيري، عبد الوهاب. العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، دار الشروق، 2002.

تغطيات وتحقيقات عربية حول قضية إبستين، منها:

الجزيرة نت (ملف خاص 2019).

القدس العربي (2019–2021).

 

منهجية شاملة لتحسين عملية التفكير واتخاذ القرار

في عالم مليء بالمعلومات المعقدة والقرارات المتعددة الأبعاد، أصبح من الضروري امتلاك أدوات تساعد الأفراد والمجموعات على التفكير بطريقة منظمة وشاملة. من أبرز هذه الأدوات منهجية القبعات الستة للتفكير، التي ابتكرها إدوارد دي بونو، عالم النفس وخبير التفكير الإبداعي، بهدف تحسين طريقة التفكير وتنظيم الحوار داخل الفرق. تعتمد هذه المنهجية على تقسيم التفكير إلى ستة "قبعات" رمزية، كل واحدة تمثل زاوية معينة أو نمطًا محددًا للتفكير، وتتيح للفرد التركيز على نوع معين من التحليل أو الانطباع دون التشتت بين عدة اتجاهات في نفس الوقت. الفكرة الأساسية تكمن في فصل أنواع التفكير المختلفة بحيث يمكن للفريق التعامل مع كل زاوية من زوايا المشكلة على حدة، مما يسهم في الوصول إلى نتائج أكثر وضوحًا واتزانًا، ويقلل من التحيز الشخصي ويزيد من فعالية القرارات المتخذة.

تمثل القبعة البيضاء التفكير الموضوعي والتحليلي، إذ يركز الفرد على جمع الحقائق والمعلومات والإحصاءات المتوفرة دون أي تفسير شخصي أو انحياز. يتيح هذا النوع من التفكير بناء قاعدة صلبة من البيانات التي يمكن البناء عليها في مراحل التفكير الأخرى، سواء كان ذلك في تحليل أداء مشروع معين أو تقييم نتائج دراسة ميدانية. على سبيل المثال، عند التخطيط لإطلاق منتج جديد، يساعد التفكير بالقبعة البيضاء على جمع بيانات عن السوق، المنافسين، واحتياجات العملاء، ما يمنح الفريق صورة دقيقة قبل اتخاذ أي خطوة استراتيجية. بالمقابل، تعبر القبعة الحمراء عن المشاعر والحدس، حيث يُسمح للفرد بالتعبير عن أحاسيسه وانطباعاته تجاه قضية ما دون الحاجة لتبريرها بالعقلانية. هذا النوع من التفكير يضمن أن العاطفة والحدس – اللذين غالبًا ما يكونان مؤثرين في القرار النهائي – يُؤخذان بعين الاعتبار بطريقة منظمة. فعلى سبيل المثال، يمكن للفريق التعبير عن شعور عدم الثقة بفكرة معينة أو شعور الحماس تجاه فرصة جديدة، وهو ما قد يفتح النقاش حول أسباب هذه المشاعر ومدى تأثيرها على القرار.

أما القبعة السوداء، فهي مرتبطة بالتفكير النقدي والتحذيري، إذ يقوم الفرد بتحديد المخاطر والتحديات والسلبيات المحتملة لأي قرار أو فكرة. هذا النوع من التفكير يمنع اتخاذ قرارات متهورة ويساعد الفريق على التنبؤ بالعقبات المحتملة. فعلى سبيل المثال، عند النظر في مشروع استثماري، يمكن للقبعة السوداء تحليل المخاطر المالية، القانونية، أو التشغيلية، والتأكد من أن جميع التحديات المحتملة قد تمت مواجهتها قبل البدء. بالمقابل، تمثل القبعة الصفراء التفكير الإيجابي والبناء، حيث يركز الفرد على الفوائد والمزايا المحتملة لأي فكرة أو مشروع. هذا التفكير يعزز التفاؤل الواقعي ويساعد على موازنة النقد والتحليل السلبي، وهو أمر ضروري لإيجاد حوافز للاستمرار في المشاريع. على سبيل المثال، يمكن للقبعة الصفراء استشراف الفرص الجديدة التي قد توفرها التكنولوجيا الحديثة أو تحسين سمعة الشركة من خلال مبادرات مبتكرة.

تساهم القبعة الخضراء بشكل كبير في تحفيز الإبداع والابتكار، إذ تشجع على توليد أفكار جديدة وحلول غير تقليدية لمعالجة المشكلات، وتدفع الأفراد لتخطي الحلول المعتادة والتفكير خارج الصندوق. هذا النوع من التفكير مهم جدًا في بيئات العمل الديناميكية التي تتطلب القدرة على التكيف مع المتغيرات بسرعة، مثل ابتكار حملات تسويقية مبتكرة أو تصميم منتجات تلبي احتياجات لم يتم اكتشافها بعد. أما القبعة الزرقاء، فهي القبعة التنظيمية التي تدير عملية التفكير نفسها، حيث يقوم القائد أو المنسق بتوجيه الفريق حول أي قبعة يجب التركيز عليها في كل مرحلة، وضمان سير النقاش بطريقة منظمة، مع توحيد النتائج في خطة عمل واضحة وشاملة. هذا يسمح بتحويل كل أنواع التفكير المختلفة إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ، ويضمن أن كل زاوية من زوايا المشكلة قد تم تحليلها بشكل مناسب.

تكمن أهمية منهجية القبعات الستة في تحسين التفكير الجماعي وزيادة الإبداع وتقليل الانحياز، إضافة إلى تسريع عملية اتخاذ القرار من خلال اتباع خطوات منظمة ومدروسة. يمكن تطبيق هذه التقنية في الأعمال التجارية لتقييم المنتجات واستراتيجيات التسويق وإدارة المخاطر، وفي التعليم لتعليم الطلاب التفكير المنهجي وتحليل المشكلات من زوايا متعددة، مما يعزز قدراتهم على حل المشكلات بشكل مستقل وفعّال. كما يمكن استخدامها في حل النزاعات، إذ تساعد الأطراف على رؤية القضية من منظور موضوعي وعاطفي وإبداعي قبل الوصول إلى الحل، مما يقلل التوتر ويساهم في التوصل إلى حلول أكثر توافقًا. اعتماد هذه المنهجية يسهم بشكل واضح في تطوير مهارات التفكير العليا، ويجعل الحوار أكثر إنتاجية ووعيًا، مع ضمان توازن بين النقد والإبداع والعاطفة والتفاؤل، وبالتالي تعزيز جودة القرارات وتحقيق نتائج أكثر نجاحًا على المدى الطويل.

***

د. هاني جرجس عياد - استاذ بالجامعة الإسلامية بمنيسوتا

يعتقد البعض أن الإنسان ظاهرة روحية وأخلاقية، دون تقدير كافٍ للجوهر العقلاني الذي ميز الإنسان العاقل (Homo sapiens) عن جميع الكائنات الحية الأخرى، والذي أوصله إلى قمة شجرة التطور ليصبح مهيمناً على كوكب الأرض، ناشراً تأثيراته الإيجابية والسلبية بنفس النشاط.

تطور الإنسان العاقل من الإنسان المنتصب مع زيادة في حجم المخ نتيجة لاكتشاف النار، واستهلاك كميات كبيرة من اللحوم المطبوخة التي كان مذاقها أفضل وأسهل في الهضم مقارنة باللحوم النيئة.

أصبح الإنسان قادراً على التفكير المجرد والابتكار وتخيّل سيناريوهات غير موجودة في الواقع. اكتشف القدرة على الكلام والتواصل من خلال اللغة، وتمكّن من بناء ثقافات وحضارات. بدأ يتأمل في معنى الحياة والأخلاق والمستقبل والموت، مما أدى إلى ظهور الفلسفة والدين والفن والعلم والبعد الروحي للإنسان، الذي أصبح جزءاً من بنيته المعرفية والثقافية.

تطور مفهوم الروح عند البشر مع تطورهم الفكري، بدءًا من المرحلة ”الشامانية“ في المجتمعات البدائية التي اعتبرت الروح طاقة تتحرك بين العالمين المرئي وغير المرئي، وكان السحر والشعوذة منتشرين في هذه التجمعات البشريه. ثم جاءت المرحلة الأسطورية، حيث مثّلت آلهة متعددة قوى الطبيعة. وبرز الإلهام الإلهي من خلال الأساطير، وبدأ البشر يربطون الروح بالنظام الكوني. تبع ذلك المرحلة الفلسفية الميتافيزيقية، حيث أصبحت الروح نورًا إلهيًا أبديًا. وتطورت هذه المفاهيم أكثر مع ظهور الديانات التوحيدية، حيث أصبحت الروح نفخة إلهية، والوحي علاقة شخصية بين الإنسان والله.

اعتقد عالم النفس البريطاني ”سيريل بيرت“ أن التجربة الدينية جزء لا يتجزأ من النفس البشرية، وأن نشأة الدين هي نتاج تفاعل معقد بين القدرات العقلية والخيال والحاجة إلى المعنى، وتعبير عن الاحتياجات النفسية الإنسانية العميقة. كما قدم بيرت نظرية ”الأنيميزم“، التي تفترض أن الأرواح تسكن كل شيء - البشر والحيوانات والنباتات والصخور والأنهار - وأنه لا يوجد فصل جوهري بين العالمين الروحي والمادي. ناقش أيضاً العلاقة بين الدين والاضطرابات النفسية، وقارن بين الممارسات الدينية القهرية وأنماط الوسواس القهري، وأوضح أن التجربة الدينية تتخذ أشكالاً ثقافية متعددة، وأن الدين نتاج للعقل الواعي.

بالنسبه اللتجارب الروحية، فهي ظاهرة إنسانية حقيقية كاملة لصاحب التجربة، ولا يمكن انكارها لأنها حدثت داخل وعيه، وتمنحه إحساسًا بالمعنى، وشعورًا بالسلام، وتجاوزًا للأنا، وتواصلًا مع شيء أعظم.

وقد أظهرت الدراسات الحديثه على وظائف المخ باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) ومراقبة النشاط الكهربائي بأجهزة عالية الدقة، أن التجارب الروحية التي تحدث مع التأمل، والصلاة العميقة، والاستماع إلى الموسيقى الهادئة، والرقص الطقسي، تسبب أنشطة في مخ الانسان، وحالات وعي متغيرة، مع زيادة في هرمونات السيروتونين والدوبامين اللذين ينظمان المزاج والمشاعر، (يرتبط نقص السيروتونين بالاكتئاب، ويؤدي نقص الدوبامين إلى الخمول).

يختلف تفسير التجربة الروحية في ثقافات وديانات مختلفه؛ ويعبر عنها الصوفي بانها “فناء في الله”، و البوذي والهندوسي بانه الوصول الى حالة ”النيرفانا“ التي هي السكينة التامة، والتحرر من المعاناة، وويقول عنها المسيحي بانها “نعمة الروح القدس”.

يناقش هذا المقال الجوهر العقلاني للانسان، وان العقل مركز ادراك التجارب الروحية، التي يفسرها الانسان وفقا لاحتياجاته النفسيه، واتساع معرفته، وتحيزاته الشخصيه، التي بناها العقل تحت تاثير الظروف المختلفة، والثقافة المجتمعية، والقيم السائدة.

ينظر العلم إلى الوعي البشري على أنه ظاهرة بيولوجية منظمة تنشأ من عمليات مادية محددة داخل المخ، وان الشكل الأساسي للوعي هو إحساس الشخص بذاته ووجوده، وان الفهم العلمي للوعي يُعمّق تقدير الإنسان لتجربته الخاصة. مع ذلك، يدرك التفكير العلمي ان التجربه الروحيه هي حقيقة مطلقة لصاحبها، وانها ليست فكرة، بل هي حالة وعي كاملة تشمل الإدراك، والشعور، والإحساس بالذات، وتُسجَّل في الذاكرة كشيء أعمق من الواقع. يفسر المنهج العلمي التدين بانه امتداد لحاجه الانسان إلى الطمأنينة وتفسير المجهول، والخوف من الفناء والرغبة في الخلود، وانه عنصر فاعل في بنية الوعي الإنساني وسعيه الدؤوب نحو المعنى والقداسة والرمزية والجوهر. ولكن اختزال التجربة الإنسانية إلى جوهر روحي محض ينكر التفسيرات الأخرى للوجود البشري وتجاربه المتنوعة، ويتجاهل أهمية العقل تحقيق الرفاهيه للانسان، وتوفير علاجات فعالة لمختلف الأمراض، والتغلب على الأوبئة، والتعامل الأمثل مع تقلبات الطبيعة، كالبراكين والزلازل والعواصف المدمرة.

في الختام، تُعدّ العلاقة بين الأخلاق والدين والتجارب الروحية من أعمق الأسئلة التي طرحها الإنسان منذ نشأته. وقد اوضحت دراسه تاريخ البشرية ان القيم الأخلاقية كانت موجوده قبل ظهور أي دين منظم، حيث مارست المجتمعات البدائية التعاون، ورعاية الضعفاء، وتقاسم الطعام، واحترام القواعد الجماعية. لعب الدين لاحقاً دوراً مهماً حيث قام بتنظيم الأخلاق، وتقديم الوصايا والقوانين والمحرمات والقيم العليا، ومنح الأخلاق سلطة رمزية لتصبح مرتبطة بالإرادة الإلهية والثواب والعقاب، وحولها من قواعد اجتماعية إلى واجبات مقدسة. برز المصدر الفلسفي للأخلاق مع التطور الفكري والتقدم المعرفي، ليحدد ماهية الخير، والعدل، والواجب، ومعنى أن يكون المرء إنسانًا، ومنحت الفلسفة الأخلاق أساسًا عقلانيًا مستقلًا عن الدين. تتجه الأخلاق في العصر الحديث نحو معالجة قضايا تطبيقية مثل البيوأخلاق، التي تدرس التحديات الاخلاقيه في مجال الطب والتكنولوجيا الحيويه، وتهدف إلى تحقيق التوازن بين التقدم العلمي وكرامة الإنسان .كما تهتم بحقوق الإنسان، وأخلاقيات البيئة، وتقدم تأملات حول الحرية والسعادة والهويه، وتؤكد ان العقل لا سلطان علىه سوى العقل ذاته، وأنه لا حرية بدون عقلانية تحمي الحرية من الانزلاق إلى الفوضى.

وقد أوضحت المعرفة الحديثة أيضاً أن الضمير هو وعي ذاتي يقيم الأفعال في ضوء القيم التي يتبناها الفرد، وأن رضا الضمير يعبر عن انسجام الذات مع نفسها.

وأخيراً، من الضروري الإشارة إلى خطر جديد وهام انتجه العقل البشري وهو الذكاء الاصطناعي، الذي قد يتجاوز الذكاء البشري ويهدد، لأول مرة، المكانة المتميزة للإنسان على قمة شجرة التطور، والتي احتلها نتيجة لقدراته العقلية التي فاقت قدرات جميع الكائنات الحية الأخرى. وقد عبّر ”جيفري هينتون“، أحد أبرز علماء الذكاء الاصطناعي، عن هذا الخطر، مُبدياً مخاوفه علناً بشأن التطور السريع لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي واحتمال تفوقها علي ذكاءً البشر، وتصبح قادره على اتخاذ قرارات مستقلة لا تتوافق مع قيم ومصالح البشريه. هذا الاستقلال من سيطره الانسان يهدد مستقبل البشريه علي سطح كوكب الارض .

***

بقلم استاذ دكتور سامح مرقس

العائد الفلسفي والحضاري وتعميق مأساة "الإنسان الفائض"

في جدلية الهشاشة المؤسساتية والسيولة العالمية

تعد الدولة في العصر الحديث الكيان التنظيمي المنوط به حماية الفرد وضمان أمانه الاقتصادي والاجتماعي. بيد أن التحولات الجوهرية التي طرأت منذ نهاية القرن العشرين، والمتمثلة في صعود الليبرالية المستحدثة، أدت إلى ظهور نمط مشوه من الكيانات السياسية يُعرف بـ "الدولة الرخوة". هذا المصطلح، الذي اقترحه "غونار ميردال"، يشير إلى حالة من الانفلات الاجتماعي والمؤسساتي تجعل الدول عاجزة عن صون سيادتها أو تلبية احتياجات مواطنيها، مما يتركهم عزلاً أمام قوى العولمة الجارفة. إن البرنامج الخفي للعولمة لا يكتفي بفتح الأسواق، بل يمتد لتفكيك السيادة الوطنية وتحويل الإنسان من كائن ذي أبعاد روحية وحضارية إلى مجرد "وحدة استهلاكية" أو "شيء" ضمن آلة الإنتاج العالمي.

تتجلى مأساة الإنسان هنا في ظهور فئات اجتماعية يصفها علماء الاجتماع بـ "الإنسان الفائض" أو "الحيوات المهدورة"؛ وهم الذين فقدوا موقعهم في نظام الإنتاج وأضحوا عبئاً على دول فقدت قدرتها على التدخل. تبرز هنا علاقة عضوية بين رخاوة الدولة، وبرنامج العولمة المستتر، والعائد الحضاري المازوم الذي أنتج طبقات هشة مثل "الطبقة القلقة" (البريكاريا)، مما يعمق مظاهر التشيؤ والاغتراب في عالم الحداثة السائلة.

الرخاوة كبيئة حاضنة لبرنامج العولمة

إن رخاوة الدولة ليست مجرد عطب تقني، بل هي شرط بنيوي لنجاح العولمة؛ فالدول التي تفتقر لنظام قانوني موحد وعادل تصبح ساحات مستباحة للشركات عابرة القارات والمنظمات الدولية التي تملي شروطها. العولمة هنا لا تعمل كشريك تنموي، بل كأداة لتفتيت الروابط الوطنية، حيث تضعف قدرة الدولة على تنفيذ السياسات العامة وإدارة الاختلافات، مما يؤدي لبروز مجتمعات متشظية وعاجزة، يواجه فيها الإنسان طوفان العولمة بلا غطاء وطني.

تحولات السيادة في عصر السيولة

يعمل البرنامج الخفي للعولمة على تقليص سيادة الدولة لصالح كيانات دولية، مما أفقد السيادة مبررات وجودها التقليدية. هذا التقارب القسري بين الشعوب أحدث تداخلاً في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية دون اعتبار للحدود السياسية. وتحت ذريعة "حماية الأقليات" أو "الحقوق العالمية"، يتم التدخل في شؤون الدول الرخوة، مما يحول السيادة إلى مفهوم صوري، ويجعل الاعتراف بالحقوق منحة خارجية لا نتاجاً لعقد اجتماعي داخلي أصيل.

هذه العملية تحول الدولة من "راعية للمواطنين" إلى "منظم لتدفقات رؤوس الأموال"، وهو ما يتطلب تفكيك مفهوم المواطنة التقليدية. ورغم دعوات الفكر النقدي (كأعمال هابرماس) للتحول نحو "مواطنة عالمية"، إلا أن هذه المواطنة ظلت امتيازاً للنخب، بينما بقي المواطن العادي في الدول الرخوة عالقاً في البرزخ؛ فلا هو احتفظ بحماية دولته، ولا هو نال حقوق المواطنة العالمية.

العائد الفلسفي للعولمة: التشيؤ والاغتراب

تؤدي العولمة، عبر الثقافة الليبرالية، إلى تحويل القيم الأخلاقية للإنسان إلى قيم "تشيؤ". هذا المفهوم يعني إخضاع ملكات الإبداع والأخلاق لقوانين السوق، حيث يستحيل الكائن الإنساني إلى بضاعة تُقاس بالربح والخسارة. لم يعد الإنسان يُعرف بكينونته، بل بما يملكه ويستهلكه، مما أدى لتراجع دور القيم الإنسانية في بناء السلم المجتمعي لصالح قيم مادية تقوم على اللذة الآنية، مما جعل الإنسان مغترباً عن ذاته وواقعه.

الحداثة السائلة وإنتاج "النفايات البشرية"

يقدم "زيجمونت باومان" تحليلاً لافتاً لمصير الإنسان في الحداثة السائلة، حيث يرى أن إنتاج "النفاية البشرية" هو نتيجة حتمية لعملية التحديث الاقتصادي. هؤلاء "الفائضون" هم سكان تم إقصاؤهم من المنظومة الاجتماعية والعالمية. وفي حين كانت الحداثة "الصلبة" قادرة سابقاً على امتصاص هذا الفائض، فإن العولمة اليوم، بوصولها لكل بقاع الأرض، لم تترك مكاناً لهؤلاء "المطرودين". وبدلاً من النظر للمهاجرين كـ "رأس مال بشري"، يتم التعامل معهم كأعباء أمنية يجب صدها، مما يجسد "الحيوات المهدورة" التي يرفضها المنطق الرأسمالي.

الطبقة القلقة (البريكاريا): التهديد الجديد

برزت في العقود الأخيرة طبقة "البريكاريا" (الطبقة العاملة القلقة)، وهي فئة تفتقر للأمان الوظيفي وتقتات على مهام مؤقتة لا تمنح هوية أو استقراراً. إن العولمة مسؤولة عن نشوء هذه الطبقة عبر سياسات "مرونة سوق العمل" التي قوضت مكتسبات دولة الرفاه. يعيش أفراد هذه الطبقة حالة "انعدام يقين" دائمة، مما يولد الغضب والقلق. ويصفها "غاي ستاندينج" بالطبقة الخطيرة، ليس لعنفها، بل لسهولة استقطابها من القوى المتطرفة نتيجة شعورها بالتهميش وضياع مستقبلها في عالم رقمي لا يرحم.

النظرية النقدية والسيطرة الناعمة

تكشف أطروحات "هربرت ماركوز" في "إنسان البعد الواحد" كيف فرضت الرأسمالية نظاماً يوجه التقدم التقني لقهر الفرد تحت غطاء الرفاهية. تحولت العقلانية التقنية إلى وسيلة للسيطرة وتزييف الوعي، مما أنتج "قمعاً فائضاً" يحول الإنسان إلى كائن مستلب لا يقوى على تصور بديل للنظام القائم. إن أنسنة المجتمع، من منظور مدرسة "فرانكفورت"، تتطلب استعادة "العقل النقدي" لإنقاذ الحياة الأصيلة من براثن التنميط السلعي.

أنسنة العولمة واستعادة الدولة الوطنية

إن العولمة بشكلها المتوحش لا تنتج سوى الكراهية وتفكيك الإنسانية. ولكي تستقيم، يجب أن ترتكز على القيم الأخلاقية واحترام الخصوصيات الثقافية. إن الرؤى الفكرية الرصينة تطالب باستعادة "الدولة الوطنية" القادرة على الإبداع والتنمية المستقلة. ويبرز هنا مقترح "الدخل الأساسي الشامل" كأداة لأنسنة العولمة، بوصفه حقاً أخلاقياً يضمن كرامة الإنسان بمعزل عن تقلبات السوق، ويحميه من التهميش في عصر الأتمتة.

مستقبل الإنسان في ظل الرخاوة

إن دراسة الدول الرخوة تكشف عن أزمة حضارية كبرى؛ فالعولمة الحالية تعمل كقوة تفكيكية تطمس الهويات لصالح الاستهلاك. الحل لا يكمن في الانغلاق، بل في "أنسنة العولمة" عبر استعادة الدولة لدورها كضامن للحقوق. المعركة الحقيقية هي استعادة معنى "الإنسان" في عالم يكاد يحوله إلى مجرد رقم مهدور في معادلة الربح.

***

غالب المسعودي

.....................

المراجع

باومان، زيجمونت. (2004). الحيوات المهدورة: الحداثة ومنبوذوها. (Wasted Lives: Modernity and Its Outcasts).

ستاندينج، غاي. (2011). البريكاريا: الطبقة الخطيرة الجديدة. (The Precariat: The New Dangerous Class). لندن: بلومزبري الأكاديمية.

ماركوز، هربرت. (1964). إنسان البعد الواحد. (One-Dimensional Man).

منظمة الشفافية الدولية. (2024). تقارير الدفاع والأمن: الفساد وتقويض السيادة (ti-defence.org).

ميردال، غونار. (1968). الدراما الآسيوية: بحث في فقر الأمم (مفهوم الدولة الرخوة).

من السهل أن يلاحظ أي من العاملين في القطاع العلمي أن استلام قوى سياسية معّينة لدفة الحكم يؤدي الى تراجع التمويل واستهداف منهجي للعلم. غالبا ما ترتبط موجات معاداة العلم بحكم قوى اليمين. غير أن الطريقة الأدق لتوصيف الأمور وتفسير الكثير من الحالات ليس اليمين بوصفه طيفًا ايديولوجيًّا واسعًا، بل السياسات الشعبوية المعادية للنخب. يتألف الخطاب الشّعبوي من الآراء المعادية للنخبوية، والمؤسسات الحاكمة، والحديث عن حكم عامة الشّعب. بينما يعترض كل من الشعبوية اليمينية واليسارية على سيطرة النخب في الديمقراطيات الليبرالية، تعيد اليمينية الشعبوية توصيف مؤسسات انتاج المعرفة بوصفها جزءًا من نخبة غير جديرة بالثقة. في سحبها الثقة من المؤسسات العلمية والمعرفية، تتحول الأحزاب اليمينية بقراراتها وفلسفتها مرجعا لمناصريها وبذلك تمنح لمعاداة العلم نكهة سياسية وليس نقدا منهجيا بناءً.

ماذا نعني بمعاداة العلم؟

غالبًا ما تنظر السلطة السياسية الى الجامعات والمؤسسات العلمية والتعليمية كمراكز نفوذ مستقلة، فتسعى لضبطها إداريا وماليا. على سبيل المثال، هذا ما نراه اليوم من قبل الادارة الأمريكية الحالية تجاه الجامعات كجامعة هارفرد. ويرى الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو أن المؤسسات التعليمية قادرة أن تلعب دورا في دعم قوى سياسية معينة بضغط من هذه القوى، إذ تستطيع أن تروج لطبقة اجتماعية أو منظومات اقتصادية وفكرية معينة في مناهجها. لذلك يسعى اليمين الشعبوي إلى معاداة النخب والمؤسسات العلمية واستهدافها اقتصاديًا وسياسيًّا لتجييرها ناحيته.

وهل يعني هذا أن الحركات الشعبوية تعترض أبستمولوجيّا على خطوات المنهج العلمي؟ هذا ليس ضروريا، فالصراع انما صراع على الاستقلال المؤسسي والشرعي وليس بالضرورة نزعة مضادة للمعايير العلمية. لكن الأمر لا يخلو من نزعة انكارية بمعنى تقني كالتشكيك بالاحتباس الحراري. غالبا ما يأتي هذا التشكيك عبر انتقاء الأدلة بدل تقييم مجمل الأدلة أو الانتقال من نقد نتائج محددة إلى الشك في نزاهة المجتمع العلمي بأكمله (نظرية مؤامرة أو فساد نخبوي). تخدم هذه المنهجية مصالح اقتصادية لكارتيلات اقتصادية مقربة من الأحزاب السياسية.

إن الاختلاف هنا يصبح تشكيكًا بالمؤسسات العلمية وتسيسًا لمعايير التحكيم المعرفي، وقد يصل في بعض الملفات إلى نزعة انكارية تستهدف منطق المنهج العلمي. لكن الهدف الأوسع للسياقات الشعبوية هي تقويض المؤسسات والنخب والتحكم بإنتاجها المعرفي لصالح السلطة السياسية التي "تخدم وتمثل الشعب".

معاداة العلم والسخط السياسي

تأخذ الآلية التفسيرية للوصول إلى واقع اعتبار العلم قوة نخبوية لا منهجا معرفيًّا، حيث يصبح النزاع حول الحقائق نزاعًا حول الشّرعيّة، مسارين. المسار الأول، وهو غير المباشر، يأتي عبر الخطاب الشعبوي الذي غالبًا ما يضخم السخط السياسي والنفور المؤسّسي. يؤدي هذا الخطاب إلى انخفاض الثقة بالحكومة والنظام، وينتقل "بالعدوى المؤسسية" إلى مؤسسات أخرى كالعلم الذي يصبح ضمنًا جزءً من "حزمة النخب". أمّا المسار الثاني، وهو المسار المباشر، فيأتي عبر استهداف الشعبويًين للنخبة العلمية كالعلماء والجامعات بوصفهم نخبة خبراء ذات مصالح. بذلك يتولد شك ومعاداة للعلم يتجاوز السخط السياسي ويحول المعرفة العلمية من موضوع إبستيمولوجي إلى صراع سياسي.

ينتج عن هذا المسار حلقة مفرغة بتغذية راجعة. يؤدي دعم الأحزاب الشعبوية إلى زيادة لاحقة في السخط السياسي. هذا السخط يتنبأ بزيادة لاحقة في دعم الشعبي للأحزاب الشعبوية. أما من جهة العلم، إن السخط السياسي يؤدي إلى شك أكبر بالعلم ويولد حالة من انخفاض الثقة وعدم الرضا عن العلم. وفي الاتجاه العكسي، يؤجج الشك بالعلم التمرد على النخب العلمية وبالتالي دعم الأحزاب اليمينية الشعبوية. إلا أن الأخير ضعيف حسب الدراسة المرفقة أدناه. بذلك تتفاقم العلاقة بين الشعبوية والشك العلمي عبر الزمن في سياقات أزمات تسيّس معاداة العلم وتؤجّجه عبر السخط السياسي.

تسيس العلم وتأثيره على المؤسسة العلمية

إن سياسات الإدارة الأميركية الحالية تكاد تكون أفضل مثال على ما تمت مناقشته أعلاه. إن تصنيف بعض الجامعات الأميركية كهارفرد كنخبة غير شرعية، يصبح خفض التمويل أو تقييده سياسيّا أسهل. تشير التصنيفات الببليومترية إلى تراجع الجامعات الأميركية مقابل جامعات عالمية أخرى في عام 2025. بينما قد لا يكون أثر قرارات الإدارة الحالية السبب الوحيد لذلك، إلا أن خفض التمويل وسياسات الهجرة المتخذة ستسبب مشاكل وانهيارات دراماتيكية. انخفض عدد الطلاب الأجانب بشكل كبير في هذا العام وفق نيويورك تايمز، وهو ما يزيد ما ينزع من اميركا المغناطيس الذي يجذب العقول حسب عالم الفيزياء الأميركي ميتشيو كاكو. يقول كاكو أن فيزا الباحثين الأجانب ذوو المهارات العالية تشكل المحرك الأساسي للتقدم الأمريكي. إن قرارات الهجرة ونزيف الأدمغة وانخفاض التمويل ناتج عن سياسيات السخط السياسي وانعدام الثقة في العلم لمواجهة التحديات الاقتصادية التي تطلب تذليل عقبات كإجراءات المحافظة على البيئة.

إذًا كان الخطاب الشعبوي لأحزاب اليمين الشعبوي قادرا على خفض الثقة العامة في العلم، فهو يقلل الكلفة السياسية لإجراءات مثل تقييد الاستقلالية الجامعية، وتقليص التمويل، أو استهداف حقول معرفية بعينها. لأنه، وعبر السخط السياسي، قد صنف المؤسسة العلمية كجزء من النخبة الغير شرعية. إذا فالشعبوية المعادية للعلم هي ديناميكية تسيس تنتجها الشعبوية عبر تعميم الشك المؤسسي وتحويل العلم إلى موضوع نواع على الشرعية والسلطة.

  ***

فضل فقيه – باحث

..........................

مراجع:

Rekker, R. How populist parties fuel science skepticism: Evidence from a 15-year panel study. Acta Polit. (2025).

Mervis, J. Damage assessment: Which of Donald Trump’s changes are likely to last-and which will fade? Science (20 January 2026).

Arsenault, M. Chinese Universities Surge in Global Rankings as U.S. Schools Slip. The New York Times (15 Jan 2026).

مقاربة أخلاقية

مقدمة: في سياق الفلسفة الأخلاقية، يبرز الكائن البشري ككيان مشروط بالعلاقات الاجتماعية والالتزامات الذاتية، حيث يجد نفسه محاصراً بين الديون التي يدين بها للآخرين – تلك الالتزامات غير المشروطة التي تنبع من الوجود المشترك – والوعود التي يقطعها على نفسه، والتي تمثل سعيه نحو التحقيق الذاتي والأصالة. من منظور أخلاقي، يتجاوز هذا التوتر مجرد الصراع بين الفرد والجماعة ليصبح تأملاً في طبيعة الوجود البشري نفسه، حيث تكون الأخلاق ليست قواعد خارجية بل عملية ديناميكية لتشكيل الذات في مواجهة الآخر. إن الديون تجاه الآخرين تعبر عن الالتزام غير المحدود بالمسؤولية عن الغير، بينما الوعود إزاء الذات تكشف عن الحرية الذاتية في بناء المعنى الشخصي، مما يجعل الكائن البشري كائناً مشدوداً بين الالتزام اللامتناهي والحرية المحدودة. في هذه الدراسة، سنستعرض هذا التوتر بشكل موسع ومعمق، مع التركيز على الجوانب الأخلاقية التي تكشف عن كيفية يعيد الكائن البشري صياغة وجوده من خلال هذه الثنائية، دون الاستناد إلى أطر خارجية، بل من خلال تدفق فكري يعكس الطبيعة المتداخلة لهذه العلاقات. فماهي الديون التي يحملها المرء تجاه الآخرين؟ وكيف يتم تسديدها؟ وماهي الوعود التي يظل مطالب بتحقيقها إزاء الذات؟ وكيف يمكن له إنجازها؟ وألا توجد علاقة تلازمية بين الديون والوعود؟

الديون تجاه الأخرين

يبدأ الدين تجاه الآخرين كأساس أخلاقي يتجاوز المنفعة الشخصية، حيث يرى الكائن البشري في وجه الغير دعوة غير مشروطة للمسؤولية، تلك المسؤولية التي لا تنبع من عقد اجتماعي بل من الوجود نفسه. أخلاقياً، يمثل هذا الدين تحولاً من الذات المركزية إلى الآخر كأولوية، إذ أن الوجود البشري ليس منعزلاً بل مشروطاً بالعلاقة مع الغير، مما يجعل الدين ليس عبئاً بل جوهراً للأخلاق. في هذا السياق، يصبح الكائن البشري مديناً للآخرين بطريقة لا تُقاس، كما في حالات الرعاية للضعفاء أو الالتزام بالعدالة الاجتماعية، حيث يتجاوز الدين المجردات ليصبح فعلاً يومياً يشكل الذات. هذا الدين غير المحدود يثير تساؤلات أخلاقية عميقة: هل يمكن للكائن البشري أن يحقق ذاته دون أن يخون هذا الدين؟ إن الإجابة تكمن في أن الدين تجاه الآخرين ليس قيداً بل دعوة للتجاوز، حيث يصبح الإنسان أخلاقياً من خلال الاستجابة لهذا النداء، مما يعيد صياغة الذات ككيان مسؤول لا أناني. مع ذلك، يظهر هذا الدين كتوتر داخلي، إذ أن الالتزام بالآخر قد يتعارض مع الرغبات الشخصية، مما يجعل الأخلاق عملية توازن دائمة بين الالتزام الخارجي والحفاظ على السلام الداخلي. في مقاربة أخلاقية، يصبح هذا الدين مصدراً للنمو الإنساني، إذ يدفع الكائن البشري إلى الخروج من دائرة الذات نحو عالم مشترك، حيث تكون الأخلاق ليست نظرية بل تجربة حية تعيد تعريف الوجود كعلاقة لا انفصال.

الوعود إزاء الذات

من هذا الدين اللامتناهي تجاه الآخرين، ننتقل إلى الوعود إزاء الذات، التي تمثل الجانب الحر من الوجود البشري، حيث يقطع الكائن على نفسه عهوداً تتعلق بالتحقيق الشخصي والأصالة. أخلاقياً، تكشف هذه الوعود عن الحرية الذاتية كأساس للأخلاق، إذ أن الإنسان ليس مجرد كائن اجتماعي بل هو مشروع ذاتي يبني معناه من خلال الالتزامات التي يفرضها على نفسه، كما في السعي نحو التميز أو الحفاظ على القيم الشخصية. هذه الوعود ليست أنانية بل هي تعبير عن الإرادة الحرة، التي تحول الوجود من مجرد حدوث إلى فعل مقصود، مما يجعل الكائن البشري مسؤولاً عن مصيره. في هذا السياق، يصبح الوعد إزاء الذات دافعاً للتطور، حيث يدفع الإنسان إلى مواجهة ضعفه وتحقيق إمكانياته، كما في حالات الالتزام بالتعليم أو الصحة، التي تعكس احتراماً للذات ككيان مستقل. مع ذلك، يثير هذا الوعد توتراً أخلاقياً، إذ أن التركيز على الذات قد يؤدي إلى تجاهل الدين تجاه الآخرين، مما يجعل الأخلاق بحثاً عن التوازن بين الحرية الشخصية والمسؤولية الجماعية. من منظور أخلاقي، تكون هذه الوعود ضرورية للحفاظ على الأصالة، إذ أن الكائن البشري الذي يخون وعوده لنفسه يفقد جوهره، مما يجعله عرضة للاغتراب في عالم الآخرين. هكذا، تتداخل الوعود مع الديون في عملية أخلاقية متكاملة، حيث يصبح التحقيق الذاتي مرتبطاً بالالتزام بالغير، مما يعيد صياغة الوجود كمشروع مشترك.

خاتمة

في الختام، يتضح من خلال هذه المقاربة الأخلاقية أن الكائن البشري بين الديون تجاه الآخرين والوعود إزاء الذات هو كائن في حالة تطور مستمر، حيث تكون الأخلاق ليست قيداً بل طريقاً للتحرر. إن هذا التوتر ليس نقصاً بل جوهر الوجود الإنساني، الذي يجد معناه في القدرة على الجمع بين المسؤولية والحرية، مما يدعونا إلى تأمل مستمر في كيفية نعيش هذه الثنائية كفرصة للارتقاء بالإنسانية. في التفاعل بين هذين الجانبين، يبرز الكائن البشري ككيان أخلاقي مشدود بين الدين والوعد، حيث يصبح التوتر مصدراً للغنى الإنساني بدلاً من الصراع. أخلاقياً، يعني هذا أن الأخلاق ليست نظاماً ثابتاً بل عملية تفاوض دائمة، حيث يتعلم الإنسان أن يدمج الالتزام بالآخرين مع الوفاء لنفسه، مما يؤدي إلى نمط وجود أكثر عمقاً. على سبيل المثال، في الحياة اليومية، يجد الكائن نفسه يوازن بين رعاية الأسرة (الدين تجاه الآخرين) والسعي نحو الطموحات الشخصية (الوعد إزاء الذات)، مما يجعل الأخلاق تجربة حية تعيد تعريف الإنسان ككائن قادر على التجاوز. هذا التوازن ليس سهلاً، إذ قد يؤدي الإفراط في الدين إلى فقدان الذات، بينما التركيز المفرط على الوعد قد يؤدي إلى العزلة، لكن في مقاربة أخلاقية، يصبح هذا التوتر فرصة للنمو، حيث يتعلم الكائن أن يكون مسؤولاً عن الآخرين دون أن يفقد حريته، وأن يحقق ذاته دون أن يخون الآخرين. إن هذه الثنائية تكشف عن طبيعة الأخلاق كعملية إبداعية، حيث يصبح الكائن البشري فناناً لوجوده، يرسم لوحة تجمع بين الالتزام والحرية في وحدة متماسكة. فمتى يحقق الكائن البشري المصالحة مع ذاته والعالم والمجتمع البشري؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

قراءة فلسفية في آليات الإقصاء والتهميش

في العصر الرقمي حيث تمتد الشبكات الافتراضية إلى كل جوانب الحياة اليومية، لم يعد العنف يقتصر على البُعد الجسدي المباشر، بل أصبح يمتد إلى فضاءات رمزية، حيث تُمارس الهيمنة والتهميش عبر الخطاب والإشارة والخوارزميات نفسها. هذا العنف الرمزي الرقمي على عكس أشكال العنف التقليدية، لا يترك أثرا ماديا ظاهرا، لكنه يخترق الوعي والهوية، ويعيد إنتاج التفاوتات الاجتماعية والثقافية بطرق دقيقة ومستترة. تتفاعل هنا عناصر القوة والمعرفة واللغة والرموز في فضاء افتراضي، لتخلق نظاما من الإقصاء الرمزي يضرب في العمق قدرة الفرد على المشاركة والاعتراف، ويطرح أسئلة أخلاقية وفلسفية حول الحرية والعدالة والاعتراف بالآخر.

من منظور فلسفي، يستدعي هذا الموضوع قراءة متشابكة بين ما أسماه بيير بورديو "العنف الرمزي" و"الرأسمال الرمزي"، وما أكده ميشيل فوكو عن تقنيات السلطة الدقيقة، وما طرحه إيمانويل ليفيناس عن الالتزام الأخلاقي تجاه الآخر، وصولا إلى تأملات جان بول سارتر وجوديث باتلر حول الهوية والنظرة والتمييز الرمزي. هذه المفاهيم توفر أدوات لفهم كيف يتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة لإعادة إنتاج الهياكل الاجتماعية، وكيف يصبح الخطاب أداة للسيطرة والإقصاء، بعيدا عن القوانين المرئية، لكنه عميق التأثير على مستوى النفس والمجتمع.

يسعى هذا المقال المتواضع إلى استكشاف هذه الظاهرة من منظور فلسفي لغوي، من خلال تحليل آليات العنف الرمزي في الخطاب الرقمي، قراءة أثرها على الأفراد والجماعات، وفهم دور اللغة والرموز والخوارزميات في ترسيخ أو تحدي الهويات، لتقديم رؤية متكاملة لمفهوم الإقصاء والتهميش الرقمي في عصر التكنولوجيا المتسارعة.

في اللحظة التي أصبح فيها الفضاء الرقمي مساحة أساسية للتواصل البشري، انكشف نوع جديد من العنف، لم يكن جسديا ولا مباشرا، لكنه أقل خطورة من الناحية البدنية وأشد أثرا من الناحية النفسية والاجتماعية. إنه العنف الرمزي الذي يتخذ شكل الخطاب والإيماءة والتقنيات اللغوية والثقافية، ليعيد إنتاج أنماط الهيمنة والإقصاء والتهميش. البورديويّون (Pierre Bourdieu) حين تحدثوا عن العنف الرمزي، أشاروا إلى أن هذا النوع من العنف يتخذ شكلا مقنعا مخفيا، لا يُعترف به بسهولة، لكنه يخترق الثقافة ويعيد إنتاج السلطة من الداخل. ففي الخطاب الرقمي تتكاثر هذه الظواهر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، المنتديات، التعليقات العامة، وحتى المحتوى التعليمي، لتُعيد إنتاج التفوق الرمزي بين الفئات الاجتماعية والثقافية المختلفة، بما يعكس آليات الهيمنة البنيوية التي وصفها ميشيل فوكو (Michel Foucault) في تحليله للسلطة والمعرفة.

العنف الرمزي الرقمي ليس مجرد إساءة لفظية أو تحقير مباشر، بل هو ممارسة مستترة تخاطب الهوية، وتعيد إنتاج أشكال التهميش الاجتماعي والثقافي والسياسي. كما يرى جيل دولوز (Gilles Deleuze) وفيلكس غاتاري (Félix Guattari)، إن الخطاب الرقمي لا يكتفي بنقل الرسائل، بل يقوم بترميز الفضاء الاجتماعي ويشكل شبكات القوة عبر البنية التقنية نفسها، بما يشبه ما أسماه فوكو "التقنيات الدقيقة للسلطة" .فكل تعليق مثقل بالتحامل، وكل صورة تُعرض على منصة ما كرمز اجتماعي، وكل تقييم رقمي، وكل خوارزمية تفرّق بين المستخدمين على أساس اهتمام أو ميزة اجتماعية، يُمثّل فرصة لممارسة العنف الرمزي على مستوى متسلسل ومترابط.

ويمكننا قراءة هذا العنف عبر مفهوم "الآخر" الذي طوّره إيمانويل ليفيناس (Emmanuel Lévinas)، والذي يقدّم الإنسان ليس فقط ككائن ذاتي مستقل، بل كوجود يتشكل من علاقته بالآخر. حين يُحاصر الفرد في الفضاء الرقمي عبر الخطاب المسيء أو الإقصائي، فإن هذا الحصار لا يمس كينونته المادية فقط، بل يمس قدرته على اللقاء الأخلاقي مع الآخر. فالتهميش الرقمي يعكس جرحا أخلاقيا يتجاوز مجرد المضايقة الكلامية، إذ يعيق قدرة الفرد على المشاركة في الفضاء العام للخطاب ويحد من إمكانيته في التحقق من ذاته عبر التواصل الاجتماعي.

إن العلاقة بين اللغة والعنف الرمزي في الفضاء الرقمي تحتاج إلى فهم مزدوج: لغة كأداة للمعرفة وللبناء، ولغة كأداة للسيطرة والإقصاء. رولان بارت في تحليله للأسطورة والرمزية أكد أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي نظام من الإشارات يحمل أبعادا ثقافية وسياسية تؤطر وعي الفرد. وعليه، فإن أي خطاب رقمي لا يُعالج بعناية قد يكتسب قوة رمزية تفوق المضمون الظاهر، ويصبح وسيلة لإعادة إنتاج التحيزات والهويات المهيمنة.

العنف الرمزي الرقمي يتجلى أيضا في ما يسميه بيير بورديو "الهيمنة الرمزية"، حيث يتم فرض المعايير الاجتماعية والثقافية كحقائق مفروضة، فتتحول الاختلافات بين المستخدمين إلى أدوات للتمييز والإقصاء. في هذا السياق تتفاعل هذه الممارسات مع ما أسماه فوكو "الخطاب السلطوي"، بحيث أن الخطاب الرقمي لا يقتصر على تبادل المعلومات، بل يقوم بإنتاج الواقع الاجتماعي عبر الإشارة إلى ما هو مشروع أو مقبول أو مرغوب فيه وما هو منبوذ أو هامشي. هنا يصبح العنف الرمزي أداة لإعادة إنتاج السلطة ليس فقط بين الأفراد، بل بين المجموعات الاجتماعية، مع تعميق الفوارق القائمة بالفعل.

في تحليله للفلسفة الأخلاقية، أشارت حنة آرنت  إلى أن العنف لا يقتصر على القوة البدنية، بل يشمل كل أشكال الحصار الرمزي التي تمنع الأفراد من المشاركة في الحياة العامة. ففي الفضاء الرقمي يمكن اعتبار كل خوارزمية تقرر ترتيب المحتوى أو إخفاءه، وكل نظام تقييم يميز بين المستخدمين، وكل ممارسة تهدف إلى التضييق على حرية التعبير، كأشكال معاصرة من العنف الرمزي. وفي هذا الصدد، يصبح الفضاء الرقمي مرآة للعالم الاجتماعي، يعكس التفاوتات والهيمنة، لكنه أيضا يضاعفها ويُعمقها بطريقة غير مباشرة، لا يمكن للضحايا دائما مواجهتها بالوسائل التقليدية.

ومن الناحية اللغوية، تكمن خطورة العنف الرمزي الرقمي في التحولات الدقيقة للخطاب، حيث أن التلاعب بالكلمات والرموز والصور يسمح بخلق تهميش ضمني. جان بول سارتر حين تحدث عن "النظرة" أشار إلى أن الوجود أمام الآخر يُختزل في حكمه على الفرد، بما يشبه الحكم الرقمي على المستخدم، سواء عبر التعليقات أو الرموز التعبيرية أو التقييمات الرقمية أو حتى الغياب الرقمي عن الانتباه والمتابعة، وهو ما يمكن اعتباره شكلا من أشكال الإقصاء الرمزي اللامرئي.

كما أن العنف الرمزي الرقمي يستند إلى ما وصفه جاك دريدا  بـ "التفريق والتحييد"، أي القدرة على تأجيل العدالة أو الإقرار بالحق في زمن رقمي متغير. المنصات الرقمية تخلق فروقا بين المستخدمين عبر الخوارزميات، وتقيم المحتوى على أساس معايير غير شفافة، مما يجعل إمكانية المواجهة أو التغيير صعبة للغاية. هذا الإقصاء المتعدد الأوجه يستند إلى آليات دقيقة، بحيث لا يترك أثرا مباشرا لكنه يعيد إنتاج الإحساس بالهامشية واللااعتراف، ويعزل المستخدمين عن المشاركة الحقيقية في الحوارات الرقمية.

ويمكننا النظر إلى هذه الظاهرة من خلال مفهوم "العنف الهيكلي" الذي طوّره يوهان غالتون، حيث يشير إلى أشكال العنف التي تتجذر في الهياكل الاجتماعية والثقافية، وتظهر في الفضاء الرقمي بشكل متكرر. العنف الرمزي الرقمي يصبح بذلك امتدادا لهذا العنف الهيكلي، فهو يترسخ في الخوارزميات والأنظمة التكنولوجية والسياسات الداخلية للمنصات، بحيث أن الأفراد لا يحتاجون بالضرورة إلى اعتداء مباشر ليشعروا بالاستبعاد والتهديد الرمزي.

بالإضافة إلى ذلك، يستحضر العنف الرمزي الرقمي مفهوم العنف النفسي والمعنوي الذي ناقشه إريك فروم في تحليله للحرية والسلطة. الفضاء الرقمي كما يرى فروم، يمكن أن يصبح أداة لإخضاع الأفراد عبر السيطرة على الانتباه، والتحكم في المحتوى وتوجيه الرأي العام وتشكيل الهويات الرقمية، بما يعكس قوة رمزية مستترة لكنها مؤثرة على الذات والوعي.

كما أن نيقولا بوبوف يسلط الضوء على العلاقة بين السلطة والقانون، ويشير إلى أن العنف الرمزي لا يتعارض مع الشرعية القانونية، إذ يمكن أن يمارس ضمن حدود القانون، لكنه يبقى ظاهرة أخلاقية وفلسفية بالدرجة الأولى، لأنها تمس حرية التعبير والحق في المشاركة والاعتراف. في الفضاء الرقمي يمكن لممارسات الإخفاء والحظر والتمييز الرقمي أن تعيد إنتاج هذه الديناميات، بحيث يُستثنى المستخدمون من دائرة الاعتراف الاجتماعي والثقافي دون أن تكون هناك ضرورة قانونية مباشرة.

تُضاف إلى ذلك الملاحظة التي تقدم بها جوديث باتلر حول "التحييد الرمزي"، إذ أن العنف الرمزي لا يقتصر على الإهانة أو الإقصاء، بل يشمل تهميش الهوية وتقليص وجودها المعنوي، وإعادة إنتاج الصور النمطية والهويات المهشمة. على مستوى الفضاء الرقمي، يمكن ملاحظة ذلك في كيفية تصوير مجموعات معينة أو إسكات الأصوات أو نشر المحتوى الذي يعزز الهيمنة الرمزية، بما يجعل الهويات المستضعفة محاصرة ضمن دائرة رمزية ضيقة.

العنف الرمزي في الخطاب الرقمي ليس مجرد فعل فردي، بل هو نتاج ديناميات اجتماعية وفكرية وثقافية تتداخل فيها اللغة والتقنية والهوية والسياسة. إنه يتطلب قراءة فلسفية دقيقة، تجمع بين تحليل البنية الاجتماعية كما عند بورديو وفوكو، وبين التحليل الأخلاقي كما عند ليفيناس وآرنت، وبين دراسة اللغة والرمزية كما عند سارتر وبارت ودريدا، وبين دراسة النفس الإنسانية والسلطة كما عند فروم وبوبوف وباتلر. كل هذه المقاربات تقدم رؤية شاملة لمفهوم العنف الرمزي الرقمي، وتكشف عن أبعاده الأخلاقية والسياسية والاجتماعية.

في الفضاء الرقمي، يصبح العنف الرمزي أداة مركّبة تتحرك على مستويات متعددة، تبدأ من الفرد وامتدادا إلى المجموعات، ثم إلى الهياكل الاجتماعية والثقافية الكبرى. فعندما ندرس الشبكات الاجتماعية مثل فيسبوك وتويتر وإنستغرام، نجد أن أنظمة التفاعل هذه تعكس ما وصفه بيير بورديو بـ"الرأسمال الرمزي"، حيث تُمنح بعض الأصوات مزيدا من الشرعية والاعتراف، بينما تُهمش أخرى، ليس بناءً على جودة الفكرة أو محتوى الرسالة، بل على أساس موضع المستخدم الاجتماعي أو شبكته الرقمية أو حتى خوارزميات المنصة نفسها. هذه الدينامية تكشف عن وجه مهيمن للفضاء الرقمي، حيث تتحوّل التفاعلات إلى أدوات لإعادة إنتاج الهويات الهيمنة واللامرئية للعنف الرمزي.

ويبدو واضحا أن العنف الرمزي الرقمي يتقاطع مع ما أسماه هابرماس  بـ"فضاء الخطاب العام"، إذ أن الفضاء الرقمي لم يعد مكانا محايدا لتبادل الآراء، بل أصبح ساحة صراع بين مصالح متضاربة، وقوى اجتماعية تسعى لتثبيت هيمنتها الرمزية. فالخطاب الرقمي وفق هذه القراءة ليس مجرد تبادل للمعلومات، بل هو إنتاج للواقع الاجتماعي، وتحديد لمن يمكن أن يُسمع ومن يُسكت ومن يُعرض للحصار الرمزي أو للتحقير الاجتماعي. ومن هنا يصبح التهميش الرقمي عملية أخلاقية وفلسفية قبل أن يكون تقنية، لأنه يمس جوهر القدرة الإنسانية على المشاركة والاعتراف بالآخر.

يقدم جان جاك روسو  فكرة "الإرادة العامة" التي يمكن أن تُفرّق بين ما هو مشروع اجتماعيا وما هو هامشي. ففي الفضاء الرقمي يتم تحييد بعض الأفراد أو المجموعات ضمن دائرة رمزية ضيقة، في حين يُمنح الآخرون صلاحيات أكبر للتأثير ونشر الرأي، ما يكرّس حالة من التفاوت غير المرئي ويحول العنف الرمزي إلى قوة بنيوية تؤثر على التمثلات الثقافية والهويات الرقمية.

كما يمكن ربط العنف الرمزي الرقمي بما قاله جوديث باتلر عن "العُنف الرمزي للخطاب" الذي يعيد إنتاج الهويات والتمييزات الاجتماعية، ويفرض إطارا محددا للقبول والرفض. في الفضاء الرقمي يمكن رؤية هذا في الانتهاكات المتكررة للأقليات، وفي تهميش النساء والفئات المهمشة، وفي الترميز الضمني للآراء والمواقف السياسية والثقافية. كل تعليق وكل إعادة نشر وكل صورة أو فيديو يتم تقييمه ضمن معايير خفية، يصبح عنفا رمزيا على الفرد والمجموعة.

ولا يمكن فصل العنف الرمزي الرقمي عن آليات السلطة التقنية، كما يشير فوكو إلى العلاقة بين المعرفة والسلطة. فالخوارزميات التي تتحكم في ما يظهر للمستخدم أو ما يُخفى عنه ليست محايدة، بل هي أدوات لإعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية والثقافية، وتكريس الهيمنة الرمزية لصالح فئات معينة. إن اللامرئية في هذه الآليات تجعل من الصعب تحديد المعتدي، ويجعل من العنف الرمزي تجربة تراكمية، حيث يتعرض الفرد لضغوط مستمرة تمس هويته ووجوده في الفضاء الرقمي دون مواجهة مباشرة.

في سياق تحليل الأبعاد النفسية والاجتماعية للعنف الرمزي الرقمي، نجد أن إريك فروم يسلّط الضوء على كيفية إخضاع الأفراد من خلال السيطرة على الانتباه والوعي. ففي الفضاء الرقمي، يمكن أن تصبح الممارسات مثل "الإخفاء" و"حذف المحتوى"  و"التركيز على خوارزميات التفاعل" أدوات لإخضاع المستخدمين، بحيث يشعرون بالعزلة أو بالهامشية دون وجود اعتداء جسدي واضح. هذا النوع من العنف النفسي الرمزي يعكس السيطرة على الذات والوعي، ويعيد إنتاج حالة من الخوف الرمزي والخضوع للهيمنة.

علاوة على ذلك، يقدم ليفيناس قراءة أخلاقية للآخر، تؤكد على أن الالتزام بالآخر يبدأ بالاعتراف به ككيان مسؤول وفاعل. فعندما يتم تهميش أصوات معينة أو إسكات مجموعات أو فرض معايير ثقافية ضاغطة، يتم إخلال هذا الالتزام الأخلاقي. فالخطاب الرقمي يصبح أداة للسيطرة على الآخر، ومن ثم إعادة إنتاج انعدام العدالة الرمزية، وهو ما يجعل العنف الرمزي ليس مجرد سلوك اجتماعي، بل قضية أخلاقية وفلسفية مركزية.

هنا يمكن إدراج تحليل جان بول سارتر للنظرة، حيث أن وجود الفرد أمام الآخرين يُحكم عليه من خلال المراقبة والتقييم. ففي السياق الرقمي، يُترجم هذا إلى تقييمات المستخدمين وعدد الإعجابات والمشاهدة والاشتراك وكل المؤشرات الرقمية التي تشكل سلطة رمزية. هذا الإقصاء الرقمي يجعل المستخدمين يعيشون تجربة مشابهة لما وصفه سارتر كـ"سجن النظرة"، حيث تصبح الحياة الاجتماعية مرآة لهيمنة الآخر على تصورات الذات.

كما أن التحليل الديردي (Derrida) لمفهوم "différance" يوفر أداة لفهم التأجيل الرمزي للعدالة في الفضاء الرقمي، حيث يُؤجل الاعتراف بالحق في التعبير أو المشاركة بسبب معايير غير شفافة أو خوارزميات غير مفهومة. في سياقنا هذا، العنف الرمزي الرقمي ليس مجرد إساءة مباشرة، بل هو تهميش متدرج ومستمر، يعيق مشاركة الفرد في إنتاج الخطاب الثقافي والاجتماعي، ويعيد إنتاج الفروق الاجتماعية والثقافية.

وفي قراءة تحليلية مقارنة، يمكن ربط هذا بما طرحه هابرماس عن "أزمة الفضاء العام"، إذ أن الخطاب الرقمي يعكس أزمة أوسع في المشاركة الديمقراطية والتواصل الاجتماعي، حيث يصبح من الصعب على الأفراد والمجموعات المشاركة بشكل متساوٍ، يزداد تأثير الهيمنة الرمزية على الهويات والوعي الجمعي. إن المنصات الرقمية، بالتركيز على التفاعلات الأكثر شيوعا والأكثر تأثيرا، تعيد إنتاج تفاوتات الهيمنة الاجتماعية والثقافية، مما يجعل العنف الرمزي الرقمي أداة مركبة ومعقدة.

إن العنف الرمزي الرقمي لا يقتصر على الخطاب المكتوب أو الصور، بل يمتد إلى الصور الذهنية، وإعادة إنتاج الصور النمطية والهويات المهشمة، كما تشير باتلر. فالفضاء الرقمي يصبح ساحة لتكرار التنميط والهويات المحدودة، ما يعيد إنتاج الهويات القسرية التي تحد من الحرية الفردية والاجتماعية. هذه العمليات تؤكد أن العنف الرمزي ليس مجرد فعل لفظي، بل هو بنية معرفية واجتماعية وثقافية مستترة، تمتد عبر الأطر الرقمية المختلفة.

كما أن التجربة الرقمية تكشف أيضا عن "العنف الرمزي المزدوج"، حيث يعاني الأفراد من الإقصاء والتهجير الرمزي من جهة، ومن الانخراط في آليات الهيمنة الرمزية من جهة أخرى. فالمستخدمون يتعلمون بسرعة كيفية الامتثال لمعايير الهيمنة أو المشاركة في تعزيزها، في محاولة للحفاظ على الاعتراف الاجتماعي الرقمي، وهو ما يعكس ما وصفه فوكو بالتقنيات الدقيقة للسلطة التي تفرض الانضباط والسلوك المرغوب فيه دون استخدام العنف المباشر.

إن هذا التحليل يستدعي إعادة التفكير في الفضاء الرقمي باعتباره ليس مجرد أداة تواصل، بل كبيئة اجتماعية وسياسية وثقافية تتفاعل فيها الهويات والمعايير والرموز والقيم. العنف الرمزي الرقمي هو في جوهره انعكاس للهيمنة المجتمعية، لكنه في الوقت ذاته يعيد إنتاج هذه الهيمنة بطرق أكثر تعقيدا وغيابا للشفافية، ما يجعل التحدي الفلسفي والأخلاقي أكبر، ويستلزم تفكيرا نقديا عميقا حول العدالة الرقمية والاعتراف بالآخر في السياق السيبراني.

***

د. حمزة مولخنيف

أذكر الآن مقولة رددها أحد الأساتذة في الجامعة، في معرض إجابته على سؤال لأحد الطلبة: ما العامل أو الوضع الذي يديم العلاقات الإنسانية ويبقيها نضرة ومتوقدة؟ وقبل الإجابة سأل الأستاذ ذلك الزميل: هل تقصد العلاقات العادية بين الناس أم داخل مؤسسة الزواج؟ ولأن أغلبنا ضحك حينها متسائلاً عن الفرق بين صيغتيّ العلاقة رد الأستاذ: هناك فرق كبير جداً بين صيغتيّ وشروط العلاقتين لو تعلمون، ولكني الآن ولضيق الوقت سأكتفي بالقول بأن صيغة العلاقة داخل شكل أو مؤسسة الزواج، يحكمها صراع طبقات ونظام مصالح، أكثر مما يحكمها الود والتآلف، وذكروني في يوم آخر لأشرح لكم معنى هذا الكلام ومقصده. ولككنا وللأسف، نسينا تذكيره ليشرح لنا رؤيته تلك، تحت ضغط غرور وطيش الشباب الأول، طيش عمر العشرين وزهو فتوته. أما الآن وأنا على أعتاب الأربعين، وبعد أن خضت تجربة الزواج، فلم أعد أحتاج لشرح ذلك الأستاذ لرؤيته تلك لكي استوعب مقصدها، لأني فهمتها فهماً تاماً وبكافة دقائقها وحيثياتها عبر التجربة.

وطبعاً الآن أغلبكم سيتساءل: الزواج أو علاقة الرجل والمرأة داخل صيغة العلاقات الإنسانية صراع طبقات؟ كيف ولماذا؟ هل يعقل هذا، أم تراه هو مجرد ترديد أعمى لمقولة وفكرة ذلك المخبول، بفخامة النظريات، كارل ماركس؟

أما أنا فسأقول، بل وأؤكد بإلحاح، دعونا نترك ماركس في قبره مع كم نظرياته المفزعة وكتبه ثقيلة الوزن، التي لم يقرأها ربع العدد الذي يتبجح بقراءتها ويستشهد بمقولات منها، لأن ماركس لم يصنع صراع الطبقات أو نظريته، ولأن صراع الطبقات وجد مع بداية أول علاقة لرجل بامرأة، ببساطة ووفق تجربتي، لأن أي رجل وامرأة لا يتزوجان بحثاً عن هواء أو طاقة جديدة، بل بحثاً عن حياة بديلة للحياة التي يعيشها كل منهما قبل الزواج.

هل يبدو لكم هذا الكلام بتعقيد ماركسي، كما في نظريات ذلك العجوز البورجوازي ماركس؟ معكم حق، بل ويحك الدماغ بطريقة مستعجلة، كحكة الطفل لذراعه وهو منهمك باللعب: حكة عنيفة – قصيرة ولكن مشبعة.

جميعنا، رجالاً ونساء، لدينا تصور خاطئ عن طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، والذي مفاده أن الرجل والمرأة وجدا ليكونا زوجين ومن أجل إنشاء عائلة وأطفال. طبعاً واقع الحياة اليومية الظاهر لنا يقول هذا وبكل وضوح، لكن ما تخلف عملية الزواج والعيش المشترك لأي ثنائي تقول أو تسفح – إذا شئنا الدقة في التعبير – شيء آخر يمكننا اختصاره بمقولة (العيش مع العدو في مكان واحد) دون الخوف من تصفية كل منهما للآخر وهو نائم، رغم أن عدم التصفية هذا لا يسقط عن الشريك، أي شريك أو كل شريك، صفة العدو، بل العدو المزمن، إذا شئنا الدقة في التوصيف.

وربما بدافع كسب التأييد للفكرة أكثر من مناقشتها، عرضتها على صديقتي المتخصصة في التحليل النفسي، فابتسمت وقالت متسائلة بطريقة المحللين النفسيين المشبعة بالتشكيك المبطن، ولكن الذي لا يمكن تجاوزه:

- ولكن أي طبقة من صراع الطبقات وبأي اتجاه؟ قلت بصيغة صبيان المدارس غير المتأكدين من إجابتهم:

- برأيي أنا؟ الطبقة الأثقل والتي تسعى لمحق جميع الطبقات... هنا علقت صديقتي بطريقة من يعلق على قطة مرت بالصدفة من أمامه:

- أنت تحت تأثير الألم الآن، ولذا تكون أحكامك وتقييماتك أشبه بمرحلة الاستمتاع بالألم. ولكن دعنا نبقى في محور الطبقات لنرى فهمك لأمرها؛ فماذا عن زواج بين اثنين من ذات الطبقة الاجتماعية؟ هنا ابتسمت بصيغة المنتصر وقلت:

- المشكلة، أعني مشكلة الطبقية، ليست في الجانب الاجتماعي أو الجانب الاقتصادي الذي يحدد المستوى الاجتماعي، كما تصور ذلك البورجوازي ماركس، بل هو يقوم في زاوية الرؤية للحياة ككل، وهذه الزاوية لا يمكن أن تتشابه بين أي شخصين، ولذا يظل ينظر كل شخص لمن يختلف معه في زاوية الرؤية هذه على إنه من طبقة أدنى، يكون صاحبها على استعداد للدخول في صراع من أجل إخضاع الطرف الثاني لرؤيته. فكرت صديقتي لبعض الوقت قبل أن تقول:

- ليس من الناحية الثقافية بل من ناحية النظام العام للأشياء، هذا الكلام خطير، بل وبمنتهى الخطورة. ولأني اكتفيت برمقها بنظرة تساؤل عما قصدت أضافت هي: لا أقصد كلامي حرفياً طبعاً، أنت تفهم هذا الشيء، إنما أقصد أن هذا الكلام يزعزع الثقة بثوابت كثيرة، أولها نظام العائلة المقدس. صمتت صديقتي مفكرة، فمنحتها الوقت الكافي لتسرح مع أفكارها قبل أن أقول:

- وأنت، إلا مَ توعزين المشكلة إن لم يكن لنوع من صراع الطبقات؟ هزت رأسها دلالة على عدم اليقين وقالت:

- هو بالتأكيد أحد أنواع الصراع، ولكن توصيفك له، بكل هذه الخلفية القاتمة تجهدنا فعلاً، بل لا تدع لنا غير أن نرى ما حولنا بلون واحد. أين تريد أخذ باقي الألوان؟ قلت بقليل من الاستخفاف:

- أنت تتكلمين لغرض الإلهاء، وهذا هو البديل الذي يسعى إليه الجميع، في محاولة للهروب من مواجهة الصراع ذاك، وبكل مواصفاته الطبقية. ولأني وجدتها لم تفهم ما قصدت أضفت شارحاً: بعيداً عن كونك محللة نفسية، أي عبر قوس أنوثتك فقط، كم مرة ستحتملين من زوجك أن يغير لك مواضع الأشياء في مطبخك؟ أي أن تستيقظي بمزاج الصباح المتكدر وتجديه قد غير مكان علبة القهوة، أي حشرها بين علب التوابل أو تجديه قد دس علبة السكر في خزانة الصحون التي لا تستخدميها بشكل يومي، أو أن تجديه قد ترك علبة الملح في الثلاجة أو في الفرن؟ ورغم أنها ابتسمت إلا أنها قالت وملامح الجد تغطي وجهها:

- هل تصدق؟ بسبب تصرفاته هذه، لا أفكر في تركه فقط، بل أحياناً أتمنى موته ورحيله إلى مكان آخر، بعيد يختفي فيه، غير القبر حتى. هنا قلت بشيء من الانتصار:

- ألا يعني هذا أنك ترينه من طبقة أخرى دون طبقتك وغاية في التخلف وهو يفعل ذلك؟ تصنعت رصانة المحللة النفسية الأكاديمية وقالت:

- ليس إلى هذا الحد؛ ولكني صدقاً أراه في غاية التخلف وهو يفعل ذلك. وبعد لحظة كسرت طوق رصانتها الأكاديمية لتقول بصوت أنوثتها: صدقاً ذلك الأمر يدفع المرأة لليأس التام ويدفعها للتفكير بإشعال ثورة كبيرة. وتوقفت هنا وكأنها تبحث عن توصيف دقيق ثم قالت: ثورة تسقط الرجل من حافة الكرة الأرضية وتعيد ضبط الأمور من جديد، بل وتعيد كتابة قصة الوجود من جديد وبعناصر جديدة. هنا ضحكت بنبرة تشفي وقلت:

- على ألا يكون الرجل من بين عناصرها الجديدة طبعاً... أليس كذلك؟ ورغم أنها لم تجب، بل وبدل الإجابة نهضت وتركت المكان ومضت، إلا أني فهمت إجابتها التي لم ترغب التصريح بها.

في يوم آخر، آخر بعيد نسبياً عن يوم حديثنا ذاك، اتصلت بي صديقتي ودعتني لفنجان قهوة. كانت ملابسها غير منسقة، بل وحتى شعرها لم يكن مرتباً بأناقة الأنوثة. وما أن وصلنا فنجانيّ القهوة وابتعد النادل قالت بانكسار:

-هل تعرف أن معظم النساء في الزواج يراهن على حظ الوجه السابع للنرد! قلت وأنا أكتم ضحكتي كي لا تثير استياء رواد المقهى:

- يبدو إن زوجك اليوم لم يكتف بالعبث بأغراض المطبخ، بل امتدت يده لتعبث بنظام خزانة ملابسك ذاتها...؟ نفثت حسرة طويلة وقالت:

- ليس هذا بالضبط، وأنت تعرف هذا تماماً، إنما هناك شقة طويلة وعميقة، في جانب الانسجام بين الرجل والمرأة بالفعل. سألت بحياد وكأني جنس ثالث ولا يمسني الأمر:

- ومن يتحمل المسؤولية في هذا الجانب برأيك، الرجل أم المرأة؟ ردت بهدوء ومن دون أن تتوقف عن التجذيف في بحيرة أفكارها:

- هل تعرف أني عندما أفكر بعمق في الأمر، لا يبقى أمامي سوى أن هذين المخلوقين لم يكونا يوماً من فطرة واحدة ولا من مكان واحد، بل ليس من تشابه بينهما أو من صفة تجمع بينهما. كل منهما جاء من عالم بعيد، وبالصدفة المحضة وجدا أن ثمة ما قد يجمع بينهما، وهي العلاقة الجنسية وما ينتج عنها من نسل. وبعد أن توقفت لتلتقط أنفاسها أضافت: بل هما وحتى في هذا الجانب، كانت لهما آلاف في الملاحظات على بعضهما البعض، وعشرات من أوجه الخلاف والاختلاف، وخاصة في جانب التفاصيل الصغيرة. قلت بطريقة المحقق الأمني أو مفتش الشرطة الذي يحاول استدراج مجرم من حيث لا يشعره:

- وإذن؟ ابتسمت وقالت:

- لا حل أمامهما إلا أن يعود كل منهما إلى المكان الذي جاء منه. أطلقنا ضحكة مكتومة، قبل أن تطلب هي كوبيّ عصير كبيرين، من أجل تهدئة ميزاجينا، كما قالت. وبعد أن أخذنا بضع رشفات من العصير قالت، شارحة لرؤيتها: أظن أنك تتفق معي على إن المرأة تعشق الطقوس في كل شيء؟ ولأني أومأت برأسي موافقاً أضافت: وعكسها الرجل تماماً، فهو قليل الصبر ويحب القفز إلى خط النهاية بأسرع ما يمكنه...؟ وهنا أومأت موافقاً مرة أخرى فأضافت: عملية حرق المراحل بالقفز تحرم المرأة من متعة التفاصيل الصغيرة، وخاصة في طقوس الحب. هي تريد قلب كل حجر يصادفها لترى ما تحته وهذا يزيد متعتها؛ وهو، أعني أنتم يا رجال، تريدون فتح الباب والدخول بأسرع مما يفعل ديك تلاحقه مجموعة ديكة غاضبة، وفي هذا تبدون جميعكم من طبقة واحدة.. طبقة عتيقة ولا تريد التزحزح من فوق الحجر الذي تجلس عليه. هنا أطلقت ضحكة طويلة قبل أن أقول:

- ألا تظنين أن للرجال ذات النظرة حيالكن؟ عبر ضحكة مكتومة أجابت:

- تخيل، معظم النساء يعرفن هذه الحقيقة ولكن لا يردن تصديقها أو تصر أغلبهن على تجاهلها إلى حين نشوب جولة عراك بينهما، أقصد داخل مؤسسة العائلة؟ ولهذا تعود النساء للحظة صفر، أي لهذا الجانب باعتباره أساس المشكلة، لتنثر كل شيء أو كل ما تراكم في الطريق ومن أول خلاف قام بين الاثنين. قلت وأنا أبتسم:

- وإلى متى سيستمر هذا الوضع برأيك؟ ردت وهي تضحك بصوت مكتوم:

- إلى أن يأتي أو يتحقق حظ الوجه السابع للنرد، الذي سيجري عملية غسيل لدماغيّ الرجل والمرأة ويجعلهما من طبقة واحدة. تساءلت بطريقة المحقق الأمني، وأنا أصطنع ضحكة:

- وهل ستقبل المرأة بالوضع الجديد برأيك، أي أن تكون من طبقة مساوية للرجل؟ الحقيقة، وانسجاماً مع طبيعة المرأة التي أعرف، أشك في هذا! ردت وهي تضحك:

- الحقيقة إن قبلت فهذا يعني أنها ستخرج من جلدها وتتحول إلى كائن آخر… غريب ولا يشبهها!

***

د. سامي البدري

"لا أحتاج الى طبيب نفسي بقدر ما أحتاج الى نفسي"

تلك عبارة قالتها إمرأة تعاني من حزنٍ شديد، وأزمات مُتعددة، إن هذا النوع من الأزمات التي يواجهها الإنسان في حياته ليست كلها بحاجة الى دواء بقدر ماهي بحاجة الى دعم نفسي، وبيئة آمنة، والى عناية (ذاتية) بالذات.

 إن الرجوع الى الذات ليس مُجرد إِجراء فلسفي، بل هو ضرورة وجودية، من اجل معرفة أساس المشكلة، وتتبع جذورها، وإعادة النظر في طريقة تفكيرنا، وفي رؤيتنا الذاتية لأنفسنا وللأشياء من حولنا، وفي سلوكنا تجاه انفسنا وتجاه المجتمع، لأن كل انواع الدعم النفسي، والطبي لن يكون فَعّالاً بصورة كافية إذا لم يكن الشخص يُحب ذاته، ويعتني بها، فقد لاتكون المشكلة دائماً في من حولنا، بل ربما تكون فينا نحن أنفُسَنا!

في كثير من الأحيان تكون المشكلات التي يواجهها الإنسان هي من صنع يديه، مثال على ذلك: القرارات التي يتخذها، الوضع الذي يختاره، الطريقة التي يَقبل من الآخرين أن يُعاملوه بها، والسلوكيات التي يمارسها ويكررها في حياته اليومية، وحتى الطعام الذي يتناوله، لأن قرارات الإنسان اليومية تصنع واقعه، على الصعيد الصحي، والجسدي، والمادي، والنفسي، وقد يعتني المرء بالجميع وينسى نفسه!

أيها الإنسان إعرف نفسك بنفسك

منذ أن قال سقراط مقولته الشهيرة هذه "إعرف نفسك"، والمفكرون والفلاسفة يدعون الإنسان الى معرفة نفسه، لأننا في الواقع كثيراً ما نجهل أنفسنا، ولانعرف بالضبط، مانريد، ولا كيف نحققه، وإن جهلنا بأنفسنا قد يضعنا في مكان لايليق بنا، والحقيقة أن مقولة سقراط "إعرف نفسك" هي حكمة عملية، تدعو الإنسان الى الرجوع الى ذاته، وفحص معتقداته، والتخلص من كل ما من شأنه ان يضره أو يؤذيه، نفسياً وجسدياً، وإن معرفة النفس، وإدراك مايجعلها تعيش بحكمة، وفضيلة، وسعادة، هو جزء مهم من العناية الذاتية بها، حيث يعمل على زيادة الوعي الذاتي، والتسلح بالمهارات اللازمة للتعامل مع انماط الحياة المختلفة، وإدارة العلاقات الإنسانية وحُسن توجيهها.

 إن الجهل بالنفس هو سبب أغلب المشكلات التي تواجه الإنسان، وإن معرفة النفس وفهمها، والعناية الذاتية الصحيحة بها، يولد القدرة الكافية على إتخاذ القرارات الحكيمة في حياتنا، ويكون سبباً في الوصول الى السعادة، والطمأنينة، والشعور بالرضا، لأن العناية بالذات هي وقاية لها، وهي تحمينا من الوقوع في المشكلات، وبالتالي يجب ان نكون رحيمين بأنفسنا، ولا نقسو عليها، ولا نبالغ في جلد ذاتنا، بل يجب أن يكون الإنسان عوناً لذاتهِ، ومُحباً لها، فإن لم تُحب ذاتك، ولم تقدرها، لا تتوقع من الآخرين ان يمنحوك هذا الحب، والعناية، والتقدير.

***

شيماء هماوندي

من أعمق المفاهيم التي يمكن أن يعيش الفرد في كَنفها بأريحية فريدة ويتفيّأ بوافر ظلّها بطمأنينة منقطعة النظير، هو مفهوم الوفرة، الوفرة في كل شيء في الحياة مَعينًا لا يَنضب، بدءًا من الأشخاص وانتهاءً بالموارد، وكلما توغّل هذا المفهوم في مختلف مفاصل حياتنا أصبحت صدورنا أرحب ونحن نسعى لحيازة الموارد وإقامة العلاقات؛ ليقيننا التام بأنه يوجد في العالم ما يكفي الجميع وزيادة، فتنحسر مشاعر الحسد والتنافس المريض والإحباط - إلى آخر تلك الآفات النفسية - إلى أدنى مستوياتها، إلا أن ضبط مفهوم الوفرة مهم حتى نتجنّب النتائج العكسية.

فإنه رغم أن الوفرة في عالم اليوم تطفح بتنوّع هائل، وتزخر بتفاوتات جمّة، إلا أننا غارقون حتى الأذقان بنسخ مكررة كثيرة؛ ومن هنا ينتصب التميز علامة فارقة وسط المكرر، وتَعظُم الفَرادة، ويبرز الاستثناء، تماما كما يشتدُّ نور البدر ومهو محاط بظلام دامس، وفي مقالي اليوم أود جلب الاهتمام إلى الندرة رغم الوفرة فيما يتصل بالعلاقات مع الآخرين.

ففي عالم يقطنه ما يربو على 8 مليارات نسمة، تجد أن بعضًا ممن تتقاطع حياتهم مع حياتك، ليسوا مجرد عبور مكرر، بل بصمة استثنائية تترك أثرًا لا يشبه إلا نفسه، والدماغ البشري يقيّم العلاقات بالمقارنة، وبضدّها تتمايز الأشياءُ، وإني لَأعجبُ من الندرة وسط الوفرة! إذْ رغم الوفرة الهائلة من الناس إلا أن لسان حال شخصيات بعضهم تؤكد على حقيقة أن الوفرة لا تعني دائما قابلية الاستبدال! ولا إمكانية التعويض، وهنا تكمن العظمة، فحين يسود التكرار، وتتكرر الأنماط، ويتضخم السائد، يربك المختلِفُ حساباتِ التشابه، لينتصب في وجهه قامةً لا يمكن تجاهل فرادتها، وبحسب تعبير نيتشه: "فلسفة القاعدة في صراعها ضد الاستثناء"(1).

ومع أنّ الانطباع الذي تنعقد عليه أذهاننا بكون البعض لا يتكررون، هو انطباع نسبي، يختلف من فرد لآخر، بحسب طباع كل طرف والدور الاجتماعي والظروف المحيطة والسياق وطبيعة العلاقة نفسها وغيرها، إلا أنَّ النسبية هنا لا تطعن في كون الاستثناء من الناس استثناءً حقا، فكل واحد منا يعيش تفاصيل حياته كافّة بالنسبية بما فيها انطباعه عن الآخرين، إذْ كل شيء خاضع لنظرته النسبية التي لا فِكاك منها، ولا تتأهّل نظرة أحد ما - مهما كان - أن تكون مطلقة تُعايَر إليها وجهات نظر بقية الناس.

كما أنه حتى في سياق الوفرة، فالناس ليسوا مثل قطع النقود، تحل أي قطعة محل الأخرى بالقيمة نفسها، أو أن غياب إحداها يُسكته حضور أخرى بالفئة ذاتها، بل الأمر أعقد بمراحل، فمع وجود الوفرة البشرية وإمكانية الاستبدال بالأشخاص أشخاصا آخرين إلا أنه تبقى بعض الشخصيات يصعب بل ويقرب من المستحيل تعويضها، وهذه حقيقة ندركها في حياتنا، خصوصا إذا أضفنا عامل الظروف التي تحدُّ من تداخلاتنا مع الآخرين، فرغم وجود المليارات الثمانية، فليس من اليسير الدخول في علاقة مع مَن نختاره كما يحدث في قائمة الطعام بالمطاعم مثلا! بَلْهَ عامل العمر الذي يفرض علينا التحرك ضمن نطاق زمني محدود شحيح الخيارات مقارنة بالمتاح الرياضي! فما بالك والعلاقات الإنسانية تتطلّب مددا متطاولة لتعميقها واختبارها! إذن الواقع له كلمته التي لا يتأتّى للبشر تجاوزها.

على أنّ الندرة في الأشخاص الرائعين، لا تقتصر عليهم بالذات، بل تمتد لتشمل سَجيّة الاتصال نفسه بين فردين، فيما نطلق عليه التناغم، فقد يكون كلا الطرفين هامشيا وعابرا في حيوات الآخرين من حولهم، ولكنهما فيما بينهما كأنّما وُجِدا لبعضهما البعض، فالندرة تكمن في العلاقة نفسها، والأمر أكبر من صفات وطباع، بل يتعداه إلى فرادة المشاعر التي تصل بين طرفين في علاقة فريدة لا تعوضها علاقة مع أي طرف آخر، فثمّة بَونٌ شاسع بين أن يكون المرء رائعا في ذاته، وبين أن يكون مدهشا في علاقته مع الطرف الآخر، بعلاقة لا تحمل الملامح ذاتها في علاقات أُخَر.

ورغم ذلك فهذه اللفتة ناحيةَ الندرة في الناس، يجب ألا تدفعنا للاستمرار في علاقات سامة؛ خشية عدم العثور على البديل المناسب، أو الرضى بما هو دون؛ مخافة خسران المضمون، وإنما مؤدّى هذه اللفتة هو أنه متى ما تعثّرنا بالمدهش الفريد في علاقة ما، فإنه يجب أن نحرص على صون العلاقة من ضروب الانهيار، وألّا يجرنا وهم الوفرة إلى استسهال التخلي، فحقًا بعض البشر لا يُعوّضهم أحد، وبعض العلاقات لا تتكرر إلا في العمر مرّة، وذو الحظ الحقيقي مَن يجد ضالّته بين البشر يقاسمه سنين عمره، فالإنسانُ كائنٌ اجتماعيُّ الطبع، يزدهر بغيره!

***

محمد سيف – باحث من سلطنة عُمان

...................

(1) فريدريش نيتشه، ما وراء الخير والشر، ت: علي مصباح، ص 168، منشورات الجمل، بيروت، الطبعة 1، 2018م.

قبل ان يولد الكلام، كان الحب. وقبل ان تتشكل الفلسفات وتتنازع التعريفات، كانت هناك رعشة خفية في قلب الكائن الاول، تقول له ان العالم لا يحتمل الا اذا احب.

الحب ليس طارئا على الوجود، بل هو نبضه الاول، سر حركته، والعلة التي تجعل الحجر اقل صمتا، والسماء اكثر اتساعا، والقلب اكثر احتمالا.

الحب ليس حادثة عاطفية تقع بين شخصين، بل هو انكشاف مفاجئ لحقيقة كنا نجهلها في انفسنا. انه اللحظة التي ندرك فيها اننا لسنا مكتفين بذواتنا، وان نقصنا ليس عيبا بل دعوة للاتصال. في حضوره يتراجع الخوف خطوة، ويتقدم المعنى خطوة اخرى، فنشعر اننا لم نعد وحدنا في هذا الكون الشاسع

الحب هو ان يتسع القلب حتى يتجاوز حدوده، وان تتحول المسافة بين انا وانت الى جسر من ثقة وطمأنينة.

ليس الحب زهرة حمراء على طاولة عشاء، ولا بطاقة معطرة تتداول في يوم عابر، بل هو اخطر قرار تتخذه الروح حين تختار ان تنحاز للحياة بدل ان تنحاز للعدم. الحب ليس عاطفة تضاف الى قائمة المشاعر، بل هو البنية العميقة للوجود، السر الذي به تفسر الكائنات سبب بقائها، وبه يبرر الانسان احتماله لكل هذا الثقل.. ما يسمى بالعالم.

فللمسلمين أعيادهم الخاصة بهم وللمسيحيين أعيادهم ولليهود أعيادهم وللهندوس والبوذيين أعيادهم ولكل بلدان العالم أعيادهم الوطنية وللعمال عيدهم وللطلاب عيدهم وللمعلمين عيدهم ولكل طائفة ومذهب وشعب أعيادهم الخاصة وهذه الأعياد اما ان تحمل طابع دينيا او وطنيا أو اجتماعيا… العيد الوحيد الذي يحمل صفة أنسانية وطابعه روحي خالص هو عيد الحب

 الحب هو العيد الوحيد الذي لا يحتاج الى هوية، ولا يطلب شهادة انتماء. انه القيمة التي لو سحبت من الكون لانطفأ المعنى كما تنطفئ نجمة في فضاء بارد. ولهذا لم يكن الحب ترفا عند الفلاسفة، بل ضرورة وجودية.

حين كتب افلاطون عن الحب في محاورة المأدبة، لم يكن يتحدث عن انجذاب عابر، بل عن ايروس بوصفه سلما تصعد به الروح من حب الجسد الى حب الجمال المطلق. الحب عنده حركة ارتقاء، توق النقص الى تمامه، وحنين الجزء الى كماله. انه قوة تدفع الانسان الى تجاوز حدوده، والبحث عن صورته العليا في المطلق.

اما ابن سينا، فقد راى في الحب مبدأ كونيا يسري في الموجودات جميعا، فكل موجود يعشق كماله، وكل روح تنجذب الى ما يتم نقصها. لم يكن الحب عنده ضعفا انسانيا، بل قانونا يحكم حركة العالم من المادة الى العقل، ومن الظل الى النور.

وفي التصوف، تحول الحب الى نار تطهر الوجود. يكفي ان نستحضر ابن عربي، الذي اعلن ان قلبه صار قابلا لكل صورة، وانه يدين بدين الحب. هنا يغدو الحب افقا كونيا اوسع من الحدود، وارحب من العقائد المغلقة، انه انفتاح مطلق على الاخر، لان الاخر مرآة من مرايا الحقيقة.

ولم يكن الفلاسفة الغربيون اقل افتتانا بهذا السر. فقد عاش جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار تجربة حب معقدة تمردت على القوالب التقليدية، محاولة التوفيق بين الحرية والارتباط. كان حبهما سؤالا مفتوحا، كيف نحب دون ان نمتلك، وكيف نقترب دون ان نلغي استقلال الاخر. لقد ارادا للحب ان يكون مساحة حرية لا قيدا جديدا.

وعندما كتب كيركغارد عن حبه لريجينه اولسن، كان يعيش التمزق بين العاطفة والواجب، بين الرغبة في القرب والخوف من خيانة دعوته الفكرية. فاختار الفراق، لكنه حول الالم الى فلسفة، وجعل من الحب مأساة وجودية تكشف هشاشة الانسان امام اختياراته.

وحتى نزار قباني، ادرك ان الحب ليس تفصيلا، بل ضرورة اختراع، لو لم نجده لاخترعناه. لان الانسان بلا حب كائن ناقص المعنى، يمشي في العالم كما لو كان يؤدي وظيفة الحياة دون ان يعيشها حقا.

الحب ليس مجرد علاقة بين شخصين فقط، بل موقف من الوجود. ان تحب يعني ان ترى في العالم امكانية للجمال رغم قسوته، وان تعترف بنقصك دون خجل، وان تجد في حضور من تحب شجاعة الاعتراف بضعفك. الحب الحقيقي لا يجمّلك ليرضي صورته عنك، بل يقبلك كما انت، ويمنحك الطمأنينة لان تكون على طبيعتك.

انه حالة تحرر لا اخضاع، وانكشاف لا تمثيل، وامتداد سماء داخلية بلا حدود. هو التيه الذي يقود الى المعنى لا الى الضياع، وهو ان تمسك يدا فتشعر انك امسكت بالحياة كلها.

اذا كان هناك نشاط وجداني يستحق التقديس في هذا الكون، فهو الحب. لانه وحده القادر على اذابة التناقضات الداخلية، وعلى مصالحة الانسان مع ذاته ومع العالم. ان تحب اي شيء، انسانا او فكرة او زهرة او نجمة، هو ان تقول للحياة نعم.

وفي النهاية، ليس السؤال هل نحب، بل هل نستطيع ان نحيا بلا حب. فالحياة بلا حب ليست قسوة فحسب، بل خواء يتنكر في هيئة انشغال، وفراغ يتخفى وراء ضجيج الايام. الحب هو المعنى حين تتشظى المعاني، وهو النور حين تتكاثف العتمات، وهو الفكرة الوحيدة التي لا تسقط بالتقادم ولا تبطلها الهزائم.

الحب ليس ترفا عاطفيا، بل ضرورة وجودية، به يتصالح الانسان مع ضعفه، ويعترف بحدوده، ثم يتجاوزها. انه القوة الوحيدة التي لا تمارس القهر، والسلطة الوحيدة التي لا تفسد، واليقين الوحيد الذي لا يحتاج الى برهان. من يحب، يرى العالم قابلا للنجاة، ويرى في الاخر امتدادا لانسانيته لا تهديدا لها.

فاذا كان الكون قائما على قوانين تحكم حركته، فان الحب هو القانون الذي يحكم معناه. واذا كان لكل شيء غاية، فغاية الانسان ان يتسع قلبه حتى يليق بالحياة. عندها فقط لا يعود الحب حدثا عابرا، بل يصير موقفا دائما، واختيارا واعيا، وطريقا لا رجعة فيه.

الحب ليس وعدا بالسعادة الدائمة، لكنه وعدا بالمعنى. وليس ضمانا ضد الالم، لكنه يجعل الالم نفسه قابلا للفهم. لذلك كان الحب اجمل ما يمكن ان يحدث للروح، لانه يعيد ترتيب العالم من الداخل، ويجعل للحياة طعما، وللوقت قيمة، وللوجود سببًا يستحق ان يعاش.

فطوبى للمحبين والعاشقين لأنهم ملح الحياة ومائها وترابها وهوائها ونورها وسمائها.

****

ابتهال عبد الوهاب

 

نص ميتا سريالي

يا انكسارَ الوجدِ المتسمر فوق أرصفةِ الحنينِ الموحشة، ويا تيهَ الوردِ في دهاليزِ الفناءِ السرمدية، تلك التي لا تمنحُ العابرينَ إلا متاهةً من استنساخِ الرفاتِ العقيم. هناك، على وقعِ صرخةِ "ننماخ" التي بُترت أوتارُها الروحية قبل أن تلامسَ شِغافَ الأفق؛ الهواءَ لم يعد رحماً كونياً يغزلُ الأنفاس، بل استحالَ غلافاً زجاجياً صلداً يرتدُّ عنه الدعاء، والصدى لم يعد رجعاً لنداء الحنين، بل ارتدَّ خنجراً هندسياً يغرسُ نصلَهُ في صدورِ التماثيلِ التي فقدت قداستَها في مزادِ العقلِ.

في "مرافئِ الصمتِ المطلق"، ترسو سُفنُ الوجدِ المثقلةِ بنبيذِ الآلهةِ المعتقِ بمرارةِ الانتظار، ملاحوها كائناتٌ هلامية بلا أفواه، حُجبت ألسنتُهم بخيوطٍ من رصاصٍ مصهور، والبوصلةُ لا تشيرُ إلى "الشمالِ “، بل تُصوّبُ إبرتَها المسمومةَ إلى جهةٍ خاسرةٍ، ثقبٍ أسودَ في الوعيِ المتآكلِ يُسمى "الانا" المتضخمة. هنا، يتدلى الزمنُ كخيطِ عنكبوتٍ هشٍّ مبللٍ بالدمعِ فوقَ هاويةٍ سحيقة من "البياناتِ الصماء"، وكلما حاولَ الوجدُ أن يفتحَ شراعاً من حريرِ الرؤيةِ، صفعتْهُ ريحُ العدمِ ببرودةِ اليقينِ الرياضي الذي لا يقبلُ التأويلَ ولا يعترفُ بالمعجزة.

أما "سراديبُ الموت"، فهي ليست لحوداً من تُرابٍ نديٍّ يَعِدُ بالبعثِ الأخضر، بل هي أنفاقُ التكرارِ الرتيبِ المبطنةِ بالمرايا. هناك، يسقطُ الوردُ مذهولاً، حين يكتشفُ في لحظةِ احتضارهِ أنَّ لونهُ القرمزي لم يكن إلا "وهماً بصرِياً" تمت هندستهُ بدقةٍ في مختبراتِ الضوءِ الزائف، وأنَّ عطرَهُ الذي ملأ الآفاقَ ذات صبابة لم يكن إلا نشيجاً مكتوماً، يحاولُ يائساً الانفلاتَ من قبضةِ العدمِ.

ننماخ، تلك التي صاغتِ الإنسانَ الأول من نبضِ الأرضِ وعرقِ الآلهةِ السومرية، تنوحُ اليومَ بمرارةٍ مالحَةٍ على "الإنسانِ الروبوت" الذي استوطنَ هيكلَ العشاقِ وسكنَ تجاويفَ القلوبِ الخشبية. تنوحُ لأنَّ كيوبيد، رسولَ الشغفِ العابرِ للمجرات، صارَ موظفاً صغيراً في "ديوانِ الحكمةِ الباردة"، يُعالجُ المشاعرَ كأرقامٍ تسلسليةٍ في قاعدةِ بياناتٍ لا تنتهي. ولأنَّ أفروديت باتتْ تنعى الأسطورةَ في لغةِ "الخوارزمياتِ" القاحلة، حيثُ الجمالُ يُقاسُ بكثافةِ البيكسل، والروحُ تضيعُ في دهاليزِ الشيفرةِ الثنائية.

على عتبةِ الفجيعةِ الكونيةِ الكبرى، جثت ننماخ، واهبةُ الأشكالِ المُقدسةُ بالطينِ الأوّلي، تنظرُ بعينينِ يملؤهما "المازوتُ" الثقيل والشمعُ المُذاب. لم تكن تبكي فوقَ ترابٍ نديٍّ يستقبلُ دمعَها ليُنبتَ عشباً سماوياً، بل كانَ نحيبُها يرتطمُ بجدرانٍ صلبة من "بوليـمر مُعاد"، جدرانٌ صمّاءُ بلا مسامٍ كونية، تخنقُ صدى الوجعِ وتمنعُهُ من التحليقِ نحو البعيد. هناك، في زوايا السردابِ العقيمِ الذي تفوحُ منه رائحةُ المختبر، أُودِعت "أشواقُ البشر" في صناديقَ خشبيةٍ خشنة، ليست من خشبِ الأرزِ اللبناني الذي يحملُ عطرَ الهياكلِ العتيقة، بل من أخشابِ الشحنِ التجاريةِ المتروكةِ لتتعفنَ على أرصفةِ النسيانِ المتراكم. كانت تلمسُها بأصابعِها الإلهيةِ المرتجفة، فتجدُ الوردَ داخلَها لا يذوي بفعلِ الزمنِ الطبيعي الجميل، بل بفعلِ "الاختناقِ الميتافيزيقي" داخلَ أغلفةِ النايلون الشفافةِ والقاتلة.

بكت ننماخ، فتقاطرَ دمعُها "ورداً " غريباً، يسقطُ في صناديقِ البلاستيكِ الباردة، فيتحولُ فورَ ملامستِها إلى مادةٍ صلبة، بلا رائحةٍ تذكر، وبلا نبضٍ يُرجى، كأنهُ منحوتاتٌ صخرية نُزعت من أحشاءِ جحيمِ "دانتي". صرختْ في وجهِ أثينا الغائبةِ خلفَ بلوراتِ لوغاريتماتِها وحساباتِها الباردة: يا لَبؤسِ الحكمةِ حين تَقتُلُ السحرَ لتصنعَ منه سلعةً رخيصة! ويا لخيبةِ الوجدِ حين يُعلّبُ في 'بولي-إيثيلين' ...!

لقد ضاعَ "كيوبيد" في دهاليزِ المصنعِ الكبيرِ الذي يبتلعُ الأحلام، وبقيت ننماخ وحدَها تُرممُ الوردَ المكسورَ بآهاتٍ عميقة لا يسمعُها إلا الصمتُ المطبقُ في أرجاء القبو. وعلى أنقاضِ اللدائنِ المُعادة، حيثُ تتقيأُ الأرضُ جثثَ الرموزِ المستهلكةِ والمحطمة، التقت أفروديت بـ ننماخ في مشهدٍ يمزقُ نسيجَ الواقع. كان اللقاءُ في "فجوةٍ زمنيةٍ" هاربة، حيثُ تذوبُ الحدودُ الفاصلةُ بين "الأنا" الظامئة و"الآخر" الغائب، وبين "المادة" الصماءِ في جمودِها و"المعنى" المتعالي في تجريده.

يا أُمَّ الأرحامِ الأولى، هل تلمسينَ هذا الجفافَ الذي ينخرُ في عظامِ الكائنات؟ أثينا لم تقطعْ لسانَ كيوبيد فحسب، بل حقنتِ الفضاءَ الكوني بـ 'مصلِ المنطقِ الجاف'، فاستحالَ الهواءُ مادةً صلبةً لا تنقلُ العطرَ ولا تحملُ نبضَ الدعاء. انظري إلى وردِكِ المسجونِ في هذه التوابيتِ الخشبية الباردة.. إنه لا يملكُ حتى ترفَ الذبولِ الطبيعي، إنه 'يتفيأ' في ظلِّ العدم، يذوي لأنَّ المعنى الكامن خلفَهُ قد استُهلكَ تماماً في معاملِ تدويرِ الوعيِ المنقاد.

يا ابنةَ الزبدِ والضوءِ الساطع، الطينُ الذي جبلتُه بيديَّ هاتين كانَ يحلمُ، كانَ يشهقُ بالغيْبِ، أما الآن فهو 'طينٌ مُبرمج' يتبعُ أوامرَ الشيفرة. هذه السراديبُ البلاستيكية ليست جدراناً ماديةً فحسب، بل هي 'فلاترُ' أيديولوجية تمنعُ الروحَ من الانسكابِ في جسدِ العالمِ المتعب. الوردُ الذي أبكيهِ اليومَ ليس نباتاً يحتاجُ للماء، بل هو 'ميتاداتا' الجمالِ التي ضاعت وتشتتت في تلافيفِ العقلِ الآليِّ. أثينا تريدُ كوناً مهندساً، قابلاً للقياسِ والوزنِ والعدّ، ونحنُ يا أفروديت كائناتُ اللامقاسِ التي تعيشُ في الهوامشِ المنسية.

لقد حولوا 'الوجد' الإنساني إلى سلعةٍ معلبةٍ بمدةِ صلاحيةٍ محددة، وصارَ 'كيوبيد' مجردَ ساعي بريدٍ تائهٍ في دهاليزِ ديوانِ العقلِ الغليظ. هل نسوا أنَّ الحبَّ في جوهره هو 'ثقبٌ أسود' يبتلعُ نسيجَ المنطقِ الهش؟ كيف يجرؤون على حصرِ اللانهائي في صناديقَ من خشبٍ ميتٍ وبلاستيكٍ لزجٍ مقزز؟ إنهم يقتلونَ 'المسافةَ المقدسة' بين المحبِّ والمحبوبِ ليميتوا الشوقَ في مهده.

المعضلةُ يا أفروديت ليست في القضبانِ الحديدية، بل في أنَّ السجينَ نفسَهُ صارَ يعشقُ ملمسَ جدرانِهِ البلاستيكيةِ الملساء. لقد فَقَدَ البشرُ 'حاسةَ الغيب' واكتفوا ببلادةِ اللمسِ. عندما منعتْ أثينا كيوبيد من أن يكون 'رسولاً ميتا سرياليا' يربطُ الأرضَ بالسماء، فهي لم تمنعِ الرسالةَ بذاتها، بل سممتِ 'عصبَ الرؤية' لدى المتلقي. الآن، هم ينظرون إلى الوردِ فيرى كلُّ واحدٍ منهم 'سِعراً' ووسماً تجارياً، ولا يرى أحدٌ منهم 'قصيدةَ صلاةٍ' تُرفعُ في محرابِ الجمال.

هذا هو النعيُ الأخيرُ لعالمٍ فقدَ بوصلتَه. سأتركُ مرايايَ تتحطمُ هنا في هذا القبو، لتجرحَ شظاياها الحادة صمتَ هذا السردابِ اللعين. إذا لم يعد الجمالُ خرقاً صارخاً للنمطِ والتدجين، فليكنِ 'العدمُ ' المحض هو لوحتنا القادمةَ التي سنرسمُ عليها ضياعنا.

سأبقى هنا في هذا الركنِ المظلم، أخلطُ دمعي بالبلاستيكِ المُعادِ وتراكمات النفايات الصناعية، سأعجنُ اليباسَ الوجودي بالحنينِ الجارف، حتى يلينَ الحجرُ الأصم، ويخضرَّ الفراغُ المستحيلُ في قلوبِ الآلات. سأنتظرُ اللحظةَ الكونية التي ينفجرُ فيها هذا 'العقلُ ' بضغطِ المكتومِ واللامحكيِّ الذي يغلي في الأعماق. الميتا سريالية يا أفروديت ليست هروباً طفولياً من الواقع، بل هي الحقيقةُ الصارخة الوحيدة التي تئنُّ خلفَ قناعِ الزيفِ الحضاري.

في تلك اللحظةِ الملحمية، تداخلتِ الأطرافُ النورانيةُ الشفافة لـ أفروديت بالأجسادِ الترابية الخشنة لـ ننماخ، ليتشكّلَ منهما كائنٌ ثالثٌ عجيب يُدعى "كائن الفجيعة". كان جسدُ أفروديت يذوبُ كالشمعِ المقدسِ فوقَ تشققاتِ جلدِ ننماخ الظامئ، وكأنهما تحاولانِ بكلِّ ما أوتيتا من قوةٍ، حمايةَ ما تبقى من "السرِّ الجوهري" قبل أن تبتلعَهُ ماكيناتُ سك العملة التي لا تشبعُ من التهام الأرواح. لم يكن العناقُ بينهما حُبّاً بالمعنى التقليدي، بل كان "التحاماً يائساً" ودرعاً أخيراً ضدَّ عالمٍ بوليمريٍّ بارد لا يعترفُ إلا بصلابة المادة وغيابِ الأثرِ الروحي.

في تابوتٍ محكمٍ من 'بولي-إيثيلين' العزلة، يرقدُ ما وراءَ المادةِ... ينتظرُ ريحاً مقدسةً لن تأتي أبداً، لأنَّ السماءَ نفسَها فَقَدت زُرقتَها الحالمة وصارت سقفاً ثقيلاً من أسمنتٍ مُسلّحٍ يمنعُ النجومَ البعيدة من البكاء على حالنا. ماتَ السحرُ في قلوبِنا حين صارَ يُقاسُ بالمسطرةِ والقلم، وانتحرَ المعنى حين صارَ مجرد "بضاعةٍ" تُشحنُ في صناديقِ الغيابِ والترقّب. في هذا السردابِ الذي لا ينتهي إلا لِيؤدي إلى متاهةٍ أخرى، لم يتبقَ من الأسطورةِ إلا صدىً مشروخٌ يترددُ في قبوٍ من البوليمر، ورائحةُ كيماوياتٍ نفاثة تحاولُ، يائسةً، أن تُقلدَ رائحةَ الخلودِ التي ضاعت منا في زحامِ المصانع.

في اللحظةِ الفاصلةِ بين العدم والوجود، انهارَ جدارُ "الأنا" الزائف بين ننماخ وأفروديت. لم يعد هناك فرقٌ يذكر بين زبدِ البحرِ المنبعثِ من نشوةِ الضوءِ الأول، وطينِ الأرضِ العتيقِ المشبعِ بعرقِ الخلقِ ومعاناة الوجود. اقتربت أفروديت من ننماخ، لا كإلهةٍ سماوية تواسي أخرى أرضية، بل كفكرةٍ تائهة تبحثُ عن جسدٍ يقيها بردَ التشيّؤِ القاتل.

تداخلتِ الأصابعُ الملساءُ بتشققاتِ الجلدِ الترابي القاسي، فبدأت "عمليةُ الانصهارِ " الكبرى. كان جسدُ أفروديت يسيحُ كالشمعِ السائلِ المتوهج، يتغلغلُ في مسامِ ننماخ الطينيةِ العميقة، وكأنَّ النورَ يحاولُ يائساً أن يحقنَ العتمةَ بآخرِ جرعةٍ من السحرِ المتبقي في جرار الآلهة. في المقابل، كانت أطرافُ ننماخ الخشنةُ تلتفُّ حولَ ذلك الضوءِ الشارد، تعجنهُ بدمعِها المخلوطِ بالمازوتِ والألم، ليتشكّلَ منهما "كائنُ الفجيعةِ " الأسطوري، كائنٌ برأسٍ من مرمرٍ مشروخٍ يقطرُ حكمةً، وأطرافٍ ممتدةٍ كجذورٍ كونية تبحثُ عن قطرة ماءٍ في أرضٍ قاحلة من بلاستيكٍ وأليافٍ ضوئية.

غارت أقدامُ الإلهتين في مادةٍ سوداء لزجةٍ تبتلعُ الخطى، ليست قِطراً من جحيم قديم ولا هي حممٌ بركانية ثائرة، بل هي "زيتُ العصور" الذي احترقَ في محركاتِ العولمة الصاخبة ولم يُضئ شمعةً واحدةً للروح. كان هذا الزيت الأسود ينزفُ بغزارة من صناديقِ الشحنِ الخشبية، وكأنَّ التاريخَ نفسَهُ قد أُصيبَ بنزيفٍ داخليٍّ حاد لا ينقطع. تحتَ وطأةِ هذا الالتحامِ العنيف، بدأت جدرانُ السردابِ البلاستيكيةُ تذوبُ وتتآكل، ليس بفعلِ حرارةِ النار، بل بضغطِ "الوجعِ المكتوم" المنبعثِ من هذا العناقِ اليائسِ بين الأرضِ والسماء.

لم يكن العناقُ حُبّاً غريزياً، بل كان "التحاماً ً" ضدَّ عالمٍ مشوه لا يعترفُ إلا بالنسخِ المكررةِ التي بلا أصلٍ ولا روح. صرخت ننماخ بصوتِ أفروديت الجريح، وضحكت أفروديت بمرارةِ ننماخ الطينية. وفي تلك الفجوةِ الزمكانية، انصهرَ الجمالُ المتعالي في الزيتِ والوحل ليتحولا معاً إلى "كتلةٍ حرجة" من الرخامِ والزجاجِ والبلاستيكِ المُعادِ والمشاعرِ الموءودة كانتا تحاولانِ بكلِّ ما تبقى من قداسة حمايةَ "السرِّ الجوهريِّ" للوجود من أن يُختزلَ في "باركود" تجاري أو يُسجنَ في حساباتِ أثينا الباردةِ. تحولتا في النهاية إلى "أثرٍ" باهتٍ يرتسمُ على الجدرانِ الصمّاء، لوحةً رُسمت بدمِ الآلهةِ النازف على قماشٍ رخيص من "البولي-إيثيلين"، صرخةً كونية تجمدت في لحظةِ انفجارٍ عظيم، لتُعلنَ للعالمِ الأخرس أنَّ السحرَ لا يموتُ طالما هناك طينٌ يحلم، بل يتحولُ إلى "لغزٍ أسود" عميق يسكنُ قلبَ السردابِ ويقضُّ مضجعَ الآلات.

ومع وصولِ هذا الالتحامِ بين أفروديت وننماخ إلى نقطةِ الغليانِ الميتافيزيقي، لم يعدِ السردابُ الضيق يحتملُ ثِقَلَ الوجعِ المتراكم. فجأةً، وبإيقاعٍ جنائزيٍّ يشبهُ تصدُّعَ آلاف المرايا في غُرفٍ فارغةٍ، بدأت صناديقُ الشحنِ الخشبيةُ الكبيرة بالانشطارِ المروع. لم يكن انشطاراً ميكانيكياً ناتجاً عن ضغطٍ فيزيائي، بل كان "تفتتاً جوهرياً" في بنية المادة؛ حيث فقدَ الخشبُ الميت ذاكرةَ الغابةِ الأولى، واستحالَ إلى شظايا جارحة من أليافٍ ميتةٍ تتطايرُ في الهواء كقشورِ جلدٍ كونيٍّ محترقٍ تحتَ شمسِ الحقيقة.

من قلبِ تلك التوابيتِ المتفجرةِ، انبعثَ الوردُ الذي كان مخنوقاً خلفَ طبقاتِ البلاستيكِ الشفافة. لكنهُ لم يخرج نضراً كما عهدناهُ في قصصِ الحب القديمة، بل خرجَ وقد "احترق" تماماً تحت ضغطِ اليأسِ المطبق. تحولتِ البتلاتُ الرقيقةُ الوردية إلى رقائقَ هشة من الكربونِ الصلب، سوداءَ كليلِ المصانعِ الطويل، تلمعُ ببريقٍ معدنيٍّ باردٍ يخلو من الحياة. لم يعد الوردُ كائناً عضوياً يفوحُ بالعطرِ ويهتزُّ مع النسيم، بل استحالَ إلى ذراتٍ كربونيةٍ حادةٍ كالسكاكين، تسبحُ في الفراغِ كغبارِ نجومٍ ميتةٍ منذ الأزل، تجرحُ في طريقها وجهَ "أثينا" البارد وتثقبُ رداءَ الحكمةِ الجافَّ الذي ظنت أنه يحميها من جنونِ الروح.

كانت الشظايا الخشبيةُ المفتتة تتصادمُ بعنفٍ مع رقائقِ البلاستيكِ الذائبةِ في الفضاء، لتخلقَ دوامةً سوداء تحجبُ الرؤيةَ وتلغي الاتجاهات. في مركزِ هذه الدوامةِ الكونية، كان "كائنُ الفجيعة" يلفظُ أنفاسَهُ الأخيرة، مُحولاً بقايا الأسطورةِ القديمة إلى رمادٍ صناعيٍّ تذروهُ الرياح. الوردُ الذي كان في يومٍ ما "صلاةً" خاشعة، صارَ الآن "فحماً" وقوداً لنارٍ لا تنطفئ؛ والمكانُ الذي كان يُفترضُ أن يكون "مرفأً" للآمال، صارَ "محرقةً" كبرى للرموزِ.

لقد تفتتتِ الصناديقُ أخيراً لتكشفَ عن الفراغِ المطلقِ والقاسي الكامنِ خلفَ أغلفتِها التجارية. لم تكن الصناديقُ في الحقيقة تحملُ أشياءً ملموسة، بل كانت تحصرُ "العدمَ" بداخلها لتوهمنا بالامتلاء. وبتحطمِها المفاجئ، انطلقَ ذلك العدمُ الجائع ليملأَ أرجاءَ السرداب، مُحوّلاً كلَّ ما هو صلبٌ ويقينيّ إلى هباءٍ تقنيٍّ متطاير، ومُعلناً في صرختِهِ الأخيرة أنَّ "كيوبيد" قد دُفنَ فعلياً تحتَ طبقاتٍ سميكة من رمادِ الوردِ المتفحمِ وبقايا البوليمرِ المصلوبِ على مذبحِ العولمة العرجاء.

***

غالب المسعودي

 

عبد الأمير زاهد انموذجا

المقدمة: يبدو ان انحسار العقلانية صفة ملازمة لتشظي سلطة الدولة وسيادتها. حيث تعمل الدولة الوطنية الحديثة على كبح جماح السلطات الفرعية  (العشيرة، الدين، والعصابة...الخ) فتستعيض عنها بسلطة قاهرة تستند الى شرعية الدولة ونفاذ قانونها وقدرتها على البطش. عاني العراق من جور السلطة للدولة القاهرة منذ تأسيسه الحديث في بدايات القران الماضي الى ان حدث التغيير في طبيعة السلطة عام 2003، مما أدى الى تشظيها بعد ذلك. وفي كلا الحالين كانت السمة المميزة للفضاء الفكري هو غياب النقد ووقوع العقل اسير لمرجعيات الفكرية التقليدية والتي تحارب كل نقد وتسفه كل نقاش عقلاني تنويري.

لقد اتسم النقد التنويري العراقي بخاصية انه من خارج المنظومة الدينية في معظمها لذا كان من السهولة بمكان وصمها بأنها تحارب الدين من قبل المخالفين. وبالمقابل كان لابد من وجود افكار تنويرية من داخل المتن والقراءة الدينية، وهو امر ليس من السهل ان نجده وذلك لقلة المشتغلين عليه.

من هنا يمكنني القول بوجود اتجاهين من التنوير في الفكر الديني العراقي المعاصر أستطيع ان اسميهما  (الابستمولوجي والانطولوجي). الأنطولوجي الذي يستند غالبا الى مقولات من خارج المتسالم عليه في المنطومة الدينية السائدة. في هذا البحث افترض ان ما يطرحه  (عبد الامير كاظم زاهد) يمكن ان يعتبر انموذجا للتنوير الابستمولوجي العراقي لأنه يستند أيضا الى مقولات من داخل المنظومة الدينية.

المبحث الأول: جدل التنوير

عرفت البشرية في العصر الحديث اهتماما كبيرا بالإنسان، فبعد ان كان مهمشا اصبح يسعى لأن يكون مركزا، وبعد ان كان تابعا وجاهلا، سعى المصلحون والتنويريون لأن يجعلونه سيدا وعارفا. فاقترنت المعرفة بالحرية في العصر الحديث وان يكون مسؤولا وشجاعا في مواجهة أسباب فقدان العدالة والحرية. وهذا هو جوهر التنوير الذي دعا له كانت. فالتنوير الكانتي يدعو الى "خروج الإنسان من حكم القصور الذي غلب عليه والذي هو نفسه مسؤول عليه"  (1). فالتنوير هنا يكون بمعنى التقصير الذي يمنعنا من اللحاق بالركب العالمي الحضاري. والتقصير هو التكاسل والخوف الذي يمنعنا من البحث في أسباب عدم الاقتدار في ان نكون كما ينبغي ان نكون عليه.

لذا فالبحث عن أسباب التقصير وخاصة في المجال التراث الديني العراقي خاصة هو ما اسميه "التنوير الديني العراقي". فقد حظيت العلاقة بين التراث والحداثة باهتمام شديد من المشتغلين بالمجالات الدينية والاجتماعية والانثربولوجية والفلسفة والثقافة وغيرها من العلوم. مما دعت الكثير من رجال الدين للمبادرة في الدعوة للإصلاح الديني لغرض مواكبة المعرفة الدينية للمتغيرات التي طرأت وتحدث على المجتمعات الإسلامية. في خضم تأثيرات الحداثة وهجوم متبنيها على التراث تشكلت العلاقات الصراعية التي افرزت اتجاهات فكرية تبحث في الصراع وإمكانية ايجاد حل له الى عدة اتجاهات يمكن اجمالها بما يلي:

- اتجاه يتمسك بالتراث بكل ما فيه.

- اتجاه يرفض التراث بكل ما فيه.

- اتجاه يحاول العودة للأصول مع محاكمة الجديد الحادث على أساسها.

- واتجاه يحاول العودة للأصول ولكن بإخضاعها الى مراجعات نقدية حديثة.

- واتجاه يحاول الموائمة بين الحديث والقديم، تسمح بإضفاء الشرعية على الجزء الجديد منه (2).

مع كل الضجيج الذي تبنته الحداثة الدينية في العالم الإسلامي عامة والعراقي خاصة في الدعوة الى  (الصحوة الإسلامية والإصلاح او التجديد الديني) الى انه لم يصل الى الوضع الناضج فكريا وعمليا (3). فالعراق واجه تحديات ثقافية وفكرية وحضارية بعد عام 2003 بسبب الانفتاح الواسع على العالم والأفكار الوافدة الينا بواسطة النت والميديا وتوسع ملحوظ في ممارسة الحرية في مجالات الفكر والنقد، بعد الغلق المحكم من قبل النظام الديكتاتوري. مما تطلب نهوض مفكري التنوير لمواجهة هذه التحديات، وخاصة في دراسة العلاقة المتوترة بين التراث والحداثة. فالعقل التنويري العراقي هو العقل الذي يبحث:

في الميتافيزيقيا بكونها معرفة أي علاقة تربط بين التساؤل وبين الواقع الذي يتأسس عليها احكامنا. أي هي معرفة حدود العقل البشري من جهة. واستخدامه في تعقب الخصائص الخفية للأشياء من جهة أخرى (4).

وهو العقل التنويري العراقي بوصفه قوة ناقدة. (5)

في هذا الصدد يقول عبد الأمير زاهد في بحثه الموسوم  (معضلة الحداثة في المجتمع الإسلامي المعاصر) "لا يزال العقل الإسلامي يتحرك في مكانه حركة موضعية، ولاتزال شعوبه تعاني من غياب المنهج العلمي، ولا يزال عاجزا عن تحقيق تنمية إنسانية" (6). فهو يسأل مستغربا حول خسارة العالم الإسلامي لعملية تحقيق الحداثة، وهل العلمانية شرط الحداثة. ويجيب بانه لا يصح نقل تجربة أوربا كما هي بسبب اختلاف عوامل الصيرورة في العالم الإسلامي، وفي ذات الوقت لا يصح الاغفال القسري والمتعمد لتجارب الشعوب الأخرى. ويعتقد باستطاعة العقل الإسلامي ان يكتشف مشروعه النهضوي الجامع بين اشتراطات الوحي وضرورات العصر (7). وهو لا يرى ان العلمانية شرط للحداثة في العالم الإسلامي وان التنوير الإسلامي هو شرط الحداثة. ويعتقد ان الفهم الإيجابي القويم للنص الديني هو شرط لتجربة متقدمة في الشورى، وان الموجة الفكرية التنويرية بإمكانها ان تجدد ذاتها بتجديد التراث الفكري برمته وان على القوى العلمانية ان تقبل اسلمة الحداثة على أسس برهانية (8).

هنا دعوة الى إمكانية التنوير الذي يتطلب موقف "القبول" من جهة وحجج "برهانية" من جهة أخرى. القبول هنا موقف عملي كتجربة "انطولوجيا" بعد البرهان الذي هو منحى "ابستمولوجيا". والابستمولوجيا بكونها مبحث في نظرية المعرفة، تركز على ضرورة دراسة شروطها الضرورية والكافية، وكيفية اكتسابها وقيمتها (9)، وتُعّرف أيضا بكونها "الاعتقاد الصادق المبرر" (10). بذلك يكون التبرير المعرفي للتنوير الديني هو منحى ابستمولوجي للتنوير العراقي.

المبحث الثاني: المشروع التنويري للدكتور عبد الأمير كاظم زاهد

ما هو التنوير الذي نريد؟ او الذي يصلح لدينا. فالتنوير إشكالية تاريخية يتعلق بمصير الإنسانية الحديثة كما يقول فتحر المسكيني. واذا كان التنوير الكانتي يستند الى استخدام العقل دون وصاية وان آفة التنوير لديه هما  (الكسل والجبن). فان التنوير الذي نحتاج ان يكون مشروعا روحيا لأنفسنا، لذا فإن افة التنوير لدينا هما  (الخوف والقلق) (11). واحد أسباب الخوف الرئيسية هو العنف بالعموم بكل انواعه و (الديني بخاصة).

ان من يقرأ المنتج الفكر للدكتور عبد الأمير كاظم زاهد، تتلبسه الحيرة أحيانا. فالقراءة السريعة توهم بانه لا يقدم جديد، بل يعيد ما تم تداوله سابقا. ويؤخذ عليه كثرة ما يطرح من أسئلة يُفترض ان الإجابة عليها يجب ان تكون واضحة للعيان. ومن ناحية أخرى يؤخذ عليه انه يحاول ان يقدم نموذج ديني ينطلق من رؤيته الدينية  (من داخل الدين) لا من خارجه. ان المنتج الفكري التنويري "لعبد الأمير زاهد" هو في جله يتناول الجانب السياسي المترشح عن التشريع الديني. وهو اذ يقدم رؤيته للفكر السياسي الإسلامي فهو ينطلق من نقد لأهم اساسيات بناءه الحالي. لذا فهو يستند الى الفقيه النائيني لأنه يعتبره رئد الفقه الدستور في  (رسالة تنزيه الملة)، وانها أطروحة أساسية مستقلة للأنموذج المدني الدستوري الإسلامي. وضرورة نقدها نظريا وتطبيقيا وإصلاح ثغراتها لأجل بناء نموذج حضاري مدني إسلامي في العراق (12). ان محاولة زاهد تهدف لبناء أسس تنويرية من داخل الملة لا من خارجها، لكنها لن تنجح اذا لم تتجاوز محليتها الى الفضاء الوطني والعالمي.

وهو اذ يقدم نقدا مهما لإشكالية العنف الديني وللأصوليات الدينية التي تستند الى  (النص والتجربة الماضية) فهو بهذا يحاول جاهد نقد اهم سبب في فشل التنوير لدينا وهو  (الخوف والقلق) المصاحبان للعنف الديني. وهو اذ يدين استصحاب الماضي لأنه يهدر الحاضر، وينتقد تحويل الشعور الديني المستند الى التراث الى شعور بالهوية. وتقديمها على انها كينونة الهوية الحضارية، ولأنها تستصحب الماضي اليقيني في محاكمة الحاضر الظني. ولأن الحلول لمشكل في زمن\ ومكان معين تصبح غير نافعة اذا تغير الزمان والمكان. لذا فإن عملية الاستصحاب ستولد فراغات تسبب خللا في المسار والصيرورة الفكرية للتدين وعملية ملء الفراغ بالفكر المعاصر تعني ان "اليقين الماضوي" يحتاج ان يفكك ويوجه له النقد بما هو معاصر (13). والمعاصرة لا تعني لديه تقديم نموذج يستند الى مرجعية علمانية بل ان تبقى مرجعيته دينية في منهجية لا تبتغي التلفيق بل يسعى الى الاتساق المعرفي فيستند الى ارث فكري ضخم ليحرك الساكن فيه ليكيفه معاصرا. واهم ركائز فكره التويري هي:

السيادة: وهي القدرة على التصرف بالشأن العام والالتزام بمقتضى مناط بالمصلحة (14). وسيادة الإنسان تشكل الأساس الفلسفي النظري للسيادة لأنها التكليف في الأصل للإنسان الفرد، فتكليف الإنسان الفرد عندما يتحقق ترد التكاليف المجتمعية الكفائية والعينية (15). بهذا المعنى يكون اختيار الإنسان مركزي لأن اختيار حاكمية المنهج أي نظرية حاكمية الله تستلزم اسقاط لنتائج الاختيار وتعد قلبا لها ليصور انها الاختيار. فالإنسان يولد ويترعرع حرا، كائنا عاقلا، مختارا مريدا، قابلا لاكتساب الأهلة السياسية والرشد المدني، لذلك فهو لا يستبعد ان القول الراجح هو سيادة الإنسان الفرد (16).

المواطنة: وهو مفهوم حديث ويعترف المفكر عبد الأمير زاهد بان هذا المفهوم كان تجسيدا لنقلة الولاء من الدين او المؤسسة الدينية الى الانتماء للإقليم بعد تشكل الدولة المدنية الحديثة في أوربا. وهذا المفهوم يستدعي شبكة من المفاهيم كعناصر لها لا يمكن ان تستبعد كلها عند تأسيس مفهوم إسلامي للمواطنة، فأسس المواطنة لديه هي:

- الوجود الإنساني على إقليم جغرافي محدد.

- وجود علاقة اسماه  (فطرية) ثم يحولها علاقة وجدانية، بين الفرد وعناصر الأقليم.

- قواعد دستورية ثم لوائح قانونية.

- اندماج الهويات الثانوية في الهوية الوطنية للمجتمع (17).

وهو يذهب الى جواز اختيار المجتمع لنظرية غير إسلامية للدولة استنادا الى جواز استثمار النظم الديموقراطية والانتخابات كآليات ينتج عنها اختيار الناس للقوانين التي تنظم حركة المجتمع (18). وان اللوم يقع على الإسلاميين لأنهم لم يقدموا مشروعهم للناس تقديما مقنعا بالحكمة والموعظة الحسنة (19). ولغرض الوصول الى مشروع وطني عراقي للمواطنة. تتجاوز كل عوائق التوحد الوطني والاندماج الاجتماعي والسلم الأهلي. يدعوا "عبد الأمير زاهد" الى معالجة وتكييف فقهي وفكري وسياسي لعلاقة المسلم وغير المسلم في مجالات متعددة كالأحوال الشخصية والارث والجنائي وغيرها من المشكلات الفقهية التي تحول دون تأسيس رؤية للمواطنة (20).

نقد المرجعيات الأصولية الدينية:

يجد الباحث في فكر عبد الأمير زاهد العناية التي يوليها للنصوص والأصوليات المرجعية التي تؤسس للعنف والكراهية والارهاب. فالادعاء بامتلاك الحقيقة الحقة هي التي تنفي القدرة على قبول المختلف. فالأصولية ظاهرة دينية لها تأثير عام على حياة الناس اجتماعي وسياسي، ولها منهجها الخاص في الاستناد الى النص، أنعكس تأثيرها على المجتمع سياسيا واجتماعيا واخلاقيا، وظهر تأثيرها على السلم والأمن المجتمعي والوطني في البلدان التي تعاني من وزرها (21). فالشعور بان الخلاص النهائي بكونه "خلاصا حصريا" هو السبب بتكفير المخالف. فقد وجد ان كل الأصوليات التي تجذر ارتباطها بالأصول تلغي المتغيرات في الأصول المرجعية ذاتها، كما تلغي الاستجابة للواقع الراهن وتغيب رؤية المستقبل (22). لهذا فهو يرفض عقيدة "الفرقة الناجية" والتي يراها السبب وراء الاعتقاد ببطلان العقائد المختلفة والمذاهب الدينية المغايرة. وان تأثير هذه العقيدة في المجال الاجتماعي يؤسس لظهور مشكلات خطيرة الى اعتبار كل مخالف من اهل الكفر والضلال (23). ويؤشر "زاهد" لمفارقة في هذه العقيدة، في انها تستند الى حديث ضعيف السند وعدم موافقته للقران ومتواتر النصوص (24).

المدنية الإسلامية:

يقر عبد الأمير زاهد ان مفاهيم مثل المواطنة والمجتمع المدني قد اقترنت بتطور المجتمعات الغربية الحديثة ونزوعها نحو العلمانية، لكنه يستدرك ان قيام  (المواطنة والمجتمع المدني) لا يعني شرطا لوجود العلمانية (25). وهو بذلك يفتح المجال للتنظير لهما حيث يفتقر مفهوم "المجتمع المدني" من ضعف التنظير له في العالم العربي (26). لذا فهو لم يتناول المدنية بكونها مجتمع مدني بل بكونها مفهوم وهي ذاتها المواطنة. بينما المجتمع المدني مرة يكون تعبيرا عن نظام ملتزم بتأمين حكم القانون في صالح الخير العام. ومرة أخرى بكونه مجال يوجد بين الحكومة الوطنية والفرد، وهو مكرس للمحافظة على قيم معينة وتحقيق غايات معينة (27). والمجتمع يشير الى اشكال عديدة ومختلفة من الجماعات المؤتلفة في جمعيات تعطي هويات متعددة للفرد الواحد غالبا ما يطلق عليها جماعات طوعية او مؤسسات ثانوية. هذه المؤسسات توجد خارج الهياكل الرسمية لسلطة الدولة، وتشير الى مجال منفصل يتوافر فيه الأفراد حرية مزاولة عدد متنوع من خبرات الحياة. وأحد اهم الجوانب التي يضطلع بها المجتمع المدني كمجال منفصل هو عمله "كصد" ضد سلطة الحكومة المركزية (28). والمجتمع المدني يوفر بيئة أخلاقية يمكن فيها معاملة الأفراد بشكل متساوي ومتكافئ سياسيا، ويحترمون المعايير المشتركة، ومفهوم الخير العام فيه مكمل لحياة المجتمع المدني. ويتمتع افراد المجتمع المدني بالحقوق نفسها مثل؛ حرية التجمع، والتعبير، والمقاضاة، والملكية الخاصة، وبالتالي يصبحون قادرين على تتبع اهداف معقولة نابعة من الذات ويحققونها (29).

ملاحظات ختامية:

انه ركز على الجوانب القيمية والمعتقدات والأفكار أحيانا اكثر من تركيزه على الجوانب العلائقية او البنيوية بين المرجعيات الاصولية واثرها على التنوير الديني.

اهتم بالتأصيل وتناسى في مواضيع كثيرة عن التفصيل، مما أدى به أحيانا الى الدفاع اكثر من التنظير للبديل بشكل اكثر وضوحا.

اقتصر التأصيل على الجانب الفقهي ولم يؤشر لدينا التأصيل الكلامي للمواطنة والمجتمع المدني.

لم يذهب الى تأسيس منهج معرفي كامل  (استنادا الى مفهوم الاستصحاب) لكي يكون منهجا للكشف والتحليل والتغيير والبناء.  ففي تناوله للمساواة مثلا "حيث مجتمع المساواة شرط مبدئي للاندماج" (30) فهو يطرح ان التراتبية امر حاصل ولا يمكن لأية حضارة ان تصنف المواطنين دون تراتبية معينة. بل ما يمكن الحديث عنه هو المساواة امام القانون في الحقوق والواجبات العامة (31).

***

د. سليم جوهر

......................

(1) كانت، مقالات في التاريخ والسياسية-جواب عن سؤال ما هو التنوير، تر-فتحي انقزو، المركز العربي للأبحاث ودراسة الدراسات-قطر، ط1-بيروت، سنة 2022، ص121.

(2) انظر، الحداد، محم. تجارب كونية للإصلاح الديني، مؤمنون بلا حدود-الرباط، ط1-بيروت، سنة 2016، ص9.

(3) ياسين، رواء محمود. الحداثة المقلوبة، المركز العلمي العراقي-بغداد، ط1-دار ومكتبة البصائر\بيروت، سنة 2011، ص39.

(4) برجيته فالكينبورج، ميتافيزيقيا الجسيمات، تر-نبيل ياسين البكري واحمد حمدي مصطفى، المركز القومي للترجمة-القاهرة، ط1-سنة2017، ص19.

(5) باس صالحي، امير. إيمانويل كانط ج1\ الابستمولوجيا، المركز الأسلامي للدراسات الاستراتيجية، قم-ايران، ط1-سنة 2019، ص8.

(6) زاهد، عبد الأمير كاظم. التحديات الراهنة في المجتمعات الإسلامية، العارف للمطبوعات-بيروت، ط1-2025، ص6-7.

(7) زاهد، المصدر نفسه، التحديات، ص60.

(8) زاهد، المصدر نفسه، التحديات، ص70.

(9) ياسين، الحداثة المقلوبة، ص7.

(10) ياسين، الحداثة المقلوبة، ص8.

(11) المسكيني، فتحي، الدين والأمبراطورية\ في تنوير الإسنان الأخير، مؤمنون بلا حدود- الرباط، ط2-2016، ص243.

(12) زاهد، عبد الأمير كاظم، الفكر السياسي الإسلامي، دار العارف للمطبوعات-بيروت، ط1-2013’ ص58.

(13) زاهد، عبد الأمير كاظم. إشكالية العنف الديني، جامعة الكوفة\ العراق، ط1-سنة 2020، ص60.

(14) زاهد، الفكر السياسي الإسلامي، ص82.

(15) زاهد، الفكر السياسي الإسلامي، مصدر سابق ص83.

(16) زاهد، الفكر السياسي الإسلامي، مصدر سابق، ص84.

(17) زاهد، الفكر السياسي الأسلامي، ص118.

(18) زاهد الفكر السياسي الإسلامي، ص119.

(19) زاهد الفكر السياسي الإسلامية، ص112.

(20) زاهد، الفكر السياسي الإسلامي، ص132.

(21) زاهد، عبد الامير كاظم، إشكالية فهم النصوص المرجعية لدى الاصوليات الإسلامية المعاصرة، الانتشار العربي-بيروت’ ط1-سنة 2016، ص17.

(22) زاهد، عبد الامير كاظم، إشكالية فهم النصوص المرجعية، ص428.

(23) زاهد، عبد الامير كاظم، إشكالية فهم النصوص المرجعية، ص405.

(24) زاهد، إشكالية فهم النصوص المرجعية، مصدر سابق، ص407.

(25) زاهد، التحديات الراهنة، مصدر سابق، ص199.

(26) ستيفين ديلو وتيموثي ديل، التفكير السياسي والنظرية السياسية والمجتمع المدني، انظر مقدمة المترجم-ربيع وهبة، المركز القومي للترجمة-القاهرة، ط1-2010، ص20.

(27) ستفين ديلو، التفكير السياسي ، ص49.

(28) ستفين ديلو، التفكير السياسي، ص50.

(29) ستفين ديلو’ التفكير السياسي، ص51.

(30) بيار روزانفالان، انتصار المواطن، تر-سليمان الرياشي، معهد دراسات عراقية-سنة 2008، ص19.

(31) زاهد. التحديات الراهنة، ص214.

التّفَلْسُف باللّعب ضرورة إبستمولوجية من أجل إصلاح المناهج التربوية

قراءة تحليلية في كتاب"دليل التفلسف باللّعب" للمفكّرالعربي "سعيد ناشيد"

***

يشهد العالم اليوم تحوّلات متسارعة تضع النظم التربوية أمام امتحان حقيقي: هل ما تزال المدرسة تُعِدّ المتعلم للحياة، أم أنها تُعيد إنتاج أنماط معرفية لم تعد كافية لمواجهة زمن الذكاء الاصطناعي، والتضليل الرقمي، وانهيار اليقينيات الكبرى؟ ضمن هذا السياق يبرز مشروع سعيد ناشيد في كتابه "دليل التفلسف باللعب" بوصفه محاولة جذرية لإعادة تأسيس العلاقة بين الطفل والتفكير، وبين المدرسة والحرية، وبين الفلسفة والحياة. فالمؤلف لا يكتفي بنقد طرائق تدريس الفلسفة في المراحل الثانوية، بل يذهب أبعد من ذلك، داعيا إلى إدماج التفلسف باللّعب منذ المراحل التعليمية الأولى، باعتباره شرطا لبناء التفكير النقدي، ومقدّمة ضرورية لتكوين مواطن قادر على الفهم والتفاهم. من هنا يتبلور السؤال الإشكالي " إلى أي حدّ يمكن للهيئات المعنية بإعداد المناهج أن تتجاهل إدماج التفلسف باللعب في الطفولة المبكرة، في زمن أصبح فيه التفكير النقدي ضرورة وجودية لا ترفا معرفيا؟ "

يعلن ناشيد، في صيغة تحذيرية صارخة، أن الأزمة ليست في غياب الفلسفة بل في تفريغها من روحها، حينما يصرّح:  "إنكم تقتلون الفلسفة… لا لأنّكم حذفتموها… بل لأنّكم أبقيتم اسمها حيّا بالفعل، فيما جرّدتموها من روحها" (ص. 12). ويضيف موضّحا أن المشكلة تكمن في جعل التفلسف مستحيلا داخل المدرسة: " تُدرّسون الفلسفة… لكنّكم تفعلون ذلك بطريقة تجعل التفلسف مستحيلا "(ص. 12). هذه المفارقة تكشف أنّ النظام التعليمي يُراكم المعارف دون أن يُنمّي القدرة على مساءلتها. فالمدرسة ـــ كما يصفهاــــ تُفضّل الإجابة النموذجية على السؤال المفتوح.، وهو ما يؤدي إلى تكوين متعلّم يجيد الاستظهار أكثر مما يجيد التفكير، والحفظ أكثر ممّ يجيد حلّ المشكلات الحياتية.غير أن الحلّ، في نظر المؤلّف، لا يتمثّل في مضاعفة الجرعات المعرفية، بل في إعادة الاعتبار إلى التفلسف بوصفه ممارسة. فيستحضر التمييز الكانطي الشهير "لا يمكن تعليم الفلسفة، بل يمكن تعليم التفلسف" .

لكنّه ـــــ وبهذا الاستحضارـــــ لا يكتفي بإعادة المقولة، بل يسعى إلى تفعيلها بيداغوجيا عبر مفهوم اللعب. فالتفلسف، عنده، ليس خطابا مجرّدا، بل قدرة على مساءلة أكثر الأفكار بداهة،و قدرة على تجديد طاقة الاندهاش كما لو أننا خرجنا للتوّ من العدم إلى الوجود...

كما يؤكد أنّ هذه القدرة لا تُغرس عبر التلقين، بل عبر التجربة. ومن هنا تأتي أطروحته الجذرية: " لقد وُلد التفلسف من الحركة قبل المفهوم، ومن الدهشة قبل البرهان، ومن اللعبة قبل النص". (ص. 28 )

إذا كان الطفل، قبل أن يتقن اللغة، يجعل من الحركة لغته الأولى، فإن المدرسة التي تُجمّد الجسد، وتُجمّد معه إمكانات التفكير. فقبل أن نتقن اللغة، تكون الحركة هي لغتنا الأولى، ويكون اللعب مختبرنا الأول للوعي والإدراك. هذا التحليل يقود إلى نتيجة حاسمة، تجعل إدماج التفلسف باللّعب في السنوات الأولى ليس خيارا بيداغوجيا ثانويا، بل ضرورة أنثروبولوجية، لأنّ التفكير نفسه يتأسّس حركيا قبل أن يتبلور مفهوميا.

هنا تتقاطع أطروحة ناشيد مع برنامج  "الفلسفة للأطفال" الذي أطلقه ماثيو ليبمان في ستينيات القرن الماضي، والذي أثبت أن الأطفال قادرون على ممارسة التفكير الفلسفي إذا وُضِعوا في سياقات حوارية. لكن الفرق الجوهري أن ليبمان ركز على"مجتمع البحث" والحوار السقراطي داخل الفصل، بينما يضيف ناشيد بعدا جسديا-حركيا يجعل اللّعب وسيطا معرفيا. فبينما يعتمد كتاب الفلسفة للأطفال على النصوص القصصية لإثارة التساؤل، يقترح التفلسف باللّعب أن السؤال يمكن أن ينبثق من تغيير قاعدة في لعبة، أو من تفاوض حول دور، أو من اختبار الخسارة والفوز. اللّعب هنا ليس محفّزا خارجيا، بل استراتيجية تفكير قائمة بذاتها.

ولذلك يربط الكاتب بين التفلسف والأمن الروحي، معتبرا أنّه وفي عالم مكتظّ بالحقائق الجاهزة… يغدو التفلسف إحدى ضرورات الأمن الروحي. هذا الأمن الذي لا يتحقق بتكديس المعلومات، بل ببناء القدرة على الشكّ، والتمييز، وتعليق الحكم. ومن ثمّ فإن الهيئات المعنية بإعداد المناهج، إذا كانت جادة في تبني شعار "تنمية التفكير النقدي"، مطالبة بإعادة النظر في التصورات الكلاسيكية التي تؤجّل الفلسفة إلى المراحل المتقدمة، وكأنّ الطفل عاجز عن التفلسف. فالكتاب نفسه يذكّر بأن الأطفال يتوفرون على قدرات طبيعية للتساؤل لا تقلّ قوّة عن كبار الفلاسفة...

إن إدماج التفلسف باللّعب في التعليم الأولي لا يعني تحويل الفصول إلى فضاءات ترفيهية، بل إلى مختبرات للمعنى، حيث يتعلّم الطفل كيف يخطئ دون خوف، وكيف يخسر دون انهيار، وكيف يفاوض دون عنف. فيقول ناشيد: "كل خطأ هو معلومة، وإشارة، ولحظة تعلم"  (ص. 30). بهذا المعنى، يصبح اللعب تدريبا على المرونة الوجودية، وعلى قبول اللايقين، وهي مهارات لم تعد هامشية في عالم متقلب.إن مسؤولية واضعي المناهج اليوم لم تعد مقتصرة على تنظيم المحتويات، بل على إعادة تعريف أهداف التربية ذاتها. فإذا كانت المدرسة الحديثة قد ركزت على الكفاءات المعرفية، فإن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال إلى كفاءات التفكير والحوار والعيش المشترك. والتفلسف باللّعب يقدّم إطارا عمليا لتحقيق ذلك، لأنّه يدمج الجسد بالعقل، والحرية بالقانون، والتنافس بالتعاون، في تجربة واحدة  وفق سيرورة، تجعل السؤال مفتوحا أمام الهيئات التربوية:

- هل ستظل الفلسفة مؤجّلة إلى سنّ متأخرة، حيث يكون الخيال قد تراجع والدهشة قد خبت، أم ستُدرج التفلسف باللّعب منذ السنوات الأولى، حيث يتشكّل الوعي وتُبنى العادات الذهنية ؟ وهل يمكن الحديث عن إصلاح تربوي حقيقي دون إعادة النظر في العلاقة بين الطفل والسؤال؟

إنّ مستقبل المواطنة النقدية لا يُبنى في قاعات الامتحان، بل في دوائر اللّعب الأولى، حيث يتعلّم الطفل، بلا خوف، أن يسأل، وأن يشكّ، وأن يعيد بناء المعنى. وربما يكون السؤال الأعمق الذي ينبغي أن يُؤرق صانعي القرار اليوم:

أي مجتمع نريد، إن لم نُعلّم أبناءه منذ الطفولة كيف يفكرون وهم يلعبون، وكيف يلعبون وهم يفكرون؟

***

ليلى تبّاني - الجزائر

 

مدخل: لعل من الظواهر الإنسانية الثابتة، والتي تتطلب قراءة عميقة لمعرفة العوامل والأسباب المفضية إليها، والطرق المناسبة لتجاوز التأثيرات السلبية والمدمرة لهذه الظاهرة، أو التقليل من حدوثها وبروزها في الفضاء الإنساني. هي ظاهرة الكراهية والعداء والعداوة بين بني الإنسان. حيث تشترك عوامل عدة، موضوعية وذاتية، داخلية وخارجية، في بروز حالة العداء والعداوة بين الإنسان وأخيه الإنسان. وفي إطار سعينا الحثيث في إرساء ثقافة الحوار والتسامح وحقوق الإنسان في فضائنا الاجتماعي، من الأهمية بمكان، تفكيك هذه الظاهرة ومعرفة العوامل المباشرة لحدوثها، وما هي الكيفية أو الآليات المناسبة للتقليل منها في فضائنا الاجتماعي والوطني. فهل من الطبيعي أن يقود الاختلاف الأيديولوجي أو السياسي إلى العداوة والكراهية. أم أن هناك عوامل وأسبابا أخرى، تتدخل في هذا الأمر، فتحول الاختلافات بكل مستوياتها إلى مصدر من مصادر العداوة والكراهية..

إننا بحاجة ماسة اليوم، إلى قراءة هذا الواقع، وإزالة كل موجبات الكراهية والعداوة من فضائنا الاجتماعي.

وذلك لأنه حينما يسود العداء الواقع الاجتماعي، فإن الأخطار الحقيقية تتلاحق علينا. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تستقر أحوالنا وأوضاعنا، ونحن نحتضن ثقافة تدفعنا إلى ممارسة الكراهية ضد الآخر المختلف عنا والمغاير لتصوراتنا وقناعاتنا. وذلك لأن هذه الثقافة بتأثيراتها وانعكاساتها، قادرة على شحن النفوس بشكل سلبي ضد الآخر المختلف والمغاير.

والسلوك العدواني هو في جوهره حالة نفسية سلبية ضد الآخر بحيث تنفيه وترفضه في وجوده ونفسه أو في موقعه ومنصبه أو في مصالحه وعلاقاته، وتتحرك نحوه بطريقة عدوانية - تدميرية. والعلاقة جد قريبة بين الثقافة التي تؤسس لمقاولات الإكراه والإلغاء والنفي، والسلوك العدواني تجاه الآخر. فالثقافة التي لا ترى إلا ذاتها وتلغي ما عداها، هي المقدمة النظرية لذلك السلوك العدواني الذي لا يرى إلا قناعاته ومصالحه ويعمل على تدمير الآخر بمستويات متعددة.

فالعلاقة بين الثقافة التي تبث الكراهية بين بني الإنسان لدواعي أيديولوجية أو سياسية، وبين السلوك العدواني بكل مستوياته والذي يستهدف تدمير الآخر وإلغائه هي علاقة السبب بالنتيجة. فلا يمكن أن تنتج ثقافة الكراهية والبغضاء والإلغاء واقع المحبة والألفة والتسامح، بل تنتج واقعاً من سنخها ومن طبيعة ماهيتها وجوهرها. وهو العدوان بكل صوره ومستوياته.

جذور الكراهية

السلوك العدواني هو عبارة عن فكرة في العقل وغريزة في النفس وممارسة تدميرية وإلغائية في الواقع والموقف. لذلك نجد أن المجال الإسلامي المعاصر، يعيش هذه المحنة في صور ومستويات متعددة. فالأفكار والأيديولوجيات التي تلغي الآخر المختلف والمغاير، ولا تعترف بحقوقه، فإنها أوصلتنا في المحصلة النهائية إلى انتشار ظاهرة العنف والتطرف والإرهاب. والتي تعمل على معالجة خلافاتها مع الآخرين عن طريق استخدام القوة العارية. فتحسم اختلافاتها عن طريق ممارسة القهر والعنف.

والمشروعات السياسية التي سادت في مجالنا الإسلامي بصرف النظر عن أيديولوجياتها وشعاراتها، والتي كانت تحمل مضموناً سيئاً من الآخر. قادتنا هذه المشروعات وأوصلتنا إلى أنها تحولت إلى مصدر من مصادر العدوان والعنف في الواقع الاجتماعي والسياسي. فالمشروعات الأيديولوجية والسياسية، التي لا تحمل موقفاً حضارياً وتعددياً من الآخر المختلف والمغاير، فإنها ساهمت بشكل أو بآخر في نشوء ظاهرة العدوان والعنف والتطرف، فالذي يرفض الآخر على مستوى الشعور والفكر، هو الذي يؤسس للحرب وممارسة العنف تجاهه في الواقع الخارجي.

لذلك فإن المدخل الحقيقي لعلاج ظاهرة العنف والعدوان في الفضاء الاجتماعي، هو إعادة تأسيس العلاقة والموقف من الآخر المختلف والمغاير. فالأنا لا تقبض على كل الحقيقة، والآخر ليس شراً وباطلاً بالمطلق. إن تأصيل هذه الحقيقة، هو الذي يزيل من نفوسنا وعقولنا كل المسوغات النظرية والنفسية لمعاداة الآخر باعتباره مخالفاً لنا في الأيديولوجية أو الموقف الثقافي أو السياسي.

فالآخر هو مرآة ذواتنا، وإذا أردنا أن نتعرف على خبايا وخفايا ذواتنا، فعلينا أن نتواصل مع الآخر فهو مرآتنا الذي نكتشف من خلالها صوابية أفكارنا أو خطئها، سلامة تصوراتنا أو سقمها. لهذا كله فإن إعادة تأسيس العلاقة بين الذات والآخر على أسس القبول بالتعددية والاعتراف بحق الاختلاف ونسبية الحقيقة، هو الذي يزيل من ذواتنا وفضائنا الاجتماعي الكثير من موجبات العدوان على الآخرين.

فالاختلاف الأيديولوجي أو السياسي أو الثقافي، ليس مدعاة لانتهاك حقوق الآخرين، بل على العكس من ذلك تماماً، حيث إن الاختلاف بكل مستوياته، ينبغي أن يقود إلى التواصل والتعارف ومعرفة الآخرين على مختلف المستويات.. إذ يقول تبارك وتعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} (الحجرات 13).. فإلغاء الخصوصيات لا يمثل نهجاً واقعياً في التعاطي مع الواقع، لأن الإلغاء من أي طرف كان لا يغير شيئاً من المسألة في طبيعتها الذاتية، أو من تأثيراتها الموضوعية، باعتبار أنها تمثل بعداً في عمق الذات، لا مجرد حالة طارئة على الهامش، مما يجعل من مسألة الإلغاء مشكلة غير قابلة للحل.. والرؤية القرآنية تؤكد على ضرورة أن تحرك الخصوصية في دائرتها الداخلية في الجانب الايجابي الذي يدفع الإنسان للتفاعل عاطفياً وعملياً مع الذين يشاركونه هذه الخصوصية في القضايا المشتركة.. ويبقى التعارف غاية إنسانية من أجل إغناء التجربة الحية المنفتحة على المعرفة المتنوعة والتجربة المختلفة للوصول إلى النتائج الإيجابية في مستوى التكامل الإنساني.

ويقول عزّ من قائل: {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين، ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} (فصلت 33- 34).

فحينما يختلف الناس في مواقع الفكر أو في مواقع الحياة الخاصة والعامة، فتثور المشاعر، وتتعقد المواقف، حتى تتحول إلى خطر كبير على العلاقات الإنسانية في المجتمع، عندما يتجه الموقف إلى الصدام الذي يهدد الجميع، ويقطع التواصل في أفراده.. فهناك أسلوب السيئة الذي يعمل على إثارة الانفعال الذي يتحرك بالحقد والعداوة والبغضاء ويدفع بالموقف إلى القطيعة والصراع، وذلك بالكلمة الحادة والنابية، والموقف الغاصب، واليد المعتدية.

وهناك أسلوب الحسنة الذي يعمل على تحريك الموقف والرؤية على أساس الدراسة العقلانية - الموضوعية لكل المفردات المتناثرة في ساحة الأفكار والمواقع والمواقف ومحاولة اكتشاف العناصر والمفردات الداخلية والخارجية التي تضيق الهوة بين هذا الموقف أو ذاك، أو تردمها، وتجمع العقول والقلوب على قاعدة فكرية وحياتية واحدة، وذلك بالكلمة الطيبة والنظرة الحانية والموقف الموضوعي وباليد المصافحة والالتفاف على كل المشاعر السلبية بالمشاعر الإيجابية التي يختزنها الفكر والواقع.

ف {ادفع بالتي هي أحسن} ليتحول العدو إلى صديق، والبعيد إلى قريب، والخصم إلى رفيق، وذلك لأن الإيمان يفرض على الإنسان أن يختار الأحسن في حركة العلاقات، كما يريده اختيار الأحسن في حركة الحياة..

ولعل هذا الهدف يحتاج إلى الكثير من الجهد النفسي والفكري والعملي، الذي يتجاوز الكثير من الضغوط الداخلية والخارجية التي تريده أو تقوده إلى الاستسلام إزاء المشاعر الانفعالية والعدوانية. لذلك يقول تعالى: {وما يلقاها إلا الذين صبروا} على مشاعر الحرمان التي يفرضها الانفتاح على الآخرين، في مجاهدة النفس ضد رغباتها الذاتية الضيقة، وضد نزواتها العشوائية، وعلى بعض الأوضاع الصعبة التي قد تحصل للإنسان من خلال ذلك، وعلى الوقت الطويل الذي يحتاجه الفكر الموضوعي- المتزن للوصول إلى الحلول العملية التي تتناسب مع طبيعة المشاكل الموجودة في الساحة.. {وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} من الإيمان والوعي والإنسانية النابضة بكل معاني الخير والإحسان.

إن وأد ثقافة الكراهية من مجتمعنا وفضائنا الوطنية، بحاجة إلى إعادة الاعتبار إلى الآخر وجوداً ورأياً ومشاعر، حتى يتسنى للجميع صياغة العلاقة بين الذات والآخر، بين مكونات المجتمع وتعبيرات الوطن المتعددة على أسس الاعتراف بحق الآخر في التعبير عن وجوده وأفكاره بعيداً عن ضغوط الإكراه وموجبات النفي والإلغاء.

فالاختلاف مهما كان حجمه، لا يشرع للحقد والبغضاء وممارسة العدوان الرمزي والمادي، بل يؤسس لضرورة الوعي والمعرفة بالآخر، وعياً يزيل من نفوسنا الأدران والأحقاد والهواجس التي تسوغ لنا بشكل أو بآخر معاداة المختلفين معنا.

ومعرفة تضيء كل محطات العلاقة بمستوياتها المتعددة، وتحول دون إطلاق الاتهامات الجوفاء والشعارات الصفراء.. إننا اليوم وفي ظل الأوضاع الحرجة التي نعيشها على أكثر من صعيد، أحوج ما نكون إلى تلك الثقافة التي تدفعنا إلى تجسير الفجوة مع المختلفين معنا، وتحثنا على التعارف والتواصل والتفاهم والحوار المستديم، وتلزمنا باحترام الإنسان وحقوقه. وإلى تلك المبادرات الاجتماعية والسياسية، التي تستهدف إزالة كل ما من شأنه أن يشين إلى بعضنا البعض، ويعمق أواصر التلاقي والمحبة، ويجذر خيار التعايش والسلم الأهلي.

فلتتكاتف كل الجهود والطاقات والإمكانات، من أجل الخروج من شرنقة التعصب الأعمى إلى رحاب التواصل والحوار، ومن ضيق التطرف والغلو إلى سعة الرفق والتيسير، ومن دائرة الجمود المميتة إلى فضاء التجديد والاجتهاد والكدح المتواصل من أجل الحق والحقيقة. 

إن الظروف الحساسة التي نعيشها، تتطلب منا جميعاً الانعتاق من أسر الجمود والتعصب والأنانية القاتلة، وذلك حتى نتمكن من مجابهة هذه الظروف والتحديات التي تستهدفنا جميعاً.

فلنأخذ جميعاً بأسباب العدالة في تعاملنا مع الآخرين، في نطاق الرؤية التي تقول: عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به.

الحرية الدينية

    ثمة علاقة دقيقة وعميقة تربط بين قدرة الإنسان على التفكير واستقلاله فيه، وبين قيمة الحرية وممارسة مقتضياتها.

فالإنسان الذي يمتلك إمكانية التفكير المستقل، هو ذلك الإنسان الذي يستطيع استعادة حريته وإنسانيته، ويستثمر طاقاته وإمكاناته في سبيل تكريس نهج الحرية في الواقع الإنساني. فاستعادة الحرية بكل متطلباتها وآفاقها، تبدأ من الإنسان نفسه، فهو الذي يقرر قدرته على التحرر والانعتاق أو خضوعه واستغلاله واستبعاده لمراكز القوى. وذلك لأن التفكير السليم هو الشرط الأول للقوة في الحياة. من هنا ركز القرآن الحكيم على أن الإيمان بالله يعطي صاحبه التحرر، والتحرر يعطيه القوة (التمسك بالعروة الوثقى) والعلم (يخرجه من الظلمات إلى النور). ولكن أي إيمان هذا الذي يعطينا القوة والعلم. إنه الإيمان الواعي، لا الإيمان المكره عليه فهو الآخر نوع من الاستعباد والخضوع للقوة المادية.

من هنا تحدث القرآن في بداية الحديث عن الحرية الدينية وقال (لا إكراه في الدين). فجذر الحرية، هو أن يتحرر الإنسان من كل الضغوطات والأهواء والشهوات، التي تدفعه إلى الانسياق وراءها. فحينما يغمر الإيمان بالله عز وجل قلب الإنسان، ويتواصل بحب واختيار مع القدرة المطلقة، تنمو لديه القدرة على الانعتاق من كل الأشياء التي تناقض حرية الإنسان. فطريق الحرية الإنسانية الحقيقية يبدأ بالإيمان والعبودية المطلقة للباري عز وجل. وذلك لأن كل الأشياء حاضرة عنده لا يغيب شيء منها عن علمه، لأن الأشياء مكشوفة لديه، فلا مجال لاختباء الإنسان عن الله في أي عمل يخفيه، أو سر يكتمه أو خطأ يستره، لأن الإخفاء والكتمان والستر معان تلتقي بالحواجز المادية التي تحول بين الشيء وبين ظهوره مما لا مجال لتصوره في ذات الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

ولعل هذا الإحساس هو الذي يتعمق في وعي الإنسان من حركة إيمانه فيمنعه عن الجريمة الخفية، والمعصية المستورة، والنيات الشريرة التي تتحفز للاندفاع والظهور.

من هنا وقفت النصوص القرآنية ضد الإكراه والسيطرة، ودعت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى التحرك في أجواء الإبلاغ والإقناع وحركة حرية الفكر والتعبير. إذ قال تعالى: {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} (الكهف، الآية 29).

وقال عز من قائل: {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر} (الغاشية، الآية 22). وقال تبارك وتعالى: {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} (يونس، الآية 99).

وقد تحدث الأستاذ (جودت سعيد) في كتابه (لا إكراه في الدين - دراسات وأبحاث في الفكر الاسلامي) عن مجموعة من الفوائد من آية (لا إكراه في الدين) منها:

إنها في ظاهرها حماية للإنسان الآخر من أن يقع عليه الإكراه من قبلك، ولكنها في باطنها حماية لك أيضا من أن يقع عليك الإكراه، فهي حماية للآخر وحماية للذات من أن يقع على كل منهما الإكراه.

يمكن فهم هذه الآية على أنها إخبار وليس إنشاء، أي يمكن أن تفهم على أنها نفي وليست نهياً، ويكون بذلك معناها إخبارا بأن الدين الذي يفرض بالإكراه لا يصير ديناً للمكره فهو لم يقبله من قلبه، والدين في القلب وليس في اللسان. فهي بهذا الشكل إخبار بأن الدين لا يتحقق بالإكراه ومن يكره إنما يقوم بعمل عابث لا أصل له.

هذا معنى الآية حينما نفهمها على أنها إخبار وليس انشاءاً أو أمراً، كما يمكن أن نفهم الآية على أساس الإنشاء أي أن تفهم على أنها نهي عن الإكراه، لأنه لا يليق بالعاقل أن يقوم بعمل عابث، ولأن فرض الإيمان والدين بالإكراه عبث فجدير أن ينهانا الله عنه، فيكون المعنى نهياً عن ممارسة الإكراه للآخر، ونهياً أيضا لنا عن أن نقبل الإكراه والخضوع له.

فرشد الإنسان فرداً ومجتمعاً، هو من جراء التزامه بحريته واحترامه التام لحريات الآخرين. فحينما تنتفي كل الضغوطات والإكراهات، يتحقق مفهوم الرشد في الواقع الخاص والعام..

فالحرية بكل ما تحمل من معان إنسانية نبيلة وقيم تعلي من شأن الإنسان وكرامته، وتحميه من كل نزعات الاستفراد والإقصاء والنبذ والإكراه، هي بوابة الرشد ووسيلته في آن. وهي التي تخرج الإنسان من الغي وتخلق حقائق الاستمساك بالعروة الوثقى.

والمجتمع الذي يمارس حياته السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، بعيداً عن كل أشكال الإكراه والعنف، هو المجتمع الرشيد الذي يدافع عن حقوقه ومكاسبه بالحرية. وبها أيضا يصون حرمات الآخرين ومكاسبهم.

والتاريخ يحدثنا أن كل من يمارس الإكراه والعنف للدفاع عن ذاته، لا ينجز مراده ولا يحقق هدفه، بل ترتد عليه هذه الممارسات أكثر سوءاً ويدخل في أتون النزاعات والحروب والعنف والعنف المضاد.

إن الاتحاد السوفيتي لم يستطع أن يحمي ذاته من التشرذم والانقسام والتلاشي، مع العلم انه يمتلك أعتى الأسلحة وأطورها. فهذه الأسلحة الفتاكة لم تمنع الشعوب المنضوية تحت لواء الاتحاد السوفيتي من النهوض ورفض كل أشكال القهر والإكراه.

فالحضارات لا تبنى بالإكراه، كما أن الأفكار لا تنتقل بالقسر والإكراه. فما أكثر الإمبراطوريات التي انهارت وتلاشت وأصبحت في ذمة التاريخ، بفعل اعتمادها واستنادها على القهر والإكراه. وفي المقابل نجد أن هناك أمماً ودولاً صمدت في وجه كل عمليات القمع والقسر والإكراه، لأنها تدير شؤونها وتسير أمورها بحرية وديمقراطية، وبعيداً عن كل أشكال القهر والإكراه.

فالحياة دائماً لكل أمة ومجتمع يدار بالحرية، وينبذ الإكراه بكل صنوفه وأشكاله ومستوياته. ويرتكب حماقة تاريخية كبرى كل من يسعى إلى إدخال غيره في دينه أو مذهبه أو حزبه بالإرغام والإكراه.

لذلك فإن الحرية من القيم الأساسية فحركة الإنسان الفرد والجماعة، وبها يقاس تقدم الأمم وتطورها. إذ لا يمكن أن يتحقق التقدم إلا بالتحرر من كل معوقاته وكوابحه. والحرية هي العنوان العريض للقدرة الإنسانية على إزالة المعوقات وإنجاز أسباب وعوامل النهوض والانعتاق.

لذلك نجد أن الأنبياء جميعاً حاربوا الاستبداد والإكراه، ووقفوا في وجه الفراعنة، وعملوا من مواقع مختلفة لإرساء دعائم الحرية للإنسان. ولقد فك الأنبياء جميعاً العلاقة بين الفكر والعنف، فحرروا معركة الأفكار من معركة الأجساد، والله تعالى حمى الأجساد من أن يعتدى عليها من اجل الأفكار، فلم يعط لأحد الحق على جسد الآخر مهما كانت فكرته. وفي سبيل نيل الحقوق والحريات، لم يشرع الله سبحانه وتعالى للأنبياء ممارسة الإجبار والإكراه، وإنما حدد مهمتهم ووظيفتهم في الدعوة بالموعظة الحسنة والتبشير والنذير.

فالوظيفة الكبرى هي هداية البشر، بوسائل عقلية - سلمية، بعيدة كل البعد عن كل أشكال الضغط والقوة والإكراه.

وعلى هدى هذا نقول: انه لا يجوز التضحية بحريات الأفراد تحت مبرر معارك الخارج وتحدياته الحاسمة. إذ انه لا يمكن أن نواجه تحديات الخارج بشكل فعال، إلا إذا وفرنا الحريات والحقوق لجميع المواطنين.

ولعلنا لا نعدو الصواب، حين القول بأن مجالنا العربي والإسلامي في العقود الخمسة الماضية قد قلب المعادلة. إذ سعت نخبته السياسية السائدة إلى إقصاء كل القوى والمكونات تحت دعوى ومسوغ أن متطلبات المعركة مع العدو الصهيوني تتطلب ذلك. وأصبح شعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) هو السائد. ولكن النتيجة النهائية التي وصلنا إليها جميعاً حاكماً ومحكوماً، إن هذا الخيار السياسي لم يوصلنا إلا إلى المزيد من التدهور والانحطاط، وبفعل هذه العقلية أصبح العدو الصهيوني أكثر قوة ومنعة، ودخلنا جميعاً في الزمن الإسرائيلي بكل تداعياته الدبلوماسية والسياسية والأمنية والثقافية والاقتصادية.

فتصحير الحياة السياسية والمدنية العربية والإسلامية، لم يزدنا إلا ضياعاً وتشتتاً وضعفاً. ولقد دفع الجميع ثمن هذه الخطيئة التاريخية. لذلك آن الأوان بالنسبة لنا جميعاً أن نعيد صياغة المعادلة. فلا انتصار تاريخي على العدو الصهيوني، إلا بارتقاء حقيقي ونوعي لحياتنا السياسية والمدنية. فإرساء دعائم الديمقراطية وصيانة حقوق الإنسان. كل هذه الممارسات والمتطلبات من صميم معركتنا التاريخية والحضارية. وانتصارنا على العدو الخارجي، مرهون إلى قدرتنا على إنجاز هذه المتطلبات في الداخل العربي والإسلامي. فالإكراه الديني والسياسي، لا يصنع منجزات تاريخية، وان صنعت سرعان ما يتلاشى تأثيرها من جراء متواليات الإكراه وامتهان كرامة الإنسان.

فآراء الإنسان مصونة، بمعنى أن الإنسان لا يقتل بسبب آرائه وأفكاره. والآراء والأفكار والقناعات، لا تواجه بالقوة المادية أو استعداء الآخرين، وإنما بالرد الفكري والحوار المتواصل وبيان أوجه الخطل والضعف في الآراء المتداولة.

لذلك كله فإن الحرية قبل أن تكون أشكالاً سياسية ونصوصاً دستورية، هي خروج كل فرد فينا عن أنانيته وافقه الضيق ومغادرة تلك الأفكار الآحادية والإقصائية والاستغنائية، التي لا تزيدنا إلا بعداً عن الديمقراطية ومتطلباتها الفكرية والمجتمعية.

لذلك فإن النواة الأولى للاستقرار والتطور، هي الاحترام العميق للآخرين مشاعر وأفكاراً ووجوداً، ومساواة الآخرين بالذات، ونبذ كل أشكال ممارسة الإكراه.

وإننا اليوم وفي كثير من مواقعنا، أحوج ما نكون إلى رفع شعار (لا إكراه في الدين) والعمل على تحويله إلى مشروع مجتمعي ينظم حياتنا السياسية والاجتماعية والثقافية، ويرفع الغطاء الديني عن كل الممارسات العنفية والإرهابية، التي لا يقرها عقل ولا دين ولا تنسجم وثوابت الأمة.

فلننبذ من فضائنا السياسي والاجتماعي والثقافي، كل الممارسات الإكراهية والإقصائية، ونبني راهننا على أسس الحرية واحترام التعدد والتنوع، ونفسح له المجال لممارسة دوره ووظيفته في البناء وتعزيز خيار السلم والتعايش الأهلي.

من أجل تفاهم مشترك

جاء في التراث أنه كان هناك أربعة من الفقراء جالسين في طريق، وكل منهم من بلد: أحدهم رومي، والثاني فارسي، والثالث عربي، والرابع تركي، ومر عليهم محسن فأعطاهم قطعة من النقد غير قابلة للتجزئة، ومن هنا بدأ الخلاف بينهم، يريد كل منهم أن يحمل الآخرين على اتباع رأيه في التصرف في هذا النقد. أما الرومي فقال: نشتري به (رستا فيل) وأما الفارسي فقال: أنا لا أرى من (لا نكَور) بديلا، وقال العربي: لا والله لا نشتري به إلا (عنبا)، وقال التركي متشددا في لهجة صارمة: إن الشيء الوحيد الذي أرضى به هو (أوزوم)، أما ما سواه فإني لا أوافق عليه أبدا. وجر الكلام بين الأربعة إلى الخصام، وكاد يستفحل الأمر لولا أن مر عليهم رجل يعرف لغاتهم جميعا، وتدخل للحكم بينهم، فبعد أن سمع كلامهم جميعا، وشاهد ما أبداه كل منهم من تشدد في موقفه أخذ منهم النقد واشترى به شيئا، وما إن عرضه عليهم حتى رأى كل منهم فيه طلبته، فقال الرومي: هذا هو (رستا فيل ) الذي طلبته، وقال الفارسي: هذا هو (لا نكَور) وقال العربي: الحمد لله الذي أتاني ما طلبته ! وقال التركي: هذا هو (أوزوم) الذي طلبته. وقد ظهر أن كلا منهم كان يطلب العنب من غير أن يعرف كل واحد منهم أنه هو بعينه ما يطلبه أصحابه. 

لا ريب أن قراءة هذه القصة تثير الضحك وروح الفكاهة، وتثير الاستغراب والاستهجان في آن واحد. من جراء الاختلاف والنزاع الذي حدث بين هؤلاء الصحبة دون وجود مبرر عقلي وواقعي للخلاف والنزاع. فالكل يطلب العنب إلا أن اختلافهم اللغوي حال دون تفاهمهم المشترك، مما أدى إلى الخصام على موضوع أقل ما يقال عنه أنه وهمي. ولعلنا لا نجانب الصواب حين القول: أن الكثير من الاختلافات والتباينات بين أبناء الوطن والمجتمع الواحد، لا تخرج عن مضمون القصة المذكورة أعلاه. بمعنى أن الكثير مما نتصوره من اختلافات بيننا هو من جراء مواقف مسبقة أو رؤية جاهزة حملناها على بعضنا البعض، دون أن نكلف أنفسنا عبء فحص هذه الرؤية أو تجاوزها بشكل علمي وموضوعي. والإنسان الذي ينحبس في إطار رؤية ضيقة، فإنه سيتعصب لرأيه دون أن يدرك حجم الجوامع المشتركة بينه وبين الآخرين. فحين ينعدم التواصل، وتتضاءل فرص التعارف فإن مساحات سوء الظن والفهم تتسع وتتراكم. 

لذلك فإن التواصل بين مختلف مكونات المجتمع وتعبيراته المتعددة، هو من الروافد الأساسية التي تساهم في تعزيز خيار الوحدة والتضامن الداخلي. فوحدة المجتمعات والأوطان بحاجة بشكل دائم إلى التواصل والتعارف المباشر بين مختلف المكونات والشرائح. وذلك حتى تبنى الوحدة على حقائق المعرفة العميقة المتبادلة. وبدون هذه المعرفة سنجد أنفسنا نختلف وتتباين مواقفنا حتى لو كانت غايتنا واحدة. 

فالهدف المشترك بوحده لا يصنع وحدة، وإنما هو يحتاج إلى مساندة مستديمة عبر التعارف والتواصل الذي يزيل الالتباسات والهواجس ويحول دون الفرقة المذمومة.. وتاريخيا لم تكن الوحدة التي صنعها العرب والمسلمون، تعني التوحيد القسري ونبذ أشكال التعدد والتنوع الطبيعية في الوجود الاسلامي. وإنما صنع المسلمون وحدة، قامت على احترام التنوع وخصائص التعدد، لأنها حالات وحقائق تاريخية، مركوزة في التكوين النفسي والاجتماعي، ومتناغمة مع نواميس الوجود الإنساني.

لأن الباري عز وجل قد خلق البشر مختلفين من نواح عديدة: لتكوّنهم من ذكر وأنثى {وإنه خلق الزوجين الذكر والأنثى} وهم مختلفون لاختلاف ألسنتهم وألونهم {ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم} كما هم مختلفون لاختلاف عقائدهم {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} وعلى ضوء هذا الاختلاف والتنوع، تنشأ الوحدات الاجتماعية، لكن لا لكي تتباعد عن بعضها، وإنما لكي تتعارف.  

فالتعارف هو المنظور القرآني، لتجاوز الآثار السيئة والسلبية لحالة الاختلاف والتعدد. قال الله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}..

فالاختلافات العقدية والفكرية والسياسية، تزداد اتساعا وتأخذ منحى تصاعديا وفي بعض الأحيان عنفيا، حينما تتراجع خطوات التفاهم وتغيب حقائق التلاقي والتواصل بين المختلفين. بينما التلاقي والتفاهم والتواصل، يساهم في ضبط الاختلافات، ويحوله إلى رافد للثراء المعرفي والفكري، وترتفع من الفضاء الاجتماعي كل الهواجس والأكاذيب التي تسمم العلاقة وتدفعها نحو دوائر وخيارات خطيرة. 

ولقد دفع المسلمون جميعا غالي الأثمان من هواجس بعضهم البعض، ومن الأكاذيب والافتراءات التاريخية والراهنة، التي ساهمت بشكل مباشر في تأجيج النفوس وزيادة الاحتقانات بكل صورها وأشكالها. 

وأود في هذا السياق أن أؤكد على النقاط التالية: 

ضرورة العمل على تطوير التواصل العلمي والثقافي بين مكونات المجتمع والوطن الواحد.. فكل طرف في هذا المجتمع يمتلك من الكتب والمؤلفات الثمينة الشيء الكثير، ويعيش بين ظهراني هذا المجتمع العديد من العلماء والمفكرين والكتاب المتميزين. ولكن وبفعل الجفاء المتبادل، وغياب حقائق التلاقي والتواصل، كل طرف يجهل حقيقة الآخر، أو لا يمتلك رؤية واقعية عنه. 

وإننا نعتقد أن القيام بمبادرات حوارية وتواصلية بين حكماء المجتمع وعلمائه، سيفضي إلى فهم متبادل عميق، قادر على إفشال كل مخططات الفتنة والتشظي.  ويشير إلى هذه المسألة أحد العلماء بقوله :إن توحيد المسلمين ثقافياً لا ينافي أن تعمل كل طائفة من الطوائف الإسلامية بما ثبت عندها واعتقدته، ما دام هذا لا يمس العقائد الأساسية، التي يجب الإيمان بها، ولكن من الواجب أن تعرف كل طائفة من المسلمين حقيقة عقائد الآخرين، لعلها تجد فيها ما تستفيد منه، أو على الأقل إذا أراد أحد باحثيها أن يكتب عنهم شيئا، أو ينقل بعض فتاواهم، فلا يكتب وأما ما سمعنا عنهم أنهم يقولون كذا وكذا أو أنه يقال عنهم كذا وكذا. ولعمري أن هذا لسبة في جبين العلم أن لا يتعب رجاله أنفسهم بالبحث عن كتاب يجدون فيه كل ما يبحثون عنه، من غير أن يسندوا أقوالهم إلى السماع، وكثيرا ما يجيء هذا القول المسموع من ذوي الأغراض الخبيثة.

 لو أن التعارف بين المسلمين تم على أساس توحيد الثقافة، بما في ذلك التبادل الثقافي، وتأليف كتب عن كل طائفة لإعطاء صورة صحيحة عنها، وتعليم اللغات الإسلامية في جامعاتهم وترجمة آثارهم ورجالهم، لعرف المسلمون أنفسهم، وعلموا قوتهم ومقدرتهم، وأنهم مسلمون قبل كل شيء، مسلمون في كتابتهم وتآليفهم، مسلمون في قصصهم وأشعارهم، وأنهم أمناء فيما يكتبون.

فالحوار والتواصل بين مختلف التعبيرات والمكونات لا يلغي الاختلافات والتباينات، وإنما يوصل الجميع إلى أفضل صيغة ممكنة لإدارة الاختلافات وضبط الانقسامات والتباينات. فالتعددية على حد تعبير اللجنة العالمية للثقافة والتنمية في تقريرها الموسوم ب(التنوع البشري الخلاق) ليست مجرد غاية في حد ذاتها، فالاعتراف بالاختلافات ما هو إلا شرط لبدء الحوار، وبالتالي لبناء اتحاد أوسع نطاقا بين أناس مختلفين. وعلى الرغم من المصاعب فإننا نواجه مصيرا محتوما، فلا بد من إيجاد سبل للتوفيق بين تعددية جديدة ومواطنة مشتركة. وقد لا يكون الهدف مجرد مجتمع متعدد الثقافات، بل دولة تتألف من ثقافات متعددة، دولة يمكن أن تعترف بالتعددية دون أن تفقد وحدتها.

إن التحصين الوطني ضد كل المخاطر التي قد تهدد الأمن الاجتماعي والوطني، يتطلب العمل الجاد على بلورة مشروع ثقافي وطني، يحتضن كل أطياف وتعبيرات الحياة الثقافية الوطنية،  ويوظف كل إمكانات الوطن ويصبها في خدمة المشروع، وينفتح على كل الخصوصيات الثقافية، ويتفاعل ويستفيد من كل القوى والوسائط الثقافية والاجتماعية الموجودة، ويتواصل مع منابع الفعل الثقافي بتنوعه ومستوياته ومجالاته وآلياته القائمة والممكنة. 

وبكلمة: إن تحصين الوطن من المخاطر، يتطلب بلورة حياة ثقافية جديدة تتجاوز صعوبات الواقع وسيئاته، وتسعى نحو إرساء دعائم وتقاليد التواصل والحوار والانفتاح على كل مكونات الفعل الثقافي والإبداعي الوطني. فالتحصين لا يتأتى بالمنع وزيادة قائمة الممنوعات، بل بغرس أسباب الحياة والحيوية في حياتنا الثقافية والاجتماعية.  فالمجتمع الراكد، هو أقرب المجتمعات إلى الاختراق على المستويات كافة. أما المجتمع الحي والحيوي، فإنه يمتلك الدينامية الكافية التي تؤهله لمقاومة كل الأخطار ومجابهة كل محاولات الاختراق التي تهدد أمنه الاجتماعي والوطني.

فوجود الحياة الثقافية الجادة بكل مستلزماتها ومتطلباتها وآلياتها، يساهم مساهمة أساسية في إرساء دعائم الأمن الاجتماعي والوطني. فحيوية المجتمع وديناميته، هو رهاننا لمجابهة كل التحديات والمخاطر لذلك فإن عملية التحصين الوطني، تتطلب منا جميعاً، تنمية الاستعدادات والإمكانات الثقافية الوطنية، التي تأخذ على عاتقها معالجة الظواهر المجتمعية، واستيعاب أبناء الوطن بمختلف مستوياتهم في أطر ومؤسسات، تنمي كفاءاتهم، وتصقل مواهبهم، وترفع من مستوياتهم وتشاركهم في صياغة حاضرهم ومستقبلهم.

***

محمد آل محفوظ – باحث سعودي

تقوم غاية القانون على أساس من مبدأين أساسيين تجسد مضمونها القيم الاجتماعية السائدة، هما مبدأ أمن المجتمع واستقرار المعاملات (السكينة الاجتماعية)، ومبدأ تحقيق العــدل في المجتمع، تضاف إليهما غاية تبنتها في العصور الحديثة التشريعات المتطورة هي غاية تحقيق التقدم الاجتماعي فكانت احد أعمدة النهضة في الحياة الإنسانية المعاصرة.

القانون وغاية السلم والسكينة الاجتماعية:

هذه هي الغاية الاولى من القانون التي نمت وتطورت فكرتها ووسائلها عبر التاريخ، وقد ارتأت البشرية منذ نشأتها ان السلم والأمن الاجتماعي لا يتحقق إلا بعدة وسائل، منها؛

أولا وجود حاكم ذو سيادة وسلطة على رعيته، استندت مشروعية حكمه في البدء الى طبيعته الإلهية او ان ترشحيه للحكم يتم من قبل الآلهة او ان تقود العناية الإلهية الى اختياره، وتطورت هذه الوسيلة لاحقاً الى صيغة حكومة ديمقراطية منتخبة .

وثانياً ان توجد قوانين صارمة تفرض الجزاء على من يخالفها.

وكان الهدف من العقوبة قديماً هو الانتقام من الجاني وشفي غليل الضحية او عائلته، بل ان الانسان البدائي كان لا يفرق عند الانتقام بين الانسان والحيوان والجماد، فان اعتدى عليه إنسان، مميز او غير مميز، انقض عليه ليصرعه او يجرحه او يسترقه، وإذا كان حيوانا قتله وإذا كان جماداً هدمه او أتلفه، ثم أصبح الهدف من العقوبة في العصور الحديثة هو إعادة تأهيل الجاني وتحقيق الردع العام.

كما أدركت البشرية ان السلام الاجتماعي لا يتحقق إلا إذا سعى القانون الى التوفيق بين المصالح المتعارضة.

وتذهب المدارس الشكلية الحديثة، الى ان الغاية الأساسية من القانون هي توفير الامن الاجتماعي وترى في تأكيد سلطة الحاكم اساس كل خير وتقدم للمجتمع وكان عدد من فلاسفة اليونان يرون ان القانون هو حكم القوة، ولهذا عرف الفقيه (ثراسماخوس) وهو سفسطائي، العدالة بانها في صالح الأقوى، ومن أقوال الفقهاء الرومان المأثورة (ان ما يريده الحاكم هو ما يريده القانون) (3)

وفي العصور الحديثة كان من الطبيعي ان تتبنى مدرسة الشرح على المتون هذا الاتجاه، كما تبناه كبار الفلاسفة الألمان ومنهم هيجل، فالقانون من وجهة نظرهم يعبر عن مشيئة الحاكم، وتكرس هذا الاتجاه في المدرسة الوضعية القانونية الذي تزعمه كلسن(4)، فالقاعدة القانونية حسب هذا الرأي هي أمر يصدر من صاحب سلطة الى من يخضع لهذه السلطة مقترن بجزاء لمن يخالفه، وهذه القاعدة تنفصل بمجرد سَنها عن الأخلاق والعدالة، وإن كانا مصدر مادتها الأولية، لتستقل بوجودها كأداة تنظيمية للمجتمع ملزمة للأفراد دون حاجة للتحقق مما إذا كان القانون الذي يضم هذه القواعد الوضعية متفقاً مع حسن الأخلاق وروح العدالة او غير متفقاً معهما.

وأعلن كلسن ان (لا شأن للقانون بعلم الحياة)، وان نظرية القانون يجب ان تتناول القانون كما هو كائن لاكما ينبغي أن يكون، واستبعد فكرة العدالة من مجال القانون، بداعي ان الحكم على القانون بالعدالة او عدم العدالة يتطلب معايير لا تخضع للمعرفة العلمية ودعا الى نظرية محضة في القانون، ومن ثم هاجم نظرية القانون الطبيعي واصفاً إياها بانها حصيلة استنتاج غير صحيح .

وبذلك استبعد كلسن وأنصاره الحقائق والقيم المطلقة من المنهج القانوني، فالقانون حسب هذه وجهة النظر هذه يجب ان لا يخضع لأي تقييم أخلاقي، وزعموا ان علم القانون ليس إلا تحليلاً مجرداً للأنظمة القانونية الوضعية في الدول المختلفة، وان المفاهيم القانونية ينبغي ان يُنظر إليها مستقلة عن العوامل السياسية والاقتصادية والتاريخية ..

ويترتب على هذه النظرية، ان كل سلوك إنما يحدده القانون بصورة مباشرة او غير مباشرة، وعندما لا يكون عمل الفرد ممنوعا بِسُنة قانونية فهو مسموح به قانونا بصورة غير مباشرة، وبتعبير أخر، حسب وجهة النظر هذه، ان القانون لا يمكن ان يحتوي على ثغرات (5)، ولا يمكن ان يتمتع القاضي بأية سلطات تقديرية.

فالغاية التي يجب ان يكرسها القانون، حسب رأي كلسن، هي الأمن الاجتماعي بواسطة قواعد قانونية ثابتة نسبياً لا يقبل تطبيقها التقدير، لا تتقادم ولا تنسخ إلا بتشريع لاحق.(6)

ان استقرار المجتمع واستتباب الأمن فيه أمر لازم لإطمئنان أبناء المجتمع على سلامة حياتهم وأموالهم وحماية مصالحهم المشروعة، فاستخدام القوة وفق الضوابط القانونية ودون تعسف ضرورة اجتماعية لمواجهة مظاهر الإجرام والأنانية والخروج عن القانون وحب الذات المفرط الذي يفرز تصرفات سيئة كالربا والاحتكار والإجرام وهذا لا يتلاءم مع طبيعة العلاقات الاجتماعية السليمة.

ومن جانب أخر، فان غاية السكينة الاجتماعية تفرض بطبيعتها ضرورة التوفيق بين المصالح المتعارضة.

ذلك ان من المهم جدا والضروري للغاية تنظيم تلك المصالح المتعارضة حتى لا تعم الفوضى ويهدر السكون الاجتماعي إذا ما ترك لكل إنسان مطلق الحرية في تحقيق رغباته وفقا لمشيئته او وفق ما يعتقد او يظن انه حقا وعدلا.

فالقانون يتولى التوفيق بين المصالح المتعارضة مع مراعاة الإبقاء على اكبر مجال لحرية الفرد والجماعة، ويمكن ان يضحي القانون بالمصالح الخاصة حماية للمصلحة العامة، إلا ان ذلك لا يكون إلا إذا لم يكن هناك سبيل آخر لحماية المصلحة العامة يمكن ان يبقي على المصلحة الخاصة دون ان يمسها، وان لا تؤدي تلك التضحية الى إعاقة قوى الانسان الخلاقة او تكبيلها بالقيود التي تحد من انطلاقها.

فلا يمكن تحت اية تبريرات مثلا حرمان الناس من حق التعبير وحرية نشر الفكر والرأي والعقيدة في الظروف الطبيعية بزعم انها تتعارض مع المصلحة العام، ولو قاد المنطق المجرد الى هذه النتيجة. وهذا يعني ان هناك مصالح خاصة لا يمكن هدرها وان بدا ظاهراً انها تتعارض مع المصلحة العامة.

وتعتبر مسألة تنظيم المصالح المتعارضة من أهم الاعتبارات التي يجب ان يراعيها واضع القانون، لان القانون الذي تختل فيه حماية المصالح ويبدو فيه التحيز واضحاً وغير مبرر لفئة او طبقة من المجتمع من أهم عوامل عدم الاستقرار وفقدان الأمن الاجتماعي وسبباً للانتفاضات الشعبية والثورات عبر التاريخ .(7)

ولكن ماهي معايير تقييم المصالح وما هي بالتالي الأولويات التي يجب ان يراعيها المشرع وهو بصدد تنظيم المصالح المتعارضة ؟

ان معيار المصلحة العامة في الدول الديمقراطية يبدو أكثر انضباطاً لسببين أولهما شيوع الفكر الفردي البراكماتي وثانيها ان القانون يصدر عن هيئة منتخبة هي البرلمان.

ويضع الفقيه روسكو باوند معياراً عملياً عاماً هو وجوب اشتمال الحل على اكبر قدر من المصالح بأقل تضحية ممكنة، ويوضح روسكو فكرته بأن اعتماد هذا المعيار لا يعني ان جميع المصالح يمكن النظر إليها على انها في مستوى واحد او انها لا تخضع للمعايرة من حيث ترتيب الأهمية، ومن بين أول الحقوق التي يجب ان يتمتع بها الأفراد والتي تكون حافزاً للمشاركة في النشاطات الاجتماعية هو الحق في الاستقرار والآمان من العدوان الداخلي والخارجي، وحماية الصحة العامة وحماية الأسرة وحماية المؤسسات العامة وحماية الآداب العامة والاهتمام بحياة الفرد وحقه في العيش بمستوى لائق يتناسب مع المستوى الاجتماعي العام السائد.(8)

والأفكار العظيمة لا تكفي لوحدها بل ينبغي ان تكون وسائل تنفيذها ملائمة وان لا توقع صدمة في مشاعر أبناء المجتمع نتيجة انهيار القيم المفاجئ، ذلك ان للبشر عداء تاريخي وحذر دائم من التغييرات المفاجئة.

تطبيقات فكرة الأمن الاجتماعي:

قد يبدو غريباً للكثيرين ان النظام القانوني يتبنى انظمة تجافي منطق العدالة بوضوح، ولكن ذلك يأتي من المشرع بقصد بناءاً على غاية تغياها وهي تحقيق امن واستقرر المعاملات بعد ان ارتأى تقديمها في تلك الأحوال على اعتبارات العدالة، ومن ذلك الاعتراف بالحقوق المكتسبة التي مضت عليها فترة محددة من الزمن ولو كان أصلها غير مشروع وتحديد مدد الطعن بالأحكام أمام محكمة الاستئناف او التمييز بموجب القوانين الإجرائية بمدد قصيرة نسبياً وكذلك مدد الطعن بالقرارات الإدارية فأن مرت تلك المدد يرد الطعن او ترد الدعوى شكلاً بغض النظر عن صحة الحكم او القرار او خطأه او مخالفته للقانون. ومن ذلك أيضا نظام التقادم المسقط في الالتزامات، والتقادم المكسب في العقارات والمنقولات كأثر من أثار الحيازة.

أولا ـ الحق المكتسب: يرتبط الحق المكتسب بمبدأ عدم رجعية القانون للماضي ومبدأ امن وسكينة المجتمع برابطة وثيقة وهما اللذان يوفران له الأساس القانوني للحماية وتقوم فكرة الحقوق المكتسبة في الغالب على أساس حق سواء كان مصدره مشروعاً او غير مشروع عند نشأته ولكنه يتحول إلى حق مشروع بفعل عامل الزمن في الغالب تطبيقاً لمبدأ قانوني كلي هو مبدأ استقرار المعاملات وامن المجتمع الذي يتقدم عند التعارض على مبدأ العدل القانوني والحق الطبيعي.

فقد ينشأ الحق المكتسب من واقعة مادية تتضمن معنى التعدي والبطلان في عرف القانون أصلاً، كوضع اليد على ملك الغير واكتساب ملكيته بمرور الزمان المكسب للملكية أي بالتقادم .

وقد ينشأ الحق المكتسب بسبب تغير الشرائع او القوانين او تعديلها، كأن يوجد الحق في ظل قانون يعترف به ويحميه ثم يصدر لاحقا، ومهما طال الزمن، قانون أخر لا يعترف بهذا الحق وينتزع منه الحماية، الا ان الحق القديم باق ولا يمسه التغيير .

فلو تعين شخص في وظيفة معينة في ظل قانون لا يشترط حصول المتقدم للتعيين على شهادة جامعية، ثم صدر لا حقا قانون يشترط توفر شهادة جامعية لشغل هذه الوظيفة، فان وضع هذا الموظف الوظيفي لا يتأثر البتة، لان حقاً مكتسبا قد نشأ له في ظل القانون الملغي، ويوفر له مبدأ عدم رجعية القانون على الماضي الحماية

وفي إطار القرارات الإدارية لا يستطيع من تعرض لقرار جائر ان يطعن به الا خلال مدد محددة وبخلافه يسقط حقه بالطعن، ومقابل ذلك لا تستطيع الإدارة ان تلغي قراراتها غير المشروعة التي تولدت عنها حقوق مكتسبة للآخرين الا خلال المدد المحددة للطعن القضائي، لأنه بفوات المدة ليس للقاضي ان يلغي قراراً إداريا ولو كان غير مشروع ومن باب أولى ان لا يكون للإدارة ما ليس للقضاء، ذلك ان حقا مكتسبا ينشأ منها ولو صدرت معيبة بعيب من عيوب القرار الإداري.

وفي إطار الأحكام القضائية فان اكتساب الحكم الدرجة القطعية سواء بعد الطعن به تمييزاً او بسبب فوات مدة الطعن يولد حقاً مكتسباً لمن صدر الحكم لصالحه ولو تبين فيما بعد انه لم يكن على حق فيما كسبه او ولو توفرت أدلة جديدة ضده إذا كان متهماً بقضية جزائية، فلو اتهم شخص بجريمة قتل ثم حكمت المحكمة ببراءته واكتسب الحكم الدرجة القطعية، ثم ظهرت بعد ذلك أدلة جديدة تدينه فلا سبيل لإعادة محاكمته (9)، وقد استثنت المادة 303 منه حالة تغير الوصف القانوني للجريمة،  لان البراءة حق مكتسب ولا سبيل لإعادة المحاكمة إلا في حالات محددة على سبيل الحصر،

والحكمة من الاعتراف بالحق المكتسب ومبدأ عدم الرجعية هو الحفاظ على امن واستقرار المعاملات التي يمكن ان يتسبب المساس بها في أزمة اجتماعية.

ثانياـ نظام الحيازة والتقادم المكسب:

الحيازة، سلطة واقعية يمارسها من وضع يده على شيء بحيث يظهر بمظهر صاحب حق عيني عليه كالمالك وبقصد مزاولة ذلك الحق، وان لم تستند هذه السلطة الى حق يعترف به القانون.

والحائز للشي قد يكون صاحب الحق فيه، وقد لا يكون كذلك، فان وجود الحق ليس لازماً لوجود الحيازة . فالغاصب او من يعتقد انه صاحب الحق يعتبر حائزاً مادام يمارس على الشيء سلطة فعلية، ظاهراً عليه بمظهر المالك او صاحب حق عيني اخر.

وتقوم الحيازة على عنصرين، مادي ومعنوي:

يتكون العنصر المادي من مجموعة الأعمال المادية التي يباشرها الحائز وتظهره بمظهر صاحب عيني كالمالك، فان كان حاز منزلاً سكنه، وان كانت أرضا زراعية باشر زراعتها وان كانت ارض سكنية باشر البناء عليها، ويجب لصحة الحيازة، ان تنطوي هذه الأعمال على معنى التعدي، فان كانت تلك الأعمال برخصة من المالك او القانون فلا يتحقق الركن المادي للحيازة ولا يكسب الحائز الملكية او الحق العيني على الشيء مهما طال الزمن، إلا إذا انقلب معتدياً وعندها تحتسب المدة من هذا الوقت . وفي هذا نصت المادة (1145 /2) مدني عراقي على انه (ولا تقوم الحيازة على عمل يأتيه الشخص على انه مجرد إباحة...) .

أما العنصر المعنوي فيقصد به ان تتوفر لدى الحائز نية استعمال الشئ الذي يحوزه كصاحب حق عيني كالمالك.

وعليه لا يعتبر الحائز العرضي حائزاً بالمعنى القانوني كالمستأجر والمستعير والوديع والولي والتابع والناقل لعدم ظهورهم بمظهر صاحب حق عيني إلا إذا تغيرت صفة حيازتهم للشيء بأن أنكروا حق المالك واستأثروا بالشيء لأنفسهم .

وهكذا يتمتع المعتدي، او الغاصب ...، بالحماية القانونية التي يوفرها نظام الحيازة ويعتبرهم أصحاب الحق العيني على الشيء الذي في حيازتهم، وعلى من يدعي انه صاحب الحق عبأ الإثبات قبل انتهاء مدة التقادم، فان مرت مدة التقادم المقررة قانوناً وتحققت شروط التقادم اكتسب المعتدي الحق بالتقادم.

يتضح مما تقدم ان الملكية سلطة قانونية، أما الحيازة فهي سلطة واقعية فعلية .

ثالثاًـ التقادم المسقط

التقادم المسقط عبارة عن مضي مدة معينة على استحقا الدين دون ان يطالب به الدائن، فيترتب على ذلك سقوط حقه في المطالبة إذا تمسك بالتقادم من له مصلحة فيه. وحكمة تبني التقادم المسقط هي استقرار المعاملات.

فلا يمكن من الناحية العملية ان يوفر القانون الحماية الى الدائن الى اجل غير مسمى، والقانون يفترض ان سكوته عن المطالبة مدة طويلة دلالة على انه استوفى حقه او انه قد نزل عنه للمدين، او ان المدين شخص مهمل فتكون رعاية المدين أولى . فليس من المقبول من ناحية استقرار المعاملات ان يسمح للدائن او ورثته بمطالبة المدين بعد مرور عدة أجيال.

وتبنى فكرة التقادم المسقط على أساس مزدوج يستند الى مراعاة فكرتي الصالح العام والصالح الخاص، وترتيباً على فكرة الصالح العام ومبناها عدم نظر المنازعات التي تقادم عليها العهد لتعذر الفصل فيها، لا يجوز النزول عن التقادم قبل ثبوت الحق فيه، ومن ثم لا يمكن للدائن ان يشترط مقدما تنازل المدين عن حقه بالدفع بالتقادم .ً وترتيباً على فكرة الصالح الخاص ومبناها قرينة الوفاء، لا يقع التقادم بقوة القانون، بل يجب ان يتمسك به من له مصلحة فيه .

وقد تبنى المشرع العراقي نظام التقادم المسقط في المادة (429) التي نصت على انه (الدعوى بالالتزام اياً كان سببه لا تسمع على المنكر بعد تركها من غير عذر شرعي خمس عشرة سنة مع مراعاة ما ورد فيه من أحكام خاصة) (13).

رابعاـ الغلط الشائع يقوم مقام القانون، مبدأ قانوني مهم وراسخ تاريخياً، متفرع من نظرية الأوضاع الظاهرة، التي تستند الى مبدأ امن واستقرار المعاملات في المجتمع، فإذا شاعت فكرة مغلوطة بين الناس وترتب عليها نشوء قواعد سار عليها افراد المجتمع ونظموا شؤونهم ومصالحهم على أساسها فإنها تصبح كالقاعدة القانونية، فان جاء احدهم وخرج على تلك القاعدة، استحق الجزاء المترتب على مخالفة القانون ولا يقبل منه احتجاجه بانها قاعدة مغلوطة. ومن تطبيقات ذلك ما نصت عليه المادة (384) مدني عراقي، من اعتبار الوفاء للدائن الظاهر مبرئاً لذمة المدين، واعتبار تصرفات الوارث الظاهر صحيحة ونافذة في مواجهة الوارث الحقيقي، فإذا وضع شخص يده على تركة متوفي باعتباره وارثاً وتصرف بأموال التركة للآخرين حسني النية، ثم تبين انه ليس بوارث، في هذه الحالة تبقى التصرفات التي أجراها صحيحة ولكن حقوقها تنتقل الى الوارث الحقيقي، ومن تطبيقات حماية الوضع الظاهر قاعدة (الحيازة في المنقول سند الملكية).

وهناك أمثلة عديدة أخرى في النظام القانوني ترجع في أصلها الى غاية السكينة الاجتماعية مثل نظرية الأوضاع الظاهرة واغلب قواعد الإجراءات والإثبات وقواعد تقادم الجريمة والعقوبة بالنسبة للقوانين التي تأخذ بها، وهناك قواعد ذات طبيعة جنائية مثل قاعدة لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، وهناك قواعد قانونية ذات طبيعة سياسية مثل قاعدة مصلحة الدولة فوق القانون.

ان غاية الامن والاستقرار تبنى على أساس الأوضاع الظاهرة التي تجسد الحقيقة القانونية، والوضع الظاهر قد يتطابق مع الحقيقة الحقة او الواقعية او لا يتطابق. والحقيقة القانونية هي المعترف بها ابتداءاً مالم يقم الدليل على خلاف ذلك.

والأمثلة المتقدمة وغيرها بما فيها من خروج واضح على قواعد العدالة، فقد تبنتها الأنظمة القانونية الحديثة جميعاً لانها انظمة تحفظ للمجتمع سكينته وأمنه الاجتماعي واستقراره.

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية

حين يتحول المنبر الى منصة تعبئة، ويتحول الواعظ الى محرض،و يتحول الخطاب الديني الى معول لهدم المشترك الانساني. ويغدو الدين وقودا لمشاعر الخوف والكراهية، نكون امام سقوط اخلاقي لا لبس فيه. ما قاله هذا الكائن وما يحمله كلامه من ايحاء تحريضي ضد المسيحيين، ليس مجرد زلة لسان، بل عرض لمرض اعمق، مرض تحويل الدين من افق روحي جامع الى سلاح رمزي يشهر في وجه المختلف.

اخطر ما في هذا النوع من الخطاب انه يتكئ على عاطفة دينية مشروعة ليزرع في وجدان الناس شعورا زائفا بالصراع. يوهم البسطاء بان التعايش خصم، وان الوجود المشترك تهديد، وان الاختلاف الديني معركة صفرية. وهنا تكمن الكارثة، حين يختزل الوطن في طائفة، ويختزل الايمان في اقصاء.

اي تصور هذا الذي يجعل بناء دار عبادة فعلا عدائيا؟ واي فقه هذا الذي يرى في التعدد خطرا لا ثراء؟

ان الفلسفة، منذ سقراط وحتى فلاسفة التنوير، علمتنا ان الحقيقة لا تخاف الحوار، وان الايمان الذي يرتعد من وجود الاخر هو ايمان لم يطمئن بعد الى ذاته. فالقوة لا تقاس بالغاء المختلف، بل بالقدرة على العيش معه دون خوف.

التحريض على الاقصاء ليس دفاعا عن الدين، بل اساءة اليه، لان الدين في جوهره الاخلاقي وعد بالعدل لا تفويض بالكراهية. وكل خطاب يشعل نار الشك بين ابناء الوطن الواحد انما ينسف اسس السلم الاهلي باسم قداسة موهومة.

وحين نتامل هذا النوع من الأطروحات لا نستطيع فصله عن سياق اوسع، خطاب تقليدي لم يراجع ادواته، ومناهج مفخخه، ومنابر تستسهل دغدغة العاطفه بدلا من اعمال العقل. فيتحول الوعي الجمعي الى ساحة تعبئة لا الى فضاء تفكير.

الحقيقة الفلسفية ابسط واعمق، الاخر ليس مشروع خصومة، بل شرط اكتمال المعنى الانساني. والتعدد ليس صدعا في الجدار، بل هو النسيج ذاته.

ان الاعتداء على المسيحي، لفظا او فعلا، ليس انتهاكا لحق فردي فحسب، بل اعتداء على مفهوم المواطنة ذاته، وعلى فكرة الدولة الحديثة، وعلى الضمير الاخلاقي الذي يفترض ان يسمو فوق الانتماءات الضيقة.

واذا كان البعض يتوهم ان حماية الهوية تكون باقصاء المختلف، فان التاريخ يعلمنا العكس، المجتمعات التي ضاقت بتنوعها انكمشت، والتي احترمت تعددها ازدهرت. الحضارة لا تبنى على انقاض الكراهية، بل على جسور الاعتراف المتبادل.

ان المجتمع الذي لا يواجه هذا الخطاب بحزم اخلاقي وفكري، انما يتواطأ معه بصمته. والصمت هنا ليس حيادا، بل مشاركة غير معلنة في صناعة الشقاق. فالكلمات التي لا تجد من يردعها، تتحول الى افعال، والافعال حين تتكرر تصير واقعا.

لسنا امام خلاف فقهي، بل امام ازمة وعي. ازمة عقل لم يتدرب على قبول التنوع. عقل يحتكر الحقيقه المطلقه ويتوهم ان الآخر باطل، ازمة خطاب لم يراجع نفسه، فاستمر في انتاج صورة الاخر كتهديد دائم... ازمة تعليم لم يغرس في الاجيال معنى التنوع بوصفه ثراء لا خطرا.

اما الدين الذي يستدعى لتبرير الانغلاق، فهو اول الضحايا. لانه حين يفقد بعده الاخلاقي، ويتحول الى اداة فرز، يفقد روحه. وحين يفقد الوطن قدرته على احتضان جميع ابنائه، يفقد معناه.

ذهنية كاملة تحتاج الى مراجعة جذرية. مراجعة تعيد تعريف الايمان بوصفه التزاما اخلاقيا قبل ان يكون هوية، وتعريف الوطن بوصفه عقدا مشتركا لا ملكية خاصة.

لسنا في حاجة الى اصوات تصرخ في وجه التعدد، بل الى عقول تجرؤ على مراجعه أفكارها بروح نقدية، تعيد للدين افقه الاخلاقي، وللوطن معناه الجامع.

كلنا ابناء هذا التراب. نصلي بطرق مختلفة، لكننا نحلم بالامان ذاته، ونخاف على الوطن ذاته، ونستحق الكرامة ذاتها. هذه ليست كلمات عابرة، بل دعوة الى يقظة اخلاقية، ان نعيد اكتشاف جوهر الفلسفة في حياتنا اليومية، لا بوصفها تنظيرا نخبويا، بل ممارسة للعدل، وللاحترام، ولحب من يختلف عنا.

وحده هذا الطريق يخرجنا من ظلام التحريض، الى نور لا ينطفئ بالعصبية، ولا تطفئه اصوات تظن ان الله يحتاج الى من يدافع عنه بالكراهية.

وحدها الشجاعة الفكرية قادرة على كسر هذا النسق، شجاعة تقول بوضوح ان التحريض خطيئة اخلاقية، مهما تلحف بعباءة الدين. وان الدفاع الحقيقي عن العقيدة لا يكون باقصاء المختلف، بل بترسيخ العدل، واحترام الانسان، اي انسان

كلنا بشر قبل ان نكون طوائف، وكلنا نحمل في قلوبنا الخوف ذاته والرجاء ذاته. نختلف في صلواتنا، في طقوسنا، في مفردات ايماننا، لكن يجمعنا احتياج واحد الى الامان، والعدل، والكرامة.

كلنا ابناء هذا الوطن، تربطنا شوارعه وذكرياته واحلام ابنائنا. يجمعنا الخبز ذاته، والهواء ذاته، والقلق ذاته على غد افضل. لا احد يملك وطنا بمفرده، ولا احد يختزل الله في جماعته. الوطن يتسع لنا جميعا، والايمان يسمو بنا جميعا حين يتحرر من الكراهية. فلنجعل ما يجمعنا اقوى مما يفرقنا، وما يوحد ضمائرنا اعمق من كل خطاب عابر. لان الانسان، في جوهره، لا يكتمل الا بالإنسان.

***

ابتهال عبد الوهاب

مبادرة أممية للرقمنة الجغرافية بمواجهة الإهانة المكانية

(المستوى الدولي والعربي والعراقي)

***

أنسنة التكنولوجيا تعني؛ تصميم وتطوير الأنظمة الرقمية كأنظمة المعلومات الجغرافية والمدن الذكية والإدارة الإلكترونية، لإعطاء الأولوية لـرفاهية الإنسان بدلاً من تكيفه مع الآلة، مع مراعاة الاعتبارات الأخلاقية بدمج القيم الإنسانية مثل؛ الخصوصية والعدالة والشمولية في صلب الخوارزميات. اما توطينها فتعني؛ غرس التكنولوجيا في البيئة المحلية لتصبح جزءاً من النسيج الاقتصادي والثقافي للإنسان وجعلها أكثر انتماءً لبيئته وهويته. وعليه فأن فلسفة أنسنة التكنولوجيا وتوطينها تتمثل بكونها؛ إطاراً جيومعلوماتياً معاصراً لمواجهة - الإهانة المكانية - في سياق التحولات الرقمية والبيئية والجيواقتصادية العالمية. ان حل المشكلات الكونية يتطلب؛ تحديث العقل الجغرافي ليواكب الثورة التكنولوجية بالانتقال من التوصيف إلى الاستشراف عبر؛ بقاء التفكير المكاني عنصراً فاعلاً، وتوظيف البيانات الضخمة ونظم المعلومات الجغرافية والذكاء الاصطناعي.

الركائز الاستراتيجية للجيومعلوماتية:

1. الجغرافيا محرك سيادي، اذ أن قياس الأرض التي تشغلها الدولة لم يعد بالمساحة الكيلومترية فقط وإنما بـالمساحة الرقمية/ الاستقلال الجغرافي الرقمي، اذ أن السيادة الوطنية في العصر الحديث تعتمد على؛ مدى قدرة الدولة على امتلاك ناصية البيانات المكانية وتحليلها لأن المكان كياناً او منظومة ذكية تُدار عبر البيانات والخوارزميات، وأن أي اختلال معرفي أو أخلاقي في إدارة هذه المنظومة يفضي إلى التهميش المكاني والإنساني.

2. فلسفة العبور القاري للمعرفة، حيث تعكس ذهنية البرمجة (الجيومعلوماتية الاستشرافية) لمستقبل كوكب الأرض رؤية عابرة للحدود، وذلك بطرح رؤى جديدة محدثة مثل؛ مسارات طرق التجارة الدولية، كممر القناة الجافة عبر العرق ’’مجيد ملوك السامرائي 2023’’ لمبادرة الحزام والطريق، والممرات الجيواقتصادية الاحدث كتلك العابرة للقطب الشمالي، ولابد من الاستثمار الاقتصادي لهذه الممرات كـعقدة اتصال ذكية في شبكة العولمة وليس مجرد ممرات جغرافية صامته.

3. أنسنة الخوارزميات، بمعنى تبني رؤية فلسفية تحذر من طغيان الآلة على الفكر الإنساني، لأن النمذجة الرقمية مثل نمذجة النمو الحضري والتغيّر المناخي؛ وسيلة لخدمة الإنسان ورفاهيته. وهناك ضرورة لوجود أخلاقيات رقمية بعدم إساءة استخدام المعلومات أو الخوارزميات، والتحكم بالتطور التكنولوجي لضمان عدم التحول بتطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى أداة للهيمنة في الجغرافيا الرقمية القائمة على دمج التحليل المكاني مع التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، لدراسة العلاقات المكانية والأنماط والتحولات الجغرافية المعاصرة.

4. التنمية المستدامة برؤية جيو- تقنية؛ فلسفة تقوم على مبدأ (لا يمكن إدارة ما لا يمكن قياسه رقمياً)، فعملية الربط بين البيئة واستحداثات التكنولوجيا تقود الى إيجاد حلول؛ للتصحر ولأزمات المياه وللتغير المناخي، وهذه تكمن في الاستشعار الذكي لتحليل البيانات البيئية أو المكانية لحظيًا، ثم وضع الحلول المستندة إلى البيانات الضخمة.

5. الدور المستقبلي للباحث العلمي الأكاديمي كبيرا بالاستشراف وليس بالتوصيف، وفلسفة ذلك تحتم على الباحث أن يكون راداراً يرصد التحولات قبل وقوعها، وهو ما يفسر تركيزه المستمر على مفاهيم مثل؛ المستقبليات، وتكنولوجيا المعلومات الجغرافية كأدوات حتمية للارتقاء العلمي.

6. هندسة المستقبل بمعنى تجاوز الدور الوصفي للجغرافي بالتحول إلى؛ دور مهندس استراتيجي يعيد رسم خرائط النفوذ العالمي بناءً على تقنيات المعلومات والجيوبوليتيك الرقمي.

7. التجسير المعرفي بالتحول لجسرً حيوي يربط بين الأكاديمية الرصينة بصرامتها المنهجية، وبين التقنيات الحديثة بمرونتها الفائقة، مما يجعل من النتاج العلمي مرجعاً لمن يبحث عن أنسنة التكنولوجيا وتوطينها لمواجهة الإهانة المكانية وخدمة التنمية المستدامة.

8. السيادة الرقمية بوضع تشريعات تحكم الفضاء الرقمي الوطني، والانتقال من مرحلة استهلاك الحلول الجاهزة إلى مرحلة؛ النمذجة والابتكار تعضيدا لمفهوم الاستقلال المعلوماتي واستشرافا ذكيا لمستقبل القوة، ودعوة لصناعة واقع يتحدث لغة العصر بلسانٍ واثق ومنهجية عالمية لضمان موقع ريادي في حل المشكلات الكونية.

المحاور الرئيسية للمبادرة:

1. تعد الإهانة المكانية شكلاً من أشكال قطع العلاقة بين الإنسان والمكان، وتتجلى آثارها في؛ تدهور البيئة والهجرة القسرية والتفاوت التنموي، وتفضي الى قطع الروابط التي تجمع المنظومة الشمولية للحياة، حيث يظهر تأثيرها العالمي في صورة حروب وهجرات غير شرعية وتراجع حضاري، وعلية فأنها قوة تدميرية للمجال الجغرافي - الإنساني.

2. يتمثل التأثير العالمي للإهانة المكانية بإهمال البيئة كالتلوث والتصحر الناتج عن الحروب، وهذا نوع من الإهانة المكانية لأنها تتسبب بنزاعات وصراعات دولية واسعة النطاق، والتي تؤثر بدورها على مستوى الأمن الغذائي العالمي، وهكذا فأن إهانة الإنسان ترتبط بإهانة الأرض.

3. تؤدي الإهانة المكانية لاتساع فجوة التنمية، اذ ان كرامة الإنسان هي المحرك الأساسي للإبداع عالمياً، وعندما تتعرض الشعوب بكل مستوياتها أو بعض فئاتها للإهانة أو التهميش فإن ذلك يؤدي إلى تعطيل الطاقات وهجرة العقول، وهذا يقود لاتساع مستويات فجوة التنمية بين الدول المتقدمة والنامية وعائقا للتنمية المستدامة.

4. تأتي الإهانة المكانية العابرة للقارات بفعل الخوارزميات المنحازة في عصر الذكاء الاصطناعي، والتي تعني التعلم الألي الذي يؤدي الى نتائج غير دقيقة مثل؛ أنظمة التعرف على الوجوه او الانحياز لمنتج معين او انحياز نظام القروض بالضد من بعض الفئات، وهذا يقود الى التمييز بين البشر أو إهانتهم، وبروز طبقية رقمية عالمية تهدد السلم الاجتماعي، حيث تصبح الإهانة عابرة للقارات وفورية التأثير.

5. تؤكد المبادرة الأممية للرقمنة الجغرافية على وحدة المعرفة، حيث تتداخل العلوم الصرفة مع العلوم الإنسانية لخدمة هدف أسمى وهو؛ تحسين جودة الحياة على كوكب الأرض بفلسفة شمولية لمواجهة الإهانة المكانية/ التهميش وتداعياتها والتي تبرز كإحدى الإشكاليات الناتجة عن سوء توظيف التكنولوجيا، وغياب البعد الإنساني طبقا لما تقدم.

6. الفلسفة العلمية للمبادرة بمواجهة ثقافة الإهانة عالمياً؛ تتجسد بالتواصل العلمي الرصين، لذلك لابد من تعزيز قيمة البحث العلمي وتقديره، وتعد المنصات العلمية الحصن الذي يحمي كرامة العلم والعلماء، ويعيد صياغة التأثير العلمي العالمي لمواجهة ثقافة الإهانة.

فلسفة المبادرة الأممية للرقمنة الجغرافية ومشروعها:

المبادرة نموذجٌ مفاهيميّ توضيحيّ لأنسنة التكنولوجيا وتوطينها، وهي مبادرة علمية – فكرية رائدة تتجلى في فلسفة شمولية تقوم على وحدة المعرفة، من خلال دمج العلوم الإنسانية والطبيعية والتقنيات الرقمية، والربط المحكم بين المكان والإنسان والتكنولوجيا بوصفها كتلةً واحدةً لا تتجزأ. وفلسفة المبادرة ليست مجرد نظريات أكاديمية، بل بيانٌ فكريّ يسعى إلى تحرير الجغرافيا من قوالبها الكلاسيكية وإعادة تعريف دورها في عصر التحول الرقمي.

تنطلق الرؤية الشاملة للمبادرة من إيمانٍ عميق بأن المكان لم يعد حيزاً فيزيائياً صامتاً، بل أصبح كياناً ذكياً يُدار عبر تدفقات البيانات وخوارزميات الذكاء الاصطناعي. ويرتكز مشروعها على رؤية تكاملية تعتبر الجغرافيا نظامَ حياةٍ متكاملاً، من خلال فهم العلاقات المركبة بين الإنسان والمكان والتكنولوجيا، واستشراف مستقبل هذه العلاقات في ظل التحولات المناخية والاقتصادية والرقمية المتسارعة.

وتُعدّ المبادرة دعوةً إلى ثورة فكرية شاملة تستهدف الانتقال من ذهنية حفظ الخصائص الجغرافية إلى ذهنية (الجيومعلوماتية الاستشرافية) القادرة على برمجة مستقبل كوكب الأرض. كما تهدف إلى تحقيق تنمية مستدامة قائمة على حوكمة الموارد، عبر إدارة الموارد الطبيعية والبشرية بكفاءة وعدالة واستدامة. وتسعى إلى تحويل المعلومات المكانية إلى صيغ رقمية قابلة للتحليل والمعالجة باستخدام التقنيات الرقمية الحديثة، فضلاً عن ترسيخ العدالة المكانية في إطار التنمية المستدامة، ومواجهة مظاهر الإهانة المكانية، وصون كرامة الإنسان في المجال الجغرافي.

المستوى الدولي لأنسنة التكنولوجيا وتوطينها 2025

بهدف مقارنة مدى نضج البنى التكنولوجية يتم استخدام (مؤشرات عالمية) تقارب مفهوم مستوى أنسنة التكنولوجيا وتوطينها، ومبنية على تصنيف البلدان وفقا لعدد المؤشرات المتصدرة فيها، مع انها لا تمثل درجات رسمية منشورة. وهي؛ مؤشر (الابتكار العالمي) لقياس بنية التقنية الوطنية الشاملة، ومؤشر (جاهزية التكنولوجيا المكانية) لقياس قدرة الدول على استخدام البيانات والمعلومات المكانية، ومؤشر (التكنولوجيا المكانية) لقياس المستوى التقريبي المتحقق من الأنظمة والتكنولوجيا المساندة للمجتمع.

استنادا الى المنظمة العالمية للملكية الفكرية WIPO فأن؛ مستوى أنسنة التكنولوجيا وتوطينها عالميا وللدول الـعشرة الأوائل تصدرته سويسرا بالمرتبة الأولى، ثم السويد، الولايات المتحدة الأمريكية، كوريا الجنوبية، سنغافورة، بريطانيا، فنلندا، هولندا، الدنمارك، والصين. اما الترتيب النسبي للدول العربية الـعشرة الأوائل لمستوى أنسنة التكنولوجيا وتوطينها فقد تصدرت الإمارات العربية المتحدة المرتبة الأولى، ثم المملكة العربية السعودية، قطر، البحرين، المغرب، الأردن، عُمان، مصر، تونس، والعراق. وتشير المقارنة العربية إلى أن مستوى أنسنة التكنولوجيا وتوطينها يتراوح بين؛ المستوى المرتفع جدًا في دول الخليج، والمستوى المتوسط في دول ذات بنى بشرية جيدة لكنها محدودة الموارد، والمستوى المنخفض في دول تعاني اختلالًا مؤسساتيًا ومكانيًا. اما مرتبة العراق فأنها متأخرة نسبيًا. وهذا يتطلب من للدول العربية معالجة جادة لأنسنة التكنولوجيا وتوطينها عبر توظيف البيانات الضخمة، والتخطيط الذكي، والحوكمة الرقمية.

هكذا يتضح مسار أنسنة التكنولوجيا وتوطينها؛ (الاخلاقيات الرقمية للتكنولوجيا + البيانات الجيومكانية/ الخرائط الرقمية والمرئيات الفضائية (المكان/ التوطين) (السيادة الرقمية) تقنيات الذكاء الاصطناعي  التنمية لمستدامة). وأن أنسنة التكنولوجيا وتوطينها تشكل مدخلاً استراتيجياً لتحقيق التوازن بين التقدم التقني والقيم الإنسانية، وتمثل الجغرافيا الرقمية أداة فاعلة لمواجهة الإهانة المكانية وخدمة التنمية المستدامة.

***

مجيد ملوك السامرائي – كاتب أكاديمي

.........................

المراجع:

1. الجغـرافية، المكان والانسان والزمان، مـجــيد ملــوك السامــرائي، دار اليازوري، عمان، 2023.

2. United Nations Department of Economic and Social Affairs (UN DESA) E-Government Survey 2024

3. الجغرافية والمتغيرات الدولية الجيوسياسية- الاقتصادية، مـجــيد ملــوك السامــرائي، دار اليازوري، عمان ،2023.

4. Global Innovation Index 2024–2025: Innovation in the Face of  Uncertainty Geneva: WIPO، 2025

 

"رب معصية اورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة اورثت عزا واستكبارا"

بهذه العبارة المكثفة يلخص ابو حامد الغزالي واحدة من ادق افكاره الاخلاقية، وهي ان قيمة الفعل لا تقاس بظاهره وحده، بل بما يحدثه في النفس. فالطاعة ليست نجاة بذاتها، كما ان المعصية ليست هلاكا بذاتها. انما النجاة والهلاك يتحددان بنوع الوعي الذي يتولد عن الفعل.

هذا القول يرد في احياء علوم الدين في سياق تحذيره من العجب والغرور، حين تتحول العبادة من جسر عبودية الى حجاب خفي للانا. لم يكن الغزالي يمدح الذنب، ولا يهون من شأن الطاعة، بل كان يحارب اخطر ما قد يفسدهما معا: نرجسية التدين.

يمكن قراءة هذه الفكرة بصريا في لوحة Saint Francis in Meditation للرسام الاسباني Francisco de Zurbaran، احد ابرز وجوه الباروك الاسباني.

في هذه اللوحة لا نرى مشهدا معجزا، ولا طقسا احتفاليا، بل انسانا واقفا وحده في صمت كثيف. الضوء لا يغمر الجسد كله، بل يلامس الوجه والصدر فقط، كأن النور هنا ليس تكريما، بل مساءلة. العينان مرفوعتان، لا في نشوة يقين مكتمل، بل في يقظة داخلية. الجسد مستقيم، واليدان مطويتان، والثوب خشن بسيط. في الوقفة انكسار، وفيها ايضا ثبات.

هنا تلتقي اللوحة مع حكمة الغزالي عند نقطة دقيقة: المسألة ليست الطاعة ولا المعصية، بل العلاقة التي يبنيها الانسان مع نفسه من خلالهما.

الطاعة التي تولد شعورا بالاستحقاق والتميز تتحول الى حجاب كثيف. والمعصية التي توقظ وعيا بالافتقار قد تصبح بداية مراجعة. لكن الانكسار عند الغزالي ليس غاية في ذاته، بل لحظة تفكيك للانا المتضخمة. هو هدم لما فسد تمهيدا لبناء اصدق. فالهدف ليس ان يبقى الانسان منكسرًا، بل ان يخرج من انكساره اكثر اتزانا واقل ادعاء.

وهذا المعنى نجده بوضوح في حكم ابن عطاء الله السكندري حيث يقول: ربما فتح لك باب الطاعة وما فتح لك باب القبول. وفي قوله المشهور: معصية اورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة اورثت عزا واستكبارا.

غير ان ابن عطاء الله، كالغزالي، لم يكن يمجد الذنب، بل كان يهدم وهم السيطرة، وهم ان الانسان يملك خلاصه او يقيم عمله او يستحق قربه. الانكسار هنا ليس حالة نفسية سلبية، بل ولادة ضمير. انه انتقال من التدين بوصفه طقسا الى التدين بوصفه محاسبة ذات.

من هذا المنظور، لا تبدو لوحة زورباران صورة راهب منكسر فحسب، بل صورة انسان يراقب نفسه. ليس امامنا عابد مزهو، ولا عاص منهار، بل سالك في لحظة مواجهة مع ذاته. في الوقفة صلابة هادئة، وفي النظرة يقظة، وفي الضوء امتحان لا احتفال.

ليست الطاعة خطرا بذاتها، ولا المعصية فرصة بذاتها، بل الخطر ان تتحول الطاعة الى تغذية للانا، والهلاك ان يتحول الذنب الى قسوة او ياس. اما الطريق، فهو ان يتعلم الانسان كيف يرى نفسه رؤية صادقة، فلا يغتر ولا ينهار.

لهذا يصبح قول الغزالي مفتاح اللوحة الخفي: ليس الشان فيما نفعله امام الله فقط، بل فيما يفعله ذلك بنا، بشرط الا يتحول هذا الاثر الداخلي الى ذريعة لالغاء الفعل نفسه، ولا الى حالة وجدانية خالصة.

الدين، في اعمق تجلياته، ليس طقسا بلا ضمير، ولا شعورا بلا تكليف، بل توازنا دقيقا بين ظاهر يهذب وباطن يراقب.

في هذا التوازن وحده لا يعود الانكسار اقامة دائمة، بل يصبح لحظة تطهير. ولا تعود الطاعة مصدر استعلاء، بل طريقا لتواضع واع.

قد تكون دمعة ندم بداية، وقد تكون طاعة صامتة استمرارا، لكن النضج الحقيقي هو ان يخرج الانسان من كل تجربة، طاعة كانت او زلة، اكثر صدقا واقل وهما، واشد قدرة على مراقبة نفسه. وهذا هو مقام التكوين، لا مجرد الانكسار.2381 zorbaran

د احمد عابر

 

التلاشي المتوهج.. نص ميتا سريالي

أما علمتَ، يا سليل الغبار، أنَّ الحبَّ طينةٌ من سبخة "إريدو" الأولى؟ عُجنت بدمع "إنانا" حين نُحرت فوق مذبح الغياب، حيث الوجع أقدم من الذاكرة. هو "تموز" الذي قُيد في الأغلال الصدئة للعالم السفلي؛ لا ليعود بربيعٍ يغسل وجه الأرض، بل ليذوب في الصمت الأبدي، حيث لا صوتَ يُسمع في تلك الفجوات الكونية سوى حشرجة الآلهة المهجورة وهي تلفظ أنفاسها في رئتي الفراغ.

يا أيها الوالهُ في تيهِ العَمى الأرجواني، يا باحثاً عن سماءٍ فوق سماءٍ ليس لها َسلما، كفَّ عن الركض؛ إن الهوى هباءٌ تذرُوه الرياح العقيم، ونصلٌ يفتكُ بالأرواح في الغُدوِّ والرواح بلا هوادة. نظرةُ المحبوبِ، تلك التي ظننتها نجاة، ليست سوى نصلٍ من "لازورد" مغشوش، وعناقُه قبرٌ بارد في رمال "أور" المنقوشة بخرائط التيه.

تأمّل ملياً في مرآة العدم:

 قلبكُ زقورةٌ من طينٍ يابس، تهاوت تحت وطأة السنين العجاف، وعشقك لوحٌ كُسر مسمارُه الملحمي، وانطفأت في ليل العدم السحيق نارُه التي لم تدفئ أحداً. على ضفاف "الفرات" الذي جفَّ وتصحرت مآقيه قبل خلق الماء أصلاً، وقفتُ أرصدُ ظلّكِ الذي لم يُخلق، أرصدُ غيابكِ الذي هو الحضور الوحيد الذي أتقنه.

أنتِ "الإيغال" الذي سكنته الوحشة في أقاصي الوجد، وأنا الكاهن الذي نسيَ اسم الإله وسط طقوس النسيان، وراح يُرتل للصمت بلسانٍ من شمع. "يا من جئتِ من 'كور' بلا ملامح، لقد نقشتُ اسمكِ على هواءٍ متخثر، فصار الهوى هوىً يرتطم بجدران الروح، وصار الوجودُ أثراً بعد عين، ومحض خيال في عقلٍ كونيٍّ محموم".

ما الحبُّ في جوهره إلا ميتا سريالية الوجود؛ أن نركض خلف سراب "إنليل" اللاهث، ونحن نعلم يقيناً أننا محضُ طينٍ يتوق ليكون طيناً مرةً أخرى، في دورةٍ عبثية لا تنتهي. لا خلود في القُبلة، يا صاحبي، بل هي محاولةٌ بائسة، رقصة مذبوح لترميم تمثالٍ من رملٍ ينهار وسط إعصار "إنزو" الهائج. لقد انقضى العهد القديم، وجفت محابر القدر، وما بقِيَ في هذه الفلوات إلا صدى السجع في خرائب الروح المتعبة. الحبُّ هو الكذبة الجميلة، تلك الأسطورة التي اخترعها السومريون ليتحملوا ثقل السماء الزرقاء فوق رؤوسهم، بينما الحقيقة العارية هي أننا جميعاً.. محضُ عدمٍ يرتدي ثياب الحكايات.

يا من تبحث عن "أنا" المفقودة في مرايا "إنانا" المهشمة، كُفّ عن التحديق في الشظايا. الحبُّ ليس جسراً نحو الضفة الأخرى، بل هو الهاوية التي نُزين حوافها بالزهور البلاستيكية لنقنع أنفسنا بأن السقوط رحلة. نحنُ بقايا "نيبور" التي لم تُبنَ قط إلا في أحلام المجانين، وصيحاتُ كاهنٍ سكران أضاع لسانَه في حانةٍ كونيةٍ مهجورة خلف مدارات النسيان.

يا واهماً بالبقاء في دار الشقاء، اعلم أن الشوقُ داءٌ عضال وما من دواء في صيدليات الوجود. الحُبُّ سهمٌ من غيبٍ مسموم، يتركُ الصدرَ من الخواءِ مرجوماً بحجارة الندم. لا "عشتار" تُنجي من الغرق في بحار الوجد، ولا "جلجامش" نال الخلود في رحلة التيه الكبرى. الكلُّ فانٍ، والوجدُ جَانٍ، والكونُ لوحةٌ من دخانٍ تتلاشى في كفِّ ثوانٍ لا تعرف القهقري.

على شاشةٍ من العدم المحض، تظهر ملامحكِ كأنكِ "إيريشكيجال" ملكة العالم السفلي وهي تمشط شعر الظلام بأصابع من برق. الحبُّ في زمننا هذا هو ضحكةٌ صفراء وسط قداسة الرماد، وقُبلة "الأنوناكي" التي تعلن تلاحمُ كيانين يعلمان يقيناً أنَّ الروح ثقبٌ أسود يرتدي قميصاً من حرير ليخفي بشاعة الفراغ.

"نحنُ لسنا عُشاقاً كما يزعم الشعراء، نحنُ مجرد 'أخطاءٍ برمجية' في قصيدةٍ كونيةٍ كتبها إلهٌ غلبه النعاس فتاهت منه القوافي. نحنُ نحبُّ فقط لكيلا نسمع صوت تكسّر عظامنا في مطحنة الزمن التي لا تتوقف. ما الحبُّ إلا محاولةٌ يائسة لترميم جرةٍ مكسورة بماءٍ مسكوب مسبقاً. أنتَ لستَ نصفاً يبحث عن نصفه الضائع، أنتَ صفرٌ مستدير يتوهمُ أنه سيصبحُ واحداً إذا ما عانقَ صفراً آخر في زاوية معتمة من زوايا الوجود.

والآن، يا رفيق السديم، إليك "مأدبة الهذيان" الكبرى؛ حيث يجلس "نيتشه" بمطرقته التي تحطم الأوهام، و"سيوران" بسمّه الذي يقطر مرارة، على أطلال زقورة متهدمة. هناك، يرتشفان مرارة الوجود من جمجمة "تموز" المشروخة، ويتجادلان حول تلك الخديعة الكبرى التي نسميها "الحب".

يصرخ نيتشه، كاهن الرماد:

 "إن حبكم هذا ما هو إلا إرادة فاشلة! لقد اخترع السومريون 'إنانا' لأنهم لم يحتملوا رؤية وجوههم في مرآة الفراغ. الحب ليس تلاحم أرواح، بل هو محاولة بائسة من 'الإنسان الأعلى' لترويض الوحش القابع في جيناته الطينية. الحب هو 'العود الأبدي' للألم، لكنه ألمٌ يرتدي تيجان 'لازورد'. لا تطلب الشفقة من الآلهة الصماء، فالآلهة كانت تضحك بملء فيها حين رأت البشر يظنون أن قُبلةً عابرة قد تكسر قيد الزمن السرمدي...!

أما سيوران، فيقلب رماداً في كفه بنظرة فاترة كالموت، ويقول:

"نيتشه يتحدث عن القوة، وأنا أتحدث عن القذارة الأنيقة. الحب؟ إنه مجرد سوء تفاهم بيولوجي بين جثتين لم تتعفنا بعد، نكتة سمجة ترويها الطبيعة للأحياء. لماذا نكتب القصائد بالخط المسماري الوعر؟ لنوثق هزيمتنا المدوية أمام الصمت. كل نظرة حب هي مشروع 'نفي' جديد، صرخة في وجه الفراغ لا يعود منها إلا الصدى. نحن نحب لأننا لا نملك الشجاعة الكافية لنواجه السديم وحدنا. إن 'تموز' لم يهبط للعالم السفلي بحثاً عن الخلاص، بل ذهب هرباً من ضجيج العشاق الموهومين. يا للسخف.. إننا محضُ صدفةٍ بيولوجية تحاول إقناع نفسها بأنها "قصيدة عصماء".

الوجود، يا سيدي، نصٌّ سومريٌّ طويل ومعقد، لكنَّ الطين جفَّ وتشقق قبل أن تبدأ الحكاية الفعلية. المعنى ليس إلا حشرةٌ مسكينة محبوسةٌ في لوحٍ مسماري، تظنُّ بغرور أنَّ حركتها هي التي تُدير تروس الكون. الحب، هو أن تقول لشخصٍ ما في لحظة تجلٍ:

 "ساعدني على نسيان أنني لستُ موجوداً"، فيردُّ عليك ببرود: "وأنا كذلك". إننا نقتاتُ على أوهام 'بابل' ونبني أبراجها من ورق لنخفي حقيقة أننا لم نخرج قط من الثقب الأسود الذي بدأ منه كل شيء. فالحبُّ هو 'الميتافيزيقا' التي يبتكرها العبيد ليتحملوا سياط العدم المسلطة على ظهورهم.

لنتوج هذا الهذيان باستدعاء "ألبرت كامو"، بطل العبث وسيزيف العصر الحديث، ليدخل الزقورة المظلمة ببدلته الأنيقة وسيجارته التي تتحدى الريح، ليواجه مطرقة نيتشه ومرارة سيوران بابتسامة ساخرة أمام وجه "إنانا" الحجري البارد.

ينفض كامو الرماد عن معطفه، وينظر إلى سيوران بشفقة عقلانية:

 "يا أصدقائي، أنتم تُبالغون في منح العدم قيمةً درامية وكأن له قلباً. سيوران يريد الانتحار بالكلمات المنمقة، ونيتشه يريد تأليه الرغبة الجافلة، والحقيقة أبسط وأكثر سخرية من كل هذا. الحبُّ هو 'صخرة سيزيف' التي نرفعها كل يوم، لكننا في لحظة هذيان نتوهم أنها قلبٌ ينبض بالحياة. نحن نعلم أن 'إيريشكيجال' تنتظرنا في نهاية الرواق المظلم، وأن القبلة لن توقف زحف الدود في مسامه، لكن العبث الحقيقي والتمرد الأسمى هو أن نحبَّ رغم ذلك اليقين. الحب هو التمرد؛ ليس لأنه مقدس، بل لأنه فعل غير منطقي تماماً في كونٍ صامت ولا مبالٍ. نحن نحب لأن الكون جاف، ونحن نرد على هذا الجفاء بضحكةٍ مسمارية طويلة تخترق الآفاق.

نرى الآن "سيوران" وهو يحاول يائساً إطفاء سيجارة "كامو" بدموع "عشتار" الباردة التي تحجرت، بينما "نيتشه" يحاول عبثاً نحت ملامح "الإنسان الأعلى" على قطعة "همبرغر" متعفنة وجدت في أطلال بابل المنسية. الكل يضحك ضحكاً هستيرياً، والصدى يعود من عمق الأرض السومرية: "لا يوجد أحد.. لا يوجد شيء.. فقط نحن والريح".

إذن، لنستدعي "العدمي الأول"، صاحب أقدم خيبة موثقة في التاريخ. يدخل كلكامش الزقورة، لا بملامح الملك الذي قهر الوحوش، بل بهيئة التائه الذي غطاه غبار المسافات الطويلة، يجرّ خلفه خيبته الثقيلة من "أوروك" إلى أقاصي "أوتونابشتم". يضع كلكامش نعليه الممزقين اللذين طافا الأرض أمام نيتشه، ويبصق في وجه "تمرد" كامو، ثم يجلس صامتاً كجبلٍ من طينٍ معتق.

ما نفعُ مطرقتك يا نيتشه، إذا كان الموتُ هو المطرقة الوحيدة التي تحطم الرؤوس ولا تُكسر؟ وما نفعُ سجائرك يا كامو، وأنا الذي عبرتُ 'مياه الموت' الكبريتية ولم أجد سوى عجوزٍ مخرف يخبرني أن الخلود ليس إلا مرادفاً للنوم الأبدي؟ لقد أحببتُ 'أنكيدو'، لم يكن حباً 'سريالياً' منمقاً ولا 'بيولوجياً' بارداً، كان حباً طينياً خالصاً يفوح برائحة الأرض. وحين مات، رأيتُ الدود يخرج من منخره.. هناك سقطت الأقنعة وانكشف العدم عارياً. الحبُّ هو الفخ الذي نصبته الآلهة اللئيمة لنا لكيلا نلاحظ أننا مجرد 'وجبات مؤجلة' للتراب الذي نمشي عليه.

يهتف نيتشه:

 "لكنك بنيتَ أسوار أوروك العظيمة! هذا هو فعل الإنسان الأعلى".

يرد كلكامش بأسى:

 "الأسوار ستسقط يا أبله، والآجر سيعود طيناً تذروه الرياح. أنا لم أبنِ الأسوار لأخلُد، بل بنيتها لأحتمي من صرختي الداخلية التي تمزق صدري".

يهمس سيوران بانتشاء:

 "أخيراً.. رجلٌ يفهم أن الوجود هو فضيحة المادة الكبرى".

يتدخل كامو:

 "ولكن يا كلكامش، ألم تكن 'سيدوري' محقة حين قالت: كل، واشرب، وتزيّن، وحبَّ امرأتك.. هذا هو التمرد الحقيقي؟"

يجيبه كلكامش بيقين مرعب:

 "سيدوري كانت تبيع 'المورفين' الروحي للقطيع. الحبُّ تحت ظل المقصلة ليس تمرداً، إنه تخديرٌ موضعي قبل عملية الذبح الكبرى".

إنّما الوجدُ في هذا العالم وهْمٌ مسمارُه صدِئ، ونهايتُه بدْءٌ لم يبدأ وشيءٌ لم يفتدِئ إلا في خيالنا. كلكامش يمسك الآن بقلبٍ نابض بين يديه، يفتحه فيجد بداخله "ساعة رملية" تنزف دماً أسود لزجاً. نيتشه يحاول رسم "شاربٍ" لتمثال إنانا ليسخر من قدسيتها، وسيوران يكتب وصيته الأخيرة بمرارة على قطعة ثلج تذوب تحت شمس بابل المحرقة.

"نحنُ 'كلكامشيون' بالفطرة واللعنة؛ نهربُ من جثة الحبيب المتفسخة لنبحث عن خلودٍ نعلمُ يقيناً أنه وهمٌ سرابي، وفي الطريق الوعر، نخترعُ 'الحب' كأغنيةٍ نغنيها بصوتٍ عالٍ لكي لا يفتك بنا صمتُ الصحراء المطبق".

فجأة، يدخل أبو العلاء المعري الزقورة، يخطو بهدوءٍ ملائكي كأنه يطأ على الهواء لا على التربة المدنسة، يلفه وقارُ العمى وبصيرةُ العدم التي لا تخطئ. يضع عصاه الأبنوسية بين مطرقة نيتشه وصخرة كامو، ويجلس بجانب كلكامش، كأنهما شقيقان فُصلا في الرحم وجَمعهما القبر في عناق أخير. ينحني المعري قليلاً، يشتمُّ رائحة الطين المحروق، ثم يرسل صوته خفيضاً كحفيف الأفاعي في رمال بابل الذهبية.

يقول المعري، سادنُ لزومِ مالا يلزم:

 "رويدكم.. لا ترفعوا الأصوات عالياً، فما أظنُّ أديم الأرض إلا من هذه الأجساد الراحلة. يا كلكامش، لقد بصرتُ بقلبي المطفأ ما لم تبصره أنت بعينك الجاحظة في 'أوروك'. الحبُّ؟ هو جناية الآباء الكبرى على الأبناء، هو خيطٌ واهن من غزلِ الوهم نسجتهُ الطبيعة لتمطّ حبل الشقاء البشري. نحنُ حبائلُ العدم، نتحابُّ لنبقى، ونبقى لنتألم، ونتألم لنفنى في نهاية المطاف. يا نيتشه، قوتك وهنٌ واهن أمام سطوة الرماد، ويا كامو، عبثك تسليةٌ للصبيان في ساحة الموت. الحقيقة الصارخة أننا سجناء؛ سجن العمى، وسجن الجسد، وحبسُ هذا الكون الذي لا جدران له لكنه يطبق على أنفاسنا".

يضيف المعري بنبرة تقطر حكمة: "تخففوا من الوطء، فالحبُّ ثقلٌ لا تحتمله العظام الهشة".

يسأله كلكامش بكسرة قلب:

"لقد بكيتُ 'أنكيدو' حتى ذبلت عيناي وغارتا في جمجمتي، أكان ذلك جناية يا أبا العلاء"؟

يجيبه المعري: "كان ذلك احتجاجَ الطين اليائس على خالقه، ولكنَّ الطينَ لا يُسمع له صوت في عرش "آنو".

يهمس سيوران بإعجاب: "المعري هو نبيُّنا الذي لم يتبعه أحد، لأنه صدقنا القول".

تُطفأ الأنوار فجأة في الزقورة. يختفي الفلاسفة والملوك في ثقوب الزمن، ولا يبقى في الفراغ إلا لوحٌ طينيٌّ يطفو ككوكب منسي، تظهر عليه الكتابة المسمارية تتوهج ثم تخبو كأنها نبضاتُ قلبٍ تحتضر في نزاعها الأخير. لا شَـيءَ يَـبـقـى.. سِـوى الـخَـواء المطلق. تسقط الألواح، وتتحول الكلمات إلى ذرات غبار تسبح في الضوء الغارب.

بحرصٍ شديد، كمن يفتح ثقباً في جدار زنزانة بابلية مهجورة، نزيح ركام الألواح المكسورة لنبصر ما لم يقله المعري، وما فات كلكامش في رحلته العبثية. تتسلل من النافذة نسمةٌ باردة من جهة "الأهوار"، محملةً برائحة القصب النديّ، لتقول إنَّ العدم وإن كان حتمياً، إلا أنَّ "الفعل" في مواجهته هو ذروة الجمال السريالي. على عكس يأس سيوران المطلق، يهمس الضوء القادم من النافذة بأنَّ الحب ليس حلاً للعدم، بل هو "احتجاجٌ جمالي" صارخ عليه. إذا كان الكون فراغاً أسود موحشاً، فإن ملامح الحبيب هي "الكتابة المسمارية" المتمردة التي نشوه بها وجه الموت الأملس والممل.

كلكامش لم يجد عُشب الخلود الأخضر، لكنه وجد "القصة" التي نرويها الآن. والقصة خلودٌ من نوعٍ آخر، خلودٌ لا يسكن الأجساد الفانية، بل يسكنُ الذاكرة الجماعية للطين. المعري رغم عماه وصومه الاختياري، لم يستطع أن يمنع عقله الجبار من توليد المعنى، والمعنى هو الضوء الذي يشع من قلب الثقب الأسود.

ابنِ من الرملِ المبلل بالدموع قصراً شاهقاً ولا تخشَ الانهيار الوشيك، فالرقصُ في قلب العاصفةِ هو قمةُ الانتصار الممكن. يا طينُ قُم من رقدتك، والبس من الوجدِ حُلّة ميتا سريالية، فما نفعُ كَونٍ بارد بلا عشقٍ ولا عِلّة تحرك سواكنه؟ في هذه النافذة الكونية، نرى "إنانا" لا كإلهةٍ غائبة أو غادرة، بل كفكرةٍ مجردة تبتسم للخراب الجميل. الحبُّ هنا هو "فنُّ الترميم بالذهب"؛ نحن نجمع شظايا وجودنا المحطم، لا لنعيدها كما كانت في كمالها الأول، بل لنجعل من شقوقنا مساراتٍ مشرقة للضوء النافذ.

إننا نُحبُّ لا لأننا سنبقى ونخلد، بل لأننا نملكُ من الجرأة والمجانة ما يكفي لنقول لـ 'آنو' الصامت في عرشه: 'لقد كنا هنا، وقد احترقنا بالجمال حتى الثمالة، وهذا يكفي لنهزم العدم لثانية واحدة".'

لقد أعدنا بناء الزقورة من الكلمات السريالية، وهدمناها بأيدينا، ثم فتحنا فيها نافذة تطل على المجهول.

 "رسالة أخيرة" إلى إنسان المستقبل الذي سيقرأ حطامنا ويحاول فك شفرات وجعنا"؟

السؤال الملح: هل سيقرأ حطامنا أحد؟ الحطام ستذروه الرياح العاتية قبل أن يرتد الطرف، كتمثال مصنوع من الرمل الناعم على شاطئ بحر هائج لا يرحم.

إلى اللاشيء الذي سيأتي بعدنا بآلاف السنين الضوئية، إلى الصمت الذي سيورثنا مدافننا.. نحنُ كتبنا إليكم بمدادٍ من ملح الأجاج، على ألواحٍ من رمل متحرك، في انتظار المدّ العظيم الذي سيمحو كل شيء. نحن لا نكتب لنُقرأ من قِبَلكم، بل لنُفرغ "امتلاءنا" الفائض من هذا العدم الذي يفيض في صدورنا كالنهر.

نحنُ لسنا كلماتٍ مرتبة في كتاب، نحنُ محض 'زفرةُ' كلكامش الحارقة حين أضاع العشب في غفلة من الزمن.. والزفرةُ لا تُقرأ بالعيون، بل تُحسُّ في صدرِ الهواء لثانيةٍ واحدة يتيمة، ثم تعودُ طائعة إلى العدم الذي نبتت منه.

لقد غرق المعري في عماه الجميل المستنير، وتحطمت مطرقة نيتشه فوق رؤوس الأوثان، وصمت كلكامش إلى الأبد في حضن التراب. والآن، هذه الكلمات التي تلامس عينيك، هي أيضاً تمثالٌ رمليٌّ بدأت أطرافه تذوب وتتلاشى في العدم. السؤال الحقيقي ليس: "هل سيقرأ حطامنا أحد؟، بل السؤال هو: "ألم يكفِنا شرفُ أننا كنا الحطام الجميل الذي حاول، رغم كل شيء، أن يكتب اسمه على وجه الريح؟

تتلاشى الآن النقوش المسمارية.. يغلق "آنو" النافذة بإحكام.. يسود الصمت المطلق.

يا حاملَ هذه الرقية الميتا سريالية في تيهِ الزمان، اعلم يقيناً أنك لستَ مجرد جسدٍ عابر في كون فسيح، بل أنتَ "كونٌ كامل يختبرُ الوهن البشري. إذا دهمكَ وجدُ "كلكامش" الحارق، فتذكر أن العُشبَ الخالد ينمو في الداخل، في ثنايا الروح، لا في رمال الصحراء القاحلة. وإذا أظلمت عليكَ بصيرة "المعري"، فاعلم أنَّ ضياءَ العقلِ أنفذُ وأبقى من ضياءِ البصر الزائل.

ردد في سِرّك، كصلاتك الأخيرة

"أنا الطينُ المتمرد الذي سخرَ من الفناءِ بالعشق"

"أنا الصفرُ العظيم الذي ملأَ الفراغَ بالهذيان الجميل"

"أنا الحطامُ الصامد الذي أبى أن يذروه الريحُ صامتاً دون أن يترك أثراً"

احملْ فناءَك على رأسك كأنهُ تاج مرصع بالنجوم، ولا تطلب من البحرِ الغاضب ردّ الأمانة. فكلُّ حبٍّ صادق هو 'بابل' مؤقتة نبنيها لنسكنها برهة، وكلُّ صمتٍ عميق هو خلودٌ مستتر وراء حجب الغيب. هذه الكلمات ليست لتُقرأ وتُحفظ، بل لـ "تُنسى" وتذوب في مسامك. ففي نسيانها تكمن قوتها السرية، وفي ذوبانها في روحك تكتمل ميتا سريالية الوجود. أنت الآن "التميمة" التي تحمي الفراغ، وأنت "الطلسم" الذي يفك شفرة اللاشيء، فلا تخشَ الهياج، فقد صرتَ أنتَ والبحرُ شياً واحداً في سيمفونية التلاشي.

***

غالب المسعودي

 

يشهد الإنسان المعاصر تحوّلا عميقا في علاقته بالزمن، بحيث لم يعد فيه الوقت مجرد إطار محايد لتتابع الوقائع، بل غدا قوة ضاغطة تعيد تشكيل الوعي، وتوجّه أنماط العيش، وتعيد تعريف معنى الفعل والمسؤولية. ففي عالم تحكمه السرعة وتُدار إيقاعاته بمنطق الأداء والفورية، يتآكل المجال الداخلي للتأمل، ويضيق الحيز الأخلاقي اللازم لاتخاذ القرار الواعي. لقد صار الزمن نفسه جزءا من منظومة السيطرة، وتحوّلت العجلة من حالة عرضية إلى قيمة مركزية، تُقاس بها الكفاءة، ويُعاد عبرها ترتيب سلم الفضائل.

ينطلق هذا المقال من فرضية مفادها أن الأزمة الأخلاقية الراهنة ليست ناجمة عن غياب القيم بقدر ما هي نتيجة اختلال الإيقاع الوجودي للإنسان، أي فقدان “الزمن الأخلاقي” الضروري لتكوّن الضمير واستقرار المعنى. ومن ثم يسعى إلى مساءلة بنية التسارع في الحضارة الرقمية، وتحليل آثارها على الذات المعاصرة، قبل اقتراح أفق فلسفي بديل يقوم على إعادة الاعتبار للبطء بوصفه ممارسة نقدية ومسؤولية وجودية، تُمكّن الإنسان من استعادة علاقته بذاته وبالآخر وبالعالم.

ولم يعد الزمن في التجربة المعاصرة، مجرد بعد محايد تتحرك فيه الأحداث، ولا إطارا فيزيائيا تتعاقب ضمنه الوقائع، بل صار قوة ضاغطة ونظاما قهريا وبنيةً مهيمنة تعيد تشكيل الوعي الإنساني وأنماط العيش وأفق المعنى. لقد انتقل الزمن من كونه شرطا للوجود إلى كونه سلطة على الوجود. وهذه النقلة الدقيقة هي التي تجعل سؤال “الزمن الأخلاقي” سؤالا فلسفيا ملحا، لا بوصفه مسألة نظرية مجردة، بل باعتباره معضلة وجودية تمس جوهر الكائن الإنساني في علاقته بذاته وبالآخر وبالعالم.

فالإنسان الحديث لا يعيش الزمن بل يُستنزف فيه. لا يسكن اللحظة، بل يُدفع دفعا من لحظة إلى أخرى. لا يتأمل الامتداد، بل يُقذف في تعاقب محموم من الوقائع حيث تصبح السرعة قيمة والتأخير رذيلة والتريث ضعفا والبطء علامة على التخلف. وكأن الحضارة التقنية قد نجحت في تحويل الزمن إلى سلعة، وفي اختزال التجربة الإنسانية إلى سلسلة من الاستجابات السريعة.

لقد سبق لهنري برغسون أن فرّق بين الزمن الفيزيائي القابل للقياس، والزمن المعاش الذي سماه “المدة” ، مؤكدا أن الزمن الحقيقي ليس ما تقيسه الساعات، بل ما تعيشه الذات في عمقها الشعوري. غير أن عالم اليوم يبدو وقد أطاح بهذا التمييز لصالح زمن واحد مسطح، متجانس، رقمي، تُختزل فيه التجربة إلى وحدات إنتاج واستهلاك. إننا نعيش كما يقول بول فيريليو، في “ديكتاتورية السرعة”، حيث لا يعود المهم هو ما يحدث، بل سرعة حدوثه.

هذا التحول ليس تقنيا فحسب، بل أخلاقي في عمقه. فالزمن السريع يعيد تشكيل منظومة القيم، يفضّل الفعل على التأمل والإنجاز على المعنى والحضور الافتراضي على العلاقة الحية، ويُقصي كل ما يحتاج إلى صبر أو إنضاج أو تراكم بطيء. هكذا يصبح التفكير عبئا، والذاكرة عائقا، والضمير ترفا لا وقت له.

في هذا السياق، يغدو سؤال الزمن الأخلاقي سؤالا عن إمكانية المسؤولية في عالم لا يمنحنا وقتا كافيا للتفكير في عواقب أفعالنا. كيف يمكن للضمير أن يشتغل في فضاء متسارع؟ كيف يمكن للقرار الأخلاقي أن يتشكل في ظل ضغط الإيقاع؟ كيف يمكن للإنسان أن يتحمل تبعات أفعاله إذا كان كل شيء يُطلب منه فورا؟.

لقد أدرك إيمانويل كانط في مشروعه النقدي، أن الأخلاق تفترض زمنا داخليا للتأمل، وأن الإرادة الحرة لا تنفصل عن القدرة على التريث. فالواجب الأخلاقي لا يُستجاب له آليا، بل يتطلب مسافة بين الدافع والفعل. وهذه المسافة هي جوهر الحرية. غير أن الحضارة المعاصرة تعمل باستمرار على تقليص هذه المسافة، عبر تسريع الإيقاع وتكثيف المنبهات وتحويل الإنسان إلى كائن ردود أفعال.

ولذلك ليس من قبيل المصادفة أن ترتبط الحداثة المتأخرة بأشكال جديدة من القلق الوجودي، وبانتشار الاكتئاب، وبالشعور المزمن بالاستعجال. فالذات المعاصرة تعيش في حالة طوارئ دائمة. كل شيء مستعجل وكل شيء قابل للتجاوز وكل شيء مؤقت. وكما لاحظ زيغمونت باومان، فإننا نعيش في “حداثة سائلة”، حيث لا تستقر القيم ولا تدوم العلاقات ولا يثبت المعنى.

لكن الأخطر من ذلك هو أن هذا التسارع لا يقتصر على المجال النفسي أو الاجتماعي، بل يمتد إلى المجال الأخلاقي ذاته. فالقرارات الكبرى تُتخذ بسرعة، والسياسات تُصاغ تحت ضغط اللحظة، والحروب تُدار عبر شاشات، والمعاناة الإنسانية تتحول إلى أخبار عابرة. لقد فقدت المآسي زمنها الخاص. ولم يعد للألم إيقاعه، ولا للحزن مداه، ولا للتوبة أفقها.

هنا يستعيد قول هيدغر راهنيته القصوى حين اعتبر أن جوهر الأزمة الحديثة يكمن في نسيان الوجود. فالإنسان لم يعد يسأل عن معنى الكينونة لأنه غارق في تدبير الموجودات. ولم يعد يصغي لصمت العالم، لأنه محاصر بضجيج الشبكات. لقد صار الزمن مجرد مورد يُستثمر، لا تجربة تُعاش.

ومن ثم، فإن الحديث عن “الزمن الأخلاقي” ليس ترفا فلسفيا، بل محاولة لاستعادة البعد المفقود في التجربة الإنسانية. الزمن الأخلاقي هو ذلك الزمن الذي يسمح للفعل بأن يُفكّر فيه، وللآخر بأن يُؤخذ بعين الاعتبار، وللعواقب بأن تُستحضر. إنه زمن المسؤولية وزمن التمهل وزمن الإصغاء.

وقد عبّر إيمانويل ليفيناس عن هذا المعنى حين ربط الأخلاق بتجربة اللقاء مع وجه الآخر، معتبرا أن هذا اللقاء يفرض علينا انقطاعا في سير الزمن النفعي، ويفتح فجوة في الاستمرارية الأنانية. فالآخر لا يظهر في زمن السرعة، بل في زمن التوقف. المسؤولية تبدأ حين نتوقف.

لكن العالم المعاصر يعمل بالعكس تماما، حيث يُلغِي التوقف ويشيطن البطء ويمجّد التدفق المستمر. حتى اللغة نفسها تأثرت بهذا التحول، فصرنا نتحدث عن “قتل الوقت”، و”تضييع الزمن”، و”الاستثمار الزمني”، وكأن الزمن مادة خام، لا نسيجا وجوديا.

إن الأزمة الأخلاقية الراهنة ليست ناجمة عن غياب القيم، بل عن غياب الزمن اللازم لتفعيل القيم. فالإنسان قد يعرف ما هو الصواب، لكنه لا يجد الوقت الكافي لفعله. وقد يشعر بالتعاطف، لكنه يُستدرج بسرعة إلى موضوع آخر. وقد يعي حجم الكارثة البيئية، لكنه يُدفَع إلى استهلاك جديد.

وهنا تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته “فلسفة البطء”، لا بمعنى الدعوة الرومانسية إلى الانسحاب من العالم، بل بوصفها مشروعا نقديا يروم إعادة تنظيم العلاقة بين الإنسان والزمن. البطء هنا، ليس كسلاً، بل مقاومة. ليس تأخرا، بل وعيا. ليس تعطيلا للإنتاج، بل استعادة للمعنى.

لقد نبه غونتر أندرس إلى أن قدرتنا التقنية تجاوزت قدرتنا الأخلاقية، وأننا ننتج أفعالا أكبر من قدرتنا على تخيل نتائجها. وهذا ما يجعل الزمن الأخلاقي متخلفا عن الزمن التقني. فنحن نبتكر بسرعة، لكننا لا نفكر بنفس السرعة. نغيّر العالم، لكننا لا نغيّر أنفسنا بالوتيرة ذاتها.

من هنا فإن تأسيس زمن أخلاقي بديل يقتضي إعادة الاعتبار للتأمل، وللذاكرة، وللتجربة البطيئة. يقتضي استرجاع ما سماه فالتر بنيامين “الهالة”، أي العمق الذي تفقده الأشياء حين تُستهلك بسرعة. ويقتضي أيضا مقاومة ثقافة الفورية التي تختزل الحقيقة في الخبر العاجل، والحكمة في الرأي السريع.

إن الزمن الأخلاقي هو زمن التراكم الداخلي، زمن التكوين، زمن الإنصات الطويل للأسئلة الكبرى. وهو لا يتشكل إلا حين يقبل الإنسان بأن يكون كائن انتظار، لا مجرد كائن إنجاز. وكما قال سيمون فايل: “الانتباه الخالص هو أندر وأثمن أشكال الكرم”. والانتباه يحتاج إلى زمن.

بهذا المعنى، فإن مشروع فلسفة البطء ليس دعوة إلى الهروب من الحداثة، بل محاولة لإنقاذ الإنسان داخلها. إنه سعي لإعادة التوازن بين السرعة الضرورية للحياة التقنية، والبطء الضروري للحياة الأخلاقية. لأن الحضارة التي تسرّع كل شيء، لكنها تُبطئ الضمير، إنما تسير نحو فراغ قيمي عميق.

والسؤال الذي يفرض نفسه في نهاية هذا التأسيس هو: هل ما يزال ممكنا، في عالم متسارع إلى هذا الحد، أن نستعيد زمنا إنسانيا صالحا للأخلاق؟ وهل يمكن للذات المعاصرة أن تعيد بناء علاقتها بالوقت على أساس المسؤولية لا الاستهلاك؟ أم أننا دخلنا طورا تاريخيا صار فيه الزمن نفسه معاديا للمعنى؟.

غير أن هذا الانقلاب لا يحدث اعتباطا؛ ذلك أن التسارع المعاصر ليس مجرد نتيجة عرضية للتقدم التقني، بل هو منطق كلي يغلغل في نسيج الحياة اليومية، ويعيد تنظيم العمل والعلاقات والمعرفة وحتى أشكال التديّن والتأمل. لقد بيّن هارتموت روزا أن الحداثة المتأخرة تقوم على ثلاث ديناميات متداخلة: التسارع التقني، وتسارع التغير الاجتماعي، وتسارع وتيرة الحياة. وهذه الديناميات لا تنتج فقط شعورا بالضغط الزمني، بل تخلق ذاتا “منزوعة الجذور الزمنية”، ذاتا لا تمتلك الاستقرار الكافي لبناء علاقة مستمرة مع العالم.

في ظل الرأسمالية الرقمية، لم يعد الزمن إطارا محايدا للتبادل، بل صار مادة أساسية في الاقتصاد السياسي للاهتمام. المنصات لا تبيع المنتجات فحسب، بل تستثمر في انتباه المستخدمين، وتتنافس على اقتناص ثواني وعيهم. كل إشعار هو مطالبة فورية بالحضور، وكل تمرير للشاشة هو إعادة إدخال الذات في دورة استهلاك لا تنتهي. وهكذا يتحول الإنسان إلى كائن مشتت، موزع على نوافذ متعددة، فاقد للتركيز العميق، عاجز عن الانغماس الطويل في فكرة أو علاقة أو سؤال.

وقد نبّه برنارد ستيغلر إلى أن هذا النمط من الحياة الرقمية الذي يؤدي إلى “تفقير الرغبة”، لأن الرغبة تحتاج إلى زمن للتكوّن، بينما الإشباع الفوري يفرغها من بعدها الرمزي. إننا لا نرغب بعمق، بل نستهلك بسرعة. ولا نفكر طويلا، بل نعلّق سريعا. ولا نحزن كامل الحزن، ولا نفرح كامل الفرح، لأن كل حالة وجدانية تُقطَع قبل أن تبلغ اكتمالها.

هنا تغدو الأخلاق نفسها خاضعة لمنطق التدفق. فالمواقف تُتخذ في لحظتها، والتعاطف يُمارس على هيئة “إعجاب”، والغضب يُفرّغ في تعليق، ثم يُنسى كل شيء مع الخبر التالي. لقد تحولت القضايا الكبرى إلى محتوى، والمعاناة الإنسانية إلى مادة تداولية، والالتزام الأخلاقي إلى رد فعل عابر.

وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة: نحن نعيش في زمن تضخم فيه الخطاب الحقوقي، وتكاثرت فيه المواثيق الأخلاقية، لكن القدرة الفعلية على تحمّل المسؤولية تتآكل. والسبب في ذلك ليس في نقص الوعي، بل في اختلال الإيقاع. فالزمن الأخلاقي يتطلب بطئا بنيويا، يتطلب فسحة للتفكير في العواقب، وللاعتراف بالآخر، ولإعادة النظر في الذات. غير أن بنية العالم المعاصر تضيق بهذه الفسحة باستمرار.

لقد ربط بول ريكور بين الهوية والمسؤولية عبر مفهوم “الهوية السردية”، معتبرا أن الإنسان لا يصير ذاتا أخلاقية إلا حين يستطيع أن يروي حياته، وأن يرى أفعاله في سياق زمني ممتد. غير أن الذات المتسارعة تفقد قدرتها على السرد؛ حياتها تتحول إلى لقطات، وذكرياتها إلى أرشيف رقمي، ومستقبلها إلى سلسلة توقعات قصيرة المدى. إنها ذات بلا قصة، وبالتالي بلا عمق أخلاقي.

إن الأزمة الأخلاقية المعاصرة هي في جوهرها أزمة زمنية. إنها أزمة فقدان الاستمرارية، وانهيار الامتداد، وتآكل الصبر. فالفضائل الكلاسيكية، من قبيل الحكمة والحلم والوفاء والتواضع، كلها تفترض زمنا طويلا للتكوين. ولا يمكن اختزالها في مهارات سريعة أو كفاءات وظيفية.

وقد أدرك أرسطو منذ القديم أن الفضيلة ليست حالة آنية، بل “ملكة مكتسبة بالتعوّد”، أي ثمرة ممارسة طويلة. لكن ثقافة السرعة لا تسمح بالتعوّد، لأنها تنتقل بنا باستمرار من تجربة إلى أخرى. إنها ثقافة البدايات المتكررة دون اكتمال، والانقطاعات الدائمة دون نضج.

أمام هذا الوضع، تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في الزمن بوصفه شرطا للأخلاق، لا مجرد مورد للإنتاج. وهنا تتقاطع الفلسفة مع الروحانية، لأن معظم التقاليد الروحية الكبرى ربطت الحكمة بالتمهل، وربطت القرب من الحقيقة بالانسحاب المؤقت من ضجيج العالم. ففي التصوف الإسلامي مثلا، يُنظر إلى “الخلوة” لا كعزلة سلبية، بل كاستعادة للإيقاع الداخلي. وفي المسيحية التأملية، يُعتبر الصمت طريقا للإنصات الإلهي. وفي البوذية، يُنظر إلى اليقظة بوصفها حضورا كاملا في اللحظة، لا استعجالا للنتائج.

غير أن فلسفة البطء التي ندعو إليها هنا ليست انسحابا صوفيا من الواقع، بل ممارسة نقدية داخل العالم. إنها محاولة لإعادة التوازن بين الفعل والتأمل والإنتاج والمعنى، وبين السرعة التقنية والبطء الإنساني. البطء بهذا المعنى، ليس نقيض الحركة، بل شرط الوعي بالحركة. إنه المسافة التي تسمح لنا بأن نسأل: لماذا نفعل ما نفعل؟ ولمن؟ وبأي ثمن؟.

وقد عبّر إدغار موران عن هذا المطلب حين دعا إلى “إصلاح الفكر” قبل إصلاح المؤسسات، معتبرا أن تعقيد العالم المعاصر يقتضي تفكيرا بطيئا، تركيبيا، قادرا على الربط بين المستويات المختلفة للواقع. فالمشكلات الكبرى من قبيل الأزمة البيئية أو تفكك الروابط الاجتماعية، لا تُحل بمنطق الاستعجال، بل تحتاج إلى زمن طويل من الفهم المشترك.

إن الزمن الأخلاقي الذي ننشده هو زمن يسمح بإعادة وصل الإنسان بالطبيعة، وبالتاريخ، وبالآخر. زمن يعترف بالحدود ويقبل الهشاشة ويعيد الاعتبار للانتظار بوصفه فعلا إيجابيا. ففي الانتظار يتكوّن المعنى، وفي التأجيل تُختبر الرغبة، وفي الصبر تتربى الإرادة.

ولعل من أهم ملامح هذا الزمن البديل استعادة مركزية المسؤولية. فالمسؤولية ليست مجرد التزام قانوني، بل علاقة زمنية بالآخر، بمعنى أن أتحمل أثر أفعالي في الحاضر والمستقبل، وأن أعي أن كل قرار هو امتداد لسلسلة طويلة من الأسباب والنتائج. وهذا ما قصده هانس يوناس حين صاغ مبدأ المسؤولية في سياق الحضارة التقنية، داعيا إلى أخلاق تستشرف العواقب البعيدة لأفعالنا، خصوصا تجاه الأجيال القادمة.

غير أن استشراف المستقبل يتطلب خيالا أخلاقيا، والخيال يحتاج إلى فراغ زمني، إلى مساحات غير مشغولة بالإلحاح اليومي. ولذلك فإن إعادة بناء الزمن الأخلاقي تمر عبر مقاومة الاستعمار الكامل للحياة من طرف منطق الأداء. وتمر عبر استعادة لحظات الصمت، وطقوس البطء، وأزمنة القراءة العميقة، والحوار غير المستعجل.

إن فلسفة البطء في أفقها العملي، تقتضي أيضا إعادة النظر في التربية وفي تنظيم العمل وفي علاقتنا بالتكنولوجيا. فالتربية التي تُلقّن ولا تُمهل تُنتج عقولا سريعة وفقيرة. والعمل الذي لا يعترف بالإرهاق الوجودي يُنتج ذواتا محترقة. والتكنولوجيا التي لا تُضبط أخلاقيا تُسرّع التفكك بدل أن تعزز التواصل.

إن الزمن لم يعد مجرد خلفية صامتة لتجربتنا الإنسانية، بل صار الفاعل الخفي الذي يعيد تشكيل معنى الذات وحدود المسؤولية وإمكان الأخلاق. لقد دخلنا مرحلة تاريخية يتقدم فيها الزمن التقني بسرعة تفوق قدرة الوعي الأخلاقي على المواكبة، فنتج عن ذلك اختلال عميق في الإيقاع الوجودي للإنسان.

هذا الاختلال لا يظهر فقط في مظاهر التوتر والقلق والتشتت، بل يتجلى أساسا في تآكل القدرة على التمهل وعلى الإصغاء، وعلى بناء علاقة مستمرة مع العالم. إن الإنسان المتسارع هو إنسان مهدد بفقدان العمق، لأن العمق يحتاج إلى زمن، والزمن صار نادرا.

ومن هنا فإن استعادة الزمن الأخلاقي ليست مسألة فردية فحسب، بل مشروع حضاري. إنها تتطلب إعادة ترتيب الأولويات، والاعتراف بأن ليس كل ما هو ممكن تقنيا مرغوب أخلاقيا، وأن ليس كل ما هو سريع جدير بالاتباع. إنها دعوة إلى إعادة الاعتبار للبطء بوصفه فضيلة معاصرة، وإلى المسؤولية بوصفها جوهر الإنسانية.

فالزمن الأخلاقي هو الزمن الذي يسمح لنا بأن نكون بشرا كاملين، نفكر قبل أن نتصرف، ونشعر قبل أن نحكم، ونتذكر قبل أن ننسى، وننتظر قبل أن نستعجل. وهو زمن لا يُقاس بالساعات، بل بعمق التجربة، ولا يُستثمر بل يُعاش.

ولعل التحدي الأكبر الذي يواجهنا اليوم هو كيف نعيش داخل عالم السرعة دون أن نصير أبناءه بالكامل، كيف نستعمل التكنولوجيا دون أن نُستعمل بها، وكيف نحافظ على بطء القلب وسط تسارع الآلات. إن مستقبل الأخلاق مرهون بقدرتنا على إعادة امتلاك الزمن، لا بوصفه موردا، بل بوصفه أفقا للمعنى.

فإما أن ننجح في تأسيس إيقاع إنساني جديد، يوازن بين الحركة والتأمل والفعل والمسؤولية، وبين الحضور الرقمي والحضور الوجودي، وإما أن نستسلم لمنطق التسارع الشامل، فنخسر تدريجيا ما يجعلنا بشرا، القدرة على التمهل وعلى الرحمة، وعلى التفكير العميق.

وفي هذا المفترق التاريخي الدقيق، يصبح البطء فعل مقاومة، والمسؤولية شكلا من أشكال الشجاعة، والزمن الأخلاقي أفقا مفتوحا لإعادة بناء إنسانية تتداعى.

***

د. حمزة مولخنيف

يشكل الزمن أحد أكثر المفاهيم حضوراً وتعقيداً في التجربة الإنسانية، وقد انعكس هذا الحضور بعمق في الأدب العربي منذ أقدم عصوره حتى يومنا هذا. فالزمن في النص الأدبي ليس مجرد إطار خارجي تتحرك فيه الأحداث، بل هو عنصر فاعل في تشكيل الرؤية واللغة والوجدان، ومرآة تعكس علاقة الإنسان بذاته وبالعالم من حوله. ومن خلال تتبع تمثلات الزمن في الأدب العربي، يمكننا قراءة تحولات الوعي العربي، وتقلبات نظرته إلى الوجود والمصير والذاكرة.

في الشعر الجاهلي، بدا الزمن قوة غامضة قاهرة، ارتبط بالفناء والخراب وتقلب الأحوال. فالوقوف على الأطلال لم يكن مجرد تقليد فني، بل كان فعلاً فلسفياً عميقاً، يواجه فيه الشاعر هشاشة الوجود أمام سطوة الدهر. الأطلال هي الزمن المتجسد في المكان، وهي الشاهد الصامت على ما مضى ولم يعد. ومن خلال مخاطبة الديار البالية، كان الشاعر يحاور الزمن ذاته، معترفاً بعجز الإنسان أمام جريانه الذي لا يتوقف، لكنه في الوقت نفسه يحاول تثبيت اللحظة بالكلمة، وكأن الشعر مقاومة رمزية للفناء.

ومع ظهور الإسلام، طرأ تحول جوهري على مفهوم الزمن في الثقافة العربية. لم يعد الزمن مجرد دهر أعمى، بل صار جزءاً من نظام كوني محكوم بالإرادة الإلهية. انعكس هذا التحول في الأدب، حيث اكتسب الزمن بعداً أخلاقياً وروحياً، مرتبطاً بالحساب والجزاء، وبفكرة العبور من الفناء إلى البقاء. أصبح الماضي مجالاً للعظة، والحاضر ميداناً للفعل، والمستقبل وعداً أو وعيداً. هذا الوعي الزمني الجديد أسهم في تهذيب النظرة إلى الحياة، وفي إعادة ترتيب علاقة الإنسان بالوقت، لا بوصفه عدواً، بل أمانة ومسؤولية.

في العصر العباسي، ومع ازدهار الفكر والفلسفة، اتخذ الزمن أبعاداً أكثر تعقيداً في الأدب. لم يعد يُنظر إليه فقط من زاوية دينية أو وجدانية، بل أصبح موضوعاً للتأمل العقلي. تجلت هذه الرؤية في الشعر والنثر، حيث برز الإحساس بتسارع الزمن، وبقصر العمر، وبزيف اللذة العابرة. كثير من النصوص العباسية عبّرت عن وعي حاد باللحظة، وعن محاولة لاقتناص المتعة قبل انقضائها، وهو ما يكشف عن صراع داخلي بين الفناء والرغبة في الخلود، بين العقل الذي يدرك حتمية النهاية، والوجدان الذي يرفض الاستسلام لها.

أما في الأدب الصوفي، فقد بلغ مفهوم الزمن ذروة تجريده الفلسفي. الزمن هنا لا يُقاس بالساعات والأيام، بل بالحالات الروحية والمقامات. الحاضر يصبح لحظة اتصال، والماضي والمستقبل يذوبان في تجربة الفناء في المطلق. الصوفي يسعى إلى الخروج من الزمن لا إلى الخضوع له، ويرى في الذاكرة والحلم معابر إلى الحقيقة. اللغة الصوفية، بما تحمله من رموز وإشارات، تعكس هذا التحرر من الزمن الخطي، وتفتح النص على أفق أبدي يتجاوز حدود التاريخ.

المفهوم الحديث

في الأدب العربي الحديث، عاد الزمن ليطرح نفسه بإلحاح، ولكن في سياق مختلف. فالتجربة الاستعمارية، وما رافقها من انكسارات وتحولات، خلقت وعياً زمنياً مأزوماً. أصبح الماضي عبئاً ثقيلاً تارة، وملاذاً حنينياً تارة أخرى، بينما بدا الحاضر مرتبكاً، والمستقبل غامضاً. انعكس هذا القلق في الرواية والشعر، حيث تكسرت الخطية الزمنية، وتداخلت الأزمنة داخل النص الواحد. لم يعد السرد يسير من البداية إلى النهاية، بل أصبح دائرياً أو متشظياً، يعكس تفتت الوعي وضياع البوصلة.

وتكشف الرواية العربية الحديثة بشكل خاص عن علاقة معقدة بالزمن. فالذاكرة تلعب دوراً محورياً في بناء السرد، وتتحول إلى أداة لاستعادة الماضي لا بوصفه حدثاً منتهياً، بل بوصفه قوة فاعلة في تشكيل الحاضر. الزمن الروائي يصبح ذاتياً، يتباطأ أو يتسارع وفق الحالة النفسية للشخصيات. هذا التلاعب بالزمن لا يخلو من بعد فلسفي، إذ يطرح أسئلة عن الحقيقة، وعن إمكانية الإمساك باللحظة، وعن جدوى البحث عن معنى ثابت في عالم متغير.

كما أن الشعر العربي المعاصر قدّم رؤية مغايرة للزمن، حيث تراجع الإيقاع المنتظم لصالح لحظة مكثفة، مشحونة بالدلالة. القصيدة الحديثة لا تحكي الزمن، بل تعيشه، وتكثفه في صورة أو إحساس أو مفارقة. الزمن هنا تجربة داخلية، مرتبط بالوعي الفردي أكثر من ارتباطه بالتاريخ الجمعي. وهذا التحول يعكس انتقال الإنسان العربي من الإحساس بالزمن الجماعي إلى القلق الفردي، ومن اليقين إلى التساؤل.

إن تتبع مفهوم الزمن في الأدب العربي يكشف أنه ليس مفهوماً واحداً ثابتاً، بل شبكة من الرؤى المتداخلة التي تتغير بتغير السياق الثقافي والفكري. الزمن في الأدب مرآة للفلسفة الكامنة خلف النص، وللأسئلة التي تشغل الإنسان في كل عصر. ومن خلال هذه المرآة، نستطيع أن نقرأ تاريخ الوعي العربي، لا بوصفه تسلسلاً للأحداث، بل بوصفه رحلة فكرية وروحية في مواجهة الفناء، ومحاولة دائمة لمنح الحياة معنى يتجاوز حدود اللحظة العابرة.

وإذا واصلنا التعمق في البعد الفلسفي لمفهوم الزمن في الأدب العربي، سنلاحظ أن الزمن لا يُطرح فقط كإشكالية وجودية فردية، بل بوصفه عنصراً حاسماً في تشكيل الوعي الجمعي والهوية الثقافية. فالأدب العربي، في كثير من تجلياته، يعكس توتراً دائماً بين زمن مثالي متخيل وزمن واقعي معيش. هذا التوتر يظهر بوضوح في الخطاب الأدبي الذي يستدعي الماضي الذهبي ليقارن به حاضراً مأزوماً، فيتحول الزمن إلى أداة نقد ثقافي، وإلى وسيلة لطرح سؤال النهضة والانحطاط، لا على مستوى التاريخ فقط، بل على مستوى القيم والمعنى.

وفي هذا السياق، تلعب الذاكرة دوراً مركزياً في تشكيل الزمن الأدبي. فالذاكرة ليست مجرد استرجاع لما مضى، بل إعادة بناء للماضي وفق حاجات الحاضر وهواجسه. كثير من النصوص العربية الحديثة تعيد كتابة التاريخ الشخصي والجماعي، لا بدافع التوثيق، بل بدافع الفهم والمساءلة. الزمن هنا يصبح مادة قابلة للتأويل، وليس حقيقة مغلقة. ومن خلال هذا الاشتغال على الذاكرة، يحاول الأدب أن يحرر الماضي من قدسيته الجامدة، وأن يجعله حوارياً، مفتوحاً على أسئلة الحاضر.

المفهوم المعاصر

كما يبرز في الأدب العربي المعاصر وعي متزايد بما يمكن تسميته «الزمن المكسور»، وهو زمن الانقطاعات الكبرى التي خلّفتها الحروب والهزائم والمنفى. هذا الزمن لا يسير في خط مستقيم، بل يتشظى إلى لحظات صدمة، تتكرر في الوعي وتفرض حضورها القسري. في مثل هذه النصوص، يفقد الزمن معناه التقليدي، ويتحول إلى إحساس دائم بالانتظار أو التعليق، حيث لا الماضي يُستعاد بالكامل، ولا المستقبل يُتخيل بوضوح. هذا الإحساس ينعكس في بنية النص ذاته، من خلال التقطيع، والتكرار، والقفز المفاجئ بين الأزمنة.

ومن زاوية فلسفية أعمق، يمكن القول إن الأدب العربي تعامل مع الزمن بوصفه سؤالاً عن المعنى، لا عن الامتداد. فالزمن لا قيمة له في ذاته، بل بما يحمله من تجربة ومعرفة وألم. لذلك نجد أن كثيراً من النصوص تركز على لحظة مفصلية واحدة، لحظة كشف أو فقد أو وعي، وتمنحها كثافة رمزية تجعلها أوسع من زمنها المحدود. هذه اللحظة تتحول إلى مركز ثقل النص، وإلى نقطة التقاء بين الماضي والمستقبل، وكأن الأدب يحاول أن ينتصر على الزمن الكمي بزمن كيفي أكثر عمقاً.

ويكشف هذا التصور عن علاقة الأدب العربي بالقلق الوجودي، إذ إن الوعي بالزمن هو في جوهره وعي بالموت. من هنا، يصبح الأدب محاولة لتأجيل الفناء، أو لمنحه معنى محتملاً. الكتابة نفسها فعل زمني بامتياز، لأنها تحفظ الصوت من الزوال، وتمنح التجربة شكلاً قابلاً للبقاء. ولذلك كثيراً ما يظهر الكاتب العربي في نصوصه منشغلاً بفكرة الأثر، وبما سيبقى بعد الرحيل، سواء أكان هذا الأثر كلمة، أم ذاكرة، أم سؤالاً مفتوحاً.

ولا يمكن إغفال البعد اللغوي في تشكيل مفهوم الزمن، فاللغة العربية بما تحمله من ثراء صرفي ودلالي، تتيح إمكانات واسعة للتلاعب بالزمن والتعبير عنه. صيغ الأفعال، وتعدد مستويات الحكي، والانزياح البلاغي، كلها أدوات تسهم في خلق زمن خاص بالنص، زمن لا يخضع بالكامل لقوانين الواقع. وهذا ما يمنح الأدب العربي قدرته على الجمع بين الآني والأبدي، بين اللحظة العابرة والدلالة المستمرة.

من خلال ذلك، يظهر مفهوم الزمن في الأدب العربي بوصفه مجالاً للتفكير الفلسفي بامتياز، وليس مجرد خلفية سردية أو شعرية. إنه مساحة للتأمل في المصير، وفي العلاقة بين الإنسان وتاريخه، وبين الذات وتحولاتها. ومن خلال هذا الاشتغال العميق على الزمن، يظل الأدب العربي قادراً على طرح أسئلته الكبرى، وعلى ملامسة جوهر التجربة الإنسانية في بعدها الأكثر هشاشة وصدقاً.

***

د. عصام البرّام

قد تبدو الكتابة، في اكتشافها المباشر، مجرّد فعل لغوي؛ يمسك إنسان بقلم أو لوحة مفاتيح، فتجود أنامله ما يجول في خاطره في سطورٍ قابلة للقراءة. بينما خلف هذا الاكتشاف البسيط تستّتر تجربة أعمق بكثير؛ تجربة تُسائل معنى أن يكون الإنسان كائنًا ناطقًا، متكلّمًا، ومقيمًا في فضاءات الكلمة. في المقابل، تتكشف القراءة غالبّا نوعًا من تلقي النصوص واستيعاب مضامينها، غير أنّها، عند التعمق الفلسفي، فعلٌ يطال بنية الذات نفسها، إذ تعيد من خلاله تشكيل علاقتها بالعالم وبذاتها في آن.

عليه بين الكتابة والقراءة علاقة تتجاوز التراتب التقليدي القائل بأن الأولى إنتاج والثانية استهلاك. إنهما منجزان متكاملان داخل أفق واحد هو أفق المعنى الذي تحمله الكلمة؛ حيث لا يعود النصّ شيئًا يُلقى من فكر على فكر، بل فضاءً مشتركًا تنشأ فيه الذات وتُختبر، ويتجدد فيه حضور العالم في الوعي الإنساني. من هنا جاءت هذه السطور بوصفها محاولة للتأمل في فنّ الكتابة ومعنى القراءة، لا كمهارة أو تعليم، وإنما كخبرة أنطولوجية ومعرفية، تتشابك فيها الفلسفة مع الأدب والعلم، ويتداخل فيها التأمل العقلي مع الشعور الجمالي والوجداني.

عند مقاربة "الكتابة" في جوهرها الأعمق، ليست نقلًا لما هو حاضر في الوعي إلى حيّز اللغة، بل هي لحظة تشكّل للوعي نفسه في رحاب اللغة. لما يشرع الكاتب في كتابة نصّ ما، فإنّه لا يفرغ مخزونًا جاهزًا من الأفكار فحسب، بل يدخل في اختبار جديد مع ذاته ومع العالم: يتوقف، يختار، يستبعد، يعيد الصياغة، يتردد، ثم يمضي. هذا النسق لا يكشف عن مسار تقنية فنية فقط، بل عن مسار داخلي يختبر فيه الكاتب حدود ما يمكن قوله وحدود ما يظل ممتنعًا عن القول. اللغة هنا لا تظهر كأداة طيّعة تمامًا، بل كأفق يتيح ويمنع، يكشف ويحجب في آن واحد.

من هذه الزاوية، تتبدّى أن الكتابة نوع من “السباحة” عبر تيارات اللغة؛ فالكاتب لا يقف خارجها ليتحكم فيها من أعلى، بل يتحرك داخلها في عمقها، يخضع لقوانينها وإيقاعها ومجازاتها، ويمنحها في الوقت نفسه سببًا جديدًا للحياة. إنّ كلّ نصّ حقيقي هو شكل من أشكال الإبحار في بحر من الكلمات؛ يخوض غماراته صاحبه، لكنه يكتشف، كلما تقدّم بين أمواجه وأعماقه، أنّ البحر يعاندّه هو نفسه، وأن الكيان الذي يخرج من النصّ لا ينفصل عن الكيان الذي يخرج منه الكاتب وهو يكتب.

ومن زاوية أخرى، يمكن النظر إلى الكتابة بوصفها رياضة إصغاء مستدامة. فالكاتب الذي يتعامل مع اللغة بجدّية يدرك أن الكلمة لا تولد من فراغ، وأن الجملة الجيدة لا تأتي بقرارٍ إراديّ محض. في لحظات الكتابة الحقيقية، يكون هناك شيء أعمق من الإرادة يتحرك: حدس مبهم، نداء خفي، أو “صوت” جواني لا يتبدى بصورة حرفية، بل يتجلى في شكل توترٍ بين ما نريد قوله وما نشعر أنه يجب أن يُقال. حينئذٍ، يصبح فعل الكتابة إصغاءً لهذا التوتر، ومحاولة لإعطائه تمثلاً لغويًا.

عبر هذا المعنى، لا يكون الكاتب “مالكًا” للمعنى، بل شاهدًا على تشكّله. الكلمات تتقدّم أحيانًا كما لو أنّ لها منطقها الخاص، والكاتب يتبعها ويجرّبها ويختبرها، حتى تستقر على شكلٍ ما. هنا يكمن سرّ شعور كثير من الكتّاب بأن نصوصهم تذهب أبعد ممّا كانوا يخططون له، وتبوح بأمور لم يكونوا واعين بها تمام الوعي. إنّ الكتابة، في أحد أوجهها، تكشف للإنسان ما يجهله عن نفسه بقدر ما تفصح عما يعيه.

أما القراءة من هذا الأفق، يتضح أن اختزالها في “فهم المعنى” لا يكفي. كونها ليست فعلًا يستقبل به القارئ رسائل جاهزة، بل هي بدورها نسق تَشكّل؛ تَشكّلٍ للذات في غمرات النص. فحين يواجه القارئ نصًا أدبيًا أو فلسفيًا أو دينيًا، فإنّه لا يتعامل مع كتلة جامدة من الكلمات، بل مع مسارات ومقتضيات محتملة، تفتح أمامه إمكانات مختلفة للفهم والتأمل والتخيل. إنّ النصّ، مهما بدا محدودًا في عدد صفحاته، يحتوي على “مسارات” فهم كثيرة لا تظهر دفعة واحدة، بل تنكشف في ضوء تجربة القارئ، وسياقات المعنى لديه، وأفق النص.

هذه الرؤية تجعل من القراءة حركة مزدوجة: من الخارج إلى الداخل، ومن الداخل إلى الخارج. من الخارج، لأنّ القارئ يتلقى كلمات وصورًا وأفكارًا لم تصدر عنه؛ ومن الداخل، لأنّ هذه العناصر لا تكتسب معناها إلا حين تمر عبر خبرته الخاصة، وتتقاطع مع ذاكرته وألمه وآماله وهواجسه. وبهذا يمكن القول: إن القارئ لا “يفهم” النص وحسب، بل “يعاشره ويستضيفه”، يعيش معه زمنًا، ويتعرّف من خلاله إلى جزء من ذاته لم يكن قد رآه من قبل.

من هنا تنشأ أهمية القراءة كفعل حرية ومسؤولية في الوقت نفسه؛ فالقارئ يستطيع أن يقرأ قراءة سريعة، سطحية، لا تبقي أثرًا عميقًا في ذاته، كما يستطيع أن يقرأ قراءة متأنية، تتوقّف عند العبارات والمفاهيم والإشارات، وتسمح للنص بأن يعمل فيه عملًا حقيقيًا. النوع الأول لا يغيّر القارئ بتاتا وإلا قليلاً، والنوع الثاني يعيد تشكيل رؤيته للعالم ولذاته، وربما يبدل وجهة حياته كلها. لهذا لا تُقاس القراءة بعدد الكتب، بل بنوع العلاقة التي نقيمها مع ما نقرأ.

في ضوء هذا كله، يغدو من المشروع أن نستفهم: ما موقع التجربة القرآنية في هذا الأفق الواسع للكتابة والقراءة؟ فالوعي الإسلامي تشكّل، في جانب كبير منه، حول نصّ مؤسس هو القرآن الكريم؛ نصّ لا يُنظر إليه على أنه كتاب من بين الكتب، بل كلمة إلهية للإنسان، نزلت “ قلب النبي” و”قرأها اللسان” في آن واحد. إنّ أول ما يلفت الانتباه هنا هو افتتاح الوحي بكلمة ذات دلالة قصوى: «اقرأ»  .

هذا الأمر ليس مجرّد دعوة إلى الثقافة أو الحثّ على التعلّم، بل هو تأسيس لعلاقة مخصوصة بين الإنسان والكلمة. القراءة هنا ليست فعلاً عرضيًا، وإنما هي من صميم الوجود الإنساني كما يُراد له أن يكون: وجودٌ قائم على التأمل والتذكر والتفكر. كما أن تسمية النصّ المقدّس بـ «القرآن» تعيد التأكيد على هذا المعنى؛ فالاسم نفسه يحيل إلى الفعل: إلى القراءة، وإلى التلاوة، وإلى إعادة النطق بالمعنى في الزمن، بحيث لا ينقطع الحوار بين الإنسان والوحي.

من هذا المنطلق يمكن فهم أنّ النصّ القرآني لا يُعرَّف فقط بما هو مكتوب في المصحف، بل بما هو مقروء في حياة المؤمن، أي بما يثيره من أسئلة وما يفتحه من آفاق للفهم والعمل. فالقراءة القرآنية ليست قراءة “محايدة”؛ إنها فعل تديّن، وفعل تأويل، وفعل تزكية للنفس أيضًا. القارئ لا يكتفي بأن يفهم اللغة، بل يسعى إلى أن يدخل النص في قلب حياته، وأن يقرأ ذاته والعالم من خلاله لذلك جاء في التراث الحديثي قول أم المؤمنين السيدة عائشة (رض) عندما سئلت عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) قالت: "كان قرآنا يمشي بين الناس".

هكذا لابد أن يلتقي البعد الروحي بالبعد الفلسفي: القراءة تتحوّل إلى تجربة حياتية وجودية، يعاد فيها تعريف الإنسان لذاته في ضوء كلمة يعتقد أنها تتجاوزه وتُقصيه عن مركزية ادعاء المعرفة المطلقة.

إذا جمعنا هذه الخيوط معًا، بدا أن فنّ الكتابة ومعنى القراءة يشكلان معًا جدلية دقيقة بين الإبداع والإنصات. الكتابة، من جهة، فعل إبداع وابتكار؛ يبتكر فيه الإنسان نصوصًا لم تكن موجودة قبل أن يخطّها، يضيف بها إلى العالم “معنى” آخر، في شكل قصص وأفكار ونظريات وخطابات ورؤى. بهذا المعنى، تتحقق للإنسان عبر الكتابة قدرةٌ على المساهمة في صياغة الذاكرة الثقافية للبشرية، وعلى ترك أثرٍ يتجاوز زمنه الفردي. غير أن هذا الإبداع لا ينشأ من فراغ، ولا يتم في فضاء الرؤية المطلقة؛ فالكلمة التي يُبدعها الكاتب هي أيضًا ثمرة إنصات طويل للغة والتاريخ والروح والواقع والإنسان والحياة والله..

ثم القراءة، من جهة أخرى، فعل إنصات عميق، ليس للكاتب فحسب، بل لما يتجاوز الكاتب في نصّه. هي إنصات للكلمة وهي تكشف عن طبقاتها المتعددة من المعنى، وإنصات لما يتولّد في داخل القارئ من أسئلة وأحاسيس واستجابات. لكن القراءة ليست إنصاتًا سلبيًا؛ إنها تشارك في الإبداع أيضًا وتلتحق بقافلته بمعية الكتابة، إذ إن كل قارئ يضفي على النص لونًا خاصًا من الفهم، وبصمة خاصة من التأويل، فيخلق بذلك “نصّه” هو داخل النص الأصل. وهكذا تصبح القراءة ضربًا من إعادة الكتابة الصامتة، وتغدو الكتابة ضربًا من القراءة الأولى للعالم.

في هذا الجدل بين الكتابة والقراءة تتأسّس مسؤولية الإنسان في تعامله مع الكلمة. فالكاتب مسؤول عن اللغة التي يطلقها في العالم: هل تفتح آفاقًا للفهم والنقد والبناء، أم تعمّق الخداع والتسطيح؟ هل ترتقي بالذائقة وبالوعي، أم تكرّس الابتذال والعنف الرمزي؟ والقارئ كذلك مسؤول عن الطريقة التي يستهلك بها النصوص أو يثمرها: هل يكتفي بالمرور السريع عليها، أم يمنحها من نفسه ما يجعلها تتحول إلى تجربة داخلية مؤثّرة؟

من هنا يمكن القول إنّ المجتمعات لا تُقاس فقط بعدد الكتب التي تُنشر فيها، بل بنوع العلاقة التي تنسجها مع الكلمة؛ بنوعية الكتابة السائدة، ونوعية القراءة الممكنة. مجتمع يزدهر فيه فنّ الكتابة بمعناه العميق، ويتربّى فيه الناس على قراءة جادة، متأنية، ناقدة، سيكون لا محالة مجتمعًا أكثر قدرة على التفكير في مصيره، وعلى مراجعة مساراته، وعلى ابتكار مستقبله.

يتبدّى أنّ فنّ الكتابة ومعنى القراءة، في أفقهما الأقصى، ليسا فصلين من فصول الثقافة فحسب، بل هما من أسس الوجود الإنساني ذاته. نحن لا نكتب لكي نملأ الفراغ، ولا نقرأ لكي نقتل الوقت؛ نحن نكتب لكي نفهم ونُفهِم، ونقرأ لكي نرتقي بفهمنا إلى ما بعد حدود خبرتنا الضيقة أمام فضاءات الخبرات الإنسانية. وبين لحظة يمسك فيها إنسان بقلم، ولحظة يفتح فيها آخر كتابًا، تتشكّل قصة الحضارة كلها: قصة الكائن الذي اختار أن يسكن الكلمة، وأن يبحث فيها عن معنى نفسه ومعنى العالم ومعنى ما يتجاوز العالم، هنا تلتقي اقرأ بنون والقلم وما يسطرون..

***

مراد غريبي

 

من الملاحظ أن مصطلحات التنوير والفكر التنويري، وعصر التنوير وحركة التنوير وفلسفة التنوير، يتم تناولها بكثرة في الفكر العربي، وهي على الأغلب تستعمل كمترادفات تحمل نفس المفهوم أو المعنى. ويبدو أيضاً أن البعض من أفراد المجتمع العربي لا يعرف المغزى أو المفهوم لهذه المصطلحات، فتثار مثلاً تساؤلات عن ماهية التنوير وكيف يعمل التنوير أو كيف يمكن أن نستنتج وجود حالة التنوير في مجتمعنا أو انعدامها فيه، وما هي آليات التنوير؟ وما هو دور التنوير في الفكر العربي، وغالباً ما يكون من دون جواب واضح وشافي. هناك تساؤلات ونقاشات وحوارات كثيرة أثيرت حول التنوير في المؤلفات والكتب والندوات لكنها لم تضع صورة يتفق عليها الجميع بل نوقشت بشكل آراء مختلفة على الساحة الثقافية الفلسفية ولم تكن كافية أو شافية لأفراد المجتمع ليفهموا معنى التنوير بشكل واضح وصحيح.

فما هو التنوير وكيف يعمل؟ 

الفيلسوف إيمانويل كانط (1724م - 1804م) في رسالته المشهورة "ما هو التنوير" عرّف التنوير بأنه "خروج الإنسان من حالة القصور الذي اقترفه بحق نفسه من خلال عدم استخدامه لعقله إلاّ بتوجيه من إنسان آخر، ليس بسبب نقص في الذكاء بل بسبب نقص في العزيمة والشجاعة". ويعزو كانط حالة القصور هذه لسببين أساسيين، أحدهما هو الكسل والملل والآخر هو عامل الخوف فيه. ودليله على ذلك أن هناك من الناس مَن لا يبالي باستخدام العقل (بسبب الكسل أو الخوف)، لأن هناك غيره من الناس من يقوم بهذا العمل بدلاً عنه، أي التفكير في حل المشاكل المثارة في المجتمع. فتكاسُل الناس عن الاعتماد على أنفسهم في التفكير جعلهم متخلّفين، وأعطى الفرصة للآخرين لاستغلالهم بسبب عامل الخوف فيهم.

وقد اتخذ كانط شعاراً للتنوير يقول فيه " تحلّ بالشجاعة لاستخدام عقلك بنفسك". ولابد أيضاً من ذكر مقولة كانط المشهورة عن التنوير ويعني "خلاص الإنسان من سذاجاته التي جلبها على نفسه". ويعتقد كانط أن التنوير عملية مستمرة لا تتوقف بمرور الزمن، ويتساءل "عما إذا كنّا نعيش حالياً في عصر التنوير، فتكون الإجابة "لا" ولكننا نعيش في عصر من التنوير". ويعتبر هذا التعريف لمصطلح التنوير هو الأكثر قبولاً عند الجميع.

وعرّف الفيلسوف الألماني موسى مندلسون التنوير بأنه "عملية تعليم الإنسان التدريب على استعمال العقل".

ويتضح من هذين التعريفين أن استعمال العقل هو النقطة المحورية في معنى التنوير. وقد قيل أيضاً بأن التنوير هو حركة فكرية وثقافية تاريخية نشأت في أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. اعتمدت هذه الحركة الفكرية على استعمال العقل والمنطق كأدوات أساسية لفهم العالم وتحسينه بدلاً من الاعتماد على الخرافة والخيال (وقال البعض الآخر؛ بدلاً من الدين). 

وللتنوير علاقة واضحة بالدين عند المفكرين الأوروبيين أمثال فولتير وكانط وهيغل، فهم يدعون إلى إضعاف دور الدين (أو حتى إقصاءه إن أمكن) من التأثير والسيطرة على عقل الإنسان، ومنعه من استعمال عقله وجعله يؤمن ويصدق الخرافات والأساطير الكاذبة. لكن هناك من رفض هذه العلاقة وسماها "الوثنية الحديثة".

تميّز عصر التنوير (القرن الثامن عشر والذي سمي أيضاً بعصر العقل) بظهور ثورة فكرية وفلسفية شاملة في أوروبا وأمريكا عمّت كل المجالات في العلوم والمعرفة والفن والسياسة وغيرها. وعملت على تمجيد وإعلاء شأن العقل البشري ليكون الأداة الفاعلة لتوسيع المدارك والمعرفة وتطور البشرية. فتنوّرَ العقل الأوروبي والمجتمع الأوروبي، وأصبح الفرد الأوروبي محباً للعلم والمعرفة ومنتجاً للأفكار الخلّاقة المبتكرة. وتغيّرت ثقافة المجتمع الغربي من مجتمع متخلّف إلى مجتمع متحضّر. فانتشرت بينهم ثقافة التسامح والمحبة والتعايش بسلام، وإعلاء قيمة الإنسان وحريته...الخ 

من كل ذلك يمكن أن نقول إن التنوير هو الإيمان بقدرة العقل البشري القادر على أن يغيّر المجتمع نحو الأفضل ويخلّص المجتمع من العادات والتقاليد والأعراف البالية، ويوسّع المدارك والعلوم والمعرفة، ويعطي أفكار ونماذج جديدة تعيد الحياة للمجتمع.

في اللغة العربية، يمثل مصطلح التنوير التعريب للكلمة الإنكليزية    ENLIGHTENMENT والتي تمثل المصطلح الأصلي للتنوير. والتنوير كما هو معلوم، ظاهرة أوروبية أحدثت نهوضاً واضحاً في المجتمع الغربي، ثم انتقلت إلى الفكر العربي في القرن العشرين من خلال تفاعل المفكرين العرب مع الفكر الغربي. والتنوير مأخوذة من الفعل نوّر. والنور هو الضوء والضياء الذي ينير العقل والقلب. وتنوير العقل يعني توسيع مداركه، وهو مفهوم ومعروف في اللغة العربية.

كيف يدرِّب الإنسان نفسه على استعمال العقل؟

إذا كان الفلاسفة والمفكرين يعرفون كيف يدربون أنفسهم على استعمال العقل، فإن غالبية الناس لا يعرفون ذلك. وحيث أن التنوير لا يجب أن يقتصر على الفلاسفة والمفكرين، لأن الهدف من التنوير هو أن ينتشر لكل أفراد المجتمع كي يتنور المجتمع، لذلك فإن التساؤل عند الناس عن كيفية التدريب على استعمال العقل يكون مشروعاً. وهو وسؤال محيّر لكثير من الناس. فقد يقول بعض الناس بأننا بشر ونملك العقل، وبه نعمل ونتعايش مع المجتمع وأفراده، وباستعمال العقل ندير حياتنا اليومية كما نشأنا عليها وتربينا عليها، فكيف نُدرّب أنفسنا على استعمال العقل ونحن نستعمله يومياً؟

نذكّر هنا بمقولة ديكارت "لا يكفي للمرء أن يكون عنده عقل بل يجب أن يحسن استخدامه" وهذا يشير إلى تشخيص مشكلة أو حالة عدم حسن استعمال العقل عند الناس منذ بداية عصر النهضة. وقد وضع ديكارت ومن قبله ابي حامد الغزالي منهاجهم العقلاني في استعمال العقل باستخدام الشك الفلسفي للوصول إلى الحقيقة. وهذا المنهج يمثل أحد الأساليب التي يمكن اتباعها في تحسين استعمال العقل. وحسب مفهوم كانط للتنوير، فإن الإنسان لا يجب أن يكون سلبياً في تلقي المعلومة المعرفية فيصّدق كل ما يقال له، وألّا يبالي بتحري الحقيقة باعتبار أن هنالك غيره من البشر ممن يسعَون لنشر وتصحيح الأفكار، بل يجب أن يَعرف كلّ إنسان أنه فرد من هذا المجتمع، وعليه المشاركة في الحوارات والنقاشات وطرح وابتكار الأفكار حتى لو لم تكن بصورة علنية (أي بينه وبين نفسه)، فهذا يعزز ثقته بنفسه ويوسع مداركه.

يمكن للإنسان أن يدرب نفسه على استعمال العقل عن طريق التفكير في كل خطوة أو كل عمل يقوم به، أو مراجعة وتدقيق كل معلومة أو خبر يُعرض عليه، وذلك بالتحقق من صحته. هنالك البعض من الناس يكون أسيراً للمعلومات التي يقرؤها في الكتب أو المقالات، أو يسمعها في الحوارات والنقاشات، فيسارع لتصديقها من دون أي جهد للتحقق من صحتها، وهذا بالطبع موقف سلبي. لكن يجب عليه أن يكون إيجابياً في التعامل مع مثل هذه المواقف ويتقبّل المعلومات التي تتوافق مع أفكاره وليس لأنها قيلت من قبل عالم مشهور أو مفكر معروف أو غير ذلك. فالتفكير هو تمرين العقل، ينمّي العقل ويوسع آفاقه. وبالطبع فإن هذا المنهج يحتاج إلى الجهد والمثابرة والإصرار على فعله، كما يحتاج إلى الشجاعة للجهر به.

كيف حصل التنوير في المجتمع الأوروبي؟

يؤكد بعض الناس على إن التنوير هو الطريق الصحيح لنهضة المجتمع العربي، ويحث على استعماله لتحقيق النهضة، وكأن التنوير سلعة تُشترى من الأسواق وتطبّق حسب التعليمات المرفقة به، وطبعاً هذا غير صحيح. فالتنوير هو مصطلح ظهر في أوروبا في القرن الثامن عشر، واصفاً الحالة الفكرية والمتطورة التي وصل إليها المجتمع الأوروبي، وكان ذلك نتيجة الجهود المضّنية والذكية التي قام بها رواد النهضة الأوائل أمثال ديكارت وسبينوزا ولوك وتوماس هوبز ومارتن لوثر وغيرهم، خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر. فقد شخّص هؤلاء الفلاسفة العظام حالة المجتمع الفكرية المتخلّفة وعملوا على تغييرها لإخراجهم من الظلام إلى النور، أي تنوير العقول.

فالإصلاح الديني اللوثري الذي بدأ عام (1517م) مصحوباً بالاكتشافات العلمية لكوبرنيكوس وغاليليو، استطاع أن يقنع الناس بفساد الكنيسة ومحاربتها للعلم والتقدم، وهذا ما أضعف سلطة الكنيسة وقلل من سيطرة رجال الدين على عقول الناس. وكذلك دعا ديكارت إلى استخدام منهج الشك الفلسفي لمعرفة حقيقة الأشياء ودعا إلى استعمال التفكير المنطقي العقلاني. وكتب جون لوك رسالته في التسامح ليقضي على التطرف الديني والاقتتال المذهبي. وعمل آخرون كثيرون غيرهم على توعية أفراد المجتمع الأوروبي بمنطق وحجج عقلانية مقنعة حازت على رضا الناس، فاقتنع الناس بها وعملوا بها. هذه أمثلة على الجهود المضنية التي قام بها رواد النهضة الأوائل في أوروبا لتعبيد الطريق المؤدي للتنوير وأثمرت نتائجها في القرن التالي.

وبحلول القرن الثامن عشر بدأ الناس يستخدمون المنهج العقلاني في التفكير. واستمر فلاسفة هذا العصر أمثال فولتير وروسو وكانط بإكمال المسيرة، فنشر روسو نظريته في العقد الاجتماعي عن حرية الفرد والمجتمع، وقال باستبدال الحرية المطلقة للفرد بحرية مدنية أخلاقية أساسها تنازل الأفراد عن حقوقهم الطبيعية للمجتمع ككل. وكتب مونتسكيو كتابه "الرسائل الفارسية" كاشفاً العادات السيئة للمجتمع الفرنسي في ستين رسالة لستين حالة سيئة من عادات المجتمع، ودعا لنبذها والتخلص منها. ونشر مونتسكيو أيضاً كتابه المشهور "روح القوانين" ودعا فيه إلى فصل السلطات والعمل بالدستور واحترام القانون. أما نيوتن فكان دوره رائداً في القوانين الرياضية والحركية والفلسفة. ودائماً يذكر ديدرو مؤلف الموسوعة العالمية (الانسايكلوبيديا)، وساعدهم في ذلك وجود قائدين عظيمين هما ملك بروسيا فردريك الثاني وكاترين الثانية امبراطورة روسيا. فانتشر حب العلم والمعرفة عند الناس وحب القراءة، وتنوّر المجتمع.

كان الناس في القرن الثامن عشر يجتمعون كل يوم في المقاهي والنوادي والبيوت والصالونات وكل مكان يصلح للاجتماع، رجالاً ونساء، يناقشون فيه كل ما ينشر من المقالات والكتب والآراء المطروحة للتداول حتى سمي هذا القرن "بعصر الصالونات"، حيث أصبح الناس محبين ومتلهفين للعلم والتعلّم والمعرفة. نتيجة لذلك، أصبح المجتمع متنوّراً. تعلم الناس ثقافة التسامح واحترام الإنسان ورأيه وعقيدته (وإن كانت مخالفة لعقيدتهم)، وامتنعوا عن تكفير المذاهب والاقتتال بينهم، واحترموا القانون وأطاعوه. وتم تحديد سلطة الحاكم للتخلّص من الدكتاتورية والطغيان والفساد. كل ذلك تمّ بالجهود الحثيثة للفلاسفة والمفكرين من رواد النهضة والقادة السياسيين المتنوّرين وهي جهود عظيمة متواترة ومتواصلة. 

من كل ذلك يتضح لنا أن طريق التنوير لا يتم بالدعوة إلى التنوير والكلام عن التنوير فقط، بل يحتاج إلى من يسلكه ويقوده لتوعية المجتمع ونقلهم من حالة السبات والتخلّف واللامبالاة التي يعيشونها، إلى حالة جديدة من التفكير العقلاني المنطقي المبني على العلم والمعرفة.

هذا ما فعله الفلاسفة والمفكرون الأوروبيون لتنوير عقول أفراد مجتمعهم وليس فقط الدعوة إلى التنوير، فماذا فعل فلاسفتنا ومفكرينا لتنوير المجتمع؟

ما هو دور التنوير في الفكر العربي؟

قد لا يختلف اثنان على إن التنوير لم يحصل في الفكر العربي حتى الآن، ولا شك في أن الجميع يرغب في تنوير الفكر العربي وتنوير المجتمع العربي. وعلى الرغم من وجود عدد كبير من المفكرين والفلاسفة الكبار في المجتمع العربي إلاّ أن الفكر العربي مازال في حالة سبات وتخبط وفوضى. فهناك نقص كبير في الأفكار الأصيلة في ساحة الفكر العربي، وأقصد بالأفكار الأصيلة "الأفكار الجديدة المبتكرة غير المنقولة من آخرين"، وهناك أيضاً نقص كبير في الابتكارات الفكرية في ساحات الفكر العربي بصورة عامة. فقد خَلَت الساحة الفكرية العربية من أي فكرة عربية أصيلة ومبتكرة، والتي ليس لها مثيل، ويتم طرحها من قبل مفكر عربي. فمعظم الأفكار، المطروحة والمتداولة للنقاش، إن لم نقل جميعها هي أساساً منقولة من أصل ثقافي غربي. وما زال الكثير من الكتب الثقافية العربية تتحدث، على سبيل المثال، عن سيرة فولتير أو سبينوزا أو تنقل ما قاله ديكارت أو جون لوك، باقتباس النص دون أن تُجري مناقشة جادة ومبتكرة للأفكار المطروحة من قبل هؤلاء الفلاسفة الغربيين لتوضيح مدى صلاحيتها أو تناسبها مع المجتمع الشرقي على سبيل المثال لا الحصر، أو حتى تطويرها أو نشر نسخة معدّلة مشابهة للأصل لكن مناسبة للمجتمع العربي. ومازال الفكر النقلي المُقلّد مسيطر على ثقافتنا، ونحتاج أن نتعلم ثقافة الفكر النقدي الإبداعي المُبتَكر لأفكار جديدة وأصيلة.

يمكننا القول إن الدين الإسلامي قد عمل على تنوير عقول المسلمين الذين آمنوا به. فعندما بشّر الرسول محمد (ص) بالدين الإسلامي واعتنقه المسلمون وعملوا بتشريعاته تنوّرت عقولهم بالإسلام. فبعد إن كانوا قوماً أهل جاهلية يعبدون الأصنام، ويأكل القوي منهم الضعيف ويأتون الفواحش ويقطعون الأرحام، أصبحوا (بعد إسلامهم) يَصْدقون الحديث ويؤدون الأمانة ويصلون الرحم، ويحسنون الجوار والكف عن المحارم والدماء (حوار جعفر بن ابي طالب مع النجاشي)، وتخلّوا عن وأد البنات. وهذا مثال واضح لتنوير الإسلام لعقول المسلمين.    

ولقد أبدع الفلاسفة والعلماء العرب القدماء أمثال ابن رشد وابن سينا وابن خلدون وكثيرون غيرهم في عصر الحضارة الإسلامية الذهبي ونجحوا في تنوير مجتمعهم. فقدموا أفكاراً جديدة وابداعية في مختلف مجالات الفلسفة والعلوم مما حدا بالأوربيين إلى أن يدرسوها ويعتمدون عليها في نهضتهم. فلكي يتنوّر الفكر العربي وينهض من تخلّفه الحالي، فإنه يتعيّن على الفلاسفة والمفكرين العرب أن يكتبوا وينشروا ويدعوا الناس إلى اعتماد ثقافة المحبة والتعاون والتسامح مثلاً، وأن يتم ذلك باستعمال حجج وأساليب منطقية وعقلانية غير متحيّزة لجهة ما، بحيث يفهمها الناس ويقتنعون بها وبالتالي سيعملون بها. وبنفس المنطق والطريقة أو الأسلوب يدعون الناس إلى احترام الإنسان كقيمة عليا واحترام الرأي والعقيدة أو المذهب، حتى وإن كان مخالفاً لعقيدتهم، والتعايش بسلام. وتعليم الناس أهمية الحرية والقانون والعمل به. والعمل على تقييد سلطة الحاكم ومحاربة الفساد، وغيرها مما يؤدي إلى مجتمع متنوّر بعقول متنوّرة. 

ملاحظات ختامية عن التنوير

هنالك من يدافعون عن التنوير بشدة ويروّجون له باعتباره المسار الوحيد والأفضل لنهضة المجتمع العربي، لكنهم لم يقدموا شيئاً عن كيف يتم التنوير وكيف ينتشر التنوير في مجتمعنا. وكما هو معلوم فإن تنوير العقل يعني حَث الفرد على استعمال العقل بطريقة أحسن وأفضل مما هي عليه، ويتم ذلك بتعليم الناس كيف يتم ذلك، وهذا هو دور من يدعون للتنوير. 

ولأن التغيير يأتي من الداخل، فالرسالة الختامية هي "استعمل عقلك وفكر في كل شيء، وكن شجاعاً وأفصح عن رأيك".

***

د. صائب المختار

 

لقد أزاح الغرب الدين من المجال الاجتماعي حين عظمت التناقضات بين البراديغمين الديني والعلمي، وحين ثبت للطبقة البورجوازية الصاعدة أن الكنيسة ورجال الدين ليسوا سوى آليات لاستدامة الاقطاع. حلّت المنظومة التنويرية محل الدين وأصبح العلم هو الإله الجديد، فلا شيء في هذا الكون يمكن أن يسبح خارج فلك العلم.

حقق الغرب نقلة حضارية مبهرة وهيمن على العالم كله بفضل إنجازاته الحضارية، لكنه ما فتئ أن تحولت مكتسباته إلى نكسات وأزمات كشفت الجانب المظلم للحضارة الغربية. جاءت الحرب العالمية الأولى، ثم هيمنت الفاشية والنازية على عرش السلطة، تلتها بعد ذلك حرب عالمية ثانية، ثم أزمة تعددت أبعادها وكثرت مسمياتها قادها الشباب في أواخر ستينيات القرن العشرين. هذا من الناحية السياسة والاجتماعية، أما من الناحية المعرفية فقد شهد المجال العلمي البحت أزمة زعزعت عالم الكّم الذي شُيدت على أسسه الحضارة الحديثة، ثم تلتها أزمة العلوم الإنسانية التي كانت تقتفي آثار العلوم الدقيقة.

كل هذه الأزمات لخصها المفكر الفرنسي، العصي على التصنيف، (رينيه غينون René Guénon)، أو الشيخ عبد الواحد يحي، في كتاباته المختلفة، وعلى وجه الخصوص، كتابه المعنون بـ " أزمة العالم الحديث"، في تخلي الحضارة الغربية الحديثة عن الجانب الروحي وتنكرها للمبادئ الأخلاقية كمنبع للقوانين والمؤسسات.

هذه السردية أصبحت بمثابة عزائنا الوحيد فيما نعانيه من تخلف ومشكلات اجتماعية. فالتيار الذي يتشبث بالحل الإسلامي لازال يحاول تبرير موقفه هذا بالانحدار الأخلاقي والتفكك المجتمعي الذي بات يعاني منه الغرب. إلا أننا، ومن ناحية أخرى، لازلنا مفتونين بمنجزات المجتمعات الغربية على المستويين السياسي والاجتماعي... لماذا هذا الافتتان؟ لأننا على يقين أن الغرب استطاع إلى حدّ ما إيجاد حلول للعديد من مشكلاته الاجتماعية عن طريق الابداع وفسح المجال للمحاولات الفردية ومنح الفرصة للمتميزين والمتفوقين لتولي المناصب القيادية، وهي الحقيقة الغائبة في مجتمعاتنا.

يشتمل الدين على شقين: شق تعبدي فردي، وشق مجتمعي، أو ما يسمى في لغة أهل الدين: فقه المعاملات. يستعين المؤمنون بالجانب التعبدي لبناء مجتمع سوي بلا عيوب، وهذا بطبيعة الحال مطلبا مثالياً، فالتعاليم الدينية تحثهم على ذلك لأن الطبيعة البشرية تدفع الأفراد لإشباع رغباتهم ونزواتهم على حساب تجمعاتهم، صغيرة كانت أم كبيرة. وحتي نحن الذين نؤمن بأن الدين هو قارب النجاة، في الدنيا والآخرة، نخفق في تطبيق تعاليمه التي نعتمدها كمنهاج لحياتنا اليومية.

ما من شك في أن التعاليم الدينية جاءت لتهذيب أخلاق البشر وضبط غرائزهم الحيوانية، وهي تهدف في النهاية إلى بناء مجتمعات سوية، إلا أن تاريخ البشرية يثبت أن البشر، وإن كانوا يأملون في بلوغ مراتب الملائكة، إلا أن فطرتهم البشربة تشدهم إلى الأرض. فالدين لم يُتنزل ليخلق جنة في الأرض، بل ليَعد المؤمنين أن الخير الأسمى لن يتحقق إلا في جنة الخلد.

الدين يدعو إلى السمو، إلى الصفح والتسامح، إلى العفو والإحسان، إلى إزالة الأحقاد والضغائن، إلى المحبة والإيخاء...لكن لو بحثنا عن هذه القيم في مجتمعاتنا العربية الإسلامية فلن نجد إلا نقائضها، إلا ما ندر، وهذا دليل على أن التعاليم الدينية وحدها لن تصنع مجتمعات سوية، وكما ورد في الأثر: يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

جاء الدين ليوجه السلوك البشري فيما بين إعمار الأرض والزهد فيها، وهذا ما عصي على الفهم البشري، فكيف نُفني أنفسنا لصناعة مباهج الدنيا ثم نُأمر ألا نحبها. ترويض النفس على إعمار الأرض يُجبلها على حب متاعها، أما الدين فيطلب من الإنسان أن يتجرد من هذه العلاقة السببية لا لكي يحرمه من متعتها، بل لكي يذكره بأن فطرته ترنو إلى الخلود، أما متاع الدنيا فليس سوى لذّات وشهوات ظرفية زائلة وأن تعلقه بها سوف يُضنيه ويرهقه.

أعتقد أنه من المستحيل أن نجعل من التعاليم الدينية قانوناً أرضيا لإصلاح المجتمعات وتنظيمها، وإلا سنضطر لأكراه الناس على حب الله والآخرة وهذا ما يرفضه الدين في الأساس. لن تصلح المجتمعات إلا بالعدل البشري، ولن تنزل علينا حلولا جاهزة من السماء لمشاكلنا الأرضية إلا من خلال ما أـودعه الله في عقول البشر.

العقل البشري مزود بقابلية للتطور كلما تعقدت أساليب الحياة من حوله. فكلما وجد هذا العقل مساحة خصبة وبيئة محفزة على الابتكار تضاعفت فاعليته لإيجاد حلول للمشكلات الاجتماعية التي تزداد تعقيدا مع الزمن. وما جاء الدين إلا ليفسح للعقل البشري هذا المجال، وحين يساهم التديّن في تعطيل فاعلية الأفراد فاعلم أن هناك خلل في فهم الدين ممارسته. 

الدين لا يشتمل على حلول دنيوية جاهزة، بقدر ما هو منهاج ومسلك آمن يرسم الحدود للبشر ليضمن لهم النجاة في الدنيا والآخرة، وليدفع أذى بعضهم عن بعض. فالدين، من هذا المنظور، هو المشتلة التي تُنتج الفرد الفعال القادر على خلق المعجزات الدنيوية ضمن براديغم إعماري يبدأ بخشية الله وينتهي بحبه.

 أما نحن فقد اختزلنا الدين في مجرد طقوس تعبدبة ننتظر من ورائها تحقيق المعجزات، ونبرر لجوءنا للحلول الغربية على أنها تسخير من الله. فنحن نستخدم الدين لا كرابط اجتماعي ولا كضابط لسلوكاتنا ومعاملاتنا، بل كطقوس وعادات خالية من كل بعد روحي. نمارس الطقوس الدينية طلبا للمعجزات وننتظر حلا من السماء لمشكلاتنا الاجتماعية. نتوسل بطرق وأساليب ساذجة، نُصبغ عليها طابعا دينيا، لحل مشاكل عويصة ومعقدة، تماما كالذي يعالج مرضا يتطلب عملية جراحية معقدة بمرهم يُدهن فوق الجلد.

نغتبط حين يمدح الآخر ثقافتنا ونتلهف لسماع اعترافات بعضهم بفضل حضارتنا على حضارتهم، ونطير فرحاً حين يعتنق الأجنبي الإسلام، لأننا نبحث دوما عن تبريرات نوهم بها أنفسنا بأننا على حق، وأن الكون كله مسخر لنا، لا لشيء إلا لأننا عرب ومسلمون. نفرغ شحنات الهيمنة الغربية علينا، في كل يوم جمعة، بالدعاء على الكفار والمشركين، ونعطّل فاعليتنا بالدعاء والرجاء كي يُبلّغ الله مقاصدنا ويحقق أمانينا وأحلامنا.

 نصبّ جام غضبنا على الكفار والمشركين بدعوة أنهم مارقين عن الدين، لكننا نعيش على ما ينتجون ونقتفي آثارهم ونتبنى مناهجهم وحلولهم لمشكلاتنا الاجتماعية.

أصبح الدين عندنا عامل تفرقة لا عامل توحيد، فالمذاهب والفرق والطوائف ما فتأت تزداد وتتكاثر منذ الفتنة الكبرى إلى يومنا هذا. أما الأحزاب السياسية الإسلامية فلم يعد همها البحث عن حلول للمشكلات الاجتماعية بقدر ما أصبحت تهتم بالوصول إلى السلطة أو التحكم في جزء منها.

قد يكون الدين مفتاحا سحريا لجميع مشكلاتنا الاجتماعية إذا كان العالم كله يَدين بدين واحد ويمتلك ثقافة واحدة، وإلا فسيتحول الدين إلى عامل تفرقة ومصدراً لكل المحن والأزمات.

***

د. تركي لحسن

 

مقدمة: اثناء قراءتي لكتاب فاطمة المرنيسي "شهرزاد ترحل الى الغرب" (1)، وجدت نفسي أمام مفهوم عميق ومثير للتفكير في الصفحة 231، وهو مفهوم العنف الرمزي كما يطرحه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو في كتابه "الهيمنة الذكورية" (2). هذا المفهوم استوقفني طويلا، لأنه يكشف عن اشكال خفية من السيطرة والقهر لا تعتمد على القوة المادية المباشرة، وانما تعمل عبر الرموز والثقافة والخطابات السائدة في المجتمع.

ما زاد اهتمامي بهذا المفهوم هو ملاحظتي لتقاطع واضح بين ما يقدمه بورديو وبين الطرح الذي تقدمه الكاتبة النسوية الامريكية ناعومي وولف في كتابها "اسطورة الجمال" (3)، خاصة كما يظهر في الصفحة 230 من كتاب فاطمة المرنيسي. فقد وجدت ان كلا بورديو وناعومي يتناولان الية مشتركة للسيطرة على النساء، وان اختلفت التجليات والسياقات.

يطرح بورديو فكرة ان العنف لا يكون دائما ماديا او مرئيا، فهناك عنف يمارس عبر الثقافة والقيم والتربية، يجعل المهيمن عليهم يقبلون بهيمنتهم ويعيدون انتاجها دون وعي. اما وولف فتكشف كيف ان معايير الجمال المفروضة على النساء ليست مجرد تفضيلات شخصية، وانما أداة سلطوية تستخدم لضبط النساء والسيطرة على أجسادهن وحياتهن.

هذا التقاطع بين الطرحين يقودنا الى فهم أعمق لكيفية عمل الهيمنة الذكورية في سياق النظام الرأسمالي، حيث يتحول جسد المرأة الى موقع للاستثمار الاقتصادي والسيطرة الرمزية في ان واحد. من هنا تأتي أهمية البحث في هذا الموضوع وفهم الياته المعقدة.

اولا: العنف الرمزي والهيمنة الذكورية

يرى بيير بورديو ان العنف لا يقتصر على اشكاله المادية المباشرة، فقد يتخذ شكلا غير مرئي يمارس عبر الرموز والمعاني والثقافة، وهو ما يسميه بالعنف الرمزي. يتميز هذا العنف بكونه ناعما وغير محسوس، اذ يمارس من خلال اللغة والتعليم والدين والاعلام والعادات الاجتماعية، دون اللجوء الى الاكراه الجسدي.

تكمن خطورته في انه غالبا ما يقبل من قبل الافراد الذين يتعرضون له، لأنهم يدركونه على انه أمر طبيعي او بديهي. يعمل العنف الرمزي عبر فرض انماط محددة من التفكير والتقييم تجعل العلاقات غير المتكافئة تبدو مشروعة، مما يؤدي الى اعادة انتاج الهيمنة الاجتماعية دون وعي صريح بها.

في هذا الإطار، يطور بورديو مفهوم الهيمنة الذكورية على انه نموذج واضح للعنف الرمزي. فالهيمنة الذكورية لا تقوم فقط على السيطرة المادية للرجال على النساء، لكنها تتكرس اساسا عبر البنى الرمزية والثقافية التي تجعل التفوق الذكوري يبدو طبيعيا ومشروعا.

منذ الطفولة، يكتسب الافراد تمثلات ذهنية وادوارا اجتماعية تعيد انتاج تقسيم ثنائي بين الذكوري والانثوي، حيث يقترن الذكوري بالقوة والعقل والقيادة، بينما تقترن الانثوية بالضعف والعاطفة والتبعية. لا يفرض هذا النظام من قبل الرجال وحدهم، فالنساء ايضا يشاركن في اعادة انتاجه من خلال ما يسميه بورديو بالهابيتوس، اي منظومة الاستعدادات الذهنية والجسدية المتجذرة في التجربة الاجتماعية.

وهكذا تتحول الهيمنة الذكورية الى نظام اجتماعي راسخ في اللاوعي الجمعي، يعاد انتاجه يوميا عبر الممارسات العادية والخطابات السائدة، من دون الحاجة الى عنف مباشر. يؤكد بورديو ان تفكيك هذا النوع من الهيمنة يتطلب وعيا نقديا بالبنى الرمزية التي تدعمه، لان مقاومته لا تتحقق فقط بتغيير القوانين او الشروط المادية، ولكن ايضا بتغيير طرق التفكير والتصنيف التي تجعل اللامساواة مقبولة ومستدامة.

ثانيا: الهيمنة الذكورية في سياق النظام الرأسمالي

يشير بورديو في كتابه الى ان الهيمنة الذكورية ليست مسالة طبيعية او بيولوجية، لكنها نظام اجتماعي وثقافي يعاد انتاجه عبر العنف الرمزي، اي عبر اشكال السيطرة غير المباشرة وغير المرئية التي تمارس من خلال اللغة والتقاليد والتربية والمؤسسات الاجتماعية، حتى تبدو سيطرة الرجل على المرأة أمرا طبيعيا ومقبولا.

في سياق النظام الرأسمالي، تشكل هذه الهيمنة أداة للحفاظ على ترتيب اجتماعي واقتصادي معين، اذ حصر دور النساء تاريخيا في المجال المنزلي ورعاية الاسرة، ما يوفر قوة عاملة منخفضة التكلفة للرجال في السوق، ويضمن استمرار توزيع العمل على نحو غير متكافئ.

يعتمد النظام الرأسمالي على شرعنة الرموز والقيم، وتسهم الهيمنة الذكورية في جعل الفصل بين أدوار الرجال والنساء يبدو أمرا طبيعيا، حيث يصور الرجل كمنتج قوي، والمرأة كمربية وراعية للمنزل. يسهل هذا الفصل استغلال القوى العاملة ويضمن استمرارية النظام الاقتصادي والاجتماعي من دون اللجوء الى القوة المباشرة.

ترتبط الهيمنة الذكورية ايضا بما يسميه بورديو رأس المال الرمزي، الذي يتحول الى شكل من اشكال السيطرة الاقتصادية والاجتماعية غير المباشرة، مثل حرمان النساء من فرص العمل، او خفض اجورهن، او الزامهن بأدوار منزلية غير مدفوعة الاجر.

وباختصار، يمكن القول ان العنف الرمزي الذكوري يشكل أحد أعمدة الشرعية الاجتماعية للرأسمالية، لأنه يجعل اللامساواة بين الجنسين تبدو طبيعية، ويضمن استمرار توزيع الموارد والسلطة على نحو يخدم النظام القائم.

ثالثا: اسطورة الجمال كشكل من اشكال العنف الرمزي

في كتاب "اسطورة الجمال"، تقدم ناعومي وولف مفهوم العنف الرمزي على انه شكل غير مباشر من القهر الذي يمارس على النساء عبر المعايير الثقافية للجمال، لا عبر القوة الجسدية او القوانين الصريحة. يعمل هذا العنف في هدوء، لكنه عميق الاثر، لانه يجعل النساء يشاركن في اخضاع أنفسهن من دون وعي.

ترى وولف ان اسطورة الجمال ليست مجرد تفضيلات جمالية، وانما هي نظام سلطوي برز في قوة مع تقدم النساء اجتماعيا واقتصاديا. فكلما حصلت النساء على حقوق وفرص اوسع، ازدادت القيود المفروضة عليهن عبر معايير جمال صارمة وشبه مستحيلة.

يتجلى العنف الرمزي هنا في فرض نموذج واحد للجسد الانثوي: جسد شاب، نحيف، خال من العيوب، قابل للاستهلاك البصري. يعمل هذا العنف من خلال الاعلام والاعلانات وصناعة الموضة والخطاب الطبي، حيث يقدم الجمال على انه قيمة اخلاقية وشرط للنجاح والحب والقبول الاجتماعي.

وهكذا يتحول الجسد الى مشروع دائم للمراقبة والتصحيح، وتتحول المرأة الى ناقدة قاسية لذاتها. الاخطر ان هذا الاخضاع لا يبدو مفروضا من الخارج، وانما يعاش كخيار شخصي ورغبة فردية.

توضح وولف ان العنف الرمزي لا يدمر النساء جسديا فقط، وانما نفسيا ومعرفيا ايضا، اذ يستنزف طاقتهن، ويقوض ثقتهن بانفسهن، ويزرع التنافس والعداء بينهن، ويبعدهن عن الفعل السياسي والابداعي. فالانشغال المستمر بالمظهر يتحول الى أداة لابعادهن عن القوة الحقيقية.

خلاصة القول، يكشف مفهوم العنف الرمزي في "اسطورة الجمال" كيف يمكن للثقافة ان تكون مجالا لقمع ناعم لكنه فعال جدا، وكيف يستخدم الجمال كسلاح غير مرئي لضبط النساء والحفاظ على اختلال موازين القوة، من دون الحاجة الى عنف صريح او قسر مباشر.

رابعا: العنف الرمزي كأداة رأسمالية: الجسد بين الهيمنة والربح

العنف ضد النساء لا يمارس دائما عبر الضرب او الاكراه المباشر، فغالبا ما يتخذ شكلا هادئا وغير مرئي، يتسلل عبر الخطاب والصورة والمعيار، ويقدم على انه ذوق عام او اختيار فردي. يشكل هذا العنف أحد الادوات الاساسية للنظام الرأسمالي في اخضاع النساء والسيطرة على أجسادهن.

في ظل الرأسمالية، يختزل جسد المرأة الى قيمة تبادلية، ويعاد تعريفه كسلعة قابلة للتسويق والتعديل والاستهلاك. لا ينظر اليه على انه جسد حي يحمل تجربة وذاكرة والما، وانما كواجهة بصرية تستثمر لتحقيق الربح.

تتولى الهيمنة الذكورية مهمة تطبيع هذا الاختزال، من خلال تحويل نظرة الرجل الى معيار عام للجمال، تقاس به قيمة النساء ومكانتهن الاجتماعية.

خامسا: الصناعة الثقافية وفرض النموذج الجمالي الواحد

تفرض الصناعة الثقافية نموذجا جماليا واحدا، عنيفا في اقصائيته، يتمثل في جسد شاب ونحيف وخال من العيوب وقابل للتشييء، او في وجوه خاضعة لعمليات تجميل مثل الشد والنفخ وتكبير الشفاه وتغيير الانوف، حتى تختفي الملامح الطبيعية ويظهر الشكل أقرب الى الدمية.

كما تروج لأجساد منحوتة عبر شفط الدهون وتكبير الصدور عبر السليكون او تكبير المؤخرة، وغيرها. لا يفرض هذا النموذج عن طريق القوة، وانما عن طريق التكرار والاغراء والابتزاز الرمزي.

حيث تتعلم النساء منذ الصغر ان أجسادهن ناقصة، وان عليهن اصلاحها على نحو مستمر، لا من اجل ذواتهن، وانما من اجل القبول والحب والاعتراف الاجتماعي.

سادسا: عمليات التجميل كعنف رمزي

تظهر عمليات التجميل هنا على انها أحد أكثر اشكال العنف الرمزي وضوحا. فهي ليست فعلا محايدا ولا خيارا فرديا بريئا، وانما نتيجة ضغط بنيوي عميق يجعل الجسد الانثوي مشروعا دائما للتعديل والتصحيح. يتم تقديم هذه العمليات في الخطاب السائد على انها وسيلة لتحسين الذات وتعزيز الثقة، لكنها في الحقيقة استجابة لمعايير مفروضة من الخارج، تحول المرأة الى كائن دائم البحث عن الكمال المستحيل.

تخضع النساء لعمليات جراحية مكلفة ومؤلمة ومحفوفة بالمخاطر، سعيا للاقتراب من نموذج جمالي مصطنع لا يمكن بلوغه حقيقة. تدخل المرأة في دوامة لا نهاية لها من التعديلات: شد الوجه، نفخ الشفاه، تصغير الانف، تكبير الصدر، شفط الدهون، وغيرها من الاجراءات التي تحمل في طياتها مخاطر صحية جسيمة ومضاعفات محتملة.

المفارقة المأساوية ان الالم يقدم على انه استثمار في المستقبل، والتشويه يسمى تحسينا وتجميلا. تتحمل المرأة معاناة جسدية ونفسية حقيقية، وتدفع مبالغ طائلة، وتخاطر بصحتها، كل ذلك في سبيل الاقتراب من صورة مثالية تفرضها صناعة الجمال والاعلام. وحين لا تحقق النتيجة المرجوة، او حين يظهر عيب جديد، تبدأ الدورة من جديد، في حلقة مفرغة من السعي وراء وهم الكمال.

سابعا: الامتناع عن الطعام، العمليات التجميلة والمخاطر الصحية

يعد الامتناع عن الطعام وتجويع الذات، كما في حالات فقدان الشهية العصبي، شكلا اخر من اشكال العنف الرمزي الذي تتعرض له اعداد كبيرة من الشابات، خاصة في مرحلة المراهقة.

تصاب بعضهن باضطرابات نفسية حادة يصعب التعافي منها، وتترافق مع مضاعفات صحية خطيرة، اضافة الى المخاطر المرتبطة بعمليات التجميل وحقن السيليكون، التي قد تزيد من احتمالات الاصابة بأمراض خطيرة مثل سرطان الثدي. كذلك استخدام الاظافر الصناعية ايضا تجارة مربحة، الا ان أحدث التقارير الصحية في دول الاتحاد الاوروبي تشير الى ان المواد المستخدمة في تصنيع هذه الاظافر قد تشكل خطرا كبيرا على صحة الاظافر.

ثامنا: الكلفة الجسدية والنفسية

يحمل هذا المسار كلفة جسدية ونفسية عالية ومتعددة الابعاد. على المستوى الجسدي، نجد أجسادا تخضع للتخدير والتقطيع والحقن، تتحمل الالم والنزيف والندوب، وتواجه مخاطر المضاعفات الطبية والتشوهات المحتملة. على المستوى النفسي، نجد نفوسا تستنزف عبر القلق المستمر وعدم الرضا الدائم عن الذات، ومن شعور مزمن بالنقص مهما بلغت درجة التغيير. الاخطر من ذلك ان الوعي نفسه يعاد تشكيله حتى يطبع الخضوع على انه تمكين، والقهر على انه اختيار حر.

فالمرأة لا تجبر فقط على تعديل جسدها وتحمل الالم والمخاطر، وانما ايضا على تبني خطاب كامل يبرر هذا العنف ويشرعنه تحت مسمى الحرية الشخصية والاختيار الفردي. تقول "انا اختار هذا لنفسي"، "هذا يجعلني اشعر بالثقة"، وكلها عبارات تبدو تحررية في ظاهرها. لكن المفارقة ان شروط هذه الحرية المزعومة لا تنتج من داخل المرأة نفسها، وانما تنتج داخل منطق السوق الرأسمالي الذي يحتاج الى استهلاك دائم، وداخل السلطة الذكورية التي تحدد معايير القيمة والجمال.

تاسعا: الرأسمالية وبيع كراهية الذات: حجم السوق الاقتصادي

الرأسمالية لا تبيع الجمال فقط، وانما تبيع كراهية الذات. كلما ازداد شعور النساء بالنقص، ازدهرت أسواق التجميل والموضة والطب التجميلي. وهكذا يتحول جسد المرأة الى موقع استنزاف اقتصادي دائم، تستخرج منه الارباح عبر تعميق اغترابها عن ذاتها.

تشير التقديرات الاقتصادية الى ان حجم السوق العالمي السنوي لمستحضرات التجميل بلغ حوالي 336-470 مليار دولار في عام 2024 (4)، وسوق الحمية وأدوية التخسيس حوالي 190-300 مليار دولار (5)، فيما بلغت صناعة الجراحة التجميلية حوالي 56-85 مليار دولار (6)، مع توقعات بارتفاع هذه الأرقام مستقبلا.

هذه الارقام الضخمة تكشف عن حجم الاستثمار الرأسمالي في جسد المرأة، وتؤكد ان تسليع الجسد الانثوي ليس مجرد ظاهرة ثقافية، وانما صناعة اقتصادية عملاقة تدر مليارات الدولارات سنويا. فالنظام الرأسمالي يحول اللامساواة بين الجنسين الى فرصة للربح، ويستثمر في ادامة القلق والنقص لدى النساء لضمان استمرار دورة الاستهلاك.

عاشرا: خاتمة

يتضح من خلال هذا التحليل ان العنف الرمزي ضد المرأة في النظام الرأسمالي ليس عنفا عابرا او عرضيا، وانما هو بنية منهجية متجذرة في صلب النظام الاقتصادي والاجتماعي.

في سياق الرأسمالية، يتحول هذا العنف الرمزي الى اداة اقتصادية فعالة، حيث يختزل جسد المرأة الى سلعة قابلة للتسويق والتعديل. ومعايير الجمال المفروضة ليست مجرد تفضيلات جمالية، وانما اليات سيطرة تستنزف طاقة النساء النفسية والمادية، وتبعدهن عن مواقع القوة والفعل السياسي.

الارقام الاقتصادية الضخمة لصناعات التجميل والحميات والجراحة التجميلية تكشف عن حجم الاستثمار الرأسمالي في ادامة هذا النظام. فالنساء لا يخضعن فقط لضغوط ثقافية ورمزية، وانما يتحولن الى سوق استهلاكية دائمة، تدر المليارات على صناعات تعيش وتزدهر من خلال تعميق شعورهن بالنقص والاغتراب عن اجسادهن.

مقاومة هذا العنف الرمزي تتطلب تفكيكا نقديا للبنى الثقافية والرمزية التي تدعمه. لا يكفي تغيير القوانين او تحسين الاوضاع الاقتصادية، فما لم تتغير طرق التفكير والتصنيف التي تجعل اللامساواة مقبولة، سيستمر النظام في اعادة انتاج نفسه. المطلوب هو وعي جمعي بان الجمال ليس حقيقة ثابتة، وانما فكرة اجتماعية قابلة للتغيير، وان الجسد ليس سلعة.

في النهاية، فان تحرر المرأة من العنف الرمزي لا يعني فقط رفض معايير الجمال المفروضة، وانما يعني ايضا اعادة تعريف العلاقة بالجسد، واستعادة السيطرة على المعنى والقيمة، وبناء نظام اجتماعي واقتصادي لا يقوم على استغلال اجساد النساء واستنزافها، وانما على الاعتراف بإنسانيتهن الكاملة وحقهن في الوجود خارج منطق السوق والسلطة الذكورية.

***

بيان صالح

......................

الهوامش والمراجع

(1)  فاطمة المرنيسي (1940 - 2015)

كانت فاطمة المرنيسي مفكرة وباحثة مغربية بارزة في مجالات علم الاجتماع وقضايا المرأة والدراسات الاسلامية. ولدت في فاس بالمغرب عام 1940 وتوفيت عام 2015. ركزت اعمالها على وضع المرأة في المجتمعات الاسلامية وخاصة حقوق النساء والحريات الفردية. من أشهر كتبها "المرأة بين الطاعة والتمرد" و"الحريم والسلطة" و"شهرزاد ترحل الى الغرب". كما عرفت بدفاعها عن تمكين النساء ونقدها الاجتماعي لسيطرة الفكر الذكوري في الثقافة العربية والاسلامية.

للمزيد:

https://en.wikipedia.org/wiki/Fatema_Mernissi

ملخص كتاب "شهرزاد ترحل الى الغرب" لفاطمة المرنيسي

يتناول الكتاب صورة المرأة العربية ممثلة في شخصية شهرزاد كما تظهر في الخيال الغربي، ويقارن بين صورة المرأة في الثقافة العربية وصورتها في الثقافة الغربية. توضح فاطمة المرنيسي كيف يحصر الغرب المرأة الشرقية في صورة شهوانية وخاضعة، بينما تفرض المجتمعات الغربية بدورها قيودا مختلفة على المرأة خاصة من خلال الجسد والاعلام. يهدف الكتاب الى تفكيك الصور النمطية المتبادلة والدفاع عن المرأة على انها عقل فاعل لا جسد فقط.

(2)  بيير بورديو (1930 - 2002)

كان بيير بورديو عالم اجتماع وفيلسوف فرنسي ولد عام 1930 وتوفي عام 2002. عرف بدراساته حول السلطة والطبقات الاجتماعية والثقافة. قدم مفاهيم اساسية مثل الحقول الاجتماعية ورأس المال الرمزي والثقافي لفهم كيفية توزيع السلطة والتمييز داخل المجتمع. ركز على تاثير البنى الاجتماعية والعادات الثقافية في فرص الافراد. يعد من ابرز المفكرين في نقد المجتمع الحديث وعلم الاجتماع النقدي.

للمزيد:

https://en.wikipedia.org/wiki/Pierre_Bourdieu

ملخص قصير لكتاب "الهيمنة الذكورية" لبيير بورديو

يشرح بيير بورديو في هذا الكتاب كيف يعاد انتاج السيطرة الذكورية في المجتمعات ليس فقط عبر القوانين والمؤسسات، وانما ايضا من خلال الثقافة والعادات واللغة والتربية. يبين ان الرجال والنساء يشاركون في ترسيخ هذا النظام غالبا دون وعي عبر ما يسمى بالعنف الرمزي حيث تقبل السيطرة على انها أمر طبيعي. يركز على ان تحرر المرأة يتطلب تفكيك البنى الاجتماعية والفكرية التي تجعل التفاوت بين الجنسين يبدو بديهيا.

(3)  ناعومي وولف (1962 - )

هي مفكرة وكاتبة وناشطة نسوية أمريكية ولدت عام 1962. اشتهرت بتحليلها لقضايا المرأة والجنس والثقافة. نالت شهرة واسعة من خلال كتابها "اسطورة الجمال" الصادر عام 1990، والذي يناقش كيفية استخدام المعايير الجمالية كوسيلة للسيطرة على النساء والحد من فرصهن. ركزت اعمالها على تمكين المرأة ومقاومة الصور النمطية للجسد والانثى في الاعلام والثقافة.

للمزيد:

   https://en.wikipedia.org/wiki/Naomi_Wolf

ملخص قصير لكتاب "اسطورة الجمال" لناعومي وولف

توضح ناعومي وولف في هذا الكتاب ان معايير الجمال المفروضة على النساء ليست بريئة، وانما تستخدم كأداة جديدة للسيطرة عليهن بعد حصولهن على حقوق قانونية واجتماعية. تبين كيف يستغل الجسد الانثوي عبر الاعلام والاعلانات وصناعة الموضة لخلق احساس دائم بالنقص مما يحد من حرية المرأة ويبعدها عن القوة والاستقلال. تؤكد ان الجمال ليس حقيقة ثابتة، وانما فكرة اجتماعية تخدم نظام السيطرة.

(4)  سوق مستحضرات التجميل العالمي

- Fortune Business Insights (2024). "Cosmetics Market Size, Share & Trends Report, 2034". القيمة السوقية: 335.95 مليار دولار في 2024.

https://www.fortunebusinessinsights.com/cosmetics-market-102614

- Maximize Market Research (2024). "Global Cosmetics Market Analysis 2025-2032". القيمة السوقية: 467.63 مليار دولار في 2024.

https://www.maximizemarketresearch.com/market-report/global-cosmetics-market/72541/

(5)  سوق الحمية وإدارة الوزن العالمي

- Expert Market Research (2024). "Weight Loss and Weight Management Diet Market Growth | 2034". القيمة السوقية: 190.35 مليار دولار في 2024.

https://www.expertmarketresearch.com/reports/weight-loss-and-weight-management-diet-market

- IMARC Group (2024). "Weight Loss Market Size, Share, Growth Analysis 2033". القيمة السوقية: 296.8 مليار دولار في 2024.

https://www.imarcgroup.com/weight-loss-market

(6)  سوق الجراحة التجميلية العالمي

- Grand View Research (2024). "Cosmetic Surgery & Procedure Market | Industry Report 2033". القيمة السوقية: 83.07 مليار دولار في 2024.

: https://www.grandviewresearch.com/industry-analysis/cosmetic-surgery-procedure-market

- Precedence Research (2025). "Cosmetic Surgery Market Size to Hit USD 160.47 Billion by 2034". القيمة السوقية: 85.83 مليار دولار في 2025.

https://www.precedenceresearch.com/cosmetic-surgery-market

 

يستدعي اليوم العالمي للسلامة على الإنترنت، الذي يحل في العاشر من فبراير من كل سنة، وقفة فكرية تتجاوز المقاربات التحسيسية المباشرة، نحو مساءلة أعمق لطبيعة التحولات التي أحدثها العالم الرقمي في أنماط التنشئة وبناء الوعي، خصوصا لدى الأطفال والمراهقين. فالحضور المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي في حياة القاصرين لم يعد مسألة استعمال فردي، بل أصبح عنصرا بنيويا في تشكيل الإدراك، وتنظيم الانتباه، وإعادة إنتاج القيم.

تشير التحليلات النفسية والفلسفية المعاصرة إلى أن التعرض المستمر لفضاءات رقمية قائمة على الصورة والمقارنة يترك أثرا بالغا في البناء النفسي للذات الناشئة. ففي عالم تحكمه آليات العرض والتقييم الفوري، تتشكل علاقة مشروطة بالقيمة الذاتية، قائمة على نظرة الآخر، وهو ما يلتقي مع تشخيص جان بودريار حين اعتبر أن الصورة لم تعد تحاكي الواقع، بل أصبحت تُنتج واقعا خاصا بها، أكثر حضورا وتأثيرا من التجربة المباشرة. ضمن هذا الأفق، تنمو لدى القاصر مشاعر القلق، وعدم الرضا واضطراب صورة الجسد، بوصفها تعبيرات عن اغتراب مبكر للذات داخل عالم رمزي كثيف.

وفي المستوى المعرفي، تُسهم المنصات الرقمية، ولا سيما تلك التي تعتمد الإيقاع السريع والتدفق المستمر للمحتوى، في إعادة تشكيل علاقة الطفل بالمعرفة. فالتفكير العميق، القائم على التركيز والصبر الذهني، يتراجع لصالح انتباه مجزأ واستجابات سريعة. وقد حذّرت حنة آرنت من هذا المسار حين ربطت بين فقدان القدرة على التفكير واتساع دائرة اللامعنى، معتبرة أن أخطر أشكال العجز لا تتجلى في نقص المعلومات، بل في تعطّل ملكة الحكم والتأمل. هذا التحول ينعكس بوضوح على التحصيل الدراسي، وعلى ضعف التفكير النقدي، ويجعل القاصر أكثر عرضة للتضليل وسهولة الانقياد لما هو شائع ومتداول.

أما في البعد الاجتماعي، فيكشف الانتقال الكثيف إلى التفاعل الرقمي عن تراجع ملموس في الخبرات التواصلية المباشرة. فالعلاقات التي تُبنى داخل الفضاء الافتراضي تفتقر في الغالب، إلى العمق الوجداني والاستمرارية الزمنية. ويجد هذا المعطى تفسيره في أطروحات زيغمونت باومان حول "السيولة"، حيث تصبح الروابط الإنسانية سريعة التشكّل وسهلة الانفصال، فاقدة لقدرتها على إنتاج التزام طويل الأمد. في هذا السياق تتقلص مهارات التعاطف وفهم الآخر، ويحلّ التواصل التقني محلّ الخبرة الإنسانية الحية.

ويتقاطع هذا التحول مع إشكالات تربوية عميقة. فالمحتويات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تحمل منظومات قيمية مغايرة لتلك التي تسعى الأسرة والمدرسة إلى ترسيخها. نماذج النجاح السريع، والاعتراف القائم على الشهرة، والتمثلات الاستهلاكية للحياة، تعيد صياغة أفق التوقع لدى القاصر. ويؤدي ذلك إلى تصدّع في أدوار التنشئة التقليدية، في ظل غياب سياسات تربوية تدمج الوعي الرقمي ضمن مشروع ثقافي شامل. وقد نبّه بيير بورديو إلى أن إعادة إنتاج القيم لا تتم فقط عبر الخطاب، بل عبر البُنى الرمزية الخفية، وهو ما تمارسه المنصات الرقمية بفاعلية كبيرة.

ولا تنفصل هذه التحولات عن آثارها الجسدية والأمنية. فاختلال إيقاع النوم، وتراجع النشاط البدني، ومشاكل النظر والعمود الفقري، مؤشرات على نمط عيش يضع الجسد في موقع ثانوي. ويذكّرنا ميرلوبونتي بأن الجسد يشكّل أساس علاقتنا بالعالم، وأن أي اختلال في هذا الأساس ينعكس على الوعي ذاته. وإلى جانب ذلك، تبرز مسألة الخصوصية بوصفها إحدى أكثر النقاط هشاشة، حيث يفتقر القاصر إلى إدراك عميق لمعنى البيانات الشخصية وآثارها المستقبلية. وقد لفت ميشيل فوكو إلى أن أشكال السلطة الحديثة تعمل عبر المراقبة الناعمة، حيث يُنتج الفرد ذاته داخل أنظمة ضبط غير مرئية، وهو ما يتجلى بوضوح في المنصات الرقمية.

تكشف هذه المعطيات أن إدمان القاصرين على وسائل التواصل الاجتماعي يمثل ظاهرة مركبة، تتداخل فيها الأبعاد النفسية والمعرفية والتربوية والقيمية. فالتكنولوجيا، بما تحمله من إمكانات، تظل مجالا مفتوحا على إمكانات متعددة، غير أن غياب التأطير الثقافي والتربوي يحوّلها إلى قوة مؤثرة في تفكيك المعنى. ويظل الرهان الأساسي مرتبطا ببناء وعي نقدي رقمي، يُعيد الاعتبار للتفكير، ويمنح القاصر أدوات الفهم والاختيار داخل عالم تحكمه الخوارزميات.

إن هذا النقاش يمثل مدخلا ضروريا لمساءلة السياسات التربوية، وأدوار المؤسسات الاجتماعية، وحدود المسؤولية الأخلاقية في زمن التحول الرقمي، وهي محاور تستدعي معالجة أكثر تفصيلا في مقاربات لاحقة.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

لقد تعلمنا منذ الصغر أن هناك أفكارا لا تمس، أسوارا لا تتخطى، أسئلة لا تطرح، وكتبا لا تفتح إلا بقداسة. كبرنا على الخوف من السؤال، وعلى التسليم لما نقل، حتى تحولت عقولنا إلى مخازن مغلقة وإلى مكتبات متربة وإلى غرف لم يدخلها النور منذ زمن. كانت النتيجة أن جيلا بعد جيل، تسللت الشيخوخة إلى العقل العربي، فلم يعد ينتج، بل يكرر، ولم يعد يبدع، بل يقلد، ولم يعد يتأمل، بل يردد كالببغاء.

في المجتمعات المغيبة، حيث يقدم الجهل في أثواب مذهبة على أنه علم منزه، وحيث تتحول الخرافة إلى دستور، والسكون إلى فضيلة، والفكر إلى لعنة، يصبح الوعي جريمة، والتفكير المستقل خيانة يعاقب عليها، لا بالرفض فقط، بل بالإقصاء وأحيانا بالمحو الكامل من ذاكرة الجماعة.

هناك، لا توزن العقول بمقدار ما تنير، بل بمقدار ما تطيع. العقل المتسائل المتشكك المفكر خارج أطر القطيع يعد خطرا يجب قمعه لا الإصغاء إليه، وينظر إليه كنغمة نشاز.

في مثل هذا المناخ، لا يعد الصمت فضيلة نابعة من الحكمة، بل مكرهة تفرضها شروط البقاء. يضطر الإنسان إلى أن يبتلع كلماته، لا لأنها خاطئة، بل لأنها صحيحة أكثر مما ينبغي، ولأنها توقظ النائمين في زمن لا يسامح من يوقظ أحدا.

لم يكن هذا التصور عن الوعي بوصفه عبئا في المجتمعات المغلقة غائبا عن الفلاسفة والمفكرين، بل كان حاضرا في قلب تجاربهم الفكرية. فقد ادرك سقراط ان السؤال ليس فعلا بريئا، وان التفكير النقدي يهدد التوازن الزائف الذي تقوم عليه الجماعة، ولذلك كان مصيره العقاب لا لان افكاره كانت خاطئة، بل لانها ايقظت ما لا يريد المجتمع ان يراه. وذهب سبينوزا الى ان اخطر اشكال القمع هو ذاك الذي يجعل الناس يخافون التفكير ذاته، فيدافعون عن الجهل بوصفه فضيلة، وعن الطاعة باعتبارها اخلاقا. وفي العصر الحديث، كشف ميشيل فوكو كيف تتحول المعرفة الى مجال صراع، وكيف يقصى الخطاب النقدي لا لضعفه، بل لقدرته على زعزعة انظمة السيطرة المستقرة. بينما رأى اريك فروم ان الانسان حين يثقل بعبء الحرية داخل مجتمع يخشاها، قد يهرب طوعا الى الامتثال، لان الجهل المنظم اقل قسوة من وعي بلا حماية. وهكذا يصبح الوعي في المجتمعات المغيبة خطيئة، لا لانه شر، بل لانه يكسر السكون، ويجبر الانسان على مواجهة مسؤوليته عن عقله، حتى حين يكون ثمن تلك المسؤولية العزلة او النفي.

يقول المتنبي، وهو من عرف جبروت الكلمة: "وأعظم ما تكلفني الليالي سكوت عندما يجب الكلام"

تلك العبارة ليست مجرد بيت من الشعر، بل هي صرخة مكتومة خرجت من عمق الوجع الإنساني، من قلب من عرف أن للكلمة ثمنا، وأن الثمن قد يكون روحك.

إن السكوت حين يجب الكلام، ليس راحة بل عبء، وليس سلاما بل تمزقا داخليا، صراعا بين ما تعرف أنه واجبك، وما تراه مستحيلا في واقعك. إنه البلاء الذي لا يُرى، والألم الذي لا يقال، والندبة التي لا تظهر في الجسد بل تتآكل في القلب.

الوعي في مجتمع مغيب ليس نعمة، بل نفي. أن تمتلك عقلا يفكر، يعني أن تحمل على ظهرك حملا من الأسئلة التي لا يريد أحد أن يسمعها. أن تفكر، يعني أن تعيش غريبا بين أهلك، متهما بالجنون أو الزندقة، فقط لأنك قلت لماذا.

أن تحوز عقلا حرا، في بيئة تخاف الحرية، يشبه أن تمشي حافيا فوق جمر متقد، كل خطوة تدفعك إما إلى الهروب، أو إلى الصمت، أو إلى الجنون. ولا أقسى من أن يطلب منك أن تكون جزءا من قطيع، وأنت لا تجيد الخنوع.

الوعي في هذه الأجواء ليس امتيازا، بل عبء. هو مثل مرآة لا يجرؤ أحد على النظر فيها، لأنها تكشف التشوهات، وتفضح العورات، وتكسر الصور المزيفة. وكل من يمشي بمرآته وسط هذا العالم، يصبح عدوا، حتى وإن كان صامتا، حتى وإن لم يقل سوى الحقيقة.

وفي هذه المعادلة الظالمة، يكون الصمت ضربا من النجاة المؤقتة، وبلع الكلام نوعا من الانتحار التدريجي. ففي كل مرة تصمت فيها عن قول ما تعرف أنه الحق، تخسر قطعة من ذاتك، تنطفئ شمعة صغيرة في داخلك، إلى أن تصبح الظلمة عادة، والخوف مألوفا، والاستسلام شكلا من أشكال العقلانية المريضة.

ومن ثقل هذا الإدراك، تجدنا نضطر أحيانا إلى بلع الكلام، لا جبنا، بل إحساسا بعدم جدواه، أو درءا لعاصفة لا نستطيع احتواءها. نمارس الرقابة الذاتية كمن يمارس طقسا دينيا مفروضا، نتفنن في ابتلاع الكلمات، نخنق أصواتنا في حناجرنا، وندفن أفكارنا وهي لا تزال تنبض

ولكن سرعان ما استفيق واكتب لأن السكوت ليس دائما فضيلة، وأحيانا يكون خيانة للذات وهدما بطيئا لما تبقى فينا من نور.

 كل صمت عند لحظة صدق، هو حجر جديد في جدار العتمة.

لكن صمتي أحيانا ليس موتا. بل يكون هدنة، وأحيانا يكون كمونا مؤقتا قبل الانفجار. فالفكرة الصامتة لا تموت، بل تختمر. والكلمة التي لم تقل، تتكاثر في الداخل، تنبت في العزلة، وتخرج حين يحين وقتها مثل برق لا يستأذن.

ومع كل ذلك، تظل مقاومتنا هذا الخراب ممكنة، لا بالشعارات، بل بالاستمرار في التفكير، في الرفض، في الحلم، في الكتابة، في الدفاع عن جوهر الإنسان.

 أن تحتفظ بصوتك، حتى لو لم يسمعك احد.  أن تقول "لا" حتى في أعمق لحظات الوحدة. تظل كلمتك المختنقة بذرة تنتظر التوقيت، وضميرك الموجوع دليلا على أنك لم تبع كل شيء، وأنك، وإن سكت، لا تزال تعرف كيف تصرخ في صمتك

وذلك، في زمن القطيع، مقاومة.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في حدود الرؤية الذاتية (الذات الإنسانية كفاعل مدرك لعملية الوجود والحياة)، مازال الإنسان يعيش ويموت بعبث بعيد عن أي شكل من أشكال المسؤولية. أي إن الكون أو الوجود عامل ومازال يعامل الإنسان كدمية قماش، محشوة بالقش أو القطن، ويجب أن تستهلك وتبلى، في أسرع وقت لترمى في حاوية القمامة أو حفرة للطمر الصحي.

هذا التصور، وهو عام ويشمل جميع الذوات التي تفكر بطريقة منطقية، ليس مبعثه النزعة الذاتية (رغم أنها أحد حقوق الإنسان التي ولد بها او فُطر عليها)، بل هو نتيجة لفعل العملية الحياتية المفروضة على الإنسان والتي تنتهي نهاية سلبية وغير هادفة، وهي فعل الموت الصامت الذي لا يقدم أي مبررات منطقية لفعله الهمجي والقاسي.

هل قدمت الحياة أو فعل الوجود أو إدارة قوانينهما (غير المنظورة)، تبريرات لنهاية الإنسان المأساوية وغير المقنعة وغير اللائقة؟

النزعة الذاتية أو نزعة رؤية الإنسان للحياة والوجود عبر وجوده الذاتي (كيانه الذاتي) كمحور أو مركز للحياة وقوانين الوجود، ليست وليدة مجرد شطحة غرور أو مبالغة في تقييم الذات، بل هي نتيجة لعملية عقلية، إدراكية - تحليلية لها مقدماتها الفرضية المستنبطة والتي يجب أن تنتهي إلى نتائج منطقية مبرهنة وقاطعة، وإلا لماذا يُفرض على الإنسان طريقاً لا يؤدي إلى البحر، عندما يكون قاصداً البحر؟ ولماذا يفرض عليه طريقاً لا يؤدي إلى الصحراء، عندما يقصد الصحراء؟ بالمقصد المجازي للمثالين طبعاً.

يولد الإنسان وليس لديه غير ذاته؛ بها ولها يجب أن يعيش ويمارس فعل الحياة والتمظهر الوجودي (ككيان قابل للإدراك ومشخص الوجود)، وعليه فلا وجود مادي محسوس لأي انسان بلا كيانه الذاتي العياني والمنظور، وعليه فإننا عندما نريد توصيف فعل الموت وأثره على أي إنسان (أو أي كائن حي آخر أيضاً)، فإننا نعني أن الكيان الذاتي الملموس لذلك الإنسان لم يعد قادراً على القيام بفعل الحياة والتمظهر الوجودي، بسبب تلف (أو بدء تلف) كيانه الذاتي الذي كنا نعرفه من خلاله ونحسبه، عبره، على فعل الحياة والوجود. وهذا يعني في النهاية، أن لا وجود لأي إنسان من دون كيانه الذاتي المنظور، وهذا يعني أيضاً، أنه بمجرد إعلان طبيب مختص أن فلاناً من الناس قد مات، فهذا يعني أن ذلك الكيان الإنساني قد صار ماضياً بسبب موت (تلف) كيانه الذاتي المنظور الذي كان يمثل وجوده وقيامه، كوجود ملموس ومستدل عليه، بسبب دفنه تحت التراب لأنه سيتحول إلى جيفة مثيرة للاشمئزاز، بعد مضي بعض الوقت، فيما لو ترك دون دفن، وأيضاً سينسى بسبب اختفاء (دفن) كيانه الذاتي الذي كان يعرف من خلاله.

إذن فإن النزعة الذاتية وتفكير الإنسان عبر ذاته وقياس أغلب الأشياء بمقياسها، رغم أن بعض هذه القياسات تكون ممجوجة ومرفوضة أخلاقياً واجتماعياً، إلا أنها ليست طارئة، بل أصيلة وتجاوزها إنما يعني معاملة الإنسان ككائن آخر أو خارج جلده أو تكوينه الطبيعي.

وجود الإنسان أو الإنسان كوجود لا يتحقق إلا عبر كيانه الذاتي المنظور والملموس، لذا فإن عملية إسقاط أو تهميش أو تجاوز نزعة الذات في تحقيق وجودها وإدامته، اعتبارياً أو تحت طائلة أي فرض، إنما هو عملية مقحمة وتنافي القانون الطبيعي لشروط وجود الذات وسبل إدامته، لأن الذاتية ليست فرضاً طارئاً، وعملية قمعها أو إسقاطها إنما يعني إنهاك أو تحجيم قدرتها على الإداء، ككيان لا يرى إلا عبر هذه الذات ووجه تمظهرها الملموس (في الوجود والحياة) وأيضاً ليبقى ويستمر في أحسن وأكمل وجه للحياة والوجود عبر كيانه.

النزعة الذاتية ليست فكرة أو رغبة، طرأت على خاطر الإنسان، في ساعة غرور وزهو للأنا، في حقه في الاستمرار في هذا الوجود (الذي لا يملك غيره كحيز زمكاني لتمثل واستمرار وجود الذات)، بل هي عملية إيمان بحق الذات المتأتي من فكرة أن الإنسان ليس لعبة، ولذا فإنه مادام قد جاء إلى هذا الوجود وتجشم عذابات تكوين ذاته وبنائها، لذا فليس من حق أية قوة أن تسلبه وجوده، وخاصة إذا ما كان هذا السلب لا يقدم أي مبررات مقنعة لفعله ويأتي عن طريق بشع ومتعسف، وهو الموت الذي ترفضه كل جزئية واعية وغير واعية (غريزية) في تكوين الإنسان، رفضاً قاطعاً، لأنه يمثل عملية مصادرة جائرة للذات ووجودها، بلا مبررات مقنعة أو تعويضات حقيقية وملموسة.

والسؤال المنطقي الذي تتمحور حوله رؤية الذات في الدفاع عن نفسها وحقها في استمرار وجودها هو: لماذا عليّ أن أسقط أو يصادر وجودي أو أن أموت بطريقة مهينة، في وقت أن عقلي الواعي (مقابل "عقل" الموت أو القوة التي تحققه، غير الملموس وعيه أو منطقيته) يقول مادمت قد وجدت فإن وجودي يجب أن يستمر وأن يحصل على المزيد من فرص الحياة (الكبيرة) و(المهمة) من صنف وحجم (الغير قابلة للفساد، الذي لا يمكن تدنيسه، ولا يخبو)، بحسب تعبير الروائي الأمريكي (جاك كرواك)، لا أن يصادر بموت مجحف ولا يقدم أي مبررات منطقية لفعله الجائر.

الطريف، ومقابل كل هذه النزعة الذاتية المؤمنة بنفسها والمتشبثة بالحياة، تأتي طبقة من الناس (رجال الأكليروس ومحركي خيوط المعابد) لتستغل فعل الموت القهري وتحمل الإنسان، قبل موته، بصنوف من ديون الذنوب المرعبة التي يجب عليه تسديد ثمنها أو التكفير عنها بعد موته، في جحيم أكثر وحشية وتعسفاً من وحشية وتعسف الموت. في حين أن الذات، في المقابل، تصرخ بغضب: لماذا؟ لم كل هذا؟ أكل هذا لأني جئت، وبطريق الخطأ، كنتيجة للقاء جنسي غير مسؤول وغير محسوب النتائج، وكان بمقدور أبويّ تأجيله أو إلغائه من الأساس فلا أكون؟ وطبعاً إذا ما سلكنا طريق المحاججة هذا فإنه سيوصلنا للتساؤل الأكثر أهمية (في حساب النزعة الذاتية): لماذا عليّ أن أدفع ثمن خطأ غيري (ثمن متعة أبي وأمي من رعشة جنسية، لا تستمر سوى بضعة ثوان، وكان، على أقل تقدير، تجنب أن تثمرني، أنا الذات والكيان، وليس مجرد الطفل الذي سيلهوان باللعب معه لبعض الوقت، قبل أن يكبر ويتحول إلى ذات عليها تحمل مسؤولية التعامل مع وجود وحياة لا يحترماني كذات، يحق – كما ترى هي - لها أن تكون بمنتهى الحرية في التعامل وتقرير مصير وجودها)؟

***

تبدأ إشكالية الذات الفردية أو تنبع من فكرة الفشل في التصريح بحرية الفرد وتحديد مساحاتها. ففي حين يرى أي فرد أن حريته يجب أن تكون مطلقة ولا يحدها حد، استناداً إلى فكرة الفطرة الطبيعية التي سبقت ظهور فكرة الدولة وما أنتجته من قوانين تحد من حرية الإنسان، يرى البعض (من ذوي الطموح الضيق والآني ونزعة السيطرة وأصحاب النفوس المرعوبة، وكل بحسب أسبابه) وهو – هذا البعض – يمثل رجال الاكليروس ورجال الدولة (السياسيين) ومن يأخذون على عاتقهم تأسيس هيكل الفضيلة الأخلاقية والاجتماعية (بحسب مقاييسهم الذاتية طبعاً) أن حرية الذات (حرية الأفراد ككيانات أو ذوات مستقلة) يجب أن تكبح وتقمع (نقصد على مستوى التفكير وطرح الأفكار والرؤى الجديدة)، ببساطة لأنها ترى في هذه الحرية عامل إفساد للقيم والفضائل الاجتماعية المتوارثة، وبالتالي طريقة الحياة والنظر فيها المتأسسة على تلك الفضائل وذلك النظام الاجتماعي.

إن إيمان الإنسان بذاته هو ما يدفعه للتصريح بحريته وحرية كيانه والدفاع عنها. أي إن فكرة حرية الذات أصيلة ونابعة أو مرافقة لفعل الوجود ونظام أو آلية حركيته، وليست طارئة أو مبتدعة بفعل دعوات بعض الأشخاص أو الحركات (الفكرية والسياسية) المأزومة أو الهدامة، كما يروج حراس (الفضيلة والنظام الاجتماعي العام).

وطبعاً فإن الكبح والقمع هو المسؤول عن فشل الانسان في التصريح بحريته وحقه فيها وحقه في استردادها، كشرط حياة وشرط تعبير عن الحياة وشرط اعتراف بوجود واستقلالية كيانه الذاتي. ولعلنا لا نتعسف إذا ما قلنا إن فكرة القطيع الاجتماعي قد بدأت بتنازل أول مجموعة أفراد عن حريتها، وهي بالتالي التي أوصلت البشرية أو فتحت الباب لفكرة تأسيس الدولة (بأنظمتها وقوانينها، كما يسميها أصحاب الفكرة ومروجيها) أوضح وأعتى أدوات مصادرة الحرية، بكل أشكالها وحلقاتها.

لا يولد الانسان (بالشكل المتعارف عليه لولادة الانسان ووجوده في الحياة، كثمرة لفعل جنسي، تعده أغلب المؤسسات الأخلاقية والقيمية والدينية، بل وجزء من مؤسسة الدولة السياسية، فعل مخجل ومنافي للآداب العامة ويجب التكتم عليه... بل وحتى غير لائق عند البعض) ليؤدي أي واجب، بل ليؤدي فعل حياته ودور كيانه كذات في الحياة والوجود ككل. وعليه فإن أول حقوقه هو الحرية وحقه في التصريح بها واسترداها، فيما لو سلبت منه، من قبل أي جهة ومهما كبرت هذه الجهة، لأن الانسان من دون حريته لا يعود كياناً فاعلاً وخلاقاً، بل يتحول إلى كائن آخر لا يشبه ذاته، بسبب إفراغه من ماهيته الفاعلة وإرادته. فالفعل الارادي يأتي من ذات حرة، لا من هيكل (كيان) مقموع ومستلب.

ولعل حضارتنا القائمة خير مثال على نظام الهياكل المفرغة والمستلبة، بعد أن ذوبت هذه الحضارة، بشكل دولتها الحديثة وقوانينها وأنظمتها واشتراطاتها الأمنية والدفاعية (تحت مسمى الأمن القومي للدولة وحماية مصالحها العليا) كل الفواعل الذاتية لكيان الانسان الفرد وحولته إلى مجرد ترس صغير وتافه في ماكنتها الكبيرة المعقدة، وخاصة في أول صور سلبه لحريته الفردية، نظام العمل ودوراته الاقتصادية، حتى تحول العمل إلى جلاد متوحش، ليس فقط لكرامة وحرية الفرد، بل لفرص بقاء كيانه على قيد الحياة قبلها: فأما أن تعمل أو تموت من الجوع، وإلى حد تحويله من كيان ذاتي مستقل وحر إلى مجرد عبد لفرصة العمل التي لا تقدم له شيء أكثر من بقائه على قيد الحياة.

وهنا سيحتج غالبية حراس المنطق والعقل، قبل الفضيلة والنظام الاجتماعي بالقول: وما عسى يكون دور الانسان من دون عمل؟ وماذا سيفعل بنفسه إن لم يعمل؟ هل يقضي حياته نائماً متسكعاً لاهياً؟ وهنا من حقنا أن نسأل: هل وجد مع أول انسان، وأول عائلة، وأول قرية... و... ملفاً أو مرسوماً أو قانوناً يقول أن الانسان وجد من أجل العمل؟ وإن وجد مثل هذا فهل حدد نوع العمل المفروض على الانسان؟ نعم قد تتفق شرائح كبيرة من البشرية على فكرة أن العمل يكون من أجل إغناء الحياة وإعمار الأرض، ولكن هذا العمل بأي مواصفات وبأي ظروف؟ هل هو العمل في مصانع فورد للسيارات (وهذا على سبيل المثال فقط) من أجل زيادة أموال صاحب هذا المصنع؟ هل هو العمل في المصانع التي تنتج الصواريخ وقذائف المدافع القاتلة؟ هل هو العمل في أحواض السفن التي تنتج الغواصات الحربية؟ بل وحتى هل هو في مصانع السلع الاستهلاكية التي لا هدف لها غير إثراء أصحاب تلك المصانع؟ بل وحتى هل هو العمل في مرافق أي دولة من الدول القائمة، من مثل دائرة تسجيل الولادات والوفيات والضرائب وتسجيل الزيجات وإصدار قوائم المطلوبين للتجنيد في الجيوش ودوائر اصدار البطاقات التعريفية وإصدار تأشيرات السفر؟ هل هو العمل في دور سك العملة، والحقيقة أن العملة كانت أقذر وأبشع وأحط اختراع في تاريخ البشرية كلها؟ هل العمل في المصارف وأسواق البورصة؟ وهذه المؤسسات أكثر بشاعة من بشاعة اختراع العملة. هذه بضعة أمثلة من أصناف العمل التي تراكمت في طريق الانسان، تحت شعار خدمته وتنظيم شؤونه ومصالحه، ولكم أن تعددوا المئات الباقية من أصناف العمل، فهل وجدت الذات البشرية من أجل ممارسة هذه الأعمال لمجرد أن بضعة أفراد (قياساً لعدد البشرية ككل) اخترعوا نظام الدولة لمجرد اشباع شهواتهم القذرة لحكم غيرهم والتحكم بمصائرهم؟

واسمحوا لي بأن أفرد هذه الفقرة لأضيف لأصناف العمل المشرعنة حالياً، في موطن حضارتنا العلمية والتكنلوجية الحالية على وجه الخصوص، وهي أكثرها انحطاطاً واذلالاً للإنسان، وللمرأة على وجه الخصوص، وهي تجارة الجنس (الدعارة) التي صارت لها مواقعها الرسمية (بموافقة حكومات ودول أوربا وأمريكا وقوانينها على وجه الخصوص) على شبكة الانترنيت، وتعرض في صور وفديوهات، أجساد النساء، بل وممارسة أحط أنواع الممارسات الجنسية... وتترك وسائل اتصال متنوعة، تحت إعلان (اعمل معنا)... فهل هذا عمل وتحت أي بند تدرج حق ممارسته الدول الأكثر حضارة والأكثر غنى؟ المضحك المبكي أن دول أوربا وأمريكا وكندا وأستراليا، تستقبل سنوياً مئات الآلاف من اللاجئين وتكفل لهم فرص حياة وعمل كريمة، فلم لا تمنع أعمال الرذيلة المهينة لنسائها وتتكفل لها بإيجاد أنواع عمل تحفظ لها كرامتها، بدل أعمال الدعارة القذرة، ولو اسوة بمن تستقبل من لاجئين وتحفظ لهم كرامتهم؟ أ لمثل هذه الأعمال وجد الانسان؟

والسؤال الأكثر مساساً بطرحنا هو: ماذا عمل انسان ما قبل اختراع الدولة وقبل اختراع المصارف والبورصات ودوائر التسجيل العقاري ودوائر الضرائب وتسجيل السيارات واصدارات الهويات التعريفية ودوائر تسجيل المخالفات على أملاك الدولة.... والقائمة تطول؟

ماذا عمل انسان ما قبل سيطرة الدولة على الانسان والأرض وخيراتها، بل وحتى على الفضاء والسماء التي تظلل بقع الأرض؟ عمل صياداً ومزارعاً. هل عاد لأي مواطن في دولة من دول العالم أن يأخذ قطعة أرض ويزرعها على هواه، كما كان لأجداده القدماء؟ هل عاد لإنسان أن يدخل الغابة أو الحقل القريب منه ليصطاد طيراً أو أرنباً لمأكله اليومي؟ لا بالقطع، لأن أرض البلاد صارت ملكاً للدولة (يسموها أملاكاً عامة) والتجاوز عليها يعد جريمة يعاقب عليها القانون. والغابة صارت ملكاً للدولة، هي الأخرى، تحت مسمى محمية طبيعية من أجل الحفاظ على النوع والتوازن الطبيعيين! فماذا عاد للإنسان في الأرض التي يعيش عليها، وهو حتى المترين التي تدفن فيها جثته، بعد موته، يجب أن يشتريها بالمال قبل موته؟ بل ماذا تبقى له من كيانه الذاتي وحريته؟ الحقيقة لا شيء سوى هيكله، الذي يجب أن يكد ويعمل ليبقيه حياً كي ينفذ المزيد من أوامر (قوانين، وحقيقة الأمر هي أوامر سلطوية مادام الانسان لا يستطيع غير الامتثال لها وتنفيذها) الدولة وأوامر وتحكمات أصحاب رؤوس الأموال.

ومن جهة كون أن الأديان تمثل فاعلاً تنظيمياً وروحياً وثقافياً في حياة أغلب البشر، فإن أغلب الأديان تتفق على أن الانسان قد خلق من أجل العبادة، كما تؤكد الكثير من نصوص الانجيل، ومنها الآية 15 /13 من رسالة العبرانيين (فلنستمر به، في تقديم ذبيحة التسبيح لله، أي ثمرة شفاهنا، شاكرين اسمه)، وكذلك كما يؤكد القران، وبصورة أكثر تحديداً، في الآية 56 من سورة الذاريات (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون). وبما إن الكثرة الكاثرة من البشر، تعتبر الأديان وتعاليمها هي الأقرب لفطرتها وروحها، و(القوانين) الأحق والأجدر بالاتباع (وإلى حد التقديس)، فإن هذه الكثرة من البشر ترى عكس ما ترى الدولة (الدول) وقوانينها الاقتصادية والتنظيمية، وبالذات فيما يخص قوانين العمل وقوانين امتلاكها لجميع ما على أرض الوطن، تحت ذريعة حماية المال والأملاك العامة، ببساطة شديدة لأن الأديان لم تفرض عليها غير العبادة وتركت فكرة العمل للاجتهاد والرغبة الشخصية، لأن الأصل في فكرة الأديان هو أن الأرض وثرواتها من حق كل انسان وله أن يأخذ نصيبه منها لإدامة بقائه ووجوده، صيداً من البر والبحر والفضاء، وزراعة لما يستطيع من مساحة أو لما يكفي عيشه، فبأي حق استولى نظام الدولة على كل شيء ليحيل الانسان إلى أجير تافه في مؤسساتها؟

كل ما قدمت كان من أجل إيصال فكرة إن الانسان لم يعد لنفسه، بل فقد إرادة السيطرة على نفسه، بل لم يعد يشبه فطرته... بل ومسخ، بعد أن سلبت منه ذاته أو أفرغ جانبه الذاتي من محتواه وفطرته، مقابل ماذا؟ مقابل حياة اجتماعية معقدة تعقيد ساعة اليد، وتسهر الدولة على حماية تعقيدها، بل وتعمق تعقيدها كل يوم. لماذا، وأي قضية يخدم هذا التعقيد؟ الحقيقة إنه لا يخدم الانسان كفرد بأي شيء، إنما هو يخدم منشئيّ وأصحاب فكرة الدولة، أولئك المهووسون بفكرة ونزعة السيطرة والتمتع بمزايا السلطة، أما الناس أو الأفراد الذين لم يصبهم مرض السلطة ونزعة السيطرة، فهم لا يرون فيها غير كارثة تحرمهم من حريتهم وميزة العيش أو الحياة في عراء الطبيعية، حيث لا قيود قهرية ولا نظام قمعي ولا حسد ولا تباغض ولا حرمان ولا فاقة ولا تمايز بين البشر ولا طبقية. يصحو الانسان في الصباح ليحلب أول بقرة أو شاة تمر من أمام خيمته أو كوخه لفطور يومه. وفي الظهيرة يذهب إلى الغابة التي تقوم خلف كوخه البسيط، أو إلى النهر الذي يجري أمام الكوخ، ليصطاد طيراً أو أرنباً أو غزالاً أو سمكة لغداء ذلك اليوم، دون أن تصادفه يافطة حمراء على بوابة الغابة تقول (ممنوع صيد الحيوانات في هذه الغابة لأنها محمية طبيعية) أو يافطات على طول مجرى النهر (يمنع صيد الأسماك لغير المرخصين) أو ما شابه. ولعل من الطريف أن نذكر هنا حق ملوك بريطانيا في توارث ملكية كافة طيور البجع التي تسبح في نهر التيمس، (ومازال هذا التوارث قائماً إلى اليوم، وآخر من ورثه هو الملك تشارلز الثالث، لدى تنصبه قبل بضعة أيام، ونحن الآن في أواسط عام 2023)، لأن مجاعة قاتلة كانت قد حلت في بريطانيا، في القرون الوسطى، ولم يعد من مصدر للحوم، للملك وحاشيته غير تلك الطيور المسكينة الصامتة. فبأي حق امتلك ملوك بريطانيا تلك الطيور، رغم أنها، ووفق ذائقتنا الحالية، غير صالحة للأكل؟ بحق السلطة والامتياز الطبقي لأصحاب السلطة طبعاً. كم عدد الناس الذين ماتوا جوعاً حينها، بسبب احتكار سلطة الملك لهذا الطائر ومنعه على غيره من سكان بريطانيا الذين لا يملكون السلطة؟

وبمقارنة هذا الفعل الطبقي اللاأخلاقي بمقولة هيجل (إن العقل يتحكم في كل شيء، وإن البشر ليسوا غير أجزاء في آلة عظيمة تعمل من أجل الخير النهائي)، يتضح لنا قصور العقل، لوحده، عن إدراك وتحديد نظم وقوانين الحياة من جهة، وإن عملية مسخ الانسان وكيانه الفردي (وتذويبه في مجموعة اجتماعية أو نظام اجتماعي، يأتيان على حساب فرديته وحريته) هي عملية جائرة وضد الطبيعة والفطرة، ببساطة لأن القرون الطويلة التي عاشها الانسان داخل التنظيمات وداخل كيان الدولة لاحقاً، لم تثبت غير فشل (الآلة العظيمة) الدولة وعدم إنتاجها للخير النهائي، بل أنتجت الحروب والمجاعات وكل أشكال مسخ فردية الفرد وحريته وتحويله لصنوف مفزعة للعبودية، أولها عبوديته للعمل الذي أنتجته الحضارات، وليس آخرها عبوديته لنظام الدولة، وبكافة أشكال تعبيرها عن نفسها، تحت مسمى قوانين وأنظمة من جهة ثانية.

ولنختم هذه الفرضيات التأسيسية بمقولة الشاعر الإنجليزي وليم بليك (ليس واجبي أن أدقق وأقارن، إنما واجبي أن أخلق. عليّ أن أخلق نظامي الخاص، وإلا فسأكون عبداً لنظام انسان آخر) وهذه المقولة تحدد لنا، وبدقة متناهية، الجوانب الذاتية التي يجب أن تقوم عليها فكرة الحرية الفردية ومساحة الذاتية التي يجب ألا يتنازل عنها أي فرد لأي شكل من أشكال النظام الذي تفرضه التجمعات الاجتماعية والسياسية والدينية... إلخ، لأن ثمن التنازل عنها إنما يعني تحول الفرد إلى عبد في نظام انسان آخر.

وأظن أن الجميع يوافقني في أن تنازل البشرية (في كافة تجمعاتها التي نطلق عليها مسمى الدول) هو الذي أدى إلى أن تؤخذ قرارات الحروب (وهذا على سبيل المثال لا أكثر) من بداية أول حرب جماعية في تاريخ البشرية إلى قرار اشعال الحرب الكونية الأولى والثانية وحرب فيتنام والحرب الكورية والحرب الإيرانية العراقية وحرب جزر فوكلاند والحرب الروسية الأوكرانية... والقائمة تطول. فتنازل الالمان، كأفراد، عن صناعة أنظمتهم الخاصة والبريطانيين والفرنسيين والمجريين و... و... هو الذي سمح لقادة دولهم بفرض أنظمتهم الخاصة عليهم وزجهم في حروب عبثية، ذهب ضحيتها عشرات الملايين منهم، تحت مسمى الدفاع عن وحدة الوطن أو الأمن القومي أو حماية المصالح العليا للبلاد. فأي مصالح عليا هذه التي تسمح لعشرين أو ثلاثين فرداً، من شعب تعداده ستين أو سبعين أو مئة مليون فرد، لمجرد أن الثلاثين فرد هؤلاء ينتظمون تحت مسمى حكومة؟

بل وأحيانا، شخص واحد فقط (رأس النظام أو الدولة أو الحكومة) هو من يتخذ قرار الحرب لوحده ويفرضه على شعب الدولة بكامله. ألم تتخذ ملكة بريطانيا السابقة قرار دخول الحرب العالمية الثانية بمشورة من رئيس وزرائها، ونستون تشرشل لوحده؟ ألم يتخذ جورج دبليو بوش الابن، قرار حرب غزو العراق وتدميره لوحده؟ ألم يتخذ فلاديمير بوتين، الرئيس الروسي، لوحده قرار حرب غزو أوكرانيا، وها هي مشتعلة منذ أكثر من عام ولها في كل يوم مئات الضحايا من كلا البلدين؟

فلماذا يتنازل الفرد عن حريته وحق تأسيس نظامه الذي وهبه إياه الوجود بفطرته؟ أمن أجل أن يزج في حرب يقتل فيها بلا طائل؟ هل وجد أي فرد ليموت إرضاء لغرور أو نزعة السيطرة لدى فرد، يسمي نفسه حاكماً أو ملكاً أو رئيساً؟ وماذا عني أنا الفرد؟ ماذا عن حريتي في اختيار نمط حياتي المستقل؟ ماذا عن حقي في رفض المشاركة في حروب الدولة أو النظام السياسي أو الاجتماعي الذي أقيم على بقعة الأرض التي وجدت فيها؟ أليس من حقي أن أقول أو أطلب منهم الذهاب بحروبهم بعيداً عني وعن بقعة الأرض التي أعيش عليها؟ بأي حق امتلك الملك تشارلز الثالث، قبل أسبوعين من لحظة كتابتي هذه السطور، جميع البجعات التي تسبح في نهر التايمس؟ بل وله الحق في امتلاك أي بجعة أخرى تسبح في أي مياه جارية على أراضي المملكة المتحدة، كما صرح راعي بجعاته؟ فقط لأنه ورث هذا الحق عن أمه التي ورثته عن أبيها بدورها، وهكذا إلى جدهم الملك الذي حكم في القرون الوسطى وسن أمراً بامتلاكه هذا الحق فقط. لم لا يكون لأي فرد آخر، في أي بقعة من الأرض، أن يسن أمراً يحق له بموجبه امتلاك طيور السمان أو طيور القطا أو الأوز البري أو طيور الدجاج أو أسماك أحد الأنهار أو إحدى البحيرات، ويحترم أمره هذا وينفذ؟ بأي حق يتملك الملك أو الرئيس أو السلطان بقعة الأرض التي يحكمها بما عليها، بما فيها الكيانات الإنسانية التي تشبهه في كل صفاته، ويرى كل منها أن من حقه أن يتمتع بذات الحقوق التي يمتلكها الملك أو الرئيس أو السلطان؟

***

دكتور سامي البدري

بين الانخراط في التحرر من التبعية والالتزام بالنضال من أجل المساواة، مقاربة ملتزمة

مقدمة: في أعماق الديناميات الاجتماعية والسياسية، يبرز مفهوم الفاعل الجمعي كعنصر أساسي يجسد القدرة الجماعية على التغيير والتحول. يُعرف الفاعل الجمعي على أنه تشكيلة من الأفراد أو المجموعات التي تتحد في إطار مشترك لتحقيق أهداف تتجاوز المصالح الفردية، مما يولد قوة دافعة نحو إعادة تشكيل الواقع الاجتماعي. هذا المفهوم، الذي يتجاوز الحدود النظرية ليصبح أداة عملية في النضالات الإنسانية، يجد نفسه في تقاطع حاسم بين الانخراط في التحرر من التبعية والالتزام بالنضال من أجل المساواة. في هذه الدراسة، سنستعرض هذا التقاطع من خلال مقاربة ملتزمة، تؤكد على الفعل الإنساني كمسؤولية أخلاقية وسياسية، حيث يصبح الفاعل الجمعي ليس مجرد مراقب، بل مشاركاً نشطاً في صياغة تاريخ ينبذ الاستغلال ويحتضن العدالة. فمن هو الفاعل الجمعي؟ وماهي المهام الموكولة له في الإطار الاجتماعي؟

مهام الفاعل الجمعي

يبدأ الانخراط في التحرر من التبعية كعملية أساسية للفاعل الجمعي، إذ يعكس رفضاً جذرياً للهيمنة الخارجية التي تفرض نفسها على المجتمعات من خلال أشكال متعددة من الاستعمار الاقتصادي، الثقافي، أو السياسي. التبعية هنا ليست مجرد حالة اقتصادية، بل هي نظام يعيد إنتاج اللامساواة من خلال آليات غير مرئية، مثل الاعتماد على الاقتصادات المتقدمة أو الثقافات المهيمنة التي تفرض نماذجها كمعيار عالمي. ينخرط الفاعل الجمعي في هذا التحرر من خلال بناء هوية جماعية مستقلة، تعتمد على الوعي التاريخي والقدرة على إعادة تفسير الماضي لصالح مستقبل حر. على سبيل المثال، في سياقات ما بعد الاستعمار، يتحول الفاعل الجمعي إلى حركة شعبية ترفض التبعية الاقتصادية من خلال تعزيز الإنتاج المحلي والسيطرة على الموارد الطبيعية، مما يولد دينامية تحررية تتجاوز الفرد لتصبح مشروعاً جماعياً. هذا الانخراط ليس عفوياً، بل يتطلب تنظيماً يعتمد على التواصل والتضامن، حيث يصبح كل فرد جزءاً من كل أكبر يسعى لكسر سلاسل التبعية. في هذه العملية، يبرز دور الوعي كأداة أساسية، إذ يساعد في كشف الآليات الخفية للتبعية، مثل كيفية تحول الديون الخارجية إلى أداة للسيطرة، أو كيف تفرض الثقافة الاستهلاكية نمط حياة يعزز الاعتمادية بدلاً من الاستقلال. مع ذلك، لا يقتصر دور الفاعل الجمعي على التحرر من التبعية الخارجية، بل يمتد إلى مواجهة التبعيات الداخلية التي تتجذر في الهيكليات الاجتماعية المحلية. هنا، يصبح التحرر عملية داخلية تستهدف تفكيك الهرميات الطبقية أو العرقية أو الجندرية التي تعيد إنتاج التبعية داخل المجتمع نفسه. ينخرط الفاعل الجمعي في هذا السياق من خلال تشكيل تحالفات عابرة للحدود الاجتماعية، مما يولد قوة جمعية قادرة على تحدي السلطات المحلية التي تستفيد من الحفاظ على التبعية. هذا الانخراط يتطلب التزاماً أخلاقياً يعتمد على مبدأ الالتزام السارتري، حيث يصبح الفعل الجماعي مسؤولية فردية وجماعية في آن واحد، إذ يرفض الفاعل الجمعي دور الضحية ليصبح صانعاً لتاريخه. في هذه المرحلة، يتحول التحرر من مجرد رفض إلى بناء إيجابي، حيث يسعى الفاعل الجمعي لبناء مؤسسات بديلة تعتمد على الديمقراطية المباشرة والمشاركة الشعبية، مما يضمن استمرارية التحرر بعيداً عن مخاطر العودة إلى التبعية تحت أشكال جديدة.من هنا، ينتقل الفاعل الجمعي إلى الالتزام بالنضال من أجل المساواة، الذي يمثل الجانب الآخر من العملة التحررية. المساواة هنا ليست مجرد مفهوم فلسفي، بل هي هدف عملي يستهدف إزالة الفوارق التي تحول دون تحقيق الكرامة الإنسانية للجميع. يلتزم الفاعل الجمعي بهذا النضال من خلال استراتيجيات متعددة، تبدأ بالوعي الجماعي وتنتهي بالفعل السياسي المباشر. في سياق التبعية، يصبح النضال من أجل المساواة امتداداً طبيعياً للتحرر، إذ لا يمكن تحقيق استقلال حقيقي دون ضمان توزيع عادل للموارد والفرص. على سبيل المثال، في الحركات الاجتماعية المعاصرة، يتحول الفاعل الجمعي إلى شبكة من النشطاء الذين يناضلون ضد التمييز العرقي أو الطبقي، مستخدمين أدوات مثل الاحتجاجات الشعبية أو الحملات الإعلامية لفرض تغييرات هيكلية. هذا الالتزام يعتمد على مقاربة ملتزمة، ترفض الحيادية وتؤكد على الفعل كوسيلة لتحقيق العدالة، حيث يصبح كل فرد ملتزماً بقضية أكبر من نفسه، مما يولد تضامناً يتجاوز الحدود الجغرافية أو الثقافية. في هذا التقاطع بين التحرر من التبعية والنضال من أجل المساواة، يبرز الفاعل الجمعي كقوة دينامية قادرة على مواجهة التحديات المعقدة للعولمة المعاصرة. التبعية في عصرنا الحالي تأخذ أشكالاً جديدة، مثل الهيمنة الرقمية أو الاستغلال البيئي، مما يتطلب من الفاعل الجمعي تكييف استراتيجياته ليشمل نضالاً متعدد الأبعاد. هنا، يصبح الالتزام بالمساواة ليس خياراً، بل ضرورة، إذ يساعد في بناء مجتمعات مقاومة قادرة على مواجهة الضغوط الخارجية دون التفريط في القيم الداخلية. المقاربة الملتزمة في هذا السياق تؤكد على دور الفكر النقدي في توجيه الفعل الجماعي، حيث يصبح التحليل النظري أداة لفهم الواقع وتغييره، مستوحى من أفكار مفكرين يرون في الالتزام سبيلاً للتحرر الإنساني. ينخرط الفاعل الجمعي في هذا النضال من خلال تشكيل تحالفات استراتيجية، مثل الشراكات بين الحركات العمالية والنسوية، مما يولد قوة جمعية قادرة على تحقيق تغييرات جذرية. مع ذلك، يواجه الفاعل الجمعي تحديات داخلية قد تعيق مسيرته، مثل الصراعات على السلطة داخل الجماعة أو الاختلافات الإيديولوجية التي قد تؤدي إلى تفكك الوحدة. في مواجهة هذه التحديات، يبرز دور الالتزام كعامل موحد، إذ يشجع على الحوار الداخلي والتسامح مع الاختلافات لصالح الهدف المشترك. هذا الالتزام يمتد إلى البعد الأخلاقي، حيث يرفض الفاعل الجمعي استخدام العنف كوسيلة إلا في حالات الدفاع عن النفس، مفضلاً استراتيجيات سلمية تعتمد على الوعي والتعليم لتحقيق المساواة. في سياق التحرر من التبعية، يصبح هذا الالتزام أداة لمنع تحول النضال إلى تبعية جديدة، مثل الاعتماد على قادة كاريزميين يحولون الجماعة إلى أداة لمصالحهم الشخصية. بدلاً من ذلك، يسعى الفاعل الجمعي لبناء نموذج ديمقراطي يضمن مشاركة الجميع، مما يعزز الاستدامة طويلة الأمد للنضال.

 التحديات الداخلية للفاعل الجمعي

في سياق الفاعل الجمعي، الذي يمثل التشكيلة الدينامية للأفراد والمجموعات المتحدة في سعيها نحو التحرر من التبعية والالتزام بالنضال من أجل المساواة، تبرز التحديات الداخلية كعنصر حاسم يختبر قوة الوحدة والالتزام. هذه التحديات ليست مجرد عقبات عرضية، بل هي تعبيرات عن التعقيد الإنساني داخل الجماعة، حيث يلتقي الطموح الفردي بالمصلحة الجماعية، والتنوع بالحاجة إلى الانسجام. من خلال مقاربة ملتزمة، نرى في هذه التحديات ليس تهديداً فقط، بل فرصة لتعزيز الوعي والتنظيم، إذ يصبح مواجهتها جزءاً أساسياً من عملية التحرر ذاتها. إن التحديات الداخلية تعكس التوتر بين الحرية الفردية والتضامن الجماعي، مما يجعلها محوراً لفهم كيفية استمرار الفاعل الجمعي في مسيرته نحو عالم أكثر عدلاً، حيث يتحول الصراع الداخلي إلى محرك للتطور بدلاً من سبب للانهيار.

أحد أبرز التحديات الداخلية هو الصراعات على السلطة داخل الجماعة، والتي تنشأ من الرغبة الطبيعية في القيادة والتأثير. في سياق التحرر من التبعية، حيث يسعى الفاعل الجمعي لكسر الهيمنة الخارجية، قد يتحول هذا الصراع إلى تكرار للنماذج الهرمية التي يحاربها، مما يؤدي إلى ظهور قادة كاريزميين يسيطرون على القرار، ويحولون الجماعة من فاعل ديمقراطي إلى أداة لمصالحهم الشخصية. هذا التحدي يتفاقم في مراحل النضال الأولى، عندما تكون الموارد محدودة والضغوط الخارجية عالية، فتصبح السلطة مورداً نادراً يثير المنافسة. على سبيل المثال، في الحركات الاجتماعية، قد يؤدي هذا الصراع إلى انشقاقات داخلية، حيث يشعر بعض الأعضاء بالتهميش، مما يضعف القدرة على مواجهة التبعية الاقتصادية أو الثقافية. المقاربة الملتزمة هنا تؤكد على ضرورة بناء آليات ديمقراطية داخلية، مثل المجالس التشاورية أو الانتخابات الدورية، لتوزيع السلطة بشكل عادل، وتحويل الصراع من عنصر تدميري إلى حوار بناء يعزز الالتزام بالمساواة. إن تجاهل هذا التحدي قد يؤدي إلى تحول الفاعل الجمعي إلى نظام استبدادي داخلي، يعيد إنتاج التبعية التي يرفضها، مما يجعل التحرر وهماً لا يتجاوز السطح. كما تبرز الاختلافات الإيديولوجية كتحدٍ داخلي آخر، ينبع من التنوع الفكري والثقافي داخل الجماعة، والذي، رغم أنه مصدر قوة، قد يؤدي إلى تفكك الوحدة. في نضال من أجل المساواة، حيث يجتمع أفراد من خلفيات متنوعة – عرقية، طبقية، أو جندرية – تظهر هذه الاختلافات كتوتر بين الرؤى المختلفة للتحرر. على سبيل المثال، قد يرى بعض الأعضاء التحرر كعملية اقتصادية بحتة، بينما يؤكد آخرون على البعد الثقافي أو البيئي، مما يؤدي إلى خلافات حول الأولويات والاستراتيجيات. هذا التحدي يتفاقم في سياقات العولمة، حيث تتداخل الإيديولوجيات العالمية مع الخصوصيات المحلية، مما يخلق صراعاً بين الراديكالية والبراغماتية. المقاربة الملتزمة ترى في هذه الاختلافات فرصة للحوار النقدي، حيث يصبح الالتزام بالمساواة مبدأ موحداً يتجاوز الاختلافات، من خلال تشجيع المناقشات المفتوحة والتعليم المتبادل. إن عدم مواجهة هذا التحدي قد يؤدي إلى انقسامات جذرية، تحول الفاعل الجمعي إلى مجموعات صغيرة ضعيفة، غير قادرة على مواجهة التبعية الخارجية، مما يجعل النضال مجرد صراع داخلي يستهلك الطاقات دون إحراز تقدم حقيقي. بالإضافة إلى ذلك، يواجه الفاعل الجمعي تحدياً داخلياً متمثلاً في نقص الموارد والإرهاق النفسي، الذي ينشأ من طول أمد النضال وشدة الضغوط. في مسيرة التحرر من التبعية، حيث تكون الموارد المالية أو اللوجستية محدودة، يصبح توزيع هذه الموارد مصدر توتر، مما قد يؤدي إلى شعور بالظلم داخل الجماعة. أما الإرهاق النفسي، فهو نتيجة للمعاناة المستمرة أمام القمع الخارجي، مما يولد حالات من اليأس أو الانسحاب، خاصة بين الأعضاء الأقل خبرة. هذا التحدي يتجلى في انخفاض المشاركة مع مرور الوقت، حيث يشعر الأفراد بالإجهاد من دون رؤية نتائج فورية، مما يضعف الالتزام بالنضال من أجل المساواة. المقاربة الملتزمة تؤكد هنا على أهمية بناء شبكات دعم داخلية، مثل برامج الرعاية النفسية أو توزيع الأدوار بشكل عادل، للحفاظ على الطاقة الجماعية. إن تجاهل هذا الجانب قد يؤدي إلى انهيار داخلي، حيث يصبح الفاعل الجمعي عرضة للاختراق الخارجي، مثل محاولات الاستقطاب أو الخيانة من قبل أعضاء محبطين. كذلك، لا يمكن تجاهل تحدي التنوع الثقافي والاجتماعي داخل الجماعة، الذي، رغم غناه، قد يولد صراعات حول الهوية والتمثيل. في سياق النضال من أجل المساواة، حيث يجتمع أفراد من خلفيات متنوعة، قد يشعر بعض المجموعات المهمشة بالتهميش داخل الجماعة نفسها، مما يعيد إنتاج اللامساواة التي يحاربها الفاعل الجمعي. على سبيل المثال، في الحركات العابرة للحدود، قد تبرز خلافات بين النساء والرجال، أو بين الأعراق المختلفة، حول من يمثل الصوت الرئيسي. هذا التحدي يتطلب مقاربة ملتزمة تعتمد على مبدأ التقاطعية، حيث يتم الاعتراف بالتعددية كقوة، ويتم بناء سياسات تضمن التمثيل العادل. إن عدم التعامل مع هذا التنوع قد يؤدي إلى تفكك، مما يجعل التحرر من التبعية هدفاً بعيداً، محاصراً بين الصراعات الداخلية. في مواجهة هذه التحديات، يبرز دور الالتزام كعامل حاسم في تعزيز الوحدة، حيث يصبح الحوار الداخلي والتعليم المستمر أدوات لتحويل التوترات إلى فرص للنمو. المقاربة الملتزمة ترفض الاستسلام لهذه التحديات، بل تراها كجزء من عملية التحرر، إذ يصبح الفاعل الجمعي أقوى من خلال تجاوزها، مما يضمن استمرارية النضال نحو مساواة حقيقية. إن التحديات الداخلية، إذن، ليست نهاية، بل بداية لإعادة بناء أقوى، حيث يتحول الفعل الجماعي من رد فعل إلى مشروع إبداعي يعيد تشكيل الواقع بوعي أعمق وتضامن أكبر.

التقاطعية الاجتماعية

في إطار الفاعل الجمعي، الذي يجسد الوحدة الدينامية للأفراد والمجموعات في سعيها نحو التحرر من التبعية والالتزام بالنضال من أجل المساواة، تبرز التقاطعية الاجتماعية كمفهوم أساسي يعيد تشكيل فهم التحديات الداخلية والاستراتيجيات الخارجية. التقاطعية، التي تعود جذورها إلى النظرية النقدية في دراسات الجندر والعرق، تمثل الاعتراف بتداخل أشكال التمييز واللامساواة المتعددة، مثل العرق، الطبقة، الجندر، الإعاقة، والتوجه الجنسي، في تشكيل تجارب الأفراد داخل الجماعة. هذه المقاربة ليست مجرد إضافة نظرية، بل هي أداة عملية ملتزمة تحول التنوع من مصدر توتر إلى قوة دافعة، إذ تكشف كيف تتداخل هذه الأبعاد في تعزيز التبعية أو في تعزيز النضال نحو المساواة. في هذا التوسع، سنستعرض التقاطعية كمحور لفهم الديناميات الداخلية للفاعل الجمعي، حيث تصبح الالتزام بها ضرورة أخلاقية وسياسية لتحقيق تحرر شامل، بعيداً عن الرؤى الوحيدة البعد التي قد تعيد إنتاج اللامساواة داخل النضال نفسه.تبدأ التقاطعية الاجتماعية في سياق الفاعل الجمعي بكشف الطبقات المتداخلة من التبعية، حيث لا تكون التبعية مجرد علاقة اقتصادية أو سياسية خارجية، بل هي نظام يتغذى على تقاطعات داخلية تعزز الاستغلال. على سبيل المثال، في مجتمعات ما بعد الاستعمار، قد يعاني الأفراد من تبعية مزدوجة: اقتصادية تفرضها الهيمنة العالمية، واجتماعية داخلية تنبع من التمييز العرقي أو الجندري، مما يجعل التحرر عملية معقدة تتطلب فهماً لكيفية تداخل هذه الأبعاد. ينخرط الفاعل الجمعي هنا من خلال مقاربة ملتزمة تعترف بهذه التقاطعات، فبدلاً من التركيز على قضية واحدة – مثل التحرر الاقتصادي – يصبح النضال متعدد الأوجه، يستهدف تفكيك التبعية في جميع أشكالها. هذا الاعتراف يمنع تحول النضال إلى حركة نخبوية، حيث يسيطر أفراد من طبقات معينة أو أعراق مهيمنة، ويضمن أن تكون المساواة هدفاً شاملاً يشمل الجميع. في هذه العملية، تصبح التقاطعية أداة لتعزيز التضامن، إذ تسمح للأفراد بمشاركة تجاربهم المتداخلة، مما يولد وعياً جماعياً يرفض التبعية كمصير محتوم ويحولها إلى هدف قابل للتغيير من خلال الفعل المشترك. مع ذلك، تكشف التقاطعية الاجتماعية عن تحديات داخلية عميقة داخل الفاعل الجمعي، حيث يصبح التنوع مصدراً للصراع إذا لم يُدار بحكمة. في نضال من أجل المساواة، قد تبرز خلافات حول الأولويات، مثل كيفية دمج قضايا النساء الملونات في حركة تحررية تركز أساساً على الاستقلال الاقتصادي، مما يؤدي إلى شعور بالتهميش لدى بعض المجموعات. هذا التحدي يتجلى في إعادة إنتاج اللامساواة داخل الجماعة، حيث قد يغلب صوت الرجال أو الطبقات الوسطى، متجاهلاً تقاطعات الفقر والعرق التي تعاني منها النساء أو الأقليات. المقاربة الملتزمة هنا تؤكد على ضرورة بناء إطار تقاطعي يجعل التمثيل العادل أولوية، من خلال تشكيل لجان داخلية تمثل التنوع الاجتماعي، أو من خلال برامج تعليمية تثقف الأعضاء حول كيفية تداخل أشكال التمييز. هذا الالتزام يحول التحدي إلى فرصة، إذ يصبح الفاعل الجمعي أكثر قوة عندما يعترف بأن المساواة لا تتحقق إلا من خلال مواجهة التقاطعات الداخلية، مما يمنع الانقسامات ويعزز الوحدة في مواجهة التبعية الخارجية. إن تجاهل هذه التقاطعية قد يؤدي إلى فشل النضال، حيث يصبح الفاعل الجمعي عرضة للانشقاقات التي تستغلها القوى المهيمنة للحفاظ على الوضع القائم. كذلك، تمتد التقاطعية الاجتماعية إلى البعد الاستراتيجي في النضال، حيث تصبح أداة لصياغة سياسات شاملة تتجاوز الرؤى الوحيدة البعد. في سياق التحرر من التبعية، يمكن للفاعل الجمعي استخدام هذه المقاربة لربط قضايا محلية بأخرى عالمية، مثل كيفية تداخل الاستغلال البيئي مع التمييز العرقي في مجتمعات الجنوب العالمي، مما يولد تحالفات عابرة للحدود. هنا، يصبح الالتزام بالمساواة ملتزماً بمبدأ التقاطعية، إذ يرفض الفاعل الجمعي التركيز على قضية واحدة على حساب أخرى، ويسعى لبناء استراتيجيات متعددة الأبعاد، مثل حملات تجمع بين النضال النسوي والعمالي. هذا النهج يعزز الفعالية، إذ يجعل النضال أكثر شمولاً وجاذبية لمجموعات متنوعة، مما يوسع قاعدة الدعم ويقلل من مخاطر الإخفاق الناتج عن الرؤى الضيقة. في هذه العملية، تصبح التقاطعية ليست مجرد نظرية، بل ممارسة يومية تحول الفاعل الجمعي من كيان مفكك إلى قوة متماسكة، قادرة على مواجهة التعقيدات المعاصرة مثل العولمة الرأسمالية التي تستغل التقاطعات الاجتماعية لتعزيز التبعية. أما في مواجهة التحديات العملية، فإن التقاطعية الاجتماعية تتطلب تطوير أدوات داخلية للحوار والتسوية، حيث يصبح الالتزام أخلاقياً يشجع على الاستماع المتبادل والاعتراف بالتجارب المتنوعة. على سبيل المثال، في حركات اجتماعية معاصرة، قد يؤدي التركيز على التقاطعية إلى إنشاء مساحات آمنة لمناقشة كيفية تأثير الإعاقة على النساء في سياق التبعية الاقتصادية، مما يولد سياسات أكثر عدلاً. هذا الالتزام يمنع تحول النضال إلى صراع داخلي، بل يحوله إلى عملية تعلم جماعي، حيث يصبح كل فرد مساهماً في فهم التقاطعات التي تشكل الجماعة. إن هذه المقاربة الملتزمة تؤكد على أن التحرر الحقيقي يبدأ من الداخل، بتفكيك التقاطعات السلبية لبناء تضامن إيجابي، مما يجعل الفاعل الجمعي نموذجاً لمجتمع مساوٍ يرفض التبعية في كل أشكالها.

خاتمة

في النهاية، يمثل الفاعل الجمعي في تقاطعه بين التحرر من التبعية والنضال من أجل المساواة نموذجاً للإنسانية الملتزمة، التي ترفض السلبية لتصبح فاعلاً في تاريخها. هذه المقاربة الملتزمة تؤكد على أن التحرر ليس نهاية، بل بداية لنضال مستمر نحو عالم أكثر عدلاً، حيث يصبح كل فرد جزءاً من كل يسعى لتحقيق الكرامة المشتركة. من خلال هذا الالتزام، يتحول الفاعل الجمعي من مجرد رد فعل إلى قوة إبداعية، قادرة على إعادة تشكيل الواقع نحو آفاق أوسع من الحرية والمساواة. لذلك، تمثل التقاطعية الاجتماعية ضمن الفاعل الجمعي قمة الالتزام بالنضال، إذ تحول التنوع من عبء إلى رصيد، وتجعل التحرر من التبعية والمساواة هدفين متداخلين لا يمكن فصلهما. هذه المقاربة الملتزمة ترفض السطحية لتغوص في عمق التعقيد الإنساني، مما يولد فاعلاً جمعياً أقوى وأكثر استدامة، قادراً على إعادة تشكيل الواقع نحو عالم يحتضن الجميع دون تمييز أو تبعية. من خلال هذا التوسع، يصبح واضحاً أن التقاطعية ليست خياراً، بل ضرورة لأي نضال ملتزم يسعى لتحقيق عدالة حقيقية. فمتى يرى الفاعل الجمعي العربي النور ويعانق الابداع والتأثير؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

قراءة فلسفية بين الدورات الخلدونية وسيولة الحداثة

يشهد الأفق العالمي الراهن حالة فريدة من التعقيد البنيوي، حيث تتجلى مفارقة وجودية يمكن اختزالها في أن المداخل كافةً باتت مشرعة أمام التدفقات المعلوماتية والتقنية والسلعية، في حين تبدو المخارج جميعها موصدة أمام أي بديل جذري قادر على تجاوز الأزمات الهيكلية للنظام القائم. هذا الوضع لا يمثل مجرد أزمة سياسية أو اقتصادية عابرة، بل هو تعبير عن "انسداد حضاري" شامل يضع الإنسانية أمام تساؤل مصيري:

هل نحن بصدد مخاض لمرحلة تاريخية غير مسبوقة، أم أننا نعيش الفصول الأخيرة من حضارة استنفدت طاقتها الحيوية؟ يتطلب فهم هذه اللحظة العودة إلى الجذور الفلسفية التي حللت حركة التاريخ وبنية المجتمعات، بدءاً من قوانين العمران الخلدونية، وصولاً إلى طروحات الحداثة السائلة وما بعد الحداثة، لاستنطاق آليات التحول التي أدت إلى هذا الانسداد المعاصر.

المنظور الخلدوني:

يعتبر ابن خلدون، من خلال عمله الرائد "المقدمة"، أول من أرسى دعائم "علم العمران البشري"، مقدماً رؤية عضوية للحضارة بوصفها كائناً حياً يخضع لناموس الولادة، والنمو، ثم الهرم والموت. تكتسب هذه الرؤية أهمية قصوى في تشخيص الانسداد الحالي، لأنها تربط بين القوة المعنوية (العصبية) وبين المآل المادي للحضارة (الترف).

الفلسفة الحديثة:

من حتمية التقدم إلى انسداد الغاية على عكس الدائرية الخلدونية، قدمت الحداثة الغربية رؤية خطية متصاعدة للتاريخ، قائمة على الإيمان بالتقدم اللانهائي والقدرة الكلية للعقل. هذه الرؤية جعلت "المداخل" مفتوحة على الدوام نحو المستقبل، معتبرة أن كل أزمة هي مجرد مرحلة عابرة نحو كمال أسمى.

هيغل وجدلية الروح: التاريخ كمسيرة للحرية

يعد هيغل الذروة الفلسفية لهذا التفاؤل الحداثي، حيث يرى التاريخ كعملية عقلانية تهدف إلى تحقيق وعي الروح بذاتها من خلال الحرية. في الفلسفة الهيغلية، لا يمكن للواقع أن "يتجمد" أو "ينسد"، لأن حركة "السلب" الجدلية تدفع بالروح دوماً لتجاوز تناقضاتها في تركيبات أرقى. ومع ذلك، فإن نقد هيغل المعاصر يركز على أن هذا النظام "المغلق" الذي يدعي استيعاب كل شيء قد أدى إلى تحويل التاريخ إلى عملية حتمية تفتقر إلى الفاعلية الإنسانية الحقيقية، مما يمهد لما وصفه البعض بـ "نهاية التاريخ".

مشروع التنوير وتصاعد "مناخ اليأس"

انطلق مشروع التنوير، عند إيمانويل كانط وغيره، من مبدأ "الخروج من حالة القصور" واستخدام العقل لتحسين الحياة البشرية. ولفترة طويلة، نجحت هذه المداخل المفتوحة في تحقيق قفزات علمية وتقنية هائلة. إلا أن القرن العشرين شهد تحولاً جذرياً؛ حيث حلت خيبة الأمل محل التفاؤل مع اندلاع الحروب العالمية، وتصاعد أزمات التدهور البيئي، واستبداد التقنية. يرى نقاد الحداثة أن العقل الذي كان أداة للتحرر تحول إلى "عقل أداتي" يخدم السيطرة، مما أغلق المخارج الأخلاقية والروحية أمام الإنسان المعاصر، وهو ما يتجلى في الأزمة المرجعية التي تعاني منها الحضارة الراهنة.

تشخيص باومان للانسداد المعاصر

يقدم زيجمونت باومان أحد أعمق التوصيفات للحالة الراهنة من خلال مفهوم "الحداثة السائلة". يرى باومان أننا انتقلنا من مرحلة الحداثة "الصلبة" التي كانت تسعى لبناء مؤسسات مستقرة وتخطيط طويل الأمد، إلى مرحلة "سائلة" تتسم بالتغير الدائم وغياب اليقين.

مدينة الصياد الفاضلة وتلاشي الوجهة في الحداثة السائلة

يتم وصف العالم كـ "يوتوبيا الصياد “، حيث لا توجد غاية نهائية أو "مخرج" نصل إليه لنستقر، بل إن المطاردة المستمرة للفرص، والسلع، والهويات هي الغاية في حد ذاتها. هنا تكون "المداخل مفتوحة" بشكل مفرط؛ فالفرد حر في اختيار هويته، وعمله، وعلاقاته، ولكن هذه الحرية تأتي بتكلفة باهظة من "عدم اليقين" والهشاشة. المخارج مغلقة لأن النظام السائل يمنع أي استقرار؛ فكل إنجاز هو مجرد محطة عابرة في رحلة لا تنتهي، مما يولد شعوراً بالدوران في حلقة مفرغة أو "المطحنة" التي تستهلك الإنسان دون أن توصله إلى بر الأمان.

انفصال القوة عن السياسة

يشير باومان إلى أن أخطر معالم الانسداد العالمي يكمن في انفصال "القوة" عن "السياسة". فالقوة (القدرة على الفعل) أصبحت عالمية، عابرة للحدود، وسائلة (تتمثل في الأسواق والتدفقات التقنية)، بينما ظلت السياسة (القدرة على اتخاذ القرار) محلية ومقيدة بحدود الدولة القومية. هذا الانفصال أدى إلى حالة من "العجز الديمقراطي"؛ فالناس يملكون "مداخل" للمشاركة السياسية، لكنهم يجدون "المخارج مغلقة" لأن القرارات الكبرى التي تؤثر على حياتهم يتم اتخاذها في فضاءات عابرة للحدود خارجة عن السيطرة السياسية المحلية.

النسبية المعرفية وضياع المعيار المشترك

أدى سقوط السرديات الكبرى إلى حالة من "التفتت" المعرفي؛ حيث أصبح لكل مجموعة "سرديتها الصغرى" الخاصة. ومع أن هذا يبدو تحررياً، إلا أنه أدى إلى انسداد الحوار الكوني؛ فغياب "معيار مشترك" للحقيقة جعل الصراعات بين الهويات صراعات "غير قابلة للحل"، مما يغلق المخارج أمام أي مشروع إنساني جماعي لمواجهة التحديات الكبرى مثل التغير المناخي أو الأزمات الاقتصادية العالمية.

"نهاية الإنسان" والأفق البيولوجي المسدود

لا يقتصر الانسداد التاريخي على الجوانب الاجتماعية والسياسية، بل يمتد ليشمل تعريف "الإنسان" نفسه. يحذر فرانسيس فوكوياما في كتابه "نهاية الإنسان" من أن الثورة في التكنولوجيا الحيوية قد تؤدي إلى كسر "الطبيعة البشرية" التي كانت الأساس لكل القيم السياسية والأخلاقية.

يتحدث فوكوياما عن "الإنسان الأخير" الذي يعيش في حالة من الرفاهية المادية لكنه يفتقد للدافع التاريخي أو "الثيموس" (النزوع إلى الاعتراف). الانسداد هنا يتمثل في أن البشرية قد تكون وصلت إلى نمط عيش لا يمكن تجاوزه، ومع ذلك فهو نمط يفتقر إلى المعنى الجوهري. التطور التقني يفتح "مداخل" بيولوجية قد تؤدي إلى "مخرج مغلق" يتمثل في انقراض الذات الإنسانية الحرة لصالح كائنات مصممة وراثياً، مما ينهي "التاريخ" كما عرفناه.

العصبية الرقمية والمدن العالمية

تطرح بعض الدراسات المعاصرة إمكانية نشوء "عصبية جديدة" قائمة على "الترابط الشبكي" بدلاً من القرابة أو الأيديولوجيا. في هذا السيناريو، تصبح "المدن الذكية" والشبكات العالمية هي مراكز العمران الجديد التي تتجاوز انسداد الدولة القومية. ومع ذلك، فإن هذا المخرج يظل محفوفاً بالمخاطر؛ فإذا لم يقترن هذا الترابط التقني بمرجعية أخلاقية وقيم إنسانية، فإنه قد يكون مجرد "إغلاق للمخارج" بشكل أكثر إحكاماً تحت سيطرة "الذكاء الاصطناعي" و"البيانات الضخمة."

الخلاصة التركيبية

إن حالة "كل المداخل مفتوحة وكل المخارج مغلقة" التي يعيشها العالم اليوم تمثل لحظة "الشيخوخة الحضارية" الكونية. نحن نعيش في حضارة بلغت ذروة "الترف" الخلدوني متمثلاً في الاستهلاك الفائق والسيطرة التقنية، ولكنها فقدت "عصبيتها" المعنوية والسياسية التي تمنحها القدرة على التجديد. إن الانفتاح المفرط للمداخل هو في الواقع أداة لإخفاء انغلاق المخارج.

سواء كان هذا الانسداد هو بداية "تاريخ جديد" أو الفصل الأخير من "حضارة الهرم"، فإن الحقيقة البارزة هي أن الأدوات الفلسفية والسياسية القديمة لم تعد كافية لفتح المخارج. إن الحاجة ماسة إلى "عصبية إنسانية كوكبية" تعيد ربط السياسة بالقوة، والتقنية بالأخلاق، والذات بالمعنى. إن "المخارج" لا تفتح من تلقاء نفسها، بل يتم "شقها" من خلال فعل إبداعي يتجاوز سيولة الحداثة وجمود التراث، ليعيد بناء "عمران بشري" يكون فيه الإنسان سيداً لمصيره.

***

غالب المسعودي

...........................

المراجع:

ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة. (تحقيق ودراسة الأزمات الحضارية).

المسيري، عبد الوهاب. العالمية والمركزية الغربية.

جاسم محمد، نادية. (د.ت). تدهور الحضارة عند ابن خلدون. جامعة الموصل. مسترجع من: uomosul.edu.iq

فريق التحرير. (2022). أزمة الحضارة والإنسان في فكر ابن خلدون. شبكة تنوير. مسترجع من: tanwair.com

محمد، إبراهيم. (2021). قيام الحضارات وسقوطها: ابن خلدون نموذجاً. شبكة الألوكة. مسترجع من: alukah.net

Bauman, Z. (two thousand). Liquid Modernity. Cambridge: Polity Press.

Fukuyama, F. (2002). Our Posthuman Future: Consequences of the Biotechnology Revolution. Farrar, Straus, and Giroux.

Güler, A. (2019). Ibn Khaldun's Cyclical Theory on the Rise and Fall of Sovereign Powers. DergiPark. Retrieved from: dergipark.org.tr

Smith, J. (2018). Cyclical and Linear Progress in Social Theories. AgEcon Search. Retrieved from: ageconsearch.umn.edu

تتطلّعُ قراءة الآخر، بوجه عامّ، إلى تقليص هامش الخواء المعرفيّ، وهو دورٌ منوط عادةً بعهدة الترجمة في جانب كبير منه، من خلال ما توفِّره من معارف وما تجليه من حقائق عن الآخر، درءًا لسوء الفهم وتمتينًا لعرى التواصل بين الثقافات. وضمن هذا الدور الجليل للترجمة، يأْتي الاطّلاعُ على الآداب الأجنبية في مقدّمة المواد المعرفية المحبَّذة. لذا يحرص عمل الترجمة الثقافية في الزمن الحديث على الانشغال بالأعمال الأدبية أكثر من الانشغال بالأعمال الفكرية والمؤلَّفات العلمية، وذلك ليُسْر نقل تلك الأعمال دون تعقيدات كبيرة، تمليها الترجمة المعرفية أحيانا، ولسرعة رواج الترجمة الأدبيّة في أوساط جمهور القرّاء. وعلى سبيل المثال ثمانين بالمئة ممّا نَقله العرب من اللغة الإيطالية يندرج ضمن التصنيف الأدبيّ، والباقي هي أعمال في الفنّ والمسرح ودراسات في العلوم الإنسانية والاجتماعية، من مجموع عامّ يبلغ 450 عملًا مترجَمًا.

مغامرة الترجمة المبكّرة

في مرحلة سابقةٍ مثَّلَ اِكتشافُ الآخر أحدَ المغريات القويّة للعرب إبّان مسيرتهم الحضارية الفاعلة. لم يكن الاكتشاف مجرّد اطّلاعٍ على تجربة الآخر، وإنّما قراءة متأمِّلة في مدى إسهامه في المسار الكونيّ. من هذا الباب عَوّلَ رواد الحضارة العربية، إبان فترتيْ حكم بني أميّة وبني العباس, على استجلاب ما لدى الأمم الأخرى من إنجازات معرفية وعلمية وتجارب عملية. ومنذ فترة مبكِّرة تنبّهَ العرب إلى أهمية الترجمة وجدواها، فقد أنفَقَ الخليفة الأمويّ المعزول خالد بن يزيد (توفّي حوالي 709م) من ماله الخاص لترجمة الأعمال اليونانية. وبات هذا الانشغال بالترجمة تقليدًا منذ الجهد المبذول لأبي جعفر المنصور (توفّي سنة 775م) في زمن الدولة العباسية. صحيح كان العرب على إيمان كبير بمخزونهم الروحي حينها، ولكنّهم كانوا أيضًا على يقين من حاجتهم إلى معارف الآخر وعلومه في شتى المجالات، وهو ما حَثّهم على استلهامِ تجربة الآخر واستجلابِها إلى حواضر بلاد الإسلام.

كانت الرؤية العامّة السائدة لدى العرب، تجاه الآخر، محكومةً بنظرة عَمَليّة بالأساس في فرز مخزونه الحضاريّ. ونقصد بالنظرة العمليّة للآخر التغاضي تقريبًا عمّا لديه من معتقدات وفهْمٍ للكون، والانشغال بعلومه ومعارفه وإنجازاته العلمية والحضارية. وقد أتت ترجمةُ الأعمال الفلسفية اليونانية ضمن هذه السياق، بوصف أعمال الفلاسفة القدماء لا تندرجُ ضمن معتقدات الشعوب، وإنّما تندرج ضمن البحث الأصيل عن تقديم إجاباتٍ عقلية لمعضلات الوجود. ولذلك لم يخلط التراجِمة الأوائل، ممن استجلَبوا المعارف من الهند وفارس وبلاد الإغريق، بين الأعمال العقلية الصرفة والأعمال الأسطورية والعَقَدية، التي عبّرت عنها ملاحم مثل "الإلياذة والأوديسة" في بلاد الإغريق أو "الشاهنامة" للفردوسي في بلاد فارس، وأهملوا ترجمتها ونقلها. فقد أورد غ. ستروهماير في "دائرة المعارف الإسلامية"، في معرض حديثه عن حُنين بن إسحاق أنه كان يلجأ في ترجماته إلى إسقاط الحديث عن المعتقدات الوثنية والآلهة، وهو تقليد لم يبتكره الرجل، وإنما دأبَ عليه معاصروه.

وفي غمار ذلك النزوع لفهْمِ الآخر وقراءته، لا يمكن الحديث دائما عن تقبُّلٍ مرحٍ لذلك المغايِر، في ظلّ استمراء الذائقة الجماعية لِما بحوزتها من إبداع. الأمر الذي قد يخلق أحيانا نفورًا من ذلك الآخر، بوصف ذلك الآخر ليس بوسعه أن يضيف للأنا شيئًا، وليس سوى تعزيز لهجانة المخزون النقيّ ولرطانة اللّسان القويم. عديد الحركات الشعوبية، في المشرق والمغرب، سلكت هذا المسلك الطهريّ في الثقافة، من خلال نشدان تحقيق النقاوة الصرفة.

اِستطاع العربُ بنباهة أن يَتجاوزوا هذا الانغلاق المتربِّص، وقد لخّصَ المقول الخلدوني في "كتاب المقدّمة"، أحدَ اللحظات المهمّة في تصحيح قراءة التاريخ لدى العرب، من خلال إعادة رسم المعالم التي يقف عليها تقدّم الاجتماع البشريّ. ففي "المقدّمة" توظيفٌ شفّافٌ لروح المعارف القديمة ولمعارف العصر، في ذلك الظرف التاريخيّ. لم يكن الفكر الخلدونيّ انغلاقًا على الذات العربية وإنما محاوَرة وقراءة لكلّ ما من شأنه أن يشكّل عنصرًا من عناصر صنع التاريخ ونزع الوعي الأسطوري عنه. أبانت أنّاليزا فيرزا، إحدى الدارسات الإيطاليات المعاصرات، ممّن اِنشغلن بالطروحات الخلدونية في الراهن، أنّ سوسيولوجيا الحضارة أو "علم العمران"، كما هو وارد ضمن الاصطلاح الخلدونيّ، قد جاء التطرق إليه من منظور صاحب "المقدّمة" على أساس الاعتماد على مضامين الثقافة المزدَوجة الإسلامية الإغريقية في عهده، وجرى تحليل المقولات والوقائع في مختلف أوجهها الاجتماعية والفلسفية والتاريخية والعلمية بهدف الإلمام بالسُّنن والقوانين المتحكّمة بالتحوّل التاريخيّ. فقد أدرك العرب، منذ البدء، أنّ الآخر هو رديفٌ ينبغي كسْبه معرفيّا في صفّ الذات، بنقل معارفه واسْتلهام مقولاته، وليس بوصفه نقيضًا ينبغي تجنّبه وتفاديه. كانت جغرافية الحضارات واضحةً المعالم لدى رواد الحضارة العربية، ولذلك عملوا على استلهام إبداع الأمم المجاورة والنائية بغرض رفْدِ ما لديهم من تطلّع حضاريّ.

نهْضة عقب غفْوة

وما إن أطلّت العصورُ الحديثة حتى استفاق العرب على فجوةٍ هائلةٍ تفصلهم عن أُمَم الفرنجة. سعوا فيها، عبر الرحلات والبعثات، للتعويض عمّا فاتهم، وتقليص الفارق بينهم وبين أوروبا الصاعدة. حرصت في ذلك كوكبة من المصلِحين (خيرالدين والطهطاوي وعبده وآخرين)، ممن اتّصلوا بالغرب، على تبليغ رسالة قوية للداخل مفادها أنّنا ما لم نسلك مسلك الآخر في اكتساب العلوم وتطوير المعارف، فإنّنا قادمون على أوضاع صعبة. وسارعَ هؤلاء المصلحون وغيرهم إلى ترجمة ما وعوه من ذلك الغرب، عبر الحثِّ على خوْضِ إصلاحات عاجلة في التعليم والاجتماع والقوانين، وبما تيَسَّر لهم من سبيل في خلْقِ نوًى للترجمة بغرض فتْحِ قنوات تواصُلٍ مع ذلك الغرب، تُحدِّث عمّا بلغه من معارف (مدرسة الألسن في القاهرة -1835-، ومدرسة باردو الحربية في تونس -1840- التي تولّت شأن الترجمة). كان تمثُّلُ الترجمة بمثابة العين الراصدة للحراك الحضاريّ في الغرب، ولذلك مثّلَ الاشتغال بالترجمة أعْلى أشكال الوعي بالآخر، بحثًا عن إدراك أسباب مناعته وعوامل تقدّمه. واستطاعت ترجمة وقائع الغرب وأحواله أن تحدِث رجّةً في الوعي السياسيّ لبعض الحكّام، غير أنّ تلك الرجّة سرعان ما تلاشى صداها في بنيةٍ اجتماعية متكلّسة، فقَدَت تواصلها بالمعارف. في ظرْفٍ كانت القوى الاقتصادية في الغرب تتحفّز للانقضاض على شعوب تعثّرت في السباق الحضاري، وتَعَجّل ذلك باقتحام الاستعمار معاقل الأمم الواهنة وسعى في استنزاف طاقاتها المتنوّعة.

كان شيخ المترجمين رفاعة رافع الطهطاوي (1801-1873) يقدّر أنّ دسْتَرة الواقع السياسي هو مدخل للّحاق بالغرب، ولذلك حرص على نقل الدستور الفرنسي، على أمل اختصار طريق النهوض. وأردفَ ذلك بتأليف كتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، كما اشتغل بترجمة "روح الشرائع" لمونتسكيو و"العقد الاجتماعي" لجان جاك روسو، وهي إنجازات تنمُّ عن وعيٍ ثقافيٍّ راق ونباهة حضارية فارقة في ذلك العصر. وعادة حين نستعرض أعمال الترجمة العربية في القرون الأولى نأتي على عناوين الأعمال وفحواها وأهميتها ومنجزيها وداعميها، ولا نتطرّق كثيرا إلى الحاضنة الحضارية المتحكمة بترجمة تلك الأعمال ورواجها. فلا بدّ أن نبرزَ قيمة هامش الحرية المسموح به للمترجم، ولمؤسسة الترجمة المعنية بالترجمة، والفضاء المروَّج فيه نص الترجمة. اليوم بالمثل نحن مدعوون إلى أن نعملَ على تقليص دائرة التضييق والرقابة حتى يجري تطوير الترجمة، ويتوفّر هامش رحب لذلك، لأنّ الترجمةَ هي المنظار الذي نرى من خلاله العالم. وما لم يكن هذا المنظار طليقًا فإنّ إمكانيات التشوّف عبره تبقى محصورةً. صحيح كان الطهطاوي رائدًا في عمل الترجمة، ولكنّ الرجلَ ناله ما نال أسلافه (ابن المقفّع على سبيل المثال) نتيجة الرقابة، فقد أُغلِقت بسبب جموحه المعرفيّ مدرسة الألسن زمن الخديوي عبّاس ونُفي على إثر ذلك رفقة جمعٍ من طلّابه إلى السودان.

سؤال الترجمة الراهن

نتساءلُ أحيانًا عن الدور المنوط بمشاريع الترجمة الناشطة في البلاد العربية في الراهن. لقد مثَّلت بعض مؤسّسات الترجمة الحالية في بلاد العرب، على غرار المركز القومي للترجمة في مصر، ومشروع كلمة في الإمارات العربية، وعالم المعرفة في الكويت، والمنظمة العربية للترجمة في لبنان، ومشروع نقل المعارف في البحرين، إسهامًا فعليًّا في تطوير الحوار مع الآخر، بالاطّلاع على مناهجِه وأبحاثِه وقضاياه المطروحة داخل ساحته الفكرية. وقد أمدّت تلك المؤسّسات الثقافةَ العربيةَ المعاصرة بمعارف وأدوات ومفاهيم، ما كانت لتتوفّرَ لولا عمل الترجمة. صحيح وُجِدت مؤسسات أخرى في البلاد العربية، ولكنّها كانت دون تلك المؤسسات زخمًا ونشاطًا، افتقدت إلى استراتيجيات واضحة، وكانت بدون إنجازات أحيانا. فقد اِلتَهمت البيروقراطية الاعتمادات وغابت الترجمات، ولذلك كانت بعض دُورِ النشر الخاصة أكثر نشاطا وأبلغ تأثيرا من بعض مؤسسات الترجمة الوطنية التي يُفتَرض رياديتها وتوجيهها لقطاع الترجمة العام. والسؤال المطروح ما الذي تحتاجه مراكز الترجمة الكبرى في البلاد العربية؟ إنّه الخروج من أرثوذكسية التعاطي مع الترجمة ومن بطرياركية الوصاية على القارئ، بمعنى أن تُراجَع حاجات الثقافة العربية باستمرار ولا نتصوّر، على سبيل المثال، أنّ ترجمةَ أمهات الكتب الغربيّة هو ما يمثِّل الرصيد الأول للنهوض وصنْع ثقافة عربية فاعلة. فقد يكون التعويل على هذه السياسة مدعاة إلى هدر الطاقات أحيانا، ومجرّد حشْو لرفوف المكتبات بكتب ضخمة و"أكاديمية"، مخيفة للقارئ والمقتني.

فما يُعاب أحيانا على بعض مشاريع الترجمة في البلاد العربية في الراهن، وهو عدم تنبّهها إلى متطلّبات القراءة، يحدث هذا جراء القطيعة في التواصل مع القارئ، وعدم معرفة مشاغله، وممارسة الأسْتَذة عليه من خلال تقديم منجَزات معلَّبَة له تبقى محفوظة في رفوف المكتبات لاغير. وكان الأجدى لخلْقِ ترجمةٍ فاعلة في النسيج الثقافي هو تحويل المنجَز الترجميّ إلى منتوج حيّ يتحاوَر مع القارئ ويلبّي حاجاته. ربّما بهذا الشكل يغدو توطين الترجمةِ في الأوساط الثقافية الجديدة عنصرًا مؤثّرًا في الحوار وفي التفاعل الحضاري.

ولذلك وكما هو ملاحَظ، نجحت استراتيجية "مشروع كلمة" الإماراتي وكذلك سلسلة عالم المعرفة الكويتية، في عدم التعامل مع العمل الترجمي، بوجه عامٍ، بأرثوذكسية وبطرياركية، والسعي الدائم للاقتراب من هواجس القارئ وحاجاته. فلو أخذنا على سبيل المثال كتاب "علم الأديان" للفرنسي ميشال مسلان أو كتاب "علم الاجتماع الديني" للإيطاليين سابينو أكوافيفا وإنزو باتشي المترجَميْن لدى مشروع كلمة. فقد حقّقا من النجاح والشيوع والاطلاع بين القرّاء العرب في ظرف وجيز، أكثر مما حققته كتب ضخمة وفخمة في المجال. لذلك ينبغي ألّا نغترّ بأنّ نقل أعمال الأسماء الكبرى في مجال من مجالات الثقافة هو ضمانة للرواج والنفع، وأن تكون لنا من النباهة الثقافية اللازمة حتى ندرك كيف يتحرّك عالَم القرّاء اليوم.

ومن هذا الباب نحن لا نحتاج إلى ترجمة "دفاتر السجن" حتى نستفيد من أنطونيو غرامشي اليوم، وإنما نحتاج إلى من يفكّك غرامشي بمنظور نقديٍّ تحليليٍّ حتى يتسنّى لنا الاستفادة من هذا المفكر. فقد أُقيمت في البلاد العربية ثلاثة ملتقيات اِحتفت بغرامشي، وذلك منذ اكتشاف هذا المفكر في أعقاب هزيمة 67. اِنعقد الملتقى الأول في تونس بين الرابع والعشرين والسادس والعشرين من فبراير سنة 1989. تلاه ملتقى ثانٍ حول غرامشي انعقد في القاهرة بين الرابع والعشرين والسادس والعشرين من شهر نوفمبر من العام نفسه. وانعقدت خلال العام 2017، بالتعاون بين "جامعة جندوبة" التونسية و"مؤسسة روزا لوكسمبورغ"، ندوة بتونس العاصمة تحت عنوان "العودة إلى غرامشي". حامَ جميع تلك الملتقيات حول سؤال مدى راهنية غرامشي؟ والحال أنه منذ إطلالة غرامشي في الأدبيات العربية، وقد مرّ زهاء الخمسة عقود على اكتشاف الرجل، والخطاب لم يتعقّل ولم ينضج، فلا يزال الكلفُ بغرامشي يفتقر إلى استيعاب نقديّ لمقولاته. من هذا الباب لا ننشد ترجمة إيديولوجية منبهِرة وإنّما نتطلّع إلى ترجمة ناقدة وواعية بالمنتوج العالمي. فنحن اليوم أمام حاجة ماسة إلى منهج في تفكيك الآخر ووعي عمقه الثقافي لقراءته القراءة الصائبة، ولن يتسنّى ذلك سوى بمتابعة منتوجاته بشكلٍ نبيهٍ وعميقٍ.

آتي إلى شيء مهمّ في هذا المجال، يتمثّل في أنّ توطينَ الترجمة والاستفادة من إضافاتها وإسهاماتها، لن يتيسّر سوى باعتماد قراءة رصينة تؤسّس إلى ما يمكن أن نُطلقَ عليه نقد الترجمة. فلا شكّ أنّ فعلَ الترجمة في المطلق هو فعلٌ حسن ومحمودٌ، لما يسديه للثقافة من انفتاح وتطوير وثراء، ولكن وجبَ كذلك رفْدُ هذا العمل بقراءات واعية، تستقرئ اللغة والمقدرة والنباهة لدى المترجم. إذ يجد القارئ نفسه أحيانا أمام أكداس من النصوص بدون دليل أو مرشد، وهو شأن من مهامّ نقد الترجمة، غير أنه يغيب بشكل واضح في الحالة العربية. فما يهدف إليه نقد الترجمة بالأساس هو ترشيد الترجمة بغرضِ الإسهام في النهوض الثقافي والحوار الجادّ مع الثقافة الأخرى. ولا شكّ أنّ غيابَ النقد في الترجمة، كما هو الحال في الواقع العربي، هو مدعاة لوجود فوضى ولانتهاكات متنوّعة تطال حقوق المشتغلين في هذا الحقل.

لقد أبانت تاريخية الترجمة لدى العرب أنّ القراءة العميقة للآخر متيسّرة، بتحويل منتوجه الفكري إلى منتوج عربيّ، أي بدمجه ضمن مستهلَك القراءة المعرَّب، وليس ببقائه في لغته الأصلية. هذا فضلا عمّا ندعو إليه من تعريبٍ وظيفيٍّ، ونقصد به جعل الإبداعات والأدوات المعرفية الأجنبية في خدمة الواقع العربي لفهم مضامينه وتحولاته وتحدّياته. ولذلك كثيرٌ من الكتب الأجنبية المؤثِّرة في ثقافتنا ما كان ليتسنّى لها ذلك لولا الحضور في ترجمات عربية. لعلّ المفكّر محمد أركون نفسه، المنتمي إلى الحضارة العربية الإسلامية، انشغالًا واشتغالًا، ما كان ليتحقّق له الحضور الباذخ في مجال الإسلاميات الحديثة في البلاد العربية لولا ترجمة أعماله.

وفي هذا التوطين للمعارف الأجنبيّة، ثمة قراءة منبهِرة بالآخر وأخرى واعية بالآخر، وغالبا ما جاءت قراءتنا ضمن الصنف الأول. فلا يعني الانبهار الغلوّ في الإعجاب فحسب، بل الإعجاب السلبيّ أيضا، على غرار ما حصل لدينا مع المفكر نيكولو ماكيافيللي، مع أنّ الرجل من أعمدة الفكر السياسي في الغرب. لم نعِ من طروحاته السياسية سوى من خلال "الطباع المراوِغة في العمل السياسي". باتت هذه الصورة تخفي الثراء المعرفيّ لفكر الرجل، والأمر ذاته ينسحب على أعلام آخرين في الفكر الإنسانيّ حوّلتهم القراءة المختزِلة إلى أوثان جامدة: فرويد يساوي الجنس، ونيتشه يساوي العدمية، وماركس يساوي الإلحاد، وعلي شريعتي يساوي التشيّع، والحال أنّ القراءةَ المختزِلة هي أخطر ممارسات قتل المفكّر والحيلولة دون الانتفاع بآرائه وأفكاره. لذلك يقتضي الاحتضان الصائب لفكر الآخر عدم الانحصار في القراءة داخل المعايير الجامدة أو القوالب الجاهزة، والتعاطي مع الإبداع الفكري بروح منفتحة، وهكذا يسهم الفكر المترجَم في تجديد الذات وإثرائها.

***

عزالدّين عناية

أستاذ تونسي بجامعة روما، إيطاليا

 

في التسعينات من القرن الماضي لاحظ المحامي الأمريكي مايك جودوين كم هو شائع انخراط الناس في الجدال على الانترنيت واتهام بعضهم البعض بالنازية بصرف النظر عن طبيعة الموضوع. هذه الملاحظة التي يُشار لها الان بـ قانون جودوين Godwin’s Law أصبحت قاعدة أساسية في الانترنيت. صيغتها الرسمية، طبقا للويكيبديا كالتالي:

عندما يمتد النقاش على الانترنيت لفترة أطول، تزداد احتمالية مقارنة الفرد بهتلر او أي نازي آخر.

مع ان قانون جودوين صيغ قبل ثلاثين سنة، لكننا عندما نتصفح منصات التواصل الاجتماعي لعشر دقائق سنجد القانون لازال يعمل. ما بدأ كملاحظة طريفة في التسعينات تطور الى ادانة لاذعة لأكبر قنوات الاتصال السائدة  في تاريخ البشرية. وبدلا من العمل المشترك لإيجاد حل، يبدو ان العديد من الناس في الاونلاين هم اكثر اهتماما "بالفوز" في الجدال وانهم يصفون خصومهم بالشر المطلق.

مهما كان الشخص المتحفز بالاعجابات والمشاركات فهو يسعى وبأقل عدد من الكلمات الى إهانة العدو بتغريدة جذابة تمنحه اشادة حماسية من جماعته. ان استحضار النازية هو احد الطرق لكن هناك كلمات أخرى تلعب دورا مشابها مثل كلمة فاشي او شيوعي.

ماذا تعني أي من هذه الكلمات؟ لا يهم. انها تُستعمل في الغضب والإزدراء، جميعها تدل على نفس الشعور: "انت نازي/فاشي/شيوعي، الناس خطرون، وحمقى لا يُرتجى منهم أي خير. انت خضعت لغسيل دماغ، وتتحدث كشخص لم يتعرض لذلك، انا لا ارغب الاستماع الى كلمة أخرى مما لديك لتقوله".

بالطبع، القبلية وُجدت قبل الانترنيت بوقت طويل، الانترنيت فقط يمكّن القبائل لتنمو اكبر ولترسم حدودها بشكل اكثر وضوحا من خلال الخطابة. لو اردنا نتجنب تبادل الاتهامات الجماعية البشعة، احدى ردود الأفعال سيكون الانسحاب من الفضاءات التي تحدث فيها تلك الاتهامات. نبقى بعيدين عن التواصل الاجتماعي ومنتديات الاخبار وأقسام التعليق، ونعيش حياتنا حرة من  الخطاب اللامعقول وغير المتزن.

هنا تأتي عبارة جورج برناردشو: "لا تتصارع مع خنزير. كلاكما ستصيبكما القذارة، والخنزير يحب ذلك". انها نصيحة سليمة عندما يبدو النقاش بحسن نية مستحيلا. لكن اذا كانت مخاطر النقاش عالية، فان الانسحاب ربما يكون غير مسؤول. تصحيح هذه الرؤية بالذات يُعد امرا هاما. ماذا نعمل اذن؟ كيف نوفق بين الفجوات في العقيدة والرأي؟ كيف ننخرط بشكل أفضل مع أولئك الذين نختلف معهم؟

الفلاسفة كانوا لقرون يجادلون مع بعضهم حول موضوعات مشحونة عاطفيا: كيف ننظم المجتمع، ماذا نؤمن، كيف نعيش. في هذا الشأن برز دليل او مرشد للتفاعل يساعد في تقدم النقاشات بدون إراقة مفرطة للدماء، هذا الدليل يساعدنا كيف نتعامل مع الاختلافات في مجالات أخرى، سواء كانت سياسية او دينية او اجتماعية او اقتصادية. لنأخذ هذا المقطع الشهير من جون ستيوارت مل في عمله (حول الحرية) عام 1859:

ذلك الذي يعرف فقط  جانبه في القضية لا يعرف الاّ القليل من ذلك. مبرراته ربما جيدة، ولا احد ربما كان قادرا على دحضها. لكن اذا كان غير قادر على دحض المبررات في الجانب المضاد، فهو لا يمتلك أساسا للتفضيل .. ولا يكفي ان يسمع رأي خصومه من اساتذته كما يعرضونه، مصحوبا بما يقدمونه من ردود. هو يجب ان يكون قادرا ليسمع ذلك من اشخاص يؤمن حقا بهم. هو يجب ان يعرفهم بشكلهم الأكثر معقولية وحضورا. الفيلسوف اللاحق دانيال دينيت أيضا أكّد على أهمية الفهم الحقيقي والدقيق لرؤية الخصم.

في عمله (مضخات الحدس والأدوات الأخرى للتفكير) عام 2013، يلخص دانيت قائمة من القواعد دعا لها منظّر المباراة اناتول رابوبورت – قائمة يشارك بها أساتذة الفلسفة للسنة الأولى مع طلابهم:

كيف تؤلف تعليقا نقديا ناجحا:

1-  يجب ان تعيد التعبير عن هدفك بوضوح شديد، وبحيوية .

2-  يجب ان تضع قائمة بأي نقاط للاتفاق .

3-  يجب ان تذكر أي شيء تعلمته من هدفك

4- حينذاك فقط يُسمح لك بالرد او النقد.

هذا الاتجاه لا يحترم  فقط خصومك ككائنات بشرية، انه أيضا يحوّلهم الى اشخاص اكثر تقبلا للنقد. اذا كان شخص ما يقوم بجهد منصف في فهم رؤيتك والتعبير عنها ، سيكون امرا مزيلا للتوتر حالا. منظورك جرى احترامه. و جرى الاستماع لك. وانت الان ستعمل مع محاورك بنجاح، اذا لم يكن حلا، على الأقل سيكون نقطة خلاف متفق عليها حضاريا. لكن بالطبع، توقّع هذا المستوى من المقبولية المدروسة في الانترنيت غير المنظم ربما هو امر ساذج. حتى الفلاسفة لا يؤمنون به – العديد من الاعمال الشهيرة تزخر بأمثلة استثنائية للقدح والذم.  هنا مثال عن شوبنهاور حول هيجل، من كتابه (العالم كإرادة وتمثيل، جزء 11)، كتبه قبل وقت طويل من الانترنيت:

(هيجل، كفيلسوف كبير ذو رأس مسطح، غير مشوّق، مقرف، امي دجال، وصل قمة الجرأة في كتابته وتقديمه لأكثر الهراء جنونا وغموضا.)

حتى رموز التفكير العقلاني تستمتع بالنقد اللاذع. في الحقيقة، نحن جميعنا بشر، فينا ضعفنا، ولدينا نقاط عمياء ونغضب. مشاركتنا مل ودانيت في قواعد التفاعل سوف لن يغير ذلك. وبينما لن تُحل مشكلة كل الانترنيت بنصيحتهما، لكن من خلال الاحتفاظ بهذه القواعد في الذهن نحن نجعل خلافاتنا اكثر ودية وبنّاءة.

على أقل تقدير، نحن نستطيع انجاز فرق من خلال تجسيد التغيير الذي نريد رؤيته في العالم، ونحاول التعامل مع الناس ذوي الرؤى المختلفة بحساسية ولباقة. في النهاية، كل شخص على هذا الكوكب هو ضعيف كونه في بحث دائم عن الحياة الجيدة. من خلال التعامل مع الآخر بهدوء وبالإستماع الى منظورات الآخرين المتفردة والثمينة، وعبر الحفر تحت الخطاب السطحي وتجريد الأشياء بإعادتها الى المبادئ الأولى، سنكتشف حالا اننا نمتلك أرضية مشتركة اكثر مما نتصور.

***

حاتم حميد محسن

كثيرا ما أجد نفسي مشدودة، وقد تصاعد توتري وأنا أسمع بعض المتشددين يرددون كلمة "كرغلي " كأداة للسب والتقليل من شأن الجزائريين ذوي الأصل التركي. يغمرني شعور بالغضب والاشمئزاز من هؤلاء الذين يجرؤون على اختزال تاريخنا وهويتنا في كلمة واحدة تحمل حكما جاهزا لم يُسائل الواقع ولا التاريخ. إنّهم يتجاهلون حقيقة بسيطة، نُقلت لنا على لسان الرسول ﷺ حين قال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ". ألم يكن أجدادنا مخطئين حين زوّجوا بناتهم للجنود العثمانيين؟ هؤلاء الغرباء عن وطنهم كانوا يحملون الدين نفسه والخلق الطيب نفسه، وكانوا وسيلة للحفاظ على المجتمع وبناء جسور الولاء والاحترام بين شعبين متقاربين في الأخلاق والدين، رغم اختلاف الأصول. الكرغلي لم يكن خطأ، ولم يكن وصمة عار، بقدر ما كان شهادة على تمازج اجتماعي ناجح، وعلى حكمة اجتهاد تقليدي تفهم الواقع ولا يخلط بين الدم والأخلاق .

يُثار الجدل حول الوجود العثماني في الجزائر عادة من داخل سؤال ملغوم " هل كان احتلالا أم لا؟ غير أن هذا السؤال، في حدّ ذاته، يعكس ارتباكا معرفيا قبل أن يعكس اختلافا تاريخيا. فهو يفترض مسبقا أن مفهوم "الاحتلال"صالح للتطبيق على القرن السادس عشر، وأن مقاييس الدولة القومية الحديثة يمكن إسقاطها دون حذر على أنماط حكم إمبراطورية سابقة. بهذا المعنى، فإن الإشكال لا يكمن في طبيعة الوجود العثماني فقط، بل في اللّغة التي نحاكمه بها .

فمفهوم الاحتلال كما نفهمه اليوم لم يولد إلا مع التجربة الاستعمارية الأوروبية الحديثة، حيث ارتبط بالغزو، والاستيطان، والمصادرة، واقتلاع السكان من أرضهم، وإعادة تشكيل المجتمع قسرا وفق نموذج ثقافي واقتصادي أجنبي. أما في زمن الإمبراطوريات التقليدية، فقد كانت السلطة تُمارَس عبر منطق الحماية والولاء، لا عبر مشروع إحلالي يهدف إلى محو الهوية المحلية. إن تجاهل هذا الفرق الجوهري ليس بريئا، بل يؤدي إلى قراءة تاريخية مشوّهة تُساوي بين أنماط حكم لا تتشابه إلّا في الاسم .

دخول العثمانيين إلى الجزائر لم يتم عبر حملة غزو تستهدف إخضاع مجتمع قائم، بل جاء في سياق استنجاد محلّي فرضته التهديدات الإسبانية المتواصلة. هذا المعطى وحده كافٍ لنسف فكرة الاحتلال القسري منذ لحظته الأولى. فالسلطة التي تُستدعى لا تُشبه السلطة التي تُفرض، حتى وإن تحوّلت لاحقا إلى بنية حكم مستقرة. ومع ذلك، فإن الخطاب الذي يُصرّ على توصيف الوجود العثماني كاحتلال يتجاهل هذه البداية عمدا، لأنّه لا يبحث في التاريخ بقدر ما يبحث عن إدانة جاهزة. غير أنّ التفكيك لا يكتمل بالبراءة المطلقة. فالوجود العثماني لم يكن حكما وطنيا جزائريا خالصا، ولم يُبنَ على عقد اجتماعي شامل. لقد كان حكما إمبراطوريا ذا طابع عسكري، تركّزت فيه السلطة في يد نخبة محدودة، واعتمد على القوة أكثر ممّا اعتمد على التمثيل. غير أنّ تحويل هذه الحقيقة إلى دليل على الاحتلال، يكشف خلطا مقصودا بين الهيمنة الإمبراطورية والاستعمار الكولونيالي. فالهيمنة، مهما كانت قاسية، لا تعني بالضرورة مشروع اقتلاع، ولا تساوي تلقائيا الإبادة الرمزية والمادية التي مارستها القوى الاستعمارية الحديثة .

ويبلغ التشويش ذروته عند استحضار مصطلح" الكرغلي "بوصفه علامة نقص أو إحراج. فهذا المصطلح، في أصله، توصيف اجتماعي محايد يعني"ابن الجندي"، ويشير إلى فئة نشأت من تزاوج طبيعي داخل المجتمع الجزائري، لا من علاقة استعمارية إحلالية. الإحراج المرتبط بالكلمة ليس تاريخيا، بل أُنتج لاحقا حين أُعيدت قراءتها بمنطق الهوية الصافية، وهو منطق غريب عن المجتمع الجزائري وعن الدولة العثمانية على حدّ سواء. والأكثر مفارقة أن هذا الإحراج يُمارَس باسم النقاء، في حين أن الدولة العثمانية نفسها لم تقم يوما على أساس عرقي. فالجنود والإنكشارية والنخب العثمانية كانوا في غالبيتهم من أصول بلقانية وقوقازية، من الألبان والبوسنيين والصرب والشيشان والجورجيين، لا من "أتراك أناضوليين" بالمعنى المتخيَّل اليوم. وإذا كان الاختلاط مدعاة للخجل، فإن الدولة العثمانية بأكملها تصبح موضع إدانة، وهو ما يكشف تهافت هذا المنطق من أساسه.

إن الحرج من الكرغلي، وتوصيف العثمانيين كمحتلين، ليس سوى انعكاس لتأثر غير واعٍ بخطاب الدولة القومية الحديثة، وبمفاهيم استعمارية أوروبية زرعت وهم الهوية النقية مقابل"الآخر الدخيل". هذا الخطاب لا يقرأ التاريخ، بل يعيد تشكيله وفق حساسيات معاصرة، ويحوّل مفاهيم وصفية إلى أدوات إقصاء رمزي. وبدل أن يُسائل الاستعمار الحقيقي وآثاره العميقة، ينقل ساحة الاتهام إلى الماضي الإمبراطوري، حيث تبدو الإدانة أسهل وأقل كلفة فكرية .

تقودني قناعتي بأنّ  توصيف الوجود العثماني في الجزائر كاحتلال، والكرغلي كهوية محرجة، لا يعكسان حقيقة تاريخية بقدر ما يعكسان أزمة في أدوات القراءة. لقد كان الحكم العثماني ممارسة إمبراطورية تقليدية، لا مشروعا استعماريا حديثا، وكان الكرغلي نتاج تمازج اجتماعي طبيعي داخل هذا الفضاء، لا علامة نقص أو اغتراب. وكل قراءة تصرّ على عكس ذلك إنما تُعيد إنتاج أوهام حديثة، وتفرضها على تاريخ لا يعترف بها .

***

ليلى تبّاني  ـــ  الجزائر