عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

تَفْكِيكُ النُّظُمِ البَدِيلَةِ ومَتَاهَاتِ التَّبَعِيَّةِ

بين عقلانية المنفعة والنزوع الطوباوي الجذري: تتطلب دراسة البنية التنظيمية والاجتماعية لقراصنة الكاريبي خلال عصرهم الذهبي الممتد من خمسينيات القرن السابع عشر إلى ثلاثينيات القرن الثامن عشر تفكيك نظم التحكم البديلة التي نشأت على متن سفنهم كاستجابة جذرية وانقلابية للاستبداد الإمبراطوري. لقد عاش البحارة في البحرية الملكية والأسطول التجاري تحت وطأة نظم انضباطية وحشية، اتسمت بالتعسف، وسوء التغذية، والأجور الزهيدة، وهو ما جعل التحول إلى القرصنة خياراً واعياً لاسترداد الذات والتحرر من آلة الرأسمالية الإمبراطورية الناشئة. وفي هذا الفضاء اللادولتي، طوّر القراصنة نظام إدارة يتجاوز بكثير الممارسات السياسية السائدة في مجتمعات القرن السابع عشر الاستبدادية.

تأسست هذه الإدارة البديلة على ما يُعرف بـ "مواثيق القراصنة" أو أوراق الاتفاق، والتي مثلت أولى الدساتير المكتوبة القائمة على الإجماع والتعاقد الحر. وتنص المادة الأولى في العديد من هذه المواثيق على أن "لكل رجل صوت في الشؤون الآنية والمصيرية"، مما رسخ ديمقراطية تمثيلية ومباشرة مبكرة. وبموجب هذا النظام الدستوري، كان طاقم السفينة ينتخب القبطان انتخاباً شُورياً ديمقراطياً ويحتفظ بحق عزله واستبداله في حال إساءة استخدام السلطة أو إظهار ضعف في التقدير. ولم تكن سلطة القبطان مطلقة إلا في أوقات الطوارئ والاشتباك الحربي والمطاردة، بينما ظلت شؤون الإبحار وتحديد الوجهات وتوزيع الغنائم خاضعة لقرار "مجلس القراصنة" المشترك الذي يضم كامل أفراد الطاقم بالتساوي.

ولموازنة سلطة القبطان، استحدث القراصنة منصب "الربعان" المنتخب ديمقراطياً، والذي كان بمثابة رئيس وزراء وجهاز تدقيق قضائي وتنفيذي مستقل. وتولى الربعان مراقبة سلوك القبطان لمنعه من التعدي على الطاقم، وأشرف على تقسيم الغنائم، وعمل كحَكَم في النزاعات الداخلية. علاوة على ذلك، تضمنت المواثيق نظاماً جذرياً للتكافل الاجتماعي والتعويض عن الإصابات؛ حيث حددت قيمة مالية دقيقة لكل إعاقة جسدية تُدفع من الصندوق المشترك للغنائم، فكان فقدان الذراع اليمنى يعادل ستمائة قطعة من فئة الثمانية بينما يعادل فقدان الذراع اليسرى خمسمائة قطعة، وفقدان العين أو الساق يعوض مالياً بالمثل. وتوزعت الثروة المنهوبة بعدالة غير مسبوقة؛ إذ كان القبطان والربعان يتقاضيان حصتين فقط من الغنائم، في حين ينال صغار الضباط حصة وربعاً إلى حصة ونصف، ويحصل البحار العادي على حصة كاملة، وهي فوارق ضئيلة للغاية مقارنة بهياكل الأجور الرأسمالية الفاحشة المعاصرة لهم.

ينقسم التحليل المعاصر لهذه الظاهرة التاريخية إلى مدرستين فكريتين؛ الأولى يمثلها الاقتصادي بيتر ليسون في أطروحته "الخطاف الخفي" حيث يطبق نظرية الاختيار النفعي العقلاني لتفسير سلوك القراصنة. يرى ليسون أن ديمقراطية القراصنة ودساتيرهم لم تكن نابعة من أفكار تنويرية أو رغبة أخلاقية في العدالة، بل كانت نتاجاً لحسابات نفعية صارمة تهدف إلى منع الاقتتال الداخلي، وتقليل كلفة النزاعات، وتعظيم كفاءة النشاط الجنائي المشترك. وبحسب ليسون، فإن التسامح العرقي الذي أظهرته بعض السفن عبر دمج العبيد السود الفارين كأعضاء أحرار وحمايتهم من الاسترقاق لم يكن تعبيراً عن إنسانية تقدمية، بل لأن كلفة ممارسة التمييز العنصري كانت باهظة وتعيق التعاون الحيوي في المعارك المشتركة.

في المقابل، يقدم المؤرخ الاشتراكي ماركوس ريديكر قراءة مغايرة تماماً تركز على الصراع الطبقي والتمرد الاجتماعي. يرى ريديكر أن مجتمعات القراصنة كانت بمثابة حركة عمالية جذرية ألغت علاقة الأجر التي تمثل العمود الفقري للتراكم الرأسمالي، وحولت السفينة إلى ملكية مشتركة تدار ديمقراطياً خارج نطاق تحكم الدولة والطبقة الحاكمة. فالقراصنة لم يكونوا مجرد لصوص عقلانيين، بل متمردين اجتماعيين واجهوا بعنف وجسارة نظم العمل الجائرة، مما جعلهم أبطالاً شعبيين للطبقات الفقيرة والمستغَلة في تلك الحقبة.

 فرضية الأثر الديمقراطي الأمريكي وتأثير قراصنة الكاريبي

تطرح الأبحاث الأكاديمية المقارنة فرضية تلازمية وتاريخية تربط بين آليات الإدارة الذاتية للقراصنة والتشكل اللاحق للنظام الديمقراطي الأمريكي. وتفترض هذه الدراسات، ومن أبرزها أطروحة جيسون أكوستا من جامعة فلوريدا، أن الآباء المؤسسين للولايات المتحدة ربما استلهموا بعض ملامح الفصل بين السلطات والتوازنات الدستورية من مواثيق القراصنة التي حظيت بتغطية إعلامية وعلنية واسعة في أوائل القرن الثامن عشر. وتكشف مقارنة بنود ميثاق القراصنة بالدستور الأمريكي عن تشابهات وظيفية دقيقة؛ حيث يمثل انتخاب القبطان أصل النموذج الرئاسي الانتخابي، ويعادل مجلس القراصنة المشترك سلطة الممثلين التشريعية، في حين يعمل الربعان بمرجعية تشبه سلطة القضاء المستقل والضوابط الدستورية لكبح جماح السلطة التنفيذية.

يشير بيتر ليسون إلى أن الآباء المؤسسين، وفي مقدمتهم جيمس ماديسون وتوماس جيفرسون، كانوا قراءً نهمين للمؤلفات القانونية والتاريخية الرائجة في عصرهم، ولا يُستبعد اطلاعهم على نظم إدارة القراصنة المفصلة في كتاب "التاريخ العام للقراصنة" المنشور عام 1724، وهو ما يفسر التماثل المذهل في تطبيق مبادئ الفصل اللامركزي بين السلطات الوارد في الأوراق الاتحادية التأسيسية.

بالإضافة إلى الأثر الدستوري، كان للقراصنة دور مادي وتاريخي حاسم في تمكين المستعمرات الأمريكية الفتية من البقاء والازدهار الاقتصادي في مواجهة الاحتكار التجاري للتاج البريطاني. ففي ظل غياب الدعم والتمويل الكافي من لندن، قام القراصنة بضخ كميات ضخمة من العملات النقدية والبضائع الثمينة المنهوبة مباشرة في أسواق الموانئ الاستعمارية مثل تشارلستون في كارولاينا الجنوبية وبورت رويال في جامايكا، مما ولد طفرة تجارية أنقذت هذه المستوطنات من الانهيار والفقر المدقع.

علاوة على ذلك، يوضح المؤرخ دوغلاس برغس في كتابه "سياسات القرصنة" أن التواطؤ العضوي والمالي لحكام المستعمرات الأمريكية مع القراصنة وحمايتهم من الملاحقة تسبب في نشوء نظام قانوني وقضائي محلي منفصل ومستقل عن إملاءات المحكمة الإمبريالية البريطانية. هذا النزاع القضائي المستمر حول تعريف وتجريم القرصنة مثّل أولى بذور الاستقلال التشريعي والقانوني والسياسي للمستعمرات الأمريكية، ومهد الطريق لتمرد الثوار اللاحق ضد التاج البريطاني.

 تفكيك هيكلي للدولة في العالم الثالث

تتكشف عدم قابلية نموذج القراصنة، أو الديمقراطيات الليبرالية الغربية المسترشدة بإرثها التاريخي، للتطبيق في دول العالم الثالث عند إخضاع الدولة في مرحلة ما بعد الجلاء الاستعماري للتحليل التكويني والسياسي. إن الدولة في الجنوب العالمي ليست نتاجاً لتطور تاريخي واقتصادي واجتماعي داخلي متناغم، بل هي كيان هجين تمت صناعة حدوده وهياكله قسرياً من قبل القوى الإمبريالية الكبرى أثناء انسحابها العسكري. وقد تعمد المستعمر رسم هذه الحدود الإدارية والسياسية دون أي اعتبار للتركيبة العرقية، والثقافية، واللغوية للمجتمعات المحلية، مما أوجد دولاً تفتقر إلى الحد الأدنى من الاندماج الوطني والانسجام الاجتماعي. ويؤدي هذا التشوه التأسيسي إلى إبقاء الدولة في حالة صراع داخلي دائم، وحروب أهلية، ونزعات انفصالية تستنزف طاقتها ومواردها وتحول دون تشكل فضاء سياسي موحد.

علاوة على ذلك، يواجه بناء الديمقراطية الاجتماعية في العالم الثالث عقبة التبعية الاقتصادية والمالية العميقة لمركز النظام الرأسمالي العالمي. فخلافاً للدول الصناعية المتقدمة، تعاني الدولة في مرحلة ما بعد الاستعمار من ضعف هيكلي في سيادتها الخارجية واستقلالها السياسي الفعلي؛ إذ تظل مقيدة بشروط الديون الخارجية والمساعدات المشروطة التي تقدمها مؤسسات التمويل الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، والشركات عابرة القارات. ويجبر هذا الوضع الدولة على اتخاذ سياسات اقتصادية تقشفية تلغي الدعم وتصادر المرافق العامة عبر الخصخصة، مما يدمر أسس العقد الاجتماعي والعدالة التوزيعية اللازمة لبناء ديمقراطية اجتماعية مستقرة.

يتضح بالتالي أن محاولة تطبيق "نموذج القراصنة" كآلية ديمقراطية بديلة في العالم الثالث تنطوي على مغالطة فلسفية وفئوية فادحة؛ فحركية القراصنة أدارت ونظّمت مجتمعاً استهلاكياً طفيلياً مغلقاً لا يرتكز على دورة إنتاجية ذاتية، بل على الاستيلاء القسري على ثروات تم إنتاجها مسبقاً في دورة رأس المال الإمبراطوري وإعادة توزيعها داخلياً. بينما تتطلب الديمقراطية الاجتماعية في دول الجنوب بناء قوى إنتاج محلية، وحماية الموارد الطبيعية والسيادة الوطنية، وتحقيق الاندماج الاجتماعي المتوازن وتجاوز الانقسامات العرقية التي خلقها الاستعمار، وهي تحديات هيكلية تتجاوز جوهرياً قدرات ومحددات نظم القراصنة العابرة والمؤقتة بطبيعتها.

 استنتاج نقدي فلسفي

إن التبجح بقدرة نموذج "قراصنة الكاريبي" أو البنى الديمقراطية المشتقة منه على صياغة خلاص لدول الجنوب هو سقوط في فخ "التبعية المعرفية المستترة". يجب إيقاف هذا التدليس الفكري فوراً؛ فنظام القراصنة لم يكن حركة تحررية لبناء المجتمعات، بل كان مجرد ذراع طفيلية تتغذى على دماء الدورة الرأسمالية الإمبراطورية نفسها، ويعجز بنيوياً عن التحول إلى كيان تنموي يواجه تمزقات العالم الثالث الموروثة عن جائحة الاستعمار. إن استدعاء هذه النماذج ليس قراءة تقدمية، بل هو إعادة إنتاج للمنطق الاستعلائي الغربي الذي يفترض أن الحلول يجب أن تأتي دوماً من التاريخ الأبيض...!، حتى لو كان تاريخ قطاع طرق وبحارة مخمورين.

 وفي ذات السياق، فإن الأطروحات الهزيلة التي تروج لـ "الفرض الديمقراطي الخارجي" ليست إلا فخاخاً لاستلاب السيادة. إن توهيم شعوب الجنوب بالتحرر من خلال فضاءات افتراضية ممسوخة تديرها خوارزميات صهيونية وغربية في حواضن التكنولوجيا الكبرى، هو استعمار عقلي يستبدل سوط الجلاد القديم بتبعية استخراجية وتكنولوجية حديثة. إن انبعاث الجنوب العالمي وتأسيس ديمقراطيات اجتماعية حقيقية لن يتحقق بالوقوف على أعتاب الوهم الغربي أو باستهلاك رموز واهية، بل يفرض مواجهة معرفية واقتصادية شاملة؛ مواجهة تقطع دابر التبعية، وتسترد الفضاء العام المادي، وتنتزع سيادة تكنولوجية واقتصادية تنبثق عنوة من صلب مجتمعات الجنوب وتضامنها الراديكالي الصلب ضد المركزية الغربية وأدواتها.

***

غالب المسعودي

العِلم غير مُحدَّد مما يمكّننا من أن نكون فعّالين في إنتاجه. من الممكن التعبير عن لا مُحدَّدية العلوم من خلال القانون التالي: العِلم × صفر = اختبار الاعتقاد × صفر. فبما أنَّ العِلم × صفر = اختبار الاعتقاد × صفر، إذن العِلم = (اختبار الاعتقاد × صفر) ÷   صفر. وبذلك العِلم = صفر ÷   صفر. ولكن الصفر مقسوم على صفر نتيجته غير مُحدَّدة. بذلك العِلم غير مُحدَّد. هكذا ينجح القانون السابق في التعبير عن لا مُحدَّدية العِلم.

من فضائل هذا القانون أنه يضمن فعّاليتنا في إنتاج العلوم. فبما أنَّ، بالنسبة إلى القانون السابق، العِلم غير مُحدَّد وبذلك يطالبنا العِلم بتحديده المستمر، إذن يدفع بنا نحو أن نكون فعّالين في إنتاجه. وفي ضمان فعّاليتنا في إنتاج العلوم دلالة على مصداقية قانون العِلم السابق. وبما أنَّ العِلم غير مُحدَّد، لا يسجننا العِلم بمفاهيم علمية ماضوية مُحدَّدة مُسبَقاً مما يحرِّرنا فكرياً. وفي ضمان حريتنا الفكرية والعلمية فضيلة كبرى دالة على مصداقية قانون العِلم السابق. من المنطلق نفسه، بما أنَّ العِلم غير مُحدَّد، إذن من الممكن تطويره باستمرار على ضوء قراراتنا المعرفية. هكذا يضمن قانون العِلم السابق إمكانية تطوير العلوم باستمرار. وفي هذا فضيلة دالة على صدق القانون السابق ومصداقيته.

ينجح هذا القانون في تفسير لماذا العلوم تتغيّر وتُستبدَل النظريات العلمية بنظريات علمية أخرى مختلفة. وعلى ضوء هذا النجاح التفسيري يكتسب القانون السابق صدقه. فبما أنَّ، بالنسبة إلى القانون السابق، العِلم غير مُحدَّد، إذن من المتوقع أن تتغيّر العلوم وتُستبدَل النظريات العلمية بأخرى وذلك من جراء لا مُحدَّدية العِلم (التي تضمن عدم سجننا بنظريات علمية ماضوية فتدفع بنا نحو تغيير العلوم واستبدال النظريات العلمية بأخرى). هكذا ينجح قانون العِلم السابق في تفسير لماذا تتغيّر العلوم وتُستبدَل النظريات العلمية بأخرى.

كما ينجح هذا القانون في التعبير عن أنَّ العِلم كامن في الاختبار. فبما أنَّ العِلم × صفر = اختبار الاعتقاد × صفر، إذن العِلم كامن في اختبار الاعتقاد كاختبار النظريات التي نعتقد بها. هكذا ينجح قانون العِلم السابق في التعبير عن أنَّ العِلم كامن في الاختبار مما يدلّ على أنه قانون صادق على ضوء نجاحه التعبيري. فالنظرية العلمية هي القابلة للاختبار. فإن لم نتمكّن من اختبار نظرية معينة على ضوء الوقائع، فحينئذٍ لا دلالة على أنَّ تلك النظرية تعبِّر عن الواقع مما يتضمن أنها غير علمية.

***

حسن عجمي

مقاربة عابرة للمناهج والتخصصات

مقدمة: نقدم لكم مقالا تأبينيا على اثر رحيل السوسيولوجي الفرنسي إدغار موران (1921-2026) الذي يمثل واحداً من أبرز النماذج الفكرية في القرن العشرين والحادي والعشرين، الذي رفض الانغلاق داخل حدود التخصصات الأكاديمية التقليدية. هويته البحثية ليست مجرد جمع بين مجالات معرفية، بل هي بناء مركب ينسج السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والنمذجة والبيولوجيا والفلسفة في نسيج واحد، يسعى إلى فهم الواقع في تعقده الجوهري. هذه الهوية تتجلى في مفهومه المركزي "الفكر المركب"، الذي يقدمه كبديل للفكر البسيط أو الاختزالي الذي يسيطر على العلوم التقليدية. فمن هو ادغار موران؟ أين عاش؟ بمن تأثر؟ ماهي ملامح فكرة؟ وكيف عالج ازمة العالم؟ وماهي تأثيرات أفكاره مواقفه على السياسة والتربية والجامعة؟

الجذور السيرية والفكرية للهوية المركبة

نشأ موران في سياق تاريخي مضطرب: يهودي سفاردي ولد في باريس، عاش صدمة فقدان الأم في طفولته، وانخرط مبكراً في المقاومة ضد النازية، ثم في الحزب الشيوعي قبل أن ينفصل عنه نقدياً. هذه التجارب شكلت وعيه بالأزمات الإنسانية والاجتماعية، ودفعته نحو البحث عن فهم شامل للإنسان. درس الفلسفة وعلم النفس والسوسيولوجيا والتاريخ، ولم يكمل درجة الدكتوراه التقليدية، مما أعطاه حرية تجاوز المناهج الجامدة.  بدأ مساره بسوسيولوجيا الثقافة والإعلام، ثم انتقل إلى الأنثروبولوجيا البصرية والسينمائية (مثل فيلمه وقائع صيف مع جان روش، الذي ساهم في تأسيس "السينما الحقيقية"). لكنه لم يقف عند ذلك؛ بل توجه نحو دراسة الإنسان ككائن بيولوجي-ثقافي-اجتماعي، مستلهماً حوارات مع بيولوجيين مثل جاك مونود. أسس مراكز بحثية عابرة للتخصصات مثل مركز روايومونت لعلم الإنسان الأساسي، ثم مركز الدراسات العابرة للتخصصات (سي تي إس إيه بي)، الذي أصبح فيما بعد مركز إدغار موران.

السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا: فهم الإنسان في سياقه

في وسط هوية موران السوسيولوجية الأنثروبولوجية يقف رفض الاختزال. يرى المجتمع ليس كمجموع أفراد أو بنى ثابتة، بل ككيان معقد يتفاعل فيه الفرد والنوع والمجتمع بشكل متبادل. كتابه الباراديغم المفقود: طبيعة الإنسان (1973) يمثل نقطة تحول، حيث يقدم الإنسان كثلاثية لا تنفصل: فرد يحمل النوع (بالوراثة والثقافة)، ومجتمع يشكل الفرد، والعكس بالعكس. هذا المنظور الأنثروبولوجي يدمج الملاحظة الميدانية (من ألمانيا بعد الحرب إلى أمريكا اللاتينية) مع التحليل الثقافي. يدرس موران الثقافة الشعبية والأساطير والإعلام كعناصر تشكل الهوية الإنسانية، لكنه يتجاوز الوصف إلى النقد: كيف يؤدي التخصص المفرط إلى "تشظي" المعرفة، مما يعيق فهم الأزمات الاجتماعية الكبرى مثل العولمة أو الصراعات الهوياتية.

النمذجة والبيولوجيا: نحو فهم التعقد المنظم

يستعير موران من البيولوجيا والنظرية العامة للنظم أدوات لنمذجة الواقع. في سلسلته الرئيسية المنهج، التي تمتد على ستة مجلدات (1977-2004)، يبدأ بطبيعة الطبيعة  ثم  حياة الحياة. يرفض النمذجة الخطية أو الاختزالية التي تحول الكائنات إلى آلات، ويقترح نموذجاً يعتمد على الذاتية المنظمة.

المفاهيم الأساسية هنا:

العلاقة بين النظام والفوضى: التعقد ينشأ من توازن ديناميكي بين الانتظام والاضطراب، لا من إلغاء أحدهما.

المبدأ الحواري: العناصر المتناقضة (مثل الحياة والموت، الفرد والمجتمع) تكون متكاملة ومتضادة في الوقت نفسه.

المبدأ التكراري: السببية دائرية؛ المنتج يؤثر في المنتِج.

المبدأ الهولوغرامي: الجزء يحتوي على معلومات عن الكل، والكل موجود في الجزء.

هذه النمذجة البيولوجية-النظمية تطبق على السوسيولوجيا: المجتمعات ككائنات حية تتطور عبر أزمات وتفاعلات، لا كآلات قابلة للتحكم. يربط موران بين البيولوجيا والفلسفة ليؤسس "بيولوجيا للقرن الحادي والعشرين" تتجاوز الاختزال الجزيئي نحو فهم الحياة كظاهرة معقدة

الفلسفة: إبستمولوجيا المعرفة والأخلاق

الفلسفة ليست إضافة بل جوهر هذه الهوية. ينتقد موران "الباراديغم التبسيطي" الذي يعتمد على الفصل، الاختزال، والتجريد. يدعو إلى "إصلاح الفكر" يعيد ربط المعارف. في معرفة المعرفة (المجلد الثالث من المنهج)، يطور أنثروبولوجيا المعرفة وسوسيولوجيا المعرفة، مؤكداً أن المعرفة ذاتها ظاهرة معقدة مشروطة بالثقافة والتاريخ والدماغ البشري. كما يؤكد على "معرفة المعرفة": لا معرفة بدون وعي بحدودها وتحيزاتها. هذا يؤدي إلى أخلاقيات معرفية وإنسانية: التواضع أمام التعقد، والمسؤولية تجاه الكوكب. يرى الإنسانية كمغامرة مشتركة في مواجهة اللايقين، لا كمشروع سيطرة.

المقاربة العابرة للمناهج: التحدي والإنجاز

تكمن قوة موران في النزعة المتعالية الحقيقية، لا المتعالية السطحية. يجمع بين:

الملاحظة الإمبريقية السوسيولوجية-الأنثروبولوجية.

النمذجة النظمية-البيولوجية.

التأمل الفلسفي-الإبستمولوجي.

هذا النسج ينتج رؤية "إنسانولوجية"  شاملة. يطبقها على قضايا معاصرة: الأزمات البيئية، التعليم (في الدروس السبع للتعليم المستقبلي لليونسكو)، الديمقراطية، والعولمة. التعليم، مثلاً، يجب أن يعلم التعامل مع اللايقين، التعقد، والروابط بين المعارف، لا مجرد تكديس معلومات متخصصة.

تأثير إدغار موران على السياسة والديمقراطية: بين الفكر المركب والممارسة

يمثل إدغار موران مفكراً سياسياً عميق التأثير، رغم أنه لم يكن سياسياً حزبياً تقليدياً. تجربته الشخصية (مقاومة النازية، انخراط مبكر في الحزب الشيوعي ثم انفصال نقدي عنه عام 1951) شكلت رؤيته للسياسة كمجال معقد يتطلب "فكراً مركباً" بدلاً من الأيديولوجيات الاختزالية. تأثيره يمتد على مستويين: فكري (نقد وإعادة صياغة مفاهيم الديمقراطية والسياسة) وعملي (تأثير في نقاشات عامة، سياسات حضارية، ووعي كوكبي).

الأسس الفكرية: سياسة التعقد والإنسان

يرفض موران السياسة التبسيطية التي تفصل بين "الاقتصاد" و"الاجتماع" أو "الفرد" و"المجتمع"، ويدعو إلى سياسة مركبة ترى الواقع في تعقده: أنظمة ديناميكية تتفاعل فيها التناقضات (نظام/فوضى، فرد/مجتمع، خصوصية/عالمية). سياسة الحضارة: طورها في الثمانينيات والتسعينيات (كتاب 1997 مع سامي ناير، و2001). ينتقد فيها الحضارة الغربية التي أنتجت الديمقراطية وحقوق الإنسان والتقدم العلمي، لكنها أنتجت أيضاً آثاراً سلبية مهيمنة: فردانية مفرطة، استهلاكية، تدمير بيئي، وأزمة معنى. يدعو إلى "سياسة حياة" تحول التنمية الاقتصادية إلى تنمية إنسانية شاملة.

الأرض-وطن (, 1993 مع آن-بريجيت كيرن): أحد أبرز أعماله السياسية. يقترح وعياً كوكبياً يرى البشرية كمجتمع مصير مشترك في كوكب واحد. السياسة لم تعد وطنية فقط، بل كوكبية تواجه "البولي-كريزيس" (مفهومه عن الأزمات المتعددة المتداخلة: بيئية، اجتماعية، اقتصادية، سياسية).

الديمقراطية كعملية حوارية غير مكتملة: الديمقراطية ليست مكسباً نهائياً، بل نظام حواري يحتضن التوتر بين الحرية والمساواة، التوافق والصراع، الفرد والجماعة. تحتاج إلى تضامن ومسؤولية، وتعليم يربي على "الفهم" والتعاطف (كما في أعماله التعليمية). يحذر من تراجع الديمقراطيات أمام الشعبوية والاستبداد.

2. النقد الموراني للسياسة التقليدية

ينتقد الاختزال الأيديولوجي (سواء الليبرالي المتوحش أو الاشتراكي الدوغمائي).

يرى السياسة "الأقل تطوراً" في مجتمعاتنا لأنها تفتقر إلى ثقافة سياسية مركبة.

يدعو إلى إصلاح ديمقراطي يعيد السلطة إلى المواطن النشط (لا الخاضع)، ويجمع بين التراث الليبرتاري (الفرد)، الاشتراكي (العدالة)، الشيوعي (التضامن)، والبيئي.

3. التأثير العملي والممارسة

تأثير مباشر: استخدم نيكولا ساركوزي مصطلح "سياسة الحضارة" عام 2007-2008، مما أثار دهشة موران نفسه. أثرت أفكاره في نقاشات فرنسية وأوروبية حول الهوية والعولمة.

الوعي الكوكبي: ساهم مفهوم "الأرض-وطن" و"البولي-كريزيس" في تشكيل خطابات الأمم المتحدة واليونسكو حول التنمية المستدامة، المواطنة العالمية، والتضامن البشري. ألهم حملات ومنظمات غير حكومية تدعو إلى سياسة كوكبية.

التدخلات العامة: ظل موران حتى سنواته الأخيرة مفكراً عاماً يعلق على الأزمات (فرنسا، الشرق الأوسط، الحروب، الاستبداد، التغير المناخي). دافع عن علمانية مفتوحة على التعددية الثقافية، ونقد سياسات معينة مع الحفاظ على موقف إنساني.

في أمريكا اللاتينية ودول أخرى: أثرت رؤيته في إصلاحات تعليمية وسياسية تربط بين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والبيئة.

يواجه تأثير موران تحدياً عملياً: أفكاره عميقة وتتطلب تحولاً ثقافياً جذرياً (إصلاح الفكر، التربية على التعقد، التضامن)، بينما السياسة اليومية تظل محكومة بالتبسيط والإعلام السريع والمصالح الضيقة.

مع ذلك، يظل إرثه حياً في عصرنا:

يساعد الفكر المركب على فهم كيف تتغذى الأزمات بعضها على بعض.

يقدم الديمقراطية الحوارية بديلاً عن الاستقطاب.

يدعو إلى إنسانية متجددة تجمع بين الحرية والمسؤولية الكوكبية.

في النهاية، سياسة موران ليست برنامجاً انتخابياً، بل دعوة وجودية لتحويل السياسة إلى أداة لحضارة إنسانية حقيقية. هي سياسة "الحياة" التي تواجه خطر التدمير الذاتي للبشرية ببناء تضامن كوكبي، وتربية مواطنين قادرين على العيش مع التعقد واللايقين، والدفاع عن الديمقراطية كعملية مستمرة وليست مكسباً أبدياً. هذا التأثير يتجدد اليوم في كل محاولة لمواجهة "البولي-كريزيس" بوعي مركب وأخلاق إنساني.

مفهوم الحوار (الديالوجيك) في فكر إدغار موران

مفهوم الحوار هو أحد الأعمدة الأساسية في الفكر المركب عند إدغار موران. ليس الحوار هنا مجرد نقاش أو تبادل آراء، بل هو مبدأ معرفي ووجودي يصف كيفية تنظيم الواقع المعقد من خلال التوتر الديناميكي بين عناصر متناقضة تبدو متضادة، لكنها في الواقع متكاملة وغير قابلة للفصل. يمثل هذا المبدأ قلب التحول من الفكر التبسيطي (الذي يفصل ويختزل) إلى الفكر المركب الذي يربط ويحتضن التعقد

الحوارية مقابل الديالكتيك

يُفرق موران بوضوح بين الديالوجيك والديالكتيك التقليدي (الهيغلي أو الماركسي). في الديالكتيك، يؤدي التناقض إلى نفي وتجاوز ينتج تركيباً أعلى يلغي التناقض الأصلي. أما الديالوجيك عند موران فيحافظ على التوتر بين المتناقضين دون إلغاء أحدهما للآخر. العنصران يبقيان حيين، متضادين ومتعاونين في آن واحد، ويولدان التعقد المنظم. يقول موران: "الديالوجيك هو الذي يسمح بتصور الوحدة المزدوجة للعناصر المتنافرة والمكملة". هذا المبدأ مستلهم جزئياً من الفيزياء (مثل جسيم-موجة) والبيولوجيا (مثل التوازن بين الاستقلال والتبعية في الكائن الحي)، لكنه يُعمم على كل مستويات الوجود

الحوارية كمبدأ منظم للتعقد

في سلسلة المنهج، يظهر الحوار كواحد من المبادئ الأربعة الكبرى إلى جانب:

المبدأ التكراري (الرجعي).

المبدأ الهولوغرامي.

مبدأ الإعادة التنظيمية.

يصف موران الواقع كـ"نظام حواري" حيث ينشأ التنظيم الذاتي من خلال هذا التوتر الدائم. أبرز الأمثلة:

النظام والفوضى: لا يمكن فهم الحياة أو المجتمعات بدون الاعتراف بأن الفوضى (الاضطراب، الحدث غير المتوقع، الطفرة) ضرورية للإبداع والتطور، بينما النظام ضروري للاستمرارية. الحوار بينهما يولد "النظام من الفوضى" (كما في نظرية التعقد).

الحياة والموت: الموت ليس نقيض الحياة فقط، بل هو جزء من دورة الحياة. الخلايا تموت لتجدد الكائن الحي، والأفراد يموتون لاستمرار النوع. هذا الحوار يجعل الحياة "ظاهرة غير مستقرة" تعيش على حافة الانهيار.

الفرد والمجتمع: الفرد يشكل المجتمع والمجتمع يشكل الفرد في حلقة تكرارية حوارية. لا يمكن اختزال أحدهما في الآخر.

الروح والجسد، الثقافة والطبيعة، الذات والآخر: كلها أزواج حوارية.

الحوارية في الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا المورانية

في علم الإنسان الأساسي، يرى موران الإنسان نفسه ككائن حواري. الدماغ البشري ثلاثي (الزواحفي، الثديي، القشري) يعمل بحوار داخلي. الثقافة نفسها حوار بين التراث والابتكار، بين الذاكرة والنسيان.

في دراساته عن الإعلام والأساطير، يظهر الحوار في كيفية أن الخيال الجماعي يتغذى على تناقضات الواقع (الرغبة في الأمان والمغامرة، الخوف والأمل). كما يطبقه على الديمقراطية: مجتمع ديمقراطي حقيقي هو مجتمع يحتضن التوتر بين الحرية والمساواة، بين التوافق والصراع، دون محاولة إلغاء أحدهما.

الحوارية والمعرفة (إبستمولوجيا)

يمتد الحوار إلى مستوى المعرفة ذاتها. الفكر المركب يرفض "الفصل" بين المعارف، ويطالب بحوار بين التخصصات. العلم والفلسفة، والإمبريقي والتأملي، يجب أن يدخلا في علاقة حوارية لا تذيب أحدهما في الآخر. هذا يؤدي إلى "معرفة المعرفة" التي تدرك حدودها وتحيزاتها، وتقبل اللايقين كشريك حواري دائم. التواضع العلمي ليس ضعفاً، بل اعترافاً بهذا الحوار.

الأبعاد الأخلاقية والسياسية للحوارية

يحمل مفهوم الحوارية عند موران أبعاداً أخلاقية عميقة. في كتاب الأرض-الوطن وأعماله عن الأزمات الكوكبية، يدعو إلى سياسة حوارية تتعامل مع التناقضات البشرية (الهوية والكونية، الخصوصية والعالمية) دون محاولة حلها حلولاً اختزالية. الحوار هنا يعني القدرة على العيش مع الآخر المختلف، مع التناقض الداخلي، ومع اللايقين. هو أساس "الأخلاق المركبة" التي تجمع بين المسؤولية الفردية والتضامن الجماعي.

رغم قوته، يواجه مفهوم الحوار تحديات: كيف نحافظ على التوتر الإيجابي دون أن يتحول إلى صراع مدمر أو جمود؟ يجيب موران بأن التربية على التعقد ضرورية، كما في الدروس السبع للتعليم المستقبلي، حيث يجب تعليم الطلاب كيفية التفكير حوارياً مع التناقضات. في عصر الأزمات المتعددة المتداخلة، يصبح الحوار أداة حيوية لفهم أن التحديات البيئية والاجتماعية والتكنولوجية ليست منفصلة، بل حوارية: التقدم يولد مخاطر، والحلول تولد مشكلات جديدة.

مفهوم الحوار في فكر موران ليس تقنية منهجية فقط، بل رؤية وجودية ترى الكون والإنسان والمعرفة ككيانات حية تعيش وتتطور من خلال التوتر الخصب بين المتناقضات. هو دعوة للخروج من ثنائيات العصر الحديث القاتلة (عقل/جسد، إنسان/طبيعة، ذات/آخر) نحو علاقة مركبة تُغني الوجود بدلاً من تبسيطه. بهذا المعنى، يظل الحوار عند موران ليس مجرد مفهوم، بل طريقة في الحياة: طريقة للتفكير، للبحث، وللوجود في عالم معقد لا يُفهم إلا باحتضان تناقضاته.

أعمال إدغار موران حول التعليم: رؤية مركبة لتربية المستقبل

يُشكل إدغار موران واحداً من أبرز المفكرين الذين ربطوا بين الفكر المركب وبين إصلاح التعليم. لم يكن التعليم بالنسبة له مجرد نقل معارف متخصصة، بل مشروع إنساني شامل يهدف إلى "تعليم الحياة"، وإعداد الإنسان لمواجهة تعقد العالم، اللايقين، والأزمات المتداخلة (البولي-كريزيس). ينتقد موران التعليم التقليدي الاختزالي الذي يفصل المعارف، يتجاهل الأخطاء، ويغفل الإنسان في كليته.

1. الكتاب المركزي: السبع معارف الضرورية لتربية المستقبل (1999-2001) بدعوة من اليونسكو، كتب موران هذا النص القصير والمؤثر (الدروس السبعة المعقدة في التعليم من أجل المستقبل). يقدم فيه سبع دروس معقدة يجب أن تكون أساس التعليم في كل المجتمعات، لأنها تتجاوز المناهج التقليدية وتعالج الثغرات الكبرى في المعرفة والتربية.

الدروس السبع:

عمى المعرفة: الخطأ والوهم

يجب تعليم الطلاب أن المعرفة دائماً عرضة للخطأ والوهم (الإدراكي، الثقافي، الأيديولوجي). لا يوجد معرفة مطلقة؛ ينبغي تعليم كشف الأخطاء وتصحيحها، وإعطاء مكانة خاصة للخطأ كمصدر للتعلم.

مبادئ المعرفة الملائمة (المرتبطة)

يدعو إلى معرفة تربط الأجزاء بالكل، السياق بالعنصر، والمعلومات بالفهم. يرفض التخصص المفرط الذي يؤدي إلى "تشظي" المعرفة، ويطالب بمقاربة عابرة للتخصصات.

تعليم الشرط الإنساني

الإنسان كائن ثلاثي: بيولوجي-نفسي-ثقافي/اجتماعي. يجب فهم الوحدة المركبة للإنسان (الفرد-النوع-المجتمع) وتعقده، بدلاً من اختزاله في جانب واحد.

تعليم الهوية الأرضية (الأرض-وطن)

في عصر العولمة، يجب تربية الوعي بأننا مواطنون في كوكب واحد مشترك القدر. يجمع بين الخصوصيات الثقافية والتضامن الكوكبي، ويواجه التحديات البيئية والإنسانية المشتركة.

مواجهة اللايقينيات

التعليم يجب أن يعد لعالم غير متوقع، يحتوي على مخاطر ومفاجآت. يعلم استراتيجيات التعامل مع اللايقين بدلاً من وهْم السيطرة الكاملة.

تعليم الفهم

الفهم أساس التواصل الإنساني. يعالج مشكلتين: الأنانية الفردية والمركزية الاجتماعية/الثقافية. يربي على التعاطف، الحوار، والتفاهم بين الثقافات.

أخلاقيات النوع البشري

تربية على المسؤولية تجاه الإنسانية جمعاء، والكوكب، والأجيال المقبلة. تجمع بين الحرية الفردية والتضامن، وتعزز الوعي بالمصير المشترك.

2. أعمال مكملة أخرى

"الرأس الجيد: إعادة التفكير في الإصلاح، إصلاح الفكر" ( 1999): يركز على إصلاح طريقة التفكير نفسها، وكسر الحواجز بين التخصصات، وربط المعارف.

"تعليم الحياة: بيان من أجل تغيير التعليم" ( 2014): يوسع الرؤية ويؤكد أن مهمة التعليم الأساسية هي "تعليم كيفية العيش" في عالم معقد، مع التركيز على الأبعاد الإنسانية، الأخلاقية، والوجودية. ينتقد الأزمة الحضارية التي تعكسها الأزمة التعليمية (الفردانية، فقدان التضامن، القلق).

أعمال أخرى تتناول التربية ضمن سياقات أوسع، مثل أجزاء من سلسلة المنهج، وكتابات حول إصلاح الجامعة والتفكير عبر التخصصات.

الأسس الفلسفية للتربية عند ادغار موران

ترتبط أفكاره التعليمية عضوياً بهويته البحثية المركبة:

رفض الاختزال والفصل → يدعو إلى ربط المعارف (السوسيولوجيا، البيولوجيا، الفلسفة، الأنثروبولوجيا).

مبدأ الحوار (الديالوجيك) → تعليم التعايش مع التناقضات (نظام/فوضى، يقين/لايقين، فرد/مجتمع).

الإنسانولوجيا → التعليم يدرس الإنسان في كليته المعقدة.

التربية على التعقد → ليست إضافة، بل قلب المنهج: تعليم "معرفة المعرفة" ومواجهة الأخطاء.

يدعو موران إلى إصلاح جذري: مناهج تربط بين العلوم والإنسانيات، تقييم يركز على الفهم لا الحفظ، تربية ديمقراطية تشاركية، وتعليم يعزز الهوية الكوكبية دون إلغاء الخصوصيات. أثرت أفكاره على نقاشات اليونسكو، وبرامج تعليمية في عدة دول، ولا تزال ذات صلة في مواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي، التغير المناخي، والأزمات الاجتماعية.

في جوهر رؤيته: التعليم ليس تحضيراً لسوق العمل فقط، بل تربية للإنسان الكامل القادر على التفكير المركب، العيش مع الآخر، واحتضان تعقد الوجود. هذه الرؤية تمثل دعوة مستمرة لإعادة بناء المدرسة كمكان لـ"تعليم الحياة" في عصرنا المضطرب.

خاتمة

هوية موران البحثية تواجه انتقادات: بعضها يراها واسعة جداً وغير دقيقة علمياً، أو فلسفية أكثر من إمبريقية. لكن قيمتها تكمن في قدرتها على مواجهة أزمات عصرنا "البولي-كريزيس" (المتعددة الأزمات المتداخلة). في عالم يزداد تعقداً، يقدم موران أداة للتفكير لا تدمر التعقد بل تحتضنه، وتربط العلم بالأخلاق، والجزء بالكل، والإنسان بالكون. هذه الهوية ليست نظرية جاهزة بل دعوة مستمرة للرحلة: رحلة فهم الذات الإنسانية من خلال إعادة بناء طريقة معرفتنا بالعالم. إنها نموذج حي للباحث العابر للحدود، الذي يرى في التعقد ليس عقبة بل جوهر الوجود نفسه. كيف يؤثر فكر موران الفلسفي والسياسي والتربوي في معالجة الأزمة متعددة المصادر؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

"لولا جهل الناس بخفايا نوايا بعضهم تجاه بعض لاستحال التعايش بينهم"

الاستغناء عن الغير والاكتفاء بالذات؛ غاية الغايات وأمنية الأمنيات التي كانت ودامت ومازالت حلم الكائن الإنساني الاناني بطبعه والاجتماعي بالتطبّع ولكنها أمنية مستحيلة بسبب عجزه مواجهة تحديات الحياة بمفرده وبحسب ابن خلدون " الظلم من طبع الإنسان، فلا بد من وازع يزعهم عن بعضهم البعض، ولا يكون ذلك إلا بسلطان قاهر" واسطورة جرجيس في جمهورية أفلاطون فيها ما يكفي من الدرس والمعنى. بحسب الأسطورة الشهيرة كان جرجيس من ليديا راعي في خدمة العاهل العجوز كاندياس، ملك ليديا. بعد وقوع زلزال لجأ جرجيس إلى كهف يحتمي فيه، وبينما هو يستعد لمغادرة الكهف عائداً إلى قطيعه، عثر على خاتم دفعه الفصول ليضعه في أصبعه فإذا به يدرك أنه يخفيه عن الأنظار. كلما حركه باتجاه الداخل. جلس يفكر في حاله وفيما هو فاعل بمستقبله. اكتشف أنه غير راض إطلاقا عن حياته البسيطة ووظيفة الراعي فقرر أن يتخلى عنها ويبدأ حياة جديدة. كان أول ما خطر على باله أن يقوم بغواية زوجة الملك الفاتنة الجمال والمتقدة الأنوثة ويخطط معها لقلب نظام الحكم والتخلص من الملك العجوز والزواج منها. وفى ذات ليلة وضع الخاتم في أصبعه باتجاه الكف وذهب إلى القصر. مشى بين الحراس ولا أحد يراه حتى وصل إلى غرفة نوم الملك واتجه نحو فراشه وقتله. وفى الصباح التالى تزوج الملكة وأصبح هو نفسه ملكا على ليديا. ويرى الفيلسوف الفرنسي تزفيتان تودوروف في كتابه المهم (الأنثروبولوجيا الفلسفية والحياة المشتركة) إن الإنسان أنانيا بطبعه بوصفه كائنا حيا مدفوعا بقانون مقاومة الفناء والحفاظ على البقاء ولكن عجزه عن مواجهة تحديات الحياة بمفرده وحاجته الدائمة إلى الآخرين جعله اجتماعيا ومدنيا بالاكتساب جاء في القرآن الكريم تعريف الإنسان بوصفه كائنا أنانيا متوحشا: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ۖ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة: 30) وفي كتابه “الليفياثان” (Leviathan)، يعرّف هوبز الحق الطبيعي بأنه:" الحرية التي يمتلكها كل إنسان في استخدام قدراته الخاصة وفق ما يشاء من أجل حفظ حياته. ”أي أن الإنسان، في حالة الطبيعة، له الحق المطلق في أن يفعل أي شيء يراه ضرورياً لبقائه، دون أن يكون مقيداً بقانون أو سلطة أو نظام. قوته قانونه وقدرته مرجعيته. هذا المبدأ هو الذي تم ترشيده في السياسة بوصفها فن ادارة القوة وقانونها الأساسي بوصفها فن الممكن (افعل ما تستطيع فعله ولا ما ترغب بفعله) كما هو الحال في المرحلة الذئبية وشعارها (إذا لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب) هنا تتوحد الرغبة مع القوة بوصفهما حقا طبيعيا لكل كائن حي! ولذلك يقول هوبز إن هذه الحالة تقود إلى “حرب الجميع ضد الجميع” ،حيث تكون الحياة متوحشة ، قصيرة، مسكونة بالعنف والتهديد والتوتر الدائم. وهذا ما يستدعي السياسة بوصفها تنظيما للحياة المشتركة وهنا بداية الحضارة فأول الحضارة هو الإحساس بالخوف من عاقبة الاعتداء على الآخرين ومن الضرر الذي يصيب الإنسان من اعتداء الآخرين عليه وهو الخوف الذي نعبر عنه بالضمير والوازع ومخافة الأذى والضرر جراء القيام بالذي صار اسمه بعدما لا يحصى من الزمن والخبرات والتجارب حراما وعيبا وممنوعا ولا يجوز" ويذهب فرويد إلى إن الحضارة بدأت حينما بدأ الإنسان في تنظيم دوافعه الغريزية عن طريق مجموعة من النواهي والتابو والقانون" أننا لا نعدم البراهين التاريخية التي تدعم فرضيتنا القائلة بأن الحضارة هي القوة التنظيمية في التاريخ قوة تشتمل على ثلاثة عناصر أساسية هي (السياسة والأخلاق, التشريع) فهذا عالم الاجتماع الفرنسي (غي روشية)، يعرف الحضارة بأنها " تضم مجموع الوسائل الجماعية التي يلجأ إليها الإنسان حتى يمارس سيطرة على نفسه وينمو نمواً عقلياً وأخلاقياً وروحياً" والحضارة هي قدرة الإنسان في السيطرة على نفسة السيطرة التي لا تكون إلا بمعرفة قوانين التطور التاريخ والحياة الاجتماعية وتوظيفها في تحسين بيئة الحياة الإنسانية الجديرة بالعيش والتنمية.

فمنذ أن فتح الإنسان عينيه على هذا العالم وهو يحدّق بدهشة في لغز الحياة والموت والزمن. فمن تعاقب الفصول، وولادة الأطفال، وذبول الأشجار، واندثار الأجيال، تشكل ذلك الوعي الإنساني الغامض الذي دفع البشر إلى ابتداع الأعياد والاحتفالات بوصفها محاولة رمزية لترويض الزمن، والانتصار المؤقت على الفناء. إذ لا توجد جماعة بشرية على هذه الأرض، منذ ما قبل التاريخ وحتى اليوم، لم تبتكر طقوسها الخاصة للاحتفال بالحياة. فالأحياء وحدهم هم الذين يحتفلون، أما الموتى فلا أعياد لهم ولهذا ارتبطت الأعياد دائماً بفكرة التجدد والخصب والانبعاث والأمل. فالشعوب الزراعية القديمة كانت تحتفل بالمطر والحصاد وتعاقب المواسم لأنها كانت ترى في الطبيعة مرآةً لمصيرها الإنساني. كان المصري القديم يحتفل بفيضان النيل لأنه يعني استمرار الحياة، وكان البابليون يحتفلون بعودة الربيع بوصفه عودةً للخصب بعد موت الشتاء الرمزي، وكانت شعوب الأرض كلها تقريباً تنظر إلى الزمن لا بوصفه ساعات وأرقاماً، بل بوصفه حركةً كونية تتجدد فيها الحياة باستمرار إذ لم يكن الإنسان المندمج يمتلك وعياً تاريخياً بالمعنى الحديث، بل كان يعيش داخل زمن دائري يعيد نفسه كل عام. ولهذا كانت الأعياد تعبيراً عن حاجة الإنسان إلى الطمأنينة أكثر من كونها احتفالاً بالتاريخ. غير أن الأديان الكبرى حين ظهرت، نقلت معنى الاحتفال من مجرد الاندماج بالطبيعة إلى الوعي الأخلاقي بالوجود الإنساني، ومن الخوف من غضب الطبيعة إلى سؤال المعنى والمصير والحرية والتضحية.

ومن هنا يكتسب عيد الأضحى عند المسلمين خصوصيته الفريدة، لأنه ليس مجرد عيد طقوسي مرتبط بالذبح والقرابين كما يتوهم البعض، بل هو عيدٌ يتضمن في أعماقه أكثر الأسئلة الإنسانية حساسيةً وتعقيداً: ما قيمة الإنسان؟ وما حدود الطاعة؟ وما معنى التضحية؟ وهل يمكن للحب أن يتجاوز حتى غريزة التملك والخوف والفقد.

المعنى الرمزي الأعمق للقصة لا يكمن في فعل الذبح ذاته، بل في لحظة التراجع عنه. فالقصة لا تمجد قتل الابن، بل تؤسس لقداسة الحياة الإنسانية. لقد كان الامتحان الأصعب على الإطلاق: أن يُطلب من الأب أن يذبح ابنه، أي أن يواجه الإنسان أكثر روابطه الوجودية عمقاً وألماً. فالعلاقة بين الأب وابنه ليست علاقة عابرة، بل هي امتداد للذات نفسها، ولذلك كانت لحظة التسليم هنا لحظة مأساوية تتجاوز حدود الفهم العقلي المباشر.

والأكثر عمقاً في القصة أن الابن نفسه كان واعياً بفداحة المشهد. كان يدرك خوف أبيه وحبه وتردده وألم أمه القادم، ولذلك بدا وكأنه يخفف عن أبيه عبء المأساة، في واحدة من أكثر الصور الإنسانية تأثيراً في المخيال الديني للبشرية. غير أن ذروة المعنى لا تتحقق في الاستعداد للذبح، بل في إيقافه. فالإله الذي أمر، هو نفسه الذي فدى إسماعيل بكبش. وكأن المغزى النهائي للقصة أن الإنسان ليس موضوعاً للذبح، وأن الحياة الإنسانية أسمى من أن تُراق قرباناً. (ينظر، احمد برقاوي، دلالة عيد الأضحى الأخلاقية، صفحة فيسبوك)

ومن هنا تتبدى الدلالة الأخلاقية العميقة لعيد الأضحى. فالعيد في جوهره ليس احتفالاً بالموت، بل احتفال بانتصار الإنسان على فكرة الذبح ذاتها. إنه إعلان رمزي بأن الدم الإنساني ليس مباحاً، وأن التضحية الحقيقية ليست قتل الآخر، بل قتل الوحش الكامن داخلنا: الجشع، والقسوة، والتعصب، وشهوة الهيمنة، والرغبة الدائمة في تقديم البشر قرابين للأفكار والحروب والأيديولوجيات.

وبهذا المعنى كانت السياسة ومازلت بوصفها ادارة شؤون الناس العامة هي أنبل وأخطر المهام التي يمكّن إن يضطلع بها الإنسان وأثقلها مسوؤلية لذا ينبغي إلا تترك وظائفها دون معايير دستورية صارمة لا ينجح فيها إلا أكثر المتقدمين تأهيلا وقدرة وكفاءة فضلا عن السمات الشخصية التي يجب إن يتسم بها كل من اراد ممارستها ومنها: الحلم والحكمة والشجاعة وسعة الأفق وسلامة الطوية ونقاوة الضمير والحسد السليم.

في المجتمعات التي وصلت إلى قناعة عامة بإن الإنسان هو الكائن الأهم في التاريخ ومن ثم في يجب أن يكون غاية كل فعل وسلوك استطاعت إن تأسس الدولة المدنية الحديثة التي نادى بها إسبينوزا " " ليس الغرض الأقصى من الدولة أن تسيطر على الأفراد، ولا أن تكمِّمهم بالمخاوف، ولكن الغاية منها أن تُحرِّر كلَّ إنسانٍ من الخوف، حتى يستطيع أن يعيش ويعمل في أمنٍ تامٍ دون أن يضر نفسه أو يؤذي جاره.

إنّي أكرِّر القول بأنّ غاية الدولة ليست أن تحوِّل الكائنات العاقلة إلى حيواناتٍ متوحشةٍ أو آلاتٍ، بل إنّ الغرض منها هو أن تُمكِّن أجسامهم وعقولهم من العمل في أمنٍ، غايتها أن تهيِّئ للنّاس عيشًا يستمتعون فيه بعقولٍ حرةٍ، حتى لا يُنفقوا جهدهم في الكراهية والغضب والكيد والإساءة لبعضهم البعض. إنّ غاية الدولة الحقيقية هي أن تكفل الحريّة " ينظر باروخ إسبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة)

كم هو مؤلماً أن يتحول بعض الناس إلى قتلة باسم الله نفسه الذي فدى إسماعيل بكبش، أو باسم الأوطان والثورات والطوائف والعقائد. فما أكثر الذين يدفعون الأبناء إلى الموت وهم جالسون بعيداً عن ساحات الدم، يرفعون شعارات البطولة فوق جماجم الضحايا. ترى من منح هؤلاء الحق في التضحية بما لا يملكون؟ ومن أقنعهم أن الله الذي افتدى إنساناً بكبش، يمكن أن يرضى بتحويل البشر إلى وقود دائم للحروب؟ إن المعنى الأخلاقي المضمر في عيد الأضحى يتناقض جذرياً مع كل ثقافة تمجد القتل أو تقدس الموت المجاني. فالعيد في حقيقته دعوة إلى صون الحياة لا إلى إهدارها، وإلى إعادة الاعتبار للإنسان بوصفه القيمة الأعلى في الوجود الاجتماعي والأخلاقي. وربما لهذا السبب ظل العيد مرتبطاً بفكرة المشاركة والتكافل وإطعام الفقراء وتوزيع اللحم على الآخرين، لأن الأضحية ليست مجرد طقس فردي، بل فعل اجتماعي يعيد ترميم الروابط بين البشر فالإنسان حين يوزع أضحيته، لا يمنح الطعام فقط، بل يعترف ضمنياً بأن الحياة لا تستقيم إلا بالمشاركة. ولذلك كانت الأعياد دائماً لحظات نادرة يتوقف فيها صخب المصالح اليومية قليلاً، ويتذكر الناس أنهم ينتمون إلى مصير إنساني واحد، وأن هشاشتهم المشتركة أقوى من أوهام التفوق والانقسامففي المجتمعات التقليدية القديمة، كان العيد حدثاً وجودياً تشارك فيه القرية أو المدينة بأكملها. كانت البيوت تُفتح، والقلوب تتسع، والناس يتبادلون الطعام والزيارات والضحكات بوصفهم جماعةً تواجه قسوة العالم بالفرح الجماعي. فالاحتفال في جوهره ليس ترفاً، بل ضرورة نفسية واجتماعية لمقاومة العدم. الإنسان يحتفل لأنه يعرف أنه فانٍ، ولأنه يدرك أن الزمن يلتهم كل شيء: المدن، والوجوه، والصداقات، وحتى الأحلام نفسها.

وقد أدركت الأساطير القديمة هذه الحقيقة منذ زمن بعيد. فالإغريق أطلقوا على الزمن اسم “كرونوس”، الإله الذي يلتهم أبناءه، تعبيراً عن تلك القوة الكونية التي تفني كل شيء. وكان الإنسان القديم يعيش هذا القلق الوجودي يومياً أمام مشاهد الولادة والشيخوخة والموت، فابتكر الطقوس والأعياد والأساطير ليمنح حياته معنىً وسط هذا الخراب الكوني الهائل.

ومن هنا نفهم لماذا تبقى الأعياد ضرورة إنسانية حتى في أكثر الأزمنة بؤساً. فالإنسان لا يحتفل لأنه سعيد دائماً، بل لأنه يحتاج إلى لحظات يرمم فيها روحه المتعبة. حتى الشعوب المنكوبة بالحروب والخوف لا تتوقف تماماً عن الاحتفال، لأن التوقف الكامل عن الفرح يعني انتصار الموت الداخلي غير أن الفرق بين المجتمعات المستقرة والمجتمعات المأزومة يظهر بوضوح في علاقتها بالعيد والزمن. فحين يشعر الإنسان أنه يمتلك شيئاً من القدرة على التأثير في مصيره، يصبح العيد مناسبة للأمل والتطلع إلى المستقبل. أما حين يعيش داخل دائرة مغلقة من الفوضى والخوف والعجز، فإن الزمن يتحول إلى عبء ثقيل، ويصبح الاحتفال أشبه بمحاولة يائسة للتشبث بما تبقى من المعنى.

ولعل هذا ما يجعلنا في عالمنا العربي نعيش أعياداً مرتبكة في كثير من الأحيان؛ نكبر فيها بالذاكرة أكثر مما نكبر بالفرح. نتذكر طفولتنا القديمة حين كانت أصوات التكبير، ورائحة الخبز والقهوة، وحركة الأسواق، وملابس الأطفال الجديدة، كافية لصناعة عالم كامل من الطمأنينة. كانت الأعياد أكثر اتصالاً بالطبيعة وببساطة الحياة وبالعلاقات الإنسانية الصافية. وكان الناس يربطون العيد بالخصب والرزق والبركة، فتُعلق الأغصان الخضراء على النوافذ، وتُخفى الحبوب داخل الطعام، ويتفاءل الجميع بعام جديد أكثر خيراً ووفرة.

كان أسلافنا يحتفلون بالحياة دون تنظير فلسفي معقد، لكنهم كانوا يدركون بحدسهم الطبيعي ن الإنسان يحتاج إلى الفرح كما يحتاج إلى الخبز، وأن الاحتفال ليس هروباً من الواقع بل مواجهة رمزية لها. ولهذا فإن اختزال عيد الأضحى في طقوس الذبح أو الاستهلاك أو المظاهر العابرة، هو اختزال لمعنى إنساني وأخلاقي وروحي شديد العمق فالعيد في جوهره احتفال بالحياة المشتركة، وتذكير دائم بأن الإنسان ليس مجرد كائن عابر في الزمن، بل كائن قادر على منح الزمن نفسه معنى. إنه اللحظة التي يحاول فيها البشر أن يقولوا للموت: نحن نعرف أنك الحقيقة النهائية، لكننا سنواصل الحب والإنجاب والبناء والغناء والاحتفال ما دمنا أحياء.

وبهذا المعنى كتب أحمد برقاوي في الدلالة الأخلاقية للأضحية العيدية فعيد الأضحى، في معناه الأعمق، عيداً لقداسة الإنسان قبل أي شيء آخر؛ عيداً يقول لنا إن حياة البشر أثمن من أن تتحول إلى قربان دائم للآلهة أو الطغاة أو الأيديولوجيات، وإن أعظم ما يمكن أن يفعله الإنسان ليس أن يقتل باسم (الحقيقة)، بل أن يحمي الحياة باسمها.

ختاما يمكن يمكن التذكير بما كتبه رينيه جيرار في كتابيه العنف المقدس وكبش الفداء إذ يرى عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي أن المجتمعات القديمة كانت تلجأ إلى “الذبيحة” بوصفها وسيلة رمزية لتفريغ العنف الجماعي ومنع انفجاره داخل الجماعة وذلك بالبحث عن “كبش فداء” تُسقط عليه توتراتها ومخاوفها وأحقادها، ثم تقوم بالتضحية به لاستعادة السلم والوحدة. غير أن المفارقة العميقة في عيد الأضحى الإسلامي أن الأضحية فيه جاءت على النقيض من منطق التضحية بالبشر الذي عرفته الحضارات والأساطير القديمة. فالقصة لا تنتهي بذبح الإنسان، بل بافتدائه. وهنا تكمن القطيعة الأخلاقية الكبرى: إذ يتحول الكبش من بديل عنفٍ بشري إلى إعلان رمزي عن حرمة الدم الإنساني نفسه. فالعيد لا يشرعن القتل، بل يضع له حدًا ميتافيزيقيًا وأخلاقيًا، وكأن الرسالة الضمنية للقصة هي أن الإنسان لا يجوز أن يتحول إلى قربان للصراعات والأهواء والعقائد والهويات القاتلة. ولذلك يبدو العالم الحديث، رغم كل ادعاءاته الحضارية، وكأنه يعود باستمرار إلى المرحلة البدائية ذاتها كلما أعاد إنتاج “كبش الفداء” في السياسة والطائفة والحرب والأيديولوجيا، حيث يُدفع الأبناء إلى الموت الجماعي بينما يواصل الآخرون الاحتفال بانتصاراتهم فوق الخراب.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

مقدمة: ليس الجهل هو أكثر ما يهدد الإنسان، بل تلك اللحظة التي يعرف فيها الحقيقة من ثم يعجز عن اتباعها. نعرف ما ينبغي أن نفعله، لكننا نفعل غيره، نؤمن بقيمة الانضباط، ثم نستسلم للتأجيل؛ نُدرك ما يضرنا، ثم نعود إليه كأننا مدفوعون بقوة خفية أقوى من قناعاتنا. هنا تبرز واحدة من أكثر القضايا الفلسفية التصاقًا بالحياة اليومية للإنسان: الأكراسيا، أو ضعف الإرادة.

هذا المفهوم الذي صاغه الفكر اليوناني القديم لا يزال حيًا بيننا، لأنه لا يتحدث عن خطأ عابر، بل عن انقسام يسكن أعماق الذات. إنه السؤال الذي يلاحق الإنسان منذ قرون: لماذا لا نفعل ما نعلم أنه الأفضل لنا؟

أولاً: الأكراسيا أو التصدع الخفي في الذات:

لقد آمن سقراط بأن المعرفة والفضيلة وجهان لحقيقة واحدة، وأن الإنسان إذا عرف الخير حقًا فلن يختار سواه. لكن الحياة بدت أكثر تعقيدًا من هذه الثقة العقلانية. فالإنسان لا يكف عن مناقضة نفسه، يعرف ثم يخالف، ويقتنع ثم يتراجع، ويَعِد نفسه ثم ينكث وعده.

لقد أدرك أرسطو هذه المعضلة مبكرًا، فرأى أن المشكلة لا تكمن في نقص المعرفة، بل في ضعف الإرادة أمام سلطان الرغبة. فالإنسان ليس عقلًا بحتاً، وإنما كائن تتنازعه قوى متعددة، عقل يدعوه إلى ما ينبغي أن يكون، ورغبات تشده إلى ما يرغب فيه الآن.

في هذا المعنى تبدو الأكراسيا أشبه بانقسام داخلي. فداخل كل إنسان مملكة صغيرة لا يحكمها العقل دائمًا، بل تتنازعها الأهواء والعادات والمخاوف والذكريات. وحين يفقد العقل سلطته، لا تختفي الحقيقة من وعينا، بل تبقى حاضرة كشاهد صامت على هزيمتنا.

ثانياً: الأكراسيا في زمن الوفرة والضياع:

قد يبدو مفهوم الأكراسيا ابنًا للفلسفة القديمة، لكنه في الحقيقة أكثر معاصرة مما نتصور. فالعالم الحديث أغرق الإنسان بالمعرفة، لكنه لم يحرره من ضعفه. بل لعل الفجوة بين المعرفة والسلوك أصبحت اليوم أوسع من أي وقت مضى.

نعرف قيمة التركيز، لكننا نعيش في دوامة التشتت. نعرف أهمية القراءة، لكننا ننجذب إلى الاستهلاك السريع للمعلومات. نعرف أن السعادة لا تُختزل في الإشباع الفوري للرغبات، ومع ذلك نلهث خلف كل ما يمنحنا متعة عابرة.

إن مأساة الإنسان المعاصر لا تكمن في ندرة المعرفة، بل في تضخمها. لقد أصبح يعرف أشياء كثيرة عن العالم، لكنه لا يعرف دائمًا كيف يحكم نفسه. ومن هنا تبدو الأكراسيا وكأنها المرض الخفي لعصرنا؛ عصر يملك من الوسائل ما لم تملكه الأجيال السابقة، لكنه يعاني أزمة متزايدة في الإرادة والمعنى.

خاتمة:

تكشف الأكراسيا عن حقيقة مؤلمة مفادها أن المعرفة ليست قوة بالضرورة. فبين أن نعرف وأن نفعل مسافة قد تكون أطول من كل المسافات الأخرى. ولهذا لا يُقاس الإنسان بما يملكه من أفكار ومبادئ فقط، بل بقدرته على أن يجعل منها أسلوبًا للحياة.

إن السؤال الفلسفي العميق ليس: ماذا نعرف؟ بل: كيف نحيا وفق ما نعرف؟ وفي هذا السؤال تكمن المعضلة التي لم يستطع الفكر الإنساني أن يقدم لها جوابًا نهائيًا حتى اليوم.

فكلما تأملت مفهوم الأكراسيا ازددت اقتناعًا بأن الإنسان لا يعيش أكبر صراعاته مع العالم، بل مع نفسه. فالهزائم التي تترك أثرًا عميقًا ليست دائمًا تلك التي تأتي من الخارج، وإنما تلك التي نشهدها في داخلنا حين نعجز عن أن نكون على مستوى ما نؤمن به.

لا أرى الأكراسيا مجرد ضعف أخلاقي، بل أراها جزءًا من التراجيديا الإنسانية نفسها. فمن دون هذا التوتر بين العقل والرغبة، وبين المثال والواقع، لما كان الإنسان ذلك الكائن القلق الذي يسعى باستمرار إلى تجاوز نفسه. وربما لهذا السبب ظل هذا المفهوم حاضرًا عبر القرون، لأنه لا يصف مشكلة فلسفية فحسب، بل يصف الإنسان في أكثر حالاته صدقًا وهشاشة.

ولعل الحكمة لا تتمثل في القضاء على الأكراسيا نهائيًا، فذلك أقرب إلى المستحيل، وإنما في الوعي بها. فكل انتصار صغير يحققه الإنسان على ضعفه الداخلي هو استعادة لشيء من سيادة العقل على مملكته.

***

م. م. ندى صباح أسد الله

كلية الآداب/ جامعة بغداد

 

تُعَدُّ النزعة المُتعالية من أبرز الاتجاهات الفكرية والأدبية التي دَعَتْ إلى الارتقاء بالإنسان فوق حدود المادَّةِ والمحسوس، والبحثِ عن الحقيقة في أعماق النَّفْس، واتصالها بالكَون والطبيعة. وقد ارتبطَ هذا الاتجاه بالفيلسوف والأديب الأمريكي رالف والدو إيمرسون (1803- 1882) الذي عُدَّ رائد الحركة المُتعالية في الأدب الأمريكي خلال القرن التاسع عشر . ولَم يكن تأثير هذه الفلسفة مقتصرًا على البيئة الأمريكية، بل امتدَّ إلى عدد من الأدباء والمفكرين في أنحاء مختلفة مِن العالَم، ومِن بَينهم الأديب اللبناني ميخائيل نعيمة (1889- 1988) الذي تأثرَ بأفكار إيمرسون خلال دراسته في أمريكا، وانعكسَ ذلك بوضوح في إنتاجه الفكري والأدبي.

تقوم النزعة المُتعالية على الإيمان بأنَّ الإنسان يمتلك قُدرةً فِطرية على إدراك الحقائق الكُبرى دون الاعتماد الكامل على الحواس أو القوانين المادية. وتدعو إلى التأمل في الطبيعة، والعَودةِ إلى الذات باعتبارها مَصدرًا للحكمة والمعرفة الرُّوحية، كما تؤكد على حركةِ الفرد واستقلالِه الفكري.

يُعَدُّ إيمرسون الأب الرُّوحي للنزعة المُتعالية في أمريكا. فقدْ دعا في مقالاته ومُحاضراته إلى الثقة بالنَّفْس، والاستقلالِ الفكري، وعدمِ الخضوع للأفكار الجاهزة والتقاليدِ الجامدة. وكانَ يَرى أنَّ الإنسان يستطيع أن يكتشف الحقيقةَ مِن خِلال التأمل الذاتي، والتفاعلِ العميق معَ الطبيعة.

وقدْ تجلَّتْ هذه الرؤية في كتاباته التي جعلتْ من الطبيعة كِيانًا حيًّا يربط الإنسانَ بالكَون، ويَمنحه شعورًا بالانسجام الرُّوحي. كما أكَّدَ أنَّ لكلِّ إنسان طاقة داخلية قادرة على تحقيق الكمال الإنساني إذا تحرَّرتْ من قيود المادية والأنانية.

تأثرَ نعيمة بفكر إيمرسون تأثرًا واضحًا، لكنَّه لَم يكن مُجرَّد ناقل لأفكاره، بلْ أعادَ صياغتها بما يتوافق معَ بيئته الثقافية والرُّوحية، وَجَعَلَ مِن الإنسان مِحورًا لتأملاته الأدبية والفلسفية، ودعا إلى تحرير الرُّوح من قيود التعصُّب والجهل والمظاهر الزائفة.

في مؤلفاته المختلفة، تَظهر النزعةُ المُتعالية من خلال الدَّعوة إلى معرفة النَّفْس، والارتقاءِ بها نَحْوَ القِيَم العُليا. كما تبدو الطبيعةُ عِنده مَصدرًا للتأملِ والحكمة، لكنَّها تكتسب بُعدًا صُوفيًّا أكثر عمقًا يرتبط بالتجربة الرُّوحية الشرقية.

تتجلى أوجه التشابه بين الكاتبَيْن في عِدَّة جوانب، أهَمُّها:

1- الإيمان بقدرات الإنسان الداخلية وقُدرته على بُلوغ الحقيقة عبر التأمل الذاتي.

2- تمجيد الطبيعة والنظر إليها بوصفها مَصدرًا للإلهام الرُّوحي والمعرفة.

3- الدَّعوة إلى التحرر الفكري ورفض التقاليد التي تُعيق نموَّ الإنسان.

4- البحث عن الوَحدة الكَونية التي تربط الإنسانَ بالطبيعةِ والخالقِ.

5- التركيز على القِيَم الرُّوحية بوصفها أساس السعادة والكمال الإنساني.

على الرغم مِن هذا التقارب، إلا أنَّ هُناك فُروقًا واضحة بين الأديبَيْن. إيمرسون انطلقَ من خلفية فلسفية أمريكية ذات طابع فردي، جَعَلَتْ مِن استقلال الذات مِحورًا أساسيًّا لفكره. أمَّا نعيمة فقدْ مزج النزعةَ المُتعالية بالفكر الرُّوحي الشرقي والتصوُّفِ الإنساني، فبدتْ رؤيته أكثر مَيلًا إلى التأمل الوجودي، والسَّعْي إلى الانسجام الرُّوحي الشامل.

ولغةُ إيمرسون تتَّسم بالطابع الفلسفي التأملي المباشر، بَينما تمتاز لغة نعيمة بِعُمقها الأدبي، ورمزيتها الفنية، وقُدرتها على التعبير عن التجربة الرُّوحية بأسلوب وِجداني مؤثر.

شَكَّلَت النزعةُ المُتعالية جِسرًا فكريًّا جَمَعَ بَين نعيمة وإيمرسون رغم اختلافِ الزمانِ والمكانِ والثقافة. كِلاهما آمَنَ بأنَّ الإنسان قادر على تجاوز حدود المادَّة، والاقترابِ من الحقيقة عبر التأمل والمعرفة الداخلية. وإذا كانَ إيمرسون قَدْ وَضَعَ الأسسَ الفكرية لهذه النزعة في الأدب الأمريكي، فإنَّ نعيمة منحها بُعدًا إنسانيًّا وَرُوحيًّا أكثر شمولًا، فغدتْ في أدبه دَعوة إلى تحرير الإنسان من قيوده الظاهرة والباطنة، والسَّيْر نحو عالَم أرحب مِن الحِكمة والمحبَّة والسلام.

النزعةُ المُتعالية لدى نعيمة وإيمرسون كانتْ تلاقيًا وجوديًّا عميقًا بين رُوحَيْن فَتَّشَتَا عن الحقيقةِ الخالدة خارج أسوار القوالب الفكرية والتقاليدِ الجامدة. وكِلاهما صَهَرَ مفهومَ " التعالي" ليتحوَّل مِن مُجرَّد نظرية فلسفية إلى منهج حياة يُعيد للإنسانِ كرامته الرُّوحية، وَصِلَته العُضوية بالكَون.

التقى ميخائيل نعيمة (ناسك الشخروب) ورالف والدو إيمرسون (حكيم كونكورد) في الإيمان بأنَّ الوجود كُلٌّ لا يتجزأ، وأنَّ الطبيعة هي المكان الذي تتجلَّى فيه " الرُّوح الكُلِّية". ومعَ ذلك، تظلُّ لكلٍّ مِنهما بصمته التي فرضتها البيئة والثقافة.

بَينما اتَّسمتْ مُتعالية إيمرسون بنبرة الفردانية الأمريكية الواثقة والمُحفِّزة على الفِعل، وبناءِ الذات، جاءتْ مُتعالية نعيمة مَمزوجةً بالتصوُّف الشرقي، ومَيَّالَةً إلى الزُّهد، والانعتاق من قيود المادَّة، والانصهار الكامل في المحبة الإنسانية. وكِلاهما أثبتَ أنَّ الوَعْي البشري عندما يصفو، يتحدَّث بلغة واحدة تتجاوز حدودَ الشرقِ والغرب. وقدْ حاولا تقديمَ النزعة المُتعالية كَأُطروحة إنقاذ بديلة لإنسان العصر الحديث، تُعيده إلى جَوهره الرُّوحي الأصيل في مُواجهة طُغيان الماديات.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

لم تعد الأرض التي أنجبت أولى الحضارات تُكافئ ساكنيها بالخصب والعطاء، بل باتت تختبرهم بلهيب يكاد يُسائل جوهر الوجود الإنساني ذاته. ففي بلاد الرافدين، حيث كانت الأرض يوما ما تُقرأ باعتبارها رسالة للإنسان كي يعمّرها ويرتفع بها، أصبح المناخ اليوم يُلقي بظلاله على كل فعل وكل نية وكل مشروع حتى إن المرء ليتساءل في لحظات المكاشفة الصادقة: هل يملك مجتمع يصارع الخمسين درجة مئوية رفاهية أن يحلم؟

كان ابن خلدون أول من أدرك بوعي نظري مبكّر يُبهر حتى اليوم أن الإقليم ليس مجرد خلفية ديكورية لفعل الإنسان، بل هو رحم تتشكّل فيه أمزجة الشعوب وطاقاتها الحضارية. ومن بعده جاء علي الوردي ليُعمّق هذه الرؤية في السياق العراقي تحديدا، كاشفا كيف أن الإنسان المحاصر بين ضغوط البيئة وقسوة الطبيعة يُفرز نمطا سلوكيا يحمل طابع الاستجابة العاجلة لا الاستراتيجية البعيدة. غير أن ما نشهده اليوم يتجاوز ما تنبّأ به المنظّرون الكلاسيكيون، فارتفاع معدل الحرارة بنحو 1.8 درجة مئوية خلال ثلاثة عقود، وهو رقم يبدو صغيرا حين يُقرأ على ورق لكنه يُحدث انهيارا تراكميا حين يُعاش على جسد، لم يعد يمثّل تحديا طبيعيا عابرا، بل أصبح يُعيد رسم ملامح الجغرافيا الاقتصادية والاجتماعية وفق منطق لا يرحم. وحين تكتب التقارير الدولية أن العراق يقع ضمن أكثر بقاع الأرض هشاشة أمام التغير المناخي فليس ذلك توصيفا أكاديميا باردا، بل هو حكم بالإعدام البطيء على مشاريع النهضة إن لم تبادر هذه المشاريع إلى مواجهته.

وهنا يطرح ميشيل فوكو سؤالا جوهريا حول مفهوم السياسة الحيوية: متى تتحوّل الدولة من مؤسسة تُدير الحكم إلى مؤسسة تُدير الحياة ذاتها؟ والجواب العراقي يأتي مُرا صريحا: حين تصبح الكهرباء والماء والهواء البارد أسئلة وجودية لا ترفا حضاريا. بيد أن الأزمة لا تتوقف عند هذا الحد الظاهر، إذ ترصد منظمة العمل الدولية ما يشبه الحقيقة الصارمة: أن إنتاجية الإنسان تتراجع مع الارتفاع الحراري قبل أن تبلغ الحرارة العراقية عتبتها القصوى. وهذا يعني أن قطاعات البناء والزراعة والنقل والعمل اليومي، تلك الأوردة الحية في اقتصاد المجتمعات الناهضة، تنزف طاقتها لا في الإنتاج بل في مجرد الصمود أمام موجة حر. والأشد خطرا ما يجري تحت سطح الأجساد، إذ يربط الباحثون ربطا موثقا بين التعرض المتواصل للإجهاد الحراري وبين تصاعد الأرق وانتشار القلق واحتقان العلاقات الاجتماعية. وكان مالك بن نبي يُذكّرنا دائما بأن مشكلة الحضارة في جوهرها ليست مشكلة أشياء بل مشكلة إنسان، إنسان يتربّى على اليأس ويتعلم قبل كل شيء كيف يُقاوم لا كيف يبني. والحرارة المفرطة حين تغدو اليومي والمألوف تُنتج هذا الإنسان بالضبط: منهكا في الجوهر، متعجّلا في التفكير ومتقلّبا في الطموح.

يقف العراق فضلا عن ذلك أمام مفارقة لها طعم المأساة الفلسفية: فهو يمتلك من الثروة النفطية ما يكفي للاستثمار في مستقبله، بيد أن هذه الثروة ذاتها تُستنزف في مواجهة آثار مناخ يزداد استعارا عاما بعد عام. وهكذا يدور في حلقة تنموية مفرغة، موارد تذهب إلى التبريد عوضا عن التعليم وطاقة تُبدّد في إدارة الكوارث الموسمية بدل أن تتراكم في بنية الإنسان. والنزيف الزراعي يُجسّد هذه المعادلة بكل قسوتها، فتملّح التربة وتآكل الغطاء النباتي وانحسار الرافدين بفعل سياسات المنبع، كلها عوامل أفضت إلى ظاهرة النزوح البيئي التي تُفرّغ الأرياف من بنائها الاجتماعي وترسل إلى المدن أمواجا بشرية مقتلعة الجذور، لا تحمل معها مهاراتها الإنتاجية القديمة فحسب، بل تحمل أيضا جراحها النفسية وخيبة أملها في مؤسسات الدولة. وخسائر الجفاف في البصرة وحدها خلال عام واحد بلغت من الضخامة ما يجعل الأرقام تُدوّخ المتأمل، وما يجعل الصمت السياسي حيال هذا الجرح أشد إيلاما من الجرح نفسه.

وحين رأى توماس هوبز أن الدفاع عن البقاء هو الحق الطبيعي الأول، لم يكن يتخيّل أن ثمة مجتمعات ستُضطر يوما إلى الدفاع عن بقائها لا بمواجهة عدو خارجي، بل بمواجهة ما أفرزته صناعات العالم من أعطاب مناخية. والعراق اليوم في موقع من يُدافع عن حقه في الوجود الطبيعي في مواجهة أزمة لم يكن طرفا رئيسيا في صنعها. وعليه فإن توظيف الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية لحماية الحق المائي في دجلة والفرات ليس ضربا من المبالغة السياسية، بل هو ممارسة مشروعة لأحد أبسط الحقوق التي تملكها أمة: حق الشرب قبل حق التنمية وحق الحياة قبل حق الازدهار. غير أن جوهر المأزق لا يكمن في شُح الحلول، فالحلول موجودة: تحديث أنظمة الري واعتماد الزراعة الذكية والتوسّع في مصادر الطاقة المتجددة التي يُهيّئ لها العراق إشعاعا شمسيا استثنائيا وإنشاء أحزمة خضراء تُعيد التوازن للمدن المحمومة. لكن مكمن الأزمة الحقيقية تلك الهوة الواسعة بين معرفة الحل والإرادة على تنفيذه، وهي الهوة التي تملؤها البيروقراطية والريعية والاتكالية الهيكلية.

حذّر جاريد دايموند في أطروحته المقلقة من أن المجتمعات لا تنهار دفعة واحدة في الغالب، بل تتآكل حين تعجز نخبها الحاكمة عن قراءة الإشارات البيئية المتراكمة وتكتفي بالمعالجة الآنية على حساب الاستشراف البعيد. وهذا التحذير يصل إلى العراق بثقل المرآة التي لا تكذب. ما تحتاجه هذه اللحظة الفارقة ليس مجرد خططا تقنية وإن كانت ضرورية، بل تحوّل في العقلية السياسية من منطق إطفاء الحرائق إلى منطق هندسة البقاء. وهذا يستلزم في الحد الأدنى مجلسا أعلى للأمن المائي والمناخي يتجاوز حدود الوزارات المتشرذمة وصندوقا سياديا أخضر يُموّل من نسبة ثابتة من العائدات النفطية بعيدا عن عبث الموازنات المتذبذبة، ودبلوماسية مائية تفهم أن المياه لم تعد بندا ثانويا في ملفات الجوار بل أصبحت مسألة سيادة وجودية.

لكن أعمق من ذلك كله، ثمة سؤال يتربّص في صميم المشروع النهضوي العراقي: هل يُدرك هذا المجتمع أن معركته مع التدهور البيئي هي معركة هويّته الحضارية قبل أن تكون معركة موارده الاقتصادية؟ فالأرض التي لا تُطاق لا تُنجب فكرا والمدن التي تلفح فيها الحرارة الوجوه تصنع بشرا يتعلمون الصمود لا الإبداع. وتلك هي الكارثة الحقيقية: لا حين تموت الأشجار، بل حين يتعلّم الإنسان أن يُقلّص أحلامه كي تتّسع لها ظلال شحيحة. إن بلاد ما بين النهرين لم تُنجب الكتابة والزراعة والقانون لأن أرضها كانت يسيرة، بل لأن إنسانها واجه القسوة بالإبداع والابتكار. وربما هذا هو الرهان الحقيقي اليوم: أن يختار العراق مرة أخرى الإبداع في مواجهة القسوة لا الاستسلام لها.

***

حميد القحطاني

 

شهد عام 1815 نهاية علاقة الفرنسيين الرسمية بنابليون بونابرت كقائد لهم. قبل ذلك، ولأكثر من عقد كان نابليون في أذهان الفرنسيين قائدا لا يُقهر، مجسّدا كل ما فشلت فيه الثورة في منحه للشعب الفرنسي، من مجد عسكري، استقرار سياسي وتوسع إقليمي. وفي الوقت الذي دخلت فيه قوات الحلفاء باريس في مارس 1814، لم يعد بإمكان الجيش الضخم الإستمرار في الحملات العسكرية. وبعد سنة، عزل الفرنسيون امبراطورهم. ليس بسبب الهزيمة العسكرية وانما لأنه حطم الاقتصاد وأفرغ فرنسا من رجالها العسكريين، الذين مات العديد منهم في المعارك.

تضخم عدد المجندين الإلزاميين

منذ سنوات الثورة ، كان نابليون غير قادر على خوض حروبه بدون تدفق مستمر من الجنود. وبعد الحملات العسكرية لنابليون في روسيا وألمانيا عام 1813 و1814، وصلت الإمبراطورية الفرنسية الى نقطة الانهيار. في عام 1812 وحده، فقد نابليون في حملته على روسيا حوالي نصف مليون رجل. وللدفاع عن الإمبراطورية، استدعى نابليون عام 1813 حوالي مليون جندي في عموم فرنسا. العديد من حالات استبدال الجنود القتلى جاءت من مقاتلين فرنسيين شباب لم يحصلوا على أي تدريب مسبق على الحرب. في ذلك الوقت، أصبحت فرنسا ساحة معركة في حملتها العسكرية عام 1814، حتى الفلاحين لم تعد لديهم الرغبة لإرسال أبنائهم للجيش الفرنسي. الرجال تخلّوا عن الخدمة العسكرية بشكل مذهل فقط في الأشهر الثلاثة الأولى للحملة. الرجال خائفون جدا من الالتحاق بواجباتهم العسكرية، اختبئوا في الغابات في مختلف انحاء فرنسا ونالوا الحماية من سكان القرى المتعاطفين معهم. بعض الفرنسيين المدنيين أدركوا انه اذا استمر القتال، فان نابليون سوف لن يسمح لفرنسا بأي فرصة للسلام.

التدهور الاقتصادي السريع وفشل النظام القاري

فرنسا، التي كانت سلفا تعاني لسنوات من صعوبات مالية في تمويل الجيوش والاساطيل البحرية، عانت من مشاكل اقتصادية خطيرة. النظام القاري، الذي كان جزءا من سياسة نابليون الاقتصادية الخارجية، منع كل اشكال التجارة بين المملكة المتحدة وأي دولة أخرى موالية لنابليون. وبينما كان يُفترض دعم الصناعات الفرنسية عن طريق حرمان بريطانيا من التجارة، أدى حصار بريطانيا للموانئ الفرنسية الى استحالة التجارة مع فرنسا. حالا، شهدت موانيء بوردو ونانت ومرسيليا انخفاضا في النشاط التجاري. خسارة التجارة كانت لها نتائج بعيدة المدى وأدت الى خسارة الطبقة الوسطى الفرنسية لمزيد من النقود. قيمة الفرنك الفرنسي انخفضت بشكل حاد والتضخم ارتفع بشكل جنوني. في تلك الاثناء، رفع نابليون من قيمة الضرائب على الاستهلاك غير المباشر لكي يدفع تكاليف الحرب المتصاعدة. ونظرا لإبتلاعه جميع النقود والموارد، نجح نابليون في جعل فرنسا صعبة الحكم. وعندما وصلت قوات التحالف الى الأراضي الفرنسية، وجدت مزيدا من الغضب ضد المسؤولين الباريسيين الذي اتُهموا بالسرقة والفساد. في بعض مناطق فرنسا، جرى الترحيب بقوات التحالف كمحررين، وجرى تأييد عودة عائلة البوربون لسبب بسيط هو ان عودة عائلة البوربون الملكية سيعني مواصلة التجارة مع بريطانيا. انه يعني أيضا ان المدنيين يمكنهم العمل في الصناعة مرة أخرى نظرا لوجود أسواق كبيرة لمنتجاتهم.

ادراك ان نابليون سيقود فرنسا نحو الدمار

في مارس 1814، عندما سحق جنود التحالف ضباط نابليون وشقوا طريقهم الى باريس، أدرك مجلس الشيوخ - الهيئة الحاكمة للمدينة - انه لو استمر في العمل وراء قيادة نابليون، فان العاصمة ستحترق كليا. ولهذا، ونظراً لعدم وجود خيارات أخرى، صوّت مجلس الشيوخ الفرنسي في 2 ابريل عام 1814 على عزل نابليون بسبب انتهاكه للدستور ورفضه التوقيع على معاهدة سلام.

لكن حتى بعد خيانة باريس له، لازال نابليون يعتقد بامكانه الزحف على المدينة منتصرا واستعادة العرش بالقوة مرة أخرى، وحتى بعد نفيه الى جزيرة اليا. انه بالتأكيد كان مخطئا.

الهروب من الجزيرة

في شهر فبروري عام 1815، هرب نابليون من الجزيرة واتجه الى فرنسا في محاولة للعودة الى امبراطوريته. سارعت الدول الاوربية الأخرى الى حشد قواتها بسرعة لوقفه. محاولته الأخيرة للبقاء في السلطة انتهت في 18 حزيران عام 1815 في معركة واترلو. نابليون هُزم امام القوات البريطانية والبروسية واُجبر على التخلي عن العرش للمرة الثانية. ولكي يتأكد البريطانيون من استحالة عودته للحكم، قاموا بنفيه الى جزيرة سانت هيلانه، أبعد نقطة في المحيط الأطلسي. هو أمضى حياته هناك تحت الحراسة المشددة حتى وفاته عام 1821.

***

حاتم حميد محسن

لقد مثّلت حركة التنوير الغربية تعبيراً مركزياً ضمن إفرازات الحداثة يهدف الى إعادة موضعة العقل الانساني رفضاً لسياق هيمنة التفكير الديني المسيحي، إذ تم عبر هذه الموضعة الجديدة النظر الى العقل  على أنه المحدّد الوحيد القادر على الوقوف في تضاريس الحقيقة، وإكتنازها، في قالب أحاي أراد أن يلغي كل المرجعيات الأخرى التي كانت تسوّق إمتلاكها للحقيقة ضمن سردية العقل المتماشي مع غيره، ومن هنا عبّر التنوير عن النظر إلى العقل بوصفه مركزاً لغيره، لا هامشاً يسير في قطبية الغير، والملفت في الأمر أن التجربة الحداثية الغربية في تعبيرها التنويري أعادت إنتاج إشكالية جديدة فيما يتعلق بالإرهاب، أو لنقل فيما يتعلق بدعوى إمتلاك الحقيقة، وإحتكار تأويلها إبّان التعامل مع الآخر المختلف.

وتكمن الإشكالية الجديدة الناجمة عن مركزية العقل التنويري في كونها في الوقت الي أرادت فيه شجب المرجعية الكنسية القائمة على سردية ما ورائية غير قابلة للإثبات عقلاً، ومن ثم نجم عنها العنف والترهيب والإقصاء، فإنها قامت بنفس الأمر، وإن بطريقة مختلفة، فإذا كان الفكر الكنسي يُقصي الآخر بذريعة ممانعة ومعارضة ما يؤمن به الاخر مع المعتقد الديني، ومن ثم الوقوع في طائلة التعرض الى اللعن والطرد من الرحمة الإلهية، والدخول في الهرطقة المستحقة لكل الويلات والثبور، فإن تجربة الأنوار أماطت اللثام على نوع جديد من الإقصاء، ولكل تحت ذريعة مغايرة، ألا وهي إلصاق التهم الجاهزة من قبيل تهمة الجهل، وعدم إحترام حرية التفكير النقدي، ومعارضة العلم والفكر النقدي البنّاء!

نفس الإرهاب نتج عن مسارين فكريين متمايزين، لأن الإرهاب والتطرف والإقصاء نتاج النظر الاختزالية للحقيقة مهما تسربلت بلباس، ومهما تلفعت بزيّ، وإذا كان الفكر الديني يُنتج إرهاباً خطيراً لكونه يعتمد السردية الماروائية التي يصعب إثباتها لإنتمائها الى حيز الغيبيات، فإن الفكر التنويري يُنتج إرهاباً تحت يافطة الفكر النقدي، والنزوع العلموي، ورد كل نقدٍ سليم تحت ذريعة أنه فكر آيديولوجي يرفض القبول بمسلمات العقل ومخرجاته المطلقة!

وهذا الأمر، أعني إعادة ترسيم (المطلق) في التجارب الانسانية ليست بالأمر اليسير كما يُخال، فمن يتابع تأريخ هذه التجارب يُلاحظ أن سمة الإطلاق لم تغادرها على طول خط المنتج الفكري إلا مع بعض التيارات الفكرية الشاذة التي يقف على عتبتها تيار السفسطة في اليونان في المرحلة ما قبل السقراطية، وإلا فإن الكثير من التيارات التي يُعتقد انها ترفض الإطلاق في فكرها وسلوكها قامت بإعادة ترسيم معالم هذا الإطلاق بصيغ شتى، وعلى سبيل المثال عندما تقول ما الحداثة، على سبيل المثال، وهي من أبرز من وقف على الضفة الأخرى من الإطلاق، كانت النسبية واللاثبات المعلم البارز لها، (أن كل شيء نسبي وغير ثابت، وأن اللايقين هو الثبات الوحيد)، فهي هنا تعطي سمة إطلاقية مستترة أو مضمرة في نسقها الفكري، إذ انها منحت الإطلاق اللاثبات، وللنسبية، وهذا يعني أن الإطلاق بقي موجوداً على الرغم من دعوى مناهضته، وهكذا...

وعوداً على الإرهاب التنويري يمكن القول أن قد شهد التاريخ الفكري الحديث صعوداً لتيارات التنوير والحداثة كبدائل حتمية للوصاية التقليدية، رافعةً شعارات العقل والحرية وقبول الآخر كأركان أساسية لمشروعها التحرري، ومع ذلك، يكشف التحليل الفلسفي والاجتماعي المعاصر عن مفارقة حادة، وسياق حرج؛ ألا وهو تحول التنوير في بعض تجلياته التطبيقية إلى أداة سلطوية تمارس إقصاءً منظماً وضغطاً معنوياً ضد المخالفين، إذ تلجأ بعض النخب الحداثية إلى تبرير منهجها عبر آلية من (الإرهاب الفكري التنويري) ومصادرة الآراء والحقوق تحت ذريعة حماية العقلانية وتأمين مسيرة التقدم، في الوقت ذاته الذي تعيب فيه على الخطابات الدينية انغلاقها وضيقها بالآخر.

وربما يمكن القول أن جذور هذه الإشكالية تمتد إلى ما عبّر عنه فيلسوفا مدرسة فرانكفورت ماكس هوركهايمر (1895-1973م) وثيودور أدورنو (1903-1969م) في أطروحتهما النقدية حول (جدل التنوير)، عندما أوضحا أن العقل التنويري حينما يُعزل عن سياقه الإنساني والأخلاقي يتحول إلى (عقل أداتي) يسعى للهيمنة والسيطرة، ليصبح معياراً حداً لتصنيف البشر بين (عقلاني حداثي) أو (جاهل متخلف)، وهو تصنيف ينزع الشرعية المعرفية والأخلاقية عن المخالف ويبرر قمع رأيه بدعوى أنه يهدد الوعي العام.

وخلاصة القول أفترض ان الإرهاب الفكري مثلما يمكن أن يأتي إلينا من شيخٍ سلفي عتيق ما زال يعيش الحاضر بكل تعقيداته بعقلية الماضي بكل ملابساته، كذلك يمكن أن يأتينا من نخبوي حداثي حذف الإله من قاموسه ليضع مكانه إلهاً آخراً تحت مسمى العقل التنويري!

***

د. محمد هاشم البطّاط

مقدمة: يشير مفهوم "التابع" إلى الكائن الإنساني الذي يعيش في وضعية تبعية بنيوية، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو معرفية. التابع ليس مجرد شخص يتبع أوامر، بل هو من يُشكل وعيه وإرادته وممارساته من خلال علاقات قوة غير متكافئة: التابع للسلطة، للنخبة، للتقاليد، للإعلام، للنظام الاقتصادي العالمي، أو حتى للصور الذاتية المفروضة. الإشكالية الأساسية هي: كيف يتحول التابع من كائن موضوع إلى كائن فاعل؟ كيف يستعيد قدرته على التفكير الحر، والكلام المسموع، والفعل المؤثر، والتحرر الداخلي والخارجي، والتقدم نحو ذاته ونحو مجتمعه؟ هذا التحول ليس حدثاً لحظياً، بل عملية مركبة طويلة النفس تتطلب إعادة بناء الوعي، واللغة، والممارسة، في مواجهة آليات السيطرة التي تعيد إنتاج التبعية يومياً. فما ماهية التابع وإشكالية التبعية؟

أولاً: كيف يستطيع التابع أن يفكر؟

يبدأ التحرر من التفكير. التابع غالباً ما يفكر بأدوات الآخر: مفاهيم جاهزة، ثنائيات مبسطة (خير/شر، تقليد/حداثة، نجاح/فشل)، وأطر معرفية مفروضة تخدم المهيمن. ليستعيد قدرته على التفكير، يحتاج إلى "إصلاح الفكر" الذي يخرجه من الاختزال والتبسيط نحو الفكر المركب.يستطيع التابع أن يفكر حين يتعلم رؤية التعقد: أن الواقع ليس خطياً، وأن التناقضات (الفرد والجماعة، الهوية والكونية، الذاكرة والمستقبل) ليست متضادة بل حوارية. يبدأ ذلك بتفكيك الوهم الذاتي: الاعتقاد بأن التبعية قدر أو طبيعة. ثم ينتقل إلى بناء "معرفة المعرفة"، أي الوعي بكيفية تشكل أفكاره من خلال التربية، الإعلام، والسلطة.

عملياً، يتحقق ذلك عبر ممارسة الشك المنهجي تجاه الحقائق المسلم بها، وربط المعارف المجزأة (الاقتصاد بالثقافة، السياسة بالنفس، المحلي بالكوكبي). حين يرى التابع نفسه داخل شبكة علاقات معقدة وليس نقطة معزولة، يبدأ في إنتاج أفكار أصيلة تنبع من تجربته الحية لا من الخطاب المهيمن.

ثانياً: كيف يستطيع التابع أن يتكلم؟

الكلام ليس مجرد نطق، بل إنتاج خطاب مسموع يغير الواقع. التابع غالباً ما يُسكت أو يُكلم باسم الآخرين (النخبة تتحدث باسمه، الإعلام يمثله، السلطة تفسر احتجاجاته). ليتكلم، يحتاج التابع أولاً إلى استعادة لغته: لغة تجربته الخاصة، لا اللغة المستعارة أو المترجمة. هذا يتطلب بناء "فضاءات عامة مضادة" حيث يمارس التابعون الحوار فيما بينهم قبل مواجهة المهيمن. الكلام الحقيقي ينشأ من القدرة على سرد القصة الذاتية والجماعية بطريقة تعيد صياغة الهوية: من "أنا التابع" إلى "نحن الفاعلون".

يتطلب ذلك تعليماً للفهم: فهم الآخر دون استيعابه، وفهم الذات دون تمركز أناني. حين يتقن التابع فن الرواية والحجاج والاستعارة، يتحول صوته من صرخة إلى خطاب يفرض نفسه على الخارطة الرمزية للمجتمع. الكلام هنا فعل سياسي، لأنه يعيد توزيع الحساسية والرؤية في المجال العام.

ثالثاً: كيف يستطيع التابع أن يفعل؟

الفعل هو التحول من الوعي إلى الممارسة. التابع يعيش في عالم يُصمم له فيه الفعل المسموح: الاستهلاك، الانتخاب الدوري، العمل المأجور، الاحتجاج المؤطر. لكي يفعل، يحتاج إلى بناء قدرة جماعية: التنظيم الذاتي في جمعيات، شبكات، تعاونيات، ومساحات تجريبية. الفعل المؤثر يبدأ صغيراً: تغيير يوميات الحياة (الاقتصاد التضامني، التربية البديلة، الإعلام المستقل)، ثم يتوسع نحو الضغط على البنى الكبرى. الفعل يتطلب استراتيجية مركبة تجمع بين الصبر الطويل واللحظة الثورية، بين المقاومة السلبية والمبادرة الإيجابية. ينجح التابع في الفعل حين يتحول من "مفعول به" إلى "مُنتِج" لشروطه الوجودية: ينتج معرفته، ثقافته، اقتصاده، وسياسته. هذا يعني الخروج من التبعية الاقتصادية عبر الاكتفاء الذاتي النسبي، والتبعية الثقافية عبر إحياء الخيال الجماعي.

رابعاً: كيف يستطيع التابع أن يتحرر؟

التحرر ليس حدثاً سياسياً خارجياً فقط، بل عملية داخلية وخارجية متزامنة. التحرر الداخلي يبدأ بتحرير الرغبة والخيال من الأنماط المفروضة: الرغبة في الاستهلاك، الخوف من الاختلاف، الاعتماد على السلطة كأب. يتحقق التحرر عبر "التربية على التعقد": تعليم يركز على مواجهة اللايقين، احتضان التناقضات، وتطوير الذاتية المنظمة (القدرة على التنظيم الذاتي داخل الفوضى). كما يتطلب تحرراً من الأساطير: أسطورة التقدم الخطي، أسطورة الزعيم المنقذ، أسطورة الهوية الثابتة. التحرر الحقيقي جماعي: لا يتحرر فرد في مجتمع لا يزال أغلبه تابعاً. لذا، يصبح التحرر مشروعاً مشتركاً يبني تضامناً عابراً للطبقات والثقافات، ويربط بين التحرر المحلي والكوكبي (مواجهة النظام العالمي الذي يعيد إنتاج التبعية).

خامساً: كيف يستطيع التابع أن يتقدم؟

التقدم ليس تقليداً لنموذج المهيمن، بل تطوراً داخلياً نحو مزيد من التعقد المنظم والإنسانية. يتقدم التابع حين يبني نموذجاً بديلاً للحضارة: حضارة تربط بين التقدم المادي والمعنوي، بين التكنولوجيا والأخلاق، بين الهوية والانفتاح. هذا التقدم يعتمد على "الذاكرة المستقبلية": استرجاع التراث الحي (لا المتحفي) وإعادة صياغته ليخدم المستقبل. كما يتطلب تعليماً يُخرج الإنسان من التشظي نحو الوحدة المركبة: تعليم يربي على الحياة، على المسؤولية الكوكبية، وعلى القدرة على الابتكار داخل الشروط المحدودة.

التقدم الحقيقي قياسه بزيادة قدرة الأفراد والجماعات على التفكير المستقل، الفعل الخلاق، والعيش مع الآخر دون سيطرة أو انصهار. هو تقدم نحو "الأرض-وطن" حيث يصبح التابع السابق مواطناً كوكبياً فاعلاً.

خاتمة:

إن قدرة التابع على التفكير والكلام والفعل والتحرر والتقدم ليست خطاً مستقيماً، بل دائرة حوارية تكرارية: التفكير يغذي الكلام، الكلام يشجع الفعل، الفعل يعمق التحرر، والتحرر يفتح آفاقاً جديدة للتفكير. هذه العملية تتطلب تواضعاً أمام التعقد، وشجاعة أمام اللايقين، وصبراً أمام البطء التاريخي. في النهاية، ليس التابع من ينتظر التحرر من فوق، بل من يصنعه يومياً في ممارساته الصغيرة والكبيرة. حين يصبح التابعون قادة أنفسهم، ومفكرين في واقعهم، ورواة لقصتهم، ومبدعين لمستقبلهم، تتحول التبعية إلى مشاركة، والخضوع إلى إبداع، والتبعية إلى إنسانية كاملة. هذا الطريق صعب ومليء بالمخاطر والانتكاسات، لكنه الطريق الوحيد الذي يليق بالكرامة الإنسانية. التابع الذي يبدأ في التفكير الحر قد بدأ بالفعل في التحرر. فكيف يمكن التحرر من خلال الدائرة الحوارية للتغيير الجذري؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

السياسة بين الحضور والغياب

التاريخ العربي/الإسلامي هناك مفارقة غريبة جدا، وهي أن السياسة كانت هي الحاضر الأكبر كممارسة على مستوى بناء الدول وتشييد الممالك وتوسيع الأمبراطوريات، وكانت حاضرة كذلك من خلال الصراع المحموم على السلطة في سقيفة بني ساعدة، و كانت متواجدة بقوة في الحرب الأهلية التي اندلعت بعد اغتيال الخليفة الثالث عثمان بن عفان وتجدر الإشارة إلى أن الحرب الأهلية في الإسلام المبكر تمثلت في ثلاث أحداث تاريخية لها دلالة، معركة صفين ومجزرة كربلاء وضرب الكعبة بالمنجانيق، كما تمظهرت السياسة في التاريخ في تلك العلاقة التسلطية بين السلطان والرعية والتي أدت في النهاية إلى تجذر الإستبداد وتكريس نظام دولة السلطان/ وليّ الأمر، كما تجلت الممارسة السياسية كذلك في تلك الثورات السياسية والإنتفاضات الإجتماعية ضد السلطة المركزية في المدينة ودمشق وبغداد والقاهرة، والسلطة الحاكمة ومهما كانت الصفة التي تحملها، كانت دائما خائفة من الرعية من المعارضة، ومن هنا كان الجمع بين الشرعية الدينية وشرعية القوة . ولا ننسى أنه كان للسياسة دور كبير “ تكوين العقل العربي “ وفي تشكيل النظام المعرفي العربي وفي ذلك الإنتاج الثقافي الضخم، في الفقه والتصوف والبلاغة والفنون والفلسفة والعلوم . ومع ذلك ورغم كل هذا الحضور الطاغي للسياسة، إلا أنها كانت هي الغائب الأكبر على مستوى الرعية والناس والأمة، أي بلغة العصر غابت المشاركة السياسية وغاب الشعب في إدارة شؤون الدولة، وبعبارة اخرى تم استبعاد الشعب من العمل السياسي وتم اقصاء النخب الفكرية والعلمية من المجال العام.

 الفتنة .. والخوف من الفتنة

 إذ سادت ظاهرة غريبة هي العزوف ليس فقط التعوذ من السياسة وعدم مخالطة الساسة والإبتعاد عن السلطة وعدم الكلام في السياسة وعن المشاركة في شؤون الحكم، بل حتى الإمتناع عن التفكير في الشأن العام والتوقف عن إنتاج الأفكار ذات الصلة بالسياسة وحتى في مناقشة مفاهيم هي من صميم السياسة والعمل السياسي، بإعتبار السياسة فكر وفعل وممارسة، مثل مفاهيم السلطة والدولة والخلافة . ومن هنا لا نستغرب أن يغيب الفكر السياسي بالمعنى العميق وأن لا يتجاوز عدد المفكرين السياسيين أصابع اليد الواحدة، وأن لا نجد أثرا لفلاسفة السياسة في الإسلام، ماعدا الفيلسوف محمد أبو نصر الفارابي في كتابه" أراء أهل المدينة الفاضلة ". والغريب في الأمر أن هذه الأمة التي أبدعت في كل شيء، في الأداب والفنون والعلوم والفكر والفقه والقانون، قد أصيبت بعُقم في مجال التنظيّر السياسي وفي إنتاج الأفكار السياسية وفي تطوير المفاهيم السياسية مثل مفاهيم الشورى وأهل الحل والعقد والبيعة والعدل. ومن تحصيل الحاصل القول بأن غياب الكلام في السياسة له مبرراته ودوافعه أو بلغة علماء أصول الفقه له أسباب نزول تتمثل خاصة في الإستبداد السياسي أو كما سمَّاه الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو بالإستبداد الشرقي الضاربة جذوره في أعماق التاريخ، بالإضافة الى الصدمة النفسية الكبيرة التي ولدتها أحداث الحرب الأهلية القاسية أو كما تسمى بالفتنة الكبرى في نفوس ووجدان الأفراد والجماعات، و التي بقيت راسّخة في الذاكرة الجماعية، حيث مشهد النهايات الدامية لكبار الصحابة ولثلاثة من الخلفاء الراشدين، إذ طال العنف السياسي كما أشرنا سابقا عدداً من الأفراد والجماعات، من بينهم صحابة كبار وشخصيّات كانت فاعلة في تاريخ الإسلام قبل الهجرة وبعد الهجرة، البعض منها من يعتبر من أبرز الأبطال في تاريخ الإسلام بل منهم من كان على رأس قائمة المبشرين بالجنة، كما تمثل العنف السياسي في حروب الردة التي أعلنها الخليفة الأول أبي بكر الصديق ضد المتمردين في بعض مناطق الجزيرة وخاصة في اليمن وعمان والبحرين. ويمكن القول بأن ما كان يسمى في التاريخ الإسلامي بالصحابة، وهم بلغة السياسة المعاصرة رجال الرئيس، كانت تشكل ما سمى اليوم بالطبقة السياسية، أو بالمعنى الأرسطي الأليغارشية الحاكمة في عهد النبوة والطبقة الحاكمة في عهد الخلفاء الأربعة الذين تولوا مسؤولية إدارة الدولة بعد النبي مباشرة، ومن بين رجالات الرسول الذين أصبحوا فيما بعد خلفاء أي تربعوا على سدة الحكم، نذكر منهم ثلاثة خلفاء كلهم من قبيلة قريش، تعرضوا للإغتيال السياسي. والحقيقة التي لا نقاش فيها أن الإغتيال السياسي يمثل ذروة العنف السياسي، وبالتالي عندما قَضى ثلاثة خلفاء وبطريقة درامية، و هم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، فهذا دليل إثبات على أن هناك خلل في النظام السياسي القائم، لأن هؤلاء الذين اغتيلوا غدراً، كانوا في الصف الأول من الصحابة، أي كانوا في مركز صنع القرار، وبعبارة أخرى كانوا يشكلون الطبقة السياسية الحاكمة في يثرب/المدينة في زمن النبوة، وبعبارة أصح كانوا في السلطة عندما اشتعلت نار الحرب الأهلية وتحركت آلة القتل في كل اتجاه ودارت عجلة العنف والعنف المضاد، العنف الغاشم من طرف السلطة والعنف المفرط من طرف المعارضة سواء بسواء.

طاعة وليّ الأمر.. واجبة شرعًا !

 ومن هنا كان خوف الناس وتوجُّس المؤمنين خِيّفة طوال التاريخ الإسلامي من السلطة ومن السلطان ومن الدولة السلطانية ومن السلطنة والتسلط من ناحية، ومن ناحية أخرى كان خوف الناس وتوجس المؤمنين خيفة أشّد من إيقاظ الفتنة ومن نشوب الحرب الأهلية من جديد ومن عودة الإقتتال الداخلي، لذلك سادت في الفقه السياسي والسياسة الشرعية وفي الفكر الإسلامي والفكر السياسي الإسلامي عموما والخطاب الديني الوسيط خصوصا ظهرت مقولات ورفعت شعارات تحذر من الفتنة وشرورها ومن إشعال جذوة الحرب الأهلية، من هذه المقولات والشعارات نذكر " سلطة جائرة ولا فتنة دائمة " و" ملك غشوم ولا فتنة تدوم " و" الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها " وفي نفس الاتجاه وكما ورد في نصوص أبي الحسن الماوردي وأحمد بن حنبل وأحمد ابن تيمية وابن عبد ربه وابن جماعة تم تمرير مقولات تُمجد السلطان ولو سلطان ظالم وتقدس الحاكم المستبد من قبيل عبارة ابن جماعة الشهيرة التي تدعو للإمثتال للحاكم القوي الذي استولى على السلطة بالقوة " من اشتدت وطأته ..وجبت طاعته " أو القول بأن السلطان هو " حمى الله في بلاده وظله الممدود على عباده " وبأن " الحاكم ظل الله على الأرض " والأغرب من ذلك، الربط في القداسة بين الحاكم والله مثل قولهم " طاعة الأئمة من طاعة الله وعصيانهم من عصيان الله " وهناك مقولات تبرر الظلم والتسلط وتدعو الرعية لتحمل الظلم والصبر، بل وتطلب منهم شكر السلطان على عدله – إذا عدل ؟- كأن يقال " إذا كان الإمام عادلاً، فله الأجر وعليك الشكر، و إذا كان الإمام جائرًا فله الوزر وعليك الصبر " وهناك عبارات تؤكد على ضرورة وجود الحاكم حتى ولو كان جائرا، وحاكم ظالم خير من عدم وجوده " إن الحاكم الظالم خير من انعدامه أصلا " وأن الطاعة واجبة ..خوفا من انقسام الأمة ..و اضطراب الأمور " و" أن الحاكم ولو كان ظالما، لخير من الفتنة وانحلال الأمة " وأن على الرعايا طاعة الحكام، فذلك من حقوقهم المشروعة، أما حقوق الناس فهي حقوق مؤجلة إلى يوم الحساب "أدوا إليهم حقهم..و اسألوا الله حقكم ".

 السلطة والحرب الاهلية

 ونحن نعتقد إعتقادًا جازمًا بأن ما يسمى في التاريخ العربي /الإسلامي بالفتنة الكبرى والتي تمثلت خاصة في مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان هي في حقيقة الأمر شكل من أشكال الإنتفاضة الشعبية وهي أيضا ترمز للصراع الضاري على السلطة بين أجنحة الطبقة السياسية التي وتوزعت بين المدن الثلاث المدينة والكوفة ودمشق، كما كانت هذه الفتنة وإن جاز التعبير أول ثورة إجتماعية في الإسلام من ناحية أولى، وثورة على الفرز الطبقي وعلى سوء توزيع الثروة من ناحية ثانية، وتعبيراً مكثفا عن التطاحن السياسي على الكرسي أي على السلطة والحكم والملك عقب شغور منصب القائد السياسي والرمز الروحي، المتمثل في محمد بن عبد الله( ص). ومن المعروف أن الفتنة الكبرى وبعبارة العصر تلك الحرب الأهلية الدامية قد مرت بثلاث جولات، الجولة الأولى من هذا الصراع المحموم على السلطة، كانت قد بدأت وقائعها في مؤتمر سقيفة بني ساعدة، عندما تقابل الأنصار مع المهاجرين وجها لوجه وعلى طاولة حوار جدول أعمالها في نقطة واحدة هو من يكون خليفة الرسول وبعبارة أدق من يحكم المسلمين بعد أن أصبح كُرسيّ الرئاسة شاغرا، أقصد كُرسي النبوة بعد وفاة النبي محمد بن عبد الله( ص)، وقد تم حسم مسألة الخلافة لصالح قبيلة قريش، و رغم أن مقترح الأنصار بتقاسم السلطة وفق مقولة "منا أمير ومنكم أمير "، حيث تم تعييّن أبي بكر بن قحافة . ثم كانت الجولة الثانية من الصراع، إذ مرَّت الأحداث الدرامية عاصفة، عندما حاصر " الثوار " و" المتمردون " الخليفة الثالث عثمان بن عفان لمدة أربعين يوما، وانتهت بمقتله، أما الجولة الثالثة والأخيرة في سياق الحرب الأهلية، فقد كانت أكثر درامية وأكثر قسوة بل وأكثر دموية، إذ شَهِدت الجزيرة العربية حربًا ضروسًا بين أبناء العم أي صراع داخل البيت القبلي /القرشي، بين بني هاشم من وبني أمية، و هي الحرب التي وصلت الذروة بإغتيال الخليفة الرابع علي بن أبي طالب وتصفية الهاشميين وإزاحتهم من المشهد السياسي فيما بعد. وعلى إثر هذا الحدث الدراماتيكي أُسدِل الستَّار على حقبة الخلفاء الراشدين وهي من أكثر الحقب مثالية في المخيال الإجتماعي للمسلمين والأكثر تهييّجا للمشاعر من الناحية العاطفية، لكنها كانت في حقيقة الأمر الأكثر اضطرابا من الناحية السياسية. والمفارقة العجيبة أن حقبة الإسلام المبكر هي الفترة الزمنية التي تكونت فيها الجماعة الدينية، و فيها توحًّد المسلمون وشَكلُّوا أمَّة واحدة، ولكنها كذلك هي الفترة التي انقسم فيها المسلمون، ثم إزدادوا انقساما بعد ذلك على المستوى السياسي وعلى المستوى الديني في كل التاريخ العربي /الإسلامي، إذ ظهرت عدة خِلافات (من الخلافة) أي قامت عدة ممالك وإمارات وفي أمصار مختلفة. ورغم ذلك فإن حقبة الخلفاء الأربعة الذين تولوا الحكم مباشرة بعد عهد النبوة، الحقبة التي رسمت في أذهان المسلمين طوبى الخلافة واحتفظت في الذاكرة الجماعية بالقيم الأخلاقية السامية، فهي بالنسبة لجموع المسلمين هي مدينة الله أي المدينة الفاضلة وبالتالي هي المعيار وهي النموذج و" التاريخ المثالي " الذي يقاس عليه كل التاريخ فيما بعد. والجدير بالذكر أن زمن النبوة وعهد الخلفاء الراشدين التي يقدمها خطاب الإسلام السياسي اليوم بأنها العصر الذهبي للإسلام، وبالتالي هي الاطار المرجعي وهي القالب الذي يجب أن تبنى عليه الدولة الإسلامية، دولة الإيمان والعدل والحرية. وغني عن البيان القول أن هذه الحقبة التاريخية هي الرأسمال الرمزي الذي وظفته جميع الفرق وكل الجماعات السياسية /الدينية، سواء أكانت في المعارضة أم في كانت في السلطة، كورقة من أوراق اكتساب الشرعية، إما من أجل الوصول إلى السلطة أو بهدف البقاء فيها. وللتذكير فقط أن أساس شرعية وجود الدولة في التاريخ العربي- الإسلامي هو سياسة الدنيا وحراسة الدين، وسياسة الدنيا لا تكون إلا بالشوكة والكفاية، الشوكة هي صد الهجوم الخارجي والكفاية هي منع الفتنة الداخلية، أما حراسة الدين فلا تكون إلا بتطبيق الشريعة (القانون الاسلامي) . ولسنا في حاجة إلى شرج كبير للقول بأن هذا النموذج الطوباوي في إدارة شؤون الدولة ونظام الحكم، كان حتما سينتهي سريعا بطريقة أو بأخرى، وبالفعل انتهت هذه الحقبة بقيام الدولة الأموية، دولة الأمر الواقع، الدولة السلطانية، دولة السُلالات، دولة الملك العضوض والتي كان مبدأها منذ عام 661 م وحتى عام 1924 هو أن الوصول إلى السلطة لا يكون إلا بالقوة والغلبة والعصبية، و كذلك البقاء فيها لا يكون إلا بالقوة والغلبة، و العلاقة بين الحاكم والرعية، هي علاقة فوقية قائمة أساسا على طاعة الرعية للحاكم القوي، أو كما قال ابن جماعة " من اشتدت وطأته وجبت طاعته " . وهكذا استولى معاوية بن أبي سفيان بالمكر والدهاء، ومعه عشيرة بني أمية على السلطة واستمرت سلالة بني أمية في الحكم بالسيف والدهاء، بعد أن أزاحوا عن طريق السلطة عشيرة سلالة بني هاشم، بعد مقتل الإمام الحسن بن علي بالسم وقطع رأس الإمام الحسين بن علي . ولكن غياب الفكر السياسي والعزوف عن الممارسة السياسية والإمتناع عن الكلام في السياسة، لا يعني غياب الإهتمام بالسياسة ولو من وراء الأبواب الموصدة وفي الغرف المُقفلة أو الكلام في السياسة في شكل قصص وحكايات ولو على لسان الحيوانات. وما نبغي قوله أنه لا توجد جماعة بشرية، سواء أكانت عشيرة أو قبيلة أو أمة، لم تهتم بمسائل السياسة وأصول الحكم وصلاحيات الحاكم ومهام المنوطة بالسلطة وإدارة شؤون الملك، ولا يوجد مجتمع عبر التاريخ لم يناقش علاقة الدين بالدولة، ولا توجد دولة في التاريخ العربي – الإسلامي لم تطرح فيها قضايا الشريعة والقانون وناقشت كل ما يتعلق بقضايا الحكم والدولة والشعب والمدينة والجماعة والإجتماع السياسي. غير أن السمة الغالبة على الجماعات والفرق والطوائف وكل الحركات السّرية في صدر الإسلام وخاصة بعد قيام الدولة الأموية، هو كثرة الكلام في الشؤون السياسية ولكن في الغرف المغلقة وكثافة التعبير في السياسة وبكل أدوات التعبير المتاحة وذلك بإستخدام جهاز ضخم من المعاني والرموز والمجاز والقصص والحكايات الخيالية وحتى الأساطير .

***

د. مصطفى دحماني

باحث في الفكر السياسي الإسلامي / الجزائر

قِراءةٌ تَفْكِيكِيَّة سُوسْيُوفَلْسَفِيَّة فِي الخِصَاءِ التَّارِيخِيِّ لِلْعَالَمِ الثَّالِث

العالم فوق مقصلة الصفيح الساخن

لا ينبض المشهد الدولي الراهن بحياة مستقرة، بل يغلي في أتون صراع وجودي متفاقم، تتجنب التحليلات الجيوسياسية المداهنة تسميته باسمه الحقيقي، وهو أنه: "حرب عالمية ثالثة معلنة بآليات جراحية ناعمة وخشنة معاً". في هذه الساحة المتوحشة، يتصارع العمالقة الكبار على إعادة صياغة الإحداثيات الطبقية للمنظومة الدولية الجديدة، بينما تنسحق دول الهامش والأطراف سحقاً ارتدادياً تحت وطأة هذا التصادم العنيف.

إن قذف اقتصاد العالم إلى هُوة الصفيح الساخن ليس نتاج مصادفات عشوائية أو أزمات عابرة، بل هو استراتيجية بنيوية منهجية مدروسة بعناية فائقة، غايتها الكبرى إخلاء العالم الثالث من أي إمكانية للفعل التاريخي المستقل، وإذلال شعوبه عبر تضافر الأنساق الرأسمالية المعولمة وتكاملها مع الهياكل التوتاليتارية الحديثة.

يستهدف هذا التشريح السوسيوفلسفي تقديم قراءة فلسفية تفكيكية متكاملة، لا تكتفي بوصف الظواهر، بل تهبط إلى القاع لتكشف آليات اشتغال سلطة رأس المال بشقيه:

 المادي العاري الفج، والرمزي الخفي المتستر. إنها قراءة تستهدف هتك الستار السيكولوجي والثقافي الذي يغطي تعطل التنمية الحضارية في دول الجنوب، مبرهنة على أن تفكيك آليات الإخضاع يتطلب بالضرورة تعرية التحالفات العابرة للحدود، تلك التي حوّلت الاقتصاد من أداة للرفاه إلى مقصلة قهر لإنتاج "التخلف المستدام" وإعادة إنتاج التبعية الهيكلية كقَدَر محتوم.

خيمياء رأس المال

إن السعي لتعرية آليات الإخضاع الفلسفي يفرض علينا المزاوجة بين مشرطين نقديين: التفكيك المادي الكلاسيكي الذي صاغه كارل ماركس، والنظرية السوسيولوجية النقدية لبيير بورديو.

يركز المنظور الماركسي التقليدي على سلطة رأس المال "الحقيقي" أو المادي بوصفه علاقة إنتاج موضوعية، تتجذر كبنية تحتية مستقلة عن الإرادة الواعية للفاعلين الاجتماعيين. هنا، ينقسم العالم والمجتمعات إلى خندقين متعارضين: طبقة رأسمالية تملك وتتحكم في وسائل الإنتاج، وطبقة كادحة مستلبة تضطر لبيع قوة عملها وحياتها للبقاء. وتتحكم علاقات الملكية الجائرة هذه في صياغة وعي البشر؛ إذ {ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم الاجتماعي، بل إن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم}.

غير أن آلة الهيمنة المعاصرة لم تعد تكتفي بالسياط المادية المباشرة؛ بل تطورت لتستند إلى ما سماه بيير بورديو "السلطة الرمزية" ورأس المال الرمزي. إن هذا الرأس الرمزي ليس إلا تحويراً ذكياً للمنزلة، والمكانة، والسمعة، والهيبة التي تحظى باعتراف الضحية طوعاً. تكمن عبقرية بورديو في فضحه لآلية "الخيمياء الرمزية"، وهي العملية السحرية الخبيثة التي يمارس من خلالها أي رأس مال عنفاً رمزياً بمجرد أن ينتزع من الضحايا اعترافاً بمشروعيته، متجاهلين أصله القهري الدموي، ليفرض نفسه كسيادة مطلقة تستدعي الامتثال التلقائي.

تشتغل السلطة الرمزية بالاختباء والتسلل، مسلّحة بآلية "التفويض" التي تمنح النخب الحائزة لرأس المال الرمزي شرعية إصدار الوصايا الكونية المقبولة عفوياً. وينبثق من هذا التواطؤ المخيف ما يُعرف بـ "العنف الرمزي"؛ وهو عنف ناعم، لزج، عذب، وغير محسوس لضحاياه أنفسهم. إنه يمر عبر شرايين التعليم، وقنوات التواصل، وأدوات التثقيف.

وتكمن خطورته القاتلة في كونه يحول الضحية إلى شريك في الجريمة؛ حيث يتم تطبيع إنسان العالم الثالث على احتقار ذاته وازدراء هويته ("الأنا")، فيتبنى دون وعي مقولات التصنيف والتفكير التي يفرضها السادة. تتحول المدرسة والمؤسسة التعليمية هنا إلى أداة مفصلية لإعادة إنتاج التفاوت الطبقي، حيث يُفرض التعسف الثقافي كضريبة معرفية مشروعة تخفي وراءها وابل القوة المادية العارية. وتتوّج هذه الجريمة بالدولة، التي غدت بمثابة "المصرف المركزي لرأس المال الرمزي"، والمسرح الأقصى لصراع الجميع ضد الجميع، حيث تصيغ البنى الذهنية للأفراد بما يضمن تأبيد تفاوتهم الهيكلي.

البرادِغما الميكافيلية الجديدة: الغاية تبرر المسلخة الدوليّة

هنا يتداخل النقد السوسيولوجي بالواقعية السياسية العنيفة في نسختها "الميكافيلية الجديدة". لم يعد "الأمير" المعاصر مجرد حاكم فرد يبحث عن تحصين إمارته، بل غدا القطب الجيوسياسي المعولم، والشركات عابرة القارات، والأنساق المالية الكبرى التي تدير العالم بعقلية أدواتية باردة لا تعرف الأخلاق. في هذه البراديغما، تصبح القاعدة الأنطولوجية الكبرى هي: "الغاية تبرر الوسيلة"، حتى لو كانت الوسيلة هي سحق أمم بأكملها، وإدخال قارات كاملة في مجاعة تنموية مقصودة.

إن إبقاء اقتصاد العالم الثالث فوق صفيح ساخن يمثل تطبيقاً حرفياً للميكافيلية الدولية؛ فالاستقرار التنموي لدول الجنوب يشكل تهديداً مباشراً لاحتكار الكبار لموارد الكوكب. لذا، يتم هندسة الأزمات، وتصدير الاضطرابات، وخلق بؤر التوتر المستمر كوسائل مشروعة في عرف "أمير الرأسمالية المعاصرة" للحفاظ على سيادته. الأخلاق هنا تُخْتَزَل في "مصلحة القوة"، والعدالة الدولية ليست سوى الستار الرمزي الذي يغطي العنف العاري. إن ميكافيلية القرن الحادي والعشرين لا تخفي وجهها، بل تمارس فجورها السياسي تحت مسميات "القانون الدولي" و"توازن القوى"، محولة دول الهامش إلى قطع شطرنج تُقدم قرباناً على مذبح بقاء الأقوياء.

 من حشود الاستلاب إلى بيروقراطية "تفاهة الشر"

إن هذا الإخضاع الميكافيلي يتغذى على تحالف بنيوي مرعب بين رأس المال والأنساق التوتاليتارية الحديثة، وهو ما فككته حنة أرندت ببراعة فائقة. تكشف أرندت أن الرأسمالية المتوحشة دمرت بالبلدوزر كل التضامنات التقليدية للمجتمعات، محولة الأفراد إلى كتل بشرية هلامية، ومستلبة عقلياً تُعرف بـ "الحشود" أو "الجماهير". تتميز هذه الحشود باللامبالاة السياسية المفرطة وفقدان البوصلة المعيارية، مما يجعلها تربة خصبة ومثالية لقذف الأيديولوجيات الشمولية في روعها وتحويلها إلى قوى تدميرية. ومن رحم هذا التشظي، ينشأ "التحالف التاريخي الدنس بين رأس المال والغوغاء" لتسهيل الغزو الخارجي وتأمين فائض الأرباح تحت غطاء العنف المنظم.

تقوم الشمولية المعاصرة على مزيج تدميري مرعب من الأيديولوجيا والإرهاب؛ حيث تتحول الأيديولوجيا إلى منطق ذاتي مغلق ينفصل عن الواقع ليعمل بآليته الجنونية الخاصة، بينما يمثل الإرهاب الأداة التجريبية لتطبيق الفرضية الشمولية الكبرى: {إن الإنسان ذاته لم يعد ضرورياً}.

يتلاقى هذا الرعب الفلسفي مع أطروحة أرندت حول "تفاهة الشر". يتحول الكائن البشري في ظل هذه الأنساق الرأسمالية العابرة للقارات إلى مجرد "ترس بيروقراطي"، موظف بليد يوقع على مذكرات إبادة اقتصادية، أو يمرر سياسات تجويع شعوب كاملة، دون أن يرمش له جفن، ودون أي تفكير نقدي أو تساؤل أخلاقي حول طبيعة الجريمة التي يرتكبها. غياب المساءلة الذاتية وتحول الإنسان إلى رقم في آلة إدارية معولمة هو الجوهر الفلسفي الفظيع للشر التافه.

ينعكس هذا القهر الرمزي بوضوح في مفهوم "صناعة الثقافة" عند ثيودور أدورنو وماكس هوركهايمر. لقد جرى تسليع المنتجات الثقافية، والفنية، والإعلامية بالكامل، وإخضاعها لمنطق الإنتاج الصناعي التكنولوجي الرأسمالي، لتتحول إلى معلبات نمطية متطابقة تستهدف التلاعب بعقول الجماهير وتزييف وعيها الجمعي. تعمل هذه الصناعة على خصاء الهوية الذاتية للفرد، وصهره في قالب استهلاكي قسري موحد، لينتهي الأمر بترسيخ "الامتثالية الجديدة"، والاغتراب، وتشيؤ الإنسان. يتحول البشر والعلاقات الاجتماعية إلى أشياء جامدة ومغتربة عن إمكاناتها التحررية، ويتحول هذا النموذج المشوه إلى دول العالم الثالث ليعطل دفاعاتها الثقافية والحضارية ويخنق تطلعاتها التنموية.

تشريح اقتصاد المقصلة: التنمية اللامتكافئة وهندسة التبعية

لتفكيك الفشل التنموي المزمن في دول العالم الثالث، لا بد من إخضاع نظريات التحديث الغربية الكلاسيكية لمشرط النقد البنيوي لـ "المادية التاريخية العالمية" ونظرية التبعية والمنظومات العالمية التي بلورها سمير أمين وإيمانويل والرشتاين. يرفض هذا المنظور النقدي الأطروحات الليبرالية والتحديثية الكلاسيكية رفضاً قاطعاً، ويعتبرها مجرد "أمنيات طيبة ومحاولات نظرية مدقعة وساذجة" تعوق الفهم التاريخي للتخلف.

إن التخلف ليس مرحلة ما قبل التنمية، بل هو "المنتج الهيكلي" للتنمية الغربية نفسها؛ فالمركز الرأسمالي يعيش ويتضخم عبر امتصاص دماء الأطراف من خلال آليات التبادل اللامتكافئ وهندسة التبعية التي تجعل الجنوب تابعاً أبدياً يدور في فلك السادة.

طابور الهيمنة الخامس ومأزق الوعي الكولونيالي

لا يمكننا عزل تعطيل التنمية الحضارية في دول الجنوب عن الدور الداخلي الخياني والوظيفي للطبقة المسيطرة محلياً. يكشف يوهان غالتونغ في نظريته حول "الإمبريالية البنيوية" أن التقسيم الاستغلالي بين المركز والأطراف يعيد إنتاج نفسه داخل كل دولة؛ حيث يتحالف "مركز المركز" الدولي (القوى الإمبريالية) مع "مركز الأطراف" المحلي (البرجوازية الكومبرادورية الحاكمة) لاستغلال الأغلبية المسحوقة في أطراف الأطراف.

إن البرجوازية المحلية في دول العالم الثالث تفتقر بنيوياً لخصائص الفعالية والمبادرة التاريخية التي ميزت البرجوازية الأوروبية الكلاسيكية إبان صعودها. إنها "برجوازية كومبرادورية طفيلية" بامتياز، ترتبط حبل سريتها بمصالح الخارج، وتعمل كقناة وسيطة لنقل الفائض الاقتصادي المحلي واستنزاف الموارد الوطنية مقابل فتات السلطة والجاه الرمزي.

ويربط فرانز فانون هذا الواقع بما أسماه "مزالق الوعي الوطني"، محذراً من خيانة النخب المحلية بعد نيل الاستقلال الشكلي؛ حيث تكتفي هذه الطبقات باستبدال المستعمر الأجنبي بوجه وطني مشوه، مستمرة في ممارسة ذات القمع الهيكلي والعنف اليومي ضد الجماهير دون إحداث أي تغيير جوهري في البنية الاقتصادية التحتية للاستعمار.

ويشير فانون إلى معادلة كولونيالية مرعبة:

 {المرء غني لأنه أبيض، وأبيض لأنه غني}، مما يفرض توسيع التحليل الماركسي الكلاسيكي ليشمل تفكيك التمايز العرقي والطبقي المتداخل في الفضاء الكولونيالي. ولتجاوز هذا المأزق التاريخي، يرفض فانون التوجه الاستبدادي لـ "تنمية الاستثنائي" أو البحث عن بطل مخلص في شكل قادة عسكريين أو نخب فوقية، بل يطرح بديلاً ثورياً ينبني على "التنظيم اللامركزي"، والمسؤولية الجماعية، والمساواة الفعلية لرفع الوعي السياسي للشعب وجعله صانع مصيره الحقيقي.

تضامن المستضعفين ومقاومة التشيؤ الكوني

تكشف القراءة التفكيكية المتعمقة لسلطة رأس المال، بشقيها المادي الحقيقي والرمزي الخفي، والميكافيلية المعاصرة، أن صراع الكبار الراهن في الحرب العالمية الثالثة الكامنة يمثل اللحظة الحرجة لاهتزاز أركان النظام الرأسمالي الشمولي المعولم. إن استراتيجية إذلال الشعوب وخنق العالم الثالث وإخضاع اقتصاده لصفيح الأزمات الساخن لم تعد قادرة على احتواء التناقضات الهيكلية المتفجرة للنظام الدولي. إن تضامن المستضعفين، والوعي الجماهيري الجذري، وكسر الخيمياء الرمزية والأقنعة الميكافيلية، هو السبيل الوحيد لمقاومة التشيؤ الكوني، وانتزاع إمكانية الفعل التاريخي، وبناء حداثة بديلة تحرر الإنسان بدلاً من تحويله إلى حطام على أرصفة التاريخ.

***

غالب المسعودي

العلاقة الخفية بين السلام النفسي والاستقرار المالي

يعتقد كثير من الناس أن الأمان المالي يرتبط فقط بامتلاك المال أو زيادة الدخل، وأن الإنسان كلما امتلك أموالاً أكثر أصبح أكثر استقراراً وطمأنينة. لكن الواقع يكشف أن هناك أشخاصاً يمتلكون المال ويعيشون في قلق وتوتر دائم، بينما يعيش آخرون بإمكانات وقدرات متوسطة لكنهم أكثر اتزاناً وراحة وقدرة على إدارة حياتهم المالية بحكمة

وهنا تظهر حقيقةٌ جوهرية يغفل عنها الكثيرون، وهي أن الأمان المالي ينبع أولاً من الأمان النفسي؛ فمن يمتلك سلاماً داخلياً وثقة بالنفس وقدرةً على ضبط النفس، يكون أكثر حكمة في اتخاذ قراراته المالية، وأعمق وعياً في التعامل مع احتياجاته ورغباته. في المقابل، قد يندفع من يعاني من اضطرابٍ أو فراغٍ داخلي إلى التعويض بالاستهلاك المفرط، أو الشراء العشوائي، أو اللهث خلف المظاهر، واهماً بأن المال وحده كفيل بمنحه الشعور بالأمان والسعادة

الأمان النفسي لا يعني غياب المشكلات، بل يعني قدرة الإنسان على إدارة حياته بهدوء واتزان دون أن تتحكم به المخاوف أو الاندفاعات وعندما يشعر الإنسان بالاستقرار الداخلي، يصبح أكثر قدرة على التخطيط للمستقبل، وترتيب الأولويات، والتمييز بين الحاجة والرغبة، والتحكم في المصروفات، وبناء عادات مالية صحية

فالوعي المالي الحقيقي لا يرتبط بحجم الدخل فقط، بل بطريقة التفكير وإدارة السلوك المالي اليومي. كثير من الأزمات المالية لا يكون سببها قلة المال، بل غياب الانضباط النفسي. فبعض الأشخاص ينفقون بدافع التوتر أو القلق، ويشترون لإرضاء مشاعر مؤقتة، ويعيشون تحت ضغط المقارنة الاجتماعية، ويفتقدون الصبر في تحقيق أهدافهم المالية. وهنا يصبح المال وسيلة للهروب النفسي بدل أن يكون أداة لبناء الاستقرار

إن تهذيب النفس وتعليمها الصبر والانضباط والقناعة من أهم مفاتيح النجاح المالي. فالإنسان الذي يستطيع أن يقول “لا” لرغباته المؤقتة، ويؤجل بعض الملذات من أجل أهداف أكبر، يبني لنفسه مستقبلاً أكثر أماناً واستقراراً. كما أن القناعة لا تعني التوقف عن الطموح

لا تعني التوازن بين السعي والرضا، وبين العمل والاجتهاد دون الوقوع في فخ الجشع أو الاستنزاف النفسي. الأمان المالي لا يُبنى بقرارات ضخمة فقط، بل يبدأ من تفاصيل يومية بسيطة، مثل تنظيم المصروفات، ووضع خطة مالية واضحة، والادخار المنتظم، وتجنب الديون غير الضرورية، والتحكم في الاندفاع الشرائي، والاستثمار في تطوير الذات والمهارات

وهذه السلوكيات الصغيرة تتحول مع الوقت إلى أسلوب حياة يصنع الاستقرار والثقة بالمستقبل قد يمنح المال الراحة المؤقتة، لكنه لا يمنح دائماً الطمأنينة. فالطمأنينة الحقيقية تأتي عندما يشعر الإنسان بأنه قادر على إدارة حياته بعقلانية واتزان، وأن قيمته لا تُقاس بما يملك فقط، بل بوعيه وقدرته على بناء حياة مستقرة نفسياً ومادياً

إن الأمان المالي ليس مجرد أرقام في الحسابات البنكية، بل هو انعكاس لحالة نفسية داخلية تقوم على السلام النفسي، والانضباط، والقناعة، والوعي. وكلما نجح الإنسان في تهذيب ذاته وإدارة رغباته بحكمة، أصبح أكثر قدرة على بناء حياة مستقرة ومتوازنة وناجحة. فالحياة المستقرة لا تبنى فقط بما نملكه، بل بكيفية إدارتنا لأنفسنا قبل أموالنا.

***

د. أكرم عثمان

31-5-2026

تقرر القاعدة القرآنية في التفاضل الإنساني مبدأ يقوم على نفي الامتياز القائم على النسب والقبيلة، وربط الكرامة عند الله بالتقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾؛ وإن كان سياق الكرامة أخرويا في الأصل، إلا أن توجيه الخطاب إلى "يا أيها الناس" وتقديمه قاعدة عامة يمنحه بعدا معياريا يتجاوز المجال الوعظي إلى تنظيم الاعتبار بين البشر في المجال الاجتماعي أيضا؛  فالقرآن لم يقدم القبيلة بوصفها معيار تفاضل، وإنما باعتبارها إطارا للتعارف الاجتماعي: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾، بما يعني أن الانتماء القبلي ظل في التصور القرآني عنصر تعريف اجتماعي لا أساسا للسيادة أو الاستحقاق السياسي والديني.

ومن الضروري هنا التمييز بين ثلاثة مستويات متداخلة في التجربة العربية الإسلامية المبكرة: مستوى النص القرآني بوصفه حاملا لمبدأ معياري عام، ومستوى الاجتهاد الفقهي الذي حاول تفسير الواقع وتنظيمه ضمن شروطه التاريخية ، ومستوى التوظيف السياسي الذي ارتبط بصراعات السلطة وتوازنات الجماعة؛ فليس كل ما استقر في المدونة الفقهية- السلطوية -، يمثل بالضرورة الامتداد المباشر للمبدأ القرآني، كما أن كثيرا من التصورات السياسية التي اكتسبت لاحقا طابعا دينيا كانت في أصلها استجابات تاريخية لواقع اجتماعي وقبلي عروبي معين؛ ومن هنا فإن قراءة مسألة القرشية لا تتعلق بالطعن في النص المؤسس، بقدر ما تتعلق بتحليل الكيفية التي أعيد من خلالها تشكيل بعض المبادئ داخل البنية السياسية للدولة  العربية الإسلامية المبكرة.

غير أن التطور التاريخي للدولة العربية الإسلامية أظهر حضور الاعتبار القبلي داخل المجال السياسي والفقهي بصورة متزايدة؛ فقد ظهرت نصوص نبوية وآثار سياسية مبكرة استدل بها في تفضيل قريش في باب القيادة، من أشهرها حديث: "الأئمة من قريش"؛ وقد تعامل جمهور واسع من الفقهاء – السلطوية - مع هذا الحديث بوصفه سندا شرعيا لتقديم القرشية في الإمامة، غير أن دلالته ظلت محل نقاش بين العلماء والباحثين؛ إذ اتجهت بعض القراءات إلى فهمه باعتباره توصيفا لواقع التوازنات القبلية ومركزية قريش في المجتمع العربي آنذاك، أكثر من كونه تشريعا سياسيا مطلقا صالحا لكل زمان؛ كما أن توظيفه السياسي المبكر في سياق الصراع على السلطة أسهم في تحويله تدريجيا من نص مرتبط بظرف تاريخي معين إلى قاعدة فقهية أكثر عمومية واستمرارا.

ومع ترسخ هذا التصور، أصبح النسب القرشي عنصرا معتبرا في باب السلطة السياسية، إلى جانب اعتبارات الكفاءة والدين والمصلحة العامة؛ غير أن الإشكال لا يتوقف عند حدود التمييز بين المجال الأخلاقي والمجال السياسي؛ لأن القاعدة القرآنية لم تطرح بوصفها موعظة روحية معزولة، بل باعتبارها مبدأ عاما موجها إلى الناس كافة، بما يتضمن إعادة ترتيب معايير الاعتبار داخل المجتمع نفسه؛ فالقرآن حين نفى التفاضل القائم على النسب والقبيلة، لم يحصر ذلك في المجال الأخروي وحده، وإنما اتجه أيضا نحو تقليص فاعلية البنية القبلية بوصفها مصدرا للامتياز الاجتماعي والسياسي.

ولا يعني ذلك أن النص القرآني قدم نظرية سياسية تفصيلية أو صيغة دستورية جاهزة للحكم، غير أن المبادئ العامة التي طرحها – وفي مقدمتها نفي الامتياز القائم على النسب – لا تبدو منفصلة تماما عن المجال الاجتماعي والسياسي؛ فحين يتحول الانتماء القبلي إلى شرط يمنح أفضلية مسبقة في السلطة، فإن ذلك يضعف الأثر العملي – كسر - للقاعدة القرآنية في تنظيم العلاقات داخل المجتمع، حتى لو جرى تبرير هذا التحول باعتبارات تاريخية أو مصلحية؛ ومن هنا تنشأ المفارقة بين المبدأ القرآني المفتوح، وبين إعادة إنتاج الامتياز النسبي داخل المجال السياسي الإسلامي.

ومن هذا المنظور تبدو إعادة إدخال النسب القرشي شرطا في باب الإمامة أقرب إلى تكريس شكل من أشكال التفضيل القبلي داخل المجال السياسي، لا مجرد اشتراط تنظيمي محايد، حتى وإن جرى تقديمه في بعض الخطابات بوصفه عامل وحدة واستقرار؛ فالمسألة لا تتعلق بمجرد تنظيم إداري للسلطة، بل بتحويل الانتماء القبلي من عنصر تعارف اجتماعي إلى عنصر ترجيح سياسي ومعياري، الأمر الذي أعاد إنتاج جانب من البنية القبلية التي سعى الخطاب القرآني إلى إعادة ضبطها اجتماعيا ونزع بعدها الامتيازي.

وتظهر المفارقة هنا في التوتر بين المعيار القرآني العام القائم على التقوى، وبين اشتراط الانتماء القبلي في أحد أهم أبواب التنظيم السياسي؛ فحين يصبح النسب شرطا مقدما في باب الإمامة، فإن المجال السياسي ينتقل عمليا من معيار أخلاقي مفتوح إلى معيار نسبي أكثر انحصارا، حتى لو جرى تبرير ذلك ضمن اعتبارات تتعلق بوحدة الجماعة واستقرار الدولة الناشئة؛ كما أن كثيرا من الفقهاء الذين قالوا بشرط القرشية لم يقدموه دائما بوصفه امتيازا جوهريا في القيمة الإنسانية، بل باعتباره شرطا سياسيا ينسجم – في نظرهم – مع طبيعة المجتمع العربي في ذلك العصر؛ غير أن تحول هذا الشرط من معالجة ظرفية مرتبطة بسياق تاريخي معين إلى قاعدة فقهية شبه ثابتة عبر قرون طويلة، جعل الاعتبار القبلي يكتسب مع الزمن طابعا معياريا يتجاوز ظرفه السياسي الأول.

ومع وجود آراء فقهية وكلامية لا تشترط القرشية، فإن الذي جرى به العمل تاريخيا في الخلافة المركزية – من الراشدين حتى العباسيين – هو إقرار أولوية قريش أو اعتبارها مصدرا أعلى للشرعية السياسية؛ غير أن التطبيق التاريخي نفسه لم يكن دائما على درجة واحدة من الصرامة، إذ تراجعت فاعلية شرط القرشية عمليا في مراحل عديدة، خصوصا مع تحول الخلافة إلى ملك سياسي أو إلى صيغ سلطانية أكثر ارتباطا بموازين القوة الفعلية من الارتباط بالشروط النظرية التي قررتها المدونات الفقهية.

بل إن التاريخ الإسلامي عرف نماذج سياسية تراجعت فيها فاعلية الشرط القرشي بصورة واضحة، سواء في بعض الدول والإمارات الإسلامية غير العربية، أو في المراحل التي أصبحت فيها السلطة الفعلية قائمة على القوة العسكرية والإدارة السياسية أكثر من استنادها إلى النسب؛ وقد بلغ هذا التحول ذروته مع دول كبرى حكمت المجال الإسلامي دون انتماء قرشي صريح، الأمر الذي يكشف أن الواقع التاريخي نفسه كان يتجاوز أحيانا التنظير الفقهي التقليدي، حتى مع استمرار حضوره الرمزي داخل بعض المدونات السياسية.

ولم يقتصر حضور الاعتبار القبلي على مسألة الإمامة، بل امتد إلى بعض المجالات الاجتماعية، مثل الكفاءة في الزواج، حيث اعتبر عدد من الفقهاء النسب عنصرا من عناصر التكافؤ الاجتماعي، بما يعكس استمرار أثر البنية القبلية داخل بعض الاجتهادات الفقهية؛ كما ظهرت تمايزات اجتماعية بين العرب والموالي خلال مراحل من التاريخ الإسلامي، سواء في العطاء أو التمثيل السياسي أو المكانة الاجتماعية، وهي تمايزات ارتبطت بطبيعة الدولة الإمبراطورية الناشئة وبالعصبيات – النزعة العربية - الاجتماعية والسياسية أكثر من ارتباطها بالمبدأ القرآني المجرد؛ ولم يكن أثر هذه التراتبية محصورا في الجانب الإداري أو السياسي، بل ترك أثرا عميقا في وعي كثير من الشعوب غير العربية التي دخلت الإسلام، ومنها الكورد وغيرهم من الموالي، حيث بدا التفاوت بين القاعدة القرآنية للمساواة وبين الواقع الاجتماعي للدولة الإسلامية أحد مصادر الشعور بالتهميش داخل التجربة التاريخية الإسلامية.

ومع ذلك، لم تكن التجربة التاريخية الإسلامية واحدة على امتداد العصور؛ إذ شهدت بعض المراحل صعود شخصيات ودوائر علمية وإدارية غير عربية، كما خف تأثير الاعتبار القبلي نسبيا في بعض البيئات الإسلامية خارج المركز العربي التقليدي، الأمر الذي يكشف أن حضور العصبية القبلية لم يكن ثابتا بالدرجة نفسها في جميع الأزمنة والسياقات.

ولا يمكن فهم هذا التحول بعيدا عن طبيعة المجتمع الذي تشكلت فيه الدولة العربية الإسلامية؛ فالدولة الناشئة لم تتكون في فراغ اجتماعي، بل داخل بنية قبلية كانت قريش تمثل مركز ثقلها السياسي والرمزي، كما اعتمدت في توسعها العسكري والإداري على القبائل العربية؛ وقد دفع ذلك كثيرا من الفقهاء والساسة إلى التعامل مع القرشية بوصفها عامل استقرار ووحدة سياسية في مرحلة تاريخية شديدة الحساسية؛ غير أن التجربة التاريخية نفسها تكشف أن الامتياز القرشي لم يكن دائما عنصر استقرار، بل كان في أحيان كثيرة أحد أسباب الانقسام والصراع السياسي المبكر، سواء في الخلافات التي ظهرت منذ السقيفة والخلافة الراشدة المبكرة، أو في الصراعات بين الأجنحة القرشية نفسها خلال العصرين الأموي والعباسي؛ ومن هنا فإن تفسير الظاهرة تاريخيا لا يعني منحها شرعية معيارية دائمة، خصوصا بعد تحول كثير من الاجتهادات المرتبطة بسياقاتها السياسية إلى تصورات فقهية أكثر ثباتا واستمرارا عبر القرون.

ومن ثم فإن الإشكالية لا تكمن في النص القرآني ذاته، بل في الكيفية التي أعيد من خلالها تشكيل بعض المبادئ القرآنية داخل شروط الواقع التاريخي والسياسي؛ فالقرآن أسس لقاعدة كونية تقوم على التقوى والمساواة الإنسانية ونفي الامتياز القائم على العصبية القبلية، بينما تشكلت بعض الاجتهادات السياسية والفقهية – السلطوية العروبية -،  تحت تأثير التوازنات القبلية والاجتماعية للدولة العربية الإسلامية المبكرة، ثم اكتسبت مع الزمن طابعا معياريا تجاوز سياقها التاريخي الأصلي؛ ومن هنا تبدو مفارقة المساواة القرآنية والتفضيل القبلي تعبيرا عن التوتر بين القاعدة القرآنية الكونية التي قدمها النص المؤسس، وبين البنية التاريخية التي أعادت إنتاج الامتياز القبلي داخل المجال السياسي والاجتماعي، بما يشبه إعادة تكييف الواقع القبلي داخل الإطار الديني بدل تجاوزه بصورة كاملة؛ ويظل السؤال مطروحا أمام العقل الإسلامي المعاصر: إلى أي مدى يمكن إعادة بناء الوعي السياسي والاجتماعي على القاعدة القرآنية الكونية، بعد قرون من تداخل المقدس بالقبلي والتاريخي؟.

***

د. جوتيار تمر

اقليم كوردستان 30-5-2026

عندما يتطابق الإحساس بالأشياء مع واقعها الفعلي يصبح ذلك الإحساس حقيقة لا يمكن إنكارها، لأن إنكار الإحساس المطابق للواقع أشبه بإنكار الواقع نفسه. ويتضح ذلك فيما قدمه الخليل بن أحمد الفراهيدي، صاحب الإحساس المرهف الدقيق، فيما يتعلق بصفات الأصوات ومواقعها في المدرج الصوتي عند الإنسان. فهو حين وضع تصوره لتلك الأصوات لم يستعن بالأجهزة الصوتية المتوفرة في عصرنا الحديث، بل اعتمد على حسّ لغوي وعلمي بالغ الدقة، قائم على التأمل العميق والاستقراء والملاحظة الدقيقة. ولما توفرت الأجهزة الحديثة بعد قرون، أثبتت أن نسبة كبيرة مما توصّل إليه الخليل فيما يتعلق بصفات الأصوات ومواقعها كان صحيحًا وموافقًا للواقع الفعلي.

ولم يكن الخليل حالة منفردة في تاريخ العلم؛ فقد توصّل بعض العلماء إلى إدراك أنظمة خفية تحكم الظواهر قبل اكتمال وسائل إثباتها، كما فعل الكيميائي الروسي ديميتري مندليف حين وضع تصورًا للجدول الدوري وتوقع وجود عناصر لم تكن مكتشفة بعد، ثم أثبت الواقع العلمي صحة كثير من توقعاته.

إن هذين النموذجين ونماذج أخرى لا يتسع المجال لذكرها تدل على أن بعض الحقائق لا يبدأ ظهورها دائمًا من المختبرات والأجهزة، بل قد تبدأ بإحساس علمي منظم يلتقط النظام الكامن في الأشياء قبل أن يخضع للوسائل التقنية القادرة على إثباته فقط وليس على كشفه. فالعقل البشري يمتلك قدرة على إدراك العلاقات والأنماط عبر التأمل الطويل والاستقراء الدقيق، ثم تأتي الأدوات العلمية لاحقًا لتؤكد ما تم إدراكه.

ولهذا فإن الإحساس العلمي ليس مجرد شعور نفسي أو تصور عابر، بل قد يكون إدراكا نافذا يصل الى معرفة حقيقية علمية، وتبقى قيمة هذا الإحساس مرتبطة بقدرته على تفسير الوقائع تفسيرًا منسجمًا ومتكررًا، وبذلك لا يوصف بكونه انطباعًا ذاتيًا.

ما أريد أن أقوله: إن إنكار الإحساس المطابق للواقع لا يختلف كثيرًا عن إنكار الواقع نفسه، ما دام ذلك الإحساس قد أثبت قدرته على تفسير الظواهر تفسيرًا متماسكًا ومنظمًا.

وينسحب هذا الأمر على حديثي عن إحساسي بنظام آليّة عمل الدماغ البشري لإنتاج اللغة، الذي حددتُ مراحله وتفاصيله في (نظرية الصفر اللغوي).  فتوصلتُ إلى أن الفكرة المراد التعبير عنها باللغة تمر بثلاث مراحل ويعمل الدماغ على تحديدها من الكل إلى الجزء

المرحلة الأولى: تحديد المعنى العام للفكرة فيما إذا كانت استفهامية أو منفية أو غير ذلك فتتحدد الأداة المناسبة للفكرة، أما إذا كانت الفكرة إخبارية مثبتة فلا أداة لها، وانعدام الأداة هو تحديد لنوعها مقابل الفكرة التي يتحدد نوعها بالأداة.

المرحلة الثانية: الربط بين مدلولات أجزاء الفكرة أي الربط بين الصور الذهنية والمفاهيم التي تشتمل عليها الفكرة، وليس ثمة أكثر من أربعة روابط رئيسة تربط المدلولات مع بعضها، وتعمل بنظام هرمي رأسه الإسناد الذي تتعلق به الروابط الأخرى وهي: التخصيص، والإضافة، والتوضيح.

وفي الكتاب شرح مفصل لهذه الروابط مع الرسم التوضيحي.

المرحلة الثالثة: اختيار الدوال المناسبة لمدلولاتها من المعجم الذهني، وبذلك يتم تحويل الفكرة الى جملة ويتم إنتاجها وهي متربطة الأجزاء ارتباطا لا يقبل الانفصام.

إن هذا النظام غير المنظور القابع في أدمغة البشر لا يمكن التوصل إليه من خلال التقنيات الحديثة التي لا تُظهر للناظر في جهاز العرض سوى وصلات كهربية تتنقل من مكان إلى آخر، ولا يمكن تفسيرها من قبل عالم اللسانيات العصبية أو عالم اللسانيات الإدراكية لأنها تفاصيل نحوية لا يتمكن منها سوى عالم باللغة وبخاصة علم النحو، حيث يوظف هذا العالم إحساسه مع عمق معارفه ودراساته في جميع فروع اللسانيات من أجل الوصول إلى هذا النظام، ولا يمكن التشكيك بهذا النظام بحجة عدم إخضاعه للتقنيات الحديثة، ما دام واقع اللغات وقواعدها الفعلية قد انسجم معه من خلال التطبيقات المتنوعة التي أجريتها على عدة لغات في كتابي: (نظرية الصفر اللغوي للنحو الكلّي وتطبيقاتها في العربية).

فالقيمة العلمية لأي تصور لا تتحدد فقط بوجود أجهزة تثبته لحظة ظهوره، بل تتحدد أيضًا بقدرته على تفسير الوقائع المختلفة ضمن نظام واحد متماسك، وبنجاح تطبيقاته على أمثلة متعددة ومتنوعة. لذلك فإن الإحساس المنظم القائم على التأمل والدراسة والاستقراء، إذا انسجم مع الواقع اللغوي وأثبت كفاءته التفسيرية، يصبح جديرًا بالنظر العلمي الجاد.

ولما كان خلق الله قائما على أنظمة دقيقة فلابد للغة من نظام يضبطها في أدمغة البشر، وفيما يأتي أعرض نموذجًا لنظام آليّة عمل الدماغ البشري لإنتاج اللغة، وهو ما أطلقت عليه نموذج الصفر اللغوي وإذا كان هناك نموذج آخر لنظام أفضل منه فليُعرض أيضًا من أجل الوصول إلى الحقيقة العلمية، لأن العلم لا ينهض إلا بالحوار والمقارنة والاختبار.

﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾2827 sana

د. سناء حميد البياتي

ثمة معارف لا تمنحها القراءة وحدها، ولا يكشفها التأمل البارد مهما اتسع، بل لا بدّ للإنسان أن يقترب منها بجلده وروحه حتى يدرك حقيقتها. ومنذ أيام، حين تعرّضتُ إلى حرقٍ عارض، وجدتني أمام تجربة صغيرة في حجمها، لكنها عميقة في أثرها؛ إذ كشفت لي شيئًا لم أكن ألتفت إليه من قبل: لماذا اختيرت النار — دون سواها — رمزًا للعذاب في الوعي الديني والإنساني؟ ولماذا جعلها الله دون غيرها عقوبةً لمن عصاه في يوم القيامة؟ ولماذا ترددت صفاتها وحالات المعذبين بها في أكثر من آية وسورة من سور القرآن الكريم؟ وكأنّي لأول مرة في حياتي أدرك الجواب عن ذلك الاختيار الإلهي؛ إذ لم أجد في عالم المحسوسات عذابًا يوازيها في الألم، ولا عنصرًا يجمع بين الإيلام والرعب كما تجمع النار.

كنت أعرف، مثل أي إنسان، أن النار مؤلمة. غير أن المعرفة النظرية شيء، والذوق المباشر شيء آخر. فالإنسان قبل التجربة "يعرف"، وبعدها "يدرك". والفرق بين الأمرين يشبه الفرق بين من يقرأ عن البحر ومن يغرق فيه. ولعل هذا ما قصده جبران خليل جبران حين قال: "إن الألم هو انكسار القشرة التي تغلف فهمكم".

فالألم لا يضيف إلى الإنسان معرفة جديدة فحسب، بل يكسر وهم المعرفة القديمة أيضًا. وحين لامست النار الجسد، اكتشفت أنها ليست مجرد إحساس موضعي بالأذى، بل حالة اجتياح كاملة. إن الجرح قد يبقى في عضو، والضربة قد تنتهي بانتهائها، أما النار فتمنح الإنسان شعورًا بأن كيانه كله صار مهددًا. حتى بعد انطفائها يبقى أثرها في الأعصاب والوعي والذاكرة، كأنها لا تحرق الجلد وحده، بل تترك في النفس رجفة خفية.

ولعل هذا ما جعل النار، عبر الحضارات، الرمز الأعلى للعذاب. فمنذ الأساطير القديمة حتى النصوص الدينية الكبرى حضرت النار بوصفها الصورة القصوى للألم والخوف. وليس الأمر مقتصرًا على العقائد وحدها؛ فاللغة نفسها تكشف ذلك. نحن نقول: "نار الفقد"، و"أحرقه الندم"، و"نيران الغيرة"، لأن الوعي الإنساني أدرك أن النار ليست مادة فحسب، بل تجربة تهدد استقرار الإنسان كله.

ومن المدهش أن الأسطورة الإغريقية نفسها أدركت هذا التناقض الرمزي في شخصية بروميثيوس؛ فالنار هناك هي سر الحضارة وسبب العقوبة في الوقت ذاته. إنها العنصر الذي منح الإنسان الدفء والنور والطعام، لكنه أيضًا أكثر العناصر قدرة على التدمير. وربما لهذا ظل الإنسان يتعامل معها بحذر بدائي عميق، كأن في داخله خوفًا قديمًا لا يهدأ منها.

ومن هنا بدا لي أن اختيار النار في التصوير الديني للعذاب ليس أمرًا اعتباطيًا. فالنار تجمع بين ما لا يجتمع في غيرها: الألم الجسدي، والفزع النفسي، والإحساس بالفناء، واستمرار المعاناة. لذلك جاءت النصوص الدينية مشحونة بصورها؛ لأنها تخاطب الإنسان بأشد ما يعرفه رهبة وإيلامًا.

غير أن اللافت في التصوير الديني للنار أنه لا يصف الحرارة وحدها، بل يحيط بالعذاب من جميع جهاته: الجلد، والعطش، والاختناق، والحرمان، والقلق. وكأن العذاب ليس مجرد احتراق جسدي، بل انهيار كامل لشروط الطمأنينة الإنسانية. وهنا يبدو الألم، كما رأى شوبنهاور، حقيقة وجودية أكثر رسوخًا من اللذة العابرة؛ لأن الإنسان قد ينسى كثيرًا من لحظات الراحة، لكنه لا ينسى الألم الذي اخترق وعيه ذات يوم.

ولعل من أعمق ما عبّر عن هذا المعنى تلك الصرخة الواردة في دعاء كميل: "أتسلّط النار على وجوه خرّت لعظمتك ساجدة، وعلى ألسن نطقت بتوحيدك صادقة، وعلى قلوب اعترفت بإلهيتك محققة..." فهنا لا يعود العذاب نارًا تحرق الجسد فقط، بل يتحول إلى تجربة حرمان روحي ووحشة وجودية. وربما لهذا ارتبطت النار في الأدب الصوفي والوجداني بمعنى الفقد والعشق والألم معًا.

غير أن هذه التجربة فتحت أمامي سؤالًا آخر أكثر عمقًا: إذا كانت رحمة الله قد وسعت كل شيء، وإذا كان القرآن الكريم يفتتح سوره باسم الرحمن الرحيم، فكيف يمكن للعقل أن يجمع بين هذه الرحمة المطلقة وبين صورة النار التي تملأ المخيلة رهبةً وعذابًا؟

هنا لا أقصد إنكار النار أو التشكيك فيما ورد بشأنها في النصوص الدينية، وإنما أقصد التأمل في حقيقتها ومعناها. فربما كانت النار في جوهرها أعمق من أن تكون مجرد ألسنة لهب مادية تشبه ما نعرفه في هذا العالم. وربما كانت صورة رمزية أو وجودية تعكس البعد عن الله والحرمان من رحمته، أكثر مما تعكس مجرد الاحتراق الحسي. ولعل هذا المعنى هو ما التقطه عمر الخيام في رباعيته الشهيرة حين قال:

ربَّ أوعدتني بأن جزائي

لذنـوبي عقابُها النيرانُ

*

فتعجبتُ من وعيدك هذا

وأنا باكتناهه حيرانُ

*

أعذابي بموطنٍ منك يخلو؟

دلّني أين... أين ذاك المكانُ؟

*

أم مكانٌ تحلُّهُ ومُحالٌ

حيثما أنتَ رحمةٌ وحنانُ

فالخيام لا ينكر العذاب، لكنه يتساءل: أين يمكن أن يوجد موضع يخلو من الرحمة الإلهية؟ وكيف يمكن للرحمة المطلقة أن تغيب عن شيء من خلق الله؟ وهذا السؤال نفسه شغل عقول المتصوفة وبعض المتكلمين عبر التاريخ؛ إذ رأوا أن أعظم عذاب ليس الاحتراق بالنار، بل الاحتجاب عن مصدر النور والرحمة والجمال. فحين يشعر الإنسان بالغربة عن المعنى، وبالقطيعة مع الحقيقة التي خُلق لأجلها، يصبح في نوع من "النار الوجودية" التي تفوق في قسوتها كثيرًا من الآلام الحسية.

وربما لهذا قال بعض العارفين إن الجنة ليست مكانًا فحسب، بل حالة قرب، وإن النار ليست مكانًا فحسب، بل حالة بُعدٍ. فالإنسان قد يكون في أوسع النعيم المادي، لكنه يعيش جحيم القلق والاغتراب، وقد يتحمل أشد المشاق لكنه يشعر بسكينة لا تعادلها كنوز الأرض كلها. وعند هذا الحد يبدو العذاب الإلهي نفسه جزءًا من نظام العدالة والرحمة معًا، لا نقيضًا لهما. فالنار في الرؤية الدينية ليست فعل انتقام أعمى، بل تعبيرٌ عن نتائج أفعال الإنسان واختياراته. وكما أن الألم الجسدي ينبه الإنسان إلى موضع الخلل في جسده، فإن العذاب في معناه الأعمق قد يكون كشفًا لحقيقة الانحراف عن الطريق المستقيم. ومن هنا تصبح الرحمة والعدالة وجهين لحقيقة واحدة، لا ضدين متقابلين.

لقد جعلتني هذه التجربة أفكر في هشاشة الإنسان نفسها. فنحن نظن أحيانًا أن وعينا بذواتنا مكتمل، حتى تأتي لحظة ألم صغيرة لتكشف لنا كم نحن محدودون وضعفاء. وربما لهذا قال أبو حيان التوحيدي عبارته الكاشفة: "الوجع يفضح الإنسان". فالإنسان في لحظات الألم يتجرد من كثير من أوهامه، ويكتشف حقيقته العارية أمام ضعفه الجسدي وخوفه الغريزي. وربما لهذا أيضًا يتحول الألم عند بعض الناس إلى باب من أبواب التأمل الوجودي، لا مجرد معاناة جسدية عابرة.

ولعل الوعي نفسه يزيد وطأة هذا الألم. فالإنسان المفكر لا يعيش التجربة بوصفها إحساسًا جسديًا فقط، بل بوصفها سؤالًا عن المعنى أيضًا. وهذا ما عبّر عنه المتنبي بقوله:

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله

وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

فكلما اتسعت حساسية الإنسان الفكرية، صار الألم عنده أكثر عمقًا وتشعبًا؛ لأنه لا يكتفي بالشعور به، بل يحاول فهمه وتأويله وربطه بأسئلة الوجود الكبرى.

وهكذا لم تعد النار، في نظري، مجرد عنصر من عناصر الطبيعة، بل صارت رمزًا كثيفًا يكشف شيئًا عن الإنسان نفسه: خوفه، وحدوده، وضعفه، وحاجته الدائمة إلى الرحمة. وربما كانت أعظم حقيقة كشفتها لي تلك الشرارة الصغيرة أن بعض المعارف لا تُقرأ في الكتب، بل تُكتب على الجسد أولًا، ثم تترجمها الروح إلى أسئلة لا تنتهي. فالنار التي لامست الجلد أيامًا معدودة جعلتني أفكر في نارٍ أخرى ظل البشر يتأملون معناها منذ فجر الوعي: أهي لهبٌ يحرق الأجساد فحسب، أم أنها في جوهرها رمزٌ للمسافة التي تفصل الإنسان عن الرحمة والطمأنينة والمعنى؟ ولعل الجواب يبقى مفتوحًا بقدر ما يبقى الإنسان نفسه مفتوحًا على أسرار الوجود.

*** 

د. وسام حسين العبيدي

تفكيك الوجود السلطوي في الفضاء الشرقي

مأزق البنية وجذور التضخم الوجودي: تُمثّل السلطة في الفضاء الشرق أوسطي نموذجاً فريداً للدراسة الفلسفية والاجتماعية؛ حيث لا تقتصر أزمتها الراهنة على انحرافات إدارية مؤقتة، أو فساد مالي عابر يمكن إصلاحه بترميم الهياكل القانونية، بل إنها تضرب بجذورها العميقة في أعماق بنية نفسية ومعرفية شديدة التعقيد والتشابك. ينطلق هذا التفكيك الفلسفي من فرضية أساسية صادمة، مفادها أن فساد السلطة في هذه المنطقة يعود في جوهره الأصيل إلى تضخم مرضي في "الذات الأنانية" لدى الحاكم. هذه الذات المتضخمة تحيل العمل السياسي من كونه فضاءً عمومياً حراً لإدارة المصالح المشتركة وتحقيق العقد الاجتماعي، إلى مشروع "استملاك وجودي" مطلق يتغذى على النفوذ العاري، ونزعات الثأر، وصناعة الهيبة المصطنعة، واحتكار المعنى الإنساني والديني على حد سواء.

إن هذه النزعة الأنانية لا تقف عند حدود كونها صفة أخلاقية ذميمة أو خياراً سلوكياً فردياً، بل تتحول في كواليس الأنظمة إلى محرك معرفي شامل يعيد صياغة طرق التفكير، ويمنح الشرعية المطلقة لأدوات السيطرة والقمع. مستعينة في ذلك بخطاب استبدادي مصمم بعناية، يعمل عبر آليات "التأويلية القهرية" على إعادة إنتاج الخضوع الطوعي، وتعطيل ملكة التأويل النقدي وحس المساءلة لدى الجماهير. وفي الوقت ذاته، تتكامل هذه البنية الوجودية الداخلية مع فضاء دولي ومناخ جيوسياسي نفعي، يوظف التدخلات الخارجية لترسيخ ما يمكن تسميته بـ "تطبيع الظلم"، وإعادة إنتاج الطغيان عبر استراتيجيات مبتكرة لـ "التحديث السلطوي" الذي يرتدي قناع المعاصرة ويخفي أنياب القهر.

تحولات مفهوم السياسة.. من التدبير التشاركي إلى الاستملاك الوجودي

عندما تنصبّ الذات الأنانية كمعيار نهائي ووحيد لصياغة القرار وصناعة المجال العام، يطرأ تحول جوهري جذري على طبيعة السياسة ومفهومها التاريخي. إذ تكف السياسة تماماً عن كونها عملية تدبير تشاركي وتوزيع عادل لمقدرات المجتمع المادية والرمزية، لتتحول إلى مشروع استملاك مطلق للتشريع والأرض والإنسان. هذا الاستملاك الشمولي لا يقف عند حدود الهيمنة الاقتصادية أو العسكرية، بل يمتد ليتغلغل في رغبات الحاكم الذاتية، مثل إشباع نزوات الثأر الانتقامي من الخصوم الحقيقيين أو المتوهمين، وتشييد "هيبة" وهمية مصنوعة بالكامل من الرهبة والخوف والترويع.

في هذا السياق، نستحضر أطروحة الفيلسوف الفرنسي المعاصر ميشيل فوكو حول "المراقبة والعقاب"، حيث يوضح أن السلطة الحديثة لا تسعى فقط إلى معاقبة الجسد، بل إلى امتلاك الروح وصياغة الوعي وتوجيه الحقيقة الرمزية للمجتمع. الأنانية هنا تصبح هي النسق الإدراكي الذي يرى الحاكم من خلاله أن الدولة هي ملكية خاصة، وأن القانون ليس سوى إرادته الشخصية وقد صيغت في نصوص تشريعية. إنها رغبة عارمة في إلغاء مسافة الاختلاف بين الحاكم والوطن، بحيث يصبح نقد الحاكم نقداً للوطن، ومعارضته خيانة للوجود بأسره.

البنية النفسية للمستبد وقابلية العيش في الاستعباد

يكشف التحليل النفسي والاجتماعي لشخصية المستبد عن تداخل سمات مرضية معقدة، تصنفها الأدبيات النفسية المعاصرة تحت بند "الشخصية الاضطهادية الملوثة بنزعات التمجيد الذاتي، والنفعية الذرائعية، والاعتلال النفسي المضاد للمجتمع". يرجع منشأ هذه الشخصية الاضطهادية الشكاكة غالباً إلى تنشئة أولية مضطربة تفتقر إلى الأمان والدفء الإنساني، مما يعزز في وعي طاغية المستقبل قناعة مطلقة بأن العالم الخارجي غابة قاسية تتسم بالعدوانية، وأنه لا مكان فيها إلا للقوي المتسلط الذي يسبق الآخرين بالبطش. يتعلم الطاغية منذ وقت مبكر تحقير العواطف الإنسانية كالحب، والرحمة، والتعاطف، معتبراً إياها علامات ضعف وهوان، لتصبح القوة والسيطرة العارية هما القيمة الوحيدة المقبولة لديه للتحقق الوجودي.

يصاحب هذا الاضطراب حالة شك دائم بيقين متأصل بوجود مؤامرات خفية تُحاك ضده في عتمة الليل من أقرب المقربين إليه، مما يدفعه باستمرار إلى احتكار أدوات العنف كدرع نفسي وجسدي لحمايته من غدر المحكومين المتوهم. وتتكامل هذه البنية مع تمجيد مفرط للذات النرجسية يفصل المستبد تماماً عن الواقع الخارجي ويصيبه بجنون العظمة. يحاول المستبد دائماً تقمص وهم التفوق والتميز، مدعياً امتلاك معارف استثنائية وعلاقة ميتافيزيقية بقوى عليا تمنحه حق الوصاية والتسلط، وهو ما أكده المفكر عبد الرحمن الكواكبي حين أشار إلى أن المستبد يتخذ صفة قدسية يشارك بها الذات الإلهية ليفرض هيبته على العوام.

تلتقي هذه الرؤية مع التحليلات الفلسفية المفصلة للكاتبة والفيلسوفة السياسية حنّا أرندت في كتابها "أسس التوتاليتارية"، حيث تجد أن النظام المستبد يعتمد على تحويل الأفراد إلى ذرات معزولة فاقدة للروابط الاجتماعية، مما يسهل سيكولوجياً زرع "الخوف الوجودي" في نفوسهم. تنحو سيكولوجية الطاغية نحو التعامل مع المحكومين وفق تصنيف أدواتي صرف:

 فإما أن يكونوا أتباعاً ومساعدين يستحقون الحظوة والامتيازات المقيدة المقرونة بالولاء الأعمى، أو معيقين ومتمردين يجب سحقهم وتجريدهم من حق الوجود، أو كتلة مهملة من العوام يتم تصريف شؤونهم الحياتية بقسوة وتحت رقابة صارمة، مما يولد مجتمعاً يعاني من "قابلية الاستعباد" نتيجة الخوف والإنهاك اليومي.

تأويلية الخطاب الاستبدادي وتفكيك آليات تعطيل الوعي النقدي

لا يستند الحكم إلى فوهات البنادق واحتكار المال وحدهما، بل يحتاج بالضرورة إلى شبكة لغوية معقدة ومنظومة رمزية تصنع المعاني وتمنع تشكل أي وعي جمعي مضاد. تدرس "التأويلية السياسية" والتحليل النقدي للخطاب كيف يقوم النظام السلطوي بإنتاج أنساق لغوية تبدو متسقة في ظاهرها، لكنها مصممة بنيوياً لتعطيل الفكر النقدي وإلغاء فاعلية المتلقي وتحويله إلى وعاء مستهلك فقط. لا تتوقف غاية التحليل الفلسفي للخطاب عند الكشف المعياري والتفسيري عن عيوب البنية الاجتماعية، بل تسعى، بوصفها أداة معرفية تحررية، إلى تقديم وسائل لتغيير الواقع وتخليص الفضاء اللغوي من إساءة استعمال السلطة التي تشوه الحقائق.

هنا يبرز إسهام الفيلسوف الألماني المعاصر يورغن هابرماس في نظريته حول "الفعل التواصلى"، حيث يوضح كيف تعمد الأنظمة التسلطية إلى "تشويه التواصل اللغوي بصورة منظمة" لإنتاج إجماع زائف. يمنع الاستبداد قيام مناقشات حرة وعقلانية داخل المجتمع، ويستبدلها بخطاب أحادي الجانب يكرس السلطة.

عندما يخفق الاستبداد في تلبية الوعود التنموية الوردية، أو يمنى بهزائم سياسية وعسكرية نكراء، تلجأ الآلة الخطابية السلطوية فوراً إلى إنتاج "خطاب الهزيمة الكاذب" أو التمويه الرمزي. هذا الخطاب يعوض الخسائر المادية والواقعية بانتصارات بلاغية ولغوية وهمية؛ فتُسوّق الهزائم الكبرى والنكبات التاريخية كـنجاحات مبهرة صمد فيها النظام، ويُجبر المواطن المسحوق على الاحتفال بهذه الانتصارات اللغوية قسراً عبر وسائل الإعلام ومسيرات التأييد، مما يخلق في نهاية المطاف وعياً زائفاً وانفصاماً معرفياً معزولاً تماماً عن حقيقة الواقع المعيش. تتكامل هذه الآليات الخطابية مع تحول تاريخي خطير في بنية الدولة الحديثة بالمنطقة، يتبلور في احتكار السلطة التنفيذية لأدوات العنف والقوة جنباً إلى جنب مع احتكار التشريع وصياغة القوانين، لتصبح اللغة والقانون والسلاح أدوات في يد ذات أنانية واحدة.

التحديث الاستبدادي والجيوسياسية الريعية.. تفكيك استراتيجيات النجاة

يتغذى الاستبداد في الشرق الأوسط من تفاعلاته المستمرة مع النظام الدولي والتدخلات الخارجية النفعية التي تساهم بشكل مباشر في "تطبيع الظلم". ويحدث تطبيع الظلم عندما تصبح ممارسات القمع، والانتهاكات، واللامساواة جزءاً من المشهد اليومي المألوف والاعتيادي، حيث يتحول سعي المواطن من النضال الجماعي المنظم لنيل الكرامة والعدالة الاجتماعية، إلى تفعيل "استراتيجيات نجاة فردية" أنانية داخل المنظومة السلطوية ذاتها التي تسلبه إنسانيته. في هذه المرحلة المتقدمة من الطغيان، تستقر بنية الظلم وتتأسس عميقاً دون الحاجة إلى حضور دائم ودبّابات القوة المسلحة في الشوارع؛ لأن الناس يتعلمون التكيف النفسي والعيش في ظل القمع، بل ويبررون اللامساواة كأمر واقع وقدر لا مفر منه لحماية ما تبقى من أمن شخصي.

تساهم القوى الدولية والتدخلات الخارجية بشكل فاعل في استمرار هذا الاستقرار السلطوي؛ إذ ترتبط أزمة تعثر بناء الدولة الديمقراطية الحديثة بالمنطقة بشكل رئيسي بالعوامل الدولية والتدخلات الإقليمية المصممة لخدمة المصالح الجيوسياسية الضيقة وحفظ تدفق الموارد، على حساب تطلعات الشعوب وحقوقها المشروعة. وقد طوّع المستبدون في المنطقة هذه التدخلات الخارجية والضغوط الدولية بذكاء لصالح بقائهم واستمرار عروشهم عبر ما يُعرف بـ "التحديث الاستبدادي المرن".

لا يواجه الاستبداد الحديث التغيرات الكونية والعولمة بالعزلة التامة والرفض المطلق، بل يعيد ترتيب أوراقه واستراتيجيات حكمه للتكيف الذكي مع الظروف الدولية والمطالب المحلية الشكليّة بالإصلاح، دون التخلي بأي حال من الأحوال عن الركائز العميقة لسلطته المطلقة. وفي هذا الإطار، يمكن الاستشهاد بأطروحات الفيلسوف المعاصر جيل دولوز حول "مجتمعات المراقبة"، حيث لم يعد القمع يعتمد على جدران السجون التقليدية فقط، بل على آليات رقابة مرنة، وسائلة، وممتدة تتغلغل في الحياة اليومية والاقتصاد والاتصالات.

نحو تقويض الهرمنيوطيقا السلطوية

إن تفكيك "الذات الأنانية" ومسارات "تأويلية الاستبداد" يوضح أن مواجهة الطغيان في الفضاء الشرقي لا يمكن أن تقتصر على الأدوات السياسية التقليدية أو تغيير الوجوه في هرم السلطة. إن المعركة الحقيقية هي معركة معرفية ولغوية وتأويلية في المقام الأول؛ تقتضي تقويض الخطاب المشوه الذي يصنعه الاستبداد، واستعادة الفضاء العام كفضاء للتواصل الحر والعقلاني، والتخلص من استراتيجيات النجاة الفردية الأنانية لصالح وعي جمعي تضامني يؤمن بالحرية والكرامة الإنسانية كقيم غير قابلة للاستملاك أو المقايضة.

***

غالب المسعودي

من يقود مسيرة التغيير في العالم العربي؟

حين يغيب الفكر تتقدّم الفوضى: ليست الأمم العظيمة هي التي تمتلك الثروات فحسب، بل تلك التي تمتلك القدرة على إنتاج المعنى، وصناعة الوعي، وتوجيه التاريخ. فالحضارات لا تنهض بالصدفة، ولا تُبنى بالغضب العابر، ولا تُدار بالعواطف المنفلتة، وإنما تنهض حين يتحوّل الفكر إلى قوةٍ تاريخية، ويتحوّل المثقف إلى ضميرٍ يقظٍ للأمة، قادرٍ على تفكيك الخراب، وبناء الرؤية، واستشراف المستقبل.

لقد أثبت التاريخ الإنساني أن التحولات الكبرى لم تبدأ من ساحات الحرب وحدها، بل انطلقت أولاً من عقول الفلاسفة والمفكرين، ومن الكتب التي أعادت تعريف الإنسان والعالم والسلطة والحرية. فقبل أن تتغير الأنظمة السياسية، كانت الأفكار قد غيّرت بنية الوعي الجمعي، وأعادت تشكيل مفهوم الإنسان لذاته ولموقعه في الكون.

ومن هنا، فإن السؤال الجوهري الذي يواجه العالم العربي اليوم ليس: لماذا تعثّرت الثورات؟ بل: أين كان العقل الذي يقودها؟ وأين غاب المثقف الذي يُفترض أن يكون بوصلة التغيير وحارس المعنى؟

المثقف في التجربة الغربية: صانع التحوّل التاريخي

حين نتأمل تاريخ النهضة الغربية ندرك أن الفلاسفة لم يكونوا مجرد معلّقين على الأحداث، بل كانوا مهندسي الأزمنة الجديدة. لقد كانت أوروبا الخارجة من ظلمات القرون الوسطى بحاجة إلى ثورةٍ في الوعي قبل حاجتها إلى ثورةٍ في السياسة، ولذلك ظهر فلاسفة التنوير بوصفهم طليعة التحول الحضاري.

لقد وقف فولتير في مواجهة الاستبداد الكنسي، مدافعاً عن حرية العقل والضمير، بينما أسّس إيمانويل كانط لفكرة الاستقلال العقلي حين دعا الإنسان إلى أن يمتلك شجاعة التفكير بنفسه. ولم تكن أفكار هؤلاء ترفاً ذهنياً، بل تحوّلت إلى قوى اجتماعية وسياسية أسهمت في بناء الدولة الحديثة، وترسيخ مفاهيم الحرية والقانون والمواطنة.

ثم جاءت الحداثة وما بعدها لتواصل تفكيك البنى التقليدية للمعرفة والسلطة، فظهر مفكرون من طراز ميشيل فوكو الذي كشف آليات السلطة الخفية، وجاك دريدا الذي زعزع يقينيات اللغة والمعنى، وفرانسوا ليوتار الذي أعلن سقوط السرديات الكبرى.

إن القيمة الحقيقية لهؤلاء لا تكمن في شهرتهم الأكاديمية، بل في قدرتهم على تحويل الفكر إلى طاقة نقدية تُعيد تشكيل المجتمع. لقد أدرك الغرب أن المثقف ليس زينةً ثقافية، بل ضرورة حضارية، وأن الأفكار تسبق المؤسسات، وأن انهيار الفكر يعني بداية انهيار الدولة ذاتها.

أزمة المثقف العربي: من إنتاج المعنى إلى استهلاك الخطاب

أما في العالم العربي، فإن أزمة المثقف تكمن في تحوّله التدريجي من منتجٍ للأفكار إلى مستهلكٍ لها، ومن قائدٍ للرؤية إلى تابعٍ للواقع. لقد أصبح كثير من المثقفين أسرى التكرار، يعيشون داخل أنظمة فكرية مستوردة، أو داخل هياكل أيديولوجية جامدة، عاجزين عن ابتكار مشروع معرفي عربي قادر على فهم التحولات العميقة التي تعصف بالمجتمع والإنسان والدولة.

إن أخطر ما يهدد الثقافة العربية اليوم ليس الرقابة السياسية وحدها، بل حالة الرضا الثقافي المزيّف، والقناعة الكسولة بما هو قائم، والاعتياد على الهامشية. فالمثقف الذي يفقد شجاعته النقدية يتحول إلى موظف لغوي، والمفكر الذي يتخلى عن دوره التاريخي يصبح مجرد شاهدٍ صامتٍ على الانهيار.

لقد تسللت روح الانهزام إلى قطاعات واسعة من النخب الثقافية، فغاب المشروع الحضاري، وغابت الرؤية الكلية، وحلّت محلّهما خطابات انفعالية وموسمية، لا تنتج وعياً بقدر ما تنتج ضجيجاً فكرياً عابراً.

وهنا تتجلّى المأساة الكبرى: إذ لم يعد المثقف العربي قادراً على قيادة الشارع، ولا الشارع قادراً على الثقة بالمثقف. فتفككت العلاقة العضوية بين الفكر والواقع، وانفصلت الثقافة عن قضايا الإنسان الحقيقية، لتتحول أحياناً إلى نشاط نخبوي معزول، أو إلى تكرارٍ مملّ لشعارات مستهلكة.

الربيع العربي: ثورة بلا فلسفة

لقد شكّل ما سُمّي بـ«الربيع العربي» لحظةً كاشفة لعطب الوعي العربي أكثر مما كان إعلاناً عن ولادة عصر جديد. فمع أن الحراك انطلق من دوافع إنسانية مشروعة تتعلق بالحرية والكرامة والعدالة، إلا أنه افتقر إلى العمق الفلسفي والرؤية الفكرية التي تضبط مساره وتحميه من الفوضى.

كانت الجماهير تتحرك بقوة الغضب، لكن دون مشروعٍ حضاري واضح، ودون نخبة فكرية تمتلك القدرة على التنظير، والتقويم، وإدارة التحول التاريخي. ولذلك تحوّلت كثير من الثورات إلى ساحات صراع مفتوحة، تتنازعها الأيديولوجيات المتطرفة، والمصالح الدولية، والانقسامات الطائفية، والانهيارات المؤسساتية.

إن الثورات التي لا يسبقها إصلاحٌ في الوعي، كثيراً ما تنتهي إلى إعادة إنتاج الاستبداد بصورةٍ أكثر وحشية. فالتغيير الحقيقي ليس مجرد إسقاط نظام سياسي، بل إعادة بناء الإنسان نفسه: أخلاقياً، وفكرياً، ومعرفياً.

ولهذا فشلت الحركات الانفعالية التي لم تمتلك فلسفةً للتاريخ، ولا تصوراً للدولة، ولا مشروعاً للحرية، لأن الفراغ الفكري لا يبقى فراغاً؛ بل تملؤه الفوضى سريعاً.

الحاجة إلى مثقف عضوي جديد

إن العالم العربي اليوم لا يحتاج إلى مثقفٍ يصف الخراب فقط، بل إلى مثقفٍ يملك شجاعة إنتاج البدائل. مثقفٍ عضوي — بالمعنى العميق للكلمة — يعيش قضايا مجتمعه، ويتجاوز النرجسية الثقافية، ويعيد وصل الفكر بالفعل، والنظرية بالحياة.

إن وظيفة المثقف ليست التبرير، بل النقد. وليست التبعية للسلطة أو للجماهير، بل الدفاع عن الحقيقة، حتى حين تكون مُكلفة. فالمثقف الحقيقي هو الذي يوقظ الأسئلة الممنوعة، ويفضح البنى المتعفنة، ويعيد للإنسان العربي ثقته بقدرته على صناعة المستقبل.

ولا يمكن لأي نهضة عربية أن تتحقق ما لم تُبنَ على مشروعٍ معرفي شامل يعيد الاعتبار للعقل، وللفلسفة، وللعلوم الإنسانية، ولثقافة الحرية. فالتغيير الذي لا يستند إلى وعيٍ عميق يتحول إلى مجرّد انفجار مؤقت، سرعان ما يلتهم نفسه بنفسه.

خاتمة: الأمم تُقاد بالأفكار لا بالغضب

لقد أثبت التاريخ أن الأفكار هي التي تقود العالم، وأن الفلاسفة — لا الجموع المنفعلة — هم الذين يصنعون الاتجاهات الكبرى للحضارات. فحين يغيب المفكر الحر، تتقدّم الخرافة. وحين يصمت المثقف، ترتفع أصوات الغوغاء. وحين يُقصى العقل، يصبح الخراب قدراً جماعياً.

إن معركة الأمة العربية اليوم ليست سياسية فقط، بل معرفية وحضارية في المقام الأول. إنها معركة من أجل استعادة الإنسان العربي من الضياع الفكري، ومن أجل بناء وعيٍ جديد يؤمن بأن الحرية ليست فوضى، وأن الثورة ليست غضباً عابراً، وأن النهضة تبدأ دائماً من سؤالٍ فلسفي كبير.

فالأمم التي تفقد مفكريها، تفقد بوصلتها. أما الأمم التي تجعل من الفكر قوةً أخلاقية وتاريخية، فإنها — مهما تعثّرت — تمتلك القدرة على النهوض من جديد.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

عيد الأضحى ليس مناسبة للذبح فقط، بل لحظة قديمة يعود فيها الإنسان إلى السؤال الأول: ما الذي يستحق أن يقدم قربانا كي تستمر الحياة؟

فكل الحضارات عرفت معنى التضحية، لكن القليل فقط فهم أن الأضحية الحقيقية لم تكن يوما في الدم، بل في الشيء الذي نعجز عن التخلي عنه داخلنا.

في هذا العيد، لا تذبح الخراف وحدها بل تستدعى المعركة الأقدم: معركة الإنسان ضد جشعه، وخوفه، وأنانيته، ووهم امتلاك كل شيء.

ولعل مأساة البشر أنهم أتقنوا ذبح الكائنات، لكنهم فشلوا طويلا في ذبح الوحش المختبئ في أرواحهم.

نحن نعيش في عالم يرفع شعارات الرحمة، ثم يذبح بعضه بعضا باسم العقيده والوطن والطائفة، والعرق  والمصلحة.

ولهذا يبدو عيد الأضحى سؤالا أخلاقيا أكثر منه طقسا دينيا: أيهما أولى بالذبح.. الخروف أم القسوة التي تسكن الإنسان؟.. ما الذي يجب أن يموت في الإنسان.. كي يصبح أكثر إنسانية؟

لقد تحول العالم إلى مذبح كبير، تذبح فيه العدالة باسم السياسة، والحقيقة باسم الجماهير. والرحمة باسم المصالح. ويذبح الإنسان نفسه ببطء تحت آلات الاستهلاك والركض والخوف.

لقد نجح البشر في تقديم آلاف الأضاحي عبر التاريخ، لكنهم فشلوا غالبا في التضحية بأنانيتهم، فامتلأت الأرض بالقرابين… وبقي الشر حيا

وفي النهاية… وربما لم يرد الله من الإنسان أن يتقن الذبح، بل أن يتعلم كيف يهزم الوحش الكامن فيه.. وربما ليذكر الإنسان بأن نجاته لا تبدأ من امتلاك العالم، بل من القدرة على الانتصار على نفسه.

وحده الإنسان الذي يعرف ماذا يجب أن يذبح داخله، ويستحق أن يعبر نحو معنى أسمى للحياة.

فكل عيد لا يوقظ الرحمة فينا، ولا يخفف شيئا من قسوة هذا العالم، يبقى مجرد طقس عابر لا أكثر

عيد أضحى مبارك…

أرجو أن يمر عليكم لا محملا بالذبائح وحدها، بل بالسكينة، واتساع القلب، وخفة الروح، وأن يمنحكم القدرة على التخلي عما يثقل أرواحكم، والاقتراب أكثر من الإنسان النبيل الكامن في أعماقكم.

كل عام وأنتم أكثر سلاما مع أنفسكم، أكثر قدرة على التخفف من أثقال الروح، وأكثر اقترابا من المعنى الذي يجعل الحياة أعمق من مجرد عبور عابر فوق هذه الأرض.

أعاده الله عليكم بقلوب أقل تعبا وأرواح تعرف متى تتمسك، ومتى تتخلى ومتى تنتصر على ذلك الوحش الصغير الذي يسكن دواخلنا.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

الجدل الذي رافق انطلاق جامعة الرياض للفنون، لفت نظري لموضوع في غاية الأهمية، وهو العلاقة التفاعلية بين المدرسة والسوق. يتضح الموضوع في سؤالٍ كثير التداول، فحواه: هل نبني التعليم الجامعي كي يلبي حاجات السوق؟ أم إن مهمته هي صناعة السوق وتحديد حاجاتها؟

الفرق بين السؤالين واضح جداً، فالتعليم الذي يخدم حاجات السوق ينطلق من فرضية أن السوق القائمة هي المكلَّفة بتوليد الوظائف وتحريك الاقتصاد. ولأن هذا لا يتحقق من دون يد عاملة مؤهلة، فإن مهمة النظام التعليمي هي سد هذه الحاجة. هذا يشبه إلى حد بعيد الفهم الذي ساد في بداية إنشاء التعليم الحكومي قبل نحو 100 عام، حين اعتبر الجميع أن غرض المدارس الحديثة التأسيس، هو توفير الموظفين للدوائر الحكومية التي كانت حديثة التأسيس أيضاً.

بات الموضوع حرجاً؛ لأن عدد الذين يتخرجون من المدارس والجامعات أكبر كثيراً من قدرة الاقتصادات الوطنية على توليد ما يكفي من الوظائف لغالبيتهم. فماذا نفعل في مواجهة التحدي؟

بعض الحكومات اعتمد تصدير الفائض من اليد العاملة إلى الأسواق المستقبِلة للعمالة. ونعلم أن هذا حل لمشكلة طالب العمل، ولكنه لا يعالج ضعف الاقتصاد الوطني. الحل الذي اختارته حكومات أخرى -ومن بينها السعودية- هو تشجيع الشباب على إنشاء شركاتهم الخاصة، كي يعملوا لأنفسهم، بدل العمل لصالح الغير.

نعلم أن هذا الخيار ليس مرجَّحاً عند غالبية الناس؛ لأنهم -ببساطة- لا يملكون الرساميل ولا الخبرة، فضلاً عن الخلفية الثقافية التي لا تشجع المغامرة.

حسناً... هل يمكن للتعليم الجامعي أن يساعد في استيعاب هذا التحدي؟

هذا هو بالتحديد محل السؤال الثاني عن علاقة الجامعة بالسوق. والفرضية التي نطرحها هنا، هي أن دور الجامعة كخادمة للسوق، ضروري، ولكنه لا يعالج المشكلة الكبرى، أي ضيق وعاء التوظيف في السوق الحالية. إن الحل الجذري هو أن «نخلق سوقاً جديدة».، هكذا الأمر بكل بساطة!

«خَلق السوق» يعني إبداع أعمال من العدم، وتوفير وظائف جديدة، ما كان أحد يتخيل وجودها قبلئذٍ. لتوضيح الفكرة، اسأل نفسك: ما عدد الوظائف الجديدة التي خُلقت بفضل انتشار الإنترنت، ثم الهاتف الجوال المتصل بالإنترنت؟ أعتقد أن عددها بالملايين أو ربما عشرات الملايين. فمن كان يتخيل هذا النوع من الوظائف قبل 40 سنة؟

خذ أيضاً الوظائف التي تتصل بالأنظمة الذاتية الحركة، مثل الطائرات المُسيَّرة والروبوتات والمحركات المدارة عن بعد، وهي كلها تقنيات ناشئة، وسوف تكون مثل الهاتف الجوال بعد 5 سنوات أو نحوها. تُرى كم هو عدد الوظائف التي توفرها هذه التقنيات الآن؟ وكم نتوقع أن يتوفر منها في العقد القادم؟

هذه أمثلة على سوق خُلقت في مختبرات الجامعة، وهي تقدم فرصاً أوسع وأرقى من معظم الوظائف المعروفة اليوم.

تستطيع جامعاتنا تولي هذه المهمة، ليس بمعنى الانصراف كلياً إليها؛ بل بمعنى أن تخصها بالاهتمام والتمويل والإدارة. نموذج التعليم الذي يخلق السوق، جوهره الابتكار والبحث العلمي المتقدم، والتركيز على التقنيات التي تقود السوق، مثل الطاقات المتجددة والذكاء الاصطناعي والتقنيات الحيوية، واحتضان الأعمال التي ينشئها الطلبة والمدرسون، نظير ما تقوم به «جامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا» حالياً.

إنْ أردتَ لمس ما نتحدث عنه، فاعلم أن خريجي «جامعة كامبردج» البريطانية –مثلاً- أقاموا 26 شركة تقنية، رأسمال الواحدة منها يتجاوز المليار دولار. وتساهم الشركات المرتبطة بهذه الجامعة في الاقتصاد البريطاني بنحو 30 مليار جنيه سنوياً. أما «جامعة ستانفورد» فإن خريجيها أقاموا 122 شركة تقنية، يتجاوز رأسمال الواحدة منها المليار دولار.

هذا قليل من كثير، يُظهر أن فكرة «خلق السوق» ليست حلم ليلة صيف، ولا تأملات متفرج من برج عاجي؛ بل هي إمكانية قائمة وقد جُرِّبت فعلاً. فهل نستطيع التحرر من العُقَد القديمة، ونفكر في السوق التي نصنعها بدل السوق التي نخدمها؟.

***

د. توفيق السيف

 

أنجع الوسائل للتخلص من حلقات الخوف وقلاع البطش، مقاربة تكاملية تقاطعية بين الصداقة والعدالة والمسؤولية

مقدمة: وسط التجربة الإنسانية تتقاطع دائما ديناميكيتان متعارضتان: ديناميكية الخوف والبطش التي تبني الجدران والقلاع، وديناميكية الرفق والأمل التي تفتح الأبواب وتبني الجسور. تشكل حلقات الخوف آليات دفاعية تحولت إلى أنظمة سيطرة، حيث يصبح الخوف أداة حكم والشك وسيلة استقرار. أما قلاع البطش فهي تلك الهياكل المؤسساتية والثقافية التي تُقيم سلطتها على القمع والإقصاء والعنف المعنوي أو المادي. تُقدم هذه الدراسة أن سياسات الرفق وبرامج الأمل ليست مجرد قيم أخلاقية فردية، بل استراتيجيات سياسية واجتماعية عميقة التأثير، قادرة على تفكيك حلقات الخوف وهدم قلاع البطش على مستويات الأفراد والمجتمعات والدول. تعتمد المقاربة على تكامل تقاطعي يجمع بين ثلاثة أعمدة أساسية: الصداقة (كعلاقة أفقية تبني الثقة)، العدالة (كتوزيع متوازن للحقوق والفرص)، والمسؤولية (كالتزام فردي وجماعي بالفعل الأخلاقي). هذا التكامل ليس جمعاً بسيطاً، بل تفاعلاً ديناميكياً يعزز كل عنصر الآخر. فماهي سياسات الرفق وبرامج الأمل؟ وكيف يمكن الجمع بين الصداقة والعدالة والمسؤولية؟

أولاً: فهم حلقات الخوف وقلاع البطش

تعمل حلقات الخوف كآليات نفسية واجتماعية متكررة: الخوف من الآخر يولد عدواناً وقائياً، فيرد الآخر بخوف مماثل، فتتعزز الدائرة. على المستوى الجماعي، تتحول هذه الحلقات إلى أيديولوجيات تبرر الاستبداد، وإلى مؤسسات تراقب وتعاقب وتستبعد. أما قلاع البطش فهي ليست فقط أنظمة حكم استبدادية، بل أيضاً بنى ثقافية وتربوية واقتصادية تجعل الظلم يبدو طبيعياً أو حتمياً.

 تتغذى هذه القلاع على ثلاثة عناصر: الانفصال (فقدان الشعور بالانتماء المشترك)، اللامساواة المتجذرة (التي تولد الغضب واليأس)، وغياب المساءلة (الذي يشجع على الإفلات من العقاب). إن كسر هذه العناصر يتطلب استراتيجيات إيجابية بناءة، لا مجرد مقاومة سلبية.

ثانياً: سياسات الرفق كأداة تفكيك

الرفق ليس ضعفاً ولا تسامحاً ساذجاً، بل قوة استراتيجية تعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية والسياسية. سياسات الرفق تتجلى في:

الرفق المؤسساتي: تصميم أنظمة قضائية وإدارية تعطي الأولوية للتصالح والإصلاح بدلاً من العقاب المطلق. عندما يشعر الفرد أن النظام يعاملـه بكرامة حتى في حال الخطأ، ينكسر خوفه من السلطة.

الرفق التربوي: مناهج تعليمية تزرع التعاطف والاستماع النشط، تحول المدرسة من مكان للتلقين والمنافسة الشرسة إلى فضاء لبناء الصداقات والثقة.

الرفق الاقتصادي: سياسات اجتماعية تقلل من الإقصاء، مثل برامج الدعم المشروط بالمشاركة المجتمعية، فتخفف من الشعور بالتهديد الوجودي الذي يغذي الاستقطاب.

يتقاطع الرفق مع الصداقة بتحويل الآخر من "خصم محتمل" إلى "شريك محتمل". الصداقة السياسية – كما في علاقات التعاون بين مجموعات مختلفة – تخلق شبكات ثقة تقلل من الحاجة إلى السيطرة بالقوة.

كما يتقاطع مع العدالة بأن الرفق بدون عدالة يصبح تسامحاً مع الظلم، بينما العدالة بدون رفق تتحول إلى انتقام.

 أما المسؤولية فتجعل الرفق مستداماً، إذ يتعلم الأفراد أن يكونوا رفقاء دون أن يتنازلوا عن حقوقهم أو واجباتهم.

ثالثاً: برامج الأمل كمحرك بناء

الأمل ليس تفاؤلاً أعمى، بل توقعاً عقلانياً لإمكانية الخير مدعوماً بأفعال ملموسة. برامج الأمل تعمل على ثلاثة مستويات:

على مستوى الفرد: برامج تنمية القدرات الشخصية (مهارات التواصل، إدارة العواطف، بناء المرونة النفسية) تحول الفرد من كائن خائف إلى فاعل مسؤول. عندما يمتلك الفرد أدوات للتأثير في واقعه، ينكسر شعوره بالعجز الذي يغذي الخوف.

على مستوى المجتمع: مشاريع مشتركة (مثل مبادرات الحوار بين المكونات الثقافية، أو برامج التنمية المجتمعية المحلية) تخلق "ذاكرة جماعية إيجابية" من النجاحات المشتركة. هذه الذاكرة تُضعف روايات الضحية والجلاد التي تغذي قلاع البطش.

على مستوى الدولة: سياسات طويلة الأمد في التعليم والثقافة والإعلام تروج لسرديات الأمل، مثل الاحتفاء بالنماذج الناجحة في التصالح والابتكار الاجتماعي، بدلاً من تمجيد القوة والانتصار على "العدو الداخلي".

يتكامل الأمل مع العدالة بأن يصبح الأمل قابلاً للتحقق فقط في بيئة عادلة. فالعدالة توفر الأرضية التي ينمو فيها الأمل، بينما الأمل يمنع العدالة من التحول إلى آلية عقابية باردة. ويتقاطع مع الصداقة بتحويل التعاون إلى علاقات دافئة ومستمرة، ومع المسؤولية بأن يتحمل كل فرد دوره في بناء المستقبل المأمول.

رابعاً: التكامل التقاطعي – الصداقة والعدالة والمسؤولية

الصداقة تبني الثقة الأفقية، فتصبح قاعدة للعدالة التي لا تكون مجرد توزيع موارد، بل توزيع كرامة وفرص. المسؤولية تحول هذه العلاقات من أحلام إلى ممارسات يومية:

 الفرد المسؤول لا ينتظر الدولة ليكون رفيقاً أو عادلاً، بل يبدأ بنفسه ومجتمعه. هذا التكامل يخلق دائرة إيجابية معاكسة لحلقات الخوف: الصداقة تولد الثقة → الثقة تمكن العدالة → العدالة تعزز الأمل → الأمل يشجع على تحمل المسؤولية → المسؤولية تعمق الصداقة.

بهذا ينهار البطش لأنه يفقد أساسه النفسي (الخوف) وأساسه الاجتماعي (الانفصال).

خامساً: التطبيق على المستويات المختلفة

على مستوى الفرد: يبدأ التغيير بممارسة الرفق الذاتي (عدم الإفراط في لوم النفس) والأمل الشخصي (وضع أهداف صغيرة قابلة للتحقيق)، مدعوماً بمسؤولية يومية تجاه الآخرين.

على مستوى المجتمعات: تشكيل مجالس حوار محلية، مشاريع تعاونية، وبرامج تبادل ثقافي تبني صداقات عابرة للانقسامات، مع ضمان عدالة في توزيع الموارد المحلية.

على مستوى الدول: إصلاح دستوري وتشريعي يعطي الأولوية للرفق في النظم القضائية والسجنية، واستثمار كبير في التعليم والثقافة كبرامج أمل وطنية، مع سياسات خارجية تعتمد التعاون والصداقة الدولية بدلاً من التهديد المتبادل.

على المستوى العالمي: تعزيز منظمات دولية تعمل بمنطق الصداقة بين الشعوب، وبرامج تنمية تعتمد العدالة البيئية والاقتصادية كأساس للأمل المشترك.

سادساً: التحديات والاستدامة

تواجه هذه المقاربة تحديات:

مقاومة القوى المستفيدة من الخوف، صعوبة قياس النتائج على المدى القصير، وخطر تحول الرفق إلى استغلال.

يُعالج ذلك بتوازن دقيق: رفق قوي (يحمي الحقوق) وأمل واقعي (يبني على إنجازات ملموسة) ومسؤولية جماعية (توزع الأعباء بعدالة).

 الاستدامة تتطلب مؤسسات تحمي هذه القيم، وثقافة تحتفل بها، وتربية تنقلها عبر الأجيال.

خاتمة

سياسات الرفق وبرامج الأمل ليست خياراً أخلاقياً رومانسياً، بل الاستراتيجية الأنجع والأكثر استدامة لتفكيك حلقات الخوف وهدم قلاع البطش. عندما تتلاقى الصداقة (كعلاقة) والعدالة (كبنية) والمسؤولية (كممارسة) في نسيج واحد، يصبح الإنسان قادراً على تجاوز مخاوفه وبناء عالم يستحق العيش فيه.

هذه المقاربة تدعو إلى تحول جذري في النظر إلى السياسة: من فن السيطرة إلى فن الرعاية، ومن إدارة الصراع إلى بناء التعاون. إنها ليست حلماً، بل مشروعاً عملياً يبدأ بخطوات صغيرة اليوم ليبني غداً مجتمعات ودولاً تكون فيها الكرامة الإنسانية والأمل المشترك أساس الاستقرار الحقيقي. الرفق والأمل، مدعومان بالصداقة والعدالة والمسؤولية، ليسا مجرد علاج للجراح القديمة، بل وقاية من الجراح المستقبلية، وبناءً لعالم إنساني أعمق وأرحب. فما دور الثقافة الاعلامية في تعزيز سياسات الامل؟ وكيف يمكن تطبيق مقاربة الصداقة والعدالة والمسؤولية على الصعيد الدولي لتعزيز السلام بين الشعوب؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

(كونوا فضلاء لان هذا من واجباتكم).. زينون

مرت الفلسفة اليونانية بثلاثة ادوار:

1 - دور النشوء وهو دور نشوء العلم الطبيعي وانتهى بظهور سقراط حيث اخذ التوجه يميل الى مسائل المعرفة والاخلاق

2 - دور النضوج وهو دور النضوج الكامل بظهور افلاطون وارسطو.

3 - دور الذبول وهو الدور الذي مالت فيه الفلسفة إلى التصوف والعناية بالعلوم الواقعية ولم تأت بشيء جديد وفي هذا الدور وهنت فيه احوال اليونان السياسية واخذت تشرع في الاختفاء امام عظمة روما ولكن شمس اليونان لن تغرب نهائياً بل ظل علماء وشعراء اليونان يعلمون في المدارس الرومانية لعدة قرون مثل الفيلسوف (زينون) الذي جعل من الفضيلة غاية الغايات.

 وزينون هو مؤسس المدرسة الرواقية التي سميت بهذا الاسم لان زينون كان يجتمع بتلاميذه في رواق مزخرف ذات اعمدة وقد ركزت الفلسفة الرواقية على الاخلاق باعتبارها قمة الفضيلة

علم الأخلاق

جاء في كتاب (مبادئ الفلسفة) لمؤلفه رابوبرت، ترجمة احمد امين: (علم الاخلاق العلم الذي يبحث فيما ينبغي أن يكون عليه الانسان، وماذا ينبغي ان يعمل وان يوجه ارادته واعماله الى اي جهة اراد). لقد ابتدأت الفلسفة الاخلاقية اليونانية في اقوال افلاطون ثم ارسطو الذي قال: (ان الانسان هو من بين سائر المخلوقات قد جمع العقل والرغبة وهو بذلك يشبه الحيوان وبعقله يشبه الله باتحاد هاتين القوتين يكون كائناً أخلاقياً) وقد استند زينون على قول سقراط هذا وعمل على وصول الانسان الى السعادة عن طريق الاخلاق وليس عن طريق اللذة بل بالفضيلة.

زنون وفلسفته الرواقية

ذكرت ان الفيلسوف زيتون (334 -٢٦2(قبل الميلاد وهو مؤسس الفلسفة الرواقية في عصر اضمحلال الفلسفة اليونانيه و جنوح الفلاسفة الاغريق إلى التصوف قد اسس مدرسته الرواقية واخذ على عاتقه مهمة اعدة مجد الفلسفة خوفاً من ضياعها في دهاليز التصوف والمتصوفين - تشير المصادر التاريخية الى ان زينون ينحدر من اب سوري ويقال قبرصي يعمل في التجارة كان يزور اليونان بين فترة ما و اخرى وكان معجباً بالفلسفة اليونانية حتى اصبح من ابرز رجالها وكان هدف الروائي في هو الزهد في الحياة او الدعوة إلى الترهب والتصوف فهو يحيا كما يحيا المجتمع والرواقي يقيم الاخلاق على الواجب وبذلك يتعارض مع مذهب ابيقور الذي يقيم الاخلاق على اللذة - والرواقي يتعهد بالعناية بحديقته الداخليه اي نفسه ولا يحزن لفقدا الاشياء التي يمتلكها او لفقد عزيز عليه فقد قيل لرواقي ان ولدك قد مات

فقال: لا بأس اني لم اتصور اني ولدت ولداً خالداً وهكذا فانهم كانوا يدربون انفسهم على احتمال كل ما يقدره لهم القدر بصبر كبير ويعتبرون الحزن عليه خروجاً على مبادئ الرجولة والشجاعة التي يجب ان يتحلى بها الرواقي.

وهكذا كان الفيلسوف الرواقي يتصور حاله كحال المسافر الذي ينزل في فندق فيتمتع بما في الفندق من طعام واثاث ووسائل متعه ولكنه لا يتأثر به لانه مستعد في كل لحظة للرحيل عنه بدون ان يأسف على تركه او يرغب في البقاء فيه وبدون ان تسيل دموعه لتركه

لقد كان زينون يرى ان كل شيئ يحدث في الطبيعة انما يقع بالعقل الكلي او بالقدر وكان يقبل مفاعيل القدر بصورة طوعية، كما كان زينون متأثراً بالمذهب الكلبي وهو مذهب خاص بالاكتفاء

الذاتي لكنه ادمج الكثير من المصادر الاخرى في مذهب شامل مبتكر مستوعباً بذلك جميع انواع الفلسفة كما كانت اخلاق الفلاسفة المشائين لھا اكبر الأثر في فلسفته حتى انه رفض دعوة الملك لزيارته في مقدونيا وكان الملك معجباً به ليكون معلماً له ولكن زيتون ارسل اليه احد تلاميذه بدلاً عنه.

***

غريب دوحي

حين تصبح الكلمة مرآةً للذات وذاكرةً للوجود

ليست اللغة مجرّد وسيلةٍ للتواصل بين البشر، ولا أداةً حياديّةً لنقل المعاني والأفكار، بل هي الكيان الرمزي الذي يتشكّل فيه الوعي، وتنبني عبره صورة الإنسان عن نفسه والعالم. إنّ اللغة ليست أصواتاً تُنطَق فحسب، بل هي «بيت الوجود» كما قال الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، وهي الفضاء الذي تسكنه الروح البشرية، وتتموضع داخله الهوية الفردية والجماعية. فحين يفقد الإنسان لغته، لا يفقد مفرداتٍ وألفاظاً فقط، بل يفقد جزءاً من ذاكرته الوجودية، ومن طريقته في الإحساس بالعالم وتأويله.

لقد أدرك الفلاسفة والمفكرون منذ زمنٍ بعيد أنّ العلاقة بين اللغة والفكر علاقة عضوية لا انفصام فيها. فاللغة ليست وعاءً للفكر، بل هي التي تمنحه صورته وحدوده وإمكاناته. ولهذا رأى الفيلسوف واللغوي الألماني فيلهلم فون هومبولت أنّ اختلاف اللغات ليس اختلافاً في الأصوات والتراكيب فحسب، بل اختلافٌ في الرؤى الكونية ذاتها، لأنّ كلّ لغة تحمل داخلها تصوّراً خاصّاً للعالم. فالإنسان لا يرى الأشياء كما هي، بل كما تسمح له لغته أن يراها ويعبّر عنها.

ومن هنا تتجلّى العلاقة العميقة بين اللغة والأدب؛ فالأدب ليس استعمالاً عادياً للغة، بل هو لحظةُ تجاوزٍ للغة نحو أفقها الجمالي والرمزي والإنساني. إنّ اللغة في الخطاب اليومي تؤدّي وظيفة الإخبار والتواصل، أمّا في الأدب فإنّها تتحوّل إلى كائنٍ حيّ ينبض بالإيحاء والدهشة والتأويل. ولهذا قال الناقد الفرنسي رولان بارت إنّ الأدب هو «اللغة وهي تحتفل بنفسها»، لأنّ النصّ الأدبي لا يكتفي بنقل المعنى، بل يعيد خلق العالم بالكلمات.

الأدب الحقيقي لا يكتب الواقع كما هو، بل يكشف طبقاته الخفيّة ويمنح الأشياء أسماءً جديدة. فالشاعر لا يصف الألم، بل يصنع له لغةً، والروائي لا يسرد الأحداث، بل يعيد بناء الإنسان من خلال السرد. ولذلك كان الأدب أعمق من مجرّد زخرفةٍ لغوية؛ إنّه فعلُ مقاومةٍ ضدّ الصمت، وضدّ التشيّؤ، وضدّ اختزال الإنسان إلى رقمٍ أو وظيفةٍ أو هويةٍ جامدة.

لقد فهم نجيب محفوظ أنّ اللغة ليست حيادية، بل هي حاملةٌ للروح الحضارية للأمم، لذلك استطاع أن يحوّل اللغة العربية في رواياته إلى مدينةٍ نابضةٍ بالحياة، تتكلّم فيها الأزقّة والحارات كما يتكلّم البشر. كما أدرك محمود درويش أنّ اللغة قد تصبح وطناً حين يُسلب الوطن، فقال: «نحن نحبّ الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا»، ليحوّل القصيدة إلى ذاكرةٍ جماعية تحفظ هوية شعبٍ مهدَّد بالاقتلاع.

إنّ الهوية ليست بطاقةً شخصية أو انتماءً بيولوجياً، بل هي وعيٌ ثقافيٌّ وتاريخيٌّ يتشكّل باللغة. فاللغة هي الوعاء الذي تحفظ فيه الشعوب أساطيرها، وأحلامها، وأمثالها، وحكمتها الشعبية، وذاكرتها الجمعية. ولذلك لم تكن الحروب الاستعمارية تستهدف الأرض فقط، بل اللغة أيضاً، لأنّ السيطرة على اللغة تعني السيطرة على الوعي. وقد تنبّه المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد إلى هذه الحقيقة حين كشف كيف استعمل الاستعمار اللغة لإنتاج صورةٍ مشوّهة عن الشرق، وتحويل الشعوب المستعمَرة إلى موضوعٍ للهيمنة الرمزية والمعرفية.

إنّ العلاقة بين اللغة والهوية ليست علاقةً ميكانيكية، بل علاقة تكوينٍ وجودي. فالإنسان يعبّر عن ذاته باللغة، لكنّه في الوقت نفسه يُعاد تشكيله من خلالها. نحن لا نتكلّم اللغة فقط، بل اللغة تتكلّمنا أيضاً؛ فهي التي تمنح مشاعرنا أسماءها، وتصوغ وعينا بالحبّ والخوف والحنين والحرية. ولذلك فإنّ تدهور اللغة ليس أزمةً لغوية فحسب، بل أزمةُ وعيٍ وثقافةٍ وهوية.

وحين تنحطّ اللغة ينحطّ معها الذوق والفكر والخيال. ولهذا كان طه حسين يرى أنّ نهضة الأمم تبدأ من نهضة لغتها، لأنّ اللغة ليست ترفاً ثقافياً، بل شرطاً من شروط الوجود الحضاري. فاللغة الضعيفة تنتج فكراً هشّاً، أمّا اللغة الحيّة فتنتج إنساناً قادراً على النقد والإبداع وإعادة اكتشاف ذاته.

إنّ الأدب العظيم هو الذي يحوّل اللغة من أداة استعمال إلى أفق كشفٍ وجودي. ففي روايات فيودور دوستويفسكي تتحوّل اللغة إلى مختبرٍ نفسي يكشف أعماق الإنسان، وفي شعر أدونيس تصبح اللغة تمرّداً على القوالب الجاهزة، وبحثاً عن إنسانٍ جديد لا تسجنه الهويات المغلقة.

لقد أصبحت اللغة اليوم مهدّدةً بالاستهلاك السريع والاختزال الرقمي، حيث تُختزل الأفكار العميقة إلى شعاراتٍ عابرة، ويتحوّل التعبير إلى ردود فعلٍ آنية. وفي هذا السياق يفقد الإنسان قدرته على التأمّل، لأنّ اللغة الفقيرة تنتج وعياً فقيراً. إنّ اختزال اللغة هو اختزالٌ للإنسان نفسه، لأنّ الإنسان لا يرتقي إلا بقدر ما ترتقي لغته.

ومن هنا فإنّ الدفاع عن اللغة ليس تعصّباً للماضي، بل دفاعٌ عن الحقّ في التفكير الحرّ والتعبير العميق. فالأمم التي تفقد لغتها تفقد تدريجياً قدرتها على إنتاج رؤيتها الخاصة للعالم، وتتحوّل إلى مستهلكةٍ لخطابات الآخرين ومفاهيمهم.

إنّ الأدب، في جوهره، هو أعلى أشكال التعبير عن الذات الإنسانية، لأنّه يحوّل التجربة الفردية إلى معنى كونيّ. فحين يكتب الشاعر حزنه بلغةٍ صادقة، يصبح حزنه جزءاً من التجربة البشرية العامة. وهنا تكمن عظمة الأدب: إنّه يجعل الإنسان يرى نفسه في الآخر، ويرى الآخر في نفسه.

وهكذا تبقى اللغة أكثر من مجرّد كلمات، ويبقى الأدب أكثر من مجرّد كتابة؛ إنّهما معاً فعلُ وجودٍ ومقاومةٍ ووعي. فاللغة هي الذاكرة التي تحفظ الإنسان من التلاشي، والأدب هو الروح التي تمنح تلك الذاكرة معناها الإنساني العميق.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

الكتابة من ندبة الاستعمار

ينطلق هذا البحث من تصور للكتابة بوصفها ممارسة فكرية لا تصدر عن حياد معرفي، أو مسافة تأملية آمنة، بل تتأسس داخل أثر تاريخي عنيف لم يُغلق بعد. فالاستعمار، وإن انقضت صورته المباشرة، يظل حاضرًا في الوعي واللغة والتمثلات والبنى النفسية والثقافية، وتنبثق الكتابة من هذا الحضور المستمر، لا من خارجه، بوصفها صادرة عن ذات تشكلت في قلب التجربة الاستعمارية وتحمل آثارها العميقة.

في هذا السياق، ينظر البحث إلى الفعل الكتابي على أنه ممارسة نقدية فاعلة، تنطلق من التجربة الجريحة بوصفها أساسًا لتوليد الدلالة، لا بوصفها مادة للعرض فقط. فالكتابة تنخرط في تفكيك آليات الهيمنة، وتعيد مساءلة الصلة بين الذات والتاريخ واللغة، داخل خطاب متوتر ينبع من تشقق الهوية واغتراب الذات، لكنه يتجه في الآن نفسه إلى تخطي هذا التشقق عبر الوعي وإعادة بناء المعنى والتسمية.

كما يفترض البحث أن هذه الكتابة لا تتجه نحو المصالحة السطحية مع الماضي الاستعماري، ولا نحو محوه أو تلطيف آثاره، بل تحتفظ بالألم باعتباره شرطًا للذاكرة والنقد والمساءلة. فهي كتابة ترفض النسيان، وتقاوم إعادة إنتاج الهيمنة في أشكال رمزية وثقافية جديدة، وتحول أثر العنف التاريخي إلى أفق للتفكير في الذات والعالم.

وبهذا المعنى، تندرج هذه الرؤية ضمن مقاربة ترى في "الكتابة من ندبة الاستعمار" فعلًا معرفيًا ونقديًا، يجعل من أثر الاستعمار منطلقًا لإعادة بناء المعنى، واستعادة الصوت، ومواجهة التشوهات التي خلّفها في الوعي والهوية. ويُنظر إلى هذا النوع من الكتابة على أنها فعل معرفي يتجاوز حدود التعبير الأدبي أو الشهادة التاريخية، ليغدو نمطًا من التفكير النقدي المتجذر في تجربة تاريخية مجروحة. فالندبة هنا لا تُستحضر باعتبارها أثرًا نفسيًا أو رمزيًا فحسب، بل بوصفها موقعًا لإنتاج المعرفة؛ إذ تنطلق الكتابة من وعيٍ بما خلّفه الاستعمار من تصدعات في أنماط الإدراك، وتمثلات الذات والعالم، وفي العلاقة بالزمن والتاريخ واللغة. ومن هذا المنظور، تتحول الكتابة إلى أداة لمساءلة المسلّمات التي فرضها الخطاب الاستعماري، وكشف ما رسّخه من تصنيفات هرمية، وتمثيلات مشوّهة للذات المستعمَرة.

كما تتأسس هذه الكتابة على فعل نقدي، يسعى إلى تفكيك البنى الرمزية والمعرفية التي استمر بها الاستعمار بعد انقضاء شكله المباشر. فالندبة لا تحيل إلى الماضي المنقضي، بل إلى حضور مستمر للعنف في أشكال ثقافية ولغوية ونفسية، تجعل من الذات الاستعمارية سابقًا والذات المستعمَرة لاحقًا غير قادرتين على الانفصال التام عن تلك التجربة. ومن هنا، تعمل الكتابة من الندبة على مواجهة هذه الاستمرارية عبر تعرية آليات الهيمنة المضمَرة، سواء في اللغة، أو في أنماط التفكير، أو في تمثيل التاريخ، بما يسمح بإعادة بناء المعنى على أسس نقدية لا تستنسخ المنظور الاستعماري ولا تقع في فخ النفي المطلق للذات.

وأيًّا ما كان الحال، يقوم مشروع فرانز فانون على تعرية الفكر الاستعماري، ونزعته العنصرية القائمة على التمييز العرقي، كما عالجها في كتاب "بشرة سوداء وأقنعة بيضاء"، ومن ثم بيان الأضرار النفسية للممارسة العرقية على الإنسان المستعمر والمضطهد والمستعمَر على حد سواء، من خلال دراسات أقامها على مرضى من كلا الطرفين، و يتضح ذلك في كتابه " معذبو الأرض"، بالإضافة إلى تحليل للبنى الاجتماعية والاقتصادية عبر المنظور الماركسي، إذ نعثر على نقد للنخب الوطنية الحاكمة، التي تمارس الآلية ذاتها التي جاء بها المستعمر، دون أي اهتمام ببناء المجتمع الذي تم تقويضه بسبب الاستعمار، فهذه النخبة كما يصورها فانون ترتدي البشرة السوداء كأقنعة للقوى الإمبريالية البيضاء  لتبقى محافظة على القواعد الإمبريالية، أو لتوظيف الآلية ذاتها في سبيل مصالحها الخاصة،

ومن جهة أخرى، تتخذ هذه المقاربة من استعادة الصوت رهانًا مركزيًا؛ إذ تسعى الكتابة إلى تحرير الذات من الصمت المفروض عليها، ومن اللغة التي صاغها المستعمِر لتمثيلها. فالكتابة من ندبة الاستعمار ليست استرجاعًا نوستالجيًا لصوت مفقود، بل فعل إعادة امتلاك للغة والمعنى، يسمح للذات المجروحة بأن تسمي تجربتها بذاتها، وأن تعيد صياغة علاقتها بتاريخها وهويتها بعيدًا عن القوالب الجاهزة. وفي هذا السياق، تتحول الكتابة إلى فضاء مقاومة رمزية، تُستعاد فيه القدرة على السرد والتأويل بوصفهما شكلين من أشكال الفعل.

وتبعًا لذلك، فإن هذه المقاربة ترى في "الكتابة من ندبة الاستعمار" ممارسة معرفية ونقدية مزدوجة: فهي من جهة تكشف التشوهات التي خلّفها الاستعمار في الوعي والهوية، ومن جهة أخرى تسعى إلى تجاوزها عبر بناء خطاب واعٍ بجراحه، قادر على تحويل أثر العنف إلى أفق للفهم وإعادة التأسيس. إنها كتابة لا تنكر الندبة ولا تمحوها، لكنها تجعل منها منطلقًا لإنتاج معرفة نقدية، تستعيد للذات حضورها، وتعيد وصل ما انقطع بينها وبين تاريخها ولغتها ومعناها.

فضلا عن ذلك، يقتضي الحديث عن "الكتابة من ندبة الاستعمار" في خطاب فرانز فانون  تجاوز النظر إلى كتابته بوصفها تعبيرًا فكريًا أو تنظيرًا سياسيًا، والانتباه إليها باعتبارها فعلًا معرفيًا ينبثق من جرح لم يلتئم، ومن تجربة استعمارية محفورة في الجسد والوعي واللغة. فالندبة هنا أبعد من أن تكون حالة استعارة بلاغية، بل علامة دائمة على عنف بنيوي، أثرٌ باقٍ للاستعمار بعد انقضاء لحظة القهر المباشر، وهو الأثر الذي تتحول فيه الكتابة عند فرانز فانون إلى وسيلة لكشفه، وتعريته، ومحاولة تجاوزه.

تنطلق كتابة فانون من وعي حاد بأن الاستعمار لا ينتهي بانسحاب المحتل، بل يستمر في صورة تشوهات نفسية، وتمثلات مشروخة للذات، وانقسام داخلي يعيش فيه المستعمَر بين ما هو عليه وما فُرض عليه أن يكونه. في هذا السياق، تصبح الندبة الاستعمارية أثرًا مزدوجًا: فهي من جهة علامة على العنف الذي مورس على الجسد والهوية، ومن جهة أخرى موضعًا لإنتاج المعنى، إذ إن فانون يكتب من هذا الموضع الجريح، لا من خارجه، ويجعل من الندبة منطلقًا للتفكير، لا عائقًا أمامه.

وفي كتابه بشرة سوداء، أقنعة بيضاء، تتجلى الكتابة من الندبة بأوضح صورها. فالنص ليس دراسة أكاديمية محايدة، بل خطاب متوتر، مشحون بالخبرة الوجودية للذات السوداء داخل عالم أبيض يُعيد إنتاج الهيمنة عبر اللغة والنظرة والتمثيل. هنا، تتحول الكتابة إلى تشريح للندبة النفسية التي يخلفها الاستعمار: شعور النقص، الاغتراب عن الذات، الرغبة في التشبه بالمستعمِر، والانقسام بين الجسد الأسود واللغة البيضاء. وفي هذا الشأن يرى فانون أن ما يطلق عليه في كثير من الأحيان اسم الروح السوداء هو في حقيقة الأمر من صنع الإنسان الأبيض

 فانون لا يصف هذه الحالة من الخارج، بل يكتب من داخلها، من تمزقها، ولذلك تأتي لغته حادة، متكسرة أحيانًا، متوترة دائمًا، وكأن النص نفسه يحمل آثار الجرح الذي يحلله؛ ذلك أن ما يسميه فانون بـ"الزنجي" ليس توصيفًا اصطلاحيًا مألوفًا، بل هو مفهوم إشكالي يُحدث قطيعة منهجية، على نحو ما يشبه القطيعة التي أحدثها فكره بشأن "البيض". فخطاب فانون يقوم على تفكيك الانقسام الآخر، ذاك الذي يقطع خط التفكير السائد، ويزعزع اصطفافات الذات المستقرة. ومن ثمّ، يظل الإحساس الدرامي، المقرون بالحافز إلى التغيير، حاضرًا بقوة في كتاباته. ويضطرب هذا الإحساس بفعل ثنائيات الكولونيالية المألوفة: أسود/أبيض، ذات/آخر، وهي ثنائيات تتكئ - كلما بدا ذلك جليًا - على أساطير التقاليد التي تُبنى عليها الهوية العرقية. ويبرز هنا الضغط الملموس لأسطورة التفوق الثقافي الأبيض، أو ما يمكن تسميته بالنرجسية البيضاء، بوصفه قوة قاهرة تدفع كتابة فانون إلى أقصى الحواف، إلى تخوم الأشياء، حيث يمارس الانقسام والانزياح حدّهما الأقصى. وفي هذا الحدّ الفاصل، لا يعود ممكنًا الحديث عن بياض نقي أو صفاء هويّاتي، بل ينكشف الانحدار العاري، ذلك الانحدار الذي لا يفضي إلى يقين، وإنما يعرّي البنية العميقة للهيمنة والاختلال

أما في معذبو الأرض، فإن الندبة تتخذ بعدًا جماعيًا وتاريخيًا. فالكتابة هنا تنبع من جسد جماعي معذَّب، من شعوب حُكم عليها بالعنف والإقصاء، ومن عالم قُسِّم تقسيمًا مانويًا• بين مستعمِر ومستعمَر. غير أن فانون لا يتعامل مع الندبة بوصفها قدرًا أبديًا، بل بوصفها أثرًا يمكن تفكيكه عبر الفعل الثوري. فالكتابة من الندبة لا تعني الاستغراق في الألم، بل تحويله إلى وعي نقدي، وإلى طاقة تحررية قادرة على قلب معادلة الهيمنة. لذلك يرتبط خطاب فانون بالعنف الثوري، لا باعتباره تمجيدًا للدم، بل باعتباره محاولة لإعادة تشكيل الذات المستعمَرة، وتحريرها من آثار العنف الاستعماري المتراكم في النفس والوعي.

وربما بفعل ذلك، تتسم كتابة فانون، في هذا الإطار، بطابع هجين؛ إذ تتقاطع فيها اللغة الطبية بالتحليل النفسي، والخطاب الفلسفي بالتجربة السياسية، والاعتراف الذاتي بالتشخيص الجماعي. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه الهجنة ليست ضعفًا أسلوبيًا، بل تعبير عن طبيعة الندبة نفسها، فهي ندبة متعددة المستويات، لا يمكن القبض عليها بلغة واحدة أو منهج واحد. ومن هنا، تصبح الكتابة عند فانون ممارسة علاجية بقدر ما هي ممارسة نقدية، ومحاولة لإعادة ربط الذات بذاتها بعد أن فُصلت قسرًا عن تاريخها وجسدها ولغتها.

إن "الكتابة من ندبة الاستعمار" في خطاب فانون تعني، في عمقها، رفض الكتابة المطمئنة، المحايدة، المتصالحة مع الواقع. إنها كتابة قَلِقة، مشروخة، لا تخفي توترها؛ لأنها تنبع من واقع لم يُحسم بعد. فالندبة تظل مفتوحة ما دامت البنى الاستعمارية قائمة بأشكال جديدة، ثقافية ورمزية واقتصادية. ولذلك تظل نصوص فانون ذات صلة بالواقع، ليس لأنها ترصد زمن الاستعمار الكلاسيكي فحسب، بل لأنها تكشف استمرار آليات الهيمنة في أطر جديدة.

بهذا المعنى، لا يكتب فانون عن الاستعمار فحسب، بل يكتب منه، من أثره الباقي في الذات، ومن شقوقه العميقة في الوعي. وتتحول الكتابة إلى فعل مقاومة معرفية، وإلى محاولة مستمرة لتحويل الندبة من علامة على القهر إلى أفق لإعادة بناء الذات والإنسان.

الكتابة والتحرر عند فرانز فانون

ترعرعت الدراسات ما بعد الكولونيالية في أعقاب انهيار الإمبراطوريات الأوروبية الكبرى خلال أربعينيات وخمسينيات وستينيات القرن العشرين، في سياق التحولات العالمية الكبرى التي أحدثتها الحرب الباردةThe Cold War  وبروز ما يُعرف بـالدول النامية أو دول العالم الثالث The Third World Countries، المصطلح الذي صاغه عالم الديمغرافيا الفرنسي Alfred Sauvy  عام 1950، ونشره الفيلسوف سارتر Jean-Paul Sartre ليصبح إطارًا تحليليًا يتيح النظر إلى التجارب التحررية للشعوب المستعمَرة. وفي هذا السياق، برز فرانز فانون (1925–1962)  ليس فقط كمناضل وطبيب نفسي، بل كمرجع فكري أساسي لفهم آثار الاستعمار على الوعي والهوية. فقد ارتقى إلى مصاف "وكيل الحقيقة المنتهكة والمتحولة"، باعتباره أحد الرواد الذين أسسوا لما بعد الاستعمار كمنهجية تحليلية وأداة نقدية، وجعل من كتابه "معذبو الأرض" (1961) حجر الزاوية لفهم العلاقة بين الهيمنة والتمثيلات النفسية والثقافية للذات المستعمَرة، مع تقديم سارترJean-Paul Sartre الذي ساهم في توسيع نطاق التداول النقدي للكتاب على المستوى العالمي.

يؤكد فرانز فانون أن الاستعمار لا يقتصر على كونه نظامًا سياسيًا أو اقتصاديًا، بل هو فعل شامل يترك أثره العميق في البنية النفسية والثقافية للإنسان، ويعيد إنتاج العلاقات الاجتماعية والهيكلية للسلطة داخل المجتمع المستعمَر. ويمتد هذا الأثر إلى اللغة نفسها، وإلى تمثلات الفكر والخيال، بحيث يصبح التفكير الفردي والجماعي مشحونًا بإرث الهيمنة والاغتراب. ومن هذا المنظور، لا يتجلّى الاستعمار في السيطرة المادية المباشرة، فقط، بل في تشكيل آليات الإدراك والوعي، وإعادة إنتاج أنماط الهيمنة داخل النفس والوعي الجمعي. وهذا فعل استراتيجي يهدف له المستعمر في سبيل خلق حالة من الاغتراب عن الواقع الثقافي، كما أشار إلى ذلك نغوجي واثينغو في دراسته “تصفية استعمار العقل”، حين أسهب في بيان الآثار السلبية لثقافة المستعمر ولغته على الشعوب الأصيلة.

من هنا ينبثق مفهوم "الكتابة والتحرر"، الذي يرى في النص الأدبي والفكري أداة معرفية نقدية، لا لتسجيل المعاناة التاريخية فحسب، بل لتحويلها إلى مساحة لإعادة بناء المعنى واستعادة الصوت، وفضح التشوهات التي خلفها الاستعمار في وعي الأفراد وهويتهم. وتعمل هذه الكتابة على استثمار تجربة الانكسار النفسي والاجتماعي لتصبح أداة تحررية، تسمح للذات المستعمَرة أن تعيد تشكيل علاقتها بالزمن والتاريخ واللغة، وأن تتجاوز التهميش الرمزي الذي فرضه الاستعمار. فالكتابة والتحرر في هذا السياق ليست تسجيلًا للواقع، بقد ما هي فعل فلسفي ووجودي، يضع النص في قلب عملية المقاومة والوعي النقدي.

وتتلاقى هذه الرؤية مع مقاربة إدوار سعيد في كتابه "الاستشراق "Orientalism 1978، حيث يؤكد سعيد أن الخطاب الاستعماري ليس حياديًا أو موضوعيًا، بل يحمل آليات للهيمنة الرمزية والثقافية، ويعمل على إنتاج "الآخر" وفق تصنيفات هرمية مفروضة. هنا يصبح الخطاب أداة للتحليل النقدي، مشابهًا لفرانز فانون، لكنه يوسع الإطار ليشمل البعد المؤسسي والثقافي والسياسي، ويكشف كيف أن اللغة نفسها، والنصوص الأكاديمية والأدبية، كانت وسائط لإعادة إنتاج القوة الاستعمارية. وفي هذا السياق، تصبح الكتابة من ندبة الاستعمار أداة لسبر العلاقة بين النص والسلطة، بين اللغة والهوية، وتأكيدًا أن اللغة تتخطى حدود التعبير لتصبح فضاءً نشطًا لإعادة تشكيل الوعي ومواجهة السيطرة الرمزية.

وتأسيسًا على هذه الرؤية، يمكن النظر - من الناحية السيميائية واللسانية - إلى هذا الفعل الكتابي بوصفه عملية ترميز معقدة، تتحرك بين المضمر والدال، بين التجربة الداخلية والفعل اللغوي. فالصدمة الاستعمارية، بصفتها أثرًا مستمرًا في الوجدان والوعي، تشكّل البنية الكامنة التي تسبق اللغة وتؤسس للدلالة، حيث يصبح النص شبكة من الرموز التي تعيد إحياء الصوت الغائب، وتعيد تشكيل المعنى داخل إطار معرفي وجداني واجتماعي متكامل. ومن هنا يظهر أن الكتابة لا تقتصر على كونها انعكاسًا للعالم أو تجربة الحياة، بل هي عملية إنتاج دلالي تتشابك فيها التجربة الفردية والجماعية، والذاكرة، والحدس، والخيال، فتتحول النصوص إلى أدوات للانعتاق المعرفي، وإعادة تكوين الوعي والهوية، وتجسيد المقاومة الرمزية للهيمنة الاستعمارية.

بالإضافة إلى ذلك، توضح هذه المقاربة كيف أن الخطاب ما بعد الكولونيالي لا ينظر إلى الاستعمار كحدث ماضٍ منتهٍ، بل كتركيب طويل الأمد من العلاقات والتمثلات واللغة، يمكن أن يُعاد انتاجه في أشكال رمزية وثقافية جديدة إذا لم يتم مواجهته نقديًا. ومن ثمة، تصبح الكتابة من الجرح الاستعماري فعلًا معرفيًا - تحرريًا، يمزج بين البعد النفسي والاجتماعي والسياسي، ويعيد توزيع القوة الرمزية، كما يعيد تشكيل العلاقة بين الذات والتاريخ واللغة، ويؤسس لرؤية نقدية جديدة تتجاوز السرد التاريخي أو التعبير الأدبي إلى ممارسة فلسفية نقدية عميقة.

ومع تبلور خطاب ما بعد الاستعمار، انتقلت المقاربات المرتبطة به من المعالجة الوصفية إلى بناء نسق معرفي أكثر انتظامًا وصرامة منهجية، حيث احتلت إسهامات فرانز فانون موقعًا مفصليًا، بوصفها لحظة تأسيسية أعادت توجيه النقد ما بعد الاستعماري، وفتحت أفقًا نظريًا جديدًا لفهم آليات الهيمنة، وتشكل الذات، وإنتاج الخطاب في السياقات الاستعمارية وما بعدها؛ بخاصة حين قدّم أدوات تحليلية دقيقة لفهم الخطاب الاستعماري، موضحًا كيفية إنتاج المعرفة وإرساء السلطة الرمزية من خلال اللغة والسرد، ومؤكدًا أن الثقافة ليست انعكاسًا محايدًا للواقع، بل فضاء صراع تتقاطع فيه القوة والتمثيلات الاجتماعية. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى أعمال فانون كركائز لتأسيس قاعدة معرفية متكاملة للخطاب الاستعماري ونظرية ما بعد الاستعمار، حيث يلتقي الفعل النقدي والتحرري مع التأويل الفلسفي للهوية واللغة والبنى الاجتماعية.

ومن شأن هذا الإطار الفلسفي أن يمكّن الباحث من التعامل مع التجربة الاستعمارية ليس كماضٍ مغلق، بل كأثر ديناميكي ومستمر، ينسج وعي الذات ويشكّل مجال الخطاب، حيث لا تتوقف وظائف اللغة عند حدود التعبير أو التمثيل، بل تتسع لتصبح أداة لفهم التمثلات النفسية والثقافية التي خلّفها الاستعمار. في هذا السياق، تتحول الكتابة النقدية ما بعد الكولونيالية إلى فعل معرفي حيّ، يربط بين البذور التأسيسية للألم التاريخي وآليات التأويل المعاصر، ويعيد إنتاج معنى يُمكن من خلاله للصوت المستعمَر استعادة حضوره في التاريخ والهوية والثقافة والسياسة، مواجِهًا التشوهات الرمزية والتمثيلية التي فرضها الاستعمار.

وفي هذا السياق، يقتضي الأمر الإقرار بأن خيار الكفاح المسلح، الذي اعتبره فرانز فانون مسارًا حتميًا لا غنى عنه في مواجهة الإمبريالية الكولونيالية، وقد انتفت اليوم ضرورته التاريخية، وذلك بعد أن نالت معظم دول العالم الثالث استقلالها السياسي، وإنْ بقي استقلالُها الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي موضع تجاذبات لا تخلو من العنف أحيانًا، خصوصًا على المستوى الثقافي الحضاري، بما يستولده من نزاع (صراع الأصوليات الشرقية مع الأصوليات الغربية على المستوى السياسي– الديني مثلاً)؛ كما أن انهيار المعسكر الاشتراكي في التسعينيات طرح حسابات وتوازنات صراعية جديدة على المستوى الدولي لم تكن مطروحةً في مرحلة الخمسينيات. ولكن تلك الحقيقتين لا تلغيان الأهمية التوثيقية لهذا الكتاب الذي يغطي تلك المرحلة الملتهبة من تاريخ التحرر الوطني الجزائري والأفريقي.

ولعل تجليات هذا الفعل الكتابي تظهر بوضوح في أعمال فرانز فانون، الذي أبرز كيف يُحفر الاستعمار في البنية النفسية والثقافية للإنسان، ويحوّل الألم إلى مجال للتحليل النقدي وإعادة بناء الوعي، كما في كتابه معذبو الأرض، حيث تتحوّل التجربة الشخصية والجماعية للألم إلى خطاب تحرري معرفي. ومن جانب آخر – في المقابل - يقدم إدوار سعيد، في كتابه الاستشراق، منهجًا دقيقًا لفهم كيف تُنشأ السلطة الرمزية وتُفرض عبر اللغة والسرد، مؤكّدًا أن الثقافة هي فضاء صراع يتم فيه تمثيل القوة والمعرفة، وأن الخطاب الاستعماري لا يقتصر على سيطرة سياسية أو اقتصادية، بل يمتد إلى فرض تصنيفات معرفية وهوياتية تتحكم في وعي المستعمَر.

ومن هذا المنظور، تصبح الكتابة النقدية ما بعد الكولونيالية تفاعلًا مستمرًا بين الوعي الفردي والجماعي، بين الذكرى التاريخية وآليات التأويل، بين الألم والصوت، لتؤسس لنموذج معرفي تحرري قادر على إعادة تركيب الهوية المستعمَرة، وكشف آليات الهيمنة، واستعادة قدرة اللغة على إنتاج معنى يحفظ حضور المستعمَر في سياق التاريخ والثقافة والسياسة.

وفي تدقيق ما سبق، يُعد فرانتز فانون أحد المفاصل الفكرية الحاسمة في تشكّل الوعي ما بعد الكولونيالي في القرن العشرين، لا لكونه منظّرًا فحسب، بل باعتباره مثقفًا عضويًا فاعلًا، خاض الاشتباك المباشر مع البنية الاستعمارية، كونها منظومة شاملة لإنتاج الهيمنة، ماديًا ورمزيًا، وإعادة توزيع السلطة والمعنى؛ بخاصة حين انطلقت كتاباته من تجربة ذاتية وجماعية معًا، حيث التقت المسألة العرقية بالاستعمار، والتحليل النفسي بالسياسة، واللغة بالعنف، ليصوغ خطابًا نقديًا كشف الآليات العميقة التي يشتغل بها الاستعمار في تشكيل الوعي، وتشويه الهوية، وإنتاج الخضوع. وقد تحولت نصوصه إلى مرجعيات مركزية لحركات التحرر الوطني في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، لما حملته من تصور جذري للتحرر لا يقتصر على استعادة الأرض، بل يستهدف تفكيك البنية النفسية والثقافية للاستعمار.

ومن الجليّ، إذن، أن نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي تبلورت، في صيغتها الأكاديمية المنهجية، داخل الفضاء الجامعي الأنجلوفوني، ولا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ارتبطت على نحو لافت بجامعة كولومبيا، في مقابل ارتباط "الأرسطية الجديدة" في النقد بجامعة شيكاغو، ودراسات الجندر والكتابة النسوية بجامعة إنديانا. وقد دشن هذا الحقل المعرفي باحثون ينحدرون في غالبيتهم من مجتمعات ما بعد كولونيالية، أو من أقليات مهاجرة، حملوا معهم إلى "العالم الأول" تجارب تاريخية مجروحة وذاكرة استعمارية مثقلة بما يمكن تسميته بـ"الندوب الكولونيالية" (Cicatrices). وفي مقدمة هؤلاء يبرز الثالوث المعروف: إدوار سعيد، وهومي ك. بابا، وجاياتري سبيفاك، إلى جانب أسماء أخرى أسهمت في توسيع أفق النظرية وربطها بحقول معرفية متداخلة كالتاريخ والأنثروبولوجيا والجغرافيا والأدب والنقد، مثل ساندرا هاردينغ Sandra Harding، وبنيتا باري Benita Parry، وإيلا شوهات Ella Shohat، وروبرت يونغ Robert J. C. Young. غير أن هذا التشكل الأكاديمي المتأخر نسبيًا لا يمكن فصله عن الجذور الفكرية والنضالية السابقة التي مهّد لها فرانز فانون، ومالك بن نبي ، بوصفهما من أوائل من انتبهوا إلى الطابع الخطابي والرمزي للاستعمار، وإلى الدور المركزي للثقافة والأدب واللغة في إنتاج الهيمنة الكولونيالية وإعادة إنتاجها.

فقد مهّد فانون مبكرًا للمنعطف الأكاديمي لما بعد الكولونيالية، من خلال ما قدّمه في كتاباته الأساسية، ولا سيما معذبو الأرض؛ وبشرة سوداء، أقنعة بيضاء، أن الاستعمار لا يقوم فقط على السيطرة العسكرية أو الاقتصادية، بل يؤسس عالمًا رمزيًا ولغويًا يقوم على تقسيم مانوي صارم: مستعمِر متحضّر في مقابل مستعمَر متخلّف، ذات عليا في مقابل ذات دنيا. بهذا المعنى، كان فانون من أوائل من لفتوا الانتباه إلى ما يمكن تسميته اليوم بـ"الأدب الكولونيالي" انطلاقًا من كونه جزءًا من جهاز الهيمنة، وإلى ضرورة تفكيك تمثلاته السردية واللغوية والنفسية.

وفي هذا الأفق الفكري، يتبدّى فرانز فانون على أنه أحد المنعطفات التأسيسية العميقة في تشكّل الوعي ما بعد الكولونيالي؛ إذ سبق بلورة هذا الحقل في صورته الأكاديمية، وكشف مبكرًا عن الطبيعة المركّبة للكولونيالية بما أنها بنية شاملة تتجاوز كونها حدثًا تاريخيًا أو نظامًا سياسيًا عابرًا. فقد رأى فانون في الاستعمار جهازًا معرفيًا، ونفسيًا، ورمزيًا يصنع الذوات بقدر ما يصنع التمثيلات، ويعيد تشكيل وعي المستعمَر بذاته وبالعالم. ومن خلال تحليلاته، بيّن أن المعرفة الكولونيالية والخطابات التي أنتجتها لم تكن بريئة أو محايدة، بل انخرطت بعمق في آليات الهيمنة، وأسهمت في ترسيخ ثنائيات مانوية حادّة تقوم على الفصل بين المتحضّر والمتخلّف، والعقلاني والغرائبي، والمركز والهامش. غير أن خصوصية إسهام فانون تكمن في انتقاله من مستوى تحليل النصوص والتمثيلات إلى تفكيك آثارها المتجسدة في اللغة والجسد والوعي، حيث أظهر كيف يُجبر المستعمَر على النظر إلى ذاته من خلال منظار الآخر، وكيف تتحول اللغة الاستعمارية إلى أداة لإعادة إنتاج الاغتراب والانقسام الداخلي. وبهذا المعنى، فإن فانون لم يقرأ الكولونيالية كنص فحسب، بل كبنية تعيد كتابة الإنسان نفسه، ممهدًا بذلك الطريق لتحليل الخطاب الاستعماري بوصفه ممارسة معرفية وسلطوية، وهو ما سيجد امتداده المنهجي لاحقًا في أعمال إدوار سعيد وسواه، ضمن إطار نقدي ينظر إلى ما بعد الكولونيالية انطلاقًا من كونها وعيًا حيًا مستمرًا، لا مراجعة لماضٍ منتهٍ.

ولعلّ أوضح تجليات وعي فرانز فانون النقدي تتبدّى في رسالته الموجّهة إلى الحاكم الفرنسي في الجزائر، والتي كتبها عقب عمله في مستشفى البليدة؛ إذ فضح فيها بجرأة كيف تحوّل المناضلون الثوريون، في الخطاب الاستعماري، إلى "حالات مرضية" و"خارجين عن القانون"، في محاولة ممنهجة لنزع الشرعية عن فعل المقاومة، على نحو ما جاء في الرسالة ما مفاده: "يأتي وقت يصبح فيه الصمت خيانة"؛ فقد كان مصممًا على توظيف معرفته الطبية ومهاراته العملية كوسيلة فاعلة لدعم تحرير الجزائر ومجابهة كل أشكال الاستعمار، مدركًا أن الجهد الطبي والسياسي وجهان متكاملان لنفس الصراع التحرري، وهو ما تتجلى إشاراته بوضوح في مضامين هذه الرسالة ، حيث قال:

سيدي الوزير،

بناء لطلبي، ووفقا لقرار رسمي بتاريخ 22 تشرين الأول/أكتوبر 1953، أراد السيد وزير الصحة العامة والإسكان أن يضعني تحت تصرف السيد الحاكم العام في الجزائر لتعييني في مستشفى للأمراض النفسية في الجزائر. ورغم أن الظروف الموضوعية لممارسة طب الأمراض النفسية في الجزائر تشكل لوحدها تحديدا للعقل السليم، فقد تبين لي أنه لابد من بذل جهود للحد من فساد نظام تتعارض مبادئه العقائدية بشكل يومي مع الأبعاد الإنسانية الحقيقية.

وما مصير النوايا إذا كان تجسيدها مستحيلا بفعل انعدام المشاعر وعجز الفكر وكره سكان هذا البلد الأصليين؟ الجنون هو أحد السبل المتاحة أمام المرء لفقدان حريته. ويمكنني القول إني من على هذا التقاطع شعرت بالرعب حين تبين لي مقدار الحرمان لدى سكان هذا البلد. وإذا كانت المعالجة النفسية تقنية طبية هدفها أن تسمح للإنسان بعدم البقاء غريبا عن محيطه، فعلي أن أؤكد أن العربي المحروم دوما في بلده يعيش في حالة ضياع مطلق لشخصيته.

سيدي الوزير، إن الأحداث الحالية الدامية في الجزائر لا تشكل فضيحة لمن يراقبها. فهي ليست ناجمة عن عارض طارئ أو عن عطل في النظام. إن الأحداث في الجزائر تشكل النتيجة المنطقية لمحاولة غسل دماغ جماعي باءت بالفشل.

سيدي الوزير، إن قرار معاقبة المشاركين في إضراب 5 تموز/ يوليه 1956 يبدو لي إجراء مخالفا للمنطق بالكامل. وهكذا، فإن ضميري يشهد منذ شهور طويلة مشادات لا ترحم. وخلاصتها الرغبة في عدم اليأس من الإنسان أي من نفسي. وقررت ألا أتحمل مسؤولية بأي ثمن وبحجة خادعة مفادها أن هذا أفضل ما يمكنني إنجازه.

ومن هذا المنطلق، تُقرأ دراسته للخطاب الاستعماري باعتبارها تفكيكًا لمشروع ثقافي غربي متكامل، خطابًا أُنتٍج في خدمة البنية المعرفية والإيديولوجية للغرب، ويعمل على تبرير هيمنته وإدامة سلطته، أكثر مما يعكس فهمًا موضوعيًا للواقع الذي يدّعي تمثيله. وفي ظل هذه الأحادية الثقافية، لا تعود العلاقة بين الشرق والغرب علاقة تبادل معرفي، بل علاقة قوة وهيمنة، تقوم على ما يسميه إدوارد سعيد "التمييز الإبستيمولوجي والأنطولوجي" بين الطرفين، مدعومًا بأغلوطة إيديولوجية راسخة، عبّر عنها روديارد كيبلنغ Rudyard Kipling - نهاية القرن التاسع عشر - في مقولته الشهيرة: "الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا". وتشير المقولة إلى أن الاختلاف بين الشرق والغرب ليس مسألة ثقافية أو تاريخية، فحسب، بل يمتد إلى السياسة والعلاقات الجيوسياسية، حيث يبقى الشرق شرقًا والغرب غربًا، ولا تتجاوز التهدئات المؤقتة حقيقة الصراع والتباين المزمنين بينهما. وتوضح أن الهيمنة الغربية واستمرارية تدخلاتها في شؤون الشرق تعكس رغبة مستمرة في السيطرة والاستغلال، في حين يسعى الشرق إلى الحفاظ على هويته التقليدية ومصالحه الاستراتيجية، كما يتجلى ذلك في مواقف الدول الشرقية تجاه النزاعات والمعارك الحديثة. ما يعني أن هذه المقولة، تؤكد استمرارية الصراع بين الشرق والغرب عبر التاريخ والحاضر، واستحالة إلغاء الاختلافات الجوهرية التي تحدد طبيعة العلاقات بينهما.

هكذا، يلتقي فانون وسعيد، كلٌّ من موقعه، في تفكيك هذا التقسيم المانوي الذي حكم الخطاب الكولونيالي: فالأول كشف آثاره النفسية والثقافية واللغوية في بنية الذات المستعمَرة، والثاني فضح آلياته الخطابية والمعرفية في إنتاج صورة الشرق. ومن هذا الالتقاء تشكّلت الأرضية الفلسفية والمعرفية التي قامت عليها نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي، كونها مشروعًا نقديًا يسعى إلى مساءلة السلطة في اللغة، وتفكيك تمثلات الهيمنة، واستعادة صوت الذات التي طال إخضاعها داخل التاريخ والخطاب.

واعتبارًا لذلك، فإن البحث في موضوع الاستشراق والدراسات ما بعد الكولونيالية لا يزال مستمرًا، فرغم تراجع النفوذ المعرفي لـ"الاستشراق الكلاسيكي"، برز نوع جديد منه يُمكن تسميته بـ"الاستشراق العملي"•، الذي يقوم على الخبرة والتخصص، ويتوافق مع منطق السياسة الأمريكية التي حولت الشرق إلى "قضية إدارية"، تُدار وفق حسابات استراتيجية ومصالح سياسية أكثر من كونها موضوعًا ثقافيًا بحتًا . غير أن ذلك لا يعني بأي حال التنازل عن "البعد الثقافي الاستراتيجي" في العلاقة التوترية بين الغرب والعالم العربي. وفي ضوء ذلك، يوضح سعيد هذه الفكرة قائلاً: "ومع الاعتراف بأن التوسع الأمريكي يقوم أساسًا على أبعاد اقتصادية، إلا أنه في الوقت نفسه يرتكز بشكل كبير على تصورات وعقائد ثقافية عن أمريكا نفسها، تتحرك وفقها وتتغذى منها، وهي تصورات تُعاد صياغتها علنًا بلا أي توقف أو مراجعة داخلية"

فرانز فانون: الصراع التحرري وصوت المستعمَر

تتضح أهمية فرانز فانون في سياق نشأته وانتمائه إلى أحد المستعمرات الفرنسية؛ إذ أسهمت خلفيته الشخصية وتجربته المبكرة في بلورة وعيه بالمعاناة التي يختبرها المستعمرون، سواء من حيث التمييز العنصري أو الاستلاب الثقافي. وخلال ممارسته لمهنة الطب النفسي، تعمّق فانون في دراسة جذور هذه المشكلات النفسية والاجتماعية، فاكتشف أن الاستعمار لا يقتصر على السيطرة السياسية أو الاقتصادية، بل يمتد ليغرس أضراره في البنية النفسية والثقافية للإنسان، معيدًا إنتاج آليات الهيمنة والاضطهاد. وقد وضع فانون تصورًا ديناميكيًا للثورة التحررية يتكون من ثلاث مراحل: المرحلة الأولى تتسم بعنف المستعمر المباشر، المرحلة الثانية بصعود الانقسامات الداخلية بين المستعمَرِين أنفسهم، والمرحلة الثالثة هي تحويل هذه الانقسامات والتناقضات الداخلية ضد المستعمر، لتصبح قوة متجهة نحو التحرر. كما أولى فانون أهمية كبيرة لدور المثقف في هذه العملية، معتبرًا أن الفكر الواعي والتحليل النقدي يشكلان أدوات حاسمة في مواجهة الانسحاق الاجتماعي والسياسي وبناء مشروع تحرري متكامل.

يرى فانون أن المثقف يلعب دورًا جوهريًا في مواجهة الانسحاق الاجتماعي والسياسي من خلال الفكر الواعي والتحليل النقدي، حيث يمر أولاً بمرحلة التماهي مع ثقافة المستعمِر والشك والقلق، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى فاعل تحرري وداعٍ للتغيير، مساهمًا في بناء مشروع تحرري متكامل، ومن ثم فإن " أعمال فانون في جملتها تنشطر بين دياليكتيك هيغلي/ ماركسي، وتأكيد ظاهراتي على الذات والآخر، وتحليل نفساني لما يعتري اللاوعي من تجاذب" ؛ نظرًا إلى أن حدة هذا الاغتراب الاستعماري الذي يختبره الفرد ليست إلا تجسيدًا لفكرة تتجاوز البعد الشخصي لتكتسب أبعادًا مفاهيمية أوسع. فهذه الحالة تولّد إلحاحًا قلقًا في البحث عند فانون عن شكل نظري ملائم، يستوعب ما تنطوي عليه العلاقة الكولونيالية من تناحر اجتماعي عميق. ومن ثمّ، فإن أعمال فانون في مجملها تنشط ضمن جدلية مركّبة، تتقاطع فيها الديالكتيك الهيغلية مع المنظور الماركسي، مقرونة بتأكيد ظاهراتي على علاقة الذات بالآخر، وتحليل نفسي نافذ لما يعتري اللاوعي من توترات وانشطارات.

وفي هذا السياق، ينشغل فانون، في بحثه اليائس والمضني عن ديالكتيك للخلاص، باستكشاف حدٍّ صعب بين الأمل واليأس؛ إذ يعيد، من جهة، هيغلية الأمل إلى التاريخ، ويستعيد، من جهة أخرى، نبرة الوجودي في التفكير في "الآن" المهمَّش، بما يحمله من كثافة معيشة، وضغط وجودي. كما يسلط إطارُه التحليلي النفسي الضوء على جنون المعاناة، وعلى جدلية اللذة والألم، وعلى استيهام القوة السياسية المتوترة والصراعية، كدلالة على اختلال عميق في البنية النفسية والاجتماعية معًا.

وبحكم تخصصه اللاحق بالطب النفسي أدرك - فانون - أن العالم الكولونيالي معقد، ويعتمد دوامه على تسليم الطرفين به، فلو لم يوافق المستعمَر (بفتح الميم) على استمرار هذا العالم لانهار على الفور.  ذلك أن اصطفاف الذوات الكولونيالية المألوف - أبيض /أسود، ذات/آخرـ يضطرب بتلك الوقفة الوجيزة كما تتبدد الأسس التقليدية التي تقوم عليها الهوية العرقية، كلما تبين أنها ترتكز على أساطير الزنوجة، وأساطير التفوق الثقافي الأبيض للنرجسية؛ فحضور الأسود يطلق السرد التمثيلي المتعلق بالمفهوم الغربي عن الشخصية؛ لأن هذا الوجود الأسود المقيّد بصورة نمطية تمثل البدائية والانحلال؛ إذ يرى أن هذا الواقع السلبي لا يمكن أن يولد مسارًا للتقدم الحضاري.. أما السؤال الآخر الصورة النمطية، والتمييز، وخطاب الكولونيالية، فقد سخره لتوجه النقد للخطاب الكولونيالي ولبنياته الثقافية والمعرفية المتحكمة في الترويج لفكرة الهيمنة، والمسؤولة عن الصورة النمطية للشرق من خلال "مفهوم الثبات في البناء الإيديولوجي للآخرية" باعتبارها سمة من سمات الخطاب الكولونيالي. يعتبر هومي بابا صفة الثبات في هذا السياق دالول الاختلاف الثقافي/التاريخي/العرقي، ونمطا متناقضا من أنماط التمثيل الذي يتضمن معنى الصلابة، والنظام الذي لا يتغير. كما يتضمن معنى اختلال النظام، والتفسخ والتكرار الشيطاني. ويؤكد أن ما قيل عن الثبات يقال عن الصورة النمطية "التي تمثل استراتيجيته الخطابية الكبرى، هي شكل من المعرفة وتعيين الهوية يترجح بين ما هو في مكانه على الدوام.. وبين ما ينبغي تكراره على نحو قلق"  .

وفي ضوء ما سبق، يقوم مشروع فرانز فانون على تعرية الفكر الاستعماري، ونزعته العنصرية القائمة على التمييز العرقي، كما عالجها في كتاب بشرة سوداء أقنعة بيضاء Black skin white masks ، حيث ذكر في هذا الكتاب " الزنجي ليس كذلك، شأنه شأن الأبيض"  ، ومن ثم بيان الأضرار النفسية للممارسة العرقية على الإنسان المستعمِر، والمضطهَد والمستعمَر على حد سواء، من خلال دراسات أقامها على مرضى من كلا الطرفين، ويتضح ذلك في كتابه معذبو الأرض 1961، بالإضافة إلى تحليل للبنى الاجتماعية والاقتصادية عبر المنظور الماركسي؛ إذ نعثر على نقد للنخب الوطنية الحاكمة، التي تمارس الآلية ذاتها التي جاء بها المستعمر، دون أي اهتمام ببناء المجتمع الذي تم تقويضه بسبب الاستعمار، فهذه النخبة كما يصورها فانون ترتدي البشرة السوداء كأقنعة للقوى الإمبريالية البيضاء .

أعاد فانون قراءة الكولونيالية بما يتجاوز النص الظاهر، متوغّلًا في أعماق الإشكاليات التاريخية والعرقية والإنسانية، ليكشف عن حجم الضرر الذي يطال البنية النفسية للفرد الأسود. ومن هنا، انطلق في دراسة أثر هذا العطب النفسي على كل من المستعمَر والمستعمِر، مستعينًا بالممارسة العلاجية النفسية كأداة مركزية لفهم انعكاسات الاستعمار على الوعي والذات، ومعالجته، وهنا يسرد فرانز فانون تجربة إدراك معنى الاختلاف عند مشاهدة فتاة بيضاء له، ورَدَّةَ فعلها على لون بشرته قائلة: " انظري، زنجي ماما، انظري الزنجي!.. أنا خائفة… إنه زنجي Look, a] [Negro!.

فإذا كان فانون يملك القدرة على مواجهة العنصرية بالتحدي فإن توني موريسون  Toni Morrison جعلت من شخصيتها "سيث" في قصة محبوبة، العبدة السابقة تجبر على قتل طفلها كي تنقذه من كل ما هو بشِع، والفظائع التي لا تعد ولا تحصي للكولونيالية. لكن توني موريسون تصورت أوضاع السود تصويرا فيه كثير من الواقعية والعمق والتعاطف حين تقول على لسان شخصية (محبوبة): "لقد أخذ البيض كل ما معي وكل ما أحلم به، وحطموا قلبي. ليس هناك حظ سيئ في العالم، ولكن هناك شعبًا أبيض فقط"

وبناءً على ذلك، قدم إدوار سعيد فكر فرانز فانون باعتباره المدافع عن سرد التحرير المضاد المرتبط بحقبة ما بعد الحداثة، في حين استثمر هومي بابا أفكار فانون لتشييد إطار نظري للعالم الثالث وفق مقاربة ما بعد البنيوية. أما عبد الرؤوف جان محمد فقد رأى فيه منظرًا مانويًا للاستعمار والنفي المطلق.

وفي الوقت نفسه، سلطت بينيتا باري Benita Parry. في كتابها Postcolonial Studies: A Materialist Critique الضوء على الدلائل البارزة للنظرة الثقافية للأدب ودوره الاجتماعي. وعلى نحو آخر، تجلت صورة فرانز فانون لدى الباحثة الهندية غاياتري سبيفاكGayatri Chakravorty Spivak  بأوضح وأصدق صورها، باعتباره الطبيب النفسي الذي انبثق من بين أبناء وطنه ليقوم بتحليل عميق ودقيق لما تعكسه تلك المرآة المعقدة للإمبريالية الثقافية.

وفي السياق ذاته، أبرزت بينيتا باري المؤشرات الدالة على المقاربة الثقافية للأدب، وما ينهض به من وظائف اجتماعية ومعرفية. وعلى نحو آخر، تجلت صورة فرانز فانون لدى الباحثة الهندية سبيفاك بأوضح وأصدق صورها، باعتباره الطبيب النفسي الذي انبثق من بين أبناء وطنه ليقوم بتحليل عميق ودقيق لما تعكسه تلك المرآة المعقدة للإمبريالية الثقافية.

ولا يخفى أن فرانز فانون، ورغم أن ما سماه إدوار سعيد بـ"القراءة الكبرى" لأعماله لم يتحقق بعد، قد طرح موضوعات مركزية تمس جوهر نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي، بما في ذلك ما أشار إليه مالك بن نبي بمفهوم "عقدة قابلية الاستعمار" (Colonisabilité) التي تعبّر عن استعداد المجتمعات والشعوب للاستيعاب الاستعماري، و"عبيد الأزمنة الحديثة"؛ أي المستعمَرين الذين وجدوا أنفسهم مقيدين بأنظمة الهيمنة الخارجية. كما تناول قضية "فك الاستعمار" باعتبارها عملية تاريخية مستمرة، ليست مجرد حدث لحظي، بل ظاهرة متشابكة تتسم بالعنف، حيث يتطلب تحقيق التحرر مواجهة العنف المطلق، كضرورة تاريخية وأداة لتحطيم أسس الهيمنة الإمبريالية. 

إن ما أطلق عليه إدوار سعيد مصطلح "العنف الفانوني " (Fanonian Violence) في كتابه Reflections on Exile (ص 296) يمثل، من جهة، العنف الذي طالما اتهم جان بول سارتر بتأييده، حيث وصفه بول جونسون في كتابه Intellectuals (ص 256) بأن مقدمته لأعمال فانون كانت "أكثر عطشًا للدماء من النص ذاته". هذا العنف، كما يظهر في كتابات فانون ومواقفه العملية، لا تُحدَّد حصريًا بـفعل متطرف أو لحظي، بل هو استجابة منهجية لهيمنة الاستعمار، واستراتيجية تحررية تسعى إلى إعادة تأسيس الكرامة الإنسانية في المجتمعات المستعمَرة.

وعلى صعيد الممارسة الفكرية، لا ينافس فرانز فانون في مستوى السبق بنظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي إلا عدد محدود من المفكرين والكتّاب الثوريين، من بينهم الشاعر المارتينيكي Aimé Césaire في Discours Sur Le Colonialisme (1955)، الذي جهر بمعارضته الاستعمارية بصوت شعري وفلسفي يجمع بين النقد الثقافي والنداء السياسي؛ وكذلك اليهودي التونسي Albert Memmi في Portrait Du Colonisateur (1957)، الذي قدم له سارتر مدخلاً تحليليًا بالغ العمق؛ ولا يمكن تجاهل مساهمات "شاعر إفريقيا" والرئيس السنغالي الأسبق Léopold Sédar Senghor (1906–2001)، الذي مزج في أعماله بين النضال الثقافي والسياسي، مقدمًا تصورًا للشعوب الإفريقية في سياق استعماري معقد.

هؤلاء وغيرهم من المفكرين والمثقفين الثوريين، الذين يندرجون ضمن فئة روّاد الثورة ضد الاستعمار Colonial Révolutionnaires أو الناشطون في مقاومة الاستعمارAnti-Colonial Activists، شكّلوا معا شبكة فكرية عالمية استطاعت صياغة خطاب مضاد للاستعمار، يجمع بين النقد الفلسفي، والوعي الاجتماعي، والممارسة السياسية، بما يعكس طبيعة الاستعمار كظاهرة عنيفة تستلزم مقاومةً شاملة، عميقة وجذرية، تتجاوز حدود الأدب لتصبح مشروعًا تحرريًا متكاملاً.

إن الإشكال المرتبط بالحضور المادي للجسد الأسود – في نظر فانون - لا يشكّل في ذاته جوهر المأزق؛ إذ لا تكمن المعضلة في لون البشرة بوصفه معطًى بيولوجيًا خالصًا، بل فيما يُسقط عليه من دلالات ومعانٍ داخل البنى الاجتماعية والثقافية. فالسواد، وفق هذا المنظور، لا يُختبر كصفة جسدية محايدة، وإنما يُعاد إنتاجه كعلامة رمزية محمّلة بتاريخ من الإقصاء والهيمنة والتشييء. ومن ثمّ، فإن ما يثقل كاهل الإنسان الأسود ليس وجوده الجسدي في حدّ ذاته، بل الشبكة المعقّدة من التمثلات والخطابات التي تصوغ تجربته في العالم، وتحدد موقعه داخل نظام اجتماعي وثقافي غير متكافئ. وفي هذا السياق، يذهب فرانز فانون إلى تأكيد أن المسألة الحقيقية لا تتعلق بالبشرة السوداء كواقع مادي، بل بما تخلقه هذه البشرة من انعكاسات عميقة على وعي الذات السوداء بذاتها، وعلى تموضعها القسري داخل منظومة رمزية تجعل من السواد عبئًا وجوديًا قبل أن يكون توصيفًا جسديًا، وهو ما يعبّر عنه فانون بقوله في هذا الصدد: "عندما أتحدث إلى من يحبونني، يقولون إنهم يحبونني على الرغم من لوني، وحينما أتحدث إلى من يكرهونني، يعتذرون بأنهم لا يكرهونني بسبب لوني، وفي كلتا الحالتين أجدني حبيس الحلقة نفسها" .

لقد جاءت كتابات فرانز فانون، منذ عناوينها الأولى، مشحونة بإدانة صريحة للممارسات التي وسمت الأنظمة الاستعمارية، تلك الممارسات التي لم تكتفِ بإخضاع الشعوب، بل عملت على غرس جرثومة تفوّق الرجل الأبيض، وترسيخها، فضلا عن صناعة أسطورته بوصفه مركزًا للإنسانية والمعنى. ويتجلّى هذا النقد بوضوح في أعماله الأساسية، ولا سيما في كتابيه الأشد تأثيرًا: "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء" و "معذبو الأرض"، حيث يكشف فانون البنية الرمزية والنفسية التي يقوم عليها الخطاب الاستعماري.

وفي السياق نفسه، يؤكد  Aimé Césaire أن الاستعمار لا يقتصر على الاحتلال السياسي أو هيمنة اقتصادية، فقط، بل هو قبل ذلك وبعده عملية نزع للإنسانية (déshumanisation)، يتم من خلالها إقصاء الشعوب المستعمَرة من مجال الكائن الإنساني وتحويلها إلى موضوعات وأشياء، أو بتعبيره الحاد، "تحويل الإنسان إلى جماد".

وهكذا يمكن الوقوف عند الأثر العميق الذي خلّفه هذا الكاتب والمناضل في بلورة أفقٍ واسع لمقاومة الاستعمار، وهو أثر لا يقتصر على تفكيك خطاب المستعمِر الأبيض أو مواجهة ممارساته القمعية، فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة البنى الداخلية التي أعاد الاستعمار تشكيلها وترسيخها داخل المجتمعات الخاضعة له. فقد انصرف هذا الفكر إلى نقد مواقع الهيمنة من الداخل، كاشفًا عن آليات إعادة إنتاج التبعية والاغتراب، ومشيرًا إلى أن التحرر الحقيقي لا يتحقق فقط بطرد المستعمِر، بل بإعادة بناء الوعي الجمعي على أسس جديدة. ومن هنا تبرز محاولاته الجادة لإعادة تعريف مفهوم الوطنية بوصفها مشروعًا تاريخيًا وأخلاقيًا، لا شعارًا أيديولوجيًا فارغًا، وكذلك تصوره لعملية تشكّل الذات والهوية الوطنية باعتبارهما مسارًا ديناميكيًا يتأسس على استعادة الإنسان لكرامته وفاعليته في التاريخ. وضمن هذا الأفق، يغدو بناء الدولة الحرة مشروطًا بقدرتها على صون كرامة الفرد وضمان حريته، لا باعتبارهما امتيازًا ممنوحًا، بل حقًا أصيلًا يشكّل جوهر أي مشروع تحرري حقيقي.

فانون والرهان الإنساني للتحرر

يُعدّ فرانز فانون من أكثر المفكرين عمقًا وإلحاحًا في تفكيك شرط الإنسان الحديث في سياق الهيمنة الاستعمارية، لا بصفته منظّرًا سياسيًا فحسب، بل باعتباره مفكرًا وجوديًا عاين من داخل التجربة الاستعمارية انكسار المعنى الإنساني، وتصدّع الذات تحت أنظمة السيطرة الكولونيالية. فقد تشكّل مشروعه الفكري عند تقاطع التجربة الشخصية والمعاينة السريرية والممارسة الثورية، الأمر الذي منح كتاباته كثافة استثنائية جعلت من سؤال الإنسان محورًا ناظمًا لكل أطروحاته. ولم يكن فانون معنيًا بتحليل الاستعمار كظاهرة خارجية فقط، بل انشغل، على نحو أعمق، بتفكيك آثاره النفسية والرمزية التي تصيب الذات المستعمَرة، وتعيد تشكيل وعيها بذاتها وبالعالم على أسس من النقص والاغتراب والتشييء.

واستنادًا إلى هذا التصور، يقوم الرهان الإنساني للتحرر عند فانون على قناعة أساسية مفادها أن الاستعمار لا يقتصر على كونه منظومة للهيمنة السياسية أو الاقتصادية، بل يتجاوز ذلك ليغدو بنية كلية لنزع الإنسانية، تقصي الإنسان المستعمَر من أفق الاعتراف، وتختزله في كيان وظيفي أو موضوع قابل للتشييء والاستعمال.

 ومن هنا، فإن معركة التحرر، في تصور فانون، لا تُختزل في استعادة الأرض أو السلطة، بل تتجسد أساسًا في استعادة الإنسان لإنسانيته المصادَرة، وفي إعادة بناء الذات على أنقاض ما خلّفه العنف الكولونيالي من تشوهات نفسية ووجودية. فالتحرر الحقيقي، في هذا الأفق، هو فعل مزدوج يطال البنية الاجتماعية بقدر ما يطال البنية الداخلية للذات، ويعيد للإنسان قدرته على الفعل والمعنى والمسؤولية، حيث تتميز رؤى فرانز فانون الإنسانية بخصوصيتها المتفردة، وهو أمر يمكن فهمه عبر مسار حياته الثوري في المارتينيك Martinique، حيث عايش الاستعمار بكل عنفه، وسعى إلى مواجهته مباشرة. في خضم هذه التجربة الكثيفة، تبلورت رؤيته الفكرية، فغدا ينفي أي فهم للاستعمار بوصفه مسارًا طبيعيًا أو تسوية سلمية، مؤكّدًا أنه فعل عنيف بنيوي، وصراع جذري بين قوتين متناقضتين في الأساس. كل من هاتين القوتين تنبثق صفاتهما من دينامية العنف الاستعماري ذاته، فهو الذي يحدد معالم الصراع ويغذيه، مما يجعل عملية التحرر والتحطيم الاستعماري حدثًا مستعصيًا على الحلول السحرية أو التفاهمات الودية. فمحو الاستعمار يبث في الوجود – والكلام لفانون – إيقاعًا خاصًا يجيء به الرجال الجدد، ويحمل إلى الوجود لغة خاصة وإنسانية جديدة، كما أنه يحول متفرجين مسحوقين يعانون من فقدان الماهية إلى عناصر فعالة متميزة تدخل تيار التاريخ دخولاً رائعًا، يخلقهم رجالاً جددًا حقًا، وهو خلق لا يستمد مشروعيته من أية قوة فوق الطبيعة، فالمستعمَر (بفتح الميم) يصبح إنسانًا في خضم العملية التي يحرر بها نفسه، وذلك لتجريد المستعمِر (بكسر الميم) إياه من إنسانيته، حتى أنه ليعده حيوانًا، يستخدم معه اللغة المستعملة في وصف الحيوانات!

وتتخذ النزعة الإنسانية عند فانون طابعًا راديكاليًا يميّزها عن النزعات الإنسانية الكلاسيكية التي كثيرًا ما ادّعت الكونية وهي تُقصي الإنسان غير الأوروبي. ففانون لا يدافع عن إنسان مجرد أو متعالٍ عن التاريخ، بل عن إنسان مُعَنّى، مجروح، ومشوَّه بفعل العنف الاستعماري، إنسان لا يمكن استعادته إلا عبر مواجهة جذرية مع شروط القهر التي أنتجته. ومن ثمّ، تَشَكَّل خطابه الإنساني في اقترانٍ جدلي مع مسألة العنف، لا باعتباره تمجيدًا للفوضى أو انغماسًا في التدمير، بل كفعل قطيعة تاريخية يزعزع البنية الهرمية الكولونيالية، ويقوّض نظامًا يتأسس في عمقه على الإقصاء المنهجي، والقهر البنيوي، ونفي الاعتراف الإنساني.

وفي هذا السياق، تتجلى كتابات فانون، ولا سيما بشرة سوداء، أقنعة بيضاء" و "معذبو الأرض Black Skin, White Masks وThe Wretched of the Earth، كمحاولة حثيثة لإعادة صياغة مفهوم الإنسانية خارج المركزية الأوروبية، وفتح أفق لإنسانية جديدة تتأسس على المساواة الفعلية والكرامة المشتركة. يُعدّ الرهان الإنساني للتحرر عند فانون مشروعًا مستقبليًا يوازيه تفكيك للماضٍ الاستعماري؛ إذ يسعى إلى تحرير الإنسان من الأدوار المصطنعة المفروضة عليه - سواء تلك المرتبطة بالهيمنة أو الخضوع - ليتجلى بذلك وعي جديد بذاته الإنسانية، قادر على الوجود المشترك بلا هيمنة ولا استلاب. ومن هنا، يظل فكر فانون راهنًا، لا لأنه قدّم أجوبة جاهزة، بل لأنه أبقى سؤال الإنسان مفتوحًا في قلب الصراع من أجل الحرية.

تأكد فرانز فانون، من خلال تجربته الفكرية والميدانية على السواء، أن العالم الكولونيالي يقوم على نفي جذري لقيم المساواة والعدالة، وأنه عالم مشطور بنيويًا على أساس ثنائيات صارمة لا تقبل التداخل أو التكافؤ. فهو فضاء مقسوم إلى بيض وسود، لا بوصف هذا التقسيم توصيفًا لونيًا بريئًا، بل باعتباره تراتبية رمزية وأخلاقية تُسنِد الامتياز والإنسانية الكاملة إلى طرف، وتحكم على الطرف الآخر بالدونية والإقصاء. ومن ثمّ، ينقسم هذا العالم إلى مستغِلّين ومستغَلّين، وإلى مستعمِرين يمارسون السيطرة باسم الحضارة والتقدم، ومستعمَرين يُدفعون قسرًا إلى موقع الخضوع والتبعية، ويُعاد تعريف وجودهم وفق حاجات النظام الاستعماري لا وفق إنسانيتهم الخاصة.

وفي هذا السياق الفكري، يتجاوز فانون فهم الاستعمار كعلاقة قوة مفروضة من الخارج، ليكشف عنه كبنية كلية تنظم الواقع المادي، وتعيد صياغة أنماط الإدراك والوعي، وتنتج نمطًا من العلاقات يقوم على العنف المادي والرمزي في آن واحد. فالعالم الكولونيالي، في تصوره، عالم مانوي مغلق، لا يتيح إمكان اللقاء أو الحوار؛ لأن حدوده مرسومة مسبقًا بالقهر والعزل؛ ولأن كل محاولة للمساواة داخله تتحطم على جدار الامتياز العنصري والاقتصادي. ولهذا، فإن خطاب الاستعمار لا يكتفي بتبرير الهيمنة، بل يعمل على تطبيعها، وتحويلها إلى قدر تاريخي أو ضرورة حضارية.

ومن هنا، تأتي أهمية كتابه "معذبو الأرض"، حيث سعى فانون إلى مساءلة الأسس الأخلاقية والفكرية التي تقوم عليها الإنسانية الغربية الحديثة، كاشفًا عن تناقضها العميق بين ادعاء الكونية وممارسة الإقصاء. لقد عمل فانون في هذا الكتاب على تحرير هذه الإنسانية من فرديتها النرجسية، التي جعلت من الذات الغربية معيارًا أوحد للإنسانية، ومن نزعتها الذاتية الاستعمارية التي تبرر السيطرة على الآخرين باسم العقل، أو التقدم، أو الرسالة الحضارية. فالإنسانية التي تُبنى على نفي إنسانية الآخر، في نظر فانون، ليست سوى قناع أيديولوجي يخفي علاقات الاستغلال والعنف.

إن نقد فانون للإنسانية الغربية لا يستهدف الإنسان الغربي في ذاته، بل يستهدف النموذج الفكري الذي حوّل الإنسان إلى مركز مغلق على ذاته، عاجز عن الاعتراف بالآخر إلا بوصفه موضوعًا للهيمنة أو مادة للتجربة. وفي مقابل ذلك، يدعو فانون إلى أفق إنساني جديد، تتأسس فيه المساواة على الاعتراف المتبادل، لا على التفوق، وتُعاد فيه صياغة العلاقة بين الشعوب على قاعدة التحرر المشترك من منطق السيطرة. وهكذا يغدو تفكيك العالم الكولونيالي شرطًا أوليًا لإعادة بناء إنسانية حقيقية، قادرة على تجاوز انقسامات اللون والقوة، وصون كرامة الإنسان بوصفه إنسانًا، لا تابعًا ولا سيّدًا.

ينطلق مشروع فرانز فانون الفكري والنقدي من إدراك مبكر بأن الخطاب الإنساني الغربي، على الرغم من ادعائه الانتساب إلى قيم التنوير والعقل والعالمية، قد تشكّل تاريخيًا داخل سياق كولونيالي غير بريء، تحكمه علاقات الهيمنة، وتؤطره مركزية أوروبية نصّبت ذاتها معيارًا للإنسانية، وحوّلت الإنسان المستعمَر إلى كائن ناقص أو موضوع للتقويم والسيطرة. ولم يكن نقد فانون للاستعمار موجّهًا إلى مظاهره السياسية أو العسكرية فحسب، بل استهدف، في عمقه، البنية المعرفية والرمزية التي أنتجت هذا الاستعمار، وجعلت من الخطاب الإنساني ذاته أداة لتبرير الإقصاء والعنف.

ففي كتاباته، ولا سيما في "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء" و "معذبو الأرض"، لا يكتفي فانون بتفكيك الصور النمطية التي صاغها الغرب عن الآخر الأسود، بل يعمل على كشف المنطق الثقافي والنفسي الذي يسمح بتحويل المعرفة إلى جهاز للهيمنة، ويجعل من القيم الإنسانية خطابًا انتقائيًا يُستخدم لتكريس التفوق العرقي والحضاري. ومن هذا المنظور، تصبح مساءلة فانون للخطاب الكولونيالي مساءلة جذرية لفكرة الإنسانية نفسها، حين تنفصل عن العدالة التاريخية، وتتحول من أفق للتحرر إلى أداة لإضفاء الشرعية على الإقصاء والاستلاب باسم الكونية والعقل.

وبذلك، لا يدافع فانون عن إنسانية مجردة أو متعالية عن الصراع، بل عن إنسانية متجذّرة في التجربة التاريخية للمقموعين، إنسانية لا تُستعاد إلا عبر تفكيك الشروط التي أنكرتها، وإعادة بناء الذات المستعمَرة بوصفها ذاتًا فاعلة قادرة على إنتاج المعنى وصناعة تاريخها خارج منطق الوصاية والتشييء.

وجريا على ذلك، يتأسس دور فرانز فانون في مشروعه الفكري والنضالي على رؤية إنسانية أممية تتخطّى الحدود الضيقة للهويات العرقية والدينية والجغرافية، وتنطلق من إيمان راسخ بوحدة المصير الإنساني في مواجهة كل أشكال القهر والاستغلال. ففانون لا ينظر إلى الإنسان من زاوية الانتماء البيولوجي أو الثقافي، بل من حيث كرامته وحقه في الوجود الحر، وهو ما جعله ينحاز، في كتاباته وممارساته، إلى قيم الحق والعدالة والحرية بوصفها مبادئ كونية لا تقبل التجزئة أو الانتقاء. ومن هذا المنطلق، يرفض فانون رفضًا جذريًا كل نظام يقوم على استعباد الآخر، أو مصادرة حقه في تقرير مصيره، أو نهب ثرواته، أو إنكار وجوده الرمزي والمادي معًا.

ولا تظل هذه الرؤية الإنسانية عند فانون حبيسة التنظير المجرد، أو التحليل المفاهيمي، بل تتحول إلى التزام عملي يتجسد في اختياراته السياسية والأخلاقية. فقد أدرك، من خلال تجربته في العالم الكولونيالي، أن الاستعمار لا يُختزل في احتلال الأرض، بل هو مشروع شامل لنزع الإنسانية، يستهدف الإنسان في وعيه وجسده وتاريخه. لذلك رأى أن التزام الحياد في مثل هذا السياق يعد شكلاً من أشكال التواطؤ، وأن الانحياز إلى المقهورين يصبح واجبًا إنسانيًا قبل أن يكون موقفًا سياسيًا. فالاستعمار كما أشار إيميه سيزار  Aimé Césaire، هو عبارة عن عملية يتم من خلالها نفي الصفة الإنسانية عن الشعوب المستعمرة، وتحويلها إلى أشياء، أو كما يقول "تحويل الإنسان إلى جماد". 

ومن هنا، نفهم سبب انخراط فانون في حركة التحرير الجزائرية، وتمثيله لها في المحافل الدولية، بعد سنوات من النضال العملي والفكري ضد الهيمنة الاستعمارية الفرنسية على الجزائر. لقد وجد فانون في الثورة الجزائرية تجسيدًا حيًا للصراع من أجل استعادة الإنسان لإنسانيته، لا مجرد معركة وطنية معزولة، بل جزءًا من حركة تحرر عالمية تستهدف تفكيك البنية الكولونيالية أينما وُجدت. فموقفه من القضية الجزائرية لم ينبع من انتماء قومي أو عاطفي ضيق، بل من قناعة فكرية عميقة بأن تحرير الجزائر هو لحظة كاشفة لإمكان تحرر الإنسان المستعمَر في كل مكان.

وهكذا يتجلى دور فرانز فانون بوصفه مثقفًا عضويًا جمع بين الفكر والممارسة، بين التحليل النقدي والموقف الأخلاقي، وأسهم في صياغة خطاب تحرري يتجاوز السياق الجزائري ليكتسب بعدًا كونيًا. فقد جعل من تجربته مع الثورة الجزائرية مختبرًا فكريًا لإعادة التفكير في مفاهيم الحرية والعدالة والإنسانية، وربط بين التحرر الوطني والتحرر الإنساني الشامل، مؤكدًا أن الكرامة لا تتجزأ، وأن الدفاع عن حرية الآخر هو في جوهره دفاع عن إنسانية الجميع.

وعلى هدي ما سبق، يرى فرانز فانون أن الاستعمار لم يكتفِ بالسيطرة على الأراضي والشعوب، بل تجاوز ذلك إلى الاعتداء على جوهر الإنسان نفسه. لقد جرد الاستعمار السكان الأصليين من وظائفهم الحيوية، وهشّم وحدة الإنسان، وأفرز في بنية المجتمع شروخًا عميقة وصراعات متواصلة، تغذيها أبعاد طبقية متعددة. وعلى الصعيد الإنساني، أسفر الاستعمار عن تكريس الكراهية العرقية والاستغلال المنهجي، وصولًا إلى ارتكاب مجازر مروعة ضد من وُضعوا في أدنى مراتب الوجود الإنساني.

من هنا، يشدد فانون على أن مأزق الإنسان الأسود ينبع من علاقته بالآخر الأبيض، أو حتى من تفاعله مع البيئة المحيطة، حيث يُجبر على تقليد صورة مُصاغة له مسبقًا في ذهن الرجل الأبيض. تجسد هذه الصورة النمطية، المشحونة بالدونية والتخلف والحقارة، نموذجًا جاهزًا لفرض قيود على شخصية ووجود الإنسان الأسود، وفرض إطار سلوكي محدد يتحكم في سلوكه وهويته. ومن هذا المنطلق، يرى فانون أن المقاومة الحقيقية لا تبدأ إلا بإزالة هذه الصورة المفروضة، ليس فقط على مستوى الجسد والسلوك، بل قبل ذلك على مستوى الإدراك والفكر في وعي الآخر؛ أي تفكيك التمثيل المسبق للهوية السوداء في ذهن الرجل الأبيض، بما يتيح للإنسان المستعمَر استعادة وعيه بذاته، وإعادة بناء وجوده وفق شروطه الإنسانية الخاصة، بعيدًا عن الإكراه الرمزي والمعياري الذي فرضه الاستعمار.

لقد صاغ فرانز فانون رؤاه حول الاستعمار والحرية الإنسانية من منظور يجمع بين الفلسفة العميقة والتحليل النفسي المتقدم، حيث لم يكن يستوعب التجربة الاستعمارية على أنها حدث سياسي أو تاريخي، فحسب، بل كمخطط شامل يؤثر في بنية وعي الإنسان المستعمَر وهويته. في هذا السياق، يرى فانون أن التاريخ الإنساني، كما يُفهم من خلال منظور الاستعمار، ليس سلسلة متتابعة من الأحداث، بل فضاء صراعي دائم بين الهيمنة والتمرد، بين الظلم والتحرر، حيث تتشابك البنى السياسية والاجتماعية مع البنية النفسية للإنسان.

من خلال هذا التناول، يقدم فانون مقاربة ترى أن الاستعمار لا يقتصر على السيطرة الاقتصادية أو العسكرية، بل هو مشروع معرفي وثقافي ونفسي يخلق أنماطًا من الاغتراب والاضطراب الذاتي، ويعيد تشكيل وعي الإنسان ليجعله يقبل صورته النمطية في ذهن الآخر المسيطر. وهنا يتجلى الجانب الفلسفي لموقفه؛ إذ يشدد على أن تحرير الإنسان المستعمَر يستلزم تفكيك هذه الصورة المسبقة، ليس فقط على مستوى السلوك الجسدي، بل على مستوى الإدراك والفكر، كخطوة أولى نحو إعادة الاعتراف بالذات الإنسانية واستعادة كرامتها.

من جهة أخرى، يعكس فانون في كتاباته إرثًا معرفيًا متقدمًا؛ إذ يربط بين تحليل الاستعمار والتحليل النفسي للضحايا، ليوضح أن المقاومة والتحرر يتجاوزان حدود السياسة إلى أبعاد نفسية واجتماعية وثقافية أوسع، بل يشملان إعادة بناء الهوية الفردية والجمعية، واستعادة القدرة على إنتاج المعنى والاختيار الحر.

وتبعًا لذلك، تسلط مقاربته الضوء على دور المثقف والفكر الواعي كأدوات مركزية في هذه العملية، فهو يرى أن الوعي النقدي والتحليل العميق يمكّنان الإنسان من تجاوز القيود الرمزية والاستلاب الفكري، ليكون بمثابة عامل تحرر يفتح الطريق أمام مشروع إنساني جامع قائم على العدالة والمساواة والكرامة.

وبذلك، يشكل موقف فانون نقطة ضوء في دراسة الهوية والمقاومة والتحرر البشري، فهو يقدّم رؤية متكاملة تضع الإنسان في مركز التاريخ، لا ككائن مسلوب أو تابع، بل كفاعل قادر على إعادة صياغة وجوده ووعي الآخر به، في مواجهة إرث طويل من الظلم والقهر. والحال هذه، أن رؤية فانون لا تقتصر على نقد الماضي، بل تمثل مشروعًا مستقبليًا يتجاوز قيود الزمان والمكان، ليضع أسس فهم متجدد للتاريخ البشري، ويفتح آفاقًا واسعة أمام إمكانيات التحرر الفردي والجماعي.

إجمال استنتاجي:

ينطلق فانون من فهم أن الاستعمار لا يقتصر على علاقة قوة مؤقتة أو سيطرة سياسية واقتصادية، بل يشكّل بنية شاملة تغرس آثارها العميقة في النفس، والوعي، والثقافة، واللغة، وفي كل مستويات العلاقة بين الذات والآخر. فالهيمنة الاستعمارية لا تقتصر على الظاهر المادي، بل تمتد لتشمل إنتاج التمثلات، وصياغة المعايير الرمزية والاجتماعية التي تتحكم في تحديد قيمة الإنسان المستعمَر، وتحويله إلى كائن وظيفي أو مادة مطواعة للسيطرة، بما يعكس مشروعًا منهجيًا للسيطرة النفسية والمعرفية إلى جانب السيطرة المادية. من هنا، يمكن النظر إلى الكولونيالية على أنها "آلة إنتاج للاغتراب"، تتجاوز الاستلاب السياسي لتستثمر في تشكيل وعي الذات وهويتها، وفرض صورة نمطية مشوهة للإنسان المستعمَر في ذهن المستعمِر وفي وعيه الذاتي.

ويقوم الفكر الفانوني على ثلاثة أبعاد مترابطة: البعد النفسي، الذي يكشف عن تشوهات الذات الناجمة عن التجربة الاستعمارية وعن انقسام الإنسان بين ما هو عليه وما فُرض عليه أن يكونه؛ البعد الاجتماعي والسياسي، الذي يوضح كيف يعاد إنتاج الهياكل الطبقية والتمييزية داخل المجتمع المستعمَر، حتى بعد انتهاء الاحتلال المباشر؛ والبعد الرمزي والمعرفي، الذي يكشف دور الخطاب الاستعماري في إعادة تشكيل اللغة، والتاريخ، والذاكرة الثقافية، بحيث تتحول المعرفة إلى أداة للهيمنة، والوعي إلى ساحة صراع دائم بين الاستلاب والتحرر.

ويُعدّ الفعل الكتابي والتحليلي عند فانون جوهريًا في هذا السياق؛ فهو لا يقتصر على تدوين الأحداث أو تسجيل الشهادات التاريخية، بل يمثل ممارسة معرفية نقدية تنبثق من تجربة الجرح الاستعماري. فالكتابة من ندبة الاستعمار، كما يوضح فانون، فعل وجودي معرفي مزدوج، يكشف عن التشوهات والتمثلات المشوهة في وعي الفرد والجماعة، ويحوّل أثر العنف إلى مادة للتفكير النقدي، ومجال لإعادة بناء الذات والهوية. وفي هذا الصدد، تصبح الكتابة أداة تحريرية تمكن الإنسان المستعمَر من استعادة صوته، ومن إعادة صياغة علاقته بالزمن والتاريخ واللغة، بعيدًا عن الإكراه الرمزي والمعياري الذي فرضه الاستعمار.

ويكمن العمق الفلسفي في مقاربة فانون في أنه لا يقتصر على النقد الظاهري للممارسات الاستعمارية، بل يمتد إلى تفكيك أسس المعرفة والهوية التي أنتجها المستعمِر. فخطابه يفضح كيف يُخضع الاستعمار الإنسان للتمثيل المسبق في ذهن الآخر، ويجبره على تقليد صورة نمطية مشوهة، تتسم بالدونية والحقارة، وتفرض إطارًا سلوكيًا يحدّد شروط وجوده. ومن هنا، يرى فانون أن المقاومة الحقيقية تبدأ بتفكيك هذه الصورة المسبقة على مستوى الإدراك والفكر، لتصبح الذات المستعمَرة قادرة على استعادة وعيها بذاتها، وإعادة بناء وجودها وفق شروطها الإنسانية الخاصة. وهكذا يتضح أن التحرر عند فانون لا يقتصر على استعادة الأرض أو السلطة، بل يمتد إلى إعادة بناء الإنسان ككائن فاعل قادر على إنتاج المعنى وإعادة صياغة التاريخ والوعي.

كما أن الفكر الفانوني يربط بين التحرر الشخصي والتحرر الجماعي؛ فالوعي النقدي والتحليل العميق للذات المستعمَرة يمتدان ليشمل المجتمع بأسره، ويحوّل تجربة الألم الجماعي إلى فعل مقاومة منهجي، يُعيد توزيع القوة الرمزية والثقافية، ويتيح للخطاب التحرري أن يصبح أداة لتفكيك البنى الاستعمارية المستمرة في الثقافة واللغة والتاريخ. وفي هذا السياق، يلعب المثقف دورًا محوريًا، فهو ليس مراقبًا أو ناقلًا للخبرة التاريخية فحسب، بل فاعلًا معرفيًا يحوّل التجربة إلى فعل نقدي وتحريري، ويعيد للوعي قدرته على الفعل والإنتاج الحر للمعنى.

إن مقاربة فانون ما بعد الكولونيالية تضع الإنسان في قلب التاريخ، ليس ككائن مسلوب أو تابع، بل كفاعل قادر على استعادة كرامته، وبناء وعيه، والتحرر من قيود المركزية الأوروبية التي أسست فكرة "الإنسان الكامل" على حساب الآخر المستعمَر. ومن هذا المنطلق، فإن مشروع فانون الفكري لا يكتفي بنقد الماضي، بل يتجاوز ذلك ليضع أسس فهم متجدد للتاريخ الإنساني، ويمد آفاقًا واسعة أمام إمكانيات التحرر الفردي والجماعي، مؤكدًا أن إنسانية الإنسان المستعمَر ليست هبة من الاستقلال السياسي فحسب، بل نتاج صراع مستمر لإعادة بناء الذات وتحريرها من كل أشكال الهيمنة المادية والرمزية والمعرفية.

ويمكن القول إن فانون، من خلال أعماله الأساسية (بشرة سوداء، أقنعة بيضاء ومعذبو الأرض)، أرسى أفقًا معرفيًا وفلسفيًا يتجاوز الأدب أو الممارسة السياسية الضيقة، ليصبح نموذجًا متكاملًا لفهم الكولونيالية كنسق شامل للهيمنة، وللتفكير النقدي كأداة للتحرر، وللخطاب التحرري كوسيلة لإعادة تعريف الإنسانية والهوية خارج إطار الاستلاب التاريخي والثقافي. وهكذا، يقدم فانون رؤية فلسفية متماسكة تقوم على ربط التحليل النفسي والاجتماعي والسياسي مع الممارسة النقدية والمعرفية، لتشكل قاعدة متينة لأي دراسة أكاديمية متعمقة حول الاستعمار، والتحرر، وما بعد الكولونيالية.

***

عبد القادر فيدوح - الجزائر

في المساقات الماضية، انتهينا مع (ذي القُروح) إلى اتفاق قَيصري- كاتفاق (ترمب) مع (إيران)- خلاصة بنوده، أنَّه لا يلزم فنونَ السَّرد شرحُ تفاصيل المسكوت عنه على الملأ. بل إنَّ في هذا خطأً في فهم وظيفة الكتابة أصلًا، ووظيفة الأدب خاصَّة. وأنَّ الإشكال هنا يتخطَّى بنا الضَّلال عن طبيعة الكتابة ووظيفتها إلى الدخول إلى دائرة الترويج للمسكوت عنه نفسه والإغراء به. قلتُ:

- قرِّب الصُّورة!

- لنأخذ هنا نموذج مواسمنا الرمضانيَّة للضحك والتهريج. ويا للمفارقة، أن يصبح رمضان موسم لهوٍ ولعبٍ وقِلَّة أدبٍ أحيانًا!

- حسنًا أن احترزتَ ب-«أحيانًا»!

- أنت لَمِظٌ لَماظًا عجيبًا، يا صديقي! نعم، لقد صار رمضان موسمًا يُعَدُّ له طوال العام، من أجل بثِّ أعمال هابطة غالبًا، بمقاييس العقل والتربية والفنِّ والقِيَم كافَّة. واستمرأتْ المسلسلاتُ الرمضانيَّة الإثارة، والضَّحك للضَّحك على ذقون المشاهدين، وبأيَّة صورةٍ من الصُّوَر، تكرُّها القنوات على أدمغتهم كلَّ عام. ومن ثَمَّ تأخذ على عاتقها الترويج لقِيَمٍٍ فاسدةٍ لمجرَّد لفت الأنظار، وإثارة الجدل، وفتح الأفواه بشكلٍ أو بآخر، عِوض أن تحاول معالجة قضايا المجتمع بمسؤوليَّة. ولستُ أدري هل القائمون على ذلك قد بلغ بهم تدنِّي الرؤية إلى ذلك الحدِّ، الذي لا يُتيح لهم التنبُّه إلى خطورة ما يفعلون؟ ولاسيما بحقِّ فئاتٍ هي معظم المشاهدين، كالأطفال والمراهقين ومَن لم يُؤتَوا حظًّا كافيًا من الثقافة والحِسِّ النقديِّ للتمييز بين غَثِّ الأمور وسمينها، وبين حقِّها وباطلها، وحقيقتها وخيالها. أم أنَّ المغرِيات باتت تُسوِّغ ذلك كلَّه رغم الأنوف؟ وإلَّا فكيف يُسوَّغ لها تكرار الفكاهات السمجة، عن طريق إبراز قيم ثقافيَّة سيِّئة، كالعنصريَّة ضِدَّ شعوبٍ أخرى، ومنها العَرَبيَّة والإسلاميَّة، تنقُّصًا وسخرية؟ وهل تنقُص مجتمعنا العَرَبي تلك الأمراض العريقة المزمنة؟! أم كيف يُسوَّغ تكرار استثارة الضَّحك بتمثيل سلوكيَّات اجتماعيَّة مُضِرَّة بالأمن الاجتماعي، مثيرة لبعض الشباب، كمهارات «التفحيط/ التقحيص/ التشفيط»؟ وكيف يُسوَّغ البحث عن ضحكة المشاهد بالتهكِّم بكبار السن، وبالوالدَين، أو تشخيص المقالب بين الأصدقاء، وبطرائق مشينة، ربما بدت أقرب إلى الترويج للجريمة؟ حتى لقد بلغ من طرائف أحد مسلسلاتنا المشهورة محليًّا عبر قرابة عقدين من السنوات- وبحسب ذوق القائمين عليه- أن قدَّم مشهدًا في أحد الرمضانات لصديقَين يشوي أحدهما للآخَر كلبًا، ويقدِّمه له على أنه لحمٌ حلال، ثمَّ يُقدِّم أباه الأعمى للصَّلاة أمام حوض سباحة، لينكبَّ عند سجوده على وجهه في الحوض، والمشاهدون في أثناء ذلك يشاهدون ويضحكون في بلاهة! قد يتقزَّزون بادئ الأمر، ثمَّ يصبح الأمر اعتياديًّا لديهم بعد حين، ويدخل في باب المعابثات الممكنة بين الناس. وسيظهر من السُّفهاء من يحاكي ذلك. ألَ-م يأت ذلك في أشهر مسلسلٍ محلِّي، وفي أكرم شهور الله، شهر رمضان المبارك؟ وماذا في ذلك؟!

- معك حق «أحيانًا»! ثَمَّة مشاهد متلفزة تُرمَى في وجه المُشاهد بصفاقة، وبلا هدف، سِوَى انتزاع ضحكةٍ ساذجةٍ من هنا، أو كالحة من هناك، ليُفطر الصائم عمَّا أحلَّ الله على بعض ما حرَّم، وقد أَعَدَّ مائدته له بعض فنَّانينا «العظماء»!

- وما فتئ ذلك النوع من الفنِّ الهزليِّ الهزيل يُلقي بكلِّ القيم الدِّينيَّة والنفسيَّة والعقليَّة والتربويَّة والاجتماعيَّة، وبمشاعر الناس ومبادئهم المرعيَّة، عُرض الحائط ، من أجل كسب مالٍ أو جماهيريَّةٍ غوغائيَّة، عبر أعمال لا إسراف في وصفها بأنها هابطة، شكلًا ومضمونًا، لا غاية لها ولا رسالة، إلَّا غاية الرِّبح ورسالة الاستفزاز.

- أ فهذا فنٌّ أم [ع]فن؟

- حقًّا، إنَّ أصحاب الفنون والآداب كثيرًا ما يخذلون المدافعين عنهم، في عالمنا العَرَبي خاصَّة، حين يُصِرُّون على إثبات أنهم بالفعل بلا مسؤوليَّة، وبلا حسٍّ إنسانيٍّ أو اجتماعيٍّ. إذ يتعرَّون على الملأ بضحالة ما يحملون من وعيٍ، وما يتمخَّضون عنه باسم الفن والأدب من سفاهة؛ كي يرَى كلُّ ذي عينَين، إنْ كانت وراءهما مسكة من عقل، أنَّ الأمر يختلف لدينا عن ذلك الصراع حول بعض الفنون في المجتمعات المتحضِّرة لأسباب فكريَّة جادَّة، فيشهد أنَّ ما لدينا لا يعدو في الغالب أمر فئتين: فئة متزمِّتة، تحرِّم كلَّ شيء، وأخرى تقابلها من صبيةٍ ومهرِّجين، يعيشون على تصفيق أمثالهم.

- وعليه، فإنَّ أجواءنا التي تعجُّ بالدعاوَى ينبغي أن تُمحَّص، وأن تقال كلمة الحقِّ فيها، ولو كَرِه الكارهون، بعيدًا عن المجاملات والخيانات لمسؤولية الكلمة.

- ومن تلكم الدعاوَى، التي يتعلَّق بها مَن يستخدم شعارات حقٍّ للدفاع عن باطل: شِعار «كشف المسكوت عنه». إذ لا ريب أن «كشف المسكوت عنه» بالطرق المسؤولة الصحيحة فيه تهذيب وإصلاح، والنقد الاجتماعي: تهذيبٌ وإصلاح، وتوعية الناس عن طريق الفنون- ومرَّة أخرى بوسائط فنيَّة لا وَعْظِيَّة- تهذيبٌ وإصلاح كذلك. والثقافات كلُّها، والفنون والحضارات، إنَّما هدفها تهذيب الناس وإصلاح حياتهم، وتعزيز الحقِّ والخير والجمال في النفوس. والخلط في هذه المبادئ والمفاهيم لا يتأتَّى إلَّا عن جهلٍ وضيق عَطَن، أو عن مرضٍ نفسيٍّ، يدفع صاحبه إلى مراوغاتٍ متعمَّدة، ليُقنع نفسه قبل غيره أنَّه على جادَّة الحق، فيذهب إلى تبرير الانحرافات الأخلاقيَّة التي تُعُجُّ بها الأعمال الأدبيَّة- ولاسيما الروائيَّة- على أنَّها إبداع، وفن، وثقافة، وحُرِّيَّة، وكشف مسكوت عنه... إلى آخر هذا الهذر التسويقي.

- قرأتُ مرَّةً اعتراضًا عليك من أحد «المبدعين الأمناء!»، جاء فيه: كيف تقول عن المبدعين إنهم مرضى نفسيون، ومنحرفون أخلاقيًّا، ومجرمون أدبيًّا! وترى أن ما يكتبه المبدع من خلال فضحه المسكوت عنه، ما هو إلَّا عدوان على المجتمع، يجب أن يُحاسَب مقترفه ويُعاقَب قانونيًّا، كأيِّ مرتكب جُنحةٍ تقع تحت طائلة القانون؟ اتقِّ الله!

- أوَّلًا، هذا تحريفٌ للكَلِم من بعد مواضعه. وتلحظ التحريف هنا لا من خلال حذف الجزئية القائلة «إن الكُتَّاب بشر، ومنهم أنفسهم مرضَى...» فحسب، ولكن أيضًا بإضافة: «ويرَى أن ما يكتبه المبدع من خلال فضحه المسكوت عنه، ما هو إلَّا عدوان...»، فيما أصل القول هو: «أيُّ فنٍّ لا يسعى إلى التهذيب والإصلاح- بطريقته الفنيَّة لا بطريقة وَعْظِيَّة مباشرة- هو عدوان...». وهذا المثال- على انكشاف أحابيله الساذجة- يلفتك إلى عِيٍّ في «القراءة»، يعاني منه بعض من يدَّعون الأدب، إلى جانب عجزهم عن استيعاب المفاهيم. وهما معوِّقان يجعلان من المتعذِّر الحِوار مع ذهنيَّات كتلك، لا تفهم ما يُقال، أو ربما لا تريد أن تفهم. هذا إنْ أُحسِن الظَّنُّ بأصحابها عن أن تكون جدليَّاتهم محض مغالطات، وانتقائيَّات، تسوِّق ما تريد لما تريد، على طريقة «ولا تقربوا الصلاة»! وهنا تنتقل الأزمة بنا، كما يتَّضح من هذا المثل، من ساحة الأدب- من حيث هو أدب- إلى ساحتَين جذريَّتين في البناء الثقافي العامِّ في عالمنا العربي: ساحة اللُّغة، ومَلكات التواصل، فهمًا وإفهامًا، وساحة الأمانة العِلميَّة في نسبة الأقوال إلى أصحابها، كما قيلت، لا كما نودُّ لو قيلت. مع النزاهة في مقاربة قولهم، بعيدًا عن «الشخصنة»، وإنْ اختلفنا معهم كلَّ الاختلاف! أمَّا من حيث علاقة الأدب والأدباء بعِلم النفس والاجتماع، فهو ما لا يُنكِره عاقل. بل إنَّ نظرية (سيجموند فرويد) في التحليل النفسي قد أقيمت على تحليل حالات الأدب والأدباء. وكان يقول: إنَّ الأديب (عصابيٌّ) يعالج نفسَه بأدبه، فلا يُصيبه ما يصيب غيره، ممَّن لا ينفِّسون عن عُقَدهم، أو حالاتهم، بوسائل تشفيهم ممَّا في نفوسهم. وهكذا كان الأدب مادَّةً أساسًا في عِلم النفس، وعِلم الاجتماع، والدراسات حول الأخلاق والقِيَم. وليس ذلك من فراغ!

 مرفأ

ولَوْ أَنَّ الحِجابَ شَذَاهُ زَالا

لَما ازْدَدْنا بِطَلْعَتِهَا هِلالا

*

مُدَجَّجَةً صَبَاحًا مِنْ عَبِيْرٍ

يُبَدِّدُ في المَدَى لَيْلًا تَتَالَى

*

تُجَدِّدُ في الضُّلُوْعِ هُيَامَ صَبٍّ

قَدِيْمٍ في الهَوَى أَضْحَى مِثَالا

*

وتَحْتَ لِسَانِها لَيْلَى ولُبْنَى

بِغَيْمِ شَبَابِها ارْتَشَفَتْكَ آلا

*

ومَنْ يَكُ ذا فَمٍ مِنْ سَلْسَبِيْلٍ

يَذُقْ شَهْدًا بِه الدَّاءَ العُضَالا

*

ويُوْرِقُ غُصْنُهُ شَمْسًا وظِلًّا

ويُوْرِثُ في الوَرَى قِيْلًا وقَالا!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

سؤال المدرسة في زمن التحول التربوي

إنَّ السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرَح اليوم، في ظلِّ التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم، ليس فقط: هل يتعلَّم أبناؤنا داخل المدرسة؟، بل: أيُّ نوع من التعلُّم يتلقَّونه؟ وأيُّ إنسان تُسهم المدرسة في تشكيله؟

ذلك أنَّ الحديث عن إصلاح المنظومة التربوية لا يمكن اختزالُه في تعديل البرامج والمناهج أو الرفع من نسب النجاح، بل يجب أن ينطلق من مساءلة الفلسفة التي تؤطِّر المدرسة ووظيفتها داخل المجتمع.

لقد جاءت خارطة الطريق 2022-2026، وكذا مقتضيات القانون الإطار 51.17، بمجموعة من المرتكزات التي تُؤكِّد على ضرورة الانتقال من مدرسة التلقين إلى مدرسة التمكين، ومن منطق الحفظ والاستظهار إلى منطق بناء الكفايات والشخصية والاستقلالية الفكرية. ويتجلّى ذلك بوضوح في المادة 22 المتعلقة بالمواكبة النفسية والاجتماعية للمتعلمين، وفي الرافعة الخامسة المرتبطة بالتعلم الذاتي وبناء المشروع الشخصي والاندماج، إضافة إلى المشروع العاشر الهادف إلى حفز التفتح واليقظة لدى المتعلمين، والمشروع الرابع عشر المتعلق بإدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتمكين المتعلمين من استعمالها بشكل عقلاني وفعّال.

غير أنَّ الواقع التربوي داخل عدد كبير من المؤسسات التعليمية ما يزال بعيدًا عن هذه الرهانات. فما يزال التعليم، في كثير من الأحيان، محكوما بمنطق التبليغ الأحادي للمعرفة، حيث يتحول المدرس إلى ناقل للمضامين الدراسية، ويتحول المتعلم إلى متلقٍّ سلبيٍّ لا يُطلَب منه سوى الحفظ وإعادة الإنتاج أثناء الامتحانات. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل وظيفة المدرسة هي ملء أذهان المتعلمين بالمعلومات، أم بناء إنسان قادر على التفكير، والتحليل، والنقد، والاختيار؟

إنَّ الأزمة الحقيقية التي تعيشها المدرسة ليست أزمة مقررات أو ساعات دراسية فحسب، بل هي أزمة رؤية وفلسفة. فالمعرفة التي تُنقَل داخل المدرسة غالبًا ما تُقدَّم للمتعلمين باعتبارها حقائق ثابتة ونهائية، في حين أن المعرفة الإنسانية، في جوهرها، نسبية ومتطورة وقابلة للنقاش والتجاوز. فالمعارف العلمية لا تسقط من السماء، بل يُنتجها الإنسان داخل سياقات اجتماعية وثقافية وتاريخية محددة، وتتأثر بشروط الزمان والمكان وبالخلفيات الفكرية للباحثين أنفسهم.

ومن هنا، فإنَّ أخطر ما يمكن أن تقع فيه المدرسة هو تجريد المعرفة من سياقها الفكري والتاريخي، وتحويلها إلى معطيات جامدة يُطلب من المتعلم استظهارها دون مساءلة أو تفكير. لأنَّ هذا النمط من التعليم لا يُنتج عقولا مفكرة، بل يُنتج ذهنيات استهلاكية عاجزة عن النقد والإبداع والمبادرة.

لقد أثبتت نظريات التربية الحديثة، من البنائية عند “بياجي” إلى السوسيوبنائية عند “فيغوتسكي”، أنَّ التعلُّم الحقيقي لا يتحقق عبر التلقين، بل عبر بناء المتعلم للمعرفة بنفسه، من خلال التفاعل، والتجريب، وحل المشكلات، وربط التعلمات بالواقع. كما أنَّ التربية المعاصرة لم تعد تعتبر المتعلم وعاءً فارغًا، بل ذاتًا فاعلة تمتلك تمثلات وتجارب وقدرات ينبغي استثمارها داخل العملية التعليمية التعلمية.

ولذلك، فإنَّ المدرس لم يعد مجرد ناقل للمعلومات، بل أصبح مطالبًا بأن يكون موجِّهًا ومؤطِّرًا ومُيسِّرًا للتعلُّم، ومساهمًا في بناء شخصية المتعلم نفسيًا وفكريًا واجتماعيًا. وهذا الدور لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كان المدرس نفسه ممتلكًا لوعي تربوي وفلسفي يجعله قادرًا على مساءلة المعرفة التي يُدرّسها، وفهم طبيعتها وحدودها وخلفياتها الفكرية.

إنَّ المدرسة التي تُعلِّم المتعلم كيف يحفظ فقط، تُخرِّج أفرادًا قابلين للتوجيه والانقياد، أما المدرسة التي تُعلِّمه كيف يفكر، فإنها تُخرِّج مواطنين أحرارًا قادرين على الإبداع والمشاركة في بناء المجتمع. ولذلك، فإنَّ تنمية الفكر النقدي لم تعد ترفًا فكريًا، بل أصبحت ضرورة حضارية في عصر الانفجار المعرفي والثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي.

ولعلَّ من المفارقات الكبرى أنَّ المدرسة ما تزال تُركِّز على كمٍّ هائل من المضامين المعرفية، في وقت أصبحت فيه المعلومة متاحة بضغطة زر. فلم يعد التحدي الحقيقي هو الوصول إلى المعرفة، بل القدرة على تحليلها، وتمحيصها، واستثمارها، والتمييز بين الصحيح والزائف منها. وهذا ما يفسر التحول العالمي نحو تعليم الكفايات، والمهارات الحياتية، والتعلم الذاتي، والتربية على التفكير النقدي والإبداعي

إنَّ الاقتصار على التبليغ الجاف للمعرفة يجعل المدرسة مؤسسة منفصلة عن المجتمع، وعن التحولات التي يعرفها العالم. كما يجعل المتعلم يشعر بأن ما يتلقاه داخل القسم مجرد مضامين مفروضة عليه لا علاقة لها بحياته اليومية ولا بمشاريعه المستقبلية. وهنا تتراجع الدافعية نحو التعلم، ويتحول التعليم إلى عبء نفسي بدل أن يكون أداة للتحرر والارتقاء الاجتماعي.

ومن جهة أخرى، فإنَّ بناء شخصية المتعلم لا يتحقق عبر الدروس فقط، بل عبر طبيعة العلاقات البيداغوجية والتربوية التي يعيشها داخل المؤسسة التعليمية. فالمتعلم الذي يُسمح له بالتعبير، والنقاش، وطرح الأسئلة، والخطأ، والتجريب، ينمو لديه الإحساس بالثقة والاستقلالية والقدرة على المبادرة. أما المتعلم الذي يُختزل دوره في الصمت والحفظ والطاعة، فإنه يفقد تدريجيًا فضوله الفكري ورغبته في الاكتشاف.

إنَّ المدرسة الحديثة مطالبة اليوم بأن تُعيد الاعتبار للإنسان داخل العملية التعليمية، وأن تجعل من المعرفة وسيلة لبناء الذات لا غايةً في حد ذاتها. فالمعارف قد تُنسى، وقد تصبح متجاوزة مع مرور الزمن، لكن ما يبقى راسخًا هو طريقة التفكير، والقدرة على التحليل، والكفايات الحياتية، والقيم التي يكتسبها المتعلم خلال مساره الدراسي.

ولهذا، فإنَّ إصلاح المدرسة لا ينبغي أن ينحصر في تغيير المناهج أو الكتب المدرسية فقط، بل يجب أن يشمل إعادة النظر في فلسفة التكوين الأساس والمستمر للمدرسين، حتى يصبح المدرس مثقفًا تربويًا واعيًا برسالته، لا مجرد منفذ تقني للمقررات الدراسية. لأنَّ المدرس الذي لا يمتلك رؤية تربوية واضحة، غالبًا ما يسقط في رتابة الممارسة اليومية، ويُحوِّل القسم إلى فضاء للحفظ والاستظهار بدل أن يكون فضاءً للحوار والتفكير وبناء المعنى.

إنَّ المجتمعات التي حققت تقدُّمًا حقيقيًا لم تصل إليه بكثرة الشهادات ولا بحشو الأدمغة بالمعلومات، بل ببناء إنسان يمتلك العقل النقدي، والقدرة على الإبداع، وروح المبادرة، والوعي بقضايا مجتمعه. ولذلك، فإنَّ السؤال الذي ينبغي أن يوجِّه كل إصلاح تربوي هو: أيُّ مواطن نريد أن تُنتجه المدرسة؟

هل نريد متعلمًا يُجيد استرجاع الدروس أثناء الامتحان فقط؟ أم نريد إنسانًا قادرًا على التفكير الحر، والتعلُّم الذاتي، والمساهمة في التنمية العلمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية لوطنه؟

إنَّ المدرسة التي لا تُعلِّم أبناءها كيف يفكرون، ستجد نفسها عاجزة عن إعدادهم لمواجهة عالم شديد التعقيد والتغير. أما المدرسة التي تجعل من المتعلم محورًا حقيقيًا للعملية التعليمية، وتربط المعرفة بالحياة، وتُنمِّي الفكر النقدي والوعي والابتكار، فهي وحدها القادرة على صناعة المستقبل وبناء مجتمع المعرفة.

***

فؤاد لوطة - كاتب مغربي وأستاذ اللغة العربية

 

تأخذ أسطورة "أنشودة النيبلونغ" (The Nibelungenlied) مكانها وأهميتها بين أكثر الأساطير الجرمانية في أوروبا شهرة واهتماما، وقد أبدع ريتشارد فاغنر (Richard Wagner) في إعادة بنائها فنيًا وتوظيفها جماليا وفكريا في عمله الفريد "خاتم النيبلونغ" (Der Ring des Nibelungen). ويرى معظم النقاد أن هذه الأسطورة ليست مجرد حكاية خيالية، بل تحتضن عالما رمزيا مفعما بالدلالات والمعاني التي تدور حول السلطة والقوة والطمع واللعنة والمصير وسقوط الحضارات. وترجع جذور الأسطورة إلى التراث الجرماني والإسكندنافي القديم، وقد تداخلت فيها الأساطير النوردية عن الآلهة مثل أودين (Odin) ولوكي (Loki)، وقصص الأبطال الجرمان، والحكايات الشعبية عن الذهب والخواتم السحرية والتنانين. وترمز كلمة "نيبلونغ" (Nibelung) إلى أصحاب الكنز الملعون. وأصبحت الكلمة لاحقًا مرتبطة بالخاتم السحري واللعنة التي ترافقه (1) .

تبدأ الأسطورة بوجود كنز سحري من الذهب موجود في نهر الراين (Rhine). يقوم أحد أبطال الأسطورة القزم ألبريش (Alberich) بسرقة الذهب ومن ثم يصنع منه خاتما يمنح صاحبه قوة هائلة للسيطرة على العالم، لكن الحصول على هذه القوة يتطلب التخلي عن العاطفة والحب والمشاعر الإنسانية. ومن هنا تبدأ اللعنة: إذ كان على كل من يمتلك الخاتم أن يصبح أسيرًا للطمع والرغبة في الهيمنة،وفي ظل هذا الطمع البشري يسعى الأبطال إلى امتلاك الخاتم فتنشب الحروب وتنمو الخيانة وترتكب المجازر البشرية ويرتفع منسوب القتل، وتسقط الآلهة والأبطال تباعًا، وينتهي العالم القديم إلى الدمار (2).

وقد جُمعت هذه العناصر القصصية في الملحمة الألمانية الوسيطة "أنشودة النيبلونغ" (The Nibelungenlied)، ثم أعاد فاغنر (Wagner) تحويلها إلى ملحمة أوبرالية فلسفية ساحرة. و تنطوي هذه الملحمة على منظومة رمزية متكاملة في حبكة محكمة إذ يرمز الخاتم إلى السلطة المطلقة والقوة والسيطرة والتملك المطلق. لكن هذه السلطة تحمل لعنة داخلية؛ فكل من يسعى للهيمنة يفقد إنسانيته تدريجيًا. ولهذا قرأ كثير من الفلاسفة هذا العمل بوصفه نقدًا للطمع السياسي والاقتصادي. وفي هذه الملحمة الشعرية يرمز الذهب إلى إغواء المادة والثروة والطمع، فذهب الراين ليس مجرد معدن، بل رمز للثروة والجشع والرغبة في تحويل العالم إلى ملكية قابلة للسيطرة.

وهنا تظهر فكرة قريبة من نقد الحداثة والرأسمالية عند مفكري النظرية النقدية. إذ تتضمن الأسطورة فكرة التخلي عن الحب من أجل صنع الخاتم والحصول عليه، وهذا يعني رمزيًا أن الهيمنة المطلقة تتطلب التضحية بالعاطفة والإنسانية. لذلك ترتبط الأسطورة بفكرة اغتراب الإنسان عن ذاته. وفي النهاية نهاية الأسطورة ينهار عالم الآلهة نفسه ويؤدي هذا السقوط إلى نهاية النظام القديم، وانهيار السلطة المتعالية، وعجز القوة عن تحقيق الخلاص. وقد رأى بعض الباحثين أن فاغنر (Wagner) كان يصوّر أزمة الحضارة الأوروبية الحديثة.(3) وصف فاغنر خاتم النيبلونغ (The Ring Of The Nibelungen) بأنه " صورة كاملة لتاريخ البشرية من بدايات المجتمع إلى الانهيار الضروري للدولة"(4).

وعندما يُسرق خاتم النيبلونغ، الذي يمنح من يمتلكه سلطة على العالم وإمكانية الوصول إلى كنز النيبلونغ، يسيطر فوطان سيد الآلهة على الخاتم فينتشر الشر والبلاء الذي لا يمكن أن يتوقف إلا بعد قبل سقوط الآلهة وإعادة الخاتم إلى الطبيعة. يسعى الإله فوطان بكل الوسائل الممكنة لتوسيع سلطته، ومن خلال إخضاع الآخرين لإرادته عبر التفكير الحسابي وعقد التحالفات والمعاهدات، لفرض نظام دائم على العالم. لكن مشروعه محكوم عليه بالفشل وغارق في الخطيئة التي لا يستطيع التكفير عنها، وينتهي به الأمر إلى الاستسلام لمصيره(5). وترمز الأسطورة في هذا السياق إلى فكرة مركزية قوامها : أن السعي إلى السيطرة المطلقة يتطلب التخلي عن القيم الإنسانية، وهذا بدوره يقود حتمًا إلى الفساد والانهيار والسقوط الإنساني والحضاري ، وغني عن البيان أن هذه الأسطورة قد وضعت لنقد للسلطة وللطمع والجشع والعقل الأداتي الذي يضع القوة فوق الإنسان.

أما عن كيف عاد الخاتم إلى الأرض، ففي نهاية ملحمة “خاتم النيبلونغ "يعود الخاتم إلى الأرض عبر حدث درامي رمزي قوي؛ كيف حدث ذلك؟ البطلة برونهيلده (Brünnhilde) تدرك أن الخاتم جلب الدمار بسبب لعنة السلطة والطمع والجشع ، فتقرر إنهاء هذه اللعنة، فتأخذ الخاتم وتلقي بنفسها في النار (محرقة جنازة زيغفريد)، وتمتد النيران لتدمّر عالم الآلهة (فالهاﻻ)، وبعد ذلك يفيض نهر الراين (Rhine) وتعود حوريات الراين لاستعادة الخاتم فيُعاد إلى موضعه الطبيعي في الماء؛ وهنا نجد أن المعنى الرمزي لعودة الخاتم إلى الأرض والماء يدل على نهاية هيمنة القوة الفاسدة واستعادة الطبيعة لما سُلب منها وسقوط عالم قائم على الطمع والسلطة؛ وباختصار عاد الخاتم إلى الأرض عندما ضحّت برونهيلده بنفسها وأعادته إلى نهر الراين، في إشارة إلى نهاية اللعنة واستعادة التوازن الطبيعي.

وعلى هذه الصورة الأسطورية لـــ “خاتم النيبلونغ " يعتمد كل من أدورنو وهوركهايمر في كتابهما "جدلية التنوير" هذا التصور لتفسير نشأة العقل الأداتي وسطوته. وعلى هذا الساس يطوران البداية أطروحتها القائلة : إن الأشكال الصارمة للوعي " الأسطوري" تفسر لنا أن التغلب على الطبيعية يعقبا التغلب على الإنسان وتدمير الجانب الإنساني في الحضارة . فالعقل الأداتي الذي يتمثل في خاتم النيبلونغ يمثل يتحول في النهاية إلى قوة استلابية يمارسها الإنسان على نفسه وعلى الآخرين في محاولة السيطرة على العالم واستغلال الطبيعة. إن ظهور العلم والتفكير التنويري يكتسح الأساطير القديمة مدعيًا استبدالها بمعرفة حقيقية بالعالم وآلياته. لكن العلم والتنوير هما ورثة قوة الهيمنة، أي الأسطورة اللاحقة. إن قوة الطبيعة التي كان " البدائيون" يخشونها تتجلى في الخلايا الداخلية للتنوير، في القوى الأسطورية للعلم التي من خلالها يهبط الرجال والنساء بحياتهم إلى مستوى الأشياء.

وكلما ازداد هذا التحكم بالطبيعة اكتمالًا، ازداد شمول نظام الهيمنة الاجتماعية الذي يتحقق من خلاله هذا التحكم. فالعلم والتكنولوجيا جزء لا يتجزأ من البنى الإدارية التقنية-العقلانية للمجتمعات الرأسمالية الحديثة. علاوة على ذلك، فإن القوة التلاعبية للمجتمع الحديث تدخل في تشكيل الذاتية الحديثة. ومن خلال العمل المتواصل لصناعات الثقافة، تُسلَّع الثقافة الشعبية وتُحوَّل إلى ثقافة صنمية فيتشية ضد الإنسان والإنسانية . وتتجلى فيما أطلق عليه أدورنو " المدّ القذر لصناعة الترفيه" التي تشكل نظاما مدمرا لصياغة التأثيرات على جسد الفرد وروحه من أجل تفكيك عناصر وجوده الإنساني وتحويله إلى كائن مستلب يزداد تفككًا ونرجسية وأنانية. إن عمل صناعات الثقافة، هو النقيض التام لمفهومهم للفن الحقيقي. فهو يقف إلى جانب التلاعب الشمولي بقدر ما يقف الفن – في أفضل أشكاله الحداثية – إلى جانب المقاومة والحرية.

إن الأسطورة والوعي الأسطوري هما الوسيلة ذاتها التي يروي بها فاغنر هذه القصة عن الانفصال الأصلي عن الطبيعة، نسخة من السقوط الأولي من النعمة التي كان الإنسان فيها على توافق مطلق مع الطبيعية . ومثل أدورنو وهوركهايمر، وقف فاغنر ضد القوة القمعية والصلبة لهيمنة البرجوازية على العالم. وقد عرّف الحرية بالعفوية والتحرر من كل الروابط المقيِّدة لتلك الشبكة الواسعة من المعاهدات والعقود الاجتماعية التي قيّدت الفرد في العالم البرجوازي(6).

وقد شدّد فاغنر هنا على أهمية الانفتاح على التغيير والتجدد وعلى تعددية الحياة؛ وركز على) الطابع الإنساني للحياة الاجتماعية ووجد أن طبيعة الإنسان الحقيقية طبيعة اجتماعية وليست أنانية، كما أكد فاغنر؛ والعمل المشترك والتعاطف المتبادل هو الحالة الطبيعية للبشر؛

إن الغاية التي يسعى إليها فاغنر هي ضرورة الاعتراف بالتغير والتعددية والتجدد الدائم للواقع والحياة. وهكذا وعلى هذا النحو فإن فاغنر يرى أن الانحدار الأخلاقي للمجتمع يتجسد في مبدأ الإخضاع إذ يتم إدماج الأفراد داخل كلية مجردة تفقدهم حرية التغير والتطور بحرية في علاقاتهم مع الآخرين. إن التهديد الذي يشكله تطور الدولة الحديثة لحرية الذات الحديثة يهيمن على تفكير فاغنر في بناء الخاتم، كما هيمن على تفكير أدورنو وهوركهايمر في جدلية التنوير. ففي كتابه " عمل الفن في المستقبل"، يربط فاغنر أيضًا بوضوح بين الدولة الحديثة " المفرطة الإدارة" وتطور العلم والتفكير التنويري. علاوة على ذلك، يوجد هناك صدى لافت بين عرضه لتطور القطيعة مع الطبيعة والتطور اللاحق للوعي الأسطوري والديني: فالإنسان عندما واجه الطبيعة طوّر ملكة التفكير منذ تلك اللحظة بدأ الخطأ، بوصفه أول تعبير عن الوعي. لكن الخطأ هو أم المعرفة؛ وتاريخ ولادة المعرفة من الخطأ نشأ تاريخ الجنس البشري من صلب أساطير العصور البدائية إلى يومنا هذا(7).

***

د. علي أسعد وطفة - كلية التربية

..........................

هوامش المقالة:

(1)- Robert W. Witkin, Adorno on Popular Culture, (London: Routledge,2003. P.33.

(2)- Anonymous, The Nibelungenlied, translated by A. T. Hatto, (Harmondsworth: Penguin Books, 1965).

(3)- Richard Wagner, Der Ring des Nibelungen, (Leipzig: B. Schott’s Söhne, 1876).

(4)- Richard Wagner, Opera and Drama, (Lincoln, Nebraska: University of Nebraska Press, 1995).

(5)- Robert W. Witkin, Adorno on Popular Culture, (London: Routledge,2003. P.34.

(6)- Robert W. Witkin, ibid . P.34.

(7)- Richard Wagner, Religion and Art, translated by William Ashton Ellis, (Lincoln and London: University of Nebraska Press, 1993), p. 70.

مما لا شك فيه أن صدور كتاب الشيخ محمد رشيد رضا (1865-1935) " الخلافة أو الإمامة العظمى" عام 1922 كان بمثابة الميلاد الرسمي للخطاب السياسي الإسلامي المعاصر، وكان كذلك الإيديولوجيا التي بررت ظهور ونشأة جماعات الإسلام السياسي. والحقيقة أنه في عام 1922صدرفي اسطنبول قرار الفصل بين السلطنة والخلافة، كما شهد نفس العام نهاية الخطاب السياسي العربي النهضوي، خطاب جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وقاسم أمين.  وشاءت الظروف أن يكون أول من دشَّن القول في الخلافة بعد قرار الفصل هو الشيخ محمد رشيد رضا وذلك في سلسلة مقالات بدأها في عام 1922، وجمعها في كتابه المذكور أعلاه.   ومن مفارقات التاريخ، أن الشيخ محمد رشيد رضا لم يكن يدري أن كتابه عن الخلافة سيكون هو الخط الفاصل بين خطابين كل منهما يسير في الاتجاه المعاكس للخطاب الأخر، خطاب الإصلاحية العربية يسير في اتجاه المستقبل وخطاب الإسلام السياسي يسير في اتجاه الماضي.  وتجدر الإشارة إلى أن خطاب الإسلام السياسي يختلف عن خطاب الإصلاحية العربية في عدة نقاط، أهمها في المنهج وفي الرؤية وفي المفاهيم وفي الإشكالية، إختلافًا يكاد يكون جذريًا. ولشرح الفكرة أكثر نقول أن خطاب الإصلاحية، خطاب نهضوي يسعى للنهوض، خطاب متصالح مع الدولة الحديثة ومع العصر الحديث، خطاب لم يجد غضاضة من الغرف من معين الفكر السياسي الليبرالي الدافق ومن الإستفادة من قاموس الفلسفة السياسية الحديثة وما أبدعه فلاسفة الأنوار ما رفعته الثورة الفرنسية من مبادئ ديمقرطاية وقيم الحرية والمساواة، وما قدمه مفكرو العقد الإجتماعي من مفاهيم وحلول لمشكلات الحكم والتسلط والإستبداد والقمع السياسي والقهر الإجتماعي مثل الدستور والعقد الاجتماعي والمواطنة والبرلمان وحقوق الإنسان، كما أنه خطاب منفتح على الفكر الإنساني ومُقبل على الحضارة المعاصرة.  وما يلاحظ على خطاب الإصلاحية كذلك، أنه لم يستخدم مقولات ومفاهيم الفكر الإسلامي الوسيط، فكر الآداب السلطانية والسياسة الشرعية، أما خطاب ا لإحيائية الإسلامية فقد أعاد خطوط الاتصال، ولو بطريقة غير مباشرة مع مفاهيم ومقولات الفقه السياسي السني الوسيط والسياسة الشرعية، أي مع فكر أبي الحسن الماوردي والطرطوشي وابن تيمية والقرافي. الذي تتردد فيه مفاهيم ومقولات الفكر السياسي الإسلامي الوسيط، مثل الشورى، البيعة، وأهل الحل والعقد والإجماع.  وزيادة في التوضيح نقول أن خطاب الإسلام السياسي المعاصر رفض رفضًا قاطعا مفاهيم الحداثة السياسية بل وناصب مقولات ومبادي الفلسفة السياسية الأنوارية العداء، وفي نفس الوقت إستعاد بقوة مفاهيم الفقه السياسي السُّني، بل وتبنى مسلمة أساسية من مسلمات الفقه السياسي الشيعي وهي أن الخلافة أو الإمامة كما تسمى في الاسلام الشيعي، ركن من أركان الدين، بمعنى أنها مسألة عقدية وليس مسألة فقهية. وهكذا نستنتج، أن توقيت بدايات خطاب الإسلام السياسي المعاصر هي نفسها نهايات خطاب الإصلاحية العربية.  والمفارقة كذلك، أن من أعطى إشارة انطلاق خطاب الإسلام السياسي، كانت مع هو الشيخ محمد رشيد رضا، أحد رموز الإصلاحية العربية وكان في نفس الوقت تلميذ الشيخ المستنير محمد عبده وذلك في مقالاته التي نشرها في مجلة المنار، في أولى سنوات عشرينيات القرن الماضي.  وبذلك يكون الشيخ الإصلاحي بكتابه عن الخلافة قد عاد القهقرى إلى الوراء، عندما قطع مع الخطاب السياسي العربي النهضوي، خطاب النهضة العربية، خطاب العقلانية والتنوير الذي قدمه رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وبطرس البستاني وفرح أنطون وسلامة موسى، خطاب صدمة الحداثة، الخطاب ورغم الصدمة اكتشف نموذج حديث للدولة، وأُعجب بهذا النموذج الحداثي للدولة وبهذه الدولة القوية، دولة المؤسسات وإنبهر بالجيش النظامي، الجيش المنضبط والمسلح، واستحسن الخطاب النهضوي كذلك تطور المجتمع من حيث الحقوق والحريات، وكذلك سيادة القانون والدستور.  والحقيقة أن مفكري عصر النهضة العربية، كانوا يحلمون بالنهضة ويسعون للرقي ويبحثون عن أسس التقدم، وليس غريبا أن يكون أن تكون الكلمات /المفاهيم السائدة في نصوصهم هي النهضة والتمدن والترقي والتقدم، لأن التناقض الرئيس عند المسلمين والعرب كان وما يزال هو ثنائية التخلف والتقدم.  والجدير بالذكر كذلك أن الفكر النهضوي ما كانت تشغله إطلاقا مسألة الخلافة ولا كان يفكر في إقامة الدولة الإسلامية ولا كان مهموما في تطبيق الشريعة الإسلامية، بل كانت تحركه هواجس أخرى، من بينها كيفية غرس نموذج الدولة الوطنية الحديثة في المنطقة العربية، وكانت تؤرقه كيفية توطين مفاهيم الفلسفة السياسية الليبرالية، وبالأخص فلسفة القرن الثامن عشر الأنوارية، وبالتحديد الديمقراطية وحقوق الإنسان.  والمفارقة العجيبة، أن خطاب رشيد رضا الشاب، يَنتمي فكريًا وإيديولوجيا للإصلاحية العربية، وبقي يسير في نفس الإتجاه الإصلاحي حتى عام 1920 عندما غير الوجهة الإيديولوجية وتحول إلى الإتجاه السلفي/الوهابي، وانقلب رأسًا على عقب، ليس فقط على فكر أستاذه الشيخ محمد عبده الإصلاحي، صاحب المنهج التربوي والفقه المقاصدي، بل انقلب على خطاب الإصلاحية العربية برمته.  وبهذا الانقلاب يكون قد أعطى إشارة الانطلاق لما يسمى في أدبيات تاريخ الأفكار بالفكر السياسي الإسلامي المعاصر، الذي يشكل إيديولوجية الحركات الإسلامية، التي يسميها البعض بالإسلام السياسي، أو كما يطلق عليها الأستاذ عبد الإله بلقزيز عبارة الإسلام الحزبي، أو بالإحيائية الإسلامية كما يحلو للأستاذ رضوان السيّد أن يسميها.

الوَهّم.. والخطاب

و ما يلاحظ على الفكر السياسي الإسلامي، أنه فكر منغلق على الحداثة ومعادِ للحضارة المعاصرة ورافض للثقافة والأداب والفنون، كما تميز بأنه ليس فقط لم يقم بمراجعة طروحاته الفكرية ولم يجدد في الفقه السياسي ولم يجتهد في التشريع ولم يتفاعل إيجابيا مع النزعة العقلانية التجديدية/ النقدية الجديدة التي كانت تخطو خطواتها الأولى في الفكر العربي الحديث والمعاصر، بل إنه حارب بلا هوادة كل من تسول له نفسه من مفكري تيار التحديث والتنوير والتجديد، في الفكر العربي المعاصر. كما سعى مفكرو الإسلام السياسي إلى وأد هذا التيار الفكري الوليد في المهد، أقصد الخطاب الليبرالي العربي المتواصل مع خطاب الإصلاحية، الخطاب الذي انتقد التراث العربي/الإسلامي مع طه حسين في كتابه في" الشعر الجاهلي" وإنتقد نظام الخلافة مع علي عبد الرازق في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" وانتقد الوضع الاجتماعي مع الطاهر الحداد في كتابه " إمرأتنا بين الشريعة والمجتمع " وانتقد الاوضع الحقوقي البائس للمرأة مع قاسم أمين في كتابيه ” تحرير المرأة ” و“ المرأة الجديدة”.  والحقيقة التي لا مراء فيها، أنه منذ بداية عشرينيات القرن الماضي تصاعدت حدة النقاش في قضايا الدولة والدين والخلافة والسياسة والعروبة والإسلام والتاريخ، وكانت بداية الاستقطاب في الفكر العربي – الإسلامي المعاصر بين تيارين إيديولوجيين، التيار العلماني/ الليبرالي والتيار الإسلامي/الديني.  ولن نأت بجديد، إذا قلنا أن تأسيس جماعة الإخوان المسلمين على يد الشيخ الداعية حسن البنا (1906-1949) عام 1928 بمدينة الإسماعيلية بمصر، كانت من أهم تداعيات السقوط المدوي للخلافة العثمانية السنية، بالتزامن مع نشوء نظام سياسي جديد لم يعهده العرب ولا خطر ببال المسلمين، هو نظام الدولة الوطنية الناشئة، ليس فقط في مصر والعراق وسوريا، بل في بلاد الترك في حد ذاتها، عندما أعلن مصطفى كمال عن قيام الجمهورية التركية عام 1924.  والشيء المؤكد أن إعلان قيام الجمهورية التركية بحدودها الحالية، كان بمثابة نهاية نظام الدولة السلطانية، القائمة على شرعية "سياسة الدنيا وحراسة الدين"، كما تزامن هذا الإعلان مع نشوء الدولة الوطنية. القائمة على قاعدة الموطن /الأرض وعلى مبدأ المواطنة، أي الفرد /المواطن الذي ينتمي للدولة القطرية، المواطن الذي ولاءه للدولة أولا وليس للدين أو الطائفة أو العشيرة.  ومن المعروف أن جماعة الإخوان المسلمين ظهرت في مناخ سياسي مشحّون بالتدافع السياسي والتنافس الحزبي وبالصراع الإيديولوجي في الداخل المصري، صراع من أجل دولة وطنية ليبرالية ضد القوى الرجعية المحافظة من جهة ونضال وطني ديمقراطي من أجل ملكية دستورية وضد الإستبداد السياسي وصراع الحركة الوطنية ضد القوى الاستعمارية/الامبريالية من أجل الاستقلال الوطني.  ومن البديهي القول، أن فكر حسن البنا هو فكر الجماعة وفكر الجماعة هو فكر حسن البنا، وخطاب سيد قطب هو خطاب الجماعة وخطاب الجماعة هو خطاب سيد قطب.  وبناءً عليه وعلى المستوى السياسي رفض الأب المؤسس للجماعة تسمية جماعته بإسم "حزب الإخوان" كما رفض تماما مصطلح الحزب، بدعوى أن الأحزاب السياسية عجزت عن تحقيق مطالب الأمة وتطلعاتها في الاستقلال والحرية والإصلاح.  والذي لا يختلف عليه إثنان، أن المطالبة بخنق الحريات ورفض الاختلاف السياسي وعدم قبول التنوع الثقافي وكراهية التعدد لإيديولوجي، هو إشارة واضحة لعدم القبول بالنظام السياسي البرلماني الديمقراطي، نظام التعددية الحزبية وعدم الرضا بالمناخ الليبرالي السائد في المملكة المصرية، بل ووصل الأمر بحسن البنا والجماعة لى حد المطالبة بحل الأحزاب السياسية، ويكون بذلك الشيخ/ الداعية وجماعته قد أعلنا بوضوح عن كراهية غير مبررة للدولة الوطنية الناشئة في عشرينيات القرن الماضي، وعداء غير مفهوم للفكر السياسي الديمقراطي الليبرالي. والأحقيقة التاريخية التي لانقاش فيها أن حسن البنا هو الذي قام شخصيا بإنشاء التنظيم الخاص أو الجناح العسكري للجماعة بقيادة عبد الرحمن السندي الذي حمل السلاح وأطلق الرصاص وإغتال شخصيات وطنية مصرية بارزة منهم القاضياأحمد الخزندار ورئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي.   ولهذا أخذ الفكر السياسي الإسلامي المعاصر عموما والإسلام السياسي منه خصوصا، منذ بداية عقد الثلاثينات وحتى نهاية عقد الخمسينيات، مَسلك راديكالي/ عدائي، متوجس خيفة من النظام السياسي الجديد الذي تمثله الدولة الوطنية في مصر وسوريا والعراق، وما تحتويه هذه الدولة من مبادئ سياسية ليبرالية لم يعهدها العرب ولم يعرفها المسلمون منذ أن دخلوا معترك الدولة والسياسة والسلطان في القرن السابع الميلادي، وما تتضمنه من مبادئ ومن قيم ثقافية عصرية وفلسفية حديثة.  ومن المعروف أن من أهم مبادئ النظام السياسي الليبرالي، مبدأ سيادة الأمة ومبدأ المواطنة. واللافت للإنتباه أن الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر سلك مسلك العداء الشديد للغرب وللحضارة الغربية وللثقافة المعاصرة عداء يصل إلى حد المرض. بدعوى أن النظام الإجتماعي/الثقافي في العالم العربي يتعرض يوما بعد يوم منذ بداية الإختراق الأوروبي، للإنحلال والتفكك بسبب سياسات التغريب- occidentalisation - أو ما يسمى في أدبيات مفكري الإسلام السياسي بالغزو الثقافي والأفكار المستوردة.  والغريب في الأمر أن حسن البنا، وهو يطالب بإلغاء الأحزاب السياسية ويُدين ويشجب الحركة الحزبية والسياسية الوليدة عقب ثورة عام 1919 التي تمخض عنها حزب الوفد الليبرالي/العلماني ودستور 1923، كان هو وجماعته ينشطون في الحياة السياسية المصرية ويشاركون في الانتخابات البرلمانية بقوة ويعقدون الصفقات مع القصر الملكي وحتى مع الاحتلال الانكليزي ويتحالفون مع هذا الحزب السياسي ضد ذاك الحزب ولا ننسى كذلك أن دستور 1923 الذي يعتبره البعض، الدستور الأكثر ديمقراطية في تاريخ مصر. قبله حسن البنا وجماعته على مضض.

عودة الخلافة أم دولة اسلامية

ولن نجانب الصواب إذا قلنا، أن حسن البنا هو التلميذ غير مباشر للشيخ محمد رشيد رضا، فلقد أخذ منه وتأثر به كثيراً، ومن بين ما أخذ منه فكرة ضرورة عودة الخلافة لأنها ركن من أركان الدين، أي أكد له أنها مسألة عقدية وليست فقهية. ومن هذه الناحية كانت مسألة عودة الخلافة في البداية عند جماعة الإخوان قضية مركزية، وعلى أساس الموقف منها يتحدد الأعداء والأصدقاء.  والحقيقة أن جماعة الإخوان في الثلاثينيات من القرن الماضي لم يؤرقها مشهد سقوط الخلافة وما كانت تشغلها فكرة الخلافة، لأنها فكرة طوباوية مستحيلة التحقيق، وإن أبدى حسن البنا في البداية حماسًا شديدًا في الدفاع عنها وفي توجيه سهام النقد لكل من تسول له نفسه التشكيك في قداسة فكرة الخلافة، فما كان يشغله أكثر هو فكرة الدولة الإسلامية. ومن هنا كان لا بد للجماعة من رفع شعار عودة الخلافة في عام 1928 لكسب التأييد الشعبي، لكن سرعان ما رفع شعار أخر أكثر واقعية ويتوفر على إمكانية التنفيذ على أرض الواقع هو شعار الدولة الإسلامية.  وبالتالي كانت فكرة الخلافة عند جماعة الإخوان المسلمين، مجرد مقدمة ولكنها ضرورية للقيام بوظيفتين :  الوظيفة الأولى هي رفع شعار الدولة الإسلامية، الدولة التي تتوفر على المرجعية الدينية والتي تكون فيها السيادة لله، بالإضافة إلى أن مقولة الدولة الإسلامية مقولة أكثر واقعية وأكثر معقولية، كما أنها فكرة مشحونة بالعاطفة الدينية وبالتالي هي الشعار الأكثر جذبا للأنصار والأتباع.  الوظيفة الثانية هي الدخول في معركة كسر عظام مع الدولة الوطنية الناشئة في المنطقة العربية، وهي الدولة ذات المرجعية الفلسفية الأوروبية الحديثة.  والحقيقة أن الجماعات الدينية- السياسية التي نشأت في عشرينيات القرن الماضي كلها بدأت بالدعوة الدينية ثم تحولت الى دعوة سياسية، على غرار ما كان يحدث في التاريخ العربي –الإسلامي.  أقول هذه الجماعات كانت تكبر وتنتشر انتشار النار في الهشيم في عقدي الثلاثينيات والأربعينيات، وبرفعها شعار الدولة الإسلامية تكون هذه الجماعات قد تخلت مؤقتا عن مطلب عودة الخلافة. وتكون قد قطعت كل خطوط الإتصال مع فكر النهضة العربية، وتكون أيضا قد أكدت رفضها التام للدولة الوطنية الناشئة في مصر والعراق وسوريا.

و لهذا، فالدعوة إلى الدولة الإسلامية معناه إعادة الارتباط بالتاريخ الإسلامي وإعادة خطوط الوصل مع التجربة السياسية النبوية في المدينة ومع دولة الإسلام المبكر، دولة الخلفاء الراشدين.  خلاصة القول، ما يبغي الشيخ حسن البنا قوله، أن فكرة الدولة الإسلامية هي دولة المسلمين، دولة المؤمنين، دولة ليست غريبة عن المجتمع، بل إنها دولة تنتمي إلى تاريخ العربي /الإسلامي، هي دولة تنتمي إلى التراث الفقهي السياسي الإسلامي. أما هذه الدولة الوطنية الناشئة، فهي دولة الغرب الأوروبي، هي دولة أنشأها الاستعمار وتنتمي الى فصيلة الأفكار المستوردة!  ولا بد لهذه الدولة الوطنية المُفبركة أن تزول عاجلا أم أجلا! وكأن حسن البنا يريد أن يقول " من كان يؤمن بالخلافة فالخلافة قد ماتت ومن كان يؤمن بالدولة الإسلامية، فالدولة الإسلامية حية لا تموت"!  وهكذا وكما يشير باحث معاصر، قام حسن البنا وجماعته بإزاحة لاهوت الخلافة شيئا فشيئا، وتم إستبداله بلاهوت مختلف بعض الإختلاف، كما أنه أكثف من ناحية الرمزية والقداسة، هو النص الديني المؤسس، هو القرآن، وبالتالي ليس صدفة أن يعتبر حسن البنا القرآن هو دستور المسلمين رافعا شعار" القرآن دستورنا " وذلك بقصد الإطاحة بدستور 1923 والذي من وجهة نظر هو دستور علماني/ليبرالي/وضعي، وبعبارة أصح كان يعتبره دستور مستورد! ونحن نعرف أن الدستور الحديث يقوم على مبدأ أساسي هو مبدأ سيادة الأمة، بينما دستور الدولة الإسلامية المتخيلة، فيقوم على مبدأ السيادة الإلهية.

***

مصطفى دحماني

باحث في الفكر الإسلامي/الجزائر

في الظاهر يبدو الإنسان كائنا عاقلا، يمتلك القدرة على التفكير واتخاذ القرار وتحليل ما يراه حوله، لكن حين نتأمل الواقع بعمق نكتشف مفارقة غريبة: أغلب البشر لا يخافون من الجهل بقدر ما يخافون من التفكير الحقيقي. الإنسان قد يتحمل الفقر والتعب والقيود الاجتماعية، لكنه يشعر بقلق عميق عندما يبدأ في مساءلة الأفكار التي تربى عليها. وكأن العقل حين يقترب من الحرية يدخل منطقة محظورة تهدد استقرار العالم الذي بناه داخله منذ سنوات. التفكير الحر ليس مجرد أن يختلف الإنسان مع الآخرين، بل أن يمتلك الشجاعة الكافية ليعيد النظر في كل ما اعتبره بديهيا. هنا تبدأ الأزمة، لأن معظم الناس لا يبنون أفكارهم بأنفسهم، بل يرثونها جاهزة من العائلة والمجتمع والمدرسة والدين والسياسة والإعلام. ينمو الإنسان وهو يعتقد أن ما يؤمن به هو الحقيقة الوحيدة الممكنة، ثم يكتشف لاحقا أن هناك آلاف البشر الذين تربوا على حقائق مختلفة تماما، وكل واحد منهم يظن أنه يملك الحقيقة المطلقة. هذه الصدمة هي بداية الخوف.

منذ الطفولة يتعلم الإنسان كيف يطيع أكثر مما يتعلم كيف يفكر. المدرسة غالبا تكافئ من يحفظ لا من يناقش، والأسرة ترتاح للابن المطيع أكثر من الابن الذي يسأل كثيرا. حتى المجتمع ينظر أحيانا إلى الشخص الذي يطرح الأسئلة باعتباره متمردا أو مزعجا أو قليل الاحترام. وهكذا يكبر الإنسان وهو يربط الأمان بالطاعة، ويربط الاختلاف بالخطر. لهذا حين يبدأ أحدهم بالتفكير بحرية يشعر وكأنه يخون الجماعة التي ينتمي إليها. ليس لأن التفكير جريمة، بل لأن الانتماء النفسي للجماعة أقوى مما نتصور. الإنسان لا يخاف فقط من الخطأ، بل يخاف من العزلة التي قد تأتي مع الاختلاف. أحيانا يفضل الإنسان أن يعيش داخل وهم جماعي على أن يواجه الحقيقة وحده.

التاريخ مليء بأشخاص تمت محاربتهم فقط لأنهم فكروا بطريقة مختلفة. كثير من الفلاسفة والعلماء والمفكرين لم تكن مشكلتهم أنهم ارتكبوا جرائم، بل أنهم طرحوا أسئلة أقلقت المجتمع. حين قال سقراط إن الإنسان يجب أن يفحص حياته وأفكاره، اعتبره البعض خطرا على عقول الشباب. وحين دافع غاليليو غاليلي عن فكرة دوران الأرض، لم يكن الصراع علميا فقط، بل كان صراعا بين العقل والسلطة. المجتمع غالبا لا يخاف من الفكرة الجديدة بحد ذاتها، بل يخاف مما قد تسببه من تغيير. التفكير الحر مرهق لأنه يجبر الإنسان على مواجهة نفسه. هناك فرق بين أن تعيش داخل أفكار مريحة، وأن تدخل في مواجهة حقيقية مع تناقضاتك الداخلية. كثير من الناس يرفعون شعارات الحرية، لكنهم يرفضون أي رأي مختلف عنهم. يتحدثون عن التسامح، لكنهم لا يحتملون النقد. يطالبون بالحقيقة، لكنهم يبحثون فقط عن الكلام الذي يؤكد ما يؤمنون به مسبقا.

الإنسان بطبيعته يميل إلى حماية صورته عن نفسه. لذلك عندما يسمع فكرة تهدد قناعته، يشعر وكأن هويته كلها تتعرض للهجوم. هنا يتحول النقاش من بحث عن الحقيقة إلى معركة دفاع نفسي. ولهذا السبب نادرا ما تغير الحجج وحدها قناعات الناس، لأن المشكلة ليست دائما في نقص المعلومات، بل في الخوف من فقدان اليقين. اليقين يمنح الإنسان شعورا بالاستقرار، حتى لو كان زائفا. أما التفكير الحر فيفتح أبواب الشك، والشك مرهق. عندما يبدأ الإنسان بالتساؤل، قد يكتشف أن كثيرا مما كان يؤمن به ليس صلبا كما ظن. قد يكتشف أن بعض آرائه مجرد تكرار لما سمعه من الآخرين. وقد يكتشف أيضا أنه عاش سنوات طويلة يدافع عن أفكار لم يخترها بنفسه.

لهذا يهرب البعض من التفكير العميق نحو الضجيج المستمر. العالم الحديث يوفر للإنسان وسائل لا نهائية للهروب من مواجهة ذاته: الهاتف، مواقع التواصل، الأخبار السريعة، المقاطع القصيرة، الجدل المستمر، الاستهلاك المتواصل. لم يعد الإنسان يملك وقتا كافيا للتأمل، لأنه يخشى الصمت أحيانا أكثر من الضوضاء. الصمت مخيف لأنه يكشف ما نحاول الهروب منه. حين يجلس الإنسان وحده بعيدا عن التشتيت، تبدأ الأسئلة الحقيقية بالظهور: من أنا؟ ماذا أريد فعلا؟ هل أعيش حياتي أم حياة رسمها لي الآخرون؟ هل اختياراتي نابعة مني أم من ضغط المجتمع؟ هذه الأسئلة ليست مريحة، لذلك يفضل كثير من الناس البقاء منشغلين طوال الوقت حتى لا يضطروا لمواجهتها.

وسائل التواصل الاجتماعي زادت من أزمة التفكير الحر بطريقة معقدة. في الماضي كان الإنسان يسمع آراء متعددة بحكم احتكاكه بالناس المختلفين، أما اليوم فالخوارزميات تصنع لكل شخص عالما يشبهه. إذا كنت تؤمن بفكرة معينة، ستقترح عليك المنصات محتوى يؤكدها باستمرار، حتى تشعر أن الجميع يفكر بالطريقة نفسها. ومع الوقت يصبح الإنسان أسير فقاعة فكرية مغلقة. المشكلة ليست فقط في أن الإنسان يسمع ما يحب، بل في أنه يبدأ باعتبار أي اختلاف تهديدا شخصيا. لذلك أصبحت النقاشات الحديثة مليئة بالغضب أكثر من الفهم. الناس لا تدخل الحوار لتتعلم، بل لتنتصر. كل طرف يريد إثبات أنه على حق، لا اكتشاف الحقيقة. تظهر أزمة أخرى الخلط بين الهوية والفكرة. حين تتحول الفكرة إلى جزء من هوية الإنسان، يصبح نقدها أشبه بنقد شخصه نفسه. لهذا تجد البعض يدافع عن آرائه بعنف حتى عندما تكون الأدلة ضده، لأن الاعتراف بالخطأ بالنسبة له ليس مجرد تغيير رأي، بل انهيار صورة كاملة بناها عن نفسه.

التفكير الحر يحتاج إلى شجاعة نادرة، لأنه يتطلب من الإنسان أن يقول أحيانا: ربما كنت مخطئا. وهذه الجملة البسيطة أصعب مما تبدو. الاعتراف بالخطأ يجرح غرور الإنسان، ويجعله يشعر بالهشاشة. لذلك يفضل كثيرون الدفاع عن الوهم على مواجهة الحقيقة. المجتمعات أيضا تلعب دورا كبيرا في صناعة الخوف من التفكير. بعض المجتمعات تبني استقرارها على الطاعة الجماعية، ولهذا تنظر إلى التفكير المستقل باعتباره تهديدا. الشخص الذي يسأل كثيرا يزعج النظام، لأنه قد يدفع الآخرين للتساؤل أيضا. ولهذا نجد أن الأنظمة المغلقة دائما تخاف من الكتب والأسئلة والنقاش الحر أكثر من خوفها من أي شيء آخر. السلطة تدرك أن الإنسان الذي يفكر بحرية يصعب التحكم فيه. لهذا عبر التاريخ كانت السيطرة على التعليم والإعلام والثقافة جزءا أساسيا من السيطرة على المجتمع. حين تحدد للناس ما يجب أن يفكروا فيه، تصبح قدرتهم على المقاومة أضعف. لكن المشكلة لا تتعلق بالسلطة فقط، بل بالإنسان نفسه. أحيانا يكون الإنسان سجانه الخاص. قد يعيش في مجتمع مفتوح نسبيا لكنه يظل خائفا من التفكير المختلف بسبب القيود الداخلية التي بناها في عقله. هناك أشخاص يمتلكون حرية الكلام لكنهم لا يمتلكون حرية التفكير، لأنهم يخشون مواجهة أنفسهم.

الفيلسوف رينيه ديكارت حاول أن يبدأ مشروعه الفكري بالشك في كل شيء حتى يصل إلى حقيقة لا يمكن إنكارها. كانت فكرته أن الإنسان لا يجب أن يقبل أي شيء دون فحص. لكن أغلب البشر يفعلون العكس تماما: يقبلون معظم الأفكار دون اختبار، ثم يدافعون عنها طوال حياتهم وكأنهم اختاروها بأنفسهم. تكمن إحدى أكبر المآسي الإنسانية: أن يعيش الإنسان عمره كله داخل أفكار لم يفكر فيها حقا. الخوف من التفكير الحر لا يظهر فقط في السياسة أو الدين أو الفلسفة، بل حتى في العلاقات اليومية. كثير من الناس يعيشون وفقا لتوقعات المجتمع لا وفقا لما يريدونه فعلا. يختارون تخصصاتهم خوفا من نظرة الآخرين، ويتزوجون أو ينفصلون أو يغيرون حياتهم بناء على ضغط اجتماعي أكثر من قناعات داخلية. الإنسان أحيانا لا يريد الحقيقة، بل يريد القبول الاجتماعي. يريد أن يشعر أنه جزء من الجماعة، حتى لو كان ذلك على حساب ذاته الحقيقية. ولهذا السبب نجد أن بعض الأشخاص يغيرون آراءهم بالكامل حسب البيئة التي يعيشون فيها، ليس اقتناعا، بل خوفا من الرفض.

الخوف من الرفض واحد من أقوى القوى التي تتحكم بالبشر. الإنسان كائن اجتماعي، والعزلة النفسية مؤلمة. لذلك قد يصمت عن أفكاره الحقيقية كي لا يخسر الآخرين. ومع الوقت يعتاد ارتداء الأقنعة حتى ينسى وجهه الأصلي. لكن التفكير الحر لا يعني أن يتحول الإنسان إلى شخص متعجرف يرفض الجميع. الحرية الفكرية ليست عداء للمجتمع، بل قدرة على التمييز بين ما تؤمن به فعلا وما فرض عليك دون وعي. الشخص الحر فكريا ليس من يرفض كل شيء، بل من يملك القدرة على الفحص والاختيار. وهذا يتطلب التواضع أيضا. لأن التفكير الحر الحقيقي يجعل الإنسان يدرك حدود معرفته. كلما ازداد وعيا، أدرك كم يجهل. أما الشخص الذي يظن أنه يمتلك الحقيقة المطلقة غالبا ما يكون أقل الناس استعدادا للتعلم.

الفيلسوف فريدريك نيتشه كان يرى أن الإنسان يعيش غالبا داخل أوهام جماعية تحميه من مواجهة قسوة الحقيقة. وربما لهذا السبب يفضل كثير من الناس الراحة النفسية على الحرية الفكرية. الحرية ليست دائما مريحة، لأنها تحمل مسؤولية الاختيار. حين تفكر بنفسك، لن يعود بإمكانك تعليق أخطائك دائما على الآخرين. ستصبح مسؤولا عن قراراتك، عن قناعاتك، وعن الطريقة التي ترى بها العالم. وهذه المسؤولية ثقيلة، لذلك يهرب منها البعض نحو التقليد الأعمى. ومع ذلك، يبقى التفكير الحر ضرورة إنسانية. لأن الإنسان الذي لا يفكر بنفسه يتحول بالتدريج إلى مجرد صدى لأصوات الآخرين. يكرر ما يسمعه، يغضب عندما يغضبون، ويصفق عندما يصفقون، دون أن يسأل نفسه لماذا. المشكلة ليست أن يختلف الناس، بل أن يتوقفوا عن التفكير تماما. المجتمع الذي يخاف من الأسئلة يتحول مع الوقت إلى مجتمع جامد، يعيد إنتاج أخطائه باستمرار لأنه لا يملك الشجاعة لمراجعتها. أما الفرد الذي يتخلى عن عقله، فإنه يفقد أهم ما يميزه كإنسان.

ربما التفكير الحر لن يمنح الإنسان راحة كاملة، لكنه يمنحه شيئا أعمق: أن يعيش حياته بوعي لا كنسخة مكررة من الآخرين. وربما الحرية الحقيقية لا تبدأ من تغيير العالم، بل من امتلاك الشجاعة الكافية لمواجهة الأفكار التي تسكن داخلنا نحن.

***

زكريا - نمر

 

منذ لحظة دخول الطفل إلى المدرسة في كثير من المجتمعات الإفريقية، تبدأ عملية تشكيل عقله وفق نموذج تعليمي قديم يقوم على الحفظ والطاعة أكثر مما يقوم على التفكير والوعي. فالطفل الذي يدخل الفصل لأول مرة بعينين مليئتين بالفضول والأسئلة، يخرج بعد سنوات طويلة وهو أكثر خوفا من السؤال، وأكثر ميلا إلى تكرار ما يسمعه دون مناقشة. وتكمن الأزمة الحقيقية للتعليم في إفريقيا والعالم الثالث عموما أزمة فلسفة، لا أزمة كتب أو مبان فقط.

إن الحديث عن التعليم في إفريقيا غالبا ما ينحصر في نقص المدارس وضعف التمويل وقلة المعلمين ورداءة البنية التحتية، وهي مشكلات حقيقية بلا شك، لكنها ليست أصل الأزمة. فحتى في بعض الدول التي توسعت في بناء الجامعات والمدارس، ما زال الواقع يكشف ضعفا في الإنتاج الفكري والعلمي والإبداعي. وهذا يعني أن المشكلة أعمق من الجدران والمقاعد الدراسية، وأن الخلل الحقيقي يكمن في السؤال الذي لا يطرحه أحد بجدية ما نوع الإنسان الذي نريد أن يصنعه التعليم؟ في كثير من الدول الإفريقية، ما زال التعليم يسير على فلسفة قديمة تعتبر الطالب مجرد وعاء فارغ يجب ملؤه بالمعلومات. المعلم يتحدث، والطالب يستمع ويحفظ، ثم تأتي الامتحانات لتقيس قدرة الطالب على الاسترجاع فقط. أما التفكير النقدي، والتحليل، والخيال، والقدرة على النقاش، فهي أمور غالبا ما تبقى خارج العملية التعليمية. وكأن العقل البشري مجرد آلة تخزين، لا أداة لفهم العالم وإعادة تشكيله.

هذه الفلسفة لم تأت من فراغ، بل هي امتداد تاريخي لنظام تعليمي استعماري صمم أساسا لخدمة الإدارة الاستعمارية. فالاستعمار لم يكن بحاجة إلى شعوب تفكر بحرية، بل إلى أفراد يجيدون تنفيذ الأوامر والعمل داخل مؤسسات الدولة التابعة للمستعمر. ولذلك تم بناء التعليم على الطاعة والانضباط أكثر من بنائه على النقد والإبداع. لكن المأساة الكبرى أن كثيرا من الدول الإفريقية احتفظت بنفس الروح حتى بعد الاستقلال. تغيرت الأعلام والنشيد الوطني، لكن المدرسة بقيت تحمل العقلية نفسها. ولهذا نجد أن الأنظمة التعليمية في كثير من الأحيان تنتج موظفين يبحثون عن وظيفة حكومية أكثر مما تنتج مفكرين أو باحثين أو صناع تغيير.

إن التعليم الحقيقي لا يقتصر على نقل المعلومات، بل يهدف إلى بناء الإنسان. والإنسان لا يصبح إنسانا كاملا بمجرد حفظ الكتب أو اجتياز الامتحانات، وإنما بامتلاكه القدرة على التفكير المستقل، واتخاذ القرار، وتحليل الواقع، والتمييز بين الحقيقة والزيف. لكن مدارسنا في المقابل تدرب الطالب منذ الصغر على الخوف من الخطأ، وكأن الخطأ جريمة، بينما الحقيقة أن الخطأ جزء أساسي من عملية التعلم. فالطفل حين يسأل كثيرا قد يوصف بالمزعج، وحين يناقش قد يتهم بقلة الاحترام، وحين يعترض قد يعامل كمتمرد. وهكذا يتعلم منذ سنواته الأولى أن السلامة في الصمت، وأن الطاعة أهم من التفكير. ومع مرور الوقت يفقد الفرد ثقته في عقله، ويصبح أكثر اعتمادا على السلطة، سواء كانت سلطة المعلم أو السياسي أو رجل الدين أو شيخ القبيلة.ويظهر الترابط الخطير بين أزمة التعليم وأزمة المجتمع كله. فالمجتمع الذي لا يعلم أبناءه التفكير النقدي، ينتج مواطنين يسهل تضليلهم وتحريكهم بالعاطفة والخوف والشعارات. ولذلك ليست مصادفة أن المجتمعات التي يضعف فيها التعليم النقدي تكون أكثر عرضة للقبلية والطائفية والتطرف والعنف السياسي.

إن الفلسفة ليست مادة مدرسية معقدة كما يظن البعض، بل هي طريقة في النظر إلى الحياة. إنها تدريب العقل على السؤال والشك والتحليل. ولهذا فإن المجتمعات التي تخاف من الفلسفة تخاف في الحقيقة من العقل الحر. لأن الإنسان الذي يتعلم التفكير النقدي لن يقبل بسهولة الظلم أو الفساد أو الاستغلال. فإن المدرسة التقليدية في كثير من الدول الإفريقية تقوم على فكرة السلطة المطلقة للمعلم. فالمعلم لا يقدم المعرفة باعتبارها مجالا للنقاش، بل باعتبارها حقيقة نهائية لا يجوز الاقتراب منها. والطالب الجيد ليس هو الأكثر إبداعا أو تفكيرا، بل الأكثر قدرة على الحفظ والطاعة. ولهذا أصبحت الامتحانات نفسها جزءا من الأزمة. فهي في أغلب الأحيان لا تقيس الفهم الحقيقي، بل تقيس قوة الذاكرة فقط. الطالب يحفظ المادة ليلة الامتحان، ثم يفرغها على الورقة، وبعد أيام ينسى معظمها. وهكذا تتحول العملية التعليمية إلى سباق درجات لا إلى بناء وعي.أن هذا النموذج التعليمي يقتل روح الإبداع. لأن الإبداع يحتاج إلى حرية، بينما التعليم التقليدي يقوم على الخوف والعقاب. فالطالب يخشى الخطأ أكثر مما يحب الاكتشاف، ويخشى رأي المعلم أكثر مما يثق في قدرته على التفكير. ومع الوقت يصبح التقليد أسلوب حياة، ليس فقط داخل المدرسة بل داخل المجتمع كله.

إن كثيرا من الأنظمة التعليمية الإفريقية تفصل المعرفة عن الواقع. فالطالب يدرس نظريات كثيرة، لكنه لا يتعلم كيف يفهم المشكلات الحقيقية التي يعيشها مجتمعه، مثل الفقر، والبطالة، والنزاعات القبلية، وضعف الدولة، والفساد، والعنف، والهوية الوطنية. ولذلك يشعر كثير من الطلاب أن التعليم مجرد عبء للحصول على شهادة، لا وسيلة لفهم الحياة وتغييرها. كما أن اللغة تمثل واحدة من أعقد أزمات التعليم في إفريقيا. ففي دول كثيرة يتعلم الطفل بلغة أجنبية لا يستخدمها في بيئته اليومية، مما يجعل التعليم عملية حفظ لغوي أكثر من كونه فهما حقيقيا للمعرفة. فالطفل أحيانا لا يفشل لأنه غبي، بل لأنه يفكر بلغة ويتعلم بلغة أخرى. وهنا تصبح المدرسة مكانا للاغتراب الثقافي بدلا من أن تكون فضاء لبناء الهوية والثقة بالنفس.

إن أزمة التعليم ليست منفصلة أيضا عن الأزمة الاقتصادية. فالمجتمعات التي تعاني من الفقر غالبا ما تنظر إلى التعليم بوصفه وسيلة للترقي الاجتماعي فقط. ولهذا يصبح الهدف الأساسي للطالب هو الحصول على وظيفة، لا اكتساب المعرفة. ومع مرور الوقت تتحول الجامعة إلى مصنع للشهادات، بينما يتراجع البحث العلمي والإبداع الحقيقي. بل إن بعض الجامعات أصبحت تخرج آلاف الطلاب في تخصصات لا يحتاجها سوق العمل، بينما تظل قطاعات الإنتاج والتكنولوجيا والبحث العلمي ضعيفة. والسبب أن فلسفة التعليم نفسها لا تقوم على التفكير في احتياجات المجتمع، بل على إعادة إنتاج النموذج التقليدي نفسه.

إن التعليم الذي لا يزرع داخل الإنسان روح المبادرة يصنع جيلا ينتظر دائما من يقوده. ولذلك نلاحظ أن كثيرا من الشباب المتخرجين يمتلكون معرفة نظرية، لكنهم يفتقرون إلى مهارات التفكير المستقل وحل المشكلات والعمل الجماعي. لأن المدرسة لم تعلمهم كيف يواجهون الحياة، بل كيف ينجحون في الامتحان فقط. فإن الدول التي حققت تقدما حقيقيا لم تصل إليه عبر الحفظ والتلقين، بل عبر بناء عقلية نقدية. ففي الأنظمة التعليمية الحديثة أصبح الطالب مشاركا في إنتاج المعرفة، لا مجرد متلق لها. وأصبحت المدرسة مساحة للحوار والتجربة والاكتشاف والعمل الجماعي. بل إن بعض الدول أدخلت تعليم الفلسفة للأطفال منذ سن مبكرة، لأن الطفل الذي يتعلم كيف يناقش ويحترم الرأي المختلف سيكون أكثر قدرة على التعايش وبناء مجتمع ديمقراطي. أما الطفل الذي تربى فقط على الطاعة، فإنه غالبا سيخاف من الاختلاف، وقد يتحول بسهولة إلى شخص متعصب أو منغلق.

إن إفريقيا اليوم لا تحتاج فقط إلى مدارس جديدة، بل إلى ثورة فكرية في معنى التعليم. نحن بحاجة إلى تعليم يصنع إنسانا لا مجرد موظف. بحاجة إلى مدرسة تعلم الطفل كيف يفكر لا ماذا يفكر. بحاجة إلى معلم يفتح باب الأسئلة لا يغلقها. كما أننا بحاجة إلى تعليم يعيد للإنسان الإفريقي ثقته بنفسه وهويته وثقافته. فالتعليم لا ينبغي أن يكون مجرد تقليد أعمى للنماذج الأجنبية، بل يجب أن يرتبط بواقع المجتمع وتاريخه وتحدياته. لأن أي تعليم منفصل عن بيئته يتحول إلى معرفة باردة بلا روح. إن مستقبل إفريقيا لن تحدده الموارد الطبيعية وحدها، بل نوعية العقول التي تنتجها مدارسها. فالقارة التي تمتلك ملايين الشباب لا يمكن أن تنهض إذا بقي تعليمها قائما على التلقين والطاعة والخوف من التفكير. لأن الأمم لا تبنى بعدد الشهادات، بل بقدرة الإنسان على الإبداع والتغيير. ولهذا فإن أخطر سؤال يجب أن تطرحه مجتمعاتنا اليوم ليس: كم عدد الطلاب في المدارس؟ بل: ماذا يحدث داخل هذه المدارس؟ هل نصنع عقولا حرة أم عقولا خائفة؟ هل نعلم أبناءنا التفكير أم التكرار؟ هل نربي مواطنين قادرين على بناء الدولة، أم أفرادا ينتظرون دائما من يفكر نيابة عنهم؟

إن المدرسة التي تقتل السؤال تقتل المستقبل. والمجتمع الذي يخاف من الفلسفة يحكم على نفسه بالبقاء داخل دائرة التخلف مهما امتلك من ثروات وموارد. لأن الحضارة في النهاية ليست أبنية ضخمة ولا شعارات سياسية، بل عقل إنساني حر قادر على التفكير والنقد والإبداع. فإن إصلاح التعليم في إفريقيا ليس مشروعا تربويا فقط، بل معركة حضارية كاملة. معركة بين عقل يريد أن يبقى أسيرا للتلقين والخوف، وعقل آخر يريد أن يتحرر ويفكر ويصنع مستقبله بنفسه. وحين تنتصر الفلسفة الحقيقية للتعليم، لن تكون المدرسة مجرد مكان للحفظ، بل المكان الذي يولد فيه الإنسان الحر.

***

زكريا نمر

 

تحوّلات المفاهيم (1850 -2026)

اللقاء الثاني

***

إذا ما حاولنا الاقتراب من مفهوم التدين داخل الفكر العربي والإسلامي الحديث والمعاصر، نجد أنفسنا منذ اللحظة الأولى أمام مفهوم بالغ التعقيد والسيولة؛ لا بسبب غموضه في ذاته، بل بسبب ما طرأ عليه من انزياحات دلالية ووظيفية عميقة، نقلته من كونه تعبيراً عن العلاقة الروحية والأخلاقية بين الإنسان والدين، إلى كونه في كثير من السياقات المعاصرة علامة اجتماعية وأيديولوجية وهوياتية، بل وأحياناً صورة ذهنية مشوهة ارتبطت في وعي بعض المجتمعات بالتشدد والغلو والانغلاق.

وهذا الأمر بعينه هو الذي يجعل دراسة التدين اليوم ضرورة لفهم تحولات الوعي الجمعي ذاته، لا مجرد دراسة لسلوك ديني معزول. وذلك لأن التدين بخلاف الدين لا يشير إلى النص المقدس في ذاته، بل إلى الكيفية التي يتمثّل بها الإنسان هذا النص داخل الاجتماع والتاريخ والثقافة والسلطة.

ومن ثَمّ، فالتدين ليس حقيقة ثابتة، بل بناء بشري متغير، يخضع للأغيار والتحولات، ويتشكّل داخل نسق معقد تتداخل فيه المؤسسة الدينية مع السلطة السياسية، ويتشابك فيه الإعلام مع التعليم، كما تتقاطع فيه الحركات الأيديولوجية مع الأزمات الاجتماعية والنفسية. وهو ما كان يعنيه طلال أسد حين أثبت في كتابه (أنساب الدين) أن التديّن ليس جوهراً نقياً بل تقليد خطابي يُعاد إنتاجه داخل نسقية من علاقات السلطة والمعرفة، وأن الدولة الحديثة تعمل في أغلب الأحيان على رسم حدود ما يُعدّ تديّناً مشروعاً وما لا يُعدّ كذلك.

ولهذا فإن الخلط بين الدين والتدين يمثّل أحد أخطر المواطن التي وقع فيها بعض المجترئين والمتأوّلين، حين تعاملوا مع صور التدين التاريخية وكأنها التعبير النهائي عن الدين ذاته، بينما الحقيقة أن التدين ليس إلا تمثّلاً إنسانياً متحوّلاً للدين، قد يصيب وقد ينحرف، وقد يسمو وقد يبتذل.

ولهذا فإننا إذا ما حاولنا تتبّع مفهوم التدين داخل الفكر العربي والإسلامي الحديث والمعاصر، وجب علينا ألّا نتعامل معه بوصفه مفهومًا ثابتًا أو نسقًا جامدًا خارج حركة التاريخ والأغيار، بل بوصفه بناءً متحوّلًا أعادت كل مرحلة تاريخية تشكيله وفق شروطها السياسية والاجتماعية والثقافية والمعرفية. ومن ثَمّ، فسوف نتناول تحولات مفهوم التدين عبر الحقب الزمنية الممتدة من عام 1850م وحتى عام 2026م، من خلال تتبّع أبرز الانزياحات التي طرأت على وظيفته ودلالته وصور تمثّله داخل الوعي الجمعي العربي والإسلامي.

أولاً: لحظة النهضة والتدين الإصلاحي العقلاني (1850 1918):

 إذا ما حاولنا الاقتراب من لحظة النهضة العربية والإسلامية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، نجد أننا بإزاء نسق مغاير تمامًا لما آل إليه مفهوم التدين في حاضرنا المعيش؛ إذ لم يكن التدين آنذاك مشحونًا بهاجس المفاصلة أو الانغلاق الهوياتي كما وقع لاحقًا، بل كان يُقدَّم بوصفه قوة للنهوض الحضاري، وأداة لإحياء الوعي الجمعي، ومسارًا لإعادة بناء الإنسان المسلم في مواجهة الأغيار والتحديات التي فرضتها الحداثة الغربية والاستعمار معًا. والأمر الذي يستوقفنا هنا أن هاتيك اللحظة لم تكن لحظة انكفاء ديني كما يحاول بعض المجدفين والمتأولين تصويرها، بل كانت لحظة انفتاح عقلي واسع، سعت إلى التوفيق بين معطيات العصر وأصول الدين، بعيدًا عن نهوج الجمود أو الانسلاخ الكامل عن التراث.

فقد أدرك رواد الإصلاح آنذاك أن الأزمة الحقيقية لم تكن كامنة في الدين ذاته، بل في صور التدين الجامدة التي تراكمت عبر الأغيار التاريخية، حتى تحولت بفعل التكلس والتقليد إلى غرابيل تحول بين الإنسان وروح الدين الحقيقية. ومن ثَمّ، انصرف مشروع الإصلاح إلى تحرير العقل المسلم من النسقية المغلقة التي جعلت التدين مجرد طقوس شكلية وممارسات منفصلة عن العمران والمعرفة والحياة.

ولذلك نجد أن جمال الدين الأفغاني لم يكن معنياً بإحياء التدين الشكلي بقدر ما كان معنياً بإحياء الفاعلية الحضارية للأمة، بينما مضى محمد عبده إلى أبعد من ذلك حين ربط بين التدين والمدنية والتعليم والإصلاح المؤسسي، الأمر الذي يقودنا إلى القول بأن التدين في تلك المرحلة كان يُفهم بوصفه طاقة أخلاقية وعقلانية تُنتج العمران ولا تعوقه.

وإذا ما تأملنا الكتابات الإصلاحية في تلك المرحلة، نجد أنها لم تكن أسيرة لثنائية الحلال والحرام بالمفهوم الضيق الذي هيمن لاحقًا على بعض الحركات الجانحة المتأسلمة، بل كانت مشغولة بأسئلة النهضة الكبرى؛ من قبيل سؤال الحرية، والتعليم، والاستبداد، والتخلف، وموقع المسلم داخل العالم الحديث. ولذلك حري بنا ألّا نقرأ خطاب النهضة بمعايير اللحظة الراهنة؛ لأن التدين آنذاك لم يكن قد تحوّل بعد إلى هوية صراعية مغلقة، بل كان أقرب إلى مشروع أخلاقي حضاري مفتوح، يحاول إعادة بناء الذات الإسلامية من الداخل دون الوقوع في زيغ التقليد الأعمى للغرب أو نهوج الانغلاق الذي تمارسة أدعياء السلفية في الوقت ذاته.

ويبدوا أن هذا النسق الإصلاحي العقلاني هو الذي منح التدين في تلك اللحظة قدرة على التعايش مع التحولات الحديثة دون شعور حاد بالتهديد الوجودي، ناهيك عن أن المؤسسة الدينية نفسها لم تكن قد دخلت بعد في حالة الاستقطاب الحاد التي عرفتها المراحل اللاحقة. ومن هنا نفهم كيف كان المتفقهون والمثاقفون يتحركون داخل فضاء واحد نسبيًا، وكيف لم تكن الحدود بين الإصلاح الديني والإصلاح الاجتماعي والسياسي صارمة كما أصبحت لاحقًا.

غير أن هذا التوازن لم يدم طويلًا؛ إذ سرعان ما بدأت التحولات السياسية والاستعمارية تعيد تشكيل مفهوم التدين ووظيفته داخل الوعي الجمعي، فما تقدم لا يمثل سوى مدخل أولي لفهم التحولات العميقة التي طرأت على مفهوم التدين داخل الفكر العربي والإسلامي الحديث والمعاصر؛ إذ إن المسار لم يتوقف عند لحظة النهضة والإصلاح العقلاني، بل دخل لاحقًا في أطوار أكثر تعقيدًا وتشابكًا تحت ضغط الاستعمار والدولة الوطنية وصعود الأيديولوجيات والتحولات الاجتماعية المتسارعة.

ولذلك؛ فإن الحديث عن التدين لا يزال ممتدًا عبر الأغيار والتحولات التي أعادت تشكيله مرة بعد أخرى داخل الوعي الجمعي العربي.

وللحديث بقية... إلى المرحلة التالية الممتدة من أعقاب الحرب العالمية الأولى وحتى منتصف القرن العشرين.

***

بقلم: د. بدر الفيومي

فرش اشكالي: إنها "الضيافة" على طريقة بختي نفسه: نفتح له بابًا في لغتنا، وندعوه ليمارس بيننا "القلق" الذي كان يسكنه. لا لنخلده كأيقونة، بل لنستأنف السفر نحو المواقع الأكثر عتمة، في هذا اليوم الذي تتقاطع فيه، على مفارقة القدر*، ذكرى ميلاد قارئ وموت كاتب، يحق لنا أن نستلهم من بختي بن عودة سحر الكلمات.

الرصاصة الغادرة التي كان يراد لها ذات يوم ان تسكت الصوت الذي قال: "أنا زمان رمزي". وتغتال الجسد النحيل الذي كان يحمل "إيروس الحكمة" وشهوة المعرفة، الرصاصة التي ارادت قتل الأب الذي مزقته تجربة الانفصال، فتحت له ولنا عكس ما اريد لها كوة في جدار الصمت والظلمة فكان الضوء الذي ينبثق من خارز أكثر اشراقا.

لم يمت بختي بن عودة لأنه كان عاشقًا قبل أن يكون ناقدًا والعاشق حي في قلب المحبوب لا يموت، كان عاشقا للضيافة التي تعلمها من الخطيبي، عاشقا للغيرية الكريمة التي لا تبتلع الآخر ولا تذوب فيه. عاشقا لليل لأنه "حكمة"، لم يمت لأنه كان متيمًا بـ"التحاب (Aimance) لا بالحب.

لكن هذا العاشق كان، في الوقت نفسه، "مفجوعًا بمراثي الخيبة" فكان يقتل في اليوم مرات ومرات، مفجوعا بخيبة ثقافة تعيد إنتاج رداءتها و"تتكاثر وتنمو كورم سرطاني" يتألم وهو ينظر الى الديماغوجي والسياسي والاكاديمي المريض المتعفن الذي نصب نفسه إلهًا، متعب بخيبة "المشيمة" التي لا تلد، خيبة "اللا تأسيس واللا تجذر، لا هنا ولا هناك".

من هذا الجرح المزدوج – جرح العشق وجرح الخيبة – انبثق مشروعه الفكري الفلسفي وكانت مقالاته تولد وتنمو لا كجذور واغصان لشجرة" فكرية، بل "ريزومًا"، كتابات تتغذى من أسئلة واخزة وحارقة، تخترق النقد والفلسفة والتصوف والشعر، بلا مركز، وبلا أصل واحد، متحررة من كل وصاية. هناك في " القلق المثلث " تجلى (الحفر في الإبستيمي) كان يحفر وينبش ثم تراه يقفز دون مهادنة إلى "الكتابة الأخرى" باحثا عن عمق المدلول عن المسكوت والممنوع، يتحدث بلغة المتمرد العارف والعاشق يكتب عن "الحداثة كموت" و"انسحاب الكتابة" و"التحاب" كأفق.

في ذكرى اغتياله بعد واحد وثلاثين عامًا، نستأنف أسئلته التي تسم ولا تقتل نتساءل معه: هل ما زالت "العتمة" هي ذاتها؟ هل ما زال "الجزائري" يرفض "الموت" الذي هو شرط الحداثة؟ هل ما زالت "الرداءة" تتكاثر في غياب "الفكر القابل للسكنى"؟ ومن يكتب اليوم لنا " الكتابة الأخرى" في زمن الصورة الكاذبة زمن زخم الدال وعقم المدلول؟

-  كيف نستلم "القلق" من صاحبه؟ كيف نحمل "الإبستيمي" الذي حفره دون أن نجعله "إبستيمياً" جديداً يغلق ما فتحه؟ كيف نكون أوفياء لـ"الريزوم" دون أن نحوله إلى "شجرة"؟

- أين يمكن أن نبحث عن "خطاب عاشق" جديد؟ كيف نستعيد "التاء" التي تفيد المشاركة، ونحن محاصرون بـ"الأنا" التي تنتفخ رقمياً؟ هل ما زال التصوف قادراً على أن يكون "ملاكاً للموت"، أي مختبراً للتجاوز؟

- وبعد واحد ثلاثين عاماً من اغتياله، هل قبلنا، كمجتمعات، أن نموت موتاً رمزياً كي نولد من جديد؟ أم أننا ما زلنا نتمسك بـ"المشيمة" خوفاً من المجهول؟

مشروع بختي النقدي وما يميزه

لم يبدأ بختي بن عودة مشروعه النقدي من " النص"، بل من النقد نفسه ففي مقاله المؤسس القلق المثلث، وجه سؤاله الذي صار بيانًا: كيف يمكن للنقد أن يدرس الخطابات والبنيات السردية والروائية إذا كان ممنوعاً إرادياً ولا إرادياً من دراسة وضعية الإبستيمي (Episteme)؟"

كان هذا السؤال، في زمنه وما زال، زلزالاً. فالنقد العربي، في نظر بختي، كان يمارس طقوسه التحليلية بأمان: يدرس الحبكة، الشخصيات، البنية السردية. لكنه يتوقف بأدب مصطنع أمام "الأسوار العالية" للنسق المعرفي الذي أنتج هذه النصوص. لماذا؟ لأنه، كما شخص، "ممنوع إراديًا ولا إراديًا" من دراسة "الإبستيمي". فما هو هذا "الإبستيمي" الذي جعله بختي حجر الزاوية؟ إنه ليس "الإبستمولوجيا" (نظرية المعرفة العلمية)، بل هو، "الأرضية التحتية التاريخية للمعرفة". إنه النظام غير الواعي الذي يحدد، في زمن محدد، انه شروط إمكان ظهور الخطابات، وشروط صدقها أو خطئها. إنه ما يجعل التفكير ممكنًا ومستحيلاً في آنٍ واحد. او بعبارة ادق "النبش في بنية العقل أو التفكير الذي أنتج هذا النص".

آلية المنع التي تنتج هذا الغياب عند بختي يمكن تلمسها على مستويين:

المنع الإرادي المتمثل في الخضوع الواعي للمحظورات السياسية والاجتماعية. بداية من "السياسي المريض" الذي شخصه في حواراته والذي يفرض "خطوطًا حمراء" والناقد يختار، بوعي، ألا يتجاوزها، حفاظًا على مكانته أو سلامته. أما اجتماعيًا، فهي سلطة "الجماعة"، و"العيب"، و"الحرام"، التي تجعل من مساءلة المقدس أو الجنس أو السلطة الأبوية "جريمة أخلاقية".

المنع اللا إرادي وهو الأعمق والأخطر. فالناقد نفسه تشكل عقله داخل نفس "الإبستيمي" الذي يدرسه. أدواته في التفكير، ومفاهيمه (مثل "الأصالة"، "الالتزام"، "الواقعية")، هي نفسها منتجات لهذا النسق. وبهذا، يمكننا أن نحدد ما الذي يجعل مشروع بختي النقدي مختلفًا: انه ليس نقدًا للنص، بل نقدًا للنقد، أي ان مشروعه الأول هو "أركيولوجيا النقد العربي" نفسه. إنه يريد تفكيك "التناغمات الكسولة" التي يمارس فيها النقد طقوسه، وفضح "هشاشة الإبستيمي المهيمن" الذي يجعل النقد أسير ثنائيات جاهزة (أصالة/معاصرة، تراث/حداثة) دون أن يجرؤ على مساءلتها. حيث استعار بختي من فوكو منهج "الحفريات"، لكنه طوعه لسياقه الخاص. "الحفر" عنده ليس بحثًا في الماضي، بل هو حفر تحت أقدام الناقد نفسه، لكشف الأساسات الهشة التي يقف عليها. هو ما سماه "السفر نحو المواقع الأكثر عتمة"، أي نحو الأسئلة التي "كُتمت وأُخفيت"

ان الإبستيمي عند بختي ليس مفهومًا أكاديميًا محايدًا، بل سلطة إنه "السلطة الأعمق" التي يجب فضحها ولهذا، فمشروعه النقدي هو، في العمق، مشروع سياسي. إنه يريد تحويل النقد من "قراءة للنص" إلى "تشريح للعقل الذي أنتج النص"، وبالتالي إلى تشريح للسلطة التي تتحكم في هذا العقل.

ففي مقاله القلق المثلث، أعطانا بختي مثالاً تطبيقيًا على منهجه. حين قارن بين "إبستيمي الثمانينيات والسبعينيات"، لم يقارن أفكارًا، بل قارن الشروط العميقة لإنتاج الأفكار. وحكم بأن المشهدين "يكاد يكونان متطابقين". لماذا؟ لأن النصوص الإبداعية في الثمانينيات "لم تنحت تميزها الخاص، ولم تخرج إلى القراء وهي حاملة لـ'ثوب حفريات المهادنة'".

هذه "المهادنة" هي، في تشخيصه، اسم آخر للمنع الإرادي واللا إرادي معًا. إنها تجسيد لخضوع النقد والإبداع لـ"الإبستيمي المهيمن". عدم القطيعة بين العقدين يعني أن الثقافة العربية ظلت أسيرة نسق واحد، تنتج نصوصًا مختلفة المظاهر لكنها تنتمي إلى "التشكيلة المعرفية" نفسها.

حين يصير القلق لغة

إذا كان "القلق المثلث" قد شخّص العلة (النقد الممنوع من الحفر)، فإن بختي لم يكتفِ بالتشخيص، ففي نصه عن الخطيبي، "الكتابة الأخرى". تجلت الكتابة التي لا تهادن، لا تلبس ، بل تغامر بالسفر نحو "المواقع الأكثر عتمة.

هنا يصبح الخطيبي مرشدًا. ليس لأن بختي يتبناه، بل لأنه يجد عنده نموذجًا للكتابة بلغة الآخر دون ذوبان. هذا هو "النقد المزدوج" تنقد ذاتك وأنت في لغة غيرك، وألا تكتفي بالرفض أو الاستسلام. "في ضيافة الخطيبي"، يعثر بختي على كلمة السر "الكاتب الجيد يُغري أولاً، ويُقدم السم بعد ذلك، وفي أثناء الكتابة يسمّ نفسه" هذه هي "الكتابة الأخرى" إغراء بالجمال، ثم زعزعة لليقين، الكاتب فيها هو أول ضحايا هذا السم. إنها كتابة لا تقف عند حدود النوع الأدبي، بل هي نقد وفلسفة وشعر وتصوف، تحت مظلة سؤال واحد: كيف نكتب دون أن نهادن موتنا الرمزي؟

لم تكن "الكتابة الأخرى" ترفًا جماليًا عند بختي، بل كانت فعل وجود في قلب الموت. هناك، في مقاله "الجن والحداثة"، ينتقل بالقارئ من التحليل إلى الصدمة. يتأمل الجذر اللغوي "ج ن ن" في العربية، فيجد فيه الجنون والظلمة والقبر. ثم يكتب جملته التي لا تنسى "الحداثة ذهاب نحو الموت، فهل الشرقي يقبل الموت؟"

هذا هو السؤال السياسي بامتياز، فالحداثة كما يفهمها، ليست ترقية تقنية، بل قطيعة جذرية مع الذات القديمة، مع "الأب"، مع "التاريخ وشرعيته". إنها موت رمزي يسبق كل ميلاد. لكن المجتمع، الذي شخصه بـ"السياسي المريض المعطوب" الذي نصب نفسه إلهًا انطلاقًا من "التاريخ وشرعيته، الثورة وشرعيتها، النفط وشرعيته"، يرفض هذا الموت. يرفض القطيعة. يتمسك بـ"المشيمة" خوفًا من المجهول. وهكذا، بدل أن يلد الحداثة، يلد "البلاسيبو": دواءً وهميًا، حداثة شكلية، "مادة لها مباهج السواد" لكنها بلا روح.

تشريح الانهيار

في "انسحاب الكتابة"، لم يعد بختي يتحدث عن النقد الأدبي، بل عن موت الوعي النقدي في الفضاء العام. رصد موت الملاحق الثقافية، صعود "الفاست فود" الإعلامي، إنتاج "ذهنية مسالمة راضية غير احتجاجية". بالنسبة له، لم يعد القارئ الجزائري قادرًا على إنتاج "جملة مفيدة"، لا بالمعنى النحوي، بل بمعنى "الموقف من العالم". وعندما يحلل عبارات يومية مثل "حاشاك" و"الله غالب"، فهو لا ينتقد العامية، بل يُطبق "القلق المثلث" على الحياة اليومية: هذه العبارات تجسيد لسالبية وجودية، استسلام لـ"ما هو قائم، مكتوب"، خوف من المجهول.

في "اللحظة الجزائرية"، يكثف هذه الرؤية في معادلة دقيقة " قدر المعنى" مقابل "واجب المفهوم " قدر المعنى هو كل ما نورثه دون تفكير: الخطابات الجاهزة، الهويات الخيالية، الصيغ اللغوية الميتة. أما "واجب المفهوم" فهو العمل الشاق: أن نبني مفاهيمنا بأنفسنا، أن نُسمي الأشياء بأسمائها، أن نستعيد "روح الأنوار" لا كاستيراد، بل كفعل نقد ذاتي. في هذا السياق، لم تكن "التبيين" سوى محاولة يائسة ونبيلة لخلق "مكان ثقافي" او ماسماه هو " فكر قابل للسكنى"

في آخر ما كتب، لم يعد بختي يحفر في النصوص، بل في مشروعه هو. استعار ثلاث كلمات لاتينية Placebo الدواء الوهمي، Place المكان، Placenta المشيمة، وكتب جملته التي تنزف ألما لا تأسيس ولا تجذر، لا هنا ولا هناك

قتل ولكنه لم يمت

لقد كان بختي بن عودة "ريزومًا" لا شجرة. لم يؤسس لنسق مغلق، ولم يلبس ثوب الأكاديمي المثقف الذي حددت له السلطة الخانات التي يتحرك فيها، بل كان رسول حكمة واشراقا في قلب الظلمة ترك لنا أسئلة مفتوحة، تشعبات تنمو بلا مركز. في ذكرى دمه الذي سال قبل واحد وثلاثين عامًا، لا نملك أن نقول إن مشروعه "نجح" أو "فشل". نملك فقط، كما فعل هو في ليلة وهران، أن نفتح النافذة. أن نستقبل الضوء الذي يأتي من "خارز"، من "العتمة"، من السؤال الذي لم يُغلق. أن نكتب، كما كان يحلم، "الكتابة الأخرى" التي لا تموت. وهذا، في ذاته، هو "التحاب" الذي كان يبحث عنه: تشاركٌ في السؤال، حيث لا صوت يعلو على صوت الدهشة، وحيث يكون القارئ، بعد واحد وثلاثين عامًا، هو الوريث الشرعي للقلق الذي لم يمت.

توقيع

- هي الأقدار: بين لحظة الميلاد ولحظة الموت، تتشارك الأرواح في عشقها للسفر نحو عوالم العتمة بحثًا عن لحظة الإشراق. ففي 22 ماي يوم اغتياله، كان لي موعد آخر مع الحياة عام 1972. وها أنا، بعد واحد وثلاثين عامًا، أكتب له هذه "الضيافة"، لأقول له: لم تمت. فما زرعته من قلق ما زال ينمو فينا، ريزومًا بلا نهاية.

***

عمرون علي

شهد القرن العشرون في العالَم العربي معارك فكرية وأدبية عنيفة، لَم تكن مُجرَّد خِلافات بين كاتب وآخَر،بلْ كانت انعكاسًا لصراع عميق حول هُوية الأُمَّة العربية وموقعها بين التراثِ والحداثة.

ومِن أشهر تلك المعارك وأكثرها تأثيرًا المعركة الأدبية والفكرية التي دارتْ بين محمود محمد شاكر (1909- 1997) ولويس عوض (1915- 1990)، وهي معركة تجاوزتْ حدودَ النقد الأدبي إلى أسئلة الحضارة واللغة والانتماء الثقافي.

لَم يكن الخِلاف بين الرَّجلين خلافًا عابرًا في الرأي، بلْ كان مُواجهة بين مشروعَيْن ثقافيين متناقضين: مشروع يَرى أن النهضة لا تقوم إلا بالعودة إلى الجذور العربية والإسلامية وفهم التراث فهمًا عميقًا، ومشروع آخَر يدعو إلى الانفتاح الواسع على الثقافة الغربية، وإعادة قراءة التراث بروح حداثية جديدة.

يُعَدُّ محمود محمد شاكر واحدًا من أعظم المُحقِّقين والنقاد في العصر الحديث. نشـأ في بَيت عِلم ودِين، فكانَ شديدَ الارتباط باللغةِ العربية والتراث الإسلاميِّ. امتازَ بعقلية نقدية صارمة، وبأسلوب أدبي رفيع، وقدْ كرَّس حياته لخدمة العربية وتحقيق كتب التراث.

كان يؤمن أنَّ اللغة لَيست مُجرَّد أداة للتواصل، بلْ هي وعاء الهُوية ورُوح الأُمَّة. ولذلك كان شديدَ الحساسية تجاه أيَّة محاولة للنيل من التراث العربي، أو التقليل من قيمته. وقدْ خاض معارك فكرية عديدة دفاعًا عن العربية، وكان يَرى أن كثيرًا من المثقفين العرب وقعوا تحت تأثير الاستشراق الغربي دون وَعْي.

أمَّا لويس عوض فقدْ كان من أبرز دُعاة التحديث الثقافي في مِصْر. تلقى تعليمه في الجامعات الغربية، وتأثرَ بالأدب الإنجليزي والفكر الأوروبي الحديث، خُصوصًا التيارات الليبرالية والعقلانية. وكان يَرى أن الثقافة العربية ظَلَّتْ لِقُرون طويلة أسيرة الماضي، وأن النهضة الحقيقية تتطلب التحررَ من الجُمودِ التراثي، والانفتاح على مناهج الفكر الغربي الحديث.وقدْ دعا إلى تطوير اللغة العربية، وطرح آراء جريئة حول تاريخ الأدب العربي والهُوية الثقافية.

بدأتْ جُذور الصراع الفكري بين الرَّجلين معَ اشتداد الجدل الثقافي في مِصْر خِلال النصف الأول من القرن العشرين، حين ظهرتْ تيارات تدعو إلى تجديد الثقافة وفق النموذج الأوروبي، في مقابل تيار محافظ يَرى ضرورةَ الانطلاق من التراثِ العربي الإسلاميِّ.

قدَّم لويس عوض أُطروحات صادمة لكثير من اللغويين والأدباء، إذْ حاولَ إعادةَ تفسير نشأة اللغة العربية وآدابها بمنهج متأثر بالدراسات الغربية الحديثة. وقدْ ذهب إلى آراء شديدة الخُطورة، مِثل: التقليل من مركزية العربية الفُصحى، وربط تطوُّر الأدب العربي بتأثيرات أجنبية واسعة، والدَّعوة إلى تحديث اللغة بصورة جذرية، والتشكيك في بعض المُسلَّمات التراثية. وتمَّ اعتبار هذه الآراء تهديدًا مُباشرًا للهُويةِ العربية.

شنَّ محمود شاكر هجومًا على منهج لويس عوض الثقافي كُلِّه، واتَّهمه بالاعتماد على النقل غير الدقيق للمستشرقين، وبالجهلِ العميق بأسرار العربية وتراثها. وكانَ يَرى أنَّ لويس عوض يتعامل مع اللغة العربية بعقلية أجنبية لا تُدرك طبيعتها الداخلية، وأنَّه يُحاكم التراثَ العربي بمعايير غربية مفروضة من الخارج. لذلك لَم تكن معركة شاكر مُجرَّد رَد عِلمي، بل كانتْ دفاعًا عن رُوح الأُمَّة.

رأى محمود شاكر أن التراث العربيَّ الإسلاميَّ يُمثِّل أساس الهُوية الثقافية للأُمَّة، وأن أيَّة نهضة حقيقية يجب أن تنطلق مِنْه. أمَّا لويس عوض فرأى أن التقديس المُبالغ فيه للتراث أدى إلى جُمود العقل العربي، وأن النقد والتجاوز ضروريان لصناعة المُستقبل.

دافعَ محمود شاكر عن العربية الفُصحى بوصفها لغة مُكتملة وقادرة على مواكبة العصر دُون الحاجة إلى هدم بُنيتها. في المقابل، دعا لويس عوض إلى قَدْر أكبر من التحرر اللغوي، وتأثرَ ببعض الدعوات التي تُنادي بتبسيط العربية، وتقريبها من العاميَّة.

لَم يكن محمود شاكر يرفض الغربَ مُطْلَقًا، لكنه كان يرفض التبعيةَ الفكرية له، ويَرى أن بعض المثقفين العرب أصبحوا مُجرَّد صدى للمستشرقين. أمَّا لويس عوض فكانَ يَعتبر أن الحضارة الغربية تُمثِّل ذِروةَ التطوُّر الإنساني الحديث، وأن الاستفادة منها ضرورة تاريخية.

امتازت المعركة بين الرَّجلين بِحِدَّة نادرة، إذْ لَم تكن لغة المُجاملات حاضرة فيها. استخدمَ محمود شاكر لغة قاسية مليئة بالتعريض والسُّخرية، بينما ردَّ لويس عوض باتهام خُصومه بالجمود والانغلاق. وكانت الصحف والمجلات الثقافية آنذاك تمتلئ بالمقالات والردود، وتَحَوَّلَ الخِلافُ إلى قضية رأي ثقافي في مِصْر والعالَم العربي. وقد انقسمَ المثقفون إلى فريقَيْن: فريق يؤيِّد محمود شاكر، ويَرى فيه حارسًا للتراثِ العربي، وفريق يؤيِّد لويس عوض باعتباره ممثلًا للتجديدِ والحداثة.

لَم تكن هذه المعركة مُجرَّد سِجال شخصي، بلْ تَركتْ آثارًا عميقة في الفكر العربي الحديث. ساهمَ محمود شاكر في إعادة الاعتبار إلى الدراسات التراثية الدقيقة، وأثبتَ أن التراث العربي يمكن أنْ يُقْرَأ بعقلية نقدية أصيلة دون الحاجة إلى الذوبان في المناهج الغربية.

ساهمَ لويس عوض في فتح باب النقاش حول ضرورة تحديث الثقافة العربية، وعدم الاكتفاء بِتَكرار الماضي. أظهرت المعركةُ أن المثقف العربي يعيش أزمة مُعقَّدة بين الانتماء إلى التراث والرغبةِ في اللحاق بالحداثة الغربية. ولهذا ظَلَّتْ معركة محمود شاكر ولويس عوض حاضرة في الوعي الثقافي العربي حتى اليوم، لأنَّ الأسئلة التي أثارتها ما تزال قائمة: كيف نتعامل مع التراث؟، ما حدود التأثر بالغرب؟، هل يمكن الجمع بين الأصالة والحداثة؟، ما دَور اللغة العربية في بناء الهُوية؟.

حين ينظر الباحثُ المعاصر إلى هذه المعركة الأدبية، يجد أنَّ الكاتبَيْن يَحملان جانبًا من الحقيقة. محمود شاكر كانَ مُحِقًّا في تحذيره من الانبهار الأعمى بالغرب، والقراءةِ السطحية للتراث العربي. وفي الوقتِ نَفْسِه، كانَ لويس عوض مُحِقًّا في الدعوة إلى تجديد الفكر العربي وعدم تجميد الثقافة داخل الماضي.

لكنَّ المشكلة الكُبرى أنَّ الصراع بينهما اتَّخذ أحيانًا طابعًا شخصيًّا حادًّا، مِمَّا جعل الحوار يتحوَّل من نقاش عِلمي هادئ إلى مواجهة فكرية عنيفة.

تبقى المعركة الأدبية بين محمود شاكر ولويس عوض واحدةً من أهم المعارك الفكرية في تاريخ الأدب العربي الحديث، لأنها لَم تكن مُجرَّد خِلاف بين ناقدَيْن، بلْ كانتْ صِراعًا بين رؤيتين للحضارةِ والثقافة واللغة والهُوية. وقدْ أثبتتْ هذه المعركة أن الأدب لَيس ترفًا فكريًّا، بلْ ساحة كُبرى تتصارع فيها الأفكارُ والمشاريع الحضارية. كما أكَّدت أنَّ الأُمَّة التي تناقش تُراثَها ومُستقبلها بِجِدية هي أُمَّة لا تزال حَيَّة، وقادرة على التجدُّد.

ولعلَّ القيمة الكُبرى لهذه المعركة اليوم تكمن في أنها تدفع القارئَ العربي إلى التفكير العميق في سؤال لَم يفقد أهميته أبدًا: كيف يُمكن للأُمَّة العربية أن تحافظ على أصالتها دون أن تنكمش على ذاتها وتنغلق على نَفْسِها وتنعزل عن العصر؟.

يجب على الأُمَّة العربية أن تَجعل من تاريخها العريق جسرًا للعُبور نحو المستقبل لا سِياجًا يحبسها في الماضي، وأن تفتح نوافذها لثقافات العالَم ولُغاته، وتنهل من عُلومها، وتُسهِم في نِتاجها الحضاري، مُعتمدةً على وعي أبنائها في فرز الغث من السمين، وتمييز التطور التكنولوجي عن التبعية الثقافية، بحيث تُعيد صياغة هُويتها بأدوات العصر الحديث دون أن تفقد جَوهرَها وقِيَمها الرُّوحية والإنسانية، لتثبت للعالَم أن الأصالة والتجدُّد مساران يلتقيان بصناعة إنسان عربي مُبْدِع ومُعاصر ومُمتد الجذور.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

قراءة في مقولة "رأي الأغبياء لأنهم أغلبية"

العبارة تقع في نقطة التقاء حادة بين نظرية الديمقراطية ومخاوف النخبة من حكم الجمهور. هي ليست شتيمة بقدر ما هي تحذير من معضلة قديمة عرفها الإغريق قبل ألفي عام، وعادت لتطل برأسها مع كل موجة تصويت شعبي يصطدم فيها الحدس الجماعي بمنطق التخصص. في الأصل، لم تكن المشكلة في الديمقراطية ذاتها، بل في غياب المرشحات التي تفصل بين الرأي المتسرع والقرار المسؤول. أفلاطون رأى في التصويت المباشر خطراً مشابهاً لترك اختيار الطبيب لجمهور لا يميز بين الدواء والسم. والسبب بسيط: العدد لا يمنح شرعية معرفية، بل شرعية إجرائية فقط. أي أن الأغلبية تقر من يحكم، لكنها لا تضمن أن القرار الذي تتخذه صائب من حيث النتيجة. لكن الخلط يحدث عندما تُقرأ العبارة كحكم قيمي على الناس. الأغلبية ليست كتلة متجانسة من الجهل، كما أن الأقلية ليست بالضرورة نخبة مستنيرة. التاريخ يقدم نماذج متناقضة. فأحياناً كانت الأغلبية هي التي أنقذت دولة من مشروع نخبوي مكلف، وأحياناً كانت هي التي دفعت بلادها إلى قرار كارثي بدافع الانفعال أو الخوف. المسألة إذن ليست في تكوين الناس، بل في طبيعة اللحظة التي يتخذون فيها قرارهم. الأنظمة الديمقراطية الحديثة حاولت حل هذه المعضلة عبر بناء حواجز مؤسية. فبدلاً من ترك القرار للجمع، وُضعت آليات التمثيل والفصل بين السلطات وحقوق الأقليات. الهدف لم يكن إلغاء صوت الأغلبية، بل تأخيره وتهذيبه حتى يمر على محطات مراجعة تمنع اندفاع القطيع. هذه المرشحات هي ما يفرق بين ديمقراطية تصلح نفسها من الداخل، وأخرى تنهار تحت وطأة قرار شعبي لا رجعة فيه. اليوم، مع صعود الإعلام الرقمي وسرعة تداول الشعارات، أصبحت العبارة أكثر حضوراً في الخطاب العام. لأن الفضاء المفتوح يعطي للرأي السهل الانتشار تفوقاً على الرأي المعقد، بغض النظر عن دقته. وهنا يعود السؤال القديم: هل يكفي أن يكون الرأي الأكثر تداولاً لكي يصبح صواباً؟ الإجابة التي يستقر عليها التحليل السياسي الرصين هي أن العدد يمنح شرعية الحكم، لكنه لا يمنح عصمة من الخطأ. لذلك فإن احتقار الأغلبية لا يعالج المشكلة، كما أن تخويلها سلطة مطلقة لا يحميها من نفسها. الحل يبقى في بناء مؤسسات قادرة على تحويل ضجيج الأغلبية إلى قرار قابل للحياة، لا في استبدال صوتها بصوت أقلية مغلقة تدعي امتلاك الحقيقة.

***

محمد البغدادي

بقلم: بول سوتر

ترجمة: حاتم حميد محسن

 ***

كان الاعتقاد السائد هو اننا لا نستطيع ببساطة الوصول الى بداية الكون، والان، بفضل العمل الأسطوري للعالمين الفيزيائيين ويلر و ديويت (1)، اصبحنا نمتلك الوسيلة الدقيقة التي نحتاجها لحل بداية الكون فقط لوعرفنا شيئا واحدا، وهو قطعة صغيرة جدا من المعلومات، وسوف نتمكن من ذلك.

بعد عقدين من ويلر و ديوت (الأول ولد عام 1911، والثاني عام 1923)،جاء عالِم الفيزياء البريطاني الراحل ستيفن هاوكنغ وطرح فرضية لا حدود no-boundary proposal (2) ،هنا هو امتلك فكرة اكثر من أي شخص آخر، حيث ربط، كما يفعل عادة، بين عدة خطوط فكرية، وهو يدرك ان المشكلة لشيء ما هي في الحقيقة حل لشيء آخر.

 هاوكنغ حدق في معادلة ويلر ديوت Wheeler-Dewitt equation – التي يكشف لغزها الكون لكن جميع أجزاء اللغز متناثرة في كل مكان، ونحن نحاول فهم مشكلة معقدة (كمن يحاول في لعبة الصور المقطوعة تجميع الصور دون وجود غطاء مرشد للعلبة في الأعلى). لو كنا نستطيع معرفة كيف نضع فقط قطعة واحدة، سنتمكن من تجميع دالة الموجة الكمومية للكون.

نحن نحتاج فقط القطعة الأولى او الحالة الحدودية boundary condition التي تحدد بداية الكون. لكننا لا نستطيع قياسها، نحن لا نستطيع قراءة أي وسيلة او ننظر من خلال أي تلسكوب لنكتشف ذلك. لا شيء يتيح لنا الوصول الى اللحظة الأولى للانفجار العظيم. وليست لدينا ببساطة نظرية للجاذبية الكمومية في الأفق القريب لنطرحها.

اذن يبقى أمامنا ان نخمن تخمينا عشوائيا ونرى ان كنا سننجح . هاوكنغ قرر ان يكون تخمينه الجامح واقعيا قدر الإمكان. هو جادل ان أفضل حالة حدودية للكون، وأفضل بيان يمكنك الإدلاء به حول كيفية بدء كل شيء يجب ان يكون مبرر ذاتيا. هذا يعني ان التخمين حول بداية الكون لا يمكن ان يأتي من أي مكان آخر: انت لا تستطيع الإشارة الى الله او ويلر او أي شيء فقط ليعطيك الجواب، لأن الكون هو كل شيء موجود على الاطلاق، في كليته ولا يمكنك الوصول الى ما هو خارجه. لا يوجد هناك ركن مخفي في الخزانة التي توجد خارج الكون ليحدد لنا الحدود. ان أكبر تصريح تبريري يمكن ان يدلي به هاوكنغ حول بداية الكون هو انه ليس له بداية.

بكلمة أخرى، ماذا لو كان السبب في صعوبة العثور على حد لبداية الكون هو ليس لأنه مخفي او يصعب الوصول اليه، وانما لأنه غير موجود؟ الآن هذه فكرة جميلة جدا. لكننا هنا لسنا من أجل الأفكار الجميلة، نحن هنا من أجل الفيزياء العملية والواقعية. ان قول شيء غريب شيء، وتحويل ذلك الى نظرية عملية للطبيعة شيء آخر. لحسن الحظ، امتلك هاوكنغ بالضبط ما كان بحاجة اليه. واحدة من السمات المحددة لمعادلة ويلر- دويت هي انها لا تشرك الزمن. انها لا تعرف او تهتم بان الكون يتطور، يتوسع، يعمل أشياءً ملفتة.

ان المفتاح الذي يمكن ان يحل معادلة ويلر – ديوت هو بيان قوي حول الزمن، خاصة، الزمن الأكثر أهمية: بداية الكون. لذا نحتاج الى ادخال عنصر الزمن بطريقة او باخرى في كل هذه الفوضى اذا اردنا احراز تقدم.

لهذا فان هاوكنغ يأخذ بالاعتبار الزمن. بدلا من مجرد النظر الى المكان، هو يقوم بتجميع هذه الاشكال الهندسية معا جنبا الى جنب مثل صفحات الفيلم. هو يصنع منها سلسلة، تمثل تطور تاريخ الكون. هذه الأطر تحكي قصة الكون. الآن، نحن لا نعرف ما هي تلك القصة، لذا، يبني هاوكنغ كل هذه المسارات. تواريخ ممكنة للكون، مسارات، تطورات، قصص. في بعض القصص، يصبح الكون ضخما جدا بسرعة كبيرة ثم يتلاشى الى لا شيء. في أخرى لا يتمدد ابدا، وفي أخرى،لا وجود هناك الاّ المادة. وفي أحيان خرى، لا شيء الا اللاشيء. الان كل هذه المسارات، كل هذه التواريخ للكون، كلها تشترك بشيء واحد: انها في الزمكان العادي الذي نحن نعرفه ونحبه. السبب والنتيجة، الماضي والمستقبل، سرعة الضوء، كل ذلك. وكلها لها بداية. اول اطار في فهم الكون .

حسنا، ماذا لو جعلنا الزمن يتصرف بشكل مختلف؟ الان سوف نستخدم كلمة جديدة هي الزمن التخيلي

imaginary time ، الزمن التخيلي، زمن لكنه خيالي. الأرقام الخيالية، رائعة وممتعة حقا: الفكرة الجوهرية خلف الأرقام الخيالية هي بيان الجذر التربيعي للعدد أربعة سالب الغير معروف. الجذر التربيعي للرقم أربعة النظامي هو 2 لكن الجذر التربيعي للسالب أربعة هو... ؟ في الرياضيات الابتدائية العادية، هنا يسخر منا المعلم ويقول انت لا تستطيع اخذ الجذر التربيعي لرقم سالب. لكن هذه ليست رياضيات مدرسية. نحن سوف لن نأخذ الجذر التربيعي لرقم سالب. بدلا من ذلك، نحن نقول ان الجذر التربيعي للارقام السالبة هو نوع جديد تماما من الأرقام. فئة جديدة تماما. انت لديك أعداد صحيحة، أعداد نسبية، أعداد سالبة، والان لديك أعداد تخيلية، التي هي جميع الجذور التربيعية للارقام السالبة.

 الحيلة التي استخدمها هاوكنغ كانت انه أخذ كل هذه التواريخ للزمكان واستبدل "الزمن" بـ "زمن تخيلي". ثم ضرب مسار الزمن × الجذر التربيعي لزمن سالب . الان، العلماء في الحقيقة يقومون بهذا في ميكانيكا الكم طوال الوقت كحيلة.

أحيانا عندما نحصل على معادلات يصعب جدا حلها، نستبدل الزمن بزمن تخيلي وتصبح أسهل. بعدها نحلها، ثم نعيدها الى وضعها الأصلي . فقط تعديلات طفيفة في الواجهة الخلفية لحل بعض المشاكل المعقدة. لكن عندما يقوم هاوكنغ بهذا في زمكان الكون، هو يحصل على مكافأة. لم يعد الامر مجرد خدعة في حفلة. انه بيان. انت ترى، في زمكان طبيعي، الكون له بداية. لكن عندما تستبدل الزمن بزمن تخيلي، البداية ستهرب. هذا الاجراء في الحقيقة يضع المكان والزمان على قدم المساواة. انه يجعلهما نتاج للانحناء والهندسة، مع عدم وجود هوية منفصلة وهو ما يجعل بداية الكون ليست زمان خاص ابدا. انها تصبح مثل القطب الجنوبي، الذي هو حقا مثل أي نقطة أخرى على الكوكب. انت تصل الى القطب الجنوبي ولن تسقط من حافة، ولو تستمر بالمشي سيكون بدون أي معنى، حيث لا يوجد شيء سوى الاتجاه شمالا من هناك. انت تصل بداية الكون، وهي ليست خاصة او فريدة (ربما اكثر حرارة)، وكل ما لديك هو المستقبل الذي أمامك. لا بداية. لا حدود. كون يبرر ذاته. عبر الانتقال الى الزمن التخيلي، استطاع هاوكنغ تشفير فكرته القائلة بان (الكون ليس له بداية)، وكان بامكانه اجراء عمليات حسابية معقدة.

هذا هو المفتاح الذي يفتح معادلة ويلر- دويت والمعرفة اللازمة لتشغيل الآلة الرياضية. ماذا نحصل مقابل كل هذا العمل؟ ليس أقل من دالة موجية للكون.

***

............................

* المقال نُشر بتاريخ may,17,2026 للكاتب بول سوتر في نشرة universe Today بعنوان (ماذا لو كان الكون بلا بداية؟ الجزء الثاني: لا حدود، لا مشكلة).

* بول سوتر Paul Sutter عالم كونيات، مستشار في وكالة ناسا، مؤلف ومقدم برامج

الهوامش

(1) ويلر ودويت كانا عالمي فيزياء أمريكيين بارزين أبدعا بعملهما الحديث في النسبية العامة والثقوب السوداء والسعي لنظرية في الجاذبية الكمومية. هما اشتهرا بتطويرهما المشترك لمعادلة ويلر- دويت – wheeler-Dewitt equation(صيغت في أواخر الستينات من القرن الماضي، كمعادلة أساسية تحاول رياضيا دمج ميكانيكا الكم مع نظرية اينشتاين في النسبية العامة). أهم عناصر المعادلة هما الدالة الموجية للكون و مشكلة الزمن. الدالة الموجية هي في الأساس تعمل بمثابة معادلة شرودنغر لكل الكون. بدلا من وصف الكترون واحد او ذرة واحدة، انها تصف الحالة الكمومية للمكان والكون كله. اما مشكلة الزمن فهي السمة الأكثر اثارة في المعادلة كونها لا تحتوي على متغير الزمن. بما ان الزمن والمكان متداخلان في نسيج واحد ضمن نسبية، فان تطبيق مبادئ الكوانتم على كل الكون يتركنا مع معادلة لازمنية.

(2) تقوم هذه الفرضية على النقاط التالية:

1- لا بداية، لا حافة: اقترح هاوكنغ ان لا وجود لحد مادي للكون، لا نقطة بداية في الزمن. الزمكان محدود، بما يعني انه لا يستمر الى الابد، لكنه ينطوي على نفسه بطريقة لا تخلق أي حدود.

2- السؤال عن الزمن قبل الانفجار العظيم هو بلا معنى لان الزمن كما نفهم غير موجود قبل تلك النقطة.

3- الكون مكتفِ بذاته: بما ان الكون مكتف بذاته تماما ولم يتأثر باي شيء خارج ذاته، فان حالة الحدود هذه تعني ان الكون لا يتطلب خالقا او قانونا خارجيا خاصا لضبطه.

القوانين الطبيعية غير مُحدَّدة. من الممكن التعبير عن لا مُحدَّدية القوانين الطبيعية من خلال القانون التالي: القوانين الطبيعية × صفر = إنتاج الوقائع × صفر. بما أنَّ القوانين الطبيعية × صفر = إنتاج الوقائع × صفر، إذن القوانين الطبيعية = (إنتاج الوقائع × صفر)  ÷   صفر. وبذلك القوانين الطبيعية = صفر ÷   صفر مما يتضمن أنَّ القوانين الطبيعية غير مُحدَّدة علماً بأنَّ الصفر مقسوم على صفر نتيجته غير مُحدَّدة. هكذا ينجح القانون السابق في التعبير عن لا مُحدَّدية القوانين الطبيعية.

ينجح هذا القانون في تفسير لماذا تتنوّع القوانين الطبيعية وتختلف. فبما أنَّ، بالنسبة إليه، القوانين الطبيعية غير مُحدَّدة، إذن من المتوقع أن تختلف القوانين الطبيعية وتتنوّع من جراء لا مُحدَّديتها كأن توجد قوانين طبيعية حتمية (كما في فيزياء نيوتن وأينشتاين) وأن توجد أيضاً قوانين طبيعية احتمالية بدلاً من حتمية (كما في نظرية ميكانيكا الكمّ). هكذا ينجح القانون السابق في تفسير اختلاف القوانين الطبيعية وتنوّعها مما يدلّ على أنه قانون صادق على ضوء نجاحه التفسيري.

بالإضافة إلى ذلك، بما أنَّ، بالنسبة إلى القانون السابق، القوانين الطبيعية غير مُحدَّدة، إذن من الممكن أن تتغيّر القوانين الطبيعية من جراء لا مُحدَّديتها مما يتضمن إمكانية نشوء أكوان ممكنة موازية متعدّدة ومختلفة بفضل تغيّر تلك القوانين فاختلافها وتعارضها (فمع اختلاف القوانين الطبيعية تختلف الأكوان). من هنا، ينجح القانون السابق في التعبير عن إمكانية وجود أكوان موازية عديدة ومتنوّعة. وهذا النجاح التعبيري يشير إلى صدق ومصداقية القانون السابق.

كما ينجح هذا القانون في التعبير عن فعّالية القوانين الطبيعية ومحكومية الوقائع بالقوانين الطبيعية. فبما أنَّ، بالنسبة إليه، القوانين الطبيعية × صفر = إنتاج الوقائع × صفر، إذن القوانين الطبيعية كامنة في إنتاج الوقائع. وبذلك الوقائع محكومة بالقوانين الطبيعية وتلك القوانين فعّالة في إنتاج الوقائع. وعلى ضوء هذه القدرة التعبيرية الناجحة يكتسب القانون السابق صدقه ومصداقيته.

ينجح القانون السابق أيضاً في تفسير انتظام الأحداث وفوضاها في آن. فبما أنَّ، بالنسبة إليه، القوانين الطبيعية كامنة في إنتاج الوقائع بينما من الممكن إنتاج الوقائع بشكل منتظم كما من الممكن انتاجها بشكل فوضوي، إذن من المتوقع نشوء انتظام الأحداث (المتمثل بأنَّ الأسباب نفسها تؤدي إلى النتائج نفسها) كما من المتوقع نشوء فوضى الأحداث (المتمثل بانتقال أحداث الكون من الانتظام إلى الفوضى كما يقول مبدأ الأنتروبي العلمي). هكذا ينجح القانون السابق في تفسير انتظام الأحداث وفوضاها. وهذه القدرة التفسيرية الناجحة دليل على صدق القانون السابق.

من جهة أخرى، ينجح هذا القانون في التوحيد بين مذهبيْن أساسييْن حيال تحليل القوانين الطبيعية فيكتسب فضيلة هذا التوحيد. فبما أنَّ، بالنسبة إلى القانون السابق، القوانين الطبيعية كامنة في إنتاج الوقائع بينما من الممكن إنتاج الوقائع من خلال علاقات رياضية بين كليات (كالعلاقة الرياضية بين االقوة والكتلة والتسارع في قانون نيوتن العلمي ألا وهو القوة = الكتلة × التسارع) كما من الممكن إنتاج الوقائع من خلال انتظام العلاقات السببية (المتمثل بأنَّ الأسباب نفسها تؤدي إلى النتائج نفسها)، إذن من الممكن التعبير عن القوانين الطبيعية على أنها علاقات رياضية بين كليات وعلى أنها أيضاً انتظام العلاقات السببية فانتظام حدوث الأحداث. وبذلك يوحِّد القانون السابق بين المذهب الفلسفي الذي يحلِّل القوانين الطبيعية على أنها علاقات رياضية بين كليات والمذهب المنافس له الذي يحلِّل القوانين الطبيعية على أنها الانتظام في العلاقات السببية والأحداث فيحلّ الخلاف الفلسفي بين المذهبيْن السابقيْن. وبهذا النجاح في حلّ الخلاف الفلسفي دلالة كبرى على صدق هذا القانون.

***

حسن عجمي

في زمن تتكاثر فيه الاصوات وتتناقص فيه الرؤى، يظل الفيلسوف الحقيقي هو ذلك الذي لا يكتفي بشرح العالم، بل يحاول ان يمنح الوعي قدرة جديدة على النظر الى ذاته. فالفلسفة ليست حشدا من المصطلحات المعقدة، بل هي، في جوهرها، محاولة دائمة لانقاذ الانسان من السقوط في العادة الفكرية، ومن الاستسلام للمألوف بوصفه حقيقة نهائية.

ومن هنا تأتي اهمية المفكر والفيلسوف المصري أحمد عبد الحليم عطية، بوصفه واحدا من ابرز الاصوات الفلسفية العربية التي سعت الى اعادة الاعتبار للعقل النقدي، والى بناء جسر حي بين التراث الفلسفي العالمي واسئلة الواقع العربي المعاصر. فهو لا ينتمي الى ذلك النموذج الاكاديمي المنغلق داخل القاعات الجامعية، بل يمثل مشروعا فكريا واسعا انشغل بالانسان، والقيم، والحداثة، واسئلة الهوية، ومصير العقل العربي في مواجهة التحولات الكبرى التي يعيشها العالم.

ويأتي احمد عبد الحليم عطية بوصفه واحدا من الاصوات الفلسفية العربية التي لم تتعامل مع الفكر باعتباره مهنة اكاديمية، بل باعتباره قدرا انسانيا، وموقفا اخلاقيا.

لقد ادرك الدكتور احمد عبد الحليم عطية ان الفلسفة لا تعيش الا بالحوار، لذلك انفتح على تيارات الفكر الغربي المعاصر، من الوجودية الى التفكيكية، ومن النقد الاخلاقي الى فلسفات ما بعد الحداثة، دون ان يفقد حسه النقدي او خصوصيته الثقافية. فكان قارئا عميقا للفكر الاوروبي الحديث، وفي الوقت نفسه منحازا الى ضرورة تأسيس مشروع فلسفي عربي قادر على تجاوز التبعية الفكرية والجمود التراثي معا.

ولم يكن مشروعه الفكري مجرد قراءة للفلسفة الغربية المعاصرة، بل كان محاولة للكشف عن ازمة الانسان العربي ذاته، ذلك الانسان الممزق بين ماض لم يعد قادرا على العودة اليه، وحاضر لم ينجح بعد في بنائه. ومن هنا جاءت اهتماماته بالفكر النقدي، وفلسفات ما بعد الحداثة، والتفكيك، وعلم الجمال، وفلسفة القيم، بوصفها ادوات لفهم التشققات العميقة داخل الوعي الانساني الحديث.

ويعد عطية احد رموز البحث الفلسفي في الجامعة المصرية والعالم العربي، اذ اسهم عبر كتبه وابحاثه وترجماته في اثراء المكتبة الفلسفية العربية، خاصة في مجالات الفلسفة الغربية المعاصرة، وعلم الجمال، وفلسفة القيم، والفكر النقدي. كما لعب دورا ثقافيا مهما من خلال رئاسته لـ جمعية الفكر العربي، واشرافه على مجلة أوراق فلسفية، التي تحولت الى منصة للحوار الفلسفي والفكري بين اجيال متعددة من الباحثين والمفكرين.

ومن ابرز ما يميز مشروعه الفكري انشغاله العميق بالاخلاق والقيم في عصر تتآكل فيه المعايير الانسانية تحت ضغط الاستهلاك والعنف والاغتراب. فقد كان يرى ان ازمة الانسان الحديث ليست ازمة معرفة فحسب، بل ازمة معنى ايضا، وان الحضارة التي تتقدم تقنيا دون ان ترتقي اخلاقيا انما تدفع الانسان نحو فراغ روحي خطير.

كما اهتم بالفكر التفكيكي وقراءة اعمال الفيلسوف جاك دريدا، محاولا تقديم التفكيك لا بوصفه هدما للمعنى فقط، بل كآلية نقدية تكشف البنى الخفية للسلطة والمعرفة واللغة. وفي الوقت ذاته، انفتح على الفكر الانساني عند لودفيغ فويرباخ، وترجم بعض اعماله، ادراكا منه لاهمية اعادة قراءة التراث الفلسفي الاوروبي بلغة عربية دقيقة وعميقة.

لقد انفتح على فكر لودفيغ فويرباخ، واهتم بترجمة اعماله، لانه كان يدرك ان الفلسفة ليست حدودا جغرافية، بل حوار انساني طويل بين العقول عبر الزمن. لذلك جاءت ترجماته وابحاثه وكأنها محاولة لادخال العقل العربي في هذا الحوار الكوني.

ولم يكن عطية منفصلا عن هموم الواقع، فقد ادرك ان ازمة العصر ليست ازمة معرفة فقط، وانما ازمة معنى. فالعالم الحديث، رغم كل تقدمه التقني، بات اكثر وحدة وبرودة واغترابا، والانسان فيه يزداد ثراء ماديا وفقرا روحيا. ولهذا انشغل بفلسفة الاخلاق والقيم، مؤمنا بأن الحضارة التي تفقد بعدها الانساني تتحول تدريجيا الى آلة ضخمة بلا روح.

ومن اعماله الفكرية المهمة ايضا كتاب "فلسفة القيم" الذي ناقش فيه ازمة الاخلاق في العالم المعاصر، محذرا من تحول الانسان الى كائن استهلاكي فاقد للمعنى في ظل هيمنة المادة والتكنولوجيا.

وفي كتابه. الحداثة وما بعد الحداثة.. حاول قراءة التحولات الفكرية الكبرى التي اصابت الوعي الانساني، موضحا كيف انتقل العالم من الايمان بالعقل المطلق الى الشك، والتشظي، وقلق الهوية. كذلك اهتم بعلم الجمال والفكر النقدي في عدد من ابحاثه، معتبرا ان الفن ليس ترفا جماليا، بل وسيلة لفهم الانسان ومقاومة اغترابه

وتكشف هذه الاعمال مجتمعة عن مشروع فلسفي يسعى الى اعادة الاعتبار للانسان، والدفاع عن حرية العقل، وفتح ابواب الحوار بين الفكر العربي والفلسفة العالمية، بعيدا عن الانغلاق او التبعية الفكرية.

ان الكتابة عن احمد عبد الحليم عطية ليست كتابة عن استاذ جامعي فحسب، بل عن تجربة فكرية آمنت بأن الفلسفة قادرة على مقاومة التكلس، وعلى تحرير الانسان من الخوف الفكري، وعلى اعادة طرح السؤال الانساني الكبير: كيف يمكن للعقل ان يبقى حرا في عالم يمتلئ باليقينيات المغلقة؟

لذلك، فإن حضوره في المشهد الثقافي العربي لا يختزل في مؤلفاته فقط، بل يمتد الى اثره في اجيال من الباحثين والطلاب والمثقفين الذين تعلموا منه ان الفلسفة ليست حفظا للنظريات، بل شجاعة في التفكير، وقدرة على مساءلة العالم دون خوف.

ومن خلال حضوره الاكاديمي والثقافي، سواء عبر جمعية الفكر العربي او مجلة اوراق فلسفية، لم يكن يسعى الى انتاج نخبة معزولة، بل الى خلق مساحة للحوار الحر، والى اعادة الاعتبار للفلسفة باعتبارها فعل مقاومة.

وهكذا، لا يمكن النظر الى تجربة احمد عبد الحليم عطية باعتبارها مجرد مسيرة اكاديمية لرجل كتب وألف ودرّس، بل بوصفها محاولة دائمة لانقاذ المعنى في زمن يتآكل فيه المعنى نفسه. انه ينتمي الى ذلك النوع النادر من المفكرين الذين لا يسكنون الفلسفة، بل تسكنهم الفلسفة، اولئك الذين يتحول السؤال عندهم الى اسلوب حياة، ويصبح التفكير فعل مقاومة ضد السكون العقلي والتصحر الروحي.

وكان دائما ما ينبه الى ان اخطر ما يهدد الانسان ليس الفقر المعرفي فقط، بل موت الحس النقدي، حين يفقد العقل شجاعته في مساءلة ما اعتاد عليه.

لذلك ظل مشروعه الفكري منحازا الى الحرية، لا بمعناها السياسي الضيق فحسب، بل بوصفها حرية الوعي ذاته، حرية الانسان في ان يفكر خارج القوالب، وان يعيد اكتشاف العالم دون وصاية.

وفي هذا الزمن الذي تتسارع فيه التكنولوجيا بينما يتراجع الانسان داخليا، تبدو كتابات الدكتور أحمد عبدالحليم عطيه وكأنها تذكير دائم بأن الحضارة ليست ما نبنيه من آلات، بل ما نحمله من قيم، وان العقل الذي لا يرافقه ضمير قد يتحول الى اداة اكثر قسوة من الجهل نفسه. ومن هنا جاءت فلسفته اقرب الى دفاع انساني عميق عن الانسان المهدد بالتشيؤ والاغتراب.

ربما لا تصنع الفلسفة ضجيجا كالسياسة، ولا سلطة كالدين، ولا اغراء كالمال، لكنها وحدها القادرة على ان تمنح الانسان تلك اللحظة النادرة التي يرى فيها نفسه والعالم بعيون اكثر صدقا. ولهذا يبقى احمد عبد الحليم عطية واحدا من الاصوات التي حاولت ان تبقي باب السؤال مفتوحا في وجه العتمة، وان تذكرنا بأن الفكر ليس ترفا، بل احد آخر اشكال النجاة الممكنة للانسان.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

الجمال بوصفه تشريعاً للخيال والحرية

منذ أن انشقّ الوعي الإنساني عن يقيناته الأولى، لم يعد الجمال ترفاً حسّياً يُضاف إلى العالم، بل صار طريقةً في فهم الوجود نفسه؛ إذ إنّ علم الجمال، أو الأستاطيقا، لم يولد بوصفه تأملاً في الزينة أو المحاكاة، وإنما وُلد بوصفه ارتجاجاً عميقاً في بنية الفكر الغربي، وانقلاباً على النظام الدوغمائي الذي كان يضع الذات في تبعيةٍ مطلقة لموضوعٍ مفارق وثابت. ولهذا بدا ظهور الأستاطيقا الحديثة متزامناً مع ما سمّاه الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط «الثورة الكوبرنيكية» في الفلسفة؛ تلك الثورة التي لم تغيّر مسار المعرفة فقط، بل غيّرت صورة الإنسان عن نفسه، وعن علاقته بالعالم، وعن معنى الإدراك والخيال والحرية.

لقد كان العالم، قبل هذه القطيعة الكانطية، يُفهم بوصفه حقيقةً جاهزةً تقف خارج الذات، بينما يُنظر إلى العقل كمرآةٍ سلبيةٍ تعكس الموجودات كما هي. غير أنّ كانط زعزع هذا التصور من جذوره حين أعلن أن العقل لا يستقبل العالم فحسب، بل يشارك في بنائه وإضفاء معناه؛ فالذات ليست مستودعاً خاملاً للمعرفة، وإنما هي قوة تشريعية تمنح الظواهر انتظامها وإمكان ظهورها. ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة: إنّ الإنسان «مشرّع الطبيعة». أي إنّ الطبيعة، كما تُدرَك، ليست معطىً خالصاً، بل هي حصيلة تفاعلٍ خلاق بين الحسّ والمقولات والوعي.

في هذا التحول الجذري، لم يعد الجمال مجرد خاصيةٍ في الأشياء، بل أصبح تجربةً تنكشف فيها حرية الذات وهي تؤسس علاقتها بالعالم دون إكراهٍ مفهومي أو منفعةٍ عملية. فالحكم الجمالي عند كانط لا يقوم على المعرفة ولا على الأخلاق، بل على ذلك الانسجام الحرّ بين المخيلة والفهم؛ ذلك الاهتزاز الداخلي الذي يجعل الروح تشعر بأنّ العالم قابلٌ لأن يُحَبّ قبل أن يُفهَم، وأن يُتأمّل قبل أن يُستعمل.

ولعلّ أعظم ما اكتشفته الأستاطيقا الحديثة هو أنّ المخيلة ليست أداةً ثانوية تزيّن الواقع، بل هي القوة السرية التي تمنح الإدراك نفسه حيويته. فالمخيّلة، في التصور الكانطي، ليست مجرد خزانٍ للصور، وإنما طاقة توليدية قادرة على خلق إمكاناتٍ جديدة للحدس والمعنى. إنها الوسيط الخفيّ بين الحسّ والعقل، بين المادة والصورة، بين الفوضى والقانون. ولذلك قال صموئيل تايلور كولريدج إنّ المخيلة «قوة توحيدية» تعيد خلق العالم في داخل الذات، لا عبر نسخه، بل عبر بعثه من جديد.

ومن هنا نفهم لماذا ارتبط الجمال بالحرية منذ نشأته الفلسفية الحديثة؛ لأنّ التجربة الجمالية هي اللحظة التي يتحرر فيها الإدراك من قسر المنفعة ومن صرامة المفهوم. ففي تأمل لوحةٍ أو قصيدةٍ أو معزوفةٍ موسيقية، لا نبحث عن حقيقةٍ علمية ولا عن غايةٍ نفعية، بل نختبر انفتاحاً داخلياً يجعل الذات أكثر اتساعاً وقدرةً على الإنصات لما هو غير قابلٍ للاختزال. ولذلك رأى فريدريش شيلر أنّ الجمال هو المجال الذي يتصالح فيه الإنسان مع ذاته، لأنّ الإنسان لا يكون إنساناً كاملاً إلا حين يلعب؛ أي حين يتحرر من الضرورة ويدخل فضاء التشكيل الحرّ.

إنّ الفن، وفق هذا المعنى، ليس محاكاةً للعالم، بل إعادة اختراعٍ له. والقصيدة العظيمة لا تصف الأشياء كما هي، بل تكشف ما كان خفياً فيها. ولهذا كان مارتن هايدغر يرى أنّ العمل الفني ليس شيئاً جميلاً فحسب، بل هو انكشافٌ للحقيقة؛ إذ إنّ الحقيقة، في الفن، لا تظهر بوصفها برهاناً، وإنما بوصفها إشراقاً. إنّ القصيدة لا تقول العالم، بل تجعله يحدث من جديد داخل اللغة.

وهنا تبلغ اللغة ذروتها الجمالية؛ فاللغة ليست أداة نقلٍ محايدة، وإنما بيت الوجود كما يقول هايدغر. والكلمات، حين تبلغ كثافتها الشعرية، تتحول إلى كائناتٍ حيّةٍ تُنصت إلى ما وراء المعنى المباشر. ولذلك كان رومان ياكوبسون يرى أنّ الوظيفة الشعرية للغة تقوم على تركيز الرسالة على ذاتها؛ أي على جعل اللغة تُظهر مادتها وإيقاعها وتوتراتها الداخلية، لا أن تكون مجرد قناة عبورٍ نحو المعنى.

ومن هذا المنظور، يصبح الجمال نوعاً من المقاومة ضد الابتذال والاعتياد؛ لأنّ الإنسان، حين يفقد قدرته على الدهشة، يفقد شيئاً من إنسانيته العميقة. إنّ الجمال ليس زينةً للحياة، بل إنقاذٌ لها من التشيؤ. ولهذا كتب ثيودور أدورنو أنّ الفن الحقيقي يحمل دائماً أثراً من السلب والاحتجاج؛ لأنه يرفض أن يذوب العالم في المنفعة الخالصة أو في النظام التقني البارد.

إنّ الأستاطيقا، بهذا المعنى، ليست علماً للجمال فحسب، بل هي تفكيرٌ في الحرية والخيال والوعي والزمن. إنها محاولة لفهم كيف يستطيع الإنسان أن يخلق عالماً آخر داخل العالم؛ عالماً لا تحكمه الضرورة وحدها، بل تحكمه القدرة على التخيّل والتجاوز وإعادة التشكيل. ومن هنا كان الجمال حدثاً روحياً قبل أن يكون خاصيةً حسية؛ لأنه يكشف أنّ الإنسان ليس كائناً يستهلك الواقع فقط، بل كائنٌ يعيد تأويله باستمرار.

وحين تبلغ المخيلة أقصى حريتها، لا تعود الطبيعة معطىً جاهزاً، بل تصبح إمكانيةً مفتوحة. وهنا يظهر أصل الحسّ الجمالي: ذلك الحدس الذي يخلق طبيعةً أخرى، لا تُقاس بقوانين المادة وحدها، بل بأحداثٍ روحيةٍ خالصة؛ طبيعةٍ تُولد فيها الأشياء من جديد داخل الرؤية، ويصبح العالم فيها أقلّ صلابةً وأكثر قابليةً للحلم.

***

بقلم: عماد خالد رحمة برلين

في كثير من الأحيان نعتقد أن النجاح مرتبط بالحماس اللحظي أو التحفيز المؤقت، فنبحث باستمرار عن كلمات تشعل فينا الدافعية والهمة والنشاط، أو مقاطع تحفزنا لبضعة لحظات أو أيام، ثم لا يلبث ذلك الحماس أن يخبو مع أول تعب أو ضغط أو انشغال. لكن الحقيقة التي تؤكدها تجارب الأفراد والأمم أن ما يصنع الإنجاز الحقيقي ليس التحفيز المؤقت، بل الانضباط الذاتي والجمعي المستمر.

فالانضباط ليس مجرد التزام بالقوانين أو المعايير أو الحضور في الوقت المحدد، بل هو منظومة فكرية قائمة على الوعي والسلوك الذي يتشكل منذ الطفولة، وتنمو مع الإنسان عبر ما يتعلمه ويمارسه يومياً في تنشئتة داخل البيت والمدرسة والجامعة ومكان العمل. إنه أسلوب حياة ينعكس على طريقة التفكير، وإدارة الوقت، وتحمل المسؤولية، واحترام النظام، والقدرة على الاستمرار حتى في غياب الحماس والتحفيز.

فيعد المجتمع الياباني على سبيل المثال من أكثر المجتمعات التزاماً وانضباطاً في العالم. فالفرد هناك يتربى منذ سنواته الأولى على الاعتماد على النفس، واحترام الوقت، وتحمل مسؤولية أقواله وأفعاله، والالتزام بإنجاز المهام التي يوكل بها بدقة وجودة عالية. لذلك أصبحت ثقافة الانضباط جزءاً من الهوية الحضارية والمجتمعية، وليست مجرد تعليمات أو رقابة خارجية تفرضها أصحاب السلطات والمسؤولين. ولهذا استطاعت اليابان أن تبني نموذجاً متقدماً في التعليم والعمل والإنتاج رغم التحديات والكوارث والحروب والدمار الشامل التي مرت بها عبر التاريخ.

وفي المقابل، فإن ديننا الإسلامي الحنيف سبق كل النظريات الحديثة في الدعوة إلى الانضباط والعمل الجاد؛ إذ حث على الرقابة الداخلية والإخلاص في العمل وإتقانه، واحترام الوقت، وتحمل المسؤولية، والوفاء بالعهود والوعود، وتنظيم شؤون الحياة. فالصلاة نفسها مدرسة يومية للالتزام بالمواعيد والانضباط، والعمل عبادة حين يؤدى بإخلاص وإتقان.

إن المجتمعات التي تربي أبناءها على الانضباط لا تحتاج كثيراً إلى الرقابة والعقوبات، لأن الإنسان يصبح رقيباً ومحاسباً لذاته. بينما يؤدي غياب الانضباط إلى الفوضى وإنعدام المسؤولية، وتأجيل الأعمال، وضعف الإنتاجية، وتراجع جودة الأداء مهما توفرت الإمكانيات والقدرات.

ولعل أخطر ما نواجهه اليوم هو الاعتماد المفرط على “التحفيز المؤقت” دون بناء عادات إيجابية وسلوكيات ثابتة. فالحماس قد يدفعك للبدء والاندفاع اللحظي والوقتي، لكن الانضباط وحده هو الذي يجعلك تستمر وتكمل المسير بالرغم من الإحباطات والعراقيل التي قد تعترض الطريق المؤدي للأهداف الموضوعة. فالحماس قد يجعلك تضع خطة، لكن الانضباط هو ما يجعلك تلتزم بها يوماً بعد يوم وتصل إلى غاياتك.

لذلك، فإن بناء الإنسان المنضبط يجب أن يبدأ مبكراً، عبر التربية والإعداد في الأسرة والمدرسة والمؤسسات المختلفة، من خلال غرس قيم المسؤولية، واحترام الوقت، والاعتماد على النفس، والالتزام بالواجبات، وتحويل هذه القيم إلى ممارسات يومية متكررة حتى تصبح جزءاً من الشخصية.

في العمل هناك فرق كبير بين الموظف المنضبط والموظف الذي يعتمد فقط على التحفيز. فالموظف المنضبط يعمل بجد واجتهاد حتى في أصعب الظروف، لأن الالتزام والاعتماد على الذات وتحمل المسؤولية أصبحوا جزءاً من شخصيته. أما الموظف الذي ينتظر التحفيز باستمرار، فقد يشتعل نشاطه وهمته لفترة قصيرة ثم يخبو سريعاً. التحفيز يساعد على البداية… لكن الانضباط هو سر الاستمرار. فالنجاح الحقيقي لا يعتمد على المزاج، بل على العادات اليومية والعمل المتراكم. وإن كل إنجاز كبير خلفه إنسان التزم رغم التعب والضغوط. لذلك، اجعل الانضباط أسلوب حياة وليس مجرد حالة مؤقتة ما تلبث أن تنتهي من حيث بدأت.

فالانضباط ليس قيداً على الإنسان، بل هو الطريق الحقيقي لحريته وإنجازه وتقدمه. وهو القوة الصامتة التي تصنع الأفراد الناجحين، والمؤسسات المتميزة، والأمم المتقدمة.

***

د. أكرم عثمان

19/5/2026

مقدمة: لا يُعدّ التفسير في القانون الجزائي غاية مستقلة بذاتها، وإنما هو أداة لتحقيق التوازن بين حماية المجتمع وصيانة الحرية الفردية؛ لذلك يضيق حيث يُخشى التعسف في العقاب، ويتسع حيث تكون الغاية تعزيز الضمانات وتحقيق العدالة.

وتبعاً لذلك، تختلف حدود التوسع في التفسير أو جواز القياس بحسب طبيعة القاعدة الجزائية والغاية التي شرعت من أجلها، إذ تُقسم القواعد الجزائية، من حيث طبيعتها وآثارها، إلى قواعد جزائية إيجابية، وقواعد جزائية سلبية، وقواعد إجرائية.

أولاً: القواعد الجزائية الإيجابية

ويقصد بها النصوص التي تُنشئ الجريمة أو تُقرر العقوبة.

والأصل فيها عدم جواز التوسع في تفسيرها أو القياس عليها، تطبيقاً لمبدأ الشرعية الجنائية القائم على قاعدة: «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص».

فالقاضي الجزائي يلتزم بالتفسير الضيق للنص، ولا يجوز له التوسع في التجريم أو استحداث جرائم أو عقوبات أو حالات لم ينص عليها القانون صراحة، لأن في ذلك مساساً بالحريات الفردية وخروجاً على مبدأ المشروعية.

ومن ثم، فإن القياس في مجال التجريم والعقاب يُعدّ محظوراً، لأنه يؤدي عملياً إلى خلق نصوص جزائية جديدة بغير إرادة المشرّع.

ثانياً: القواعد الجزائية السلبية

ويقصد بها القواعد التي تستبعد الصفة الجرمية عن الفعل، أو تمنع قيام المسؤولية الجزائية، أو تؤدي إلى الإعفاء من العقوبة، كأسباب الإباحة، وموانع المسؤولية، وقوانين العفو.

ويجوز التوسع في تفسير هذه القواعد متى كان ذلك لمصلحة المتهم ومنسجماً مع إرادة المشرّع، لأنها لا تُنشئ تجريماً جديداً ولا تُشدد العقاب، بل تتجه نحو الأصل العام، وهو براءة الذمة وحماية الحرية الفردية.

ومن أمثلتها: الدفاع الشرعي، وحالة الضرورة، والعفو العام أو الخاص.

أما القياس، فيذهب جانب مهم من الفقه والقضاء إلى جوازه في القواعد الجزائية السلبية، استناداً إلى الحكمة التشريعية والغاية التي توخاها المشرّع.

ومن التطبيقات البارزة لذلك ما ذهبت إليه محكمة النقض الفرنسية في تفسير مبدأ “الحصانة العائلية” المنصوص عليه في قانون العقوبات الفرنسي، والذي يمنع الملاحقة الجنائية في بعض جرائم الأموال المرتكبة بين الزوجين، كالسرقة، وفقاً للمادة 311-12 من قانون العقوبات الفرنسي.

وقد وسّع القضاء الفرنسي نطاق هذه الحصانة لتشمل جرائم أخرى، كالاحتيال وخيانة الأمانة والابتزاز، باعتبارها امتداداً لفكرة الحصانة العائلية التي تقوم على حماية الروابط الأسرية.

استثناءات الحصانة الزوجية

تُستبعد هذه الحصانة ويُعاقب الزوج في حالات معينة، من أبرزها:

سرقة أو اختلاس الوثائق والمستندات الشخصية أو وسائل الدفع، كبطاقات الائتمان والهواتف.

صدور قرار قضائي يجيز للزوجين العيش منفصلين، إذ تسقط الحصانة بمجرد الانفصال القضائي.

الطبيعة المدنية للحصانة

لا يعني الإعفاء من المسؤولية الجزائية ضياع الحق المالي، إذ يبقى للزوج المتضرر الحق في المطالبة بالتعويض أو استرداد الأموال أمام القضاء المدني، وتختلف وسائل الحماية المدنية تبعاً للوضع القانوني والمالي للزوجين.

ثالثاً: القواعد الجزائية الإجرائية

أما القواعد الإجرائية، كإجراءات التحقيق والمحاكمة وطرق الطعن، فإن الأصل جواز التوسع في تفسيرها متى كان ذلك محققاً للغاية التي شرعت من أجلها، وهي حسن سير العدالة وضمان حقوق الدفاع.

اذ يعتبر قانون الإجراءات الجنائية (أصول المحاكمات الجزائية) "خادمًا للعدالة"، ولذلك فإن تفسير قواعده ومرونتها أمر ضروري للوصول إلى الحقيقة وتحقيق "حسن سير العدالة"

غير أن هذا التوسع يجب أن يبقى مقيداً بعدم الإضرار بالمتهم أو الانتقاص من ضمانات المحاكمة العادلة، لأن الإجراءات الجزائية وُجدت أساساً لتحقيق التوازن بين حق الدولة في العقاب وحق الفرد في الحماية القانونية، دون أن يصل ذلك إلى حد إنشاء إجراءات جديدة تمس الحرية الفردية بغير سند قانوني.

ويعني جواز التوسع في القواعد الإجرائية منح القاضي سلطة تقديرية في تفسير النصوص وتكييف الإجراءات بما يخدم العدالة ويضمن حقوق الدفاع.

ومن أبرز التطبيقات العملية لذلك:

تفسير الشك لمصلحة المتهم إذا احتمل النص الإجرائي أكثر من معنى.

قبول الأدلة الدفاعية المستحدثة أو سماع شهود جدد ضماناً لحق الدفاع.

قبول بعض الطعون أو المذكرات بعد انتهاء المدد القانونية في حالات القوة القاهرة أو الأعذار المشروعة.

منح القاضي سلطة تقديرية في تخفيف أو تبديل التدابير الاحترازية، كالتوقيف أو المنع من السفر، بما يتناسب مع الظروف الشخصية والصحية للمتهم.

الخطوط الحمراء للتوسع في القواعد الإجرائية

لا يجوز التذرع بتحقيق "حسن سير العدالة" لتبرير تجاوزات تمس حقوق المتهم أو تخل بحقه في الدفاع.

كما ان أي توسع إجرائي يؤدي إلى المساس بحق جوهري للمتهم أو التضييق عليه يعد باطلاً، لأن الغاية الأولى للإجراءات هي حماية حقوق الأفراد وضمان محاكمة عادلة ونزيهة.

خلاصة

إن معيار جواز التوسع في التفسير أو القياس في النصوص الجزائية يرتبط بطبيعة القاعدة القانونية ووظيفتها؛ فحيث يتعلق الأمر بالتجريم والعقاب يضيق التفسير حمايةً للحرية الفردية، وحيث يتعلق الأمر بضمانات المتهم وتحقيق العدالة الإجرائية يتسع نطاق التفسير والقياس، ضمن حدود مقاصد المشرّع ومبادئ المشروعية والعدالة.

***

فارس حامد عبد الكريم

في المثقف اليوم