عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

مقاربة نقدية إبستمولوجية نسوية

مقدمة: كثيرة هي قضايا الزواج الإسلامي التي ينبغي مراجعتها والنظر اليها من زاوية مختلفة، منها مسألة نشوز الزوجة. فلا تكمن الإشكالية في النشوز في الأحكام التي رتّبها الفقهاء على سلوك الزوجة فحسب، بل في البنية المعرفية التي جعلت هذا المفهوم يتشكّل على نحو يضع المرأة في موقع الخاضع للمساءلة عن مدى استجابتها للحقوق الزوجية، ويمنح الزوج، موقع صاحب الحق الذي تُقاس استجابة الزوجة إليه بمعيار الطاعة والتمكين.

فحين تُوصف الزوجة بالناشز بسبب امتناعها عن المعاشرة الجنسية، أو خروجها من البيت دون إذن الزوج، وفق شروط وتفصيلات فقهية معينة، فإن المسألة لاتقف عند توصيف سلوك فردي بل تتجاوزه إلى الكشف عن تصور أعمق لطبيعة الزواج: هل هو علاقة بين ذاتين مستقلتين، أم علاقة حقوقية غير متكافئة يُنظَّم فيها جسد المرأة بوصفه محلاً لحق الزوج؟

إن السؤال عن النشوز، بهذا المعنى، ليس سؤالا عن حدود الطاعة الزوجية وحدها التي يفترض أن تقدمها الزوجة، بل عن الكيفية التي أنتجت بها المعرفة الفقهية مفهوم الطاعة، وحددت من خلاله طبيعة الحقوق الجنسية والمالية، ورسمت الحدود الفاصلة بين إرادة المرأة والواجبات المفروضة عليها.

تنطلق هذه المقالة من فرضية أن فقه النشوز يتيح الكشف عن بعض المقدمات المعرفية والاجتماعية التي أسهمت في تشكيل التصور الفقهي للزواج، ولا سيما ما يتصل بتوزيع السلطة بين الزوجين، وعلاقة النفقة بالتمكين، وموقع إرادة الزوجة في العلاقة الجنسية. وبالرغم من وجود اجتهادات متعددة للفقهاء، إلا أن المقالة لا تسعى لكشفها، بل تسعى إلى نقد "البنية" التي تظهر في بعض الاتجاهات الفقهية، وإلى اختبار مدى اتساقها مع الاعتراف بالمرأة ذاتا إنسانية وقانونية مستقلة.

المطالب التي ساتناولها هنا ستكون على نقاط مختصرة، فالبحث في هذا الموضوع يتطلب مباحث طويلة جدا:

أولا: النشوز بين الدلالة القرآنية والبناء الفقهي

يكتسب مفهوم النشوز أهميته من كونه مصطلحا قرآنيا انتقل إلى المدونة الفقهية، ثم أصبح جزءا من منظومة الأحكام المنظمة للعلاقة الزوجية.

يقول تعالى:

﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ (النساء: 34).

ويقول تعالى في موضع آخر:

﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ (النساء: 128).

تكشف المقارنة بين الآيتين أن النشوز ليس، في الاستعمال القرآني، وصفا خاصاً بالمرأة؛ فقد ورد أيضا في سياق العلاقة التي يكون فيها الزوج هو الطرف الناشز أو المعرض عن زوجته. غير أن اختلاف السياقين وطبيعة المعالجة الواردة في كل منهما يستدعيان دراسة تفسيرية وأصولية مستقلة.(١)

لكن هذا الاختلاف في السياقين لا يلغي السؤال النقدي: كيف انتقل مفهوم النشوز من الخطاب القرآني إلى التعريفات الفقهية التي حددت مصاديقه وآثاره؟ ولماذا حظيت بعض صور امتناع الزوجة عن أداء ما عُدّ من حقوق الزوج بتفصيل فقهي واسع، في حين لم تتطور معالجة نشوز الزوج، في بعض المدونات، إلى منظومة مماثلة من الآثار والجزاءات؟

لا تكفي الإجابة بالقول إن النص خصّ المرأة بأحكام معينة؛ لأن الانتقال من النص إلى الحكم يتوسطه الاستنباط، وتحديد الموضوع، وفهم الأدلة، والجمع بين الروايات، واعتماد القواعد الأصولية. ومن ثم، فإن التفاوت بين المعالجات الفقهية لا ينبغي أن يُدرس بوصفه نتيجة مباشرة للنص وحده، بل بوصفه نتيجة محتملة لتفاعل النص مع مناهج الاستدلال والمقدمات التي اعتمدها الفقيه.

وهنا تظهر الوظيفة النقدية لمفهوم البنية المعرفية: إنه يتيح الانتقال من سؤال ما الحكم؟ إلى سؤال كيف تشكّل هذا الحكم؟ وما التصورات التي جعلت سلوكا معينا يُفهم بوصفه إخلالا بالواجب، بينما لم يُمنح سلوك آخر التوصيف نفسه أو الآثار ذاتها؟

ثانيًا: من النشوز إلى الطاعة: كيف يُعاد تشكيل ذات المرأة؟

لا يمكن فهم فقه النشوز بمعزل عن مفهوم الطاعة الزوجية؛ فالنشوز، في بعض التصورات الفقهية، يُفهم من خلال العلاقة بين سلوك الزوجة وما يُعدّ واجباً عليها تجاه زوجها.

وتكمن الإشكالية هنا في أن الطاعة لا تبقى مجرد مفهوم أخلاقي يدعو إلى حسن المعاشرة، بل قد تتحول إلى معيار قانوني لتقييم سلوك المرأة وتحديد الآثار المترتبة عليه.

فعندما تُقاس مشروعية تصرفات الزوجة بمدى استجابتها لحقوق الزوج، يصبح الزوج، في هذا التصور، مركزاً مرجعياً لتقييم سلوكها. أما إرادتها الشخصية، فلا تظهر بالضرورة بوصفها عنصرا مستقلًا في تحديد طبيعة العلاقة، بل بوصفها إرادة ينبغي أن تُمارس داخل حدود الواجبات التي رسمها الفقه.

وهذا لا يعني أن كل حديث فقهي عن الطاعة ينطوي بالضرورة على إنكار شخصية المرأة، أو أن جميع الفقهاء يمنحون الزوج سلطة مطلقة؛ بل يعني أن أغلب التطبيقات الفقهية للطاعة تستحق الفحص من حيث مدى اعترافها باستقلال إرادة المرأة وحدود السلطة التي تمنحها للزوج.

فيوجد فرق جوهري وأساسي بين الاعتراف بالتزامات متبادلة تنشأ عن الزواج، وبين بناء العلاقة على افتراض أن أحد الطرفين يملك حق تحديد ما ينبغي للطرف الآخر فعله، وأن رفضه يمكن أن يُصنّف إخلالا أخلاقيا أو فقهياً.

ومن منظور إبستمولوجي نسائي، لا يتعلق النقد هنا بالحكم وحده، بل بموقع الذات العارفة في إنتاجه. فمن الذي عرّف الطاعة؟ ومن الذي حدّد صور الإخلال بها؟ وكيف جرى " تمثيل" تجربة المرأة ورغباتها ومخاوفها داخل المعرفة الفقهية؟(٢)

إن غياب تجربة المرأة أو محدودية حضورها في إنتاج المعرفة الفقهية لا يثبت وحده بطلان الأحكام، لكنه يثير سؤالًا عن مدى شمولية المعرفة التي صاغتها مؤسسات علمية وتقاليد استدلالية لم تكن مشاركة النساء فيها متكافئة تاريخيا.

ثالثا: جسد المرأة بين الحق والتمكين

تظهر الإشكالية بصورة أكثر وضوحا عند دراسة المعاشرة الجنسية وعلاقتها بمفهوم النشوز.

ففي أغلب التصورات الفقهية، يُعدّ امتناع الزوجة عن المعاشرة، من دون عذر معتبر وفق الرأي المعتمد، صورة من صور النشوز، وقد تترتب عليه آثار تتصل بالنفقة (أنظر المادة ٦٨ من المدونة الجعفرية، الحديثة الصدورفي العراق)(٣) . وهنا يصبح جسد المرأة موضعا لتحديد الحقوق والواجبات، لا من حيث تنظيم العلاقة الحميمة فحسب، بل من حيث تقييم مدى امتثال المرأة للعقد الزوجي.

لكنّ الرغبة الجنسية ليست حالة ثابتة أو استجابة آلية لإرادة الطرف الآخر. إنها تجربة إنسانية تتأثر بالصحة الجسدية والنفسية، وبطبيعة العلاقة، وبالشعور بالأمان والاحترام، وبالتجارب السابقة، وبالظروف الاجتماعية والاقتصادية.

وعندما يُختزل الامتناع في مخالفة لحق الزوج، من دون فحص هذه العوامل، تصبح المرأة موضوعاً للحكم بدل أن تكون ذاتا تُفهم تجربتها وأسباب سلوكها.

وهنا يبرز سؤال معرفي وأخلاقي مهم للغاية: هل الموافقة على الزواج تعني الموافقة المسبقة والدائمة على كل ممارسة جنسية مستقبلية؟

إن الإجابة بالإيجاب تخلط بين الالتزام الزوجي وبين التنازل عن الإرادة الجسدية. فالعقد ينظم علاقة بين شخصين، لكنه لا يحوّل أحدهما إلى ملكية للآخر، ولا يجعل الرضا الشخصي أمراً محسوماً إلى الأبد بمجرد انعقاد الزواج.

ومن الضروري هنا التمييز بين مسألتين كثيرا ما تختلطان في الخطاب الديني والاجتماعي: وجود تصورات فقهية عن الحقوق الجنسية المتبادلة، والقول إن هذه الحقوق تبيح الإكراه الجسدي. فالأولى مسألة فقهية تحتاج إلى دراسة أدلتها وحدودها، أما الثانية فتثير سؤالا مستقلا عن مشروعية فرض الممارسة الجنسية بالقوة وعن حماية السلامة الجسدية والكرامة الإنسانية.

إن نقد البنية المعرفية للزواج يقتضي ألا يُستخدم مفهوم الحق لإلغاء إرادة الإنسان الذي يُفترض أن يكون طرفاً في العلاقة، وألا يُختزل الجسد في منفعة تعاقدية منفصلة عن الشخص الذي يحيا فيه.

رابعا: النشوز والنفقة: حين يتداخل الجنسي بالاقتصادي

لا تقف آثار النشوز عند حدود العلاقة الجنسية، بل تتصل في أغلب التصورات الفقهية الإمامية باستحقاق النفقة.

وهذا الارتباط يثير إشكالية معرفية إضافية؛ إذ يمكن أن يُفهم الإنفاق في أغلب نماذج العلاقة الزوجية بوصفه مقابلا للتمكين، بحيث يصبح استحقاق المرأة الاقتصادي مرتبطا بمدى استجابتها الجنسية.

لكن هل النفقة ثمن للمعاشرة، أم التزام ينشأ عن الزواج وتوزيع المسؤوليات الأسرية؟

إن وجود التزامات متبادلة بين الزوجين لا يقتضي منطقيا اختزال العلاقة الاقتصادية في المقايضة الجنسية. فالنفقة، بوصفها حكمًا فقهيا، لها أدلتها وشروطها وتفصيلاتها، ولا يصح اختزال جميع التصورات الفقهية فيها إلى نموذج واحد. ومع ذلك، فإن ربطها بالتمكين يستحق مراجعة نقدية من حيث الأساس الذي يقوم عليه والنتائج التي قد تترتب عليه.

وتزداد أهمية هذه المراجعة عند النظر إلى العمل المنزلي والرعائي الذي تؤديه النساء في أسر كثيرة، من رعاية الأطفال وإعداد الطعام وتنظيم شؤون المنزل إلى رعاية المرضى وكبار السن.

فهذا العمل يسهم في استمرار الأسرة وفي إعادة إنتاج القوة العاملة، لكنه لا يُعترف به دائمًا بوصفه عملا اقتصاديًا له قيمة مستقلة. وإذا جرى، في الوقت نفسه، ربط النفقة بالتمكين الجنسي، فقد ينشأ تصور للعلاقة يُبرز حق الزوج في الإنفاق بوصفه اساساً لاستحقاقه، بينما لا يمنح العمل الرعائي الذي تؤديه الزوجة الاعتراف نفسه.

ولا يعني ذلك أن جميع المذاهب الفقهية تجعل النفقة أجرا مقابل الجنس، ولا أن العمل المنزلي يترتب عليه تلقائيا استحقاق مالي محدد في كل تصور فقهي. إنما تكمن المسألة في ضرورة دراسة العلاقة بين النفقة والتمكين والعمل الرعائي، وعدم التسليم بأن البناء الاقتصادي للأسرة محايد تجاه توزيع السلطة بين الزوجين، هذا في حالة أعتراف هذه المذاهب بالأسرة. فالتعريف لعقد الزواج في المدونة الجعفرية مثلا لايتم التطرق لمفهوم الأسرة بل عرفت عقد الزواج علاقة خاصة بين الرجل والمرأة. (المادة ١)(٤)

ومن هنا، فإن نقد فقه النشوز يفتح الباب أمام نقد أوسع "للاقتصاد المعرفي" للزواج: كيف تُعرَّف المساهمة؟ ومن يملك حق الإنفاق؟ وكيف تُوزع الحقوق المالية؟ وهل تُفهم المرأة بوصفها شريكاً في إنتاج الحياة الأسرية أم بوصفها مستفيدة من الإنفاق مقابل أداء واجبات محددة؟

وهنا يطرح سؤال مهم: ما العلاقة بين النفقة والحق في الحياة: ماهي حدود المقايضة بين الجسد والاحتياجات الأساسية للمرأة التي تحفظ حياتها من الموت جوعا؟

هل يجوز أن يُرتَّب على امتناع الزوجة عن المعاشرة، وفق شروط فقهية معينة، حرمانها من النفقة، إذا كانت غير عاملة ولا تملك مورداً مالياً آخر تعتمد عليه في تأمين احتياجاتها الأساسية؟

إن الإشكالية هنا لا تتعلق بمجرد العلاقة بين حق الزوج الجنسي والحق المالي للزوجة، بل بما قد يترتب على هذا الربط من آثار تمس قدرتها على البقاء وتلبية احتياجاتها الضرورية. فالزوجة التي لا تملك مورداً مستقلاً قد تجد نفسها أمام معادلة شديدة الاختلال: إما أن تستجيب لما يُعدّ حقاً زوجياً، وإما أن تواجه فقدان موردها المعيشي الأساسي.

ومن منظور إبستمولوجي نسائي، يقتضي ذلك مساءلة الافتراضات التي تجعل التمكين معياراً لاستحقاق النفقة، من دون أن تمنح الاستقلال الاقتصادي للمرأة المكانة نفسها في بناء العلاقة الزوجية. فإذا كان الزواج ينشئ التزامات متبادلة، فهل يجوز أن يؤدي الإخلال بأحد هذه الالتزامات إلى المساس بالحد الأدنى من الأمن المعيشي للطرف الآخر؟ وأين تقع الحدود بين تنظيم الحقوق الزوجية وبين تعريض الإنسان للاحتياج أو الإكراه بفعل التبعية الاقتصادية؟

وهنا يجب الانتباه الى المعايير الأخلاقية وليست الفقهية فقط ، فنحن نسأل: ما الحدود الأخلاقية والقانونية التي ينبغي مراعاتها والنظر اليها عند ترتيب آثار مالية على الطاعة في السلوك الجنسي داخل علاقة تتفاوت فيها الموارد المالية والقدرة على الاستقلال المالي؟

خامسا: البنية المعرفية للزواج وحدود الحياد الفقهي

إن الأحكام الفقهية لا تُنتج في فراغ معرفي؛ فهي تتشكل من خلال التفاعل بين النصوص، وطرائق الاستدلال، والمفاهيم اللغوية، والتصورات عن الإنسان والعلاقة الاجتماعية.

ومن ثم، فإن الادعاء بأن الحكم الفقهي يعكس النص وحده، من دون وساطة المقدمات المعرفية، يحجب جانبا مهما من عملية الاستنباط.

فحين يُعرّف الزواج من خلال مفاهيم الاستمتاع والتمكين والطاعة، فإن هذه المفاهيم لا تؤدي وظيفة وصفية محايدة بالضرورة، بل قد تسهم في تحديد ما يُعدّ حقا وما يُعدّ إخلالا به، وما يُنظر إليه بوصفه سلوكا مشروعا أو غير مشروع.(٥)

ولا يعني ذلك أن هذه المفاهيم خالية من الدلالة الشرعية، أو أن وجودها يثبت انحيازا متعمدا لدى الفقهاء. بل يعني أن المفاهيم المستخدمة في بناء الأحكام تستحق الفحص من حيث تاريخها، ودلالاتها، وعلاقتها بالتصورات السائدة عن الجسد والأسرة والسلطة.

وهنا تتدخل الإبستمولوجيا النسوية لتطرح سؤالا يتجاوز عدالة النتيجة إلى شروط إنتاج المعرفة نفسها: هل أُخذت المرأة في الحسبان بوصفها ذاتا قادرة على وصف تجربتها وتفسيرها والمشاركة في بناء المفاهيم التي تنظم حياتها؟

إن استبعاد النساء تاريخيا من مواقع إنتاج المعرفة الدينية أو محدودية مشاركتهن فيها قد يؤثر في طبيعة الأسئلة التي تُطرح، وفي التجارب التي تُعدّ جديرة بالاعتبار، وفي الوقائع التي تُصاغ الأحكام لتفسيرها.

لكن هذه الملاحظة لا تعني أن المعرفة التي ينتجها الرجال باطلة لمجرد أن منتجيها رجال، ولا أن مشاركة النساء تضمن وحدها صحة الأحكام. المقصود هو أن المعرفة الأكثر قدرة على فهم الواقع تحتاج إلى تعدد الخبرات، وإلى اختبار المقدمات التي قد تتحول، بفعل التكرار والاستقرار المؤسسي، إلى مسلمات لا تخضع للمراجعة الكافية.

وبهذا المعنى، لا تكون الإبستمولوجيا النسوية بديلا عن الاستدلال الفقهي، بل أداة لنقد حدوده، والكشف عن المقدمات التي قد تؤثر فيه، وتوسيع مجال الوقائع الإنسانية التي ينبغي أن يأخذها في الحسبان.

سادسا: من فقه النشوز إلى" فقه العلاقة"

إذا كان النشوز يكشف عن اختلال محتمل في طريقة بناء العلاقة الزوجية، فإن تجاوز الإشكالية لا يتحقق بمجرد القول إن الزوج قد يكون ناشزا أيضا، أو بتوسيع نطاق المصطلح ليشمل الطرفين معا.

فالمساواة في إطلاق الوصف لا تكفي إذا ظلت البنية التي تنظّم العلاقة قائمة على تفاوت في السلطة وفي توزيع الحقوق والواجبات.

إن المطلوب هو الانتقال من تصور يجعل العلاقة الزوجية محكومة أساسا بمنطق الطاعة والمخالفة، إلى تصور يعترف بأن الزواج علاقة بين ذاتين مستقلتين، وأن الحقوق المتبادلة لا ينبغي أن تتحول إلى أدوات للسيطرة على الإرادة الشخصية.

ويمكن تسمية هذا الاتجاه "فقه العلاقة"، أي إعادة النظر في الأحكام الزوجية من خلال دراسة الحقوق والالتزامات، وطبيعة الضرر، وحدود السلطة، وضرورة احترام الكرامة الإنسانية.

وهي مقاربة تحليلية تقرأ الأحكام الزوجية من خلال بنية العلاقة بين الطرفين، ويمكن تحديد عناصر هذا المنهج في طرح الأسئلة الآتية:

1- هل الحقوق متبادلة أم غير متناظرة ولماذا؟

2- وكيف تتوزع السلطة في العلاقة الزوجية؟

3- ما أثر الاخلال بالواجبات في الحقوق المالية؟

4- كيف يعتد بالضرر والخبرة الإنسانية في تحديد الحكم؟

5- ما حدود الإرادة الشخصية داخل العلاقة الزوجية؟

6- ما أثر اختلاف المقدمات المعرفية في النتائج الفقهية؟

وفي هذا الإطار، ينبغي التمييز بين الخلاف الزوجي، والإعراض والهجر، والإخلال بالالتزامات المالية، والإضرار المتعمد، والعنف والإكراه. فهذه الحالات ليست متماثلة، ولا ينبغي جمعها جميعا تحت وصف أخلاقي واحد، ثم ترتيب الآثار نفسها عليها من دون تمييز.

كما ينبغي ألا يُعدّ رفض المعاشرة في وقت معين دليلاً كافياً على الإخلال بالعلاقة، من دون النظر في أسبابه وظروفه. فالرفض قد يرتبط بالألم أو المرض أو الخوف أو الإرهاق أو انعدام الأمان، وهي عوامل لا يمكن فهمها من خلال معيار الطاعة وحده.

وفي المقابل، فإن الاعتراف باستقلال الإرادة لا يلغي الالتزامات الزوجية، ولا ينفي إمكان وقوع الإضرار أو الإهمال من أي من الطرفين. لكنه يقتضي أن تُعالج هذه المسائل وفق معايير واضحة وعادلة، بدل افتراض أن جنس الطرف يحدد مسبقا موقعه من الحق والواجب.

ومن ثم، فإن البديل لا يتمثل في استبدال طاعة الزوجة بطاعة الزوج، بل في إعادة بناء العلاقة على أساس المسؤولية المتبادلة، واحترام الإرادة، وعدم تحويل الالتزامات إلى مبرر للإكراه.

وأخيرا يكشف فقه النشوز عن جانب مهم من البنية المعرفية التي تشكّل من خلالها التصور الفقهي للزواج؛ فهو يتيح دراسة العلاقة بين النص الديني، والاستنباط الأصولي، والمقدمات الاجتماعية التي أسهمت في تحديد الحقوق الجنسية والمالية للزوجين.

وتتمثل الإشكالية المركزية في أن بعض التصورات الفقهية جعلت امتناع الزوجة عن المعاشرة، في حالات محددة، مدخلا للحكم على سلوكها وترتيب آثار عليه، بينما لم تحظَ جميع صور نشوز الزوج بمعالجة مماثلة في التفصيل والآثار. وهذا التفاوت يستحق البحث والتحليل، لا الاكتفاء بتبريره أو رفضه مسبقا وفق استنباطات يراد لها أن تكون اجتهادات نهائية.

إن النقد الإبستمولوجي لا يفترض أن كل حكم موروث باطل، ولا أن التغير الاجتماعي وحده يكفي لإبطال الأحكام، بل يدعو إلى فحص الأدلة والمقدمات والمناهج التي أنتجتها، وإلى مساءلة مدى قدرتها على استيعاب التجربة الإنسانية المعاصرة.

ومن هذا المنطلق، فإن تجاوز الإشكالات المرتبطة بفقه النشوز يتطلب إعادة النظر في مفاهيم الطاعة والتمكين والنفقة، وفي العلاقة بين الحقوق الزوجية واستقلال الذات الإنسانية. كما يتطلب توسيع المشاركة المعرفية للنساء، لا بوصفهن موضوعا للأحكام فحسب، بل بوصفهن شريكات في إنتاج المعرفة الفقهية ونقدها.

إن السؤال المهم والحاسم ليس فقط: متى تكون الزوجة ناشزا؟ بل كذلك: ما البنية المعرفية التي جعلت سلوك المرأة يُقرأ من خلال علاقتها بسلطة الزوج، وما الذي ينبغي مراجعته في مناهج إنتاج الحكم الفقهي حتى تصبح العلاقة الزوجية أكثر عدلاً وإنسانية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال هي المدخل إلى الانتقال من نقد حكم جزئي إلى مراجعة معرفية أوسع للزواج في الفقه الإسلامي، مراجعة لا تكتفي بتغيير المصطلحات، بل تسعى إلى إعادة تأسيس العلاقة بين الحق والواجب، وبين العقد والإرادة، وبين الالتزام والكرامة الإنسانية.

***

د. بتول فاروق

٢٢/ ١٠/ ٢٠٢٦

 

من مقتل عثمان إلى صفين.. الانفجار وتأسيس الانقسام

إذا كانت أزمة الخلافة بعد وفاة النبي ﷺ قد كشفت السؤال السياسي في صوره التأسيسية الأولى، فإن حادثة مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان -رضي الله عنه سنة 35هـ - تمثل نقطة الانفجار الكبرى التي نقلت التوتر من مستوى الجدل السلمي إلى مستوى الدم المسفوك.

وإذا ما حاولنا تمرير تلك اللحظة الفارقة عبر غرابيل التحليل التاريخي والفلسفي، نجد أننا نقف أمام أول هزيمة داخلية صريحة أصابت الوعي الجمعي للأمة في صميمه، وأسست لتحولات جذرية أعادت تعريف مفاهيم الطاعة والعدل والفتنة، الأمر الذي يفرض علينا قراءة هذا الحدث الجلل لا بوصفه مجرد خبر عابر، بل بوصفه انكساراً عميقاً في نسق الجماعة، وانفجاراً لسؤال المرجعية والمحاسبة.

لقد شهدت خلافة عثمان توسعاً جغرافياً هائلاً وازدهاراً مالياً غير مسبوق، غير أن هذا التحول رافقه تصاعد في وتيرة النقد لسياسات بعض الولاة في الأمصار. ويبدوا أن الانتقال من مجتمع الحجاز البسيط إلى إمبراطورية مترامية الأطراف قد خلق توتراً بنيوياً أفرز نهوجاً جديدة في التفكير والاعتراض، حيث تضخمت الموارد وتداخلت قبائل جديدة في المشهد.

وفي هذا السياق، ينقل لنا الإمام الطبري في تاريخه تواتر الشكايات واحتجاج وفود الأمصار، ويؤكد الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية أن الناس أكثروا في عثمان الطعن، وهو ما يكشف عن تحول النقد من همس إلى علن. وهذا التحول الإداري والاجتماعي المعقد لم يواكبه تقنين سياسي كافٍ يستوعب أي نهج وليد، وهو ما تحذر منه القراءة النسقية الدقيقة التي ترفض التبسيط الذي يميل إليه بعض المجتزئين والمشككين؛ فاختزال الأزمة في مجرد سوء إدارة أو مجرد تمرد طارئ يقودنا إلى زيغ في فهم الطبيعة المركبة للمجتمع الإسلامي آنذاك، ناهيك عن أنه يغفل تراكم العوامل التي مهدت للاصطدام.

وإذا ما انتقلنا إلى مشهد الحصار وذروة المأساة، ندرك حجم الكارثة حين انتُهكت حرمة الدم في قلب مدينة رسول الله. حيث وصف ابن الأثير تلك اللحظة القاسية بقوله (فدخلوا عليه فقتلوه وهو يقرأ القرآن). هذا الانتهاك دفع بعض المجترئين إلى استباحة المحظورات، بينما تصدى لهم بعض المتأولين بخطابات تحاول شرعنة الخروج.

وقد روى ابن سعد في -الطبقات- عن عثمان قوله الخالد: (لا أخلع قميصاً قمصنيه الله)، وهو تصريح حري بنا أن نتأمله ملياً، إذ يكشف عن بُعد قدري وتشابك عميق بين الشرعية السياسية والتكليف الرباني، بعيداً عن محاولات التجديف التي يعمد إليها بعض المجدفين لسلخ الحدث من سياقه الروحي والسياسي. وقد نقل عن حذيفة بن اليمان إدراكه المبكر لحجم الكارثة حين قال: (والله لئن قتلوه ليفتحن عليهم باب فتنة لا يغلق)، وهو ما تحقق بالفعل، إذ انتقل السؤال من مجرد خطأ الحاكم إلى شرعية الخروج عليه.

وإذا كانت أزمة مقتل عثمان رضي الله عنه تمثل نقطة الانفجار الأولى، فإن موقعة صفين تمثل لحظة تثبيت الانقسام وتحويله من أزمة طارئة إلى بنية دائمة ومستقرة في قلب الوعي الجمعي. ففي صفين لم يعد السؤال مقتصراً على من قتل عثمان، بل تجاوزه إلى سؤال أعمق وأخطر ألا وهو؛ من يملك الشرعية الآن؟، ومن يحدد معنى العدل؟، وهل تُحسم السياسة بالسيف أم بالتحكيم؟، الأمر الذي يجعل صفين لحظة تأسيسية بامتياز، كونها أدخلت عنصراً جديداً ومربكاً في النسق السياسي الإسلامي، وهو التحكيم، بما حمله من التباس خطير بين النص المطلق والواقع المتغير، وبين المثال والضرورة.

فبعد بيعة علي -رضي الله عنه- في ظروف بالغة التعقيد، ظل مطلب القصاص من قتلة عثمان حاضراً بقوة، حيث يورد الطبري أن معاوية بن أبي سفيان جعل تسليم القتلة شرطاً مسبقاً للبيعة. غير أن علياً، برؤيته الحكيمة، رأى أن استقرار الأمر واجتماع الكلمة شرط سابق لإقامة القصاص، وأن العجلة في سياق مضطرب قد تزيد من اشتعال نار الفتنة.

وهنا يتجلى التوتر البنيوي بين نهج يقدم العدالة الفورية ونهج يقدم حفظ الجماعة. ولأن كلا الفريقين كان يستند إلى تصور ديني للحق، تحول الخلاف من نزاع سياسي إلى صراع تأويلي ألقى بظلاله الثقيلة على حقبتهم، حيث تصدى قادة الرأي لمحاولة فهم هذا الشقاق الذي استعصى على الحلول المعتادة.

وعندما وقعت المعركة سنة 37هـ، وسالت دماء كثيرة كما يصف ابن الأثير شدة القتال، تحول السؤال العقدي إلى مأزق وجودي حقيقي؛ كيف يقاتل المسلم أخاه وهو يعتقد جازماً أنه على الحق؟، وقد تجلت عبقرية الإمام علي في استيعاب هذه الأزمة حين سُئل عن أهل الشام فقال كلمته الفاصلة (إخواننا بغوا علينا). وهذه العبارة تحمل دلالة عميقة؛ فهو لم يكفرهم ولم يخرجهم من الملة، بل وصفهم بالبغي، محافظاً على حد أدنى من رابطة الجماعة. لكن هذا الوصف النبيل لم يمنع الانقسام، بل كشف بوضوح عن هشاشة الرابطة حين يختلف أبناء الأمة بالسيف.

وإذا ما انتقلنا إلى ذروة المأساة في صفين، نجد أن رفع المصاحف على أسنة الرماح مثّل حدثاً رمزياً بالغ الدلالة. حيث استُدعي النص القرآني في قلب المعركة، لا للتلاوة، بل لتحكيمه سياسياً في نزاع دنيوي معقد. وقد أورد الطبري استجابة بعض جيش علي لهذا النداء، الأمر الذي أوقع الخليفة في مأزق مركب، فلو رفض التحكيم لاتهمه المعارضون برفض حكم القرآن، ولما قبله قُيِّد بخيار سياسي. هذا الخلط أدخل النص في لعبة السياسة صراحة، ليصبح السؤال المطروح: هل التحكيم تحكيم للكتاب أم تحكيم للرجال؟، وهو مسلك يفتح باباً من الاستغلال الذي برع فيه لاحقاً بعض المتأسلمين حين وظفوا المقدس لخدمة المدنس، في محاولة لفرض رؤاهم الخاصة.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أنتجت الفتنة ولادة أول تيار تكفيري مسلح ومنظم؛ حيث رفضت فئة من جيش علي قبول التحكيم وعدّته تنازلاً، رافعين شعارهم الشهير (لا حكم إلا لله). يذكر الشهرستاني في (الملل والنحل) أن الخوارج كفروا علياً ومعاوية وكل من قبل التحكيم، في سابقة خطيرة أظهرت كيف تنتج الهزيمة الداخلية خطاباً متطرفاً يرى في أي تسوية سياسية خيانة للدين.

وقد كشفت ولادة الخوارج عن بنية عقلية قائمة على التطهير الصارم ورفض أي تأويل سياسي، وهو مسار يستهوي عادة شبيبة متحمسة تفتقر إلى النضج، وتقع فريسة لأفكار سطحية تتجاوز مقاصد الشريعة. وقد كسر هذا المسار إجماع الأمة الذي كان يمثل وحدة رمزية، محولاً إياها إلى تعددية قسرية وانشقاقات عميقة. حييث نبه ابن خلدون إلى أن الفتنة تضعف العصبية الجامعة وتؤسس لانهيار الدول. ولم يحسم التحكيم النزاع، بل عمقه وصولاً إلى قيام الدولة الأموية وتحول الخلافة تدريجياً إلى ملك عضوض، مما دفع المتفقهين والمثاقفين، كالإمام الماوردي لاحقاً، إلى إعادة صياغة التنظير السياسي ليلائم واقعاً ابتعد عن المثال الراشد، في محاولة مستميتة للحفاظ على استقرار الأمة، وهو نقاش لا يزال مستمراً في حاضرنا المعيش.

وخلاصة ذلك أن مقتل عثمان وما تلاه من اقتتال في صفين لم يكونا مجرد أحداث تاريخية يمكن طيها، بل كانا لحظات انقسام تأسيسي أعادت صياغة النسق الإسلامي برمته، ورسخت حقيقة أن السياسة في الإسلام بعد النبوة قد فقدت صفاءها الأول. وأن الأغيار سيظلون يعتاشون على هاتيك الانكسارات ما لم نستوعب دروسها بعمق، وندرك كيف تحولت الهزيمة الداخلية إلى محرك أساسي لإنتاج المعرفة السياسية والعقدية في تاريخنا الممتد.

وللحديث بقية

***

د. بدر الفيومي

 

الجميلُ قد يَفسُد، والرَّونق قد يذبُل، والبريق قد يتوارى، والبهيّ قد يذوي، والغَضُّ قد يَنْزوي، قانونٌ يسري على كل شيء، ليس بسبب الزمن وحده بل بتأثير عوامل شتّى، والوعي ليس بمَعزِل عن هذا القانون القاسي، إذْ إنّ الوعي رغم سموّه غير أنه لا بد من اعتبار محدِّداته، حتى لا يُفضي إلى عكس المراد منه وما نتوخّاه، بل يظل مُتوهّجا بَرّاقا أبعد ما يكون وأعمق، ولعل من أبرز هذه المحدّدات هي أضداد آفاتٍ أربع: الإطلاق والاختزال والجَزم والغَلْق، والمنشأ الطبيعي - عصبيًا -  لها هو اسْتِرْواح الدماغ للسيطرة على جزئيات المعرفة بحُكمٍ يُلَمْلم شتاتها، إنْ إطلاقا أو اختزالا أو جزما أو غَلْقًا.

ينتصبُ الإطلاقُ واحدا من أعتى الآفات التي تنسف الوعي، والمراد بالإطلاق هو تبني المفهوم بشمولية لا تحترم الحدود، ولا تعترف بتبايُنات السياق، ولا تُلقي بالًا للمتغيرات، بل تزُجّ بكل موضوعات المفهوم - على شدّة تنوّعها - في خانة واحدة، وهذا - كما هو جليّ - بعيدٌ كل البعد عن مقتضيات الواقع وحيثيّاته، ومثال ذلك أنّ يتبنّى المرءُ مفهوما يقضي بوجوب تجاوز الماضي، فيقوم بإسقاط هذا المفهوم على كل جزئياته، بلا تفرِقة  بين سياق وآخر، وحالة وأخرى، ولا مُمايَزَةٍ بين ما ينبغي تجاوزه، وبين ما يجب مواجهته وتفكيكه، وبهذا يتبيّن أن خطر الإطلاق كامنٌ في أنه يشمل في الحكم ما هو غير مشمول، فيقع في المحذور؛ جراء تشوّه حكم عام واختلالٌ في تَمَثُّل جانب من الجزئيات، وتحسبُ أنّك واعٍ، فيفجَؤكَ الإطلاقُ مُقوّضًا تطبيقك المفاهيم في أرض الواقع، على أنّ نقيض الإطلاق، هو التقييد، فكلما كثُرت المقيّدات عند تبنّي المفاهيم، أضحت - أي المفاهيم - أكثر مرونة، وألصق باستجابة فاعلة لتطبيقاتها في الحياة.

وثاني آفات الوعي، الاختزال، ولعله المقابِل المتطرّف للإطلاق، ويعني قَصْرُ الحكم على أمر واحد أو بضعة أمور ليس إلا، وعادةً ما يحدث في سياق الأسباب والنتائج، ومثال ذلك أن يتبنّى المرءُ مفهوم متطرّفا في اختزال سبب التحديات الشخصية في صدمات الطفولة، أو اختزال الميل لمساعدة الآخرين في الهوس بالاعتراف الاجتماعي، وخطورة الاختزال أنه يدفع المرء إلى تجاهل تعدُّد الأسباب للنتيجة الواحدة، وتعدُّد النتائج للسبب الواحد؛ نتيجة حصرها في بعض منها، وفي ساحة الاختزال يَنْشط المتغيّر الدخيل أو المُربك (Confounding Factor) أيْ عامل خفي في علاقة السببية يتم تجاهله؛ الأمر الذي يُحدِث شَرخا فاضحا في فهمنا للصلة المعطاة بين السبب والنتيجة، وهذا من شأنه أن يصنع نظرةً قاصرة مضلّلة في الحياة، وتاليا إسقاطات منحازة إلى جانب دون آخر؛ محدثا اختلالا واضحا في اتزاننا في تَمثُّل الحياة من ناحية، والتعاطي معها من ناحية أخرى، ونقيض الاختزال هو الاعتراف باحتمال ورود المزيد، أسبابا ونتائج، وهذا يتجسّد في عبارات من قبيل: هذه هي الأسباب - أو النتائج - التي نعرفها حتى الآن وفق المتاح، أما عبارة: السبب الأوحد - ولا شيء غيره - لكذا فهو كذا، فهذا إنما يخرج من مِشكاة آفة الاختزال.

وثالث آفات الوعي، الجزم، وهو الاحتفاء المغالي بمفهوم ما؛ بسبب موروث أو أيديولوجيا أو بيئة حاضنة، إلى غير ذلك، فيُدخله المرء في حَيّز اليقينيات، التي لا يمكن التشكيك فيها أو حتى قبول مراجعتها أو الاقتراب من الأسئلة المتجهة صَوبَ أساساتها، فيمنحه وسام التسليم المطلق، ومثاله كل مفهوم! حيث يمكن أن يقع المرء في فخ الجزم من خلال أي مفهوم، حينما يتشبّث به بقوة شديدة، ومن هنا كان الجزم مادة خصبة تغذي العصبية الرَّعناء والحَميّة الهَوجاء والنظرة العمياء، وخطورته أن المرء - لا إراديا - يتراخى مع ويستسهل ما يوافق المفهوم - الذي منحه صفة الجزم - ويتمنّع عن تَمَعُّن القرائن والحجج المخالفة اللاحقة، ففي غَمْرة الاحتفاء المبالغ فيه نقع ضحايا للجزم، ناسين أنّ كل ما نملك - على وجه الدقة - هو الترجيح بين الخيارات المحتملة، ليس إلا، فنقيض الجزم هو النسبية، على أنه من الطبيعي أن تتفاوت النسبية في التبني بين مفهوم وآخر، غير أنها لا تصل إلى حدّ الجزم واليقين.

ورابع آفات الوعي، الغَلْق، وهو امتدادٌ لليقين أو - إنْ شئت فقل - استسلام يائس للراهن! إذْ يتم تبنّي المفهوم بوصفه النقطة نهاية السطر، والبَعد الذي لا بَعد بَعده! ومثال ذلك أن يعتنق المرءُ إجابة في حقل معرفي يرى أنها إجابة ختامية، وفي هذا السياق عبارةٌ نبيهةٌ - ذكرتُها مِرارا وتكرارا، ولا أملّ من ترديدها - سمعتُها من الدكتورة نور الهدى باديس، التي تشرّفت بالتتلمذ على يدها إبّان دراستي الماجستير في تونس الخضراء: "أيُّ علم لا يخلق بذورَ تجاوزه فهو ليس علما" على أنّ خطورة الغَلْق لا يكمن فحسب في وَأْد الاحتمالات الكامنة في الفكرة حتى تتطوّر، بل يقف كذلك سدًا منيعا إِزاءَ الأفكار المستنيرة الأخرى، لا لشيء سوى أنها مخالفة، فلا تستطيع أن تنفذ داخل قبة الغَلْق، على أنّ نقيض الغلق هو الاستعداد الجاد للانفتاح على الضِّفف الأخرى لموضوع المفهوم.

ومهما يكن، فإذا كان من جامع يجمع رباعية آفات الوعي، وقاسم مشترك يتوسَّطُها فسيكون الغلوّ في تبني المفهوم إنْ إطلاقا بتوسيع مظلته لتشمل كل جزئيات موضوع المفهوم، وإنْ اختزالًا بتركيزه المُخِلّ في جزئية محددة، وإنْ جَزْما برفع مستوى اسْتِئناس النفس إلى أقصى درجاتها، أو غَلْقا باعتبارها الإجابة النهائية غير المستعدة على استقبال إجابة أخرى، على أنّ نقطة الارتكاز في مجابهة رباعية آفات الوعي هي أن نَعِيَ كيف نتبنّى المفاهيم بالهُوَينى والرَّوِيَّة في التمثُّل، لا أعني السرعة بل التَغوّل.

***

محمـــد سيـــف

وتحرير الذات من السلطات التي تسكنها

الحرية والإنسان: أسئلة الذات والمجتمع والوجود (4)

ليس كل من يرفض سلطة قد تحرر منها، وليس كل من يعلن استقلاله قادرا على أن يرى الخيوط التي ما تزال تحركه. فقد يخرج الإنسان من طاعة مكشوفة ليقع في أخرى أكثر خفاء، ويتمرد على أفكار نشأ عليها من غير أن يتخلص من الطريقة التي جعلته خاضعا لها، ويظن أنه استعاد حريته لأنه غير موقفه، بينما تظل حياته محكومة بالحاجة نفسها إلى الإعتراف، والخوف نفسه من الإختلاف، والبحث نفسه عن يقين يعفيه من عبء التفكير. إن السلطة لا تنتصر دائما حين تمنعنا من الفعل، بل في اللحظة التي تجعلنا نرغب فيما تريده، ونرفض ما تخشاه، ثم ننسب رغباتنا ومخاوفنا إلى طبيعتنا الخاصة.

من هذه المنطقة الملتبسة يبدأ السؤال النيتشوي. فريدريش نيتشه لم ينشغل بالحرية بوصفها حقا سياسيا أو قدرة على الإختيار بين بدائل متاحة فحسب، بل كان يريد أن ينفذ إلى ما يسبق الإختيار نفسه: إلى القيم التي نحكم بها على الأشياء، وإلى القوى التي تصوغ إحساسنا بالخير والشر، وإلى التاريخ الخفي الذي جعل بعض أشكال الحياة جديرة بالإعجاب، وجعل أشكالا أخرى موضع ازدراء أو شعور بالذنب. لم يكن سؤاله فقط، لماذا يطيع الإنسان؟ بل أكثر إرباكا: كيف حدث أن صار مطيعا وهو يعتقد أنه يفعل الصواب؟ وكيف تحولت أحكام نشأت في ظروف تاريخية محددة إلى حقائق تبدو أزلية، لا تحتاج إلى تفسير ولا تسمح لنفسها بأن تكون موضع مساءلة؟

اقترب نيتشه من الإنسان لا بوصفه كائنا يعرف نفسه معرفة مكتملة، بل بوصفه كائنا تحجب عنه دوافعه ركاما من التبرير والعادة والموروث.

قد يعلن المرء أنه يتصرف بدافع الفضيلة، لكن هذا الإعلان لا يحسم شيئا بشأن القوى التي تحركه. ربما كان يبحث عن القبول، أو يخشى العقاب، أو يهرب من رغبة لا يستطيع الإعتراف بها، أو يسعى إلى الشعور بالتفوق الأخلاقي على الآخرين. وليس معنى ذلك أن الفضيلة مجرد قناع للنفاق، بل أن فهم أفعالنا يقتضي أن نتجاوز التفسيرات التي نقدمها لأنفسنا، وأن نسأل عن تاريخ القيم التي نعيش بها، وعن المصالح والمخاوف والرغبات التي قد تتستر وراءها. لهذا لا تبدو فلسفة نيتشه مريحة لمن يبحث عن تأكيدات جديدة بقدر ما تبدو دعوة إلى زعزعة ما اعتدنا الإطمئنان إليه. إنه لا يمنح القارئ قاعدة جاهزة يستبدل بها القواعد القديمة، وإنما يدفعه إلى اكتشاف أن ما ظنه طبيعيا قد يكون تاريخيا، وما اعتقد أنه اختياره الشخصي قد يكون بصمة التربية طويلة، وما اعتبره ضميرا قد يحمل داخله صدى أصوات لم يتعلم قط أن يشكك فيها.

نحن لا نختار نقطة البداية التي ننظر منها إلى العالم. نولد داخل لغة سبقتنا، وفي مجتمع يملك تصورات جاهزة عن الفضيلة والعار، والنجاح والفشل، والكرامة والطاعة أيضا، وما ينبغي أن يطمح إليه الإنسان وما يجدر به أن يخجل منه. نحن نتعلم هذه التصورات قبل أن نمتلك الأدوات اللازمة لفحصها، ونستوعبها من خلال الثناء والعقاب والقبول والرفض والمرويات التي نسمعها عن الأبطال والخونة، والأقوال التي تتكرر حتى تكتسب سلطة الحقيقة. وعندما نبلغ القدرة على التفكير، نكون قد ورثنا بالفعل تركة من المعايير التي سنستخدمها في الحكم على أنفسنا وعلى الآخرين. لكن المألوف لا يصبح صحيحا لمجرد أنه مألوف، والقديم لا يكتسب المشروعية الأخلاقية لمجرد أنه قديم.

 إن شيوع قيمة ما، قد يدل على رسوخها في التجربة الإنسانية، لكنه قد يدل أيضا على نجاح المؤسسات والتقاليد في حمايتها من الإعتراض. وقد يستمر عرف معين لأن الناس يرونه عادلا، وقد يستمر لأن الإعتراض عليه مكلف، أو لأن المستفيدين منه يملكون القدرة على تقديمه بوصفه جزءا من النظام الطبيعي للأشياء. وهنا تكمن أهمية السؤال الذي طرحه نيتشه في كتابه «في جينيالوجيا الأخلاق». فبدل أن يتعامل مع مفاهيم الخير والشر كما لو كانت معاني ثابتة خارج التاريخ، شرع في البحث عن الأصول التي نشأت فيها الأحكام الأخلاقية، وعن التحولات التي طرأت عليها، وعن أنماط الحياة التي عبرت عنها. لم يكن يريد أن يعرف ما تقوله القيم عن الإنسان فحسب، بل ما يكشفه تاريخها عن القوى التي صنعتها، وعن العلاقات التي ربطت بين القوة والضعف، والإمتياز والحرمان، والقدرة والعجز.

إن السؤال الجينيالوجي الذي يتتبع نشأة القيم وتحولاتها، يغير موقعنا منها. فحين نعتقد أن قيمة ما حقيقة أزلية، يبدو الإعتراض عليها خروجا على العقل أو الطبيعة أو الأخلاق نفسها. أما حين نكتشف تاريخها، فإننا نرى أنها نشأت في سياقات معينة، وأن معناها لم يكن دائما كما نفهمه اليوم، وأن ما نعتبره بديهيا قد يكون نتيجة صراع طويل انتصرت فيه رؤية معينة للعالم على رؤى أخرى.

إن اكتشاف الأصل التاريخي للقيمة لا يكفي وحده لإبطالها. فليس كل ما نشأ في ظروف تاريخية باطلا، ولا تصبح العدالة أقل أهمية لأن البشر احتاجوا إلى تاريخ طويل لصياغة مفاهيمها. أهمية البحث تكمن في أنه يحرر من الإعتقاد بأن القيم معطا خارج الزمن، ويعيد إلينا مسؤولية فحصها. فما الذي تحميه؟ وما الذي تطلبه منا؟ وهل تساعد الإنسان على أن يحيا حياة أكثر ثراء ووعيا، أم تجعله ينظر إلى رغباته وقدراته باعتبارها مصدرا دائما للريبة والذنب؟

بهذا المعنى، لا تبدأ الحرية عندما نرفض القيم المتوارثة جميعا، بل عندما نتوقف عن منحها حصانة تمنعنا من السؤال. فالقيمة التي لا تستطيع احتمال الفحص لا تصح بمجرد أن يحيط بها الإحترام، مثلما لا تصبح الفكرة باطلة لمجرد أنها أثارت غضب من اعتادوا الإيمان بها. المطلوب هو الإنتقال من وراثة الأحكام إلى فهمها، ومن الخضوع لسلطتها إلى تحمل مسؤولية الموقف منها.

***

عبد الرحيم الجرودي

إن المشكلة لا تكمن في عدم فوز الكاتب العربي بالجوائز، أو أن الأدب العربي يفتقر إلى الأعمال التي تستحق القراءة خارج حدوده اللغوية والثقافية. المشكلة تبدأ بعد الفوز، حين يكتشف الكاتب أن الجائزة التي حصل عليها لم تفتح له بابَ الترجمة، والكتاب الذي احتفى به جمهور بلده قد يظل مجهولًا لدى القارئ في بلد آخر، والاعتراف الذي ناله في محيطه الثقافي لا يتحول تلقائيًّا إلى حضور في المشهد الأدبي العالمي.

هُنا تحديدًا يظهر التناقض، هناك جوائز أدبية عربية كثيرة، وبعضها يملك ميزانيات مالية معتبرة وسُمعة واسعة، ويوجد كُتَّاب حصدوا أرفع أشكال التقدير، ومعَ ذلك لا يزال انتقال الأدب العربي إلى اللغات الأخرى محدودًا مقارنة بحجم إنتاجه وتنوعه وامتداده التاريخي.

هذا التناقض لا يعني أن الجوائز عديمة الفائدة، ولا أن الذين يمنحونها أو يحصلون عليها يفتقرون إلى الكفاءة. المسألةُ أكثر تعقيدًا من ذلك. الجوائز تستطيع أن تمنح كِتابًا قيمة إضافية داخل مجتمع، وتلفت انتباهَ الناشرين والصحفيين والقُرَّاء إليه، وتساعد صاحبه على الاستمرار في الكتابة، لكنها لا تستطيع بمفردها أن تنشئ سوقًا للكِتاب في الخارج، أو تقنع ناشرًا أجنبيًّا بالمخاطرة بعمل لا يعرف جمهورَه، أو تضمن وجود مترجم قادر على نقل خصوصيته اللغوية والثقافية. وحين نُحمِّل الجائزةَ مهمة لا تملك أدوات إنجازها، فإننا نسيء فهمَ وظيفتها، ثم نستغرب عجزَها عن تحقيق ما لم تُصمَّم له أصلًا.

هناك مَيل واضح في الخطاب الثقافي العربي إلى التعامل معَ الفوز بجائزة أدبية بوصفه دليلًا كافيًا على أن صاحبها أصبح كاتبًا عالميًّا، أو أنه باتَ قريبًا من هذا الموقع. وقد يكون هذا التصور مفهومًا من الناحية النفسية، فالكاتب الذي أمضى سنوات في العمل، ورُبَّما عانى ضعفَ التوزيع وقلة الاهتمام الإعلامي، يجد في الجائزة اعترافًا مستحقًّا بجهده. كما أن المؤسسة الثقافية التي تمنحها ترغب في رؤية أثرها يتجاوز حدود المناسبة التي أُعلنت فيها النتائج.

لكن الاعتراف داخل نظام ثقافي لا يساوي الاعترافَ داخل نظام آخر. لكل بيئة أدبية معاييرها ومؤسساتها وطُرقها في اكتشاف الكُتب وتداولها. قد تكون رواية ما موضع إجماع لدى لجنة تحكيم عربية، وتحظى باهتمام نقدي واسع في بلدها، من دون أن يكون لدى الناشر الإنجليزي أو الفرنسي أو الألماني أو الإسباني سبب كافٍ لنشرها. ليس بالضرورة لأن الرواية أقل جودة، بل لأن الناشر يعمل ضمن سوق لها حساباتها، ويحتاج إلى معرفة الجمهور المحتمل، وتكلفة الترجمة، وإمكانات التوزيع، وفرص المراجعات الصحفية، وموقع الكِتاب بين مئات العناوين التي تتمُّ المنافسة عليها سنويًّا.

الجائزة في أفضل حالاتها، تُقَدِّم إشارةً إلى قيمة الكِتاب، لكنها لا تضمن أن هذه الإشارة ستصل إلى الأشخاص القادرين على تحويلها إلى مشروع نشر فِعلي. وقد يعرف القارئ العربي اسمَ الفائز وروايته وملخصها، بينما لا يعرف الناشرُ الأجنبي طبيعةَ العمل، وهويةَ الكاتب، والجائز التي فاز بها. والفوزُ بالجائزة لا يردم الهُوَّةَ العميقة بين المعرفة المحلية والجهل الخارجي.

وهُنا ينبغي التمييز بين أمرين في غاية الأهمية ويُخلَط بينهما دائمًا، أن يكون الكاتب جديرًا بالقراءة، وأن تتوافر الظروف التي تجعل قراءته ممكنة في لغات أخرى. الأمرُ الأول يتعلق بالعمل الأدبي وما يملكه من قيمة فنية وإنسانية وفكرية، أمَّا الأمرُ الثاني فيتعلق بسلسلة كاملة من القرارات والعلاقات والموارد. وقد يتحقق الأول بدون الثاني لسنوات طويلة.

والمشكلة الأساسيَّة هي الطريقة التي تتعامل بها بعضُ المؤسسات معَ الجوائز، حيث يُنظَّم الحفل، وتُنشَر الأخبار، وتُجرَى المقابلات، وتُلتقَط الصور، ثم ينتهي الحدث، ويعود الكاتب إلى حياته المعتادة، فيما ينشغل الوسطُ الثقافي بانتظار الجائزة التالية. في هذه الحالة يصبح الفوزُ بالجائزة مناسبة إعلامية محدودة وعابرة بدون تأثير على أرض الواقع، وليس بداية برنامج طويل يهدف إلى توسيع انتشار الكِتاب، وإيصال الكاتب إلى اللغات الأجنبية.

إذا كانت المؤسسة مقتنعة بأن العمل الفائز يستحق أن يُقْرَأ خارج اللغة التي كُتب بها، فمن المنطقي أن تضع الترجمةَ ضمن خطتها، وعدم تركها لاحتمالات السوق أو مبادرات الناشرين. ويمكن أن يبدأ ذلك بتوفير عَيِّنة مُترجَمة ترجمة احترافية، وإعداد ملف متكامل عن الكِتاب والمؤلف، والتواصل معَ دور نشر أجنبية مناسبة، وتقديم دعم مالي لترجمة العمل كاملًا، ومتابعة مراحل النشر والتوزيع بعد توقيع العقود. ولا يكفي أن يُترجَم الكِتاب إلى لغة أخرى ثم يُترَك بدون متابعة. الترجمةُ ليست عملية منفصلة عن النشر، إنها جزء من مشروع يحتاج إلى محرر يفهم النص، وناشر يعرف كيف يُقَدِّمه، وغلاف وعنوان مناسبين للسوق المُستهدَفة، وتوزيع يسمح بوصوله إلى المكتبات، وتواصل إعلامي يُعرِّف به بدون أن يُحوِّله إلى مادة دعائية سطحية.

وقد تصدر رواية عربية في ترجمة جيدة، لكنها لا تحصل على مراجعات نقدية، ولا تصل إلى المهرجانات الأدبية، ولا تُعرَض على نوادي القراءة، ولا تجد مَن يتحدث عنها في الصحافة الثقافية، وهكذا تصبح الرواية العربية يتيمة ومقطوعة، وبعد ذلك يُقَال إن الرواية فشلتْ عالميًّا، معَ أن ما حدث قد يكون ببساطة أنها لَم تحصل على فرصة حقيقية للظهور، ولم يتم تسليط الضوء الإعلامي عليها.

إنَّ إصدار الكِتاب في الخارج خطوة مهمة، لكنه ليس نهاية الطريق. النشر لا يعني التوزيعَ، والتوزيع لا يعني القراءةَ، والقراءة لا تعني أن يتحول الكاتب إلى اسم معروف. لكلِّ مرحلة شروطها وضوابطها وأبعادها وتأثيراتها. وإذا توقفت الجهود عند مرحلة واحدة، فلا يمكن تحميل النص وحده مسؤولية النتيجة.

مِن الأخطاء الشائعة أن نتحدث عن الأدب العالمي كما لو أنه فضاء مفتوح تتساوى فيه جميع اللغات والكُتب، ثم نتساءل لماذا لا يصل الكاتب العربي إلى المكانة التي يستحقها. الواقع أن حركة الترجمة والنشر تتأثر بفوارق اقتصادية ومُؤسَّسية كبيرة. بعض اللغات تتمتع بصناعات نشر ضخمة، وأسواق كثيرة، وشبكات واسعة من الوكلاء الأدبيين والمحررين والمراجعين والنقاد، وقدرة أكبر على تصدير كُتبها إلى لغات أخرى. أمَّا اللغات التي لا تمتلك القوةَ الاقتصادية نفسها، فتحتاج إلى جهود إضافية كي تصل أعمالها إلى القراء خارج حدودها.

اللغة الإنجليزية مثلًا ليست مجرد لغة يتحدث بها عدد كبير من الناس، إنها أيضًا لغة مركزية في سوق النشر الدولي، والصحافةِ الثقافية، والجامعاتِ والمؤسسات التي تساهم في تحديد الكُتب التي تستحق الاهتمام. وهذا لا يعني أن الكِتاب الذي لا يُترجَم إلى الإنجليزية محكوم بالبقاء مجهولًا، أو أن الانتشار العالمي لا يتحقق إلا عبرها، لكنه يعني أن الترجمة إلى اللغات الأكثر تأثيرًا في حركة النشر تمنح الكِتابَ فُرصًا إضافية للوصول إلى جمهور أوسع وأسواق أكثر.

في المقابل، لا يستطيع الناشرُ الأجنبي أن يتعامل معَ كُل كتاب عربي بوصفه فرصة تجارية مضمونة. الترجمة مكلفة، وتسويق الأدب المُترجَم يحتاج إلى وقت، والقُرَّاء لا يشترون الكُتبَ بناءً على جودتها وحدها، بل يتأثرون أيضًا بما يعرفونه عن الكاتب، وبما تقترحه عليهم الصحافة والنقاد والمكتبات، ومدى حضور الكِتاب في المجال الثقافي المحيط بهم.

ولا تكفي مطالبة الناشرين الأجانب بأن يمنحوا الأدبَ العربي ما يستحقه. يمكن توجيه هذه المطالبة من باب العدالة الثقافية، لكنها لا تُغيِّر وحدها آليَّات السوق. المطلوب هو بناء أسباب عمليه تجعل الاهتمامَ بالأدب العربي ممكنًا ومستمرًّا، مِثل: توفير ترجمات جيدة، وتسهيل الحصول على حقوق النشر، ودعم الوكلاء والمترجمين، وإنشاء علاقات طويلة الأمد معَ دور النشر الأجنبية، وتقديم الأعمال إلى المحررين المناسبين، ومساعدة الكُتب على الوصول إلى المراجعات والفعاليات التي تتيح لها أن تُكتشَف، وتَسمح لها بالانتشار الواسع والتأثير الهائل.

ولا بد من الاعتراف بأن دور النشر الأجنبية ليست جمعيات خيرية، ولا مؤسسات للصدقات والمساعدات، ولا منظمات غير ربحية، لكنها ليست كتلة واحدة أيضًا. بعضها يهتم بالأدب المُترجَم بوصفه جزءًا من رسالته الثقافية، وبعضها يبحث عن أعمال ذات فرص تجارية واضحة، وبعضها يتخصص في آداب مناطق مُعيَّنة. وفهمُ هذه الاختلافات ضروري، لأن تقديم رواية إلى دار نشر لا تهتم بهذا النوع من الأدب يُشبِه طرقَ باب لا يريد صاحبُه أن يفتحه.

قد يفوز الكاتبُ العربي بجائزة مرموقة، ويحصل على ترجمة لعمله، ثم يظل النص عاجزًا عن الوصول إلى القارئ الأجنبي بالصورة التي يستحقها. وهُنا تبرز مشكلة لا تقل أهمية عن التمويل والنشر والتوزيع، وهي جودة الترجمة نفسها.

والأدبُ ليس مجموعة من المعاني يمكن نقلها من لغة إلى أخرى بدون أن يتغير شيء. في الرواية، قد تَحمل كلمة عاميَّة إشارةً إلى الطبقة الاجتماعية أو المنطقة أو العُمر أو العلاقة بين شخصيتين. وقد تتضمن جملة قصيرة تاريخًا من العادات أو المواقف السياسية أو التوترات الدينية والاجتماعية التي يفهمها القارئ العربي بدون شرح، أمَّا القارئ الذي لا يعرف هذه الخلفية، فقد يقرأ الجُملةَ نفسها بدون إدراك ما تَحمله مِن دَلالات عميقة وأبعاد خطيرة.

والمترجمُ الجيد لا يكتفي بإيجاد مقابلات لغوية صحيحة، إنَّه يحتاج إلى فهم إيقاع النص، وأصوات شخصياته، ومرجعياته الثقافية، وما يقوله صراحة وما يتركه للقارئ كي يستنتجه. وقد يتطلب ذلك بحثًا طويلًا، وحوارًا معَ الكاتب، ومراجعة تحريرية دقيقة. وبدون هذه العناية الفائقة، يمكن أن تتحول الرواية إلى نص مفهوم من الناحية اللغوية، لكنه ضعيف من الناحية الأدبية.

والأدبُ العربي ليس مُضطرًّا إلى التخلي عن خصوصيته كي يصبح مقروءًا. وليس مطلوبًا من الكاتب أن يشرح كُلَّ عادة محلية، أو يخفف كُلَّ إشارة ثقافية، أو يعيد كتابة شخصياته وفق ما يتوقعه جمهور آخر. هذه المطالب تجعل النص أسهل تسويقًا في بعض الحالات، لكنها تسلبه هُويته الفنية المميزة. والمطلوب هو نقل التجربة الأدبية بأكبر قَدْر ممكن من الدقة والقدرة على التأثير، وليس تحويلها إلى نُسخة تتحدث بلسان ثقافة أخرى. والقارئ الأجنبي قادر على التعامل معَ تفاصيل لا يعرفها مسبقًا، شريطة أن يجد في النص ما يَستحق جهده، وأن تساعده الترجمة على الدخول إلى عالَمه بدون أن تفرض عليه شروحًا متواصلة.

ومِن هُنا تأتي أهمية الاستثمار في المترجمين المتخصصين في الأدب العربي، وليس الاكتفاء بمن يتقن اللغتين بصورة عامَّة. المعرفةُ اللغوية وحدها لا تضمن القدرة على ترجمة رواية تاريخية، أو نص تجريبي، أو حوار شديد الارتباط بلهجة محلية. كما أن الترجمة تحتاج إلى محررين وناشرين يمنحون المترجمَ الوقتَ والموارد اللازمة، بدل التعامل معها بوصفها بندًا يمكن تقليص تكلفته كلما ضاقت الميزانية.

وإذا كانت الجوائز الأدبية العربية جادَّة في الحديث عن العالمية، فإن دعم الترجمة ينبغي أن يكون من أولوياتها، وليس خدمة ثانوية تُقَدَّم حين تسمح الظروف.

والأعمال الأدبية تختلف في بنيتها وموضوعاتها وأساليبها، كما تختلف طُرق استقبالها بين الثقافات. لكن من الضروري التمييز بين كتابة تنطلق من حاجة فنية حقيقية إلى التعبير، وكتابة تحاول توقُّعَ ما يريد الناشر الأجنبي أن يراه في الأدب العربي.

حين يتحوَّل تصوُّر السوق إلى مرجع أساسي في بناء النص، قد يجد الكاتبُ نفسه يعيد إنتاج صور جاهزة عن مجتمعه، مِثل: الصراع السياسي، والحروب، والقمع، والاضطرابات الدينية، والعنف الاجتماعي. هذه موضوعات حقيقية، وهناك أعمال عربية تناولتها بعُمق، ولا توجد مشكلة في أن تحظى باهتمام عالمي. المشكلة تبدأ حين تصبح هذه الموضوعات هي الطريق الوحيد المُتخيَّل إلى القارئ الأجنبي، وحين يُفْتَرَض أن الأدب العربي لا يستحق الانتباه إلا إذا قدَّم صورةً استثنائية عن مجتمع مُضطرب، أو كشفَ جانبًا مظلمًا لا يَعرفه الآخرون.

والحياةُ العربية لا تختصرها الحروب، كما لا تختصرها الحكايات العائلية، أو المدن القديمة، أو العلاقات الاجتماعية. فيها العمل والبطالة، والزواج والعنوسة، والغنى والفقر، والعدل والظلم، والطبقات الجديدة، والتغيرات التقنية، والوحدة، والحُب، والشيخوخة، والقلق الاقتصادي، والتحولات في اللغة، والعلاقات بين الأجيال، والأسئلة التي يواجهها الإنسان حين تتغير شروط حياته. ويمكن للأدب أن يتناول هذه المسائل بِطُرق مختلفة، بدون أن يتحوَّل إلى تقرير عن المجتمع، أو محاولة لتقديمه إلى جمهور خارجي، للحصول على مصالح شخصية.

العالميَّة ليست أن يتنازل الكاتبُ عن بيئته كي يصبح مفهومًا في الخارج، أو يُصر على خصوصيته بطريقة تجعل النص مغلقًا أمام كُلِّ مَن لا يعرف خلفيته، وإنما هي أن يكتب عملًا يملك منطقه الفني الخاص، ويثق بقدرة التجربة الإنسانية على تجاوز حدودها المباشرة، من دون أن يتظاهر بأن الفروق الثقافية غير موجودة.

ولا تستطيع الجائزة أن تضمن تحقُّق ذلك. يمكنها أن تكافئ نصًّا جيدًا، لكنها لا تستطيع أن تقرر مسبقًا كيف سَيُقْرَأ في ثقافة أخرى، ولا تضمن أنَّ ما أثَّر في لجنة تحكيم عربية سيؤثِّر بالطريقة نفسها في قارئ يعيش في سياق مختلف.

والجوائز ليست معزولة عن المؤسسات والناشرين والذائقة النقدية والعلاقات المهنية، وهي تتخذ قراراتها ضمن تصورات مُعيَّنة عن الأدب الجيد، والأنواعِ التي تستحق الاهتمام، والمعاييرِ التي ينبغي الاحتكام إليها. وتكرار فوز أنماط متشابهة من الكُتب يترك انطباعًا بأن هناك صيغة بِعَينها للنجاح الأدبي، وأن الكاتب الذي يريد الحصول على الاعتراف ينبغي أن يقترب منها. ومعَ مرور الوقت، يمكن أن تتأثر اختيارات الناشرين والكُتَّاب والنقاد بهذا الانطباع، حتى من دون وجود توجيه مباشر أو اتفاق مسبق.

وتزداد المشكلة حين يُستخدَم الفوز بالجائزة باعتباره دليلًا نهائيًّا على جودة العمل، بدل التعامل معه بوصفه حُكمًا نقديًّا مهمًّا، لكنه قابل للنقاش. فالجائزة لا تلغي اختلاف الأذواق، ولا تنهي النقاش حول القيمة الفنية، ولا تجعل الكِتاب الفائز أفضل بالضرورة من كُل كتاب لم يصل إلى القائمة القصيرة.

والتنوع الأدبي لا يتحقق بمجرد وجود عدد كبير من الجوائز، فقد تتعدد المؤسسات، وتتشابه معاييرها وشروطها، وقد تتوزع الجوائز على بلدان مختلفة بينما تظل أنواع أدبية كاملة خارج دائرة الاهتمام. كما قد تحظى الرواية بحصة واسعة من الاعتراف الإعلامي، في حين يبقى الشعر والقصة القصيرة والمسرح وأدب الأطفال والكتابة التجريبية أقل حضورًا في برامج الدعم والترجمة.

يحتاج الكاتب إلى ناشر يستطيع الاستثمارَ في عمله، ومحرر يناقشه بجدية، ووكيل أدبي يعرف أسواقَ النشر، ومترجم يحسن نقلَ النص، ومؤسسة تساعد على تأمين الحقوق والتمويل، وصحافة ثقافية تتعامل معَ الكِتاب باعتباره عملًا يستحق القراءة لا خبرًا عابرًا. ويحتاج أيضًا إلى فرص للمشاركة في اللقاءات والمهرجانات والبرامج التي تجمع الكُتَّاب والمترجمين والناشرين، حيث تنشأ علاقات مهنية تؤدي لاحقًا إلى نشر أعمال جديدة.

كما أن ظروف النشر العربي ليست متساوية. هناك تفاوت في حجم الأسواق، وقدرة المؤسسات على التمويل، واستقرار دور النشر، وإمكانات التوزيع، وحرية الحركة والمشاركة في الفعاليات الثقافية. وقد يواجه الكاتبُ صعوبات في الحصول على حقوقه، أو متابعة عقود النشر، أو بناء علاقات مهنية خارج بلده. وهذه العقبات لا تُحَل بإعلان فوزه بالجائزة مهما كانت قيمتها.

وتتطلب معالجة المشكلة النظر إلى الكاتب بوصفه جزءًا من بيئة ثقافية، وليس شخصًا ينبغي أن يتحمل وحده مسؤولية إخفاقات تلك البيئة. وإذا أردنا رؤية أعمال عربية أكثر حضورًا في اللغات الأخرى، فلا بد من الاستثمار في المؤسسات التي تجعل هذا الحضور ممكنًا، وبناءِ علاقات تستمر بعد انتهاء دورة الجائزة، أو مغادرة الكاتب للمهرجان.

من الضروري أيضًا أن نعيد النظرَ في الطريقة التي نقيس بها النجاحَ العالمي. عدد الترجمات مهم، لكنه لا يكفي وحده. قد يُترجَم كِتاب إلى لغات متعددة ضمن اتفاقات دعم ثقافي، ثم لا يحظى بقراءة تُذكَر. وقد تنشر دار صغيرة رواية بلغة واحدة، لكنها تجد جمهورًا كبيرًا، وتحصل على مراجعات نقدية مهمة، وتؤثِّر في كُتَّاب آخرين، أو تدخل في برامج جامعية. وهذا يُوضِّح الحضورَ الأدبي الحقيقي لا الشعاراتي.

ويجب التمييز بين شهرة الكاتب وانتشار الكِتاب. قد يُدعَى مؤلف إلى مهرجان دولي، ويُجري مقابلات، ويحصل على اهتمام إعلامي، بينما لا تتوفر كُتبه في الأسواق التي زارها. وقد يحقق كِتاب انتشارًا جيدًا بدون أن يصبح مؤلفه شخصية معروفة لدى الجمهور العام. وهذا يُشير إلى أن لكل نتيجة شروط مختلفة، ولا يصح التعامل معها بوصفها شيئًا واحدًا. والهدف ليس تحويل الأدب إلى مشروع تسويقي محض، أو إخضاع قيمته للأرقام، وإنما معرفة ما إذا كانت الموارد التي تُنفَق على الترجمة والترويج تؤدي إلى نتائج حقيقية، وما إذا كان الكاتب يجد بعد انتهاء الاحتفاء الأول فرصة للاستمرار. وإذا كانت الجوائز الأدبية العربية تريد أن تؤدي دورًا يتجاوز الاعترافَ المحلي، فعليها أن تبدأ بتحديد ما تستطيع فِعْلَه على أرض الواقع، ثم بناء برامج تتناسب معَ هذه القدرة. ليس مطلوبًا من كل جائزة أن تتحول إلى دار نشر دولية، لكن من الممكن أن تتعاون معَ مؤسسات متخصصة في الترجمة والتوزيع، وتجعل من الفوز بداية لمسار واضح بدل أن تكتفي بالمكافأة المالية والإعلان الإعلامي.

أوَّل ما ينبغي التفكير فيه هو الترجمة الاحترافية. يمكن لكل جائزة أن تخصص جزءًا من مواردها لترجمة الأعمال الفائزة إلى لغة أو لغتين، على أن يجري اختيار اللغات بناءً على فرص النشر الفعلية واهتمامات الناشرين، وليس على أساس أن لغة بِعَينها هي الطريق الوحيد إلى العالَم. كما يمكن إنشاء صندوق مشترك بين الجوائز العربية لتمويل ترجمات ذات جودة عالية، بحيث تتوزع التكلفة، وتزداد فرص دعم أعمال من بلدان وتجارب أدبية مختلفة.

ثانيًا: تحتاج الجوائز إلى بناء علاقات مستمرة معَ الناشرين والوكلاء والمترجمين. يمكن تنظيم لقاءات مهنية تتيح لهم الاطلاع على الأعمال المرشحة قبل إعلان النتائج، وتوفير ملفات تحريرية دقيقة عن الكُتب، وتقديم عَيِّنات مترجمة، وتسهيل التواصل بشأن حقوق النشر. ويجب ألا تتحول هذه اللقاءات إلى اجتماعات بروتوكولية، وإنما يجب أن تكون فُرصًا حقيقية لمناقشة الكُتب، وتقييم إمكانات نشرها بصورة عملية.

ثالثًا: ينبغي أن تمتد المسؤولية إلى ما بعد توقيع عقود الترجمة. فالكِتابُ يحتاج إلى خطة نشر وتوزيع وتواصل نقدي تناسب طبيعته والسوقَ التي يتوجه إليها. ويمكن للمؤسسة أن تساعد في التعريف به لدى الصحافة الثقافية، وتتيح للكاتب والمترجم المشاركة في فعاليات مناسبة، وتتابع النتائج لمعرفة ما نجح وما لم ينجح. وليس المقصود شراء الاهتمام الإعلامي، أو فرض الكِتاب على القراء، وإنما توفير فرصة عادلة لكي يصل إليهم.

رابعًا: من المهم ألا ينحصر الدعم في الفائز الأول. قد تحتوي القوائم القصيرة على أعمال ذات قيمة كبيرة، وقد تكون بعض الكُتب أكثر ملاءمة للترجمة إلى لغة مُعيَّنة من الكتاب الفائز. وإذا كان الهدف هو توسيع حضور الأدب العربي، فمن المنطقي أن يُتاح للناشرين الأجانب الاطلاع على مجموعة أوسع من الأعمال، معَ احترام استقلالية قراراتهم، وعدم تحويل الدعم إلى التزام بنشر كُتب لا يريدونها.

خامسًا: يجب أن تتعامل الجوائز معَ المترجم بوصفه شريكًا في المشروع الأدبي، وليس وسيطًا يمكن الاستغناء عن رأيه بعد إنجاز النص. المترجم يمتلك معرفة دقيقة بما يصعب نقله، وبما يحتاج إلى مراجعة أو تحديد سياق له، وبالأنواع الأدبية التي يمكن أن تجد قراء في سوق مُعيَّنة. إشراكه في مرحلة مبكرة يوفِّر الوقتَ والمال، ويُحسِّن فرصَ نجاح الكِتاب بعد نشره.

سادسًا: ينبغي أن تكون هناك شفافية في إعلان النتائج المتعلقة بالترجمة. إذا دعمت الجائزةُ عشرة كُتب، فمن المفيد أن توضِّح أيها تُرجم، وأين نُشر، وما العقبات التي حالت دون نشر البقية. وإذا لم تحقق المبادرةُ أهدافَها، فالأفضل الاعتراف بذلك وتعديلها بدل الاستمرار في تكرار الخطاب نفسه.

هذه الخطوات لا تضمن أن يصبح كل كاتب عربي معروفًا عالميًّا. الأدبُ لا يعمل وفق معادلات مضمونة، وقد يفشل مشروع نشر مدروس رغم جودة العمل، كما قد ينجح كِتاب لم يكن أحد يتوقع له انتشارًا واسعًا. لكن الفرق كبير بين نتيجة غير مضمونة وغيابِ الجُهد المنظم. الأُولى جزء طبيعي من الحياة الأدبية، أمَّا الثانية فهي مشكلة يمكن معالجتها. وليس المطلوب ضمان النجاح، وإنما توفير الشروط التي تجعل السعيَ إليه ممكنًا ومُنَظَّمًا وقابلًا للتطوير.

لا تقع المسؤولية كُلُّها على الجوائز. الناشر العربي يؤدي دورًا أساسيًّا في تحديد قدرة الكِتاب على عبور الحدود، لأنه يمتلك حقوق النشر، أو يتولى إدارتها، ويعرف تاريخ العمل وظروف إنتاجه، ويمكنه أن يكون نقطة الاتصال الأُولى معَ الناشرين الأجانب. وإذا لم تكن لديه ملفات واضحة عن كُتبه، أو لم يستطع تحديدَ الحقوق المتاحة، أو لم يكن مستعدًّا للتفاوض على شروط الترجمة، فقد تضيع فرصة مهمة قبل أن تبدأ.

ومن المفيد أن تستثمر دور النشر في إعداد فهارس حقوق نشر احترافية، وتوفِّر ملخصات وعَيِّنات مترجمة لأعمالها، وتتعامل معَ الوكلاء الأدبيين بجدية، وتتابع العقودَ التي تُوقِّعها بدل اعتبارها إنجازًا ينتهي عند التوقيع. كما أن التعاون بين دور النشر العربية يساعد في تقديم قوائم أوسع وأكثر تنوعًا من الأعمال، بدل أن تعمل كل دار بمعزل عن الأخرى.

أمَّا الكاتب، فلا ينبغي أن يُطلَب منه أن يصبح مدير تسويق لنفسه، أو يقضي وقته في ملاحقة الناشرين بدل الكتابة. ومعَ ذلك، فإن معرفة حقوقه، وفهم أساسيَّات عقود النشر والترجمة، والاحتفاظ بسجل واضح لأعماله وطبعاتها، والمشاركة في اللقاءات المهنية المناسبة، كلها أمور يمكن أن تساعده على حماية عمله والاستفادة من الفرص المتاحة.

ومن المهم أيضًا أن يتعامل الكاتب معَ الترجمة بوصفها عملية مستقلة تحتاج إلى تعاون وثقة. قد يختلف معَ المترجم في اختيار كلمة أو صياغة جُملة، وهذا أمر طبيعي، لكن العلاقة الناجحة لا تقوم على افتراض أن الكاتب وحده يعرف كيف ينبغي أن يظهر النص في اللغة الأخرى. المترجم يمتلك أدواته وخبرته، والهدف المشترك هو إنتاج عمل أمين فنيًّا، وقادر على التواصل معَ قارئ جديد.

ولا ينبغي أن تتحول الدعوة إلى تحسين أدوات النشر والتواصل إلى لوم للكاتب الذي لم يصل إلى الخارج، فليس كل كاتب يملك الوقتَ أو الموارد أو العلاقات اللازمة لذلك، وليس من واجبه أن يُعوِّض بمفرده نقص المؤسسات. الأفضل هو بناء منظومة تجعل الوصولَ إلى النجاح ممكنًا بدون اشتراط امتلاك الكاتب مهارات إضافية لا علاقة لها بموهبته الأدبية.

رُبَّما كان الخطأ الأكبر هو أننا نطلب من الجائزة أن تثبت أكثر مِمَّا تستطيع إثباتَه. نمنحها مكانة رمزية كبيرة، ثم نتوقع منها أن تحل مشكلات الترجمة والنشر والتوزيع والتسويق والتلقي النقدي. وعندما لا يحدث ذلك، ننتقل إلى الطرف المقابل، ونُشكِّك في قيمة الجوائز كُلِّها، كما لو أن الفشل في تحقيق هدف واحد يلغي كُلَّ ما يمكن أن تقدِّمه من فوائد.

الجائزة تستطيع أن تكون أداة مهمة لاكتشاف الكِتاب، وتمنحه فرصة إضافية، وتساعده على الوصول إلى الناشرين والقراء. لكنها لا تملك سُلطة تقرير ما سيقرؤه العالَم، ولا تستطيع أن تصنع ذائقة نقدية، أو سوقًا أدبية من تلقاء نفسها. وكلما كان هذا الحد واضحًا، أمكنَ بناء توقعات واقعية، وبرامج قابلة للتقييم. كذلك لا ينبغي أن نربط العالمية بالحصول على جائزة أجنبية، أو بالظهور في قائمة دولية مشهورة. قد يكتسب الكاتبُ حضورًا عابرًا للغات من خلال أعماله المترجمة، أو تأثيره في كُتَّاب آخرين، أو حضوره في الجامعات والمجلات المتخصصة، بدون أن يفوز بجائزة دولية كبيرة. وقد يحصل كاتب على تكريم عالمي، ثم يتراجع حضور أعماله لاحقًا. المسألة ليست لقبًا يُمنَح مَرَّةً واحدة، وإنما علاقة تتشكل تدريجيًّا بين النص والقراء والمؤسسات الثقافية. ومن المهم أيضًا ألا نستخدم محدودية انتشار الأدب العربي دليلًا على أن الأدب نفسه أقل قيمة من الآداب الأخرى. ضعفُ الحضور الخارجي يعكس تفاوتًا في الموارد وشبكات النشر وفرص الترجمة، لكنه لا يثبت تراجعَ الأدب العربي من الناحية الفنية. الحُكم على الأعمال يحتاج إلى قراءة ومقارنة ونقد، ولا يستند إلى عدد اللغات التي تُرجمت إليها.

ولا بد من الاعتراف بأن العالمية ليست حقًّا يمكن ضمانه لكل كاتب، أو نتيجة يمكن توزيعها بعدالة حسابية. هناك أعمال جيدة لن تجد جمهورًا واسعًا، وأعمال أخرى ستنجح لأسباب متعددة، بعضها فني، وبعضها مرتبط بالتوقيت والظروف والفرص، غَير أن غياب الضمان لا يلغي مسؤولية المؤسسات عن توفير الشروط التي تجعل الفرصة ممكنة.

إن عجز الجوائز الأدبية عن إيصال الكاتب العربي إلى العالمية ليس حُكمًا نهائيًّا على الجوائز، والأدبِ العربي، وإنما هو وصف للفجوة بين الاعتراف بالقيمة وبناء شروط انتشارها. والاعتراف بهذه الفجوة هو الخطوة الأولى لتجاوزها. ولن يصبح الأدب العربي حاضرًا في العالَم لمجرد أننا نملك جوائز كثيرة، أو نعلن كل عام عن فائز جديد، أو نكرر أنَّ لَدَينا تراثًا أدبيًّا غنيًّا. سيصبح أكثر حضورًا حين تتحول الجوائز من محطات احتفاء منفصلة إلى جزء من عمل ثقافي متواصل، وحين تتعاون المؤسسات والناشرون والمترجمون والكُتَّاب على إزالة العقبات التي يمكن إزالتها، وحين نقيس النجاح بما يصل فعلًا إلى القراء، وليس ما يُقَال في حفلات التكريم.

وعندها لن يكون السؤال عن الكاتب العربي الذي لم يصل إلى العالمية سؤالًا عن موهبته وحدها، بل عن الطريق الذي أُتيح له أن يَسلكه، والأبوابِ التي فُتحتْ أمامه، والجهودِ التي بُذلتْ كي يُقْرَأ عمله خارج لغته. وبين أن يستحق الكِتاب القراءة وأن يجد من يقرؤه فرقٌ حقيقي، ولا يمكن لأية جائزة مهما كانت مكانتها أن تلغي هذا الفرق بمفردها.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

‏في معرضه في براغ في العام 1971، أعلن محمود صبري، أحد أبرز الفنانين التشكيليين العراقيين من جيل الروّاد، قطيعته الكاملة مع الواقعية التقليدية حين أطلق نظريته الفريدة "واقعية الكم" Quantum Realism، التي كان قد توصّل إليها بعد دراسات وأبحاث وتجريبات في ستينيات القرن المنصرم، وجوهرها يقوم على الدعوة إلى فن يستلهم قوانين العلم الحديث في إطار فلسفة خاصة.

‏ويرى الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، وهو أستاذ فيزياء وكيمياء أيضًا، أن العلم الحديث يغيّر تصوّرنا عن الواقع، وأن المعرفة العلمية تقطع الإدراك الحسّي المباشر، رابطًا بين العقل العلمي والمخيّلة الشعرية. أما محمود صبري فقد ذهب إلى تأسيس لغة تشكيلية جديدة تجعل اللون والخط والشكل معادلات بصرية للطاقة والحركة.

في العام 1972، قُدّر لي أن أحاور محمود صبري وأن أقدّمه إلى الجمهور، وذلك في مبنى نادي الصداقة في براغ، الواقع في الشارع الوطني، وبحضور عربي لافت، حيث كنت رئيسًا لجمعية الطلبة العراقيين في فترة دراستي للدكتوراه، في ندوة حملت عنوان المقالة في أعلاه، وهو العنوان الذي أصبح لاحقًا عنوانًا لكتاب أصدره يشرح فيه نظريته، وألحقه بكتاب آخر بعنوان "الفن والإنسان: دراسة في شكل جديد من الفن".

وأول سؤال وجّهته له من المنصّة: كيف يمكن أن يوائم بين نظريته وبين الفكر الماركسي الذي كان متأثرًا به؟ وما لفت انتباهي مبكّرًا أنه يختلف عن الكثير من مجايليه، فهو لا ينظر إلى الماركسية باعتبارها عقيدة جامدة، بل يرى فيها منهجًا لفهم حركة التاريخ والطبيعة، وكان جوابه أن المادية الديالكتيكية لا تتعارض مع فيزياء الكم، بل يمكن أن تتجدّد في ضوء منجزاتها؛ وفي جواب على أحد المتداخلين حول ما الذي يفهمه العامل والفلاح من خطوط وألوان لا تعطيه أية دلالات جمالية واقعية، قال إنه غير معني بتصوير الإنسان في إطار الواقعية الاجتماعية، وإنما هدفه كفنان الذهاب إلى ما هو أعمق من ذلك؛ إنه معنيّ بواقعية منشغلة بالبنية الفيزيائية للعالم نفسه.

اعتمدت نظرية محمود صبري على أن الواقع الذي ينبغي للفنان أن يصوّره لم يعد هو الواقع المرئي بالعين فقط، وأن العالم، وخصوصًا فيزياء الذرّة والكم تكشِف عن مستوى أعمق للوجود، وما على الفنان والفن سوى التعبير عن هذا الواقع الكمي "الذرّي" وقوانين الطاقة والحركة، وليس التعبير عن المظاهر الخارجية للأشياء، فالعالم ليس مجموعة أشياء، بل هو شبكة معقّدة من التحوّلات والطاقة.

اللوحة وواقعية الكم

حاول محمود صبري تحويل الأطياف الذريّة والأمواج الكهرومغناطيسية إلى تراكيب لونية بدلًا من رسم الإنسان أو الطبيعة، وهكذا ظهرت لوحاته كخطوط لونية وهندسية في غاية التناسق، حيث كان يرى أن لكل عنصر ولكل ذرّة خصائص طاقية يمكن التعبير عنها بصريًا بالألوان والأشكال. ويبدو لأول وهلة أن تلك الرسومات واللوحات تعطي انطباعًا أنها تجريدية Abstract Paintings، لكنه كان يرفض إطلاق هذه الصفة عليها، ويصرّ على تسميتها بالواقعية، وهي واقعية تختلف عن الواقعية التقليدية. ويعتبر أن واقعيته هي أكثر واقعية من الواقعيات الأخرى، لأنها تستند إلى حقيقة علمية غير مرئية، في حين أن الواقعية الكلاسيكية تكتفي بما تراه العين، فهو يرى أن الفن ينبغي أن يحاكي الطبيعة بوصفها عمليات متحركة ومتغيرة وليست أشياء جامدة.

وفي حوار خاص معه في أواخر ثمانينيات القرن الماضي في براغ، ومن ثمّ في محاضرة له في الكوفة غاليري في لندن العام 1992، أشار إلى أنها واقعية تختلف عن "الواقعية الاشتراكية الجدانوفية" أيضًا، تلك التي سادت في الدول الاشتراكية خلال الفترة الستالينية بشكل خاص، حيث أُخضع الأدب والفن والثقافة والموسيقى إلى معايير بيروقراطية صارمة، كانت تنظر إليها لا بوصفها نشاطًا جماليًا حرًّا، بل يجب تجييرها لمصلحة الحزب، وما عدا ذلك ستكون هذه الحقول في خدمة البرجوازية أو يُنظر إليها كفنون شكلانية وفردانية لا تخدم أهداف المجتمع الاشتراكي.

إن "واقعية الكم" هي مشروع فلسفي يقوم على العلم، وهي ليست مجرد تجربة تشكيلية، فالفن مثل العلم والفلسفة ينبغي أن يواكب تطوّر المعرفة الإنسانية الحديثة، وأن الثورة العلمية التي أحدثتها فيزياء الكم تتطلّب ثورة موازية في الفن، وبشكل خاص في اللغة البصرية، فالفيزياء الحديثة أثبتت أن المادة ليست كتلة صلبة، بل هي شبكة من الطاقات والعلاقات والاحتمالات، وأن الفن مُطالب بأن يعكس هذا الفهم الجديد للعالم، كما يرى صبري.

ويبقى سؤال الحداثة قائمًا ويواجه الفنان، وهو ما كان يشغل محمود صبري، فما هي وظيفة الفن؟ هل هي تقليد للطبيعة أم الكشف عن حقيقتها؟ وهو يرى أن الفن ليس كاميرا تقوم بالتقاط صور الإنسان والطبيعة، وإنما الكشف عما لا يُرى، حيث تصبح اللوحة وسيلة معرفة، لا مجرد موضوع للمتعة الجمالية.

تفرّد صبري عن مجايليه من الروّاد العراقيين بتأسيس نظريته على العلم الحديث ودمجه بالفن، في حين اتّجه جواد سليم إلى استلهام التراث الحضاري للعراق وتاريخه القديم، أما شاكر حسن آل سعيد فقد اتّخذ من الصوفية مصدرًا لفنّه يستلهم منه جماليته، ومنح فائق حسن الريشة هويّة بجعل اللون مرآةً لروح العراق.

مدرسة جديدة

لم يكن محمود صبري مجرّد فنان تشكيلي يريد تقديم شكل جديد للرسم، بل كان يفتّش عن الإنسان الجديد الذي يرى العالم بعين العلم والمعرفة العلمية ولا يستكين لما هو قائم ومنظور، بل يبحث عما خلْفه وما لا يُرى في إعادة تأصيل العلاقة بين العقل والجمال؛ وكان يعتقد أن الفن لا ينبغي أن يبقى أسير النظرة التقليدية، ولابدّ من ردم الهوّة أو تجسير الفجوة بين المحترف الفني والمختبر العلمي، بين اللون والذرّة وبين الحقيقة والجمال، فالإبداع هو محاولة اكتشاف العالم، أو الأصح المشاركة في اكتشافه وليس انعكاسًا له.

صحيح أن "واقعية الكم " لم تحظَ عربيًا أو عالميًا بالشهرة، وبقي تأثيرها محدودًا لاعتبارات تتعلّق بالسرديات الغربية المهيمنة وضعف الحضور العربي، فلم تصبح نظرية لها أتباعها ومؤيديها كالتكعيبية والسريالية مثلًا، إلّا أنها كانت محاولةً أصيلةً وجادة، فلم تكن تقليدًا لمدرسة سبقتها، بل يمكنني القول إن جدّتها وصعوبتها ربما حالا دون انتشارها، خصوصًا ربط الفيزياء بالفن، وتحويل قوانين فيزياء الكم إلى لغة تشكيلية في تأويل إبداعي. وقد بدأ الاهتمام بها في السنوات الأخيرة، خصوصًا عشية الألفية الثالثة وما بعدها، فأعادت مؤسسات مثل المتحف العربي للفن الحديث دراسة تجربة واقعية الكم بوصفها من أكثر المحاولات الفكرية أصالةً، وهو ما يمكن اعتباره محاولةً جريئةً ورؤيةً استشرافية وجهدًا نادرًا، يبقى مفتوحًا وبحاجة إلى استكمال وتطوير.

ويُعتبر محمود صبري مفكرًا مجتهدًا وليس فنانًا فحسب، وإن اعتبار مشروعه جدير بالدراسة، وقد أدرج بيانه "واقعية الكم" ضمن أهم الوثائق المؤسِسة للفن العربي الحديث في كتاب

Modern Art in the Arab World: Primary Documents،

وفي متحف الفن العربي الحديث.

وبعد وفاته في العام 2012 تناول نظريته عدد من النقّاد بينهم روكسان زند المؤرخة الفنية والباحثة البريطانية في فنون الشرق الأوسط، وعملت في دار سوذبيز Sotheby’s، وكتبت تقول إن محمود صبري حاول توحيد الفن والعلم وأن أعماله امتازت ببُعد فلسفي وكوني يتجاوز الواقعية الاجتماعية، وهو ما سبق أن أشارت إليه الباحثة ندى الشبّوط، وذهب عبد الله حبه إلى القول عن تطوّر فن محمود صبري: إنه انتقل إلى واقعية الكم عبر تطوّر داخلي في رؤيته للفن والإنسان والطبيعة في محاولة التعبير عن الواقع اللّامرئي، أي عالم الذرّات والطاقة والجسيمات.

أخلص إلى القول إن محاولة محمود صبري رائدة ومثيرة للاهتمام، وقد يكون سابقًا لزمانه، حتى وإن ظلّت محصورة في بيئة محدودة، فقد انطلق صبري من الفلسفة إلى بنية الواقع نفسه منشغلًا بشبكة التحولات والطاقة، وحاول الإجابة على سؤال: هل يستطيع الفن أن يكون معرفةً وليس تعبيرًا فقط؟ متزامنًا مع نظريات اهتمت بالحركة والطاقة وأخرى بتيارات الفن الحركي وثالثة بالزمن والحركة ورابعة بالرياضات والهندسة.

وإن كان ثمة نقد يوجّه إلى نظرية "واقعية الكم" باعتبارها استعارةً أكثر منها علاقة علمية قابلة للإثبات بين الفن والعلم، لكن قوة دفاعات صبري تنطلق من فكرة الحداثة ذاتها، فهل توجد حداثة واحدة؟ وهل نكتفي كعالم ثالث في استيراد الحداثة؟ أم يمكن أن نشترك في صنعها؟ وإذا كانت هناك حداثات متعدّدة، فلا ينبغي للغرب، والحالة هذه، احتكار المعرفة والثقافة حسب إدوارد سعيد، ولابدّ للانتقال من موقع التلقّي إلى موقع الإنتاج المعرفي، وهو السؤال الذي ظل معلقًا: عن علاقة المركز بالأطراف والمتن بالهامش.

إن محاولة محمود صبري هي دعوة إلى قراءة العالم من مواقع متعدّدة، لا من مركز واحد، لأنه كفنان لم يكتفِ بالقبول باستيراد الحداثة الغربية، بل حاول بناء حداثة جديدة عبر نظرية خاصة. ويمكنني القول إن الحداثة ليست ملكًا جغرافيًا لأمة أو شعب أو لغة أو حضارة، إنها تفاعل حضارات وثقافات متعدّدة في السابق والحاضر أنتجت أسئلة مختلفة عن الكون والطبيعة والإنسان، وقد اعتبر محمد أركون أن الحداثة التي يسعى إليها تقوم على تحرير العقل من الجمود، والانفتاح على مفاهيم العلوم الحديثة.

أما محمود صبري فقد سعى إلى تحرير العين من أسر الظاهر لترى العالم في حركته العميقة، وبذلك يكتمل مشروع النهضة الحديثة ليشمل الفكر والسياسة والأدب بشكل عام، والشعر بشكل خاص، مثلما يرى أنه ينبغي أن يشمل الفن.

وبمفهوم المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، يُعدّ محمود صبري مثقفًا عضويًا، فهو يرى أن الفنان جزء من حركة الوعي الاجتماعي وليس منتج للجماليات فحسب، الأمر الذي لا ينبغي أن يبقى مشروعه منسيًا أو خارج دائرة الضوء.

***

د. عبد الحسين شعبان

 

حين ينتظم إيقاع الجسد فتتحسن جودة الحياة

لا نعيش أيامنا وفق ساعات عقارب الساعة فقط، بل وفق نظام داخلي دقيق ينظم إيقاع أجسادنا ووظائفنا الحيوية، ويؤثر بصورة مباشرة في نومنا واستيقاظنا وحركتنا وسكوننا، ومستوى نشاطنا، ومزاجنا، وتركيزنا، وحتى شهيتنا. وهذا النظام يعرف بـ الساعة البيولوجية. فالساعة البيولوجية هي نظام داخلي في جسم الإنسان ينظم إيقاع عدد من الوظائف الحيوية على مدار الليل والنهار.

وكلما كانت عادات الإنسان اليومية أكثر انتظاماً وتحكماً، وخاصة في النوم والغذاء والنشاط البدني، كان من الأسهل على الجسم أن يعمل بانسجام وتوافق وتناغم، وأن يحافظ الإنسان على نشاطه وحيويته وقدرته على أداء أدواره اليومية بحيوية وكفاءة وفعالية. الليل للراحة والسكون والطمأنينة وتجديد لخلايا الجسم وتزويده بالطاقة الحيوية والإيجابية والنهار للعملوالكد والتعب من طبيعة الإنسان أن يكون أكثر نشاطاً وحركة خلال النهار، وأن يحصل على الراحة والسكون خلال الليل.

 وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا التوازن في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ۝ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: 10-11]. فالليل مساحة للراحة والتأمل واستعادة التوازن، والنهار مجال للعمل والحركة والإنتاج. وعندما يحصل الإنسان على نوم كافٍ ومنتظم وغذاء صحي ونشاط بدني، يمنح جسمه فرصة لاستعادة نشاطه والاستعداد ليوم جديد.

  أما عندما يختل هذا الإيقاع بسبب السهر واللهو المستمر على الدوام، أو النوم في ساعات النهار، أو تغير مواعيد النوم والاستيقاظ بصورة متكررة، فقد تظهر آثار ذلك على النوم والطاقة والمزاج والتركيز والأداء اليومي. فقد تضطرب الساعة البيولوجية ينعكس على حياتنا، وقد يبدو للبعض أن السهر أو عدم انتظام النوم مجرد عادة بسيطة، لكنها قد تتحول مع الوقت إلى نمط يؤثر في جوانب متعددة من حياة الإنسان ويحد من طاقته وعمله، مما يحول دون الوصول إلى الأهداف المتوقعة والمخطط لها.

فاضطراب الساعة البيولوجية قد يرتبط بصعوبة النوم أو الاستيقاظ، والشعور بالنعاس خلال النهار، وضعف التركيز، وتقلب المزاج، واضطراب الشهية، وانخفاض مستوى النشاط والإنتاجية. ولهذا فإن تنظيم النوم ليس مجرد مسألة تتعلق بالراحة فحسب، بل هو جزء من إدارة الإنسان لطاقته ووقته وصحته وأدائه اليومي

كيف نحافظ على انتظام الساعة البيولوجية؟

هناك مجموعة من العادات اليومية التي تساعد على تنظيم الإيقاع اليومي للجسم، ومن أهمها:

أولاً: الانتظام في مواعيد النوم الكافي والاستيقاظ المبكر: كلما حافظ الإنسان قدر الإمكان على مواعيد ثابتة ومنتظمة للنوم والاستيقاظ، ساعد ذلك جسمه على بناء إيقاع أكثر انتظاماً ونشطاً وحيوية.

ثانياً: التعرض لضوء النهار: التعرض للضوء الطبيعي في الصباح يمثل إشارة مهمة للجسم تساعده على التمييز بين بداية اليوم وصحوته ووقت الليل وسكونه، وبالتالي دعم انتظام دورة النوم والاستيقاظ

ثالثاً: تنظيم الوجبات: الساعة البيولوجية لا تتأثر بالنوم وحده، وإنما تتأثر كذلك بتوقيت الطعام والدوام والانتظام عليه. لذلك فإن الانتظام النسبي في مواعيد الوجبات يساعد على بناء نمط يومي أكثر استقراراً وثباتاً وتوازناً.

رابعاً: ممارسة النشاط البدني: الحركة وممارسة الألعاب الرياضية من العادات المهمة التي تساعد الإنسان على المحافظة على نشاطه خلال النهار، كما ينبغي تجنب النشاط المجهد جداً في وقت قريب من النوم إذا كان يؤثر في القدرة على الاسترخاء والشعور بالسكينة والهدوء.

خامساً: تهيئة غرفة النوم: من الأفضل أن تكون غرفة النوم هادئة ومظلمة ومريحة وحراراتها تتلائم مع حراراة الجسم والشعور بالراحة، مع تقليل مصادر الضوء والإزعاج والفوضى قدر الإمكان.

سادساً: الابتعاد عن شرب الكافيين في ساعات المساء: تناول المشروبات التي تحتوي على الكافيين في وقت متأخر قد يؤثر في بعض الأشخاص على القدرة على النوم والاستغراق فيه، ولذلك من المفيد الانتباه إلى توقيت تناولها والكمية التي يتم أخذها.

لماذا يمثل السهر مشكلة خاصة لدى الشباب؟

من أكثر الأنماط شيوعاً لدى بعض الشباب السهر واليقظة حتى ساعات متأخرة من الليل، ثم محاولة تعويض ذلك بالنوم خلال النهار. ومع تكرار هذا النمط قد يصبح الليل وقتاً للنشاط والنهار وقتاً للنوم، وهو ما قد يتعارض مع متطلبات الدراسة والعمل والحياة الاجتماعية والشعور بالراحة وامتلاك الطاقة الإيجابية التي تسهم في زيادة النشاط والبذل والجهد خلال النهار. وتزداد المشكلة عندما يتحول هذا السلوك من حالة مؤقتة إلى عادة دائمة ومستمرة؛ لأن الإنسان قد يجد نفسه بعد فترة غير قادر على الاستيقاظ بنشاط في الصباح، أو التركيز خلال ساعات الدراسة والعمل، أو الاستفادة من وقته بكفاءة وفعالية. لهذا فإن تعديل العادات اليومية يحتاج إلى إرادة واستمرارية وتدرج والإصرار على التغيير والعودة للفطرة والوضع الطبيعي، وليس إلى قرار مؤقت ليوم أو يومين فقط.

 الساعة البيولوجية نظام متكامل:

من المهم ألا ننظر إلى الساعة البيولوجية باعتبارها مرتبطة بالنوم واليقظة فقط. إنها جزء من نظام متكامل يتأثر بالنوم، والغذاء، والضوء، والنشاط البدني، والحركة، ونمط الحياة اليومي. فإذا كان الإنسان معتاداً على تناول وجبة في وقت معين ثم أصبح يبكر بها او يؤخرها باستمرار، أو كان ينام ويستيقظ في مواعيد ثابتة ثم بدأ يغيرها بشكل متكرر وقد تحولت عاداته إلى ممارسات أخرى تتعارض مع صحته وعاداته الطبيعية، فإن هذا التغيير المستمر والدائم قد يجعل نمطه اليومي أقل صحة وانتظاماً واستقراراً. ومن هنا تأتي أهمية الروتين الصحي؛ فالجسم يحب الإيقاع والعادات المنتظمة، والعادات المتكررة تساعده على التكيف والتوافق مع نمط واضح من النوم والعمل والراحة والغذاء.

متى يكون الإنسان أكثر نشاطاً؟

 تختلف مستويات النشاط والطاقة من شخص إلى آخر، كما تختلف باختلاف طبيعة العمل والعمر ونمط الحياة. لكن كثيراً من الناس يشعرون بارتفاع مستوى النشاط والتركيز خلال ساعات الصباح، خاصة بعد الاستيقاظ والتعرض لضوء النهار وتناول وجبة مناسبة تزيد من طاقته وفعاليته ونشاطه. وقد يشعر الإنسان ببعض الخمول بعد تناول وجبة الغداء، ثم يستعيد قدراً مناسباً من النشاط خلال فترة بعد الظهر مع وجود فترة وجيزة من الهدوء. ومع اقتراب المساء يبدأ الجسم تدريجياً في الانتقال إلى حالة أكثر استعداداً للسطون والراحة والنوم. لذلك من المفيد أن يستثمر الإنسان ساعات نشاطه الأعلى في الأعمال التي تتطلب تركيزاً وطاقة وإنتاجية أكبر، وأن يترك المهام الأقل تطلباً جهداً في الأوقات التي ينخفض فيها مستوى النشاط وتراجعه.

هل يمكن إعادة ضبط الساعة البيولوجية؟

نعم، من الممكن للمرء أن يعمل على تعديل عاداته اليومية وإعادة تنظيم نمط حياته سواء أكان في نومه أو استيقاظه، لكن ذلك قد يحتاج إلى إدارة وقناعة في التغيير والتعديل ووقت واستمرارية، ويختلف من شخص إلى آخر بحسب مقدار الاضطراب وطبيعة نمط الحياة ويسرها أو عسرها. ومن الخطأ أن نتوقع أن تتغير جميع العادات المتراكمة في عشية أو ضحاها. فمن الأفضل إجراء تعديلات تدريجية وثابتة ومستمرة، مثل تثبيت وقت الاستيقاظ، والتعرض لضوء الصباح وشمسه، وتخفيف السهر لمواقيت متأخرة، وتنظيم مواعيد الطعام وتناوله، وممارسة النشاط البدني وفعاليته، وتهيئة بيئة صحية مناسبة وهادئة للنوم.

فالساعة البيولوجية لا تحتاج إلى حلول سحرية أو فجائية، بقدر ما تحتاج إلى عادات منتظمة واستمرارية والتزا. قوي وإيجابي. النوم ليس وقتاً ضائعاً فمن الأفكار التي تحتاج إلى تصحيح وتعديل للنوم التي تمثل وقتاً ضائعاً يمكن الاستغناء عنه لصالح النجاح والتميز في العمل أو الدراسة وتسيير شؤو الحياة ومتطلباتها. فالحقيقة أن الراحة جزء مهم وأصيل من الإنتاجية.

فالإنسان الذي يحرم نفسه باستمرار من النوم قد يجد نفسه يعمل ساعات أطول، لكنه ينجز بصورة أقل كفاءة وفاعلية، لأن التركيز والطاقة والانتباه تتأثر. لذلك ينبغي أن ننظر إلى النوم باعتباره استثماراً في اليوم التالي، وليس انسحاباً أو تراجعاً من الحياة. والبالغون يحتاجون عادةً إلى نحو 7–9 ساعات من النوم ليلاً، مع اختلاف الاحتياج من شخص إلى آخر حسب صحته وعمره والجهد الذي يبذله.

قيمة الوقت تبدأ من احترام إيقاع الحياة ورتمها:

إن تنظيم الساعة البيولوجية ليس مجرد تنظيم لمواعيد النوم والاستيقاظ، وإنما هو شكل من أشكال إدارة الذات واحترام الوقت والجسد. فالإنسان الذي يعرف متى يعمل، ومتى يرتاح، ومتى يتحرك، ومتى يأكل، ومتى ينام، يكون أكثر قدرة على بناء يوم متوازن وفعال. ولا يعني ذلك أن تكون حياتنا جامدة لا تتغير، وإنما يعني أن يكون لدينا إيقاع عام منتظم نستطيع العودة إليه بعد الإجازات أو السفر أو الظروف الاستثنائية والطارئة

خلاصة:

إن الساعة البيولوجية ليست مجرد ساعة داخل أجسادنا أو مواعيد توقظنا، بل هي جزء من النظام الذي يساعدنا على تنظيم علاقتنا بالنوم والعمل والغذاء والنشاط والراحة. وقد لا نستطيع التحكم في كل ظروف حياتنا، لكننا نستطيع التحكم في كثير من عاداتنا اليومية. وممارساتها نم في وقت مناسب، استيقظ بانتظام، تعرض لضوء النهار، تحرك، نظم طعامك، وامنح جسدك حقه من الراحة. فحين ينتظم إيقاع الجسد، يصبح الإنسان أكثر قدرة على التركيز والانتباه، وأكثر نشاطًا، وأكثر استعداداً لأداء أدواره في الحياة. فالنجاح لا يحتاج إلى أن نعمل طوال الوقت أو نبدل عاداتنا مخالفة للفطرة السليمة والطبيعية، وإنما يحتاج إلى أن نعرف متى نعمل، ومتى نرتاح وننام، وكيف نوازن بين الاثنين بوعي ودراية وحكمة.

***

بقلم: د. أكرم عثمان

مستشار وخبير تطوير ومدرب دولي في التنمية البشرية

22-10-2026

(الحبّ يتعلّق بما يفتقر إليه المرء، وبما لا يملكه).. أفلاطون، حوار المأدبة

(الحبّ هو الرغبة في التمتّع بالاتحاد مع الشيء الذي نعرف أنّه خير).. يودا أبرافانيل. ليون أبريو محاورات في الحب الحوار

من فلسفة أفلاطون إلى محاورات يودا أبرافانيل

هل نحبّ الآخرين لأننا نفتقد شيئًا لا نملكه، أم لأننا نكتشف فيهم قيمة تجعلهم جديرين بالحب، حتى بعد أن يصبحوا جزءًا من حياتنا؟ يفتح هذا السؤال بابًا فلسفيًا قديمًا حول طبيعة الحب وعلاقته بالرغبة والحاجة والامتلاك. فمنذ أفلاطون، ظل الحب موضوعًا للتأمل الفلسفي، لأنه يضع الإنسان أمام مفارقة: إذا كانت الرغبة تنشأ من النقص، فكيف نفسّر استمرار الحب بعد أن تتحقق الرغبة وتستقر العلاقة بين شخصين؟

أفلاطون: الحب بوصفه سعيًا إلى الجمال

في حوار «المأدبة» لأفلاطون، الذي يُعد من أبرز النصوص الفلسفية التي تناولت الحب، يعرض سقراط تصورًا يستمده من حواره مع ديوتيما، التي تشرح طبيعة إيروس، إله الحب والرغبة في الميثولوجيا اليونانية. وتروي ديوتيما أن إيروس وُلد من اجتماع الفقر والقدرة على تدبير الوسائل؛ ولذلك يجمع بين الحاجة والسعي، وبين الشعور بالنقص والقدرة على البحث عما يفتقده.

لا يظهر إيروس هنا بوصفه كائنًا يمتلك كل شيء، بل بوصفه قوة تتوسط بين الفقر والغنى، والجهل والحكمة. فالحب، وفق هذا التصور، ليس حالة من الاكتفاء التام، وإنما حركة تدفع الإنسان إلى طلب الخير والجمال. ومن هنا يأتي الارتباط بين الحب والفلسفة؛ فالفيلسوف هو محب الحكمة، لا من يدّعي امتلاكها كاملة، بل من يدرك حدود معرفته ويواصل السعي إلى تجاوزها.

غير أن أفلاطون لا يحصر الحب في الانجذاب الجسدي أو الرغبة في امتلاك شخص جميل. ففي خطاب ديوتيما يظهر ما يُعرف بسُلّم الحب، وهو مسار فلسفي يرتقي فيه الإنسان من الجمال المحسوس إلى إدراك أوسع للجمال.

تبدأ الرحلة بالانجذاب إلى جسد جميل، ثم يكتشف المحب أن الجمال لا يقتصر على جسد واحد، بل يمكن أن يتجلى في أجساد أخرى. وبعد ذلك ينتقل اهتمامه إلى جمال النفس، وما تتصف به من فضيلة وحكمة، ثم إلى جمال الأفعال والقوانين والمعرفة. ويتسع أفقه تدريجيًا حتى يبلغ التأمل في الجمال في ذاته، الذي لا ينحصر في شخص أو جسد أو شيء بعينه.

تكمن أهمية هذا التصور في أن الحب، عند أفلاطون، يمكن أن يتجاوز موضوعه الأول من دون أن يفقد معناه؛ إذ يصبح الانجذاب نقطة انطلاق نحو معرفة أعمق بالخير والجمال. وليس المقصود أن كل علاقة إنسانية تمر حتمًا بهذه المراحل، بل أن أفلاطون يقدم تصورًا عن قدرة الحب على الارتقاء بالإنسان وتوسيع أفقه.

لكن هذا التصور يثير سؤالًا أساسيًا: إذا كان الحب يبدأ بالرغبة في ما نفتقده، فهل يظل النقص شرطًا لاستمراره؟ وإذا كان المحب قد وصل إلى ما كان يسعى إليه، فهل ينتهي الحب بانتهاء المسافة بينه وبين المحبوب، أم أن العلاقة تستطيع أن تتجاوز الرغبة الأولى إلى شكل آخر من أشكال الارتباط؟

يودا أبرافانيل: الحب في فلسفة عصر النهضة

بعد قرون من أفلاطون، عاد التفكير في الحب إلى الواجهة في عصر النهضة الأوروبية، حين تجدد الاهتمام بالفلسفة اليونانية وتفاعلت التقاليد الفكرية المختلفة في فضاء ثقافي واسع. وفي هذا السياق برز الفيلسوف والمفكر اليهودي يودا أبرافانيل، المعروف باسم ليون أبريو، الذي ارتبط اسمه بكتاب «محاورات في الحب»، المنشور بعد وفاته في روما سنة 1535.

يأتي هذا الكتاب ضمن تقليد فلسفي تأثر بأفلاطون والأفلاطونية المحدثة، لكنه لم يكتفِ بتكرار الأفكار القديمة؛ بل جمع بين عناصر من الفلسفة اليونانية والتراث الفكري اليهودي والإسلامي والمسيحي، في محاولة لتقديم تصور شامل لطبيعة الحب وعلاقته بالإنسان والعالم.

ويتألف الكتاب من ثلاثة حوارات بين فيلون وصوفيا، تتناول الحب والرغبة، وعمومية الحب، وأصل الحب. ومن خلال هذه الحوارات يتجاوز أبرافانيل حدود العلاقة العاطفية الفردية، لينظر إلى الحب بوصفه مبدأً يمكن أن يفسر جوانب من الترابط بين الموجودات.

وفي سياق التمييز بين الحب والرغبة، يتيح لنا فكر أبرافانيل التأمل في الفرق بين اللذة المادية التي يرتبط إشباعها غالبًا بحاجة مؤقتة، وبين الخيرات المعنوية التي يمكن أن تزداد قيمتها بالممارسة والمعرفة. فالطعام يزيل الجوع، لكن الحاجة إليه تعود، واللذة الحسية قد تنتهي بعد تحققها. أما الفضيلة والمعرفة، فلا يلزم أن تفقدا قيمتهما عندما ننتفع بهما، بل يمكن أن يتعمق أثرهما في حياتنا.

ويعرّف أبرافانيل الحب، في أحد التعريفات الواردة في كتابه، من خلال الرغبة في التمتع بالشيء المعروف بأنه خير، مع الاتحاد به. وهذا التعريف مهم؛ لأنه لا يجعل الحب مجرد رغبة في الحصول على شيء مفقود، بل يربطه أيضًا بطبيعة العلاقة التي تنشأ بين المحب وما يحب.

وهنا يظهر اختلاف في زاوية النظر بين الفيلسوفين. فأفلاطون يبرز مسار الحب من الانجذاب إلى الجمال الحسي نحو إدراك الجمال في ذاته، بينما يوسّع أبرافانيل البحث في طبيعة الحب ليشمل الاتحاد بالمحبوب وعمومية الحب في العالم. ومع ذلك، لا ينبغي تحويل هذا الفرق إلى تعارض مطلق؛ فكلا المشروعين يستند إلى تراث فلسفي يرى في الحب أكثر من مجرد انفعال عابر أو رغبة جسدية.

الرغبة والحب: أين يكمن الفرق؟

يمكن تبسيط المسألة بالقول إن الرغبة تتجه غالبًا إلى شيء نريد الحصول عليه، بينما قد يتجاوز الحب مجرد الحصول إلى الرغبة في استمرار العلاقة بما نحب. لكن هذا التمييز ليس حدًا فاصلًا ثابتًا؛ فالرغبة قد تكون جزءًا من الحب، كما أن الحب نفسه قد يتضمن الشوق والحاجة إلى القرب.

عند أفلاطون، تكمن المسألة في إمكان ارتقاء الحب من الانجذاب إلى الجمال المحسوس نحو معرفة أوسع بالجمال والخير. أما عند أبرافانيل، فيبرز الحب بوصفه علاقة تتصل بالاتحاد بالمحبوب، ضمن تصور أوسع لطبيعة الحب في العالم.

ولنقرب الفكرة بمثال من الحياة اليومية: قد يرغب إنسان في الارتباط بشخص يحبه، ويظل يسعى إلى تحقيق هذه الرغبة حتى تصبح العلاقة واقعًا. فإذا كان الحب مجرد رغبة في الحصول على الآخر، فقد نتوقع أن ينتهي بعد تحقق المطلوب. لكننا نعرف أن علاقات كثيرة تستمر سنوات طويلة، وقد تزداد عمقًا مع مرور الزمن.

في هذه الحالات، لا يعود الحب مجرد انتظار أو سعي إلى امتلاك شيء مفقود؛ بل يصبح علاقة تقوم على المعرفة المتبادلة والمشاركة والثقة والمودة. ومع ذلك، لا يعني استمرار الحب أن أحد الطرفين امتلك الآخر امتلاكًا كاملًا؛ فالإنسان يظل كائنًا مستقلًا، له عالمه الداخلي وتجربته الخاصة، ولا تنتهي معرفتنا به بمجرد أن يصبح قريبًا منا.

ومن هنا يمكن فهم الفرق بين الرغبة في امتلاك الآخر والرغبة في استمرار العلاقة معه. فالامتلاك يوحي بأننا حصلنا على شيء وأصبح تحت سيطرتنا، بينما تقوم العلاقة الإنسانية على الاعتراف باستقلال الطرف الآخر واحترام حريته. وقد يكون هذا الاعتراف أحد شروط استمرار الحب، لا عائقًا أمامه.

كذلك لا ينبغي أن نفهم التمييز بين الحب والشهوة على أنه فصل مطلق بين الجسد والروح. فالانجذاب الجسدي قد يكون بداية العلاقة، لكنه لا يفسر وحده جميع أشكال المحبة واستمرارها. ويمكن للحب أن يجمع بين الانجذاب والمودة والتفاهم والتقدير، وأن يتطور مع مرور الزمن من دون أن يفقد بالضرورة أيًا من هذه الأبعاد.

هل نحب لأننا نفتقد أم لأننا نريد الاستمرار؟

يكشف التأمل في أفكار أفلاطون وأبرافانيل أن الحب لا يمكن اختزاله في الرغبة وحدها، كما لا يمكن تفسيره بالامتلاك. فالرغبة قد تفسر بداية بعض العلاقات، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير استمرارها. وقد يكون الحب، في بعض صوره، سعيًا إلى الجمال والخير، وفي صور أخرى علاقة تتعمق بالمشاركة والمعرفة والارتباط المتبادل.

لقد منحنا أفلاطون تصورًا عن ارتقاء الحب من الجمال المحسوس إلى الجمال في ذاته، بينما وسّع أبرافانيل التفكير في الحب ليشمل الاتحاد بالمحبوب ومبدأ الحب في العالم. وبين هذين التصورين تظل التجربة الإنسانية أكثر اتساعًا من أن يحسمها تعريف واحد.

ولعل السؤال الأهم ليس ما إذا كان الحب يبدأ بالرغبة، بل ما الذي يحدث له بعد تحققها: هل تنتهي مهمته حين نحصل على ما نريد، أم تبدأ عندها مرحلة أخرى، يصبح فيها استمرار العلاقة أهم من مجرد بلوغ الغاية؟

ربما لا يقدم لنا الفلاسفة جوابًا نهائيًا عن الحب، لكنهم يساعدوننا على فهم السؤال بصورة أعمق. فالإنسان قد يرغب في الآخر لأنه يفتقده، لكنه قد يستمر في حبه بعد أن يصبح جزءًا من حياته؛ لا لأنه امتلكه، بل لأنه اكتشف في العلاقة معه قيمة لا تختزلها الحاجة ولا ينهيها تحقق الرغبة

***

ئاريان علي

قراءة فلسفية في تناقض القول والفعل

يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. [سورة الصف، آية 2، 3]

تضعنا هذه الآية الكريمة أمام واحدة من أخطر المعضلات الأخلاقية في حياة الإنسان؛ تلك التي تنشأ حين تنفصل الأقوال عن الأفعال، وتتحول القيم التي يفترض أن تكون ضابطا للسلوك وموجها للضمير إلى مجرد شعارات يرفعها أصحابها أمام الآخرين، بينما تأتي ممارساتهم مناقضة لها. فليست المشكلة أن يخطئ الإنسان، فالخطأ من طبيعة الوجود الإنساني، وإنما المشكلة الحقيقية أن يتخذ الإنسان من القيم ستارا يخفي وراءه نقائضه، وأن يعظ الناس بما لا يلتزم به، ثم يقدم نفسه إليهم باعتباره نموذجا للاستقامة والفضيلة.

وفي أيامنا هذه، يطل علينا كثير من الأشخاص عبر البرامج التي تبثها بعض القنوات الممولة، وكذلك عبر منصات التواصل الاجتماعي وصفحات الفيسبوك، ليمارسوا الوعظ والإرشاد، ويتحدثوا بإسهاب عن القيم والمبادئ والأخلاق، ويتصدروا المشهد وكأنهم أوصياء على ضمائر الناس، وحراس الفضيلة، وأصحاب الحق في توزيع صكوك الاستقامة والانحراف. غير أن التأمل في بعض مواقف هؤلاء وسلوكياتهم يكشف عن مفارقة مؤسفة بين ما يقولونه وما يفعلونه، وبين الصورة الأخلاقية التي يرسمونها لأنفسهم والحقيقة التي تكشف عنها ممارساتهم.

وهنا يحق لنا أن نتساءل: ما قيمة خطاب أخلاقي لا يجد صاحبه نفسه ملزما بما يدعو إليه؟ وما جدوى أن يحدثنا إنسان عن الفضيلة بينما تأتي أفعاله شاهدة على نقيضها؟ وأي معنى يبقى للوعظ حين يصبح اللسان أداة لتجميل الصورة، بدلا من أن يكون تعبيرا صادقا عن حقيقة الضمير؟

إن جوهر الأزمة هنا ليس مجرد تناقض عابر بين القول والفعل، وإنما هو خلل في العلاقة بين الإنسان وذاته، وبين ما يعلنه من مبادئ وما يتخذه من مواقف. فالإنسان المتسق أخلاقيا لا يدعي الكمال، ولا يزعم أنه منزه عن الخطأ، ولكنه يدرك أن ما يدعو إليه الآخرين ينبغي أن يكون موضع مساءلة في سلوكه هو أولا. أما أن يجعل من نفسه واعظا للناس، ثم يستثني ذاته من مقتضيات ما يعظ به، فذلك يعني أنه يريد للقيم أن تكون قيدا على الآخرين، لا التزاما أخلاقيا عليه.

ولعل من أكثر النماذج دلالة على هذا التناقض أن يتحدث أحدهم عن أدب الاختلاف، والتسامح، وضرورة احترام الرأي الآخر، وحق الإنسان في التعبير عن قناعاته، ثم لا يلبث أن ينقلب على هذه المبادئ حين يواجه رأيا لا يوافق هواه، أو نقدا لا ينسجم مع مصالحه، فيلجأ إلى الإساءة والتشهير والتقليل من شأن مخالفيه، وربما حاول ورسم صورة ذهنية كاذبة للنيل من أشخاصهم بدلا من مناقشة أفكارهم.

فأي أدب للاختلاف هذا الذي ينتهي عند أول اختلاف حقيقي؟ وأي إيمان بحرية الرأي ذلك الذي لا يصمد أمام رأي مغاير؟ إن الدعوة إلى التسامح لا تختبر حين يتفق الناس معنا، وإنما تظهر حقيقتها حين نختلف معهم. واحترام الآخر ليس شعارا نردده في أوقات الرضا، بل قيمة تتجلى في قدرتنا على قبول الاختلاف دون أن نفقد احترامنا للإنسان، أو ننحدر بالحوار إلى الخصومة الشخصية.

ومن هنا، فإن الحديث عن أدب الاختلاف دون ممارسته لا يمثل مجرد إخفاق في تطبيق مبدأ أخلاقي، بل يكشف عن هشاشة هذا المبدأ في وعي صاحبه، أو عن توظيفه توظيفا انتهازيا لتحقيق غاية لا علاقة لها بالحقيقة التي يعلن الدفاع عنها. فالذي يدعو إلى الحوار ثم يقمعه، ويتحدث عن احترام الآخرين ثم يهينهم، لا يناقض كلامه فحسب، وإنما يهدم بفعله الأساس الأخلاقي الذي يستمد منه كلامه قيمته ومصداقيته.

والأمر ذاته ينطبق على أولئك الذين يتحدثون عن القيم والمبادئ والأخلاق، بينما تكشف مواقفهم عن سلوكيات تتناقض مع ما يعلنونه، فيتبدلون بتبدل السلطة والمصالح، ويتخذون لكل موقف وجها، ولكل صاحب نفوذ خطابا، ولكل مصلحة موقفا يناسبها. إنهم من أصحاب الوجوه المتعددة الذين لا تحكم مواقفهم قاعدة أخلاقية ثابتة، وإنما تحركهم حسابات شهوة السلطة والمنفعة والمصلحة، حتى تصبح المبادئ لديهم قابلة للتبديل متى اقتضت الضرورة ذلك.

ومثل هؤلاء لا تكمن خطورتهم في تناقضهم الشخصي وحده، بل في قدرتهم على استثمار الخطاب الأخلاقي في بناء صورة زائفة عن أنفسهم، صورة توحي للآخرين بالنزاهة والاستقامة والمثالية، بينما تستخدم في بعض الأحيان وسيلة لاكتساب الثقة أو تحقيق النفوذ أو تمرير المصالح. وهنا تتحول الفضيلة من غاية ينبغي أن يسعى الإنسان إلى تحقيقها في حياته إلى قناع يرتديه حين يحتاج إليه، ثم يخلعه حين تتعارض مقتضياتها مع رغباته ومكاسبه.

وهذا هو الجانب الأكثر خطورة في الوعظ الزائف؛ لأنه لا يكتفي بالإخلال بالقيمة الأخلاقية، بل يستغل مكانتها في نفوس الناس لتغطية ما يناقضها. فالإنسان الذي يعلن انحيازه إلى مصلحة شخصية لا يضلل الآخرين بالطريقة نفسها التي يضللهم بها من يتحدث باسم الحق والفضيلة، بينما يتخذ من الخطاب الأخلاقي وسيلة لتحقيق تلك المصلحة. وفي الحالة الثانية يصبح الوعظ نفسه أداة للتضليل، وتصبح الثقة التي يمنحها الناس لصاحب الخطاب مدخلا لاستغلالهم بدلا من الارتقاء بوعيهم.

ولا يعني ذلك أن كل من يتحدث عن الأخلاق مطالب بأن يكون معصوما من الخطأ، أو أن الإنسان يفقد حقه في النصح لمجرد أنه أخطأ في حياته؛ فذلك تصور غير واقعي، ولا يستقيم مع طبيعة الإنسان التي تجمع بين القدرة على إدراك الخير وإمكان الوقوع في الخطأ. إن الفارق الحقيقي يكمن في موقف الإنسان من خطئه، هل يعترف به ويسعى إلى إصلاحه، أم يتعامى عنه ويتظاهر بالكمال؟ وهل ينصح الآخرين انطلاقا من إيمانه بقيمة ما يدعو إليه، أم يتخذ من نصحهم وسيلة لإخفاء عيوبه وتعزيز صورته أمامهم؟

إن الاعتراف بالخطأ لا ينتقص من قيمة الإنسان، بل قد يكون دليلا على نضج ضميره، أما الإصرار على ادعاء الفضيلة مع ممارسة نقيضها فيكشف عن أزمة أعمق من مجرد الخطأ؛ أزمة تتعلق بقدرة الإنسان على مواجهة ذاته بصدق، واستعداده لتحمل المسؤولية الأخلاقية عن أفعاله.

ومن المؤسف أن بعض هؤلاء لا يكتفون بالتناقض بين أقوالهم وأفعالهم، بل يتجاوزون ذلك إلى ممارسة دور القاضي الأخلاقي الذي ينصب نفسه حكما على الآخرين، فيحصون أخطاءهم، ويضخمون عثراتهم، ويصدرون عليهم الأحكام القاسية، بينما ينظرون إلى أخطائهم هم بعين أخرى، تبررها أو تتجاهلها أو تبحث لها عن مسوغات. وهنا نكون أمام مفارقة أخلاقية تستحق التأمل، وهي "كيف يصبح الإنسان شديد البصر بعيوب الآخرين، شديد العمى عن عيوب نفسه؟"

إنها صورة من صور اختلال الوعي بالذات؛ إذ ينشغل الإنسان بإدانة ما يراه من نقائص في الآخرين، بينما يعجز عن ممارسة القدر نفسه من النقد تجاه ذاته. وقد يصل الأمر إلى أن يسقط على الآخرين ما يضيق بالاعتراف بوجوده في نفسه، فيحارب فيهم صفات لا يريد أن يواجه حقيقتها في داخله، ويبالغ في اتهامهم بما يخشى أن ينكشف من سلوكه هو.

وهنا لا يعود النقد وسيلة للبحث عن الحقيقة أو إصلاح الخطأ، بل يتحول إلى أداة للدفاع عن الذات وتحصينها ضد المساءلة. فالإنسان الذي لا يستطيع مواجهة نقائصه قد يلجأ إلى تضخيم نقائص الآخرين، لا لأنه أكثر حرصا على الأخلاق، وإنما لأنه يجد في إدانتهم وسيلة لإقناع نفسه وتضليل الآخرين بأنه أفضل منهم.

وما أشد خطورة هذه الحالة حين تجتمع مع ذات متضخمة لا تقبل النقد، ولا تحتمل أن يضع أحد سلوكها موضع المساءلة، بينما تمنح نفسها الحق في محاكمة الجميع، فمثل هذه الذات تريد أن تحتكر لنفسها موقع الناصح والمرشد والحكم، لكنها ترفض أن تخضع للمعيار الأخلاقي الذي تطالب الآخرين بالاحتكام إليه. إنها تريد سلطة الأخلاق دون التزاماتها، ومكانة الفضيلة دون مشقتها، واحترام الناس دون أن تقدم لهم ما يبرر هذا الاحترام.

وليس من الصعب إدراك ما يترتب على هذا السلوك من أضرار؛ فهو يفسد معنى النصيحة، ويضعف الثقة في الخطاب الأخلاقي، ويجعل الناس أكثر شكا فيمن يتصدرون لتوجيههم، بل قد يدفع بعضهم إلى النفور من القيم نفسها بسبب ما يرونه من تناقض لدى من يدعون إليها. وهنا تقع الخسارة الحقيقية؛ إذ لا تتوقف آثار الوعظ الزائف عند صاحبه، وإنما تمتد إلى المجال العام، حيث تختلط الفضيلة بالادعاء، ويصبح من الصعب على الناس التمييز بين الخطاب الصادق والخطاب الذي يوظف الأخلاق لتحقيق أغراض أخرى.

وتزداد هذه المسؤولية حين يستخدم أصحاب هذا الخطاب المنابر الإعلامية والمنصات الرقمية التي تتيح لهم الوصول إلى جمهور واسع والتأثير في وعيه ومواقفه. فالظهور المتكرر، والقدرة على التأثير في المتلقين، لا يمنحان صاحبهما حصانة أخلاقية، ولا يجعلان كلامه دليلا على صدقه أو أهليته. بل إن اتساع دائرة التأثير يضاعف مسؤوليته، لأن الكلمة التي تصدر عن شخص يتابعه الآلاف قد تترك آثارا تتجاوز حدود تجربته الفردية.

ومن ثم، فإن المعيار الحقيقي للحكم على الخطاب ليس ارتفاع نبرته، ولا كثرة ترديده للمواعظ، ولا قدرته على استمالة الجمهور عن طريق اللغة الخطابية التعبوية، وإنما صدقه واتساقه مع السلوك الذي يصدر عن صاحبه. فليس كل من أحسن الحديث عن الفضيلة فاضلا، وليس كل من أكثر من الاستشهاد بالقيم أصدق الناس التزاما بها. وقد يكون المرء قليل الكلام، لكنه يجسد في معاملاته ما يعجز عنه كثيرون ممن يملؤون الدنيا حديثا عن الأخلاق.

إننا لا نحتاج إلى مزيد من الأصوات التي تخبرنا بما ينبغي أن نكون عليه، بقدر ما نحتاج إلى خطاب صادق يعيد الاعتبار إلى القيم من خلال الممارسة، وإلى أشخاص يدركون أن النصيحة مسؤولية قبل أن تكون مكانة، وأن الوعظ التزام قبل أن يكون وسيلة للظهور، وأن الحديث عن الأخلاق لا يعفي صاحبه من واجب التحلي بها.

ولعل أول شروط استعادة الثقة في الخطاب الأخلاقي أن يدرك من يتصدرون له أنهم ليسوا فوق النقد، وأن مكانتهم لا تبنى على ما يعلنونه عن أنفسهم، وإنما على ما يثبتونه من صدق واتساق في مواقفهم. كما ينبغي أن نتحرر من الانخداع بالمظاهر، وألا نجعل البلاغة في الحديث أو كثرة الاستشهاد بالنصوص أو ادعاء الغيرة على القيم بديلا عن فحص السلوك والحكم على المواقف بميزان موضوعي.

فالفضيلة لا تحتاج إلى من يكثرون الحديث عنها بقدر ما تحتاج إلى من يتحملون مسؤولية ممارستها، والأخلاق لا تقاس بما نرفعه من شعارات، وإنما بما نفعله حين تتعارض المبادئ مع المصالح، وحين يصبح الصدق مكلفا، والإنصاف صعبا، واحترام الآخر امتحانا حقيقيا لقدرتنا على الالتزام بما ندعي الإيمان به.

يجب أن نتذكر جميعا أن أخطر ما يمكن أن يصيب الضمير الإنساني ليس أن يخطئ صاحبه، وإنما أن يفقد القدرة على رؤية خطئه، وأن يستبدل بمحاسبة الذات محاكمة الآخرين، وأن يتخذ من الفضيلة ستارا يحتمي خلفه من مقتضياتها. فحين يحدث ذلك، يصبح الوعظ وسيلة للتمويه بدلا من أن يكون طريقا للإصلاح، وتغدو الكلمات التي يفترض أن توقظ الضمائر أداة لتخديرها.

إن القيمة الأخلاقية للإنسان لا تتحدد بما يقوله عن نفسه، ولا بما يعلنه من مبادئ، وإنما بما تكشف عنه مواقفه حين تتعارض مصالحه مع قيمه، وبما يفعله حين لا يكون مضطرا إلى التظاهر أمام أحد. فهناك، بعيدا عن بريق المنابر وضجيج المنصات، يظهر المعدن الحقيقي للإنسان، وتتجلى حقيقة ما يؤمن به، ويسقط الفرق بين الفضيلة بوصفها شعارا والفضيلة بوصفها أسلوب حياة.

فليس أشد إيذاء للفضيلة من أن يتخذها بعض الناس قناعا، وليس أشد إفسادا للوعي من أن يتحول الوعظ إلى سلطة على الآخرين، بينما يعفي صاحبه نفسه من أبسط مقتضيات ما يدعو إليه. وحين ينفصل القول عن الفعل، لا يفقد الكلام مصداقيته فحسب، بل يصبح صاحبه جزءا من الأزمة الأخلاقية التي يزعم أنه جاء ليعالجها.

***

بقلم: د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

أحياناً يقودني سؤال مآلات الواقع، وما تنطوي عليه حياة الطبقات المسحوقة من انكسارات صامتة، إلى استعادة صورة الفلانور عند والتر بنيامين؛ ذلك العابر الذي يتماهى مع الحشد من غير أن يفقد مسافته النقدية عنه، ويتخذ من التجوال طريقةً لقراءة المدينة في ندوبها، ومن الإصغاء إلى الهامشيين مدخلا لفهم ما تخفيه البنية الاجتماعية من عنف وإقصاء.

أمضي في شرايين المجتمع، لا لأعاين مظهره الخارجي، وإنما لأصغي إلى ارتدادات الصدمات التي تتركها ماكينة الإفلاس في الأجساد والذاكرات والمصائر؛ حيث يتحول الفقر إلى قدر مفروض، والهشاشة إلى إقامة قسرية في العراء الاجتماعي، وتغدو الحياة اليومية سجلاً مفتوحاً لخسارات لا تجد لغتها في الخطاب الرسمي.

في هذا التجوال، لا يكون الحشد كتلة بشرية مجهولة، وإنما مرآةً متكسرة لتناقضات المجتمع، ومختبرا تنكشف فيه المسافة بين الوعود المعلنة وشروط العيش الفعلية. إن ملاحظة بنيامين تكتسب في قراءته لبودلير والمدينة الحديثة، دلالتها العميقة، حيث الشارع نصٌّ اجتماعي ينبغي فك شفراته، والعابر لا يقرأ الوجوه وحدها، بل يقرأ التاريخ حين يترك آثاره على الوجوه والأمكنة والأشياء. وما يبدو تفصيلا عابرا في حياة المهمشين قد يكون في حقيقته، أثرا مكثفا لبنية كاملة من الاختلال؛ فالجوع لا يعبر فقط عن واقعة بيولوجية ، كما البطالة ليست رقما إحصائيا، والإذلال ليس حادثة معزولة، وإنما تجليات لعلاقات قوة تعيد إنتاج الحرمان وتوزيع إمكانات الحياة بميزان غير عادل.

ولعل ما يضاعف قسوة هذه المعاينة أنني لا أخرج منها بالمسافة التي تتيح للوعي أن يستريح في موقع المتفرج. فكلما اقتربت من تخوم الألم الاجتماعي، انكشفت هشاشة الحدود بين من يراقب ومن يُراقَب، بين من يكتب عن الجرح ومن يحمل بعض شظاياه.

يستعيد السؤال السوسيولوجي روحه الأخلاقية، في كيف يمكن للفكر أن يظل وفياً للحقيقة حين تتحول المعاناة إلى مشهد مألوف، ويصبح البؤس جزءاً من ديكور الحياة العامة؟ وكيف نمنع اللغة من أن تستأنس بالمأساة، فتصفها ببلاغة باردة بينما تترك أسبابها قائمة؟

إن القلق الذي يتولد من هذا الاحتكاك هو في العمق صورة من صور اليقظة إزاء عالم تتآكل فيه شروط الكرامة. وهو يلتقي من وجه آخر، مع ما سمّاه إميل دوركهايم "الأنومي"، حين تفقد القواعد الاجتماعية قدرتها على تنظيم التوقعات ومنح الأفراد إحساساً بالاتجاه والمعنى؛ ومع تحليل بيير بورديو للعنف الرمزي، حيث لا تعمل الهيمنة بالقهر الظاهر وحده، وإنما أيضا عبر جعل اللامساواة تبدو طبيعية، وتحويل الحرمان إلى مسؤولية فردية، والفشل الاجتماعي إلى وصمة تلحق بمن يدفعون ثمنه. عند هذه النقطة، لا يعود الإفلاس اقتصادياً فحسب، وإنما يصيب المخيال الجماعي، ويقوض الثقة في إمكان العدالة، ويترك الأفراد في مواجهة مستقبل تتراجع فيه القدرة على التوقع، ويتقلص فيه الأمل إلى مجرد تأجيل للانهيار.

لكن الأخطر من الألم نفسه هو أن يستحيل الألم إلى اعتياد، وأن يفقد المجتمع حساسيته تجاه ما كان ينبغي أن يستفزه أخلاقياً. فحين يصبح البؤس قابلا للتعايش اليومي، ويغدو الإقصاء رقما في تقرير، وتتوارى المسؤولية خلف لغة تقنية محايدة، نكون أمام ما حذرت منه حنة آرنت في تأملاتها حول تآكل الحكم الأخلاقي، في إمكان أن تنفصل الممارسة عن مساءلة الذات، وأن يستمر إنتاج الأذى داخل منظومات تبدو عادية، من دون أن يشعر الفاعلون بثقل نتائجه الإنسانية. عندئذ لا تكون الأزمة في اتساع الفوارق وحده، وإنما في انكماش القدرة الجماعية على اعتبارها أمراً غير مقبول.

من ثمة يتصاعد القلق الوجودي، وكأنه ارتباك فردي أمام عالم غامض، أو كوعي بتصدع العلاقة بين الإنسان وإمكاناته، بين حاجته إلى الاعتراف وواقع يختزله في موقعه داخل سلم الإنتاج والاستهلاك. وما يبدو أحيانا انحرافا نحو أفق أخلاقي مسدود هو، في العمق، احتجاج على عالم تتراجع فيه قيمة الإنسان كلما تراجعت قدرته على المنافسة، ويُدفع فيه المهمشون إلى حافة الظهور من دون أن يُمنحوا حق التأثير في شروط وجودهم.

ومع ذلك، لا أريد لهذا التجوال أن ينتهي إلى تمجيد اليأس أو تحويله إلى حكمة نهائية. فاليأس، حين يستقر في الوعي، قد يصبح امتدادا آخر لآلة الإفلاس، لأنها لا تكتفي باستنزاف الموارد والفرص، وإنما تنتزع من الإنسان ثقته في إمكان التغيير. لذلك تظل مهمة القارئ اليقظ أن يحوّل القلق إلى معرفة، والمعاينة إلى مساءلة، والوجوه العابرة إلى شواهد على بنية تستوجب التفكيك. فالفلانور، في أعمق دلالاته، لا يمشي كي يتصالح مع المدينة، وإنما كي يكشف ما تحاول المدينة إخفاءه عن نفسها. ومن بين الشقوق التي يتركها الواقع في أرواح الناس، يمكن للفكر أن يستعيد وظيفته النقدية، في أن يمنح الألم لغة، وأن يردّ إلى المهمشين حضورهم، وأن يقاوم اللحظة التي يصبح فيها اليأس هو الشكل الأخير للطاعة.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

الفنون ليست زينة نعلقها على جدران الروح بعد أن نفرغ من شؤون العيش؛ الفن ضرورة خفية من ضرورات التكوين الإنساني، ووسيلة مهمه لتهذيب علاقتنا بالعالم، وترويض ما في أعماقنا من قسوة،

فالإنسان الذي تربى على شيء من الفن الحقيقي، وتعلم كيف ينصت إلى الموسيقى، ويتأمل لوحة، ويصغي إلى قصيدة، ويتذوق جمال الكلمات والأصوات والألوان، يكتسب في الغالب حساسية مختلفة تجاه الوجود.

لا يعني ذلك أنه يصبح ملاكا منزها عن الخطأ، ولا أن الفن يمنح صاحبه حصانة أخلاقية مطلقة، لكنه يفتح في داخله نوافذ جديدة لرؤية الآخر، ويعلمه أن وراء كل وجه حكاية، ووراء كل صمت ألما، وأن البشر ليسوا مجرد صور عابرة في مسرح الحياة، بل عوالم كاملة من المشاعر والهشاشة والأحلام.

الإنسان الذي تربى على شيء من الفن الحقيقي، وتشربت روحه الموسيقى الجميلة، وتعلم من الأدب كيف ينفذ إلى أعماق النفس البشرية، ومن المسرح كيف يرى تناقضات الإنسان، ومن السينما كيف يتأمل مصائر البشر، يصعب أن يظل أسير الكراهية دون أن يجد في داخله ما يقاومها.

إن الإرهاب لا يولد من فراغ، والكراهية لا تنمو في العقول وحدها، بل تتغذى أيضا على خيال عاجز عن تصور الآخر، ووجدان لم يتعلم الإصغاء، ووعي اختزل البشر في هويات متصارعة. وهنا تحديدا تتجلى إحدى أهم وظائف الفن: أن يعيد إلى الآخر وجهه الإنساني، بعد أن نزعت عنه الأيديولوجيا ملامحه وحولته إلى عدو.

إن الفن يوقظ فينا القدرة على الشعور بما لا يخصنا مباشرة. حين نبكي أمام مأساة في رواية، أو تهتز أرواحنا لصوت لحن عظيم   أو نعثر في قصيدة على وجع ظننا أننا وحدنا نحمله، فإننا نخرج، ولو للحظات، من سجن ذواتنا الضيقة، ونتعلم أن التجربة الإنسانية أوسع من حدودنا الشخصية، وأن الألم لا يحتاج إلى أن يكون ألمنا حتى يستحق التعاطف، وأن الإنسان قد يكون مختلفا عنا في عقيدته ولغته وثقافته، لكنه يشاركنا ذلك القلب القابل للانكسار، وتلك الروح التي تبحث عن معنى، وذلك الخوف القديم من الفقد والموت والوحدة.

ولعل هذه إحدى أعظم وظائف الفن: أن يجعلنا أقل استعدادا لكره ما لا نفهمه، وأكثر قدرة على الاقتراب مما نجهله. فالعقل الذي لا يتغذى إلا على اليقينيات الجامدة قد يتحول إلى محكمة لا تتوقف عن إصدار الأحكام، أما الروح التي تتسع للموسيقى والشعر والأدب، فإنها تتعلم أن تصغي قبل أن تدين، وأن تتأمل قبل أن ترفض، وأن ترى في الاختلاف فرصة لاكتشاف العالم، لا ذريعة لإعلان الحرب عليه

وليس مصادفة أن نبحث عن الجمال في أكثر لحظاتنا قسوة. حين تضيق الحياة، نلجأ إلى أغنية قديمة، أو بيت شعر نحفظه منذ سنوات، أو مقطوعة موسيقية لا نعرف كيف تسللت إلى أعماقنا. كأننا نستعيد بها شيئا من توازننا المفقود، ونرمم شروخا لا تستطيع الكلمات اليومية الاقتراب منها

يمكننا أن نتأمل هرم الحاجات الإنسانية لدى عالم النفس أبراهام ماسلو، الذي ارتبطت قمته في تصوره الشهير بتحقيق الذات، بينما ارتبط تقدير الجمال والتذوق الجمالي لديه بالحاجات المعرفية والجمالية في امتداد نظريته. فالجمال ليس مجرد إضافة خارجية إلى حياة الإنسان، بل أحد وجوه تطلعه إلى تجاوز الضروري والعابر، والانتقال من مجرد البقاء إلى اكتشاف ما يجعل الحياة جديرة بأن تعاش

وعندما أتحدث عن الفن، فإنني أقصد الفن الحقيقي؛ ذلك الذي لا يكتفي بإثارة الانفعال العابر، بل يترك في الروح أثرا، وفي الوعي سؤالا، وفي الوجدان شيئا يستحق البقاء. أقصد الأغنية التي تحمل كلمات معبرة، وتقول ما عجزنا عن قوله، واللحن الجميل الذي يتسلل إلى أعماقنا دون استئذان، والمسرح الذي يضع الإنسان أمام تناقضاته، والأدب الذي يفتح لنا نوافذ على عوالم لم نعشها، والأفلام والمسلسلات التي لا تستهلك وقتنا فحسب، بل تمنحنا فرصة لفهم الحياة والبشر على نحو أعمق.

أقصد الفن الذي يحترم عقولنا ومشاعرنا، ويخاطب فينا القدرة على التأمل والتساؤل والتعاطف، لا ذلك الذي يراهن على الابتذال وإثارة الغرائز وتسطيح الوعي

ينبغي أن نمنح أرواحنا كل يوم جرعة صغيرة من الجمال؛ أن نستمع إلى مقطوعة موسيقية، أو نقرأ قصيدة جيدة، أو نصغي إلى أغنية تحرك فينا شيئا نبيلا، أو نتأمل لوحة تجعلنا نرى العالم بعين لم نستخدمها من قبل. ليس لأن هذه الممارسات ستحولنا بالضرورة إلى أشخاص أفضل، بل لأنها تمنحنا فرصة متجددة لمراجعة أنفسنا، وتحرير مشاعرنا من البلادة، ومقاومة ذلك التكلس الذي يجعل الإنسان يعتاد الألم حتى يفقد القدرة على الإحساس به

وأخطر ما قد يحدث للإنسان أن يفقد قدرته على الدهشة، وأن يمر أمام الجمال دون أن يهتز، وأمام الألم دون أن يتأثر، وأمام إنسان يتألم دون أن يرى فيه سوى آخر لا يعنيه أمره

ربما لا نستطيع أن نغير العالم بأغنية، ولا أن نوقف الحروب بقصيدة، لكننا نستطيع، عبر الفن، أن نحمي في داخلنا ذلك الجزء الذي يجعلنا نرفض الحرب على الإنسان، ونحزن لموت الغريب، ونحترم اختلاف الآخر، ونقاوم إغراء القسوة حين تصبح القسوة سلوكا شائعا ومقبولا

فلنمنح أرواحنا كل يوم نصيبا من الموسيقى، ووجبة من الشعر،  وجرعه من الأدب والفلسفة ونافذة نطل منها على الجمال.

هذبوا إحساسكم، فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من القسوة، بل إلى قلوب تعرف كيف تشعر، وعقول تعرف كيف تفهم، وأرواح لم تفسدها الكراهية

دعوا الفن يفتح في أرواحكم نوافذ لا تطل على ذواتكم وحدها، بل على آلام الآخرين وأحلامهم ومخاوفهم الصغيرة.

تعلموا أن تحزنوا لمأساة لا تخصكم، وأن تتألموا لدمعة لم تسقط من أعينكم، وأن تحترموا إنسانا يختلف عنكم في الدين والفكر واللغة، دون أن تشعروا بأن اختلافه ينتقص من يقينكم أو يهدد وجودكم.

هذبوا إحساسكم، فالجمال الذي لا يترك أثرا في أخلاقنا يظل معرفة ناقصة، كونوا أكثر رهافة دون أن تفقدوا صلابتكم، وأكثر رحمة دون أن تتخلوا عن عقولكم، وأكثر انفتاحا دون أن تتنازلوا عن حقكم في النقد

تواضعوا، فليس في هذا العالم ما يستحق كل هذا الغرور، ولسنا سوى عابرين في حياة أكبر من أعمارنا، وأوسع من معارفنا، وأكثر تعقيدا من أن يحيط بها عقل واحد

***

ابتهال عبد الوهاب

 

منحت الأكاديمية السويدية جائزة نوبل في الأدب لعام 2007 للكاتبة البريطانية دوريس ليسينغ تقديرًا لمسيرتها الأدبية الطويلة وإسهامها في تطوير الرواية الحديثة. وقد وصفتها لجنة الجائزة بأنها كاتبة استطاعت أن تقدم رؤية إنسانية عميقة للتجربة النسائية وللعالم المعاصر، وأن تكشف تناقضات المجتمع الحديث من خلال أدب يجمع بين الحس الفني والتأمل الفكري. ويعد فوزها تتويجًا لمسيرة امتدت أكثر من خمسين عامًا، كتبت خلالها الرواية والقصة والمقال، وأصبحت واحدة من أبرز الأصوات الأدبية في القرن العشرين.

ولدت دوريس ليسينغ عام 1919 في إيران، ثم انتقلت مع أسرتها إلى روديسيا الجنوبية، وهي زيمبابوي حاليًا، حيث عاشت سنوات الشباب وتأثرت بطبيعة المجتمع الاستعماري والتفاوت الاجتماعي والتمييز العنصري. وقد انعكست هذه التجارب بوضوح في أعمالها، خاصة في رواياتها الأولى، قبل أن تنتقل إلى بريطانيا عام 1949 وتبدأ مرحلة جديدة من حياتها الأدبية. ومن أشهر أعمالها رواية (المفكرة الذهبية) التي تعد من أهم روايات القرن العشرين، لما قدمته من بناء فني جديد وتحليل نفسي عميق للشخصيات.

الجوانب الفنية في أدب دوريس ليسينغ

تميزت أعمال دوريس ليسينغ بأسلوب فني يجمع بين الواقعية والتحليل النفسي، فلم تكن رواياتها تعتمد على الأحداث وحدها، بل ركزت على تطور الشخصيات وصراعاتها الداخلية. وقد استخدمت السرد بمرونة، فانتقلت بين الماضي والحاضر، واعتمدت أحيانًا على تعدد الأصوات ووجهات النظر، مما منح النصوص عمقًا وحيوية.

كما اتسمت لغتها بالوضوح والبساطة، بعيدًا عن التعقيد اللفظي، لكنها كانت قادرة على إيصال الأفكار الفلسفية والإنسانية بأسلوب مؤثر. وجاء الوصف في أعمالها مرتبطًا بالحالة النفسية للشخصيات أكثر من اهتمامه بالتفاصيل الخارجية، بينما بدت الحوارات طبيعية وقريبة من الواقع. كذلك لجأت إلى الرمزية في بعض أعمالها، فجعلت كثيرًا من العناصر السردية تحمل دلالات تتجاوز معناها المباشر، وهو ما منح نصوصها أبعادًا فكرية متعددة.

وتعد رواية (المفكرة الذهبية) أبرز نماذج التجديد الفني في أعمالها، إذ قسمت الرواية إلى دفاتر متعددة تمثل جوانب مختلفة من حياة البطلة، قبل أن تتوحد في مفكرة واحدة ترمز إلى محاولة الإنسان استعادة توازنه النفسي والفكري. وقد أسهم هذا البناء غير التقليدي في منح الرواية مكانة بارزة في تاريخ الأدب الإنجليزي.

الجوانب النفسية والاجتماعية

احتلت النفس الإنسانية مكانة أساسية في أدب دوريس ليسينغ، إذ سعت إلى الكشف عن مشاعر القلق والاغتراب والانقسام الداخلي التي يعيشها الإنسان في العصر الحديث. وقدمت شخصيات تعاني صراعًا دائمًا بين رغباتها الشخصية والقيود التي يفرضها المجتمع، مما منح أعمالها بعدًا نفسيًا عميقًا.

واهتمت ليسينغ بقضايا المرأة، لكنها لم تنظر إليها بوصفها قضية منفصلة عن المجتمع، بل رأت أن تحرر الإنسان يرتبط بإصلاح العلاقات الاجتماعية والثقافية. لذلك تناولت المرأة باعتبارها شخصية تبحث عن الاستقلال وتحقيق الذات، وفي الوقت نفسه تواجه تحديات الحياة اليومية وضغوط الأسرة والعمل والعادات الاجتماعية.

كما تناولت آثار الاستعمار والعنصرية والتفاوت الطبقي، مستفيدة من تجربتها في أفريقيا، حيث كشفت عن تأثير هذه الظواهر في حياة الأفراد والمجتمعات. ولم تقتصر رؤيتها على نقد الاستعمار، بل أبرزت آثاره النفسية والاجتماعية في جميع الأطراف، مؤكدة أن الظلم يولد الانقسام ويقوض القيم الإنسانية.

واهتمت أيضًا بالأسرة بوصفها مؤسسة تؤثر في تكوين الشخصية، فصورت العلاقات الأسرية بما تحمله من حب وصراع وتفاهم وخلاف، وأوضحت كيف تسهم البيئة الاجتماعية في تشكيل أفكار الإنسان وسلوكه. كما ناقشت موضوعات الهوية والانتماء والحرية، مبينة أن الإنسان المعاصر يعيش حالة من البحث المستمر عن معنى لحياته في عالم سريع التغير.

ويظهر الاغتراب في كثير من شخصياتها، إذ يشعر الأبطال بالعزلة حتى داخل مجتمعاتهم، ويواجهون صعوبة في التوفيق بين طموحاتهم والواقع المحيط بهم. وقد استطاعت الكاتبة أن تجعل هذه المشاعر ذات طابع إنساني عام، بحيث يجد القارئ فيها انعكاسًا لتجارب يعيشها كثير من الناس في المجتمعات الحديثة.

حظيت أعمال دوريس ليسينغ باهتمام نقدي كبير، وعدها كثير من النقاد من أبرز رواد الرواية الحديثة. وقد تناولت الدراسات الأدبية أعمالها من زوايا متعددة، فدرست بوصفها روايات نفسية واجتماعية وفكرية، كما ارتبط اسمها بالأدب النسوي بسبب اهتمامها بقضايا المرأة، رغم أنها كانت تؤكد أن مشروعها الأدبي يهدف إلى فهم الإنسان عمومًا، وليس المرأة وحدها.

وأشاد النقاد بقدرتها على الجمع بين القيمة الفنية والعمق الفكري، إذ لم تكتف بسرد الأحداث، بل جعلت الرواية وسيلة للتأمل في قضايا الوجود والحرية والعدالة. كما أثنوا على براعتها في رسم الشخصيات وتحليل دوافعها النفسية، وعلى قدرتها في تقديم صورة واقعية للمجتمع دون الوقوع في المباشرة أو الخطابة.

وقد جاء حصولها على جائزة نوبل عام 2007 اعترافًا بإسهامها الكبير في الأدب العالمي، وبقدرتها على التعبير عن التحولات الاجتماعية والسياسية والنفسية التي شهدها القرن العشرون. كما أكد هذا التكريم أن الأدب لا يقتصر على المتعة الفنية، بل يؤدي دورًا مهمًا في فهم الإنسان ومناقشة قضاياه الأساسية.

ولا يزال تأثير دوريس ليسينغ حاضرًا في الأدب العالمي، إذ تُدرَّس أعمالها في الجامعات، وتُرجمت إلى لغات عديدة، وألهمت أجيالًا من الكتّاب والباحثين. فقد استطاعت أن تقدم نموذجًا للرواية التي تجمع بين الإبداع الفني والرؤية الإنسانية، وأن تجعل من الأدب وسيلة لاكتشاف الذات والمجتمع في آن واحد.

ومن الجوانب المهمة في تجربة دوريس ليسينغ اهتمامها المستمر بعلاقة الأدب بالتغيرات الحضارية والفكرية التي شهدها القرن العشرون. فقد آمنت بأن الكاتب لا يعيش بمعزل عن مجتمعه، وأن الرواية قادرة على تسجيل التحولات التاريخية والاجتماعية من خلال مصائر الأفراد وتجاربهم اليومية. لذلك جاءت أعمالها انعكاسًا لعصرها بما يحمله من حروب وأزمات سياسية وصراعات أيديولوجية، لكنها في الوقت نفسه تجاوزت حدود الزمان والمكان لتطرح أسئلة إنسانية عامة تتعلق بالحرية والهوية والعدالة ومعنى الوجود.

وقد تميزت كتاباتها بقدرتها على الجمع بين التجربة الشخصية والرؤية الكونية، فبدت شخصياتها أفرادًا يعيشون ظروفًا خاصة، لكنها تعبر في الوقت ذاته عن هموم إنسانية مشتركة. كما أسهمت في توسيع آفاق الرواية الإنجليزية الحديثة من خلال تجريب أشكال سردية جديدة، وعدم التقيد بالنماذج التقليدية في بناء الأحداث والشخصيات. ويعود استمرار حضور أعمالها إلى قدرتها على مخاطبة القارئ في مختلف الثقافات، إذ يجد فيها قضايا لا ترتبط بمجتمع معين، بل تعكس طبيعة الإنسان في كل زمان. ولهذا أصبحت دوريس ليسينغ رمزًا للأديب الذي يجمع بين الحس الإبداعي والوعي الفكري، ويجعل من الأدب وسيلة لفهم الإنسان وتفسير تعقيدات الحياة المعاصرة.

لذا، تمثل دوريس ليسينغ واحدة من أهم روائيات العصر الحديث، فقد نجحت في توظيف الفن الروائي للتعبير عن قضايا الإنسان الكبرى، وربطت بين التحليل النفسي والرؤية الاجتماعية والنقد الفكري في إطار فني متماسك. وظلت أعمالها شاهدة على قدرة الأدب على فهم الإنسان والدفاع عن قيم الحرية والكرامة والعدالة.

***

د. عصام البرّام

 

إنَّ ميزة الطبيعة البشرية هو ذلك الاحساس الداخلي الحي بالحرية، وأن وقوع الانسان تحت النير والاستبداد راضيا بتحمله على معارضته، فالمسألة نفسية تعود الى بعد خفي في الوضع البشري ليس في حالة من التناغم مع الطبيعة البشرية، والمسألة على درجة عالية من الخطورة؛ وأن الشعب الذي يستسلم للإستعباد هو الذي يسلم عنقه للقطع، يعني أن له الخيار في أن يكون حرا، أو أن يكون عبدا، أن يتخلى عن الحرية أو أن يستسلم للنير، أن يقبل الأذى أو أن يواجهه.

وبحسب "أيتيان دو لا بويسي" تخضع الطبيعة البشرية لثلاث مبادئ كبرى، تأتي الأسرة في طليعتها؛ ذلك أن الأسرة هي المجتمع الطبيعي الذي لا يستغنى عنه لتنشئة كل كائن بشري، فيشرع الوالدان بتنشئة أطفالهما وهما يسلكان السبل التي خطتها الطبيعة، فكأنما هذه الطبيعة هي الأم، لذا فإن بذور العقل الطبيعية لا تزهر فضيلة إلا برعاية نصح الوالدين مجاراة للكبار، فمن المسلم به أن تذوي وتسقط إذا ما خضعت لتأثير السوء فالبشر بسبب تنشئتهم مختلف بعضهم عن بعضهم الآخر. ويتمثل المبدأ الثاني عنده في أن الفوارق تقود إلى التكامل، إذ أن الطبيعة تصنع الضعفاء والأقوياء، وهي تمنح كل فرد مقدارا من الذكاء، لكن لا ينبغي أن يختلط علينا الأمر حيال مقاصد الطبيعة. فهي لم تبعث الى هذا العالم السفلي بالناس الأقوياء والأشد يقظة، كأنهم قطاع طرق ليتولوا ترويع الناس الضعفاء وهي في الوقت نفسه لا تبغي السيطرة والإخضاع. وليست سلطة الحاكم طبيعية أكثر من طاعة المحكوم، أن التباينات التي تقيم فروقا بين الناس هي واسطة (تعاطف أخوي) يرمي التعاون فيها الى عقد صلات متينة بين ذوي القوة ومن هم أقل حظوة.

أما المبدأ الأهم عند دو لابوسي هو أن يعي الانسان، وأن لا يراوده أدنى شك في أنه حر بطبيعته، فإن كل من وهبته الطبيعة حياة وشعورا هو عاشق للحرية، وهو نظام الطبيعي والعقل والحرية مترافقان. فعندما نبحث عن معالم الحرية نجدها (من إفرازات العقل بما هو عقل)، وأن وجود الحرية يساهم في تكريس الحقيقة وتنشيط الواقع في عمق الحياة وإخراج الحق من ثنايا الباطل.

فالعقل والحرية إذا متلازمان في الطبيعة البشرية، فالحرية أكثر من كونها مثل أعلى بكثير، وليست تأملية صافية، ذلك أن الحياة من دونها لا تستحق أن تُعاش فهي فاعلة، أو لا وجود لها، ولا ريب في أنها تتأكد ضرورة ملحة، لكنها ضرورة تقود إلزاما إلى الحسم، بأن على الإنسان أن يتعلم في سبيلها الكفاح والموت.

المجتمع هو الذي يصنع السلطة ويهبها التفرد، فعندما يعمل الفرد بين جماعة سليمة في اية مهنة لا على التعيين ستضمر أهميته وشهرته، لكن مركزه الإجتماعي سيرتفع في مجتمع تزداد فيه نسبة من هم أقل شئنا منه سواء كان ذلك على مستوى العمل، أو المحصلة العلمية في ذات المهنة، فعلى سبيل المثال أصبح لرجل السياسة في العراق منزلة رفيعة بعد 2003 في وقت لم يكن يتمتع بهذه المنزلة من قبل. فله الآن دور معروف في البرلمان والحكومة بينما كان سابقا له مركز من دون أي دور بسبب سياسية الدولة الشمولية.

فعندما يرتفع صاحب المنزلة بفضل الناس فإنه يتعامل معهم بشكل عمودي فوقي متناسيا مساهمتهم في علو منزلته . إن مثل هذا التعامل الذي يصطنع مسافة بين الفرد والجماعة أو بين الجماعة وجماعة أخرى هو سلطة رمزية تستعمل لإشباع الرغبة الملحة في الهيمنة والتفرد. والتفرد إذا ما أتيح له الفرصة يتحول إلى استبداد وتعصب، وهذا الاستبداد في الوقت ذاته يمثل عواطف واضحة جدا بالنسبة للجماهير، يتفهمونها ويقبلونها بسهولة أن يمارسوها لحظة فرضها عليهم. فالجماهير تحترم القوة طوعا، ولا تنبهر بالطيبة، فهي شكل من أشكال الضعف بالنسبة لهم. لا تتعاطف الجماهير مع أسياد رحيمين، ولكن مع طغاة مستبدين سيطروا عليهم وسحقوهم بقوة. وهي دائما تخلد ذكراهم بنصب تماثيل عالية، فإذا داسوا بأقدامهم الدكتاتور المخلوع كما هو الحال في العراق بعد 2003 هذا لأنه فقد قوته وانضم إلى خانة الضعفاء المحتقرين الذين لا يخشونهم. إن نمط البطل العزيز على الجماهير سيكون دائما من يتخذ هيئة القيصر فعظمته تغويها، سلطته يفرضها عليها، وسيفه يدب الرعب في قلوبها، فالجماهير دائمة جاهزة للتمرد على السلطة الضعيفة، وتنحني بخنوع أمام السلطة القوية، وإذا كانت قوة السلطة متقطعة فإن الجماهير تعود للخضوع لعواطفها المتطرفة، وتنتقل بالتناوب من الفوضى الى العبودية، ومن العبودية الى الفوضى.

فمن يسلم نفسه للاستعباد يعمد الى قطع عنقه، والذي يكون حيال خيار الحرية أو العبودية، فيدع الحرية جانبا ويأخذ نير العبودية، هو الذي يرضى بالأذى، ولو تكلف شيئا لاستعادَ حريته، فهل هنالك أثمن من أن يكون ضمن حقه الطبيعي، لكن كثير من الناس يفضلون طمأنينة ما للعيش ببؤس على أمل غير مؤكد في العيش بحرية ورفاهية. يذهب سبينوزا في كتابه (رسالة في اللاهوت والسياسة) الى أن كل فرد يطيع السلطة المطلقة إما بمحض اختياره، وإما خوفا من العقاب الشديد، ويضيف على ذلك: أن نظام المجتمع الذي يتحقق على هذا النحو هو نظام "ديمقراطي" ذلك أن الديمقراطية عنده هي اتحاد الناس في جماعة لها حق مطلق على كل ما في قدرتها، لكني أتقاطع مع سبينوزا في هذا الأمر؛ ذلك أن الفرد الذي ينفذ أمر إنسان أخر خوفا من العقاب، أو بمحض اختياره، ولا يفعل ما يمليه عليه العقل، أو بعبارة أخرى الذي لا يستطيع أن يختار بمحض إرادته فهو في أحط درجات العبودية، لأن الحرية في أدق معانيها تقوم على عنصري الاختيار والارادة أي أن يختار الفرد فعل شيء أو الامتناع عنه، والارادة هي علة الفعل وتجسيد للقدرة على الاختيار.

***

د. مسار غازي

............................

للاستزادة يرجع إلى:

- العقل والحرية: عبد الكريم سروش

- وهم الحرية: برهان شاوي

- الحرية الطوعية: إيتيان دو لا بوسي

- رسالة في اللاهوت والسياسة: اسبينوزا.

موت المختلف وامتحان الأخلاق

هناك لحظات لا تكشف لنا قسوة العالم بقدر ما تكشف لنا فقر الإنسان إلى الإنسانية، لحظات يصبح فيها الموت، الذي يفترض أن يوقظ فينا أعمق مشاعر الرحمة، مناسبة لاختبار مقدار ما تبقى في أرواحنا من ضمير.

 ففي حضرة الموت، تسقط الأقنعة التي نتخفى وراءها، وتنكمش كل الهويات التي نتباهى بها، ولا يبقى أمامنا سوى الحقيقة العارية: إنسان انتهت حياته، وأجساد ستبلى، وأحلام انطفأت، وأهل وأصدقاء سيحملون وجع الغياب إلى ما تبقى من أعمارهم.

مر بي خبر وفاة قس سقط عليه صليب خشبي أمس، فتوقفت أمامه بحزن إنساني خالص. لا أعرف الرجل، ولم ألتق به، ولا أملك من سيرته ما يسمح لي بإصدار حكم عليه، لكنني، في حدود ما عرفت، لم أر أمامي سوى رجل دين مسالم، راهب يتعبد في محرابه، انتهت حياته في حادث مأساوي. ولم انظر إلى عقيدته، ولا إلى أفكاره.

 فالحزن على الإنسان لا يحتاج إلى بطاقة هوية، ولا إلى شهادة انتماء، ولا إلى موافقة مسبقة من حراس العقائد. بل لأنني أرى فيه إنسانا كان حيا ثم صار خبرا عن الموت في لحظات.. ولأنني أؤمن بأن قيمة الحياة الإنسانية تسبق كل تصنيف مذهبي أو ديني أو عرقي، وأن الإنسان لا يفقد حقه في الرحمة حين يختلف عنا في إيمانه، كما لا يكتسب هذا الحق لأنه ينتمي إلى جماعتنا.

لكن ما أوجعني حقا ما قرأته من تعليقات الشماتة التي استقبل بها بعض المسلمين هذا الموت، وكأن سقوط رجل تحت صليب خشبي انتصار لعقيدة على أخرى، وكأن المأساة الإنسانية فرصة لتصفية الحسابات مع المختلف، وكأن الموت حين يصيب الآخر يصبح مبعثا للابتهاج، لا مناسبة للتأمل في هشاشة وجودنا المشترك. أي خواء أخلاقي هذا الذي يجعل الإنسان يرى في موت إنسان آخر مناسبة للاحتفال والشماته.

الشماتة في الموت ليست مجرد زلة لسان، ولا تعبيرا عابرا عن اختلاف عقدي، بل هي، في جوهرها، خلل في بنية الضمير؛ لأنها تعني أن الإنسان لم يعد يرى أمامه كائنا له قيمة في ذاته، بل صار يرى رمزا لجماعة يخاصمها، أو عنوانا لعقيدة يرفضها، أو خصما متخيلا ينبغي أن ينتصر عليه حتى بعد أن يوارى التراب

ولعل ما زاد الأمر إيلاما أن بعض هذه التعليقات صدرت عن أشخاص يحملون درجات علمية رفيعة، ممن يفترض أن تكون المعرفة قد وسعت مداركهم، وأن يكون التعليم قد دربهم على التفكير النقدي، وأن تكون رحلتهم الطويلة في التحصيل قد منحتهم شيئا من التواضع أمام الحياة والموت والوجود الإنساني.

فما قيمة الشهادات إذا لم توسع أفق الرحمة؟ وما جدوى المعرفة إذا بقي العقل أسير التعصب؟ وما معنى أن يتقدم الإنسان في مدارج العلم، بينما يتراجع في أبسط اختبارات الأخلاق؟

إن أخطر أشكال الجهل ليس ذلك الذي يعترف بجهله، بل الذي يتدثر بعباءة المعرفة، ويتحدث بثقة العالم، بينما يستبطن أحكام القطيع، ويستعير من الموروث ما يبرر به قسوته، ثم يتوهم أنه ينتصر للحقيقة حين ينتقص من إنسانية الآخرين.

ماذا حين سقطت الرافعة في مكة عام 2015، فمات عشرات الحجاج وأصيب آخرون، وحين وقعت كارثة التدافع في مشعر منى في العام نفسه، ففقد أناس كثيرون حياتهم وهم يؤدون مناسك الحج، لم يكن هؤلاء مجرد أرقام في نشرات الأخبار. كانوا بشرا خرجوا لأداء شعيرة يؤمنون بقداستها، وكان وراء كل واحد منهم بيت ينتظر عودته، وأبناء يترقبون لقاءه، وأمهات وأزواج وأصدقاء لم يتخيلوا أن تكون تلك الرحلة آخر عهودهم بالحياة. وكان من الطبيعي أن تستقبل هذه المآسي بالحزن والتعاطف، بصرف النظر عن الموقف من الدين أو من الشعائر

لماذا نتوقع من الآخرين أن يحترموا أحزاننا، بينما نجد بيننا من لا يتردد في انتهاك أحزانهم؟ لماذا نطالب العالم بالتعاطف مع ضحايانا، ثم لا نمنح الضحايا الآخرين الحق نفسه؟

في وجهه نظري لا تقاس قيمة الإنسان بما يعلنه من معتقدات، بل بما يصنعه من أفعال، وبقدرته على الاعتراف بحق الآخرين في الحياة والكرامة والاختلاف. فالأخلاق ليست ملكية حصرية لدين، ولا امتيازا تمنحه عقيدة لأتباعها وتحجبه عن سواهم، وإنما هي مسؤولية إنسانية تتجلى في سلوكنا تجاه كل من يشاركنا هذا العالم.

إن حرية الاعتقاد لا تكتمل إلا بحرية الاختلاف، وكرامة الإنسان لا تكون كرامة حقيقية إذا اقتصرت على أبناء الجماعة الواحدة. أما أن نطالب العالم باحترام مقدساتنا، ثم نسخر من موت الآخرين، وأن نرفض أن يُهان موتانا، ثم نبرر الشماتة في موتاهم، فذلك ليس دفاعا عن العقيدة، بل ازدواج أخلاقي يجعل المبادئ خاضعة لهوية الضحية، لا لعدالة المبدأ نفسه.

وهناك وهم بالغ الخطورة في أن يقرأ بعض الناس الحوادث والمآسي بوصفها إشارات كونية تؤكد انتصار عقيدتهم أو هزيمة عقيدة الآخرين. فحين يموت شخص من دين مختلف، يتعاملون مع موته كما لو أنه برهان على صحة ما يؤمنون به، أو علامة على انتصار جماعتهم. وبذلك يحولون المصادفة المأساوية إلى خطاب أيديولوجي، ويستبدلون بالتعاطف بحثا متعجلا عن معنى يخدم تصوراتهم المسبقة. هو الفارق بين عقل تحرر من أسر الجماعة، وعقل لا يستطيع أن يرى العالم إلا من خلال ثنائية نحن وهم؛ نحن أصحاب الحق دائما، وهم المخطئون دائما، نحن الذين نستحق الرحمة، وهم الذين يجوز أن نفرح بأوجاعهم.

لكن الموت لا يقدم شهادات تفوق لأحد، ولا يمنح عقيدة صك انتصار، ولا يحول الحوادث الفردية إلى براهين على حقيقة ميتافيزيقية. إنه جزء من هشاشة الوجود الإنساني،

أنا لا أكتب هذا المقال دفاعا عن عقيدة ضد أخرى، ولا رغبة في استبدال تعصب بتعصب مضاد، بل دفاعا عن مساحة إنسانية أوسع من الحدود التي نتوارثها ونقيم حولها أسوارا من الكراهية. أكتب لأنني أرفض أن يصبح الحزن امتيازا دينيا، وأن تتحول الرحمة إلى شعيرة لا يؤديها المرء إلا تجاه من يشبهونه، وأن يغدو الموت نفسه خاضعا لامتحان الهوية

وأخشى أن تكون مأساتنا الأعمق أننا تعلمنا كيف ندافع عن انتماءاتنا أكثر مما تعلمنا كيف نحمي إنسانيتنا، وكيف ننتصر في معارك الهوية أكثر مما نتعلم كيف ننتصر على نزعات القسوة في نفوسنا

وهنا ينبغي أن نتوقف ونسأل أنفسنا بصدق: ماذا يبقى من الإيمان إذا لم يزد صاحبه رحمة؟ وماذا يبقى من العلم إذا لم يحرر صاحبه من التعصب؟ وماذا يبقى من الثقافة إذا لم تعلم الإنسان كيف يختلف دون أن يكره، وكيف ينتقد دون أن يهين، وكيف يرى في المختلف عنه كائنا يستحق الكرامة نفسها التي يطالب بها لنفسه؟

المأساة ليست أن يموت إنسان تحت صليب، بل أن يسقط الضمير الإنساني تحت أقدام التعصب. وليست الفضيحة أن ينتهي عمر رجل يختلف معنا في العقيدة، بل أن ينتهي بنا الأمر إلى اعتبار موته مكسبا، وألمه مناسبة للابتهاج

***

ابتهال عبدالوهاب

 

مقدمة: يظل سؤال "من أين يأتي الشر في العالم؟" أحد أعمق الأسئلة التي راودت الإنسان منذ الوعي الأول. ليس الشر مجرد حدث مؤلم أو فعل سيء، بل هو حضور يتحدى كل تفسير شامل للوجود. يظهر الشر في صور متعددة: الظلم الاجتماعي، الحروب، الأمراض، الكوارث الطبيعية، الخيانة الشخصية، والقسوة اليومية. في هذه الدراسة، نستكشف مصادر الشر من منظورات فلسفية، دينية، نفسية، اجتماعية، ووجودية، مع تبني مقاربة نقدية تنويرية ترفض التفسيرات الجاهزة وتدعو إلى مواجهة الشر كواقع بشري يمكن فهمه ومواجهته دون الاستسلام له. الهدف ليس تقديم جواب نهائي، بل رسم خريطة معقدة تكشف الطبقات المتداخلة للظاهرة. فما مشروعية طرح سؤال الشر الأبدي من منظور فلسفي؟

التمييز الأساسي بين الشر الطبيعي والشر الأخلاقي

ينقسم الشر تقليدياً إلى نوعين رئيسيين. الأول هو الشر الطبيعي، الذي يشمل الزلازل، الأوبئة، الفيضانات، والأمراض التي تصيب الإنسان دون تدخل مباشر منه. هذا النوع يثير تساؤلاً وجودياً عميقاً: لماذا يعاني الكائن الواعي في كون يبدو غير مبالٍ؟ الثاني هو الشر الأخلاقي، الناتج عن إرادة بشرية حرة: القتل، التعذيب، الاستغلال، الفساد. هنا يدخل الإنسان كفاعل مباشر، مما يجعل السؤال أكثر إلحاحاً: هل الشر جزء أصيل من الطبيعة البشرية أم هو انحراف عنها؟

هذا التمييز ليس مطلقاً؛ فغالباً ما يتداخل النوعان. فقد تؤدي كارثة طبيعية إلى فوضى اجتماعية تكشف شراً أخلاقياً كامناً، أو يستغل البشر الكوارث لتعزيز سيطرتهم. الشر، إذن، ليس حدثاً معزولاً بل شبكة علاقات.

الرؤى الدينية والميتافيزيقية لمصدر الشر

في التقاليد الدينية، يُفسر الشر عبر عدة أطر. في المسيحية واليهودية، يرتبط الشر الأخلاقي بـ"الخطيئة الأصلية"، حيث يُرى سقوط آدم كلحظة تحول جعلت الميل إلى الشر جزءاً من الطبيعة البشرية. أما الشر الطبيعي فيُفسر أحياناً كنتيجة لهذا السقوط أو كاختبار إلهي. في الإسلام، يُنسب الشر إلى وسوسة الشيطان، مع التأكيد على الحرية الإنسانية والمسؤولية. الشر ليس مخلوقاً مستقلاً بل نتيجة اختيار. أما في التقاليد الشرقية مثل البوذية والهندوسية، فالشر مرتبط بـ"الكارما" والجهل (أفيديا). الشر هنا ليس مطلقاً بل وهماً ناتجاً عن التعطش والوهم، ويزول بالتنوير.

في الفلسفة الميتافيزيقية، قدم أوغسطينوس تفسيراً مؤثراً: الشر ليس "شيئاً" موجوداً بحد ذاته، بل غياب للخير . الشر كالظلام الذي لا وجود له إلا كغياب للنور. لايبنتز طور هذا في "أفضل العوالم الممكنة"، معتبراً أن الشر ضروري لتحقيق الكمال الكلي. هذه التفسيرات، رغم عمقها، تواجه نقداً تنويرياً: هل تبرر الشر أم تُسكته؟ إذا كان الشر غياباً للخير، فلماذا يبدو حاضراً بقوة مدمرة؟ وإذا كان جزءاً من خطة إلهية، فهل يفقد الإنسان مسؤوليته الأخلاقية؟

الرؤى الفلسفية والوجودية – الإنسان كمصدر الشر

مع التنوير والحداثة، تحول التركيز نحو الإنسان نفسه. هوبز يرى الطبيعة البشرية "شريرة" في حالتها الأولى: "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، والشر ناتج عن التنافس على الموارد والسلطة. أما روسو فيعكس هذا: الإنسان خير بطبيعته، والشر ينشأ من المجتمع والملكية والحضارة التي تفسد الفطرة.

في الفلسفة الوجودية، يذهب سارتر إلى أبعد: "الجحيم هو الآخرون". الشر ليس في جوهر الإنسان بل في علاقاته الحرة التي تتحول إلى موضوعية واستلاب. أما نيتشه فيعلن "موت الله" ويطالب بتجاوز الأخلاق التقليدية، معتبراً بعض ما نسميه شراً تعبيراً عن قوة الحياة، بينما الشر الحقيقي يكمن في الضعف والحقد.

حنة أرندت قدمت مفهوم "تفاهة الشر" في تحليلها للنازية: الشر لا يأتي دائماً من وحوش، بل من أفراد عاديين يتخلون عن التفكير النقدي ويطيعون النظام. هذا يجعل مصدر الشر كامناً في القدرة البشرية على عدم التفكير، على اللامبالاة.

الأبعاد النفسية والاجتماعية للشر

من منظور نفسي، يكشف فرويد عن "غريزة الموت" (ثاناتوس) إلى جانب غريزة الحياة. الشر جزء من اللاوعي، يتغذى على الكبت والإسقاط. أما علم النفس الاجتماعي فيبرز تجارب مثل "طاعة ميلغرام" و"سجن ستانفورد"، التي تظهر كيف يمكن لظروف معينة أن تحول أفراداً عاديين إلى فاعلي شر. اجتماعياً، ينشأ الشر من الهياكل: الرأسمالية المتوحشة تولد استغلالاً، الأنظمة الشمولية تفرز قمعاً، والتمييز العنصري أو الجنسي يؤسس لعنف منهجي. الشر هنا ليس فردياً فقط، بل بنيوي. النظم الاقتصادية والسياسية تخلق بيئات تجعل الشر خياراً "منطقياً" أو حتمياً. كذلك، يلعب الجهل والتعليم دوراً. الشر يزدهر في غياب التفكير النقدي والتعاطف. الدعاية والإعلام يشوهان الوعي، فيصبح الآخر "عدواً" يُباح إيذاؤه.

نقد تنويري – الشر كتحدٍ وجودي مستمر

المقاربة التنويرية النقدية ترفض الاستسلام للشر كقدر أو كجزء إلهي لا مفر منه. بدلاً من ذلك، تراه تحدياً يجب مواجهته بالعقل والأخلاق والعدالة الاجتماعية. كانط يدعو إلى "الخروج من الوصاية"، وهو ما ينطبق على الشر: الخروج من حالة الطاعة العمياء أو اللامبالاة التي تسمح له بالانتشار.

النقد يمتد إلى الحلول الزائفة: الاستهلاكية التي تحول الشر إلى ترفيه، أو القومية التي تبرر الشر باسم "الجماعة". الحل الحقيقي يكمن في بناء مؤسسات تحمي الحرية مع تعزيز المسؤولية، وفي تربية تعمق التعاطف دون إنكار الظلام الداخلي.

في عصرنا، يتجلى الشر في أشكال جديدة: التغير المناخي (نتيجة طمع بشري)، الحروب التكنولوجية، والتطرف الرقمي. مواجهته تتطلب وعياً جماعياً عابراً للحدود.

خاتمة:

لا يوجد مصدر واحد للشر. هو مزيج معقد من الطبيعة البشرية، الهياكل الاجتماعية، الظروف الطبيعية، والاختيارات الفردية. الشر ليس قدراً محتوماً ولا وهماً كاملاً؛ هو إمكانية حاضرة دائماً في الوجود الحر. الأمل يكمن في القدرة البشرية على الاعتراف بالشر دون تبريره، ومواجهته بالعقل النقدي، التعاطف، والعدالة. كلما ازداد وعي الإنسان بمصادر الشر في نفسه ومجتمعه، ازدادت إمكانية تقليصه. السؤال "من أين الشر؟" يتحول إلى "ماذا نفعل به؟"، وهذا التحول هو بداية كل مقاومة حقيقية وكل تقدم أخلاقي. الشر يبقى جزءاً من الشرط البشري، لكنه ليس كلّه. في الفراغ الذي يتركه الشر، يمكن للخير أن يُخلق، وفي مواجهته تتحقق حرية الإنسان الحقيقية. فكيف تتراوح تفاهة وجود الشر بين الحتمية والحرية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

من تعديل الأحكام الفقهية إلى مراجعة النموذج المعرفي للعلاقة الزوجية

إنّ عقد الزواج بصيغته الفقهية الموروثة المتعارف عليها اليوم في الفقهين السني والشيعي، يحتاج إلى إعادة نظر تتجاوز تعديل الأحكام الجزئية أو المفاضلة بين الآراء الفقهية القائمة، لأن الإشكال لا يكمن في الأحكام وحدها، بل في النموذج المعرفي الذي تشكل في إطاره مفهوم الزواج، وفي الطريقة التي جرى بها تشخيص موضوعه وتحديد آثاره وحقوق أطرافه.

فما لم يُعَد النظر في هذا النموذج، ويُعَد تشخيص موضوع الزواج في ضوء التحولات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية المعاصرة، ستظل محاولات الإصلاح محكومة، إلى حد بعيد، بالتصورات التي أنتجت الإشكال ابتداء. ولا يكفي استدعاء العناوين الثانوية لمعالجة الوقائع المستجدة بوصفها استثناءات طارئة؛ بل ينبغي بحث ما إذا كانت بعض التحولات قد أصبحت جزءا من البنية المستقرة للواقع الاجتماعي، بما يستدعي إعادة النظر في تصنيف المسائل، وفي مدى انطباق العناوين الأولية والثانوية عليها.

فالموضوع ليس معطى ثابتا خارج التاريخ، بل يتغير بتغير شروطه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وتبعا لذلك قد تتغير دلالته القانونية والفقهية. ومن ثم، فإن الإبقاء على الأحكام نفسها مع تغير موضوعاتها وشروط تحققها لا يضمن استمرار ملاءمتها للواقع، كما أن استحداث قانون جديد لا يكفي وحده لتحقيق الإصلاح إذا ظل قائما على التصور المعرفي القديم ذاته.

إن المطلوب ليس مجرد تغيير الحكم، بل مراجعة الطريقة التي ننتج بها الحكم؛ والانتقال من التعامل مع الزواج بوصفه بنية تعاقدية موروثة إلى إعادة دراسته بوصفه علاقة قانونية واجتماعية بين ذاتين مستقلتين، تترتب عليها حقوق والتزامات متبادلة، وتقتضي معالجة قضايا الرضا والاستقلال والسلطة والعمل الرعائي والضرر، وحقوقهما معا على أساس معاصر.

ما لم ينتبه الفقهاء المعاصرون إلى التحولات العميقة التي طرأت على المفاهيم المؤسسة لرؤية الإنسان والعالم، سيظل الخطاب الفقهي بشأن الزواج عاجزا عن بناء علاقة مقنعة مع الوعي الإنساني المعاصر. فالمكلف اليوم لا ينظر بالضرورة إلى ذاته وعلاقاته وحقوقه من خلال المنظومة المفاهيمية التي سادت في البيئات التاريخية التي تشكّلت فيها المدونات الفقهية، بل ينطلق من تصورات متغيرة بشأن الاستقلال الشخصي، والكرامة الإنسانية، والمساواة، والرضا، والمسؤولية المتبادلة.

ولا تكمن الإشكالية، هنا، في مجرد تعارض بعض الأحكام الفقهية مع تطلعات الأفراد المعاصرين، بل في احتمال وجود فجوة معرفية بين التصورات التي تفترضها تلك الأحكام عن الإنسان والعلاقة الزوجية، وبين التصورات التي تشكّلت في ظل التحولات الاجتماعية والفكرية الحديثة. ومن ثم، فإن محاولة إقناع المكلف المعاصر بأحكام الزواج لا يمكن أن تعتمد على إعادة عرض الأحكام الموروثة أو الدفاع عن نتائجها فحسب، بل تقتضي مراجعة الأسس المفاهيمية التي يُفهم الزواج في ضوئها، وإعادة النظر في مدى قدرتها على استيعاب التحولات التي طرأت على مفهوم الإنسان وحقوقه وعلاقاته.

إن تجديد الفقه في هذا المجال لا يبدأ بالضرورة من استبدال حكم فقهي بآخر، بل من مساءلة النموذج المعرفي الذي يحدد موضوع الحكم، ويصوغ العلاقة بين أطراف الزواج، ويرسم حدود الحقوق والواجبات. فحين تتغير تصورات الإنسان عن ذاته وعن العالم، يصبح من الضروري فحص مدى استمرار صلاحية التصورات الفقهية التي تشكّلت في سياقات تاريخية مختلفة، من دون افتراض أن كل موروث فقد صلاحيته، أو أن كل مفهوم حديث يمثل بالضرورة تقدما معرفيا.

إن الصراع الدائر اليوم حول تقنين الأحوال الشخصية لا يمكن فهمه بوصفه مجرد خلاف بين مؤيدين لمدونة فقهية ومعارضين لها، أو بين من يتمسكون بالأحكام الموروثة ومن يطالبون بتعديلها؛ فهذه المقاربة، على أهميتها، قد تحجب الإشكالية الأعمق، وهي طبيعة النموذج المعرفي الذي يُراد إخضاع الحياة الإنسانية المعاصرة له.

إن الإشكال لا يكمن في الاستناد إلى التراث الفقهي بحد ذاته، بل في التعامل مع اجتهادات نشأت في سياقات تاريخية واجتماعية ومعرفية محددة بوصفها إجابات مكتملة الصلاحية لتنظيم علاقات إنسانية تغيرت شروطها ومفاهيمها ووظائفها. فالحياة الزوجية اليوم لا تُفهم بمعزل عن تطور العلوم الإنسانية والاجتماعية، والتحولات الاقتصادية، وتغير بنية الأسرة، وتطور المعرفة المتعلقة بالنفس البشرية، وعلاقات السلطة، والعمل الرعائي، والاستقلال الشخصي، والحقوق القانونية.

ومن ثم، فإن المطلوب ليس إخضاع الحياة المعاصرة قسرا لتصورات تاريخية جاهزة، ولا استبعاد التراث الفقهي لمجرد انتمائه إلى الماضي، بل إعادة فهم الواقع الإنساني في ضوء المعارف المتاحة اليوم، ثم مساءلة الموروث الفقهي على أساس هذا الفهم، وإعادة فحص موضوعات الأحكام وشروط انطباقها ومبرراتها وآثارها.

فالمعرفة المتجددة بالإنسان ليست عنصرا خارجيا يمكن تجاهله عند بحث العلاقات الأسرية؛ إذ قد تكشف عن أبعاد في موضوع الحكم لم تكن حاضرة في التصورات السابقة، أو تتيح فهما مختلفا للضرر والرضا والاستقلال والمسؤولية. وهذا يستدعي حوارًا نقديا بين المعرفة الفقهية والعلوم المعاصرة، لا يذيب إحداهما في الأخرى، ولا يمنح أيا منهما حصانة مطلقة من المراجعة.

وعليه، فإن جوهر الأزمة ليس في الاختلاف على أيّ الأحكام الفقهية ينبغي تقنينها فحسب، بل في السؤال الأسبق، القبلي: بأي معرفة نفهم الإنسان المعاصر، وبأي تصور للعلاقة الزوجية نبني القانون الذي ينظم حياته؟ ما لم يُطرح هذا السؤال، فقد يتحول تقنين الفقه إلى إعادة إنتاج للماضي في صورة قانونية ملزمة، بدلا من أن يكون استجابة نقدية واعية لتحولات الحاضر في بلد معين مثل العراق الذي خرج حديثا من حروب متتالية.

***

ا. د. بتول فاروق

 

العقل العربي هو عقل تراثي بإمتياز، ويتحرك هذا العقل بين الأفكار التراثية التى تم إنتاجها في سياقات ثقافية وحضارية قديمة. وهذه الحالة تدفع العقل العربي بتوهم إمتلاكه الحقيقة المطلقة التى حافظ عليها السلف الصالح وسلمها بالتواتر للأجيال اللاحقة حتى وصلت إلى العقل العربي المعاصر.

ويأتي في قمة هذا التراث النص المُقدَّس (القرآن الكريم)، وكتب الأحاديث النبوية، ثم كتب الفقه والتفسير وقد صارت هذه الفئات من كتب التراث لها سلطة المُقدَّس على الوعي والعقل العربي حتى أصبح العقل العربي مُتلقي سلبي خاضع لكل الحقائق التي تنطق بها هذه النصوص متجاهلاً السياق الثقافي والحضاري الذي نشأت داخله هذه النصوص التراثية.

وكانت هناك فئة تراثية إهتمت بالفلسفة والعقل والمعرفة ولكن تم تهميش هذه الكتب وإضطهاد الفلاسفة الذين أنتجوها، ويقف على قمة هذه الفئة العظيمة الفيلسوف الأندلسي إبن رشد (١١٢٦ - ١١٩٨م)

وإحتل إبن رشد مكانة مرموقة في السياق الحضاري الاوروبي حيث تم إستدعاء شروحاته لفلسفة أرسطو لتأسيس تيار فلسفلي لاتيني (الرشدية اللاتينية) يكون قادر على إرساء مبادئ الفصل بين العلوم الدينية وبين العلوم الوضعية وهى بذرة بناء العلوم الحديثة. وتم تجاهل ابن رشد في الثقافة العربية لصالح تمجيد الإمام أبو حامد الغزالي (١٠٥٨ - ١١١١م). حتى طرح الفيلسوف المصري الكبير مراد وهبة (١٩٢٩ - ٢٠٢٦م) إسم إبن رشد كحل للخروج من نفق تخلف العقل العربي.

ولكن لماذا يستدعي مراد وهبة فكر الفيلسوف الأندلسي في سياقنا الحالي ؟!!

اولاً: مراد وهبة والدجماطيقية

يُصرِّح مراد وهبة في كتاب (مُلاّك الحقيقة المُطلقة) أن مشروعة الفلسفي يستهدف مقاومة الدوجماطيقة «خلاصة القول أن الفكرة المحورية فى فلسفتى هي النضال ضد الروح الدوجماطيقية. وفقدان الثقة فى الدوجماطيقية هي التي تفسر انبهارى بمذهب برجسون لفترة طويلة من الزمان، أى فى الخمسينيات عندما بدأت الانشغال بمشكلة بناء المذاهب. فقد بذل برجسون جهداً بارزاً فى المحافظة على اللادوجماطيقية وذلك بتأسيس مذهب مفتوح.»

ولأن الدوجماطيقية تتوهم إمتلاكها للحقيقة المُطلَقة، فإن النسق المعرفي والثقافي لها يُكوِّن مذهب مُغلَق لا يتسامح مع أي نسق معرفي مُغاير ففي هذه الحالة يتحتم الصراع على المُطلقات، ويتهدد السلام الإجتماعي مما يتعذر معه الحديث عن أي وعي بقبول الآخر. فيتحول الواقع الإجتماعي والسياسي داخل هذه البنية المعرفية إلى واقع إقصائي واُحادي التوجة والسلوك مما يخلق المُبررات الموضوعية لظهور طبقة الطغاة والدكتاتوريات السياسية والاجتماعية والدينية.

وهذا بالضرورة يؤدي إلى دخول العقل في حالة سُبات دوجمائي تحت رعاية النظم السياسية والاصوليات الدينية والتجمعات العرقية المغلقة.

دفاعاً عن العقل ذهب مراد وهبة إلي ضرورة التحرر من سُلطة المُطلق ببناء وعي معرفي يرتكز على عنصري بناء للعقل النقدي.

١ – العَلمانية:

ولتحقيق هذا أعاد تعريف العلمانية بما يتناسب مع غايته الفلسفية ​(تعريف العلمانية ليس بأنها الفصل بين الدين والدولة لان هذا الفصل معلول للعلمانية، أما علة هذا الفصل فهو «التفكير فى النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق». وهذا هو تعريفنا للعلمانية.)

من خلال هذا التعريف ينقل مراد العلمانية من كونها مُنتَّج حداثي إلى كونها أداة عقلية يحتاج إليها العقل ليتحرر من غفلته الدوجماطيقية ويكون قادر على النظر إلى الافكار من واقع نسبيتها والإعتراف بعدم إمتلاك الحقيقة المُطلَقة.

وهذا التعريف يُهدِر كل محاولات الاصوليات الدينية التى تعمل على تشويه العلمانية، فهذه الاصوليات تبيع العلمانية في ثوب الفسق والفجور والحرب على الدين وهذه اوهام تختلقها الاصوليات لتدجين العقل داخل السياق الفكري الذي تنتجه هذه الاصوليات المتطرفة.

٢ – التأويل:

هذه هى الآلية الثانية التي يقدمها مراد وهبة كضرورة للعقل ليتحرر من سُلطة التراث القديم، ولكي تسقط أي وصاية دينية على العقل، ولكي يخلق حالة حقيقة من التسامح الإجتماعي القائم على حرية العقل وحرية الفكر لذلك يقول (وإيا كان التناقض بين كل من ادموند بيرك وتوماس بين، فإنهما متفقان على أن قضية حقوق الإنسان في أساسها اختيار بين الأموات والأحياء، أو بين الرؤية الماضوية والرؤية المستقبلية. الرؤية الماضوية، بعد حذفها للمستقبل، تحجر التراث، وذلك بأن تلتزم بحرفيته، فلا تقبل تأويله، فتضفى عليه القداسة، ومن ثم «المطلقية» أى الدوجماطيقية. أما الرؤية المستقبلية فمتجاوزة للرؤية الماضوية، دون إلغائها، وإنما تأويلها. ومن ثم فإن الرؤية المستقبلية، من حيث هى مستقبلية، لا تلازمها الدوجماطيقية).

هنا لا يقف مراد وهبة موقف الرافض للتراث إنما يسعى إلى بناء وعى قائم على تأويل هذا التراث، حتى لا يتحجر ويصبح عائق في سبيل تقدم العقل، وحتى لا يتحول هذا التراث إلى دوجما تعمل على تكفير وهرطقة الآخر.

هنا في وعي مراد وهبة يجب أن لا يحكمنا الاموات بل يجب إعمال العقل للتحرر من حالة التقديس للماضي ومنتجاته التراثية.

ثانياً: ابن رشد ودفاعه عن العقل

دخل العقل العربي في محنة كبرى على يد الإمام أبي حامد الغزالي، لأن الإمام دخل في حالة شك قاده هذا الشك إلى إنكار قدرة العقل على إكتشاف الحقيقة لهذا إنحاز أبو حامد الغزالي إلى الإيمان كبديل موضوعي لمعرفة الحقيقة الكاملة والمطلقة. وأين توجد هذه الحقيقة فإنها توجد في الوحي الإلهي، لهذا إرتفع النص فوق العقل عنده.

فقام الإمام أبو حامد الغزالي بالرد على الفلاسفة في كتابه (تهافت الفلاسفة) حيث أدانهم بالكفر.

ونحن هنا نلخص رؤية الإمام في جانبين فقط:

١ - إنعدام السببية أو علية حدوث الأشياء.

تعتبر هذه القضية هى الضربة القاضية للعقل العربي حيث قال (الاقتران بين ما يعتقد في العادة سبباً، وبين ما يعتقد مسبباً، ليس ضرورياً عندنا، بل كل شيئين، ليس هذا ذاك، ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما، متضمناً لإثبات الآخر، ولا نفيه متضمناً لنفي الآخر؛ فليس من ضرورة وجود أحدهما، وجود الآخر، ولا من ضرورة عدم أحدهما، عدم الآخر، مثل الري والشرب، والشبع والأكل، والاحتراق ولقاء النار، والنور وطلوع الشمس، والموت وجز الرقبة، والشفاء وشرب الدواء، وإسهال البطن واستعمال المسهل، وهلم جراً، إلى كل المشاهدات، من المقترنات في الطب والنجوم والصناعات والحرف.

فإن اقترانها لما سبق من تقدير الله سبحانه، بخلقها على التساوق لا لكونه ضرورياً في نفسه، غير قابل للفوت، بل في المقدور خلق الشبع دون الأكل، وخلق الموت دون جز الرقبة، وإدامة الحياة، مع جز الرقبة، وهلم جراً إلى جميع المقترنات. وأنكر الفلاسفة إمكانه، وادعوا استحالته.

والنظر في هذه الأمور الخارجة عن الحصر يطول، فلنعين مثالاً واحداً، وهو الاحتراق في القطن مثلاً، عند ملاقاة النار، وإنا نجوز وقوع العلاقة بينهما دون الاحتراق، ونجوّز حدوث انقلاب القطن، رماداً محترقاً، دون ملاقاة النار وهم ينكرون جوازه).

هنا واضح جلياً أن الإمام ينكر السببية الطبيعية ويرجع حدوث الإشياء إلى قدرة الله تعالى، لذلك ينسب فعل الإحراق إلى الملائكة أو بدون وساطة أما النار فليس بها فعل الإحراق.

هنا يتجلى دور ابن رشد في الرد على الإمام الغزالي قائلاً (فمن أنكر وجود الأسباب الفاعلة الظاهرة في المحسوسات، فقد جحد الحكماء ورفع الفلسفة. فإن من جحد وجود الأسباب الفاعلة فقد جحد العلم، لأن العلم ليس هو شيئاً أكثر من إدراك الأسباب)

(والعقل ليس هو شيئاً أكثر من إدراكه الموجودات بأسبابها، وبه يفترق عن سائر القوى المدركة؛ فمن رفع الأسباب فقد رفع العقل. وصناعة المنطق تضع وضعاً أن هاهنا أسباباً ومسببات، وأن المعرفة بتلك المسببات لا تكون كاملة إلا بالمعرفة بأسبابها. فرفع هذه الأشياء هو إبطال للعلم وهدم له)

(فإنه إن كان كينونة الشَّيء عن الشَّيء ليست إلَّا باقترانهما أجرى الله العادة بذلك، فليس لشيءٍ من الأشياء فعلٌ يخصُّه بصفته وطبيعته، ولا لشيءٍ اسماً يخصُّه بحده. ومَنْ رفع الطبائع الذاتية للأشياء فقد رفع الذوات، إذ كانت الذوات إنما تُميز وتُعرف بأفعالها وطبائعها).

من خلال هذه الردود التي قدمها فيلسوف الاندلس نجد إنه قدم دفعاً مُحكمَاً عن العقل والعلم الطبيعي والحقيقة الفيزيائية للأشياء ولا يمكن التفسير الصحيح للعلم بدون معرفة السببية في حدوث الوقائع.

٢ - الاجماع والتأويل.

فقد رد ابن رشد على الامام الغزالي الذي كفر الفلاسفة عندما قدموا تأويل حول (قدم العالم - علم الله بالكليات - ويوم الحشر) كالآتي:

(​«فإن قلت: فإذا لم يجب التكفير بخرق الإجماع في التأويل إذ لا يتصور في ذلك إجماع، فما تقول في الفلاسفة من أهل الإسلام؛ كأبي نصر وابن سينا؟ فإن أبا حامد قد قطع بتكفيرهم في كتابه المعروف بـ «التهافت» في ثلاث مسائل: في القول بقدم العالم، وبأنه تعالى لا يعلم الجزئيات ـ تعالى عن ذلك ـ وفي تأويل ما جاء في حشر الأجساد وأحوال المعاد. ـ قلنا: الظاهر من قوله في ذلك انه ليس تكفيره اياهما في ذلك قطعاً، إذ قد صرح في «كتاب التفرقة» ان التكفير بخرق الإجماع فيه احتمال.

وقد تبين من قولنا انه ليس يمكن ان يتقرر إجماع في امثال هذه المسائل، لما رُوي عن كثير من السلف الأول، فضلاً عن غيرهم، ان ههنا تأويلات يجب ان لا يفصح بها إلا لمن هو من أهل التأويل، وهم الراسخون في العلم. لأن الاختيار عندنا هو الوقوف على قوله تعالى «والراسخون في العلم»، لأنه اذا لم يكن اهل العلم يعلمون التأويل لم تكن عندهم مزية تصديق توجب لهم من الايمان به ما لا يوجد عند غير اهل العلم. وقد وصفهم الله بأنهم المؤمنون به، وهذا انما يحمل على الايمان الذي يكون من قبيل البرهان، وهذا لا يكون إلا مع العلم بالتأويل).

يقطع فيلسوف الأندلس بضرورة التأويل للنص إذا ما صار هناك تعارضاً مع الحقيقة لهذا تحدث عن الظاهر والباطن في النص كما قال بعدم إمكانية حدوث الإجماع الذي لا يمكن خرقه.

هنا يُظهِر إبن رشد سلطان العقل كهبة من الله بحيث يستطيع التوفيق ما بين الشريعة والعقل. ويدافع عن حق التفلسف لأن البرهان هو أعلى درجات الوعي الإنساني عنده.

الخلاصة:

إذن إستدعاء إبن رشد للسياق المعاصر ليس ضرباً من الإنكفاء على الماضي ولكن هى محاولة لمقاومة الدوجماطيقية التي تعتمد على التراث المنغلق، من خلال تيار تراثي آخر يعمل على بناء عقلي حر من خلال نسق معرفي قادر على تأويل النص عندما يتعارض مع الحقيقة.الوسط الثقافي العربي الراهن يعكس حالة من الجمود الفكري يعتمد على يقينية الحقيقة المطلقة التي سجنت العقل العربي في سجون الماضي. لذلك يرى مراد وهبة أننا نحيا في القرن الثاني عشر الميلادي تحت سلطة العقل الدوجماطيقي وطريق الخروج من هذا النفق هو إستعادة وعي إبن رشد في إدراكه إنه (لا يوجد إجماع) وإنه (من حق العقل التفلسف وتأويل النص)

***

أشرف منير رمزي

أحيانًا لا نفهم كتابًا بمجرد قراءته، ولا تستقر معانيه في أعماقنا إلا بعد سنوات طويلة، حين تمنحنا الحياة تجربة جديدة تعيد ترتيب ما قرأناه، وتضيء في ذاكرتنا مناطق ظلت معتمة، وتصل بين أفكار حسبناها متباعدة، فإذا بها تلتقي في لحظة نادرة من لحظات الاكتشاف. وربما كانت أجمل لحظات المعرفة تلك التي لا تأتي من كتاب جديد، بل من الحياة نفسها؛ حين نرى بأعيننا ما قرأناه يومًا، ونشعر بأن فكرة قديمة كانت تنتظر تجربتها المناسبة كي تكشف لنا عن معناها الحقيقي. هذا ما حدث لي في مرسم الفنانة التشكيلية المغربية الأصل، الهولندية الجنسية، دنيا البيضاوية، سيدة أربعينية، خبرته في الحياة وثقافتها اكبر من عمرها. عزمتنا في منزلها الفسيح بقلب مدينة لاهاي الهولندية. هناك، بين اللوحات والألوان وتداعيات الحديث عن الفن والحياة، شعرت بأنني أعود إلى كتاب قرأته قبل أكثر من ثلاثة عقود، وأفهم منه شيئًا لم أكن قد أدركته على النحو نفسه من قبل.

تعود الحكاية إلى دمشق عام 1993، حين كنت أُعِدّ رسالة الماجستير في الوجود والماهية عند جان بول سارتر، بإشراف الدكتور أحمد نسيم برقاوي، الذي كان يتولى حينها رئاسة قسم الفلسفة بجامعة دمشق. في تلك المرحلة من حياتي، قرأت كتاب «المرأة: بحث في سيكولوجية الأعماق» لعالم النفس البلجيكي بيير داكو (1910–1992)، فكانت قراءته أشبه بنافذة انفتحت على أسئلة ظلت ترافقني منذ طفولتي: ما الذي يميز التجربة الإنسانية للمرأة عن تجربة الرجل؟ وكيف تنعكس الفروق في التنشئة والخبرة العاطفية والاجتماعية على طرائق التفكير والتعبير والإبداع؟ وهل يمكن للمرء أن يفهم العالم الداخلي للآخر من دون أن يختزله في تجربته الخاصة، أو أن يفرض عليه مقاييسه وأحكامه المسبقة؟

لم تكن تلك الأسئلة بالنسبة إليّ مجرد تمرين نظري في علم النفس أو الفلسفة، بل كانت متصلة بذاكرة شخصية قديمة، بوجوه أبي وأمي، وبالطريقة التي تشكل بها وعيي الأول بالعالم. فقد أعادت قراءة الكتاب إلى ذاكرتي مشاهد من طفولتي لا تزال حاضرة في أعماقي، كأن الزمن لم يمضِ عليها كل هذه العقود.

أتذكر أبي، رحمه الله، بما كان عليه من قسوة وصرامة وعنف في التربية. كان يردد عليّ عبارته التي لا تزال ترن في أذني: «إذا لم تكن ذئبًا أكلتك الذئاب». كانت تلك العبارة تختصر فلسفة كاملة في الحياة؛ فلسفة ترى العالم غابة، والناس ذئابًا، والنجاة فيه مرهونة بالقدرة على المواجهة والاحتراس، وربما المبادرة إلى الصراع قبل أن يسبقك الآخرون إليه. لم يكن أبي، في تقديري اليوم، يريد لنا الشر، بل كان يخشى علينا من عالم لا يثق برحمته، ويحاول أن يسلحنا بما يعتقد أنه ضروري لمقاومة قسوته. لكن الخوف حين يتحول إلى منهج في التربية قد يجعل الحياة كلها معركة، حتى عندما لا تكون كذلك.

أما أمي، رحمها الله، فكانت الوجه الآخر للعالم. كانت الحضن الدافئ الذي نهرب إليه ونحتمي به من قسوة أبي، والملاذ الذي نستعيد فيه شعورنا بالأمان بعد الخوف. كانت تقول لنا إنه يحبكم ويخاف عليكم، ثم توصيَنا بما يشبه الوصية الأخلاقية التي تختصر حكمة الحياة: حافظوا على أنفسكم ولا تكرهوا الناس؛ فإن عداوة شخص واحد أخطر من ألف صديق.

ما أبعد المسافة بين فلسفتين في التربية، وما أعمق أثرهما في تشكيل الوجدان الإنساني! هناك أب يهيئ أبناءه لمواجهة عالم الذئاب، وأم تحاول أن تحمي في نفوسهم القدرة على المحبة، وألا يتحول الخوف إلى كراهية، ولا تتحول تجربة الأذى إلى رغبة في الانتقام. لم أكن، وأنا طفل، أمتلك اللغة التي أفسر بها هذا التباين، لكنني كنت أشعر به وأعيشه. وحين قرأت كتاب بيير داكو بعد سنوات، وجدت في بعض أفكاره ما يشبه التغذية الراجعة لذاكرة قديمة؛ كأن المعرفة النظرية أعادت إليّ صورًا من حياتي، ومنحتها لغة جديدة للتأمل والفهم.

وقبل أيام، استيقظت هذه الأسئلة من جديد خلال مشاركتي في صالون تفكير، في ندوة عن رواية الكاتب والروائي المصري محمد توفيق الجديدة «موعد مع كلوني»، أدارتها الأستاذة نهلة هنو بكفاءة واقتدار. كانت الرواية، كما بدا لي من الحديث عنها، تدور أحداثها خلال يوم واحد، وتتمحور حول ثلاث صديقات من الطبقة الوسطى، فيما تشغل النساء مساحة أساسية من عالمها السردي.

ومن محاسن الصدف أنني وجدت نفسي، بعد أيام قليلة، أمام تجربة فنية جعلت هذا السؤال أكثر حضورًا ووضوحًا. فقد زرت مرسم الفنانة دنيا البيضاوية في منزلها بمدينة لاهاي، برفقة صديقي الفنان التشكيلي العراقي الأصل الألماني الجنسية. وما إن بدأت أتأمل اللوحات التي يضمها المرسم، وأستمع إلى الفنانة وهي تحدثنا عن أعمالها وتجاربها، حتى شعرت بأن شيئًا ما يتشكل في ذهني، وأن الأسئلة التي أثارتها الرواية تعود إليّ من نافذة أخرى، نافذة الفن التشكيلي هذه المرة. هناك فهمت المعنى الذي كنت أبحث عنه.

لم يكن الأمر اكتشافًا لقانون عام يفصل بين إبداع المرأة وإبداع الرجل، ولا وصولًا إلى حكم نهائي في مسألة شائكة تتداخل فيها النفسية والاجتماعية والثقافية والتاريخية. كان الأمر أقرب إلى التقاط حساسية جمالية يصعب الإمساك بها في تعريفات نظرية قاطعة، لكننا قد نشعر بها بوضوح ونحن نتأمل عملًا فنيًا، أو نقرأ رواية، أو نصغي إلى حكاية شخصية صيغت بصدق وحرارة.

في لوحات دنيا، شعرت بحضور كثيف للتفاصيل الإنسانية، وباهتمام لا ينفصل فيه الشكل عن العاطفة، ولا تنفصل فيه الأشياء عن علاقاتها بالحياة. لم تكن اللوحة عندي مجرد سطح تتجاور فوقه الألوان والخطوط، بل فضاءً تتشكل فيه علاقة بين الذات والعالم، بين الذاكرة واللحظة الراهنة، وبين ما نراه بأعيننا وما نحمله في أعماقنا من تجارب ومشاعر. كان ثمة ميل إلى الاحتفاء بالحياة في تفاصيلها الصغيرة، وإلى التقاط ما قد يبدو عابرًا أو هامشيًا، لكنه يحمل في داخله معنى إنسانيًا يستحق التأمل.

ولعل هذا هو الفارق الذي كنت أحاول الإمساك به: ليس اختلافًا في القدرة على الإبداع، وإنما اختلاف محتمل في زاوية النظر، وفي نوع التفاصيل التي تستوقف المبدع، وفي طبيعة العلاقة التي يقيمها بين الإنسان والعالم. فثمة أعمال فنية تشدنا إلى صخب الخارج، وإلى الصراع والمواجهة والقوة والحركة، وثمة أعمال أخرى تقودنا إلى الداخل، إلى الذاكرة والعاطفة والحميمية والروابط التي تمنح الحياة معناها. وقد يجتمع المساران في تجربة واحدة، أو يتبادلان المواقع، لكن حضور أحدهما أو الآخر يترك أثره في طبيعة العمل وفي إحساس المتلقي به.

ففي حدود ما استقر في ذاكرتي من قراءتي القديمة لكتاب المرأة، كان الكتاب يحاول استكشاف أعماق التجربة الأنثوية وصلتها بالحياة والأمومة والرعاية والحنان. غير أنني لا أريد أن أحول هذه الأفكار إلى حقائق نفسية نهائية، أو أن أنسب إلى الكتاب استنتاجات تفصيلية لا أستحضر نصوصها الآن. ما استدعته الزيارة هو الفكرة الأوسع: أن القدرة على احتضان الحياة ورعايتها قد تجد تعبيرًا جماليًا في الإبداع، وأن الخبرة العاطفية لا تقل شأنًا عن الخبرة العقلية في تشكيل رؤية الإنسان للعالم.

فالأمومة، بهذا المعنى الإنساني الواسع، ليست مجرد وظيفة بيولوجية، ولا ينبغي اختزال المرأة فيها أو اتخاذها معيارًا وحيدًا لأنوثتها. إنها، حين تتحول إلى قيمة أخلاقية وجمالية، صورة من صور الرعاية التي يمكن أن تتجلى في الفن والأدب والتربية والعمل الاجتماعي، كما يمكن أن نجدها لدى رجال ونساء على السواء. الإبداع ليس رحمًا بيولوجيًا، لكنه قد يكون فعلًا من أفعال منح الحياة شكلًا ومعنى؛ فالكاتب يعتني بشخصياته، والفنان يمنح اللون فرصة للكلام، والموسيقي يحتضن الصوت حتى يصير تجربة وجدانية، والمعلم يساعد فكرة على أن تولد في عقل تلميذه.

أهدتنا الفنانة دنيا لوحتين من أعمالها، فكان الإهداء في نظري أكثر من لفتة كريمة من فنانة تحتفي بضيوفها. كان امتدادًا لتلك اللحظة الجمالية التي جمعتنا في المرسم، وللحوار الذي دار بين الفن والذاكرة والفلسفة. ومن بين الأعمال التي حدثتنا عنها لوحة «البقرة الضاحكة» التي أهدتها إلى الأميرة؛ وهي لوحة تستوقفني، من حيث عنوانها على الأقل، بما يوحي به الضحك من خروج على المألوف، وبما يتيحه الحيوان في المخيلة الفنية من إمكانات للتعبير عن البراءة والمفارقة والبهجة. لكن قيمة العمل الفني لا تختزل في عنوانه، بل في الطريقة التي يبني بها الفنان علاقته بموضوعه، ويمنحه حضورًا يتجاوز وظيفته أو صورته المعتادة.

هكذا بدا لي المرسم فضاءً تتجاور فيه التجربة الشخصية مع الخيال، وتتحول فيه الأشياء المألوفة إلى أبواب للدهشة. ولعل هذا ما يفعله الفن الجيد: لا يغير العالم بالضرورة، لكنه يغير طريقة رؤيتنا إليه. يجعلنا نتوقف عند ما اعتدنا المرور به دون انتباه، ويعيد الاعتبار إلى ما أهملناه، ويمنحنا فرصة لاكتشاف أنفسنا من خلال شيء صنعه شخص آخر.

وبالعودة إلى أ لسؤال الذي أثارته رواية محمد توفيق: هل ثمة حساسية نسوية مميزة في الكتابة والفن؟ أعتقد أن الإجابة تحتاج إلى شيء من الحذر، بعيدًا عن التعميمات التي تحول الملاحظات الجمالية إلى قوانين ثابتة. نعم، يمكننا أن نلحظ في بعض تجارب النساء ميلًا إلى الحميمية، وإلى العناية بالتفاصيل الوجدانية، وإلى استكشاف الهوية والأمومة والذاكرة والتحولات الداخلية. ويمكننا كذلك أن نجد في بعض تجارب الرجال ميلًا إلى البناء الملحمي أو الصراع الخارجي أو الموضوعات السياسية والتاريخية الكبرى. لكن هذه ميول محتملة وليست حدودًا فاصلة، ولا تصلح للحكم على كل فنان أو كاتب بحسب جنسه.

ورغم ذلك الأحساس بالاختلاف فانا لست من أنصار الفصل العنصري أو النوعي في الأدب والفن، ولا أرى أن المرأة تملك احتكارًا للحنان، أو أن الرجل محكوم بغريزة الصراع. إنما أقر بوجود فروق في الخبرات الاجتماعية وفي طرائق التعبير قد تنعكس على الأعمال الإبداعية، وفروق يصعب أحيانًا القبض عليها بالمفاهيم، لكننا نشعر بها أثناء القراءة أو التأمل. والمطلوب ليس إقامة جدار بين إبداع المرأة وإبداع الرجل، بل توسيع أفق النظر حتى نستطيع استقبال اختلاف التجارب الإنسانية بوصفه مصدرًا للثراء، لا ذريعة للتمييز أو المفاضلة المطلقة فالمرأة ليست عنصرًا إضافيًا يمكن الاستعانة به حين تحتاج المجتمعات إلى مزيد من الأيدي العاملة، وليست فئة ينبغي منحها بعض الحقوق على سبيل التفضل أو الإحسان. إنها شريك أصيل في بناء المجتمع، ومصدر أساسي من مصادر تجديده المدني والثقافي والحضاري. ولا يمكن الحديث عن تنمية مستدامة فيما تُحرم النساء من فرص التعليم والعمل والمشاركة وصنع القرار، أو فيما تُختزل أدوارهن في وظائف تقررها الأعراف سلفًا، بصرف النظر عن رغباتهن وقدراتهن.

التنمية شراكة مجتمعية، والمرأة ليست موضوعًا للتنمية فحسب، بل فاعل فيها وصاحبة حق في تحديد غاياتها ووسائلها. وحين أقول إن المرأة وطن الأوطان كلها، فإنني لا أقصد حبسها داخل صورة الأمومة، ولا تحميلها وحدها مسؤولية رعاية العالم، بل الإشارة إلى ما تمثله خبرة الرعاية والحب والأمان من أساس في تكوين الإنسان. فالمرأة، بوصفها أمًا أو ابنة أو أختًا أو زوجة أو صديقة أو مواطنة أو مبدعة، ليست وظيفة واحدة، وإنما كائن إنساني كامل تتعدد إمكاناته وحقوقه واختياراته.

إن التفكير في المرأة هو، في أحد أبعاده، تفكير في الإنسان كما يعيش حياته الفعلية، لا كما تصوره الأيديولوجيات والشعارات. هو تفكير في الطفل الذي يحتاج إلى الأمان، وفي الأسرة التي لا تقوم على السيطرة وحدها، وفي المجتمع الذي لا يستطيع أن ينهض إذا جعل نصف طاقته على الهامش، وفي الحضارة التي لا تُقاس بما تشيده من مبانٍ وما تحققه من انتصارات فقط، بل بما توفره من كرامة وحرية وعدالة وفرص متكافئة للحياة والإبداع.

ولعل أجمل ما في زيارة دنيا أن هذه الأفكار لم تأتني في صورة محاضرة أو مرافعة نظرية، بل جاءت من تجربة إنسانية بسيطة: دعوة كريمة، ومرسم مفتوح، ولوحات تستحق التأمل، وحديث صادق عن الفن، وصداقة تجمع أشخاصًا من ثقافات وتجارب مختلفة. كنت برفقة فنان عراقي الأصل ألماني الجنسية، نستمع إلى فنانة مغربية الأصل هولندية الجنسية، في مدينة أوروبية تحتضن هذا اللقاء العابر للحدود. في تلك اللحظة، بدا لي أن الفن يفعل ما تعجز عنه السياسة أحيانًا؛ إنه يفتح مجالًا للقاء بين المختلفين من دون أن يطلب منهم التخلي عن اختلافهم، ويجعل الحوار ممكنًا من دون أن يشترط الاتفاق المسبق.

يومًا بهيجًا، امتد بنا إلى زيارة كورهاوس، ذلك المعلم التاريخي الشهير على شاطئ بحر الشمال في منطقة شيفينينغن. هناك، في فضاء تتعانق فيه مياه البحر مع الذاكرة المعمارية للمدينة، بدت الزيارة امتدادًا طبيعيًا لما بدأ في المرسم: تأمل العلاقة بين الإنسان والجمال، وبين التاريخ والحياة، وبين ما يصنعه البشر من آثار وما يتركونه في وجدان بعضهم بعضًا. فالمباني العريقة، مثل الأعمال الفنية، لا تكتسب معناها من مادتها وحدها، بل من التجارب والذكريات واللقاءات التي تستقر حولها، ومن قدرتها على جعل الماضي حاضرًا في وعينا.

وحين عدت بذاكرتي إلى دمشق عام 1993، وإلى كتاب بيير داكو عن المرأة وسيكولوجية الأعماق، أدركت أن بعض الأفكار تحتاج إلى سنوات طويلة كي تكشف لنا الحياة عن معناها. ففي مرسم دنيا الجميل، التقت الفلسفة بالفن، والذاكرة بالتجربة، واستعدت وجه أمي، وحكمتها التي علمتني أن النجاة لا تعني أن نصير ذئابًا، وأن القوة الحقيقية ليست في إخضاع الآخرين، بل في حماية إنسانيتنا من القسوة والكراهية. هناك فهمت أن الفن ليس مجرد ألوان وخطوط، وإنما نافذة على أعماق الإنسان، وعلى ما تختزنه الحياة من حب وحنان وذاكرة ودهشة. كل الشكر للفنانة دنيا البيضاوية على كرم ضيافتها وحفاوة استقبالها، وعلى هديتها الفنية الرائعة التي ستظل ذكرى جميلة لهذا اللقاء الإنساني الدافئ. وحين امتدت بنا الزيارة إلى شاطئ بحر الشمال في لاهاي، كان للبحر حكاية أخرى في أعماقي؛ فقد أيقظت أمواجه البعيدة ذاكرة بحر عدن، ذلك البحر الذي يسكن روحي مهما ابتعدت عنه المسافات، وتظل مياهه الزرقاء جزءًا من جغرافيتي الداخلية التي لا تعرف المنفى. ما أجمل أن يمنحنا مكان جديد فرصة العودة إلى أماكننا الأولى، وأن تقودنا لوحة إلى وجه أم، ويعيدنا بحر غريب إلى بحر الوطن! شكرًا لدنيا، وللفن الذي يجمع المختلفين، وللحياة التي تفاجئنا أحيانًا بمعانيها في أكثر اللحظات بساطة وصدقًا. فبعض اللقاءات لا تنتهي عند باب المرسم، بل تظل مفتوحة في الذاكرة، مثل لوحة جميلة، ومثل بحر عدن الذي لا يغادر القلب أبدًا.

***

د. قاسم المحبشي

يُعدُّ فعل "أعطى" فعلاً حركياً يصف حدثاً معيناً، ويشغل نطاقا واسعاً من المعاني؛ مثل: التزويد، والتبرع، والتسليم، والتقديم، والإهداء، والإخبار، والإعلام، وتقديم النصيحة. وتظل دلالات هذا الفعل عصيةً على الحصر أو التقييد نظراً لتعدد أبعاده وتنوع معانيه. ففي جوهره، ينتقل العطاء من المعطي / المانح إلى المتلقي، ويحدث في سياقات محددة تنتقل بين حالات الحاجة، والتعاطف، والتعاون، والشعور بالواجب لأداء رسالة نبيلة؛ إذ يزخر العطاء بمزيج ساحر يجمع بين ما هو حركي وما هو ساكن، وبين المادي وغير المادي، وبين ما هو مقصود وما هو عفوي.

قد يبدو فعل العطاء عملاً إنسانياً نبيلاً، لكنه بلا شك أمرٌ مُنهك ومُستنزِف؛ إذ يبذل المرء جهداً كبيراً لمواساة الآخرين، وتقديم العون لهم، ومساعدتهم في حل مشكلة ما أو تجاوز عقبة تعترض طريقهم. وهذا يعني -ضمنياً- الانخراط ذهنيا ونفسيا في همومهم ومتاعبهم، مما يجلب على صاحبه الضيق والإرهاق، لينتهي به المطاف -في الغالب- في مواجهة نكران الجميل بدلاً من التقدير. والأسوأ من ذلك كله، أن البعض ينظرون إلى هذا الشخص المعطاء نظرة ازدراء واستخفاف، واصفين إياه بالساذج، باعتباره شخصاً لم يبلغ أشده في فهم الحياة ولم يكتسب الخبرة اللازمة، ويظل غير قادر على التكيف مع الظروف المتغيرة.

إذن، لماذا يضطر المرء إلى الانخراط في متاهة كهذه، في حين يمكنه النأي بنفسه عنها والحفاظ على سلامة روحه وهدوئها؟ ولماذا يتوجب عليه دفع ثمن باهظ مقابل خدمة كان بوسعه رفضها منذ البداية، والاكتفاء بكلمة "لا" ببساطة وسرعة؟ أليس من الأفضل التحلي بالواقعية والعقلانية، بل وحتى "الأنانية" لحماية منطقة الأمان الشخصية، والاستثمار في احترام الذات وتقديرها وحبها؟ ألا يرتكز أي إنجاز ناجح على المبادرة الفردية؟ أليس الجميع مدعوين للسعي نحو بلوغ أحسن صيغة من ذواتهم (بناء واستغلال إمكانياتهم)؟ بالتأكيد، هذه تساؤلات وجيهة وموضوعية، لكنها تظل قابلة للنقاش.

ظاهريا، يتيح تبني نهج "الأخذ" توفير الوقت والجهد والتركيز على مصالحه الشخصية، بدلاً من الانشغال بالآخرين واستنزاف طاقته من أجلهم. غير أن هذا النهج يفسح المجال لهيمنة النزعة الفردية المفرطة، مما قد يقود إلى الانتهازية والانعزال عن الآخرين، ويحرم المرء من نِعَمٍ ومزايا عديدة يمكن اكتسابها من خلال التفاعل معهم. وعلاوة على ذلك، فإن هذا السلوك يجرد العلاقات الإنسانية من جوهرها وسبب وجودها، والمتمثل في الحب والتعايش وخدمة بعضنا البعض. وبعبارة أخرى، كيف يمكننا النظر إلى وجود العائلة والأصدقاء في ظل سياق تطغى فيه الفردية وتعلو المصلحة الذاتية وتُقصى كافة القيم الإنسانية الأخرى؟

لا أحد ينكر التكلفة العالية للعطاء، ولا ما يتطلبه من جهد بدني وعاطفي وذهني؛ ومع ذلك، فإن العطاء يفيض بالبركات حين ينبع من إخلاصٍ صرف. فكيف يحدث ذلك؟

يُقدِّم المرءُ العطاءَ دون انتظار مقابل، بل حتى دون انتظار كلمة "شكراً"؛ إنه يعطي من أجل العطاء ذاته، مدركاً -سواء عن وعي أو دونه- أنه يغوص في بحرٍ زاخرٍ بالبركات. وفي الواقع، يغمر شعورٌ بالسعادة والرضا نفسَ المُعطي؛ إذ يمنحه العطاء إحساساً بأهمية دوره والقدرة على تقديم عملٍ قيّمٍ يُعزز تقديره لذاته ويُنمّيه. بالإضافة إلى ذلك، فإن مد يد العون للآخرين يُكسب المرء احتراماً واعتزازاً بالنفس، إذ يدرك تماماً أهمية الخير الذي يقبل عليه، وكيف ينتصر على نوازع الشر الكامنة في داخله، وكيف يتحدى غرائزه الأولية -كالأنانية والفردية والجشع.

وأخيراً، يجعل العطاء المرء أكثر استقلالية واعتماداً على الذات؛ مما يمنح المعطي ثقةً بالنفس وشجاعةً وقوةً في الشخصية وسلاماً داخلياً. وعليه، فإن العطاء يرقى إلى وسيلة علاجية تدعم الصحة العاطفية، وتُطهّر الروح، وتحمي جوهر كياننا الإنساني.

غالباً ما نركز على الجوانب المادية للعطاء ونتجاهل أبعاده الروحية، والقيم التي ينشرها، والثقافة التي يرسخها، لكن حين نتحلى بالهدوء ونُعمل العقل ونتأمل بعمق، نُذهل أمام القيمة الهائلة للعطاء والأثر المتميز الذي يتركه. لذا، ينبغي أن يتجسد "العطاء" كعقيدة وأسلوب حياة، المعطي ينال في نهاية المطاف كل ما هو جميل خلال رحلة العطاء.

لكل عملٍ خيّرٍ تقبل عليه ثمنٌ يُدفع، ولكن في المقابل نِعَمٌ لا حصر لها تُجنى. ولكل فردٍ حرية اختيار نهجه في الحياة: إما أن يكون معطياً، أو آخذاً، أو ممن يتبادلون العطاء والأخذ بالمثل.

***

عزيز أشيبان (المغرب)

 

ثمة روايات نقرأها فنعرف حكاية، وثمة روايات نقرؤها فنعيد اكتشاف الإنسان فينا، ونكتشف أن المسافة بين المجد والانكسار، وبين الحب والخطيئة، وبين السلطة والعدالة، ليست بالاتساع الذي نتخيله. ومن هذا النوع تأتي رواية «عثماني والهوى نوميدي» للروائية الجزائرية ليلى تباني، التي تعود بنا إلى قسنطينة في زمن صالح باي، لا لكي تستعيد صفحة من التاريخ الجزائري فحسب، بل لكي تفتح أسئلة الإنسان الكبرى أمام محكمة الذاكرة والضمير.

كنت قد كتبت سابقًا عن روايتها التاريخية «تهنينان»، التي أعادتني إلى عالم الصحراء الكبرى، وإلى ذلك الفضاء الذي ظل حاضرًا في ذاكرتي القرائية منذ أن قرأت «سباق المسافات الطويلة» و«مدن الملح» لعبد الرحمن منيف، و«رجال في الشمس» لغسان كنفاني، و«تعيسة» للروائي السوداني بشرى الفاضل، التي قرأتها خلال زيارتي الخرطوم عام 2018. وقد أعادت رواية «تهنينان» إليّ متعة اكتشاف الصحراء لا بوصفها جغرافيا قاحلة فحسب، بل بوصفها ذاكرة مفتوحة على التاريخ والأسطورة والهوية وأسئلة البقاء والفناء.

كانت الصحراء في رواية «تهنينان» أكثر من مجرد مسرح للأحداث؛ كانت كيانًا حيًا يعيد تشكيل الإنسان، وفضاءً تتصارع فيه الذاكرة مع النسيان، والأثر مع المحو. وحين يصف الراوي الرمال بقوله: «رمال في رمال في رمال. كأن الرمال ابتلعت كل شيء، حتى القبور التي حفروها سرعان ما غمرتها الرياح، وكأن شيئًا لم يكن»، فإننا لا نكون أمام مشهد طبيعي فحسب، بل أمام استعارة كبرى للزمن الذي يمحو آثارنا، ويعيد ترتيب حكاياتنا، ويضع الإنسان أمام هشاشته الوجودية. غير أن ليلى تباني استطاعت، بقدرتها السردية، أن تحول تلك الصحراء الموحشة إلى واحة أدبية ظليلة، وأن تمزج التاريخ بالذاكرة، والفلسفة بالأسطورة، في تجربة روائية تستحق القراءة والتأمل.

ومن هنا أجدني، وأنا أقرأ «عثماني والهوى نوميدي»، أعود إلى سؤال الكتابة نفسها: هل ثمة اختلاف بين سرد يكتبه رجل ورواية تكتبها امرأة؟ لست من أنصار الفصل العنصري أو الجنسي في الأدب الإنساني، ولا أعتقد أن الإبداع يمكن اختزاله في جنس كاتبه، لكنني أقر بأن ثمة فروقًا دقيقة في الحساسية السردية، يصعب أحيانًا الإمساك بها بالمفاهيم والتعريفات، بينما نشعر بها بوضوح ونحن نقرأ. ففي بعض الكتابات النسوية التي قرأتها، تتسلل إلى السرد حميمية إنسانية مرهفة، حتى حين تدور الأحداث في قلب الصحراء القاحلة أو في ممالك الجن والأساطير؛ حميمية لا تلغي القسوة، لكنها تمنحها وجهًا إنسانيًا، ولا تنكر الصراع، لكنها لا تجعله اللغة الوحيدة لفهم الحياة.

في هذا النوع من الكتابة، لا تتصدر الحرب والحرق والقتل والتدمير والبطولة والنصر والهزيمة المشهد بالضرورة، ولا تتحول الشخصيات إلى أدوات لخدمة صراع محتدم يستعجل نهاياته. ثمة، بدلًا من ذلك، عناية بتفاصيل الحياة الصغيرة، وبالعلاقات الإنسانية، وبالذاكرة التي تسكن الأشياء، وبالأسماء التي تحمل مصائر أصحابها. تتقدم الحكمة والحلم والرفق والحنان، ويصبح الحب والتعاون والعشرة والاهتمام بالآخرين عناصر أصيلة في بناء العالم الروائي. وكأن الكتابة، في إحدى تجلياتها الأنثوية، لا تكتفي بصناعة الشخصيات، بل ترعاها، ولا تكتفي بتحريك الأحداث، بل تمنحها الوقت اللازم لكي تنضج وتكشف عن أسرارها.

ولعل استعارة الأمومة تساعدنا على فهم هذه الحساسية، لا بوصفها صفة بيولوجية ملازمة لكل امرأة، بل باعتبارها طاقة رمزية للرعاية والاحتضان والإنصات. فالرواية، في هذا المنظور، مولود لغوي يحتاج إلى العناية، والشخصيات كائنات لا ينبغي أن تُدفع إلى مصائرها بعنف الكاتب أو استعجاله. ومع ذلك، تظل هذه ملاحظة جمالية قابلة للنقاش، لا قانونًا عامًا؛ فالمرأة قادرة على كتابة العنف، والرجل قادر على كتابة الحنان، والأدب العظيم يتجاوز الحدود الجاهزة ليكشف ما هو إنساني ومشترك بينهما.

في «عثماني والهوى نوميدي» تتجلى هذه الحساسية في الطريقة التي تستعيد بها ليلى تباني شخصية صالح باي، حاكم قسنطينة، لا باعتباره اسمًا في سجل السلطة، وإنما إنسانًا يحمل ذاكرة مثقلة بالندم والحنين، ويقف بين ماضيه الشخصي ومصيره السياسي. إنها تنقل الشخصية من صفحات التاريخ إلى فضاء السؤال الأخلاقي: كيف يجتمع سلطان الحاكم مع هشاشة الإنسان؟ وهل يستطيع المرء أن يهرب من ماضيه، أم أن الماضي يظل مقيمًا في أعماقه، ينتظر لحظة الصمت كي يستعيد صوته؟

في المشهد الافتتاحي، يصبح البحر أكثر من خلفية مكانية؛ إنه ذاكرة عابرة للحدود، وجسر يصل قسنطينة بسميرنا، والماضي بالحاضر، والمنفى بالوطن الأول. تستيقظ في رائحته وأمواجه طفولة صالح باي وندوبه القديمة، وكأن الأماكن التي نغادرها لا تغادرنا بالضرورة، بل تستقر في أعماقنا وتظل قادرة على استدعاء ما ظننا أننا دفناه إلى الأبد.

ومن حكاية الفتى الفقير صالح، وحبه لعائشة، وصداقته بيعقوب، يتشكل جرح تأسيسي يغير مسار حياته. فموت الصديق لا يبقى حادثة عابرة في السرد، بل يتحول إلى سؤال عن الذنب والمسؤولية والهرب والتوبة. وهنا تضعنا الرواية أمام معضلة أخلاقية تتجاوز زمنها التاريخي: هل تكفي نية الإنسان لتبرئة فعله، أم أن مسؤوليته تبدأ من الاعتراف بما ترتب على ذلك الفعل من ألم وخسارة؟

إن قول صالح باي إن البوح أول التوبة يلخص جانبًا مهمًا من الرؤية الأخلاقية للعمل. فالاعتراف ليس ضعفًا بالضرورة، بل قد يكون أول أشكال الشجاعة؛ لأن الإنسان لا يبدأ مصالحة نفسه إلا حين يتوقف عن الاحتماء بالصمت. لكن الاعتراف لا يمحو الماضي ولا يعيد الموتى، وإنما يفتح بابًا لمواجهة الحقيقة وتحمل تبعاتها. ومن هنا لا تبدو الرواية دفاعًا سهلًا عن بطلها، بقدر ما تبدو محاولة لفهمه من دون إعفائه من مسؤولية أفعاله.

وتبلغ الحكاية ذروتها حين يتحول صالح باي من صاحب الأمر والنفوذ إلى رجل يُجرّد من رموز سلطته ويُساق إلى نهايته. فالتاريخ لا يمنح أحدًا حصانة أبدية، والسلطة التي تبدو راسخة قد تنقلب في لحظة إلى ذكرى. وحين يقول صالح: «لا حال يدوم»، فإنه لا يعبر عن خيبة شخصية فحسب، بل يضع أمامنا حقيقة الوجود السياسي نفسه: كل سلطة عابرة، وكل مجد قابل للانطفاء، وما يبقى في النهاية هو أثر الإنسان في الناس والمكان والذاكرة.

وتتعمق هذه الدلالة في السؤال عن الإرث الإنساني: ما الذي نتركه وراءنا حين نرحل؟ وما قيمة القصور إذا غابت العدالة، وما جدوى المجد إذا ترك وراءه دموعًا وأسئلة معلقة؟ إن التاريخ لا يُصنع بالأفعال الكبرى وحدها، بل بما تتركه تلك الأفعال من آثار في حياة البشر، وبما تثيره من أسئلة في ضمير الأجيال اللاحقة.

أما توظيف المخطوط والحكاية والذاكرة، من خلال شخصية مخلوف الذي يدون ما يسمعه من صالح باي، فيمنح الكتابة وظيفة تتجاوز نقل الوقائع إلى مقاومة النسيان. فالحياة تنتهي، لكن الكتابة تستطيع أن تحفظ صوتها، وأن تمنح الأجيال فرصة لإعادة النظر في الأحكام الجاهزة. ومع ذلك، تظل المسافة بين الذاكرة والحقيقة ضرورية؛ فالرواية ليست وثيقة تاريخية بديلة، وإنما عمل فني يعيد تخيل الماضي ويستخرج منه أسئلة الحاضر.

إنني أرى في «عثماني والهوى نوميدي» امتدادًا لتجربة روائية تستحق التقدير، وفي ليلى تباني كاتبة تسعى إلى استنطاق التاريخ واستعادة الإنسان المختبئ خلف الألقاب والأحداث. وما يجمع هذه الرواية برواية «تهنينان» ليس الموضوع التاريخي وحده، بل تلك القدرة على جعل الجغرافيا ذاكرة، والماضي سؤالًا، والشخصية الإنسانية فضاءً للصراع بين ما نريده لأنفسنا وما تفرضه علينا أفعالنا.

وحين نغلق صفحات الرواية، لا يبقى صالح باي مجرد حاكم من زمن مضى، بل يصبح مرآة نسأل أمامها عن معنى العدالة، وحدود القوة، وثمن الخطأ، وإمكان المصالحة مع الذات. وتلك، في تقديري، إحدى علامات الرواية الجديرة بالقراءة: ألا تكتفي بإمتاعنا بحكاية الماضي، بل تجعلنا نعيد التفكير في حاضرنا، وأن تترك فينا شيئًا من القلق النبيل الذي لا تمنحه الإجابات الجاهزة.

فالتاريخ لا ينتهي عند سقوط أصحاب السلطة، والإنسان لا يُختصر في خطيئة ارتكبها أو مجد بلغه. وبين ما نفعله وما نتركه وراءنا تمتد الحكاية الحقيقية؛ حكاية الإنسان الذي يرحل، وتبقى أفعاله موضوعًا لسؤال لا ينتهي، وتبقى الرواية قادرة على أن تمنح صوته حياة أخرى، وأن ترد إلى التاريخ ما قد تسقطه منه السجلات: نبض الإنسان، ووجعه، وحلمه، وحقه في أن يُفهم دون أن يُعفى من المسؤولية.

***

د. قاسم المحبشي

 

كشاف نقدي في أحدث ما كتب عن القراءة، وأحدث النظريات في صلتها بالثقافة، مع مقترح بيداغوجي في تكوين القارئ

مدخل: سؤال اللحظة

لم يعد السؤال المطروح على المثقف اليوم: ماذا نقرأ؟ بل صار: هل ما زلنا نقرأ، وبأي معنى؟ فالمفارقة التي تحكم لحظتنا أن الإنسان المعاصر يمر يوميا على كم من النصوص لم يعرفه جيل قبله، ومع ذلك تتراجع قدرته على ملازمة نص واحد طويل حتى نهايته. نحن نقرأ أكثر ونقرأ أقل في الوقت نفسه: نقرأ أكثر بمقياس عدد الكلمات التي تمر أمام العين، ونقرأ أقل بمقياس العمق والاتصال والأثر. ثم جاءت الآلة التي تلخص وتستخلص وتجيب، فصار في وسع المرء أن يحصل على خلاصة كتاب من غير أن يفتحه، وأن يستشهد بما لم يقرأه. وهنا يصير عنوان هذه الورقة سؤالا حرفيا لا مجازيا: من الذي يقرأ نيابة عنا؟

وما يلي كشاف موجه، لا قائمة عناوين. الغرض منه أن يضع بين يدي القارئ العربي خريطة بما كتب حديثا عن فعل القراءة نفسه، ثم ينظم هذه الكتابات في مسار تعلمي متدرج ينتهي بمقترح عملي في تكوين القارئ. وقد اخترت أن أقدم لكل عنوان بموقعه في الجدل لا بمضمونه فحسب، لأن قيمة الكتاب في هذا الباب تقاس بما يحاور ويرد عليه.

أولا: تفكيك المفهوم قبل الحكم عليه

الخلط الشائع في نقاشاتنا حول القراءة أنها تعامل بوصفها فعلا واحدا، وهي في الحقيقة ثلاث طبقات متراكبة، ولكل طبقة شروطها ومقاييسها وأعطابها.

الطبقة الأولى هي فك الترميز، أي تحويل العلامة المكتوبة إلى صوت ومعنى. وهي مهارة مدرسية تقاس بالسرعة والدقة، وقد تكون سليمة تماما عند من لا يقرأ كتابا واحدا في السنة.

الطبقة الثانية هي القراءة العميقة، وهي الدائرة الذهنية التي تتشكل بالتمرين لا بالفطرة، وتضم الاستدلال والقياس والتمثل والتوقع والحكم النقدي. شرطها الأول الزمن، وعدوها الأول التشتيت، وهي الطبقة التي يدور حولها الجدل العلمي كله اليوم.

الطبقة الثالثة هي القراءة بوصفها ممارسة ثقافية، أي بوصفها فعلا اجتماعيا محكوما بمن يقرأ، وبما يعد جديرا بالقراءة، وبالمؤسسات التي تمنح صفة القارئ. وهنا تلتقي القراءة بالسلطة والذوق ورؤوس الأموال الرمزية.

والقاعدة البيداغوجية التي ينبغي الانطلاق منها أن الخلل في طبقة ينتقل إلى ما فوقها ولا يظهر فيها: فمن اضطربت عنده القراءة العميقة لن يشكو من ضعف في فك الترميز، بل سيشكو من ضجر أمام الكتب، وسينسب الضجر إلى الكتب لا إلى نفسه.

ثانيا: كشاف بأحدث ما كتب عن القراءة

المحور الأول: اقتصاد الانتباه بوصفه شرطا قبليا

كريس هايز، نداء صفارات الإنذار: كيف صار الانتباه أندر موارد العالم، بنغوين برس، 2025. أطروحته أن الانتباه صار موردا يستخرج ويباع كما تستخرج المعادن، وأن التمييز الحاسم ليس بين الانتباه وغيابه، بل بين انتباه إرادي نمنحه وانتباه لا إرادي ينتزع منا. والسوق المعاصرة قائمة على استنزاف الثاني وتجفيف الأول، والقراءة أول ضحايا هذه المعادلة لأنها لا تقوم إلا بالانتباه الإرادي المتصل.

نيكولاس كار، التفتح الهائل: كيف تمزقنا تقنيات التواصل، دار نورتن، 2025. عودة إلى مشروعه القديم في كتاب السطحيون، في صورة أوسع: الاستعارة المركزية مأخوذة من تفتح الزهور الموسمي الكاسح في وادي ووكر، وهي تصور حالنا في فيض دائم من الرسائل حولنا إلى محطات إرسال واستقبال لا تتوقف. وقيمة الكتاب في وصف البنية لا في وصف الشعور.

كريستين روزن، انقراض التجربة، 2024. تكملة ضرورية للكتابين السابقين، إذ تنقل السؤال من الانتباه إلى التجربة نفسها: ماذا يبقى من الإحساس المباشر بالعالم حين يمر كل شيء عبر وسيط؟

ملاحظة نقدية: هذه الكتب الثلاثة قوية في التشخيص ضعيفة في الوصفة، وتوشك أن تقع في حتمية تقنية تجعل الآلة فاعلا والإنسان مفعولا به. ويحسن أن تقرأ بمعية أعمال سوسيولوجية تعيد الاعتبار إلى الفوارق الاجتماعية بين القراء، فليست الشاشة واحدة عند من يملك وقتا وعند من لا يملكه.

المحور الثاني: الدماغ القارئ ومادية الوسيط

ماريان وولف، أيها القارئ عد إلى بيتك، 2018. المرجع التأسيسي في هذا الباب. أطروحتها أن الدماغ ليس مهيأ للقراءة بالولادة، بل ينشئ لها دائرة خاصة، وأن هذه الدائرة قابلة للتشكل وللانحلال معا، ومن هنا دعوتها إلى دماغ مزدوج الكفاءة القرائية يتقن الورق والشاشة معا ويعرف متى ينتقل بينهما.

ناعومي بارون، كيف نقرأ الآن، مطبعة جامعة أكسفورد، 2021. مسح منهجي هادئ يقارن بين الورق والشاشة والصوت في ضوء التجارب، ويصوغ ما يسمى فرضية التسطيح: أن الوسيط الرقمي يستدعي وضعية ذهنية أقل جدية حتى قبل أن يبدأ القارئ.

ليديا ألتامورا وكريستينا فارغاس ولاديسلاو سالميرون، هل تؤتي أشكال القراءة الجديدة أكلها؟ تحليل بعدي للعلاقة بين عادات القراءة الرقمية الترفيهية وفهم النص، مجلة مراجعة البحث التربوي، 2023. هذه الدراسة هي المرجع الكمي الأهم في الملف: أربعون حجم أثر، وعينة تناهز أربعمئة وتسعة وستين ألف مشارك، والنتيجة أن علاقة القراءة الرقمية الترفيهية بفهم النص ضئيلة جدا، إذ يبلغ معامل الارتباط خمسة وخمسين من الألف، في مقابل أثر متوسط ثابت للقراءة الورقية. أي أن ساعة على الشاشة لا تعادل ساعة على الورق في المردود الفهمي.

إعلان ستافنغر حول مستقبل القراءة، 2019، الصادر عن شبكة بحث أوروبية تضم أكثر من مئة وثلاثين باحثا. خلاصته أن الورق يتفوق على الشاشة في النصوص الطويلة الحجاجية، وأن هذا التفوق لا يتقلص بمجرد اعتياد الأجيال الجديدة على الشاشة.

ملاحظة نقدية: يجب الاحتراس من تحويل هذه النتائج إلى حكم ميتافيزيقي على الشاشة. فالمتغير الحاسم ليس المادة بل نمط الانتباه الذي تستدعيه: شاشة معزولة عن الإشعارات، مخصصة لنص واحد، تقترب من الورق. والدرس هنا عملي لا عقدي.

المحور الثالث: أخلاق القراءة وسياستها

إلين كاستيو، كيف نقرأ الآن، دار فايكينغ، 2022. تنقل الكاتبة السؤال من كم نقرأ إلى كيف نقرأ ولحساب من، وتفكك المقولة الشائعة أن القراءة تعلمنا التعاطف، لأنها في نظرها تحول الآخر إلى مادة استهلاك أخلاقي. ويمتد مفهوم القراءة عندها إلى الأفلام والمسلسلات والمعاهدات، فكل ما يؤول نص.

ريتا فيلسكي، حدود النقد، 2015، ثم معلقون: الفن والتعلق، مطبعة جامعة شيكاغو، 2020. وهي تدافع عن الاتجاه المعروف بما بعد النقد، وترى أن الارتياب صار عادة مهنية لا اكتشافا، وأن الجامعة علمت أجيالا أن تفضح النصوص ولم تعلمها أن تتعلق بها، فخسرنا وصف ما يفعله الأدب بنا فعلا.

ملاحظة نقدية: قيمة هذين المرجعين في تعارضهما. فكاستيو تطلب مزيدا من الارتياب، وفيلسكي تطلب تخفيفه، وقراءتهما معا هي الجدل الحي في نظرية القراءة اليوم. والاكتفاء بواحد منهما تحزب لا تكوين.

المحور الرابع: القراءة سيرة ذاتية وعرضا مرضيا

سارة تشيهايا، رهاب الكتب: سيرة، دار راندوم هاوس، 2025، وقد بلغت التصفيات النهائية لجائزة بوليتزر سنة 2026. كتاب يقلب الأدبيات التقوية عن الكتب التي أنقذت حياتنا، ويروي كيف يمكن للكتب أن تصير هوية خانقة وعبئا ومرضا. وأهميته البيداغوجية أنه يعالج ما لا تعالجه أدبيات تشجيع القراءة: القارئ الذي أصابه العطب من فرط القراءة لا من قلتها.

المحور الخامس: القراءة الآلية وسؤال ما بعد الإنسان

فرانكو موريتي، القراءة عن بعد، 2013، وتيد أندروود، آفاق بعيدة، مطبعة جامعة شيكاغو، 2019. هنا تنتقل القراءة من النص المفرد إلى المدونة الضخمة، ومن التأويل إلى الإحصاء، فيصير السؤال عن الأنماط الكبرى عبر القرون لا عن معنى صفحة. وهو تحول في المقياس يغير طبيعة السؤال النقدي نفسه.

إميلي بندر وأليكس هانا، خدعة الذكاء الاصطناعي، دار هاربر، 2025. كتاب جدالي في نقد التضخيم التسويقي للنماذج اللغوية، وهو يعنينا مباشرة لأن هذه النماذج تسوق اليوم بوصفها بديلا عن القراءة لا أداة في خدمتها.

والسؤال الذي ينبغي أن يطرح بإنصاف: هل تقرأ الآلة؟ إنها تعالج النص وتستخرج علاقاته باقتدار يفوق قدرتنا في المسح والمقارنة، لكن الطبقة الثالثة من القراءة، أي الموقع والمسؤولية والانخراط في تاريخ، تظل خارج ما تفعله. والنقاش في هذا مفتوح بين من يرى أن الفهم الوظيفي كاف، ومن يرى أن الفهم بلا موقع ليس فهما، ولا يحسن بالباحث أن يحسم ما لم يحسمه أهل الاختصاص.

المحور السادس: ما كتبناه نحن

عبد الفتاح كيليطو في أعماله، ولا سيما لن تتكلم لغتي، والأدب والغرابة، وأتكلم جميع اللغات لكن بالعربية. عنده أن القراءة اختبار للغرابة، وأن سوء الفهم قد يكون خصبا، وأن علاقتنا بتراثنا نفسها علاقة قراءة لا علاقة ملكية.

سعيد يقطين، من النص إلى النص المترابط. مقاربة عربية مبكرة للنص الرقمي وتفرعاته، تستحق أن تستأنف اليوم في ضوء ما استجد.

عبد الله الغذامي في النقد الثقافي، حيث تصير القراءة كشفا للأنساق المضمرة في الخطاب الجمالي نفسه.

نصر حامد أبو زيد في إشكاليات القراءة وآليات التأويل، وهو مدخل إلى الجدل العربي حول حدود التأويل ومشروعيته.

ويضاف إلى ذلك ما تراكم من تقارير حول المقروئية العربية منذ مؤشر القراءة العربي سنة 2016، وهي تقارير تحتاج إلى تحديث منهجي ودوري، لأن الاعتماد عليها اليوم اعتماد على صورة قديمة.

ملاحظة عامة: مكتبتنا العربية غنية في نظرية التأويل، فقيرة في سوسيولوجيا القراءة الميدانية. نحن نعرف كيف يجب أن يقرأ النص، ولا نعرف كيف يقرأ الناس فعلا. وهذه هي الفجوة التي ينبغي أن يتوجه إليها البحث العربي في العقد المقبل.

ثالثا: أحدث النظريات في وصل القراءة بالثقافة

النظرية الأولى: ما بعد النقد. تنطلق من أن القراءة الارتيابية، التي ورثناها عن ماركس ونيتشه وفرويد ثم عن مدارس ما بعد البنيوية، صارت إجراء آليا يفترض أن النص يخفي شيئا دائما وأن مهمة الناقد فضحه. وتقترح فيلسكي بديلا يصف أشكال التعلق والاستعمال والتأثر، فيكون السؤال: ماذا يفعل النص بنا، لا ماذا يخفي عنا. وأثرها الثقافي أنها تعيد الاعتبار إلى القارئ العادي الذي يقرأ ليحيا لا ليكشف.

النظرية الثانية: إيكولوجيا الانتباه، كما بلورها إيف سيتون. الانتباه ليس ملكة فردية بل مورد جماعي تنظمه بنى اقتصادية وتقنية، تماما كما ينظم الماء والهواء. ومن هنا تصير القراءة قرارا سياسيا: أن تخصص انتباهك لنص طويل معناه أن تسحبه من سوق تشتريه بثمن بخس. وهذه النظرية هي الجسر النظري بين أدبيات الانتباه وأدبيات القراءة.

النظرية الثالثة: مادية الوسيط والقراءة المجسدة. تجمع بين تمييز كاثرين هايلز بين الانتباه العميق والانتباه المتشعب، وبين أبحاث آنه مانغن حول اللمس والمكان في القراءة: اليد التي تقلب، والصفحة التي تمنح النص جغرافيا، والذاكرة المكانية التي نستعيد بها موضع الفكرة. ومؤداها الثقافي أن الشكل المادي للكتاب ليس غلافا محايدا للمعنى، بل جزء من شروط إنتاجه.

النظرية الرابعة: القراءة بوصفها استعمالا وتصيدا. أصلها عند ميشيل دو سيرتو الذي وصف القارئ بأنه صياد يعبر أرض غيره ويقتنص منها ما ليس له، فالقراءة إنتاج صامت لا استقبال سلبي. وتلتقي بها أعمال بورديو في رأس المال الثقافي، وأبحاث سوسيولوجيا القراءة حول ما سمي طبقة القراء، أي أن القراءة ممارسة توزع اجتماعيا كما توزع الثروة. ومؤداها أن أي سياسة ثقافية للقراءة لا تعالج شروط الوقت والمكان والمكتبة ستظل خطابة.

النظرية الخامسة: القراءة الحاسوبية وتغير المقياس. حين ينتقل التحليل من عشرات النصوص إلى مئات الآلاف، لا يتغير حجم الشغل فحسب، بل تتغير طبيعة الأسئلة الممكنة، وتظهر أنماط لا يدركها القارئ المفرد ولو عاش قرونا. وفي المقابل يغيب ما لا يقبل العد. والموقف الرشيد أن تعامل هذه القراءة بوصفها مرصدا يكشف التضاريس، لا بديلا عن النزول إلى الوادي.

النظرية السادسة: أخلاق التلقي. وهي التي تجعل بين القارئ والنص عهدا لا صفقة، وتسأل عن مسؤولية القارئ لا عن حقوقه فحسب. وهنا موضع إسهام ممكن للثقافة العربية الإسلامية، فالقراءة في تقاليدنا لم تكن يوما استهلاكا محايدا: كان لها آداب وأسانيد وإجازات، وكانت تتم في مجلس بحضور شيخ ومدارسة أقران، وكان بطء هذه العملية جزءا من جدواها لا عائقا أمامها. ولسنا ندعو إلى استعادة حرفية لهذه الصورة، وإنما إلى استخراج مبدئها البيداغوجي: أن القراءة تكوين للشخص لا تحصيل للمعلومة، وأن الجماعة القارئة شرط في جودة القراءة الفردية.

رابعا: أين تقف الثقافة العربية من هذا كله؟

يمكن اختزال موقعنا في ثلاث فجوات. الفجوة الأولى فجوة المعطى: لا نملك مسوحا دورية موثوقة عن عادات القراءة العربية بحسب الفئات والوسائط والمناطق، ومن غير معطى لا تبنى سياسة ولا يقاس أثر. والفجوة الثانية فجوة الوسيط: انتقلنا إلى الشاشة انتقالا جماعيا سريعا من غير بيداغوجيا مرافقة، فورثنا عادات المسح والقفز من غير أن نحفظ عادات المكث والاتصال. والفجوة الثالثة فجوة التقليد: قطعنا الصلة العملية بآداب المجالس والمدارسة والإجازة، وهي تراث بيداغوجي في القراءة الجماعية البطيئة كان في وسعه أن يكون مصدر حلول لا مجرد موضوع افتخار.

خامسا: مقترح بيداغوجي في تكوين القارئ

ما يلي منهاج عملي متدرج، يصلح للفرد وللحلقة وللمؤسسة التعليمية، وقد صيغ في ست محطات، لكل محطة هدف وإجراء ومؤشر تقويم.

المحطة الأولى: التشخيص. الهدف أن يعرف المتعلم عادته الفعلية لا عادته المتخيلة. والإجراء أن يمسك يوميات قرائية أسبوعين يسجل فيها ما قرأ ومدته ووسيطه وعدد المقاطعات. والمؤشر أن يستخرج في نهاية المدة متوسط أطول مدة انتباه متصل عنده.

المحطة الثانية: استعادة الزمن الطويل. الهدف ترميم دائرة القراءة العميقة. والإجراء جلسة يومية متصلة لا تقل عن خمس وأربعين دقيقة، على ورق، بعيدا عن أي جهاز، في وقت ثابت من اليوم. والمؤشر ارتفاع مدة الاتصال من غير شعور بالجهد خلال أربعة أسابيع.

المحطة الثالثة: توزيع الوسائط بوعي. الهدف الانتقال من العشوائية إلى القصد. والإجراء قاعدة ثلاثية: الورق للنص الطويل والحجاجي والمرجعي، والشاشة للبحث والمسح والاطلاع السريع، والصوت للسرد وللمراجعة لا للتأسيس. والمؤشر أن يكون المتعلم قادرا على تعليل اختياره للوسيط في كل مرة.

المحطة الرابعة: القراءة الثانية. الهدف الانتقال من الاستهلاك إلى التملك. والإجراء إعادة قراءة نص مختار مع التعليق على الهامش، ثم تلخيصه بالقلم من غير عودة إلى الأصل ومن غير أداة. والمؤشر مطابقة التلخيص لبنية النص لا لألفاظه.

المحطة الخامسة: المدارسة. الهدف إعادة بناء الجماعة القارئة. والإجراء حلقة أسبوعية على نص واحد، يتناوب أعضاؤها على تقديمه ومساءلته، على مثال مجالس القراءة في تقاليدنا العلمية. والمؤشر جودة الاعتراضات لا كثرة الإعجاب.

المحطة السادسة: مساءلة العقد. الهدف بلوغ الطبقة الثالثة من القراءة. والإجراء أن توجه إلى كل نص أربعة أسئلة ثابتة: من كتبه ومن أين يتكلم، ولمن كتب ومن تخيله قارئا، وماذا يفترض في مسبقا، وماذا يخفي ترتيبه لا ألفاظه. والمؤشر أن يصير طرح هذه الأسئلة عادة لا تكلفا.

أما التقويم الإجمالي فيقوم على أربعة معايير: مدة الانتباه المتصل، ونسبة النصوص المعاد قراءتها إلى مجموع المقروء، والقدرة على التلخيص الذاتي من غير وسيط، وجودة الأسئلة التي يطرحها المتعلم على النص. وهذه المعايير الأربعة صالحة لأن تحول إلى شبكة تقويم في مؤسسة تعليمية أو في برنامج ثقافي عمومي.

خاتمة

حين نسأل: من يقرأ نيابة عنا، فالجواب أنه من نتركه يفعل. تركنا الخوارزمية تختار لنا ما نقرأ، ثم تركنا الآلة تلخص لنا ما لم نقرأه، وقد ننتهي إلى أن نترك لها أن تحكم لنا على ما لم نلخصه. وليس المخرج في حنين إلى زمن الورق ولا في تحريم الشاشة، وإنما في أن تستعاد القراءة بوصفها قرارا واعيا، وأن يبنى هذا القرار بالتدريب لا بالوعظ. فالبيداغوجيا هي الاسم الذي نطلقه على تحويل القرار إلى عادة، والعادة إلى ثقافة. وما لم تحصل هذه النقلة، سنظل نحتفل بالكتاب في المعارض ونهجره في البيوت.

***

د محمد غاني – كاتب / المغرب

ثمة شيء غريب في الأشياء العابرة يجعلها أكثر جمالاً. ربما لأننا، حين نعرف أن لحظة ما لن تدوم، نكف عن النظر إليها بعين العابر، ونمنحها انتباهناً. إن معرفة النهاية لا تنتقص من قيمة اللحظة، بل على العكس، تضاعفها؛ تجعلنا أكثر حضوراً فيها، وأكثر قدرة على تذوق تفاصيلها قبل أن تنسحب من بين أيدينا. كأن الفناء نفسه يوقظ فينا حاسة الجمال.

في اليابان، تتجسد هذه الفكرة بوضوح في زهرة الكرز، أو ساكورا. خلال فترة نارا، بين عامي (710- 794 ميلادي)، كانت أزهار الكرز مرتبطة بمواسم الزراعة وبالتنبؤ بالمحاصيل؛ فالتفتح المبكر كان يُستبشر به، بينما كان تساقط الأزهار سريعاً يثير القلق من الجفاف أو من أزمنة مضطربة. لكن الزهرة التي كانت ذات يوم علامة على خصوبة الأرض أصبحت اليوم واحدة من أكثر الرموز اليابانية تعبيراً عن الجمال.

في موسمها، يتوافد الناس إلى الحدائق لمشاهدة الأشجار وهي تغطي المكان ببياضها وورديتها، قبل أن تبدأ البتلات في السقوط. وتلك هي مفارقة الهانامي: أن نحتفل بجمال نعرف مسبقاً أنه لن يبقى. لا نذهب إلى الزهرة لأنها خالدة، بل لأننا نعرف أنها سترحل.

وهنا يكمن سر الجمال الزائل. إنه الجمال الذي يشبه قوس قزح لا يمكن الإمساك به، أو موجة هائلة ترتفع ثم تنكسر، أو ندى الفجر قبل أن تمتصه الشمس، أو الغسق وهو يعبر السماء للحظات، أو الكسوف حين يحجب الضوء ثم يعيده، أو زهرة قُطفت من ساقها لتعيش زمناً أقصر مما كان يمكن لها أن تعيشه.

كلها لحظات لا تستمد قيمتها من دوامها، بل من هشاشتها. حتى الأفعال اليومية، التي تبدو للوهلة الأولى عادية ومتكررة، يمكن أن تتحول إلى طقوس جمالية حين نمنحها ما تستحقه من انتباه. يكفي أن نتأمل طقس الشاي الياباني. فإعداد كوب من الشاي ليس مجرد إعداد لمشروب ساخن؛ إنه احتفاء بالضيف، واحترام للمكان، وعناية بكل أداة، ونظافة دقيقة، وحلوى تقدم قبل الشاي لتخفف مرارة العشبة، وانحناءة تحمل في بساطتها معنى الامتنان.

إن اليقين بأن شيئاً ما سينتهي، يدفعنا إلى أن نعيشه بحدة أكبر.  وهنا تكمن قدرة اللحظة العابرة على أن تصبح أبدية.

لقد التقط والتر بنيامين هذه المفارقة حين ربط بين الطبيعة العابرة وبين ما يمكن أن يكتسب صفة الأبدية من خلال فن التذكر. فالسعادة، في جوهرها، ليست امتلاك اللحظة والاحتفاظ بها، وإنما المرور بها بكامل الوعي، بحيث يتحول ما كان عابراً في الزمن إلى شيء دائم في الذاكرة.

ولعل أبيات روبرت فروست في قصيدته «لا شيء ذهبي يمكن أن يبقى» تختصر هذه الفكرة ببساطة موجعة: كل ما هو أخضر يبدو ذهبياً في بدايته، لكن هذا الذهب لا يدوم؛ الورقة تصبح زهرة، والزهرة لا تلبث أن تذبل، والفجر ينسحب أمام النهار، وكل ما يلمع يفقد لمعانه.

إن جمال الأشياء يتكثف أحياناً لأنها لا تصلح للتملك. فما لا يمكن الاحتفاظ به يدفعنا إلى الاستمتاع به. وما لا يمكن تحويله إلى ملكية يبقى خارج منطق المنفعة والحساب. وربما لهذا كان مونتين محقاً حين رأى أن السعادة لا تأتي من التملك بقدر ما تأتي من الاستمتاع. نحن لا نملك الغروب، ولا الموسيقى، ولا الضحكة، ولا الحب، ولا اللحظة التي نشعر فيها بأن العالم، لسبب غامض، أصبح أكثر اتساعاً.

نحن نمر بها فقط. وهذا المرور هو الذي يمنحها قيمتها. هناك مفهوم ياباني يعبّر عن هذا الوعي بجمال الأشياء وهي تتلاشى:" مونو نو أوا ري"، ذلك الإحساس الرقيق الذي ينشأ حين ندرك جمال الشيء في اللحظة نفسها التي ندرك فيها فنائه. إنه ليس حزناً خالصاً، ولا فرحاً خالصاً، بل مزيج غريب من الدهشة والأسى والامتنان. أن تحب الشيء، وفي اللحظة ذاتها، تعرف أنك ستفقده.

إنه اليوم الأخير من رحلة طويلة. الصفحات الأخيرة من كتاب تمنيت ألا ينتهي. الحفل الذي تدرك، وأنت تسمع موسيقاه، أن الأغنية الأخيرة ستأتي بعد قليل. مسرحية يسدل ستارها. ابتسامة تعرف أنها لن تتكرر بالطريقة نفسها. لقاء تعلم منذ بدايته أنه يحمل في داخله موعد الفراق.

في كل هذه اللحظات، لا يكون الحزن نقيض الجمال، بل أحد شروطه. وربما يحدث الأمر نفسه مع الحياة. إنها فريدة لأنها محدودة. ولو كانت بلا نهاية، لفقدت شيئاً أساسياً من قدرتها على إدهاشنا. إن الموت، على قسوته، هو الذي يمنح الحياة إحساسها بالعجلة، ويجعل للوقت وزناً، وللحظة معنى، وللحب ضرورة. نحن لا نعرف أي لحظة ستكون الأخيرة، ولذلك تبدو كل لحظة، في احتمالها الخفي، جديرة بالانتباه.

من هنا تأتي حكمة كاربي دييم: لا تؤجل الحياة إلى وقت آخر، لأن الوقت نفسه لا يَعِدنا بشيء. لا لأن علينا أن نعيش في لهاث دائم، وإنما لأن الحاضر هو الشيء الوحيد الذي نملكه فعلاً قبل أن يتحول هو الآخر إلى ذكرى.

ربما لهذا لا يكون الزائل أقل قيمة من الدائم، بل أكثر إلحاحاً. فأجمل ما في بعض الأشياء أنها لا تمنحنا فرصة ثانية لرؤيتها بالطريقة نفسها. نحن لا نحتفظ بالحياة؛ نحن نعبرها. وما يبقى منها ليس اللحظات ذاتها، بل أثرها فينا: صورة، كلمة، وجه، رائحة، يد أمسكت بنا ذات مساء، أو ضوء سقط على نافذة ثم اختفى.

ذلك هو الجمال الزائل: أن ما يغادرنا في الزمن قد يبقى في الذاكرة، وأن اللحظة التي لم تدم إلا ثواني قد تصبح، في أعماقنا، أطول من العمر كله. لذلك ربما لا يكون المطلوب أن نبحث عن الأشياء التي تدوم، بقدر ما ينبغي أن نتعلم كيف نرى الأشياء قبل أن ترحل.

فالحياة لا تصبح ثمينة لأنها أبدية، وإنما لأنها عابرة. وما يجعل اللحظة جديرة بأن تُعاش بكل إمتلاء، هو بالضبط ذلك الهمس الخفي الذي يرافقها منذ بدايتها بأنها لن تبقى.

***

محمد إبراهيم الزموري

هل الجمال أساس الحب، أم أن الحب هو الذي يصنع الجمال؟

المفارقة التي يخفيها الحب

نحن نعيش في عالم يمنح الجمال مكانة استثنائية، حتى باتت الصورة الخارجية إحدى اللغات التي يتخاطب بها البشر قبل أن يعرف بعضهم بعضًا. فالوجه الجميل يستأثر بالانتباه، والملامح المتناسقة تحظى بالإعجاب، وبعض الصفات الجسدية تتحول، بفعل العادات والثقافة والإعلام، إلى مقاييس شبه عامة للجاذبية. ومع ذلك، فإن التجربة الإنسانية تضعنا أمام مفارقة لا يمكن تجاهلها: لماذا يحب بعض الناس أشخاصًا لا تنطبق عليهم معايير الجمال السائدة، بينما يعزف آخرون عن أشخاص تتوافر فيهم تلك المعايير؟ وإذا كان الجمال هو الأساس الذي يقوم عليه الحب، فكيف نفسر انجذابًا يتجاوز الصورة، أو تعلقًا يجعل صاحبه يرى في إنسان لا يلفت أنظار الآخرين جمالًا لا يضاهى؟

لعلنا اعتدنا أن نختصر هذه المعضلة بعبارة رومانسية مألوفة تقول إن الحب يأتي من القلب، وكأن القلب عالم مستقل عن العين والعقل والذاكرة والتجربة. غير أن هذه العبارة، على ما تحمله من جاذبية وجدانية، لا تفسر لنا حقيقة ما يحدث في النفس البشرية، بل ربما تحجب عنا السؤال الأهم: ما الذي يجعل إنسانًا بعينه موضوعًا للحب، في حين يظل إنسان آخر، قد يكون أكثر جمالًا وفق المقاييس الشائعة، خارج دائرة الانجذاب؟

إن المسألة ليست في المفاضلة بين الجمال والقبح بقدر ما هي في فهم الكيفية التي يتكون بها الحكم على الجمال، والدور الذي تؤديه النفس في تحويل صورة إنسان إلى موضوع للرغبة والتعلق. فهل نحب لأننا نرى الجمال، أم أننا نرى الجمال لأن شيئًا في داخلنا قد اختار أن يحب؟ هذا السؤال هو المدخل إلى العلاقة المعقدة بين فلسفة الجمال وسيكولوجية الحب، وإلى احتمال أن تكون الصورة الخارجية مجرد بداية لحكاية أعمق، لا نهايتها.

فلسفة الجمال: هل الجمال في الشيء أم في عين من يراه؟

لم يكن الجمال مسألة عابرة في تاريخ الفكر الفلسفي، بل ظل سؤالًا تتقاطع عنده الفلسفة والفن وعلم النفس. فمنذ العصور القديمة، حاول المفكرون معرفة ما إذا كان الجمال قائمًا في الأشياء ذاتها، بوصفه نظامًا من التناسب والانسجام، أم أنه يتشكل من خلال إدراك الإنسان وتفاعله مع ما يراه. وإذا كان أفلاطون قد ربط الجمال المحسوس بمعنى أسمى يتجاوز المظهر، فإن تاريخ الفلسفة الحديثة أعاد طرح السؤال بصورة مختلفة، واضعًا الذوق الإنساني وطبيعة الحكم الجمالي في مركز الاهتمام.

وفي هذا السياق، يكتسب فكر الفيلسوف الأسكتلندي ديفيد هيوم أهمية خاصة؛ إذ تناول مسألة الذوق واختلاف الأحكام الجمالية بين الناس، وبيّن أن الحكم على الجمال يتأثر بطبيعة المتلقي وخبرته وحساسيته، مع إقراره بإمكان تنمية الذوق وصقله. فالجمال، وفق هذا المنظور، ليس حكمًا آليًا تتفق عليه العقول جميعًا، بل تجربة تتداخل فيها خصائص الشيء مع قدرة الإنسان على إدراكها وتقديرها.

أما إيمانويل كانط، فقد تناول الحكم الجمالي من زاوية أخرى، مميزًا بين الاستمتاع بالجمال وبين الرغبة في امتلاك الشيء أو الانتفاع به. وقد أتاح هذا التمييز فهمًا أعمق لطبيعة التجربة الجمالية، لكنه لا يعني أن الحب والعلاقات الإنسانية يخضعان بالضرورة للشروط نفسها التي يخضع لها الحكم على لوحة فنية أو منظر طبيعي؛ فالحب يتضمن الرغبة والعاطفة والتفاعل المتبادل، وهي عناصر تجعل المسألة أكثر تعقيدًا.

وإذا نقلنا هذا النقاش إلى جمال الإنسان، ظهرت المشكلة بوضوح أكبر. فثمة صفات جسدية قد تحظى بتفضيل واسع، مثل تناسق الملامح أو بعض مظاهر الصحة والحيوية، لكن ذلك لا يعني وجود معيار واحد ثابت يحدد انجذاب جميع البشر. فالأذواق تختلف باختلاف الأفراد والبيئات والتجارب، كما تتغير المعايير الجمالية تاريخيًا وثقافيًا. إن وجود صفات جمالية يقدّرها كثيرون لا يعني أن هذه الصفات وحدها قادرة على تفسير الحب.

ومن هنا ينبغي التمييز بين الجمال بوصفه حكمًا على صورة مرئية، والجمال بوصفه تجربة شخصية تنشأ في علاقة الإنسان بما يراه. قد نتفق على أن وجهًا ما جميل، لكننا لا نتفق بالضرورة على مقدار الانجذاب الذي يثيره فينا، ولا على قدرته على أن يصبح موضوعًا للحب. فالإعجاب بالجمال لا يساوي الحب، كما أن الاعتراف بجمال شخص لا يفرض علينا أن ننجذب إليه.

وهكذا لا تعود المسألة مجرد سؤال عما إذا كان الجمال موضوعيًا أم ذاتيًا، بل تصبح سؤالًا عن حدود تأثيره: إلى أي مدى تستطيع الصورة الخارجية أن تقرر مصير علاقة إنسانية قبل أن تتدخل النفس بكل ما تحمله من خبرات ورغبات وتصورات؟ عند هذه النقطة نغادر حدود فلسفة الجمال إلى منطقة أكثر تشابكًا، هي سيكولوجية الجمال.

سيكولوجية الجمال: العين التي ترى أكثر مما ترى

إذا كانت فلسفة الجمال تسأل عن طبيعة الجمال ومعايير الحكم عليه، فإن سيكولوجية الجمال تحاول فهم العمليات التي تجعل شخصًا ما جذابًا في نظر شخص آخر. فالإنسان لا يستقبل العالم بعين مجردة تعمل بمعزل عن بقية كيانه، وإنما يدركه من خلال منظومة متداخلة من الانتباه والذاكرة والعاطفة والتوقعات والخبرات السابقة. ولهذا فإن ما نراه لا يتحدد دائمًا بما يوجد أمامنا وحده، بل يتأثر أيضًا بالطريقة التي نستقبل بها ما نراه ونمنحه المعنى.

قد يلفت وجهٌ ما انتباهنا في اللحظة الأولى، بفعل تناسق ملامحه أو تعبيراته أو حركاته، لكن الانتباه الأولي لا يكفي وحده لتفسير نشوء الحب. فقد يصبح الصوت مألوفًا ومحببًا، وتتحول طريقة الحديث إلى مصدر للانجذاب، وتكتسب حركة عادية أو ابتسامة بسيطة معنى خاصًا، لأننا ربطناها بتجربة وجدانية أو بذكرى جميلة أو بإحساس بالراحة والألفة. وفي المقابل، قد يفقد الوجه الذي كان يثير إعجابنا بعض جاذبيته عندما نكتشف في صاحبه صفات تنفّرنا منه أو تتعارض مع قيمنا وتوقعاتنا.

إن هذه التحولات تشير إلى أن الانجذاب ليس مجرد استجابة ثابتة للملامح، بل عملية تتطور مع المعرفة والتفاعل. فالتجارب المشتركة قد تجعل بعض الصفات أكثر بروزًا في وعينا، والتوقعات قد تدفعنا إلى تفسير السلوك بطريقة إيجابية أو سلبية، والمشاعر قد تؤثر في تقديرنا للمظهر نفسه. وحين نرتبط بشخص عاطفيًا، قد نبدأ بملاحظة تفاصيل فيه لم تكن تستوقفنا من قبل، أو نمنح صفات عادية قيمة جمالية لم نكن نراها فيها سابقًا.

لكن ينبغي ألا نقع في خطأ معاكس، فنفترض أن كل جمال مجرد وهم تصنعه العاطفة، أو أن المظهر الخارجي لا يؤدي أي دور في الانجذاب. فالجاذبية الجسدية قد تكون عاملًا مهمًا في بداية بعض العلاقات، كما أن التوافق النفسي والقرب والتجارب المشتركة قد تؤدي أدوارًا أخرى في استمرارها وتعميقها. وتختلف أوزان هذه العوامل من شخص إلى آخر، ومن علاقة إلى أخرى، ولا توجد قاعدة واحدة تفسر جميع التجارب الإنسانية.

الأهم من ذلك أن النفس لا تستقبل الصفات منفصلة دائمًا، بل قد تجمع بينها لتكوين انطباع كلي عن الشخص. فالثقة قد تبدو جاذبية، واللطف قد يضفي على الملامح رقة، والذكاء قد يزيد الحضور تألقًا، والشعور بالأمان قد يجعل القرب من شخص معين تجربة محببة. وفي بعض الحالات، قد تصبح هذه الصفات أكثر أهمية من المقاييس الشكلية التي كانت تحظى بالأولوية في بداية التعارف.

إن العين لا ترى الملامح وحدها؛ إنها ترى الملامح من خلال تجربة صاحبها وتوقعاته ومشاعره. ولا يعني ذلك أن ما تراه العين كاذب، بل يعني أن إدراك الجمال الإنساني أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في حكم سريع على الوجه أو الجسد.

وهنا تبرز الفكرة التي تستحق التوقف عندها: ربما لا يكون الجمال دائمًا سببًا سابقًا للحب، بل قد يتحول، في بعض العلاقات، إلى نتيجة من نتائج التعلق. فحين يصبح إنسان ما مهمًا في حياتنا، قد تتغير الطريقة التي نرى بها تفاصيله، ويغدو ما كان عاديًا في السابق جزءًا من جاذبيته الخاصة. عندئذ لا تعود الصورة وحدها هي التي تقود الشعور، بل يصبح الشعور نفسه عاملًا يؤثر في الصورة.

الحب يتحدى مقاييس الجمال: حين يتجاوز الانجذاب الصورة

لنتأمل مثال امرأة شقراء جميلة، وفق معايير الجمال الشائعة في محيطها، تقع في حب رجل أسود لا يراه بعض الناس، وفق المعايير نفسها، جميلًا بالقدر الذي يرونه فيها. هذا المثال لا ينبغي أن يتحول إلى حكم على لون البشرة أو الأصل؛ فلا لون يجعل الإنسان جميلًا أو قبيحًا بطبيعته. المقصود هو اختبار المقاييس الاجتماعية التي تمنح بعض الصفات مكانة أعلى من غيرها، ثم تتعامل معها أحيانًا كما لو كانت معيارًا عالميًا.

إذا افترضنا أن الحب لا يتجاوز الإعجاب بالصورة الخارجية، فسيبدو هذا الاختيار محيّرًا: لماذا لا تختار المرأة، التي تُعدّ جميلة في نظر الآخرين، رجلًا يطابق الصورة التي يصفها مجتمعها بالجمال؟ لكن الحيرة نفسها تكشف ضعف هذا الافتراض. فالمرأة لا تختار بالضرورة وفق ترتيب المجتمع للوجوه والأجساد، كما أن جمالها لا يلزمها بأن تنجذب إلى الشخص الذي يمنحه الآخرون أعلى تقييم بصري. إن جمال شخص في نظر الناس لا يفرض عليه ذوقًا محددًا، ولا يحدد مسبقًا من يستطيع أن يحب.

يمكن أن تكون المرأة قد رأت في الرجل ملامح تجذبها فعلًا، حتى لو لم تكن تلك الملامح محط إعجاب المحيطين بها. وقد يكون انجذابها متعلقًا بحضوره أو صوته أو حركته أو بطريقة تعامله، أو بتفاصيل في صورته لا يلتفت إليها الآخرون. لكن لا ينبغي أن نتسرع فنستبدل تفسيرًا مبسطًا بآخر؛ فليس ضروريًا أن يكون وراء كل علاقة سرّ نفسي واحد، ولا أن تكون المرأة قد تجاهلت الصورة الخارجية تمامًا. الأهم أن حكمها الشخصي لا يتطابق بالضرورة مع الحكم الجماعي.

إذن، هل تخلّت هذه المرأة عن الجمال حين أحبّت رجلًا لا يراه الآخرون جميلًا، أم أنها كشفت أن الجمال الذي نتحدث عنه ليس معيارًا واحدًا؟ إن المثال لا يثبت أن الصورة الخارجية بلا أهمية، لكنه يضع حدًا لفكرة أنها صاحبة القرار الوحيد. كما يذكّرنا بأن كلمة «قبيح» كثيرًا ما تصف حكمًا صادرًا عن معيار معيّن، لا حقيقة مطلقة يتعين على كل عين أن تراها بالطريقة نفسها.

لهذا تبدو عبارة «الحب يأتي من القلب» غير كافية وحدها. فهي تسمّي التجربة، لكنها لا تشرح كيف يبدأ الانجذاب، وكيف تتشكل التفضيلات، ولماذا تختلف أحكام الناس على الصورة الواحدة. إن السؤال الأعمق ليس ما إذا كان الحب يلغي الجمال الخارجي، بل كيف يتفاعل هذا الجمال مع إدراك الفرد، ومعايير مجتمعه، والتجربة الخاصة التي تجعله يختار شخصًا دون آخر.؟

الحب يعيد صناعة الجمال: هل نحب لأننا نرى الجمال أم نراه لأننا نحب؟

قد يبدأ الحب بإعجاب بصري واضح، وقد يبدأ بانجذاب يصعب تفسيره. لكن العلاقة، حين تتطور، يمكن أن تغيّر طريقة رؤيتنا للتفاصيل. فالملمح الذي لم يكن لافتًا قد يصبح محببًا، والابتسامة أو نبرة الصوت أو طريقة الحركة قد تكتسب معنى خاصًا. هنا لا يتغير الوجه بالضرورة، بل تتغير الطريقة التي يُرى بها.

الحب لا يمحو الصورة الخارجية، ولا يجعل كل شخص جميلًا في نظر كل محب، لكنه قد يمنح بعض التفاصيل قيمة لا يراها الآخرون بالطريقة نفسها. ما يبدو للناس عاديًا قد يصبح عند المحب جزءًا من صورة فريدة مرتبطة بالألفة والذاكرة والمشاعر.

ومن هنا تأتي مفارقة عنوان المقال: «الجمال القبيح والحب الجميل». ليس المقصود أن الجمال يتحول حرفيًا إلى قبح، وإنما أن المعايير التي تصنف الوجوه والأجساد قد تعجز عن تفسير ما يراه الفرد في تجربته الخاصة. فقد يبدو شخص غير جميل وفق معيار شائع، بينما تصبح صورته محببة ومميزة في عين من يحبّه، والعكس صحيح.

لذلك لا ينبغي أن نضع الجمال والحب في علاقة بسيطة من السبب والنتيجة. الجمال الخارجي قد يفتح باب الانجذاب، لكنه لا يضمن الحب، والحب قد يعيد ترتيب إدراكنا للجمال، لكنه لا يلغي أثر الصورة.

وربما لهذا لا تكون الإجابة في السؤال: هل الجمال مهم أم غير مهم؟ بل في سؤال أعمق: هل نحب لأننا نرى الجمال، أم نرى الجمال لأننا نحب؟ لعل الحقيقة تقع في المسافة بين الأمرين؛ فالجمال قد يفتح الباب، لكن الحب قد يغيّر ما نراه خلفه.

***

ئاريان علي

بين حسن الاختيار واستقرار الأسرة

من أهم القرارات التي يتخذها الإنسان في حياته اختيار شريك الحياة؛ لأنه الشخص الذي سيشاركه تفاصيل الحياة بحلوها ومرّها، ويسهم معه في بناء أسرة مستقرة.

لقد كتبت أكثر من مرة عن مشكلات الطلاق التي أصبحت ظاهرة مقلقة في مجتمعاتنا. فلم تعد تحيط بالطلاق الوصمة الاجتماعية التي كانت تلازمه في الماضي، ولم تعد خشية المرأة من نظرة المجتمع أو القلق على الأبناء تحول دون اتخاذ قرار الانفصال. ولو تأملنا بعض حالات الطلاق، لوجدنا أن سوء الاختيار من أسبابها المهمة. فكثيراً ما ينشغل الشباب والفتيات بالمظهر الخارجي أو المستوى المادي أو المكانة الاجتماعية، في حين أن نجاح الحياة الزوجية يعتمد على أسس أعمق وأكثر استدامة. إن حسن اختيار شريك الحياة المناسب هو أساس استقرار الأسرة وديمومة الشراكة.

كيف كان العراقيون يختارون شريك الحياة في الماضي؟

لم يكن اختيار شريك الحياة في العراق، حتى منتصف القرن العشرين وما بعده بقليل، يشبه ما نعرفه اليوم من وسائل التعارف والتواصل. فقد كان الزواج المرتّب عن طريق الأهل هو الأكثر شيوعاً، وكان زواج الأقارب منتشراً في المدينة والريف، وإن تفاوتت العادات بين البيئات الاجتماعية. كانت فرص اللقاء بين الشباب والفتيات محدودة بحكم التقاليد السائدة، فلم يكن من السهل أن يتعارفا أو يلتقيا قبل الزواج. وربما اقتصرت فرصة الشاب في رؤية فتاة لا تربطه بها صلة قرابة على لمحة عابرة في السوق أو مناسبة اجتماعية نادرة.

لذلك، كان الأهل يؤدون الدور الأساسي في البحث عن الشريك المناسب، مسترشدين بجمال الفتاة، وسمعة أسرتها وأخلاقها وأصلها الاجتماعي، فضلاً عن مدى التوافق بين العائلتين. وفي تلك البيئة، ازدهرت مهنة الخاطبة، وهي امرأة تمتلك شبكة واسعة من المعارف، تتولى البحث عن الفتيات المناسبات للشباب، وتنقل أخبار العائلات، وتمهّد للتعارف الرسمي بين الطرفين. وقد تراجع دورها تدريجياً مع اتساع فرص التعليم المختلط والعمل الذي يتيح للشباب فرص اللقاء والتحدث والتعرف على طباع الطرف الآخر.

ومع تطور وسائل التواصل وظهور المواقع الإلكترونية المخصصة للتعارف بقصد الزواج، برز ما يمكن تسميته «الخاطبة الإلكترونية»، التي تؤدي بعض وظائف الخاطبة التقليدية، ولكن بوسائل مختلفة. وتتيح هذه المواقع فرصاً للتعارف والتواصل مع شريك محتمل، لكنها لا تضمن نجاح الزواج أو استمراره.

وفي هذه المقالة، لن أتناول أنواع الزواج المختلفة أو العلاقات التي لا تقوم على التعارف الجاد بقصد الزواج، وإنما سأركز على المعايير التي تساعد الشاب والفتاة على حسن الاختيار، والوسائل التي تمكّنهما من التحقق من ملاءمة الشريك، وصولاً إلى بناء علاقة زوجية مستقرة ودائمة.

أولاً: المواصفات التي ينبغي البحث عنها في شريك الحياة

من المؤكد أن لكل فرد تصوراً عن شريك الحياة الذي ينشده، يتشكل في ضوء تجاربه السابقة وظروفه الاجتماعية وتطلعاته للمستقبل. ومع ذلك، لا بد من وضع أسس تساعد على حسن الاختيار، بعيداً عن الانجراف وراء العواطف أو تغليب المصالح أو الخضوع لضغوط أطراف أخرى. وفيما يلي بعض المؤشرات التي قد تساعد على اتخاذ قرار أكثر وعياً واتزانا.

1.  الأخلاق والاحترام المتبادل

من خلال تجربتي الشخصية، كنت أبحث في كل من يتقدم لخطبة إحدى بنات العائلة عن خصلتين أساسيتين: الصدق أولاً، والكرم والابتعاد عن البخل ثانياً؛ فالكذب والبخل من الصفات التي يصعب معها بناء حياة زوجية مستقرة. ولم يقتصر اهتمامي على الشاب نفسه، بل شمل طبيعة أسرته، ولا سيما العلاقة بين الأب والأم، ومدى تماسك العائلة والأجواء السائدة داخل المنزل؛ فالبيئة الأسرية تؤثر في تكوين شخصية الإنسان، وإن لم تكن العامل الوحيد المحدد لها.

كما يمكن الاستدلال على أخلاق الشاب أو الفتاة من خلال محيطهما الاجتماعي، كالجامعة أو مكان العمل أو منطقة السكن، وملاحظة طريقة تعاملهما مع الآخرين. ومن المهم أن يتحلى الشريكان بالصدق والأمانة، وأن يحترم كل منهما الآخر ويحفظ كرامته حتى عند الاختلاف؛ فالأخلاق الحقيقية لا تظهر في أوقات الانسجام وحدها، بل تتجلى بوضوح أكبر عند الغضب والخلاف وتعارض المصالح.

2.  التقارب في القيم والمبادئ والثقافة

من الصعب أن يتطابق الطرفان في جميع وجهات النظر، لكن من المهم ألّا تتحول اختلافاتهما الجوهرية إلى مصدر دائم للصراع. لذلك، ينبغي أن يتقاربا بدرجة معقولة في نظرتهما إلى القضايا الأساسية، مثل الأسرة والدين وتربية الأبناء وحدود تدخل الأهل في حياتهما الخاصة. وقد تشمل الاختلافات المهمة، التي برزت مؤخرا في مجتمعاتنا، المسائل المذهبية والقومية، وهي أمور لا ينبغي إهمالها إذا كان من المحتمل أن تؤثر في الحياة المشتركة، ولا سيما في تربية الأبناء وعلاقة الأسرة بمحيطها الاجتماعي. وفي المقابل، قد يسهم التقارب الثقافي والفكري في تعزيز الانسجام بين الطرفين، حتى إن اختلفا في المذهب أو القومية. ولهذا، فإن التعرف إلى ثقافة الآخر وطريقة تفكيره ونظرته إلى الحياة يساعد على تقدير مدى التوافق بينهما، بعيداً عن الأحكام المسبقة.

3.  التوافق في الالتزام الديني والقيمي

يمثل الدين، في مجتمعاتنا، إطاراً مرجعياً للقيم والسلوك، وليس مجرد شعائر تؤدى. لذلك، ينبغي أن ينظر الطرفان إلى مدى التقارب في الالتزام الديني بوصفه عاملاً مؤثراً في الحياة المشتركة، لا سيما في ما يتعلق بتربية الأبناء وتشكيل وجدانهم، وبطبيعة العلاقة بالأسرة والمجتمع. وقد لا يعني ذلك التطابق التام في درجة الالتزام، لكن من المهم أن يكون هناك فهم متبادل لحدود هذا الالتزام وتوقعات كل طرف من الآخر، وأن يتفقا على القضايا الجوهرية التي لا يقبل أحدهما التنازل عنها. فالاختلاف في الرؤية الدينية، إذا لم يُدرَك ويُحاور مبكراً، قد يتحول إلى مصدر توتر دائم، خصوصاً عند اتخاذ قرارات تخص الأبناء أو العلاقات الاجتماعية.

4.  المسؤولية والاستقرار العملي

يُقاس الاستعداد للزواج بالقدرة على تحمل المسؤولية، والجدية في العمل، وحسن إدارة المال بما يتناسب مع الإمكانات المادية للأسرة، والوفاء بالالتزامات، والتخطيط للمستقبل بما يضمن حياة كريمة للأبناء، ويوفر للزوجين الأمن والرعاية عند التقدم في العمر أو مواجهة المرض.

ومن الضروري أن يتصارح الطرفان بشأن الدخل والديون والتوقعات المادية، في الوقت المناسب وبما يتناسب مع مرحلة التعارف ومدى جديتها؛ فالمصارحة في هذه الأمور تساعد على تجنّب كثير من الخلافات مستقبلاً. ومن خلال ما شهدته من حالات طلاق، وجدتُ أن الخلافات المادية كانت من أبرز أسباب الانفصال، ولا سيما في السنوات الأخيرة. فبعض الشباب يتظاهرون بالثراء، ويعدون شريكات المستقبل بحياة مرفهة لا يملكون مقوماتها، فتكون تلك الوعود بعيدة عن الواقع. وعندما تصطدم الزوجة بالحقيقة بعد الزواج، تصاب بخيبة أمل، إذ تجد أن الحياة التي تعيشها تختلف عما تصوّرته وتوقّعته طوال فترة الخطوبة.

ولا يقتصر الاستقرار على الجانب المادي، بل يشمل احترام الحرية الشخصية، وفهم حدودها، والتوفيق بينها وبين متطلبات الحياة المشتركة. وينبغي أن تقوم العلاقة على الثقة واحترام الخصوصية والصداقات وحق كل طرف في التعبير عن رأيه، بعيداً عن المراقبة المفرطة والغيرة المؤذية والشك الذي كثيرا ما يدمر الشراكة. فالمحبة لا تعني امتلاك الآخر أو تقييد حريته، وإنما تقوم على الثقة، والاحترام المتبادل، والشعور بالأمان، والطمأنينة.

5.  التوافق النفسي والفكري

من المؤشرات المهمة على ملاءمة شريك الحياة أن يشعر الإنسان بالارتياح والفخر عند اصطحاب شريكه والظهور معه في المناسبات الاجتماعية والعائلية، وألا يشعر بالحرج أو الخجل من وجوده إلى جانبه، مع أن هذا الشعور وحده لا يكفي للحكم على نجاح العلاقة. فهذه المناسبات تتيح للآخرين ملاحظة سلوك الزوجين ومظهرهما ومدى الانسجام الظاهر بينهما، وقد يتعرض أحد الطرفين للحرج إذا رأى أن سلوك شريكه أو مظهره قد يكون موضع انتقاد أو انتقاص من الآخرين.

وفي المنزل، من المهم أن يجد كل منهما في الآخر رفيقاً يستطيع الحديث معه والضحك بصحبته ومشاركة اهتماماته، وأن يشعر بالراحة في التعبير عن نفسه دون خوف من السخرية أو الانتقاص من شأنه. ويعني التوافق أن يمتلكا القدرة على فهم اختلافاتهما واحترامها والحوار بشأنها بروح من المودة والتسامح. فالزواج شراكة إنسانية تقوم على الإصغاء والتفاهم، يجد فيها كل طرف من يتفهم مشاعره ويشاركه أفراحه وهمومه.

6.  الاتفاق على شكل الحياة المستقبلية

ينبغي أن يناقش الطرفان، قبل الزواج، تصورهما للحياة المستقبلية ويتفقا على المسائل الأساسية التي ستؤثر في حياتهما المشتركة، وفي مقدمتها مكان الإقامة، سواء داخل العراق أم في بلد آخر بقصد الهجرة والاستقرار. وقد شهدتُ حالات طلاق مؤسفة كان اختلاف الرغبة في مكان الإقامة أحد أسبابها؛ إذ يفضّل أحد الزوجين البقاء في العراق، بينما يرغب الآخر في الهجرة. وقد يفضّل أحدهما العيش بالقرب من عائلته لرعاية أحد الوالدين أو للشعور بالأمان والاطمئنان.

ومن المسائل الأخرى التي تستحق النقاش الرغبة في الإنجاب وعدد الأطفال، وأسلوب تربيتهم، واستمرار المرأة في العمل أو الدراسة، وتقاسم مسؤوليات المنزل، وطبيعة العلاقة مع عائلتي الطرفين. قد تبدو هذه المسائل تفصيلية في بداية العلاقة، لكنها تمس جوهر الحياة اليومية. لذلك، فإن مناقشتها بصراحة وواقعية تساعد على توضيح التوقعات وتجنب الخلافات المستقبلية، وبناء حياة مشتركة تقوم على التفاهم والتعاون وتحمل المسؤولية.

7.  الوعي بالحقوق والواجبات

من المفيد أن يكون لدى الطرفين، قبل الزواج، وعي أساسي بحقوقهما وواجباتهما في إطار عقد الزواج، وبما يكفله القانون من حقوق تتعلق بالمهر، والنفقة، والحضانة، وغيرها. ولا يعني ذلك تحويل العلاقة الزوجية إلى عقد جاف، بل يعني أن يكون القرار مبنياً على معرفة، لا على جهل قد يُستغل لاحقاً. فالوعي بالحقوق والواجبات يحمي الطرفين معاً، ويمنع المفاجآت التي قد تُقوّض الثقة بعد الزواج.

ثانياً: كيف يختار الشاب والفتاة شريك المستقبل؟

على الرغم من أهمية الصفات السابقة، فإن التحقق من توافرها ليس أمراً سهلاً إذا ما أتيح لهما اللقاء ولفترة بسيطة على الأقل. فلا يمكن الوصول إلى معرفة تلك الصفات بمجرد السؤال عنها. فمن الطبيعي أن يصف الشخص نفسه بالصدق والكرم والحكمة، كذلك سؤال الآخرين، فقد لا يكشف الحقيقة كاملة؛ إذ قد يتحفظ بعضهم عن ذكر العيوب خشية أن يؤدي ذلك إلى تعثر الزواج، بل العكس، هم يكتفون بذكر المحاسن والمبالغة في المدح. لذلك، يحتاج الاختيار السليم إلى وقت وتمحيص وملاحظة وحوار صريح. من أجل ذلك يمكن الاستعانة بالخطوات الآتية:

1. التعرّف إلى الذات قبل بدء الاختيار

قبل أن تحاول التعرف على الطرف الآخر عليك أن تتعرف على نفسك أولاً. فعلى الراغبين في الزواج أن يتعرفوا إلى أنفسهم أولاً، وأن يسأل كل منهم نفسه فيما إذا كان مستعداً نفسياً لتحمل مسؤوليات الزواج؟ وما الذي يتوقعه من هذه العلاقة؟ وما القيم التي لا يستطيع التنازل عنها؟ وما نقاط الضعف التي ينبغي عليه العمل على تحسينها؟ فمن لا يدرك احتياجاته وتوقعاته قد يتخذ قراره بدافع الانبهار أو استجابة لضغط الآخرين، دون استعداد حقيقي للحياة الزوجية ومتطلباتها.

2. عدم الاكتفاء بالجاذبية والمظهر

للجاذبية دور في نشوء العلاقة، لكنها لا تكفي وحدها لاتخاذ الاختيار الصحيح، ولا ينبغي أن تحجب عيوباً جوهرية في الشخصية أو السلوك. ومن المفيد ملاحظة طريقة تعامل الشخص مع أفراد أسرته والعاملين معه ومن هم أقل منه قدرة أو مكانة، لا الاكتفاء بتصرفاته مع من يسعى إلى كسب إعجابهم؛ فالسلوك العفوي في المواقف اليومية قد يكشف من الطباع ما لا تكشفه المجاملات.

3. الحوار الصريح قبل الزواج

من الضروري إجراء حوارات جادة للتعرف إلى طباع الطرف الآخر وتوقعاته، ومناقشة المسؤوليات المشتركة والخلافات المحتملة، بدلاً من الاكتفاء بالمجاملات والموضوعات العامة. ومن المفيد أن يتبادل الطرفان الحديث عن كيفية تعاملهما مع الغضب والاختلاف في الرأي، وخططهما للمستقبل، وما قد يتخذانه من مواقف عند مواجهة مشكلة مالية أو عائلية. فمثل هذه الحوارات تساعد على فهم طريقة التفكير ومدى الاستعداد لتحمل المسؤولية والتعامل مع تحديات الحياة.

4. ملاحظة السلوك مع مرور الوقت

يتيح التعارف الجاد والمحترم فرصة لملاحظة مدى تطابق الأقوال مع الأفعال: هل يفي الشخص بوعوده؟ وهل يتحمل مسؤولية أخطائه؟ وكيف يتعامل مع الإحباط والاختلاف؟ فالاستمرارية في السلوك أصدق دلالة على الشخصية من التصرفات المثالية التي قد تظهر في بداية العلاقة.

5. التعامل الواعي مع الوسائل المعاصرة

لم تعد فرص التعارف مقتصرة على الأهل والخاطبة، بل أصبحت المنصات الإلكترونية ووسائل التواصل جزءاً من واقع البحث عن شريك الحياة. وهذه الوسائل، وإن وسّعت دائرة الاختيار، فإنها تفرض تحديات جديدة؛ إذ يصعب التحقق من صدق ما يُعرض فيها، وقد تُبالغ الصور والكلمات في تصوير الشخص خلافاً لحقيقته. لذلك، ينبغي أن يُنظر إلى هذه الوسائل بوصفها قناة أولية للتعارف فحسب، لا بديلاً عن التحقق والتمحيص واللقاءات الجادة بحضور الأهل أو من يوثق بهم. كما ينبغي الحذر من التسرع في اتخاذ القرار بناءً على الانطباع الرقمي وحده، ومن الانجراف وراء العلاقات التي لا تقوم على جدية بقصد الزواج.

ومن القضايا التي تستحق النظر أيضاً الفوارق العمرية الكبيرة، وتأثير توقعات كل طرف، التي قد تتشكل بفعل ما يراه على وسائل التواصل من نماذج مثالية، في تصوره للحياة الزوجية. فمن المفيد أن يناقش الطرفان هذه التوقعات بصراحة، وأن يميزا بين ما هو واقعي وما هو مستورد من صور غير قابلة للتحقق.

6. الاستفادة من مشورة الموثوقين

يمكن الاستفادة من آراء الأهل والأصدقاء الموثوقين الذين يعرفون الطرفين جيداً؛ فقد يلفتون النظر إلى أمور لا يلاحظها الشخص بسبب تعلقه العاطفي. لكن ينبغي أن تكون المشورة وسيلة للفهم وحسن التقدير، لا مبرراً لفرض الزواج أو رفضه دون أسباب موضوعية، فالقرار النهائي يجب أن يستند إلى القناعة والاختيار الحر.

7. التأكد من القبول المتبادل وحرية الاختيار

لا يكفي أن يكون أحد الطرفين مناسباً للآخر، بل ينبغي أن يقبل كلاهما العلاقة عن اقتناع ورغبة حقيقية، بعيداً عن الإكراه أو الخوف من فوات الفرصة أو ضغط الأسرة والمجتمع. فالزواج القائم على الرضا المتبادل يمنح الطرفين أساساً أفضل لبناء علاقة مستقرة، يشعر فيها كل منهما بقيمته وكرامته.

دور المجتمع والمؤسسات

إن حسن الاختيار مسؤولية فردية في جوهرها، لكنه يتأثر بالبيئة الاجتماعية وما تقدمه من توعية ودعم. ويمكن للمؤسسات التعليمية أن تُضمّن برامجها موضوعات عن مهارات التواصل والحوار والاختيار الواعي، وللإعلام أن يقدّم محتوى يوعّي الشباب بمعايير الاختيار السليم بدلاً من الاقتصار على نماذج مثالية بعيدة عن الواقع. كما يمكن لدور العبادة والجمعيات الأسرية والاستشارات قبل الزواج أن تؤدي دوراً في التوعية والوساطة والإرشاد. فالتوعية المبكرة، قبل بلوغ مرحلة القرار، أكثر جدوى من معالجة المشكلات بعد وقوعها.

ثالثاً: إشارات تحذيرية لا ينبغي تجاهلها

من المهم التمييز بين العيوب البشرية التي يمكن التعامل معها، والسلوكيات التي تهدد استقرار الحياة الزوجية أو سلامة أحد الطرفين. ومن أبرز الإشارات التحذيرية إدمان المخدرات، والمقامرة المفرطة، والتبذير الذي يهدد الاستقرار المالي، والكذب المتكرر وإخفاء الحقائق الجوهرية. كذلك، لا ينبغي الاستهانة بالإهانة، والتحقير، والتهديد، والعنف، والإكراه. فهذه ليست عيوباً بسيطة يمكن التغاضي عنها أو التعويل على الحب والصبر وحدهما لتغييرها، بل تستدعي التوقف والتفكير الجاد قبل اتخاذ قرار الزواج. فالعنف والإكراه يمسان كرامة الإنسان وسلامته، ولا يجوز التعامل معهما بوصفهما أمراً طبيعياً في العلاقة الزوجية.

رابعاً: هل ينبغي البحث عن الشخص المثالي؟

لا يوجد إنسان كامل، ومن الخطأ انتظار شريك حياة خالٍ من العيوب. فالأهم ليس العثور على شخص تتوافر فيه جميع الصفات المرغوبة، وإنما اختيار شخص نتوافق معه في الأساسيات، ونستطيع معه التعامل مع الاختلافات والتعلم منها والنمو بمرور الزمن. ومن المفيد التمييز بين الصفات الأساسية التي لا يمكن التنازل عنها، والصفات التي يمكن التفاهم بشأنها، والصفات الثانوية التي لا تؤثر جوهرياً في استقرار العلاقة. فحسن الاختيار يعني معرفة ما نحتاج إليه حقاً، وما نستطيع تقبّله، وما لا يمكن أن تقوم الحياة المشتركة من دونه.

نماذج من الواقع

من الحالات التي وقفت عليها، حالة شابين تعارفا عبر الأهل، وكان الظاهر من أمرهما التوافق المادي والاجتماعي، غير أنهما لم يتحاورا يوماً في تصوريهما لمكان الإقامة وأسلوب تربية الأبناء. وبعد الزواج، انكشف اختلافهما الجوهري في هذين الأمرين، فتراكمت الخلافات حتى انتهت العلاقة بالانفصال. وفي المقابل، عرفت أسرة قام اختيارها على توافق واضح في القيم والأخلاق، مع اختلاف في المستوى المادي، فكان الاحترام والحوار والمسؤولية المشتركة أساساً لاستقرارها ونموها. والدرس المشترك بين الحالتين أن الاختيار الواعي القائم على معرفة الأساسيات والحوار الصريح هو ما يصنع الفارق، لا المظاهر ولا التكافؤ المادي وحده.

الخلاصة

إن الزواج الناجح لا يقوم على العثور على إنسان بلا عيوب، ولا على مجرد الانجذاب أو التكافؤ المادي والاجتماعي، وإنما على اختيار شخص نتوافق معه فكرياً وإنسانياً، ونحترمه ويحترمنا، ونثق به ويثق بنا، ونستطيع معه بناء حياة تقوم على المودة والرحمة والتعاون والاحترام المتبادل.

ولعل السؤال الأهم الذي ينبغي أن يطرحه كل شاب وفتاة على نفسيهما هو: هل نستطيع معاً بناء علاقة ننمو فيها فكرياً وإنسانياً، ونشعر في ظلها بالطمأنينة، ونواجه صعوبات الحياة دون أن يفقد أحدنا كرامته أو شعوره بالأمان؟ فشريك الحياة إنما هو رفيق نأمل أن نتقاسم معه رحلة طويلة تتغير خلالها الظروف والأعمار والقدرات، ويبقى الاحترام والمودة والوفاء أساساً لاستمرار العلاقة.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

هناك مفارقة غريبة في الوجود الإنساني: أن يقضي الإنسان عمره في محاولة السيطرة على الزمن، بينما الزمن هو الشيء الوحيد الذي لا يستطيع امتلاكه.

 يخترع الساعات ليقيسه، والجداول لينظمه، والتقنيات ليختصره، والخطط ليحاصره، ثم يكتشف، في غمرة هذا كله، أنه لم يعد يملكه

كيف تحول الوقت من مساحة نعيش فيها إلى مورد نستهلكه، ومن نسيج تتشكل داخله خبراتنا وعلاقاتنا وذكرياتنا، إلى وحدات قابلة للقياس والحساب والمقارنة؟ لم نعد نسأل أنفسنا: ماذا عشنا اليوم؟ بل: ماذا أنجزنا؟ لم يعد يكفينا أن نشعر بالرضا عن لحظة جميلة، بل نريد أن نبررها باعتبارها وقتا لم يذهب سدى. وكأن للحياة قيمة لا يمنحها لها الشعور، وإنما تمنحها لها قائمة المهام حين نضع أمام بنودها علامات الإنجاز.

والمفارقة أن الإنسان الذي صنع الآلات لتوفير وقته، لم يحصل بالضرورة على وقت أكثر لحياته، بل اكتشف أن كل دقيقة يوفرها تفتح أمامه بابا لمهمة جديدة، وكل عمل ينجزه يستدعي أعمالا أخرى، وكل وسيلة تختصر المسافة ترفع سقف التوقعات وتطالبه بالمزيد. لقد صار الإنجاز، الذي كان وسيلة لتحسين الحياة، غاية تستنزفها، وصارت الراحة مكافأة مؤجلة لا تأتي إلا بعد الانتهاء، بينما لا تنتهي الأشياء أبدا.

إن أخطر ما يسرقه العصر الحديث من الإنسان ليس الوقت، بل إحساسه بأنه يملكه، وقدرته على أن يكون حاضرا فيه

نحن لا نعيش الزمن دائما، بل نطارده. نتناول طعامنا ونحن نفكر فيما ينبغي إنجازه بعده، ونجلس مع أحبائنا وأعيننا معلقة بالشاشات، ونستمع إلى من يحدثنا بينما تتوزع عقولنا بين إشعار جديد ورسالة لم نرد عليها ومهمة تنتظرنا في مكان آخر. حتى اللحظات التي يفترض أن تكون ملاذا من ضجيج العالم، صرنا نحولها إلى فرص إضافية للعمل أو التصفح أو متابعة ما يفعله الآخرون.

لقد دخل التشتت إلى حياتنا حتى أصبحنا نخلط بين كثرة الحركة وثراء التجربة، وبين امتلاء اليوم وامتلاء الحياة. قد يمضي المرء ساعات طويلة في التنقل بين آلاف الصور والأخبار والمقاطع، فيعرف تفاصيل حياة أشخاص لم يلتقهم قط، بينما يعجز عن الإصغاء إلى نفسه لدقائق. وقد يقطع العالم من أقصاه إلى أقصاه في فضاء رقمي مفتوح، لكنه لا يقترب خطوة واحدة من السؤال الذي يتجنبه: ماذا أريد حقا من حياتي؟

نقول: حين أتفرغ سأعيش. حين تتحسن الظروف سأهتم بنفسي. حين أحقق ما أسعى إليه سأستريح. حين تنتهي هذه المرحلة سأمنح أحبائي وأصدقائي ما يستحقونه من وقتي.

 لكن كل مرحلة تلد مرحلة، وكل نهاية تفتح بابا لبداية أخرى، وكل هدف نبلغه يكشف لنا عن أهداف جديدة. وهكذا يتحول المستقبل إلى مستودع نلقي فيه كل ما لا نجرؤ على عيشه في الحاضر، ثم نمضي إليه دون أن نصل.

نتعامل مع الحياة أحيانا كما لو كانت مشروعا ينبغي استكماله قبل أن نستمتع به، مع أن الحياة ليست مشروعا خارجنا، ولا مرحلة تمهيدية تسبق الوصول إلى شيء آخر. إنها هذا الذي يحدث الآن، في اللحظة التي لا ننتبه إليها، وفي الحديث الذي نختصره، وفي الشجرة التي نعبر بجوارها دون أن نراها، وفي وجه عزيز نؤجل النظر إليه لأن لدينا ما هو أكثر أهمية. ثم نكتشف متأخرين أن بعض الوجوه لا تعود، وأن بعض الأبواب لا تظل مفتوحة إلى الأبد

ومن منظوري الخاص اعتقد ان الحياه لا تستمد قيمتها من وعد مؤجل، ولا من تعويض غيبي عن أيام لم نحسن عيشها، وإنما من قدرتنا الفعلية على أن نصنع فيها معنى، وأن نختبر المحبة والمعرفة والجمال والحرية، وأن نخفف الألم عن أنفسنا وعن الآخرين. نحن لا نملك دليلا على أن هناك حياة أخرى ستعيد إلينا ما أهدرناه من هذه الحياة، ولذلك تصبح مسؤوليتنا تجاه حاضرنا أكثر إلحاحا

لقد تحرر الإنسان من كثير من القيود القديمة، لكنه ابتكر لنفسه قيودا جديدة أكثر خفاء؛ قيودا لا تأتي دائما في صورة أوامر خارجية، بل تسكن داخله في هيئة طموح لا يشبع، ومقارنة لا تنتهي، وخوف من التأخر عن الآخرين، وشعور دائم بأنه لم يفعل ما يكفي. صار يراقب حياته كما يراقب الموظف أداءه، ويحاسب نفسه كما لو كان مسؤولا عن تعويض كل دقيقة لم تنتج شيئا قابلا للقياس

من قال إن الحياة سباق؟ ومن وضع خط النهاية؟

 ومن أقنعنا بأننا إذا توقفنا قليلا فسوف نفقد مكاننا في العالم؟ إن كثيرا من المعارك التي تستنزف أعمارنا لا تستحق كل هذا الاستنزاف، وكثيرا من الأهداف التي نركض وراءها لم نخترها بوعي، بل ورثناها من مجتمع يقدس النجاح الظاهر، ويكافئ الانشغال، ويشك في كل إنسان يجرؤ على أن يعيش بإيقاع مختلف

التحرر الحقيقي يبدأ حين نستعيد حقنا في السؤال: هل هذه الحياة التي أعيشها تشبهني؟ هل ما أطارده يستحق ما أدفعه من عمري؟ هل أعمل لأنني أؤمن بما أفعله، أم لأنني أخشى أن أبدو أقل نجاحا من الآخرين؟ وهل أؤجل سعادتي من أجل غاية تستحق، أم أنني اعتدت التأجيل حتى صار جزءا من هويتي؟

هذه الأسئلة ليست دعوة إلى الكسل، بل إلى الوعي؛ لأن أخطر أشكال الضياع أن يمضي الإنسان في الاتجاه الصحيح لكن نحو غاية لا يريدها

استعادة الحياة تبدأ حين نتوقف عن الاعتقاد بأن الحياة لا تستحق أن تُعاش إلا بعد أن نفرغ من كل شيء.

فلا شيء يكتمل تماما، ولا عالم يخلو من المطالب، ولا مرحلة تأتي خالية من القلق والمسؤوليات. وإذا اشترطنا على أنفسنا أن تتحقق الظروف المثالية كي نعيش، فسوف نمضي العمر في انتظار عالم لا وجود له.

لقد أقنعنا منطق الاستهلاك بأن السعادة شيء ينتظرنا بعد اقتناء المزيد، وأقنعنا منطق المنافسة بأن الرضا علامة على التوقف، وأقنعنا خطاب النجاح بأننا لا نستحق الراحة قبل أن نثبت جدارتنا بها. وهكذا أصبح الإنسان يطارد صورة مثالية لحياته،. حتى يكتشف فجأة ان عمره تسرب

ربما لن يأتي اليوم الذي ننتهي فيه من كل شيء. ستظل هناك أعمال ناقصة، ورسائل مؤجلة، وأحلام تحتاج إلى شجاعة، ومسؤوليات لا يمكن التنصل منها. وسيظل المستقبل، بطبيعته، مفتوحا على ما لا نعرفه. لكن ما لا ينبغي أن يظل مفتوحا إلى الأبد هو قرارنا بأن نعيش.

ليس علينا أن ننتظر اكتمال الظروف كي نمنح الحياة شيئا من انتباهنا، ولا أن نبلغ نهاية الطريق كي نسمح لأنفسنا بالشعور بجدوى الرحلة

أنت لا تسير نحو الحياة؛ أنت تعيشها الآن، حتى في اللحظات التي تتوهم أنك تستعد لها.

وهذه، ربما، هي الحقيقة التي نحتاج إلى استعادتها قبل فوات الأوان: أن نكف عن تأجيل وجودنا، وأن نتصالح مع نقص العالم، وأن نمنح الحاضر حقه، لا لأنه أبدي، بل لأنه الشيء الوحيد الذي نستطيع أن نعيش فيه فعلا.

ولأننا لا نملك العمر مرتين، فلعل أكثر أشكال الحكمة إنسانية أن نعمل دون أن نستعبد أنفسنا للعمل، وأن نحلم دون أن نحتقر حاضرنا، وأن نسعى إلى المستقبل دون أن نضحي به كل يوم، وأن نفهم أخيرا أن النجاح الحقيقي ليس أن نصل إلى نهاية الطريق وقد أنجزنا كل شيء، بل أن نصل إليها وقد عشنا شيئا يستحق أن نتذكره.

عيشوا وافرحوا واحلموا، وأحبوا ما استطعتم إلى الحب سبيلا، ولا تؤجلوا ضحكاتكم حتى تنتهي الأحزان، ولا أفراحكم حتى تستقيم الحياة، فالحياة لا تستقيم تماما، ولا تخلو من وجع، ولا تمنحنا ضمانات بأن الغد سيأتي كما نشتهي.

امنحوا أنفسكم حق الدهشة، وامشوا نحو الأشياء التي توقظ أرواحكم، واقرأوا ما يوسع عقولكم، واقتربوا ممن يمنحون أيامكم معنى، وارحلوا عن كل ما يستنزف إنسانيتكم.

ولا تسمحوا لضجيج العالم أن يقنعكم بأن الحياة سباق لا بد أن تصلوا فيه إلى خط النهاية قبل الآخرين.

لا تجعلوا أعماركم رهينة للخوف، ولا تستنزفوا حاضركم في مطاردة مستقبل لم يصل بعد، ولا تهدروا أرواحكم في انتظار اللحظة المثالية؛ فليس هناك حياة مثالية، بل حياة نحاول أن نصنع فيها شيئا يستحق أن يُعاش.

عيشوا لأن الحياة ليست بروفة لعرض قادم، وليست محطة انتظار لما هو أفضل؛ إنها العرض الوحيد الذي نملكه، والرحلة التي لا نعرف كم بقي منها.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

تتكرر استعارة جورج أورويل في "مزرعة الحيوان" كلما عادت السياسة إلى امتحانها الأكثر بدائية، حيث تضع من بين أهم مآزق وجودها أسئلة من قبيل، من يملك القوة، ومن يملك حق تعريف الحقيقة، ومن يستطيع أن يحوّل الخوف إلى طاعة، واللغة إلى أداة للهيمنة. لذلك لا تستنفد الرواية دلالتها في الحكاية التي ترويها عن حيوانات ثارت على الإنسان، ثم انتهت إلى إعادة إنتاج نظامه؛ فالمفارقة الأورويلية الأعمق تكمن في أن الثورة التي بدأت بوعد الخلاص قد تنتهي إلى استنساخ الاستبداد نفسه، وأن الضحية حين تستولي على أدوات القهر لا تكون بالضرورة قد تحررت من الجلاد، وإنما قد تكون ورثت منطقه.

تتجاوز رواية أورويل حدود المجاز السياسي لتلامس سؤالا أنثروبولوجيا وفلسفيا شديد القسوة: هل يستطيع المقهور أن يتحرر من السلطة من دون أن يتحرر من الرغبة في ممارستها؟

إن الحيوان الأورويلي لا يبدأ مستبدا. إنه يبدأ مظلوما، جائعا، مُهانا، ومحرومًا من ثمرة عمله. يثور لأن النظام القديم صادر حقه في الوجود الكريم. لكن المأساة تبدأ في اللحظة التي تتحول فيها الثورة من تحرير للإنسان ـ أو الحيوان ـ من علاقات القهر إلى صراع على احتكار السلطة. عندها تتبدل وظيفة الثورة، من تفكيك بنية الهيمنة إلى إعادة توزيع مواقعها. يصبح السؤال: من يحكم؟ لا: كيف نحكم؟ ولأي غاية؟

 تكمن عبقرية أورويل، في كونه لا يضع الاستبداد خارج النفس الإنسانية، وإنما يكشف قابليته على الاستقرار داخلها. فالمستبد الجديد لا يحتاج إلى أن يكون مختلفا جذريا عن المستبد القديم؛ يكفي أن يرث أدواته، وأن يعيد تأويلها بلغة جديدة. ولذلك فإن نابليون لا يهزم السيد جونز بقدر ما يستولي على موقعه الرمزي. يتغير الحاكم، وتتغير الشعارات، وتتغير الذاكرة، لكن بنية السلطة تظل قائمة. إن الثورة في هذه الحالة، لا تهدم المزرعة القديمة؛ إنها تستولي عليها.

وتأسيسا على ذلك، يمكن قراءة أورويل في ضوء أطروحة نيتشه حول إرادة القوة. فالسلطة لا تعمل دائما بوصفها ضرورة خارجية مفروضة على الذات؛ إنها قد تتحول إلى رغبة تسكن الذات نفسها. وحين يمتلك المقهور القوة، قد يجد نفسه أمام إغراء إعادة إنتاج ما كان يرفضه، لا لأنه نسي المظالم السابقة فقط، وإنما لأن السلطة ذاتها تمتلك قابلية إغواء تجعلها غاية في ذاتها. وهنا يتحول التحرر من سؤال أخلاقي إلى امتحان وجودي: ماذا يفعل الإنسان حين يصبح قادراً على فعل ما كان يكرهه؟

لهذا تبدو "مزرعة الحيوان" أقرب إلى تشريح للسياسة منها إلى رواية سياسية بالمعنى الضيق. فالاستبداد عند أورويل لا يقوم بالسوط وحده؛ إنه يحتاج إلى اللغة، وإلى إعادة صياغة الذاكرة، وإلى التحكم في الحقيقة، وإلى إنتاج عدو دائم، وإلى جعل الجماعة تشك في قدرتها على التذكر. وهذه النقطة تلتقي بصورة عميقة مع فوكو: السلطة لا تستقر فقط في مؤسسات القمع، وإنما تعمل عبر إنتاج الخطابات التي تحدد ما يجوز قوله، وما ينبغي تصديقه، ومن يملك حق الكلام، ومن يملك حق تسمية الأشياء.

ولذلك فإن أخطر تحول في المزرعة ليس أن الخنازير أصبحت أقوى، وإنما أنها أصبحت مالكة للمعنى. حين تستطيع السلطة أن تغير الكلمات، فإنها تستطيع أن تغير إدراك الواقع. وحين تعيد كتابة الماضي، فإنها لا تتحكم في الذاكرة فحسب، بل تتحكم في شروط الحكم على الحاضر. تصبح الحقيقة قابلة للتعديل بحسب مصلحة السلطة، وتتحول الجماعة من شعب يتذكر إلى جماعة تتلقى ما ينبغي لها أن تتذكره.

وفي هذا الصدد، يلتقي أورويل مع حنّة أرندت في مفهومها للسلطة والتسلط؛ إذ لا يحتاج النظام الاستبدادي إلى إلغاء الحقيقة كلها، بقدر ما يحتاج إلى إغراق المجال العام في حالة تجعل التمييز بين الحقيقة والكذب أكثر صعوبة. حين تفقد الوقائع قدرتها على تثبيت الوعي، يصبح المواطن قابلا لإعادة التشكيل السياسي. ولعل هذا هو السبب الذي يجعل الجملة الأورويلية الشهيرة حول مساواة الحيوانات ثم اكتشاف أن بعضها "أكثر مساواة" من بعضها الآخر تتجاوز السخرية إلى كشف البنية العميقة للخطاب السياسي. فالمساواة حين تُفصل عن العدالة تتحول إلى قناع؛ والشعارات حين تنفصل عن المؤسسات الضامنة لها تتحول إلى أدوات لتجميل التفاوت. وهكذا يمكن للغة أن تحتفظ باسم المساواة، بينما يجري تفريغها من مضمونها.

إن أخطر ما في الاستبداد أنه لا يعلن دائما عن نفسه بوصفه استبدادا. قد يدخل المجال العام مرتديا ثياب العدالة، أو الثورة، أو الوطنية، أو حماية الجماعة، أو الدفاع عن الشعب. ومن ثمة يصبح التمييز بين شرعية الوصول إلى السلطة وشرعية ممارسة السلطة أمراً مركزيا. فقد تصل الثورة إلى الحكم باسم المظلومين، لكنها لا تصبح عادلة بمجرد أن يكون أصلها احتجاجاً على الظلم.

وأستحضر في هذا المقام ما يراه روسو من أن المشكلة ليست في استبدال سيد بسيد، وإنما في بناء إرادة عامة لا يستطيع فرد أو جماعة اختطافها وتحويلها إلى إرادة خاصة متنكرة في هيئة المصلحة العامة. عندما تتماهى إرادة الحاكم مع إرادة الجماعة، يصبح الاعتراض عليه خيانة للجماعة نفسها، وحينها تبدأ السياسة في الانغلاق على نفسها. ف"مزرعة الحيوان" تكشف عن مأساة الإنسان الذي يحمل داخله ذاكرة المقهور وشهوة المتسلط في الوقت نفسه. إنه يريد العدالة حين يكون ضعيفاً، لكنه قد يكتشف، عندما يصبح قويا، أن العدالة لم تكن دائماً غايته النهائية، وأن ما كان يطلبه أحياناً هو موقعاً أفضل داخل منظومة القوة.

وبالتالي فإن عبارة "الثورة تأكل أبناءها" تأخذ معناها الأكثر قسوة. فالذي تأكله الثورة ليس فقط الأشخاص الذين شاركوا في صناعتها، وإنما قد تأكل أيضاً المبدأ الذي منحها شرعيتها الأولى. تبدأ الثورة بإدانة العنف، ثم تبرر عنفها؛ تبدأ بمحاربة الكذب، ثم تنتج قاموسها الخاص لتبريره؛ تبدأ بتحرير الذاكرة، ثم تصنع ذاكرة رسمية؛ تبدأ بإلغاء الامتياز، ثم تنشئ طبقة جديدة من المستفيدين. وهو ما يجعل أورويل قريبا، من زاوية أخرى، من رينيه جيرار، الذي يذهب إلى أن الجماعة التي تبحث عن خلاصها قد تحتاج إلى ضحية جديدة كي تستعيد تماسكها. وحين تفقد الثورة عدوها الأول، قد تصنع عدوا بديلا حتى تستمر في إنتاج وحدتها الداخلية. يصبح الخوف مادة سياسية، ويصبح الآخر ضرورة لبقاء الجماعة متماسكة. وهكذا لا يعود العنف مجرد وسيلة، بل يتحول إلى طقس لإعادة إنتاج الجماعة والسلطة معاً.

إن "مزرعة الحيوان" بهذا المعنى ليست مرآة للأنظمة الشمولية وحدها، وإنما مرآة لكل فضاء سياسي تتحول فيه المبادئ إلى شعارات، والشعارات إلى مصالح، والمصالح إلى امتيازات، والامتيازات إلى بنية مغلقة تدافع عن نفسها باسم الجماعة.

والمفارقة الأكثر إيلاماً أن الإنسان الذي طرد الحيوان من المجال السياسي الوهمي قد يعود ليكتشف أن الحيوان لم يكن خارج الإنسان أصلا. فالوحشية السياسية لا تأتي دائماً من الخارج؛ إنها قد تستيقظ في الداخل عندما تنفصل القوة عن المسؤولية، والرغبة عن القانون، والحرية عن العدالة. ولذلك فإن صورة الخنزير الذي يمشي على قدمين في خاتمة الرواية ليست مجرد انقلاب في هيئة الحيوان؛ إنها سقوط الحد الفاصل بين الإنسان والحيوان، حين يتخلى الإنسان عن إنسانيته السياسية والأخلاقية.

وهنا تصبح المزرعة استعارة للمجال العام كله. وكلما تغيرت الوجوه وبقيت قواعد اللعبة نفسها، ظل السؤال الأورويلي حاضراً: هل تغير النظام فعلاً، أم تغيرت فقط الكائنات التي تجلس على مقاعده؟

إن مأساة السياسة لا تبدأ عندما يصل الطغاة إلى السلطة، وإنما عندما تتشكل في الوعي قابلية لقبول الطغيان، وعندما يتحول المقهور إلى مستهلك للخطاب الذي يبرر قهره، وعندما تصبح الجماعة مستعدة للتنازل عن حريتها مقابل وعد بالأمن أو الخلاص أو الانتماء. عند تلك النقطة لا يعود المستبد بحاجة إلى أن يفرض نفسه بالقوة وحدها؛ يكفي أن يجعل الناس يطلبون النظام الذي يقيدهم.

وهكذا تتجاوز أورويل حدود الرواية إلى سؤال الإنسان نفسه: هل تكفي الإطاحة بالجلاد لكي يولد الإنسان الحر؟ أم أن التحرر الحقيقي يبدأ من تفكيك الجلاد الكامن في داخل الإنسان؟

ربما تكون هذه هي الخلاصة الأكثر عمقا في "مزرعة الحيوان"، في أن المشكلة ليست أن الحيوانات أصبحت تشبه الإنسان؛ المشكلة أن الإنسان، حين يفقد المعنى الأخلاقي للحرية، يستطيع أن يصبح أكثر حيوانية من الحيوان نفسه. فالاستبداد ليس مجرد نظام سياسي؛ إنه انحراف في علاقة الإنسان بالقوة، يبدأ حين تتحول السلطة من وسيلة لتنظيم الحياة المشتركة إلى رغبة في امتلاك الآخرين.

ولذلك لا يكون الخلاص في تغيير الحاكم وحده، وإنما في بناء شروط تمنع السلطة من التحول إلى ملكية خاصة، وتمنع الحقيقة من أن تصبح امتيازاً رسمياً، وتمنع الذاكرة من أن تقع تحت وصاية المنتصر. فالمزرعة لا تتحرر حقاً عندما يتغير سيدها؛ إنها تتحرر عندما يصبح استعباد الآخر مستحيلاً، حتى بالنسبة إلى من امتلك القوة لتحويله إلى عبد.

أعتقد ختاما، أن ثمة ما يكرس المسافة بين الثورة بوصفها انتقالا في السلطة، والثورة بوصفها تحولا في الإنسان. الأولى قد تبدل الحاكم؛ أما الثانية فتبدل علاقة الإنسان بالقوة، وبالآخر، وبالحقيقة، وبنفسه. وفي تلك المسافة تحديدا يظل أورويل واقفا، ساخرا ومفزعا، كمن يقول إن التاريخ لا يعيد نفسه لأن البشر لا يتعلمون فقط، وإنما لأن الرغبة في الهيمنة تستطيع أن ترتدي في كل مرة قناعا جديدا، بينما تظل المزرعة هي المزرعة، ويتغير فقط اسم الحيوان الذي يمسك بمفتاحها.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

حين يريد الآخر نيابة عنك

رينيه جيرار مفكر يزعجك أكثر مما يريحك. وهذا مدح في حقه. فكرته المحورية بسيطة بما يكفي لأن ترفض من فورها، ومقلقة بما يكفي لأن تظل عالقة، فالإنسان عنده يرغب في الأشياء لأن آخرين يرغبون فيها، ولا يرغب فيها دائما لما هي عليه، ليست الرغبة خطا مستقيما من الذات إلى الموضوع، بل مثلثا محددا في الذات والموضوع والشخص الثالث الذي يضفي على الموضوع قيمته في نظر الذات، وهذا يعني أن المنافسة لا تنشأ دائما لأن طرفين يحتاجان إلى شيء واحد، بل لأن أحدهما رأى الآخر يرغب فيه، وهذه الرغبة وحدها تحول الشيء إلى موضع اشتهاء. والسلعة التي تفقد قيمتها بمجرد أن تصبح متاحة للجميع، تفقدها لأن وظيفتها التمييزية انتهت، حتى لو لم تتغير خصائصها، فهي لم تعد تقول شيئا عن صاحبها في عيون الآخرين.

نحن لا نرغب ثم نتنافس، نتنافس فنرغب. الترتيب الذي نفترضه عادة معكوس، وما يجعل هذه الفكرة أشد وطأة هو أنها لا تقتصر على عالم السلع والمكانة الإجتماعية. إنها تسري على الأفكار والمواقف السياسية والإنتماءات الفكرية. قد يتبنى المرء رأيا لأنه مقتنع بحججه، وقد يتبناه لأن أصحاب المكانة الذين يعجب بهم يتبنونه. وليس من السهل دائما أن تفرق بين الحالتين، لأن الحد بينهما رقيق وغير واضح المعالم. الخطر ليس في التأثر، بل في الدفاع عن رأي لم يعد مقنعا بعد أن تتكشف ثغراته، لأن التراجع سيكلفك صورتك.

ومن أشد ما تنتجه هذه الآلية إرهاقا أن المنافسة قد تستمر بعد زوال الحاجة الأصلية إلى موضوعها. لا يكفي أن تكون ناجحا، بل أكثر نجاحا من شخص بعينه. ولا يكفي أن تمتلك ما تحتاجه، بل أن يرى الآخرون أنك متقدم عليهم. وبما أنهم لا يتوقفون عن الرغبة، فالسباق لا ينتهي. فكل إنجاز يفتح بابا إلى مقارنة جديدة، وكل وصول يكشف عن أفق آخر للتنافس.

لو كانت نشأة هذه الديناميكية عفوية فحسب، لكانت المسألة أبسط. لكن في المجتمعات المعاصرة، ثمة صناعة واسعة تعمل بمنهجية على توليد الرغبات وتوجيهها. فالسلع لا تعرض بما تؤديه من وظيفة، بل بما تعد به من تحول في صورة صاحبها. المنتج وسيلة للوصول إلى نسخة محسنة منك، أجمل، أكثر انتماء، أكثر حرية، أكثر تميزا. الحرية نفسها تباع: سيارة تقنعك بأنك مستقل، وهاتف يقنعك بأنك مبدع، وملابس تقنعك بأنك تختار هويتك وانتماءك.

هذا ما أشار إليه هربرت ماركوزه حين تكلم عن "الحاجات الزائفة"، ليس بمعنى أن الناس لا يحتاجون الأشياء التي يشترونها، بل بمعنى أن الحاجة إليها غالبا ما تولد قبل أن يشعر الشخص بغيابها.

الإستهلاك لا يشبع الحاجة، إنه يعيد تعريفها باستمرار بحيث لا تشبع أبدا

خط لا يمكن الوصول إلى نهايته، وهذا ليس خللا في الآلية، بل هو آلية الخلل نفسها. المنصات الرقمية تضخم هذا كله، نحن لا نقارن حياتنا اليومية المركبة والخشنة بحياة الآخرين اليومية على حقيقتها. نقارنها بصورهم المفلترة بعناية، بلحظاتهم الأفضل، وبالنسخة التي قرروا أن يقدموها للعالم. ومع تراكم هذه المقارنة، يتحول ما نمتلكه إلى مصدر دائم للشعور بالنقص، لأنه بات يقاس بمعيار لا يتوقف عن الإرتفاع حتى لو يم يفقد قيمته.

المؤلم في الأمر، ليس امتلاك الآخرين ما لا تمتلكه. الأشد إيلاما أنك لم تكن تريد هذا الشيء قبل أن تراه في حياتهم.

الحل لا يكمن في رفض التكنولوجيا أو إدانة الإستهلاك، هذا ترف فكري غير مجد. المسألة تتعلق بالمسافة النقدية. هل أشتري هذا لأنني أحتاجه فعلا، أم لأنني أريد أن أبدو في صورة معينة؟ هل أسعى إلى هذا الإنجاز لأنه ينسجم مع ما أقدره، أم لأنني أخشى أن أبدو متأخرا؟ هل تمنحني هذه الشاشة وقتا أكبر، أم تجعلني أكثر انشغالا بمراقبة ما ينقصني؟

بعد كل هذا، يبدو السؤال مشروعا وملحا: هل الرغبة الأصيلة ممكنة؟ فإذا كانت رغباتنا تتشكل عبر التربية، واللغة التي اكتسبناها، والمجتمع الذي نشأنا فيه، وصناعة تعمل على توليد الحاجات، فهل بقي شيء يمكن أن نسميه رغبة شخصية؟

السؤال يفترض ضمنيا أن هناك ذاتا نقية تختبئ في أعماقنا، ومهمتنا الوصول إليها بإزالة كل التأثيرات الخارجية. وهذا التصور يصطدم بعقبة حقيقية، فالإنسان لا يتكون خارج العالم ثم يدخله، بل يتشكل من خلال علاقاته ولغته وتاريخه. ما نسميه "شخصيتنا" ليس جوهرا منفصلا عن هذه المؤثرات، بل هو حصيلة تفاعل مستمر معها. لذلك البحث عن رغبة أصيلة ليس هو البحث عن رغبة لم تتأثر بأحد قط، وهذا مستحيل. بل هو البحث عن رغبة نستطيع أن نفهم شروط تكونها، وأن نفحص أسبابها، وأن نختار الإلتزام بها بعد التفكير فيها. فليس كل ما تعلمناه غريبا عنا، وليس كل ما ورثناه قيدا ينبغي رفضه، فقد يتبنى الإنسان قيمة تعلمها في طفولته، ثم يعود إليها بعد سنوات ليكتشف وجاهتها من موضع آخر. الفارق ليس بين رغبة "جاءت من الداخل" وأخرى "جاءت من الخارج"، هذا الفصل مستحيل عمليا. الفارق بين رغبة تعاش دون مساءلة، وأخرى أصبحنا قادرين على فهمها وتعديل علاقتنا بها.

الإنسان الذي يراجع رغباته لا يضمن أنه سيختار دائما على نحو صحيح. لكنه يصبح أكثر قدرة على اكتشاف اللحظة التي يتوقف فيها عن السعي نحو غاية يؤمن بها ويبدأ في السعي لمجرد أنه لا يعرف كيف يتوقف.

ثمة تحول يستحق الإنتباه إليه: الإنسان الذي يدرك أن رغباته تتشكل عبر عوامل خارجيه لا يصبح بالضرورة متشككا في كل ما يريد. لكنه يبدأ في التفريق بين نوعين من العلاقة بالأشياء والأهداف والأفكار، بين علاقة الحيازة: أن تمتلك شيئا، وعلاقة الموقف: أن تكون على موقف من شيء.

فالحيازة تطلب تأكيدا خارجيا مستمرا، أما الموقف فيستمد صلابته من مكان آخر. شخص يعمل في مجال يؤمن به لا يحتاج إلى أن يثبت كل يوم أن اختياره كان صحيحا في نظر الآخرين. وشخص يتبنى فكرة بعد تفكير حقيقي لا يتزعزع لأن أحدهم اعترض، بل يستمع ويفحص ويقرر ما إذا كان الإعتراض يغير شيئا في قناعته، وهذا لا يعني الإنغلاق، بل أن يكون للذات ثقل داخلي لا تحصل عليه من المرايا المحيطة بها.

وربما تكون الحرية، في أحد أعمق معانيها، القدرة على أن نحدد ما يستحق أن نرغب فيه، وأن نعيد النظر في هذه الرغبات حين تتغير معرفتنا بأنفسنا وبالعالم، ولا تعني امتناعا عن الطموح، بل رفضا للطموح حين يتحول إلى قوة لا نستطيع مساءلتها، ولا تعني توقفا عن طلب الإعتراف، بل رفضا لجعله الشرط الوحيد لاحترامنا لأنفسنا.

***

عبد الرحيم الجرودي

نعيش جميعاً في عالم سريع وتيرة الإيقاع، تتزايد فيه الضغوط والتوترات وتتعدد فيه المسؤوليات والمهام، ونجد أنفسنا أحياناً أمام قرارات يتطلب بعضها الحسم السريع والمرونة والفطنة في اتخاذ قرارات متعجلة ولا تنتظر التأخير، بينما يحتاج بعضها الآخر إلى التروي والتمهل وجمع المعلومات وتحليل الخيارات والروية في اتخاذها. أحببت من خلال هذا المقال أن أظهر لكم عبر مشاركتي في لقاء إذاعي عبر راديو أجيال بفلسطين أن القرارات التي تكون تحت الضغوط والتوترات جد خطيرة ولا بد من التوازن ما بين سرعة الحسو وجودة القرار.

فالسؤال الذي يتبادر للأذهان: كيف نتخذ قراراً ناجحاً عندما نكون تحت الضغط؟ وهل السرعة دائماً تعني الكفاءة والفعالية؟ إن الحقيقة أن الضغط قد يؤثر في طريقة تفكيرنا ورؤيتنا للأحداث والمواقف التي تمر معنا ونتفاعل معها، وقد يدفعنا الأمر إلى تضخيم المشكلة، وتوقع أسوأ النتائج، أو اتخاذ قرارات متسرعة اعتماداً على معلومات غير مكتملة أو أكيدة.

عندما يضغطنا الوقت... يضيق التفكير وتصبح الأمور ضبابية لا يرى منها شيء واضح وجلي، وعندما يكون الإنسان تحت ضغط شديد، قد يصبح أكثر تهوراً واندفاعاً وأقل قدرة على رؤية الصورة الكاملة. بل قد يكون مدفوع بسباق مع الزمن وعجلة من أمره من أجل أن ينتهي من الموقف ويتخذه دون إحاطة أو وعي. وقد يركز على الخطر أو المشكلة التي أمامه، دون أن يمنح نفسه الوقت الكافي للبحث عن البدائل واختيار الأنسب منها.

ولهذا فإن أول خطوة في اتخاذ القرار تحت الضغط هي التوقف والتروي للحظات واستعادة الهدوء والتوازن الانفعالي والنفسي. فليس كل قرار يحتاج إلى إجابة فورية، وليس كل تأخير ضعفاً أو تردداً. وقد يكون في أحيان متعددة أن التأجيل لفترة قصيرة هو عين الحكمة في عدم اتخاذه.

ليس كل قرار يحتاج إلى الوقت نفسه، فمن الأخطاء الشائعة التعامل مع جميع القرارات بالطريقة نفسها. فهناك قرارات يمكن اتخاذها خلال ثوانٍ، وقرارات تحتاج إلى ساعات أو أيام، وهناك قرارات مصيرية تحتاج إلى قدر أكبر من التروي والدراسة وجمع البينات والمعلومات.

ولمعرفة الوقت المناسب لاتخاذ القرار، يمكن أن نسأل أنفسنا ثلاثة أسئلة مهمة وأساسية:

أولاً: ما درجة خطورة القرار؟ هل يتعلق القرار بسلامتي أو سلامة الآخرين؟ هل يمكن أن يترتب عليه خسارة مالية أو مهنية أو اجتماعية كبيرة؟ كلما ارتفعت المخاطر، ازدادت الحاجة إلى التروي والتمهل وجمع المعلومات.

ثانياً: هل القرار قابل للتراجع؟ هناك قرارات يمكن تعديلها أو التراجع عنها بسهولة، وهناك قرارات يصعب إصلاح نتائجها بعد اتخاذها. فالقرار القابل للتراجع يمكن أن يكون أكثر مرونة، بينما القرار الذي يصعب التراجع عنه يحتاج إلى دراسة أعمق وإحاطة شاملة بالموضوع ذات العلاقة باتخاذ القرار.

ثالثاً: ما خطورة تأخير القرار؟ كما أن التسرع قد يكون خطيراً وملف على مستوى الوقت والمال وغيره، فإن التأخير أيضاً قد يؤدي إلى خسارة فرصة أو إضاعة صفقة تجلب النجاح والفائدة أو تفويت موعد مهم. فالحكمة ليست في أن نقرر بسرعة دائماً ونتعجل في أمرنا وقراراتنا، ولا في أن نؤجل ونتأخر في مواعيدنا وشؤون حياتنا المهنية والاجتماعية، وإنما في أن نوازن بين خطورة اتخاذ القرار أو تأجيله. لا نحتاج إلى كل المعلومات... ولكن نحتاج إلى المعرفة المهمة التي تسعفنا في إدارة الموقف والقدرة على التعامل مع الأمور بوعي وادراك وحكمة.

من الأخطاء التي يقع فيها البعض انتظار اكتمال جميع المعلومات قبل اتخاذ القرار. وفي الواقع، قد لا نصل أبداً إلى معلومات كاملة. المطلوب ليس أن نعرف كل شيء، وإنما أن نمتلك قدراً كافياً من المعلومات ذات الصلة يساعدنا على فهم المشكلة، وتقدير البدائل، واتخاذ قرار أكثر عقلانية.

يمكن أن نسأل:

- ما الذي أعرفه؟

- ما الذي لا أعرفه؟

- ما المعلومات الضرورية فعلاً؟

- ما البدائل المتاحة والمناسبة؟

- ماذا سأكسب من كل خيار؟

- ماذا يمكن أن أخسر؟

- ما النتائج المحتملة لكل بديل؟

هذه الأسئلة البسيطة قد تمنعنا من اتخاذ قرارات كبيرة تحت تأثير لحظة انفعالية ومتسرعة.

من الانفعال إلى التفكير قد يكون هناك فرق بين أن نشعر بالخوف أو الغضب أو القلق، وبين أن نسمح لهذه المشاعر بأن تقود قراراتنا. فالشخص الذي يتعرض للضغط قد يرى المشكلة أكبر من حجمها الحقيقي، وقد يتوقع سيناريوهات كارثية، وقد يتعامل مع خيار واحد وكأنه الخيار الوحيد.

لذلك فإن تنظيم الانفعال لا يعني إلغاء المشاعر، وإنما يعني ألا نسمح للمشاعر اللحظية بأن تتولى قيادة القرار والسيطرة عليه. حتى الشخص سريع الانفعال يستطيع أن يتدرب على التوقف قبل الاستجابة، ومن أبسط التدريبات العملية أن يمنح نفسه ثوان قليلة قبل الرد أو اتخاذ القرار، خاصة في القرارات الصغيرة والمواقف اليومية.

قاعدة بسيطة: توقف قبل أن تقرر، ويمكن أن نضع لأنفسنا قاعدة عملية: في القرارات الصغيرة: توقف وفكر قبل أن تستجيب. وفي القرارات المتوسطة: اجمع المعلومات الأساسية وقارن البدائل. أما في القرارات المصيرية: لا تتخذ القرار تحت تأثير الانفعال؛ امنح نفسك الوقت الكافي للدراسة والمراجعة والاستشارة.

فقرار شراء شيء بسيط ليس كقرار بيع منزل، أو تغيير وظيفة، أو الدخول في مشروع، أو اتخاذ قرار أسري مهم كازواج ونحوه. إن القرار الجيد يمر بمراحل ويمكن تبسيط عملية اتخاذ القرار في سلسلة من الخطوات:

توقف → حدد المشكلة → اجمع المعلومات → حدد البدائل → قيّم النتائج → اختر البديل الأنسب → اتخذ القرار → راجع النتيجة. وهنا يجب أن نتذكر أن التفكير المنطقي لا يعني تجاهل الجانب الإنساني أو العاطفي، بل يعني تحقيق التوازن بين العقل المنطقي والعاطفي المشاعري.

ماذا نفعل عندما نكون تحت ضغط شديد؟ إن المهم عندما تجد نفسك أمام قرار وأنت غاضب أو خائف أو شديد التوتر، جرب الآتي:

 - توقف قليلاً ولا تستجب بشكل فوري إذا لم يكن هناك خطر عاجل.

 - اضبط انفعالك من خلال التنفس الهادئ أو الابتعاد عن الموقف للحظات حتى تكون الصورة واضحة وجلية.

 - حدد المشكلة الحقيقية بعيداً عن المبالغة أو التهويل والتضخيم.

 - اجمع المعلومات الأساسية وليس كل المعلومات التفصيلية الممكنة.

 - حدد البدائل المتاحة بدلاً من التفكير في خيار واحد فقط حتى يتمكن المرء من إعطاء فرصة لنفسه من إيجاد بدائل للموقف والمعضلة التي يمر بها.

 - قارن بين المكاسب والخسائر لكل خيار حتى ندرك أهمية القرار المتخذ بطريقة واعية وسليمة.

 - اسأل عن قابلية التراجع عن القرار خاصة إذا كان من الممكن العودة للوضع الطبيعي دون خسائر كبيرة ومكلفة.

 - فكر في تكلفة التأخير كما تفكر في تكلفة التسرع.

 - استشر شخصاً موثوقاص صاحب علة ودراية وخبرة عندما يكون القرار كبيراً أو معقداً.

 - اتخذ القرار ثم راجع نتائجه وتعلم منه حتى تكون من وراء ذلك دروس وعبر نتعلم منها للقادم من القرارات.

قبل أن تتخذ قراراً مصيرياً.. اسأل نفسك قبل اتخاذ قرار كبير في حياتك، اسأل:

هل أنا هادئ الآن؟

هل أملك المعلومات الأساسية؟

هل أعرف البدائل؟

هل القرار قابل للتراجع؟

ماذا يحدث إذا أجلت القرار؟

هل أنا أتخذ القرار بناءً على حقائق أم تحت تأثير الخوف والغضب؟

إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة واضحة، فأنت أقرب إلى اتخاذ قرار متزن.

في النهاية إن اتخاذ القرار تحت الضغط ليس مهارة فطرية فقط، بل مهارة يمكن تعلمها والتدرب عليها.

فالإنسان لا يستطيع دائماً التحكم في الظروف والضغوط التي تحيط به، لكنه يستطيع أن يتعلم كيف يستجيب لها.

وقد يكون أفضل قرار في بعض اللحظات هو ألا تتخذ القرار فوراً. وتوقف قليلًا... تنفس... اجمع ما تحتاجه من معلومات... انظر إلى البدائل... ثم قرر.

فليس المهم أن تكون سريعاً في اتخاذ القرار، وإنما أن تكون واعياً بما يكفي لتعرف متى تسرع، ومتى تتأنى.

***

د. أكرم عثمان

 مستشار وخبير تطوير ومدرب دولي في التنمية البشرية

16-10-2026

خلال العقود الأخيرة باتت كلمةُ أزمة المفردةَ الأكثر رواجا في التعبير عن المشهد الإيطالي بمختلف تفرّعاته، وهو ما انعكس أثره على المجال الفنّي ومن ضمنه قطاع السينما. لذا تبدو السينما الإيطالية أقرب إلى التأثّر بهذا الجوّ القاتم، فهي تلوح متخمة بالاغتراب ويعوزها الأمل، وبالمثل مفعمة بالانقباض ويغمرها الضجر، حتى بات هذا الانطباع الأكثرَ شيوعا والأكثر عدوى بين الناس. ولكن لو تأمّلنا مسار السينما الإيطالية بعين فاحصة، نلحظ أنها سينما ناضجة وهي أيضا مدجَّجة بالقدرات والإمكانات، وإن خانت متفرّجها، في كثير من الأحيان، واصطنعت الفِصام بينه وبينها، ولعلّ ذلك ما يوحي أو يُخيَّل أنّها تعيش في أزمة. حتى وإن تكثّفت منذ تسعينيات القرن الفائت الإنجازات على المستوى الكمّي والنوعي، وشهدت ظاهرة سينما المؤلّف، ذات الطابع الثقافي، تطوّرا ملحوظا في محاولة لمناهضة هجمة السينما الاستهلاكية العارمة.

ففي قول نبيه لخّص المخرج الفرنسي جان لوك غودار، الذي رحل عن دنيانا سنة 2022، خاصيات المدارس السينمائية الكبرى قائلا: "قدّمَ الروس سينما الشهداء، وبالمقابل قدّم الأمريكان سينما الدعاية، أما الإنجليز فقد ظلّوا يفعلون في السينما ما يفعلونه دوما ألا وهو اللاشيء. ولو تأمّلنا منجزات الألمان ندرك أنهم لا يملكون سينما (...)، في حين اكتسبت إيطاليا منذ فيلم "روما مدينة مفتوحة" لروبارتو روسلليني [1945] حقّ الشعب في النظر إلى الأشياء برويّة، ومن ثَمّ جاءت الحصيلة الكبرى لهذه السينما، بدمج لغات أوفيديو وفرجيليو ودانتي وليوباردي عبر الصورة.

صحيح ما عاد الإيطالي في الزمن الراهن يرتاد السينما على النحو الذي دأب عليه سابقا، وذلك لأنّ العروض أضحت تأتي إليه وتتزاحم على محلّ سكناه. وصحيح أيضا أنّ سينما الجدران والهياكل المغلَقة قد باتت تعيش ركودا، ولكن السينما المسايِرة لنسق الحياة المتحرّكة تشهد تطوّرا وتبدلا ملحوظين. ويمكن القول إننا نعيش زمن التحرّر في استهلاك المنتوج السينمائي والتحرّر في صناعة الفرجة، ما عادت السينما مرتبطة بأطر معيّنة، وما عادت حكرًا على أسماء ونجوم، بل حتى البسطاء بات في وسعهم صنع أفلامهم ورواية قصصهم. أعرف صديقا معوزا من سكان مدينة روما، لا يجد أحيانا ما يسدّ به الرمق، ولكنّه يشتغل في صناعة السينما الذاتية، لا يملك سوى هاتفه النقال وخبرته وثقافته في المجال. لقد حرّرت التكنولوجيا هذا الفنّ من "المونوبول" وأدخلت تقاليد جديدة في القطاع ما كانت في الحسبان.

وفي خضمّ هذه التحولات والمستجدات ها هي السينما الإيطالية تبدع في التواصل مع المتفرّج، إذ مع حلول فصل الصيف، ومع تقلّص روّاد دُور السينما تحت وطأة إغراءات البحر، والاستجمام، والترحال، والنفور من الانغلاق بين الجدران، تطلّ موجة سينما المنتزهات والحدائق والساحات ليلا، وهي فرصة ذكية وممتعة للذين ينفرون من الفرجة بين الجدران.

والملاحظ أن منتجات السينما الإيطالية كثيرة ووفيرة، وفي تلك الرحلة الشيّقة أُنجزت أعمال راقية غدت علامات، تعبّر عن أطوار وأشواط قطعها الإبداع السينمائي، وهي منجزات لم تتميّز فحسب بلغتها وبهائها وسحرها، بل بتوهّجها الخارق أيضا. طبعت تلك المنتَجات "السينما الفاشية"، وموجة "الواقعية الجديدة"، و"سينما المؤلف"، و"الكوميديا الإيطالية"، و"سينما الأزمة"، ولكن عبر هذا المشوار الطويل والثريّ اضطلع النقد السينمائي بدور محوري، تأتّى ذلك جرّاء ترافق تلك المراحل المتنوعة مع بروز أقلام أدبية وازنة استطاعت بإشاراتها وتلميحاتها، وبانتقاداتها الذكية أيضا، الإسهام في خلق سينما مبدعة ومغرية.

ومن ثَمّ فإنّ السؤال المطروح في الزمن الحالي: هل ما زالت السينما تغري الناس وتستهويهم بالشكل الذي كانت عليه؟ الملاحظ أن الفرجة عموما ما فتئت تغوي الناس، ولكن المواضيع المعالَجة غالبا ما لا تعبّر عن انتظارات المتابِعين وهمومهم. فالفرجة غدت مغتربة عن واقعها، وتُمعن في استلاب الإنسان. مع هذا فإنّ الإيطالي في زمن الشبكة العنكبوتية ما انفك تحت غواية الفرجة وإن تغيرت زوايا النظر ونوافذ الاطلاع: الهاتف النقال، الأفلام السائبة في الشبكة، نات فليكس، الأفلام المخزّنة في الوسائط المتنوعة، لتغدو السينما رفيقة حلّه وترحاله، وتخرُج من الثبات الذي لازمها طيلة عقود.

في بداية عهدي بإيطاليا ساقتني مقتضيات العيش أن أشتغل مترجما في مجمّع سينمائي هائل يجاور "قناة الراي" الحكومية. لا تتعدّى مهمّتي في ذلك المركّب القيام بترجمة الأشرطة الكتابية التوضيحية المصاحبة للأفلام والبرامج التلفزية، من الطبخ إلى الفن إلى السينما إلى مختلف البرامج والحوارات. لكن عمل الترجمة ذاك أدناني من عالم آخر كنت أجهله، فقد أتيت من حقل دراسة الظواهر الدينية، واللاهوت، وحوارات الأديان، من الزيتونة أوّلا ثمّ من الغريغورية لاحقا، لأجد نفسي في صالة مونتاج ومحاطا بأجواء سينمائية وفنية وأحاديث ومشاغل لم آلفها في سابق عهدي. دامت تلك الرحلة سنوات، تعلّمت خلالها أن العالم عوالم، فيه لغات عدّة وزوايا نظر شتّى. انغمست حينها، وبحكم تكويني، في متابعة الأفلام الدينية، أو لأقُل الأفلام ذات الخلفية الكنَسيّة تحديدا، لأكتشف أن صناعة سينمائية هائلة في إيطاليا، وليس في حاضرة الفاتيكان وحدها، تدور حول حقل اللاهوت، تكاد تكون معظم ثيماتها مستوحاة من العهدين: القديم والجديد، وتتمدّدُ لتغطّي ظواهر دينية حديثة: بابوات، وقديسين، وقديسات، وحركات. وهي سينما تجلب حتى مخرجي اليسار (على سبيل المثال فيلم "الإنجيل برواية متّى" لبيار باولو بازوليني، وفيلم المخرج ناني موريتي "انتهى القدّاس"، وكذلك فيلمه الثاني "هابيموس بابام/ أصبح لدينا بابا"، والقائمة طويلة)، تراهم مهووسين بحقل السينما الدينية وقضاياها في إيطاليا.

والواقع أن السينما الإيطالية قد رافقت هموم الناس، حتى وإن اغتربت أحيانا وضلّت طريقها. فقد كانت شديدة الحرص على استحضار التاريخ والواقع، وتحاول أن تتملّى فيهما بلغة فنية معبّرة، ودون أن تثقل حمولتها بالروايات الخارجية، وإنما يجري التوظيف بإشارات ذكية وحالمة. وفي تلك المغامرة ارتبط مسار هذه السينما في المخيال الجمعي بالمتوسِّط، تلك البحيرة التي تتربّع شعوب وأقوام حولها، تقاسمت تاريخا عريقا وحاضرا مثقلا بالتحديات. وكأنّ الهجانة الأنثروبولوجية التي تحدّث عنها المؤرخ فرنان بروديل قدرُ المطلّين على المتوسّط. ربما يشكّل فيلم "كَبِيرا" (1914) لجيوفاني باستروني أحد أعمدة التأسيس المبكرة في رحلة هذا الفنّ الجميل، إذ يصوّر الفيلم الصراع التاريخي الملحمي بين قرطاج وروما. صحيح سادت روما مع منتهى الحروب البونيقية الثلاث وأحرقت قرطاجة وأعلنت "دالندا كرتاجيني" (لِتُدمّر قرطاج). ولكن روما لم تقرّ لخصمٍ لها بالإجلال والرهبة مثلما أقرّت بذلك لحنّبعل ابن أميلكار (248-182 ق.م)، ليس لفطنة الرجل السياسية وعبقريته العسكرية فحسب، وإنما لخطورة طرحه الجيوسياسي حينها، الذي يعيد رسم خريطة العلاقات بين الحضارات المطلّة على المتوسّط، بعيدا عن الصراعات التي حوّلت تلك البحيرة إلى مقبرة مترامية الأطراف. وهنا يتنزّل قَسَم حنّبعل: "أُقسم أن أناصِبَ روما العداء إلى الأبد".

وانخرطت تلك السينما في قضايا إنسانية لاحقا، كان أبرزها حين غامر المخرج جيللو بونتيكورفو بإنجاز فيلم "معركة الجزائر" (1966)، كان الرجل يعلن من خلال عمله انحيازا واضحا إلى روح جديدة تسري في العالم، تجلّ حقّ الشعوب في تقرير مصيرها، وتعلن التخلّص من ماض استعماري بغيض. فالفنّ عادة ما يستبق الأحداث ويعلن إرهاصات التحولات الكبرى، حتى وإن بدت السينما "ماكينة أحلام وخزّان كوابيس"، على حدّ قول الناقد السينمائي ستيفانو سانتولي.

***

عزالدّين عناية

أستاذ تونسي بجامعة روما، إيطاليا

"الذين شوهدوا وهم يرقصون، كانوا معتوهين في نظر الذين لم يستطيعوا سماع الموسيقى[1]. "

نص نيتشوي يتكرر كلما ذكرنا هذا الفيلسوف المؤرق بافكاره حامل المطارق، نحات الافكار ومشكل الانسان الاعلى..

قبل اكتشاف نصل الجز، ولع هذا الشقي منذ نعومته بالموسيقى فهو لأب يعزف انغام البيانو في الكنائس، القس كارل لودفيغ نيتشه؛ تدربت اذني نيتشه الصغير على الموسيقى لكن كارل اختطفه الموت قبل ان يكمل نيتشه عامه الخامس؛ بعد ذلك اصبحت امه اول معلم موسيقي لفريدريك، علمته العزف على آله البيانو.

وكان للتراث الاغريقي مكانه خاصه عند نيتشه، اذ انه رفض كل الرفض اي محاولات للتغيير بالموسيقى الكلاسيكيه، حيث رأى ان الموسيقى ليست رفاهيه انما هي انعكاس لجوهر الانسان وقوته النفسيه، وان امتزاج ثنائية ديونيسوس وأبولون ولدت التراجيديا الاغريقية الاصيلة،

ف الروح الديونسية: تمثل الجوهر العميق للحياة، والتعبير الفطري عن الإرادة الإنسانية من خلال الموسيقى، اما الروح الأبولونية: تمثل الوضوح، والحدود، والفنون البصرية والشعرية التي تضبط الفوضى[2].

لابسط قول نيتشه فأن الروح الديونيزية (نسبة إلى "ديونيسوس"، إله الخمر والخصب والنشوة عند الإغريق)، هي الفطره روح البهجه والصخب، الحياه الصحيه نفسيا وذهنيا دون تشويهها بالاخلاق الموروثه وسطوة العقل..

ومن هنا يتصل نقد نيتشه لسقراط وأفلاطون بموقفه من التراجيديا والموسيقى فالمسألة عنده لم تكن خلافا فلسفيا حول العقل والأخلاق فحسب بل كانت سؤالا عن الطريقة التي تغير بها الإنسان في علاقته بالحياة والفن

رأى نيتشه أن التراجيديا اليونانية في صورتها الأولى كانت تقوم على تآلف الروح الأبولونية والديونيزية وكانت الموسيقى تحمل فيها صوت الجانب الديونيسي بما فيه من نشوة وألم وقوة واحتفاء بالحياة لكن مع صعود السقراطية شعر نيتشه أن هذا التوازن بدأ يتراجع لصالح العقل والجدل والتفسير المنطقي للحياة فخسرت التراجيديا شيئا من طاقتها العميقة وتحولت تدريجيا من مواجهة المأساة إلى محاولة تفسيرها وتبريرها

ومن هنا أصبحت الموسيقى عند نيتشه أكثر من مجرد فن سمعي إنها وسيلة لاستعادة ما تعجز اللغة والعقل وحدهما عن التعبير عنه وإبقاء الصلة حية بين الإنسان والجانب التراجيدي والغامض من وجوده لذلك لم يكن دفاعه عن الموسيقى منفصلا عن نقده للفلسفة العقلانية بل كان جزءا من مشروعه لإعادة الفن إلى موقعه بوصفه تعبيرا أصيلا عن الحياة.

قرأ فريدريك الموسيقى قبل ان يكون فيلسوفا وكان عازفا جيدا، وان هذا الارتباط بينه وبين الموسيقى كما كان يقول "بدون موسيقى، ستكون الحياة خطأً" ولد لديه رغبه بتأليفها بطريقته الخاصه..

بدأ نيتشه الشاب بتأليف المقطوعات الموسيقيه القصيره منها الى الكورال، الدراميه والاوركستيه.. ولم نعتقد ان نيتشه الغاضب والصارم كان مرهفا، واختار ان يجمع بين فلسفته والنغمات ليعبر عن خلجاته ومعتقل افكاره، لذا كتب اكثر من سبعين مؤلفا يخفف الم الحياة فيها.

سوف استعرض لكم جزء من هذه المقطوعات الروحيه:

لتضحكي اذن او لتضحكي قليلا

So lach doch mal 1862.

على الرغم من ان نيتشه كان يهاجم الموسيقى الرومانسيه الالمانيه وبالاخص صديقه وغريمه الذي نظر اليه نظرت المعلم الاسمى في فتره شبابه" فاغنر" الا انه اصبح من اشد المنتقدين لموسيقاه الرومانسيه إثر خلافات اراء بينهم كما يذكر وبالاخص قبول فاغنر التعاون مع الكنيسه التي كان نيتشه يدقها دق المسمار بالخشب الا انه بكتاباته الموسيقيه ظل نيتشه وفيا للمدرسه الرومانسيه الالمانيه متاثرا بموسيقى فاغنر وشوبان الساحره والف هذه المقطوعه الموسيقيه ذات الطابع الدافئ والحنين،

تعزف هذه المقطوعه على البيانو والتي كالت اله رومانسية حساسة للتعبير الفردي ومشهورة في عهد نيتشه وهي قصيره.. مدتها لا تزيد عن دقيقه الا بثوان، كان نيتشه رومانسياً بامتياز في أسلوب تأليفه الموسيقي، وتأثر كثيراً برواد ذاك العصر.

بعد ان سمعت المقطوعة راودني شعور حزين، دافئ، ملهم، شعور امتزاج الدموع بالابتسامة، اراها حاضرة كلما شعرت بحاجه ملحة للاحتضان والتربيت برفق، اعاود الاستماع اليها فهي موسيقى ذات شعور مرهف حساس كانما يقول لك نيتشه اضحك ارجوك، لا تحزن..

وعلى الرغم من جمالية هذه المقطوعة الا ان النقاد اعتبروها خاليه من التكنيك وانها محاولات فاشله مبنيه على الارتجال العفوي وليس البناء المدروس.

تأملات مانفريد[3]

Manfred-Meditation،1872

ايام المراهقه قرأ نيتشه قصيدة مانفريد للشاعر الإنجليزي لورد بايرون،وكان منجذبًا جدًا لهذه الشخصية التي امتلكت قدرات عجيبة لكنه لم يكن سعيدا فيها. وفي كتاباته المبكرة وصف مانفريد بأنه شخصية الانسان الاعلى حتى قبل ان يتعمق بالفكرة ويرسخها في فلسفته في كتاب "هكذا تكلم زرادشت".

كان يرى نيتشه فيه الانسان الثابت الذي لا يخضع او يتزعزع عن ارادته حتى امام اكبر قوة في العالم. عكست مقطوعة مانفريد فلسفه نيتشه والهمته الكثير، هذا البطل البائس الذي حاول الانتحار لكن ولسوء حظه انقذه راع اهوج من الموت وكتب عليه الاستمرار بعذاب الضمير، واخيرا يغادر مانفريد الحياة مع اله الجحيم رافضا الخضوع له او للموت او اي شي لقد مات مانفريد وهو واقف على ارادته..

أٌلفت المقطوعة رباعيه الايد( تتطلب عازفان)، تتميز الموسيقى بالوقع الدرامي، العبثي والمضطرب.. فهناك شعور يصل منها بالتوتر والعنف، الغضب الذي يمكن تفسيره بغضب مانفريد تجاه نفسه لارتكابه خطيئه وحزنه على وفاة حبيبته\ اخته وعجزه عن النسيان او مسامحه ذاته،

ارسل نيتشه هذه المقطوعة ل"هانز فون بيلو" وهو أحد أبرز قادة الأوركسترا وعازفي البيانو الألمان في القرن التاسع عشر (العصر الرومانسي). فرد عليها الاخير برسالة قطع فيها على الفيلسوف كل اماله ووصفها بانها " أقصى درجات الإسراف والغرابة الخيالية، وأكثر ما رآه منذ مدة منفّرًا ومعاديًا للموسيقى". وقال أيضًا" إنه تساءل هل كانت مزحة أو محاكاة ساخرة ل موسيقى المستقبل، وهل تعمّد نيتشه مخالفة قواعد التأليف". ووصفها بأنها «نتاج حُمّى موسيقية»، وقال إن قيمتها من الناحية الموسيقية لا تتجاوز «جريمة في العالم الأخلاقي".

لا تنتهي القسوة عند هذا الحد بل يقول «ومرة أخرى، لا تأخذوا كلامي بسوء.أنتم أنفسكم وصفتم موسيقاكم بأنها "فظيعة"، وهي كذلك بالفعل، بل إنها أفزع مما تتصورون.ليست ضارة بالمجتمع، لكنها أسوأ من ذلك: إنها ضارة بكم أنتم، إذ لا يمكنكم أن تقتلوا فائض وقت فراغكم بطريقة أسوأ من أن تستعملوه بهذه الطريقة في اغتصاب إيوتربي، ربة الموسيقى"[4].

ترنيمة الى الحياة[5]

Hymnus an das Leben، 1887

في عام 1882تعرف فريدريك على الفيلسوفه، الكاتبة والمفكرة " لو سالومي"، وفي ذات السنه الفت سالومي قصيدة بعنوان " ترنيمة الى الحياة" ووقع نيتشه الشاب المرهف بالغرام ثم اخذ القصيدة ولحنها موسيقى للكورال والاوركسترا؛

و تعتبر هذه المقطوعة مهمه بحياة نيتشه ليس فقط لانها تمثل فترة تعارفه مع سالومي وايضا اراد اثبات نفسه ك مؤلف موسيقي.. ابصرت هذه الترنيمة النور عام 1887، حيث ارسلها فريدريك مرة ثانية بشغف مراهن على نجاحها ل"هانز فون بيلو" ولكن الرد جاء باردا،

طلب بيلو من زوجته" ماري" ان تكتب رسالة لتبلغ نيتشه معتذر ان هانز مشغول ولا يستطيع الرد عليه وهكذا تجاهل هانز تماما مقطوعة نيتشة.

لم يكن الاستسلام من شخصية نيتشة بشيء فقد ارسل نسخه الى يوهانس برامز، طالبا رأيه، وتميز اسلوب برامز بالدبلوماسية واللطف بدون تجريح اذ انه اكتفى بشكر نيتشه على ارسال المقطوعة واعتقد نيتشه المعتد بنفسه دوما ان هذا الرد كان اطراء استثنائي وتقدير كبير.

موسيقى هذه المقطوعة تعزف ل ستة دقائق، موسيقى اوركسترا، تثير في داخلك امتزاج الهدوء بالحزن العميق، تدخل بعالم الصمود وسط العاصفه وهياجها وهذا ما كانت سالومي تشير اليه بقصيدتها.. ان تتقبل سالومي الحياة كما هي، بحزنها وفرحها، الا تترك ذراعها حتى في اشد الانكسارات، ان تحبها كما يحب الصديق صديقه.

من الواضح ان الفيلسوف حاول جاهدا تاليف الموسيقى ولم يكتف بعزفها فقط لكن موسيقاه كانت دائما ما تلاقي النقد من الموسيقيين ونفور من الجمهور.. وصفت موسيقاه بالخياليه المتأثره باسلوب فاغنري رومانسي ولكن بشكل فوضوي، التركيب البنائي ضعيف جدا فهي اقرب لمحاولات فضولية ولكنها لا ترتقي لكونها موسيقى فعليه كما يعلق ناقديه ومن بينهم فاغنر الصديق اللدود الذي لم يستطع نيتشه حتى بعد انتهاء صداقتهما الانفصال عن موسيقاه، فهي تشده اليها شدا.. وبالرغم من رأي النقاد الا اننا نستمع لنيتشه نحن الفوضويين، معدمي القدرة البنائيه لتركيبه الموسيقى الاكاديمية ومع ذلك نعجب بها فهل نحن نحب موسيقاه بسبب كتاباته الموسيقية ام لاننا نشعر بحضرتها ان هناك من حاول توصيل افكاره عبر شفرات نغميه؟ هل هو الشعور ام الاحترافية؟

نترك الابواب مفتحه للتفكير بالامر وللتعرف على نيتشة فتى الموسيقى.

تمت

***

روان ليلى - العراق / بغداد

...........................

[1] http://www.goodreads.com/quotes/7517004

[2] الفصل الاول-مولد التراجيديا

[3]https://www.scribd.com/document/891413431/%D0%9C%D0%B0%D0%BD%D1%84%D1%80%D0%B5%D0%B4-%D0%9B%D0%B5%D1%82%D0%B5%D1%80%D0%B0

[4] 1- http://Selected Letters of Friedrich Nietzsche. Translated by Anthony M. Ludovici. London: Heinemann، 1921. (الرسالة رقم 29، صفحة 71-  73)،

2- (لماذا انا ذكي جدا) فصل- كتاب هو ذا الانسان

[5] https://circumferencemag.com/my-lips-and-all-youd-loved-them-for/

في المثقف اليوم