قضايا

في بيئة فقهية ذات لون طائفي واحد، كان صوتًا موسومًا بالوسطية والاعتدال؛ فلم يُسمع عنه تطرف في خطاب، ولا ميل بلا دليل إلى طرف، يدافع عن الآخر دون تملق، ويدافع عن عقيدته دون عصبية، حتى إن بعضًا اتهمه بالتسنن، في حين اتهمه آخرون بالدفاع عن التشيع بطريقة ذكية. وحين يتهم المتطرفون أحدًا، فهي شهادة له بالاعتدال؛ إذ إن منهم من أراد تصويره كعرّاب لمذهبه مهاجمًا الآخر، فكان رده على الطرفين: نحن أصحاب الدليل، حيثما مال نميل.

وفي كلمة العدد الخامس والعشرين من مجلة مركز دراسات الكوفة دعا زاهد إلى: الانتقال من ممارسة الأيديولوجيا إلى البرهان، ومن التمجيد إلى النقدية، ومن الطقوسية إلى النزعة العقلانية...، وربما تكون دراسته للفقه المقارن قد قادته إلى ما أورده في كتابه قراءات في الفكر السياسي المعاصر: يتوهم البعض أنه يمتلك الحقيقة كلها... ، وكان يريد القول إن كل طرف يملك جزءًا منها، وإن مجموع تلك الآراء ربما يكون الحقيقة.

وبذلك كان الدكتور زاهد مختلفًا عن أقرانه ومجايليه من «الأحاديين» الذين يفتخرون بإطلاق رصاص قناعتهم على رؤوس طلبتهم في الدراسات العليا خصوصًا، بينما كان هو يتجول معهم حرًّا، وأحيانًا بلا حذر، في بساتين الاجتهادات والآراء والمختلفات، حتى كأنه يعرف عن المذاهب الأربعة تمامًا كما يعرف عن مذهبه بالولادة، بل ويعرف أيضًا عن مذاهب أخرى، كي لا يكون الرأي الفقهي حكرًا على خمسة فحسب.

ولا أدل على اعتداله من دعوته في إحدى منشوراته إلى بناء العقل الإسلامي الوسطي المعتدل المتوازن والهادف إلى قطع الطريق على استنساخ العنف الفكري... ؛ فالتطرف عند زاهد هو أحد أشكال العنف الفكري، لذلك كتب يدعو إلى: «اعتماد مواجهة التطرف مواجهة رسالية موضوعية فكرية وفلسفية طويلة الأجل».

وقد بدأ بنفسه وبأبناء الطائفة التي ينتمي إليها، ناصحًا بـ: عدم التركيز الحصري على ضرورة الحفاظ على مصالح الطائفة؛ فلا يصح مثلًا أن نسمع لقبًا للشيخ الطوسي بأنه شيخ الطائفة وليس شيخ الإسلام... ، وفي الوقت نفسه يلفت أنظار أبناء الطوائف الأخرى إلى أن أسلافهم وأئمتهم كانوا يوادّون أهل البيت... الذين يُعَدّون مرجعية الشيعة عقائديًا وفقهيًا.

ويخلص إلى قاعدة رصينة، أظن أنه لم يصادفها مصادفة في تجواله في كتب الفكر والفقه والعقيدة، بل هي نتاج حفريات لعقود، مفادها أن: القطيعة ليست أصيلة في سلوك أهل التقوى... .

ولتخفيف غلواء الاعتقاد بالأفضلية والجزم بوجود فرقة واحدة ناجية، دعا زاهد إلى تطوير وتنقية ما وُصف تاريخيًا بأنه من التشيع أو أدب الشيعة، وإلى توفير فرص النقد والمراجعة والتطوير ، وفي الوقت ذاته دعا الآخر إلى «مغادرة الضغائن التاريخية والعقل الإقصائي الذي يتبعه رجال الدين من على منابرهم التي تصرخ من مراكش إلى إندونيسيا...»، وكذلك إلى التوقف عن «توظيف الافتراءات المقصودة عن التشيع وتربية الأجيال المتلاحقة على ذلك النهج.. ، و تصوير الشيعة على أنهم فئة خارجة عن السنة والجماعة ومنحرفة عن الدين، وأن الحكم فيهم هو وجوب الإقصاء والاستئصال... .

إنه لا يترك لدعوته نهايات مفتوحة ومتاهات، بل وضع شروطًا لتأسيس استراتيجية معرفية معاصرة، ينبه فيها إلى الوظيفة الأساسية النقدية للعقل المكوِّن، على أنه عقل «استحداث أزمات كما يقول الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار (1884 – 1962). وقد يتصور البعض أن الانتصار ممكن في صراع له وجهان من الخسارات: الأول تدمير طاقات الطرفين، أو أنه على الأقل يشكل عائقًا أمام توثب ضروري لاستعادة دور الأمة الإسلامية في الحضارة الإنسانية. ولذلك دعا زاهد إلى تخليص المعرفة من ثقافة الهيمنة والتعصب التي تميز فعاليات السلطة والقوى الاجتماعية، وما ينتج عن هذا من قيم تبريرية وتمجيدية مناقبية غير نقدية ذات نزعة عنفية... .

لقد حَقَب زاهد جميع الداعين إلى التمجيد الأجوف على أنهم: أحياء يحملون أفكارًا ميتة، لا تصلح إلا كمادة يمكن الاستفادة منها في مختبرات الكشف عن تصورات الماضي ونهاياته. ورغم أنه لم يصل بعد – بفعل عوامل لم تكن العوامل الموضوعية من ضمنها – إلى العالمية، فإنه، فضلًا عن قراءاته للتراث، درس نتاج المفكرين العالميين المعتدلين والمتطرفين، ومن تلك الدراسات ولدت أفكاره المعتدلة والوسطية التي شكّلت مشروعًا أُسِّس على إسلامية مستنيرة بنتاج الحضارة الإنسانية وما وصلت إليه من فتوح في مجال الفكر.

إذن، لم يكن زاهد غنوصيًا (Gnostic) في دعوته إلى إحياء التراث، ولم يكن علمانيًا (Secular) بشقي مفهوم العلمانية (إما في الفصل بين الدولة والدين، أو في حياد الدولة في الشأن الديني)، بل كان أمرًا بين أمرين؛ فالتراث المُنقّى هو الأساس في رسم استراتيجية النهوض والإحياء للمجتمعات الإسلامية. وكان لا يرى خدشًا في إيمانه أن يعتقد ويدعو إلى تشذيب شجرة الإسلام مما تيبّس واصفر من أوراقها، فهي قادرة على أن تورق من جديد أوراقًا خضراء يانعة.

وكان يرنو ببصره بفخر إلى أعمدة إنتاج المسلمين، كما أورد أسماء بعضهم في إحدى مقالاته: ابن رشد (الفقيه والمفكر والفيلسوف)، وصدر الدين الشيرازي (الفيلسوف والمفكر)، وابن العربي (المتصوف والرائد للمدرسة العرفانية الضخمة)، وابن الهيثم (العالم التطبيقي)، والخوارزمي (عالم الرياضيات الرائد).

***

د. عبد الله الجنابي

a

أفكار أنكساغوراس* عن العقل والأخلاق كان لها تأثير ملحوظ في الفلسفة اليونانية، خصوصًا على الفلاسفة الذين جاءوا بعده.  أنكساغوراس اعتبر العقل (نوس) هو القوة الموجهة التي تنظم الكون. هذا المفهوم ساهم في تطوير فكرة العقل كسبب أولي في فلسفة الوجود، مما أثر لاحقًا على أفلاطون وأرسطو. أفكاره حول العقل أدت إلى نقاشات حول التوازن بين العقل والعاطفة، مما أثر على مفكرين مثل أبيقور وزينون الرواقي، حيث اعتبرت العقلانية أساسًا للأخلاق، أنكساغوراس رأى أن الأخلاق يجب أن تستند إلى العقل، وليس إلى العواطف أو التقاليد، هذه الفكرة ترسخت في الفلسفة الأخلاقية اللاحقة، حيث اعتبرت الأخلاق مسألة عقلانية تتطلب التفكير النقدي، فكرته عن الكون ككل متكامل ساهمت في تعزيز فكرة المساواة بين جميع الكائنات. هذا المفهوم كان له تأثير على الفلاسفة الذين دعوا إلى العدالة والمساواة في المجتمع.

مفهوم العقل عند أنكساغوراس

أنكساغوراس اعتبر العقل (نوس)، هو القوة الموجهة التي تنظم الكون، اعتقد أن العقل هو العنصر الأول الذي يخلق النظام من الفوضى، مما  يعني أن الأخلاق تتأثر بشكل كبير بالعقلانية، رأى أن الأخلاق يجب أن تستند إلى العقل بدلاً من العواطف أو التقاليد، بالتالي، كانت لديه فكرة أن الأفعال الصحيحة تأتي من التفكير العقلاني والمعرفة، شجع أنكساغوراس على استخدام التفكير النقدي لتقييم المعتقدات ،اعتقد أن الأفراد يجب أن يفكروا بعقلانية في مسألة الخير والشر، بدلاً من تقبل الآراء السائدة دون تمحيص، و اعتبر أن العقل هو الذي يُدخل النظام الى الفوضى. بالتالي، يُفترض أن الأخلاق تعمل على تنظيم العلاقات الإنسانية والاجتماعية، مما يعكس أهمية العقل في تحقيق العدالة والتوازن، كما اعتقد أن العقل يجب أن يتحكم بالعواطف لتحقيق سلوك أخلاقي سليم. هذا يعني أن الأفراد يجب أن يسعوا للتفكير بعقلانية، حتى في ظل الضغوط العاطفية، بالنسبة لأنكساغوراس، كان الهدف من الأخلاق هو تحقيق الفهم الصحيح للعالم من خلال العقل، الذي يؤدي إلى سلوك أفضل وعلاقات أكثر توازنًا، بهذا الشكل يعتبر أنكساغوراس من الفلاسفة الذين أسسوا لفهم العقل كعنصر مركزي في الأخلاق، مما أثر على الفلسفات اللاحقة، بما في ذلك فلسفة سقراط وأفلاطون. لم يركز أنكساغوراس بشكل مباشر على الأخلاق، لكن مفهومه للعقل الكلي يشير إلى وجود نظام وهدف في الكون، مما يمكن أن يؤثر على فهمنا للأخلاق كجزء من هذا النظام. رأى أنكساغوراس أن العقل مادة رقيقة ومنتشرة في كل مكان، ولكنها تتميز عن المواد الأخرى بقدرتها على التحكم والتنظيم، بينما تأثر سقراط بأفكار أنكساغوراس، خاصة في مجالات العقل والأخلاق، فإن فلاسفة آخرين مثل أفلاطون وأرسطو استوعبوا أفكاره بشكل مختلف، مما أدى إلى تطورات فلسفية متنوعة.

تأثيرأنكساغوراس على سقراط

يختلف تأثير أنكساغوراس على سقراط عن تأثيره على فلاسفة آخرين في عدة جوانب، بما في ذلك التركيز على العقل والأخلاق، وكذلك الطريقة التي تم بها استيعاب أفكاره. يمثل سقراط نقطة تحول في الفلسفة، حيث انتقل من التفكير الطبيعي إلى التفكير الأخلاقي والنقدي، نأثر سقراط بفكرة انكساغوراس عن العقل كقوة تنظيمية في الكون. هذه الفكرة ساعدت في تشكيل فلسفة سقراط حول أهمية العقل والتفكير النقدي في فهم الأخلاق والفضيلة. في حين فلاسفة آخرون استمروا في تطوير الأفكار الطبيعية والميتافيزيقية، لكن تأثيرهم كان أوسع في مجالات متعددة مثل السياسة والميتافيزيقا، بينما تأثر سقراط بأفكار أنكساغوراس، خاصة في مجالات العقل والأخلاق، ساعدت في فتح آفاق جديدة في الفلسفة اليونانية، وأسست لمفاهيم عقلانية وأخلاقية تعتبر مركزية في الفكر الفلسفي اللاحق.  تأثر سقراط بفكرة أنكساغوراس عن العقل كقوة موجهة، مما دفعه إلى التأكيد على أهمية معرفة الذات والعقلانية في اتخاذ القرارات الأخلاقية، لذا اتخذ من العقل أساسًا لفهم الأخلاق، حيث اعتقد أن معرفة الخير تؤدي إلى الفعل الجيد، هذا المفهوم يرتبط بفكرة أنكساغوراس بأن العقل ينظم الحياة كما أكد على أهمية السيطرة على العواطف لتحقيق السلوك الأخلاقي الصحيح، مما يتماشى مع فكرة أنكساغوراس بأن العقل يجب أن يتحكم بالعواطف، يتضح هنا تأثره بفكرة أنكساغوراس بأن العقل ينظم الفوضى ، مما جعله يسعى لتحقيق التوازن في العلاقات الإنسانية، كاستخدام الحوار كوسيلة للوصول إلى الحقيقة، وهو مفهوم يتناسب مع فكرة أنكساغوراس حول أهمية التفكير النقدي والعقلانية ،سقراط اعتبر ان العقل أداة لتحقيق المعرفة الأخلاقية و كان يركز على أهمية الفهم والوعي الذاتي، حيث اعتقد أن معرفة الخير تؤدي إلى الفعل الجيد، لم يُحدد سقراط مفهوم العقل بشكل موسع كما فعل أفلاطون لاحقا بل كان يعتبر أن العقل يساعد في اتخاذ القرارات الأخلاقية الصحيحة من خلال الحوار والتفكير النقدين و اعتبر أن العقل يجب أن يكون متواجدًا في كل تفاعل إنساني ،كما كان يؤكد على أهمية التجربة الحياتية والتفاعل الاجتماعي كوسيلة لفهم الأخلاق. العقل بالنسبة له كان مرتبطًا بالتجربة الفردية واعتقد أن المعرفة تتعلق بالأسئلة والتفكير النقدي، وأن البحث عن الحقيقة هو عملية مستمرة.

تأثير أنكساغوراس على أفلاطون

طور أفلاطون مفهوم العقل بشكل أكبر، حيث اعتبر أن العقل هو المصدر الأساسي للمعرفة، ووسيلة للوصول إلى الحقائق الكونية والمثل العليا وبنى على هذا الأساس، حيث اعتبر أن المعرفة الحقيقية مرتبطة بفهم المثل العليا، مما يشير إلى أن العقل هو المفتاح لتحقيق الفضيلة ،توسع في هذا المفهوم من خلال نظريته عن النفس، حيث اعتبر أن العقل يجب أن يكون الحاكم على الأجزاء الأخرى من النفس (الرغبات والعواطف) استنادا إلى هذا المفهوم بنى نموذج الدولة المثالية، حيث يجب أن يتم تنظيم المجتمع وفقًا لمبادئ عقلانية وأخلاقية ، كان يسعى لاستكشاف الأفكار الفلسفية من خلال النقاشات العقلانية  في تطوير مفهوم العقل ليشمل بعدًا فلسفيًا عميقًا اعتبر العقل وسيلة للوصول إلى المعرفة الحقيقية، وميز بين العالم الظاهر (الحسي) والعالم المثالي (المثل العليا). بالنسبة له، العقل هو الذي يتيح للفرد إدراك المثل العليا واعتبر أن العقل هو الحاكم في النفس، لذا يجب أن يسيطر على رغبات النفس الأخرى. في نظره، العقل هو الذي يوجه الفرد نحو الحقيقة والعدالة، كما ميز بين المعرفة الحسية والمعرفة العقلية كان يعتقد أن التجربة الحياتية ليست كافية للوصول إلى المعرفة الحقيقية، وأن العقل هو الوسيلة الأساسية لفهم المثل العليا، قام بتطوير نظرية المعرفة، حيث اعتبر أن هناك نوعين من المعرفة، المعرفة الحسية والمعرفة العقلية. المعرفة العقلية كانت الأسمى لأنها مرتبطة بالمثل العليا، استخدم أسلوب الحوارات لكن بشكل موسع، حيث صاغ أفكاره في سياقات فلسفية أعمق، وطرح نظريات مثل نظرية المثل بهذا الشكل، يمكن القول إن أفلاطون أخذ مفهوم العقل الذي أرسى أسسه أنكساغوراس ووسعه ليشمل أبعادًا فلسفية أعمق تتعلق بالمعرفة والوجود.

***

غالب المسعودي

.........................

* أناكسوغوراس: فيلسوف يوناني (500 ق.م.– 428 ق.م.) ولد أناكسوغوراس في كلازوميناي (قرب ازمير الحديثة، تركيا)، كان الفيلسوف الأول ليقطن في أثينا، في وقت لاحق مركزا مزدهرا للفلسفة تلاميذه وشملوا بريكليس رجل الدولة اليونانية، ويوريبيديز كاتب مسرحي يوناني، وربما سقراط. كان أناكسوغوراس يدرس في أثينا لمدة نحو 30 عاما، سجن لمعصية ليدل على أن الشمس هي حجر ساخن والقمر مصنوع من الأرض وليست آلهة. (“أناكساغوراس - ويكيبيديا”) (“أناكساغوراس - ويكيبيديا”) "في وقت لاحق انه ذهب إلى إيونيا (في آسيا الصغرى)، واستقر عند لامبسكس، مستعمرة ميلتثس، حيث توفي هناك." (“ميلتثس - الترجمة إلى الإنجليزية - أمثلة العربية | Reverso Context”) (“ميلتثس - الترجمة إلى الإنجليزية)

نفس السؤال الذي يمكن أن يتبادر إلى أذهان الكثير منا، جاوزتنا إلى تفكيكه، باحثة في جامعة ستانفورد تدعى مارييت شاكي:" هل سيدرك العالم أن تبنّي الذكاء الاصطناعي الأميركي سيمنح ترامب أداة أكثر فاعلية للإكراه؟".

المثير في سؤال الخبيرة الأمريكية، وهي عضو بمعهد الذكاء الاصطناعي والإنسان ومركز السياسات الإلكترونية بجامعة ستانفورد، تحذير العالم من الأدوات الأمبريالية لبلادها، خصوصا في سياق ما أسمته ب"استعمار الذكاء الاصطناعي"؟. ومنشأ الإثارة هنا، العودة إلى الاستهداف الاستراتيجي القائم على تحويل التكنولوجيا الناشئة إلى أداة هيمنة وإكراه سياسي، وهو السياق التقاطعي الذي ظل يلازم إدارة ترامب خلال الولاية الأولى، واستمر بشكل اندفاعي وبأكثر قسوة وتشددا في نسخته التالية، "استخدام الحروب التجارية على الدول، مهما كانت مكانتها ووظيفتها في خريطة المشروع الأمريكي".

المشاريع المعلنة من قبل الشركات الضخمة، المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، والتي غالبا ما تحول أنظار العالم عن خلفياتها المستبطنة، إلى ما يحلو للبروبجندا أن تشيعه في الفضاءات الزرقاء وخدماتها العابرة للقارات، كبرامجها مثلا حول "الذكاء الاصطناعى من أجل الأرض AI for Earth "، الهادف الى حماية كوكبنا من خلال استخدام علم البيانات، ونشر الخبرات في مجال البحث والتكنولوجيا في تقنيات الذكاء الاصطناعى في قطاعات الزراعة والمياه والتنوع البيولوجي وتغير المناخ والصحة وغير ذلك. هي جزء من التقييم العام الذي تستخدمه الدول الكبرى للتغطية على مشاريعها غير المعلنة، والموجهة بحوافز السيطرة والإذعان للشروط الحمائية والتبعية العمياء.

وقد عرت الأحداث الأخيرة خلال السنوات القليلة الماضية، عن بعض هذه الأدوار التي تضطلع بها الشركات إياها، خصوصا في مجال تقديم خدمات تعنى بالحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي لوزارة الدفاع الإسرائيلية، بغرض إبادة وتهجير سكان قطاع غزة، وهو ما عززه تحقيق أجرته وكالة أسوشيتد برس أوائل العام الجاري، من "أن نماذج الذكاء الاصطناعي من شركتي مايكروسوفت وأوبن إيه آي، استخدمت ضمن برنامج عسكري إسرائيلي لتحديد أهداف القصف في غزة ولبنان".

وبغض النظر عن استخدامات الذكاء الاصطناعي في الجوانب الإنسانية، وما يشوبها من متاهات وتناقضات، فإنه حتى في حالات الدعم المعنوي، في قضايا تهم الفئات المهمشة في المجتمع وتعزيز العدالة الاجتماعية ومساندة ضحايا العنف الأسري، وحماية الأطفال والنازحين واللاجئين والتعافي من الكوارث الطبيعية، وكذا دعم المنظمات الخيرية من خلال المنح المقدمة والشراكات الاستراتيجية والاستثمارات التكنولوجية. فإن خطط العمل الممركز في بنية العقل الغربي (الأمريكي خصوصا)، تظل حاضرة بقوة في براديجم المشروع الترامبي، في مجال الذكاء الاصطناعي الذي يكرس رأس الحربة وأس الهيمنة، وهو في نظر مارييت شاكي "ليست مجرد رؤية تقنية، بل هي مشروع أيديولوجي متكامل للهيمنة التكنولوجية، يرتكز على تسريع تطوير الذكاء الاصطناعي والاعتماد عليه داخل أميركا سعيا لجني فوائد اقتصادية لصالح واشنطن ومنع تكرار نموذج "الاستيقاظ" (ووك)، الذي يتعارض مع توجهات إدارة ترامب".

والأخطر في كل ما ذكر، أن يتماهى الانتقال التكنولوجي إلى مساحات واسعة من الردة القيمية في منظومة القانون الدولي، حيث تستثار علاقات التحول، من مجرد أنظمة مفتوحة على المشترك النفعي الإنساني، واستحضاره في الآفاق التي تستوعب الطفرات العلمية والمعلوماتية الخالصة، إلى أنماط وتقاطعات غامضة في عوالم الترصيفات والخوارزميات المطعمة بالتأطير الاستشرافي و"الصناديق السوداء"، والتي  يصعب فهم آلياتها أو اكتشاف أي تلاعب داخلها. وهذا الغموض في أنظمة الذكاء الاصطناعي، وفق ذات الباحثة، ينتج اعتماديات هشة وفريدة في قطاعات البنية التحتية والدفاع والأمن، حيث إن خوارزمياتها غير شفافة يمكن التلاعب بها لتوجيه المخرجات، سواء لتحدي قواعد مكافحة الاحتكار أو لدعم الحماية التجارية.

ولهذا بدا السباق في امتلاك أو بناء بدائل سيادية للذكاء الاصطناعي، من قبل دول كبرى كالصين والهند أمرا ضروريا يتماشى والقطيعة التكنولوجية المتسارعة، حيث يبدو الخيار الاستراتيجي بإزائها حتمية وجودية تتفاعل والعلاقات التجارية والاقتصادية المطبوعة بأدوات الإكراه السياسي والتشاكل الأيديولوجي.

فهل يكون سؤال العودة إلى وسائل الغزو الفكري المستخدمة من الخارج "الاستعمار"، كما سبق وارتكن إلى لبوسها مفكرو العصر الكولونيالي الحديث والمعاصر، نافذة على إدراك ويقين بأن الاصلاح والتجدد الحضاري لا يتحقق إلا بتخليص الإنسان من رواسب القابلية للاستعمار؟ أم أن توابع ومدارات التحصين الحضاري والثقافي ذاك، يرتهن على قوة التدافع وصيانة الهوية واقتدارية الإنجاز العلمي ووحدة الصف الوطني (القومي)، بعيدا عن مزايدات ومهاترات (الصراع الحضاري) و(نهاية العالم) المقبورة؟.

***

د. مصـطـفـى غَــلمـان

بعد الحديث عن الثقافة في الأسبوع الماضي، حان وقت الكلام عن «الوعي». وأحسب أن كثيراً من الناس يفترضون -من حيث المبدأ- أن كل مثقف واعٍ، لأنهم يربطون الوعي بالمعرفة، فالواعي في الفهم الدارج، هو الشخص الذي لديه قدر معتبر من المعارف، في حقل من حقول العلم، كالأدب والطب والفلسفة والهندسة وغيرها.

لكنني أحتمل أن صلة الوعي بالثقافة صلة عرضية، وليس أحدهما سبباً للآخر أو مقدمة لازمة. فقد تجد رجالاً واعين ونساء واعيات، مع أن حظهم في الثقافة قليل جداً، وتجد أشخاصاً على قدر عظيم من العلم في مجال بعينه، لكنهم بسطاء جداً حين يتعلَّق الأمر بالتعامل مع التحديات الحياتية، خارج نطاق اختصاصهم. وأذكر قصة قبل زمن طويل نسبياً، تُوضح هذا المعنى، وخلاصتها أنني التقيت طبيباً بارزاً في بلدنا، فأخبرني أنه ما زال مندهشاً من نجاح (الرئيس العراقي السابق) صدام حسين في إقناع رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر بالتنازل له عن منصبه. هذا رجل من أهل العلم -بالمعايير السائدة- لكنه بسيط إلى حد توهم أن الرئيسين تناقشا في جلسة، فاقتنع الأول بالتنازل عن منصبه للثاني. هكذا بكل بساطة. واضح أن شخصاً يتخيّل الأمر على هذا النحو لا يمكن اعتباره واعياً بمجاري الأمور في عالمه.

بعد هذا الاستطراد، أودّ اقتراح تعريف مختلف للوعي، وأريد التركيز، خصوصاً، على علاقته بالثقافة، وفق المفهوم الذي شرحته في مقال الأسبوع الماضي، وقلت إنه سائد في أوروبا، ويتضح من المقال أنني أميل إليه كتعريف لما أعتبره ثقافة. وأبدأ بتذكير القرّاء الأعزاء بالأصنام الأربعة، التي قال الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون إنها أبرز المؤثرات السلبية على عمل العقل. هذه الأربعة هي صنم القبيلة، وصنم الكهف، وصنم المسرح، وصنم السوق. واستخدم اليوم الأول منها، أي صنم القبيلة.

خلاصة ما قاله بيكون في هذا السياق أن البشر جميعاً، يميلون للحكم على الظواهر والأشياء أو الأشخاص، بناءً على ملاحظات بسيطة، ثم يعممون هذا الحكم على كل ظاهرة أو شيء أو شخص يشترك مع الأول في صفاته. من الأمثلة التي تذكر هنا موجة رسائل الاحتيال المالي التي أرسلت من نيجيريا في تسعينات القرن الماضي، والتي أدَّت إلى اعتبار المعاملات المالية مع الشركات والأفراد النيجيريين كلها مشبوهة حتى يثبت العكس. إن عدد الرسائل تلك يبلغ عشرات الآلاف، لكنها شوّهت سمعة النيجيريين جميعاً، وهم فوق 230 مليون نسمة. السبب في ذلك هو ميل الناس إلى تعميم ملاحظاتهم، فاكتشاف بضعة إيميلات احتيالية، جعل الاحتيال وصمة على ذلك البلد كله. مع علمنا بأن ملايين النيجيريين لا يفعلون ذلك، وهم لا يقلّون شرفاً وأمانة عن سائر خلق الله.

أظن أن كل القراء يتفقون معي في أن التقييمات والأحكام ينبغي ألا تُبنى على ملاحظات أو انطباعات محدودة، ثم إن الحكم لا يصح تعميمه على كل موضوع لمجرد أنه يتشابه ظاهرياً مع الموضوع الذي لاحظناه أولاً.

- لكن كيف لنا أن نعرف إن كنا قد وقعنا فعلاً في فخ التعميم أم لا؟.

العلاج هو ما يُسمى في علم النفس بالاستبطان، أي التأمل في محتويات العقل والذاكرة. مفتاح التأمل هو اتهام الذات بالانحياز، ومطالبتها بإنصاف الآخرين. هذا سيكشف لك المعلومات المنحازة التي اختزنها عقلك، فباتت منظاراً يُحدد رؤيتك وسلوكك باتجاه غير منصف.

الاستبطان ودفع العقل لتنظيف نفسه، أي تنظيف ثقافتك، هو -في رأيي- أول تجسيدات الوعي، لا سيما الوعي بالذات الذي يقودك لاحقاً إلى رؤية جديدة للعالم، أي إلى الوعي بالمحيط.

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

 

يعد التواضع من أرقى القيم الإنسانية، التي تضفي على الشخص والعلاقات الاجتماعية روح الانسجام والتوافق والاحترام. فهو ليس مجرد مظهر خارجي نصدره أو كلمات رقيقة نتبادلها، بل هو سلوك حضاري متأصل في شخصية الإنسان، يعكس نضجه الأخلاقي وتربيته الأصيلة بالقيم.

في عصرنا الحاضر، أصبح التواضع عملة نادرة، وقد يصفه البعض بالسذاجة أو التظاهر بالود والتهذيب للحصول على منفعة آنية، في مواجهة موجات التفاخر والمظاهر التي تسود العديد من الأفراد والجماعات في المنظمات والمجتمعات.

في عالم يتسارع فيه التنافس على المظاهر، والبحث عن الألقاب والمكانة والصدارة، تبهت القيم الإنسانية العريقة، وتضعف ممارستها التي كانت يوماً أساس العلاقات الاجتماعية المتينة، حيث يعرف صاحبها بأنبل القيم السامية والجليلة. ومن القيم التي أهملت أو تراجعت أمام النزعة المادية وحب الظهور وفرض الذات، تبرز قيمة التواضع. فهي ليست سلوكاً ثانوياً أو خياراً يمكن تجاهله، بل هي جوهر الشخصية السوية ومؤشر على نضج العقل ورقي الروح وخلوها من الأمراض والآفات الاجتماعية التي أصبحت متفشية بسبب التقلبات المزاجية والابتعاد عن القيم الراسخة المستمدة من ديننا الحنيف وسنة المصطفى ﷺ.

يبدأ التواضع الحقيقي من الداخل، من قناعة راسخة بأن قيمة الإنسان لا تقاس بما يملك من مال أو جاه أو منصب، بل بما يحمله من أخلاق وما يقدمه من خير للآخرين. يبدأ من البيت، حيث تربية النشء على تقدير الكبير والاستماع له واحترامه، ورعاية الصغير وفهم خصائص نموه واحتياجاته. ومن خلال وضع قواعد الاحترام والتقدير والتقيد بالواجبات والحقوق، ينمو التواضع مع الأطفال، وتكمله المدرسة والجامعة عندما يحترم الفرد نفسه وعلمه وخبرته وفنون التواصل مع الآخرين.

يصبح الشباب المتواضعون قوة متينة في مواجهة تحديات الحياة، متعطشين للعلم والتعلم، مهما امتلكوا من معرفة، فالسنبلة المليئة بالحبوب تبدو متواضعة، بينما الفارغة تبدو متكبرة. وهكذا حال من يمتلك وعياً وعلماً: يظهر تواضعه ولينُه، في مقابل من تعلم قليلاً وفقد قيمة التواضع، فيظهر كبره وغروره لتعويض نقصه.

" وأشار الفضيل بن عياض عن التواضع ؟  فقال: يخضع للحق ، وينقاد له . ويقبله ممن قاله. وقيل: التواضع أن لا ترى لنفسك قيمة. فمن رأى لنفسه قيمة فليس له في التواضع نصيب ".، نعم! اجعل أعمالك ونتائجها تتحدث عنك، لا تتحدث عن نفسك إلا عندما يطلب منك ذلك، أو لو تعرضت لظلم من الحق أن تدافع عن نفسك وتثبت شمائلك وصفاتك وجدارتك واحترافيتك.

ويكمن التواضع في العمل في تقبّل من حولنا والتعامل معهم بسمت إنساني وأخلاقي، وفي ترسيخ التعاون والتشارك معهم. فلا يهددنا منصب، ولا يضعف قوتنا وجود زميل أو مجموعة من الموظفين، وما يضعف قوتنا حقاً هو اعتقادنا أن وجودهم قد يقلل من مكانتنا، فهذه قناعات هلامية وضلالات تُجهد من يظن فيها ويفكر بها.

قوتك تكمن في أن تكون شفافاً وواضحاً، قادراً على استيعاب الآخرين ونقل العلم والمعرفة والخبرات لهم، فتكون صاحب رسالة في عملك. العظماء يبنون ويعززون من خلال تدفق وجودهم ومساندتهم ونقل خبراتهم لمن حولهم، والتشارك معهم كفريق متماسك لا تهزه الظروف أو الأحداث أو الأشخاص مهما كانت التحديات والصعاب.

تواضعك إثراء لشخصك ولمن يجاورك ويعمل معك، فالتواضع الذي يسري في النفوس الغنية، والتي تملك حس القرب واللين بعيداً عن التطاول أو التظاهر بالتفوق على الآخرين، يظهر قوتها، ويُماسك عودها، ويزداد عطاؤها وأداؤها وجودة عملها.

هذه القناعة تنشئ إنساناً قادراً على التعامل بوعي وحكمة، بعيدًا عن الغرور والتعالي، مدركاً أن احترامه للآخرين يزيده رفعة وقبولاً واحتراماً. فالتواضع يخلق مجتمعاً أكثر انسجاماً، يقل فيه الصراع ويزداد التعاون والتراحم، بينما يزيد التكبر الفجوات الاجتماعية والتوتر، لأنه ينبع من شعور زائف بالتفوق وسعي دائم لإثبات الذات.

غالباً ما يكون التكبر نتيجة التربية غير المتوازنة أو بيئة اجتماعية تقيم الإنسان بناءً على المظاهر أكثر من الجوهر. والتواضع لا يعني الخضوع أو إلغاء الشخصية، بل التوازن بين الاعتزاز بالنفس واحترام الآخرين، ومن أسمى مظاهره الاعتراف بالخطأ، والتعامل بإنصاف، والتقدير للجهود مهما كانت بسيطة.

من الناحية النفسية، يحرر التواضع الإنسان من قيود المقارنات الاجتماعية المستنزفة للطاقة والمهددة للسلام الداخلي، بينما يعيش المتكبر في سباق دائم لإثبات ذاته. وأكد الدين الإسلامي على هذه القيمة وجعلها من سمات المؤمن الحق، حيث قال النبي ﷺ: "ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله" (رواه مسلم)، مشيرًا إلى أن التواضع طريق للرفعة الحقيقية. كما يوضح القرآن الكريم: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَـٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: 63]، وهذه الآية لا تقتصر على طريقة المشي، بل هي منهج حياة قائم على التوازن واللين في التعامل.

اليوم، نحن في أمس الحاجة إلى إعادة إحياء قيمة التواضع في الأسرة، المدرسة، وبيئة العمل، من خلال القدوة الحسنة والتربية الوجدانية منذ الطفولة. فالتواضع يعلمنا أن النجاح لا يكتمل إلا بمشاركة الآخرين قيمته، وأن القوة الحقيقية تكمن في كسر غرور النفس والسمو فوق الأهواء.

التواضع ليس مجرد فضيلة فردية، بل ركيزة أساسية لاستقرار المجتمعات، ونشر المحبة والتفاهم، ومفتاح كل علاقة إنسانية ناجحة. وفي عالم يموج بالتنافس والمظاهر، يبقى المتواضع الأكثر تأثيراً، لأنه يشع نوراً من الداخل قبل أن يظهر في الخارج.

الخاتمة

التواضع ليس مجرد صفة فردية، بل حاجة مجتمعية كبرى، لأنه يبني جسور التواصل بين الناس، ويعزز الاحترام المتبادل، ويقلل النزاعات الناتجة عن الغرور والمظاهر الزائفة. وفي زمن تغلب فيه النزعة الاستهلاكية والمباهاة، نحتاج إلى غرس هذه القيمة في نفوس أبنائنا منذ الصغر، من خلال القدوة الحسنة والتربية على الاحترام والتعاون، لأن المجتمعات المتواضعة هي الأكثر أمناً وسلاماً وترابطاً

فلنجعل من التواضع سلوكاً يومياً، لا شعاراً نرفعه في المناسبات، فهو المفتاح الحقيقي للقوة الداخلية والسعادة الإنسانية. ومهما ارتفعت المناصب أو زادت الممتلكات، يبقى التواضع المقياس الحقيقي للرقي.

***

د. أكرم عثمان

27-8-2025

سألني الصديق (نعيم عبد مهلهل) الاديب والصحفي المعروف هل للمتصوفة اليوم مكان في هذا العالم؟ خذنا إليهم في قرين الحياة الحالية؛ عالم الإنترنت وفوضى الربيع العربي والفضائيات، والبحث عن فسحة لسماع السياب أو مشاهدة هاملت؟

لا أحسب أنَّ التصوف مجرد طقوس يؤديها أفراد في عزلة عن الواقع، بل إنها تجليات مجتمع ينزع نحو الاتصال بالمطلق، إمّا بنزول اللاهوت إلى الناسوت وإمّا باتحاد الناسوت باللاهوت والحلول به ومعه.

إن فهمًا خاطئًا يجعل التصوف مجرد ظاهرة عابرة في التراث العربي الإسلامي وعلى يد مجموعة من المتصوفة، كالحلاج المصلوب والسهروردي المقتول، وأضرابهما، وليس الأمر كذلك، فالتصوف ليس حكرًا على حضارة أو دين أو مذهب، بل تنتشر أنساقه في العالم كله فإنَّ التصوف ضرورة في المجتمع وتجلياته، تمتد عمقًا في حفريات المعرفة فهى تمتد من بكائيات العراقيات على عودة تموز من العالم السفلي إلى الحياة كي تدب الحياة من جديد ومرورًا ببكائيات معاصرة تمتد جذورها إلى قرون في انتظار المنقذ والمخلص.

إننا دون شك نلتقي بنزوعات صوفية نجدها في حضارات أخرى، وديانات متعددة، ونأخذ هذه النزوعات ملامح تأدية الطقوس الجمعية؛ بمعنى أنها ليست مجرد طقوس فردية، في ازمنة معروفة، زيارة ضريح الامام الحسين عليه السلام، في اربعينيته، وغيرها من الطقوس المصاحبة .

لاحظ معي طقوس التعميد على ضفاف الأنهار، فهي ترمز لحركة صوفية تمتد في جذورها إلى أعماق التاريخ، وكذلك السير على الأقدام ضمن طوفان بشري لزيارة أضرحة الأئمة، وهي شكل من أشكال اتحاد الجموع للتوحد بالمنقذ والمخلص كما أشرت. وكل هذا يتدفق ويتلفع بروح إنسانية مشبعة بوجع الخلق وتمتد آثاره نحو الآتي .

جماعات تريد الانفلات من أسر العجز إلى حرية المعجز، تتوحد بالمطلق عبر فك أسر القيد الذي تصنعه معيقات الحياة، والتماهي مع الذات المطلقة.

إن الديانات السماوية كلها تمتح من روح التصوف بطرائق مختلفة، وتعبر عنها بطقوس حسية ظاهرة ليست هي المقصودة، وإنما المقصود هو الباطن العميق، خذ مثلا ً طقوس التعميد تبدو في الظاهر طقوسًا شكلية، ولكنها ذات أبعاد باطنية ورمزية عميقة، ومن الغريب أنَّ المتصوف يحاول أن يعبر عن اللاهوت بأدوات الناسوت، وهذا مشكل .. ومن المؤكد أن يعجز؛ لأن اللغة محدودة لا تستطيع حمل عبء التعبير عن المطلق، وبذلك فإن المتصوف أمام أحد أمرين : إما الصمت وهو الغالب، ومن ثم يحافظ على حياته، وإما الشطح؛ بمعنى " الفعل " الذي يقوده إلى النبذ أو التكفير؛ أو القتل!

وإني لأعجب كيف لا يكون السياب متصوفًا من الطراز الأول من حيث حياته المحزنة وعذاباته المتكررة وانعتاقه عبر الموت نحو آفاق المطلق. وبذلك كان السياب والصوفـي يمتحان من معين واحد لا ينضب من الأعماق، ويحفران معًا تذوقًا في حد الموت، السياب " يشعر " كما " يشعر " الصوفـي، ويتحول شعورهما وجدًا عبر الكلمة العاجزة، فيستعين الصوفـي بالشطحات وبتعالي الناسوت نحو اللاهوت، ويستعين السياب هو والبياتي و أدونيس بالتقنع للتعويض عن شطحات الصوفـي.

الصوفـي يتوحد مع اللاهوت، والسياب وأدونيس والبياتي يتوحدون عبر التقنع مع المطلق عبر فتح من أعماق الداخل، وكذلك كانت اللغة عاجزة عن الإبانة عن هذه الأعماق لديهم جميعًا، بوصفهم متصوفة كبار .

إن حركة الجموع على ضفاف الأنهار للتعميد، أو المشي على الأقدام نحو أضرحة الأولياء تشبه تمامًا أنساق وجدان أدونيس .. توحد الجموع مع الآتي؛ الكائن في رحم الماضي، وتوحد أدونيس مع " علي " في ديوانه مفرد بصيغة الجمع الآتي من عمق التاريخ "علي" هو الإمام ـــ الولي ـــ الفرد بصيغة الجمع، يتماهى مع الشاعر أدونيس، واسمه "علي "، فكأن "علي الإمام " الماضي / المستقبل، هو علي / أدونيس المستقبل المضمخ بعبق الماضي، وقد جمع أدونيس بين الصوفية والسريالية؛ إذ إن كليهما يتوجه نحو الخلاص دينيًّا عن الصوفية وتجاوز الإبحار عند السريالية، فالجذور واحدة وإن كانت الوسائل والنتائج متباينة .

***

د. كريم الوائلي

الاخلاق في اللغة هي جمع الخُلُق، أي الكثير من الخُلُق. والخُلُق يعني السجية أو الطبيعة والطبع.  والأخلاق هي سلوك وتصرفات الأفراد تجاه المجتمع وتجاه الآخرين من أفراد المجتمع. وقيل أيضاً، أن الأخلاق هي القواعد والممارسات التي تنظّم مواقف الفرد من الآخرين، وسلوكه تجاه مجتمعه. وقد تكون الأخلاق حَسِنة أو قد تكون سيئة بحسب تأثيرها على المجتمع أو على أفراده أو كلاهما. فكُل تصرّف أو سلوك فيه فائدة ومنفعة للمجتمع وأفراده يعتبر أخلاقاً حسنة. وكل تصرف أو سلوك يضر أو يسبب أذى للمجتمع وأفراده يقع ضمن مجموعة الأخلاق السيئة أو الرديئة. ويمكن وصف الأخلاق الحسنة بأنها أعمال خير، كذلك يمكن وصف الأخلاق السيئة بأنها أعمال شريرة. ومفهوم الخير والشر ينبع أيضاً من تأثير الفعل أو العمل على المجتمع أو على أفراده أو كلاهما. فإن كان العمل ذو فائدة أو منفعة للأفراد أو المجتمعات فهو عمل خير، وإن كان فيه ضرر أو أذى فهو من أعمال الشر.

وقد وَضَع الكثير من المفكرين والمثقفين والفلاسفة تعاريف وتصانيف متعددة ومختلفة لمفهوم الأخلاق. وأعتبره بعضهم علماً فأسماه بعلم الأخلاق، لما فيه من سِعة المعرفة وتشعبها، ولكونه يدرس الأعمال الإنسانية ويحكم على أفعال الناس بالخير أو الشر، ويحدد الفضائل والرذائل. واختلط مفهوم الأخلاق بمفاهيم أخرى كثيرة ومختلفة مثل الضمير والعُرف والفضيلة والرذيلة والحقوق والواجبات والشهامة والكرم والشجاعة وغيرها كما ذكرها الكاتب الكبير أحمد أمين بإسهاب في كتابه "الأخلاق"، ولا يسع المجال هنا للدخول في تفاصيلها إذ قد تسبب نوعاً من الارباك والتيه المعرفي والفلسفي.

يتميّز الإنسان عن الحيوان بالعقل، وقد وصِف الإنسان بأنه حيوان ناطق، وكذلك يمكن وصفه بأنه حيوان أخلاقي، لكونه يتحلّى بالأخلاق. ولا توجد أخلاق عند الحيوانات، لأن الحيوانات لا تملك عقلاً قادراً على التفكير والإدراك أو الاستنتاج، وإن الغرائز هي التي تتحكم في أفعال الحيوان. إن الطريق الذي يسلكه الحيوان واضح المعالم لا لبس فيه، وها قد مضت ملايين السنين على الحيوانات ولم يتغيّر شيء في نمط حياتها. والحيوان لا يعمل الشر ولا الرذيلة، فهو لا يقتل إلا إذا جاع، ويأكل حتى يشبع، وإذا شبع ترك الفريسة لغيره. ومن المنطقي أن الحيوان لا يسرق، ولا يكذب ولذلك فهو لا يعرف الشر ولا الخير. أما عند الإنسان، فيولد الطفل وهو بريء نقي من كل رذيلة، لا يعرف الكذب ولا الغش ولا السرقة ولا أي خُلُق سيء. هكذا يولد الإنسان خالياً من الشر والرذيلة، ثم يكتسبها عندما يصبح واعياً مدركاً لما حوله من ظروف بيئية تحيط به قد تجبره لسبب ما أن يكذب أو يسرق أو يفعل فاحشة، فيتكون للشر معنى وينشأ للخير مفهومه الخاص. وعلى ذلك فالشر هو عمل يقوم به الإنسان من نتاج عقله وأفكاره وبإرادته الكاملة. ولا يخلق الله الشر كما هو متعارف عند الناس، لأن الشر هو عمل أو سلوك شخصي وليس شيء مادي محسوس يتم خلقه. ولذلك يمكن الاستنتاج، بأن الإنسان لا يولد وبه نزعة للشر كما يعتقد البعض. ومن ذلك أيضاً يمكن القول إن الإنسان لا يولد وعنده نزعة للخير، لأن الخير يُعرف بالشر استنادا إلى مقولة إن الأشياء تعرف بأضدادها. فبانعدام الشر ينعدم الخير إذ لا يصبح هناك مبرر أو معنى لوجوده.

علاقة الدين بالأخلاق

ارتبط مفهوم الأخلاق بالدين ارتباطاً مباشراً ووثيقاً. ذلك أن كل الأديان والعقائد تدعوا إلى فضائل الأخلاق، سواءً كانت ديانات توحيدية أو غير توحيدية. إن الدين يدعو للفضيلة ويحرم الرذيلة. ومن الدين يتكون وازع ديني عند الناس يحثهم على فعل الخير وينهاهم عن فعل الشر. على العكس من ذلك، هناك من يرى إن الدين والأخلاق منفصلان ولا ضرورة لاتصالهما، فيمكن للأخلاق أن تكون منفصلة ومستقلة تماماً عن الدين، فتكون الأخلاق عندهم أساسها الفلسفة وليس الدين. واختص الدين الإسلامي بالتأكيد على الفضيلة ومكارم الأخلاق، واقترن ذكر الإيمان بالعمل الصالح في القرآن، وتكرر ذلك في أكثر من خمسين آية قرآنية، واعتُبر الإيمان والعمل الصالح متلازمة ضرورية للحصول على الأجر والثواب وكان بمثابة الطريق إلى الجنة. تُمثل مجموعة الوصايا العشرة في الديانة اليهودية الأساس الديني لمنظومة الأخلاق، وكذلك اعتبرت الأساس الأخلاقي الديني في الديانة المسيحية كونها امتداداً لشريعة موسى (ع). وتجلّى ذكر الوصايا العشرة في القران في سورة الأنعام، الآيات 151 – 153، مما يوحي بتناغم الديانات التوحيدية. ولا يفوتنا ذكر مقولة الإمام محمد عبده الشهيرة "ذهبتُ إلى الغرب فوجدت إسلاماً ولم أجد مسلمين، ولما عدت للشرق وجدت مسلمين ولكنني لم أجد إسلاماً". وقد أثارت هذه المقولة حفيظة بعض الناس كون الدعوة إلى الأخلاق ليست مقتصرة على الدين الإسلامي وإنما هي عامة في كل العقائد والأديان، لكن المقولة تشير إلى حالة ضياع الأخلاق عند المسلمين. والعبرة لنا في هذه المقولة هي الشهادة والتأكيد على التدهور الأخلاقي السائد والملحوظ بشدة في المجتمع العربي مما يوجب إثارة حفيظة الغيورين من أفراد المجتمع وبخاصة المفكرين والمثقفين لمعالجة المشكلة.

متى ظهر مفهوم الاخلاق عند البشر

ليس هناك تاريخ محدد ولا مؤكد لبداية ظهور الأخلاق في المجتمعات البشرية لعدم وجود أدلة تاريخية في التاريخ القديم كالوثائق والمخطوطات الطينية أو ما شابهها. يقول الدكتور محمد عبد الرحمن مرحبا في كتابه "المرجع في تاريخ الأخلاق" إن معظم الكتب التي تبحث في تاريخ الأخلاق تبدأ بحثها من اليونانيون والرومان وليس هناك ذكر لدور الأخلاق في الأقوام والحضارات السابقة، وكأن اليونانيون والرومان هم فقط أصحاب أخلاق وتحضّر. ويُعزى ذلك إلى ما عُرف عن الاوربيين انحيازهم التام إلى الحضارات اليونانية والرومانية والتقليل من شأن الحضارات الأخرى أو حتى إلغاء دورها في التقدم الحضاري.

بدأ تحضّر الإنسان البدائي في عصور ما قبل التاريخ بعد انتهاء العصر الجليدي الأخير قبل عشرة الاف سنة عندما تحول حال الإنسان من حالة عدم الاستقرار، كمجتمعات أُسرية صغيرة تبحث عن الطعام عن طريق صيد الحيوان، إلى حالة الاستقرار، ومن ثم اكتشفت الزراعة وتدجين الحيوان واكتشفت الآلة، فتكونت تجمعات بشرية صغيرة أخذت تتعامل بالمقايضة وتبادل السلع كنواة للتجارة والتعايش المجتمعي بين أفراد المجتمع، ففرض هذا الوضع قواعد خاصة تُحدد وتنظم سلوكيات التعامل بين الأفراد لخلق مجتمع آمن ومتحضر، فكانت نواة لبداية مفهوم الأخلاق.

تطور الأخلاق في الحضارات البشرية

تلا تلك الحقبة من زمن الإنسان البدائي، ظهور عصر الحضارات الأولى، وتحديداً الحضارة المصرية وحضارات بلاد الرافدين، السومرية والبابلية والآشورية ثم الكلدانية. في هذه الحضارات ظهر الدين والتديّن بأشكاله الكاملة والواضحة، ووضعت القيم الأخلاقية بشكل تام، وذلك للعلاقة المباشرة والوثيقة بين الدين والأخلاق. وقد أضاف الدين قدسية للأخلاق حيث ارتبطت الأخلاق بالدين والطقوس الدينية. واكتشف الكثير من الأدلة التاريخية لهذه الحضارات وهي تؤكد التزام الشعوب واحترامهم للأخلاق واعتبارها قيمة سامية عليا.

يعتبر اليونانيون أول من وضع علم الأخلاق في إطار فلسفي. ويعتبر سقراط (ت 399 ق م) مؤسس الفلسفة الأخلاقية. وقد ميّز بين الأخلاق والدين من خلال بناء علم الأخلاق على أساس لا ديني. وأعطى اليونانيون للأخلاق صفة سامية وعليا للشعب والدولة، واعتبروا أن هدف الأخلاق هو الوصول إلى السعادة. وكتاب "جمهورية افلاطون" يعتبر من الكتب الفلسفية المهمة في التاريخ حيث يوضح بأسلوب حواري فلسفي، أن الحكم يجب أن يكون بيد الحكماء الذين يجمعون المعرفة والفضيلة. واشتهرت الفلسفة الأبيقورية، نسبة لمؤسسها الفيلسوف اليوناني أبيقور (ت 270 ق م)، وتدعو الى إن الغاية العليا هي الوصول إلى السعادة باستخدام اللذة بكل أنواعها وبكل الوسائل الممكنة، فهي بذلك تدعو إلى الإباحية المطلقة. وبعكسها اشتهرت الفلسفة الرواقية، والتي تزامنت مع الابيقورية، وهي تدعو إلى الفضيلة وكبت الشهوات بالسيطرة على النفوس. سميت بالرواقية لأن اتباعها كانوا يجتمعون في الرواق لمناقشة فلسفتهم.

في العصر الجاهلي، عرف العرب الأخلاق متمثلة بالفضيلة والتي تتمثل في المروءة التي تقوم على الشجاعة والكرم والحلم...الخ. لكن كانت لديهم أيضاً أعراف وعادت سيئة مثل وأد البنات والثأر والخمر والميسر وغيرها. اشتهر العرب بالكرم والوفاء بالعهد والأنَفَة وعزة النفس، لكنهم أيضاً اشتهروا بالسيء من الأخلاق. ولذلك فالأخلاق عند عرب الجاهلية هي مزيج من الفضائل والرذائل، شأنهم في ذلك شأن الأقوام الأخرى.

في زمن الحضارة الإسلامية، شكلت الأخلاق ركيزة مهمة من ركائز الدين الإسلامي، وتحلّى المسلمون بالفضيلة والأعمال الصالحة التي انعكست في سلوك كل مسلم. يخبرنا التاريخ، أن الناس في الصين والهند ودول شرق آسيا اعتنقوا الإسلام بسبب تعاملهم المباشر واحتكاكهم مع التجار المسلمين الذين أظهروا أخلاقاً حميدة وسامية في تعاملهم مع الآخرين. وخير تمثيل لأخلاق المسلمين جاء في خطبة جعفر بن ابي طالب مخاطباً النجاشي ملك الحبشة، عندما سأله النجاشي "وما هو دينكم؟" فأجاب جعفر "أيها الملك كنّا قوماً على الشرك، نعبد الأوثان ونأكل الميتة ونسيء الجوار ونستحل المحارم والدماء، فبعث الله إلينا نبياً من أنفسنا، نعرف وفاءه وصدقه وأمانته، فدعانا إلى أن نعبد الله وحده، ونصل الرحم ونحسن الجوار ونصلي ونصوم". هكذا كانت أخلاق العرب في الجاهلية، وهكذا أصبحت أخلاق العرب في الإسلام بفضل الإسلام.

الأخلاق في العصر الحديث

مُنيت المنظومة الأخلاقية في العالم العربي بانتكاسة مؤلمة في العصر الحديث، فبحلول النصف الثاني من القرن الماضي ومروراً بالقرن الحالي، عانت العديد من الدول العربية من حروب ومعارك طاحنة ومدمرة، نتج عنها دمار شامل وخراب لعدد المدن الكبيرة والمهمة في الوطن العربي، وهُجّر الملايين من أبناء الشعب العربي، ودُمّر الاقتصاد وحَلّ الفقر. فانتكست المنظومة الأخلاقية والثقافية، وتزعزعت ثقة الشعوب بأنفسهم وبحكوماتهم ومبادئهم الدينية والأخلاقية، مما أدى إلى فوضى عارمة في الفكر والثقافة وتشتت المجتمع.

افرزت النهضة الأوربية مجموعة قيم أخلاقية جديدة سُميت "بالمنظومة الأخلاقية الحديثة" تيمناً بمنهج الحداثة الأوروبية. محور هذه المنظومة يعتمد على ظهور مفاهيم وقيم أخلاقية جديدة تتوافق مع نهضة وتطور المجتمع.  اعتمدت هذه المنظومة على التركيز على إبراز أخلاقيات تتوافق مع مفاهيم الحداثة والتنوير، واعتُبرت هذه الأخلاقيات أنها تمثل القيمة الأخلاقية العليا. مثال ذلك مفهوم الحرية بشكله العام، وتشمل احترام حريات الأشخاص والرأي الآخر ومعتقداته وحقوق الانسان. وكذلك مصطلح الوطنية والمواطنة، أي حب الوطن والإخلاص والتضحية في سبيل الوطن، وشملت أيضاً قواعد السلوك المهني مثل الإخلاص في العمل والتفاني فيه من اجل النجاح والابداع. وظهرت منظومة قواعد السلوك المهني مثل أخلاقيات السلوك المهني الطبي والتعامل التجاري والعسكري وأخلاقيات الحروب. تهدف هذه المنظومة الأخلاقية إلى فصل الأخلاق عن الدين وتحريرها من سيطرة الدين، وهذا ما دعت إليه، وسعت إليه، العلمانية وفلسفة الحداثة في النهضة الاوربية، فاعتبرت أن مصدر وأساس الأخلاق هو العقل والطبيعة وليس الدين. نتيجة لذلك ضعفت سلطة الدين الأخلاقية، وضعف الوازع الديني والالتزام الأخلاقي الديني عند الأفراد، فتغلّبت الأخلاق الدنيوية المادية على الأخلاق الدينية الروحية، وأصبحت مفاهيم التحلل الجنسي والاباحية والمثلية الجنسية مباحة ومقبولة عند المجتمع الغربي.

مقابل ذلك، سادت في المجتمع الشرقي العربي منذ التاريخ القديم "المنظومة الأخلاقية التراثية القديمة" والتي تعتمد الدين كمؤسس وراع لها. فالدين وضع القواعد الأخلاقية وكان رقيباً على أدائها. والدين يأمر بالعمل بصالح الأعمال والفضائل وينهى عن الرذيلة، ويكون الوازع الديني عند الأشخاص خير محفّز ورقيب. تدعو هذه المنظومة الأخلاقية إلى تعظيم العفّة والعرض والشرف، والصدق والأمانة، والشهامة والكرم...الخ وتحرّم العلاقة الجنسية خارج إطار الزواج والقتل والسرقة والكذب والغش وغيرها من رذائل الأعمال. وقد نشأ عليها أفراد المجتمع العربي وتربوا عليها فأصبحت سجية خلقية عندهم، فتطبّعوا بها وترسخت في نفوسهم، وأصبحت عادات يمارسونها لا شعورياً في مجتمعهم.

ثم ظهرت العولمة فتخطت الحدود والحواجز بين البلدان، وتفاعلت الحضارات بين المجتمعات، وتناقلت الأفكار والثقافات وعوامل التحضّر الحضاري بينهم، فاقتبست المجتمعات الضعيفة أفكار وعادات وثقافة المجتمع الأكثر تطوراً وتحضراً. انبهر المجتمع العربي، المتأخر حضارياً، بتطور المجتمع الغربي، فدخلت أفكار وثقافات غريبة على مجتمعنا، مغايرة لعاداتنا وتقاليدنا، وأحياناً منافية لها. وظهرت ممارسات لا أخلاقية لم يعرفها المجتمع العربي من قبل. فانقسم المجتمع إلى مؤيد للتغيّر ورافض له، ونشأ صراع فكري بينهم، تعدى أحياناً حدود المعقول، وانتكست الثقافة والأخلاق، ووصل حالنا إلى ما وصلنا إليه.

الخلاصة

وختاماً فالرسالة في هذه المقالة، تدعو إلى حثّ أفراد مجتمعنا لفِهم مبادئ "المنظومة الأخلاقية الحديثة" الغربية، وتشجيعهم للعمل بها، لما لها من أهمية في بناء مجتمع متقدم ومتطور، دون أن ننسى التأكيد على العمل "بمنظومة الأخلاق التراثية القديمة" الأصيلة التي تربينا عليها، لكونها أساس الأخلاق في المجتمع الشرقي، وليس الأخلاق الدخيلة والغريبة علينا. وذلك لأن تزاوج هاتين المنظومتين الأخلاقيتين يمكن أن يؤسس نواة لمجتمع حديث متحضّر آمن ومستقر.

***

د. صائب المختار

في عمق التجربة الإنسانية، ثمة سؤال يتسلل إلى وعينا كلما واجهنا قصة الآخر: من أنا لأحكم على جمال حكاية لا تشبه حكايتي؟

نحن أبناء قصصنا، نحمل في وعينا ذاكرة ممتدة، تشكلت من تفاصيل لا يراها أحد سوانا. ومع ذلك، كم نميل أحيانًا إلى مقارنة تلك الحكايات التي لم نعشها، فنُسقط عليها مقاييسنا الخاصة ونصادر حقها في التفرد!

الوعي الإنساني ليس صندوقًا مغلقًا، بل هو نهرٌ تتدفق فيه التجارب، كل تجربة هي ضفة جديدة تشكل مجرى هذا النهر. عندما نتأمل الحياة، ندرك أن لكل إنسانٍ طريقًا محفوفًا بألوان لا يراها غيره؛ ألوان ينسجها الألم حينًا، والحب حينًا آخر، وبينهما يختبئ الفرح والحزن، الخسارة والانتصار. لكن، أيّنا يملك الحق في القول إن لونًا أشد بهاءً من الآخر؟

قصصنا، وإن بدت متشابهة في العناوين الكبرى—حب، ألم، نجاح، خسارة—فإنها تتباين في التفاصيل، في العمق، في الظلال الدقيقة التي تمنحها فرادتها. شخص يكتب فصلاً من حياته وهو يتعلم الحب بعد خيبة طويلة، وآخر يكتب عن النجاح بعدما فقد كل ما ظنه نجاحًا. هذه الرحلة، بما تحمله من التناقضات، ليست مجالًا للتفاضل، بل هي مجال للفهم، للتأمل، للانحناء احترامًا أمام اتساع التجربة الإنسانية.

إن ما يجعل القصة جميلة ليس مقدار الألم الذي تحمل، ولا حجم الأفراح التي تُسرد، بل كيف انعكست في روح صاحبها، وكيف أعادت تشكيل نظرته للعالم. شخصٌ يروي لك كيف تعلم أن يبتسم رغم الفقد، وآخر يحدثك عن دهشته الأولى أمام حبٍّ نقيّ؛ كلٌّ منهما يمسك بحجر كريم صقله الزمان، لكن كل حجر يلمع في زاوية مختلفة من الضوء.

الوعي هنا هو البوصلة؛ إنه ذاك الإدراك الذي يجعلنا نرى الجمال في الاختلاف، لا في التشابه. حين نبلغ هذا المستوى من الوعي، ندرك أن قصتنا الخاصة ليست مقياسًا للحياة، بل هي جزء من لوحة أكبر، تتجاور فيها آلاف القصص دون أن يلغي بعضها بعضًا. إن محاولتنا لقياس قيمة قصة ما بمسطرة تجربتنا الشخصية أشبه بمحاولة قياس البحر بكف اليد.

كم من مرة اعتقدنا أن نجاحنا أعظم من نجاح غيرنا، لأننا لم نرَ الصعوبات التي خاضها، ولم نشهد الليل الطويل الذي سهر فيه؟ وكم من مرة حسبنا أن ألمنا أعمق، فقط لأننا لم نذق مرارة ألمه؟ إننا، في كل مرة نفعل ذلك، نرتكب خيانة بحق إنسانية الآخر، ونحجب عن أنفسنا فرصة التعلم من حكاياته.

الحياة، في جوهرها، ليست مسابقة للفوز بقصة أجمل، بل هي فسيفساء متكاملة، كل قطعة فيها ضرورية لتشكيل الصورة الكبرى. ما يجعل هذه اللوحة بديعة هو التنوع: قصص الفقد التي تزرع فينا التعاطف، وحكايات النجاح التي توقظ فينا الأمل، ولحظات الحب التي تجعلنا نؤمن أن الحياة تستحق أن تُعاش رغم كل شيء.

لذلك، حين تسمع قصة لا تشبه قصتك، لا تُسرع إلى المقارنة. بدلاً من ذلك، اسأل نفسك: ما الذي يمكن أن يضيفه هذا الصوت المختلف إلى وعْيي؟

قد لا تتفق مع طريقته في النظر إلى الحياة، لكنك ستجد في حكايته مرآةً صغيرة تعكس جزءًا من إنسانيتك التي لم تكتشفها بعد. هذه هي الثراء الحقيقي: أن تصبح أكثر اتساعًا، أكثر فهمًا، أكثر قربًا من روحك ومن أرواح الآخرين.

في النهاية، لسنا هنا لنثبت أن قصة ما أجمل من الأخرى، بل لنتعلم كيف نصغي، كيف نحتفي بهذا التعدد الذي يجعل الوجود أكثر عمقًا.

فكل حكاية، مهما بدت بسيطة أو عظيمة، هي عالم كامل يستحق الاحترام. وكلما أدركنا ذلك، كلما أصبحنا أكثر إنسانية.

فمن أنا، حقًا، لأقول إن قصته أقل جمالاً من قصتي؟

في عمق التجربة الإنسانية، ثمة سؤال يتسلل إلى وعينا كلما واجهنا قصة الآخر: من أنا لأحكم على جمال حكاية لا تشبه حكايتي؟

نحن أبناء قصصنا، نحمل في وعينا ذاكرة ممتدة، تشكلت من تفاصيل لا يراها أحد سوانا. ومع ذلك، كم نميل أحيانًا إلى مقارنة تلك الحكايات التي لم نعشها، فنُسقط عليها مقاييسنا الخاصة ونصادر حقها في التفرد!

الوعي الإنساني ليس صندوقًا مغلقًا، بل هو نهرٌ تتدفق فيه التجارب، كل تجربة هي ضفة جديدة تشكل مجرى هذا النهر. عندما نتأمل الحياة، ندرك أن لكل إنسانٍ طريقًا محفوفًا بألوان لا يراها غيره؛ ألوان ينسجها الألم حينًا، والحب حينًا آخر، وبينهما يختبئ الفرح والحزن، الخسارة والانتصار. لكن، أيّنا يملك الحق في القول إن لونًا أشد بهاءً من الآخر؟

قصصنا، وإن بدت متشابهة في العناوين الكبرى—حب، ألم، نجاح، خسارة—فإنها تتباين في التفاصيل، في العمق، في الظلال الدقيقة التي تمنحها فرادتها. شخص يكتب فصلاً من حياته وهو يتعلم الحب بعد خيبة طويلة، وآخر يكتب عن النجاح بعدما فقد كل ما ظنه نجاحًا. هذه الرحلة، بما تحمله من التناقضات، ليست مجالًا للتفاضل، بل هي مجال للفهم، للتأمل، للانحناء احترامًا أمام اتساع التجربة الإنسانية.

إن ما يجعل القصة جميلة ليس مقدار الألم الذي تحمل، ولا حجم الأفراح التي تُسرد، بل كيف انعكست في روح صاحبها، وكيف أعادت تشكيل نظرته للعالم. شخصٌ يروي لك كيف تعلم أن يبتسم رغم الفقد، وآخر يحدثك عن دهشته الأولى أمام حبٍّ نقيّ؛ كلٌّ منهما يمسك بحجر كريم صقله الزمان، لكن كل حجر يلمع في زاوية مختلفة من الضوء.

الوعي هنا هو البوصلة؛ إنه ذاك الإدراك الذي يجعلنا نرى الجمال في الاختلاف، لا في التشابه. حين نبلغ هذا المستوى من الوعي، ندرك أن قصتنا الخاصة ليست مقياسًا للحياة، بل هي جزء من لوحة أكبر، تتجاور فيها آلاف القصص دون أن يلغي بعضها بعضًا. إن محاولتنا لقياس قيمة قصة ما بمسطرة تجربتنا الشخصية أشبه بمحاولة قياس البحر بكف اليد.

كم من مرة اعتقدنا أن نجاحنا أعظم من نجاح غيرنا، لأننا لم نرَ الصعوبات التي خاضها، ولم نشهد الليل الطويل الذي سهر فيه؟ وكم من مرة حسبنا أن ألمنا أعمق، فقط لأننا لم نذق مرارة ألمه؟ إننا، في كل مرة نفعل ذلك، نرتكب خيانة بحق إنسانية الآخر، ونحجب عن أنفسنا فرصة التعلم من حكاياته.

الحياة، في جوهرها، ليست مسابقة للفوز بقصة أجمل، بل هي فسيفساء متكاملة، كل قطعة فيها ضرورية لتشكيل الصورة الكبرى. ما يجعل هذه اللوحة بديعة هو التنوع: قصص الفقد التي تزرع فينا التعاطف، وحكايات النجاح التي توقظ فينا الأمل، ولحظات الحب التي تجعلنا نؤمن أن الحياة تستحق أن تُعاش رغم كل شيء.

لذلك، حين تسمع قصة لا تشبه قصتك، لا تُسرع إلى المقارنة. بدلاً من ذلك، اسأل نفسك: ما الذي يمكن أن يضيفه هذا الصوت المختلف إلى وعْيي؟

قد لا تتفق مع طريقته في النظر إلى الحياة، لكنك ستجد في حكايته مرآةً صغيرة تعكس جزءًا من إنسانيتك التي لم تكتشفها بعد. هذه هي الثراء الحقيقي: أن تصبح أكثر اتساعًا، أكثر فهمًا، أكثر قربًا من روحك ومن أرواح الآخرين.

في النهاية، لسنا هنا لنثبت أن قصة ما أجمل من الأخرى، بل لنتعلم كيف نصغي، كيف نحتفي بهذا التعدد الذي يجعل الوجود أكثر عمقًا.

فكل حكاية، مهما بدت بسيطة أو عظيمة، هي عالم كامل يستحق الاحترام. وكلما أدركنا ذلك، كلما أصبحنا أكثر إنسانية.

فمن أنا، حقًا، لأقول إن قصته أقل جمالاً من قصتي؟

***

يونس الديدي - كاتب مغربي  متخصص في الشؤون الاجتماعية والسياسية

عاشت أوروبا مرحلة سوداء في تاريخها سميت بالعصور الوسطى. تلت هذا العصور ثورة فكرية وعلمية بدأت بالتوازي مع التحرر من سلطة الكنيسة المطلقة وبدء ظهور تيارات دينية أكثر تحررًا كالبروتستانتية. قاد هذه الثورات علماء وفلاسفة نزعوا القداسة من الطبيعة ووضعوا الأساس للعلم التجريبي في شكله المعاصر. حولت معادلات نيوتن وملاحظات غاليليو وغيرهما الكون إلى مسرح يعرض أمامنا، وعلينا نحن فك شيفرته وتفسير ظواهره. لم نعد نسع إلى التوحد مع الكون، إنما أصبحنا المراقب والناقد لكل الأحداث التي تمر أمامنا.

نشأ تيار فكري جديد اتخذ من تجزئة المشاكل والأسئلة لحل كل منها على حدا. وبعد فهم الأجزاء نستطيع فهم الكل. واعتمد هذا الأسلوب مبدأ القفز والتعميم. إذا صحت قاعدة فيزيائية على الأرض، صحت في كل الكون منذ بدايته لحين يومنا هذا. غيرت هذه المرحلة وجه العالم إلى الأبد ونقلت أساليب جمع المعرفة إلى مستوى مختلف. تحول العلم التجريبي إلى معيار لتقدم الحضارات وتفوقها. ولكن هل نجحت تماما؟ هل نجح نيوتن ومن تبع خطاه من الإجابة عن الأسئلة الكبرى؟

العلم التجريبي كمحرك للحضارة

منذ أوائل القرن العشرين، تسارعت الاكتشافات العلمية ولا تزال تأخذ منحا تصاعديا في التقدم. لهذا التقدم المتسارع أسباب عدة كتحسن المستوى المعيشي والتعليمي للبشر بشكل عام ما أدى إلى انخفاض الأمية، لا بل اندحارها في الكثير من الدول. بذلك، اكتسب العلم التجريبي زخما مصحوبا بإمدادات بشرية ومادية هائلة. أدى هذا الزخم إلى إنجازات غير مسبوقة في شتى المجالات كالصناعة والطب والزراعة وغيرها.

منذ بدء الثورة الصناعية إلى الآن، وفرت التكنولوجيا معدات وخطوط انتاج متطورة للمصانع. سرعت هذه الخطوط من الإنتاجية والفعالية. خلق التقدم الصناعي بيئة تنافسية ضخمة، ما أدى الى الاستثمار في مجال الأبحاث الصناعية، والأمر لا يختلف كثيرا بالنسبة للزراعة. أضافة إلى القطاعات الاقتصادية، ساهمت التجربة بشكل كبير جدا في المجال الصحي حيث تضاع أمد الحياة بشكل غير مسبوق مدعوما بتطور سبل مكافحة الأمراض وعلاجها. وبدورها قدمت الإنجازات التكنولوجية جانبا من الرفاهية لحياة الانسان.

قدمت الأبحاث في مجالات كعلوم الحياة والفيزياء وعلم الفلك أجوبة لأسئلة وجودية لطالما لاحقها الفكر الإنساني. فمنذ فلاسفة اليونان، تساءل البشر عن طبيعة المادة والحياة. قد لا يكون العلم قد قدم إجابات نهائية أو نظريات كلية شاملة تفسر طريقة عمل الكون، إلا أنه أجاب على كثير من المسائل كطبيعة المادة وطريقة عمل الخلية والوراثة. فضلا عن أن الكثير من هذه المجالات لا تزال عمليا يافعة - قياسا بتاريخ الحضارة البشرية - حيث أنها بدأت في المنتصف الثاني من القرن العشرين.

بذلك، أصبحت التجربة والقياس والتكرار أدوات الوصول إلى الحقيقة والتقدم. بتنا الآن ننظر إلى العالم كمسرح لتجاربنا ونقيّم الأمم وفقا لمدى نجاحها العلمي. فالتطور العلمي جعلنا مهندسين للطبيعة لا متأملين لها.

المنهاج العلمي كميزة تاريخية

رسم فلاسفة العلم والعلماء الأوائل خارطة طريق فريدة للعلم التجريبي. وضع هؤلاء كفرانسيس بيكون وتوماس كيون وكارل بوبر المعايير التي يجب أن يعمل بها العلم التجريبي وكيفية وضع النظريات والالتزام بحدودها دون القفز الى استنتاجات خاطئة أو غير مدعومة بتجارب كافية.

إن ألف باء العلم التجريبي قائمة على وضع فرضية مقتبسة من المعرفة الحالية. تختبر هذه الفرضية ضمن مساحة وشروط دقيقة، وتوضع النظريات وفق لمخرجات ونتائج التجربة. ومن المعايير الأساسية للقياس هي إعادة تكرار التجربة قبل نشرها لضمان مصداقية المعرفة الناتجة عنها. يخضع كل بحث قبل نشرها لمراجعة من علماء متخصصين في المجال ذاته حيث ينتقدونه ويقترحون تعديلات ابان نشره في المجلات العلمية.

رغم الكثير من الشوائب التي شابت هذا المنهج والتعديلات المقترحة، بقي المنهج بإطاره العام صامدا. شكل المنهج العلمي شبكة أمان للعلم التجريبي لكيلا يقع في فخ التنظير العبثي الذي وقعت فيه الفلسفة مسبقا.

المآزق الجديدة

رغم التقدم الكبير الحاصل إلا أن مآزق أخرى وقع فيها العلم التجريبي على الصعيد الإنساني والمعرفي. يرجع ذلك، بشكل أساسي إلى المادية التي ارتبطت بالعلم التجريبي. ان الدور الكبير الذي لعبه الشك في العلم التجريبي أدى بشكل أو بآخر الى طرح تساؤلات وجودية حول معنى الحياة والمفاهيم والقيود الأخلاقية.

أما في الجانب الصناعي، فكلما ارتفع الإنتاج، احتاجت الدول الصناعية لمواد أولية وأسواقا لتصريف انتاجها. أتت الامبريالية كنتيجة طبيعية للرأسمالية وكان الاستعمار وويلاته على الشعوب المستعمرة. وفي سباق الهيمنة الذي أصبح بلا حدود أو قيود، ولد سباق التسلح، فوضعت الدول المتنافسة العلم التجريبي كمحرك للأبحاث العلمية لفرض تفوقها. أثبت العلم التجريبي مجددا نجاحه، إلا أن هذا النجاح أتى على حساب دول وشعوب أخرى عانت ولا تزال من أثر الاستعمار والحروب.

إضافة الى ذلك، فقد فشل النمو الاقتصادي المدفوع من العلم بمنع أزمات اقتصادية وركود عصف بالعالم مرات عدة، إضافة الى آلاف المشردين والعاطلين عن العمل في البلاد المتقدمة نفسها. إذا فقد فشل عالم ما بعد نيوتن في حل المشاكل الاقتصادية والمعيشة، لا بل ساهم بتفاقمها في العالمين المتقدم والنامي بشكل مباشر أو غير مباشر. يعود بعض من هذا إلى أن العلوم الاقتصادية من أكثر العلوم تعقيدا.

على الصعيد المعرفي، فشل غرب نيوتن بإعطاء إجابات لكثير من الأسئلة الوجودية. فالعلم التجريبي يعتمد أسلوب معرفة الأجزاء لمعرفة الكل. ورغم نجاح هذه الاستراتيجية كما ذكرنا سابقا في شتى المجالات، إلا انها فشلت حتى مثلا في اعطائنا ما يحلم به العلماء كمعادلة واحدة أنيقة تفسر طريقة عمل الكون والوجود. وفشلت في الإجابة عن ماهية الوعي والادراك البشري وأصل بداية الحياة وغيرها الكثير. يقر كثير من العلماء، في مجال علوم الحياة مثلا، أكثر من غيره، بضرورة الأخذ بعين الاعتبار النظرة من أعلى الى أسفل حيث أن الكل يؤدي الى بلورة المعارف حول الجزء.

الخاتمة

رغم النجاحات الكبيرة التي حققها غرب ما بعد نيوتن، إلا أن الكثير من المشاكل العالقة تذكرنا بحاجتنا الدائمة للتفاعل بين فلسفة الشرق وفلسفة الغرب. وتعيد الينا، كمشرقيين، المآزق التي وقع فيها الغرب الأمل بفرصة الالتحاق بركب العلم التجريبي مع دمجه في فلسفتنا الشرقية.

***

فضل فقيه – باحث

......................

قراءات إضافية:

سعيد، إدوارد. الاستشراق. ترجمة كمال أبو ديب. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1981

Acemoglu, D. & Robinson, J. A. Why Nations Fail: The Origins of Power, Prosperity, and Poverty (Profile Books, London, 2012).

في كتابه (الآلهة التي تفشل دائما) أشار الراحل إدوارد سعيد– وهو بصدد حديثه عن مفهوم المثقف العضوي لـ(أنطونيو غرامشي) - إلى تعريف (جوليان بيندا) الشهير للمثقفين بأنهم "جماعة صغيرة من ملوك حكماء يتحلون بالموهبة الاستثنائية والحس الأخلاقي العالي وقفوا أنفسهم لبناء ضمير الإنسانية" .

يظهر عبر هذا التوصيف الذي ذكره (بيندا) أنّ المثقف يتمتع بموهبة استثنائية تختلف عن الآخرين، إلا أنّ الحديث عن هذه الموهبة قد لا يكون دقيقًا من حيث اكتناه وصفها، وعلى أي حال كيف تكون هذه الموهبة الاستثنائية؟ كلها أسئلة قد لا يضيء الحديثعنها عشرات الكتب والبحوث، وهنا ترتهن اللحظة التاريخية التي تقترب فيها المواقف بما أشار إليه (إدوارد سعيد) في معرض كلامه عن (جوليان بيندا) وتعريفه الذي ذكرناه آنفًا عن الثقافة معقّبا بالقول: "إنّ بحث بيندا – خيانة المثقفين- ظلّ حيًّا عبر أجيال كهجوم لاذعٍ على المثقفين الذين تنازلوا عن دعوتهم وعرضوا مبادئهم للشبهة أكثر من كونه تحليلاً متماسكًا للحياة الفكرية" وفي كلامه تشخيصٌ لظاهرة "المثقف الوصولي" الذي يستعين بما لديه من خبرة أو دراية في تخصصٍّ ما، لا ليكون ذلك التخصص في النهوض بواقع المجتمع الذي يعيش فيه، والتفكير بكيفية الارتقاء بمستوى وعي ذلك المجتمع بما لا يجعله مُدجّنًا يتقبّل أحابيل السلطة الغاشمة وطرائق توطيد أركانها من خلال استعانتهم بمجموعة من المثقّفين في اختصاصات مختلفة لم تكن إلا مُخدّرًا لعامة الناس تُعطي صورةً وهمية عن عدالة السلطة ومدى اهتمامها بالكفاءات، في حين أنّها استعانت بهذه العناوين التي لم تكن سوى واجهة لفسادها المتواري خلف تلك العناوين..! وقد تتنوّع مثل هذه العناوين بتنوّع الأدوار المُناطة بها، فهي قابلة للتلوّن بحسب الفُرص والمهمّات التي تُعطى لها، فيمكن أنْ تجد المُحلِّل السياسي أو الصحفي في دورةٍ من دورات تلك الحكومة، وزيرًا أو مستشارًا في دورةٍ أخرى، وهكذا تتبدّل الأدوار بتبدّل المصالح..!

وقد أورد بيندا أمثلة تبين مصداق فكرته ممن عدّهم المصداق الحقيقي للمثقف الحقيقي، مثل سقراط والمسيح وسيبينوزا، وفولتير، وإرنست رينان من العصر الحديث، فهم بحسب هذه المبادئ التي يناضلون من أجل تثبيتها بين الناس، ولأجل كونهم أناس عبَّروا عن حرية ما اعتنقوه من أفكار "كائنات نادرة جدًّا في الحقيقة، ما دام ما يرفعونه هو القيم الخالدة للحقيقة والعدالة التي هي بدقة ليست من هذا العالم"، فالمبدأ الأخلاقي الذي دفع هؤلاء يمثّل نموذجًا واضحًا عن مفهوم المفكر أو الفيلسوف أو رجل الآداب الذي لا تشغله همومه المعرفية وتأملاته الفلسفية عن الاهتمام بشؤون المدينة والنزول إلى الساحة العمومية صادعًا باسم "الحق" و"العدل" و"الخير" ومدافعًا عن القيم الإنسانية العامة المجردة التي يلخّصها شيشرون في "حب النوع البشري". ولذلك بحسب هذه التوصيفات التي استفادها من "بيندا" رأى سعيد أنَّ المثقف يخون حين يتنازل عن سلطته الأخلاقية التي ينبغي أنْ يتمثّلها عبر سلوكياته المجتمعية فضلاً عن خطابه الذي يُشيع تلك القيم والمبادئ الأخلاقية، وتلك الخيانة تتمثّل بالروح الطائفيّة تارةً، أو استثماره - الشخصي أو الحزبي - المشاعر الجماهيرية التي يعرف كيف يتلاعب بها ويُسخّرها بالاتجاه الذي ينسجم وتوجّهات سلطة جهة سياسيةٍ ما، عبر لغةٍ منمّقة تتّسم بضبطه إنشاء مصطلحات وخطابات يمكن أنْ يدبُّ التضليل في أوردتها لمن لا يُتقن فرز أورامها السرطانية غير الحميدة، حين تكون تلك المشاعر مُضِرّةً بصورةٍ مباشرة أو حتى غير مباشرة في مسخ الهوية الوطنية التي تجمع الفرقاء داخل الوطن الواحد..! وبهذا لا بدَّ من أنْ يكون المثقف – بحسب تصوّر سعيد – رسوليًّا في موقفه ووظيفته التي يؤدّيها في المجتمع، وبحسب قوله: "إذ يُقترض بالمثقفين الحقيقيين، حسب تعريف بندا، تعريض أنفسهم لأخطار الحرق، أو النبذ، أو الصلب. فهم شخصيات بارزة رمزية، متميّزة بابتعادها الراسخ عن الاهتمامات العملية. ولذلك، لا يمكن أنْ يكونوا كثيري العدد، كما أنّ من غير الممكن تنميتهم روتينيًا. عليهم أنْ يكونوا أفرادًا مُدققين، وذي شخصيات جبارة. وأهم من ذلك كله، يجب أنْ يكونوا في حالة معارضة شبه دائمة للوضع الراهن"

ويتّفق أحد فلاسفة الغرب وهو (بارنجتون مور) مع هذه الرؤية للمثقف، فمهمته ليست في الالتزام بأية نظرية سياسية وإنما في البحث عن الحقيقة وإعلانها، وبهذا يكون من واجبه أن يعبّر عن كبت الموقف الراهن وأنْ ينقده، وينوّه بالأوهام وأنواع النفاق التي يتدثر بها أولئك الذين يرفعون شعار الحرية لتدعيم النزعة الوحشية.

ولعله اقترب من توصيفهم درجةً تعبّر عن قناعاتهم التي صدروا عنها، بما يرفعونه من قيم خالدة، فضلاً عن استعدادهم المتواصل في النضال لأجل تثبيت تلك المبادئ؛ فلذا يكونوا أقرب إلى عالم المعنى من عالم المادة، فهم بهذا التوصيف "يسعون إلى مسرّتهم في ممارسة فنّ ما أو علمٍ ما أو تأمّل ميتافيزيقي، باختصار في امتلاك مزايا غير مادية، ولهذا السبب يقولون بطريقةٍ محددة: "مملكتي ليست من هذا العالم".

إنّ رؤية (بيندا) للمثقف تعكس شجبه لمن اتّخذ ثقافته برجًا عاجيًا ينعزل بسببها عن الناس، فالمثقف الحقيقي حين يحركه شعورٌ صادقٌ بالمسؤولية إزاء مجتمعه، فضلاً عن استشعاره النفسي المنبثق عن فطرة سليمة تملي عليه وجوب الانصياع إلى المبادئ النزيهة للعدالة، وفي مقابل ذلك ينبع شعوره الداخلي بشجب الفساد والدفاع عن الذين يقع عليهم طائلته، حتى وإن تحدّوا السلطة غير الشرعية الجائرة عن العدل، يكون المثقف في أفضل حالاته، وهنا يستشهد بيندا ببعض الذين تركوا مواقف عبّرت عن عمق ثقافتهم المتزامنة مع التزامهم المبادئ الصحيحة من دون خشية أن يطالهم الموت، فيقول: "كيف شجب فنيلون وماسيلون حروبًا محددة للويس الرابع عشر؟  كيف أدان فولتير دمار البلاطينيين؟ كيف استنكر رينان أعمال نابليون العنيفة؟ وكيف شجب بكلي تعصب انكلترا اتجاه الثورة الفرنسية؟ وفي زمننا كيف أدان نيتشه ممارسات ألمانيا الوحشية ضد فرنسا".

إنّ رسالة المثقف التي أعلنها (بيندا) شعارًا لابُدّ للمثقف الحقيقي من الالتزام به، هو الثبات على الموقف والتضحية في سبيل ذلك الثبات حتى وإن أودت بهم التضحية إلى الحرق أو النبذ أو الصلب، فهم "شخصيات بارزة رمزية موسومة بنأيها الثابت عن الاهتمامات العملية. [...] يجب أن يكونوا أفرادًا مدققين وذوي شخصيات قوية، وفوق كل شيء، يجب أنْ يكونوا في حالة تضاد مع الوضع القائم على نحو شبه دائم؛ لهذه الأسباب جميعًا".

وقد تساءل إدوارد سعيد عن كيفية حصول هؤلاء الرجال على الحقيقة، فهل كانت بصيرتهم النافذة إلى المبادئ الخالدة مجرد أوهام شخصية كالتي عند دونكيشوت..؟ إلا أنّه لا يختلف معه في أنّ الصورة الحقيقة التي أرادها "بيندا" للمثقف تبقى صورةً جذابة وتفرض نفسها بقوة حتى وإن أظهرته كائنًا منبوذًا إلا أنه قادر على قول الحقيقة للسلطة، وشجاع على نحو خيالي، حيث لا توجد سلطة دنيوية كبيرة ومهيبة جدا لا يمكن أن ينتقدها ويوبّخها بحدة.

***

د. وسام حسين العبيدي

بعضُ الأصوات لا تُمحى ولا تتلاشى وسط ضجيج الحياة، ذلك لكونها تأـخذُك أبعد مما أنت فيه. أصوات تفتح صفحةً جديدةً من الذاكرة، أي تُجدد عدم قدرتنا على النسيان. ربما تمثل وسيطاً مدهشاً بين" الجمال والقُوة والرَهَافة ". إذْ ينصهر الايقاع الثلاثي في بوتقة الفكر والمعنى، لأنّ هناك أصواتاً تتشارك معك فيما تفكر فيه وأخرى تحضُك على التنقيب فيما لا تراه. صوت فيروز مُعلّق في هذا الجدار العازل المُسمى بالامتناع على المحو. والأصوات داخل مسارٍ كهذا تقف ضد الطابع المؤقت للأشياء، تتوحد بمعايير معانِدة لمُرور الزمن، هي على موعد مع التأجيل، على موعد مع البقاء.

فيروز قنينةُ عطرٍ تعبقُ بروائح جمالية فوّاحة. تبدو كعلامةٍ ابداعٍ مميز دون شيء آخر، فهي أحد مصادر "الثقافة الوجدانية" بحكم أنَّ الغناء سجلٌّ آخر لتاريخ البشر. ثمة رهطٌ من الفنانين- وهم الأغلب- يكتسبون الشهرة من ألقابٍ مجاورةٍ لأسمائهم ماعدا فيروز. ولو اكتفينا بصوتها في وقتٍ ما (يوم- أسبوع- شهر)، فلربما لا يتطلع المتلقي إلى أكثر من ذلك. الاكتفاء في مجالات الفن لا يعني التشبُع، ولكنه لون من طلب المزيد. اليوم يصبحُ أياماً، الأسبوع يمتدُ أسابيع، الشهر يغدو شُهوراً. بل قد تتفتح الأزمنة مع الأنغام الموسيقية وتتواصل حركة التفكير، لأنّ صوت فيروز يمثل دعوة للتأمل والنظر تجاه العالم. ويكشف لنا أشياء كنا نألفها يوماً ما، ولكننا سندركها لأول مرةٍ كما لو لم نعرفها من قبل!!

أصداء الصوت

تتميز أغاني فيروز بتردد الأصداء على خلفية صوتها المختلف. نسيج الصوت ذاته غير قابل لأنْ يُقاس على غيره، لأنّه فائض بالمعاني الناجمة عن حياة الإنسان وعلاقاته الوجودية. أجل .. ثمة أصوات بلا معنى حين ينعدم الاختلاف. لكن الصوت الفيروزي تراثي بالضرورة، ليس موجوداَ بالمصادفة. إنه مثقل بأشياءٍ حدثت منذ فترة ويُعاد قولها بصورة مكثفة ومؤرشفة. صوت يكتب الأشياء، ينحت الدلالات لا يرفع نبراته فقط. نغمٌ معبر عن شكل من أشكال الزمن كأنّه آتٍ منذ عصورٍ بعيدةٍ.  كأنّ فيروز ليست ابنةَ القرن العشرين ولا هي السيدة التي نعرفها كهيئة إنسانية على قدر ما نراها، لكنها حضرت إلينا من مقتبل التاريخ. يعبر صوتُها عن ألوان من المشاعر المتراكمة والتي لا تحضُر من تلقاء نفسها.

اتصالاً بفكرة الظاهرة، ربما ليست فيروز مطربةً بصيغة الافراد. لأنّها لا تُغني وفقاً لرغبات داخل جدران الفرد حصراً. ولا تشدو بصوتها لاشباع الاحاسيس المحدودة، إنّما تدفعك إلى البحث عن أصالةٍ ما في المكان والزمان والحياة. تبدو لك عالماً خاصاً من الأنغام والجُمل الموسيقية والايقاع والأنات .. الواحدة تلو الأخرى. إذْ ذاك تتكون جماليات الموسيقى، وتنتشل المستمع من واقعٍ مَا غير مُحتملٍّ إلى احتمال أي واقع آخر. مهمة الفن هي أن تحتمل عن طريقه وطأة الأشياء والعالم الذي مللنا مقابلته، وتوسع قدرتنا على الاستيعاب والشعور بالبراح. كلُّ موسيقي حقيقة ترسم فضاءً من رصيد الاحتمال، وفوق ذلك تبقى الموسيقى في الخلفية كأنَّها معزُوفة لتلبية احتياجنا إليها دون سواها. هي طريق ممتد لسبر أغوار ما لم يُكتشف بعد وقد مرّت بتواريخ وحيوات شتى.

الطابع الشخصي لدي صوت فيروز ذو أطياف كونية على أقل تقدير. تكاد دلالة الايقاع بجانب الكلمات تلامس لغزاً من ألغاز الطبيعة، تطرُق بُعداً مجهولاً من أبعاد الحياة التي عايشناها مع آخرين. تستدعي دلالة الصوت ما يقول: صوت فيروز هو نسمات الصباح، صوت فيروز هو هديل المساء، صوت فيروز هو طيف الغروب، صوت فيروز هو نجمات الليل. ومرات تالية: صوت فيروز هو أشكال التجلي والتفتح: أغاني الربيع، أشجان الخريف، هدير الشتاء، اجواء الصيف. ومرات أخرى: صوت فيروز هو جداول المياه، هو أنفاس المروج، هو مهابة الجبال وروائح الوديان. صوت هو عواصف السفوح ورزاز البحر، صوت هو إيماءات السحب وزخات المطر. وثقافياً، صوت فيروز هو صوت الذكريات الحميمة والبيوت العتيقة والممرات الأثرية وزوايا العلاقات الحميمة وجماليات المكان وزوايا الحنين وضيعات الحب والأمل. حيث تتضافر (المشاعر– العواطف) في جمل موسيقية مصحوبة بالأنات العذبة.

بجانب هذا، تختلف الحالة الفيروزية من أغنيةٍ إلى أخرى.أقصد خاصية التنوع الثري في الأغاني من موضوعات إلى سواها. لأنَّ كل اغنية صحيح هي بصوت فيروز نفسها، بيد أنَّها تفتح باباً أمام حالات من المعاني. إنَّ الشعور بالجميل يندمجُ مع الشعور بالجليل. كلاهما يصنع فضاءً ساحراً من الشجن الداعي لتقريب الرؤى والأفكار. ليست المفردات والجُمل الموسيقية مواداً ملموسة هي ما تشكل آفاق المعنى الموسيقي. ولكن هناك رموزاً أخرى بين الطبيعة البكر وحالة من التناغم الوجودي/ الإنساني معاً. وتلك طاقات الصوت القادرة على استحضار المعاني مثلما لم تأتِ سلفاً.

النغم يفكر

ربما- للمرة الأولى- في تاريخ الغناء يُكوّن صوت المطرب الفرد ظاهرةً مركبةً. لأنَّ الظواهر عادةً-أية ظاهرة بحكم التعريف- قد تأتي بشكل جمعي في مجتمعاتنا الإنسانية. لكن أنْ يكون الصوت هكذا: بصيغة الجمع، فذلك أمرٌ يدعونا إلى التقصي والتعجب في الوقت نفسه. رُبَّ صوت لفيروز لا يدع فرصة لمركزية التفكير والاحساس بالعالم. إنه يشتت استحواذك، يفك حصارك الذاتي لصالح تنوع النغم أينما وُجد. كذلك لا تترك فيروز المستمع ينجذبُ إلى قطب عاطفي أحادي، هي تدفعك لالتقاط الجمال الآتي من أي مكان، أي تضعك في مساحة حرة لألتقاط النغم الخارج من اللامكان.

إذا كان النغم أصيلاً وممتعاً، فإنه يأتي مؤتلفاً من تردد أصواتٍ لا صوت مفرد، يتحقق التردد بانصهار المشاعر والحواس والأفكار في بوتقة واحدةٍ. السمات العامة لصوت فيروز ومحتوى الاغاني تعطيها مستويات من التميز. مستويات لا تُكتشف دفعةً تامة ولا بشكل مباشر. صوت فيروز صوت متدرج الأبعاد، متدرج الطباق، متدرج النغمات، لا يعطيك أسراره من أول وهلة. الأساس أنه يأخذ عواطفك تدريجياً في رحلة بلا توقف. وفي كل ذلك، يناشد في المتلقي إثارة الخيال والإحساس. داخل الصوت الفيروزي لا فاصل بين الخيال والحس. الحس يتخيل والخيال يتجسد رامياً إلى آفاقه المميزة. أنه يشدو كلماته بخلفية فلسفية لا تخطئها العقول.

في أغنية (اعطني الناى وغنّ) على سبيل التوضيح، تنصهر كلمات جبران خليل جبران مع صوت فيروز تعبيراً عن معاني الوجود في درجاته القصوى. "القول والنغم والصوت" علامات دالة بفحوى الحالة الموسيقية. ليس الناي أداةً، ولكنه كلمات موسيقية. وليس الصوت مساحة من الهواء الخارج لتوّه من حنجرة فيروز. وليس النغم خلفية ثابته، لأنَّ كل ذلك هو سيرورة حضور الوجود بالفعل. إننا لا نتمكن من معاينة الوجود في إيقاعه الكوني على ما يبدو. ولكن الأغنية تستحضره، ترسمه، تدخلنا وجوداً نحن نتتظره ونترقبه في اللحظة والتو.

كلمات الاغنية مقتبسة من أبيات جبران في (قصيدة المواكب). والاقتباس ذاهب مباشرةً إلى العلاقة بين أداة الغناء والصوت والوجود. وهي مفردات تضع الصوت موضعَ السر الرابط بين الإنسان والوجود. وكأنَّ فيروز هي منْ تقوم بهذه المهمة، لعلَّ دلالات الاغنية تسري مع امتداد الصوت كإشارة إلى أن الاغنية تواصل المعنى الموجود من بعيدٍ حتى الآن. إنَّ خط الزمن هو خط الصوت، الاثنان يتهاديان داخل بعضهما البعض وقد عبّرت فيروز عنهما بأدق تعبير على نحو هاديء وقوي في الوقت نفسه.

خلال البُرهة التي تُردد فيروز عبرها كلمة (اعطني)، يتحول الصوت إلى نغم كأنه خارج من الناي. هذا الشدو الرزين. تحاول الكلمات رتق المسافات بين المعاني لتعطي المستمع قدرةَ استحضار الوجود. لأنَّ الوجود ليس شيئاً مادياً، إنه عملية معقدة كامنة في آلية الاستحضار. والاستحضار عمل إنساني لتجسيد المعاني والأفكار والعواطف كأنَّها معطاة لنا وجهاً لوجه.

أعطني الناي وغنِّ .. فالغناء سر الوجود ..

وأنين الناي يبقى.. بعد أن يفنى الوجود ..

العطاء هو الأساس بالنسبة للإنسانية وإزاء الوجود جنباً إلى جنبٍ. فالغناء يعطي المستمع نفسه في الوقت الذي يعطينا الوجود أسراره. الغناء بما هو قيمة ضافية معطى بلا مقابل. ويتميز بدلالة الهبة التي لا ترد. أن تغني- بإطاره العام- يعني أنك ستهب الآخرين شيئاً ذا قيمة. ولذلك نحن لا نبالي بالمقابل حين نغني ولا حين نسمع الغناء. إن إثارة الذائقة هي المغزى من وراء النغم. أنْ تتذوق هو ما يعطيك رشفة متفردة من الأنغام الساحرة.

الأمر نفسه إزاء الوجود، فالوجود هو المعطى للبشر كهبةٍ. يقول محي الدين بن عربي: "لو لا الجُود ما كان الوجود". لأن الأخير يوجد هكذا بلا مقابل من الله. حتى أن مارتن هيدجر قال إنه ليس على الانسان التساؤل حول مصدر الوجود، لكن ينبغي رعايته وحسب. والرعاية هي اشعال عواطف البشر واهتمامهم تجاه المسمى بالوجود. أي السهر على الوجود حين يأتي وحين يروح طي الزمن. ولذلك أثار مارتن هيدجر سؤال (نسيان الوجود) لا التساؤل حول سبب وجوده. لأنَّ سؤال السبب سؤال لاهوتي، بينما نحن البشر نريد سؤالاً إنسانياً.

الوجود والخلود

لنرى الآن: كيف يحتفي صوت فيروز بالوجود والخلود، إذ يقرنهما بالغناء. وبخاصة أن الغناء هو النغم المعبر عن سر الوجود في هذا السياق. ذلك أن الكلمة هي أساس الموجودات بلغة المسيحية (في البدء كان الكلمة). والأغنية مثل قصيدة جبران خليل جبران مكتوبة بلغة صوفية تكاد تشف المعاني كأنها قوارير من أنوار.

اعطني النايَ وغنِّ .. فالغناء سر الخلود ..

وأنين الناي يبقى .. بعد أن يفنى الوجود ..

إنّ تكرار الشطر الشعري يُؤكد الوجود كعطاء إذْ يبرهن عليه الغناء الذي هو سر الخلود بعد ما كان سرَ الوجود. وصوت الناي سيبقى، بحكم كونه أصلاً في المسألة، حتى أنَّ الأنين يظل سارياً بينما يتلاشي ما دونه. ورغم أنّ وجوداً ما سيفنى إلاّ أنّ آثاره الصوتية تظل باقيةً. تبرز فيروز هذا المعنى مع إطلاق الكلمات ومواصلة الغناء.

هاهنا يواصل السر حضوره، لأنَّ الوجود يفني في ذاته مقارنةً بالغناء. وأنين الصوت يجري بهذا المعنى، لكونه صوتاً خالداً أشبه بالصوت المقدس هو الآخر تحت ظلال الفكرة الدينية. ورغم أنَّ الأنين لا تُوجد له- في العادة- معالم شكلية، إلاَّ أنه يُشعرك بحضور شيء ما لم يكن واضحاً. أي أن الأنين يستحضر وجوداً لا يتحقق مباشرة. والدليل كونه وجوداً فانياً في مغزاه النهائي. خلال المقطع الأول كان الغناء سراً للوجود، ثم سرعان ما كان انين الناي هو الأبد، أي سر الخلود.

هل إتخذتَ الغابَ مثلي.. منزلاً دونَ القصور ..

فتتبّعتَ السواقي.. و تسلّقتَ الصخور؟ ..

يجوب صوت فيروز كرحالةٍ جوانب الحياة بإختلاف أنماطها الطبيعية. كما لو كان الصوت هو الرحلة واسعة الآفاق. يأخذك الى حيث يريد حقيقةً لا مجازاً. الصدق الفني يكلل النبر بما تقوله الأغنية ساعياً إلى المشاعر قبل الآذان. وتلجأ الكلمات إلى الاستفهام الذي يرشق عقل المستمع في حاشية موضوعه. فالغاب هو المكان البكر بكارة الوجود، والاحساس النغمي لفيروز ينضو عن مستمعيه كل تراكمات الزمن وطباق الحداثة التي زجت بنا في منازل مصطنعة ومدن بلا قلب بعبارة الشاعر المصري احمد عبد المعطي حجازي. لعلّ اخطر ما فعلته حياتنا المعاصرة هو حجب الوجود كما هو. حجب جذور الحياة الطبيعية التي أتينا منها وإليها.

كأنّ الصوت يتجول بالفعل بين أجمات الأشجار في الغابات. ويُقلّب الإنسان الاغصان والأوراق ويلامس طين الأرض بباطن قدميه. هذا الاحساس الأولي السابق للتاريخ يقع مع الصوت كأنه يحدث مراراً. ونكاد نرى محاولات الإنسان لتسلق الصخور وقمم الجبال مع وعورة المنحدرات والوديان.

هل تحمّمتَ بعطرٍ .. و تنشّفتَ بنور ..

وشرِبتَ الفجر خمراً .. في كؤوسٍ من أثير؟ ..

العطر هو عطر أطياف الوجود ولا شيء آخر. مجرد أن تلامس الأرض فقد تعطرت بأنفاس الطبيعة. حيث الروائح الحيّة والنور الطبيعي الذي يغطي وجه الحياة في أي مكان. التحمم بالعطر هو الانغمار بروائح وعبق الأشياء. وشرب الفجر بمثابة العيش المدهش. فالفجر رمز الباكورة والنقاء والحقيقة ونضارة الطبيعة. إنه يُسكر من يعيشة بنسمات الصباح والإحساس الخالص بكون الزمن لم يتلوث بعد. وفي الفجر تتنفس الطبيعة بكل ما هو حي كما جاء بالقرآن الكريم (.. والصبحِ إذا تنّفس). فمع الصباح تصطخب الكائنات وتتحرك بحثاً عن التفتح.

أعطني الناي وغنّ.. فالغناء خير صلاة ..

وأنين الناي يبقى.. بعد أن تفنى الحياة ..

باستمرار تؤكد فيروز ضرورة طلب الغناء وسماع الناي. فالغناء يبدو نوعاً آخر من الابتهال والخشوع مثلما تعبر الكلمات. وهي الفكرة التي ربطت التراتيل بالمقدس كما جاء في الثقافة المسيحية، حيث الجوقة والموسيقي مع بعض الصلوات والطقوس. في تاريخ بعض الأديان، يعد الرتم من ترتيبات الصلاة، إنه الأداء المُنغم الذي يتيح الانسجام والتوافق. الأمر الذي لا يفصل الغناء عن ممارسة بعض العبادات والطقوس. وهنا تبلغ فيروز قدرتها الفنية على خلق حالة من الشجن مع تواصل الغناء.

هل جلستَ العصر مثلي .. بين جفنات العنب ..

والعناقيد تدلّت .. كثريّات الذهب ..

يأخذك الصوت إلى عرض جوانب المشهد. هناك الجلوس وقت العصر بين جفنات العنب. والعنب مادة أولية لصناعة الخمر الذي كان فجراً. وارتباطاً بالوجود، يصبح الفجر رمزاً إلى الصفاء والتحرر. لأنَّ جلوساً في مثل هذا الزمن وتلك النباتات أمر كأنه الجنة، حيث يستمتع الناس بكل ما لذّ وطاب. وتقصد كلمات الأغنية مخاطبتك بضمير المفرد، حتى تتجسد حالة المتعة الكاملة دون منغصات. وهي كشف متواصل لعناصر البهجة والأريحية التي قد نشعر بها غناءً ووجوداً.

هل فرشت العُشبَ ليلاً .. وتلحّفتَ الفضاء ..

زاهداً في ما سيأتي .. ناسياً ما قد مضى؟ ..

في هذا السياق، لا مجال للإنسان سوى افتراش الأرض والتحاف السماء. وجه الأرض يعلوه العشب الأخضر المعبر عن ملمس خاص، حيث رائحة النباتات والأعشاب. والأهم أن ذلك الاحساس يولد لدى البشر نزعة الزهد فيما هو آتٍ، فعلى البشر ألّا يعبأوا بالتكالب على المغانم والمكاسب. لأن ذلك سلوك غير طبيعي من جهة تعكير صفو العيش في هدوء وسلام. كما أنَّ المنافسة على المصالح يحرم البشر من الاحساس بالوجود، الحد الأصلي للعيش في أحضان الطبيعة. أنْ تكون إنساناً هو أنْ تحيا على سجيتك، أنْ تكون طليقاً كالأعشاب البرية لا تحمل ضغينة لأحد ولا تزاحم الكائنات.

حدود الفناء والبقاء

أعطني الناي وغنِّ .. فالغنا عدل القلوب ..

وأنينُ الناي يبقى .. بعد أن تفنى الذنوب ..

يعبر المقطع عن حالة "الانسجام الداخلي" عندما يغني الإنسان. فلم تقل الكلمات إنّ الغناء هو راحة القلوب، ولم تقُل إنّ الغناء بمثابة سكون النفس، ولكنها قالت الغناء "عدل القلوب". والعدل هو الحالة التي يتحقق فيها التوازن الموضوعي رغم المنغصات، إنه حق الحياة بملء المعنى. فالعدل يُوجد بطبيعة الحال في الأشياء والكائنات، لأنَّ هناك ظلماً من طرفٍ ما. والظلم بالقلوب ظلمات، أي تراكم أثقال ينوء بها الإنسان. وقد يكون الإنسان ظالماً لنفسه. بيد أنه حينما يُغني، تنقشع الظلمات ليعود التوازن العادل للقلب، أي يبدو العدل أقرب حالاً يمكننا تحقيقه من هذا الجانب البعيد.

الذنوب قد تزُول نتيجة الرحمة من جانب الإله الخالق، بل ستفنى الخطايا كما يعبر المقطعُ صراحةً. ولكن تقول كلمات جبران إنه لن يستمر هناك شيءٌ إلاّ ّصوت الناي، أي أن الغناء الأصيل هو ما يدعو لتجاوز الذنوب. عكس الفكرة الشائعة بأن الموسيقى هي مزامير الشيطان. فالنظرة الوجودية العميقة توضح كون الناي صوتاً للغفران، نظراً لأنه صوت ينشد الخلاص. بل هي صوت للتداوي من الأسقام. وهو أمر موجود عند الصوفية كذلك. إن الغناء صوت الحقيقة بهذه الدلالة الفيروزية. ومع انسحاب صوت فيروز من المشهد واتساعه وتردد أصدائه البعيدة في الأفق، يشعر المستمع بأنَّ كل شيء قد انتهي، حيث سكون الوجود. الوجود هو الصمت، هو السر المُلغز الذي لم يُستجل غموضه بعد.

أعطني الناي وغنِّ .. وانسَ داءً ودواءً..

إنما الناس سطورٌ.. كُتِبت لكن بماء..

يكمُن السر في هذا النسيان حتى بالنسبة للدواء. قد يعطيك صوت الغناء فرصة لتنسى ما كان. إنه نقطة التلاشي والعبور نحو الآتي. ولكن لا أحد يدرك ذلك، لا أحد يدرك حقيقة ذاته. فالناس ليسوا كائنات خالدة حتى يراكموا وجودهم على ناصية الخلود، ولا هم خارج الزمان كي يناطحوا الوجود رأساً برأس. الناس مسكونون بالفناء، إنَّهم حروف الفناء ذاته. هم مجرد سطور هائمة كتبت بماء. وحتى السطور لم تكن سطوراً بارزةً ولا منحوته من صخور، لكنها خطوطٌ من ماء يذوب في بحر الوجود. والغناء هو الذي ينتشل الناس من الفناء، لأنّه باق بقاء الصوت بعد ما يتلاشى كلُّ شيء.

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

 

(اسكن بيتي الخاص

لم احاكِ أحد في شيء ابداً

وأسخر من كل معلم

لم يسخر من نفسه)

نيتشه

بعد سنوات من رحيله – توفي في الخامس والعشرين من آب عام 1900- ستصبح صورة نيتشه بوجهه الحائر وشاربه الكث ونظرته المجهدة، هي الملصق الذي يعلقه الكتاب الطليعيون في العالم، وتحول الى الفيلسوف الذي يرغب الجميع بالانتماء لمدرسته، والشخصية الخارقة التي تثير شغف الشباب، وتذكر الفلاسفة والطلاب والادباء ابن " فرانشيسكا أولر"، المراة التي حاولت ان تجعل من ابنها نسخة منها، وستبلغ شهرته الحد الذي تجعل منه فيلسوفا مطابقا لذوق العصر، تُدرس كتبه في معظم الجامعات، وتجد فلسفته مكانا لها في اعمال ألبير كامو، وآندريه جيد، ود. هـ. لورانس، وجاك لندن، وتوماس مان، ويوكيو ميشيما، ويوجين أونيل،، وجورج برنارد شو، وهايدغر وسارتر وفرويد وجاك ديريدا وميشيل فوكو وجيل دولوز.

ظهر " نیتشه " في نهاية حقبة بارزة جعلت ازمات الانسان الداخلية والخارجية تشهد على الإفلاس التدريجي لتقاليد الانسانية. كان واحدا من هؤلاء الذين رفضوا الخديعة، وبينما بدا وجه من أوجه تفكيره اشبه بالنبؤة، جاء الوجه الآخر صلبا، مليئا بالتشاؤم. وقد أعطت افكاره على مدى اكثر من مئة عام تشخيصا وتحليلا من أشد ما عرف عصرنا قسوة وكشفا للحقائق، وهو من ناحية أخرى، كان يسعى الى فلسفة حية، تعاش، فلسفة يمكن أن تؤثر في وجودنا تأثيرا فعليا.

يقول زراداشت لرفاقه: " إنني وحدي أذهب يا رفاقي!وانتم وحدكم أذهبوا ! أنا أريد ذلك. في الحقيقة أعطيكم هذه النصيحة: ابتعدوا عني كثيراً، واعتقوا أنفسكم مني ! والخير لكم أن تخجلوا مني.. أنتم تقولون أنكم مؤمنون بي، ولكن ماذا يهمني أيمانكم يا من آمنتم بي، بل ماذا يهمني كل المؤمنين ! أنتم لم تبحثوا بعد عن أنفسكم، ولذلك وجدتموني، هكذا يقول المؤمنون كلهم. ولهذا أرى أن كل ايمان هو شيء ضئيل حقير. والآن، آمركم أن تفقدوني لتجدوا أنفسكم." – هكذا تكلم زرادشت ترجمة علي مصباح -

غالبا ما يعتبر نيتشه احد الأباء الروحيين للفلسفة الوجودية الحديثة التي ظهرت في القرن العشرين، ويكتب عبد الرحمن بدوي ان تاثير نيتشه على سارتر وهيدغر وكامو ربما يفوق تاثير كيركغارد.

عندما توفي سورين كيركغارد عام 1855، كان نيتشه في الحادية عشرة من عمره، لم يسمع به ولم يقرأ له، ولم يكن من الممكن أن يلتقيا أبدا. لكن بحلول نهاية حياة نيتشه، أصبح كيركيغارد معروفا في ألمانيا. في عام 1888، قبل عام من هجوم الجنون على نيتشه، اثار المفكر الدنماركي جورج براندس انتباه نيتشه إلى كتابات كيركيغارد، وكتب في رسالة بعثها في الحادي عشر من كانون الثاني عام 1888: " هناك كاتب من بلدان الشمال الأوروبي، قد يثير اهتمامك عمله، إذا تمت ترجمته فقط، سورين كيركيغارد، عاش في الفترة من 1813 إلى 1855 وهو، في رأيي، أحد أعمق علماء النفس الموجودين ".- الوجودية توماس آر فلين ترجمة مروة عبد السلام -، وقد رد نيتشه على رسالة براندس قائلاً: " خلال رحلتي القادمة إلى ألمانيا، أخطط لدراسة المشكلة النفسية لكيركغارد. سيكون هذا، بالمعنى الأفضل للكلمة، مفيدا بالنسبة لي ". لكن كان الأوان قد فات على نيتشه حيث أصيب بالجنون بعد فترة وجيزة. انتهت حياة كيركغارد بعد ان انهار في الشارع وتوفي بعد فترة وجيزة، رافضا ان يقف قس على جنازته، وطلب فقط أن يتذكره جميع الأشخاص الذين أحبهم والذين لم يتمكنوا أبدا من فهم معاناته. وايضا انهار نيتشه في الشارع بعد رؤيته لسائس يجلد حصانا، حيث اتجه نحو الحصان واخذ يحضنه وهو يصرخ.

في كثير من الأحيان، يتشابه كيركغارد ونيتشه، في نظرتهما الى التدهور الأخلاقي الذي اصاب المجتمع وفساد الكنيسة، وفي توجههم الوجودي وفي اهتماماتهم النفسية، لكنهم اختلفوا في خيبة امل نيتشة الكاملة في الدين واعلانه موت الإله، وفي إيمان كيركغارد المستمر بوجود الله، إلا ان نيتشه وكيركغارد يشتركان في فهمهما للفلسفة باعتبارها " اكتشاف متصل ودؤوب للذات " ولهذا كانت افكارهما انعكاسا تاما لحياة كل منهما، وقد استطاع نيتشه ان يحقق هذه الميزة بدرجة اكبر من كل الفلاسفة الذين اعتنقوا الوجودية، فكان يقول " لقد سطرت كتبي بدمائي ". وكما كانت مؤلفات كيركغارد صدى للمراحل والازمات التي مر بها، كذلك كانت فلسفة نيتشه تمثل حياته بشكل صادق، وبدت اشبه بترجمة لمأساته الذاتية، وقد اصبح ارتباط الفلسفة بحياة الفيلسوف، ضرورة لازمة للفكر الوجودي، كان نيتشه يسخر من المفكر الخالص او المجرد الذي يدعي بانه بمنأى عن مقتضيات الوجود الفردي. سار الكثير من الفلاسفة الوجوديون على منهج نيتشه، حيث اصبحت الفلسفة عندهم قائمة على التجربة الذاتية قبل كل شيء.

لا يوجد هدف أبدي ولا يوجد معنى أو مغزى مطلق للوجود البشري، هكذا يكتب كامو في مقدمة اسطورة سيزيف وهو يقتبس هذه العبارات من هكذا تكلم زرادشت لنيتشه. يصر نيتشه على ان ما نصادفه في الحياة مجرد تفاهة، اطلق عليها تعبير تفاهة اللامعنى. لايوجد إله وبما انه لايوجد إله لايوجد معنى مطلق للحياة البشرية، أن أرادتنا وقدرتنا على اتخاذ القرارات هي التي تميز البشر عن باقي المخلوقات وان انحطاط الأنسان العصري يظهر في كونه جبانا يفتقر الى فضيلة الشجاعة. ووفق نيتشه ان الأنسان، ليس خاضعا لقيم او أعراف أو قوانين آخر لكنه يملك الشجاعة ليخلق قيمه الخاصة وليعيش وفق قواعده الخاصة.

في كتابه فلسفة نيتشه – ترجمه الياس بديوي - يؤكد اوين فنك ان نيتشه هو المفكر الذي قال " لا " لتاريخ الحضارة الاوربية، ان نيتشه ينتقد كل ثقافة الماضي، ويجعلها موضع تساؤل.

كان كارل ياسبرز أول فيلسوف وجودي يتحدث عن كيركغارد ونيتشه كثنائي فلسفي وعلى الرغم من آرائهما المتناقضة حول وجود الله، اعتبر ياسبرز أن كيركغارد ونيتشه هما أهم مفكرَين في القرن التاسع عشر بعد هيغل، والمفكران اللذان مهدت أعمالهما بشكل فعال للفكر الأوروبي في القرن العشرين. في رأي ياسبرز، سعى الرجلان إلى قيم الصدق والالتزام و" الحقيقة الأصلية"، متجاوزَين حدود القدرة الجسدية والنفسية على الاحتمال. كانا بالفعل استثناءين، " ومثل سقراط، عاشا وعانيا بسبب صدق تعاليمهما، وكانت حياتهما أشبه بما وصفه ياسبرز ﺑ " حطام سفينة"، ويختتم ياسبرز بمقولة نيتشه: " اجل اني لا اعلم من أنا، ومن أين نشات، أنا كاللهب، احترق وبكل نفسي. نور كل ما أمسكه، ورماد كل ما أتركه. اجل اني لهيب حقا ".

لعل كتاب (هكذا تكلم زرادشت) يعد من اكبر الكتب اثارة للجدل، حاول نيتشه ان يقدمه الى المطبعة بجزءين، وقد تأخر صدور الجزء الاول بسبب انشغال المطبعة بطبع نسخ من التراتيل الدينية، وعندما ارسل الجزء الثاني الى الطبع رفض صاحب المطبعة، طباعته بدعوى انه كتاب فاشل، وكان كلام الناشر صحيحاً، فلم يبع من الجزء الاول سوى اربعين نسخة، حيث استقبل الكتاب ببرود قاتل من قبل المهتمين بالفلسفة، فلم يرحب به احد بل حتى زملائه السابقين في الجامعة اعتبروا الكتاب فاشلاً لأنه يريد ان يقتل جميع الأديان والآلهة: "لأنني عشت جميع الأخطار، فسأدفنكم بيدي انا، لقد ماتت الآلهة القديمة منذ زمن بعيد، ولقد كانت نهايتها حسنة وفرحة". ويذهب نيتشه ابعد من ذلك حين يعلن " ان الضعفاء والعجزة يجب ان يفنوا، هذا أول مبدأ من مبادئ حبنا للإنسانية "، تلك هي القيم التي بشر بها زرادشت نيتشه فليس الوجود إلا "الحياة"، وليست الحياة إلا "الإرادة"، وليست هذه الإرادة إلا "إرادة القوة". بعد ذلك نسمع زرادشت وهو يقول واعظاً: "عيشوا حياة الأخطار وأقيموا مدنكم الى جانب الأقوياء، وابعثوا بسفنكم الى البحار المجهولة، ثم عيشوا حالة حرب ".

كان عام 1888 وهو آخر السنوات التي تمتع فيها نيتشه بسلامة العقل، عاماً خصبا للغاية، وان كان على نحو اخر متزايد الغرابة، لقد بدأ يكتب ما سيعتبر ا واحدا من اهم كتبه " أفول الاصنام " ثم تركه، فقد وجد نفسه تائهاً، انه دائما على بعد خطوات من المستشفى، كان نيتشه يريد ان يحول نفسه في السنة الاخيرة من حياته الى اسطورة، لكنه يعود الى الكتاب بعد اشهر، كان عنوان الكتاب محاكاة ساخرة لاوبرا فاجنر الشهيرة " أفول الآلهة "، وعلى الرغم من انه انتهى من الكتاب وهو على حافة الانهيار، فان أفول الاصنام احتوى على اطول أغنيات نيتشه واكثرها حماساً التي يوجهها الى غوته، الذي اصبح بالنسبة لنيتشه النموذج الاصلي لـ " الإنسان الاعلى ".في هذا الكتاب يحذرنا نيتشه من الاصنام التي تريد السيطرة علينا.

في عام 1889 تحققت نبوءة نيتشه اذ اصيب بهزة عصبية افقدته صوابه، فقد انهار في ميدان في تورينو، وحمل في قطار الى مصح في المانيا لتعتني به أمه العجوز وشقيقته حتى وفاته بعد أحد عشر عاماً حيث بلغ الخامسة والخمسين. لينتهي عمل فيلسوف كان وسيظل له اثر قوي على حياتنا، فنيتشه من الفلاسفة القلائل الذين عرفوا كيف يوجهوا الانسان الى معرفة نفسه والوقوف ازاءها مجرداً، وكان هذا الفيلسوف يدرك ان الاجيال القادمة ستجعل منه احد انبياء البشرية، فكتب في اوراقه التي عثر عليها بعد موته ان: " كتاباتي هدفها التفكير في الوجود الانساني، ولاشيء غير هذا، لقد كتبت لاولئك الذين يجدون متعة في التفكير وفي أعتلاء الاراضي المرتفعة ".

أدرك نيتشه قوة واهمية ما يكتبه، فقد شبه نفسه بـ" الديناميت " وان كلماته مثل الصواعق. وقد اكدت الحرب العالمية الاولى ان اسم نيتشه سيرتبط بشيء كبير. واخذ الشباب يقرأون نيتشه على انه تجربة غيرت معنى الحياة. يكتب كولن ويلسون ان قوة كلمات نيتشه كانت مستمدة من التاثير الكبير الذي مارسه على تفكيرهم، ويتذكر صاحب اللامنتمي ان تجربة قراءة نيتشه بالنسبة له ولجيله من تيار الوجودية الجديدة الذي ظهر في بريطانيا، لم تكن مجرد ترفيه، بل انها علمته قوة واهمية التمرد، كما انها نمت في نفوسهم الموقف العدمي من الحياة، فقد كان نيتشه يرى ان لا علاج يمكن ان يوقف الانحطاط سوى النزعة العدمية. يقول نيتشه في كتابه " إرادة القوة ": " ان ما ارويه هو تاريخ القرنين الاتيين. انني أروي ما سيأتي وما لا يمكن له أن لا ياتي، وهو مجيء العدمية " يكتب كولن ويلسون ان العدمية ليست غير المنطق الداخلي لهذا الانحطاط الذي يحيط بنا: " عندما قرأت كلمات نيتشه، تبينت الى اي مدى كنت اشبهه في منتصف عقدي الثاني. كان هناك نفس الاحتقار للعالم ".

يكتب نيتشه: " ما الانسان إلا جدول فسد ماؤه وتعفن، ولا يمكن أن يستلم هذا الماء احد ولا يصيبه شيء من فساده وعفونته ما لم يكن محيطا بذاته "

كان نيتشه مؤمنا بان مهمة الفلسفة تعليمنا كيف نصير نحن..وتعلمنا كيف نكتشف اعلى مقدراتنا، وكيف نكون اوفياء لها.

***

علي حسين – رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية

فنجان القهوة هو أكثر من مجرد مشروب...! إنه رمز ثقافي وفلسفي يحمل معانٍ متعددة تعكس العلاقات الإنسانية والتقاليد الاجتماعية إنه رحلة عميقة تجمع بين المظلة الاجتماعية للحوار الفكري، والوعاء الذي يغذي التأمل الفردي.

ثقافة القهوة، هي الأجواء والطقوس الاجتماعية المرتبطة بالقهوة، مثل المقاهي التي كانت وما زالت فضاءات للحوار والنقاش وتبادل الأفكار، أما قهوة الثقافة هي جوهر القهوة نفسه كعنصر محفز للإبداع والتأمل، وكيف أصبحت جزءًا لا يتجزأ من عادات المفكرين والفلاسفة تاريخيًا.

كانت المقاهي بمثابة "جامعات صغيرة" غير رسمية، خاصة في عصر التنوير الأوروبي. هذه الأماكن كانت تكسر الحواجز الاجتماعية، وتسمح للأفراد من طبقات مختلفة بالاجتماع والنقاش في مواضيع الفن، والأدب، والسياسة، والفلسفة بهذا أصبحت المقاهي منصة للديمقراطية الفكرية، حيث تتبلور الأفكار وتُختبر في نقاشات حية ومفتوحة، لم يكن هذا الأمر مقتصرًا على أوروبا، بل امتد الى العالم العربي. كانت المقاهي مكانًا يجتمع فيه الشعراء والعلماء والحكواتيين، مما جعلها مراكز حيوية للثقافة والفكر. إن "ثقافة القهوة" هنا تعني الفعل الاجتماعي للتفكير الجماعي الذي تسهله بيئة المقهى. إنها عن التفكير بصوت عالٍ وتبادل الأفكار في بيئة غير رسمية ومريحة، تشير "قهوة الثقافة" إلى العلاقة الشخصية والداخلية بين القهوة والفرد. لقد ارتبطت القهوة على الدوام بالأشخاص الذين يحتاجون إلى اليقظة والتركيز لإنجاز أعمالهم الإبداعية والفكرية. كان الفيلسوف الدنماركي (سورين كيركغارد) والكاتب الفرنسي (أونوريه دي بلزاك) معروفين باعتمادهما على القهوة لتحفيز كتاباتهم. من منظور فلسفي، يمكن النظر إلى فنجان القهوة كأنه طقس يومي يدعو إلى التأمل والوعي. هو دعوة للتوقف عن الركض وراء "دوامة الحياة" والتركيز على اللحظة الحالية، القهوة هنا ليست مجرد مشروب، بل هي أداة مساعدة للوعي، والتذكير بأن الأفكار العميقة غالبًا ما تولد من لحظات السكون، القهوة رفيق أساسي في رحلة الفكر والإبداع، لونها ورمزيتها وتأثيرها النفسي على العقل.

دلالات القهوة الرمزية: اللون، البخار، والرائحة

لون القهوة ليس مجرد لون، بل هو رمز بصري يحمل في طياته معانٍ فلسفية متعددة، اللون البني يرتبط بالأرض، الاستقرار، والأصالة. هذا الارتباط يمنح شارب القهوة شعورًا بالثبات والهدوء، ما يجعله في بيئة ذهنية مثالية للتأمل والتفكير العميق. القهوة ليست مشروبًا فقط ،بل جسر بين الإنسان والأرض، تذكره بأصوله وتساعده على التركيز عميقا وبعيدًا عن صخب الحياة، اللون الداكن للقهوة يوحي بالعمق والجدية، هذا العمق البصري يوازى عمق الأفكار التي تسعى الفلسفة لاكتشافها، إنه لون متطلب ما يجعله رمزًا مناسبًا للفعل الفلسفي نفسه، لون القهوة يُعرف بقدرته على تحفيز العقل واليقظة، اللون الداكن يرمز للقوة والصلابة، ويعزز الشعور بالتركيز الذهني المطلوب ، تكمن أهمية القهوة للفلسفة في كونها جزءًا من طقس التفكير، وليس مجرد مادة، هي في الحقيقة ليست ضرورية للفلسفة نفسها، ولكن وجودها يضفي عليها قيمة إضافية، بخار القهوة هو ظاهرة مؤقتة وعابرة، يتجسد لفترة قصيرة ثم يتلاشى في الهواء، هذه الطبيعة العابرة تذكرنا بوجودنا نحن كبشر، وجودنا على هذه الأرض مؤقت، وحياتنا ما هي إلا ومضة  بين عدمين. عندما نصنع القهوة، يكون البخار المتصاعد بمثابة عالمنا الصغير،  هذه اللحظة من الانفصال عن العالم الخارجي تسمح لنا بالتركيز على ذواتنا، هذا التركيز على الذات هو جوهر الفلسفة التي تدعو إلى فهم الذات الحقيقية بعيدًا عن التأثيرات الخارجية ،رائحة القهوة لها قدرة فريدة على إثارة الذكريات، هي ليست مجرد رائحة، بل رحلة عبر الزمن إلى لحظات مرت بسلاسة العذاب، هذه القدرة على إعادة إحياء الماضي تُعمّق الإحساس بـالزمن والوجود، لكن الرائحة القوية للقهوة تربطنا بشكل مباشر بـاللحظة الحالية، تفرض نفسها على حواسنا، وتجبرنا على أن نكون حاضرين بالكامل في هذه اللحظة،  بخار القهوة ورائحتها ليسا مجرد تفاصيل، بل هما رموز حسية للعديد من الأفكار، الوجود العابر، الوعي بالذات، العلاقة بالزمن، وأهمية اللحظة الحاضرة. اللون والرائحة يساهمان في تحويل شرب القهوة من فعل يومي عادي إلى طقس تأملي عميق.

الوجود العابر والوعي بالذات

الأهمية الفلسفية للوجود العابر والوعي بالذات، علاقتهما بالزمن، أهمية اللحظة الحاضرة هي مفاهيم محورية في الفلسفة. هذه المفاهيم تحاول ان تعبر عن الإنسان في كينونته الفردية ووجوده الشخصي، وتجبره على مواجهة حقيقة وجوده في عالم قد يبدو خالياً من المعنى. الوجود العابر هو حقيقة، حياة الإنسان محدودة ومؤقتة. هذه الفكرة ليست دعوة للتشاؤم، بل هي أساس للتأمل في قيمة الحياة. عندما ندرك أن وجودنا مؤقت، فإننا نتحرر من التفاهات ونركز على ما يهم حقًا، مثل بناء حياة ذات معنى. الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر يرى أن الإنسان يمتلك وعيًا يختلف عن وعي الأشياء الجامدة، مما يمنحه الحرية المطلقة، أي أنه يولد دون هدف أو طبيعة محددة، وهو من يصنعها بنفسه من خلال خياراته وأفعاله. هذا الوعي بالذات يمنح الإنسان الحرية المطلقة، لكنه يفرض عليه أيضاً المسؤولية المطلقة. التحرر من التأثيرات الخارجية ومواجهة الذات بصدق هو الخطوة الأولى نحو بناء وجود أصيل، الفلسفة لا تنظر للزمن كخط مستقيم، بل تراه بعدا شخصيا. بينما يؤثر الماضي بشكل كبير على من نحن، فإن لدينا القدرة على تجاوز تأثيراته وتشكيل هويتنا وفقًا لخياراتنا وتجاربنا الحالية، المستقبل هو ما نطمح أن نكونه ،لكن اللحظة الحاضرة هي النقطة التي يلتقي فيها الماضي والمستقبل، وهي اللحظة التي يتم فيها اتخاذ القرارات، الإنسان ليس مجرد نتاج للماضي، بل هو كائن يتجاوز ذاته نحو المستقبل من خلال أفعاله في الحاضر، الوعي بهذه العلاقة المعقدة يمنحنا القدرة على تجاوز ماضينا وتشكيل مستقبلنا، عندما نحتسي قهوتنا، نعيش اللحظة الحالية بوعي كامل، هذا الوعي باللحظة، كما يصفه بعض الفلاسفة، هو جوهر الوجود، كل كوب قهوة له بداية ونهاية. هذه الدورة البسيطة تعكس حقيقة الوجود الإنساني، كل شيء عابر ومؤقت، إدراك هذا الوجود المؤقت، هو ما يدفع الإنسان إلى تقدير اللحظة الحالية والعمل على إضفاء معنى على حياته.

احتساء القهوة طقس تأملي

إن تحويل هذا الفعل اليومي إلى طقس تأملي هو دعوة للتفكير في كيف يمكن لأبسط الأفعال في حياتنا أن تكون مليئة بالمعنى. تجعنا حاضرين في اللحظة، أثناء احتساء القهوة، يتوقف الفرد عن التفكير في مهام العمل، أو المشكلات الشخصية، إنه يركز انتباهه على تجربة الحاضر المباشرة، هذا الانفصال المؤقت يسمح للعقل بالراحة ويعزز الشعور بالسلام الداخلي ويُعيد للفرد القدرة على تقدير الجمال في الأشياء البسيطة، الحياة لا تُعاش في الماضي أو المستقبل، بل في (هنا والآن). هذا التركيز يرفض فكرة تأجيل الحياة إلى ما بعد، ويحث على الفعل في اللحظة الراهنة. إن صنع القرار، واتخاذ الموقف، والفعل الحر، كل ذلك يحدث في اللحظة الحاضرة.  هذه الفكرة تحفز الإنسان على الوعي بقيمة كل لحظة، والعيش بوعي كامل، والتحرر من التعلق بالماضي أو القلق من المستقبل. إنها دعوة للعيش بصدق وأصالة، رائحة القهوة المتصاعدة تحفز الحواس تفتح العقل، هذه الرائحة هي إشارة حسية من العقل الباطن للبدء في التأمل، البخار المتصاعد ليس مجرد بخار، بل هو تجسيد بصري للأفكار المتصاعدة، تتشكل وتتلاشى قبل أن تتجسد في الفنجان. اللون البني ليس مجرد لون، بل هو لوحة تعكس الحياة، رمز للعمق، والترابط بين الأرض والعقل، إن احتساء القهوة بهذه الطريقة ليس مجرد فعل روتيني، بل هو تأكيد للذات، ودعوة للتفكير والتأمل.

***

غالب المسعودي

قد يبدو الشر كلمة بديهية، نفهمها جميعاً كما يفعل الطفل حين يشير إلى من يسيء ويقول عنه "سيئ". لكن الحقيقة أكثر تعقيداً: الشر ليس وجهاً واحداً، بل طيف من المعاني، تكسوه طبقات كثيفة من الدلالات الدينية والأخلاقية والسياسية والقانونية. إنه مفهوم عصيّ على التجسيم، متعدد الأوجه، يتخفى في وجوه البشر وسلوكياتهم اليومية.

في علم النفس، وُلد مصطلح "الشخصية المظلمة" ليصف أولئك الذين يبحثون عن مكاسب شخصية على حساب غيرهم، حتى ولو كان الثمن إلحاق الضرر أو حرمان الآخرين. هذه الشخصية قد تجد في أقسى صورها: لذة في معاناة الآخر، أو في أشكال أكثر نعومة وخفاء: التلاعب، البرود العاطفي، أو انتهاك المعايير الاجتماعية.

تحت هذا العنوان العريض نجد أسماءً اعتدنا سماعها: السيكوباتية، النرجسية، الميكافيلية، والسادية. التفكير فيها لا يقودنا فقط إلى التساؤل: ما هو الشر؟ بل إلى سؤال أخطر: أيمكن أن يكون هذا "القريب" أو حتى "نحن أنفسنا" أقرب إلى هذه الأوصاف مما نتصور؟

عندما نفكر في الأشرار، يقفز إلى أذهاننا القاتل المتسلسل، السفاحون الذين ملأت قصصهم الصحف والكتب. لكن هل يعني ذلك أن بقيتنا ملائكة؟ الواقع أن الشر ليس حدّين متقابلين، بل مقياس رمادي شاسع، يشارك فيه كل إنسان بدرجات متفاوتة. هناك نقطة سوداء في طرفه، حيث تتجلى أبشع صور الانحطاط، لكن هناك أيضاً مساحات رمادية، حيث نقف جميعاً.

لسنا أمام خيار "أن نكون أو لا نكون"، بل أمام سؤال: "إلى أي مدى نحن قريبون أو بعيدون عن هذه الظلال المظلمة؟". كلنا نحمل شيئاً من النرجسية مثلاً، لكن ذلك لا يجعلنا بالضرورة نرجسيين. إنما يصبح الخطر حقيقياً حين تتجاوز هذه السمات حداً معيناً وتبدأ في افتراس الآخرين.

والحقيقة أن النماذج المتطرفة نادرة نسبياً – ربما 1% من البشر – لكن الأخطر هم أولئك الذين يملكون قدراً مرتفعاً من السمات المظلمة، دون أن يصلوا إلى التشخيص السريري. هؤلاء ليسوا بالضرورة قتلة، لكنهم قادرون على تسميم العلاقات، على استنزاف العاطفة، وعلى ترك ندوب غير مرئية في نفوس من يتعاملون معهم.

المؤسسة أو الشركة قد تكون مسرحاً مفضلاً للشخصيات المظلمة. هنا يجد الباحث عن مصالحه الخاصة فرصة لتمزيق الفريق، لنشر الصراعات، ولزرع الشكوك. مثل هذا الشخص قد يدخل بابتسامة آسرّة، وانطباع أولي مدهش، لكنه مع مرور الوقت يكشف قناع التلاعب، الغطرسة، والتقليل من شأن الآخرين. وحينها، تصبح بيئة العمل أرضاً خصبة للانهيار المعنوي.

لهذا دعا خبراء كثر إلى ضرورة تقييم هذه السمات قبل التوظيف، بل وحتى قبل منح مناصب رفيعة، لأن "الشر الناعم" لا يقل خطراً عن العنف المباشر، بل ربما يفوقه.

منذ مطلع الألفية، ظهر ما يسمى بـ "ثالوث الظلام": السيكوباتية، النرجسية، والميكافيلية. لاحقاً أضيفت السادية لتشكّل "رباعية الظلام". كل واحدة من هذه السمات تحمل ملامحها، لكنها تتداخل فيما بينها بشكل يجعل تصنيفها مهمة معقدة، فالسياسي النرجسي قد يُرى أيضاً ميكافيلياً، والقاتل البارد قد يُصنَّف سيكوباتياً وسادياً معاً.

لكن بدلاً من الاكتفاء بالتصنيفات العامة، سعى الباحثون إلى تفكيك هذه السمات إلى عناصرها: الاستبداد، الجشع، القسوة، التلاعب، الغطرسة، الانتقام... ومن هنا وُلدت أدوات جديدة مثل "بطارية تقييم السمات المظلمة" (BERO)، التي تسمح بقياس هذا الطيف بدقة أكبر.

كتب بودلير يوماً أن أعظم خدعة للشيطان هي إقناعنا بأنه غير موجود. ربما لا يمكننا إنكار وجود الشر في أقصى أشكاله، لكننا – في حياتنا اليومية – كثيراً ما نتعامى عن الرمادي. نخشى الاعتراف أن الظلام ليس بعيداً عنا كما نظن، بل يسكن في محيطنا، وربما في دواخلنا.

السؤال إذن ليس: هل نعيش بين شخصيات مظلمة؟ فهذا بات مؤكداً. السؤال الحقيقي هو: كيف نتعامل معها حتى لا تتحكم في مصائرنا وعلاقاتنا وبُنى مجتمعاتنا؟

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

(1) مقام الإمامة: الوصول إلى مقام الإمامة ليس سهلاً، ولا هو بالمتاح لأهل العزائم والقدرات؛ فهم فيما بينهم قد يتميزون، بيد أنهم مهما تميزوا وامتازوا على غيرهم من الناس لن يصلوا إلى مقام الإمامة جملة وتفصيلاً؛ فهذا المقام العلوي الأكرم، لن ينال بمجرّد الامتياز وكفى، ولا بمجرد الكفاءة والاكتساب، ولكنه ينال .. فكيف ينال؟

إنه لينالُ بمواهب التوفيق، حتى إذا ما فقدنا مع وجود الامتياز والكفاءة والاكتساب مواهب التوفيق فقدنا تباعاً مقام الإمامة. وإذا اقتصرنا على مواهب التوفيق فقط مجرّدة عن جهود الكفاءة والاكتساب وعلامات التفرد والامتياز لم يصبح مقام الإمامة خاصاً بالإفراد العاديين، بل هو مخصوص بالأنبياء وما دونهم من الأولياء. وهذه ممّا لا ريب فيه ليست درجة تتوافر في كل الناس، بمقدار خصوصها لنوع من البشر اصطفاهم الله لرسالته ثم عصمهم (الأنبياء)، أو تولاهم برعايته وعنايته ثم حفظهم (الأولياء).

ولستُ أعنى هاهنا أن الأنبياء محرومون من جهود الكفاءة وقدرات الاكتساب وعلامات التفرُّد والامتياز من الوجهة الإنسانية خاصّة وخالصة؛ وإنما أعني فقط أن علومهم ومباعث سلوكهم محاطة بمواهب التوفيق الإلهي وبالعناية الرَّبانيَّة إحاطة تامة وشاملة شاءها الله لهم كيفما شاء وحيثما شاء. في حين قد تعتمد "الإمامة" جهود الكفاءة وقدرات الاكتساب بدايةً وقبل كل شيء استعداداَ خالصاً، وعقلانية مثمرة ونافعة، وهى مع ذلك لا تخلو من فيض الموهبة وعطاءات التوفيق.

لكن النسبة هنا جزئية متفاوتة، بينما النسبة هناك في حالة الأنبياء أو ما دونهم من الأولياء كلية عامة مغمورة في جملتها بالفضل الإلهي على دَيْدَنِ الاصطفاء.

فإذا كان مقام "النبوَّة" مخصوصاً بالرعاية الإلهية الاصطفائية: في التربية والتأديب، والوحي، والتلقين، والتبليغ، وهو في الوقت نفسه محاط ُبمواهب التوفيق في جميع أركانه الوجودية؛ فمقام "الإمامة"، مقام العقلانيّة، قريب من هذا المقام: من حيث خصوصية الموهبة وخصوصية التوفيق الإلهيين، وكلاهما "الموهبة" و"التوفيق" يستقيان من معدن الفضل الإلهي وفيض القدرة، ولكن بدرجات متفاوتة، وبنسب واعتبارات متباينة يعلمها الله وحده دوناً عن سواه.

أمّا عنايتُنا نحن بمقام "الإمامة"؛ مقام العقل والمعرفة، هنا، فعناية مقصورة على ما فيه من امتزاج الخصائص الإنسانية العليا في: التربية، وفي الأدب، وفي التفكير، وفي المنهج والتبليغ؛ بخصوصية التوفيق الإلهي حتى لا تكاد تفصل في شخص الإمام بين الموهبة الإلهية وعطاءات الفضل الإلهي من جهة، وبين الخصال الإنسانية مجتمعة في أصل عنصرها الرفيع من جهة ثانية.

وشيخنا الأستاذ الإمام "محمد عبده" (1849-1905) الذي توفاه الله وعمره لم يتجاوز الثانية والخمسين، مصباح أضاء في عالم الفضل والأدب والعلم، ملأ الدنيا وشغل الناس لمّا اجتمعت فيه الصفتان: صفة الإمامة، وصفة الحكمة، وبقى في العقول والقلوب، ولا يزال باقياً ما دامت هنالك قيمٌ فيهما باقية: أخلص للفكر إخلاص الصادقين، ونصر الإسلام نصرة المجاهدين، وأحب أن يرى دينَ الله متجسداً في الناس سلوكاً وحياة، ينبعث من القلوب والضمائر لا من الألسنة والحناجر؛ فليس الدين لديه مجرد ألفاظ تلوكها الألسنة لا تتجاوز في الغالب أشداق العباد ولا تدل ـ إنْ هى دَلَّتْ ـ عليها حركة الحياة، ولكنه انبعاث ضمائر تتصل بالله في السرِّ والعلن، وفى الخفاء والظهور: الدينٌ معاملةٌ وحياة.

ملأ الدنيا شرقاً وغرباً، وتفاخر به الأوربيون قبل العرب؛ فصادقوه حين وجدوا عنده من وفير الصدق وشديد الإخلاص ما من شـأنه أن يعينهم على نشدان الحقيقة يعرفونها، فيطلبونها فيما تجسُّدت أو كادت في طلاّبها والقادرين عليها؛ لأنه كان ـ طيَّبَ الله ثراه ـ "رجل حقيقة" غير منازع، يحب الحقيقة في الإنسان على التعميم أياً كان وأينما كان بلا تفرقة ولا تخصيص.

وحب الحقيقة هذا علامة صادقة على إخلاص المفكر لقضيته.

رأيتُ بنفسي رسالات متبادلة بينه وبين الأديب الروسي "تولستوي" وقرأتها، فشغفتُ إذ ذاك بتقدير الأجانب لهذا الفيلسوف الحكيم، إنهم يطلقون عليه "الفيلسوف الحكيم"، الفيلسوف الحكيم، هكذا على الإطلاق. وبكل ما تحمله الكلمة من ظلال فلسفية خالصة؛ فإذا كان لقب "الأستاذ الإمام" هو اللقب الذي أطلقه لأوّل مرة تلميذه وصديقه وأقرب الناس إليه في عامة أمره وخاصّته، السيد رشيد رضا منشئ "المنار" على الشيخ محمد عبده؛ فلقب "الفيلسوف الحكيم" هو اللقب الذي أطلقه عليه الأديب الروسي "تولستوي".

والعقل الغربي حين يُطلق هذه الكلمة على أحد لا يُطلقها جُزَافاً ولا اعتباطاً ولكنه يطلقها عن "وعى" بما يقول؛ فمحبة الشيخ محمد عبده للحكمة وللفلسفة جعلت منه على امتداد الاهتمام بعطايا النظر والتفكير، إنْ في تأملات الحكماء أو في تصورات الفلاسفة، فيلسوفاً وحكيماً على الحقيقة. ولم تكن هذه الحكمة نظرية عقلانية مجردة وكفى، ولكنها جمعت بين مقام الإمامة وحكمة العارفين المتجردين للعمل النافع الباقي ولكل قيمة دائمة يسمو بها الفضل ويرقى بمقتضاها الوجود الروحي في الإنسان على التعميم.

لم تكن حكمة الأستاذ الإمام تتجرد عن العمل النافع، ولكنها تنزع إلى التربية والإصلاح والتطبيق العملي المباشر، وكأنما تجسدت فيه روح كبيرة ملآنة على التحقيق بميراث النبوة.

هذا الاهتمام ينطلق لديه من تقدير الحقيقة؛ لأنه على الحقيقة "رجل الحقيقة" غير منازع، ولا ينطلق من فراغ المقلِّدين مجرَّد التقليد الذي لا يسمو قيد أنملة إلى رُقي النظر أو رُقي العمل سواء بسواء.

العقل الغربي الذي مثَّله طائفة من المستشرقين وبعض السياسيين والباحثين الأوروبيين، سواء منهم الذين كتبوا عن الشيخ محمد عبده بالتفصيل أو أشار إليهم هو في ردوده عليهم، أو كتبوا عنه في إيجاز وبإعجاب تارة، أو بدفع شُبُهات لها مساسٌ بالإسلام وعقائده أوردها عنهم هو في تعليقاته ومناقشاته لهم تارة أخرى.

أقول؛ هذا العقل الغربي الذي مثله "ماكس هُرْتن " و"شارل آدمز" و"شاخت" و"جولد تسيهر" و"جُب" و"لالاند" و"جومييه" و"هربرت سبنسر" و"هانوتو" و"رينان" و"تولستوي" و"إدوارد براون" و"اللورد كرومر" و"السير مالكوم مكاريث" الذي كان مستشاراً للحقانية في مصر.

هذه العقول الغربية المتميزة كان تقديرها في الغالب لرجل الحقيقة صادراً عن إثارة ما في عقولهم من مكامن الحقيقة، وفي ضمائرهم من شجون التحقيق، لكأنما الرجل الحكيم كان مسّ نوازع إنسانية مشتركة بين الشرق والغرب، بمقدار ما وجدت لديه بواعث نهضويّة وحضارية تعلو فوق التعصب والتقوقع والانغلاق: بواعث تدرك عمومية الوعي الإنساني فيما لو كان متجّرداً عن التقليد الأعمى والتعصب الممقوت.

ولما كان الأوروبيون المنصفون منهم يقدرون العقل الإنساني أكثر ممّا نقدّره نحن العرب؛ أعنى المنغلقين منا والمقلدين، ويعرفون قيمة "الوعي" إذا هى ارتفعت عند إنسان: يحترمون المعرفة ولا يسخرون من العرفان لا لشيء إلا لأنهم أرباب وعي مستنير وأهل بصائر مفتوحة؛ صار مجرد ذكر الشيخ "محمد عبده" لديهم ذكراً للفيلسوف الحكيم: "رجل الحقيقة"،  تجسّدت فيه كل الخصائص الإنسانية العليا والمعاني السامية: فكره وثقافته وتديّنه العميق وأخلاقه الكريمة وسجاياه الطيبة؛ كل خصائص الإنسان العليا مجتمعه تنضاف عن استحقاق وجدارة إلى الأستاذ الإمام؛ وكأنها خُلقت لأجله لتتجسَّد فيه.

وفي زمن القيم الساقطة، وفقدان القدوة والنموذج والمثال، ما أحرانا أن نتمثل الجهاد الفكري لمثل هذه الشخصيات العظيمة؛ ليكون قدوة المقتدين "فيما اضطلع به من أمانة العقيدة، وأمانة الفكر، وأمانة الخير، وأمانة الحق، وأمانة الإخلاص للخلق والخالق في كل ما يتولاه الإنسان الجدير باسم الإنسان من نية وعمل، ومن سرّ وعلانية".

(2) عبقريته وريادته:

كان أوفى تحليل وأدقّه لمثل هذه الشخصيات الكبيرة والمؤثِّرة هو التحليل الذي قدَّمه عالم الاجتماع الألماني "ماكس فيبر" ((Max Weber المتوفى سنة 1920م والذي كان يصف مثل هذه الشخصيات الكبيرة بالكاريزما (charisma)؛ وكلمة الكاريزما تعنى الموهبة الإلهية، وهى كلمة يونانية معناها "النعمة"، ويقصد بها "فيبر" ذلك السّحر الخاص من السمو الفردي الذي يمكن أن يَتَحَصَّل عليه الفرد في مجتمع بعينه من فعل الجاذبية الشخصية والتأثير المغناطيسي. وقياساً على تحليل "فيبر" يمكن القول بأن الأستاذ الإمام كان يتمتع بشخصية "كاريزمية" ساحرة على الصعيدين: صعيد المكانة الاجتماعية والسياسية وصعيد المكانة الفكرية والثقافية.

ثم إننا لو قمنا بمسح شامل للكتابات المستفيضة التي كُتبت عنه في العالم العربي فقط، لتأكد لدينا هذا الزعم، ولثبُتت أمامنا جاذبيته الشخصية ومؤثراته الفردية على المستوى الاجتماعي والسياسي ثم ثبُتت لدينا كذلك إشعاعاته الروحية والفكرية المُفَاضَة وهباً من عند الله.

كان للأستاذ الإمام سمت عجيب ..! في لقاء جمع بين "هارولد سبنسر" كاتب حزب الأحرار الإنجليزي مع صديقه "ويلفرد سكاوين بلنت" عدو الاستعمار، وصف "بلنت" سمت الأستاذ الإمام، وهو قادم إليهم قائلاً "... فإذا أنا بصورة إنسان يقول الناظر إليها "إنها برزت من كتب الأنبياء الأقدمين". وقال تلميذه رشيد رضا صاحب المنار": لم أطلع له على عمل ينافي العفة والنزاهة ولا الورع والشرف، ولا هفوة تدل على كامن حقد أو حسد؛ فهو أكمل من عرفت من البشر". (راجع عباس العقاد: عبقري الإصلاح والتعليم .. الإمام محمد عبده، شركة نوابغ الفكر، القاهرة  2016، ص 237).

هكذا كان سمت الأستاذ الإمام، يصفه الغرباء كما يصفه المُقرّبون بالكمال الحقيق بلقب "المثل الأعلى من ورثة الأنبياء" كما قال السيد رشيد رضا. ثم هو في نظر الأستاذ عباس محمود العقاد عبقري الإصلاح والتعليم (يراجع: عبقري الإصلاح والتعليم .. الإمام محمد عبده، راجع المقدمة). وهو عند الدكتور عثمان أمين رائد الفكر المصري؛ فلئن كان "محمد عبده" قد أصبح في عداد الماضي المجيد؛ فإنّ منزلته لا تزال تقع في تلك الدائرة المضيئة كما قال عثمان أمين:"دائرة المجد الحق الذي يبقى بعد هدوء العواصف وخلو النفوس من ثوران الحقد وانفعال الإعجاب" (رائد الفكر المصري: الإمام محمد عبده، منشورات المجلس الأعلى للثقافة؛ القاهرة سنة 1996م؛ ص 13).

فإذا أضفنا إلى اتجاه (العقاد وعثمان أمين) الروحي، اتجاهات أخرى عقلية وأدبية؛ اجتماعية وإصلاحية؛ سواء كانوا من المصريين والعرب أو من الترك والفرس، استطعنا في الوقت نفسه إكبار المكانة التي توصّل إليها الشيخ محمد عبده، والتي أحتلها في قلوب وعقول كل هؤلاء جميعاً: مصطفى عبد الرازق، وأحمد أمين، ومحمد حسين هيكل، وقاسم أمين، وسعد زغلول، ومصطفى المراغي، وأحمد لطفي السيد، ومحمد بخيت المطيعي، ومنصور فهمى، وحافظ إبراهيم، وعبد الرحمن بدوى، وأحمد مختار باشا الغازي، وعبد الله جودت، وذكاء الملك الإيراني، وطاهر بن عاشور التونسي، وعبد الرحمن الكواكبي، ويعقوب صرّوف، ومحمد بن الخوجة التونسي، وإبراهيم اليازجي، ونعوم أفندي لبكى،  ومحمد الجعايبى التونسي، والشيخ محمد شاكر التونسي، ومحمد بن عقيل، وجورجي زيدان، ومحمد طلعت حرب، وعبد العزيز نظمى، وأحمد فتحي زغلول، وشكيب أرسلان، وفرح أنطون (عاطف العراقي: محمد عبده والتنوير، طبعة دار الرشاد، القاهرة سنة 2006م، ص 39، وص 281). والدكتور أبو العلا عفيفي، والدكتور على سامي النشار، والدكتور إبراهيم بيومي مدكور، والدكتور أبو الوفا التفتازاني، والدكتور عاطف العراقي، (راجع: دراسة عاطف العراقي لكتاب الإسلام دين العلم والمدنية، دار سينا للنشر، القاهرة سنة 1990م، وقد طبع هذا الكتاب بدار الهلال مع عرض وتحقيق طاهر الطناحي، وروجعت دراسة عاطف العراقي للكتاب، وتم نشره مرة ثانية طبعة منقحة بدار مصر المحروسة عام 2007م)، والدكتور عصمت نصار: اتجاهات فلسفية في بنية الثقافة الإسلامية، دار الهداية للطباعة والنشر، القاهرة 2003م) ... وغيرهم، وغيرهم، ممّا لو تتبعناه لطال بنا المقام.

صحيحٌ أن هناك قادحين مِنّا طعنوا في شخصه بمقدار ما طعنوا في صحيح الإسلام أو يزيد، لكن هذا الطعن الذي لا يقوم عليه دليل، إنْ هو إلا مُجرَّد هوى ينزع إلى التعصب وخُلق وضيع يصدر عن لئام.

ومهما قيل في شأنه من أولئك القادحين؛ فإنّ الذين أشادوا بفضله لا يمكن حصرهم ولا حصر القيمة العليا الرفيعة التي من أجلها ذكروا في فخر وإعجاب مناقبه وأفضاله.

يكفي أن يذكر "جرمان مارتان"؛ الكاتب الفرنسي أنه قال عنه إنه كان رجلاً قادراً على أن يظل متمسكاً بعري دين يكفل للناس حياة سعيدة آمنة؛ لأنه دين البساطة والتسليم، وكان قادراً كذلك على إدراك النفع في ثقافة وحضارة أوفر حيوية وأجزل نشاطاً وادّعى إلى بذل جهد متواصل، واتخاذ منهج منطقي في جميع أفعال الحياة لبلوغ غاية نافعة".

هذا، وقد وصفه المستشرق الأمريكي "د. ب . ماكدونالد" بقوله: "كان محمد عبده فلاحاً صميماً، وليد تربة مصر العريقة، قبل أن يغدو مفتياً، وإماماً للمسلمين. وإننا لنلمح في إخلاصه لهذه التربة وفي دعوته إلى الوطنية .... نلمح مزاجاً عجيباً من الوفاء للماضي المجيد والاستمساك بيقين الدين، والولاء لوطنية الفلاح" (راجع: مجدي إبراهيم: رسالة الفكر في زمن العدوان، روابط للنشر والتوزيع، القاهرة 2019م؛ ص 67 وما بعدها).

فتلك على بسطتها وعمقها شخصية الإمام "محمد عبده" التي صنعت حياته، وحياة من عرفوه وتأثروا به، وحياة تلاميذه ممن احبوه وساروا على دربه. وهى حياة متعددة الجوانب كما تقدَّم، بعيدة الأغوار، حياة  متسقة وإنْ تكن متجددة، حياة مفعمة بأنقى وأصدق فضيلة: فضيلة البذل والعطاء. (راجع: عثمان أمين: رائد الفكر المصري: الإمام محمد عبده، ص56).

وقد تجسّدت في حياة الإمام محمد عبده الشخصية والعامة؛ الأمثلة العليا والقدوة الكاملة فكانت نموذجاً صالحاً للقدوة الحسنة والاستقامة الكاملة والروح الإنسانية العامة؛ وهو خير مثال يحتذى لخير جيل.

(وللحديث بقية مع مناقب محمد عبده الفكريّة)

***

بقلم: د. مجدي إبراهيم

أستاذ الفلسفة - جامعة أسوان

ثمة ما يدعونا اليوم إلى إعادة تأطير إدراكاتنا الداخلية للأشياء المشاهدة، حيث نكتشف بشكل درامي تشكيكنا في رؤيتنا تلك، من خلال تأكيدها واقعا، على حدود نظرتنا المستبطنة غير المشروطة. ذلك أن استبعادنا لنموذج الدور السائد لكل ما هو بصري، كأساس جمالي وأخلاقي يطرح سؤال "الدريعة" في علاقتها المتشابكة بين الذات والعالم، تصبح محطة لاكتشاف تدريجي وحالة استحضار للأشياء والعلامات المرموزة.

هذا الموقف النقدي غير التقليدي، ينبثق عن فهم آخر لعالم يتقدم بسرعة نحو نهايته، بما هو انعكاس لباطن مأمول، يتحدى كل مفارقات المرئي/ المشاهد بعيون خالصة، ويسترعي انتباه الماوراء، على خلفية استقراء ينصت إلى الداخل، ولا يتورع في مراقبة التعبيرات المحايدة المجردة من حيلها الجمالية والعاطفية، المستقوية بانتظاراتها المحدودة والمتعالية عن كل اقتصاد زمني مقيد.

فيما مضى، كنت معتادا على استحضار الوحدة العظيمة التي يسميها ريلكه ب"الكل"، والتي يقترح فيها، أنه بما أن مواد الكون ليست سوى مؤشرات لترددات مختلفة، فإن النشاط الروحي البشري قد ينتج أجساما ومعادن وسُدما وأبراجا جديدة. لكن، سرعان ما أضحت هذه التعالقات، مرهونة بوضعيات نفسية وثقافية جديدة، تستوسع من فرائد الأدوات العلمية والمنهجية المستحدثة، التي تهدف إلى توسيع مجال الرؤية، ليس بالضرورة أن يكون بصرا، ولكن بالمعنى المجرد للرؤية التي تمثل شفافية خادعة للعقل.

العالم اليوم، في حاجة إلى ابتداع نهج أكثر واقعية، يُحشد فيها جميع الموارد الحسية بشكل متناسق وغير مختل، يتماشى مع المشروع الفلسفي لقيمة الوجود وإنسانية الإنسان، ويحاكي بشكل مثير للاهتمام خطابا فيه من العدل والمساواة والتكافل ما يستبين قوة العلم واستباق المعرفة ونفوذها وعظم التأثير في التحضر وأساليب الحياة والعيش المشترك.

وفي صور الحياة اليومية البسيطة، تتمايز الأنماط والفوارق الاجتماعية والطبقية حد القطيعة، وتنمو بأشكال وابتذالات خادشة غير مألوفة، إذ تصير الصورة في ترجمتها للمنظور الاجتماعي، جزءا من ذاك "الكل"، الذي يؤشر على اتساع الهوة واختزال المجال الحيوي للبشر، بما هو مقيد ومحدود، أو مخالف للنسق الطبيعي المأمول.

يعيق هذا التشرذم الراهن المرئي/المشاهد، بما يشبه تقطيعا فارقا بين الحقيقة والواقع، فيتحول المفهوم الطبقي هنا، إلى فعل نقض لمعايير التحديد الدقيقة بإزاء مجتمع يتغير باستمرار، بعيدا عن تأويل مفهوم الطبقية لدى ماركس، الذي يحدد العلاقة ذاتها بوجود علاقات إنتاجية بين الفرد ووسائل الإنتاج. كما لو أننا نريد استثمار صورة بدهية في مجتمع لا منتج، متروك لفريسة الأدوات الإنتاجية، ويستعصي على الرؤية من الداخل، كما ويحتاج إلى إعادة هدم شامل وتدوير استراتيجي قبل البناء؟.

في المنظور الثاوي ل"الطبقة" نستخدمها في أبحاثنا كإحدى أهم الوسائل الأساسية لتنظيم المجتمع بشكل تقسيمات هرمية. تبرز في نسقيات وتداولات المجتمع الرأسمالي كوحدة أو ككتلة في التسلسل الهرمي للسلطة، مع ما يمثل امتدادها وتوسعها، من أهمية في مركزية الفرد، خصوصا فيما يتعلق بالثروة والدخل كمؤشرات لموقع الفرد في السلم الاجتماعي.

هل يسترد الفرد في "الطبقية الجديدة" دوره المحرك في ديناميكا السلم الاجتماعي، بعيدا عن استعراضات المتقابلات الاجتماعية المعنية بهذا التموقع؟. في مقابل هذا التوجه، يقدم بيير بورديو مفهوما سوسيولوجيا متحولا يرهن رأس المال البشري، لقضم تغول وتوحش رأس المال الاقتصادي، بعيدا عن تشكيل السيولات المالية المؤمنة كملكية خاصة، إلى ما يشبه رأس المال الأخرى المؤسسة ثقافيًا، والتي أسماها بورديو ب" رأس المال الثقافي الشخصي" كالتعليم الرسمي والمعرفة، ورأس المال الثقافي الموضوعي كالكتب والفن، ورأس المال الثقافي المؤسسي كالتكريمات والألقاب.

عل هذه الصورة المحنطة لتطور "الطبقية" تستوحش الظفر بما ينماز عليها، في ظرفية تكنولوجية ومعلوماتية فارقة، لترتد إلى أبصار خارج الرؤى المحذورة، المتقوقعة حول أشكالها المكرورة والمنمطة، مستعيدة حلمها الإنساني والرحمي، الذي افترسته الكمبرادورية المتمنطقة المنبعثة، التي تجعل من كل الشعوب والأقوام المستضعفة، ضحايا الطبقية المتوحشة في لباسها الجديد وروحها المنفلتة.

***

د. مصـطـفــى غَـــلمـان

من منطلق المنهج التحليلي السوبر خلاّق، الإنسانوية السوبر خلاّقة = إنتاج وحدة البشر والمعارف والوجود × إنتاج كلّ أنماط الحضارة والمعرفة والإبداع والعدالة الممكنة. هذه العدالة سوبر خلاّقة لأنها فعّالة في عمليات الإنتاج كفعّاليتها في إنتاج وحدة البشر والوجود وفعّاليتها في إنتاج كلّ أنماط الحضارة. من فضائل الإنسانوية السوبر خلاّقة فضيلة نجاحها في التعبير عن أهمية الوجود الإنساني. فبما أنَّ الإنسانوية السوبر خلاّقة = إنتاج وحدة البشر والمعارف والوجود × إنتاج كلّ أنماط الحضارة والمعرفة والإبداع والعدالة الممكنة، إذن تتضمن الإنسانوية السوبر خلاّقة أنَّ إنسانوية الإنسان كامنة في إنتاجاته السابقة مما يجعل الإنسان ذا أهمية من جراء إنتاجاته السابقة كإنتاج الحضارة والمعرفة والإبداع والعدالة. بكلامٍ آخر، أهمية الوجود الإنساني كامنة في أنه سوبر خلاّق بفضل فعّاليته في إنتاج تلك الإنتاجات السابقة كإنتاج الحضارة والمعرفة والعدالة.

تنجح الإنسانوية السوبر خلاّقة في ضمان السلام العالمي الذي يُعتبَر ركناً أساسياً من أركان الإنسانوية الحقة. فبما أنَّ من مكوِّنات الإنسانوية السوبر خلاّقة إنتاج وحدة البشر والمعارف والوجود بينما وحدة البشر ليست سوى أنَّ كلّ البشر يشكِّلون إنساناً واحداً لا يتجزأ، إذن تؤدي الإنسانوية السوبر خلاّقة إلى السلام العالمي من خلال اعتبار أنَّ كلّ البشر ليسوا سوى إنسان واحد غير قابل للتجزئة فهذا الاعتبار يُحتِّم قبول الآخر مما يضمن سيادة السلام. وهذا النجاح في ضمان السلام العالمي دليل على أنَّ الإنسانوية السوبر خلاّقة هي الإنسانوية الحقة.

كما تنجح الإنسانوية السوبر خلاّقة في ضمان العيش بانسجام مع الطبيعة الذي يُعتبَر ركناً جوهرياً من أركان الإنسانوية الحقة. فبما أنَّ من مكوِّنات الإنسانوية السوبر خلاّقة إنتاج وحدة البشر والمعارف والوجود بينما وحدة الوجود ليست سوى أنَّ كلّ الكائنات تشكِّل كينونة واحدة غير متجزئة، إذن الإنسانوية السوبر خلاّقة تؤدي إلى العيش بانسجام مع الطبيعة وكلّ كائناتها (كالحفاظ عليها وتطوير وجودها بما يناسب استمرارية بقائها وبقاء الإنسان وتطوّره) وإلا لن تتحقق وحدة الوجود. هكذا تنجح الإنسانوية السوبر خلاّقة في ضمان العيش بانسجام مع الطبيعة مما يدلّ مجدّداً على أنَّ الإنسانوية السوبر خلاّقة هي الإنسانوية الحقة.

من المنطلق نفسه، تنجح الإنسانوية السوبر خلاّقة في التعبير عن أنَّ المسؤولية ركن أساسي من أركان الإنسانوية. فبما أنَّ من مكوِّنات الإنسانوية السوبر خلاّقة إنتاج وحدة البشر الكامنة في أنَّ كلّ البشر يشكِّلون إنساناً واحداً غير منفصل وإنتاج وحدة الوجود الكامنة في أنَّ كلّ كائنات الطبيعة تشكِّل كينونة واحدة غير متجزئة، إذن نحن مسؤولون عن الحفاظ على الطبيعة والآخرين واستدامة بقاء كلّ الكائنات وتطوّرها تماماً كما نحن مسؤولون عن ذواتنا من جراء أنَّ كلّ الكائنات وكلّ البشر كينونة واحدة غير منفصلة. هكذا تنجح الإنسانوية السوبر خلاّقة في التعبير عن أنَّ المسؤولية ركن أساسي من أركان الإنسانوية.

بالإضافة إلى ذلك، تنجح الإنسانوية السوبر خلاّقة في التعبير عن أنَّ الحرية والمساواة والتطوّر من أركان الإنسانوية أيضاً. فعلماً بأنَّ من مكوِّنات الإنسانوية السوبر خلاّقة أنها إنتاج كلّ أنماط العدالة الممكنة بينما العدالة كحرية ومساواة (كالمساواة الاقتصادية والاجتماعية) والعدالة كسيادة السلام والعدالة كتطوّر كلّ فرد اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً هي من أنماط العدالة الممكنة، إذن الإنسانوية السوبر خلاّقة تتضمن سيادة الحريات والمساواة والسلام والتطوّر. من هنا، تنجح الإنسانوية السوبر خلاّقة في التعبير عن أنَّ الإنسانوية كامنة في احترام الحريات والمساواة وتحقيق السلام والتطوّر في آن مما يشير إلى أنها الإنسانوية الحقة.

من الممكن التعبير عن الإنسانوية السوبر خلاّقة بِطُرُق متعدّدة منها أنَّ الإنسانوية السوبر خلاّقة = إنتاج الوحدة × إنتاج الاختلاف. فبما أنَّ الإنسانوية السوبر خلاّقة = إنتاج وحدة البشر والمعارف والوجود × إنتاج كلّ أنماط الحضارة والمعرفة والإبداع والعدالة الممكنة بينما إنتاج وحدة البشر والمعارف والوجود إنتاج للوحدة وإنتاج كلّ أنماط الحضارة والمعرفة والإبداع والعدالة الممكنة إنتاج للتنوّع والاختلاف الحضاري والثقافي، إذن الإنسانوية السوبر خلاّقة = إنتاج للوحدة × إنتاج للاختلاف. ومن خلال إنتاج الوحدة، يتحقق السلام على ضوء أنَّ كلّ الكائنات تشكِّل كينونة واحدة لا تتجزأ. ومن خلال إنتاج الاختلاف، تتحقق التعدّدية الاجتماعية والثقافية التي تعزِّز سيادة الحرية. هكذا الإنسانوية السوبر خلاّقة صيرورة بناء الوحدة والاختلاف معاً مما يمكّنها من تحقيق أركان الإنسانوية الحقة كتحقيق السلام والحرية.

***

حسن عجمي

 

الفردانية كسجن ناعم والحرية بضاعة كاسدة للبيع

المقدمة: ليست الفردانية قصة بريئة عن تحرر الإنسان، بل مسار دموي عن ولادة وحش يتغذى على أوهام الحرية المطلقة. ما بدأ في أوروبا التنوير كتحرر من قبضة الكنيسة والإقطاع، تحوّل سريعًا إلى دين جديد: دين السوق والاستهلاك، دين الذات المنعزلة. لقد أعيد تشكيل الإنسان كسلعة، كمشروع رأسمال بشري، كحزمة مهارات قابلة للتسويق.

وفي العالم العربي، لم تنشأ الفردانية كتطور طبيعي من سياقنا الاجتماعي والثقافي، بل هبطت علينا عبر العولمة والانفتاح الاقتصادي. جاءت في صورة هواتف ذكية، منصات عمل مرن، إعلانات عن "البراند الشخصي"، لكنها اصطدمت بالبنى التقليدية: العائلة، القبيلة، الدين. وهكذا نشأ تمزق داخلي، حيث يعيش الفرد العربي بين "أنا نيوليبرالية" مستوردة و"نحن تقليدية" ما زالت تمارس ضغطها اليومي.

الجذور الفلسفية – وهم الاستقلال الفردي

بدأت القصة مع جون لوك، الذي ربط الحرية بالملكية الخاصة (Locke, 1690, p. 287). من يمتلك جسده وثمار عمله هو إنسان حر. هذه الفكرة زرعت بذور الانفصال بين الحرية والتضامن. جاء كانط بعده ليعطي للاستقلال الفردي بعدًا أخلاقيًا، معتبرًا أن الإرادة الحرة هي جوهر الكرامة الإنسانية (Kant, 1785, p. 44).

لكن في واقع أوروبا آنذاك، كما في واقعنا اليوم، كانت هذه الحرية مجرد وهم فلسفي. فبينما يحتفل الخطاب باستقلال الفرد، كانت القوى الاجتماعية والاقتصادية تحوله إلى وحدة في السوق. وفي العالم العربي، لم تكن هناك خلفية فلسفية للفردانية، لذا حين وصلت الفكرة إلينا، جاءت كـ"شعار سياسي" أو "منتج ثقافي"، بلا جذور معرفية حقيقية.

الفردانية والاقتصاد السياسي – من المصنع الأوروبي إلى السوق العربي

مع الثورة الصناعية في أوروبا، تحوّل الإنسان إلى ترس في ماكينة الإنتاج، ثم إلى مستهلك أبدي في المدن الحديثة (Taylor, 1989, p. 172). هنا بدأت الفردانية تتحول من فلسفة إلى اقتصاد.

وفي العالم العربي، حملت السبعينيات ملامح مشابهة: الطفرة النفطية، الهجرة إلى الخليج، والانفتاح الاقتصادي في مصر والمغرب وتونس. العامل المهاجر صار يُختزل في "تحويلاته المالية"، والإنسان في المدن الكبرى صار يُقاس بقوة استهلاكه: سيارة حديثة، هاتف ذكي، أو شقة في ضاحية جديدة. السوق أعاد تعريف الذات العربية، لا باعتبارها فردًا في جماعة، بل كمستهلك دائم.

النقد الكلاسيكي – تفكيك الوهم في الغرب والشرق

ماركس رأى الفردانية الليبرالية استلابًا، حيث يُلقى الإنسان كذرة معزولة في السوق (Marx, 1844, p. 112). دوركهايم حذّر من الأنوميّة – انهيار المعايير والفراغ الوجودي (Durkheim, 1897, p. 210). مدرسة فرانكفورت كشفت الوهم: الحرية الحديثة مجرد اختيار بين سلع متشابهة (Adorno & Horkheimer, 1944, p. 154).

هذا النقد يجد صداه في واقعنا العربي:

- الشباب العربي بعد "الربيع العربي" وجد نفسه ذرات معزولة في سوق عالمي لا يرحم. بطالة مرتفعة، عمل غير مستقر، وهجرة بلا أفق.

- معدلات الاكتئاب والانتحار المتزايدة في تونس ومصر والأردن تجسد بالضبط ما وصفه دوركهايم بالأنوميّة. مجتمع بلا روابط متينة ولا أفق سياسي واضح.

- الحرية في منطقتنا كثيرًا ما تتحول إلى حرية استهلاكية: شراء أحدث هاتف أو مشاهدة محتوى على نتفليكس، بينما تبقى القيود السياسية والاجتماعية كما هي.

المنعطف النيوليبرالي – الإنسان كرأسمال بشري

في السبعينيات، النيوليبرالية غيّرت قواعد اللعبة. الفرد لم يعد مستهلكًا فقط، بل صار "شركة صغيرة" تستثمر في ذاتها (Foucault, 1979, p. 226). ديفيد هارفي أشار إلى أن السوق ابتلع كل علاقة إنسانية (Harvey, 2005, p. 3).

في المنطقة العربية، تجلت النيوليبرالية بشكل فاضح عبر برامج الخصخصة وإصلاحات صندوق النقد الدولي. في مصر والمغرب والأردن، تقلّص دور الدولة في التعليم والصحة، وصار كل فرد مطالبًا بتحمل عبء نفسه. "لا تنتظر من الدولة شيئًا" تحوّلت إلى شعار غير معلن. أما في الخليج، فبرز نموذج الفردانية الاستهلاكية المطلقة: الحرية تقاس بعدد السيارات الفارهة أو الماركات التي ترتديها.

الفردانية والتكنولوجيا – العبودية الرقمية

التكنولوجيا كانت الوعد الكاذب بالتحرر، لكنها جلبت معها سجنًا ناعمًا. في أوروبا وأميركا، ظهر "اقتصاد المنصات" الذي حوّل البشر إلى "ذرات عمل رقمية". في العالم العربي، نسخة مشوهة من هذه التجربة تترسخ:

- في القاهرة وبيروت، آلاف الشباب يعملون في أوبر وكريم، لكنهم أسرى لخوارزميات تحدد دخلهم وتوقيت عملهم.

- في الخليج، صارت تطبيقات التوصيل مثل "طلبات" و"جاهز" نموذجًا لعبودية مرنة بلا حماية قانونية.

- حتى الخريجون الجامعيون يبيعون وقتهم على منصات عالمية كمستقلين، مقابل دولارات قليلة، بلا حقوق أو أمان اجتماعي.

الحرية الموعودة عبر "العمل الحر" ليست إلا عبودية جديدة، يرضى بها الفرد لأنه يظن نفسه سيد نفسه، بينما هو عبد للتطبيق والخوارزمية.

الفردانية المستوردة – التمزق العربي

العولمة لم تصدّر إلينا فقط التكنولوجيا، بل أيضًا الفردانية كسلعة ثقافية. الشاب العربي يظن أنه حر لأنه يملك آيفون جديدًا أو حسابًا نشطًا على تيك توك، لكنه في الحقيقة مستهلك في قفص.

النتيجة خليط متناقض: شابة سعودية أو أردنية تبني "براند شخصي" على السوشيال ميديا، لكنها تُحاكم اجتماعيًا على ملابسها. شاب مصري يفتخر بأنه "مستقل" عبر أوبر، لكنه في الحقيقة تحت رحمة خوارزمية تحدد سعر رحلته. إنها حرية مشوهة، حرية بلا سيادة.

الفردانية وحقوق الإنسان – الحرية كقناع

في الغرب، الفردانية المتطرفة أفرغت الحرية من معناها. وفي العالم العربي، صارت الحرية مجرد "رخصة استهلاك". الدولة تشجعك أن تكون مستهلكًا نشطًا، لكنها تكبح أي حرية سياسية. المواطن صار "زبونًا" أكثر من كونه مواطنًا.

الحرية هنا قناع: قناع للسوق، قناع للتكنولوجيا، قناع يغطي غياب الحقوق الحقيقية.

الأفق الإنسانوي – نحو إنقاذ الإنسان من الفردانية

رغم زحف الوحش الفرداني، بدأت في الأفق إرهاصات تيار مغاير، يمكن تسميته بـ الإنسانوية الجديدة. هذا التيار لا يريد العودة إلى "الجماعة التقليدية" التي تقمع الفرد، ولا أن يستسلم لفردانية السوق التي تحوله إلى سلعة، بل يبحث عن صيغة تعيد التوازن: فرد في جماعة، وجماعة لا تسحق الفرد.

1.  في الفكر الغربي:

- أمارتيا سِن (Sen, 1999): قدّم تصورًا بديلاً للحرية عبر مفهوم "القدرات". الحرية ليست مجرد اختيار بين سلع، بل هي تمكين الإنسان اجتماعيًا (تعليم، صحة، بيئة آمنة) ليكون قادرًا على عيش حياة يختارها. هذا طرح إنسانوي صريح.

- مارثا نوسباوم (Martha Nussbaum): طوّرت مع سِن "مقاربة القدرات" وربطتها بالعدالة والكرامة. شددت على أن الإنسان لا يُقاس بما يملكه، بل بقدرته على تنمية إمكاناته.

- زيغمونت باومان (Zygmunt Bauman): نقد "الحداثة السائلة" والفردانية المائعة، ودعا إلى استعادة "المسؤولية الأخلاقية" كركيزة إنسانوية.

- ألان تورين (Alain Touraine): تحدّث عن "عودة الفاعل الاجتماعي"، مؤكداً أن الإنسان لا يمكن أن يُختزل في السوق، بل هو مشروع ذاتي وجماعي معًا.

2.  في الفضاء العربي والإسلامي:

- محمد عابد الجابري: في قراءاته للتراث والحداثة، شدّد على أن الإنسان لا يُفهم إلا في سياق جماعته، لكنه رفض اختزال الحرية في سلطة الجماعة التقليدية.

- عبد الله العروي: ركّز على "المفهوم التاريخي للحرية"، وبيّن أن الحرية لا تتحقق إلا ضمن مشروع اجتماعي شامل، لا في عزلة فردية.

- مالك بن نبي: تحدث عن "الإنسان الفعال" الذي يُقاس بقدرته على المشاركة في نهضة مجتمعه، لا بمراكمة الاستهلاك الفردي.

- مهدي عامل وحسين مروة: طرحا نقدًا جذريًا للاغتراب الرأسمالي في السياق العربي، وأشارا إلى ضرورة استعادة الإنسان كفاعل تاريخي لا كذرة معزولة.

- وفي الحاضر، يمكن الإشارة إلى أصوات شابة في الحركات الاجتماعية (حركات حقوق المرأة، البيئة، العدالة الاجتماعية) التي تطرح خطابًا يتجاوز الفردانية الاستهلاكية إلى أفق إنساني مشترك.

3.  ملامح الأفق الإنسانوي:

- إعادة تعريف الحرية: ليست حرية السوق، بل حرية التمكين (قدرة الفرد على التعليم، الصحة، المشاركة السياسية).

- التضامن بدل التذرر: بناء روابط اجتماعية جديدة (نقابات، حركات مدنية، شبكات تضامن رقمي) تعيد للفرد قوته من خلال الجماعة.

- الكرامة كمعيار: قيمة الإنسان ليست في "قيمته السوقية"، بل في إنسانيته غير القابلة للتسليع.

- إعادة توظيف التكنولوجيا: بدل أن تكون أداة سيطرة، تصبح أداة للتواصل والتضامن والتمكين.

الخاتمة

 إن كان الوحش الفرداني قد خرج من رحم التنوير ليجتاح العالم، فإن بذور بدائل إنسانوية بدأت تنبت. إنها ليست دعوة للعودة إلى الماضي، بل لمستقبل يعيد تعريف الحرية والكرامة. من "مقاربة القدرات" عند سِن ونوسباوم، إلى "الحداثة النقدية" عند باومان وتورين، ومن قراءات الجابري والعروي إلى حركات الشباب العربي، هناك أصوات تتجمع لتقول: الإنسان ليس سلعة، الحرية ليست استهلاكًا، والكرامة لا تُقاس بعدد المتابعين أو حجم الرصيد البنكي.

هذا الأفق الإنسانوي ليس تيارًا مهيمنًا بعد، لكنه بذرة مقاومة، قد تكون الأمل الوحيد في مواجهة الوحش النيوليبرالي.

لقد وُلد الوحش في التنوير، ترعرع في الرأسمالية، وانفلت في النيوليبرالية، حتى غزا منطقتنا عبر العولمة. لكنه لم يستقر هنا كما استقر في الغرب، بل جاء مشوهًا: حرية استهلاكية بلا مضمون، استقلال رقمي بلا حماية، واغتراب عميق يمزق الأفراد بين "أنا" نيوليبرالية و"نحن" تقليدية.

المعركة اليوم ليست بين الغرب والشرق، بل بين الإنسان والوحش الذي يلتهمه. إنها معركة لاستعادة الكرامة، للتضامن، لإعادة تعريف الحرية بما يعيد للإنسان إنسانيته.

***

خليل إبراهيم الحمداني

باحث في مجال حقوق الانسان

...................

المراجع:

- Adorno, Theodor, and Max Horkheimer. Dialectic of Enlightenment. 1944.

- Durkheim, Emile. Suicide: A Study in Sociology. 1897.

- Foucault, Michel. The Birth of Biopolitics: Lectures at the Collège de France, 1978–1979. Palgrave Macmillan, 2008.

- Harvey, David. A Brief History of Neoliberalism. Oxford University Press, 2005.

- Kant, Immanuel. Groundwork of the Metaphysics of Morals. 1785.

- Locke, John. Two Treatises of Government. 1690.

- Marx, Karl. Economic and Philosophic Manuscripts of 1844. Progress Publishers, 1959.

- Mbembe, Achille. On the Postcolony. University of California Press, 2001.

- Sen, Amartya. Development as Freedom. Oxford University Press, 1999.

- Taylor, Charles. Sources of the Self: The Making of the Modern Identity. Harvard University Press, 1989.

- Nussbaum, Martha. Creating Capabilities. Harvard University Press, 2011.

- Bauman, Zygmunt. Liquid Modernity. Polity, 2000.

- Touraine, Alain. Can We Live Together? Equality and Difference. Stanford University Press, 2000.

- الجابري، محمد عابد. الدين والدولة وتطبيق الشريعة.

- العروي، عبد الله. مفهوم الحرية.

- بن نبي، مالك. مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي.

الوعي المفرط هو حالة من التفكير والتحليل المبالغ فيه لكل شيء يحدث من حولنا وداخلنا، هو ليس مجرد تفكير، بل هو عملية مستمرة من التدقيق والتحليل النقدي لكل فكرة، كلمة، أو تصرف، هذا يؤدي إلى الشك المفرط في الذات، والقلق الدائم من المستقبل. (“العقلانية والوعي المفرط… مقبرة السعادة – كتابات” غالب المسعودي) الوعي المفرط يسرق القدرة على الاستمتاع باللحظة الحاضرة، بدلاً من أن نعيش اللحظة بكل تفاصيلها، نكون مشغولين بتحليلها، والبحث عن معانٍ خفية، أو القلق بشأن نتائجها، هذه العملية المستمرة من التفكير تضع حاجزًا بيننا وبين مشاعرنا الحقيقية، تجعلنا نعيش في حالة من القلق والتوتر الدائم، ما يمنعنا من الشعور بالسكينة والسلام الداخلي. كذلك  هي العقلانية المفرطة يمكن أن تؤدي إلى مجموعة من التحديات التي تمنعنا من تجربة الأمور بشكل أعمق، التفكير في الحياة والرغبة في عدم المخاطرة تحرمنا من فرص جديدة وممتعة، العقلانية والوعي المفرط يمكن أن يجعلانا نتجاهل مشاعرنا ما يمنعنا من التفاعل بعمق مع التجارب، لان التفكير العقلاني يدفع إلى التعامل مع الأمور بطريقة شكلية ورسمية ما يقلل من عمق التجربة، كما  ان الانشغال بالتفكير في العواقب أو التحليلات يمنعنا من الاستمتاع باللحظة الوجودية المتألقة، العقلانية المفرطة تتطلب وعيًا ذاتيًا ومراقبة دقيقة لتفكيرنا، وان  استخدام العقل والتفكير المنطقي بشكل كبير يؤدي إلى تجاهل العواطف والحدس، العقلانية تركز على التحليل الدقيق والتخطيط، ما يمنع الاستمتاع بتجارب الحياة وقد تؤدي الى اتخاذ قرارات غير دقيقة ومتعسفة. "فلاسفة مثل سارتر، أرسطو يرون ان التركيز المفرط على العقل يؤدي إلى فقدان المعنى، الحياة ليست دائمًا قابلة للفهم والتحليل، لذا يجب قبول عدم اليقين." (“العقلانية والوعي المفرط… مقبرة السعادة – كتابات-غالب المسعودي”) ان فكرة أن الكمال ليست قابلة للتحقيق كون البشر بطبيعتهم غير كاملين وهي فكرة عميقة. لان الناس غالبًا ما تسعى إلى الكمال في حياتهم المهنية أو علاقاتهم أو حتى في أنفسهم، لكن هذا السعي يؤدي إلى الإحباط، لان التجارب البشرية تشير الى الأخطاء والفشل، بدلاً من ذلك يجب أن نتقبل عيوبنا ونستفيد من الفشل، فلسفة بوذا تتضمن نفس الفكرة ،المعاناة تأتي من الرغبة في الكمال والقناعة بعدم الكمال يمكن أن يؤدي إلى تحقيق السلام الداخلي، كانط اعتبر الكمال يتمثل في السعي نحو الأخلاقية، وليس في تحقيق الكمال المطلق، نيتشه كان ناقدًا للعقلانية المفرطة، ورأى أن السعي للكمال يمكن أن يكون قيدًا، و دعا إلى قبول الفردية والاختلاف، مؤكدًا أن القوة الداخلية والتجربة الشخصية أهم من التطلعات المثالية، هايدغر اعتبر أن العقلانية المفرطة تقود إلى "نسيان الوجود"، رغم كونه عالم نفس، فإن أفكار فرويد حول العقل واللاوعي تشير إلى أن العقلانية ليست كل شيء، تجاربنا اللاواعية والعاطفية تلعب دورًا رئيسيًا في تكوين شخصياتنا، مما يعكس عدم إمكانية الوصول إلى الكمال، في كتابه (مبادئ)، يشير(داليو)* إلى أن الفشل جزء من النجاح، العقلانية وحدها لا تكفي، يجب أن نتعلم من أخطائنا لتحقيق التقدم. هذه الفلسفات تبحث في العلاقة بين العقلانية والكمال بطرق مختلفة، لكنها تشترك في التأكيد على أهمية القبول بعدم الكمال وتقدير التجارب الإنسانية.

العقلانية المفرطة

العقلانية المفرطة قد تتجلى في مختلف المجالات، مثل السياسة، الدين، أو حتى الحياة اليومية، مما يؤدي إلى تطوير قناعات صارمة اويتبنون آراء متشددة، رغم ذلك يلجأ البعض إلى العقلانية كوسيلة للتعامل مع مشاعر القلق أو عدم اليقين، الأزمات السياسية تؤدي إلى تراجع الأفراد نحو مواقف أكثر تشددًا، شهدت العديد من الحركات السياسية والاجتماعية تشددًا في الأفكار، مثل الحركات اليمينية المتطرفة، الأزمات التي مرت بها الدول في العقود الماضية ساهمت في ظهور حركات عقلانية متطرفة، العولمة أدت إلى تفاعل الثقافات، مما جعل بعض الأفراد يشعرون بالتهديد الهوياتي، مما عزز نوع من العقلانية المتطرفة. تتطلب معالجة العقلانية المفرطة فهماً عميقاً للأسباب التاريخية والاجتماعية، بالإضافة إلى استراتيجيات لتعزيز الحوار والتفاهم بين الأفراد والمجتمعات، العقلانية المفرطة هي حالة من التفكير أو السلوك يتم فيها تقديم المنطق والعقل على العواطف والقيم الإنسانية. تؤدي هذه العقلانية إلى اتخاذ قرارات قد تكون صحيحة من الناحية النظرية، ولكنها تفتقر إلى الجانب الإنساني.

الأسباب والتحليل

المجتمعات الحديثة تروج لقيم مثل النجاح والكفاءة، مما يؤدي إلى تقدير العقلانية بشكل مفرط، الاعتماد على البيانات والتكنولوجيا في اتخاذ القرارات يسهم في تعزيز العقلانية على حساب القيم الإنسانية. في ظل الضغوط الاقتصادية، يتجه الأفراد إلى اتخاذ قرارات عقلانية بحتة بهدف تحقيق النجاح المالي. تاريخيا شهد عصر التنوير تقدماً كبيراً في الفكر العقلاني، مما أثر على مجالات العلوم والفلسفة والسياسة وتطور الفكر العقلاني مع ظهور الفلسفات مثل الوضعية، التي اعتبرت أن المعرفة يجب أن تستند إلى الحقائق القابلة للاختبار لذا ساهمت العقلانية في عصر التنوير في تطوير العلوم والتكنولوجيا، مما أدى إلى اكتشافات غيرت مسار التاريخ مثل قوانين نيوتن في الفيزياء كما أدت إلى تشجيع التفكير النقدي والشك في المعتقدات التقليدية، مما ساهم في تطوير الفلسفة الحديثة. العقلانية ساعدت في صياغة مبادئ مثل الحرية، المساواة التي أصبحت أساسًا للأنظمة الديمقراطية الحديثة وأدت إلى إصلاحات في نظام الحكم، مثل إلغاء الملكية المطلقة وتأسيس حكومات تمثيلية، كما أدت الحاجة إلى الابتكار في الحروب أدت إلى تطورات تكنولوجية أثرت على الحياة المدنية بعد الحرب، كما ساهمت السياسات العقلانية في تطوير المدن وتحسين التخطيط الحضري، الذي أدى إلى إنشاء بنية تحتية حديثة. العقلانية أدت إلى زيادة الإنتاجية والنمو الاقتصادي في العديد من البلدان كما ساعدت العقلانية في تحسين الكفاءة الإنتاجية وتقليل التكاليف، مما ساهم في رفع مستوى المعيشة وصياغة سياسات اقتصادية مدروسة يتجلى فيها التحليل الدقيق للبيانات، الذي أدى إلى استجابة أفضل للأزمات الاقتصادية، تظهر هذه الأمثلة أن العقلانية يمكن أن تؤدي إلى آثار إيجابية كبيرة عندما يتم استخدامها بشكل متوازن، مما يسهم في التقدم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

الاثار السلبية للعقلانية

استخدام العقلانية لتبرير السياسات القاسية أو التمييزية، وتجاهل القيم الإنسانية والأخلاقية والترويج للأيديولوجيات المتطرفة، يؤدي إلى تعزيز أيديولوجيات متشددة، و تجاهل تنوع الآراء .ان الذكاء الاصطناعي يستخدم خوارزميات تعتمد على العقلانية فقط في اتخاذ القرارات مما يؤدي إلى تحيزات مقصودة، تؤثر سلبًا على الأفراد والمجتمعات، الاعتماد المفرط على البيانات يتجاهل الجوانب الإنسانية في تطوير التكنولوجيا ويؤدي إلى منتجات غير فعالة أو غير مريحة للمستخدمين ،تظهر هذه الأمثلة كيف يمكن أن يؤدي الاستخدام غير المتوازن للعقلانية إلى نتائج سلبية تؤثر على الأبعاد الإنسانية والاجتماعية، مما يستدعي ضرورة تحقيق توازن بين العقلانية والعواطف والقيم. الفكرة ليست في أن تتوقف عن أن تكون أفضل، بل أن تغير نظرتك للتقدم. بدلاً من السعي للكمال تكون المحاولة إلى التحسن المستمر بدلاً من أن تتعثر في محاولة الوصول إلى شيء مستحيل.

جان بول سارتر

تتخذ الوجودية من الإنسان موضوعًا لها، وترتبط بالإنسان كفرد حي، وتتفق على أنه لا يوجد هدف واحد أو حقيقة واحدة يعيش من أجلها الجميع، ولكل فرد الحق والحرية في اختيار الحياة التي يرغبها.

أرسطو

يرى أرسطو أن العقل هو الجزء الأشرف والأكمل في النفس، ويعمل على انتزاع الصورة الكلية الموجودة في الماديات.

نيتشه

رأى أن العقلانية التي تدعي معرفة كل شيء تتعارض مع حقيقة الوجود المتنوعة. واعتبر أن الاعتقاد السائد بقدرة العقل الإنساني على الوصول إلى معرفة يقينية وانسجام أخلاقي هو وهم.

***

غالب المسعودي

...............

كتاب "المبادئ" (Principles)

راي داليو هو عمل يتناول فلسفته الشخصية والمهنية، ويقدم مجموعة من القيم والأفكار التي شكلت نجاحه في الحياة والأعمال

بادئ ذي بدء، وجَب أن أحدد نطاق النوع الكتابي محلّ الطرح في مقالي؛ تجنبا لأي تعسّف في التأويل، إذْ لست أتناول - على سبيل المثال - هنا نوعية الكتابات ذات الصلة ببيئة الأعمال من قبيل رسائل البريد الإلكتروني، والردود التلقائية، وغيرها الكثير، فتوظيف الذكاء الاصطناعي لتسهيل وإجادة الكتابة المهنية بات ركنا محوريا في بيئة العمل المعاصرة، وإنما أركز على الأعمال الكتابية التي يتم تصديرها بما هي كتابات إبداعية من حُرّ قلم صاحبها، وعلى رأسها المقالات والكتب.

لَـمِن نافلة القول توضيح كيف أنّ انبثاق عصر الذكاء الاصطناعي كان بمثابة طوقِ نجاة للكاتب المزيّف الذي تعوزُه مَلَكَة الكتابة، والفتحِ المبين لادّعاء امتلاك القلم لمن ليس من أهله لا من قبيل ولا من دبير، ومع الخيل يا شقراء! فالإنابة هي بمثابة العنوان العريض للعلاقة المشبوهة بين الكاتب المزيّف وبين تطبيقات الذكاء الاصطناعي، فبمجرد إصدار أمر كتابي لكتابة مقال بعدد كلمات معينة في موضوع محدد وبتأطير معين، يحوزُ الكاتب المزيّف مقالا من سوق الذكاء الاصطناعي في غضون ثوانٍ، ثم كل ما عليه فعله هو أن يكلّف نفسه بتصدير مقاله المفترى باسمه لا غير! وبعد عدة مقالات وكتُب على هذه الشاكلة يكون مشمولا بضمير المخاطَب حين يشار للكتّاب، ولاحقا ينضمّ حتى لقافلة المثقفين والمفكرين!

ولكن إذا كان الأمر على هذا النحو، فالسؤال الذي يفرض نفسه في هذا الطرح هو: كيف يكون الذكاء الاصطناعي لعنة على الكاتب الحقيقي إذن؟ وهُنا أجدني مضطرا لأصدّر إجابتي بتمهيد قبل أن ألِجَ في صلب الموضوع، فإذا كانت الإنابة هي السمة الناضحة من علاقة الكاتب المزيّف بتطبيقات الذكاء الاصطناعي كما تم تبيانه آنفا، فإن الاستثمار المتّزن هو المحدد الدقيق لطريقة توظيف الذكاء الاصطناعي من قِبل الكاتب الحقيقي، فهو يتعاطى معه بما هو أداة مساعدة، لا تعدو حدودها نقد النص من حيث الصياغة والفحوى والتسلسل…إلخ، والعصف الذهني في توليد الأفكار المتفرّعة، واقتراح مرادفات ألصق بالسياق، ونحو ذلك من أوجه الاستثمار المعقول، الذي لا يعقبه انزياح دور الأداة إلى دور الفاعل بالكليّة كما هو الحال المقزّز لدى الكاتب المزيّف.

بعد هذا التمهيد الذي كان لا بد منه أجيب على السؤال المطروح السابق فأقول: في خضمّ اليُسر الذي مكّن شريحة واسعة من المدّعين من لَبوس الكتابة، فَقَدَ جمهور القراء ثقته - أو يكاد - في مصداقية عَزْو كثير من النصوص لأصحابها، وهذا له تداعياته الكارثية من حيث سلب السطوة التأثيرية للعمل الكتابي، وإن كان الكاتب الحقيقي ما قبل عصر الذكاء الاصطناعي له جمهوره الذين يعرفون أسلوبه الكتابي، وأقلّ - إلى حدٍ ما - تأثرا بنظرة الاتهام التي بدأت تسود وتلوكها الألسن هامسة، إلا أنّ هذا لا يشمل بالضرورة جمهوره المستقبلي المحتمَل طبعا! كما أنّ الكاتب الحقيقي الذي سيظهر في الفترة المقبلة أو ما زال برعما يحاول إيجاد موضع لنفسه، سيجد صعوبة بالغة في إثبات قلمه بسبب الاحتمالية المتزايدة لانتحال النصوص المولّدة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ومن الطبيعي ألا تعود نظرة المجتمع للإنتاج الأدبي للكاتب لسابق عهدها قبل عصر الذكاء الاصطناعي.

وللناظر المهتم بهذا القطاع يدرك - أيّما إدراك - البَون الشاسع بين إثبات الانتحال من كتابات الآخرين، وبين إثباته باعتبار العمل الكتابي منتَجا بالذكاء الاصطناعي، ففي الأول يكفي لإثبات الانتحالِ الإشارةُ لموضع النص الأصلي السابق زمنا على النص المنتحَل، بدرجة لا يتأتّى فيها قبول حجم التخاطر الصياغي بأي شكل من الأشكال، أما في الثاني فالأمر عسير جدا في الكتابات باللغة العربية، مالم يكن مكتوبا بشكل كلي أو شبه كلي بالذكاء الاصطناعي.

ومن الطبيعي - والحال كما بيّنت - أن تقوم المؤسسات الثقافية والإعلامية المعنية بنشر الكتب والمقالات بتصعيد وتيرة الفحص تجنّبا من تلطيخ سمعتها من نشر كتابات من إنتاج الذكاء الاصطناعي، ونتيجة لذلك ينكشف عُوار الكثير من الكتابات بما هي مُدّعاة ومختلَقة وليست نتاجا أصيلا، إلا أنه في عملية الغربلة هذه تُستبعد أيضا كتابات ذات أسلوب رصين عالٍ؛ لشبهة توليد الذكاء الاصطناعي، وهنا تكمن كُبرى لعنات الذكاء الاصطناعي المسلّطة على القلم الحقيقي إذْ يُجهِد ذهنَه لإبداع عمل كتابي فريد مُردِفا نهارَه بليله؛ بُغية أن يشارك العالَم ما يعِنّ في خاطره، ثم يعْلَق في غربلة مجحفة كرصاصة طائشة تصيب المتهم والبريء على حدٍ سواء.

وهذا الاستبعاد لبعض الأعمال الكتابية العميقة ناتج من قصور أدوات الاختبار وعدم دقتها، وارتفاع هامش الخطأ فيها فيما يتعلق بنصوص اللغة العربية، فتطبيقات الذكاء الاصطناعي ما هي إلا نماذج لغوية إلكترونية مبنية على البيانات المدخلة، والمتخصص يدرك حجم أخطاء هذه التطبيقات حين يتعلق الأمر على وجه التحديد باللغة العربية، وعموما فمجرّد سؤال هذه التطبيقات عما إذا كان نص عربي ما مولّدا بالذكاء الاصطناعي، لن يوصلنا إلى إجابة دقيقة أبدا، وثغرات الذكاء الاصطناعي جلية في إجاباته الخاطئة بشكل عام، وهذا أمر ليس بخافٍ بل مبرمجو هذه التطبيقات لا يجدون غضاضة في تأكيد ذلك، وعمل هذه النماذج اللغوية الذكية قائم على التعلّم الذاتي المستمرّ، فمثلا عند تصفّح (Gemini) برنامج الذكاء الاصطناعي المنبثق من شركة (Googl) تجد في أسفل الواجهة عبارة: (Gemini can mistakes, so double-check it) أي: انظر مليًا في الإجابات؛ فواردٌ جدا ارتكاب الأخطاء.

إنّ التهوّر في ردّ كتابات عميقة لشبهة توليد الذكاء الاصطناعي نذير شؤم حقيقي للكاتب الحقيقي وخصوصا الكتّاب قيد النشأة أو مَن يَقدُم منهم مستقبلا، ورعونة رفض كتاباتهم في ظل عدم وجود أدوات اختبارية تطمئن النفس إلى مستوى دقّتها ينتج عنه هجرة الأقلام إلى مؤسسات ثقافية وإعلامية أخرى، فتصدّق المثل العُماني القائل مُكرَهَةً لا طائعة: (نخلة المسفاة تْحِتّ بعيد) أي: رطب نخلة منطقة المسفاة تسقط بعيدا عنها، في إشارة إلى أن خيرها لغير منطقتها!، وقد تصل النتائج الوخيمة لإصابة الكتّاب الحقيقيين بإحباط شديد، فينكسر فيهم شيء لا يعود، فلا تقوم لإبداعهم قائمة، ناهيك عن احتمالية تفشّي ظاهرة الرداءة الكتابية؛ لسبب وجيه هو أنه لا يُشتبه في كتابات من هذا النوع بالشبهة المذكورة، فحين تصبح هذه الشبهة بلا أدلة دامغة هي المعيار فأبشر بكتابات هزيلة لا تساوي قيمة حبر كتابتها، وكأنّ جريرة الكتابة العميقة في ظل هذا الاتهام هو عمقها!

ولذا أدعو جادا المؤسسات الثقافية والإعلامية للإسراع في التعاون مع أهل الاختصاص بالذكاء الاصطناعي لوضع أدوات معيارية دقيقة إلى أقصى درجة ممكنة، بحيث يكون هامش الخطأ في أدنى مستوياته، وبهذا نضمن إلى حد كبير عدم ولوج كتابات منتحلة بالذكاء الاصطناعي، وكذلك في الوقت نفسه ردّ الاعتبار للكتابات الأصيلة ذات المستوى العالي من الرصانة اللغوية والسبك الصياغي والمحتوى الحقيقي.

مؤسفٌ ألّا تكفي الكاتب الحقيقي اللعنات التي تصليهم بها الحياة بين الفينة والأخرى - والكتّاب الحقيقيون على معرفة جيدة بلعناتهم - حتى تأتيهم لعنة بهذا الحجم، وكأنّ الكاتب الحقيقي تنقصه لعنة بما هي القشة التي تقصم ظهر البعير! ولكن كما هو الحال في نَفَس (الشيف) في الطبخ - على الأقل كما هو سائد في انطباعنا - فلكل (شيف) نفَسه الذي يُعرف به، هكذا الحال مع الكاتب الحقيقي، فرهانه على نَفَسه الأصيل في الكتابة، والكتابة الزائفة كزبد البحر يذهب جُفاء ولو بعد حين.

فطوبى للكتّاب المزيفين إنجازاتهم الكتابية المزيفة، فأقلامهم لا تبات ليلها فخورة، بل تصلى نار العار حين تخلو بنفسها بدون الأقنعة التي منحهم إياها الذكاء الاصطناعي، أما الكتاب الحقيقيون فليواصلوا التجديف بأقلامهم، فبحار الكتابة تَعرفهم بسيماهم!

***

محمـــد سيـــف

دراسة مقارنة في المذاهب الإسلامية حول السلطة والمعرفة

الملخص: تسعى هذه الورقة إلى تحليل مفهوم "الحق" في الفكر الإسلامي من خلال مقارنة منهجية موسعة بين عدد من المدارس والمذاهب الإسلامية، بدءًا من السنية والشيعية، ثم المعتزلة، والصوفية، والأشاعرة، والفلاسفة.

وتركز الورقة على حديث: "الحق مع علي، والحق يدور معه حيث دار"، ومقولة الإمام علي: "اعرف الحق تعرف أهله، ولا يعرف الحق بالرجال"، باعتبارهما مفتاحين لقراءة الخلاف المنهجي بين الفرق في تحديد مصدر الحق، وأثر الانتماء المذهبي على تبني أو رفض النصوص.

المقدمة

في مَهبِّ الجدل بين النص والعقل، وبين الاتباع والتأويل، تبرز ثنائية "الحق والرجل" بوصفها من أعقد الثنائيات في الفكر الإسلامي. هل يُعرف الحق بالرجل؟ أم يُعرف الرجل بالحق؟ وهل يتبع النص الإمام، أم يتبع الإمام النص؟ أسئلةٌ ظلت معلقة بين أجيال العلماء، تتقاذفها المذاهب والمدارس، ويُعاد إنتاجها مع كل جولة خلاف جديدة.

تسعى هذه الورقة للإجابة عن سؤال مركزي: هل الأشخاص هم مرآة الحق، أم أن الحق هو الميزان الذي يُعرف به الأشخاص؟ ومن هنا، تصبح دراسة حديث: "الحق مع علي، والحق يدور معه حيث دار"، ومقولة: "اعرف الحق تعرف أهله، ولا يُعرف الحق بالرجال"، أكثر من مجرد تحقيقٍ سنديّ أو تحليل لغوي؛ إنها مدخلٌ إلى الكشف عن بُنية العقل المذهبي، وكيف صاغت كل مدرسة رؤيتها للحق انطلاقًا من مرجعياتها العقائدية والمعرفية.

الغرض من هذه الورقة هو تقديم هذا التنوع في التأويلات بوصفه رصيدًا معرفيًا ثمينًا لا تهديدًا للوحدة، وإظهار كيف أن الخلاف لم يكن دائمًا نتيجة تعصب، بل كثيرًا ما كان انعكاسًا لطبيعة الأدوات التي تبنتها كل مدرسة.

خلفية الحديثين وتاريخ توظيفهما

حديث "الحق مع علي":

أوردته كتب: الحاكم في المستدرك (ج3 ص129)، الطبراني في المعجم الأوسط (ج6 ص221)، الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (ج14 ص321)، ابن المغازلي في مناقب علي (ص115)، وغيرهم.

في المصادر الشيعية: الكليني في الكافي، الصدوق في علل الشرائع، المجلسي في البحار، الطبرسي في الاحتجاج.

أقوال العلماء:

السنة: الحاكم قال عنه: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، لكن الذهبي في التلخيص قال: "بل فيه انقطاع".

أما ابن تيمية فقال في منهاج السنة (7/137): "الحديث كذب، أو موضوع، والحق لا يدور مع أحد بل يُعرف بدليله"، جامعًا بين نقد السند ورفض المنهج.

الشيعة: اعتمدوه في إثبات الإمامة، كما فعل الشيخ المفيد في الإرشاد (ج1 ص219)، والعلامة المجلسي في البحار (ج29 ص302).

مقولة "اعرف الحق تعرف أهله":

رواها الجاحظ في البيان والتبيين (ج2 ص60)، وابن عبد البر في التمهيد (ج6 ص97)، وشرحها ابن أبي الحديد في شرح النهج (ج2 ص175).

وغالبًا ما يُستشهد بها في الخطابات العقلانية والفلسفية كأداة لتجاوز الشخصنة، وتُفسر بأن الدليل هو الطريق إلى الحكم على الرجال.

التحليل اللغوي والمنهجي

الحديث يجعل عليًّا والحق في علاقة دوران: فمن الذي يدور؟

لغويًا: علي هو الثابت، والحق يدور معه، أي أنه يتمحور حوله.

ابن تيمية رفض هذا المعنى، وقال: "الحق لا يدور مع الرجال، بل يُعرف بالدليل، ومن وافقه كان معه، لا أن الحق يتبع الأشخاص".

المفارقة: مقولة علي نفسه تنقض هذا المعنى إذا فُهم حرفيًا، مما يفتح المجال لتعدد القراءات.

المواقف المذهبية والفكرية

1. المدرسة السنية الأصولية

رفض الحديث لضعف سنده: قال الذهبي في تلخيص المستدرك: "فيه انقطاع، وفي متنه نكارة".

الشاطبي في الموافقات (ج5 ص51): استخدم قول علي كقاعدة في الرد على التعصب المذهبي.

الغزالي في المنقذ من الضلال ص55: "إني نظرت فرأيت تقليدي في الدين كفري بديني، فرجعت إلى النظر والاستدلال".

ابن القيم في إعلام الموقعين (ج1 ص39): "الحق يعرف بدليله لا بقائله، ومن جهل هذا ضل".

تحليل: السنة الأصوليون جعلوا الحق مستقلًا عن الأشخاص، مفضلين الدليل على المرجعية الفردية.

2. المدرسة الشيعية

أ-الأصولية:

الشيخ الطوسي في العدة في الأصول: يرى أن الإمامة لا تُثبت بالعقل وحده بل بالنص.

العلامة الحلي في نهج الحق وكشف الصدق (ص247): "إن قول النبي: الحق مع علي، دليل على عصمته؛ لأن الحق لا يفارقه".

السيد الخوئي في البيان في تفسير القرآن (ص252): يفسر أن الإمام هو المتحد مع الحق ذاتًا.

ب- الإخبارية:

محمد أمين الاسترآبادي في الفوائد المدنية ص22: رفض العقل أصلًا كمصدر للمعرفة، واعتبر أن النصوص وحدها تهدي إلى الحق.

يوسف البحراني في الحدائق الناضرة (ج1 ص18): اعتبر أن "الأقوال التي تُنسب لعلي يجب أخذها وفق ظاهرها دون قياس أو تأويل".

تحليل: المدرسة الأصولية ربطت الحق بالإمام كنص ومعصوم، بينما الإخبارية ربطته بالنصوص وحدها.

3. المعتزلة

الجاحظ في الرد على النصارى (ص35): "الحق لا يُعرف بالآباء ولا المشايخ، ولكن بالدليل، فمن وافقه كان من أهله وإن جهل الناس".

النظام: "الحق لا يكون تبعًا للأشخاص وإنما الأشخاص هم أتباع للحق ما داموا عليه".

القاضي عبد الجبار في شرح الأصول الخمسة (ص179): "إثبات العصمة لا يجوز إلا بالبرهان، ولا يُستدل عليه بالأقوال المنسوبة".

تحليل: المعتزلة أبرزوا مركزية العقل كميزان للحق، بعيدًا عن الأشخاص.

4. الصوفية

ابن عربي في الفتوحات المكية (ج1 ص290): "علي باب المدينة، ومن دخل من بابه وجد الحق في باطنه".

عبد القادر الجيلاني في الفتح الرباني (مجلس 16): "علي كان حجة الله في أهل زمانه، لأنه غلب الهوى واتبع الحق ظاهرًا وباطنًا".

السهروردي في عوارف المعارف (ص142): "الولي الكامل هو الذي لا يفترق عن الحق لا ظاهرًا ولا باطنًا، ومثال ذلك علي بن أبي طالب".

تحليل: المتصوفة ركزوا على البعد الروحي، فرأوا علي تجليًا للحق الباطني لا السياسي. ويُلاحظ أن بعض المتصوفة ربط بين علي وتجلي الحق الباطني دون أن يضفوا على الحديث بعدًا عقديًا كما فعلت المدرسة الشيعية.

5. الأشاعرة

الجويني في الإرشاد (ص307): رفض الاعتماد على الأخبار الآحاد في الأصول، واعتبر أن الحكم على الرجال يتبع ثبوت الحق لا العكس.

الغزالي في الاقتصاد في الاعتقاد (ص83): "إذا دار الأمر بين الحق والداعية إليه، فالواجب أن يُرجع إلى الدليل، لا إلى صدق الرجل وحده".

الرازي في أساس التقديس (ص141): "العقل أصل في إدراك العقائد، فلا يُبنى على أخبار غير متواترة، ولو كانت من أفاضل الصحابة".

تحليل: الأشاعرة اقتربوا من المعتزلة في تقديم العقل والدليل، مع تحفظهم على النصوص غير المتواترة.

6. الفلاسفة المسلمون

ابن سينا في النجاة (ص112): "البرهان هو ميزان المعرفة، ولا يُقبل قولٌ بلا دليل، ولو كان من المعصومين".

ابن رشد في فصل المقال (ص25): "الحق لا يضاد الحق، وإنما يُعرف ببرهانه، فإن وافقه النقل كان تأويله واجبًا".

الفارابي في المدينة الفاضلة (ص119): "الحاكم هو من عرف الحق، لا من كان تابعًا لسلطة أو إرث".

تحليل: الفلاسفة حرروا مفهوم الحق من الارتباط بالشخصيات، وجعلوه برهانيًا وعقليًا خالصًا. وقد اتجه الفلاسفة إلى تحرير مفهوم الحق من أي التباس بين الشخصي والمطلق، معتبرين أن المعرفة لا تتقوم بالرجال بل بالحجة.

الخاتمة

يُظهر التحليل أن فهم "الحق" في التراث الإسلامي لا ينفصل عن المنهج المعرفي والخلفية المذهبية. وبينما تميل مدارس كالمعتزلة والفلاسفة إلى تجريد الحق من الأشخاص، فإن مدارس أخرى كالإخبارية والطرق الصوفية تربط بين تجلي الحق والأشخاص بشكل وثيق.

هذا التباين لا ينبغي أن يُقرأ كاتهام أو تقييم، بل بوصفه تنوعًا فكريًا ثريًا يعكس عمق التجربة الإسلامية في التعامل مع النص والحقيقة.

إن الغرض من هذه الورقة ليس التفضيل أو الإدانة، وإنما عرض هذا الاختلاف بصفته رصيدًا معرفيًا مهمًا، يُظهر كيف قامت كل مدرسة ببناء تصوراتها عن الحق من خلال أدواتها المعرفية، ومنطلقاتها العقائدية، وظروفها التاريخية.

فكما أن تنوع الرؤى في أي حقل علمي هو علامة حيوية، فإن تعدد القراءات في التراث الإسلامي يمثل فرصة لفهمٍ أوسع، لا تهديدًا للوحدة.

المشكلة لا تكمن في الاختلاف ذاته، بل في تحوله إلى تعصبٍ مذهبي وجمودٍ فكري، حين يظن أتباع كل مذهب أنهم وحدهم يملكون الحقيقة المطلقة، وينفون عن غيرهم حتى شبهة الاقتراب منها. أما المتواضعون في طلب المعرفة، فإنهم يرون في اختلاف الآراء أبوابًا للحوار، لا متاريس للصراع.

إن أحد الأهداف الكبرى لهذا البحث هو التأكيد على أن الاعتراف بالاختلاف وتعدد طرق الفهم ليس عائقًا أمام التعايش السلمي، بل هو شرط من شروطه. فالمجتمعات التي تحترم تنوع الآراء والمذاهب هي القادرة على بناء دولٍ مستقرة، تحتضن الإنسان كقيمة مركزية، وتؤمن له الكرامة والحرية، وتُفسح المجال أمام النهضة والتقدم الحضاري.

هذه الورقة دعوة للتواضع المعرفي، لاحترام الآخر المختلف، وللتوقف عن اختزال الحق في جماعة أو شخص أو مذهب. وهي دعوة لمراجعة الذات قبل محاكمة الآخرين، وإدراك أن الحق إن لم يُعرف بالحوار والعقل، ضاع في زوايا الاحتكار والصراع.

ولعل أول خطوة نحو فهم مشترك للحق هي أن نعترف بأن البحث عنه لا يكون في أحاديات اليقين، بل في فضاء السؤال والاحتمال.

***

محمد ساجت السليطي - كاتب وباحث عراقي

........................

المصادر والمراجع

1. الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين. دار المعرفة.

2. الطبراني، المعجم الأوسط. تحقيق: طلال أبو النور.

3. الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد. دار الكتب العلمية.

4. ابن المغازلي، مناقب الإمام علي. مؤسسة البلاغ.

5. الكليني، الكافي. دار الكتب الإسلامية.

6. الشيخ المفيد، الإرشاد. دار المفيد.

7. المجلسي، بحار الأنوار. مؤسسة الوفاء.

8. الطبرسي، الاحتجاج. منشورات المكتبة الحيدرية.

9. الذهبي، تلخيص المستدرك. دار الكتب العلمية.

10. ابن تيمية، منهاج السنة النبوية. مؤسسة قرطبة.

11. الجاحظ، البيان والتبيين. دار الفكر.

12. ابن عبد البر، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد. وزارة الأوقاف المغربية.

13. ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة. دار إحياء الكتب العربية.

14. الشاطبي، الموافقات. دار ابن عفان.

15. الغزالي، المنقذ من الضلال. دار المنار.

16. ابن القيم، إعلام الموقعين. دار ابن الجوزي.

17. الشيخ الطوسي، العدة في الأصول. مؤسسة آل البيت.

18. العلامة الحلي، نهج الحق وكشف الصدق. مركز الأبحاث العقائدية.

19. السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن. مؤسسة الإمام الخوئي.

20. محمد أمين الاسترآبادي، الفوائد المدنية. طبعة حجرية.

21. يوسف البحراني، الحدائق الناضرة. مؤسسة النشر الإسلامي.

22. القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة. دار التنوير.

23. ابن عربي، الفتوحات المكية. الهيئة المصرية العامة.

24. عبد القادر الجيلاني، الفتح الرباني. دار المعرفة.

25. السهروردي، عوارف المعارف. دار الكتب العلمية.

26. الجويني، الإرشاد. دار الكتاب العربي.

27. الفخر الرازي، أساس التقديس. دار الكتب العلمية.

28. ابن سينا، النجاة. دار الآفاق.

29. ابن رشد، فصل المقال. دار الجيل.

30. الفارابي، المدينة الفاضلة. دار المشرق.

31. عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد. دار الفكر.

32. محمد عبده، الأعمال الكاملة. الهيئة العامة.

33.  علي عبد الرازق الإسلام وأصول الحكم الهيئة المصرية العامة.

34.  مالك بن نبي، شروط النهضة دار الفكر.

35. عبد الكريم سروش القبض والبسط في الشريعة مركز الحوار الثقافي.

لما كان المقصد الأول للأخلاق التطبيقية هو الإصلاح العملي من أجل تقويم الفساد بكل أشكاله كما هو الحال في (أخلاقيات البيئة)، ورفع مستوى الإداء الأخلاقي للفعل الإنساني بعامة والمكلفين بأعمال بعينها مثل (الأخلاقيات المهنية) بخاصّة؛ بات لزامًا على الفلاسفة قدماء كانوا أو محدثين إعداد غرابيلهم لتنقية الوافد من الأفكار – تراثية كانت أو من ثقافات مغايرة – لنقض ما تحتويه من أكاذيب ضارة بصالح المجتمع ومغايرة في الوقت نفسه، للقوانين واللوائح اللازمة للأداء المهني لكي تتحقق الغاية منه.

وقد اشترط الحكماء أن تكون غرابيلهم هي المعيار الأوحد للالتزام الخُلقي في هذا السياق العملي التطبيقي بغض النظر عمّا يطلق عليه الأخلاقيات العامة المستمدة من الموروث الشعبي أو المعتقد العقدي أو الدساتير الدوليّة أو من الانطباعات الشخصية الإلهامات الفرديّة أو من القناعات المعرفية أيضًا فلا يجوز مثلًا (إهمال الشائعات التي تنشر في الرأي العام عن احتمال وجود زلازل أو انتشار أحد المكروبات أو انفجار أحد المفاعلات النوويّة) بحجة أن الحكومة عاجزة عن التأكد من كذب هذا الخبر أو تصديقه أو رغبة المسؤولين في تهدئة الجمهور وعدم ترويعه. كما لا يجوز للقضاة إخضاع بعض أحكامهم فيما يعرض عليهم من قضايا رحمة بالجاني أو خشية من سطوته ومكانته أو لكثرة اتباعه بل يجب عليهم الالتزام بالنصوص القانونية وخبرتهم العملية فحسب. وعلى الرغم من اختلاف سعة أو ضيق ثقوب الغرابيل من مجتمع إلى آخر؛ فإن الفلاسفة انصرفوا عن هذا النهج أو ذلك المعيار الإلزامي مضحيين بقيم تدرجها الأخلاقيات العامة ضمن الفضائل فعلى سبيل المثال يبيح فلاسفة الأخلاق التطبيقية معاقبة كل من تسبب بعمد أو غير عمد في إفساد البيئة الطبيعية أو الثقافة السائدة، وإن كان الفاعل قام بالفعل في شيء يملكه، كما تجور على حرية المعنيين بمخاطبة الجمهور (الصحفيين، والفنانين، والمعلمين) إذا ما تسبب بوحهم بآرائهم الخاصّة في الإخلال بالأمن العام أو التشكيك في ثابت من مقومات البنية العقدية أو الوحدة القومية أو القوة الحاكمة الموثوق في وطنيتها وصدق مقاصدها.

ولا يفوتنا اليوم التنبيه على ضرورة اجتهاد أصحاب الغرابيل في تحديث معايير أحكامهم على نتاج غرابيلهم؛ فالكذب الذي نحارب به الآن معقد في تركيبه، مخادع في خطابه، محترفٌ في تدليسه إلى درجة لا تمكن الفلاسفة وحدهم من فضح خطاباته التي صيغت أنساقها على يد خبراء في الخداع والتعمية والتجهيل، وأسست أحاجيه ومبرراته من قبل معاهد وأقسام قامت بتطوير (المنطق الضبابي، منطق متعدد القيم، المنطق المائي) وأشهر ما أنتجته هو الذكاء الاصطناعي وعلم البرمجيات، ويعني ذلك أن غرابيل الفلاسفة المعاصرين يجب أن تكون قادرة على استيعاب هاتيك الحيل والأقنعة الشيطانية التي تلقى في الفضاء المعرفي فتربك العقل الناقد وتخدع المناطقة التقليديين؛ الأمر الذي يدفعنا إلى إعادة قراءة شذرات هرقليطس (نحو 535:475ق.م)  الملغزة ولاسيما تلك التي قال فيها (إذا لم تتوقع ما لا يمكن توقعه لن تصل للحقيقة التي تحب التخفي والتواري خلف الأقنعة وإذا كان للصدق مكانة عالية فاعلم أن مقامه كان وليد صراع وتصاول مع الكذب) وعلى نفس الدرب نجد الأديب الفرنسي آندريه جيد (1951:1869)(يؤكد أن الكذوب هو الذي يضع خداعه في قلبه وعقله بوصفه عين اليقين).

وها هو الفيلسوف البريطاني برتراند راسل (1970:1872) ينبه الأذهان والمشاعر ناصحًا (إذا كان قول الصدق والمصارحة وكشف المستور يؤلم بعض الناس فإنّ السكوت بصحة الأكاذيب سوف يقتلهم بدم بارد فانجوا بأنفسكم من الإفك الذي اعتزم مداهمة عقولكم). على أن تكون هذه الأقوال هي الابجديات التي ينبغي على صناع الغرابيل هضمها واستيعاب أبعادها العملية.

ومن الضروري أيضًا التنبيه على أن أساليب العلاج وصنوفه تختلف باختلاف حالة المريض -أي المجتمع الذي يعاني من تفشي آفات الكذب فيه - ومن ثم فلا يمكن لأصحاب الغرابيل الادعاء بأنهم قادرون على اقتلاع الكذب من حياة المجتمعات العملية بل يكفيهم تدريب أهل الرأي والمثقفين الذين يجيدون مخاطبة العوام بالقدر الذي يفهمونه من صور الحقيقة ومكائد الكذابين فليس من المستطاع تغيير أخلاق مجتمع ما دفعة واحدة بضربة عصا سحرية، وإن كان لديه علم الكتاب.

تلك كانت لمحات وعبرات عن فلسفة الكذب وفي السطور التالية أدعوك عزيزي القارئ لإمعان النظر في غرابيل الفلاسفة التي ظهرت في صور عدة (النصح، الالزام، الحث على التدبر، التحريض على التصاول، الاجتهاد في التناظر والتثاقف، كشف المخبأ وفضح المستور، مناصرة الصدق ومؤازرة الحق) وأدعوك أيضًا لفحص مبررات الساسة ورجال الدين والحكماء والحاكمين الذين قبلوا صور من الأكاذيب وصبروا على مكائد الخائنين وزيف ادعاءات المتجبرين مفضلين العمل بفقه الضرورة مخافة الوقوع في شر أعظم ومخاطر لا قبل لهم بها. 

***

فليس هناك أحكم من إمام فلاسفة العالم هرمس أو تحوت أو أدريس (نحو 1500 ق.م) في حديثه عن الكذب اعلم يا بني (أن الكذب عماءً وظلمة تحول بين القلب والعقل وادراكهما للنور الإلهي وهو الإفك والضلال والخيانة والزيف والتلبيس وغير ذلك من الصور التي تخدع الابصار والآذان غير أن أصحاب البصائر وحدهم لا يفتنون بتلك الأوهام الشيطانية، ولا يخدعون بأقنعته الخفيّة وهو الزور المخادع الذي لا يقوى على مجابهة الصدق والحق والبرهان واليقين؛ لأنه أضعف منهم جميعًا رغم عظم دهائه وكثرة حيله  وهو الدنس الذي يصيب السرائر واللسان ويحرمهما من التطهر الروحي ونقاء العرفان).

(واحذر المداهمين والمنافقين الذين تطرب لهم الآذان وترتاب في غير حديثهم العقول؛ ففي صحبتهم الخسران وهلاك الضمائر التي يسكرها ريائهم وحبكة دهائهم).

وجاء في القصص الأوزيريّة (أن خداع الكذب لأعين العدالة سرعان ما ينكشف سحر مكائده، وذلك بعد نجاح الصدق في فضح المستور وإزالة غشاوة السحر الذي نفثه الكذوب لإخفاء ألاعيبه الشيطانية؛ فالمراد من الحكاية أن الصدق سوف ينتصر ويسترد مقامه الرفيع وإن غلبه الكذب تحت ظلمة الجهل ودهاء الليل الحالك).

وفي قصة أخرى يؤكد أيزوريس (أن من يصدق حديث الكذاب لا يحصد سوى الندم على عجزه عن كشف الباطل الذي ألبسه الكذوب لباس الحق).

وفي رسالة من أمحوتب إلى أخناتون عن الصداقة جاء فيها : (إنّ الصدق هو من أوائل المقومات الأساسية لسلامة المجتمع وصحة العلاقات بين الأفراد وذلك لأنه الحافز على الاستقامة والإخلاص والثقة والتعاون والابتعاد عن الشرور؛ وإذا كان الصدق قول وفعل وأخبار عن معتقد حق فمجاله الصداقة وغايته تحقيق التآلف والتقارب وتدعيم ثقة المرء بنفسه وغيره. أمّا الكذب فهو نقيض ذلك فيجب اجتنابه).

ويقول بوذا (نحو 623 ق.م) (إنّ الكذب والجشع والكراهية من أكثر السموم فتكًا بالاستنارة العقلية والطهارة الروحية والقناعة الإنسانية) (إن من لا يخجل من آثام الكذب قد حرم نفسه من الصدق وأرتضى أن يلبس ثوب الخداع في كل أطوار حياته).    

ويبدو في أشكال الغرابيل السابقة التي حملتها أقوال الحكماء أنها تجمع بين النهج التلقيني والتوجيهي معًا وتحريض العقل على استنباط الحكمة الكامنة في الخطاب الوعظي أو الحديث القصصي . ولعل هذا الدرب يمثل الغرابيل الأولى التي اصطنعها الحكماء لتنبيه الأذهان للمكائد والشرور التي يحملها الكذب لتزوير الحقائق وخداع الحواس.

وللحديث بقيّة عن تنبيهات فلاسفة الشرق إلى المخاطر التي تتولد عن الكذب باعتباره إحدى آليات الشر وأقبح الرذائل الأخلاقية.  

***

بقلم: د. عصمت نصار – أستاذ فلسفة  

 

العلمانية ليست فكراً دينياً ولا سياسياً ولا اقتصادياً ولا اجتماعياً واحداً بل انها مشروع بناء ونهضة متكامل شقت طريقها لانقاذ الشعوب وتحرير المجتمعات من كل الايدلوجيات الدينيه المتطرفة والمتناحرة وتنتشلة من واقع عالمي ومحلي مليء بالتناقضات والتناحر والصراع الديني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعسكري الذي اسقط بضلاله وتاثيراته الكارثية على حياه الملايين من ابناء البشرية وفي الاخص شعوبنا العربية والافريقية والاسيوية بشكل عام فكان من نتائجة ضياع الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحرية الراي والتعبير وغابة العدالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بين ابناء البشرية او على مستوى الشعب الواحد والوطن الواحد وانتشر الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والقضائي والاعلامي وووالخ فمتهنت كرامات وشاع الجهل سواء كان على مستوى بنية الدول والانظمة السياسية القائمة او على مستوى الافراد والكيانات وانتشرت كل ما يهدم قيم الإنسانية من جرائم الانتهاكات الرهيبة لحقوق الانسان بكل اشكالها وصورها المختلفة ودمُرت مستقبل اجيال وامم باكملها واغرقت شعوب في مستنقعات متعدده اما في حروب نزاعات مدمره او في وحل الافكار والديولوجيات والمعتقدات الشيطانية والمتطرفة وحوربت كل قيم العلم والثقافة والتنوير والتنويريين بكل نخبهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية على المستوى الدولي او على مستوى الشعوب والاوطان لتحل محلها ثقافة الجهل واستجهال وتجهيل الشعوب من خلال فرض افكار ومعتقدات وايدلوجيات دينيه وجهوية وفئوية متطرفة اصبحت تتحكم بمصائر الشعوب والاوطان فاغرقت الاوطان والشعوب في ازمات وحروب طاحنة فكان من نتائجها تلك الاثار التي ما زالت شاهده الى اليوم في اكثر من بلد في العالم وان الواقع الكارثي الذي تعيشه معظم شعوبنا العربية والافريقية والاسيوية وشعوب العالم اليوم لم يكن الا امتداد لذلك الواقع الذي عاشته اوروبا في فتره حكم الكنيسه الدينيه الماضي التي اغرقتها في حروب ونزاعات طويله وتسببت بكوارث يندى لها جبين الإنسانية

وما ان بدات العلمانية وثورات التنوير تمد جسورها لعبور الشعوب والمجتمعات للخروج من ازماتها وصراعاتها ومشاكلها المختلفه والمتنوعة الى واقع اكثر امناً واستقراراً ونهوضاً وتقدماً وازدهاراً بفكرها المدني التنويري القائم على فكرة رفض الواقع ودعواتها للتغيير نحو بنائها وبناء دولها وانظمتها وحكومتها وافرادها ومجتمعاتها بناءاً سليماً للكل لا للجزء مستفيداً من تجارب واخطاء غيرها في الماضي بهدف عدم تكرارها في الحاضر والنظر للمستقبل بنظره واسعه ورؤية ثاقبة وسياسه ناجحة تبني لا تهدم بما يتلائم ويتوافق مع تطلعاتها وامالها ويخدم الانسان والوطن الواحد برؤية تنويريه وثقافيه علمية فقط لا مجال لتدخل الدين أو الفكر والمعتقد في سياسة وشؤون وقرارات الدولة إطلاقاً وفق اسس النظام والقانون واركان ومبادئ العدالة بين الكل واحترام حقوق الانسان وارساء قيم الحرية الفردية وتعميق منهج التعايش بين كل الاجناس والاديان والمذاهب والمعتقدات والافكار والافراد والكيانات وتكريس ثوابت الديمقراطية وتدعيم قيم الحرية وحق التعبير واحترام الراي والراي الاخر في الفكر والمعتقد وارساء دعائم البناء والاكتفاء الذاتي بجميع المجالات كخياراً عالمياً وشعبياً وخصوصاً مع بدايه صحوة الافراد والشعوب بكل نخبه و ومفكريه ومثقفيه وطلائعه الرافضة الواقع فبدات حملات شيطنتة العلمانية وتعالت الاصوات والصرخات وانشات مئات المواقع والصحف والمجلات الاخباريه وصرفت ملايين الدولارات لشراء الذمم لمحاربة العلمانية وقيمها النبيله وتشويهها فكتبت الاف الكتب والمجلدات التي حملت في طياتها ومعانيها كل ما يسي ويشوه العلمانية ويظهرها بمظهر القبح امام الشعوب والمجتمعات بهدف الكذب والتظليل على الناس بهدف ابقائها في واقعها الكارثي ومع ذلك فشلوا في الماضي وسيفشلوا في الحاضر والمستقبل في محاربتها .

وعلى الرغم ان الهجمات الاعلامية والدعائية وحملات الاساءه والتشوية ضد ثورة العلمانية والتنوير مستمرة الى عصرنا ويومنا هذا باصواتها المأزومة وابواقها المأجورة وخطاباتها الضاله وكلماتها الجاهله وكتاباتها التحريضية ضد العلمانية فهناك من يقول العلمانية الصهيونية واخر علمانية الحاد وكفر واخر علمانية لبرالية وغيرها من الاوصاف والاقوال اذا العلمانيه تحترم رأيك والراي الاخر ويبقى رايك وقولك وكتابتك تعبير عن وجهة نظرك انت لكني اتساءل هنا على اي استناد وعلى اي اساس قلت وحكمت ان العلمانية صهيونية وانها الحاد وكفر وليبرالية يا هذا أو ذاك؟؟ في الحقيقة لا يوجد هناك شيء اسمه علمانية صهيونية او علمانية لبرالية او علمانية الحاد وكفر او علمانية شرقية او غربية فالعلمانية قد تكون موجوده وفق المكان هنا وهناك وهذا شيء طبيعي لكنها تحكمها الاهداف النبيله والمبادئ الساميه الثابتة والموحدة فصل الدين عن الدولة ليس أنها ضد الاديان إطلاقاً ولكنها تحترم الدين اكثر من غيرها ولا تسمح باستغلاله والمتاجرة به ولماذا لا تفرق بين العلمانية والصهيونية؟ وهل تؤمن ان العلمانية فكر مدني وان الصهيونية فكر ديني نقيض للعلمانية؟ بكل تاكيد انما يقال من اقوال واوصاف واصوات وما كتب وكتابات وخطابات جائرة بحق العلمانية لا يمكن ان يقبلها عقل او يفسرها منطق وقد يكون ناتج عن جهل مركب او احكام طائشة وهامشية مسبقة او لتعصب مقيت او دليل على ازمة وعي أو افلاس معرفي أو فقر ثقافي بأصول وقيم العلمانية ورحها المدني وقيمها النبيله ورسالتها الانسانية.

وعلى الرغم ما قال ويقال بحق العلمانية لكنها حتماً ستنتصر للشعوب والمجتمعات.

***

د. فارس قائد الحداد - صحافي وحقوقي يمني

محاضر دولي في الاعلام والقانون الدولي

المقدمة: خط الزمن كبوصلة حياة

خط الزمن هو ذلك المسار الذي يربط بين ماض عشناه، حاضر نحياه، ومستقبل نطمح إليه. إنها البنية التي تشيد عليها تجارب الإنسان، المحطات التي شكلت هويته، والأحلام التي تلهمه للمضي قدماً. بالنسبة لأي فرد، فهم العلاقة بين هذه المراحل الثلاث هو مفتاح لتحقيق التوازن النفسي، والنمو الشخصي، وصناعة حياة مليئة بالمعنى والإبداع.

جمعتني جلسة في سبر لأغوار النفس البشرية من الأعماق الدفينة، والتحدث من القلب والفكر المستنير والواقعية في الحياة اليومية، وكيفية التعامل مع خط الزمن الذي يثقل كاهلنا ويجعلنا نتغبط وننزف ألماً قبل الدموع حسرة وآهاتاً ونتباكى على ماض ألم بها وشدنا لتاريخ وشواهد عشناها بين ثنايا الحياة وذكريات الماضي وجنباته. كان اللقاء مثمراً وسباقاً للتفكير المضيء والمشرق مع أحد الخبراء الذين لهم باع طويل وممارسات متميزة في تجربة الحياة والعمل وتجارب ثرية وغنية بالسفر والترحال والنهل من معين الحضارات الغربية والشرقية والعربية. في هذا المقال، سنغوص في تفاصيل خط الزمن، نستكشف كيف يؤثر الماضي في حاضرنا، وكيف يمكننا تسخير الحاضر لبناء مستقبل أفضل. كما سنناقش أهمية التسامح مع الذات، المرونة النفسية، والتعامل الإيجابي مع جوانب حياتنا المختلفة.

الماضي: مستودع الدروس والذكريات

الماضي هو حجر الأساس الذي يبنى عليه الحاضر والمستقبل. إنه مجموعة من التجارب التي عشناها، الأخطاء التي تعلمنا منها، والذكريات التي جعلتنا ما نحن عليه اليوم. البعض ينظر إلى الماضي كحمل ثقيل يعيق التقدم، بينما يراه آخرون كمصدر للقوة والإلهام. فالماضي جزء من الهوية الشخصية والجمعية التي لا يمكن للإنسان أن ينفصل ولا ينفك عنه، فهو جزء من تكوين شخصيته. إن محاولة إنكار الماضي أو التعامل معه كجثة تدفن لن يؤدي إلا إلى استمرار تأثيره السلبي. أما التسامح مع الماضي فيحدث تصالحاً مع الذات ومع الآخرين الذين كانوا جزءاً من الماضي، وهو مفتاح التحرر من آلامه ومنغصاته. فالتسامح لا يعني النسيان، بل يعني تقبل ما حدث، والتعلم منه دون السماح له بالتحكم في الحاضر وجرنا للوراء أو أن يجمدنا فيه ضعفاً وقلة حيلة وظلاماً دامساً، بل نوراً يهدينا سبل الرشاد والضوء الذي ينير مصابيح الدجى.

الإيجابيات المستخلصة من الماضي

تخيل معي مستوى التعلم والتطور من كل تجربة، سواء كانت إيجابية أو سلبية، تحمل درساً يمكننا استثماره في الحاضر. وعندما نحول الألم إلى قوة ومنعة تجعلنا نواجه التحديات التي حدثت في الماضي قد تكون هي الدافع للنمو والتطور والبناء الشخصي والجمعي والمهني الوظيفي. الماضي قد يكون وحشاً يلتهمنا إذا لم نعالجه، ولكنه يمكن أن يصبح نقطة قوة إذا أعدنا صياغته بشكل إيجابي.

فالحاضر هو المساحة الوحيدة للتحكم والتغيير، وهو اللحظة الوحيدة التي نملكها فعلياً. إنه الوقت الذي يمكننا فيه اتخاذ القرارات، العمل على تحقيق الأهداف، والتخطيط للمستقبل. التعامل بذكاء مع الحاضر هو المفتاح لبناء حياة متوازنة. وهو كذلك الحاضر كفرصة لتحقيق التوازن عندما نتعامل بمرونة ونعطي مساحة لإعادة ترتيب الأفكار، تفكيك المشكلات، وإعادة تركيبها بشكل مبتكر. إنه فرصة لتصفية الأمور العالقة من الماضي والاستعداد للمستقبل. ونتمكن من التخلص من الأعباء والتراكمات التي أحدثها شرخ الماضي وآلامه، فالجرأة على التخلص من الأشياء غير الضرورية، سواء كانت مادية أو معنوية، تمنحنا حرية أكبر للحركة والنمو. إن إدارة الحاضر بفعالية تمكننا من التعلم المستمر من خلال الوقت الذي يجعلنا فيه نوسع معرفتنا ونطور مهاراتنا. كل يوم هو فرصة جديدة لاكتساب شيء جديد. وأن التوازن بين العمل والحياة من خلال الحفاظ على نظام يومي متوازن بين العمل، العائلة، والهوايات يضمن العيش برفاه نفسي.

فالمستقبل آفاق مفتوحة وأحلام قيد التشكيل، فهو المساحة التي نرسم فيها طموحاتنا وأحلامنا. التخطيط له بحكمة دون الوقوع في فخ القلق والتوتر هو ما يضمن السير بخطى ثابتة نحو تحقيق الأهداف. وأن التخطيط الذهني للمستقبل يجعل رؤية واضحة ولكنها مرنة، فالعمل على التخطيط للمستقبل لا يعني حصر أنفسنا في أهداف جامدة، بل يعني وضع رؤية شاملة قابلة للتعديل حسب الظروف. وأن التعلم من الماضي والحاضر يبني المستقبل الذي يعتمد على استخدام الدروس المستخلصة من الماضي بالإضافة إلى الأدوات المتاحة في الحاضر. جميل أن نولي الاهتمام في التعامل مع القلق من المستقبل ونجعل تجاه المستقبل إيجابياً إذا تحول إلى دافع للعمل والتحضير، ولكنه يصبح سلبياً إذا تحول إلى خوف يعيق الحركة. وأن التركيز على الحاضر من أفضل طرق التعامل مع القلق من المستقبل، هو التركيز على الحاضر والعمل على تحسينه.

التوازن بين الماضي، الحاضر، والمستقبل

تحقيق التوازن بين هذه المراحل الثلاث هو مفتاح العيش بسلام داخلي. تقبل الماضي دون الإنكار أو التعلق، والعيش بوعي في الحاضر، والتخطيط المرن للمستقبل، والتسامح مع الذات والآخرين هي مفاتيح هذا التوازن. فالماضي جزء من تكويننا لكنه ليس قيداً، والحاضر هو المساحة الوحيدة التي نملكها فعلاً، والمستقبل يحتاج إلى رؤية تساعدنا على التحرك بثقة. والتسامح يعني التقدم دون قيود.

الخاتمة: خط الزمن كدورة دموية للحياة

خط الزمن ليس مجرد امتداد خطي للأحداث، بل هو أشبه بالدورة الدموية التي تغذي حياتنا. الماضي هو القلب الذي يضخ الدروس، الحاضر هو الشريان الذي يحمل الحياة، والمستقبل هو الهدف الذي نسعى إليه. فهم العلاقة بين هذه المراحل الثلاث، والعمل على تحقيق التوازن بينها، هو ما يمنحنا القدرة على العيش بسلام داخلي، مواجهة التحديات بثقة، وتحقيق أحلامنا بإبداع. خط الزمن ليس مجرد رحلة، بل هو فن نمارسه كل يوم.

***

بقلم: د. أكرم عثمان

الكلمات هي خيوط الشعراء السريّة لنسْج صورة العالم والوجود. لو تخيلنا الشاعر كائناً مختلفاً، لكان أحد مبدعي الحياة بملء المعنى. لا يتعامل مع القصائد كما يتعامل الحَطّاب مع الاشجار، لكنه يرعاها كما يرعى المزارع حقوله الغنّاء بذوراً ونباتاً. عَبر كلمات الشعراءِ، تتجلى آفاق الحقائق، الأوهام، الأخيلة، الأحاسيس. إنّها المادة الحيّة التي يشكلون بها أسرار الإنسانية. فلا تقف الصيغُ الشعرية لدى(الحياد المُعجمي)، ولكنها تتخلق من جديدٍ. تنتشي، تتقافز، تزهو، تتلون بشكل غرائبي حين يصُوغ الشعراءُ أطياف الأشياء. كان الشعرُ وما زال بمثابة الإبداع الذي يقيس قدرتنا على اختراع فنون العيش.

أنْ تكون شاعراً يعني أنّك تمتلك رصيداً لا ينفد من الخيال الخلاّق، أنْ تمتلك عجينة مختمرة بأسرار الحياة والعالم. ليس معنى الامتلاك هاهنا كأنّك تمتلك شيئاً مادياً، ولكنه تفاعُل خطير مع أحداث المجتمعات البشرية بخلاف أي كائن آخر. الشاعر هو من يقول لهذه المجتمعات: منْ تكون على وجه الحقيقة!! هو منْ يُسمي الأحداث راصداً التحولات كما لو لم تكن من قبل. من العراقي بدر شاكر السياب وأحمد مطر إلى المصري نجيب سرور وأحمد فؤاد نجم مروراً بالسوري نزار قباني ومحمد الماغوط والتونسي الصغير أولاد أحمد رُسمت جغرافية الوطن العربي.

من نافذة الشعراء، تأتي العواصف التي تحرك شراع الحياة حيث رياح الاختلاف والحركة. لا يقفون لدى اعتاب الظواهر، ولكنهم يُبحرون إلى المجهول. وليست عبارة (بحور الشعر) بعيدةً عن المشهد، فمن بإمكانة السيطرة فنيَّاَ على بحور الشعر باستطاعته خوض غمار الابحار في لجج الأحداث. وبالتأكيد سيُمثل الشاعر مصدرَ قلق لكل القوى المهيمنة في المجتمعات، وسيصبح محل استفهام حائر بين الإنكار والتوجُس.

أفعال اللغة

لأول وهلةٍ في عالم الشعراء، تمثل اللغةُ" لحمَ الحياةِ " flesh of life. فالأحاسيس تأتيهم لغةً، العشق يغمرهم لغةً، الحقائق تتجلى أمامهم لغةً، الواقع منحوت من جسم اللغة. إن العالم يتكون من كلماتٍ مُبدعةٍ هي القصائد قلّت أو كثُرت. وعبر صورها الشعرية، تمرُق الرغبات والأفعال لغوياً.

دلالة اللحم- فيما يرى الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلوبونتي- هي استعارة وجود مشبع بمعانٍ حيةٍ، مترعة بالعطايا والملذات. وأيضاً ثمة معانٍ مشبعة بالآلام والشرور والخيبات والخطايا. ولا سبيل إلى صياغةِ المستويات الإنسانية بأشكال رمزية دون الكلمات كمادةٍ حيّةٍ للابداع الشعري. كأنَّ الشعراء يعيدون الانسانية إلى أزمنة اندماجها في الكون والطبيعة. هذه القوة الأوليّة الناميّة التي كانت منتشرةً في كافة مظاهر الحياة.

لعلّها المسحة الأسطورية للوجود إذْ تلف كائناته ظلال الغموض. فكانت عناصره تنسجم مع بعضها البعض، الأشياء تتبادل المواقع والأدوار. الحيوانات عبارة عن أشجارٍ، والأشجار تمثل جبالاً شاهقة. والصخور تذهب وتجيئ في إهاب نغم كوني عارم. على حد تعبير الفيلسوف اليوناني فيثاغورث العالم: (عدد ونغم). هذه المقولة الرياضية / الشعرية التي ولدت من روح الأسطورة والأحوال الكونية. وهي مقولة شعرية بالدرجة الأولى، لأن الفضاء العام للفكر آنذاك كانت مشبعاً بالأساطير والأشعار.

تعيش اللغة وترتع بالمزيد من التعبيرات الشعرية. وقد تمرض وتخبو وتتحول وترسم حالاً مختلفاً من المعاني. عندما يدرك الشعراء جوهرَ العالم، يعطونه نفَسَاً مجازياً من خيالهم الأثير. يتحدثون إليه ويهمسُ إليهم. يحاورونه بالأصالةِ عن ذاته ويَسِر إليهم بالألغاز. يستدرجونه إلى حيث يُبدعون، ولكنه يأخذهم نحو المفاجأة والإدهاشِ. يهبونه صيغاً هي الصيغ النابضة بأعماقه الحسية/ الشعرية في الوقت الذي يُخرجُ من يراعهم عالماً مذهلاً.

لم يكن الشعرُ في يومٍ من الأيام صيغاً مجردةً، ولكنه صيغ حسية تتجاوز فكرة التجريد. الشعر هو اللغة اللحمية بكل ما تؤكده من كثافةٍ وحضورٍ وحميمية. ولو كان هناك منْ يخلق الكلمات في شكل كائنات من لحم ودم، فهو الشاعر. عملية الخلق مرتبطة بالإله في تراث الأديان، ولكنها لصيقة الصلة بالابداع الشعري الذي يثري وجودنا الإنساني. إذا وصف الشاعر محبوبته، فهو وصف حي يكاد يتحرك لا أقل. ويدفعها لأنْ تمشي في الطرقات وتتضوّع عبيراً وعطراً. وإذا عبر شاعرٌ آخر عن مشهدٍ، فإنه يبث فيه روح الحياة، حتى يكاد يشعر بها الإنسان!! الشعر يخلقُ ما يقول، هذه السمة التي تجعله مُتميزاً عن باقي فنون القول.

لحم الشعراء

تاريخياً الأمر مختلف.." لحم الشعراء" تعبير لشارل بودلير في يومياته على النحو التالي: " لو طلب شاعرٌ من الدّولة الحقَّ في أنْ يضع بعض البرجوازيّين في إسطبلهِ، لأثار الاستِغراب، لكن لو طلب برجوازيٌّ قليلاً من لحم الشُّعَرَاءِ "مَشْوِيّاً"، لَبَدا ذلك أمراً طبيعيّاً جِدّاً! " (شارل بودلير، اليوميات، ترجمة آدم فتحي، منشورات الجمل، كولونيا- ألمانيا، الطبعة الأولى 1999، ص ص 75-76). اليوميات هي صفحات الحياة الهادرة بالتفاصيل إلى آفاق بعيدةٍ. لا يكتبها الشاعر اعتباطاً ولا يترك فرصة سرد الوقائع دون التعبير عن أصالته وقريحته العميقة.

مهمٌ أنْ تأتي مقولة لحم الشعراء- في هذا السياق- بكل غبارها وتعطنها. فاللحم موطئ الفيروسات والحشرات ومرتع الطفيليات الاجتماعية من كل حدبٍ وصوبٍ. لأنه يعكس نظام الغرائز باختلاف منطلقاتها وأغراضها. وهو أيضاَ دليل حي على الاندماج في متن العالم، نحن نندمج بلحمنا في إيقاع المعطيات الحسية. فالحس هو ما يجعلنا نشعر بنبض الأشياء وصدى الكائنات. أنت تحس عندما تكون قادراً على التماهي مع عالمك وقواه الخفية التي تشملنا جميعاً.

لقد استعمل شارل بودلير تعبير (لحم الشعراء) بطريقة ماكرة كمقابل لبراح الشعر تجاه المجتمعات الراهنة من ناحيةٍ، وبمصاحبة قدراته على توجيه لطمات ناعمة لثقافة البيع والشراء من ناحيةٍ أخرى. لحم الشعراء أُدرج على طاولة الاقتصاد كبضاعة متاحة لأصحاب السلطة والنفوذ. اللحم يعبر عن (اقتصاد سياسي) عاصف قد تتبدد خلاله لغة الشعراء من الأساس. فالشعراء أمام البرجوازيين يفضحون نهم الرأسمال الذي يلف المجتمعات بين راحتيه. ولذلك ليس أقل من أنْ ينادي أحد الشعراء الكبار (بودلير) لدولته بوضع البرجوازيين في اسطبلات ... وهنا سيثير المطلب استغراباً ولا يلقى استجابةً!! المطالبة بهكذا وضع من جنس العمل الخطير على رهافة العالم والحياة. أليس الشعر فضحاً لقبح العالم؟ وكأن بودلير - بطرف خفي- يزج بالقبح كي يكون موضوعاً للتعري والانكشاف.

بالمقابل: لو طلب برجوازي لحماً مشوياً من جسد الشعراء لبدا ذلك طبيعياً!! ولكن المفارقة المغفُول عنها: أنَّه إذا كان لحم الشعراء مُستباحاً بوصفه مادةً بشريةً، فالمجتمعات لا تدرك أنَّ لحم الشعراء "سامٌ وقاتل" من جانب كونه مُعجزاً وخالقاً. لم يتناوله أحدٌ أو نهشه إلاَّ ومات ميتة الجاهلية. ذلك لكونه (أي لحم الشعراء) لغةً تند عن الأشياء بمعناها المادي كما أنه متماهٍ مع العالم دون مبارحةٍ. فحينما سيأكل البرجوازي شيئاً من لحم الشعراء، فإنّه سيلقى موتاً يفضحه على الملأ كما نقل بودلير في الفقرة الواردة بالأعلى.

غدا وجود البرجوازي نفسه لغةً مكشوفةً أمام الذباب من كل مكانٍ، سلعة كاسدة أمام المارّة في ردهات التاريخ. البرجوازي لا يفهم سوى ألعاب الاقتصاد والاستغلال، بينما يحول الشعراء الحيل والألعاب إلى حقائق لغوية فوق مستوى الشبهات. يعرض الشعراء كل صاحب نزعة تجارية صرف إلى مادة للسخرية والتهكم في عصر يشتري ويبتاع كل شيء. إن اللغة- بقول مارتن هيدجر– هي أخطر النعم، لكونها تعرضنا للانكشاف والتعري. وهذا ما يحققه الشعر تجاه غرائز الأوغاد والحمقى. إن شعراً أصيلاً لا يخلو من أصداء سياسية بطريقةٍ أو أخرى.

عليكُّم معشر الشعراء أنْ تصنعوا العالم من لحوم قصائدكم، ولا تأبهوا بمن ينادي عليكم في دامس الظلام. هكذا تبدو صور الأشياء والأزمنة والفضاءات لحماً للشعراء كما تدلل تجربة المبدعين، إذْ يشعرون بتحولاتها البعيدة. إنَّ كيان الشعراء هو عوالم اللغة المدهشة، يتجرعون أنفاسها، يصوغون صورها وينزفون دماءها الساخنة رغم مرور القصائد والعبارات بحقب كثيرةٍ. ولئن كان ثمة ثوب مخِيط بالإحساس المرهف والقوي في الآن نفسه، فهو الكلمات الشاعرة. لا ينفصل الشاعر للحظةٍ عن فعلها الحي.

هبة الشعر

على هذا المنوال يُوهِب كلُّ شاعر حقيقي حباً للإنسانية من لحمه الرمزي. ينزع الكراهية من لحمه الرمزي. يُجسد الافكار من لحمه الرمزي. تبدو الأشياء منتميةً إليه لا العكس، الكائنات تتصل بأسباب وجوده العميق. أنفاسه يسكبها حيث الأخيلة والمجازات التي تصل إلينا بكل زخمٍ ممكن.

ولئن دلّ هذا على شيء، فإنما يدلُ على أنَّ اللغة تتماهى مع العالم والطبيعة والحياة والموت. ذلك العشق الذي يجعلنا نحن البشر معجماً لغوياً للكون. نحن نتاج الطبيعة ونفهم ذواتنا ككائنات في عنفوانها الحيوي. إذْ تنسجم عناصر الطبيعة في الأعماق، وتبدو الكلمات زهوراً والمعاني أوراقاُ وروائح فوّاحة بكل ما هو جميل واستثنائي. هذا الطابع الشعري الأسطوري الذي لم يذهب عن عوالم الإنسان منذ القدم.

لا تُشْبه لغة الشعر أيَّةَ لغةٍ سواها، ولن تكون إلاَّ نفسها. وليس ذلك التطابق من باب التقنيات الفنية والأوزان والأشكال الشعرية، بل لكونِّ الشعر عملاً وجودياً على الأصالة. عبارات الشعر هي آثار الإنسانية وأخيلتها الأولى وذاكرتها وإحساسها الخام. وهي أبرز العناصر الممتدة عبر الزمن، فمازال الشاعر مع تطور الحياة محتفظاً بأحلام الإنسانية الخاصة منذ آلاف السنوات. وهو امتداد طبيعي لكل التراكم الثري للإنسان كتجسيد للتاريخ والتراث.

إنَّ دلالة ابداع الشعر كامنةٌ (فيه) لا إزاءه ولا تقع خارجه بحالٍّ من الأحوال. الشعرُ يُقال لا ليوّصِّف الأشياء ولا ليُعبر عنها تعبيراً خارجياً، بل ليخلّق، ليُشكِّل جوانب العالم كأننا لا نعرفه من قبل. وتلك هي البصمة الفلسفية المُبكرة في عُرف الشعراء. كلُّ شاعرٍ حقيقي يدرك جيداً: كيف (يخبز) تراب الحياة وأسرارها القُصوى؟ القصيدة دفقات وراء دفقات، حيث تتجلي عبرها أحاسيس الشاعر وقدراته (البدائية جداً والراهنة جداً) على الخلق.

وكلمة (البدائية الواردة هنا) تقف بمعناها الحفري من وراء تراث الإنسانية البعيد. فالمشاعر سحيقة جداً والأسرار الوجودية غائرة الجذور إلى اقصى مدى. لقد ورثناها كما هي، وسنوصلها إلى آخرين عبر وجودنا مثلما كانت. تظهر المشاعر والأحاسيس في الجسد بوصفها (وثيقة أنطولوجية) كأنّها النقوش، حيث الحب والعواطف والكراهية والغرائز والرغبات والعلاقات والأهواء. وتلك الأشياء هي الموارد الطبيعية الأساسية لدينا جميعاً نحن بني الإنسان. أي هي مواردنا الخام التي نصطنع منها عالماً معقداً ورمزياً. وعبرها نتواصل ونصنع كلَّ ما نملك أمام الآخرين. يصنع الشاعر من اللغة (كوناً له ولها) في الوقت عينه. اللغة بمثابة جسده الرمزي الذي يشكل جسداً فاعلاً في الحياة.

لا يملك الشاعرُ غير أنطولوجيا الابداع التي هي اللغة، إنه يسكن الوجود مؤكداً على معانيه وتأويلاته وفقاً لرأي مارتن هيدجر. عندئذ لا تُراهن على مَنْ لا يملك شيئاً سوى الكلمات، فقد امتلك الخلود، أخذ مواقفه تعبيراً عن الزمن. حينما يعبر الشاعر المُبدع، فهو يحقق غاياته لكل الناس، يذهب بعيداً مخترقاً الحواجز والقيود. وحينما يُصور الأشياء، فهو ينحت أفكاره بأزميل لا يخيب. وحينما يرى الكائنات، فهو يُمثل رؤيته بجسد الكلمات الذي هو متن الابداع.

ما مِنْ أحدٍ يستطيع أنْ يأكل كيانه كما يريد البرجوازي أنْ يفعل. لأنَّ لحم الشعراء لحم نيئ على الدوام. يصعب طهيه إلى حد الاستحالة، نظراً لأصالته العصيّة على الاهدار. يستمد حقائقه من أصالة الطبيعة والإنسان والزمن. فكما يستحيل طهي الطبيعة ككل، فكذلك لا أمل هناك في طبخ لحم الشعراء. لقد خابَ ظن منْ يتطلع إلى مضغه في نظام اجتماعي أو سياسي أيّا كان.

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

الثقافة، والمعرفة، والوعي، عناوين لمواضيع مختلف بعضها عن بعض، لكنها متداخلة تداخلاً أدى إلى خلط معانيها، ومن ثم إعاقة النقاش السليم في كلٍّ منها. أتحدث هذا اليوم عن الأولى (الثقافة) مقارناً بين مفهومها العربي ونظيره الأوروبي؛ طمعاً في إيضاح واحد من أسباب تفارق الأفهام بين المتحدثين.

حين تقرأ في الأعمال المترجَمة لباحثين أوروبيين، تجدهم يتحدثون عن ثقافة المجتمعات التقليدية، وثقافة البدو والأرياف... إلخ. وحين تأتي إلى أحاديث العرب المعاصرين، تجدهم يطلقون وصف «المثقف» على نخبة المجتمع المتعلمة، بل ربما قَصَروها أحياناً على المشتغلين بالثقافة، أو الذين تتصل مهنتهم بالإنتاج الثقافي، من كتاب وأدباء وأمثالهم.

وتتساءل: هل ترى أن الجماعة الأمية، أي التي لا تكتب ولا تقرأ، لديها ثقافة؟ فيجيبك الباحث الأوروبي: نعم، ويجيبك القارئ العربي: لا.

وفقاً لمفهوم الثقافة المتعارف عليه في الغرب، فإن كل إنسان يحمل ثقافة المجتمع الذي ينتمي إليه، ويتلقاها منذ لحظة اتصاله بالمحيط الاجتماعي. الثقافة عنوان لمحتوى واسع النطاق، يشمل التقاليد التي ورثها المجتمع، أو طوَّرها من خلال احتكاكه بضرورات الحياة. كما يشمل الأخلاقيات والأعراف والفولكلور والأدب والحكايات الشعبية وأنماط المعيشة والتعامل، ومنظومات القيم الخاصة والمعتقدات وتطبيقاتها، وكل ما يشير إلى شخصية المجتمع وطريقة حياته. ولا يهم بعد ذلك أن يكون هذا المجتمع متعلماً (بمعنى أنه تلقَّى التعليم وفق النظم الحديثة) أو يكون أُمِّيّاً (بمعنى أن غالبية أعضائه لا يقرأون ولا يكتبون).

هذا يوضح أن مفهوم «ثقافة» عندنا مختلف عن نظيره الأوروبي. ومن هنا فإن الحديث عن الثقافة من زاوية علم الاجتماع، يستدعي بالضرورة المفهوم الأوروبي، لأن علم الاجتماع الذي نتداوله، نشأ وتطور هناك.

قلت إن وصف الثقافة والمثقف يشير، وفق المعنى الشائع في التداول العربي، إلى النخبة وأصحاب المهن الثقافية. وهو بعيد جداً عن المفهوم الغربي السابق الذكر.

يظهر أثر هذا المشكل حين تعالج -من زاوية علمية- المواضيع الاجتماعية المتصلة بالثقافة، كما فعلت في مقال الأسبوع الماضي، حين تحدثت عن الثقافة السياسية. فالواضح أن بعض القراء فهموا الثقافة في معنى نوعية المعرفة الجديدة المتاحة للمجتمع، ولذا نسبوا المشكلة إلى التأثير الآيديولوجي، وقرر آخرون أن المشكلة في التعليم. والحق أن العاملَين كليهما مؤثران إلى حد معين. لكنَّ جوهر المشكل في مكان آخر؛ هو التاريخ الثقافي (بالمفهوم الغربي للثقافة)، أي انعكاسات التجربة التاريخية على ذهنية المجتمع وذاكرته. ومثال ذلك المجتمعات التي تتعرض للقمع الشديد؛ فهي تميل إلى الارتياب في المستقبل، ولذا لا تخوض مغامرات مكلفة، وهذا يبرز خصوصاً في قلة الميل إلى الاستثمار الاقتصادي في المشاريع طويلة الأمد.

ويتحدث علماء الاجتماع أيضاً عن فروق سلوكية بين المجتمعات الزراعية وتلك الصناعية أو التجارية، بل حتى بين مجتمعات الريف والمدن.

بهذا المعنى فإن «الثقافة» هي عنوان لمحتويات الذهن والذاكرة، التي توجِّه السلوك العفويّ للفرد والجماعة، كما تؤثر بقوة على رؤيته لعالمه والناس والأشياء من حوله، فضلاً عن طريقة تعامله مع المستجدات والحوادث. لا يحتاج المرء إلى الكتاب أو المدرسة كي يحمل هذا النوع من الثقافة، بل يحتاج إلى التواصل مع المجتمع الذي ينتمي إليه، وسوف يأخذ نسخة من الذاكرة الاجتماعية خلال تعامله اليومي. وعندما يتقدم في العمر، سيجد أن ذهنه بات نسخة من العقل الجمعي، ولهذا فهو يحمل هوية الجماعة ويُمسي عضواً فيها.

نحن نمتص ذاكرة آبائنا ومجتمعنا بشكل تدريجي وعفوي، لا نشعر به وهو يحدث. لكن بعد مرور سنوات، سوف نتيقن ان تاريخنا الشخصي هو تاريخ الجماعة، وسنرى أن لهجتنا ومفرداتنا وفهمنا للعالم، هو الفهم ذاته السائد في الجماعة. هذه -ببساطة- طريقة انتقال الثقافة، وهذا هو معناها، أي الذهن والذاكرة التي تشير -غالباً- إلى الماضي.

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

 

نميل، في حياتنا اليومية، إلى ربط “الحضور” بشيءٍ ملموس: أن يكون الآخر معنا في المكان ذاته، أو أن تصلنا منه كلمة مكتوبة أو صوت مسموع. بهذا المعنى السطحي، يصبح الحضور مجرد دليل فيزيائي على الوجود، أو رسالة تؤكد أننا لم نُنسَ بعد. لكن أي قراءةٍ أعمق للعلاقات الإنسانية، ولتجربة الكينونة نفسها، تكشف أن الحضور أوسع وأغنى من هذه الحدود؛ إنه ليس فقط مسافةً تُقطع أو رسالةً تُرسل، بل هو شكل من أشكال الوجود الذي يتجاوز الزمن والمكان، ويتغلغل في أعماق الذاكرة والوجدان.

الحضور بين الجسد والروح

منذ قرون، شغلت مسألة الحضور الفلاسفة واللاهوتيين والمفكرين. فعند الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، على سبيل المثال، ليس المكان مجرد فضاء هندسي، بل هو بيت للوجود، حيث تتداخل المادة بالخيال، والحس بالذاكرة. وعند مارتن هايدغر، الحضور (Dasein) هو أساس وجود الإنسان ذاته: أن تكون حاضراً معناه أن تكون منفتحاً على العالم، مشاركاً فيه، حتى في صمتك أو في غيابك الجسدي. بهذا الفهم، يصبح الحضور ليس مجرد “تواجد” بل “انكشافاً” لما هو أعمق: علاقة، أثر، إمكانية.

إننا نحضر في حياة الآخرين بطرقٍ متعددة، بعضها لا يحتاج إلى كلمات. نظرة عابرة، ذكرى محفورة، موقف كريم لم يُنسَ. الحضور هنا لا يُختزل في الجسد أو الرسالة، بل في الأثر النفسي والمعنوي الذي يظل حيّاً، حتى حين يغيب الشكل الفيزيائي.

الغياب كأحد وجوه الحضور

المفارقة أن الغياب نفسه قد يكون أحياناً شكلاً من أشكال الحضور. ففي قصيدة الشاعر الألماني ريلكه، يُصوَّر الغياب بوصفه مساحة يفيض منها الآخر فينا، كأنه يترك فراغاً مشعاً يذكّر بامتلائه السابق. الغياب، إذن، ليس فراغاً محضاً، بل طاقة صامتة تدفعنا إلى إدراك قيمة من نفتقد. هنا، يُعاد تعريف “الهجران” أو “الترك”: فقد يكون الآخر غائباً جسداً، لكنه ما زال يحضر عبر أثره فينا، عبر صدى صوته الذي نسمعه في ذاكرتنا، أو في طريقة تصرف نتبناها من غير وعي.

هذا الإدراك يمكن أن يغير جذرياً نظرتنا إلى العلاقات. فكم من سوء فهم ينشأ لأننا نحصر الحضور في الرسالة السريعة أو المكالمة المنتظمة، فنعتبر الصمت “إهمالاً” والغياب “تركاً”. بينما قد يكون الصمت أحياناً أرقى أشكال الحضور، لأنه يترك للآخر مساحة كي يكتشف ذاته، ويمنحه ثقة بأن العلاقة لا تحتاج إلى إثبات يومي كي تظل قائمة.

الحضور في زمن الاتصالات

في عصرنا المهووس بالتواصل اللحظي، صارت قيمة الحضور تُقاس بعدد الإشعارات والردود السريعة. الرسائل المتواصلة توهمنا أننا حاضرون، لكن هل يكفي هذا؟ أليست هذه السرعة في التواصل نوعاً من “الحضور المزيف” الذي يخفي فراغاً عاطفياً؟ إن الحضور الأصيل لا يقاس بالكمّ، بل بالكيفية: كيف يظل الآخر ماثلاً في وعينا حتى حين تنطفئ الشاشة؟ كيف نشعر بطمأنينة في علاقته بنا، حتى وإن طال الغياب؟

الكاتب الياباني هاروكي موراكامي يصف هذا المعنى في إحدى رواياته حين يقول إن بعض الأشخاص يبقون معنا مثل “موسيقى داخلية”، لا نحتاج إلى سماعها بصوت عالٍ كي نطمئن أنها موجودة. هذا الحضور الهادئ، الخفي، هو ما يمنح العلاقات قوتها وعمقها.

إعادة تعريف “الهجران”

حين نفهم الحضور بهذا الشكل الوجودي، سنعيد النظر جذرياً في الكثير من التصرفات. لن نقرأ الصمت كإهمال بالضرورة، بل كخيار للحفاظ على مساحة مشتركة أعمق من الكلام. لن نرى الغياب الجسدي هجراناً، بل ربما وسيلة ليتحول الآخر إلى جزءٍ من ذاكرتنا الداخلية، حيث يستحيل فقده تماماً. وسيصبح السؤال الحقيقي ليس: “هل الآخر موجود معي الآن؟” بل: “كيف يسكنني أثره حتى في غيابه؟”.

بهذا المنظور، نفهم أن “الهجران” الحقيقي لا يحدث حين يغيب الجسد أو الكلمات، بل حين ينقطع الأثر، حين يتوقف الآخر عن العيش في وعينا وفي امتداد ذواتنا. أما ما دون ذلك، فهو اختلاف في أشكال الحضور، وليس انقطاعاً له.

نحو ثقافة جديدة للحضور

إن إعادة تعريف الحضور ليست مجرد ترف فلسفي، بل ضرورة إنسانية. ففي عالمٍ يتسارع إيقاعه حتى يوشك أن يبتلعنا، نحن في أمسّ الحاجة إلى أن نعيد الاعتبار لما هو أعمق من الرسائل والإشعارات. علينا أن نتعلم كيف نثق بحضور الآخر حتى في صمته، وكيف نمنح أنفسنا شجاعة الصبر على غيابه. عندها فقط، يمكن لعلاقاتنا أن تتحرر من التوتر وسوء الفهم، وأن تصبح أكثر رسوخاً وامتلاءً.

فالحضور، في جوهره، ليس “أن نكون معاً” فحسب، بل أن نكون في صميم حياة الآخر، بأثرٍ لا تمحوه المسافة ولا الغياب. إنه فعل وجودي، يتجاوز الفيزياء واللغة، ليصير شكلاً من أشكال العيش المشترك، حيث نصبح، في نهاية المطاف، أكثر من مجرد أجساد أو كلمات: نصبح حضوراً متبادلاً في الذاكرة والوجدان.

***

يونس الديدي - كاتب مغربي متخصص في الشؤون الاجتماعيّة والسياسية.

قراءة في سيرورات المدى (القصير) والمدى (الطويل)

من حسنات مدرسة الحوليات الفرنسية ذائعة الصيت، والتي استحالت لاحقا"الى مسمى آخر يدعى (التاريخ الجديد) على يد ثلة لامعة من مؤرخي تلك المدرسة العتيدة أمثال ؛ فرنان برودويل – تاريخ الحضارات، وجاك لوغوف - تاريخ القرون الوسطى، وميشيل فوفيل – تاريخ الأمد الطويل، وكريزيستوف بوميان - تاريخ البنى، وأنريه بورغيار - الانثروبولوجيا التاريخية، وفيليب إرياس – تاريخ الذهنيات، وجان – ماري بيسار – تاريخ الثقافة المادية، وجان لاكوتور – التاريخ الآني، وغي بوا – الماركسية والتاريخ الجديد، وجان كلود شميت – تاريخ المهمشين، وإفيلين باتلاجين – تاريخ المتخيل، وغيرهم . ليس فقط كونها أرخت سدولها على مجالات معرفية كانت غائبة أو مغيبة عن الحقل التاريخي، بحيث أضحى (التاريخ) بمثابة البؤرة التي تتقاطع داخلها غالبية العلوم الاجتماعية والإنسانية فحسب . وإنما أرست دعائم مقاربة جديدة لا تقتصر فقط على تحليل الظاهرة الاجتماعية المعنية من منظور منهجية واحدة، بقدر ما تضعها في بؤرة تقاطعات عديد من المنهجيات التي من شأنها (تعرية) الظاهرة المعنية من جميع الأغطية التي تحجب عن الباحث رؤية المصادر الخفية التي تكونت على أساسها، والكشف عن السياقات المهملة التي تمخضت عنها، وإماطة اللثام عن المئالات المتوقعة التي ستنتهي إليها .

ولعل من جملة الايجابيات والحسنات التي ابتدعتها هذه المدرسة العريقة في مجال تحليل السيرورات التاريخية المرتبطة بالظواهر الاجتماعية والإنسانية، هي اعتمادها عملية (التحقيب الافتراضي) لتلك السيرورات، وذلك بتقسيمها الى مديات زمنية مختلفة من حيث (السياقات) ومتعدد من حيث (الآماد) . بحيث لم تعد قراءة تاريخ الظاهرة المعنية منوطة بفترة زمنية يمكن الاستدلال عليها برقم زمني معين مثل (القرن الرابع عشر أو السادس عشر)، أو بتوصيف نوعي محدد (قديم – وسيط – حديث) كما كان يجري في المقاربات والقراءات التقليدية السابقة، وإنما بات التحقيب يتم على أساس ما تشتمل عليه الظاهرة قيد البحث أو الدراسة ذاتها من خصائص فريدة، فضلا"عن طبيعة ما تقيمه من علاقات، ومستوى ما يتخللها من تفاعلات مع بقية الظواهر الأخرى . وهو الأمر الذي أفضى الى أعادة النظر والتفكير بالكثير من المفاهيم والتصورات والاستنتاجات، التي سبق وإن جرى التواضع على معانيها والتوافق على دلالاتها بكيفيات لا تخلو من سلبيات (التفريط) في التقييم الموضوعي و(الإفراط) في التعميم الافتراضي  .

وهكذا فقد أتاحت لنا هذه المنهجية المبتكرة مقاربات مركبة ومعمقة تستهدف ؛ الكيانات الجغرافية، والسرديات التاريخية، والبنى الاجتماعية، والأنساق الثقافية، والأعماق السيكولوجية، والشيفرات الرمزية، بصورة تختلف جذريا"عما كانت المنهجيات السابقة (التقليدية) تتبناه وتمارسه أثناء تحليل الظواهر وتفسير المعطيات . إذ لم يعد يكفي – بموجب هذه المنهجية - النظر الى الظواهر الاجتماعية أو الأحداث السياسية أو التحولات الثقافية أو الانزياحات القيمية، باعتبارهما حصيلة أوضاع وظروف الواقع (المعيش) وما يكتنفه من خلافات سياسية، وانقسامات اجتماعية، وصراعات إيديولوجية، وإشكاليات تاريخية فحسب . وإنما يستلزم التعاطي معها من منطلق كونهما نتاج خلفيات تاريخية متقادمة، ومرجعيات حضارية متراكمة، وتشكيلات اقتصادية متناضدة، وأصوليات سوسيولوجية متداخلة . كما أن هذه المنهجية استوجبت مراعاة الفوارق النوعية ليس فقط بين البنى والأنساق والأنماط ذات (الأمد القصير) أو (الأمد المتوسط) أو (الأمد الطويل) فحسب، بل وكذلك مراعاة الاختلافات النوعية بين تلك البنى والأنساق والأنماط على صعيد (التسارع) أو (التباطؤ) في الديناميات والجدليات التي تتحكم في إيقاعات تطورها أو نكوصها .

وبضوء هذه المنهجية التاريخية المثمرة، لم يعد صعبا"على الباحث تفسير ظاهرة (الركود) الثقافي و(الجمود) المعرفي التي لا تبرح تستوطن المجتمع العراقي لتفاقم من مشاكله المستعرة، وتراكم من إشكالياته المستعصية . هذا على الرغم من خضوعه لعقود من التغييرات السياسية، والتحولات الاجتماعية، والتبدلات الاقتصادية التي تمخضت عن / وترتبت على تلك المشاكل والإشكاليات، وهو الأمر الذي وصم جماعاته ومكوناته بالتخلف الاجتماعي المزمن والانحطاط الحضاري المتوطن . ذلك لأن من طبيعة العامل السياسي وقوعه ضمن إطار زمنية (الأمد القصير) المتسارعة نسبيا" في حراكها وتطورها، إذا ما قورنت بالعوامل الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن تصنيفها ضمن إطار زمنية (الأمد المتوسط)، والتي عادة ما تعكس عناصرها حراكا"(أبطأ) في تكوين تشكيلاتها وبناء علاقاتها وتفعيل مؤثراتها، مما يمكن ملاحظته في إطار الزمنية الأولى (القصيرة المدى) المتسارعة من جهة، ولكنها، من جهة أخرى، تبدو – إذا ما قورنت بالعامل الثقافي الذي يصنف ضمن إطار زمنية (الأمد الطويل) – أسرع في حراك عناصرها وانتشار تأثيرها . أي بمعنى ان عمليات التغير والتطور المتوقع حصولها ضمن إطار العامل (الثقافي) لا يمكن ملاحظتها أو الإحساس بها إلاّ عبر آماد زمنية متطاولة ربما تمتد على مساحة (قرون) متعددة، أما بالنسبة لعمليات التغير والتطور التي يتوقع حصولها ضمن إطار العوامل (الاجتماعية والاقتصادية)، فالمرجح أنه يمكن ملاحظتها أو الإحساس بها خلال عدة (عقود) . هذا في حين يمكن رصد الأحداث (السياسية) وتشخيص الوقائع المرتبطة بها، عبر عدد من (السنين) التي تتراوح ما بين العقد أو العقدين على أكثر تقدير .

ومن هذا المنطلق، يتوجب على الكتاب والباحثين والأكاديميين فهم وإدراك حجم الصعوبات والمعوقات والتحديات التي سيكون عليهم مواجهتها والانغمار في أتونها، في حال حملتهم (وطنيتهم – عراقيتهم) على تبني خيارات التغيير السياسي والتطوير الاجتماعي والتنوير الثقافي، التي ينشدون حصولها لهذا المجتمع المفكك والمتهالك الذي مزقته الحروب وفرقته الصراعات وذررته الكراهيات .

***

ثامر عباس – باحث عراقي

إن الحديث عن الثقافة حديث متشابك، كونها تتمازج مع كل معنى يتناوله أو يعرفه الإنسان، فالثقافة لا ترتبط بتحصيل المعرفة، بل بعملية استخدامها وكيفية توظيفها، ففي البحث عن هوية الثقافة لشعب أو مجتمع ما، يجب علينا معرفة طريقة عيشهم وميولهم إلى الموضوعات واستخدامهم للغة والدين، وطريقة تداولهم للمشاعر بينهم، فكل شعب يمتاز بعده مميزات، توجه تفكيره وتحدد مشاعره.

فكل متبنى فكري ثقافي هو نتيجة لفهم أعمق لعادات وتقاليد المجتمع ودينهم ومشاعرهم، وهذا هو ما يتميز به الادباء أنهم مميزون في توظيف وتفعيل ثقافة مجتعمهم بأسلوب جمالي تجعله ذات بُعد عالمي. 

فلكل ثقافة هوية خاصة بها تكتسي لوناً معيناً من التفكير وفهم الموضوعات، وينعكس ذلك على كل الطرق في المجتمع والدين والدولة. فالثقافة في جوهرها فعل تذوق وفهم وتأويل، وليست مجرد حفظ ونقل، فهي تنبض في الأسواق الشعبية كما تنبض في المعارض الفنية، وتتكلم بلسان الفلاح كما تتكلم بلسان الفيلسوف. إنها الجسر الذي يربط حكمة الأجداد وأسئلة الأبناء، وبين جماليات الفن وضروريات الحياة. لهذا فإن الحديث عن الثقافة لا يمكن عزله عن الجغرافيا التي تحتضنها، ولا عن التاريخ الذي يروي مسيرتها، ولا عن الدين الذي يلزم قيمتها، ولا عن المشاعر التي تحدد شكل تفاعل أفرادها.

لكن في زمن الصورة والتقنيات الرقمية حدث ما يمكن تسميته انكماش المسافة الثقافية، إذ لم تعد الجغرافيا تصنع الفوارق كما كانت من قبل. بل تحولت الثقافة إلى منتج قابل للتصدير عبر الإنترنت.

وهربارت ماركوز في مشروعة النقدي (الإنسان ذو البُعد الواحد) يرى إن الصراع بين الواقع الثقافي والواقع الاجتماعي قد أخذ اليوم بالتراخي، فالعناصر المعارضة، والمغتربة والمتعالية، التي كانت الثقافة الرفيعة تُشكل بفضلها بعدا آخر للواقع، هي في سبيلها إلى الزوال. وتصفية العناصر المعارضة التي تخلق التوتر لا تتم الآن عن طريق نفي القيم الثقافية وطرحها، بل تتم من خلال دمجها في النظام القائم، وعن طريق إعادة إنتاجها وتوزيعها على نطاق واسع.

واذا كانت وسائل الاتصال الجماهيري تخلط على نحو منسق ومموه في الغالب بين الفن والسياسة والدين والفلسفة والتجارة، والمبدع والمشهور، بين القارئ والمفكر، فإنها في الوقت نفسه، ترجع هذه المجالات الثقافية إلى قاسم مشترك، يطلق عليه ماركوز الشكل الانطباعي.

فتسليع الثقافة أصبح أمرا شائعا، لأنه تم سلخ المُثل الأعلى من مجاله السامي، والروحي للتعبير عنه بمعدلات علمية وتجارية وبسيطة وشائعة في المجتمع.

وحتى الكلمات الكبيرة مثل الحرية والامتلاء والكرامة التي يرددها الزعماء والسياسيون في حملاتهم على الشاشات والموجات وفوق المنابر، لا معنى لها إلا في سياق الدعاية والأعمال، وخارج هذا السياق تصبح أصواتاً لا دلالة لها.

ومع شيوع هذا النمط يصبح الخطر الأكبر هو انكماش المعنى الثقافي للمجتمع، فحين تختزل الثقافة إلى مجرد استهلاك سريع للصورة والأفكار الجاهزة، يضعف النقد ويتراجع الإبداع الخلاق. ويتحول الوعي إلى مرآة تعكس ما يُلقى عليها بدل أن تبتكر صورها الخاصة. وتتمثل هذه الثقافة عند أصحاب الوعي المخدر والمزيف، الذين يرون في تسليع الوعي والحصول على المكاسب تجارة ثقافية.

أما أصحاب الثقافة الحية فهم القادرون على مقاومة كل هذا الزيف الثقافي مهما اخذت حقوقهم وابتعدت امانيهم. فالمثقف الحق هو من يحمي مجتمعة من الذوبان في ثقافة الصورة، وأن يمنح الصورة بعدا يتجاوز لحظتها الخاطفة، وأن يعيد للكلمة سحرها وقوتها، وللنقد مكانه.

 واذا كانت وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي قد عمقت من هيمنة ثقافة الصورة، فإن دور المثقف والمبدع اليوم أكثر إلحاحاً، ليس فقط في إنتاج المحتوى، بل في إضافة المعنى.

وبهذا يمكن القول إن الثقافة ليست مجرد ادعاء، بل هي القوة التي تعيد تشكيل معنى الواقع بما يستحق، وهي مقاومة وتجاوز للوضع الراهن، فإن مسؤوليتنا الفلسفية والأدبية أن نستعيد للثقافة وظيفتها الأصلية، وان نفتح نوافذ جديدة للوعي، وان نجعل للإنسان القدرة على تقرير مصيره وصنع معناه.

***

كاظم لفتة جبر

بقلم: صوفيا روزليك -  Sophia Roselake

ترجمة: رزكار عقراوي

***

إن التطور السريع والاندماج المتزايد للذكاء الاصطناعي في مختلف مجالات الحياة قد أثارا نقاشات واسعة حول انعكاساته على المجتمع والاقتصاد والعلاقات الإنسانية. ويزداد القلق من أن المسار الحالي لتطوّر الذكاء الاصطناعي، الذي تقوده إلى حد كبير المصالح الشركاتية، قد يفاقم من عدم المساواة الاجتماعية القائمة ويقوّض القيم الديمقراطية.

ردًا على ذلك، بدأ يتبلور بديل يساري للذكاء الاصطناعي، يقوم على ضرورة أن تخدم التكنولوجيا مصالح المجتمع الأوسع، لا أن تكون وسيلة لتكديس الثروة في أيدي قلّة. هذا التوجه يدعو إلى تطوير أكثر شمولًا وعدالة وشفافية للذكاء الاصطناعي، يضمن أن تكون منافعه متاحة للجميع وأن يتم التخفيف من مخاطره.

جوهر هذا البديل يتمثل في فحص نقدي لبنى القوة والأنظمة الاقتصادية التي يقوم عليها المشهد الراهن للذكاء الاصطناعي. فهو يتحدى النموذج النيوليبرالي السائد الذي يعطي الأولوية للكفاءة والإنتاجية والربح على حساب الرفاه الإنساني والعدالة الاجتماعية. ويؤكد المدافعون عن البديل اليساري أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يُطوَّر ويُستخدم بطرق تعزز الملكية الجماعية، والسيطرة الديمقراطية، والصالح العام. وقد يشمل ذلك مبادرات مجتمعية للذكاء الاصطناعي، ونماذج للملكية التعاونية، واستثمارات عامة في البحث والتطوير تضع الأهداف الاجتماعية والبيئية في المقدمة.

كما يتم التشديد على ضمان أن تكون أنظمة الذكاء الاصطناعي شفافة وخاضعة للمساءلة وخالية من التحيزات التي تعيد إنتاج التمييز واللامساواة. ويتطلب ذلك مقاربة متعددة الاختصاصات، لا تقتصر على خبراء التقنية، بل تشمل علماء الاجتماع والأخلاقيات وممثلي المجتمعات المحلية في تصميم وحوكمة هذه التقنيات.

يسلط البديل اليساري للذكاء الاصطناعي الضوء أيضًا على أهمية حماية حقوق العمال وتعزيزها في عصر الأتمتة. فمع إحلال الذكاء الاصطناعي والأتمتة محل بعض الوظائف، تبرز الحاجة إلى شبكة أمان اجتماعي قوية، وبرامج مستمرة للتعليم وإعادة التأهيل المهني، إضافة إلى ضمان الدخل الأساسي الشامل بما يكفل مستوى معيشيًا لائقًا للجميع.

ويتجاوز هذا المنظور النطاق المحلي ليطالب باستجابة عالمية لتحديات الذكاء الاصطناعي، إدراكًا بأن تأثيراته لا تقف عند حدود الدول. لذلك يصبح التعاون والاتفاقات الدولية أمرًا ضروريًا لوضع معايير وقواعد مشتركة لاستخدام وتطوير الذكاء الاصطناعي، لمنع سباق تنافسي مدمر وضمان أن يخدم الذكاء الاصطناعي البشرية جمعاء.

قد يرى منتقدو هذا البديل أن مثل هذا النهج قد يعرقل الابتكار أو يقلل من الفوائد المحتملة للذكاء الاصطناعي. لكن أنصار البديل يؤكدون أن بناء منظومة أكثر عدالة وديمقراطية يمكن أن يقود في المدى الطويل إلى تطورات تكنولوجية أكثر استدامة ونفعًا. فمن خلال إعطاء الأولوية للاحتياجات الإنسانية والعدالة الاجتماعية، يسعى البديل اليساري إلى خلق مستقبل تكون فيه التكنولوجيا أداة لتحسين جودة حياة الجميع، وليس امتيازًا محصورًا في قلة.

هذه الرؤية ليست خالية من التحديات، إذ تتطلب تحولات عميقة في طريقة تفكيرنا بالتكنولوجيا والاقتصاد والمجتمع. ومع ذلك، وأمام التداعيات العميقة للذكاء الاصطناعي، يقدم البديل اليساري منظورًا نقديًا وأملاً حقيقيًا في آن واحد، يفتح المجال لتصور مستقبل تُسخّر فيه التكنولوجيا للصالح العام.

إن تطوير هذا البديل عملية مستمرة تتطلب الحوار والتجريب والعمل الجماعي، ومشاركة طيف واسع من الأطراف الفاعلة: من صناع السياسات إلى التقنيين والناشطين وممثلي المجتمعات. ومن خلال هذا الجهد التشاركي، يمكن صياغة ذكاء اصطناعي يخدم البشرية بحق، ويعزز العدالة والمساواة والسلام.

ورغم أن الطريق نحو هذا الهدف سيكون معقدًا وشاقًا، إلا أن المكاسب المحتملة هائلة. فنحن اليوم نقف عند مفترق طرق بين التقدم التكنولوجي والتحولات الاجتماعية، حيث يشكل البديل اليساري للذكاء الاصطناعي منارة أمل لمستقبل أفضل. وهو يذكّرنا بأن الذكاء الاصطناعي ليس مسألة تقنية فحسب، بل قضية سياسية واجتماعية عميقة تتطلب فهمًا نقديًا لمفاهيم السلطة واللامساواة والعدالة. ومن خلال تبنّي هذا المنظور، يمكننا المضي نحو ذكاء اصطناعي يعزز الكرامة الإنسانية، ويدعم التضامن الاجتماعي، ويسهم في بناء عالم أكثر استدامة وعدالة.

في جوهره، يتمحور البديل اليساري للذكاء الاصطناعي حول إعادة تصور العلاقة بين التكنولوجيا والمجتمع والإنسانية، بهدف بناء مستقبل أكثر عدلًا وإنسانية وكرامة للجميع.

***

......................

* هذه المقالة كُتبت بالانكليزية في الأصل كتعقيب على أحد فصول كتاب رزكار عقراوي «الذكاء الاصطناعي الرأسمالي: تحديات اليسار والبدائل الممكنة» الذي نُشر في الموقع اليساري العالمي:

https://newpol.org/issue_post/the-leftist-alternative-to-artificial-intelligence/

وقد تضمّنت النسخة الإنكليزية رابطًا مباشرًا إلى أحد فصول الكتاب في نهاية النص. وتتناول المقالة بشكل مختصر القضايا التي طرحها الكتاب، وتشكل مساهمة قيمة في الحوار المستمر حول الرؤية اليسارية للذكاء الاصطناعي.

كما نُشرت أيضًا بشكل مستقل في موقع انكليزي يهتم بأهم الأخبار والأحداث والإصدارات في العالم:

https://e2e4.news/2025/08/07/revolutionizing-tech-the-leftist-alternative-to-artificial-intelligence/

من النشر إلى التجنيد

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتعبير أو التواصل بين الأفراد في عصرنا الرقمي الراهن. بل أصبحت ساحة معارك غير مرئية، تُدار فيها الحروب الحديثة بادوات جديدة، وفي طليعتها ما يُعرف بالغزو السيبراني، ولم يعد هذا المصطلح محصوراً في آختراق الانظمة أو سرقة البيانات، بل تعداه ليشمل السيطرة على العقول، والتأثير على الوعي الجمعي، بل وحتى تجنيد الافراد في جماعات مسلحة أو متطرفة عبر أدوات النشر الرقمية.

سلاح ذو حدين من التأثير الى التجنيد

شكلت منصات فيسبوك و(X) وإنستغرام ويوتيوب وغيرها تأثيراً كبير، التي أحدثت ثورة غير مسبوقة في حرية التعبير وتبادل المعلومات، لكنها في الوقت ذاته، فتحت الباب واسعاً أمام قوى خفية لإطلاق حملات تضليلية، ونشر خطابات الكراهية، والتلاعب بالمشاعر الجماهيرية، بهدف خلق حالة من الفوضى أو الاستقطاب الحاد داخل المجتمعات. لقد شهدنا في العقود الاخيرة نماذج متعددة لما يُمكن تسميته ب(الغزو الناعم)، حيث تتحول هذه المنصات الى أدوات دعاية غير رسمية تنفذ أجندات دول أو جماعات إرهابية، دون إطلاق رصاصة واحدة، وإنما عبر تغريدة أو فديو أو رسالة عبر تطبيق مشفّر.

لعل أخطر ما يمكن الحديث عنه في هذا السياق هو تحول بعض منصات التواصل الى بوابة عبور نحو التجنيد، لاسيما من قبل الجماعات المتطرفة أو الارهابية، (كداعش) و(القاعدة) وسواها. فقد أظهرت تقارير آستخبارتية عديدة من دول العالم، أن آلاف الشباب تم تجنيدهم الكترونياً، دون أي تواصل مادي مع الجماعة، بل من خلال حملة متقنة من التلاعب النفسي، تستهدف الحالمين والغاضبين والمهمشين، أو حتى المغرر بهم بآسم الدين والعدالة أو نزع الحقوق التي سُلبت منهم..الخ.

تبدأ العملية غالباً بمحتوى يبدو للوهلة الاولى بريئاً أو مؤثراً يأخذ الجانب الانساني بأثارة العواطف لدى روح الشباب المندفعة، وذلك من خلال فيديو عاطفي عن معاناة المسلمين أو منشورات تتحدث عن الهوية أو انتقادات للفساد والظلم. ثم يُستدرج المتابع تدريجياً نحو غرف الدردشة الخاصة، أو تطبيقات منصات التواصل الاجتماعي بآختلاف أنواعها، حيثت بدأ مرحلة (غسل الادمغة) وتعزيز مشاعر الغنتماء، وصولاً الى التنفيذ أو السفر للمشاركة في الجهاد بآسم نصرة الدين، والدين منهم براء.

الحرب النفسية الاكترونية

 الخصوم اليوم لا يهاجمون الحدود، بل يهاجمون العقول. وهذا ما يُعرف بالحرب النفسية الالكترونية. الهدف ليس فقط التجنيد، بل زعزعة الاستقرار النفسي، وزرع الشكوك، وبث الفتن. ويمكن ملاحظة ذلك في الحملات المنظمة التي تُشن فجاة على مؤسسات أو شخصيات عامة، من خلال ما يُعرف بالجيوش الالكترونية أو ما يصطلح عليه بالذباب الالكترونين الذي يملأ الفضاء الرقمي برسائل مكررة، وتعليقات سامة، قد تؤدي الى نتائج واقعية مؤلمة. ولا تقتصر هذه الحرب على الأفراد، بل تطال حتى المؤسسات والدول، من خلال اختراق المنصات الرسمية، أو نشر إشاعات تمس الامن الوطني والقومي للبلاد، أو خلق أزمات دبلوماسية وهمية، كما حصل في عدة حوادث إقليمية في السنوات الماضية.

من يقف وراء الكواليس؟ ضعف الرقابة أم صعوبة المواجهة؟

قد يكون السؤال الأهم هو، من يدير هذه الحملات؟ هل هي دول؟ أم جماعات منظمة؟ أم أفراد؟ الحقيقة أن كل هذه الاحتمالات واردة، فبعض الدول وظّفت ميزانيات ضخمة لتأسيس وحدات الكترونية هدفها التلاعب بالرأي العام، داخلياً وخارجياً. وبعض الجماعات الارهابية طوّرت أدوات متقدمة لتجاوز الرقابة، وتجنيد مختصين بالتقنيات الرقمية ضمن صفوفها. بل إن بعض الهجمات السيبرانية قد تنطلق من غرف مغلقة يديرها مراهقون، تحركهم دوافع أيديولوجية أو حتى مالية. لذا ينبغي الحيطة والحذر، ووجود ثقافة أو أطلاع لدى المتصفح والمتابع لما يحيط العالم من تحديات جمة.

أحد التحديات الكبرى في هذا الميدان هو ضعف الرقابة الفعّالة على المحتوى المنشور عبر الانترنت، وصعوبة تتبع من يقف خلف الحسابات المجهولة أو المتخفية. فالتقنيات الحديثة تسمح بإخفاء الهوية، وتجاوز أنظمة الحجب بسهولة، ناهيك عن الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى مزيف يصعب تمييزه عن الحقيقة، مثل الفديوهات العميقة التي قد تُستخدم لتلفيق تصريحات مزورة أو أحداث غير حقيقة. ورغم الجهود التي تبذلها بعض المنصات الكبرى في تقنين المحتوى، إلا أن هذه الجهود غالباً ما تأتي متأخرة أو غير كافية، لأسباب قانونية أو تجارية أو حتى سياسية.

كيف نواجه هذا الغزو؟

المواجهة ليست تقنية فقط، بل تربوية وإعلامية وثقافية، ومن أبرز الخطوات التي يجب العمل عليها: 1/ رفع الوعي الرقمي، وذلك من خلال حملات تثقيفة تعلّم الناس كيفية التحقق من المعلومات، وعدم الانجرار خلف العناوين المضللة أو الحسابات الوهمية. 2/ إنشاء قوانين واضحة، فمن خلال مكافحة الجرائم الالكترونية، وتغليظ العقوبات على كل من يروّج للكراهية أو العنف الرقمي . 3/ تدريب الكوادر الامنية، على تقنيات الرصد والتحليل السيبراني، بالتعاون مع خبراء في الذكاء الاصطناعي وأكاديميين في علم النفس. 4/ تشجيع منصات التواصل على تبني سياسات صارمة تجاه الحسابات المشبوهة، مع شفافية في الابلاغ والرقابة. 5/ تطوير المحتوى البديل، ويكون عبر دعم الأصوات المعتدلة، وتشجيع الشباب على إنتاج محتوى هادف وجاذب يوازي المحتوى من حيث التاثير.

إن الغزو السيبراني لا يشبه الغزوات الكلاسيكية التي عرفناها في التأريخ، لكنه أكثر خطورة، لأنه لا يُرى بالعين، ولا يُسمع بالدبابات، بل يتسلل الى أذهان الناس وهم في غُرفهم، ويُعيد تشكيل وعيهم دون أن يشعروا. ومن هنا، فإن مسؤوليتنا اليوم كأفراد ومؤسسات ومجتمعات، هي بناء حصانة فكرية ومعرفية، لا تقل أهمية عن بناء جيوش تقليدية. قد لا نستطيع إغلاق الانترنت، لكن يمكننا أن نُسلّح الناس بالوعي، ليكونوا هم خط الدفاع الأول في وجه هذا النوع الجديد من الحروب.

لقد تغيّر شكل الحروب، وتحوّلت جبهاتها من الخنادق الى الشاشات، ومن الحدود الجغرافية الى الفضاء السيبراني اللامحدود. وما يجعل هذا التهديد أكثر خطورة هو أنه يتسلل الينا عبر أدوات نظن أنها مسالمة، مثل الهاتف الذكي أو تطبيق المراسلة أو منشور على صفحة ترفيهية. هذه الحرب لا تحتاج الى جنود، بل الى متابعين، والى من يشاركون المحتوى دون تفكير، ويمنحون الاعداء نافذة الى عقولهم دون أن يشعروا.

لهذا، فإن مسؤوليتنا المشتركة اليوم، أفراداً ومؤسسات، تكمن في الوعي أولاً، ثم الفعل. الوعي بأننا لسنا فقط متلقين، بل مشاركين في تشكيل الفضاء الرقمي. كل إعجاب، مشاركة، تعليق، أو إعادة نشر، قد تكون سهماً في معركة لا نعرف حتى أننا نخوضها. أما الفعل، فهو التزام أخلاقي ومعرفي بمراجعة ما نقرأ وننشر، وتشجيع خطاب عقلاني، وتقديم القدوة لأجيال تنشأ اليوم في بيئة رقمية مشبعة بالمعلومات، ولكنها عطشى للتمييز بين الصادق والزائف، بين الحرية والفوضى.

الغزو السيبراني لا يُهزم بالحُجب فقط، بل بالتفكير النقدي. والتجنيد لا يُمنع بالقوة وحدها، بل ببناء وعي يرفض الانزلاق الى متاهات الكراهية أو الوعود الكاذبة. وبين النشر والتجنيد، تبقى الكلمة المسؤولة، والمعلومة أمانة، ومنصات التواصل ميداناً علينا أن نُحسن آستخدامه، قبل أن يتحول الى أداة ضدنا.

***

د. عصام البرّام - القاهرة

عندما كانت أوروبا تتخبط في صراعاتها اللاهوتية، كان الشرق من الصين والهند الى بغداد ينتج المعرفة ويخاطب الكون. لم تنظر الحضارة العربية الى الكون كعدو يجب إخضاعه بل كصديق يجب الانصات اليه. لأن الشرقيين اعتبروا أنفسهم جزءا من نسيج الكون وأن الطبيعة تنبع من داخلنا، لم يكونوا بحاجة لقوانين تفسر الطبيعة من منظور محايد. وهنا أقصد أن الطبيعة لم تكن، بالنسبة للشرقيين، مسرحًا يكون فيه البشر مشاهدين، بل كانت تمثل وحدة بينهم وبين مكونات الكون.

إذن، لم ينتج الشرق نيوتن لأنه لم تكن يواجه مشكلة نيوتنية. والمقصد من نيوتن هو العلم التجريبي. في حين أراد العلماء والفلاسفة الشرقيون من دراساتهم الوصول الى كمال معرفي روحي ببعد ميتافيزيقي لا مادي بحت. فهل نيوتن هو هدف يجب على كل حضارة الوصول اليه؟

العلم كحكمة لا كأداة

اتخذت الطرق القديمة لجمع المعرفة من الفلسفة كمنهجها الأساسي. كان العلماء العرب كالفارابي وابن سينا بدراساتهم يحاولون فهم موقع الانسان في ترتيب اعلى. لم يهدفوا الى تسخير الطبيعة بالمفهوم المعاصر. انما حاولوا فهم العالم من وجهة نظر ميتافيزيقية تعتبر ان العالم نظام كلي متناسق نابع من عمل خالق متقن ومقتدر. هكذا تصبح الطبيعة تجليا الهيا لا موضوعا للغلبة. بهذا يكون كل اكتشاف علم مادي يساعدنا على فهم المهندس الأعلى، الاله. إضافة إلى ذلك، العالم أو الفيلسوف العربي كان يمتلك ما يشبه القواعد الأساسية القائمة على معتقداته الدينية والروحية وأخذ ينظر إلى الكون بناءً عليها.

الأمر شبيه نوعا ما للطاو الصيني. سعى الصينيون للتوحد مع الطبيعة واعتبروا إن المسار الى الكمال لا يكتمل إلّا بالاتحاد مع الطبيعة. اما الفلاسفة الهنود فقد فهموا الطبيعة على انها زمن دوري، يعاد ويعاد برعاية الالهة وصراعهم من اجل الخير. بذلك يصبح الانسان جزءا من هذه الدورة الأزلية.

فالشرق إذا آمن بمركزية الحكمة لا التجربة. اتجه الشرق نحو نظرة كلية شمولية لتفسير الكون، عكس التجزئة القائمة على دراسة وتنفيذ التجارب على الأجزاء لمعرفة الكليات في المفهوم الغربي. وهنا تكمن زبدة الفرق. يدرك أي عاقل اليوم أن أسلوب الشرق في النظرة الكلية قد فشل في دفع عجلة التقدم الحضاري، أي الاقتصادي والتكنولوجي. ولكن الأمر ذاته بدأ يظهر في الغرب حول التجزئة، حيث أن التجزئة تقف عاجزة أمام الكثير من المشاكل والأسئلة العالقة في الغرب. فهل يكون الحل في إيجاد مزيج بين الاثنين؟

هل فشل الشرق في إيجاد نيوتن؟

كان للشرق اليد العليا في مجال جمع المعرفة في المرحلة التي سبقت الثورة الفكرية والعلمية في أوروبا. ولكن، لماذا أفل نجم الشرق بشكل متسارع؟ هل فشل الشرق في إيجاد نيوتن؟ أم نيوتن الشرق قد خاف من تقديم نفسه للملأ خوفًا على حياته؟ الحقيقة أن الإجابة هي نعم بشكل جزئي للسؤالين الأخيرين.

أما السؤال الأول، لقد فشل الشرق في إيجاد نيوتن لأسباب تتعلق بعقليته. الجانب الأول هو ما ذكرناه أعلاه حول فكرة الاندماج مع الطبيعة. أما الجانب الآخر، فهو مبدأ امتلاك قواعد وخطوط حمراء لا يمكن تخطيها عند البحث عن إجابات. هذه العقلية تحد من التفكير النقدي -الذي هو لب العلم التجريبي- بسبب الهواجس الروحية الداخلية. وكي لا نستثني جوانب أخرى ذكرها المستشرقون حول طبيعة اللغات في الشرق وطبيعة البيئة الصعبة والمعقدة لا سيما البيئة الصحراوية عند العرب مثلا. غير أني أنظر لهذه الأفكار بتحفظ كبير. إن للغة دور كبير في تكوين الهوية، إلا أن هذا الدور يصبح أقل أهمية عندما يتعلق الأمر بالتفكير النقدي دون هواجس.

وفي مبحث السؤال الثاني، فإن خوف المفكرين الذين يخرجون عن عباءة الأفكار المهيمنة لمسألة إنسانية حصلت في الشرق كما في الغرب في العصور الوسطى. أما في الشرق فاستمرت ظاهرة اقصاء المفكرين بدءا من تكفيرهم الى حد قتلهم الى يومنا هذا، في مناطق عدة. فليس غريبًا إن كان على نيوتن الشرق ألا يظهر نفسه ويبقي أفكاره لنفسه.

فهل يجب على كل حضارة أن تصل إلى مرحلة نيوتن؟

هل يشكل نيوتن ضرورة حضارية على كل حضارة أن تصل اليه؟ ان النجاح الباهر الذي وصلت اليه العلوم التجريبية قد يوحي للعامة إن الإجابة هي نعم. أما الإجابة فهي أن الطريقين لهما ما لهما وعليهما ما عليهما. من الصحيح ان العلم التجريبي لا مفر منه لأي حضارة لتتسلق سلم التقدم المعرفي والحضاري الآن. فالعلم اليوم هو الذي يسهل حياة الانسان ويجيب عن العديد من الأسئلة الدائرة في ذهنه.

لكن نظرة الغرب التي تعتمد على فهم الجزء لفهم الكل عجزت عن وضع حلول لكثير من المشاكل في الغرب نفسه. تهدد هذه المشاكل اليوم الحضارة الغربية بأكملها كبناء نظام اجتماعي واقتصادي فعال، بعيدا عن الديموقراطية الرأسمالية، يضمن المساواة والعدل. إضافة الى انهيار المنظومات الأخلاقية تحت مظلة الحرية المطلقة. ومن هنا نرى أن هذا النيوتن هذا يحمل إيجابيات تجعله مرحلة أساسية في مسار تقدم أي حضارة مع الحذر من بعض الأعراض الجانبية التي يجب أخذها بعين الاعتبار.

فمن هنا فإن نيوتن ليس هدفا يجب الوصول إليه من قبل أي حضارة، بل مرحلة معرفية. يجب بعدها بناء هذه المعرفة وإنشاء نظام متكامل حولها. فإذا كان على الشرق إيجاد نيوتن اليوم، فعليه أن يدمجه في منظومته المعرفية، لا يستبدله بها. وسنناقش في مقال يلي هذا العلم في الغرب، إيجابيات وسلبيات، بشكل أعمق لنطرح بعدها ما يشبه خارطة الطريق لعلم تجريبي بنكهة شرقية.

***

فضل فقيه - باحث

............................

قراءات إضافية:

* سعيد، إدوارد. الاستشراق. ترجمة كمال أبو ديب. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1981

 

كتب دون ديليلو في روايته ضوضاء الخلفية: "نقضي حياتنا كلها في تعلّم توديع الآخرين، ولسنا مستعدّين أبدًا لتوديع أنفسنا.".. عبارة تترك أثرًا مزدوجًا في النفس: تبدو للبعض عميقة كجرح مفتوح، وللآخرين سطحية كغبار خفيف على مرآة الوعي. لكن سواء نظرنا إليها كحكمة أم هراء، فهي تُسلّط الضوء على لحظة فارقة، لحظة المواجهة مع فكرة الفقد، لا كحدث خارجي، بل كزلزال داخلي يهزّ أعمدة الذات.

في ظاهر الأمر، يبدو أن الإنسان يعلم كيف يودّع أحباءه، أقرباءه، رفاقه، مدنه، وحتى ماضيه. ولكن الحقيقة أعمق وأكثر مراوغة. نحن لا نتعلّم شيئًا من هذا القبيل. نحن نُتقن فنّ التهرّب. نهرب من فكرة الموت، من فكرة النهايات، من هشاشة الوجود، ومن اللحظة التي يتعيّن علينا فيها أن نُسلّم بأن كل شيء مؤقت – نحن، والآخرون، وحتى هذا الحزن الذي نحمله على ظهورنا كظلٍّ ثقيل.

لقد أصبحت ثقافتنا الحديثة متخصصة في إخفاء الموت كما يُخفى الغبار تحت السجادة. المستشفيات – مع أنها أماكن توديع بامتياز – لا تملك غالبًا طقوسًا إنسانية تليق بلحظة الرحيل. وإذا كانت المؤسسة الطبية لا تعرف كيف تودّع، فكيف يكون حال الإنسان العادي؟ كيف لهذا المواطن المُثقل بالفواتير، والإعلانات، والإشعارات، وقلق المستقبل أن يفهم ما يعنيه أن تقول لشخص تحبه: وداعًا إلى الأبد؟

كتب مونتين في تأملاته: "أن نتعلم كيف نعيش، هو أن نتعلم كيف نموت." لكننا لم نتعلم لا هذا ولا ذاك. نحن لا نعيش، نحن نؤجّل. ولا نموت، بل نُخفي الموت في أركان الوعي، كضيف غير مرغوب فيه.

في زمن ما بعد الحداثة، أصبح الإنسان أشبه بمتسوّل أمام شاشة هاتفه: يشتهي الإلهاء، يطلب مهربًا من ذاته، من تأملاته، من تلك الأسئلة القديمة التي أرّقت سقراط: من أنا؟ وإلى أين أذهب؟ ولماذا هذا العناء؟ لكن لم يعد هناك سقراط ليُزعجنا، بل خوارزميات تصمّ الوعي وتصرفه عن نفسه.

الهروب من التفكير في الموت ليس امتيازًا معاصرًا، لكنه ازداد حدّة بفعل الهوس الجديد بالذات، تلك "الذات" التي تُربّى كما تُربّى نبتة نرجسية في أصيص من المرايا. أصبحت الذات مشروعًا مفتوحًا على تعديل مستمر، صفحة إنستغرامية تحتاج إلى فلاتر، وسيرة ذاتية تحتاج إلى تحديث يومي.

لكن المفارقة أن هذا الهوس بالذات لا يُقوّيها، بل يُنهكها. يقول كريستوفر لاش في كتابه ثقافة النرجسية: "في مجتمع يعاني من فراغ داخلي، تُصبح الذات صنمًا يُعبد." ونحن – دون أن نشعر – عبدنا هذا الصنم، وسمّيناه تنمية ذاتية.

يبدو أن "الوداع" الوحيد الذي يستحق أن نتعلّمه ليس وداع الآخرين، بل وداع تلك الذات المتضخّمة، المهووسة بعيوبها وتفوقها، بجمالها وانكسارها، بخوفها من الزوال وحبها للظهور. هذا هو الوداع الحقيقي، أن تودّع وهم السيطرة، وأن تعود لتكون كائنًا طبيعيًا، يأكل، يحب، يعمل، يحزن، ويموت، دون أن يحتاج كل ذلك إلى عرض مسرحي داخلي لا ينتهي.

يقول شوبنهاور: "الوعي الذاتي الزائد مرض من أمراض الحضارة." فكلما فكر الإنسان في نفسه أكثر، ازداد بعدًا عنها. يصبح وجوده شبيهًا بمن يراقب نفسه في المرآة وهو يحاول النوم. هذا هو ما يشلّ الحركة ويقتل العفوية ويحوّل الحياة إلى تجربة مختنقة.

في ضجيج ما بعد الحداثة، حيث كل شيء يُعلن عنه ويُصوَّر ويُشارَك، فإن أجمل شيء قد تفعله مع نفسك هو أن تتوقف عن مراقبتها. أن تُسلّم نفسك لما هو خارجها. أن تعيش، لا لتصنع هوية، بل لتكون جزءًا من نهر يتدفق دون أن يحتاج إلى تعريف.

وإذا كان لا بد من وداع، فليكن وداعًا لذلك الوعي الزائف الذي يجعلنا نرتجف أمام فكرة أننا لسنا مركز الكون. وداعًا لذلك الاجترار الداخلي الذي يجعل كل لحظة تحتاج إلى تحليل، وتفسير، وتبرير. وداعًا لتلك "الذات" التي لا تتركنا في سلام، بل تطاردنا كصوت خلفي في دوامة لا تنتهي.

كتب هايدغر أن: "الوجود الأصيل يبدأ عندما يواجه الإنسان موته." فربما علينا أن نكفّ عن تجنب هذا اللقاء، لا لنموت، بل لنبدأ حقًا في العيش.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

عن الطبري إن الإمام الحسين بن علي(ع) لما كان في الطريق إلى كربلاء لقيه مجمع بن عبد الله العائذي- وكان مجمع وابنه جاءا مع عمرو بن خالد الصيداوي إلى الحسين (عليه السلام) ليكونا معه فمانعهم الحر لكن الحسين(ع) أخذهم منه.

قال أبو مخنف: لما مانع الحر مجمعا وابنه وعمرا وجنادة، ثم أخذهم الحسين (عليه السلام) ومنعهم من الحر، سألهم الحسين عن الناس بالكوفة فقال: " أخبروني خبر الناس وراءكم"؟

فقال له مجمع بن عبد الله: أما أشراف الناس فقد عظمت رشوتهم، وملئت غرائرهم، يستمال بذلك ودهم، وتستخلص به نصيحتهم، فهم ألب واحد عليك، وأما سائر الناس بعد، فإن أفئدتهم تهوي إليك، وسيوفهم غدا مشهورة عليك1.

فكان كل مثقفي الكوفة وسادتها بما فيهم قائد حركة التوابين سليمان بن صُرَد الخزاعي قد خذلوا الحسين أما طمعا وأما خوفا فأنطبق عليهم قول الشاعر عبيد بن الأبرص:

"لا أعرِفَنَّكَ بعد الموتِ تَندُبُني  وفي حياتيَ ما زَوَّدْتَني زادي".

لا ترتكز الخيانة أو العمالة كالأفعال العادية على الإغراء والإغواء والضعف البشري فحسب بل هي قبل أي شيء آخر علاقة (قوة) بين طرف يرى نفسه سامياً وآخر يرى نفسه دونياً.

وفي دراسة (الجذور التاريخية للعمالة) يلخص شيخي الطاهر هادي العلوي (طاب ثراه) جوهر العمالة في عنصرين: علاقة الفوقية والقوة بين بلد العميل والبلد الذي يُشَغّله وتلاقي المصالح أو الاستفادة المتبادلة بين الطرفين ولأن النخب هم أكثر الناس حساسية لعلاقات القوة والمصالح وأكثر من يحركه هم الطموح والتسلق وتحويل أزمات شعبه وكوارثه الى فرص له. فهم تاريخيا أكثر الناس استعدادا للعمالة.

يروي شيخي العلوي أن أول من مارس العمالة في تاريخ العرب المدون لم يكن «أبا رغال» الشهير بل النضيرة بنت الضيزن ابنة ملك الحضر المدينة الحصينة التي تقع آثارها اليوم قرب الموصل. حين حاصر الملك الساساني شاهبور الأول عاصمة الضيزن اتصلت به النضيرة سرا وعرضت أن تدله على مدخل للمدينة مقابل أن يتزوجها ويجعلها ملكة. قام شاهبور فعلا باقتحام الحضر مستعينا بإرشادات الأميرة وقتل أمراء المدينة ونبلاءها باستثناء النضيرة التي وفى بوعده لها وتزوجها. ولكن في يوم الزفاف في القصر الملكي اكتشف شاهبور مدى العطف والدلال اللذين حظيت بهما الأميرة من أهلها قبل أن تخونهم وتودي بهم الى الهلاك فغضب عليها غضبا شديدا حتى أمر بإعدامها.

بهذه المقاييس أيضا ميز العلوي بين صنفين من العمالة تاريخياً: "عمالة الأسياد" كحال الملوك الذين يُكرهون على التحول الى أتباع لدول أقوى فيرتضون بالموقع التابع مقابل الحفاظ على عرشهم وامتيازاتهم و"العميل المحلي" الذي يعيش في مجتمع ويعمل مع عدو خارجي ضده. في الحالة الأولى يوجد عنصر إكراه وإرغام واستسلام لمعادلات القوة وقد يحتفظ الملك التابع ونخبته بمشاعر قومية ويطمحون سرا الى انتزاع المزيد من السيادة على حساب "الامبراطورية" أو الانفكاك من طوق التبعية لو استطاعوا. ولكن في النموذج الثاني فإن "العميل المحلي" يمارس الخيانة بالتراضي الكامل مع مشغليه ومن دون إكراه بل هو يتماهى بالكامل مع سيده ومع مصالحه الشخصية. وتؤدي الرابطة المطواعة الى تفريغ شخصية التابع من نزعة التمرد والاستقلال.

وينصهر العميل كليا في شخصية السيد. بمعنى آخر يأتي "العميل المحلي" مع العقلية التي تؤمن بأن شعبه متخلف وتسلم بدونية ثقافته وتفوق أعدائه2.

المثقفون والعمالة:

يقول العلوي: "إنك لو نظرت في قوائم عملاء المخابرات الأميركية في بلادنا سيندر أن تجد بينهم فلاحا أو خبازا يعمل بيديه بل إن جلهم من المتعلمين الغرباويين.

الفارق هنا لا علاقة له بمستوى الثقافة أو الذكاء أو التعلم بل بأن الخباز يملك مهنة حقيقية تربطه بالأرض والمجتمع وحوله بنية تقليدية تزوده بهوية وموقع وموانع. من الصعب على إنسان كهذا أن تتناغم مصالحه الطبقية مع مصالح عدو خارجي ولن يكون من السهل عليه أن يلعب دور الخائن في مجتمعه ومحيطه. أما من يعمل في وكالة أجنبية أو يطمح الى راتب ومستوى حياة فاخرة ويريد أن يتمايز عن حظوظ مواطنيه فإنه من السهل له أن يجد مصالحه في تعارض مع مصالح غالبية المجتمع.

نعم المثقف ليس جيدا ولا هو سيئا بطبيعته المحضة المثقف هو ببساطة إنسان يحتاج الى راتب ومؤسسة ترعاه حتى يمارس حياته كباقي البشر ولو كانت هناك دولة وطنية تؤطر هذه الفئة و ترعاها وتضبطها فهي قد يتم استثمارها في خير المجتمع وتكون نخبة وطنية. ولكن حين تترك هذه النخب بلا رعاية سيسعى كل الى إيجاد ممول وراع عندها تتفعل الدونية كواقعة سايكولوجية تحت مبرر الأنانية والشعور الزائف بالفوقية وهنا بالضبط ينفصل المثقف عن مجتمعه. عندها من الممكن أن يصبح المثقف عميلا.

لكن يبقى مصطلح (عمالة أو خيانة) مصطلح إشكالي يحمل أحكاما قيمية قد تضيق أو تتسع بحسب السياقات التاريخية والسياسية لكن من الممكن حصرها في عدة موارد:

1. الانتهازية والمصالح الشخصية:

قلنا إن المثقف في النهاية هو إنسان يحتاج كل ما يحتاجه البشر من مسكن وملبس ومأكل لكنهم يتفاوتون في مدى الحرص منهم من تسمو نفسه وتعظم روحه فيكتفي بالقليل ومنهم من يقوده الجشع إلى السعي للسلطة أو المناصب أو المكاسب المادية فيستذئب في سببل الحصول على ذلك ثم يخون ضميره من خلال التكيف مع الأنظمة الاستبدادية للحفاظ على الامتيازات الخاصة به.

2. الخوف والقمع:

يتفاوت المثقفون أيضا في سجايا الشجاعة والجبن. منهم من يجبن ويقوده ذلك إلى التخلي عن المبادئ تحت تهديد السجن والتعذيب والقتل ومنهم يفضل الموت على حياة الذل والهوان. ومنهم من يعتزل أو يختار المنفى لتفادي العقاب.

هذا الانعزال عن الواقع يؤدي حتما إلى انفصال المثقف عن هموم المجتمع مما يُفقده بوصلة التغيير.

3. الأيديولوجيا والتعصب:

غالبا ما يقع المثقف في براثن تبني أيديولوجيات شمولية متطرفة قد تكون دينية أو قومية وحتى يسارية عندها يصبح المثقف مثقفا سلطويا يبرر الانحياز للسلطة ضد مصالح الشعب. فيستخدم خطابا فكريا تبريريا ليبرر فيه القمع أو التمييز ضد شعبه.

4. الاستقطاب الهوياتي:

بعض المثقفين لأسباب كثيرة ينجر إلى صراعات هوياتية دينية - طائفية أو قومية عرقية مما يوقعه في مستنقع الأنحياز وهذا يضعف موقفه النقدي ويعمي بصيرته الأدراكية.

5. الأزمة الأخلاقية:

قد يقع المثقف في تناقض بين الأمر الفكري وقاعدة السلوك أو بين الخطاب النظري والممارسة العملية فتراه يدعو للعدالة وهو يبرر الظلم أو يدعو للوطنية وهو مشارك في الفساد الطائفي ويدافع عن الفاسدين من طائفته.

أخيرا أقول: إن المسؤولية الأخلاقية للمثقف تكمن في نقده للسلطة الفاسدة وتعريتها أمام الشعب والدفاع عن الحقوق الإنسانية للخلق أجمعين والتحصن من إغراءات السلطة حتى لا يقع في معضلات وجودية تمس صميم ماهيته كمثقف وتحيله إلى مسخ دوني.

إنما خصصنا المثقف بهذا القول لأنه واعِ مدرك لمطلبه وعواقبه.

أما العامة فهؤلاء لا قول فيهم فهم ينقادون للعمالة دون وعي تحت أي عنوان ديني أو طائفي بأعتبار أن الدين أو الطائفة هي الأطار النهائي لوعيهم المتدني.

وخير وصف لهم هو قول الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): بأنهم "همج رعاع، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق" 3.

***

سليم جواد الفهد

..................

1. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري،ج3، ص306.

2. من دراسة هادي العلوي: “الجذور التاريخية للعمالة”، مجلة دراسات عربية، العدد 4، شباط 1980.

3. شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: الخطبة ١٢٩.

 

الموت، ذلك اليقين الوحيد في حياة الإنسان، يمثل ذروة الغياب، لكن الفلسفة لا ترى الموت مجرد نهاية بيولوجية، بل تتناوله كحدث وجودي يلقي بظلاله على كل الأبعاد الحياتية الاخرى. الموت هو الانقطاع التام عن العالم المادي، وهو غياب عن الوجود بكل صوره، إنه ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل هو انتهاء للحضور الشخصي، هذا الغياب يخلق فراغًا لا يمكن ملؤه، سواء كان في حياة من يفقد أو في سجل التاريخ نفسه، عندما يموت شخص، يختفي وجوده بالكامل، لكنه يظل حاضرًا في ذاكرة أحبائه، في الصور، في القصص التي تُروى عنه، وفي الأثر الذي تركه. هذا الحضور هو ما يمكن أن نصفه (بـاللاموتية الرمزية)، أو الخلود الاجتماعي، إنه ليس حضورًا فعليًا، بل هو (حضور رمزي) يعتمد على الذاكرة البشرية كشكل من أشكال الحضور، يعتبر الاستدعاء الذهني هو شكل من أشكال الحضور، لكنه يظل باهتًا لأنه لا يمكن أن يتفاعل أو يشارك الحاضر، الأثر هو الدليل على ما كان موجود وتجعله حاضرًا بطريقة غير مباشرة.

اللاحضور كموت رمزي

يمكن أن نستخدم مصطلح "اللاحضور" لوصف حالة شخص حي، ولكنه معزول عن محيطه، أو لا يترك أي أثر حقيقي، هذا الشخص يكون موجودًا جسديًا، لكنه غائب روحيًا، هذا "الموت الرمزي" يحدث عندما يفقد الإنسان دوره، وتأثيره، أو قدرته على التواصل. يلعب الاغتراب الاجتماعي دورا مهما في هذا الانفصال مما يجعل الفرد في حالة لا حضور أو موت رمزي لا يعرف فيها الانسان كيف يبحث عن هويته أو غايته، يصبح مجرد جسد يتحرك بلا روح، هذا الشكل من أشكال الحضور او اللاحضور، يفقده وجوده ومعناه.

الفقدان الوجودي

عندما يغيب شخص يصبح وجوده غير محسوس، هذا الغياب يخلق فراغًا يشبه الفراغ الذي يتركه الموت، كلاهما ينهي العلاقة المباشرة والتفاعل مع العالم، وإن كان الموت حدث نهائي، فإن اللاحضور حدث مؤقت بشكل مجازي، اللاحضور يمكن أن يمثل "موتًا اجتماعيًا"، عندما يتوقف شخص ما عن المشاركة في الحياة الاجتماعية أو الثقافية، عندما تصبح الحياة الاجتماعية والثقافية مجرد عرض مسرحي سطحي، حيث يتم التركيز على المظاهر والتباهي بدلاً من الجوهر، فإن الشخص الذي يبحث عن مشاركات ذات معنى يشعر بخيبة أمل عميقة. هذا الشعور بفقدان القيمة يدفع الكثيرين إلى العزلة. يصبح وكأنه لم يعد موجودًا بالنسبة للمحيطين به. اسمه قد يختفي من المحادثات، وتأثيره يتلاشى. هذا النوع من الفقدان لا يقل ألمًا عن الموت الجسدي، لأنه يمحو الهوية الاجتماعية للفرد، الموت الرمزي يحدث أيضًا عندما يفقد شيء ما معناه أو وظيفته. على سبيل المثال، قد تختفي بعض العادات أو اللغات، مما يعني "موتها الرمزي". فبالرغم من أنها قد تكون موجودة في الكتب أو التاريخ، إلا أنها لم تعد حية ومؤثرة في الواقع اليومي. هذا الفقدان للمعنى يشبه موت الفكرة أو المبدأ الذي كانت تمثله.

الحضور الباهت كأثر

"جاك دريدا "يرى أن كل حضور يتضمن في جوهره غيابًا، وإن "الأثر" هو ما يترك بصمة الحضور في الغياب. هذا الأثر هو جوهر عملية الكتابة واللغة، فكل كلمة مكتوبة هي "أثر" ودلالة على صوت كان حاضرًا ، يمكن القول إن (الحضور الباهت) هو الآلية المعرفية التي تربط الحاضر بالماضي، وتمنح الوعي عمقًا زمنيًا وتراكمًا معرفيًا يتجاوز حدود اللحظة الراهنة ،العلاقة بين (الحضور الباهت )وقدرتنا على فهم العالم وبناء المعرفة هي علاقة جوهرية وأساسية لذا يمكن القول إن (الحضور الباهت) ليس مجرد ظاهرة ثانوية، بل هو آلية معرفية محورية تُمكِّن الوعي من تجاوز اللحظة الآنية وتكوين فهم متكامل للعالم، هو الجسر الذي يربط بين ما هو حاضر فعليًا وما هو غائب، مما يمنح معرفتنا عمقًا واتساعًا، الدور الأبرز للحضور الباهت يتجلى في قدرة الوعي على الاحتفاظ بآثار التجارب الماضية، كل ما نختبره يترك بصمة في الذاكرة، وهذه البصمة هي ما نسميه "الحضور الباهت"، هذا الحضور ليس استنساخًا كاملًا للحدث، بل هو تمثيل رمزي لفهم أي تجربة جديدة، لذا نحتاج إلى ربطها بجميع التجارب السابقة المشابهة. الحضور الباهت للتجارب السابقة هو الذي يوفر لنا السياق اللازم لتحليل وتفسير ما يحدث ،ان المفاهيم المجردة (مثل الجمال، الزمن) لا يمكن بناؤها من تجربة حسية واحدة، إنها تتشكل من خلال تجميع وتحليل الآثار الباهتة لعدد لا نهائي من الخبرات المتصلة، مما يسمح للوعي بتجريد الخصائص المشتركة وتكوين معنى أعمق، كما أن الحضور الباهت للماضي يسمح لنا بفهم الحاضر، ، كل توقع نقوم هو عملية استقراء سابقة في الحضور الباهت للتجربة، هذا لا يعتمد على للحضور الفعلي ، بل على الأثر الباهت في الذاكرة، القوانين العلمية هي في جوهرها نتائج لتجميع عدد هائل من الملاحظات والتجارب الماضية ،الحضور الباهت لهذه البيانات يتيح لنا استنتاج أنماط وقوانين تسمح لنا بتوقع ما سيحدث في ظروف معينة.

الحضور الباهت في اللغة

تمثل اللغة خير مثال على العلاقة بين الحضور الباهت والمعرفة. فالكلمات هي في حد ذاتها أصداء باهتة للأشياء التي تدل عليها، عندما نتحدث عن شيء غير موجود حاليًا فإننا لا نتعامل مع حضوره الفعلي، بل مع أثره الباهت في ذاكرتنا اللغوية والمعرفية. هذا الحضور الباهت هو ما يجعل التواصل ممكنًا حتى في ظل الغياب، الكثير من المفاهيم التي نؤمن بها لا وجود لها بشكل مادي، إنها مفاهيم مبنية على أثر رمزي و"حضور باهت" في وعينا الجماعي، وهذا الحضور هو ما يمنحها سلطة وقوة في بناء الواقع الاجتماعي.

الحضور الباهت في الفلسفة

التحليل الفلسفي للحضور الباهت يمكن أن يتجاوز كونه مجرد فكرة وجودية أو معرفية، ليصبح لبنة أساسية في بناء رؤية متكاملة عن الوعي نفسه. إذا كان الحضور الباهت هو ما تبقى من الماضي، فإن الرؤية المتقدة هي ما يُجب ان تبنى على هذا الماضي لفهم الحاضر وصناعة المستقبل ، وضع الحضور الباهت في سياق معرفي متكامل من خلال نموذج ثلاثي الأبعاد يوضح كيف يتم "تأجيج" (إيقاد) هذا الحضور الخافت ليتحول إلى إدراك عميق وفاعل من خلال الرؤية المتقدة، الرؤية المتقدة لا تنشأ من الإدراك الحسي السلبي، بل من الحوار المستمر بين ما هو حاضر أمام الحواس وما هو حاضر في الذاكرة ، المعطيات الحسية الخام (الحضور الباهت) التي يتلقاها الوعي، هي مجرد "شرارة" أولية (الحضور الباهت )هو الخلفية المعرفية والتجريبية التي تمنح الشرارة معناها. هو أثر التجارب الماضية، الذكريات، والمفاهيم المخزنة في الذاكرة، الرؤية المتقدة هي لحظة تداخل هذين الحضورين. هذا التفاعل هو ما يحول الإدراك من مجرد استقبال للمعلومات إلى فعل تأويلي ينتقل من تركيب الأثر إلى الفهم، هذه المعطيات معطيات ليست موجودة في الأشياء بذاتها، بل هي تركيب غالبا ما تنتج من الحضور الباهت بالحضور المباشر للأشياء التي هي مجرد رموز تحمل في طياتها حضورًا باهتًا لأشياء أخرى، ولكنها تحمل أثرًا باهتًا لتجارب ومواقف وقيم لا حصر لها، الرؤية المتقدة هي اللحظة التي يتم فيها إضاءة هذا الأثر الباهت، فيصبح الرمز فكرة حية، وتتحول التجربة الحسية إلى فهم عميق. إنها اللحظة التي "نرى" فيها المعنى خلف المظهر، ويصبح الحضور الباهت ليس فقط أداة للفهم، بل محركًا للفعل. الحضور الباهت للنجاحات والفشل هو ما يوجه اختياراتنا الحالية، الرؤية المتقدة تصبح حكمة عندما يصبح الوعي قادرًا على دمج الحضور الباهت مع متطلبات الحاضر، إنه ينتج فعلًا حكيمًا ومدركًا. هذا الفعل ليس مجرد رد فعل، بل هو تجسيد حي لرؤية متقدة لهذا العالم، يكون الحضور الباهت بمثابة "جمر" الماضي، الذي عندما يتم تهيئته بشكل واعٍ في سياق الحاضر، فإنه لا يمنحنا مجرد ذاكرة، بل يؤجج فينا رؤية متقدة تُفَسِّر وتُوجِّه وتُثري وجودنا.

***

غالب المسعودي

يرى المفكر محمد عابد الجابري، أن مهمة تغيير نظام الفكر السائد تقع أصالة على كاهل المثقفين، وأنه ما لم يكن هناك مشروع ثقافي يبشر به المثقفون وباستراتيجية ذكية تعطي الأولوية لما هو أساسي، وتقتنص الممكن القريب طلبا للممكن البعيد، فإنه لا يمكن تغيير نظام الفكر السائد، تغييرا يخدم الأهداف فيما يسميه ب"التقدم والوحدة".

وحرص الجابري، خلال جولته الفكرية العميقة، في طرح أهم إشكالات الفكر العربي المعاصر، على استدراج شرطيات إعادة بناء الذات العربية بالشكل الذي يضمن لها الاستقرار النفسي والأصالة القومية والاستقلال التاريخي، دون أن يتجاهل الحدود الدنيا من قيم الحرية الفكرية والتعبير والتسامح الديني والمذهبي، علاوة على الشجاعة والتضحية اللتان يطعمان الوظيفة الثقافية ويزكيان تأثيرها على المجتمع والحياة.

وساق الجابري، وفق هذا المسار التفكيكي للبنى الثقافية الوطنية (القومية)، مهمة مواجهة الغزو الإعلامي والثقافي عبر الأقمار الاصطناعية، متهما إدارة الدولة بالعجز عن القيام بذلك، ارتباطا بمنظومات قدوية بنائية، كالتعليم ونظام الفكر السائدين، الفاشلين في توفير الأسلحة الضرورية لمواجهة الأزمة.

نظرية الجابري في هذا الحقل الشائك كما هو معلوم، يروم قراءة المشروع الحضاري العربي، بتقاطعاته المعرفية وإشكالياته البنيوية، من منطلق مرجعيات ثلاث، الوحدة والتمدين والعقلنة. " تحقيق وحدة عربية حقيقية، اقتصادية وسياسية وثقافية" و" السير في طريق التمدين المجتمعي وتحويله إلى مجتمع مدني"، و "عقلنة الحياة العربية بمختلف مظاهرها". وكلها مقومات قائمة كنزوعات تستحث الفكر والعمل. ما يعني عند المفكر الجابري، أن العرب سيظلون مشروعا للمستقبل.

لكن اللافت، في نقدانية الجابري المدفوعة بتركيز عالي على سؤال التكنولوجيا وصناعة النهضة، أن الانفجار الإعلامي المتوحش، يتأثر سلبا بالإشكاليات المطروحة سلفا، مبديا قلقا استراتيجيا في ارتدادات الغزو وانتقالاته، وحدوث ارتكاسات على أعتابه، معيدا نفس استفهامات السابقين: " لماذا تأخرنا؟ ولماذا فشلنا في تحقيق نهضتنا؟".

إن التحولات الجديدة في أنماط التعامل مع مأزق الغزو الإعلامي والثقافي، تستعيد الصياغة المثلى لحقيقة التغلغل الكاسح الذي تطرحه متاهة "نقل التكنولوجيا"، في طبيعتها السياسية والثقافية الموجهة، على اعتبار أن دوافعها مرهونة بمستقبليها، قائمة أساسا على "السلع الاستهلاكية"، مع الحجب المباشر لكل ما يرقى لأن يكون فتحا علميا أو تخصصيا تقنويا أو فنيا أو تعليميا. وهو ما تنبه إليه الجابري، عند استدراكه، بالقول أن الأدبيات التكنولوجية العربية تهتم بإبراز دور الغرب، وبكيفية خاصة شركاته المتعددة الجنسية، في عرقلة عملية "النقل النزيه" للتكنولوجيا إلى البلاد النامية والحيلولة دون غرس جذورها فيها، .. بنفس القدر الذي تبرز فيه تلك المعوقات والعراقيل الداخلية التي تجعل عملية غرس التكنولوجيا في البلدان العربية تتطلب تحويلا شاملا للمجتمع وبنياته وتقاليده.

وبغض النظر عن توجهات أوطاننا العربية، في افتعال زخم التأثير "الإيجابي" لما تعبئه المسارات السياسية والثقافية والإعلامية، كأدوات للاستقبال وبناء العلاقات الدولية وحضور هاجس الاستقطابات والانسياق لفواعل الأنظمة الدولية ومصالحها المتشعبة، فإن عقلية الاسترخاص و"التبعية" وضعف حاجز الاستقلال والقرار السيادي، يضعان الهامش الثقافي والإعلامي ومشروعية سؤاله السيروري، في مؤخرة الأولويات وخارج الاعتبارات المكرسة لفهم الخطورة التي تشكلها حقيقة اختزالنا للوعي الحضاري والمدني، وتخلفنا عن إدراك جوهر رؤيتنا للموجهات الإعلامية والثقافية وتورطها في محو الهوية واللغة والاقتدار على تحريك السبل الكفيلة بقيام نهضة حقيقية وقادرة على الصمود وإبداع الأفكار والسمو بفكر التحديث والإصغاء لتجارب النجاح.

وفي حين يرى بعض المثقفين العرب، أن حال المثقف اليوم لا يكاد يفصل واقعه عن يوطوبياه المتخيلة، يأخذ وضعا تكريسيا لا ينماز عن أوهام الطبقية كهيكل اجتماعي وثقافي، تتداخل فيه نظم المجتمع والهوية وأنماط الحياة الأخرى، خصوصا بعد انكشاف غمة ما كان يسمى بثورات الربيع العربي، التي أودعته في الجانب المظلم من مخلفات الاستبداد، علاوة على تقييم أدائه الباهت تجاه السلطة، واستغلاله كآلية وظيفية مؤقتة. ولا يحول هذا السياق، عن تقليص فاعلية التأثير لدى هذا الكائن الحراكي "رأس المال الثقافي" كما يصفه بيير بورديو، في تحطيم نظرية "الفردانية/ الحرية" المحايثة لتعميق فجوة "التراصف الطبقي" بنظر روزماري كرومبتون، الذي هو أس ما أضحى يشكل صلب "النيوليبيرالية الفردانية"، التي تأكل من داخل طبقتها الاجتماعية، وتستنفذ حيويتها الذاتية، لتشرع بعد ذلك، في تشكيل حدود جديدة بحسب تغيرات متطلبات السوق وهيكله الوظيفي الاستتباعي.در

***

د. مصـطَـفَى غَلْمَان

ليس من السهل، بالنسبة لي على الأقل، الوقوف على الدوافع التي تجعل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في العراق وللعام الثاني (2023 و2025)، تختار كتب مالك بن نبي لتكون مشروعًا رسميًا للقراءة. ولا ريب أنّ مالك بن نبي يعدّ أحد الأسماء المؤسسة في الفكر النهضوي العربي- الإسلامي، بما اكتنزه من أطروحات إشكالية حول الحضارة وشروط النهوض وطرق تجاوز مراوغات الاستعمار. غير أنّ الإلحاح على استحضار تجربته التي تحمل رهاناتها الجزائرية وتموضعاتها وحاجاتها وأسمائها يفتح الباب أمام تساؤلات جدّية حول طبيعة الرؤية المعرفية التي تتحكم في مثل هذه الاختيارات، ومدى انفتاحها على الحاجات الثقافية والفكرية الفعلية للواقع العراقي الراهن ودلالاته.

إنّ فعل القراءة في جوهره، لا يقوم على الاستهلاك الرمزي للنصوص ولا على تكرار النماذج الوافدة، وإنَّما يقوم على الحوار النقدي الخلاق مع الذات والتاريخ والمعاصرة. ومن ثَّم فإنّ الاقتصار على تجربة فكرية خارجية- مهما كانت قيمتها وعمقها- قد يؤدي إلى تجميد الأفق النقدي وتأملاته، وإلى تحويل القراءة إلى طقس مؤسساتي جاف فاقد للفاعلية، بدل أن تكون أداة لإعادة صياغة الوعي الفردي والجماعي.

العراق نفسه يزخر، في تاريخه القريب والمعاصر، بأسماء فكرية وفلسفية وعلمية مهمة، أنجزت مشاريع رصينة انبثقت من الطين العراقي، وتعاملت مباشرة مع أسئلته التاريخية والحضارية والاجتماعية والنفسية. ويكفي أنّ نشير، على سبيل المثال لا الحصر، إلى علي الوردي الذي أسّس لعلم اجتماع نقدي يقرأ بنية المجتمع العراقي في ضوء التوترات التاريخية والثقافية، ويحيى محمد الذي انشغل بإعادة مساءلة بنية العقل الديني ضمن مشروعه النقدي في نظم التراث وعلم الطريقة(النظام المعياري-النظام الوجودي- النظام الواقعي) إضافة إلى مقارباته الهامة في (صخرة الإيمان، أو جدليات نظرية التطور)، وعبد الجبار الرفاعي الذي يعمل على بلورة لاهوت إنساني يتجاوز الانغلاق المذهبي، وعبد الأمير زاهد الذي قدّم قراءات معمّقة في الفكر الديني والسياسي، وماجد الغرباوي الذي فتح آفاقًا نقدية صارمة وحرجة في حقل الدراسات الإسلامية وتطبيقاتها، وفالح عبد الجبار الذي أعاد بناء مقاربة سوسيولوجية متينة للمجتمع والدولة في العراق، وناجح المعموري الذي اشتغل على الأنثروبولوجيا الثقافية بوعي نقدي جديد.

إنّ إعادة الاعتبار لمثل هذه الأسماء ومشاريعها، بما تحمله من تأملات فكرية متنوّعة، لا تمثّل مجرّد فعل اعتراف محلي أو وفاء قومي، بل تؤشّر إلى ضرورة تأسيس مشروع قراءة حيّ يتغذّى من الداخل، ويعيد إلى الجيل الجديد علاقته العضوية بالمفكرين الذين يكتبون بلغته، ويتنفسون همومه، وينخرطون مباشرة في أسئلته التاريخية. ذلك أنّ الفكر ينمو في سياق تفاعل جدلي بين الذات وواقعها، بين النصوص وأسئلة التاريخ.

إنّ الجامعة العراقية، إذا أرادت أنَّ تكون فضاءً نقديًا ومعرفيًا فاعلًا، فإنَّها مطالبة بفتح أبوابها لهذه التجارب العراقية وارشيفاتها المتنوعة، وإعادة إدراجها في الذاكرة الفكرية للأجيال، بدل أنَّ تكتفي بإعادة تجارب الآخرين. فالسؤال الذي ينبغي أنَّ نضعه اليوم بإلحاح هو: أيّ قراءة نريد لشبابنا؟ قراءة تعيد إنتاج الرموز وتحوّلها إلى أيقونات جامدة، أم قراءة حية وفاعلة ونقدية، تفتح النصوص على أسئلة الذات والتاريخ والواقع والمستقبل؟

وهنا ينبغي لنا الإنصاف والإشادة الحقيقية بأصل المسألة أو بأصل الفكرة وهي خطوة القراءة وتشجيعها التي ترعاها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وترصد لها مبالغ مجزية تحفز الشباب العراقي على القراءة. بل إن بعض الجامعات، كجامعة بابل- مثلًا-، تكلف ضفيرة من خيرة أساتذتها من أجلّ شرح هذه الكتابات وتبسيطها للطلاب لدفعهم نحو المشاركة.

رؤيتنا بإيجاز تقول: إن الخيار في الكتب المستهدفة، أو المشاريع المستهدفة ينبغي أنَّ يصوب إلى الواقع العراقي ورجاله وعلمائه ومفكّريه، فهم الأقرب إلى العقل العراقي الشاب والأجدر بالتكريم.

***

أ. م. د. حيدر شوكان سعيد

قسم الفقه وأصوله- كلية العلوم الإسلاميَّة- جامعة بابل.

من المواضعات الفنية التي لها أصل فلسفي رصين مواضعة ” المونولوج ”، وهذه الكلمة في الوعي الجمعي العربي الشعبي أي بين عموم الناس يشير إلى فن فكاهي قصير عبارة عن مجموعة من الكلمات التي تعالج قضية مجتمعية كالطلاق أو الوظيفة الحكومية أو الاحتفال بالعيد متزامنة بالموسيقى الخفيفة ذات الإيقاع السريع، لكن الحقيقة أن كلمة مونولوج ليست كما هي في قرار هذا الوعي الجمعي الضارب في القدم، فهو يعني حديث النفس أو النّجوى، وهو حوار يوجد في الروايات، ويكون قائما ما بين الشخصية وذاتها أي ضميرها، بمعنى آخر هو الحوار مع النفس. ولقد ارتبط هذا المصطلح بالمسرح بل اقتصر في الارتباط عليه فقط، بحيث يكون المونولوج من منظور شخصية واحدة في المسرحية مركزًا على وجهة نظرها بحيث يكون له معنى وهدف ويتسم بسمات وخصال الشخصية.

ولقد حدد رواد المسرح هدف استعمال المونولوج فنيا إذ يعتمد عليه سياق المسرحية فيما بعد، فيجب أن تكشف شيء يصعب كشفه للجمهور عن طريق حديث الشخصيات أو محادثة ثنائية فقط من خلال المونولوج، و يمكن هنا أن تكشف قصة أو سر أو جواب لسؤال متداول في المسرحية أو تعبير عن مشاعر الشخصية المتكلمة. يجب أن يخدم المونولوج هدفًا معينًا ويبدو وكأنه وحي بالنسبة للشخصية المتكلمة.

ولقد حددت الهيئة العربية للمسرح توصيفا دقيقا للمونولوج معتمدة على طروحات فلسفية بأنه العنصر الذي يتيح للشخصية المسرحية ان تفصح عن دخيلة نفسها ,لتكشف عن مشاعرها الباطنية ,وافكارها ,وعواطفها وكأنها تفكر بصوت مسموع ,ويلجأ الكتاب المسرحيين الى هذه الطريقة في التشخيص بالمونولوج ,حينما تجد الشخصية نفسها تحت وطأة أنفعال جارف أو أزمة عنيفة ويحتل فكرها ووجدانها الى مسرح حافل بالأحداث ينبغي ان يطلع علية المتلقي ولعل من أشهر المونولوجات قاطبة مونولوج هاملت (أكون او لا أكون ,ذلك هو السؤال) وقد أزداد شيوع هذا العنصر المونولوجي في المسرح مع ظهور مدرسة التحليل النفسي لصاحبها المضطرب نسبيا سيجموند فرويد، التي أمدت الكتاب بمعلومات هائلة عن التركيب الشعوري واللاشعوري للشخصية الإنسانية , والتداعي الحر للهواجس والأحاسيس والرغبات المكبوتة ,وكانت الحركة التعبيرية من أبرز الحركات ,الى جانب السوريالية.

وفي ضوء هذا التوصيف الفلسفي للمفهوم فإنه من الجائز جعله ثنائيا لاسيما حينما يشرع المرء للحديث عن العلاقة بين الأنا والآخر ليس فقط من المنطوق الديني، بل العلاقات المتعددة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا أيضا، ومشكلة المصطلحات قديمة كان سببها المطلق هو امتلاك البعض وأعني النخبة مفردات المصطلح، وهذا الأمر هو ما انفرد به المفكرون السياسيون، فرجال الفكر والفلسفة الملتحفين بأردية التوجه السياسي لهم اجتهاد خاص في وضع وتحديد المصطلح عامة و المصطلح السياسي بوجه خاص، وتكفي الإشارة إلى أن ما اتفق على تسميته بثورات الربيع العربي في مصر واليمن وتونس وليبيا ألجأت الكثيرين من الناس للتفتيش عن دلالات بعض المصطلحات السياسية التي ارتبطت بمشاهد الانتفاضات العربية ضد أنظمتها الحاكمة آنذاك وقت ما عرف إعلاميا بالربيع العربي، وكان من بين هذه المصطلحات الشائكة التوصيف مصطلحات مثل ائتلاف و دستوري، وحكومة تكنوقراطية، وراديكالية، وشرعنة السلطة .

ورغم أن هذه المصطلحات وغيرها من المصطلحات كانت متداولة إلا أن المواطن العربي العادي لم يكن مكترثاً وقتها بدلالة كل مصطلح، لكن بعد تفشي الثقافة السياسة في أرجاء الوطن العربي حتى كادت من أبرز سماتهم الحصرية بعد تلك الانتفاضات الشعبية بات من اليقين أن ينهض كل مواطن عربي للتنقيب عن دلالة المصطلحات من أجل تحقيق الكفاءة في استخدامها وسط الحديث اليومي له. وهذا أيضاً يشكل قلقاً لدى بعض السياسيين غير المخضرمين حيث إن قاموس المصطلحات لديهم يبدو عشوائياً رهن استخدامه بعض الوقت، بخلاف المفكر أو رجل الفلسفة الذي يسعى إلى ترتيب أولويات حديثه وتحديد المناطق التي ستناولها بالعرض والمناقشة واستخلاص النتائج، وهذا الامتلاك من شأنه أن يعطي الفيلسوف قدرة فائقة على توصيف المشهد.

وباختصار واختزال شديدين فإن الدول العربية تحديدا تمتلك ـ وحدها ـ الرصيد الأكبر من حوارات الأنا والآخر نتيجة التعدد الثقافي بين ربوعها العريضة، وهذا الامتلاك التاريخي ساعدها طيلة قرون مضت على إقامة علاقات طيبة ومتسامحة بين أصحاب الديانات المختلفة الأمر الذي يمكن رصده بسهولة ويسر في كافة الأزمات والمحن التي تعرضت لها هذه الشعوب العربية العظيمة سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو خلال فترة الحروب العظيمة التي خاضتها مصر .

ولست بمستغرب بهذا النموذج الإنساني المتحضر لعلاقة الأنا والآخر في مصر تحديدا، ذلك لأنني ممن يطالعون كتاب شخصية مصر للعبقري جمال حمدان الذي لا أمل من الحديث عنه أو عن موسوعته الثقافية المصرية عن هذا الوطن العظيم الذي كان ويظل نبراسا في الوسطية والاعتدال مكانا وتاريخا ضاربا في القدم، لكن المشكلة الحقيقية أننا حينما نتحدث عن علاقة المسلم بالمسيحي، ونهرع للترويج للعلاقة الذهبية بينهما نحترف في استدعاء نماذج وشخصيات كارتونية مقتبسة من حكايا المسلسلات المملة، وليست هؤلاء المحترفين أن يجتهدوا قليلا فيعقدوا مسابقة سريعة قبيل انعقاد المؤتمرات والمنتديات الوهمية عن الشراكة الوطنية وحقوق الآخر وهذا الكلام الكبير حجما أن يطلبوا من المواطنين الشرفاء طبعا أن يقصوا حكاياتهم وأسمارهم الحقيقية عن شركاء الوطن ومن ثم اختيار وتقديم صور حقيقية عن أبناء هذا الوطن العظيم .

وقد تعتري هذه العلاقة الطبية بين الأنا والآخر بعض الشوائب التي تقف في طريقها لاسيما في ظل تعدد المنابر والاجتياح الطوفاني لوسائط الاتصال الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر، والمشكلة الحقيقية في حوار الأنا والآخر ثمة إحداثيات نراها جميعا ضرورية منها أن الثقافة الراهنة تبدو أحيانا مضللة لأنها من زاوية واحدة دون أدنى اعتبار للآخر، وتبدو أيضا راشدة حينما يشترك فيها نسيج الوطن الواحد، وما أجملها حينما تصير بالفعل تنويرية أو موجهة للمجتمعات . والإحداثية الثانية هي أننا نحترف ممارسة إجراءات ثقافية غير مرئية بين بعضنا البعض مثل الإقصاء والتهميش والعزل المجتمعي وأخيرا الاستبعاد الاجتماعي .

ولن نصل إلى حوار حقيقي بناء وفعال إلا حينما نعتمد الثقافة سلوكا إنسانيا في مدارسنا وجامعاتنا وشوارعنا أيضا، وأن تتحول تلك الثقافة إلى مهارات معرفية التي سرعان ما تتحول لتستقر إلى هوية دائمة مستدامة . و باختصار شديد مصر عظيمة ثقافيا بالفعل، لكن في ظل هذا التسارع الرقمي وشيوع المنصات الافتراضية التي تكرس للتعصب والكراهية ونبذ قبول الآخر بات الأمر شديد الصعوبة في معالجته بصورة فطرية، وخصوصا أن هناك ثمة محاولات مستمرة لا تنتهي لتجريف الشخصية المصرية، وتعتمد هذه المحاولات على بعض المنابر الإعلامية السطحية طبعا التي تروج جاهدة للمفاهيم السطحية التي تنال من سمعة هذه الثقافة المصرية الأصيلة .

لكن في وسط عتمة المشهد الثقافي في قبول الآخر بعيدا عن الكتب المدرسية الكئيبة، تظل هناك صور عظيمة من المحبة والتسامح والمودة والرحمة بين شركاء الوطن الواحد، ليس بالضرورة في الحديث عن ملامح وسمات كل دين، إنما من خلال هذا السمت المصري الخالص ألا وهو الثقافة البعد الغائب عن حياتنا . وحينما نذكر الثقافة لا يمكننا الفكاك من أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء الدكتور زكي نجيب محمود، وخصوصا أن زكي نجيب محمود اهتم كثيرا بنقد الحياة الاجتماعية في العالم العربي بوجه عام من أجل استخلاص رؤية تنويرية للإصلاح لا مجرد النقد، وربما ينتابني الحزن المصاحب بالاكتئاب نظرا للإهمال الإعلامي المقصود صوب أديب الفلاسفة الدكتور زكي نجيب محمود وما قدمه من إسهامات فكرية رائعة وقابلة للتطبيق والتنفيذ والتجريب أيضا .

وإذا كان الحديث اليومي السائد آنيا في مصر لا يخرج عن فلك قضيتي التربية والتعليم، بوصفهما يمثلان عبئا وهما قائما بالفعل، فإن الثقافة هي الدرس الأول من كتاب التربية وليس في تنظيرات التربويين العقيمة، وأن الصين منذ عام 2017 اعتمدت الجانب الوجداني المتمثل في تعليم واكتساب القيم والفضائل والاتجاهات الوطنية جزءا أصيلا للمناهج المدرسية وليست الماديات وسطوتها هي التي تبني العقول والأمم .

***

د. بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ المناهج وطرق التدريس – كلية التربية جامعة المنيا

ما برح المعنيون بدراسة القيم الأخلاقية يسألونني عن معيار جدة وطرافة الموضوعات التي ينبغي عليهم تناولها بالبحث (لنيل درجة الماجستير أو الدكتوراه) وهل موطن ابتكارها في حداثتها أم في بنيتها المعرفية ومنهجية معالجتها؟ واعتقد أن الأصالة والجدة والطرافة والابتكار تكمن جميعها في موضوعية تناولها ونسقية وتماسك أفكارها ووضوح مقصدها وأهمية طرحها في معالجة إحدى القضايا الفلسفية التطبيقية في المجتمع في ضوء ثقافة العصر المعيش.

فما أكثر الأبحاث التي تناولت ماهية القيم الأخلاقية ومصادرها وطبيعتها ووظائفها بيد أن ما يميزها عن بعضها ليس عنوان الدراسة بل ما انتهت إليه وما أضافته على سابقتها ومبلغ أثرها في اللحظة التي ظهرت فيها.

فعلى سبيل المثال فقد كتبت عدة مقالات عن فلسفة الكذب وشاركت في الكثير من الندوات التي عقدت حول هذا الموضوع وذلك في الفترة من 2013 إلى 2019 (على صفحات مجلة روز اليوسف والبوابة نيوز وأخبار اليوم ومهرجان جامعة أسيوط وندوات مكتبة الإسكندرية) ولم يكن هدفي من ذلك هو تذكير القراء بما كتبه الفلاسفة والمتفلسفون عن تقييمهم لرذيلة الكذب وخطورة تفشي هذه الظاهرة في السلوك الإنساني بل كان الهدف الحقيقي من إحياء هذا المبحث النقدي هو التصدي للأكاذيب التي أطلقتها الجماعات الضالة المضلة بإيعاز وتحريض من دوائر المخابرات المعادية والمتآمرة لزعزعة الأمن والاستقرار في بلادنا أي أنهم اتخذوا من الأكاذيب بكل أشكالها أسلحة لهدم دولتنا من الداخل لتفكيك قوة تماسكها وتشكيك الرأي العام في قياداتها ونشر جراثيم الفتن الطائفية والمذهبية بين طبقات المجتمع ليسهل عليهم هدمه وتحقيق مخططهم الاستعماري الجديد.

وها نحن نكتب اليوم ثانيةً لشرح ما أجملناه وتوضيح ما خفي على الرأي العام من وسائل وآليات صناع الأكاذيب في ضوء التقنيات الإلكترونية التي لم تقف عند الشائعات الإخبارية والأحداث الملفقة بل ذهبت إلى أبعد من ذلك حيث (التزييف والإيهام والخداع البصري والسمعي والارتياب المعرفي والتجهيل العلمي) والترغيب في مشاهدة المواقع الإلكترونية المفعمة بالمكائد غير المباشرة -كما بينا في المقالات السابقة-، ودفع الأذهان لإدمان الفوضى والكفر بالثوابت واعتناق العدمية المتهكمة على الصدق والجاحدة لليقين الذي تبنى عليه المحاسن والرذائل.    

***

فقد ذهب الفلاسفة إلى دراسة العادات والقيم الأخلاقية بغرابيل دقيقة لتفصل ذلك الخلط الذي يجمع بين المعيارية والنظرية في الكتابات الأخلاقية فقد ذهب الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي (لوسيان ليفي بريل) (1939:1857) في كتابه علم العادات الأخلاقية إلى أن علم الأخلاق يدرس القواعد الأخلاقية دراسة نظرية مجردة وفي الوقت نفسه يحدد القيم والغايات الأخلاقية من تلك القيم أو التصورات النظرية العقلية لما ينبغي أن يكون عليه السلوك الإنساني الفاضل ويصدر أحكامًا على الأفعال الإنسانية ويرتب الواجبات ويضع الحلول للمشاكل والأزمات التي يلقاها ضمير كل إنسان عاقل حر.

وانتهى إلى أن مصطلح (العلم المعياري للأخلاق) -الذي وضعه العقليون- يشكل دربً من اللغو الذي يصعب على الأذهان استيعابه لأن التصورات العلمية المجردة لا يمكن اتخاذها معيارًا للتطبيقات السلوكية التي تتحكم فيها العديد من العوامل التربوية والنفسية والاجتماعية والمعتقدات الدينية والمبادئ السياسية وغير ذلك من الأمور المتصلة اتصالًا مباشرًا بالأخلاق التطبيقية فاللذة والمنفعة والواجب والصدق والكذب لا يمكن أن تكون مفاهيم أو قيم نظرية مجردة تصدق في كل زمان ومكان في حين أن الواقع يشهد بأن تلك المفاهيم الأخلاقية تتبدل بموجب الثقافة التي تنشأ فيها وقد غاب عن أذهان المثاليين الداعيين (لما ينبغي أن يكون) بأنهم انطلقوا إلى هذا المفهوم من انتقاداتهم لسلبيات السلوك الأخلاقي في المجتمعات أي أن الواقع هو الذي دفعهم إلى تصور المثل العليا وليس العكس.

فكيف يمكن القول بوجود علم أخلاق نظري كما يزعم الفلاسفة إذا كان تطور الأخلاق العملية التطبيقية خلال العصور هي السبب في تطور المذاهب الخلقية.

أي أن الفيلسوف يقف أمام مرآة مشاعره الوجدانية وقناعته الذهنية وحدود أفعاله السلوكية ثم يضع تلك القناعات في نسق يجعل منه الأنموذج والمثل الأعلى للإنسان الكامل على مر العصور متجاهلًا سائر الأوضاع والعادات والتغيرات التي تمر بها الواقعات المعيشة لذلك الإنسان الفرد ويحدد بمقتضاه مفهوم الصدق ومعني الكذب. ومن ثم بات لزامًا على فلاسفة الأخلاق تحديث معاييرهم للفكر الأخلاقي مهنيًا كان أو تطبيقًا عام وذلك نحو عملي استقرائي يحتكم فيه إلى منطق الذرائع والمنفعة العامة وصالح الفرد والبيئة معًا ويترتب على ذلك انتهاجهم المنهج الاستقرائي وليس الاستنباط أو المحاكاة لتصورات مجردة.

في حين ينزع علماء الدين إلى نقد المحتكمين للضمير الإنساني للفرد، أو للظواهر الاجتماعية النسبية والتحولات الثقافية المتغيرة من عصر إلى عصر ، أو للمثل العقلية المستمدة من عالم المجردات أو المدن الفاضلة التي يتخيلونها أو نموذج الإنسان الكامل الذي رفعته الاستنارة العقلية وعشقه للذات الروحيّة عن كل شهوات المادة واللذات الجسدية ويؤكد المتدينون أن كل هذه المذاهب الأخلاقية (النفسي الجواني، الأنثربولوجي الظاهراتي الاستقرائي والعقلي المثالي، والروحي الوجداني) لم تستطع الوقوف على بنية جوهر الإنسان وذلك لأن مفاهيمهم على تعددها وتباينها لم تنفذ إلى حقيقة النفس البشرية المتمثلة في الفطرة التي نشأها الله عليها ومن ثم، فإن الأوامر الإلهية والنواهي الربانية المُوحى بها في الكتب المقدسة هي أوثق المعايير والضوابط للسلوك الإنساني سواء في ميدان التطبيق المهني أو السلوك العام أو في الواجب التربوي الذي ينبغي غرسه في تنشأة النشء وتهذيبه وذلك لأنها تجمع بين إيجابيات المثل واحتياجات الواقع المعيش. ويؤكد المجددون المتفقهون أن الأخلاق الإسلامية تحتكم إلى ثابت شرعي يمتاز بالمرونة والقدرة على التطور والتعايش مع مختلف المجتمعات والبيئات.

وعلى النقيض من تلك الآراء نجد النفعيون الماديون ينظرون إلى أن الأخلاق إحدى الآليات أو الطاقات الإنسانية الفاعلة التي تسعى إلى تحقيق أكبر قدر من السعادة وإشباع رغبات الفرد أو القوة المهيمنة التي تقود الحاضر إلى يوتوبيا واقعية يقودها العلم وتسيسها المنفعة العامة ويحكمها نصائح نيقولا مكيافيللى (1527:1469) ودستور تنين توماس هوبز (1679:1588) أو سوبر مان فريدريك نيتشه (1900:1844) -الذي يحتكم إلى قانون الصراع والبقاء والأصلح والمجد للأقوى.

وذلك فضلًا عن أهواء تحالف الماسونيين مع العصابات الصهيوأمريكية التي انتهت إلى أن خداع قيادات العالم وتزييف العقل الجمعي للشعوب باختراع الأكاذيب أيسر بكثير من الحروب التقليدية التي انتهجوها للتغيير في الحربين العالميتين في القرن العشرين.

***

ولما كان هدفنا هو التعرف على غرابيل الفلاسفة حيال قيمة الكذب الدنية ومكانة الصدق العليا فسوف نجد ثقوبها تتسع وتضيق وفق معايير المذاهب التي ينتمي إليها أصحابها عقلية كانت أو مستمدة من العادات والتقاليد والأعراف أو من الدين والكتب المقدسة؛ فجميع هذه الغرابيل يسعى إلى هدف واحد ألا وهو نقد الكذب وتحديد المواقف التي يجب علينا هدمه فيها وتخليص السلوك الإنساني من شروره وتعيين القدر المباح من بعض أشكاله التي تفرضه علينا الضرورة والمصلحة العامة وهو ما نطلق عليه اليوم في الفلسفة المعاصرة (عبقريّة الكذب) الذي جعله فرانسوا نودلمان الفيلسوف الفرنسي المعاصر (1958) عنوانًا لآخر مؤلفاته في هذا الموضوع. التي يستحيل الإفك فيه إلى موقف مغاير لطبيعته الآثمة القبيحة من وجهة نظر الفلاسفة الذين رفعوا لواء الصدق والحق على ما دونه في حين أن عدم التزامهم بنسقية أفكارهم أوقعتهم في العديد من المتناقضات التي كشفت عن ضعفهم الإنساني الذي لم يقاوم الأكاذيب التي اخترعوها لصناعة نظرياتهم.

وللحديث بقية عن الغرابيل الفلسفية التي أعدها قادة الفكر الإنساني لمكافحة مواطن الخداع ومزيفي العقول وهادمي الثوابت والقيم الأخلاقية والمبادئ العقديّة.    

***

بقلم: د. عصمت نصار

عندما يُستبعد نصٌ من السردية التاريخية أو الأدبية المقبولة، فإن هذا الاستبعاد غالبًا ما يكون نتيجة لعملية نقدية متعددة الاسباب يمكن أن تكون مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بعدم وضوح النص، لغة النص غامضة جدًا، استخدم مصطلحات غير واضحا تقدم أحداثًا غير مترابطة، مما يجعل تفسيرها صعب للغاية وغير مُجدٍ .النص الذي لا يمكن دعمه بأي أدلة سواء كانت نصوصًا أخرى من نفس الحقبة أو أدلة أركيولوجية، يُنظر إليه بعين الشك خصوصا إذا كان النص يتعارض بشكل مباشر مع نصوص تاريخية أو أثرية أخرى موثوقة، إن هذا التناقض يُعد سببًا قويًا لاستبعاده، بعض النصوص. كما قد تُرفض بسبب خصائصها الكتابية غير المألوفة، مثل الأسلوب، أو عدم وجود بنية سردية منطقية، أو حتى شكل المخطوطة نفسها. المنهج العقلي يربط بين الكاتب والنص والسياق في منظومة متكاملة، النص الذي يبتعد عن سياق كاتبه، أو يُظهر عدم اتساق داخليًا، أو يتناقض مع أدلة أخرى، يكون من الصعب إدراجه ضمن السرديات المقبولة، ويعتبر استبعاده التاريخي دليلاً منطقيًا على وجود خلل أو عدم وضوح في النص الأصلي نفسه.

أمثلة على النصوص المطرودة تاريخيًا

الكتب المقدسة المحذوفة

الإنجيل الغنوصي، مثل إنجيل توما، الذي يعتبر نصًا غنوصيًا لم يتم تضمينه في الكتاب المقدس الرسمي. الإنجيل الغنوصي، مثل إنجيل توما

الأناجيل الغنوصية هي مجموعة من الكتابات التي ظهرت في القرون الأولى للمسيحية، وتتميز بتركيزها على المعرفة الروحية الباطنية ("غنوص") كوسيلة للخلاص. تختلف هذه الأناجيل عن الأناجيل القانونية في العهد الجديد

الفلسفة اليونانية

أعمال هيراقليطس، بعض النصوص التي كانت تُعتبر مهمة في الفلسفة لكنها فقدت أو لم تُحفظ بشكل جيد. هيراقليطس (حوالي 535 - 475 قبل الميلاد) كان فيلسوفًا يونانيًا قبل سقراط من أفسس في آسيا الصغرى. يُعرف بأسلوبه الغامض وكتاباته التي يغلب عليها طابع الحزن، ولهذا لُقب بالفيلسوف الباكي.

الأدب العربي

قصائد الجاهلية، هناك العديد من القصائد التي فقدت أو لم تُدوّن، مما يجعل من الصعب إعادة بناء الأدب الجاهلي بالكامل. أسباب فقدان الشعر الجاهلي

الرواية الشفوية: اعتمد الأدب الجاهلي بشكل كبير على الرواية الشفوية، حيث كان الشعراء يتناقلون القصائد والأخبار شفهيًا. هذا العرضة للتحريف والنسيان بمرور الوقت.

عدم التدوين المبكر: لم يبدأ تدوين الشعر الجاهلي إلا في فترة لاحقة، أي في العصر الإسلامي. هذا أدى إلى ضياع الكثير من الأشعار التي لم يتم تدوينها.

الظروف الاجتماعية والسياسية: الحروب والصراعات القبلية، بالإضافة إلى التغيرات الاجتماعية والسياسية التي حدثت مع ظهور الإسلام، ساهمت في فقدان بعض الأشعار.

انتقاء المدونات: عندما بدأ التدوين، كان يتم انتقاء الأشعار التي تُدوّن بناءً على معايير معينة، مثل الجودة أو الشهرة أو الفائدة اللغوية، هذا أدى إلى إهمال بعض الأشعار الأخرى.

التاريخ الإسلامي

مثل "تاريخ الطبري"، حيث توجد نصوص لم تُحفظ أو تم تحريفها عبر الزمن. تعتبر كتب التاريخ الإسلامي المبكر، مثل "تاريخ الرسل والملوك" للطبري، من أهم المصادر لفهم التاريخ الإسلامي، ولكنها لا تخلو من المشاكل المتعلقة بفقدان النصوص أو تحريفها عبر الزمن.

الأساطير

نصوص من الأساطير النوردية مثل بعض الملاحم التي فقدت أجزاء منها عبر الزمن، تعتبر الأساطير النوردية غنية بالقصص والملاحم التي تعود إلى العصور القديمة. إليك بعض النصوص الشهيرة والتي يُعتقد أن أجزاءً منها قد فقدت عبر الزمن:

إيدا الشعرية

إيدا النثرية أخرى قد تكون ضاعت

هذه النصوص تعكس كيف يمكن أن تتأثر المعلومات عبر الزمن، مما يؤدي إلى فقدان أو تحريف أجزاء منها.

النصوص واعادة الترميم

لا يعتبر هذا الأمر إعادة ترميم للنص بالمعنى الحرفي، ولا ينبغي أن يكون انحيازًا لتوجه جديد في التقييم. بل هو أقرب إلى إعادة قراءة نقدية أو تحقيق تاريخي. ترميم النص من ناحية متحفيه تعني التركيز على اعادةً إصلاح الأجزاء التالفة من المخطوطات أو استكمال الكلمات المفقودة لجعله قابلًا للقراءة. أما العملية المقصودة هنا، فهي تهدف إلى فهم سبب استبعاد النص تاريخيًا وتحليل أسباب عدم وضوحه من خلال السياق التاريخي والثقافي. هذا النوع من البحث هو جوهر النقد التاريخي، الذي يعيد النظر في النصوص المرفوضة أو المهمشة، إن فكرة أن النصوص قد تُرفض تاريخيًا بسبب تعارضها مع السلطة السياسية أو المرجعية الدينية السائدة، وهي فرضية مشروعة جدًا في البحث التاريخي. في هذه الحالات، لا يكون رفض النص بسبب عيوب داخلية (مثل التناقض أو عدم الوضوح) بل لأسباب خارجية مرتبطة بـ الأيديولوجيا السائدة، قد يتم تهميش نص لأنه يقدم وجهة نظر مخالفة للتيارات الفكرية أو العقائدية المهيمنة في عصره، المصالح السياسية يمكن أن تستبعد النصوص التي تنتقد الحكام أو النخبة الحاكمة، أو التي تدعو إلى تغييرات تهدد استقرار النظام السياسي، الخوف من التشويه، قد يُرفض النص ليس لأنه خاطئ، بل لأنه يمكن أن يُساء فهمه أو استخدامه بشكل يضر بالسلطة، الهدف من هذه المراجعة النقدية ليس تبرئة النص المرفوض، بل هو فهم تاريخي أعمق للسبب وراء رفضه. المنهج العلمي يتطلب من الباحث أن يكون موضوعيًا قدر الإمكان، وأن يميز بين عيوب النص الحقيقية (مثل التناقضات الداخلية) وبين الأسباب الخارجية التي أدت إلى إقصائه. هذا التمييز يساعد على إعادة بناء صورة أكثر دقة للماضي، وربما يكشف عن نصوص مهمة تم تجاهلها لأسباب غير علمية، خصوصا عندما لا تتوفر أدلة أركيولوجية لتأريخ نصٍ ما، يعتمد المنهج على مجموعة من الأدوات النقدية الداخلية التي تركز على النص نفسه وسياقه اللغوي والتاريخي.

النقد الداخلي

هو فحص دقيق لمحتوى النص لتحديد مدى صدقه واتساقه. يتم ذلك من خلال تحليل المفاهيم والمصطلحات، يتم فحص المفردات والمفاهيم المستخدمة في النص ومقارنتها بما هو معروف من نصوص أخرى من نفس الفترة أو الفترات المجاورة. مثلاً، استخدام مصطلحات حديثة في نص يُفترض أنه قديم يعد دليلاً قوياً على عدم أصالته، فحص المنطق الداخلي يبحث عن التناقضات في السرد أو الأفكار. هل الأحداث مترابطة منطقيًا؟ هل تتوافق الأوصاف مع الوقائع المعروفة عن تلك الفترة؟ النقد الخارجي يهدف إلى التحقق من مصدر النص وتاريخه من خلال الأدلة الخارجية المتاحة، حتى لو لم تكن أثرية. فحص السياق التاريخي للكاتب ومحاولة تحديد هوية الكاتب ومعرفة تفاصيل حياته وخلفيته الاجتماعية والثقافية. هل كان الكاتب معاصرًا للأحداث التي يصفها؟ هل كان لديه دافع لتزييف المعلومات؟ يتم مقارنة النص بالنصوص المعاصرة له أو التي تتحدث عن نفس الحقبة. هل هناك تشابه في الأسلوب أو الأفكار؟ هل يوجد إشارات إلى نفس الأحداث أو الشخصيات في نصوص موثوقة؟ هذا يساعد على وضع النص في إطاره الزمني الصحيح، التحليل اللغوي يركز على اللغة نفسها كأداة تأريخ. فلكل فترة تاريخية خصائص لغوية مميزة تتغير قواعد اللغة مع الزمن، لذا يمكن لمقارنة تراكيب الجمل وصيغ الكلمات أن يساعد في تحديد تاريخ تقريبي للنص، دراسة شكل الحروف والخط المستخدم، وهو ما يعرف بـ “علم الكتابة القديمة" أو "الباليوغرافيا". فكل فترة زمنية كان لها أسلوب خط مختلف، مزيج من هذه الأدوات التحليلية والنقدية التي تستخدم النص نفسه كـ “أثر" يُدرس، وتُقارن بأدلة نصية أخرى، مما يسمح للباحث بوضعه في سياقه التاريخي الأكثر ترجيحًا حتى في غياب الأدلة الأثرية المادية. في حالة عدم توفر نصوص موازية (سابقة أو لاحقة) للمقارنة، يصبح تأريخ النص تحديًا كبيرًا، لكنه ليس مستحيلاً. في هذه الحالة، يتحول التركيز بشكل كامل إلى تحليل النص ذاته وسياقه العام، معتمدين على منهج النقد اللغوي والتاريخي الداخلي، في حالة وجود تناقضات كبيرة بين سياق النص الأصلي والنصوص اللاحقة، لا يمكن اعتبار النص الأصلي "مشروعًا" ببساطة، بل يجب أن يخضع لدراسة نقدية دقيقة لفهم أسباب هذا التناقض. هذا التناقض ليس بالضرورة دليلاً على أن النص الأصلي غير صحيح، بل يمكن أن يكون مؤشرًا على عدة احتمالات مهمة في منهج البحث التاريخي، قد يكون النص الأصلي يعكس حقيقة تاريخية أو سياقًا اجتماعيًا لم يعد موجودًا في زمن كتابة النصوص اللاحقة. على سبيل المثال، قد يصف نص قديم نظامًا سياسيًا تغير لاحقًا، فتأتي النصوص التالية لتصف النظام الجديد، مما يُحدث تناقضًا ظاهريًا قد يكون النص الأصلي يعبر عن مرحلة سابقة من تطور فكري أو ديني، بينما تعكس النصوص اللاحقة تطورًا أو تغييرًا في تلك الأفكار. هذا يحدث كثيرًا في النصوص المقدسة أو الفلسفية، حيث يتم تعديل أو إعادة تفسير الأفكار الأصلية مع مرور الوقت، قد تكون النصوص اللاحقة قد خضعت لتعديل أو إعادة صياغة لتناسب مصالح السلطة السياسية أو الأيديولوجية السائدة. في هذه الحالة، يمكن أن يكون النص الأصلي هو الأكثر صدقًا، بينما النصوص اللاحقة هي نتاج لتغيير متعمد، قد يكون النص الأصلي نفسه يحتوي على أخطاء تاريخية أو يكون مزيفًا، مما يجعله يتناقض مع النصوص الموثوقة التي جاءت بعده.

الابداع في النصوص اللاحقة

تدعي بعض النصوص اللاحقة أن فيها إبداعًا أعلى من النص الأصلي، لذا يجب على الباحث أن يتعامل مع هذا الادعاء بحذر شديد، وألا يأخذه على أنه حقيقة مطلقة. فادعاء التفوق ليس دليلًا على صحته، بل هو جزء من النص اللاحق نفسه، يجب تحليله وفهم دوافعه في هذه الحالة، يتحول الاهتمام من مجرد مقارنة الجودة الفنية إلى دراسة السياق الأيديولوجي والفكري الذي دفع كتاب النصوص اللاحقة إلى الإدلاء بهذا الادعاء، يمكن أن يكون الادعاء بالتفوق الفني في النصوص اللاحقة نابعًا من عدة أسباب، لا علاقة لها بالضرورة بالجودة الفنية الفعلية للنص الأصلي، قد يكون الهدف من النص اللاحق هو إثبات أن له سلطة جديدة أو أنه يمثل مرحلة أعلى من الحقيقة أو الفهم. في هذه الحالة، يكون التقليل من شأن النص الأصلي أو وصفه بأنه "أقل تطورًا" وسيلة لترسيخ مكانة النص الجديد قد يكون المعيار الفني الذي يقيس به كتاب النصوص اللاحقة "التطور" يختلف كليًا عن المعايير التي كانت سائدة عند كتابة النص الأصلي. على سبيل المثال، قد يعتبر نص متأخر أن الوضوح والواقعية هي ذروة الفن، بينما كان النص الأصلي يركز على الرمزية والغموض، يكون هذا الادعاء محاولة لقطع الصلة مع التراث القديم وتأسيس هوية فنية أو فكرية مستقلة. هذا يحدث عادةً في فترات التجديد أو الانفصال عن التقليد القديم.

***

غالب المسعودي

 

في المثقف اليوم