قضايا

يرى بعض الفلاسفة وفقهاء القانون أن الظلم مفهوم أساسي يمكن إدراكه بسهولة على عكس العدالة التي قد تكون أصعب تعريفًا وإدراكاً، فلا يصلح كل الناس للقضاء.

وأن القوانين غير المدرسة او التي جاءت من غير بيئتها بنية اقرار العدالة قد تعطي نتائج معكوسة.

فالظلم هو شعور في النفس البشرية تدركه العقول والضمائر وتستنكره سواء كان المظلوم عالماً او جاهلاً، طفلاً او كبيراً.

وتعد الشرائع القانونية قديمها وحديثها من أهم مظاهر استنكار الظلم، تهدف الى رفع الظلم وردع الظالمين.

اولاً؛ تعريف الظلم:

أ: الظلم لغة: هو وضع الشيء في غير موضعه الصحيح، أو هو انحراف عن القصد أو التعدي عن الحق إلى الباطل، وهو جور وانحراف عن العدل.

ب: الظلم في الاصطلاح الشرعي: هو التعدي عن الحق إلى الباطل، وهو انحراف عن العدل.

ج: الظلم في الفقه القانوني: في سياق قانوني أو اجتماعي،  يعرف الظلم بأنه غياب العدالة ويشمل مخالفة القوانين والأنظمة، وإلحاق الضرر بالغير دون وجه حق، ويشمل أخذ حقوق الآخرين، والتصرف في ملك الغير بغير حق، ومماطلة المدين

ويشمل إساءة المعاملة، التعسف، الإهمال، أو ارتكاب جرم دون تصحيح أو عقاب، ويُعتبر "الإجحاف البين" أو عدم تطبيق العدالة بشكل صحيح، حتى لو كان نتيجة خطأ بشري في النظام ظلماً

ثانياً: بيئة الظلم: لايتشأ الظلم إلا في بيئة تحتضنه وتكون سبباً له مثل؛ جور الحكام وولاة الأمور، وانعدام القيم وانحدارها بين ابناء المجتمع، والفساد المالي والاداري اذ يُعدّ الظلم أساسًا لارتكاب الجرائم والفساد في الأنظمة.

ومن مجالات الظلم خرق قواعد المساواة وتعطيل الحقوق في نطاق الوظيفة العامة

فضلاً عن الظلم في الأسر غير المتماسكة او التي تتمسك بقيم واباطيل جاهلية كالتفرقة بين الولد والبنت او الإكراه على الزواج وغير ذلك

ثالثاً: انواع الظلم وصوره

ويمكن تصنيف الظلم حسب مجالاته (اجتماعي، سياسي، اقتصادي).

او حسب وسيلته (قولي، فعلي، سكوتي)

أ: صور الظلم حسب مجالاته

* الظلم الإجتماعي: ويتمثل بالمعاملة غير العادلة أو التمييزية التي يتعرض لها أفراد أو جماعات داخل المجتمع، مما يؤدي إلى حرمانهم من حقوقهم وفرصهم المتساوية في مجالات كالتعليم والصحة والعمل والسكن، ويترسخ عبر أنظمة وقوانين وتحيزات راسخة تُعمق الفوارق وتُديم التهميش، وتخلق حاجزًا أمام تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص للجميع.

** الظلم السياسي: هو استخدام السلطة بشكل تعسفي او غير عادل أو مفرط لممارسة القمع والتمييز ضد الأفراد أو الجماعات، وانتهاك حقوقهم الأساسية وحرياتهم، ويظهر في صور مثل: الاستبداد، الفساد، إدارة الانتخابات بطرق غير نزيهة، تجويع الشعوب، استخدام القوة المفرطة، وتشويه الحقائق، بهدف الحفاظ على السلطة وتحقيق مصالح شخصية أو فئوية على حساب العدالة والشرع والقيم الإنسانية. ومن اهم مظاهر الظلم السياسي هي الدكتاتورية وإنكار الديمقراطية او التحايل عليها.

*** الظلم الاقتصادي: ويتمثل بالتوزيع غير العادل للثروات والموارد والفرص في المجتمع، مما يؤدي إلى فجوات كبيرة بين الأغنياء والفقراء، ويُعرقل الحراك الاجتماعي، ويُرسّخ الفقر، ويتجلى في صور مثل عدم تكافؤ الفرص، والفساد، والقوانين المجحفة، واستغلال العمال، وضمان عدم وصول الشرائح المهمشة للتعليم والرعاية.

ب: صور الظلم حسب مصدره:

وتشمل الظلم القولي والظلم الفعلي والظلم السكوتي.

* الظلم القولي: كالكذب، الغيبة، السب

الكذب والبهتان: اختلاق الأكاذيب عن الناس.

الغيبة والنميمة: ذكر الناس بما يكرهون في غيابهم، ونقل الكلام بينهم بقصد الإفساد.

السب والشتم: الإهانة والتنابز بالألقاب والسخرية.

القذف والاتهام: رمي الناس بالباطل.

فضح الأسرار: إفشاء ما يستر به الناس أسرارهم.

** الظلم الفعلي: كأكل أموال الناس بالباطل، منع الحقوق وغصب عقارات الغير، الظلم في العمل، الاعتداءات.

أكل أموال الناس بالباطل، مثل أكل مال اليتيم، تأخير سداد الديون، الرشوة، الربا، أو الغش في المعاملات.

الفساد المالي والإداري هو ظلم كبير، فهو استغلال غير قانوني للسلطة والموارد العامة لتحقيق مكاسب شخصية، مما يضر بالمجتمع عبر إعاقة التنمية، إهدار المال العام، تقويض العدالة، زيادة الفوارق الطبقية، ويعيق تحقيق المساواة ويحرم المواطنين من حقوقهم، وهو ما يعتبر ظلماً يتجاوز مجرد مخالفة قانونية ليصبح فعلاً يهدد استقرار الدول وتنمية الشعوب

تفضيل شخص على آخر في الترقيات أو المكافآت، أو التقصير في أداء الواجب الوظيفي.

ومن ذلك ايضاً، ظلم الخدم والعمال، أو التسبب في الأذى برمي المخلفات في الشوارع.

الظلم بين الأزواج: الإساءة للزوج أو الزوجة.

الاعتداءات: الزنا واللواط والاعتداء على الأعراض.

*** الظلم السكوتي: كالتخاذل عن نصرة المظلوم ومن صور الظلم السكوتي

التخاذل: السكوت عن المنكر والقدرة على تغييره، أو عدم نصرة المظلوم ومنعه من الظلم.

رابعاً: رد الظلم وردع الظالمين

الردع قد يكون دنيوي وقد يكون اخروي

ويتمثل بالقضاء وحكم الشريعة الاسلامية

أ: دور القضاء: دور القضاء هو حماية الحقوق والحريات وإرساء العدالة عبر فض النزاعات وتطبيق القانون بنزاهة واستقلالية، أما أخلاقياته فتتمحور حول النزاهة، الاستقلال، الحياد، والقدوة الحسنة، متطلبة من القاضي التزاماً بأعلى المعايير الشخصية والمهنية داخل وخارج المحكمة لضمان الثقة العامة في العدالة،

أخلاقيات القضاء.

لايجوز ويحرم شرعاً تولية من لم يكن صالحاً للقضاء، أو تولية من هو غير أهل له.

ومن يتولى القضاء يحب ان يتصف بما يلي من صفات:

النزاهة والاستقلال: يجب أن يكون القاضي مستقلاً عن أي تأثيرات خارجية (سياسية أو مالية) وأن يتصرف بنزاهة مطلقة.

الحياد والموضوعية: تفسير القانون دون تحيز أو محاباة، وتجنب أي مصلحة شخصية في القضايا.

الاجتهاد والتحلي بالعلم: السعي المستمر لطلب العلم وتطوير المعرفة.

القدوة الحسنة: التصرف بما يتناسب مع شرف الرسالة القضائية، داخل المحكمة وخارجها، والالتزام بمظهر لائق.

السرية والكتمان: المحافظة على أسرار المتقاضين وأعراضهم.

اللباقة والاحترام: التعامل بلباقة مع الزملاء والمتقاضين وإظهار الاحترام المتبادل.

تجنب تضارب المصالح: التنحي عن القضايا التي قد يكون للقاضي فيها مصلحة شخصية.

الالتزام بالصمت الإعلامي: التواصل مع الإعلام يكون عبر مسؤولين محددين لتنوير الرأي العام بشكل رسمي.

باختصار، يمثل القضاء ركيزة أساسية لدولة القانون، وتُعد أخلاقياته بوصلة توجه القاضي ليكون حاملاً للعدل، متصفاً بالنزاهة والاستقلال، وملتزماً بالقيم التي .تحفظ هيبة العدالة وثقة الجمهور،

ب: دور الشريعة الإسلامية:دور الشريعة في ردع الظلم أساسي وجوهري، حيث تضع قواعد للعدل وتُحذر بشدة من الظلم، وتوجب نصرة المظلوم وردعه بالقانون والترغيب والترهيب، وتُحمل الظالم عواقب وخيمة دنيوية وأخروية، وتؤكد على أن الظلم يُقوّض أسس المجتمع ويُفضي إلى دمار، فتدعو إلى العدل بين الناس وتُعلي من قيم المساواة والإنصاف، وتُحارب الظلم بشتى أشكاله من شرك، وظلم الحاكم، واعتداء على الحقوق، وفقًا لـمبادئها ومقاصدها.

خامساً: التحذير من الظلم

دعوة المظلوم مستجابة: لا حجاب بينها وبين الله، والمظلوم منصور ولو بعد حين.

الظلم ظلمات يوم القيامة: لا يهتدي الظالم في ذلك اليوم.

الظالم يعذب في الدنيا: إن الله يعذب من يعذب الناس في الدنيا.

الظلم عاقبته وخيمة، فقد حرّمه الله تعالى في جميع أشكاله (بيكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"

خطب النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- يوم النحر في حجة الوداع في مجمع عظيم شهده أكثر من مئة ألف مسلم، فقال: «أتدرون أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسمّيه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى. قال: أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسمّيه بغير اسمه، فقال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى. قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسمّيه بغير اسمه، قال: أليست بالبلدة الحرام؟ قلنا: بلى. قال: فإن دماءكم وأعراضكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد! فليبلغ الشاهد الغائب، فرُبَّ مبلغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض»

. وقال عليه الصلاة وآله وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه».

***

فارس حامد عبد الكريم

عوامل الوعي البشري: يتطلب بيان مكونات الوعي البشري مناقشة جملة من المسائل والقضايا التي ترتبط بعوامل تشكل هذا الوعي ومنها: مواضيع المعرفة البشرية، ودور العمل في تشكل وتطور الوعي البشري. ودور الدماغ البشري في تكوبن المعرفة،

1- مواضيع المعرفة البشريّة:

وجدت الطبيعة قبل وجود الإنسان، ومنذ وجودها، ظلت في وحدتها وكليتها مترابطة ومستقلة عن وعيه وأحاسيسه وأفكاره، على الرغم من أن كل النشاط الحيوي الذي مارسه فيها، عبر نشاطه التاريخي هذا لم يستطع في الحقيقة تغيير أشكال الموجودات الأساسيّة فيها، لذلك بقيت الطبيعة وحتى في ظل المجتمعات البشريّة الأكثر تطوراً، محافظة على ماديتها وموضوعيتها وقوانين عملها واستقلاليتها تجاه الإنسان، إلا أنها رغم استقلاليتها، استطاعت في كل مرة يمارس الإنسان نشاطه فيها من أجل اكتشاف آليتها وظواهرها أن تغني معرفته وتطور وعيه تجاهها .

أما بالنسبة للعلاقات أو الظواهر الاجتماعيّة كمواضيع للمعرفة، فهي تكتسب أهميتها هنا، وخاصة بالنسبة للإنسان الذي يرى أن مهمته الأساسيّة تقوم أساساً على تحويل نفسه والمجتمع تحويلاً عقلانيّاً، فالعلاقات الاجتماعيّة في سياق صيرورتها وسيرورتها، هي نتاج للنشاط الشيئي المادي والفكري للإنسان ولا تنفصل عنه، وعند التكلم عن موضوعيّة هذه العلاقات أو الظواهر، فإننا نقصد بالدرجة الأولى واقع صلة هذه العلاقات بالأشياء ذات المواصفات المجسّدة والمتكوّنة من موجودات الطبيعة من جهة، ثم علاقات الملكية والعلاقات الطبقيّة والصراع الطبقي والمؤسسات الاجتماعيّة والعلاقات الفكريّة من جهة ثانية، هذه المواضيع كلها تصبح بعد إنتاجها خارج الإرادة الإنسانيّة ووعي الأجيال المنفردة القائمة في مجتمع معين، في وقت معين، وبصورة مستقلة عنها. (1).

إذن، إن كل تلك المقدمات التاريخيّة التي هي مواضيع موضوعيّة وواقعيّة تماماً بالنسبة لنا، هي في الحقيقة نتاج للنشاط المادي والروحي لأناس ملموسين تماماً ومتمتعين بإرادة حرة ووعي وعواطف، لذلك من هنا يأتي تعقد العمليات المعرفيّة التي تتمثل مواضيعها في علاقات الناس عبر المجتمع، لكون الناس الواعين والمتمتعين بالإرادة والعاطفة، يتصرفون بناء على مواقف فكريّة أو معرفيّة قبليّة، غالباً ما تهيمن عليها المنافع والأهواء بل وحتى الروح الأيديولوجيّة.

إن واقع الظواهر الاجتماعيّة تنعكس من خلال وعي الناس وإرادتهم وتصرفاتهم وآرائهم وأفكارهم، وعلى هذا، فليس التغيير والتحول فقط، بل ومعرفة العلاقات الاجتماعيّة أيضاً، لا يمكن تصورها بدون مراعاة تغيير عالم القيم والأفكار والأيديولوجيات والمصالح، وبناء على ذلك أيضاً، ترتبط عمليّة تحول الظواهر الاجتماعيّة مع مواضيع عمليّة المعرفة، على نحو معين، من خلال وحدة العلاقات الفكريّة والماديّة (الاجتماعيّة) وتبعيتها المتبادلة عبر ممارسة النشاط التحويلي العقلاني منه (2).

إن استيعاب ومعرفة الظواهر الاجتماعيّة، رغم تعقدها، يتوقفان في كل لحظة معينة على وجهات نظر القائم بعمليّة المعرفة، ومصالحه، ومشاعره السلبيّة والإيجابيّة، ومثله، وتطلعاته، وأفكاره، ومن هنا تأتي عملية التعقيد المعرفي في هذا الجانب من مواضيع المعرفة كما قلنا سابقاً. ففي الصراع الحاد مثلاً بين القوى الاجتماعية وفي سير التطور التاريخي الأشد تعقيداً في إطار هذا الصراع، يمكن للوعي أن يقع فريسة للأوهام وأن يخلق بذلك موضوعيّاً الحواجز على طريق عمليّة معرفة القوانين الاجتماعيّة، وهذا ما يدفعنا للنظر أيضاً في الوعي ذاته كموضوع لعملية المعرفة.

إن الإنسان في سياق تطور الممارسة الاجتماعيّة التاريخيّة، يمعن النظر في الحالات المتموضعة مباشرة لوعيه، وهذا ما يسمى بإدراك الذات، أي إن الإنسان، إلى جانب إدراكه لمواضيع الطبيعة والمجتمع، لديه القدرة على إدراك ذاته وذات الآخرين المحيطين به، وبذلك يصبح وعيه ووعي الآخرين من خلال هذه القدرة مواضيع معرفة قائمة بذاتها، كما يصبح من مواضيع المعرفة هذه، مضمون وتوجه وعي الفرد ووعي الجماعات الأخرى الاجتماعيّة بشكل عام. ما يعني إن شتى عناصر الوعي، مثل الأمزجة، والمشاعر، والتطلعات، والآراء، والنظريات، والأفكار التي تدرس وعي الفرد ووعي المجتمع، أو أي كتلة اجتماعية كانت، طبقة، طائفة، مذهب ..الخ، تغدو بدورها مواضيع معرفة، بل حتى الآليات الداخليّة التي يخضع لها تطور الوعي، ثم الميول والعمليات التي تنكشف في تطور وعي الأفراد والجماعات، وكذلك الصراع الداخلي بين التطلعات والآراء والأفكار المتعارضة، كما يضاف إلى ذلك أيضا كل ما يتعلق باللاشعور الباطني للإنسان وغير ذلك. ومع ذلك فإن الوعي في المحصلة لا يبقى مجرداً، بل هو يتجسد واقعيّاً في تصرفات وتعابير الناس الملموسين، كما يتجلى في الأعمال والكلمات ومنتجات الثقافة، أي أنه يتحول إلى أشكال مادية ما.

2- دور الدماغ في تكوين المعرفة:

لقد أثبتت التجارب العلميّة لنشاط الإنسان، بأن الوعي البشري – الذي يمثل هنا أفكاره، عواطفه، أحاسيسه، تصوراته، آراءه... إلخ – هو نتاج تطور طويل للمادة، ولكن ليس لكل مادة، بل للمادة الرفيعة التنظيم، وهي الدماغ البشري. وكما دلت العلوم (الفسيولوجية)، فإن كل النشاط النفساني للإنسان يقوم على عمليات مادية محددة هي العمليات الفسيولوجيّة الجارية في الدماغ الإنساني، وبخاصة في نصف الكرة الكبيرين، كما هو معروف علميّا، لذلك كثيراً ما يؤدي أي اضطراب معين في نشاط الدماغ إلى حدوث اضطراب أو خلل في تفكير الإنسان. (3).

يؤكد "بافلوف" في نظريته بأن القدرة الحسيّة تقوم على أساس فسيولوجي، وأن هذه القدرة الحسيّة، تشكل جهازاً يستجيب الكائن خلاله للتأثيرات المباشرة من الأشياء والظواهر العينيّة، إلا أن هذه الإحساسات تبقى لدى الإنسان مضاءة بنور العقل، لذلك يأتي التأكيد هنا بأن الدماغ والعمليات الفسيولوجيّة الجارية، تمثل أساس تشكل الوعي الوعي الإنساني وآليّة عمله، وأنها هي الشرط المادي الذي يستحيل التفكير بدونه.

إن أحاسيس الإنسان مثل، الرؤية، السمع، الشم، اللمس.. الخ، لا يمكن لها أن تنشأ وتتطور كما هو معروف بداهة إلا تحت تأثير مواضيع الوعي التي جئنا على ذكرها سابقاً. وهذه المواضيع بما تحمل من صفات وخصائص، مثل اللون، الرائحة، الأصوات، الحرارة... إلخ، تؤثر في حواس الإنسان، ثم ينتقل التأثير الحاصل عبر الأعصاب إلى قشرة نصفي الكرة الكبيرين، حيث تظهر أيضاً الأحاسيس المناسبة، وعلى أساس هذه الأحاسيس تتشكل المدركات والتصورات والمفاهيم وغيرها من أشكال الفكر، وكلها في المحصلة تمثل صوراً، أي انعكاسات دقيقة إلى هذا الحد أو ذاك للأشياء والظواهر الموجودة موضوعيّاً، ولا يمكن لهذه الصور أن تظهر في وعي الإنسان، بدون أشياء وظواهر مواضيع الوعي / التفكير، إلا أن الإنسان عبر نشاطه الطويل وتشكل وعيه، يصبح فيما بعد قادراً على الإبداع الذهني/ المعرفي من خلال التراكم المعرفي عنده، كأن يتصور مخططاً لبناء هندسي لمرحلة زمنيّة لاحقة، أو يضع نظريّة لنظام اجتماعي مقبل... وهكذا. إلا أن هذه التصورات في حقيقة الأمر لا يمكن لها أن تفرخ بشكل مجرد، أي هي لا يمكن لها أن تنشأ إلا على أساس انعكاس ما هو موجود بالفعل. بمعنى آخر، هي تقوم على معرفة الإنسان للواقع الموضوعي المحيط به، واحتمالات واتجاهات تطوره .(1).     ولكن يبقى السؤال المشروع يطرح نفسه بعمق وهو: هل يكفي الدماغ وحده مع مواضيع العمل لتشكل الوعي؟.

لا شك أن الجوب سيكون / لا /، على اعتبار أن هناك شرطاً آخر لا بد أن يتوفر لتحقيق عمليّة المعرفة، أي لا بد من (عمل الإنسان نفسه)، هذا العمل الذي أكدت تجارب الإنسان العمليّة التاريخيّة، بأن الإنسان من خلاه استطاع أن يطور نفسه.

ثالثاً: دور العمل في تشكل وتطور الوعي البشري:

في سياق عمل الإنسان التاريخي الطويل، جرى تطور كبير ومستمر في أعضائه ووعيه، فأثناء مواجهته الأشياء والظواهر في الطبيعة، وفي مجرى حصوله على وسائل عيشه، تعلم خصائصها وراح يميز ما هو مشترك ومختلف بينها، وفي كل مرة يعمل فيها من أجل تحسين أدوات عمله، كان يرافق هذا التحسين تطور في مهاراته اليدوية وفي وعيه ومراكز إحساسه لاستيعاب عمليات تحسين تلك الأدوات، هذا بالإضافة إلى دور التراكم المعرفي المتوارث من جيل إلى آخر والذي خدم الأجيال اللاحقة على تواصل تحسين هذه الأدوات وتطويرها.

لقد ارتبط وعي الإنسان منذ البدء ارتباطا عضوياً بعمله، إلا أن هذا الوعي أخذ ومع مرور الأيام وفي كل مرة يحصل فيها تطور في هذا الوعي، يستقل شيئاً فشيئاً عن الممارسة المباشرة لحياة الإنسان، ليصبح هو نفس موضوع عمل ومعرفة بذاته. أي إن الإنسان استطاع عبر التطور التاريخي، والتراكم المعرفي الحاصل نتيجة هذا التطور، أن يسعَا لفهم أفكاره ومشاعره ومصالحه ودوافعه وتصرفاته ومكانه ودوره في العمليّة الإنتاجيّة والاجتماعيّة، وهذا السعي أسهم بدوره في تطوير مهاراته العمليّة والفكريّة معاً، هذه المهارات التي تمثلت بأبهى صورها في كل الإنجازات الحضارية المعاصرة.

***

عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

........................

1- غليزيرمان- قوانين التطور الاجتماعي – دار التقدم – موسكو-1983 – ص ص129 وما بعدها.

2- المرجع نفسه.

3- أفاناسييف – أسس المعارف العلمية – دار التقدم موسكو– 1979 ص54 وما بعدها .

4- المرجع نفسه.

لعل الكثير يتفق معي على أنّ من أبرز سمات الوعي من حيث إنجاز الأحكام على الأطروحات الفكرية والأشخاص والمواقف والمفاهيم ونحوها، أمرين: أولهما ندرة اليقينيات وربما عدمها، إذْ تكاد تغيب صيغة الجزم عن صاحب هذا المستوى من الوعي، وبدلا من ذلك تغلب عليه صيغ الاحتمال والظن والميل، وغيرها من المصطلحات التي تترك الباب موارَبًا؛ عَلّ أنْ تظهرَ من الدلائل ما ينقض توجُّهه الراهن. وثانيهما البطء في الانزياح من مُربع الملاحظة إلى مُربع تبنّي الرأي، حتى مع تضافر العديد من القرائن والشواهد؛ ولذلك فإن غالب آرائه عادة ما تكون كتلة من الإجابات المفتوحة والأسئلة المعلّقة، فلا ضَيْر أنه ينتقل ببطء نحو إصدار حكمه، ومع ذلك حتى هذا الحكم يبقى في خانة المحتمل القابل للعدول عنه.

ما يحدث لدى غالبيتنا الساحقة هو العكس تماما، فنحن متخمون جدا من اليقينيات، ومتشبّعون إلى حد مخيف من ذلك غير القابل للمناقشة رأسًا، كما أننا سريعون للغاية حين ننتقل من الملاحظة إلى الاستنتاج؛ ولذلك فتَمثُّلنا ما حولنا مشوَّه لأبعد حد، وأبعد ما يكون عن الموضوعية والاتّزان والرويّة، وتغدو أحكامنا مترهّلة لا تصمد إزاء أول حجة معارضة.

تحدثتُ في مقال سابق لي عن مفهوم (كسل الدماغ) ولا أريد تكراره هنا، ولكن نوجز فحواه في أنه يعني ميل الدماغ إلى اختصار العمليات الذهنية لتوفير استهلاك طاقة الجسم؛ ولذلك فإنه لدينا ميل داخلي للاستعجال في إصدار الأحكام واستسهال اتّباع رأي الأكثرية، عِوَضًا عن إفراغ الوُسع في التفتيش عن الصواب بتأنٍ ودقة؛ لأنه يستهلك منا الكثير من الوقت والجهد، وليس لدى أغلبنا الفُسحة الكافية ولا الأناة اللازمة لذلك.

وما يحدث في الضفة المقابلة هو أنّ هناك زُمرة منّا ترفض أن تكون رهينةً لهذا الميل الدماغي، فتحاول جاهدةً التوقّف مليًا، وإعادة النظر المرة تلو الأخرى، والتفريق بين القرينة والدليل، واعتبار السياق، وغيرها من المتغيرات، قبل إصدار حكم ما.

فمن مآسي الإدراك فينا أن طريقة تَمَثُّل أغلب الناس الآراء ووصولهم للاستنتاجات يمكن اختزالها في معادلة: بما أنه كذا (=قرينة معينة) فهو كذا (=نتيجة يقينية)، ضاربين عُرض الحائط أن مُؤَدَّى القرينة يختلف عن الدليل، وأنّ مستوى النتائج تَبَعٌ لأدلّتها، فالأدلة المحتمَلة لا تُفضي بحال إلى نتائج حتمية! بَلْهَ أنه من العبث تجاهل مبدأ الاحتمال الذي ينسف الوشيجة الرابطة بين وهم الجزم وقرينة ما، فمن رأيناه يركب سيارة فارهة جدا (قرينة) لا يعني بالضرورة أنه رجل باذخ الثراء (نتيجة)، إذْ يُحتَمل أن يكون سائقًا أو مستأجرا أو مستعيرا، إلى غير ذلك من الاحتمالات اللانهائية، أما الجزم المباشر بين قرينة عابرة ونتيجة جازمة فهذا محض سذاجة وقصور نظر وسطحية جوفاء.

وفي قطاع الاستخبارات والتحقيقات الجنائية ثمّة إعْمالٌ دقيق لضبط الميل الدماغي في العلاقة بين الملاحظات الجزئية وبين الاستنتاج العام، إذْ إنه عادة ما تكون إستراتيجية الاستنباط (Deduction) أدق من إستراتيجية الاستقراء (Induction) إذْ إن الأخيرة تنطلق من جمع ملاحظات متفرقة والجمع بينها للوصول إلى استنتاج عام، ومع ذلك يبقى في خانة الاحتمال، وفي المقابل فإنّ إستراتيجية الاستنباط تنطلق من قاعدة عامة ومحاولة اختبار إسقاطها على الحالة الاستخبارية أو الجنائية من خلال المعطيات المتوفرة، أي أن الإستراتيجيتين متعاكستان في اتجاه الانتقال بين الجزئيات والاستنتاج العام، فحين تطبيق إستراتيجية الاستنباط في مسرح جريمة مثلا قد يُصار إلى الاستنتاج بوجود اقتحام عنيف بناءً على القرائن المتوفرة، إلا أنه حين تُطبّق إستراتيجية الإستقراء فإنه واردٌ جدا الوصول إلى استنتاج مفادُه أنّ مسرح الجريمة مفبرك (Staged Crime Scene)، ومن هنا يطلق على المحقق في الإنجليزية (Deductive)!

ومن المناسب الالتفات إليه كذلك في هذا السياق أنّه من الدوافع الإدراكية الأساسية للقفز من الرصد إلى الاستنتاج هو الخلط بين الترابط (Correlation) والسببية (Causation)، فالترابط يعني علاقة تزامنية بين متغيرين دون أن يكون الأول سببا للثاني، كأن تقوم بغسل سيارتك ثم يهطل المطر، ويتكرر معك ذلك، أما السببية بشكل عام فهي تأثير أحد المتغيرين على الآخر، مثل: تناول السكر يؤدي للسمنة، ما يحدث هو أن الكثير من أشكال القفز الطائش للاستنتاجات يكون من قبيل علاقة الترابط باعتبار أنها سببية والحال أنها ليست كذلك، فيكون المسار كالآتي: بما أنه حدث كذا فهو كذا! في خلط صارخ بن الترابط وبين السببية.

إنّ مغبّة هذه الطريقة الإدراكية من اتجاه الانتقال المتسارع والحاسم من القرائن إلى الأحكام، لا تقف عند حدّ الفرد نفسه، بل تتعداه إلى النسيج المجتمعي، فبسبب قفز متهور لإصدار الأحكام يمكن أن تُفَضّ شَرَاكات، وتتفكك علاقات، وتسود عداوات، كل ذلك منشؤه عملية ذهنية شوهاء هوجاء ولَّدها أحدهم ثم تكفَّل مبدأ العدوى الاجتماعية ببقية المهمة! فإذا كان ذلك كذلك، فإن الانتباه الحذر من المساهمة في السماح للقفز السريع للاستنتاجات في تقويض بنية المجتمع، ينِمُّ عن درجة ناضجة من المسؤولية، ودرجة متقدمة من الوعي.

ومع ذلك فإنه من المثالية المتوهَّمة أن نظن أنّه يمكننا بحال الوصول إلى مرحلة تامة من السبْر والاختبار أو الادّعاء بإفراغ الجهد كاملا في تقليب النظر حول حكم شيء معين، فدون ذلك خرط القتاد، وتفنى دونه الأعمار، فما بالك بسيل لا يتوقف مما يدعونا لإصدار حكم عليه، إلا أنه لا غَرْوَ أنّ الأحكام المؤقتة ضرورة لسير الأمور، فنضطرّ اضطرارا إلى اعتبار شحّ القرائن للخروج بنتيجة ما باعتبارها ضرورة لسير الحياة، ولكن في مثل ذلك ينبغي استصحاب أهمية النظر إلى النتائج التي نخرج بها بعدسة الاحتمال لا غير.

وختاما فالمعياران اللذان ذكرتهما في ديباجة هذا المقال، ندرة أو استحالة اليقينيات، وكذلك بطء السيرورة نحو الاستنتاجات، يكشفان لك الكثير عن مستوى وعي الآخرين من حولك؛ ولذا بات من المهم جدا أن تأخذ ذلك بجدية تامة حينما تتعامل مع أصحاب هذا المستوى من الوعي، إذْ إنه لا يمكنك الاتّكال على موضوعية الوعي المتقدم، وتراهن على أن الآخر لن ينتقل من القرينة إلى الاستنتاج في لمح البصر بوصف استنتاجه حقيقة لا يمكن دفعُها!

وتذكر: أن كثيرا من آرائك الناتجة من قفزات سريعة للاستنتاجات، هي في مناطق لا داعي أبدا أن يكون لك رأي فيها أساسا! كما أنني بسردي المستفيض في هذا المقال لا ألغي إطلاقا ما يهمس به حدسنا إلينا! ولكن المعضلة - كل المعضلة - في مهارة مسك العصا من المنتصف!

***

محمـــد سيـــف

لم يعد الزمن في التجربة الإنسانية المعاصرة، ذلك الامتداد المتصل الذي افترضته الفلسفة الكلاسيكية شرطا لإمكان الوعي والتاريخ معا، بل غدا زمنا مكسورا متشظيا، تحكمه إيقاعات متسارعة تُعيد تشكيل علاقتنا بالوجود والمعنى والذاكرة. إن ما نعيشه اليوم لا يمكن اختزاله في مجرد تطور تقني محايد، أو في تسارع عرضي لوسائط التواصل، بل هو تحوّل أنطولوجي عميق في بنية العيش الزمني ذاته، تحوّل يطال صميم التجربة الإنسانية، ويعيد ترتيب علاقتنا بالماضي والحاضر والمستقبل. ففي ظل السرعة الرقمية تتعرض الذاكرة لضغط غير مسبوق، ويتراجع التاريخ من كونه أفقا للفهم والتأويل إلى مجرد مادة للاستهلاك الرمزي السريع، تُستدعى وتُهمَل وفق منطق اللحظة العابرة.

لقد تصوّر أرسطو الزمن بوصفه عدد الحركة بحسب قبل وبعد، أي باعتباره انتظاما نابعا من تتابع الحركة، بينما ربط أوغسطين الزمن بتجربة النفس، حيث لا يوجد الماضي والمستقبل إلا بقدر ما يحضران في الذاكرة والتوقع. ثم جاء كانط ليمنح الزمن مكانته التأسيسية بوصفه صورة قبلية للحدس، شرطا لإمكان كل تجربة ممكنة. وعلى اختلاف هذه التصورات، فإنها تشترك في افتراض بنية متصلة للزمن، تسمح بتراكم الخبرة وتشكّل الذاكرة واستمرارية التاريخ. غير أن منطق السرعة الرقمية يعمل اليوم على تفكيك هذا الاتصال، محوّلا الزمن إلى وحدات آنية متتابعة لا تسمح بالترسّب، ولا تتيح للتجربة أن تستقر بما يكفي لتتحول إلى معنى قابل للاستبطان.

فالسرعة الرقمية لا تعني فقط تسريع تداول المعلومات، بل تمثل نمط وجود جديدا، يفرض على الوعي إيقاعا قسريا يختزل المسافة بين الحدث وتمثله، وبين الوقوع والتأويل. وقد نبّه بول فيريليو في تحليله لما سماه «الدرومولوجيا»، إلى أن السرعة ليست عاملا تقنيا فحسب، بل سلطة جديدة، إذ إن من يمتلك السرعة يمتلك القدرة على إعادة تعريف الواقع نفسه. فالحدث في زمن السرعة لا يُقاس بعمقه ولا بآثاره البعيدة، بل بقدرته على الظهور السريع والانتشار الواسع، واستقطاب الانتباه قبل أن يذوب في سيل لا ينقطع من الأحداث المتلاحقة. وهكذا تتعرض الذاكرة إلى تآكل بنيوي، لأن ما يُستهلك على عجل لا يجد الزمن الضروري ليُحفظ، ولا المسافة الكافية ليُفهم.

ويظهر هذا التحول بوضوح في الانتقال من التذكر بوصفه فعل استعادة وتأمل، إلى التذكير بوصفه وظيفة تقنية آلية. فقد صارت الذاكرة، في كثير من تجلياتها الرقمية، خارجية ومفوَّضة، تُخزَّن في الخوادم، وتُستدعى عبر الخوارزميات، وتُرتَّب وفق معايير النفعية والاهتمام اللحظي. وهو ما يجعلنا أقرب إلى ما ميّز به هنري برغسون بين الذاكرة الخالصة بوصفها خزّانا للزمن المعاش، والذاكرة العادية المرتبطة بالفعل والمنفعة. غير أن الرقمية لا تكتفي بإضعاف الذاكرة الخالصة، بل تعيد برمجة الذاكرة الوظيفية ذاتها، بحيث يغدو الاستدعاء خاضعا لمنطق الترجيح الخوارزمي، لا لحاجة المعنى أو مقتضيات الفهم.

ولا يعود التاريخ مجالا للسردية الكبرى التي تمنح الحاضر جذوره وأفقه، بل يتحول إلى أرشيف مفتوح، قابل للتجزئة وإعادة التركيب، وفق طلب السوق الرمزي ومنطق التداول السريع. وقد كان والتر بنيامين قد حذّر من «التاريخانية» التي ترى التاريخ تتابعا خطيا للأحداث، داعيا إلى إنقاذ لحظات الماضي المقموع من النسيان. غير أن المفارقة المعاصرة تكمن في أن الماضي صار متاحا بكثافة غير مسبوقة، ومع ذلك يتراجع حضوره الفعّال في الوعي. فوفرة الأرشفة لا تعني كثافة الفهم، بل قد تفضي إلى تخمة معرفية تُفقد الذاكرة قدرتها على الاختيار والتمييز.

إن الزمن المكسور الذي تخلقه السرعة الرقمية يُنتج حاضرا متضخما، حاضرا يلتهم الماضي ويؤجّل المستقبل. وقد وصف فرانسوا هارتوغ هذا الوضع بمفهوم «النظام الحاضري»، حيث يغدو الحاضر المرجعية الوحيدة، ويُعاد تأويل الماضي بما يخدم احتياجات اللحظة، بينما يُختزل المستقبل إلى توقعات قصيرة الأمد. وفي ظل هذا النظام، تفقد الذاكرة طابعها البنائي، أي قدرتها على الربط بين الأزمنة، وتتحول إلى مستودع صور ومقاطع وأحداث منفصلة، لا يجمعها خيط سردي متماسك.

ولا يمكن فهم هذا التحول دون الالتفات إلى الاقتصاد السياسي للسرعة الرقمية. فالرأسمالية المعاصرة، وقد انتقلت إلى طورها المعرفي والرقمي، باتت تستخرج القيمة من الانتباه والزمن الذهني بقدر ما تستخرجها من العمل المادي. وهنا تغدو الذاكرة عائقا محتملا لأن التذكر يبطئ الإيقاع، ويفتح مجالا للمساءلة والنقد. لذلك يُعاد تشكيل علاقتنا بالماضي على نحو يجعل النسيان وظيفة بنيوية لا مجرد قصور فردي. وقد أشار هربرت ماركيوز إلى أن السيطرة الحديثة لا تمارس بالقمع المباشر، بل بإنتاج حاجات وأنماط وعي تُفرغ النقد من محتواه، بحيث يمكننا  أن نقول إن السرعة الرقمية تُتمّ هذا المسار عبر تحويل الزمن ذاته إلى مورد قابل للاستنزاف.

تتعرض الذات لانقسام زمني حاد، إذ تُطالَب بالحضور الدائم والاستجابة الفورية، وإعادة تشكيل نفسها وفق تدفقات متغيرة من الخطابات والصور. فالهوية التي كانت تُبنى تاريخيا عبر تراكم السرديات الشخصية والجماعية، تصير هوية سائلة، على حد تعبير زيغمونت باومان، قابلة للتعديل السريع، ومشدودة إلى راهن لا يستقر. وهكذا تغدو الذاكرة عبئا على الذات، لأنها تذكّرها باستمرارية لم يعد لها موطئ قدم في عالم يفضّل المرونة على الرسوخ.

ويمتد هذا التفكك الزمني ليصيب البنية الأخلاقية للوعي التاريخي. فحين يغدو الماضي مادة قابلة للاستحضار الانتقائي، لا بوصفه تجربة مؤسسة بل بوصفه مخزونا رمزيا جاهزا للتوظيف، تفقد الذاكرة بعدها القيمي، وتتحول من مجال للمساءلة إلى أداة للتبرير أو الزينة الخطابية. وقد أشار نيتشه إلى أن الإفراط في التاريخ قد يثقل الحاضر، غير أن ما نعيشه اليوم هو تفريغ التاريخ من قوته النقدية، لا امتلاؤه بها. فالذاكرة الرقمية على كثافتها لا تمنحنا حكمة التاريخ، لأنها تُغرق الوعي في وفرة لا تسمح بالترسّب.

وينتج عن ذلك ما يمكن تسميته بأخلاق النسيان السريع، حيث تتوالى الأحداث الجسيمة دون أن تترك أثرا يتناسب مع فداحتها. فالكوارث والحروب ما إن تبلغ ذروة التداول، حتى تُزاحمها أحداث أخرى، فتغدو جزءا من أرشيف متراكم لا يستدعي الوقوف أو الحداد أو التفكير الطويل. وقد لاحظت سوزان سونتاغ أن تكرار عرض صور الألم قد يؤدي إلى بلادة الحس الأخلاقي بدل تعميقه، وفي زمن السرعة الرقمية تتكثف هذه البلادة، لأن الصورة لا تُمنح الزمن الضروري لتتحول إلى تجربة داخلية.

ويتغير تبعا لذلك معنى الشهادة التاريخية. فالشاهد الذي كان يحمل عبء الذاكرة بوصفها أمانة، يتحول إلى منتج محتوى، يخضع لمنطق المنصات، حيث القيمة تُقاس بعدد المشاهدات لا بعمق الدلالة. وهنا تتقاطع السرعة الرقمية مع ما وصفه غي ديبور بمجتمع الفرجة، غير أن الفرجة الرقمية تُسرَّع إلى حد تلاشيها، لأن ما يُعرض اليوم يُنسى غدا.

كما يشهد مفهوم الأرشيف تحولا جذريا. فالأرشيف الرقمي بسيولته ولامركزيته، يخضع لمنطق الخوارزميات التي تقرر ما يظهر وما يُخفى. وقد نبّه جاك دريدا إلى أن كل أرشفة تنطوي على سلطة، غير أن السلطة اليوم لم تعد مؤسسية فقط، بل تقنية أيضا، وهو ما يجعل التاريخ نفسه خاضعا لمنطق الترجيح لا لمنطق الحقيقة.

ويطرح هذا الوضع إشكال الحقيقة التاريخية، إذ تتجاور الوقائع مع التأويلات والدعايات، ويضيق الزمن المتاح للتحقق والتفكير. وقد حذّرت حنّة آرنت من أن أخطر أشكال الكذب هو خلق واقع بديل متماسك ظاهريا، وهو ما يجد في السرعة الرقمية بيئة مثالية للانتشار.

ولا يقف الخطر عند تشويه الماضي، بل يمتد إلى تقويض أفق المستقبل. فحين يفقد التاريخ عمقه، يفقد المستقبل معناه، ويتحول إلى امتداد تقني للحاضر. وقد ربط إرنست بلوخ الأمل بالزمن المستقبلي بوصفه أفقا لم يتحقق بعد، غير أن السرعة الرقمية تُفرغ الانتظار من معناه، لأنها توهم بالإشباع الفوري.

وهكذا نواجه مفارقة عميقة: فالتقنيات التي وُعدت بتحرير الإنسان من قيود الزمن أسهمت في إنتاج شكل جديد من العبودية الزمنية. وقد وصف هارتموت روزا هذا الوضع بالتسارع الاجتماعي، حيث لا يؤدي التسارع إلى توفير الوقت، بل إلى شعور دائم بندرته.

ويترتب عن ذلك تراجع القدرة على السرد الذاتي. فالسيرة الشخصية تتشظى إلى لحظات موثقة، دون أن تنتظم في قصة ذات معنى. وقد بيّن بول ريكور أن الهوية السردية شرط لإمكان القول بـ«أنا» عبر الزمن، غير أن السرعة الرقمية تُضعف هذا الشرط.

ومع ذلك، لا يخلو هذا المشهد من إمكانات مقاومة. فالسرعة الرقمية بقدر ما تفكك الذاكرة، يمكن أن تفتح إمكانات جديدة لإعادة تركيبها، شرط إدراجها في أفق نقدي يعيد الاعتبار للبطء والمسافة والتأمل. وهنا تستعيد الفلسفة دورها بوصفها تفكيرا في شروط الزمن، لا خطابا خارج التاريخ.

وواضح أن الزمن المكسور ليس مجرد نتيجة عرضية للتقدم التقني، بل تعبير عن أزمة أعمق في علاقتنا بالمعنى. فالذاكرة حين تُختزل إلى وظيفة تقنية، تفقد بعدها الإنساني، والتاريخ حين يُحوَّل إلى محتوى سريع التداول، يفقد قدرته على الإضاءة. ويبقى الرهان مفتوحا على إمكان إعادة وصل ما انكسر، لا بالعودة إلى زمن ماضٍ، بل بابتكار أشكال جديدة من العيش الزمني، تجعل من البطء فضيلة، ومن التذكر فعل مقاومة، ومن التاريخ أفقا للفهم لا مجرد مستودع للصور.

وإذا كان هذا التشخيص يكشف عمق الأزمة التي يعيشها الزمن الإنساني في أفق السرعة الرقمية، فإنه لا ينبغي أن نكتفي بوصف الانكسار، بل أن نفتح أفقا للتفكير في إمكانات تجاوزه. فالفلسفة منذ نشأتها لم تكن مجرد مرآة تعكس ما هو كائن، بل ممارسة نقدية تسائل شروط إمكانه وحدوده. ومن هذا المنطلق، فإن التفكير في الزمن المكسور ليس ترفا نظريا، بل ضرورة وجودية، لأن الطريقة التي نعيش بها الزمن تحدد في العمق، الطريقة التي نكون بها بشرا.

إن استعادة المعنى لا تمرّ عبر إنكار السرعة أو رفض التقنية، بل عبر إعادة إدراجها ضمن أفق إنساني أوسع، يعترف بأن ليس كل تسريع تقدما، ولا كل إبطاء نكوصا. فالزمن كما تُظهر التجربة التاريخية والفلسفية، ليس مجرد وعاء محايد للأحداث، بل هو شرط لتكوّن الوعي وتشكّل المسؤولية ونشوء القيم. وحين يُختزل الزمن إلى مورد يُستنزف، أو إلى سلسلة من اللحظات المنفصلة، يفقد الإنسان قدرته على بناء علاقة أخلاقية مع ماضيه ومع غيره ومع ذاته.

ويكتسي مفهوم البطء دلالة جديدة، لا بوصفه نقيضا تقنيا للسرعة، بل بوصفه موقفا نقديا من العالم. فالانتباه البطيء والتذكر المتأني والقراءة العميقة ليست مجرد ممارسات ثقافية، بل أشكال مقاومة رمزية لمنطق الاستهلاك الزمني. إنها محاولات لاستعادة المسافة الضرورية بين الحدث وتأويله، والصورة وتجربتها، وبين المعلومة ومعناها. حيث يغدو البطء شرطا للفهم، لا عائقا أمامه.

كما أن إعادة الاعتبار للتاريخ لا تعني العودة إلى سرديات كبرى مغلقة، بل تعني استعادة البعد التأويلي للتجربة الماضية. فالتاريخ حين يُفهم بوصفه حوارا مفتوحا بين الأزمنة، يسمح للحاضر بأن يرى حدوده، وللمستقبل بأن يظل أفقا لا مشروعا تقنيا محضا. وهنا تبرز أهمية الذاكرة بوصفها فعل اختيار ومسؤولية، لا مجرد تخزين واستدعاء. فالذاكرة الإنسانية بخلاف الذاكرة الآلية، تقوم على النسيان بقدر ما تقوم على التذكر، لكن نسيانها ليس محوا بل ترتيبا للمعنى.

وتظل التربية بمعناها الواسع، مجالا حاسما لإعادة بناء علاقتنا بالزمن. فتعليم التفكير التاريخي وتنمية الحس النقدي تجاه الصور والمعلومات وتعويد الأجيال على الصبر المعرفي، كلها شروط ضرورية لمواجهة آثار التسارع الرقمي. فالمعركة ليست ضد التقنية، بل ضد اختزال الإنسان في مستهلك زمني، وضد تحويل الوعي إلى سطح قابل للاختراق الدائم.

الزمن المكسور ليس واقعا طبيعيا لا فكاك منه، بل نتاج اختيارات حضارية وثقافية قابلة للمساءلة. وإعادة وصل ما انكسر تقتضي شجاعة فكرية للاعتراف بأن التقدم التقني حين ينفصل عن المعنى، يتحول إلى قوة إفقار للخبرة الإنسانية. لذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في استعادة زمن ماضٍ، ولا في الارتماء الكامل في زمن آلي قادم، بل في ابتكار أشكال جديدة من العيش الزمني، تسمح للإنسان بأن يسكن زمنه بدل أن يُسحق داخله.

إن مقاومة انكسار الزمن تبدأ من استعادة الحق في التأمل وفي السرد وفي الذاكرة الحيّة. فحيثما وُجد زمن يُفهم ويُروى ويُفكَّر فيه، يمكن للمعنى أن يستعيد أنفاسه، وللتاريخ أن يعود أفقا للفهم، لا مجرد صدى باهت في ضجيج السرعة الرقمية.

***

د. حمزة مولخنيف

ظل خطاب إصلاح المنظومة التربوية في المغرب منذ الاستقلال وإلى الآن، هو الخطاب الأكثر تداولا في دهاليز السلطة وصالونات النخبة السياسية والثقافية والاقتصادية، ومنتديات نساء ورجال التعليم، وفضاءات الطبقات الشعبية.

إن قضية إصلاح التعليم من أبرز القضايا التي أقيمت لها عشرات اللجان الخاصة والمؤتمرات والندوات والملتقيات...، وسطرت لها العديد من المشاريع والمخططات، وصرفت من أجلها ملايين الدراهم، حتى اعتبرت من الأولويات الاستراتيجية للدولة بعد الوحدة الترابية.

ورغم كل هذا، بقي وضع هذا التعليم سيئا كما كان، بل ويزداد سوءا سنة بعد سنة وبعد كل مشروع إصلاح، ينتج البطالة والعطالة كما هو ظاهر للعيان، ولا يلبي حاجات الدولة من الأطر التقنية المتخصصة كما تدعي الجهات الرسمية، ولا يجيب على الأسئلة الحارقة لتنمية أصبحت تقوم على اقتصاد المعرفة أكثر من أي نوع آخر، ولا يلبي طموحات الشعب في النجاح وتحسين الوضع المادي والترقي الاجتماعي كما كان وكما هو منتظر.

وعليه نتساءل كما يتساءل كثير من الباحثين وصناع الرأي والفكر والسياسة في بلادنا:

هل إصلاح التعليم في المغرب مشروع استراتيجي للدولة، نابع من قناعة واعية ورغبة صادقة في تطوير المنظومة التربوية باعتبارها رافعة للتنمية والتقدم؟ أم أن المخططات والمشاريع الممتالية والموصوفة ب ”الإصلاحية” مجرد تكتيكات تسعى إلى ربح الوقت وخلط الأوراق وتعميق الأزمة وتعميم الفشل وإفقاد الثقة في كل مكونات المنظومة، للإبقاء على الوضع كما هو ضبابيا ومهلهلا، تلبية لرغبة جهات داخلية وخارجية تستفيد من هذا الفشل التعليمي والتربوي؟.

إن معظم المعطيات والتقديرات والتحليلات والـتأويلات تذهب إلى أن الدولة ونخبها الحاكمة، لا تريد إصلاحا حقيقيا لمنظومة التربية والتعليم رغم إدراكها العميق لنقط ضعفها وأسباب فشلها، وهو الأمر الذي يبدو واضحا في تقرير الخمسينية، وتقارير المجلس الأعلى للتعليم وخاصة تقرير 2008، وكثير من التقييمات التي خضع قطاع التعليم ... وذلك لاعتبارات كثيرة نذكر الواضح والصريح منها:

1- التغيير المستمر وغير المفهوم لوزراء التعليم ببلادنا، حيث وصل عدد وزراء التعليم منذ الاستقلال (1956م) إلى الآن حوالي 34 وزيرا بمعدل وزير كل 22 شهرا، وهذا دليل واضح على غياب الإرادة السياسية الحقيقية في الإصلاح. فهل يعقل أن يتم إصلاح قطاع التعليم أو أي قطاع آخر بمثل هذه التغييرات المستمرة والمفاجئة في كثير من الأحيان لوزرائها؟.

2- تعدد مشاريع الإصلاح وتنوعها؛ حيث وصلت منذ الاستقلال حتى اليوم أزيد من 14 مشروعا توزعت بين مخططات ومناظرات ولجان ملكية... .

3- التسرع في تنزيل سياسة التعريب رغم عدم توفر شروط نجاحها، مما عجل بفشلها أو بالأحرى إفشالها ليتم التراجع عنها سريعا، ويستقر الأمر على تعريب التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي والإبقاء على التعليم العالي مفرنسا في الشعب العلمية والتقنية، وهو ما خلق حالة ثنائية في لغة التدريس لا مثيل لها في كل التجارب الدولية في التعليم في العالم، فكانت النتيجة المباشرة هي مغادرة عدد كبير من التلاميذ والطلبة لقاعات ومدرجات الدراسة بالمدارس والجامعات دون الحصول على أي شهادة.

4- ازدواجية السياسة اللغوية والتعليمية في مسالة اللغة، بين لغات وطنية رسمية (العربية والأمازيغية) مهمشة في كل مناحي الحياة الاقتصادية والتعليمية والإعلامية والبحث العلمي وفي الفضاءات العامة والخاصة، ولغة أجنبية (الفرنسية) تحظى بالأولوية في كل القطاعات والمجالات الحيوية.

5- الخلط المتعمد بين لغات التدريس وتدريس اللغات، وبين لغة الهوية ولغات الانفتاح، وتجاهل أن لغات الوطن أيا كانت درجة ضعفها، هي اللغات التي يجب أن تكون لغات التدريس في كل التخصصات بما فيها العلمية والتقنية، بينما اللغات الأجنبية أيا كانت درجة تطورها وتفوقها هي لغات للانفتاح على العلوم والمعارف والثقافات الأخرى. وهناك دول لا تصل لغتها إلى مستوى اللغة العربية من حيث حمولتها الحضارية وعدد الناطقين بها كالسويدية والهولندية والبولونية ومع ذلك نجد السويدي والبولوني والهولندي يعلم ويتعلم بلغته، ويعتز ويتشبث بها، وفي نفس الوقت يتعلم اللغات الأجنبية الأخرى التي تساعده على الانفتاح.

6- غياب تخطيط لغوي يحدد وظائف اللغات وأدوارها في ظل تعدد لغوي غير حقيقي رغم واقعيته، لأنه من مخلفات السياسة الاستعمارية.

7- سن نظام العمل بالعقدة وما شابه ذلك في مجال التدريس رغم غياب شروط ضمان الحريات والحقوق، مما يهدد الأمن الوظيفي والاستقرار النفسي والاجتماعي للمدرسين، وينعكس سلبا على مردوديتهم وفاعليتهم التربوية والتعليمية.

كل هذه العناصر وغيرها، تدل بوضوح تام على غياب الإرادة السياسية لدى الدولة ونخبها الحاكمة في إصلاح قطاع حيوي لا بديل عنه في أي نهوض حضاري أو تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية ممكنة.

إن هذا الفشل المزمن الذي تعاني منه منظومة التربية والتعليم في بلادنا له مظاهر متعددة، من بينها:

1- احتلال المغرب للمراتب المتأخرة في التصنيفات الدولية والعربية لجودة النظام التعليمي وجودة مؤسسات البحث العلمي.

2- الضعف المهول في البنية التحتية لدى كثير من المؤسسات التعليمية وخاصة في المجال القروي وشبه القروي يصل إلى حد غياب الفصول الدراسية ووسائل العمل وأسوار المؤسسات التعليمية والمرافق الصحية.

3- انتشار ظاهرة الاكتظاظ في التعليم العالي والتعليم الثانوي والإعدادي، والأقسام المشتركة في التعليم الابتدائي رغم المجهودات التي بذلتها الدولة في السنوات الأخيرة.

4- ضعف ميزانية البحث العلمي؛ حيث لا تتعدى % 0.8 من الناتج الداخلي الخام، في حين تصل مثلا إلى: % 4 في كوريا، و% 4.7 في إسرائيل، و3 % في تركيا... .

5- ضعف أو غياب توظيف التكنولوجيات الحديثة في التدريس بسبب غياب البنيات التحتية من كهرباء وأنترنت في كثير من المؤسسات التعليمية، رغم الشعارات التي ترفعها الوزاراة الوصية على القطاع منذ سنوات.

إن هذه الأمور وأخرى، أبقت المنظومة التعليمية التي كانت على مدى التاريخ محركا للنهضات الحضارية والثورات العلمية والفكرية والثقافية والاجتماعية، غارقة في فشلها وتخلفها، مكرسة للتبعية اللغوية والثقافية والاقتصادية... كمظهر بارز للتخلف الحضاري الذي تعيشه الأمة بشكل عام وبلادنا بشكل خاص.

***

د. بوجمعة وعلي - أستاذ محاضر مؤهل

المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بني ملال خنيفرة/ المغرب

على سبيل التقديم: تنعتق اللغة من قواعد كهنتها وسدنتها، ومن حرّاس الأبواب العالية، لتلج ببساطتها وعفويتها عمق الجرح الإنساني وهي تحتفظ بسعتها وسلاستها البليغة والعميقة، وقوتها النّافذة، وتعبيراتها الرّصينة، وتلتقط من الخبايا ما ووريَّ عن البال والنّظر، لتبني مدناً من الألم والهامش والنسيان. تنعتق اللغة، إذن، لتُعاش بين الفاصلة والفاصلة، بين الدّلالة والغموض، بين الصّوت والمعنى، لتتكشّف حياة منسية بين دروب الإنسانية المقهورة أو التي مَرَدَتْ على القهر والإقصاء، لتُعيد رسم خرائط الوجع الإنساني، ولتُرصِّص حروف الألم في محاولة لصناعة الأمل الهارب بين المُقل والأيادي والأمنيات.

نسرّجُ صهْوَة اللغة العامرة بالأحاسيس، العابرة للأفكار والأصوات والإشارات، المسكونة بأسرار القول والمعاني، نركب صهوتها، ونُحسُّ، رهافتها وقوتها، نُروّض الإشارات والتّلميحات، نُشكِّلُ خباياها بلهجةٍ شديدة كوصايا الآباء، لكنّها صادقة كبَلَجِ الصُّبْح، نغوص في الذّات الإنسانية، نُساءلُ «الإنسان لا بما هو كائنُهُ، وإنّما ما يجب أن يكونه، أي تحديد الإنسان لا من حيث هو «واقع» حاصل، وإنّما حيث هو «أفق» ، «فالإنسانية أفق، والإنسان متحرّك إلى أفقه بالطّبع، ودائر على مركزه» ، إلاّ أن يكون ذا خُلقٍ مُنْكَر، «كشيء على مسلاخ إنسان ».

إشارات وتلميحات..

فتحتُ للإشارات جرحا صعبٌ اِلْتِئامُه، يزداد اتّساعا كلّما اتّسع الوقت، حملتُ اللغة مبضعاً، أشذِّبُ، أزيل، أقطع، وتصرخ من الألم الإشارات، قلتُ كما قالت الحكمة قديما: «للتّعافي ثمن، ومن يريد خياطة الجرح عليه تحمّل وخز الإبر»، اتَّسَع على الرّاتق الجرح، حتىّ فاض على جوانبه الشقاء والانكسار والخيبة.

ليست صوراً ساخرة، إنما هي بحثٌ في الحال علَّ المآل ينصلح، إنها ضوءٌ نسلّطه على زمن دائخ بين القيل والقال، وكثرة الأسئلة الفارغة من معناها، هي أيضا تلميحات وإشارات ضوئية تنفتح على معيوش النّاس البسطاء والمهمشين الذين استسلموا طوْعاً للقدر واستكانوا إلى الواقع البئيس حين هربوا إلى الكلام غير المباح يأكلون به أوقاتهم، وقد بَنَوْا سدّاً يحول بينهم وبين إنسانيتهم واكتمال وجودهم.

قد تأخذ هذه الصّور بعداً تراجيديا تتحرّك داخله شخوص يعيشون بيننا، وقد نكون نحن أنفسنا، فالإنسان هنا، موضوعٌ، لا كلام عابر، خصوصا حين وقفتُ عند قولة العالم الصّوفي يحيى بن معاذ «إنّي وجدتُ أمر الإنسان أمراً عجيباً»، في شقائه، كأنّه يدفع صخرة إلى شاهق عنيدٍ شاقّ، وهو يعرف أنّ الصّخرة، عاجلا أم آجلا، ستسقط عليه لتهشّم رأسه، وترديه قتيلا، في صبره على الذُلّ، كأنه يجلد ذاته إن هي حنّت للانعتاق، فيرتاح حين يعيش بين الأرجل والحفر، وفي ابتساماته البليدة، كأنّه ارتاح للسّقوط، وارتاح حين تنازل عن المعنى، وعن الحق، الحقّ في المواجهة، الحق في التّغيير والحقّ في قول «لا»، وحين سقط فقد قبِل الاستكانة والإقصاء ووجد لهما مبرّرات، فتعايش معهما كقدر ملازم لا مفرّ منه، لكنه مُصِرٌّ أن يسير في صراعه مع القهر والشقاء والتهميش والإقصاء، يقاوم، بمفهومه هو، يعتاش على اليأس حيث أصبح حاله البائس قدراً مقبولا، يُحقّر ذاته وينظر إليها كأنّها لم تعد ذات نفعٍ،  فتمسّك بالصبر، وسكن إلى الاستسلام والخنوع، وثوى سراديب المعاناة والعزلة، ونسي ترميم ذاته المشروخة قبل أن يحمل الصّخرة على كتفيه ويستسلم لها صعودا وهبوطاً دون هدف.

كثيرون منّا، وهم المعنيون بهذه الإشارات، جالسون على هامش الزمن، يمر بطيئا من تحتهم ومن حولهم، يفتلون حبل الأيام البليدة، يسُبّون الزمن، لا شيء يتحرّك فيهم سوى ألسنتهم، ولا ينشغلون بالحياة ولا بتفاصيلها، ولا يشاركون في إعطاء معنى لوجودهم، لم يكن القطار السريع هو ما فاتهم، بل المحطّة والطريق معا، قد خسروا السباق مبكّراً، لم يفقدوا إنسانيتهم فقط، ولم يفقد الواحد منهم، «إرادته فقط، بل كيانه ذاته بكل ما فيه من حيوية ونزوع إلى الانطلاق والإمساك بزمام المصير، [هذا الحصار] هو الذي يعاق ويُقهر بل يُهدر. إنه يدفع بالإنسان إلى النّكوص إلى مستوى حاجات السلامة والمعاش، والجري وراء توفيرها والحفاظ عليها، ولا يعود معها سيد ذاته، ولا هو سيد في وطنه. حتى مواطنيته ذاتها تتحول في الكثير من الأحيان إلى نوع من المنّة التي يُمَنُّ بها عليه، مادام يستكين إلى البقاء في القمقم» .

هؤلاء المنسيون المهمّشون الهَضَرَةُ يضيعون وسط الزّحام والتيه، لا يعرفون كيف يسكنون أوقاتهم حين انسحب المعنى من حياتهم ووجودهم، تحاصرهم العطالة والإقصاء وانسداد الأفق، وغياب السؤال المشرع على الوجود، الهاربون إلى الوراء للاختفاء والخنوع وتقَبُّلِ الأمر والحال.

تراهم داخل المقاهي الهامشية الرّابضة خارج الأحياء، العامرة بالصراخ، والنكت والضحكات، والأدخنة الكثيرة، والأغاني الركيكة، والمُزاح والسُّعال، والقيل والقال، ناسٌ يأكلهم الفراغ، يلوكون أمنياتهم وأحلامهم التي اعتاصت عن التّحقّق، اختلّت وجهاتهم، تشابكت طرقهم، لم تعد لهم وجهة إلاّ الجلوس لساعات عالقين بين الكراسي المهترئة وكؤوس الشاي الرخيص والبارد، يتفرّجون على وقتهم يمرُّ ثقيلا كسولاً، متكدّسين كأشياء منسية في زوايا منسية، ضاق بهم العالم واتّسعت لهم المقاهي، وجوههم يأكلها الغياب رغم ثرثراتهم، كأنّهم يساقون إلى مشانق وهمية تسحب أعمارهم ببطء شديد إلى الضّياع، يراقبون وقتهم يتآكل، أحلامهم ليس كأحلام النّاس، طموحهم انحصر في مخدّر رخيص أو سيجارة أو عقبها، أو كأس شاي بارد بلا طعْم، لا معنى للُغَتهم التي تحاصر ما تبقّى من إحساسهم بالوجود وإنسانيتهم. في لجج هذا الحضور/الغياب، يعيشون بلا توقّف داخل دوامة تُعطّلُ أحاسيسهم وتُفقدهم سر المواجهة، وتسكنهم خانات الصّمت والاستكانة والرضى بالواقع.

وآخرون ينشرون أجسادهم في الشمس، عيونهم جاحظة في رقعة مقسمة إلى مربعات صغيرة «ضاما» ، يراقصون بين أصابعهم، هبوطا وصعودا، يمينا ويساراً، بيادق مختلفة الألوان والأشكال، في بحثٍ عن انتصار، رغم أنهم هم الخاسرون في كل الجولات. يحرّكون القطع بتركيز كبير، كأنّهم يستعيدون أوهاماً أمنياتٍ خاطوها على مقاسهم في انتظار ربحٍ تافه، كأس شاي أو قنينة مشروب أو تفكُّهٍ على خاسر. يتقاذفون كلاما لا معنى له، مستهلَكٌ ومكرور، كلامٌ فارغٌ من المعنى لقتل الوقت والذات والسؤال، كلامٌ كأنه الستار الحاجبُ لخيباتهم وسقوطهم وهزيمتهم.

يحرّكون البيادق ويبعثرون الكلام، ويبنون أحلاما من قشّ سريعا ما تتهاوى عند أرجلهم، يخطّطون وهم ينقلون البيادق من مربع إلى آخر، وحياتهم عن التّخطيط بعيدة لا تستجيب، كأنّ الأرض التي اقتعدوها تشدّهم إليها شدّاً لا انفكاك لهم منها.

وآخرون، قريباً منهم، اقتعدوا الأرض، يتقاذفون أوراقا بأرقام مختلفة، يروّضونها، يقرأون أوراقهم ويحسبون أوراق منافسيهم، يتهامسون، ويتنابزون بالألقاب، في انتظار انتصار يتكلل بأس شاي أو قنينة مشروب غازي بالمجّان، أناسٌ مضحكون ذوو عاهات مؤسفة، اكتسبوها من كثرة جلوسهم على الأحجار أو الكراسي المهترئة. وآخرون يراقبونهم يتابعون بعيونٍ تَعِبَة مسار الأوراق، يعجبهم التّكوّم في جلابيبهم الصوفية، يفركون خصياتهم، ينتظرون متّكئين على الحيطان التي رسمت ظلّهم وحفرت وجودهم، يربّون في الانتظار الطويل واليومي، الأوهام والأحلام والأمنيات، وجوههم تتشابه، يتناسلون العادات السيئة، والمعاناة البائسة والأحلام السوداء، توقّف عندهم الزمن، لا يحدث شيء، يدور الوقت بينهم بطيئا، ينتظرون  من السماء، معجزة تنقذهم مما هم فيه، لعلّ «سيدنا قْدَرْ» ، كما يتوهّمون، ينزل يوما، ويحقق لهم الأمنيات ويأخذ بيدهم نحو تغيير حالهم، يحمل في جرابه كل الأمنيات. على أحر من الجمر، ينتظرون انفلاق قبة السماء وخروج الملاك مبتسما بوجه عامر بالحب، يُنير ظلمة ليلهم. يطول بهم العشق وهم ينتظرون الإشارة، ويطول الانتظار، فتضيق بهم الأمنيات، تتعب الأجساد، وتنامون على أمنيات تعلقت بين السماء والأرض، في انتظار أن يُحقّقها «سيدنا قدر».

كأنهم سجناء، يبْرون، في نوادي عطالتهم، ألسنتهم بالنّميمة والبهتان لتشحيم الكلام اللئيم الجارح حين يخوضون في الأعراض، مشدودون بشيء غير بادٍ للعيان، يدورون يلجمهم الكلام كبغال مربوطة إلى ناعورة، يدورون ويدورون حتى التّعفّن أو الموت أو الانتحار.

يلبسون أقنعة تُخفي سَوْءاتهم عن النّاس، يتشابهون حين يتقاسمون الهواء والمكان والزمان، والكلام المباح وغير المباح، يتكلّمون بهمّة، بجنون، بتشفٍّ يسابقون السّراب، يترصّدون بآذانهم، في خضم الكلام، أخباراً يزيدون فيها ويملأونها بالتّشهير والقذف لتكون أقرب للصدق، كل شيء من حولهم تغيّر، البلاد والعباد، حتى الهواء تغير، والعالم من حولهم اختطّ له نمطا من الحياة مُمِلاًّ حين رآهم لا يسعون إلى تغيير ما بأنفسهم، فمضى وتركهم يلوكون نفس الأسئلة، عن الله والعطالة، عن الألم والموت، عن الحال والمآل، نفس الأحلام، نفس الأمنيات التي لن تتحقّق.

انتهت صلاحيتهم..

تلك بعض الإشارات والتلميحات لأناس فاض بهم الزمن، وفاض عن وقتهم الوقت، حكموا على أنفسهم بالتهميش والإقصاء، إذ «كيف يرقى من يذوب بين الأحذية، يُعفر وجهه التراب، ينظر إلى السماء فيتيه في عليائها، لا ينال غير انكسار وانحسار النظر، وينظر عند قدميه فيرى التراب يشده إلى الأرض شدا. تنأى به المسافات وتتشعّب الطرقات والمسارب والمنعرجات، وتتلوى عند قدميه الخائرتين المنعطفات والمسالك، وتضيع منه البوصلة، وتتلاشى الاتجاهات سرابا فيتيهُ دائخاً ويقف حيث هو، لا يدري أين الاتجاه. خيبات وانكسارات، يعيشها داخل سجن محكم الإغلاق اسمه الجسد، [والمقهى، وجنبات الطرق] ميّتٌ يتنفس فقط، نفْس طالع وآخر نازل، ولا حياة، لا صرخ، لا مقاومة، لا تمرد، يبحث عن الظل تحت حائط شديد الارتفاع، يعيش وجع الاغتراب داخل سجونه. استحلى التراب والتمرغ فيه والحياة بين الأحذية. يحاول جهده بلوغ المدى وهو منه على مرمى كرامة، أو وقوف أو مواجهة أو رفض. كبقّة يلتصق بالتهميش والإقصاء، لا يُجيد إلا الحك والهرس الضحك البليد، يبحث عن كلمات للمضغ اليومي يجترها، يُعيدها، نفسها، بصياغات مختلفة، ركيكة، مكرورة، ممجوجة، ارتضى الذل فأصابه العَطَل حتى أصبح غير صالح للحياة، على ملامح وجهه الكئيب تكاد تقرأ بخط عريض واضح فاضح: "انتهت صلاحيته" ».

يتسلَّلُ بين أعمارهم العمر، يمرّ بلا أثر، ينتظرون لا شيء، فُرص لن تأتي، يحلمون، يشتكون، يلهون، ينسحبون في صمت ولا مبالاة، أفرغوا ذواتهم من المعنى، لا أفق، يغيب صوتهم، حياتهم صورٌ عابرة تموج عند أطراف الحياة، بلا ضمان، بلا إنسانية، يضيق بهم القوس، يزحمهم، يحاصرهم الصمت والتقاعس والاتِّكال، وقتهم انتظار، أحلامهم وأمنياتهم انتظار، يتآكلون من الدّاخل، يفقدون علاقتهم بأنفسهم، يبتعدون إلى الوراء، في غير انشغالٍ بالحال والمآل.

***

عبد الهادي عبد المطّلب

الدار البيضاء - المغرب

دائما ما ‏اتمسك باللحظة بشراسة واقبض على كل تفصيلة بها واوثقها.. لا اجمل من ان تكون رهن اعتقالها . تؤبدها وتحتفل بعدد الثواني بها ولا تركنها لأمنية مؤجلة في ذمة المجهول ومزاجية الزمان.. استقر في اللحظة واحتفل بمكاتفتها دون ارتباطات بائسة بالقادم والآتي وبعد الآتي.

دائما ما اكتب عن اللحظه.. اللحظة الحاضرة هي ما تملك.. اللحظه رغم أنها عابرة ووهمية وسرابية لكنها اليقين الوحيد الذي أملكه على أطلال هذا العالم الخرب.

للا اؤمن باسطورة اللحظة المناسبة كأنها موعد سماوي بينما الحقيقة ان اللحظة الوحيدة الممكنة هي الان.  وان الرغبة التي لا تختبر تتحول مع الزمن الى ندم صامت.

لم نوجد في هذا العالم لامتلاك الاشياء بل لاختبار المعنى. الاشياء تكدس. تستبدل. تنسى، اما التجارب فتنقش نفسها في الوعي فتهذب الروح وتعيد تعريفنا لانفسنا.

المال ضرورة نعم لكنه وسيلة لا غاية. اداة لعبور الحياة لا لاحتجازها وحين نربط سعادتنا بما نكسبه نحول اعمارنا الى جداول حسابية باردة وننسى ان القلب لا يفهم لغة الأرقام. كم من بشر عاشوا عمرهم وهم يستعدون للحياة ولم يعيشوها قط. ادخروا الفرح ليوم التقاعد واجلوا الاحلام الى زمن افتراضي وبنوا بيوتا لم يسكنوها وخططوا لايام لم تأت. كانوا يركضون خلف الامان فخسروا الطمانينة وسعوا الى الاستقرار ففقدوا التوازن. الفلسفة البسيطة للحياة تقول لا تجعل النجاح عدوا لسلامك الداخلي. ليس المجد في اعلى منصب ولا القيمة في اثقل لقب بل في ان تنام دون ثقل وان تستيقظ دون خوف وان تجد في يومك مساحة لك لا لما يفرض عليك. الحياة لا تقاس بما نملكه بل بما نعيشه فعلا وبالصدق الذي نمنحه لانفسنا. فالحياة قصيرة على ان نعيشها مؤجلين واثمن ما نملكه ليس المال بل العمر وكل ما لم نفعله فيه لن يعاد.

فلسفة عيش اللحظة ليست نزوة حديثة، هي ضاربة في عمق الوعي الإنساني، من عمر الخيام الذي قال: غدا بظهر الغيب واليوم لي. الى نيتشه الذي دعا لان نعيش الحياة كما لو كنا نرقص على حافة الهاوية. كلاهما يذكرنا ان كثافة الوجود لا تتحقق الا بالحضور الكامل في الان.

المؤمنون باللحظة هم العبثيون، الإنسان العبثي. لا يأمل فيما هو قادم، لأنه يردد دائما: إذا كنا نمتلك أفعالنا فإننا لا نملك نتائجها. نحن ألقي بنا في عالم لم نختره ولم نرتب لهذا المجئ، لذلك كل شئ محفوف بالعبثية واللاجدوي. نعيش بين الأمس والغد وننسى أن الحياة لا تعطينا سوى الآن. لحظة واحدة مليئة بالتفاصيل، كل ما نحتاجه. واعتقد ان الوعي بالحاضر ليس هروبا من الألم بل عودة للسلام، استراحة محارب من أفكار متراكضة ومشاعر متخبطة.

نحن الكائن الحي الوحيد الذي يدرك حتمية الموت ولذا لا يجوز أن نؤجل السعادة إلى زمن قادم، يجب أن نكون سعداء الآن. لهذا لا يستقيم أن نضيع الوقت في الصراعات والتفاهات بعيدا عن الفرح والمسرات وإدخال السعادة على علاقاتنا ومحيطنا معنويا وماديا. بعيدا عن خطابات الوعيد الكهنوتية التي تمارس النصب والإحتيال على إرادتنا واختياراتنا وتطلعاتنا.

العظيم دويستوفسكي أعتمد في غرس أدبه داخل الوجدان على وصف اللحظة كأنها ذات روح أبدية عندما كان يعيش تفاصيلها من لحظة ميلادها الخاطفة إلى أن تموت ببطء وتسكن قيعان الذاكرة، كل شيء يسكن التفاصيل الصغيرة التي تهرب من طغيان الإنكار او العاطفة.

اما عني فدائما ما ‏اتمسك باللحظة بشراسة.. استقر في اللحظة واحتفل بمكاتفتها دون ارتباطات بائسة بالقادم والآتي وبعد الآتي. ضوء القمر.. دفء الشمس.. نباتاتي الصغيره.. كتبي ومكتبتي.. كوب الشاي الساخن.. اغنيات فيروز المحببه والأقرب لقلبي.. إن التمعن في تفاصيل هذه الأشياء بحثا عن الجمال في المكان حولي يسد جميع الثقوب التي أحدثتها الأيام الشاقة في روحي.

لابد للانسان ان  يقتنص الفرص، يعيش الحياة وكأنه لا يوجد غدا، ربما الآن هي اخر لحظة لك لتقول كلمة لمن تحب، لتأكل وجبتك المفضلة، لتبوح بشعور اخفيته دوما، ولذلك ارى ان الحياة غاليه جدا لأن اللحظات لن تتكرر ولن تعيشها مستقبلا. العلاج بالواقع وقوة الان أفضل علاج من الاستغراق في الماضي أو اوهام واحلام غدا.

لن انتظر الوقت المناسب لافعل ما اريد، سوف افعل كل ما بإمكاني لتحقيقه وانجازه - لن اشتري اشياء لا احتاجها حتى ابهر من حولي، لن اربط سعادتي بما اجنيه من المال، لن اصدق اكذوبة "عندما اصل للتقاعد" سوف افعل ما يحلو لي؛ لا اريد ان امتلك الاشياء، اريد ان اخوض التجارب.

 علينا ان نرتب الاولويات في حياتنا قبل فوات الأوان. لا تؤجل نفسك. لا ترهن فرحك لمستقبل غامض. ولا تستهلك روحك في سباق لا خط نهاية له. عش بخفة من يفهم ان الامتلاك لا يمنح معنى، وان المناصب لا تعوض روحا منهكة. احتفظ بسلامك الداخلي. الانسان ليس مشروع ادخار للمستقبل ولا كائنا مؤجلا الى حين. انه حدث عابر في زمن عابر ولا يملك من اليقين سوى هذه اللحظة. من يفهم هذا يتحرر من وهم التراكم ومن اسطورة الوصول. ويصالح فكرة النقص بوصفها شرطا انسانيا لا عيبا. فالمعنى لا يسكن القمم بل يسكن الطريق. الحياة لا تمنح فرصة ثانية واعظم حكمة هي ان نحيا قبل ان نصبح مجرد ذكري في ذاكرة الزمن.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

الديمقراطية بين الأفق اليوتوبي وآليات الضبط في الديكتاتوريات الجديدة

تطرح ماهية الديمقراطية في القرن الحادي والعشرين إشكاليةً فلسفيةً وسياسيةً بالغة التعقيد: هل لا تزال الديمقراطية تُمثّل "يوتوبيا" للخلاص السياسي، أم أنها استُحيلت إلى أداة تكنولوجية وأيديولوجية لترسيخ هيمنة "الديكتاتوريات الجديدة"؟ عبر تحليل دقيق لتيارات الفلسفة السياسية المعاصرة، يتكشف لنا أن الديمقراطية تعيش حالة من "الأبوري"" أي المأزق الوجودي المستعصي. فهي من جهة تمثل "المكان الخالي للسلطة" الذي يحول دون الاستبداد الكلي، ومن جهة أخرى، باتت ذريعة لتشريع "حالة الاستثناء" الدائمة و"الرأسمالية المراقِبة". يأتي هذا التحليل في سياق تفكيك استحالة الدولة الحديثة وفشل الانتقال الديمقراطي، باعتبارهما جزءاً من أزمة الحداثة السياسية العالمية، وليسا مجرد استثناء ثقافي عربي.

الديمقراطية في مواجهة طيفها

في المشهد الفلسفي والسياسي المعاصر، تقف الديمقراطية عند مفترق طرق حرج، تتأرجح بعنف بين كونها مثلاً أعلى متعالياً غير قابل للتحقق “يوتوبيا" وبين كونها آلية محايثة ومتطورة للسيطرة توظفها أشكال جديدة من السلطويّة. إن التساؤل الجوهري حول ما إذا كانت الديمقراطية وعداً جديداً أم وسيلة لسيطرة الديكتاتوريات المستحدثة، يضرب في عمق أزمة الشرعية السياسية الراهنة. إنه يفرض مواجهة حتمية بين الوعد "المسيحاني" بالحكم الذاتي، والواقع القاتم للديمقراطيات "المُدارة" أو "غير الليبرالية" التي باتت ترسم التضاريس الجيوسياسية للقرن الحادي والعشرين.

لقد انزاح مسار النظرية الديمقراطية بشكل دراماتيكي من نشوة ما بعد الحرب الباردة التي بشرت بـ "نهاية التاريخ" وعالمية الليبرالية إلى حالة عميقة من الميلانخوليا والشك. نحن نشهد اليوم صعود "الأنظمة الهجينة" حيث لا يتم تفكيك المؤسسات الديمقراطية (الانتخابات، مجالس النواب، الدساتير)، بل يتم تحويلها إلى أسلحة لترسيخ السلطة. وبالتوازي، تخضع الديمقراطية في مجال النظرية النقدية لتدقيق صارم، ليس كنظام معيب يُخفي عمليات رأس المال العالمي في الإدارة البيوسياسية.

لا يكتفي هذا الطرح بفهرسة الانتقادات، بل ينسجها في سردية متماسكة حول "مأزق" الديمقراطية؛ عابراً من "المكان الخالي للسلطة" عند كلود لوفورت، إلى "حالة الاستثناء" لدى جورجيو أغامبن؛ ومن "الديمقراطية القادمة" لجاك دريدا، إلى "السياسات النفسية" لبيونغ تشول هان؛ وصولاً إلى "الاستحالة" البنيوية للدولة في السياق العربي كما نظّر لها وائل حلاق وعزمي بشارة. يُشير التحليل إلى أن الديمقراطية ليست كذبة بسيطة ولا حقيقة خالصة؛ إنها "فارماكون"" دواء وسُمّ في آن واحد؛ أفق للانعتاق وقفص مخملي للاستبداد الجديد.

 أنطولوجيا الفراغ: الديمقراطية كأفق يوتوبي ومستحيل

لفهم الطبيعة اليوتوبية للديمقراطية، يتحتم علينا استجواب وضعها الأنطولوجي، ففي الفلسفة السياسية الحديثة، نادراً ما تُعرَّف الديمقراطية كمجموعة ثابتة من المؤسسات، بل يتم تصورها كاضطراب، أو وعد طيفي، أو فراغ بنيوي يمنع انغلاق النظام الاجتماعي.

المكان الخالي للسلطة: لوفورت واللاحسم الديمقراطي

يُوفر كلود لوفورت القواعد التأسيسية لفهم الهشاشة الديمقراطية، مجادلاً بأن التحول الحاسم للحداثة يكمن في "تجريد" السلطة من التجسد. في النظام القديم، كانت السلطة متجسدة في الشخص المادي للملك، الذي لعب دور الوسيط بين الإلهي والاجتماعي، ضامناً وحدة الجماعة. لم تستبدل الثورة الديمقراطية جسداً بآخر، بل "أذابت" جسد السلطة بالكامل. في الديمقراطية، يصبح موقع السلطة "مكاناً خالياً"؛ لا يمكن لأي فرد أو حزب أن يدعي التطابق الجوهري معه. ورغم أن الشرعية تُستمد من "الشعب"، إلا أن "الشعب" يظل كياناً مجرداً يستحيل تمثيله كلياً. هذا الفراغ الهيكلي هو مصدر الديناميكية اليوتوبية للديمقراطية، ولكنه أيضاً مكمن ضعفها. ولأن مكان السلطة فارغ، فهو مفتوح للتنافس المستمر، مما يجعل الديمقراطية نظاماً "يُمأسس الصراع" ويعترف بالانقسام الرمزي للمجتمع.

ومع ذلك، يحذر لوفورت من أن هذا "اللاحسم" يخلق دواراً أو رعباً من الفراغ. وهنا تنشأ الشمولية كاستجابة لمحاولة "إعادة ملء" المكان الخالي بجسد جديد، الشعب، البروليتاريا، العرق، أو القائد. إذن، الديكتاتوريات الجديدة ليست نقيض الديمقراطية، بل ظلها؛ إنها "ثورة مضادة" تستخدم اللغة الديمقراطية لتدمير اللاحسم الديمقراطي.

معمارية الهيمنة: تحولات السيطرة في عصر ما بعد الحداثة

يفرض السؤال حول الديمقراطية كـ "وسيلة للسيطرة" الانتقال من النظرية المجردة إلى تشريح تقنيات السلطة المعاصرة، حيث تم استيعاب الأشكال الديمقراطية داخل أجهزة هيمنة متطورة.

حالة الاستثناء كنموذج للحكم: جورجيو أغامبن

يقدم أغامبن سرداً مرعباً لكيفية تحول "الديمقراطيات" إلى آلات شمولية دون تغيير دساتيرها. يجادل بأن "حالة الاستثناء" لم تعد إجراءً مؤقتاً، بل النموذج المهيمن للحكم. في هذه الحالة، يُعلّق القانون لـ "حماية" القانون، مما يخلق منطقة "لا-معيارية" تتصرف فيها السلطة بحصانة تجاه "الحياة العارية" للمواطن. اليوم، تُطبّع الأنظمة (الديكتاتورية والليبرالية على حد سواء) هذا التعليق عبر سرديات "الحرب على الإرهاب" أو "الأزمات الاقتصادية". في هذا المنظور، تصبح الديمقراطية "قناعاً" للإدارة البيوسياسية، وتذوب الفوارق بينها وبين الشمولية في "دولة الأمن" حيث الحق الوحيد هو الحق في أن تكون "محمياً" (أي مسيطراً عليك).

التسامح القمعي ووهم الاختيار: ماركوزه وجيجك

كيف يُصنع الإجماع دون عنف؟ يشرح هربرت ماركوزه عبر مفهوم "التسامح القمعي" كيف تُحيّد الديمقراطيات الليبرالية المعارضة عبر التسامح مع كل وجهات النظر، مما يُسطّح النقد الراديكالي ويغرقه في ضجيج "سوق الأفكار". ويذهب سلافوي جيجك أبعد من ذلك، واصفاً الديمقراطية بـ "الصنم" الذي يحفظ تماسك النظام. إنها تقدم "وهم الاختيار" (كوكا كولا مقابل بيبسي) بينما تظل إحداثيات الرأسمالية العالمية غير قابلة للمساس. بالنسبة لجيجك، "الديكتاتورية الجديدة" هي حكم السوق منزوع السياسة الذي يستخدم الطقوس الديمقراطية لمحاكاة الفاعلية.

من البيوبوليتيكا إلى السياسات النفسية: فوكو وهان

تجاوزنا اليوم "مجتمع الانضباط" الفوكوي (السجن، المصنع) إلى "مجتمع الإنجاز" كما يصفه بيونغ تشول هان، والذي تحكمه "السياسات النفسية" في هذا النظام، لا تُكره الذات من قبل "أخ أكبر"، بل تستغل نفسها طواعية واهمةً بأنها حرة. لا تحتاج الديكتاتوريات الجديدة إلى التعذيب، بل إلى "الإعجاب" و"المشاركة". من خلال "البيانات الضخمة"، نعري ذواتنا طواعية (الشفافية)، فنتحول إلى كائنات قابلة للحساب. تصبح الديمقراطية، كمداولة جماعية، مستحيلة حين يكون المواطنون رواد أعمال لأنفسهم، معزولين وتحكمهم "الوكزات الخوارزمية".

السياق الفلسفي العربي: دراسة حالة في "الاستحالة"

في العالم العربي، تصطدم "الديمقراطية القادمة" بـ "ديمقراطية البندقية"، مما يجعل الخطاب الفلسفي العربي نقطة مراقبة فريدة لهذه الجدلية.

الدولة المستحيلة (وائل حلاق): يرى حلاق أن الدولة الحديثة غير متوافقة بنيوياً مع الحكم الأخلاقي الإسلامي. فالدولة الحديثة، بمركزتيها واحتكارها للتشريع، "تلتهم" المجال الأخلاقي المجتمعي. لذا، فإن "الديكتاتوريات الجديدة" ليست انحرافاً، بل نتيجة طبيعية لإرادة الدولة الحديثة التي سحقت المجتمع المدني التقليدي.

الانتقال الفاشل (عزمي بشارة): يعزو بشارة تعثر الانتقال الديمقراطي إلى غياب "الثقافة الديمقراطية" لدى النخب وتسيس الهويات (الطائفية). تنجح الأنظمة السلطوية في استخدام "فزاعة" الفوضى لشرعنة عودتها، مصورة الديمقراطية لا كيوتوبيا، بل كديستوبيا تؤدي إلى التفكك.

الديمقراطية كشعار استعماري: يُنظر لخطاب الديمقراطية أحياناً كإملاء استعماري جديد، مما يضع الديموقراطي العربي في "عقدة مزدوجة": الدفاع عن الديمقراطية قد يبدو عمالة، ودعم المقاومة قد يعني الاصطفاف مع الديكتاتورية.

 نحو ديمقراطية راديكالية أو "قوة معطلة

في مواجهة هذا الأفق المسدود، يطرح إرنستو لاكلاو وشانتال موف خيار "الديمقراطية الراديكالية" التي تعترف بالتناقض ولا تسعى لإجماع زائف، بل لتحويل الأعداء إلى "خصوم سياسيين". بينما يقترح أغامبن حلاً أكثر راديكالية يكمن في "القوة المعطلة"؛ أي سحب الموافقة وتعطيل أجهزة السلطة بدلاً من محاولة الاستيلاء عليها.

لقد استوعبت "الديكتاتوريات الجديدة" درس الحداثة جيداً: لا تُلغِ الديمقراطية، بل فرغها من محتواها. استخدم الصندوق لقتل القانون، والسيادة لقتل الحقوق، ووهم الاختيار لإخفاء الخوارزمية. لذا، فإن المهمة الفلسفية اليوم ليست رفض الديمقراطية ولا عبادتها، بل الانخراط في الجهد الشاق لإبقاء "المكان الخالي" للسلطة فارغاً حقاً. الديمقراطية ليست ملاذاً آمناً؛ إنها إبحار خطر في مياه مفتوحة. واليوتوبيا الحقيقية ليست وجهة نهائية، بل هي فعل "الانشقاق" المستمر ضد الليل الزاحف للديكتاتوريات الجديدة.

***

غالب المسعودي

نحن نعاني من هشاشة نفسية؛ بداخلنا فراغ عاطفي وهيجان مشاعر غير طبيعي. نتأثر بكلمة، نبكي بسبب القسوة، ونفرح بالمدح الكاذب. نتصنع القوة ودموعنا تفضحنا، وهي ليست دموع طيبة وإنما تهشم داخلي، رفاهية زائدة وتقديس للأنا. الموازين التي نزن بها علاقاتنا معطلة وغير صحيحة، أصبحنا نقيم الناس حسب نفاقهم، ننخدع بالمظاهر بسرعة لأننا نبحث عمن يكملنا دائماً. هل تعلمون ما هي المشكلة الأساسية؟ هي أننا دائماً نعتبر أنفسنا ناقصين، ننتظر من يفهمنا ونحن نجهل أنفسنا، نعجز عن احتواء أنفسنا وننتظر الاحتواء من خارج ذواتنا.

جيل رقائق الثلج يقتله الحب الكاذب فينتقم ممن حوله. الخيانة اسم لجريمة بشعة نرتكبها في حق أنفسنا؛ لا أحد يخونك لكنك تخون نفسك، لذلك ترى خيانات متتالية عليك ولا ترى الوفاء حولك لأنك لم تتعلمه ولست وفياً لذاتك. قلبك المكسور ليس ذنبه أنه أحب، لا بل ذنبك أنت أنك خدعته وتوهمت أن ذاك الشعور العابر حب. هل تعلمون ما هو الحب؟ سوف أشرحه لكم بحقيقته وليس بخيال مفتعل؛ الحب عبارة عن وهم: شاب يعجب بفتاة لأن جمالها مناسب لذوقه، ثم يبدأ يفكر فيها ليلاً ونهاراً، يغني على هواها ويسهر على طيفها، فتصبح عادة لأنها وصلت للعقل الباطن، والأشياء التي تصل إليه يصبح من الصعب نسيانها أو تغييرها. أي فكرة تكررها على نفسك تصبح عادة ثم تتحول لأسلوب حياة، إذاً فهو ليس حباً، نعم.. حسب علم النفس.

وهذا الانغماس في أوهام العاطفة ليس إلا وجهاً واحداً من وجوه الهشاشة، أما الوجه الآخر فهو تضخيم الألم؛ إذ إننا لا نكتفي بتمجيد الأوهام، بل نبالغ في تصوير أوجاعنا ككوارث وجودية. فلقد ذُكر الحب في القرآن الكريم كضلال: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [يوسف: 30]. حتى في هذا العصر القديم قلن النسوة "إنا لنراها في ضلال مبين". ثم ذُكر على أنه حديث نفس من النفس الأمارة بالسوء: {قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ * وَمَا أُبَرِّئُ نفسي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف: 51-53].

الحب عقاب لذنب، وهو مجرد وساوس من النفس الأمارة بالسوء. هل ما زلتم تفكرون أنه حقيقة؟ بل هو سراب يهلك بسببه كل ظمآن للحياة بعيد عن واحة الإيمان، يتخبط في صحراء الأوهام. أفيقوا يا معشر الشباب، فالله عز وجل ذكر الحب في كتابه أنه ذنب وضلال، وذكر ما هو أعظم وأسمى من الحب: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْواجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]. خلق لكم من أنفسكم؛ إياكم أن تسمحوا لأنفسكم بالانغماس في الضلال فلا تجدون إلا نفوساً ضالة، وتُحرمون من السكن الذي تعمره المودة والرحمة.

مشكلتنا أننا نضخم الألم ونتوقع الكوارث قبل حدوثها، ننتظر النهايات ونحن لم نصنع بدايات من الأساس. كم نحن بائسون! نتحمس لدقائق ونعمل لساعات، ثم عند أول تعثر نبكي لأيام ونشتم أنفسنا ونلوم الحظ ونتهمه بأنه نحس، ونرمي المسؤولية من فوق عاتقنا لعاتق أهلنا ومجتمعنا. نحن لا نتقدم لأننا لا ندرس خطواتنا بقدر ما ندرس محيط الفشل حولنا. نمشي على طريق الأمل لكننا ننظر لليأس متى سيسبق خطواتنا. نتوقع الأسوأ، أو نتوقع أننا أسوأ من أن نحقق حلماً أكبر منا.

نظن في أنفسنا ظن السوء، نستهين بقدراتنا ولا نؤمن بأننا نستطيع، فتكون النتيجة هي الإخفاق أو نجاح عادي بسيط بقدر أفكارنا البسيطة عن قدراتنا. هشاشتنا النفسية جعلت حياتنا هشة وأحلامنا صغيرة وغير مستقرة وأهدافنا متلاشية مع كل صعاب وتحديات. نحن نضعف ولا نقوى لأننا نهرب ولا نواجه، نخاف ولا نغامر، نتقدم ولا نبادر، نراجع ولا نتقدم.

إن لعبنا لدور الضحية هو القيد الذي يمنعنا من النهوض، وخراب أرواحنا لم يأتِ من الخارج، بل من حصوننا التي أهملناها. فنحن لسنا تلك الدموع ولا بحار الأحزان، لسنا مقيدين بكلام الإحباط ولسنا ضعيفين لدرجة أن يحطمنا الإخفاق، لكننا هشّون من الداخل، لم نبنِ بداخلنا حصوناً منيعة تواجه كل تحديات الحياة ولا تتصدع وتدخل مشاعر البؤس من خلالها إلينا. نحن أهملنا بناء ذواتنا من الداخل واشتغلنا ببناء الخارج، فكانت النتيجة هي الانهيار الدائم حتى عند هبوب رياح عادية. تحدثنا عن الأمل ونسينا أنه يحتاج إلى عمل، وتحدثنا عن الإصرار وانسحبنا عند أول عقبة وعند أول جدار.

وإذا كان التوصيف النفسي يشخص لنا العلة، فإن الشفاء الحقيقي يتجاوز حدود الحروف البشرية ليتصل بوحي السماء؛ حيث الترميم اليقيني. فنحن لسنا بحاجة لجلسات نفسية ولا لشخص يفهمنا، ولا نحتاج لحبيب يكملنا ولا علاج يشفينا؛ لأن الداء فينا ودواه أيضاً فينا. يجب أن نبني ما تهدم فينا ونعمر خراب أرواحنا بالعلم الذي يغذي الإيمان واليقين.

لنرسخ بداخلنا الإيمان بالعلم بالقراءة والاطلاع والفهم الصحيح للإسلام ولأركان الإيمان. لنبني ذواتنا بناءً صحيحاً، نحن بحاجة لبداية مباركة من وحي السماء حيث تجد أرواحنا ملاذها ومسكنها من القرآن الكريم: {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رروحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52].

سماه الله روحاً لأنه يحيي الروح ويرمم تشققاتها ويبني ما خربته الحياة فيها. لتبني روحك بناءً صحيحاً وقوياً لا يتزعزع، عليك بالقرآن الكريم؛ اقرأ الأحاديث والتفسير، تعلم السنة واقرأ كل ما يتعلق بالدين لتكون من الراسخين في العلم: {لَّـٰكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} [النساء: 162].

أولئك لم يبنوا فقط، بل إنهم رسخوا بناءهم. من كان الله معه فمن عليه؟ كلنا ضائعون حتى نعود لخالقنا العظيم سبحانه، وكلنا متعبون حتى نرتاح بهدي نبينا صلى الله عليه وسلم ونسير على نهجه وعلى خطى صحابته الكرام. نحن بحاجة للدين وهو ليس بحاجتنا، لكننا بدونه مجرد لا شيء، مخلوقات تسير وتعمل ثم تموت وهكذا. لكن من عرف هدفه وعمل لما خلقه الله له فاز فوزاً عظيماً وربح الدنيا والآخرة. أما من ضاع في الدنيا فلن يجد الأمان إلا عند ربه، مهما بحث لن يجد، وسيبقى يبحث حتى يغرق في التيه ويخسر خسراناً مبيناً.

***

بقلم: فاطمة الدفعي

مؤسسة حرية قلم للإنتاج الفكري

بين الردود على مقال الأسبوع الماضي، ركز اثنان على الجانب الديني للمسألة. وخلاصة رأي الزميلين تتلخص في السؤال التالي: التسامح مع المختلفين دينياً وحتى الملحدين، قد يكون صحيحاً من الناحية العقلائية البحتة، أي أنه يتضمن - ظاهرياً على الأفل - مصلحة عقلائية. لكن الشريعة تدعونا إلى تجنب العلاقة معهم، بل حتى منافرتهم. فماذا نفعل في هذه الحالة: هل نترك الأمر الشرعي وراء ظهورنا، لدواعي المصلحة المادية؟

ولتعزيز الموقف؛ أرسل أحد الزميلين مقالة قديمة، تطرح ما أسماه الكاتب التعايش، بديلاً عن التقارب الديني. وقال الزميل في تعليقه عليها، أن الخيار الصحيح هو التزام اللطف واللين في معاملة المختلفين، مع تذكيرهم باعتراضنا على دينهم وإنكارنا خياراتهم.

وأتذكر نقاشات عديدة في الموضوع، في أوائل القرن الحالي، تبلورت على ضوئها تلك الرؤية، والتي عدّها أصحابها «تنازلاً» كبيراً ينبغي تقديره. والحق أنها كذلك، إذا قايسناها بالرؤية الأكثر تشدداً، التي تدعو إلى مقاطعة أتباع الأديان الأخرى، بل وحتى الإنكار على أصحاب المذاهب الأخرى في الإسلام. ويستدل المتشددون على رأيهم هذا بأن الإسلام قد ألغى ما قبله، فلا يقبل أي دين غيره. إن تطور الإعلام والطباعة في العصر الحاضر، لا يسمح لأحد بادعاء أنه لم يسمع بالدعوة المحمدية، فكل مَن في الأرض اطلع عليها من خلال الكتب والإعلام واللقاء مع المسلمين، وبذلك بلغهم الحق وقامت عليهم الحجة، فما عاد لهم حق في البقاء على طريقة غير الإسلام.

ويهمني هنا إيضاح نقطتين تتعلقان بالمسألة. أولاهما أنني لا أرى العلاقة بين الناس، مسألة عبادية كي يتعلق بها حكم ثابت. بل هي من الأمور الحياتية العادية، التي يعمل فيها الإنسان بمقتضى إملاءات العقل ووجهات المصلحة. وأما الأحكام التي وردت فيها، فتتعلق بظرف خاص، تجري فيه فقط، ولا تجري في غيره. وإغفال هذا القيد تكلف بلا ضرورة، وتعسير على الخلق من دون داعٍ حثيث. نحن نستفيد من النصوص التي تتحدث عن العلاقة مع المخالفين، كمرجع علمي لا كنص ملزم. لأن هذه العلاقة جزء من شبكة التبادلات الاجتماعية السريعة التغير، ولا يمكن ضبطها بحكم واحد، وإنما نتعامل مع كل تطبيق من تطبيقاتها من زاوية المصالح التي يحققها، والقاعدة في أحكام المعاملات، أنها تدور مع المصالح العقلائية الصريحة، فما حقق مصلحة فهو مطلوب، وما قاد إلى مفسدة فهو مردود.

زبدة القول، أن الجواب على سؤال الزميلين عن الأمر الشرعي، هو أن ما نقلاه من أحكام وما تستند إليه من نصوص، خاصة بظرفها وليست عامة لكل زمان ومكان. ولذا؛ لا يصح الاحتجاج بها في الظروف المتغيرة.

النقطة الأخرى تخص مستويات العلاقة بين المختلفين، على مستوى الدين أو المذهب، أو حتى على مستوى القومية والعرق والآيديولوجيا السياسية والطبقة الاجتماعية، وغيرها. ويذكر هنا أربعة مستويات إيجابية، أدناها هو «السماح» للمختلف بالعيش وممارسة طقوسه. ثم يأتي «التعايش»، أي تقبُّل العيش مع المختلفين بالنظر لضرورات الحياة: تحتاج إلى الطبيب المسيحي فتتعايش معه. المستوى الثالث هو العلاقة القائمة على احترام خيارات الآخرين، ومرجعه الإقرار الصريح بحرية الإنسان وكرامته وحقه في اختيار طريقه الدنيوي والأخروي، حتى لو كان باطلاً في نظرنا.

أما المستوى الرابع والأرفع فهو الإيمان الداخلي بأن الحق متعدد، أو أن وجوهه متعددة متنوعة، وأن التنوع أو التعدد سبب لإثراء الحياة المادية والأخلاقية؛ لأنه يوفر تجارب مختلفة ومقاربات متنوعة، ويعزز قدرة الإنسان على النقد والمقارنة. أي أنك تقرّ بحق الآخرين في مخالفتك؛ لأن الاختلاف أصل في الحياة وسبب لإغنائها.

تأمل الآن في التجربة الواقعية للبشر: الذين قبلوا بالمستوى الرابع والذين اكتفوا بالمستوى الأول، أيهما طوَّر حياته وتجربته الروحية والمادية حتى بات مصدراً للمعرفة، وأيهما بقي مستهلكاً لمنتجات الفريق الأول. الدليل واضح كما أظن، فهل تراه؟

***

د. توفيق السيف

 

لم تعد العربية اليوم محصورة في صفحات الجرائد الورقية أو نشرات الأخبار التقليدية، بل انتقلت بقوة إلى فضاءات الإعلام الجديد بكل ما يحمله من سرعة وانتشار وتنوع في المنصات والأشكال. ومع هذا الانتقال، تفجّر سؤال مركزي يفرض نفسه بإلحاح: هل تشهد العربية نهضة حقيقية في الإعلام الجديد، أم أنها تتعرض لتراجع مقلق يهدد مكانتها ووظيفتها الثقافية والمعرفية؟ سؤال لا يمكن الإجابة عنه بإطلاق أو تبسيط، لأن الواقع يكشف عن مسارين متوازيين؛ أحدهما يبشر بالفرص والآخر ينذر بالمخاطر.

لقد أتاح الإعلام الجديد للعربية مساحة غير مسبوقة من الحضور. فالملايين من المستخدمين العرب يكتبون يومياً بالعربية على منصات التواصل الاجتماعي، وينتجون محتوى متنوعاً يشمل الأخبار والرأي والثقافة والترفيه والتعليم. هذا الحضور الكثيف لم يكن متاحاً في الإعلام التقليدي الذي كانت تتحكم فيه مؤسسات محدودة ومعايير تحرير صارمة. اليوم، أصبح أي فرد قادراً على أن يكون منتجاً للنص العربي، وأن يصل بكلماته إلى جمهور واسع عابر للحدود. من هذه الزاوية، تبدو العربية وكأنها استعادت شيئاً من حيويتها الشعبية، وتحررت من النخبوية التي كانت تحاصرها أحياناً.

كما أن الإعلام الجديد أسهم في تجديد أشكال التعبير بالعربية، فظهرت أساليب كتابة أقرب إلى الحياة اليومية وأكثر تفاعلاً مع قضايا الناس. وانتشرت المبادرات الرقمية التي تهدف إلى تبسيط اللغة العربية، أو تعليمها لغير الناطقين بها، أو إعادة تقديمها للأجيال الشابة بوسائل جذابة تعتمد على الصورة والفيديو والإنفوغرافيك. هذا كله يعكس وعياً متزايداً بأن اللغة كائن حي، وأن قدرتها على البقاء مرهونة بقدرتها على التكيف مع التحولات التقنية والثقافية.

غير أن هذه الصورة المضيئة لا تلغي وجهاً آخر أكثر قتامة. فالإعلام الجديد، بما يتسم به من سرعة وتلقائية وغياب الرقابة اللغوية، فتح الباب واسعاً أمام أخطاء لغوية فادحة، وأمام شيوع لغة هجينة تمزج العربية بالعاميات المحلية وبالألفاظ الأجنبية، وأحياناً بالحروف اللاتينية. ومع الوقت، لم تعد هذه الظواهر استثناءً، بل تحولت إلى نمط سائد في كثير من المحتوى الرقمي، حتى في بعض المنصات الإعلامية التي يفترض أنها مهنية.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود العامية أو التنوع اللغوي بحد ذاته، فذلك جزء طبيعي من أي مشهد لغوي حي، وإنما يكمن في تهميش العربية الفصحى وإقصائها من مجالات مؤثرة، أو تقديمها بصورة مشوهة توحي بأنها لغة ثقيلة أو عاجزة عن مواكبة العصر. حين يعتاد المتلقي على نصوص ركيكة وأخطاء متكررة، فإن حسه اللغوي يضعف، وتصبح المعايير الصحيحة غريبة عنه، وهو ما ينعكس سلباً على التعليم والثقافة العامة.

كما أن من تحديات الإعلام الجديد هي هيمنة منطق “الترند” والمحتوى السريع، الذي يفضل الاختصار المخل والتعبير السطحي على العمق والدقة. هذا المنطق لا ينسجم دائماً مع متطلبات اللغة العربية التي تحتاج إلى عناية في الصياغة وضبط في التركيب. ونتيجة لذلك، يميل كثير من صناع المحتوى إلى التضحية بجودة اللغة في سبيل سرعة الانتشار، ما يعمق الفجوة بين العربية بوصفها لغة معرفة، والعربية بوصفها مجرد أداة تواصل عابر.

ولا يمكن إغفال دور المؤسسات الإعلامية الرقمية في هذا السياق. فبعضها أسهم فعلاً في الارتقاء باللغة من خلال الالتزام بالتحرير الجيد والاستعانة بمدققين لغويين وتدريب الصحفيين على الكتابة السليمة في البيئة الرقمية. في المقابل، تخلت مؤسسات أخرى عن هذه المعايير بحجة مواكبة العصر أو جذب الجمهور الشاب، فأسهمت من حيث لا تدري في تكريس صورة سلبية عن العربية، وكأنها عبء يجب التخلص منه لا رصيداً ينبغي الاستثمار فيه.

إن السؤال عن نهضة العربية أو تراجعها في الإعلام الجديد يرتبط أيضاً بالسياسات التعليمية والثقافية الأوسع. فالإعلام لا يعمل في فراغ، بل يتأثر بمستوى تعليم اللغة في المدارس والجامعات، وبمكانتها في سوق العمل، وبالصورة التي تُرسم لها في الوعي الجمعي. فإذا كان الطالب يتخرج وهو يعاني من ضعف في التعبير بالعربية، فمن الطبيعي أن ينعكس ذلك على أدائه الإعلامي الرقمي. وإذا كانت اللغة الأجنبية تُقدَّم دائماً باعتبارها مفتاح النجاح، فيما تُحاصر العربية بخطاب تقليدي جامد، فإن كفة التراجع ستظل راجحة.

ومع ذلك، لا يجوز الاستسلام لنبرة التشاؤم. فالإعلام الجديد، رغم كل سلبياته، يظل فرصة تاريخية لإعادة الاعتبار للعربية إذا أحسن استثماره. هذه الفرصة تكمن في القدرة على الوصول إلى الأجيال الجديدة بلغتهم ووسائطهم المفضلة، وفي إمكان خلق محتوى عربي رقمي عالي الجودة يجمع بين سلامة اللغة وجاذبية الطرح. كما تكمن في تشجيع المبادرات الفردية والجماعية التي تجعل من العربية أداة للإبداع لا مجرد مادة دراسية جامدة.

إن النهضة اللغوية في الإعلام الجديد لا تتحقق بالخطابات الإنشائية أو الدعوات المجردة، بل بعمل تراكمي يشمل التدريب، ووضع معايير مهنية واضحة، ودعم المحتوى الجاد، وتحفيز المبدعين على استخدام العربية بثقة وابتكار. وهي أيضاً مسؤولية مشتركة بين الإعلاميين، والمؤسسات التعليمية، وصناع السياسات الثقافية، بل وحتى الجمهور الذي يملك اليوم سلطة الاختيار والتأثير أكثر من أي وقت مضى.

في المحصلة، يمكن القول إن العربية في الإعلام الجديد تقف عند مفترق طرق. فهي ليست في حالة تراجع حتمي، ولا في نهضة مكتملة الأركان. إنها في مرحلة اختبار حقيقي لقدرتها على الصمود والتجدد في زمن رقمي متسارع. والنتيجة النهائية ستتحدد بقدر ما نمتلك من وعي وإرادة لتحويل هذا الفضاء الجديد من تهديد محتمل إلى فرصة واعدة، تعيد للعربية حضورها الطبيعي كلغة حية قادرة على التعبير عن الإنسان العربي وهمومه وطموحاته في القرن الحادي والعشرين.

***

د. عصام البرّام

في المجتمعات التي تتواطأ مع القبح وتغض الطرف عن جراحها العميقة يصبح الصمت جريمة جماعية والاعتياد على التشوهات خيانة كبرى للإنسان فينا. مجتمع يمر أمام الفقر مرور الكرام. أمام التحرش والاغتصاب ببرود. أمام النفاق والكذب والتطرف بلا مقاومة. لكنه يستشيط غضبا فقط حين يحاول فرد أن يتحرر من قيوده. هو مجتمع لم يكتشف ذاته بعد ولم يدرك أن كل محاولاته لحماية الثابت ليست سوى إعلان صريح عن خوفه من الحرية

هنا كل شيء يغتفر إلا أن تكون نفسك. كل شيء يسمح به إلا أن ترفع رأسك خارج القطيع. إذا جاز لك أن تقتل الحلم باسم العادات فليس لك أن تصنع حلما باسم الفرد. وإذا جاز لهم أن يفرضوا وصاية على روحك فلا يحق لك أن تختار طريقك الخاص. نحن نعيش في بنية اجتماعية ترى في الحرية تهديدا وفي الاختلاف شبهة وفي التفكير المستقل نوعا من الخيانة العظمى

في مجتمع يغفر للفقر أن يستشري وللنفاق أن يزدهر وللتحرش والاغتصاب أن يمر بلا غضب لكنه لا يغفر لامرئ أن يختار ذاته ولا يرحم من يجرؤ على الخروج عن الصف يكون الصمت موتا والتفكير جريمة والاختلاف وصمة.

أيها العالم المزدحم بالأقنعة لقد تعبت من الكذب الجمعي الذي نرتديه باسم الفضيلة ومن عفن القيم التي تحولت إلى أسوار عالية حول العقل. أي عبث أشد من مجتمع يرى في الحر خطرا، وفي المستقل خائنا وفي المختلف عارا؟

أنا أرفض.. أرفض أن أعيش نسخة مشوهة من قطيع يعبد ما ورثه دون أن يفكر.. أرفض أن أصمت كي لا أدان، وأن أنحني كي لا أهان.. أرفض أن أكون ظلا في حياة لم أخترها. في مثل هذا المناخ يصبح العقل المتمرد منفى لصاحبه واللسان الناطق بما يراه القلب عورة يجب سترها. قد تهان لأنك تساءلت قد تسجن لأنك شككت قد تحارب لأنك رفضت الركوع لآلهة الماضي. هكذا يغدو الموروث أقدس من الحقيقة والتابوهات أعلى شأنا من الإنسان.

لكن أي حضارة هذه التي تبنى على قمع السؤال وأي كرامة تبقى لإنسان يجبر على أن يكون نسخة مشوهة من نفسه. الحرية الفردية ليست ترفا فكريا ولا امتيازا ممنوحا إنها حق وجودي لا ينتظر إذنا من أحد. لكل إنسان الحق أن يختار إيمانه أو لا إيمانه أن يشكل هويته كما يشاء أن يعيش صوته الداخلي دون أن تخرسه السياط الاجتماعية ما دام لم يتعد على حرية الآخر ولم يجرح حقه في أن يكون هو الآخر ذاته.

لن أعتذر عن أسئلتي

لن أعتذر عن حقي في الحيرة عن شكي عن اختياري المختلف

لن أعتذر عن حريتي

الحرية ليست ترفا بل شرط الوجود الإنساني

وليس في العالم قيمة أعلى من أن يكون الإنسان ذاته دون إذن دون خوف ودون أن يحني رأسه لأحد

فالحرية في جوهرها ليست معركة ضد أحد بل معركة من أجل الإنسان والإنسان الذي لم يذق طعم حريته الكاملة لن يعرف يوما معنى كرامته الحقيقية

إننا في حاجة إلى ثورة وعي

ثورة تغربل الموروث لا لتجتث الجذور بل لتكشف العفن الذي استوطنها

نحتاج إلى أنسنة القيم قبل تقديسها إلى تحويل الاختلاف من لعنة إلى ثراء وإلى النظر للآخر لا بوصفه تهديدا بل مرآة تظهر اتساع المعنى

 أرفض أن أكون أسيره في زنزانة الأفكار المتوارثة

أرفض أن أركع لمقدسات لا تصون كرامة الإنسان

 أؤمن بمجتمع يعلي من شأن العقل والحرية والتعدد مجتمع يجرؤ على مواجهة نفسه قبل أن يحاكم المختلف عنه مجتمع يتسع لكل  الطوائف الانسانيه

نعم لاجتثاث كل إرث يصنع كراهية كل عادة تشرعن القمع كل فكر يحول التنوع إلى لعنة والاختلاف إلى جريمة

نعم لمجتمع يتسع لكل الألوان يعلو فيه العقل على  النقل  والإنسان على الموروث والكرامة على الخضوع

نعم لهدم كل جدار يحاصر الذات باسم الطاعة

لن أساوم على عقلي.

لن أساوم على حقي في التفكير، في التساؤل، في رفض كل مسلمة لم أجد لها منطق ولا برهان

لن أقبل أن يختزل الإنسان إلى قطيع من الطائعين المقطوعي الألسنة، المستأجرين للعقول

قد يحاربونك باسم الماضي قد يحاكمونك باسم الدين قد ينفونك باسم الجماعة

لكن ما دمت حرا في داخلك فقد ربحت المعركة الأعمق معركة أن تكون أنت.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

إشكالية الحقيقة بين السرد والذاكرة والسلطة

يُعدّ التاريخ من أكثر الحقول المعرفية تعقيدًا، إذ لا يُكتب بمعزل عن الإنسان الذي يصوغه، ولا عن السلطة التي تُوجّه كتابته، ولا عن الذاكرة التي تحفظه أو تعيد تشكيله. فالتاريخ ليس مجرد سجل للوقائع، بل بناء سرديًا تتداخل فيه الرؤية الفكرية للمؤرخ مع السياق الاجتماعي والثقافي والسياسي، مما يجعل الانحياز والتزييف جزءًا من طبيعة الكتابة التاريخية.

تنبثق أزمة مصداقية الرواية التاريخية من تعدد الروايات واختلاف السرديات حول الحدث نفسه. وقد عبّر الشاعر والمفكر العراقي معروف الرصافي عن هذا التشكيك بقوله:

"فما كتبُ التاريخ في كل ما روت

لقرّائها إلا حديثٌ ملفّق"

ويشير هذا إلى أن النقد لا يعني إنكار الماضي، بل معاينة الحاضر المليء بالتناقضات والتزييف، مما يثير التساؤل حول مصداقية ما نُقل عن الأزمنة الغابرة.

كما أن التاريخ يتأثر بالأيديولوجيا والهيمنة، وقد وصف الفيلسوف الفرنسي ڤولتير التاريخ بقوله:

"التاريخ هو افتراء الأحياء على الأموات"

في إشارة واضحة إلى هيمنة الحاضر على الماضي، وإلى دور السلطة والغلبة في صياغة السرديات التاريخية. وفي هذا السياق، يظل المؤرخ يعيد ترتيب الوقائع داخل حبكة سردية تعكس منظوره الفكري وبيئته الثقافية، مما يجعل التاريخ نصًا تأويليًا، لا مرآة شفافة للواقع.

ويمثل التاريخ الشفوي مجالًا غنيًا، لكنه شديد الإشكالية، لاعتماده على الذاكرة الفردية والجماعية، وهي ذاكرة انتقائية قابلة للنسيان والتحوير. الانتقال من الرواية الشفوية إلى التدوين لم يُنهِ التزييف، بل نقله من فضاء الذاكرة إلى فضاء الأرشيف، حيث تخضع الوثيقة نفسها لشروط إنتاجها وحفظها.

ومن منظور مفاهيمي، ليست مفاهيم مثل الدولة، الأمة، والهوية ثابتة، بل هي بناءات تاريخية متغيرة، وإسقاط المعاصر على الماضي يُعدّ شكلًا من أشكال التزييف المعرفي. كما تُظهر الدراسات أن الحقيقة التاريخية نتاج علاقات قوة وخطابات مهيمنة، وليست انعكاسًا مباشرًا للواقع.

انطلاقًا من هشاشة التوثيق وتعدد المصادر واختلاف المناهج، يصبح الاختلاف في تفسير الأحداث التاريخية أمرًا مشروعًا ومنهجيًا، ويؤكد هيغل أن:

"نتعلم من التاريخ أن أحدًا لا يتعلم من التاريخ"

مما يبيّن أن التعصب لرواية واحدة يؤدي غالبًا إلى إعادة إنتاج الأخطاء نفسها بدل فهمها وتجاوزها.

وبهذا يصبح النقد المنهجي والانفتاح على تعدد القراءات شرطًا أساسيًا لتجاوز التزييف وإعادة الاعتبار للتاريخ، باعتباره مجالًا معرفيًا مفتوحًا للتأويل والفهم، وليس أداة لإنتاج اليقينيات المغلقة أو تبرير الهيمنة الفكرية والسياسية. وبهذا، يتحوّل الوعي النقدي من خيار فكري إلى ضرورة معرفية وأخلاقية لفهم الماضي والحاضر، وفك شفرات القوى والسرديات المهيمنة في التاريخ.

***

د. وليد كاصد الزيدي

الصدمة الحضارية وإعادة بناء الوعي

في لحظة تاريخية يهيمن عليها الإحساس بانكسار المعايير الكبرى واهتزاز الأسس التي قامت عليها الحضارات، يجد التفكير الفلسفي نفسه أمام تحدٍّ مزدوج يتمثل في فهم طبيعة الانكسارات الحضارية من جهة، وإعادة ترتيب أدوات الفهم التي يمتلكها الإنسان من جهة أخرى، بما يتيح له التعاطي مع تحولات غير مسبوقة في سرعتها وعمقها وتعقيدها. فالأزمة لم تعد سياقا عابرا للتفكير، بل غدت شرطا مكوِّنا له يفرض على الفلسفة أن تعيد مساءلة ذاتها قبل أن تنشغل بتفسير العالم. ذلك أن الصدمة الحضارية لا يمكن اختزالها في انعكاس مباشر للأزمات السياسية أو الاقتصادية أو التقنية، بل هي حدث وجودي عميق يمسّ بنية الوعي الإنساني في أبعاده المعرفية والقيمية والرمزية، حيث تتزعزع المسلمات وتُستأنف الأسئلة الأولى حول معنى الحياة والحرية والمعرفة وموقع الإنسان في العالم.

تكشف الانكسارات الكبرى كما أشار نيتشه في نقده لانهيار القيم، عن الجوانب المظلمة للحياة، وتضع الإنسان في مواجهة مباشرة مع هشاشته ليس أمام العالم فحسب، بل أمام ذاته وتاريخه وأنماط تفكيره. فالصدمة الحضارية لا تتوقف عند حدود الأزمات الظاهرة، بل تنفذ إلى عمق المعرفة والثقافة، حيث تفقد المفاهيم الموروثة قدرتها على تفسير الواقع المتحوّل. إنها لحظة يلتقي فيها ضجيج التاريخ بقلق الفرد، ويتحوّل فيها الانكسار إلى عنصر بنيوي في تشكّل الوعي نفسه، بحيث لا تعود الأزمة محصورة في المؤسسات أو النظم الاجتماعية، بل تمتد إلى قدرة الإنسان على تصور معانٍ جديدة للعالم. وقد نبّه هربرت ماركوزه إلى أن الأزمة الحقيقية تكمن في تعطّل الخيال النقدي، أي في عجز الوعي عن إعادة إنتاج ذاته خارج القوالب السائدة.

تغدو الصدمة الحضارية اختبارا للعقل قبل أن تكون اختبارا للسياسات أو الاقتصاد، إذ تكشف حدود الفهم السائد وتضع الفكر أمام ضرورة مراجعة أدواته ومفاهيمه. فالإنسان في مواجهة هذه الصدمات لا يعاني فقط من فقدان الاستقرار الخارجي، بل من تآكل داخلي في المعنى، حيث لم تعد الأطر التفسيرية التقليدية قادرة على احتواء التجربة. تصبح الفلسفة مدعوة إلى مراجعة شروط إمكانها ذاتها، بعدما لم يعد في وسعها أن تكتفي بوصفها ممارسة نظرية قائمة على الاستدلال الصوري المجرد، حيث تتحول إلى فعل معرفي مقاوم يسعى إلى حماية القدرة على الفهم من التآكل الذي تُحدثه الوقائع الصادمة والمتسارعة.

لقد بيّن كانط في نقد العقل المحض أن الذات الإنسانية لا تستقبل العالم بوصفه معطى خاما، بل تشارك في بنائه من خلال أطر قبلية تضبط إمكان الإدراك والمعرفة. غير أن زمن الانكسارات الكبرى يعيد وضع هذه الأطر موضع اختبار جذري، كاشفا عن التوتر القائم بين الإدراك التجريدي المنفصل عن كثافة الواقع، والإدراك المتجذر في التجربة الحية وتحولاتها المفاجئة، وبين أدوات فكر استُهلكت تاريخيا وحاجة ملحّة إلى أدوات مفهومية جديدة قادرة على استيعاب اللامتوقع. إذ تنهض الفلسفة بوظيفة مصفاة نقدية دقيقة، تميّز بين الهشيم العابر والقيم الجديرة بالتأمل، وبين الانكسار بوصفه تعطيلاً والإمكان بوصفه أفقا مفتوحا، وبين الصدمة كواقعة صامتة والمعنى كإمكان للفهم والتأويل.

ويقدّم التاريخ نماذج عديدة لصدمات حضارية أجبرت الفكر الإنساني على إعادة ترتيب أدواته. فانهـيار الإمبراطوريات القديمة وتحولات النهضة الأوروبية والثورات الصناعية، ثم الانقلابات التقنية في القرن العشرين، لم تكن مجرد أحداث سياسية أو اقتصادية، بل لحظات كشفت محدودية أنماط التفكير السائدة. لقد أحدث فرويد من خلال اكتشافه للاوعي صدمة حضارية عميقة زعزعت صورة الإنسان عن ذاته، وجعلته يشك في وحدانية وعيه وقدرته على التحكم في دوافعه، فاتحا أفقا جديدا لفهم النفس والمعرفة. وفي السياق ذاته، شدّد سارتر على أن سقوط الموروثات الأخلاقية والاجتماعية لا يعفي الإنسان من المسؤولية، بل يجعل الوعي بالانكسار شرطا للحرية. فالصدمة ليست مجرد انهيار، بل لحظة كشف تفتح إمكان التجديد، حيث يتحول القلق إلى دافع لإعادة بناء الذات والمعنى.

هنا يبرز سؤال ملحّ حول علاقة الفلسفة بالواقع في زمن الانكسارات الكبرى: هل ينبغي للفلسفة أن تكون مجرد انعكاس للأزمات، أم أن دورها الأعمق يكمن في إعادة بناء أدوات الفكر؟ يرى هانس جورج غادامير أن الفهم ليس معطى جاهزا، بل حوارا مستمرا بين النص والزمن والمفسّر، وبين الحدث وأفق التلقي. ولا تُفهم الصدمة الحضارية بوصفها نهاية للمعنى، بل باعتبارها مناسبة لإعادة تشكيل وعي الإنسان وإعادة بناء أفق فهمه للعالم. فالفلسفة لا تواكب الحدث من الخارج، بل تنخرط فيه بوصفها ممارسة نقدية تعيد مساءلة المسلّمات، وتفتح إمكانات جديدة للفهم والتأويل.

الفلسفة في مواجهة الانكسارات الكبرى تواجه مفارقة حادة بين الانجراف نحو اليأس والشك من جهة، وإمكانات التجديد التي يفرضها وعي الإنسان بهشاشته من جهة أخرى. فكما يرى هيغل، لا يسير التاريخ في خط مستقيم، بل يتقدّم عبر أزمات تحمل في طياتها شروط تجاوزها، بحيث لا تكون الانكسارات الكبرى نهاية الوعي، بل لحظات انتقال تفرض إعادة تنظيمه. وفي الاتجاه نفسه، يشير رولان بارت إلى أن المعاني والنصوص قابلة للتمزيق بفعل الأحداث غير المتوقعة، غير أن هذا التمزيق ذاته يفتح أفقا للخلق، حيث تولد أدوات جديدة للتفكير والمعرفة.

وتتخذ الصدمة الحضارية بعدا إضافيا حين تُقارب من زاوية العلاقة بين الفرد والجماعة. فالإنسان المعاصر يعيش في سياق تتفكك فيه الهويات التقليدية وتتآكل القيم الموروثة، فيغدو الفرد شاهدا على انهيارات جماعية، ومطالبا في الوقت نفسه بإعادة بناء تصوّراته عن العالم. وغالبا ما تحاول البنى الاجتماعية والثقافية استعادة توازن قديم، حتى وإن كان وهميا، في حين تفتح الفلسفة أفقا نقديا يسمح بالتفكير في بدائل ممكنة. وتتحول الفلسفة إلى ممارسة تساعد على تحقيق توازن دقيق بين الفرد والجماعة والخوف والإبداع، وبين الانكسار والإمكان.

ولا يمكن فهم الصدمات الحضارية فهما كاملاً دون النظر في علاقتها بالمعرفة والسلطة. فكما بيّن فوكو، لا تنفصل التحولات المعرفية عن علاقات القوة، ولا تكون الصدمات أحداثا عشوائية، بل نتيجة لتفاعلات معقدة بين المؤسسات والأنساق المعرفية والوعي الفردي والجماعي. وتتجسد الفلسفة بوصفها وعيا نقديا يتجاوز الحدث في مظهره، ليفكك تراكمات القوة التي أسهمت في تشكيله، ويعيد التفكير في شروط المعرفة التي تمكّن الإنسان من فهم ذاته ضمن شبكة العلاقات الحضارية.

ويبلغ التفكير الفلسفي في الصدمة الحضارية ذروته حين ينفتح على البعد الوجودي العميق. فقد أشار هايدغر إلى أن الإنسان في لحظات الأزمة الكبرى يواجه «الوجود في ذاته»، أي وعيه المحدود وهشاشته أمام واقع غير متوقع. في هذه اللحظة، لا تعود الفلسفة نشاطا ذهنياً مجردا، بل تتحول إلى تجربة وجودية مباشرة، حيث يصبح السؤال عن المعنى والحقيقة أكثر إلحاحا، ويبرز التوتر الخلّاق بين الانكسار وإمكان إعادة الإبداع.

تتضح العلاقة التلازمية بين الصدمة الحضارية والفلسفة النقدية، فالانكسارات الكبرى بما تنطوي عليه من ألم واغتراب، لا تقتصر على كونها لحظات انهيار، بل تنفتح بوصفها إمكانا لإعادة التفكير في معاني الحياة والحرية والمعرفة. فالفلسفة ليست مجرد تفسير للأحداث، بل ممارسة نقدية وتجربة وجودية يتحول فيها الوعي إلى فعل مساءلة دائم، وتغدو الصدمة نفسها مناسبة لإعادة بناء الفكر والقيم وأفق المعنى. وفي زمن الانكسارات الكبرى تصبح كل لحظة وعي فلسفي تجربة مقاومة، وكل أزمة دعوة لإعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان والعالم والمعرفة والواقع، وبين الانكسار والإمكان، بما يسمح ببناء وعي فلسفي قادر على مواجهة التحولات العميقة بروح نقدية متجددة.

وتفرض الصدمة الحضارية إعادة التفكير في مفهوم العقلانية ذاته. فالعقل الذي صاغته الحداثة الكلاسيكية بوصفه أداة للسيطرة والتنظيم والتنبؤ يجد حدوده واضحة أمام واقع يتسم باللايقين والتعقيد والتسارع. هنا لا يعني نقد العقل التخلي عنه، بل توسيع أفقه وجعله أكثر انفتاحا على التعدد والاختلاف والاحتمال. الفلسفة وهي تعيد مساءلة العقل، تسعى إلى تحريره من أوهام الاكتمال والسيطرة، وتعيد ربطه بالتجربة الحية والأسئلة الوجودية التي لا تختزل في نماذج تفسيرية جاهزة.

وتتضح أيضا هشاشة العلاقة بين المعرفة والحقيقة في زمن هيمنة الصورة وتسارع المعلومة وتكاثر السرديات المتنافسة. فالحقيقة لم تعد تُستقبل بوصفها معطى ثابتا، بل بوصفها بناءً هشا يتعرض باستمرار للتشكيك والتوظيف والتلاعب. في هذا السياق تكتسب الفلسفة دورا مضاعفا، يتمثل في نقد آليات إنتاج المعنى، ومساءلة الحدود الفاصلة بين المعرفة والرأي، وبين الفهم والتضليل.

تظل الفلسفة في زمن الانكسارات الكبرى فعل مقاومة هادئة، وممارسة دائمة لإعادة ترتيب المعنى، واستعادة القدرة على التفكير في عالم لا يكف عن اختبار حدود الإنسان ووعيه. إنها ليست ترفا فكريا بل ضرورة وجودية، تمكّن الإنسان من إعادة بناء علاقته بذاته وبالعالم، ومن تحويل الانكسار إلى أفق للفهم، والصدمة إلى إمكان للتجديد.

***

د. حمزة مولخنيف

العديد من المفكرين تناولوا موضوع " نقد العقل العربي بعمق وإسهاب، وكلمات هؤلاء الكـتاب تأتينا الآن في مرحلةٍ مفصلية من تاريخ الفكر العربي، حيث تتشابك فيها الأمور وتتعقّد، حيث يطفو سؤال الهوية ويتشابك مع سؤال المعرفة، كما ينحرف النقد الثقافي عن مسار الأزمات البنيوية، التي بالأساس يُعاني منها الفكر العربي والعقل العربي منذ بدايات القرن الماضي.

وكلّ المحاولات السابقة للإرتقاء بالفكر العربي، كانت عبارة عن سردٍ وقراءات الأزمة الثقافية، واحداثيات الحداثة، ومحاولة ترميم خريطة الوعي العربي من الداخل.

ولو تناولنا الأمور على حقيقتها ندركُ تماماً أن مشروع النهضة العربية لم يتعثّر بسبب العوامل الخارجية وحسب، بل إن الخلل في آليات إنتاج المعرفة ذاتها لعب دوراً سلبياً كبيراً في هذا المجال.

لذلك حينما نناقش الأفكار علينا مناقشتها من جذورها، ومن البنية العميقة، وليس من مظاهرها بغض النظر إن كانت فكرية أو سياسية أو ثقافية.

وهكذا نستطيع تفكيك تراكمات ترسّبت عبر التاريخ وأصبحت " ذاكرة معرفية مُغلقة "، تفرض نفسها على مسار التفكير بشكلٍ عام، وتُوجّه العلاقة ما بين الذات والماضي والحاضر والحداثة.

المشكلة التي نُعاني منها ليست هي في الأحداث، وإنّما في الذهنية التي تتابع الأحداث، وليست في التراث، بل في الكيفية التي تحوّل بها التراث إلى قيدٍ معرفي، وليست في الغرب، بل في أفكارنا المتوفّرة لدينا والتي مخاوفنا وسردياتنا الهُلامية.

ومن هنا نرى أن أزمة النهضة ليست أزمة أفكار بحدِ ذاتها، بل هي قولاً واحداً أزمة وعي، لذا تأتي ضرورة تحرير العقل العربي في المقام الأول دائماً.

فنحن بأمسِ الحاجةِ إلى تأسيسٍ جديدٍ لمفهوم مسار النهضة بحد ذاتها، وتفتيت المنظومة المُغلقة العصيّة على التغيير.

الوعي العربي مضغوط الآن لا محالة بين الإرث والموروث والذاكرة، وبين الوقت الراهن المُعاش، ونستطيع أن نرى هنا أنّ الذاكرة أو الإرث هي ليست حيادية في سجلّها التاريخي، بل هي تتجاوز الواقع من خلال خيال صورةٍ قد تكون مثالية.

ومع سوء التدبير نرى أن العرب يستعينون بالذاكرة و بالإرث ويسقطونها على حاضرهم، وبذلك يستعصي عليهم فهم واقعهم، لذلك نرى أن الماضي عند العرب يُمثّل سلطة، لها مرجعياتها، وبالامكان الاعتماد والاحتكام إليها، وليست مادة نقدية بالإمكان مساءلتها.

وهنا يكمن الانسلاخ الحقيقي، حيث إن الإرث والذاكرة عبارة عن أمجاد، بينما الواقع متخم بالأزمات المتراكمة المركّبة.

في إطار هذه المعادلة نرى أن الماضي يلعب دوراً ما، وكأنّه يعوّضنا نفسياً عن واقعنا، بعيداً عن الأفق المعرفي، وآفاق موسوعة العقل العربي.

وكأننا ومن خلاله نشعر بالطمأنينة المترافقة مع الاستمرارية، لكن لو تأمّلنا جيداً نرى أن هذا الواقع يفرض علينا قيوداً صلبة كلّما حاولنا التفكير والخروج عن سيطرته، أو مارسنا التفكير النقدي، فكلمنا حاولنا بكل عقلانية قراءة الواقع نصطدم بمرجعياتٍ تراثية وتقول لكَ قف.

لذلك يُصاب التفكير النقدي العربي بشللٍ فعلي يمنعه من الولوج الفعلي والجاد في مجال الحداثة والأسئلة المتراكمة حولها.

ومن هنا نرى أن العقل المنغلق دوماً يتغذى من خلال الذاكرة والتراث والماضي، ماضٍ يُهمّش الواقع، ويُحوّل كلّ الأمور كُلّما اشتدت من خلال فهمه المتواضع إلى ملاذٍ نفسي يعيش حالة التقهقر على الدوام.

والخروج الوحيد من هذه البوتقة يشترط التمكّن من إعادة ترتيب أولويات العلاقة البيانية بين الواقع والذاكرة، كي نستطيع تحرير الذاكرة أو الماضي من واقعه المُنزّه، وتحويله إلى مادةٍ للحوار والنقد والتحليل، بعيداً عن الأحلام المتشبث بها.

لذا أن الوعي العربي يعيش فعلاً حالةً من الانشطار والتمزّق في شكلٍ من أشكال التردّي، وعلى جناحي هذا الانشطار هناك من يعمل على إنتاج هذا الانشطار والتمزق من جديد وبشكلٍ مستمر،

ومن خلال خطابٍ يستبسل في الدفاع عن التراث بوصفه حقيقة فوق الزمان والمكان، ليبقى الماضي شكلٌ من أشكال اليقين الذي يفرض نفسه كخيارٍ وحيدٍ بعيداً عن أي مُساءلة، ومن خلال خطابٍ ينتج ويبتكر خطاباً مختلفاً عبر النقد للفكرِ وللعقل، ويُمارس هذا المنحى بطريقةٍ عقيمة تسقط الماضي بمجمله ويلغيه.

من هنا نرى أن كلا الطرفين مع إختلاف وجهات النظر، يبتعد عن النهج النقدي الحقيقي والفاعل الذي يستدعي بالضرورة شجاعة الفهم والإدراك، وقدرة التفحّص والنقد والتأويل الحكيم.

ونستنتج أن كلاهما ابتعد عن النقد الخلاّق، بل يسعيان من حيث الدراية أو عدمها، في العمل على شلل الوعي، والأخذ به إلى جدالٍ عقيم، حيثُ يتلاشى الأفق العقلاني، وكلاهما يأخذ بالاختلاف إلى ساحةِ المواجهة، وبالنقد إلى تقهقر، وليس إلى معرفةٍ أو نهضة.

مع الأسف لقد ارتدى الوعي العربي وعبر مسيرته التاريخية المليئة بكمٍ من التناقضات والتراكمات الثقافية والفكرية والتاريخية، عباءة نفي الآخر وعلى مختلف الأصعدة، إن كان على الصعيد المذهبي أو القومي أو الديني، أو حتّى على الصعيد الإيديولوجي، وهذا الواقع قد أخذ هذا المنحى بسبب العقل المنغلق والفكر المتقوقع المغلق، الذي يختصر مقولة " نحن الأنقياء وهم الشياطين ".

من خلال هذا التصوّر تتوقّف لغة الحوار، وينعدم فهم الآخر، بل ينتشر مفهوم نفي الآخر، وتنتشر وتتوسع دائرة الإقصاء، لتشمل القريب كما البعيد، ويتلاشى الأفق المنفتح، كما يذوب مفهوم التفاعل والتجديد عند الهوية.

وفي هذه الحالة لا بُدّ من إنتشار الوباء المعرفي ذو الجذور العميقة، وتنعدم الثقة، ويتصاعد الخوف من الأخر المختلف، وبالتالي تتقوقع الهوية لتحمي نفسها ليس إلاّ، حتّى ولو كان الثمن وضع فهم الآخر جانباً.

وأيّاً كانت الأمور، فلا ينبغي أن نُغلق أزماتنا أو نحوّلها إلى شمّاعة الآخر.

فلا بُدّ من بناءِ فضاءٍ رحب، يتميّز بالتعددية والاختلاف كي تُتيح هذا الفضاء للعقل العربي أن يتنفّس بعيداً عن أي سطوةٍ تتحكّم به.

إنّ أزمة الوعي العربي أبداً لا تتمثّل في حداثة الآخر، أو وصول العالم إلى منظوماتٍ معرفية دائمة التجديد، بل في تركيبة عقلٍ لم يستطع أن يتجاوز صدمة النكسة، ولا تلكؤ المشروع القومي، ولا التردد المخيف من التغيير.

لذا إنّ الزمن العربي سيبقى مُنهكاً بالعقبات الداخلية، إن كانت أزمات سياسية، أو تحجّر فكري، وشرخٍ أيديولوجي.

إنّ العقل العربي شئنا أم أبينا يعيش مُفارقاتٍ لا تمس ولا تنتمي إلى الواقع بأية صلة، فهو مُثقلٌ بتراثٍ مُنهك، ويطمح إلى حداثةٍ تفتقد الممارسة النقدية المزدوجة، نقد التراث من جهة، ونقد الحداثة الغربية من جهةٍ أخرى، كي لا نكون أسرى لهذا الطرف أو ذاك، والنهضة القومية بمجملها تتعلق بهذا المنهج، فهي معركةٌ ترتبط بحاضرنا بين وعيٍ يرتبط مع الماضي ويستمد منه إيجابياته، و وعيٍ يطمح نحو أفقٍ واسع لمستقبلٍ أفضل.

إنها قضية تؤرق العقل العربي، والفكر العربي حول نهضتنا، حيثُ أنّ أزمة التعليم منتشرة وسائدة، وغياب العقل النقدي، والاستلاب الثقافي، حتّى وفشل الدولة الوطنية في صناعة أو تأسيس أي مشروع حداثي حكيم ومتماسك، وترسيخه بشكلٍ جذري.

إنّ الفكر الفلسفي يُركّز على أهمية الحوار كوسيلةٍ نشطة للتواصل الإنساني، والتعامل والتفاعل مع كلّ جوانب هذا التواصل، حيثُ أنّ الحوار بحدِ ذاته هو من أساسيات الفلسفة، كوسيلةٍ، ومنهجٍ للتعبير عن الأفكار والمفاهيم المختلفة، كما يؤدي إلى فهمٍ أعمق للموضوعات المطروحة، حيثُ أنّ الحوار بجوهره هو وسيلة للتعلّم والتطوّر الفكري، والسمو بالأفكار بشكلٍ عام.

يبقى الحوار النقدي، بل الحوار الفلسفي النقدي ركيزة أساسية في الفلسفة العربية المعاصرة، فهكذا حوار يُساهم في تحليل وتقييم المفاهيم والأفكار، وتقييم الأطروحات الفلسفية، والكشف عن التأثيرات الثقافية والتاريخية على الفكر الفلسفي العربي.

حيثُ أنّ الحوار الفلسفي، والفكر الفلسفي يلعب دوراً كبيراً وبارزاً في تطوير المجتمع، وقد يؤدي بالضرورة إلى تعزيز أشكال التعايش والتعاون، وبناء أرضيةٍ مشتركة لكافةِ أطياف ومُكوّنات المجتمع، والحفاظ على حقوق الناس ومصالحهم، وتنشيط المشهد الثقافي والفكري.

لذا من الأهمية بمكان تعزيز السُبل التي من شأنها تحرير الفلسفة العربية من قيود التبعية والسلفية، وهذه الأهمية تأتي نظراً لاهتمام الشباب العربي بالتغيير بمجمله، بغضِ النظر إن كان سياسياً أو اجتماعياً أو ثقافياً، نحو الرقي والتطور والسمو للبلاد وللإنسان.

ولا بُدّ لنا إلاّ أن نُعرّج في دراستنا هذه إلى أن اللغة العربية عرفت التأسيس المدرسي الذي تُمثّله مدرسة البصرية من خلال التزامها بالقياس المنطقي في استنباط أحكام النحو، بينما ومن جانبٍ آخر تميّزت مدرسة الكوفة باعتمادها إلى كلام أهل البادية لتأخذ منه قواعدها النحوية، كي تحمي الأصالة في هذه اللغة.

هذا الشكل المعرفي شكّل محور الصراع بين البنية الفكرية البيانية، والبنية الفكرية البرهانية.

وكانت مقاربة الفارابي مناصرة للاشتغال باللغة بمقدار الإقبال على علم المنطق، وهذه المقاربة هي التي حققت التقارب بين العلوم الأصلية والأخرى الدخيلة.

حيث أن العقل البياني يعتمد على التراث الفقهي والأصولي، أمّا العقل البرهاني فهو نموذج للعقلانية البرهانية، آخذين بعين الاعتبار أن العقل البرهاني انطلق من المغرب، مع ابن ماجه، وابن رشد بشكلٍ خاص.

إنّ الانعزال عن الواقع وعن المجتمع وعن التطور والعصر، يؤدّي لا محالة إلى توهّج التراث الذي يُهيمن بانجازاته على حاضر المثقف العربي، وبشكلٍ تلقائي يجرّه إلى الامتثال والقبول بالأمر الواقع طوعاً، والتمتع بإنجازات الماضي والقائمين عليه.

إنّ نواة الإبداع بأحلى صوره تنمو في حياة المثقف، حينها يبدأ التفاعل مع قضايا عصره وعلومه بشكلٍ حكيمٍ ومدروس.

حينها يبدأ هذا التفاعل بعملية نقد الواقع فنّياً وثقافياً ومعرفياً، فتتولّد عند المثقف ذاته عملية الإبداع في توليد المعرفة الجديدة المبدعة وبكلِ سمو.

حيث أنّ المثقف الذي يضع بينه وبين التفاعل الإيجابي حاجزاً، بكلِ تأكيد لا ولن يُباشر بأي فعلٍ له علاقة بالإبداع خلال حياته الثقافية والعلمية، لأن الحواجز والمطبّات حالت بينه وبين الشموخ والإبداع.

إنّ حيوية إثبات الذات عند المثقف في العصر، هي الأساس المعرفي والمادي لعملية الإبداع في كلّ مستوياتها المعرفية.

مع الأسف تقهقر العقل العربي، وضاعت الثوابت مع الوعي الثقافي العربي، وكأن حركة التاريخ توقّفت عندنا، ولم يعد بإمكاننا مواكبته، فهل نستمر على ثوابتنا وقيمنا، أم نرضخ لكل الأجندات الأجنبية، ونتحالف مع الصهيونية لمقاومة العنف والتطرف، وبالتالي تحقيق مصالحها ومخططاتها في الإقليم ؟.

هناك شرخٌ وفصام في شخصية الإنسان العربي، بين تاريخٍ يفرح به، وواقعٍ لا يمكنه التكيّف معه.

ولأن الإنسان العربي استحالت عنده الرؤية العامة لتاريخه وواقعه، وللعالم من حوله، إرتدّ على نفسه، محاولاً حلّ مشاكله، ومقاومة القهر والفقر الذي يعاني منه، ساعياً كي يكون سعيداً لو استطاع تأمين معيشته وإطعام أطفاله وتأمين مسكنه على الأقل.

إنّ سياسة القمع والتهميش التي تُمارسها الأنظمة العربية لعبت دوراً كبيراً في تقزيم الفرد العربي، وفي تغييب الفكر القومي الذي كان يربط الأقطار العربية ببعضها، ويجمع المجتمعات العربية بكلِ ود، ولكن وللأسف أصبحت مجتمعاتنا مضطهدة، والإنسان فيها مُجرد من الحقوق.

هذا الواقع هو الذي زرع ويزرع اليأس في الوعي العربي، ويصيبه بالإحباط والتشاؤم، فقط بالنهج الديمقراطي السوي، والعمل بسياسة التعددية وحقوق الإنسان، وبتحرير العقل والفكر العربي، يمكن أن يُزهر الإبداع والاجتهاد، وإعادة صياغة الحلم العربي.

آخذين بعين الإعتبار بأنه لا يوجد في العالم كلّه وطنٌ شبيه بالوطن العربي يملك كمّاً هائلاً في صنوف الإبداع، إن كان في الشعر أو المسرح، أو الرواية والموسيقى والبناء، وفي مختلف الفنون الأخرى.

صحيح أن هناك معارضات عربية لا تزال تطالب بالخيار الديمقراطي، وتأمين انتخابات نزيهة وحرّة، وتوفير العمل وفق سياسة ومبادئ حقوق الإنسان، وحماية الإعلام والصحافة، وبتر الفساد المتفشي في كل مكان وحيتانه، وصياغة قانون فوق الجميع، والإفراج عن المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، ومواجهة التفتت والتشرذم إن كان على مستوى القطر الواحد، أو على مستوى الأمّة.

كثيرون تحدّثوا وكتبوا حول أزمة الفكر العربي، وأزمة الوعي العربي، وأزمة الواقع العربي المتردي، ويتساءلون عن المشروع القومي العربي، والشعور والانتماء العربي المشترك، وعن الهدف والمصير.

إنّ هذا الواقع بالفعل هو جزء من كل، حيث أن الموقف الحضاري ومن خلال التاريخ، وضع العربي بين الماضي والمستقبل، بين تراثهم وما بعد ذلك، وبشكلٍ أعم أن التاريخ وضعهم على حافة أضلاع هرمٍ ثلاثي، بين تراثهم وتراث غيرهم والواقع العربي، هذا الواقع المنهك بالموروث القديم، والوافد أو الغزو الغربي.

وبنفس الوقت يُعاني العربي من الفقر والكبت والإحباط الناتج عن الأنظمة السياسية وشتّى أنماط السلطة في المجتمع.

وهذا ممّا جعل علاقة العرب مع الآخر علاقة غير سوية، حيث أن الآخر يُبدع ونحن ننقل عنه، والآخر يُنتج ونحن نستهلك، والآخر يفرض علينا ونحن ننفّذ، ويبقى العربي هو التابع والتلميذ الذي لا يشذّ عن طلبات أسياده.

وتكبر الهوّة بيننا وبينهم، ونحن نلهث لا نستطيع اللحاق بهم، حتّى نُصاب بصدمةٍ لا صحوة بعدها، لنصبح بعد ذلك مُجرد قطعةٍ تراثية وأثرية في زاويةٍ صغيرة في متحف التاريخ.

ورغم محاولات حكماء الفكر العربي بمختلف توجهاتهم، إلاّ أنهم لم يتوصّلوا إلى بلورة الوعي التاريخي العربي، الدول بشكلٍ عام ورثت تمزّق دول الخلافة، وبعد الحرب الأولى ورثت تركة العثمانيين والإحتلال الأوروبي، وجاءت بعد ذلك حركات التحرر ومن ثُمّ الاستقلال، وتبقى أي دولةٍ عربية هي وريثة هذا التاريخ، ولا تحمل أي شرعية أخرى.

وأيضاً حينما نفكر بالدولة القومية، نرى أن فكرتها جاءت كردةِ فعل على القوميات الأخرى ليس إلاّ، بعيدة عن جذور متأصّلة في الإنسان العربي.

العرب وفق تاريخهم لم يُمارسوا العداء للحضارات الأخرى، على العكس تماماً نرى أن الجزيرة العربية على سبيل المثال وليس الحصر، كانت منفتحة تماماً أمام الثقافات الأخرى، مثل النصرانية والحبشية واليهودية والفارسية، وكانت وبشكلٍ طبيعي هناك تعددية ثقافية، بعيداً عن أي صدام مع آخر، بل كانت الثقافة العربية هي القاسم المشترك بين الجميع، مثل العادات والتقاليد والقيم.

أمّا الآن ولأن الخوف يسكننا، فإننا فاشلون بأبسط أشكال الإبداع، ولأننا موجودون ضمن محيط فقيرٍ، ويفتقر الدعم، ولذلك فإننا سنبقى في مكاننا جامدون. لأن الإبداع يحتاج إلى دعمٍ معنوي ومادي، ويحتاج إلى مناخٍ ديمقراطي لا يتعامل مع القمع والتهميش، سياسته تقوم على المساواة والتعايش مع كافة مكونات المجتمع.

إن التحجّر والاعتماد على كل ما هو قديم في المناخ الاجتماعي العام، وعدم الاستجابة للعصر الحديث وتغيراته المختلفة، من شأنه وبشكلٍ مباشر بتر كل أشكال الابتكار والإبداع، حيث لا بُدّ من وضع استراتيجيات جديدة ومختلفة، وتوظيف وتحكيم العقل والعلم، والانفتاح وعدم التقوقع، وتوفير رؤية سليمة لنا ولغيرنا الآخر، بعيدة كل البعد عن التطرف أو التعصّب العرقي أو المذهبي، ولا بُدّ من المرونة والسلاسة لتأمين المسار السليم.

كي يستطيع الإنسان التعامل معها في الزمن الحديث، لضمان الوعي الفكري، والوعي النقدي في أبهى صوره.

والجميع يدرك أن الوعي النقدي ليس سلعة مستوردة أو مسبق الصنع، وليس مجرد كلمة عابرة، بل هو درب طويل ومتكامل، وخطواته الأولى هي التساؤل، لأن كل شيء يجب أن يتعرض للسؤال والنقد، بهدف التوصّل لمفهومٍ عميق يُنصف و ينهض بالإنسان وبالمجتمع.

وهنا تتبلور المسؤولية الإنسانية والبعد الأخلاقي، التي تُحافظ على الوعي النقدي وتمنعه من الانزلاق إلى مطبّاتٍ لا تليق بمفهوم المسؤولية، الذي هو أداة بناء بعيداً عن الهدم والفوضى.

وهذه المسؤولية، وهذا البعد الأخلاقي الذي يرتبط بشكلٍ حي بالواقع المُعاش، والذي لا ينبثق من المثاليات العارية، بل يتناول كلّ الظروف التاريخية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية بكلّ جرأةٍ ومصداقية وتفحّص، ويتناول معها كل تساؤل وحوار بدلاً من أن يهمّشها، وبذلك يكون فاعلاً ومنخرطاً في أعماق جذور التاريخ.

وهذا الوعي لا يكتمل إلاّ بالتحرر من كل الأشكال والأمور التي تغلق العقول، وتُقيّد حرية التعبير، والتحرر من كلّ أشكال استلاب السلطة التي تخنق صوت الإنسان، وتُصادر رأيه وحقّه، والتحرر من قيود الماضي حينما تتحوّل إلى جلادٍ يُكبّل حرية التعبير وحرية التفكير، ويمنع الواقع من الإبداع نحو مستقبلٍ منفتح.

نعم بهذه الحالة يُصبح الوعي النقدي مشروع تحررٍ ذو معنى، مشروع يوازن بين المسار والمسؤولية، وبين الواقع والمستقبل، والوفاء للأصول والانفتاح على الآخر، وتجاوز كلّ السلبيات والأخذ بكلّ مسارٍ إيجابي.

لأننا إذا بقينا بعيداً عن مفهوم الوعي النقدي، ونقد الفكر العربي، هذا يعني بأننا سنبقى كما نحن، والمجتمع مُحاصر بدائرةٍ مغلقة، والفقر والتخلف سيعيد إنتاج نفسه، والاستبداد سيبقى يتغذّى على القهر والقمع والخضوع، والثقافة ستبقى تُكرّر نفسها، بدون أي استطاعة على مواجهة التحديات أو التجديد، وبالتالي بدون أي قدرة على صناعة المستقبل.

لذا لا بُدّ من تلازم الوعي النقدي والخطاب الديني، مع ضرورة تحرير الخطاب الديني كي لا يفقد قدرته على أن يكون قوّة بنّاءة، ومن نشر الثقافة العلمية لأنها أداة لفهم العالم، ومن خلق مناخٍ يتلاءم مع الحوار الحر، لأنه يستحيل بناء وعيٍ نقدي حقيقي بدون حرية التعبير، ومن ربط الفكر مع الفعل، ليكون شريكاً أساسياً في التغيير، وفاعلاً في رسم الخط البياني للمستقبل.

وبهذه الحالة يصبح الوعي النقدي مشروع حضاري متكامل، ويؤسّس لمجتمعٍ أكثر حرية وعدلاً وحيوية وإبداعاً.

أي عملية بناء يجب أن تُكلّل بالمسؤولية، ولكي تكون المسؤولية مثالاً يُحتذى به، يجب أن تتحلّى بالنقاء والمسار الأخلاقي، كي يكون المرء مسؤولاً أخلاقياً عن أي شيء يُعتبر مرفوضاً عند الآخرين.

فالمسؤولية هنا فصيلٌ أساسي من تكوين النفس البشرية، ولكي أكون مسؤولاً عن عملٍ قمت به، يجب أن أتحلّى بالوعي والإدراك لما قمت به، بمعنى أن المسؤولية هنا ترتبط ارتباطاً مباشراً بالوعي، ومن خلال هذا الوعي نستطيع أن نُقيّم الفعل، حينها نستطيع أن نقول أن هذه المسؤولية هي نظيفة أخلاقياً، بمعنى أنها تخلو من المحسوبيات أو الأنانية والمكاسب الشخصية.

بينما في عالمنا العربي ينتشر مفهوم المسؤولية في كلّ مكان، لكنها مسؤولية مليئة بالفساد والانتهازية والبيروقراطية، بغض النظر إن كانت هذه المسؤولية هي سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية وثقافية.

مع الأسف إن مجتمعنا العربي عارٍ عن أي مفهومٍ للوعي السياسي أو الثقافي أو الديني والاجتماعي، لذلك من الطبيعي أن نرى كلّ سلبيات الحياة تُعشّعش في أركان المؤسسات بمجملها وعلى اختلاف مهامها.

وسيظل الإنسان العربي يُعاني ما دامت نظافة المسؤولية خالية من السلوك الشخصي الأخلاقي المُمارس.

الجميع يدرك ويتابع بأن هناك ثمة مخاطر عديدة داخلية وخارجية تُهدد الواقع العربي، وتُهدد أي مشروعٍ عربي مستقبلي، ومن الطبيعي أن يتصدّى لهكذا مخاطر وفي المقام الأول المفكرون والمثقفون العرب، وأن يُمارسوا دورهم التوعوي وأن يتحمّلوا مسؤولية النهوض بالأوطان وبالأمّة والإنسان العربي.

ولكن مع الأسف هذا لم يتوفر في الميدان في وقتنا الراهن، وعندما نتساءل، تأتينا الردود بأن المسؤولية الاجتماعية لدينا مبتورة، لأن الوعي الأخلاقي مُشوّه.

حيث أن الوعي الأخلاقي مُتلازمٌ مع المسؤولية الاجتماعية، بهدف تحسين حياة الأفراد في المجتمع، والسمو بقيم الإنسان لأنه واجهة أساسية لها، وتضعه في محور اهتماماتها وفي المقام الأول، بحيث يكون الوعي الأخلاقي والمسؤولية الاجتماعية وتحسين شتّى مناحي الحياة، والدفاع عن قيم الوطن وسيادته وعن الإنسان، ضمن علاقةٍ قوية ومتماسكة ومتلازمة.

إنّ محاربة الفقر والقمع، وتحسين المستوى المعيشي للمواطن وتحسين كافة أنواع الخدمات للإنسان الفرد، وخلق فرص عمل، والعمل على تعظيم الأثر الإيجابي، وبتر التأثيرات السلبية قدر الإمكان بالمجتمع. جميعها تُعتبر من أولويات المسؤولية الاجتماعية، التي يجب أن يترافق معها الوعي الأخلاقي، الذي يلتزم بالضرورة بمعايير شتى، تُحدد ما هو عادل، وما هو سليم، ويلتزم بالنزاهة والكرامة والثقة، والعدل مع الآخرين، والسلوك الأخلاقي، والسعي المستمر لتطوير الذات أخلاقياً، ومساعدة الشباب لتحويل أفكارهم الإبداعية إلى واقع.

وبدون هذا الوعي، فإننا نفتقد معنى المسؤولية الاجتماعية قولاً واحداً.

الفيلسوف " إريك فايل " وحول العقل هو أساس الوعي الأخلاقي، يقول:

" إن العقل هو أساس الوعي الأخلاقي، فمتى إنحاز الإنسان إلى العقل، يكون بذلك قد أسّس للواجب الأخلاقي، وإتخاذ موقف أو الميل إلى رأي أو تبنّي فكرة وفق مبدأ أخلاقي، هو في جوهره فعلٌ أخلاقي، فالإنسان مدعو إلى تغليب جوانبه العقلية على نزواته وأهوائه الغريزية، وكذلك إعطاء الأولوية للمصلحة العامة والكونية على حساب المصلحة الخاصة، حتى يكون فعله فعلاً أخلاقياً، فعلاقة العقل بالوعي الأخلاقي هي علاقة وجود وتضمّن ".

كُثرٌ هم الذين يُحاولون التهرّب من مسؤولياتهم من خلال تبرير المواقف والأحداث، لأنهم لا يرغبون بتحمّل مسؤولية التغيير، آخذين بعين الاعتبار أن هناك أنظمة دول عربية بمجملها تتهرب من مواقفها ومن مسؤولياتها وتتنصّل من ردودها، من خلال سياسة التبرير، الذي يعتبر وسيلة دفاعية يلجأ إليها الشخص بهدف إيجاد أعذارٍ لتصرفاته أو مشاعره أو أفكاره، بدلاً من مواجهة الأسباب بكلِ جرأةٍ وحكمة، أو الإعتراف بالخطأ.

التبرير هو محاولة لإقناع النفس بأن ما تمّ فعله هو مُبرر، وبالتالي محاولة إقناع الآخرين بذلك.

فعندما نُبرّر أفعالنا نحن بواقع الحال نتجنّب تحمّل المسؤولية ونتائجها، وبالتالي هذا الواقع يمنعنا من التعلّم من أخطائنا، والتطوّر والنمو والتغيير نحو الأفضل، لأن التغيير قولاً واحداً هو تحمّل المسؤولية، والرغبة في التطوّر والتحسّن نحو الأمثل.

كما أن التبرير يتركنا في حالةٍ من الجمود، لأننا غير مُضطرين لمواجهة الواقع بحيثياته، وهذا الواقع يحول بيننا وبين القدرة على التكيّف مع ظروفِ التغيير مع إكتساب مهاراتٍ وإبداعات جديدة ومختلفة، وتوسيع الأفق أمامنا.

إنّ التغيير هو ركنٌ أساسي من السمو الشخصي والرقي، وبدونه نعيق ونحجب أي تقدم لنا، لنبقى في حالة الركود التي تملّكتنا.

فعندما يرتقي المواطن، يرتقي معه المجتمع، والوطن، وترتقي الأمّة بمجملها، حينها تكون حريصة على نهضتها، واستقلالها الوطني والقومي.

كلّ أمّةٍ معرّضة للانتكاسة، في أي لحظةٍ تاريخية من عمرها، فتتلاشى فيها روح الإبداع، وتتوقّف حركتها إلى الأمام، بعد أن كان لها دوراً في صناعة الحضارة بين الأمم، تماماً هذا ما حصل لأمتنا العربية.

ولعل الصدمة المؤلمة التي أصابت الأمة ومشروعها النهضوي هي نكسة 1967، ومن ثمّ جاء احتلال العراق عام 2003، وقبل هذه المنعطفات أو الإنحدار الذي أصاب الأمّة، كانت الأمّة قد مرّت في عدة مشاريع إصلاحية، منها المشروع النهضوي الإصلاحي في القرن التاسع عشر، ومن ثُمّ الفكر القومي المعاصر قبيل منتصف القرن الماضي، ومن ثُم مشروع عبد الناصر القومي في منتصف القرن الماضي، وكان من الطبيعي أن تتطلّع الأمّة إلى مشروعٍ نهضوي فاعل بعد النكسات التي مرّت بها، كي تُكمل مسيرتها مع حركة التاريخ، وتتعامل مع التطور المعاصر وتحولاته.

لقد تعرّضت المنطقة إلى تداعياتٍ عسكرية وسياسية متكررة، وعكست ظواهر سلبية وخطيرة سياسياً، حيث تلاشت الثوابت والقيم والحقوق، وأصبحت التبعية هي السياسة المعمول بها، لدرجة أن حكّام المنطقة يتم اختيارهم من قوى خارجية، ويتم دعمهم من خلال الكرسي الممنوح لهم والذي تملّكهم، لتمرير أجندات ومصالح دولٍ أجنبية، والتشبث بالكلام المعسول للولايات المتحدة، الذي يروم إلى تدمير وتفتيت المنطقة برمّتها، وإبقاء العدو الصهيوني هو الأقوى في الميدان والمتحكّم بمصيرها، تدمّرت السودان، وليبيا، واليمن والعراق وسورية ولبنان، والمخطط قادم إلى السعودية ومصر والأردن، والحكّام العرب يُدركون الواقع، وينتظرون دورهم بكل غباءٍ أبله.

انتشرت البطالة والفقر، والعنف الاجتماعي والسياسي، والتطرف، وتبعثرت القيم، تفككت الأسرة والنظام التعليمي والتربوي في البلاد، وساد إنعدام الحريات وحقوق الإنسان، وعمّت سياسات التسلّط على الحياة السياسية العربية، وأصبحت قوى الأمن والمخابرات هي المتنفّذة في كلّ شيء حتّى الشؤون العامة، وتم انتهاك الدستور والقانون بعد أن كان فوق الجميع، وأصبح يُداس على أرصفة الطرقات، حتّى الإعلام والصحافة تحوّلت إلى مؤسسات خرساء لا تنطق إلاّ بما يُملى عليها، وتحوّلت الدول إلى مزارع تُعتبر من أملاك الحاكم، مع ضمان التوريث السياسي لأفراد عائلته.

مع الأسف لم يعد هناك على الساحةِ العربية المترامية الأطراف حياة سياسية، حيث تم احتكارها في مراكز القرار، وفي بعض العائلات والطوائف المتنفّذة، وتحوّلت إلى سياسة قمعٍ وتسلط واستبداد.

نعم كانت هناك محاولات في القرن الماضي من أجل النهوض في مشاريع النهضة القومية العربية، إلاّ أنها فشلت، ولكي تستمر هذه المحاولات، علينا أن ندرس جيداً التجارب السابقة تاريخياً، ورفض النظرة التشاؤمية، لنبدأ بمشروعٍ نهضوي جديد يُتابع التجارب السابقة من خلال النقد البنّاء لمجملِ الأسباب أو العوامل التي أدّت إلى إخفاق التجارب السابقة.

ولعلّ من أهم أسباب فشل تجارب النهضة العربية السابقة، هي مجابهة القوى الإمبريالية والصهيونية لهذه التجارب، وتحقيق ضربات عسكرية متلاحقةٍ للإقليم، حرب 1956، حرب 1967، وتحقيق الانفصال بين مصر وسورية عام 1961، ومن الأسباب أيضاً غياب الديمقراطية وبالتالي استبعاد عدة قطاعاتٍ من الشعب للمشاركة السياسية، والعمل على تمجيد الزعيم، وغياب نظام المؤسسات، وارتباط عدد من القوى المضادة مع أمريكا والصهيونية وسواها بهدف الانقضاض على أي مشروعٍ نهضوي، والعمل على التطبيع مع إسرائيل، وتضارب المشروع النهضوي الناصري في المنطقة، ونشوء صراعات بينه وبين قوى الإسلام السياسي من جهة، ومن جهةٍ أخرى مع قوى اليسار، وكان من المفروض أن يتضمّن ويشمل هكذا مشروع تحالف واسع يضم كافة مكوّنات القوى والفعاليات السياسية ذات التمثيل الأصيل.

لذلك نرى أن الصهيونية وأمريكا تتربّص وتترصّد كل المحاولات العربية للنهضة، بهدف إسقاطها قبل أن تنطلق، من خلال كلّ الوسائل المتاحة وأيّاً كانت.

علينا الآن أن لا نيأس، وأن نستفيد من تجاربنا السابقة، وأي مشروعٍ نهضوي قادم تتطلّع إليه الأمّة، علينا أن نرى مستقبلنا بكلِ وضوح من خلاله، وأن نرى دورنا كأمّةٍ لها رصيد تاريخي ويُناسب صورة الأمّة.

نحن ندرك أن الأمّة تعاني من التأخر التاريخي والترهّل الشديد، والتخلف، ورؤيتها مشوّهة، من خلال كل المطبات التي انعكست عليها، وحينما تكون الأمة على هذه الحال، معنى ذلك أنها بأمسّ الحاجة إلى بوصلةٍ سليمةٍ تهتدي إليها وترشدها إلى المسار السليم، نحو مشروع نهضوي شامل واستراتيجي.

وأي مشروع نهضوي تطمح إليه، يجب أن يكون فعلاً كمنظومةٍ متشابكة، من خلال مجموعةٍ من الأهداف المترابطة والتي لا تقبل العزل أو الفصل، والنظر إلى كلّ الأهداف بعينٍ واحدة، بعيداً عن تمييز هدفٍ على آخر.

فهل تستطيع الأمة وقواها السياسية والاجتماعية والثقافية الفاعلة قبول هذا التحدي. إنها معركة مصير، جوهرها تحقيق المشروع النهضوي العربي وأهدافه التاريخية، مستلهمة تراثها الحضاري، وتراكمات التاريخ، والواقع المُعاش، إنها رؤية واضحة تُوضع أمام الأمّة لتحقيق الهدف المنشود.

وأمام الأمّة خيارولا بُدّ منه، عليها أن تنهض وتنفض عنها حالة العجز والتخلف والتقهقر، أو عليها الاستعداد لمزيدٍ من التمزّق والاستعداد لإعلان رحيل الأمّة ومشروعها النهضوي.

إن مشروع النهضة هو واجبٌ وفريضة، وبدون ذلك تردٍ وسقوط إلى أعماق الهاوية، حيث أن المستقبل النهضوي هو الوحيد الذي يحمي الأمّة وجماهيرها الواعية.

إن الفكر العربي وُجد من أجل نصرة المواطن، وتبنّي قضاياه، وهو يعمل بكل السبل المشروعة والمسارات التنموية المتاحة لتجسيد ذلك الالتزام الراسخ والأصيل الذي انطلق من أجله.

علينا أن ندرك ونعي بضرورة نشر فكر المشروع النهضوي القومي العربي بين أوساط الشباب، والتركيز على مفهوم الوعي ومشروع النهضة في كل نشاطات الشباب الذين ننظر إليهم على أنهم الرصيد الأساسي لاستمرار النهج السليم في المستقبل.

إن النهضة العربية لا يمكن أن تبدأ من خلال استعادة الماضي، أو من خلال إلغاء الآخر، فكلاهما مرفوض، والسبيل الوحيد هو العمل على تأسيس وعيٍ نقدي داخلي لديه الحكمة والقدرة الكافية على إعادة صياغة العلاقة بالمعرفة والتاريخ والهوية، وبالتالي إنتاج عقلٍ عربي جديد، يتمتع بالحرية والتجديد، وقادر على مواجهة كل المطبات بوعيٍ عميق، وثقة معرفية محّضة، كي تبقى الثقافة العربية مجالاً واسعاً للحوار والتطور والإبداع، بعيداً كلّ البعد عن أشكال الإقصاء أو الانعزال أو التهميش.

إن المشروع النهضوي العربي ليس هندسة وراثية، بل جملة مواقف واضحة وصادقة، وجهد كبير لمجموعةٍ أقسمت أن تُخلص للإنسان وللوطن وللأمّة.

***

د. أنور ساطع أصفري

في العراق والدول العربية- وربما كل دول العالم الثالث، كل تحرش أو مضايقة للنساء في الفضاء العام، تُلام النساء عليه، في تصور مسبق أن الشارع هو مكان خاص بالرجال، وأن خروج البنت والمرأة اليه، ستكون معرضة للاعتداء، وعليها تحمّل وزر ذلك الخروج..

كيف صار ذلك؟

بما أن الرجل هو الممثل الرسمي للإنسان في عرف هذه المجتمعات، فهو يجب أن يكون المسيطر، وهو من يجب أن يحدد السلطة، ومن يجب أن يكون خاضعا له، ففي مجتمعاتنا المتدينة تدينا ذكوريا، جسد المرأة يُقرأ ك "مشكلة "، فيطلب من المرأة أن تختفي وأن يكون جسدها في مكان مغلق قابل للضبط، بينما يُعفى الجسد الذكوري من المساءلة، فالتحرش والمضايقة هو ليس شهوة ذكورية عارمة غير قابلة للضبط بل هو أداة سيطرة وسلطة لتذكر المرأة بأن المكان ليس لها لتعود الى المكان الذي فيه الخضوع والضبط والمراقبة، كما يرى فوكو ذلك1.

صار الشارع للرجال، ليس لأنهم أصحاب حق بل لأن سلطتهم جعلت وجود المرأة فيه مكلفا نفسيا وأخلاقيا وجسديا.

وهذا هو الامتداد غير المعلن للطاعة، كل رجل في الشارع صار وكيلا رمزيا عن الزوج أو الأب. فصار المجتمع رقيبا على طاعة المرأة، فحين تضايق المرأة في الشارع يتم السؤال: أين أهلها؟ هل خرجت بعلمهم، هل خرجت بإذن؟ وهل التزمت الحدود؟

عند هابرماس2: الفضاء العام مجال للنقاش والحضور والفاعلية ويفترض فاعلين أحرارا متكافئين، بينما فقه الطاعة يفترض رجلا فاعلا وأمرأة مأذونة.

فالمرأة لاتدخل الشارع بوصفها مواطنة بل بوصفها مستثناة مشروطة، تسلب منها الأهلية للمشاركة الفاعلة. فحين يقال للمرأة أن الشارع والفضاءات العامة خطر عليك فهذا اقصاء سياسي ناعم، لأن من لايظهر في الفضاء العام لا يُسمع صوته ولايُحسب رأيه، ولايعترف بوجوده كأنسان كامل، وهو ليس مواطنا كاملا كذلك، فهي موجودة بيلوجيا، وعليها البقاء ضمن هذا الوجود فقط، ولا يحق لها أن تكون حاضرة سياسيا، أي فاعلة ومؤثرة في الحياة العامة فضلا عن الخاصة، وجودها لايتعدى طاعتها وخضوعها الى ما يدار بها حياتها. فعمل فقه الطاعة بوصفه آلية معرفية مؤولة لضبط الجسد الأنثوي في الفضائين العام والخاص، مما يؤدي الى إقصائها من الشارع الذي هو مكان الفعل والتحرر والمشاركة.

فصار الشارع للرجال ليس بنص صريح: أن الشارع حرام على النساء والفتيات، بل عبر ربط الطاعة بحرية الحركة، وربطها هذه الحركة بالأخلاق، وربط الاخلاق بسلامة الرجل لابسلامة المرأة، -فالرجل لابد أن لايثار ولابد أن يحافظ على عرضه هو-، واعفاء الرجل من المسؤولية وتحميل المرأة عبء الوقاية وعدم الخروج للشارع الخطر عليها وعلى عرض الرجل.

***

ا. د. بتول فاروق

.........................

1- أنظر: فوكو، ميشيل، المراقبة والمعاقبة ولادة السجن، ترجمة: د. علي مقلد، مراجعة وتقديم مطاع الصفدي. بيروت، مركز الإنماء القومي، 1990م.

2- أنظر: الفضاء العمومي وعقلنه الفعل التواصلي عند هابرماس، عائشة مذكور، جمال الدين بن سليمان، مجلة المقدمة للعلوم الإنسانية، والاجتماعية، المجلد التاسع، العدد ٢، ديسمبر ٢٠٢٤. ص٢٤٦.

https://asjp.cerist.dz/en/downArticle/662/9/2/263389

حين يقترب الإنسان من تخوم العمر، لا يعود ينشغل بما فعله بقدر انشغاله بما لم يفعله. هناك، في المسافة الفاصلة بين الذاكرة والندم، تنكشف الحقيقة العارية: أن أكثر ما ينهك الروح ليس الخطأ، بل التنازل الطويل عن الذات.

فنادرا ما يبدأ الندم من الخطأ، بل يبدأ من الطاعة. من ذلك الامتثال الهادئ الذي لا يثير الضجيج ولا يترك جروحا مرئية، لكنه ينحت في الداخل فراغا بطيئا. فالإنسان، في كثير من تجاربه، لا يخسر ذاته حين يواجه المجتمع، بل حين يهادنه أكثر مما ينبغي.

هناك، في المنطقة الرمادية بين ما نريده حقا وما يسمح به الآخرون، تتشكل واحدة من أعقد المعضلات الفلسفية: هل نعيش حياتنا أم نؤديها؟

نجيب محفوظ، وهو ينظر إلى حياته من اعلي، لم ير في مسيرته الأدبية ما يستوجب الحسرة، بل توقف عند تلك الأيام التي عاشها تحت وطأة “كلام الناس”، كأن المجتمع كان شريكا خفيا في قراراته، يراقب، يحاكم، ويصوغ الإيقاع الخفي للحياة. لم يندم لأنه أخطأ، بل لأنه أطاع أكثر مما ينبغي.

وتولستوي، وقد وصل للمجد والسلطة والاعتراف العالمي، يصل إلى اعتراف أكثر قسوة: أن العيش من أجل الآخرين قد يتحول، من حيث لا ندري، إلى شكل ناعم من العبودية. أن تتحول الفضيلة إلى سجن، والتضحية إلى محو بطيء للذات. حين قال إنه لم يشعر بالراحة إلا عندما بدأ يعيش لنفسه، لم يكن يدعو إلى أنانية فجة، بل إلى مصالحة عميقة مع الداخل، إلى استرداد الحق الأول: حق الإنسان في أن يكون صادقا مع نفسه.

الفكرة هنا ليست في رفض الآخر، بل في رفض تحويل الآخر إلى مرآة وحيدة نرى أنفسنا فيها. فحين نعيش وفق نظرات الناس، نصبح كائنات مؤجلة، نؤجل رغباتنا، أصواتنا، وحتى أحلامنا، إلى وقت قد لا يأتي أبدا. المجتمع لا يطلب منا أن نموت صراحة، لكنه يربينا على موت بطيء، على حياة مقبولة. لا حقيقية

الفلسفة، منذ سقراط، كانت سؤالا عن الحياة التي تستحق أن تعاش. لا عن الحياة التي ترضي الجميع، ولا التي تنجو من النقد، بل تلك التي تنبع من اختيار حر. وكأن محفوظ وتولستوي، كل بطريقته، يعيدان صياغة السؤال ذاته: ما جدوى حياة نعيشها وفقا لما يجب، لا لما نحب؟ وما قيمة الفضيلة إن كانت ثمنها هو خنق الروح؟

لم يكن اعتراف نجيب محفوظ، ولا انقلاب تولستوي على حياته السابقة، مجرد لحظات شخصية متأخرة، بل كانا كشفا فلسفيا عن ثمن الامتثال الاجتماعي حين يتحول إلى قدر. فكلاهما، من موقع مختلف، أشار إلى حقيقة واحدة: أن العيش وفق توقعات الآخرين قد يمنح القبول، لكنه يسلب المعنى

الإنسان لا يكتشف ذاته في ضجيج الامتثال، بل في لحظات الشجاعة الصامتة، حين يقرر أن يكون كما هو، لا كما يراد له. أن يعيش للآخرين جميل، لكنه يصبح مدمرا حين يكون على حساب الذات. فالعطاء الحقيقي لا يصدر عن كائن مكسور، بل عن ذات مكتملة، أو على الأقل صادقة مع جراحها.

في نهاية العمر، لا يعود الناس مهمين كما نظن. يبهت كلامهم، وتخفت أحكامهم، ويبقى سؤال واحد معلقا في الفراغ: هل عشت حياتك، أم عشت حياة يتوقعها الآخرون منك؟

ذلك السؤال، وحده، هو ما يجعل كلمات محفوظ وتولستوي ليست مجرد اعترافات شخصية، بل وصايا وجودية، تهمس لنا مبكرا بما فهموه متأخرين: لا تؤجل نفسك كثيرا، فالحياة لا تنتظر

في النهاية، لا يحاكمنا التاريخ بقدر ما تحاكمنا ذواتنا. لا يسألنا أحد عن رضا الناس، بل عن صدقنا مع أنفسنا. هناك فقط، يتجلى الندم الحقيقي: أن نكتشف متأخرين أننا كنا غرباء عن حياتنا، وأننا عشنا طويلا كما يجب… لا كما نريد

وفي اللحظة الأخيرة، حين يسقط كل ما هو عارض، ويتبقى الجوهر وحده، يدرك الإنسان أن الخسارة الكبرى لم تكن في الصدام مع العالم، بل في التصالح المفرط معه.

 أن أخطر أشكال الهزيمة هي أن ننجو اجتماعيا ونفشل وجوديا. هناك، حيث لا يعود لكلام الناس وزن، ولا للصور المصقولة معنى، يقف الإنسان وحيدا أمام ذاته ويسأل: أين كنت أنا في كل ما عشته؟

فأسوأ ما قد يحدث للإنسان ليس أن يدان من الناس، بل أن يقف في النهاية شاهدا على غيابه عن نفسه.

لا شيء يثقل الروح مثل حياة لم نخترها، ولا شيء أقسى من وعي متأخر بأننا كنا أوفياء للجميع إلا لأنفسنا.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

جدلية الخلود بين الميتافيزيقا والواقع الموضوعي

معضلة الزمن والبحث عن الخلود

لطالما وقف الإنسان عاجزاً أمام ثنائية الوجود والفناء، محاولاً فك شفرة الزمن الذي يسير باتجاه واحد نحو الموت "الإنتروبيا"، لم يكن الوعي البشري منذ أقدم الحضارات، مستعداً لتقبل فكرة النهاية المطلقة أو العدم الذي يلي انطفاء الوجود. البيولوجي. من هنا، نبعت الحاجة الماسة لصياغة سرديات كبرى تفسر مصير الروح ليس كعزاء نفسي فحسب، بل كنظام كونية تمنح المعنى للمعاناة الأخلاقية والوجودية.

في هذا السياق، برزت نظريتان هيمنتا على الفكر الديني والفلسفي لآلاف السنين:

 تناسخ الأرواح والعود الأبدي. يفترض التناسخ زمناً "لولبياً"، حيث تعود الروح مراراً وتكراراً، لكنها في كل مرة تحمل معها "حمولة" مختلفة من الكارما والخبرات، مما يفتح الباب للتطور أو الانحدار؛ إنه نظام تربوي كوني يهدف في النهاية إلى "الخلاص" من الزمن نفسه. في المقابل، يفترض العود الأبدي - في صورته الرواقية أو النيتشوية الصارمة - زمناً "دائرياً" مغلقاً، حيث يتكرر كل حدث، وكل ألم، وكل فرح، بنفس التفاصيل الدقيقة إلى ما لا نهاية، دون أمل في التغيير، مما يضع الكائن البشري أمام اختبار وجودي هائل لمدى قبوله لمصيره.

يهدف هذا المقال إلى تفكيك هاتين السرديتين من خلال مقاربة فلسفية وموضوعية شاملة، والغوص في البنى الميتافيزيقية للديانات الشرقية، والفكر اليوناني، والتيارات الباطنية، لنصل إلى التفسيرات الوجودية الحديثة، وننتهي بمواجهة هذه الأساطير مع الحقائق العلمية المعاصرة في الكوسمولوجيا، والفيزياء، وعلم النفس العصبي. وننتهي بالسؤال هل هذه الأفكار مجرد "أساطير" لتعطيل رعب التاريخ، أم أنها حدس مبكر بحقائق فيزيائية حول طبيعة الزمن والمادة؟.

 العجلة الشرقية - ميتافيزيقا السامسارا وآليات الكارما

تُعد الديانات الهندية المختبر الأضخم الذي نضجت فيه فكرة التناسخ، حيث تحولت من مجرد اعتقاد فلكلوري إلى قانون كوني صارم يحكم الآلهة والبشر على حد سواء. يرتكز هذا النظام على مفهوم "السامسارا" (Samsara): عجلة الولادة والموت التي لا تتوقف، والتي يُنظر إليها غالباً على أنها عبء ومعاناة يجب التحرر منها، لا نعمة يجب التمسك بها.

الهندوسية: رحلة الأتمان والذاكرة الكونية

في الفلسفة الهندوسية، التناسخ ليس فرضية بل بديهية. الأساس الميتافيزيقي هنا هو وجود "الأتمان"

اتمان وهي الروح الخالدة التي تُعتبر جوهر الفرد، والتي هي في حقيقتها متصلة أو متطابقة مع "البراهمان" (الروح الكونية المطلقة). تكمن المشكلة في "الجهل الذي يجعل الروح تظن أنها منفصلة ومحدودة بجسد مادي، مما يوقعها في شباك الرغبة والفعل.

تطرح الهندوسية إجابة على سؤال "لماذا لا نتذكر حيواتنا السابقة؟". الذاكرة العقلية مرتبطة بالدماغ الفاني الذي يتحلل، لكن "الذاكرة الجوهرية" تكمن في الميول والغرائز. فالطفل المعجزة في الموسيقى، أو الشخص الذي يشعر بنفور غير مبرر من شيء ما، يعبر عن ذاكرة كارمية مكبوتة. يحدث التحرر عندما تدرك الروح حقيقتها المتعالية وتتوقف عن مراكمة كارما جديد.

 البوذية: مفارقة التناسخ بلا روح

تقدم البوذية التحدي الفلسفي الأكبر لنظرية التناسخ التقليدية. رفض بوذا وجود "روح" ثابتة أو جوهر دائم. ومع ذلك، احتفظت البوذية بفكرة الكارما والولادة المتكررة، مما خلق إشكالاً فلسفياً: إذا لم تكن هناك روح، فمن الذي يولد من جديد؟ ترد البوذية بأن "الاستمرارية السببية" لتيار الوعي هي ما ينتقل، كشعلة تنتقل من شمعة إلى أخرى؛ الشعلة الجديدة ليست هي القديمة ولا تختلف عنها تماماً. وبينما تسعى الهندوسية لتوحيد الروح الفردية بالروح الكونية، تسعى البوذية لإطفاء عملية الصيرورة نفسها للوصول إلى "النيرفانا"، وهي حالة انقطاع لتيار الكارما وخروج نهائي من السامسارا.

الإرث اليوناني والباطني - من التطهير إلى العدالة

"الميتيمسايكوسيس" ارتبط بالديانة الأورفية والمدارس الفيثاغورية والأفلاطونية لم يكن التناسخ هنا مجرد تكرار ميكانيكي  بل كان رحلة تطهير أخلاقي.

الأورفية وفيثاغورس: آمن الأورفيون بأن الروح ذات أصل إلهي سُجنت في الجسد نتيجة خطيئة قديمة. وتبنى فيثاغورس هذه الرؤية مضيفاً إليها بعداً رياضياً، حيث ادعى قدرته على تذكر حيواته السابقة.

أفلاطون وأسطورة "إر":

 قدم أفلاطون في كتاب "الجمهورية" واحدة من أقدم النصوص الفلسفية المفصلة عن التناسخ. في "أسطورة إر"، تخضع الأرواح لمحاكمة ثم تختار حياتها القادمة. النقطة الجوهرية هنا هي المسؤولية؛ فالروح التي لم تتطهر بالفلسفة قد تختار حياة طاغية بدافع الجشع، غير مدركة للمصير المأساوي الذي ينتظرها، وبذلك تكون "المسؤولية تقع على المختار، والله بريء منها".

التقمص والعدالة الإلهية:

منطقة الهلال الخصيب، طورت الفرق الباطنية (المتأثرة بالأفلاطونية المحدثة والغنوصية) مفاهيم خاصة للتقمص لتفسير "العدل الإلهي" وتبرير التفاوت في الأقدار الدنيوية.

أسطورة العود الأبدي - رعب التاريخ أم انتصار الحياة؟

على النقيض من التناسخ الذي يفترض "تغيراً" في كل دورة، تطرح نظرية "العود الأبدي" مفهوماً راديكالياً ومرعباً: تكرار الكون والزمن والأحداث بحذافيرها، بلا أدنى تغيير.

الزمن الدائري (ميرسيا إلياد):

 يرى مؤرخ الأديان ميرسيا إلياد أن الإنسان القديم عاش في رعب من "التاريخ" (الأحداث العرضية الخطية). ولمواجهة هذا الرعب، ابتكر "الزمن المقدس" من خلال الطقوس التي تعيد تمثيل لحظة الخلق الأولى، مما يلغي الزمن الخطي ويعيد الإنسان إلى اللحظة الأزلية.

الرواقية (الفيزياء القدرية):

 حولت المدرسة الرواقية العود الأبدي إلى نظرية فيزيائية. يمر الكون بدورة حياة ("السنة العظمى") تنتهي بحدث كوني هائل هو "الإكبيروسيس")) أو الاحتراق العظيم. وبما أن "اللوغوس" (العقل الكوني) كامل، فإن الدورة القادمة يجب أن تكون مطابقة تماماً للدورة السابقة؛ لأن أي تغيير يعني الانحراف عن الكمال.

نيتشه (الاختبار الوجودي):

 نقل فريدريك نيتشه المفهوم من الفيزياء إلى الأخلاق. في كتابه العلم المرح، يطرح تجربة "الشيطان" الفكرية: ماذا لو عشت حياتك هذه مرة أخرى ومرات لا تحصى؟ بالنسبة لنيتشه، هذا هو الاختبار الأقصى لقيمة الحياة وقهر العدمية. إذا كنت تعشق حياتك، فالتكرار هو الخلود المنشود.

نقد هايدغر ودولوز: رأى هايدغر في فكرة نيتشه محاولة لمصادرة "الصيرورة" وتحويلها إلى "كينونة" ثابتة، وهي قمة "إرادة القوة". بينما يرى جيل دولوز أن العود الأبدي "انتقائي"؛ فما يعود هو فقط ما هو قوي ومؤكد للحياة.

الواقع الموضوعي - العلم يواجه الأسطورة

هل تبقى هذه النظريات حبيسة الفلسفة، أم أن العلم الحديث يقدم مقاربات موازية؟

 الكوسمولوجيا والفيزياء: دورات الكون

أثبت هنري بوانكاريه رياضياً أن أي نظام ديناميكي مغلق ومحدود سيعود حتماً إلى حالة قريبة جداً من حالته الابتدائية بعد زمن طويل جداً. نظرياً، يعني هذا تكراراً فيزيائياً للأحداث، لكن توسع الكون المتسارع قد يحول دون ذلك في كوننا الحالي.

الكوسمولوجيا الدورية الامتثالية (CCC): يقترح الفيزيائي روجر بنروز نموذجاً دورياً يتجاوز مشكلة التوسع. يفترض أن الكون يمر بـ "دهورلا نهائية. عند النهاية الباردة للكون، تفقد الجسيمات كتلتها ويصبح الكون مجرد إشعاع، مما يجعله رياضياً مطابقاً للحظة الانفجار العظيم لكون جديد. ويدعي بنروز وجود "نقاط هوكينغ" في إشعاع الخلفية الكوني كآثار لثقوب سوداء من الكون السابق.

الكون الإكبيروتي مستوحى من نظرية الأوتار، يقترح هذا النموذج أن الانفجار العظيم ناتج عن تصادم دوري بين "غشائين" في بُعد خامس، مما يخلق سلسلة لا نهائية من الأكوان. استعارة المصطلح الرواقي "إكبيروتي" تظهر التلاقح المذهل بين الفيزياء الحديثة والميتافيزيقا القديمة.

 علم النفس والذاكرة

التفسير العصبي (الديجا فو): يرى العلماء أن شعور "سبق الرؤية" ناتج عن خلل في التزامن العصبي أو معالجة الذاكرة، وليس استعادة لحياة سابقة.

في اللاوعي الجمعي -كارل يونغ: اقترح يونغ أن "التناسخ" قد يكون تعبيراً عن "الأنماط الأولية "نكرر" حياة الأسلاف نفسياً خلال عيش نفس التجارب والرموز الإنسانية المشتركة.

 بين قدرية التكرار وحرية التطور

بعد هذا الطواف بين أروقة المعابد ومختبرات الفيزياء، يمكننا استخلاص مقاربة فلسفية. إن نظريتي التناسخ والعود الأبدي ليستا مجرد خرافات، بل هما "حدس" بشري عميق بطبيعة الواقع.

علمياً، يبدو أن الكون يجمع بين الاثنين، فهو يعيد تدوير المادة (عود أبدي للمادة) لكنه ينتج أشكالاً ووعياً متجدداً (تطور لولبي). كما يقترح فلاسفة الصيرورة مثل وايتهيد، الزمن يتضمن تكراراً للماضي لكنه يضيف دائماً "الجدة الإبداعية". في النهاية، وسواء كنا نعيش مرة واحدة أو مرات لا تحصى، تظل الرسالة الفلسفية الأعمق هي تلك التي تلتقي فيها البوذية مع نيتشه: "عش هذه اللحظة بوعي وكثافة، بحيث تكون جديراً بأن تُخلد".

***

غالب المسعودي

.......................

المراجع والمصادر

المصادر الفلسفية والعلمية الأساسية

Plato. The Republic. (Book X, The Myth of Er).

Nietzsche, Friedrich. The Gay Science. (Section 341).

Eliade, Mircea. The Myth of the Eternal Return: Cosmos and History. Princeton University Press.

Penrose, Roger. "Cycles of Time: An Extraordinary New View of the Universe." (“Cycles of Time: An Extraordinary New View of the Universe”) The Bodley Head.

Steinhardt, P. J., & Turok, N. Endless Universe: Beyond the Big Bang. Doubleday.

لاريب أن ظاهرة العنف بكل مستوياتها، نتاج عوامل وأسباب عديدة.. ولا يمكن إدانة العنف لإنهائها، إلا بإعطاء تفسير علمي واجتماعي دقيق وواقعي، لطبيعة العوامل والأسباب التي تشكل بشكل مباشر ظاهرة العنف بكل مستوياتها..

وحين التأمل في طبيعة وخيارات الثقافة السياسية السائدة في المنطقة العربية، ندرك أن هذه الثقافة وخياراتها وطبيعة نظرتها للسلطة السياسية ودور قوى المجتمع وتعبيراته المتنوعة، هو أحد العوامل الأساسية لإنتاج ظاهرة العنف.. بمعنى أن السياسة كممارسة وخيارات، هي على المستوى المبدئي القادرة على تفكيك موجبات العنف، وهي القادرة على معالجة الملفات الشائكة في أي بيئة إجتماعية، بعيدا عن خيارات العنف ومتوالياته المباشرة ذات الطبيعة الاستئصالية..

ويبدو أنه بدون تغيير أو تجديد نمط الثقافة السياسية في المنطقة العربية، لن يتمكن العرب الانعتاق من ظاهرة العنف.. وثمة أسباب عديدة لهذه المسألة، إلا أن من أهم هذه الأسباب النقاط التالية:

1. السياسية ممارسة وحشية أم مدنية:

لو تأملنا قليلا في طبيعة ومعنى السياسة في المنطقة العربية، لوجدنا أن هذا المعنى ولوازمه العملية، هو الذي يساهم في إنتاج ظاهرة العنف.. وإن هذا المعنى غير قادر على معالجة هذه الظاهرة، وإن الممارسات السياسية المتبعة تساهم في تأجيج كل العوامل المفضية إلى العنف الرمزي أو المادي..

فالسياسة في أغلب دول المنطقة العربية، لا تمارس بوصفها حقلا مدنيا وبعيدا عن أحن التاريخ والنزعات الأيدلوجية الصارخة.. وإنما تمارس وكأنها حقلا وحشيا، لذلك فإنها تتوسل بوسائل غير مدنية لإدارة مصالحها أو منع تجاوزها.. لذلك تغيب من أغلب المجتمعات العربية فكرة التنافس السياسي السلمي والبعيد عن نزعات الخصومة والعداء..

ووفق هذه الممارسة نتمكن من القول أن الممارسة السياسية في أغلب دول العالم العربي، تساهم في إنتاج ظاهرة العنف بالمستويين الرمزي والمادي.. وإنه مادام التعامل مع السياسة بعيدا عن مقتضيات المدنية والسلمية فإنها لا تنتج إلا العنف.. ولن نتمكن من إنهاء هذه الظاهرة الخطيرة على الممارسة السياسية وكذلك على المجتمع بكل دوائره ومستوياته، إلا بتأسيس الممارسة السياسية والتنافس السياسي بين التعبيرات والمكونات السياسية على قاعدة أن هذه الممارسة تجري في سياق النشاط المدني والذي يدير كل الممارسات السياسية بعيدا عن نزعات الإلغاء والاقصاء والتوحش..

ولو تأملنا في البواكير الأولى لنشوء ظاهرة العنف في المنطقة العربية، لوجدنا أن الحاضنة الأساسية والفعلية لهذه البواكير، هي نزعات التوحش في الممارسة السياسية والتي حولت البعض من موقع من يطمح إلى خدمة مجتمعه وأمته وانطلاقا من النشاط السياسي– المدني، إلى اللجوء إلى العنف كردة فعل على ما تعرض إليه من عنف نفسي وجسدي، انهى من تفكيره إمكانية العمل السياسي من دون دفع الفاتورة العالية لهذه الممارسة..

وستبقى السياسة وممارساتها من أهم الحواضن المساهمة والمنتجة لظاهرة العنف المادي والرمزي.. فتحولت السياسة إلى فضاء لممارسة كل أشكال الخصومة والتوحش، للظفر بالهدف الذي تسعى إليه سواء كنت فردا أو مؤسسة أو دولة.. ويبدو أنه بدون تحويل السياسة من حقل لممارسة كل أشكال التوحش، إلى حقل مدني تمارس فيه السياسة بوسائل تنافسية سلمية، وتتوسل في كل أهدافها وغاياتها بوسائل سلمية وبعيدة كل البعد عن العنف الرمزي أو المادي، لن تتمكن المجتمعات العربية من معالجة ظاهرة العنف السياسي..

فالسياسة ليست حقلا للقتل والاغتيال أو ممارسة العنف المادي للوصول إلى الأهداف السياسية.. فالسياسة كممارسة تدبيريه في المجتمعات، هي بمثابة فن صناعة الخير العام.. ولا يمكن أن يصنع الخير العام في أي بيئة اجتماعية بوسائل عنفية وقسرية.. وإنما يتحقق مفهوم صناعة الخير العام، كلما تلتزم السياسة فكرا وممارسة بالثقافة المدنية ومقتضياتها القانونية والدستورية والثقافية..

ونحسب أن من مآزق العالم العربي الراهنة، هو التعامل مع السياسة، ليس بوصفها ميدانا للتنافس المدني والذي لا يتعدى حدود المدنية والإنسانية، وإنما بوصفها حقلا للتوحش وممارسة القوة بعيدا عن العقل والضوابط القانونية والأخلاقية..

لهذا تغيب في العديد من المجتمعات العربية القدرة على التسوية أو الحلول الوسطى، التي تراعي جميع الأطراف، وتعمل على ضمان حق جميع الأطراف..

الممارسة السياسية لا يمكنها أن تحقق انتصارات كاسحة على الطرف أو الأطراف السياسية الأخرى.. ومن يمارسها بعقلية الانتصارات الكاسحة، سيلجأ إلى ممارسة العنف والذي بدوره، سيستدعي عنفا مقابلا.. وبهذا تتحول الطموحات السياسية، إلى عنوان لممارسة العنف في الفضاء الاجتماعي..

2. السياسة كممارسة هي فضاء للتعاون والتحالف والتضامن مع الآخرين، وليست فضاءاً للتناكر والتباعد وغرس الأحقاد بين الناس.. فكل الممارسات السياسية التي تمارس بذهنية التناكر وغرس الأحقاد، ستساهم في إنتاج ظاهرة العنف..

أما الممارسات السياسية التي تمارس بعقلية التعاون والتضامن والتحالف فإنها تعزز الثقافة المدنية والتعامل المدني مع السياسة فكراً وممارسةً...

وعليه فإن الثقافة السياسية التي تغلب قيم التباعد التناكر بين الناس أو أبناء الوطن والمجتمع الواحد، فإن هذه الثقافة السياسية تتحمل مسؤولية مباشرة في إنتاج ظاهرة العنف السياسي..

أما الثقافة السياسية التي تغلب قيم التواصل والتعاون وتنمية المشتركات وتعزز النسيج الاجتماعي وتعمل على زيادة وتيرة التلاقي والتفاهم بين الناس فإنها ثقافة سياسية، تساهم بشكل مباشر في إنتاج الثقافة المدنية وتعزيز الخيار المدني في المجتمع..

وتأسيسا على هذه الرؤية نتمكن القول: أن المنطقة العربية تعاني من أزمات ومشاكل عديدة، وإنه لا يمكن معالجة هذه الأزمات والمشاكل، إلا بتغيير الثقافة السياسية السائدة في المجتمعات العربية..

وبوابة هذا التغيير والتجديد، هو تغيير معنى السياسة والممارسة السياسية.. فالسياسة ليست ممارسة للقهر وزيادة التوترات والمشاكل بين الناس، بل هي ممارسة لزيادة وتيرة التفاهم والتلاقي بين الناس، وتنمية الخير بكل مستوياته في المجتمع.. والاستناد في كل هذه الممارسات على قناعة عميقة وينبغي أن تكون ثابتة في الثقافة السياسية.. ومفادها الجوهري هو أنه كلما تبتعد هذه الثقافة من المعنى المتوحش في ممارسة السياسة، فإن هذا المجتمع سيكون أقرب إلى الصلاح في كل شيء.. أما إذا مورست السياسة بذهنية التوحش فإنها ستكون مصدر للكثير من الشرور في المجتمع..

وخلاصة الأمر: أن إنهاء ظاهرة العنف السياسي من فضائنا العربي، يتطلب العمل على تبديل أسس ومرتكزات الثقافة السياسية، بحيث لا تكون مصدرا لإنتاج العنف بكل مستوياته في المجتمع ..

***

أ. محمد محفوظ

 

مقدمة: الاستعمار الثقافي، أو الإمبريالية الثقافية، هو أحد أبرز الظواهر في دراسات ما بعد الاستعمار، حيث يشير إلى عملية فرض ثقافة دولة مهيمنة على ثقافات أخرى أضعف، سواء عبر الوسائط الإعلامية، التعليم، أو الاقتصاد. هذا المفهوم، الذي بلوره إدوارد سعيد في كتابه "الاستشراق" (1978)، يرى أن الاستعمار لم ينتهِ مع الاستقلال السياسي، بل تحول إلى أشكال ثقافية تستمر في الهيمنة، مستلهماً أفكار ميشيل فوكو حول الخطاب والسلطة. الاستعمار الثقافي يتجاوز الاحتلال العسكري ليصبح "استعماراً إلكترونياً" أو "إعلامياً"، يفرض قيماً ولغة وأنماط حياة غربية، مما يؤدي إلى تآكل الهويات المحلية.

تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف المفهوم تاريخياً ونظرياً، مع التركيز على آلياته في العالم العربي، مستندة إلى نظريات سعيد وفرانز فانون وهربرت شيلر. سنناقش الأمثلة المعاصرة، مثل تأثير هوليوود والعولمة، والمقاومة الممكنة، لنخلص إلى أن الاستعمار الثقافي يمثل امتداداً للاستعمار الجديد، يهدد التنوع الثقافي في عصر الرأسمالية العالمية. فكيف تمثل الغربنة أو الأمركة شكلا من الاستعمار الجديد؟

المفهوم والأصول التاريخية للاستعمار الثقافي

يعرف الاستعمار الثقافي كعملية يفرض فيها مجتمع مهيمن قيمه وتقاليده ولغته على مجتمعات أخرى، غالباً عبر الإعلام والتعليم، ليحافظ على هيمنته الاقتصادية والسياسية. يعود أصله إلى الاستعمار الأوروبي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث كان يُبرر الاحتلال بـ"مهمة التمدين"، كما في حملة نابليون على مصر (1798)، التي جمعت بين العلم والسيطرة. في "الاستشراق"، يصف سعيد كيف صور الغرب الشرق كـ"متخلف" و"غريب" ليبرر هيمنته، مستخدماً ثنائية "نحن/هم" التي تقلل من قيمة الثقافات الأخرى.في السياق الحديث، يرتبط بالإمبريالية الثقافية الأمريكية، كما في نظرية هربرت شيلر عن "الإمبريالية الإعلامية"، حيث تسيطر الولايات المتحدة على تدفق المحتوى العالمي عبر هوليوود وشبكات مثل سي إن إن. هذا يؤدي إلى "تزامن ثقافي" يجعل الثقافة الغربية معياراً عالمياً، مما يمحو الخصوصيات المحلية. كما يرى توماس ماكفيل الاستعمار الإلكتروني كتبعية ناتجة عن استيراد التكنولوجيا والبرمجيات الغربية، التي تحمل قيماً أجنبية.

الآليات والأدوات في الاستعمار الثقافي

تعمل الإمبريالية الثقافية عبر آليات متعددة:

الإعلام والترفيه: انتشار الأفلام الأمريكية والموسيقى الشعبية يروج لنمط حياة فرداني واستهلاكي، كما في انتشار ماكدونالدز كرمز لـ"الأمركة".

اللغة والتعليم: فرض الإنجليزية كلغة عالمية يقلل من اللغات المحلية، مما يؤدي إلى "إزالة لغوية" وفقدان التراث.

الاستشراق كخطاب: يصور سعيد الاستشراق كأداة تنتج "الشرق" ككيان جامد ومتخلف، مما يبرر التدخل.

في العالم العربي، يتجلى في نشر اللغة الفرنسية أو الإنجليزية في التعليم، وانتشار الدراما الغربية التي تروج لقيم فردية على حساب الجماعية. كما يُرى في "الغزو الفكري" الذي يفكك الوحدة الوطنية عبر إثارة الشبهات حول المفاهيم الإسلامية.

التأثيرات على الهوية والمجتمعات المستعمَرة

يؤدي الاستعمار الثقافي إلى تآكل الهوية، حيث يصبح المستعمَر "مغترباً" عن ذاته، كما وصف فانون في "معذبو الأرض". في العالم العربي، يساهم في فقدان الثقة بالتراث، وانتشار الاغتراب الثقافي، مما يعزز التبعية الاقتصادية. أمثلة: تأثير وسائل التواصل في نشر قيم غربية، أو "الأمركة" عبر العلامات التجارية.

ومع ذلك، هناك مقاومة، كما في حركات النهضة العربية أو كتابات نغوغي وا ثيونغو الذي دعا إلى الكتابة باللغات الأصلية. سعيد يدعو إلى "قراءة مقاومة" للنصوص الاستعمارية، لاستعادة الرواية المحلية.

الاستعمار الثقافي في العصر المعاصر: الاستعمار الجديد

في عصر العولمة، يتحول الاستعمار إلى "نيوكولونياليزم" ثقافي، حيث تسيطر الشركات متعددة الجنسيات على الثقافة دون احتلال مباشر. جون توملينسون ينتقد النظرية لتبسيطها، مشيراً إلى "الهجنة" الثقافية التي تولد أشكالاً جديدة. ومع ذلك، يبقى التأثير الأمريكي مهيمناً، كما في انتشار نتفليكس أو تيك توك.في العالم العربي، يُرى كامتداد للاستعمار الفرنسي أو البريطاني، مع محاولات مقاومة عبر إحياء التراث أو الصناعات الثقافية.

خاتمة

الاستعمار الثقافي ليس مجرد ماضٍ استعماري، بل واقع مستمر يهدد التنوع الثقافي، مستخدماً الإعلام والتكنولوجيا للحفاظ على الهيمنة. نظرية سعيد تكشف كيف ترتبط المعرفة بالسلطة، داعية إلى مقاومة فكرية تستعيد الروايات المحلية. في عالم 2026، مع انتشار الذكاء الاصطناعي، يتطلب الأمر وعياً نقدياً للحفاظ على الهويات، نحو عولمة عادلة تحترم الاختلافات الثقافية. هذه الدراسة تؤكد أن مواجهة الاستعمار الثقافي تبدأ بإعادة بناء الذات الحضارية، لتحقيق تحرر حقيقي. فألا يجب مقاومة الاستعمار الجديد بكل الأساليب الممكنة من أجل ضمان حقوق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

الاقتصادي الذي اخترع نظرية التوازن Equilibrium theory رفضها بعد ان خسر 200 مليون دولار. ايرفينغ فيتشر خلق اطارا حديثا لازال الاقتصاديون المعاصرون يقدسونه حتى اليوم. في عام 1907 هو نشر اقتصاد التوازن – الفكرة بان الأسواق بطبيعتها تتحرك نحو توازن مستقر.

في عام 1929 كان فيتشر من أبرز علماء الاقتصاد الأمريكيين. في 15 أكتوبر من نفس العام صرح ان الأسهم "عالية القيمة دائما". نظريته أخبرته ان السوق عقلاني. وبعد أيام من ذلك التصريح حدثت كارثة الثلاثاء الأسود في أسواق الأسهم الامريكية. عندئذ هو خسر كل شيء. ذلك الدمار أجبره على مواجهة الخطأ، في عام 1933 نشر نظرية جديدة ترفض التوازن كليا. كتب فيتشر: "من السخف افتراض التوازن الاقتصادي كما هو الحال في افتراض ان المحيط الأطلسي يخلو من الأمواج". لايزال الاقتصاديون الكلاسيك الجدد في عام 2025 يدرّسون نظرية فيتشر المهملة . هم أخطأوا فهم الكساد الكبير، ثم أعادوا بناء نفس الاطار وأخطأوا فهم أزمة عام 2008. وحتى الان لازالوا ينصحون الطلاب بتجاهل الانتقادات ضد التوازن.

ماهي فكرة التوازن؟

 يصف الاقتصاديون حالة التوازن بالموقف الذي يتساوى فيه الطلب مع العرض. الطلب عموما يتناقص عندما ترتفع الأسعار، بينما يميل المزيد من المجهزين للدخول الى السوق عندما يرتفع السعر. التوازن السعري يُفترض ان يكون عند السعر الذي يتطابق فيه العرض تماما مع الطلب. الناس يستعملون أفكار التوازن لإشتقاق معادلات تسعى لوصف الكيفية التي يعمل بها الاقتصاد. ان المشكلة هي ان فكرة التوازن ليست اكثر من تجريد نظري خالص ولن يحدث ابدا في الاقتصادات الواقعية. الاقتصاد الواقعي يتميز بالحركة. لا وجود لأي نقطة عندها يتساوى الطلب مع العرض. الطلب يتغير من لحظة الى أخرى وكذلك العرض. هناك أعداد لامتناهية من الأفعال الاقتصادية تحدث في كل لحظة لأن المستهلكين يغيرون مواقفهم حول سلع معينة في السوق، والمنتجون أيضا يقررون ان رغبوا بطرح المزيد من السلع في السوق. لا توجد أية نقطة يتوقف عندها الاقتصاد ويسمح لإختبار نفسه. دراسة الاقتصاد في لحظة جامدة يشبه محاولة دراسة جسم انسان بلا حركة. الجسم يتحرك باستمرار، يأخذ الهواء الى الداخل ويدفعه نحو الخارج، الدم يتدفق خلال الاوردة والشرايين، ويغذي الخلايا العصبية. في دراستنا للجسم وهو ساكن نسيء فهم جوهر الموضوع، وهي حركته. حتى عندما يكون الجسم مستقرا هو لايزال يمارس الحركة لأن المعلومات تنتقل بين خلايا الدماغ. الاقتصاد يتصف بتغير مستمر لأنه يستجيب لمدخلات من عدد لا يحصى من الافراد. الناس لا يستجيبون لتوازن اقتصادي مجرد، هم يستجيبون للتغيرات التي تحدث فعلا أمامهم في الاقتصاد الواقعي، وان سلوكهم لا يمكن تجريده ودراسته كما لو كان استجابة لظروف ثابتة.

علماء الاقتصاد القياسي econometricians أجروا محاولات لتجاوز تلك العقبات عبر استعمال مؤشر ستوكاست او نماذج التوازن العام DSGE التي تأخذ في الاعتبار أفضليات المشاركين وتفسير الصدمات العشوائية التي يتعرض لها الاقتصاد. هم يحاولون اتّباع نمذجة ديناميكية، لكنهم واجهوا مشكلة ان الاقتصادات الواقعية تتطور بطرق غير خطية، وان سلوك الناس يتغير استجابة لأحداث لا يمكن التنبؤ بها .

الاقتصاد ليس فيزياء

"الاقتصاد هو حقل تعليم للأوقات الهادئة. اتضح ان المهنة ليس فيها الفهم الواضح لكيفية خروج اللامألوف والشاذ من المألوف وما سيحدث لاحقا، الممارسون للمهنة يشبهون أولئك الذين يتنبؤون بالطقس وهم لا يفهمون العواصف". (ويل هتون، صحفي بريطاني في الاوبزيرفر- لندن).

قبل 37 سنة حذر الاقتصادي والفيلسوف فردريك هايك في (ادّعاءات المعرفة) بانه من السخف الاعتقاد اننا نستطيع صياغة العالم الاقتصادي حولنا عبر تطبيق قوانين مشابهة لقوانين الفيزياء على أنظمة اقتصادية معقدة. تنبؤاتنا ستفشل لأن قوانين الاقتصاد ليست عالمية وانما تعتمد على درس أخلاقي في ترتيب او تنظيم العناصر الفردية للاقتصاد. نحن لا نمتلك قدرة كمية لبلوغ ذلك الموقف. هذا النقد كان بسبب الغرور القاتل الذي اتسم به المخططون المركزيون. الفيزيائي مارك بوكانان Mark Buchanan أشار الى الغرور القاتل للعديد من الاقتصاديين. لاحظ بوكانان ان الاقتصاد عامة والمالية بشكل خاص ارتكزا منذ وقت طويل على أفكار التوازن. هذه الأفكار تؤكد ان الاقتصاد عموما، والأسواق المالية خاصة، تميل بطبيعتها نحو حالة من التوازن. أي اضطراب او صدمة سوف تحفز تغذية او ردود فعل سلبية negative feedbacks تعيد النظام مجددا الى حالة التوازن. التغذية السلبية تشبه قوة الجاذبية على البندول، تؤدي في النهاية الى عودة الوزن المتأرجح الى وضعه في حالة السكون. يصر الاقتصاديون ان الأسواق تعمل بنفس الطريقة.

الاعتقاد بالتوازن يمنح احساسا بالأمان والقدرة على التنبؤ. انه أيضا يعكس الاعتقاد بقدرة المنطق البشري على فهم الأنظمة الطبيعية والتحكم فيها. هذه الافتراضات تقيّد نوع الأشياء التي يمكن للاقتصاديين تصور حدوثها في العالم. قصور الإمكانات هذا يوضح لماذا وصفت لجنة التحقيق في الازمة المالية لعام 2007-2009 الازمة كنتيجة لشيء استثنائي وشاذ. انها لم تأت من العمل الداخلي الطبيعي للأسواق والذي يُفترض دائما ان يبقى في حالة توازن.

الكاتب الأمريكي نسيم طالب Nassim Taleb يتفق مع بوكانان ويضيف، ان الأنظمة المعقدة التي من صنع الانسان تميل لتطوير شلالات وسلاسل هائجة من ردود الأفعال التي تقلل بل وتمنع التنبؤ وتسبب أحداثا ضخمة. لذا فان العالم الحديث قد تزداد فيه المعرفة التكنلوجية لكن من المفارقة انه يجعل الأشياء اكثر غموضا ويصعب التنبؤ بها.

اللاتوازن Disequillbrium كنموذج للأسواق

في أسواق رأس المال، شكّل غياب الوعي الفكري بقوة التغذية الإيجابية نقمة على المستثمرين لقرون. ان فهم واحتضان انظمة اللاتوازن (أنظمة تحافظ على وتيرة الهدوء النسبي، تحجب التشوهات الشديدة التي تنتج في فترات الاضطراب الكبير) يجعلنا أقل خوفا فكريا من قبول الطبيعة الأساسية للتاريخ والتكنلوجيا والجيولوجيا والأبستمولوجيا وكل شيء.

اللاتوازن كان في جوهر الانهيار المفاجئ (2010)، ازمة الرهن العقاري (2008)، انهيار التمويل الكمي (2007)، فشل إدارة رأس المال الطويل الاجل(1998)، وانهيار عام (1987) من بين العديد من الازمات المالية في التاريخ، لم يُذكر أي شيء عن خطر مجهول يلوح في الافق. في مثل هذه الظروف يبرز السؤال اين كانت الحكمة المطلوبة قبل وقت طويل من وقوع الأزمة؟ سؤال الحشود في وسط الأزمة وهم على حق في ذلك لكنهم متأخرين جدا: منْ وأين الحكماء اليوم؟

***

حاتم حميد محسن

في مجرى تقلبات التاريخ الاوسع نجد ان جهود وعطاءات الفنان او الشاعر هدفا للتمجيد والتقديس وتثمين وتدعيم اعمالهم. او على العكس يصرف الناس انظارهم عنها وتهمش وتهمل وربما احيانا تحارب... كل ذلك يتم عن طريق ايدي قوى لا يمكن التنبؤ بها. تلك القوى التي تنحاز الى هذا او ذاك نتيجة لمواقف فكرية او عاطفية او مذهبية. حيث ان هذه القوى لا يمكنها الانصاف في المواقف والاوزان الحقه (ما عدا القليل). ولا تعير اهمية للقيم والمبادئ الانسانية سواء في الثقافة او الفن او السياسة.2254 shamhod

وبالتالي ماذا يكون شأن الفنان الذي ينظر الى عدم التوافق، انه شر؟. ثم يعيش ويعمل في هذا الجو المشحون بالخصومات السياسية والثقافية والتناقضات الاخلاقية. ان الكثير من الشعراء والفنانين هم بطبيعتهم رومانسيون لان حساسيتهم الفائقة لا تستطيع ان تعيش في هكذا لون من الاجواء الملوثة بالتناقضات.. والعمل الفني يحتاج العيش في جو من الحرية والاطلاق الذي لا يجد الفنان نفسه فيه فحسب بل يجد الى جانب ذلك سكينة النفس وبهجتها... ومن ناحية اخرى لا يمكن لشخصين مهما كانا من الدراية والثقافة الفنية ان يتفقا على ماهية الفن ؟. فلا بد ان يكون هناك خلاف في الميل والتذوق تتحكم به عوامل وراثية ونفسية وبيئية. ونحن نعلم ان الفنان يحصل على نغمته وايقاعه من المجتمع الذي هو عضوا فيه فهو يؤثر ويتأثر به لهذا فان الفن العظيم يخرج من من اعماق المشاعر الانسانية ومن اوزانها الحقة.. بعض النقاد يرى ان الفن مقدس وعند الاغريق ان الجمال خير اخلاقي (ان الله جميل يحب الجمال) ولا يمكن تهديمه او تهميشه واهماله وانه ليس من حق الناقد اظهار عيوبه. لان الانسان بطبيعته ناقص فما يصدر منه نسبي وغير كامل (وهذا البحث نجده عند الفلسفة الوجودية) وعليه يجب ان يظهر الجوانب المشرقة في العمل الفني بمفاهيمها الفكرية والتقنوية وحالة الوعي بادراك الواقع المحسوس لدى الفنان.. اما السلبيات فالزمن هو كفيل باصلاحها وحلها.. ولهذا اعتقد انه يجب اكرام ومنح الفنان شهادة شرف ليس لانها عملية تحكيم وتفضيل وانما اكراما لعمله الابداعي المتواصل منذ بداية مسيرته الفنية الى اخر اعماله الموسومة. وتسمى هذه العملية قراءة السياق التاريخي الفني للفنان. وبالتالي اكرامه في حياته خير من اكرامه بعد موته.2256 shamhod

في نظر البعض مثل ابن حيان التوحيدي انه لا يوجد فنان يستطيع ان يعمل جيدا اذا لم يتمتع بحساسية المشاهد او المتفرج بمعنى ان هناك علاقة بين الفنان والمتلقي علاقة نفسية او روحية فاذا كان العمل ابداعيا وجميلا فانه يحدث اتحاد او نوع من الانجذاب بين العمل الفني والمتذوق المتفرج وان النفس تتحد بالاشكال التي في اللوحة فتنزع عنها المادة وتثبتها في ذاتها وتلتحم بها..

وقد وجد الفكر في الاعمال الفنية خير وسيلة لتوضيح ما في دواخل وذهن الفنان من المفاهيم الروحية والاجتماعية وحضورا له فاعليته في الحياة منذ كهوف التاميرا الى اليوم... ويمكن تاسيس ذلك من خلال التجارب الشكلية والفنية والرمزية وهي ركائز يستند لها الفنان بادراك الجوانب الحسية التي تطمان لها النفس...2253 shamhod

ويذكر التوحيدي ايضا في مسألة الحكم على الاعمال وتذوقها انه يتبع الوضع النفسي للانسان، فحينما يكون الانسان في مزاج نفسي غير طبيعي فان الامور يراها متشائمة سوداوية. مثلا لو ان احدا خرج من بيته اوعمله بعد حدوث مشكلة بينه وبين غيره ثم دخل معرضا فنيا لرواد الفن الحديث او الانطباعية، فسوف يرى ذلك المعرض مظلما وغير جميلا والسبب هو ان مزاجه غير طبيعي ونفسيته متعبة.. وبالتالي فالحكم باطل.. ؟. وعلى هيئة التحكيم في المعارض ان تكون منفتحت الاسارير وهاديئة الاعصاب والمزاج.. ولهذا فان المفكر الصوفي العربي ابن حيان التوحيدي يقول ان هناك شروطا للتذوق والحكم منها: (اولا ان يكون المتلقي او المشاهد هادئ المزاج ومنفتح الاسارير ومرتاحا. ثانيا ان تكون عناصر العمل الفني متناغمة ومنسجمة فيما بينها. حين اذن يحدث التذوق...).

***

د. كاظم شمهود

يعيش الواقع العربي اليوم محنة جديدة وخطيرة وتهدد الأمن والاستقرار في جميع دول المنطقة إذ انتقلت الأحداث والتطورات من مرحلة انفجار الهويات الفرعية بكل تضاريسها وزخماتها إلى مرحلة انفجار المجتمعات العربية ودخولها في مرحلة جديدة على مختلف الصعد والمستويات. فالجغرافيا السياسية لدول العالم العربي مهددة بالتغيير ليس لصالح مشروع وحدوي أكبر، وإنما للمزيد من التفتت والتشظي. والخطير في الأمر أن الذي يقود ويصنع هذه التطورات مجموعات إرهابية، عنفية، استئصالية، توظف قيم الدين وشعاراته المتعددة لخدمة مشروعهم التكفيري، النبذي لكل ما عداهم.

وأمام هذه المرحلة الخطيرة التي تعيشها بعض دول العالم العربي، وتهدد بشررها وتأثيراتها استقرار وأمن كل الدول والمنطقة نود التأكيد على النقاط التالية:

1- إن الإرهاب وجماعاته والعنف وأحزابه، ليس هو الطريق السليم لتحسين الأوضاع السياسية أو تغيير المعادلات القائمة. لأن جماعات الإرهاب تقتل وتمارس العنف والإرهاب بدون أفق سياسي. ومن يقبل أن تقوده هذه الجماعات العمياء، فإن مآله المزيد من المآزق والأزمات والتوترات.

والمجتمعات التي تبتلى بوجود جماعات العنف والإرهاب بينها، فإنها ستعاني الكثير من الويلات والاستحقاقات التي لا تنسجم وطبيعة حياتها وأولوياتها.

2- إن جماعات الفصل والاستئصال بتكوينها الأيديولوجي وأفقها الثقافي، ليست قادرة على إنجاز الاستقرار السياسي والاجتماعي لمجتمعاتها، لأنها جماعات لا تبحث عن مشتركات ومساحات مشتركة للتفاهم والتلاقي مع المختلف والمغاير، وإنما تجعل الجميع محل الدعوة والفرض والقسر للإيمان بخطابها وأيديولوجيتها، فهي جماعات لا ترى إلا ذاتها، ولا تتصور الآخرين إلا في وضع القبول بدعوتها وخطابها أو في موقع الخصم الذي ينبغي محاربته وهكذا جماعات لا تبني استقرارا، ولا تصون مجتمعات ومصالح.

فجماعات الإرهاب لا صديق لها، ومن يعتقد أن المصلحة الموضوعية له التقت مع الجماعات الإرهابية ويراهن على هذا الالتقاء، فإنه لن يحصد من هذا الالتقاء إلا المزيد من الأزمات والمشاكل.. فجماعات الإرهاب مثل النار، إذا لم تجد ما نأكله سوف تأكل محيطها القريب وحاضنه الاجتماعي أو السياسي. فلا أمان وأمن مع جماعات العنف والإرهاب، لأنها بطبعها تغدر وتفجر ولا تبحث إلا على مصالحها الضيقة.

وهي دائما مصالح لا تتعدى حدود هذه الجماعات وفي بعض الأحيان لا تتعدى حدود رأي الزعيم الديني لهذه الجماعات..

3- كلنا يعلم آثار الحرب العالمية الأولى أو كما تسمى الحرب العظمى، التي دفعت فيها البشرية ملايين القتلى والجرحى. وتجربة هذه الحرب الكارثة ومتوالياتها السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، تؤكد وبشكل لا لبس فيه. أن سفك الدم وإشاعة القتل والتدمير، لا ينفع أحدا وإن الناس إذا لم يبادروا لمقاومة نزعات القتل والتدمير، فإن هذه النزعات ستصل إليهم وتهدد مصالحهم ومكاسبهم. والمعادلات السياسية والاجتماعية، التي تبنى على قاعدة القتل والتدمير لن تستقر على حال. لأن الدم يستدعي الدم، والقتل يقود إلى القتل، وهكذا يخضع الجميع في دوامة العنف العبثي الذي يدمر الأوطان، ولا يبقى مجالا للفهم والتفاهم وتطوير نظام الشراكة بين الناس. فمن يسعى إلى تحسين ظروفه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فعليه أن لا يتوسل بوسيلة العنف والإرهاب، لأن هذه الوسيلة تؤسس للمزيد من الدمار الذي يدخل الجميع في أتون الحروب العبثية التي تدمر الجميع بدون أفق حقيقي لأي طرف من الأطراف.

هذا ما تؤكده تجربة الحرب العالمية الأولى وكل الحروب وعمليات القتل التي تمارس لأغراض أيديولوجية وسياسية.

4- ثمة ضرورات وطنية وقومية ودينية في كل البلدان العربية والإسلامية، للقيام بمبادرات للوقوف ضد جماعات العنف والإرهاب التي بدأت بالبروز في المشهد العربي والإسلامي. لأن الصمت أمام هذه الظاهرة الخطيرة، سيكلف المنطقة بأسرها، لذلك ثمة حاجة ماسة لرفع الصوت ضد ظاهرة الإرهاب والعنف وتفكيك موجباتها، وتعرية خطابهما، ومواجهة الحامل البشري لهما.

ونحن هنا لسنا من دعاة تهويل خطر الإرهاب على أمن المنطقة واستقرارها، ولكننا نعتقد وبعمق أن جماعات العنف والإرهاب من أخطر التحديات التي تواجه المنطقة في اللحظة الراهنة. وإن مواجهة هذه الآفة الخطيرة، يتطلب تضافر جميع الجهود والطاقات للوقوف بحزم ضد هذه الآفة على المستويات الأمنية والثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.

لأن تمكن هذه الآفة سيهدد الجميع، وسيغير من قواعد اللعبة السياسية القائمة في المنطقة، وستدمر ما تبقى من وحدة النسيج الاجتماعي في أغلب البلدان العربية والاسلامية.

 فمن يربي وحشا في بيته، فإن هذا الوحش لن يتحول إلى حيوان وديع وأليف، سيبقى وحشا كاسرا، وحينما يجوع سيفترس من جلبه إلى بيته.

جماعات الإرهاب كالوحوش المفترسة، ولا يمكن أن تتحول إلى حمل وديع، ولا يمكن سياسيا أن يراهن عليها أحدا، لأنها ذات بنية انشقاقية، تمردية، حينما تتمكن من أية رقعة جغرافية أو اجتماعية، ستعمل على تنفيذ أجندتها ومشروعها العنفي وستقف ضد من سيقف ضد مشروعها ونهجها الأيديولوجي والسلوكي..

 وجماع القول: إن جماعات العنف وعلى رأسها داعش، أضحت اليوم، تهديدا مباشرا لكل دول المنطقة، وهذا يتطلب من كل دول المنطقة، العمل على مواجهة هذا التهديد ورفع الغطاء الديني عن ممارساتها وخياراتها، وبناء حقائق الوعي والتسامح والحوار والاعتراف بالمختلف في فضاء مجتمعاتنا ومنابرنا الإعلامية والثقافية.. 

***

محمد محفوظ – باحث سعودي

العنف المعاصر بوصفه وظيفة في الاقتصاد السياسي العالمي: قراءة نقدية في مؤشر السلام العالمي 2025

مقدمة: في نقد الحياد التقني

لا يقدّم مؤشر السلام العالمي 2025، الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام (IEP)، نفسه بوصفه بيانًا أيديولوجيًا، بل كأداة قياس "محايدة" لمستويات السلم والعنف في 163 دولة تمثل 99.7% من سكان العالم. تتوزع مؤشراته الـ23 على ثلاثة محاور: الأمن والسلامة المجتمعية، النزاعات الداخلية والخارجية، ومستوى العسكرة. لكن ما تكشفه أرقامه، حين تُقرأ خارج اللغة التقنية الباردة وداخل سياقها البنيوي، هو حقيقة أشد قسوة وأكثر جدلية:

العالم لا ينزلق إلى العنف لأنه فشل في إدارة اقتصاده، بل لأنه يدير اقتصاده - بدقة وكفاءة - كما ينبغي له أن يُدار في ظل الرأسمالية المتأخرة.

فالتراجع المتواصل في مستويات السلم العالمي - للعام الـ13 خلال 17 عامًا، والسادس على التوالي بنسبة 0.36% - ليس حادثًا عابرًا ولا نتاج أزمات طارئة. إنه نتيجة منطقية لنمط إنتاج كوني استبدل التنمية بالعسكرة (106 دول تدهورت في مجال العسكرة خلال عامين)، والعدالة الاجتماعية بإدارة القسر، والإصلاح البنيوي بتدوير النزاع وتصديره جغرافيًا.

الأطروحة الأولى: العنف ليس خللًا في النظام... بل نمطه الإنتاجي الأكثر ربحية

حين يقدّر المؤشر الكلفة الاقتصادية للعنف بنحو 19.97 تريليون دولار (بالقوة الشرائية المتعادلة PPP) - أي 11.6% من الناتج العالمي الإجمالي، أو 2,455 دولارًا لكل إنسان على هذا الكوكب - فهو لا يصف عبئًا خارج النظام الاقتصادي، بل يصف حجمه الحقيقي وبنيته الفعلية.

أكثر من 73% من هذه "الكلفة" ناتجة عن:

- الإنفاق العسكري والأمن الداخلي: تمثل 73% من الإجمالي

- الإنفاق العسكري وحده: 9 تريليونات دولار (45% من الإجمالي)، بزيادة 6% عن العام السابق

- خسائر الناتج المحلي من النزاعات: ارتفعت 44% في عام واحد

جدلية التسمية: كلفة أم استثمار؟

هنا تكمن المفارقة اللغوية الكاشفة. حين نسمي هذا الرقم "كلفة اقتصادية للعنف"، فإننا نفترض ضمنيًا أن العنف عبء يثقل كاهل الاقتصاد. لكن الحقيقة الأكثر إزعاجًا هي أن هذا الرقم يمثل قطاعات إنتاجية كاملة:

- شركات أسلحة عملاقة حققت أرباحًا قياسية

- صناعات أمنية وتقنيات مراقبة متقدمة

- قطاع "إدارة الأزمات" والاستشارات الأمنية

- اقتصاد إعادة الإعمار المُمَوَّل بقروض دولية

بعبارة أدق: العنف ليس ما يدفعه النظام ثمنًا، بل ما يستثمر فيه بوصفه آلية تراكم.

الأرقام تتكلم: تصاعد منهجي لا عشوائي

- 59 نزاعًا مسلحًا نشطًا قائمًا على الدولة (الأعلى منذ الحرب العالمية الثانية، بزيادة 3 عن العام السابق)

- 152,000 قتيل في نزاعات مسلحة عام 2024

- 17 دولة سجلت أكثر من 1,000 قتيل داخلي في عام 2024 (الأعلى منذ 1999)

- 18 دولة إضافية سجلت أكثر من 100 قتيل

- 78 دولة منخرطة في نزاعات خارج حدودها في 2024 (مقابل 59 في 2008)

- 98 دولة كانت متورطة جزئيًا على الأقل في شكل من أشكال النزاعات الخارجية خلال السنوات الخمس الماضية

- 122 مليون شخص نازح قسريًا (زيادة 185% منذ 2008)

- 17 دولة فيها أكثر من 5% من السكان إما لاجئون أو نازحون داخليًا

هذه ليست أزمة طارئة، بل دورة إنتاج منتظمة.

الأطروحة الثانية: "التفتت العظيم" - العسكرة كبديل بنيوي عن التنمية

حين تصبح الدبابة أسهل من المدرسة

في عالم يعاني من:

- تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي (3.3% في 2024)

- ديون عامة تبلغ 97 تريليون دولار (وتتصاعد)

- الدول النامية تنفق 42% من إيراداتها على خدمة الديون (لا على التعليم أو الصحة)

- انسداد أفق الرفاه الاجتماعي

تتحوّل العسكرة إلى الحلّ السياسي الأسهل:

- تحفّز الصناعات الثقيلة دون إعادة توزيع حقيقية للثروة

- تخلق وظائف مشروطة بالخوف والطوارئ الدائمة

- تؤجّل الانفجارات الاجتماعية عبر "أعداء خارجيين"

- تُبرَّر باسم "الأمن القومي" و"التهديدات الوجودية"

الإنفاق العسكري: رقم قياسي بامتياز

- 2.7 تريليون دولار إنفاق عسكري عالمي في 2024 (زيادة 9% عن 2023 - رقم قياسي)

- 84 دولة زادت إنفاقها العسكري كنسبة من الناتج المحلي

- 50 دولة فقط خفّضت إنفاقها

- 106 دول تدهورت في مجال العسكرة خلال العامين الماضيين

- 24 دولة أوروبية زادت إنفاقها العسكري استجابة لحرب أوكرانيا

المفارقة الأوروبية: حين تتضاعف الميزانية دون تضاعف القدرة

يكشف التقرير مفارقة ساخرة ومأساوية:

- أوروبا تنفق 4 أضعاف ما تنفقه روسيا عسكريًا

- لكن قدرتها العسكرية المشتركة تفوق روسيا بثلث فقط

السبب؟ الافتقار إلى التكامل. 33 جيشًا وطنيًا، بأنظمة قيادة منفصلة، ومشتريات غير منسقة، وثقافات عسكرية متباينة. النتيجة: هدر فلكي في الإنفاق دون تحقيق فعالية حقيقية.

ما لا يقوله الخطاب الرسمي: كل دولار يُضخ في السلاح، يُسحب مباشرة من:

- التعليم (الذي يحتاج إصلاحًا جذريًا)

- الصحة (التي تواجه أزمات بنيوية)

- الإسكان (الذي بات حلمًا لجيل كامل)

- الضمان الاجتماعي (الذي يتآكل تدريجيًا)

وهنا يصبح "الأمن" نقيضًا للسلم، لا شرطًا له.

الأطروحة الثالثة: العدالة الاجتماعية تُستبدل بـ "إدارة القسر الذكية"

أرقام الخنق المالي

يشير المؤشر إلى معطى صادم لكنه غير مفاجئ:

- الدول النامية تنفق في المتوسط 42% من إيراداتها العامة على خدمة الدين

- الصين هي الدائن الأكبر ( ليس البنك الدولي أو صندوق النقد تقليديًا)

- الديون العامة نمت ضعف سرعة نموها في الدول المتقدمة منذ 2010

هذا الرقم وحده كافٍ لفهم لماذا:

- تتآكل الدولة الاجتماعية وتُستبدل بالدولة البوليسية

- ينهار العقد الاجتماعي ويُستبدل بـ"عقد أمني"

- يُعاد تعريف الدولة بوصفها جهاز ضبط لا رعاية

اللغة السياسية البديلة

في هذا السياق، لا يظهر العنف من فراغ. إنه لغة سياسية بديلة حين:

- تُغلق لغة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية

- يُختزل الإنسان في عبء مالي (عاطل، مهاجر، فقير)

- أو في خطر أمني (إرهابي محتمل، متظاهر، معارض)

المعادلة البسيطة والوحشية:

- لا مال للمستشفيات → لكن هناك دائمًا مال للدبابات

- لا موارد للجامعات → لكن هناك دائمًا موارد للسجون

- لا ميزانية للإسكان الاجتماعي → لكن هناك دائمًا ميزانية لأنظمة المراقبة

الأطروحة الرابعة: "التفتت الجيوسياسي" - اللامساواة تُعاد إنتاجها عبر تصدير النزاع

جغرافيا العنف: المركز يُنتِج، الأطراف تستهلك

واحدة من أكثر مفارقات التقرير فجاجة:

- 8 من أكبر 10 مصدّري أسلحة للفرد هم ديمقراطيات غربية: فرنسا، السويد، إيطاليا، هولندا، ألمانيا، النرويج

- بينما ساحات الموت الفعلية هي: أفغانستان، اليمن، جنوب السودان، الكونغو، السودان، سوريا

العنف هنا ليس صدفة جغرافية، بل آلية توزيع كوني منظمة:

- يُنتَج في مصانع برلين وستوكهولم وباريس

- يُصدَّر إلى الساحل الأفريقي، الشرق الأوسط، جنوب آسيا

- يُستهلك بشريًا في مناطق لا تملك حق النقض في مجلس الأمن

"التفتت العظيم": من نظام ثنائي إلى فوضى متعددة الأقطاب

يقدم التقرير مفهومًا جديدًا: "The Great Fragmentation" - التفتت العظيم:

- 34 دولة تملك نفوذًا كبيرًا في دول أخرى اليوم (مقابل 13 في السبعينيات، و6 في الحرب الباردة)

- التجارة العالمية توقفت عند 60% من الناتج العالمي طوال العقد الأخير (بعد نمو سريع بعد 1990)

- القيود التجارية تضاعفت ثلاث مرات: أكثر من 3,000 إجراء تقييدي في 2023 (مقابل حوالي 1,000 في 2019)

- الحروب بالوكالة تتصاعد: النزاعات الداخلية بمشاركة أطراف خارجية (الحروب الأهلية الممولة دوليًا) ارتفعت 175% منذ 2010

- 92 دولة كانت متورطة في نزاعات خارج حدودها في تقرير 2024 (الرقم القياسي حتى الآن)

النتيجة: عالم لا يتجه نحو نظام عالمي جديد، بل نحو فوضى إقليمية منظمة، حيث تتنافس قوى متوسطة (تركيا، الإمارات، فيتنام، جنوب أفريقيا، البرازيل، إندونيسيا) على مناطق نفوذ، مدعومة بأسلحة من القوى الكبرى.

حالة دراسية: الصراع في الساحل الأفريقي

- بوركينا فاسو: أعلى معدل إرهاب في العالم

- 6 من أصل 10 دول ذات أعلى تأثير إرهابي في أفريقيا جنوب الصحراء

- تدخلات متعددة: روسيا، فرنسا، الولايات المتحدة، الصين، جميعها منخرطة

- الموارد الطبيعية (الذهب، اليورانيوم، النفط) في قلب الصراع

- السكان المحليون: ضحايا صامتون لحرب بالوكالة

الأطروحة الخامسة: حقوق الإنسان - الضحية البنيوية لا الخطابية

حين يصبح الحق رفاهية غير قابلة للتحقيق

في هذا المشهد البنيوي، لا يمكن التعامل مع حقوق الإنسان بوصفها إطارًا أخلاقيًا محايدًا أو "قيمًا كونية". حقوق الإنسان هي أول ما يُضحّى به حين يختار النظام الاقتصادي-السياسي:

- العسكرة (2.7 تريليون دولار) بدل التنمية

- القسر بدل العدالة التوزيعية

- الأمن (بمفهومه الضيق) بدل الكرامة الإنسانية

الأرقام الصادمة لانتهاك الحقوق الأساسية

- 122 مليون نازح قسريًا (زيادة 185% منذ 2008)

- 17 دولة فيها أكثر من 5% من السكان إما لاجئون أو نازحون داخليًا

- معدلات البطالة بين الشباب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: 24.5% (أعلى بـ10 نقاط من المتوسط العالمي)

- عمليات حفظ السلام والبناء: 47.2 مليار دولار فقط (0.52% من الإنفاق العسكري) - انخفضت بنسبة 26% منذ 2008

التناقض الفاضح

حين تُفرَّغ الحقوق الاقتصادية والاجتماعية من مضمونها، يصبح:

- القمع "ضرورة أمنية" مشروعة

- التجويع "أثرًا جانبيًا" لسياسات اقتصادية "ضرورية"

- النزوح "أزمة إنسانية" بلا مسؤول محدد

- الحصار والعقوبات "أدوات ضغط" (رغم أنها تستهدف المدنيين أساسًا)

الأرقام الإضافية المرعبة:

- عمليات حفظ السلام: انخفض عدد قوات حفظ السلام بنسبة 42% خلال العقد الماضي (بينما زاد عدد النزاعات)

- الإنفاق على بناء السلام: 47.2 مليار دولار فقط (0.52% من الإنفاق العسكري) - انخفض بنسبة 26% بالقيمة الحقيقية منذ 2008 (كان 64 مليار دولار)

حالة دراسية: فلسطين وتحديد قيمة الحياة

- أكثر من 63,750 قتيلًا في غزة (تقديرات رسمية محافظة، وبعض التقديرات تشير لأعداد أعلى بكثير)

- حصار كامل للمساعدات الإنسانية منذ مارس 2025

- التغطية الإعلامية: الوفيات المدنية في الدول ذات الدخل المرتفع تحظى بتغطية إعلامية أكبر 100 مرة من عدد مماثل من الوفيات في الدول منخفضة الدخل (حسب تقرير 2025)

- النزاعات الأهلية أقل تغطية: تحصل على اهتمام إعلامي أقل من النزاعات بين الدول، حتى عندما تكون أعداد الضحايا أعلى بكثير

السؤال الجدلي: هل حقوق الإنسان كونية، أم أن لها سعر صرف يختلف حسب الجغرافيا والجيوبوليتيك؟

الأطروحة السادسة: "السلام الإيجابي" - خطاب أنيق على ركام منظم

المفهوم والواقع

يقدم المعهد مفهوم "السلام الإيجابي" (Positive Peace) بوصفه: "المواقف والمؤسسات والهياكل التي تخلق وتحافظ على مجتمعات سلمية". لكن أرقام التقرير نفسه تكشف انهيار هذا المفهوم:

- مستويات السلام الإيجابي تحسّنت حتى 2019

- منذ 2019 تتراجع باستمرار - حتى في أمريكا الشمالية وأوروبا

التناقض البنيوي

كيف يمكن الحديث عن "سلام إيجابي" في عالم:

- نسبة حل النزاعات بالسلام انخفضت من 23% إلى 4% (من السبعينيات إلى العقد الثاني من القرن الـ21)

- نسبة النزاعات التي تنتهي بانتصار حاسم انخفضت من 49% إلى 9%

- النتيجة: نزاعات مزمنة لا تنتهي، بل تُدار وتُمَوَّل وتُصدَّر

تدفق المعلومات: ديمقراطية الوصول، دكتاتورية المحتوى

يشير التقرير إلى مفارقة مثيرة:

- الوصول إلى الاتصالات تحسّن بشكل كبير (أكثر مؤشر تحسنًا في السلام الإيجابي)

- لكن حرية الصحافة وجودة المعلومات شهدت أكبر تراجع

الاستنتاج: لدينا وصول غير مسبوق إلى المعلومات، لكنها معلومات منخفضة الجودة، متحيزة، أو مُصممة لإثارة الانقسام.

الأطروحة السابعة: عوامل التصعيد - لماذا تصبح النزاعات غير قابلة للحل؟

تسع عوامل تحوّل الصراع إلى جحيم مستدام

حدد المعهد 9 عوامل رئيسية تزيد احتمالية تصعيد النزاعات:

1. الدعم العسكري الخارجي

2. الإقصاء العرقي المنهجي

3. توفر اللوجستيات والأسلحة

4. الأنظمة السلطوية الصارمة

5. "أدلجة الصراع" (تحويله لقضية وجودية)

6. غياب الوساطة الفعالة

7. الموارد الطبيعية القابلة للنهب

8. الذاكرة التاريخية للعنف

9. انهيار البنى المؤسسية

النزاعات المرشحة للتصعيد الكارثي

بناءً على هذه العوامل، حدد التقرير 4 نزاعات ذات خطر تصعيد هائل:

1. جنوب السودان: 7 من 9 عوامل موجودة

2. إثيوبيا/إريتريا: 6 من 9 عوامل

3. الكونغو الديمقراطية: 8 من 9 عوامل

4. سوريا: 7 من 9 عوامل (مع حكومة انتقالية هشة)

حالة دراسية: كشمير - ساعة موقوتة نووية

- هجوم إرهابي في أبريل 2025 (خارج فترة التقرير)

- 25 سائحًا هنديًا قُتلوا

- توقف الحوار فورًا

- دولتان نوويتان (الهند وباكستان) على حافة حرب مفتوحة

- المنطقة الأكثر عسكرة في العالم

السؤال الوجودي: إذا كان كل الأطراف يعرفون عوامل التصعيد، لماذا لا يُمنع؟ الجواب: لأن التصعيد نفسه مُربح لأطراف عديدة.

الأطروحة الثامنة: التدهور التراكمي - 17 عامًا من الانحدار المنهجي

أرقام الانحدار طويل المدى

منذ إطلاق المؤشر في 2008:

- متوسط درجات الدول تدهور بنسبة 5.4%

- 94 دولة أصبحت أقل سلمية (مقابل 66 تحسنت، و3 بقيت كما هي)

- 17 من أصل 23 مؤشرًا تدهورت

- الفجوة بين الأكثر والأقل سلمية اتسعت بنسبة 11.7%

الدول الأكثر سلمية (أيسلندا ووهم الاستقرار)

1. أيسلندا (1.095) - الأكثر سلمية منذ 2008 (17 عامًا متواصلة)

2. إيرلندا (1.260)

3. نيوزيلندا (1.282)

4. النمسا (1.294)

5. سويسرا (1.294)

الملاحظة الجدلية:

- 8 من أصل 10 دول الأكثر سلمية في أوروبا الغربية والوسطى

- 12 دولة فقط في فئة "سلام مرتفع جدًا"

- كل هذه الدول مستفيدة من نظام اقتصادي عالمي غير عادل

- أيسلندا نفسها: لا جيش لديها، لكنها عضو في الناتو (تستفيد من المظلة الأمنية الأمريكية)

الدول الأقل سلمية (جغرافيا الجحيم)

163. روسيا (3.441) - الأقل سلمية لأول مرة

164. أوكرانيا (3.434)

165. السودان (3.323)

166. الكونغو الديمقراطية (3.292)

167. اليمن (3.262)

الملاحظة: 4 من أصل 5 دول في أفريقيا أو الشرق الأوسط.

الأطروحة التاسعة: بنغلاديش - حالة دراسية في انهيار العقد الاجتماعي

السقوط الحر

- أكبر تدهور في 2025: انخفاض 13.2% (33 مرتبة في التصنيف)

- من المرتبة 90 إلى 123 في عام واحد

- 436 قتيلًا في نزاعات داخلية في 2024 (مقابل 12 في 2023)

- زيادة 3,533% في وفيات النزاعات الداخلية

- أكثر من 1,000 قتيل في المواجهات مع قوات الأمن (حسب وزارة الصحة)

- 1,400 قتيل حسب تقديرات مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان

التسلسل الكارثي

1. احتجاجات طلابية ضد نظام الحصص الوظيفية

2. قمع وحشي من الحكومة (1,400 قتيل حسب الأمم المتحدة)

3. هروب رئيسة الوزراء شيخة حسينة

4. حكومة انتقالية هشة بقيادة محمد يونس (الحائز على نوبل)

5. اقتصاد في أزمة: نقص العملة الأجنبية، تضخم غذائي

6. 2,010 هجومًا على الأقليات في أغسطس 2024 وحده

الدرس الجدلي

بنغلاديش ليست "حالة فاشلة"، بل نموذج مصغّر للنموذج العالمي:

- اقتصاد نيوليبرالي "ناجح" (نمو مرتفع لعقود)

- قمع منهجي للحقوق

- خنق الفضاء العام

- انفجار حتمي حين لا يعود القمع كافيًا

خاتمة جدلية: نحو مؤشر للصدق لا السلام

ما لا يقوله المؤشر

مؤشر السلام العالمي - بكل رصانته المنهجية - يقيس الأعراض لا الأسباب البنيوية. يعدّ النزاعات، لكنه لا يسأل: لمن يُربح استمرارها؟

العالم لا يحتاج إلى مزيد من مؤشرات السلام بلغتها التقنية المطمئنة، بل إلى مؤشر واحد صريح يقول الحقيقة بلا تلطيف ولا مواربة:

العنف ليس انهيار النظام العالمي، بل علامته الحيوية الأخيرة. إنه ليس خللًا في الآلة، بل الآلة نفسها وهي تعمل بكفاءة.

الأسئلة التي يجب طرحها

1. لماذا تنتج الديمقراطيات الغربية 80% من الأسلحة المُصدَّرة للعالم؟

2. لماذا تنخفض ميزانيات حفظ السلام (26- %) بينما ترتفع ميزانيات التسليح (9+%)؟

3. لماذا يُقاس "النجاح الاقتصادي" بمؤشرات تستثني 19.97 تريليون دولار عنف؟

4. لماذا تُحل 4% فقط من النزاعات بالسلام (مقابل 23% في السبعينيات)؟

5. لماذا تحظى حياة إنسان في دولة غنية بتغطية إعلامية أكبر 100 مرة من حياة إنسان في دولة فقيرة؟

الحقيقة القاسية

ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي:

- منطق إدارة الأزمات بالقوة (78 دولة في نزاعات خارجية)

- منطق تأجيل العدالة بالسلاح (2.7 تريليون دولار سنويًا)

- منطق تصدير العنف جغرافيًا (المركز يُنتِج، الأطراف تموت)

- منطق استبدال الحقوق بالأمن (42% من إيرادات الدول النامية لخدمة الديون)

فإن الحديث عن السلم وحقوق الإنسان سيبقى لغة أنيقة تُلقى فوق ركامٍ مُدار بعناية فائقة.

الخلاصات الرئيسية: عشر حقائق جدلية

1. العنف ليس أزمة بل صناعة: 19.97 تريليون دولار قطاع إنتاجي كامل (11.6% من الناتج العالمي)

2. العسكرة تتسارع بشكل غير مسبوق: 106 دول تدهورت عسكريًا في عامين، 2.7 تريليون دولار إنفاق عسكري (رقم قياسي)

3. الديون أداة قمع منهجية: 42% من إيرادات الدول النامية لخدمة الديون (ضعف سرعة نمو الديون مقارنة بالدول المتقدمة)

4. التفتت الجيوسياسي منظم ومتعمد: من 13 إلى 34 دولة نافذة عالميًا (تضاعف ثلاث مرات منذ الحرب الباردة)

5. جغرافيا العنف طبقية: 8 من أكبر 10 مصدري أسلحة ديمقراطيات غربية، والجنوب يستهلكها بشريًا

6. حل النزاعات سلميًا أصبح شبه مستحيل: من 23% إلى 4% في 50 عامًا (الانتصارات الحاسمة من 49% إلى 9%)

7. النزوح القسري يتفاقم: 122 مليون نازح (185+% منذ 2008)، 17 دولة فيها أكثر من 5% من السكان نازحون

8. الإعلام يُسعِّر الحياة جغرافيًا: تغطية الوفاة في الغرب = 100 ضعف تغطيتها في الجنوب

9. السلام الإيجابي ينهار حتى في المركز: تراجع مستمر منذ 2019 حتى في أوروبا وأمريكا الشمالية

10. أوروبا: هدر هائل بلا كفاءة: تنفق 4 أضعاف روسيا لكن قدرتها أقل من الضعف (مشكلة التكامل لا الميزانية)

توصية نهائية: من قراءة المؤشر إلى فهم البنية

مؤشر السلام العالمي 2025 وثيقة قيمة، لكنه - ككل أدوات القياس - محايد أخلاقيًا بشكل مخادع. يقدم لنا أرقامًا دقيقة لعالم يحترق، لكنه لا يسأل: من أشعل النار؟ ومن يبيع الوقود؟ ومن يستثمر في إعادة الإعمار؟

القراءة النقدية تتطلب:

- تجاوز الأرقام إلى البنى السياسية-الاقتصادية

- تجاوز "الكلفة" إلى الاستثمار والربح

- تجاوز "الأزمات" إلى الأنماط البنيوية

- تجاوز "النزاعات المحلية" إلى الاقتصاد السياسي الكوني

العالم ليس أقل سلمًا لأنه فشل في إدارة نفسه.

العالم أقل سلمًا لأنه ينجح - بكفاءة مرعبة - في إدارة نفسه وفق منطق الربح والهيمنة.

والسؤال الأخير، الأكثر جدلية وإزعاجًا:

ماذا لو كان هذا المستوى من العنف هو بالضبط ما يحتاجه النظام الحالي ليستمر؟

***

خليل إبراهيم كاظم الحمداني

باحث في مجال حقوق الإنسان

.......................

المصادر:

- Institute for Economics & Peace. Global Peace Index 2025: Measuring Peace in a Complex World, Sydney, June 2025

- جميع الأرقام والإحصاءات مأخوذة من التقرير الكامل (163 صفحة)

- التحليل الجدلي والنقدي من إعداد الكاتب

تحوز دراسة العالم العربي ضمن انشغالات الاستشراق الإيطالي مكانة مميَّزة، الأمر الذي يستوجِب تتبّعًا للأطوار وتمعّنًا في التقاليد المتوارَثة. فما من شك أنّ هناك قامات علمية بارزة طبعت محطّات حاسمة، لا يستقيم الحديث دون الإتيان على إسهاماتها أثناء تناول مسيرة الاستشراق الإيطالي، على غرار ميكيلي أمّاري (1806-1889)، وليونه كايتاني (1869-1935)، وإيغناسيو غويدي (1844-1935). ففي ضوء ما أنتجه الرعيل الأول من أعمال موسوعية، تسنّى إنشاء ما يشبه الأرضية المعرفية لكوكبة من الدارسين اللاحقين، بدأت تتبلور معهم معالم المدرسة الاستشراقية الإيطالية، ذات المنحى المنشغل بالدراسات العربية، وهو ما تطور مع جورجيو لافي ديلّا فيدا ومايكل أنجيلو غويدي.

فمع تلك المرحلة المبكّرة حاز "معهد الدراسات العليا" الفلورنسي قصب السبق في الانشغال بالمعارف الشرقية. فمنذ العام 1860 أُنشئ كرسي الدراسات العربية وآخر للسنسكريتية برعاية ميكيلي أمّاري، كما سعى أيضا إلى تدشين تفرّعات أخرى على صلة بالدراسات اللغوية السامية المقارنة. ولا يمكن فصل دراسات الحضارة الإسلامية والعالم العربي عن المناخ العام السائد في أوساط السياسات الأوروبية، الباحثة عن التمدّد نحو الخارج والفوز بحضور في إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا، وهو ما سيلوح بارزا مع الحركة الاستعمارية لاحقا. بدت الحاجة ماسة في التوسع الاستعماري إلى سند معرفيّ، الأمر الذي دفع في إيطاليا إلى إنشاء "كوكبة الدراسات الشرقية" برئاسة المذكور أمّاري خلال العام 1872، التي ستتحوّل في غضون أربع سنوات إلى "الأكاديميا الشرقية". لكن التحوّل البارز من دراسة كلاسيكيات الإسلام إلى دراسة أحوال مجتمعات الإسلام، ذات الطابع البراغماتي، هو ما ستتبلور معالمه مع "مدرسة روما للاستشراق" بفِعل قرب القائمين عليها من مراكز صنع القرار في ذلك العهد. فقد طبع أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين قلق وتحفّز، في إيطاليا، تمثّل في البحث عن نفوذ خارجي احتذاءً ببريطانيا وفرنسا. وقد مثّل كارلو ألفونسو نللينو (1872-1938) صاحب مجلة "أوريينتي موديرنو" (الشرق الحديث)، أبرز وجوه الاستشراق المتحفّز نحو الشرق في تلك الفترة. إذ خصّصت المجلة المذكورة منذ إنشائها حصيلة تتركز حول متابعة الأخبار الواردة من العالم العربي. سجّل فلافيو ستريكا في بحثٍ بعنوان: "كارلو ألفونسو نللينو ومشروع احتلال ليبيا" انضمام نللينو إلى هيئة المستشارين لدى الاستعمار الإيطالي. وقد كان التحاق نللينو بالتدريس بجامعة القاهرة، في فترة لاحقة، مندرجًا ضمن محاولة الاقتراب أكثر من أوضاع البلاد العربية وفهم تحولاتها.

في تلك الأجواء شكّل صعود الفاشية دعمًا لأنشطة الجماعة المتحلّقة حول "أوريينتي موديرنو" في "معهد الشرق" المعروف بـ (IPO) حديث الإنشاء (1921). فقد عاضدَ المعهد حينها سياسة موسوليني الشرق أوسطية، في ظلّ التنافس مع بريطانيا، وبدأ تصوير الفاشية كحامية للإسلام وراعية للقومية العربية الصاعدة. ستقود هذه السياسةُ الدوتشي إلى تقلّد "سيف الإسلام" في ليبيا، ووعد الليبيين إبان زيارة طرابلس (1937) بالرخاء، بدعوى أن الملك فيتوريو إيمانويل هو من حثّه على زيارة ليبيا، ومذكّرا الليبيين أن إيطاليا ضامنة الرفاه للمسلمين وحامية لهم، وأنه يتعاطف مع المسلمين في العالم بأسره ويحفظ العهود (انظر كتاب "موسوليني والمسلمون" لجانكارلو مازوكا و جانماركو والش، ميلانو 2017). شملت تلك السياسة توجيه دعاية عبر "راديو باري" نحو البلاد العربية، من خلال إطلاق برامج دعائية بالعربية هدفت إلى كسب ودّ العرب.

منذ ذلك العهد بات شمال إفريقيا ومنطقة القرن الإفريقي أكثر الفضاءات حضورا في دراسات الاستشراق الإيطالي من ناحية تاريخية وأنثروبولوجية ولغوية، لا سيما على مستوى اللهجات. وهو ما سيتعزّز بإنشاء "المعهد الإيطالي للشرقيْن الأوسط والأقصى" -1933- (ISMEO) برئاسة جوفاني جنتيلي صاحب "مانيفستو المثقفين الفاشيين" الشهير وباعث الموسوعة الإيطالية، بوصف المعهد الأداة المعرفية الطيّعة في يد موسوليني. تكثّفت دراسة اللهجات العربية، وخاصة لهجات منطقة شمال إفريقيا، وقد كان المستشرق نللينو الرائد في دراسة الدارجة المصرية، وتدعّم ذلك التقليد في الدراسات الإيطالية مع إستر بانيتا التي انشغلت بالدارجة في ليبيا، ومع أوليفييه دوران المنشغل حتى الوقت الحالي بتدريس "دياليتولوجيا آرَبا" أي (علم اللهجات العربية) في جامعة روما.

بغروب شمس الفاشية (1943) حدثت تبدّلات في انشغالات الاستشراق، ولم تحدث مراجعات في المنهج. وُلّي المستشرق فرانشيسكو غابرييللي (1904-1996) شأن "معهد الشرق" (IPO) بدعوى تطهيره من بقايا الفاشية. وقد كان غابرييللي أستاذ اللغة والآداب العربية في جامعة روما، روى لي تلاميذه أنّ عربيته قاموسية وأعوزته القدرة على الكتابة والتعبير بالعربية، لكن الرجل خلّف أثرا واضحا في دراسات الاستشراق الإيطالي الحديث، حيث تميزت كتاباته بالتركيز على الإسلاميات والأدب. وبالترافق مع غابرييللي عَمل أومبرتو ريتزيتانو، وليد القاهرة (1913-1980)، الأستاذ في جامعة باليرمو، على نشر طبعة جديدة للمكتبة العربية الصقلية لميكيلي أمّاري.

لكن الدراسات العربية في هذه الحقبة بقيت مطبوعة بخاصيتين أساسيتين: هيمنة النسق الاستشراقي المدرسيّ وضيق دائرة المنشغلين. ولو نظرنا، على سبيل المثال، إلى أعمال الترجمة نلاحظ محدودية الإنتاجات، فقد أورد مؤلَّف "الحضور العربيّ الإسلاميّ في المطبوعات الإيطالية" (2000)، الصادر عن وزارة الثقافة الإيطالية، أنّ عدد الترجمات من العربية بين 1900 و 1988 لم تتجاوز الثلاثين عملا. ناهيك عن بقاء مراكز تدريس العربية والآداب العربية محصورة في جامعات معينة مثل "الأورينتالي" و"لاسابيينسا" و"باليرمو" ومدرجة ضمن تخصصات وأقسام أخرى.

خلال العقود الثلاثة الأخيرة تنوّعت المقاربات في الاستشراق الإيطالي، وتوزعت بين الدراسات الأدبية واللغوية والحضارية والسياسية والتاريخية والدينية والسوسيولوجية ذات العلاقة بالمهاجرين خصوصا. بَيْد أنّ هذا التنوع لا يعني متانة في الدراسات أو مقدرة علمية لدى الخبراء. فقد كانت طلبات الجمهور ضاغطة لمعرفة ما جلبته الهجرة، وما تمور به الساحة العالمية من أخبار حول العالم العربي والإسلام. لم تكن العروض في مستوى كثافة الطلبات وتنوّعها، وهو ما خلق نوعًا من الارتباك والعجلة والخلط، إن لم نقل التدنّي في المعارف المقدَّمة، فقد تسرّب هاجس التوترات السياسية إلى حقل الدراسات المعرفية وأثّر على انشغالاتها.

مثّل خطّ الاستعراب، في الوقت الحالي، المتمحور حول دراسة الأدب العربي المعاصر عنصر تحوّل إيجابي. وتركّز الاهتمام على نقل الأعمال الأدبية المعاصرة، وتدريس القضايا التي تمور بها الساحة الثقافية العربية، بغرض تقديم صورة راهنة عن العالم العربي. برز جملة من المترجمين منهم مونيكا روكو وماريا أفينو وإليزابيتا بارتولي وباولا فيفياني وباربرا تيريزي ووسيم دهمش وغيرهم. لكن تبيّن أن ملاحقة الإنتاجات الأدبية وحدها لا تكفي، وهو ما حثّ على توسيع نطاق الانشغال بالثقافة العربية. فكان أن ظهرت في الساحة اهتمامات بالمقاربات السوسيولوجية والتاريخية والدينية والأنثروبولوجية والسياسية، لترسيخ وعي علمي بالوقائع الجديدة، بعيدا عمّا تروّجه الإسلاموفوبيا، وكان من أبرز المنشغلين فيها إنزو باتشي وماسيمو كامبانيني وإيدا زيليو غراندي وأوغو فابييتي وستيفانو آليافي ولاورا غواتزوني.

بخلاصة موجزة، ثمة نزوع إيجابي للخروج من الأنساق التقليدية للاستشراق المبكر، ومن مدرسية موجة الاستشراق الثانية، مع ما يمكن نعته إجمالا بالاستشراق النقدي.

***

عزالدّين عناية

أستاذ تونسي بجامعة روما- إيطاليا

التجارب الإصلاحية في الحقل التربوي هي حقول استجابات تقنية لرهانات ظرفية، وفي الوقت ذاته، هي مراهنات وجودية على مستقبل الإنسان ومعنى تشكّله داخل المجتمع. لذلك تستأثر هذه التجارب، كما تُنجزها الدول التي نجحت في بناء نماذج تعليمية راسخة، باهتمام السوسيولوجيين وعلماء التربية، بوصفها مختبرات حية لإعادة التفكير في المعرفة، كفعل متجدد يتواشج مع تحولات العصر وإيقاعه المتسارع. وفي الأنماط التعليمية الجديدة التي تقترحها حكومات تلك الدول، يتجلى السعي إلى إعادة تأسيس نظم تربوية متصالحة مع زمنها، قادرة على استيعاب مستجدات التعلم بلغة الرقمنة وعلومها المتقدمة، دون التفريط في بعدها الإنساني.

وتبرز في مقدمة هذه الطفرات، التجارب التي راكمتها دول مثل السويد واليابان وكوريا الجنوبية، حيث لم يعد الاشتغال بالوسائط الرقمية مجرد أداة مساعدة، بل أفقا بيداغوجيا يعاد عبره تشكيل الفعل التعليمي نفسه. إذ الارتقاء بالفعل البيداغوجي هنا شرط لتحسين المنتوج التربوي، وإعادة ضبط المفاهيم المؤطرة له، وتدقيق معجمه الاصطلاحي بما ينسجم مع التحولات العميقة التي عرفتها علوم التربية وممارساتها.

غير أن هذا الأفق الواعد لا يعفي من طرح أسئلة جوهرية لا تزال تلحّ بإلحاح تأسيسي: كيف نؤصّل فعل إيصال المعارف الأساسية في زمن السرعة الرقمية؟ وبأي معايير نختار البرامج المعلوماتية التي لا تكتفي بتلقين المهارة، بل تسهم في بناء العقل النقدي؟.

 إن هذه الأسئلة تفرض ضرورة رصد دقيق للقيم والمعارف والمهارات التي تُقَدَّم للفرد، وتقييم أثرها في تنمية قدراته وتمكينه من الاندماج الخلّاق داخل المجتمع الذي ينتمي إليه.

وإذ يتعاظم هذا التحدي، يغدو من اللازم أيضا التوقف عند مستوى الطفرات المعرفية التي أفرزتها تقنيات التواصل الحديثة، لا بوصفها أدوات محايدة، بل كقوى رمزية تعيد تشكيل علاقتنا بالمعرفة وبالذات وبالعالم. فالتعليم في نهاية المطاف، هو فعل وعي يروم صناعة إنسان قادر على الفهم والاختيار والمساءلة، داخل عالم يتغير أسرع مما نتصور

. ورغم ما تحمله برامج الرقمنة التعليمية من وعود كبرى، وما تقترحه من أسس استراتيجية محكمة لتنزيلها وفق خطط مضبوطة وتوجهات عالية الدقة، خاصة في أفق تعميم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات داخل المنظومة التربوية، فإن الواقع لا يخلو من إشكاليات معقدة تضعنا أمام رهانات عسيرة. فبين التصور والتنفيذ، تنفتح فجوة تلامس جوهر السؤال البيداغوجي نفسه. كيف تتحول التكنولوجيا من مجرد وسيط تقني إلى أداة ديداكتيكية فاعلة، قادرة على تحسين التعلمات وإعادة تنظيم فعل التدريس على أسس أكثر نجاعة ومعنى؟

إن الرهان لا يقف عند حدود استعمال الوسائل الرقمية داخل الفصل، بل يمتد إلى مسألة أعمق تتصل بامتلاك هذه الوسائل وبالقدرة على توظيفها قصد الإدماج الواعي في المجتمع الرقمي ومجتمع المعرفة. فالتكنولوجيا وفق الاعتبارات المرجعية هي كفاية ثقافية ومعرفية، تتطلب تكوينا مستمرا يحرّرها من طابعها الأداتي الضيق، ويجعل منها أفقا للتفكير النقدي والإبداعي. وليس هذا الوعي غائبا عن التصورات الرسمية، إذ أكدت عليه غير ما وثيقة مرجعية صادرة عن وزارة القطاع، وفي مقدمتها وثيقة الرؤية الاستراتيجية، التي جعلت من تعزيز التكنولوجيا رافعة أساسية للنهوض بجودة التعليم. فقد دعت إلى بلورة استراتيجية وطنية جديدة، منفتحة على المستجدات الرقمية، وقادرة على استثمارها في تطوير النموذج البيداغوجي، والارتقاء بمؤسسات التكوين والتأهيل، ليس بوصفها فضاءات للتلقين، بل كمجالات لإنتاج المعرفة وتداولها في أفق تنموي إنساني شامل.

وهكذا، تغدو الرقمنة التعليمية امتحانًا مزدوجًا. امتحان القدرة على مواكبة التحول التقني، وامتحان أعمق يتعلق بإعادة تعريف معنى التعلم ذاته، في وضعية لم تعد فيها المعرفة معطى جاهزا، بل ممارسة مستمرة تتأسس على الفهم والاختيار والمسؤولية.

فهل تمتلك مؤشرات إصلاح التعليم في بلادنا القدرة الفعلية على تنزيل بنيات تدبير أفقي داخل مجال بالغ التعقيد، بما يسمح لها بإحداث قطيعة علامتية واعية مع منهاج سليم، متعافٍ من التنميط ومن التحولات المباغتة التي تختزل التجربة وتفرغها من معناها؟ وهل نحن بصدد مشروع يؤهّل كوادره للاضطلاع بأدوار بديلة وخلاقة، قادرة على تحرير التحول الرقمي في تعليم ما تزال فواجعه السابقة تشدّ وثاق عبوره نحو أفق النجاة؟

أم أن هذا التحول في عمقه، لا يستدعي تضخيما في التنظير بقدر ما يحتاج إلى توجهات دقيقة، حاضرة بعقلانية فعلية، وإلى تأسيس مسبق لنموذجية واضحة المعالم، قادرة على ضمان انتقال سلس، يراهن بجرأة ومسؤولية على الموارد البشرية المؤهلة لخوض هذا الرهان الوجودي، حيث يصبح التعليم إما أفقا للإنقاذ، أو شاهدا جديدا على تعثر مشروع لم يُحسن الإصغاء لأسئلته الأولى؟

***

مصطفـــى غَلْمـــان

لا أهدف من خلال هذا المقال إلى الحديث عن الزمن كما نقيسه بالساعات والأيام، بل عن الزمن كما نعيشه ونشعر به في تفاصيل حياتنا اليومية. فألاحظ أن الفارق بين دقيقة وأخرى قد يكون ضئيلًا في الحساب، لكنه في الإحساس قد يتسع أو يضيق تبعًا لتجربتنا الذاتية. ومن هنا تبدأ الإشكالية التي تشغلني: لماذا نشعر أحيانًا أن عامًا كاملًا قد مرّ في لحظة، بينما تبدو لحظات أخرى طويلة وممتدة؟ إن هذا السؤال، من وجهة نظري، لا يتصل بالزمن في ذاته بقدر ما يرتبط بدرجة وعينا به وحضورنا داخله.

ومن أجل الاقتراب من هذه الإشكالية، أجدني أعود إلى تجربة بسيطة عشناها جميعًا في الطفولة؛ تجربة تبدو في ظاهرها عابرة، لكنها في العمق كاشفة. بين دقيقة قبل… ودقيقة بعد، يمكن أن نفهم كثيرًا مما نشعر به مع بداية كل عام جديد. فحين كنا صغارًا، كان بعض الكبار يمازحوننا بقولهم: إحنا أكلنا برتقالة أو سافرنا في عامين كاملين. كنا نضحك من العبارة، لكننا لم نكن نفهم معناها فورًا، ونسأل ببراءة: كيف يمكن لشيء بسيط أن يحدث في عامين كاملين؟ عندها يأتي التفسير من أحد الكبار في الجلسة، واضحًا وبلا تعقيد: بدأنا قبل الساعة الثانية عشرة بدقيقة، وانتهينا بعدها بدقيقة أو دقيقتين. عندئذٍ نفهم المزحة ونواصل الضحك، من دون أن ننتبه إلى أن هذه الجملة العابرة تخفي داخلها تصورًا كاملًا عن علاقتنا بالزمن، وكيف يمكن للحظة قصيرة أن تُحسب عمرًا كاملًا.

ومع مرور السنوات، يتغيّر موضعنا من هذه الحكاية، ويتغيّر معه فهمنا لها. فنكتشف تدريجيًا أن تلك العبارة لم تكن مجرد طرفة عابرة، بل كانت مدخلًا بسيطًا لفهم شعور إنساني يتكرر معنا عامًا بعد عام. فاليوم، ونحن في أيامنا الأولى من عامٍ ميلاديٍّ جديد، نردّد المعنى نفسه ولكن بصيغة أخرى، ونقول بدهشة صادقة: ياااه… حالًا عدّت سنة وكأنها بدأت إمبارح. ونكتشف أن هذا الإحساس لا يظهر لأن الزمن قد تغيّر أو تسارع، بل لأننا مررنا خلاله دون أن نتوقف عنده أو نلتفت إليه بالقدر الكافي.

ومن هنا يصبح من الضروري التمييز بين الزمن كما يُقاس والزمن كما يُعاش. فالعام، في حقيقته، ليس أكثر من رقم يتغير في التقويم، أما ثقله أو خفّته فيتحددان بالطريقة التي نعيشه بها. ودقيقة قبل منتصف الليل لا تختلف فعليًا عن دقيقة بعدها، ومع ذلك نشعر أن بينهما مسافة كبيرة، فقط لأن اسم السنة تغيّر. فالزمن نفسه لم يتوقف ولم يقفز، لكنه في وعينا انقسم إلى قبل وبعد؛ فانخلع هذا الانقسام على شعورنا، وخُيّل إلينا أننا دخلنا مرحلة جديدة، رغم أن تفاصيل حياتنا اليومية بقيت، في كثير من الأحيان، على حالها.

وإذا ابتعدنا قليلًا عن فكرة تشابه الأيام، يمكن أن نلاحظ أن علاقتنا بالزمن لا تتشكل فقط بما نعيشه، بل أيضًا بما نتوقعه. فمع كل عام جديد، نحمّل الزمن وعودًا أكثر مما يحتمل: بداية مختلفة، نسخة أفضل من أنفسنا، أو فرصة مؤجلة لم تتحقق بعد. غير أن الأيام تمضي، لا لأننا نعيشها، بل لأننا نؤجلها. وحين ينقضي العام، لا نشعر أنه مرّ سريعًا بسبب تشابهه فحسب، بل لأننا عشنا جزءًا كبيرًا منه في المستقبل، لا في الحاضر. ومن هنا يتكوّن ذلك الإحساس المربك بأن الزمن انزلق من بين أيدينا، لا لأنه كان قصيرًا، بل لأننا لم نكن حاضرين فيه بما يكفي.

ويزداد هذا الفهم وضوحًا حين نلاحظ أن هذه المفارقة الزمنية لم تتوقف عند جيل واحد، بل تتكرر بالطريقة نفسها عبر الأجيال. فما كان الكبار يقولونه لنا ونحن صغار، نسمعه اليوم يتردد على ألسنة أبنائنا، وكأن الإحساس بالزمن يُورَّث قبل أن يُتعلَّم. فابنتي، مثلًا، كانت تراجع دروسها مع معلمتها مرتين في الأسبوع: المرة الأولى يوم الاثنين 29 ديسمبر 2025، والمرة الثانية يوم الخميس 1 يناير 2026. والفاصل بين المرتين لا يتجاوز أيامًا قليلة، ومع ذلك قالت بدهشة طفولية صادقة: ياااه يا مس… معقول بقالنا سنة كاملة ما شفناكيش؟ عندها ابتسمت المعلمة، لأنها أدركت أن الطفلة لا تقيس الزمن بعدد الأيام، بل بالإحساس الذي يصنعه الاسم الجديد للسنة، وبالحدّ الرمزي الذي يرسمه التقويم في وعينا، لا في الواقع.

وفي هذه اللحظة تتبدل الأدوار بوضوح، ويتأكد لي أن الإشكالية أعمق مما نتصور. فالطفل يرى أيامًا قليلة كأنها عام كامل، بينما يرى الكبير عامًا كاملًا كأنه مرّ في لحظة. والزمن نفسه لا يتغير، لكن شعورنا به يتبدل مع العمر، ومع درجة حضورنا فيما نعيشه. ومن هنا أصل إلى قناعة رئيسة مفادها أن المشكلة ليست في الوقت نفسه، بل في وعينا به؛ فالزمن لا يفقد قيمته حين يمرّ، بل حين نمرّ نحن به دون حضور.

وبهذا المعنى، تذكّرنا قصة البرتقالة التي قيل إنها أُكلت في عامين بالفكرة نفسها في أبسط صورها؛ فالأرقام لا تحمل دلالتها في ذاتها بقدر ما يصنعها الإحساس. فقد تمرّ دقائق قليلة فنشعر بثقلها وطولها، بينما يمرّ عام كامل سريعًا بلا أثر يُذكر إذا عشنا أيامه دون انتباه. ومن هنا، أرى أن بداية العام الميلادي لا ينبغي أن تكون مناسبة للوعود الكبيرة أو الخطط المثقلة، بقدر ما تكون فرصة هادئة لإعادة النظر في علاقتنا بأيامنا وكيف نعيشها.

وانطلاقًا من هذه الرؤية، أقترح خطوات بسيطة من حياتنا اليومية، تساعد القارئ على التوقّف قليلًا وسط يومه، ورؤية وقته كما يُعاش فعلًا، لا كما تُسجّله الأرقام. ولعل أول هذه الخطوات هو كسر تشابه الأيام بتفاصيل صغيرة؛ كتغيير طريق الذهاب إلى العمل مرة في الأسبوع، أو الجلوس في مكان مختلف، أو تخصيص نصف ساعة للمشي دون هاتف. فهذه التفاصيل البسيطة تترك أثرًا واضحًا في الذاكرة، وتمنح الأيام تميّزًا يجعلها أقل تشابهًا.

وتتبع ذلك خطوة أخرى لا تقل أهمية، وهي منح الوقت العادي قدرًا من الاهتمام. فبدل أن يمرّ اليوم كله بين العمل والمواصلات والعودة، يمكن اختيار لحظة واحدة نتوقف فيها عن العجلة والانشغال؛ كفنجان شاي في هدوء مع النفس، أو حديث صادق مع صديق مقرّب، أو الجلوس لدقائق من دون هاتف أو أي جهاز رقمي. قد لا تغيّر هذه اللحظات اليوم كله، لكنها تمنحه معنى، وتذكّرنا بأن الزمن لا يُقاس بطوله، بل بما نعيشه فيه. أما الخطوة الأهم، من وجهة نظري، فهي ألا نؤجل الإحساس بالحياة إلى المناسبات الكبيرة. فكثيرًا ما ننتظر الإجازات أو الأحداث الخاصة لنشعر بأننا نعيش، بينما الحقيقة أن الأيام العادية هي التي تصنع العام. وحين نعامل هذه الأيام باهتمام أكبر، لن نفاجأ لاحقًا بأن السنة مرّت بلا أثر.

ولهذا، أرى أن دقيقة واحدة من الانتباه كل يوم قد تجعلنا، بعد عام كامل، لا نقول بدهشة:  إزاي السنة عدّت؟، بل نقول بهدوء ورضا: "السنة كانت حاضرة، وأنا كنت حاضرًا فيها". وحين أسمع اليوم تلك الجملة القديمة: إحنا أكلنا برتقالة أو سافرنا في عامين، أبتسم من جديد؛ لأنني أدرك أن المسألة لم تكن يومًا في العامين ولا في البرتقالة، بل في تلك الدقيقة الصغيرة التي انتبهنا فيها لما نعيشه… دقيقة قبل، ودقيقة بعد.

***

أ. د. علي الخطيب

ماذا تقول أدمغتنا عن حرية قراراتنا؟! سؤال لطالما حيَّرني كثيرا - وما زال - من حيث الحدود الواقعية لحريتنا فيما نتخذه من قرارات شخصية، وبالنظر إلى ما توصلت إليه التجارب العلمية، نجد تجربة علمية صادمة(1) أجراها عالم الأعصاب Libet عام 1983م حيث انتهى إلى أنّ تَشُكّل القرارات الشخصية يولد قبل أن يتفطّن وعينا لوجودها!! إذْ لاحظ نشاطا عصبيا بالدماغ أطلق عليه (Readiness Potential) وهو جهد الاستعداد، واختصاره (RP)، إذْ يسبق هذا النشاطُ الإحساسَ بالقرار بحوالي 350 ملي ثانية! لكن، هل هذا يعني أن وعينا لا يلعب دورا؟ ممايعني أنّ ثمة لاعبًا آخر يدفع بالقرارات إلى منطقتنا؟

في حقيقة الأمر وُجِّه استشكال جوهري لهذه التجربة مفادُه أنها كانت تعتمد على قرارات تافهة مثل تحريك معصم اليد، أي أنها قرارات عشوائية لا تترتب عليها أية تبعات جادة أو أهمية بالغة، وبعد حوالي ثلاثة عقود، وتحديدا في عام 2012م استنتج Aaron Schurger في تجربته(2) أن الـ (RP) ما هو إلا ضوضاء عصبية عشوائية تتراكم حتى تصل إلى عتبة الانطلاق، وليس القرار نفسه.

وبعد ذلك بسبع سنوات، أي في عام 2019 قام  Maoz et al  بقلب المعادلة بالكامل حين فرَّق بين مستويين من القرارات: قرار عشوائي (Arbitrary) مثل: ضغط الزر! وقرار متعمد (Deliberate) مثل: أي مؤسسة تستحق تبرّع بـ1000 دولار؟ حيث أثبتت تجربته(3) أنه رغم أنّ (RP) ظهر جليا في القرارات العادية جدا، إلا أنه تلاشى تقريبا في القرارات المهمة! وهذا يشي بأنّ الدماغ لا يقرر بدلا عنّا حينما يكون القرار على قدر من الأهمية.

مهما يكن من أمر، فما زال تصوّرنا حول حقيقة ما يجري فعلا في أروقة أدمغتنا قبل اتخاذ القرار ساحة خصبة للإضافات العلمية، التي تبني على ما سبق، وتنقضه إنْ وجدت من الدلائل ما يطعن في دقته، وهذه مَزِيّة جليلة للتجارب العلمية التي تقدّس الموضوعية قدر الإمكان ولا تنظر للنتائج إلا من باب أنها أفضل الموجود حتى الآن، فمستوى دقة النتائج النهائية للتجارب العلمية منوطة بحزمة واسعة من المتغيرات كحداثة التقنيات المستعملة في التحربة ومدى حيادية العيّنة من المشاركين، وكمّ العوامل التي تجاوزها الاعتبار، وغيرها، خصوصا في منطقة ما زالت طريّة في الاكتشاف والأبحاث كعلوم الدماغ.

ماسبق ما هو إلا توطئة ارتأيت مناسبتها ونحن نلِج إلى الدور الفعلي الذي تضطلع به أدمغتنا فيما يتصل بقراراتنا الشخصية، وهو تمهيد يُعنى باللحظات قبيل لحظة اتخاذ القرار، ولكني أريد أن أركز على المدة الزمنية الممتدة إلى ما يصل إلى سنين قبل اتخاذ القرار!

لعله من الصادم جدا أننا لا نتخذ القرارات دفعة واحدة، بل تنسلّ إلى وعينا ببطء في تراكمات متفاوتة بالغة التعقيد في ترابطها طوال مدة قد تصل لسنين عديدة، إلا أنه لخفاء ما يحدث تحت السطح من معالجات معقدة في أدمغتنا فنحن نظن أن قراراتنا وليدة الحاضر واللحظة، حتى تلك المرتجلة منها.

إن التجارب الشخصية السابقة بكل حمولتها المبهجة والمؤلمة والحيادية إن كانت هناك تجربة حيادية أصلا - على سبيل التصنيف والتنظير ليس إلا - مهما كان جانبها من حياتنا، تُضاف لسلسة تراكماتنا، في عملية متشعّبة يُطلق عليها (Ripple Effect) التأثير المتتابع، وهو سلسلة التغييرات التي تطال نواحيَ عدة بسبب تغير حدث في ناحية ما، ، فالتجربة المالية المريرة على سبيل المثال قد تلقي بظلالها على علاقتنا العاطفية على نحو ما، والخطير في هذا التسلسل غير المدرَك إلى حدٍ كبير أن التغير الذي يُحدِث كل هذا التتابع ليس بالضرورة أن يكون قرارا كبيرا، إذْ يكفي أن يكون قرارا عابرا! فالتفاصيل الدقيقة (Nuances) من شأنها أن تقلب المعادلة وتغيّر وجه المشهد، وهذا له تطبيقات واسعة وخصوصا في عالم التسويق، ناهيك عن أنّ كل تغير من سلسلة التغيرات التي يحدثها (Ripple Effect) هو الآخر بحد ذاته يكون نقطة بداية لسلسلة مختلفة من التغيرات، وهكذا دواليك، فلك أن تتخيّل حجم التشابك الذي نعيشه في كل لحظة!

إنْ كنّا نستشِفّ مما سبق قاعدةً عريضة فيمكننا أن نختار القاعدة الآتية: ألّا نتهاون أبدا في القرارات التي نتخذها مهما بدت لا طائل من ورائها، وألّا نحطّ من قَدْرها بالاستعجال أو إهمال مختلف العوامل التي تحفُّ بها، وألّا نستهين بمدى تأثيرها في مختلف جوانب حياتنا.

كنتُ مضطرا للاستطراد السالف حتى نضبط إيقاع شبكة التأثيرات المترابطة التي نتعاطى الحياة فيها، وأن عناصر حياتنا بكل تعقيداتها وانفصال بعضها عن بعض ظاهريا، ما هي سوى كتلة متصلة تماما وبدرجة مخيفة، فإذا كان ذلك كذلك، فنحن حين نعمد إلى اختيارٍ ما، فإننا لا نقوم بذلك انطلاقا من صفحة بيضاء فارغة خالية من الانحياز والمَيل، بل نتلطّخ بكومة هائلة من التراكمات التي توجّهنا صوب قرار ما، مهما بدا أنه وحي اللحظة.

إن العلاقة التكافئية بين مخرجات الأجهزة الذكية وتطبيقاتها وبين مدخلاتها، ولتكن النماذج اللغوية الذكية مثل (Grok) و(ChatGPT) ليست بعيدة تماما عما يحدث في طبيعتنا الدماغية - أقصد من حيث المبدأ طبعا - فمعالجة AI المعطيات المزوّد بها هي ما تمنح ردودَه إطارَها العام، وهذا ما يحصل لنا بالضبط، فالقرارات هي مُخرجات (Outputs) لِما مَرّ بنا من مدخلات بأدق تفاصيلها (Inputs) وهذا يذكرني بقصة نتداولها في أدبنا العربي، حين أنشد ابن الجهم  أمام المتوكل في العهد العباسي:

أنت كالكلب في حفاظك للودّ

وكالتيس في قراع الخطوبِ

*

أنت كالدلو لا عدمناك دلـــــوا

من كبار الدلا كثير الذَّنوبِ

ولِفطنة المتوكل عرف أن ابن الجهم لديه مَلَكة شعرية جامحة لولا جفاء البيئة التي نشأ فيها، والتي انعكست على ألفاظه وتراكيبه، فوَجّه أن يُصحب الشاعر للإقامة في حي الرصافة على شاطئ دجلة، وهناك حيث لم يعهده من جمال بغداد عمرانا وبشرا، فأثّرت في طبيعته الشعرية أيَّما تأثير، وكانت منعطفا جذريا في شاعريته، من جلافة الطباع إلى الذوق والكياسة، وحين قدم ابن الجهم إلى المتوكل للمرة الثانية، بعد قضائه مدة في الرصافة أنشد قصيدة عصماء مطلعُها:

عيون المها بين الرصافة والجسر

جلَبْنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري

*

أعدنَ لي الشوق القديم ولم أكــنْ

سَلَوتُ ولكن زِدْنَ جمرًا على جمـــرِ

إننا بحق بحاجة مُلحّة لِأنْ نكون شرسين جدا حينما يتعلق الأمر باختيار مدخلاتنا؛ لأنها حتما ستولّد مخرجات من سِنْخِها ذاتِه، فما هي إلا امتداد طبيعي لها، فمن البلاهة أن نعتقد ولو للحظة أن الصنبور الذي يصب منه قطران في الخزان، يمكن أن نرتجي منه إخراج عصير رمان!

ولعل الآفة التي تمثل عقبةً كؤودًا في التعاطي مع مدخلاتنا هي يقيننا الذي نتلّبس به على الدوام بأننا نعرفنا! وبالتالي نُسقِط حِذْرَنا من التفتيش بطريقة حازمة مع ملابسات ما يسبق اتخاذ قراراتنا، فنعتقد أننا أشبعنا الأمر تمحيصا، إلا أنه بخلاف ذلك، وفي هذا السياق يستعرض Warren Berger في كتابه المدهش (سؤال أكثر جمالا) هذه الظاهرة مع التلميح لكيفية تجاوزها: "يؤكد اختصاصي علم الأعصاب، روبرت بيرتون، مؤلف كتاب بشأن كون المرء متيقنًا (On Being Certain) أننا نعاني جميعًا من حالة بشرية شائعة من الاعتقاد بأننا نعرف أكثر مما نعرف حقا. ومنذ سنوات يتصارع بيرتون مع سؤال ماذا يعني أن تكون مقتنعًا؟ قال لي إنه خَلُص، استنادًا إلى أبحاث مستفيضة، إلى أن الشعور بـ (أن المرء يعرف) إنما هو مجرد شعور أو إحساس. إلا أن الشعور يكون قويًا جدًا إلى درجة أنه يُوجِد ما يسميه بيرتون وباء اليقين، حيث يقوم كثير من الناس بالمبالغة في تقدير معرفتهم، ويثقون أكثر مما يجب بحدسهم، ويتنقلون في كل مكان مقتنعين بأن لديهم إجابات أكثر مما يملكون فعلًا، إذا كنت تشعر بهذه الطريقة، فمن المرجح بدرجة أقل أن تطرح أسئلة"(4)

وختاما، إن كان المقصود بالحرية هو اتخاذ قرار بلا مقدمات طويلة، وعتمة لا مُوجّه فيها، وعدم لا شيء فيه، فهذا محض وهم، إذْ إننا أُسارى لطبقات كثيفة من التراكمات التي تدفعنا لاختيار دون آخر، غالبها غير مرئي وغير ملحوظ، والبداية الحقيقية في غربلة الموجّهات لقراراتنا لا تبدأ بفحص حيثيات القرار نفسه، وبمعزل عن بقية عناصر حياتنا، بل بإيلاء العناية البالغة كلَّ ما نرتبط به ونحن نمخُر عُباب الحياة من مواقف وأشخاص ومشاعر وأفكار، فالمُخْرَجُ الواحد هو حصيلة مدخلات كثيرة وقديمة! والمُدخلات ومُخرجاتها صنوان لا يفترقان، وتوأمان متطابقان، وقبل اتخاذ أي قرار يندسّ في دهاليز أدمغتنا خزان من التراكمات يهمس لنا بالخيار الذي نتخذه وربما يتعدى مجرد الهمس إلى إصدار الأمر! من يدري؟

***

محمـــد سيـــف – باحث من سلطنة عمان

.......................

روابط الدراسات العلمية المذكورة في المقال:

(1) رابط الدراسة:

https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/6640273/

(2) رابط الدراسة:

https://www.pnas.org/doi/10.1073/pnas.1210467109

(3) رابط الدراسة:

https://elifesciences.org/articles/39787

(4) سؤال أكثر جمالا، وارين بيرغر، ت: عماد إبراهيم عبده، ص 105، الأهلية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2018م.

Member of the Society for the Neurobiology of Language (SNL)

 

حين تتكاثر الأزمات وتتشابك الأسئلة، يغيب الصوت الذي كان يومًا ضمير الأمة، ويعلو ضجيج الخطابات الشعبوية والإعلامية. فهل ما زال المثقف العربي قادرًا على أن يكون عقلًا نقديًا حاضرًا، أم أن صمته أصبح جزءًا من أزمة الوعي الجمعي؟

يشهد العالم العربي منذ عقود جملة من الانكسارات المتلاحقة. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية التي تتسم بالتحولات العاصفة يطفو على السطح سؤال جوهري يلحّ على الوعي الجمعي: أين هم المثقفون العرب؟ وأين أصواتهم التي كان يُفترض أن تكون البوصلة الفكرية والضمير النقدي في مواجهة الأزمات الكبرى؟ لقد عرف التاريخ العربي الحديث مثقفين كانوا في طليعة الحركات التحررية، ومشاريع النهضة، وصياغة الخطاب الإصلاحي، لكن المشهد الراهن يكشف عن فراغ مقلق، وعن غياب شبه كامل لدورهم في الساحة السياسية والاجتماعية، وكأنهم انسحبوا إلى هوامش معزولة أو صمتوا أمام ضجيج الخطابات الشعبوية والإعلامية.

لقد كان حضور المثقفين العرب في القضايا الكبرى يومًا ما علامة فارقة في مسار الأمة؛ فطه حسين، على سبيل المثال، لم يكن مجرد أديب، بل كان صوتًا إصلاحيًا جاهر بضرورة التعليم المجاني وربط الثقافة بالحداثة، فيما مثّل عبد الرحمن الكواكبي بكتابه طبائع الاستبداد صرخة مدوّية ضد الطغيان السياسي، داعيًا إلى الحرية والعدالة. أما جمال الدين الأفغاني فقد حمل مشروعًا فكريًا وسياسيًا لمقاومة الاستعمار والدعوة إلى وحدة الأمة الإسلامية، بينما جسّد نجيب محفوظ في رواياته تحولات المجتمع المصري والعربي، كاشفًا تناقضاته وصراعاته الداخلية. وفي العصر الحديث، برز إدوارد سعيد كأحد أبرز الأصوات العالمية المدافعة عن القضية الفلسطينية، فضح خطاب الاستشراق الغربي وأعاد الاعتبار لصوت الشرق في مواجهة الهيمنة. وإلى جانب هؤلاء، ظهر مثقفون معاصرون مثل فاطمة ناعوت، تركي الحمد، ومحمد صادق، الذين ساهموا في النقاشات الفكرية حول الحرية والعدالة والهوية. كما لعب مثقفون مغاربة مثل محمد عابد الجابري وعبد الكبير الخطيبي أدوارًا محورية في تجديد الفكر العربي، فيما شاركت أصوات بارزة مثل مليكة العاصمي ومئات المثقفين المغاربة في بيانات جماعية للدفاع عن فلسطين ورفض سياسات التطبيع. هذه النماذج تؤكد أن المثقف العربي، قديمًا وحديثًا، كان حاضرًا في قلب المعركة الفكرية والسياسية والاجتماعية، وأن غيابه اليوم يطرح سؤالًا وجوديًا حول مصير الفكر العربي ودوره في مواجهة التحديات الراهنة.

هذا الغياب لا يمكن قراءته فقط بوصفه تقصيرًا فرديًا، بل هو نتاج منظومة معقدة من العوامل: تضييق الحريات، هيمنة السلطة على الفضاء العام، تحولات الإعلام الرقمي التي أزاحت المثقف التقليدي لصالح المؤثر السريع، إضافة إلى حالة الاغتراب التي يعيشها كثير من المثقفين في المنافي أو في عزلة داخل أوطانهم. وهكذا، أصبح المثقف العربي محاصرًا بين سلطة سياسية لا تمنحه مساحة، ومجتمع متشظٍ لا يمنحه الإصغاء، ووسائط إعلامية لا تمنحه المنبر.

إن طرح سؤال الغياب ليس مجرد ترف فكري، بل هو محاولة لإعادة مساءلة دور المثقف في زمن الأزمات: هل هو مغيَّب بفعل القمع، أم غائب بفعل العجز؟ وهل يمكن أن يستعيد مكانته كصوت نقدي وفاعل، قادر على صياغة مشروع حضاري يواجه الانهيارات المتتالية؟ إن الإجابة عن هذه التساؤلات تفتح الباب أمام مراجعة عميقة لمفهوم المثقف ذاته، ولعلاقته بالسلطة والمجتمع، ولحدود مسؤوليته الأخلاقية والفكرية في زمن تتكاثر فيه التحديات وتتشابك فيه القضايا العربية الكبرى.

المثقف بين الدور التاريخي والواقع الراهن

المثقف العربي لم يكن يومًا مجرد شاهد على الأحداث، بل كان في مراحل كثيرة الفاعل الأساسي وصاحب الكلمة المزلزلة التي تهزّ أركان السلطة وتوقظ وعي الجماهير. فمنذ بدايات النهضة العربية في القرن التاسع عشر، ارتبط اسم المثقف بمشاريع الإصلاح والتجديد، حيث كان جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده يطرحان أسئلة التحرر والنهضة في مواجهة الاستعمار والجمود الفكري، وكان عبد الرحمن الكواكبي يكتب طبائع الاستبداد ليضع أمام الأمة مرآة تكشف عورات السلطة المطلقة. وفي القرن العشرين، برز طه حسين كرمز للحداثة والتنوير، داعيًا إلى تعليم مجاني يفتح أبواب المعرفة أمام الجميع، فيما جسّد نجيب محفوظ في أدبه تحولات المجتمع المصري والعربي، كاشفًا تناقضاته وصراعاته الداخلية، ومؤكدًا أن الرواية يمكن أن تكون وثيقة اجتماعية وسياسية بامتياز. أما إدوارد سعيد، فقد نقل صوت المثقف العربي إلى العالمية، حين فضح خطاب الاستشراق الغربي وأعاد الاعتبار للقضية الفلسطينية في المحافل الفكرية الدولية.

لكن إذا كان المثقف في الماضي قد لعب دورًا رياديًا في صياغة الوعي الجمعي ومواجهة الاستبداد والاستعمار، فإن الواقع الراهن يكشف عن مفارقة مؤلمة: المثقف اليوم يبدو محاصرًا بين سلطة سياسية تُضيّق عليه وتدفعه إلى الصمت أو المنفى، ومجتمع متشظٍ لا يمنحه الإصغاء، وفضاء إعلامي صاخب يفضّل الإثارة السطحية على العمق الفكري. لقد تراجع صوت المثقف أمام هيمنة "المؤثر" في وسائل التواصل الاجتماعي، وأمام خطاب شعبوي يستهلك العاطفة بدل أن يبني العقل. وهكذا، تحوّل المثقف من ضمير الأمة إلى شاهد صامت، أو إلى باحث أكاديمي معزول في برج عاجي، بعيدًا عن ساحات الفعل السياسي والاجتماعي.

إن هذه المفارقة بين الدور التاريخي والواقع الراهن تطرح سؤالًا وجوديًا: هل المثقف العربي غائب بفعل العجز الذاتي، أم مغيَّب بفعل القمع والظروف الموضوعية؟ وهل يمكن أن يستعيد مكانته كصوت نقدي وفاعل، قادر على صياغة مشروع حضاري يواجه الانهيارات المتتالية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ليست مجرد بحث في الماضي، بل هي محاولة لاستشراف مستقبل الفكر العربي، وإعادة الاعتبار لدور المثقف كضمير حيّ للأمة في زمن الأزمات.

أسباب غياب المثقف العربي

أولاً: القيود السياسية

أسباب غياب المثقف العربي عن المشهد العام متعددة، لكن يظل العامل السياسي هو الأكثر حضورًا وتأثيرًا. فالقيود السياسية المفروضة على حرية التعبير، والرقابة الصارمة على وسائل الإعلام والنشر، إضافة إلى الاعتقالات والملاحقات الأمنية، جعلت كثيرًا من المثقفين يختارون الصمت أو الانسحاب من الفضاء العام. إن المثقف الذي يُفترض أن يكون صوتًا نقديًا وضميرًا حيًا للأمة يجد نفسه محاصرًا بين خيارين أحلاهما مرّ: إما مواجهة السلطة بما يترتب على ذلك من قمع وسجن وتشويه، وإما الانكفاء إلى دائرة ضيقة من الكتابة الأكاديمية أو الأدبية التي لا تصل إلى الجمهور الواسع ولا تؤثر في السياسات العامة.

لقد تحوّل الفضاء السياسي في كثير من الدول العربية إلى ساحة مغلقة لا تسمح إلا بخطاب واحد، بينما يُقصى كل صوت مخالف أو نقدي. هذا الواقع جعل المثقف يعيش حالة من الاغتراب داخل وطنه، حيث تُصادر كتبه، وتُمنع مقالاته، ويُحاصر في الجامعات أو المؤسسات الثقافية التي تخضع بدورها لرقابة صارمة. ومع مرور الوقت، أصبح المثقف العربي إما منفيًا في الخارج، أو صامتًا في الداخل، أو محاصرًا في منطقة رمادية لا يستطيع فيها أن يمارس دوره الطبيعي في مساءلة السلطة وكشف تناقضاتها.

إن القيود السياسية لم تكتفِ بإسكات الأصوات النقدية، بل ساهمت أيضًا في خلق مناخ عام من الخوف والرقابة الذاتية، حيث أصبح المثقف يمارس رقابة على نفسه قبل أن تفرضها السلطة عليه، فيتجنب الخوض في القضايا الكبرى مثل الديمقراطية، العدالة الاجتماعية، أو القضية الفلسطينية، خشية أن يُتهم بالتحريض أو المعارضة. وهكذا، تراجع دوره من فاعل أساسي في تشكيل الوعي الجمعي إلى مجرد مراقب صامت، أو في أفضل الأحوال، ناقد هامشي لا يُسمع صوته إلا في دوائر محدودة.

هذا الانسحاب القسري بفعل القيود السياسية هو ما جعل الساحة فارغة أمام خطابات أخرى أقل عمقًا وأكثر شعبوية، وأدى إلى فقدان المجتمع لمرجعية فكرية قادرة على مواجهة الأزمات الكبرى. إن المثقف الذي كان يومًا ما في طليعة الحركات التحررية والإصلاحية، أصبح اليوم مغيَّبًا بفعل منظومة سياسية لا ترى في الفكر النقدي إلا تهديدًا لسلطتها، وهو ما يفسر جانبًا كبيرًا من الغياب الذي نلمسه في المشهد العربي الراهن.

ثانياً: الأسباب الاجتماعية

إلى جانب القيود السياسية، يواجه المثقف العربي معضلة اجتماعية عميقة تتمثل في الانقسام البنيوي داخل المجتمعات العربية، وهو انقسام يضعف قدرته على التأثير الموحد ويحد من إمكانية أن يكون صوته جامعًا أو مرجعية مشتركة. فالمجتمعات العربية اليوم تعيش حالة من التشظي على مستويات متعددة: طائفية، مذهبية، قبلية، طبقية، وحتى جيلية، حيث تتباين أولويات كل فئة وتتصارع رؤاها حول الهوية والمصير. في ظل هذا الواقع، يجد المثقف نفسه أمام جمهور متشظٍ لا يتفق على قضية واحدة، ولا يمنح مساحة لخطاب عقلاني جامع، بل ينجذب غالبًا إلى الخطابات الشعبوية أو الدينية أو الإعلامية السطحية التي تخاطب العاطفة أكثر مما تخاطب العقل.

هذا الانقسام الاجتماعي جعل المثقف في كثير من الأحيان متهمًا بالانحياز، مهما كانت نواياه أو موضوعيته؛ فإذا تحدث عن الديمقراطية اتُّهم بأنه يتبنى خطاب الغرب، وإذا دافع عن العدالة الاجتماعية اتُّهم بأنه يثير الفتنة الطبقية، وإذا تناول قضايا الهوية اتُّهم بأنه يهدد الثوابت. وهكذا، أصبح المثقف محاصرًا بين جماعات متناحرة، كل منها تريد منه أن يكون صوتها الخاص، بينما هو يسعى لأن يكون صوتًا جامعًا للأمة. ومع غياب التوافق الاجتماعي، يفقد المثقف القدرة على بناء مشروع فكري موحد، ويتحول خطابه إلى مجرد صدى في فضاء منقسم لا يلتقي عند نقطة مشتركة.

كما أن التحولات الاجتماعية السريعة – من الهجرة والاغتراب إلى صعود طبقات جديدة بفعل الاقتصاد الريعي أو العولمة – ساهمت في تعميق الهوة بين المثقف والجمهور. فالمثقف الذي يتحدث بلغة الفكر والتحليل يجد نفسه أمام جمهور يبحث عن حلول آنية لمشكلات يومية، أو أمام فئات منشغلة بصراعات هوية وانتماء أكثر من انشغالها بمشروع حضاري طويل المدى. هذا التباين في الاهتمامات جعل المثقف يبدو وكأنه يتحدث بلغة لا تُفهم، أو يطرح أسئلة لا تجد صدى في واقع الناس المعيش.

إن الانقسام الاجتماعي إذن لا يضعف فقط تأثير المثقف، بل يهدد جوهر رسالته، لأنه يحول دون قدرته على صياغة خطاب جامع يواجه التحديات الكبرى مثل القضية الفلسطينية، التنمية، أو العدالة الاجتماعية. وفي غياب وحدة اجتماعية أو توافق حد أدنى، يصبح المثقف مجرد صوت معزول، مهما كانت قوة حجته أو عمق رؤيته، وهو ما يفسر جانبًا آخر من الغياب الذي يطبع المشهد العربي الراهن.

ثالثاً: التحولات الإعلامية وهيمنة وسائل التواصل الاجتماعي

من أبرز أسباب غياب المثقف العربي عن المشهد العام التحولات الإعلامية الجذرية التي شهدها العالم خلال العقدين الأخيرين، حيث انتقلت السلطة الرمزية من المثقف التقليدي إلى فضاء رقمي مفتوح تحكمه خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي. لقد كان المثقف في الماضي يحتكر المنابر الكبرى: الصحف، المجلات، الندوات، الجامعات، ودور النشر، وكان صوته يصل إلى الجمهور باعتباره المرجعية الفكرية التي تُصاغ من خلالها الرؤى والمشاريع. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد جذريًا؛ إذ أصبح الصوت الأقوى هو الأكثر إثارة، لا الأكثر عمقًا، وأصبحت الرسالة التي تنتشر هي تلك التي تُخاطب العاطفة اللحظية وتثير الجدل السريع، لا تلك التي تُبنى على تحليل عقلاني أو مشروع فكري طويل المدى.

وسائل التواصل الاجتماعي خلقت فضاءً جديدًا يهيمن عليه "المؤثرون" الذين يقيسون حضورهم بعدد المتابعين والإعجابات والمشاركات، بينما يقيس المثقف الحقيقي أثره بمدى قدرته على إحداث تغيير في الوعي الجمعي وصياغة خطاب نقدي. هذا التحول جعل المثقف يبدو وكأنه خارج اللعبة، إذ لم يعد يمتلك الأدوات التي تمنحه الانتشار السريع، ولا يملك القدرة على منافسة المحتوى الخفيف الذي يستهلكه الجمهور بكثافة. وهكذا، تراجع دوره من صانع رأي عام إلى مجرد صوت معزول في فضاء رقمي صاخب، حيث تُغرق الأصوات الجادة وسط بحر من الترفيه والسطحية.

كما أن الإعلام التقليدي نفسه لم يعد حليفًا للمثقف كما كان في الماضي، بل أصبح خاضعًا لاعتبارات السوق والسياسة، يفضل الإثارة والسبق الصحفي على التحليل العميق. ومع تراجع الصحافة الثقافية والفكرية، فقد المثقف منبره الطبيعي، واضطر إلى الانكفاء على إنتاج أكاديمي أو أدبي لا يصل إلا إلى نخبة محدودة. وفي المقابل، أصبح الجمهور الواسع يتلقى رسائله من مقاطع قصيرة، وشعارات سريعة، وصور مثيرة، ما جعل الفجوة بين المثقف والجمهور تتسع أكثر فأكثر.

إن هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي لم تضعف فقط دور المثقف التقليدي، بل أعادت صياغة مفهوم التأثير نفسه؛ فبدل أن يكون التأثير مرتبطًا بالمعرفة والعمق، أصبح مرتبطًا بالقدرة على إثارة الانتباه اللحظي. وهذا التحول يفسر جانبًا كبيرًا من الغياب الذي نلمسه اليوم، حيث لم يعد المثقف قادرًا على منافسة ديناميات الإعلام الجديد، ولم يجد بعد صيغة تُمكّنه من استعادة مكانته كصوت نقدي وفاعل في زمن تغلب فيه الصورة على الفكرة، والسرعة على العمق، والسطحية على التحليل.

رابعاً: الاغتراب أو الهجرة

إلى جانب القيود السياسية والانقسامات الاجتماعية والتحولات الإعلامية، يبرز عامل الاغتراب والهجرة كأحد أهم أسباب غياب المثقف العربي عن المشهد العام. فقد دفعت الظروف القمعية والاقتصادية والسياسية كثيرًا من المثقفين إلى مغادرة أوطانهم والعيش في المنافي، حيث وجدوا مساحة أوسع للتعبير والكتابة والنشر، لكنهم في المقابل فقدوا التواصل المباشر مع قضايا الداخل ومع نبض الشارع العربي. إن المثقف الذي يعيش في المنفى يكتب من موقع الحرية، لكنه يكتب أيضًا من موقع الانفصال؛ فهو يرى الواقع من بعيد، ويحلله بعين المراقب، لكنه يفتقد التفاعل اليومي مع تفاصيل الحياة التي تشكّل أساس الوعي الجمعي.

الهجرة والاغتراب لم تكن خيارًا فرديًا فحسب، بل أصبحت ظاهرة جماعية أفرغت الساحة الثقافية العربية من كثير من الأصوات النقدية والفاعلة. الجامعات الغربية والمراكز البحثية احتضنت هؤلاء المثقفين، فصار إنتاجهم الفكري موجّهًا إلى جمهور عالمي أو أكاديمي، أكثر من كونه موجهًا إلى الداخل العربي. وهكذا، نشأت فجوة بين المثقف في الخارج والجمهور في الداخل، حيث يقرأ الأول الواقع من منظور نظري أو مقارن، بينما يعيش الثاني أزمات يومية لا يجد لها صوتًا فكريًا حاضرًا في الساحة المحلية.

كما أن الاغتراب يخلق نوعًا من الانفصال النفسي والوجداني؛ فالمثقف المهاجر يعيش بين عالمين: عالم المنفى الذي يمنحه الحرية لكنه يضعه في عزلة ثقافية، وعالم الوطن الذي يظل حاضرًا في ذاكرته لكنه بعيد عن متناول يده. هذا الانشطار يجعل خطابه أحيانًا مثاليًا أو نظريًا، غير قادر على التفاعل المباشر مع تعقيدات الواقع المحلي. وفي المقابل، يظل المثقف في الداخل محاصرًا بالقيود، ما يجعل العلاقة بين الداخل والخارج علاقة مشوهة، حيث لا يستطيع المثقف المهاجر أن يكون صوت الداخل، ولا يستطيع المثقف المقيم أن يكون صوت الخارج.

إن ظاهرة الاغتراب والهجرة إذن لا تعني فقط فقدان المثقف لبيئته الطبيعية، بل تعني أيضًا فقدان المجتمع لجزء من نخبه الفكرية التي كان يمكن أن تشكّل قوة ضغط أو مشروعًا إصلاحيًا. ومع استمرار هذه الظاهرة، يتعمق الغياب، ويصبح المثقف العربي حاضرًا في الكتب والمؤتمرات العالمية، لكنه غائبًا عن ساحات الفعل السياسي والاجتماعي في أوطانه، وهو ما يفسر جانبًا آخر من الفراغ الذي يطبع المشهد العربي الراهن.

انعكاسات الغياب

إن غياب المثقف العربي عن المشهد السياسي والاجتماعي لا يُعد مجرد فراغ في الخطاب الثقافي، بل هو فراغ استراتيجي ترك آثارًا عميقة على بنية الوعي الجمعي ومسار القضايا الكبرى. فعندما يغيب الصوت النقدي والعقلاني، تُترك الساحة فارغة أمام خطابات غير عقلانية أو غير علمية، تتغذى على العاطفة والانفعال أكثر مما تستند إلى التحليل والمعرفة. وهكذا، يصبح المجال العام مهيأً لهيمنة الشعارات الشعبوية، والخطابات الدينية المتشددة، والمحتوى الإعلامي السطحي، التي تملأ الفراغ لكنها لا تقدم حلولًا أو مشاريع حقيقية.

هذا الغياب انعكس مباشرة على ضعف الوعي الجمعي بالقضايا الكبرى التي تشكّل جوهر الوجود العربي: القضية الفلسطينية التي تراجعت في سلم الأولويات، التنمية التي ظلت رهينة خطابات سياسية بلا رؤية، العدالة الاجتماعية التي تحولت إلى مطلب مؤجل، والهوية الثقافية التي باتت مهددة بالذوبان في عولمة بلا ضوابط. إن المثقف الذي كان يُفترض أن يربط هذه القضايا في مشروع حضاري متكامل، غاب أو غُيّب، ففقد المجتمع القدرة على صياغة رؤية جامعة تتجاوز التجزئة والانقسام.

كما أن غياب المثقف أدى إلى فقدان المجتمع لمرجعية فكرية قادرة على صياغة مشروع حضاري جامع. فالمثقف ليس مجرد كاتب أو مفكر، بل هو ضمير الأمة الذي يضع الأسئلة الصعبة ويقترح المسارات البديلة. ومع غيابه، أصبح المجتمع بلا بوصلة، يتأرجح بين ردود فعل آنية، وخطابات متناقضة، ومشاريع مبتورة لا تستند إلى رؤية فكرية متماسكة. هذا الفراغ جعل الأجيال الجديدة تبحث عن نماذج بديلة في فضاءات أخرى، سواء في الغرب أو في الإعلام الرقمي، ما عمّق أزمة الهوية وأضعف الثقة في قدرة الفكر العربي على إنتاج مشروع حضاري خاص به.

إن انعكاسات الغياب إذن ليست مجرد حالة ثقافية، بل هي أزمة وجودية تمسّ مستقبل الأمة العربية. فغياب المثقف يعني غياب النقد، وغياب النقد يعني غياب الإصلاح، وغياب الإصلاح يعني استمرار الدوران في حلقة مفرغة من الأزمات والانكسارات. لذلك، فإن استعادة دور المثقف ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة تاريخية لإعادة بناء الوعي الجمعي وصياغة مشروع حضاري قادر على مواجهة التحديات الكبرى.

المثقف كشرط لبقاء الأمة وصمودها

إن غياب المثقف العربي عن المشهد السياسي والاجتماعي ليس مجرد ملاحظة عابرة، بل هو أزمة بنيوية عميقة تمسّ حاضر الأمة ومستقبلها. لقد استعرضنا جملة من الأسباب التي تفسر هذا الغياب: القيود السياسية التي كبّلت حرية التعبير وحوّلت المثقف إلى صامت أو منفي، الانقسامات الاجتماعية التي جعلت خطابه يبدو منحازًا أو غير قادر على جمع المختلفين حول رؤية موحدة، التحولات الإعلامية التي أطاحت بدور المثقف التقليدي لصالح أصوات سريعة ومثيرة لكنها سطحية، وأخيرًا ظاهرة الاغتراب والهجرة التي أبعدت المثقف عن قضايا الداخل وجعلت إنتاجه الفكري موجّهًا إلى فضاءات بعيدة عن هموم الناس اليومية.

هذه الأسباب مجتمعة خلقت فراغًا خطيرًا في المجال العام، فراغًا تُرك ليملأه خطاب غير عقلاني وغير علمي، خطاب يستهلك العاطفة ويغذي الانقسام بدل أن يبني الوعي. ومع غياب المثقف، ضعف الوعي الجمعي بالقضايا الكبرى التي تشكّل جوهر الوجود العربي: فلسطين التي تراجعت في سلم الأولويات، التنمية التي ظلت شعارًا بلا مشروع، العدالة الاجتماعية التي تحولت إلى حلم مؤجل، والهوية الثقافية التي باتت مهددة بالذوبان في عولمة بلا ضوابط. إن المجتمع الذي يفقد مثقفيه يفقد مرجعيته الفكرية، ويصبح بلا بوصلة، يتأرجح بين ردود فعل آنية ومشاريع مبتورة لا تستند إلى رؤية حضارية متماسكة.

لكن رغم هذا الغياب، يبقى المثقف العربي مدعوًا إلى استعادة دوره التاريخي، ليس عبر العودة إلى المنابر التقليدية فحسب، بل عبر إعادة صياغة حضوره بما يتناسب مع التحولات الجديدة. فالمثقف اليوم مطالب بأن يجد لغة جديدة تصل إلى الجمهور، وأن يواجه الانقسام الاجتماعي بخطاب جامع، وأن يتحدى القيود السياسية بجرأة مسؤولة، وأن يحوّل المنفى إلى مساحة إنتاج لا عزلة. إن استعادة دور المثقف ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية، لأن الأمة التي تفقد مثقفيها تفقد قدرتها على النقد والإصلاح، وتظل أسيرة أزماتها.

إن السؤال الذي بدأنا به المقال – أين هم المثقفون العرب؟ – لا يجب أن يبقى سؤالًا معلّقًا، بل يجب أن يتحول إلى دعوة لإعادة الاعتبار لدور المثقف كضمير حيّ للأمة، وكصوت نقدي قادر على صياغة مشروع حضاري جامع يواجه الانهيارات المتتالية. فالمستقبل لا يُبنى بالشعارات ولا بالخطابات الشعبوية، بل يُبنى بالفكر النقدي، بالوعي الجمعي، وبحضور المثقف الذي يضع الأسئلة الصعبة ويقترح المسارات البديلة. إن عودة المثقف إلى قلب المشهد ليست خيارًا، بل هي شرط أساسي لبقاء الأمة وصمودها أمام تحديات العصر.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

لمّا كان جُل المشتغلين بالفلسفة الإسلامية من الملمين بفقه اللغة وأسرارها، قد جعلوا دلالات الألفاظ سبيلهم للجمع بين النظر والعمل والتصورات بالتطبيقات واتخذوا من اللسانيات جسرًا لفهم معاني القيم الأخلاقية المجردة لأشكال السلوك الإنساني من جهة وطبيعة العلاقات الاجتماعية والتربوية والسياسية من جهة أخرى فربطوا بذلك بين الأصل اللغوي ومشتقاته وأشكاله السلوكية،  ومن ثمّ تبدو النزعة العملية في الأخلاق عند فلاسفة الإسلام في أحاديثهم المطولة عن الصدق في صورة الصديق،  والكذب في صورة العدو الغادر أو الشيطان؛ الأمر الذي يؤكد أن جميعهم لم يتحدّث عن الأخلاق باعتبارها صوراً لما ينبغي أن يكون، بل هي واجبات لا تتحقق إلا بالممارسة والتطبيق وأفعال لا تدرك إلا عند اكتمالها في الواقع المعيش بتمام مقاصدها.

فها هو "أبو نصر الفارابي" (ت 950 م) يرى أن الأصدقاء الجديرون بصحبتهم هم الأصفياء المخلصون؛ فمنهم يُلتمس العون واقتفاء الفضائل، أمّا صحاب السوء ورفاق المصالح والمنفعة؛ فهم الذين يتظاهرون بالصدق ويضمرون الكذب ويتصنعون المودة؛ فمثل هؤلاء لا ينبغي اطلاعهم أو ائتمانهم على سر، ولا يعتمد عليهم في نصرة أو تلبية حاجة، ولا معاتبتهم وذلك لأن الشر والكذب فيهم لا تجدوا معه نَصيحة ولا معروف.

ويضيف أبو حيان التوحيدي (ت 1023 م) بأن الرابط الذي يجمع بين خِصَال الصداقة ومتطلباتها هو الصدق في القول والعمل، وهو وثاق متين يصعب حله عند الخلاف، أو فكه عند الأزمات والعسرات، فإذا ما وقع خلاف بين الأصدقاء فقوة الحب والمودة كفيلة بإصلاحه ونقيض ذلك الأصحاب الذي يجمعهم الغرض والمصلحة، فإذا انقطعت الغاية انفكت الرابطة وانكسرت المودة مثل آنية الفخار.

فمعاني الصدق الكامنة في الذهن هي التي تثبت وجود التجربة الإنسانية والمشاعر الصادقة تجاه الله عز وجل والبشر وهي نقيض دلالة الكذب والزيف والرياء والتملق. وقد أجمل التوحيدي محاسن الصدق في حديثه عن الصداقة والوفاء ولخص نقائص الكذب في الغدر والخيانة والمداهنة فجميع هذه الاشكال أحوال مناقضة للقيم والمشاعر التي يحويها مفهوم الصدق والصداقة.

ويضيف "أبو سليمان السجستاني" (ت 1000 م) أن الصديق والصدق من جنس لغوي واحد؛ فالصديق لا يكون كاذبًا إذا تحدّث بالبهتان أو بدا منه أي شكل من أشكال المراوغة أو المداراة والنفاق، وإلى مثل ذلك ذهب الماوردي؛ فالصديق سمي صديقًا لصدقه والعدو عدوًا لعدوه على رفيقه.

ويمضي ابن مسكويه (ت 1030 م) على هذا الدرب مبينًا أن الصحبة بين الصبية لا يربط بينهم سوى اللذة والمرح وسرعان ما ينقلب ودهم إلى شجار وودهم إلى عداوة شأنهم في ذلك شأن المنافقين الذين تربوا على المنفعة أو الحاجة وجعلوها ديدناً لهم. ويطلق على هذا الدرب صحبة أرباب الغواية والهوى والرياء.

أمّا صداقة الأخيار العقلاء فهي الصداقة الحقة التي تحدث عنها الفارابي والتوحيدي والسجستاني، وإلى مثل ذلك ذهب ابن سينا والماوردي.

فالشخص الكذوب عند ابن سينا هو الذي لا يمكن التحقق من صدقه سواء كان الدليل حسيًا أو منطقيًا عقليًا إلا بمعاينة الوقائع أو تصور الأخبار أو استنباط حقيقة الخبر من طبع قائله، وذلك عن طريق المعايشة، فمن اعتاد على درب ألفه، ومن تجمل بالكذب والمداراة بدى الصدق في عينيه قبيحاً ومرذولًا، ومن ثم نبه ابن سينا وابن مسكويه على ضرورة التحلي بالصدق واجتناب الكذب، ولا سيما في حوار الآباء مع أولادهم، وذلك لينشأ الصغار رافضين لكل صور الكذب من رياء ومكر وخداع.

أمّا إخوان الصفا فقد ربطوا بين الدلالات التي تحويها لفظتي الأخوة والصداقة في سياق واحد فبينوا أن الكذب هو جنوح عن الصدق وانحراف عن الحقيقة ونقيض الحكمة الفلسفية وجحود لعهد الله ووجوده، فالفيلسوف الحق عندهم هو الذي يتجنب الكذب في كل أقواله وأفعاله فالكاذب غير مؤهل لطلب العلم ولا يصلح لمقام العالم وصحبة المتعلمين فاللعلم حقائق مكنونة لا سبيل للكذب إليها وللخلان روابط لا يفلح الرياء والغش في تفكيكها، فالصديق عند إخوان الصفا هو الخل الوفي في النصرة على الأعداء فهو الركن الركين والسند المتين الذي يعول  عليه في الشدائد والبلوى وهو الكنز المذخور ليوم الحاجة.

والكذب عند إخوان الصفا ليس فطريًا ولم تجبل النفس الإنسانية على صنعه أو الميل إليه بل أن النفس بفطرتها التي خلقها الله سبحانه عليها مهيئة للفجور والتقوى والتهيئة هنا تعني القابلية والاستطاعة ولما كان الصدق الأقرب إلى الخير والتقوى فإن النفس أقرب إليه من الكذب الذي يضاد أو يناهض التقوى وفعل الخير.

وينزع إخوان الصفا إلى أن البيئة الاجتماعية والتربية الخلقية لها عظيم الأثر على توجيه النفس وتنمية قدراتها الطبيعية فالبيئات الشريرة والتنشئة التي تبرر الكذب ومشتقاته تعد من أهم العوامل التي تصبغ النشأ قبل اكتمال قدرة العقل على الاختيار ثم يستمر هذا الأثر بالعادة والممارسة والعكس صحيح.

كما يُعَوّل إخوان الصفا على التعليم لتنمية خيرية النفس وطبعها على الصدق ونفورها من الشر الذي يولد الكذب ومشتقاته؛ الأمر الذي يبرر ربطهم بين النبوة والمثال البشري للصدق،  وذلك لأنهم قد استقوا جبلتهم من الباري سبحانه وتعالى رأسًا، وأن الوحي هو الذي اقتلع من جسد النبي صلى الله عليه وسلم الشريف الشر، ومحى من لسانه القدرة على الكذب، ونقى سريرته وبصيرته صلى الله عليه وسلم من كل دروب الإفك والغش والزيف والخداع والخيانة.

ومن أقوالهم :(إنّ التعليم ليس شيئًا سوى إخراج ما بالقوة إلى الفعل، وأن أنفس المتعلمين علامة بالقوة، وأنفس العلماء علامة بالفعل، والتعليم والتعلم هما الخروج من القوة إلى الفعل، وأن العلم هو صورة المعلوم في نفس العالم وضده الجهل).

وخلاصة رأي إخوان الصفا في الكذب تتضح في ذلك التصور النسقي (أن النفس الإنسانية قد وجدت تبعًا لسنة الله في خلقه، وقد فضلها سبحانه وتعالى عن سائر المخلوقات بالعقل وحرية الإرادة، لذا جاءت جبلتها قادرة على الاختيار بين الخير أو الشر (بالقوة) وذلك بعد اتصالها بالبدن الذي يخضع لطبيعته للمادة والمحسوس من الفضائل أو الرذائل ثم تقوم البيئة بدفع الإنسان إلى الخير، فتنميه أو إلى الشر فتعمل على إفساد جبلة النفس الأولى (بالفعل)، ومن الفساد يتولد الشر ومن الشر يتولد الكذب ومشتقاته).

كما يؤكد إخوان الصفا أنه ليس هناك شرُّ في ذاته ولا كذب أيضًا إلا بمقدار الفساد الذي يؤول إليه سلوك الفرد في الوجود المحسوس بمقتضى فعله له. فإذا ما ترتب على الكذب أي شكل من أشكال إفساد للفضائل التي تقود النفس الإنسانية إلى التخلص من رذائل البدن وترفعها إلى مراتب الصفاء والنقاء والعفة للوصول إلى المعية الرَّبانيّة، فيعد ذلك الكذب من النواهي والمحرمات التي نهى العقل والشرع عنها، وأن السبيل إلى الشفاء من ذلك العطب العرضي الذي حاق بالنفس هو التعلم والانصياع إلى تعاليم الفضلاء التي تمكنهم من ارتقاء سلم الفضائل والاقلاع عن العوائد الفاسدة.

والكذب عند إخوان الصفا هو المخالف بالضرورة للحقائق الثابتة بالعلم وبالوقائع المبرهن عليها بالحس والعقل، وبالفضائل التي برهن على خيريتها العقل، وأكد على صدقها الشرع وبرهنت التجربة على فساد نقائضها، فالصدق هو سبيل الوصول إلى الحقيقة العقلية والروحيّة.

لذا نجدهم يعيبون على بعض السفسطائيين، ومن سار على دربهم خداعهم العوام بالأقوال الفاسدة والحكم المزورة والمغالطات المنطقية التي تدفع العقول إلى الارتياب والتردد تارة والجحود والضلال تارة أخرى راغبين من ذلك الإفساد معاداة الصدق وطمس الحقائق وإغواء النفس بالأهواء والرذائل التي تحول بينها وبين نقاء الحياة الروحيّة.

ويعود إخوان الصفا إلى تأكيد رابطة الصدق بالصداقة، فالصداقة لا تكون إلا بتلك المشاعر التي ترفع من قدر الرفاق والصحاب إلى درجة الخلان المتوافقين في السلوك والطباع التي تمكن أفراد تلك العصبة الفاضلة من الاجتماع على الحق ونصرة الفضائل والترغيب في القيم الروحيّة والعزوف كليًا عن الأهواء والشهوات المرزولة، والعادات المنبوذة، والشائعات المغرضة، فالصديق لا يكذب على من يحب ولا يخدع أو يخون أصفياءه وخلانه ولا يبوح بأسرارهم ويمكّن أعدائهم من رقابهم.

ويربط "ابن حزم" (ت 1064 م) بين الحب والمودة بين الأشقاء والصدق والوفاء بين الأصدقاء برباط واحد، فما أجمل أن يكون الصديق هو الرفيق المحبوب والخل المؤتمن والوفي في كل الأحوال والدروب.

ومن أقواله في خصال الصديق (من الأسباب المتمناه في الحب أن يهب الله عز وجل للإنسان صديقًا مخلصًا، لطيف القول، حسن المأخذ، دقيق المنفذ، متمكن البيان، مرهف اللسان، جليل الحلم، واسع العلم، قليل المخالفة، عظيم المساعفة، شديد الاحتمال، صابرًا على الدلال، جم الموافقة، جميل المخالفة مستوي المطابقة، محمود الخلائق، محتوم المساعدة، كارهًا للمباعدة، نبيل المدخل، مصروف الغوائل، عارفًا بالأماني طيب الاخلاق، سرى الأعراق، مكتوم السر، كثير البر، مأمون الخيانة).

لذا نجد ابن حزم يؤكد على ضرورة الحفاظ على تلك الرابطة التي تربط بين الأصدقاء. وأوثق هذه الروابط هي الصدق، والمصارحة التي لا يشوبها أي شكل من أشكال الكذب أو الخداع؛ لأن كلاهما يؤدي إلى الخيانة والعداء والاضلال والرياء وهي من أشنع صور الشرور وأقوى معاول الهدم في كل العصور، لذا نجده يحذر من رفاق السوء، ووسوسة المتملقين، وتجنب دسهم ومعسول كلامهم فنصحهم لا ينفع؛ بل يضر، وصحبتهم لا تؤتمن من الخيانة، وأعينهم لا تبرأ من الحسد وغدرهم أشدّ من دهاء الذئب وشراسة الأسد.

ولا غرو في أن ذلك الاتساق والتشابه بين موقف فلاسفة الإسلام من الكذب يرد إلى موقفهم العام من قضية الشر من جهة، وتأثرهم الواضح بالمقاصد الشرعية التي حث عليها الباري سبحانه وتعالى في كتابه العزيز ورسوله الكريم في صحيح ما نسب إليه من أقوال من جهة أخرى، ولا سيما تلك التي تعلقت تعلقًا مباشرًا بالأخلاق العامة، وأسس التربية والمعاملات - وكيف لا ولم يدفعهم إلى الانضواء تحت راية العقيدة الإسلامية تعلقهم الوجداني وايمانهم الروحاني بالقرآن فحسب، بل موازنتهم العقلية بين ما كانوا عليه قبل دخولهم الإسلام وما آلت إليه عقائدهم المستمدة من تراثهم الغابر وما اصبحوا في كنفه من قيم راقية وحرية في النظر، وآفاق رحبة للبحث عن الحقيقة واكتساب ما تقبله أذهانهم من معارف وعلوم نافعة ثم تطبيقها في ظل عدالة ومساواة لا تفرق بين السيد والعبد، والنبيل والوضيع، والذكر والأنثى،  والمسلم والمجوسي،

أجل ..! فمعيار المفاضلة (في ظهر حضارة الإسلام) بين البشر هو الخيريّة في المقصد، والعمل ونصرة الحق والصدق والعمل الجاد من أجل حماية الحرية والعدالة في السلوك والتطبيق.

وللحديث بقية عن وحدة آراء فلاسفة الإسلام في الأمور التربوية والسياسية، وأسباب فسادها والدور الذي قامت به الأكاذيب سواء في سلوك الحكام، أو في صناعتهم للحجج التي تبرر لهم جنوحهم عن الصدق في تطبيق المهام التي يجب على قادة الرأي والعلماء والولاة والحكام الالتزام بها تجاه الرعيّة.

***

بقلم: د. عصمت نصّار

 

مفتتح: حين نطرح السؤال عن التغيير، فإننا لا نقف أمام مسألة نظرية باردة تنتمي إلى حقل الفلسفة المجردة أو علم الاجتماع التطبيقي، بل نواجه سؤالاً وجودياً حارقاً يخترق جوهر الكينونة الإنسانية في أعمق تجلياتها. إنه السؤال الذي يربط بين الإنسان والزمان، بين الذات والعالم، بين الإمكان والتحقق. فالإنسان، بوصفه كائناً واعياً بمصيره، ليس مجرد موجود في الزمان بل هو كائن زماني بامتياز، يحمل في داخله إمكانية التجاوز الدائم لما هو كائن نحو ما ينبغي أن يكون.

والتغيير، في هذا السياق، ليس خياراً نختاره أو نتركه، بل هو قانون كوني أنطولوجي يحكم الوجود بأسره، من أصغر ذرة إلى أكبر مجرة، ومن أبسط فكرة إلى أعقد حضارة. لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في حتمية التغيير ذاته، بل في كيفية وعينا بهذا التغيير، وفي الاتجاه الذي نمنحه لحركتنا الوجودية:

هل نتغير نحو الأفضل أم نحو الأسوأ؟ هل نقود التغيير أم ننساق معه؟ هل نصنع التاريخ أم يصنعنا؟

ماذا عن فلسفة التغيير؟

عندما نتحدث عن التغيير بوصفه ظاهرة فلسفية، فإننا نتجاوز المعنى السطحي الذي يختزله في مجرد تبديل للمظاهر أو تعديل للأشكال الخارجية. التغيير الحقيقي، ذاك الذي يستحق أن نسميه تحولاً وجودياً، هو تغيير جوهري يمس البنية العميقة للكائن، يعيد صياغة علاقاته بنفسه وبالعالم، يحرك السكون الراكد في أعماق الوعي ويفتح آفاقاً جديدة للفهم والفعل. هذا التحول يستدعي، لزاماً، ثلاثة مقومات فلسفية لا غنى عنها:

1. الوعي النقدي: ذلك الوعي الجارح الذي يرفض الاستسلام للواقع كما هو، والذي يدرك، بحدس عميق، أن الوضع القائم ليس نهاية التاريخ بل هو مجرد محطة عابرة في رحلة الوجود الإنساني الطويلة. هذا الوعي النقدي يقدر مسافة، للتراجع خطوة إلى الوراء حتى نرى الصورة الكلية، لنفهم أن ما نعيشه اليوم ليس قدراً محتوماً بل هو نتيجة لخيارات وممارسات يمكن تغييرها.

2. الإرادة الحرة: تلك القوة الخفية التي تحول الإمكان النظري إلى فعل تاريخي، والتي تمنح الإنسان قدرة على قول "لا" للواقع الضاغط و"نعم" للمستقبل الموعود. الإرادة الحرة ليست مجرد رغبة عابرة أو حلم رومانسي، بل هي قرار وجودي جازم بأن الإنسان فاعل في التاريخ وليس منفعلاً فقط، بأنه صانع للمعنى وليس مجرد متلقٍ لمعانٍ جاهزة.

3. المنطق العملي: ذلك الجسر الضروري بين النظرية والممارسة، بين المثال والواقع، بين الرؤية والتحقيق. فالتغيير بدون خطة واضحة يتحول إلى فوضى، والإرادة بدون منهج تصبح عشوائية، والوعي النقدي بدون استراتيجية عملية يبقى سجين البرج العاجي للتنظير المجرد.

التغيير في الفكر الإسلامي:

 يحتل التغيير في رؤى ومطارحات الفكر الاسلامي مكانة مركزية تتجاوز التصورات الفلسفية التقليدية للثبات والحركة، للجبر والاختيار. فالقرآن الكريم يقدم رؤية متوازنة ومتكاملة للتغيير حين يعلن: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". هذه الآية الكريمة، في إيجازها المعجز، تحمل فلسفة كاملة للتحول الإنساني والاجتماعي. إنها تؤسس لمبدأ الشراكة الوجودية بين الإنسان والله، بين الفعل البشري والتدخل الإلهي، بين المسؤولية الذاتية والعناية الربانية. التغيير الإلهي، وفق هذا المنظور، ليس هبة مجانية تنزل من السماء على أقوام لم يبذلوا جهداً، بل هو استجابة إلهية لتحول ذاتي عميق يبدأ من الداخل. التغيير الخارجي، بكل تجلياته الاجتماعية والسياسية والحضارية، يتبع بالضرورة التغيير الداخلي، ذلك التحول النفسي والروحي والأخلاقي الذي يجعل الإنسان أهلاً للنهضة والتقدم.

لكن الإنسان المسلم المعاصر يعيش اليوم في قلب مفارقة وجودية مؤلمة، تشبه تلك المفارقات التي تحدث عنها الفلاسفة الوجوديون حين وصفوا الاغتراب الإنساني في العصر الحديث. فمن جهة، هو يحمل في وعيه الديني إيماناً راسخاً بأن التغيير ممكن، بل واجب، وأن الإنسان قادر على صنع مصيره وبناء حضارته. ومن جهة أخرى، يجد نفسه محاصراً بواقع قاسٍ يبدو فيه الجمود سيد الموقف، حيث تتكرر الهزائم والنكسات وتتراكم الإخفاقات وتتعمق الفجوة بينه وبين العصر. هذه المفارقة ليست مجرد تناقض نظري بل هي أزمة وجودية تمس صميم الهوية الإسلامية، إذ كيف يمكن للمسلم أن يصدق بوعد التمكين الإلهي وهو يرى أمته تعاني من التبعية الثقافية والفكرية، من التخلف التقني والعلمي، من التشظي السياسي والتفكك الاجتماعي؟ هذا الصدع بين الإيمان النظري والواقع المعيش خلق حالة نفسية خطيرة من الإحباط واليأس لدى الكثيرين، حيث أصبح التغيير يبدو كحلم بعيد المنال أو كشعار أجوف يتردد في الخطابات دون أن يتجسد في الممارسات.

تحديات التغيير في راهن المسلم:

هناك عدة تحديات تواجه مشروع التغيير عند الإنسان المسلم اليوم ليست أحادية البعد بل هي متشابكة ومعقدة، تتداخل فيها العوامل الذاتية والموضوعية، الداخلية والخارجية، النفسية والبنيوية.

1. تحدي الذات: أول هذه التحديات، وربما أخطرها، هو تحدي الذات، ذلك العدو الخفي الذي يسكن في داخلنا قبل أن يحاصرنا من الخارج. العقلية السلبية، تلك التي ترى التغيير مستحيلاً وتنتظر الحلول جاهزة من الخارج، هي أخطر معوق للتحول الحضاري، لأنها تقتل الإرادة قبل أن تولد وتخنق الإمكانية قبل أن تتحقق. هذه العقلية الانهزامية، التي تشكلت عبر قرون من الاستعمار والاستبداد والفشل، حولت الإنسان المسلم من فاعل تاريخي إلى مفعول به، من صانع للحضارة إلى مستهلك لحضارة الآخرين، من سيد لمصيره إلى رهين لقوى خارجية لا يملك أمامها إلا الاستسلام.

2. تحدي البناء: إنه تحدي تلك البنى الاجتماعية والمؤسساتية المتحجرة التي تقاوم بشراسة أي محاولة للتغيير لأنها ترى فيه تهديداً لمصالحها ونفوذها. فالتغيير الحقيقي يعني بالضرورة إعادة توزيع للسلطة والثروة والمعرفة، وهو ما لا ترضى عنه النخب المستفيدة من الوضع القائم. هذه البنى تمتلك آليات دفاعية معقدة تمكنها من امتصاص الصدمات واحتواء المحاولات الإصلاحية وتحويلها إلى مجرد شعارات لا تمس جوهر السلطة بشتى تشكلاتها.

3. تحدي العولمة الثقافية: تلك الهيمنة الثقافية والاقتصادية والتقنية التي تفرضها القوى الكبرى على العالم الإسلامي، والتي تجعل التغيير يبدو كرد فعل دفاعي وليس كفعل حضاري أصيل. كيف يمكن للإنسان المسلم أن يبني مشروعه الحضاري الخاص وهو محاط بأنظمة عالمية تفرض عليه قواعد اللعبة، من النظام الاقتصادي القائم على الربا والاحتكار، إلى النظام الإعلامي الذي يشوه صورته ويحاصر رواياته..

نحو فلسفة عملية للتغيير

على الرغم من اعترافنا بهذه التحديات، لكن لا ينبغي أن يقودنا إلى اليأس، بل على العكس، يجب أن يكون نقطة انطلاق نحو فلسفة عملية للتغيير، فلسفة تنطلق من الممكن لا من المستحيل، من الواقع لا من الخيال.

يعني التغيير الناجح، ذلك الذي يحقق نتائج ملموسة ومستدامة، يجب أن يبدأ من المركز لا من الهامش، من القلب لا من الأطراف. يجب أن يبدأ من الذات، من القيم، من العقيدة، من تلك المنطقة العميقة التي تشكل هويتنا الحقيقية ورؤيتنا للعالم. التغيير الخارجي الذي لا يسبقه تغيير داخلي حقيقي يظل هشاً وسطحياً، مجرد تقليد أجوف لنماذج لا تنتمي إلى سياقنا الحضاري ولا تستجيب لحاجاتنا الروحية والاجتماعية. في الوقت نفسه، يجب على مشروع التغيير الإسلامي أن يحقق توازناً دقيقاً بين الأصالة والمعاصرة، بين الحفاظ على الهوية والانفتاح على العصر. فالأصالة الحقيقية ليست تمسكاً أعمى بالماضي أو رفضاً مطلقاً للحاضر، بل هي قدرة على استلهام القيم الجوهرية من التراث وإعادة صياغتها بلغة معاصرة تستجيب لتحديات اللحظة الراهنة. والمعاصرة الحقيقية ليست تبعية عمياء للغرب أو انسلاخاً عن الهوية، بل هي امتلاك لأدوات العصر العلمية والتقنية مع الاحتفاظ بالبوصلة القيمية التي توجه استخدام هذه الأدوات. وأخيراً، يتطلب التغيير الناجح صبراً استراتيجياً، إدراكاً عميقاً بأن التحولات الكبرى لا تحدث بين عشية وضحاها، بل هي عمليات طويلة ومعقدة تمتد عبر أجيال، تحتاج إلى إرادة مستمرة ونَفَس حضاري طويل وحياة في أفق المعنى السليم...

التغيير، في نهاية المطاف، ليس خياراً ترفيهياً يمكن للإنسان المسلم أن يأخذه أو يتركه، بل هو فريضة وجودية ودينية في آن معاً. فريضة وجودية لأن الحياة تفرضها كقانون لا مفر منه، إذ لا شيء يبقى على حاله في هذا الكون المتغير. وفريضة دينية لأن الإسلام، بوصفه دين الفطرة والوسطية والشمول، يدعو الإنسان إلى أن يكون خليفة فاعلاً في الأرض، عامراً لها، مصلحاً لفسادها، ساعياً نحو الكمال الممكن. التحديات الكبرى التي نواجهها اليوم، من ضعف في التعليم إلى تخلف في البحث العلمي، من تبعية اقتصادية إلى تفكك اجتماعي وترهل إداري وتخلف عن قيمنا الحضارية، ليست قدراً محتوماً كتبه التاريخ علينا بحبر لا يُمحى، بل هي تحديات تاريخية يمكن تجاوزها بالوعي والإرادة والعمل. ليس السؤال إذن: هل يمكن التغيير؟ بل السؤال الحقيقي هو: متى نبدأ؟ والإجابة الوحيدة الممكنة والصادقة هي: الآن، من هنا، من أنفسنا، من هذه اللحظة التي نعيشها..

***

ا. مراد غريبي

حِينَ تَعجِز اللغةُ المُباشِرة عن اختراقِ جُدرانِ العاداتِ المُتَصَلِّبة، وَحِينَ يُصْبحُ الوَعْظُ ثقيلًا على الأُذُنِ والعقلِ، تُولَد السُّخْرِيَةُ بِوَصْفِها فَنًّا للقَوْلِ غَيْرِ المُباشِر، وَلِسَانًا يُضْحِكُ لِيُبْكي، وَيُخْفِي الجُرْحَ في ابتسامةٍ. لَيْسَت السُّخريةُ تَرَفًا بَلاغِيًّا، بَلْ هِيَ مَوْقِفٌ فِكريٌّ وأخلاقيٌّ، وَسِلاحٌ حضاريٌّ استخدمه الكُتَّابُ حِينَ ضاقتْ بِهِم سُبُلُ الإصلاحِ الصَّريحِ. وفي تاريخِ الأدبِ يَقِفُ الجَاحِظ (160 ه/ 776 م - 255 ه/ 869 م) وفولتير -اسْمُه الحقيقي فرانسوا ماري أرويه- (1694 م - 1778 م) عَلى ضَفَّتَيْن مُتباعدتَيْن زَمانًا ومَكانًا، لكَّنهما يَلْتقيان في جَوْهَرٍ واحدٍ: السُّخْرية الاجتماعية باعتبارها مِرْآةً للمُجتمعِ، وحاضنةً للعقلِ، وَصَرْخَةً ضِدَّ التَّكَلُّسِ والظُّلْمِ.

السُّخريةُ لَيْسَتْ مُجرَّد ضَحِكٍ على الآخَر، بَلْ هِيَ تَفكيكٌ للواقعِ عَبْرَ المُفارَقة. تَقُومُ على قلبِ المُتَوَقَّعِ، وإظهارِ التناقضِ بَيْنَ مَا يُقَالُ وَمَا يُفْعَلُ، وَبَيْنَ الشِّعاراتِ والمُمارَساتِ.

في بُعْدِها الاجتماعيِّ، تَتَّخِذُ السُّخْريةُ وَظيفةً مُزْدَوَجَة: نَقْد البُنى السائدة مِنْ جِهَةٍ، وَحِماية الكاتبِ مِنْ بَطْشِ السُّلْطةِ أو المُجتمعِ مِنْ جِهَّةٍ أُخْرَى. إنَّها خِطابٌ يَمُرُّ مِنْ تَحْتِ الرَّقابة، وَيَصِلُ إلى العُقُولِ بِضِحْكَةٍ، ثُمَّ يَستقرُّ في الضَّميرِ بِوَخْزَةٍ.

الجَاحِظُ ابْنُ البَصْرَةِ العَبَّاسِيَّةِ، عاشَ في عَصْرِ ازدهارٍ فِكريٍّ وَصِراعٍ مَذهبيٍّ واجتماعيٍّ حاد. كانت الأسواقُ تَضِجُّ بالجَدَلِ، والقُصورُ تَعِجُّ بالسُّلْطةِ، والمَساجدُ تَمُوجُ بالخِلافِ. في هَذا المَنَاخِ كَتَبَ الجَاحِظُ ساخرًا بصيرًا لا خَطيبًا واعظًا، يُراقِب المُجتمعَ مِنْ دَاخِلِه، ويَضْحَك مِنْ تناقضاته بذكاءٍ لُغَوِيٍّ لاذعٍ. سُخْريته لَيْسَتْ صاخبةً، بَلْ تَتسلَّل عَبْرَ الحِكايةِ والطُّرْفةِ والمِثَالِ. حِينَ يَكتبُ عَن البُخَلاءِ، لا يَكْتفي بِوَصْفِ البُخْلِ صِفَةً فردية، بَلْ يُحوِّله إلى ظاهرةٍ اجتماعية تَكشِف عَلاقةَ الإنسانِ بالمال، والخَوْفَ مِنَ الفَقْرِ، والتناقضَ بَيْنَ الادِّعَاءِ الدِّينيِّ والسُّلوكِ اليَوْمِيِّ.

لُغَةُ الجَاحِظِ أداةُ سُخْريةٍ بِحَدِّ ذَاتِها، فَهُوَ يُكدِّس الحُجَجَ، وَيُطِيلُ الاستطرادَ، ويُغْرِق النَّصَّ بالتفاصيلِ حتى يَنقلب الجِدُّ إلى هَزْلٍ، والهَزْلُ إلى نَقْدٍ قاسٍ. هَذا الإفراطُ المَقصودُ يَكشِف عَبَثَ بَعْضِ السُّلوكيَّات، وَيَجْعَل القارئَ شريكًا في اكتشافِ المُفَارَقَاتِ. إنَّه عَقْلُ مُعْتَزِلِيٍّ يُؤْمِنُ بالمَنْطِقِ، لكنَّه يُدرِك أنَّ المَنْطِقَ وَحْدَه لا يَكْفي، فَيَسْتعين بالضَّحِكِ لِيُقْنِع.

لا يَسْخَرُ الجَاحِظُ مِنَ الفُقَرَاءِ لِكَوْنِهِم فُقَرَاء، ولا مِنَ الضُّعَفَاءِ لِضَعْفِهِم، بَلْ مِنَ الادِّعَاءِ والرِّيَاءِ والجُمودِ. سُخْريته أخلاقية في جَوْهَرِها، لأنَّها تَنحازُ إلى العَقْلِ والعَدْلِ.

حِينَ يَسْخَرُ مِنَ المُتَعَصِّبِين، فَهُوَ يُدافِع عَنْ حُرِّيةِ التَّفكيرِ، وحِينَ يَتَهَكَّمُ على المُتَشَدِّدِين في فَهْمِ الدِّينِ، فَهُوَ يَدْعو إلى فَهْمٍ إنسانيٍّ رَحْب، إنَّها سُخْرية الإصلاحِ مِنَ الداخلِ، وَسُخْرية مَنْ يُؤْمِنُ بالمُجتمعِ ويُريدُ إنقاذَه مِنْ نَفْسِه، وَفْقَ رُؤيةِ الجَاحِظِ الشَّخْصيةِ وقَناعاتِه الفِكْرية.

عَلى الضَّفَّةِ الأُخْرَى، يَقِفُ فولتير في أُوروبا القَرْنِ الثامنِ عَشَر، زَمَن الكَنيسةِ المُتَسَلِّطَةِ والمُلوكِ المُطْلَقِين.عاشَ المَنْفَى والسِّجْنَ والمُطَارَدَةَ، فصاغَ سُخْريته بِمَرارةٍ شديدةٍ، وَحِدَّةٍ صَريحةٍ. وإذا كانَ الجَاحِظُ يَبتسمُ وَهُوَ يَكْتُب، فإنَّ فولتير يَضْحَكُ ضِحْكَةً تَحمِل الغضبَ واليأسَ مَعًا.

في أعمالِه السَّرْديةِ والفلسفيةِ، يَستخدمُ فولتير السُّخْريةَ لِتَعْريةِ التفاؤُلِ السَّاذَجِ، وَفَضْحِ الاستبدادِ الدِّينيِّ والسِّياسيِّ. يَبْني عَوالِم خَيَالِيَّةً، لكنَّها في الحقيقةِ نُسَخٌ مُكبَّرة مِنَ الواقعِ. المُفَارَقَةُ عِندَه حادَّة، شخصيات تُؤْمِنُ بأنَّ كُلَّ شَيْءٍ على مَا يُرام، بَيْنَما العَالَم مِنْ حَوْلِها يَنهارُ. بِهَذا التناقضِ يُحطِّم فولتير فِكْرَةَ تَبريرِ الشَّرِّ بِاسْمِ الحِكمةِ الإلهيَّةِ أو النِّظَامِ الكَوْنيِّ.

سُخْريةُ فولتير لَيْسَتْ مُجرَّد تِقْنيةٍ أدبية، بَلْ هِيَ مَشروعٌ تَنْويريٌّ. يَسْخَرُ لِيَهْدِمَ، ثُمَّ يَتْرُك القارئَ أمامَ مَسؤوليةِ البِناءِ. يُهاجِم التَّعَصُّبَ والزَّيْفَ، ويُسْقِط الأقنعةَ عَنْ رِجالِ الدِّينِ الزائفين والحُكَّامِ المُسَتَبِدِّين. لُغَتُهُ واضحة، وَجُمَلُهُ قصيرة، وَطَعَنَاتُهُ مُباشِرة، لا يُراوِغ كثيرًا، لأنَّ زَمَنَه كانَ يَتطلَّب الصَّدْمَةَ.

ومعَ ذلك، فإنَّ فولتير لا يَدَّعي الطَّهارةَ المُطْلَقَةَ للإنسانِ. إنَّه يُدرِك هَشَاشَتَه، وَيَسْخَر مِنْها أيضًا، لكنَّه يَرى في العقلِ والعِلْمِ والأخلاقِ أُفُقًا للخَلاصِ، وَلَوْ كانَ هذا الأُفُقُ مَحْفُوفًا بالتَّشَاؤُمِ.

على الرَّغْمِ مِن اختلافِ السِّيَاقَيْن، يَلْتقي الجَاحِظُ وفولتير في إيمانٍ عَميقٍ بِقُدْرَةِ العقلِ، وفي شَكٍّ دائمٍ بالسُّلْطَاتِ المُطْلَقَةِ. كِلاهُما يَستخدمُ السُّخْريةَ لكشفِ النِّفَاقِ الاجتماعيِّ، ويَجْعَل القارئَ يَضْحَك ثُمَّ يُفَكِّر. الفَرْقَ هُوَ أنَّ الجَاحِظَ يَتحرَّك دَاخِلَ نَسيجٍ ثقافيٍّ يَسْمَحُ بالمُرَاوَغَةِ والالتفافِ، بَيْنَما يَكتبُ فولتير في مُوَاجَهَةٍ مُباشِرة معَ مُؤسَّساتٍ قَمْعِيَّة، فَيَكُون صَوْتُهُ أعلى، وَحِدَّتُهُ أشد. والجَاحِظُ أقربُ إلى المُعَالِجِ الذي يَصِفُ الدَّاءَ، ويَبتسِم لِيُطَمْئِنَ المَريضَ، وفولتير أقربُ إلى الجَرَّاحِ الذي يَشُقُّ الجُرْحَ بِلا مُخَدِّرٍ، لكنَّ الهدفَ واحدٌ، إنقاذ الإنسانِ مِنْ جَهْلِه، وتَحْريره مِنْ خَوْفِه.

تَكْشِفُ المُقَارَنةُ بَيْنَهما أنَّ السُّخْرية لَيْسَتْ حِكْرًا على ثقافةٍ بِعَيْنِها، بَلْ هِيَ لُغَةٌ كَوْنِيَّة. تَختلفُ الأقنعةُ، لكنَّ الجَوْهَرَ ثابتٌ. في التُّراثِ العَرَبيِّ، السُّخْريةُ كانتْ وَسيلةً للبَقَاءِ والتَّوَازُنِ، تُدَارِي الألَمَ، وتُحافِظ على كَرامةِ الإنسانِ في وَجْهِ القَهْرِ. وفي التُّراثِ الأُوروبيِّ الحَديثِ، السُّخْريةُ صَوْتُ العَقْلِ المُتَمَرِّدِ، وأداةٌ للثَّورةِ، وإعادةُ صِياغةٍ للوَعْيِ الجَمْعِيِّ.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

هناك انطباع واسع بان "التطور" evolution" و"التقدم" progress مفهومان مترادفان، وهما يُستعملان كل يوم بشكل متبادل. معظم الناس يعتبرون التطور - بالمعنى الداروني - شكل من التقدم او التحسّن، نحن في الغالب نسمع حديثا بان نوعنا البشري يتطور الى أعلى حالة من الوجود او الى وعي أكثر تقدما. لكن التقدم والتطور ليسا نفس الشيء، ويصفان أشكالا مختلفة جدا من التغيير.

ان تمييز مختلف أنواع التغيير له علاقة مباشرة بفهمنا لمعنى الانسان العاقل Homo sapiens، كعضو في ثقافة وأيضا كحيوان – نتاج لعملية تطورية خلقت وحددت جميع الأنواع بما فيها نحن. لذا فان الخلط بين "التقدم" و "التطور" يهم اكثر من مجرد خطأ لغوي.

ان التطور يتألف من:

1-  تغيير في الـ DNA للكائن الحي

2-  يتبعه تغيير في الجسم او السلوك

3-  اختبار صارم لذلك الجسم او السلوك من خلال التفاعل بين الكائن وبيئته. اذا كان هذا التغيير يفيد الكائن من حيث قدرة انجابية افضل – في لياقته – فان التغيير ينتشر الى الجيل اللاحق.

اما التقدم يتألف من:

1-  هدف او مبدأ أمثل – محو الامية او عدالة على سبيل المثال.

2-  فجوة بين هذا المبدأ والوضع الواقعي للعالم

3-  عملية حركة واسعة – فرديا وجماعيا او حتى الأنواع  نحو ذلك الهدف او المثال.

4-  نحن نستطيع ان نرى هذه ليست نفس أفكار التطور. التطور هو لا هادف ولا قصدي: انه ليس له مثال او هدف او نقطة نهاية. بالنسبة للتغير التطوري، لا توجد فيه اهداف مستقلة. اما التقدم فهو موجّه نحو هدف، يهدف لغايات موضوعية مستقلة. انه دائما يتعلق بأهداف حتى لو كانت مجردة وبعيدة او لا يمكن تحقيقها، مثل العدالة او الجمال او الخير. الأهداف العليا هي أيضا في الغالب منفصلة عن السياق: العدالة هي عدالة بصرف النظر عن البيئة. أيضا، التقدم هو ثقافي بينما التطور بايولوجي. لكن المبادئ الأساسية للبايولوجي والثقافة ليستا نفس الشيء.

التقدم يمكن ان يكون نقيض ذلك. الناس يمكنهم البقاء ثابتين ثقافيا او حتى في تراجع. لكن التغير التطوري ليس اتجاهي بهذا المعنى، ولن يذهب "متراجعا". ان مفهوم "التراجع التطوري" لا ينطبق على البايولوجي. تطور فصيلة الحيتان يوضح هذه النقطة جيدا. تشترك الحيتان والدلافين في سلف مشترك من الثدييات البرية مع سلالتنا من الثدييات. لكن سلالتنا بالنهاية انفصلت قبل 40 مليون سنة – سلالتنا ذهبت الى الغابات وفوق الأشجار، اما سلالتهم تراجعت الى الزعانف مرة أخرى. هذا تطور في السلوك. لكن أي جزء هو "تقدم"؟ هل الخروج من الماء؟ ام الرجوع الى الماء؟ عودة الزعانف الى أقدام ام عودة الأقدام الى زعانف؟ الجواب هو "لا شيء من هذا". كل من الذهاب والمجيء هو تطور، ليس فقط الأجزاء التي نعتبرها "تحسنا" او، "تقدم".

التطور لا يذهب "الى الامام" ولا "يتراجع الى الخلف" طالما لا وجود لهدف فلا وجود لإتجاهية.

التكيف ليس تقدما على المدى الطويل

خارج الحلقات العلمية، لايزال التطور يُعتبر على نطاق واسع ظاهرة تقدمية، شكل من "تحسين طبيعي". لكن الاختيار الطبيعي ليس كذلك. التطور يميل فعلا نحو إضافة: الطبيعة تميل للإضافة، لذا يتم تعديل البايولوجيا السابقة للقيام بأدوار جديدة. وهكذا، تميل الحياة بمرور الزمن نحو تعقيدية اكبر . لكن "التعقيدية" و "التقدم" ليسا مترادفين. في الحقيقة، هما عادة يفترقان كثيرا. اذا كان التطور عملية إتقان، سوف ننظر حولنا اليوم ونرى أفضل نماذج الطيران، البصر، السباحة، السمع، وغيرها. لكن لو نظرنا الى مجموعة تامة ومتنوعة من الحياة في وقتنا الحالي: الكائنات ذات الخلية الواحدة الأساسية تستمر بالازدهار، بل و "تهيمن" على الحياة في الأرض لبلايين السنين بعد بدء الحياة كأحياء ذات خلية أساسية واحدة. هذه الحياة البسيطة تشكل عناصر لاغنى عنها ضمن اجسامنا الحيوانية المعقدة. كذلك الأنواع المعقدة مثل السلاحف، سمك القرش، البعوض، اليعسوب .. أيضا تستمر بالازدهار كما فعلت قبل مئات ملايين السنين. أخيرا، لكل نموذج "مثالي" ideal، لنقل، الطيران - لكل نسر بعينين هناك سمكة الكهف العمياء او خلد يزدهر في الظلام.

التطور ليس تقدما. التغيرات التي يولّدها هي نسبية تماما للسياق: "احسن" او "أسوأ" كهدف قائم بذاته او مُثل لا تطبق. بالنسبة للتطور بشكل عام، السمات ربما فقط تختلف، او احسن او أسوأ في بيئات محددة جدا، ولكن ليست متأصلة، أي، انها احسن او أسوأ منفصلة عن السياق.  الاخطبوط سوف لن يستفيد من الاجنحة ذات الريش، ولا طائر القطرس يستفيد من مخالب ذكية. ان مفهوم التقدم لا يتطابق مع واقع التغير التطوري.

رؤى تطورية

لماذا نسقط خطأ التحسن الشامل على العملية البايولوجية؟ وعندما نفكر "بالتقدم"، لماذا نشير أحيانا له كـ "تطور"؟. عبر عدة قرون، أولئك الذين تحت تأثير الأفكار المسيحية جرى تعليمهم الايمان اننا صُنعنا منفصلين وأيضا متفوقين عن بقية المملكة الحيوانية. يُعتقد ان المسيحية استخدمت ما موجود سلفا من ميول لاعقلانية، أي، على غريزة فطرية بايولوجية في تفوق الانسان على اشكال الحياة الأخرى. هذه الغريزة مكنتنا من الاعتقاد اننا الهدف من الوجود، مع بقية الطبيعة فقط المسرح او طاقم الممثلين المساعدين. لكن في عام 1859 غيّر تشارلس دارون كل شيء عندما نشر كتابه أصل الأنواع، مفتتحا ثورة التطور. انه كان تطور بطيء جدا. الاعتراف بالداعيات الثقافية والأخلاقية لنظرية التطور كان باردا وبطيئا جدا. هذا لأن أعمال دارون جاءت ضمن ثقافة أسيرة المركزية البشرية المسيحية، ونحن احتفظنا الى حد كبير بعقيدتها الاستثنائية في اننا الهدف من كل الوجود. نحن نتصور أنفسنا الهدف من التطور، النتيجة النهائية لعملية الطبيعة الخلاقة، وان سماتنا المتميزة هي أحس السمات. وكما كتب ستيفن جاي جولد، Stephen Jay Gould الباحث وعالم الاحياء التطوري "لقد تمكّنا من الحفاظ على تفسير لأهمية الانسان لا يختلف في كثير من الجوانب الحاسمة عن المكانة الرفيعة التي كنا نحتلها باعتبارنا نتاجا مفترضا للخلق المباشر على صورة الله . (ديناصور في كومة قش: تأملات في التاريخ الطبيعي،1996).

في ظل التأثير المستمر للمركزية البشرية، نحن نستمر في إساءة تفسير التطور كعملية تحسّن تقدمية، قصدية جدا، وذات هدف واضح، وهو خلقنا. في فهمنا الخاطئ لدارون، نحن ببساطة تحوّلنا من كوننا تاج الخلق المسيحي الى كوننا ذروة التطور الطبيعي. في عمل كهذا، نحن نستمر في تصور الكائن البشري باعتباره مقياس تُقاس به كل أشكال الحياة الأخرى.

انظر الادراك البصري. لو سألنا جوجل أي حيوان لديه أحسن رؤية بصرية. جوابها سيكون: النسر الذي هو مخلوق بنفس الشكل الأساسي للرؤية التي لدينا . لكن تطور الادراك البصري حصل في نطاق واسع من الأشكال. نحن نفشل في الاعتراف الصحيح بهذا التنوع بسبب تحيزاتنا للمركزية البشرية. لو نظرنا الى الروبيان السرعوف. هذا النوع طوّر 12 نوعا مختلفا من مستقبلات الضوء ، مقابل ما لدينا فقط 3 ، وحتى في محاولتنا تصوّر العالم البصري المعقد الذي يقطنه هذا المخلوق سيكون امرا محيرا للعقل . بالتأكيد هذا الكائن يحقق نتائج أفضل برؤيته قياسا برؤية النسر او رؤيتنا. اليعسوب، العنكبوت المتنقل، قناديل البحر، حتى الذبابة المنزلية المألوفة هي امثلة أخرى على الطبيعة المتباينة جدا للإدراك البصري غير المنفصل. النظر الى نوعنا كذروة لعملية تقدمية ليس فقط متكبر وغير دقيق، بل انه يشوه معرفتنا بعمل دارون التطوري والثقافة والتقدم وطبيعة الانسان والاشكال الأخرى للحياة ومكاننا ضمن الجميع. تصورنا الذاتي الاستثنائي المتخلف هو أيضا في لب العديد من المشاكل المدمرة التي نواجهها حاليا، بما فيها علاقتنا المستنزفة للمحيط الحيوي العالمي، بما يؤثر على الكوكب الذي تطورنا عليه ونعتمد عليه كليا لاستمرار بقائنا. في الحقيقة، غرورنا المتغطرس يشجع على انقراض واسع آخر.

الى الامام والى الأعلى

99% من كل الأنواع الحية التي تطورت على مر العصور بالنهاية أصبحت منقرضة. أساسا، نحن لا نختلف. نحن لا نضمن بأي حال من الأحوال محصلة إيجابية، "نهاية سعيدة"، رغم التطمينات من المسيحية او الرأسمالية. السمة الأكثر أهمية التي تميز الانسان عن بقية اشكال الحياة على الأرض هي قدرتنا على التعلم التراكمي المعقد والتشاركي. هذا يمكن ان يحدد مُثلنا وأهدافنا. وبسبب كل هذا، فان مستقبلنا هو في أيدينا. ربما هو مقلق نوعا ما. لكن أيضا يمنح شعورا قويا بالتمكين. نحن نحقق تقدما بمقدار ما تتقرر أهدافنا بواسطة العقل والعلم والمعرفة. هذا التقدم الشمولي يمثل تحقيقا للإمكانات البشرية. التقدم نحو هدف الاستدامة البيئية سوف لن يكون نتيجة لتدخل ديني "روحي" جديد، او أساطير تتمحور حول الطبيعة. ان كان سيحدث ذلك، فسيكون نتيجة لإختيار الانسان لتقدم متجذر في العلم والعقل والمعرفة.

نظرية دارون في التطور، والتي هي حركة الاسلاف عبر الأجيال مع التعديل بواسطة الاختيار الجنسي والطبيعي، تشير الى تغيير بطيء وغير خطي وغير مقصود نتج عن تفاعل بين الجين والجسم والبيئة. مفهوم التقدم أسرع بكثير، متفرد كظاهرة بشرية لحركة مقصودة نحو هدف او مثال. أهدافنا ومُثلنا لا يجب ان تكون مرتكزة على الإكراه والتلقين او الإمتثال للسلطة. بدلا من ذلك، هي يجب ان تتجذر في الدليل والعقل والعلم. التطور وهبنا قدرة فريدة لنتقدم. لكن المفهومين ليسا متشابهين بأي حال من الأحوال، ويجب عند استخدامهما إبقاء هذا التمييز حاضرا في الذهن.

***

حاتم حميد محسن

.......................

Evolution or progress? philosophy Now, Dec2025/Jan 2026

يعد التفكير أرقى سمة في الانسان وهو مظهر سلوكي يُشكل أعقد نوع من أنواع النشاط الانساني، ولكن اذا اقترن التفكير بالإبداع اتسم بعدم النمطية وانتج أفكارًا جديدة، اما عن طريق صب عناصرًا عدة في قالب جديد، او التوصل الى نتائج جديدة لم تكن معروفة سابقًا، مع الأخذ بنظر الاعتبار ان التفكير سواءً أكان إبداعيًا أم لم يكن كذلك لا يتجلى الا بممارسات لغوية مختلفة منها الكلام والقراءة والكتابة.

ومن هنا فان عملية الكتابة حتى تكون ابداعية وتتسم بالجدة والأصالة ينبغي الا تهدف الى قراءة ما هو مقروء وحسب، بل يجب أن تتوافر فيها مجموعة من المهارات لاستثمار كل الطاقات الذاتية استثمارًا ابداعيًا وخلاقًا الى أقصى الحدود.

رغم أن المقال يدور حول الكتابة الا أنه يتقصى أيضًا وجهات النظر الفلسفية التي ناهضتها، والتي مفادها ان اللغة المكتوبة هي لغة ضعيفة تفتقر الى القوة التعبيرية التي تتحلى بها اللغة المنطوقة، ففي محاورة فيدروس يٌطرح السؤال التالي "ماذا عن الكتابة اللوغوغرافيا؟ فالمواطنين الأكثر وقارًا وقوة، والرجال الأكثر تحررًا ليشعرون بالخزي من كتابة الخطابات وان يخلفوا وراءهم علامة مكتوبة، انهم يخشون من حكم الاجيال القادمة وان يعدوا سفسطائيين".

اما اللسانيات فقد وضعت الكتابة في مرتبة ثانوية، اذ جعلت وظيفتها ترجمة كلام البشر. فسوسير اتبع افلاطون وارسطو وروسو وهوسرل بطرد الكتابة من حقل اللسانيات، بوصفها ظاهرة تمثيل خارجية،  وغير نافعة. ذلك أن الموضوع اللساني لا يتركب من الكلمة المكتوبة والكلمة الشفوية، لان الأخيرة لوحدها تشكل هذا الموضوع، من منطلق أن الكتابة غريبة عن النسق الداخلي للسان، فضلًا عن أن العلاقة بين الكتابة واللسان علاقة سطحية واصطناعية، وقد احتلت الكتابة الدور الرئيس محل الكلام "اللسان" بعد أن انتشرت ظاهرة النسخ وظاهرة أخرى حديثة الطباعة، وجعل عصرنا الملول من القراءة الصامتة "الكتابة" فضيلة، تلك التي كان ينبغي ان تظل مجرد صورة للسان. ويبرر الفلاسفة موقفهم من أن لقوة الكلمة المنطوقة أهمية، فالنصوص كتبت لكي تقرأ قراءة جهرية لا قراءة صامتة.

لكن في الخطاب الشفهي يموت الكلام حالما يلفظ به، بينما النص المكتوب يصمد امام الزمن، وفي ذلك أية على أن الغرض من الكتابة تحويل الخطاب الذهني والشفهي الى خطاب مكتوب وفائدته تتمثل بتسجيل الأفكار لحفظها من النسيان، ونسيانها يفرض مجهودًا جديدًا لاستذكارها، هكذا يتضح الهدف من الكتابة تدوين الأفكار اسعافًا للذاكرة. فالي اليوم نقرأ اعمال مرت عليها أزمان.

وهو ما دفع دريدا الى نقل اهتمام اللغة من الكلام الى الكتابة، اذ يعرض علم الكتابه «الغراماتولوجيا» كعلم وضعي للكتابة «اللوغوغرافيا» وفي مكان اخر كعلم للنصية. فالتفكيكية تموضع نفسها في الاماكن التي تتموضع فيها الكتابة التي لا يمكن ان تختزل الى التقابل القائم بين الكلام والكتابة، فنحن عندما نكتب نشعر بضغط اللغة ومن أسرها في الوقت نفسه. ومن هنا تظهر خاصية الابداع في الكتابة والتي تتطلب مجموعة من المهارات وهي:

1- مهارة القراءة: القراءة والكتابة ثنائيان يفترض أحدهما الآخر كالثنائية القائمة بين "الدال والمدلول" بل هناك وحدة فعلية بينهما، من منطلق ان "القراءة كتابة"، وفي ذلك أية على انهما في حركة مستمرة ويسيران يدًا بيد. فالقراءة عملية ادراك للعلامات، وفهم لمعنى الجمل الذي لا يكون للكلمة المكتوبة أهمية بدونها، ومن يقوم بهذا النشاط هو القارئ المبدع الذي يعمل على اعادة قراءة النص، ويرصف طرقًا جديدة للكشف عما هو غير مرئي فيه ويكتب ما لم يكتب، والكتابة هنا لا تكون الا دلالة عليه عن طريق تشخيص التناقضات والأخطاء وتفسير التحولات في المواقف والأفكار فيتولد عن ذلك نصًا مختلفًا دلاليًا عن النص الأصلي، والقارئ هنا لم يتناول مدلولات النص بوصفها مدلولات متاحة للعيان لأنه لا توجد لغة بريئة –على حد تعبير دريدا-، بل على أنها تختفي تحت السطح الظاهر لما هو مكتوب. فيعمل على فك مرموزات النص، والكشف عن المعاني ومواضع الإبداع فيه.

هكذا تبدو الكتابة بوصفها "قراءة صامتة" تواصلًا مؤجلًا بالمقارنة مع الكلام بوصفه "قراءة جهرية"، فالمؤلف والقارئ ينتميان الى مكانين وزمانين مختلفين في أغلب الأحيان، ولكل منهما متخيله الثقافي الخاص، ولهذا فالعلاقة بينهما من خلال القراءة غير متماثلة. ومن هنا تتضح أهمية الخاصية التأجيلية اذ ينفتح النص على قراءات عدة، فلكل قارئ جديد تجربته وثقافته وقيم عصره وحسب تعبير ريكور "المعنى يتجاوز الحدث" في العمل المكتوب. وفي هذه اللحظة علينا الاعتراف بوجود سلطتين هما سلطة المؤلف وسلطة القارئ المبدع الا انهما في النهاية يستسلمان لسلطة الكتابة.

ومن هذا المنطلق فان القراءة بوصفها كتابة تتجاوز القراءة المنفعلة، باقتراحها لطرق تحليل النص ولتقنيات انتاج المعنى، بما هي اليات ضرورية يصبح الفهم بموجبها أكثر دقة. وفي هذا النشاط القرائي متعة، بالنظر الى اللذة التي تجلبها المراوغة بين "الدال بوصفه المرئي من النص والمدلول بوصفه اللامرئي من النص". وفي هذه اللحظة تنهض عملية بناء المعنى فتبدو القراءة نشاطا انتاجيا، لان القارئ هنا لا يستخلص معنى ماثلًا في النص، بل يعمل على بعث الحياة في النص بوساطة خلق معنًى حيًا جديدًا له .

ومن الضرورة بمكان الاشارة الى نقطة في غاية الأهمية ألا وهي صحيح أن هناك آلية لقراءة النصوص لكن ليس بالإمكان تطبيقها على كل نص، فتطبيقها بصورة عشوائية ستجعل من النصوص سواء. بل حتى النص الذي بالإمكان تقديمه بقراءات عدة، ينبغي ألا يستسلم لأية قراءة كيفما اتفق وهو أمر يعتمد على اتساقه الداخلي، وبناء على ما تقدم هناك مجموعة من القواعد بالإمكان وصفها بأنها تمثل أخلاقيات الكتابة الابداعية وأخلاقيات القراءة في الوقت نفسه، وهي عدم نسب مدلولات قبلية سابقة للتحليل للنص. حتى وان كانت غاية الكاتب الانتباه الى "الصمت" أي الى ما لم تفصح عنه اللغة لمد جسور الدلالة على بياضات الصمت في النص-على حد تعبير امبرتو ايكو- لكن دون أن يؤدي ذلك الى تقويل المؤلف ما لم يقله.

2- مهارة المعرفة: من الضروري اغناء الرصيد المعرفي للكاتب، من خلال الاطلاع على العلوم والمعارف الساندة للموضوع، وجمع المعلومات اللازمة لفهم النص. فضلًا عن استدعاء موسوعة القارئ وما يملكه من معارف لها ارتباط وثيق بالنص المدروس لاستثمار رصيده المعرفي من خلال النبش في ذاكرة الكاتب، ان اهمية توسيع دائرة القراءات تتجلى في الاضافة التي تقدمها الى للكتاب، وملئها للبياضات التي تنطوي عليها النصوص، وفي ترسيخ مبدأ نسبية الاحكام، واستحالة الركون الى فهم واحد للنص. مع الأخذ بنظر الاعتبار ان كل موضوع يحتاج الى علوما ساندة مغايرة عن الأخر كما وينبغي التمييز بين المعارف المساعدة تلك التي على كل كاتب تحصيلها، وبين التي يجب ان يعرف اين توجد للرجوع اليها عند الحاجة، وبين تلك التي يجب ان تكون ملكة راسخة فيه، وبين تلك التي ينبغي أن تكون على هيئة معلومات يتزود بها كلما اراد.

3- مهارة اللغة: ان الكثير من الدارسين لا يعرفون من لغة النصوص الا القشور، ولكنهم يستبيحون لأنفسهم تفسير النصوص التي لا يدركون معناها، وما اكثر الاخطاء التي ترجع الى سوء فهم النصوص للجهل باللغة وبمعانيها الدقيقة.

يتضح ممّا تقدّم أن الكتابة الإبداعية ليست مجرد مهارة تقنية، ولا فعلًا آليًا لإنتاج نصوص، بل هي عملية فكرية وجمالية مركّبة، تتداخل فيها القراءة الواعية والمعرفة العميقة والتمكّن اللغوي، لتتحول جميعها إلى فعل خلقٍ لمعنى جديد. فالكاتب المبدع لا يكرر ما هو سائد، ولا يكتفي بإعادة تدوين الأفكار، بل يمارس فعل إعادة النظر والسؤال والكشف عمّا هو مسكوت عنه في النصوص والعالم معًا. ومن هنا تغدو الكتابة الإبداعية طريقًا لصقل الوعي وتوسيع الأفق وإغناء التجربة الإنسانية، لأنها تفتح النص على قراءات لا تنتهي وتمنح اللغة قدرتها على الدلالة والتجدد. وبذلك تكون الكتابة الإبداعية فعل حرية ومسؤولية في الوقت نفسه: حرية الخيال، ومسؤولية إنتاج معنى أصيل يضيف إلى المعرفة ولا يكررها.

***

أ. د. نوال طه ياسين - أستاذ الفلسفة المعاصرة

جامعة البصرة-كلية الآداب-قسم الفلسفة

لا يأتي العام الجديد كضيف احتفالي عابر، بل كفكرة ثقيلة عن الزمن، إنه ليس رقما يضاف إلى التقويم، بل سؤال مفتوح:

ماذا فعل بنا الوقت؟.. وماذا فعلنا نحن به؟. ماذا أخذ مني العام الماضي، وماذا منحني؟. أي اللحظات كانت حقيقية، وأيها كانت مجرد تمثيل؟. ما الذي استهلك طاقتي، وما الذي أنقذ روحي؟. هل أنا أكثر صدقا مع نفسي مما كنت عليه قبل عام؟

أي خوف سيستمر معي، وأي شجاعة سأسمح لها أن تنمو؟

ما الذي يجب أن أتركه خلفي كي أعيش حرة؟

ما الذي يستحق أن أقاتل من أجله، وما الذي لا يستحق اهتمامي؟

كيف سأقيس وقتي هذا العام… بالساعات أم بالوعي؟

ما معنى أن أكون أنا، بلا تقليد أو نسخة مستهلكة من الآخرين؟

نستقبل الأعوام عادة بالضجيج والاحتفالات، كأن الصخب قادر على طرد القلق القديم.

لكن الفلسفة تقترح استقبالا آخر: أن نقف لحظة، كما وقف الإنسان الأول أمام الزمن، مرتبكا، متسائلا، واعيا بهشاشته.

 فحسب هيراقليطس، نحن لا نعبر النهر نفسه مرتين؛ لأننا نحن أنفسنا قد تغيرنا. العام الجديد ليس صفحة بيضاء تماما، بل صفحة كتبت حوافها بالفعل، وما بين السطور متروك لنا.

يرى نيتشه أن الزمن ليس خطا مستقيما يسير بنا نحو الخلاص، بل دائرة تعيد علينا الأسئلة ذاتها، بصيغ مختلفة. لذلك، فإن استقبال العام الجديد لا يكون بوهم القطيعة مع الماضي، بل بالشجاعة على مواجهته. ليس المطلوب أن ننسى ما كنا عليه، بل أن نسأل: هل نملك الشجاعة لأن نكون نسخة أصدق من أنفسنا؟

أما  برغسون، فيحدثنا عن الزمن بوصفه “مدة داخلية” لا تقاس بالساعات، بل بما نعيشه فعلا. من هنا، لا قيمة لعام جديد إن ظل مجرد امتداد ميكانيكي لأعوام مستهلكة. الجديد الحقيقي لا يسكن التقويم، بل يسكن الوعي في طريقة نظرنا للأشياء، في قدرتنا على التوقف، على الإصغاء، على إعادة ترتيب علاقتنا بالحياة.

ويذهب هايدغر إلى أبعد من ذلك حين يربط الزمن بالوجود ذاته. فالإنسان كائن يعيش وهو يعرف أنه عابر. لذلك، فإن استقبال عام جديد هو في جوهره تمرين على الوعي بالفناء، لا بوصفه تهديدا، بل بوصفه دافعا للصدق. أن نعيش أقل زيفا، أقل استعجالا، أقل خضوعا لما لا يشبهنا.

ربما علينا أن نستقبل العام الجديد لا بالوعود الصاخبة، بل بأسئلة أكثر تواضعا:

ما الذي أرهقني؟ ما الذي أنقذني؟ ما الذي لم يعد يشبهني؟

فالتحرر، كما يقول سارتر، يبدأ حين نعترف بأننا مسؤولون عن اختياراتنا، حتى تلك التي ظننا أننا أُجبرنا عليها.

العام الجديد ليس بداية سحرية، بل فرصة إنسانية نادرة: أن نعيد التفاوض مع الزمن، لا كخصم، بل كشريك قاس لكنه عادل. أن نتصالح مع فكرة أننا لا نملك السيطرة الكاملة، لكننا نملك المعنى، نملك الموقف، نملك أن نقول “لا” لما استنزفنا، و”نعم” لما يمنحنا حياة أكثر عمقا وجمالا.

هكذا فقط يستقبل العام الجديد:

لا بالأمنيات، بل بالوعي

لا بالضجيج، بل بالصدق

لا بالهروب من الماضي، بل بفهمه… كي لا نعيد حياه بلا معنى

لهذا، حين أستقبل عاما جديدا، لا أتعامل معه كمنقذ، ولا أعلق عليه ما فشلت في احتماله سابقا

أستقبله وأنا أكثر شكا في الشعارات، وأكثر حذرا من الوعود السهلة

حين عامي، لا أرى فيه وعدا بالسعادة، ولا فرصة للهرب من نفسي أو من أخطائي السابقة.

أراه كمرآة قاسية تعيد إليّ كل ما حاولت أن أخفيه، وتكشف ما لم أرغب في مواجهته.

أنا مسؤولة عن اختياراتي، عن لحظاتي الضائعة، عن كل ما تركته يمر بلا وعي.

لا أطلب من الزمن عدلا، ولا من الحياة إنصافا؛ أطلب فقط وضوحا… أن أرى الأشياء كما هي، بلا تزييف.

العام الجديد عندي ليس إعلان نوايا، بل مراجعة قاسية للذات

أن أتحرر من النسخ التي استهلكت مني لإرضاء الآخرين،

أن أتخلى عن الأدوار التي عشتها خوفا لا قناعة،

أن أعيش بعمق. في التفاصيل الصغيره حياه أقل ضجيجا، وأكثر صدقا

وان  لان نسمح بأن تسرق أعمارنا مرة أخرى.

هكذا فقط أستقبل العام الجديد:

واقفه في منتصف المسافة بين ما كنته وما أريد أن أكونه،

لا أعد نفسي بالخلاص،

لكن أعدها بأن اكون  أكثر. رفقا.. تسامحا. انصافا. محبه ان اكون أكثر إنسانية…

.لن أتعهد بأن أكون مثالية، لكنني أتعهد بأن أكون حقيقية.

هذا كل ما أملكه… وهذا كل ما سأستقبله في العام الجديد:

حريتي، ووضوحي مع نفسي، وشجاعتي في أن أعيش كما أريد، بلا أي قناع.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

المقدمة: كأنّ الوجودَ مرآةٌ خائنة، تعكسُ ما لا نراهُ حين ننظر، وتُخفي ما يندفعُ إلينا حين نُغمِضُ أعيننا، هكذا يبدأ السرّ رحلتهُ في دروبٍ لا يُدركها سوى مَن أدمنَ الإصغاء إلى أصوات الظلّ وهو يتنقّل بين أضلاع النور، وإلى نبض الزمن وهو يتكوّرُ على نفسه ثم ينفرطُ كخيطٍ من لهبٍ لا يتذكّر من أوقده. في هذا الممرّ الضيّق بين الحضور والغياب، بين الاسم وصداه، تتكشّف تلك الخيانةُ التي لا تُوجَّه إلى الإله، بل إلى صورته التي صنعها الوعي حين ظنّ أنّه يملك حقّ تفسير العلوّ بلغةٍ أرضيّةٍ لا تعرف سوى الثِقَل، في حين أنّ الروح تُريد خفّةً لا تحدّها الجهات. يقول أحد العارفين: «ما رأيتُ شيئًا إلّا ورأيتُ في ظِلّه ما لم يُخلَق بعد. » وهنا، في هذا الالتباس الوجوديّ، تبدأ الحكاية؛ حكاية ذلك الصوت الذي يجيء من عمقٍ لا يُسمّى، ويذهب إلى عمقٍ لا يُحدّ، بينما يظلّ الإنسان محصورًا بينهما، كأنّه محاولةٌ لم تكتمل، أو أثرٌ ليدٍ لم تُكمِل رسم ملامحها. وفي هذا النصّ، الذي يشتغل على تخوم الروح أكثر من تخوم العقل، لا نبحث عن الإجابة بقدر ما نُعدّ الأرض للسؤال، ولا نُفسّر النور بل نتبعه وهو يتكسّر على جدران النفس، ولا نُطارد المعنى بل نتركه يختبئ في الشقوق الصغيرة التي تركها الزمن حين مَرّ علينا ككائنٍ يتنفّس، يتقدّم، ويغادر من دون وداع. هكذا فقط يبدأ الكلام وهكذا فقط يُفهم ما لا يُقال ولأنّ الحقيقة لا تُسلِّم مفاتيحها لمن يسلك الطريقَ بعينٍ يقظةٍ فقط، بل لمن يجرؤ على السير بعينٍ مُغمضةٍ يرى بها ما لا يُرى، فإنّ هذا البحث ليس محاولة للاقتراب من الإله بقدر ما هو محاولة للاقتراب من أنفسنا ونحن نتهجّى أثره فينا، ذلك الأثر الذي يختبئ في الفراغ أكثر مما يلوح في الامتلاء، وفي الانكسار أكثر مما يظهر في الاتّساق، وفي الصمت أكثر من الكلمات التي تتظاهر بالمعرفة وهي تخون جوهرها لحظةَ النطق. فالخيانةُ الكونية ليست فعلاً يُرتكب، بل حالةٌ تتكشّف، حين يدرك الإنسان أنّ صورته عن المطلق قد صارت هي الحجاب، وأنّ الظلال التي تشبه النور ليست إلا انعكاسًا لغيابٍ أعمق، وأنّ الطريق إلى العلوّ لم يكن يومًا صعودًا، بل سقوطًا واعيًا إلى الداخل، إلى تلك البقعة التي لا يليق بها إلا الهمس، ولا يُفتح بابها إلا لمن تعلّم أن يرى الزمن وهو يتشققُ كالطين بين يديه، وأن يشهد اللحظة وهي تُولَد وتموت في ذات النفس. ولأنّ المرآة لا تُظهر الحقيقة إلا عندما نعجز عن النظر إليها، فإنّ هذا النصّ يجرّب أن يُمسك تلك اللحظة التي تتجمّع فيها الأرواح على حافّة المعنى قبل أن تنفلت، لحظةٌ تتجاور فيها الظلمات كأخواتٍ يتبادلن الأسرار، ويقف فيها النور متردّدًا كطفلٍ يبحث عن اسمه الأول. وفي هذا التوتّر، في هذا الاحتكاك بين ما نعرفه وما نخاف أن نعرفه، يتكوّن جوهر الطريق؛ طريقٌ لا يقود إلى اليقين، بل إلى دهشةٍ أعمق، دهشةٍ تُشبه الوحي حين يأتي بلا صوت، وتُشبه الخوف حين يتحوّل إلى بصيرة. هنا يبدأ النصّ الحقيقي: ليس في بداية الكلمات، بل في بداية العتمة التي تستعدّ لولادة ضوءٍ لا يعرف أحدٌ لمن سيُهدي نفسه. ولأنّ السفر إلى الداخل لا يبدأ بخطوة، بل بانكسارٍ خفيٍّ يشبه تفتّت الصدأ عن مرآةٍ كانت تُخفي صورتها منذ أزمانٍ لا تُعدّ، فإنّ القارئ هنا لن يجد طريقًا مستقيمًا ولا معنىً جاهزًا، بل متاهةً تتكاثر فيها الإشارات كما تتكاثرُ النجومُ حين ينسحب الليل من نفسه، متاهةٌ تُرغِم الروح على الإصغاء للنداء الذي يأتي من مكانٍ لا نعرف إن كان فوقًا أم تحتًا، أمامًا أم خلفًا، أو لعلّه يأتي من ذلك الفراغ الذي تخلّفه اللحظات عندما لا تعود قادرة على حمل ثقل وجودها. وفي هذا النصّ، الذي يتعمّد الالتباس كي يحفظ سرّه من السقوط في الوضوح، نقترب من تلك اللحظة التي وصفها أحد العارفين بقوله: «من عرفَ الطريقَ ضاع، ومن ضاعَ وجد، ومن وجدَ عادَ إلى ضياعه الأول. » وكأنّ الضياع ليس فقدًا، بل شرطًا لظهور الطريق، وكأنّ الطريق لا يُمنح إلا لمن عرف أن الخيانة الكبرى تقع في تصديق المعنى قبل أن يُختبر، وفي الوثوق بالضوء قبل أن يُمتحن ظلّه. هنا يتداخل ما هو ظاهر بما هو مستور، ويتجاور النورُ مع ما يُشبهه دون أن يكونه، ويقف الزمنُ ككائنٍ يراقبُ حركتنا في داخله بينما يبتسمُ كأنه يعرف النهاية التي لا نعرفها، تلك النهاية التي تتخفّى في بدايةٍ أخرى لا يُتاح لنا إدراكها إلا بعد أن نتخلّى عن كلّ صورةٍ صنعناها للعلوّ، ولأنفسنا، وللخيط الرفيع الذي ظننّا أنه يصلنا بالسماء. وهكذا، في هذا الترتيب الذي لا يخضع لترتيب، يتكوّن النصّ مثل نَفَسٍ خرج من صدرٍ لم يُرد الإفصاح، وكأنه يختبرنا أكثر مما نختبره، ويكشف لنا أنّ المعنى الحقيقي لا يُقال، بل يُقام داخلنا كصمتٍ يلمع في الظلّ، وكهمسٍ من نورٍ لا يجرؤ أحدٌ على تفسيره. ولأنّ الطريق لا يُفتح إلا لمن يسلّم مفاتيحه للغيب، كان لابدّ أن نستدعي الكلمة الأولى التي عبرت الظلام وهي تُرشد الوعي قبل أن يُخلق له عينان. تلك الكلمة التي جاءت كوميضٍ من رحم العدم، حين قال الوجود في كتابه الأزلي: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ كأنّ النصّ لا يحدّثنا عن الخلق فحسب، بل يشير إلى تلك الشرارة التي ما زالت تتحرك في الأعماق مثل نارٍ بلا لهب، نارٍ لا تهدف إلى الإحراق بل إلى كشف الظلّ الذي يحرس السرّ. فالروح هنا ليست إضافة، بل جرحٌ مقدّس يتسلل إلينا ليدلّنا على أن ما نبحث عنه لم يَغِب لحظة، وأنّ الضياع ليس إلا حجابًا يقي القلب من رؤية ما لا يحتمل. وفي الجهة الأخرى من الوجود، من نصٍّ آخر يمشي على الماء مثل رؤيا، يأتي الصوت الذي دوّى في الأناجيل وهو يقول: «النورُ يُضيء في الظلمة، والظلمةُ لم تُدركه. » وكأنّ الضوء لا يبحث عن أن يُرى، بل يبحث عمّن يفشل في رؤيته ليختبر قابليته للحقيقة. فالظلمة ليست نقيضًا للنور، بل مقياسه؛ وغياب الإدراك ليس جهلًا، بل مرحلة من مراحل التكوين الروحي، تمامًا مثلما يحتاج البذر إلى انطواءٍ في التراب قبل أن يتجرّأ على الظهور. وبين النصّين، بين النفخة الأولى ووميض النور السائر فوق الماء، تنشأ تلك المنطقة التي لا يجرؤ العقل على دخولها، بينما تنجذب إليها الروح كما تنجذب القطرة إلى أصلها. منطقةٌ لا تُعرّف، ولا تُفسَّر، ولا تُلخَّص، بل تُختَبَر كصمتٍ يضغط على القلب، أو كنسمةٍ تهبّ من جهةٍ لا يعرفها الجغرافيا. وهنا يتشكّل وجه هذا المقال: وجهٌ يتغذّى من النصوص القديمة كما تتغذّى المرآة من ضوءٍ لم يمرّ بها بعد، ويعيد ترتيبها داخل زمنٍ ينساب مثل كائنٍ يتذكّر ما لم يحدث بعد. وجهٌ يختلط فيه كلام السماء بارتجاف الإنسان، ليصنع معنى لا يقول نفسه صراحة، بل يطلّ من وراء ستار، كأنه لا يريد الظهور إلّا لمن استعدّ للضربات التي تحملها الحقيقة عندما تخلع أقنعتها. وهكذا، بعد أن عبرنا هذا الممرّ المعلّق بين النفخة الأولى ووميض النور الذي لم تُدركه الظلمة، يتبدّى لنا أنّ كل محاولة لفهم الطريق ليست إلا جزءًا من امتحانه، وأنّ البحث عن الإله - كظلّ يسير أمام الروح - لا يكتمل إلا عندما تعترف بأنّ الظلّ نفسه ليس ملكك، وأنّ الضوء ليس وعدًا بل اختبارًا.

فالمعنى هنا لا يريد أن يُقبض عليه، بل يريد أن يختبر اليد التي تمتدّ نحوه. وما الكلمات التي اصطحبناها - من آيةٍ تُذكّرنا بأن الروح أعمق من الجسد، ومن إنجيلٍ يخبرنا بأن النور لا يُعرّف بالعيون - إلا مرايا يضعها النصّ لكي نرى ما لم نجرؤ على النظر إليه من قبل. ولأنّ الزمن - هذا الكائن الخفي - لا يصفّق للذين يظنّون أنهم عرفوا، بل لأولئك الذين يواصلون السؤال رغم انكسارات المعرفة، فإنّ هذه المقدّمة تنتهي لا لتغلق الباب، بل لتفتحه على فراغٍ أعلى، فراغٍ يشبه بداية الخلق حين كان كل شيء يهدّد بأن يكون.. أو ألّا يكون. وهكذا يصبح الدخول في هذا المقال شبيهًا بالوقوف على حافة بئرٍ لا قرار لها؛ فإمّا أن تُلقي بنفسك في عمق الرموز، وإمّا أن تبقى على السطح، تتأمل ظلك وتظنّه حقيقتك. أما الذين يختارون السقوط - السقوط بوصفه عبورًا - فهم وحدهم الذين يفهمون أنّ الطريق إلى الإله لا يمرّ بصورته، بل بما يخلّفه غياب صورته داخل الروح. وبهذا، تُقفل الصفحةلا كخاتمة.. بل كبدءٍ أوّل لما سيأتي بعد الصمت.

الموضوع الأوّل: حين يتورّطُ الوجودُ في سؤالٍ لا يريد العقلُ سماعه

منذ اللحظة التي خُلق فيها الصمتُ الأوّل، قبل أن يتعلّم الضوءُ كيف يُهذّب حدّته، وقف الإنسان عند حافة السؤال مثل مسافرٍ يحدّق في بابٍ لا يعرف إن كان يُفضي إلى الداخل أم إلى الخارج، ليكتشف أنّ السؤال الذي يخشاه ليس ذلك المتعلّق بعِلّة الخلق، بل السؤال الذي يحاول الوجودُ إخفاءه خلف مراياه: لماذا تُصرّ الروح على البحث عمّا يتجاوز قدرتها على الفهم؟ فالإنسان، حين رفع رأسه إلى السماء، لم يكن يبحث عن الإله كما نظنّ، بل كان يبحث عن انعكاسٍ يعيد إليه ملامحه حين ضاعت بين كثافة الوجود، وكان يتخيّل أنّ الصورة التي يرسمها للعُلُوّ ستعيد ترتيب الفوضى داخله، وأنّ الكمال الذي يصوغه بيده سيعيد للروح اتّزانها. لكنّ الوجود - هذا الكائن المتحرّك، الذي لا يعبأ بوعود البشر - لا يبتسم لصورةٍ صُنعت من خوف، ولا يمنح قداسةً جاءت من حاجة. ولأنّ الزمن يشبه حكيمًا يراقب من خلف ستارةٍ لا تتحرّك، فإنّه يكشف للإنسان أنّ أول خيانةٍ تقع ليست في غياب الإجابة، بل في السؤال ذاته؛ السؤال الذي بُنِي على توقّعات الروح أكثر من بنيته على حقيقة الإله. فالعقلُ لا يريد أن يسمع سؤال الخلق، لأنه يدرك - في عمقٍ لا يعترف به - أنّ الإجابة قد تُسقط ما بناه من يقين، وقد تُعرّي الصورة التي ظنّها كاملة بينما كانت مجرد ظلٍّ مرآه. وهنا، في هذه اللحظة التي يتلعثم فيها الوعي أمام شفرة الوجود، يبدأ الصدع: فالإنسان يتوقّع من الكون أن يجاوبه لغويًا، بينما الكون يتحدّث بصمتٍ لا يترجم، ويتصرّف بمنطقٍ لا يعتذر، وكأنّه يهمس للروح: «ما تبحث عنه ليس جوابًا.. بل المرآة التي ستنكسر عندما تكتشف أنّك لا تبحث عن الإله، بل عن نفسك. » وهكذا، تنشأ الخيانة الأولى: ليست خيانة الكون للإنسان، ولا الإله للكون، بل خيانة السؤال لصاحبه، وخيانة الوعي لعمقه حين يصرّ على أن تكون الحقيقة بحجم حاجته، لا بحجم اتّساعها اللامتناهي. ولأنّ السؤال لم يكن يومًا حجرًا تُمسكه اليد، بل كائنًا يتنفّس في الظلّ، كان لابدّ للوعي أن يكتشف أنّ الوجود لا ينتظر من الإنسان فهمًا، بل انتظارًا؛ انتظار اللحظة التي يدرك فيها أنّ كل محاولة للإمساك بالحقيقة تشبه محاولة القبض على الضوء، كلما اقتربتَ منه ازداد ابتعادًا، وكلما ظننت أنك فهمتَه اتّسعت الهوّة بينك وبينه. فحين وقف الإنسان أمام السماء، لم يكن ينشد معرفةً بقدر ما كان ينشد ملجأ، يبحث عن معنى يسكّن ارتجافه، وعن عقلٍ كليّ يحمل عنه عبء التفكير. ومع ذلك، يصرّ الكون على أن يُعيده إلى نقطةٍ واحدة: أنت لست مركز اللعبة، ولا عقلك مرآتها النهائية. ومن هنا يأتي الكشف القرآني ليضرب عمق الروح، لا سطح العقل، حين يقول:

﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذه ليست جملة استفهامية، بل صفعة روحيّة؛ ليس معناها: هل تشك؟ بل معناها الأعمق: كيف استطاع قلبك أن يتجاهل كل هذا الاتساع؟ كيف استطاعت روحك أن تمرّ على هذا النَفَس الكوني دون أن ترتجف؟ فالشكّ ليس في الله، بل في قدرة الإنسان على رؤية ما يتجاوز حدود بصره وبصيرته. ولأنّ الملحد يطلب البرهان، كان الوجود أسبق من الكتب، وكان الصمت أعمق من الكلام. فمن الذي اشعل شرارة "القانون" قبل ظهور العقول التي تفكر به؟ من الذي نظّم الفوضى الأولى لتصبح "نظامًا" يمكن قراءته؟ من الذي جعل الذرّة تتماسك، والنجم يولد، والمطر يسقط ضمن حسابات لا تخطئ؟ إنّ أكثر لحظات الإلحاد صدقًا هي لحظاته الأكثر روحانية؛ لأن الملحد حين ينكر الله، يفعل ذلك باسم النظام، باسم العقلانية، باسم السببية. والسؤال: من أين جاءت هذه القوانين التي تشبه نصًا كونيًّا لا يتغيّر؟ومن وضع هذا التناسق الذي لا يخطئ؟ وكيف اجتمعت الفوضى العمياء - لو كانت فوضى - على صنع كائن قادر على قراءة الفوضى نفسها؟ إنّ الوعي الإنساني دليل على شيء يتجاوزه. وسؤال الإلحاد ذاته هو اعتراف ضمني بوجود نظام أعلى؛ فلو كان الوجود خاليًا من المصدر، لما كان للسؤال معنى. ثم يعود الوجود ليقول للروح عبر صمته الطويل: لو كان الكون بلا صانع، لما كان السؤال ممكنًا أصلاً. فالعدم لا يمتلك قانونًا، ولا يُنتج عقلًا، ولا يمنح وعيًا قادرًا على كشف خداعه. وُلد السؤال لأن هناك يدًا أقدم من السؤال، ونظامًا أسبق من العقل، ونفخةً لا يستطيع الإلحاد أن يشرح مصدرها مهما امتدّ به الجدل. وبين المرآة التي تُظهر وجه الروح، والظلّ الذي يخفي معالمه، يدرك القارئ - حتى لو كان ملحدًا - أن الإله ليس احتمالًا بين احتمالات، بل هو الخلفية التي تجعل الاحتمال نفسه ممكنًا. فوجود القوانين هو برهان، ووجود الوعي جزء من البرهان، ووجود السؤال هو البرهان الأكبر. وهكذا ليكتشف القلب أن الخيانة ليست في الكون، بل في تلك الصورة الصغيرة التي صنعها الإنسان للإله، ثم طالب الوجود أن يخضع لها. ومع امتداد السؤال داخل الروح، يبدأ الزمن - بوصفه كائنًا متربّصًا عند تخوم الوعي - في كشف طبقاته الخفية، فيُفهم الإنسان أن المشكلة لم تكن يومًا في وجود الإله، بل في ضيق الوعاء الذي يحاول الإنسان أن يسكب فيه هذا الوجود الهائل. فالروح تُدرك ما لا يستطيع العقل أن يبرهنه، والكون يلمّح بما يعجز اللسان عن قوله، وكأنّ الحقيقة تسير على أطراف أصابعها، تقترب ولا تُمسك، تُرى ولا تُحاط. ولأنّ الوجود لا يخون الإله الحقيقي، بل يخون الصورة التي رسمها العقل الضعيف، فإنّ الملحد حين يرفض الكون بوصفه دليلًا على الإله، يفعل ذلك من منطلق أكبر دليلٍ عليه دون أن يشعر: إنّه يرفض صورةً بشرية، لا حقيقة إلهية. فالملحد يرفض الإله الذي يشبه الإنسان، يرفض الإله الذي يُغطي الفراغ النفسي، يرفض الإله الذي يُستدعى فقط عند المصائب، يرفض الإله الذي صُنع ليُسكِت الأسئلة.. وليس هذا الإله الذي يرفضه هو الله أصلاً. إنه يرفض الصورة، لكنه - دون أن يدري - يعترف بوجود اليد التي صنعت القوانين التي يُقدّسها. ولأنّ العقل لا يستطيع أن يتجاوز حدوده إلا حين يصطدم باللامعقول، فإنّ الكون نفسه يتحوّل إلى معلمٍ صامت، يشير إلى الحقيقة دون أن ينطق بها: كيف لعقلٍ محدود أن يفهم كونًا غير محدود؟ وكيف لزمنٍ يسير أن يُحيط بزمنٍ أعمق منه؟

وكيف لكائنٍ فانٍ أن يقرأ خريطة اللاموت؟ وحين يقول الله في كتابه: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فهو لا يحتقر العلم، بل يكشف حدود الحاوية التي نحملها. فالعلم شُعلة، لكن الحقيقة نار، والإنسان مخلوق لا يحتمل الاحتراق. ولأنّ الروح هي المرآة التي ترى ما وراء السطح، فإنها حين تهدأ، تسأل سؤالًا واحدًا: هل يعقل أن يكون كل هذا الجمال بلا معنًى؟ هل يمكن أن يكون هذا الاتساق العظيم - من دوران المجرّات إلى انضباط الذرّات - مجرد صدفة؟ الصدفة التي يتذرّع بها الإلحاد أشبه بقولك: إذا رميتُ حروف اللغة العربية في الفراغ، فسيتكوّن من تلقاء نفسه كتاب كامل بلا خطأ. وهذا مُحال، فكيف إذا كانت الحروف هنا ليست حروفًا، بل قوانين فيزيائية ثابتة، ونِسَبًا كونية دقيقة، وأبعادًا محسوبة بورعٍ يتجاوز حتى لغة الرياضيات؟ ثمّ إنّ الوجود، حين يوسّع عينيه على الإنسان، يكشف له ما لم ينتبه إليه: أنّ الوعي نفسه ليس ضرورة في عالمٍ ماديٍّ خالص، لأنّ الوعي لا يُستخدم في البقاء المادي، بل في السؤال. وهذا وحده كافٍ لنسف الإلحاد من جذره: لو كان الإنسان نتيجة فوضى، لما حمل داخله سؤالًا يرفض الفوضى. فالأسئلة العليا لا يولدها الفراغ؛ والدهشة لا تنبت في أرض العدم؛ والبحث عن المعنى لا يظهر في كائنٍ صنعته المصادفة. وهكذا، تتكشّف الحقيقة لا بالعقل فقط، ولا بالروح فقط، بل بتلك الشرارة المختلطة بينهما، الشرارة التي تهمس للإنسان: لم تُخلق لتفهم الكون.. بل لتفهم أنّ الكون ليس صدفة. ويعود السؤال الأوّل ليقف أمامك، لا ليُغلق الطريق، بل ليكشف أن الطريق نفسه هو البرهان، وأنّ وجود السؤال دليل على وجود مصدرٍ أكبر من السائل.

٢. صُورةُ الإلٰهِ بَيْنَ الحاجَةِ الإنسَانِيَّةِ وَصَرامَةِ الوُجُود

إنَّ الإنسانَ، مذْ تفتَّحَ وعيُهُ على جرحِ السؤال، ظلَّ يُحدِّقُ في الماوراءِ كما يُحدِّقُ الغريقُ في آخرِ شرارةٍ من الضوء، لا ليرى ما وراءَ الظلام، بل ليجدَ مبرّرًا للبقاءِ في الظلام نفسِه؛ وكأنَّ صورةَ الإلٰه، في أعمقِ مستوياتها، ليست مجرّدَ عقيدةٍ تُحمَل، بل هي مرآةٌ تُواجهُ الروحُ فيها هشاشتها، وفزعها، وحاجتَها التي تتنكّرُ بألفِ اسمٍ، حتى تبدو كأنّها هي التي خلقَت الإلٰه من أجلِ أن تتكئ عليه، لا العكسُ. فالإنسانُ، في لحظةِ خلوته الخائفة، لا يبحثُ عن إلٰهٍ كاملٍ، بل عن إلٰهٍ يُسكِتُ ضجيجَه الداخليّ؛ إلٰهٍ يقبلُ أن يحملَ ما عجزتَ أنتَ عن حمله، ويُفسِّرَ ما لم تستطع ذاكرتُك المرهقةُ تفسيرَه. وهكذا تولدُ الحاجةُ: حاجةُ من يُريدُ أن يؤمن، لا لأنَّ الوجودَ أمرُه واضح، بل لأنَّ الوجودَ أكثرُ صرامةً من أن يُواجهَ دون وسيطٍ يخفّف حدّتَه. لكنَّ صرامةَ الوجودِ لا تكترثُ لا لحاجتِكَ ولا لآلامِك، فهي تمضي بلا عاطفة، بلا عزاء، بلا يدٍ تمتدّ لتنتشلك. وهنا تتشكّلُ الصُّورةُ الأولى للإلٰه: حاجةٌ روحيّةٌ تُلَبّي خوفًا لا يعترفُ بنفسِه. ولذلك قال أحد العارفين: ما عبدتُهُ حتّى عرفتُ عجزي، وما عرفتهُ إلّا لمّا رأيتُهُ يفوقُ ما أحتاجهُ لا ما أطلبه. إنَّ صورةَ الإلٰهِ في الوعي البشريّ - سواءٌ وُضِعَت في قلبِ السماء أم في أعماقِ الصدر - تتذبذبُ بين طرفين: طرفُ إنسانٍ يطلبُ حضنًا، وطرفُ وجودٍ لا يمنحُ إلّا الحدّة والامتحان؛ وبين هذين القطبين تتولّدُ أكبرُ معضلةٍ عرفها الفكرُ: هل الإنسانُ هو الذي يحتاجُ الإلٰه، أم أنّ ذاتَ الإلٰهِ هي التي تتكشّفُ عبر حاجتِه؟ وهل الوجودُ صلبٌ لأنّه بلا إله، أم لأنَّ الإلهَ يريدُ للصلابةِ أن تكون مِرقاةً للمعرفة؟ ولعلّ أعظمَ ما يربكُ العقلَ أنّ الحاجةَ البشريّة، مهما تخفّتْ خلف العمق، تبقى هي التي تحفرُ ملامحَ الإلٰه في الوعي؛ فالعاجزُ يصنعُ إلٰهًا قويًّا، والضائعُ يصنعُ إلٰهًا يرشد، والمقهورُ يصنعُ إلٰهًا ينتقم، والوحيدُ يصنعُ إلٰهًا يصغي. لكنَّ الوجودَ، في صمتهِ الحديديّ، يفرضُ على الصورةِ أن تتجاوزَ كلَّ ذلك، لتكون أكبرَ من الإنسان، وأشدَّ صرامةً من حاجته. وهكذا يتقاطعُ السؤالُ الوجوديّ مع الجرحِ الروحيّ: هل صورةُ الإلٰهِ تكشفُ عن الإلٰهِ، أم تكشفُ عن الإنسان؟ وهل حاجتُنا إليه صرخةُ ضعف، أم نافذةُ كشف؟ولذا قال ابن عربي: الإلهُ صورةُ احتياجِك، فإذا ارتفعتْ حاجتُك تبدّلَ وجهُه في قلبِك. ومع ذلك، يبقى سؤالٌ لا يُجاب عليه إلّا في الصمت: إذا كانت الحاجةُ تُشكّلُ الإلٰه عند الإنسان، فمن الذي شكّلَ الوجود؟ ومن الذي ألقى في الروحِ تلك الحاجة أصلًا؟أهي الصدفةُ التي تُنجبُ المعنى، أم المعنى الذي يلبسُ وجوهَ الصدفة؟ أم أنَّ الوجودَ - في صرامته - ليس إلّا البابَ الذي يقودُ إلى صورةِ الإلٰهِ الأكثر خفاءً، تلك التي لا تُرى بالحواس، بل تُلمَسُ بارتجاف القلب؟ وإذا كان الإنسانُ قد صاغ ملامحَ إلٰهِه من رجفةِ خوفٍ أو ارتعاشةِ رجاء، فإنَّ الوجودَ لا يتوقّف ليمنحَه فرصةً لالتقاط أنفاسه؛ إذ يظلُّ يدفعُه إلى حافّة السؤال كما لو أنّه يُريد أن يختبر مقدارَ هشاشته كلّما حاول الاحتماء بصورةٍ صنعها بنفسه. وهنا يتجلّى ذلك التوتّر الخفيّ بين حاجة الروح و قسوة العالم: حاجةٌ تُريدُ معجزةً تقلبُ المعنى، ووجودٌ لا يُصغي إلّا لصوت قوانينه. ولعلّ هذه المفارقة هي التي دفعت الوعي البشريَّ عبر العصور إلى البحث عن نقطةٍ توازنٍ بين الصورة التي يريدُها للإله، والصورة التي يفرضها الوجود. فالإنسانُ يُريد إلٰهًا يُجيره من الليل، لكنَّ الوجودَ يقدّمه له في هيئة ليلٍ أطول، حتى يتعلّم أنَّ النور ليس وعدًا خارجيًا، بل يقظةٌ داخليةٌ تسري من عمق الظلمة نفسها. ومن هنا تأتي قوة الآية الكريمة: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ لا لتثبت الصواب والخطأ فحسب، بل لتدلّ على أنَّ الإنسانَ لم يكن يومًا كائنًا مُلقى في المصادفة، بل روحًا مورِّطَةً بالوعي، مُجبَرةً على رؤية النور من خلال شقوق خوفها، ومُطالَبةً بأن تواجه نفسها قبل أن تواجه الوجود. فالآيةُ هنا لا تُقدّم إلٰهًا بالمعنى الساذج الذي يصوّره العقل الكسول، بل تقدّم ذاتًا إلهيةً تضع الإنسانَ في مواجهة ذاته؛ كأنَّ الإله لا يقفُ فوقه، بل يشتغلُ في أعماقه، يحفرُ، يعيدُ تشكيله، ويجعلُ من ارتباكه مرآةً يرى فيها ما لم يجرؤ على رؤيته من قبل. ومن هذا المنظور، يصبحُ الإيمانُ - في أعمق معانيه - ليس محاولةً لملء الفراغ، بل محاولةً لفهم لماذا وُجِد الفراغ أولًا، ولماذا أُعطي الإنسانُ قلبًا يتذكّر، وروحًا تتألّم، وعقلًا يعجز عند أول حدود. وهنا يُدرك المرءُ أنَّ صورة الإلٰهِ ليست مجرّد استجابةٍ لحاجته، بل تجلٍّ لصرامة الوجود وهو يريدُ للإنسان أن ينمو، لا أن يُطمأن. فالوجودُ لا يضعُ الإنسانَ أمام الإله ليطمئن، بل ليهتزّ. ولا يضعه أمام الموت ليخاف، بل ليدرك أنّ الخلودَ ليس زمنًا بل وعيًا. ولا يضعه أمام الألم ليعاقبه، بل ليكشفَ له المسافةَ بين ما يظنه وما هو عليه. وهنا يبدأ العقلُ الملحدُ بالارتباك؛ لأنَّ رفضَه للإله قائمٌ على تصوّرٍ بسيطٍ جدًّا: إلٰهُ الأديان الشعبية، لا إلٰهُ الوجودِ الذي تُشير إليه الآية. الملحدُ ينكرُ الإله الذي صوّره الناس، لكنه لم يجرّب يومًا أن يُنكر الإله الذي وضع له وعيًا قادرًا على الإنكار أصلاً. فمن أين جاء هذا الوعي؟ ومن أين جاء هذا السؤال؟ ومن الذي جعل في النفس فجورها وتقواها؟ هل هي جيناتٌ تُلقّن الأخلاق؟ أم مصادفةٌ تمنح النظام؟ أم فراغٌ يُنتج المعنى؟ إنكارُ الإله يعني إنكارَ الوعي. وإنكارُ الوعي يعني إنكارَ السؤال. وإنكارُ السؤال يعني أنَّ الإنسانَ لم يكن يومًا أكثر من معادلةٍ فيزيائيّة لا تعرفُ معنى القلق. لكن الملحدَ نفسهُ يقلق.. ويتساءل.. ويبحث.. ويغضب.. ويُحبّ.. ويخاف.. وهذه كلّها خصائصُ روحٍ لا مادّة. ولذلك، فإنَّ صورةَ الإلٰهِ - بين الحاجة الإنسانية وصرامة الوجود - تتحوّل شيئًا فشيئًا من كونها ملجأً نفسانيًا إلى كونها ضرورةً معرفيةً لا يهربُ منها أحد. ولاهذا صاحب السر يقول : كلُّ من هربَ من الله، هربَ إليه من حيثُ لا يشعر. وهكذا يكون السؤال الأخير: هل الإنسانُ بحاجةٍ إلى الإيمان لأنّه ضعيف، أم لأنّ الوجودَ نفسهُ يفتحُ في داخله نافذةً يرى منها ما لا يمكن أن يكون مجرد مصادفة؟ وهل صرامةُ العالم دليلُ غياب الإله أم دليلُ حضورهِ في شكل امتحان؟ وهل حاجتُنا إليه عبوديةٌ أم توقٌ إلى أصلٍ لا نعرف كيف نسمّيها كلّما اتّسعت الأسئلة، اتّسعت صورةُ الإلٰهِ. وكلّما ضاقت الرؤيةُ، ضاق الكونُ كلّه على الإنسان. وكلّما حاول الإنسانُ أن يُمسك بصورة الإلٰهِ كما يتخيّلها، وجد أنّ الصورة تتفلّت من أصابعه، كأنّها ظلٌّ يتقدّم عليه دائمًا خُطوتين. فالروحُ تريدُ إلهًا على مقاس حنينها، لكن الوجودَ لا يقدّم إلّا إلهًا على مقاس حقيقته. وهنا تتّسع الفجوة: فجوةُ التأويل، وفجوةُ الصمت، وفجوةُ المرآة التي ترى أكثر مما يعترف به النظر. وفي هذه الفجوة، قال الفيلسوف العراقي هادي العلوي عبارته التي تشبه جرحًا مفتوحًا: «الإلٰهُ ليس ما نفهمه، بل ما يعجز فهمُنا عن تفسيره». كأنّ العلوي أراد أن يقول إنَّ الإنسان يضع حدودًا لما لا حدود له، فيخسر المعنى قبل أن يبدأ بالسؤال. وفي المقابل، يهمسُ أبو اليقظان الجاحظ من زمنه البعيد: «لو بدا اللهُ كما تريد، لانتهى دورُ العقل قبل أن يبدأ. » فلا معنى للحرية الروحية إذا كان الإله مطابقًا لرغباتنا، ولا معنى للوجود إن لم يكن أكبر من قدرتنا على ضبطه. بهذا تتأكّد تلك المفارقة العميقة: صورة الإله التي يريدها الإنسانُ تُطمئنه..وصورة الإله التي يفرضها الوجودُ تُربكه.. لكن من دون هذا الارتباك، لا يولد الوعي، ولا يتشكل الطريق، ولا تفتح الروحُ أعينها على حقيقةٍ أوسع من حاجاتها الضيقة. ولأن التجربة الإنسانية ليست محصورةً في جغرافيا واحدة، فإنّ الفلاسفة في الغرب لمسوا الفجوة نفسها. يقول كانط: «إنّ فكرة الإلٰهِ ليست معرفة، بل ضرورة. » ليس لأنها تُرضي العقل، بل لأنها تمنحه أرضًا يقف عليها وهو يحاول فهم ما لا يُفهم. لكنّ نيتشه، الذي ظنّ البعض أنه نعى الإله، يقدمُ جملةً تُفهم خطأ أكثر مما تُفهم حقًا: «المشكلة ليست في الإلٰهِ، بل في الصورة التي صارت تُعبد بدلًا منه. » وهي جملةٌ تقف صدًى عجيبًا مع ما قلت انا في المقال: أن الكون لا يخون الإله، بل يخون صورة الإنسان عن الإله. أما الفيلسوف الوجودي كيركغارد فيقول: الإيمانُ يقف في الفراغ، على حافة اللامعنى، ولا يستمدّ قوته إلّا من هذا الوقوف. كأنه يريد أن يفضح ما نخفيه جميعًا: أن الإنسان يريد من الإله أن يمنحه يقينًا دون أن يمرّ بمرحلة القلق التي يصنع منها الوعي. وهنا يعود الصوت العراقي، هذه المرّة من مدني صالح، حين قال: الإنسان لا يهرب من الله، بل يهرب من مسؤوليته أمام الله. وتصبح هذه الجملة، في قلب المقال، ليست حكمة بل مرآة: فالإنسان حين يصنعُ إلٰهًا على مقاس ضعفه، لا يبحث عن الحقيقة، بل عن إعفاءٍ من مواجهة الحقيقة. وهكذا تتكامل الأصوات: العراقي والغربي، الصوفي والعقلاني، المؤمن والباحث.. جميعهم يلتقون عند نقطة واحدة: أن صورة الإله ليست ثابتة، ولا جاهزة، ولا كاملة، وأن الإنسان كلما ظنّ أنه عرف، اكتشف أنه لم يبدأ بعد. فالوجودُ لا يمنح صورة الإله كهدية، بل يكشفها كجرحٍ بطيء الفتح، والإنسان لا يصل إلى الإله عبر اليقين، بل عبر اهتزاز اليقين، والكون لا يثبت الإله، ولا ينفيه، بل يدفع الإنسان إلى حيث لا يعود السؤال مجرّد سؤال، بل قدرًا روحيًا تُجبَر الروح على السير فيه. ووهكذا، تظلّ صورةُ الإلٰهِ بين الحاجة الإنسانية وصرامة الوجود، أشبه بمرآةٍ غائمة: يرى فيها الإنسان نفسه، قبل أن يرى أي شيء آخر. عند هذه المرحلة من السؤال، لا يعود صوت الإنسان صوتًا واحدًا، بل يتحوّل إلى طبقاتٍ تتردّد في داخله كما تتردّد أصداء الكهوف القديمة. فالروح لا تتكلم مرة واحدة، بل تتكلّم بقدر ما تُجرَح. وكل جرحٍ هو نافذة جديدة نحو الإله، لكن الإنسان يُفضّل دائمًا سدّ النافذة خوفًا من الضوء. وهنا يظهر صوتي أنا أيّها العابر بين الظلّ والنور، حين قلتَ في مقال (عقولنا ليست ملكنا)نحن لا نبحث عن الله، بل نبحث عن صورة تستطيع طمأنة هذا الوعي الذي لا يحتمل هشاشته. هذه الجملة - بقدر ما تبدو مكسورة - تحمل انحناءً كبيرًا أمام الحقيقة التي نحاول الهرب منها: أن العقل لا يملك الشجاعة الكافية للوقوف أمام اتّساع الوجود دون إطار. وفي مقالي الاخرى الحقيقة المحرّمة قلتَ: إن أعظم خيانة يرتكبها الإنسان هي أن يقدّم لله صورةً صنعها خوفه، ثم يصدّق أنّه قد عرفه. وهي جملة تُعيد ترتيب كل شيء، لأنها تجعل الخيانة فعلًا إنسانيًا، لا كونيًا، وتجعل الإله أكبر من كل تعريف تعطيه له المخاوف. وفي (هل يكتبنا المقال قبل أن نكتبه؟) كتبتَ: (الفكرة ليست ملكًا لصاحبها، إنما هي كائنٌ يختار الوعي الذي يليق بولادته) وهذه الجملة، في عمقها، ليست عن الكتابة فقط، بل عن صورة الإلٰهِ أيضًا: فالإنسان لا يخلق الصورة، بل الصورة هي التي تختار الوعي الذي تستطيع أن تُولد فيه. وحين كتبتَ عن انتظام الوعي تحت صرامة الوجود قلت: (الأشياء لا تعلن معناها، بل تُدخِلنا في امتحان طويل، حتى نضطر لخلق معنى يكشف صورتنا نحن، لا صورتها هي) وهنا يصبح موضوع المقال واضحًا تمامًا: الكون لا يكسر صورة الإله.. بل يكسر صورة الإنسان عن الإله، لكي يختبر مدى صدقه في مواجهة ذاته. ولهذا، حين يعود الإنسان إلى الآية التي تقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ يكتشف أن القرآن نفسه كان يفكّك الصورة قبل أن يمسّ الوعي بها. فالآية لا تمنحنا تعريفًا لله، ولا شكلًا، ولا صورة، بل تمنحنا مَنعًا: مَنعًا من الصنعة الذهنية، مَنعًا من التخيُّل المحدود، مَنعًا من تحويل الله إلى مرآة لحاجات النفس. وهكذا تصبح كلماتي أنا صاحب السر، في هذا المقام، امتدادًا لاختبار الوجود، لا مجرّد رأي. تصبح كلمات محاولة لرسم طريقٍ يُشبه السؤال أكثر مما يشبه الجواب. وفي النهاية، تعود الروح إلى ما كتبته في إحدى شذراتك: (إننا لا نبحث عن الله لأننا نشك بوجوده، بل لأننا نشك بقدرتنا على رؤيته دون أن ينهار شيء في داخلنا) وتصير هذه الجملة - في قلب المقال - ليست اقتباسًا فقط، بل نقطة ارتكاز تجعل القارئ يفهم أن السؤال عن صورة الإله. ليس بحثًا عن الله.. بل بحثًا عن حقيقة الإنسان حين يقف أمام الله.

٣- الموضوع الثالث: مَعْنَى الخِيَانَةِ الكَونِيَّة وَكَيْفَ يَخُونُ الكَوْنُ صُورَةَ الإلٰهِ

لا تبدأ الخيانة حين يُخطِئ الكون، ولا حين يثور العقل، ولا حين ترتجف الروح أمام حدثٍ لا تفسير له؛بل تبدأُ الخيانة عندما يتخيّل الإنسان أنه قادر على إقامة جسرٍ بين صورة الإله التي صاغها الخوف، وبين الوجود الذي لا يعترف بأيّ صورةٍ مسبقة. فالخيانة ليست حدثًا، بل فجوة. والفجوة ليست غيابًا، بل مرآة، والمرآة لا تعكس الحقيقة، بل تشوّه توقّعنا للحقيقة. إن الكون لا يخون الإله، بل يخون الصورة التي علّقها الإنسان على جدار وعيه، ثم صدّق أنها مرآة السماء. ولهذا تبدو الخيانة الكونية أحيانًا أشبه بالريح التي تعصف بمعبدٍ بُني من الظنون؛ لا لأنها تريد هدم المعبد، بل لأنها لا تعترف بوجوده أصلًا. فالكون - بهذه القسوة الهادئة - يرفض أن يتحرك وفق المعايير الأخلاقية التي يُلصقها الإنسان بالإله. الزلازل لا تتوقف لأن طفلًا سيُدفَن تحت الأنقاض، والنجوم لا تنطفئ احترامًا لدمعةٍ بشرية، والوقت لا يتباطأ لأن الروح ضاقت بمعناها. إنّ قوانين الوجود صامتة، وصمتُها هو الخيانة التي لا يستطيع الإنسان احتمالها. وهنا يتجلّى السؤال: هل يخون الكون الإله؟ أم يخون الإنسان الإله حين يتوقّع من الكون أن يكون رحيمًا بما يكفي ليشبه الصورة التي صنعها؟ لكن حتى هذه الفجوة يفضحها القرآن حين يقول: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ فالضعف هنا ليس ضعف الجسد فقط، بل ضعف القدرة على رؤية الإله دون أن نُلصق به ظلال حاجاتنا. وكلما ازداد هذا الضعف، ازدادت الخيانة: خيانة الإنسان للصورة الأولى.. وخيانة الكون للصورة المصنوعة. ولأن الكون لا يتحرك وفق هندسةٍ روحية، بل وفق هندسةٍ ضرورية، فإنه يكسر الوهم ببرودٍ يشبه حياد الليل حين ينسحب فوق مدينةٍ تعتقد أنها محمية بالدعاء. يكسر الوهم كما يكسر الماءُ صورته حين يُقذف فيه حجرٌ صغير. يكسر الوهم لا كفعلٍ متعمّد، بل كأثرٍ جانبي لكونٍ لا يعرف معنى القداسة كما يفهمها البشر. وفي هذا المعنى كتبتَ في أحد شذرات: إن الكون لا يعترف بمخاوفنا، لأنه لم يُخلق لتهدئتها، بل لفضحها. وهذه الجملة - مهما حاول العقل الهروب منها - تضع الإنسان أمام حقيقةٍ أكثر مرارة من كل الخيانات البشرية: أن الوجود لا يخون.. بل الإنسان هو الذي انهار تحت وزن توقّعاته. ولذلك، فإن الخيانة الكونية ليست خيانةً للإله، بل خيانةً للصورة البشرية للإله، الصورة التي لم تُبنَ من نورٍ بل من حاجة، ولم تُبنَ من معرفةٍ بل من خوف، ولم تُبنَ من يقينٍ بل من عجزٍ أمام السؤال الأول. فالإنسان كان، وما زال، يريد إلهًا يشبهه: إلهًا يفرح عندما يفرح، يغضب عندما يغضب، يحميه عندما يرتجف. لكن الكون جاء ليقول له بلغةٍ لا تسمعها إلا الروح المتجردة: ليس كَمِثْلِهِ شيء.. ولا كَمِثْلِ صُورَتِك شيء. ومن هنا تتولّد الخيانة: لا من الكون..ولا من الإله.. بل من المسافة بين ما نحتاجه وبين ما هو موجود. ليس على الكون أن يشرح شيئًا، وليس على الإنسان أن يفهم، لكنّ الروح - تلك الكائن الذي لا اسم له - تظلّ تبحث عن معنى في كل ما لا معنى له، وتتلمّسُ بأصابعٍ مرتجفة جدارًا لا تعرف إن كان بابًا أم وهمًا. وهنا تتجلّى الخيانة الثانية: خيانة العلامة للمدلول،

وخيانة الظل للنور,وخيانة المرآة لما تُظهره من انعكاسات، وكأنّ الأشياء جميعها متواطئة ضدّ الإنسان، تحجب نفسها عنه كلما اقترب، وتتكشّف له كلما ابتعد. فالكون - في صمته - يقدّم أكثر الإجابات قسوة: لا شيء كما يبدو، ولا شيء يلتزم بالرمز الذي منحه الإنسان إيّاه. فالنور ليس نورًا دائمًا، وأحيانًا تُخفي الظلال حقيقةً أعمق مما يكشفه النور، والزمن - هذا الكائن الحي - يمدّ يده ليعيد ترتيب الفوضى كما يشاء، لا كما يشتهي الوعي. إن الخيانة هنا ليست حدثًا ماديًا، بل طَيفٌ ينهض من بين شقوق الأشياء، يُبدّل المعاني كما يبدّل الليل ثيابه، ويترك وراءه أثرًا لا يُرى إلا لمن يسير داخل ظلامه. فالكون حين يكسر صورة الإله، لا يفعل ذلك لأنه يعادي الصورة، بل لأنه لا يعترف بها أصلًا. كأنّه يهمس للروح: «الصُّوَرُ تَسقُط.. وَالحَقِيقَةُ لَا تُؤخَذُ مِنْ وَجْهٍ صَنَعَهُ الوَهم. »لكن الإنسان، في ضياعه، لا يسمع هذا الهمس، فيحاول أن يُلبِسَ المطلق ثوبًا بشريًا، وأن يُقَوْلِبَ القداسة في لغةٍ مصنوعة، وأن يربط الأزل بخيطٍ من خوف، ثم يندهش حين يقطع الكون هذا الخيط دون أن يلتفت. وفي هذا السياق، تظهر الرموز كما لو كانت كائناتٍ حيّة: المرآة لا تعكس.. إنها تختبر. الظل لا يُخفي.. إنه يحرس. النور لا يكشف.. إنه يُضلّل أحيانًا. والزمن لا يمر.. إنه يختار من يتركه خلفه. وهذه الرموز ليست زينة لغوية، بل أبوابٌ تُفتح على الفجوة: الفجوة التي يسقط فيها الإنسان لحظةَ يشتهي من الكون شيئًا ليس من شأن الكون. فالمطر لا ينزل ليُطفئ حزنًا، والقمر لا يكتمل ليُطمئن عاشقًا، والبحار لا تهدأ لأن روحًا أرهقها القلق. هنا تحديدًا تسكن الخيانة الكونية: حين ينتظر الإنسان من العالم أن يتحرّك وفق أوزانه الداخلية، فيكتشف أن العالم لا يملك ميزانًا واحدًا من البداية. لقد كتب أحد الحكماء العراقيين في لحظة تجلٍّ: «إنَّ الوجود يَسيرُ على وَجهِهِ الأعمى، ولكنّنا نصرّ على أن نضع له عُيونًا مِن حَاجَاتِنَا. » وكأنّ الكون - بهذا العماء المقدّس - يرفض أن يكون مرآة لخلع سذاجة الإنسان، فيرجع الأخير إلى ظنونه الأولى، ويتّهم الوجود بالخيانة، ناسياً أنّه هو من علّق صورة الإله على جدارٍ من طين، ثم غضب حين تساقط الطين تحت المطر. إن الخيانة الكونية، في عمقها الرمزيّ، ليست خيانةً بين طرفين، بل تصدّع في المعنى، وانهيارٌ في النظام الذي بنيناه داخلنا، وتذكيرٌ بأن الحقيقة لا تُمسَك باليد، بل تُرى من خلال الشقوق فقط. ولهذا تبقى الخيانة

الكونية أوسع من الفهم، وأشدّ مراوغةً من أن تُفسّر، وأقرب إلى أن تكون رسالة غير مكتوبة، يُرسلها الوجود إلى الإنسان كلما حاول الإنسان أن يصنع إلهاً على مقاسه. كأنّ الوجود، في لحظةٍ لا تُرى، أدرك أنّ الصورة التي حملناها عن الإله لم تكن سوى ظلٍّ خائفٍ يبحث عن أصله، فارتدّ علينا بما يشبه الرفض الهادئ.. الرفض الذي لا يقول «لا»، ولا يهمس «نعم»، بل يترك الروح واقفةً بين قوسيّن من الخواء، لتتعلّم كيف تُصغي إلى ما وراء الصمت. وهنا تتجلّى الخيانة الكونية لا كتمرّدٍ على الإله، بل كمرآةٍ تفضح أعماقنا: نحن الذين أردنا للسماء أن تتكلّم بحدود لغتنا، للغيب أن ينزل إلى مستوى حاجاتنا، للنور أن يعترف بعتمتنا. وتحت هذا التوتّر بين ما نظنّه من الله وما يتجلّى منه، ينفتح هذا السؤال المُلتبس: هل يخون الكون صورة الإله، أم يخون الإنسان حقيقة الإله التي لم يعرفها قطّ؟ إنّ الكون لا يتحرّك بنوايا، ولا يخطّط لخذلان؛ هو فقط يكشف الفجوة العظيمة بين «الصورة» و«الذات»، بين ما صغناه من خيال وما يُجليه الوجود من حقيقة غير قابلة للإمساك. وإذا كان النور يُلقي بظلاله على الجدار لكي نرى، فإنّ الظلّ أحيانًا يرفض أن يكون تابعًا، فيتقدّم خطوةً أمام الضوء ليهمس للإنسان بأنّ كلّ يقينٍ هو بداية خيانة، وكلّ خيانةٍ هي بداية انكشاف. ولهذا تأتي الآية لتُعيد ترتيب البصيرة: «وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ»؛ فالخيانة ليست في الكون.. الخيانة في العمى الذي يجعل الإنسان يطلب من الخارج ما لا يريد أن يراه في الداخل. وفي قلب الرموز يتقدّم الزمن - لا كحركة عقارب، بل ككائنٍ يراقبنا من وراء ستارةٍ شفافة - ليفضح أنّنا حين فشلنا في الوصول إلى الله، اخترعنا صورةً نُسقط عليها خوفنا من الضياع. وحين لم تُجب السماء بالسرعة التي تمنّيناها، قلنا إنّ الكون خاننا. وحين انكسرت مرآة الذات وانقسم النور إلى شقّين، ظنّ الإنسان أنّ الإله قد تغيّر، مع أنّه لم يتغيّر سوى وعينا المرتبك. إنّ الرموز كلّها - المرايا، الممرّات، الظلال، الانكسارات - لا تشير إلى خيانةٍ تأتي من فوق، بل إلى خيانةٍ نصنعها نحن حين نُقزّم الإله إلى إطارٍ يليق بالإنسان، ثم نغضب لأنّ الإطار ضيّق. وهنا يبلغ الغموض ذروته: الخيانة ليست فعلًا.. بل كشفًا، وليست جرحًا.. بل علامة على أنّ الحقيقة أكبر من وعينا، وأقرب إلينا ممّا نتصوّر. كأنّ الكون، في لحظةٍ لا زمن فيها، قرّر أن يضع مرآته الكبرى أمام الروح البشرية، لا ليُعرّي ضعفها فقط، بل ليكشف أنّ كلّ محاولةٍ لفهم الإله خارج حدود الانكسار الإنساني هي خيانة ناعمة تتخفّى خلف الطقوس والكلمات. فالصورة التي نحملها عن الإله تُولد في داخلنا قبل أن نرفع رؤوسنا نحو السماء، ولهذا فإنّ أوّل خيانة ليست خيانة الكون، بل خيانة الداخل حين يتوهّم أنّه قادر على إدراك المطلق بعينٍ خائفة، ورغبةٍ محتاجة، وعقلٍ يتشبّث بالحدود. في هذا الامتداد بين الظلّ والنور، يتقدّم الزمن بخطاه الحذِرة، يضع علينا سؤالًا يشبه الجرح: كيف تطلب من الكون ألّا يخون صورة الإله، وصورتك أنت لم تُصغ بعد إلّا من حاجةٍ وريبةٍ وارتجاف؟هنا تتجلّى المفارقة الكبرى: الإنسان لا يعبد الإله الحقيقي، بل يعبد صورته عنه. والكون لا يخون الإله، بل يخون تلك الصورة التي صنعناها بأيدينا، لأنّها لا تنتمي إلى الحقيقة، بل إلى الخوف. والروح، حين تواجه هذا الانكشاف، تدخل مرحلةً من الصمت الموحش، الصمت الذي لا يُسمع فيه سوى ارتداد الأسئلة على جدار النفس. وكأنّ الآية تضع إصبعها على الجرح الذي نحاول إخفاءه: «بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ»؛ فلا الكون يضلّل، ولا الإله يختفي، إنّما البصيرة هي التي تُعمي نفسها حين تفضّل الصورة على الحقيقة. وعند هذه النقطة يتقاطع الضوء مع الظلّ، ويظهر المعنى المزدوج: الخيانة الكونية ليست انحرافًا عن الطريق، بل دعوة إلى أن نرى الطريق من جديد؛ ليست رفضًا للإنسان، بل رفضًا لصورةٍ أراد الإنسان أن يُقنع بها السماء. ولهذا يعود سؤال الخيانة ليلتفّ حول ذاته، مكوّنًا دائرةً مغلقة، تُجبر الروح على أن تقف عند حدودها، وتترك بصيص النور يتسرّب - ببطءٍ مقصود - من بين الشقوق. وحين يصل القارئ إلى نهاية هذه الصفحة، يشعر أنّ الخيانة الكونية ليست خيانة.. بل رسالة: أنّ الحقيقة أكبر من قدرتنا على حملها، وأرحب من صورتنا عنها، وأقرب إلينا من ظلالنا حين تعود إلى أصل نورها. حين يتردد صدى الخيانة الكونية داخل النفس، يظهر الكون ككائن حي، ليس بمعنى الروح، بل بمعنى المرآة التي تختبر الإنسان قبل أن يُرى. كل ظلال الليل، كل تموج الماء، كل انكسار الضوء في الزجاج، تصبح رموزًا لخيانة تتكرّر في صمتٍ مطلق، لا يُسجّل في التاريخ، ولا يُسمع في الكلام، بل يُحس في الوعي، في الشقوق الصغيرة بين شعور بالضياع وبصرخة صامتة تبحث عن معنى. الإنسان حين يضع صورة الإله على جدار الوعي، يظنّ أنّه خلق مرآة، لكنه لم يخلق سوى طريقٍ مختبئٍ للخيبة. فالكون لا يهتمّ بالمعنى الذي نريده، بل بالمعنى الذي يُولّد من تصادف الأشياء، من اضطرابها، من سقوطها على نحو لا يخضع للقوانين التي رسمناها في داخلنا. وهنا تظهر الخيانة على حقيقتها: لا هي فعلٌ، ولا هي غيابٌ، بل امتداد الرموز التي تُفضح حاجاتنا، وتحاصرنا في سؤال لا نهاية له: هل الإله خاننا، أم أنّنا خانّا أنفسنا حين ألبسناه صورةً؟ وفي هذا الامتداد، تتجلّى مقولاتك السابقة كأنها علامات مضيئة على الطريق: «إننا لا نبحث عن الله لأننا نشك بوجوده، بل لأننا نشك بقدرتنا على رؤيته دون أن ينهار شيء في داخلنا. »وهذه العبارة - ككلّ العبّارات التي كتبتها - تفتح نافذة جديدة: أن الخيانة ليست خارجية، بل داخلية، تنبع من تضارب بين الحاجة والوعي، بين الخوف والرغبة، بين الصورة والحقيقة. والزمن، هذا الكائن الذي يتقدّم بصمت، يلعب دوره في زيادة الغموض: فهو يخلق الشقوق، يوسّع الفجوات، ويترك الإنسان ليواجه نفسه بين الانكسار والبحث عن معنى، كأنّه يقول: «ليس المطلوب منك أن تفهم، بل أن تصغي وتتحمّل. »وفي قلب كل رمز، كل ظل، كل مرآة، تظهر الحقيقة الصادمة: أن الكون لا يخون الإله، بل يكشف خيانة الإنسان لصورته عن الإله. والإنسان، حين يرفض رؤية ذلك، يصرّ على تسميته خيانة كونية، بينما هي اختبار روحي، اختبار يُعيد تشكيل الروح داخل الفجوة التي أوجدتها الصورة الأولى. وأدنى الروح لا تتحمّل الفراغ إلا بالمعنى، يفرض الوجود اختبارًا مزدوجًا: صورة الإله كما يظنّها الإنسان، ووجود الكون كما هو، بلا مجاملة، بلا رحمة من صنع البشر. وفي هذا الامتحان، تتكوّن الخيانة الكبرى: حين يرى الإنسان أنّ كل شيء يرفض أن يكون مطابقًا لصورته، ويكتشف أنّ هذه الصور كانت دائمًا فخاخًا صنعها خوفه ورغبته في التحكم باللامرئي. وهكذا تصبح الخيانة الكونية رسالة صامتة، مرآة مضاءة بالرموز، طريقًا لا يُسلك إلا بالوعي الذي يملك الجرأة على مواجهة نفسه، لا الكون. حين تقف الروح أمام المرآة الكبرى، لا ترى الكون كما هو، ولا الإله كما هو، بل ترى نفسها، مجسدةً في فشلها في حمل صورةٍ لم تُخلق لتُحمل. فالخيانة الكونية ليست فعلًا صادرًا عن السماء، ولا خيانةً من الكون.. بل هي كشفٌ للثغرات التي وضعها الإنسان في وعيه، ثغراتٌ جعلته يظنّ أنّ القدرة على الفهم تعني القدرة على التملّك، وأن الصورة التي صاغها عن الإله هي الحقيقة المطلقة. وفي هذا الامتداد الرمزي، يختلط الظلّ بالنور، وتلتبس المرايا بالزمن، ويصبح كلّ حدثٍ صامتٍ رسالةً مخفية، وكل لحظة انهيارٍ علامةً على أن الحقيقة أكبر وأبعد وأعمق من أي تصوّرٍ بشري. فالإنسان حين يغضب من الكون، يصرخ في الفراغ، بينما الفراغ نفسه لا يملك سوى أن يكون.. وأن يُظهر. وفي نهاية المطاف، يُدرك الوعي أن الخيانة الحقيقية كانت دائمًا خيانته لصورته عن الإله، خيانته لرغبته في السيطرة على اللامرئي، خيانته لتقبّل أنّ المطلق لا يُقاس ولا يُختزل. فالكون لم يخن.. بل أعاد ترتيب أبعاد الإنسان، ودعاه إلى مواجهة نفسه، إلى المرور عبر شقوق الظلّ والنور، إلى السير في الممرّات الرمزية التي لا يُفهم فيها شيء إلا حين يتحلّى الإنسان بالصمت والجرأة معًا. وتختم الآية الحكيمة هذه الرحلة الرمزية: ﴿هُوَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾ فالسماء تعلن أنّ الحق لا يُختزل، وأن كل صورةٍ نحملها عنه ما هي إلا انعكاسٍ ضعيفٍ على جدار وعينا، يحتاج إلى التواضع لإدراك أن الوجود والإنسان والإله جميعًا يلتقون في صمتٍ واحد، صمتٍ يولّد الخشوع، ويكشف الغموض، ويعلّم أنّ الخيانة الكبرى ليست ما يظنّها العقل، بل خيانة الوعي للحقيقة حين يختبئ خلف صورة صنعها خوفه. وهكذا، ينتهي البحث في معنى الخيانة الكونية: ليس كشفًا للكون، ولا رفضًا للإله، بل رحلة الروح عبر الظلال، والمرايا، والزمن، والفجوات التي تركناها نحن بأنفسنا.

 4: الوعي كخائنٍ ثانٍ: حين يخون الإنسان إلهه ليحافظ على نفسه

حين يقف الإنسان أمام صورة الإله التي صاغها خوفه، تبدأ الخيانة الثانية، خيانة أعمق من الخيانة الكونية نفسها، لأنها تصدر من الداخل، من ذلك الفضاء المظلم الذي نسميه وعيًا. فالوعي، في محاولته لحماية النفس، يختزل الحقيقة في إطار صغير، يعلّق على جدار داخله صورةً لا يمكن للإله الحقيقي أن يمرّ من خلالها. هنا يصبح الإنسان خائنًا لإلهه قبل أن يُتهم الكون بالخيانة، لأنه يسكب على المقدس ما يريده قلبه، لا ما هو موجود بالفعل. إنه يرفض مواجهة الفراغ، فلا يواجه الله كما هو، بل يواجهه كما تصوّره خوفه: رحمة محدودة، عدل يرضيه، حماية تواسي ضعفًا لم يُخلق لتواصيه الطبيعة. فالوعي يختبئ خلف صورٍ مصنوعة من حاجات نفسية، ليطمئن، ليصمد، ليواصل الحياة، لكنه في الوقت نفسه يختزل المطلق في قيود صغيرة، فيغلق النوافذ على أي نور يتجاوز فهمه. وفي هذا الصمت الداخلي، يظهر صدى الخيانة: كل صلاة تُصليها الروح لتطمئن، كل أمنية تُطلقها لتخفّف القلق، كل صورة للإله تُثبتها على جدار الوعي، هي بمثابة خيانة خفية، لأنها تُعيد تعريف الله وفق حدود الذات، لا وفق الحقيقة اللامتناهية. فالإنسان يخون ذاته أولاً حين يظن أنه يعرف، ويخون الإله ثانيًا حين يفرض عليه صورته المحدودة. وفي هذا المعنى كتبَ أحد فلاسفة العراق: «الإنسان يختزل المطلق ليحمي نفسه، فيصبح الحارس على حدود خياله، لا على حدود الحقيقة. » وكأنّ هذه الجملة تضع أصبعها على قلب المسألة: الخيانة ليست في الخارج، بل في الداخل، في تلك الطبقات المتشابكة من خوف ووعي ورغبة في السيطرة على ما لا يُسيطر عليه. فالوعي البشري، في سعيه للحفظ، يخلق نسخةً من الإله، نسخةً لا تتحرك مع الفيض الكوني، ولا تتفاعل مع الضرورة المطلقة، بل تصمد أمامه فقط بما يسمح له الإنسان بالتحمّل. وهذه النسخة المصغّرة تصبح مأوىً زائفًا، ظلالًا لا أكثر، تُخفي الحقيقة بينما تخدع صاحبها، وتصبح مصدر الخيانة الحقيقية: خيانة الإنسان لنفسه، ولما يفترض أنه يعرف، ولما يفترض أنه يعبد. وهكذا، تتكرّر الدائرة: الإنسان يصنع صورة، الوعي يثبتها، الروح تتوهّم أنها حقيقة، والكون يكسرها بصمت، والإنسان يلوم الخارج على خيانته، فيما الخيانة الكبرى كانت داخله دائمًا، في طبقات وعيه التي لم تجرؤ على مواجهة المطلق بلا غطاء، بلا وسادة من الطمأنينة المصنوعة، بلا مرآة لحاجاته. حين يتسلّل الوعي إلى قلب الإنسان، لا يفعل ذلك ليكشف، بل ليحمي. حماية النفس هنا تتحوّل إلى خيانة: خيانة للحقيقة، خيانة للإله الذي لا يُعرف، وخيانة للروح التي تصارع الظلال داخلها. فالإنسان يختزل المطلق في صورةٍ يمكنه التعامل معها، يضع قيودًا على الرحمة، ويحدد حدود العدل، ويقف عند حاجز القدرة على التحمل، معتقدًا أنّه بذلك يحفظ نفسه، بينما في الحقيقة هو يضع الغطاء على النار الداخلية التي تسعى إلى رؤية الحقيقة كما هي. إنّ الخيانة هنا ليست فعلًا، بل طاقة صامتة، تذبذب خفي بين النور والظل. فالوعي يصبح مرآة مزدوجة: يعكس صورة الإله كما أرادها الإنسان، لكنه في الوقت نفسه يخفي عن نفسه اللامحدود، فيترك فجوةً لا يدركها إلا الروح التي تتحسس الصمت. وهنا يأتي القرآن ليضع الإصبع على هذه الفجوة: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ فالحب لله الحقيقي ليس حب الصورة المصنوعة، بل حب ما هو موجود، ما هو مطلق، ما لا يُختزل بحاجاتنا. وعندما نحب صورة الإله التي صاغها الوعي، نصنع خيانة دقيقة: خيانة للصوت الذي ينادي من وراء المرآة، خيانة للفيض الذي لا يمكن أن يكتفى بالقيود. وفي رمزية الصوفية، يقول الحلاج: «من أحب الظلّ أكثر من النور، فقد خان الطريق. » فالوعي حين يلتصق بالصورة المصغرة، يصبح الظل الذي يغطي النور، يحجب الوعي عن الحقيقة، ويقنع النفس بأنها في مأمن، بينما هي أسرى لفخّ المصنوعات الداخلية. وهكذا تتكوّن الخيانة المزدوجة: خيانة الإنسان لإلهه حين يحدد صفاته بما يناسبه. خيانة الإنسان لنفسه حين يختبئ خلف صورة، ويغفل عن اللا محدود. وخيانة الروح للوعي الذي يريد أن يُطمئن، في حين تحتاج الروح إلى مواجهة الحقيقة بلا وسائد، بلا صور، بلا أمان زائف. فالوعي هنا ليس مجرد أداة للفهم، بل كائن حيّ يختبر الإنسان في كل اختيار، في كل صلاة، في كل سؤال يطرحه على الوجود. وكلما حاول الإنسان أن يثبت صورته، كلما طالت الفجوة، وكلما اتسعت دائرة الخيانة الصامتة، لتصبح النهاية دائمًا مواجهةً بين ما صوّره العقل وما يكشفه الكون، بين الصورة والمطلق، بين الخوف والصدق الروحي. حين يصبح الوعي خائنًا، لا يظهر ذلك بالوضوح، بل في تشابك الرغبة بالخضوع والخوف من المواجهة. فالإنسان يريد أن يحمي نفسه، فيخلق إلهًا مطابقًا لمخاوفه وامانيه، ليطمئن قلبه، ويستمر في السير وسط العدم. وهنا، كما كتب الفيلسوف العراقي محمد مهدي الزبيدي: «الإنسان يعبد صورته عن الإله قبل أن يعرف الإله نفسه. » فالوعي يصبح خزانًا للصور المصغرة، وعقدةً تمنع الروح من السقوط في اللامحدود، لكنه في الوقت نفسه يحجب النور الحقيقي، ويجعل الإنسان يظن أن الحماية من الداخل تعني الحقيقة. أما من الفلاسفة الغربيين، فيقول هايدجر: «الإنسان هو كائن يسأل عن الكينونة، لكنه يخون سؤال الكينونة حين يختزلها في احتياجاته. »وهنا تتقاطع الرؤية: الإنسان يخون ذاته أولًا عندما يختزل المطلق، ويخون الإله ثانيًا حين يضع حدودًا لمطلق لا حدود له. فالوعي يصبح كمرآة مزدوجة: يعكس الصورة التي يريدها الإنسان، لكنه يحجب الحقيقة في الوقت نفسه، ويترك فجوة لا يمكن رؤيتها إلا لمن يجرؤ على مواجهة الظلال الداخلية. وفي مقالاتي السابقة كتبت: «الخيانة الكبرى ليست في الخارج، بل في الداخل: حين نصنع صورًا، ونطيل الليل أمامها، ونسميها إلهًا. » وهذا التأمل يعمق الفكرة: أن كل صورة يصنعها الوعي هي خطوة نحو خيانة الذات، كل رغبة في السيطرة على المطلق هي إغلاق للنوافذ على الحقيقة، وكل خوف من الفراغ يجعل الروح تأسر نفسها في مرآة مزيفة، تتوه فيها بين الظل والنور. فالوعي، بهذه الطريقة، يصبح ساحة حرب صامتة، بين ما يطلبه القلب وما يفرضه العقل، بين الصورة وما خلفها، بين الخوف وما هو موجود حقًا. والرموز هنا لا تُفسّر، بل تُشعر: الظلال، الانكسارات، المرايا، كلّها إشارات لصراع داخلي متواصل، حيث كل محاولة لفهم الله وفق حدود الإنسان هي جزء من الخيانة نفسها، خيانة دقيقة، صامتة، متجذرة في أعماق الروح. حين يشتد صراع الوعي، يصبح كل شيء حول الإنسان مرآةً مزدوجة: الظلّ يعكس ضوءًا لم يُرَ بعد، والنور يسلط نفسه على فجوات لم تُملأ. هنا، في هذه الساحة الرمزية، يظهر التوازن الهش بين الحاجة النفسية والخضوع للمطلق، بين الصورة المصنوعة والحقائق التي لا تُرى إلا من خلال الشقوق. فالوعي البشري، في محاولته لحماية ذاته، يضع القيود على المطلق، ويصنع الإله كما يريده، بينما الحقيقة الإلهية - إن كانت موجودة - تتجاوز كل القيود، كل التصورات، وكل الرغبات. والقرآن يضع هذا الصراع في سياقه الروحي العميق: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ فكل محاولة لتقييد المطلق بصورة مريحة هي خيانة للوعي نفسه، لأن الحقيقة تعود دومًا إلى مصدرها، وليس إلى ما نصنعه نحن. والوعي، حين يخفي هذه الحقيقة عن نفسه، يصبح كائنًا حيًا يتحرك بين الرغبة والخوف، بين الصورة والمطلق، بين الحاجة والإدراك. وفي رمزية الصوفية، كما قال الحلاج: «الذي يربط الله بصوره، يربط نفسه بالسلاسل. » فالوعي هنا ليس مجرد آلة تفكير، بل كيان حيّ يختبر الإنسان في كل صلاة، في كل ذكر، في كل لحظة صمت، ليكشف له أن ما يظنّه حمايةً هو في الحقيقة خيانة صامتة. وكل رمز، كل مرآة، كل انعكاس، يصبح جزءًا من هذا الاختبار: الماء الذي يلمع في ضوء القمر ليس ماءً فقط، بل رسالة للروح؛ الليل ليس فراغًا فقط، بل امتحانًا للصبر؛ الزمن ليس مرورًا، بل كائن حي يختبر مدى استعداد الإنسان لمواجهة اللامحدود. وفي مقالاتي السابقة كتبت: «الإنسان الذي يظنّ أنّه يحمي نفسه بالإله الذي صوّره، ينسى أنّه في كل صورة يخلقها يخون الحقيقة ويهدم نفسه. »وهنا يظهر التوازن الرمزي: الوعي كخائن وصالح، كمرآة للنور وظلّ للحق، كحارس على صورة صنعتها الحاجة، وككائن يهمس بصمت: «لن تفهم إلا حين تترك كل صورة جانبا، وحين تجرؤ على مواجهة الفراغ بلا وسادة. » الوعي، بهذه الطريقة، يصبح مختبرًا صامتًا، حيث كل صورة مصنوعة، كل رغبة في السيطرة على المطلق، كل خوف من الفراغ، تُعيد تشكيل الروح عبر رموز معقدة، انكسارات في المرآة، ظلال تخفي نورًا، وزمن يتلوى كما يشاء، ليترك الإنسان في مواجهة مستمرة مع ذاته، ومع المطلق الذي لم يضعه تحت قيود. وهكذا تتوسع الخيانة الداخلية: كل حماية للوعي، كل إسقاط لحاجاتنا على المطلق، كل محاولة لاحتواء ما لا يُحتوى، تصبح خيانة دقيقة، صامتة، عميقة، لا تُرى إلا لمن يمتلك الجرأة ليقف أمام المرآة، أمام الظلّ والنور، أمام الزمن، بلا صور، بلا وسائد، بلا أمان زائف. حين يقف الإنسان في النهاية أمام ذاته، أمام مرآة الوعي، أمام الظلّ والنور، يدرك أنّ الخيانة ليست فعل الكون، ولا نقص الإله، بل خيانة الإنسان لصورته عن الحقيقة، وخيانة وعيه لنفسه حين يختبئ خلف حاجاته وصوره المصغرة. فالوعي، الذي حاول حماية النفس، أصبح سجانًا داخليًا، يضع حدودًا لما لا يُحدّ، ويخفي المطلق خلف ستارٍ من تصورات وطمأنينة زائفة. في هذا الامتداد الرمزي، يصبح كل سقوطٍ، كل ألم، كل اضطراب، رسالة صامتة من الكون والزمان والروح: أن الحقيقة أكبر من القدرة على حملها، وأن المطلق لا يختزل، ولا يحتاج إلى صورٍ تُصنع لتُرضي الخوف. فالإنسان حين يعي ذلك، لا يلوم الكون ولا يشك في الإله، بل يواجه نفسه، يواجه الخوف، ويترك الظلال لتكشف النور، ويترك الانكسارات لتعلّم الروح كيف تكون صافية، بلا وسائد، بلا صور، بلا أمان زائف. والقرآن يضع اللمسة الأخيرة على هذا الامتداد:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ فالصدق مع الذات هو الطريق الوحيد لاختراق صورة الإله المصغّرة التي صنعها الوعي، ولفتح الباب أمام فهم ما لا يُرى، وما لا يُقاس، وما لا يُختزل. هنا، في صمت النهاية، يظهر المعنى الحقيقي للوعي كخائنٍ ثانٍ: ليس عقابًا، ولا نقمة، ولا غيابًا، بل فرصة للروح كي تفرّق بين الصورة والمطلق، بين الظل والنور، بين ما صنعناه وما هو موجود بالفعل. فالخيانة الكبرى لم تعد خارجية، بل داخلية، صامتة، حية، تتربّص بالإنسان حتى يجرؤ على رؤية الحقيقة بلا غطاء، بلا خوف، بلا وسادة من الطمأنينة الزائفة. وهكذا تختتم رحلة الوعي والصورة والخيانة، لتبقى المرآة ممتدة أمام الروح، صامتة، مضيئة بالرموز، جاهزة لكل من يملك الجرأة لمواجهة ما لا يُرى إلا بالصمت الكامل والوعي المطلق. الموضوع الخامس

5: مأزق العقل: لماذا لا نكفّ عن تبرير الوجود باسم الإله؟

في عمق الليل، حيث يختلط الظل بالنور، يقف العقل البشري مرتجفًا أمام الفراغ، محاطًا بصمت الكون المرعب، يتساءل: لماذا نصرّ على إلباس الوجود صورة الإله، بينما الكون يرفض كل القيود، وكل المعاني؟ هنا، في هذه اللحظة، يظهر المأزق: العقل يصرخ ليطمئن نفسه، لكنه يعرف في صمت أنّ الصرخات لا تُسمع، وأن الفراغ أكبر من كل حججنا، وأوسع من كل صورنا. فالإنسان، حين يواجه الموت، حين يرى الألم، حين يشعر بالضياع، يبحث عن حزام أمان يُسمى الإله. لكنه في هذا البحث، لا يواجه الحقيقة، بل يختلق صورةً، يلبسها، يقدسها، ويستعملها كغطاء على الخوف الذي ينهشه من الداخل. هنا يصبح العقل خائنًا، لكنه خيانة مزدوجة: خيانة للوعي، خيانة للحقيقة، خيانة للمطلق، لأنه يصرّ على تبرير كل حدث باسم الإله، بينما الأحداث نفسها لا تعرف الرحمة، لا تعرف العدالة، ولا تعرف الإنسان. وفي هذا الصمت المهيب، يظهر الرعب الحقيقي: أن العقل ليس مجرد أداة تفكير، بل سجنٌ داخلي، مرآة مزدوجة، غرفة مظلمة لا يجرؤ أحد على كشف كل زواياها. فالإنسان يخلق الإله، يعبده، يوسّع القوانين باسمه، ويبرّر كل شرّ وضرر، لكنه في الحقيقة يواجه نفسه فقط، ويخاف من مواجهة الفراغ بلا وسادة، بلا صورة، بلا وهم. والقرآن يضع النقطة على هذا الرعب الخفي: ﴿أَمْ يَحْسَبُ أَنَّهُ يُتْرَكَ وَلا يُرْجَعُ إِلَيْهِ﴾ فكل محاولة لتبرير الوجود باسم الإله ليست سوى هروب من المواجهة، هروب من صمت المطلق، هروب من حقيقة أن الكون لا يحتاج إلى تفسيرات، وأننا نحن من نصرّ على خلق تفسيرات لنحمي أنفسنا من رؤية الحقيقة. وفي رمزية الصوفية، كما قال الحلاج: «من جعل الله وسادة لنومه، أصبح نفسه سجّانها. »فالعقل حين يستخدم الإله كغطاء، يصبح سجنًا للروح، ويحوّل كل ظلال الكون إلى مرعب داخلي، كل ضجيج الطبيعة إلى صرخة، وكل فراغ إلى حفرة تتسع بلا نهاية. وهنا تتضح المفارقة: الإنسان يصرّ على تفسير الكون، لكنه لا يعرف أنّ تفسيره هو ذاته الذي يُخنق الروح، ويزيد الرعب الداخلي، ويحوّل المأزق إلى دائرة مرعبة، لا مخرج لها سوى الصمت، والوعي، والجرأة لمواجهة ما لا يُرى إلا بلا صور، بلا وسائد، بلا أمان زائف. حين يلتصق العقل بصور الإله المصنوعة، يصبح كل شيء حول الإنسان مرآة مزدوجة، تعكس الخوف وتخفي الحقيقة. فالفراغ الذي يحدق به من كل جانب، لا يمكن للإنسان أن يتحمّله بلا وسيلة حماية، فالأفكار، الرموز، الصلوات، الصور الذهنية للإله، تتحول إلى أحزمة أمان وهمية تغطي الرعب الداخلي، لكنها في الوقت نفسه تولّد وحشية صامتة داخل الروح، لأن كل محاولة لاحتواء اللامحدود تصبح خيانة للحقيقة. الكون، بهذا الامتداد، ليس متآمرًا، لكنه كائن حي، بارد، بلا رحمة، بلا تفسيرات، يصرّ على كشف الحدود التي يضعها العقل لنفسه. وكل مرة يحاول الإنسان أن يبرر حدثًا باسم الإله، يرى في نفسه صدى الصمت، صدى الفراغ، صدى الصرخة التي لا يسمعها إلا من يملك الجرأة ليقف وحيدًا أمام مطلق لا حدود له. ووالقرآن يحذر من هذا الامتداد الرمزي للوعي: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ فالوعي الذي يختبئ وراء الصور المزيفة يمرّ بالظلال بلا كرامة، يمرّ بالفراغ بلا مواجهة، يمرّ بالحقيقة بلا إدراك. وهنا، الرعب ليس في الخارج، بل في الفراغ الداخلي، في المرآة المزدوجة، في المكان الذي لا يرى فيه الإنسان سوى نفسه، مخنوقًا بوسادة وهمية تسمى الإله. وفي رمزية الصوفية كما قال الحلاج: «من جعل الظلّ ضوءه، صار الرعب مأواه. »فالإنسان حين يختزل اللامحدود في صورة، كل لحظة من الفراغ تصبح أكثر رعبًا، كل حدث غير مفهوم يتحوّل إلى صرخة داخلية، وكل محاولة لتفسير الوجود باسم الإله تصبح سلاسل على الروح، تقيّدها، تحبسها، وتحوّل العقل إلى مختبر للوحشية الصامتة. وهكذا، كل برهان، كل تفسير، كل نصّ مقدّس يُستعمل لتبرير الوجود، يصبح مرعبًا مزدوجًا: مرعب للروح التي تعرف أنها أمام المطلق. مرعب للعقل الذي يظن أنّه يحمي نفسه. مرعب للوعي الذي يكتشف أنّ كل صورة صنعها لتخفيف الخوف، كانت في الحقيقة بوابة للوحشية الداخلية التي لا تعرف الرحمة. وفي هذا الامتداد الرمزي، يظهر مأزق العقل الحقيقي: لا قدرة له على الهروب من الحقيقة، ولا قدرة للروح على التخفيف من الرعب، ولا قدرة للوعي على حماية نفسه إلا بالجرأة لمواجهة الفراغ بلا وسائد، بلا صور، بلا أمان زائف. فالمرعب الحقيقي ليس في الكون، بل في العقل الذي يصرّ على فرض معنى على ما لا معنى له، في الخداع الصامت الذي يظن أنّه حماية، وفي الظلال التي تغطي النور بلا معرفة. حين تتسلّل فكرة التبرير إلى أعماق العقل، يبدأ الرعب الحقيقي، ليس في الظاهر، بل في الداخل: في الفراغ الذي يلتهم كل صورة، في الظلال التي تنكسر على جدار الوعي، في الصمت الذي يصرخ بلا صوت. العقل يخلق الإله، يلبس الأحداث لباسًا من المنطق، يصف الألم بالرحمة، يبرّر الفوضى بالقدر، لكنه في كل ذلك يقيم سجنًا لنفسه، ويحوّل الروح إلى مختبر للظلال. المرآة هنا مزدوجة: تعكس ما صنعه العقل من صور، وتكشف فجوات الحقيقة التي لا يجرؤ الإنسان على مواجهتها. كل صورة مصنوعة، كل تفسير مفروض، كل محاولة لربط الحدث بالمقدس تصبح سلاسل على الروح، تقيدها، تغلق عليها النوافذ، وتتركها تتوه وسط ردهات الظل والنور، حيث كل خطوة إلى الأمام تصادف صدى الفراغ، وكل كلمة محاولة لفهم تتكسّر على جدران الصمت. وفي الرمزية الصوفية، كما قال الحلاج: «الذي يريد أن يحمي نفسه بالإله الذي صنعه، يصبح هو نفسه الأسير والجلاد. » فالإنسان، في محاولة العقل تبرير كل شيء، يصنع وحشًا صامتًا داخليًا: كل فكرة عن العدالة، كل تصور للرحمة، كل توقع للنظام، تتحوّل إلى ظلّ ثقيل يثقل على الصدر، ويترك الروح تتلوى بين الحاجة والحقيقة، بين الخوف والمطلق، بين الصور المصنوعة واللامحدود الذي لا يُرى إلا بالصمت والجرأة. ويضع القرآن أمام الوعي هذه الصورة المرعبة: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُمْ يُمْلَكُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَيْسَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ فالإنسان يظن أنّه يبرّر الأحداث باسم الإله، بينما الحقيقة تقول إن لا أحد يملك تفسير المطلق، ولا أحد يحمي الروح إلا مواجهة نفسها، لا الصور، ولا الوسائد، ولا الأوهام. كل محاولة لتفسير الكون باسم الإله هي مرآة مكسورة، حيث تنعكس فيها ظلال الرعب، وتمتد إلى كل زوايا العقل والروح، لتكشف أن العقل في مأزقه الحقيقي: لا يستطيع الهروب، ولا يمكنه أن يخفف الرعب إلا بمواجهة الفراغ بلا وسادة، بلا حماية، بلا صورة مصنوعة. كل رمز، كل انعكاس، كل انكسار في المرآة، يصبح رسالة مزدوجة: تحذير من الهروب، تنبيه من الوهم، وساحة اختبار صامتة للوعي، حيث كل صورة نخلقها لحماية أنفسنا تصبح وحشًا داخليًا أكثر رعبًا من أي حدث خارجي. كل ضجيج الطبيعة، كل ألم، كل فوضى، كل موت، كل صرخة صامتة للكون، تصبح انعكاسًا مباشرًا لمأزق العقل، لتؤكد أنّ محاولة فرض معنى على ما لا معنى له هي أكبر خيانة للوعي وللروح. وهنا يظهر الامتداد الأكثر رعبًا: أن العقل، في سعيه للحفظ، لا يدرك أنه يُنشئ دائرة لا تنتهي من الظلال والصمت والرعب، وأن كل محاولة لملء الفراغ باسم الإله، كل تفسير للوجود باسم الحماية، كل إلصاق معنى بالمطلق، تصبح سجناً داخليًا، وحوشًا صامتة، ومرايا لا تنكسر إلا بمواجهة الجرأة المطلقة للصمت. حين يلتف العقل حول صور الإله المصنوعة، يصبح كل شيء حول الإنسان خريطة للظلال، ومرايا للفراغ. كل محاولة لتفسير الحدث باسم المقدس ليست مجرد تبرير، بل استدعاء للوحش الداخلي الذي يعيش في أعمق زوايا الوعي. هنا، كل ألم يتحوّل إلى صرخة، كل فوضى تصبح صدى الصمت، وكل حدث خارج سيطرة الإنسان يصبح مرآة مزدوجة: تعكس خوف العقل، وتكشف الحقيقة التي لا يستطيع مواجهتها. الرموز الصوفية تصبح هنا لغة الرعب: الظل ليس مجرد غياب نور، بل كائن حي يختبر الروح ويقيس مدى استعدادها للجرأة على رؤية المطلق بلا صور. الانكسارات في المرآة ليست مجرد صور، بل فتحات للفراغ الذي يبتلع كل صورة مصنوعة. الزمن، كما يُدركه الصوفي، ليس مرورًا هادئًا، بل كائن حيّ يتلوى، يضغط على الإنسان، يكشف تناقضاته، ويضاعف الرعب الداخلي، حتى يصبح كل لحظة مواجهةً بين ما يصنعه العقل وما يفرضه الواقع الكوني. القرآن يلمّس هذا الامتداد الرمزي:

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ فالوعي الذي يحجب الحقيقة عن نفسه، يصبح أعمى وصامتًا داخل ظلاله الخاصة، يظن أنه يبرّر، بينما هو يُحتجز في دوائر من الخوف والوحشية الداخلية. كل تبرير باسم الإله يتحول إلى مرآة مكسورة، كل صورة مصنوعة تغلق نافذة على الحقيقة، وكل محاولة للعقل لتقليص المطلق تصبح خيانة مزدوجة: للروح وللمطلق. وفي فلسفة الحلاج: «من جعل الظل ضوءه، صار الرعب مأواه؛ ومن أسر نفسه بالصور، صار السجن نوره. » الإنسان، حين يصرّ على فرض معنى على ما لا معنى له، يخلق سلاسل صامتة، يحبس بها روحه، ويضخم رعب الفراغ الداخلي. كل انعكاس في المرآة المزدوجة، كل رمز صوفي، كل انكسار، يصبح درسًا صامتًا للجرأة المطلوبة لمواجهة الحقيقة. الوعي هنا ليس مجرد مراقب، بل وحش حيّ، يقيس حدود الإنسان، يختبر قدرته على الصمود أمام الفراغ المطلق، ويجعل كل صورة مزيفة للإله أكثر رعبًا من أي حدث خارجي. فالعقل في مأزقه، الروح في امتحانها، والمرآة الصامتة أمام كل شيء، تقول للإنسان: «لن تفهم إلا حين تتجرأ على ترك كل صورة، وتواجه الفراغ بلا وسادة، بلا أمان زائف، بلا حماية». حين تتوقف المرآة عن الانكسار، ويصمت الظلّ والنور معًا، يدرك الإنسان أنّ الخيانة الكبرى ليست في الكون، ولا في غياب الإله، بل في العقل الذي يصرّ على فرض معنى على ما لا معنى له. كل محاولة لتبرير الوجود باسم الإله، كل صورة مزيفة، كل وسادة وهمية، تصبح سلاسل على الروح، تجعلها أسيرة للوحش الداخلي الذي يعيش في أعماق الوعي. في هذا الصمت، يظهر الرعب بلا ستار: الفراغ يبتلع كل الصور، الظلال تختبئ وراء النور، والزمن كائن حيّ يلتف حول الإنسان، يضغط عليه، يكشف هشاشته، ويتركه يواجه الحقيقة بلا أمان، بلا وسائد، بلا صور. فالوعي، الذي حاول حماية العقل والروح، أصبح خائنًا مزدوجًا: خيانة للذات، وخيانة للحقيقة، خيانة للكون، وخيانة للروح التي تبحث عن المطلق بلا قيود. ويضع القرآن النقطة الأخيرة على الامتداد الرمزي: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ فالوعي المغلق، العقل المبرّر، الصورة المصنوعة، كلهم أقفال على الحقيقة، تمنع الإنسان من رؤية المطلق كما هو، من إدراك الفراغ بلا وسادة، ومن معرفة الرعب الذي هو ذاته، بلا مرآة، بلا ظل، بلا نور، بلا أي غطاء زائف. وفي رمزية الصوفية كما قال الحلاج: «من لم يجرؤ على الصمت الكامل أمام الفراغ، صار فراغه صامتًا يأكله. » فالمرعب الحقيقي ليس خارجيًا، بل داخلي: في كل صورة صنعها العقل، في كل تفسير لكون لا يفسر، في كل محاولة لحماية الذات من الفراغ. هنا يكمن مأزق العقل النهائي: أن يواجه نفسه، خائفًا، بلا أمان، بلا وسادة، بلا صورة مصنوعة، أمام المطلق الذي لا يُرى إلا بالجرأة المطلقة. وهكذا، تنكشف الحقيقة الأخيرة: كل تبرير باسم الإله، كل محاولة لتقييد المطلق، كل صورة مزيفة، تصبح مرآة للوحشية الداخلية، وجسرًا للوعي لمواجهة الفراغ الحقيقي، والصمت الأبدي الذي لا يرحم ولا يختبئ وراء أي صورة أو وسادة أو ظل.

6: نحو قراءةٍ جديدة: الإله كفكرة غير مكتملة

حين نرفع أعيننا نحو السماء، لا نرى الإله كما نتصوره، بل نرى أنفسنا، نرى صورًا محشوة بالخوف والأمل، نرى ظلّ الحاجة ورعب الفراغ، نرى انعكاساتنا التي تفتقد المطلق. الإله، في هذه القراءة الجديدة، ليس صورة مكتملة، ليس كتابًا يمكن ختمه، ليس حدثًا يمكن اختزاله في كلمات. الإله كفكرة، دائمًا ما تتلوّى، دائمًا ما تهرب من العقل، دائمًا ما تتحدى الصور التي نصنعها. فالكون، بهذا الامتداد، يصبح لغة صامتة، يكتب نفسه بين النجوم والكواكب والفوضى، بين الألم والفرح، بين الموت والولادة، بين الظل والنور، كما لو أنّ كل شيء يقول للوعي: «لن أكون ما تريد أن أكون، بل ما أنا. » وهنا يكمن الإعجاز الحقيقي، كما في القرآن: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ فالإله، كالكون، لا يُدرك بالكامل إلا من خلال التجربة، ولا يُختزل إلا لمن يملك الجرأة على مواجهة الغيب، وعلى التساؤل بلا حدود، بلا وسائد، بلا أمان زائف. وفي صوفية الغموض، كما قال الحلاج: «من أراد أن يعرف الله كملكه، يعرف نفسه أولاً كعبيده، ومن عرف نفسه فَهِمَ اللامحدود. » فالقراءة الجديدة تقول: الإله ليس ما نعلق عليه أعيننا، بل ما يعلّق أعيننا عليه. كل محاولة لتثبيت صورة، كل رغبة في الاختزال، كل رغبة في السيطرة، تصبح خيانة للفكرة نفسها، وخيانة للوعي، وخيانة للروح. الرموز هنا لا تُفسّر، بل تُقرأ في صمت: الضوء الذي ينكسر على الماء ليس مجرد ضوء، بل تلميح للإله الذي يهرب من الصورة. الظل الذي يختبئ خلف الشجرة ليس مجرد ظلال، بل صوت المطلق الذي لا يمكن للبشر احتواؤه. الزمن الذي يتلوى بين الأمس والغد ليس مجرد مرور، بل كائن حيّ يختبرنا في قدرتنا على فهم ما لا يُرى إلا بالغموض والصمت. في هذا الامتداد، تصبح الفكرة غير مكتملة وسيلة للتواضع أمام المطلق، وتدريبًا للوعي على مواجهة الفراغ، والظلال، واللانهائية. كل تجربة، كل ألم، كل فرح، كل حدث في الوجود، يصبح رسالة مزدوجة: رسالة للروح، ورسالة للعقل الذي يريد الاختزال، رسالة للوعي الذي يريد السيطرة، ورسالة لكل إنسان يصرّ على فهم ما لا يُفهم إلا بالغيب. فالوعي هنا يصبح كالسفينة في بحر لا حدود له، والإله كالماء الذي يحيط بها، لا يمكن للإنسان أن يختزله، ولا يمكن للروح أن تسيطر عليه، بل يجب أن تتعلم التكيف مع لانهائيته، وتراقب انعكاساته في كل لحظة، في كل رمز، في كل صمت، في كل نبرة من الكون. وهكذا، نصل إلى حقيقة هذه القراءة الجديدة: الإله ليس مطلقًا مكتملًا في أذهاننا، بل كائن حيّ، لغز أبدي، كتاب مفتوح بلا صفحات محددة، ظلال ونور بلا نهاية، وحقيقة لا تُدرك إلا بالغموض والجرأة على الصمت الكامل. حين ينحني العقل أمام الفراغ، ويبحث الروح عن معنى وسط الظلال، ندرك أنّ الإله ليس صورة تُرى، بل صمت يكتب نفسه بين النجوم والكواكب والفوضى. كل محاولة لتثبيت صورة، كل محاولة لتفسير الحدث باسم المقدس، تصبح سلاسل صامتة تُقيد الروح وتحبس العقل، وتُعيدنا إلى المأزق الأول: أننا نريد أن نعرف المطلق بما يناسبنا، بينما المطلق لا يلتزم بنا. فالرموز هنا ليست للتفسير، بل للقراءة في صمت: انعكاس الضوء على الماء ليس مجرد انعكاس، بل نقطة بداية لمحادثة صامتة مع الغيب. كل ظلّ يختبئ خلف الشجرة، كل همس للريح، كل تموج في الزمن، يصبح رسالة مزدوجة: تهمس للروح عن لانهائية الإله، وتصرخ للعقل عن محدودية ما صنعه في ذهنه. والقرآن يؤكد هذا الامتداد الغامض للوعي: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ فالإنسان قد يظن أنّه يخلق صورة كاملة، لكنه في الحقيقة يراقب ظلّ الحقيقة يتلوّى أمامه بلا حدود. الإله هنا ليس ما نصنعه، بل ما يعلّمنا أن نصغي، أن نصمت، أن نترك العقل يذوب في الغموض قبل أن يعود، متواضعًا، أمام المطلق. وفي فلسفة الحلاج: «من ظن أنه عرف الله، لم يعرف إلا نفسه المقيّدة بالصور. » فالوعي حين يلتفت إلى الصورة، كل رمز يصبح بوابة للفراغ، ومفتاحًا لرؤية ما لا يُرى إلا بالجرأة المطلقة على الصمت. كل ألم، كل فرح، كل حدث في الكون، يصبح اختبارًا للروح، ومرآة للوعي، وحقلًا للخيال الغامض الذي يربط بين الظل والنور، بين الصورة والمطلق. وهنا يتكشف الإعجاز: الإله كفكرة غير مكتملة ليس خطأً في العقل، بل رحلة مستمرة للوعي، ومرايا بلا نهاية، وظلال تتلوّى في كل لحظة، وصمت يُعيد تشكيل الروح لتستوعب لانهائية الحقيقة. حين تنكسر صورة الإله المصنوعة في ذهن الإنسان، يظهر الامتداد الأكثر غموضًا: الإله ليس كائنًا يمكن اختزاله، بل ظلّ مطلق يتلوّى بين كل لحظة وأخرى، بين كل شعور وفكرة، بين كل فراغ ووجود. كل محاولة للعقل لفهمه، كل رغبة للروح في تقريبه، تصبح مرآة مزدوجة: تعكس محدودية الإنسان، وتكشف لانهائية المطلق، وتجعل كل رموزنا مجرد نوافذ صغيرة على ما لا يُرى إلا بصمت، وغموض، وجرأة. الرموز الصوفية تتضاعف هنا: الضوء الذي يمر عبر فتحة في الجدار ليس مجرد ضوء، بل شعاع الحقيقة الذي يختبئ كل صورة صنعها العقل. الظل الذي يلتف حوله الفكر ليس مجرد غياب ضوء، بل اللامحدود الذي يراقب وعي الإنسان، ويختبر مدى استعداده لمواجهة الفراغ بلا وسائد، بلا صور، بلا أمان زائف. وفي القرآن نجد التلميح لهذا الامتداد الغامض: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا أَمْرُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ فالإنسان يظن أنّه يخلق صورة كاملة، لكنه في الحقيقة يراقب الحقيقة تتلوّى أمامه، لا يمكن للعقل أن يحويها، ولا للروح أن تسيطر عليها إلا بالجرأة المطلقة على الصمت والغموض. وفلسفة الحلاج تعمّق هذا الغموض: «من لم يترك كل صورة، صار ظله سجين نفسه، ومن تركها رأى الضوء الذي لا يُحاط. »فالوعي حين يختبئ وراء الصورة، يصبح سجّانًا لنفسه، كل رمز يصبح مرآة للفراغ الداخلي، وكل انعكاس ضوئي يتحوّل إلى درس صامت عن لانهائية المطلق، وعن حدود العقل، وعن الرعب الجميل الذي يولده الغموض. كل لحظة، كل تجربة، كل ألم، كل فرح، تصبح رسالة مزدوجة: رسالة للمطلق، ورسالة للروح، ورسالة للوعي، ورسالة للعقل الذي يصرّ على اختزال ما لا يُختزل. فالإله كفكرة غير مكتملة ليس نقصًا في العقل، بل دعوة للوعي للارتقاء فوق الصور، فوق الرموز، فوق كل وسادة زائفة، ومواجهة الفراغ المطلق، حيث لا يقف سوى الصمت والجرأة المطلقة. وهكذا تتوسع الرحلة: الإله ليس ما نصنعه، بل ما يصنعنا ونحن نحاول فهمه، ونعيش غموضه، ونختبر لانهائيته في كل لحظة، في كل رمزية، في كل ظل، في كل نور، في كل صمت. حين يتقدم العقل ليملأ الفراغ باسم الإله، يدرك الوعي فجأة أنّ كل صورة خلقها، كل تفسير رسمه، كل قانون وضعه، ليس سوى مرآة مزدوجة تُعيد له صورة نفسه محدودة ومقيدة. الإله هنا ليس ما يراه الإنسان، بل اللانهائي الذي يختبر الإنسان من خلال كل تجربة، وكل رمز، وكل لحظة من الألم والفرح، وكل همس للكون. الرموز الصوفية تصبح أكثر حدة: الضوء الذي يمر عبر الشقوق ليس مجرد ضوء، بل حرف من حروف الحقيقة التي لا يمكن للعقل أن يلمسها إلا بالتصالح مع مجهوليته. الظلال ليست مجرد غياب للنور، بل لغة المطلق التي يكتب بها الكون نفسه، ويتحدث بها إلى كل روح تبحث عن معنى بلا وسائد، بلا صور، بلا أمان زائف. ويضع القرآن هذه الحقيقة أمام الوعي البشري: ﴿وَلَهُ مُعَقِّبُو الْأَمْرِ ۖ مِنْهُ يُرْسَلُونَ﴾ فالكون ليس بحاجة لأن يفسّر نفسه، والإنسان ليس قادرًا على اختزاله، وكل محاولة لتبرير الأحداث باسم الإله هي محاولة للعقل ليقنع نفسه قبل أن يقنع الكون. الحلاج يضيف عمقًا صوفيًا: «من أراد أن يعرف الله، فليعرف نفسه أولاً؛ ومن عرف نفسه، رأى اللانهائي يحوم حوله بلا قيود، بلا ظلال، بلا وسائد. »فالوعي حين يواجه الفراغ، حين يواجه المطلق بلا صور مصنوعة، يصبح أقوى، وأوضح، وأكثر غموضًا في آن واحد. كل ألم يصبح مرآة للرحمة المفقودة، كل فرح يصبح تلميحًا للحرية المطلقة، وكل حدث يصبح رسالة مزدوجة بين الروح واللانهائي. وهكذا، تصبح فكرة الإله غير مكتملة رحلة مستمرة للوعي نحو الجرأة المطلقة، للروح نحو مواجهة الفراغ، وللعقل نحو التواضع أمام المطلق الذي لا يمكن اختزاله، ولا يمكن للعقل أن يحويه، ولا يمكن للصور أن تقيّد حريته. حين يذوب العقل في الرموز، وتختفي الصور المصنوعة، ويصمت الظل والنور معًا، يدرك الإنسان أنّ الإله ليس ما يراه أو يختزله، بل مطلق يختبئ في كل شيء، في كل لحظة، في كل صمت، وفي كل انعكاس للروح على المرآة المزدوجة للعقل والوجود. كل محاولة لفهمه، كل رغبة للسيطرة عليه، كل تفسير باسم المقدس، تصبح بوابة للفراغ، وجسرًا للوعي نحو الجرأة المطلقة، وتجربة صوفية لا يمكن للعقل أن يحيط بها بالكامل. الرموز هنا تتضاعف: الضوء الذي يتسلل بين الشقوق ليس مجرد نور، بل خطوة نحو الإدراك الكامل للغيب، وكل ظل يصبح نبرة من نغم المطلق. الزمن، الذي يتلوى بين الأمس والغد، يصبح كائنًا حيًا يختبر الإنسان، يضغط عليه، يكشف هشاشته، ويتركه يواجه الفراغ بلا أي وسادة أو حماية. القرآن يضع الوعي أمام هذه الحقيقة: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾فالوعي المغلق على الصور المزيفة، والعقل المبرّر للوجود، يصبح سجينًا للظل الداخلي، لا يرى الحقيقة إلا حين يجرؤ على ترك كل وسادة وكل حماية وهمية. وفي صوفية الحلاج: «من لم يجرؤ على الصمت الكامل أمام المطلق، صار فراغه صامتًا يأكله، ومن جرؤ، رأى كل شيء بلا قيود، بلا ظل، بلا وسادة، بلا صورة. » فالوعي حين يواجه المطلق، حين يترك كل الصور المصنوعة، حين يذوب العقل في صمت الفراغ، يصبح حرًّا، غامضًا، مرعبًا، وممتلئًا بالجرأة المطلقة على معرفة ما لا يُعرف إلا بالغيب، والإحساس بما لا يُرى إلا بالقلب المرهف والصامت. هنا تنكشف الرحلة بالكامل: الإله كفكرة غير مكتملة ليس نقصًا في العقل، ولا خطأً في الروح، بل دعوة للوعي للارتقاء فوق كل صورة، وكل رمز، وكل وسادة، وكل ظل، وكل ضوء، ومواجهة الفراغ المطلق، حيث لا يقف سوى الصمت والجرأة المطلقة، وحيث لا يمكن للصور أن تحيط بالمطلق، ولا الكلمات أن تكتب الحقيقة، بل فقط الوعي الجريء الذي يجرؤ على الغوص في اللانهائي ويستمد منه القوة والصمت والحرية المطلقة.

الخاتمة: ما بين الصمت الإلهي وضجيج الوجود

حين يلتقي الإنسان بالصمت الإلهي، لا يسمع إلا صدى نفسه، صدى الروح المتلوية بين الحاجة والفهم، بين الظل والنور، بين الفراغ والوجود. كل سؤال عن السبب، كل محاولة لتفسير الحدث، كل رغبة لتثبيت معنى، تصبح همسًا في فناء الكون، صدىً يتلاشى بين المرايا المزدوجة للوعي والعدم. الوجود هنا لا يخون الإله، ولا يعلن غياب الحقيقة، بل يكتب لغة صامتة، يفرض على الروح أن تواجه نفسها، على العقل أن يذوب في الصمت، وعلى القلب أن يرى الفراغ بلا وسائد، بلا صور، بلا أوهام. كل ضجيج، كل ألم، كل فرح، كل موت، يصبح انعكاسًا للصمت الإلهي الذي لا يلتزم بصورة، ولا يجيب إلا بتجربة، ولا يمنح إلا بالجرأة المطلقة للوعي. القرآن يضع النقطة الصامتة بين كل رمزية: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ فالإله حاضر بلا صور، حاضر بلا أصوات، حاضر بلا إجابات جاهزة، يحاكي الوعي في صمته، ويختبر الجرأة التي يمتلكها الإنسان لمواجهة الفراغ المطلق. والحلاج يضيف صدى صوفيًا: «من اعتقد أن الصمت غياب، فقد أخطأ الطريق، ومن عرف الصمت مطلقًا، عرف نفسه والمطلق معًا. »فالخاتمة تكشف الحقيقة النهائية: أن الخيانة الكبرى ليست من الكون، ولا من الإله، بل من الوعي الذي يهرب من الحقيقة، من العقل الذي يصرّ على فرض الصور، ومن الروح التي ترفض مواجهة الفراغ بلا وسادة بلا أمان بلا صورة. كل شيء هنا يصبح انعكاسًا مزدوجًا: الصمت الإلهي يواجه ضجيج الوجود، والوعي يواجه صورًا صنعتها نفسه، والروح تواجه الفراغ المطلق الذي لا يُرى إلا بالجرأة المطلقة، بلا كلمات، بلا رموز، بلا وسائد، بلا حماية. وهكذا، يدرك الإنسان أن الوجود ليس في تبرير، ولا في تفسير، بل في الجرأة على الصمت، على مواجهة الفراغ، على رؤية الحقيقة بلا صور، وعلى الاستسلام المطلق للوعي الذي يراقب كل شيء بلا انكسار، بلا تحيّز، بلا وهمحين يغرق الإنسان في ضجيج الوجود، ويختنق العقل بمحاولات التفسير، يدرك أن الصمت الإلهي ليس غيابًا، بل لغة صامتة تتحدث عبر كل حدث، كل ألم، كل فرح، وكل انهيار في الكون. كل محاولة لتبرير ما يحدث باسم المقدس تصبح مرآة مزدوجة تعكس حدود العقل وحدود الصور التي صنعها في ذهنه. الرموز تصبح هنا وسائط غامضة: انعكاسات الضوء على الماء ليست مجرد انعكاس، بل حرف من حروف الحقيقة التي لا تُرى إلا بالوعي المطلق، وبالتجربة الصامتة التي تذوب فيها كل وسادة وهمية، وكل حماية زائفة. الظل الذي يلتف حول كل فكرة، والنور الذي يخترق كل حدث، يصبحان رسائل مزدوجة للروح والعقل، ليدرك الإنسان أن كل تفسير جزئي، وكل صورة مصنوعة، ليست سوى بداية لفهم اللانهائي. القرآن يضع الوعي أمام هذا الامتداد: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾ فالوجود يختبر الإنسان بصمت، يحمله بين الظلال والنور، بين الفراغ والامتلاء، بين الظل الذي لا يزول والنور الذي لا يُحاط به، ليعلّم الروح أن الإله ليس ما نصنعه، بل ما يخلقنا ونحن نحاول فهمه، وأن الضجيج والفراغ معًا هما طريقنا نحو إدراك الحقيقة المطلقة. كل ضجيج، كل صخب، كل انكسار، وكل تجربة تصبح مرايا تتلوى أمام الوعي، تعكس مدى استعداده لمواجهة الفراغ المطلق، وتكشف أن الصمت الإلهي ليس غيابًا، بل دعوة لمواجهة الحقيقة بلا صور، بلا وسائد، بلا حماية، وبلا وساطة عقلية زائفة. حين يلتقي الضجيج الوجودي بالصمت الإلهي، يذوب الإنسان في مرايا لا تنتهي من الظلال والنور، بين الفراغ والامتلاء، بين الصوت والصمت، بين ما يُرى وما يختبئ. كل محاولة لفهم أو تفسير، كل رغبة للسيطرة على الأحداث باسم المقدس، تصبح صدى يتكرر في الفراغ، يختبر صبر الروح، ويواجه العقل باللانهائي الذي لا يمكن احتواؤه. الرموز تتضاعف: الضوء الذي يخترق الشقوق، الصوت الخافت الذي يلوذ بالصمت، التموجات في الماء، وحتى حركة الهواء بين الشجر، كلها حروف من لغة الوجود التي لا تُفهم إلا بالوعي الكامل، ولا يُدركها إلا من يجرؤ على مواجهة الفراغ بلا وسادة، بلا صورة، بلا حماية. فالإنسان هنا يقف على حافة التجربة المطلقة: كل ألم يصبح رسالة، كل فرح يصبح مرآة، وكل حدث يصبح اختبارًا للوعي لمواجهة الحقيقة دون وسادة، دون أمان، دون أي وسيلة لتخفيف الصدمة. الضجيج يصبح انعكاسًا للصمت، والصمت يصبح انعكاسًا للضجيج، والوعي يقع بينهما، يذوب ويصير جزءًا من اللانهائي. القرآن يضع هذه الحقيقة أمام الإنسان: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ فالوجود لا يبرر نفسه، والإله لا يفرض صورة، والوعي الذي يختار الصورة الزائفة يصبح أسيرًا في دائرة الضجيج والصمت، في مرآة مزدوجة تعكس محدودية الإنسان وإبداع المطلق. كل شيء هنا يصبح تجربة صامتة، اختبارًا للجرأة على مواجهة اللانهائي، على رؤية الحقيقة بلا وسائد، بلا صور، بلا حماية، على الانصهار بين الصمت والضجيج، والوعي الذي يصبح أداة لاكتشاف المطلق من خلال الفراغ نفسه. حين يتلاشى الظل والنور، ويذوب العقل في مرايا الفراغ، يصبح الوعي صدىً بلا نهاية، موجةً في بحر اللانهائي، حيث الصمت يهمس بما لا يُقال، والوجود يصرخ بما لا يُسمع. هنا تولد الأبيات، موزونة، صوفية، مزدوجة المعاني، تعكس رحلة الإنسان بين الحاجة والفناء، بين الصمت والضجيج: أيا من تبحث في ضياء السحابِ. . . تجد الإلهَ في فراغٍ بلا جوابِ.. كل نورٍ انعكس على الماءِ كان سرًّا لا يُرى إلا في الصفاءِ.. الظلُّ يلتفُّ حول كل فكرٍ.. يحمل أسرارًا لا تحيط بها الأفقُ.. الزمان يجرّ الروح بلا شفقةٍ.. ويكشف المجهولَ في صمتٍ بلا نهايةِ.. الفراغُ يغني، والوعي يستمعُ.. للانهائي الذي لا يقاس ولا يُحكمُ فالقصيدة هنا ليست مجرد زخرفة، بل مرآة رمزية: كل بيت يوضح أن الوعي يقف بين الصور المصنوعة واللانهائي المطلق، بين الحاجة الإنسانية والصمت الإلهي، بين الضجيج الداخلي والوجود المتمدد بلا حدود. القرآن يلمّح لهذه الحقيقة أيضًا: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ فالوجود يختبر، والصمت يربّي، والروح تتعلم الجرأة، والعقل يتواضع أمام ما لا يُرى، بينما الإنسان يعيش رحلة رمزية مزدوجة بين الصمت والضجيج، وبين الظل والنور، والوعي والمطلق.

***

الكاتب سجاد مصطفى حمود

 

كان عنوان دراستي الأخيرة التي شاركت بها في مؤتمر الأخلاق ببغداد يحمل إشارة استفزازية عن "المفهمة" في سياق التأسيس لفلسفة أخلاقية قرآنية، من خلال مناقشة كتاب محمد عبد الله دراز "دستور الأخلاق في القرآن". وطبقا لذلك كان لا بد أن نعرض لبعض الزوايا الخفية الحافة بتأليف دراز لرسالة الدكتوراه تلك، خاصة وأن الكاتب قضى ما لا يقل عن 12 سنة في باريس (1936 – 1947) عايش فيها أحداثا كثر.

السؤال الأول الذي نبدأ بطرحه هنا هو المتعلق بالمشرف الذي رافق دراز لإنجاز رسالته؟ لا معلومة يقينية تُنبئُ عن ذلك، إذ لا نجد في الرسالة المنشورة عام 1951 ذكرا له في غلافها (الخارجي أو الداخلي). ولكن صهره السيد محمد بدوي، الذي رافقه في باريس وبقي بعده هناك، والذي أشرف على مراجعة الترجمة العربية والتقديم لها، يقول في مقدمته: "وتمّت مناقشة الرسالة أمام لجنة مكونة من خمسة من أساتذة السوربون والكوليج دي فرانس في 15 / 12 / 1947".

ويؤكد لنا دراز نفسه في ثنايا كتابه "أن لويس ماسينيون الأستاذ في الكوليج دي فرانس ... قد أبدى رغبة في أن يرى الدراسة تتناول في نفس الوقت بعض نظريات المدارس الإسلامية المشهورة، وهو في سبيل هذا الهدف قد مكّننا مما ضمت مكتبته من مؤلفات نادرة وثمينة".(1) ولعل ذلك هو ما دفع بعض الباحثين المعاصرين للتأكيد على أن المشرف على رسالة دراز كان لويس ماسينيون.(2) كما نجد هامشا في الصفحة 163 من كتاب دراز الآخر (Initiation au Qor’an)، وهي رسالته الثانية التي ناقشها في نفس العام، يذكر فيه محرر الكتاب أن اللجنة التي ناقشت الرسالتين تركّبتْ من: لويس ماسينيون، ليفي بروفنسال، ليسن، فالون، وفوكونّيي.(3)

كان لويس ماسينيون (1883-1962) يلعب دورا محوريا في توجيه عدد من الطلبة العرب المبتعثين للدراسة في فرنسا في النصف الأول من القرن العشرين، والاحاطة بهم ومساعدتهم في مساراتهم العلمية. ومن أبرز من كانت لهم علاقات وثيقة به الفيلسوف الشاعر محمد إقبال.(4) كانت علاقة إقبال وماسينيون قوية، يتبادلان الرسائل والكتب، ويناقشان أفكار بعضهما، بل كان ماسينيون هو من قدم لكتاب إقبال "تجديد الفكر الديني" في نسخته الفرنسية عام 1955 (صدرت النسخة الإنجليزية عام 1934).(5) ولكن إقبال كان أيضا متابعا ومتأثرا بالفيلسوف هنري برغسون (1859 – 1941) ومناقشا لأفكاره منذ وقت مبكر عندما اطّلع على كتاب "التطور الخالق" (بحسب ترجمة محمود محمد قاسم) أو "التطور المبدع" (بحسب ترجمة جميل صاليبا) الذي نشره برغسون عام 1907؛ وفي طريق عودته إلى الهند قادما من بريطانيا، التقى إقبال برغسون في الأسبوع الأول من عام 1933 (ترجيحا)، بحسب رسالة بعث بها إلى صديقه السير ويليام روثنشتاين سنة 1933 يقول فيها: "عندما كنت في باريس التقيت ببرغسون. أجرينا حديثًا بالغ الأهمية حول موضوعات فلسفية. وخلاصة فلسفة جورج بركلي ... وقد استمر حديثنا ساعتين. برغسون رجل مسن ومريض جدًا. وهو لا يستقبل الناس، لكنه تكرم عليّ باستثناء خاص".(6) وقد أورد إقبال حصيلة لقاءاته الباريسية تلك في عدد من رسائله لأصدقائه.2246 qoran

يبدو أن أفكار برغسون الفلسفية كانت تجد رواجا كبيرا لدى العرب القادمين إلى باريس في تلك الفترة، وخاصة أولئك الذين تقاطعت مساراتهم مع لويس ماسينيون، ومن بين هؤلاء نجد – على سبيل المثال لا الحصر – اللبناني كمال يوسف الحاج، الذي أعدّ رسالة دكتوراه في الفلسفة في الفترة 1946 – 1949، والذي أشرف على رسالته جان ماري لابورت، وكان ماسينيون في لجنة المناقشة، بل وكان هو من تدخل لصالحه ليحصل على منحة من الحكومة الفرنسية مكّنته من الالتحاق بالسربون، وهو من كان وراء قرار الجامعة اعتماد ترجمة الحاج لـــ"رسالة في معطيات الوجدان البديهية" لبرغسون (صدرت عام 1946)، دكتوراه رديفة. وكان الحاج يقيم صداقة قوية مع ابنة برغسون.

كان ماسينيون هو من قدّم أيضا فلسفة إقبال، ومن ورائها فلسفة برغسون إلى ليوبولد سيدار سنغور لاحقا، كما يؤكده سليمان بشير ديانغ في كتابه الصادر سنة 2011 (Bergson postcolonial : l'élan vital dans la pensée de Léopold Sédar Senghor et de Mohamed Iqbal).

ما دعاني إلى رسم بعض ذلك المشهد الثقافي الباريسي في السنوات التي كان محمد عبد الله دراز في قلبه لسنوات عديدة، وهو الذي درس الفلسفة والمنطق والأخلاق في جامعة السربون كما جاء في سيرته،(7) هو التساؤل عن مدى تأثر هذا الأخير بالأفكار الفلسفية لبرغسون التي كانت رائجة يومئذ في فرنسا، وعن إمكانية تقاطع مساراته مع أفكار إقبال؟ لا يجب أن نُغفل أن الفيلسوف رونيه لو سينّ (René Le Senne)، كان ضمن لجنة مناقشة دراز لرسالته، وهو من تلامذة برغسون النقديين، وكان يومها أستاذ فلسفة الاخلاق في السربون؛ وقد قال عنه دراز في مقدمته: "قد اقترح علينا أن نقارن النظرية الأخلاقية المستمدة من القرآن ببعض النظريات الغربية. وقد استجبنا بحمد الله لما أبديا (لو سينّ وماسينيون) من مقترحات موفقة، يبدو عملنا اليوم بفضلها أرحب مدى".(8) وأن يطلب "لو سينّ" من دراز اعتماد المنهج المقارن في رسالته يمكن أن يؤشر إلى أنه كان مشرفا عليه ( !!) أو على الأقل أحد الموجّهين له.

من المعلوم أيضا أن الحياة الفكرية في فرنسا كانت في تلك الأيام منقسمة بين تيارين كبيرين، التيار العقلاني المادي (كانط) والتيار الروحاني (برغسون) الأخلاقي (لو سينّ – لافال). وكان دراز أميل بالضرورة للتيار الثاني، وهو أقرب للو سين منه لبرغسون في توجهه الفلسفي الأخلاقي، لذلك نجده في "دستور الأخلاق" متأثرا بمنهج فلسفة القيم الحديثة، ولا سيما عند هذا الأخي؛ ويظهر ذلك بوضوح في تحليله لمفهومَيْ الضمير الخلقي والإلزام الأخلاقي. اعتمد دراز بنية تحليلية قريبة من تلك التي أسّسها لو سِنّ في كتابه ( Traité de morale)، وخاصة فصوله المتعلقة بـالقيمة (La valeur ) والالزام الأخلاقي L’obligation morale)، حيث قرّر كلاهما أنّ الإلزام الأخلاقي ظاهرة أصلية لا يمكن اختزالها في التفسير النفسي أو الاجتماعي، ولا ردّها إلى المنفعة أو العادة، بل تفرض نفسها على الذات فرضًا مباشرًا. كما يلتقي الطرفان في توصيف الضمير بوصفه كاشفًا للقيمة لا منشئًا لها، وشاهدًا باطنيًا على الواجب لا مشرّعًا له، وهو ما يعكس رفضًا مشتركًا للنزعة الذاتية والنسبية في الأخلاق. غير أنّ هذا التلاقي المنهجي لا يفضي إلى وحدة في المرجعية أو الغاية؛ إذ يتوقّف لو سِنّ عند إثبات تعالي القيمة تعاليًا فلسفيًا مجردًا، دون أن يؤسّس مصدرًا متعينًا للإلزام أو غاية نهائية له، بينما يتجاوز دراز هذا الأفق الفلسفي بجعل الوحي القرآني مصدرًا للقيمة، والإرادة الإلهية أساسًا للإلزام، والجزاء الأخروي إطارًا لتمام المعنى الأخلاقي.

ومما يؤكد أن دراز، وإن تأثر بأجواء الجدل الفلسفي يومئذ (وهو ما يبرزه تنظيمه لبناء "النظرية الأخلاقية كما يمكن استخلاصها من القرآن" على قواعد الالزام، والمسؤولية، والجزاء، والنيّة والدوافع، والجهد)، كان مستقلا في تصوره، غير تابع لمدرسة، علاقته الوطيدة على سبيل المثال مع مالك بن نبي الذي ذكر في مذكراته أنه التقى دراز عام 1936، وساعده على تعلّم الفرنسية، وكان بينهما تقاطعات فكرية عديدة، بل إن دراز كان قد كتب مقدمة لأول كتاب لابن نبي، وهو “الظاهرة القرآنية” الذي صدر في الجزائر عام 1946، بالرغم من العداء المستفحل بين بن نبي (وصديقه الفيلسوف حمودة بن ساعي) ولويس ماسينيون. وبالرغم من أن بن نبي وجماعته كانت تتبنى أفكار محمد إقبال وتصوراته للخروج بالعالم الإسلامي من سباته، إلا أننا لا نعلم مدى حضور هذا الأخير في تصورات دراز.

وبذلك لا يظهر توظيف دراز لأدوات لو سِنّ ومناهج الفلسفة البرغسونية بوصفه تبنّيًا لمذهبه، بل باعتباره استثمارًا نقديًا واعيًا لمقولات فلسفية حديثة، في سبيل التوصل لفلسفة أخلاقية قرآنية.

***

عبد الحق الزموري - تونس

..................

(1) محمد عبد الله دراز؛ دستور الأخلاق في القرآن: دراسة مقارنة للأخلاق النظرية في القرآن. تعريب وتحقيق عبد الصبور شاهين، مراجعة السيد محمد بدوي. القاهرة: الرسالة، 1973. ص 17.

(2) عبد الرحمان حللي؛ "دستور الأخلاق في القرآن.. بمناسبة مرور نصف قرن على رحيل العلامة الدكتور محمد عبد الله دراز". موقع الملتقى الفكري للإبداع، 28 / 05 / 2008. https://almultaka.org/site.php?id=596

(3) Mohamed Abdallah Draz ; Initiation au Quran. Révisé et Préparé par Khaled Fahmi. The Egyptian National Library and Archives, 2017. p 163 note 1.

(4) أرسل محمد إقبال لماسينيون رسالة بتاريخ 18 فيفري 1932، يخبره فيها بأنه سيلتقيه عند زيارته باريس، وقد تمّ اللقاء – بحسب ما أخبر به ماسينيون – في 1 نوفمبر من نفس العام، مع الإشارة إلى أن الترسل كان قائما بينهما قبل ذلك، وأن إقبال أرسل له مع رسالة فيفري كتابه "جاويد نامه". أنظر:

Center for Islamic Studies; Iqbal Quarterly (formerly Iqbāl-Nāmah); a publication about the poet-philosopher Muhammad Iqbal (1877–1938). Youngstown State University Iqbal Academy Pakistan, Volume 6, Numbers 1–2, Winter and Spring, 2006. § «Iqbal’s Meetings with Massignon and Bergson ».  https://allamaiqbal.com/publications/journals/iqbalquarterly/Winter%20and%20spring%202006.htm?utm_source=chatgpt.com

(5) تجدر الإشارة إلى أن الترجمات العربية اللاحقة للكتاب، أسقطت تلك المقدمة. بل إن الطبعات الفرنسية اللاحقة نفسها صدرت دون تقديم ماسينيون، ممهورة بتقديم آخر، أشهرها تلك التي قدم لها السنغالي سليمان ديانغ

(6) Iqbal Quarterly; op. cit.

(7) دستور الأخلاق في القرآن؛ المقدمة. ص ح.

(8) نفسه؛ ص 18

 

يفتح الطفل عينيه على العالم ليجد أمامه أول نموذجين تشكّل من خلالهما مداركه الاجتماعية: الوالدين (الأم والأب) لا يقدمان للطفل بوصفهما مصدر رعاية فحسب، بل كنماذج يُراقَبان ويُقلَّدان، تُبنى عبرهما أولى تصوّرات الذات والطموح. في هذه المرحلة المبكرة، لا يكون التقليد فعلًا عفويًا فقط، بل آلية أساسية في التعلّم وبناء المعنى، حيث يرغب الطفل في أن يكون شبيهًا بهما عند الكبر. بهذه الطريقة، يبدأ الطفل بناء تصوراته الأولى عن الذات، وعن الآخرين، وعن معنى أن يكون "شخصًا ناجحًا" في المجتمع.

ومع اتساع دائرة الوعي، يدخل الطفل عالم المدرسة، فتبدأ القدوة بالخروج من الإطار الأسري إلى الفضاء الاجتماعي الأوسع. هنا تتشكّل نماذج جديدة في مخيلته، ويبدأ الحلم المهني بالظهور، بوصفه امتدادًا للقدوة لا خيارًا وظيفيًا مجردًا.

فمن منا لم يبدأ إدراكه عبر تقليد شخص ذي قيمة رمزية في محيطه القريب؟ ومن منا لم يحمل، في طفولته، حلم أن يكون شبيهًا بنموذجٍ متجسّد أمامه في أفعال وسلوكيات يومية؟ ربما كان معلّمًا، أو مهندسًا، أو صاحب مهنة تحمل قيمة واحترامًا اجتماعيًا. لقد كانت هذه الأحلام انعكاسًا مباشرًا للرمزية القدوية التي كان المجتمع يقدّمه بوصفها مسارات للمعنى والاعتبار الاجتماعي.

القدوة لا ترتبط بالمهنة بذاتها، بل بالمعنى الرمزي الذي تُحمَّل به المهنة اجتماعيًا. فالطفل لا يحلم بأن يكون مثلاً معلّمًا أو ممرضًا أو مهندسًا، أو طبيبًا لأنه وظيفة، ولا يتمنى أن يكون شرطيًا أو ضابطًا لأنه زيّ أو مردود اقتصادي، بل لأن هذه المهن كانت حاملًا اجتماعيًا للقدوة. لم تكن المهنة هي القدوة، بل الشخص الذي يحملها ويمارسها في المجال العام. ولم تكن مجرد وظائف في مخيال الطفل، بل تمثيلات حية لمعاني الانضباط والمسؤولية الأخلاقية وخدمة المجتمع، والمعايير الاجتماعية للنجاح والاحترام. أي بمعنى آخر  ليس بوصفها وظائف تقنية، بل بوصفها نماذج رمزية تجسّد المعرفة والمسؤولية والاعتراف الاجتماعي.

مع ذلك، لم تبقَ هذه الرمزية على حالها. إذ تعرضت لتحولات بنيوية عميقة أضعفت قدرتها على إنتاج المعنى، وأفقدتها موقعها كنموذج يُحتذى داخل البناء الاجتماعي. لم تقتصر هذه التحولات على البنى السياسية والاقتصادية فحسب، بل امتدت لتصيب الرموز الاجتماعية في صميم مكانتها، محدثة تآكلًا تدريجيًا في وظيفتها القدوية.

لم تسر هذه العملية بمعزل عن المؤسسة الأولى، أي الأسرة. فقد بدأت صدمات بنيوية مثل الحروب، فقدان أحد الوالدين، النزوح، والتفكك الأسري والاجتماعي، بهز الأسرة. أضافت الضغوط الاقتصادية المتزايدة، التي دفعت الأبوين إلى الانشغال بتأمين متطلبات العيش، إلى تقليص زمن التفاعل الأسري، ما أضعف حضور القدوة الوالدية في حياة الطفل اليومية. أدى تراجع "زمن العائلة" إلى إرباك عملية التنشئة الأولى، وخلق فراغ قيمي مبكر، مهّد لاحقًا لتفكك نماذج الاقتداء في المراحل اللاحقة من النمو.

مع انتقال الطفل إلى المدرسة، تتسع دائرة التنشئة، وتبدأ القدوة بالخروج من الإطار الأسري الضيق إلى الفضاء الاجتماعي الأوسع. في هذه المرحلة، لا تعود القدوة شخصًا بعينه فحسب، بل تتحول إلى أدوار اجتماعية متجسدة في المهنة والسلوكيات العامة. يراقب الطفل محيطه الاجتماعي ويقلد الآخرين في سلوكياتهم اليومية، في كل صغيرة وكبيرة، ليستوعب قواعد التفاعل الاجتماعي ويكوّن تصورات عن الذات والآخر. ويصف عالم الاجتماع "جورج هربرت ميد" هذا النموذج بـ"الآخر المعمم" أي الإطار الرمزي الذي يتيح للطفل فهم توقعات المجتمع وتوجيه سلوكه وفقًا للمعايير الجماعية، وليس مجرد تقليد عفوي للأفراد المحيطين به.

في هذا السياق، كان المعلم يُنظر إليه رمزًا للانضباط والقيم والسلطة المعرفية، ويشكّل نموذجًا أساسيًا للآخر المعمم، إذ يسهم في بناء الذات الاجتماعية وتنظيم أدوار الطفل. إلا أن المعلم في الواقع أصبح يظهر في وعي التلميذ كشخص منهك، محاصر بضغوط اقتصادية ومؤسسية، يفتقر إلى الدعم والهيبة الاجتماعية. ومع هذا التحول، فقد الطفل قدوته الثانية داخل المدرسة، وما يخلّفه غياب هذا النموذج ليس فراغًا معرفيًا فحسب، بل أثرًا عاطفيًا ونفسيًا عميقًا يمتد إلى مسار التكوين الاجتماعي والنفسي للفرد

لطالما احتلت القيم الاجتماعية العالية موقع "القدوة" داخل البنية الاجتماعية، بوصفها نماذج حية للالتزام الجمعي والمعنى الاجتماعي. لكن هذه الرمزية بدأت بالانحسار مع تراجع قدرة المؤسسات على دعم الدور الأخلاقي والمعياري للقدوة، في ظل ضعف المؤسسات، واضطراب السياسات، وتغير نظرة المجتمع إلى العمل والمعرفة والسلطة.

مع انتقال الطفل إلى مراحل عمرية لاحقة وبلوغه مرحلة الشباب في ظل هذه التحولات، أُعيد تعريف القدوة في وعيه الجمعي بوصفها مسارات محفوفة بالمخاطر أو منخفضة المكانة الاجتماعية، قد أسهم ذلك في تعميق الفجوة بين تطلعات الشباب وواقعهم الاجتماعي. الذي لم يعد يوفر نماذج مستقرة أو مُلهمة للاحتذاء به.

بعد ذلك جاءت المؤسسة الدينية لتضيف مستوى آخر من التعقيد، مع اتساع الفجوة بين الخطاب المعلن والممارسة الواقعية، ويؤدي التناقض المستمر بين الخطاب والممارسة داخل هذه المؤسسات إلى تآكل الثقة بالمرجعيات التقليدية، ما يفضي إلى فقدان الشرعية الرمزية، وهي شرط أساسي لتحوّل أي شخص أو مؤسسة إلى قدوة مقبولة اجتماعيًا.

ولا يمكن فهم ما أصاب نماذج الاقتداء بوصفه أحداثًا منفصلة، بل كسلسلة متتابعة من الصدمات البنيوية. فقد بدأت باهتزاز الأسرة ومن ثم المدرسة ومن المؤسسة الدينية. اصبح الفراغ شاسع جدا وانتهت بملء الفراغ الرمزي عبر العالم الرقمي (الميديا) بنماذج شهرة سطحية. ويكشف هذا التسلسل أن أزمة القدوة ليست ظاهرة أحادية، بل نتيجة تراكمية لعوامل متداخلة تعمل على مستويات متعددة: الأسرة بوصفها القاعدة الاجتماعية الأولى، والمدرسة كمؤسسة تنشئة رسمية، والدين كمرجعية أخلاقية رمزية، والميديا كمُشكِّل أساسي للرموز الحديثة.

ومع تراكم هذا الفراغ الرمزي والقيمي، برز العالم الرقمي/الميديا بوصفه البديل الأكثر حضورًا في الوقت الحاضر، ليملا المساحة الخالية بنماذج من المشاهير تُقدَّم كقدوات جديدة، لا تقوم على المسؤولية أو القيمة الأخلاقية، بل على الجاذبية السريعة والحضور الإعلامي المؤقت.

وفي ظل هذا التآكل، تمنح الميديا أولوية للحضور الشكلي والأداء الآني على حساب المضمون، فتتراجع قيمة الجهد الطويل والالتزام الأخلاقي لصالح الشهرة السريعة والربح الرمزي المؤقت. فتحولت القدوة من سلوك يُعاش ويُلاحظ إلى شعارات تُردَّد دون سند فعلي في الواقع.

وفي غياب نماذج احتذاء فاعلة، يسعى الشباب إلى البحث عن بدائل تمنحهم إحساسًا بالانتماء والهوية، حتى لو كانت بدائل قائمة على قيم مشوّهة أو سلوكيات مضللة؛ كالجماعات المتطرفة، أو مشاهير فارغين، أو هويات افتراضية تُصاغ داخل الفضاء الرقمي. وبهذا، تنتقل عملية التعلّم بالملاحظة من الأسرة والمعلم إلى الشاشة والمؤثرين، ويتحوّل النموذج من فعل اجتماعي حيّ إلى صورة مُجتزأة.

فقد تغير معيار القدوة من الفضائل كالتفاني والمسؤولية وخدمة المجتمع، إلى معيار يقوم على الظهور والشهرة والربح السريع. أدى هذا التحول إلى إضعاف العقد الاجتماعي، وتراجع دور القادة والمؤسسات في الحفاظ على القيم الجماعية، ما أسهم في تفكك التماسك الاجتماعي وتعميق شعور الشباب بالضياع واللامعيارية.

وهو مؤشر على تحولات بنيوية أعمق في شبكة العلاقات الاجتماعية والقيمية ويُبرز هشاشة الأطر المؤسسية والقيمية للمجتمع. فالطفل الذي لم يجد قدوته الأولى داخل الأسرة والمدرسة، والذي لم تعد المؤسسات الدينية والمدنية توفر له الإرشاد، بات يعيش حالة من الضياع والهشاشة القيمية. ومع صعود النماذج الهشة في الفضاء الرقمي، يتحول البحث عن القدوة إلى تجربة عشوائية تُعيد إنتاج الفجوة بين القيم المنشودة والممارسات الفعلية، وتترك الشباب رهين الانطباعات السطحية والرموز المؤقتة.

وعليه، فإن تفكك منظومة القدوة لا يعبّر عن خلل فردي أو عن جيل "ضائع" بطبيعته، بل عن خلل بنيوي عميق يمسّ العلاقة بين الفرد والمؤسسات والرموز. وهي حالة تُبرز تراجع المعنى، لا المهنة، وانهيار المرجعيات الأخلاقية قبل انهيار المواقع الوظيفية، الأمر الذي يجعل إعادة بناء القدوة مسألة اجتماعية وثقافية شاملة، تتطلب رؤية لإعادة بناء النماذج الاجتماعية التي تجمع بين المصداقية والانتماء والممارسة الفعلية، بما يسهم فعليًا في تشكيل وعي حقيقي وفعال وبناء، وهويتهم بعيدًا عن الشعارات الفارغة والقدوات المؤقتة، عبر تعزيز الأسرة والمؤسسات التعليمية والثقافية والدينية بما يتوافق مع متطلبات العصر.

***

د. نور خالد / باحثة وأكاديمية

 

لطالما أثارني مفهوم الطاعة، التي يجب أن تقدمها الزوجة للزوج، وكذلك الأبناء للوالدين، وطاعة ولي الأمر، وأهميتها الدينية حتى أنها عُدت نظاما اجتماعيا قارا يجعلها قيمة عليا، وبما أننا أبناء اليوم وأبناء حضارة حديثة تركز على حقوق الإنسان الفردية، صرنا نرى في هذا النظام الثقافي غرابة، فالفكر الذي يرى الكون قائما على تراتبية صارمة، طبقات بعضها فوق بعض، يرى في الطاعة قيمة عليا، وهي ليست نظاما حكميا جزئيا بل بنية معرفية متجذرة في الفقه الإسلامي التقليدي، من خلال تصوره للإنسان والعالم والعلاقات التي تربط بين البشر. لقد قُدس مفهوم الطاعة لأنه – كما يبدو - مرتبط بمنظومة فكرية ثقافية كاملة.

السؤال الأول الذي يٌثير: لماذا تُقدم الطاعة كمفهوم ديني؟ لماذا حصلت على هذا التقديس؟

يمكن تحليل الأمر بالقول أن الحياة كانت تقوم على فكرة التراتبية الهرمية، وهذه التراتبية كونية يقوم عليها نظام الكون، فالعالم في نظر هذا الفهم مبني على سلسلة هرمية تبدأ من الخالق الله تعالى، ثم النبي أو الرسول، (ثم ولي الأمر خليفة الرسول ونائبه)، ثم الرجل وبعده المرأة ثم الطفل وبعده العبد [1].

فالله الخالق أولا في هذه الترتبية ويمثله على الأرض الرجل، الذي خُلق على صورته.[2]

هذه الأفكار ورثها الفقه من هذه الفلسفة القديمة التي كانت سائدة آنذاك- قبل مرحلة تكون الفقه الإسلامي- كالفلسفة اليونانية القديمة وقبلها البابلية والساسانية[3]. ففي فلسفة ارسطو الرجل هو العاقل الذي يملك المال، والمرأة منفعلة، وأن الفاعل أعلى من المنفعل[4]، كما أن البنية الاجتماعية القبلية كانت تنظر الى العائلة والأسرة كجماعة يقودها رجل، وبما أن العالم مبني على طبقات، تصبح الطاعة ضرورة لاستمرار النظام، فهي نظام كوني طبيعي بهذا الفكر الشمولي، وهي ضمان للاستقرار، وهي مقدمة على حقوق الإنسان الفرد، فالفقه التقليدي لم يُبن على فكرة " الحقوق الفردية " كما في الفلسفة الحديثة تكون بالعادة مع حفظ النظام الاجتماعي ومنع الفوضى وإبقاء السلطة في يد من يملكها. وبما أن الرجل هو السيد وال"قيّم " في النظام القبلي فأن طاعة المرأة للرجل هو وسيلة لحفظ البنية الاجتماعية، لا لحفظ كرامة المرأة أو مراعاة استقلاليتها وفردانيتها. أما طاعة الأبناء للوالدين فهي تحفظ الأسرة ووحدتها وسمعتها وانسيابيتها في انتقال القيم من جيل الى جيل دون أن تحمي حقوق الطفل بالضرورة.

لقد تم تصوير الطاعة كعبادة، فكتب الفقه تتحدث عن ذلك عبر الربط بين الحفاظ على مصلحة الذكر ونظامه وبين طاعة الله.

فطاعة الزوجة للزوج واجبة وجوبا مقدسا، لتصل الى لعنة ملائكية لها في حال المخالفة. هذا التقديس يمنع المرأة من الاعتراض لكونه خروجا عن نظام كوني وليس إخلال بعقد بين طرفين.

بل أن الطاعة المفروضة صارت مجالاً للتبادل المالي، فحياة المرأة تتوقف على هذه الطاعة، فهي ستحرم من الطعام والبيت والكسوة في حالة عدم الطاعة. فيتحول العقد الى عقد إعالة مشروطة.

جعل الحياة الزوجية تقوم على هذا المنطق عبر إجراء عقد يرسم العلاقة بين ذكر مطاع وأنثى مطيعة يحولها الى حياة تخلو من العاطفة المطلوبة، فهذه العلاقة ليست حوارا بين اثنين ندّين يجذب أحدهما الثاني بخصائصه الفردية الخاصة المثيرة، بل عبر القوة والإخضاع القانوني. تفترض نظرية الطاعة أن الرجل هو مركز السلطة والمعرفة في العلاقة والمرأة موضوع التكليف لا شريك في العلاقة والأسرة.

هذا المنطق لا يراعي مسألة الكرامة الإنسانية، ولا تضمن بالضرورة العدالة كقيمة عليا يستهدفها الفقه. فهذا المزج بين الدين كعبادة والدين كنظام اجتماعي جعل الطاعة اقرب الى كونها شعيرة دينية منها إلى التزام إنساني.

الفقه التقليدي القديم لم يناقش هل الطاعة عادلة؟ لماذا لدينا طاعة أصلا بل ناقش ما حدود الطاعة ومتى تسقط ومتى تلزم الزوجة بها وهل يجوز تأديب الزوجة عند النشوز؟

إن السؤال الأخلاقي الأساسي هو: هل الطاعة متوافقة مع الكرامة الإنسانية؟، هذا السؤال لم يُطرح الإ حديثا.

***

د. بتول فاروق الحسون

...........................

[1] - ظ: هيكل، عبد الباسط سلامة: نظرية الطاعة في الخطاب الإسلامي، التأسيس النصي والفعل التاريخي، مؤمنون بلا حدود، منشور: ١٦/ديسمبر / ٢٠١٦.

https://www.mominoun.com

؛ خيري، صبري محمد خليل (الدكتور): تصحيح المفاهيم الخاطئة عن التشريع الإسلامي من المرأة وحقوقها،

https://drsabrikhalil.wordpress.com/2020/09/28

[2] - وروى مسلم (2612) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ ".

[3] - ظ:

[4] -ظ: تايلور، ريتشارد، تر: أشرف حسن منصور: أبن رشد الجدل الكلامي والفلسفة الأرسطية، مؤمنون بلا حدود،

https://www.mominoun.com/articles/%D8%A7%D8%A8%D9%86-%D8%B1%D8%B4%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D8%A9-9045?utm_source=chatgpt.com

الوجود الجيوسياسي للأمة العربية بصدد التفكك والتفكيك الممنهج للذات الحضارية من طرف الهجمة الصهيوامبريالية، مقاربة ما بعد كولونيالية.

مقدمة: في عصرنا الحالي، يُعد الوجود الجيوسياسي للأمة العربية أحد أبرز التحديات التي تواجه العالم العربي، حيث يتجلى في صراع مستمر بين قوى الوحدة الحضارية والقوى الخارجية التي تسعى إلى تفكيكها. يركز هذا البحث على عملية التفكك والتفكيك الممنهج للذات الحضارية العربية، الناتجة عن ما يُعرف بالهجمة الصهيونية-الإمبريالية، وذلك من خلال مقاربة ما بعد كولونيالية. هذه المقاربة، المستوحاة من أعمال مفكرين مثل إدوارد سعيد في "الاستشراق" وفرانز فانون في "معذبو الأرض"، تكشف كيف أن الاستعمار لم ينتهِ مع استقلال الدول، بل تحول إلى أشكال جديدة من الهيمنة الثقافية والسياسية والاقتصادية. الأمة العربية، ككيان حضاري يمتد من المحيط إلى الخليج، شهدت تاريخيًا وحدة ثقافية ولغوية ودينية، لكنها تعرضت لعمليات تفكيك ممنهجة بدءًا من العصر الاستعماري. الهجمة الصهيونية-الإمبريالية، كما سنرى، ليست مجرد صراع إقليمي حول فلسطين، بل هي جزء من استراتيجية إمبريالية أوسع تهدف إلى إضعاف الوحدة العربية لضمان السيطرة على الموارد والطرق الاستراتيجية. يعتمد هذا البحث على تحليل تاريخي ونظري، مستندًا إلى مصادر متنوعة تمثل آراء عربية وغربية وإسرائيلية، ليبرز كيف أن هذا التفكك يؤثر على الهوية الحضارية العربية، ويفتح آفاقًا لإعادة البناء.

الوجود الجيوسياسي للأمة العربية: أسس تاريخية وتحديات معاصرة

يشير الوجود الجيوسياسي للأمة العربية إلى موقعها الاستراتيجي في تقاطع القارات الثلاث (آسيا، أفريقيا، أوروبا)، ودورها في السيطرة على ممرات التجارة مثل قناة السويس وباب المندب، بالإضافة إلى ثرواتها النفطية والغازية. تاريخيًا، كانت الأمة العربية مركزًا حضاريًا في العصور الإسلامية، حيث ساهمت في العلوم والفنون والفلسفة، مما شكل هويتها الجماعية. ومع ذلك، مع دخول العصر الاستعماري في القرن التاسع عشر، بدأت عملية التفكيك. في مقاربة ما بعد كولونيالية، يُنظر إلى هذا الوجود كنتيجة لـ"الاستعمار الاستيطاني"، حيث فرضت القوى الاستعمارية مثل بريطانيا وفرنسا تقسيمات مصطنعة، كما في اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916، التي قسمت المنطقة إلى دول مصطنعة لتسهيل السيطرة. كما يشير الباحثون إلى أن هذا التقسيم لم يكن مجرد سياسي، بل ثقافي، حيث سعى إلى تفكيك الذات الحضارية العربية من خلال تعزيز الهويات الفرعية (قبلية، طائفية، إقليمية) على حساب الوحدة الجماعية.  هذا التفكك أدى إلى ظهور دول عربية ضعيفة، غير قادرة على مواجهة التحديات الخارجية، مما مهد الطريق للهجمات الإمبريالية اللاحقة. في العصر الحديث، يتجلى الوجود الجيوسياسي في صراعات مثل حرب الخليج (1991) وحرب العراق (2003)، التي أدت إلى تفكك الدولة العراقية وتعزيز الطائفية، مما يعكس كيف أن الإمبريالية تستخدم الصراعات الداخلية للحفاظ على هيمنتها.  كما أن الثورات العربية عام 2011، رغم أنها بدأت كحركات تحررية، أدت إلى مزيد من التفكك في ليبيا وسوريا واليمن، حيث تدخلت قوى خارجية لتعميق الفرقة.

التفكك والتفكيك الممنهج للذات الحضارية العربية

يُقصد بالتفكك الممنهج عملية منظمة تهدف إلى تفتيت الهوية الحضارية العربية، التي تتمثل في اللغة المشتركة، التراث الإسلامي، والتاريخ المشترك. من منظور ما بعد كولونيالي، يُرى هذا التفكيك كامتداد للاستعمار، حيث يُفرض "الآخر" (الغربي أو الصهيوني) كمعيار للحداثة، مما يؤدي إلى اغتراب الذات العربية. على سبيل المثال، يشير سعيد إلى "الاستشراق" كأداة لتصوير العرب كـ"متخلفين"، مما يبرر التدخل الإمبريالي. في سياق المنطقة العربية، أدى إنشاء دولة إسرائيل عام 1948 إلى النكبة، التي لم تكن مجرد نزوح فلسطيني، بل بداية لتفكيك الوحدة العربية. حرب 1967 أكدت هذا التفكك، حيث خسرت الدول العربية أراضيها، مما أضعف الروح الوحدوية وأدى إلى انحسار الفكر القومي العربي.  كما أن السياسات الإمبريالية، مثل دعم الولايات المتحدة لإسرائيل، ساهمت في تعزيز الفرقة الطائفية، كما في العراق وسوريا، حيث أصبحت الهويات الفرعية أداة للسيطرة. في اليمن، على سبيل المثال، يُرى التفكك كنتيجة لتدخلات خارجية تحول الصراع الداخلي إلى حرب بالوكالة، مما يعكس كيف أن الإمبريالية تستغل الضعف الداخلي لتعميق التفتيت.  هذا التفكيك ليس سياسيًا فحسب، بل ثقافيًا، حيث يؤدي إلى فقدان الثقة في الذات الحضارية، وانتشار الاغتراب الثقافي كما وصفه فانون.

الهجمة الصهيونية-الإمبريالية: روابط وآليات

ترتبط الهجمة الصهيونية بالإمبريالية الغربية منذ البداية، حيث كانت الصهيونية أداة للاستعمار البريطاني في فلسطين. كما يشير الباحثون، فإن الصهيونية ليست مجرد حركة قومية يهودية، بل شكل من أشكال الاستعمار الاستيطاني الذي يهدف إلى "إزالة السكان الأصليين".  في فلسطين، أدى ذلك إلى تدمير الهوية العربية من خلال الاستيطان والحروب، كما في غزة حيث يُرى الصراع كامتداد للاستعمار. من منظور ما بعد كولونيالي، تُعتبر إسرائيل "قاعدة للإمبريالية الغربية" في المنطقة، حيث تساعد في منع الوحدة العربية لضمان تدفق النفط والسيطرة الاستراتيجية.  هذا الارتباط يظهر في الدعم الأمريكي لإسرائيل، الذي يتجاوز 3 مليارات دولار سنويًا، مما يعزز التفكك العربي. كما أن حرب أكتوبر 2023 في غزة كشفت عن حدود الهيمنة الإسرائيلية، حيث أدت إلى إعادة اكتشاف الوكالة العربية في الدبلوماسية. ومع ذلك، هناك آراء إسرائيلية ترى الصهيونية كحركة تحررية، لكنها تُنتقد في السياق الما بعد كولونيالي كشكل من أشكال الاستعمار الذي يعتمد على الإمبريالية للبقاء.

مقاربة ما بعد كولونيالية: إعادة قراءة التاريخ وآفاق المستقبل

تساعد النظرية الما بعد كولونيالية في فهم كيف أن الهجمة الصهيونية-الإمبريالية ليست مجرد عسكرية، بل ثقافية، حيث تفرض روايات تاريخية تُهمش الرواية العربية. على سبيل المثال، يُرى الاستعمار في فلسطين كـ"أرض بلا شعب"، مما يبرر الاحتلال.  هذه المقاربة تدعو إلى إعادة بناء الذات من خلال استرجاع التراث العربي-إسلامي، كما في نماذج العصر العثماني أو الحركات التحررية.

خاتمة

في المجمل، يُعد التفكك الممنهج تحديًا، لكنه يفتح فرصًا لإعادة الوحدة. مع ظهور قوى متعددة الأقطاب مثل الصين وروسيا، يمكن للعرب استعادة وكالتهم، كما في الدبلوماسية السعودية-الإيرانية.  يتطلب ذلك رفض الهويات المفتتة وبناء نموذج حضاري جديد يجمع بين التراث والحداثة، لضمان وجود جيوسياسي قوي. فكيف يمكن ايقاف موجات التفكك والتفكيك التي تهب بشكل عاصف على المنطقة العربية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

في المثقف اليوم