قضايا

يبدو أن نهج جل شيوخ المعتزلة سواء في طرح القضايا ومعالجتها، أو في التناظر والتساجل، والتأليف بين الاستنباط والاستقراء، أو في الآليات العقليّة للتأويل: ذلك النهج الذي كان يهدف للجمع بين التصورات النظريّة والحلول الواقعية في تحليل الرؤى ونقد الآراء، والتخطيط للمستقبل، الذي يمكّن القائمين على الفكر الإسلامي من تبليغ الدعوة، والصمود أمام هجمات المغرضين وإحباط مكائدهم لإطفاء النور الإلهي، وتبديد تماسك الأمة الإسلاميّة والدستور الأقوم والمقصد الذي يكفل الأمن والسعادة للناس كافة والتشكيك في آيات الذكر الحكيم.

نعم نحن في حاجة إلى مراجعة دقيقة وإعادة قراءة لتلك القاعدة العقلانية المفعمة برقة الوجدان ونقاء السرائر والضمائر. فقولهم بضرورة تقديم العقل على النقل عند الخلاف قد أثبت فاعليته في التحسين والتقبيح في ضوء كل المتغيرات الثقافية والزمانية والمكانية والاحتياجات البشرية.

وكذا تأكيدهم على ضرورة تأهيل الدعاة والمثاقفين والمتصاولين والمدافعين عن العقيدة الإسلامية بالمناهج العقليّة التي تبدأ بالجدل إلى نقد النقد، أو قراءة القراءة؛ باعتباره هو السبيل الأمثل لكشف الأكاذيب وتبيان مفاسدها وإظهار الحق وتوضيح خيريته وصدقه وصلاحه على مر الدهور.

كما أن حرصهم على غربلة تصانيف كتاب السيرة وجماع الأحاديث المنسوبة للنبي صلوات الله وسلامه عليه بغرابيل تجمع بين العقل والمنطق من جهة والمقصد الشرعي الوارد في آياته القرآنية من جهة أخرى؛ فقد كان ذلك لحماية النبيّ والذكر الحكيم من الدس، وذلك لفضح إفك المتآمرين الذين استندوا على الأخبار المُلفقة وابتداع البدع وتقسيم الأمة الإسلاميّة لفرق ومذاهب عقدية يبرأ منها الله ورسوله؛ ذلك فضلًا عن اختلاق الأغيار لنحل أو أقوال وأحداث لم يقولها النبي صلى الله عليه وسلم ولم تحدث من صحابته وغير ذلك من شائعات مضلة تعمد إلى تشكيك المسلم في ثوابته الإيمانية التي تقوده إلى الالحاد والمروق.

ناهيك عن حرص شيوخ المعتزلة على وضع شروط للتفسير والتأويل والاجتهاد وأبرزها: التميز بين الدلالة السياقية للألفاظ في كل آية على حدى، والدلالة النسقية للقضايا المعالجة في كل موضوع، والدلالة القصدية للبنية الرئيسة لمجمل الآيات، التي استنبط منها المقصد الإلهي؛ كما يحسن للمفسرين توضيح المقصود بالصيغ البلاغية والإحالات (الإشارية، الرمزية، والوقائع التاريخية)، مع التأكيد على أن هذه التفاسير مجرد آليات للفهم والاستيعاب تبعًا للثقافة السائدة في كل عصر.

وأخيرًا أن إعلاء شيوخ المعتزلة من قدر المعجز الجواني للقرآن الكريم المتمثل في الحكمة الربانيّة سواء في (التشريع أو التوجيه أو الإخبار) على المعجز اللغوي وبيانه في الإبداع والبديع اللفظي. يرجع إلى أمرين: الأول: أن الاعجاز اللغوي لا يعيه إلا الناطقين بلغة نزوله أي العارفين بأسرار اللغة العربية في حين أن أمة الدعوة لا يمكنها استيعاب ذلك الأمر الذي يقطع بأن اتساق الإعجاز الجواني سوف يظل محفوظًا ومقدرًا من قبل العلماء وأصحاب العقول على مرّ الزمان، وليس أدل على ذلك من إيمان غير الناطقين باللغة العربية؛ بقداسة القرآن رغم جهلهم بإعجازه اللغوي ولم يهدهم إلى الإيمان بالقرآن إلا إعجازه الجواني العقلي البرهاني الواضح في دلالات القرآن المترجمة علمًا بأن أولى الترجمات للألفاظ القرآنية كانت شفهية أجراها الحفاظ من كبار الدعاة إلى اللغة الفارسية في منتصف القرن الثاني الهجري أي نحو 723 م.

أمّا الأمر الثاني؛ فيبدو في القراءات المتواترة لآيات القرآن الكريم التي كادت أن تمكن الطاعنين في الإسلام والمتشككين في سلامة القرآن، وخلوه من التحريف الذي يفضي إلى الريبة بين العوام في مصداقيته وكذلك تمنع المغرضين من تحريف دلالة سياقاته اللغوية، وقد برهنت الواقعات صدق توقع شيوخ المعتزلة.

فعلى الرغم من سلامة عملية تدوين القرآن الكريم في المصحف الشريف إلا أن الأخطاء في قراءته قد تسللت إليه.

ولم يحد من ذلك الخطر إلا قيام أبو الأسود الدؤلي ( 603: 688 م) بتشكيل ألفاظ القرآن الكريم بتوجيه من علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه.

أمّا خطر تعدد القراءات فقد دفع المتأولين والمجدّفين والمجترئين إلى التلاعب بسياقات معاني الكلمات ودلالتها في النسق القرآني.

وحرض غلاة المستشرقين والمتعصبين، والخوارج من المتأسلمين، والمبتدعين من المتشيعين، والمجترئين المحدثين على الترويج لأفكارهم الضالة، وأكاذيبهم المغرضة لإيهام العوام بأن النص القرآني يجب إدراجه ضمن الموروثات التراثية، ومن ثم يجب خضوعه للتأويلات المعاصرة والنظريات المادية والنفعية المنكرة للثوابت.

ولم يحد من هذا الخطر في صدر الدعوة الإسلامية إلا جهود نصر بن عاصم الليثي (ت. ن 708 م) ويحيي بن يعمر (ت. ن 746 م) بتوجيه من الحجاج يوسف الثقفي (ت. ن 714 م)، فوضعهما النقط على الحروف وتوحيد رسم الكلمات. ثم جاء الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت. ن 786 م) وأضاف الشكل المعروف الآن مثل الضمّة والفتحة والكسرة.

وأخيرًا اجتهد أحمد لطفي السيد (1872: 1963 م) في جمع جل الروايات والأحاديث المؤكدة على توقيفية عدد آيات القرآن الكريم وبداية كل آية ونهايتها، ورفع بذلك تقريرًا إلى الملك فاروق في (أكتوبر عام 1933 م) سواء كانت كتابات تراثية متواترة أو أبحاث حديثة موثوق في محرّرها نذكر منها فهرس زيبا الذي وضعه محمود الوارادري (ت. ن 1646 م) في كتابه "ترتيب زيبا" (عام 1644 م) وفهرس سلامة محمد في كتابه "ترتيب نصوص آيات الذكر الحكيم" (عام 1928 م).

وذلك كله لحماية القرآن الكريم من كيد الكائدين وكذب الكاذبين.

ويعني ذلك أن قراءتنا لنهج شيوخ المعتزلة، ولاسيما في دراستهم العقديّة في صدر الدعوة تعد من أهم المباحث الكلامية التي لم تقف عند تنظير والتصورات الخطابية فحسب بل كان لها تطبيقات في معالجة القضايا التي أثيرت بين الفرق الكلامية. وكان لهم أيضًا رؤية مستقبلية في توجيهاتهم لاصطناع آليات حافظة لسلامة القرآن الكريم ما زلنا نجني فضلها في هذا العصر الشاغل بالفتن والأكاذيب.

***

وإذا ما انتقلنا إلى أهم القضايا العقديّة التي ناقشها شيوخ المعتزلة الأوّل ووضعوا لها حلولاً مناسبة تتسم بالعقلانيّة فسوف نوجزها فيما يلي وذلك لأن جميعها يتصل اتصالًا مباشرًا بقضية الكذب وتبعاته في الثقافة الإسلامية، وغرابيل شيوخ المعتزلة النقديّة من جهة، والكشف عن مواقفهم التطبيقية والعملية التي تؤكدها التجربة ويدعمها الاستنباط من جهة ثانية، وتعبر كذلك عن نسقية آرائهم واتساقها وخلوها من الاضطراب والتناقض شأن جل الفرق الكلاميّة الأخرى.

ولعلّ أولى القضايا هي قضية التحسين والتقبيح، إذ يرى شيوخ المعتزلة أن فطرة العقل التي خلقه الله عليها لديها القدرة على التميز بين الحسن والقبيح؛ لأن صفة الجمال أو القبح غير مكتسبة في الأشياء؛ وأن الانسان إذا بدل طبيعتها يصبح كاذبًا أي ليس صادقًا مع ذاته.

واعتقد أن ذلك التصوّر لا يخلو من مسحة إيمانية فقد قال تعالى (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها) (سورة الشمس، الآية7).

وجاء في الحديث الصحيح عن الرسول، صلى الله عليه وسلم (الحلال بين والحرام بين).

وعليه؛ نتساءل: كيف اهتدى العقل السليم لوجود الباري وأنه أحق بالعبادة قبل الرسالات؟ وكيف يتعرف العقل على الحسن والقبيح والتميز بين الفجور والتقوى قبل أن يكتسب ذلك من الوحي؟ والمراد من قول المعتزلة أن الشرع متممٌ لحكم العقل على الأشياء؛ فإن كان خيرًا فيؤكده؛ وإن كان شرًا فإن الانسان هو الذي قبحه بأفعاله التي خالف فيها ما فُطر عليه.

ويكشف هذا الرأي عن حقيقة قد ذكرناها سلفًا ألا وهي أن العقل عند المعتزلة لا ينفصل عن الحكمة عند اكتماله، ونقاء السريرة إلا إذا اكتسب القبح من بيئته.

ويتفق رأي المعتزلة مع جل ما انتهى إليه العلماء والفلاسفة ألا وهو أن العقل الإنساني مفطور بقوة تميز بين الخير والشر، وإن كان ميلها إلى الخير أكثر غير أن ما يكتسبه العقل من بيئته له عظيم الأثر على توجيه اختياراته، وأن التربية هي التي تقوم هايتك الاختيارات تبعًا للفكر السائد في بيئة ذلك العقل، وقد بينا أثر ذلك على معظم فلاسفة الإسلام الذين تحدثوا عن النفس العاقلة.

وصفوة القول عند المعتزلة أن فطرة العقل التي خلق الله الانسان عليها هي القادرة على التمييز بين الأشياء حسنها وقبحها، وأن الوحي هو الذي يعين الإنسان على تقويم الهوى أو ميله إلى نقيض الفضائل والمحاسن.

أمّا القضية الثانية فتتمثل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي وظيفة الرسل والأنبياء والمصلحين على أن يكون دستورها عندهم هو الأمر بالمعروف والترغيب فيه بغير كراهة أو منكر. والنهي عن المنكر بتقبيحه بالعلم والتربية والقناعة بالمعروف وعليه يرى كل شيوخ المعتزلة أن الإجبار والعنف وإكراه الناس على فعل الخير أو كف الأذى وارتكاب المعاصي مرفوض عقلًا وشرعًا إلا إذا تجاوز شر المجترئين، فأصاب الأمنين أو تجاوز عصيانهم درجة الفجور الذي لا يردعه نصح أو لين. فالدعوة والحرية عند المعتزلة لهما ضوابط عقليّة وشرعية لا ينبغي الخروج عليها قال تعالى (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (سورة النحل آية ١٢٥)

فالأمر بالمعروف عندهم واجب شرعي وعقلي معًا؛ لأن الخير والصدق والإحسان وغير ذلك من الفضائل هي رسالات على الانسان أن يوصلها لبني جنسه ويذيعها في مجتمعه، وكذا النهي عن المنكر والضرب على يد من ارتكب الآثام والشرور، وعلى رأسها الكذب الذي لا ينبغي على من يطلب الصلاح أن يروج له ولمشتقاته من خيانة وطمس للحقائق؛ فالمنكر هو الجنس الأكبر للكذب (فكل كذب هو منكر وكل منكر هو طمس للحق وهو باب للضلال) مع مراعاة المصلحة والموضوعية في الحكم على القدرة إذا استلزم الأمر استخدام القوة وذلك إذا ما تعرضت الأمة إلى خطر يهدد أمنها ويشتت جمعها.

ويختلف شيوخ المعتزلة في ذلك كل الاختلاف عن الخوارج، قدماء كانوا أو محدثين، أولئك الذين ابتدعوا مفاهيمَ مغايرة للمقاصد العقلية الشرعية، وجعلوا السيف والعنف واستباحة قتل الأغيار والاستيلاء على أموالهم والحط من شأنهم وغير ذلك من شرور لا يمكن أن نصف بها خير أمة أخرجت للناس.

ولا يفوتنا في هذا السياق التأكيد على أن هناك شروط للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند كل شيوخ المعتزلة أولها الفطنة، والعلم، والدراية بالحلال والحرام، والقدرة على تقدير الوقائع والواقعات وأثرها على الفرد والمجتمع، وعليه فالأمر والنهي فرض كفاية على العلماء والمصلحين وهو واجب أي فرض عين على الحاكم والقضاة، والخروج عنهم لا يخلو من المخاطر، أمّا الثورة عليهم تشترط القدرة وتأمين الآمنين؛ الأمر الذي يقطع ببطلان حُجة الوهابيين والداعشيين ومبتدعي نظريّة الحاكمية والإخوان المتأسلمين، ومن سلك مسلكهم.

وحريُّ بنا أن نشير كذلك إلى أن شيوخ المعتزلة قد ربطوا بين هذه القضية وقضية الإمامة أو الخلافة أو الفكر السياسي وأمور الحكم، وكذا قضية الحريّة ومرتكب الكبيرة والالزام الأخلاقي والالتزام بالآداب الشرعيّة، فالإنسان العاقل بالمفهوم المعتزلي يستطيع أن يفصل في كل هذه القضايا وتظل وظيفة المصلحين هي التنبيه والإرشاد والتذكرة ما دامت الحريّة لا تتعدى حدودها فتصبح قيودًا للآخرين أو اعتداءً عليهم أو فوضى وعبثية ومجوناً يزدريها العقل ويمُجُّها المجتمع وتهدد العدالة والأمن والاستقرار.

أمّا القضية الأخيرة وهي المنزلة بين المنزلتين (الإيمان، الكفر)، فيمكن إيجازها في ضوء ما أوردناه سلفًا في أن الشر الذي يصاحب الجرم الأخلاقي لا ينبغي التسرع في الحكم على أثره أو القطع في مآله الشرعي في الدنيا والاخرة؛ فالزاني أو السارق هو مُعتدي على حق غيره، وهو كاذب على ضميره، ومعارض ومنكر لصريح المعقول وصحيح المنقول أيضًا، وهو في هذه الحالات أمره إلى الله إن شاء غفر له إذا تاب وأناب أو عذبه، وفق إرادته ورحمته ولطفه. أمّا عن حكمه في المجتمع فهو فاسق إذا لم تثبت عليه شروط العقوبة الشرعية، وهو غير كافر لأنه عاصي لأوامر الله دون إنكار له.

أمّا العاصي الفاجر المستبيح للمحارم، فيعاقبه الله القادر الجبار بعدله.

وليس للحديث بقيّة عن غرابيل النقد عند المعتزلة، وسوف ننتقل إلى موقف الفلاسفة من الكذب في كتاباتهم الأخلاقية والسياسية.

***

بقلم: د. عصمت نصّار

توصل البروفسور يوناس فريسن، بمعهد كاروليسكا في استوكهولم، إلى أن أجسامنا تتغير كل يوم. ويتغير جسم الشخص البالغ كله تقريباً، خلال فترة تتراوح من 7 إلى 10 سنين. خلايا البشرة، تتجدد كل أسبوعين تقريباً. وخلايا الدم الحمراء، تعيش أربعة أشهر. وخلايا الكبد تعيش ما بين 300 و500 يوم.

نحن لا نلاحظ -على الأرجح- تغيّرات أجسامنا، لأننا في الأساس لا نعرف إلا القليل عن مئات الملايين من الخلايا، التي تتألّف منها أجسادنا، ولذا لا نلاحظ فناء أي منها، لكننا نلاحظ بالتأكيد أن العالم الذي نعيش فيه يتغير باستمرار. كما تتغير معرفتنا بهذا العالم. تموت أشياء في ذاكرتنا، وتحل محلها أشياء أخرى: الناس الذين نلتقيهم، والتجارب التي نخوضها، والمعارف التي نكسبها، وساعات الحزن والفرح التي نمر بها.

كثير ممن تأمل في مسألة الهوية، بدأ من هذه النقطة على وجه التحديد، من سؤال بسيط: أي سر وراء هذا الشعور العميق باستمرارية الهوية؟ نفسي التي عرفتها في الطفولة هي نفسي التي أعرفها اليوم، وستظل معي حتى نهاية العمر. هذه إشارة أولى إلى أن شخصيتي التي تتغير باستمرار في مسار الحياة، تنطوي في الحقيقة على ماهية مزدوجة، أي هويتَين أو مستويَين من التعريف: الهوية الأولى التي تصاحبني منذ أن تعرفت للمرة الأولى إلى اسمي ولوني وجنسي وعائلتي، وحتى نهاية حياتي. هذه العناصر تؤثر بعمق على نظرتي إلى نفسي ونظرة الآخرين إليّ. والهوية الأخرى أو المستوى الآخر هو الذي اكتسبته لاحقاً من خلال التفاعل مع البشر الذين أتعرف إليهم، والطبيعة المحيطة بي، ومن تفكيري في ذاتي وفي عالمي أو تفاعلي معه.

سؤال «من أنا؟» قد يشير إلى الوجود المادي للشخص، مثل كونه ذكراً أو أنثى، شاباً صغيراً أو شيخاً كبيراً، لكن هذه الأوصاف ليست عظيمة الأهمية في ذاتها، إنما ترتفع قيمتها أو تهبط، تبعاً لما تنطوي عليه من معانٍ في رأي الناس الذين أتعامل معهم، أي ما نسميه «العرف العام». ومن هنا فنحن بحاجة إلى معرفة المحيط الاجتماعي للشخص، والقيم التي يلقيها على كل عنصر من مكونات هويته. على سبيل المثال، نحتاج إلى معرفة الموقف الاجتماعي من المرأة: في مجتمع مثل أفغانستان والعديد من المجتمعات الريفية التقليدية، لن يسمح للمرأة بمعيشة معقولة خارج بيتها الخاص. أما في ألمانيا مثلاً، فيمكن لسيدة أن تصل إلى منصب رئيس الدولة. هذا يشير إلى معنى الفارق الجنسي في ثقافتَين مختلفتَين، وما يتبعه من اختلاف جذري في نوع المعاملة للذكر والأنثى في هذا البلد أو ذاك. كذلك الحال لو كان الشخص أبيض البشرة في مجتمع غالب أعضائه من السود، أو كان أسود البشرة في مجتمع أبيض. فارق اللون تترتب عليه فوارق في العلاقة بين الفرد والجماعة، وبالتالي مكانة الفرد فيها وتوقعاته منها. وهذه العلاقة تُسهم في تحديد فهم الإنسان لنفسه وللمحيط الاجتماعي. كما تُسهم في تحديد الطريقة التي يستعملها الإنسان في تقديم نفسه إلى هذا المحيط.

يوضح المثال السابق دور «الآخرين» في تحديد القيم المؤثرة في تشكيل الهوية الشخصية. وسوف نتعرف تالياً إلى حقيقة أن مشاركة كل منا في تشكيل هويته، مشروطة إلى حد كبير بالحدود التي تفرضها البيئة الاجتماعية التي نتعامل معها. خذ مثلاً العقيدة التي أدين بها، واللغة التي أتحدثها، والتي تؤثر بعمق في طريقة تفكيري واتجاهاتي، وكذا اللباس وطريقة العيش ونظام التعامل مع الناس، أي مجموعة الأعراف والنظم التي تحدد لي ما يمكن فعله وما لا يمكن، فهذه كلها يستلهمها الفرد من الأشخاص المحيطين به. وبناء على فعل الفرد وانفعاله، ورد فعل المحيط، يتحدد موقع الفرد في النظام الاجتماعي والمعايير الناظمة لعلاقته مع الآخرين.

***

د. توفيق السيف

 

في الاحتفاء باليوم العالمي للغة العربية (18 دجنبر)

لا يبرح الشعر موقعه الأول في قافلة الوجع الإنساني، قائدا خفيا لأسئلته الكبرى، وحارسا لقلقه الأزلي. وحين تكون اللغة العربية هي مركبه وموئله، يتجاوز الشعر حدّ القول إلى مقام الكينونة. يغدو قبضةً على الوجود، وسباحةً في أعالي المعنى، حيث تتعرّى الأشياء من عارضها وتستعيد أسماءها الأولى. من دونه، يبهت الأثر الثقافي، وتذوي الهوية في فراغ بلا صيرورة ولا عائد.

فالشعر، بوصفه اللسان العربي المبين في تجلّيه الأقصى، هو الفالق الواعي لطاقات التحوّل، والضامن لسرّ الصمود والاستمرار والتوهّج. وفيه تتدفّق اللغة لا كأداة عابرة، بل كدم نابض، يتآلف مع قضاياها السوسيولوجية واللسانية، من غير قطائع قسرية ولا ارتهانات عمياء، إذ يمضي المعنى في انفتاحه الحر، متجاوزا كل سياج.

غير أنّ هذا الحضور لا يعبر الزمن بلا امتحان. ففي خضمّ التسارع الهائل لعلوم الإعلام والصورة، وتحوّلات وسائط التواصل الاجتماعي والثقافي، يتسرّب شكّ خفيف، سرعان ما يستفحل، مهدّداً ميسم الشعر الراهن، ومكانته في لملمة اللحمة العربية، وحفظ مساقاتها التاريخية والمعرفية من التبدّد.

ومن قلب هذا العبور الخاطف، المكدّس بالانخطافات، تنهض مبادرات بنوايا عالية، يطلقها الغيورون على اللغة والشعر معا، ساعيةً إلى تبديد تلك المساحة الرمادية من الشك، وإلى ترميم ما تصدّع، وتحصين ما اعتراه الوهن، ورسم خرائط نجاة تمكّن رعاة العربية وشعرها من تحويل الضباب إلى يقين، والرؤية إلى بداهة لا فكاك منها.

وها نحن اليوم، نشارك في هذه الخطفة الرجيمة، لا بوصفنا شهودا فحسب، بل شركاء في الفعل، نبتغي أن نفرح قلوب الشعراء بلغتهم، وأن ننشدها على اتساع الأفق، قريبةً من حساسيات الجديد في الزمن والإنسان والمستقبل، كي يظل الشعر جسرا بين ما كنّا وما نصير، ونبضاً لا يخفت في جسد العربية.

وإذا كان الفرحُ هو ما يعنينا، من جهة الشعر، فإن النظر بعين القلب يظلّ أقصر المسالك إلى الحبّ الإنساني، وأصدقها وصولا. غير أن اللغة التي تعبر هذا الأفق مطالبة بأن تسلك الدرب الوعر ذاته، بلا ازدحامٍ بلاغي ولا تبريرٍ زائد، إذ إن الشعر، حين يُرى بالشعر، لا يبيح رهن أبواب المعنى كلّها، ولا يقبل أن تُقفل أصالته وعراقته وامتداده التاريخي في قفص الماضي. فهو لا يستدين راهنه من زمنٍ مضى، بقدر ما يستريح على أفق التطوير، ويأنس للتحديث، ويمضي في امتدادٍ سلس لا ينقطع.

ولعلّ في هذا الأفق الرحب، الممتدّ بين لغتنا الضادّية ولغات العالم الأخرى، ما يؤسّس لتجارب مسلكية تداولية أكثر اقترابا من نبض الكونية، لا بوصفها تعميما أجوف، بل باعتبارها استعادةً لجوهر الوجود وأخلاق العالم. فالشعر، بهذا المعنى، يوازي عطاياه بنفس الروح التي تنشغل بها علوم القلب، تلك التي تتحسّس طريقها نحو روحٍ مغيّبة في عالمٍ ماديٍّ متصنّع، أصمّ في بؤر الحروب، وأعمى في ميادين القتال المبرَّر بفظاعة.

إننا، إذ نمتثل لأحلام روحنا العربية، إنما نراهن على أن تتجسّد مواثيق اتصالها بالعوالم الأخرى، عبر تمكين لغتنا الشعرية من القبض على الهارب، لا افتراسا بل مصالحة، لا هيمنةً بل سلاما، تحقيقاً للمسالمة، وترسيخا للمصالحة، وإنضاجا لقيم التسامح.

وقد ظلّ الشعر العربي، في امتداده الصيروري المتراكم، مؤسِّسا لنظامه الذاتي والمعرفي، محرضا على الجمال، متورعا في زوايا الروح الكاملة، مشهرا سيف عشقه لا ليجرح، بل ليعلن اكتمال القمر، وارتفاع شمسه المنيفة، في ليل العالم الطويل.

فكيف يحرس الشعر العربي قلقَ العالم؟ وأيّ سرٍّ هذا الذي يجعله، إلى اليوم، قادرا على ملامسة الجرح الكوني من داخل لغته الخاصة؟ وهل ثمّة ما يُغذّي حماسة شعريّتنا العربية ويُرسّخ أثرها في التاريخ الإنساني، لا بوصفها ذاكرةً منقضية، بل باعتبارها طاقةً فاعلة في تشكيل الوعي الحضري للآخرين والتأثير في مخيالهم؟

وهل يستجيب تحوّل العالم إلى صناعةٍ ترجمية، تُعيد وصل الثقافات وتداخل المنظومات القيمية المتعدّدة، لأنماطنا الثقافية واللغوية التي تأسّست في غابر الأزمنة؟ أم أن تلك الأنماط مطالَبة اليوم بأن تعيد ابتكار نفسها، لا لتنجو فحسب، بل لتشارك في صياغة معنى العيش المشترك في عالمٍ يتغيّر على نحوٍ فائق السرعة؟

ثم، هل نملك الآن الشجاعة الجمالية والمعرفية لاختراع طرقٍ جديدة لمعاودة التأسيس، وردّ الروح إلى ما تاه منها، وإعادة وصل الشعر بمصادر دهشته الأولى، من دون الارتهان لنوستالجيا الماضي أو الذوبان في استنساخ الآخر؟

إنها أسئلة تتكثّف في وجدان الراهن الثقافي العربي، الذي لا يزال يتلمّس خطاه في طريق وعِر نحو الوجود المتعدّد للعالم الجديد. وجودٍ لا يقوم على الإلغاء، بل على الحوار، ولا على الانغلاق، بل على الانفتاح الخلّاق.

وبين هذه الرهانات الكبرى، وما يعتري الثقافة الشعرية من تحوّلات، في صراعاتها المتلاحقة مع أنماط جديدة تميل إلى التقليد، واهتزاز المعنى، وتدافع قيم الكتابة، وتراجع المقروئية، يطفو إلى السطح قلقٌ عميق: خوفُ استشكال الشعر ذاته، لا كنصّ فحسب، بل كنظام رمزي عربي مؤسِّس للهوية والوجدان، وحاملٍ لذاكرة جماعية مهدّدة بأن تفقد صوتها إن لم يُعاد الإصغاء إليها من جديد.

***

د. مصـطـفــى غَـــلمـان

أيُّ نبوءةٍ ألقىَ بها شاعرُ النّيل على مَسْمَع الدّهر عندما وصف لغتنا العربيّة الجميلة بالبحر

فى الثامن عشر من شهر ديسمبر الجاري من كلّ عام تحتفل الأوساط الأكاديمية في الوطن العربي، وفى سائر انحاء العالَم بلغتنا العربية الجميلة باعتبارها لغة حيّة، عالمية، رسميّة متداولة ومُستعملة، في جميع المحافل والهيئات والمنظمات الدّولية.

جاء هذا الاعتراف المستحقّ بكلّ المعايير على الصعيد الدولي بعد جهودٍ مضنية ومتوالية انطلقت بعد أن أقرّت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) ذلك، في الدورة الثانية والتسعين لمجلسها التنفيذي المنعقد عام 2012، قبل أن تقرّر الملحقة الاستشارية للخطة الدّولية لتنمية الثقافة العربية المعروفة بـ (أرابيا) المنبثقة عن اليونسكو هذا اليوم عنصراً أساسيّاً في برنامج عملها المتواتر في هذا المجال.

ويؤكّد الخبراءُ المتخصّصون في هذا المجال أن قرار منظمة اليونيسكو جاء في سياق سلسلة من القرارات الدولية الأخرى للأمم المتحدة، ومنظماتها حول اللغة العربية، من بينها القرار(878) الصّادر عن الدّورة التاسعة للأمم المتحدة المنعقدة عام 1954، الذي كان قد أجاز الترجمة التحريرية لوثائقها إلى اللغة العربية، لتقرّر منظمة اليونسكوالعالمية عام 1966 استخدامَ اللغة العربية في المؤتمرات الإقليمية التي يتمّ تنظيمها في البلاد العربية، بالإضافة إلى إجازة المنظمة ترجمة الوثائق والمنشورات الصّادرة والمنبثقة عنها إلى اللغة العربية، ثم قرّرت اليونسكو كذلك في السّنة نفسها تقوية وتعزيز استعمال العربيّة في أعمالها، من خلال إقرار خدمات التّرجمة الفورية من اللغة العربية إلى غيرها من اللغات الأخرى الحيّة والعكس في جلساتها العامة، وعند مشارف عام 1968 تمّ اعتماد العربية لغة عملٍ في هذه المنظمة الدولية، مع ترجمة مختلف وثائق العمل، وكذلك المحاضر إليها فضلاً عن توفير، وتأمين الترجمة الفورية بصفة نهائية في مختلف دوراتها واجتماعاتها .

على الرّغم من هذه المكاسب المهمّة التي حققتها اللغة العربية على المستوى الدولي ما زالت تتوالى الدّراسات، وتُطرح التساؤلات، وتثار التخوّفات عبثاً في المدّة الأخيرة عن مدى قدرة اللغة العربية على استيعاب العلوم الحديثة ومواكبة العصرنة والابتكار والتجديد الذي لا تتوقّف عجلاتُه ولا تني، وتخوّف فريق من عدم إمكانها مسايرة هذا العصر المتطوّر والمُذهل في مختلف المجالات .

كما تحمّس بالمقابل فريق آخرمُحقّ فأبرز إمكانات هذه اللغة وطاقاتها الكبرى، مستشهداً بتجربة الماضي، حيث بلغت لغة الضاد في نقل العلوم وترجمتها شأواً بعيداً، وهكذا كثر الكلامُ وتعدّدت النقاشات في هذا المجال حتى كاد أن يُصبح حديثَ جميع المجالس، والمنتديات، والمؤتمرات، في مختلف البلدان العربية وخارجها.

الحرف والخطّ العربيّان

تعدّدت النداءات منذ أواسط القرن الفارط إعتباطاً بضرورة إصلاح، وتحسين الحرف والخطّ العربييْن تحت ذريعة إدعاء التطوّر ومواكبة العصر، إلاّ أنّ هذه النداءات والإدّعاءات الباطلة سرعان ما باءت جميعها بالفشل الذريع، وظلّت الغلبة للأشكال المتوارثة، والأنماط المعروفة التي كتبت بها عشرات الآلاف من المخطوطات والكتب في مختلف الميادين العلميّة، والفلسفية، والتاريخية، والأدبية وسواها.

فقد زعم البعض أن شكلَ الحرف العربي الرّاهن وتركيبه لا يتّفق مع العصر، فقدّم لنا في هذا السياق بعضُ الباحثين أشكالاً متباينة لخطّ جديد تشبه إلى حدّ بعيد رسوم الخط الإفرنجي، غير أن القارئ العربي اكتشف منذ الوهلة الأولى أنها في غالبيتها أشكال غريبة عليه يمجّها الذوق السليم، بل إنها تكلّفه عناءً شديداً في هجاء حرف واحد منها، والحقيقة أن جمالية الخطّ العربي أو حرفه لا تبارىَ، فقد ثبت الآن أنه حرف مثالي في جمال تكوينه وشكله وتنوّعه، وإلتوائه، واستوائه، وتعريجاته، واختصاره، وإن الصفحة الواحدة من الكتاب العربي لو كتبت بالحرف اللاتيني لاحتاجت إلى صفحتين على الأقل، فالكتاب المؤلف من مئة صفحة بهذا الخط الجميل لا يمكن رصفه بأقل من مئتي صفحة بالحرف اللاّتيني، ثم أن تطوّر واستعمال الحواسيب الإلكترونية المتطوّرة الحديثة تتّجه سريعاً نحو أساليب جديدة مبتكرة للكتابة، ومعنى ذلك هو العدول بالتدريج عن أسلوب الرصف الحرفي واختصار القوالب، وقد توصّل بعض العلماء إلى ابتكار رسوم حديثة للحرف العربي لا تخرجه عن شكله، ولا تبعده عن أصله، ومع استعمال الكومبيوتر والحواسيب واحتضانها وانتشارها وقبولها للحرف العربي بسهولة ويُسر بنجاح باهر وبنتيجة مُذهلة، ومن ثمّ سقطت دعوى هؤلاء الدّاعين إلى استبداله بالحروف اللاّتينية، وبذلك يفقد خصوم هذه اللغة معركتهم الادّعائية الأولى الزائفة معها .

الحرف العربيّ والحرف اللاّتينيّ

إنه لمن المستغرب أن نجد بين ظهرانيْنا من ما فتئ يدعو إلى استبدال الحرف العربي بالحرف اللاتيني، متّخذين ممّا ابتدعه مصطفى أتاتورك للّغة التركية مثالاً يُحتذى، وكذلك بدعوى إدّعاء السّهولة واليُسر وضبط الكتابة، وإبراز حركات الحروف، وهذه الدعوى التي تحمّس لها بعض خصوم هذه اللغة عرباً كانوا أم أجانب سرعان ما اتّضح لهم أنها كانت باطلة من أساسها . ومن بين المفكرين الذين كانوا قد تحمّسوا لهذه الدعوى الكاتب المصري سلامة موسى، الذي دافع عن هذه الفكرة دفاعاً مستميتاً، وقدّم تبريرات ومقترحات في شأنها، إنه يقول في هذا الشأن : " هذا السّخط الذي يتولاّنا كلما فكّرنا في حالنا الثقافية وتعطيل هذه اللغة لنا عن الرقيّ الثقافي، تزيد حدّته كلما فكّرنا وأدّى بنا التفكير إلى اليقين بأن إصلاحها مستطاع، والقلق عام ولكنّ الجُبن عن الابتكار أعمّ"، وهكذا وئدت هذه الدّعوى فى مهدها .

إشكالية النّحو العربيّ

كثيراً ما يشتكي النشء الصّاعد من متعلّمي اللغة العربية في مختلف البلدان العربية وسواها ممّا يسمّونه إعتباطا بصعوبة نحوها، وكان أحد البّاحثين المغربة وهو الاستاذ أحمد عصيد قد ذكر في هذا القبيل بما سمّاه " الصّعوبات الجمّة" لهذا النّحو، حيث يقول في ذلك : " ونعتقد أن الأوراش الكبرى للغة العربية التي يعيها الأخصائيون في هذه اللغة وعيا تاماً تتعلق أساسا بضرورة النظر في النحو العربي وتحديثه، بسبب الصعوبات الجمّة التي يصادفها الأطفال والكبار على السّواء في تعلمه، وكذا النظر في الإملاء وتنميطه تنميطا حديثا" . وهذا الذي ذهب اليه الباحث المغربي لا يستند الى أساس وهو من باب إطلاق الكلام على عواهنه بدون رويّة ولا تفكير أو تدبير.

تجدر الاشارة فى هذا الصدد بهذه المناسبة أنّ الخطأ الفادح الذى يقع فيه واضعو مناهج التعليم في معظم البلدان العربية كونهم يلقّنون القواعد في صورتها الجافة قبل النصوص، في حين نجد القائمين على مناهج التعليم في المدارس الأوروبية على اختلافها يعوّدون التلميذ على التعامل مع النصوص في المقام الأول، فهو يقرأ ويعيد ويحفظ من غير أن يكون ذا إلمام بعلم النحو، ثم يطبّق بعد ذلك ما قرأه على القواعد، فإذا أردنا الخروج بنحونا من هذه الصلابة التي تنسب اليه افتراءً علينا أن نكثر في المراحل الأولى من مناهج تعليمنا من النصوص، فالتعامل مع النصوص يكسب الطالب أو المتعلّم سليقة فطرية، ويعوّده بطريقة تلقائية عفوية على أشكال الحروف وبنائها وتراكيبها وتعدّد أساليبها، فقد وجدت النصوص مذ كانت العربية، أمّا النحو” كعلم قائم مدوّن” فلم يوضع إلاّ في زمنٍ متأخّر، أيّ في القرن الأوّل الهجري على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي كما هو معروف.

إشكاليّة شَكْل الحرُوف

وتنبثق عن النحو العربي مسألة اخرى يرى فيها البعض مشكلة قائمة بذاتها وهي مسألة” الشّكل” شكل الحروف العربية تفادياً للغموض والّلبس والإبهام. وهناك إتهام مشهور يوجّه لأبناء اللغة العربية، في هذا الصدد، وهو أنه حتى كبار دارسيها يحارون أو يتعثّرون في بعض الأحيان عند قراءة نصّ من النصوص العربية مخافة الخطأ او اللحن ومن أجل شكلها شكلاً صحيحاً. على حين أننا نجد القارئ الفرنسي، أو الإسباني –مثلا- حتى وإن كان دون مستوى مرحلة الثانوية العامّة يقرأ النصوصَ في لغته بطلاقة من غير أن يرتكب خطأ واحداً، و يرى البعض أنّ هذه المسألة من أخطر الإتهامات التي توجّه للغة العربية، ويرى الباحثون فى ذلك رأيين إثنين، يقول الأوّل:أن اللغة العربية ليست صعبة كما يدّعون، بل إن النقص كامن فيمن لا يجيدها حقّ الإجادة، وإذا كان المرء عالماً بأصولها، مطلعاً على أسرارها، دارساً لقواعدها، ملمّاً بأساليبها فإنّه لا يخطئ أبداً، في حين يذهب الرأى الآخر أن العربية فعلا تشكو من هذه النقيصة، ففيما يخصّ شكل الكلمات على الأقل. هناك كلمات يحار المرء في قراءتها القراءة الصحيحة وقد يقرأها على غير حقيقتها، وهناك كلمات أخرى يمكن نطقها على عدّة أوجه، وهذه مشكلة في حدّ ذاتها، ولكن كما أسلفتُ آنفا فإنّه مع المِران، والممارسة، والمثابرة الحثيثة والقراءة المتعدّدة وتتبّع السياق كل ذلك يساعد على تفادى أمثال هذه الأمور التي لم تكن ابدا حائلاً دون التأليف والخلق والإبداع المستمر والمتواصل على إمتداد التاريخ العربي الحافل بجليل الآثار في كل علم.

الفصيح أم العاميّ فى اللغة

ومن المعروف ان الدراسات قد تعدّدت بين مؤيّدٍ للعامية متعصّب لها بدعوى التبسيط والسهولة واليُسر، وبين متمسكٍ بالفصحى لا يرضى بها بديلا أمثال فقد تحمّس للفصحى كتّاب كبار لهم وزنهم في تاريخ الأدب العربي قديمه وحديثه أمثال طه حسين، والعقاد، والرافعي، والمنفلوطي، والبارودي، وحافظ، وشوقي، وهيكل، وعبد الله كنون، ومحمد الفاسي، وعبد العزيز بنعبد الله وسواهم، والحقيقة أن الغلبة كانت دائماً للفصحى على الرّغم من هذه الدعوات والمحاولات، فكم من كاتب نادى وتحمّس للعاميّة وعمل على نشرها وتعميمها، ثمّ سرعان ما عاد ليكتب بفصحى ناصعة صافية نقيّة، وكمثال لما نقول كان الكاتب المصري الرّاحل القاصّ محمود تيمور فى فترة مّا من حياة قد تحوّل عن الفصحى إلى العامية بل إنه كتب قصصاً بها غير أنه سرعان ما عاد كاتباً عربياً مبيناً، بل ومتحمّساً كبيراً للفصحى ومدافعاً عن لوائها كعضو بارز في مجمع اللغة العربية بالقاهرة. ودعوات الأديب والشاعر اللبناني المعروف سعيد عقل، إلى إستعمال العامية معروفة وسال من أجلها حبر غزير.

هذا وكان قد أثير في المغرب في السنوات الأخيرة نقاش حامٍ حول هذا الموضوع سرعان ما خبا أوارُه، وخمدت نارُه، حيث دعا بعضُهم إلى إستعمال «الدّارجة» (العاميّة) بدل الفصحى في بعض مراحل التعليم، وعزا هؤلاء عن غير رويّة، ولا بيّنة ولا علم ولا برهان المشاكل التي يتخبّط فيها التعليم في هذا البلد الى اليوم وفى سواه إلى هذا الأمر، ولكن هذه الدعوة الباطلة سرعان ما وئدت هي الأخرى في مهدها مثل سابقاتها .

المستشرقون ولغة الضّاد

ونقدّم فيما يلي بعض الشهادات التي ادلى بها بعض المستشرقين والمستعربين الأجانب من مختلف الجنسيات عن مدى قوّة وصلابة وحياة اللغة العربية، يقول المستشرق الفرنسي المعروف «لوي ماسّنيون» في كتابه (فلسفة اللغة العربية): «لقد برهنت العربية على أنّها كانت دائما لغة علم، بل وقدّمت للعلم خدماتٍ جليلةً باعتراف الجميع، كما أضافت إليه إضافات يعترف لها بها العلم الحديث، فهي إذن لغة غير عاجزة البتّة عن المتابعة والمسايرة والترجمة والعطاء بالرّوح والقوّة والفعالية نفسها التى طبعتها على إمتداد قرون خلت، إنها لغة التأمل الداخلي والجوّانية، ولها قدرة خاصّة على التجريد والنزوع إلى الكليّة والشمول والإختصار..إنها لغة الغيب والإيحاء تعبّر بجملٍ مركزة قصيرة مقتضبة عمّا لا تستطيع اللغات الأخرى التعبير عنه إلاّ في جُمَلٍ طويلة ممطوطة». ويضرب ماسّينيون لذلك مثالاً حيذاً وطريفاً فيقول: «للعطش خمسُ مراحل في اللغة العربية، وكلّ مرحلة منه تعبّر عن مستوى معيّن من حاجة المرء إلى الماء، وهذه المراحل هي: العطش، والظمأ، والصَّدَى، والأُوّام، والهُيام، وهو آخر وأشدّ مراحل العطش، وإنسان «هائمٌ» هو الذي إذا لم يُسْقَ ماء مات»، ويضيف ماسّينيون: «نحن في اللغة الفرنسية لكي نعبّر عن هذا المعنى ( هائم) ينبغي لنا أن نكتب سطراً كاملاً وهو: «إنه يكاد أن يموت من العطش» ولقد أصبح «الهيام»(آخر مراحل العطش وأشدّها) كناية عن العشق الشّديد. وآخر مراحل الهوى، والجوى، والوله، والصّبابة كما هو معروف هو الهيام .

يرى «بروكلمان» أن معجم اللغة العربية اللغوي لا يضاهيه آخر في ثرائه وغناه . وبفضل القرآن بلغت العربية من الاتّساع إنتشاراً تكاد لا تعرفه أيُّ من لغات الدنيا. ويرى «إدوارد فان ديك»: أن العربية من أكثر لغات الأرض ثراءً من حيث ثروة معجمها وإستيعاب آدابها. ويقول المستشرق الهولندي المعروف «رينهارت دوزي» (صاحب معجم الملابس الشهير) : " أن أرباب الفطنة والتذوّق من النصارى سحرهم رنين وموسيقى الشّعر العربي فلم يعيروا إهتمامًا يُذكر للغة اللاتينية، وصاروا يميلون للغة الضاد، ويهيمون بها" .

ويؤكّد المستشرق الالماني " يوهان فك" صاحب كتاب (العربية : دراسات فى اللغة واللهجات والاساليب): " أن التراث العربي أقوى من كلّ محاولة لزحزحة العربية عن مكانتها المرموقة في التاريخ». ويشير العالم الفرنسي المعروف كذلك “جان بيريك “: «انّ العربية قاومت بضراوة الاستعمار الفرنسي في المغرب، وحالت دون ذوبان الثقافة العربية في لغة المستعمر الدخيل». وـأمّا «جورج سارتون» فيشير عن اقتناع : «أصبحت العربية في النّصف الثاني من القرن الثامن لغة العلم عند الخواصّ في العالم المتمدين». و تجدر الاشارة أن هناك العشرات من أمثال هذه الشهادات الحيّة والصادقة التي لم تُخْفِ إعجابها الكبير بلغة الضاد يضيق المجال لسردها في هذا المجال لكثرتها .

***

د. السّفير محمّد محمّد خطّابي

كاتب وباحث ومترجم من المغرب،

بمعزل عن المرجعيات النصية وتعدد قراءاتها، يمكن النظر إلى الوعي البشري بوصفه صيرورة زمنية لا تستقر، فهو ليس بنية مكتملة ولا معطى جاهزًا، بل حركة دائمة تتشكل عبر التجربة، والاحتكاك بالعالم، وإعادة تأويل ما نظنه يقينًا. الوعي لا يعيش خارج الزمن، بل يُصاغ داخله، وما يبدو ثابتًا في لحظة ما سرعان ما يتحول، في لحظة لاحقة، إلى سؤال مفتوح أو افتراض قابل للمراجعة. فاليوم ليس هو الغد، والغد لا يعود إلى اليوم، لأن الزمن نفسه يعيد تشكيل المعنى باستمرار.

في هذا الأفق المتحوّل، تبرز الصدفة بوصفها عنصرًا مركزيًا في تشكيل المصائر الإنسانية. غير أن الصدفة هنا لا تُفهم باعتبارها عبثًا محضًا، بل بوصفها تقاطعًا غير متوقع لسلاسل سببية متعددة، تتلاقى في لحظة واحدة لتُنتج حدثًا لا يمكن التنبؤ به. الإنسان يعيش داخل هذه الشبكة الكونية المعقدة دون أن يمتلك السيطرة الكاملة عليها، ومع ذلك يُطالَب دائمًا بتحمل نتائجها. هذا التوتر بين محدودية السيطرة وعبء المسؤولية يشكّل أحد أعمق أزمات الوجود الإنساني.

في الحياة اليومية، تتجلى هذه الإشكالية بوضوح في الحوادث المفاجئة. إنسان يخرج من بيته في لحظة عادية، ليصطدم بمصير لم يكن في الحسبان. قد يكون السبب إهمالًا بشريًا، أو شرودًا عابرًا، أو ظرفًا خارج نطاق التخطيط. غير أن الحدث، مهما بدا عابرًا، لا يتوقف عند لحظة وقوعه؛ بل يطلق سلسلة طويلة من الآثار النفسية والاجتماعية والاقتصادية. عائلة تتغير بنيتها، أطفال يُعاد تشكيل وعيهم على الفقد، ومستقبل يُعاد رسمه تحت وطأة الغياب. الحدث الفردي يتحول إلى تاريخ صغير، وقد يمتد أثره عبر أجيال، لا بالفعل المباشر، بل بما يخلّفه من ذاكرة ومعنى وجرح صامت.

هنا يطفو السؤال الفلسفي الحاسم: من المسؤول؟ هل هو الإنسان بوصفه فاعلًا أخلاقيًا؟ أم بنية الحياة التي تسمح بهذه التقاطعات القاسية؟ أم أن الكون ذاته يعمل وفق نظام لا يضع الإنسان في مركزه؟ لعل المسؤولية، في هذا السياق، ليست حكرًا على طرف واحد، بل موزعة بين الفعل البشري وحدود العقل وطبيعة الوجود. فالإنسان فاعل، لكنه ليس مطلق الحرية، ومخيّر في بعض أفعاله، ومقيد بسياقات لا يختارها في كثير من الأحيان.

ومع ذلك، فإن الحياة لا تتوقف عند حدود الألم. فمن رحم الصدمات تولد الأسئلة، ومن الأسئلة تتشكل المعرفة. الحوادث تُنتج قوانين، والفقد يولّد وعيًا جديدًا بقيمة السلامة والتنظيم، والرغبة في تقليل الخسائر. كأن التجربة الإنسانية لا تتقدم إلا عبر الانكسار، ولا تعيد بناء ذاتها إلا بعد مواجهة حدودها.

ورغم تراكم هذه المعارف، يبقى الشك حاضرًا: هل ما ننتجه من معرفة هو اقتراب فعلي من الحقيقة، أم مجرد سرديات مؤقتة تمنحنا القدرة على الاستمرار؟ ربما لا تكمن الإشكالية في غياب الحقيقة، بل في اعتقادنا بإمكانية امتلاكها كاملة. فالحياة، في جوهرها، ليست إجابة نهائية، بل سؤال متجدد، وما الإنسان إلا كائن يسير داخل هذا السؤال، محاولًا أن يمنحه معنى، ولو كان مؤقتًا.

***

فؤاد الجشي

 

لم تَتَطوّر الدراساتُ العربيةُ في إيطاليا في العصر الحديث بمعزلٍ عن مشاغلِ الكنيسة، ما جعلها مصبوغةً منذ مستهلّ انطلاقتِها بخياراتٍ دينيّةٍ، أبقت تعليمُ اللّغةِ العربية وتعلّمُها، إلى تاريخ قريب، حكرًا على رجال الدين وعلى طلاب الدراسات اللاهوتية الكاثوليك. لكن في خضمّ ذلك المسار لاحت بوادر انعتاقٍ من الاحتكار الكَنَسيّ، الذي طالما تحكّم بهذا المبحث، ليشهدَ المجالُ تطوّراتٍ حثيثةً في الأوساط غير الدينيّة، لا سيما منذ توحيدِ إيطاليا وإشراف الدولة على قسطٍ وافر من المؤسّسات التعليمية. وبشكلٍ عامٍّ توزّعَ المستشرِقون والمستعرِبون الإيطاليون عبْر تاريخهم ضمن ثلاثة أصناف: صنفٌ في خدمة الكنيسة، وصنفٌ اِنشغل بخدمة الأغراض الاستعماريّة، وصنفٌ اِنساق لتلبية احتياجات الدولة، مع تداخلٍ في بعض الأحيان في الأدوار بين هذه الأصناف.

فبتَتبُّع مسار الاهتمام بلغة الضاد وبالدراسات العربية في هذا البلد، يُمكِن العودةُ بالانشغال إلى البابا كليمنت الخامس (1264-1314م)، الذي حثَّ في إحدى عظاته في فيينّا، سنة 1311م، على ضرورة إيلاء تدريس العربية والعبرية والكلدانية والسريانية عناية في مختلف العواصم الأوروبية، بغرض أداء العمل التبشيريّ على أحسن وجه. وتُعدّ تلك الدعوة -وبصرف النظر عن مغزاها- عاملًا مهمًّا في لفت الانتباهِ إلى العربية والحثّ على الإلمام بها.

حواضر تدريسِ العربيّة

ضمن هذا السياق، يُمكِن الحديث عن حواضر رئيسيةٍ أربع في إيطاليا شهدت مبكّرا تدريس اللغة العربية، حتى غدت مراكز تاريخية في هذا المجال. تُعتَبر روما الأعرق في المجال بين سائر المدن الإيطالية وذلك منذ العام 1575م، حيث لم يدّخر البابا سيكتوس الرابع (1414-1484م) جهدًا في تكليف مكتبة الفاتيكان بمهامّ تدريس العربية وتهيئة الإطار اللازم لذلك، وإن جاء تدريسُ العبرية أسبق بما يعود إلى العام 1482. ما جعل روما، بين مطلع القرن السادس عشر وموفى القرن السابع عشر، تحوز الصدارة بين حواضر أوروبا في الدراسات الشرقية وفي تعليم اللغات، الذي شمل الأرمينية والقبطية، فضلا عن اللغات السامية الرئيسة. لكن مع توحيد إيطاليا، خلال العام 1861م، بدأ تراخي الطوق الذي ضربته كنيسة روما على تعليم اللغات الشرقية عامّة، ومنها العربية، وذلك لفائدة خيارات ذات طابع لائكيّ. وتدعَّمَ ذلك منذ تولّي المستعرِب ميكيلي أمّاري صاحب مؤلّف "تاريخ مسلمي صقلية" (1854-1872) مقاليد وزارة التعليم في حكومة فارينا (1862-1864)، وهو ما انعكست آثاره على كلية الآداب والفلسفة حينها، بخروج جامعة روما من الهيمنة البابوية واتخاذها طابعًا علمانيًّا (1871-1875)، حيث تولّى لويجي فنشنسي تدريسَ العبرية، وباولو سكاباتيشي السريانية، وجوهانس بولينغ العربية.

حذَتْ نابولي حذو مدينة روما، فكان تشييد "المعهد الجامعي الشرقي"، المعروف بـ "الأورِيِنْتالي" والتابع حينها إلى رهبانية معهد عائلة يسوع المسيح المقدّسة، والذي يُعزى الفضل في تأسيسه إلى المبشّر ماتيو ريبا. فقد حاز المعهد اعترافَ البابا كليمنت الثاني عشر في السابع من أبريل 1732م ويُرجَّح أنّ تدريس العربية قد انطلقَ في السنة نفسها، حيث لم تمضِ سوى بضع سنوات حتى بات محجًّا للدارسين والطلّاب من مختلف الأصقاع. ففي سنة 1747 اِلتحَقَ بالمعهد فتيةٌ وفدوا من الدولة العثمانية، من ألبانيا والبوسنة واليونان ولبنان ومصر، بغرض تكوينهم وسيامتهم كهنة للتبشير بالكاثوليكية في بلدان المأتى. وبعد توحيد إيطاليا بات المعهدُ يضمّ قسميْن: قسمٌ قديم للتبشير وآخر مستحدث خُصِّص للشبان الوافدين من خارج المؤسسات الدينية اهتمّ باللغات الشرقية.

بينما اِنطلق تدريسُ العربية في مدينة باليرمو مع إنشاء كرسي اللغة العربية في أكاديمية الدراسات سنة 1785م. ومن الطريف اقتران تلك البداية بفضيحة أكاديمية، حيث انْتحلَ شخصٌ صفة أستاذ وتولّى مهامّ تدريس العربية، غدت ذكراه مدعاة للتندّر في الأوساط العلميّة. حيث اِدّعى زورًا الراهب جوسيبي فيللا، الذي يَعرِف مفردات متناثرةً من العربية جنب لغته الأمّ المالطية أنّه يحذق العربية، وانتحل صفة مؤلِّف لعملٍ تاريخيٍّ، بما خوَّلَ له اعتلاء كرسي العربية حديث التأسيس، فطفق يدرّس المالطية المطعَّمة بمفردات عربية على أنها الفصحى، معتمدًا في ذلك الأبجدية العربية. حادثة "الخدعة السراسينية"، كما باتت تعرف، تحوّلت في فترات لاحقة إلى موضوع طريف للتندّر، مع بعض الشعراء والكتّاب الإيطاليين، كجوفاني ميلي وليوناردو شاشا وأندريا كاميلاري.

وفي مرحلة متأخّرة اِنضمّت البندقية إلى صفِّ تلك المدن الرائدة، تحت حافز الرحلة والتجارة، وبرغم الموقع المتقدّم الذي حازته المدينة في علاقتها بالشرق، فقد تأخّرت نسبيًّا في تشييد معلم علميّ يتكفّل بالدراسات العربيّة، رغم أنّ حاجة ماسّة إلى ذلك لاحت منذ وقت مبكّر، منذ إعداد ما كان يُعرَف بـ "الـدراغوماني السبعة"، أي التراجمة السبعة، بغرضِ تكليفهم بمهامّ الوَسَاطة مع الدولة العثمانية. ولم يتسنَّ تدريسُ اللغة العربية في مؤسّسة علميّة سوى مع تأسيس المعهد العالي للتجارة سنة 1853م، وقد اعتنى بالتخصصات الاقتصادية والتجارية، إلى جانب عنايته باللغات الأجنبية بهدف الدفاع عن المصالح الإيطالية في الخارج. وبشكل عامّ اِنحصر تعلُّمُ العربية، حتى القرن التاسع عشر، في أوساط التجّار والسّاسة ممن يتردّدون على البلاد العربية. فكانت معرفةٌ لغرض التواصل، وافتقرت إلى الأسس العلمية المتينة، وهكذا نُشرت قواميس في الغرض أحدها لأوغو دي كاستلنوفو ورفائيل دي توتشي سنة 1912، بالإضافة إلى طبع مجلّدين للنحو العربي في ميلانو سنة 1912 من إعداد أوجينيو ليفي.

ولم يشتد عودُ التصنيف العلميّ في مجال الدراسات العربية سوى في مراحل لاحقة. حصل ذلك في مرحلةٍ أولى مع نشرِ مؤلّف إيطاليٍّ للاورا فيشيا فالياري "النحو العربي بين النظرية والتطبيق" سنة 1936، وقد بات مرجعًا، نهلت منه أجيالٌ عدة ولا يزال حاضرًا في التعليم رغم تسرّب انتقادات إليه باعتباره يعرض عربية مشوبة بأجواء الإماء والجواري والنّوق. ثم أُتبعَ بقاموسٍ عربيّ إيطاليّ من إعداد ريناتو ترايني نشره "معهد الشرق بروما" (1964-1965)، لا يزال يُعدّ الأفضل في الساحة الإيطالية. ليلتحقَ مؤلّف إيزابيلا كاميرا دافليتو "الأدب العربيّ المعاصر من النهضة إلى اليوم" (1988) بثلاثية المؤلفات المرجعية التي لا غنى للباحث أو الطالب في أقسام الدراسات العربية عنها.

الدراسات العربيّة والمستعمِر

رافقت العنايةُ باللغة العربية اهتمامات بطباعةِ المؤلّفات المدوَّنةِ بالحرف العربيّ، وذلك منذ وقت مبكر، فكان طبعُ أولى نسخ القرآن الكريم في البندقية سنة 1537م، وإن تمَّ إتلافها بأمرٍ من البابا بولس الثالث (1468-1549م) على ما أورده الباحث أنجيلو ميكيلي بيمونتيزي في مؤلّفه: "البندقية وانتشار الأبجدية العربية في إيطاليا"؛ بالإضافة طُبعت نسخةٌ عربيةٌ من الأناجيل في المطبعة الفاتيكانية يعود تاريخها إلى العام 1590م. لتتوالى المطبوعات بنشرِ أربعة مجلّدات من "القاموس المحيط" للفيروز آبادي، وإن سبق ذلك وجود قواميس عربية مخطوطة بخطّ اليد، منذ أواخر القرن الثاني عشر ومطلع القرن الثالث عشر، على غرار القاموس العربيّ اللاتينيّ المودَع اليوم في مكتبة ريكارديانا في مدينة فلورانسا.

ولئن كانت الدراسات العربية الوسيطة والحديثة في إيطاليا كنسيّةَ المنشأِ فإن الحاضنة المعاصرة هي استعمارية. فقد اِنضمّ ثلّةٌ من آباء الاستشراق الإيطاليّ الحديث إلى "لجنة المصالح الاستعمارية المكلَّفة بالشؤون الإسلامية" - Commissione per lo studio delle questione islamiche d’interesse coloniale - سنة 1914، منهم ليونه غايطاني وكارلو ألفونسو نللينو ودافيد سانتيللانا، وهذا الأخير هو تونسي يهودي الديانة عُيِّن سنة 1913 أستاذا للتشريع الإسلامي في جامعة روما. وقد أورَدَ الباحث فلافيو ستريكا في بحثٍ بعنوان: "كارلو ألفونسو نللينو ومشروع احتلال ليبيا"، في مجلّة "حوليات" الصادرة عن كلية العلوم السياسية في كالياري (سنة 1983) أنّ المستشرِقَ نللينو قد شارك في مجمَل الاجتماعات واللّجان التي أَسْدت المشورة للمستعمِر بشأن القضايا الإسلامية إبّان احتلال ليبيا.

خلال تلك الحقبة شهد الاهتمامُ بالعربيّة تحوُّلًا، فقد تزايدت العناية باللهجات. حيث نشر ألفريدو ترومبيتي في مدينة بولونيا كتابًا عن اللّهجة الطرابلسيّة سنة 1912. وتقريبا في الفترة نفسها اِشتغل كارلو ألفونسو نللينو على الدارجة المصرية (1913)، حيث لا يزال عمله يُعَدّ من المصادر الأساسية إلى الحاضر. لتغدو اللهجات العربية من بين المحاور التقليدية التي يوليها الباحثون الإيطاليون اهتمامًا. وفي مرحلةٍ لاحقةٍ اهتمّت إستر بانيتا بالدارجة والفولكلور في بنغازي (1964). وتواصلَ ذلك الشغف إلى تاريخنا الراهن مع أوليفييه دوران الأستاذ بجامعة روما، حيث نشر سنة 1993 "ملامح من الدارجة المغربية"، أتبعه سنة 1994 بـ "مقدمة في اللهجات العربية"، كما نشر سنة 1996 عملا عن الدارجة الفلسطينية، إلى أن غدت دراسة اللهجات -Dialettologia- مادة مقرّرة للطلاب تُدرّس جنبَ الفصحى في جامعة روما.

تطوّرات في الدراسات العربية

شهدت أواخر الألفية الثانية تحولات معتبَرة في الدراسات العربية في إيطاليا، مسّت جوانب الترجمة والآداب. إذ حتى منتهى الثمانينيات كانت النصوص الأدبية العربية المترجَمة قليلة العدد ومحصورة التداول بين المختصّين، من مستشرِقين ومستعرِبين أساسا، ولكن عقب ذلك التاريخ تحوّل المنقول العربيّ إلى مقروء مرغوب بين عموم القرّاء. وباتت دور النشر تراهن على النصّ الأدبيّ العربيّ بعد أن تخلّت عن الفكرة الرائجة أنّ الكتاب العربي لا يَدرّ ربحا باعتباره مطبوعا خاسرا، فقد ساهم الأديب نجيب محفوظ مساهمة فعالة في ذلك التحوّل.

إذ تفيد الإحصائيات إنجاز خمس ترجمات يتيمة في إيطاليا، منذ مطلع القرن الفائت إلى العام 1965. حيث ترجمَ فرانشيسكو غابرييللي: "قصّاصون من مصر" وكذلك "ظلمات وأشعّة" لمي زيادة، وترجمَ أومبارتو ريتزيتانو "زينب" لمحمد حسنين هيكل و"الأيّام" لطه حسين، وترجمَ أندريا زنزوتّو كتاب "سأهبك غزالة" للكاتب الجزائري مالك حداد. ثم بعيد ذلك التاريخ، حاولَ ريتزيتانو بعثَ سلسلةٍ قصصيةٍ، بالتعاون مع "معهد الشرق بروما" وجامعة باليرمو، نشرت ثلاث مجموعات سورية وتونسية ومصرية، ثم سرعان ما توقّفت، وكأنّ الوقت لم ينضج بعد للنشر العربي. ولكن علاوة على عدمِ تهيّؤ القارئ الإيطالي، فقد كان نصيب وافر من الترجمات حرفيًّا وركيكًا. غير أنه لاحقا ساهمت العناية الفائقة لشخصيتين إيطاليتين، رعتا نقل مجموعة من النصوص العربية، وهما إيزابيلا كاميرا دافليتو من جامعة روما وفرانشيسكا ماريا كوراو من جامعة نابولي، في التحسين من جودة الترجمة والترويج للأعمال الأدبية العربية في الأوساط الإيطالية.

يورد مؤلَّف "الحضور العربيّ الإسلاميّ في المطبوعات الإيطالية" (2000)، الصادر عن وزارة الثروة والأنشطة الثقافية، أنه لم يُترجَم من المؤلّفات العربية بين 1900 و 1988 سوى 29 عملا، وقد حصل التحول الفعليّ بين 1989 و 1999 حيث تُرجم 112 عملا أدبيّا، كما ترجم 93 عملا أدبيّا فرنكفونيا خلال الفترة نفسها. بينما بلغت الأعمال المسرحية التي تُرجمت طيلة الفترة الممتدة بين 1900 و 1999 19 عملا مسرحيًّا، وحاز الشعر خلال الفترة نفسها 20 عملا. والواقع أنّ الجوائز العالمية، نوبل لمحفوظ (1988)، وغنكور لكلّ من بن جلون (1987) ومعلوف (1993)، قد ساهمت مساهمة فعّالة في إيقاظ الذائقة الإيطالية نحو الأدب العربي، حيث بلغت أعداد النصوص العربية المترجمة إلى الإيطالية حتى مطلع العام 2020 ما يناهز 400 عمل. وبشكل أقل ساهمت القلاقل السياسية والحروب والتوتّرات في إيقاد تلك الجذوة، فعشية اندلاع الثورة الجزائرية تُرجمت ترجمة يتيمة "سأهبك غزالة" لمالك حداد، ثم عقب الثورة خبا ذلك البريق، ليستيقظ الاهتمام مجدّدا مع فترة النضال الفلسطيني المسلّح بترجمة بعض الأعمال مثل "رجال في الشمس" (1985)، و"فلسطين: ثلاث قصص" (1985)، و"عائد إلى حيفا" لغسان كنفاني؛ و"المتشائل" (1990) لإميل حبيبي. وفي خضمّ وفرة الترجمة الأدبية مقارَنةً بغيرها يبقى الأديب المغربيّ الطاهر بن جلون الممثّل الرئيس للأدب العربي في المخيال الإيطاليّ، فهو الأكثر ترجمة وحضورا في النشر والإعلام.

ولكن هذا الحضور للنصّ الأدبيّ العربيّ في إيطاليا، رغم تواضعه، بدأ يشهد نوعًا من النشاط الحثيث الفرديّ بعد سبات طويل، بعضه منبعث من إيطاليا، ممثَّلا في الجزائري عمارة لخوص والعراقي يونس توفيق، وغيره وافد من خارج، لعلّ أبرز وجوهه في الوقت الحالي علاء الأسواني وإبراهيم نصرالله.

الدراسات العربية في الراهن

لا غرو أنّ مناهجَ الدراسات العربية في إيطاليا قد خطت خطوات معتبرة من جانب مقارَبة الثقافة العربية، ومن جانب الأدوات المتوسَّلة إلى هذا الغرض، لكنها تبقى مشدودة إلى إرث السلف بشكل متراوح بين القبض والبسط. ولا يمكن الحديث عن عبورِ هذا الفعل من طورٍ إلى طورٍ، فما فتئ التعاطي مع اللغة العربية كلغة عصيّة، ذلك أنّ كثيرًا من الأساتذة الجامعيين يدرّسونها ولا يتكلّمونها ويسمعونها ولا يفقهونها. فيتوسّلون تدريس النحو العربي بواسطة الإيطالية، وعلى غرار ذلك فكّ أسرار اللهجات العامية، وعرض مضامين الأدب العربي، وهو منهج استشراقيّ غالبا ما ساد في تعليم اللغات المنقرِضة. ذلك أنّ منهج تدريس العربية، وكفاءة المدرس في حد ذاتها، وأدوات التدريس، تجعل هذه العوامل متضافرة التعاطي مع العربية إشكاليًّا. وهو ما ينعكس غالبا على التحصيل المعرفي للدارس بما لا يسمح له بالتعاطي مع اللغة كمعطى حيّ.

حيث يأتي الطالب الإيطاليّ الجامعي مدفوعًا بحماس فياض لتعلّم العربية، لكنه يصطدم بقدامة منهجية في التدريس، تُكرّر إنتاجَ المناهج الاستشراقية في التعاطي مع عربية محفوفة بعديد الأحكام المغرضة، أنها أصعب اللغات عالميًّا، وأنها غير مستعمَلة في البلاد العربية، وأنّ الأجنبيّ يذهب إلى تونس بغرض تعلُّم العربية فيتعلّم الفرنسيةَ، وأنّ اللهجات هي لغات، والترويج لذلك من قبل أساتذة جامعيين، لا لشيء إلا لأنّ إطلالتهم على العربية كانت من باب اللهجة الشامية أو المصرية أو المغاربية، التي بالكاد يفصحون بها. الأمر الذي خَلق تذبذبا بين تدريس الفصحى أو الدارجة في إيطاليا، ودفع إلى التعويل على تدريس لغة وسطى لا هي بالفصحى ولا هي بالدارجة، ينطبق عليها المقول الإيطالي "ليس باللحم ولا بالسمك ولكنّه شيء آخر".

وهذا المنهج التعليمي العقيم، في بعض جوانبه، عادة ما أوْرثَ مساوئ، حيث لا يحصّل الطالب أو الباحث الكفاءة اللغوية اللازمة لولوج المراجع أو المصادر العربية، ما يجعله رهينا للمقول الغربي في الموضوع، أو لبعض الترجمات القليلة. فالاصطدام بعدم إتقان اللغة بعد انقضاء السنوات عادة ما يكون محبِطًا لجموع واسعة اختارت تعلّم هذه اللغة، وهو ما رسّخ لدى كثيرين المقول الإيطالي الشائع: "?!Ma che parli arabo"، "أوتتكلم عربي؟"، ومفاده أتقول شيئا لا يفقهه الناس والحال أنّ مقولة تَمنُّع اللغة العربية عن الإلمام بها شائعة في أوساط المعلِّمين والمتعلِّمين على حد سواء، وهي تعود أساسا لمساوئ بيداغوجيا التدريس، التي خلّفها الاستشراق، وتتلخّص في أسلوب التعامل مع العربية كلغة ميّتة. حيث يُغرَق الطّالب أو الدارِس في فيلولوجيا اللّغة وقواعدها النّحوية، بما يأخذ حيزًا واسعًا من جهده ووقته، ولا يُقدّم له الجانب الحيّ والعملي منها، حتى ليقضي المرء السنوات الطوال على هذا النسق، ليستفيق لاحقا أنه غير قادر على إتيان محادَثة أو الإلمام بخطاب منطوق.

انعكس القصور اللغويّ على الدّرسِ الأكاديميّ أيضا في تعاطيه مع الفكر العربي، والفلسفي منه بالخصوص، فهو متوقّف عند فلسفة الفارابي وابن رشد وابن باجة، لا يتعدّاها، وبالمثل عند الفرق الإسلامية الكلاسيكية لم يتخطها إلى الفكر الديني الحديث.

من جانب آخر رغم أنّ إيطاليا من بين البلدان الأوروبية الأكثر قربًا من البلاد العربية حضاريًّا وجغرافيًّا فلا تزال الأبعد ثقافيا، وكما يقول عالم الاجتماع فرانكو كازانو: "هناك حديث بإطناب عن المتوسط لا ترافقه خيارات ثقافية موازية". ربما إحصائيات الترجمة من الجانبين مفزعة، فكلتا اللغتين استجلبت من الآخر ما يزيد بقليل عن الأربعمئة عمل لا غير وهي نسبة ضئيلة. وإذا استثنينا النصوص المصرية المترجَمة، والتي تقارب 80 بالمئة من مجموع ما تُرجم، فإنّ النصوص العربية شبه غائبة، ناهيك عن النص الخليجيّ فهو الأكثر ندرة على الإطلاق. ذات مرة قلت للأستاذ الفلسطيني وسيم دهمش المرابط في إيطاليا منذ خمسة عقود: كثيرا ما يطرق مسامعنا، إن المثقّف العربي في إيطاليا عرضة للموت السريري نظرًا لمحدودية الحراك الثقافي بين الضفّتين، رغم ذلك يعدّ كلانا إيطاليا دار قرار لا منطقة عبور. فردّ مبتهجا: لكل رسالته ونحن رسالتنا في الحرف العربي الذي نبلّغه للطلاب.

***

د. عزالدين عناية - أستاذ تونسي بجامعة روما- إيطاليا

يميل كثير من الآباء إلى الاعتقاد بأن تفكير الطفل يحتاج دائمًا إلى تصحيح، وكأن الطفل يرى العالم بطريقة غير صحيحة أو مشوشة. غير أن هذا الحكم المسبق – في تقديري – يغفل طبيعة خاصة في تفكير الطفل يمكن تسميتها بـ المنطق الحيوي؛ وهو منطق لا يقوم على القواعد والتعريفات الجاهزة، بل ينطلق من التجربة المباشرة والإحساس اليومي، أي من الحياة كما تُعاش قبل أن تُشرح.

فالطفل لا يفتقر إلى الفهم، بل يمتلك طريقة خاصة في تفسير ما يحيط به، طريقة لا تفصل بين ما يُرى وما يُحسّ، ولا بين الفكرة والتجربة. إنه يفهم العالم من داخل علاقته به، لا من خارجه، ويكوّن معناه انطلاقًا مما يعيشه فعليًا، لا مما يُطلب منه أن يحفظه أو يكرره.

ومن هنا، يبدو لي أن المنطق الحيوي لا يسأل أولًا: "هل هذا صحيح"، بل يسأل: "كيف أعيش هذا؟" و"كيف يظهر لي العالم؟". فالطفل لا يتعامل مع الواقع بوصفه مجموعة قوانين، بل بوصفه مجالًا للتجربة والمعنى، حيث تتداخل الرؤية مع الشعور، والمعرفة مع الحياة اليومية.

ويتضح هذا النمط من التفكير بجلاء حين يقول طفل في طريق العودة إلى البيت إن القمر "بيمشي جنبنا". هنا لا يكون الطفل بصدد تقديم تفسير علمي خاطئ، كما قد نظن، بل يعبّر عمّا يراه ويعيشه فعليًا. فالقمر حاضر أمامه أينما تحرك، وهو يحاول أن يمنح هذه الخبرة اسمًا ومعنى. ومن هنا يمكن القول إن الطفل يبدأ فهمه من الحياة كما تظهر له، لا من القوانين كما تُدرَّس له لاحقًا.

ومن هذا المثال البسيط، يمكن الانتقال إلى مواقف أكثر قربًا من الحياة اليومية داخل البيت. فعندما يرفض طفل النوم لأن غرفته "مش أمان" في الظلام، لا يكون ذلك جهلًا بحقيقة المكان، بل تعبيرًا عن تجربة شعورية حقيقية. فالطفل في هذه اللحظة لا يسأل: هل هذا منطقي؟ بل يعيش إحساسًا كاملًا بالخوف يحتاج إلى من يعترف به أولًا. ولهذا يبدو لي أن الإصغاء والطمأنة هنا ليسا ترفًا تربويًا، بل شرطًا رئيسًا للفهم.

ومن البيت ننتقل طبيعيًا إلى الفصل الدراسي، حيث تظهر الصورة نفسها ولكن في سياق مختلف. فقد يسأل المعلم تلاميذه عن سبب نزول المطر، فيجيب أحدهم: "علشان الزرع يشرب". هذه الإجابة لا تقدّم تفسيرًا علميًا مكتملًا، لكنها تكشف عن ربط ذكي بين الظاهرة الطبيعية والحياة اليومية. فالطفل هنا لا يبحث عن قانون علمي، بل عن معنى يمكنه فهمه والارتباط به. وعندما تُقصى هذه الإجابة سريعًا، نفقد فرصة تربوية ثمينة لتحويل هذا المعنى البسيط إلى فهم أكثر تنظيمًا.

وهنا يبدأ في الظهور نمط آخر من التفكير، هو ما يمكن تسميته بـ المنطق الصوري؛ وهو التفكير الذي يعتمد على القواعد، والتعريفات، والترتيب المنهجي للأفكار. وهذا النوع من التفكير ضروري بلا شك، لكنه – كما أرى – لا يكون مناسبًا دائمًا في البدايات. فالمشكلة لا تكمن في المنطق الصوري ذاته، بل في فرضه مبكرًا، وكأنه الطريق الوحيد والمشروع للفهم.

ويظهر الفرق بين المنطق الحيوي والمنطق الصوري بوضوح في اللعب. فعندما يتفق الأطفال على أن خطًا مرسومًا على الأرض هو "نهر"، وأن القفز فوقه شرط للنجاة، فإنهم لا يعبثون، بل ينشئون عالمًا له قواعده المؤقتة. والقاعدة هنا لا تُفرض من الخارج، بل تنبثق أثناء الفعل، وتتبدّل بتغيّر الأفق. وإذا أخطأ أحدهم وسقط داخل "النهر"، لا يُعاقَب، بل يحاول مرة أخرى. وفي هذا المشهد البسيط، يتحول الخطأ إلى جزء طبيعي من التعلم، لا إلى علامة على الفشل.

غير أن الإشكالية تبدأ حين نطالب الطفل بالتخلي مبكرًا عن هذا المنطق الحيوي القائم على التجربة والمعنى، ونطالبه بأن يفكّر فقط وفق القواعد الجاهزة. ويمكن أن يحدث هذا في البيت حين نُسكت الطفل بدل أن نستمع إلى تفسيره، ويحدث في الفصل حين نهتم بالإجابة الصحيحة أكثر من اهتمامنا بالطريق الذي سار فيه الطفل ليصل إليها. ومع التكرار، يتعلّم الطفل درسًا غير معلن: أن التفكير الشخصي غير مرغوب فيه، وأن الأمان يكمن في تكرار ما يقوله الكبار.

ومن هنا يمكن القول إن التربية الأكثر وعيًا هي تلك التي تبدأ من فهم طريقة الطفل في التفكير قبل السعي إلى تعديلها. فبدل التصحيح السريع، يمكن للبيت أن يتحول إلى مساحة للإصغاء، يُسمح فيها للطفل بأن يشرح كيف يرى العالم. وبدل الاكتفاء بالحكم على الإجابة في الفصل، يمكن للمعلم أن يمنح الطفل فرصة لشرح تفكيره، لأن هذا الشرح هو الخطوة الأولى نحو التعلم الحقيقي.

كما يبدو لي من الضروري إعادة النظر في مكانة اللعب داخل التربية، لا بوصفه وقتًا زائدًا، بل باعتباره مساحة طبيعية لبناء التفكير. ففي اللعب يتعلم الطفل المحاولة، والخطأ، وإعادة الفهم، وهي مهارات لا تقل أهمية عن حفظ المعلومات. وكلما شعر الطفل أن الخطأ مقبول، ازدادت جرأته على التفكير والسؤال.

وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن تعليم القواعد والتعريفات ينبغي أن يأتي في وقته المناسب، بعد أن يكون الطفل قد عاش التجربة وفهم معناها. فالتدرّج في التعليم ليس مسألة تنظيم منهج فقط، بل هو احترام لطبيعة العقل في نموه. وعندما نرافق الطفل من المنطق الحيوي القائم على الحياة إلى المنطق الصوري القائم على التنظيم، نساعده على بناء تفكير متوازن.

وفي النهاية، يمكن التأكيد على أن الطفل لا يفكّر بطريقة خاطئة، بل بطريقة تناسب مرحلته وعلاقته بالعالم. وإذا احترمنا هذه الطريقة، ومنحناها الوقت والمساحة لتتطور، فإننا لا نعلّم الطفل الإجابات فحسب، بل نعلّمه كيف يفكّر، وكيف يرى العالم بوصفه مجالًا للفهم، لا مجرد ساحة للاختبار.

***

أ. د. علي الخطيب

أستاذ ورئيس مجلس قسم الفلسفة – كلية الآداب- جامعة المنيا- مصر

يشكل دفاع ارسطو عن العبودية جانبا مثيرا للجدل ضمن ارثه الفكري، ويمثل تناقضا صارخا لسمعته كفيلسوف مؤسس للفلسفة السياسية الغربية. التمعن في حجته يساعدنا في توضيح الكيفية التي جرى بها تبرير الهياكل الهيراركية الاجتماعية القديمة ولماذا استمرت تلك المعتقدات الى فترات متأخرة.

نظر ارسطو عميقا في التركيب الاجتماعي لمدينة أثينا الكلاسيكية وعالج ليس فقط منْ يجب ان يحكم وانما أيضا ما الذي يشكّل حياة بشرية مزدهرة كليا. ضمن هذا الاطار، هو عرض العبودية كمؤسسة طبيعية اندغمت في فهمه الأوسع للنظام السياسي والأخلاقي.

ارسطو والعبيد

في الجزء الأول من كتاب السياسة، يجادل ارسطو ان بعض الناس هم "عبيد بطبيعتهم"، مدّعيا ان اولئك الذين يفتقرون الى القدرة العقلية للتشاور والتفكير الدقيق يستفيدون من توجيه وارشاد السيد الذي يدير بعقله شؤون المنزل لأجل الصالح العام. يميّز ارسطو بين القوة الجسدية والبصيرة الرشيدة، متصورا شراكة يوفر فيها السيد العقل بينما يوفر العبد العمل. هو يعرض هذه العلاقة كمنفعة متبادلة بدلا من ان تكون اكراهية واستغلالية. هذا التمييز يعكس السلّم الهرمي الواسع للمؤسسات، بدءً من رب المنزل الى المدينة، مجسّداً الأوامر والطاعة كعلاقات طبيعية وليست نتاجا للعرف الاجتماعي.

في نفس الوقت، ارسطو لم يكن غافلا عن الاستغلال. هو ينتقد استعباد اسرى الحرب اذا لم يتماشى مع ما يعتبره طبيعيا. وبينما يثير هذا التحذير الشكوك حول العديد من حالات العبودية في العالم الواقعي التي كانت سائدة في زمانه، فهو لا يشكل حجة مناهضة للعبودية بقدر ما هو اختزال نظري: انه يجيز العبودية من حيث المبدأ بينما يلقي الشكوك على العديد من الممارسات. من خلال هذا الاطار، يؤكد ارسطو ان المجتمع سوف يزدهر في ظل الاعتقاد بان بعض الافراد ملائمون حقا ليكونوا عبيدا بشرط ان تتوفر فيهم معايير معينة.

هذا التوتر بين العبودية "الطبيعية" المثالية والقسوة التجريبية للمؤسسة هو من بين اهم التناقضات التي جرى النقاش فيها في السياسة. انه يعزز السؤال المستمر حول ما اذا كانت نظرية ارسطو تصمد امام التدقيق حينما تطبق على الممارسة الاجتماعية الحقيقية.

أصول عقيدة ارسطو في العبودية والانتقادات لها

ان جذور حجة ارسطو تكمن في نهجه التيلولوجي، وهو الرؤية بان كل البشر لهم غايات طبيعية او وظائف، وعقل كمعرّف للإنسانية والحياة السياسية - ذروة الطبيعة البشرية. يزعم ارسطو ان بعض الناس لا يشاركون في التفكير الا بقدر ما يدركونه لدى الآخرين، وان أهدافهم في الحياة (تيلوس) تُنجز ليس من خلال التفكير المتأني المستقل وانما عبر المشاركة في الحكم العقلاني للآخرين ضمن المجتمع المثالي. هو يقارن هذه العلاقة باعتماد الجسد على الروح. النقاد، القدماء والجدد على حد سواء، يجادلون بان هذه المقارنة تخاطر بتحويل الاختلافات في التعليم والظروف الى اختلافات أساسية للنوع، وبذلك تخفي الهيمنة الاجتماعية وبشكل فعال كنظام طبيعي. بهذه الطريقة، انها تخدم في ادامة السلالم الهرمية للمجتمع والتي هي في الأساس تفيد النخبة. الدراسات الحديثة سلطت الضوء على ثلاث انتقادات رئيسية تتحدى دفاع ارسطو عن العبودية:

1- المشكلة الابستمية: لا وجود لطريقة موثوقة لتحديد "العبيد الطبيعيين" دون إعادة انتاج الاستدلال المنحاز او الدائري، طالما عدم القدرة المتخيلة هي في الغالب نتيجة للقمع بدلا من دليل على عجز فطري.

2- المشكلة التطبيقية: الآليات التاريخية للعبودية في العالم اليوناني – بما في ذلك اسرى الحرب والنهب وعبودية الديون  نادرا ما تتماشى مع المعيار العقلاني الذي يفترضه ارسطو، بما يجعل المؤسسة التي يسمح بها لا يمكن تمييزها عن اللاعدالة الكلية اثناء التطبيق.

3- المشكلة المعيارية: حتى لو وُجدت قدرات غير متساوية، فان الاختلافات لا تبرر منطقيا الهيمنة طالما يمكن للتعليم  والحقوق القانونية والدعم الاجتماعي ان ينمّي استقلالية الفرد بدون اللجوء الى عبودية دائمة.

النتائج في الماضي وفي الحاضر 

ان عظمة ارسطو أتاحت ان تنتقل أفكاره بعيدا الى ما وراء مدرسته (ليسيوم ) لتؤثر في تفسيرات وتعليقات القرون الوسطى عبر اوربا وتوفير لغة استُخدمت لاحقا في النقاشات الحديثة المبكرة حول الغزو والاستعمار. وبينما أثار بعض العلماء والكتاب الانسانيين فكرة "العبودية الطبيعية" لتبرير الهيمنة، سلط آخرون الضوء على محاذير ارسطو بشأن الاستيلاء الظالم لتحدّي شرعية العبودية وإظهار المرونة التفسيرية لنصوصه في الخلافات الأيديولوجية.

في العالم الغربي، اعتمد المدافعون عن العبودية عادة على سلطة كلاسيكية لعقلنة عبودية مرتكزة على العرق، مع ذلك أشار النقاد الى ان متطلبات ارسطو - في ان العبودية تتطابق مع عدم قدرة حقيقية – لا تبرر ابدا أنظمة وراثية. ان تأثير نظرية ارسطو رسم أيضا تطور العلم الاجتماعي الحديث عبر الدعوة الى تمييزات واضحة بين هرميات وصفية وتبريرات معيارية. هذه التمييزات ساعدت على وضع ارضية للجدال تفضل ايجاد نظام قانوني عالمي يفصل الحقوق عن المعايير الخلافية للقدرة العقلانية.

بالنسبة للقارئ المعاصر، تأتي أهمية ارسطو كموقف ينبغي الحذر منه حول الكيفية التي يمكن ان تدعم بها نظريات معقدة مؤسسات غير عادلة عندما يكون التدقيق الميداني والتفكير الأخلاقي غير كافيين. وفي نفس الوقت، الانخراط بعناية مع حججه يكشف عن جذور النقد: التوتر بين فكرته المثالية للعبودية "الطبيعية" والواقع المرير للممارسة التاريخية يشير الى وجود ضعف جوهري في الدفاع عن المؤسسة ذاتها.

***

حاتم حميد محسن

 

إن الإسلوب الكلاسيكي التقليدي، المعقد، الذي يتم من خلاله عرض الأفكار الفلسفية، أصبح يُشكل عائقاً أمام تفعيل العلاج الفلسفي لمشكلات الإنسان الفكرية، وقضاياه وأزماته الوجودية، لأن الباحث في الفلسفة حين يريد ان يُقدم حلولاً فلسفية واقعية لمعالجة أزمات الإنسان والمجتمع، فإن كل ذلك قد يصطدم بالموروث الفلسفي الكلاسيكي التقليدي بوصفه إرثاً فلسفياً غير قابل للتعديل، والذي يرفض مؤيدوه أي فكرة جديدة أو محاولة للإصلاح، ويقللوا من أهميتها، وفاعليتها، وقدرتها على التاثير، بل وأحياناً يهاجموها، ويعتبروها دخيلة على الفكر الفلسفي الأصيل، وتؤثر على تسامي الأفكار الفلسفية وعلوها، ولكن ذلك يضعنا امام سؤال فلسفي جوهري حول أهمية و جدوى الفلسفة إن لم تستطع معالجة مشكلات الإنسان، وتغيير واقعه للأفضل، وماهي الجدوى من الحفاظ عليها وتناقلها وإجترارها عبر الأجيال إن لم تعالج مشكلاته بشكل عملي وحقيقي، إن الفكر الفلسفي يجب أن يخدم واقع الإنسان الإجتماعي، والأخلاقي، والصحي، والمهني، ويعمل على النهوض به، وإذا كانت الفلسفة تريد حقاً أن تغير جلدها، وتتخلص من الأفكار العقيمة والغير مفيدة للمجتمع، فيجب عليها تجديد وتطوير أفكارها، وإعطاء الإهتمام والأولوية للجانب العملي منها، والعمل على تعديل الأفكار والنظريات الفلسفية القديمة وتطويرها، لتناسب واقع الإنسان والمجتمع المعاصر، وتزوده بحلول فلسفية عملية، واقعية، واخلاقية، تساعده على التخلص من مشكلاته على نحو عملي، وليس فقط نظري، ويجب أن لايقتصر دور الفلسفة على تحليل المشكلات، بل يجب ان يتم تفعيل دور الفلسفة في تشخيص المشكلات، ومعرفة أسبابها، ومن ثم علاجها، لأن الفلسفة إذا لم تفعل ذلك، فإنها تناقض نفسها قبل كل شيء، حيث إن الفكر الفلسفي في الأساس هو دعوة للشك والتحقق، ولفحص الأفكار، والعمل بشكل فعلي على مكافحة الأفكار السلبية، ودعم ونشر الأفكار الإيجابية، وإن محاولات الهجوم على تاهيل الفلسفة وتفعيلها هو في الأساس ضد حقيقة الفلسفة، بإعتبارها بحث عن الحقيقة، ودعوة الى العلم بوصفه فضيلة أخلاقية، ونهوض بقيمة الإنسان وطريق لسعادته.

***

شيماء هماوندي

مقاربة اقتصادية تنموية

" يتقدم العالم بفضل الأشياء التي تبدو مستحيلة والتي تم إنجازها."

في سياق الاقتصاد التنموي، تبرز جدلية التخلف والتقدم كمحور أساسي لفهم مسارات الدول العربية في العصر الحديث، حيث تتقاطع العوامل التاريخية والاستعمارية مع الخيارات السياسية والاقتصادية المعاصرة. التخلف، كمفهوم، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي المجرد مثل انخفاض الناتج المحلي الإجمالي أو معدلات البطالة العالية، بل يمتد إلى أبعاد اجتماعية وثقافية تشمل التبعية الهيكلية للنظام الرأسمالي العالمي، والتي تحول دون تحقيق تنمية مستقلة وشاملة. أما التقدم، فيُرى كعملية تحولية تركز على الإنسان كغاية ووسيلة، تهدف إلى توسيع الخيارات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مع الحفاظ على الاستدامة البيئية والاستقلال الوطني. هذه الجدلية تكتسب طابعاً خاصاً في العالم العربي، حيث يواجه التقدم تحديات تاريخية مثل الاستعمار الأوروبي، الذي أدى إلى تجزئة المنطقة وتحويلها إلى مصادر للمواد الخام، مقابل نماذج تنموية غربية تركز على التحديث الرأسمالي، وبدائل شرقية مستمدة من تجارب شرق آسيا مثل الصين وكوريا الجنوبية، التي حققت قفزات تنموية من خلال نماذج مختلطة تجمع بين الدولة والسوق. من منظور اقتصادي تنموي، يعكس هذا الجدل توتراً بين التبعية الخارجية والاعتماد على الذات، حيث يُنظر إلى النماذج الغربية كأدوات للحفاظ على الهيمنة، بينما تقدم البدائل الشرقية نموذجاً للتنمية المستقلة، كما أبرزت دراسات مقارنة بين العالم العربي وشرق آسيا، التي أظهرت فشل الأول في الاستثمار والتصنيع مقارنة بالثاني.  في هذه الدراسة، سنستعرض هذه الجدلية من خلال تحليل المفاهيم الأساسية، النماذج الغربية وتأثيرها، البدائل الشرقية كمسارات بديلة، لنختم بتأملات حول إمكانيات التنمية العربية في ظل هذا التوتر. فماهي أسباب التخلف عند العرب؟ وهل التقدم عندنا يتحقق باحتذاء النماذج الغربية ذات الخلفية الاستعمارية أم باعتماد البدائل الشرقية ذات العمق التحرري الانساني؟

مفهوم التخلف والتقدم في السياق العربي: الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية

"من لا يتقدم كل يوم، يتراجع كل يوم."

يُعرف التخلف في الاقتصاد التنموي كظاهرة نسبية مقارنة بالدول المتقدمة، ومطلقة في ذاتها، تتميز ببنى إنتاجية ما قبل رأسمالية، وعلاقات اجتماعية إقطاعية أو قبلية، وثقافة تعزز التبعية والأمية. في العالم العربي، يرتبط التخلف تاريخياً بالاستعمار الغربي، الذي حوّل المنطقة إلى حديقة خلفية تابعة للنظام العالمي، حيث أصبحت مصدراً للمواد الخام مثل النفط والمعادن، مقابل استيراد السلع المصنعة، مما أدى إلى حلقة مفرغة من التبعية الاقتصادية. على سبيل المثال، في دول الخليج، أدى الاعتماد على الريع النفطي إلى تضخم استهلاكي دون تنمية إنتاجية محلية، حيث يسيطر الرأسمال الأجنبي على التكنولوجيا والاستثمار، مما يعمق التفاوت الاجتماعي والفجوة بين النخب والجماهير. أما التقدم، فيُرى كعملية تراكمية تاريخية تهدف إلى تحرير الإنسان من الاستغلال، من خلال تطوير القوى المنتجة، تحسين التعليم، وتعزيز الديمقراطية الاقتصادية. ومع ذلك، في السياق العربي، يظل التقدم محدوداً بسبب التجزئة القومية، التي فرضها الاستعمار بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، مما منع تشكيل أسواق كبيرة موحدة كما حدث في أوروبا، حيث ساهمت الحروب والاندماج في بناء دول قوية اقتصادياً. هذا الجدل يتجلى في نظريات مثل نظرية التبعية، التي ترى التخلف نتيجة للاستغلال الخارجي، حيث يحافظ النظام الرأسمالي العالمي على هيكل غير متوازن، يخصص للدول النامية دوراً في تصدير المواد الخام، مقابل احتكار الشمال للصناعات المتقدمة. في العرب، يتفاقم ذلك بالعوامل الداخلية مثل الاستبداد السياسي والطائفية، التي تحول دون التنمية الشاملة، كما أن التراث الثقافي يلعب دوراً مزدوجاً: يوفر ثقة بالنفس من خلال التاريخ الحضاري، لكنه يعيق الابتكار إذا تم التمسك به بشكل رجعي. بالتالي، يصبح التقدم ليس مجرد نمو اقتصادي، بل تحولاً هيكلياً يتطلب إنهاء التبعية وتعزيز الاعتماد على الذات، في جدل مستمر بين السبب (الاستعمار) والنتيجة (التخلف البنيوي). على هذا النحو: "في عمل الجسم كما في عمل العقل، يكون عدم التوازن المتحكم فيه هو الذي يسمح بالتقدم."

النماذج الغربية: التحديث الرأسمالي وحدوده في العالم العربي

"الفساد يتبع مسيرة التنوير. من الطبيعي تماماً ألا يستطيع الإنسان أن ينير نفسه دون أن يفسد."

تعتمد النماذج الغربية في التنمية الاقتصادية على نظرية التحديث، التي ترى التقدم كمسار خطي يبدأ من المجتمعات التقليدية نحو الصناعية، مستوحى من تجربة أوروبا والولايات المتحدة، مع التركيز على التصنيع، التحضر، التعليم، والقيم الرشيدة. في العالم العربي، تم تبني هذه النماذج بعد الاستقلال، كما في مصر تحت عبد الناصر، حيث سُعي إلى التصنيع الاستبدالي للواردات، لكنها سرعان ما اصطدمت بحدود التبعية، حيث فرضت الدول الغربية شروطاً عبر اتفاقيات مثل اتفاقيات الشراكة الأورومتوسطية، التي تهدف إلى دمج الاقتصادات العربية في السوق الأوروبية، لكنها تعزز الاعتماد على الاستثمار الأجنبي دون نقل تكنولوجي حقيقي. هذا النموذج، المعروف بـ"إجماع واشنطن"، يدعو إلى الخصخصة، فتح الأسواق، وتقليص دور الدولة، كما طبق في تونس ومصر خلال الثمانينيات والتسعينيات، مما أدى إلى نمو اقتصادي جزئي لكنه غير متوازن، مع ارتفاع البطالة (تصل إلى 15% في بعض الدول) وتوسع الفجوة الاجتماعية. نقدياً، يُرى هذا النموذج كأداة للحفاظ على الهيمنة الغربية، حيث يُفرض عبر مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، مما يعيق التنمية المستقلة ويحول الدول العربية إلى أسواق استهلاكية، كما أبرزت دراسات عن الثلاث عوالم العربية (إفريقيا الفرعية، الدول النفطية، المتوسطية)، التي أظهرت تقدماً اجتماعياً (مثل زيادة التعليم والصحة) لكن تخلفاً سياسياً واقتصادياً مقارنة بأمريكا اللاتينية أو أوروبا الجنوبية.

في السياق العربي، أدى تبني هذه النماذج إلى "تنمية التخلف"، حيث يُستغل الريع النفطي لتمويل الاستهلاك الغربي دون بناء صناعات محلية، مما يعمق الجدل بين التقدم الظاهري (نمو الناتج) والتخلف الهيكلي (ضعف الإنتاجية). بالإضافة إلى ذلك، يتجاهل هذا النموذج الخصوصيات الثقافية العربية، مثل دور التراث الإسلامي في تعزيز الثقة الذاتية، ويفرض قيماً فردانية تتعارض مع الروابط الاجتماعية التقليدية، مما يؤدي إلى تفكك اجتماعي وارتفاع معدلات الهجرة الشبابية. فكيف يمثل "عدم القدرة على العودة إلى الوراء هو شكل من أشكال التقدم."؟

البدائل الشرقية: نماذج شرق آسيا كمسارات تنموية مستقلة

"لا يمكن أن يكون هناك تقدم حقيقي إلا من الداخل."

في مقابل النماذج الغربية، تقدم البدائل الشرقية، مستمدة من تجارب شرق آسيا، نموذجاً للتنمية يجمع بين تدخل الدولة القوي والسوق، كما في "نموذج التنمية الآسيوي" الذي اعتمدته اليابان، كوريا الجنوبية، والصين، مع التركيز على التصدير، الاستثمار في التعليم، والحماية الوطنية للصناعات الناشئة. هذا النموذج، المعروف بـ"الإجماع الآسيوي"، يرفض الخصخصة السريعة ويؤكد على الدور التنموي للدولة في بناء البنية التحتية وتعزيز الابتكار، مما سمح بشرق آسيا بتحقيق نمو اقتصادي يفوق 7% سنوياً خلال عقود، مقابل نمو عربي لا يتجاوز 3% في كثير من الحالات. في السياق العربي، يُرى هذا النموذج كبديل واعد، حيث يتيح الاعتماد على الذات دون التبعية الكاملة، كما أبرزت مقارنات بين العالم العربي وشرق آسيا، التي أظهرت أن الأخير نجح في زيادة الاستثمار (بنسبة 30% من الناتج) والتصنيع، بينما فشل العرب بسبب ضعف الديمقراطية والاعتماد على الريع.  على سبيل المثال، اعتمدت الصين نموذجاً مختلطاً يجمع بين الاشتراكية والرأسمالية، مما رفع ملايين من الفقر، ويمكن للدول العربية مثل مصر أو الجزائر تبني عناصره من خلال سياسات تصديرية محمية واستثمار في التكنولوجيا، بدلاً من الفتح غير المتوازن. ومع ذلك، يواجه هذا البديل تحديات في العرب، مثل التجزئة التي تحول دون تشكيل كتل اقتصادية كبيرة كما في آسيا، والتأثير الثقافي الذي يتطلب توظيف التراث العربي-الإسلامي لتعزيز الثقة الذاتية، كما في نظرية التنمية البديلة التي تدعو إلى التحرر الشامل من الهيمنة الخارجية. هذا النموذج يعيد صياغة الجدلية، حيث يحول التخلف إلى فرصة للابتكار المحلي، مع التركيز على التنمية البشرية المستدامة، مقابل النماذج الغربية التي تعزز الاستهلاك غير المنتج. فكيف يكون "التقدم الحقيقي الوحيد هو القدرة على التشكيك في التقدم."؟

الجدلية والمقارنة: بين التبعية والاستقلال في التنمية العربية

"لا يزال أمام التقدم أن يحرز تقدماً."

تكمن جدلية التخلف والتقدم في العالم العربي في التوتر بين النماذج الغربية، التي توفر نمواً سريعاً لكن تبعياً، والبدائل الشرقية، التي تؤكد على الاستقلال لكن تتطلب إرادة سياسية قوية. اقتصادياً، أدى الاعتماد على النماذج الغربية إلى تقدم جزئي في دول ، حيث ارتفع الناتج لكن مع زيادة الاعتماد على العمالة الأجنبية، بينما تقدم البدائل الشرقية مساراً للتصنيع المستقل، كما في محاولات الجزائر لتبني سياسات آسيوية في الزراعة والصناعة. هذا الجدل يعكس تداخلاً بين العوامل الخارجية (الهيمنة الغربية) والداخلية (الاستبداد والتجزئة)، حيث يمنع الغرب تشكيل قوى عربية كبرى من خلال تدخلات عسكرية، كما حدث في محاولات الوحدة ، مقابل نجاح آسيا في تجنب مثل هذه التدخلات بفضل التوازن الجيوسياسي. من منظور تنموي، يتطلب حل هذه الجدلية دمجاً بين الاثنين: تبني عناصر غربية مثل التكنولوجيا مع روح شرقية في الاعتماد على الذات، مع تعزيز الديمقراطية لضمان مشاركة الجماهير، كما أن التراث العربي يمكن أن يكون جسراً للتنمية، مستلهماً من ابن خلدون في فهم الدورات الاجتماعية. فهل نحن أمام نموذج واحد للتقدم أم عدة نماذج يجدر اعتمادها وتأسيسها بشكل خصوصي؟

خاتمة

"التقدمي ليس من يؤمن، بل من يفهم مسار الأشياء."

يُنظر إلى التقدم في الفلسفة على أنه حركة ضرورية، وغالبًا ما يرتبط بعدم التوازن المنضبط، وقبول التجارب، والتساؤل الدائم؛ ويمكن أن يكون فرديًا أو جماعيًا، وأحيانًا تقنيًا، وأحيانًا روحيًا، ولكنه دائمًا في حالة توتر مع الركود أو التراجع، مما يتطلب منا إنتاج شيء جديد بدلاً من تكرار الماضي، وأن نكون حذرين من اليقين. في النهاية، تكشف جدلية التخلف والتقدم عند العرب عن حاجة ماسة إلى نموذج تنموي يتجاوز التبعية الغربية نحو بدائل شرقية مكيفة، حيث يصبح الإنسان محور التنمية، مع التركيز على الاستدامة والاستقلال. لتحقيق ذلك، يجب على الدول العربية تعزيز الوحدة الاقتصادية، الاستثمار في التعليم، وتوظيف الريع النفطي للتصنيع المحلي، مستلهمة من نجاح شرق آسيا في تحولها من التخلف إلى القوة الاقتصادية. هذا الجدل ليس قدراً، بل فرصة لإعادة بناء مسار تنموي عربي مستقل، يجمع بين التراث والحداثة في سبيل تقدم شامل ومستدام. فماهي الأفكار التنموية الثورية والآفاق المستقبلية للعرب؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

يمكن اعتبار الدكتور عبد الجبار الرفاعي من أهم المفكرين العرب المعاصرين الذين عملوا بشكل حقيقي على مشروع تجديد الفكر الديني. عمل الكثير من المفكرين على هذا المشروع، إلا أنهم خاطبوا الدين ودرسوه من خارج الدائرة الدينية. ما يميز الرفاعي أنه انطلق من داخل دائرة الدين للعمل على هذا المشروع الإصلاحي. لم يكن هدف الرفاعي أن يدافع عن التراث كصندوق سري ومقدس لا يمكن المساس به، ولم يكن في نفس الوقت من المنتقدين المتطرفين لهذا التراث كالذين رفضوا الصندوق وما فيه. كان هدفه الأساس هو إبراز التفسير الخاطئ والفهم غير المناسب لهذا التراث، فهو يتعامل مع مفهوم الإيمان كتجربة بشرية ذات بعد معنوي وأخلاقي وتجريبي، حيث اعتبر الإيمان هو العلاج للقلق المتزايد والمخاوف المتفاقمة عند الإنسان في العصر الحديث.

من أهم ما طرحه الرفاعي هو مفهوم "اللاهوت الجديد" أو "علم الكلام الجديد". هناك هاجس متزايد عند الرفاعي وزملائه المفكرين في العالم الإسلامي بأن علم الكلام بحاجة إلى تجديد حقيقي ليستطيع أن يواجه الظروف المتغيرة الحديثة، وهذا ما دفعه إلى تبني مفهوم علم الكلام الجديد، فقد دعا في كتابه "الدين والظمأ الأنطولوجي" بأن فهم الدين يجب أن يتجدد بتجدد احتياجات البشر الروحية. يتعامل الرفاعي في هذا الكتاب مع الدين على أنه مسألة ايمان قلبي، فلا يمكن للدين أن ينجو عبر القوة والفرض، كما نراه عبر التاريخ في مختلف الحكومات الإسلامية التي فرضت الإسلام بقوة السيف على الشعوب المحتلة. فالدين يجد طريقه إلى قلوب الناس عبر عطشهم إلى المعنى في هذا العالم المشتت. في كتابه "الدين والكرامة الإنسانية" يعتقد الرفاعي بأن الدين يجب أن يبدأ من الإنسان ومع الإنسان وإلى الإنسان. بمعنى أن الدين لا يسعى إلى أن يضحي بالإنسان من أجل الدين، وإنما يسعى إلى تطوير الإنسان ورفع حاجاته المعنوية في هذه الحياة. من النظريات التي تميز بها الرفاعي هو تمييزه بين مفهومي "الدين" و"التدين". بالنسبة له، فالدين هو موضوع وحي وغيب وربّاني، أي يقع خارج حدود التاريخ، بينما التدين فهو أمر تاريخي وثقافي ونفسي، أي أن التدين من نتاجات الإنسان حيث يقبل النقد والمساءلة. يستمر الرفاعي في هذا النهج ليطرح مجموعة من التساؤلات والانتقادات للتدين الذي يُبتنى على العنف والأيديولوجية السياسية والهيمنة الدينية.

على الرغم من انتقاده للتدين التاريخي البشري، إلا أنه يصر على تبيان مكانة الدين كنتاج إلهي وسماوي وخارج تلاعب البشر والتاريخ. يشارك الرفاعي مجموعة من الأفكار مع فلاسفة آخرين، فهو يتشاطر الرأي مع نصر حامد أبو زيد في تاريخية التفسير، حيث يعتقد بأن فهم النص يختلف مع اختلاف الثقافة والجغرافية والزمان، بمعنى أنه من الممكن أن يتغير فهم الدين باختلاف السياقات المختلفة، ولعل هذا يبرر وجود الإجتهاد الفقهي في المدرسة الإمامية، بل يجعله ضروريا. يغوص أبو زيد في التفسير اللغوي والهرمنيوطيقي والأدبي للنص القرآني ليقدم بذلك مجموعة من القراءات الجديدة للنصوص القرآنية، إلا أن الرفاعي اختار بأن يقرأ القرآن من منظور وجودي وأخلاقي وإيماني دون الخوض في المفاهيم اللغوية الجامدة.

على الرغم من وجود اتفاق ضمني بين رؤية محمد أركون وعبد الجبار الرفاعي في نقد التدين التاريخي، إلا أن أركون يستخدم سكينا حادا للغوص في جسد الدين التاريخي المتغير بتغير الحكومات والسلطات. إلا أن الرفاعي اختار البحث عن التجديد في داخل دائرة الإيمان والإجابة عن الأسئلة المتجددة في العصر الحديث. يؤكد الرفاعي على الحفاظ على روح الدين والإيمان، إلا أنه يرى من الضروري أن نعيد ترتيب الأولويات في الخطاب الديني. لا يخلو تراث الرفاعي من مواقف تدعو القارئ المتابع إلى النقد. لعل تراث الرفاعي يفتقد إلى عنصر أساسي في مشروعه التجديدي، فهو لا يحمل السكين الذي كان يحمله محمد اركون، فهو كان حريصا على أن يمشي في هذا البيت بهدوء دون المساس بمشاعر سكانه. حاول الإصلاح بهدوء من دون ضجيج، على عكس ما فعله اركون. كان بإمكانه أن يكون أكثر صراحة وأكثر تشخيصا لمواطن الخلل، ولكن قد أعزو هذا الأسلوب إلى ما هو عليه، فقد عرفته شخصا ذو كياسة وهدوء واطمئنان، ليس محبا لحلبات الصراع والضجيج. في النهاية، أرى أنه من الجميل أننا عاصرنا مفكرا مثل الرفاعي.

***

د. مجتبى الحلو - باحث وأستاذ جامعي عراقي

 

ذكورية اللغة العربية ليست مجرد ظاهرة لغوية عابرة، وهي أحد أبشع أشكال الإجحاف التي تمارس بحق المرأة، لأنها تلغي وجودها وإنسانيتها. فاللغة هي وسيلة للتفكير والتواصل وصناعة الواقع. وعندما تصبح اللغة ذكورية بشكل كامل، ينعكس ذلك على شكل التعامل معنا وعلى الطريقة التي ينظر بها لدورنا في المجتمع. يوميا نواجه هذا الإلغاء المبرمج في الخطاب العام: في المنزل، مكان العمل، في الشارع، في المدارس والجامعات وغيرها. ومن المؤسف والمؤلم أكثر أن هذا التهميش لا يظهر فقط في البيئات والاوساط التقليدية أو المحافظة، بل يتكرر حتى داخل المنظمات والأحزاب التي تعرف نفسها بأنها تقدمية أو داعمة لحقوق المرأة.

أنا شخصيا أعاني بشكل ملحوظ من شعور باللاوجود، عندما يتم استخدام صيغة المذكر فقط في مخاطبة الجميع: "زملاؤنا"، "كتابنا"، "قراؤنا"، "شبابنا"… وكأن المرأة مجرد ظل لا يرى، أو كأن وجودها ثانوي وغير جدير بالاعتراف. أحيانا أضطر لبذل طاقة إضافية فقط من أجل تذكير المجموعة بأن هناك عنصرا نسائيا حاضرا بينهم، وأن مخاطبتهم يجب أن تشملنا نحن النساء أيضا. هذا الأمر مرهق، حيث انه مجهود اضافي، ويعكس عبئا نفسيا عميقا، العبء المترتب على المطالبة بالاعتراف بوجودنا في أبسط التفاصيل، حتى في ضمائر الخطاب.

أن استمرار وجود هذه الظاهرة البشعة ليست حادثا لغويا طارئا، وهو امتداد لتاريخ طويل من الإقصاء. فاللغة لم تصنع في فراغ، وقد تشكلت داخل مجتمعات أبوية رأت الرجل مركزا لكل شيء، والمرأة مجرد تابع لا يذكر إلا بقدر صلته به. لذلك ظهرت القاعدة التي تقول إن “المذكر يغلب المؤنث”، وكأن الحضور الذكوري هو الأصل، وحضور المرأة استثناء يمكن تجاوزه.

وقد تراكمت الغاء واقصاء كينونة وجود المراة لغويا عبر قرون، من العصور الجاهلية إلى سلطة الفقه والخطاب الديني، ومن الممارسات الاجتماعية إلى صياغة القوانين والنحو والأمثال. وكلها كرست فكرة واحدة: أن صوت الرجل يكفي ليمثل الجميع، وأن المرأة تدمج ضمنا، حتى وإن كان هذا "الدمج" يخفي وجودها تماما بدل الاعتراف به.

وهكذا تحولت اللغة العربية إلى مرآة تعكس تاريخا طويلا من اللامساواة، وإلى أداة تعيد إنتاجها يوميا في كل خطاب، وفي كل جملة نسمعها أو نقرأها. وعندما لا تسمى المرأة، فإنها لا ترى. وعندما لا ترى، يصبح تغييبها أمرا طبيعيا لا يلفت الانتباه. وما يحدث لغويا يحدث اجتماعيا أيضا. فالمخاطبة الذكورية هي تفصيل لغوي، ومقدمة لأسلوب تعامل كامل يضع الرجل في الواجهة والمرأة في الهامش. وعندما يعاد إنتاج هذا النمط حتى داخل المؤسسات التي تعلن التزامها بالمساواة، يصبح الشعور باللاوجود مضاعفا.

نعم، نحن بحاجة إلى ثورة لغوية حقيقية، وإلى إصلاح واع يواجه ذكورية اللغة التي تبتر جوهر المرأة وتضعف حضورها. هذا إلاصلاح ضرورة لاستعادة التوازن، ولإعادة بناء واقع يعترف بنا كما نحن: ثابتات، حاضرات، جديرات بأن نسمى وأن نرى وأن نكون. ومن دون إصلاح لغوي و جذري واع، ستبقى المرأة غائبة لغويا في اللغة العربية، وبالتالي غائبة سياسيا واجتماعيا. نحن بحاجة إلى لغة تعترف بنا، تسمينا، وتخاطبنا. لغة تعيد بناء حضورنا بدل أن تلغي وجودنا.

***

بيان صالح

لمن نكتب؟ ولماذا هذا النوع من الكتابة؟

هناك أسئلة جذرية تُحدد طريق الكتابة لأحدنا مثل: لمن نكتب؟ لماذا هذا النوع من الكتابة؟ سُئلتها كثيرًا في لقاءات وحوارات بصيغٍ مختلفة، وفي كل مرة أتذكر عبارة الروائي الأمريكي ديفيد بالدتشي “ لاتقع في خطأ أن تكتب ما تعتقد أن الجماهير ستقوم بشرائه. اكتب للشخص الذي تعرفه جيدًا، اكتب لنفسك “، فعندما قرأتها لأول مرة فكأنما وجدت رفيقًا أنيسًا في رحلة بحرية تُغرقها أضواء الشهرة والجماهير دون اكتراث لضوئها الداخلي. والأصل في الكتابة أن يقترب الكاتب من القراء بما يكتنزه من فرادة لغوية وإبداعية تؤهله لاستنطاق الأفكار والقضايا الأكثر أهميةً وجدلًا بالنسبة إليه باستخدام الجنس الكتابي المناسب.

تقول الروائية الأمريكية سو غرافتون: “ أنا كاتبة مثابرة، وأيضًا مرعوبة “، عبارتها تمثلني كثيرًا. أصاب بقلق بعد الانتهاء من الكتابة، أترك العمل لأشهر ثم أعود إليه، أراجعه وأعدل مايلزم، ولابد أن أبعثه سريعًا للنشر والطباعة! فلو تأخر قليلًا، لن يصدر في الوقت المحدد لأن المادة ستظل تتطور وتتغير! في هذه اللحظة لابد لفرض التوقف وقرار حاسم بالنشر! أشعر في الحقيقة بنمو سريع في طاقتي الفكرية وقدراتي الكتابية ولهذا ألمس تفاوتًا هائلًا بين أعمالي ونصوصي بين فترات متقاربة فضلًا عن المتباعدة، فلم يمضِ على كتابي الأخير غير أشهر قليلة، وقد تملكتني رغبة في إعادة تحريره مع تطويره! أعرف جيدًا تشخيص حالتي الفكرية والنفسية والإبداعية! أعرف جيدًا لماذا ينتابني هذا الشعور، وأعرف بأن العلاج أن أمضي لعمل آخر.

دراسة مُضاعفة للأدب الإنجليزي

في عام 2011 تخرجت من الجامعة بدرجة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي بعد أن درسته بكلية الآداب بجامعة الملك سعود بالرياض، ثم انتقلتُ إلى كلية الآداب والتربية بجامعة الملك فيصل بالأحساء، درست المقال والشعر والقصة والنوفيلا والرواية من الأدب الإنجليزي وبعض النماذج من الأدب الأمريكي. عرفتُ من تلك الدراسة التي تضاعفت سنواتها عليّ بشكل استثنائي؛ أن الدين عامةً يحضر بشدة في الأدب الإنساني العالمي، ويبرز في السرديات الأدبية والسيّرية بشكل أو بآخر كمكون أساسي للفكر والهوية، كما أن الميثالوجيا تُسيطر على فكر المجتمعات كافة وفقًا لسياقاتها الثقافية والتاريخية المتباينة، وأن قراءة الإنسان للأحداث مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بوعيه وقدرته على التأمل والتفكير المنطقي والقراءة النقدية، وفي ذلك كله لا يمكن أن نغفل أثر الدين في تفسير الإنسان للأقدار والأحداث الواقعة من حوله. تأثرت بنوعية الأعمال الأدبية التي درستها، وعرفت أهمية القضية الجوهرية في الأعمال الأدبية، ومدى إمكانية إظهار الطبقات الفكرية والقيم الدينية بطريقة إبداعية ناهضة، ذلك لأنها تعكس صورة من صور الإنسان ووجهًا من وجوه حياته.

وفي دراستي - ثلاث مرات - لرواية " روبنسون كروزو " 1719، لدانييل ديفو 1660 – 1731 التي تعتبر من أهم روايات الأدب العالمي، وجدت فيها تجسيدًا لظروف عصرها وانعطافاته الفكرية والدينية آنذاك، بسردها المُتخيل لحياة شاب اسكتلندي، اختار التمرد على الأسرة إعلاءً لقيّم الفردانية الناهضة في العصر السادس عشر الميلادي، والعيش في مغامراتٍ بحرية لم تنتهِ بسهولة كما بدأت. فقد استطاع بها إبراز حياة العزلة على جزيرة نائية، والأحاديث مع الإله الذي يسمعه ويستجيب لندائه، تعلو مناجاته في أصعب اللحظات وأشدها انغلاقًا، ما يدعوه للتساؤل عن تأخر الاستجابة، فيتقرب لربه بالعمل الخيّر. هكذا يحضر الدين وتبرز الحاجة لوجود إله في اللاوعي البشري، تأكيدًا على وجوديته الأصلية في الإنسان. وقد استوقفتني هذه القراءة لتأمل حياة إنسان غربي بمسيحيته البروتستانتية، فكلما ألهته الحياة عن إلهه، ذكّره الإعصار وأمواج البحر المتلاطمة بوحدته وضعفه وحاجته لقوة مطلقة تنجيه من أهوال البحر. أليس هذا شبيه بما يحدث لنا جميعًا؟! إذًا الله حاضر في روح الإنسان بصرف النظر عن عرقه ودينه وثقافته، إنما بناءً على اللحظة التي قد تُظهر ذلك أو تُخفيه، فيعي الفرد تلك الحقيقة أو لا يعيها لقصورٍ فيه. وقد كان درسًا من أقوى الدروس التي خرجت بها من الدراسة، لأشق بعد ذلك طريقي في القراءة الحرة والكتابة على نحوٍ يشبهني ويليق بطبيعتي الفكرية والإبداعية.

قراءة الكتب بين ذاكرة النص وذاكرة الأفكار

لست كائنًا نصيًا ولا تلقينيًا، أقرأ كثيرًا، وأنسى النصوص كثيرًا، الأفكار هي من تبقى في رأسي. ولأن هناك دائمًا قائمة لامنتهية من الكتب، وأعرف أن ذاكرتي ستبدأ بفقدان الملفات المقروءة سريعًا، تحديتها بالكتابة - بقدر المستطاع طبعًا - فلا يمكنني الكتابة عن كل كتاب أقرؤه، لكني اعتمدت طريقة الموجزات لأتحدى خيانة الذاكرة، قرأت وكتبت في مختلف الأجناس الأدبية. توسعت قراءتي من كتب الأدب إلى كتب من العلوم الاجتماعية والسياسية والفلسفة. أشعر بالضعف أحيانًا عندما أجدني لم أقرأ كل الروايات الشهيرة والحائزة على جوائز هامة، أحاول تقليل قراءاتي خارج الأدب، ولكن دون جدوى! تعترضني كتب مهمة تختطفني بالقوة من مادتي الأدبية لأقرأها ويمتلئ رأسي من فكرتها. لا تكفيني قراءة السرد لوحده، أحتاج دائمًا لأدوات النقد والتفسير والتحليل لأحقق الفهم.

وعلى إثر هذه القراءة، عرفت أن ما يواجه الإنسان من ظروف اجتماعية وسياقات ثقافية وتاريخية لها الأثر البالغ في صناعته الفكرية مع اعتبار أنّ لكل إنسان سياقًا خاصًا، وأن الوعي بهذا المعنى حسّاس وسالكه محال إلا أن يشعر بغربة، لأن الناس كجماعات لا يريدون تغيير قناعاتهم وتبديل نتائجهم والإخلال بمعارفهم، فالمعرفة تتطلب ثمنًا باهظًا، والشك والتغيير من الأمور التي تهز منطقة الراحة مما يدفع بالإنسان للثورة أمام الهزة البسيطة للمسلمات المتراكمة لدرجة التكلس، فهو يفرح بالوهم المريح أكثر، وهنا تكمن صعوبة تحريك القيم والأفكار السائدة لعقود طويلة. والإشكالية أن هذا الركون له انعكاساته التراكمية السلبية جدًا، وقد لمسنا ذلك بأنفسنا، فأصبحنا شهودًا على مكابدة دفع الإنسان للثمن، الذي قد يتسبب في إهدار العمر كاملًا، وتضييع فرصة الحياة بجودة عالية وتوازن معتدل. شعرت بإحباطٍ وألم شديد أمام بعض القراءات، وبتفاؤل وأمل مع قراءات أخرى. وفي كل مرة يكون القرار أن أكتب. لابد أن أكتب ليس ما يريده الجمهور، بل ما تريده ذاتي، أو كما عبر عنه بالدتشي “ اكتب للشخص الذي تعرفه جيدًا. اكتب لنفسك “.

***

رجاء البوعلي – صحيفة المثقف

وقوع الظلم في أي مكان من هذا العالم يجب أن يستفز ضميرك ويوقظ فيك ما تبقى من إنسان... فلا يهم جنس الضحية ولا لونها ولا عقيدتها ولا أفكارها ولا طبقتها الاجتماعية، لأن الإنسان حين يهان في أي بقعة من الأرض يهان معه جوهر العدالة، وتنتقص من إنسانيتنا جميعا ذرة من النور.

إن طلب العدالة لا يخص أمة دون أخرى، ولا ثقافة دون غيرها، بل هو واجب كوني يستوجب مقاومة عابرة للحدود ضد طغيان الشر. أن نكون بشرا يعني أن نرى في كل ألم إنساني انعكاسا لآلامنا الخاصة، وأن ندرك أن الحياد في حضرة الظلم ليس حيادا، بل تواطؤ ناعم يتخفى خلف العقلانية الزائفة.

قال مارتن لوثر كينغ:

"الظلم في أي مكان هو تهديد للعدالة في كل مكان."

وهذا القول لا ينتمي إلى السياسة فحسب، بل إلى الفلسفة الأخلاقية العليا، لأنه يعيد تعريف الإنسان بوصفه كائنا مسؤولا، لا عن ذاته فقط، بل عن النظام الأخلاقي للعالم الذي يعيش فيه.

كل قهر يمارس على كائن بشري هو قهر موجه ضد الفكرة الكبرى للعدالة. وليس من الشجاعة أن تطالب بالعدل فقط حين تكون الضحية تشبهك، بل حين تدافع عنه لمن يخالفك في اللون والعقيدة والرأي. فالعدالة لا تقاس بميزان الانتماء، بل بقدرتها على أن تعانق الإنسان من حيث هو إنسان.

الضمير الكوني لا يعرف الجغرافيا، ولا يسأل الميتافيزيقا عن جنس المقهور أو نسبه أو لغته. إنه وعي متصل بنبض الوجود، يرى أن كل ظلم على وجه الأرض هو شرخ في نسيج الروح البشرية كلها.

فالظلم لا يعرف العناوين، ولا يطلب جواز سفر ليعبر الحدود، إنه كائن غامض يعيش على صمتنا، ويتغذى من لا مبالاتنا، ويزدهر كلما ظن الناس أن الألم البعيد لا يعنيهم ما دام لم يطرق أبوابهم بعد.

حين يسقط إنسان في أقصى الأرض تحت وطأة القهر، ينبغي أن يهتز في أعماقنا خيط من الضمير، أن نشعر بأن شيئا في النظام الكوني قد اختل، فكل ألم إنساني هو صرخة في الوعي الجمعي، وكل صرخة لا تجد من يسمعها تنقص من إنسانيتنا قدرا.

الحقيقة الفلسفية الأعمق تقول إن العالم جسدا واحدا، وإن الطعنة في خاصرة أي جزء منه توجع الكل، لأن الإنسانية ليست تجزئة بل كينونة واحدة.

ولنعلم جميعا أن العدالة ليست حلما طوباويا، بل هي المعنى الأسمى لاستمرار الحياة بكرامة. أما الفيلسوف الذي يدعي الحكمة ولا ينحاز للحق، فقد خسر دوره بوصفه ضميرا للوجود

***

ابتهال عبد الوهاب

 

إذا ما رجعنا إلى الحقبة التي بزغ فيها نور النبوة، نجد أن العلم ارتبط في الثقافة الإسلامية بنظرة تتجاوز نفع الفرد إلى نفع الإنسانية جمعاء. حيث لم يُقدَّم الإسلام بوصفه قطيعة معرفية مع العالم، ولا مشروعًا حضاريًا مغلقًا على أتباعه، بل جاء في سياق إنساني أوسع يعترف بتعدّد الأمم واختلاف المِلَل، ويُقيم التمييز الواضح بين الخلاف العقدي من جهة، والتعاون الإنساني وتلاقح الأفكار وتبادل الخبرات من جهة أخرى.

 وقد تجلّى هذا المعنى عمليًا في عهد النبوة، حين تعامل النبي محمد صلى الله عليه وسلم مع غير المسلمين تعامل الثقة العملية، حيث استعان بعبد الله بن أريقط، رغم أنه مشرك، دليلًا في أخطر لحظات الدعوة أثناء الهجرة (622م). ولم يمنع اختلاف العقيدة من الاعتماد على خبرته وأمانته، الأمر الذي يظهر وعيًا مبكرًا بأن بناء المجتمع لا يقوم إلا على الثقة المتبادلة وتبادل المنافع. كما نظّم النبي-صلى الله عليه وسلم-العلاقة بين المسلمين واليهود والمشركين في وثيقة المدينة (622م)، التي أرست مفهوم الجماعة السياسية القائمة على التعايش والمسؤولية المشتركة، وليس على التطابق الديني، وهو ما يعكس وعيًا مبكرًا بأن بناء المجتمع لا يقوم إلا على الثقة المتبادلة وتبادل المنافع.

 وإذا ما انتقلنا إلى عهد الخلفاء الراشدين ثم الأمويين، نجد أن هذا المنطق ظل حاضرًا؛ فالإدارة والطب والدواوين لم تُحصر في المسلمين وحدهم، بل شارك فيها نصارى ومجوس وصابئة، خاصة في الشام والعراق وفارس. وقد عمل أطباء نصارى في علاج الخلفاء والأمراء دون حرج، وكان المعيار هو الكفاءة لا الانتماء العقدي، الأمر الذي ساعد على تناكح الأفكار بين الثقافات المختلفة. وفي هذا السياق بدأ الاحتكاك المنظم بتراث الأمم السابقة، حيث انتقلت المعارف اليونانية والسريانية والفارسية إلى البيئة الإسلامية، لا بوصفها علوم غريبة، بل باعتبارها خبرة إنسانية قابلة للتطوير والتمحيص.

ومع قيام الدولة العباسية (750م)، بلغ هذا التلاقح الحضاري ذروته، خاصة في بغداد التي تحولت إلى مركز عالمي للعلم. حيث أُنشئ بيت الحكمة في عهد الخليفة المأمون (ت 833م)، ليكون مؤسسة جامعة للترجمة والبحث، وشارك فيه علماء من أديان مختلفة. ومن أبرز هؤلاء حنين بن إسحاق (808 873م)، طبيب ومترجم نصراني، نقل مؤلفات جالينوس وأبقراط من اليونانية والسريانية إلى العربية بدقة علمية عالية، وكذلك ثابت بن قرة (826 901م)، صابئي من حرّان، أسهم في الرياضيات والفلك والطب. ولم يكن هؤلاء استثناءات، بل جزءًا من مناخ عام يرى أن العلم لا يُسأل عن عقيدة حامله، بل عن صدقه ومنهجه، الأمر الذي يعكس إدراكًا مبكرًا لأهمية الزمن المعيش في الانتفاع بالمعرفة والخبرات العملية.

ومن داخل هذا المناخ المتسامح والمنفتح، نشأ كبار علماء الإسلام الذين لم يكن علمهم حكرًا على المسلمين، بل صار تراثًا إنسانيًا مشتركًا. فابن سينا (980 1037م)، المولود في بخارى، ألّف كتابه الشهير القانون في الطب، الذي تُرجم إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر، وظل يُدرَّس في جامعات أوروبا حتى القرن السابع عشر، واستفاد منه الأطباء المسلمون والمسيحيون واليهود على السواء. وكذلك الزهراوي (936 1013م)، طبيب الأندلس الكبير، الذي وضع أسس الجراحة الحديثة في كتابه التصريف، حيث انتقل أثره إلى أوروبا وأصبح مرجعًا أساسيًا للجراحين قرونًا طويلة.

وفي السياق نفسه، يأتي ابن النفيس (1213 1288م)، الطبيب الدمشقي، الذي اكتشف الدورة الدموية الصغرى، وهو إنجاز علمي بالغ الأهمية، ظل مجهولًا في أوروبا حتى أُعيد اكتشافه لاحقًا، ما يؤكد أن المعرفة الطبية في الحضارة الإسلامية كانت جزءًا من السلسلة العالمية لتطور العلم، لا حلقة منقطعة عنها. ولم تكن المستشفيات الإسلامية، حكرًا على أطباء المسلمين، بل عمل فيها مسلمون ونصارى وغيرهم، وكان المريض يُعالج بوصفه إنسانًا لا تابعًا لعقيدة بعينها.

أما في مجال الفلسفة والعلوم العقلية، فنجد أن ابن رشد (1126 1198م)، قاضي قرطبة وفيلسوفها، مثّل نموذجًا صارخًا لتلاقح الأفكار بين الحضارات، حيث كتب شروحه الشهيرة على أرسطو، التي انتقلت إلى أوروبا عبر الترجمات اللاتينية، وأسهمت في تشكيل العقلانية الأوروبية فيما عُرف بالرشدية اللاتينية. وقد قرأه فلاسفة مسيحيون ويهود، وتأثروا به في بناء الفلسفة المدرسية، ما يدل على أن نتاجه الفكري تجاوز الإطار الديني والثقافي الذي نشأ فيه.

 ولذلك لم يكن علم ابن سينا أو ابن رشد أو الزهراوي علمًا إسلاميًا بالمعنى الضيق، بل علمًا إنسانيًا ساهم في بنائه المسلم والمسيحي والمجوسي، وانتفعت به سائر الأمم، في سلسلة تاريخية طويلة من الثقة المتبادلة والتلاقح الخلّاق.

وقد كانت الأندلس (711 1492م) نموذجًا حيًا لهذا التعايش، حيث عاش المسلمون والمسيحيون واليهود في فضاء ثقافي واحد، وتبادلت فيه اللغات والمعارف. ففي طليطلة، نشأت مدارس للترجمة نقلت العلوم العربية إلى اللاتينية، وأسهم فيها علماء من مختلف الديانات. ويكفي أن نذكر موسى بن ميمون (1135 1204م)، الفيلسوف والطبيب اليهودي، الذي نشأ في بيئة أندلسية إسلامية، وكتب مؤلفاته متأثرًا بالفلسفة الإسلامية، خاصة ابن رشد وابن سينا، ثم انتقل أثره إلى الفكر اليهودي والمسيحي معًا.

وإذا ما نظرنا إلى البنية الغربية الحديثة، نرى تحولًا جذريًا في التعامل مع المعرفة. ففي أوروبا الحديثة، كان الاحتفاظ بالأرشيفات، والسيطرة على الطباعة، والتحكم في الجامعات، جزءًا من أدوات السلطة، ومع صعود الرأسمالية الصناعية أصبحت المعرفة رأس مال استراتيجي. ومع ظهور الشركات متعددة الجنسيات، تحولت المعلومة إلى مورد يُستخرج ويُخزَّن ويُباع. حيث أصبحت المعلومة تُدار بآليات سياسية واقتصادية معقدة، وتخضع أحيانًا لتوجيهات مؤسسية تحدد ما يُنشر وما يُخفى وما يُضخ في الإعلام وما يُدفن في الأرشيف.

ففي مجال الطب تحديدًا، أصبح التطوير العلمي مرتبطًا بالربحية، فحين تتولى شركات عملاقة إدارة الأبحاث والاختبارات والتوزيع، يصبح الوصول إلى العلاج متوقفًا على القدرة الاقتصادية لا الضرورة الإنسانية. ولا يعني ذلك أن الدواء الغربي رديء، بل يعني أن الدواء الذي يصل إلى العالم لا يعكس دائمًا أفضل ما توصل إليه العلم، بل ما يتناسب مع حسابات السوق. فالأولوية تُعطى للأدوية ذات العائد الكبير، أما العلاجات التي تُحدث فارقًا جذريًا لكنها لا تحقق أرباحًا مناسبة، فتُؤجَّل أو تُحجَب أو تُطرح بحدود جغرافية واقتصادية ضيقة.

وليس المقصود هنا إلصاق المسؤولية بدين أو عرق معين، بل الإشارة إلى شبكات نفوذ ثقافية واقتصادية لعبت دورًا في توجيه المعرفة بما يخدم مصالحها. وقد أشار لذلك محمد عابد الجابري، بأنه في بدايات أوروبا الحديثة، كان الاحتفاظ بالأرشيفات، والسيطرة على الطباعة، والتحكم في الجامعات، جزءًا من أدوات السلطة ومع صعود الرأسمالية الصناعية، أصبحت المعرفة رأس مال استراتيجي، ومع ظهور الشركات متعددة الجنسيات تحولت المعلومة إلى مورد يُستخرج ويُخزَّن ويُباع. حيث أصبحت المعلومة تُدار بآليات سياسية واقتصادية معقدة، وتخضع أحيانًا لتوجيهات مؤسسية تحدد ما يُنشر وما يُخفى وما يُضخّ في الإعلام وما يُدفن في الأرشيف.

ومع دخولنا عصر الرقمنة، ارتفعت درجة التوجيه إلى مستوى غير مسبوق. فخوارزميات المنصات الكبرى لا تعمل بصورة حيادية كما يتصور البعض، بل تُبرمج لتوجيه السلوك والمواقف والرغبات بما يتماشى مع مصالح من صمموها. معرفة مرشّحة، ومختارة ضمن مسار معين يرسّخ نمطًا ذهنيًا دون آخر، وحين تُضخ مليارات من الصفحات والمقالات والفيديوهات في شبكة تُديرها حفنة من الشركات، يصبح من السهل تشكيل وعي عالمي يتجه إلى ما تريده تلك المنصات، لا ما يريده الفرد.

تحت هذه السحابة الكثيفة من البيانات المتناقضة معلومات صحيحة وأخرى زائفة، علم رصين وآخر موجه، معرفة نقية وأخرى محمّلة بالتحيز يصعب على الإنسان العادي الوصول إلى الحقيقة. ليس لأن الحقيقة غير موجودة، بل لأن الوصول إليها محاط بطبقات من التوجيه والتشويش والانتقاء. وهكذا تُبنى أنماط الوعي الحديثة من خيوط خفية من السياسات المعلوماتية توجه ما نراه، وما نفكر فيه، وما نميل إليه، حتى تتحول خياراتنا إلى نتائج هندسة ذكية، لا نتائج إرادة حرة تمامًا.

ومن هنا يمكن القول بأن ما نشهده ليس عفوية معلوماتية، بل هندسة معرفية ممنهجة تُعيد صياغة العقل الجمعي بما يتماشى مع مصالح القوى الكبرى. فالخوارزميات، والأرشيفات المغلقة، ومراكز البيانات، وقواعد البحث العلمي، والإعلام الرقمي، كلها تعمل ضمن نسق واحد لتشكيل وعي الإنسان بما يوافق ما يطمحون إليه له، لا ما يطمح هو إليه لنفسه.

للحديث بقية...

***

بقلم: د. بدر الفيومي

 

نشرت صحيفة المثقف مقالا للدكتور ضياء خضير تحت عنوان: نظرية الصفر اللغوي للدكتورة سناء حميد البياتي في عددها الصادر بتاريخ 5/12/2025 

يقول الدكتور ضياء في مطلع مقالته أن صديقه بعث له بفيديو يظهر فيه الزميلة الدكتورة سناء البياتي مع الأستاذ باسم الجمل ببرنامج تتحدث فيه عن نظرية الصفر اللغوي.. ثم يبني نقده وانتقاصه من هذه النظرية مستندًا على هذه المقابلة، وكان الأجدر بصاحب المقال أن يقرأ كتاب (نظرية الصفر اللغوي للنحو الكلّي وتطبيقاتها في العربية) الذي صدر عن دار كنوز المعرفة في الأردن ليكون منصفًا في ملاحظاته.

إذ يقدم الكتاب تعريفًا لنظرية الصفر اللغوي وتوضيحًا لمفهوم الصفر اللغوي وهو: نظام آليّة عمل الدماغ البشري لإنتاج اللغة، ويشرح الكتاب - وبالرسوم التوضيحية - المراحل التي تمرّ بها الفكرة لكي تُنتج جملة منطوقة أو مكتوبة، ويوضح أسس النظرية من حيث المبادئ والمنطلقات ثم النتائج المترتبة على تطبيقها في اللغة العربية، ولا يصح أن يعتمد الدكتور ضياء في نقضه والانتقاص من الجهد على محاورة محددة بوقت لا يتسع للشرح المفصّل لجوانب النظرية كافة.

لذلك يؤسفني أن أقول: إن صاحب المقال لم يفهم (نظرية الصفر اللغوي) حق الفهم، واختزلها اختزالا غير منصف، ولو قرأ الكتاب لعلم كيف طبقتُها على عدد من اللغات ونجحتُ في تطبيقها، وكيف أثبتتِ النظريةُ أنّ  توزيعَ العلامات على الكلمات في اللغة العربية دليلٌ على  أن العقل الذي أنتج هذه اللغة عقلٌ يتميز بالدّقة والتنظيم، مع الإثبات العلمي لهذه النتيجة، وكيف يمكن تسهيل تعليم لغة معينة للناطقين بغيرها من خلال الاعتماد على معاني النحو المشتركة بين اللغات التي حددتها نظريةُ الصفر اللغوي بأربعة معان رئيسة فقط، وبذلك يسهل تعليم اللغات بالاستناد إلى المشتركات التي يعتمدها المترجم عادة في الانتقال من لغة إلى أخرى، ولو قرأ الكتاب لعلم أيضا أنّ من النتائج المهمة لهذه النظرية أنها تُسهم في كشف إعجاز القرآن الكريم، و تحدد مواضع بعض أمراض الكلام الكامنة في جهاز انتاج اللغة في الدماغ من خلال العارض الذي يعاني منه المتكلم من حبسة أو غيرها من أمراض الكلام.

وأمور أخرى كثيرة مذكورة في الكتاب المنشور.2212 sanaa

وقد ذكر صاحب المقال أن رئيس المجمع العلمي العراقي رفض النظرية، ورفضه هذا ليس بحجة، لأن فهمه للصفر هو: العدم، أو هو اللاشيء، وأنا عارضته في أن الصفر مصطلح لمفهوم مهم جدا، وهو لا يعني اللاشيء وإنما هو الأساس في بناء كل شيء، ولا يمكن ان نبني الأشياء بناءً سليمًا ما لم نبدأ من الأساس، ثمّ يُشيد رئيس المجمع بالعرب ويفتخر بأنهم اكتشفوا الصفر وأنهم أهدوا العالم هذا الاكتشاف، فهل أهدوا العالَم اللاشيء أو العدم؟

 وفي مجال اللغة (نظام آليّة عمل الدماغ لإنتاج اللغة) الذي اكتشفتُه هو (مرحلة الصفر) لأنه المرحلة الماثلة ما بين انبثاق الأفكار المراد التعبير عنها بجمل، والجمل المعبرة عن تلك الأفكار كما أن الصفر الرياضي هو المرحلة الماثلة ما بين الأعداد الموجبة والأعداد السالبة، وقد وصفتُ هذا النظام وتلك الآليّة بدقة، وطبقته على أكثر من لغة ونجحت في تطبيقه، ويكفي أن يكون النجاح في التطبيق دليلًا على صحة نظرية لسانية مقرها في الدماغ البشري.

وهنا يطيب لي أن أسأل الدكتور ضياء خضير هذا السؤال:

هل دماغ الإنسان يُنتج اللغة وفق نظام أم أن إنتاج اللغة عشوائيٌ؟ بالتأكيد ستقول لابد أن يكون إنتاجها وفق نظام. إذن هات لي نظامًا آخر غير النظام الذي وصفتْه وحددت معالمَه نظريةُ الصفر اللغوي وطبّقه على عدد من اللغات كما فعلت نظريةُ الصفر اللغوي التي وصفت نظام آلّيّة عمل الدماغ لإنتاج اللغة وطبقته على عدد من اللغات ونجحت في التطبيق.

طبعا لا تستطيع...

والآن لنطلب من الدكتور ضياء خضير أن يذهب وينقّب في كتب العلماء ويأتينا بمن قدّم نظامًا متكاملًا لآليّة عمل الدماغ لإنتاج اللغة وطبّقَه على لغاتٍ متعددة ونجح في التطبيق كما فعلت نظرية الصفر اللغوي.

بالتأكيد لا يستطيع الدكتور ضياء خضير ولا غيره فعل ذلك وكل ما أورده في المقال (تشويش) على اكتشاف مهم ظهر في بيئة تنتقص وتتندر على جهود علمائها.. والله المستعان.

نعم إن تشومسكي أول من قال بوجود النحو الكلّي ولكنه لم يحدد قواعد النحو الكلّي كما حددتها نظرية الصفر اللغوي في الكتاب المذكور، ولم يستطع تطبيق نظريته (التوليدية التحويلية) على عدد من اللغات أو أن تكون لها نتائج يُستفاد منها في مجالات متعددة أو يستفاد منها في بناء منهج تعليمي للغة من اللغات كما فعلت نظرية الصفر اللغوي في كتابي (قواعد اللغة العربية بمفاهيم جديدة وتعليمية) المنشور في دار أكتب في مصر.

وللعلم إن نظرية الصفر اللغوي انطلقت من التراث العربي وهي امتداد لنظرية النظم لعبد القاهر الجرجاني في كتابه دلائل الإعجاز ولكنها التقت مع النظرية التوليدية التحويلية في أن كلا النظريتين تبحثان في منطقة واحدة هي: اللغة في الدماغ البشري، وقد حاول تشومسكي منذ عام 1957 في كتابه (البنى التركيبية) أن يصل إلى قواعد النحو الكلي، ورغم المراحل التي مرت بها نظريتة لحين كتابه الصادر عام 1995 البرنامج الأدنوي  The Minimalist Program  لم يتوصل تشومسكي  إلى تحديد قواعد النحو الكلي كما حددتها نظرية الصفر اللغوي بأربع قواعد رئيسة فقط  هي معاني النحو الرئيسة الرابطة بين الكلمات، أضف إلى ذلك أن نظرية الصفر اللغوي حددت المراحل التي تمر بها الفكرة لكي تُنتج كجملة بثلاث مراحل ذكرتُ مسمياتها وآليّة عمل كل مرحلة من المراحل.

 إن نظرية الصفر اللغوي ترفض مبدأ التحويل عند تشومسكي لأن تشومسكي يرى أن (الجملة النواة) التي يولدها الدماغ هي المركز وهي المنطلق وهي الأصل على حد تعبير النحاة العرب، والجملة النواة عنده هي: (الجملة الخبرية المثبتة بأصغر أشكالها) ومنها يبدأ بتحويل الجُملة إلى الشكل النهائي الناتج في البنية السطحية كالجملة المنفية أو الاستفهامية أو غيرها، ولتقريب مبدأ التحويل عند تشومسكي بمثال: إذا قلت (ما سافر زيدٌ) فإن الدماغ - حسب رأي تشومسكي- كان قد ولّد في البنية العميقة جملة صغيرة هي (سافر زيدٌ) ثم تحولت في الدماغ بإضافة النفي اليها فأصبحت (ما سافر زيدٌ) وتخرج للسطح بشكلها بعد التحويل (ما سافر زيدٌ)، لذلك فإن تشومسكي يرى أن إنتاج الجمل يمرّ في الدماغ  بمرحلتين:

الأولى: توليد

الثانية: تحويل

في حين ان نظرية الصفر اللغوي ترفض مبدأ التحويل وتذهب بالأصل إلى أبعد من الجملة الخبرية المثبتة، تذهب إلى(معاني النحو) الرابطة بين كلمات جميع الجمل بما فيها الجملة الخبرية المثبتة القصيرة، وقد حددت النظرية تلك المعاني النحوية بأربعة معان رئيسة فقط هي: (الإسناد، التخصيص، الإضافة، التوضيح) وأن المعنى العام للفكرة- النفي مثلا-  يتحدد منذ البدء في المرحلة الأولى التي تمر بها الفكرة، فالجملة تولد منفية من منذ البدء ولا تولد خبرية مثبتة ثم تتحول الى منفية كما في النظرية التوليدية التحويلية. وهذا يتناسب مع إدراك الإنسان الأشياء: من الكل إلى الجزء حسب نظرية (الجشتالت) في علم النفس الإدراكي، وفي الكتاب شرح مفصل لكل مرحلة تمر بها الفكرة ولكل معنى نحوي رابط يربط بين أجزاء الفكرة، وفيه تطبيق على اللغة العربية واللغة الإنكليزية واللغة السويدية ويمكن التطبيق بنفس الطريقة على جميع اللغات الطبيعية التي يمكن الترجمة منها وإليها.

لا أدري كيف يجرؤ ناقد على نقد نظرية منشورة في كتاب دون الاطلاع عليه! ولو اطلع عليه لأراح نفسه من ذكر قائمة بأسماء العلماء الذين اجتهدوا في تيسير قواعد العربية بدءًا من ابن مضاء القرطبي قديمًا مرورا بجميع من ذكرهم في العصر الحديث، وأكثرهم أهمية عندي (أستاذي) الدكتور مهدي المخزومي صاحب أهم كتاب (في النحو العربي نقد وتوجيه)، فليس هناك من ينكر جهود العلماء في مجال التيسير، ولكن كل عالم أخذ بطرف أو عدة اطراف من القواعد النحوية محاولا إيجاد البدائل الميسّرة، أما نظرية الصفر اللغوي فهي تأخذ بجوانب اللغة مجتمعة وتخرج بنظامها من مرحلة الصفر فتجمع جهود أولئك العلماء وتضيف إليه الكثير لأنها تنطلق باللغة من منبعها الأساس في الدماغ، وهي - نظرية الصفر اللغوي-  بذلك لا تختلف عن مفهوم الصفر في الرياضيات،  فقد كان اكتشاف الصفر الرياضي تنظيمًا للأعداد جميعًا وبنائها بناءً صحيحًا بعد أن كانت موجودة ولكنها ناقصة ومبعثرة وغير منظمة تنظيما يبدأ بها من الصفر.

نظرية الصفر اللغوي تؤكد أهمية التراكم المعرفي الذي قدمه هؤلاء العلماء العظماء وتؤكد أيضا أنها قفزت بهذا التراكم المعرفي قفزة إلى الأمام في كشف نظام آليّة عمل الدماغ لإنتاج اللغة، وبنت عليه منهجًا مقبولا لتعليم قواعد العربية، واذا كان تيسير وإصلاح مناهج تعليم العربية هي الفضيلة الوحيدة التي ذكرها صاحب المقال للدكتورة سناء البياتي فيجدر به أن يسائل نفسه: ألا يقتضي التيسير والإصلاح نظرية جديدة غير نظرية العامل نقيم عليها مناهج قواعد العربية؟ أم نبقى على أسس نظرية العامل والمعمول ونرقّع النظرية القديمة من هنا وهناك لتناسب فكر الدارسين في العصر الحديث؟

***

د. سناء حميد البياتي

 

في عالم يُهيمن عليه الذكاء الإصطناعي، شهدت حياتنا اليومية تطوراً وتغيراً كبيراً في مختلف المجالات الحياتية، وتحولت التعاملات والعلاقات الإنسانية الى العالم الرقمي، حتى مقالاتنا وكتاباتُنا أصبحت رقمية، لأننا نعيش في عصر التكنولوجيا الرقمية.

لا نستطيع إنكار حقيقة أن العالم الرقمي له الكثير من الجوانب الإيجابية، منها سهولة إنجاز مهامنا الحياتية، وسهولة التواصل مع البشر في أي وقتٍ، وفي أي مكانٍ في العالم، وسهولة الحصول على المعلومات، ومتابعة الأحداث، وحتى إدارة حساباتنا وأعمالنا، وشؤوننا اليومية، التي باتت هي أيضاً رقمية، ولكن في الوقت ذاته، لقد أصبح الإنسان وحيداً، يعاني من العزلة الإجتماعية، ويفتقر الى الحياة الحقيقية، والعلاقات البشرية، لقد أصبح الإنسان المعاصر، إنساناً رقمياً، أسيراً لتكنولوجيا الذكاء الإصطناعي، وتداعيات العالم الرقمي، والذي ترتب عليه أن تصبح الآلة رقيباً على الأنسان، تختبر حقيقته و إنسانيته، وتدقق في نتاجاته الفكرية، وتتحقق من مدى صحة كونه إنساناً، لقد أصبح الإنسان المعاصر  مُجبراً على أن يثبت للآلة أنه ليس روبوتاً.

مرحباً أنا لست روبوتاً

هذه العبارة الإفتتاحية التي قد تبدو بسيطة ولطيفة،  لكنها تحمل في ثناياها فوضى التكنولوجيا وتسلطها على الإنسان، وتفتح أبواباً لأسئلة فلسفية عميقة، حول العلاقة بين الإنسان والآلة، قبل سنين مضت كان الإنسان يحاول أن يُطور ألات  وروبوتات ذكية، تضاهي العقل الإنساني، اوعلى الأقل تحاول التشبه به، ولكننا اليوم مُلزمون كبشر أن نُثبت للآلات أننا لسنا روبوتات، المُضحك المُبكي أن كل حياتنا أصبحت عبارة عن واقع إفتراضي، لدرجة إختلط علينا الأمر وأصبح من الصعب علينا التمييز بين ماهو حقيقي، وماهو إفتراضي او ذكاء إصطناعي، و مع كل موقع إلكتروني ندخله أو نزوره كل يوم، فإننا مُلزمون بان نثبت للذكاء الإصطناعي بأننا بشر، ولسنا روبوتات، ولكن لماذا وكيف صلنا الى هذا الحال، لماذا أصبحنا ملزمين أن نثبت أننا بشر للآلات، كيف يمكن لللآلات ان تحدد إنسانيتنا، وهل من الممكن ان تصبح حياتنا كلها عبارة عن محاولات لإثبات هويتنا الإنسانية؟!

في البداية يجب علينا ان نطرح سؤالا يمثل فهمه نصف الإجابة: ما هو الفرق بين الإنسان والآلة، هل هو الفرق بين العقل والجسد، أم هو الفرق بين الروح والمادة، أم هل هو الفرق بين القدرة على التفكير والقدرة على التصرف، أم هو الفرق بين التفكير والشعور؟!

كل هذه الأسئلة المُتداخلة تعيدنا الى نقطة البداية، في ظل التطور السريع الذي يشهده الذكاء الإصطناعي، الذي بات قادراً على فهم المشاعر الإنسانية، وتحليلها، بل ومحاكاتها، وفي خضم الواقع الوجودي الجديد، وفي ظل الحياة الرقمية المعاصرة، مازال شرطا على الإنسان لكي يكون جزءاً من العالم الرقمي، أن يثبت بانه ليس روبوتاً.

***

شيماء هماوندي

إن دراسة العلاقة بين الأسطورة ورأس المال والسلطة تتطلب مقاربة فلسفية جذرية تتجاوز التحليل السطحي للوقائع التاريخية أو الظواهر الاقتصادية المعزولة. يُفترض في هذا العمل أن الأنساق الثلاثة لا تعمل في انعزال، بل تتضافر لتشكل نظام هيمنة بنيوي متكامل، يرتكز على إنتاج المعنى والشرعنة بقدر ارتكازه على الإكراه المادي.

الإطار النظري والمقدمة المنهجية

تتمثل الإشكالية المركزية في فهم كيف تتجاوز الأسطورة وظيفتها السردية لتصبح تقنية حوكمة تعمل على تطبيع مصالح رأس المال والسلطة. وكيف يتم دمج اللاعقلاني في آلة العقلانية الأداتية؟

يتطلب الكشف عن هذا التعاون الفلسفي دمج أدوات النقد المادي، كما صاغها كارل ماركس في نقده للاقتصاد السياسي، مع أدوات النقد المعرفي والخطابي، التي طوّرها فلاسفة مثل ميشيل فوكو ورولان بارت.

إن الهدف من هذا الدمج ليس مجرد تفسير العالم، بل هو الانخراط في مشروع جذري لفهم بنية الصراع الاجتماعي والتحولات الطبقية بهدف تغييرها.

تنطلق هذه المقاربة من خلفية نقدية عميقة، نجد جذورها في أعمال فلاسفة تقليد مدرسة فرانكفورت والفلسفة الكانطية الجديدة. فإرنست كاسيرر، وهو فيلسوف كانطي جديد وريث لمدرسة ماربورغ، قام بتحليل أسطورة الدولة في سياق الكوارث السياسية التي عصفت بالقرن العشرين. وقد سعى كاسيرر لتسليط الضوء على حدود الترابط "غير المنطقي بين سياسة المعقول وثقافة اللامعقول". هذا التحدي الفلسفي يظل قائماً: كيف يمكن للعقلانية السياسية أن تُستغل لإطلاق العنان لقوة الفكر الأسطوري المفزعة؟ إن عمل كاسيرر يوضح أن جذور الكوارث السياسية في القرن العشرين تكمن في النمط الأسطوري للفكر الإنساني، الأمر الذي استدعى إصدار عمله في سياق معاصر أصبحت فيه الأنظمة الديمقراطية محل نزاع وإضعاف.

الأصول التاريخية: الأسطورة والسلطة ما قبل الرأسمالية

في العصور الوسطى، كان التعاون بين السلطة والدين (كشكل مهيمن للأسطورة) واضحاً من خلال نظرية الحق الإلهي المقدس. هذه النظرية، التي تمخضت عنها عقلية الكنيسة، روجت لفكرة أن الحكام مختارون من الله، وبالتالي، لا يجوز الخروج عليهم ولا تترتب عليهم أي مسؤولية أمام أحد مهما كانت أفعالهم. وقد وفر هذا الأساس الأسطوري شرعية مطلقة للملوك والقساوسة لممارسة الفساد والطغيان.

مع اندلاع الثورات السياسية الكبرى في أوروبا (الثورة الإنجليزية 1688، والفرنسية 1789)، انهارت نظرية الحق الإلهي، وتم استبدالها بمبدأ العقد الاجتماعي الذي يجعل الشعب مصدر السلطات. لكن هذا التحول لم يلغِ دور الأسطورة، بل استبدل الأسطورة اللاهوتية بأسطورة علمانية جديدة. فبدلاً من أسطرة الكنيسة والحاكم الإلهي، تم أسطرة الدولة الوطنية والعقل (كما رأى كاسيرر)، وأصبحت الدولة نفسها كائناً يُنظر إليه من منظور المخيلة والذاكرة والوجدان.

الأسطورة في خدمة الرأسمالية السياسية والشمولية

أظهر إرنست كاسيرر في "أسطورة الدولة" أن الأساطير السياسية الجديدة ليست مجرد بقايا من الماضي، بل هي أشياء مصنوعة بدقة، صنَعها "صناع مهرة ماكرون إلى أبعد حد". إن هذه الأساطير لا تظهر عشوائياً، بل "تتبع مخططاً".

إن هذا الطرح يوضح مبدأً فلسفياً بالغ الأهمية: الأسطرة كأداة عقلانية. فبدلاً من أن تكون الأسطورة نتاجاً لـ "فعل لا شعوري" أو "انطلاق الخيال"، فهي هنا تكتيك عقلاني تم اختياره لتحقيق غايات في السيطرة والحكم.

في سياق الحرب العالمية الثانية والأنظمة الشمولية التي حللها كاسيرر، يتضح أن الكوارث السياسية تعود جذورها إلى النمط الأسطوري للفكر. إن النظام يختار بذكاء استخدام اللاعقلاني (الأسطورة) كوسيلة لتعطيل النقد العقلاني وتبرير سياسة قمعية، مثلما حدث مع أسطرة الدولة نفسها وتحويلها إلى أسطورة غير قابلة للمساءلة. هذا التطبيق التكنولوجي للأسطورة يسمح للنظام السياسي باستغلال الجانب العاطفي والخيالي (الوجدان والمخيلة) للبشر للحفاظ على النظام، خاصةً في أوقات الأزمات الاجتماعية أو الانقسامات.

أسطورة الجدارة

تعمل أسطورة الجدارة على إضفاء طابع الشرعية على التفاوت الهائل في الثروة والسلطة. الفكرة الأساسية لهذه الأسطورة هي أن النجاح الاقتصادي والاجتماعي ينتج بشكل عادل عن الجهد الشخصي والموهبة، مع وجود "فرصة متساوية" للجميع.

إن دور هذه الأسطورة هو تبرير اللامساواة الفاحشة، وإقناع الأفراد بأن فشلهم هو نتيجة لقصورهم الذاتي وليس لخلل بنيوي في النظام التوزيعي. يسعى النقد الفلسفي إلى إظهار الفجوة بين الاعتقاد في الجدارة والواقع، الذي تؤكده مناقشات أكاديمية معاصرة حول الامتياز والمحددات الحقيقية للنجاح. إن هذه الأسطورة تمنع النقد الجذري للنظام الاقتصادي، مقدمةً اللامساواة كـ "عدالة طبيعية."

أسطورة النمو اللانهائي

تعتمد الرأسمالية المعاصرة على أسطرة "النمو" كشرط وجودي لا يُسأل عنه، وكغاية نهائية للمجتمع. هذه الأسطورة، التي تُسوَّق كمعيار للمنطق السليم، تتجاهل التحذيرات الأكاديمية القائمة على حدود الموارد الطبيعية.

على الرغم من أن النمو الاقتصادي قد ساعد في رفع مليارات من البشر من الفقر المدقع في مناطق مثل شرق آسيا، وتظل الحاجة إليه قائمة في الاقتصادات النامية، فإن الإصرار الأيديولوجي على النمو المطلق وغير المشروط، حتى على حساب البيئة، يكشف أن هذه الأسطورة تعمل كـ عقيدة دينية اقتصادية لا تخضع بالضرورة للمنطق العلمي أو المنفعة طويلة الأمد. إن السلطة تخدم رأس المال عبر تبني هذه العقيدة، مما يؤكد أن التعاون الثلاثي يُغلِّب الأسطورة على الحقيقة والبيانات الواقعية.

إن هذا التعاضد البنيوي يكشف أن الأسطورة تعمل كـ هندسة اجتماعية تحوّل المفاهيم الخيالية (مثل "الحرية" أو "الفرصة المتساوية") إلى دوافع اقتصادية وسلوكيات منتجة (النجاح في ظل النيوليبرالية). هذا يفسر لماذا تبدو الهيمنة الحديثة مزيجاً من الإكراه المادي (الاستغلال الاقتصادي) والقبول النفسي (الذي توفره الأسطورة الاستهلاكية والسياسية). إذا كانت السلطة تشكل الفرد ليكون فاعلاً اقتصادياً (فوكو)، ورأس المال يتطلب التراكم المستمر (ماركس)، فإن الأسطورة تجسر الهوة الثقافية عبر تقديم السرد المرغوب (مثل التحسين الذاتي الأمثل، وحرية الاختيار) الذي يحفز الفرد على الامتثال طواعية لمتطلبات النظام للإنتاجية.

والأمر الأكثر أهمية هو أن الأسطورة تشكل الهيكل المعرفي الذي يمنع الأفراد من رؤية هشاشة رأس المال، وتجعلهم يعيشون حالة من الاغتراب، حيث يجدون أنفسهم مضطرين للجوء إلى "الخرافات والخزعبلات" كأساطير مضادة، واقعين في الفخ ذاته.

نقد العقلانية الأداتية وأُفول المنطق

لقد أثبت التحليل الفلسفي للتعاون الثلاثي أن الهيمنة الحديثة منظومة شاملة، حيث يتم فيها استخدام السحر والخرافات بشكل روتيني ويومي في البيت والمخزن والمكتب، لتغليف اللاعقلانية الجوهرية للنظام. إن النقد المعاصر، خاصة في ظل هيمنة الصورة والآلة الرقمية، يواجه تحدياً يتمثل في ضرورة تفكيك هذه الأنساق الثقافية التي تمليها الصورة المصنوعة وفق غايات إيديولوجية مسبقة، والتي تسمح بإحلال الخيال مكان الحقيقة، والوهم مكان الواقع.

إن الكشف عن هذه الآليات يتطلب من النشاط النقدي المعاصر أن يحقق التوازن المطلوب ويرسم صورة إيجابية للعلاقة مع الآخر، في وقت تشهد فيه الحياة الثقافية تراجعاً مريعاً في مختلف حقول العلم والمعرفة. إن الفلسفة السياسية لم تعد قادرة على الاكتفاء بنظريات العقد والقانون والماركسية التقليدية والتحليل النفسي، بل يجب أن تبتكر فن رفض الخضوع من خلال إعادة تأويل الأنساق المهيمنة، وتكرار مفاهيم مثل الدولة والمجتمع والسلطة عبر منظور نقدي جديد.

أفق المقاومة والتحرر الفلسفي

على الرغم من التشخيص العميق والتشاؤمي أحياناً الذي قدمه النقد المعاصر لعمق تغلغل السلطة. ومع ذلك، يفتح هذا النقد في الوقت ذاته باباً لإمكانية التحرر. يقر فوكو بأن السلطة تنتشر في كل مكان، ولكن الحرية أيضاً يمكن أن تظهر في كل مكان؛ فليس هناك "نقطة خارج السلطة".

إن الحرية في هذا المنظور ليست هبة تُمنح من الدولة ولا جوهراً أبدياً في النفس، بل هي شيء يُبنى بجهد مستمر. إن أفق المقاومة يكمن في تقنيات الذات، حيث ينخرط الفرد في عمل مستمر على الذات، ويرفض أن يكون مجرد نتيجة للأنظمة. هذا التحول الوجودي، الذي يطرح سؤال "كيف يمكن أن نحيا بشكل مختلف؟"، هو عمل سياسي بالمعنى الأعمق لأنه يحدد كيف يقف الفرد أمام أنظمة السلطة التي تسعى لقولبته كمتعهد منتج أو مستهلك طائع.

إن مهمة النقد الفلسفي اليوم هي نزع الأقنعة الأسطورية التي تخفي الاستغلال الطبقي والتحركات السلطوية. لقد أظهر التحليل أن النظام الرأسمالي المعاصر، على الرغم من مظاهره العقلانية والتكنولوجية، يعتمد على أسس أسطورية مصنّعة. وتكمن إمكانية تفكيك هذا التعاون الثلاثي في تحويل الفكر من التفسير إلى الممارسة، ومن النقد النظري إلى بناء الذات الحرة المتمردة على الأنساق المهيمنة.

***

غالب المسعودي

......................

المراجع

azadiposts.com - رأس المال كأفق فلسفي: ماركس ونقد الحداثة الرأسمالية - آزادي بوست

alaraby.co.uk - ماركس ونقد الرأسمالية وإرثها الفلسفي - العربي الجديد

lakome2.com - حضور الخيال في السياسة من خلال أسطورة الدولة لإرنست كاسيرر – لكم

arabicpost.net - فلسفة الأسطورة - عربي بوست

ahewar.org - ماذا يتعلم الانسان من الأساطير فلسفيا؟ - الحوار المتمدن

ardfilmjournal.wordpress.com - Barthes' Mythologies, Baudrillard and iPod - The Motley Vi

alsifr.org - رأس المال يتحرّك | صفر - alsifr.org

langue-arabe.ac-versailles.fr - المنظور الفلسفي للسلطة في أعمال فوكو - موقع اللغة والثقافة العربية

مقدمة: عبارة "في عالم الخداع الشامل، يصبح قول الحقيقة فعلاً ثورياً" تشكل واحدة من أكثر الاقتباسات شيوعاً في الخطاب السياسي والفلسفي المعاصر، حيث تعكس التوتر بين الحقيقة والكذب في مجتمعات تُسيطر عليها الدعاية والتلاعب. غالباً ما تُنسب هذه العبارة إلى الكاتب البريطاني جورج أورويل (1903-1950)، مؤلف رواية "1984" التي تنبأت بديستوبيا الرقابة والكذب الرسمي. ومع ذلك، يثير أصلها جدلاً أكاديمياً، إذ لا توجد أدلة قاطعة على أن أورويل قالها أو كتبها، بل إنها ظهرت في الثمانينيات كتلخيص تفسيري لأفكاره.   تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف أبعاد هذه العبارة بمقاربة أكاديمية موسعة، مستندة إلى تحليل تاريخي، فلسفي، وسياسي. سنبدأ بمناقشة الأصول التاريخية والجدل حول النسبة، ثم ننتقل إلى أهميتها الفلسفية كهرمينوطيقا للمعنى في عصر ما بعد الحقيقة، وأخيراً دورها في السياسة المعاصرة كدعوة للمقاومة. تعتمد الدراسة على مصادر متنوعة لتسليط الضوء على كيفية تحول قول الحقيقة إلى فعل ثوري في سياقات الخداع المنهجي.

الأصول التاريخية للعبارة والجدل حول نسبتها

تعود أقدم ظهور مسجل للعبارة إلى الثمانينيات، حيث وردت في كتاب "شركاء في الإبادة البيئية: تواطؤ أستراليا في كارتل اليورانيوم" لـ"فينتورينو جورجيو فينتوريني" عام 1982، كنقش افتتاحي منسوب إلى أورويل: "في زمن الخداع، يصبح قول الحقيقة فعلاً ثورياً.

 تلاها ظهور آخر في عام 1984 في مجلة "البعد العلمي"الكندية، في رسالة من ديفيد هوفمان يقول: "أعتقد أن جورج أورويل قال في كتابه 1984 إن في زمن الخداع العالمي، يصبح قول الحقيقة فعلاً ثورياً". ومع ذلك، لا يوجد دليل يربطها مباشرة بأورويل، الذي توفي عام 1950، قبل عقود من ظهورها. بحث شامل في أعماله، بما في ذلك "1984" ومقالاته، لم يعثر على مطابقة، مما يجعل النسبة خاطئة .

 يرى الباحثون مثل محقق الاقتباسات أنها ربما نشأت كتلخيص تفسيري لأفكار أورويل حول "الكذب الكبير" و"اللغة المزدوجة" (التفكير المزدوج)، ثم تحولت إلى اقتباس مباشر بسبب الانتشار الشعبي.ومع ذلك، توجد اقتباسات مشابهة سابقة تعبر عن فكرة ثورية الحقيقة في سياق الخداع. على سبيل المثال، في عام 1912، كتبت شارلوت ديسبارد في مجلة "التصويت": "الحقيقة! لكنها بالضبط الحقيقة التي لا يمكن معرفتها من قبل الجماهير، فالحقيقة ثورية".

 كذلك، في عام 1919، كتب أنطونيو غرامشي في مقالة " النظام الجديد ": "قول الحقيقة، الوصول معاً إلى الحقيقة، هو فعل ثوري".

 في عام 1968، أعاد اللاهوتي يورغن مولتمان صياغة غرامشي قائلاً: "الحقيقة ثورية". هذه الأفكار تعكس تطوراً فلسفياً يربط بين الحقيقة والثورة، خاصة في سياقات الاستبداد والدعاية، مما يجعل العبارة جزءاً من تراث فكري أوسع يتجاوز أورويل.

في السياق العربي، تُترجم العبارة إلى "في عالم الخداع الشامل، يصبح قول الحقيقة فعلاً ثورياً"، وتُستخدم في الخطاب السياسي، كما في مقالات تناقش الكذب السياسي والفلسفة في المجال العربي والاسلامي.

 هذا الجدل حول الأصل يعزز أهميتها كرمز ثقافي، حيث تتجاوز النسبة الدقيقة لتصبح تعبيراً عن الواقع المعاصر.

الأهمية الفلسفية للعبارة: هرمينوطيقا المعنى في عصر ما بعد الحقيقة

فلسفياً، تعبر العبارة عن تحول في مفهوم الحقيقة، حيث تصبح ليست مجرد معرفة موضوعية بل فعلاً مقاوماً في مواجهة الخداع المنهجي. في فلسفة أورويل، كما في "1984"، يُعاد تشكيل الواقع عبر اللغة، مما يجعل قول الحقيقة تحدياً للسلطة التي تسيطر على "الحقيقة الرسمية". هذا يتردد في فلسفة ميشيل فوكو، الذي يرى الحقيقة كمنتج للخطابات السلطوية، حيث يصبح الكشف عنها فعلاً سياسياً.   كذلك، في فلسفة يورغن هابرماس، يعتمد التواصل التحرري على "الفعل التواصلي" القائم على الصدق، مقابل "الفعل الاستراتيجي" الخادع، مما يجعل قول الحقيقة أساساً للديمقراطية.

في عصر "ما بعد الحقيقة"، الذي وصفه أكسفورد عام 2016 كعصر يغلب فيه العاطفة على الحقائق، تصبح العبارة هرمينوطيقا لتأويل الواقع. كما يشير جورج لاكوف في فلسفة اللغة، يُعاد صياغة الحقائق عبر الإطارات، مما يجعل قول الحقيقة فعلاً ثورياً يعيد تشكيل الوعي الجماعي.

 في السياق العربي، ترتبط العبارة بفلسفة الكذب السياسي، كما في دراسات تناقش تأثير الدعاية على المجتمع، حيث يصبح الصمت تواطؤاً والصدق ثورة.  هذا البعد الفلسفي يجعل العبارة أداة للنقد الاجتماعي، حيث تكشف عن الاغتراب الإنساني في عالم الوهم.

الأهمية السياسية المعاصرة: قول الحقيقة كمقاومة

في السياسة المعاصرة، تكتسب العبارة أهمية كبيرة في مواجهة الأخبار المزيفة، الدعاية الرقمية، والحقائق البديلة. على سبيل المثال، في الولايات المتحدة، استخدمت خلال عهد دونالد ترامب لوصف المبلغون عن المخالفات مثل إدوارد سنودن، الذي كشف عن برامج التجسس، مما جعله "ثورياً" في عيون البعض.   في الشرق الأوسط، تُستخدم في سياق الربيع العربي، حيث أصبحت وسائل التواصل أداة لقول الحقيقة ضد الديكتاتوريات، كما في مقال يصف "قول الحقيقة عمل ثوري".

في فلسفة السياسة، ترتبط بالمفهوم الغرامشي لـ "الحقيقة الثورية"، حيث يصبح الكشف عن الخداع خطوة نحو الهيمنة المضادة.

 أمثلة معاصرة تشمل الطبيب الصيني لي ون ليانغ، الذي حذر من كوفيد-19 وتم اتهامه بنشر "الشائعات"، مما يجسد كيف يصبح قول الحقيقة جرماً في أنظمة الخداع. كذلك، في السياق الفلسطيني، يُستخدم الاقتباس لوصف الشهادات ضد الاحتلال.  هذه التطبيقات تؤكد أن العبارة ليست مجرد شعار، بل دعوة للفعل في مواجهة الاستبداد الرقمي والإعلامي.

التقاطعات بين الفلسفة والسياسة

يتداخل البعدان في العبارة كتعبير عن الثورة الوجودية، حيث يصبح قول الحقيقة تحريراً من الاغتراب، كما في فلسفة إريك فروم أو جان بول سارتر. سياسياً، يعزز ذلك المقاومة المدنية، كما في حركات مثل أنا أيضاً وحياة السود مهمة، حيث يكشف الصوت الفردي عن الخداع الجماعي.  في السياق العربي، ترتبط بالنقد الفلسفي للكذب السياسي، كما في دراسات حول "فلسفة الكذب والخداع السياسي"، التي تناقش تأثيره على المجتمع.

خاتمة

في الختام، تمثل العبارة "في عالم الخداع الشامل، يصبح قول الحقيقة فعلاً ثورياً" رمزاً للصراع الإنساني مع الكذب، رغم الجدل حول أصلها. من أصولها التاريخية في أفكار غرامشي وديسبارد إلى أهميتها الفلسفية في نقد ما بعد الحقيقة، ودورها السياسي في المقاومة المعاصرة، تظل دعوة للشجاعة الأخلاقية. في عالم يسيطر عليه الخداع الرقمي، يصبح الحفاظ على الحقيقة ليس خياراً بل ضرورة ثورية، محفزة على بناء مجتمعات قائمة على الصدق والعدالة والمساواة.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

كانَ الكاتبُ المِصْرِيُّ عباس محمود العَقَّاد (1889 - 1964) يَرى أنَّ الإنسانَ مَخلوقٌ مَفطورٌ على التَّفكيرِ، لَيْسَ لَهُ أهمية إلا بِقَدْرِ مَا يُمارِس مِنْ حُرِّيةِ عَقْلِه. فالحُرِّيةُ عِندَه لَيْسَتْ مُجرَّد حَقٍّ سِياسيٍّ أوْ شِعارٍ اجتماعيٍّ، بَلْ هِيَ شَرْطُ الوُجودِ الإنسانِ نَفْسِه.

والعَقَّادُ دائمُ البَحْثِ عَن الجَوْهَرِ الإنسانيِّ الذي تَتداخلُ فيه قُوى العَقْلِ والضَّميرِ والإرادةِ، لذلك كانَ شَديدَ النُّفُورِ مِنَ الاستبدادِ العَقْلِيِّ، سَواءٌ جاءَ في صُورةِ مَذْهَبٍ ماديٍّ يُلْغِي الرُّوحَ، أوْ تَيَّارٍ صُوفيٍّ يُلْغِي العَقْلَ، أوْ سُلطةٍ سِياسيةٍ تُلْغِي الإرادةَ. كُلُّ مَظْهَرٍ مِنْ هَذه المَظاهرِ عِندَه طَعْنَةٌ في قَلْبِ الإنسانِ. ولعلَّ هَذا مَا جَعَلَ أُسلوبَه يَتَّسِمُ بالجِدِّيةِ والصَّلابةِ، فالعَقَّادُ في دِفَاعِهِ عَن الإنسانِ مُقَاتِلٌ فِكريٌّ لا يَعرِف المُهَادَنَةَ.

أمَّا الكاتبُ الأيرلندي جورج برنارد شو (1856 - 1950 / نوبل 1925) فَهُوَ لا يَتعاملُ معَ الإنسانِ بِوَصْفِهِ مِثَالًا عقليًّا ثابتًا، بَلْ بِوَصْفِهِ دراما حَيَّة، يَتقلَّب بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، والحِكمةِ والتَّهْريجِ، والسُّمُوِّ والسُّخْفِ. غَيْرَ أنَّ هَذه المُفارَقات لَمْ تَدْفَعْهُ إلى اليأسِ مِنَ الإنسانِ، بَلْ إلى الإعجابِ بِما يَملِك مِنْ قُدرةٍ دائمةٍ على النُّهُوضِ مِنَ الفَوْضَى.

كانَ شو إنسانيًّا لأنَّه رَأى أنَّ الإنسانَ أعظمُ مِنَ القُيودِ الاجتماعية التي تُلبِسه الأقنعةَ، وأذكى مِنَ الخُرافاتِ التي تُكبِّله، وأقوى مِنَ الأوهامِ التي تُحاصِره. وَهُوَ يَدعو، بلهجته اللاذعةِ، إلى تَحريرِ الإنسانِ مِنْ عُبوديةِ التقاليدِ، وجُمودِ المُؤسَّساتِ، لا لِيَجْعَلَ مِنْهُ بَطَلًا مِثاليًّا، بَلْ لِيَمْنَحَهُ الحَقَّ في أنْ يَكُونَ نَفْسَه، عَلى الرَّغْمِ مِنْ عِلَّاتِهِ ومُشكلاتِه وتناقضاتِه. ولعلَّ أعمقَ جوانبِ النَّزْعَةِ الإنسانيةِ عِندَ شو إيمانُهُ بأنَّ التَّغْييرَ الاجتماعيَّ لا يَحْدُثُ عَبْرَ تَجميلِ الواقعِ، بَلْ عَبْرَ الصَّدْمَةِ الفِكريةِ التي تُوقِظ العَقْلَ مِنْ سُبَاتِه، وَلَوْ بالتَّهَكُّمِ المُرِّ والسُّخْريةِ المَريرةِ والكوميديا السَّوْدَاءِ.

وعَلى الرَّغْمِ مِن اختلافِ النَّبْرَةِ بَيْنَ العَقَّادِ وشو، فالأوَّلُ جادٌّ صُلْب، والثاني ساخرٌ لاذعٌ، إلا أنَّهما يَلْتقيان في نُقْطَةٍ جَوهرية، وَهِيَ رَفْضُ اختزالِ الإنسانِ في قَالَبٍ ضَيِّق. فالعَقَّادُ يَرفُضُ أنْ يُخْتَزَلَ الإنسانُ في المَذهَبِ الماديِّ أو السُّلطانِ السِّياسيِّ أو التقاليدِ التي تُفَرِّغُ العقلَ مِنْ حُرِّيته. وشو يَرْفُضُ أنْ يُخْتَزَلَ الإنسانُ في الطاعةِ العَمْياءِ، والمَسرحياتِ الاجتماعيةِ التي تَفْرِضُها الطَّبَقَاتُ والسُّلُطاتُ والمُعْتَقَدَاتُ المَوْرُوثة. كِلاهُما يَثُورُ على النَّمَطِ الواحدِ الذي يَشُلُّ رُوحَ الإنسانِ، وكِلاهُما يَقِفُ إلى جانبِ الإنسانِ الفَرْدِ لا الإنسانِ النَّمَطِيِّ.

هَذا الالتقاءُ لا يُلْغي الاختلافَ، بَلْ يُضِيئُه. العَقَّادُ يَتَّخِذُ مِنَ العَقْلِ حِصْنَه الأوَّلَ، وشو يَتَّخِذُ مِنَ السُّخْريةِ سِلاحَه الأمضى. العَقَّادُ يَكتبُ كَمَنْ يَضَعُ لَبِنَةً في بُنْيَانٍ فِكريٍّ مُتماسِك، وشو يَكتبُ كَمَنْ يَضَعُ مِرْآةً تَكشِف للمجتمعِ وُجوهَه المَخْفِيَّة. ومعَ ذلك، فَكِلاهُما يَنتهي إلى رَفْضِ تَسْليعِ الإنسانِ، أوْ تَدجينِه، أوْ تَحويلِه إلى آلَةٍ.

يَنْبُعُ اختلافُهما العميقُ مِنْ مُنْطَلَقٍ أُسلوبيٍّ وثقافيٍّ. العَقَّادُ مُفكِّر عَرَبيٌّ إسلاميٌّ يَرى الإنسانَ مِنْ خِلالِ وَحْدَةِ العَقْلِ والرُّوحِ، ويَمْنَحُه بُعْدًا أخلاقيًّا مُتَسَامِيًا، حتى حِينَ يَتناولُ السِّيرةَ البَشَرِيَّةَ في سِياقاتٍ تاريخية. وشو كاتبٌ أُوروبيٌّ عَلْمَانيُّ النَّزْعَة، يَرى الإنسانَ مِنْ خِلالِ صِرَاعِه معَ المُجتمعِ والسُّلطةِ والعُرْفِ،ويَمْنَحُه بُعْدًا واقعيًّا ساخرًا. هَذا الاختلافُ يَنعكِس في طَريقةِ تَصويرِهما للإنسانِ. عِندَ العَقَّادِ، الإنسانُ مَشروعُ ارتقاءٍ مُستمر، وعِندَ شو، الإنسانُ مَشروعُ نَقْدٍ مُستمر.

في أعمالِ العَقَّادِ، تَتجلَّى النَّزْعَةُ الإنسانيةُ في الدِّفاعِ عَنْ حُرِّيةِ الفِكْرِ، وَدِراسةِ العُظَمَاءِ باعتبارهم قِمَمًا إنسانية تُحْتَذَى، وتَمجيدِ الإرادةِ الفَرديةِ التي تَصْنَعُ التاريخَ.

وفي مَسرحياتِ شو ومَقالاتِه، تَتجلَّى النَّزْعَةُ الإنسانيةُ في الثَّورةِ على التقاليدِ، وكَشْفِ التناقضاتِ الاجتماعيةِ، والدِّفاعِ عَن الطَّبَقَاتِ المُهَمَّشَةِ، والهُجومِ على النِّفَاقِ السِّيَاسِيِّ والدِّينيِّ.

كانَ العَقَّادُ إنسانيًّا بِمَعنى الدِّفاعِ عَنْ قِيمةِ الإنسانِ، وكانَ شو إنسانيًّا بِمَعنى كَشْفِ حَقيقةِ الإنسانِ. وَبَيْنَ القِيمةِ والحَقيقةِ، تَتشكَّل مَدرستان مُتكاملتان في رُؤيةِ الإنسانِ رُوحًا وَجَسَدًا.

ويُمكِن جَمْعُ النَّزْعَةِ الإنسانيةِ عِندَ العَقَّادِ وشو في صِيغةٍ واحدةٍ قائمة على تَصَوُّرٍ واحدٍ، وَهُوَ أنَّ الإنسانَ عَقْلٌ حُرٌّ وَضَميرٌ يَقِظ، لكنَّه أيضًا مَخلوقٌ يَبحثُ عَنْ ذَاتِه بَيْنَ مُفَارَقَاتِ الحَياةِ.

العَقَّادُ يَمنحُ هَذا الإنسانَ جَنَاحَيْن : العَقْل والحُرِّية. وشو يَمْنَحُهُ مِرْآةَ الوَعْيِ والقُدرةَ عَلى الضَّحِكِ مِنْ نَفْسِه. وَمِن اجتماعِ هَذَيْن الجَنَاحَيْن والمِرْآة، يَتكوَّن مَفهومٌ إنسانيٌّ أكثرُ نُضْجًا : إنسان قادر على صَوْنِ كَرامته، وَنَقْدِ ذَاتِه، وتَجاوزِ حُدودِه.

إنَّ النَّزْعَةَ الإنسانية بَيْنَ العَقَّاد وشو لَيْسَتْ مُجرَّد مُقارَنةٍ بَيْنَ مُفَكِّرَيْن، بَلْ هِيَ مُقارَنة بَيْنَ ثقافَتَيْن تَتكاملان في رَسْمِ مَلامحِ الإنسانِ الحَديثِ مَعنويًّا وماديًّا. العَقَّادُ يُشيِّد بُنْيانًا عقليًّا راسخًا يُدافِع عَنْ حُرِّيةِ الفَرْدِ وَسُمُوِّهِ الرُّوحيِّ، وشو يَفتحُ نوافذَ النَّقْدِ الساخرِ على المُجتمعِ، لِيَكْشِفَ هَشَاشَتَه وَطَاقَتَه في آنٍ معًا. وَبَيْنَ البِناءِ والنَّقْدِ، والجِدِّ والسُّخْرية، تَتَّضِح الصُّورة، وَتَتَبَلْوَر الرُّؤية، وَيَكتمِل المَعنى: الإنسان مِحْوَرُ الفِكْرِ، وغايةُ الإبداعِ، وَسُؤالٌ لا يَنتهي، لأنَّه الكائنُ الذي يُفَتِّشُ عَنْ ذَاتِه، وَهُوَ يَعِيشُ مَعَهَا، وَيَمْشِي مُثْقَلًا بالأسئلةِ، وَيَتْرُكُ في كُلِّ فِكرةٍ أثَرًا مِنْ رُوحِه.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

"القراءة هي السلاح الأول في معركة الحياة".. طه حسين

لا يمكن لأي مقاربة للقضايا والاشكاليات المرتبطة بتداول الثقافة المكتوبة في المجتمعات العربية والإسلامية أن تكون مقنعة ما لم يتم ربطها باستراتيجيات السلطة، والتي قامت في هذه المجتمعات مند بداياتها على احتكار الكتابة والقراءة معا بوصفهما أي الكتابة والقراءة وجهين متكاملين ومترابطين في استراتيجية الهيمنة والتحكم، وكل مقاربة ينبغي أن تأسس على معرفة دقيقة بالماضي، بحيث أن هذا الحاضر هو استمرار للماضي بكل ما يتضمن من ظواهر، سواء أطلقنا عليها ظواهر القطيعة والاستمرارية. فمن الضروري الوقوف على العوامل التي أدت إلى بداية الكتابة أو ما عرف بالتدوين، والذي نتج عنه هيمنة نمط من المعرفة على أنماط أخرى، والتي اقترنت بهيمنة سلطة بعينها.

أزمة القراءة في المجتمعات العربية: جذور تاريخية وتجليات حديثة

في بداية هذه الدراسة ينبغي لنا أن نطرح هذا التساؤل الهام والعريض: هل وجدت في المجتمعات العربية تقاليد أو مؤسسات تقترن بالقراءة وتداول المعرفة على نطاق واسع بين أفراد هذه المجتمعات مما نتج عنه وجود سوق نشطة للكتاب والمطبوعات بشكل عام؟

مند فترة ليست بالقصيرة، طفت على السطح نقاشات بين المثقفين والمهتمين بالنشر والكتابة نقاشات حول ظاهرة يعبر عنها أحيانا ب '' أزمة القراءة ''أو ''كساد سوق الكتاب"، وفي السياق سنحاول على وجه الدقة أن نركز النقاشات التي عرفها السياق المغربي.

في الواقع، قد تكون هذه الظاهرة موجودة مند القدم، لكنها وفي الآونة الأخيرة اتخذت ابعادا أكثر تعقيدا، إذ ارتبطت بوجود نشاط اقتصادي يشمل فاعلين متعددين وهذا ما يفسر تعدد الأصوات التي دقت ناقوس الخطر-خاصة الكتاب والناشرين- محذرة ومعلنة عن انحسار القراءة، ومتسائلة عن مصير الكتاب ومستقبل القراءة والمعرفة، ورافعة بشكل ضمني أو صريح نداء قديما: اقرأ.

لم تبدأ أزمة القراءة مع انتشار الانترنت ووسائل التواصل الحديثة، بل تواجدت على الدوام، غير انها ازدادت استفحالا وبالخصوص إذا ما استحضرنا  ارتفاع نسبة المتعلمين، وقد بدا ذلك بجلاء مند تسعينيات القرن الماضي، حيث توالت التحذيرات من تدهور القراءة، وفي هذا السياق قرأنا العديد من المقالات والتي نشرتها الجرائد الوطنية وملاحقها الثقافية، كتب نجيب خداري:" تضاعفت نسبة المتعلمين في الوطن العربي مرات ومرات...لكن قراءة الإبداع-نوعا وكما-في تناقص مفزع، ولا شك أن اختفاء المتلقي الجاد للعمل الإبداعي هو من العوامل الرئيسية لترهل الإبداع وخفوته"[1]، وأضاف بوجمعة العوفي في "الأبواب السرية":" ليس قارئا جليلا من لا يدعو للقراءة ويحفز عليها، ومن لا ينشر هذه الدعوة الفاتنة، هذه الدعوة الجميلة بين الناس، إن تعليم القراءة، وتحيينها جزء من "النضال الطبقي" ووعي المجتمعات يقاس بعدد قرائها"[2]. وبدورها نادية بنعباس الدكالي كتبت رسالة بهذا العنوان: ماذا يقرأ المتعلم في بادية المغرب" حيث أرجعت تقلص القراءة إلى الوضعية المادية والاجتماعية لقطاع عريض ورئيسي من المتعلمين المغاربة[3].

واعتبر إبراهيم الخطيب من جانبه تقلص أو تدهور القراءة مسألة عادية على اعتبار أن القراءة كانت دوما عملية تقوم بها الأقلية، وكتب:" ليس للأدب الرائع إلا قراء قليلون، إن هذه الملاحظة بديهية ومقلقة بالنسبة لمن يفكرون في الكتب الأدبية، وهي منشورة في المساحات لا حد لها ليبتاعها قراء لا حصر لهم، ويحاول الناشرون أن يقنعوا أنفسهم بمنطق العدد القليل، ويعتقد بعض علماء الاجتماع المهتمين بالثقافة أن ذلك هو مكمن الخطر، حيث يتم إهمال الموهبة التي تتوارى دائما وراء القلة، تلك الموهبة التي هي مستقبل النشر،  أردت بهذا المدخل المركب الإجابة على الشكوى التي نسمعها عادة، وسمعناها مؤخرا هذه الأيام على صفحات الصحف وفي بعض برامج التلفزة...[4]

وأرجع عبد الوهاب الدبيش أسباب هذه العودة إلى الوراء (أي تقلص القراءة) إلى عاملين أساسين ويتعلق الأول بانعدام سياسة ثقافية واضحة، إن لم أقل إلى التهميش الثقافي الذي يطال المجتمع، في حين يتعلق الثاني بالقدرة الشرائية للمستهلك وعلاقتها بطبيعة الاستثمارات المخصصة في مجال النشر والتوزيع وانعدام تكافؤ العلاقة بين المنتجين (المبدعين والكتاب والدارسين) وبين أصحاب رؤوس الأموال الموظفة في القطاع[5]. وأضاف مشددا على العامل الاقتصادي في فهم هذه الظاهرة بالقول: " أعود للحديث عن الدور الأخر وأعني به ضعف المداخيل وعلاقتها باقتناء الكتاب، فأسرد حدثين عابرين كافيين للدلالة على الوضع المادي السيئ الذي يعاني منه القارئ في علاقته بالكتاب، المثال الأول: وهو ما نلاحظه في المقاهي من تهافت على قراءة الصحف الموجودة بالمقاهي بالمجان. إن الذي ينتظر مدة زمنية غير يسيرة بالمقاهي من أجل دوره في الصحيفة التي لا يتجاوز ثمنها درهما ونصف، لا يعني سوى أنه غير قادر على توفيرها من ماليته الخاصة، فكيف ننتظر من مثل هذا المواطن أن يذهب إلى المكتبة، ويقتني كتابا أو كتابين في الشهر، وهذا المثال لا ينطبق فقط على المواطن العادي، بل يتعداه ليشمل من نعتبرهم حاملي المعرفة وأدوات تمريرها إلى المجتمع، بل إن الأستاذ الجامعي مثلا يقد يكتفي بشراء كتابين في السنة بعدما كان يخصص مبلغا لا يقل في أسوء الحالات 600درهم لاقتناء ما جد في عالمه المعرفي من جديد...[6]

وفي السياق ذاته، نشرت جريدة ليبراسيون المغربية؛ وتحت عنوان عريض وبأحرف بارزة وعلى أعلى صفحتها الأولى هذا النداء: " هذه الجريدة ليست للكراء"[7]، وكتب نوفل البرنوصي في نفس العدد من نفس الجريدة تحت هذا العنوان: " للقراءة وليس للكراء"، مستحضرا نداء النقابة الوطنية للصحافة المغربية وشركة توزيع (سابريس) من أجل حملة ضد الممارسات الاحتيالية واللامشروعة والمتعلقة ب"كراء" الجرائد والمنشورات، ومما جاء في هذه المقالة:"إن هذه الجريدة لا تكترى وإنما تباع وتقرأ بتمعن. إن شراء الجريدة وخاصة في مجتمعنا هو دعم لحرية التعبير والتعددية والديمقراطية...[8]

عكست هذه الأصوات في وقتها أزمة القراءة في المجتمع المغربي، بعد عقود من هذه التحذيرات، وفي الوقت الحاضر لا تزال الأزمة مستمرة وقائمة، بل وتتعمق مع ظهور أجيال من ''المتعلمين'' و '' اشباه المتعلمين '' والذين يساهمون – عن قصد أو عن غير قصد – في اعادة انتاج واقع يكرس القطيعة مع الكتاب بدء من المدرسة والجامعة ووصولا إلى الحزب السياسي وانتهاء بالشارع.

كيف يمكن إعادة الاعتبار للقراءة كفعل حيوي واستراتيجي في بناء الوعي الفردي والجماعي؟

فعل القراءة وفعل الكتابة: الابعاد الاستراتيجية

يجد التساؤل حول فعل القراءة ومشروعيته في القراءة ذاتها باعتبارها: " فعلا اجتماعيا ولا اجتماعيا في نفس الآن، إنها فعل لا اجتماعي إذ أن القراءة مؤقتا تعزل الفرد عن مجموع علاقاته مع المحيط، كي يعيد علاقات جديدة مع عالم العمل، واجتماعية القراءة تكمن في انطلاقها من مجموعة من المعايير والتقاليد التي وضعها المجتمع والتي تمثل جزءا من ثقافته وتجربته الجمالية[9]، وكذلك الثقافة والرؤية التي يطمح المجتمع إلى تكريسها وترسيخها كبديل، وتساهم بذلك في تشكيل رؤيته المستقبلية باعتباره فردا ينتمي لمجتمع.

لا أحد ينكر أهمية القراءة وتداول المعرفة على نطاق واسع، فالمعرفة التي يتم تداولها وتلقينها داخل المدرسة - رغم أهميتها – تظل محكومة بمنظومة محددة، تختلف حسب المجتمعات ودرجة تحررها وتشبعها بقيم الديموقراطية، أما القراءة وتداول المعرفة فهي إشكالية معقدة يصعب فهم العوامل المتحكمة فيها، وتتطلب مقاربة شاملة ومتعددة الابعاد والزوايا. إن سوسيولوجية القراءة كي تكون مقنعة، يجب عليها أن تتناول في نفس الوقت: العلاقات الخارج نصية (أي سوق الكتاب، والشروط الاجتماعية والاقتصادية) من جهة، والعلاقات النصية (أي دراسة المحتوى ودلالاته) من جهة أخرى[10].

تهدف سوسيولوجية القراءة أو الكتابة دراسة سوق الكتاب من جهة، ومضمون الكتاب من جهة ثانية، فالقراءة والكتابة فعلان متلازمان، يكمل أحدهما الأخر، ويخضعان لنفس الشروط الاجتماعية والبنيات الثقافية، فالثقافة المكتوبة لا يمكن أن تفهم خارج سياق تداولها وانتاجها، والذي يتحدد وفقا لطبيعة السلطة والمجتمع وأدوات انتاج الثقافة والابداع بشكل عام. لا يمكن النظر إلى فعل القراءة كمجرد تلق سلبي، بل كفعل استراتيجي، يتشكل منه وعبره الوعي الفردي والجماعي، وهي تتجاوز النص المقروء لترتبط بسياقاته الاقتصادي والاجتماعية والسياسية، والكتابة بدورها ليست فعلا بريئا، فهي أداة لتكريس الهيمنة أو مقاومتها، كما نقرأ ذلك في تاريخ المجتمعات العربية، حيث احتكر الفقهاء والعلماء الكتابة أو التدوين لتحديد ما يقرأ وما يهمل. إن أزمة القراءة ليست نتاج العوامل الحالية فقط، بل إن جذورها ممتدة في تاريخ احتكار المعرفة ونطاق تداولها، ولفهم بعض جوانب هذه الازمة لا بد من تفكيك بنياتها التاريخية، من إعادة طرح السؤال: لمن تكتب النصوص؟  لماذا؟ إن فعل القراءة – كما فعل الكتابة – هو صراع مستمر حول السلطة والهوية والوجود.

الكتابة بوصفها فعلا مكملا لفعل القراءة

يكتمل فعل الكتابة بفعل القراءة، فالثقافة المكتوبة تخضع لشروط تداولها في المجتمع، بحيث أن محتواها يحدد شكل وطبيعة تداولها، وذلك في انسجام تام مع المثقف والمجتمع وطبيعة السلطة، وقد أبرز موليم العروسي للتطابق بين هذه العناصر في سياق تحليله للمجتمع المغربي والمثقف خلال القرن التاسع عشر بالقول:" بالتأكيد إن مثقف القرن التاسع عشر في شخص العالم، كان يعيش في تفاعل مع الشروط الاجتماعية، فالمجتمع المغربي الذي توقف عن إنتاج وتجديد بنياته خلق مثقفا على صورته، إن هذا المجتمع في حالة "جمود" مارس ضغطا على ذهنية العالم، حتى فيما يتعلق بوجهات نظره وتدخلاته بغية حل النوازل، وعلى صعيد التعليم، فالجمود يترجم في حفظ الموروث الثقافي بواسطة الحواشي على الحواشي وشرح الشرح  وعلى صعيد الفتوى، فالعالم يعيد انتاج الحلول التي قال بها القدماء...[11]

فعل القراءة ومفارقات التأسيس: الأمية والإعجاز

تكشف الشروط التاريخية والاجتماعية، والتي أسست لبداية تداول الثقافة المكتوبة في المجتمعات العربية الإسلامية عن مفارقات ذات أهمية بالغة ضرورية، والتي لا غنى عنها لفهم وتفسير هزالة تداول الثقافة المكتوبة وانحسار القراءة، فرسالة نبي الإسلام رسالة نبي أمي بدأت بدعوة " اقرأ"[12]، وهي دعوة تحمل تناقضا ظاهريا، فالأمية هنا إعجاز يبرهن على أن القرآن ليس إبداعا بشريا بل هو وحي إلهي، لكن دعوة " اقرأ" هي دعوة لتجاوز الأمية، وكأن الاعجاز لا يدرك إلا بالقراءة نفسها.

قد يكون كل شيء قابلا للقراءة، فالقراءة في العمق هي إمساك بالمعنى وإدراك له بواسطة علامة أو إشارة، إن القراءة نوعان: قراءة تتم بواسطة نظام حروف اللغة، وقراءة تكون عن طريق إدراك الرموز والعلامات التي تتداولها جماعة بشرية بموازاة اللغة، أو في غيابها كقراءة الوشم وغيرها من الأشكال التعبيرية التي تزخر بها الابداعات الإنسانية، وهذا النمط من القراءة لا يقل أهمية من القراءة بواسطة نظام اللغة، فهي تماما مثل اللغة أداة للمعرفة والفهم.

إن القراءة بواسطة نظام حروف اللغة تؤرخ لظهور الكتابة، ويقول ابن خلدون في مقدمته مستعرضا منافعها: "فهي تطلع على ما في الضمائر، وتتأدى بها الأغراض البعيدة فتقضى الحاجات، وقد دفعت مؤنة المباشرة لها، ويطلع بها على العلوم والمعارف وصحف الأوليين وما كتبوه من علومهم وأخبارهم، فهي صناعة شريفة بهذه الوجوه والمنافع، وخروجها من القوة إلى الفعل، يكون إنما بالتعلم وعلى قدر الاجتماع والعمران"[13]، فالكتابة عند صاحب المقدمة ترتبط بالعمران، إذ أن أكثر البدو وعلى حد تعبيرهم أميون لا يكتبون ولا يقرأون[14].

تشكل الأمية إعجازا، والدعوة إلى القراءة محاولة للاقتراب وتلمس الإعجاز ذاته، وكأن الأمية ليست سوى حالة يمكن تجاوزها وتخطيها، ولكنها وما دامت إعجازا فأنت مدعو للقراءة من أجل تصديق الإعجاز، وما الإعجاز في نهاية المطاف سوى فن الكلام وفن البلاغة، والذي يتوخى توحيد القبائل العربية أو بالأحرى قبائل شبه الجزيرة العربية تحت سلطة واحدة، فالأمية وفن البلاغة ضدان، لكنهما الآن يتوحدان ويشكلان قمة الإعجاز، بينما تبقى القراءة مشروعا محتملا، والكتابة هي الصورة النهائية التي تجسده كنظام أحرف،" ويبين التاريخ وما يجري حاليا من وقائع أن الطبقات الحاكمة لم تكف عن استخدام الكلام كأداة للسلطة، بل والمطالبة لتملكه، الأمر الذي يحصل في الغرب كما في الشرق[15].

إن الإعجاز هو ما يؤسس السلطة والنفوذ، وفن الكلام شكل ويشكل سلطة اجتماعية بامتياز، ويمكن التذكير هنا بالمكانة التي كان يحتلها الكاهن قبل مجيء الإسلام الذي كان يعتمد في كلامه على السجع، بل إن من بضائع سوق عكاظ كانت توجد الفصاحة العربية[16]، لذلك لا غرابة أن يتبرك الأميون وأن يمسحوا جباههم بالكتب، ويعتقد الأميون وأنصاف الأميون في بعض جزر المحيط الهادي الجنوبي أن الأوراق الرسمية أدوات سحرية  [17]، كما هو الحال في المجتمع المغربي  حيث يعتقد أن "الكتابة" ذات مفعول سحري، إذ يتم الاستعانة والتوسل بما قد يكتبه الفقيه أو المشعوذ  من طلاسم وحروف واشكال لقضاء بعض الأغراض والمصالح.

يظل فعل الكتابة ناقصا، لا يكتمل إلا بفعل القراءة، والسلطة لا تقوم إلا من خلال احتكارهما وإضفاء طابع السحرية والإعجاز عليهما، وقد ربط ابن خلدون بين قيام الملك وازدهار الكتابة: "ولما جاء الملك العرب وفتحوا الأمصار وملكوا الممالك ونزلوا الكوفة والبصرة واحتاجت الدولة إلى الكتابة واستعملوا الخط وطلبوا صناعته وتداولوه وترقت الإجادة فيه...[18]

شكلت الكتابة في المجتمع العربي الإسلامي مركز الصراعات السياسية، وستأخذ معنى التدوين، حيث يمكن أن نميز في الثقافة العربية الإسلامية بين مرحليتين: مرحلة الشفاهية أو مرحلة السماع ومرحلة الكتابة، فسمة المرحلة الأولى كانت تداول القرآن والسنة عن طريق السماع أو بشكل شفاهي، مما سمح بتعدد الروايات والتأويلات، أما المرحلة الثانية، فبدأت بجمع القرآن في عهد عثمان بن عفان ثم كتابة السنة لاحقا.

ارتبط التدوين بإقرار وتثبيت السلطة السياسية من خلال احتواء الانقسامات التي ظهرت وسط الأمة الاسلامية، والاختلافات التي أعقبتها في تأويل النصوص الدينية بعد موت الرسول[19]، ونتيجة ذلك تحولت الكتابة إلى آلية للقضاء على الانقسامات السياسية، وتثبيت رواية السلطة في كل ما يتعلق بحياة الفرد والجماعة، بحيث يمكن اعتبار أن " التدوين هو في نهاية المطاف تثبيت لسنة ضمن أخريات ممكنات[20].

ارتكزت السلطة السياسية على الكتابة وقامت على أساسها، الشيء الذي يفترض احتكارها وتنظيمها، والمؤكد أن كل كتابة تسعى إلى إيصال معنى ما أو عدة معاني، الشيء الذي لا يمكن أن يحصل إلا بواسطة فعل القراءة، والقراءة لا تتحقق إلا بادراك واستيعاب الكتابة كحروف وأنظمة دلالية. إن القراءة والكتابة وجهان لعملة واحدة، فهما وسيلتان لتداول وإنتاج المعرفة، والتي عنهما تتأسس ضرورة الاحتكار: احتكار المعرفة عبر احتكار وسائل إنتاجها وتداولها، ونتيجة ذلك تم تحويل الكتابة إلى خط نخبوي (الخط العربي) والذي تم أيضا ربطه بالمقدس، حيث خضعت كتابة القرآن بدوره لأنماط خاصة من الخط، مما يفرض احتكارا للقراءة عبر تحديد ما يجب أن يقرأ وبالكيفية التي ينبغي أن يقرأ، وفي الوقت ذاته ما يمنع من القراءة، والذي تدرج تحت خانته ما يمكن أن ينعت بالهرطقة والزندقة، فالدعوة التي بدأت كدعوة للتحرر من خلال " اقرأ" تحولت  إلى أداة للهيمنة  من خلال احتكار الكتابة والقراءة معا.

فعل القراءة كموضوع للكتابة وكفعل مقاوم

أجمعت العديد من النصوص الأدبية عن حقيقة واحدة، حقيقة غير ممكنة إلا من خلال فعل القراءة، فهي شرط لتحققها. إن القراءة- من خلال هذه النصوص- أصبحت موضوع خطاب، أي خطابا عن فعل نحن بصدد القيام به، لكن التساؤل الذي يفرض نفسه علينا في هذا السياق: لماذا تتخذ نصوصا ما القراءة موضوعا لها وهي في الأصل نصوصا كتبت من أجل القراءة أو على الأقل تمتلك وعيا بذاتها، على اعتبار أن كل كتابة هي مشروع قراءة محتمل؟

يحضر القارئ من خلال هذه النصوص بقوة، وحقيقة واحدة تقال له، وتعلن عن نفسها بشكل واضح وحتى حينما لا تكون واضحة، فهي لا تحتاج إلى جهد وعناء كبيرين لتنكشف، هذه الحقيقة تقرأ في أكثر من نص أدبي، وهي أن القراءة شرط للحياة أو هي الحياة ذاتها، لذلك نعتقد أن الجدية التي تحدث عنها بيير بورديو فيما يتعلق بالعمل الأدبي كفيلة بإضاءة جوانب مهمة من تساؤلاتنا، " إن سحر العمل الأدبي يرجع دون شك في جزء كبير إلى كونه يتحدث عن الأشياء الأكثر جدية دون أن يطلب منه - بعكس العلم - بجدية تامة[21].

إن الموت كان سيلحق بكل النساء، وبدون استثناء، وهن اللواتي يحمين الجنس البشري من الانقراض والفناء لولا شهرزاد "التي قرأت الكتب والتواريخ وسير الملوك والمتقدمين وأخبار الأمم الماضيين، قيل إنها جمعت ألف كتاب من كتب التواريخ المتعلقة بالأمم السالفة والملوك الخالية والشعراء...[22]وبذلك تمكنت من أن تضمن الحياة لنفسها وتوقف الموت الذي كان سيلحق بكل النساء وذلك بفضل قراءاتها الواسعة، والتي حولتها الى قصص كانت أداة لتأجيل اعدامها، بل بفضلها غيرت مصيرها ومصير النساء كلهن، إذ كانت تحكي كل ليلة حكاية غير مكتملة، ترتبط نهايتها بالليلة القادمة وهذا دواليك، فشهرزاد لم تكن مجرد راوية للقصص، بل كانت قارئة، حولت قراءاتها كمقاومة لعنف السلطة وكاستراتيجية للبقاء والحياة.

كانت شهرزاد تعي موقعها وتدرك كل الاحتمالات بما في ذلك الموت، فهي اختارت المغامرة وقبلت الزواج من شهريار بكامل وعيها وعن سابق إصرار وعزيمة، إذ قالت لأبيها الوزير والمكلف بالبحث عن زوجة للملك كل ليلة: "يا أبتي زوجني هذا الملك، فإما أن أعيش وإما أن أكون فداء بنات المسلمين وسببا لخلاصهن من يديه..."[23].

إن احتمال الموت كان حاضرا في ذهن شهرزاد منذ البداية، فإذا كانت كما يقول –جمال الدين ابن الشيخ-لا تقص للاشيء، بل لأن الموت كان لها بالمرصاد...وهو ما كان يحث شهرزاد على استلام الكلمة واتخاذ القول سلاحا ضد الموت[24].

تثير نهاية "ألف ليلة وليلة" مسألة ذات أهمية بالغة، إذ أن شهرزاد سترى في قتلها من طرف الملك ضياعا لأطفالها: "وقالت شهرزاد: يا ملك الزمان إن هؤلاء أولادك وقد تمنيت عليك أن تعتقني من القتل إكراما لهؤلاء الأطفال فإنك إن قتلتني يصير الأطفال من غير أم، ولا يجدون من يحسن تربيتهم من الناس، فعند ذلك بكى الملك وضم الأولاد إلى صدره وقال شهريار: والله إني قد عفوت عنك...[25]

إن شهرزاد حتى لو قتلت في الليلة الواحدة بعد الألف فإنها ستبقى على قيد الحياة، فهي من جهة تجاوزت كل النساء اللواتي سبقنها من حيث البقاء على قيد الحياة  بعد الليلة الأولى من الزواج، ومن جهة ثانية فهي خلفت أبناء بمعنى نوعا من الاستمرارية والبقاء لها، وبذلك فهي تجد مسوغا وسببا لعفو الملك عليها، ويرجع السبب في كل هذا إلى كون شهرزاد كانت قارئة من الدرجة الأولى، كما تقول الحكاية: "وذلك أن ثقافتها ليست شفوية، مادامت قد قرأت العديد من الكتب وتأدبت في وسط اجتماعي متميز(ولهذا الوسط دور مهم في نشأتها وثقافتها، فهي ابنة وزير الملك أي جزء من السلطة وبشكل أو بآخر فهي ليست من عامة الناس)  وهيأت لنفسها الوسائل المادية التي بواسطتها امتلكت معرفة صلبة وغدت بين يديها سلاحا خارقا للدفاع[26].

تتكرر نفس الفكرة في قصة من الادب العالمي، وهي القصة التي كتبها إدغار آلان بو  إذ يربط الكتابة بالموت: "أنا الذي أكتب أقتفي طريقي نحو موطن الضلال"، ويربط القراءة بالحياة: " أنت الذي تقرأ مازلت ضمن الأحياء أما أنا الذي أكتب..."[27]، ويذهب  فيليب سولزر في نفس الاتجاه:" إن الأمية والجهل يمكن التغلب عليهما بالتأكيد، لكن معرفة القراءة هي مسألة ذات بعد آخر، وتلقي ما نسميه حياة يتوقف على ذلك. إن معرفة القراءة هي أيضا القدرة على قراءة كل الأشياء دون إقصاء ودون أحكام مسبقة...[28]

ونفس المعنى يردده ولتر.ج.أونج، إذ يقول:"...وتكمن المفارقة في حقيقة افتقاد النص للحياة أي زواله من عالم الحياة الإنسانية الحي من ناحية وثباته المرئي الصارم من ناحية أخرى يؤكد أن قدرته على البقاء، كما يؤكدان إن كان يبعث في سياقات حية، لا حد لها من خلال عدد يمكن أن يكون بلا حدود من القراء الأحياء[29].

تقترن القراءة بالحياة وتغدو شرطا ضروريا لها، فكل قراءة هي امتلاك للمعرفة، التي هي موضوع احتفاء وتقدير باعتبارها سلطة وتؤسس للسلطة، فالاستعارة التي قامت بها عالمة الاجتماع المغربية فاطمة المرنيسي في كتابها "شهرزاد ليست مغربية"[30] تنتصر لنفس المعنى وتؤكد نفس الحقيقة: إن المرأة المغربية لا تشبه شهرزاد في أي شيء، فهي لا تمتلك معرفة كتلك التي امتلكتها شهرزاد من خلال قراءاتها الواسعة والمتعددة، وبالتالي لا قدرة لها على الدفاع عن حقها في الحياة، فشهرزاد بهذا المعنى أضحت رمزا للمعرفة التي تعادل الحياة كحق لا غنى عنه بالنسبة للإنسان.

إن القراءة كفعل استراتيجي هي فعل مضاد، مضاد في مواجهة ثقافة وسلطة قائمة، والتي تلعب فيها المدرسة دورا مركزيا ومسيطرا، إذ لا أحد يعير اهتماما لموسيقاها، فهي موسيقى صامتة، إن المدرسة تأخذ الأولاد من الروضة من كل الطبقات الاجتماعية وتلقنهم منذ الروضة إن بالطرق الحديثة أو بالطرق القديمة أصول التصرف الملتصق بالايديولجية المسيطرة[31].

تبقى روح شهرزاد غائبة وغير مرغوب فيها، ولا تؤخذ بعين الاعتبار في الكتب المدرسية أو التعليم المدرسي بشكل عام، وهذا بالفعل ما أكده عالم الاجتماع المغربي بول باسكون بالقول: "إن التعليم لا يساعد على ولوج الحياة بل يساعد على ولوج الإدارة"[32]، ونفس الرأي قال به طه حسين: "وهكذا فمنذ دخول الطفل إلى المدرسة يوجه إلى الامتحان أكثر من توجيهه إلى التعلم والعلم، فهو يهيأ إلى الامتحان أكثر مما يهيأ للحياة"[33].

إن الخلاصة الوحيدة التي تبدو ممكنة ومنطقية هي أن الكتاب المدرسي والمدرسة بشكل عام تعيق امتلاك روح شهرزاد، بل وتقتلها، لذلك تبقى القراءة خارج الكتاب المدرسي مقياسا لقياس روح شهرزاد (أو الشهرزادية) كامتلاك للمعرفة بغية ولوج الحياة، مادام الكتاب المدرسي يقف على نقيضها ويعمل على إدامة نوع من السكونية والجمود داخل المعرفة التي تنتجها المؤسسة وتحميها.

***

عبد القادر بوطالب

................................

[1]- نجيب الخدري: "زمن الانحسار"، الملحق الثقافي لجريدة العلم15. يناير1994

[2] -بوجمعة العوفي:"الأبواب السرية"، الملحق الثقافي لجريدة العلم   19.  فبراير 1994

[3] -نادية بنعباس الدكالي: "ماذا يقرأ المتعلم في بادية المغرب" الملحق الثقافي لجريدة العلم. 26فبراير 1994

[4] -ابراهيم الخطيب: "قراء الأدب: أقلية دائما"، الملحق الثقافي لجريدة العلم. 26فبراير1994

[5] - عبد الوهاب الدبيش:"المجتمع المغربي والقراءة: أية آفاق"، الاتحاد الاشتراكي. 16 يناير 1994 العدد: 3812

[6] - المرجع السابق

[7] -libération. Numéro: 9292. Mars 1994

[8]-Nawfal El Bernoussi: " lire n’est pas louer" . in libération. 2 Mars 1994 ; Numéro: 929.

[9] -مدخل لنظرية القراءة: بيان اليوم الثقافي 13يوليوز 1992 العدد:53

[10] - ب.ف.زيما: " من أجل سوسيولوجية للكتابة" ترجمة حسن المودن، العلم الثقافي.    9شتنبر  .1990العدد:788

[11] -Moulime ElAroussi.   "sclérose ou résistance"; in lamalif: Numéro: 198 Avril 1988

[12] -سورة العلق: القرآن الكريم

[13] -ابن خلدون:  المقدمة.  دار الرائد العربي، بيروت، ا لطبعة الخامسة82 .19ص:417

[14] -المرجع السابق ص:419-.420

[15] - الطاهر لبيب: سوسيولوجية الغزل العربي (الشعر العذري نموذجا). ترجمة مصطفى المسناوي، دار الطليعة للطباعة وللنشر، لبنان الطبعة الأولى 8719 ص:179

[16] - المرجع السابق.

[17] -ولتر .ج.أونج: الشفاهية والكتابة، ترجمة حسن البنا عز الدين، عالم المعرفة. الكويت 9419 ص: 180

[18] -ابن خلدون: المقدمة سبق ذكره,.ص:419.420

[19] -Ali Omlil: Histoire et son discours. (Voir notamment: écriture et pouvoir), ed: SMER. Rabat, 2eme édition pp: 26-28

-[20]- ibid. p:29. (Voir notamment: Ecriture et divergence)

[21] -بيير بورديو: (حوار). الاتحاد الاشتراكي، عدد:3325 /5شتنبر 1992 ترجمة عبد الكريم العمراني عن مجلة حدث الخميس. عدد:16/10 شتنبر 1992

[22] -ألف ليلة وليلة، المجلد الأول، المكتبة الشعبية للطباعة والنشر، لبنان. ص:5

[23] - المرجع السابق. ص:6

[24] -جمال الدين ابن الشيخ: " نص المتخيل وقضاء الذات" الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي، 94/2/11

[25]- ألف ليلة وليلة –المجلد الرابع ص:388

[26] -Chafik Moulay Idriss:  Shahrazade ou la magie du verbe: une figure de la femme accomplie. in libération (Supp-Hebdo). Numéro:24-25 MARS 1994. P:8

[27]-Edgar Allain Poe: Nouvelles histoires extraordinaires. in https://beq.ebooksgratuits.com/vents/poe-2.pdf

pp. 484 - 484

يمكن الرجوع الى ترجمتنا لهذه القصة:

عبد القادر بوطالب: قصة الظل: والمنشورة في موقع ثقافات، للاطلاع على القصة، راجع: https://thaqafat.com/2024/03/108292

[28] -فيليب سولزر:"تأملات في المسألة السير-ذاتية" العلم الثقافي،19 فبراير 1994

[29] -والتر.ج.أونج: الشفاهية والكتابة. مرجع سابق، ص:161-162

[30] -Fatima El Mernessi: Shahrazade n'est marocaine. édition le fennec. 1988

[31] - جدل حول المدرسة. الاتحاد الاشتراكي. عدد:11/769  شتنبر 1985

[32] -بول باسكون: (حوار). مجلة بيت الحكمة، العدد:3 السنة الأولى، أكتوبر 1986

[33] -محمد بوبكري: "ملاحظات حول الإنتاج التربوي لوزارة التربية الوطنية. جريدة الاتحاد الاشتراكي، عدد: 3880-25مارس 1994

 

خلال حوارنا في المساق السابق رأينا تلك المفارقة المتمثِّلة في أنَّ (أبا عُبيدة، مَعْمَر بن المثنَّى التَّيْمي، -209/ 210ه-= 824م)- الذي استشهد به (ابن فارس، -395ه-= 1004م) على إنكار أن تكون في لُغة «القرآن» مفردات غير عَرَبيَّة الأصول- ما لبث أنْ رجع عن قوله ذاك. فبدا كمن كان في سَكرةٍ فأفاق! فسألتُ محاوري (ذا القُروح):

- إذن، كيف قال (أبو عُبيدة): إنَّ مَن قال إنَّ في «القرآن» ما ليس من لُغة العَرَب، فقد أعظم وأكبر؟!

- لا بدَّ من تخريج! وهنا يتحوَّل بنا (ابن فارس)، من الحديث عن «القرآن» إلى الحديث عن العنصر العَرَبي. فقال- بعد أن خاب مسعاه، فلم يجد مناصًا من أن يسلِّم بقول (أبي عُبيدة)-: «القول، إذن، ما قاله أبو عُبيدة، وإنْ كان قوم من الأوائل قد ذهبوا إلى غيره.»

- فعلام أشغلتنا باللَّتِّ والعجن، يا (ابن فارس)؟!

- واضحٌ أنَّ فكرة (أولئك القوم من الأوائل) هي ما ظلَّ يحوك في صدر (ابن فارس)؛ لأنَّ ما وُجِد عليه الآباء عادةً ما ينشب غُصَّةً في الحلق يصعب تجاوزه! إلَّا أنَّه لا بُدَّ ممَّا ليس منه بُد! فليتجه ابن فارس إلى التأويل، ولو بارتباكٍ ظاهر، ليقول في تفسير قول (أبي عُبيدة): «تأويله: أنَّه [أي: من قال بمفردات غير عَرَبيَّة في القرآن] أتى بأمرٍ عظيمٍ وكبير.»

- وهذا تحصيل حاصل، وتفسير للماء بعد الجهد بالماء، يا (ابن فارس)!

- قال: «وذلك أنَّ القرآن لو كان فيه من غير لُغة العَرَب شيء، لتوهَّم متوهِّم أنَّ العَرَب إنَّما عَجَزَت عن الإتيان بمثله لأنَّه أتَى بلغاتٍ لا يعرفونها، وفي ذلك ما فيه.»

- الله أكبر! «وفي ذلك ما فيه»! تُرى ماذا فيه؟

- تحوَّلنا الآن، مع (ابن فارس)، من الحديث عن «القرآن» الى الحديث عن العنصر العَرَبي: وأنَّ العَرَب لا يعجزهم الإتيان بشيء مطلقًا، حتى وإنْ كان ممَّا يجهلون!

- نعم، العَرَب، كسائر البَشر، يعجزون عن الإتيان بأشياء كثيرة. وكان ممَّا أعجزهم الإتيان بمثله «القرآن» نفسه، وهو بلغتهم، وهم لا يجهلونها، بل هي مهارتهم الأُولى، التي لا يُحسنون صناعةً كما يُحسنونها.

- بيدَ أنَّ التعصُّب العنصريَّ شيء، والتسليم بأنَّ الإنسان هو ابن بيئته، واللُّغة ابنة بيئتها، شأنٌ آخر. فلا يُعَدُّ استعمال كلمةٍ بلُغةٍ أجنبيَّة- تتعلَّق بمنتج ليس من بيئة مستعملها- عجزًا بيانيًّا. بل هو أمرٌ طَبَعي لا مفرَّ منه. إلَّا إنْ كان (ابن فارس) يعتقد أنَّ العَرَبيَّ كان يعلم الغيب، ويستعمل أسماء أشياء، وإنْ كان لا يعرف مسمَّياتها أصلًا. ولا غرو أنْ يعتقد ابن فارس بمثل هذا ما دام يقول بالتوقيف في اللُّغة، ومن ثَمَّ يجعل الإنسان شريكًا لله، منذ بدء الخلق، حسب العقيدة المانويَّة، كما أشرنا في مقال سابق.

- أتلك بسائط منطقيَّة، يبدو أنها كانت خارج العقل الخرافي، الذي دبَّج لنا بعض كتب التراث، كتلك الأبواب من نموذج كتاب «الصاحبي» ل-(ابن فارس)؟

- إنَّ القضيَّة هنا لا تتعلَّق بالعقل ولا بالمنطق فحسب، بل تبدو متعلِّقةً فوق ذلك بعقائد ملتبسة، فارسيَّة الجذور، وإنْ وُظِّفت ظاهرًا في المنافحات عن اللُّغة العَرَبيَّة و«القرآن الكريم». والحق أنَّ (أحمد بن فارس)، إلى هذا كلِّه، كان شديد التعصُّب لما عَلِم، شديد التعصُّب على ما لم يعلم. حتى إنَّه ليُنكِر أن يكون لغير العَرَب شِعر، أو قواعد شِعر، متنقِّصًا غير العَرَب غاية التنقُّص. وهذا حَيف وجهل في آن. فلا يعني اعتزاز المرء بلغته وثقافته تجريدَ الآخرين من الفضائل، لمجرد اختلافهم النوعيِّ عنه وعمَّا عَلِم أو أَلِف. وفي هذا إعراض عن آيات الله في تنوُّع خلقه في كلِّ شؤون الحياة، كما جاء في الآية: «وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِ-مِينَ.» قال (ابن فارس)(1): «وزعمَ ناس، يُتَوقَّفُ عن قبول أخبارهم، أنَّ الذين يُسَمَّون الفلاسفة قَدْ كَانَ لهم إعرابٌ ومؤلَّفاتُ نَحْوٍ. قال أحمد بن فارس: وهذا كلام لا يَعَرَّجُ عَلَى مثله. وإنَّما تَشَبَّهَ القوم آنفًا بأهل الإسلام، فأخذوا من كتب علمائنا، وغَيَّروا بعض ألفاظها، ونَسَبوا ذَلِكَ إِلَى قومٍ ذَوي أسماء مُنْكَرَةٍ، بتراجمَ بَشِعَةٍ، لا يكاد لسان ذي دِينٍ ينطق بِهَا. وادَّعوا مع ذَلِكَ أنَّ للقوم شِعرًا، وَقَدْ قرأناه فوجدناه قليل الماءِ، نَزْرَ الحَلاوة، غير مستقيم الوزن. بَلَى، الشِّعر شِعر العَرَب، ديوانُهم وحافظ مآثِرهم، ومُقيِّدُ أحسابهم. ثُمَّ للعَرَب العَروض الَّتِي هي ميزان الشِّعر، وبها يُعرَف صحيحه من سقيمه. ومَن عرفَ دقائقه وأسراره وخفاياه عَلِمَ أنه يُربي عَلَى جميع ما يَبْجَحُ بِهِ هؤلاء الَّذِين يَنْتَحلون معرفة حقائق الأشياء، من الأعداد والخطوط والنقط، الَّتي لا أعرف لَهَا فائدة غير أنها، مع قِلَّة فائدتها، تُرِقُّ الدِّين، وتُنتِج كلَّ مَا نعوذ بالله منه!»

- مَن قصدَ بالذين يُسَمَّون الفلاسفة؟

 - لا ندري مَن قصدَ بهم. أهو يشير إلى (اليونان)؟ وكيف تشبَّهوا بأهل الإسلام وعلمائه قبل ظهور الإسلام بقرون طوال؟ بل تخطَّى هذا إلى تقبيح أسمائهم! وما علاقة «الدِّين» و«ذي الدِّين» بنُطق أسمائهم المنكرة أو عدم نُطقها؟! أَ وَمعيار التديُّن أن «لا يكاد لسان ذي دِينٍ ينطق بها»؟! إنَّه كلام أشبه بكلام العوامِّ، شديدي التحجُّر، والانغلاق عن غيرهم من الأُمم والشُّعوب.

- صحيحٌ أنَّ الشِّعر كان ديوان العَرَب، وحافظ مآثِرهم، ومُقيِّد أحسابهم، كما قال (ابن فارس).

- غير أنَّ هذا لا ينفي، لدَى ذي لُبٍّ، أنَّ للأُمم الأخرى، قديمة وغير قديمة، شِعرًا أيضًا. ومن تلكم الأُمم (الفُرس)، الذين إليهم ينتمي الرجل. أفكان يجهل شِعرهم وملاحمهم؟!

- وصحيحٌ أيضًا أنَّ للعَرَب (العَروض)، الذي فيه موازين شِعرهم الموسيقيَّة، وبه يُعرَف صحيح الشِّعر من سقيمه، كما ذكر.

- ولكنَّ للأُمم غير العَرَبيَّة أيضًا قواعد شِعرها المغايرة، ولها مميِّزاتها النوعيَّة، المعروفة منذ الإغريق وغير الإغريق، قبل ميلاد المسيح بقرون. فضلًا عن ضُروب الشِّعر، التي لم يعرفها العَرَب قط، وما ينبغي لهم، من شِعر مسرحي، وملحمي، وقصصي، وتعليمي، وهو ما لم يعرف منه العَرَب غير ضربٍ واحد، وهو الشِّعر الغنائي الذاتي.

- الطَّريف أنَّ (ابن فارس) يزعم أنه قد قرأ شِعر غير العَرَب، قائلًا: «وَقَدْ قرأناه فوجدناه قليل الماءِ، نَزْرَ الحَلاوة، غير مستقيم الوزن»!

- أفكان يظنُّ أنَّ وزن الشِّعر غير العَرَبيِّ سيستقيم له على عَروض الشِّعر العَرَبي؟ ليجد فيه ما ينتظره من الماء والحلاوة واستقامة الوزن؟! أمَّا قوله: إنَّ «مَن عرفَ دقائقه [أي العَروض] وأسراره وخفاياه عَلِمَ أنَّه يُربي عَلَى جميع ما يَبْجَحُ بِهِ هؤلاء الَّذِين يَنْتَحلون معرفة حقائق الأشياء من الأعداد والخطوط والنقط، التي لا أعرف لَهَا فائدة غير أنها، مع قِلَّة فائدتها، تُرِقُّ الدِّين، وتُنتِج كلَّ مَا نعوذ بالله منه»، فمحض كلام عجوزٍ عقيمٍ، من عجائز العوامِّ، ممَّن يغطُّون عادةً تحت أطباقٍ مضاعفةٍ من الجهل والتعصُّب!

- واضح أنه يشير ب-«حقائق الأشياء من الأعداد والخطوط والنقط» إلى العلوم الطبيعيَّة، ولا سيما الرياضيَّات.

- وهو «لا يعرف لَهَا فائدة غير أنها، مع قِلَّة فائدتها، تُرِقُّ الدِّين، وتُنتِج كلَّ مَا نعوذ بالله منه!» ونحن كذلك نعوذ بالله من الجهل والعمَى، البالغ إلى هذا الحدِّ البائس من عدم المعرفة بفائدة العلوم الرياضيَّة، بل إلى توهُّم أنها «تُرِقُّ الدِّين، وتُنتِج كلَّ مَا نعوذ بالله منه».. ولله في خلقه شؤون!

- هذا، إذن، عالمنا النحرير (ابن فارس، عفا الله عنه)، بما كان يضرب فيه يَمنةً ويَسرة، من مهامه الادِّعاءات والمصادرات، سواء أكتبَ في شأن اللُّغة أم في غيرها. حاملًا عصاه الغليظة، ليضرب هنا وهناك، عاصِب العينين والعقل.

- تُرَى لو أنه استنَّ سنن علماء العَرَبيَّة الكبار، من أساتيذه وغيرهم- ك-(يونس بن حبيب)، و(الخليل بن أحمد)، و(سيبويه)، و(ابن جني)، و(عبدالقاهر الجرجاني)- أما كان أفاد، واحترم التخصُّص، وابتعد عن المزايدات، والمخاضات في ما يعلم وما لا يعلم، في خطابٍ بالغ الضيق والتشنُّج.

- إنَّ (عِلم نقد الرِّجال) لو أُخِذ به في ثقافتنا العَرَبيَّة كافَّة، لكفانا مؤونة هذه الصدمات المعرفيَّة والفكريَّة، حينما نقرأ لبعض أعلام تراثنا.

- أجل! ولقاربْنا الاهتداء إلى مَن نأخذ عنه لُغتنا وعلومها، محاولتَنا الاهتداء إلى مَن نأخذ عنه دِيننا. وهما عروةٌ وثقى واحدةٌ، لا انفصام لها. وفوق هذا، لربما تخفَّفنا من تركة هذا التراث الثقيلة، التي ما تزال أجيالٌ بعد أجيال تجترُّها، وتزكم بها العقول؛ إذ تستأنف ترَّهاتها العتيقة جذعةً، كلَّما ظنَّنا أنْ قد أفاق بنا صبحٌ جديدٌ من الوعي بالإنسان واللُّغة.

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

................................

(1)  يُنظَر: ابن فارس، (د.ت)، الصاحبي، تحقيق: السيد أحمد صقر، (القاهرة: عيسى البابي الحلبي وشركاه)، 76- 77.

لا تقرأ لي إن كنت تبحث عن مرآة لما ورثته لا لما تفكر فيه.. ولا تقترب من صفحتي إن كان اختلافك يرتدي هيئة سكين.. فبعض القراءات ليست فهما بل محاكمة وليست حوارا بل رجما مؤجلا.

ثمة لحظة يبلغها الإنسان يتعب فيها من شرح نفسه كما تشرح التهم. ومن تبرير أفكاره ومشاعره وطريقته في النظر إلى العالم. لأنه يدرك أخيرا أن الحياة ليست ملف دفاع وأن الوعي لا يحتاج إلى إذن وأن يعرف نفسه يكفيه وأن يكون صادقا مع ذاته هو أسمى أشكال الاكتفاء

 الإنسان ليس ملزما بالدفاع عن حقه في التفكير فأن يعرف نفسه بصدق أعمق من كل الشهادات

لا يعنيني موقعك مني ولا كيف تراني ولا زاوية نظرك إلى.. فالصور التي يرسمها الآخرون لنا غالبا ما تكون انعكاسا لمخاوفهم لا لحقائقنا. ما يعنيني أن أكون حاضرة في ذاتي متصالحة مع عقلي بلا أقنعة ولا خوف من الاختلاف.

أختلف معك نعم وقد نتصادم فكريا أو عقائديا لكن الاختلاف لا يبرر أن تحفر الجروح في الروح ولا يمنح أحدا حق تحويل الفكرة إلى خنجر.

أنا لا أطلب منك أن تشبهني بل فقط ألا تلغيني

الاختلاف ليس شقا في الجدار بل نافذة؛ والآراء لا تتحول إلى عداوة إلا حين يخون الإنسان إنسانيته.  لا مشكلة لدي أن نختلف فكريا أو عقائديا لكن المشكلة أن يتحول الرأي إلى حجر وأن يصبح الحوار ساحة إعدام للأسئلة.

أدرك أن أفكاري جريئة ومحرضه على التفكير ولا تشجع على الطاعة بل التساؤل ولا تمنح اليقين.  هكذا أنا ولا أستطيع حتى لو أردت أن أعلق عقلي على مشجب العادات أو أستقيل من السؤال إرضاء للجماعة.

ربما كانت مأساة الإنسان الأولى أنه مختلف ومأساته الأعمق أنه يفكر. أن يحاول الفهم في عالم يقدس التلقين. وأن يسبح أحيانا ضد التيار لا حبا في العناد بل وفاء للصدق الداخلي.

لا أرى في اختلافي فضيلة ولا في وعيي سببا للتباهي لا أبحث عن تفوق ولا أحتاج إلى كراهية الآخر كي أثبت وجودي أنا فقط أحاول أن أكون أنا وأرفض أن أعيش نسخة باهتة من الآخرين. لا أشعر بالنقص إن رفضت افكاري ولا الاكتمال إن صفق لي.  أصمت أحيانا لا ضعفا بل نجاة. وأتجاهل أحيانا لا هروبا بل رحمة بالنفس. وأتناسى ما مضى لأمنح الطريق فرصة أن يستمر.

أنا لا أنتمي لأحد أنتمي لأفكاري وشكوكي..  للموقف الذي يدافع عن حق كل الكائنات في الحياة. لكل ما يخفف عن روحي ثقل هذا العالم. انتمي لألمي أيضا لأن الألم معلم صادق لا يخون.

لذا إن كنت غيورا على يقينك خائفا على عاداتك متشبثا بدوغمائيتك كطوق نجاة فلا تقترب مني إن كان ثمن الاقتراب أن تضحي بعقلك أو تطلب مني أن أضحي بعقلي. لا تقترب مني إن كنت تخاف السؤال أو ترتعد من الشك أو ترى في التفكير خطيئة. لا تحاورني إن كان هدفك الانتصار لا الحقيقة فأنا لا أبحث عن هزيمتك ولا أفرح بانكسارك.

واعلم أيها المخالف لي حين أحاورك لست أبحث عن انتصار ذاتي ولا أحتفل بهزيمتك فالانتصارات في الحوار التي تترك أحدنا مكسورا هي هزائم متنكرة

غايتي أبسط وأصعب.. أن ننتصر للحقيقة.. أن نفرح معا بصحة الفكرة.. وأن نقتسم ثمرة الخير دون أن يقصى أحد ودون أن يصلب السؤال.. أن نخرج من الحوار أكثر إنسانية وتحضر. وفي النهاية لا أطلب منك أن تتبعني ولا أن تتفق معي ولا أن تتخلى عما تؤمن به. بل أطلب شيئا واحدا فقط أن تترك لي حقي في أن أكون أنا دون وصاية. ودون محاكمة. ودون خوف من الاختلاف.

إن كنت ترى في سؤالي تهديدا وفي شكي خطرا وفي عقلي استفزازا فتراجع ولا تقرأ لي أنا لا أقاتلك ولا أنافسك ولا أسعى لإسقاطك أنا فقط أدافع عن حق الإنسان في التفكير وعن كرامة العقل وعن حرية الروح من كل ما يحاول تدجينها.

أنا لا أطلب منك أن تعبر طريقي ولا أن ترى بعيني بل أن تعترف بأن للإنسان أكثر من نافذة على الوجود وأن الحقيقة لا تسكن صوتا واحدا ولا عقلا واحدا ولا زمنا واحدا فكل يقين يغلق أبوابه يتحول مع الوقت إلى سجن. فإن التقينا يا صديقي على الحقيقة فذلك مكسبنا معا وإن اختلفنا بوعي فذلك شرف الاختلاف.  أما إن تحولت الفكرة إلى سلاح والعقل إلى عدو فاعلم أننا سنخسر.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

يقبع في كواليس كل نجاح خطوات متراكمة تسبقه، إذْ كل خطوة تأخذ بحُجْزة أختها، في التزامٍ متواصل، ليُفضي بعد حين - طال الزمان أو قصُر - إلى حلم يرى النور، وإنجاز يولد للوجود، وإنْ شئت فقل إن النجاح هو آخر حلقة في سلسلة التراكمات، وفي هذا المقال لست أتحدث عن هذا النوع من التراكمات.

وفي المقابل كل انهيار كارثي من الحتمي أن يكون مسبوقا بسلسلة من التراكمات، تراكمات من الكتمان أو القرارات بالغة الضآلة غير المسؤولة أو الاستهانة بعدم وضع حدود صارمة مع العالم الخارجي، أو كبت مشاعر تفرضها الطبيعة البشرية، أو الاتكال على تقدير الآخرين، والانصياع لإملاءات البيئة، وهنا أتناول قصرا هذا النوع من التراكمات.

لا شيء يحدث من فراغ، ولا حَدَثَ يظهر في الواقع اعتباطا، ولا أمرَ جَلَلًا يحدث عفو الخاطر، هكذا مضت سنة الحياة فينا نحن بني البشر، إنه أشبه بغرس بذور لنباتات سامة، وتركها لرعاية الزمن، حتى يأتي يوم الحصاد، بثمارٍ من جنس تلك النباتات لا غير، والأمل بِغُلّة ثمار يانعة من جنس مختلف ما هو إلا محض وهم وارتهانٌ للمستحيل وتجاهلٌ لحقيقة معيشة.

في أدبنا العربي دأبنا على ترديد هذا الشطر الخالد: "ومعظمُ النار من مُستصغر الشرر" وهو حقا كذلك، فالنار هي شرارة بعد أخرى، ولهب يتبعه آخر، حتى تصير نارا هوجاء تأكل الأخضر واليابس، ولا تُبقي على شيء، ما يطالنا من أغلب ما نئنّ تحت وطأته ما هو إلا ما اكتسبته أيدينا على مدى الزمن، كلمةٌ طائشة هنا، وانفعال متهور هناك، وتسرّع هنا، وإهمالٌ هناك، تغافلٌ هنا، وانجرارٌ هناك، مواقف نحسبها عابرة ليست بذي بال، وقراراتٌ لا نقرؤها إلا تصرفات لحظية تافهة، لكننا نستيقظ ذات صباح لنجد أن كل شيء قد احترق! ونتهم العالم بأنه مَن أوقد تلك النار.

البدء بالانتباه والمراقبة والمحاسبة لأفعالنا الصغيرة هو أولى خطوات إيقاف كرة الثلج الآخذة في التدحرج قبل أن تغدو انهيارا ثلجيا يطمر أنفاسنا حين يعبرنا، تلك الرغبة الجامحة التي أخرسناها، وتلك اللحظة التي وجب أن نتريّث فيها، وذلك الموقف الذي تحتّم علينا التفكير مليًا قبل التفوّه بكلمة لإشباع غرورنا أو إطفاء ثورة غطرستنا، وتلك العلاقة التي توجّب أنْ نحملها على مأخذ الجِدّ، ولحظة الغضب الذي احتاج إلى ضبط النفس، وذلك التردد الذي استلزم قطعه بالمبادرة، وذلك الموقف الذي تطلّب شجاعة، وذلك التجاوز الذي استلزم صرامة، وتلك الفرصة التي تَمَلّكنا الخوف لاقتناصها، كل تلك اللحظات ليست بمعزل عن الوضع الراهن الذي نعيشه، فهي شبكة مترابطة يعضد بعضها البعض، وتتبعها تداعيات قد لا ننتبه إلى صلتها بها، وما إنْ نتوقف لبُرهة للتصرف إزاءَها بطريقة مختلفة حتى تأخذ حلقة التراكمات تلك بالتصدّع، ونأخذ بزمام الأمر شيئا فشيئا، لنجد أنفسنا مع واقع مختلف، ما ظننا يوما أن يكون من نصيبنا.

إنّ الأزمات حين تحلّ بنا، ونسعى جاهدين للتصدي لها، ليست جوهر المشكلة، بل أعراضٌ لخطواتٍ صغيرة خطوناها، واستجاباتٌ متكررة ارتضيناها، هذه الأزمات قذفتها الحياة فوق رؤوسنا لتبعث لنا برسالة واحدة: يا صاحِ عليك بتصحيح المسار! إنها نداء استيقاظ يخبرنا عنّا، وإنذارٌ لوجود خلل مستمر يجب معالجته على جناح السرعة والاهتمام، وللكاتب (Ryan Holiday) لفتة أنيقة جدا في عمقها في علاقة وقع دروس الحياة إذا تجاهلنا الانتباه عن كيفية تعاطينا مع أحداثها واستهترنا بأجراس الإنذار بين الفينة والأخرى، إذ يقول في كتابه

The Obstacle is the Way:

(1) "Lessons come hard only if you’re deaf to them"

أي: دروس الحياة تكون قاسية إذا أعرتها أذنا صماء!

إنّ تحمّل المسؤولية مهنة الشجعان، والقيام بأدوارنا المنوطة بنا تجاه ما يحدث صنعةُ أولي النباهة، فما يحدث إنما يحدث خلالنا ولا يحدث لنا! وفي اللحظة التي نبدأ فيها بالتحرك من منطلق الجزء المسؤولون عنه أصالةً، والتوقف عن لوم الظروف والآخرين والنحس، وتعليق معاناتنا على مِشْجب الحظ العَكِر، يستجيب لنا الكون، فيتغير الواقع! فليس ثمة أسهل من إلقاء اللوم على العالم الخارجي، ولن نُعدَم التبرير بأنّنا ضحايا لا حول لها ولا قوة، ومن اليسير جدا أن نندب حظنا ونتباكى طوال الليل متذمرين مما نحن فيه، ولكن ذلك البكاء لن يزيدنا إلا بُؤسًا، أما الوعي بأننا نملك الكثير لنقوم به، وفي جعبتنا خيارات تنتظر أن نلتفت إليها، مهما كانت المعاناة التي نتجرّعها، فإن ذلك كفيلٌ بقلب المعادلة رأسًا على عقِب، لتصبّ في صالحنا.

ذلك الشعور المكبوت سنين طويلة الذي نقرر التنفيس عنه، وتلك المبادرة التي نُقدم عليها بجرأة متبصّرة، والتقدير الذاتي الذي نرجعه لحياض ذواتنا، وتوطين النفس على الاعتناء بالتفاصيل الصغيرة، وتلك المراجعة الحازمة لردات فعلنا وطريقة استجابتنا للمثيرات الخارجية، كل ذلك بداياتٌ قد تبدو صعبة بادئ الأمر أو إيلاء اهتمام أكبر من حجمه فيما يبدو، لكنها تخلق مسارات جديدة تحمل في تضاعيفها مآلاتٍ تخترق واقعنا البئيس، وتكسر الحلقة المفرغة من اللامبالاة والألم الذي ينشب بمخالبه عديمة الرحمة في حظوظنا في الحياة.

التراكم يدحضه تراكم آخر ولكن باتجاه معاكس، وكل تراكم مضادّ يبدأ بحركة مضادة، فيُستبدل باللامبالة الانتباهُ، وبالانفعال الأناةُ، وبالكبت التحرّر، وبالعشوائية التخطيطُ، وبالفوضى الهدوءُ، وبالجُبن الإقدام، ومرّة بعد مرة، ويوما بعد يوم، سيؤتي التراكمُ أُكُلَه؛ فينتج عنه واقعٌ مبتسم الحظ وبهيّ الملامح.

لا شيء يضاهي مبدأ التراكم في سلطانه على الأحداث، أكان تراكما نحو الهاوية، أو كان تراكما صوب العُلا، والحياة لا تحمي المغفلين! وقوانينها تنسحب على الجميع ولا تحابي صدق النوايا غير المتسقة مع الأفعال الصائبة.

فلا تستوي تراكمات الاستثمار والادخار مع تراكمات التبذير وهدر الأموال، ولا تستوي تراكمات الكتمان والكبت مع تراكمات السماح لاحتيجاتك الداخلية بالتنفيس، ولا تراكمات الإهمال مع تراكمات المسؤولية الذاتية، ولا تراكمات الانفعال مع تراكمات ضبط النفس، ولا تراكمات التساهل مع الآخرين في تجاوز مساحتك الخاصة مع تراكمات إرساء حدود صارمة تصون ذاتك من هضم حقها، ولا تراكمات الكسل مع تراكمات الالتزام.

أنتَ لست ضحية للعالم، بل نتيجة لتراكماتك! وكل علاج يبدأ من سبب المشكلة، وكل نهاية تقطعها بداية، والقرار بيدك، إما كسر حلقة التراكمات بتراكمات أخرى، أو ترك الحبل على غارب تراكماتك المشؤومة لتغوص بك في الضحالة أكثر وأكثر، لا أحد ينقذك إلا أنت، والسرّ - كلُّ السر - في الخطوة الأولى، ولكل شيءٍ مرة أولى.

***

محمـــد سيـــف

........................

الهوامش:

(1) The Obstacle is the Way, Ryan Holiday, P:86, Profile Books LTD, 2015.

خط الدفاع الأول في مواجهة الغش والمعلومات المضللة

تعد منظومة القيم والانضباط التربوي جوهر العملية التعليمية وأساس بناء الإنسان الصالح الذي يميّز بين الحق والباطل ويهتدي بنور العلم والأخلاق، فالقيم هي الإطار الذي يوجّه السلوك ويهذب الضمير ويمنح الفرد القدرة على اتخاذ القرار الصحيح في عالم تتزاحم فيه المعلومات وتكثر فيه المغريات، وإنّ التربية التي لا تقوم على القيم تكون جسدًا بلا روح لأن القيم هي التي تحفظ للعلم مكانته وللمتعلم كرامته، وقد أكد القرآن الكريم على أهمية الصدق والأمانة في قوله تعالى ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114] فالزيادة في العلم لا تُطلب إلا بنية صافية وسلوك مستقيم، كما قال سبحانه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: 58]، وهذه الآية تؤكد أن الغش في أي صورة من صوره خيانة للأمانة العلمية والإنسانية

أما في الفكر الإسلامي، فإن القيم التربوية تمثل منظومة من المبادئ الأخلاقية التي تُستمد من القرآن والسنة، وهي أساس تكوين الشخصية المؤمنة الواعية التي تتعامل مع الآخرين بالعدل والإحسان، فالقيمة في الإسلام ليست مجرد فكرة مجردة بل هي سلوك عملي متجذر في الإيمان، وقد بين الله تعالى في كتابه العزيز أن غاية التعليم هي تزكية النفس لا مجرد جمع المعلومات، قال تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9]، فالتزكية هنا هي أسمى صور الانضباط القيمي، إذ تعني تهذيب النفس وتطهيرها من الميل إلى الخطأ والغش والخداع، كما أن النبي (ص) جعل من الصدق ميزانًا للإيمان بقوله «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة» رواه البخاري، فالقيمة الأخلاقية في الفكر الإسلامي ترتبط بمصير الإنسان الروحي والاجتماعي

أما الانضباط التربوي في الفكر الإسلامي فهو نظام متكامل يهدف إلى تنظيم السلوك وضبطه وفق الشريعة ومقاصدها، لا على أساس القسر والعقاب وإنما على أساس الوعي بالمسؤولية أمام الله والضمير، فالمتعلم في الإسلام مسؤول عن علمه وسلوكه، مصداقًا لقوله تعالى ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: 38]، والانضباط بهذا المعنى هو التزام ذاتي ينبع من الإيمان بالله والخشية منه، كما جاء في الحديث الشريف «اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن» رواه الترمذي، فالانضباط في الإسلام ليس مجرد التزام شكلي بالقواعد المدرسية، بل هو تربية داخلية على المراقبة والمحاسبة والإحسان في العمل

وفي ظل الانتشار الواسع للمعلومات عبر الوسائط الرقمية أصبح المتعلم عرضة للمعلومات المضللة التي تُبنى على التضليل والخداع، وهنا تتجلى أهمية المنظومة القيمية في تعزيز التفكير النقدي والتمييز بين المعلومة الصحيحة والزائفة، فالقرآن الكريم يدعو إلى التثبت قبل تصديق الأخبار قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] وهذه الآية تمثل قاعدة ذهبية في التربية الإعلامية المعاصرة إذ تربي المتعلم على التمحيص قبل النشر أو التبني لأن الانخداع بالمعلومات الكاذبة نوع من الغش المعرفي الذي يتنافى مع القيم الإسلامية

ومن الروايات التربوية التي تبرز أهمية القيم في التعليم ما ورد عن الإمام علي عليه السلام قوله «قيمة كل امرئ ما يحسنه» وهذه المقولة تختصر فلسفة التربية القيمية، فالقيمة الحقيقية للإنسان ليست بما يملك من مال أو جاه وإنما بما يتحلى به من خلق وعلم نافع، كما قال أيضًا «العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل» في إشارة إلى أن العلم المنفصل عن القيم والانضباط لا يثمر ولا يبقى

إن الغش والمعلومات المضللة لا يُمكن مواجهتهما بالرقابة الخارجية وحدها بل بالرقابة الذاتية التي تُغرس في النفس منذ الصغر، فحين يتربى المتعلم على الصدق والأمانة يصبح هو الرقيب على نفسه ويعي أن الغش لا يضر غيره فقط بل يسيء إلى ذاته وضميره، ومن هنا فإن المؤسسات التعليمية مطالبة بترسيخ القيم من خلال المناهج والأنشطة والتفاعل الإيجابي بين المعلم والمتعلم، كما يجب على الأسرة أن تكون شريكًا في هذه العملية التربوية لأن القيم تبدأ من البيت وتنمو في المدرسة وتترسخ في المجتمع

وبذلك يمكن القول إن منظومة القيم والانضباط التربوي تمثل خط الدفاع الأول في حماية التعليم من التلوث الأخلاقي والمعرفي، فهي السور الذي يحفظ نقاء العلم ويمنع الغش والخداع، وهي في الوقت نفسه البوصلة التي توجه الأجيال نحو الصدق والنزاهة والإتقان، مصداقًا لقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]، فالعمل المتقن القائم على الصدق والانضباط هو التعبير الأسمى عن الإيمان بالله وعن عمق الانتماء الإنساني والحضاري وبه تزدهر الأمم وتسمو النفوس وتعلو القيم

***

د. صباح خيري

 

ينزع المتشددون الذين أطلقوا على أنفسهم (السلفيون الجدد) إلى أن شيوخ المعتزلة قد جانبهم الصواب في تقديمهم العقل على السمع ودفعتهم تأويلاتهم العقلية للنصوص القرآنية إلى انزلاق أقدامهم في آتون الاجتراء كما قادتهم أهواؤهم إلى تكفير بعضهم بعضًا ثم راح الوهابيون من بعدهم يصفون التأويل والاجتهاد في إعمال العقل في السمعيات بأنه درب من دروب الهرطقة والتجديف بل والكذب على الله ورسوله مرددين (لا اجتهاد مع نص). وفاتهم أن تجديد الدين لا يكون مع غيبة المجتهدين، والاجتهاد لا يستقيم إلا إذا صدر عن عالم أريب وعقل فطن ودقة في التعبير والصياغة.

وغاب عنهم أيضًا (أنه لا اجتهاد مع نص قطعي الثبوت وقطعي الدلالة وهذا لا ينطبق إلا على المحكم من آيات القرآن فقط) ومن أقوال فخر الدين الرازي في كتابه (مختصر الصواعق) في ذلك (المطالب الثلاثة: الأول: ما يتوقف ثبوت الشرع على ثبوته، كوجود الله وصدق الرسول، فهذا يستحيل أن يعلم بإخبار الشرع. الثاني: ثبوت أو انتفاء ما يقطع العقل بإمكان ثبوته أو انتفائه، فهذا إذا لم يجده الانسان من نفسه، ولا أدركه بحسه استحال العلم به إلا من جهة الشرع. الثالث: وجوب الواجبات، وإمكان الممكنات، واستحالة المستحيلات، فهذا يعلم من طريق العقل بلا إشكال. فأما العلم به بإخبار الشرع فمشكل، لأن الخبر الشارع في هذا المطلب إن وافق عليه العقل فالاعتماد على العقل وخبر الشارع فضل، وإن خالفه العقل وجب تقديم العقل وتأويل الخبر في قول المحققين) ولعل هذا القول يعبر عن العقل الجمعي الذي يدين به جل المسلمين.

فشيوخ المعتزلة لم يحتكموا في تأويلاتهم للسمع إلا لصريح المعقول -وذلك قبل اختلاط آرائهم بالنظريات الفلسفية - وعليه أن تأويلاتهم للمتشابه من القرآن لا يخرجهم عن رأي الجمهور وقد انحصرت مواطن انتقادات بعضهم لبعض في المسائل ذات الصلة بالتصورات الفلسفية الميتافيزيقية فحسب أما آرائهم في القضايا العقدية فقد اعتمدت على نظرية تجاور العقل للنقل ولم يقفوا من كتب جماع الحديث موقفًا استبعاديًا إلا بعد تنقيتها بغرابيل صريح المعقول.  كما أن كثرة محاوراتهم ومناظراتهم مع شتى المذاهب والملل والنحل قد اكسبتهم دربه ودراية بقواعد حرية التثاقف، والالتزام بحدود الموضوعية في النقد مع الزام المحاور بعقلانية التصورات في طرح الرؤى والاتيان بالحجج والبراهين ذلك فضلًا عن مجهم للتقليد في شتى صوره وعدم الاحتكام للمألوف والموروث ولاسيما في أمور التشريع. وبهذا المنحى وبفضل غرابيلهم العقلية قد استطاعوا صد الهجمة الشرسة التي شنت على أصول العقيدة الإسلامية من قبل عشرات الفرق (الجبرية، المجسمة، الدهرية، الحلولية، الباطنية، عصبية الخوارج، بدع الشيعة، تجديف الملحدين وإفك الهراطقة) وليس هناك أدل على أهمية وعظم جهودهم في تبيان فلسفة المقاصد الشرعية إلا عودة معظم خصومهم إلى التسلل إلى الثقافة الإسلامية ثانيةً وذلك عقب غيبة المطبقين لمنهج المعتزلة العقلي ولاسيما في الفكر الإسلامي المعاصر الذي بات مولعًا بعشرات الأكاذيب التي اصطنعها الخوارج الجدد من الإرهابيين والتكفيريين من جهة وأصحاب البدع مثل عبدة الشيطان والمجدفين التفككين والارتيابيين ودعاة وحدة الأديان والعقيدة الابراهيمية وتأليف الجماعات الماثونية من جهة ثانية وتجديف المتعالمين من دعاة الحداثة وما بعد الحداثة والفوضويين والوجودين والعبثيين والاباحيين والمجترئين على النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته من المأجورين ودعاة الفتن من جهة ثالثة فجلهم قد ارتدى عباءة الصدق وراح يلوح برايات العدل والحرية التي جاء بها المهدي المنتظر وخفي تحت عباءته لباس أبليس ومسبحة ترانيم الشيطان الكاذبة.

مع العلم أن جل شيوخ المعتزلة لم يلزم أحدهم باتباع اجتهاداتهم ولم يزعموا أن ما انتهوا إليه عقلًا ناسخًا لما جاء في السمع (القرآن). ولعل نهجهم يتفق مع قول الامام الشافعي (ميز يا بني، علمك الله، ما قد شرحت لك من هذا القول وتدبر ما حكيت لك من قول الكذابين على الله يبن لك الصدق وتعلم الحق، لأنه واضح مبين لا يخفى أهل المعرفة والعقل لأن العقل أكثر حجج الله سبحانه على عباده ولذلك لم يخاطب إلا ذوي الالباب والعقول).

كما يؤكد شيوخ المعتزلة أن تدبر نسقية القرآن والنظر للقضايا التي تحدث عنها في آياته تغني العابد المريد عن غرابيل الكذب وذلك لأنه قد توصل بعقله المؤمن بأنه أوشك على الوصول إلى حق اليقين وهو الممثل الأوحد إلى المقاصد الربانية ولعل ابن سينا وبن طفيل قد تأثرا بهذا المنحى العقلي في حديثهما عن قصة (حي بن يقظان) - فالحق لا يناهض أو يعارض الحق- والصدق لا يمكن أن يتخفى في رداء الكذب بل العكس صحيح لذا نجد شيوخ المعتزلة يحزرون من الآيات التي ينزعها الكذابون من سياقاتها لإضلال الناس بإسم الدين الامر الذي يوجب مقابلة الآيات بعضها ببعض إذا كانت تشتمل على حكم أو الارشاد إلى حقيقة أو الاخبار عن واقعة ولا يحتج في هذا المقام بما يقال عنه الناسخ والمنسوخ فالنسخ في القرآن عند جميع شيوخ المعتزلة لا يكون بمعنى الابدال أو الانتقال من حكم إلى نقيده فقد اعتبر جلهم أن القرآن نص متناغم ومتناسق ولا يوجد فيه نسخ، أو أن شئت قولت النسخ عندهم مقيد بأن يكون في حدود التخصيص لا الإلغاء الكامل. وقد اعتمدوا في ذلك على مبدأ أن كل آية لها حكمها الخاص، وأن الأوامر والنواهي فيه متوافقة، وربطوا ذلك بمبادئهم العقدية، كما ورد في قضية "خلق القرآن".

كما ينكرون أيضًا وصف أفعال العباد بأنها مقدرة قبل وجود أصحابها ويكذبون كل من رد المعاصي والآثام التي تدخل في بابها بأنها قدر من عند الله تجبر الانسان على فعلها بحجة أنه لا مرد لقدر الله بينما الصدق عندهم أن كل أفعال العباد قد خبرها الله بعلمه وليس بإرادته لأنه لو كان غير ذلك لبات العادل ظالمًا وحاشا لله أن يكون كذلك فقد قال تعالى في سورة فصلت ( مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيد)ِ (46) وجاء في صحيح الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل: "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا".

ويجدر بنا الإشارة إلى أن شيوخ المعتزلة قد أخرجوا الخوارق والمعجزات الواردة في القرآن من غرابيل النقد التي تفصل بين الصدق والكذب فكل ما جاء في حق اليقين صادق بالضرورة والعقل عاجز عن الوصول إلى حقيقته ويرجع ذلك لأنهم اعتبروا أن علم الله وقدرته هي ذاته ومن ينكرهما يجحد وحدانيته وربوبيته وعليه فإن المعجزات الخارقة للسنن ما هيا إلا آيات يحتج بها على كذب الكاذبين وأنها تأييد لأنبيائه ورسله ضد المنكرين والجاحدين ومع ذلك فأنهم لا يسلمون بحدوث الخوارق والمعجزات والكرامات التي لم يذكرها القرآن سواء كانت منسوبة إلى الأنبياء أو الأولياء وحجتهم في ذلك أنها تحدث إشكالًا في الاستيعاب بين عين اليقين الذي يمكن للعقل تصوره وبين حق اليقين الذي أخبر عنه الله في قرآنه الكريم كما أن ذيوعها بين العوام  قد يحدث فتنة ويجلب الشكوك والخلط بين الأنبياء والأولياء ويجعل الكذب يتسلل إلى ألسنة من يظنهم الناس على غير حقيقتهم مثل الافتتان بالخلفاء أو المتصوفة الاتقياء أو أصحاب المناقب والنجاحات من الأمة والزعماء أو الادعياء.

أما المعجزات الواردة في السيرة وكتب جماع الحديث مثل رواية حوار النبي صلى الله عليه وسلم مع حماره يعفور، وادعاء بعض الرواة (بقيام النبي صلى الله عليه وسلم بوطء كل زوجاته وسراريه في ليلة واحدة)، ووجود الحمامتين والعنكبوت في مدخل غار ثور أثناء الهجرة لإخفاء النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه عن عيون مطارديه. فإن مثل هذه القصص والروايات المختلقة يأبها صريح المعقول شكلًا وموضوعًا ويسهل على غلاة المستشرقين والطاعنين في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نقدها وهدم أركانها وقد شكك فيها جمهور العلماء.

أما موقف شيوخ المعتزلة من قضية خلق القرآن فهي أيضًا تعبر عن وجهتهم العقلية النابعة من عمق إيمانهم بعدم الفصل بين علم الله وذاته وأن إعجاز القرآن ليس  في صياغته اللغوية وروعته البلاغية التي لا يدركها إلا أرباب تلك اللغة فحسب بل أن نسقيته وبنيته المعرفية وموضوعيته التي تفوق كل تصور في صلاحيتها للتطبيق في كل زمان ومكان وجمع فضائله الأخلاقية بين الثوابت والأصول الركينة والقابلة دومًا للتجديد والتطويع وفق المتغيرات الثقافية والبيئات المتغايرة هي المعجز الحقيقي الذي يمكن التحقق منه بعين اليقين ويمهد للذهن سبيله إلى قبول الغيبيات التي تحدثت عنها الآيات في حق اليقين وقد تأثر بهذا المنحى ابن رشد.

  كما قام شيوخ المعتزلة بالرد على مخالفيهم بنهجهم الجدلي المفحم مبينين أن القرآن باعتباره كلام الله فهو صادر عنه وكل ما يصدر عن الله من أشياء فهي من خلقه سبحانه وتعالى كما أن الألفاظ والحروف والكلمات والتراكيب اللغوية أشياءً قد اكتسبت دلالاتها من البشر وقد خلقها الله سبحانه وتعالى   وجعلها وعاءً لحمل أوامره وشرائعه ومقاصده بلسان يفقهوه شأن الكتب السابقة على الإسلام التي تنزلت على أقوام بلغات شتى أما القول بقدم القرآن فهو لا يكون لأن الله سبحانه هو الأول والأخر والأول لا يشاركه أحد في وجوده.

 وخلاصة قول المعتزلة أن حلاوة وجمال الالفاظ القرآنية لا تعد وجهًا للإعجاز فقط إذا ما قورن هذا المعجز بتلك الحكمة النسقية والمنطق المكين والحجج التي سوف تظل من المستحيلات التي لا يستطيع العقل الاتيان بمثلها، ولعل قول الله (إنَ نحن نزلنا الذكر وإنَ له لحافظون)، (سورة الحجر الآية 9) يتضح فهمه على الوجه الأمثل الذي يكشف أن سر حفظه كامن في جوانية النص وجوهره وبنيته التي يصعب تزييفها أو تسلل الكذب إليها، وكيف لا وكل الواقعات والمعارف والمعلومات تؤكد حجيته الصادقة وعظم خالق آياته وإن كره الجاحدون.

 ويترئ لي أن قضية خلق القرآن وقدمه من القضايا المفتعلة التي أثارها الأغيار من لاهوتي أصحاب الكتب المقدسة، وذلك خلال مساجلات المعتزلة معهم وإن حجة شيوخ المعتزلة وردهم تبعًا للسياق السالف كان في شدة العبقريّة؛ لأنهم لم يقولوا بأن القرآن مخلوق بالمعنى الدلالي الذي ينظر إليه الذهن بأن كل المخلوقات ناقصة ومصيرها للهلاك شأن الإنسان ذاته،  كما أنهم لم ينظروا إلى القول بالقدم على أن دلالة القدم هي (السرمديّة أي القبلية المطلقة) فقالوا إنّ القرآن هو المرآة  التي جعلها الله صورةً تعكس جانبًا من علمه الذي يسهل على البشر رؤيته واستيعابه.

وعليه؛ يمكن اعتبار (جبريل) مرآة ناطقة للآيات، وأن الأثر الذي يُحدثه وقع القرآن في القلوب هو شكلٌ من أشكال المرآة الشعوريّة التي تلحق بوجدان الذين يستمعون إلى القرآن دون علمًا منهم بلغته وما تحمله الآيات من معاني ودلالات.

ومن زاوية أخرى - لقراءتنا لكلام المعتزلة - نجد أن خلافهم مع الأشاعرة في هذه القضية يكاد يكون خلافاً دلاليًا حول دلالة الكلام وظاهر الألفاظ؛ ولعل مضمون هذا التصور يتفق مع رؤية الامام أحمد بن حنبل الذي ذهب إلى أن القرآن هو كلام الله فحسب. وحديث الجرجاني (1339:1413 م) في كتابه (دلائل الاعجاز) عن المعجز الدلالي للقرآن الكريم. 

وللحديث بقيّة حول الجانب التطبيقي من آراء المعتزلة المستنبطة من غربلتهم للآراء التي طرحت في الثقافة الإسلامية ولحقت بعقائدها.   

***

بقلم: د. عصمت نصّار

 

تأتي دعوة الدكتور أيمن السيد عبد الوهاب، مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، للنخب الفكرية لتعريف دورها في تشكيل مستقبل الأمة، في لحظة فارقة من تاريخنا المعاصر. إنها لحظة تحول "جيوفكري" عميق، تعلن نهاية دورة حضارية هيمنت على العالم قرونا، وتبشر بولادة دورة جديدة متعددة الأقطاب، تحمل بصمات شرقية آسيوية واضحة. هذا التحول ليس مجرد إعادة توزيع للقوى على الخريطة العالمية، بل هو تحول في "الميتافيزيقا الاجتماعية" التي تنظم علاقات البشر والمجتمعات والدول. وهو يطرح أسئلة مصيرية على النخب العربية، التي تقف أمام منعطف تاريخي لا يحتمل التردد أو التلكؤ.

فالعالم الذي نعيش فيه اليوم لم يعد هو العالم الذي نشأت فيه مراكز الفكر العربية في منتصف القرن الماضي. لقد انقضى زمن كانت فيه هذه المراكز مجرد نوافذ نطل من خلالها على إنتاج المعرفة في الغرب، أو ورش لتكييف هذه المعرفة مع واقعنا المعقد. نحن اليوم أمام واقع جديد: واقع تعيد فيه التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي صياغة مفهوم المعرفة ذاتها، وتحيل فيه التحولات الجيوسياسية الكبرى الكثير من المسلمات الفكرية السابقة إلى تاريخ.

في هذا الواقع المتشابك، تواجه مراكز الفكر العربية ثلاثة تحديات وجودية متداخلة:

أولا: تحدي الهوية في عالم الذوبان: كيف تحافظ هذه المراكز على رسالتها الحضارية الخاصة، بينما تتعرض الخصوصيات الثقافية لعمليات إذابة ممنهجة في بوتقة العولمة الثقافية؟ وكيف تشارك في صياغة النظام العالمي الجديد دون أن تفقد بوصلة ذاتها، ودون أن تظل أسيرة الثنائيات العقيمة التي شغلت العقل العربي طويلا (الأصالة والمعاصرة، التراث والحداثة، الدين والعلمانية)؟ السؤال الجوهري هو: كيف ننتقل من موقع المتلقي للفكر إلى موقع المشارك في إنتاجه وصياغته؟

ثانيا: تحدي التسونامي التقني: لقد غير الذكاء الاصطناعي وثورة البيانات قواعد اللعبة الفكرية برمتها. فالقدرة على جمع المعلومات ومعالجتها وتحليل الأنماط لم تعد حكرا على العقل البشري. بل إن الآلات تتفوق عليه في هذه المهام بمراحل. وهذا يطرح سؤالا محوريا: ما هي القيمة المضافة التي يقدمها الباحث والمفكر البشري في عصر الخوارزميات الخارقة؟ وما هو الدور الجديد لمراكز الفكر في ظل هذه الثورة التي تتدخل حتى في تشكيل الوعي واتخاذ القرار؟

ثالثا: تحدي التحول الفلسفي: نحن إزاء تحول قيمي عميق في النسق العالمي. فالنموذج الغربي، الذي رفع شعار الفردانية والحرية المطلقة، يعاني أزمة عميقة تتجلى في التفكك الاجتماعي والاستقطاب السياسي. وفي المقابل، يبرز النموذج الآسيوي، الذي يقدم الجماعة والتنمية والاستقرار كبديل. مجتمعاتنا العربية تقف في ملتقى الطرق، تبحث عن مسارها الثالث الذي يستلهم من تراثها ويستوعب معطيات العصر، دون أن يكون نسخة طبق الأصل من أي نموذج وارد. هذا البحث يحتاج إلى تأمل فلسفي جريء، لا إلى مجرد ترقيع سياسي أو اقتصادي.

الاستجابة لهذه التحديات المصيرية لا تكون ببعض الإصلاحات الإدارية السطحية، بل تتطلب تحولا نوعيا في الرؤية والوظيفة والمنهج. وهذا التحول يقوم على أربعة أركان أساسية:

1. إعادة تحديد الهوية والوظيفة: يجب أن تنتقل مراكز الفكر من دور "مورد الخدمات الفكرية" للحكومات والنخب، إلى دور "حاضنة التجديد الحضاري". عليها أن تعمل على إعادة ربط العقل العربي بجذوره المعرفية والتاريخية، ليس للوقوف عندها تحنيطا، بل للانطلاق منها في حوار خلاق مع منجزات العصر. عليها أن تكون الجسر بين ثوابت الأمة ومتغيرات العصر، بين العمق التاريخي ومتطلبات المستقبل.

2. تبني منهجية تكاملية مركبة: لقد آن الأوان لتجاوز منهجية "إما/أو" التي شطرت العقل العربي وأضعفت فاعليته. نحتاج إلى منهجية تستوعب التعقيد، وترفض التبسيط المخل، وتجمع في تحليلها بين دقة العلوم الاجتماعية، وعمق الفلسفة، وروح النقد التاريخي، وحدس الحكمة الإنسانية. منهجية تنظر إلى الظواهر في كليتها وترابطها العضوي، لا كأجزاء منعزلة.

3. الاستيعاب النقدي للثورة التقنية: لا مكان هنا لموقف الرفض المطلق، ولا للانبهار السلبي. على مراكز الفكر أن تتحول إلى مختبرات لاستكشاف وفهم وتوظيف التقنيات الحديثة، خاصة الذكاء الاصطناعي. الهدف هو بناء "ذكاء مضاعف" يجمع بين سرعة التحليل الآلي الهائل، وعمق السؤال البشري، وقدرته على الحكم الأخلاقي والتأويلي الذي تفتقده الآلة.

4. بناء تحالفات المعرفة الجنوبية: في عالم يتجه نحو التعددية القطبية، يجب أن تتعدد وتتنوع روابط المعرفة. فالحوار مع مراكز الفكر في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية لم يعد ترفا، بل أصبح ضرورة استراتيجية. إنه الطريق لخلق توازن معرفي جديد، ولتأسيس منظور "جنوب-جنوب" يحرر الفكر العالمي من ثنائية الشرق والغرب التي هيمنت عليه قرونا طويلة.

بهذه الرؤية المتكاملة، يمكن لمراكز الفكر العربية أن تتحول إلى خلايا تفكير جماعي حقيقية، وذلك من خلال:

- استعادة الروح النقدية البناءة: نقد ينطلق من الانتماء والحرص، لا من التمركز حول الذات أو الانبهار بالآخر. نقد يفرق بين الجوهر والعرض، ويهدف إلى الإصلاح والتجديد، لا إلى الهدم والتشويه.

- بناء معرفة تشاركية حوارية: الخروج من الأبراج العاجية للإنصات إلى نبض الشارع وفهم هموم الناس الحقيقية. فالمعرفة التي تبنى مع الناس ولهم، هي وحدها القادرة على تقديم أجوبة مقنعة عن أسئلتهم المصيرية.

- تبني رؤية استباقية للمستقبل: الانتقال من ثقافة رد الفعل إلى ثقافة الفعل، ومن تحليل الماضي والحاضر إلى المشاركة الفاعلة في صياغة المستقبل. رؤية تجمع بين واقعية التشخيص وجرأة الطموح.

- إعادة الاعتبار للبعد الأخلاقي: في زمن العولمة المادية الصاخبة، تصبح مهمة الدفاع عن القيم الإنسانية والأخلاقية، المستمدة من تراثنا الروحي والحضاري ومن الفطرة الإنسانية السليمة، مهمة مركزية. فالفكر بلا أخلاق قوة عمياء، والسياسة بلا أخلاق صراع همجي.

بين لحظتين تاريخيتين نعيش: لحظة نهاية وهمود، ولحظة بداية وولادة. الخطر الوجودي حقيقي، لكن التاريخ يعلمنا أن أعظم المخاطر تحمل في طياتها أعظم الفرص. العالم الذي يبحث عن توازن جديد، هو عالم يحتاج إلى كل الأصوات الحضارية، خاصة صوت حضارتنا العربية الإسلامية الحامل لتراث إنساني هائل. ولكن هذا الصوت لن يسمع، ولن يكون له تأثير، إذا ظل مشتتا أو ضعيفا أو عاجزا عن التعبير بلغة العصر.

هنا تكمن المهمة التاريخية لمراكز الفكر العربية: أن تصوغ هذا الصوت، أن تجسده في رؤى واضحة، ومناهج دقيقة، وسياسات عملية. أن تقود النقلة النوعية في الفكر التي تشكل الأساس المتين لأي نهضة حقيقية. المهمة شاقة وتتطلب شجاعة المفكر، وصبر الباحث، وحكمة الحكيم، وتواضع من يدرك أن المعركة الحقيقية هي معركة فكرية في المقام الأول.

فالأمم التي تتخلف عن صناعة فكرها، محكوم عليها باستهلاك فكر غيرها. والفكر المستورد، كالرداء المستعار، قد يغطي الجسد لحظة، لكنه لن يناسب مقاسه يوما، ولن يعبر عن روح صاحبه وذاتيته. والقرن الحادي والعشرون، بتحولاته الجارفة، ينتظر منا إجابتنا الخاصة: المتماسكة، الأصيلة، والمعاصرة.

***

د. عبد السلام فاروق

كانت مسألة خلق العالم ومصير الإنسان بعد الموت من بين أولى الأسئلة التي خطرت في ذهن الإنسان، وقد تم التعبير عن مفاهيمه في عصور ما قبل التاريخ من خلال رسومات كهفية جذابة.

بدأ تطور المعرفة في الشرق الأدنى مع ظهور حضارة وادي النيل وحضارة بلاد ما بين النهرين.

رفض المصريون القدماء قبول الموت كنهاية لوجودهم، مما دفعهم إلى التفكير والتأمل بعمق في معنى الوجود، وكيف تم خلق الكون، وكيفية التغلب على الموت والوصول إلى الحياة الأبدية. وقد ادي ذلك الي الاعتقاد بان الحياة على الأرض مجرد جزء من رحلة أبدية تستمر بعد الموت وفقا لدينونه صارمه تقيم حياه الانسان قبل موته.

ظهرت الحضارة السومرية في جنوب بلاد ما بين النهرين، وابتكر السومريون نظام دولة المدينة حيث كان لكل مدينة استقلال ذاتي وإله خاص. كان السومريون يعتقدون أن العالم تحت مراقبة الآلهة، وأن المرض سببه الغضب الإلهي.

يرتبط تاريخ اليهوديه بتاريخ كنعان وهي منطقة تشمل فلسطين وسوريا وغرب نهر الأردن. ظهرت مملكة إسرائيل في الشمال منذ القرن الثالث عشر قبل الميلاد، ومملكة يهوذا في الجنوب خلال القرن العاشر قبل الميلاد. تم كتابه أجزاء كبيرة من التوراة بواسطه نخبه من اليهود المنفيين في بابل واختيار يهوه إلها سماويًا لليهود. يصف التوراة وعد الله لـ "إبراهيم" وهروب نسله إلى مصر، ثم خروجهم من مصر بقيادة "موسى" وعند جبل سيناء تلقى "موسى" التوراة (أسفار موسى الخمسة). في النهاية، قادهم الله إلى أرض كنعان التي أصبحت "إسرائيل .“ تقدم الديانه اليهودية مجموعة من الارشادات والتقاليد والطقوس بعضها تأثر بالثقافة المصرية وهناك تقارب كبير بين النصوص المصرية والنصوص العبرية، ومن الامثله كلمة ”مزمور" كلمة مصرية تطلق على الترانيم، ونصائح الحكيم "بتاح حتب" هي أصل سفر المزامير، وحكم "أمينموب" هي أصل سفر الأمثال. وأخذ العبرانيون عن المصريين عمل الخبز بلا خميرة، وختان الذكور . كما يوجد تشابه بين بعض القصص في ”التوراة" والأساطير السومرية مثل قصة "نوح" والطوفان وأسطورة جلجامش السومرية. كذلك هناك تشابه بين قصة "آدم وحواء“ مع اساطير منقوشة باللغة الأوغاريتية في "سوريا" .

كانت الزرادشتية الديانة الرسمية لبلاد الفرس منذ عام 600 قبل الميلاد إلى 650 ميلادي. انتشرت الزرادشتية على يد النبي زرادشت، الذي تلقى وحياً متكرراً من ملاك يخبره عن إله واحد يدعى أهورا مازدا (الرب الحكيم) الذي خلق العالم، وهو مصدر الأفكار والكلمات والأفعال الطيبة، ويجب عبادته، وأن هناك صراعاً مستمراً بين الخير والشر.

تشمل الممارسات الدينيه عند الزرادشتيون الصلاه خمس مرات في اليوم مع تغطية الرأس بقبعة بيضاء من القطن للرجال ووشاح للنساء. كما يمارس الزرادشتيون غسل الوجه والارجل واليدين قبل الصلاه . ينظر الزرادشتيون الي النار على أنها الرمز الأسمى للنقاء، وتمثل نور الله ”أهورا مازدا“. يحاسب روح المتوفى رئيس الملائكة ” والصالحون مصيرهم الجنه، وينجحون بسهوله في عبور الصراط الذي يقع فوق جهنم أمَّا الأشرار سيفشلون في عبور الصراط ويهوون في النار. بعد نهاية الزمان، سوف يجتمع الجميع اهل الجنه وجهنم وسوف يعيشون في سلام ووئام إلى الأبد مع أهورا مزدا، الذي برفض العذاب الابدي .

هناك تشابه بين الزرادشتية والعديد من المعتقدات والممارسات الدينيه في الشرق الادني، وقد دخلت بعض المعتقدات والممارسات الزرادشتية إلى المجتمع الإسلامي، فهناك تشابه في وصف الاله وفي ممارسه الصلاه خمس مرات في اليوم، وفي ممارسه الوضوء قبل الصلاة. كما ويوجد تشابه بين قصه الاسراء والمعراج في الاسلام مع أساطير زرادشتيه.

كانت الفترة الهلنستية (323 قبل الميلاد إلى 30 قبل الميلاد) المرحلة الأخيرة في تطور الفكر الديني في الشرق الأدنى قبل ظهور المسيحية. أدت حملات الإسكندر الأكبر إلى تواصل ثقافي كبير بين الشرق والغرب، وإلى إنشاء إمبراطورية عالمية اندمجت فيها الثقافات والحضارات والأديان الشرقية والغربية. وقد أسفر هذا الاندماج عن ظهور ثلاثة تيارات دينية: الهرمسية، والغنوصية، والمساريه. لعبت الغنوصية دورًا هامًا في الإيمان بإله واحد يضع المعرفة الباطنية في القلب النقي ليدرك الإنسان وجود الإله السماوي، وأن طريق الخلاص يمر عبر الوسيط السماوي، "المخلص"، الذي تصعد الروح معه إلى السماء لتتحد مع الله إلى الأبد. أثر التوحيد الغنوصي على اليهودية ليصبح "يهوه" الإله الواحد العظيم، وجعلوا السماء مقرًا أبديًا له.

في الختام، فإن التشابه في المفاهيم الدينية عبر حضارات الشرق الأدنى يعكس حقيقة أن التجربة الإنسانية هي سلسلة متشابكه من الافكار. للاسف انكر ارسطو وجماعته التواصل الفكري القوي بين الحضاره المصرية القديمة والحضاره الإغريقية، علي الرغم من ان عشرات من الفلاسفة الإغريق تلقوا تعليمهم في "جامعة أون" المصرية واستفادوا من مكتبة الإسكندرية التي كانت منارة للمعرفه في العالم القديم. اخطأ ايضا منظري "العصر المحوري“ في حصر الحضارات البشريه الهامه في فتره محدده تمتد من القرن الثامن إلى القرن الثالث قبل الميلاد. ها الاختيار العشوائي يتجاهل التسلسل الحقيقي للفكر الإنساني ودور اهم حضارتين في تاريخ البشريه: الحضاره السومريه والحضاره المصريه القديمة.

لقد حلت النظريات العلمية محل الأساطير والتأملات المجردة،منذ اكتشاف كوبرنيكوس في عام 1514، أن الأرض ليست مركز الكون، وأصبح الإنسان قادرًا على القياس والتنبؤ معتمدًا على علوم الفيزياء، والمعادلات الرياضية .

للاسف، انتشرت الحركات الدينية الأصولية في جميع أنحاء الشرق الأدنى خلال العقود الأخيرة، مما أعاق تقدم المعرفة، ويجب علينا مواجهة هذه الظاهرة المؤسفة وهزيمتها بالمعرفة العلمية الحديثة.

***

بقلم استاذ دكتور سامح مرقس

جدلية الموروث والعصرنة في تشكيل النص الإبداعي المعاصر

تتناول هذه الدراسة قضية الإبداع في عصر التكنولوجيا، من خلال تحليل العلاقة الجدلية بين استلهام الموروث الثقافي والتفاعل مع معطيات العصر الرقمي. تنطلق الدراسة من فرضية أن الإبداع المعاصر لم يعد مجرد إنتاج جمالي أو لغوي، بل أصبح فعلاً تواصليًا يتفاعل مع قارئ جديد تشكّل وعيه ضمن بيئة رقمية متسارعة. ومن ثمّ، فإن الكاتب المعاصر مطالب بإعادة صياغة أدواته الفنية والفكرية بما ينسجم مع متطلبات هذا القارئ العصري، دون التفريط في أصالة الموروث أو عمق الهوية الثقافية.

الكلمات المفتاحية: الإبداع، التكنولوجيا، الموروث، العصرنة، القارئ الجديد، الأدب الرقمي.

المقدمة

يشهد العالم المعاصر تحولات جذرية بفعل الثورة التكنولوجية التي غيّرت أنماط التفكير والإنتاج والتلقي في مختلف المجالات، ولا سيما في ميدان الإبداع الأدبي والفني. فقد أصبح الإبداع في زمن الرقمنة ظاهرة مركّبة تتقاطع فيها الفنون والمعارف والتقنيات، مما يفرض على الباحثين والمبدعين إعادة النظر في المفاهيم التقليدية التي حكمت العملية الإبداعية لعقود طويلة.

تنبع أهمية هذه الدراسة من كونها تسعى إلى استكشاف جدلية العلاقة بين الموروث الثقافي والعصرنة في تشكيل النص الإبداعي المعاصر، في ظل التحولات الرقمية التي أعادت تعريف مفاهيم النص، والكاتب، والقارئ. كما تهدف إلى إبراز كيف يمكن للمبدع العربي أن يوازن بين الأصالة والانفتاح، بين الجذور الثقافية والآفاق التقنية، ليصوغ نصًا قادرًا على التفاعل مع روح العصر دون أن يفقد هويته.

وتنطلق الدراسة من إشكالية محورية مفادها: كيف يمكن للإبداع أن يحافظ على عمقه التراثي وهويته الثقافية في ظل هيمنة التكنولوجيا الرقمية؟ وما السبل التي تمكّن المبدع من توظيف أدوات العصر لخدمة القيم الجمالية والفكرية الأصيلة؟

وللإجابة عن هذه الإشكالية، تعتمد الدراسة منهجًا تحليليًا نقديًا يقوم على تتبع مظاهر التحول في مفهوم الإبداع، وتحليل أثر التكنولوجيا في بنية النصوص المعاصرة، مع استحضار دور الموروث الثقافي في إثراء هذا التحول.

أولاً: مفهوم الإبداع في ضوء التحولات التكنولوجية

الإبداع، في جوهره، فعل إنساني يتجاوز المألوف نحو اكتشاف الجديد والمغاير. غير أن هذا المفهوم شهد تحولات عميقة مع الثورة الرقمية. فقد أصبح الإبداع اليوم مرتبطًا بقدرة المبدع على توظيف الوسائط المتعددة، والتفاعل مع فضاءات رقمية مفتوحة، تتجاوز حدود الورق واللغة التقليدية.

يشير عبد الله الغذامي (2005) إلى أن "التحول الرقمي في الثقافة العربية لم يعد خيارًا، بل أصبح شرطًا من شروط الوجود الثقافي ذاته"¹. وهذا يعني أن الإبداع لم يعد يُقاس فقط بجماليات النص، بل بمدى قدرته على التفاعل مع بيئة رقمية متغيرة، تستوعب الصورة والصوت والحركة إلى جانب الكلمة.

ثانياً: الموروث الثقافي كمنطلق للإبداع المعاصر

يُعد الموروث الثقافي خزانًا رمزيًا يغذي الإبداع ويمنحه عمقه التاريخي والإنساني. غير أن استلهام الموروث في عصر التكنولوجيا لا يعني استنساخه، بل إعادة قراءته وتأويله بما يتناسب مع روح العصر.

يرى محمد عابد الجابري (1991) أن "التراث ليس كتلة جامدة، بل هو طاقة فكرية قابلة للتجدد عبر القراءة النقدية"². ومن هذا المنطلق، فإن المبدع المعاصر مدعو إلى إعادة إنتاج الموروث في ضوء أدوات العصر، ليصبح التراث مادة حية تتفاعل مع الحاضر، لا عبئًا يثقل النص.

إن الموروث، حين يُعاد توظيفه بوعي نقدي، يتحول إلى عنصر إبداعي فاعل يسهم في بناء هوية النص المعاصر، ويمنحه بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود الزمان والمكان.

ثالثاً: القارئ الجديد وإشكالية التلقي في العصر الرقمي

أفرزت التكنولوجيا قارئًا جديدًا يختلف جذريًا عن قارئ الأمس. إنه قارئ متصل بالشبكة، سريع التفاعل، متعدد الوسائط، يستهلك النصوص عبر الشاشات لا عبر الصفحات.

تؤكد دراسات علم الاتصال أن "القارئ الرقمي يميل إلى النصوص القصيرة، المتفاعلة، والمفتوحة على الصورة والصوت"³. وهذا يفرض على الكاتب إعادة النظر في بنية نصه، ولغته، وإيقاعه، ليواكب هذا التحول في الذائقة.

فالنص الإبداعي المعاصر لم يعد مجرد خطاب لغوي، بل أصبح فضاءً تفاعليًا يدمج بين الكلمة والصورة والصوت، ويتيح للقارئ المشاركة في إنتاج المعنى، مما يجعل عملية التلقي جزءًا من الفعل الإبداعي ذاته.

رابعاً: النص الإبداعي بين التجديد والتشويق

إن التجديد في النص الإبداعي لا يعني القطيعة مع الماضي، بل يعني إعادة صياغة العلاقة بين الشكل والمضمون بما يحقق التشويق والتفاعل. فالقارئ العصري يبحث عن نصوص تثير خياله وتستجيب لسرعة إيقاع حياته.

يشير رولان بارت (1970) إلى أن "النص الحديث هو نص مفتوح، يولد معناه من تفاعل القارئ معه"⁴. ومن هنا، يصبح التشويق عنصرًا بنيويًا في النص، لا مجرد وسيلة لجذب الانتباه، بل أداة لإشراك القارئ في عملية الإبداع ذاتها.

إن النص الإبداعي المعاصر، في ضوء هذا الفهم، يتحول إلى تجربة جمالية تفاعلية، تتجاوز حدود القراءة التقليدية نحو فضاء من المشاركة والتأويل المستمر.

خامساً: نحو رؤية تكاملية للإبداع في عصر التكنولوجيا

إن الإبداع في زمن التكنولوجيا يتطلب رؤية تكاملية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين الموروث والحداثة، بين الجمالية والتفاعلية. فالمبدع المعاصر مطالب بأن يكون واعيًا بتراثه الثقافي، ومتمكنًا من أدوات العصر الرقمية، ليصوغ نصًا قادرًا على مخاطبة القارئ الجديد دون أن يفقد هويته.

إن هذا التوازن هو ما يضمن للنص الإبداعي أن يظل متجددًا ومشوقًا، وأن يحقق رسالته الجمالية والفكرية في عالم سريع التحول. فالإبداع الحقيقي هو الذي ينجح في تحويل التكنولوجيا من أداة إلى لغة، ومن وسيلة إلى فضاء للتعبير الإنساني العميق.

الخاتمة

يُظهر تحليل الإبداع في عصر التكنولوجيا أن التحدي الأكبر أمام المبدع المعاصر يتمثل في قدرته على الجمع بين استلهام الموروث والتفاعل مع معطيات العصر الرقمي. فالقارئ الجديد، الذي أفرزته التكنولوجيا، يفرض على الكاتب أن يعيد النظر في أدواته وأساليبه، ليقدم نصًا متجددًا، مشوقًا، ومؤثرًا. ومن ثمّ، فإن مستقبل الإبداع العربي مرهون بمدى قدرة المبدعين على تحقيق هذا التوازن الخلاق بين الأصالة والتجديد، بين الجذور والآفاق، في زمن تتسارع فيه التحولات وتتشابك فيه الهويات.

النتائج العلمية

1. يتضح أن الإبداع في عصر التكنولوجيا لم يعد نتاجًا فرديًا خالصًا، بل أصبح عملية تفاعلية تتقاطع فيها الذات المبدعة مع الوسائط الرقمية، مما أفرز أنماطًا جديدة من التعبير الفني والأدبي.

2. أثبتت الدراسة أن الموروث الثقافي لا يتعارض مع العصرنة، بل يشكل رافدًا أساسيًا لإثراء النص الإبداعي المعاصر، إذ يمنحه عمقًا دلاليًا وهوياتيًا في مواجهة العولمة الثقافية.

3. أظهرت النتائج أن التكنولوجيا أسهمت في إعادة تشكيل مفهوم النص ذاته، من خلال توسيع فضاء التلقي والتفاعل، وتحويل النص من بنية مغلقة إلى فضاء مفتوح متعدد الوسائط.

4. تبين أن المبدع المعاصر بات مطالبًا بامتلاك كفايات رقمية وثقافية جديدة تمكّنه من توظيف الأدوات التقنية دون التفريط في الأصالة الجمالية والفكرية.

5. كشفت الدراسة عن بروز تيارات إبداعية هجينة تمزج بين التراث والحداثة الرقمية، مما يعكس تحولات عميقة في الذائقة الجمالية وفي آليات إنتاج المعنى.

6. أكدت النتائج أن التفاعل بين الموروث والعصرنة ليس مجرد جدلية فكرية، بل هو مسار ديناميكي يعيد تعريف الهوية الثقافية في ضوء التحولات التكنولوجية المتسارعة.

التوصيات

1. ضرورة إدماج الدراسات الرقمية في مناهج النقد الأدبي والإبداعي لتأهيل الباحثين والمبدعين لفهم التحولات النصية في البيئة الرقمية.

2. تشجيع المبدعين على استلهام الموروث المحلي والعربي في إنتاج نصوص رقمية معاصرة تحافظ على الخصوصية الثقافية وتواكب روح العصر.

3. دعم المشاريع البحثية التي تدرس العلاقة بين التكنولوجيا والإبداع من منظور ثقافي وفلسفي، وليس فقط من زاوية تقنية.

4. إنشاء منصات رقمية عربية متخصصة في عرض وتحليل النصوص الإبداعية الرقمية، بما يسهم في توثيق التجارب الجديدة وتبادل الخبرات.

5. تعزيز التعاون بين الباحثين في مجالات الأدب، والفنون، والتقنية، لتطوير مقاربات متعددة التخصصات تواكب التحولات الإبداعية الراهنة.

6. توجيه المؤسسات الثقافية إلى تبني برامج تدريبية للمبدعين الشباب حول الكتابة الرقمية وأساليب توظيف الوسائط المتعددة في الإبداع.

مقترحات لتوجيه الدراسات المستقبلية

1. دراسة أثر الذكاء الاصطناعي في تشكيل النصوص الإبداعية ومستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة في عملية الإبداع.

2. تحليل التفاعل بين القارئ الرقمي والنص التفاعلي، واستكشاف التحولات في مفهوم التلقي الجمالي في البيئة الافتراضية.

3. بحث دور اللغة العربية في الفضاء الرقمي الإبداعي، وكيفية تطوير أدوات رقمية تدعم حضورها في النصوص التكنولوجية.

4. دراسة مقارنة بين الإبداع العربي والإبداع العالمي في توظيف الموروث ضمن النصوص الرقمية المعاصرة.

5. استقصاء التحولات في البنية السردية والشعرية للنصوص الرقمية، ومدى تأثرها بالوسائط البصرية والصوتية.

6. تحليل الأبعاد الأخلاقية والجمالية لاستخدام التكنولوجيا في الإبداع، خاصة في ظل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والتطبيقات الحديثة.

***

د. خليل حمد الأزهري - مدير مكتب البحث العلمي للاستشارات والنشر والترجمة بالكاميرون -عضو رابطة الأدب الحديث بالقاهرة

.....................

الهوامش

1- عبد الله الغذامي، الثقافة الرقمية وسقوط النخبة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2005.

2- محمد عابد الجابري، التراث والحداثة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1991.

3- دراسات في علم الاتصال الرقمي، جامعة القاهرة، 2018.

4- رولان بارت، لذة النص، ترجمة محمد برادة، دار توبقال، الدار البيضاء، 1986.

حين نتأمل الذكاء الاصطناعي، لا نرى فقط تقدّمًا تقنيًّا مذهلًا، بل نواجه أنفسنا في أكثر صورها تعقيدًا: الإنسان وقد صار مرآةً تصنع مرايا.

لقد أراد الإنسان أن يخلق عقلًا شبيهًا بعقله، فإذا به يوقظ السؤال القديم الذي أرّق أفلاطون وأرسطو وابن سينا: ما الذي يجعلنا نفكر؟ أهو الدماغ بما هو عضو مادّي؟ أم الوعي بما هو أثر في الروح؟

إن كل محاولة لفهم الذكاء الاصطناعي ليست سوى تجسيد جديد لدهشة الفلسفة. تلك التي تضعنا أمام حدود المعرفة.

لقد ظنّ الإنسان أنه سيصنع آلة تفكر، لكنه لم ينتبه إلى أنه في اللحظة ذاتها يصنع مرآة وجودية تعكس هشاشته وخوفه من أن يُستبدل، فكما قال هيدغر: "جوهر التقنية ليس تقنيًا". إنها ليست أدوات نستخدمها فحسب، بل طرائق تفكير تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم.

وإذا كان العلم قد حرّر الإنسان من كثير من الأوهام، فإن الذكاء الاصطناعي يعيده إلى أقدم أوهامه، الرغبة في الخلق. إننا نعيد تمثيل لحظة التكوين نفسها، ولكن هذه المرة لا بوصفنا مخلوقين، بل بوصفنا صُنّاعًا. وهنا يتجدد السؤال الميتافيزيقي: هل يحقّ لنا أن نصنع "وعياً آخر"؟، أم أن الوعي يظل سرًّا لا يُعاد إنتاجه إلا بوصفه أثرًا في النفس، لا كودًا في الخوارزمية؟.

إن التفكير في الذكاء الاصطناعي ليس شأناً علميًا فقط، بل هو تحدٍّ فلسفي ومعرفي. فالآلة قادرة على التعلّم، لكنها لا تعرف لماذا تتعلّم. وهي تمتلك منطقًا حسابيًا، لكنها تفتقد الوعي بالمعنى، ذلك الوعي الذي يجعل الإنسان يسأل لا فقط "كيف؟" بل "لأي غاية؟"، وهنا تتجلّى المفارق، إذ كلما ازداد الذكاء الاصطناعي إتقانًا، ازددنا نحن حيرة أمام ماهية الإنسان. هل نُعرّف أنفسنا بالعقل أم بالروح؟ بالقدرة على التفكير أم بالقدرة على التأمل؟.

لقد كتب ميرلوبونتي أن "الوعي ليس مرآة تعكس العالم، بل هو حضورٌ في العالم". أما الوعي الاصطناعي فليس له عالم، بل بيئة، ليس له تجربة وجودية، بل وظيفة. إنه يحاكي الوعي دون أن يعيش العالم، بينما الإنسان يعيش العالم ليكتشف ذاته. ولعل هذا ما يجعل "المعنى" مستعصياً على البرمجة. فالمعنى ليس نتيجة منطقية بل تجربة روحية، تتكوّن من الذاكرة والحنين والرمز، ومن قلق الإنسان أمام موته وخلوده في الوقت ذاته.

إن الآلة لا تموت، ولذلك لا تحيا بالمعنى الإنساني للحياة. فليس المقصود من نقد الذكاء الاصطناعي هو رفضه، بل تحريره من مركزية الأداة، وإعادته إلى أفق الوجود الإنساني. إنه ليس خطرًا في ذاته، بل خطر حين يغدو نموذجًا للفكر.

وحين يصبح الإنسان نفسه "ذكاءً اصطناعيًا" في سلوكه، حسابيًا في قراراته، آليًا في انفعالاته. يذكّرنا الجابري بأن "العقل لا يكون عقلًا إلا متى كان نقديًا"، بينما يحذّرنا بودريار من أن “الواقع سيذوب في محاكاته". هنا يكمن التحدي، كيف نعيش داخل الثورة التقنية دون أن نفقد حرارة المعنى؟. وكيف نُعيد إلى الوعي قدرته على التساؤل، لا الاكتفاء بالتنفيذ؟

ربما يكمن الحلّ فيما يسميه ابن عربي "الخيال الخلّاق"، ذلك البعد الوسيط بين الحسّ والعقل، بين العالم المرئي والعالم الغيبي. الذكاء الاصطناعي سيظل أداة إن لم نتعلّم كيف نحوله إلى رافعة للوعي الإنساني، لا بديلاً عنه.

علينا أن نجعل من التقنية أفقًا للإنسانية لا نهاية لها. فالرهان اليوم ليس على التفوق العلمي، بل على القدرة على أنسنة المعرفة، وجعلها امتدادًا للروح، لا سجنًا لها. وما لم نعد اكتشاف المعنى في داخلنا، فإن كل ذكاء خارجي سيظل ناقصًا، لأنّ الإنسان وحده هو القادر على أن يسأل عمّا لا جواب له، وهو ما يجعل منه، في النهاية، الكائن الوحيد القادر على أن يتجاوز نفسه.

ربما يكون الذكاء الاصطناعي فرصة لا لإعادة اختراع الإنسان، بل لاكتشاف مدى إنسانيته. فحين نتساءل عن حدود الآلة، فإننا في الحقيقة نتساءل عن حدود وعينا. وعندما نحلم بخلق "عقلٍ آخر"، فإننا نحاول أن نرى في هذا الآخر صورتنا الممكنة، صورة الإنسان وهو يسير بين المادة والروح، بين المعقول والغيب، بين العلم والإيمان. ذلك هو أفقنا المفتوح: أن نواصل التساؤل، لأن السؤال نفسه هو آخر ما تبقّى من الإنسان في عصر ما بعد الإنسان.

***

د. مصطفى غَلمَان

صادفت هذا الأسبوع مقالين: أحدهما «الهوية الإسلامية والمؤامرة عليها» للدكتور ناصر دسوقي رمضان، وقد نشر في 2009. أما الآخر فهو «الحق في الكرامة والهوية المغلقة» للدكتور عبد الجبار الرفاعي، ونشر الأسبوع الماضي.

كلا المقالين يعالج مسألة مثيرة للجدل، تنطوي في سؤال: هل يمثل الدين هوية خاصة لأتباعه، تنفي الهويات الأخرى أو تزاحمها، أم أنه، على العكس: هوية مفتوحة، تتفاعل مع غيرها، أو على الأقل تقبل مجاورتها والتداخل معها؟

القائلون بأن الدين هوية متفردة، يعتبرون السؤال ذاته دينياً. أي أن الهوية، من حيث المبدأ، موضوع ديني، وينبغي أن يأتي تكييفه من داخل الدين. بناءً على هذا؛ فإن الدين يضع نفسه وأتباعه في دائرة خاصة، تفصلها حدود واضحة عن بقية الانتماءات، بما فيها الانتماء العائلي والقبلي والمهني والسياسي والقانوني وغيره. هذه الحدود ليست مجرد اختلاف في الأفكار، بل مخالفة في النظام الاجتماعي والتراتب وحتى نمط العيش.

أما التصور الآخر فيقود منطقياً إلى الاستنتاج، بأن الدين - في ذاته - أداة تواصل أو موضوع تواصل بين المختلفين. وفقاً لهذه الرؤية، فإن الانتماء للدين، يعني أن تصعد الجسر الذي يوصلك إلى بقية الخلق، بشراً ونباتاً وحيواناً وجماداً، من خلال استيعاب النظام الكوني الذي خلقه الله وسخَّره للإنسان، والقيم العليا التي يقبلها بنو آدم كافة، بغض النظر عن أديانهم وأعراقهم أو بلدانهم.

يركز الفريق الأول على «تمايز» المسلمين عن غيرهم. وهو يصرف هذا التمايز إلى مختلف أطراف الحياة. لكنه - في التطبيق - يقصر اهتمامه على التمايز المظهري، كما في اللباس واللغة والهيئة وأمثالها. وبناء على التمايز، فإنه يرجح الانقطاع أو حتى المنازعة، كمضمون للعلاقة مع المختلفين، لا سيما أتباع الأديان التي تبدو منافسة. وفي الوقت الراهن يمثل الصراع مع الغرب الثقافي والحضاري، مادة أثيرة للنقاش والتعبئة عند أهل هذه الرؤية، لكنه – للسبب المذكور نفسه – صراع يدور حول الجوانب المظهرية، وليس – على سبيل المثال – الاقتصاد والعلم والابتكار وحقوق الإنسان وأمثالها. كما ينظر للغرب باعتباره مسيحياً أو يهودياً، أي ديناً منافساً، وليس باعتباره حضارة مختلفة، يمكن التفاعل معها أو الاستفادة من تجربتها.

في المقابل، يدعو الرفاعي لهوية منفتحة، تسمح بمشاركة الآخرين، بمن فيهم أتباع الأديان الأخرى ومن لا يتبع ديناً على الإطلاق. ويرى أن النموذج الذي يعرضه القائلون بتفرد الهوية الدينية، قد أسهم في تحويل الدين آيديولوجيا مغلقة، أشبه بقلعة، يتعارف الناس في داخلها، وينكرون المختلفين الذين في خارجها.

تقديم الدين كهوية منفتحة، وقادرة على التفاعل مع الهويات والأديان والآيديولوجيات المخالفة، يعني أن الجوانب المظهرية والشكلية، أي تلك العناصر الحياتية التي تميز المسلمين عن غيرهم، ليست جزءاً من جوهر الدين، بل هي وعاء لحياة أتباعه، يرتبط بظرفهم المعيشي فحسب.

هذا المفهوم مقبول من حيث المبدأ، في الماضي والحاضر، ونعرفه باسم تأثير الزمان والمكان في الاجتهاد، وقابلية الأحكام الشرعية للتشكل حسب ضرورات الظرف الخاص للمكلفين. لكن هذه القاعدة، أي تأثير الزمان والمكان، لم تتحول قاعدة حاكمة، بل بقيت هامشية في معظم العمل الفقهي المعاصر. وتظهر هامشيتها في جعل نصوص الكتاب والسنّة، متراساً لمنع التصرف في الأحكام التي لم تعد مناسبة لحاجات المسلمين وضرورات حياتهم المعاصرة. فكلما احتاج المسلمون إلى حكم جديد، بحثوا في منطوق النص وليس في حكم العقل كما يفترض.

أعتقد أن القول بالهوية المنفتحة، يسنده أصل سابق للدين، وهو اعتبار التعرف والتعارف وكسب المعرفة، علّة لخلق الناس مختلفين، كما ورد في التنزيل الحكيم «وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا». فهل يمكن للدين أن يلغي علة من علل الخلق والتكوين الرباني؟.

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

غنى محمد عبده الأماكن كلها مشتاقه لك.. فهل فعلا الأماكن تشتاق لنا كما نشتاق لها؟؟

الأماكن ليست حجارة صامتة ولا جدران عابرة، إنما هي أرواح مستترة تنتظر من يوقظها بالذاكرة.

نحن حين نقول: "اشتقنا إلى مكان ما" فإننا في الحقيقة لا نشتاق إلى الجغرافيا بقدر ما نشتاق إلى أنفسنا القديمة التي تركناها هناك، إلى ملامح كنا نظنها اندثرت فإذا بها محفوظة بين عتبة ونافذة وشجرة ظلت صامدة رغم الغياب

الأماكن ليست مجرد مساحات تحدها الجدران أو الطرقات أو الأشجار، بل هي كائنات حية في وعي الإنسان، تمتلك روحا لا تدرك بالحواس بل تشعر بالقلب. حين نذكرها فإننا لا نذكرها كأشياء خامدة، وإنما نستدعي عبرها جزءا من ذواتنا، من طفولتنا> الأماكن تشبه المرايا الخفية كلما عدنا إليها أعادت إلينا وجوها كادت تمحى، وأحاديث كادت تذوب وابتسامات غافلتنا وغابت. إن لها ذاكرة لا نراها، لكنها تقيم في جدرانها، في رائحة غبارها، في ملمس خشب عتيق أو حجر بردته السنين. نحن نقيم فيها حتى ونحن بعيدون، وهي تقيم فينا حتى ونحن نقسم أننا نسينا.

قد نتصور أننا من نترك بصمتنا على الأماكن، لكن الحقيقة أنها هي من تترك بصمتها فينا. فهي تعلمنا كيف نختبر معنى الغياب وكيف نذوق طعم الفقد. كل زاوية هي درس في الذاكرة، وكل شارع هو شاهد على قصة ما، وكل مقعد قديم يخفي تنهيدة أو دمعة أو لحظة انتشاء.

فحين نعود إلى مقعد قديم أو شارع عرف خطواتنا، ينهض من الصمت كل ما مر بنا: دمعة سقطت يوما على حجر بارد، ابتسامة ولدت تحت ظل شجرة، أو كلمة بقي صداها عالقا بين جدارين. ولعل الإنسان لا يشتاق في الحقيقة إلى المكان ذاته، بل إلى ذاته القديمة التي تركها هناك، إلى تلك النسخة البريئة أو العاشقة أو الكسيرة من نفسه.

ولأننا كائنات عاطفية أكثر من كوننا عقلانية، فإننا نغدو أسرى الأماكن التي عبرناها. نعيش في وهم الذكريات التي صنعتها أرواحنا هناك، نضخمها حتى تغدو أكبر من اللحظة نفسها، فنغدو في قبضة الحنين، عاجزين عن الانفلات. الأماكن بهذا المعنى ليست خارجنا، بل هي نحن وقد تحولنا إلى أثر منقوش على حجارتها.

الأماكن تربي فينا أوهاما وحنينا يتجاوزان حدود الواقع، فنخلق حولها صورا مضخمة من الذكريات، حتى نصبح أسرى ما تخيلناه أكثر من أسرى ما عشناه بالفعل> لكن هذا التعلق ليس بلا ثمن. فالفقد يضاعف وجع الإنسان حين ينتزع من مكان أحبه أو ينفى عنه. فالأماكن تحمل في أعماقها طاقة تشبه المرض حين نفارقها> لذلك، لا عجب أن نمرض حين نفارقها، ولا عجب أن نبكي حين نراها من جديد، لأننا نلتقي في تلك اللحظة بأنفسنا المفقودة. الأمكنة تحفظنا كما نحفظها، وربما تشتاق إلينا بالقدر الذي نشتاق إليها، لأن ما يملؤها بالحياة ليس طينها ولا جدرانها، بل نحن، بضعفنا وعواطفنا وخيباتنا، التي تركناها هناك شاهدة علينا إلى الأبد

إننا لا نحيا في الأماكن فحسب، بل هي أيضا تحيا فينا. نحن نتبادل معها الأثر. نترك فيها صدى خطانا وتنهداتنا، فتترك فينا ذكرى لا تموت. ولعل سر عذوبة الاماكن وقسوتها في الوقت نفسه، هو أنها تحفظنا أكثر مما نحفظها، تذكرنا بمن كنا، وتعيد إلينا ما فقدناه من ذواتنا. لذلك، يظل الإنسان كلما نظر إلى مكان قديم يشعر بأنه لم يغادره قط، بل ما يزال يقيم هناك، مختبئا في حجر أو نافذة أو ظل،،، ينتظر أن يلتقي بنفسه من جديد>

بعض الأماكن تحتوينا، تزيل عن قلوبنا القلق وتمنحنا السكينة.. بعض الأماكن أكثر إنسانية من البشر. تمنحنا دفئا لا تفسير له، تزيل عن القلب وحشة الأيام، وتسكب فينا سلاما عميقا يشبه الاعتراف. هي ليست جدرانا ولا نوافذ، بل صدور خلقت لتحتوي تعبنا، وتقول لنا بصمتها: ما زلت أعرفك… وما زلت أحفظ أثر خطواتك.

الأماكن في جمالها وقسوتها هي أكثر ما يشبه الإنسان: تبكي، وتنتظر، وتشيخ، وتشفى، وتبقى رغم كل ما يتغير. ولعل سر الحنين كله يكمن في تلك القدرة العجيبة لها على حفظنا أكثر مما نحفظها، وعلى رؤيتنا بوضوح أكثر مما نرى أنفسنا

الاماكن، ليست مجرد مشاهد. انها اوطان صغيرة نكبر فيها، ونغادرها، لكنها لا تغادرنا. تبقى معلقة في داخلنا، تفتح ابوابها كلما اغمضنا اعيننا، وتذكرنا بمن كنا، وبمن خفنا ان نصبح، وبمن نحاول ان نعود اليه.

اننا لا نسكن الاماكن وحدنا. الاماكن ايضا تسكننا. وحين نشتاق اليها، فإنما نشتاق الى انفسنا التي ما زالت تنتظر هناك، جالسة في ظل شجرة، او واقفة عند باب، او تمشي على رصيف كان يشبه حياة كاملة لم نعد نعيشها

في نهاية الامر ندرك حقيقة لا يمكن الهرب منها: نحن لسنا ابناء الزمن وحده، بل ابناء الاماكن التي عبرناها. كل مكان مررنا به ترك فينا خيطا خفيا يشدنا اليه مهما ابتعدنا. ولعل اعمق ما نكتشفه ان الاماكن لا تظل كما هي، بل تظل كما تركنا نحن ارواحنا فيها. وما الحنين الا عودة متأخرة نحو ذات حاولت ان تنسانا فاخذها المكان في حضنه وحفظها. لذلك كلما عدنا الى مكان احببناه، ندرك اننا لم نفقده قط، بل فقدنا انفسنا التي كانت تسكنه. والعودة اليه ليست عودة الى حجر او طريق، بل عودة الى نسخة منا تمنحنا القوة لنكمل الطريق من جديد.

فنحن لا نغادر المكان حقا… بل نترك في دهاليزه نسخة منا، تظل جالسة هناك، صامتة، تنتظر لحظة واحدة: أن نعود لنلتقي بأنفسنا من جديد.

وكما قال ادونيس: المكان الذي اغادره يسكنني اكثر، وربما لهذا لم نغادر اماكننا يوما مهما ابتعدت المدن وامتدت المسافات...

***

ابتهال عبد الوهاب

 

تتحفنا مواقع التواصل الاجتماعي بنسخ من أحكام المحاكم العراقية يوميا في أحكام الأحوال الشخصية مثل رد دعوى نفقة أو قضية حضانة الأطفال، أو حكم بالنشوز على الزوجة، أو حالات عنف يقوم بها الزوج تجاه الزوجة، ما يثير الإستغراب أن أحدى الدعاوى التي أقامتها الزوجة على الزوج بالنفقة تم ردها ، وسبب الرد عدم قدرتها على أثبات دعواها، (من كونها غير ناشز) حين خرجت من البيت دون إذن الزوج، بسبب العنف أو التضرر، وقضية أخرى لم يتم الحكم على الزوج بعقوبة لعدم كفاية الأدلة في قتل الزوجة أو انتحارها، لم يكن معها بينة غير أقوالها قبل وفاتها.

إن قضية مطالبة الزوجة بالبينة في المجال الخاص هو ما يجب إعادة النظر به، فالبينة هنا غير ممكنة، والضرر لا يكون ماديا دائما، لتثبته بأدلة مادية وشهود يشهدون رؤية واقعة معينة. البينة (الشهود) صالحة في الفضاء العام، في الأزقة والشوارع والأسواق، أما في البيوت وفي المجال الخاص، فهذا الأمر شبه مستحيل.

تقوم البينة في الفقه التقليدي على الشهود، في القاعدة الفقهية " البينة على من أدعى واليمين على من أنكر".(المجلسي: وسائل الشيعة، ج٢٧، ٢٣٣، ٣؛ الصنعاني، سبل السلام، ج٤، ص٥٨٨، الحديث ١٣٢٣) وطلب البينة في الفضاء الخاص يفترض مسبقا أن الطرفين قادران على جلب البينة، وأن المجال الذي تقع فيه الوقائع سهل الإثبات، لكن هذا الأمر غير ممكن في بيت مغلق، خاضع لسلطة الزوج، لاحضور فيه لشهود خارجيين، ولاقدرة للزوجة على التوثيق، ولا أمن لسلامتها النفسية والجسدية. ولذا يصبح من شبه المستحيل أن تثبت الزوجة مايمارس ضدها، تعيش في مكان لايسمح لها بالتحرك أو الشكوى أو تسجيل الوقائع، وتصويرها أو طلب الحماية. فمكان لاتملك فيه السلطة لايمكن فيه أثبات دعواها ببينة. وهنا تدخل العدالة في المحك، لأن الفقه سيحسم النزاع بمجرد يمين الزوج بالإنكار.

هذه الطريقة في التعامل مع البينة تعني مكافئة المسيطر ومعاقبة التابع (الضحية)، وتحول البيت إلى فضاء خارج القانون، وتعيد إنتاج السلطة الذكورية دون مساءلة.

السؤال المهم: هل يمكن تطبيق قواعد البينة العامة على الحياة الخاصة؟ وهل ممكن هذا منطقيا ومعرفيا، هل توجد بينة خاصة؟.

للإجابة على هذا السؤال لابد أن نجيب عن طبيعة اختلاف الفضاء بين الحالتين، فالبينة في الفضاء العام تعني فضاء مفتوحا، يمكن التواجد فيه، ويمكن مراقبته والتحقق منه، وتشارك فيه أطراف متعددة.

أما الفضاء الخاص فهو فضاء مغلق، وأحادي السلطة ولاشهود فيه، ولارقابة ولاقدرة على التوثيق، ومن هنا تنهار معايير الإثبات التقليدية.

كما أن طبيعة الفعل والاعتداء في الحياة الخاصة كالايذاء اللفظي والتحقير والتحكم هذه أفعال نفسية جسدية سياقية، لاتلتقط بالكاميرا دائما، ولاتكون مرئية ولاتترك أثرا في الغالب، ولاتعامل كجرائم عامة.

لذا معاملتها كجرائم عامة يحتاج الى شهود أو أدلة مادية يجعلها غير قابلة للإثبات في أغلب الحالات.

ولأن الرجل يملك هذا الفضاء الخاص ويملك الموارد وحرية الحركة، والقدرة مع منع الشهود وكذلك بامكانه أداء اليمين للخلاص من تبعات الجريمة. بينما تكون فيه المرأة في هذا الفضاء كائنا معرضا للإعتداء والتهديد، في فضاء لايحميها. لذا كيف يمكن مساواتها في عبء الإثبات ؟ (ظ: الكلابي، مصطفى راشد عبد الحمزة، ذاتية الاثبات في جرائم العنف الاسري، مجلة العلوم القانونية والسياسية، جامعة ديالى، المجلد العاشر، العدد الأول، حزيران ٢٠٢١، ص٥٨)

موقف الإمامية من الوقائع السرية بين الزوجين

يعتمد الفقه الجعفري في البينة على الشهادة واليمين والقرائن.

والقرآئن الحسية الخارجية هي التي يعمل بها وليس الحدس الداخلي ولاتوجد ادلة خاصة للحياة الخاصة.

والقرآئن في الحياة الزوجية غير المنظورة، يمكن ان تكون مثل: تغير الحال، كالخوف والهلع من الزوج، وعدم رغبتها المطلقة بالرجوع الى بيت الزوجية، الكآبة والأضطراب النفسي. وهذه كلها قد لا تساعد القاضي في الوصول للضرر، ولذا لا بد من اتخاذ إجراءات أخف وطأة على الزوجة منها على سبيل المثال: تصديق الضحية والبحث الموسع عن قرائن تؤيد إدعائها.

ولغياب الأدلة الظاهرة وعدم اعتماد القرائن قضائيا وفقهيا بشكل واضح وقطعي كان لا بد من اللجوء الى آلية أخرى لأنقاذ النساء من العنف المنزلي وعدم جعل البيوت منطقة خارج القانون والحصول على الطلاق للضررعلى أقل تقدير.

المعايير القانونية الحديثة التي يمكن أن تستخدم لإنصاف الضحية والنظر الى وسائل الأثبات في الحياة الخاصة غيرها في الحياة العامة:

أهم هدف تستهدفه هذه المعايير هي نقل عبء الإثبات من الزوجة.

ويتم ذلك عبر:

-        افتراض صحة أدعاءات الضحية في الحياة الأسرية، في الفضاء المغلق.

-        نقل عبء الأثبات للطرف الأقوى في الأسرة (كالزوج أو الأب، هو عليه أثبات أنه لم يمارس العنف).

-        اعتماد البينة السياقية: التي لا تشترط دليل مباشر بل تعتمد على تقارير نفسية وانماط سلوكية، وشهادات الأقارب والجيران، رسائل، وتغير صحة الضحية.

-        الإعتراف بالعنف النفسي وليس الجسدي فقط.

والى ذلك الحين الذي يتم أعتماد وسائل خاصة، ستظل النساء يدفعن الثمن في حياة غير منصفة وغير محمية، ولا تخضع للعدالة.

***

د بتول فاروق الحسون

النجف: ٩/ ١٢/ ٢٠٢٥

...........................

* جزء من بحث فقهي.

لقد اخترتُ لهذا المقال عنوان "أركيولوجيا النفس والخطيئة" لأنّ مخطوطات الخطايا ليست رواية تُقرأ شكليا، بل نصّ ينفتح على أعماق النفس البشرية كما لو كان طبقات جيولوجية مدفونة تحت ركام التجارب والآلام والرغبات. فكلّ مخطوطة، وكلّ باب، وكلّ شخصية، ليست سوى طبقة من طبقات هذا الوعي الإنساني الذي يحفر فيه برهان شاوي بأدوات الروائي والفيلسوف وعالم النفس. ومع تقدّم السرد، يتبيّن للقارئ أن شاوي لا يروي حكايات بقدر ما يمارس حفريات أنطولوجية تكشف جذور الخطيئة، وبنية الجرح القديم، وملامح الذات الممزقة بين رغبتها وقيدها. كاتبنا العارف الذي لا يكتفي بالكشف، بل يواصل الحفر، حتى يصل إلى أعمق ما يمكن أن يُسمّى النفس. ومن هنا بدت ملامح العنوان تكتمل وتلحّ على تصدّر المقال.

أجدني، وأنا أقترب من "مخطوطات الخطايا"، في متاهة من متاهات برهان شاوي، متاهة لا تُقرأ بقدر ما تُعاش، ولا تُدْرَك بقدر ما تُكْتَشَف طبقة بعد أخرى، كأنّ النص شبكة من المرايا التي تعكس القارئ بقدر ما تعكس العالم. وليس غريبا أن تكون هذه المتاهة بهذا العمق، فشاوي ليس مجرد روائي، بل كائن معرفي تَشَكَّل عبر ترحال طويل بين روسيا وألمانيا والعراق وأوروبا، درس السينما في موسكو وتعمّق في الإعلام في ألمانيا، وتمرّس في التاريخ والعلوم السياسية، وحمل معه إلى الكتابة إرثا من الترجمة عن الروسية والألمانية، وخبرة نقدية وجمالية وصوتا شعريا يمتدّ منذ شبابه. إنّه من أولئك الكتّاب الذين لا تتشكّل معرفتهم من الكتب وحدها، بل من الاحتكاك بالعالم والإنسان، من معايشة الروح في لحظات ضعفها وكبريائها، ومن الوعي بأنّ الأدب ليس حكاية تُروى، بل رؤية تُصاغ، وأن الرواية ليست قالبا، بل معملا لإعادة تشكيل الذات واللّغة والوجود. وبهذا المعنى، تدخل مخطوطات الخطايا في النبض العميق لمشروعه الروائي، ذاك المشروع الذي يمدّ جذوره في سلسلة المتاهات التي كتبها (متاهة آدم، متاهة حواء، متاهة قابيل، متاهة الأشباح، متاهة الأرواح المنسية، متاهة الأنبياء)… وهي أعمال لا تكشف عن عبقرية روائي فحسب، بل عن عقل فكّر طويلا في الإنسان، وحفر في طبقاته النفسية كما يحفر الطبيب الفيلسوف. هذا الكاتب الذي تنقّل بين لغات وثقافات وتيارات، يجمع في نصّه بين هلع دوستويفسكي، وحكمة كازانتزاكيس، وشكّ أوغسطين، وحَدْسِ المتصوفة، ولا أدرية الشاعر الفيلسوف،وعين السينمائي الذي يرى العالم بتتابع حادّ من اللّقطات والظلال.

من هنا ندرك أن "مخطوطات الخطايا" ليست رواية تُروى بل تجربة تُخاض. تبدأ بالانغماس في متاهة وجودية تسكنها ثنائية آدم وحواء، تلك الثنائية التي لم يخترها شاوي لأنّها دينية أو أسطورية، بل لأنّها البنية الأولى التي يمكن عبرها اختبار الوعي، وقياس جراحه، وفهم الخطيئة كمعطى وجودي لا كخطأ أخلاقي. فآدم عنده ليس فردا، بل نموذج للوعي حين يسقط وحين يحاول أن ينهض. وحواء ليست امرأة، بل معادلة للجرح والرغبة والاتهام، معادلة تُعيد إنتاج نفسها مع كل مجتمع يُحمّل الجسد الأنثوي خطايا العالم، ويبرّئ الذكورة من جراحها الأولى. لذلك يولّد الكاتب عبرهما عشرات المرايا "آدم النذل"، "آدم الطاهر"، "حواء القناع المحتشم"، "حواء دليل الحائرين"، "الدكتورة حواء الآداب"، وكأنّ النص يقول: "لسنا أمام شخصيات، بل أمام صيغ بشرية تتكرّر مثل دوائر متداخلة في تاريخ الوعي الإنساني".

ونسجّل بأنّ سردية الرواية تتشكّل عبر مخطوطات تتوالد من بعضها عنقوديا، كأنّ النص يكتب نفسه بنفسه. ففي المخطوطة السابعة، حين تخرج امرأة خمسينية من بين السطور وتخاطب الدكتور آدم السيد، يدرك القارئ أنّه لم يعد أمام رواية، بل أمام كتابة واعية بذاتها، كتابة تعرف أنّها كتابة. هذا الانزياح الميتافيكسيونالي meta-fictional يمثّل إعلانا أن الحقيقة لم تعد في الخارج، بل في تداخل المقروء والحي، وأنّ الشخصيات ليست كائنات ورقية، بل حالات شعورية تتجاوز حدود النص.

في فصل "إيفا ماريا، الصوت الجريح"، حيث يبدو الألم كأنّه الخطيئة الأولى قبل أي خطأ. الطفولة هنا ليست براءة، بل جرح يتسرب في الوعي حتىّ يصنع امرأة ممزّقة، وكأنّ الكاتب يريد القول أنّ الخطيئة تُصنع في الإنسان قبل أن يصنع هو أي خطيئة. وهذا جوهر المشروع النفسي للرواية (أن الفعل ليس دائما أصل الألم، بل ألم الجرح هو أصل الفعل).

وتتعدّد المخطوطات، فتتعاقب النساء، الزوجة الوفية، العشيقة، الجارة الغيورة، الطفلة الأم… كلهنّ وجوه لذات واحدة تبحث عن خلاص مستحيل. وفي المخطوطة الثامنة، "حواء القناع المحتشم"، تنكشف البنية الاجتماعية للخطايا حيث تتعرّض امرأة للاعتداء داخل مؤسّسة رسمية، ويصبح القمع هو القناع الذي ترتديه السلطة باسم الأخلاق. لكن المخطوطة التاسعة، "مخطوطة الخطايا"، هي القلب النابض للرواية. أبوابها الخمسة ليست سردا بل فلسفة صريحة، تطرق باب الجشع، الشهوة، الغرور، الكذب، ورمي المحصنات. وكل باب منها ليس موضوعا، بل مرآة. ففي "خطيئة الجشع" يظهر الإنسان المستهلك لرغباته، وفي "الشهوة" تتحوّل الرغبة إلى جوع للسلطة قبل أن تكون جوعا للجسد. أما "الغرور" فيكشف كِبْرَ المعرفة، وكيف تتحوّل الأنا إلى حجاب يحجب الحقيقة، بينما "الكذب" هو البنية التي يقوم عليها مجتمع يخاف المواجهة. وفي"رمي المحصنات" يبلغ النص ذروته الأخلاقية مدجّجا بالآيات القرآنية، ليس لأنّه يدافع عن امرأة، بل لأنّه يكشف عن نظام بأكمله يعمل على سحقها. بطلها "آدم النذل" وهو هنا ليس رجلا، بل بنية عقلية، و"حواء" ليست فردا، بل ضميرا جريحا يتخبّط وسط أقنعة الضمير.

نفتح الأبواب الوجودية الأخيرة "حواء دليل الحائرين "، "الحمامة العمياء"، و"مغارة الحكيم الأعشى"، لنتفاجأ بأنّنا نتوخّى الضوء المظلم، حيث العمى يصبح رؤية، والظلام كشفا، عبر رمزيات الحمامة والأفعى والشيخ الأعشى. إنّها لحظة يمرّ فيها النص من التحليل إلى التأمّل، من تفكيك الخطايا إلى البحث عن الخلاص. لتنتهي الرواية بموت آدم الطاهر، ذاك الكائن الذي كان يمكن أن يكون، لكنّه لم يُترك ليكون. موته ليس حدثا، بل مجازا للإنسان الذي يظلّ نقيا رغم قسوة العالم، فيفنى قبل أن يتلوّث ويذوب في الضوء الأزرق المتسرّب من السماء كرمز للتسامي بحثا عن الطهارة والنقاء. وكأنّ شاوي يضع القارئ أمام سؤال أبدي: هل الطهارة ممكنة في عالمنا هذا؟ وهل الخطيئة قدر، أم جرح ورثناه ولم نتعلّم كيف نُضمّده؟

بهذا التوتّر بين السقوط والبحث، الجرح والسؤال، وبين القلق، الهشاشة، الذنب، اللاّيقين، وتفكّك الهوية. تتجلّى مخطوطات الخطايا بوصفها رواية لا تسرد العالم بل تفسّره، ولا تتّهم الإنسان بل تفهمه. رواية تدخلها قارئا، وتخرج منها كما لو كنت جزءا من متاهة شاوي أو من متاهتك أنت ذاتك، لأنّك تتوغّل في عمقها فتكتشف ذاتك من خلالها، وشيئا فشيئا تدرك أنّها رحلة تيه إنساني تتأرجح بين اللاّأدرية وقلق الأسئلة الوجودية التي لا تنطفئ، حيث تتقاطع الأرواح والأقدار لتعلن هشاشتك أمام سرّ كينونتك، وعجزك عن فهم خطّ المكتوب في لوحٍ لا تراه. يتحوّل الوجود فيها إلى متاهة من الظلال، ينشطر فيها اليقين إلى شكّ، ويغدو القدر قوة خفيّة تجرّ الشخصيات جَرّا نحو مصائرها، بينما تتداخل الأسطورة بالمشهد الحيّ، والروح بالجسد، كأنّ الكون كلّه ليس سوى كتاب مفتوح تقرؤه العيون ولا تفهمه القلوب. وتأتي الآيات القرآنية التي ترد داخل السرد لتكون ومضات صارخة تذكّرك بأنّك مهما ضللت في شعاب اللاتحديد، تبقى محمولا على ناموس أعلى، وأنّ شكّك مهما اتّسع لا يستطيع أن يمحو السؤال الأزلي: "من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا هذا القدر بالذات؟ " فتقف على تخوم اليقين والعدم، معلّقا في الفراغ الذي تتخلّله فقط رجفة روحك وهي تبحث عن المعنى.

***

ليلى تبّاني ـــ الجزائر

 

العلاج الفلسفي ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة في مجتمعٍ معاصرٍ سريع التغير والتطور، أصبحت فيه الأفكار الكلاسيكية والتقليدية غير كافية لتشخيص ومعالجة المشكلات الفكرية، والتحديات الجديدة التي تواجه الإنسان والمجتمع، إن مشكلة المجتمع الإنساني الأساسية أنه يرث مفاهيم بعينها في الفلسفة، ومُجمل العلوم الإنسانية الأُخرى، ويتعامل معها على أنها مسلمات وحقائق ثابتة، غير قابلة للتدقيق والتصحيح والمعالجة، فيصبح النص الفكري الفلسفي ضعيفاً، مقابل كل التلجيم والتقييد الفكري الذي يواجهه من قِبل الكُتاب، والباحثين الكلاسيكيين والتقليديين أنفسهم، الذين ينتقدون بل ويهاجمون أي رؤية فلسفية جديدة واعدة لديها إسلوب فلسفي عملي وعصري يتماشى مع متطلبات الواقع الجديد والإنسان المعاصر، ويُشخص مشكلاته ويباشر في علاجها.

العلاج الفلسفي في زمن الميتافيرس

نحن بلا شك في زمن الميتافيرس، والتطور التكنولوجي من حيث الصورة والصوت الذي بدأ يتفوق على الحقيقة والواقع الذي نعيش فيه، نحن نعيش في زمن يسيطر فيه الذكاء الإصطناعي على أغلب جوانب حياتنا، حيث بدأ يضخ لنا معلومات هائلة، وغير محدودة في مختلف المجالات، بل وأصبح يمارس هيمنةً فكريةً، وتأثيراً كبيراً على أبناءنا وبناتنا، من الأطفال، والمراهقين، وجيل الشباب، من خلال فيديوهات إصطناعية، لايمكن التمييز بينها وبين الحقيقية، نحن في زمنٍ لم يعد فيه التفكير التقليدي، والحلول الكلاسيكية، كافية لمواجهة الميتافيرس الذي بدأ يزداد  ذكاءأ وقوةً يوماً بعد يوم، في مقابل تراجع قدرات البشر الفكرية، نتيجة رفض، وعدم تقبل الحلول العملية الواقعية التي يقدمها العلاج الفلسفي، والفكر التوليدي النقدي الإبداعي، والرؤى الفلسفية الخلاقة التي تدعو الى التطبيق العملي للأفكار الفلسفية، وإختيار مايصلح  منها في أن يكون علاجاً للمشكلات المعاصرة، وتطبيقها بصورة عملية على أرض الواقع.

نحن أمام أزمة وجودية حقيقية

في زمن صار فيه الميتافيرس يشكل عالماً كاملاً من الصور والتجارب الإلكترونية، وهيمنة الأفكار الرقمية، وهي تجارب أكثر تشويقاً وجاذبية من الواقع الحقيقي المادي لدى الكثير من البشر، الذين فقدوا ثقتهم في الواقع المادي، وفي حلوله النظرية التي لاتساهم بشكل فعال في حل المشكلات الحقيقية، ونتيجة لذلك، أصبحنا نحن البشر أمام ازمة فكرية، وصراع وجودي، بين ما كان، ومازال، وما ينبغي أن يكون من الأفكار التي اثبتت عدم جدواها على مر السنين، نحن بحاجة الى تشخيص للمشكلات، وليس الى مجرد تحليل نظري لها، لذلك فإن كل علاج فلسفي لا يراعي حاجة الإنسان والمجتمع الروحية والأخلاقية والإنسانية والواقعية، ولا يقدم له حلول حقيقية، وعملية، لن يحظى بقبول ومكان حقيقي في الواقع الجديد، ويجب أن يكون دور الفلسفة المعاصرة هو الحفاظ على ما تبقى لنا من الواقع الحقيقي في مواجهة الميتافيرس، وتفعيل عملي واقعي للوجود الإنساني.

***

شيماء هماوندي

الإختصاص/ الفلسفة والعلاج الفلسفي

انهيار عربي وأفق مفتوح

في التاسع من ديسمبر من كل عام، يتوقف العالم ليتأمل آفة تنخر في عظام المجتمعات وتسرق أحلام الشعوب: الفساد. هذه الظاهرة ليست مجرد رقم في تقرير دولي أو إحصائية باردة، بل هي قصص أطفال حُرموا من التعليم لأن ميزانية المدارس نُهبت، ومرضى فقدوا أرواحهم لأن أموال المستشفيات تبخرت في جيوب الفاسدين، وشباب هاجروا بحثاً عن العدالة المفقودة في أوطانهم. يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّن أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 188)، في إشارة واضحة إلى تحريم الفساد واستغلال النفوذ.

لدينا كعرب، يحمل هذا اليوم معنى أعمق وألماً أشد. الفساد عندنا ليس مجرد خلل إداري، بل سرقة منظمة للمستقبل، وسلب ممنهج للكرامة.

وكما نظم الشاعر أحمد شوقي: "إنما الأمم الأخلاق ما بقيت... فإن هُم ذهبت أخلاقهم ذهبوا"، وما الفساد إلا انهيار أخلاقي يهدد بقاء الأمم ذاتها. شعار هذا العام يحمل بارقة أمل: الحوكمة الرقمية كدرب نحو الشفافية، لكن السؤال يبقى: هل يكفي تغيير الأدوات دون تنوير العقول وإصلاح القلوب؟

الفساد ليس مجرد "مشكلة إدارية"، بل جريمة أخلاقية وخيانة للعقد الاجتماعي. يروح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي" (رواه الترمذي)، فالرشوة باب من أبواب الفساد الذي يهدم العدالة ويقوض الثقة. عندما يسرق مسؤول المال العام، فهو لا يسرق أرقاماً، بل يسرق لقمة الفقير ودواء المريض وكتاب الطالب. وكما يعبر المفكر المصري رفاعة الطهطاوي: "إن الأمة التي لا تحاسب حكامها، تستحق أن تعيش في العبودية"، فالفيلسوف جان جاك روسو رأى أن العقد الاجتماعي يقوم على تنازل الأفراد عن جزء من حريتهم مقابل العدالة والحماية. فماذا يبقى من هذا العقد حين تتحول السلطة إلى أداة للنهب؟ ولقد صدق المفكر التونسي الطاهر الحداد حين كتب: "لا يمكن لأمة أن تنهض وهي محملة بأثقال الفساد والظلم". في وطننا العربي، يتخذ الفساد أشكالاً متعددة: من الرشوة الصغيرة إلى صفقات المليارات، من المحسوبية إلى الاستيلاء على الأراضي العامة، كما لا ننسى أن الفساد ليس وليد اليوم، جذوره تضرب في تربة ثقافية واجتماعية. صدق الله تعالى في قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11)، فالتغيير يبدأ من الداخل. عندما نقبل بالواسطة ونبرر الغش ونصمت عن الظلم، نساهم في استمرار المنظومة الفاسدة.

وهناك كلمة للمفكر التقدمي اللبناني كمال جنبلاط يقول فيها: "الفساد ليس مرضاً في الدولة فحسب، بل هو مرض في الضمير الجمعي". والفيلسوف إيمانويل كانط ركز على أن الأخلاق تقوم على الواجب المطلق، لا على المنفعة. فالمسؤول عندما يرفض الرشوة يجب أن يفعل ذلك لأنه الصواب بذاته.  والنبي صلى الله عليه وآله وسلم حسم الأمر في قوله: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" (متفق عليه)، فالمسؤولية ليست وظيفة، بل أمانة. وأذكر كلمة لمفكرنا الجزائري مالك بن نبي في كتابه "شروط النهضة": "إن مشكلتنا ليست في نقص الموارد، بل في فساد الإنسان الذي يُدير هذه الموارد".

معركة النزاهة في مضمار التربية والقيم

لا يمكن بناء مجتمع نزيه دون تعليم يغرس القيم. يقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 9)، فالعلم أساس الوعي بالحقوق والواجبات. والتعليم هو السلاح الأقوى ضد الفساد. والشاعر المصري حافظ إبراهيم حدد المعادلة في نظمه: "الأم مدرسة إذا أعددتها... أعددت شعباً طيب الأعراق".

التربية على النزاهة تبدأ من البيت والمدرسة، ثم إن الاستثمار في التربية والتعليم يعني إعداد أجيال تؤمن بالاستحقاق لا بالواسطة، تطالب بحقوقها وتعرف واجباتها. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ" (رواه ابن ماجه)، والعلم هنا يشمل العلم بالحقوق والواجبات المدنية.

من الغنيمة إلى الرسالة

أكيد أن التعليم وحده لا يكفي، نحتاج إلى إصلاح الإدارة العامة: موظفون مدربون، رواتب عادلة، بيئة عمل تحترم الكفاءة.

وإصلاح الإدارة العامة ليس ترفاً، بل ضرورة استراتيجية. إدارة كفؤة ونزيهة تعني خدمات أفضل، وبيئة أعمال أكثر جاذبية، وثقة أعلى بين المواطن والدولة. نحتاج إلى تبسيط الإجراءات البيروقراطية المعقدة التي تفتح الباب للفساد. نحتاج إلى قيادات إدارية تؤمن بأن الخدمة العامة شرف ومسؤولية، لا غنيمة ومغنم.

يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لَوْ أَنَّ بَغْلَةً عَثَرَتْ بِشَطِّ الْفُرَاتِ لَخَشِيتُ أَنْ يَسْأَلَنِي اللهُ عَنْهَا: لِمَ لَمْ تُمَهِّدْ لَهَا الطَّرِيقَ؟"، في تصوير بليغ للمسؤولية. عندما يشعر المواطن أن دولته تعمل لصالحه، لا ضده، فإنه يصبح شريكاً في التنمية، لا عقبة أمامها.

الحوكمة الرقمية: وسيلة وليست غاية إشهارية

التكنولوجيا الرقمية تقدم حلولاً عملية لمشكلات عويصة. عندما تتم المعاملات إلكترونياً، يصعب على الموظف طلب رشوة. عندما تُنشر البيانات الحكومية بشفافية، يستطيع المواطن مراقبة كيف تُنفق أمواله. عندما تُرقمن المشتريات الحكومية، تنحسر فرص الفساد في العقود والصفقات. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ (النساء: 135)، والشفافية هي شهادة بالحق ضد الفساد.

لكن لنكن حذرين: التكنولوجيا سلاح ذو حدين. يمكن أن تُستخدم لتعزيز الشفافية، ويمكن أن تُستخدم لتعميق السيطرة والمراقبة. ويمكن أن تُسهل حياة المواطنين، ويمكن أن تُستخدم لخلق أشكال جديدة من الإقصاء الرقمي. لذلك، الاستثمار في البنية التحتية الرقمية يجب أن يترافق مع ضمانات حقوقية وأخلاقية صارمة. وهنا تحضرني عبارة للمفكر السوري برهان غليون يقول فيها : "التقنية وحدها لا تصنع التقدم، بل القيم التي تحكم استخدامها" هي التي تصنع ذلك.

الخطاب التنويري ضد الفساد

هنا يبرز الدور المحوري للخطاب الديني والثقافي، حيث الإسلام يزخر بنصوص تحرّم الفساد بكل أشكاله، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ (النساء: 58)، والمال العام أمانة، لكن الخطاب الديني اليوم يحتاج إلى تجديد، يجب أن ينتقل من الوعظ النظري إلى التطبيق العملي في حياة الناس، من التنظير إلى الواقعية، يجب أن يربط بين النزاهة والإيمان، بين الشفافية والتقوى.

و الشهيد المفكر السوداني محمود محمد طه كان من بين الأوائل الذين دعوا إلى "فهم عصري للإسلام يواجه تحديات الواقع"، والفساد من أخطر هذه التحديات، الخطاب التنويري يجب أن يكون واقعياً، يتحدث عن الفساد في تفاصيل الحياة اليومية: الرشوة عند استخراج رخصة، المحسوبية في التوظيف، التلاعب في المناقصات. يجب أن يقدم بدائل عملية، لا مجرد شعارات أو مونولوج استعراضي. لأن الإصلاح كما يعبر المفكر التونسي محمد الطالبي: "الإصلاح الحقيقي يبدأ من تغيير الوعي، لا من تغيير القوانين فقط".

والخطاب الثقافي أيضاً مسؤول. الأدباء والمثقفون يجب أن يكونوا صوت الحق، كلنا يذكر نجيب محفوظ كتب في رواياته عن الفساد والظلم الاجتماعي، وكذلك فعل الطيب صالح وإبراهيم الكوني. والمفكر المصري طه حسين قال: "التعليم كالماء والهواء، حق لكل إنسان"، ومكافحة الفساد تبدأ بتعليم ينور العقول ويبني الضمائر. الشعر العربي أيضاً كان دائماً منبراً للحق.

عندما تنتفض الشعوب ضد الفساد

هناك نماذج حية وملهمة في مكافحة الفساد بكل أشكاله نذكر منها:

- سنغافورة كانت في الستينيات دولة فقيرة غارقة في الفساد. بقيادة لي كوان يو، أطلقت حملة صارمة أسست "مكتب التحقيق في ممارسات الفساد" بصلاحيات واسعة، ورفعت رواتب الموظفين لتنافس القطاع الخاص، وطبقت مبدأ "صفر تسامح" مع الفساد. اليوم، سنغافورة من أنظف دول العالم. هونغ كونغ سارت على نفس الدرب بإنشاء هيئة مكافحة الفساد المستقلة.

- الدنمارك والنرويج والسويد وفنلندا تتصدر دائماً مؤشرات النزاهة. السر ليس في قوانين معقدة، بل في ثقافة الشفافية المتجذرة، والثقة العالية في المؤسسات، والرقابة الشعبية الفاعلة. هذه الدول دمجت مبادئ النزاهة في السياسات العامة. التعليم النوعي والمساواة الاجتماعية يلعبان دوراً محورياً.

- كوريا الجنوبية عانت لعقود من فساد مستشر، لكن الحركات الشعبية والإصلاحات الجريئة غيرت المشهد. أنشأت "لجنة مكافحة الفساد وحقوق المواطنين"، وأقرت قوانين صارمة تحظر الهدايا للموظفين العموميين. الشعب الكوري أسقط الرئيسة بارك غون هيه بسبب الفساد في 2017، في رسالة واضحة: لا حصانة للفاسدين.

- اليابان تعتمد على نظام الجدارة في التوظيف، وثقافة الانضباط، وآليات رقابية صارمة. النظام البيروقراطي الياباني يقوم على التدوير بين الأقسام وصنع القرار التشاركي، مما يقلل فرص الفساد. الإصلاحات الإدارية في التسعينيات كسرت احتكار البيروقراطية وعززت الشفافية.

- الرئيس شي جين بينغ أطلق حملة واسعة لمكافحة الفساد منذ 2012، حوسب فيها أكثر من 2.3 مليون مسؤول، بينهم كبار القادة. الحملة أعادت ثقة الشعب في الحزب، واستردت أموالاً طائلة للخزينة. رغم الانتقادات حول استخدامها سياسياً، إلا أنها أظهرت أن الإرادة السياسية قادرة على تحقيق نتائج ملموسة.

- في البرازيل، عملية "لافا جاتو" (غسيل السيارات) كشفت شبكة فساد ضخمة في شركة بتروبراس النفطية، أدت لسجن رؤساء وسياسيين كبار. رغم التحديات، أظهرت العملية أن استقلالية القضاء والإعلام الحر قادران على محاسبة الأقوياء.

- كندا وألمانيا وهولندا هذه الدول تعتمد على أنظمة رقابة متعددة المستويات، وشفافية في تمويل الأحزاب، وحماية للمبلغين. الإعلام الحر والمجتمع المدني القوي يلعبان دور الرقيب. هولندا تطبق معايير صارمة في المشتريات الحكومية، وألمانيا تفرض قواعد صارمة على تضارب المصالح.

- أيرلندا أطلقت إصلاحات شاملة شملت الشفافية المالية والمساءلة البرلمانية بعد أزمتها المالية.

-  رواندا، بعد الإبادة الجماعية 1994، بنت نظاماً قائماً على الأداء والمحاسبة، وحققت قفزات في مؤشرات الحوكمة.

أختم بتوصية للقارئ الكريم أنه لفهم ظاهرة الفساد بعمق، هناك مراجع أساسية:

-    Why Nations Fail : : The Origins of Power, Prosperity, and Poverty  دارون آسموغلو وجيمس روبنسون: يشرح كيف تؤدي المؤسسات الفاسدة إلى فشل الدول

- "شروط النهضة " لمالك بن نبي: يؤكد أن النهضة تبدأ بإصلاح الإنسان أخلاقياً وفكرياً

-    - "Corruption and Government" لسوزان روز أكرمان: مرجع أكاديمي شامل عن الفساد

- "نقد العقل العربي" لمحمد عابد الجابري: سلسلة تحلل العقبات الفكرية أمام النهضة

- "العرب وجهة نظر عربية" للكاتب الياباني نوبوأكي نوتوهارا

سيظل الفساد عدو التنمية المستدامة. لا اقتصاد قوي في بيئة فاسدة، ولا عدالة اجتماعية، ولا ديمقراطية حقيقية. يقول الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ (الأنعام: 152)، والعدل في الموازين يشمل العدل في توزيع الثروات والفرص. المفكر الهندي أمارتيا سِن الحائز على نوبل قال: "التنمية هي الحرية"، وحرية الإنسان تبدأ بتحرره من الفساد.

كل الأدوات لن تجدي دون إرادة سياسية حقيقية. كما نظم أبو الأسود الدؤلي : "لَا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ، وَلَا سَرَاةَ إِذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا"، فالقيادة الحكيمة النزيهة أساس الإصلاح.

المجتمع المدني والإعلام الحر ركيزتان أساسيتان. يقول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (آل عمران: 104)، والأمر بالمعروف يشمل فضح الفساد ومحاسبة الفاسدين.

من اليوم الدولي إلى مشروع نهضة شاملة

في هذا اليوم، يقف الوطن العربي أمام مفترق طرق. يقول الشاعر الفلسطيني محمود درويش: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، ومستقبل أجيالنا يستحق أن نخوض معركة النزاهة بكل قوة. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (التوبة: 120)، والإحسان في العمل العام أعظم الجهاد.

مكافحة الفساد مسؤولية الجميع. كل مرة نرفض فيها الرشوة، كل مرة نحاسب مسؤولاً، كل مرة نربي أطفالنا على الصدق، نبني مجتمعاً أفضل. يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ" (رواه مسلم)، والفساد من أعظم المنكرات.

الطريق طويل، لكن البديل هو الانهيار. الحوكمة الرقمية توفر الأدوات، والتربية تبني القيم، والخطاب الديني والثقافي يغذي الضمير، والإرادة السياسية تقود التغيير. تجارب العالم تؤكد: الانتصار على الفساد ممكن.

وكما يقول المتنبي: "على قدر أهل العزم تأتي العزائم"، فهل العرب والمسلمون أهل عزم؟

***

بقلم: مراد غريبي

 

يستقر في ذهني أن انطلاقة التطور الحضاري عند العرب والمسلمين قد بدأت مع انفتاح الاعتقاد على العلم والاجتهاد وممارسته من لدن العلماء والمفكرين منذ عصر الرسالة وما بعدها، ولأن الاجتهاد هو طريق الحداثة الدائمية فقد تخطى العلوم الانسانية الى العلوم الصرفة كالطب والفلك والكيمياء وغيرها، حتى حان القرن الرابع الهجري = العاشر الميلادي وكان قرن اقتطاف ثمرات القرون المؤسسة للمعرفة العالية، بيد انه ظهر تيار تراجعي يدعو الى ايقاف الاجتهاد، بنوعيه في المجال الديني أو مجالات العلوم الدنيوية.

فقد نقل القاضي عياض (ت544) (ان الناس قد اجمعوا على تقليد المذاهب الاربعة) (1) فقط وكان المفروض أن يقال ان السلطات واساطين الفتوى هم الذين أجمعوا، وتعبير عياض بـ(الناس) يكشف عن مبالغة أن القرار هو قرار عموم المجتهدين حتى الذين لم يرتبطوا بالسلطة ويعزى السبب في ايقاف حركة العقل نحو الاجتهاد الى سببين عجز الامة عن انجاب المجتهدين كما يدعى وفي هذا إهانة وتقزيم للأمة وعجز العلماء عن تأسيس قواعد منهجية وهذا أدهى وأمر

والحق: ان السبب الحقيقي هو خوف السلطات آنذاك من أتساع حرية الرأي (2) ونقد السلطة من خلال صناعة الموقف الفقهي لذلك فغلق الاجتهاد تم عن طريق السلطة عندما اصدر الخليفة العباسي القادر بالله (البيان القادري) عام 408 الذي حدد ما يلزم الاعتقاد به، وأخذ عليه اقرارات العلماء ونص على أن ما عداه باطل ومعتنق غير أيديولوجية السلطة ضال أو كافر وكان هذا البيان افرازاً لفترة عصيبة ومضطربة ولعل العقلانيين كانوا من اوائل المستهدفين بهذا البيان (3).

وكانت طبيعة الاحوال أن السلطان لم يكن يتدخل في شؤون العقائد لأن ذلك موكول الى رجال المعرفة الدينية، لكن هنا فرض السلطان عقيدته بالسيف وسفك الدماء وكان علماء السلطة كعلي بن عمر القزويني وغيره قد كتبوا على هذا الاعتقاد ان هذا الاعتقاد صحيح ومن خالفه فقد كفر ومن لا يكفره فهو كافر ومثله فعل ابن فورك (4).

لكن الغريب أن البويهيين للاسف دعموا هذا النوع من الا(5)غلاق في التفكير العقائدي والقانوني وهذا ما يؤيد أن الهدف الاساس عند البويهيين لم يكن الاعتقاد المنتحل بل هو السياسة وبعد ستين عاماً من موت القادر بالله (422هج ) كتب الغزالي عدة كتب مثلت لائحة بالاعتقادات المسموحة بتكليف من نظام الملك السلجوقي فكان كتابه (الاقتصاد في الاعتقاد) الذي كتبه في 488 هـ وكتاب (فضائح الباطنية) وكتابه (قواعد العقائد) وكتابه (فيصل التفرقة بين الاسلام والزندقة) وكتابه (المنقذ من الضلال) واخيراً كتابه (الجام العوام عن علم الكلام) الذي كتبه آخر ايامه (505) وكلها اطروحات مفروضة على الناس تنظم مجالات قمع حرية الاعتقاد.

ثم جاءت مهمته في نقد الفلسفة في كتابه (تهافت الفلسفة) الذي قدّم له بكتاب اسماه (مقاصد الفلاسفة) الذي فسقهم في سبعة عشر موضعاً فصاروا في نظره (فسّاقاً)، وكفرهم في ثلاثة مواضع فكانوا (كفاراً) وصارت الفلسفة كفراً وفسقاً وبها تم قمع نزعة التفكير المنظم، ثم حصل أن ابن الصلاح الشهرزوري قد أفتى بتحريم الاشتغال بالمنطق مدعياً أنه المدخل الى الفلسفة ولما كانت الفلسفة شر، فالمدخل الى الشر شر (6). وتعلمه ليس مباحاً شرعاً، ودعا السلطان لمعاقبة من يروج بها بفتواه (ان المنطق مدخل للفلسفة، ومدخل الشر شر)

وينص الشهرزوري على انه ليس الاشتغال بتعلمه وتعليمه مما اباحه الشارع ولا استباحه احد من الصحابة والتابعين والائمة المجتهدين والسلف الصالحين وسائر من يقتدى به من اعلام الائمة وسادتها واركان الامة وقادتها (7). وبذلك الغى الغزالي التفكير بالحاضر والمستقبل

ثم يقول: (فالواجب على السلطان أن يدفع عن المسلمين شر هؤلاء المشائيم ويخرجهم من المدارس ويبعدهم ويعاقب على الاشتغال بضمهم ويعرض على من ظهر منه اعتقاد عقائد اهل الفلسفة على السيف او الاسلام) (8).وفي ذلك من شرعنة القمع الفكري وتحريض السلطة ضد المفكرين وبذلك: تعطل النظر في كتب علم الاصول (مناهج الاستنباط) في الفقه مثل كتاب البرهان ل لجويني ومستصفى الغزالي نفسه وغيرها من الامهات فحينما يوقف الاجتهاد، ويحرّم استعمال المنطق ويحرّم تداول الفكر الفلسفي وتحارب العقلانية، عند ذاك تسقط اسس وركائز الحضارة ومعارفها لأنها تفتقد الى ما تركز عليه

لذلك: فأني أرى ان القرن السابع والثامن الهجري كانا بداية لعصور التردي الحضاري والمعرفي وفيه تراجع نمط انتاج المعرفة، واعتمد نظام الحواشي والشروح على المتون الاصيلة التي انجزت في القرون الماضية وفيه أنتشر التيار السلفي وكان ابن قيم الجوزية الشخص البارز فيه، والمؤرخ ابن كثير و المحدث ابن تيمية (9) هم الرموز التي عبرت تماماً عن سمة ذلك العصر.

واذا كانت الدراسات التاريخية تذكر في ان سبب سقوط بغداد ان عدم حصافة الحكام العباسيين تسببت بسقوط بغداد، فأن الحقيقة أن البنية المعرفية التي بدأت بالانهيار بالبيان القادري (408هـ) وتحريم المنطق وتحريم العقلانية، وازدراء الفلسفة والتفكير المنظم هو السبب الحقيقي للانهيار لان لها انعكاس على التقدم الاجتماعي والقوة المجتمعية وكانت هي الظروف التي اوصلت المستعصم الى خلافة تقع اسيرة ذليلة بيد الغزاة المغول عام (656هـ) أي بعد قرنين من تصدع البناء الحضاري (10) للأمة، وان كان قرنان من صمود الدولة يكشف عن صلابة ذلك البناء الحضاري الذي حصل في القرون الاربعة الاولى الذي صمد كل هذه الفترة بعد الانحطاط الحضاري.

لقد سبق هذا الانهيار الفعلي، أن البلدان التابعة للخلافة تحولت الى لايات شبه مستقلة أدراياً يحكمها ولاة وأمراء محليين وكان اتساع رقعة الخلافة بدل أن تحول المعرفة الى قوة فقد ساهمت في الجهل الذي ساد فصار حالة (عدم سيطرة) فالمسافات الشاسعة بين الواقع والفكر لم تعالج بتطبيقات علمية للسيطرة على صعوباتها ولقد كان اختيار اخر خلفاء العباسيين ناتج لتردي المعرفة المتزامنة لتطور المجتمع فكان الخليفة على درجة من الطيش والتهور والشهوات حتى وقف عاجزاً أمام فيضان دجلة عام 654 أي قبل غزو المغول بسنتين، وقد أدى هذا العجز الى خسائر هائلة، كنتيجة للوضع العلمي المتردي الذي كان ينبغي أن يستعان به لتقليل الخسائر.

اذن فأن تصدع الارث الثقافي للامة الذي شاع في القرن السابع الهجري وتداعت منه عدة دعامات منها غلق الاجتهاد في مجال الفقه والقانون ومنها تحريم المنطق، وتحريم الاشتغال بالفلسفة فقد انعكس على نظام التفكير العام للناس.

يرى باحث: أن عودة العرب الى الفلسفة ضرورة حيوية لثقافتهم المعاصرة، لأنها تحفز على إعمال العقل لتحصيل التقدم العلمي الذي طالما ازدهر جنباً الى جنب مع الفلسفة التي تحقق اكتشاف المشتركات بين الانسانية لأنها تبني معايير محددة في الحكم على الاشياء ومجموعة محددة من القيم وتشارك الفلسفة في تفكيك الاستبداد الديني والسياسي (11).

واذا كان لبعض الاخوة أن يقول أن فترة السبات الحضاري قد انتهت ببداية القرن العشرين مع حراك الافغاني، فهذا تفاؤل لان زمن الافغاني كان زمن تشخيص المحنة ولم يكن عصر انتاج البدائل الحضارية وحينما عاد الوعي تبين الفارق الحضاري بين بلداننا والغرب وصحيح ان زمن الافغاني – عبدة قد حفز العلماء على ممارسة الاجتهاد واعتماد المنطق، واحترام الجهد الفلسفي، لكن ذلك كله لم يكسر (دوامة السبات الحضاري) ولم يكمل التطلع العام لممارسة فعاليات النهوض فلماذا لم يحصل التقدم طالما تخلصنا من تراث التخلف

اقول: أن ظهور الافغاني لم يكن صيرورة وعي ذاتية انبعثت من داخل العقل العربي، بل جاءت رد فعل على امرين احدهما الاحتلال الغربي للعالم الاسلامي وسقوط الإمبراطورية العثمانية، وقد بقي الفارق الحضاري بين اوربا والعالم الإسلامي المشهد الصادم لجيل اوائل القرن الماضي لأنه وعي محنته بفعل خارجي وليس بفعل ذاتي والفعل الخارجي يستوجب رد فعل تركز في التشويه الذي سيق للمبالغة في نزعات العداء للغرب وحروب الهوية وتقليل اهمية التخلف، والفحص عن المثالب بينما الوعي الذاتي يتحسس المشكلة بذاته ويبحث عن علاجها من خلال الضاغط الشعوري والأدوات العلمية.

ان حراك الافغاني يرتكز على قطيعة محددة مع تراث التخلف بينما كان الهدف اقامة منظومة سياسية بديلة عن الدولة العثمانية وهي تمر بأكثر ازمنتها تدهوراً، لكن الافغاني لم يطرح مشروعاً متكاملا كالامام النائيني

أن قبول علماء القرن العشرين بالمنطق الارسطي، ومخالفة (اسلافهم) من أهل الفتوى والحديث في تحريمه جاء في الوقت الضائع إذ أن أوربا منذ أربعة قرون أكتشفت أن منطق ارسطو الذي هو (مناط القبول والرفض) غير نافع لأغراض الاكتشافات وانه ربما ينفع في تصحيح ما هو صحيح أو الاقرار بالصحيح من الفاسد منطقياً، وقد غادرته اوربا الى منطق الاستقراء والمنطق الرياضي، فكان المنهج الاستقرائي في القرن 16 على يد فرانسيس بيكون وبعده جون سيتوارت ميل وحينما لاحظوا أن الاستقراء لا يطبق على كل العلوم قاموا بتطوير المنطق التقليدي واخترعوا المنطق الرياضي (لغة الرموز) الذي حفز عليه جورج يول وبرتراند رسل وما نتج عن المنطق الرياضي من آثار على مخرجات الفلسفة التحليلية (12) ومنها ما ظهر عنه ديكارت (1656م) الذي رفض منطق ارسطو واعتبره منهجاً عقيماً وأسس للمنطق الرياضي وطبقه على العلوم (13) في حين لا تزال الدراسات الإنسانية عندنا تصر على منطق ارسطو.

أما من حيث القبول بالفلسفة وعدمها فان تيار الغزالي (تهافت الفلاسفة) فقد بقيّ مستمراً (عند الذهبي الذي يسميها العلم المهجور) وما ألفه شهاب الدين السهروردي في الرد على الفلسفة بالقرآن وما تعرضت له اسرة المتصوف عبد القادر الكيلاني وظهور كتابات ابن حزم وفتوى ابن الصلاح ت (643هـ) واوصل ابن تيمية العداء للفلسفة والمنطق الى اعلى رتب المواجهة في كتبه الرد على عقائد الفلاسفة، والرد على المنطق، اما سوسيولوجيا فان تهمة الاشتغال بالفلسفة تهون قبالتها تهمة الكفر والزندقة (14)

***

ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد

...............................

(1) الذهبي: سير اعلام النبلاء 8/92.

(2) ظ: أبن نجيم المصري: البحر الرائق ص 288.

(3) ظ: الزركلي: الاعلام 1/92

(4) ابن الجوزي، المنتظم: 8/294.

(6) ابن الصلاح الشهرزوري، فتاوى ابن الصلاح 1/210.

لقد بلغ (العداء للعقلانية والمنهجية مداه عند ابن تيمية الذي الف في الرد على المنطق اليوناني، أو الرد على المنطقيين، وكتاب نقض المنطق).

(7) ابن الصلاح: الفتاوى 1/210.

(8) م. ن: 1/210.

(9) علي الشهراني: جهود علماء السلف في تقرير العقيدة ص 37.

(10) ظ محمود شاكر: العهد المملوكي ج7/68.

ابن الجوزي: المنتظم 8|295، أبن كثير: البداية والنهاية 4\ 77

(11) انور مغيث، عودة الفلسفة ص 172.

(12) oxford Com panionp.498

(13) نيقولا ريشر، تطور المنطق العربي، تعليق محمد مهران ط1 85 ص 320، ظ محمد مهران: علم المنطق.

(14)(14) جورج طرابيشي، مصائر الفلسفة بين المسيحية وا لاسلام ص 70-72.

 

شهدت مقولة التسامح جملة من التطورات، منذ تداول المفهوم في الأوساط الدينية والسياسية والمعرفية في أوروبا، مع مستهلّ الحقبة الحديثة. وبدا ترسيخ المفهوم حينها، في أوضاع مشحونة بالنزاعات والانقسامات، سبيلًا للخروج من دوّامة الفوضى التي ألمّت بالقارة مع بروز الانشقاقات البنيوية الكبرى في التفكير والتصورات، جرّاء الموقف من الحداثة والعلمنة، وجرّاء ما طرأ على مفهوم الدولة من تبدّل، وما صاحبه من هجران لمفهوم الرعية وانفتاح على مفهوم المواطَنة.

بدا التسامح المنطوي على دلالات مغرية، مثل العفو، والتساهل، والاحترام، والكرامة، والقبول بالمغايرة وغيرها، سفينة النجاة للخروج من أوضاع الضيق والانغلاق والمركزية. وتجلى ذلك "في مديح التسامح" وفي رسائل "الحثّ على التسامح" التي دبجها كثير من الرواد في المجال، أمثال جون لوك، وباروخ سبينوزا، وفولتار وآخرون، ولكنّ ذلك الطور التأسيسي المثقل بالمخاوف والوعود، كان في واقع الأمر التمهيدَ الرخو الذي سار باتجاه التوليد النظري للمفهوم ثانية.

فمع الطور الثاني لمفهوم التسامح وقد خرج فيه من الحيز الغربي، والأوروبي تحديدا، إلى مجال عانقَ فيه العالمية والكونية، هو ما طبع صلة مفهوم التسامح بعالمنا مع القرن الفائت، وما خلّفه من تشبّث جملة من المعنيين بشؤون الأديان والحضارات باستعادة وعود المفهوم المغرية. بدا التسامح لغة جديدة، وسبيلا للتواصل بين علماء ورجال دين في تقاليد إيمانية عدّة، في زمن تقارب فيه أتباع الأديان، وتسارعت فيه المطالب بصياغة لغة جديدة، تتقلّص منها عبارات الهيمنة والأفضلية لمعتقد بعينه، ليعلوَ بدلها التطلّع إلى نحت "إيتيقا" مغايرة تهدف إلى إرساء التأسيسات اللازمة لإشاعة وئام جامع. تميّزَ الحديث عن التسامح، في هذا الطور الثاني، بالتعويل على تجديد الخطاب، من خلال البحث عن حيز للآخر في رحابة اللاهوت الذاتي، وفي التمثلات الثقافية بعيدا عن الانغلاق. صيغت مراجعات مهمّة في تشريعات الأديان الكبرى، لاحت آثارها في انفتاح القائمين على الأديان الإبراهيمية، على بعضهم البعض، بشكل لم نعهده. بدا ذلك جليا في مقرّرات مجمع الفاتيكان الثاني (1962/1965) في الكنيسة الكاثوليكية، وما تمخّض عنه من طروحات مستجدّة كان لها وقع على الأديان الأخرى.

والواقع أن رجال الدين والفقهاء والعلماء في شتى التقاليد الدينية، لم يدّخروا جهدا في هذا السياق. خاضوا في مسائل على صلة باستيعاب الآخر، مواكَبةً للتحولات في العالم، مع شيوع مبادئ حقوق الإنسان، وترسّخ فكرة المواطَنة، وتداخل الجغرافيات الدينية. وبالمثل اشتغل كثير من المفكرين على مراجَعات وانتقادات لطروحات الانغلاق المتراكمة عبر قرون، بغرض التأسيس لوئام جماعي ووفاق إيماني، يخرج بمقتضاه التصوّر الديني من ضيق المركزية العقدية إلى رحابة التشاركية الإيمانية، بما يفسح المجال للآخر بالحضور والإسهام في النسيج المجتمعي. الأمر تطلّبَ مراجَعات فقهية ولاهوتية هائلة: برز في المسيحية الاشتغال على "لاهوت الأديان" وعلى مفهوم "الحرية الدينية" من الأمور اللازمة لمواكبة العصر، ولإيجاد لغة تقطع مع الانغلاق الذي تلخّص في المقولة القروسطية "لا خلاص خارج الكنيسة". وفي الجانب الإسلامي بدا الاشتغال على البحث عن "كلمة سواء"، عبر مراجعات طالت مفاهيم مترسّخة مثل أهل الذمّة وأهل الكتاب وضوابط فقهية متقادمة. ولاح الاشتغال هدفا منشودا للحفاظ على سلامة المجتمعات، ولإيجاد لغة تخاطُب وتواصُل مع العالم. لم تكن اليهودية بعيدة عن هذا التمشي، وجرت مراجعات مهمّة لمفهوم اليهودي، ومفهوم الغويم، ترافقا بالبحث عن نصب خيمة إبراهيم مجددا في مفترق الطرقات لاحتضان الجميع. وقد تطلّب الأمر جرأة عالية من العقل الديني: اللاهوتي/ الفقهي/ الحبري، الذي عانى من تراكمات هائلة، بحثًا عن تعامل سويّ في عالم ديني جديد. والملاحظ بشأن خطاب التسامح في هذا الطور، في الأديان الثلاثة، أنّ التراث الصوفي، قد مثّل عنصرا لافتا في إبراز قدرة الأديان على التسامح، وعلى الخروج من البراديغمات المنغلقة، أعاد للذات المؤمنة رحابتها وثقتها واحتفاءها برأسمالها القيَمي.

والمتابع لجينيالوجيا التسامح يلحظ أنّ المفهوم متحوّل وغير مستقرّ على حال، وهو بصدد ولوج طور جديد يضعنا فيه مسار التحول أمام مطلب جوهري يتمثّل في الإجابة عن سؤال: كيف نسكن العالم؟ فاللافت أن مفهوم التسامح قد اشتكى مع أواخر الألفية الثانية من بلوى التفسّخ، وهو داء متربّص يصيب المفاهيم بالابتذال والخواء، أو ما يشبه الشيخوخة، والأمر عائد بالأساس إلى حالة الجمود وغياب تطوير الدلالات، وعدم الانتقال بالمفاهيم من طور خُلقي إلى طور عملي، ومن مستوى عاطفي إلى مستوى مؤسّساتي. فحين يجتاز المفهوم اختبار الولادة الثانية، يثبت حينها جدارته وديمومته، وهو المصير نفسه الذي عرفته مفاهيم كبرى رافقت البشرية في رحلتها، مثل الديمقراطية والليبرالية وحقوق الإنسان. وما كان لتلك المفاهيم وغيرها أن يُكتب لها الاستمرار لولا تلك التحولات والمراجعات والقطائع التي شهدتها.

وفي مسيرة تحول مفهوم التسامح، جرى البحث عن بدائل طورًا في التفاهم، وتارة في التضايف، وأخرى في التعايش، وهو بحث قلق ومشروع، ولكن الملاحظ أن التسامح ظلّ البؤرة الدلالية الأم التي يستند إليها السلم والأمن والأخوّة والحوار. والطور الحالي الذي نعيشه يُلزم بالخروج من "مديح التسامح" إلى "تمكين التسامح"، والبحث عن تنزيل مضامينه ضمن سياقات معرفية وإجراءات عملية. فأمام التقارب الهائل بين البشر، من شتى المعتقدات والثقافات، باتت جملة من التساؤلات ذات الصبغة العاطفية، في السابق، مدعوة للتحول نحو صبغة إجرائية. ولذلك أضحى طورُنا الحالي في فهم التسامح معنيا أكثر بالتحول من التسامح الخُلقي إلى التسامح العملي.

فمع التغيرات التي شهدها عالمنا منذ مطلع الألفية الثالثة، من ثورة الاتصالات الخارقة إلى موجات الهجرة العارمة، بدا موضوع التعدّدية محفّزا للأديان للتشبّث بمقولة التسامح وترسيخ أبعادها في المعيش اليومي وفي السلوك العملي. واللافت أنّ زمن التعدّدية الذي نعيشه يُلزم بإعطاء دلالات حقيقية لمفاهيم كانت في ما مضى نظرية أو ضبابية، أو مشحونة بدلالات خُلقية مفتقرة إلى بُعد عملي.

لماذا باتت الحاجة ملحّة إلى التسامح العملي في الزمن المعولم؟ نلحظ في غياب التسامح المؤثّر في نسيج المجتمعات أن جموعا واسعة تجد نفسها أمام وحش التشدّد، ودوّامة العنف، وانخرام القِيم، وهي مهالك تتربّص بمنجزات قيّمة تحقّقت في مجال التقارب بين البشر. لذا يلوح التسامح العملي بمثابة القدرة التنفيذية لتفادي مغبة التراجع عمّا تحقق للبشرية من إنجازات على مستوى كوني. والمتمعّن في تطوّر مفهوم التسامح يلحظ أن تشبّث البشرية بالتسامح وإصرارها عليه يأتي كلاهما جراء إدراك تلك الحاجة عقليا. فكما يقول كانط في ذلك المقطع الشهير في رسالة "السلام الدائم" حتى الشياطين، أو الأفراد الأنانيين للغاية، يحتاجون إلى الدولة، بشرط أن يكونوا عقلانيين، وعلى المستوى الدولي يحتاجون إلى جمهورية عالمية. يحتاجون إلى الدولة، بمعنى تقبل الجموع بنظام يرعى سير العلاقة بينهم، وهو أمر نابع من حاجة اضطرارية لأداة تنظّم سير العلاقة بين الجميع، لأن في انتفاء تلك الأداة يتهدّد كيان الجميع، وبالتالي ضرورة تقليص الجميع من رصيد الأنانية والتفكير بمنظور جمعي.

من هذا الاضطرار العقلي أو الحاجة العقلية، كما يبيّن كانط، يلوح التسامح في ظرفنا التاريخي الحالي مقبلا على تبدلات بحجم التحديات الكبرى، تسير صوب التمكين العملي.

***

د. عزالدّين عناية

أستاذ تونسي بجامعة روما، إيطاليا

مقاربة تنويرية

مقدمة: "إن الأسئلة هي التي تصنع الفيلسوف." - بول فاليري.

في سياق تاريخ الفلسفة، يُعد مفهوم "أنماط التفلسف" إطاراً تحليلياً يساعد على فهم كيفية تطور الأفكار الفلسفية عبر العصور، وكيف شكلت هذه الأنماط علاقة الفلاسفة بمجتمعاتهم. يشير هذا المفهوم إلى الطرق المتنوعة التي يمارس بها الفلاسفة تفكيرهم، سواء من خلال المنهجية الشكية، أو الاستدلال الهندسي، أو التحليل التاريخي، أو حتى الأسلوب الأدبي مثل الشذرات والحكم والأقوال المأثورة.

هذه الأنماط ليست مجرد أدوات فكرية، بل هي تعكس السياقات الاجتماعية والثقافية التي نشأت فيها، وتؤثر بدورها في تشكيل المجتمعات. من هنا، يبرز دور الفلاسفة كمؤثرين، حيث يتجاوزون حدود التأمل النظري ليصبحوا محركين للتغيير الاجتماعي، السياسي، والأخلاقي.

تتبنى هذه الدراسة مقاربة تنويرية، مستوحاة من عصر التنوير الأوروبي في القرنين السابع عشر والثامن عشر، الذي أكد على العقل كأداة أساسية للتقدم البشري، والنقد للسلطات التقليدية، والثقة في القدرة الإنسانية على تحسين المجتمع.

تهدف هذه المقاربة إلى إلقاء الضوء على كيفية استخدام الفلسفة لتحرير الإنسان من "القصور الذاتي"، كما وصفه إيمانويل كانط في مقالته "ما هو التنوير؟" (1784)، حيث يدعو إلى الشجاعة في استخدام العقل الخاص دون توجيه من الآخرين.

سنستعرض في هذه الدراسة أنماط التفلسف عبر التاريخ، مع التركيز على أمثلة تاريخية لفلاسفة أثروا في مجتمعاتهم، مستندين إلى تحليل تنويري يبرز دور العقل والنقد في هذا التأثير. فماهي أنماط التفلسف عبر مراحل تطور الفكر الفلسفي؟ وماهي أحوال الفلاسفة وطرائق تواصلهم مع مجتمعاتهم؟

أنماط التفلسف في العصور القديمة: المنشأ والتأثير الاجتماعي

"الفيلسوف الحقيقي يجب أن يشعر بغرابة وجوده في العالم دائمًا."

بدأت أنماط التفلسف في العصور القديمة مع الفلاسفة اليونانيين، الذين أسسوا أسس الفكر الغربي. كان النمط السائد هو "المنهج الشكي"، الذي يعتمد على التشكيك في المعارف المسبقة للوصول إلى الحقيقة. سقراط (470-399 ق.م)، على سبيل المثال، استخدم طريقة "القابلية" أو "التوليد"، حيث يسأل أسئلة متسلسلة ليخرج الحقيقة من المتحدث، مما يعكس نمطاً حوارياً يركز على النقاش العام.

كان سقراط مؤثراً في مجتمعه الأثيني، حيث تحدى الأفكار التقليدية حول العدالة والفضيلة، مما أدى إلى إدانته بتهمة إفساد الشباب، لكنه ألهم حركات فلسفية لاحقة مثل الأفلاطونية. أفلاطون (427-347 ق.م)، تلميذ سقراط، طور نمطاً "مثالياً"، مستخدماً الحوارات كأداة أدبية لاستكشاف العالم المثالي مقابل العالم الحسي. في "الجمهورية"، اقترح نظاماً سياسياً يحكمه الفلاسفة، مما أثر في مجتمعات لاحقة مثل الدول المدنية في العصور الوسطى.

أما أرسطو (384-322 ق.م)، فقد أدخل نمطاً "تجريبياً" ، يعتمد على الملاحظة والتصنيف، كما في كتبه عن المنطق والأخلاق. تأثيره امتد إلى المجتمعات الإسلامية والمسيحية، حيث أصبح "المعلم الأول" في الفكر الإسلامي، مؤثراً في علماء مثل ابن سينا وابن رشد، الذين نقلوا فلسفته إلى أوروبا، مما ساهم في النهضة الأوروبية.

من منظور تنويري، يُرى هؤلاء الفلاسفة كرواد للعقلانية، حيث تحدوا الخرافات وشجعوا على الفكر النقدي، مما أدى إلى تطور المجتمعات نحو أنظمة أكثر عدالة.

أنماط التفلسف في العصور الوسطى والإسلامية: التوفيق بين العقل والدين

"أولئك الذين يلتزمون في كل شيء بالماهية، وليس بالرأي، يجب أن يطلق عليهم اسم الفلاسفة."

في العصور الوسطى، سادت أنماط تفلسف "تألفية"، تهدف إلى الجمع بين الفلسفة اليونانية والعقائد الدينية. القديس توما الأكويني (1225-1274) استخدم نمطاً "منهجياً"، كما في "الخلاصة اللاهوتية"، حيث دمج أرسطو مع المسيحية، مما أثر في المجتمع الأوروبي بتعزيز دور العقل في اللاهوت.

في العالم الإسلامي، كان ابن رشد (1126-1198) يمثل نمطاً "تأويلياً"، حيث فسّر أرسطو ودافع عن الفلسفة ضد الغزالي، مؤثراً في مجتمعه بتشجيع العلم والتسامح، ولاحقاً في أوروبا عبر ترجماته.

من منظور تنويري، يبرز هذا العصر كمرحلة انتقالية، حيث بدأ النقد للسلطة الدينية، كما في فلسفة بيير آبيلار (1079-1142)، الذي استخدم الجدل للتشكيك في النصوص المقدسة، مما أدى إلى صراعات اجتماعية لكنها مهدت للتنوير.

أنماط التفلسف في العصر الحديث: الثورة العقلانية والتأثير السياسي

"الفلسفة ليست علمًا ولا دينًا: كل شخص يبحث عن الحقيقة فيها، لكنه لا يجد إلا حقيقته الخاصة، والتي يقارنها بعد ذلك بواقع الآخرين."

مع العصر الحديث، تطورت أنماط تفلسف "عقلانية" و"تجريبية".

رينيه ديكارت (1596-1650) أسس نمطاً "هندسياً"، يبدأ بالشك المنهجي للوصول إلى "أنا أفكر إذن أنا موجود"، مما أثر في مجتمعه بتعزيز الثورة العلمية.

جون لوك (1632-1704) طور نمطاً تجريبياً، ينفي الأفكار الفطرية ويعتمد على الحواس، مؤثراً في المجتمع البريطاني والأمريكي بفكرة العقد الاجتماعي، التي ألهمت الثورة الأمريكية (1776).

في عصر التنوير نفسه، كان فولتير (1694-1778) يمثل نمطاً "نقدياً"، مستخدماً السخرية لمهاجمة التعصب الديني، مما أثر في المجتمع الفرنسي بتشجيع التسامح والحرية، مساهماً في الثورة الفرنسية (1789).

جان جاك روسو (1712-1778) استخدم نمطاً "عاطفياً"، في "العقد الاجتماعي"، مؤكداً على الإرادة العامة، مما ألهم حركات ديمقراطية لكن أيضاً أدى إلى إفراط في الثورة.

إيمانويل كانط طور نمطاً "نقدياً نقياً"، في "نقد العقل الخالص" (1781)، محدداً حدود المعرفة، مما أثر في المجتمعات الأوروبية بتعزيز الاستقلالية الأخلاقية.

أنماط التفلسف في العصر المعاصر: التنوع والتأثير الاجتماعي

"لقد قام الفلاسفة فقط بتفسير العالم بطرق مختلفة؛ المهم هو تغييره." - كارل ماركس.

في القرنين التاسع عشر والعشرين، تنوعت الأنماط مع "الوجودية" لدى سورن كيركغارد وجان بول سارتر، الذي يركز على الاختيار الفردي، مؤثراً في مجتمعات ما بعد الحرب العالمية الثانية بتشجيع الحرية الشخصية. كارل ماركس (1818-1883) طور نمطاً "تاريخياً"، يحلل الصراع الطبقي، مما أثر في مجتمعات مثل الاتحاد السوفييتي والصين، مساهماً في الثورات الاشتراكية.

فريدريك نيتشه استخدم نمطاً شذريا "أقوالياً"، في "هكذا تكلم زرادشت"، نقداً للأخلاق التقليدية، مؤثراً في الفكر الحديث بفكرة "الإنسان الأعلى".

من منظور تنويري، يُرى هؤلاء كامتداد للعقلانية، لكنهم ينبهون إلى مخاطر الإفراط في العقل، كما في نقد نيتشه للعقلانية التنويرية.

خاتمة

"إذا لم يكن الفيلسوف سعيدًا، فهو ليس فيلسوفًا حقيقيًا." - روجر فورنييه

تكشف أنماط التفلسف في تاريخ الفلسفة عن تطور مستمر نحو التنوير، حيث يصبح الفلاسفة مؤثرين في مجتمعاتهم من خلال النقد والابتكار. من سقراط إلى ماركس، ساهموا في تحرير الإنسان من السلاسل التقليدية، مستندين إلى العقل كأداة للتقدم.  في عصرنا، يظل هذا الإرث حياً، مشجعاً على استخدام الفلسفة لمواجهة التحديات المعاصرة مثل التغير المناخي واللامساواة، مع الحفاظ على روح التنوير: "شجاعة استخدام عقلك الخاص". فكيف يتحول الفيلسوف الى قوة تغيير جذري في مجتمعه؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

الوطن ليس سؤالا جغرافيا، بل سؤال وجودي يبدأ من عمق الانسان قبل ان يبدأ من حدود الارض. الوطن هو تلك اللحظة التي يشعر فيها المرء ان حياته ليست مجرد عبور، وان خطوته تترك اثرا، وان كلمته تجد صدى، وان قلبه لا يخاف ان ينبض بصوته الحقيقي

الوطن في جوهره العميق ليس خريطة ترسم ولا حدودا تحرس ولا نشيدا ينشد في الصباح. الوطن فكرة ثم شعور ثم اثر يتركه الانسان في طريقه نحو ذاته. هو المساحة التي يتعرف فيها المرء على صوته الحقيقي لا على صدى ما يفرض عليه من شعارات مستهلكة.

 الوطن ليس ما نولد فيه بل ما نولد به من كرامة وما نحمله من شوق الى حياة تستحق ان تعاش. الوطن هو المكان الذي لا تضطر ان تقايض فيه حقيقتك بالولاء. ولا كرامتك بالصمت  ولا احلامك بالتنازل.

انه المساحة التي تقف فيها دون ان يخبرك احد ان قدميك عبء ودون ان يعلمك الخوف كيف تخفي قلبك في جيبك كي لا يصادر.

 الوطن هو المكان الذي لا يطلب منك ان تنحني كي تصبح مقبولا ولا ان تختبئ كي تكون امنا. هو حيث لا تصبح غريبا عن نفسك حتى وان كنت غريبا عن الجميع.

الوطن الحقيقي لا يصنعه التراب بل الانسان الذي يحول التراب الى حياة.. انسان يزرع عدلا لا خوفا ومساواة لا قبيلة وحرية لا طاعة عمياء.

هذا الانسان هو وطنه الاول فاذا صلح صلحت الارض كلها وان انهار. انهار المعنى من حوله مهما اتسعت الخريطة.

في وجهه نظري كل ارض تمنحك فرصة لتنهض هي وطن وكل ارض تكسر ظهرك حين تحاول الوقوف هي منفى مهما حملت من اسماء عريقة واناشيد رنانة. قد تكون قطعة الصدر التي تحتضنك او لحظة صدق مع نفسك وطنا اعمق من ساحات وجبال وحكومات. فالانتماء ليس مسألة موقع بل مسألة معنى.

الوطن مساحة من الطمأنينة لا تقاس بالامتار بل بقدرتك على ان تكون انت دون خوف.

وحين يتبدل الوطن الى سجان وحين يصبح الاختلاف تهمة. والمرأة نصفا. والمذهب هوية. والرأي الحر جريمة. يتلاشى الوطن ويترك الناس في جغرافيا بلا روح.  فالوطن الذي يحتقر ابناءه لا يستحق اسمه والوطن الذي يحرس الكراسي اكثر مما يحرس العدالة هو مجرد صدى فارغ.

والاوطان تتبدد حين يتحول الحاكم الى ظل الله في الارض، ورجل الدين الى حارس ابواب الجنة، والقبيلة الى هوية جاهزة، والمذهب الى وطن بديل.

قد يكون الوطن اغنية قديمة تعيد ترتيب روحك وقد يكون حضن امك الذي لا يسألك من انت.  وقد يكون صديقا يقول لك ابق كما انت.. او كتاب فتح لك نافذة على نفسك. وربما كما قال العظيم نجيب محفوظ..  الوطن المكان الذي تنتهي عنده كل محاولات الهروب.

رغم كل شيء، يبقى للانسان قدرة عجيبة على خلق وطنه من جديد. من فكرة صغيرة، من بيت يضيء بالحوار، من مدرسة تزرع السؤال، من عمل يوقظ الكرامة، من مجتمع يؤمن ان المواطن ليس تابعا بل شريكا. حينها يصبح الوطن فعلا: استمرارية وتاريخ وتغيير، يصبح عقدا اخلاقيا بين الانسان وذاته قبل ان يكون بينه وبين الارض.

الوطن في النهاية هو هذا الامان الداخلي الذي يجعل قلبك يبتسم قبل وجهك وهذا الضوء الذي يسمح لك بان تزهر دون اذن وان تحلم دون شروط وان تقول دون خوف. هنا لا احتاج الى عباءة غير حقيقتي. هنا أكون. وهكذا، لا يعود الوطن مساحة تراب نختلف على حدودها، بل يصبح مساحة روح نتفق على قيمها. الوطن ليس ما نقف عليه، بل ما نقف لأجله. وحين ندرك ان الانسان هو البداية والنهاية، نكتشف ان كل وطن لا يرفع من قيمة ابنه هو وطن ساقط مهما علت راياته.

و الإشكاليه ليست ان نبحث عن وطن، بل ان نصير نحن الاوطان التي تستحق ان تسكن. فالوطن الذي نرجوه لن يولد من سلطة ولا من قبيلة ولا من معجزة، بل من انسان يعرف كيف يحمي كرامته قبل ان يرفع علمه، وكيف يحرس حريته قبل ان يحرس حدوده.

وعند تلك اللحظة فقط، يصبح الوطن وعدا لا خديعة، ومساحة حياة لا مساحة نجاة، ويصبح سؤال الانتماء اجابة واحدة واضحة

هنا لا ينهزم الانسان

وهنا فقط

يبدأ الوطن.

***

ابتهال عبد الوهاب

في المثقف اليوم