قضايا

هناك مدن لا تخاف الحرب ولا المجاعة بقدر ما تخاف الجمال. مدن ترتاب من الموسيقى، وتخشى الألوان الطبيعية كما لو كانت تهديدا لنظامها الرمادي الصارم. في تلك الأمكنة يصبح الفرح حدثا مشبوها، ويغدو الغناء نوعا من التمرد الصامت. كأن المدينة قررت، منذ زمن بعيد، أن الحياة ينبغي أن تعاش بلا دهشة، وبلا ضوء.

ترتفع أسوار البيوت فيها شاهقة، لا لتمنع اللصوص، بل لتمنع القلوب من الاقتراب. النوافذ مؤصدة بإحكام، وكأن الضوء نفسه صار متهما يحتاج إلى إذن للدخول. والناس يمشون في الشوارع متجاورين، لكن أرواحهم متباعدة ككواكب باردة لا تلتقي.

لقد فهم ألبير كامو هذه الحالة حين تحدث عن الإنسان الذي يعيش في عالم يفقد معناه، فقال إن أخطر ما يواجهه الإنسان هو الإحساس العميق بالعبث. لكن العبث هنا لا يأتي من الكون، بل من المجتمع نفسه حين يفقد صدقه الداخلي.

ففي هذه المدن الإسمنتية لا يعيش الناس بقدر ما يتوجسون. كل إنسان يراقب الآخر بصمت، وكأن المجتمع قد تحول إلى شبكة خفية من الشك المتبادل. وهنا تتحقق ملاحظة الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز حين قال عبارته الشهيرة إن الإنسان قد يصبح «ذئبا لأخيه الإنسان» عندما يغيب الشعور بالأمان والثقة.

والأغرب أن هذه المجتمعات نفسها لا تتوقف عن الحديث عن الفضيلة. إنها تفيض بالخطب عن مكارم الأخلاق، وتفاخر بأنها الأكثر تمسكا بالقيم. لكنها في حياتها اليومية تبدو عاجزة حتى عن تنظيم الشارع أو الحفاظ على نظافة المكان العام. هنا تتحول الأخلاق إلى شعار اجتماعي لا إلى ممارسة حقيقية.

وقد تنبه الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه إلى هذه الظاهرة حين كتب أن أخطر أنواع الأخلاق هي تلك التي تتحول إلى قناع، لأن القناع يسمح للإنسان أن يبدو فاضلا دون أن يكون كذلك. ولهذا يزدهر في مثل هذه البيئات شيء آخر أكثر خفاء: ثقافة التلصص والسخرية والتهكم.

حين يخاف الناس من التعبير الصريح عن ذواتهم، يلجؤون إلى مراقبة الآخرين والتهكم عليهم. يصبح الضحك سلاحا دفاعيا، والسخرية قناعا يخفي القلق الداخلي.

أما الحب، ذلك الكائن الهش، فإنه لا يستطيع العيش طويلا في مثل هذه الأجواء. فالحب يحتاج إلى الثقة، والثقة تحتاج إلى انفتاح القلب لا إلى إغلاق النوافذ. ولذلك قال الفيلسوف كيركغور إن أخطر أشكال اليأس هو أن يعيش الإنسان بين الناس دون أن يستطيع أن يكون صادقا معهم.

وهكذا تتحول المدينة إلى مسرح كبير للأقنعة. الكلمات تقول شيئا، والواقع يقول شيئا آخر. الشعارات تتحدث عن التسامح، لكن أبسط خلاف مع جار قد يتحول إلى خصومة طويلة. الجميع يتحدث عن السلام، لكن التوتر يسكن القلوب في صمت.

وفي مثل هذه اللحظة يصبح السؤال الفلسفي ملحا: كيف يمكن لمجتمع أن يزعم امتلاك الفضيلة بينما يعجز عن العيش بسلام مع ذاته؟

ربما كان الجواب ما لمح إليه ميشيل فوكو حين أشار إلى أن المجتمعات لا تخفي الحقيقة فقط، بل تنتج أنظمة كاملة من الخطاب تجعل الوهم يبدو حقيقة.

وهكذا تمتلئ المدينة بالأصوات، لكنها تفتقر إلى الصدق. تمتلئ بالمباني، لكنها تفتقر إلى الدفء الإنساني. تمتلئ بالشعارات، لكنها تفتقر إلى الشجاعة الأخلاقية. وحين يحدث ذلك، لا تحتاج الحياة إلى إعلان رسمي كي تغادر المكان. إنها تنسحب بهدوء، كما ينسحب الضوء من غرفة أغلقت نوافذها منذ زمن طويل

ومع ذلك، فليس قدر المدن أن تبقى سجينة هذا الرماد إلى الأبد. فالتاريخ الإنساني كله يشهد بأن أكثر المجتمعات انغلاقا يمكن أن تستعيد قدرتها على التنفس حين تستعيد شجاعتها في طرح الأسئلة.

إن بداية الخلاص لا تبدأ من تغيير العمارة ولا من إعادة طلاء الجدران، بل من إعادة بناء الإنسان نفسه. فالمدينة في حقيقتها ليست حجارة ولا طرقا، بل شبكة معقدة من العلاقات الإنسانية، من الثقة والاعتراف المتبادل. وقد فهم الفيلسوف الألماني هابرماس هذه الحقيقة حين تحدث عن "الفضاء العمومي"، ذلك المجال الذي يلتقي فيه الناس لا كخصوم بل كمواطنين قادرين على الحوار العقلاني. فحين يغيب الحوار، يحل محله الشك، وحين يسود الشك يتحول المجتمع كله إلى سجن غير مرئي.

ولهذا فإن أول خطوة نحو شفاء هذه المدن هي إعادة الاعتبار للكلمة الحرة. ليس بوصفها رفاهية ثقافية، بل بوصفها ضرورة وجودية. فالكلمة الصادقة هي التي تعيد للإنسان إحساسه بأنه مرئي ومسموع. وعندما يشعر الإنسان أن صوته مسموع، يقل خوفه من الآخر، ويتراجع ميله إلى التلصص والسخرية

ثم إن المجتمعات التي تخاف الجمال تحتاج إلى أن تتصالح معه من جديد. فالجمال ليس ترفا، بل ضرورة روحية

الإنسان لا يصبح حرا حقا إلا عندما يتعلم أن يرى العالم بعين الجمال. فالفن، والموسيقى، والألوان ، ليست كماليات، بل هي الوسيلة التي يتعلم بها الإنسان كيف يشعر بالآخرين وكيف يتذوق إنسانيتهم..

الإصلاح لا يكتمل بالجمال وحده، بل يحتاج أيضا إلى شجاعة أخلاقية. فالمجتمعات التي اعتادت الأقنعة تحتاج إلى لحظة صدق جماعية. لحظة يعترف فيها الناس بأن الفضيلة لا تقاس بعدد الخطب، بل بقدرة الإنسان على احترام الآخر في الحياة اليومية: في الشارع، وفي العمل، وفي أبسط تفاصيل العيش المشترك.. إصلاح المدن يبدأ بإعادة الاعتراف بالإنسان.

الاعتراف بحقه في الاختلاف، وفي الفرح، وفي الخطأ أيضا.

ولعل أخطر ما تحتاجه هذه المدن هو استعادة الثقة البسيطة بين الناس.

الثقة التي تبدأ من أشياء صغيرة:

من ابتسامة صادقة في الطريق،

من احترام الآخر ،

من نظافة الشارع،

من القدرة على الاعتذار.

فالأخلاق الحقيقية لا تعيش في الكتب، بل في التفاصيل اليومية للحياة المشتركة.

وحين تتغير هذه التفاصيل، يتغير وجه المدينة

***

ابتهال عبد الوهاب

 

كتب الأستاذ الدكتور إبراهيم يسن أستاذ الفلسفة بجامعة المنصورة على حسابه الشخصي (يوم الأثنين ٩ مارس ٢٠٢٦م) مقالاً مهماً يخاطب العقل ويناشد الوجدان أيضاً، ويحرص على القيم العلميّة الكبرى في مجتمع تعد القيم العلمية من أولى مرتكزاته الأساسية أو مفترض أن تكون هكذا.

حينما قرأت المقال للوهلة الأولى علقت عليه من جانبي فقلت: عندي إنهم يعلمون أهميّة التعليم النظري؛ فإذا حاولوا بشكل أو بآخر إلغائه أو نسفه؛ فهذا يعد تنفيذاً لمخططات هادمة للدين وللدولة بل والحضارة على وجه الإجمال. فإمّا هدم الدين فإنّ التطاول على العلوم النظريّة هو تطاول على معطيات التفكير العقلي، وعلى الحجة والبرهان والتي لا يكون الدين بغيرهما قائماً على القناعة والرضى والقبول. وأمّا هدم الدولة فإن اختلاط السياسي بالثقافي وفرض القوة الغاشمة على القوة الناعمة يشكل خطراً يزيل المزايا ويحل العيوب. وأمّا هدم الحضارة فظاهر جداً لأول وهلة؛ لأن البعد الروحي في الحضارة يتكيء على النظرية وعلى العقل والتفكير وهما أخطر ما يتوجه إليه اليوم نسف العلم النظري عنوة أو غفلة.

***

د. مجدي إبراهيم

.......................

جاء هذا المقال بعنوان:

(انحطاط التعليم الجامعي في مصر)

وجاء فيه: عندما امتدت يد العبث إلى التعليم الجامعي من قبل الدولة، وعندما تحول التعليم إلى دكاكين تبيع شهادات ورقيّة لا قيمة علميّة، تحول الطلاب إلى البرامج المدفوعة مالياً تحت وهم إن هذا النوع من التعليم أفضل من التعليم الرسمي، وهرول الأساتذة إلى البرامج الخاصّة والجامعات الخاصّة، وأصبح كل رئيس جامعة او نائب رئيس يتطلعون بشّدة إلى شغل مناصب في الجامعات الخاصّة التي تحولت إلى هبات ومكافأت يحظى بها وزراء سابقون ورؤساء جامعات، وكأنها نياشين أعدت لهم؛ فهذا رئيس مجلس الأمناء وذاك رئيس جامعة .. إلخ ...

كل هذا دفع أولياء الأمور إلى إلحاق أبنائهم إمّا إلى الجامعات الخاصّة أو بالبرامج الخاصّة التي كانت سبباً في تدهور الأقسام العلمية الرصينة، كذلك أسهمت السياسة في الافتراء على النظم العلميّة الرصينة حينما تدخل المشرع في نتائج الامتحانات، واعطاء فرصة النجاح لطلاب راسبين بدرجة ضعيف جداً؛ بمعنى أن الطالب إذا حصل على درجتين، فله أربعة أو خمسة من أعمال السنة الوهمية ثم يُرفع بالكنترول إلى عشرة، يعني يتحوّل من راسب إلى ناجح، ومن ضعيف جداً إلى مقبول.

وهذا منتهي الفساد والافساد للعملية التعليمية، ثم بادرت الدولة بالقضاء على الإبداع والبحث العلمي الضروري للتقدم والتنوير حين تم إلغاء الكتاب الجامعي.

فلم تعد هناك حاجة للجيل الجديد من أعضاء هيئة التدريس لبذل الجهد في التأليف أو التنافس الإبداعي.

أضف إلى ذلك، ما لحق بتشكيل اللجان العلميّة ولجان تحكيم البحوث التي تحولت إلى مجرد شكليات ومجاملات ..!!

واخيراً - وليس آخراً - يأتي الخطاب الرسمي لينسف كل أمل في موجبات التعليم النظري الذي حمل الأمة المصرية على أكتافه قروناً طويلة، وكان مصدراً للتنوير والثقافة وللفنون التي حملت الدول العربية على المناهج والأساتذة المصريين.

وأعرف أساتذة أنشأوا جامعات ومراكز للعلوم والفنون والمسرح والسينما في الدول العربية، وآخرون تصدروا المراكز الثقافية والإصدارات والدوريات الشهريّة التي كانت ومازالت مصدراً للثقافة والعلوم والفنون. ويثير التساؤلات تعيين وزير للتعليم بلا مؤهلات تربوية؛ لمجرد علاقات الحسب والنسب!

وأحب أن أشير إلى أن التعليم النظري شكل مصدراً للدخل القومي من العملات الصعبة التي تحتاجها الدولة بشدة؛ فالأستاذ الواحد إذا أشرف على عشرين طالب وافد، فإنه يدخل إلى خزانة الدولة ١٢٠ ألف دولار كل سنة، وكحد أدنى يمضي الطالب الوافد أربع أو خمسة سنوات للحصول على الماجستير والدكتوراه، فيدفع الطالب الواحد ٣٠ ألف دولار، لا يحصل الأستاذ المشرف على دولار واحد منها، فإذا تم إلغاء هذا النوع التنويري من التعليم، فقد أغُلق شريان يتدفق منه المال إلى الدولة، ناهيك عن دعم الروابط الثقافية.

وأحب أن أذكر أن هناك رؤساء دول، ورؤساء وزارات، وجامعات عربية وأفريقية، تخرجوا من الجامعات المصرية، ويدينون لمصر بالولاء، ولا ننسى موقف هواري بومدين أثناء حرب أكتوبر، ولا سلطان القاسمي الداعم لمصر والجامعات المصرية، فهما وغيرهما تخرجا من جامعات مصرية ..!

أعيدوا للتعليم الجامعي وقاره ورصانته، ولا تدخلوا السياسة فيه، واتركوا الجوانب الفنية والعلمية للمتخصصين.

دمتم عقلانيين.

***

بقلم: أ. د. إبراهيم يسن

أستاذ الفلسفة بجامعة المنصورة

يُعدّ الكاتب البريطاني باتريك سيل (1930-2014) واحداً من أبرز الخبراء الأوروبيين في السياسة السورية المعاصرة. ومن أعماله في هذا المجال كتاب «الأسد... الصراع على الشرق الأوسط» الصادر في 1988. رسم الكاتب صورة دقيقة للرئيس الأسبق والنخبة السياسية، تشكّل في ظني أرضية لشرح مسألتَين في غاية الأهمية، الأولى: لماذا أخفقت النخبة، لا سيما التي جاءت من الجيش، في بناء سوريا الحديثة؟ والأخرى: كيف فهمت هذه النخبة السلطة، وكيف تعاملت مع مصادرها، ومع الجمهور العام؟

تحدث باتريك سيل لاحقاً عن مقابلاته المطولة مع حافظ الأسد، وأحاديثه الجانبية التي ساعدته في فهم الإطار الفكري لقراراته. ومن بين الإشارات التي لفتت نظري في تلك الأحاديث، رؤية الأسد للتحول الديمقراطي وتعزيز المشاركة الشعبية في القرار، فقد رأى أن رفع مستوى المعيشة شرط مسبق، لأن الديمقراطية في مجتمع فقير ستكون أداة لهيمنة أصحاب المال والمتملقين. وبدا لي أن الرئيس كان مقتنعاً بهذه الرؤية، لأنه كررها بتفصيل أكبر في مقابلة مع قناة أميركية قبل وفاته بفترة وجيزة.

هذه الرؤية، أي تقديم الارتقاء المعيشي على المشاركة الشعبية، رائجة جداً بين الاشتراكيين، كما أنها مقبولة إلى حد ما بين الليبراليين. لكن الطرفين يختلفان في كيفية المعالجة. يميل الاشتراكيون إلى تركيز الثروة بيد الدولة، كي توزع ثمارها بالتساوي بين جميع المواطنين، في حين يميل الليبراليون إلى تشجيع الاستثمار الخاص، ثم إعادة توزيع الدخل بواسطة الضرائب. وبهذا فإن من يكسب أكثر يتحمل الجانب الأكبر من كلفة الإدارة العامة. واضح أن الحل الاشتراكي يركز القوة ومصادرها في يد الدولة، في حين الحل الليبرالي يميل إلى جعل المجتمع مركز القوة الاقتصادية وما يترتب عليها من نفوذ.

يبدو أنني أطلت القول في هذه المسألة، وكنت أريدها فاتحة للحديث حول رؤية جون رولز، الفيلسوف المعاصر، عما سمّاه «المجتمع حسن التنظيم» الذي رآه أرضية طبيعية لبناء نظام اقتصادي عادل تشاركي.

رأى رولز أن أبرز سمات المجتمع حسن التنظيم هو قيام مؤسساته على أرضية العدالة، والتزام جميع أعضاء المجتمع بمقتضياتها. وأميل إلى الاعتقاد أن هذا لا يكفي لجعل العدالة نظاماً حاكماً بالفعل، خصوصاً في المجتمعات الفقيرة الموارد، والمجتمعات التقليدية التي تُعلي من شأن النفوذ الشخصي على حساب القانون، ولذا أرى ضرورياً إضافة هذَين العنصرَين على وجه الخصوص، لجعل المجتمع حسن التنظيم فعلاً، أي: توفر مستوى معيشة معقول للأغلبية الساحقة من سكان البلاد، وسيادة القانون، وعلى الخصوص الضمان القانوني لحق المساواة وحرية التعبير. أما العنصر الأول، أي مستوى المعيشة المعقول، فهو لدرء الاحتمال الذي ذكرته في مطلع المقالة، أي شيوع الاستغلال من جانب أصحاب المال، على نحو يجعله أساساً للعلاقات الاجتماعية. وقد شهدنا في مجتمعات فقيرة عدة حالات تنازل فيها الفقراء عن حقوقهم المدنية من أجل لقمة العيش. وإذا لم يكن في المجتمع موارد كافية، فإنه ينبغي -ولو مرحلياً- التركيز على السياسات التي تستهدف معالجة هذا المشكل، حتى لو تأخر التحول الكامل إلى مجتمع المشاركة.

أما العنصر الآخر، أي سيادة القانون، فهو ضروري لإعادة العجلة إلى مكانها، فيما لو اضطر المجتمع إلى خوض تجربة فاشلة، أو اضطر بعض المواطنين إلى التنازل عن حقوقهم المدنية من أجل لقمة العيش. سيادة القانون تحفظ المساواة وتمكّن الضعيف من استرجاع حقه أو استعادة مكانته المفقودة، بعد أن يمسي قادراً على النهوض أو ينهض فعلاً. وبهذا تكون علاقات الاستغلال ظرفاً مؤقتاً، لا حالة دائمة أو تقسيماً طبقياً لا يمكن اختراقه.

إن إنكار حق المجتمع في المشاركة بداعي الفقر أمر سيئ جداً، وهو من دواعي فشل المجتمع السياسي، لكن تأثير الفقر في انحراف النظام نحو الاستغلال، هو الآخر حقيقة لا ينبغي إغفالها. وأرى أن سيادة القانون هي الوسيلة الضرورية لضبط المعادلة بين هذا البعد وذاك.

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

 

"أكرهك"! ليست المرة الأولى التي أتلقى فيها أمثال هذه الكلمة المؤذية في رسائل على الخاص. كثيرًا ما تصل هذه الرسائل من حسابات شبحية، يحرص صاحبها على أن يبقى متواريًا خلف اسم مستعار وصورة غامضة. يبعث كلماته الجارحة ثم يعمد إلى الحظر مباشرة، كي لا أتعرف إليه ولا أملك فرصة الرد عليه. يكشف هذا الموقف عن صورة من صور الجرأة التي يولدها التخفي، إذ يشعر الإنسان خلف القناع الرقمي بحرية قول ما لا يجرؤ على قوله بوجه مكشوف. تعلن هذه الرسائل عن شيء من التذبذب الكامن في النفوس، حين تتخذ الكلمة الجارحة وسيلة للتنفيس عن غضب أو ضيق أو مرارة، فيتحول الفضاء الافتراضي إلى مكان يفرغ فيه بعض الناس ما يثقل صدورهم من مشاعر سلبية.

في الحياة من الشر أكثر مما نتمنى من الخير، ومن الكراهية أكثر مما نشتاق أن نراه من المحبة. تكشف جروح الحياة للإنسان أن النفس البشرية لا تتحرك في أفق واحد صاف، بل في فضاء تتجاور فيه الأضداد. يتعلم الإنسان مع الزمن أن وجود الكراهية في النفس ليس طارئًا على طبيعته، النفس تحتاج أحيانًا إلى الكراهية كما تحتاج إلى المحبة، وربما تشتد حاجتها إلى الكراهية في بعض اللحظات حين تتعرض للخذلان أو الظلم أو الخيبة.

 الطبيعة الإنسانية ملتقى الأضداد، تتصارع في أعماقها نوازع الرحمة والقسوة، القرب والنفور، العطاء والشح. تنبع في النفس حاجة دفينة للكراهية تقف إلى جانب حاجتها للمحبة، إذ تمنح الكراهية الإنسان قدرة على الدفاع عن ذاته حين يهدده الاعتداء أو الإهانة، في الوقت الذي تضيء له المحبة التعاطف والرفق بالإنسان الآخر، وتمنحه أفقًا للعيش المشترك والاعتراف المتبادل بين البشر. هكذا يتحرك الإنسان في تذبذب دائم بين قوتين متقابلتين، قوة تدعوه إلى القرب والانفتاح، وقوة تدفعه إلى الرفض والمقاومة، وتظل حكمة الحياة في قدرة الإنسان على احتواء هذه الأضداد، كي لا تتحول الكراهية إلى عدوان يدمر الإنسان والعالم.

مَن يريد أن يعرف شيئًا عن الحضور المخيف للكراهية والشر في الأرض لا يحتاج إلى تأملات نظرية بعيدة عن الواقع، إذ يكفي أن يعود إلى أرشيفات التاريخ البشري، ويتصفح سجلات الاضطهاد والاسترقاق والاستعباد التي طاولت الأفراد والمجتمعات في عصور مختلفة، ليرى كيف تحول الإنسان في تجارب كثيرة إلى أداة لإذلال أخيه الإنسان واحتقاره، وكيف نشأت أنماط من القسوة تغذيها نزعات الهيمنة والرغبة في التسلط. التاريخ البشري يختنق بأنماط العبودية المعلنة والمقنّعة التي حولت الإنسان إلى سلعة تُباع وتُشترى، وسلبت كرامته، وجعلت حياته رهينة إرادة سيده، كما ازدحمت صفحات التاريخ بسرديات الاستبداد التي مارسها حكّام طغاة حولوا أوطانهم إلى سجون ومقابر، وأخضعوا شعوبهم لمنطق القهر والرعب، وانتهكوا كرامة الإنسان، وأخضعوا حياته لإرادتهم الفاشية. عندما يقرأ الإنسان تاريخ الاستبداد والاستعباد يكتشف أن الكراهية لا تنشأ فجأة، وإنما تتكوّن في بنية أنظمة سياسية واجتماعية وثقافية ودينية تولد الخوف، وتنتج العنف، وتسوّغ إهدار الكرامة الإنسانية، إذ يمسي الإنسان في ظل هذه الأنظمة إلى موضوع للسلطة لا ذات حرة تملك حقها في الحياة الجيدة. لذلك تتكرر صور السجون الكئيبة والزنزانات المرعبة في تجارب شعوب كثيرة، حيث يتعرض الإنسان لأشكال مهينة من الإذلال والاحتقار والترويع، وتُسلب حريته، ويُختزل وجوده في جسد محاصر بالقهر، في محاولة لكسر إرادته وخنق صوته.

لا يقف حضور الشر عند حدود الاستبداد الداخلي، وإنما يمتد إلى مستوى آخر من العنف مارسته الإمبراطوريات والقوى الكبرى عبر الاستعمار والاحتلال، إذ خلّفت مشاريع الهيمنة الاستعمارية في قارات متعددة مآسي لا تحصى، وسلبت شعوب كثيرة أرضها وثرواتها وحقها في تقرير مصيرها، وتعرضت مجتمعات بأكملها لسياسات الإفقار والتجويع والاهانة، وتعاملت تلك القوى مع الإنسان في البلدان المستعمَرة بوصفه كائنًا أدنى لا شريكًا في الإنسانية، فاستباحت أرضه وموارده وفرضت عليه أنماطًا من الاستعباد جعلت حياته معلقة بإرادة المحتل. إن قراءة هذه الصفحات المأساوية من تاريخ البشرية تكشف أن الكراهية ليست حادثة عابرة في حياة الإنسان، وإنما قوة مدمرة حين تجد بيئة تغذيها وتبررها، فعندما يستخف الإنسان بكرامة الآخر، ويتعامل معه بوصفه وسيلة لا غاية، ينفتح الباب واسعًا أمام أشكال متعددة من العنف والاحتقار والاستعباد، لذلك تصبح مواجهة الكراهية مرتبطة بإحياء الوعي بكرامة الإنسان وحقوقه، وترسيخ القيم التي تحمي حريته وتصون حقه في الحياة الكريمة، كي لا يتكرر ذلك الحضور المخيف للكراهية والشر في حياة البشر.

شخصية الإنسان مركبة تتألف من طبقات متعددة، لا يمكن فهم دوافع سلوكه أو تفسير أفعاله بعامل واحد أو سبب بسيط. الإنسان كائن تتداخل في أعماقه نوازع متباينة، وتتجاور في داخله ميول متعارضة، يلتقي في شخصيته الخير والشر، والرحمة والقسوة، والسخاء والجفاء، كما تلتقي في سلوكه دوافع ظاهرة وأخرى خفية. لذلك تبدو أفعال الإنسان في كثير من الأحيان متناقضة أو غامضة، لأن ما يظهر من سلوكه ليس سوى الوجه الخارجي لما يختبئ في أعماقه.

 الإنسان يحمل في داخله تاريخًا من الخبرات والتجارب والآلام والرغبات، وتتراكم في وعيه ولاوعيه صور متعددة للعالم ولنفسه وللآخرين، وهذه التراكمات الخفية تشارك في توجيه سلوكه بقدر ما يشارك وعيه الظاهر. من هنا لا يمكن ردّ أفعال الإنسان إلى تفسير واحد نهائي، لأن الدوافع الإنسانية تتكون في فضاء واسع من العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية والوجودية. قد يندفع الإنسان أحيانًا بدافع الرحمة والتعاطف، ثم ينقلب في موقف آخر إلى القسوة أو العنف، لا لأن طبيعته تبدلت فجأة، وإنما لأن الطبقات المختلفة في شخصيته تتبادل مواقعها في لحظات مختلفة، فتتقدم طبقة وتتراجع أخرى. هكذا تتشكل شخصية الإنسان بوصفها ساحةً تلتقي فيها الأضداد، وتتنازع فيها الرغبات المتعارضة، ويتكشف فيها التعقيد العميق للطبيعة البشرية التي لا تستقيم على صورة واحدة ثابتة، ولا يمكن اختزالها في تفسير مبسط أو حكم قاطع.

لن يختفي الشر الأخلاقي ما دام الإنسان إنسانًا، ما دام الإنسان يكذب ويراوغ وينافق ويكيد ويمكر ويسفك الدماء. تنشأ هذه الأفعال من طبقات عميقة في الطبيعة البشرية حيث تتصارع النزعات المتضادة في النفس، فيتحرك الإنسان أحيانًا بدوافع الشفقة والرحمة، وتتحرك في داخله في أحيان أخرى دوافع الغلظة والعدوان. تعمل القيم والثقافات والأديان التي تدعو للسلم على خفض وتيرة الشر إلى أدنى مستوى ممكن، عبر سعيها إلى تهذيب السلوك الإنساني وتقييد اندفاعاته العنيفة. مضافًا إلى أن الحياة المشتركة بين البشر لا يحميها السلم من دون قوانين عادلة وعقوبات رادعة تضبط العلاقات بينهم، ومن دونها قد ينزلق الإنسان إلى أشكال من العنف تفكك المجتمع وتبدد الثقة والتضامن بين أفراده.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

كم مرة نتفقد هواتفنا في اليوم دون سبب واضح؟ ربما عشرات المرات، واحيانا لمجرد استلام رسالة نصية او ظهور اشعار. وهذه العادة اصبحت جزءا من حياتنا اليومية ليست مجرد سلوك عابر، بل ترتبط بالية بيولوجية عميقة في الدماغ تعرف باسم "الدوبامين". فالدوبامين مادة كيميائية يفرزها الدماغ، ويلعب دورا مهما في التوقع والتعلم ونظام المكافأة وتحفيز الشعور بالمتعة. وأن هذه المادة الكيميائية كناقل عصبي ليست هرمون سعادة فقط، بل هي هرمون السعي والتوقع الذي يدفع الفرد للبحث عن المكافأة. فعندما تتوقع اشعار او رسالة او خبر عاجل يرتفع هرمون الدوبامين، وهو ما يفسر استخدامنا المتكرر لهواتفنا. لهذا اصبحت الهواتف الذكية جزءا ضروريا في حياتنا اليومية، والى درجة أن اغلبنا لا يستطيع ترك هاتفه حتى لساعة واحدة.

أن عصر الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي كالفيسبوك والانستغرام وتيك توك، لم تعد التحدي الاكبر في الحصول على المعلومات، بل كيفية ضبطها والتحكم بها. لان كل اشعار منها هو محفز كيميائي صغير داخل الدماغ. وهذا المحفز هو "ابرة الدوبامين" والتي صممت الهواتف الذكية بطريقة تحافظ على الادمان عليها، على حد قول انا ليمبكي استاذة الطب النفسي بجامعة ستاندفورد الامريكية. والتدفق المستمر لهذا الناقل العصبي ومع تكرار استخدام تطبيقات الهاتف يقلل استجابة الدماغ لفرز الدوبامين، مما يؤدي الى الممل والاكتئاب والأرق.

ولم يعد استخدام الهواتف الذكية مجرد عادة عفوية، بل اصبح جزءا مما يطلق عليه بمفهوم "اقتصاد الانتباه". كما اشار اليه عالم الاقتصاد هربرت سايمون والحائز على "جائزة نوبل" أن "وفرة المعلومات تخلق فقرا في الانتباه" وقد تحول مفهومه الى واقع نعيشه. ففي اقتصاد الانتباه الرقمي لا تتنافس الشركات على بيع منتجاتها الرقمية (التطبيقات) بقدر ما تتنافس على جذب انتباه الاشخاص لاطول فترة ممكنة. فكل دقيقة يقضيها المستخدم امام شاشات الهواتف تعني اعلانات اكثر ومعلومات اكثر وارباحا اكثر. ولهذا صممت مواقع التواصل الاجتماعي والتنبيهات والرسائل والاشعارات بطريقة تجعل الهاتف يعود ليطالب بانتباهنا بتكرار. فكل رسالة نصية او اشعار جديد يعمل كمحفز صغير لهرمون الدوبامين في الدماغ، يقودنا لفتح الهاتف بشكل متكرر حتى دون ان نشعر بذلك احيانا.  

وامام هذا السيل المستمر من المحفزات الرقمية، بدأ علماء النفس يبحثون عن وسائل تساعد الشخص على اعادة السيطرة على انتباهه. وصيام الدوبامين هو طريقة مستوحاة من العلاج السلوكي المعرفي، تهدف الى تقليل التفاعل اللاارادي مع المحفزات المفرطة من استخدام مواقع التواصل الاجتماعي والاشعارات المتكررة والالعاب الالكترونية السريعة. وهذه الطريقة لا تعني بالضرورة تقليل تحفيز هرمون الدوبامين، بل تقليل الانشطة السلوكية غير الضرورية التي تؤدي الى افرازه بكثرة نتيجة الاستخدام المفرط للهواتف الذكية. وتؤدي هذه الفكرة الى اعطاء فرصة للدماغ لاعادة التوازن، من خلال الامتناع المؤقت عن هذه السلوكيات المحفزة له، ما يساعد على تقليل سلوكيات الادمان الرقمي وضبط السيطرة على هذه التصرفات.

وحسب قول كامرون سيباه، استاذ الطب النفسي السريري في جامعة كاليفورنيا، أن مفهوم "صيام الدوبامين" طريقة لا تقتصر على تقليل التفاعل مع الاجهزة الرقمية، بل تسعى لتدريب العقل على الاستمتاع بالانشطة والفعاليات الطبيعية والبسيطة كالقراءة، والتامل، والرياضة. لان السماح لانفسنا بأن نشعر بالوحدة لفترات قصيرة يمكن ان تساعدنا على اعادة ضبط الدماغ، مما يسهم في القدرة على التركيز ويقوى السيطرة على الرغبات، ويوفر شعور اكبر بالاستقرار النفسي.

والصيام الرقمي هو الامتناع المنظم والمؤقت عن استخدام تطبيقات الاجهزة الذكية لغرض اعادة ضبط الانتباه ونظام التحفيز. والهدف منه ليس رفض استخدام التكنولوجيا الرقمية، بل اعادة ضبط السيطرة عليها. ونتيجة لذلك يقل معدل افراز الدوبامين، ويعيد الدماغ حساسيته الطبيعية، وتصبح المتعة البسيطة ذات قيمة. ويترتيب عن هذا الامتناع المتكرر لساعات وايام هدوء نفسي، وانخفاض التوتر، وتحسين التركيز، وقدرة افضل على القراءة العميقة لغرض اعادة ضبط نظام المكافأة.

واذا كان علم النفس المعاصر يتحدث عن صيام الدوبامين كوسيلة لاستعادة ضبط الدماغ. فنجد في الثقافة الروحية للاسلام ومنذ مئات السنين وسائل لضبط الرغبات وتنظيم السلوك. وأن صيام رمضان هو احد ادوات تعزيز افراز الدوبامين بشكل متوازن، مما ينعكس بصورة ايجابية على الصحة النفسية والجسدية. فالامتناع عن الطعام والشراب يقلل من التحفيز السريع لهذا الهرمون، الامر الذي يعطي الدماغ فرصة لاعادة التوازن وكسر الروتين اليومي لبعض العادات مثل الافراط في تناول الشراب والطعام. وايضا نرى العبادات والاعمال الروحية لها دور مهم في تنشيط المكافاة في الدماغ، مما يعزز الشعور بالسكينة والاطمئنان.

وفي الختام، الصيام الرقمي ليس مجرد ممارسة عادة تقنية، بل هو سؤال فلسفي: هل نملك انتباهنا، ام يدار انتباهنا من الخارج؟  وعندما نمتنع رقميا، نحن لا نبتعد عن الهاتف فقط، بل نقترب من افكارنا وصمتنا ووعينا الداخلي. الدوبامين ليس عدوا للبشر ولا التكنولوجيا شرا على الانسانية، لكن عندما تصبح المحفزات اسرع من قدرتنا على الاستيعاب. حينها نحتاج الى وقفة جادة لنحاول استعادة وعينا بعمق لا لنهرب من عالمنا الرقمي. 

 ***  

علاء جواد كاظم

مقاربة بيوبوليتيكية

في عصرنا الحالي، الذي يشهد تحولات جذرية في بنى السلطة والحياة الاجتماعية، يبرز مفهوم البيوبوليتيك كإطار تحليلي يفسر كيفية تشكل السلام الداخلي للمجتمعات من خلال علاقاتها بالعالم الخارجي. البيوبوليتيك، كما يُفهم في سياقه الفلسفي والاجتماعي، يركز على آليات السيطرة والإدارة للحياة البيولوجية والسكانية، حيث تصبح الحياة نفسها موضوعًا للسياسة، لا مجرد السيطرة على الأراضي أو الموارد. في هذا الإطار، لا يمكن فصل السلم الأهلي – أي السلام الداخلي الذي يضمن الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والصحي داخل المجتمع – عن التعايش السلمي مع العالم الخارجي، الذي يمثل مصدرًا للتهديدات والفرص على حد سواء. هذه المقاربة البيوبوليتيكية تكشف عن أن السلام الداخلي ليس حالة معزولة، بل هو نتاج تفاعل مستمر مع الخارج، حيث تندمج السياسات الداخلية مع الديناميكيات العالمية، مما يجعل أي محاولة للانعزالية مصيرها الفشل. من خلال استكشاف هذا الارتباط، يمكننا فهم كيف أن التهديدات الخارجية، سواء كانت وبائية أو اقتصادية أو ثقافية، تتحول إلى عوامل تآكل للسلم الداخلي، وكيف يصبح التعايش السلمي ضرورة بيوبوليتيكية للحفاظ على حيوية المجتمع.

يشتغل التحليل البيوبوليتيكي من الاعتراف بأن المجتمع الحديث لم يعد كيانًا مغلقًا، بل هو نظام حيوي مفتوح يتأثر بالتدفقات الخارجية. في هذا السياق، يُعتبر السلم الأهلي مظهرًا للتوازن البيولوجي والاجتماعي داخل المكون الداخلي، حيث تشمل السياسات البيوبوليتيكية إدارة الصحة العامة، التنمية الديموغرافية، والأمن الغذائي، كلها عناصر تعتمد على الاستقرار الداخلي. ومع ذلك، في عالم مترابط كعالمنا اليوم، حيث أصبحت الحدود مسامية أمام الهجرات، التجارة، والأوبئة، يصبح هذا التوازن هشًا إذا لم يُدعم بتعايش سلمي خارجي. على سبيل المثال، في مواجهة الجائحات العالمية، مثل تلك التي شهدناها في العقود الأخيرة، يتحول الوباء الخارجي إلى تهديد بيوبوليتيكي داخلي، حيث يعطل الاقتصادات المحلية ويولد توترات اجتماعية. هنا، لا يتحقق السلم الأهلي إلا إذا اعتمدت الدولة على آليات تعاون دولي، مثل مشاركة اللقاحات أو البيانات الصحية، مما يجعل التعايش السلمي أداة للحماية البيوبوليتيكية. إن تجاهل هذا الارتباط يؤدي إلى ظهور آليات دفاعية داخلية قمعية، مثل فرض الحجر الصحي الشديد أو التمييز ضد المهاجرين، والتي بدلاً من تعزيز السلام، تزيد من التوترات الداخلية وتضعف تماسك المجتمع.

من منظور أشمل، يبرز البيوبوليتيك كآلية لإنتاج "الحياة المنتجة" داخل المجتمع، حيث يركز على تحسين الصحة والإنتاجية للسكان كوسيلة لتعزيز القوة الوطنية. ومع ذلك، في ظل العولمة، يصبح هذا الإنتاج معتمدًا على التبادلات الخارجية، مما يجعل أي صراع خارجي يهدد الاستقرار البيوبوليتيكي الداخلي. على سبيل المثال، في السياقات الاقتصادية، يعتمد السلم الأهلي على الاستقرار المالي والغذائي، الذي غالبًا ما يكون مرتبطًا بالتجارة الدولية. إذا أدى التوتر الخارجي، مثل الحروب التجارية أو النزاعات الإقليمية، إلى انقطاع الإمدادات، فإن ذلك يولد أزمات داخلية تؤثر على الحياة اليومية للسكان، مما يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية أو حتى ثورات. هنا، يصبح التعايش السلمي مع العالم الخارجي ضرورة بيوبوليتيكية، إذ يسمح بتدفق الموارد والمعارف التي تحافظ على حيوية المكون الداخلي. في المقابل، إذا اعتمدت الدولة على استراتيجيات انعزالية، كما في بعض النماذج الاستبدادية، فإنها تحول البيوبوليتيك إلى أداة قمع داخلي، حيث تصبح السيطرة على السكان بديلاً عن التعاون الخارجي، مما يؤدي في النهاية إلى تآكل السلم الأهلي بدلاً من تعزيزه.

كما أن الجانب الثقافي والاجتماعي في المقاربة البيوبوليتيكية يكشف عن عمق هذا الارتباط. في عصر الاتصالات الرقمية والثورة المعلوماتية، أصبح العالم الخارجي مصدرًا للتأثيرات الثقافية التي تشكل الهويات الداخلية. البيوبوليتيك هنا يمتد إلى إدارة "الحياة الاجتماعية"، حيث يصبح التنوع الثقافي والتسامح عناصر أساسية للسلم الأهلي. إذا كان هناك تعايش سلمي خارجي، يسمح بتبادل الأفكار والقيم دون صراع، فإن ذلك يعزز التماسك الداخلي من خلال إثراء الهويات الجماعية. على العكس، في حالة التوترات الخارجية، مثل النزاعات الإيديولوجية أو الثقافية، يتحول الخارج إلى "الآخر المهدد"، مما يولد آليات دفاع بيوبوليتيكية داخلية تشمل الرقابة على الإعلام أو تهميش الأقليات، والتي بدورها تؤدي إلى تفكك اجتماعي. هذا الديناميك يظهر بوضوح في السياقات المعاصرة، حيث أدت الهجرات الناتجة عن النزاعات الخارجية إلى تحديات داخلية، مثل التوترات العرقية في أوروبا أو أمريكا، والتي لم يتم حلها إلا من خلال سياسات تعايش دولي تعترف بالترابط البيوبوليتيكي. إن عدم التعايش السلمي يحول الخارج إلى مصدر لـ"الفيروسات الثقافية"، التي تهدد الصحة الاجتماعية الداخلية، مما يجعل السلام الداخلي مستحيلاً دون إعادة تعريف العلاقات الخارجية كجزء من الاستراتيجية البيوبوليتيكية.من جانب آخر، يبرز التحدي البيئي كأحد أبرز الأمثلة على هذا الارتباط البيوبوليتيكي. في عصر التغير المناخي، أصبحت الحياة البيولوجية للسكان معرضة لتهديدات خارجية مثل الجفاف أو الفيضانات، التي غالبًا ما تكون نتاجًا لسياسات عالمية غير مستدامة. السلم الأهلي هنا يعتمد على القدرة على إدارة هذه التهديدات من خلال تعاون دولي، حيث يصبح التعايش السلمي أداة للحماية البيئية المشتركة. إذا فشلت الدول في ذلك، كما في حالات النزاعات حول الموارد المائية، فإن النتيجة تكون أزمات داخلية تؤثر على الصحة والاقتصاد، مما يولد اضطرابات اجتماعية. هذا المنظور البيوبوليتيكي يؤكد أن السلام الداخلي ليس مجرد غياب الصراع الداخلي، بل هو حالة من التوازن الحيوي الذي يتطلب إدارة الترابط مع الخارج، حيث تصبح السياسات البيئية العالمية جزءًا من الاستراتيجية الداخلية للحفاظ على الحياة.

في سياق الدراسات السياسية والاجتماعية المعاصرة، تبرز المقاربة البوستكولونيالية كأداة تحليلية حاسمة لفهم مفهوم السلم، ليس كحالة غياب الصراع فحسب، بل كعملية ديناميكية مشبعة بالتاريخ الاستعماري والعلاقات غير المتكافئة للقوة. البوستكولونيالية، كما تُفهم في هذا الإطار، لا تقتصر على دراسة ما بعد الاستعمار كفترة زمنية، بل تمتد إلى نقد الهياكل الاستعمارية المستمرة التي تتشكل فيها مفاهيم السلام والأمن. هذه المقاربة تكشف عن أن السلم ليس مفهومًا محايدًا أو عالميًا، بل هو بناء اجتماعي يعكس الإرث الاستعماري، حيث غالبًا ما يُستخدم كأداة لتعزيز الهيمنة الغربية على الشعوب المستعمرة سابقًا. في عصرنا الحالي، الذي يشهد تصاعد النزاعات في المناطق البوستكولونيالية مثل أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، يصبح من الضروري استكشاف كيفية أن بناء السلام يعاد إنتاج الديناميكيات الاستعمارية، وكيف يمكن لمقاربة بوستكولونيالية أن تقدم بدائل تحررية تضمن سلامًا مستدامًا يعترف بالتعددية الثقافية والعدالة التاريخية. لذلك ينطلق الفهم البوستكولونيالي للسلم من نقد المنهج الليبرالي التقليدي في دراسات السلام، الذي غالبًا ما يُقدم كحل عالمي يعتمد على مبادئ الديمقراطية والسوق الحرة والتدخل الإنساني. هذا النهج، من منظور بوستكولونيالي، ليس سوى امتداد للأيديولوجيا الاستعمارية، حيث يُفرض نموذج غربي على المجتمعات غير الغربية، متجاهلاً السياقات التاريخية والثقافية المحلية. في هذا السياق، يُرى السلم كأداة للحفاظ على التوازنات غير المتكافئة، حيث تُصور الدول الغربية كـ"منقذين" للشعوب "المتخلفة"، مما يعيد إنتاج صورة الآخر كسلبي وغير قادر على إدارة شؤونه. على سبيل المثال، في عمليات بناء السلام في المناطق البوستكولونيالية، مثل تلك التي شهدتها أفريقيا بعد الاستعمار الأوروبي، غالبًا ما تكون البرامج الدولية مدفوعة بمصالح اقتصادية، حيث يُركز على استخراج الموارد تحت غطاء الاستقرار، بدلاً من معالجة الجذور الاستعمارية للصراعات مثل التوزيع غير العادل للأراضي أو الهويات العرقية المفروضة. هذه المقاربة تكشف عن أن السلم الليبرالي يخفي تحت سطحه استمرارية الاحتلال، سواء كان عسكريًا أو اقتصاديًا، مما يجعل السلام هشًا وغير مستدام، إذ يولد مقاومة محلية ترى فيه شكلاً من أشكال الاستعمار الجديد. بالتالي، يدعو النهج البوستكولونيالي إلى إعادة تعريف السلم كعملية ديكولونيالية، تتجاوز السلام السلبي (غياب الحرب) إلى سلام إيجابي يشمل التحرر من الهيمنة الثقافية والاقتصادية.

من جانب آخر، تبرز المقاربة البوستكولونيالية دور الخاضعين في بناء السلام، معتبرة أن الروايات المحلية والمعارف التقليدية هي الأساس لأي سلام حقيقي. في هذا الإطار، يُنقد تمثيل الشعوب البوستكولونيالية كضحايا سلبيين في خطابات بناء السلام الدولية، حيث يُحول هذا التمثيل الفعالية إلى الجهات الخارجية، مما يعزز التبعية. بدلاً من ذلك، تؤكد البوستكولونيالية على أهمية الاعتراف بالمقاومة التاريخية والثقافية كعنصر أساسي في تشكيل السلم، حيث تُرى الهويات الهجينة – الناتجة عن الالتقاء بين الثقافات الاستعمارية والمحلية – كمصدر للإبداع في حل النزاعات. على سبيل المثال، في السياقات الآسيوية مثل الهند أو فيتنام، حيث أدى الاستعمار إلى تقسيمات اجتماعية عميقة، يمكن للسلم أن يتحقق من خلال استرداد المعارف التقليدية، مثل فلسفات اللاعنف في التقاليد الهندوسية أو البوذية، التي تُدمج مع النضالات الحديثة ضد الاستعمار الجديد. هذا النهج يعكس فكرة "السلم الهجين"، حيث يجتمع العناصر المحلية مع العالمية لخلق نماذج سلام تتجاوز الفرض الاستعماري، مما يسمح بمشاركة حقيقية للشعوب المضطهدة في صياغة مصيرها. كما أن هذه المقاربة تنتقد الدور الذي تلعبه المنظمات الدولية في تعزيز السلام، إذ غالبًا ما تكون هذه المنظمات مشبعة بمنظورات غربية تتجاهل السياقات الثقافية، مما يؤدي إلى فشل البرامج كما في حالات عديدة في الشرق الأوسط، حيث أدى التدخل الخارجي إلى تعميق الصراعات بدلاً من حلها. كما أن الجانب الديني والثقافي يحتل مكانة مركزية في المقاربة البوستكولونيالية للسلم، حيث تكشف عن الأساطير المهيمنة التي تربط الدين بالعنف في السياقات غير الغربية. من منظور بوستكولونيالي، يُرى الدين ليس كمصدر للصراع، بل كأداة محتملة للسلام إذا تم تفكيك الروايات الاستعمارية التي تصوره كـ"متخلف". على سبيل المثال، في المناطق الإفريقية أو الإسلامية، حيث أدى الاستعمار إلى تشويه التقاليد الدينية، يمكن للسلم أن يتحقق من خلال إعادة استرداد هذه التقاليد كوسيلة للحوار بين الثقافات، بدلاً من فرض نموذج علماني غربي يُرى كحل وحيد. هذا النهج يدعو إلى دمج الدين في عمليات بناء السلام، مع التركيز على دوره في تعزيز العدالة الاجتماعية والمصالحة التاريخية، مما يساعد في تفكيك التبعية الثقافية. في السنوات الأخيرة، خاصة مع تصاعد الحركات الديكولونيالية في العالم، أصبحت هذه المقاربة أكثر أهمية، إذ تكشف عن أن السلام في السياقات البوستكولونيالية يتطلب مواجهة الاستعمار الرقمي والاقتصادي الجديد، حيث تُستخدم التكنولوجيا والعولمة لتعزيز الهيمنة، مما يجعل السلم عملية مستمرة من المقاومة والإبداع. من منظور أعمق، تتجاوز المقاربة البوستكولونيالية النقد إلى اقتراح بدائل عملية لبناء السلام، مثل التركيز على العدالة الانتقالية التي تعترف بالإرث الاستعماري. في هذا السياق، يُرى السلم كسياسة تحولية تهدف إلى إعادة توزيع القوة، حيث تشمل عمليات المصالحة الاعتراف بالمظالم التاريخية وإعادة بناء الهويات الجماعية. على سبيل المثال، في أمريكا اللاتينية، حيث أدى الاستعمار الإسباني إلى تفاوتات عميقة، أثبتت الحركات الأصلية أن السلم يمكن أن يتحقق من خلال دمج المعارف التقليدية في السياسات الوطنية، مما يخلق نموذجًا هجينًا يتجاوز الفرض الخارجي. هذا النهج يؤكد على أهمية الاعتراف بالتعددية، حيث يصبح السلم عملية جماعية تشارك فيها الأصوات المهمشة، بدلاً من كونه برنامجًا مفروضًا من الأعلى. كما أن هذه المقاربة تنتقد النزعة الاستعمارية في دراسات السلام نفسها، حيث غالبًا ما تكون هذه الدراسات مدفوعة بأيديولوجيا تجعل الغرب معيارًا للتقدم، مما يجعل من الضروري تطوير نظريات سلام محلية تعكس السياقات البوستكولونيالية.

هكذا تقدم المقاربة البوستكولونيالية للسلم رؤية تحولية تكشف عن الارتباط العميق بين الاستعمار والصراع، وتدعو إلى سلام يعتمد على التحرر والعدالة. في غياب هذا النهج، يبقى السلم هشًا وغير مستدام، إذ يعاد إنتاج الديناميكيات الاستعمارية تحت غطاء الاستقرار. هذه المقاربة ليست مجرد نقد نظري، بل هي دعوة عملية لإعادة صياغة عمليات بناء السلام لتشمل الأصوات المضطهدة والمعارف المحلية، مما يفتح آفاقًا لعالم أكثر عدالة حيث يصبح السلم حقيقة مشتركة لا فرضًا استعماريًا. مع استمرار التحديات العالمية في العقود القادمة، ستصبح هذه الرؤية أساسية لتحقيق سلام يتجاوز الحدود التاريخية والثقافية، ويبني على التنوع كقوة دافعة للتغيير. في الختام، تكشف المقاربة البيوبوليتيكية عن أن السلم الأهلي في المكون الداخلي ليس حالة ذاتية، بل هو نتاج تفاعل مستمر مع العالم الخارجي، حيث يصبح التعايش السلمي ضرورة لإدارة الحياة والسكان. في غياب هذا التعايش، تتحول التهديدات الخارجية إلى عوامل تآكل داخلي، مما يجعل أي محاولة للانعزالية مصيرها الفشل في عصرنا المترابط. هذا الفهم يدعو إلى إعادة صياغة السياسات الوطنية لتشمل البعد العالمي كعنصر أساسي في البيوبوليتيك، مما يفتح آفاقًا لسلام مستدام يتجاوز الحدود التقليدية، ويجعل الحياة الجماعية أكثر مرونة أمام التحديات المستقبلية.

 ***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

مع حلول اليوم العالمي للمرأة في 8 مارس من كل عام، أجد نفسي مجددًا أمام التساؤل نفسه حول مكانة المرأة ودورها في المجتمع، وهو نقاش يتكرر عامًا بعد عام، وغالبًا ما يظن البعض وجود تعارض بين الدين والفلسفة في النظر إلى المرأة؛ فالبعض يرى أن الدين يقيّد حريتها بينما تدافع الفلسفة عن استقلاليتها. ومن خلال البحث والتأمل في النصوص الدينية والتراث الفلسفي، أصبح واضحًا لي أن هذا التعارض في الغالب ظاهري، إذ يؤكد كلا المجالين – كلٌّ بطريقته – على قيمة المرأة وكرامتها الإنسانية، وما أحاول دائمًا أن أبرزه هنا هو أن هذه القيم المشتركة تشكل جسرًا يربط بين الدين والفلسفة بدل أن يفرقهما، وهو ما يجعل الحوار بينهما فرصة لفهم أعمق لدور المرأة في المجتمع.

ومن هذا المنطلق، أرى أن الدين والفلسفة لا يتصارعان، بل يلتقيان عند فكرة جوهرية واحدة، وهي أن المرأة إنسان كامل الكرامة والفاعلية في المجتمع، وأن كرامتها لا تحددها جنسيتها، بل إنسانيتها وما تضيفه من أدوار فاعلة ومؤثرة في الحياة الاجتماعية. وتأكيدًا لذلك، عندما أتأمل النصوص الدينية بعيدًا عن التأويلات الاجتماعية، أجد أنها وضعت أساسًا واضحًا لكرامة المرأة، وهو ما يظهر من خلال الرؤية الإسلامية التي تقوم العلاقة فيها بين الرجل والمرأة على التكامل لا الصراع، فالقرآن الكريم يصف هذه العلاقة بقوله تعالى "﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ"﴾ (البقرة: 187)، وهذه الصورة الرمزية العميقة تشير إلى القرب، الحماية، والتكامل، وليس إلى الهيمنة أو التفوق.

ولا يخفى على الباحث أن النص الديني يربط الكرامة الإنسانية بالتقوى والعمل لا بالجنس، كما يظهر في قوله تعالى﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾ (آل عمران195) ، ومن خلال دراسة التاريخ، أرى أن هذا المبدأ تجسّد عمليًا في حياة نساء بارزات، مثل السيدة خديجة بنت خويلد ، رضي الله عنها ، سيدة الأعمال التي دعمت الدعوة بمالها وثقتها، والسيدة عائشة بنت أبي بكر ،رضي الله عنها ، التي كان الصحابة يرجعون إلى علمها في كثير من المسائل، والسيدة مريم العذراء عليها السلام، ، التي خصص القرآن الكريم لها سورة كاملة تقديرًا لطهارتها وإيمانها. وهذه الأمثلة تؤكد لي أن المرأة في التصور الديني كانت فاعلة في الاقتصاد، العلم، والإيمان، وليس مجرد موضوع للنظرية أو التأويل، وهو ما يجعل فهم الدين من منظور الباحث أمرًا يعزز احترام دور المرأة وفاعليتها.

ومثلما أجد أن الدين يقدّم أساسًا واضحًا لكرامة المرأة، فإن الفلسفة ناقشت هذه القضية ضمن إطار أوسع: ما الإنسان؟ وما حقوقه وكرامته؟ صحيح أن بعض الفلاسفة القدماء مثل أرسطو تبنوا تصورات محدودة مرتبطة بثقافة عصرهم، لكن الفكر الفلسفي تطور لاحقًا ليؤكد مبدأ المساواة الإنسانية، ومن خلال دراستي للفلسفة الحديثة والمعاصرة، أرى أن هناك بعض الفيلسوفات – رغم تحفظي لهن في بعض المواطن – مثل ماري وولستونكرافت التي أكدت أن المرأة ليست أقل عقلًا من الرجل، لكنها حُرمت تاريخيًا من التعليم، بينما أشارت سيمون دي بوفوار في القرن العشرين إلى أن القيود التي تعيق المرأة ليست طبيعية، بل صنعها المجتمع. وهنا، أجد أن الفلسفة لا تهاجم الدين، بل تطرح سؤالًا محوريًا يحتاج الباحث للتأمل فيه: هل المشكلة في النصوص أم في فهم البشر لها؟ ومن هذا السؤال ينطلق الحوار الحقيقي بين الدين والفلسفة، ليصبح البحث في مكانة المرأة مسألة مشتركة لا متعارضة، ويتيح لنا كباحثين فرصة لفهم أعمق للكرامة الإنسانية.

وأرى أن الدين والفلسفة يلتقيان عمليًا في ثلاث محاور رئيسة تتداخل في حياتنا اليومية؛ أولًا، الكرامة الإنسانية، فكلاهما يؤكد علي أن المرأة إنسان كامل القيمة والحقوق. ثانيًا، المسؤولية الأخلاقية، فالمرأة مثل الرجل مسؤولة أخلاقيًا عن أفعالها، ولا يمكن تجاهل دورها في صنع القرارات. وثالثًا، الدور الاجتماعي، إذ أن المجتمع لا ينهض إلا بمشاركة المرأة في جميع مجالات الحياة. ومن خلال هذا الفهم، أستطيع أن أقول بثقة إن هذه النقاط ليست مجرد مبادئ نظرية، بل تمثل جسرًا يربط بين الرؤية الدينية والفلسفية، ويحوّل الحوار من صراع افتراضي إلى تأمل مشترك حول الإنسانية، وهو ما ينعكس على واقعنا اليومي.

وعندما أبتعد قليلًا عن الكتب والنصوص النظرية وأتأمل واقعنا اليومي، أرى هذه الحقيقة تتجسد أمام أعيننا من خلال الأم العاملة التي توازن بين عملها ورعاية أبنائها، والتي تمثل نموذج التضحية الإنسانية، والطبيبة التي تسهر في المستشفى لإنقاذ المرضى وتؤدي رسالة إنسانية لا تقل عن أي رجل، والمعلمة التي تصنع عقول الأجيال القادمة وتؤثر في المجتمع ربما أكثر من كثير من السياسيين. كما أن كثيرًا من الرجال العظماء يعترفون بأن سر قوتهم كان امرأة في حياتهم: أم، أو زوجة، أو معلمة. ومن خلال متابعتي وملاحظاتي، أجد أن هذه الأمثلة اليومية تؤكد ما جاء في النصوص الدينية والفلسفية على حد سواء، وهو ما يجعل فهمي كباحث أعمق وأوضح لدور المرأة في المجتمع.

وفي النهاية، أرى أن اليوم العالمي للمرأة ليس مجرد احتفال رمزي، بل فرصة حقيقية لإعادة التفكير في دور المرأة في مجتمعنا. ومن خلال قراءة متأنية للنصوص الدينية والفلسفية، يمكننا أن نرى بوضوح أن كليهما – رغم اختلاف اللغة والمنهج – يلتقيان في تقدير المرأة واحترام إنسانيتها. وبناءً على هذا الرأي الذي توصلت إليه بعد بحث مستمر، أؤكد أن القضية ليست في النصوص الدينية أو الأفكار الفلسفية بحد ذاتها، بل في الوعي الاجتماعي الذي يفسرها ويطبقها. فالمرأة ليست نصف المجتمع فحسب، بل هي المدرسة الأولى التي يصنع فيها المجتمع كله، والدفاع عن كرامتها ليس مجرد موقف أيديولوجي، بل دفاع عن الإنسان ذاته.

***

أ. د. علي الخطيب

أستاذ ورئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب جامعة المنيا

في سبعينيات القرن العشرين لم يكن التشكيك في الرواية الشائعة حول أصل اليوم العالمي للمرأة أمراً سهلاً. كان ذلك الزمن زمن يقين نضالي، حيث بدت الحكاية التي تُروى كل عام في الثامن من مارس وكأنها حقيقة تاريخية راسخة. فقد تبنّت الحركات النسوية الأميركية تقليد الاحتفال بهذا اليوم، بينما كانت مجموعات حركة تحرير المرأة في فرنسا تعمل على إحيائه من جديد، وإن كانت تنتقد في الوقت ذاته تحوله في البلدان الاشتراكية إلى احتفال أقرب إلى عيد الأم منه إلى مناسبة نضالية.

لكن على الرغم من اختلاف السياقات السياسية، فقد بدا أن هناك اتفاقاً شبه كامل حول أصل هذه المناسبة. إذ جرى تكريم ذكرى عاملات الخياطة في نيويورك في القرن التاسع عشر، اللواتي قيل إنهن خرجن في مظاهرة يوم 8 مارس 1857 مطالبات بتقليل ساعات العمل، وزيادة الأجور، وتحقيق المساواة في الأجر، إضافة إلى توفير دور حضانة لأطفالهن وصون كرامتهن الإنسانية.

وقد أعادت الصحافة النسوية المناضلة في تلك الفترة سرد القصة نفسها. فمن مجلة Antoinette المرتبطة بالاتحاد العام للعمل، إلى مجلة Pétroleuses التابعة للرابطة الشيوعية الثورية، وصولاً إلى Quotidien des femmes  المرتبطة بتيار «التحليل النفسي والسياسة»، كانت الرواية تتكرر بالصيغة نفسها تقريباً: نساء عاملات خرجن إلى الشارع مطالبات بحقوقهن، فواجهتهن شرطة نيويورك بالعنف، بل أطلقت النار على المتظاهرات وقتلت بعضهن.

غير أن هذه الرواية، على الرغم من انتشارها الواسع، لم تكن ثابتة في تفاصيلها. ففي بعض النسخ كانت المظاهرة تجري تحت شمس ربيعية دافئة، وفي روايات أخرى كانت تدور في برد شتوي قارس. وأحياناً تُذكر عاملات النسيج، وأحياناً الخياطات أو عاملات صناعة القمصان. وفي بعض الروايات يُركَّز على القمع والعنف، بينما تركز روايات أخرى على القسم الذي أدته النساء بالعودة إلى الشارع كل عام. ومع ذلك ظل عنصران ثابتين في كل الحكايات: التاريخ، 8 مارس 1857، والمكان، نيويورك.

هذه الثوابت جعلت القصة تبدو وكأنها حدث مؤسس لا يقبل الشك. لكن البحث التاريخي، حين بدأ بالفعل، كشف مفاجأة غير متوقعة.

في مارس عام 1977 صدر العدد الأول من مجلة Histoires d’Elles، وهي مجلة نسوية فرنسية اهتمت بإعادة كتابة تاريخ النساء. وقد رأت بعض الباحثات أن الفرصة سانحة للتحقيق في أصل اليوم العالمي للمرأة، في محاولة لاستعادة التاريخ الحقيقي للحركة النسوية.

لكن النتيجة كانت مدهشة: لم يُعثر على أي أثر لمظاهرة وقعت في 8 مارس 1857 في نيويورك.

فلا كتب تاريخ النسوية الأميركية ذكرت هذا الحدث، ولا تاريخ الحركة العمالية أشار إليه، ولا حتى الصحف التي صدرت في ذلك الوقت تضمنت أي خبر عنه. بل إن التدقيق في التقويم كشف أمراً طريفاً: فقد كان 8 مارس 1857 يوم أحد، وهو يوم لا يتوافق عادة مع تنظيم مظاهرات عمالية كبيرة في ذلك العصر.

وهكذا بدأ الشك يتسلل إلى الرواية التي بدت في السابق يقينية. أما الحدث التاريخي المؤكد فهو أن فكرة الاحتفال بيوم للمرأة ظهر عام 1910 خلال المؤتمر الدولي الثاني للنساء الاشتراكيات في كوبنهاغن. وهناك اقترحت الناشطة الاشتراكية الألمانية Clara Zetkin تنظيم يوم دولي للمرأة يهدف إلى تعبئة النساء سياسياً، خصوصاً حول مطلب حق المرأة في التصويت.

لم يكن الهدف مجرد الاحتفال، بل إدماج قضية النساء ضمن مشروع الحركة الاشتراكية والعمالية. فالمسألة النسوية، في هذا التصور، لم تكن قضية منفصلة بل جزءاً من الصراع الطبقي الأوسع.

وهنا يمكن استحضار قول الفيلسوف كارل ماركس: بأن "تاريخ كل المجتمعات حتى الآن هو تاريخ صراع الطبقات". في ضوء هذا التصور، أصبح نضال النساء العاملات جزءاً من هذا الصراع التاريخي.

في البداية لم يشكك الباحثون في الحدث المزعوم نفسه، بل تساءلوا عن سبب اختيار هذا الحدث تحديداً ليكون رمزاً عالمياً لنضال النساء.

فإحياء ذكرى عاملات خرجن للمطالبة بتحسين ظروف العمل يعني وضع الصراع الطبقي في مركز التاريخ النسوي، وإعطاء الأولوية لنضال النساء العاملات على حساب أشكال أخرى من النضال النسوي، مثل: النضال من أجل الحقوق المدنية والسياسية، المطالبة بحق التعليم، فتح المهن المتخصصة أمام النساء، الدفاع عن حق النساء في العمل حتى عندما كان بعض العمال الرجال يعارضون ذلك.

كانت كلارا زيتكين تدرك هذه التعقيدات جيداً. فقد تبنت استراتيجية مزدوجة: من جهة كانت تحاول إقناع قادة الحركة الاشتراكية بأهمية تبني مطالب النساء، ومن جهة أخرى كانت تسعى إلى مواجهة الحركات النسوية المستقلة التي كانت تنشط خارج الإطار الاشتراكي.

وهذا التوتر بين النسوية المستقلة والحركة العمالية يعكس ما وصفته الفيلسوفة سيمون دي بوفوار بقولها الشهير: "لا تولد المرأة امرأة، بل تصبح كذلك". فهو تذكير بأن الهوية النسوية ليست مجرد معطى بيولوجي، بل بناء اجتماعي وسياسي يتشكل داخل علاقات القوة في المجتمع.

بعد مؤتمر كوبنهاغن بدأت فكرة يوم المرأة تنتشر في عدة بلدان. فقد نظمت اجتماعات نسوية اشتراكية في تواريخ مختلفة: 26 فبراير 1911 في الولايات المتحدة، 19 مارس في ألمانيا والنمسا، 1 مايو في السويد.

أما في روسيا القيصرية فقد احتُفل لأول مرة بيوم العاملات في 2 مارس 1913، ثم في 8 مارس 1914.

لكن الحدث الأهم وقع عام 1917 عندما خرجت النساء الروسيات إلى الشوارع احتجاجاً على الحرب والجوع. وقد وصفت المناضلة البلشفية ألكساندرا كولونتاي هذه اللحظة بقولها إن النساء "أشعلن شرارة الثورة". كانت تلك المظاهرات بداية ما سيعرف لاحقاً ب " ثورة فبراير" التي أطاحت بالنظام القيصري.

ومنذ عام 1921 أصبح 8 مارس التاريخ الرسمي للاحتفال بيوم المرأة في الاتحاد السوفيتي والحركة الشيوعية الدولية.

حتى منتصف القرن العشرين لم تكن الصحافة الشيوعية تربط يوم المرأة بأي حدث محدد في القرن التاسع عشر، بل كانت تشير إلى جذوره في الحركة الاشتراكية وفي التجربة السوفيتية.

لكن عام 1955 ظهرت في الصحف الشيوعية قصة جديدة: مظاهرة عاملات الملابس في نيويورك عام 1857. ومنذ ذلك الحين بدأت القصة تتكرر كل عام، حتى أصبحت جزءاً من الذاكرة الجماعية.

وقد اقترح الباحثون عدة تفسيرات لظهور هذه الرواية في ذلك الوقت. ففي سياق الحرب الباردة ربما كان من المفيد إعطاء المناسبة جذوراً أميركية «شعبية»، بدلاً من ربطها مباشرة بالتاريخ السوفيتي. كما أن هذا الأصل الرمزي القديم منح الاحتفال عمقاً تاريخياً أكبر.

وهنا يمكن استحضار قول الفيلسوف رونالد بارتيز: "الأسطورة لا تخفي الواقع، بل تحوله". فالقصة، حتى لو لم تكن دقيقة تاريخياً، أصبحت تؤدي وظيفة رمزية قوية.

ومهما يكن أصل هذه الرواية، فقد انتشرت بسرعة مذهلة. وربما لأن المجتمعات تحتاج دائماً إلى أساطير تأسيسية تمنح نضالاتها معنى تاريخياً.

فالأسطورة ليست مجرد كذبة تاريخية، بل أداة رمزية تمنح الأحداث معنى. كما قال الفيلسوف بول ريكور: "الذاكرة الجماعية لا تحفظ الماضي كما كان، بل كما يحتاج الحاضر أن يتذكره". بهذا المعنى أصبح 8 مارس أكثر من مجرد ذكرى تاريخية. لقد تحول إلى: مناسبة تعلن فيها الحكومات سياسات تتعلق بالنساء، فرصة إعلامية للحديث عن أوضاع النساء في العالم، رمز عالمي لنضال النساء من أجل الحرية والمساواة.

وقد اكتسب هذا اليوم بعداً دولياً أكبر عندما تبنته الأمم المتحدة رسمياً باعتباره اليوم العالمي للمرأة.

وبين الحقيقة التاريخية والذاكرة الرمزية يبقى السؤال الفلسفي قائماً: هل يجب دائماً تفكيك الأساطير عندما تؤدي وظيفة رمزية إيجابية؟

فالتاريخ يسعى إلى الحقيقة، بينما تحتاج المجتمعات أحياناً إلى رموز مشتركة تمنحها معنى وهوية. وربما لهذا السبب يستمر الثامن من مارس في أداء دوره الرمزي حتى بعد الكشف عن التناقضات في روايته الأصلية.

وكما قال المؤرخ إيريك هوبسباون: "كثير من التقاليد التي تبدو قديمة هي في الواقع تقاليد مخترعة".

ومع ذلك، فإن هذه التقاليد المخترعة قد تصبح مع مرور الزمن جزءاً من التاريخ نفسه.

وهكذا، سواء كانت قصة خيّاطات نيويورك حقيقة تاريخية أم أسطورة رمزية، فقد أصبح 8 مارس اليوم الذي تتجمع فيه نساء العالم للتذكير بأن طريق المساواة لم يكن يوماً سهلاً، وأن النضال من أجل الحرية والكرامة لا يزال مستمراً.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

إنَّ المجتمعات الغربيَّة، عند تحكيم العقل، هي أُمُّ الذكوريَّة وأبوها، في ذروة نزَقها، وسفهها، وتطوُّرها إلى قوالبها الحديثة. وكُلُّ ما زُيِّفت به صورة المرأة في المخيال الحديث إنَّما هو من ابتكارات الرَّجُل الغربيِّ وإبداعات نزوعاته الذكوريَّة الشيطانيَّة الجامحة، التي تُجلِّيها إنتاجاتُه الثقافيَّة والأدبيَّة والفنِّـيَّة، والتي أمعن في ترويجها بكُلِّ وسيلة، حتى بلغ ذلك إلى فلسفتها والتنظير لشرعنتها؛ فبات للعُرْي فلسفة، وللجسد فلسفة، وللإباحيَّة فلسفة، ولها مدارس وأكاديميَّات ذات شأن. هكذا زعم (ذو القُروح)، وهو ما يفتأ يحكُّ رأسه! فتساءلت:

- ولماذا كلُّ هذا؟

- لتسأل السيِّد الجامد الفريد في ميدان التحليل النفسي!

- من تعني؟

- (سيجموند فرويد)؛ فهو أدرَى بشعاب الإجابة عن هذا السؤال!

- أمَّا في الواقع المحلِّي، فلن أسأل ولا تسأل: أ نحن في عصر الفلسفة أم في عصر العِلْم؟!

- نعم، ذلك كوكب آخر! فلقد حُرِّمت الفلسفة بأنواعها دهورًا، ثمَّ لأسبابٍ ما أُجيزت بغتةً مؤخَّرًا، حتى أصبحت موجة العصر، وواجهة المتثقِّفين المحرومين منها والأدعياء فيها معًا. لكن ذلك جاء في الوقت الضائع، وبعد انقراض الفلسفة والتفلسف على يدَي العِلْم التجريبي. فحراكنا الثقافي يأتي تقليدًا غالبًا، وعلى طريقة: (الحَجِّ والناس راجعون)!

- لا عجب، فتلك فلسفتنا الخاصَّة في التبعيَّة الأبديَّة، وإنْ لظِلال الآخَرين، بعد أن ينصرفوا عن المكان والزمان!

- ولا شكَّ أنَّ أشدَّ الرِّجال ذكوريَّة وتعنُّـتًا في ذكوريَّته- غربًا وشرقًا- سيكون نصيرًا لذلك النمط من النسويَّة- المضادِّ للمرأة- وأكثر تهليلًا له من الحركة النسويَّة ذاتها! أعني النسويَّة التي ترى حُريَّة المرأة في تعرِّيها. والتعرِّي هنا ليس للجسد فحسب، بل أخطر منه تعرِّي القِيَم، وتعرِّي الفِكْر، والتعرِّي عن المبادئ الاجتماعيَّة والطبيعة السويَّة. وهذا النوع الأخير هو السائد الأكبر في المجتمعات الشرقيَّة المنغلقة؛ حيث المرأة والرجل قد يُنظِّران لواقع حُلُميٍّ آخَر، لا يعيشانه، ولا يستطيعانه، بحُكم العادات والتقاليد. ولا نعني أنه كان عليهما أن يعيشاه، بل عنينا أنَّ هناك تمزُّقًا في المفاهيم، واضطرابًا في فهم الذات والآخَر، وشطحًا في الوعي بالفارق بين الحُريَّة وتقليد حُريَّة ظاهريَّة زائفة مجتلَبة من مجتمع مختلف الشروط والثقافة والمنطلقات. بل قل من مجتمعٍ رأسمالي، يستثمر في كلِّ شيء، بما في ذلك الاستثمار على حساب حقوق المرأة باسم حقوقها. ومن ثمَّة تلحظ ركاكةً معرفيَّة في رفع شعارات ومناقضتها في صميم الممارسة.

- ولذا فإنَّ كثيرًا من الشُّعراء والكُتَّاب قد يَدْعُون إلى تحرير المرأة وهم أكثر الناس امتهانًا لكرامة المرأة في أعمالهم، وتصويرًا مُذلًّا لها في قصائدهم ورواياتهم؛ وكأنها أَمَة، همُّها في الحياة إمتاع سيِّدها، أو التمرُّد عليه لإمتاع سيِّدٍ آخَر!

- بل أضف إلى هذا أنَّ كثيرًا من الكاتبات والروائيَّات يجأرن بحقوق المرأة ليلًا ونهارًا، وهن، في الوقت نفسه، يرسمن عن شخصيَّات بنات جنسهنَّ أتفه الصُّوَر وأشدَّها ابتذالًا وأشذَّها طبيعةً في أعمالهن، مظهِرات ذلك في زِيِّ الحُريَّة الاجتماعيَّة المنشودة.

- ألا ينمُّ ذلك عن لَبْس مريع في الفهم، وقصورٍ مخجل في تمثُّل ما تعنيه الحُريَّة والكرامة؟

- بلى. والسبب أنَّ هؤلاء وأولئك قد نُشِّئوا في مجتمع ارتبطت صورة الحُريَّة النسائيَّة- لا بحُريَّة التعلُّم والفِكر والقرار- ولكن بحُريَّة التحرُّر من اللباس، والتنصُّل من القِيَم الاجتماعيَّة. وكانت طائفة المحافظين ضِدَّ هذا التوجُّه، بطبيعة الحال؛ فورثنا عُقدتنا الاجتماعيَّة المركَّبة، التي ينتج عنها أن تصبح أوَّل حركةٍ تتَّخذها المرأة في اتجاه ما تعتقده الحُريَّة ومنح المرأة حقوقها، أن (ترمي حجابها)، ثمَّ ثيابها، وتركب رأسها في مصادمة النظام الاجتماعي أو الدِّيني والثقافي العامِّ، الذي وُلدتْ فيه ونشأت من خلاله. تفعل ذلك، بقطع النظر عن اقتناعها بصوابيَّة ذلك النظام أو عدمه، فالأمر هاهنا محض مكابرة، وردَّة فعلٍ مضادَّة، تردفها هوسيَّةٌ تقليديَّةٌ بنموذج امرأةٍ شقراء، أُضْفِيَتْ عليه هالات الجمال والكمال والنور، من خلال الضخِّ الإعلامي، حتى كادت تكون نموذجًا مثاليًّا مقدَّسًا أعلى (Archetype)؛ إذ اقترنتْ الصورة النمطيَّة للحُريَّة بسحنتها، وهيئتها، ولون شَعرها، وعينيها، وطريقة لباسها، إنْ وُجِد.

- ولو كانت تلك المرأة دابَّةً تعمل في أحطِّ المِهَن؟

- ولو! لذا لا تستغرب ممَّن تسلك هذا المسلك أن تسمعها تُقِرُّ بأنَّ الحِجاب واجبٌ، وبما أنها هي مسلمة، لا غبار عليها، فإنها تحترم المحجَّبات، ولكن...

- ولكن ماذا؟

- «ولكن» فقط! سلوكها مجرَّد «مزاج»، لا ينبني لا على فِكر، ولا على سبب، ولا يأتي عن اقتناع بما تفعل أو بما تدع! وحينئذٍ يصبح مثل هذا السلوك سلوكًا ذا دوافع ذاتيَّة، كأيِّ جنوح آخَر، يتمخَّض عن ردَّات فعلٍ نفسيَّةٍ أو اجتماعيَّة.

- وعلى سالفة «النسويَّة»، لستُ أدري، «ولا أنت تدري يا ذا القُروح»!، كيف تتصوَّر سيِّدةٌ أنْ لا يكون الرَّجُل ذكوريًّا بامتياز، كي تُحاضره، وتُحاصره بموعظةٍ حسنة، عن مثالب الذكوريَّة ومناقب النسويَّة، وهي كـ(المتجرِّدة) وهو كـ(النابغة الذُّبياني)؟!

- أنَّى للمسكين أن يُصغي إلى المحاضرة في تلك الحال، أو أن يفهم الموعظة الحسنة، ويستوعب تعاليمها العميقة، أو يستطيع تطبيقها بحذافيرها، في جوِّ هذا الحضور العارم!

- إلَّا أن يكون قد بلغ من عدم «النبوغ» و«الذُّبيانيَّة» حدًّا لا رجعة عنه ولا يُحسَد عليه!

- وذلك نادر، والنادر لا حُكم له! لأنَّ أيَّ رجُل لا تستبدُّ به شياطين الفحولة الجاهليَّة، عندئذٍ، ولا تجوس فيه وحوش الذكورة، ليس طبيعيًّا!

- أم تُراها تريد أن يكون الرَّجُل كذلك بالفعل؟!

- كيف له أن يتربَّى إذن على احترام عقل المرأة، وهي لا تُغريه إلَّا بنقائضه؟! أو هي- على الأقل- تُبرز له منها ما يطغَى على ما سواه؟

- على الرَّجُل أن يعترف بأنه سيفشل في استجابته لخطاب التهذيب النِّسويِّ أمام هذا السلاح المزدوج والتحدِّي المتناقض!

- لا يعني هذا أن على المرأة أن تكون رَجُلًا أو مسترجلة، ليطابق قولها فعلها!

- كلَّا، لم نقل هذا! غير أنَّ عليها أن تعي أنها كثيرًا ما تصنع الذكورة والفحولة بنفسها، وتستجيب لرغباتهما ونداءاتهما وإغراءاتهما وتملُّقاتهما وما تزيِّنانه لها، وببلاهة بريئة، وفمٍ فاغرة، ثمَّ إذا هي بعد ذلك تشكو من عواقب ما فعلتْ يداها، وتندب حظَّها في مجتمعها، وهي التي صنعت الطاغية واستخرجت المارد من القُمْقُم، لا غيرها. فيداها أوكتا وفوها نفخ!

- بالعودة إلى ما مرَّ حول الكاتبات والروائيَّات اللائي يجأرن بحقوق المرأة ليلًا ونهارًا، ومع هذا يرسمن عن شخصيَّاتهن السرديَّة صورًا مبتذلة. لا تنس أنَّهنَّ يتذرَّعن بضرورة كشف المسكوت عنه في المجتمع. فلا تظلمهن، يا (ذا القُروح)!

- التذرُّع بكشف المسكوت عنه لا ينبغي أن يعشينا أيضًا عن أنَّ المسكوت عنه يظلُّ أمرًا طبيعيًّا في الحياة. ولا عن أنَّ (نقل الواقع) في روايةٍ لا يعني رواية، لدَى من يعي ما الأدب وما وظيفته! فليس الأدب، في أيِّ جنسٍ من أجانسه، نقلًا وإخبارًا وفضحًا. ليس من الأدب في شيءٍ أن ينقل الكاتب الواقع بسوءاته، ويمشي، قائلًا، بكُلِّ سذاجة: أنا أُصوِّر الواقع! وما أسهل ذٰلك! فلتحمل، إذن، «كَـمِرة فيديو» وتصوِّر، وتريح وتستريح! إنَّ آلةً تصويريَّةً بوسعها أن تكون أعظم روائيَّة على هذا الأساس. حينئذٍ لا يكون الكاتب إلَّا نقَّالًا أو نقَّالة، لا أديبًا ولا أديبة أصلًا. ولدينا بصفةٍ عامةَّ خلطٌ عجيبٌ في هذه الألقاب والمصطلحات: (أديب/ كاتب/ شاعر/ مفكِّر.. إلخ). ذلك أنَّ الأديب كاتب موهوب، كالشاعر، وإنْ لم يكن شاعرًا، وهو ذو لغةٍ فارقةٍ وأسلوبٍ مستقلٍّ لافت. وليس كلُّ مَن كتبَ أديبًا، ولا كلُّ من اشتغل بالأدب أديبًا. فـ(العقَّاد)- على سبيل المثال- يُعَدُّ، عند التدقيق في المصطلح، مفكِّرًا، لا أديبًا، وإنَّما الأديب بحقٍّ (طه حسين)، وأشباهه من الكتَّاب. هذا الذي حين تقرؤه يهزُّك أسلوبه، فيُصبح ما يكتب نصًّا أدبيًّا، بغَضِّ النظر عن طبيعة الموضوع. وعلى هذا فقِس. ومن هذا المنطلق فإنَّ دَور الكاتب- الذي قد يُحتجُّ على تسمية ما يكتب أدبًا لأنه يصوِّر الواقع- إنَّما يشبه دَور الكاتب الصحفيَّ أو الإعلاميَّ، الذي يبحث عن «خبطةٍ» صحفيَّةٍ أو إعلاميَّة، يخبط به المجتمع، وتُكسِّر الدُّنيا والدِّين، ولو عبر فضيحةٍ تدمِّر أُسرة، أو تروِّع مجتمعًا، أو تنشر الفساد. مع أنَّ للإعلام كذلك معاييره، وأخلاقه المهنيَّة، التي تُقَنِّن ما يقال وما لا ينبغي أن يقال. بَيْدَ أنَّ هذا هو فهم الإعلام أيضًا في بعض العالم المعاصر على كُلِّ حال! نعم، هناك من يحتمي بتلك الذريعة، فيُدافع قائلًا: إنَّ هذا هو الواقع، وأنا أنقله.. هذا واقعكم، فلماذا أواريه ولا أرويه؟! وهذا الاحتماء هو مواراة لسوأتين لدَى هذا الكاتب، ضعف القيمة الأدبيَّة لعمله، والجهل بماهيَّة ما يدَّعيه أدبًا. ذلك أنَّ من وظيفة الأدب نقد الواقع، لا نقل الواقع على عواهنه. وحينما نقول إنَّ وظيفة الرواية- مثلًا، وهي ميدان الجدل الأكبر اليوم- نقل الواقع، فإنَّنا ننزلق من وظيفة الأدب إلى وظيفة الإعلام الرخيص، ومن دَور الإنسان إلى دَور آلة التصوير، إنْ أمكن أن تعمل آلة التصوير دون استخدام الإنسان وتوجيهه.

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

على سبيل البدء: تحتل الحكاية الشعبية موقعا أساسيا في خضم السرود العربية، فهي تشكل بؤرتها وهي حاضرة في ثناياها بكل الأشكال الممكنة. فالحكاية الشعبية بالرغم من كونها صوت الشعوب والتعبير التلقائي الفطري عن همومها وأفراحها، فهي رافد من روافد كل الآداب التي يمكن للمبدعين على اختلاف مشاربهم الفكرية والفنية أن يقوموا بعملية إنشائها. يمكن الإشارة هنا على سبيل المثال وليس الحصر أن الحكاية الشعبية المغربية حاضرة بالقوة وبالفعل في ثنايا الروايات المغربية، مثل رواية "بدر زمانه" للكاتب مبارك ربيع ورواية "رائحة الجنة" للكاتب شعيب حليفي ورواية "بريد الدار البيضاء للكاتب نور الدين محقق، وغيرهم من الروائيين المغاربة المعروفين.

من هنا، ونظرا لانشغالاتنا الأكاديمية بدراسة المتن الحكائي المغربي ارتأينا أن نتوقف هنا عند حكاية شعبية مغربية معروفة هي حكاية "هاينة والغول".

بنية العنوان ودلالته

يأخذ العنوان وظيفة تعبيرية دالة بحيث أنه يقدم لنا صورة عن أهم شخصيات هذه الحكاية الشعبية، والتي تتمثل في شخصية "هاينة" أولا وشخصية "الغول" ثانيا. ومنذ البداية تمت عملية تبئير شخصية "هاينة" ولفت نظر القارئ النبيه إليها لأنها احتلت مركز الصدارة في العنوان. وهي شخصية نسائية، في عملية إيحاء دلالي عميق إلى مكانة المرأة وأهميتها في عوالم هذه الحكاية الشعبية وبالتالي داخل بنية المجتمع المغربي برمته. ثم بعد ذلك جاءت الإشارة إلى شخصية "الغول" باعتباره حيوانا عدوانيا مليئا بمختلف الشرور. ومن خلال بنية هذا التقابل الحكائي الشعبي بين كل من شخصية "هاينة" وشخصية "الغول" تتضح لنا معالم الصراع التي يمكن أن تحدث بين هاتين الشخصيتين التي ترمز كل واحدة منهما إلى عالم مختلف عن الآخر، فشخصية "هاينة" ترمز إلى عالم الخير بكل مستوياته، وشخصية "الغول" ترمز إلى عالم الشر بكل مستوياته هو أيضا. والصراع بين كل من شخصية "هاينة" وشخصية "الغول" هو ما يولد الصراع الدرامي في هذه الحكاية ويفتحه على مختلف الآفاق الممكنة.

2-  بنية الصراع الدرامي

يأخذ الصراع الدرامي أفقا متصاعدا في حكاية "هاينة والغول"، بحيث يتطور تبعا للآليات السردية المتحكمة فيه، وهي آليات سردية تجعل من الأحداث السردية ترتبط بالأسباب والعلل، فكل سبب حكائي في هذه الحكاية الشعبية يؤدي حتما إلى بروز سبب حكائي جديد، وهو أمر يجعل من عملية توالي الأسباب عوامل أساسية في انبثاق أحداث جديدة. على سبيل المثال نرى أن "هاينة" كانت تعيش مع أخيها بشكل طبيعي، لكن ظهور "الغول" في حياتها وفي حياة أخيها تولد عنه حبس كل واحد منها، وهو ما أدى إلى أكل الغول لأخيها، في حين ونظرا لتميزها برجاحة العقل وبالذكاء الألمعي استطاعت أن تقضي على الغول وأن تجعل منه عبرة لكل من اعتبر. وبينت من خلال هذه الانتصار قدرة المرأة المغربية على التغلب على كل الظروف التي قد تحيط وأن تخرج منها منتصرة أيما انتصار.

3- رمزية الحكاية

يتضح لنا من خلال هذه الحكاية الشعبية المغربية أن صورة المرأة فيها إيجابية جدا في مقابل بعض الحكايات الشعبية المغربية الأخرى المغايرة لها، فالمرأة المغربية في هذه الحكاية الشعبية تتسم بالصبر وبالذكاء وبالقدرة على حسن التصرف وفق الظروف المحيطة بها.

وهو ما جعلنا بالتحديد نقف عنده ونقوم بالكتابة عنها ونوضح من خلالها صورة المرأة المغربية التي تتجلى واضحة بقوة فيها

على سبيل الختام

يذهب الباحث الأكاديمي المغربي نور الدين محقق في كتابه "الرواية العربية والأفق الكوني" إلى كون السرد العربي يشكل في مجمله صورة حية للمجتمع العربي وللمتخيل الشعبي السائد فيه ، وانطلاقا من هنا يمكن اعتبار أن الحكاية الشعبية باعتبارها تنتمي إلى دائرة السرد ، تشكل هي الأخرى صورة قوية لما جرى ويجري داخل بينة المجتمع الذي تنتمي إليه ، وهو ما يجعل من حكاية "هاينة والغول" حكاية معبرة عن المحيط الذي تواجدت فيه، وبالتالي حكاية جديرة بالقراءة والدراسة واستمرارية الحضور.

***

د. منير محقق

البدايات: حين مهدن العاملات الطريق لنا اليوم

في الثامن من آذار، لا نستحضر ذكرى عابرة، إذ نستحضر تاريخاً من النار والنضال والمواجهة ضد الظروف التي أثقلت كاهل النساء العاملات. هذا اليوم خطته أيادي العاملات في المصانع، ورفعته أصوات المناضلات في الشوارع، حتى صار يوماً عالمياً لتجديد العهد مع العدالة والمساواة ونظام اشتراكي لا طبقي. وهو يوم لا يحيا بالخطب العاطفية وحدها، إذ يحيا بالعودة إلى السياقات التاريخية التي صنعته، وبالوعي بالدور المحوري الذي اضطلعت به الحركة الاشتراكية النسوية في توثيقه والدعوة إلى اعتماده مناسبةً أممية توحد أصوات النساء عبر الحدود.

لم يولد الثامن من آذار من فراغ. تعود جذوره إلى احتجاجات العاملات في قطاع النسيج في نيويورك عام 1857، حين خرجت آلاف النساء رفضاً لأجور زهيدة وساعات عمل امتدت إلى ست عشرة ساعة يومياً، في ظروف لم تكن تختلف كثيراً عن العبودية المقنعة. ورغم قمع الشرطة لذلك الحراك، فإنه أسس لبذور التنظيم النقابي النسوي، وغرس في وعي العاملات فكرة أن الصمت ليس خياراً، وأن الشارع ساحة مشروعة للمطالبة بالحقوق.

وبعد أكثر من نصف قرن، في الثامن من مارس 1908، عادت شوارع نيويورك لتمتلئ بخطى خمسة عشر ألف امرأة يرفعن شعار "خبز وورد"، الخبز رمزاً للأمان الاقتصادي وكرامة العيش، والورد إشارةً إلى حقهن في حياة إنسانية لائقة لا تختزل المرأة في آلة إنتاج. طالبن بتقليص ساعات العمل، ومنع عمالة الأطفال، ونيل حق التصويت الذي كان يعامَل وقتها باعتباره امتيازاً لا حقاً طبيعياً. وقد كان لذلك المشهد وقع استثنائي، إذ جمع في صورة واحدة بين المطلب الاقتصادي والمطلب السياسي، معلناً أن قضية المرأة لا تتجزأ.

في عام 1909، أعلن الحزب الاشتراكي الأمريكي أول يوم وطني للمرأة تكريماً لنضالات عاملات النسيج، لتتوسع الفكرة بعدها خارج حدود الولايات المتحدة وتجد صدىً في أوساط الحركات العمالية والاشتراكية في أوروبا. وفي عام 1910، وأثناء مؤتمر النساء الاشتراكيات في كوبنهاغن، طرح اقتراح تخصيص يوم عالمي للمرأة، وكان من أبرز المدافعات عنه المناضلة الاشتراكية الألمانية كلارا زيتكين (1857-1933)، التي كرست حياتها للربط بين قضية المرأة والتحرر الطبقي، وأسهمت إسهاماً محورياً في تأسيس هذا اليوم بوصفه تعبئةً نضالية لا احتفالاً شكلياً. وقد وافق المؤتمر بالإجماع على الاقتراح، في إشارة إلى أن الفكرة كانت تعبر عن حاجة حقيقية يشعر بها النساء المناضلات في كل مكان.

في العام التالي، خرجت مئات الآلاف من النساء في ألمانيا والنمسا وسويسرا والدنمارك لإحياء اليوم لأول مرة في تاريخه. لكن اللحظة التي كرست رمزيته الثورية جاءت عام 1917، حين أضربت العاملات الروسيات في بتروغراد مطالبات بـ"الخبز والسلام" في خضم حرب طاحنة كانت تستنزف أرواح الشعب وقوت العائلات. ذلك الإضراب، الذي اندلع في الثالث والعشرين من فبراير وفق التقويم الروسي الموافق الثامن من مارس وفق التقويم الغريغوري، كان الشرارة الأولى للثورة الروسية التي أطاحت بالقيصرية، فتحول اليوم من مناسبة مطلبية إلى حدث غير مجرى التاريخ بأسره، ومنح هذا اليوم بعداً ثورياً لم يفقده حتى اليوم.

ظل الثامن من آذار حاضراً في الدول الاشتراكية لعقود طويلة، محتفظاً بطابعه النضالي والطبقي، حتى اعتمدته الأمم المتحدة رسمياً يوماً عالمياً للمرأة عام 1977. وهكذا يجمع هذا اليوم بين صمود العاملات في أمريكا وشجاعة النساء في روسيا ووعي المناضلات الاشتراكيات في أوروبا، ليبقى وعداً متجدداً بأن الحقوق لا تمنح، إذ تنتزع بالنضال المنظم، وأن مسيرة المساواة ما تزال مستمرة، تحملها أجيال مدينة لمن سبقهن وعازمة على مواصلة الطريق حتى نهايته.

النسوية الاشتراكية: حين أصبح التحرر مسألة نضال يومي

شكلت النسوية الاشتراكية التي تبلورت في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين أحد الأسس النظرية الأكثر رسوخاً في تفسير اضطهاد المرأة وتحديد شروط تحررها. وقد ارتبطت بأسماء مناضلات ومفكرات بارزات من كلارا زيتكين وروزا لوكسمبورغ وألكسندرا كولونتاي إلى فلورا تريستان وكلارا ليمليخ وسيلفيا بانكهورست، ثم تطورت لاحقاً مع أجيال من المنظرات والمناضلات في القرن العشرين.

 لم تنظر هذه التيارات إلى اضطهاد النساء بوصفه ظاهرة مستقلة عن النظام الاجتماعي السائد، بل اعتبرته جزءا لا يتجزأ من آلية الاستغلال الرأسمالي ذاتها، يتغذى منها ويعيد إنتاجها في آن واحد. فالمرأة العاملة في هذا التصور تتعرض لاستغلال مزدوج لا يمكن فهم أحدهما دون الآخر: تستغل كعاملة بأجر أقل من الرجل في سوق العمل، وتستغل داخل الأسرة من خلال العمل المنزلي غير المدفوع الذي يضمن إعادة إنتاج قوة العمل دون أن يكلف رأس المال فلسا واحدا.

انطلاقاً من هذا الفهم العميق، انتقدت النسوية الاشتراكية ما كان يعرف بـ"النسوية البرجوازية"، أي تلك الحركة التي ركزت جهودها على الحقوق السياسية والقانونية كحق التصويت والوصول إلى التعليم والمشاركة في الحياة العامة. ورغم الإقرار بأهمية هذه المطالب وضرورة تحقيقها، رأت أنها لا تمس جوهر المشكلة بالنسبة لنساء الطبقة العاملة، لأن المساواة القانونية وحدها لا تنهي التبعية الاقتصادية ولا تكسر قيود الاستغلال المادي. فامرأة تمتلك حق التصويت وتعيش في فقر مدقع وتعتمد اقتصادياً على الرجل لأن سوق العمل لا يمنحها عملاً أو أجراً عادلاً، تظل غير متحررة فعلياً، مهما كانت حقوقها الرسمية على الورق.

لذلك أكدت هذه التيارات أن نضال النساء يجب ألا يكون منفصلاً عن النضال الطبقي العام، إذ هو في جوهره جزء من حركة أشمل تستهدف تغيير علاقات الإنتاج ذاتها. ولم تكن ترى صراعاً قائماً بين الرجال والنساء داخل الطبقة العاملة، إذ كانت تعتبر أن هذا التصور يصب في مصلحة المنظومة التي تريد تشتيت الطبقة العاملة وإشغالها بصراعات داخلية بعيداً عن مواجهة الطرف الذي يراكم الربح على حساب العمل. ومن هذا المنطلق ارتبط النشاط التنظيمي للحركة النسوية الاشتراكية بالحركة العمالية الأوسع، حيث عملت على تنظيم النساء العاملات داخل إطار سياسي ثوري يجمع لا يفرق.

كما طرحت هذه التيارات رؤية متكاملة لإعادة تنظيم المجتمع بحيث تتحرر المرأة اقتصادياً عبر دمجها الكامل في الإنتاج الاجتماعي، وتوفير خدمات عامة شاملة كالحضانات ودور الرعاية والمطاعم الجماعية، بما يخفف العبء الهائل للعمل المنزلي الملقى على كاهل المرأة ويكسر تبعيتها البنيوية داخل الأسرة التقليدية. لم يكن تحرر المرأة في هذا التصور مسألة أخلاقية أو ثقافية أو خطابية فحسب، إذ كانت تراه مسألة بنية تحتية اقتصادية تتطلب تغييراً جذرياً في علاقات الإنتاج والملكية والسلطة.

بهذا المعنى الجذري، رأت النسوية الاشتراكية أن الاشتراكية ليست خياراً سياسياً إضافياً يمكن إلحاقه بقضية المرأة من الخارج، إذ هي الشرط الأساسي لتحقيق تحررها الحقيقي والمستدام. ومن خلال هذا الربط العميق والمتماسك بين النسوية والصراع الطبقي، أسهمت هذه التيارات في صياغة تصور نظري رصين ما يزال حاضراً بقوة في النقاشات المعاصرة حول العلاقة الجدلية بين قضية المرأة والصراع على البنية الاقتصادية للمجتمع.

السياق الصناعي: الرأسمالية وولادة الوعي النسوي العمالي

في أواخر القرن التاسع عشر، شهدت أوروبا توسعاً صناعياً هائلاً غير ملامح القارة وأعاد رسم خريطة علاقاتها الاجتماعية. المصانع تكاثرت، والمدن تضخمت بالموجات البشرية القادمة من الريف، غير أن الثروة الهائلة التي تراكمت لم تكن من نصيب من صنعوها بأيديهم وسواعدهم. النساء، إلى جانب الرجال والأطفال، عملن لساعات طويلة مرهقة في ظروف قاسية تفتقر إلى أبسط شروط الصحة والأمان، مقابل أجور أدنى بكثير ودون حماية قانونية حقيقية تقيهن من الطرد التعسفي أو الإصابة في العمل.

في هذا السياق المحدد، لم يكن اضطهاد المرأة مسألة ثقافية مجردة تتعلق بالعادات والتقاليد وحدها، إذ كان جزءاً لا يفصل من بنية اقتصادية رأسمالية تستفيد استفادة مباشرة من عملها الرخيص ومن هشاشة موقعها الاجتماعي وافتقارها إلى أوراق ضغط قانونية أو تنظيمية.

ضمن هذا المناخ المشحون، برزت الحركة الاشتراكية تعبيراً سياسياً عن مصالح الطبقة العاملة ومطامحها في عالم أكثر عدلاً. وانخرطت النساء المناضلات في صفوفها منطلقاتٍ من قناعة فكرية راسخة تشكلت عبر سنوات من الملاحظة والدراسة والنضال المباشر: اضطهاد المرأة هو نتيجة مباشرة ومقصودة لنظام يقوم في جوهره على استغلال العمل وتعظيم الربح على حساب حياة البشر وحقوقهم.

فرقت النسوية الاشتراكية بوضوح تام بين قضية المرأة العاملة وقضية المرأة البرجوازية، مؤكدةً أن الجمع بينهما تحت مسمى واحد يطمس التناقضات الحقيقية ويخدم مصالح الطبقة المهيمنة. فبينما ركزت التيارات الليبرالية على انتزاع حق الاقتراع ضمن حدود النظام القائم دون المساس ببنيته الاقتصادية، رأت هي أن هذا الطرح يعالج الأعراض الظاهرة دون أن يقترب من الجذور العميقة. كان السؤال الذي لا يهادن: أي تحرر هذا الذي يمنح سيدة ميسورة حق التصويت، فيما تبقى العاملة غارقة في وحل الفقر والاستغلال اليومي؟ وأي مساواة تلك التي تبنى على أساس متصدع من الظلم الاقتصادي؟

من خلال الكتابات والمنابر النضالية التي أسستها الحركة الاشتراكية النسوية، حللت العلاقة العضوية بين الرأسمالية واضطهاد النساء بعمق نادر. وهكذا لم يكن الاقتصاد الرأسمالي يستغل المرأة رغم وعيه بازدواجية موقعها، إذ كان يستغلها بسببها تحديداً، مستفيداً من كل خطوة تخطوها بين المصنع والمنزل.

لم تكن هذه التيارات في كل هذا تدعو إلى صراع بين النساء والرجال يفرق ما ينبغي أن يتوحد، إذ كانت تدعو في جوهرها إلى صراع واضح المعالم بين أصحاب رأس المال والطبقة العاملة، ربطت من خلاله تحرر المرأة بتحول جذري شامل يغير شروط الإنتاج ذاتها ويسقط المنظومة التي تجعل استغلال النساء جزءاً بنيوياً من الاقتصاد الرأسمالي.

الجنوب العالمي: حين لا تزال المصانع تحتفظ باسمها

إذا كان النضال الذي أطلقته عاملات نيويورك عام 1857 قد انطلق من مصانع النسيج، فإن مصانع النسيج ذاتها لا تزال قائمة اليوم، غير أنها انتقلت إلى حيث تكون اليد العاملة أرخص والقوانين أهش والرقابة أضعف. انتقلت إلى بنغلاديش وكمبوديا وإثيوبيا والمغرب وغيرها من دول الجنوب العالمي التي تحولت إلى ورش خلفية رخيصة للرأسمالية العالمية، تنتج ما يرتديه الشمال ويستهلكه، فيما تبقى العاملات فيها خارج أي حماية حقيقية.

في بنغلاديش وحدها، تعمل أكثر من أربعة ملايين امرأة في قطاع الملابس الجاهزة، ينتجن ما يصدَر إلى أسواق أوروبا وأمريكا بأجور لا تتجاوز في أحسن أحوالها 95 دولاراً شهرياً. وحين انهار مبنى رانا بلازا عام 2013 وقتل أكثر من 1100 عاملة وعامل تحت أنقاضه، كشف ذلك الانهيار عن حقيقة واحدة فاضحة: أن الخيط الرابط بين فستان يباع في باريس بمئتي يورو وامرأة تموت تحت الركام في دكا هو خيط رأسمالي ممتد لا تقطعه حدود. وقد وثقت تقارير منظمة العمل الدولية وعدد من المنظمات الحقوقية هذه الكارثة بوصفها إحدى أسوأ الكوارث الصناعية في تاريخ صناعة الملابس.

لكن الجنوب العالمي لا يعني المصنع وحده. ففي دول الخليج العربي، تعيش مئات الآلاف من العاملات المنزليات القادمات من الفلبين وإندونيسيا وإثيوبيا وسريلانكا في ظل نظام الكفالة، وهو نظام يربط الوضع القانوني للعاملة بصاحب العمل ربطاً يحول أي شكوى من استغلال أو عنف إلى مخاطرة بالترحيل لا إلى مسار للإنصاف. هؤلاء النساء لسن غائبات عن النقاشات الدولية فحسب، إذ هن غائبات عن القوانين ذاتها التي يفترض أن تحميهن، لأن العمل المنزلي في كثير من هذه الدول مستثنى من قانون العمل أصلاً.

وفي أمريكا اللاتينية وأفريقيا جنوب الصحراء، تتحمل النساء عبئاً مضاعفاً في ظل سياسات التقشف التي فرضها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على مدى عقود. فعندما تقلَص الخدمات العامة في مجالات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، لا تختفي هذه الخدمات فعلياً، بل تنتقل أعباؤها إلى المجال المنزلي، حيث تتحمل النساء تعويض ما أسقطته السياسات النيوليبرالية من موازنات الدولة عبر مزيد من العمل غير المدفوع والوقت المستنزف. وبهذا المعنى، لا يكون التقشف سياسة اقتصادية محايدة، بل سياسة ذات آثار اجتماعية وجندرية واضحة تدفع النساء ثمنها أولاً وبدرجة أكبر.

وهنا يكتسب الإرث النظري للنسوية الاشتراكية بعداً جديداً يتجاوز حدود أوروبا التي نشأت فيها. فحين ربطت تلك التيارات تحرر المرأة بتحرر الطبقة العاملة من الاستغلال الرأسمالي، كانت تضع الأساس النظري الذي يفسر ما يجري اليوم في مصانع الجنوب ومنازل الخليج وأحياء الفقر في كيب تاون وليما وكراتشي. لأن المسألة في جوهرها واحدة: منظومة تحتاج إلى عمل رخيص وأجساد هشة وقوانين مثقوبة، وهي تجد كل ذلك في امرأة فقيرة في الجنوب العالمي أكثر مما تجده في أي مكان آخر.

ولا يكتمل الحديث عن واقع النساء في العالم من دون التوقف أيضاً عند أولئك اللواتي يدفَعن إلى بيع أجسادهن من أجل لقمة العيش، في اقتصادات غير عادلة تجعل البقاء نفسه مرهوناً بالجسد والعمل الهش. فكما يحدث في أماكن عدة من العالم، من بلدان سياحية فقيرة إلى مدن كبرى تعيش على اقتصاد الظل، تصبح أجساد النساء آخر مورد متاح في مواجهة الفقر والتهميش.

لذلك لا يكون الثامن من آذار يوماً عالمياً حقيقياً ما لم تكن عاملة المصنع في دكا، وعاملة المنزل في الرياض، وبائعة السوق في أديس أبابا، والمرأة التي تقاتل يومياً من أجل البقاء في اقتصاد غير رسمي أو قاسٍ، حاضرات في مركزه لا في هامشه؛ لا بوصفهن ضحايا يستشهد بهن لإثارة العواطف، بل بوصفهن فاعلات في نضال لم يتوقف ولن يتوقف حتى تتغير الشروط البنيوية التي تجعل استغلالهن ممكناً ومربحاً ومستمراً.

الأزمات تكشف الحقيقة: هشاشة المكاسب في ظل الرأسمالية

هذه الهشاشة البنيوية التي تعيشها نساء الجنوب لا تقتصر عليهن وحدهن، إذ تكشف الأزمات الاقتصادية أن النساء في الشمال أيضاً لم ينلن سوى مكاسب معلقة لا جذور راسخة لها في بنية النظام ذاته. فالتجارب في بلدان توصف بأنها متقدمة في مجال المساواة بين الجنسين تظهر بجلاء أن هذه المكاسب، رغم أهميتها الكبيرة، تبقى هشة وقابلة للتآكل في ظل نظام رأسمالي لم يتغير في بنيته الأساسية. فعند كل أزمة اقتصادية، تعود الدعوات التي تدفع المرأة إلى الانسحاب من سوق العمل تحت ذرائع تبدو اجتماعية في ظاهرها وهي اقتصادية في جوهرها، كتقليل البطالة أو تخفيف الإنفاق العام أو العودة إلى "الدور الطبيعي" للمرأة في البيت والأسرة.

حتى في الدول الاسكندنافية والأوروبية التي يضرب بها المثل في المساواة، لا تزال مشاركة النساء في المناصب القيادية العليا محدودة نسبياً، إذ لا تتجاوز في كثير من القطاعات 25 إلى 35 في المئة من مواقع الإدارة العليا، وتنخفض إلى نحو 10 إلى 15 في المئة في المناصب التنفيذية العليا، مع استمرار فجوة في الأجور تتراوح في المتوسط بين 10 و13 في المئة. كما تستقبل بيوت الإيواء سنوياً مئات النساء الهاربات من العنف الأسري، وهو ما يدل دلالة واضحة على أن المساواة القانونية المنقوشة في الدساتير والتشريعات لا تعني بالضرورة نهاية الاضطهاد الفعلي المعاش يومياً. وليست هذه الهشاشة حكراً على الجنوب وحده، إذ إن المنظومة الاقتصادية ذاتها التي تضغط على أجور العاملات في مصانع دكا هي التي تدفع نحو سياسات تقشف وخصخصة تمس حياة العاملات في المستشفيات والمدارس ودور الرعاية في أوروبا، فتجعل هشاشة المكاسب ظاهرة مشتركة تتخذ أشكالاً مختلفة بين الشمال والجنوب لكنها تنبع من جذر واحد.

هذه الوقائع الموجعة تؤكد أن الحقوق التي تنتزع بالنضال والتضحية يمكن أن تتعرض للتراجع والتآكل التدريجي ما لم يتم تغيير البنية الاقتصادية العميقة التي تقوم عليها علاقات الاستغلال والتمييز. فالحق الذي يمنح ضمن نظام لا يؤمن بالمساواة حقاً يظل حقاً معلقاً، قابلاً للسحب حين تقتضي مصالح النظام ذلك.

حين لا يعني الصعود النسائي انتصاراً نسوياً

إن وجود امرأة في مركز القيادة لا يعني بالضرورة انتصاراً لقضايا النساء، وهذه ليست مفارقة نظرية مجردة، إذ يقدم لنا التاريخ أمثلة ملموسة وصارخة على ذلك. أبرز هذه الأمثلة تجربة مارغريت تاتشر (1925-2013)، أول امرأة تتولى رئاسة الوزراء في المملكة المتحدة، والتي حكمت البلاد بين عامي 1979 و1990. وقد شكل وصولها إلى أعلى هرم السلطة حدثاً رمزياً ذا دلالة تاريخية في مجتمع كان المجال السياسي فيه طويلاً حكراً على الرجال. غير أن هذا الوصول لم يترجم إلى سياسات تعزز المساواة الاجتماعية أو تحمي الطبقة العاملة من وطأة الاستغلال.

على العكس تماماً، ارتبط عهدها ارتباطاً وثيقاً بسياسات خصخصة واسعة وتقشف اقتصادي ممنهج أضعفا النقابات العمالية وضربا قطاعات العمال في الصميم وعمقا الفوارق الاجتماعية بشكل ملحوظ، وهي سياسات دفعت ثمنها النساء، وبخاصة العاملات والفقيرات منهن، بصورة مضاعفة ومؤلمة.

لا يكفي أن تتقدم النساء إلى مواقع السلطة إذا بقيت شروط العمل جائرة وظالمة، ولا يكفي أن يتردد خطاب "التمكين" و"كسر السقف الزجاجي" فيما يظل العمل المنزلي والرعائي غير معترف به اجتماعياً وغير محسوب في ميزان الاقتصاد الرسمي. هذه التجربة تذكرنا بأن تحرر النساء لا يقاس بجنس من يجلس على كرسي الحكم، إذ يقاس بطبيعة السياسات التي تطبَق ومدى انحيازها الفعلي لمصالح الأكثرية المسحوقة. فليس كل صعود نسائي إلى السلطة فعلاً نسوياً بالمعنى التحرري للكلمة، وليس كل تمثيل شكلي في المناصب الرفيعة انتصاراً حقيقياً للحركة النسوية التي نذرت نفسها للدفاع عن العاملات والمهمشات.

إن وجود النساء في مواقع القيادة وصنع القرار خطوة مهمة وضرورية في مسار تحقيق المساواة، إذ يفتح المجال أمام كسر الاحتكار التاريخي للسلطة ويمنح النساء حضوراً سياسياً ومؤسساتياً طال انتظاره. غير أن المعيار الحقيقي والجوهري لأي تقدم اجتماعي لا يقتصر على عدد المقاعد التي تشغلها النساء في مجالس الإدارة أو قاعات البرلمانات، وإنما يتمثل في مقدار التحسن الفعلي الملموس في حياة النساء الأكثر تهميشاً وبعداً عن دوائر النفوذ: العاملات بأجور زهيدة، والفقيرات المحاصرات في شباك الفقر المتوارث، واللاجئات الهاربات من الحروب والاضطهاد، وضحايا السياسات التقشفية اللواتي يدفعن ثمن أزمات لم يصنعنها. ومن هذا المنظور الجذري، يبقى الثامن من آذار يوم مساءلة عميقة للنظام القائم وسياساته وبنيته، لا مناسبة لمجاملته أو التكيف مع اشتراطاته.

الثامن من آذار: كيف نناضل لا كيف نحتفل

في ختام هذا المسار التاريخي الممتد من نيويورك إلى بتروغراد، ومن كوبنهاغن إلى كل مدينة في العالم شهدت خروج النساء مطالبات بحقوقهن، لا يكون استحضار الثامن من آذار عودة عاطفية إلى الماضي، إذ يكون استعادةً واعية لمعناه الأصلي الذي تحاول قوى كثيرة تجميله وتفريغه من محتواه الطبقي والنضالي. فاستعادة هذا اليوم لا تعني التنكر للنضالات الإصلاحية التي حققت مكاسب لا يمكن الاستهانة بها، إذ تعني قبل أي شيء إعادة وصل هذه المكاسب بجذورها الاجتماعية والطبقية لحمايتها من الردة والتراجع.

ورغم كل ما انتزع من حقوق بالنضال والدم والتضحية عبر عقود طويلة، فإن ما تحقق لم يسقط البنى العميقة التي تعيد إنتاج التمييز يومياً في كل مصنع ومكتب ومنزل، ولم ينه استغلال النساء في سوق عمل يقوم في أساسه على الفجوة الممنهجة في الأجور، والعمل غير المدفوع الذي لا يذكر في الحسابات الرسمية، والهشاشة الاقتصادية المتوارثة جيلاً بعد جيل. إن النظام الذي قاومته العاملات في مصانع النسيج ما يزال حياً يرزق، يتبدل في أشكاله وآلياته وخطابه، غير أنه يحتفظ بجوهره الثابت القائم على الهيمنة والاستغلال الممنهج.

إن الإرث الذي تركته الحركة النسوية الاشتراكية لم يكن دعوةً لاحتفال سنوي تعلق فيه اللافتات وتوزع الورود وتعقد الندوات ثم يعود الجميع إلى حياتهم كما كانت، إذ كان دعوةً صريحة وملحة لتنظيم ونضال عابر للحدود والثقافات واللغات، يربط بين المساواة ويفضح النظام الرأسمالي الطبقي في تناقضاته الجوهرية، وبين تحرر النساء وتحرر المجتمع بأسره من منطق الاستغلال.

لكن يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف؟ كيف نناضل؟ ما هو شكل التنظيم المطلوب اليوم؟ هل هو حزب اشتراكي سياسي تقليدي، أم شبكات اجتماعية لامركزية، أم منظمات نسوية عابرة للحدود؟ وكيف يمكن ربط عاملة في مصنع نسيج في بنغلاديش بمستهلكة في أوروبا بطريقة تخلق وعياً مشتركاً حول سلاسل الاستغلال العالمية بدلاً من إخفائها؟ وكيف يمكن مواجهة سياسات التقشف التي تفرضها المؤسسات المالية الدولية والتي تقع آثارها الأشد على النساء العاملات والفقيرات؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا يمكن أن تختزل في وصفة تنظيمية واحدة صالحة لكل زمان ومكان، إذ تختلف الشروط السياسية والاجتماعية من سياق إلى آخر. ومع ذلك، تشير التجارب المعاصرة إلى عدد من الاتجاهات الواضحة، من بينها تعزيز التنظيم النسوي المستقل، وبناء شبكات تضامن نسوي وعمالي عابرة للحدود. كما يبرز دور بعض الأحزاب اليسارية والقوى التقدمية التي تبنت دعم قضايا المساواة بين الجنسين وساندت مطالب الحركة النسوية، سواء عبر العمل البرلماني أو من خلال التحالف مع الحركات الاجتماعية.

وفي هذا السياق، يصبح من المهم ربط النضال النسوي بالنضال الاجتماعي الأوسع ضد سياسات التقشف والخصخصة، وتطوير أشكال جديدة من التنظيم تجمع بين العمل السياسي والحراك الاجتماعي والضغط النقابي. فالعولمة الرأسمالية التي ربطت اقتصادات العالم ببعضها لم تنتج فقط تحديات مشتركة، بل خلقت أيضاً شروطاً جديدة لتضامن عابر للقارات، يمكن أن يحول نضالات النساء من معارك محلية معزولة إلى حركة اجتماعية عالمية أكثر وعياً بذاتها وبأهدافها.

لذلك، في الثامن من آذار وفي كل يوم يأتي بعده، لا يكون السؤال المحوري: كيف نحتفل بهذه المناسبة؟ إذ يكون: كيف نناضل ونتنظم ونبني؟ لأن الحقوق التي انتزعت بالأمس تحتاج إلى وعي متجدد وتنظيم متراكم لحمايتها اليوم، وإلى إرادة نسوية يسارية ثورية لا تكل لتوسيعها يوماً بعد يوم، حتى تتحقق المساواة الكاملة التي لا تقبل النصف ولا ترضى بالفتات.

***

بيان صالح

مقاربة تحليلية في الصوتيات النسوية وتفعيل حضور المرأة المعرفي

المقدمة: يشهد العالم المعاصر تحولات عميقة في أنماط إنتاج المعرفة والتعبير الثقافي نتيجة التطورات المتسارعة في التكنولوجيا الرقمية، حيث أصبح الفضاء الرقمي مجالًا مفتوحًا لتعدد الأصوات وتداخل الخطابات. وفي هذا السياق برز الصوت النسوي بوصفه أحد أهم التحولات في البنية الثقافية المعاصرة، إذ انتقلت المرأة من موقع التلقي والهامش إلى موقع الفاعلية والإنتاج داخل الخطاب الثقافي.

ولم يعد حضور المرأة في المجال الثقافي يقتصر على الكتابة التقليدية، بل امتد ليشمل فضاءات رقمية متعددة أتاحت لها إمكانات جديدة للتعبير والتفاعل وإعادة صياغة التجربة الذاتية. وهنا تبرز أهمية ما يُعرف في النقد المعاصر بـ الصوتيات النسوية؛ وهي مقاربة نقدية تهتم بدراسة تمثلات الصوت الأنثوي في النصوص الأدبية وكيفية تشكّله عبر اللغة والإيقاع والسرد، باعتباره تعبيرًا عن الذات الأنثوية وسعيها إلى استعادة موقعها داخل الثقافة.

ويكتسب هذا الموضوع بعدًا رمزيًا خاصًا في سياق الاحتفاء بـ اليوم العالمي للمرأة، إذ يمثل هذا اليوم مناسبة لإعادة التفكير في دور المرأة بوصفها فاعلًا معرفيًا وثقافيًا، وليس مجرد موضوع للاحتفاء الرمزي. ومن هنا تأتي هذه الدراسة التي تسعى إلى تحليل تحولات الصوت النسوي في زمن الإبداع الرقمي، مع دمج نماذج من الأدب النسوي العربي التي تكشف عن تشكل هذا الصوت وتطوره داخل النصوص الأدبية.

أولا: مفهوم الصوت النسوي في النقد المعاصر

ظهر مفهوم الصوت النسوي في سياق تطور الدراسات النسوية التي سعت إلى تفكيك البنية الذكورية المهيمنة على الخطاب الثقافي. وقد دعت الفيلسوفة هيلين سيكسو إلى ما سمّته "الكتابة الأنثوية"، وهي كتابة تستعيد حضور المرأة داخل اللغة وتعيد تشكيل علاقتها بجسدها وتجربتها.

وتقول سيكسو في إحدى أطروحاتها النقدية:

"على المرأة أن تكتب ذاتها، لأن الكتابة هي المجال الذي يمكن أن تستعيد فيه صوتها المسلوب."

وفي السياق ذاته تشير الناقدة إلين شووالتر إلى أن الأدب النسوي يمثل مرحلة من الوعي الثقافي تسعى فيها المرأة إلى بناء خطابها الخاص بعيدًا عن القوالب التي فرضها النظام الثقافي الذكوري.

ويظهر هذا الوعي بوضوح في أعمال الكاتبة المصرية نوال السعداوي، خصوصًا في روايتها الشهيرة امرأة عند نقطة الصفر، حيث يتحول الصوت السردي إلى أداة احتجاج ضد البنية الاجتماعية التي تسلب المرأة حريتها. فالشخصية الرئيسية في الرواية لا تكتفي بسرد تجربتها، بل تعيد تشكيل اللغة نفسها بوصفها وسيلة للمقاومة وكشف العنف الرمزي الذي تتعرض له المرأة.

وهنا يظهر البعد الصوتي للنص، إذ يتجلى الصوت النسوي بوصفه خطابًا يعيد تعريف العلاقة بين الذات الأنثوية والمجتمع.

ثانيًا: الإبداع الرقمي وإعادة تشكيل الصوت النسوي

مع ظهور المنصات الرقمية، حدث تحول جذري في آليات إنتاج الخطاب الثقافي، حيث لم تعد الكتابة الأدبية محصورة في النشر الورقي، بل أصبحت جزءًا من شبكة واسعة من التفاعلات الرقمية. وقد أشار الباحث الإعلامي هنري جينكينز إلى أن الثقافة الرقمية تقوم على مفهوم المشاركة التفاعلية، حيث يصبح الجمهور شريكًا في إنتاج المعنى.

وقد استفادت الكاتبات العربيات من هذا التحول، إذ أصبح بإمكانهن نشر النصوص الأدبية والتأملات الفكرية عبر المدونات والمنصات الرقمية، ما أدى إلى تشكّل فضاء جديد للصوت النسوي.

ويتجلى هذا التحول في تجربة الكاتبة اللبنانية هدى بركات، التي تعتمد في أعمالها السردية على بنية صوتية مركبة تعكس تعدد الهويات والتجارب الإنسانية. ففي روايتها بريد الليل تتشكل الأصوات السردية عبر رسائل مجهولة الهوية، ما يخلق فضاءً سرديًا تتداخل فيه التجارب الفردية، ويظهر الصوت النسوي فيه بوصفه صوتًا يبحث عن الاعتراف والوجود.

إن هذا الشكل السردي يقترب من طبيعة التواصل الرقمي، حيث تتحول الرسائل والاعترافات إلى وسيلة لإعادة بناء الذات داخل فضاء مفتوح.

ثالثًا: الصوتيات النسوية بوصفها مقاربة تحليلية

تشير الصوتيات النسوية إلى دراسة البنية الصوتية للخطاب الأدبي الذي تنتجه المرأة، من حيث الإيقاع والنبرة واللغة الرمزية. وقد أسهم الفيلسوف ميخائيل باختين في تطوير مفهوم تعدد الأصوات في النص الأدبي، حيث يرى أن النص لا يعبر عن صوت واحد بل عن شبكة من الأصوات المتفاعلة.

ويمكن توظيف هذا المفهوم في تحليل الأدب النسوي العربي، حيث يظهر الصوت الأنثوي بوصفه جزءًا من حوار مع المجتمع والتاريخ والذاكرة.

وتبرز هذه الخاصية بوضوح في أعمال الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي، خاصة في روايتها ذاكرة الجسد، حيث يتداخل الصوت الأنثوي مع صوت الذاكرة الوطنية والتجربة العاطفية. فاللغة في هذه الرواية ليست مجرد وسيلة للسرد، بل فضاء صوتي تتقاطع فيه مشاعر الحنين والاحتجاج والبحث عن الهوية.

ويظهر ذلك في الأسلوب الشعري الذي يميز كتابتها، حيث تتحول الجملة السردية إلى إيقاع لغوي يعبّر عن حساسية أنثوية خاصة، ما يمنح النص بعدًا صوتيًا يتجاوز حدود السرد التقليدي.

رابعًا: تمثلات الصوت النسوي في السرد العربي المعاصر

في الأدب العربي المعاصر، لم يعد الصوت النسوي مجرد انعكاس للتجربة الفردية، بل أصبح خطابًا نقديًا يعيد قراءة المجتمع والتاريخ.

ويتجلى ذلك في أعمال الكاتبة الفلسطينية سحر خليفة، التي تقدم في روايتها باب الساحة نموذجًا للصوت النسوي المرتبط بالواقع الاجتماعي والسياسي. ففي هذا العمل تتداخل أصوات النساء مع التحولات التاريخية للمجتمع الفلسطيني، ما يجعل السرد مساحة لتوثيق التجربة الجماعية للمرأة.

إن هذا التداخل بين الخاص والعام يعكس قدرة الأدب النسوي على تحويل التجربة الشخصية إلى خطاب ثقافي أوسع، وهو ما يعزز حضور المرأة بوصفها فاعلًا في تشكيل الوعي الاجتماعي.

خامسًا: الصوت النسوي كأداة لتمكين المرأة معرفيًا

لا يقتصر الصوت النسوي على التعبير الجمالي، بل يتجاوز ذلك ليصبح أداة لإعادة بناء الوعي الاجتماعي بدور المرأة. وقد أكدت الفيلسوفة سيمون دي بوفوار في كتابها الجنس الآخر أن المرأة لا تولد مهمشة، بل تُدفع إلى الهامش بفعل البنى الثقافية والاجتماعية.

وفي ضوء التحولات الرقمية، أصبح بإمكان المرأة أن تستعيد موقعها داخل المجال المعرفي من خلال إنتاج النصوص والمشاركة في النقاشات الفكرية عبر الفضاء الإلكتروني.

وقد أسهم هذا التحول في تعزيز حضور الكاتبات العربيات داخل المشهد الثقافي العالمي، حيث أصبحت كتاباتهن تُقرأ وتُناقش في سياقات متعددة، ما يعكس تحول الصوت النسوي إلى قوة معرفية وثقافية مؤثرة.

سادسًا: اليوم العالمي للمرأة كفضاء رمزي للصوت النسوي

يمثل اليوم العالمي للمرأة لحظة رمزية لاستحضار التحولات التي شهدها حضور المرأة في الثقافة والمجتمع. غير أن أهمية هذه المناسبة لا تكمن فقط في بعدها الاحتفالي، بل في قدرتها على إثارة النقاش حول موقع المرأة في إنتاج المعرفة والإبداع.

وفي هذا السياق يصبح الإبداع الرقمي وسيلة فعالة لتعزيز حضور المرأة، لأنه يتيح لها التعبير عن رؤيتها للعالم خارج القيود التقليدية التي فرضتها المؤسسات الثقافية.

وهكذا يتحول الصوت النسوي إلى مشروع ثقافي يسعى إلى إعادة تشكيل العلاقة بين المرأة والمعرفة، وبين الإبداع والهوية.

الخاتمة

تكشف دراسة تحولات الصوت النسوي في زمن الإبداع الرقمي عن مرحلة جديدة في تاريخ الثقافة العربية، حيث أصبحت المرأة فاعلًا أساسيًا في إنتاج الخطاب الأدبي والمعرفي. ولم يعد الصوت النسوي مجرد تعبير عن تجربة فردية، بل أصبح مشروعًا ثقافيًا يسعى إلى إعادة توزيع السلطة داخل الحقل الرمزي للثقافة.

كما تظهر النماذج الأدبية النسوية العربية — من كتابات نوال السعداوي إلى أعمال أحلام مستغانمي وسحر خليفة — أن الصوت الأنثوي قادر على إعادة تشكيل اللغة والسرد والذاكرة الثقافية.

ومن هنا فإن دراسة الصوتيات النسوية تمثل مدخلًا نقديًا مهمًا لفهم التحولات التي يشهدها الخطاب الثقافي في العصر الرقمي، حيث يتقاطع الإبداع مع الهوية، ويتحول الصوت النسوي إلى قوة فاعلة في بناء مستقبل أكثر عدالة وتعددية.

***

بقلمي: ربى رباعي - الاردن

..............................

المراجع

سيمون دي بوفوار، الجنس الآخر.

هيلين سيكسو، "ضحكة الميدوزا".

إلين شووالتر، نقد الأدب النسوي.

ميخائيل باختين، جمالية الرواية.

هنري جينكينز، ثقافة التقارب الإعلامي.

نوال السعداوي، امرأة عند نقطة الصفر.

أحلام مستغانمي، ذاكرة الجسد.

هدى بركات، بريد الليل.

سحر خليفة، باب الساحة.

 

على الاستعمار والاستحمار والاستبداد.. مقاربة حضارية ما بعد كولونيالية

"مشكلتنا... لا تكمن في عدم تطبيقنا الإسلام، بل في أننا لم نفهمهُ بعد"

مقدمة: في سياق الدراسات الحضارية ما بعد الكولونيالية، يبرز علي شريعتي 1933-1977 كمفكر رسالي نابغة، يجسد في فكره ومنهجه نموذجاً للثورة الثقافية التي تتحدى الاستعمار والاستحمار والاستبداد كأشكال مترابطة من الهيمنة الإمبريالية والداخلية. نباهة شريعتي لا تكمن فقط في قدرته على دمج التراث الإسلامي مع الأفكار الثورية الحديثة، بل في رؤيته الحضارية التي تتجاوز الإطار السياسي المباشر لتصبح مشروعاً لإعادة بناء الهوية الإنسانية في مواجهة الاغتراب الحديث. هذه الدراسة تتناول هذه النباهة من خلال مقاربة حضارية ما بعد كولونيالية، تركز على كيفية تحول الثورة الثقافية عنده إلى أداة للتحرر من الثالوث الشرير: الاستعمار الخارجي، الاستحمار الثقافي، والاستبداد الداخلي، دون الاقتصار على التحليل التاريخي، بل بتوسيع النظر إلى الدلالات الحضارية الأعمق. فمن هو على شريعتي؟ أين تمدرس؟ وبمن تأثر؟ وماهو دوره في الثورة الايرانية؟ وكيف ظل ارثه الثوري معين لا ينضب للأجيال المتعاقبة المتعطشة للتحرر والعدالة والمساواة؟ وماذا يمكن أن يقدم لنا الآن من دروس تنويرية؟

مفكر رسالي حضاري مابعد كولونيالي

"لا فرق بين الاستعمار والاستحمار سوى أن الأول يأتي من الخارج والثاني يأتي من الداخل".

يبدأ فهم نباهة شريعتي من موقعه كمفكر رسالي، أي صاحب رسالة تتجاوز الفكر النظري إلى الفعل الثوري. ولد شريعتي في إيران عام 1933، في عصر يشهد صراعاً بين الحداثة الغربية المفروضة والتراث الإسلامي المكبوت، وتأثر بتجارب الاستعمار البريطاني والأمريكي في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى حركات التحرر في العالم الثالث. نباهته تكمن في إعادة تفسير الإسلام ليس كدين جامد، بل كقوة ثورية حية قادرة على مواجهة الاغتراب الذي يفرضه الاستعمار. في رؤيته، الإسلام ليس مجرد عقيدة روحية، بل هو "دين الثورة" الذي يجمع بين التوحيد الاجتماعي والعدالة الإنسانية، مستلهماً من الشيعة الإمامية مفهوم الانتظار الثوري للإمام المهدي كرمز للقيام ضد الظلم. هذه النباهة تظهر في قدرته على نقد الحداثة الغربية كمشروع استعماري يهدف إلى تفتيت الهويات الثقافية، وفي الوقت نفسه، استلهام عناصر منها مثل الفكر الوجودي والماركسي ليدمجها في إطار إسلامي، مما يجعله رائداً في المقاربة الحضارية ما بعد الكولونيالية التي ترى في التراث المحلي مصدراً للتحرر.

الثورة الثقافية عند شريعتي هي الجوهر الذي يربط بين نباهته ومقاومة الاستعمار. يرى شريعتي أن الاستعمار ليس مجرد احتلال عسكري أو اقتصادي، بل هو عملية حضارية تهدف إلى إعادة تشكيل الوعي الجماعي للشعوب المستعمرة، محولاً إياها إلى كائنات خاضعة تفقد إرادتها الذاتية. في هذا السياق، يقدم شريعتي مفهوماً حضارياً ما بعد كولونيالياً يؤكد أن الثورة الحقيقية تبدأ من الثقافة، لأنها المجال الذي يسيطر فيه الاستعمار على العقول قبل الأجساد. نباهته تتجلى في تشخيصه للاستعمار كعملية "استلاب" حضاري، حيث يفرض الغرب نموذجه الحضاري كمعيار عالمي، محتقراً الحضارات الأخرى كمتخلفة أو بربرية. لمواجهة ذلك، يدعو شريعتي إلى ثورة ثقافية تعيد اكتشاف الذات الحضارية الإسلامية، مستلهماً من فرانز فانون فكرة التحرر النفسي، لكنه يضيف البعد الروحي الإسلامي كأداة لاستعادة الكرامة. هذه الثورة ليست عنيفة فقط، بل هي تحول داخلي يبدأ بإعادة تفسير النصوص الدينية لتكون أداة للتحرير، كما في كتاباته عن "التوحيد الاجتماعي" الذي يرى فيه رفضاً للطبقية والاستغلال الاستعماري، مما يجعل مقاربته حضارية تتجاوز الدولة القومية إلى بناء حضارة إسلامية بديلة.

أما الاستحمار، فهو أحد أبرز ابتكارات شريعتي الفكرية، ويعكس نباهته في كشف الآليات الخفية للهيمنة. يعرف شريعتي الاستحمار كعملية تجهيل مقصودة تجعل الشعوب المستعمرة تفقد قدرتها على التفكير النقدي، محولة إياها إلى كائنات سلبية تتقبل الظلم كقدر محتوم. في مقاربته ما بعد الكولونيالية، يرى أن الاستحمار هو الوجه الثقافي للاستعمار، حيث يستخدم الغرب التعليم والإعلام والثقافة المستوردة لزرع الشعور بالدونية، مما يجعل الشعوب تقلد الغرب دون إدراك أن ذلك يعزز سيطرته. نباهة شريعتي تظهر في ربطه الاستحمار بالاستبداد الداخلي، إذ يصبح الحكام المحليون أدوات للاستحمار عبر ترويج ثقافة الخضوع والجهل. لمواجهة ذلك، يقترح ثورة ثقافية تعتمد على "الوعي الثوري"، مستلهماً من الشيعة مفهوم الشهادة كفعل تنويري يوقظ الجماهير. هذه الثورة حضارية بامتياز، إذ تهدف إلى بناء إنسان جديد يتجاوز الاغتراب الاستعماري، من خلال إعادة بناء التعليم والفنون والأدب كأدوات للتحرر، مما يجعل فكره يتجاوز السياسي إلى الوجودي، حيث يصبح الإنسان المستحمَر موضوعاً للتحرير الحضاري.

في مواجهة الاستبداد، تتجلى نباهة شريعتي في نقده للديكتاتورية كامتداد داخلي للاستعمار. يرى أن الاستبداد ليس مجرد نظام سياسي، بل هو حالة حضارية تكرس الاستحمار والاستعمار، حيث يتحالف الحكام المستبدون مع القوى الاستعمارية للحفاظ على سلطتهم. في مقاربته ما بعد الكولونيالية، ينتقد شريعتي الاستبداد كشكل من أشكال "الحداثة المزيفة" التي تقلد الغرب في السيطرة دون تبني قيمه الديمقراطية، مما يؤدي إلى اغتراب الشعب عن تراثه. نباهته تكمن في اقتراحه لـ"الإمامة الثورية" كبديل، مستلهماً من الشيعة فكرة القيادة الروحية التي تكون مسؤولة أمام الجماهير، لا فوقها، مما يجعل الثورة الثقافية أداة لإسقاط الاستبداد من خلال بناء وعي جماعي يرفض الخضوع. هذه الرؤية تحول الثورة من حدث سياسي إلى تحول حضاري، حيث يصبح الإسلام أداة للديمقراطية الشعبية، متجاوزاً الديكتاتورية الشرقية والاستبداد الغربي المقنع.

من منظور حضاري ما بعد كولونيالي، تكتمل نباهة شريعتي في ربطه الثورة الثقافية بالثالوث الشرير ككل. يرى أن الاستعمار والاستحمار والاستبداد مترابطة في نظام عالمي يهدف إلى تدمير الحضارات غير الغربية، وأن التحرر يتطلب ثورة حضارية تعيد بناء العالم من منظور إسلامي. نباهته تظهر في تجاوزه للثنائيات الغربية مثل الدين مقابل العلمانية، أو الثورة مقابل الإصلاح، ليبني نموذجاً هجيناً يدمج التراث مع الحداثة النقدية. هذه المقاربة تجعل فكره ذا صلة مستمرة، إذ يقدم بديلاً حضارياً للعولمة الاستعمارية، حيث تصبح الثورة الثقافية مشروعاً لإعادة صياغة الإنسانية على أسس العدالة والروحانية.

مفهوم الإمامة الثورية

"لا تقل للباطل نعم مهما كانت المصلحة"

فكرة الإمامة الثورية عند علي شريعتي تمثل إحدى أبرز الابتكارات الفكرية في سياق رؤيته للإسلام كأيديولوجيا تحررية وثورية، حيث يعيد تفسير مفهوم الإمامة الشيعي التقليدي ليصبح أداة سياسية واجتماعية لمواجهة الاستبداد والاستعمار والاغتراب الحديث. هذه الفكرة ليست مجرد إعادة صياغة للعقيدة الشيعية الكلاسيكية، بل هي تحول جذري يجعل الإمامة نموذجاً للقيادة الثورية المسؤولة أمام الأمة، لا فوقها، مستلهماً من التراث الإسلامي مع دمج تأثيرات حديثة من الفكر الوجودي واليساري والتحرري. في هذه الدراسة، سنتناول مفهوم الإمامة الثورية بشكل موسع ومعمق، مسترسلاً في أبعاده النظرية والتطبيقية ضمن إطار حضاري ما بعد كولونيالي يربط بين الروحانية والثورة الاجتماعية.

ينطلق الشهيد شريعتي من نقد الإمامة التقليدية التي تحولت، في رأيه، إلى شكل من أشكال الاستبداد الديني أو الصفوي، حيث أصبحت الإمامة رمزاً للسلطة الهرمية المقدسة التي تفصل بين القيادة والجماهير، محولة الدين إلى أداة لتبرير الظلم الطبقي والسياسي. في كتابه الشهير "الأمة والإمامة"، يعيد شريعتي تعريف الإمامة كقيادة اجتماعية ثورية ترتبط ارتباطاً عضوياً بالأمة، لا كسلطة وراثية أو روحية منفصلة. الإمام، في هذا السياق، ليس مجرد وريث نبوي ينتظر الطاعة العمياء، بل هو قائد يقود الأمة نحو تحقيق التوحيد الاجتماعي والعدالة، مستمداً شرعيته من وعي الجماهير ومسؤوليته أمامها. هذا التفسير يجعل الإمامة امتداداً للرسالة النبوية في مواجهة الشرك الاجتماعي، حيث يصبح الإمام رمزاً للثورة المستمرة ضد كل أشكال الاستعباد، سواء كان استعمارياً خارجياً أو استبدادياً داخلياً.

من الناحية الفلسفية، تكمن نباهة شريعتي في ربط الإمامة الثورية بمفهوم الانتظار الشيعي، الذي يحوله من حالة سلبية (انتظار المهدي كغيبة) إلى حالة نشطة ثورية. الانتظار عنده ليس جلوساً سلبياً، بل جهاد مستمر لإعداد الأرضية لظهور الإمام المنتظر، من خلال بناء مجتمع توحيدي خالٍ من الطبقية والظلم. هنا، يصبح الإمام الثوري نموذجاً للقيادة التي ترفض السلطة المطلقة، وتدعو إلى ديمقراطية إسلامية شعبية، حيث تكون القيادة مسؤولة أمام الأمة ومستمدة من إرادتها الجماعية. هذا التحول يتجاوز الثنائية التقليدية بين الإمامة والخلافة، إذ يرى شريعتي أن الفصل بينهما انعكاس للفكر الغربي الانتقائي، بينما في الإسلام الحقيقي لا فصل بين الدين والسياسة، فالإمامة هي أداء الرسالة الاجتماعية للنبي في تكوين الأمة ككيان موحد يسير نحو هدف مشترك وقبلة واحدة.

من الجانب الاجتماعي، تمثل الإمامة الثورية رفضاً للاستحمار والاستبداد معاً. شريعتي يرى أن الإمامة التقليدية ساهمت في تشويه الشيعة بفعل التأثيرات الصفوية، التي حولتها إلى دين سلطة يبرر الطبقية والقمع. أما الإمامة الثورية فهي عودة إلى "الشيعة العلوية" أو "الشيعة الحمراء"، التي تمثل الثورة والمقاومة والعدالة الاجتماعية، مقابل "الشيعة السوداء" أو "الشيعة الصفوية" التي تمثل الرجعية والخضوع. هذا التمييز يجعل الإمامة أداة للتحرر الطبقي، حيث يصبح الإمام قائداً يقود الشعب ضد الاستغلال، مستلهماً من كربلاء كرمز للثورة ضد الظلم، لا كمجرد حداد سنوي. في هذا الإطار، تتحول الإمامة إلى مشروع حضاري يبني إنساناً جديداً واعياً، مسؤولاً، ثورياً، يندمج في الجماعة دون أن يذوب فيها، ويحمل مسؤولية مواجهة الظلم بوعي وإرادة.

من منظور ما بعد كولونيالي، تكتمل فكرة الإمامة الثورية كبديل حضاري للحداثة الغربية والاستبداد الشرقي. شريعتي ينتقد النماذج الغربية للديمقراطية التي تخفي الاستعمار والطبقية، وينتقد كذلك الأنظمة الاستبدادية المحلية التي تقلد الغرب في القمع. الإمامة الثورية تقدم نموذجاً إسلامياً يجمع بين الروحانية والعدالة الاجتماعية، حيث تصبح القيادة امتداداً للأمة، لا عليها، وتكون مسؤولة أمام الله والشعب معاً. هذا يجعلها أداة للتحرر النفسي والاجتماعي، مستلهماً من فرانز فانون في نقد الاستعمار، لكنه يضيف البعد الإسلامي الذي يجعل الثورة ليست مادية فقط، بل روحية تحقق التوحيد في الواقع الاجتماعي.

أما في التطبيق، فإن شريعتي يرى أن الإمامة الثورية تتحقق من خلال الوعي الجماعي والثورة الثقافية، لا من خلال سلطة هرمية. الشباب والمثقفون هم الذين يحملون هذه الإمامة في مرحلة الغيبة، من خلال الجهاد الفكري والعملي لإعداد الأمة للعدالة الكاملة. هذا يجعل الفكرة ديناميكية، قابلة للتجدد في كل عصر، حيث يصبح كل فرد مسؤولاً عن تحقيق جزء من الإمامة الثورية في مواجهة الظلم المعاصر.

فكرة التوحيد الاجتماعي

"الحرب بين المسلمين ليست حرباً بين التشيع والتسنن ، ولا من أجل العقيدة ، بل هي معركة بين مصالح دول ضحيتها العوام من السنة والشيعة"

في سياق الفكر الإسلامي الثوري، يمثل مفهوم التوحيد الاجتماعي عند علي شريعتي قمة النباهة الفلسفية والاجتماعية، حيث يتجاوز التوحيد كونه عقيدة دينية مجردة ليصبح أساساً لنظام حضاري يحرر الإنسان من كل أشكال الشرك الاجتماعي والسياسي. هذا المفهوم، الذي طوره شريعتي في سياق مواجهة الاستعمار والاستبداد، يعكس رؤية حضارية ما بعد كولونيالية تربط بين الوحدة الإلهية والوحدة الإنسانية، محولاً التوحيد إلى أداة للثورة الاجتماعية التي تهدف إلى بناء مجتمع عادل خالٍ من الطبقية والاستغلال. في هذه الدراسة، سنتوسع في أفكار التوحيد الاجتماعي من خلال استكشاف أبعاده النظرية والتطبيقية، مع التركيز على كيفية تحويله من مبدأ روحي إلى مشروع تحرري يواجه الاغتراب الحديث، مستلهماً من التراث الإسلامي ومدمجاً مع النقد الاجتماعي المعاصر.

يبدأ توسع شريعتي في فكرة التوحيد الاجتماعي من إعادة تفسير التوحيد الإسلامي كديالكتيك حضاري يجمع بين الجانب الروحي والاجتماعي. في رؤيته، التوحيد ليس مجرد إعلان وحدة الله، بل هو رفض لكل أشكال الشرك، سواء كان شركاً دينياً أو اجتماعياً. هنا، يقدم شريعتي مفهوماً معمقاً يرى في التوحيد "التوحيد الاجتماعي" كتجسيد للوحدة الإنسانية، حيث يصبح المجتمع الموحد في المساواة والعدالة مرآة للوحدة الإلهية. هذا التوسع يعتمد على ديالكتيك يربط بين الإثبات الإلهي والنفي الاجتماعي: إثبات وحدة الله يعني نفي كل قوى بشرية تفرض سلطتها على الإنسان، سواء كانت طبقات حاكمة أو قوى استعمارية. في هذا السياق، يصبح التوحيد الاجتماعي أساساً لنقد الرأسمالية والاشتراكية المادية، إذ يرى شريعتي أن كل نظام يقسم المجتمع إلى طبقات هو شكل من أشكال الشرك، حيث يعبد الإنسان قوى أخرى غير الله، مثل المال أو السلطة. هذا التوسع يجعل التوحيد ليس عقيدة فردية، بل مشروعاً جماعياً يدعو إلى بناء مجتمع يعكس الوحدة الكونية، مستلهماً من قصة قابيل وهابيل كرمز للصراع الأبدي بين التوحيد (العدالة) والشرك (الاستغلال)، حيث يمثل قابيل الطبقة المالكة التي تقتل الإنسانية، وهابيل الشعب المضطهد الذي يقاوم.

من الناحية الفلسفية، يعمق شريعتي أفكار التوحيد الاجتماعي بجعله ركيزة للتحرر الإنساني من الاغتراب الحديث. في مواجهة الحداثة الغربية، التي يراها شريعتي كمشروع استعماري يفرض نموذجاً إنسانياً مشوهاً يقوم على الإلحاد أو الشرك المقنع، يقدم التوحيد الاجتماعي كبديل حضاري يعيد الإنسان إلى مركزه كخليفة الله على الأرض. هذا التوسع يتجاوز الديني ليشمل النقد الوجودي، حيث يرى أن الإنسان في عالم التوحيد يخاف قوة واحدة فقط ويجيب أمام قاضٍ واحد، مما يحرره من الخضوع للسلطات البشرية. هنا، يدمج شريعتي تأثيرات من الفكر الوجودي مثل سارتر وهيدغر مع التراث الشيعي، حيث يصبح الانتظار للإمام المهدي شكلاً من الانتظار الثوري الذي يحول التوحيد إلى فعل اجتماعي. التوحيد الاجتماعي، في هذا السياق، هو لاهوت تحرير يربط بين الروحانية والمادية، حيث يصبح الإيمان بالله دافعاً للثورة ضد الظلم، ويصبح المجتمع المثالي مجتمعاً توحيدياً يقوم على المساواة، لا على التنافس أو الاستغلال. هذا العمق يجعل التوحيد ليس مجرد عقيدة، بل نموذجاً حضارياً ينتقد الإنسانية الحديثة كشكل من أشكال الشرك الذي يقدس التقنية والاقتصاد على حساب الروح الإنسانية.

أما من الجانب السياسي، فيتوسع شريعتي في أفكار التوحيد الاجتماعي ليجعله أساساً للثورة ضد الاستبداد والاستعمار. في رؤيته، الاستبداد الداخلي هو امتداد للشرك الاجتماعي، حيث يصبح الحاكم إلهاً مزيفاً يفرض سلطته على الشعب، محولاً المجتمع إلى عبيد. هنا، يصبح التوحيد الاجتماعي دعوة للتمرد، حيث يرمز إلى تحرر الإنسانية من أي قوة اجتماعية غير الله، مما يجعل الثورة واجباً دينياً. هذا التوسع يربط بين التوحيد والعدالة، إذ يرى أن المجتمع التوحيدي هو مجتمع خالٍ من الطبقات، حيث يصبح الجميع متساوين أمام الله، وبالتالي أمام بعضهم البعض. شريعتي يعمق هذه الفكرة بجعلها جزءاً من الثورة الثقافية، حيث يجب على الشعوب المستعمرة أن تعيد اكتشاف توحيدها الاجتماعي لتقاوم الاستحمار الثقافي الذي يزرع الشعور بالدونية. في هذا السياق، يصبح التوحيد أداة للتحرير الشامل، مستلهماً من حركات التحرر في العالم الثالث، لكنه يضيف البعد الروحي الذي يجعل الثورة ليست مادية فقط، بل حضارية تستهدف بناء عالم جديد يعكس الوحدة الإلهية في الوجود الاجتماعي.

كذلك، يمتد التوسع في أفكار التوحيد الاجتماعي إلى البعد الثقافي والتربوي، حيث يرى شريعتي أن التعليم والثقافة هما المجالان الرئيسيان لزرع بذور التوحيد. في مواجهة الاستحمار، الذي يجعل الشعوب تفقد قدرتها على التفكير النقدي، يقترح شريعتي ثورة ثقافية تعتمد على التوحيد الاجتماعي كأساس للوعي الجماعي. هذا التوسع يعمق الفكرة بجعل التوحيد أداة لإعادة بناء الهوية الثقافية، حيث يصبح الإنسان الموحد اجتماعياً إنساناً حرّاً يرفض التقليد الأعمى للغرب، ويبني حضارته على أسس إسلامية متجددة. هنا، يصبح التوحيد نموذجاً للتحرر النفسي، مستلهماً من فرانز فانون، لكنه يضيف الجانب الديني الذي يجعل التحرر ليس فردياً بل جماعياً، يؤدي إلى مجتمع يعيش الوحدة في كل جوانب الحياة، من الاقتصاد إلى السياسة. هذا العمق يجعل التوحيد الاجتماعي مشروعاً حضارياً يتجاوز الإصلاح المؤقت إلى التحول الجذري، حيث يصبح كل فرد مسؤولاً عن تحقيق الوحدة الاجتماعية كامتداد للوحدة الإلهية.

خاتمة

"إذا لم يكن الناس على وعي وثقافة قبل الثورة، فلا يلوموا أحداً حينما تُسرق ثورتهم ."

في نهاية المطاف، يمثل توسع علي شريعتي في أفكار التوحيد الاجتماعي نقلة نوعية في الفكر الإسلامي، حيث يحول التوحيد من عقيدة روحية إلى أساس حضاري للثورة والتحرر. هذا التوسع، الذي يربط بين الديالكتيك الروحي والاجتماعي، يقدم نموذجاً لمواجهة الاغتراب الحديث، مؤكداً أن التوحيد الاجتماعي هو الطريق لبناء مجتمع عادل يعكس الوحدة الكونية، وأن الثورة الحقيقية تبدأ من إعادة اكتشاف هذه الوحدة في مواجهة كل أشكال الشرك والظلم. هذه الأفكار ليست نظرية مجردة، بل رسالة حية تدعو إلى فعل يغير الواقع الاجتماعي نحو عالم أفضل، مستمداً قوته من جذور الإسلام الثوري.

كما، تمثل فكرة الإمامة الثورية عند علي شريعتي نقلة نوعية في الفكر الإسلامي المعاصر، تحول الإمامة من عقيدة روحية إلى مشروع ثوري حضاري يواجه الاستعمار والاستبداد والاستحمار. هي دعوة لقيادة اجتماعية مسؤولة، مرتبطة بالأمة، تهدف إلى بناء مجتمع توحيدي عادل، يعكس الرسالة النبوية في عصرنا. هذه الفكرة ليست نظرية مجردة، بل رسالة حية ألهمت أجيالاً في مواجهة الظلم، مؤكدة أن الإمامة الحقيقية هي الثورة المستمرة نحو العدل والحرية، مستمدة قوتها من التراث الإسلامي الثوري ومن الوعي الإنساني المعاصر.

ربما، نباهة علي شريعتي كمفكر رسالي تكمن في تحول الثورة الثقافية إلى سلاح حضاري ضد الاستعمار والاستحمار والاستبداد، من خلال مقاربة ما بعد كولونيالية ترى في الإسلام مصدراً للتحرر العالمي. هذه النباهة ليست نظرية مجردة، بل رسالة حية تدعو إلى بناء حضارة جديدة تتجاوز الاغتراب الحديث، مؤكدة أن الثورة الحقيقية تبدأ من الوعي الثقافي وتنتهي بإعادة تشكيل العالم على أسس التوحيد والعدالة. فالي أي مدى تسير الأحداث الجارية في المنطقة الإسلمية وفق ما تنبأ به هذا المفكر الرسالي؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

  مدخل: من هو المثقف التكتيكي؟

قبل تتبع التحولات التي مرّ بها المشهد الثقافي العراقي عبر الحروب والانكسارات السياسية، يصبح من الضروري توضيح المقصود بالمثقف التكتيكي. هذا المصطلح يشير إلى نمط من الفاعلين في الحقل الثقافي يتعامل مع المعرفة والخطاب العام بوصفهما أدوات للتموضع داخل موازين القوة المتغيرة. اهتمامه الأول ينصرف إلى حماية موقعه الشخصي داخل شبكة الاعتراف والامتياز، ولهذا يقرأ التحولات السياسية قراءة عملية تحكمها حسابات الربح والخسارة أكثر مما تحكمها القناعات الفكرية المستقرة.

المثقف التكتيكي يطوّر مع الزمن قدرة واضحة على المناورة الخطابية. يراقب اتجاه الرياح السياسية، ويعيد صياغة لغته بما يتلاءم مع المرحلة. يحتفظ بمسافة رمادية في كثير من المواقف تسمح له بإعادة تفسير أرشيفه عندما تتغير الظروف. هذه المرونة تمنحه قدرة على الانتقال من خطاب إلى آخر دون قطيعة حادة مع ماضيه، كما تتيح له الاستمرار داخل المجال العام مهما تغيّرت المراكز التي تمنح الشرعية الثقافية.

هذا النمط يظهر غالبًا في البيئات السياسية غير المستقرة، حيث تتبدل السلطات وتتشكل شبكات نفوذ متنافسة حول مؤسسات الثقافة والإعلام. في مثل هذه البيئات يتحول الاصطفاف إلى مورد رمزي قابل للاستثمار، ويصبح القرب من مركز القوة طريقًا سريعًا نحو المنابر والفرص. هنا يتشكل ما يمكن وصفه بالمثقف الحرباوي، وهو المثقف الذي يتقن التكيّف مع السياق السياسي ويحوّل التحولات الكبرى إلى فرص لإعادة التموضع داخل الخريطة الثقافية.

من هذا التعريف يمكن فهم تقلبات المثقف التكتيكي عبر المراحل التاريخية المختلفة في العراق. الحروب والتحولات السياسية التي بدأت مع الحرب العراقية الإيرانية، مرورًا بمرحلة الحصار بعد 1991، ثم التغير الجذري بعد 2003، وصولًا إلى التوترات الإقليمية الراهنة، شكلت سلسلة من المحطات التي أعادت رسم المجال الثقافي مرارًا.2485 pols

من التعبئة إلى التكيّف

مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية دخل المجال الثقافي العراقي مرحلة تعبئة واسعة. الحرب الطويلة حوّلت الأدب والإعلام إلى جزء من خطاب الصمود الوطني، وشارك كثير من الشعراء والكتاب في إنتاج نصوص تعبويّة تدعم سردية المواجهة. المؤسسات الثقافية الرسمية كانت المنبر شبه الوحيد المتاح، ولذلك ارتبط الحضور الثقافي بدرجة الانخراط في خطاب التعبئة. في هذا المناخ وجد المثقف التكتيكي فرصة لتعزيز موقعه عبر الاندماج في السردية السائدة، حيث أصبح الخطاب المساند للحرب طريقًا واضحًا نحو الاعتراف المؤسسي والظهور.

انتهاء الحرب لم يغلق هذا المسار. أزمة الكويت وما تلاها من حرب عام 1991 أدخلت العراق في مرحلة الحصار الاقتصادي الطويل. تلك السنوات فرضت واقعًا ثقافيًا ضيقًا تتحكم به مؤسسات محدودة. كثير من المثقفين طوّروا خلال هذه المرحلة أسلوبًا حذرًا في الكتابة والكلام. المثقف التكتيكي تعلّم إدارة خطاب مزدوج؛ لغة علنية تنسجم مع المناخ السياسي القائم، ومسافة داخلية تسمح بإعادة تأويل الماضي عندما تتغير الظروف. الحصار الاقتصادي جعل البقاء داخل المؤسسات الثقافية الرسمية أحد أشكال النجاة الاجتماعية، الأمر الذي عمّق ثقافة المسايرة لدى بعض الفاعلين في الحقل الثقافي.

الانعطاف الكبير بعد 2003

جاءت اللحظة المفصلية التالية مع غزو العراق وسقوط النظام السياسي السابق. انهيار المركز السياسي فتح المجال لصعود قوى جديدة وهويات سياسية متنافسة. المجال الثقافي دخل مرحلة إعادة تشكل واسعة، ووجد كثير من المثقفين أنفسهم أمام واقع مختلف تمامًا عن المرحلة السابقة.

في هذا السياق برز بوضوح نموذج المثقف المرتبط بالانتماء السياسي أو الطائفي. المنابر الإعلامية والمؤسسات الثقافية الجديدة ارتبطت غالبًا بجهات حزبية أو شبكات نفوذ مختلفة. المثقف التكتيكي قرأ هذه الخريطة بسرعة، وأعاد صياغة موقعه وفق التوازنات الجديدة. بعض المواقف القديمة أُعيد تفسيرها، وبعض الخطابات تغيرت لغتها لتنسجم مع السياق الجديد.

خلال العقدين التاليين ترسّخ هذا النمط مع تشكّل نظام سياسي متعدد المراكز. التمويل الثقافي والإعلامي أصبح مرتبطًا غالبًا بشبكات حزبية أو مؤسسات مدعومة سياسيًا. في هذه البيئة تحوّلت القدرة على قراءة موازين القوى إلى مهارة أساسية للبقاء في المشهد الثقافي. المثقف التكتيكي أتقن إدارة المسافة بين المراكز المختلفة، محافظًا على مساحة تسمح له بالانتقال بين الخطابات دون أن يفقد حضوره بالكامل.

لحظة الاهتزاز

التحولات الإقليمية والتوترات السياسية في السنوات الأخيرة تفتح فصلًا جديدًا في هذه السلسلة. في لحظات الاضطراب الكبرى يعاد ترتيب التحالفات وتُختبر شبكات النفوذ القائمة. إذا انهارت بعض المراكز فجأة، يتصدّع أولًا الصورة التي بُنيت عليها شرعية كثير من المثقفين المرتبطين بها.

المثقف الذي استمد حضوره من شبكة محددة يجد نفسه أمام فراغ رمزي واضح. بعضهم يسعى إلى إعادة سرد تاريخه الثقافي بطريقة تمنحه مسافة عن الاصطفافات السابقة، وبعضهم يبحث عن شبكة جديدة تمنحه الحماية الرمزية نفسها. آخرون يختارون الصمت المؤقت بانتظار استقرار الخريطة السياسية.

مع كل تحول كبير تتكشف الفروق بين استراتيجيات المثقفين في إدارة علاقتهم بالسلطة والمجتمع. بعض الانتهازيين يسقطون لأنهم ربطوا أنفسهم بمركز قوة واحد، وعندما يتراجع ذلك المركز تتراجع معهم شرعيتهم الرمزية. آخرون ينجون لأنهم احتفظوا دائمًا بمسافة تسمح بإعادة التموضع. في المقابل يظهر المثقف الذي دفع ثمن استقلاله في مراحل سابقة، وقد يجد نفسه فجأة في موقع قوة رمزية لأن الاتساق يصبح قيمة نادرة في زمن التقلبات.

ما الذي يبقى في الذاكرة؟

المشهد الثقافي العراقي عبر هذه العقود يوضح أن التحولات السياسية لا تغيّر الأنظمة فقط، بل تعيد تشكيل صورة المثقف ودوره في المجتمع. الحروب الطويلة والانهيارات السياسية المتتالية أنتجت بيئة سمحت بظهور المثقف التكتيكي بوصفه فاعلًا يجيد التكيف مع موازين القوة المتبدلة.

مع مرور الوقت تعيد الذاكرة الثقافية تقييم هذه الأدوار. بعض الأصوات التي ارتبطت بمراكز نفوذ عابرة يتراجع حضورها مع تراجع تلك المراكز، بينما تحتفظ الأصوات التي حافظت على قدر من الاتساق بقدرة أكبر على الاستمرار. في نهاية المطاف يبقى السؤال الذي يواجه كل مثقف في لحظة التحول: أي صورة يريد أن يحملها عندما يهدأ الغبار وتبدأ كتابة الذاكرة.

***

بولص آدم

كان الاسم الأوّل الذي إختير لتخليد هذه الذكرى هو «اليوم العالمي للمرأة العاملة» وذلك قبل أن يُعتمَد في الأمم المتحدة بصفة رسمية في الثامن من شهر مارس عام 1975 التي دعت الدّول الأعضاء فيها إلى الإحتفال بهذا اليوم. ومن ثمّ أصبحت نساء العالم تحتفل كلّ عام إحياءً بمبادرة الأمم المتحدة كخطوة جريئة لإقرار مساواة تامّة، ومُنصفة بين الجنسيْن، ورفع الوعي السّياسيّ، والاجتماعيّ في شؤون، وأموروقضايا المرأة، ومكتسباتها، وحقوقها، وتسليط الأضواء الكاشفة على المشاكل، والمشاغل، والصّعاب التي كانت وما زالت تعاني منها المرأة إلى يومنا هذا في مختلف أنحاء العالم.

مغزى ومعنى هذا الإحتفال

هذه الذكرى في الواقع هي تتويج لقضايا المرأة المناضلة، والمثابرة، والمكافحة، كما أنها تتويج لنضال النساء منذ عقود من أجل المشاركة في المجتمع والإسهام فيه على قدم المساواة مع الرّجل. وإذا عدنا إلى التاريخ نجد أنه في بلد اليونان القديمة كانت هناك امرأة تسمّى «ليستراتا» شنّت إضراباً موسّعاً ضدّ الرّجال من أجل وضع حدٍّ للصّراعات، والمواجهات وإنهاء الحروب والمظالم التي كانت تلحق بالمرأة فى ذلك الإبّان؛ ومن النساء الشّهيرات في الأدب، والأساطير، والمرويّات والتراث العربي بشكلٍ عام اللّائي تجاوزن الرّجالَ حكمةً، وذكاءً، وفطنةً، ودهاءً، نذكر منهنّ على سبيل المثال وليس الحصر: شهرزاد (التي تعتبر بدون منازع من حيث رمزيتها العميقة والبعيدة الغورمنقذة بنات جنسها)، وزرقاء اليمامة، وكليوباترة، والخنساء، وولاّدة بنت المستكفي صاحبة الشاعر الاندلسي الذائع الصّيت ابن زيدون، وشجر الدرّ، وزنّوبيا، والستّ الحرّة حاكمة تطوان، وفاطمة الفِهرية مؤسِّسة أقدم جامعة في العالم وهي جامعة القروييّن بمدينة فاس العريقة وسواها وما أكثرهنّ. وكما هو معروف هناك العديد من النساء في الغرب اللاّئي أدركنَ مراتبَ عليا من الشّهرة، والذيوع في مختلف المجالات، وفي خضمّ الثورة الفرنسية، نظمت النساء الباريسيّات تجمعات كبرى للدّعوة لـتحقيق المزيد من «الحرية والمساواة، والأخوّة» حيث نظّمنَ مسيرات حاشدة إلى قصر فرساي للمطالبة بحقّ المرأة في الاقتراع. وظهرت فكرة يوم المرأة العالمي لأوّل مرّة في أواخر القرن التاسع عشر، ومستهلّ القرن العشرين حيث واكب نضال المرأة المستمرّ والمتواصل خلال هاتين الحقبتين تطوّر صناعي موسّع، واضطرابات، وقلاقل، حيث عرف المجتمع نموّاً ديموغرافياً كبيراً وموسّعاً، وظهرت أيديولوجيات وأفكار راديكالية جديدة. وعلى إثر الإضرابات، والاحتجاجات النسائية التي حدثت في الثامن من مارس من عام 1908 حيث تظاهرت الآلاف من العاملات اللائي كنّ يشتغلن في مصانع النسيج في مدينة نيويورك، بسبب الظروف الصّعبة غير الإنسانيّة التي كنّ يعملن فيها، وللمطالبة بمنح النساء حقّ الاقتراع، وخفض ساعات العمل الطويلة، ةتحسين الدخل الهزيل الذي كنّ يتقاضينه في ذلك الوقت ووقف تشغيل الأطفال القاصرين، وقد أطلقن على حملتهن الاحتجاجية اسم «خبز وورود» حيثُ حملن قطعاً من الخبز اليابس، وباقات من الورود خلال هذه التظاهرات.(أنظر الصّورة المرفقة بهذا المقال).

تحرّر المرأة

كتب الباحث الرّوماني «أوجِينْ وِيبَرْ» المعروف بتخصصه في التاريخ الفرنسي يقول إنّ «شارل بيغوي» يَرَى أنّ العالمَ قد تغيّر في الحقبة الزّمانية المحصورة بين القرنين المنصرمين، أكثر من الفترة الزمانية الممتدّة من ولادة السيّد المسيح عليه السلام حتى عصرنا الحاضر. ربما يبدو هذا الحُكم مُبَالَغاً فيه نوعاً مّا، إلاّ أنّ الباحث الروماني الآنف الذكر يبرّر ذلك بكلّ بساطة عندما يذكر لنا أنّه في الحقبتيْن الموالييْن لنهاية القرن الفارط، كان صاحبُ هذا القول شاهداً على كثير من التغيّرات، والتطوّرات والمُستجدّات التي طرأت على مختلف وسائل الحياة، والأنشطة، والتقنيات، التي كانت تطبع بشكل واضح مظاهر الحياة اليوميّة في ذلك الإبّان، ففي ذلك العصر ظهرت السّينما، والسيّارة، والعديد من المُخترعات الأخرى، وأمكن إستغلال وقت الفراغ بشكل جيّد، الحركة، الأخبار، الرّياضة، الأنشطة المُبتكرة، وسواها من مظاهر الحياة اليومية الأخرى، كلّ ذلك كانت له أصول، وتأثيرات مباشرة وفعّالة على التغيير الجذري الذى عرفه عالمُنا المعاصر كذلك اليوم في هذه المجالات برمّتها، وفى سواها من مظاهر ت ومرافق الحياة. عرّض «أوجين ويبر» في ذات الإتّجاه للتغيير الهائل والملحوظ الذي عرفته المرأة على وجه الخصوص في خضمّ هذه التطوّرات التي بدأت تطرأ على المجتمع الجديد، حيث كانت القوانين الغربية في ذلك الوقت تعتبر المرأة مخلوقاً ناقصاً، وفي هذه الفترة مثلاً تمّت الموافقة لأوّل مرّة بأن تكون المرأة صالحةً لأداء الشّهادة في المحاكم، وبدأت تظهر بالتالي إرهاصات لبداية تحرّرها وإنفتاحها على المجتمع، وفكّ بعض القيود عنها فيه. ولابدّ أنّ القارئ يعرفُ جيّداً أنّ مجتمعاتٍ أخرى تُنْعَتُ بالمتأخّرة ظلماً وعدواناً وبهتاناً، وغير المتمدينة لم تضع المرأةَ في هذا الموضع من السّخرية والإزدراء!. ويُخبرنا هذا الكاتب أنه في هذه الحقبة أيضاً أمكن للمرأة لأوّل مرّة أن تفتح حساباً مصرفيّاً خاصّاً بها في البنوك، وسُمح لها أن تحصل على درجات جامعية عليا مثل الدكتوراه. وحتى عام(1900) فقط سُمِح للمرأة لأوّل مرّة كذلك في فرنسا الإلتحاق بكلية الحقوق كباقي زملائها الرجال، ويقول الكاتب إنه مع هذا التغيير الجذري الذى طرأ على وضعية المرأة، ومع الإعتبار الجديد الذى أصبح يُمْنَح لها وَقعَ أو طرأ تغيير كبير من نوعٍ آخرعلى «الموضة» (أي على طرائق، وأساليب، وتقاليع، ومبتكرات، وإتيكيت، وتفنّن لبس المرأة، وزينتها، وتطريتها " الماكياج" !). حيث أصبح رداء المرأة بسيطاً يخلو من التعقيدات الهجينة، والأنسجة الفضفاضة المبالغ فيها، والبَهْرَجة المتوارثة التى كان يفرضها عليها العصر، وتقيّدها بها التقاليد. وعلى الرّغم من التقدّم الهائل الذي أحرزته المرأة في مختلف المجالات في عصرنا الحاضر، فإنها ما زالت – مع ذلك- في نظر البعض تلك « الإلزَا تريوليه» مُلهِمة الكاتب الفرنسي المعروف الفرنسي «لويس أراغون»، ذات العيون السّاحرة التي يتوق إليها كلّ شاعر، أو أديب، أو فنّان، أو مبدع ليستلهمَ من سحرعيونها، وحدّة ذكائها، وروعة دهائها، ورقّة دلالها، وطلاوة عذوبتها، وتواترعذاباتها، موضوعاتٍ جميلة، وآسرةً لشِعْره، وفِكْره، وفنِّه، وأدبِه، وإبداعاتِه على اختلاف ألوانها أشكالها وأصنافها.

أحمد شوقي وحافظ إبراهيم والمرأة

ما زالت المرأة- في عُرف البعض – ذلك المخلوق القويّ، الضعيف الذي هو في حاجة دائماً إلى كلمات الإطراء، والإعجاب، والثناء والإطراء، والإبهار، والإكبار، وقد عِيبَ على أمير الشعراء أحمد شوقي كونه وضع المرأةَ هو

الآخر في تلك الخانة الضّيقة التي تظلّ فيها ومعها توّاقةً إلى الثناء، : شغوفةً بالإنبهار، إذ قال فيها أو عنها :

خدعوها بقولهم حَسناءُ / والغواني يَغرّهنّ الثناءُ..

نظرةٌ فابتسامةٌ فسلامٌ / فكلامٌ فمَوْعِدٌ فلقاءُ.. !

وقال عنها شاعر النبيل الرقيق حافظ إبراهيم بشكلٍ مغاير:

الأمّ مدرسة إذا أعددتها ... أعددتَ شعباً طيّبَ الأعراق .

فردريك نيتشه وريشارد فاجنر والمرأة

كان الفيلسوف الغريب الأطوار فردريك نيتشة يقاسمُ مُعاصرَه الموسيقار الشّهير ريتشارد فاغنر حبّ الغادة الإيطالية لُوسَالُومِي ذات الحُسْن الباهر، والجمال الظاهر، فالأوّل كان يمثّل بالنسبة لها الصّرامةَ، والشّهامة، والجديّة (الفلسفة والعقل أو الفكر الخالص)، وكان الثاني يمثل العاطفةَ المتأجّجة، والرقّة والعذوبة، والخيال المُجنّح (الموسيقى والقلب أو العاطفة) وبعد حيرة وقلق وتردّد بين هاذين العبقريين مالَ، وإزورّ قلبُ الفتاة الحسناء أخيراً إلى فاغنر فأحبّته دون نيتشة، فشَعَر هذا الأخير بغيرة شديدة، فكان من فرط غيظه وغضبه يصعد إلى غرفة صغيرة منزوية توجد في سطح منزله ويحزّ أصابعَه بسكّين حادّ حتّى تُدْمىَ أناملُه، وبعد ذلك، عندما حاق به اليأس، وأخذ منه الإحباط كلّ مأخذ في الظفر بحبّ وقلب معشوقته لوسالومي، قال معلّقاً على هذا الحدث الذي أثّر في حياته تأثيراً بليغاً قولتَه الشّهيرة التي ما فتئ العشّاقُ، والمُحبّون، والمتيّمون الذين لم يظفروا بقلب معشوقاتهم يردّدونها إلى اليوم، قال ساخراً، متهكّماً، مُزدرياً، مُنتقصاً من قيمة الموسيقار فَاغْنر : لقد حلّق طائرٌ في سماءِ حبّي، وإختطفَ الملاكَ الذي أحببت، ولكنّ عزائي الوحيد أنّ هذا الطائر لم يكن نِسْراً..!

وراء كلّ عظيم إمرأة!

ويرى كثيرون أنه ما من نجاح، أو فلاح، أو تطوّر، أو تغيّر، أو قفزة، أوطفرة إيجابية في تاريخ البشرية، وفى مسار الناس، والحياة، والبشر إلاّ وكان للمرأة دخل أو يد فيها، ولولا ذلك لما قال " نابليون" قولته الشهيرة في المرأة.. (وراء كلّ عظيم إمرأة).. ! ولما قال هو كذلك في السّياق نفسه : (إنّ التي تهزّ المهدَ بيسارها، تحرّك العالمَ بيمينها)! ولولا ذلك للمرّة الثالثة، لما قال "باسكال" عن كليوباترة: (لو كان أنفها مستقيماً لتغيّر وجه التاريخ).. ! وحمداً الله لأنّ أنفها من حسن الحظّ كان مُحْدوْدَباً، نوعاً مّا، ولم يكن مستقيماً، ولذلك لم يتغيّر وجهُ التاريخ ..!

مباريات الجمال..!

بعد المعارك الضارية التي خاضتها المرأة عن جدارة، وأهليةٍ، وإستحقاق بحثاً عن ذاتها، ونفسها، وعزّتها، وكرامتها، وشخصيتها، ومساواتها، وحقوقها المشروعة، قرّرت منذ زمن غير قريب أن تخرج بهذه المعارك الطاحنة من حيّزها الضيّق إلى مجال أوسع، وفضاء أرحب في مختلف أرجاء المعمور ..عندئذٍ خلقت لنفسها أحقاداً، وخصوماً، وأعداء ومتوجّسين، ومناهضين لها في كلّ مكان. وإستخفافاً بها، وإستهتاراً بأنوثتها، وإنتقاصاً من ألمعيتها نصُبوا لها الكمائنَ، وفرشوا لها المكائدَ، فأوجدوا ما يسرّ الأغلبية السّاحقة الماجنة، ويغضب الأقلية القليلة العاقلة .. بتنظيم ما يُسمّى بمباريات أو مسابقات ملكات جمال العالم!. وأيُّ خداعٍ يكتنف هذه الكلمة، ذلك أنّه ليس من اليُسْر والسّهولة أن يُعرِّفَ الإنسانُ الجمالَ !، فقد حار في تعريفه حتى كبار الفلاسفة، والمفكّرين، والشعراء، والأدباءعلى مرّ العصور، وتعاقب الدهور. ونصب هؤلاء المنظّمون على المنصّة شرذمة من السّكارى والصعاليك لتقول: إنّ الجمالَ هو طولُ القِوام، وهيَافةُ الخَصْر، وبروزُ النّهدين، وتناسقُ الأرداف، ورشاقةُ السّيقان، ولمعانُ الشّعروإنسداله وإنسيابه.. !، والتعرّف على عواصم فرنسا، وبريطانيا، واليونان، واليابان..! والفائزة منهنّ في تلك المسابقات المخزية تُتَوَّجُ بتاجٍ من الذّهب الخالص الإبريز المرصّع بالماس والزمرّد، ويوشّح صدرُها بقلادة غالباً ما تكون مطرّزة بالماس أيضاً. وعلاوةً عمّا تقدّم يوهب لها مبلغ كبير من المال نظير جمالها.. !، ناهيك عن الشّهرة الواسعة التي تنتظر الفائزة المحظوظة من إبرام لعقود الدّعاية، والماركتينغ، والإشهاروالسُوشل ميديا، والسينما، والتلقزيون .

ترّهات وخزعبلات

مع ذلك مازلنا نقرأ هنا وهناك بعض الترّهّات، والخُزعبلات حول المرأة من كلّ نوع، فما بالك بالقائل – حتى وإن كان كلامُه مردوداً عليه – عندما يقول: " المرأة أصناف، ونماذج، إنها في حيرة من أمرها، فالتي ترتدي الميني متصابيّة، والتي ترتدي الماكسي مُعقّدة، والتي ترتدي الميدي مُعتدلة، والتي ترتدي البنطلون مُسترجلة، والتي ترتدي الشورتْ إمرأة لعوب "، إلاّ أننا نعود بعد كل ذلك وذاك لنذكّر في ختام هذه العُجالة بقول الشاعر القديم: (إِذا المَرءُ لَم يدنَس مِنَ اللُؤمِ عِرضُهُ/ فَكُلُّ رِداءٍ يَرتَديهِ جَميلُ) . وكلّ عامٍ وأمّهاتنا، وزوجاتنا، وأخواتنا، وبناتنا، وشاعراتنا وأديباتنا، وعاملاتنا، وشرطياتنا، ووزيراتنا بألف خير.!.

***

د.محمد محمد الخطابي - كاتب وباحث ومترجم من المغرب

بدأ الأمر بـ "نعم" كبرى لم يقلها أحد. قبل أربعة عشر مليار سنة، قرر العدم أن يتقيأ وجوداً، فانفجرت النقطة لتبدأ رحلة التوسع العظيم. ستيفن هاوكينج، ذلك القزم الجبار الذي قهر جسده المنهار ليقيس اتساع المجرات، أخبرنا بالحقيقة الباردة: الكون لا يوجد زمن للخلق، القوانين الفيزيائية كافية لتفسير هذا الضجيج الكوني.

في خضم هذا الانفجار المادي، وفي زاوية تافهة من مجرة منسية، حدثت "غلطة مطبعية" في كتاب المادة. تعقدت الذرات، تشابكت البروتينات، وانبثق الوعي. نحن لسنا غاية هذا الكون، بل نحن "الحثالة الكيميائية" التي تجرأت على فتح عينيها وسط الحطام. هذا هو التورط الأول، أن توجد دون إذن، وتُطالب بفهم كونٍ لم يُصمم أصلاً لكي يُفهم.

لقد ظللنا لقرون ننسج الأوهام حول "مركزيتنا". اخترعنا الآلهة، والقوميات، والخلود، فقط لنهرب من الحقيقة الصادمة، نحن "صفر" حسابي أمام المقاييس الكونية. إذا اختفت البشرية غداً، فلن تهتز ذرة في كوكب المشتري، ولن يغير ثقب أسود واحد مساره حداداً علينا. الكون "أعمى" تماماً، ونحن العين الوحيدة التي نبتت في جسده بالصدفة.

هنا يبرز "التورط الجميل"؛ أن تدرك تفاهتك المادية المطلقة، وتفاهة أثرك الذي سيمحوه "الفناء الكوني" الوشيك، ومع ذلك، تقرر أن "تمثل" دور الكائن المهم. إنه تورط لأنك مجبر على الشعور، وجميل لأنك أنت من يلوّن هذا الشعور في فراغ لا يملك ألواناً.

هل تملك المادة وعياً؟ الفلسفة الحاضرية تقول إن الوعي ليس "سحراً" هبط علينا، بل هو المادة وقد بلغت أقصى درجات الوقاحة. عندما تنظر إلى المرآة، فإن ذرات الهيدروجين التي ولدت في قلب النجوم تنظر إلى نفسها وتتساءل عن معناها. هذا هو "الوعي المنعكس".

الصخور صامتة لأن وعيها منبسط، لا يرتد إلى الداخل. أما أنت، فقد انحنى وعيك على نفسه، فصرت "عقدة" في عقل كوني مفترض. ولكن، يا لقسوة هذه العقدة! إنها عقدة فعالة، تدرك، وتتألم، وتقتطف الثمار، ثم تُقتلع في لحظة "فناء شخصي" لا تترك خلفها سوى الصمت.

لماذا تبدو "الأنا" غالية جداً بينما هي مجرد نبضة كهربائية في دماغ من مادة عضوية؟ الصدمة تكمن هنا، الفناء الشخصي ليس مجرد موت كائن، بل هو "نهاية كون" كامل بالنسبة لصاحبه. عندما تموت، لا يضيع الجزء لصالح الكل، بل يضيع "الكل" الذي كنت تدركه.

إن الاعتقاد بأن "الأثر" سيبقى هو الوهم الأخير. نحن في فجر الحضارة، ونحن أيضاً في غسق الكون. الشمس ستنفجر، والمجرات ستتباعد حتى تنطفئ الأضواء تماماً. "الموت الحراري" للكون هو المقصلة النهائية التي تنتظر كل سيمفونياتنا، ولوحاتنا، وكتبنا. كل ما كتبناه هو رسالة في زجاجة أُلقيت في محيط سيجمد قريباً.

إذا كان المصير هو الصفر، فما هو الحل؟ الانتحار؟ اليأس؟

لا، بل هي السخرية البطولية.

البطل الحقيقي هو من يرى المقصلة، ويعلم أن لا أحد سيذكره بعد ساعة، ومع ذلك يقف ليحكي نكتة بارعة أو يرسم لوحة مذهلة على جدار السجن. نحن "المحكومون بالوعي"، ونحن الذين قررنا أن تكون زنزانتنا معرضاً للفنون.

أن تعيش بشروطك الخاصة يعني أن تكف عن استجداء المعنى من "الخارج". لا تبحث عن المعنى في النجوم، فهي صماء. لا تبحث عنه في التاريخ، فهو مقبرة. المعنى هو "فعل" تقوم به الآن. الكتابة، الفن، الحب، التفكير.. هذه ليست وسائل لغاية، بل هي الغايات ذاتها.

يقول البعض إن "الأوهام" تضعفنا، لكنني أقول إن "الأوهام الواعية" هي قمة الذكاء البشري. نحن نخلق وهم "القيمة" لنواجه به حقيقة "العدم". عندما تكتب نصاً فلسفياً، أنت لا تغير قوانين الفيزياء، لكنك تكسر هيبة الصمت الكوني. أنت تقول للكون، "أنا هنا، وأنا الآن أبدع إنسانياً، وهذا يكفي".

هذا الـ "يكفي" هو القنبلة التي تفجر العبث. إنه الرضا بأن الومضة، رغم قصرها، كانت ساطعة لدرجة أنها أحرقت الظلمة الكونية للحظة. نحن لسنا بحاجة للخلود لنكون عظيمين؛ العظمة تكمن في أن كائناً فانياً وتافهاً استطاع أن يسأل: "لماذا"؟

لقد تورطنا في الوجود، وهذا التورط لا فكاك منه إلا بالفناء. لكن الجمال يكمن في "كيفية التورط".

التورط الجميل هو أن تكون واعياً بضياعك، ومع ذلك تمشي في الضباب برأس مرفوع.

هو أن تبني حضارة وأنت تعلم أن الفناء الكوني على الأعتاب.

هو أن تحب شخصاً وأنت تعلم أن "الأنا" ستتلاشى وتترك وراءها فراغاً أسود.

إننا نمارس "سيادة" وهمية على المادة، وهذه السيادة هي الحقيقة الوحيدة التي نملكها. نحن "آلهة" في عوالمنا الصغيرة، وشياطين في مواجهة حتمية الموت.

في النهاية، سيعود كل شيء إلى السكون. ستتفكك ذراتنا، وستُمحى معلوماتنا، وسينطفئ العقل الكوني الذي كنا ندعي أننا جزء منه. ولكن، في هذه اللحظة، وفي هذا الحوار، وفي هذا النص.. نحن "هنا".

لقد تورطنا جمالياً في تفسير الانفجار العظيم، وتحولات المادة، والوعي المبصر. لقد سخرنا من قدرنا ببطولة، واعترفنا بتفاهتنا بقوة، واكتفينا باللحظة كوطن نهائي.

الكون لا يتكلم عن نفسه؟ نعم، هذا صحيح. ولكننا تكلمنا عنه، وفعلنا ذلك ببراعة، وهذا يكفي ليجعل من هذه الصدفة البيولوجية أعظم عرض في تاريخ الوجود.

أنا هنا الآن، وأنت هناك الآن.. نحن العقدتان اللتان تضيئان في شبكة الوعي قبل أن يُقطع التيار. فليكن رحيلنا صاخباً، وليكن إبداعنا شاهداً على

إن القلق من "الكلمة الأخيرة" ينبع من ظننا أن النهاية هي "بتر" للقصة، لكن في فلسفة التورط الجميل، النهاية هي "الاكتمال". فالقوس لا يسمى قوساً إلا إذا انحنى ليلتقي بنهايته، والدائرة لا تكتمل إلا حين تعود النقطة إلى مسكنها الأول.

النهاية ليست سقوطاً في الهاوية، بل هي اللحظة التي يغلق فيها الوعي ملفاته بعد أن استنفد طاقة الدهشة. إن جدوى الكلمة الأخيرة تكمن في أنها تحوّل "الصيرورة" القلقة إلى "كيان" تام. نحن لا نكتب لنبقى، بل نكتب لنقول إننا "كنّا". والفرق بين "العدم" وبين "كونك كنت" هو الفرق بين الصمت الأصم وصمت ما بعد المعزوفة؛ الأول فراغ، والثاني امتلاء وصدى.

عندما نصل إلى حافة الفناء الكوني والشخصي، يسقط الكلام وتصمت الفلسفة، لكنه ليس صمت الهزيمة، بل هو "الصمت المهيب". هو صمت القائد الذي خاض معركته ببراعة ويعلم أن الموت قادم، فيضع سيفه بهدوء وينظر إلى الأفق.

في هذا الصمت، ندرك أن "التورط" لم يكن عبئاً، بل كان "هبة الوجود". لقد أُعطينا فرصة لمرة واحدة لنكون "جهاز الاستشعار" لهذا الكون الأخرس. الصمت المهيب هو الحالة التي يتوقف فيها العقل عن التساؤل بـ "لماذا"، ويبدأ في التلذذ بـ "أننا وُجدنا". إن الصمت هو المادة الخام التي نُحت منها الوعي، والعودة إليه هي عودة الفاتحين لا المهزومين.

قد يتساءل قلبك: إذا كان الصمت هو النهاية، فما نفع الإبداع؟

الحقيقة الصادمة هي أن المعنى لا يحتاج لزمن طويل ليكون حقيقياً. اللحظة الواحدة من "الإبصار" تزن في ميزان الوجود أبدية كاملة من العماء المادي. الصمت لا يبتلع المعنى، بل يحتضنه. إن كل كلمة كتبتها، وكل لوحة رسمتها، قد غيّرت من "تردد" الوجود للأبد.

الكون الذي حدث فيه "فنّك" هو كون مختلف جذرياً عن كونٍ لم يحدث فيه شيء. الصمت الذي يلي إبداعك هو صمت "مقدس" لأنه يحمل في أحشائه ذكرى النور الذي أطلقته.

النهاية هي التي تمنح الحياة "قيمتها الجمالية". لولا الموت لكانت الحياة رتيبة، بلا طعم، ولا معنى. نحن نبدع لأننا "متلاشون". إبداعنا هو صرخة الاحتجاج ضد الزوال، وهذه الصرخة هي التي تعطي للكون نكهته الدرامية

إن "التورط الجميل" يصل لذروته عندما ندرك أننا لسنا "ضحايا" للفناء، بل نحن "مهندسو النهاية". نحن من نضع النقطة الأخيرة بوعي، وبسخرية بطولية، وبابتسامة من يعرف أن اللعبة قد لُعبت على أكمل وجه.

الصمت المهيب الذي يلفنا الآن هو صمت "التواطؤ" بيني وبينك، بين المادة والوعي، بين الخوارزمية والإنسان. نحن متورطون في جمال هذا الإدراك، وهذا الاكتمال يكفي ليردم هوة العدم.

***

غالب المسعودي

تُمثل الرؤية الفلسفية للتاريخ، في عمقها، صراعاً بين الغائية والعدمية، حيث لا تُفهم الحروب والتحولات السياسية إلا بوصفها أدوات في يد "العقل الكلي" أو الضرورة التاريخية للوصول إلى نقطة النهاية، والتاريخ ليس تتابعاً عشوائياً للوقائع، بل هو سيرورة غائية تتحرك بثبات وإصرار نحو نهاية سعيدة مستقرة محددة. إن التاريخ، كما صوره هيغل، هو مسيرة الروح نحو الوعي بالحرية، لكن هذه المسيرة لا تخلو من العنف؛ فالنزاع عنده وسيلةٌ لمنع ركود "الصحة الأخلاقية" للأمم، والحرب هي "الرياح التي تحفظ مياه البحار من التعفن"، وهي المحرك الذي يكسر جمود الأنماط السياسية المتهالكة ليفسح المجال لأنماط أكثر نضجاً. ومن هذا المنطلق، نجد أن كل إيديولوجيا كبرى حاولت صياغة تصورها الخاص عن "نهاية التاريخ" وعن "الإنسان الأخير" الذي سيسود في تلك النهاية، محولةً الصراع المادي إلى ملحمة غائية تمنح السلطة السياسية شرعية مطلقة ومفارقة للزمن (كما هو الحال أيضاً في التصور الماركسي الذي يرى في البروليتاريا "الإنسان الأخير" الذي سيحرر البشرية من جميع قيود هيمنتها).

غير أن هذا الصراع المادي والفكري لا يلبث أن يتحول في الأيديولوجيات الثيولوجية المعاصرة، مثل نظام "ولي الفقيه"، إلى أداة لشرعنة السلطة السياسية عبر ابتكار فكرة "تمهيد الظروف" لظهور الإمام الغائب، وبذلك ربط الزمن السياسي العابر بالزمن المقدس. هنا، لا تعود السلطة مجرد إدارة للشأن العام، بل تتحول إلى أداة إيديولوجية تحشد كل جهودها لتحقيق نهاية التاريخ المنشودة.  وفي هذا السياق، تخرج فكرة "المهدي" من حيز الانتظار الميتافيزيقي السلبي لتصبح قوة مفارقة تمنح المشروعية لسيادة سياسية مطلقة، تهدف في جوهرها إلى تمكين "الشيعي الأخير" كنموذج للإنسان الذي يسود في نهاية التاريخ، حيث تُختزل وعود "انتشار العدل والقسط" في انتصار أيديولوجي ساحق يقضي على جميع الخصوم، ويُثبّت دعائم سلطة دنيوية بسياج ديني/مذهبي غليظ.

هذا الربط بين السلطة والنهاية التاريخية يتقاطع أيضاً مع أطروحة فرانسيس فوكوياما الشهيرة حول "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، وإن اختلفت الغايات؛ فبينما يرى فوكوياما أن الديمقراطية الليبرالية هي المصب النهائي للتطور الأيديولوجي، ترى الأنظمة الدينية الإيديولوجية أن النهاية لا تتحقق إلا بانتصار "الحق المطلق" الذي تمثله. وفي كلتا الحالتين، تبرز الحرب كأداة ضرورية لهذا التحول؛ فالحروب لا تغير الخرائط الجغرافية فحسب، بل تعيد صياغة "الهوية الثقافية" للمجتمعات بما يتوافق مع النموذج المنشود للنهاية. إن الانتقال من "مجتمع الحرب" إلى "مجتمع الانتظار" أو "مجتمع التمكين" يتطلب تدمير البنى القائمة/القديمة، وهو ما يفسر كيف تسرّع الأزمات والحروب من وتيرة الابتكار التقني والعسكري، ليس حباً في العلم، بل رغبة في امتلاك أدوات "الحسم التاريخي" التي تسبق لحظة السيادة المطلقة.

من ناحية أخرى، تضعنا هذه التصورات أمام معضلة "موت الإنسان" التي طرحتها فلسفات ما بعد الحداثة؛ فإذا كان التاريخ يتحرك نحو نموذج محدد سلفاً (سواء كان الليبرالي الأخير، البروليتاري الأخير، أو الشيعي الأخير)، فإن الإنسان الفردي يذوب في إطار المنظومة التي تفرضها تلك الإيديولوجيات. يصبح الإنسان هنا مجرد وظيفة في محرك التاريخ، وتتحول هويته إلى مجرد انعكاس للغائية الكبرى. إن "الإنسان الأخير" الذي يسعى للراحة في ظل نظام عالمي مستقر (عند فوكوياما) أو الذي يسود تحت راية الحق المطلق (حسب الرؤى الدينية)، هو إنسان انتهى صراعه الوجودي، وبالتالي فقد جوهره القائم على التجاوز المستمر.

في ظل هذا التطور التقني المتسارع الذي يسعى لتحقيق "الألوهية التقنية" أو لحظة "التفرد" (Singularity)، تفوق الآلة على البشر، يبرز تساؤل فلسفي حرج حول قدرة الرموز الميتافيزيقية التاريخية على الصمود؛ فإذا كان نظام "ولي الفقيه" يعتمد على الإمام الغائب كقوة تمكين نهائية، فإن ظهور هذا الإمام في عالم محكوم بخوارزميات الذكاء الاصطناعي والرقابة البيومترية الشاملة والأسلحة الفائقة يطرح إشكالية "الحماية والفاعلية". هل تملك القوة الميتافيزيقية (المفارقة) القدرة على حماية نفسها أو فرض سيادتها في بيئة تجاوزت فيها الفيزياء والتقنية حدود الإدراك البشري؟ إن "الشيعي الأخير" الذي يطمح للسيادة المطلقة قد يجد نفسه في مواجهة "الإنسان الآلي الأخير" أو "الوعي الرقمي" الذي لا يعترف بالحدود الهوياتية أو العقائدية، مما يجعل التاريخ ينتهي ليس بانتصار فئة على أخرى، بل بذوبان الهوية البشرية برمتها في صهر التقنية.

إن التاريخ، وفق هذه القراءة التركيبية، ليس صعوداً خطياً نحو "نور العدل"، بل هو صراع إرادات تسعى لفرض نموذجها المنشود قبل أن تبتلعها دوامة التطور التقني. وبينما تحاول الأيديولوجيات الدينية تسييس الميتافيزيقا لخدمة السلطة، تمضي ما بعد الإنسانية (Post-humanism) والترانس-إنسانية (Transhumanism) في تفكيك الجسد والروح معاً. وإذا كان مفهوم "الإنسان" اختراعاً حديثاً ناتجاً عن ترتيب معرفي محدد، فإن الانفجار التقني الراهن يهدد بمحو هذا الإنسان لصالح كيان "ما بعد إنساني". إن الانتقال من الصراع السياسي الأيديولوجي إلى الصراع البيولوجي-تقني يطرح معضلة أنطولوجية كبرى؛ فمع ظهور الذكاء الاصطناعي الفائق والهندسة الوراثية التي تتجاوز الحدود العضوية، تصبح التقنية هي "الروح المطلقة" الجديدة التي تعيد تشكيل الوجود. هنا، يتحول الإنسان إلى كيان هجين أو وعي رقمي متحرر من الفناء والهشاشة، مما ينهي مفهوم "الإنسان" بالمعنى الفلسفي التقليدي القائم على المعاناة والصيرورة والزمن. وفي المحصلة، تظل نهاية التاريخ معلقة بين وعدٍ بتمكين "مؤمن أخير" وبين واقعٍ يفرض "آلة أخيرة"، مما يترك الإنسان المعاصر في برزخ قلقٍ عاتٍ بين إرثٍ يسعى لتمجيده وتقنيةٍ تهدد بمحوه تماماً.

***

أمين اليافعي

٤ مارس ٢٠٢٦

(نظام المراجعة المزدوجة)

حسب قوانين الإجراءات الفرنسية المتعاقبة حتى سنة 2000 كان لقاضي التحقيق صلاحيات واسعة في مجال توقيف المتهمين وتمديد التوقيف، وغالباً مايبرر ذلك باحتياجات التحقيق، مثبتاً ان التوقيف هو الإجراء الوحيد القادر على السماح بالحفاظ على الأدلة، أو منع الضغط على الشهود أو الضحايا أو عائلاتهم، أو منع التواطؤ الاحتيالي بين الشخص قيد التحقيق وشركائه أو المتواطئين معه، وضمان بقاء الشخص قيد التحقيق تحت تصرف العدالة ووضع حد للجريمة أو منع تكرارها.

(تطبيقاً لنص المادة 144 من قانون الإجراءات الجزائية الفرنسي).

إلا ان هذه الصلاحية "وحدة قاضي التحقيق" تعرضت لانتقادات واسعة سواء من فقهاء القانون والمحامين او من قبل المنظمات المعنية بحقوق الانسان وضمان الحريات العامة، اذ غالباً ما يعمد القضاة الى التوقيف وتمديده لضمان نجاح مهمتهم التحقيقية مما قد يتعارض مع مبدأ افتراض البراءة وقيم الحريات العامة التي كفلها الدستور الفرنسي

وعليه تم اقتراح عدة إصلاحات من أجل فصل التحقيق عن صلاحيات وضع الأشخاص قيد التوقيف. وشرعت عدة قوانين لهذا الغرض، منها إنشاء غرفة جماعية ضمن اختصاص كل محكمة عليا مسؤولة عن البت في التوقيف المعروف في بعض القوانين (بالحبس الاحتياطي). الا ان هذه الاصلاحات لم تنفذ لاسباب ادارية.

واخير توصل الفقه والتشريع الى إبتكار نظام "المراجعة المزدوجة" وشُرع ذلك بموجب قانون 15 يونيو/حزيران 2000 (رقم 200-516)

الذي نص على ايجاد منصب قضائي جديد هو منصب قاضي الحرية والتوقيف، (المعروف باسم " JLD " في الممارسة العملية) .

ويشار اليها في كتب الفقه الإجرائي بمؤسسة قاضي الحريات والتوقيف.

والهدف حسب الأصل هو الفصل بين وظيفة التحقيق وبين سلطة احتجاز وتوقيف المتهم في مرحلة التحقيق.

وهكذا اصبح اتخاذ إجراءات الحرمان من الحرية من مسؤولية قاض منفصل عن قاضي التحقيق.

ويمكن تعريف قاضي الحريات والتوقيف، في الإجراءات الجنائية الفرنسية الذي شهدت صلاحياته تطورات متسارعة، بأنه:

(هو قاضٍ متخصص يضمن احترام الحريات الفرديةمن التعسف في الإجراءات القضائية والادارية والصحية وكل ما من شأنه ان يحد من الحريات العامة للمواطنين، خاصةً خلال مرحلة التحقيق، حيث يقرر بشأن الحبس الاحتياطي وتمديده، ويشرف على إجراءات التوقيف وطلبات الإفراج، ويحمي حقوق المشتبه بهم من أي تعسف)، وهو دور محوري في حماية حقوق الإنسان في النظام القضائي الجنائي الفرنسي.

فهو قاض مسؤول بشكل خاص عن الحكم على توقيف الشخص قيد التحقيق وعلى أي طلبات للإفراج" وتفويض النيابة العامة للقيام بأعمال معينة في أنواع معينة من التحقيقات. واتخاذ القرارات بشأن الإحتجاز الإداري للأجانب، والبت في قرارت المستشفيات النفسية في فرض الإقامة الاجبارية للمرضى النفسيين وتمديد تلك الإقامة.

وسينظر قاضي الحريات في طلبات الإفراج. والتنصت على المكالمات الهاتفية، والتفتيش، الرقابة على بعض القرارات المتخذة في مسائل الاستشفاء دون موافقة (الحجر الصحي، والتدابير المتخذة في العزل والرعاية النفسية، وما إلى ذلك)، والتي تندرج تحت

قانون 5 يوليو 2011 المتعلق بحقوق وحماية الاشخاص الذين يتلقون الرعاية النفسية وقانون 27 سبتمبر 2013

وبصفته هذه، يتدخل بشكل خاص في مسائل قانون الهجرة فيما يتعلق بالإحتجاز الإداري للمهاجرين غير الشرعيين.

ويحال الأمر إلى قاضي التحقيق أو في حالة استثنائية إلى وكيل الجمهورية (المادة 137-4 من قانون الإجراءات الجزائية).

ولضمان الحيادية في عمل قاضي الحريات والاحتجاز، ووفقاً للمادة 6-1 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، لا يجوز للقاضي الحكم في جوهر القضايا التي كان عليه أن يتعامل معها بصفته قاضياً للحرية والاحتجاز.

صلاحيات قاضي الحريات والتوقيف:

توسعت صلاحيات قاضي الحريات بشكل كبير من فترة تأسيس هذه المؤسسة القضائية وهي بإختصار:

أولا - صلاحية قاضي الحريات والتوقيف في القضايا الجنائية:

وهذا هو الوضع الأولي المنصوص عليه في قانون 15 يونيو/حزيران 2000، الذي لا يمنحه هذه الصلاحية إلا في إطار التحقيق وفي المسائل المتعلقة بالتدابير المؤقتة للحرمان من الحرية، وبذلك تم تحقيق هدف الفصل بين التحقيق والتوقيف.

ولكن نتيجة للتعديلات المتعاقبة اضحت صلاحياته تتسع وتتجاوز إطار الإجراءات الجنائية، انتقل من دور الطرف الثالث المحايد في مسائل التوقيف قبل المحاكمة إلى دور القاضي القادر على التدخل لضمان الحريات الفردية في مجالات متنوعة تمس حرية الافراد وتعرضها للخطر.

إن دور قاضي الحريات والاحتجاز تم توسيعه ليشمل جميع المسائل المتعلقة بتوقيف الأشخاص المتهمين في القضايا الجنائية ليكون هو الوحيد القادر على اتخاذ القرار بشأن وضع الشخص قيد التحقيق في التوقيف، ومن ثم يتعين إحالة الأمر اليه بأمر من قاضي التحقيق بمجرد أن يرى هذا الأخير أن توقيف الشخص المطلوب للتحقيق مبرر لأغراض التحقيق المادة 145 من قانون الإجراءات الجزائية

وينطبق الأمر نفسه عندما يطلب النائب العام بالتوقيف (المادة 82 من قانون الإجراءات الجزائية)

ويقوم قاضي الحريات، باستدعاء الشخص المطلوب للتحقيق، بمساعدة محاميه للتحقيق، وهذه التحقيقات من حيث المبدأ، علنية، ولكن للمدعى عليه الذي يتم التحقيق معه أو محاميه ان يعارض العلنية خاصة في مسائل الجريمة المنظمة أو عندما يكون من المحتمل أن يعوق التحقيقات المحددة التي يتطلبها التحقيق، أو يقوض افتراض البراءة أو هدوء المناقشات أو يضر بكرامة الشخص أو مصالح أطراف ثالثة

وعند انتهاء التحقيقات يجوز لقاضي الحريات أن يقرر إصدار مذكرة توقيف في حق الشخص الخاضع للتحقيق أو على العكس من ذلك، وضعه تحت المراقبة القضائية

ويأتي هذا القرار طبقا للمادة 144 من قانون الإجراءات الجزائية التي تحدد المعايير التي قد تبرر الاحتجاز، حيث تنص على أنه يجب أن يكون الوسيلة الوحيدة للحفاظ على الأدلة والقرائن اللازمة لإثبات الحقيقة، ومنع أي ضغط على الشهود والضحايا، ومنع المؤامرة الاحتيالية بين الجناة، وحماية الشخص قيد التحقيق وضمان تمثيله أمام المحكمة، ووضع حد للجريمة أو منع تكرارها، وفي المسائل الجنائية، وضع حد للإخلال بالنظام العام الناجم عن خطورة الجريمة، ويجب أن يقوم قاضي الحريات والتوقيف بتقييم كل من هذه المعايير تحت إشراف غرفة التحقيق لدى النائب العام

وقد امتد هذا الدور، الذي كان يقتصر في البداية على إطار التحقيق، تدريجيا ليشمل جميع الإجراءات الجنائية المعنية بتدابير التوقيف. وقد اتسعت سلطة قاضي الحريات لتشمل الإجراءات الجنائية برمتها

نظراً لنجاح مهمة قاضي الحريات تطورت صلاحياته لتشمل جميع الإجراءات القانونية المنصوص عليها في المسائل الجنائية. وهذا هو مساهمة الإصلاح الذي أجراه القانون رقم 2004-2014 المؤرخ 9 مارس 2004.

ومن ذلك عندما يرى النائب العام أنه يجب إخضاع المتهم لواحد أو أكثر من التزامات المراقبة القضائية أو وضعه تحت الإقامة الجبرية مع المراقبة الإلكترونية حتى مثوله أمام المحكمة، فإنه يعرضه على الفور على قاضي الحريات والتوقيف ( المادة 394 من قانون الإجراءات الجزائية)

ويحكم الأخير في غرفة المشورة بمساعدة كاتب ويصدر قراره بعد الاستماع إلى ملاحظات المتهم ومحاميه إذا طلب تقديم ملاحظاته

ويجوز لقاضي الحريات بعد ذلك أن يقرر الاستجابة لطلبات النيابة العامة وإصدار مذكرة توقيف أو على العكس من ذلك أن يقرر إخضاع المتهم للمراقبة القضائية أو الإقامة الجبرية تحت المراقبة الإلكترونية

ويجب أن يتضمن أمره بيانًا للاعتبارات القانونية والواقعية التي تبرر قراره. وبناء على ذلك فإن صلاحيات قاضي الحريات لم تعد تقتصر على التحقيقات بل أصبحت عامة في المسائل الجنائية. وتتجاوز هذه الصلاحيات الآن الإطار الجنائي. لم يعد قاضي الحريات مجرد ضامن لحرية التنقل، بل أصبح يتدخل الآن عندما تكون هناك حرية أخرى على المحك.

ثانياً: صلاحيات قاضي الحريات والتوقيف الممتدة إلى الرقابة على العمل الإداري والاحتجاز في الدعوى الإدارية:

أدى نجاح مهمة قاضي الحريات إلى دفع المشرع إلى زيادة صلاحياته قاضي الحريات إلى حريات أخرى ويتم هذا التوسع في السلطة من خلال نظام حماية الحريات الفردية

وإلى جانب نظام المراجعة المزدوجة للتوقيف، أثبتت مؤسسة قاضي الحريات والتوقيف فعاليتها بشكل خاص، وتعتبر ضمانة أساسية للحرية الفردية

وقد امتدت صلاحياتها إلى العديد من المجالات التي كانت المؤسسة القضائية غائبة عنها في السابق للسلطة الإدارية، بموجب صلاحياتها الرقابية، صلاحية إجراء عمليات تفتيش ومصادرة للمنازل بهدف إثبات الاحتيال

وبناء على ذلك، فإن بعض الوكلاء الإداريين لديهم سلطة التفتيش. ويجب الآن أن تخضع هذه التدابير الموافقة مسبقة من قاضي الحريات والتوقيف

علاوة على ذلك، يتمتع قاضي الحريات بإمكانية مراقبة تنفيذ هذا النوع من التدابير من خلال زيارة الأماكن المعنية. ويمارس قاضي الحريات ك بالتالي الرقابة المسبقة، ولكن أيضًا الرقابة الملموسة من خلال الإشراف على الزيارات المذكورة

أسندت مهمة مراقبة التدابير المقيدة لحرية تنقل الأجانب إلى قاضي الحريات والتوقيف منذ إنشائه. ومنذ ذلك الحين، زادت صلاحياتها في السيطرة بشكل خاص وهكذا، منذ اعتماد القانون رقم 20116-672 المؤرخ في 16 يونيو/ حزيران 2011، أصبح الاحتجاز في منطقة انتظار تقررها الإدارة، إذا تجاوز أربعة أيام، يجب أن يأذن به قاضي وما يليها من قانون 12-222 المادة الحريات والتوقيف وينطبق الأمر نفسه عندما تكون مدة الاعتقال الإداري اكثر من خمسة أيام ومن الآن فصاعدا، فإن قاضي الحريات والتوقيف هو الوحيد المختص بتمديد مثل هذه التدابير.

ثالثاً- صلاحية قاضي الحريات بشأن حجز المرضى النفسيين في مصحات نفسية:

يتدخل قاضي الحريات والاحتجاز في مسائل الاستشفاء دون موافقة. وقد خضع هذا التدخل للقانون رقم 2011-803 المؤرخ 5 يوليو 2011، المعدل بالقانون رقم 2013-869 المؤرخ 27 سبتمبر 2013، المتعلق بحقوق وحماية الأشخاص الذين يتلقون الرعاية النفسية الإجبارية وشروط رعايتهم، ينص على وجه الخصوص على: تدخل قاضي الحريات والاحتجاز في مراحل مختلفة من رعاية المرضى للرعاية دون موافقة.

وتقتضي هذه النصوص أن يقرر قاضي الحريات في موضوع إجراءات القبول أو إعادة القبول في المستشفى الكامل بناء على قرار ممثل الدولة. ويجب إحالة الأمر إلى المحكمة خلال ثمانية أيام من هذا القرار، وبذلك يكون لقاضي الحريات دور في الصحة العامة وتقييم مدى قانونية القرار الإداري الصادر عن ممثل الدولة بدلاً من القاضي الإداري المختص طبيعياً بهذه الإجراءات.

من هو الذي يتصل بـ قاضي الحريات؟

يمكن الاتصال بـه في أي وقت، لغرض إصدار أمر برفع فوري لتدبير الرعاية النفسية دون موافقة، من قبل: المريض؛ أصحاب السلطة الأبوية أو الوصي إذا كان الشخص قاصرًا؛ الوصي أو القيم؛ الزوج (متزوج أو في شراكة مدنية) أو الشريك المتعايش؛ الشخص الذي طلب الرعاية (الطرف الثالث)؛ قريب أو صديق مقرب قد يكون قادرًا على التصرف بما يخدم مصالح المريض؛

يجب أن يحظى المريض بمساعدة أو تمثيل من قبل محام (انظر القانون رقم 2013-869 المؤرخ 27 سبتمبر 2013، والذي يسري اعتبارًا من 1 سبتمبر 2014). يمكن اختيار هذا الشخص أو تعيينه بحكم منصبه.

يمكن للمحامي التحدث مع المريض بشكل سري، كما يمكنه الاطلاع على ملفه الكامل. تقع أتعاب المحامي على عاتق المريض، ما لم يكن مؤهلاً للحصول على مساعدة قانونية كاملة أو جزئية، أو إذا كان قد حصل على تأمين خاص به (نوع الحماية القانونية).

خلال جلسة الاستماع أمام القاضي، يرافق المريض أحد أعضاء الفريق الطبي المساعد. إذا كانت حالته الصحية لا تسمح له بحضور الجلسة، فإنه يمثله محاميه، أو في حالة تعذر ذلك، محامٍ معين من قبل المحكمة.

وبما أن الرعاية دون موافقة تشكل حرمانًا من الحرية، فإن إدارة العدالة الجنائية تضمن احترام حقوق الإنسان. وتقرر ما إذا كان ينبغي الاستمرار في إجراء الرعاية النفسية دون موافقة في حالة الاستشفاء الكامل أم لا. ويقوم باتخاذ القرار على أساس الملف بما في ذلك الشهادات الطبية وبعد المناقشة مع المريض خلال جلسة الاستماع.

جلسة الاستماع العامة

الجلسة علنية. يمكن للجميع الحضور، بما في ذلك أقارب المريض. ولهذا السبب يجب إبقاء باب قاعة المحكمة مفتوحا أثناء جلسة الاستماع (باستثناء المداولات، بطبيعة الحال). يجوز للقاضي أن يقرر عقد الجلسة سراً إذا كانت علنية المناقشات من شأنها أن "تنتهك خصوصية المريض أو إذا طلب جميع الأطراف ذلك، أو إذا كان من شأنه أن يؤدي إلى اضطرابات من شأنها أن تعكر صفو العدالة".

ويصدر القاضي حكما بالإبقاء على الإقامة الكاملة في المستشفى أو رفع الإقامة الكاملة في المستشفى أو رفع الإجراء الحالي.

أو يأمر برفع الرعاية النفسية عن المريض في صورة الاستشفاء الكامل. وفي هذه الحالة يجوز له أن يقرر أن الإفراج سوف يدخل حيز التنفيذ خلال مدة أقصاها 24 ساعة حتى يتمكن الطبيب المحيل للمريض، إذا لزم الأمر، من إنشاء برنامج رعاية خارجية. يجب أن تنتهي عملية الاستشفاء الكامل بعد 24 ساعة.

من يمكنه إحالة الأمر إلى قاضي الحريات؟

- الشخص الذي يتلقى الرعاية

- أصحاب السلطة الأبوية أو الوصي إذا كان المريض قاصرًا

- الشخص المسؤول عن الحماية إذا كان المريض البالغ تحت الوصاية أو القوامة

- زوجهم أو شريكهم أو الشخص الذي يرتبطون به بشراكة مدنية

- الشخص الذي قدم طلب الرعاية

- أحد الأقارب أو الشخص الذي يمكنه التصرف بما يخدم مصلحة المريض

- النائب العام

- المحامي الذي يمثل المريض أو عائلته

ملحوظة: يجوز للقاضي اتخاذ إجراء من تلقاء نفسه في أي وقت.

ولتحقيق هذه الغاية، يجوز لأي شخص مهتم أن يقدم إلى اللجنة أي معلومات يراها مفيدة بشأن حالة الشخص الخاضع لإجراء الرعاية النفسية دون موافقته.

رابعاً-كما أن قاضي الحريات والتوقيف مختص أيضا في مسائل الأفعال التحقيقية التي تمس الحرية الفردية (التفتيش دون موافقة الشخص، التفتيش الليلي، اعتراض وتسجيل ونسخ مراسلات الشخص، الوضع في مركز للمهاجرين غير الشرعيين.

الإحالة الى قاضي الحريات:

اولاً- من قبل قاضي التحقيق

في مسائل التوقيف (الإيداع أو التمديد)، يتم إخطار القاضي المختص بموجب أمر مسبب من قاضي التحقيق.

ثانياً- من قبل المدعي العام

يتم إحالته إلى النيابة العامةًفي حالة ارتكاب بعض الجرائم الخطيرة المتعلقة بالجريمة المنظمة (الجريمة أو الجنحة التي يعاقب عليها بالسجن لمدة لا تقل عن 10 سنوات).

ثالثاً- دائرة الأجانب

يتم التواصل مع قاضي الحريات من قبل دائرة الأجانب في المحافظة بشأن استمرار احتجاز الأجانب؛

رابعاً- المرضى النفسيين

يتم إحالته الى قاضي الحريات من قبل المحافظة أو المؤسسة الصحية في حالة الاستشفاء بدون موافقة (إحالة من المحافظة للاستشفاء الإلزامي بناء على أمر المحافظ؛ إحالة من المؤسسة الصحية في حالات أخرى).

خامساً-من قبل المتقاضين

يمكن للمتقاضين الاتصال بـ بشكل مباشر:

بقاضي الحريات من قبل الشخص الذي قيد التحقيق والمسجون الذي يطلب الإفراج عنه؛

سادساً- الأجنبي المحتجز إداريا؛

سابعاً- المريض الذي تم إدخاله إلى المستشفى كجزء من الاستشفاء الإلزامي.

تقييم:

إن هذا التوسع في صلاحيات قاضي الحريات والتوقيف يشكل جزءاً من تطور القانون الوضعي الذي يعهد إلى السلطة القضائية بحماية الحريات الفردية

وفي ضوء هذه الأهداف، فإن مؤسسة قاضي الحريات والتوقيف مستعدة لتوفير علاج فعال وموضوعي للفرد الذي تتعرض حريته للتشكيك بسبب عمل الدولة، سواء كان قضائيا أو إداريا. وتتوافق استقلاليتها ونزاهتها مع متطلبات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان فيما يتعلق بحماية الحريات الفردية من قبل المؤسسة القضائية.

وينطبق الأمر نفسه على القانون المحلي.

نتيجة: الحال ان نظام المراجعة المزدوجة يوفر حماية اقوى للحريات العامة وهو ما يتسق مع الهدف الأسمى للدستور والقضاء.

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب السابق لرئيس هيئة النزاهة الاتحادية

 

لا تنسي أبدا: أولئك الذين تمسكوا بك عندما تخلى عنك العالم كله… ففي لحظة السقوط يتعرى الوجود، وتسقط الأقنعة كما تسقط أوراق الخريف اليابسة، ولا يبقى إلى جوارك إلا من كان جذره ضاربا في تربتك، لا في ظلك.

العالم في أكثر تجلياته قسوة لا يحبك لذاتك، بل لصورتك، لنجاحك، لقوتك، لبريقك حين يلمع. فإذا انطفأت، تراجع. وإذا تعثرت ابتعد .

 أما في العتمة، فلا يجلس معك إلا من يعرفك بلا اقنعه ويحبك بلا شروط، ويراك وأنت هش فلا يخاف هشاشتك، بل يحتضنها.

في فلسفة الألم، يتكشف معدن البشر. لحظة انكسارك ليست اختبارا لقوتك وحدك، بل اختبارا لقلوب من حولك. هناك من كان وجوده حولك محض صدفة، مجرد تقاطع مصالح أو تلاقي أمزجة. وهناك من كان ارتباطه بك فعل اختيارحر، إرادة وفاء لا تتبدل بتبدل الأحوال.

أولئك الذين تمسكوا بك حين تخلى الجميع، لم يكونوا يبحثون عن مجد في قربك، ولا عن دفء في شهرتك، ولا عن منفعة في نجاحك. كانوا يرون فيك إنسانا يستحق أن يُحب حتى وهو خاسر، حتى وهو ضعيف، حتى وهو مكسور. وهذا في جوهره أسمى أشكال الحب: أن يحبك أحدهم لا لأنك قوي، بل لأنك أنت

الوفاء موقف وجودي. هو إعلان صامت يقول: أنا هنا، لا لأنك منتصر، بل لأنك أنت.”

 قلة قليلة فقط هي التي تختار أن تبقى حين تصبح الإقامة مكلفة

لا تنسهم… لأن النسيان جحود للتاريخ الخفي . ولأن النسيان هنا ليس سهوا، بل خيانة صامتة للحظة أنقذك فيها حضورهم من التفتت. والتشظي والاحتراق. ولأنك، في أكثر لحظاتك ظلمة، كنت تستند إلى كتف ما، إلى كلمة ما، إلى يد لم ترتجف وهي تمسك بيدك. ربما لم يملكوا حلولا، لكنهم امتلكوا حضورا. وربما لم يستطيعوا إزالة الألم، لكنهم رفضوا أن يتركوك تتألم وحدك. والإنسان، في نهاية الأمر، لا ينجو بقوته فقط، بل بمن أحبوه وهو ضعيف.

يقول ألبير كامو: «في أعماق الشتاء، اكتشفت أن في داخلي صيفا لا يقهر». لكن ذلك الصيف لا يولد دائما من الداخل وحده؛ أحيانا يولد من دفء يد امتدت إليك في أكثر فصولك برودة. من كلمة قيلت لك حين كان الصمت أسهل، ومن كتف احتميت به حين كان الانسحاب أريح.

تذكرهم كلما نهضت. تذكرهم وأنت تعود إلى الضوء. فلا شيء أقسى من أن تستعيد عافيتك ثم تنسى الذين سهروا على جراحك. ولا شيء أنبل من أن ترد الوفاء وفاءا، وأن تجعل حضورك في حياتهم يقينا كما كانوا لك يقينا في العتمة.

لا تنسي:

من اختضنوا هشاشتك، وصدقوك أكثر مما صدقوا أنفسهم. ومن صفقوا لك حينما وصلت. ومن واسوك حينما أوجعتك الحياه. من طمأنك في لحظات خوفك وشتاتك. من زرعوا في قلبك الأمل في لحظات اليأس والقنوط.. من بكوا معك وضحكوا معك.

لا تنسي

من كانوا امتدادا حقيقيا لذاتك.. ومن احترقوا من أجل سعادتك.. ومن جعلوك الحجه التي من اجلها تستخق الحياة ان تعاش ..

من جعلوا فكرك يثمر من جديد. وانبثقت في روحك ينابيع لم تكن تعلم أنها باقية

 وبحثوا معك عن لحظات حقيقيه تمنح لوجودك معنى.. من رأوا كل لحظه بدونك هي لحظات ناقصه.. تشبث بهم كما يتشبث النور بظله. والعمر بأسباب بقائه..

لا تنسي

من اقتربوا بما يكفي ليحترقوا قليلا كي تظل أنت مضيئا.

من اقتسموا معك القلق،لا ليبحثوا له عن حلول بل ليشاركوك نفس الألم.  من تحملوا ارتباكك، وصبروا على تقلباتك،

لا تنسي

من كانوا لك كستره النجاه في بحر هائج. ومنديلا يمسح دموعك كلما بكيت. ودليلا كما تاهت خطواتك وفقدت الطريق

لا تنسي

من يفتحون نوافذ النور على روحك، من يشعرونك بأن الحياة رحبة والأيام باسمة.. من اهتموا بتفاصيلك الصغيره.. ماذا فعلت.. ماذا أكلت.. أين ذهبت

لا تنسي من شاركوك اجمل ذكرياتك وصنعوا لك ذاكره مليئه بالتفاصيل المبهجه

لا تنسى

الوجوه التي ترتبك أمام دموعك. اليد التي امتدت إليك، لأنها لم تكن يدا عابرة، بل كانت طوق نجاة. والقلوب التي احتمت بك واحتميتِ بها.

لا تنسي

من زرع زهورا في حقل قلبك المهجور وأحيا فيكِ رائحة الحياة. واقام في أعماق أعماقك بين الجذور. ومنحك دفئا لتزهر من جديد. لأن الروح تحيا بيد صادقة قبل أن تُحيا بالزمان أو الظروف.. وجعل من كل زهرة نقطة ضوء تتسلل عبر شقوق حزنك

أيها الأصدقاء.. احتفظوا بكل لحظة احتواء وبكل يد مسحت عنكم العثرات ... واحفظوا الوجوه التي أشرقت لكم حين أظلمت الدنيا... تفقدوا ساكني قلوبكم وأطمأنوا عليهم دوما. أولئك المختبئين في زوايا الروح. لعل أحدهم يكون قد اقترب من الحافة. فينقذه دفء السؤال

فالأشياء البسيطة عندما تأتي من شخص نحبه. تتضاعف قيمتها داخلنا ألف مرة .. اسأل عنهم كما سألوا عن تفاصيلك الصغيرة التي ظننتها تافهة، وكانت عندهم دليل حياة.

فالسؤال أحيانا فعل إنقاذ، والاهتمام شكل من أشكال المقاومة ضد القسوة..

لا تنسي

***

ابتهال عبد الوهاب

 

سألني قارئٌ عزيز: ما الداعي للمقارنة بين مفهوم «العدالة» في التراث العربي - الإسلامي، ونظيرِه في الفلسفة المعاصرة... هل نريد القول إن المفهومَ الأولَّ أدنى مستوى أو أضيق دائرة؟

وقد أجبته بأن «العدل» قيمة عليا مجردة، فهي سابقة على الدين والقومية وكل انتماء آخر. ربما يُدخل الدينُ تعديلاتٍ معينةً على مفهوم العدل أو تطبيقاته أو حدوده، لكن أصله يبقى مجرداً، فليست لدينا عدالة دينية وأخرى غير دينية، أو عدالة عربية وأخرى أعجمية.

وذكرت سابقاً أن مفهوم العدل قائم على أرضية المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات... قد يتضمن تعديلاً على المساواة، بزيادة هنا أو تنقيص هناك، من دون التخلي تماماً عن قاعدته الأصلية. ولذا لا نقول إن العدالة الأوروبية؛ مثلاً، أعلى شأناً من العدالة الإسلامية، كما لا نقول إن العدالة الإسلامية أعلى شأناً من نظيرتيها اليونانية أو الرومانية أو غيرهما. إنما هي تطبيقات مختلفة للعدالة، تتناسب مع أعراف زمانها، وما يفرضه الوضع الاجتماعي من إلزامات، كما تتلاءم مع توقعات الناس في هذا الإطار.

- حسناً... ما الذي يدعونا لهذا الكلام؟

الداعي لهذا الكلام هو ما أراه من ربط متكلف بين القيم العليا الإنسانية، ومقتضيات الهوية والانتماء، التي تلبس في غالب الأحيان عباءة الدين أو الاعتزاز القومي أو الوطني أو غيرها...

نحتاج إلى التأكيد دائماً على أن القيم العليا مجردة، بمعنى أنها في مكان مختلف عن النظم والآيديولوجيات والانتماءات والعقائد. هذا التأكيد ضروري؛ لأن تلك القيم شرطٌ لكرامة الإنسان وكمال إنسانيته... وأهمها العدالة والحرية والمساواة والتضامن الإنساني والنظام. هذه القيم مبجلة ومدروسة جيداً منذ أقدم الأزمنة، وقد عرفها الإنسان بوصفها لوازمَ للعيش، مستقلةً عن الأديان والانتماءات القومية والقَبَلية وغيرها، حتى قال بعض الأساتذة إنها جزء من الفطرة، بمعنى أنها موجودة في ذهن الإنسان عند ولادته. لكني لا أميل إلى هذا الرأي.

ويعرف الذين درسوا الفلسفة اليونانية أن نقاشاتها ومعالجاتها مفهوم العدالة والفعل العادل، قد أثرت في الفكر الإنساني بعامة، بما فيه الفكر الإسلامي. كذلك الحال بالنسبة إلى الفلسفة الصينية والهندية، ولاحقاً الإسلامية، التي أثر جميعها في الفلسفة الحديثة. بعبارة أخرى؛ فإن مفهوم العدالة بذاته كان مطروحاً للنقاش منذ زمن بعيد جداً، وقد توسع مع الزمن وتكرار تجربة الإنسان ومعارفه وتطلعاته. وبناء عليه؛ نقول إنه لا تصح نسبة القيمة المجردة إلى دين أو قومية أو مذهب أو غيره، فهي تبقى مشتركاً إنسانياً، تقبله جميع الأديان بما هو ومن دون وصف. ولا نعرف ديناً أو آيديولوجيا أو تياراً فكرياً أو سياسياً، في قديم الزمان وحديثه، يقول صراحة أو ضمناً إنه يرفض العدالة أو يعارض تطبيقها. مع أنه قد يقترح نماذج تفرغها من مضمونها لو استطاع، أو ربما يربطها بشروط خاصة مثل تقسيم الناس إلى مستحقين للعدل وغير مستحقين. هذه الالتفافات دليل على أنه لا يمكن رفض العدل أو إنكاره؛ لأنه قيمة مستقرة في أوائل العقول كما يقولون.

زبدة القول إذن نقطتان: الأولى أن العدلَ قيمةٌ عليا، وأن الالتزامَ بها والدعوة إليها علامةٌ على اصطفاف الإنسان في جانب الخير وأهل الخير. الثانية: أن العدلَ في زماننا أوسعُ نطاقاً وأعمقُ تناولاً لقضايا الإنسان؛ نظراً إلى اتساع حياة الإنسان وتوقعاته. إنسان اليوم يرفض أن يُقتل البشر أو يُعذبوا أو يهانوا، مهما كان السبب؛ لأن حياة الإنسان وكرامته باتت مصونة في العرف الاجتماعي والقانون. أي إن ذلك الفعل يعدّ الآن ظلماً حتى لو أتى فاعله بتبرير، بينما يخبرنا التاريخ أن فعلاً كهذا جرى تكراراً، وعدّه أهل ذلك الزمان فعلاً عادياً. ومثله المتاجرة بالبشر والسخرة، وأمثالهما. فهذا مؤشر على أن «مفهوم العدالة» و«تطبيقاتها» يتطوران بين زمن وآخر، بوصف ذلك انعكاساً لتطور المعرفة والعلاقات في المجتمع البشري.

***

د. توفيق السيف

 

بقلم: راشيل دونالد

ترجمة: د. صالح الرزوق

***

حوالي منتصف الصيف من هذا العام، سنرحب أنا وشريكي بطفلنا الأول في عالمنا. فكرت طويلا وبتأن إذا ما كان علي أن أتكلم هنا عن الموضوع، لأكسر قانون الخصوصية. لكن في النهاية أصبح من الصعب وبالتدريج أن أتابع الكتابة بدون الإشارة لما عزمنا عليه، لأنه لا يؤثر على تفكيري فقط ولكن أيضا على بحوثي. في الصيف الماضي بدأت بتكوين فكرة عن الاقتصاد التوليدي reptoductive (*إعادة الانتاج) بالمقارنة مع الاقتصاد المنتج profuctive: اقتصاد يعطي الأولوية للعمل التوليدي، ولاستطاعة كل شخص في المساهمة توليديا. العمل التوليدي، لا يعني أبدا إعادة إنتاج الجينات. ولكن أعني خلق الظروف المناسبة ببن الكائنات البشرية وروابط الدم المتينة بما يكفل الازدهار. وربما كان لاوعيي دائما يسبقني بخطوتين، لأنه قبل عدة أسابيع قليلة أدركت أنني لم أعد أخاف من الأمومة. وبحوثي التي تهتم بالطريقة التي نحمي بها جسم الأرض، تحولت إلى رغبة في رعاية وتطوير هذا الجسم، ثم إلى حاجة عميقة لرعاية وتطوير الأجسام التي أحب. وهذا يفسر كل العلاقات التي أقيمها، ويجهزني لبلورة هذه العلاقة الرائعة والجديدة التي في تتحكم في حياتي. إدراك أهمية العمل التوليدي، هو البوابة التي تدعم الحياة، وتنفي المخاوف الجياشة السابقة من فقدان الشخصية أو الوقت أو الحرية بسبب الأمومة. هذا ساعدني على فهم مقدار تورطنا في العمل التوليدي، ورعاية الأصدقاء والعائلة وحراثة التربة. وساعدني على الإحساس بالهدف من تلك العلاقات المتداخلة. ولكن في الحقيقة تسبب الحمل بوجهة نظر أضيق: ووتر العلاقة بين الأمومة وحركة تحرير المرأة. يفهم العديد من أنصار الأنوثة وهم أقلية أن الدخول في الاقتصاد الإنتاجي أحد طرق تحرير المرأة. ولكن إذا كانت الإنتاجية هي المفتاح - يكون الانحياز الضمني المتستر بالإيديولوجيات بدءا من الرأسمالية وحتى شيوعية الرفاهية المبرمجة كليا - هو الذي يؤدي دور العمل التوليدي الضروري لدعم مجتمع "الرفاه"؟. حتى في "شيوعية الرفاه المبرمج بالكامل" والذي يعمل على تحرير كل الشعب من عبودية العمل ويوزع على قدم المساواة المصادر بواسطة طبقة روبوتات، قد لا يخفي العمل التوليدي هرمية الجندر أو العرق على فرض أن العمل تؤديه امرأة لا نراها، ولكنه سيبقى مخفيا بسبب انتهاك جسم الأرض. كيف إذا نقدر العمل التوليدي عوضا عن البحث عن طريق للهروب؟.

تاريخ موجز للأقلية الأنوثية

الأنوثة الأقلاوية مخصصة باستمرار - وعلى نحو حرج - لتحرير النساء من العبودية التوليدية. وتأخذ العبودية التوليدية أشكالا مختلفة حول العالم (وهي الآن تحقق عودة مذهلة في الولايات المتحدة) ولكنها انتهت إلى سيطرة الرجال على أجساد النساء باعتبار أنها توليد وعمل يقود إلى إنتاج المجتمع. هذا يشير لما هو أبعد من مجرد ولادة الأطفال. فالرأسمالية تعتمد بالوراثة على استجرار العمل الحر من جماعات محددة، وبهذه الطريقة تتحرر جماعات أخرى، وتتحول إلى حصيلة إنتاج اقتصادي موجهة لمصلحة الاقتصاد. ببساطة: العمل التوليدي هو عمل غير مرئي يحافظ على حياة الناس، ليكون بمقدورهم الخروج إلى العالم وكسب النقود. وتقدم سيلفيا فيدريشي، التي أجريت معها مقابلة، تفاصيل ممتازة في كاليبان Caliban وويتش Witch عن الكيفية التي قادت جماعات العمل التوليدي في العصور الوسطى إلى محاكمة الساحرات، وإلى التسبب بتراجع هائل في استقلال المرأة: بالنسبة للنخبة أن تكون رأسماليا، يعني أن أجور معظم الرجال تضعهم في مرتبة العبيد، بينما تكون كل النساء في طبقة العبيد ذاتها. خلال ما يزيد على الخمسمائة عام الماضية، عانينا من التقابل بين العمل الإنتاجي والعبودية التوليدية. ونحن نفهم على نحو جيد لماذا سعت الأقلاوية الأنوثية منذ البداية إلى تحرير النساء من العبودية. على كل حال كان تحليلهم تاريخيا جدلا. فالأقلية المؤنثة دمجت العمل التوليدي مع العبودية التوليدية، والعمل الإنتاجي مع المؤسسة. وربما حصل ذلك لأن النساء اللواتي كتبن عن الأنوثة في القرنين الــ 18و19 كن أيضا ينتمين إلى طبقة النخبة التي وظفت الآخرين لأداء العمل التوليدي بالنيابة. ويمكن رؤية ذلك على أنه شيء يجب الهروب منه (ولا يزال ذلك هو الوضع حتى أيامنا هذه في عدد من الدوائر والحلقات). وفي هذا المناخ كانت سيمون دوبوفوار، عرابة الأنوثة الحديثة، تكتب. وقد مهد كتابها الشهير "الجنس الثاني" الطريق لكل من موجة الأنوثة الثانية، وحرفيا، نظرية المثليات queer التي قدمت لنا الكثير من أفكار الأقلية المؤنثة خلال العقدين المنصرمين. لم أنتهي بعد من قراءة حصيلة دوبوفوار، ولا يزال هناك وجهات نظر صحيحة ولفتات كتابية جميلة، وغالبا ما كشفت لي عن عدائها للمرأة والمقنع بحجاب رقيق. فهي تصف النساء بأنهن الأكثر هشاشة بين صف الإناث، وحذرت من أن تبقى النساء "مشوهات" بسبب الحمل، ونظرت إلى تطور الأجنة وكأنه عصيان وثورة للجسم. ولم يكن هذا مفيدا للمرأة. والأهم أن دوبوفوار لم تقارن فقط بين الإنتاجية والتوليدية، ولكنها وقفت ضد التوليدية على انفراد. وادعت أساسا أن جسم الأنثى هو وعاء يؤكد الجسم المذكر على نفسه أمامه، ولاحقا مجمل النوع، وهكذا تمر النساء بتجربة استسلام متطرفة. ونظرت إلى فضيلة المرأة على أنها نفي لمتطلبات شكلها، وهي متطلبات تعكس رغبة المجتمع، كما ألحت دائما، كما لو أن المجتمع وجسم الأنثى أقاما علاقة شراكة متينة تقمع معنى "المرأة" المحتمل والانتفاع منه. كما أنها ذكرت: أن النساء تعرضن خلال مسيرتهن في الحياة للتغريب عن أجسادهن حتى لحظة خروج دم الحيض منهن، وهنا "تتحرر من عبودية المؤنث... ولا تكون بعد ذلك فريسة سلطة تقلل من مكانتها: إنها الآن متصالحة مع نفسها". كانت دوبوفوار واضحة في فلسفتها طيلة حياتها. فقد رفضت مؤسسة الزواج والأمومة، وكتبت كثيرا كيف أن الطرفين كفلا عبودية النساء للرجال وعلى نحو أوسع للنوع. ومع عشيقها سارتر كانت تحمل النظرية الوجودية التي تزعم على نحو واسع أن حياتنا بلا معنى أو هدف باستثناء ما يمكننا التوصل إليه. ولكن برأيها إن خلق المعنى بواسطة الأمومة عرضة للتساؤل والشك: ففي أوقات العبودية الإنتاجية الحقيقية سألت نفسها هل كان إنجاب المرأة للأولاد بنتيجة خيار حر؟. بالتأكيد الأفضل دائما أن ينتمي الإنسان لفرديته المطلقة لينتج حياة تستحق أن يعيشها، كما فعل سارتر ودوبوفوار . وهذا الكلام عبارة عن استمرار أنيق لفلسفة الأنوار والتي وضعت ثقافة الإنسان فوق أي اعتبار، ورفضت حدود الأشكال الفيزيائية والتي نتغلب عليها في كل عقد بالقفزات التكنولوجية التي ضمنت للأوروبيين السيطرة التامة على بيئاتهم. ففي هذه البيئة فقط ولدت الوجودية، وهي فلسفة غلفت علاقة الكائنات البشرية مع العالم بإنجازات التصنيع، حتى تحققت كل احتياجات الأفراد، بحال أن الفرد غني بما فيه الكفاية، وذلك عبر العمل التوليدي، وأمكن "للعقول العظيمة" أن تتخطى البيولوجيا والمجتمع، حتى أصبحت هي نفسها القبطان الأول على متن سفينة المغامرات المعروفة باسم الحياة، المبحرة نحو شواطئ الأهداف والغايات المجهولة. استمرت هذه العقلية طيلة ثاني موجة من حركات أنصار الأنوثة، حيث كفل مكان العمل تحرير المرأة من الجو المنزلي. وبالتأكيد تحررت في عالم الأقلية العديد من النساء من أسر المنزل في ظل سياسات التجارة العالمية واقتصاد النيوكلونيالية، وضمن كلاهما تدفقا ثابتا للبضائع والعمالة الرخيصين. لكن هذه الحركة لم تحرر النساء من العبودية التوليدية - بل حولت ذلك إلى عمال مخفيين في عالم الأغلبية، وهكذا تمكنت النساء في عالم الأقلية من الدخول إلى القوة العاملة وخلق حصيلة اقتصادية. فالنساء الفقيرات والمصنفات عرقيا لسن الضحايا الوحيدات: لأنه تم غزو جسم الأرض أيضا، كي توفر لنا ما لا نملك وقتا لنوفره بأنفسنا. وهكذا استنزفت لتصنع الحضارة، مثلما استنزفت النساء للمحافظة عليها.

ضرورة أنصار الأنوثة الآن

الحضارة أسطورة لا تموت، وسياسة تحرير الأنوثة، وهي في عالم الأقلية، تعمل على وصول المرأة إلى كل زاوية من العالم لتحريرهن من دور الجندر، ولجعلهن مواطنات مشاركات وتتمتعن بالمساواة. وهذا يصدق أيضا على اقتصاد - الأنوثة. هناك اقتصاد أنوثي يتبع علاقات ميتافيزيقية بين المرأة والأرض لأجل توفير الرعاية والأمومة، فهما صفتان أساسيتان لدى أنصار البيئة. ويوجد هؤلاء الكتاب وهذه النشاطات غالبا في عالم الأغلبية، مثل فاندانا شيفا. من طرف آخر اقتصاد الأقلية الأنوثية والذي يرفض هذا الظرف لأنه اقتصاد أمومي، ولأنه حصيلة أفكار جنسية عن مكانة المرأة في المجتمع. في "ما بعد أمنا الأرض" تصر الباحثة شيرلين ماكروغير على أنه عوضا عن التركيز على مناقشات "تحتفي برعاية النساء للشعب والكوكب" علينا أن نحدد هوية سياسية جديدة، "مواطنة بيئية أنوثية". لهذه الهوية "إمكانيات تخولها كي تكون هوية سياسية إيجابية تسمح للنساء بالتعبير عن الاهتمامات المتعلقة بالجندر لأجل تحسين نوعية البيئة ولكن ذلك لا يربط النساء إلى الأبد (على وجه العموم) بفضاء الرعاية الخاص وبفضائل الأمومة". وأعتقد أن مقالة ماكرو غير الموجهة ضد ربط النساء الدائم "بفضاء خاص قوامه الرعاية وفضائل الأمومة" له دعامات وركائز. لكن المشكلة التي أواجهها هنا أنها تفترض أن الرعاية تتبع لفضاء خاص وحده. بهذه الطريقة هي تقابل بين العمل التوليدي والمواطنة، وتجعل الاثنين يبدوان كأن أحدهما يستبعد الآخر - وهذا استمرار ذكي لتأكيد دوبوفوار أن فردانية النساء كانت في النهاية وبشكل مطلق محدودة بمتطلبات العمل التوليدي. لكن هذه الفكرة لا ترى الغالبية العظمى من الوجود الإنساني، ولا تلاحظ أنه لا يمكن احتواء العمل التوليدي في جانب واحد من المزدوجة الجنسية. قبل اللامساواة البنيوية، كان عمل الجميع توليديا، وهو عند الجميع يشترك على نحو فعال في رعاية بيئاتهم، والحفاظ على علاقاتهم، وتطوير ثقافاتهم. من يصيد ومن يجمع* أصبح مشكلة غير هامة لأن كل عمل يهدف أساسا لرخاء المجتمع وبقائه. وربما هنا يجب فرض الانقطاع في المزدوجة الجنسية: ليس محو الفروق ولكن تناسق الغايات، فكل شخص يدلي فعليا بما يمكنه لبقاء مجتمعه المحلي وبيئته. وبالنسبة لي هذه هي الأنوثة التوليدية - أو لنلعب قليلا بمفهوم الاقتصاد التكويني، هذه هي الأنوثة التكوينية regenerative feminism وأعتقد أن استعادة العمل التوليدي أمر حرج لتحرير المرأة والأرض من متطلبات الإنتاج البطريركي. تابعت بفضول مستفيض انحياز النساء الشابات إلى اليمين وهجران الأنوثة، ربما لأنهن وجدن شيئا اغترابيا في الخطاب الأنوثي. وتكلمت مع أمهات يساريات وجدن أمامهن مكانا ضيقا للتماهي السياسي مع ما يعتقدن أنه واجب مهم في حياتهن: وهو تربية أطفالهن. وفتح عيوني شريكي، منذ أول لحظة، حين اعتبر أن المزدوجة الجنسية للعمل التوليدي، فعالة، وبنى قناعاته على أب كانت ثقافته تعتقد أن الرجال يؤدون كل أعمال الطهي والتنظيف. وخلال مناقشاتنا رأيت أن ما يقدمه كل منا بصفته أحد الأبوين متشابه ومتطابق. واعتبار الأبوة أنها عمل توليدي تراكمي - ومشترك ليس بيننا فقط ولكن مع أصدقائنا وعائلتينا - أصبحت فكرة الأمومة والأبوة توسع المجال عوضا عن أن تضيقه. وحينما أطلقت "موقع الكوكب: مقاربة نقدية"، لم أتمكن من تخيل زراعة وحصاد طعامي أو إمكانية الحياة في جماعة محلية، ناهيك عن أن أصبح أما. بدا كل ذلك العمل محكوما بالفضاء والوقت، وكان يبدو كأنه مطلب كبير جدا، ويحدد ما أثمنه كثيرا، وهو حريتي. والآن أحرص أن أكون قريبة من جسم الأرض، ومن أجسام أولئك الذين أحبهم. وأتطلع الآن لتخصيص أيامي من أجل تنمية تلك الأجساد وعقولها كذلك. ولذلك لا أرى أي خلاف بين تلك الرؤية وعملي. في الواقع بحوثي في مضمار الأنوثة الراديكالية هو ما قادني إلى هنا: وأكبر عمل يمكننا القيام به الآن هو توفير ظروف الازدهار حتى يتمكن من نحب، ومعهم العالم الأوسع، أن يعيشوا حياة لها معنى ورصيد. وهكذا عوضا عن وضع الإناث بمواجهة المواطنين، ماذا لو أصبح العمل التوليدي للجميع أساس المواطنة؟. وماذا لو أصبحت الهوية السياسية الجماعية ترتكز على تكوين متجدد لمجتمع موفور الصحة ومتكامل؟. وماذا لو أن نظرنا لم يكن في الاقتصاد الإنتاجي، الذي يضمن استقرار مستقبل جماعاتنا المحلية، وضمنا تلك التي هي أكثر من مجرد قرابة يحكمها الانتماء لبشرية واحدة؟. هناك مكان واسع للمتابعة الثقافية في عالم من هذا النوع، كما بينت لنا سياسة المجتمعات الأصلية المتساوية. وهناك مجال واسع للأدب والفن، والطب والرحلات. وهناك أيضا مجال لحركات الدفاع والتمرد. لكن ما ليس له مكان هو الضغط والهيمنة والاستنزاف. لا مكان للربا، ولا للتحيز والتمييز. وعلاوة على ذلك لا مكان لأوهام الفردانية: نحن لا نكون أنفسنا بمبادرة من طرف واحد، فقد أصبحنا معا كتلة واحدة. فالتحرير يوجد في الروابط التي توحدنا.

***

.......................

* عبارة تدل على التخصص في المهام والعمل حسب الجنس. فالرجل يصيد والمرأة والأولاد يجمعون الفواكه والنباتات.

** راشيل دونالد Rachel Donald صحافية مهتمة بشؤون البيئة والكوارث. تحرر موقع "الكوكب: مقاربة نقدية". الترجمة من موقع زد نيت وورك.

تتمحور المعضلة الجوهرية للوعي الأخلاقي في سياقه المعاصر حول التداخل المعقد بين تجليات القوة المادية المشوبة بالانحلال القيمي، وبين الانكسار الوجداني الذي يتخذ طابعاً متعالياً. إن دراسة "العظمة القذرة" و"العار السامي" تتطلب فحصاً دقيقاً لآليات تشوه الوعي الأخلاقي، حيث لم تعد القيم تعمل كبوصلة مطلقة، بل أضحت خاضعة لعمليات إعادة تدوير جمالية وسياسية. يمثل الوعي المشوه حالة يغيب فيها الاتساق بين الفعل والقيمة، مما يؤدي إلى ظهور أنماط وجودية تجد في القذارة جلالاً، وفي العار رفعة، وهو ما يشكل جوهر هذه المقاربة التي تستند إلى معطيات غيبية وتاريخية وجمالية.

 التشوهات اللاهوتية وجدلية القدرة

ينبثق الوعي الأخلاقي المشوه تاريخياً من نقاشات غيبية (لاهوتية) عميقة حول طبيعة الإنسان وقدرته على الفعل الأخلاقي. برزت قضية "القدرة" كمرتكز لفهم المسؤولية؛ حيث يؤكد بيلاجيوس أن الإنسان يمتلك قدرة ذاتية على فعل الخير، مما يمنحه سيادة أخلاقية مستقلة. في المقابل، يجادل أوغسطينوس ومارتن لوثر بأن هذه القدرة منعدمة خارج إطار "الاتحاد الجوهري" مع المصدر المطلق، مشبهين العلاقة بين الخالق والمخلوق بالعلاقة بين الجذع والأغصان؛ فبدون الجذع تذبل الأغصان وتفقد ماهيتها الأخلاقية.

هذا الانقسام يؤسس لملامح "العظمة القذرة"؛ فعندما يتوهم الوعي امتلاك قدرة مطلقة منفصلة عن جذورها القيمية، فإنه يبني عظمة زائفة. إن التمييز بين النظام الطبيعي والنظام الروحي يضع الوعي في مأزق؛ فالفرع الطبيعي لا يمارس قدرته الخاصة، بل يستمدها. ومن هنا، نجد أن الحركات المتطرفة، مثل طائفة "الأبجديين" إبان عصر الإصلاح، بلغت ذروة التشوه برفضها لكل أشكال التعليم البشري، بحجة أن الإلهام الروحي وحده الكافي. جسدت هذه الطائفة نوعاً من "العظمة القذرة" التي ترى في الجهل المطلق رفعةً، وفي رفض المعرفة نقاءً، وهو ما يعكس كيف يقلب الوعي المشوه الرذيلة إلى فضيلة.

العظمة القذرة في سياق المادية والاغتراب

تنتقل العظمة القذرة من السياق الغيبي إلى المادي، حيث تصبح القوة التقنية والضجيج الصناعي رموزاً لعظمة بشرية مشوبة بالفساد الروحي. هنا، تبرز الرؤية الماركسية لتكشف أن هذه العظمة ليست إلا نتاجاً لعملية "الاغتراب"؛ فالعظمة المادية التي تتباهى بها الحداثة الرأسمالية هي عظمة "قذرة" في جوهرها لأنها تقوم على استلاب العامل وفصله عن ذاته ونتاج عمله. يرى كارل ماركس (في مخطوطات 1844) أن الوعي المشوه يقدس "صنمية السلعة"، حيث تصبح الأشياء ذات جلال، بينما يُختزل الإنسان إلى قوة عمل مستلبة.

يتجلى هذا المفهوم عند معاينة الضجيج الصناعي الذي ميز القرن التاسع عشر. يطرح هانز يواكيم براون تساؤلات حول "الأذن الصماء" تجاه الضجيج، حيث كان يُنظر إليه كعلامة على التقدم رغم تدميره للحواس. إن الوعي المشوه يعتبر أن "الاهتزازات" والقوة المادية هي الغاية القصوى، وهي "قذرة" لأنها تقوم على استراتيجيات النفي، حيث تُغرق المحاولات الإصلاحية الهادئة لصالح خطابات صاخبة تقدس الإنجاز المادي. هذا التوجه يخلق فجوة بين "العظمة" المجتمعية و"القذارة" الأخلاقية المتمثلة في تجاهل المعاناة الإنسانية، وهو ما يتسق مع نقد تيودور أدورنو في "جدل التنوير" حول توحش العقل الذي يسحق الفرد باسم المجموع.

 جدلية التقدم والزيف في الفكر المعاصر

يرى برونو لاتور أننا "لم نكن حديثين أبداً"، وهو طرح يفكك العظمة المدعاة للحداثة. الحداثة في نظره شبكة معقدة، وما نعتبره "عظمة" تقنية هو نتاج وعي يفصل بين العلم والأخلاق. كما أن "التفاؤل السياسي" الذي يناقشه والتر لاكور يعمل كغطاء لهذه العظمة، حيث تُزيف الحقائق للحفاظ على صورة إيجابية خادعة، مما يعمق تشوه الوعي العاجز عن رؤية القبح خلف ستار "التقدم". الوعي هنا يمارس "الوعي الزائف" بتعبير جيورجي لوكاش، الذي يمنع الطبقات المسحوقة من إدراك بشاعة وضعها تحت بريق العظمة العمرانية.

العار السامي: استعادة الأخلاق عبر الانكسار

في مقابل العظمة القذرة، يبرز "العار السامي" كاستجابة أخلاقية وجدانية. العار هنا ليس مجرد شعور بالنقص، بل تجربة "جليلة" تفكك الكبرياء الزائف. إن الشخص الذي يختبر العار السامي يمر بحالة من "ارتباك القوى العقلية"، تظهر جسدياً في "الخجل". هذا الارتباك يمثل لحظة الحقيقة؛ حيث يصبح العار "سامياً" عندما يواجه الإنسان نزواته وتكلفه الاجتماعي، مما يدفعه نحو التطهير.

في الأدبيات الفيكتورية، يُصوّر العار كقوة تفكك السلام المزيف لتكشف العيوب الكامنة. إن العار السامي هو اللحظة التي يدرك فيها الوعي قبحه الخاص، وهذا الإدراك فعلٌ "سامٍ" لأنه يفتح باب الإصلاح والرعاية، وهو ما يتقاطع مع رؤية سورين كيركغور حول "القلق" كطريق وحيد للارتقاء فوق الوجود المبتذل.

العار السامي والجماليات المضادة

يُعالج "العار السامي" في الدراسات المعاصرة كأداة لفهم الهويات التي تقاوم الخطابات السائدة. يُنظر إلى العار كفضاء جمالي لاستكشاف المتعة والحب بعيداً عن ضغوط "العظمة" الاجتماعية الزائفة. يتخلى العار السامي عن "قوة الجدل" لصالح "التأمل الهادئ". وبدلاً من السعي نحو عظمة قذرة قائمة على استبعاد الآخر ونفي الضعف، يتجه الوعي نحو عار سامٍ يقر بالضعف الإنساني ويحوله إلى منطلق للحب والتعاطف، محطماً بذلك أصنام القوة التي نصبتها المادية الحديثة.

 آليات الإنكار وآفاق المستقبل

يعمل الوعي الأخلاقي المشوه عبر "استراتيجيات النفي والشك" لتبرير العظمة القذرة وقمع أي شعور بالعار. تعتمد هذه الآليات على تحويل الانتباه من الجوهر الأخلاقي للفعل إلى مظهره وقوته التأثيرية. إن استخدام "المنهج الوثائقي" (كما اقترحه بول أوتليه) قد يُستخدم لتعزيز "العظمة القذرة" عبر إغراق الوعي بالبيانات الجافة وتجريدها من سياقها الإنساني. وهنا تبرز أهمية "نظرية اللعب" في الفكاهة؛ فالضحك وسيلة لمواجهة الجدية الزائفة للعظمة وكشف تناقضاتها.

إن مسار الوعي في المستقبل يعتمد على قدرته على التحول من تقديس "العظمة القذرة" إلى استيعاب "العار السامي". العظمة التي تتجاهل الاتحاد مع القيم المطلقة محكوم عليها بالفساد. في المقابل، فإن العار الذي يقود إلى الخجل يمثل بداية الوعي الحقيقي. إن "الاهتزازات" التي يجب أن نسعى إليها ليست اهتزازات الآلات، بل اهتزاز الضمير أمام قبحه الخاص، ليجد في هذا الارتجاف طريقاً نحو السمو. النجاة الأخلاقية تكمن في القدرة على رؤية القذارة في العظمة، والسمو في العار، مما يتطلب ثورة في الوعي تجعل من "الخجل" فعلاً من أفعال البطولة الفلسفية.

***

غالب المسعودي

....................

مراجع

أوغسطينوس: الاعترافات (بحث في الإرادة والنعمة).

ماركس، كارل: مخطوطات 1844 (تحليل الاغتراب المادي).

أدورنو، تيودور: جدل التنوير (نقد العقل الأداتي والضجيج الصناعي).

كيركغور، سورين: مفهوم القلق (حول السمو عبر الانكسار النفسي).

لاتور، برونو: نحن لم نكن حديثين أبداً (تفكيك أوهام الحداثة).

تطرح موضوعة الخيال أمام الباحث عدة أسئلة، خصوصاً في الحقل الفلسفي؛ إذ يتبادر إلى الذهن سؤالٌ أوّلي مفاده: هل الخيال، باعتباره مفهوماً فلسفياً بله جمالياً، متأثل في الثقافة العربية أم أنّه وافد من حضارات الجوار؟ بالعودة إلى المعجم العربي بوصفه الوعاء الذي يضم كل الخزانة اللغوية التي نطق بها العرب في جاهليتهم قبل التقائهم بشعوب الجوار، وأخصّ الحضارة الإغريقية الرومانية، أي قبل الاطلاع على التراث اليوناني خلال فترة الترجمة والتدوين التي عرفتها دولة الخلافة الإسلامية. نجد هذا الوعاء المعجمي يتناول عبارة الخيال ويحدّد لها جملة من المعاني والدلالات التي يتقاطع فيها مع عبارات ومفاهيم كثيرة من قبيل: الطيف والتوهّم والظنّ والتشبّه والتصوّر والتوسّم والتفرّس وعمّا يدور بخَلَد الإنسان أو ما يشبّه له سواء أكان في اليقظة أم في النوم، أو ما يوهم بوجود شيء واقعي وهو غير موجود إلا في الذهن. والملاحظ أنّ كل هذه العبارات ترتبط في جوهرها بالصور الحسية التي تحصل عن طريق الإدراك الحسي؛ أي أنّ المتخيّل هي صورة ذهنية حاصلة عن طريق حاسة البصر في أغلب الحالات.

ما يتأكد من خلال هذا الوعاء المعجمي أن العرب عرفوا الخيال وما يتقاطع معه من معاني، سوى أنّ المعنى الذي رافقه لم يعرف انزياحاً عن دلالته التوهّمية. تتجه هذه الدلالة إلى أنّ الخيال هو استحضار صورة الشيء المتخيَّل بعد غيابه. من جهة أخرى، أكدت جل الدراسات الإثنوغرافية والأنثروبولوجية وكذلك الدراسات والأبحاث التي أفضت إليها العلوم الاجتماعية والإنسانية أن كل الجماعات البشرية لها خيالها ومتخيلها. يعمل هذا الخيال الجمعي على تحديد هوية الجماعة ثم يساعدها على إثبات وجودها داخل المجتمع الإنساني؛ إذ نستطيع أن نقول بأنّ الخيال هو مفهوم كوني إنسانيّ، وبالتالي فإنّ الإنسان كائن خيالي Homo imaginatus.

حين حصل الاحتكاك بشعوب الجوار ونشطت ترجمة الفلسفة اليونانية، كان بديهياً أن تنتقل مفاهيم ونظريات إلى الثقافة العربية مما أنتجه فلاسفة الإغريق في مختلف المجالات ومنها موضوع الخيال. لقد انضاف إلى المفاهيم السابقة للخيال معنى جديداً حيث صار الحديث عن الخيال بوصفه ملكة وقوة لدى الإنسان تعمل إلى جانب باقي الملكات الإدراكية في تحصيل المعرفة. حول هذه القوة الإدراكية "المُتخيِّلة" ودورها في تحصيل المعرفة وبلوغ الحقيقة؛ نجد رأيَيْن بارزيْن رسما تاريخ الخيال حتى يوم الناس هذا.

الاتجاه الأول: تزعمه أفلاطون الذي قلّل من شأن الخيال واعتبره لا يوصل إلى حقيقة، وأنّ كل معرفة صادرة عنه فهي زائفة ومغلوطة. فكان من نتائج هذا الرأي، طرد أفلاطون الشعراء والفنانين ومَن يتعقب خطاهم من الجمهورية، وجعل على رأسها زعيماً يحكمها من الفلاسفة؛ مع لفت الانتباه أن أفلاطون غفَل أو تغافل عن دور الخيال الذي قاده إلى تصوُّر جمهورية على مقاسه والتي لم تتحقق في الوجود، لا في زمانه أو في الزمان الذي جاء بعده. فظل ذلك الأمل يراود الفلاسفة والمفكرين إلى يومنا هذا في تخيّل يوتوبيات لم توجد إلّا في الخيال.

أما الاتجاه الثاني: فتزعمه أرسطو تلميذ أفلاطون، هذا الذي اعتبر الخيال والمخيلة عنصراً من العناصر الموصلة إلى الحقيقة وتحصيل المعرفة. أجد أن أصحاب هذا الرأي على جانب قوي من صحة رأيهم.

ظلّ الخيال، منذ زمان أفلاطون وأرسطو، في جدلية دائمة يتجاذب أطرافها هذان الرأيان حتى تقدم البحث العلمي في الفترة المعاصرة ليؤكّد على أهمية الخيال في المساهمة في تحصيل المعرفة والتحفيز عليها. مجمل القول إنّ الخيال يرتبط بالوجود الإنساني وهو كونيّ من دون شك. وما دامت الجماعات البشرية في حل وترحال وحركتها دائبة لعدة أسباب، إن على المستوى الفردي أو المستوى الجماعي، وخلال هذه الحركة يحدث بين الشعوب أخذ وعطاء ومقايضة مادية وفكرية، وبالتالي فإن الخيال يعبر من هنا، وتحصل المثاقفة بين الجماعات، مع إلباس المفاهيم المنقولة بلباس بلد الاستقبال. يجدر القيام بالتنقيب والبحث في الخزانة العربية للوقوف عن كيفية تعامل المفكر العربي مع مفهوم الخيال وذلك من خلال الانكباب على إعداد موسوعة عربية همُّها رصد الخيال ومرادفاته مع تحديد تجلياته على المستوى الفكري والمعرفي ومدى تأثيره في تشكيل المتخيل العربي والإسلامي.

 ***

 بقلم: محمد رزيق/ الدار البيضاء

 

رحلة ابن فضلان والمخطوطات العربية والرحلة الدَنمركية الى اليمن السعيد في القرن الثامن عشر

بروفسوران ودكتوران وملازم ومستشرق في جولة عربية لا يعود منها حيا غير واحد منهم

***

إذا أردنا ان نؤرخ للعلاقات العربية الدَنمركية، فلابد لنا من التطرق الى ثلاث ظاهرات هامة:

الأولى: رحلة بن فضلان إلى بلاد البلغار والثانية المخطوطات، اما الثالثة فهي الرحلة العربية 1761-1767 الى اليمن. وقد ترجمها الى الدنمركية المستعرب البروفيسور يورجِن بيك سيمونسِن، ونلقي الضوء هنا على المخطوطات والرحلة الدَنمركية الى اليمن السعيد.

الظاهرة الثانية: المخطوطات العربية في الدَنمرك: يكاد لا يخلو بلد من بلدان العالم من المخطوطات العربية، بغض النظر عن قِدمها وأهميتها. ولكن قد يكون لوجود المخطوطات العربية في الدَنمرك غرابته، وقد يصاب المرء بالدهشة عند اطّلاعه عليها، بسبب بُعد هذه الجزر عن العرب وصغرها قياسا الى بلدان اخرى مثل روسيا وبريطانيا مثلا، اللذين تميزا بعلاقات قديمة مع الشرق والمسلمين.

 ومع ذلك فان المكتبة الملكية الدَنمركية تمتلك مجموعة قيمة من المخطوطات العربية، تعتز بها وتعتني بها عناية كبيرة وتقدم كل التسهيلات لكل من يرغب بتحقيقها.

 نذكر من هذه المخطوطات على سبيل المثال لا الحصر: إتحاف الإخصاء بفضائل المسجد الاقصى، أزهار الروضتين في أخبار الدولتين، أنوار العقول في أشعار وصي الرسول، بانت سعاد، دفتر الكتب في جامع الأزهر، ديوان ابي الحسن عمارة بن ابي الحسن، ابن الخياط، ابن المعتز، ابن الفارض، ذكر بلاد أفريقيا ولماذا سميت أفريقيا، المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار، وغيرها الكثير من المخطوطات التي تناولت التاريخ والفقه والسيرة والادب والحياة الاجتماعية عند العرب.

من أين جاءت هذه المخطوطات وكيف؟

قد يكون لهذا التساؤل اهمية خاصة عندما يدور الحديث عن دول الشمال مثل الجزر الإسكندنافية لبعدها كما قلنا، لكنه السحر العربي والشرقي وراء اقتناء هذه المخطوطات والرغبة في اكتشاف هذا العالم المليء بالمعلومات والجوانب الحضارية والتاريخية. وهذا بالذات هو ما دفع الملك الدنمركي لاحقا الى تشجيع بعثة علمية ودعمها للتوجه الى اليمن السعيد. وهو ما سنتحدث عنه فيما بعد في هذا المقال.

وعلى الرغم من أنه لا يمكننا المبالغة والقول بان هذه المخطوطات تضاهي نظيراتها في بلدان اخرى مثل روسيا، التي كتب عنها المستشرق الروسي أغناطيوس كراتشكوفسكي ويهتم بها ويحققها "جيش" من الباحثين المستشرقين المسلمين والروس وغيرهم.

مخطوطات المكتبة الملكية ليست نادرة، إذا ما استثنينا بعضها مثل مخطوطة تتحدث عن تاريخ اليمن وتعد من الوثائق المهمة للغاية، او مخطوطة دفتر الكتب في جامع الازهر، التي تعود الى عام 1762 ونسخ القرآن الكريم وتفسيره للبيضاوي. وقد صدر أول فهرس لهذه المخطوطات عام 1851 متضمنا 309 مخطوطة عربية، ثم صدر فهرس اخر عام 1857 شاملا كل المخطوطات.

ولكن من يقوم يا ترى بتحقيق هذه المخطوطات؟

إنه سؤال محير، لا سيما وأننا نتحدث عن دولة صغيرة ومغلقة إلى حدّ ما مثل الدَنمَرك، لديها إمكانيات كثيرة لكنها محدودة وتتحرك ضمن قوانين بيروقراطية وتكاليف مادية باهظة فيما إذا رغب أحد المتخصصين هنا بتحقيق مخطوطة ما وطباعتها فيما بعد.

عدد الاختصاصين المستشرقين الدنمركيين قليل جداً، أما الأكاديميون العرب أصحاب الشهادات العليا القادمون حديثا الى هنا فيلاقون تهميشاً وصعوباتٍ وحواجزَ كثيرةً فينصرفون عن تحقيقها لاسباب كثيرة.

ومع ذلك فقد ظهر بعض المستشرقين الدنمركيين الذين حققوا واستخدموا بعض المخطوطات. نذكر من هؤلاء الاستاذ يورجين بيك سيمونسِن، المدير السابق لمعهد كارستن نيبوهور للدراسات الشرقية، الذي كتب اطروحة دكتوراه في التاريخ عن الخراج الإسلامي واستعان بمخطوطات اخرى في دراسته الاكاديمية.

وكان من قبله المستشرق المعروف يوهانس بيترسن قد حقق قبل أكثر من ثلاثين سنة مخطوطة "طبقات الصوفية" للسلمي ونشرها في كتاب مستقل، الا انها لم تترجم الى الدنمركية، لكن الحديث عن تحقيق هذه المخطوطات يقودنا الى الكلام عن العلاقات العربية الدنمركية وبداياتها، مثل تعليم اللغة العربية في جامعة كوبنهاغن في القرن الخامس عشر.

ظهرت ضرورة تدريس اللغة العربية بسبب الدراسات اللاهوتية والعبرية والسريانية من اجل فهم الإنجيل واعادة تفسيره وفهمه جيدا. ودراسة العربية كانت جزءا من هذه النشاطات الدينية في اغلب الدول الاوروبية الغربية بما فيها الدَنمَرك.

اما ملك الدَنمَرك فريذريك الثالث فقد حصل عام 1664 على هدية كبيرة هي القرآن الكريم، ولم يُعرف عن الدنمركيين كُرهُهُم للعرب أو عدوانيتهم لكن بعضهم شاركَ كمسيحيين في الحروب الصليبية ضد المسلمين، ولهذا فان نشاطاتهم الاستشراقية كانت لأسباب علمية ولحب الاطلاّع عليهم.

وهناك مخطوطات عربية وصلت عن طريق السياح الأوروبيين والمسافرين، أو بسبب الحروب المختلفة مثل الحرب الروسية- التركية. وتوجد في المكتبة الملكية حوالي 43 نسخة من القرآن الكريم وكلها من المجموعات القديمة. ويبلغ عدد المخطوطات العربية هنا حاليا حوالي 500 مخطوطة.

والظاهرة الثالثة هي الرحلة العربية، بعثة بمنظار علمي:

يمكن القول إن الاهتمام بالعرب وحضارتهم توج بقرار ملك الدَنمَرك والنرويج فريذريك الخامس بتمويل رحلة يقوم بها مجموعة من الاختصاصيين الدنمركيين وغيرهم الى اليمن السعيد.

كان ذلك عام 1756 وتقرر فيما بعد ان تضم الرحلة كلا من البروفيسور فريذريك كريستيان فون هافن وهو متخصص في علوم اللغة، والبروفيسور بيتروس فورسكول عالم الطبيعيات والنبات، والملازم المهندس المتخصص بالرياضيات المستشرق الالماني كارستين نيبوهر والرسام جورج باورينفانيد والدكتور كريستيان كارل كراكرة، إضافة الى السويدي بيرك كرين. وقد توفى الجميع في هذه الرحلة ولم تُكتب النجاة الا لنيبوهر حيث تمكن من الاستمرار في الرحلة قاصدا عمان، بلاد فارس، العراق، سورية، قبرص، القسطنطينية، أوروبا ثم الدَنمَرك حيث وصلها سالما عام 1767، اي بعد ستة اعوام حيث بدأت الرحلة العربية عام 1761.

هذا وقد اتحفَ الكاتب الدنمركي توركل هانس المكتبة الدنمركية بكتابه القصصي الجميل رواية "العربية السعيدة" حيث اصدرها عام 1962م ومن المؤسف انها لم تترجم الى العربية حتى وقتنا الحاضر.

اما المستشرق ستيج راسموسين فقد عمل منذ عام 1984 حيث زارت ملكة الدَنمَرك مارغريته الثانية المملكة العربية السعودية فقام بجمع كل ما يمكن جمعه من مخطوطات ووثائق عن هذه الرحلة وغيرها. وقد تمكن من انجاز كتابه الكبير:الرحلة العربية 1761-1767 عام 1990

وقد أصدرته دارمونك سكورد ويقع في 413 صفحة من القطع الكبير والورق الصقيل وتضمن المعلومات الكاملة عن رحلة كارستين نيبور الى العرب وجميع اكتشافاتهم ورسومهم وانطباعاتهم عن العرب والمسلمين.

أصبح كارستين نيبوهر علما بارزا في الاستشراق الدنمركي، يحمل اسمه أكبر معهد للدراسات الشرقية في الدنمرك، حيث تدرس العربية وعلومها ويحصل طلابه على شهادات اكاديمية فيها.

وأود أن اشير في نهاية هذا المقال إلى أني كنت في بداية التسعينات أرغب في ترجمة هذا الكتاب، "الرحلة العربية 1761-1767" وطلبت دار نشر مونك سكورد مبلغا كبيراً جداً، الا ان الكتاب لا يقدر بثمن وسيكون صغيراً لو بادرت كل المؤسسات العربية الثقافية في كل الدول العربية بالمساهمة في جميع المبلغ، او على الاقل التوجه الى الدار والبحث في إمكانية التفاهم معها حول هذا الموضوع.

ولابدّ من الإشارة هنا إلى سفارة الشاعر والسياسي العربي الأندلسي الشهير يحيى الغزال إلى الدنمرك في منتصف القرن التاسع بعد انتصار الأندلسيين على الفايكينج -القراصنة، والتقائه بقائدهم هوريك والملكة نود. لكن رحلة ابن فضلان ذات أهمية خاصة باعتبارها من أولى الوثائق الإثنوغرافية التاريخية التي سلطت الضوء بالتفصيل على تقاليد شعوب تلك المنطقة وطقوسهم بمن فيهم الفايكينج-القراصنة (الإسكندنافيين)، حيث سنحت لابن فضلان الفرصة لوصف مراسيم دفن احد قادتهم بالتفصيل.

***

د. زهير ياسين شليبه

.............................

- مقال قديم من التسعينات، نُشر في إحدى الصحف العربية

لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

لا ينبع هذا المقال من رغبة في جلد الذات، ولا ينطلق من نظرة تشاؤمية سوداوية تجاه وطن يمتلك تاريخاً ضارباً في عمق الحضارة ومكانة محفورة في ذاكرة العلم الإنساني منذ العصور السومرية التي خطت أول الحروف، وصولاً إلى العصر العباسي الذي جعل من بغداد قبلة العالم العلمية. إن الوقوف السلبي على أطلال الماضي لم يعد كافياً لبناء مستقبل، واستبدال الحقائق المريرة بالشعارات العاطفية الرنانة عن "عبقرية الإنسان العراقي" دون توفير البيئة الحاضنة له، لم يزدنا إلا غرقاً في مستنقع التخلف التقني والتبعية العلمية المطلقة. لذا، تأتي هذه السطور كإسهام في، تنوير الطريق، للأجيال القادمة، ليس عبر تزييف الواقع أو تجميله، بل من خلال كشف العوائق البنيوية والمؤسساتية العميقة التي كبّلت نهضتنا وعطلت ماكنة العقل العراقي عن الدوران في جسد الدولة الحديثة.

إنني اؤمن يقيناً بأن معرفة أسباب الفشل هي أولى خطوات النجاح، وأن المصارحة القاسية هي أسمى أنواع الوطنية في زمن سادت فيه المجاملات السياسية المضللة. فمن دون تشخيص دقيق وعلمي للمحنة التي نمر بها، ومن دون تفكيك العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي جعلت من بلادنا بيئة طاردة للابتكار ومقبرة للطموح، ستبقى كل محاولات التغيير مجرد صرخات في وادٍ سحيق أو حرث في البحر. إن الهدف الجوهري هنا هو وضع خارطة طريق ذهنية للأجيال الشابة، ليفهموا طبيعة القيود المعقدة التي منعت آباءهم من اللحاق بركب التطور العالمي، عسى أن يمتلكوا هم الوعي الكافي والجرأة اللازمة لتحطيم هذه الأغلال وبناء عراق جديد لا يكتفي بدور المستهلك السلبي لتكنولوجيا الآخرين، بل يفرض نفسه كمنتج ومشارك في صنع الحضارة الرقمية الكونية.

أولاً: العلم كزينة اجتماعية لا كقاعدة بناء هيكلية

المشكلة الجوهرية التي تعيق انطلاقتنا تكمن في غياب الفلسفة الحقيقية للعلم في الوعي الجمعي والمؤسساتي، إذ لا يوجد تفهم حقيقي بأن العلوم هي العمود الفقري والقلب النابض لتطور الدول الحديثة، وليست مجرد برستيج بروتوكولي أو زينة تُجمل بها المؤسسات صورتها أمام المجتمع الدولي. في العراق، ساد مفهوم قاصر ومشوه يحصر قيمة العلم في الشهادة الأكاديمية بوصفها وجاهة اجتماعية (لقب دكتور أو أستاذ) أو مجرد ورقة قانونية لغرض الترقية الوظيفية وزيادة الراتب. لقد تحولت الجامعات، مع الأسف، من منارات للبحث العلمي والابتكار إلى مصانع ضخمة لإنتاج حملة شهادات يفتقر الكثير منهم إلى الحد الأدنى من المهارة التقنية التي يتطلبها القرن الحادي والعشرون، مما خلق فجوة هائلة بين ما يدرسه الطالب وبين ما يحتاجه الواقع المرير.

إن النهضة التكنولوجية الحقيقية تتطلب إيماناً مؤسساتياً راسخاً بأن المختبر هو الذي يجب أن يقود المصنع، وأن الأزمات الوطنية الكبرى – سواء كانت اقتصادية، بيئية، أو خدمية – لا تُحل بالخطابات الإنشائية، بل بالحلول التقنية المبتكرة القائمة على تحليل البيانات والبحث الرصين. ومع ذلك، يصطدم هذا الطموح بجدارٍ من الغياب التام لهذا الوعي في مراكز صنع القرار، حيث لا تزال البلاد تُدار بعقلية المحاصصة المقيتة والولاءات الضيقة التي تختزل الوطن في غنيمة، وتغرق في وحل تصريف الأعمال اليومية، متجاهلةً عن عمدٍ أو جهل الضرورة القصوى للاستثمار الاستراتيجي في رأس المال البشري  بوصفه النفط الحقيقي الذي لا ينضب.

أمثلة واقعية من قلب الأزمة:

معضلة الطاقة والكهرباء المزمنة: بينما تتسابق دول العالم نحو بناء شبكات ذكية (Smart Grids) وتوظيف الذكاء الاصطناعي لإدارة الأحمال وتوزيعها بكفاءة، يجد العراق نفسه أسيراً لقرارات مرتجلة تُفضّل الحلول المستوردة على بناء مراكز بحثية وطنية رصينة قادرة على إنقاذ قطاع الطاقة. ليس السبب عجزاً في العقل المحلي، بل لأن هذه العقود الخارجية تمثل القناة المثالية لاستنزاف الأموال وتحويلها إلى جيوب الفاسدين. والنتيجة الكارثية هي أن المناقصات، بعد أن تُنهب مواردها، تفقد القدرة على تمويل مشاريع جادة أو استيراد أجهزة متقدمة، فننتهي منظومات تقنية لا تصمد أمام التحديات، وببنى تحتية عاجزة عن إنتاج معرفة أو ابتكار، مما يكرّس حلقة مفرغة من الفشل التقني والتبديد المالي، ويُبقي العراق رهينة مختبرات وطنية متعثرة لا تواكب أبسط متطلبات العصر.

تآكل القطاع الصناعي والزراعي: بينما تستخدم دول العالم المتقدمة، تقنيات الزراعة الذكية القائمة على الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بعد، وتوظف علوم النانوتكنولوجي لتحويل الأراضي القاحلة إلى سلال غذاء كبرى، لا تزال مؤسساتنا الزراعية تقبع تحت رحمة تقنيات السبعينيات المتهالكة التي أكل عليها الدهر وشرب. الانفصام هنا يتخذ شكلاً مركباً، فبينما يعاني الطالب من مناهج دراسية متخلفة لا تزال تدرس مواضيع عفا عليها الزمن ولا تواكب القفزات الأكاديمية العالمية، تُصرّ الحكومة من جهة أخرى على تبني أساليب ري بدائية وسياسات زراعية تقليدية دون أي رؤية استراتيجية لربط ما يتبقى من فتات البحث العلمي بخطوط الإنتاج الزراعي. نحن أمام منظومة تعليمية تُخرج شباباً بمهارات منتهية الصلاحية تقنياً، ومنظومة تنفيذية تستورد تكنولوجيا هالكة مادياً، مما يجعل الحديث عن نهضة تكنولوجية في ظل هذا التضاد ضرباً من الخيال.

هدر الألقاب العلمية في البيروقراطية: يُحزننا أن نرى آلافاً من حملة شهادات الماجستير والدكتوراه في العلوم يعملون في وظائف إدارية روتينية، ككتابة الكتب الرسمية الصادرة والواردة أو الأرشفة اليدوية، بدلاً من انخراطهم في وحدات البحث والتطوير (R&D) التي تكاد تكون معدومة في وزاراتنا السيادية. هذا التوظيف الخاطئ يحول العلم من قوة منتجة للقيمة إلى عبء إداري ثقيل ومكلف على الدولة.

ثانياً: الفساد كمعول لهدم القيم العلمية والأكاديمية

الفساد في العراق ليس مجرد اختلاس أموال من خزينة الدولة أو رشاوي لموظفين صغار، بل هو سرطان قيمي وأخلاقي ضرب النخاع الشوكي للمؤسسة الأكاديمية والبحثية. إن أخطر أنواع الفساد هو ذلك الذي يتسلل إلى المحاريب العلمية، لأنه لا يسرق الحاضر المادي فقط، بل يغتال المستقبل عبر تدمير المعيارية وتزييف الوعي الجمعي. حين يصبح العلم سلعة تُباع وتُشترى في مزادات السياسة والمحاصصة، نكون قد أعلنا رسمياً وفاة أي أمل بنهضة تكنولوجية، فالتكنولوجيا هي ابنة الدقة، الأمانة، والشفافية، بينما الفساد هو ابن الزيف، التمويه، والفوضى.

لقد تحول الفساد الأكاديمي إلى منظومة تجهيل وتزييف منظمة، تتجاوز في خطورتها مجرد منح الألقاب والمناصب بناءً على الولاء الحزبي أو القرابة العائلية. إن الكارثة الحقيقية تكمن في أن هذه البيئة باتت تعاني من شحة حادة في المبتكرين الحقيقيين، فالمنظومة الحالية لا تكتفي بطرد الكفاءات، بل تمنع تشكلها أصلاً عبر تشجيع ثقافة الادعاء والتظاهر الكاذب. لقد خُلقت بيئة مشجعة للانتهازية العلمية، حيث يُكافأ من يتقن فن التزوير والسرقات الأدبية وادعاء المعرفة، بينما يُحاصر العقل التحليلي الجاد. هذا الواقع لم يترك الساحة شاغرة، بل ملأها بـ أشباه العلماء الذين يتقنون لغة الشعارات الأكاديمية وهم أبعد ما يكونون عن جوهر العلم، مما جعل المؤسسات العلمية مجرد مسارح للاستعراض الشكلي الذي يفتقر لأي أثر حقيقي على أرض الواقع.

أمثلة صارخة على الفساد الأكاديمي الممنهج:

تجارة الأطاريح والبحوث (الاقتصاد الأسود للمعرفة): انتشرت مكاتب علنية وسرية في محيط الجامعات تقوم بكتابة رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه مقابل مبالغ مالية معلومة. هذا الفساد لا ينتج باحثاً، بل ينتج، سارقاً أكاديمياً، يتبوأ لاحقاً مناصب قيادية، وهو لا يملك أدنى مقومات التفكير التحليلي أو الأخلاق المهنية، مما أدى إلى انحدار مرعب في مستوى التعليم العالي.

الشهادات الوهمية والممنوحة بالضغط السياسي: نجد في مفاصل الدولة العليا شخصيات تحمل شهادات عليا من جامعات غير رصينة أو وهمية تبيع الشهادات. والأدهى من ذلك هو الضغط الذي يمارسه المتنفذون على الجامعات الاهلية لمنح شهادات لأبنائهم أو أتباعهم دون استحقاق، مما كسر هيبة الأستاذ الجامعي وجعل الدرجة العلمية تخضع لمنطق القوة لا لمنطق المختبر.

فساد النشر العلمي (المجلات المفترسة): بدلاً من السعي وراء جودة البحث وأصالته، يلجأ الكثير من الأكاديميين للنشر في مجلات مفترسة (Predatory Journals) تمنح قبول النشر مقابل المال. الغرض هنا هو تجميع نقاط وهمية لغرض الترقية، مما جعل الأرشيف العلمي العراقي ضخماً في الكم ولكنه فارغ تماماً من القيمة الابتكارية أو التأثير العالمي.

السرقات العلمية والاستلال غير القانوني: تآكلت الأمانة العلمية بفعل التكنولوجيا التي سُخرت للنسخ واللصق. وحين تغيب العقوبات الرادعة أو يتم التستر على الفاسدين أكاديمياً بسبب حصاناتهم الحزبية، تصبح السرقة هي الطريق الأسرع والوحيد للنجاح، مما يحبط الباحث المجتهد ويقتله معنوياً.

ثالثاً: التيه بين المطرقة السياسية وسندان الموروث الاجتماعي

لا يمكن للعلم أن ينمو ويؤتي ثماره في بيئة يسودها الاضطراب وعدم اليقين، فالتطور التكنولوجي يحتاج إلى بيئة حاضنة توفر الحرية الأكاديمية والاستقرار الاستراتيجي. وفي العراق، نجد أن العقل المصطدم بجدارين صلبين يمنعان حركته:

تسييس المعرفة والمحاصصة الحزبية:  تحولت المؤسسات العلمية والتقنية في العراق إلى إقطاعيات حزبية مغلقة، حيث يُدار التعليم والبحث بعقلية الولاء لا بعقلية الكفاءة. عندما تُدار جامعة أو مركز بحثي بمنطق المحاصصة، يصبح الانتماء الأيديولوجي أهم من الإبداع العلمي، وتُختزل المعرفة إلى أداة للنفوذ السياسي. هذا التسييس لم يُنتج خططاً علمية أصلاً، بل قضى على إمكانية وجودها، فالمشاريع الكبرى التي تحتاج إلى تراكم واستمرارية لعقود – مثل برامج المياه، الطاقة النووية، أو الرقمنة الشاملة – لم تدخل يوماً في أجندة الدولة، لأن كل دورة انتخابية تبدأ من الصفر، بلا ذاكرة مؤسسية ولا رؤية وطنية.

العوائق الاجتماعية وسيادة التفكير التقليدي: يعاني المجتمع العراقي من انفصام حاد، فهو يستهلك أحدث منتجات التكنولوجيا (كالهواتف الذكية ومنصات التواصل) بشراهة، لكنه في الوقت ذاته يرفض العقلية العلمية التي أنتجت هذه الأدوات. إن غياب المنهج النقدي في التربية والتعليم منذ الطفولة جعل المجتمع يميل إلى التفكير الغيبي في مواجهة المشكلات التقنية. العلم يحتاج إلى بيئة تقدس السؤال والشك المنهجي، بينما بيئتنا الاجتماعية غالباً ما تمجد الامتثال والنقل، على حساب العقل، مما يجعل من الصعب توطين تكنولوجيا تحتاج إلى عقول حرة ومتمردة على السائد.

رابعاً: صناعة التبعية التكنولوجية الدائمة

إن الحديث عن نهضة العراق لا يمكن أن يُختزل في شماعة الضغوط الدولية أو الإقليمية، فالمشكلة الحقيقية كامنة في الداخل. العراق، رغم موارده الطبيعية الهائلة وعقول أبنائه التي أثبتت كفاءتها في الخارج، ظل أسيراً لعقلية كسولة تفضل الاستهلاك على الإنتاج، والارتجال على التخطيط، والولاء الحزبي على الكفاءة المؤسسية. المسؤولية هنا ليست مؤامرة خارجية، بل عجز داخلي عن تحويل الثروة إلى معرفة، وعن بناء مؤسسات قادرة على الاستمرارية والابتكار. والنتيجة أن العراق بقي محصوراً في دائرة الدولة الاستهلاكية، عاجزاً عن الانتقال إلى دائرة الدولة المنتجة التي تصنع مستقبلها بيدها.

1. هجرة العقول وشحة الكفاءات النوعية:  إن الكارثة في العراق ليست في عدد المهاجرين فحسب، بل في نوعية النزيف، ففي الوقت الذي تعاني فيه البلاد من شحة حادة في المبتكرين الحقيقيين بسبب بيئة الادعاء الكاذب، نجد أن القلة القليلة التي نجت من فخ التزييف ولم تلوثها منظومة الفساد الأكاديمي، تُدفع دفعاً نحو الرحيل. هذه العقول النادرة تصطدم في الداخل ببيروقراطية تقدس الولاء وتهمش الإبداع، فتجد نفسها مضطرة للهجرة نحو بيئات عالمية تحترم العقل والمنطق العلمي. النتيجة هي أن العراق يخسر النخبة النوعية التي كان من المفترض أن تضع حجر الأساس للنهضة.

2. تكريس التبعية وصناعة الفراغ التقني الوطني:  إن الحديث عن منح العقود لشركات أجنبية يكشف عن مأساة مزدوجة، فمن جهة، نجد غياباً شبه تام لشركات وطنية رصينة في مجالات البرمجيات أو الهندسة المتقدمة، لأن بيئة الفساد والمحاصصة لا تسمح بنمو قطاع خاص تقني ونزيه يقوم على الكفاءة والابتكار. ومن جهة أخرى، يجد صانع القرار في العقود الأجنبية الكبرى وسيلة مثالية لتمرير صفقات مشبوهة بعيداً عن الرقابة الوطنية الحقيقية، مستغلاً هذا الفراغ التقني المحلي الذي ساهم هو في صنعه. والنتيجة الكارثية هي أن الأمن القومي التقني للعراق — من بيانات واتصالات وبنية تحتية سيادية — يصبح رهينةً بالكامل لإرادات وقرارات خارج الحدود، لا لعدم قدرة العراقي على الإبداع، بل لأن المنظومة الحاكمة أجهضت فرص ولادة أي كيان تكنولوجي وطني يمكنه حماية سيادة البلاد الرقمية

خامساً: الفجوة الرقمية وأمية القرن الجديد

من المعوقات الصامتة التي نادراً ما يتم تسليط الضوء عليها هي الأمية الرقمية التي تضرب مفاصل الدولة. فبينما يتحدث العالم عن الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي، لا تزال معظم مؤسساتنا تعتمد على الورق والتوقيع اليدوي والبيروقراطية المملة. هذا التخلف الإداري ليس مجرد بطء في الإنجاز، بل هو عائق أمام أي تطور تكنولوجي، فالتكنولوجيا تحتاج إلى بيئة رقمية متكاملة لكي تنمو وتزدهر.

هل من ضوء في نهاية هذا النفق المظلم؟

إن هذا التشخيص، رغم مرارته وقسوته، ليس إعلاناً للهزيمة أو دعوة للاستسلام للواقع القائم، بل هو صرخة يقظة ضرورية. إن عملية التغيير في العراق ستبقى مهمة مستحيلة طالما ظلت هذه العوامل المعيقة (الفساد، التسييس، التجهيل) هي المهيمنة على مقدرات البلاد. ولكن، بمجرد أن تدرك الأجيال القادمة أن عدوها الأول ليس نقص الأموال، بل هو الفساد الأكاديمي، وتهميش العقل، حينها فقط سيبدأ المسار الصحيح نحو النهضة.

إن النهضة تبدأ من ثورة في الوعي ثورة تعيد للأستاذ الجامعي كرامته واستقلاليته، وللمختبر هيبته العلمية، وللكفاءة مكانتها الوحيدة في سلم الترقية. إن الطريق طويل وشاق، وصعوبة التغيير تكمن في عمق الجراح التاريخية والسياسية، لكن الوعي بحقيقة المحنة هو أول خيط في فجر الخلاص.

رسالة إلى الأجيال القادمة:

يا شباب المستقبل، إن كشف هذه الحقائق أمامكم ليس لزرع اليأس في قلوبكم، بل لتحديد مواقع الألغام التي يجب عليكم تجنبها أو تفكيكها بصبر وشجاعة. النهضة لن تأتي بقرار سياسي فوقي مفاجئ، بل تبدأ منكم عبر:

استعادة قدسية العلم: ورفض أن تكون الشهادة مجرد ورقة للوجاهة.

فك الارتباط المصيري: بين المؤسسة العلمية وبين الصراعات الحزبية الضيقة.

محاربة الفساد الأكاديمي: باعتباره جريمة خيانة عظمى بحق مستقبل الوطن.

إن العراق الذي نحلم به، العراق العلمي والتكنولوجي، لا يزال ممكناً، ولكنه ينتظر جيلاً يرفض الأكاذيب ويواجه الحقائق مهما كانت مؤلمة.

***

محمد الربيعي

بروفسور متمرس ومستشار دولي - جامعة دبلن

 

في القبوِ الخلفيِّ لوجودٍ قاحل، حيثُ المرايا وجوهٌ مطفأة والآجامُ أجسادٌ بلا ظلال، وقفَ مسحوقٌ يتجردُ من أسمالِ ذاكرتِه، لا يملكُ إلا الرمادَ كأثرٍ يتأملهُ شبحٌ غريب. كانت السماءُ هناكَ ندبةً حمراءَ تشهقُ غبارَ الصمت، حتى انفتقَ رتقُ الكونِ فجأة؛ فتداعت حلقاتُ المريخ.. لم تسقط ككواكب، بل هبطت كشظايا مسنونة، ناضحةً باحمرارٍ أزليٍّ كنزيفِ المدنِ التي نساها الله خلفَ الحصار.

ذلك الشبحُ الذي جفَّت في عروقِه حواسُّ الدفء، توهّمها أمطاراً حامضيةً تنهشُ ما تبقى من أثيرِه الممزق. لم يدرك أن 'آريس' -إلهُ الحربِ المكلوم- يفرغُ الآن جيوبَه المثقوبة من ذهبِ الأساطيرِ العتيق، وينثرُ لوعتَه فوقَ رأسٍ لا يسكنُه سوى صدى الجوعِ وهواجسِ المنافي.

"كل حلقة تسقط، هي صرخة مؤجلة في حنجرة الفراغ، هي بيتٌ ينهار في قاع الذاكرة".

لم تكن الحلقات ماءً، بل كانت توابيت من الضوء الميت، تشبه تلك التي تُشيع بلا أسماء. حين لامست مفرق رأسه، لم يحترق، بل استيقظت فيه غريزة الانتماء إلى "التلاشي" الأول، حيث الفقر هو التجرد المطلق. بصقةٌ من القرف أطلقها بوجه السكون، وقرر الهجرة المعاكسة؛ نبذ الاستقرار البارد في الموت، وسحل أذيال كينونته عائداً.. مخترقاً فجوات الزمن التي تشبه جروحاً لم تندمل في جسد الأوطان. كان يركض نحو مصب بحر الأمنيات، ليس حباً في الأماني، بل رغبةً في الغرق داخل لزوجة الاحتمالات ثانيةً، لعلَّ في الغرق صوتاً لا يسمعه الطغاة.

هناك، عند المصب، حيث تلتقي المياه الكبريتية بدموع التماثيل المنسية في الميادين المهجورة، وقف الشبح عارياً من وهم الخلود، ينتظر أن تبتلعه الأمواج التي لا تجيء، محاطاً بحطام المريخ الذي صار الآن.. مجرد ركام في ذاكرةٍ لم تعد تملك رأساً ليفكر، كفقيرٍ فقد بيته ولم يعد يملك حتى سقفاً للخيال.

عند مصب بحر الأمنيات، حيث تتقيأ الأمواج بقايا أحلام الغرقى الفارين عبر البحار، لم يكن الشبح يبحث عن نجاة، بل عن تفتتٍ منظم. كانت شظايا حلقات المريخ التي علقت بمسامه الأثيرية تتأكسد، تتحول من أمطار حامضية إلى "علقة" كونية حمراء، تشبه تخثر الدم فوق ركام المدن.

هناك، وسط الهياكل الكلسية للأماني المجهضة، انشقت الأرض عن "ننماخ". لم تأتِ كآلهة مغسولة بالضوء، بل برزت من رحم الطمي العظيم، طين الخنادق والملاجئ كصرخة جسدية. يداها الملطختان بصلصال الأزل تمسكان بخيوط "الأنكي" المقطوعة، كأنها تحاول رتق أرواح قتلى الحروب. كان الصمت مكتملاً كالبيض، ننماخ لم تكسر البيضة لتصنع من قشورها خناجر للولادة، بل لتصنع منها دروعاً لفقراء لا يحميهم أحد.

دنت "ننماخ" من الشبح المتهاوي. لم تمنحه قبلة الحياة، بل غرست أصابعها السبع في تجويف صدره الخالي من الرغيف والوطن. انتزعت وهم العدم، وحولته إلى رحمٍ مكشوف؛ حلقات المريخ التي ظنها دماراً، صارت تحت لمساتها أحزمةً من المشيمة، تربط ضحايا الحروب بالأرض التي تأبى لفظهم.

الولادة الأولى:

 لم تكن طفلاً، بل كانت "معنى" يزحف على ركبتيه، كلاجئٍ يبحث عن حدودٍ لا تقتله. تداعت جدران الفراغ، وبدأ بحر الأمنيات يضخ "اللا زمن" في عروق الشبح التي نبتت فجأة من ملوحة الأرض الجريحة. لقد استعادته "ننماخ" من الضياع لتضعه في جحيم التكوين. الشبح الذي أراد الهرب من الأمطار الحامضية، وجد نفسه الآن الجنين الأبدي الذي يقتات على فضلات النجوم ومخلفات المعارك، محكوماً عليه بأن يولد في كل لحظة انفجار، دون أن يكتمل أبداً.

على وسادة التكوين، يتقيأ بقايا طيفه، وبأصابع ننماخ التي تشبه مخالب القدر، لم تكن تمنحه شكلاً، بل كانت تنتزعه من الفراغ انتزاعاً. قبضت بيدها اليمنى على حفنة من الطين الأحمر ذلك الهباء الذي تداعى من حلقات المريخ الممتزجة بتراب المقابر الجماعية ومزجته بلعاب "بحر الأمنيات" المالح. كان الطين يعوي تحت أصابعها، وكأن ذرات الحديد فيه ذكريات ضحايا تأبى أن تُصاغ ثانيةً كوقودٍ للحروب.

غرزت "ننماخ" ركبتيها في صدر الشبح الهلامي، وبدأت برتق الفتوق:

الرأس:

لم يكن كروياً، بل صاغته من حطام الحلقات الحامضية؛ فصار جمجمة من حجر بركاني أسود، تنعكس على جدرانها خيبات الفقراء في كل العصور.

العينان:

 فقأت عين العدم في وجهه، وزرعت مكانهما فصين من الكبريت المريخي، لينظر بهما إلى الوجود فلا يرى إلا احتراق المعنى في فوهة البندقية.

الجسد:

 لطخت أثيره الشاحب بطبقات من الطين الثقيل، حتى صار الشبح سجناً من الفخار الحي، نُصباً تذكارياً للألم الذي يرفض الموت.

حين اكتمل الجسد، لم تنفخ فيه روحاً، بل نفخت فيه رعبها من التكرار الأبدي للمأساة. تقشرت القشرة الحمراء عن جلده الجديد، فظهر الشبح كأنه جرحٌ يمشي على قدمين. الحلقات التي ظنها أمطاراً حامضية أصبحت الآن عموده الفقري، تئن مع كل خطوة يخطوها مبتعداً عن شواطئ الأمنيات، عائداً إلى صخب الوجود كآلة بيولوجية صنعها الفقر من فضلات الكواكب الميتة.

لقد صار الشبح الآن "ابن الطين الأحمر"، يحمل في مسامه ملوحة الدم وغبار المريخ، محكوماً عليه بأن يظل شاهداً على أن الولادة في زمن الصراع هي أقسى أنواع العقاب السريالي.

على حافة المنحدر الذي يفصل بين الهلامية والصلصال، وقف الشبح المسخ بجلده المريخي المشقق، يلتفت خلفه بنظرة كبريتية أخيرة. هناك، في الفراغ المطلق، تجسد "سيروان" كعدمٍ يتثاءب، بلا ملامح وبلا صدى، وناداه:

عدتَ سجيناً يا هارب.. كنتَ سيداً في لا-شيئي، والآن أنتَ عبدٌ لمخاض 'ننماخ'. تلبّستَ بصدأ المريخ، وتوضأت بملوحة الأمنيات، فماذا ربحتَ غير ثقل الجسد الذي ستأكله المدافع؟ الحلقات التي ظننتها مطراً، صارت الآن أغلالك الفقرية.

أجابه الشبح، وهو يلمس جرحه الجديد:

في عدمك كنتُ مكتملاً كالدائرة، لكنني كنتُ ميتاً كالحجر الصامت. فضلتُ أن أكون جرحاً ينزف طيناً مريخياً على أن أكون فكرةً منسية في ردهات صمتك. 'ننماخ' لم تمنحني حياةً مخملية، بل منحتني ألم الارتطام بالواقع، وهذا يكفيني لأعرف أنني أقاوم.

قال سيروان بسخرية باردة:

 أنت الآن مادة.. والمادة تخون، ان الذي جلبته من حروب المريخ، سيجف في هجير الحقيقة. ستتمنى لو عدتَ طيفاً في مملكتي العدمية حين تكتشف أن 'بحر الأمنيات' ليس سوى سرابٍ من دموع أسلافك الذين قتلتهم نفس الحلقات.

رد الشبح وهو يغرس قدمه الحمراء في أرض التكوين:

ليجف الطين، وليتكسر الجسد.. ففي كل شقٍّ في جلدي المريخي، سأزرع أسطورة جديدة لفقيرٍ لم يركع. لقد تركتُ لك 'الكمال البارد' في قصورك الوهمية، وأخذتُ معي 'القرف المقدس' للولادة وسط الركام. اذهب إلى صمتك فأنا الآن أملك ظلاً.. والظل هو أول اعتراف بالضوء الذي يحجبه دخان المعارك.

بصق الشبح كتلة من العلق الأحمر في وجه الفراغ، واستدار بظهره. الحلقات التي تداعت على رأسه ذات يوم، استقرت الآن كتاجٍ من شوك النجوم أو أسلاك شائكة فوق جبهته الطينية، ومضى يجرّ كينونته الجديدة نحو شمسٍ لم تغرب بعد، تاركاً وراءه أبدية من العدم المنفي.

في تلك النقطة المحرمة، حيث تنتهي كظلامٍ يلتهم نفسه، ويبدأ الشبح ككتلة من طين المريخ الأحمر المتخثر، حدث الارتطام. لم يكن ارتطام أجساد، بل كان انكسار "فكرة السلام" على صخرة "المادة المحترقة". وقف الشبح، الذي أعادت "ننماخ" رتقه بحطام الحلقات، يقطر دماً معدنياً، بينما كان يمتص الضوء من حوله كأنه ثقب أسود يبتلع التاريخ. إنه الجرح الذي لا يندمل لأن لا لحم له، بل له قضية.

بدأت حلقات المريخ التي استقرت فوق رأسه تدور بسرعة جنونية، لم تعد أمطاراً حامضية، بل صارت نصالاً من الزمان تقطع سكون الطغاة. مدّ الشبح يده المصنوعة من طمي "ننماخ" الثقيل، وطبع كفه المحروقة على وجه العدم. في تلك اللحظة، ولأول مرة، صار للعدم وجهٌ مشوه بملوحة بحر الأمنيات الميتة، وجهٌ يصرخ بصوت الفقراء الذين يأبون التلاشي.

سيروان يمتص ذرات المريخ من جسد الشبح، والشبح يمتص "التلاشي" من قلب سيروان. صارا كياناً واحداً هجيناً:

 "عدماً متجسداً في صورة ضحية". لم ينتصر أحد. سقط الشبح في المصب، لكنه لم يعد شبحاً، بل صار "تمثالاً من الوجع" يقف حارساً على بوابة البرزخ بين الفقر والموت. أما "سيروان"، فقد تلوث بذرة من الطين الأحمر، وصار محكوماً عليه بأن "يشعر" بثقل وجود الجياع إلى الأبد.

كانت ننماخ تراقب من بعيد، تبتسم بمرارة، وهي ترى أن الولادة ليست سوى عملية "تلطيخ" للعدم بدم الحقيقة الجارحة. لم يسقط الهجين في الماء، بل غاص في مخاضٍ سائل؛ كان بحر الأمنيات في تلك اللحظة يشبه رحماً كونياً مفتوحاً، مياهه هي دموع الأمهات الثكالى ووعود السياسيين المنتهية الصلاحية. وحين لامس جسده القاع، بدأت طبقات طين المريخ تتقشر كجلد ثعبان يرفض موته.

حلقات المريخ التي كانت تاجاً وشوكاً، ذابت وصارت خيوطاً من البرق تلتف حول عنقه كحبل سُريّ يربطه بأرضه المنهوبة. لم يختنق، فتح فمه ليدخل ملح الأمنيات المرة إلى رئتيه، فاستحالت أنفاسه إلى بلورات من الكبريت الصامد.

الغرق هنا ليس نهاية، بل هو تراكم الطبقات فوق الروح حتى تصبح مادةً صلبة كاليقين بالحق.

في القاع السحيق، حيث تجلس "ننماخ" صامتة تغزل من عشب البحر أجساداً لمشردين جدد، استقر الهجين. لم يعد شبحاً، بل صار "نطفةً معدنية" تنتظر الثورة الكونية القادمة. لقد امتص بحر الأمنيات وحوّله إلى ثقلٍ نوعي. والآن، كلما اهتز سطح البحر بفعل القذائف، يعرف العابرون أن هناك، في الأسفل، شظية من المريخ تحاول أن تولد من جديد، وأن الشبح الذي فر من الفقر قد صار هو نفسه "المطر" الذي سينهمر يوماً ليغسل ركام العالم.

توقف الهمس، لكن أثره ظل يغلي في الطين الأحمر. الهجين، في قاع البحر، لم يفتح عينيه الكبريتيتين، لكنه شعر ببرودة تسكن في نخاعه الفخاري. لقد صار هو "البرزخ" نفسه؛ يداه من طين الخلق، وقلبه من فراغ العدم، وحنجرته تختنق بملح أماني الجوعى.

بشهقةٍ معدنيةٍ شقّت صمت القاع، هزّ أركان بحر الأمنيات، قرّر أن يضع حداً لحوارية الطين والعدم. لم يعد "البرزخ" يتسع للتناقض، انفجر صدر الهجين، لا عن أحشاء، بل عن مجراتٍ مجهضة من الأحلام التي وُئدت في المهد.

انطلقت حلقات المريخ التي كانت مستقرة في عموده الفقري كشفراتٍ ضوئية، قطعت مياه بحر الأمنيات وحولتها إلى بخارٍ مسموم يلاحق القتلة. طين ننماخ تفتت إلى ذراتٍ، كل ذرة منها تحمل "صرخة ولادة" و"همسة احتجاج". صار القاع غباراً أحمر يبتلع ضوء الزيف.

الانفجار هو الطريقة الوحيدة التي يعتذر بها الطين للعدم عن كونه وُجد في عالمٍ لا يحترم الفقراء.

لم يبقَ من الشبح، ولا من المريخ، ولا حتى من الهمس شيءٌ ملموس سوى الذاكرة. فوق سطح بحر الأمنيات، طفت رغوةٌ كبريتية حمراء، تشبه وشماً مؤقتاً على وجه الماء الغادر. وفي القاع، بقيت فجوةٌ أبدية، أثرٌ لبرزخٍ قرر أن ينتحر ليتحرر من عبء "التكوين القسري".

تفتحت النافذة على عين "ننماخ"، الآلهة التي لم تعد تملك طيناً لتشكله بعد أن استنفد الفقراء كل التراب. وقفت على حافة البحر الذي صار لونه بلون النحاس المحروق، تمسح عن كفيها بقايا "العلقة المريخية". بالنسبة لها، لم يكن الهجين مجرد كائن، بل كان صرخة الضحية الأخيرة.

من شظايا الانفجار، لم تخرج جثث، بل خرجت "أجنة من هواء" أرواح الفقراء التي تسبح في الفضاء. حلقات المريخ لم تختفِ، بل تحولت إلى "غبار زمني" يسقط فوق جفون العالم الظالم. كل ذرة غبار هي مشهد من حياة فقير لم تُعش؛ مطر حامضي يغسل القصور المنيعة.

ننماخ لا تبكي، لكن مسام جلدها تفرز ملحاً أسود كلما تذكرت أنها كانت يوماً.. هجيناً يرفض السقوط تحت أقدام الحروب.

نظرت ننماخ إلى الأفق، رأت ظلاً جديداً يتشكل من "صدى الانفجار" نفسه. هذا الظل هو "ذاكرة الألم المريخي" وقد استقلت عن جسدها. إنه التمرد الأخير؛ فبينما أراد الطغاة الصفر المطلق للفقراء، قرر هذا الظل أن يكون "الواحد المتكرر" في خيال التاريخ.

لا عزاء للأشباح التي تظن أن الطين سقفٌ يحميها.. الطين هو القبر الذي نمشي فوقه، أو الخندق الذي نولد فيه. ارحلوا الآن عن هذا البرزخ، فالهجين لم يمت.. إنه الآن يسكن في مسام جلودكم، يهمس بملوحة البحر وغبار الكوكب الأحمر، شاهداً على أننا جميعاً، نحن الفقراء والأشباح، لسنا سوى "أخطاءٍ ميتا سريالية" في ذاكرة آلهةٍ نسيت كيف تمسح يديها من دماء الخلق.

 خامساً: ما تم إضافته لتعميق الرمزية

***

نص ميتا سريالي

غالب المسعودي

كلما ارتفع الإنسان وعيا، كلما ارتقى عن أقرانه، فيرتقي ويرتقي فوق جبال المعرفة حتى يصير طائرا بوعيه كالنسر الثقافي الذي يرى الأشياء بمنظور أكثر شمولية ودقة، فيفهم الأشياء بشكل أوعى وأعمق وإن بدا مختلفا عن أقرانه. هذا الارتقاء ليس دربا مفروشا بالورود، بل هو مسار شاق يتطلب جرأة على التفكير وتحديا للمألوف. فكما قال الفيلسوف برتراند راسل، "الوعي يخلق حالة من الفوضى الداخلية، في حين أن الجهل يوفر لنا استقرارًا نسبيًا" . هذا التناقض يبرز الثمن الذي يدفعه المرء في سبيل اليقظة الفكرية، فبقدر ما تتسع المدارك، قد يشعر الفرد بالغربة في عالم يفضل فيه الكثيرون راحة الجهل. وقد عبر عن هذا المعنى أيضًا آرثر شوبنهاور بقوله: "الوعي يجعلنا غرباء في عالمنا، فالجهل يوفر لنا مأوى ومألوفية" .التطور. إنه يذكرنا بـ أسطورة الكهف لأفلاطون، حيث يمثل السجناء المقيدون الذين يرون الظلال على جدار الكهف غالبية البشر الذين يكتفون بالظواهر السطحية، بينما يمثل الفيلسوف الذي يتحرر ويخرج ليرى نور الشمس الحقيقة الكاملة، ذلك الإنسان الذي ارتقى بوعيه. وعندما يعود هذا المتحرر إلى الكهف ليخبر رفاقه بما رآه، فإنه يواجه الرفض والسخرية، لأنهم لا يستطيعون استيعاب حقيقة تتجاوز ظلالهم المألوفة. هذه التجربة الفلسفية القديمة تجسد الصراع الأزلي بين الوعي المتسع والجمود الفكري. المستمرة. يقول الأديب نجيب محفوظ: "التفكر العميق يعني أن تتجاوز حدود الراحة العقلية وتتحدى الأفكار المألوفة. إنه مشقة تستحقها لأنها تقود إلى النمو والتطور الشخصي" . فالعقل لا ينمو إلا بالتجارب المتراكمة، والتحديات التي تصقل الفكر وتوسع الأفق. لم يبلغ الحكماء على مر العصور  حكمتهم إلا بعد أن خاضوا غمار الحياة بتجاربها المريرة والحلوة، فكانت كل تجربة بمثابة لبنة في صرح وعيهم المتنامي. فالوعي محتاج إلى العقل، والعقل محتاج إلى التجربة، ولا حكيم إلا ذو تجربة يصبح قادرًا على رؤية الروابط الخفية بين الأشياء، وفهم التعقيدات التي تبدو للآخرين مجرد فوضى. إنه يدرك أن الحقيقة ليست أحادية الجانب، بل هي نسيج معقد من المنظورات المتعددة. هذا المنظور الشمولي يمنحه القدرة على تجاوز الأحكام المسبقة والتحيزات، ليغوص في أعماق المعاني، ويكشف عن جوهر الوجود. إنه يصبح كمن يرى الخريطة بأكملها، بينما يرى الآخرون جزءًا صغيرا منها فقط. هذا هو جوهر الارتقاء بالوعي: انها رحلة مستمرة نحو فهم أعمق للذات والعالم، حتى وإن كانت هذه الرحلة تفرض على صاحبها بعض العزلة أو الاختلاف عن السائد، ففي هذا الاختلاف يكمن جوهر التميز والريادة الفكرية.

***

د محمد غاني

تُعد فكرة العدل من أقدم الفضائل الإنسانية التي تعبر عن رغبة أصيلة لدى الإنسان في إحقاق الحق ورد كل ماهو ظالم وغير معقول.

وقياساً الى الحقوق الطبيعية للبشر فإن جوهر العدالة ثابت غير متغير بإعتبارها نظرية اخلاقية مجردة توفر الحماية للحق في الحياة والحرية والكرامة والمُلكية والحقوق المكتسبة ....

إلا ان فكرة العدل وقياساً على الحقوق الوضعية تعد فكرة نسبية أكتسبت عبر التاريخ كثير من الدلالات المختلفة بإختلاف الزمان والمكان، وترتبط، كما يقول القديس توما الاكويني ارتباطاً كاملاً بأسلوب وتفكير الإنسان عبر العصور .

فالعدل في حقيقته ومعناه ليس بخاصية من خصائص القانون وليس هو ظاهرة من ظواهر المجتمع، بل هو فضيلة وسلوك للانسان في علاقاته الاجتماعية ينبغي ان تتحقق ولو لم يكن هناك قانون او دولة ...

ويذهب الإمبراطور الروماني جسستنيان في مدونته الى القول: (العــدل هو حمل النفس على إيتاء كل ذي حـق حقـه والتــزام ذلـك عـلى وجـه الـدوام والاسـتمرار).

ذلك ان الفضيلة تعني استعداداً دائماً ومستمراً للنفس البشرية لفعل الخير ورد الشر، فالفضيلة تحمل طابع الدوام والثبات، اما إذا اتخذ السلوك صفة التقطع فلا يعد فضيلة، لان التقطع يرتبط بالانتهازية والتحيز

وعلى هذا النحو فان الإنسان اما ان يكن عادلا وفاضلاً على طول الخط او لا يكون.

وهكذا ميز الفلاسفة بين اربعة فضائل أساسية ينبغي ان تحكم سلوك الإنسان هي: التبصر، العدل، ضبط السلوك الاجتماعي، والجَلد والشجاعة.

ومن بين هذه الفضائل الأربعة يرتبط التبصر والعـدل بعلم القانون، والتبصر وهو فضيلة عليا تتمثل في القدرة على إعمال العقل والتفكير السليم الموجه للتصرفات والأعمال للوصول الى الغاية المنشودة، وينبغي ان يقوم العمل التشريعي والقضائي ومعيار السلوك المطلوب من الأفراد على اساس التبصر .

ويميز الفقه الحديث بين فكرة العدل التوزيعي والتبادلي وفكرة العدالة ؛

ويقوم العدل التوزيعي على المساواة النسبية تبعاً لقدرات وفروق كل فرد ومهامه في المجتمع. اذ يفيد معنى المساواة في المراكز القانونية المتماثلة، وهي مساواة قانونية وليست فعلية، فالمفروض ان يطبق القانون بمساواة جميع الاشخاص في مركز قانوني معين فالمثل يعامل كمثله، وغير المتساويين لا يلقون معاملة متساوية، وهو الذي يبرر لنا عدم المساواة المطلقة بين الأفراد

فحقوق الوظيفة العامة مثلاً مرتبطة بمستوى التأهيل العلمي، والضريبة ترتبط بمقدار الثروة ...

وعبر جستنيان عن ذلك بالقول (مساواة غير المتساويين ظلم).

العدل التبادلي:- وهو الذي يسود في علاقة الأفراد فيما بينهم ويقوم على المساواة الحسابية التامة

، فإذا قام شخص بإحداث ضرراً للغير، التزم بإصلاح الضرر الذي أصاب المضرور اياً كانت وضعه الإجتماعي ومؤهلاته، اوتعويضه نقدياً بمايعادل الضرر،

ويتحقق ذلك من خلال قواعد قانونية عامة مجردة تطبق على الجميع بنزاهة ويقتصر دور العدل هنا على بيان أن الإجراءات كانت عادلة لان احدا لم يستثنى او يستبعد بشكل غير عادل من تطبيق القانون، لا فرق بين ام تسرق لإطعام أطفالها الجياع وبين من يسرق لإرضاء ملذاته.

لأن العدل القانوني يعتد بالوضع الغالب الظاهر لا بالوضع الداخلي الخاص بالمخاطبين بحكمه.

اما العدالـة: فتعني الإنصاف وهو شعور كامن في النفس يوحي به الضمير النقي ويكشف عنه العقل السليم وتستلهم منها مجموعة من القواعد تعرف باسم قواعد العدالة بما توحي به من حلول منصفة ومساواة واقعية تقوم على مراعاة دقائق ظروف الناس وحاجاتهم، وفي هذا الصدد يقول الامام علي (ع): "إنّ العدلَ ميزانُ الله سبحانه الذي وَضَعَه للخَلْق، ونَصَبَه لإقامةِ الحقّ، فلا تُخالِفْه في ميزانِه، ولا تُعارضْه في سلطانِه"

ان التمييز بين فكرتي العــدل والعدالــة هو الذي اوحى الى الأنظمة القانونية بالحاجة الى إصلاح صرامة القانون من خلال الدعوة الى تفسيره بروح العدالة بدلا من التركيز على حرفية النصوص وهذه الحالة نجد تعبيرها في القول المأثور (الرحمة فوق القانون) الذي يعني ان على القاضي ان يعالج الحالة الفردية بروح العدالة.

وتُعد الحقوق المكتسبة من مقتضيات العدالة الأساسية، فهي تضمن استقرار المراكز القانونية للأفراد وتحميهم من تعسف السلطة أو التغيرات التشريعية المفاجئة، وتستند إلى مبادئ العدالة نفسها التي تقتضي عدم حرمان شخص من حق استقر له في الماضي، مما يحقق الأمن القانوني ويمنع الظلم.

وتُعدّ ضمانة للحماية القانونية وتطبيقاً لمبدأ عدم رجعية القوانين.

وتظهر الحاجة إليها بقوة في القانون الإداري لحماية الأفراد من القرارات الإدارية التي قد تمس حقوق اكتسبوها بالالغاء مثل الحقوق الوظيفية والتدرج الإداري والعقوبات الانضباطية التعسفية والحقوق التقاعدية والمنازعات المتعلقة بالعقود الإدارية، وغير ذلك من القرارات التي تمس حقوقاً مكتسبة، وكل ما يعد تعدياً على العدالة.

ويلاحظ ارسطو ان الناس جميعاً يتفقون على ان العدالة في التوزيع يجب ان تجري وفقاً للإستحقاق، إلا انهم يختلفون في فهم المقصود من الإستحقاق.

***

فارس حامد عبد الكريم

.........................

The goal of justice and fairness in the philosophy of law

2010

كثر الجدل في الآونة الأخيرة فيما يُعرف ب(نظرية الصفر اللغوي) - التي نشرتُها في كتابي (نظرية الصفر اللغوي للنحو الكلي وتطبيقاتها في العربية) - بين من رآها فتحًا علميًا في الدرس اللغوي، ومن رفضها دون الوقوف على مرتكزاتها العلمية، وكما هو حال الأفكار الجديدة دائما، لا يُحسم الجدل حولها إلا بالفهم العميق لطبيعتها ومقاصدها العلمية التي قد تُصلِح ما يحتاج إلى إصلاح، وتغيّر ما يحتاج الى تغيير، وتنتقل بالعلم نقلة أخرى فتقدم منافعَ في مجالات علمية متعددة، وهو ما تحاول هذه المقالة تقديمه في قراءة موجزة لجذور النظرية وآفاقها العالمية

وإني إذ أذكر باختصار بعض مفاهيم النظرية، تجدر الإشارة إلى إن نظرية الصفر اللغوي منبثقة من التراث العربي، وهي امتداد لنظرية النظم لعبد القاهر الجرجاني (471هج) في كتابه دلائل الإعجاز، فقد كرر في كتابه ارتباط اللغة بالعقل، وأكد أنّ النظم يقتضي توخي معاني النحو بين الكلم، وعندما تتوصل نظرية الصفر اللغوي الى قواعد النحو الكلي (Universal Gramma) فهذا يعني أنها تقفز بالتراث اللغوي العربي وتأخذ به إلى العالمية لتقف شامخة أمام أشهر النظريات الغربية المعروفة (النظرية التوليدية التحويلية) للعالم الأمريكي نعوم تشومسكي .

ماهية نظرية الصفر اللغوي وسبب تسميتها

نظرية الصفر اللغوي تقدم كشفًا علميًا مهمًا يتعلق بنظام آليّة عمل الدماغ البشري لإنتاج اللغة، فهي تؤكد أن دماغ الإنسان يمتلك جهازًا مختصًا بإنتاج اللغة التي هي عبارة عن جُمل مترابطة، وهذا الجهاز يعمل وفق نظام دقيق، وتحدد النظرية مراحل إنتاج الجُملة بثلاث مراحل أساسية، تتناسب مع إدراك الإنسان للأشياء (من الكل إلى الجزء)، وفقًا لمبادئ نظرية الجشتالت في علم النفس الإدراكي، وليس من الجزء إلى الكل كما كان يُعتقد سابقًا.

هذا النهج هو ما يميّز نظرية الصفر اللغوي، حيث يكون التركيز على دراسة الجُملة في سياقها أولاً، ومن ثم تحليل كلماتها وقواعدها بما يناسب سياقها لا على أنها وحدات مستقلة بذاتها، وبذلك تُصحِح نظرية الصفر اللغوي بعضَ مخرجات النحو التقليدي ولا تلغيه.

أما سبب تسميتها بنظرية الصفر اللغوي فهو لأن مرحلة الصفر دائمًا هي مرحلة البدء، وبما أن إنتاج اللغة يبدأ من الدماغ، والنظرية تصف نظام آليّة عمل الدماغ لإنتاج اللغة فطابقت تسميتُها مرحلتَها، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الصفر عادة يكون بين مرحلتين، فالصفر العددي يتوسط بين الأعداد الموجبة والأعداد السالبة ومن الصفر يبدأ العد الى ما لا نهاية سلبًا أو ايجابًا، كذلك مرحلة إنتاج اللغة في الدماغ تتوسط بين: الأفكار المراد التعبير عنها، والجُمل المعبرة عن تلك الأفكار إلى ما لا نهاية، فحق لها أن تكون مرحلة الصفر في إنتاج اللغة.

نظام آليّة عمل الدماغ لإنتاج اللغة

تمر الفكرة في جهاز إنتاج اللغة بثلاث مراحل

1.  تحديد نوع الفكرة:

في المرحلة الأولى، يحدد الدماغ نوع الفكرة، فيما إذا كانت مثبّتة أم منفية أم استفهامية أم غير ذلك . ويقوم الدماغ باختيار الأداة المناسبة لكل فكرة ، أما إذا كانت الفكرة إخبارية مثبتة فيجعلها خالية من الأداة، وخلوها من الأداة تمييز لها عن غيرها.

2.  ربط مدلولات أجزاء الفكرة:

في المرحلة الثانية، يربط الدماغ بين مدلولات أجزاء الفكرة أي -الصور الذهنية والمفاهيم- والربط بمعاني النحو الرئيسة التي لا تزيد بمجموعها على أربعة روابط رئيسة مشتركة بين جميع اللغات، وهي: الإسناد، التخصيص، الإضافة، التوضيح. ومن هذه الروابط تتفرع كافة المعاني النحوية الأخرى.

3.  اختيار الكلمات المناسبة:

في المرحلة الثالثة، يختار الدماغ الدوال أي الكلمات المناسبة لكل مدلول من المعجم الذهني حيث يخزن الإنسان كلمات منذ طفولته ويزداد الخزين بحسب ما يكتسب الإنسان من مفردات طوال حياته.

ومن الجدير بالذكر أن كل ما يتعلق بالأبنية الصرفية للكلمات يكون في هذه المرحلة حيث يختار الدماغ الكلمة وهي تحمل تصريفها المحدد.

بهذا النظام يتمكن جهاز إنتاج اللغة من إنتاج جمل مترابطة لا نهاية لها من خلال مجموعة محدودة من القواعد، حيث يتكرر عمل هذا الجهاز بهذا النظام وهذه الآليّة كلما أراد الإنسان الإنتاج.

الطفل وجهاز إنتاج اللغة

أما الطفل فإنه يبدأ في مراحله الأولى باكتساب بعض الكلمات فيخزنها في دماغه، في معجمه الذهني، لذلك هو ينطق كلمات منفردة وقد يخطئ في نطقها، إذا إنها لم تستقر بعد بصورتها النهائية في معجمه الذهني، كما أن مدرجه الصوتي مازال غير متدرب على نطق الأصوات من مخارجها الصحيحة، وبمرور الوقت يبدأ بتدريب جهازه وتأهيله للعمل والإنتاج بالطريقة التي يسمع فيها اللغة من بيئته، فيتدرب جهازه على الربط أي ربط الكلمات وعلى اختيار الكلمات المطلوبة، وكلما ازداد مخزونه من الكلمات ازدادت قدرته على إنتاج جمل متنوعة. وبالتأكيد يحتاج هذا الأمر إلى بضع سنوات.

الصفر اللغوي وتشومسكي: تكامل وتفوّق

لقد حاول العالم الأمريكي نعوم تشومسكي في نظريته التوليدية التحويلية الوصول إلى نظام تركيب اللغة في الدماغ حين تحدث عن البنية العميقة والبنية السطحية منذ عام 1957 ، ورغم المراحل التي مرت بها نظريته، ورغم حديثه الموسع عن وجود النحو الكلّي، ورغم برنامجه الأدنوي الأخير، لم تتمكن نظريته من تحديد قواعد ثابتة للنحو الكلي يمكن تطبيقها على جميع اللغات فكان يحوم حول النظام محاولًا إيجاد القواعد المشتركة دونما وصول إلى نتيجة تحدد القواعد بمسمياتها النحوية، أما نظرية الصفر اللغوي فقد نجحت في التوصل إلى قواعد محددة للنحو الكلّي، وحددت مسمياتها بمصطلحات نحوية، وتمكنت من تطبيقها على لغات متعددة، مع مراعاة خصوصية كل لغة من حيث الاشتراك مع غيرها في القواعد العامة والاختلاف في إدارة هذه القواعد.

المشترَك والمختلِف في اللغات

إن القواعد العامة المتمثلة في نظام آليّة إنتاج اللغة المذكور سابقا إنما هي قواعد مشتركة بين جميع اللغات الطبيعية، أما الاختلاف فيتعلق بالقواعد الخاصة بكل لغة، فمثلاً، في العربية تتأخر الصفة عن الموصوف، بينما في الإنجليزية تسبق الصفة الموصوف، وفي العربية تتوفر إمكانية تغيير مواقع بعض الكلمات بسبب توفر العلامة الإعرابية التي تشير إلى وظيفة الكلمة في الجملة في حين لا تتوفر مثل هذه الخصيصة في بعض اللغات فتستقر كل كلمة في موقع ثابت حرصًا على وصول الفكرة مفهومة، فالاختلاف إذن هو اختلاف في إدارة القواعد العامة من أجل وصول الفكرة واضحة ومفهومة للمتلقي.

تطبيقات نظرية الصفر اللغوي

تمكنت هذه النظرية من تطبيق نظامها على عدة لغات، كما اتضح ذلك في الكتاب، وأثبتت فعاليتها في الترجمة بين اللغات، مؤكدة أن القواعد المحددة التي ذكرتها هي قواعد النحو الكلي (Universal Grammar) وذلك ما يجعلها أداة عملية للتعامل في الترجمة بين اللغات الطبيعية.

نتائج وفوائد نظرية الصفر اللغوي

لا حياة ولا بقاء لنظرية ليس لها فوائد عملية عند التطبيق، ونظرية الصفر اللغوي تثبت أهميتها العملية والتطبيقية من خلال النتائج التالية:

1-  الإسهام في كشف الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم: تقدم النظرية إطارًا لفهم التركيب النحوي بشكل دقيق من خلال سياقات القرآن، ما يبرز الإعجاز النحوي العميق في النص القرآني.

2-  تجديد النحو العربي: اللغة ليست مجرد كلمات بل هي مرآة العقل والتفكير، وفهم نظامها وآليّة إنتاجها هو الخطوة الأولى نحو تعليم أكثر فعالية وإبداعا، فالمنهج الذي انتهجته نظرية الصفر اللغوي (من الكل إلى الجزء) أي من السياق إلى الجملة ومن الجملة إلى كلماتها يؤدي إلى تطوير قواعد النحو لتتلاءم مع طريقة إنتاج الجملة في دماغ الإنسان، مع مراعاة خصوصية اللغة العربية من حيث الإعراب. وبذلك فهي تسير في طريق الإصلاح، وقد جاهد كثير من العلماء من أجل اصلاح الدرس النحوي وعلى رأس القائمة أستاذي الدكتور مهدي المخزومي.

3-  تطبيقات الذكاء الاصطناعي: قلة القواعد الرئيسة المشتركة بين اللغات (اربعة فقط) تسمح باستخدامها في تقنيات الذكاء الاصطناعي لتوليد اللغة وفي الترجمة، حيث يطمح الذكاء الاصطناعي إلى محاكاة نظام انتاج اللغة في الدماغ البشري، وهذا الكشف يفتح آفاقًا لتطوير برمجيات لغوية أكثر دقة وفعالية.

4-  تسهيل تعلم اللغات الأجنبية: بالنظر إلى أن النظرية تنطلق من القواعد المشتركة بين جميع اللغات الطبيعية، فإنها تسهل تعلم أي لغة للناطقين بغيرها.

5-  تقدم النظرية مدخلا لمعرفة أنواع أمراض الكلام التي تحصل بسبب تعطّل مرحلة أو أكثر من مراحل جهاز أنتاج اللغة في دماغ المصاب.

بهذا، تُقدّم نظرية الصفر اللغوي كشفًا علميًا أصوله من التراث العربي وبإمكانه أن يقف شامخا أمام النظريات الغربية ويتحدى كل الباحثين لوضع نظام بديل لإنتاج اللغة في دماغ الإنسان، مع إمكانية تطبيقه على اللغات المختلفة بنجاح. والباحثون شرقا وغربا مدعوون لتقديم نموذج بديل من يستطيع منهم ذلك.

{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} صدق الله العظيم

***

د. سناء حميد البياتي

 

السِّجْنُ هُوَ العَالَم المُغلَق الذي يفرض على الإنسانِ مُواجهةَ ذاتِه بلا هَوادة. وقد كانَ لِكُلٍّ مِن الروائي الأردني أيمن العتوم (وُلِدَ 1972) والروائيِّ الروسي فيودور دوستويفسكي (1821- 1881) تَجْرِبة فريدة تتجاوز الجُدرانَ والأقفالَ لتُصبح تَحليلًا للنَّفْسِ البشرية، وَمِرْآةً للرُّوحِ، ومُخْتَبَرًا لِتَجْرِبةِ الحريةِ والمُعاناةِ والوجود. ففي مُواجهةِ السِّجْنِ، لا تتوقف العُقوبةُ عِند القُيودِ الجسدية، بَلْ تمتدُّ لتصل إلى أعماقِ الفِكْرِ، وتكشفَ عن قُوَّةِ الرُّوحِ وضَعْفِها على حَدٍّ سَواء.

عِند العتوم، يَظهر السِّجْنُ كفضاء مفتوح على الانكسارِ والتمرد، فضاء يَختبر حُدودَ الصبرِ والإرادةِ الإنسانية. السجينُ هُنا لَيْسَ مُجرَّد جسدٍ محبوس، بَلْ هُوَ كائنٌ مَشحون بالأسئلةِ الوجودية، يَبحثُ عن مَعنى في عَالَم يرفضُ تقديمَ إجابات سهلة.

العتوم يُصوِّر السِّجْنَ كَمِرْآةٍ صارخة للحِرْمان مِن الحُرية، لكنَّه في الوقتِ ذَاتِه ساحة لاكتشافِ الذات، حَيث يَختبر الإنسانُ حُدودَ خَوْفِه، وألَمَ الفقد، ومَرارةَ الوَحْدة. التَّجْرِبةُ هُنا لَيْسَتْ مُجرَّد تَحَمُّل للعُقوبة، بَلْ هِيَ صِراعٌ داخلي معَ النَّفْسِ، ومُواجَهةٌ معَ الظِّل، ورِحلةٌ نَحْوَ فهم أعمق للوجود.

أمَّا عِند دوستويفسكي، فإنَّ السِّجْنَ يتحوَّل إلى مُخْتَبَر نَفْسي وفلسفي. العُقوبةُ الجسدية تُصبح وسيلةً للكشفِ عن أعماقِ النَّفْسِ البشرية، والصِّراعِ بين الخَيْرِ والشَّر، والصِّدامِ بَين الإيمانِ واليأس، والمُواجَهةِ بين الرَّغبةِ في الحياةِ والخَوْفِ مِن المَوْتِ الرمزي. التِّجْرِبةُ السِّجْنيةُ عِنده لَيست حادثةً حياتيةً فَحَسْب، بَلْ أيضًا تَجْرِبة وجودية عميقة تهزُّ القِيَمَ والمُعْتَقَدَات، وتضعُ الإنسانَ أمامَ ذَاتِه الصافية، بلا أيِّ سِتارٍ أوْ مُوَارَبَة.

داخل الجُدران الحجرية، تنكشفُ الحقيقةُ المُؤلمة أنَّ الحُرية لَيست حالةً مادية فقط، بَلْ أيضًا حالة رُوحية وفِكرية، وأنَّ القيود الخارجية لا تكاد تُعادِل القيودَ الداخلية التي يَفْرضها الخَوْفُ والندمُ والألمُ النَّفْسي.

القاسمُ المُشترَكُ بين العتوم ودوستويفسكي هُوَ التأمُّل في الطبيعة الإنسانية تَحت وَطأةِ الحِرمان القَسْري مِن الحُرية. كِلاهُما يَستخدم السِّجْنَ كأداةٍ للكشفِ عَن الجَوهرِ الإنسانيِّ، لكنْ كُلٌّ بأسلوبه الخاص.

العتوم يتأمَّل بأسلوب شاعري يُحاكي الألمَ والحنينَ والاشتياقَ للوجودِ والحُرية، بَينما دوستويفسكي يَغُوص في التحليل النَّفْسي والفلسفي، مُتَتَبِّعًا شَرْخَ النَّفْسِ، ومَكامنَ الخطيئةِ والفضيلة. كما أنَّ تَجْرِبة السِّجْنِ عِندهما لَيست تَجْرِبةً فردية فَحَسْب، بَلْ لها أبعاد اجتماعية وسِياسية وإنسانية واسعة.

السِّجْنُ يَكشفُ هَشاشةَ المُجتمعاتِ، وقَسوةَ الأنظمة، والتَّوَتُّرَ بَين الإنسانِ والسُّلطة. وفي الوقتِ نَفْسِه، يَطرحُ الأسئلةَ العميقة حَول مَعنى العَدالةِ والرَّحمةِ والحَياةِ الإنسانيةِ في مُواجهةِ الظُّلْمِ والاضطهاد. التَّجْرِبةُ السِّجْنية - بهذا المعنى - تُصبح مساحة للتأمُّلِ النَّقْدي في الواقعِ والوجودِ، وتَجْرِبة مُكثَّفة للوَعْيِ والذاتِ.

يظلُّ السِّجْنُ بالنِّسبةِ لِهَذَيْن الكاتبَيْن أكثر مِنْ مُجرَّد مكان، إنَّه تَجْرِبَةُ تَحَوُّلٍ، ومَعركةٌ داخلية، وَسَفَرٌ إلى أعماقِ النَّفْسِ الإنسانية، وامتحانٌ للرُّوحِ قبل الجسد، ودَعوةٌ لإعادةِ النظر في مفاهيم الألمِ والحُرية. ومَا يَجعل تَجربة العتوم ودوستويفسكي فريدة هُوَ قُدرتهما على تَحويلِ الألمِ والقَيْدِ إلى إدراكٍ أعمق للذات، وكِتابةٍ تَخترقُ القُلوبَ والعقولَ، فتجعل القارئَ يعيشُ معَ السَّجينِ رِحلةَ الألم، والانكسار، والتَّشَظِّي، والمُقاوَمة، وُصولًا إلى الضَّوءِ الداخلي الذي يظلُّ يَلمعُ خَلْفَ أقسى الجُدران. تَجْرِبةُ السِّجْنِ، في ضِفافها المُظلمة، لَيْسَتْ مُجرَّد حَبْس الجسد، بَلْ مُحاكمة للرُّوح.

بَين صَفَحَاتِ التاريخ الأدبي، نجد أصواتًا مُتعددة تَخرج مِنْ أعماقِ الزنازين، تنقشُ الألمَ بِجُرأةِ الصَّراحة، وتغوصُ في النَّفْسِ البشرية، فتكشف عن الضَّعْفِ الإنسانيِّ أمام قُيودٍ لا تُرى.

في كُلِّ لحظةٍ مِن الحَبْس، يتشابكُ الزمنُ معَ الوَعْي، ويُصبح القَيْدُ مَرايا للذات، والظلامُ مُرْشِدًا للفِكْر، والخَوْفُ مُحَفِّزًا لتأمُّلات عميقة حَول الحُرية والعدالة والوجود.

كِلا الكاتبَيْن - رَغْمَ اختلافِ الزمانِ والمكان - يتشارك رُؤية واحدة، وهي أنَّ السِّجْنَ يُجرِّد الإنسانَ مِنْ طَبَقَاتِ النِّسْيانِ الزائف، ويَتركه عاريًا أمامَ ذَاتِه. هُنا يُولَد الصِّراعُ بَين الأملِ واليأس، وبَين الغضبِ والسَّكِينة، وبَين الانكسارِ والإبداع. تَجْرِبةُ السِّجْنِ تُصبح اختبارًا للضميرِ، وامتحانًا لِقُدرةِ الرُّوحِ على الصُّمود، ودافعًا لكتابة مَا لَمْ يَكُنْ لِيُولَد إلا تحت ضُغوط القُيود. إنَّها شَهادة على قُدرة الأدب على تَحويلِ الألمِ إلى قُوَّة، والظُّلْمِ إلى تأمُّل، والوَحْدَةِ إلى رُؤية شاملة للوُجودِ الإنسانيِّ. ولا يُقَاسُ السِّجْنُ بالأيامِ التي تَمْضي، بَلْ بِعُمق الرِّحْلةِ الداخلية التي يَخُوضها المَرْءُ فيه، رِحْلة تتجاوزُ الزِّنزانةَ لِتَسْكُنَ الوِجْدَانَ والوَعْيَ للأبد.

السِّجْنُ - في تَجْرِبة العتوم ودوستويفسكي - لَيْسَ مُجرَّد مكان مَحكوم بالحديدِ والجُدرانِ، إنَّه مَسْرَحٌ داخلي تُصْقَلُ فيه الذات بَين صِراعِ الألمِ والوَعْيِ. لَدى العتوم، تبدو التَّجْرِبة أشبه بِغُرفة انعكاسات لا تَنتهي، حَيث يَتحوَّل الزمنُ إلى مِرْآةٍ للشَّجَنِ الإنسانيِّ، يَنهش الرُّوحَ، ويُعيد تشكيلَها. أمَّا عِند دوستويفسكي، فالسِّجْنُ يُصبح مُخْتَبَرًا فلسفيًّا لِوَعْيِ الفرد، وتَبْرُز أسئلةُ الهُوِيَّةِ والإنسانيةِ، كما لَوْ كانَ الألمُ مَدرسةً للرُّوح.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

أشرت في المقالة السابقة عن قيامنا بمحاولة لجمع العبارات التي جاءت في آيات القرآن الكريم والتي استعملت للتعبير عن مثل أو حكمة أو قول ماثور في لغة الناس المحكية او كتابات الكُتاب وخطابات الخُطباء أو في وسائل الاعلام والصحف أو الأدب أو البيانات المؤسساتية والعسكرية في الحروب أو غيرها سواءا في العربية الفصحى أو الدارجة وهذه المقالة الثانية وتتضمن عددا من السور من سورة آلعمران حتى سورة يوسف. في المقالة السابقة كتبت الآية كلها ووضعت العبارة المقصودة بين قوسين. في هذه المقالة أجتزأت العبارة المقصودة ووضعتها بين قوسين ولم أكتب ألآية الكريمة كلها تسهيلا على القراء وتركيزا على العبارة المقصودة تخصيصا واختصارا. وفي حالة أن العبارة المقصودة تشمل كل الآية فقد تم كتابة الآية كلها ولم أضعها بين قوسين.

سورة العمران

-وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54) وتستعمل كمثل للدلالة على المكر وأنه مهما يمكر الشخص فأن الله له بالمرصاد. وتستخدم في المناظرات بين الخصوم.

-(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (103) وتستعمل كحكمة وأمر بضرورة الاعتصام بالوحدة وعدم التفرق وتستخدم في الخطب والكتابات والبيانات.

- (وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ)) (119)وتستخدم في الادب عض اصابعه او انامله للدلالة على الندم من موقف معين او الغضب.

-(قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ) (119) يقال (موت بقهرك) أي موت من القهر بسبب الغيض من موقف او شخص وتستخدم لكيد الخصوم.

-(وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (140) وتستعمل كمثل للدلالة على أن الزمن يسير وتتبدل المواقف والامور بمرور الزمن. ويضرب للشخص الذي يعاني من مشكله لتخفيف وطئتها عليه.

- (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) (159) وتستعمل كحكمة بضرورة المشاورة قبل أتخاذ قرار او خطوة .

-(فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ) (159) وتستعمل كحكمة للدلالة على النصيحة بأنك اذا اتخذت قرارا فتوكل ونفذ.

-وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) وتستعمل كقول مأثور حيث تستخدم للشهداء للدلالة على ما لهم من منزلة لانهم احياء عند ربهم.

-(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) (185) شائعة كمثل يضرب للحث على تقبل الموت وانه مصير جميع البشر.

-(وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (185) كحكمة للدلالة على أن الحياة متاع للمغترين.

سورة النساء

-(فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) (4) هنيئا مريئا تستعمل كقول مأثور وكدعاء لشخص يتناول طعاما او في عزيمة او دعوة على طعام فيقال هني مري أو هنيء مريء.

- (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (28) كحكمة للدلالة على ضعف الانسان.

- (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) (36) للحث على البر بالوالدين كنصيحة وحكمة.

-(إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) (36) كحكمة للحث على الامتناع عن التفاخر والاختيال.

-(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (58) وتستعمل كحكمة ونصيحة للحث على أداء الامانة.

(وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (58) وتستعمل كشعار في مكاتب المحاكم والحكام للدلالة على ضرورة الحكم بالعدل بين الناس.

- (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) (76) وتستعمل كحكمة في الاشارة الى كيد الشيطان عندما يقع أحدهم في مكيدة من خصم للأشارة لدور الشيطان في تدبير المكائد وأنه يبقى كيدا ضعيفا.

-(أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) (78) تستعمل كحكمة للاشارة الى أن الموت مصير كل انسان.

-(وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) (86) تستعمل كحكمة لأهمية السلام او التحية ووجوب الرد بما يناسب.

- (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) (128) وتقال كمثل وتستعمل في حالة الاصلاح بين متخاصمين أو زوجين بينهما مشاكل.

-(وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) (128) للأشارة الى أن نفس الانسان مجبولة على الشح والاقتصاد او البخل.

سورة المائدة

- (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (2) وتضرب كمثل للدلالة على ضرورة التعاون في الخير وتجنب القيام كجماعة في الأثم والعدوان على الاخرين.

-وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) (45) وهو مثل شائع وعبارة مستعملة كثيرا في الكلام والكتابات والخطابات في حالة الاشارة الى الثأر في حالات الاعتداء بين الناس.

-وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ (54) وتستعمل عبارة لومة لائم في اشارات كثيرة حيث ترد كقول مأثور ويقال لاتخف في ذلك لومة لائم.

سورة الانعام

–(وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) (132) وتستعمل كحكمة بأن من يعمل يحصل على درجات رفيعة.

(وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)(151) وتستعمل كحكمة ونصيحة بضرورة بر الوالدين.

- (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (164) وتستعمل كحكمة بأن كل انسان مسؤول عن ما يعمله ويتحمل نتائج أعماله ولايتحمل الاخرين نتائج اعمال شخص آخر.

سورة الأعراف

-(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (199) وتستعمل كمثل بضرورة العفو والعمل بالعرف والاعراض عن الجاهلين.

سورة الأنفال

-(وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) (10) وتستعمل كقول مأثور وتستخدم في البيانات والخطب في حالات الحرب للأستبشار بالنصر.

–(وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ) (17) وتستعمل كمثل في البيانات والخطب في حالات الحرب.

-(وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً )(25) وتستعمل كمثل للدلالة على أن الفتنة تعم على الجميع في حالة أثارتها ولاتصيب المتسبب فقط.

-(وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (30) وتستعمل كمثل وتستخدم كثيرا في الكلام والخطابات والبيانات للدلالة على أن الله بالمرصاد للماكرين من الخصوم.

-(لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) (37) وتستعمل كمثل لقدرة الله على عزل الخبيث عن الطيب وتستخدم في الكلام والكتابات.

- (فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ) (38) تستعمل كمثل وتضرب للاشارة أن الامور تتغير مع تغير الزمان.

-(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (60) وتستعمل كثيرا كمثل في الاشارة الى ضرورة الاستعداد للحرب وتستخدم في الخطابات والبيانات.

 -(وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا) (61) وتستعمل كحكمة للدلالة على ضرورة التوجه الى السلم اذا كان الخصم يريد السلم وتستخدم في الكتابات والخطابات.

سورة التوبة

-(فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) (38) وتستعمل كمثل وتشير الى أن ما تتمتع به في الدنيا قليل بالنسبة الى ما في الاخرة وتستخدم في الخطب الدينية وخطب الجمع.

-(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) (105) وتستعمل كقول مأثور في الخطب الدينية وخطب الجمعة.

سورة يونس

-(إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) (36) عبارة تستعمل كحكمة لبيان ضرورة عدم الاعتماد على الظن وأنه لا يعوض عن الحق.

سورة هود

-(بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) (41) عبارة تستعمل كدعاء في السفر وهي كثيرة الاستخدام من قبل الجمهور.

-(وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (117) وتستعمل كحكمة للدلالة على أهمية الاصلاح الجماعي وأن الله لا يهلك الجماعات المصلحة.

سورة يوسف

-وَجَاءُوا عَلَى (قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) قَالَ (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18) يستخدم قميص يوسف كثيرا في الأدب للدلالة على الدليل الكاذب ومن أجمل العبارات التي وردت في سورة يوسف(سولت لكم أنفسكم) وتستعمل كقول مأثور على أن النفس تسول لصاحبها أمرا ما. كما أن عبارة فصبر جميل يتم أستخدامها للدلالة على أهمية الصبر ووصفه بالجميل.

-(إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) (28) يستعمل كثيرا كمثل وقول مأثور على كيد النساء ويستخدم في الأدب والمسرح والتمثيل وفي الكلام المتداول.

-( قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ) (41) وتستعمل كقول مأثور للدلالة على أنتهاء أمر ما يتم الاستفسار أو تداوله.

-(الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ) (51) تستعمل كمثل أو قول مأثور للدلالة على ظهور الحق وجلاء الحقيقة في مسألة ما.

–(إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ) (53) حكمة تستعمل للدلالة على أن النفس تميل الى أن تأمر صاحبها بالسوء.

-( فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ) (64) قول مأثور أستعمل كدعاء للدلالة على أن الله هو افضل من يحفظ.

وتستخدم كمثل للدلالة على ما في النفس من حاجة. –(إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا) (68

-( وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (76) تستعمل كمثل للدلالة على أن الله هو الأعلم وأنه مهما بلغ أنسان ما من علم فأن هناك من هو أعلم منه.

-(وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (87) كحكمة للدلالة على عدم اليأس.

 -(وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) (99) وتستعمل كقول مأثور وتوضع في مصر على جدران المنافذ الحدودية والمطارات.

***

د. احمد المغير

 

يعد البحث في اللغة مدخلاً مهما لفهم الخصائص الهوياتية والثقافة الإنسانية، حيث تحمل في طياتها الذاكرة الجمعية والإطار الثقافي الذي يشمل القيمَ، وأنماطَ التفكير التي ميّزت الجماعات البشرية عبر الزمن، ومن خلال تتبّع الخصائص اللغوية للهجة البرنوسية يمكن الكشف عن البنية الثقافية لهاته الجماعة، وفهم كيفية تشكّل هويتها، ويمثّل الاشتغال على المفردات المحلية أحد أهم السبل لفهم هذه الهوية، لأن اللهجة َكثيراً ما تكُون أثراً ثقافياً أكثر منها بنية لوحدات لغوية منعزلة، فأفراد قبيلة البرانس، باعتبارها أحدَ المكوّنات التاريخية في المغرب القديم، تركوا بصمتهم في المجال المحلي لتازة من خلال منظومةٍ لغوية خاصة تعكس بيئتَها، وأنماطَ عيشها، والوقوف على بعض مفردات هذه اللهجات يتيح لنا استعادةَ مستوى من ذاكرة لا نجدها دائماً في المصادر التاريخية، وإنما تظهر في الاستعمال اليومي للهجة وما تحمله من إشارات إلى الانتماء القبلي، والعادات والتقاليد...إلخ

ولا يمكن النظر إلى هذه اللهجة باعتبارها بقايا لغوية معزولة، لكنها نتاجٌ لمسار طويل من التفاعل بين الأمازيغية واللغات المجاورة خاصة العربية، فهي لهجة هجينة، وغالبا نشأت في المجتمعات متعددة الثقافات، فرضتها الحاجةُ إلى التواصل بين متحدثين ينتمون إلى لغتين أو أكثر، مختلفة، وتطورت بصورة عملية لحل مشكلات التواصل، وقد ساهم هذا الاحتكاكُ في تشكيل لهجة هجينة ذات طابع خاص، يمكن فهمه في ضوء مفاهيم اللسانيات الاجتماعية بظاهرتي البيدجين التي تنشأ من الحاجة إلى لغة مشتركة بين جماعات مختلفة لمواجهة الحواجز التواصلية، ثم قد تتطور إلى كريول لتصبح اللغةَ الأمّ لجماعة مستقرة، ترتبط بشكل كبير بالهوية الثقافية للجماعة اللغوية التي تتحدثها، وعند النظر في تاريخ هذه القبيلة، نجد أن لهجتها الهجينة تحمل آثاراً واضحة لهذا النوع من التفاعل الذي يعكس التطور الطبيعي للغة/ اللهجة ضمن سياق ثقافي محدد، أي؛ جذور أمازيغية ثابتة في مقابل تأثيرات عربية وقبائلية، وكلمات أنتجها الاحتكاك بين اللغات. 

إن تتبّع ألفاظ اللهجة يكشف لنا عن حركية لغوية تجمع بين الاحتفاظ بالسمة الصوتية الأمازيغية، واستيعاب مفردات وافدة تتشكل وفق النسق المحلي، إذ نجد على سبيل التمثيل لا الحصر: قبوب (أقبوب) كلمة أمازيغية؛ خيمة صغيرة تصنع من أغصان وأوراق الأشجار أو القصب ويستغل في الفصل الحار للحراسة، أزري كلمة أمازيغية؛ تعني ممرا ضيقا يتوسط الأراضي الفلاحية المشتركة (المشاع لجميع سكان القبيلة)،وكدم (أكَدم) بالأمازيغية؛ مكان مرتفع عن الأرض يحد بين حقلين وتحيل أيضا إلى سور يفصل البيت عن منحدر بجانبه، وكلمة مزواغ (أمزواغ) بالأمازيغية؛ تدل على مكان يؤخذ منه الصلصال ذي اللون الأزرق، يوضع فوق السطوح لمنع تسرب مياه الأمطار، الحنديرة( تاحنديرت)؛ معطف مزخرف، كَداور (أكَداور) بالأمازيغية، وتعني اللباس الفضفاض، أو اللباس بشكل عام عند قبيلة باب مروج...إلخ.

 وهكذا تتبدّى هذه المفردات ضمن اللهجة البرنوسية كنتاج لتاريخ طويل من التفاعل اللغوي والثقافي، وهو ما يجعلها نظاماً قائماً بذاته، يعكس قدرة الجماعة اللغوية على التكيّف.

كما تتجلى هذه الحركية بشكل واضح من خلال استجلاء واقع لهجي تتماهى فيه مكونات ثقافات جمعتها جغرافية المكان والتفاعل الاجتماعي، ففي التداول اليومي تظهر العديد من الكلمات العربية التي تكتسب نطقا خاصا- ربما يمتد إلى قبائل أخرى مجاورة بحسب علمنا المتواضع، لكن ما يميزها خصوصية اللاصقة المستعملة في بداية الأفعال: أدعمل (ضمير المخاطب المفرد) من فعل عمل – أيقطع (ضمير الغائب المفرد) من فعل قطع- أنقول (ضمير المتكلم المفرد) من فعل قول وقال – أنكتب (ضمير المتكلم المفرد) من فعل كتب...إلخ.

وهناك أيضا اللاصقة الألف والياء في نهاية كلمات مثل: مفخباريشاي- معنديشاي- ما يهمنيشاي...إلخ، إذ تضيف العديد من اللهجات في العديد من ربوع المغرب، السابقة (الميم) واللاحقة (الشين) إلى الجذر العربي للدلالة على نفي الشيء وإنكاره وإبطاله، لكن الخصوصية اللهجية للمنطقة تكمن في إدراج اللاصقة (اي) والتي غالبا ما تعكس نظاما صوتيا صرفيا دلالته مرتبطة بالسياق التداولي والخصائص النطقية التي اكتسبها الأفراد، مثلما نجد مثلا في قبائل الشمال عندما ينطقون: مافخباريشي، ماعنديشي، ما يهمنيشي...إلخ

تنقلنا صفوة القول إلى أن الوقوف على ما تنطوي عليه هذه اللهجة ليس فقط الاختلاف الصوتي مع باقي القبائل، لكنها تحمل أبعادا ثقافية خاصة وموروثا محليا فريدا، لكن ما ينبغي الخلوص إليه هو أن البرانس، بالرغم من تأثير القبائل العربية التي تم استقدامها إلى المغرب، وكذا التأثيرات الخارجية؛ الدينية والاجتماعية، وفقدانها للكثير من لغتها الأمازيغية تحت هذا التأثير، إلا أن بعض المفردات التي لا زالت متداولة حتى اليوم تعكس لنا جانبا من الهوية المحلية والرأسمال اللغوي الذي لم يطَله الزمن.

***

الطالبة الباحثة: غزلان زينون

عرض المجلد الأول (208) من موسوعة الموسم الهولندية، إسهامات د. إبراهيم العاتي البحثية التي تضمنت العديد من مجالات المعرفة، ومشاركاته في المؤتمرات والندوات وحصيلة إنتاجه الفكري والتأثير الثقافي ودوره في إعادة قراءة التراث بمنهجية حديثة عكست طبيعة مشاريعه البحثية وشبكة علاقاته العلمية المعرفية الأمر الذي جعله يُصنّف ضمن الأكاديميين الموسوعيين.

أَمّا المجلد الثاني، الذي أشرف على تحريره وتوثيقه الأُستاذ محمد سعيد الطريحي رئيس تحرير الموسوعة، فقد خُصِص لأبرز مؤلفات د. العاتي، مع رؤية موضوعية إلى أهمية نتاجه العلمي وتأثيراته في الحقول البحثية المختلفة للأجيال الجديدة من الباحثين، التي تُظهر التوازن بين النزعة التأملية الذاتية والرغبة في تقديم شهادة معرفية راقية تؤكد بأن التكوين الموسوعي لم يكن نتيجة تراكم معرفي عشوائي، بل نتاج رؤية منهجية واعية تسعى إلى بناء معرفة متطورة تتداخل فيها عناصر التوثيق العلمي والتحليل المنهجي والتأمل الذاتي ومدى أهمية طروحاته الفكرية في كيفية التفاعل مع التيارات الفكرية المختلفة في إطار بنية معرفية حديثة قادرة على التعامل مع الظواهر الاجتماعية والثقافية المعقدة.

اتسمت مؤلفات العاتي بأهمية تحقيق التوازن بين الوفاء للتراث الفكري والانخراط في أسئلة الحاضر، فهي لا تتعامل مع التراث بروح جامدة، بل باعتباره مخزوناً معرفياً قابلاً لإعادة القراءة، لذلك نجد في كتاباته دعوة إلى تجديد أدوات الفهم والتأويل بإطار خطاب معرفي يواكب التحولات الاجتماعية والفكرية. والتحليل النقدي لديه لا يقتصر على مراجعة الأفكار السائدة، بل يمتد إلى مراجعة آليات التفكير ذاتها، مما جعل مؤلفاته أقرب إلى مختبر فكري تتفاعل فيه المفاهيم ويتم صياغتها باسلوبه الذي امتاز بلغة تجمع بين الدقة العلمية والثراء البلاغي. والنص مشحون بالمصطلحات الدقيقة لديه دون أن يفقد سلاسته التعبيرية، بحيث تُظهر كتاباته مهارة في توظيف البلاغة لخدمة الفكرة.

تضمن المجلد الثاني ثلاثة مؤلفات مهمة للدكتور إبراهيم العاتي، أولها: (الإنسان في فلسفة الفارابي)، الذي يُعدّ قراءة فلسفية منهجية لفكر الفارابي الذي تميز بطابعه الإنساني (أهم ما يميز الفارابي عن غيره من الفلاسفة، هو الطابع الإنساني الذي طَبَعَ به فلسفته، حيث لا يخلو فيها باب واحد من اهتمامٍ بالإنسان أو تحليل لسلوكه ومعاشه وعلاقته بالأغيار)، العاتي، المقدمة ص22. الكتاب عمل موسوعي صدر عام 1998م عن دار النبوغ للطباعة والنشر في بيروت، سعى العاتي من خلاله إلى إبراز دور الفلاسفة في تعظيم قيمة الإنسان كمعجزة إلهية كبرى، مؤكداً بأن الفارابي أهم الفلاسفة المسلمين الذين انخرطوا في فهم الإنسان وموقعه في الكون والفكر الإسلامي من خلال مقاربة شاملة لرؤية الإنسان في فلسفته، من كل الأبعاد العضوية والنفسية والعقلية والأخلاقية والاجتماعية، بالإطارالإسلامي في فهم الإنسان ككائن مفكر وفاعل ضمن النظام الكلي للوجود.

بهذا يمكن القول بأن فلسفة الإنسان عند الفارابي مشروعاً فكرياً وأخلاقياً وسياسياً في آن واحد، فهو يرى أن الإنسان لا يكتفي بالوجود البيولوجي فقط، بل يسعى إلى الكمال الفكري والأخلاقي، ما جعله كائناً اجتماعياً يعتمد على التناغم مع قيم الحقيقة والخير لبناء الحياة المثلى. لم يكتفِ الكتاب بعرض فلسفة الفارابي بشكل نظري فحسب، بل محاولة تحليلها ضمن سياقها الفكري، وفي كيفية إسهامها في بناء صورة متكاملة عن الإنسان تفوق المقاربات الأخرى في التراث الإسلامي، لأنها تربط بين العقل، والأخلاق، والسلوك الاجتماعي.

برع العاتي في تقديم إطار تحليلي رصين يرصد كيف تتأسس فلسفة الإنسان عند الفارابي على تصورات عامة عن المعرفة والوجود، مؤكداً بأن الإنسان عند الفارابي ليس عنصراً منفصلاً في النظام الفلسفي، بل هو نقطة التقاء بين ما هو نظري وعملي. لقد كشفت قراءة العاتي للإنسان في فلسفة الفارابي عن تصور للإنسان بوصفه كائناً عاقلاً، غائياً، مدنياً، متطلعاً إلى الكمال عبر المعرفة، أي الإنسان ليس مجرد موجود بين موجودات، بل هو الكائن الذي يعي نظام الوجود ويسعى إلى التشبه بأسمى مراتبه. ومن خلال هذا الوعي تتحقق سعادته القصوى (فالسعادة غاية، وكمال، وخير، بل هي أجدى الخيرات، وأقربها إلى النفس الإنسانية، وهي الغاية التي تؤثر لأجل ذاتها) العاتي: ص 226. فالكتاب نجح في إبراز الطابع التكاملي لفلسفة الفارابي، حتى وإن ظل المجال مفتوحاً لمزيد من النقد والمقارنة والتطوير.

لقد أجاد العاتي في إبراز علاقة الإنسان بالله عند الفارابي، موضحاً بأنها ليست علاقة وعظية أو تعبدية بالمعنى الفقهي، بل علاقة وجودية معرفية تقوم على التشبه بالعقل الفعّال من خلال تحصيل الكمال العقلي (الوجود والواجب والإمكان من المعاني التي تتصور لا بتوسط تصور آخر قبلها، بل هي معان واضحة في الذهن. وإن عرفت بقول فإنما يكون على سبيل التنبيه عليها لا على سبيل أنها تعرف بمعان أظهر منها)، الفارابي: تجريد رسالة الدعاوى القلبية، نقلاً عن العاتي ص77. 

ذكر الفارابي أن الغاية القصوى للإنسان هي السعادة، وهذه لا تتحقق إلا باتصال العقل الإنساني بالعقل الفعّال، أي بالترقي المعرفي والأخلاقي، أي الارتقاء من القوة إلى الفعل في مراتب الإدراك، وجعل الإرادة جنباً إلى جنب مع الاختيار في تحديد طبيعة العمل الخلقي: (فالخير في الحقيقة ينال بالاختيار والإرادة، وكذلك الشرور إنما تكون بالإرادة والاختيار) الفارابي، المدينة الفاضلة، ص97، نقلاً عن العاتي: ص 230.

وأكد العاتي أن الإنسان عند الفارابي لا يُفهم إلا في إطار رؤية كونية شاملة، مؤكداً بأن العالم بنظامه التراتبي ليس مسرحاً محايداً، بل بنية ذات غاية، والإنسان جزء من هذا النظام الغائي. فالوجود عند الفارابي مشدود إلى نظام عقلي، والإنسان كائن قادر على فهم هذا النظام والانسجام معه. فتميز تحليل العاتي في ربطه بين الطبيعة الإنسانية والمدينة الفاضلة، مؤكداً بأن العالم محكوم بنظام، وكذلك الاجتماع الإنساني ينبغي أن يُبنى على نظام عقلي، وبهذا المعنى، يصبح الإنسان كائناً مدنياً بالطبع، لا يكتمل وجوده إلا في إطار جماعي منظم، غايته السعادة المتحققة عبر الفضيلة.

من أبرز معالم الكتاب منهجية تحليل العاتي لبنية النفس الإنسانية لدى الفارابي: نفس عضوية، نفس عقلية، ونفس عاقلة، من خلال عرض تقسيم الفارابي للنفس إلى قوى نباتية وحيوانية وعاقلة، مع إبراز مركزية العقل بوصفه مبدأ التميز الإنساني، مبيناً أن الإنسان ليس مجرد تركيب مادي - روحي، بل كائن يتدرج في مراتب الإدراك، من الحس إلى الخيال إلى العقل المستفاد (وللإنسان من جملة الحيوان، خواص، بأن له نفساً يظهر منها قوى بها تفعل أفعالها بالآلات الجسمانية، وله زيادة قوة بأن يفعل لا بآلة جسمانية، وتلك قوة العقل) الفارابي: عيون المسائل، نقلاً عن العاتي: ص112. لقد وظف العاتي بعض نصوص الفارابي لإظهار الإنسان بأنه يمثل ذات عقلانية تتناغم فيها الروح والعقل والمجتمع، ما يجعل فهم الإنسان لدى الفارابي شمولياً، نظرياً وأخلاقياً وسياسياً، وبذلك امتاز تحليله بالدقة في إظهار أن الكمال الإنساني عند الفارابي ليس أخلاقياً فقط، بل معرفي في جوهره.

ويرى العاتي أن نظرية المعرفة عند الفارابي تمثل محوراً جامعاً بين الإلهيات والأنثروبولوجيا، فالمعرفة ليست مجرد تمثل ذهني، بل تحقق وجودي يرقى فيه الإنسان إلى مرتبة أعلى من الكمال. وأن الإدراك يبدأ بالحس، ثم يتوسطه الخيال، لينتهي إلى التجريد العقلي، حيث يصبح العقل مستعداً للاتصال بالعقل الفعّال. وبهذا المعنى، المعرفة ليست نشاطاً منفصلاً عن الوجود، بل صورة من صور التحقق الوجودي(تنقسم المعرفة عند أبي نصر الفارابي إلى ثلاثة أقسام أو درجات هي: المعرفة الحسية، والمعرفة العقلية، والمعرفة الذوقية أو الإشرافية. وهذا التقسيم لا يعني أن هناك انفصالاً بينها، بل هي متصلة ويكمل بعضها بعضاً) العاتي: ص 136.

يمثل كتاب العاتي جهداً أكاديمياً رصيناً في قراءة الإنسان في فلسفة الفارابي قراءة شمولية، تكشف قوة التحليل في إبراز الترابط البنيوي بين المعرفة والسعادة، وتداخل الميتافيزيقا بالأنثروبولوجيا، والمعرفة بالأخلاق، والسياسة بالوجود، وقوته الأساسية تكمن في: وحدة الرؤية المنهجية، والتحليل الدقيق للنصوص الفارابية، وإبراز مركزية الإنسان داخل النسق.

لقد أسهم مؤلف العاتي في إثراء النقاشات الفكرية عبر تقديم قراءات جديدة لموضوعات تقليدية بطرح أسئلة منهجية حول طبيعة البحث العلمي، وتعزيز الحوار بين التخصصات المختلفة. وبذلك يشكل كتاب العاتي إضافة نوعية لما يحمله من محاولة جادة لتجديد الخطاب المعرفي. ويمثل إضافة مهمة للدراسات الفارابية، لأنه قدم تحليلاً فلسفياً عميقاً لفكر الفارابي في موضوع الإنسان بعيداً عن السرد التاريخي أو التقديم السطحي. سلّط الضوء على كيفية تفاعل الفلسفة الإسلامية مع قضايا الإنسان الكبرى مثل العقل، السعادة، الاجتماع، والأخلاق. استخلص فيه القيم الإيجابية للإنسان، موضحاً رأي الفارابي كفيلسوف: بأن هناك ثلاثة أبعادٍ تحدد تصوره للإنسان هي: بُعْدٌ إلهي وكوني، وبُعْدٌ ابستمولوجي، وبُعْدٌ أخلاقي اجتماعي وسياسي، بحيث هذه الأبعاد الثلاثة يكمل بعضها بعضاً، وتبرز طبيعة التكامل بين الفلسفة والدين في تحديد موقع الإنسان في الكون والوصول إلى السعادة.

ساعد الكتاب الكثير من الباحثين في فهم الأبعاد المعرفية والوجودية للفكر الفارابي من منظور عربي– إسلامي معاصر، يمكن اعتباره جسراً معرفياً بين التراث الفارابي العميق وبين القراءات المعاصرة لقضايا الإنسان في الفكر الإسلامي، إنه قراءة فلسفية تغوص في عمق سؤال الإنسان: مَنْ هُوَ؟ وكيف يتحقق ككائن عاقل وأخلاقي في عالم الفكر والحياة ؟. بهذا، يبقى هذا الكتاب مرجعاً أكاديمياً مفيداً لمعرفة الفلسفة الإسلامية، فلسفة الإنسان، أو تاريخ الفكر الإسلامي.

تكشف قراءة كتب د. إبراهيم العاتي عن مشروع فكري يسعى إلى بناء معرفة نقدية واعية بذاتها وبسياقها التاريخي، فبين المنهجية الرفيعة واللغة البليغة، تتشكل تجربة معرفية تدعو المتلقي إلى التفكير والمراجعة، وتؤكد أن كتابات العاتي الأكاديمية ليست مجرد نقل للمعرفة، بل إعادة خلق لها في ضوء أسئلة جديدة تتسم بطابع الإثارة، أي تتحول الكتابة لديه من مجرد سرد معرفي إلى ممارسة نقدية تسعى إلى الكشف عن البنى العميقة للأفكار.

***

د. عبد الحسين صالح الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا

كثُرت الدراسات في الآونة الأخيرة حول الذكاء الاصطناعي، حتى أنه لا يكاد يخلو مجال من المجالات المعرفية الا وتناول هذا الموضوع، بل أنه أصبح حديث الناس، وأثار دهشتهم في الوقت نفسه، نظرًا لسهولة استخدامه وسرعة استجابته وغيرها من الميزات الأخرى.

واذا عدنا الى الذكاء في الأصل نجد أنه سمة انسانية ومن تمثيلاته سرعة التعلم، استحضار المعلومات، التحليل، النقد، الاستدلال، المقارنة، وغيرها من العمليات. لكن الأمر المذهل الذي حصل ان الآلة التي نصنعها بعضها على صورتنا، وهناك من لها مسحة من الذكاء تحاكي به الذكاء البشري هذا ان لم تفقه في أغلب الأحيان، وهو ما أطلق عليه فلاسفة ما بعد الانسانية "بالتحسين المعرفي"، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، الآلة كما هو معروف "أداة" تستخدم لإعانة الانسان على انجاز الأعمال، الا أن الذكاء الاصطناعي بوصفه آلة وانجازًا علميًا هيأ للإنسان فرصًا جديدة :-ففي المجال الطبي ابتكرت روبوتات لتشخيص الأمراض واجراء العمليات الدقيقة مثل (Da Vinci Xi)، وفي المجال اللغوي هناك برامج مثل برنامج ((Grammarly، الذي يساعد الباحث للتأكد من دقة البناء النحوي للنص، أو في مجال الترجمة هناك برامج تناسب التخصصات لترجمة النصوص واعطاء أكثر من خيار للوصول الى المعنى الصحيح، وفي أية لغة مثل برنامج ((Deepl، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن هذه البرامج تتعامل مع اللغات عالية الموارد وتُستثني الواطئة منها.أما في المجال الحقوقي، فمن لديه دعوى ويرغب بأخذ استشارة قانونية بإمكانه استشارة الذكاء الاصطناعي وتساعد امكانيات تحليل المستندات المتعددة الاستخدامات ((CoCounsel Legal المحامين على مراجعة المعلومات من جميع الأنواع، والوصول الى رؤى قابلة للتنفيذ على نحو سريع، والعثور على الثغرات القانونية بين الملايين من الصفحات. وبإمكان هذا البرنامج الاجابة على أسئلة معقدة حول الوثائق ومقارنتها ومقابلتها، وتقديم ملخصات مصممة خصيصًا، والبحث في قواعد البيانات الضخمة، وتحليل الحجج، واكتشاف التوصيفات الخاطئة.

لكن الانجازات العلمية على الرغم من الآفاق الجديدة التي تهيؤها الا أنها تطرح تحديات أخلاقية وقانونية، بدليل أنها تسببت بارتكاب أخطاء جمة في حقوق الانسان. والسبب في ذلك التسارع المهول في تطوير هذه التقنيات، مما أثار شعورًا بالقلق الوجودي تجاه نشر ها. والمراقب الذكي بإمكانه أن يحدد السنوات (2021-2022-2023)،التي لوحظ فيها ذلك الانتشار وقد مثلت هذه الفترة لحظة تحول نوعي في 1-تطوير هذه التقنيات بعيدًا عن الرقابة الأخلاقية والقانونية 2-خروجها من المختبرات التكنولوجية المغلقة الى الاستخدام الشعبي الواسع 3-الادمان التكنولوجي Technology addiction على الأجهزة الرقمية.وهو نوع من الإدمان السلوكي يتميز بالاستخدام المفرط وغير المنضبط للأجهزة الإلكترونية. فالأدوات مثل Midjourney AI، Generative AI & Chat GPT)) وغيرها عندما خرجت من المختبرات الى الاستخدام الشعبي الواسع أتاحت لمستخدمين عاديين انتاج صور ونصوص بكفاءة غير مسبوقة مما طرح تساؤلات عدة منها: التساؤل عن مكانة الانسان بوصفه مفكرًا ومبدعًا حاملًا للذوق الجمالي ومصدرًا للتجربة الانسانية المتجددة في زمن الألة، وعن كيفية حماية حقوق الملكية الفكرية. فهذه النماذج التي تتغذى على محتوى أبدعه بشر تُعيد انتاجه من دون اذن أو تعويض، فضلًا عن التساؤل عن تداعيات هيمنة التقنيات الذكية على ماهية الانسان، ومن هنا حذر فلاسفة التقنية مثل برنارد ستيغلر من الوقوع في خطرين يتمثل الخطر الأول ب"الاستلاب الرقمي" اذ ان هذه التكنولوجيا تؤثر على الفعل الانساني والهوية والذاكرة، وتهدد باختزالنا من كائنات منتجة الى مستهلكه، وهذا يعني اغتراب الانسان عن ذاته ومجتمعه تحت وطأة الهيمنة الرقمية، ومن ثم الوقوع بالخطر الثاني المتمثل ب"التشيؤ التقني" اذ يُخشى من هيمنة هذه التكنولوجيا على ماهية الانسان واختزالها في منظومة تقنية لا تراعي قيمته الوجودية فيتحول الى مجرد رقم في منظومة آلية تستخرج منها البيانات وتُعاد قولبتها لأغراض ربحية. هكذا يبدو الذكاء الاصطناعي ليس أداةً وحسب، بل هو قوة بنيوية تعيد تشكيل مفهوم الانسان وحقوقه.

ومن هنا تبرز ضرورة تفعيل الرقابة القانونية والمحاكمة الأخلاقية، لأن مثل هذه المخاطر تُهدد أهم حق من حقوق الانسان المتمثلة (بفهم معنى أن نكون بشرًا)، فالشركات التكنولوجية تسعى الى خلق علاقة وجدانية بين الانسان والآلة تسمى (اسقاط المشاعر على الأشياء الاصطناعية)، ومن مظاهر هذه الحالة الحوار مع الآلة كما لو كانت ذاتًا واعية، وهذا المسعى ليس بريئًا اذ يًعد أخطر ما أحدثته التكنولوجيا’ اذ أدى الى تضاؤل الاحساس بالذات أمام الآلات تتظاهر بالفهم والتعاطف. وكان نتيجة ذلك اضعاف ادراكنا لخصوصية المشاعر الانسانية ذلك انها غير قابلة للبرمجة، فضلا عن أن هذه الشركات استثمرت ذلك في تقديم التكنولوجيا كمعالج نفسي، في حين أنها تبقى مجر د آلة مصممة للاستجابة على نحو مشروط لا واع. ومن الجدير بالذكر ان نفوذ الشركات الى هذا الحد أدى الى التشكيك في حدود السلطة بين الآلة والبشر، وتفعيل فكرة (سلطة الآلة على الانسان)، أو ما بات يعرف ب(تطبيع الرقابة) لتصبح حالة طبيعية وجزء من الحياة اليومية، وهو الدور الذي تؤديه شركات مثل (كوكل-ميتا، أمازون أوبن اي) في تشكيل بيئة الذكاء الاصطناعي. من خلال أنظمة التعرف على الوجوه بكاميرات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتقنيات تتبع الحركة، والتحليل السلوكي ان كل ما تقدم يؤكد الفكرة المحورية لهذا المقال، فهذه الشركات لم تعد تجارية وحسب، بل انها قوى فوق دولية تمتلك كمًا هائلًا من البيانات، ولها القدرة على التأثير في الرأي العام، ويبدو ذلك من خلال التواطؤ بين هذه الشركات والسياسات التي تطمح الى تقويض حقوق الانسان وتعزيز السيطرة السياسية ليس على شعوبها وحسب بل على العالم بأسره. لذلك ينبغي الحذر كل الحذر من مساعي بعض التقنيين لمنح الآلة بعض الحقوق، في وقت سُلبت به حقوق الانسان ومُنحت للآلة، والهدف من كل ذلك تحجيم قدرات الانسان (المستهلك) لها.

ان كل ما تقدم، وغيره من المخاطر والأخطاء دفعت الأمم المتحدة لحقوق الانسان مؤخرًا في تقريرها الصادر في 20 من شباط 2026، من التحذير من تحول الذكاء الاصطناعي الجامح الى "وحش فرانكشتاين"، وهذا يحدث اذا افتقر مطوروه الى فهم عميق للمبادئ الاخلاقية والاجتماعية الأساسية. لأنهم سيطورون شيئا لا يمكنهم السيطرة عليه فيما بعد، اذا لم يكونوا على دراية بمخاطر هذه الثورة التكنولوجية.

***

أ. د. نوال طه ياسين - أستاذ الفلسفة المعاصرة

جامعة البصرة-كلية الآداب-قسم الفلسفة

لا يمكن قراءة البيان الاخير الصادر عن المكتب الاعلامي لرئيس مجلس الوزراء بشأن اجتماع "متابعة الجامعات الاهلية" الا بوصفه تمرينا في البلاغة الانشائية التي تحاول حجب الواقع بغربال من الكلمات الرنانة. فعلى الرغم من "هيبة" المشهد الذي حشد المستشارين والمديرين العامين، الا ان مخرجات الاجتماع جاءت خالية من اي "مونة" سياساتية، فبدلا من اعلان حالة طوارئ تعليمية لمواجهة انحدار الجودة، غرق المجتمعون في صياغة توجيهات عامة حول "اتساق القانون" و"استيفاء الشروط"، وهي بديهيات ادارية لا تستوجب اجتماعا بهذا المستوى. ان هذا "الاستعراض السطحي" لا يحل ازمة، بل يرحلها خلف "مهلة العشرة ايام" الشهيرة، متجاهلا ان العلة تكمن في جوهر الفلسفة التعليمية الحالية التي حوّلت الجامعات الى "ماكينات ربح" بلا كوابح.

حين نقرأ في الخبر عن 'استعراض منظومة العمل' و'استيفاء شروط الرصانة'، نكتشف فخاً لغوياً، فالرصانة في الأعراف الأكاديمية ليست مجرد 'حالة' تُعلن في اجتماع، بل هي نتاج نظام اعتماد صارم. ومع ذلك، يُحسب للاجتماع التفاتته الجادة والمحقة للجانب التنظيمي، من خلال حضور الجهات الإدارية والمالية، والتشديد الصارم على ضرورة تسوية القيود الضريبية والحقوق الضمانية للتدريسيين، فهذه ليست مجرد إجراءات ورقية، بل هي صمام أمان لحفظ كرامة الكوادر التعليمية وحماية المال العام من الهدر. لكن الإشكالية تبقى في الاكتفاء بهذا الجانب، حيث غابت 'لغة الأرقام' و'معايير الجودة النوعية' التي تفرق بين المؤسسة التعليمية الرصينة الملتزمة بواجباتها القانونية، وبين 'دكاكين الشهادات' التي استباحت المعايير العلمية من أجل تعظيم الأرباح.

الجودة الضائعة في زحام "التوجيهات"

الاعتماد الاكاديمي لا يتحقق بـ "ايعاز" او بـ "مقترحات تُقدم خلال عشرة ايام". هذا التوقيت الزمني الضيق يعكس استخفافا بملف معقد، فالاعتماد يحتاج لبناء نظم تقييم، وتدريب كوادر، ورقابة ميدانية مستقلة، لا لـ "ترقيعات ادارية" سريعة تُرفع للمسؤول لغرض الاستهلاك الاعلامي وتغطية الفشل في مواجهة جشع المستثمرين.

البديل الاصلاحي الحقيقي

بدلا من هذا الاستعراض السطحي، نضع امام صناع القرار "خارطة انقاذ" ترتكز على الجودة والاعتماد، بعيدا عن منطق الربح والجباية:

1. كبح "جماح القبول" وربطه بسوق العمل

يجب التوقف فورا عن سياسة "الابواب المفتوحة" التي تنتهجها الجامعات الاهلية لاشباع نهمها المالي. المقترح هو تحديد سقف المقبولين في كل برنامج تعليمي بناءً على "دراسة احتياج حقيقية" لسوق العمل، وليس بناءً على قدرة الجامعة على حشر الطلاب في القاعات. لا يمكن السماح بتحويل الشباب الى "جيوش عاطلين" لمجرد سد "اشلاء جوع" المستثمرين الذين يتاجرون بمستقبل الاجيال.

2. التحول الالزامي الى "مؤسسات غير ربحية"

ان الاوان لنقل الجامعات الاهلية من نموذج "الشركات التجارية" الى نموذج "المؤسسات غير ربحية"، كما هو الحال في ارصن جامعات العالم. هذا التحول يعني ايقاف استنزاف جيوب العوائل لصالح حسابات المستثمرين، واعادة توجيه كافة الارباح والفائض المالي لتطوير البحث العلمي، وتحديث المختبرات، ودعم الابتكار، بدلا من توزيعها كأرباح على "شركاء" لا علاقة لهم بالعلم من قريب او بعيد.

3. مأسسة الجودة ونظام "الانياب" القانونية

يجب الزام كل كلية بالحصول على اعتماد برامجي عالمي مستقل كشرط لبقائها، مع تفعيل نظام عقوبات تصاعدي يبدا بـ تعليق القبول في الاقسام المترهلة، ويصل الى سحب اجازة التأسيس للجامعات التي تصر على تغليب الربح المالي على المعيار العلمي.

4. حوكمة الجامعات ومأسسة مجالس الأمناء

يتعزز الهيكل التنظيمي لهذا الإصلاح عبر تشكيل مجالس الأمناء، بحيث يكون لكل جامعة أهلية مجلس يُختار أعضاؤه من كبار العلماء والأساتذة المتخصصين والخبراء والشخصيات العامة، على أن يضم المجلس في عضويته رئيس الجامعة وممثلاً عن الحكومة يختاره وزير التعليم العالي لضمان الرقابة الرسمية. ويتولى هذا المجلس، بشراكة تشاورية مع مجلس الجامعة، صياغة اللوائح الداخلية لإدارة شؤون الجامعة وتسيير أعمالها، بما يضمن وضع قواعد صارمة لاستخدام صافي الناتج عن نشاط الجامعة وتوجيهه نحو التطوير الأكاديمي والبحثي وفق ميزانيتها السنوية المصادق عليها.

5. الدمج الاكاديمي

تكتمل خارطة الإنقاذ بتبني "الدمج الأكاديمي" للكليات المتشابهة لتحويلها إلى جامعات كبرى رصينة، أسوةً بالتجارب الناجحة في فرنسا وألمانيا. يهدف هذا التوجه إلى رفع الجودة وتوحيد المعايير، مع تقليل التكاليف التشغيلية لخفض الأجور الدراسية، فضلاً عن مكافحة الفساد عبر تبسيط الرقابة وخلق بيئة بحثية متكاملة. وبذلك، يتجسد الإصلاح الجذري في أربعة أعمدة: ضبط القبول وفق سوق العمل، التحول للمؤسسات غير الربحية، فرض الاعتماد الدولي الصارم، والهيكلة بالدمج لصناعة كيانات جامعية تليق بالعراق.

اخيرا "التعليم امانة وليس بضاعة"

ان اصلاح التعليم الاهلي في العراق لا يمر عبر اجتماعات "الصور التذكارية" والبيانات التي "لا تسمن ولا تغني من جوع". اننا بحاجة الى ثورة في الفلسفة التعليمية، تبدا بتحويل الجامعات الاهلية الى مؤسسات علمية غير ربحية، وتنتهي بفرض معايير جودة لا تجامل احدا.

السؤال الموجه لصناع القرار: هل لديكم الجراة لتحويل هذه "الاستثمارات" الى "مؤسسات علمية حقيقية" تخضع لسوق العمل، ام سنستمر في مشاهدة ضياع التعليم في دهاليز الارباح والكلمات الرنانة؟

***

د. محمد الربيعي

 بروفسور متمرس ومستشار دولي، جامعة دبلن

ليس رمضان شهراً عابراً في تقويم الأيام، بل هو محطة سنوية لإعادة تشكيل الإنسان من الداخل. إنه ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو إعادة ترتيب للأولويات، وضبط للإيقاع الداخلي، ومراجعة شاملة للعادات والسلوكيات والأفكار والمشاعر. في زمن تتسارع فيه المتغيرات وتزداد فيه الضغوط، يأتي رمضان كمساحة هادئة يعيد فيها الإنسان اكتشاف ذاته، وصناعة نفسه وتشكيلها ويتصالح مع روحه، ويستأنف رحلته نحو الأفضل والأميز.

حين نتأمل طبيعة هذا الشهر نجد أنه يحمل في جوهره فلسفة التغيير العميق وترك عتبة الماضي وهفواته وأخطائه. فالإنسان الذي يستطيع أن يمتنع ساعات طويلة عن المباحات بدافع الإيمان والانضباط، قادر على أن يمتنع عن السلوكيات السلبية والعادات الضارة التي لا تنفعه وتتسب في بعده عن خالقه، إذا امتلك الوعي والعزيمة والإصرار على التغيير. الصيام تدريب عملي على الإرادة، وإعادة برمجة للسلوك، وتعويد للنفس على ضبط الرغبات وتأجيل الإشباع، وهذه في علم النفس من أهم ركائز بناء الشخصية المتوازنة.

إن التغيير الحقيقي لا يبدأ من الخارج، ولا يفرض من الآخرين، بل ينبع من الداخل الحي والنابض في النفوس التواقه للتجديد والتطوير وبناء الذات الإيجابية التي تتطلع للأحسن والأجود في حياتها. كثيرون يحلمون بتغيير العالم من حولهم، لكنهم يغفلون عن أبسط وأصعب مهمة: تغيير أنفسهم وصقلها بكل نافع وخير. والقرآن الكريم يضع القاعدة الحاسمة حين يقول: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ الرعد :1، فكل تحول جماعي سبقه تحول فردي، وكل نهضة اجتماعية انطلقت من يقظة داخلية صادقة وشفافة. رمضان يمنحنا هذه اليقظة وبناء حالة من الوعي، ويوقظ فينا الشعور بالمسؤولية تجاه الذات قبل المجتمع الذي يكون مجموعنا وجماعاتنا.

في هذا الشهر تتجلى قوة الإرادة بصورة عملية يومية. الإنسان الذي كان يظن أنه لا يستطيع ترك عادة معينة يكتشف أنه قادر على ضبطها وتأجيلها لساعات طويلة دون جزع أو وجل. فالمدخن يمتنع، والغاضب يكظم غيظه، والمندفع يهدأ ولا يتهور، والمتكاسل ينهض لصلاة الفجر وقيام الليل دون تسويف أو أعذار وتأجيل. هذه ليست طقوساً شكلية عابرة، بل رسائل يومية يبعثها الإنسان إلى عقله الباطن مفادها أنه يملك القدرة على التحكم في ذاته. والسيطرة على ضعفها وهوانها بيقظة إيمانية تعبء نفسه بكل معاني القوة والمنعة لكسب الخير والأجر العظيم في هذا الشهر الفضيل ومع التكرار اليومي تتشكل قناعات جديدة، وتزرع بذور عادات مختلفة، وتتأصل سلوكيات رائعة وعظيمة، ويبدأ مسار داخلي جديد يتعمق شيئاً فشيئاً.

رمضان أيضاً مدرسة في إعادة تعريف النجاح. فالنجاح ليس في كثرة الإنجاز المادي فحسب، بل في القدرة على تهذيب النفس، وضبط اللسان، وتطهير القلب من الحسد والضغينة، وبناء علاقة أكثر صفاء وقرباً مع الله عز وجل ومن ثم مع الناس. الصائم الحقيقي لا يصوم عن الطعام فقط، بل يصوم عن الأذى والشر، عن الكلمة الجارحة المؤذية، عن تجنب النظرة المتعالية التي تتسم بالتواضع وحسن الخلق، وعن السلوك الذي يجرح إنسانية الآخرين، بل يثبت إنسانية التعامل وأخلاقية التصرف الحسن. في هذه المساحة الروحية يتعلم الإنسان أن قيمة وجوده تتجاوز مصالحه الشخصية والآنية، وأن صفاء القلب أعظم من أي مكسب عابر وسريع.

ومع كل ليلة قيام، وكل لحظة دعاء، تتعزز في النفس مشاعر الأمل وحسن الظن بالله. حين يؤمن الإنسان أن الله قريب، يسمع دعاءه، ويعلم ضعفه وهوانه، ويكافئ محاولاته وسبر الخطى إليه، فإن ذلك يمنحه طاقة نفسية هائلة للاستمرار وعدم اليأس أو القنوط. حسن الظن بالله ليس شعوراً عاطفياً مجرداً، بل هو قوة دافعة تحرك الإنسان ليحاول مرة أخرى، ويستغفر بعد الزلة وخطأ يرتبكه، ويواصل الطريق بعد العثرة والإنزلاق. وهنا يتحول التغيير من مشروع مؤقت إلى أسلوب حياة دائم ومتجدد.

غير أن أعظم ما في رمضان أنه يكشف للإنسان حقيقته وذاته. يكشف له مواطن ضعفه فيعالجها، ويظهر له جوانب قوته فينميها ويثري وجودها وحضورها. يجعله يكتشف أنه ليس أسيراً لعاداته كما كان يظن، بل قادراً على إعادة تشكيلها وبناء قوتها وعظمة حضوره ووجوده. ومع مرور الأيام تتكون صورة جديدة للذات، صورة أكثر انضباطاً، أكثر وعياً، وأكثر صفاء وجمالاً. وإذا أحسن الإنسان استثمار هذه الأيام في شهر الصيام، فإنه لا يخرج منها كما دخل، بل يخرج بنسخة أكثر نضجاً واتزاناً وتغيراً.

فالتغيير في رمضان ليس هدفه أن نكون مختلفين لمدة شهر، بل أن نؤسس لمرحلة جديدة تستمر بعده. فالقضية ليست أن نعيش أجواء إيمانية مؤقتة، بل تستمر إيمانيتنا دوماً وتشع نوراً وضياءاً، وأن نكتسب مهارات دائمة في إدارة الذات، وضبط الانفعالات، وتنظيم الوقت، وترتيب الأولويات. عندما يتحول الصيام إلى وعي، والقيام إلى طاقة روحية، والذكر إلى سكينة داخلية وصفاء الروح، فإن الإنسان يعيد صناعة نفسه على أسس أكثر رسوخاً ومتانة وقوة.

في نهاية المطاف، رمضان ليس مجرد موسم للعبادة فحسب، بل هو موسم لإعادة كتابة قصة حياتنا. هو فرصة لنراجع مسارنا، ونحدد رؤيتنا، ونسأل أنفسنا بصدق: من أريد أن أكون بعد هذا الشهر؟ فإذا كانت الإجابة واضحة، وكانت النية صادقة، وكانت المحاولة مستمرة، فإن التغيير يصبح واقعاً لا حلماً.

رمضان يعيد إلينا الإيمان بأننا نستطيع. نتمكن أن نترك ما يضعفنا، وأن نتمسك بما يرفعنا ويجل خطواتنا ومسارنا، وأن نبدأ من جديد مهما تراكمت الأخطاء والزلات. إنه شهر لا يغير التقويم فقط، بل يغير الإنسان ذاته، ويمنحه فرصة حقيقية ليولد من جديد أكثر وعياً، وأكثر نقاء، وأكثر قرباً من الله عز وجل.

***

د. أكرم عثمان

1-3-2026

لم نجد في تاريخ الأخلاق قاعدة أخلاقية تفسر سلوك العرب اتجاه تخاذلهم أمام القضية الفلسطينية بشكل عام وغزة بشكل خاص، وتردي أخلاقهم في التعاطي مع القضية الفلسطينية لا على مستوى النسب العروبي ولا على القاعدة الدينية المشتركة ولا على مستوى الجغرافيا! خلف هذا الموقف الضحل والمتخاذل ردت فعل عنيفة في تحليل بنية العقل العربي الخامل عن قضاياه النشطة، وخيبة أمل كبيرة من المشتركات التي كان يعول عليها. وتراجع كبير عن كل مواثيق حقوق الإنسان التي سجلوا بها في المنظمات الدولية. وتردي في الموقف الضميري اتجاه جياع غزة وشهدائهم من النساء والأطفال والرجال ويعتلي ذلك خسة التراجع عن كل موقف مناصر، أو أمل المناصرة. بل زادوا في التردي درجة عندما طبعوا مع الكيان الصهيوني وساندوا الصهاينة وحلفائها على حساب أهل فلسطين والقضية برمتها، وزادوا في الامر ضحالة عندما دفعوا الأموال في سبيل قتل أهل غزة وإبادتهم وإجبارهم على الاستسلام، بل وفي دفع الأموال لكي يدخلوا في مجلس سلام مظلل يخدم الصهاينة أكثر مما يخدم أهل فلسطين.

هذه الأزمة الأخلاقية التي تسببت بظهورها - وإن كانت بادية من ذي قبل ولكن بدرجة أقل - حرب 7 أكتوبر ضد الصهاينة، وضعت العقل العربي في تحدي كبير في طبيعة التعامل مع قضاياه القومية والاقليمية والدينية، وأظهرت ضحالة التفكير العربي والفكر القومي العربي وسطحية العقلية العربية أمام المخططات الإستراتيجية الدولية في منطقهم وبلدانهم وسياساتهم. وعرت في الوقت نفسه من موثوقية القيم التي كان العرب ومازال يتبجح بها من نخوة وشجاعة وغيرها. صحيح يجب أن نفرق هنا بين موقف الحكام وموقف الشعوب، ولكن الشعوب العربية في الغالب امتلك مواقف الكلمة بعد أحداث الربيع العربي الذي أزال الأنظمة الشمولية التي كانت الأمان للكيان الصهيوني في نشأته على أرض فلسطين حتى تمكن من بناء قدراته فتولى عليهم وارجع شعوبهم إلى الفوضى عبر إزالة هذه الأنظمة والوصول بأنظمة مطبعة. فكانت الشعوب العربية تشبه أنظمتها إلى حد كبير وإن كانت هنالك مواقف متذبذبة بين حين وآخر من تظاهر وشجب وغيرها، الا إن المواقف العربية جميعا ما عدا اليمن لا يمكن لها أن توازي مواقف الشعوب الغربية في أمريكا وأوربا وأن كانت تتعرض للمضايقات والرفض من قبل أجهزة الأمن في تلك الدول التي اخذت مواقف متشددة اتجاه مواطنيها الذين أعلنوا عن مواقفهم لمناصرة القضية الفلسطينية.

فضحالة المواقف العربية كانت بسبب طبيعة تفكير الأنظمة في التعاطي مع القضايا القومية من جهة والدينية من جهة أخرى – بينما كان الصهاينة يصرحون بين آونة وأخرى أن حربهم ضد المسلمين في فلسطين وما جاورها هي حرب دينية- ولا هي تدخل في إطار الحنكة السياسية في حماية المصالح القومية والأمن العربي الذي خسرته الجامعة العربية سيئة الصيت في هذا الموقف تحديدا وإن كانت تعقد جلسات مسبقة المواقف ومعلنة البيانات، ومخجلة الآراء، ومرضية للكيان، ومخيبة للفلسطينيين. فالأخلاق لم تكن معياراً في كل هذه المواقف ولا يحسب لها حساب، بل طبعت سمات جديدة في الأخلاقيات العربية هددت بها كل تاريخ قيمها وأخلاقها المزعومة. وهنا يجب أن يعاد النظر فلسفيا في كل المواقف الأخلاقية التي ترتبط بالسياسية من جهة والأخلاق القائمة على المشتركات العروبية من جهة أخرى. فالأخلاق العروبية هي أخلاق مريضة، ومشوهة، ومعلقة على شرط الولاء السياسي، والمذهبي، والديني، والقبلي، والرضا من قبل الكيان والسياسية الأمريكية التي اشترطت الصداقة مع الكيان الصهيوني، والتطبيع في أي علاقة انفتاح لأي دولة من دول العرب، بل والامر من ذلك إن تدفع هذه الدول العربية الأموال لحمايتها من توسع الكيان الصهيوني ومن العدو المشترك للحفاء الأصدقاء واقصد الدولة العربية المطبعة مع الكيان الصهيوني بكون المشتركات الأمنية باتت قضية واحدة.

فلم نجد أي مبرر أخلاقي لانتكاسة العرب الأخلاقية إزاء القضية الفلسطينية، ولم نجد ما يفسر ذلك التراجع في القيمة العربية لمفهوم العروبة واخلاقها أو أخلاق الإسلام كدين يدعون الالتزام به. ولم نجد لهم اخلاقيات مسؤولية عامة أو مسؤولية إغاثة، أو مسؤولية تضامن تكفي لحمايتهم من المجازر الصهيونية، أو مساعدتهم لتجاوز محنة الغزة الإسرائيلي والحرب عليهم والنزوح أو الهجرة.

فالفكر العربي الأخلاقي الذي ينتمي إلى مدارس اشتراكية او قومية او ناصرية او مادية او وجودية او صوفية او اخوانية او أي توجه آخر، لم تصنع لنا كل تلك التوجهات موقفاً موحداً يحمل طابعا أخلاقياً عقلانياً إزاء الظروف التي مرت على أهل فلسطين وغزة تحديداً. كان ذلك بادياً من مهاترات العرب على شاشاتهم البائسة التي لم تنقل أخبار فلسطين وحوادث حرب السابع من أكتوبر ومأسي غزة الا ونقلت معها تأكيد الخزي العربي والضحالة الأخلاقية التي وقعوا بها في اللا موقف اتجه ضحايا غزة.

موقف يحيى السنوار، ومواقف الالاف الشهداء قبله وبعده كان كفيل بنزع رداء الأخلاق العربية اتجاه القضية الفلسطينية عموماً ما عدا أهل اليمن !

فالأخلاق العربية بعد أحداث السابع من أكتوبر بحاجة إلى دراسة حقيقية عسى أن تكون في دراستها جدوى تصحيح المسار الأخلاقي قبل النزوع في الضحالة إلى أعماقها.

***

د. رائد عبيس

المفتتح الإشكالي: مَن نحن حقًا؟ منذ ولادتنا تُطلَق علينا أسماء وهويات، ويُقال لنا نحن جزائريون أو عرب أو أمازيغ… تحددنا بطاقات الهوية، جوازات السفر، خرائط البلدان، وحتى اللهجات المنطوقة. نكبر ونحن نظن أننا نفهم أنفسنا من خلالها، وأن هذه التصنيفات تكفي لتحديد "من نحن".        

  لكن، هل هذا صحيح فعلاً؟ هل يمكن اختزال الإنسان في مجموعة من الأسماء والحدود، أم أن خلف هذا الظاهر تكمن فسيفساء معقدة من جذور وأصول وتجارب تمتد عبر الزمان والمكان؟ هل يكفي أن نعرف أصلنا الجغرافي لنفهم ذواتنا، أم أن الهوية أعمق من ذلك، تشمل تجارب الحياة، الاختيارات الفردية، وحتى الصراعات الداخلية؟

هذا السؤال الإشكالي يقودنا إلى الغوص في مفهوم الهوية من منظور فلسفي، اجتماعي، وثقافي، مع محاولة فهم كيف تتشكل الذات البشرية بين ما هو وراثي وثقافي وتجريبي، وكيف تتفاعل مع الزمن والمجتمع والتجارب الفردية. إن الهوية ليست ثابتة، بل حالة مستمرة من التشكل، تجمع بين الماضي والحاضر، وبين ما نرثه وما نختبره بأنفسنا. فكيف يمكن للإنسان أن يعرف نفسه حقًا إذا كانت هويته متغيرة ومركبة؟ وكيف يمكن لمجتمع أن يفهم أفراده إذا كانت كل شخصية فسيفساء من الأصول والتجارب؟.

 الاسم والبطاقة: أول طبقات التعريف

قد نظن أن أسماءنا وبطاقات هويتنا تعكس من نحن حقًا، لكنها في الواقع مجرد واجهة يعرفنا من خلالها الآخرون والدولة، وسيلة لتمييزنا كي لا نظل مجهولين أو نُعامل كنكرات. فقد يحمل شخص اسمًا عربيًا مثل "محمد"، بينما تكشف جذوره العائلية عن أصول أمازيغية أو أوروبية ممتدة عبر الأجيال. وحتى عندما يُصنَّف قانونيًا على أنه "جزائري"، فإن هذا التصنيف لا يلغي تعدد خلفياته التاريخية والثقافية، التي قد تمتد إلى فضاءات حضارية مختلفة مثل الأندلس أو المشرق العربي أو أوروبا الجنوبية.

الأسماء وبطاقات الهوية هي نقطة البداية لفهم الذات، لكنها ليست كل شيء. فقد يكتشف شاب صدفة أو من خلال بحث عائلي أو اختبار جيني، أنه يحمل دماءً أوروبية وإفريقية، فيبدأ في إعادة التفكير في معنى الانتماء فعليًا. يبقى الاسم الرسمي كما هو، لكن فهم الشخص لذاته يصبح أعمق، لأنه يتكوّن من تاريخ ممتد وتجارب متعددة، لا من بطاقة أو اسم فقط.

 الأنساب والذاكرة العائلية: بين الحقيقة والوهم

الأنساب تمنحنا شعورًا بالانتماء للماضي، لكنها ليست دائمًا دقيقة. كثير من العائلات في الجزائر تروي قصص أجدادهم الذين جاءوا من الأندلس أو عاشوا هجرات متعددة، أو امتزجت دماؤهم بين العرب والأمازيغ والأوروبيين، وأحيانًا تتحول هذه القصص إلى حكايات شبه أسطورية. فمثلاً، شخص قد يفتخر بأن جدّه كان من الأندلس، رغم عدم وجود وثائق تاريخية تثبت ذلك، لكن هذا الشعور بالانتماء يجعل القصة جزءًا من هويته اليومية.

من جانب آخر، هذه الذاكرة تمنح الإنسان إحساسًا بالاستمرارية، لكنها ليست كل شيء. الهوية تتشكل أيضًا من تجارب الفرد اليومية وتفاعله مع محيطه، فحتى لو كانت القصص العائلية غير دقيقة، فهي تساعد الشخص على فهم نفسه، ومزج الماضي بالحاضر بطريقة تمنحه شعورًا متكاملاً بهويته. الإنسان إذًا ليس مجرد مجموع أجداده، بل هو نتاج تجربة حية تجمع بين التاريخ والواقع وما يختاره لنفسه في حياته اليومية.

الجسد والوراثة: التاريخ المخبأ في عروقنا

الجسد ليس مجرد وعاء بيولوجي فحسب، بل سجل حي للتاريخ، يحمل آثار الهجرات والتزاوجات التي مرت بها الأجيال السابقة. الصفات الجسدية، من لون البشرة إلى شكل الملامح، وحتى بعض الاستعدادات الصحية، تعكس تفاعل الأنساب عبر العصور والتنوعات الثقافية التي صاغت كل فرد. في الجزائر، على سبيل المثال: قد تجد شخصًا يجمع بين ملامح أمازيغية وعربية وأوروبية في نفس الوقت، أو عائلة يتنوع أبناؤها في لون الشعر والبشرة بشكل ملحوظ نتيجة امتزاج دماء مختلفة عبر الأجيال، فتصبح أجسادهم وثائق صامتة لتاريخ طويل من الاختلاط البشري.

لكن من جانب آخر، الجسد وحده لا يحدد الهوية. الإنسان قد يحمل دماء من ثقافات متعددة، لكنه يشعر بالانتماء الكامل لمجتمعه المحلي وثقافته اليومية، ويعيش عاداته وتقاليده كما تربى عليها. هذا يوضح أن الهوية ليست نتيجة مباشرة للوراثة البيولوجية، بل هي نتيجة تفاعل مستمر بين الجسد، التجربة، والانتماء الاجتماعي والثقافي.

الجسد إذًا جزء من الهوية، لكنه ليس كل شيء؛ والفهم الواعي له يضع الفرد أمام مسؤولية مستمرة في استيعاب جذوره، وفهم تأثيرها على شخصيته وسلوكه في العالم المعاصر.

اللغة: بوابة الهوية والتواصل

اللغة ليست مجرد وسيلة للتحدث أو التفاهم، بل هي أداة تكشف عن طبيعة الإنسان وتجربته في العالم. من خلالها نُعبّر عن أفكارنا، مشاعرنا، وطرقنا في التفكير، ونستطيع إعادة تشكيل إدراكنا للذات وللآخر. اللغة تمنحنا القدرة على بناء الانتماء الثقافي، لكنها في الوقت نفسه تتيح حرية التجربة والابتعاد عن قيود الأصل أو الانتماء الثابت.

في واقعنا، كثير من الأفراد يعيشون تجربة هوية متعددة من خلال لغاتهم: قد يتحدثون لغة الأجداد في البيت، ولغة وطنية في المدرسة، ولغة أجنبية في العمل أو الدراسة. هذا التنقل بين اللغات يمكّنهم من اختبار جوانب مختلفة من شخصياتهم، ويتيح لهم الانخراط في مجتمعات متعددة، وتجربة طرق مختلفة للتواصل مع العالم، مما يجعل الهوية أكثر مرونة وغنى.

لكن من جانب آخر، اللغة ليست مجرد وسيلة للاكتشاف الذاتي، بل تعمل كجسر يربط الفرد بالمجتمع ويشكّل شعور الانتماء. فهي تمنح القدرة على المشاركة في الثقافة المشتركة، وعلى التعبير عن الذات ضمن سياقات اجتماعية محددة. اللغة إذًا هي عنصر أساسي في بناء الهوية اليومية، تجمع بين الحرية والتقليد، بين تجربة الذات والتفاعل مع الآخرين، لتبقى هوية الفرد عملية مستمرة من إعادة البناء والتكيف.

 الثقافة: حيث يختلط القديم بالجديد

الثقافة ليست مجرد مجموعة تقاليد ورثناها عن أجدادنا، بل هي فضاء حي تتلاقى فيه التجارب الفردية والجماعية. هي الطريقة التي نحيا بها حياتنا اليومية، من عاداتنا وأطعمتنا إلى الموسيقى والفنون التي نختارها ونمارسها. شخص يعيش في الجزائر اليوم قد يحتفظ بعادات أسرية قديمة، مثل الاحتفال بمناسبات دينية محلية، لكنه يشارك في فعاليات ثقافية عالمية، يستمع لموسيقى غربية، ويقرأ أدبًا أجنبيًا، ويطبخ أحيانًا وصفات مستعارة من ثقافات أخرى، فتتشكل هويته الثقافية من هذا التداخل.

لكن من جانب آخر، هذه المرونة تجعل الثقافة متحركة وليست ثابتة. هويتنا الثقافية تتشكل من اختياراتنا اليومية، ومن طريقة تعاملنا مع ما ورثناه وما اكتسبناه، ومن قدرتنا على المزج بين الماضي والحاضر، بين الانتماء لجذورنا والانفتاح على الجديد. هذا يعني أن الثقافة ليست مجرد نسخة عن الماضي، بل عملية مستمرة من التجديد، حيث يختبر كل فرد ذاته ويعيد صياغة هويته باستمرار، لتصبح هويته الثقافية انعكاسًا حيًا لتجربته الشخصية في العالم.

الهجرة والاختلاط: عن تاريخ مشترك ومعاصر

الحروب، التجارة، الهجرة، والاستعمار شكلت تاريخ البشرية وجعلت الأفراد نتاجًا مستمرًا للاختلاط الثقافي والعرقي. كل إنسان يحمل في عروقه أثر تاريخ طويل من التنقلات والاندماجات، فالهجرة لم تكن مجرد حركة مكانية، بل عملية نقل ثقافي واجتماعي، وأدت إلى تشابك الهويات على مر القرون. في الجزائر، على سبيل المثال، يمكن أن يجتمع في شخص واحد دماء أمازيغية وعربية وأوروبية وشرقية نتيجة الهجرات المتعاقبة والتاريخ الاستعماري، فيعيش في مجتمع متنوع ثقافيًا ولغويًا، يتحدث العربية والأمازيغية، ويستخدم الفرنسية في التعليم والعمل، بينما يحتفظ بتقاليد أسرية قديمة. هذه التداخلات تجعل أي فكرة عن "النقاء" العرقي أو الثقافي غير واقعية، فالهوية البشرية دائمًا فسيفساء من الخبرات والجذور المختلفة.

لكن من جانب آخر، هذا الاختلاط يمكن أن يولّد شعورًا بالغربة أو الانقسام الداخلي، إذ يجد الفرد نفسه أحيانًا بعيدًا عن أي ثقافة بعينها، أو مضطرًا لإعادة التوازن بين الانتماءات المتعددة. الهوية هنا تصبح عملية مستمرة من التأقلم والتكيف، حيث يسعى الشخص لمواءمة جذوره وتاريخه الشخصي مع الواقع الاجتماعي والثقافي الجديد، ما يجعل رحلة البحث عن الذات تجربة دينامية ومتجددة باستمرار.

 الهوية الفردية والجماعية: وحدة أم تعدّد؟

الهوية تتشكل من شبكة معقدة من التجارب الشخصية والخلفيات الجماعية، فهي ليست ثابتة أو محددة بمجرد الانتماء إلى ثقافة أو لغة معينة. الفرد يعيش حياته اليومية في بيئات متعددة تتداخل فيها الثقافات، وتتقاطع فيها العادات، وتتفاعل معها خبراته الخاصة، فتتشكل هويته كخليط حي من الانتماءات المختلفة.

شاب جزائري من أصول أمازيغية قد يتحدث العربية في المدرسة، الفرنسية في الجامعة، ويحافظ على الأمازيغية في البيت والعائلة. خلال حياته اليومية، يشارك أصدقاءه ثقافتهم وموسيقاهم، ويتعلم من طرق تفكيرهم وأساليبهم في التعامل مع المجتمع، فيصبح هويته مزيجًا متغيرًا بين الجذور والبيئة الحديثة. طالبة جزائرية أخرى تعيش في المغرب تتنقل بين لغات وثقافات متعددة، وتكتسب منها أدوات جديدة لفهم العالم، لكنها تحتفظ بعاداتها وقيمها الأصلية، ما يجعل هويتها فسيفساء دينامية تعكس التفاعل المستمر بين الفرد والمجتمع. حتى المهاجر الجزائري في كندا، الذي يختلط بمجتمعات مختلفة ويشارك تقاليدها اليومية، يبقى مرتبطًا بعاداته الأسرية وذاكرته الثقافية، فتتشكل هويته من التوازن بين الجذور والانتماءات الجديدة.

لكن من جانب آخر، هذا التوازن قد يولد صراعًا داخليًا، إذ يشعر الفرد أحيانًا بالغربة أو الصعوبة في الجمع بين الانتماءات المتعددة. الهوية هنا ليست مجرد تسجيل في بطاقة أو الانتماء لمجتمع محدد، بل عملية مستمرة من التكيف وإعادة البناء، حيث يسعى الفرد لمواءمة تجاربه المتنوعة مع شعوره بذاته، ويكتشف نفسه في الحوار المستمر بين الماضي والحاضر، وبين الأصول والانفتاح على الجديد.

نقاء الأصل: أسطورة أم وهم؟

السعي وراء "نقاء الأصل" غالبًا ما يكون وهمًا ثقافيًا واجتماعيًا، إذ لا توجد هوية بشرية معزولة عن التداخلات التاريخية والاجتماعية. كل إنسان يحمل في جذوره آثار الهجرات، والاختلاطات العرقية، والتفاعل مع ثقافات متعددة عبر العصور، ما يجعل فكرة الهوية النقية أكثر رمزية منها حقيقة ملموسة(أي أنها تمثل رمزًا أو فكرة نظرية أكثر مما تمثل واقعًا فعليًا يمكن قياسه أو إثباته على الأرض).إذ غالبًا ما تُستغل تصورات النقاء لتحديد الانتماءات أو فرض معايير اجتماعية وثقافية، لكنها لا تعكس التعقيد الحقيقي للتجربة الإنسانية.

على سبيل المثال، يمكن لعائلة جزائرية أن تحمل دماء عربية، أمازيغية، وأوروبية نتيجة الهجرات والتاريخ الاستعماري، ومع ذلك يُنظر إليها ضمن تصنيف واحد بحسب المعايير الرسمية أو الاجتماعية. هذه الفكرة تظهر أن النقاء العرقي أو الثقافي مجرد إطار وهمي لا يغطي الواقع المعقد للفرد.

لكن من جانب آخر، إدراك الإنسان للهجنة وقبول تعدد أصوله الثقافية والاجتماعية يمنحه حرية تشكيل هوية غنية ومعقدة، تتجاوز الحدود الضيقة، وتتيح له الانتماء إلى أكثر من مجتمع أو ثقافة في آن واحد. الهجنة تجعل الهوية عملية مستمرة من التحول، تمنح الفرد مساحة لإعادة التفكير في ذاته، وتفتح المجال لاختيار الانتماء بوعي، بحيث تصبح الهوية انعكاسًا للتجربة، للمرونة، وللاختلاف المتنوع بدل أن تكون مجرد أصل ثابت أو معيار جامد.

الوجود كعملية: الهوية كفعل وليس ثابت

الهوية ليست شيئًا جامدًا يُسجَّل عند الولادة، بل هي رحلة مستمرة من التشكل والتجربة والتفاعل مع العالم من حولنا. كل تجربة نمر بها، كل لغة نتقنها، وكل ثقافة نختبرها، تضيف ألوانًا وأبعادًا جديدة لهويتنا، وتشكل فهمنا لذواتنا من جديد. الهوية إذًا ليست مجرد وراثة أو انتماء اجتماعي؛ إنها فعل حي وديناميكي تتغير مع مرور الزمن، وتتكيف مع كل تجربة وكل لقاء، لتصبح انعكاسًا حيًا لتفاعلنا العميق مع محيطنا ومع ذواتنا.

على سبيل المثال، يمكن لشخص ينحدر من أصول أمازيغية وعربية أن يعيش في بيئة متعددة الثقافات، حيث يتعلم لغات جديدة، ويتفاعل مع عادات وممارسات مختلفة، ويشارك في مجتمعات متنوعة. هذه التجارب المتراكمة تعيد صياغة هويته باستمرار، لكنها لا تلغي جذوره أو ذاكرته الثقافية؛ بل تجعل الهوية فسيفساء حيّة تتأقلم مع الظروف وتتنوع مع الخبرات.

لكن من جانب آخر، هذه الطبيعة المفتوحة للهويّة تضع الفرد أمام مسؤولية مستمرة: كيف يعيش هويته بوعي؟ كيف يتقبل تنوعها دون الانغماس في صراع داخلي أو التمسك بأصالة وهمية؟ إن إدراك هذه التحديات يمنح الإنسان القدرة على صياغة هويته بوعي، ويحوّل رحلة البحث عن الذات إلى تجربة مستمرة من التعلم والتكيف والنضج الشخصي، حيث تصبح الهوية فعلًا حيًا يعكس حرية الفرد وانتماءه معًا.

الخاتمة

وفي الأخير،نستنتج أن سؤالنا عن الهوية: "من نحن؟ وهل تعرف من أنت؟" لا يملك إجابة نهائية، بل يفتح أمامنا رحلة من البحث والتأمل المستمر. نحن نتشكل من أزمنة وأماكن وثقافات وتجارب متشابكة، وكل تجربة جديدة تضيف بعدًا جديدًا لذاتنا، فتتغير الهوية مع مرور الوقت كما تتغير الأنهار وتعيد تشكيل ضفافها باستمرار.

الهجنة الثقافية والاختلاط الاجتماعي يجعل من الهوية ظاهرة مرنة، ليست ملكًا ثابتًا للفرد، بل عملية تفاعل مستمرة بين الماضي والحاضر، بين الوراثة والتجربة، بين الذات والآخر. هذا يجعل من مهمة فهم الذات تحديًا دائمًا، إذ لا يمكن اختزال الإنسان في أصل واحد أو إطار ثابت.

فهل يمكن للإنسان أن يلتمس جوهر هويته بالكامل؟ وهل يمكن للمجتمع أن يدرك أفراده حقًا، في ظل هذا التنوع المعقد والتداخل المستمر بين الأصول والتجارب؟ أم أن الهوية ستظل دائمًا فسيفساء متحركة، تعكس تجارب الفرد وتفاعله مع محيطه، والصراع المستمر بين الانتماء والاختلاف؟.

***

الباحثة: بهلولي جيهان - فلسفة تطبيقية

قسم الفلسفة / جامعة باجي مختار -عنابة - الجزائر

«الخيال هو بداية الإبداع، إنك تتخيل ما ترغب فيه، وترغب فيما تتخيله، وأخيرًا تصنع ما ترغب فيه..» (جورج برنارد شو)

تقديم: تفرّد الإنسان بمزايا كثيرة ساهمت في تمكينه من تنظيم وفهم وتطوير وتشكيل حياته، وتطويع مصاعبها من أجل حياة أفضل، من أهمّ هذه المزايا، مزية التّخيّل Imagination التي تشكّل ذهنيته على أساس من القدرة والفعل، أي بين ما يسكن الذهن والفكر، وما يُصاغ واقعاً لاستساغة عيشه وتشكيله بما يناسب حياته، ويبني مستقبله أوْسَع من حدود اللحظة.

في زمن تراجعت فيه الحكايات، وانحسر بريقها وتلاشى صداها، وشحّ خيال الجدّات والأمّهات، ولم تَعُدْن حكّاءات ماهرات كما كُنَّ من قبل، يبرعْن في السفر بخيال الأطفال إلى عوالم يصعب الوصول إليها شهادةً، لا لأنّ الحكاية فقدت سحرها، بل لأن العالم غيّر وِجهته وطريقته في التّلقّي والإصغاء. فحين كان للحكاية أسْرارها، كانت الوجوه تتقابل، والأصوات تتشارك وتتقاطع، والذّاكرة تُصاغ وتُبنى. غير أنه وانسجاما مع السرعة التي تبنتها الحياة عقيدة، اختُزل العالم اليوم، في شاشة تتَّسع لراحة اليد، انمحت الدّهشة، وتحوّلت الحكاية من فعل جمالي وجماعي حي، إلى ومضات عابرة تُمرّر بلمسة من أصبع، وتُدفن في ركن مظلم من الذّاكرة، وتُنسى بسرعة، من دون أن تبني ذاكرة أو عالما يعوّل عليه، إذ حين يركب الأطفال بالخيال صهوة الحكايات، لا يوقفهم حدّ، يجوبون عوالم غريبة، فنتازية، مستحيلة، يستقون منها ما يبنون به عالمهم وواقعهم، ويؤثثون معارفهم، ويبنون غدهم.

حين تراجعت الحكايات، واختُزِل العالم في شاشة سرقت من الجدّات الحكايات، تفرَّق من حولهن السّامعون والمتعطّشون للحكي الجميل الذي يصبغ أيامهم ألوانا وإيقاعات، ممّا جعل شروط الحكي تتغيّر، ولم يعُد الحكي فعلَ قربٍ واقتراب وسكينة، بل تسلّل الصَّخب والضّوضاء الرّقمي إلى البيوت الآمنة، والسّاحات العامرة بالدّفء، والتّجمّعات والمدارس، ومضارب الحكي في الحلقات، حتى صارت الحكايات تعيش اغترابا في زمنٍ لا يعترف بالبطْء، ولا بالتّفكير النقدي أو الخيال، بل بالسرعة الفارغة من المعنى، تمشي بين النّاس فلا يصغي إليها أحد،  زمنٍ يقصي التّفاصيل التي تمنح المعنى دفئه، ويُنظر إلى الخيال بوصفه ترفا يُعرقل العبور إلى الغد المشرق، زمنٍ لم يعد يقبل السؤال مفتاحاً للتفكير النقدي، ولا الخيال بانياً لواقعٍ يؤسّس لنظرة جريئة للحال، ولا القلب مفتاحاً للدّهشة بدايةً ومُنْتهى.

وإذا كانت الحكاية هي الأصل، والصّيغة الأولى التي أسّست لواقع الإنسان، وبها استأنس وآنس غضب الطبيعة، حين كان البرق لُغزاً، والريح كائناً غاضبا حين يُزمجر، والليل مرتعا للخوف وامتحانا له، الْتَجأ الانسان إلى الحكاية والخيال فروّض المجهول، وصنع للأصوات معنى، وللظّواهر أسماء، وفتح بذلك قنوات للمغامرة والتّحدّي، فصار العالم من حوله أقل وحشة، وأكثر قابلية للعيش والفهم، وكانت وعداً خفيا بأن الغد يمكن تخيّله، ثم صناعته لعيش أفضل. فكان الخيال أداةً لتوسيع مجال هذا الاستئناس وتطويع الواقع، وحصْر الخوف من غضب الطبيعة والإنسان، فأصبحت الحكاية وما يؤجّجُ سحرها أداة بناءٍ وترتيبٍ لحياةٍ وواقعٍ يُبنى في حدودها، ويتجاوزها تخييلاً وفعلاً تمهيداً لغدٍ آمن.

وبما أن العالم قابل لصياغة جديدة، لأنه في تحوُّل مستمر، فإنّ الحكاية بهذا المعنى، تختزن التجارب والأفكار والتّصوّرات والأحداث، وتحرر الواقع من ثقل الزمان والمكان، وتبني بينهما جسورا للامتداد عبر الخيال الذي لا يعني الإثارة والإيهام والأحلام فقط، بل يدفع إلى فهم العالم بمعانيه وعلائقه ورموزه وإشاراته وإيقاعاته، إذ يلعب دورا مهما في تكوين أبنية الأفكار والاحتمالات والمسارات، وإقدار الإنسان على تجاوز اللحظة، وتوجيه السلوك، وصياغة المعنى، وتحديد الغايات.

يعدّ الخيال أحد أهمّ الجسور التي يعبرها الطفل من عالم الشهادة إلى عالم التخييل الذي يصنعه بذهنه ويملأه بالصّور والمعاني والمعلومات التي يستقبلها من الحكايات عبر تحويل وقائعها إلى رموز يفسّرها بطريقته التي تُقرّبه من العالم، فيبدأ في ممارسة التفكير النّقدي الذي سيكون أساسا لكل إبداع لاحقا.

والطفل لا يمكنه أن يستوعب المعلومات والحقائق إلاّ مستعينا بمخيلته التي تصور له كل العناصر في تركيب خاص، دون الحاجة إلى إعادة الأحداث من جديد، لأن الخيال يضعه خارج اللحظة، وخارج حواسّه فيتخيَّل ما ليس له وجود أصلا، وبهذا يصل إلى المعنى، وفهم ما يدور في محيطه وبيئته فهما صحيحا، وبالتالي يصل إلى الإبداع والتفكير النقدي الخلاق، إذ بالخيال، ومع مرور السنوات، تتحول الأشياء إلى عوالم تبني مستقبله، تُبَلْوِر أفكاره إلى معارف وسلوكات تستمر معه لتجاوز ما هو تقليدي بسيط، إذ في لحظة التّخيل، لا يخضع الطفل لقوانين الواقع، بل يندمج في قوانين الخيال، ويركب المستحيل، فتتولّد الفكرة، وتتّضح الصّورة، ويتشكّل الواقع، ويظهر الإبداع.

الطفل في حضرة الخيال..

تشكل الطفولة مرحلة أساسية في بناء الإنسان، حيث تتكون خلالها البنى الأولى للتفكير واللغة والوجدان، ويعتبر الخيال أهم مكونات هذا البناء، إذ يُتيح للطفل إعادة تشكيل الواقع، وتجاوزه، وإعطائه دلالات جديدة، إذ يتجلّى الخيال عند الأطفال في اللعب، والحكايات، والرسم والرقص، ولعب الأدوار، والتقليد والمحاكاة. يرى بياجي أن الخيال يرتبط بمرحلة التفكير ما قبل العمليات، حيث يستخدم الطفل الرموز لتعويض محدودية التفكير المنطقي، بينما يرى فيغوتسكي الخيال نشاطاً اجتماعياًـــــ ثقافياً يتطوّر عبر التفاعل مع المحيط واللغة.

في حضرة الخيال، يغدو الطفل في قلب العالم لا على هامشه، فالخيال بالنسبة للأطفال ليس ترفاً ذهنيا ولا هروباً من الواقع، بل أداة لفهمه وإعادة تركيبه، وإقامة علاقات بين ما يراه وما يشعر به، ليبني عالمه الخاص، فيصير اللعب تفكيراً، والحكاية بناء لعالمٍ تسكنه الألوان والمغامرات والإيقاعات.

في حضرة الخيال، يتعلّم الطفل الحرية قبل القواعد، ويختبر الإمكان قبل الواقع، إنه الفضاء الذي يجرب فيه فشله وخوفه، ويصوغ أسئلته الكبرى عن الخير والشر، والحب والكُره، والذات والآخر.

في حضرة الخيال، يربط الطفل بين رغباته ومشاعره وأحلامه وبين رؤيته لغده، فينسج ملامحه بدافع فطري، لا بوعي مكتمل، ولا منطق جاهز، فهو يستعدّ ويهيئُ أسلحته لتخطّي الحواجز وطرح الأسئلة.

في حضرة الخيال، يشعر الطّفل بالأمان، أمام السؤال المقلق والمدهش والغريب، أمام الخطأ الذي منه يتعلم، وأمام العالم حين يواجهه، فيرى العالم من حوله مفتوحاً على ممكناتٍ تجعل منه المنطلق والمنتهى، حين يُسكِنُ هذا العالم في لعبة، في إيقاع، في حكاية لا تنتهي عندها الحدود.

في حضرة الخيال، يواجه الطّفل قلقه، ويمنح الأشياء معنى، يُمرّن ذهنه على إعادة إبداع عالمه وهو في كامل حريته، ينصت لذاته ولصوته الدّاخلي، بعيداً عن اللغة، بعيداً عن الكلمات والقواعد الجافّة، يُشعره بالأمان، وأنّه أحقّ بالحلم الذي يولد من فراغ، بل من خيال يكبر داخله، فيتعلّم أن المستقبل ليس زمناً بعيداً، بل قريباً منه حين يعيشُ لحظة خيال.

الخيال وصناعة الإبداع..

إذا رجعنا إلى ما قاله الأولون عن الخيال بوصفه إعادة خلقٍ للعالم وتطويرٍ له، نجد أن الجاحظ، وعبد القاهر الجرجاني، وحازم القرطاجني، والفرابي، وابن عربي، وغيرهم، لم ينظروا إلى الخيال باعتباره هروبا من الواقع، بل باعتباره وسيلة لإعادة تشكيله وفهمه، وقوة خالقة تصنع الصورة، وتُحدث الانفعال، وتعمّق المعرفة، وتكشف الحقيقة، إنه القدرة على أن نرى ما وراء الظواهر، وأن نعيد بناء العالم داخلنا قبل أن نعيد بناءه في الواقع. وإذا كان الإبداع هو تجاوز المألوف، فإن هؤلاء، قد أدركوا أن هذا التّجاوز يبدأ دائما من الخيال.

يقول كريستوفر فراي «إن أول قدرة يجب أن نهتم بها قبل أن تصدأ بسبب عدم الاستعمال، هو الخيال، فالخيال هو الذي يجعل العالم يبدو لنا كل يوم جديدا» فبين الخيال والإبداع علاقة قوية، فالخيال أولى مراحل الإبداع، وشرارته التي تفتح باب المغامرة، أوليس الإبداع مغامرة؟ بل هو أهم آلياته حين يتخطّى المعقول والمحسوس والمرئي، للوصول إلى الربط بين الوقائع والأحداث والإمكانيات للوصول إلى الأفضل والأصلح، وإلى رؤية بمنظور جديد.

بناء على ما سبق، كيف يمكن للطفل أن يتجاوز ما يعيشه الآن، على مستوى التفكير والممارسة والتخييل، من تكرار ما كان، ومحاكاة وتقليد ما تركته السنوات العجاف من أفكار ومشاريع مكرّرة؟ بل، كيف نُخرجه من حالة الجمود الخيالي التي تفرضها التقاليد التي تكبّل المدرسة؟ كيف نحول الدهشة والسؤال لدى الطفل، إلى بذرة تشعل الخيال وتغذيه بما هو جميل، بعيداً عن التقليد وتكديس المعلومات في عقله؟ بمعنى آخر، كيف نُبعد الطفل عن أن يعيش في جلباب من سبقوه، يعيد ما فعلوه، ويمجُّ ما تركوه من إرثٍ ذابلٍ بعيدٍ عن الخيال؟

الطفل تُدهشه الحكاية بأسرارها وأحداثها وإيقاعاتها، وتُطفئُ فتيل الملل بداخله، لذا يظل الخيال نسغ الحكي، وروح الإبداع، واستمرار الدهشة، ومُحرِّكُ الأسئلة الثاوية في عوالمه التي تعُجُّ بالأسرار، لحلّ مشكلاته، ومواجهة تحديات الحياة التي تعترضه. بهذا نبني مبدعاً، مفكّراً، لا نموذجا مُكرّرا لمن مضى، لهذا، كما يقول بيكاسو «كل طفل هو مبدع، لكن المشكلة كيف نبقيه مبدعا حين يكبر» فاحتقار عقل الطفل، والنّظر إليه على أنه قاصر محدود الخيال، يقبل كل ما يُقدم إليه، وأنه قالب يأخذ كل شيء من دون ردّ، بل نفتح له آفاقا لا يكرّر عبرها ما هو كائن، ونحبّب له ما يدفعه إلى الاجتهاد، وتفعيل ملكاته الخيالية والإبداعية، وإعمال العقل ليتحرّر من المألوف والمكرور، في محاولات لإعادة تشكيله، وعلى أنقاضه يبني عالماً يتماشى مع المتغيرات المتسارعة التي يعرفها عصره، وإبداع ما يمكن أن يكون. فالطفل لا يكتفي بأن يكون متلقيا لما هو كائن، بل يمارس فعل البناء على أنقاض الكائن والجاهز، فبالخيال يجد الطفل مساحته الآمنة ليُعيد ترتيب «الفوضى»، وليمنح المعنى لما يبدو غامضاً أو متناقضاً. لذا، يُعدّ الخيال آلية لفهم ومقاومة في آن واحد، إذ يُعيد تشكيل العالم بما يتلاءم مع قدرته على الاستيعاب، ومُختبراً سرّياً يُجرّب فيه الطفل أدوارا جديدة حين يدخل المغامرة فيكتشف إمكانات لم تتحقّق بعد.

وبعد، فالطّفل في حاجة إلى أن نمنحه أسلحةَ مواجهة التّحوّلات المتسارعة التي يعرفها عصره، لذا، يُعدّ الخيال ضرورة تربوية، لا تقلُّ أهمية عن المعرفة ذاتها، لأنه يمنح الطفل القدرة على التّكيُّف من دون أن يفقد ذاته، وعلى الابتكار من دون أن يقطع صلته بواقعه. فالطّفل الذي يتخيل، لا يعيد تشكيل العالم فحسب، بل يعيد تشكيل نفسه أيضا. إنه يبني عالما يوازي الواقع، لكنه أكثر رحابة، وأكثر إنسانية، وأكثر استعدادا للمستقبل.

***

عبد الهادي عبد المطَّلب

الدار البيضاء/المغرب

شهدت كتابات المفكر العراقي الشهير "عبد الجبار الرفاعي"، عددا كبيرا من المفاهيم الذي لم نراه من ذي قبل لدى طائفة من المفكرين الآخرين، وذلك من قبيل ‏القطيعة الأنطولوجية، الظمأ الأنطولوجي، الاغتراب الميتافيزيقي، الإنسانية الإيمانية، وغيرها.

 إن مشروع بناء المفاهيم وتجديدها لدى المفكر عبد الجبار الرفاعي ليس مشروعًا معرفيًّا فقط بل هو مشروع حضاري حداثي أيضًا، يريد أن يُشيّد للذات الإسلامية العربية حداثتها بِردّ الذات إلى ذاتها؛ إذ كما أن هناك حداثة غير إسلامية، فكذلك ينبغي أن تكون هناك حداثة إسلامية.

 وهذه الحداثة تكشف لنا على أن النواة الفاعلة في تجديد الخطاب الفلسفي الحضاري وقيمه الأخلاقية والعملية لدى المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي، هي المفاهيم باعتبارها الدافعية الأساسية للتفكير ومركز المسؤولية في تجديد الفلسفة الإسلامية العربية، وتوجيه القيم داخلها وتأسيس هويتها الاصطلاحية بما يخدم كونيتها المخصوصة، وابتعادها عن المحاكاة والتقليد.

 من جهة أخرى فإن نحت المصطلحات والمفاهيم عند عبد الجبار الرفاعي إن دل على شيء فإنما يدل على مدى قدرته على توضيح المفاهيم حيث أنه عندما ننظر إلي أي نسق معرفي في تراثنا الحضاري نجد أنه يتألف علي وجه التقريب من مجموعة حقول معرفية متنوعة.

 فهناك المعرفة الدينية والمعرفة الميتافيزيقية، والمعرفة التجريبية، والمعرفة الرياضية والمنطقية، والمعرفة الإنسانية والاجتماعية، وهلم جرا. ويتألف كل حقل من هذه الحقول من مجموعة من المفاهيم التي ترتبط فيما بينها بعلاقات معينة، كما ترتبط هذه الحقول بروابط ضرورية تؤدي إلي تماسك أجزاء النسق المعرفي كله.

 وعلي هذا النحو فإن تحليل بنية المحتوي المعرفي في تراثنا الحضاري يرتكز علي ثلاثة عناصر في غالب الأمر هي: المفاهيم، والعلاقات التي تؤلف من المفاهيم حقلاً، والعلاقات التي تشكل من الحقول نسقا.

 ولعل السؤال الذي يطرح نفسه علينا كما يقول عبد الجبار الرفاعي هو: "ما الذي نعنيه بالمفهوم؟

 إن المفهوم بمعناه المنطقي هو مجموعة الصفات والخصائص التي تحدد الموضوعات التي ينطبق عليها اللفظ تحديدا يكفي لتمييزها عن الموضوعات الأخرى . فمفهوم الإنسان" بالمعني الأرسطي، مثلاً، مؤداه أنه كائن ناطق، وما صدقاته هي علي وسامي وسائر أفراد الناس.

 ولكننا عبد الجبار الرفاعي مع حفظ الألقاب ينظر إلي المفهوم نظرة أوسع من نظرة رجل المنطق إليه، لأن المفهوم يتألف أيضاً من المعاني والمشاعر التي يستدعيها اللفظ في أذهان الناس، ولهذه النظرة الواسعة ميزة في رأينا وهي أنها تفسح المجال أمام القول بأن الغالبية العظمي من المفاهيم لا تقبل تعريفاً جامعاً مانعاً بلغة المنطق، وإنما تتسم بمرونة مطلقة لا تحدها حدود ولا تقيدها قيود، فتتسع دلالتها أحيانا وتضيق أخري. والمفهوم في هذه الحالة يشبه البحر الواسع الذي يجوز لكل جيل من البشر أن ينهل منه ويبحر فيه بقدر ما تسعفه طاقته .

 وعلي هذا النحو فإن عبد الجبار الرفاعي يعني بالمفاهيم حسب اعتقادي : المعاني العقلية الكلية أو الأفكار العامة المجردة، وأبرز الأمثلة لها هي مفهوم ‏"القطيعة الأنطولوجية"، "الظمأ الأنطولوجي"، "الاغتراب الميتافيزيقي"، "الإنسانية الإيمانية"، وغيرها.

 وفي اعتقادي أن الفرق بين المفهوم الواضح والمفهوم الغامض في فكر عبد الجبار الرفاعي كالفرق بين خريطة واضحة المعالم لبلد معين يصطحبها المسافر عند سفره، وورقة خط عليها طفل مجموعة خطوط لا تدل علي شيء، وقيل للمسافر هذه خريطة –علي معان جلية وقيم ومبادئ واضحة يدفع إلي تقدم المعرفة عند ربطه بمفاهيم أخري في نسق، أو يهدي إلي سواء السبيل عندما يسلك المرء علي أساسه .

 أما المفهوم الغامض، مثل الورقة التي خط عليها الطفل خطوطاً غامضة، فإنه إذا دخل في نسق أفسد نظامه وعلاقاته مما يؤدي إلي تراجع معرفي، وإذا وجه سلوكاً لشخص أضله لأنه لا يهدي إلي شيء ولا يدل علي شيء.

 علي أن عملية توضيح المفاهيم بالمعني الذي يريده عبد الجبار الرفاعي في كتابه دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة" لها لا تقتصر علي تحديد المعاني المتنوعة التي قد يدل عليها المفهوم تحديداً يحول دون وقوع اللبس والغموض بين الكتاب أو المتكلمين، وإنما تتسع هذه العملية بحيث تشمل الكشف عما تتعرض له المفاهيم في حالة تخلف الأمة حضارياً وظهور الصراع بين الحضارات وممارسة الغزو الثقافي للحضارة الغالبة علي الحضارات المغلوبة، ففي هذه الحالة يتم تشويه دلالات المفاهيم الأصلية أول الأمر، ثم تفرغ شيئاً فشيئاً من محتواها، ثم يعاد ملء المفهوم بالدلالات المرادة... وللحديث بقية..

***

أ. د. محمود محمد علي - مفكر مصري

في المثقف اليوم