عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

استفتِ قلبك وأن أفتوك..

هذا الشعار المهم يجب حمله مع القوانين والتشريعات الدينية، فالضمير الأخلاقي هو الأساس والبوصلة لخطى الإنسان، لأن الحكم الفقهي ظاهري في غالبيته قد لا يصيب الواقع، وهو يفيد إبراء الذمة يوم القيامة فيما اذا اتبعنا الحكم الخاطىء، فنكون معذورين أمام الله تعالى، لكن في الحياة الدنيا نحن غير معذورين حين نسيء لأحد ونأكل حقوقه بحجة أن المفتي قال ذلك.. المفتي يعطي الحكم بعنوانه الأولي العام، ولايعلم ملابسات قضيتك الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، أنت من تشخص موضوع مسألتك، وتقع عليك مسؤولية تحقيق العدالة، ولذلك بعض الأحيان المكلف يتلاعب بموضوعه لتضارب المصالح، كمثال: الولاية الجبرية للأب، يقول المفتي: اذا وجد الأب أن مصلحة الطفل تقتضي البقاء مع الأم فيجب ابقاؤه معها حتى وان تزوجت وبلغ الطفل السابعة، هنا يضع الحق بيد الأب في تقرير مصلحة الطفل، لكن قد تتضارب مصلحته مع مصلحة المحضون، فقد لايريد الانفاق عليه، فيخدع نفسه فيقرر أخذ الطفل من أمّه.

فالأب هنا بيده السلطة التي تجعله المتحكم في القرار فيصدر قراره بناء على مصلحته، وهنا تكمن الخطورة؛ إذ يستطيع الإنسان أن يخدع نفسه قبل أن يخدع غيره، فيكيّف الوقائع بما يخدم مصلحته الشخصية، ثم يختبئ خلف الفتوى ليمنح قراره غطاءً شرعياً..

بينما في هذه المسألة يجب الرجوع للقاضي الذي تعينه الدولة لأحقاق حق المواطن بغض النظر عن الفتوى الفقهية المستمدة من فقه الفرد، لا فقه الدولة أو المحتمع، فالفقه هنا يتعامل مع افراد متفرقين وليس بينهم الا علاقات الابوة والأمومة والبنوة والزوجية والقرابة.

فأعطت للرجل صلاحيات واسعة في أتخاذ القرارات بشأن الأبن، مع افتراض حسن نيته وعدالته. فلا وجود لمصلحة الأسرة مثلا، لأن هو لايفهم هذه الجماعة، الا من خلال عناوين معينة المذكورة بالكتب الفقهية،فهو يتعامل مع افراد: الاب، الزوج، الأم، الوارث، الدائن، المدين. فلا ولاية للقاضي او الدولة في مراعاة حقوق المواطنين خارج حق الأب والأم والجد على الطفل.

ركز الفقه الفردي على الحقوق الفردية والعلاقات المباشرة، أكثر من تركيزه على مفهوم المؤسسة الاجتماعية كالأسرة بوصفها كيانا كاملا فهي لاتظهر كوحدة احتماعية ذات مصلحة عامة، بل كمجموعة حقوق متقابلة بين أفراد يمتلكون سلطات متفاوتة

أن التجربة الإنسانية تثبت أن السلطة حين تجتمع مع المصلحة الخاصة تحتاج دائما الى رقابة خارجية، لأن الإنسان يميل الى تبرير أفعاله، خاصة عندنا يمتلك سندا دينيا أو قانونيا يخفف عنه تأنيب الضمير.

من هنا تظهر ضرورة الانتقال من فقه الفرد الى فقه الدولة والمجتمع التي يمكنها أن تقيم محاكم خارج ما أنتجه الفقه الفردي من منظومة حقوقية.

المشكلة ليست بالدين أو الفقه نفسه بل بالنزعة الفردية حين تم نقلها بكل تصوراتها لتكون قانونا عامل يشمل الدولة، بلا آليات جديدة تراعي كيان المجتمع والدولة.

إن وجود سلطة قضائية مستقلة عن مصالح الافراد لايناقض الدين بل يحمي المقاصد الأخلاقية للدين من التلاعب الفردي، بينما الأن – كما يلاحظ في العراق – أن المحكمة ذاتها تطلب نصوصا موحدة للجميع تستمد من الفقه الفردي نفسه لتقرر على ضوئه القرار القضائي أو القرار التمييزي، فلا تخرج قرارات السلطة القضائية عن فتاوى وتفسيرات الفتوى الفردية نفسها. فالقضاء أصبح هنا مجرد إدارة ملفات إدارية، وإلزام تنفيذي على المكلف، فلم تعد الفتاوى خاصة بالامتثال الفردي، بل يجبر على تنفيذ الفتوى الفقهية، التي صارت قانونا عاما ينفذ في كل واقعة تقريبا.

إن الدولة الحديثة لم تنشأ فقط لتنظيم السلطة، بل أيضا لمنع الأفراد من أن يكونوا خصوما وحكاما في الوقت نفسه، لكن الفقه المقنن بقى يعطي الحق للأب -في هذا المثال المذكور - أن يكون هو الخصم والحكم عندما جعلت سنا معينا محددا للطفل للانتقال من حضانة الأم المنفصلة عن الأب، إلى الأب، دون البحث الكافي في كل حالة حول مصلحة المحضون. فالقضاء هنا تحول الى أداة تنفيذية فقط ما رسمه الفقه الفردي الخاص بإبراء الذمة الأخروي

في الفقه الإسلامي؛ الإنسان قد يكون معذورا أمام الله تعالى إذا اتبع فتوى خاطئة عن حسن نية، لكن ذلك لايلغي الضرر الذي يقع على الناس في الحياة الدنيا. فالظلم باقٍ حتى لوامتلك الظالم فتوى تبرر فعله. لذلك الضمير الأخلاقي النابع من القلب هو الأساس، وهذا مايذكره الحديث المنسوب للنبي ص: (استفت قلبك وأن افتاك الناس وأفتوك). فالقلب يعرف العدالة، استفت قلبك وهو ليس بديلا عن الفقه بل رقيب عليه من الداخل يمنع الناس من تحويل الأحكام الشرعية الى أدوات سلطة والتهرب من المسؤولية، وطلم الناس باسم الشريعة، ومن بعد ذلك تأتي الدولة بقوانينها الرادعة والملزمة إذا تاه الفرد عن بوصلة أخلاقه، وكان الفقه يخاطب الفرد فقط. بفقه ظاهري ينفع يوم الحساب في إبراء الذمة ولايفيد الحياة الدنيا بالضرورة.

***

ا. د. بتول فاروق

النجف ٢٥/ ٦/ ٢٠٢٦

مقاربة تفكيكية للخطاب الأسطوري والخطاب الاستعماري المعاصر

البنية المعرفية للأسطورة وتوظيفها السلطوي

يرتكز الفهم الفلسفي المعاصر للخطاب الأسطوري على كونه ليس مجرد حكايات خرافية غابرة تنتمي إلى طفولة البشرية الأولى، بل هو بنية معرفية ممتدة وعابرة للتاريخ تُستخدم بوعي لإنتاج المعنى وتثبيت دعائم السلطة عبر أطر لغوية مدروسة بعناية. في هذا السياق، ينطلق المشروع النقدي للمفكر رولان بارت من فكرة ثورية تؤكد أن اللغة ليست مجرد أداة محايدة للتواصل البشري، بل هي نظام فكري عقائدي متكامل يتجلى بوضوح في أطروحاته التأسيسية حول صياغة الكتابة والأنظمة العلاماتية المعاصرة.

تتبدى الأسطورة في هذا الطرح بوصفها نظاماً علاماتياً يعمد بالدرجة الأولى إلى تفريغ الواقع التاريخي من محتواه الحركي السائل، وتحويله إلى "طبيعة بديهية" أزلية ساكنة لا تقبل النقاش أو المساءلة. إن الأسطورة تأخذ الوقائع التاريخية والتحولات السياسية وتحيلها إلى ما يشبه القوانين الطبيعية الفيزيائية؛ فهي تجعل الهيمنة الطبقية أو التوسعية تبدو كأنها أمر حتمي وطبيعي تماماً كما تشرق الشمس وتغرب، مما يحرم المتلقي القدرة على رصد الصيرورة التاريخية والاجتماعية التي أنتجت هذا الواقع وأسست لتلك الامتيازات.

المأزق الاصطلاحي والصراع الدلالي في الفضاء العربي

يتأصل هذا التزييف اللغوي الممنهج في صميم الصراع الدلالي حول تسمية المفاهيم وتحديد غاياتها؛ إذ يكشف تفكيك مصطلح "ما بعد الاستعمار" عن قطيعة معرفية متوهمة تصوّر وجود حد فاصل بين مرحلة ما قبل الاحتلال وما بعدها، متغافلة عن امتداد آليات الهيمنة بوسائل ناعمة. وفي الفضاء التداولي العربي، يثور جدل لغوي وعميق حول ترجمة اللفظ الأجنبي للاستعمار؛ إذ تحمل اللفظة العربية في جذرها دلالة إيجابية مستمدة من التعمير والبناء والاستخلاف، بينما ينطوي الواقع الفعلي والممارس على الأرض على الإذلال والنهب المنظم واقتلاع الهويات. هذا التناقض الصارخ دفع كوكبة من المفكرين التفكيكيين إلى اقتراح بدائل مفاهيمية تكشف عن جوهر الفعل مثل "الاستخراب" أو "الاستكبار" للتعبير الدقيق عن حقيقة التدمير البنيوي.

يتوازى هذا التزييف مع مصطلح "التغريب" الذي يحمل في جذوره اللغوية الأصلية معاني التنحية، والإقصاء، والنفي عن الوطن والبيئة، لكنه شهد تطوراً بنيوياً هائلاً في العصر الحديث ليعبر عن استلاب الهوية وإقصاء الذات الحضارية والثقافية لصالح قيم المركز المهيمن وفرض نمطه المعرفي كنموذج وحيد للتقدم الإنساني.

العقل الأداتي: من ملحمة أوديسيوس إلى الهيمنة المعاصرة

إن الارتداد التنويري نحو الأسطورة يمثل في جوهره إعادة إنتاج مستمرة لعلاقة الصراع العنيف والهيمنة على الطبيعة والإنسان على حد سواء. هذا التحول العميق يفسره الفيلسوفان ثيودور أدورنو وماكس هوركهايمر عبر قراءة فلسفية تفكيكية لأسطورة أوديسيوس في الملحمة اليونانية القديمة؛ حيث يقيد أوديسيوس نفسه بإحكام إلى صاري السفينة ليسمع غناء الحوريات الساحر دون أن يندفع نحوهن ويهلك، مستعبداً في الوقت ذاته بحارته عبر سد آذانهم بالشمع ليتفرغوا للتجديف دون وعي بما يدور حولهم. تعبر هذه الصورة الأسطورية الرمزية بدقة عن نشأة "العقل الأداتي" بوصفه أداة للسيطرة الذاتية الصارمة وقمع الغرائز بهدف إحكام الهيمنة على الطبيعة والسيطرة على الآخر وإخضاعه.

يجدر بنا هنا التمييز بين مفهومين محوريين:

مفهوم "المحاكاة" التي تحفظ التوازن والانسجام الفطري بين الذات والموضوع، ومفهوم "الإسقاط" الذي يمثل حالة من العوارض الارتيابية التسلطية التي تحول البيئة المحيطة وكل ما هو خارجي إلى مجرد امتداد تابع للذات المستبدة، مما يلغي خصوصية الآخر ويسلبه وجوده المستقل.

هندسة التضليل والتعمية: البلاغة كبديل للقوة المادية

ينشأ التوازي الجوهري والعميق بين الخطاب الأسطوري التاريخي والخطاب التوسعي الهيمني المعاصر من هذه النقطة بالذات؛ حيث يتحول الخطاب السياسي إلى عقيدة تبريرية مطلقة للسلطة عندما تفصل الجماعة التاريخية فصلاً حاداً بين الحاكم والمحكوم. وكما يوضح ماكس فيبر عبر التحليلات الهرمنيوطيقية للفيلسوف بول ريكور، فإن هذه المرحلة من الانفصال تتطلب بالضرورة صياغة خطاب بلاغي إقناعي مكثف وشديد التأثير ليكون بديلاً مستداماً عن الاستخدام العاري والمستمر للقوة المادية والبطش العسكري.

تاريخياً، وظف الخطاب الأسطوري الرموز الميتافيزيقية السامية والتعبيرات الفقهية الموجهة لشرعنة الاستبداد وإضفاء هالة من القداسة على الحاكم الفرد. وفي العصر الراهن، يعيد الخطاب الهيمني المعاصر علمنة هذه الأسطورة وصياغتها في قوالب حداثية؛ إذ حل مفهوم "النظام العالمي الجديد" أو "قيم المركزية الغربية" محل المشيئة الإلهية المطلقة، لتبرير غزو الشعوب وتدمير بنيتها الاجتماعية ونهب مقدراتها الاقتصادية باسم نشر قيم الديمقراطية، والعولمة، وحماية حقوق الإنسان.

إن فعل الخداع في كلا الخطابين يقوم على بنية منطقية مغالطة وممنهجة بعناية فائقة لتوجيه الوعي الجمعي وإفراغ التفكير النقدي من مضمونه التساؤلي؛ إذ لا يُعنى هذا الجدل السياسي بإثبات الحقائق الموضوعية، بل بحسم الصراع لصالحه من خلال إثارة العواطف ومخاطبة مخاوف الذات المقهورة وتوجيه قلقها.

العقيدة، السرد، وصناعة الجهل البنيوي

لا تكتمل دائرة الخداع والتعمية بالاعتماد على المغالطات المنطقية الفردية أو العابرة، بل تتطلب بالضرورة بناء نسق سردي متكامل وممتد يتداخل فيه النص بالتوجه الفكري لإنتاج الجهل وإعادة توليده دورياً. يفكك النقد البنيوي الآلية السردية للخطابات المهيمنة مبنياً الدور المحوري لـ "ضمير الغائب" في الرواية وكتابة التاريخ؛ إذ يرى بارت أن استخدام ضمير الغائب يمنح السرد موضوعية مصطنعة ومحايدة توفر للقارئ طمأنينة التخييل القابل للتصديق على الرغم من زيفه البنيوي الكامن. ينتصر ضمير الغائب على ضمير المتكلم في أدبيات الطبقات المهيمنة لأنه يعرض الجوهر والمواقف كمعطيات نهائية وأزلية معزولة تماماً عن الذات الكاتبة وصراعاتها المصلحية الواقعية، مما يمنح الأسطورة حصانة شكلية تبعدها عن مشرط التشكيك والنقد.

في المقابل، يسعى الخطاب السياسي الاستبدادي في المنطقة إلى فرض صوته الأوحد من خلال لغة غامضة وتعاليم حاسمة تؤكد باستمرار على علاقات الفوقية والتبعية؛ حيث يتحول الخطاب من كونه حواراً مجتمعياً متبادلاً إلى إملاء عمودي يفرض السمع والطاعة المطلقة، معززاً أطروحات "مكرمات الراعي على الرعية" كبديل مشوه عن الحقوق الدستورية والمدنية الأصيلة للأفراد.

آليات الدفاع النفسي والدورات المفرغة لإعادة إنتاج الخضوع

يستمر نظام الخداع النفسي الإدماني بالعمل بكفاءة عبر آليات سلوكية دفاعية تلجأ إليها الشعوب الواقعة تحت القهر للتخفيف من وطأة عجزها التاريخي الممتد، وهي دفاعات تنقلب في نهاية المطاف لتسهم في إغلاق الدائرة المفرغة وإعادة إنتاج شروط التخلف والخضوع التام. وتتخذ هذه الآليات الدفاعية النفسية والاجتماعية صوراً بنيوية محددة يمكن تفصيلها في المحاور التالية:

الانكفاء على الماضي والجمود:

عندما يستعصي الواقع الراهن والمعقد على التغيير، وتنسد آفاق الفعل الحضاري والإنتاجي أمام الإنسان المقهور، فإنه ينكفئ تلقائياً على ذاته مستمسكاً بالتقليد الحرفي والعودة المتخيلة إلى الماضي المجيد كدرع واقٍ ضد قلق التلاشي والضياع الهوياتي. يغدو هذا الماضي ملاذاً وهمياً يُعوض فيه الفرد في مخيلته عن مهانته الحاضرة وتبعيته الحالية. ورغم أن هذا التمسك يكتسب في بدايته دلالة حمائية للدفاع عن الذات، إلا أنه يتحول بفعل المبالغة والتقديس إلى جمود معرفي صارم يرفض النقد الذاتي، مما يبقي المجتمع عاجزاً عن امتلاك أدوات العصر المعرفية والتقنية، وبالتالي تكرس السلفية الفكرية التبعية المطلقة للمركز الاستعماري المتفوق أداتياً وعلمياً.

الذوبان في العلاقات الدمجية والتعصب الأعمى:

يفر الإنسان المقهور من مسؤولية وعيه الحاد بفقدان كرامته الفردية وحريته الشخصية عبر الذوبان الكامل وغير المشروط في الجماعة والعلاقات الدمجية الأولية كالعشيرة، أو القبيلة، أو الطائفة المذهبية. تسهم هذه الكيانات الفرعية في تفتيت الهوية الوطنية الجامعة وتآكل المفهوم الحديث للدولة؛ حيث تكتسب العصبية الضيقة دلالة المثل الأعلى والخير المطلق في نظر أعضائها، بينما يُسقط على كل ما هو خارجها دلالات شريرة ومشاعر العداء المستحكم والخشية الدائمة. يتحول الخارج هنا إلى "أسطورة الشر والسوء المطلق" التي تجب محاربتها لحماية النقاء المتوهم للداخل، مما يؤدي إلى هدر طاقات الداخل والخارج معاً في صراعات عبثية، ويسهل على القوى التوسعية اختراق هذه الكيانات المفتتة وإدارتها والتحكم في مصيرها بيسر تام.

الهروب السحري والارتباط بخرافة الخلاص الميتافيزيقي:

أمام العجز المادي والعملي عن مواجهة أدوات القهر المنظم، يتخلى العقل المقهور عن سببيته المنطقية الصارمة وينزلق نحو التفكير الانفعالي الغيبي والسحري. يتجلى ذلك بوضوح في اللجوء العارم لـ "أسطورة قضاء الحاجات" والتعلق المفرط بالتمائم، والخوارق لكف الحسد، أو جمع الحبيبين، أو تحقيق النصر المؤزر على الخصوم دون أي مجهود مادي أو علمي مبذول على أرض الواقع. يتولى هؤلاء الأولياء أو المخلصون الغيبيون في المخيلة الشعبية حل المشكلات العميقة التي تعجز الجماهير عن تحقيقها بجهدها الفعلي، أو ما قصر الطاغية المستبد في تلبيته من احتياجات أساسية. تلبي هذه الأوهام حاجة نفسية طارئة لتخفيف القلق الوجودي، لكنها تفصل الجماهير تماماً عن الفعل السياسي والتاريخي الحقيقي، وتجعلها مستسلمة لقدرها وقابلة لمزيد من التلاعب المنظم من قبل أجهزة السلطة وهيمنة الآخر.

مقاربة تفكيكية لتجاوز بنية الاستلاب والاعتراف

يكشف التفكيك الفلسفي المقارن أن التوازي المطرد بين الخطاب الأسطوري التاريخي والخطاب الاستعماري المعاصر ليس توافقاً عارضاً أو وليد الصدفة، بل هو ترابط بنيوي وثيق وممتد في أدوات الهيمنة المعرفية والنفسية والاجتماعية. فالخداع المشترك ينجح باستمرار من خلال استغلال الهشاشة السيكولوجية للمتلقي وتحويل استلابه الحضاري إلى حالة إدمانية حادة يدافع الضحية عنها بنفسه ويبرر وجودها.

إن تأسيس "مقاومة معرفية" حقيقية لمواجهة صناعة الجهل يتطلب التحرر الفعلي والعملي من أجهزة صناعة الجهل البنيوي الكولونيالية والمحلية على حد سواء، وذلك من خلال الانتقال الحاسم من مناهج التلقين واستبطان التقاليد والمقولات الجاهزة التي لا تحتمل النقاش، إلى ترسيخ مناهج التفكير النقدي، والتحليلي، والاستقصائي التفكيكي التي تكشف الافتراضات المضمرة والخفية للخطابات المهيمنة وتكسب الأجيال الجديدة مناعة فكرية صلبة ضد مغالطات التضليل وآليات التعمية البلاغية.

تقتضي هذه المهمة المصيرية كشف زيف الخطاب الحداثي الشكلي والتمويلي، ومواجهة خطابات الاستبداد التقليدية في آن واحد. يبدأ هذا التحرر المعرفي بإعادة تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية العارية، وتعرية الطمأنينة المزيفة التي يضفيها ضمير الغائب السردي، لتعود الذات المقهورة ناطقة بضمير المتكلم الفاعل، المسؤول تاريخياً وحضارياً عن صياغة مصيرها واستعادة حريتها المسلوبة.

***

غالب المسعودي

في البداية، هل يختلف المثقف العراقي عن المثقف العربي؟ وما وجه الاختلاف إذا افترضنا وجود اختلافات فعلية بينهما؟

قد يبدو السؤال للوهلة الأولى إشكاليًا، لأن المثقف العراقي هو في نهاية المطاف جزء من الفضاء الثقافي العربي، ويتشارك معه اللغة والمرجعيات الكبرى والأسئلة الحضارية ذاتها. ومع ذلك، فإن خصوصية التجربة العراقية خلال العقود الخمسة الأخيرة تجعل من المشروع التساؤل عما إذا كانت هذه التجربة قد أنتجت نموذجًا مختلفًا للمثقف العراقي، أو على الأقل فرضت عليه شروطًا تاريخية ومعرفية تختلف عن تلك التي عاشها نظيره العربي في بلدان أخرى.

برأيي المتواضع، ما تزال المرجعيات الفكرية للمثقف العراقي محكومة إلى حدٍّ بعيد بإرث الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. ولا أقصد بذلك التقليل من قيمة تلك المرحلة أو منجزاتها الفكرية والأدبية، بل الإشارة إلى أن الكثير من التصورات والأسئلة والأسماء التي شكلت الوعي الثقافي العراقي آنذاك ما تزال تحتل موقع المركز في المخيال الثقافي العراقي حتى اليوم.؟ لا ننسى أن هناك تحشيد حزبي ثقافي يساري يميني (قومي) تشكل منذ الخمسينات من القرن الماضي في العراق وكان من أشهر ضحاياه الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب. كذلك، ربما يعود ذلك التباين العربي العراقي في المنجز الثقافي إلى وجود فجوة تاريخية امتدت لما يقارب عقدين من الزمن، بدأت بالحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، وتواصلت مع سنوات الحصار الاقتصادي والثقافي التي لم تؤدِّ فقط إلى إنهاك المجتمع والدولة، بل أسهمت أيضًا في قطع الكثير من قنوات التواصل المعرفي والثقافي مع العالم العربي والعالم الأوسع. وخلال تلك الفترة، شهدت الساحات الثقافية العربية تحولات فكرية ومنهجية وجمالية متسارعة، بينما كان المثقف العراقي منشغلًا بمواجهة تداعيات الحرب والعزلة والانهيار الاقتصادي، الأمر الذي خلق نوعًا من الانقطاع الزمني بينه وبين محيطه الثقافي.

فهل تغيّرت هذه المعادلة بعد عام 2003، ومع الانفتاح الكبير الذي شهده العراق على وسائل الاتصال الحديثة وشبكات المعرفة العالمية؟ في الداخل العراقي، لا أعتقد أن التغيير كان بالحجم الذي يُفترض أن يحدث. فما تزال أشباح المثقفين الرواد وأسماؤهم تهيمن على المشهد الثقافي العراقي ، ليس فقط بوصفهم جزءًا من الذاكرة الثقافية الوطنية، بل بوصفهم مرجعيات حاضرة بقوة المقارنات الساذجة والغير موضوعية في عملية إنتاج المعنى والحكم على التجارب الجديدة. وكأن الثقافة العراقية ما تزال تنظر إلى نفسها من خلال مرآة الماضي، أكثر مما تنظر إلى إمكاناتها الراهنة ومستقبلها الممكن.

ولا يعني ذلك غياب المواهب الشابة أو انعدام التجارب الجديدة، فثمة أسماء وتجارب واعدة في الشعر والسرد والنقد والفنون المختلفة، إلا أن هذه التجارب لم تستطع بعد أن تشكل تيارًا ثقافيًا مؤثرًا وعابرًا للتحقيب التاريخي، قادرًا على فرض أسئلته الخاصة وإنتاج مرجعياته المستقلة. وما يزال الكثير من النتاج الثقافي الجديد يتحرك داخل الأطر التي رسمتها الأجيال السابقة، أو يسعى إلى اكتساب شرعيته من خلالها. أما في فضاء الشتات العراقي، فإن المشهد يبدو أكثر تعقيدًا. فقد انقسم عدد غير قليل من الكتّاب والمثقفين العراقيين المقيمين في الخارج بين اتجاهين متناقضين إلى حدٍّ ما. الأول اتجاه ماضوي يواصل اجترار الأسئلة القديمة وإعادة إنتاج الخطابات ذاتها، وكأن الزمن الثقافي العراقي توقف عند لحظة معينة لا يجوز تجاوزها. أما الاتجاه الثاني فهو اتجاه نهضوي أو كوزموبوليتاني يسعى إلى الاندماج الكامل في السياقات الفكرية العالمية، ويقفز أحيانًا فوق الفوارق التاريخية والثقافية والمعرفية التي تفصل بين بيئة المهجر والبيئة العراقية. وفي كثير من الأحيان، لا يأخذ هذا الاتجاه الأخير بالاعتبار اختلاف شروط التلقي والإنتاج الثقافي بين العالم الذي يعيش فيه ويكتب ضمن مؤسساته الفكرية والثقافية، وبين العراق الذي يمتلك إيقاعًا مختلفًا في تطوره الاجتماعي والمعرفي. ولذلك تبدو بعض الخطابات الثقافية القادمة من الخارج متقدمة جدًا على واقعها العراقي، أو منفصلة عنه جزئيًا، ليس بسبب ضعفها الفكري، بل بسبب اختلاف التوقيت المعرفي بين البيئتين.

ومن هنا، فإن القضية لا تتعلق بتفوق المثقف العراقي أو تأخره مقارنة بالمثقف العربي، بقدر ما تتعلق بالظروف التاريخية الاستثنائية التي مرت بها الثقافة العراقية، والتي جعلت علاقتها بالزمن الثقافي العربي والعالمي علاقة معقدة ومتذبذبة وربما مضادة للتحديث.

المثقف أو منتج الثقافة العراقي ما يزال يحمل إرثًا ثقيلًا من الانقطاعات والحروب والهجرات والتحولات السياسية الحادة، وهي عوامل تركت آثارها العميقة على طبيعة إنتاجه الثقافي وعلى مرجعياته الفكرية. ولعل السؤال الأهم اليوم ليس: هل يختلف المثقف العراقي عن المثقف العربي؟ بل: هل استطاعت الثقافة العراقية أن تتجاوز آثار القطيعة التاريخية التي عاشتها خلال العقود الماضية؟ هل تمكنت من إنتاج جيل ثقافي جديد قادر على بناء توازن خلاق بين الوفاء لتراثها الفكري الغني، والانفتاح على الأسئلة المعاصرة والتحولات العالمية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ما تزال مفتوحة، وربما تحتاج إلى مزيد من الزمن والدراسات قبل أن تتضح ملامحها بصورة نهائية.

***

ياسين غالب

إذا كان العمر هو المجال الذي تجري فيه التجربة الإنسانية، وكانت الآلام والابتلاءات من الحقائق الملازمة لهذه التجربة كما بينت المقالة السابقة "الوجود الإنساني بين حكمة الألم وأفق الأمل"، فإن الصبر يمثل الاستجابة الوجودية والروحية التي تحدد الكيفية التي يتعامل بها الإنسان مع تلك الحقائق. ومن هنا كان الصبر أحد أكثر المفاهيم عمقا في الفكر الديني والفلسفي والروحي؛ لأنه لا يتعلق بما يقع للإنسان بقدر ما يتعلق بما يصير إليه الإنسان من خلال ما يقع له. فالألم واقعة قد تفرض على الإنسان، أما الصبر فهو موقف وجودي وروحي يتخذه الإنسان إزاء ما يواجهه من أحداث وتقلبات.

ولعل من أسباب شيوع مفهوم الصبر أن كثيرا من الناس يتصورونه مفهوما بسيطا واضح الدلالة، بينما يكشف التأمل العميق أنه من أكثر المفاهيم تركيبا واتساعا. فالصبر ليس مجرد احتمال للألم، ولا مجرد تماسك نفسي في مواجهة الشدائد، بل هو رؤية مخصوصة للوجود، وطريقة في فهم العلاقة بين الإنسان والزمن، وبين الإرادة الإنسانية ومجريات القدر، وبين المحدود البشري والحكمة الإلهية التي تحكم حركة العالم. وليس الصبر مجرد فضيلة أخلاقية يكتسبها الإنسان بجهده الخاص، بل هو كذلك منحة ربانية ونعمة إلهية امتن الله بها على عباده، ولذلك تكرر الأمر به في القرآن الكريم، ووعد الصابرين بأعظم الجزاء. ولعل سر هذه العناية الإلهية أن الصبر هو سفينة الإنسان في بحر الوجود المتلاطم؛ إذ لا يكاد يخلو عمر من بلاء أو تكليف أو صراع مع النفس، فجعل الله له من الصبر ما يعينه على عبور تلك الأمواج دون أن يفقد وجهته أو يغرق في اليأس والاضطراب.

إن الإنسان بطبيعته كائن يتطلع إلى الثمرة قبل أوانها، ويرغب في اختصار المسافات، ويتمنى أن تخضع الحياة لرغباته وتوقعاته. غير أن قوانين الوجود لا تسير دائما وفق ما يشتهي الإنسان؛ فهناك ما يتأخر رغم السعي إليه، وهناك ما يفقده الإنسان رغم تعلقه به، وهناك من الآلام ما يداهمه دون اختيار منه. وهنا يظهر الصبر بوصفه قدرة على التعايش الواعي مع تعقيد الحياة دون أن يفقد الإنسان اتزانه أو إيمانه أو ثقته بالمعنى.

ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الصبر باعتباره أحد أهم شروط النضج الإنساني. فالطفولة النفسية تتجلى في الرغبة الدائمة في الإشباع الفوري، أما الرشد الوجودي فيبدأ حين يتعلم الإنسان كيف يؤجل رغباته، وكيف يحتمل الغموض، وكيف يواصل السير في الطريق دون يقين كامل بمآلاته. ولهذا فإن الصبر ليس مجرد فضيلة أخلاقية بين الفضائل، بل هو البنية الداخلية التي تستند إليها فضائل كثيرة؛ إذ لا علم بلا صبر، ولا إصلاح بلا صبر، ولا حب صادق بلا صبر، ولا مشروع حضاري أو روحي يمكن أن يكتمل دون صبر طويل.

وإذا تأملنا مفهوم الصبر وجدناه يتخذ صورا متعددة تعكس تنوع التجربة الإنسانية نفسها. فهناك الصبر على الابتلاءات والمصائب وما يصحبها من آلام وخسارات، وهناك الصبر على الطاعة والالتزام بما يقتضيه الواجب الأخلاقي والديني رغم ما فيه من مشقة، وهناك الصبر عن الشهوات والأهواء حين تدعو النفس إلى ما يفسد توازنها أو يبدد طاقتها الروحية. ولهذا لم ينظر الحكماء إلى الصبر بوصفه حالة عارضة، بل باعتباره مشروعا متكاملا لتربية الإرادة الإنسانية وتحريرها من الاستبداد الخفي للرغبات والانفعالات.

والصبر - من الناحية الفلسفية – يرتبط ارتباطا وثيقا بمشكلة الزمن. فالإنسان الذي يأسره منطق العجلة يريد أن يرى نتائج أفعاله فورا، وأن يزول ألمه في اللحظة نفسها التي يشعر بها، وأن تنكشف له الحكمة كاملة قبل اكتمال التجربة. أما الصبر فيعلم الإنسان أن للوجود إيقاعا خاصا لا يخضع دائما لعجلة البشر، وأن كثيرا من الحقائق لا تنضج إلا بمرور الزمن، وأن بعض الحكم لا تدرك إلا بعد اجتياز المحنة نفسها. ولهذا كان الصبر نوعا من المصالحة الواعية مع الزمن، وثقة بأن المعنى لا يتكشف دفعة واحدة، بل يتدرج في الظهور كما تتدرج الثمرة في النضج.

ولعل الحكمة الإلهية الكامنة في الصبر تتجلى في كونه الوسيلة التي ينتقل بها الإنسان من أسر الانفعال إلى رحابة البصيرة. فالنفوس في بداياتها تحاكم الأحداث من خلال ما تجلبه لها من لذة أو ألم، ربح أو خسارة، قرب أو بعد. أما الصبر فيدفع الإنسان إلى تجاوز هذه القراءة الجزئية نحو رؤية أعمق للوقائع، رؤية لا تتوقف عند ظاهر الحدث بل تحاول النفاذ إلى ما وراءه من دلالات ومعان. فالوقائع في ذاتها قد تكون متشابهة، لكن المعنى الذي يكتشفه الإنسان فيها هو الذي يحدد قيمتها في بناء شخصيته وتوجيه مسار حياته.

ومن هنا ارتبط الصبر في الرؤية الإيمانية بمفهوم الابتلاء. فالابتلاء ليس مقصودا لذاته، ولا الألم مطلوبا في ذاته، وإنما المقصود ما يمكن أن ينشأ عنهما من تهذيب للنفس، وتحرير للإرادة، وتوسيع لأفق الرؤية. ولعل من أعمق الحكم الكامنة في الابتلاء أنه يكشف للإنسان عن حقيقة نفسه أكثر مما تكشفها أوقات الرخاء؛ فالشدائد لا تخلق جوهر الإنسان بقدر ما تكشفه. وما يظهر في لحظات المحنة من ثبات أو ضعف أو سعة أفق أو ضيق رؤية إنما هو تعبير عن مكنونات كانت كامنة في النفس تنتظر ظرفا يزيح عنها الحجاب. فالذهب لا تظهر نقاوته إلا بعد تعرضه للنار، وكذلك النفس الإنسانية كثيرا ما تكتشف أعماقها وقدراتها الكامنة في أوقات الشدة أكثر مما تكتشفها في أوقات الرخاء.

وفي التجربة الصوفية يكتسب الصبر بعدا أكثر عمقا واتساعا. فالصبر عند أهل السلوك ليس مجرد احتمال للمحنة، بل مقام من مقامات الترقي الروحي. ولهذا تعددت تعريفات الصوفية له تبعا لاختلاف زوايا النظر إليه؛ فبعضهم رآه حبسا للنفس عن الجزع، وبعضهم نظر إليه بوصفه مجاهدة مستمرة للأهواء، وبعضهم جعله احتمالا للمكروه مع دوام التعلق بالحكمة الإلهية. غير أن هذه التعريفات جميعا تلتقي عند حقيقة واحدة، هي أن الصبر مدرسة لتزكية الإرادة وتحرير القلب من الاستسلام للانفعالات العابرة.

إنه انتقال من الانشغال بالفعل الإلهي إلى التأمل في الحكمة الإلهية، ومن النظر إلى البلاء بوصفه حدثا مؤلما إلى النظر إليه بوصفه فرصة للتزكية والمراجعة والتقرب. ولهذا كان الصبر عندهم مرتبطا بالمجاهدة؛ لأن النفس بطبعها تنفر من المشقة، وتتطلع إلى العاجل، وتضيق بالغموض، بينما يعلمها الصبر كيف تتحرر من أسر هذه النزعات لتبلغ درجة أعلى من الصفاء والسكينة. بل إنه يمثل في كثير من تجليات التجربة الصوفية حركة دائمة من التخلية والتحلية؛ تخلية النفس من السخط والجزع والاعتراض، وتحليتها بالثقة والسكينة وحسن الظن بالله.

غير أن الصبر في هذا المقام لا يعني إلغاء المشاعر الإنسانية أو إنكار الألم. فالإنسان الصابر قد يحزن ويتوجع ويبكي، لكنه لا يسمح للألم أن يتحول إلى قنوط، ولا للحزن أن يتحول إلى اعتراض على معنى الوجود. إنه يدرك أن المشاعر جزء من إنسانيته، لكنه يدرك أيضا أن الاستسلام لها ليس قدره المحتوم. ومن هنا كان الصبر نوعا من الحرية الداخلية التي تمكن الإنسان من الاحتفاظ بتوازنه الروحي مهما اضطرب العالم من حوله.

إن أعظم ما يمنحه الصبر للإنسان أنه يعيد ترتيب علاقته بذاته وبالعالم. فهو يحرره من وهم السيطرة المطلقة على مجريات الحياة، ويعلمه أن الكمال ليس في امتلاك كل شيء، بل في حسن التعامل مع ما يأتي وما يذهب. كما يوقظه إلى حقيقة أن كثيرا من معارك الإنسان ليست مع الخارج بقدر ما هي مع ذاته القلقة، ورغباته المستعجلة، ومخاوفه المتضخمة.

ومن هنا تتجلى فلسفة الارتقاء التي يشير إليها عنوان هذه المقالة. فالارتقاء الإنساني ليس صعودا في المكانة أو زيادة في المكاسب المادية فحسب، بل هو قبل ذلك ارتقاء في الوعي، واتساع في البصيرة، ونضج في العلاقة مع الذات والوجود. والصبر هو أحد أهم الجسور التي تعبر عليها النفس نحو هذا الارتقاء؛ لأنه يعلمها كيف تحول المحنة إلى معرفة، والخسارة إلى خبرة، والانتظار إلى مدرسة للحكمة.

ومع ذلك يبقى الصبر مرحلة من مراحل الارتقاء الروحي لا غايته النهائية؛ إذ إن الصابر ما زال يعيش حالة المجاهدة والمقاومة في مواجهة أعباء الحياة وتقلباتها. ومن رحم الصبر يولد مقام أعمق وأوسع، هو مقام التوكل؛ ذلك أن الإنسان كلما تمرس بالصبر أدرك حدود قدرته البشرية، وأيقن أن الأخذ بالأسباب - على ضرورته - لا يكفي وحده لضمان النتائج. وهنا ينتقل من مجرد احتمال الشدائد إلى الثقة بالله في خضمها، ومن الانشغال المفرط بالمآلات إلى السكينة الناشئة عن الاعتماد عليه مع استمرار السعي والعمل. ومن ثم كان الصبر تربية للإرادة في مواجهة الابتلاء، بينما كان التوكل تربية للقلب على الثقة بمن بيده تدبير الأمور كلها.

خلاصة القول: الصبر ليس مجرد خلق من الأخلاق، بل هو رؤية وجودية ومقام روحي وفعل معرفي في آن واحد. إنه القدرة على السكنى في زمن الابتلاء دون انهيار، وعلى مواصلة السير في الطريق دون استعجال، وعلى الثقة بالحكمة الإلهية دون تعطيل للإرادة الإنسانية. وإذا كان العمر هو ميدان التجربة، وكانت الآلام إحدى حقائقها الكبرى، فإن الصبر هو الفن الذي يحول تلك التجربة من مجرد تعاقب للأحداث إلى مسار للارتقاء الإنساني والروحي، ومن مجرد معاناة عابرة إلى حكمة باقية تنير الطريق للإنسان في رحلته نحو اكتماله الممكن.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

دراسة في أنثروبولوجية التصوف البصري أنموذجًا

أُثير هذا التساؤل عن إمكانية تقديم قراءة مختلفة للتصوف الإسلامي في العراق بشكل عام، والتصوف الإسلامي البصري بشكل خاص؛ بقصد توجيه بوصلة البحث الأكاديمي إلى تلك الفجوة بين واقع هذه الظاهرة العامة للتصوف، وبين الدراسات المقدَّمة متعدِّدة الأطر، والرامية لتقديم دراسة شاملة ومتكاملة وبحثية لكل دقائق الأمور عن هذا التوجه، سواء أكان توجهاً عقدياً، أم سياسياً، أم معرفياً، أم سلوكياً، أم أخلاقياً، أم اجتماعياً، أم مناطقياً محلياً.

والمهم من كل ذلك هو أن نبحث في خصائص هذه الظاهرة من الجوانب المذكورة كافة، لنقدم دراسة اجتماعية وأنثروبولوجية أوسع، لكون التصوف البصري يتميز بسمعة عالمية تضرب في عمق التاريخ والتراث، ولتأثيره الجلي على الحركات السياسية والعقائدية كافة عبر العصور المنصرمة؛ مما أثَّر في التصوف الإقليمي والمحلي امتداداً من البصرة وحتى شمال العراق. فالتراث الصوفي العراقي بشكل عام نابع من أصوله البصرية، ومتأثر بالتيارات الدينية الإقليمية والمحلية الناشئة عبر عصورها وظروفها المختلفة.

فالتراثية، والديمومة، والاستمرار، والنشاط، والتجديد؛ هي خصائص يقع على عاتق الدراسات الأنثروبولوجية تغطيتها من مساحة هذه الظاهرة في التاريخ، والجغرافيا، والدين، والثقافة، والاجتماع، والسياسة، وغيرها مما يمكن أن تكون حاضرة فيه وفاعلة وسط الثقافة البصرية وهويتها الحضارية الإسلامية.

ومن هنا، ندعو إلى محاولة تقديم قراءة أنثروبولوجية للتصوف البصري، انطلاقاً من خواصه الإنسانية التي يتميز بها الإنسان البصري، وطريقته في التصوف التي عُدَّت مثالاً لكل تجربة صوفية.

***

د. رائد عبيس

يظل الإنسان متطلِّباً الكمال، مع أنه بطبيعته البشرية يمارس الخطأ والصواب، حتى قيل إنه خطّاءٌ، يحصل هذا خارج التنظير الفلسفي أو الديني، أي في الحياة العامة، حتى فُلسف هذا الهاجس، فظهر مفهوم «الإنسان الكامل»، وعُبِّر عنه أنه الكون ذاته، والكمال من كمال الخالق، وبهذا ليس المصطلح مجرد تصوُّر أخلاقي للكمال البشري، بل مشروعٌ معرفيٌّ فلسفيٌّ. ظهر في الفلسفة اليونانية، في صورة الفيلسوف كما هو الحال في «جمهورية أفلاطون»، وظهر في المدينة الفاضلة للفارابي، ورسائل «إخوان الصفا»، وغيرها من الكتب التي تناولت نظام الحكم الأمثل، لم يكن هذا الفيلسوف معصوماً من الخطأ، لكنه بلغ من الحكمة ما يؤهِّله لقيادة الآخرين.

وترى كماله عند أرسطو طاليس ثمرةً للعقل والفضيلة، لا هبةً فوق بشرية. وهكذا بقي الإنسان الكامل في الفلسفة كائناً يجاهد لبلوغ الحكمة، مع بقاء احتمالات الخطأ قائمة. اتخذ مفهوم الإنسان الكامل عند المتصوفة، مرآةً للأسماء الإلهية، ومظهراً لأعلى درجات المعرفة الروحية.

هنا لم يَعُد الكمال مجرد تفوّق أخلاقي أو عقلي، بل أصبح مقاماً وجودياً يجمع بين العالم الإلهي والعالم الإنساني. ومع ذلك ظل هذا الكمال عند الصوفية مرتبطاً بالتجربة الروحية، لا بالتشريع أو السُّلطة الدينية. يبرز عند هذه النقطة مفهوم العصمة الدينية.

فالعصمة، في معناها العقائدي، تعني العصمة من الخطأ فيما يتعلق بالتبليغ الإلهي، أو الهداية الدينية، التي تختلف عن الكمال الفلسفي، لأن مصدرها ليس الاجتهاد الإنساني، بل العناية الإلهية. لذلك فإن الفيلسوف الكامل قد يُخطئ في استنتاجه، أما المعصوم، بحسب الاعتقاد الديني، فلا يُخطئ في أداء المهمة التي أوكلت إليه؛ فهو مطبوع على الكمال، وما يُسمى عند الشيعة الإمامية بالعصمة، وهي مقتصرة على الأئمة الاثني عشر، أي مركز الإمامة، يضاف إليهم السيدة فاطمة الزهراء، وفي المقدمة تأتي العصمة النبوية، وهنا يكون الحكم بيد المعصوم الكامل، بخلاف فكرة الحاكم الفيلسوف، الذي يكون كاملاً بما هو أقل من العصمة.

وبهذا يكون التاريخ الفكري قد شهد تداخلاً بين المفهومين، الكمال مع العصمة والكمال دون العصمة. فبعض الاتجاهات رفعت شخصيات دينية إلى مستوى يقترب من النموذج الفلسفي للكمال، كما الحال عند أقطاب الصوفية، بينما حاولت اتجاهات أخرى تفسير العصمة باعتبارها ذروةً أخلاقية يمكن الاقتداء بها، وليست العصمة المطلقة، كما هو الحال في المعصومية الشيعية المعروفة.

لا ندري إذا ترك الداعون إلى حكم الفيلسوف تقديس الفيلسوف الحاكم، وبالتالي عدم مراجعته، ففي العصمة الدينية، أو الكمال المُطلق المكتسب من الله، تُعدم المراجعة أو الاعتراض على أقواله أو أفعاله، وفي كل الأحوال، كلما اتسعت دائرة الكمال المنسوب إلى الفرد، تقلّصت مساحة النقد والاعتراض. لقد أدرك مفكرو الإسلام الأوائل خطورة الخلط بين المثال البشري والمُطلق الإلهي. فالبشر، مهما علت منزلتهم، يظلون جزءاً من التاريخ، بينما يبقى المطلق خارج التاريخ. لهذا نجد أن كثيراً من المناقشات دارت حول حدود القداسة الدينية وحدود العقل الإنساني.

إن الفرق الجوهري بين الإنسان الكامل الفلسفي والمعصوم الديني الأول، يستمد شرعيته ومكانته من المعرفة والفضيلة والتجربة الإنسانية، أما الثاني فيستمدها من النص والعقيدة الدينية، وبين هذين التصورين سعت المجتمعات إلى الموازنة بين الحاجة إلى المثال الأعلى، والحفاظ على الطبيعة الإنسانية التي لا تنفكُّ عن النقص والاجتهاد. تبدو من الناحية التاريخية أن فكرة (الإنسان الكامل) بدأت فلسفيةً، ثم دخلت في المجال الديني، واتخذت طابع التقديس، حيث الكمال المُطلق الإلهي، بينما فكرة الكمال الفلسفية ترتبط بالتربية البشرية، بإعداد الفيلسوف الحاكم لهذه المهمة.

***

د. رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

مفتتح: ثمة أسئلة تنتظر أجوبتها في الصالونات الأكاديمية، وثمة أسئلة تطرق الأبواب بعنف وتُطالب بالإجابة الآن، في هذه اللحظة التاريخية الحرجة بالذات، حيث سؤال التعارف الحضاري من النوع الثاني لا الأول، كونه ليس ترفاً فلسفياً يتسلى به المفكرون في ساعات الفراغ، بل هو سؤال من يريد أن يعرف أين يقف وسط هذا العالم، وماذا يُقدّم للتاريخ، واي مشروع   حضاري يريد من الٱخرين قراءته في مرحلة تتشكل فيها خارطة القوى الكونية من جديد.

المسلم المهتم بأمر أمته اليوم، يتساءل وهو يرى حضارته في حالة تقلّص ومراجعة وأحياناً انكسار: أيَّ تعارف نريد مع الحضارات الأخرى؟ والأدق: هل نحن أهلٌ للتعارف أصلاً؟ هل نملك نتحكم فيما نطمح ان نُعرِّفه؟

القرآن الكريم لم يترك الأمر غامضاً، في آية واحدة، في سورة الحجرات، رسم مشروعاً حضارياً كاملاً من أوله إلى آخره: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، إنها آيةٌ تبدأ بالأصل الإنساني المشترك، وتمر بالتنوع الحضاري المنشود، وتنتهي بمعيار التقويم الأخلاقي، ثلاث مقتضيات لا يصح الاكتفاء بواحدة منها دون الباقيين، وإلا انهار الصرح كله.

فالجَعل: حين يكون التنوع برنامجاً لا حادثة، لعلنا نتساءل: ما الذي يجعل هذه الآية استثنائيةً في موضوع الحضارة؟ الجواب في فعل واحد: "جَعَلَ"، لأنه لو قال القرآن "خلقناكم شعوباً وقبائل" لكان الأمر إخباراً عن واقعة تكوينية، بينما قول الله تعالى "جَعَلْنَاكُمْ"، وهو فعل يحمل في العربية معنى التحويل القصدي نحو غاية مُضمَرة أو مُصرَّح بها، بالتالي الجعل يعني أن التنوع الحضاري ليس عرضاً تاريخياً، ولا نتيجة لتفرق جغرافي عشوائي، بل هو تصميم إلهي مُقصود لغاية يُعلنها القرآن مباشرةً: التعارف.

هنا يقع الكثير من المفكربن في خطأ منهجي فادح حين يُختزل التعارف في "التعايش السلمي" أو "حوار الأديان"، لكن التعارف أعمق من ذلك بكثير، فـ"تَعارَفُوا" في العربية فعلٌ مُشترَك تفاعلي متبادل، يعني أن يُعرِّف كل طرف الآخرَ على حقيقته الداخلية، على رسالته ونسيجه القيمي وتجربته في الحياة، لا على العرض البراني وواجهته الإعلامية، التعارف الحق هو التكاشف المعرفي المتبادل في الجوهر، لا التجاور البارد في المظهر.

والأشد دلالةً أن اللام في "لِتَعَارَفُوا" هي لام الغاية، وهي أقوى أدوات التعليل في العربية، أي أن الكون لم يتنوع حضارياً اعتباطاً، بل تنوّع لغاية التعارف، هذا يعني أن الأمة التي تنكفئ على نفسها وتُعرض عن التعارف الحضاري تخون غاية الوجود الكوني ذاته.

المقاربات الحضارية الثلاث

منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، هيمنت ثلاثة مقاربات كبرى على مشهد التفكير في العلاقة بين الحضارات، وقد آن الأوان لمحاكمتها محاكمة صارمة:

أولاً - مقاربة الصدام: أعلنها صمويل هنتنغتون سنة 1996م وهو يقول إن الحضارات ستصطدم لأنها تختلف في جوهرها، وأن خطوط الكسر الحضارية ستحل محل الأيديولوجيات الباردة، وقد كان هذا النموذج في حقيقته ليس توصيفاً علمياً بريئاً، بل أيديولوجيا مُلبَّسة بزي أكاديمي، تُشرعن الهيمنة الغربية وتُضفي على الخوف من الإسلام  والكونفوشية طابعاً حضارياً، ومع ذلك، والخطير في الأمر، أن بعض المسلمين تبنّوا هذا النموذج عن غير وعي، فجعلوا من "الصدام" مشروعاً حضارياً بديلاً، وهو إلباس الهزيمة ثوب المقاومة.

ثانياً - مقاربة الحوار: جاءت رداً على الصدام، وصارت شعاراً يرفعه الجميع من الأمم المتحدة إلى المنظمات الدينية إلى المنتديات الثقافية، بيد أن الحوار، بصيغته السائدة، ظل في أغلب أحواله مجالسةً فاخرة بلا رهان حقيقي؛ حوارات تُعقد في فنادق مُكيَّفة للتكاذب، وتنتهي إلى بيانات دبلوماسية تُعلن احترام التنوع وتُثبّت واقع الهيمنة، حيث الحوار الذي لا يستند إلى توازن في الفاعلية الحضارية هو مونولوج يُؤدّيه طرف واحد ويستمع إليه الآخر مُتذللا بائسا مغلوبا مستسلما..

ثالثاً - مقاربة التعارف: وهي الأطروحة البديلة التي انبثقت من رحم القرآن وأعلنها المفكر السعودي الدكتور زكي الميلاد عام 1997م في مقالة غيّرت مجرى الحوار الفكري، إذ رفض الأطروحة الهنتنغتونية ورفض معها الحوار الفارغ، ودعا إلى نموذج تتعرف فيه الحضارات على بعضها معرفةً عميقة دون أن تتوهم إمكانية الإلغاء أو الاختزال، هذه المقاربة تعتبر الأقرب إلى روح الجعل القرآني، شريطة أن نملأها بمحتوى حضاري حقيقي لا بمجرد كلام على الحضارة.

مرتكزات التعارف البناء

القرآن يُعلن الغاية، والعقل يُحدد المرتكزات والشروط، والتاريخ يُقدّم الشواهد. والتعارف الحضاري الأمثل يرتكز  على ثلاثة مرتكزات لا مهرب منها:

المرتكز الأول - أن تكون لك هوية قابلة للتعريف، لا يُتصوَّر تعارف بين طرف يحمل مشروعاً حضارياً وآخر يفتش عن هويته أو يستعيرها من الطرف الأول، هكذا التعارف يتأسس على "القابلية على التعارف"، أي امتلاك مشروع داخلي متماسك، نسيج قيمي حيّ، وإنتاج معرفي فاعل، لأن الأمة التي لا تُنتج معرفةً لا تملك ما تُعرِّفه للآخرين، وحضورها في الجلسة الحضارية الكونية لن يعدو كونه تابعاً مُؤدَّباً.

المرتكز الثاني — أن تعرف الآخر من الداخل لا من أعدائه، التعارف الذي يقوده القرآن هو معرفة استيعابية لا استئصالية، وقد كان النموذج النبوي في التعامل مع سلمان الفارسي وبلال الحبشي وصهيب الرومي درساً بليغاً: ثلاثة أشخاص من حضارات مختلفة، استُوعبت تجاربهم، ورُفعت قيمتهم الإنسانية، وحُوِّلت خبرتهم الحضارية الخاصة إلى رصيد في بناء الأمة الجديدة، لم يُطلب منهم أن يمحوا ماضيهم، بل أن يرفعوه نحو الأعلى.

المرتكز الثالث — أن يكون الميزان قيمياً لا مادياً. ختام الآية ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ليس مجرد تذكير أخلاقي عابر، بل هو قلب المشروع الحضاري القرآني، حيث إنه يُسقط معيار القوة المادية  كمقياس وحيد للتفاضل الحضاري، ويُؤسّس معياراً بديلاً: الإسهام في إعلاء الكرامة الإنسانية وتحقيق العدل ورفع الظلم، وهذا يعني أن الأمة الإسلامية، حتى في ضعفها المادي الراهن، قادرة على خوض التعارف الحضاري بمصداقية إذا صدقت في حمل هذه القيم وتجسيدها أمام التاريخ.

الرهانات الثلاثة الفاشلة

يواجه المسلمون اليوم ثلاثة رهانات قد تبدو متناقضة لكنها تؤدي جميعها إلى الطريق المسدود ذاته:

رهان الانكفاء الذي يقول: احتفظ بهويتك بالانعزال عن العالم، وهو خطاب يبدو دفاعاً عن الأصالة لكنه في الحقيقة هروب من المسؤولية الحضارية، كون الهوية التي لا تُجرَّب في ملتقى الحضارات هوية قاتلة أو ميتة لا حيّة، وإسلام لا يُقدّم رسالته للعالم إسلامٌ يخون أحد غايات ومقاصد وجوده الكوني.

رهان الذوبان القائل: الحداثة الغربية هي الحضارة الإنسانية الكونية الوحيدة، فإما أن تنخرط فيها كاملاً أو تبقى على هامش التاريخ، وهو رهان يستبطن خنوع وخضوع وقبول بالهزيمة، حيث يعتمد منطق القوة ذاته الذي يدّعي نقده، لأن الانخراط الكامل دون رسالة مستقلة ليس تعارفاً بل استسلاماً بصورة  قد تبدو مشرَّفة.

رهان الصدام الذي يريك الحضارة الأخرى هي العدو الوجودي، فالمعركة لا مناص منها، وهذا أخطر الرهانات الثلاثة لأنه يُلبَّس لبوس الحمية الدينية، فيصادر الغاية القرآنية من الداخل وينتج هنتنغتوناً مسلماً يؤدي الدور ذاته من الطرف المقابل.

 البديل الثالث: التعارف البنّاء

"التعارف البنّاء" هو البديل الأمثل الذي يُقرّ بأن الحضارات متنوعة ومختلفة، لكنها ليست عدوّة بالضرورة؛ يُؤمن بأن للإسلام رسالة حضارية فريدة، لكنه لا يدّعي أنه يحمل الحقيقة الوحيدة في كل مسائل الحياة؛ يدعو إلى استيعاب المنجز الإنساني الكوني، لكن من موقع الفاعل المُبادِر لا المتلقّي المُستهلِك او التابع المقهور.

هذا البديل يتطلب جرأةً غير معتادة على مستويات ثلاثة:

فكرياً: الانخراط في إنتاج المعرفة الكونية، وصياغة المفاهيم الكبرى، والمشاركة في رسم السؤال الحضاري لا فقط في الإجابة عنه.

أخلاقياً: تجسيد مبدأ الكرامة الإنسانية الكونية والعدل والشهادة على الشعوب قبل الدعوة إليها، لأن الفعل أبلغ من الخطاب.

سياسياً: استعادة القابلية الداخلية على التعارف بتجاوز الانقسامات الطائفية والسياسية التي تُفرغ الهوية الحضارية من محتواها وتجعل "التعريف بها" مجرد إحراج.

 لِتَعارَفُوا... غاية الأمة الواحدة

اللام في ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ لم تُنزَع من الآية بمرور التاريخ، إنها تقف ثابتة في النص، تُطالب بالإيفاء بها في كل عصر وجيل، بينما المحزن أن أمةً أُنيطت بها هذه الرسالة الكونية الكبرى باتت في كثير من أحوالها موضوعاً للتعارف لا فاعلاً فيه؛ تُدرَس في الأطروحات الاستشراقية وتُحلَّل في مراكز الأبحاث الغربية بدلاً من أن تكون هي من يُقدّم نفسها بنفسها للتاريخ، إلا أن الأزمة ليست نهاية المطاف، فالقرآن حين قرر "الجعل" لم يجعله لأمة واحدة في لحظة واحدة، بل جعله مشروعاً إنسانياً مفتوحاً، وكل جيل يُدرك الغاية ويُصرّ على الإيفاء بها معيداً كتابة الحظ الحضاري لأمته من نقطة جديدة.

أيّ تعارف نريد؟ ذاك الذي ينهض فيه المسلمون شركاءَ صانعين لا متفرجين مستضعفين متألمين، لامفعول بهم ولافيهم بل فاعلين، ويُقدّمون للتاريخ رسالة قابلة للتعريف لأنها حية ومتجددة وحاملة لإجابة على السؤال الذي لا تزال الإنسانية تبحث عنه: كيف نعيش معاً دون أن يُلغي بعضنا بعضاً، وكيف نتنوع دون أن نتصارع؟

ذلك هو الجعل القرآني في كمال بيانه، وتلك هي الأمانة الثقيلة التي لن ينهض بها إلا من آمن أن الحضارة ليست ترفاً بل واجب، وأن التعارف ليس خياراً بل رسالة أمة شاهدة على الناس ورسول الله صلى الله عليه وٱله وسلم شاهد عليها..

***

مراد غريبي

 

ثمة ظاهرة آخذة في الاتساع داخل بعض الكتابات الصحفية والثقافية، تتمثل في تحوّل الذات من مصدر من مصادر الرؤية إلى مركز الرؤية كلها. عند هذه النقطة يفقد الموضوع استقلاله تدريجياً، ويغدو مجرد مناسبة جديدة لظهور الكاتب. تتبدل العناوين أسبوعاً بعد آخر، وتتغير القضايا والأحداث والكتب والأشخاص، غير أن البطل الحقيقي يبقى واحداً في كل مرة.

يقرأ المرء مقالاً عن الأدب فيجد سيرة الكاتب تتقدم على الأدب. ويقرأ عن السياسة فتتزاحم الانطباعات الشخصية على حساب الوقائع. ويقرأ عن المجتمع والثقافة والفن، فيكتشف أن العالم الواسع بكل تشعباته قد جرى اختصاره في حدود تجربة فردية واحدة. الموضوع حاضر في ظاهر النص، أما في أعماقه فتدور الحكاية حول صاحب المقال نفسه.

الكتابة الجيدة تحمل دائماً أثراً من صاحبها، فالأفكار لا تولد في الفراغ، والتجارب الشخصية تمنح النص حرارة وصدقية. غير أن الأمر يختلف حين تتحول الذات إلى مرجعية مكتفية بنفسها، تستدعي العالم لكي يؤكدها، وتستحضر الوقائع لكي تعزز صورتها، وتنتقي من الأحداث ما ينسجم مع أحكامها المسبقة. عندئذ تتراجع الأسئلة، ويتقدم اليقين. تضيق مساحة الاكتشاف، وتتسع مساحة التأكيد.

يبدو أن النشر المنتظم وما يرافقه من شعور بالحضور والاعتراف يصنع أحياناً وهماً خفياً. يبدأ الكاتب بالنظر إلى صورته العامة أكثر مما ينظر إلى موضوعاته. ومع مرور الوقت تنشأ علاقة ملتبسة بينه وبين تلك الصورة. يكتب لكي يحافظ عليها، ثم يكتب لكي يكررها، ثم يكتب من داخلها. وهكذا تتحول المقالة من مغامرة معرفية إلى تمرين متواصل على إعادة إنتاج الذات.

من هنا يمكن فهم كثير من الخلاصات العجيبة التي تملأ بعض المقالات. تجربة محدودة ترتدي هيئة قاعدة عامة. حادثة عابرة تكتسب وزن ظاهرة اجتماعية. مجموعة صغيرة من الأشخاص تصبح نموذجاً للبشر جميعاً. انطباع شخصي يظهر في صورة حقيقة نهائية. وفي كل مرة تتسع المسافة بين الواقع كما هو والواقع كما يراه صاحب المقال.

المفارقة أن الكاتب الأكثر عمقاً يكون غالباً الأقل اطمئناناً إلى أحكامه. فكل معرفة حقيقية تفتح أبواباً جديدة من الشك والتساؤل. وكل احتكاك جاد بالعالم يكشف مقدار تعقيده واستعصائه على الاختزال. لذلك تحمل الكتابة الناضجة قدراً من التواضع المعرفي، وتفسح مكاناً للأصوات الأخرى وللاحتمالات المتعددة ولما لا يعرفه الكاتب بقدر ما تعرفه خبرته.

أما في مقالات كوكب الذات فالأمر يجري على نحو مختلف. العالم كله يتحول إلى مادة خام لتأكيد الأنا. الوقائع تؤخذ بقدر ما تخدم الفكرة المسبقة. الأشخاص يظهرون بقدر ما يعززون الرواية الشخصية. الأحداث تمر عبر مصفاة ضيقة قبل أن تصل إلى الصفحة. وفي نهاية المطاف يخرج القارئ بمعرفة إضافية عن الكاتب، بينما تبقى القضية التي جاء من أجلها في مكانها الأول.

لهذا تبدو بعض المقالات متنوعة في موضوعاتها، متشابهة في جوهرها. لكل مقال عنوان مختلف، ولكل مناسبة اسم جديد، غير أن النص العميق الكامن خلف هذه العناوين جميعاً يظل النص نفسه. الكاتب حاضر في المقدمة، حاضر في التفاصيل، حاضر في الاستنتاجات، حاضر في الخاتمة. حتى ليخيل للقارئ أن العالم بأسره لم يعد سوى هامش طويل يدور حول سيرة ذاتية لا تنتهي.

وحين تبلغ الكتابة هذه المرحلة، تفقد إحدى أهم فضائلها: القدرة على الخروج من حدود صاحبها. فالكتابة وُجدت لكي توسّع العالم أمام الإنسان، لا لكي تختصر العالم في إنسان واحد. وعندما تصبح الأنا مقياس الأشياء كلها، تتحول المقالة من نافذة على الحياة إلى غرفة مغلقة لا يرى القارئ فيها سوى صاحبها، جالساً في المركز، يروي الحكاية نفسها بعناوين مختلفة. 

***

بولص آدم 

 

من وحي ندوة المعهد العالمي للتجديد العربي

برهن ابن خلدون على تمييز الإنسان عن سائر الكائنات الحية بالعقل والقدرة على التفكير، من حيث إن الإنسان في طبيعته هو كائن مفكر، «لا يفتر عن الفكر طرفة عين، بل إن اختلاج الفكر أسرع من لمح البصر»، وعن هذا الفكر تنشأ العلوم.

ويشرح خصائص تعليم العلوم، وكيف أن العلم من جملة الصنائع، وأن الحذق في العلم والتفنن فيه والاستيلاء عليه إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله، ويميز بين العلم الذي هو ملكة أرفع من الفهم والوعي المشترك (وأيسر طرق هذه الملكة فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية، فهو الذي يقرب شأنها ويحصل مرامها)، وبين التلقين، معدًّا هذا الأخير غير داخل في طبيعة العلم.

ثم انتقل ابن خلدون لبيان كيف أن العلوم لا تزدهر إلا بازدهار الحضارة ورسوخها، وتخرب بخراب العمران والمدن والحضارة. وينتقد وهم الاعتقاد بأن ازدهار العلم في المشرق العربي وضعفه في المغرب إنما يعود إلى أن عقول أهل المشرق أكمل من عقول أهل المغرب بالفطرة، ويعيد ذلك التفاوت إلى أسباب تاريخية، إذ «تكثر العلوم حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة».

وفي سياق التناول الدقيق لسوسيولوجيا العلم، يصف ابن خلدون وضع العلوم في المغرب العربي والشمال الأفريقي في ضوء منهجية مقارنة مع المشرق العربي، الذي هو أرسخ في صناعة تعلم العلم، وأن العلم والتعليم إنما هو بالقاهرة من بلاد مصر، لما أن عمرانها مستبحر وحضارتها مستحكمة منذ آلاف السنين.

إن النظرة الثاقبة في تحليل ظاهرة العلم وتفسيرها تجعل ابن خلدون رائدًا لسوسيولوجيا المعرفة العلمية التي لم تظهر إلا في القرن العشرين.

يصعب الإحاطة بأبعاد الثورة المنهجية الخلدونية دون الإلمام بالمستوى الذي بلغته المعرفة العلمية في عصره، وموقف ابن خلدون منها. فقد وجدناه يمتلك وعيًا عميقًا بالحدود التي وصلت إليها المعرفة العلمية وتاريخ تطورها منذ أقدم العصور.

وهذا ما يشف عنه تصنيفه الدقيق للعلوم وخصائصها، فقد رأى «أن العلوم التي يخوض فيها البشر ويتداولونها في الأمصار تحصيلًا وتعليمًا هي على صنفين: صنف العلوم العقلية، وصنف العلوم النقلية الوضعية، وهذه الأخيرة مسندة إلى الخبر عن الواضع الشرعي، ولا مجال فيها للعقل إلا في الفروع».

* العلوم الشرعية النقلية تشتمل على: علوم القرآن من التفسير والقراءات، وعلوم الحديث، وعلوم الفقه، وعلم الفرائض، وعلم أصول الفقه ومذاهبه، وعلم الكلام الذي يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة، وسر هذه العقائد الإيمانية هو التوحيد. ثم علم التصوف وعلم تعبير الرؤيا، والعلوم الشرعية تعد علومًا تختلف من ملة إلى أخرى.

* العلوم العقلية: التي هي طبيعية للإنسان من حيث هو كائن عاقل مفكر، فهي علوم لجميع أفراد النوع الإنساني، ومنها علم المنطق، وعلم الهندسة، وعلم الهيئة، والفلك، وعلم العدد، وعلم الموسيقى، والطبيعيات، وعلم الطب، وعلم الفلاحة، وعلم الإلهيات، وعلوم السحر والطلسمات، وعلم أسرار الحروف.

أما الفلسفة فتكمن أهميتها في ثمرة واحدة، وهي شحذ الذهن في ترتيب الأدلة والحجاج لتحصيل ملكة الجودة والصواب في البراهين، فهي أصح ما علمناه من قوانين الأنظار.

ويرى توبي أ. هف في كتابه «فجر العلم الحديث» أن بنية الفكر والعواطف في الإسلام في القرون الوسطى، بشكل عام، كانت ذات طبيعة جعلت طلب العلوم العقلية وعلوم الأولين أمرًا يثير الشكوك.

إشكالية البحث في المنهج الخلدوني:

للمنهج الخلدوني طبيعته المزدوجة شكلًا ومضمونًا ووظيفة، إذ إنه منهج ينطوي على لحظتين أو بعدين: البعد النقدي والبعد البنائي؛ الأول سلبي والثاني إيجابي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى نلاحظ أن الطبيعة التركيبية للمنهج الخلدوني، التي جعلت منه بنية مغلقة شديدة التعقيد، ومن ثم عسير الفهم والتنميط، تكمن في كون ابن خلدون قد جمع بين ميادين تاريخية واجتماعية وأنساق معرفية متنوعة وموضوعات مختلفة كالتاريخ والفلسفة والعلم والدين، والاجتماع والأنثروبولوجيا والسياسة، وعلم النفس والفراسة والأدب والجغرافيا والأخلاق والمنطق، والتصوف وتفسير الأحلام والاقتصاد والفلك… إلخ.

إن هذه الصفة الموسوعية للمقدمة، من حيث تنوع الموضوعات المدروسة، ومن ثم تنوع النظريات التي تفسرها، لا ريب أنها تطلبت عدة طرائق منهجية مختلفة، كالمنهج التجريبي الاستقرائي، والمنهج الاستنباطي، والمنهج الجدلي التاريخي، والمنهج الوصفي، والمنهج المقارن، والمنهج التقليدي في «الجرح والتعديل» والقياس، والمنهج الحدسي التصوري، والمنهج الأنثروبولوجي، والتحليل والتركيب.

غير أن هذا التنوع النظري والمنهجي البادي في المقدمة ينبغي ألا يحول دون قدرتنا على التمييز الدقيق بين الطرائق والأدوات المنهجية التي استخدمها ابن خلدون في دراسة موضوعاته المتنوعة المتباينة وتفسيرها، وبين المنهج النقدي التاريخي الذي تسمح بنيته العقلية المفتوحة باستيعاب عدد من الطرائق المنهجية المختلفة، فهذا المنهج هو الإطار المنهجي العام والشامل الذي اعتمده ابن خلدون في فلسفته التاريخية الاجتماعية.

وقد اختلف الدارسون والنقاد بشأن منهجه كما اختلفوا في شأن نظريته وسلوكه. فمع ابن خلدون نجد أنفسنا إزاء شخصية نأت بنفسها عن كل تصنيف أو تنميط مدرسي تقليدي بقالب ضمن مذهب أو تيار أو اتجاه أو مدرسة فكرية. إذ لا يمكن حتى تحديد تخصصه الدقيق، إنه مفكر ناشز متمرد على أنماط القولبة والتأطير في أي من القوالب والأطر الجاهزة أو الأنماط المألوفة. فهو مؤرخ، وعالم اجتماع، وفيلسوف في التاريخ، وعالم بالأنثروبولوجيا، ومفكر سياسي، وعالم نفس، وفيلسوف في التربية والتعليم، وجغرافي، وعالم في الاقتصاد السياسي. فضلًا عن ذلك هو فقيه وقاضٍ ومربٍ وعالم في اللاهوت والتصوف، وهو الأشعري-المعتزلي-السني ذو الميول الشيعية، وهو الأديب الشاعر والمستشار والدبلوماسي، وهو المثقف السياسي، حامل القلم والسيف، الجبان الشجاع، وهو كذلك محب المنصب والجاه من ناحية، ومحب الدرس والعلم من الناحية الأخرى. وهو كذلك المخلص الخائن، والعصامي الوصولي، والنزيه الانتهازي، والحصيف المتهور، والمتواضع المتكبر، والجاد المتهتك، والعنيف المسالم، والحازم اللين، والقاسي المرن، والسهل الممتنع، والمتشائم المتفائل، والرحالة المستقر، والعربي الأصل البربري الثقافة، والمغربي التكوين المشرقي الهوى، والتونسي المولد القاهري الوفاة، وغير ذلك من المواقف والمواقع والمتناقضات التي سارت عليها حياة ابن خلدون الخاصة والعامة، الفكرية والعاطفية، والثقافية والسياسية، والنظرية والمنهجية، وربما كان ذلك هو سر العبقرية، كما ألمح إلى ذلك المستشرق الفرنسي أم سيرية بقوله: «إن مؤلف الكتاب المعروف بالمقدمة لا يزال شبه لغز من ألغاز علم النفس، فطبيعته المزدوجة، والبون الشاسع بين عقائده وتصرفاته، والتباين بين محاولاته في الإصلاحات الاجتماعية ومخالفته للنظم الاجتماعية، وبين نظرته للمصلحة العامة وأنانيته الظاهرة، وبين عدم تحيزه في البحث العلمي وتفضيل نفسه على الآخرين تفضيلًا صارخًا، وبين أفقه الواسع الرحب وكونه مزهوًا بنفسه، كل هذه المتناقضات في رجل هو في ذات الوقت عالم وقور وأديب طموح، إذ ترك لكتاب سيرته الشخصية مهمة صعبة شاقة، وأغلب هذه المتناقضات، مع هذا، يمكن عزوها إلى طبيعة العباقرة المزدوجة».

من هنا تكمن إشكالية دراسة ابن خلدون، فهو في سلوكه ومنهجه وفلسفته وعلمه نسيج كامل من المتناقضات يجعلنا بإزاء فكر شديد الوعورة، وفلسفة شديدة التعقيد، ومنهج محفوف بالمزالق. وقد وجدناه، بعد تمحيص وتقصٍّ لتاريخه، عصيًا على التعريف والضبط؛ فلا هو مؤرخ محترف، ولا فيلسوف متسق، ولا عالم اجتماع متخصص، ولا عالم اقتصاد، ولا مفكر سياسي، ولا مروج أساطير، ولا تأملي ولا مادي. كما أن منهجه أيضًا ليس بمنهج علمي تجريبي، أو منهج تأملي استدلالي، أو حدسي عرفاني، أو عقلي برهاني، بل هو منهج يعيش على تخوم كل هذه المناهج المعرفية المتنوعة المتباينة، ويلامس شواطئها من غير أن يغوص أو يغرق في قاع أي منها.

لقد بدا فيلسوف القرن الرابع عشر على هذا النحو نسرًا يحلق بعيدًا عن السرب، فهو نسيج وحده، متفرد اللحن والنغم، وهذا هو ما جعله مثار اهتمام شرائح واسعة من الدارسين والمهتمين من مختلف التخصصات والأنساق المعرفية المتعددة. فكل وجد فيه التخصص الذي يعنيه، وكل راح يؤوله بما يؤوله تخصصه الضيق؛ فهو عند الفلاسفة مبدع فلسفة التاريخ، وعند علماء الاجتماع مؤسس علم الاجتماع، وعند المؤرخين مؤرخ بارع، وعند السياسيين مفكر سياسي راسخ، وعند التربويين عالم من علماء التربية الكبار… إلخ.

وهنا نجد تفسيرًا لذلك السيل المتدفق من الكتابات والدراسات والآراء والأفكار التي كتبت على مدى القرنين الماضيين في الغرب والشرق عن ابن خلدون وفكره ومنهجه.

ومع كثرة ما كتب عنه، فقد كان لافتًا لنظرنا شح الدراسات النقدية التي تناولت منهجه بالدرس والتحليل، ولعل هذا هو ما   حفزنا للبحث في المنهج النقدي العقلاني عند ابن خلدون.

***

ا. د. قاسم المحبشي

من المفهوم إلى التشخيص إلى الفعل

فرش اشكالي: في محضنه اللغوي الأول، عربياً كان أم اعجميا، لم يكن الدرس الفلسفي يوماً درساً محايداً أو بريئاً. إنه في جوهره، ابن صراع الأضداد الذي أدركه هيراقليطس، درس محكومٌ بقانون الهدم والبناء: يهدم سذاجة الرأي، غثاء الأحكام المتسرعة، غباء التسليم الأعمى...، وكل ما يجعل العقل عبداً لما ينبغي أن يكون سيداً عليه. وفي الآن نفسه يبني الإنسانَ في أبعاده الثلاثة: فكراً، وقولاً، وفعلاً، وهو بهذا المعنى لا يمثل بناءً نظرياً مجرداً، بل بناءً يطال الذات في صميم وجودها الأخلاقي والعقلي ذات واعية مدركة لنفسها وللذوات الأخرى فاعلة وملتزمة.

هذا الدرس لا يمكن أن يحيا إلا بما سمّاه القدماء برغبة الايروس: تلك المحبة العاقلة التي تجمع المعلم والتلميذ في صداقةٍ حول الحقيقة فالفلسفة عند هايدجر ليست حب الحكمة بقدر ما هي حكمة الحب. ولا يستقيم هذا الدرس إلا بدافع الايتوس: ونعني به الالتزام الأخلاقي بألا يكون الدرسُ سلطةً تُمارس على العقول، بل فضاءً تُحرر فيه.

لكن هذا المعنى الأصيل للفعل الفلسفي، أصابه الانحراف في واقعنا. فما كان يفترض أن يكون فضاءً للحوار والصدام المنتج، صار فضاءً للصمت والامتثال. وما كان يفترض أن يبني الذات النقدية، صار ينتج ذواتٍ مستسلمة خائفة لا تجرؤ على السؤال. وما كان يفترض أن يعلّم التواضعَ أمام تعقيد الحقيقة، تحول إلى آلةٍ لتوزيع المقالات المعلّبة. وبين الأصل الفلسفي والواقع التعليمي، انفتحت فجوة عميقة، صارت أشبه بجرح مفتوح في جسد الثقافة والتعليم وهنا نتساءل:

- إذا كان الدرس الفلسفي في جوهره هدمٌ للسذاجة وبناءٌ للإنسان فكراً وقولاً وفعلاً، فكيف تحوّل في واقعنا التعليمي إلى درسٍ يهدم الثقة بالعقل ويبني الامتثال للقوالب الجاهزة؟

- أين تكمن لحظة الانحراف التي جعلت الفلسفة تعلن تحرير العقل وتمارس تلقينه، وتدّعي السؤال المفتوح وتفرض الجواب؟

- كيف نفسّر هذا الانفصام المزمن بين غايات الدرس الفلسفي وآليات إنتاجه الفعلية؟

- لماذا تغيب عن هذا الدرس أسئلةُ التلميذ الحارقة التي تمس وجوده المشخَّص، ليحل محلها "مشكل زائف" لا يربك ولا يحفز ولا يحرر؟

- هل يمكن الحديث عن أزمة درسٍ أم عن أزمة ثقافة ونسق كامل؟

- وكيف السبيل الى تجاوز حالة التأزم؟

في مفهوم الدرس الفلسفي واشكال تحققه التاريخي

ليس المقصود بالدرس الفلسفي المادة المعرفية التي يلقنها المعلم للمتعلم، بل الفعل الفلسفي نفسه حين يصير تعلُّماً وتعليماً، وحين يصير لقاءً بين سائل ومجيب في أفق الحقيقة. انه فضاء ينفتح على ثلاثة شروط:

- حضور سؤال حقيقي يمس الذات والعالم.

- حضور آخر يُصغي ويُسائل ويدفع إلى التدقيق.

- حضور الإيروس بمفهومه الافلاطوني والإيتوس (الالتزام الأخلاقي)

هذا المفهوم لايشكل نظرة طوباوية او نزوعا نحو المثالية بل تجربة ممكنة التحقق وقد تجسد هناك في شوارع أثينا في الاغورا هناك حوَّل السوفسطائيون الشارعَ الأثيني إلى درس فلسفي مفتوح، فالإنسان في فلسفتهم هو مقياس الأشياء كلها يستطيع أن يفكر في كل شيء: في الآلهة، في القوانين، في اللغة، في الأخلاق. لقد كان هذا اتساعاً جريئاً للعقل خارج الوصايات. ثم جاء سقراط ليضيف إلى هذه الجرأة شرطاً آخر: الشجاعة الأخلاقية. لم يكتفِ بتعليم التفكير، بل علّم بالموت أن الفلسفة التزامٌ حتى آخر رمق. في هذا اللقاء بين جرأة السوفسطائي وشجاعة سقراط، وُلد الدرس الفلسفي بوصفه فضاءً لا يُعلِّم أجوبةً، بل يُعلِّم كيف يقف الإنسان على قدميه فكراً وخُلُقاً. ولم يكن الدرس الفلسفي في أثينا محصوراً في حلقة أفلاطون أو رواق زينون. لقد تسرَّب إلى الشعراء (فكروا في أسئلة الوجود في الملاحم والتراجيديات) فكانت اللغة عندهم هي بيت الكينونة، وإلى النحاتين (الذين صوَّروا في الرخام فكرة الجمال والحقيقة)، و المسرحيين (الذين جعلوا الخشبة مختبراً للصراع الأخلاقي)، وإلى السياسيين (الذين جلبوا السؤال الفلسفي إلى الأغورا). وهذا يعني أن الدرس الفلسفي تحقق أيضاً بوصفه "غيرية كريمة": لم يظل حبيس الفيلسوف المحترف، بل فتح ذراعيه للفن والأدب والسياسة، فاغتنى بها وأغناها. كان درساً يسير في الشوارع، يُرى في التماثيل، ويُسمع في الأبيات، ويُختبر في القرار السياسي.

و في الحضارة العربية الإسلامية، وجد الدرس الفلسفي متسعاً آخر: المجلس. في "الإمتاع والمؤانسة" لأبي حيان التوحيدي، حيث يتسامر الأصدقاء في مسائل العقل واللغة والوجود والأخلاق....، تمتزج فيها الجدية بالظرف، والحجة بالنادرة، والعمق بالبساطة. هنا صار الدرس الفلسفي مؤانسةً، لا لأن الفلسفة فقدت صرامتها، بل لأنها ربحت الحياة. الفكر لم يعد مرهقاً يُؤدَّى فرضاً، بل صار لذةً تُطلَب حباً. هذا هو الإيروس في أجلى صوره. أما إخوان الصفا في القرن الرابع الهجري، فقد قدموا نموذجاً آخر: الدرس الفلسفي بوصفه موسوعةً يشارك فيها جمع لا فرد. لم يكن الواحد منهم هو المعلم المطلق، بل كانوا جماعة تتدارس الرياضيات والمنطق والطبيعة والإلهيات والموسيقى والأخلاق، بهدف تطهير النفس وتحريرها بالعلم. في رسائلهم نرى أن الدرس الفلسفي الأصيل يتسع للمعرفة كلها، ويجمع بين العقلي والروحي، ويُمارَس في أخوّة تُذكِّر بالإيتوس في معناه الرفيع: التزامٌ أخلاقي بأن تكون الحكمة للجميع، لا حكراً على أحد.

هذا هو المفهوم الذي سنحمله معنا الآن، لنرى كيف انحرف في واقع الدرس الفلسفي في الجزائر، حتى صار ضده. بين هذا التحقق التاريخي وما سنعاينه من أزمة، تنفتح هوة هي موضوع مقالنا كله.

حين ينقلب المفهوم على نفسه

عندما ننظر إلى واقع الدرس الفلسفي في جزائر اليوم، لا نرى أثراً حياً لتلك المساحات الرحبة التي أثبتناها. ما نراه هو انقلابٌ كاملٌ للمعنى، يمكن تبيّنه في أربعة انقلابات تقابل المحطات التي وقفنا عندها:

الانقلاب الأول: من فضاء السؤال إلى سجن الجواب

حيث كان السوفسطائي وسقراط يفتحان للعقل فضاءَ الجرأة والشجاعة معاً، نجد درسَنا اليوم يغلق هذا الفضاء بإحكام. السؤال الحقيقي الذي يربك ويحرر، صار ممنوعاً ضمنياً؛ ليس بقانون مكتوب، بل بآلية أشد خبثاً: الامتحان. التلميذ لا يسأل لأنه يريد أن يعرف، بل لأنه يريد أن يجيب. والأستاذ لا يعلّم السؤال، بل يعلّم تقنية الجواب النموذجي. لقد انتقلنا من درسٍ يعلّم الشجاعة على مواجهة المجهول، إلى درس يُدرّب على الخوف من الخروج عن المألوف. الفلسفة التي علّمت بالموت ألا تراجع، صارت تُدرَّس بالخوف من الرسوب.

الانقلاب الثاني: من غيرية كريمة إلى عزلة عقيمة

وحيث كانت الفلسفة في أثينا تنفتح على الشاعر والنحات والمسرحي والسياسي في غيرية كريمة، صار درس الفلسفة في جزائر اليوم معزولاً في قوقعة "المادة الدراسية". أي حوار بين الفلسفة والأدب الجزائري؟ وأي اتصال بينها وبين التشكيل أو المسرح أو السينما؟ وأي مساءلة للخطاب السياسي اليومي؟ لا شيء من ذلك. الدرس الفلسفي صار معزولاً عن الثقافة الحية، لا يلامسها ولا تلامسه. صارت الفلسفة مادة تُقرأ في القسم وتُنسى في الشارع، بينما كانت في الأصل نسيجَ الحياة العامة.

الانقلاب الثالث: من مؤانسة المحبة إلى عنف التلقين

في مجالس التوحيدي، كان الدرسُ مؤانسةً، والفكرُ لذةً، والحقيقةُ مطلوبةً حباً. أما في قسم الفلسفة اليوم، فالدرسُ واجب ثقيل، والحقيقةُ مفروضة من خارج، واللذةُ غائبة إلا لذةَ النجاح في الامتحان. الإيروس (المحبة) التي كانت تجمع المعلم والتلميذ حول السؤال، استُبدلت بعلاقة رأسية من الأعلى إلى الأسفل: المعلم يملِك الأجوبة، والتلميذ وعاءٌ يملؤه. هذا عنف رمزي يقتل الفلسفة في مهدها، لأن الفلسفة لا تُقبَل هبةً ولا تُؤخذ سلطةً، بل تُكتشف محبةً.

الانقلاب الرابع: من موسوعية إخوانية إلى اختزال مقرري

وعوض الموسوعية الجماعية التي بشّر بها إخوان الصفا، حيث تتحد المعرفة كلها في سبيل تطهير النفس وتحريرها، نجد درس الفلسفة اليوم مختزلاً إلى "برنامج" محدود الساعات، مقسّم إلى وحدات، يُدرَّس بوتيرة ميكانيكية، ويُقوَّم في امتحان لا يقيس إلا قدرة الحفظ وإعادة الإنتاج. الفلسفة التي كانت حياةً كاملة، صارت "مادة" كغيرها من المواد، تُحصى حصصها، وتُعدل معاملاتها، وتُختصر في "مقال" له مقدمة وعرض وخاتمة. الموسوعي صار مقررياً، والجماعي صار فردياً معزولاً، والتحرري صار انتقائياً.

هذا الانقلاب ليس جزئياً ولا عرضياً. إنه انقلاب جوهري يجعل الفلسفة تنقلب على معناها الأصيل. ما يُدرَّس اليوم باسم الفلسفة هو، في العمق، نقيضها: إنه تدريب منهجي على الامتثال، وقتل للسؤال، وإطفاء للإيروس، وتجفيف للإيتوس. الدرس الفلسفي في الجزائر يعاني من "انفصام بنيوي مزمن" لأنه يدّعي غاية هي تحرير العقل، بينما آليات إنتاجه وتداوله وتقويمه كلها مصمَّمة لإنتاج نقيض هذه الغاية.

معالم الأزمة

المعلم الأول: الغياب — الفلسفة تفقد موضوعها (الإنسان الحي)

في صميم الدرس الفلسفي كما تحقق تاريخياً، كان هناك إنسان حاضر بجسده وهمومه ومصيره. سقراط في الأغورا يسائل صانع الأحذية والسياسي؛ والتوحيدي في مجلسه يؤانس من كان حاضرا في مجلس المناظرة بأسئلة تمس حياتهم؛ وإخوان الصفا يتدارسون المعرفة لتطهير نفوس هم بشر من لحم ودم. هذا الإنسان الحي، المتشخَّص، المثقل بأسئلة الوجود والموت والمعنى، هو "موضوع" الفلسفة الأول والأخير. في مقابل ذلك درس الفلسفة في جزائر اليوم، يغيب هذا الإنسان. ولا نعني بذلك الغياب المادي، فأقسام الدروس الخصوصية والجامعات مملوءة بالتلاميذ. انه غياباً آخر: غياب أسئلتهم الحارقة عن الدرس، غياب وجودهم المشخَّص عن المفهوم الذي يُدرَّس. حين يُشرح محور "الحق والواجب والعدل" او الحرية والمسؤولية مثلاً، لا يلتقي الدرسُ مع تلميذ يعيش تناقضات الحرية يومياً: في البيت، في الشارع، في علاقته بالسلطة السياسية والدينية. حين يُدرَّس "الغير"، لا يُسأل التلميذُ عن غيريته هو: عن تمزقه بين لغات (العامية، الفصحى، الأمازيغية، الفرنسية)، عن نظرته إلى المهاجر الإفريقي في شارعه، عن علاقته بالآخر المختلف مذهبياً أو ثقافياً. وحين يُعالج "العمل"، لا يُربط ذلك بشبح البطالة الذي يطارد وعيَه، ولا بصور الهجرة غير الشرعية التي تملأ شاشاته.

هذا الغياب ليس صدفة ولا سهواً، بل هو أثر بنيوي لانقلاب المفهوم: فحين صار الدرس مقرراً مؤقتاً بامتحان، تعيّن أن تكون "المفاهيم" مجردة بما يكفي لتُقوَّم قياسياً. والتجريد هنا يعني، بالضرورة، إفراغها من الإنسان الحي الذي تسكن فيه. هكذا يتحول التلميذ إلى شبح في درس الأشباح: يكتب عن الموت ولا يفكر في موته هو، ويكتب عن الدولة ولا يسأل عن دولته، ويكتب عن الأخلاق ولا يُختبر في خلقه.

ولكي يتضاعف الغياب، يغيب الأستاذ أيضاً بوصفه إنساناً حياً. فهو مطالب بأن يكون ناقلاً أميناً للمقرر لا شاهداً على أسئلته هو. لا يُسمح له بأن يقول لتلاميذه: "هذا المفهوم يربكني أنا أيضاً"، ولا أن يعترف بأن سؤال التلميذ فتح له أفقاً لم يفكر فيه. الأستاذ الحي يتحول إلى "صوت للبرنامج"، كما تحول التلميذ الحي إلى "يد تكتب المقال".

وهكذا يتم الدرس في فراغ وجودي هائل: يتحرك المفهوم في فلك ذاته، ويعيش التلميذ في فلك آخر، وبينهما جدار من الزجاج السميك؛ يرى كل منهما الآخر دون أن يلمسه. هذا هو "معلم الغياب": ألا تلمس الفلسفةُ الحياة، وألا تُسأل فيها الأسئلة التي توجع وتشغل وتحرك.

المعلم الثاني: الامتحان القاتل - حين يصير التقويم بروكروستياً

إذا كان الغياب هو أثرُ المؤسسة على المحتوى الحي للدرس، فإن الامتحان هو أداتها المركزية لفرض هذا الغياب وتعميقه. الامتحان، في الأصل، لحظة حقيقة: لحظة يختبر فيها التلميذ قدرته على مواجهة سؤال فلسفي بذاته. لكنه، في واقع الدرس الجزائري، تحوّل إلى "طقس بروكروستي" (نسبة إلى سرير بروكروست الأسطوري الذي كان يمدد الضيوف أو يبترهم ليلائموا سريره).

"سرير بروكروست" هنا هو "المقال الفلسفي الجاهز": نموذج صارم له مقدمة وعرض وخاتمة، له عدد محدد من العناصر، له لغة بعينها (لا لغة التلميذ الحية)، له طريقة قياسية في طرح المشكل وحلّه. وبدل أن يكون هذا القالب أداة لتنظيم الفكر، صار سريراً يُبتَر عليه الفكرُ إن زاد، ويُمطَّط إن نقص، حتى يلائم القياس.

هكذا ينتج الامتحان "فوضى الدال وعقم المدلول"، كما وصفها أحد المحللين: يكتب التلميذ كلمات فلسفية كبرى (الحرية، العقل، الواجب، الوعي...) ولكنها فارغة من أي مدلول معيش، لأن المطلوب ليس أن يفكر في الحرية بل أن يعيد إنتاج الدرس عن الحرية. ويكتب "مقدمة" تطرح "الإشكالية"، لكنها إشكالية مزيفة لأن الجواب معروف مسبقاً، ومحفوظ في الكراس. السؤال الحقيقي الذي يربك ويحرر ويحفز على البحث غائب، وحلّ محله "المشكل الزائف" الذي يجيب عنه التلميذ بالحفظ لا بالفهم.

والأخطر من هذا كله أن الامتحان تحول إلى أداة عقاب للخارجين عن القالب. التلميذ الذي يجرؤ على التفكير بطريقة شخصية، بلغة تخصه، بمنطق يبنيه هو لا يُكافَأ، بل يُعاقَب بنقطة متدنية لأنه لم يحترم "المنهجية". وهكذا يتعلم التلاميذ، جيلاً بعد جيل، أن التفلسف خطر على المستقبل، وأن النجاح في الامتحان لا علاقة له بالتفكير. هذا هو الامتحان القاتل: ليس قاتلاً بمعنى أنه صعب، بل بمعنى أنه يقتل الفلسفة في صدر التلميذ، ويحولها من فعل تحرر إلى طقس امتثال.

المعلم الثالث: البيئة الحاضنة مسمومة

لا يُعزل درس الفلسفة عن البيئة الثقافية التي يتنفس فيها. وإذا تأملنا هذه البيئة، وجدناها تنضح بـ"كراهية الحكمة" بأشكال شتى. المجتمع الذي يُفترض أن يكون حاضناً للسؤال الفلسفي، صار يمجّ "الوصفة السحرية" ويحتقر التردد والالتباس. المتفلسف في المخيال الجمعي، شخصٌ ثرثار يعيش في الغيوم، لا "وليٌّ صالح" يحمل أجوبة مضمونة للنجاح. وهذا "الولي الصالح" موجود فعلاً، متجسداً في أستاذ الدرس الخصوصي الذي يوزع "الملخصات" الجاهزة، ويحفظ تلاميذه "المقالات النموذجية" عن ظهر قلب، ويرفع معدلاتهم في البكالوريا؛ فيُصبح هو "المنقذ" بينما يتحول أستاذ القسم الذي يحاول تعليم التفكير إلى شخص هامشي لا يُؤبه له.

هذه البيئة ليست محايدة. إنها "تربة مسمومة" تنمو فيها كل أمراض الدرس الفلسفي الأخرى. كيف تزدهر الفلسفة في بيئة لا تقرأ، أو تقرأ "المقالات الجاهزة" ولا تقرأ النصوص الأصلية؟ كيف تزدهر في بيئة لا تحترم السؤال، بل تريد الأجوبة سريعةً هشةً كالوجبات الخفيفة؟ وكيف تزدهر في بيئة تخلط بين "الحرية" و"الانفلات"، وبين "النقد" و"العدمية"، فلا هي تثق في العقل، ولا هي تريح صاحبه؟ إن الدرس الفلسفي هنا لا يسبح مع التيار، بل ضده. وأي أستاذ يحاول أن يُدرّس فلسفةً حقيقية يشعر بهذا التيار الجارف الذي يدفع تلاميذه -والمجتمع من ورائهم- نحو السؤال الوحيد: "ما الذي سيأتي في الامتحان؟"

المعلم الرابع: بؤس الجامعة

هنا نصل إلى ينبوع الأزمة العميق. قد يظن المرء أن الأزمة تنحصر في الطور الثانوي، لكن الحقيقة أن "أم الأزمات" تكمن في الجامعة. لقد تحولت أقسام الفلسفة في كثير من الجامعات، كما شخص الأمرَ بعضُ نقادها بعنف، إلى "مصنع لإنتاج موظفي الفلسفة" لا إلى "مشتل لإنتاج الفلاسفة".

الطالب الذي يدخل قسم الفلسفة يتعلم، في الغالب، كيف يجتاز الامتحانات، وكيف يحفظ الشروح، وكيف يتقن الصراعات المفاهيمية العقيمة التي تدور في فلكها وتحوم حول ذاتها. لكنه نادراً ما يتعلم كيف يكون فيلسوفاً؛ أي كيف يواجه نصاً أصلياً مواجهة حرة، وكيف يبني سؤالاً بحثياً أصيلاً، وكيف يكتب فلسفةً لا تقريراً عن الفلسفة.

ثم يتخرج هذا الطالب أستاذاً في الثانوي، فيحمل معه المرضَ نفسه الذي أصابه: يفهم أن "النجاح" في درس الفلسفة هو في حفظ القوالب لا في كسرها، وفي إعادة الإنتاج لا في الإبداع. هكذا يصير الأستاذ "البروكروستي" ضحيةً قبل أن يكون جلاداً. إنه يُمارس على تلاميذه ما مارسته عليه الجامعة. وبدل أن تكون الجامعة "ضميراً" للدرس الفلسفي وسنداً له، صارت طرفاً أساسياً في إعادة إنتاج "فقر الدم الفلسفي" ذاته. وما لم ينكسر هذا الإسفين في الجامعة، فكل إصلاح في الثانوي سيكون ترقيعاً فوق جرح غائر.

المعلم السادس: التنظير في وادٍ والممارسة في وادٍ آخر

هذا المعلم هو الخيط الناظم الذي يربط كل ما سبق. إنه "الانفصام المدوي" بين ما تقوله الوثائق الرسمية وما يحدث في قاع القسم.

تقرأ "دليل بناء الاختبارات" أو "المناهج الطموحة"، فترى كلاماً جميلاً عن "التفكير النقدي"، و"الحوار"، و"بناء المواطن الصالح"، و"التفتح على العالم". لكنك في القسم ترى العكس تماماً: تلقيناً، قمعاً، خوفاً، ومقالاً جاهزاً. هذه هي "الكذبة الممنهجة" التي تحدثنا عنها: أن ندّعي أننا نعلّم التفكير النقدي بينما كل جهازنا التعليمي مصممٌ لقمع كل أثر للتفكير النقدي الحقيقي.

إنه "الفعل المزدوج" بعينه: خطاب حداثي طموح يخاطب اليونسكو والتقارير الدولية، وممارسة بيروقراطية متخشبة تخاطب الامتحان ومعدلات النجاح. والتلميذ هو ضحية هذا الانفصام، لأنه يُربى على أن "النفاق المعرفي" هو القاعدة: قل شيئاً وافعل شيئاً آخر، اكتب في ورقة الامتحان أنك تحب الفلسفة وأنت تكرهها في أعماقك لأنها تحولت إلى كابوس.

هذه الديناميكية المفرغة بين هذه المعالم الستة تنتج "البؤس" و"العقم" و"فوضى الدال" التي تملأ أقسامنا: كلمات فلسفية ضخمة تدور في الفراغ، بلا بشر، بلا حياة، بلا أسئلة حقيقية.

تجاوز الأزمة من التشخيص إلى الفعل

أمام هذا التشخيص القاتم، هل من مخرج؟

إن المخرج لا يمكن أن يأتي من "فوق"، من إصلاح وزاري هش تطارده التناقضات نفسها. المخرج يبدأ من "تحالف نقدي" يُبنى في الفراغات التي لا تراها المؤسسة. إنه "فعل كلام" يفضح الكذبة الممنهجة، ويبني درساً موازياً حيثما وجد متسع.

أولاً: فضح "الكذبة الممنهجة"

تحويل الامتحان من طقس سري إلى حدث فكري عمومي. أن يُنشر سؤال البكالوريا في اليوم ذاته، ويُناقش علناً: هل هو سؤال حقيقي؟ هل يسمح بالتفكير؟ أم هو "سرير بروكروست" آخر؟ هذا الفعل البسيط، الذي مارسه بعض النقاد بشجاعة، يضرب جوهر الأزمة في مقتل.

ثانياً: بناء "درس موازٍ"

لا ننتظر الإذن. ننشئ ورشات فلسفة في المكتبات العامة، ودور الثقافة، ونوادي في الثانويات، خارج إكراهات البرنامج والامتحان. نستعيد "ليالي الإمتاع والمؤانسة" في مقاهينا الفكرية، ونحوّل الفلسفة إلى حدث ثقافي وليس مادة دراسية. التجارب المغاربية والدولية في "فلسفة الأطفال" و"المقاهي الفلسفية" تقدم نماذج عملية جاهزة للتطويع.

ثالثاً: خلق ذاكرة نقدية وفضح النماذج

توثيق التحليلات النقدية للامتحانات، ونشر نماذج لدروس فلسفية حية، ومقارنة أسئلتنا بأسئلة دول أخرى تحترم العقل الفلسفي. هذا يُراكم وعياً ويجعل كل جيل يبني على ما سبقه، بدل أن يبدأ من الصفر.

رابعاً: كسر العزلة والانفتاح اللغوي والمعرفي

الاستفادة من المنصات الرقمية (يوتيوب، بودكاست) لنشر محتوى فلسفي هادف بالعربية واللغات الأخرى التي يجيدها التلاميذ. ترجمة نصوص أساسية، واستضافة فلاسفة، وفتح نقاش حولهم. هذا يحرر الدرس من سجن اللغة الواحدة والمرجع الواحد، ويُسمع التلميذَ أصواتاً فلسفية حية.

خامساً: "الخيانة المبدعة" للقالب

على الأستاذ أن يمارس، حيث يستطيع، "خيانة مبدعة": أن يترك مساحة لسؤال حر لا علاقة له بالامتحان، أن يعلّم منهجية المقال بوصفها أداة مؤقتة لا غاية، أن يقول لتلاميذه إنه مسموح لهم بأن يفكروا بطريقة لم تخطر له هو على بال. هذه أفعال صغيرة لكنها، إذا تكاثرت، تصنع تياراً مضاداً.

هذه الأفعال تحتاج إلى "فاعل نقدي" جديد، يتشكل من أساتذة يرفضون أن يكونوا سجانين، وأكاديميين يرفضون اللامبالاة، ومثقفين مستقلين، وتلاميذ يكتشفون متعة السؤال. هذا التحالف ليس وهماً. إنه موجود، لكنه معزول.

***

عمرون علي - الجزائر

يُعَدُّ التأثيل اللغوي من أرقى مباحث الدرس اللغوي وأدقِّها مسلكاً؛ إذ يتجاوز الوقوف عند ظاهر الألفاظ إلى التنقيب في أصولها البعيدة، وتتبع رحلتها عبر الأزمنة والأمكنة، والكشف عن التحولات الصوتية والدلالية التي طرأت عليها في مسيرتها التاريخية. فالكلمة ليست بناءً صوتياً جامداً، وإنما كائنٌ ثقافيٌّ حيٌّ يحمل في أعماقه آثار الحضارات، وشواهد التفاعل الإنساني، وملامح التطور الفكري والاجتماعي للأمم.

والتأثيل، وهو المقابل العربي للمصطلح الأوروبي Etymology ــ ( ايتيمولوجي) علمٌ يبحث في أصول الكلمات وأنسابها اللغوية، ويستقصي مسالك انتقالها بين اللغات، ويُعنى ببيان الصلات الخفية التي تربط بين الألفاظ المتباعدة ظاهرًا والمتقاربة أصلاً. أما الباحث المتخصص في هذا الميدان فيُعرف بالمؤثِّل اللغوي، وهو أشبه بالمؤرخ الذي يقرأ الوثائق القديمة، غير أن وثائقه هنا هي الكلمات ذاتها.

جذور التأثيل في التراث العربي:

وإن كان مصطلح التأثيل اللغوي حديث النشأة، فإن جوهره المعرفي ليس غريباً عن التراث العربي؛ فقد مارس علماء العربية الأوائل صوراً متعددة من البحث التأثيلي تحت عناوين مختلفة، مثل الاشتقاق، وفقه اللغة، وتعليل التسمية، والمعرَّب والدخيل، والنحت اللغوي.

لقد أدرك هؤلاء العلماء أن اللفظ لا يُفهم على وجهه الأكمل إلا بردِّه إلى أصله، وأن المعنى الراهن ليس سوى حلقة من سلسلة طويلة من التطورات الدلالية. ولذلك نجد الخليل بن أحمد الفراهيدي يبحث في أصول الأبنية اللغوية، وابن دريد يربط بين الكلمات وأصولها الاشتقاقية، وابن فارس يؤسس نظريته الشهيرة في «المقاييس» القائمة على ردِّ الألفاظ إلى أصول دلالية جامعة، في حين اهتم الثعالبي والجواليقي والسيوطي بدراسة الألفاظ الدخيلة والمعرَّبة، وكشفوا عن مسالك دخولها إلى العربية.

ولم يكن هؤلاء العلماء مجرد جامعي ألفاظ، بل كانوا مؤرخين للمعنى، يقرؤون في الكلمة تاريخها، ويستنبطون من بنيتها أسرار نشأتها وتطورها.

التأثيل اللغوي في الدراسات الحديثة:

مع نشأة علم اللغة المقارن في القرن التاسع عشر اتخذ التأثيل اللغوي طابعًا علميًا أكثر دقة ومنهجية. فقد وضع اللغويون الأوروبيون أسس المقارنة المنتظمة بين اللغات، واستندوا إلى قوانين صوتية ثابتة لا تقبل الاستثناء إلا بضوابط معلومة.

ومن أبرز رواد هذا الاتجاه فرانتس بوب الذي أسهم في تأسيس الدراسات الهندوأوروبية المقارنة، وياكوب غريم الذي صاغ قانونه الصوتي الشهير، وفرديناند دي سوسير الذي فتح آفاقًا جديدة لفهم البنية اللغوية وعلاقاتها التاريخية.

وبفضل هذه الجهود تحوّل التأثيل من ملاحظات متفرقة إلى علم قائم على الشواهد والنصوص والقوانين الصوتية والتاريخية، وأصبح قادرًا على إعادة بناء مراحل لغوية اندثرت منذ قرون طويلة.

منهج المؤثِّلين اللغويين:

يقوم التأثيل اللغوي على جملة من الأسس العلمية المحكمة، من أهمها:

- مقارنة الكلمة بنظائرها في اللغات ذات الصلة.

- دراسة التحولات الصوتية وفق قوانين ثابتة.

- تتبع أقدم الشواهد النصية للكلمة.

- تحليل تطورها الدلالي عبر العصور.

- الاستفادة من المعطيات التاريخية والحضارية والجغرافية.

فالكلمة لا تُردُّ إلى أصل معين لمجرد التشابه في الحروف أو الأصوات، وإنما لا بد من سلسلة من الأدلة المتضافرة التي تؤيد هذا الأصل وتثبته.

ومن هنا يتضح الفرق بين التأثيل العلمي والتخمين الشعبي؛ فالأول يستند إلى منهج وبرهان، أما الثاني فيقوم غالبًا على الظن والتوهم والتشابه العارض.

حذر العلماء العرب من التأثيلات المتعسفة:

تميّز علماء العربية القدامى بدرجة عالية من الاحتياط العلمي في قضايا الاشتقاق والأصول اللغوية. فقد كانوا يشترطون السماع الصحيح والرواية الموثوقة والشاهد اللغوي المعتبر، ويحذرون من بناء الأحكام على مجرد التشابه الصوتي.

وقد عبّر ابن فارس عن هذا المنهج بوضوح حين رفض ردَّ الألفاظ إلى أصول متوهمة لا يسندها دليل معتبر. ولذلك ظل التراث العربي محافظًا على قدر كبير من الانضباط العلمي في معالجة قضايا الاشتقاق والتعليل.

وهذا الموقف يكشف عن وعي مبكر بأهمية المنهج، فالحقيقة اللغوية لا تُنال بالحدس وحده، وإنما تُستخرج من النصوص والشواهد والقرائن.

-  بين العربية واللغات الأخرى:

إن دراسة الألفاظ المعرَّبة والدخيلة تمثل أحد الميادين الخصبة للتأثيل اللغوي. فكلمات كثيرة دخلت العربية عبر الاحتكاك الحضاري والتجاري والعلمي، ثم اندمجت في نسيجها الصوتي والصرفي حتى أصبحت جزءًا من معجمها المعاصر.

ومن ذلك كلمة «بطاطا» التي يُرجعها الباحثون إلى أصول أمريكية قديمة انتقلت عبر الإسبانية إلى لغات العالم المختلفة، ثم استقرت في العربية بصورتها المعروفة. وليس هذا الحكم وليد رأي فردي أو اجتهاد عابر، وإنما هو ثمرة بحوث مقارنة اعتمدت النصوص التاريخية والمعاجم التأثيلية والشواهد اللغوية المتوافرة.

ومع ذلك يبقى التأثيل علمًا مفتوحًا للمراجعة؛ إذ قد تظهر وثائق جديدة أو شواهد أقدم تدفع الباحثين إلى إعادة النظر في بعض النتائج السابقة.

إن التأثيل اللغوي ليس ترفاً معرفياً، بل هو نافذة تطل منها اللغة على تاريخها العميق، ومرآة تنعكس عليها مسيرة الحضارات وتفاعلات الشعوب. ومن خلاله ندرك أن الكلمات ليست أصواتاً عابرة، وإنما سجلات حية تختزن ذاكرة الإنسان وثقافته وتجربته الوجودية.

ولعل أعظم ما يعلِّمنا إياه هذا العلم أن اللغة كائن متجدد، يجمع بين الثبات والتحول، وبين الأصالة والتفاعل، وأن فهم اللفظ لا يكتمل إلا بمعرفة جذوره ومسالك تطوره. فالكلمات، كما يقول أهل اللغة، لها أنساب كما للناس أنساب، ومن عرف أنساب الألفاظ أدرك جانبًا من تاريخ الأمم وعقولها وأحلامها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

"فوبيا نظام الطيبات" مصطلح يصف حالة من التوجس والهلع بشأن "نظام الطيبات" الغذائي، والذي ابتكره الراحل الدكتور ضياء العوضي، وفكرة نظام الطيبات هو أنه يسمي أطعمه معينة بـ" الطيبات" وينصح بتناولها، وهذه الأطعمة وعلى عكس المتعارف عليه علميا هي السكريات والمعلبات، وهناك أطعمة أخرى يسميها " الأطعمة الخبيثة"، وهذه الأطعمة ويدعو لتجنبها تماما وهي " الدجاج"، والبيض، والألبان .

والسؤال الآن من هو الدكتور ضياء العوضي؟.. هو ضياء الدين شلبي محمد العوضي.- وُلد عام 1979 داخل أسرة أكاديمية، حيث تخرج في كلية الطب بجامعة عين شمس بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، وقد بدأ مسيرته المهنية في تخصص في العناية المركزة، وقضي فترة طويلة من حياته بين أجهزة التنفس الصناعي، والتقارير، والمعلومات الدقيقة التي لا تعرف إلا الحقيقة، ولا توجد أي مساحة للاجتهاد الفلسفي.

ثم تدرج في العمل الأكاديمي، حتى وصل إلى درجة أستاذ مساعد بقسم الرعاية المركزة، ثم استمر في العمل الجامعي حتى عام 2023. ولكن سرعان ما أدرك أن تخصص العناية المركزة مقيدة ولا تعطيه أي فرصة لكي يخرج الطاقات المكبوتة بداخله، ومن ثم أدرك أن تخصص العناية المركزة لا تروق له، ولو أنه ظل طيلة عمره في دراسة هذا التخصص سيظل منغلق على  نفسه داخل غرفة العناية المركزة.

وفجأة قرر الدكتور ضياء العوضي أن يترك ويغادر ما تعلمه من كلية الطب ويهب نفسه لمشروعه في نظام الطيبات، حيث بدأ  يأخذ خطوات سريعة كي ينفذ هذا القرار العظيم، وذلك حين أنشأ حساب على التيك توك، وقد أفاضت السوشيال ميديا في الحديث عنه في الأيام والأشهر الماضية، وذلك من خلال متابعيه الذين وصلوا بالملايين وفيديوهاته التي تحقق مشاهدات عالية جدا .

وهنا بدأت أشاهد أول فيديو من فيديوهاته، فاكتشفت أنني أمام رجل يقف أمام الكاميرا وفي يده سيجارة، ويقول كلام ليس له أي علاقة بالطب البشري، ولا بالطب البيطري، لدرجة أنه يطلب من المرضي الذين يتابعونه، أن يوقفوا العلاج والأدوية التي يتعاطونها ؛ بل وينصحهم أن يلقوا بها في أقرب سلة مهملات، وألا يتابعوا على الأطباء، وأن يوقفوا عمل أي أشعة، أو تحاليل.

وهنا يقول الدكتور العوضي :" مبدئيا وقبل ما نضع أيدينا في أي حوار لازم تعرفوا أنه لا توجد ما يسمى أمراض مزمنة أصلا، دي مجرد نصب من عمل أيدي الأطباء وشركات الأدوية وقد اتفقوا وأجمعوا عليها سويا كي يجعلوكم تشترون تلك الأدوية بحيث تسيروا عليها طيلة عمركم .. أي مؤامرة من الآخر .. فالسكر مرض بسيط جدا يمكن معالجته في ساعة بمنتهي السهولة، والأنسولين والذي تتعاطونه في شكل حقن داخل أجسامكم. مجرد اشتغاله كبيرة فهو لا يعالج السكر وفي نفس الوقت يضر بالجسم، يعني " لا منه ولا كفاية شره"، وأنا شخصيا كل مرضي السكر الذين يتم علاجهم عندي أوقفوا الأنسولين، وبعد أن أوفقوه وزارة الصحة ردت وقالت عنهم أنهم قد شفوا تماما ".

وبالنسبة لمرض الفشل الكلوي قال الدكتور ضياء العوضي" فلا يوجد ما يسمى شيء اسمه "فشل كلوي" أصلا يا ابني .. فشل كلوي أيه" . وأما فيما يخص مرض السرطان "ففيه فعلا مرض اسمه السرطان ولكنه مرض بسيط جدا ولا يختلف كثيرا عن نزلة البرد، وعلاجه لا يحتاج إلى إشعاع ولا كيماوي"، وقد ذكر الدكتور ضياء العوضي أنه تمكن من معالجة 300 مريضة بسرطان الثدي من غير أي أدوية .

والدكتور ضياء العوضي بعد أن نسف كل نظريات الطب القديم والحديث والتي قد اجتهد فيه الأطباء فيها، ودمر كل أنواع الأدوية، قام في أحد فيديوهاته يشعل سيجارة وقال أمام كل مشاهديه :" الآن قد آن الأوان أن أقول لكم عن الاختراع المذهل الذي قد ابتكرته بنفسي كي أنقذ البشرية، وهذا الاختراع هو نظام الطبيبات وهذا النظام يشفي كل الأمراض من أولها لأخرها ويغني عن كل الأدوية والعقاقير والأشعة والتحاليل، ونظام الطيبات هو نظام غذائي بسيط جدا، ليس فقط يتماثل المريض من خلاله الشفاء فقط من كل الأمراض التي أصابتكم، ولكن يجعل صحتكم جيدة تماما، وأن المريض لا يأتيكم بغته" .

ونظام الطبيبات كما رواه الدكتور ضياء العوضي يقوم على مجموعة من المبادئ البسيطة مثل أن السجائر غير مضرة، والدليل على ذلك حسب قول الدكتور ضياء العوضي أن الإنسان البدائي، كان يشغل النار ويجلس أمامها الساعات الطول، ويظل يستنشق الدخان من تلك النار، ومع ذلك لم يصاب بأي أمراض خبيثة، والدليل أن الدكتور ضياء العوضي نفسه قال أنه لما ذهب المريض لعمل أشعة في مستشفى ما فوجد أن الرئة لديه سليمة.

هذا بالإضافة أنه حسب نظام طيبات الدكتور ضياء العوضي، فإن أكل الخضار ليس طعام الإنسان، ولكنه أكل المواشي، ومن ثم ينصحنا ألا نأكله ولا أن نقترب منه، وإلا أمعائك تتعب ومعدتك تصاب بالقرح، ومن جهة أخرى ينصحنا الدكتور ضياء العوضي بضرورة الابتعاد عن البطيخ والمانجو.

نقطة أخرى لابد من الأخذ بها في نظام الطيبات وهي ضرورة تناول الحلوي، وياحبذا لو تتناول مجموعة من الدهون المسبكة والمليئة بزيت الزيتون والسمن البلدي، ولا تصدق الأطباء الذين يقولون أن تناول الحلوى والدهون الكثيرة مضرة بصحة البشر، ولابد أن تدرك الدهون والسكريات لا يقتربون من شرايينك على الإطلاق.

لم يكتف الدكتور ضياء العوضي في نظام الطبيبات بذلك، بل حرم علينا أكل البيض والفراخ، حيث حسب اعتقاده تسبب العقم والكوابيس وبلغم على الصدر، وضرب لنا مثال بإخواننا الإيرانيين الذين رفضوا تناولها، فلأجل ذلك لا يهابون العدو الإسرائيلي ولا الأمريكي في حروبهم الدائرة حاليا.

والسؤال الآن: كيف استقى الدكتور ضياء العوضي معلوماته الطبية؟، فكيف عرف الدكتور ضياء العوضي أن الأنسولين ليس له أي فائدة تذكر للجسم؟، وكيف أدرك أنه لا يوجد ما يسمى الفشل الكلوي، وأن مرض السرطان ليس في حاجة للكيماوي؟، وأن البيض والفراخ يدمروا الجسم؟، فهل هناك بحث علمي اطلع عليه الدكتور ضياء العوضي في المجلات الطبية العالمية، أو عالم واحد خلقه الله قال بذلك؟

وهنا يشجبنا وينهرنا الدكتور ضياء العوضي فيقول : "والله عيب والله، كل هذا اجتهاد شخصي مني، وبرغم ذلك هناك شريحة من الناس تتبع نظام الطيبات ويصدقوه ويدافعون عن نظامه دفاع من لا يخشى الموت، بل الأدهى والأمر أن هناك مرضي سكر أوقفوا تناول الأنسولين وقرر السير على نظام الطيبات، فلماذا فعلوا ذلك ومن أين تلك الثقة في كلام الدكتور ضياء العوضي؟.. مع العلم أن هؤلاء المرضي قد لفوا على المستشفيات والدكاترة وجميعهم أكدوا بلا شك لهم أن الأنسولين هو علاجهم الوحيد ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يوقفوه أو يستغنوا عنه؟!

والحقيقة أن هناك في ذلك أسباب كثيرة، أولها أن كثير من المرضي المصريين دائما ما يتعلقون بأي بارقة أمل كي تنقذهم مما هم فيه، وذلك بسبب المنظومة الصحية التي تجهدهم في الحصول على الدواء، علاوة على أن المواطن المصري عندما يقرر أن يتم علاجه سرعان ما يدرك أنه لا توجد منظومة تأمين صحي تحميه، ولا مستشفيات عامة تقدم له الخدمة اللائقة، وإذا ما شاءت له الأقدار وتمكن أن يحصل من مستشفى عامة يجدها كالخرابة بلا أجهزة ولا أدوية ولا سراير، ولكي يتمكن من دخولها لابد من الوقوف في طابور ليس له آخر، ويبيت أمام باب تلك المستشفى بالأيام، وفي تلك الظروف لا يجد المريض بداً من ثلاث حلول : إما أن يسلم أمره لله ولا يعالج نفسه بها، وإما أن يسلم نفسه للعيادات والمستشفيات الخاصة، وهنا يضطر أن يبيع كل ما يملك كي يتم علاجه بسبب الأدوية الباهظة الثمن، وإلا أغلبها ناقص وليس موجود .

والحل الثالث أن يسير وراء نظام الطيبات اعتقادا منه أنه أخف الأضرار، لكونه يعد بارقة الأمل التي يدعوا إليها الدكتور ضياء العوضي، وذلك حين يقول له بأنه قد صنع له نظام غذائي سهل، وهذا النظام سيعالجك من كل الأمراض، ويحسن من صحتك، وفي ذات الوقت يوفر من أموالك التي تنفقها بلا طائل، ومن ثم فإن هذا النظام سيساعدك من إيقاف الأنسولين، ويرحمك من الذهاب للعيادات والمستشفيات، والدكتور ضياء العوضي بعد أن يعطي تلك البارقة من الأمل المغشوش، فإنه يحاول أن يثبت لهم ذلك من تقريظه لذاته من أنه يفوق أينشتين، وأنه عالم كبير لا يضاهيه أحد من الأطباء حتي الدكتور مجدي يعقوب لا يساويه في المنزلة.

ونظام الطبيات هو حسب قول الدكتور ضياء العوضي موجود في القرآن، وهو يضع هذا النظام من خلال موقع إلكتروني كبير، وقد فرغ به كل فيديوهاته، ويعمل تحت إمرته ورعايته لجان إلكترونية ليس لها إلا نشر وبث فيديوهاته في كل الفضاء السيبراني الحقيقية وغير الحقيقية من خلال مرضي ساروا على نظام الطيبات بعد أوقفوا العلاج، ومن بعدها شفوا تماما من مرض السكر، ولما امتنعوا عن تناول الأنسولين أصبحت صحتهم جيدة، ومن هنا أضحي نظام الطبيات هو النظام الذي يجب اتباعه والتمسك به

وفي أثناء النجومية التي حصل عليها الدكتور ضياء العوضي من انتشار نظام الطبيات، حدثت حادثة في شهر فبراير الماضي، وهي أن سيدة مصرية قد سمعت عن الدكتور ضياء العوضي وبدأت تتابع فيديوهاته شأنها شأن كثير من متابعيه، ولما أدركت أنه طبيب فعلا ومعه دكتوراه في الطب، وأنه يقول بمنتهي الثقة أن الأنسولين مجرد نصب وليس علاج، فقد صدقته، وقررت ألا تعطي لأبنتها الأنسولين، فكانت النتيجة أنه بعد مرور ثلاث أيام بالضبط أن الفتاة دخلت في غيبوبة وكادت أن تموت، لولا أن الأطباء أنقذوها بالمستشفى في آخر لحظة.

وعندما انتشرت تلك الحادثة عبر المواقع، هنا أدركت كل مؤسسات الدولة المصرية الطبية بدأوا يتحركون، وأدركوا أن أمرا ما بيت بليل، وأن فيديوهات الدكتور ضياء العوضي تمثل أذى . وهنا انتقدوا الدكتور ضياء العوضي لدرجة أن نقابة الأطباء قد حولته لمجلس تأديب، وبعد ذلك شطبت اسمه من النقابة، ثم قامت وزارة الصحة وسحبت منه ترخيص مزاولة الطب، وتم إغلاق عيادته، وفي اليوم التالي قام المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وقد دخل على حط التماس وأخرج قرار بمنع استضافة الدكتور ضياء العوضي في كل القنوات .

في ظل تلك النكبات التي أحلت بمستقبل الدكتور ضياء العوضي الطبي والمهني، كنا نتوقع منه أن يتوارى في الظل إلى أن يشاء الله وتهدأ الأمور، ولكن الدكتور ضياء العوضي لم يفعل ذلك، بل خرج لنا وقام ببث مباشر عبر الإنترنت، وبعد أن نفخ أمام المشاهد بالسجائر، خرج علينا وهو يغني ويسب في كل من تسبب في إيقافه عن مزاولة عمله ويقول :" ظلموني الناس ظلموني، فصلوني من النقابة وحرموني... إلخ، ثم قال بعد ذلك أنا ما زلت الدكتور ضياء العوضي ولا يستطيع أحد أن يمنعني من ممارسة الطب .

وهناك كثير من المتابعين والمشايعين لنظام الطبيات، عندما عرفوا بالقرارات التي أخذتها الدولة ضد الدكتور ضياء العوضي قرروا أن يدعموه ويدافعوا عنه ويحولوه لفتوة الناس الغلابة، وحملوه على أكتافهم وأخذا يطوفون به في كل أنحاء السوشيال ميديا على أساس أنه يمثل في نظرهم بمثل البطل المظلوم، والذي دفع ثمن شهامته ووقوفه مع الناس ضد مافيا، وهنا أخذوا يسبون في كل القائمين والمتسببين عن إيذائه وحرمانه من ممارسة عمله

ومنذ الإعلان عن وفاة الدكتور ضياء العوضي في دبي في الثاني عشر من أبريل الماضي والجدل حول وفاته مستمر، هذا بالإضافة إلى الجدل حول طريقة الدكتور ضياء العوضي لنظام الطيبات، فهناك من يمتدحها ويعتبرها ممتازة، وهناك من بهاجمها ويقولون عنها أنه سم وتقتل الناس وأنها تمثل دجل .

ومصر والعالم العربي منشغلة بالحديث عما سمى بظاهرة كما ضياء العوضي كما أسماها الدكتور خالد منتصر أو كما أسماها الفنان "تامر حسني" بـ" الفتنة الغذائية"، فمنذ وفاة هذا الرجل وأنا أتأمل موته الذي مات بها بطريقة غريبة عن عمر يناهز 47 سنة وغير معروف سبب موته أو قتله.. وللحديث بقية..

***

دكتور محمود محمد علي

مفكر مصري

من وحي ندوة الدراسات التاريخية

هو الوهج الذي أشتعل قبيل انطفاء الشمعة

البارحة، في المعهد العالمي للتجديد العربي، ووحدة الدراسات التاريخية، حضرت ندوة نقاشية بعنوان: (من ابن خلدون إلى هابرماس: مقارنات في فلسفة المجتمع والتاريخ)، بهدف إبراز أوجه التشابه والاختلاف بين رؤيتيهما لفهم نشأة المجتمعات وآليات تماسكها وتطورها التاريخي وأسس السلطة والشرعية فيها. قدمت المحاضرة الدكتورة بولا أبي حنا، وعقب عليها الدكاترة: عبدالرحيم غانم، وبدر شحادة، وباب أحمد الشيخ، وأدار الندوة الدكتور عماد غزلي بكفاءة واقتدار.

وتربطني بالدراسات التاريخية علاقات طيبة منذ سنوات، فضلًا عن اهتمامي بابن خلدون وفلسفته، وإشارة الإعلان إلى فلسفة التاريخ والمجتمع عند ابن خلدون وهابرماس. استمعت وتداخلت، وأحسست بأهمية التعريف بابن خلدون وفلسفته ومنهجه وكيفية مقارناته، وإليكم ما أعرفه عنه في سبيل تخصيب النقاش وتأصيل العلاقة بين التاريخ والفلسفة، إذ إن قليلًا من الفلسفة ينعش قلب التاريخ! واليكم الحلقة الأولى في التعريف بابن خلدون ومنهجه وفلسفته.

إذا ما أردنا أن نقيم الثورة المنهجية الخلدونية تقييمًا صائبًا، فلا بد لنا من النظر إليها وتقييمها في سياقها التاريخي الفعلي، ذلك السياق الذي يشكل كامل الوسط الثقافي والعلمي والسياسي والاجتماعي والديني والاقتصادي والحضاري والنفسي، وكل ما يتصل بالعصر الذي عاش فيه ابن خلدون وتعلم وفكر وكتب في فضائه.

فالمفكر أو المؤرخ هو كائن بشري فرد، وهو مثل غيره من الأفراد يشكل ظاهرة اجتماعية، وهو أيضًا الناطق الواعي أو غير الواعي باسم المجتمع الذي ينتمي إليه، ومن الخطأ النظر إلى ابن خلدون بمعزل عن الواقع الذي عاش فيه وكأنه نسر يرقب المشهد من فوق قمة جبل عالية، بل النظر إليه بوصفه جزءًا من ذلك التاريخ الذي حاول تفسيره، ومن ثم فهو محدد بحدود عصره وزمنه.

وربما كانت أفضل طريقة لتحديد أهمية ابن خلدون وقيمة منهجه هي طريقة المنهج التاريخي، كما عرفت عند فيلسوف التاريخ الإنجليزي “كولنجوود” (1889–1943م) وفيلسوف التاريخ الإيطالي “كروتشه” (1866–1952م)، اللذين شددا على أهمية الفهم التصوري للماضي الذي ندرسه وتحقيق نوع من الاتصال مع أذهان أولئك الذين نكتب عنهم وتمثل حقيقة وضعهم التاريخي.

وبالقياس إلى عصره يمكن القول إن ما حققه ابن خلدون على صعيد المنهج النقدي العلمي التاريخي يعد، بكل المقاييس، ثورة حقيقية لا تختلف عن الثورة المنهجية الكبرى التي شهدها العلم الطبيعي الحديث على يدي الإنجليزي “فرنسيس بيكون” (1561–1626م)، والفرنسي “رينيه ديكارت” (1596–1650م).

وهذا ما جعل ابن خلدون متقدمًا على كل من جاء بعده من علماء الاجتماع وفلاسفة التاريخ الحديثين أمثال ميكافيللي، وبودان، وفيكو، وفولتير، ومونتسكيو، وكوندرسيه، وكارل ماركس، وأوغست كونت، وشبنجلر، وتوينبي، وغيرهم ممن درسوا الظاهرة التي درسها ابن خلدون: التاريخ والعمران البشري والاجتماع الإنساني ونظم السياسة وتعاقب الحضارات وأساليب الإنتاج وقوى الإنتاج وأسباب الحروب والصراع والتغلب بين الناس… إلخ.

وهذا ما شهد به كبار المفكرين والدارسين، أمثال المؤرخ “جورج سارتون” في كتابه (تاريخ العلم)، الذي كتب في معرض حديثه عن ابن خلدون:

“لم يكن أعظم مؤرخي العصور الوسطى شامخًا كعملاق بين قبيلة من الأقزام فحسب، بل كان من أوائل فلاسفة التاريخ، سابقًا ميكافيللي وبودان وفيكو وكونت وكورنو”.

ويذهب آرنولد توينبي إلى وصف مقدمة ابن خلدون التي اسماها (كتاب العِبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر) ب«أعظم ما توصل إليه الفكر البشري في مختلف العصور والأمم»

وفي ذات السياق يذهب المؤرخ الإسباني (رافائيل ألتاميرا) في كتابه “آراء حول نظرية ابن خلدون التاريخية” إلى أن: “ابن خلدون قد صاغ مجموعة من الأفكار ولخصها بقوة عقلية جبارة، كمخترع عبقري يبني فوق سوابق ضئيلة عملًا جديدًا من نوعه”.

وبمثل ذلك كتب الفيلسوف الإسباني “خوسيه أورتيغا” عن نظريات ابن خلدون في المسائل الأفريقية:

“إن مقدمة ابن خلدون هي، من حيث الزمن، أول كتاب في فلسفة التاريخ”، وأن ابن خلدون “هو عقلية واضحة كلها ضوء، وأن ضوءه العقلي يمزق كل غموض، ويصل نقيًا إلى الأشياء ويستخرج منها كتابًا يبدو كأن الذي كتبه مهندس بارع، وهو في الوقت نفسه أول عالم اجتماع”.

ويكتب المستشرق الألماني “فون قيسنديك” في كتابه “ابن خلدون مؤرخ الحضارة العربية في القرن الرابع عشر”:

“إن ابن خلدون أشاد حصنًا شامخًا من العلم المتين، الابتكار المطبوع، فهو عقل مبتكر ومثل أعلى في الآداب العربية، إذ يقف مؤرخ الحضارة الإسلامية العظيم وحيدًا في المشرق، لم يعقبه خلف ولم ينسج على منواله ناسج، وينطبق ما كان يشعر به أو يدعو إليه على أوروبا في القرن التاسع عشر أصح تطبيق وأتمه”.

ويرى المستشرق الأمريكي شميدت أن ابن خلدون “قد تقدم في علم الاجتماع إلى حدود لم يصل إليها الفيلسوف كونت نفسه في النصف الأول من القرن التاسع عشر. فلو أن المفكرين الذين وضعوا أسس علم الاجتماع من جديد كانوا قد اطلعوا على مقدمة ابن خلدون في حينها، وعلى المنهج الذي أوجده ذلك العبقري العربي قبلهم بمدة طويلة، لاستطاعوا أن يتقدموا بهذا العلم الجديد بسرعة أعظم مما تقدموا به فعلًا”.

ويرى المؤرخ الفرنسي “إيف لاكوست” في كتابه “العلامة ابن خلدون” أنه عندما اكتشفت المقدمة وترجمت في الغرب، كانت أوروبا مهتمة بعلم الاجتماع، ولذا لفت نظر العلماء أوجه التشابه الموجودة بين طروحات ابن خلدون وبين المسائل التي كانوا يبحثونها، فلقبوه بالمؤرخ، وبعالم الاجتماع، وبفيلسوف التاريخ، وعالم الاقتصاد، ومفكر السياسة.

وكتب الفيلسوف والمؤرخ الإسكتلندي روبرت فلنت في كتبه المهم ( تاريخ فلسفة التاريخ) قائلا:" إنه لا العالم الكلاسيكي ولا النصراني الوسيط قد أنجب مثيلاً له في فلسفة التاريخ... أما كباحث نظري في التاريخ، فليس له مثيل في أي عصر أو قُطْر، حتى ظهر (فيكو) بعده بأكثر من ثلاثة قرون... لقد جمع مؤرخو العرب المادة التاريخية، ولكنه وحده الذي استخدمها" ( ينظر، روبرت فلنت Robert Flint، تاريخ فلسفة التاريخ، دار نشر تشارلز سكريبنرز، 1894)

في الواقع، ثمة آراء عديدة قيلت في ابن خلدون ومقدمته ونظريته ومنهجه، وهي على كثرتها وتنوعها واختلافاتها تتفق في شيء واحد، هو التقدير الرفيع للمنهج الذي اكتشفه ابن خلدون في المقدمة.

ورغم تنوع الموضوعات التي عالجها ابن خلدون واختلاف أنساقها النظرية في العلوم الحديثة، كالتاريخ والحضارة والسياسة والاجتماع والاقتصاد والتربية والدين والتصوف والجغرافيا والأنثروبولوجيا والعلم والأيديولوجيا، وغير ذلك من الحقول المعرفية التي طرق عتباتها ابن خلدون، فقد كانت رؤيته المنهجية هي الروح الخفية التي تسري في كل أجزاء هذا النسيج الفكري وتمنحه الوحدة والمعنى والقوة.

نظرية ابن خلدون ومنهجه:

من الأخطاء الشائعة في حياتنا الثقافية العربية الاعتقاد أن النظرية تأتي في الترتيب قبل المنهج، وأن المنهج هو تطبيق للنظرية، في حين أننا نجد من واقع الخبرة العملية أن العلاقة بين النظرية والمنهج هي على درجة شديدة من التعقيد والتداخل والتمازج، إذ يصعب الفصل الفعلي بين أنساقها المتداخلة وعناصرها، لا سيما في الدراسات التاريخية. فمن الخطأ الظن أن التفكير النظري يعد ترفًا فكريًا زائدًا عن اللزوم، لأن ممارسة النشاط النظري لم تكن لتحصل لولا وجود قضايا حقيقية تدفع البشر إلى اللجوء إلى النظرية، وهي قضايا نواجهها جميعًا في حياتنا اليومية، كسعينا لفهم ما يجري لنا وللآخرين من حولنا، وهذا هو بالضبط ما فعله ابن خلدون حينما فكر في شؤون مجتمعه ومشكلاته وحياة عصره، فأبدع نظريته في ضوء رؤية منهجية نقدية تاريخية ناضجة.

وإذا كان أبسط تعريف للنظرية هو أنها محاولة تفسير خبراتنا اليومية في الحياة، تلك الخبرات الشخصية اللصيقة بنا في ضوء تفاعلنا مع أناس آخرين، وخبراتنا السابقة، وعواطفنا المكبوتة، ومعارفنا المتحصلة من التعليم المنهجي والتقليد والنقل والتراث، فإن المنهج هو: طريقة الوصول إلى تكوين هذه النظرية وبنائها واستخلاص قوانينها.

ولا أهمية للتساؤل عن أيهما أسبق في العلوم الإنسانية: النظرية أم المنهج، فالعلاقة بينهما علاقة جدلية ديناميكية مرنة وضرورية؛ فلا نظرية متماسكة وعلمية من دون منهج علمي، ولا منهج من دون نظرية. إذ تبدو ضرورة المنهج عند ابن خلدون تعبيرًا عن مقتضى التعليل الناتج من تصوره لموضوع التاريخ، ولذلك ليس المنهج سابقًا لفكر ابن خلدون ولا لاحقًا له، أي إنه ليس ترتيبًا بعديًا لقواعد مطبقة انكشف خطها فجأة، وليس منظومة قواعد موضوعة بصورة مسبقة، بل ثمة ترابط شديد بين النظرية والمنهج، وهما متحايثان متضايفان.

فقد تمكن ابن خلدون من الجمع الخلاق بين المنهج والنظرية، وترك لنا إرثًا علميًا عظيمًا ما زال يتمتع بكامل قيمته وقوته وحيويته، وما زلنا نلتمس الخطى في سبيل فهمه واكتشاف ثيماته المتخفية. يقول المستشرق روزنتال: “باءت بالفشل كل محاولة لمعرفة النموذج الذي احتذاه ابن خلدون في تفكيره”.

ابن خلدون ونقد أوهام المؤرخين

حينما نقارن بين المنهج النقدي الخلدوني ومنهج الفيلسوف الإنجليزي فرنسيس بيكون (1561-1626م)، وفيلسوف التاريخ الإيطالي جيوفاني باتيستا فيكو (1668-1774م)، إذ حاول الأخير في نقده لأوهام المؤرخين في كتابه “العلم الجديد والطبيعة المشتركة للأمم” تطبيق منهج بيكون في نقد أوهام المعرفة، نجد أن ما حققه ابن خلدون، بالمقارنة مع ما تم إنجازه في أوروبا على يد هذين الفيلسوفين بعد قرابة ثلاثة قرون من الزمن، يبين لنا كم كان ابن خلدون عظيمًا وجديرًا بأن يوصف بأنه صاحب أول ثورة منهجية في الدراسات التاريخية.

إننا نغمط ابن خلدون حقه حينما نتناول منهجه النقدي التاريخي بالدرس والتحليل، ونمر مرور الكرام على طبيعة ذلك النقد الذي وجهه للمؤرخين. لقد دأب الدارسون العرب والأجانب على تبسيط الثورة المنهجية الخلدونية بالنظر إليها بأنها مجرد نقد لـ”عيوب” أو “أخطاء” أو “أغاليط” أو “هفوات” أو “هنات” أو “مثالب” أو “نواقص”، إلى غير ذلك من النعوت التي ننعت بها النقد الخلدوني للمعرفة التاريخية وللمؤرخين، والتي توحي في مدلولاتها المفهومية بالتقليل من شأن ما أنجزه ابن خلدون. ولعل ذلك هو ما حفزنا إلى استخدام لفظ “الأوهام” بدلًا من الأخطاء والعيوب، إذ إننا بعد فحصنا الدقيق لطبيعة الثورة المنهجية التي أحدثها الإنجليزي فرنسيس بيكون، الذي اشتهر أكثر ما اشتهر بنقده للأوهام الأربعة الشهيرة: وهم الكهف، ووهم القبيلة، ووهم السوق، ووهم المسرح، وكذا شهرة الإيطالي فيكو بنقده لأوهام المؤرخين، وجدنا أنه من غير الإنصاف النظر إلى ابن خلدون بعده ليس سوى ناقد لأخطاء المؤرخين العرب المسلمين فقط. وهذا الموقف لا يعني بأي حال من الأحوال أننا من هواة التشبه بالغرب، بل إن موقفنا هذا يجد كامل مبرراته في طبيعة الإنجاز النقدي المنهجي الذي حققه ابن خلدون ذاته، كما لاحظنا في دراستنا لنقده أوهام المؤرخين، الذي لم تكن أوهام بيكون وفيكو إلا نسخة باهتة منه.

إننا نسمي نقد ابن خلدون للمؤرخين نقد الأوهام، لأننا وجدناه في نقده لا يقتصر على نقد الأخطاء أو الهفوات التي وقع بها هذا المؤرخ أو ذاك، بل ينقد أوهام العقل وأوهام النفس الإنسانية التي هي، من حيث طبيعتها البشرية الناقصة، عرضة دائمًا للأوهام والخرافات والأخطاء بحكم الطبيعة، لا بسبب القصور المنهجي فحسب. فالأوهام جزء من كينونة الإنسان، بل إن الحياة الإنسانية مستحيلة من دون الأوهام، فالناس يعيشون على الأوهام كما يعيشون على الماء والهواء.

ويحدد ابن خلدون في نقده لأوهام المؤرخين أسباب هذه الأوهام، فيعدها طبيعة متأصلة في النفس البشرية لا في أذهان المؤرخين فقط، إذ يرى أن الناس محكومون بعاداتهم ومألوفاتهم وبشروط حياتهم في بيئتهم الضيقة المحدودة، ومن ثم فإن تصوراتهم لا تخرج عن نطاق مألوفهم وعوائدهم، ويصعب عليهم تصور ما ليس مألوفًا لديهم إلا بالقياس على المألوف، كما لاحظنا آنفًا في قصة “الولد المسجون” الذي تصور الغنم مثل الفأر. وهذا هو ما عرفه أفلاطون بالكهف، وهذا هو ما سوف يطلق عليه بيكون وهم الكهف.

وفي ذلك كتب ابن خلدون: “والقياس والمحاكاة للإنسان طبيعة معروفة، ومن الغلط غير مأمونة، تخرجه مع الذهول والغفلة عن قصده وتعوج به عن مرامه، فربما يسمع السامع كثيرًا من أخبار الماضيين ولا يتفطن لما وقع من تغير الأحوال وانقلابها، فيجريها لأول وهلة على ما عرف ويقيسها بما شهد، وقد يكون الاختلاف بينهما كثيرًا، فيقع في مهواة من الغلط”.

هكذا إذن يعد ابن خلدون واحدًا من الأساطين الكبار الذين خرجوا من الكهف، وأولهم أفلاطون، وبعده أبو حامد الغزالي، وابن طفيل، وبيكون، وديكارت، وهيوم، وكانط في العصر الحديث.

لقد أدرك ابن خلدون أن الإنسان، من حيث هو مدني بالطبع، رهين المحبسين: محبس طبيعته المتناقضة المزدوجة، الجسدية والروحية، والغريزية والعقلية، والحيوانية والبشرية، التي منها أنه يحب ويكره، ويفرح ويحزن، ويهدأ ويغضب، ويجوع ويشبع، ويقاتل ويسالم، ويأمن ويفكر، ويخضع ويتمرد، وينام ويصحو، ويعمل ويكسل، ويعادي ويصالح، ويجشع ويقنع، ويخون ويوفي… إلخ. ومحبس أحواله الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية والتاريخية التي تشرط وجوده وتقيده بقيودها الضرورية الأسرية والعصبية والمعيشية والمذهبية… إلخ، التي لا يستطيع الفكاك منها. وفي ضوء هذا الأفق النقدي العقلاني الرحب ينبغي لنا النظر إلى نقد ابن خلدون لأوهام المؤرخين.

إذ مهد في نقده للأخطاء بنقد منهجي للمعرفة الإنسانية برمتها من خلال فحصه لقيمة أخلاقية متأصلة في الجبلة البشرية، وهي “الكذب”، بقوله: إن الكذب متطرق إلى الخبر بطبيعته، وله أسباب منها:

1- التعصب للآراء والمذاهب، فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حصته من تمحيص النظر حتى يتبين صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقه من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاءً على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص، فتقع في قبول الكذب ونقله. وهذا هو ما نسميه اليوم بالتعمية الأيديولوجية.

وواضح أن ابن خلدون هنا لا يبحث في الكذب من حيث هو قيمة أخلاقية مذمومة، بل يفحص شروط إنتاج الكذب وأسبابه اللاشعورية، إذ إن الناس يكذبون ليس بإرادتهم، بل لا يعرفون أنهم يكذبون، وربما اعتقدوا أنهم يقولون الحقيقة. أليس مثل هذا النقد هو ما صنع شهرة كارل ماركس في نقده للأيديولوجيا الألمانية؟

2- من أسباب الكذب في الأخبار الثقة بالناقلين، وتوهم الصدق الذي يعود إلى شهرة المنقول عنهم وذيوع صيتهم بوصفهم مؤرخين كبارًا ومفكرين تربعوا على مسرح التراث والتاريخ رموزًا موثوقة، وهذا ما يسميه بيكون وهم المسرح.

3- الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع، لأجل ما يداخلها من التلبيس والاختلاف، فينقلها المخبر كما رآها، وهي على غير الحق في نفسها.

4- تقرب الناس إلى أصحاب السلطة والسلطان بالثناء والمدح بهدف الكسب والجاه والحظوة، فالنفوس مولعة بحب الثناء، والناس متطلعون إلى الدنيا وأسبابها من حياة أو ثروة أو شهرة أو سلطة أو جاه.

5- حب الناس للغرائب والخرافات والمستحيلات من أخبار الجن والشياطين والكائنات الخرافية والأساطير التي تستهوي الناس لما فيها من سمة غرائبية، وتشبع فيهم نزوعًا نفسيًا لا يقاوم.

6- قياس الماضي على الحاضر قياسًا مطلقًا، اعتقادًا منهم بأن الماضي لا يختلف عن الحاضر الذي يعيشونه.

7- أهم الأسباب هو الجهل بطبائع الأحوال في العمران، فإن كل حادث من الحوادث، ذاتًا كان أو فعلًا، لا بد له من طبيعة تخصه في ذاته وفيما يعرض له من أحوال. فإذا كان السامع عارفًا بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها أعانه ذلك في تمحيص الخبر على تمييز الصدق من الكذب، وهذا أبلغ في التمحيص من كل وجه يعرض.

هذه هي الأسباب التي رصدها ابن خلدون ليكشف بها الأوهام التي تكتنف المعرفة عامة، والمعرفة التاريخية تحديدًا.

كما هو واضح، لم يبحث ابن خلدون في أخطاء أو هفوات وقع فيها المؤرخون عرضًا أو بسبب قصور مناهجهم أو تعمدوها بوعي منهم، بل جاء نقده جذريًا في شروط إنتاج المعرفة التاريخية وما يكتنفها من أوهام وأباطيل يصعب التحرر منها من دون امتلاك منهج نقدي عقلاني قادر على دراسة الظاهرة التاريخية في بنيتها الشمولية وصيرورتها المتغيرة وقواها المحركة وقوانينها الطبيعية الضرورية، الثابتة والمتحولة، والجوهرية والعرضية.

ومن هنا يجب القول: إن النقد عند ابن خلدون ليس لحظة عابرة في منهجه أو ضرورة إجرائية للشروع بعمله، بل هو النواة الجوهرية في منهجه، إنه البعد الثوري في مجمل النسق الفكري الخلدوني الذي يشتمل على ثلاث حركات متضايفة من حركات الوعي: حركة الوعي بالذات، وحركة الوعي بالمجتمع، وحركة الوعي بالتاريخ. وليس هناك من بديل عن المنهج النقدي التاريخي لمن أراد أن يفهم التاريخ وقواه التي هي الثقافة والحضارة والمدنية.

***

ا. د. قاسم المحبشي

جواب النداء؛ إلى الصديق الدكتور، نجيب عسكر

يعد التعليم أهم المؤسسات الحيوية المخولة بإعادة إنتاج المجتمعات وتمكينها وتطويرها بما تقوم به من وظيفة تكوّن الأجيال الجديدة بتربية وتنمية العقول ونقل الخبرة وحفظ المعرفة وتداولها، وذلك بحسب رؤية فلسفية مدركة أو مضمرة عن النخبة المعنية بأمر تسويس المجتمع وتدبيره. والمؤسسة التربوية التعليمة هي تكوينية بالأساس، إذ تنهض بمهمة تصميم وتشكيل وتمكين النمط الثقافي المرغوب فيه بمجتمعٍ من المجتمعات انطلاقا من السؤال الحيوي : ماذا نريد أن نكون؟

إذا كان المثل الأعلى لروضة الأطفال يتمثل في تمكين الأطفال من نطق وكتاب الحروف والأرقام والمثل الأعلى للمدرسة يتمثل في تمكين التلاميذ والتلميذات من المعارف الأساسية الأولية في مختلف التخصصات العلمية فإن المثل الأعلى للجامعة يتمثل في تمكين الطالبات والطلاب من فهم ماتعلموه في السنوات السابقة وتحويل معرفة الاولاد والبنات إلى قدرة الرجال والنساء المفترضة في بناء وتنمية المجتمعات والأوطان. هذا يشترط وجودة فلسفة تربوية وتعليمية وطنية عامة وملزمة أما حينما يخضع الاطفال والتلاميذ والطلاب لنظم ومناهج تربوية وتعليمية مختلفة المصادر ومتناقضة الأهداف ومضطربة الأدوات والاساليب وفي ظل غياب المنظومة التربوية الاستراتيجية الشاملة فمن المؤكد ان النتيجة ستكون كارثية ، كما هو حال العرب اليوم شعوب وجماعات وأفراد يعيشون في بلاد واحدة او بلدان متجاورة ليس بإمكانهم التفاهم مع بعضهم ، ويعجزون عن إيجاد اي قواسم مشتركة للتواصل والتفاهم والعيش معا، بل بلغ الحال بهم حد ان بعض سكان القرية او الحي او الشارع الواحد يجدون انفسهم فجاءة في حالة تشظي متناسلة.

فمنذ أكثر من قرن والعالم العربي يعيش ما يشبه المفارقة التاريخية الكبرى؛ فقد دخل التعليم الحديث إلى مجتمعاتنا، وتأسست المدارس والجامعات والمعاهد العليا، وتخرجت أجيال متعاقبة من حملة الشهادات، ومع ذلك ما زال سؤال النهضة مطروحاً بإلحاح أكبر من أي وقت مضى: لماذا لم يتحول العلم إلى ثقافة؟ ولماذا بقي التعليم في كثير من الأحيان مؤسسة لإعادة إنتاج التخلف أكثر من كونه أداة لتحرير الإنسان وتنمية قدراته؟

والجامعة بوصفها مؤسسة أكاديمية في مجتمعاتنا العربية هي مؤسسة حديثة وجديدة في كينونتها المؤسسية وبنيتها التنظيمية ووظيفتها العلمية، والتعليمية والتنموية وقيمها المهنية والأكاديمية، وأنماط علاقاتها وأهدافها وعاداتها وتقاليدها، في حين أن مجتمعاتنا بحكم التخلف التاريخي لا تزال أسير البنى والعلاقات والقيم التقليدية على مختلف صعد الحياة، السياسية والاقتصادية والثقافية، والاجتماعية والأخلاقية هذه البنى الثقافية التقليدية لا ريب وأنها تأثر في المؤسسة الجامعية وتخترقها بسهامها المنطلقة من كل حدب وصوب، إذ إن الجامعة ليست جزيرة منعزلة عن المجتمع التي توجد فيه، بل هي جزء من هذا المجتمع الذي يؤثر فيها وتأثر فيه. وقد تأسست أول جامعة عربية في مصر عام 1908م بجهود أهلية ثم تحولت إلى جامعة حكومية عام 1925م جامعة القاهرة حالياً، وكانت جامعة دمشق التي تأسست عام 1923م أول جامعة عربية حكومية حديثة وفي عام 1942م أنشأت جامعة الإسكندرية وفي العام ذاته تأسست جامعة القرويين في مدينة فاس المغربية، ثم تأسست جامعة الخرطوم سنة 1955م وجامعة بغداد في سنة 1957م وتأسست أول جامعة في عدن 1970م وفي عام 1971م تأسست جامعة صنعاء، وتأسست جامعة السلطان قابوس في مسقط عام 1986 وهناك ما يربوا على 300 جامعة عربية حكومية وخاصة، معظمها حديثة النشأة إذ نشأ أكثر من 80% منها بعد عام 1970م.

وهكذا كما تلاحظون ليست المشكلة في ندرة المدارس أو قلة الجامعات، وليست المشكلة أيضاً في غياب المعرفة أو انعدام الاتصال بالعالم؛ إذ لم يعد الوصول إلى المعلومات حكراً على أحد في عصر الثورة الرقمية. ومع ذلك فإن مظاهر التعصب والعنف والخرافة والامتثال الأعمى ما تزال أكثر حضوراً من قيم العقلانية والنقد والابتكار. وهذا يدفعنا إلى إعادة النظر في مفهوم التعليم ذاته وفي طبيعة العلاقة بين العلم والثقافة.

إن التعليم في جوهره ليس عملية نقل للمعلومات، بل هو مشروع إنساني يهدف إلى تكوين الإنسان. فالمدرسة والجامعة ليستا مخزنين للمعرفة، بل مؤسستان لصناعة العقل وتشكيل الشخصية وبناء الوعي. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا يعرف الطالب؟ بل: ماذا أصبح هذا الطالب بعد سنوات طويلة من التعليم؟ هل أصبح أكثر قدرة على التفكير؟ أكثر استقلالاً في الحكم؟ أكثر وعياً بذاته وبالعالم من حوله؟ أم أنه مجرد حافظ جيد لما قيل له؟

ففي مجمع لا يمتلك ثقافة مؤسسية ولا ثقافة قانونية ولا يزال يخضع لهيمنة العلاقات التقليدية كيف يمكن أن تكون فيه المؤسسة الأكاديمية وقيمها لا سيما إذا تركت مكشوفة لاعداءها التقليديين بلا حماية وبلا رعاية من الدولة والمجتمع وبلا سلطة خارجية أو ذاتية وفي ثقافة لا يزال بعض الناس فيها ينكرون الطبيعة وقوانينها والإنسان وعقلة وحريته وغير ذلك الظواهر والموضوعات التي هي الموضوع الأول والأخير لكل العلوم الطبيعية والإنسانية وينكرون العقل الإنساني كأداة ومعيار للمعرفة العلمية بل وينكرون الإنسان بعده كائن كرمه الله وأكرمه بالعقل وبالقدرة على التمييز والمعرفة ومن ثم فهو يستحق بأن يعيش حياته بحرية وكرامة وأمن وأمان هذا الإنسان الذي هو الموضوع الجوهري لكل العلوم الإنسانية والاجتماعية وفي ثقافة رسمية وشعبيه لا زال مفهوم العلم فيها يثير الالتباس وغير متفق عليه، بل لا زال الاعتقاد الراسخ، بأن العلماء هم "علماء الدين أو علما الشريعة ولا أحد سواهم)، وأن العلم هو العلم الشرعي النافع في الدار الآخرة لا في هذه الدنيا الفانية (وأن كل جديد بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) هذا الحديث الشريف الذي يحذر من البدع والابتداع في العقيدة الدينية الإسلامية الحنيفة السمحاء والذي جرى تأويله وتعميمه للآسف الشديد على كل مناحي حياة المسلمين بسبب الغلو والتطرف في التأويل والتفسير، وفي مجتمع لا زالت فيه الثقافة السحرية والأسطورة والخرافية واللاهوتية تهيمن على كل الأفق الثقافي والفكري عند الخاصة والعامة في مجتمع ليس من بين مثلة العليا للنجاح العلم والتعليم والتفوق العلمي والكفاءة الشخصية والأداء المتميز والمواهب الفردية بل القرابة، العشائرية القبلية والعصبية والنفوذ والمحسوبية والرشوة والوساطة والانتهازية، والابتذال والنفاق والمزايدات السياسية الأيديولوجية... يقول (جون وجاردنر) في كتابة (التميزة الموهبة والقيادة) " "إذا أعدت الرثاثة والهرجلة مجتمعاً ما فليس من السهل على أي عضو في ذلك المجتمع أن يبقى بمعزل عن التأثر بها في سلوكه الخاص والعام"

لقد أدركت الدول المحترمة أن العلم لا يزدهر إلا عندما يصبح جزءاً من النسيج الثقافي للمجتمع. فالعلم ليس مجموعة من الحقائق الجامدة، بل نمط في التفكير ورؤية للعالم وأسلوب في التعامل مع الواقع. إنه القدرة على التساؤل والشك والنقد والتجريب وإعادة النظر في المسلمات. ولهذا السبب لا يكفي أن توجد الجامعات حتى يوجد العلم، ولا يكفي أن نُخرِّج العلماء حتى نصبح مجتمعاً علمياً فالعلم ليس مجرد تراكم للمعلومات، بل هو منظومة من الممارسات المنهجية التي تهدف إلى فهم الظواهر الطبيعية والإنسانية وتفسيرها واختبار الفروض المتعلقة بها. وهو يقوم على الشك المنهجي، والنقد المستمر، وقابلية النتائج للمراجعة والتصحيح. لذلك فإن جوهر العلم لا يتمثل في امتلاك الأجوبة، بل في القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة.

شبّه الفيلسوف جوليان هكسلي منظومات الأفكار السائدة في أي مجتمع – معتقداته وقيمه وأعرافه ومواقفه – بالهيكل العظمي في الكائن الحي: فهي التي تمنح الحياة شكلها، وتحدد طريقة العيش والحركة. فالمجتمعات التي تقدّس التغيير والتحول تستثمر العلم وتحوّله إلى طاقة للنهضة، بينما المجتمعات التي تفضل النظام القائم وتخشى الجديد تحوّل العلم إلى زخرف شكلي، يُستهلك في الشهادات والطقوس لا في الإبداع والابتكار.والسؤال هنا: لماذا نهضت اليابان والصين والهند والنمور الآسيوية منذ بدايات القرن العشرين، بعد أن كانت مستعمرات مسحوقة، في ظروف مشابهة للمنطقة العربية، بينما ظل “الشرق الأوسط” أسير التبعية والتخلف؟ بل إن بعض الدول العربية كانت، قبل عقود، أغنى موارد وأفضل بنية تحتية من تلك الدول الناهضة، لكنها لم تُحوِّل إمكاناتها إلى نهضة علمية وثقافية مستدامة فكيف نفسّر أنّ أقدم جامعتين في العالم نشأتا في أرض الإسلام – جامعة القرويين (859م) والأزهر الشريف (972م) – في حين لم تعرف الولايات المتحدة جامعاتها إلا منذ نحو ثلاثمائة عام، لكنها سرعان ما غدت، في غضون عقود، أكبر قوة علمية وتكنولوجية في العالم؟

الجواب لا يكمن في “كمية التعليم” أو “عدد الجامعات”، بل في النظام الثقافي الشامل الذي يحدد موقع العلم داخل المجتمع. فالعلم يصبح ثقافة حين يتجذر في القيم العليا، في طريقة التربية والتنشئة، في أنماط التفكير والسلوك اليومي. أما حين يبقى معزولًا عن الثقافة السائدة، فإنه يتحول إلى مجرد شهادات تُعلَّق على الجدران، أو إلى أداة في يد السلطة لتعزيز شرعيتها، أو إلى سوق مفتوحة للوظائف دون روح نقدية خلاقة. إن المعضلة الكبرى التي تواجه مجتمعاتنا العربية الإسلامية هي أنّ الثقافة السائدة لم تتصالح مع العلم بعد: فهي تحتفي بالماضي أكثر مما تنفتح على المستقبل، وتُقدّس الثبات أكثر مما تؤمن بالتحول، وتبحث عن اليقين أكثر مما تحتمل الشكّ والتجريب. وفي غياب هذه الروح، يبقى العلم جسدًا بلا روح، مؤسسة بلا ثقافة، معرفة بلا فعل.

إن تحويل العلم إلى ثقافة هو الشرط الأول لأي نهضة حقيقية. وما لم تتغير البنية الثقافية العميقة – من التعليم إلى الإعلام، من الدين إلى القيم الاجتماعية – سيظل العلم عابرًا وهشًا، ولن يصبح كما كان في تاريخ الإنسانية: الحليف الأول للإنسان في معركته الأبدية مع الفناء والجهل والخوف.

إن الطفل يولد مزوداً بطاقة هائلة من الفضول والدهشة وحب الاستطلاع. إنه يريد أن يعرف كل شيء: من أين جاء؟ وكيف يعمل العالم؟ ولماذا تحدث الأشياء كما تحدث؟ يقول عالم النفس كارل ساغان" أن كل فرد يولد مزود بحب الاستطلاع والدهشة مما حوله، غير أن المجتمع يتولى هزيمة ذلك في نفسه، فالأطفال الصغار الذين سيكتشفون العالم المحيط بهم ببطئ ويوجهون التساؤلات البريئة: لماذا لون العشب أخضر؟ أو اين الله؟ ومن اين ولدت؟ وكيف ولدت؟ وهل توجد كرة قدم في الجنة؟ يواجهون بردة فعل غاضبة وصارمة وزاجرة كأن يقال لهم لا توجهوا أسئلة غبية؟ أو أستغفر الله العظيم! أو تسخر منه أو تحملق في وجهه أو تضربه .. الخ. وهذا ما يعيق تفتح فطرته الطبيعية ونموها وتنميتها عقلانيا وإنسانيا. غير أن التربية التقليدية كثيراً ما تتعامل مع هذا الفضول بوصفه مشكلة ينبغي كبحها لا طاقة ينبغي تنميتها. فيتعلم الطفل منذ سنواته الأولى أن الصمت فضيلة، وأن الطاعة أهم من الفهم، وأن الإجابة الجاهزة أكثر أماناً من السؤال الحر إذ يحل الخوف محل المبادرة، ويصبح التلميذ أكثر اهتماماً بإرضاء السلطة التعليمية من اهتمامه باكتشاف الحقيقة. وما إن يصل إلى الجامعة حتى يكون قد فقد في كثير من الأحيان أهم ما يحتاجه الباحث الحقيقي: الرغبة في التساؤل. إن أخطر ما يفعله التعليم التقليدي أنه لا يقتل المعرفة، بل يقتل الرغبة في المعرفة. فهو لا يمنع الإنسان من التعلم فقط، بل يجعله يعتقد أنه تعلم بينما هو لم يفعل سوى حفظ ما قيل له. ولذلك نجد آلاف الخريجين الذين يحملون الشهادات ولكنهم عاجزون عن التفكير النقدي أو مواجهة المشكلات الجديدة أو الإبداع خارج الحدود المرسومة لهم.

يقول جون هوليت:"ليس علينا أن نجعل البشر أذكياء، فهم يخلقون كذلك بالفطرة وكلما علينا أن نفعله هو التوقف عن تربيتهم وتعليمهم الغباء الذي نحمله"

بيد أن مسألة نمو العلم وتقدمه وازدهاره ليست مسألة علمية بل تتعين في تلك المجالات الواقعة خارج العلم حيث يتأمل البشر طبيعة الكون والإنسان بأعمق معانيها وأشدها غموضا، وحيث يخلق الخيال الإنساني المؤسسات التي تسمح للأفراد بالاستمتاع على الدوام بالفضاءات المحايدة أو الأطر الميتافيزيقية والثقافية الأوسع التي تجري ضمنها أنماط العلاقات والممارسات والخطابات التي تتشكل في سياقها تصورات الإنسان عن ذاته وعن عالمه وعن الآخرين تشكيلاً عميقاً، وهذا هو معنى الثقافة بعدها منظومة كلية مركبة من كل ما نفكر فيه أو نقوم بعمله أو نتملكه أو نفضله كأعضاء في المجتمع، فالثقافة السائدة في حضارة ما بوصفها نموذجاً إرشادياً (باراديم) إما أنها تدعم قوى الإنسان العقلية والإبداعية أو تحد منها وتضيق فرص نموها وازدهارها. في ضوء هذا المنظور يمكن تمثيل العلاقة بين العلم والثقافة بعلاقة الابن والأم، فالثقافة هي الرحم الحي لتخصيب وميلاد ونمو العلم، فكيفما كانت صحة الأم يكون الابن سليماً أو سقيماً. وهكذا كانت وما برحت وظيفة الثقافة هي: تحضير ولادة الفيلسوف والمفكر والعالِم والفنان والمؤرخ والفقيه والأديب والناقد والكاتب والخبير والمربي والسياسي وكل ما يتصل بتفتيح وتنمية قوى الإنسان وقدراته ومواهبه العقلية والعاطفية والبدنية فإذا كانت الثقافة تشجع السؤال والاختلاف والحوار، فإن العلم يزدهر. أما إذا كانت تمجد الامتثال والخضوع واليقين المطلق، فإن العلم يتحول إلى مجرد زخرفة شكلية.

ومن هنا نفهم لماذا استطاعت دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية والصين والهند أن تحقق نهضتها العلمية خلال عقود قليلة، بينما ما زالت المجتمعات العربية تراوح مكانها رغم ما تملكه من موارد بشرية ومادية كبيرة. فالمسألة لا تتعلق بعدد الجامعات ولا بحجم الإنفاق فقط، بل بالمكانة التي يحتلها العلم داخل البناء الثقافي للمجتمع.

إن التربية التي يحتاجها عصرنا ليست تربية الامتثال والطاعة بل تربية السؤال والاستنارة. وهي لا تعني رفض التراث، بل إعادة قراءته قراءة نقدية تجعل منه مصدر إلهام لا قيداً على المستقبل. كما أنها لا تعني الانبهار بالحداثة، بل القدرة على استيعاب منجزاتها وتحويلها إلى جزء من مشروع ثقافي أصيل.

إن التغيرات المتسارعة في مختلف مناحي حياتنا اليوم تجعل مفاهيم التربية والتعليم التقليدية موضع تساؤل : إذ كيف نعلّم التلاميذ بينما هناك نظريات ومناهج وموضوعات يكون قد عفا عليها الزمن قبل أن يترك التلاميذ مقاعدهم في المدرسة ويضيف أننا نعيش لحظة تاريخية فارقة تجعل التغييرات في الأشخاص عاجزة عن ملاحقة سرعة التغيرات الاجتماعية والثقافية والعلمية المتسارعة في العالم المعولم الذي يشهد انفجار الثورة العلمية والتقنية الرقمية على نحو لم يسبق له مثيل من آدم حتى الآن أقصد إن المعارف العلمية والقيم التربوية في عصر العولمة وإنكماش الزمان والمكان. عصر العلم والميديا الجديدة تعيش حالة من التغيير والتبدل بوتيرة متسارعة في بضع ساعات فقط. وهذا يعني إن تحديات الحياة المعاصرة لا يمكن مواجهتها الإ بالاستجابة الإيجابية الفعالة وتلك الاستجابة لا يمكنها أن تكون الإ بتغيير جذري في أدوات ومحتويات ووسائل وطرق التربية والتعليم العتيقة. فمجتمع الغد أما أن يكون في الروضة والمدرسة أو لا يكون. وهكذا يظل سؤال التربية الملح كما كان في كل العصور. ماذا نريد أن نكون؟!

إن النهضة تبدأ عندما يتحول العلم من مادة تُدرَّس إلى ثقافة تُعاش، ومن شهادة تُمنح إلى عقلية تُمارس، ومن معرفة تُستهلك إلى قدرة على الخلق والإبداع. وعندئذ فقط يصبح التعليم مشروعاً لتحرير الإنسان لا لترويضه، وتصبح الثقافة قوة للتغيير لا مجرد ذاكرة للماضي، ويولد الإنسان المستنير القادر على بناء عالم أكثر عدلاً وحرية وعقلانية.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

لطالما وقفت متاملا ومستغربا امام هذا التناقض الصارخ الذي طالما ناديت بضرورة اصلاحه وكتبت عنه مرارا، فبين اروقة الجامعات العراقية ومقاعد مدرجاتها، اجدني امام قصة نجاح اكاديمي لافتة تخطها المراة بامتياز، لكنها سرعان ما تصطدم بجدار سميك يعكس انعداما مؤلما للعدالة وتكافؤ الفرص كلما سعت للعبور الى مراكز صنع القرار الاداري.

انه لامر يثير الدهشة حقا ان نرى قاعات الدراسات العليا تعج بالطالبات اللواتي بلغت نسبتهن نحو 69% من اجمالي المقبولين، وتشكل التدريسيات ما يقارب نصف الملاك التعليمي العام بنسبة تتراوح بين 44% الى 49%، ثم نرى هذه الكثافة والفاعلية تنحسر بشكل حاد ومفاجئ كلما صعدنا في الهرم القيادي للتعليم العالي! ان هذا المشهد يكشف لي في كل مرة عن تلك الفجوة التمييزية العميقة التي تفصل بين التاهيل العلمي العالي والاستحقاق الاداري المغيب، وهو واقع يستوجب منا وقفة جادة ومراجعة جذرية.

هذا التناقض الذي يترجم غياب العدالة المؤسساتية يتجلى بصدمة الارقام في مستويات الادارة العليا، حيث تشير البيانات والتقارير الرصدية الى ان تمثيل النساء في منصب رئيس جامعة لا يتجاوز حاجز 2.9% فقط، وغالبا ما ينحصر هذا التمثيل الشحيح في كليات او جامعات مستحدثة مخصصة للبنات لابعادهم عن القيادة العامة، بينما تصدمنا الحقيقة الاكثر اجحافا في مناصب المدراء العامين داخل هيكلية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والتي تكاد تسجل نسبة 0%، مما يعني ان احتكار الرجال للقرار الاستراتيجي ورسم سياسات التعليم يتخطى حاجز 97%، في اقصاء متعمد لطاقات نسوية اثبتت تفوقها الرقمي والمعرفي في حقول العلم.

ومع النزول الاداري نحو القيادات الوسطى، يستمر مشهد غياب الانصاف وان بدا اقل حدة، اذ تتارجح نسبة النساء في عمادات الكليات بين 5% الى 12% فقط، مع حصر معظمها في التخصصات الانسانية واللغات، مقابل اقصاء شبه تام عن قيادة الكليات السياسية والهندسية والتقنية، في حين تسجل النساء الحضور القيادي الملحوظ فقط في رئاسة الاقسام العلمية بنسب تتراوح بين 25% الى 35% لكون هذه المواقع تعتمد مباشرة على الاستحقاق التلقائي للاقدمية الاكاديمية والجهد اليومي الميداني الذي لا يمكن تجاوزه، والذين يهرب منه الرجال لكثرة اعبائه وقلة امتيازاته السياسية.

ان هذا الخلل الرقمي الفاضح وفجوة العدالة القيادية لا يعودان مطلقا لقلة كفاءة المراة الاكاديمية او تراجع مؤهلاتها، بل هما نتاج مباشر لبيئة التعيينات للمناصب العليا التي تخضع لمعايير المحاصصة الحزبية والعلاقات والترتيبات الذكورية خارج اسوار الجامعة، حيث تساهم هذه التوازنات الضيقة في اقصاء الكفاءات النسوية وحرمانهن من التنافس العادل على مناصب تستحقها لغة الارقام والتفوق، مما يجعل من الضروري والملح كسر هذا الاحتكار واعادة النظر في آليات اختيار القادة الاكاديميين لتكون الكفاءة العلمية والعدالة الجندرية هما المعيار الوحيد والفيصل.

***

ا. د. محمد الربيعي

 

ثمة ظاهرة تستحق التأمل طويلًا في المشهد الثقافي العراقي بعد عام 2003. فمن اللافت أن عددًا غير قليل من الموظفين، بعد إحالتهم إلى التقاعد، اندفعوا نحو كتابة المقالات وتأليف الكتب التي توزعت بين الرواية والمذكرات والسرد الشخصي والانطباعات العامة عن المجتمع والسياسة والحياة اليومية. والمفارقة أن معظمهم لم يكن لهم، طوال سنوات عملهم الوظيفي، حضور يُذكر في الصحافة أو النشاط الأدبي أو الندوات الثقافية أو حتى في الهامش الاجتماعي الذي يدور عادة حول الكتابة والقراءة. لا يتعلق الأمر هنا بإصدار حكم قيمي مباشر على ما يكتبونه، فذلك شأن آخر تحكمه معايير النقد والجماليات واللغة والبناء الفني. إنما تكمن الملاحظة الأساسية في طبيعة هذا التحول المفاجئ نفسه: كيف ينتقل شخص أمضى أربعين عامًا بعيدًا عن أي ممارسة كتابية واضحة، إلى السعي الحثيث لاكتساب صفة “الكاتب” أو “الروائي” أو “الصحفي” في مرحلة عمرية متأخرة؟ وما الذي يدفع إنسانًا عاش داخل نظام الوظيفة، بقوانينه ورتابته اليومية، إلى محاولة إعادة تعريف ذاته من خلال الكتابة بعد أن يغادر مكتبه الأخير؟

إعادة تعريف الذات

في الظاهر، قد يبدو الأمر مجرد هواية متأخرة أو رغبة بريئة في تمضية الوقت، لكن الاقتراب من هذه الظاهرة يكشف طبقات أعمق من المعاني النفسية والاجتماعية. فالكتابة هنا لا تظهر دائمًا بوصفها فعلًا أدبيًا خالصًا، بل بوصفها محاولة لإعادة ترميم صورة الذات بعد انهيار الدور الاجتماعي القديم. ذلك أن الوظيفة، في المجتمعات التي تقوم على البيروقراطية الصارمة، لا تمنح الإنسان موردًا اقتصاديًا فقط، بل تمنحه أيضًا تعريفًا واضحًا لوجوده. وحين يفقد هذا التعريف مع التقاعد، يشعر فجأة بأنه خرج من مركز الحياة إلى هامشها الصامت.

لقد كان الموظف، لسنوات طويلة، يدخل إلى مؤسسته بوصفه شخصًا معروفًا بالاسم والصفة والموقع الإداري. كان يمتلك مكتبًا وختمًا وسلطة توقيع، وكان حضوره اليومي جزءًا من حركة المجتمع. لكن التقاعد يقطع هذه الصلة دفعة واحدة. وفجأة يجد نفسه أمام وقت فائض، وأمام شعور ثقيل بأن العالم يمضي من دونه. عند تلك النقطة بالتحديد، تبدو الكتابة وكأنها وسيلة لاستعادة الاعتراف الرمزي بالوجود.

وثائق نفسية

ولهذا يمكن قراءة كثير من هذه النصوص بوصفها وثائق نفسية واجتماعية أكثر من كونها أعمالًا أدبية مكتملة الشروط. فالقيمة الحقيقية لبعضها لا تكمن في براعة الأسلوب أو تعقيد البناء السردي، بل في ما تحتويه من تفاصيل خام عن الحياة اليومية والتحولات الاجتماعية والعلاقات الإنسانية داخل مؤسسات الدولة والمدن والأحياء القديمة. إن بعض هذه الأعمال، على الرغم من بعدها الواضح عن المعايير الفنية للأدب، تظل قابلة للقراءة بوصفها مادة أرشيفية قد يعود إليها باحث أو مؤرخ أو حتى روائي يبحث عن ملامح عصر كامل جرى تسجيله من الداخل، بعفوية غير مقصودة أحيانًا.

ويبرز هذا الأمر خصوصًا في المذكرات التي تُقدَّم تحت لافتة “الرواية”. فكأن كلمة “رواية” تمنح التجربة الشخصية شرعية جمالية لا تملكها في أصلها. وهنا تتكشف واحدة من أكثر الظواهر دلالة في الثقافة العربية المعاصرة: اتساع مفهوم الرواية إلى درجة أصبحت معها قادرة على احتواء أي شيء تقريبًا؛ الذكريات، واليوميات، والشهادات الشخصية، وحتى التداعيات العابرة. لقد تحولت الرواية، في نظر كثيرين، إلى الوعاء الأكثر مرونة لتمرير السيرة الذاتية تحت غطاء أدبي يمنحها قيمة رمزية أعلى.

انهيار الشرعية الثقافية

غير أن المسألة لا تتعلق فقط بطموح فردي متأخر، بل ترتبط أيضًا بالتحولات العميقة التي أصابت مفهوم الثقافة بعد عام 2003. فقد انهارت، إلى حد كبير، الحدود التقليدية التي كانت تفصل بين الكاتب والقارئ، وبين النص الأدبي والخبرة الشخصية، وبين النشر الاحترافي والنشر العابر. أصبح بإمكان أي شخص أن يطبع كتابًا، أو ينشر نصًا، أو يعلن نفسه كاتبًا من دون المرور بالسياقات الصارمة التي كانت تفرضها الصحافة الثقافية أو المؤسسات الأكاديمية أو التراكم المعرفي الطويل.

لقد تغيرت فكرة “الشرعية الثقافية” نفسها. ففي زمن سابق، كان الكاتب يصل إلى الاعتراف بعد سنوات من الاحتكاك بالمجلات والصحف والندوات والقراءات المتخصصة. أما اليوم، فقد صار اللقب الثقافي متاحًا بدرجة غير مسبوقة، وأصبح الانتقال من القارئ إلى الكاتب يحدث أحيانًا بلا مقدمات واضحة. وهذا التحول، على الرغم مما يثيره من فوضى وارتباك، يكشف أيضًا عن نزعة ديمقراطية كامنة في الثقافة الحديثة؛ نزعة تسمح للأصوات المؤجلة بأن تتكلم أخيرًا، حتى وإن جاءت تلك الأصوات مرتبكة أو غير مكتملة.

الحاجة إلى الاعتراف

من الخطأ النظر إلى هذه الظاهرة بسخرية متعالية، كما يفعل بعض المثقفين الذين يتعاملون مع الكتابة بوصفها امتيازًا نخبويًا مغلقًا. فالرغبة المتأخرة في الكتابة قد تكون، في جانب منها، تعبيرًا عن حاجة إنسانية عميقة إلى الاعتراف والسرد وإعادة ترتيب الحياة داخل معنى يمكن احتماله.

إن الإنسان، حين يتقدم في العمر، يشعر بحاجة متزايدة إلى مراجعة قصته الشخصية، وإلى تحويل سنواته الماضية إلى حكاية قابلة للرواية. وربما لهذا السبب تحديدًا تظهر المذكرات في المراحل المتأخرة من العمر أكثر من أي مرحلة أخرى.

فالكتابة، في جوهرها، ليست دائمًا فعل إبداع بقدر ما هي مقاومة للنسيان. والموظف المتقاعد الذي يكتب مذكراته أو روايته الأولى لا يحاول بالضرورة أن ينافس كبار الأدباء، بل يحاول غالبًا أن يقول إنه كان هنا، وإن حياته لم تمر من دون أثر. إنه يكتب ضد الاختفاء أكثر مما يكتب من أجل الأدب.

ولعل هذا ما يمنح بعض هذه النصوص مسحتها الإنسانية الخاصة، حتى عندما تكون ضعيفة من الناحية الفنية. فخلف اللغة المرتبكة أو السرد المترهل، يمكن أحيانًا أن نلمح خوفًا دفينًا من الصمت، ومن التلاشي داخل عالم سريع النسيان. إن الكتابة هنا تصبح شبيهة بمحاولة متأخرة لوضع اسم على جدار الزمن قبل أن يُمحى كل شيء.

من جهة أخرى، تكشف هذه الظاهرة عن فراغ ثقافي عميق عاشته أجيال كاملة داخل النظام الوظيفي العربي. فقد أمضى كثير من الموظفين حياتهم في أداء أعمال روتينية استنزفت طاقتهم الداخلية، ولم تترك لهم فرصة حقيقية لاكتشاف ميولهم الفكرية أو الإبداعية. وحين انتهت الوظيفة، بدا كأنهم يستعيدون فجأة جانبًا مؤجلًا من ذواتهم. وربما لهذا تأتي كتاباتهم محملة أحيانًا بطاقة اعتراف متأخرة، وكأنها محاولة لتعويض ما ضاع من العمر.

نصوص متعجلة

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هذه الموجة الواسعة من الكتابة قد أفرزت أيضًا قدرًا كبيرًا من النصوص المتعجلة والضعيفة، تلك التي تخلط بين الرأي الشخصي والأدب، وبين التوثيق والانفعال المباشر. غير أن هذه الفوضى ليست معزولة عن السياق الثقافي العام الذي يعيش هو الآخر أزمة معايير واختلاطًا في المفاهيم. فحين تصبح الشهرة أسرع من التجربة، ويصبح النشر أسهل من التعلم، فإن المجال الثقافي كله يدخل في منطقة رمادية تتراجع فيها الحدود التقليدية بين الكاتب الحقيقي ومن يكتفي بادعاء الصفة. لكن، رغم كل ذلك، تبقى هذه الظاهرة جديرة بالانتباه لأنها تقول شيئًا مهمًا عن الإنسان المعاصر أكثر مما تقول عن الأدب نفسه. إنها تكشف عن خوف الإنسان من أن يعيش حياة كاملة ثم يرحل من دون أن يترك وراءه أثرًا لغويًا يدل عليه. ولهذا تبدو الكتابة، في كثير من هذه الحالات، أشبه بمحاولة أخيرة لترميم المعنى الشخصي للحياة بعد أن تنتهي الأدوار الاجتماعية الكبرى.

فالإنسان لا يكتفي بأن يعيش، بل يريد أيضًا أن يروي أنه عاش. والكتابة، مهما كانت متواضعة، تمنحه هذا الوهم الجميل: أن صوته قد يبقى قليلًا بعد أن يصمت العالم من حوله.

***

مروان ياسين الدليمي

(نظرة في الفرق بين الشرح على المتون والنظريات القانونية)

تمهيد: لا يمكن فهم التطور التاريخي للأنظمة القانونية دون التمييز الدقيق بين مرتبتين علميتين في عالم القانون: مرتبة "شارح القانون" ومرتبة "الفقيه القانوني".

ويرتبط هذا التمييز تاريخياً بالصراع المنهجي بين المدرسة اللفظية (الشرح على المتون) والمدرسة التحليلية الفلسفية التي تصيغ النظريات وتستنبط المقاصد.

أولاً: مدرسة الشرح على المتون (السياق التاريخي)

ظهرت في فرنسا خلال القرن التاسع عشر مدرسة فقهية عُرفت بـ مدرسة الشرح على المتون، وقد قامت هذه المدرسة على تقديس النص التشريعي (خاصة تقنين نابليون الصادر عام 1804) واعتباره المصدر الوحيد والكامل للقانون، مع التركيز الصارم على التفسير الحرفي للنصوص والبحث عن الإرادة المفترضة للمشرّع وقت وضع النص.

وقد تعرضت هذه المدرسة لاحقاً لانتقادات واسعة؛ لأنها نظرت إلى القانون نظرة شكلية جامدة، تكتفي بظاهر اللفظ وتغفل المقاصد والأهداف الاجتماعية، الاقتصادية، والإنسانية التي يتغياها القانون كظاهرة ديناميكية متطورة.

ثانياً: الفقه القانوني وفلسفته:

الفقه القانوني (Jurisprudence) هو مجموعة الآراء والتحليلات والبحوث الإبداعية التي يصدرها علماء القانون. وهو يتجاوز رصد الأحكام إلى دراسة ماهية القانون وفلسفته وأسسه، ويعتمد في ذلك على عدة محاور أساسية:

 1. المنهج المقارن: يهدف إلى مقارنة النظم القانونية المختلفة (كالقانون اللاتيني والقانون العام) لاستنباط القواعد والمبادئ المشتركة.

 2. فلسفة القانون: البحث في جوهر القانون، غايته، ومدى ارتباطه بالعدالة والأخلاق والمنطق.

 3. صياغة النظريات: وضع الأطر والمبادئ العامة الكبرى التي تُبنى عليها الأنظمة القانونية (مثل نظرية الحق، نظرية العقد، ونظرية الظروف الطارئة).

 4. التفسير التحليلي والتوجيهي:

لا يقتصر الفقه هنا على تفكيك النص، بل يحلله ويقيمه ليوضح مراميه للقضاة والمحامين، ويرشد المشرع نحو الثغرات لتعديلها.

وتتميز طريقة الشرح الفقهي الحديث بمزج النظري بالتطبيقي؛ كما نلمسه في شروحات الأستاذ الدكتور عبد الرزاق السنهوري والأستاذ الدكتور عبد المجيد الحكيم في القانون المدني، والدكتور مالك دوهان الحسن في علم أصول القانون، والدكاترة علي حسين خلف وسلطان الشاوي وواثبة السعدي في قانون العقوبات.

ثالثاً: أوجه الاختلاف بين شارح القانون والفقيه القانوني

 1. شارح القانون:

هو الممارس أو الأكاديمي الذي يقتصر عمله على تفسير النصوص القانونية القائمة، وبيان معانيها الظاهرة وكيفية تطبيقها المباشر على الوقائع العملية.

 أبرز خصائصه:

   أ. التركيز التام على النص القانوني القائم (الوضعي) والالتزام بالتفسير التقليدي والحرفي.

ب. عدم الخوض في فلسفة القانون أو نقد السياسة التشريعية.

ح. السعي لبيان "إرادة المشرّع" الحالية بدلاً من السعي لتطوير القانون مستقبلاً.

 د. تمثيله في الواقع: يظهر هذا الدور غالباً لدى كثير من الممارسين من محامين ومستشارين وموظفين قانونيين، وكذلك لدى المؤلفين الذين يعتمدون أسلوب شرح القوانين "المادة تلو الأخرى".

2. الفقيه القانوني

هو المفكر والباحث الاستراتيجي الذي يتجاوز الحدود الجامدة للشرح التقليدي، ليتعمق في بناء النظريات القانونية، وتحليل فلسفة القانون، ونقد التشريعات القائمة واقتراح البدائل.

 أبرز خصائصه:

أ. البحث الدائب عن "روح القانون" ومقاصده الكبرى لا مجرد ألفاظه.

ب. ابتكار النظريات القانونية وصياغة القواعد الكلية وتطويرها.

ج. التأثير المباشر في حركة التشريع (توجيه المشرع) وفي اتجاهات القضاء (توجيه المحاكم).

 د. الربط العضوي بين القانون والواقع الاجتماعي، السياسي، والاقتصادي.

 منهجه:الفقيه في هذه المرتبة لا يكتفي بالسؤال: (ماذا يقول النص؟)، بل يتساءل عميقاً: (لماذا وُضع النص؟ وهل ما زال يحقق غايته وعدالته؟ وكيف يمكن تطويره؟).

رابعاً: الفقيه صانع النظريات القانونية (المدارس الفكرية الكبرى)

إن القوانين الإنسانية لم تتطور عبر الشراح التقليديين، بل بفضل فقهاء وفلاسفة أسسوا مدارس ونظريات كبرى صاغت وجه العالم الحديث:

1- مدرسة القانون الطبيعي: ترى أن العدالة تستمد وجودها من مبادئ عقلية وأخلاقية أسمى وثابتة في نظام الكون، وليست مجرد إرادة للحاكم. ومن ابرز روادها: أرسطو، شيشرون، توما الأكويني، جون لوك).

 2- مدرسة العقد الاجتماعي:

بحثت في أصل الدولة وشرعية السلطة، معتبرة القانون وليد توافق مجتمعي.

ومن ابرز روادها: توماس هوبز، جون لوك، جان جاك روسو).

 3- المدرسة الوضعية القانونية:

تفصل بين القانون والأخلاق، وترى أن القانون يستمد قوته وصلاحيته من صدوره عن السلطة المختصة وفق إجراءات شكلية صحيحة.

ومن ابرز روادها: جيرمي بنثام، جون أوستن، هانس كلسن، هيربرت هارت.

 4- المدرسة التاريخية والاجتماعية: ربطت القانون بالتطور التاريخي للمجتمعات وباعتباره ظاهرة اجتماعية تنبع من ضمير الجماعة. ومن ابرز روادها: سافيني، إيرنج، وروسكو باوند.

5- مدرسة البحث العلمي الحر (المختلطة)،  مؤسسها وزعيمها الفقيه الفرنسي "فرنسوا جيني" الذي نادى بضرورة النظر إلى القاعدة القانونية من حيث شكلها وجوهرها معاً.

يرى جيني أن القاعدة القانونية تتكون من عنصرين: عنصر "العلم" (الحقائق الواقعية والتاريخية والعقلية) وعنصر "الفن" أي الصياغة (القالب الفني للنصوص).

خامساً: إسهام الفقه الإسلامي في بناء النظريات القانونية:

لم يكن بناء النظريات القانونية حكراً على الفكر الغربي؛ بل قدم الفقه الإسلامي منظومات سابقة ومتطورة جداً في فلسفة التشريع وأصوله:

 1- الإمام جعفر الصادق:

أ. أسهم بشكل استراتيجي في تأصيل قواعد الاستنباط وترسيخ دور العقل في الاجتهاد من خلال تقنين منهجية استنباط الأحكام ومنح "العقل" حجية ومكاناً بارزاً كأحد أدلة استنباط القانون (إلى جانب القرآن والسنة والإجماع). واعتبر العقل أداة لتمييز ملاكات الأحكام (العلل والتشريعات) (1)..

 ب. إرساء القواعد الأصولية الكبرى:

يُعزى إليه تأصيل قواعد تشريعية حمائية كبرى، مثل قاعدة "الاستصحاب" (وهي البقاء على اليقين السابق حتى يثبت العكس، وهو المعبر عنه حديثاً بأصل البراءة أو "المتهم بريء حتى تثبت إدانته")، وقواعد "نفي الضرر" و"الفراغ والتجاوز" التي تحمي استقرار المعاملات.

 ج. الأبوة الفقهية لأئمة المذاهب:

امتد أثره ليكون أستاذاً لعمالقة الفقه؛ فالإمام أبو حنيفة النعمان لازم الإمام الصادق سنتين وقال مقولته الشهيرة: "لولا السنتان لهلك النعمان".

كما كان الإمام مالك بن أنس يحضر مجلسه ويروي عنه، وهو القائل فيه: "ما رأت عينٌ، ولا سمعت أذنٌ، ولا خطر على قلب بشرٍ، أفضل من جعفر بن محمد فضلاً وعِلماً وورعاً".

 2- الإمام الشافعي: واضع علم أصول الفقه بشكل منهجي مدون في كتابه التأسيسي *"الرسالة"*.

 3- الأئمة (الجويني والغزالي والشاطبي): تدرجوا في صياغة "نظرية مقاصد الشريعة" ؛ بدءاً من التمهيد لها، مروراً بصياغة الكليات الخمس (حفظ الدين، النفس، العقل، النسل، المال) على يد الغزالي، وصولاً لتكامل النظرية بصورتها النهائية لدى الشاطبي، وتأسيس العز بن عبد السلام لفكرة الموازنة بين المصالح والمفاسد.

 4- ابن خلدون: الذي درس القانون والتشريع بوصفهما ظاهرة اجتماعية وثيقة الارتباط بالعمران البشري وطبيعة الدولة.

 5- مجلة الأحكام العدلية: التي تمثل إعجازاً تقنينياً، حيث حوّلت الفقه المذهبي السائل (2) إلى مواد قانونية موضوعية ومبوبة، أثرت بشكل مباشر في صياغة القوانين المدنية العربية الحديثة.

سادساً: قمم الفقه القانوني المعاصر (السنهوري والصدر)

تجلى الفقه القانوني في أبهى صوره التجديدية في العصر الحديث عبر قمتين شامختين:

 1. الدكتور عبد الرزاق السنهوري (1895–1971)

يُعد "عميد الفقه القانوني العربي الحديث" حيث

أ. نجح في الجمع بين فلسفة الفقه الإسلامي والقوانين المدنية الغربية الحديثة.

 ب. صاغ أهم القوانين المدنية العربية (المصري، العراقي، السوري، الليبي).

  ترك موسوعته التاريخية "الوسيط في شرح القانون المدني" كمرجع لا غنى عنه.

ب. طور نظريات الحق والالتزام والعقد برؤية تجمع بين الأصالة والمعاصرة.

2. السيد محمد باقر الصدر (1935–1980)

يُعد من أبرز المفكرين والمجددين في الفقه والأصول والنظرية القانونية الإسلامية المعاصرة. حيث ابدع في

أ. تجاوز الاستنباط الفردي والتقليدي إلى بناء "نظريات نسقية متكاملة"، فتجلى ذلك في صياغة نظرية اقتصادية كبرى في كتابه "اقتصادنا"، ورؤية فلسفية للنظام الاجتماعي في "فلسفتنا".

ب. طور مباحث علم أصول الفقه وعمّق مناهج التحليل العقلي والمنطقي فيه، رابطاً التشريع بمتطلبات التطور ومفهوم العدالة الاجتماعية.

وعلى النحو المتقدم مثّل السنهوري قمة التطور في الفقه القانوني الوضعي العربي، بينما مثّل محمد باقر الصدر قمة التجديد في الفقه والأصول والنظرية القانونية الإسلامية المعاصرة.

 الخاتمة

إن شارح القانون مفسرٌ ومبينٌ للأحكام يقف عند حدود اللفظ وصناعة التطبيق، أما الفقيه القانوني فهو مبتكرٌ ومطورٌ  يبحث في الفلسفة والمقاصد.

فكل فقيه قادر على شرح القانون، ولكن ليس كل شارح للقانون فقيهاً لأن الفقه مرتبة معرفية عميقة تتجاوز الوصف والتفسير إلى الإبداع وبناء النظريات.

وأمام تعقد العلاقات الإنسانية وتطور المجتمعات، تبرز الحاجة الملحة دوماً للفقهاء القادرين على استلهام روح القانون، بدلاً من الانكفاء تحت عباءة النصوص الحرفية الجامدة.

***

فارس حامد عبد الكريم

............................

(1) ملاكات الأحكام (جمع مَلاك) مصطلح يُقصد به في الفقه وأصول الفقه المصالح والمفاسد الكامنة وراء الأحكام الشرعية، أو السبب والحكمة، و"المناط" الذي يدور حوله الحكم.

(2) مصطلح "الفقه المذهبي السائل" يشير إلى المنهجية الفقهية التي لا تجمد عند الحرفية في نقل وتطبيق آراء الأئمة والمذاهب الفقهية، بل تتعامل معها بمرونة وانفتاح بما يخدم مقاصد الشريعة، ويُستخدم هذا المصطلح في مقابل "الفقه الجامد" أو "المغلق"، الذي يحصر اجتهاده في إطار نصوص ومسائل مذهب معين دون الالتفات إلى سياق الواقع أو تغير أحوال الناس.

مكوناتها وجبهاتها في ضوء النصر والتحرر والصمود والسؤدد

مقدمة: مثل كلمة «اقرأ» الوحي الأول في الإسلام نقطة انطلاق حضارة شاملة قامت على طلب العلم، تحرير العقل، ومقاومة الجهل والظلم. ليست «حضارة اقرأ» حضارة دينية ضيقة، بل مشروع إنساني كوني يجمع بين الإيمان والعقل، والروح والمادة، والفرد والجماعة. في هذا الإطار، تُعد المقاومة ليست رد فعل ظرفياً، بل مبدأ وجودياً متجذراً في جوهر هذه الحضارة. هي مقاومة متعددة الأبعاد: مقاومة الجهل بالعلم، والظلم بالعدل، والاستعباد بالتحرر، والذل بالسؤدد. تتجلى عبر التاريخ في صور متعددة، مرتبطة ارتباطاً عضوياً بمفاهيم النصر (الذي يأتي بالتوفيق الإلهي والإعداد البشري)، والتحرر (من الاستعمار الخارجي والاستبداد الداخلي)، والصمود (الثبات على الحق رغم الضغوط)، والسؤدد (الرفعة والسيادة الحضارية). في هذه الدراسة المعمقة، نستعرض مكونات هذه المقاومة وجبهاتها المختلفة، مع ربطها بهذه القيم الأربع.

المكونات الأساسية للمقاومة في حضارة «اقرأ»

أولاً: المكون الإيماني-الروحي

يشكل الإيمان بالله الواحد وقوة الغيب أساساً متيناً للمقاومة. يمنح المؤمن شعوراً بالانتماء إلى مشروع أكبر من الزمن الحاضر، مما يولد صموداً أسطورياً. القرآن يربط بين الإيمان والصبر والنصر: «إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِين». هذا المكون يحول المقاومة من فعل يائس إلى عبادة وجهاد روحي، يحمي الإنسان من الانهيار النفسي أمام القوى الغاشمة. يتجلى في الصحابة الذين صمدوا في بدر وأحد، وفي مقاومة المسلمين للغزوات الصليبية والتتارية.

ثانياً: المكون العلمي-المعرفي

«اقرأ» أمر بالمعرفة، فالمقاومة تبدأ بتحرير العقل من الخرافة والتقليد الأعمى. بنى المسلمون حضارة علمية مزدهرة في بغداد والأندلس والقاهرة، مقاومين بذلك الجهل الذي كان سائداً في العصور الوسطى الأوروبية. العلم هنا مقاومة للاستعمار المعرفي: ترجمة المعارف اليونانية والفارسية والهندية، ثم تجاوزها بالنقد والإبداع. ابن سينا وابن رشد والخوارزمي والبيروني مثلوا مقاومة فكرية رفعت الحضارة الإسلامية إلى مصاف السؤدد العلمي، مقدمين نموذجاً للتحرر المعرفي.

ثالثاً: المكون الأخلاقي-الاجتماعي

تقوم الحضارة على العدل والإحسان والمساواة أمام الشريعة. المقاومة الاجتماعية ترفض الاستغلال والطبقية، وتدافع عن المستضعفين. هذا المكون يمنح المقاومة شرعية أخلاقية، فيجعلها حركة تحرر شاملة لا تقتصر على السياسة. الزكاة والوقف والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أدوات اجتماعية للمقاومة ضد الفقر والفساد، مما يعزز الصمود الجماعي.

رابعاً: المكون السياسي-العسكري

الدولة في حضارة «اقرأ» ليست غاية بل وسيلة لحماية الدين والنفس والعرض والمال. الخلافة الراشدة والدول الأموية والعباسية والعثمانية جسدت مقاومة سياسية للامبراطوريات المحيطة. الجهاد في سبيل الله (الدفاعي أساساً) يرتبط بالنصر والسؤدد، لكنه يقترن دائماً بالإعداد والحكمة: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة».

خامساً: المكون الثقافي-الحضاري

تشمل اللغة العربية، الفنون الإسلامية (العمارة، الزخرفة، الشعر)، والأدب مقاومة للذوبان الثقافي. المقاومة الثقافية تحافظ على الهوية وتنتج بدائل حضارية، كما حدث في الأندلس حيث ازدهر التعايش والإبداع رغم الضغوط.

الجبهات المختلفة للمقاومة

الجبهة الفكرية والتربوية

أخطر الجبهات وأعمقها. المقاومة هنا تتمثل في بناء الوعي وتعليم الأجيال على قيم «اقرأ». المدارس والجامعات (كالأزهر والقرويين) كانت حصوناً للصمود الفكري. في العصر الحديث، مقاومة الغزو الثقافي الاستعماري بالعودة إلى التراث النقدي وإحياء العلوم الشرعية والطبيعية. هذه الجبهة ترتبط بالتحرر من الاستعمار المعرفي، وتؤسس للسؤدد الحضاري طويل الأمد.

الجبهة السياسية والاقتصادية

تشمل مقاومة الاستبداد الداخلي والاستعمار الخارجي. اقتصادياً، المقاومة تكمن في الاكتفاء الذاتي، رفض الربا، وتطوير الصناعات. تاريخياً، نجح المسلمون في مقاومة الحصار الاقتصادي خلال الحروب الصليبية، وفي العصر الحديث في مواجهة الاستعمار الاقتصادي. النصر هنا يأتي بالصمود والابتكار، كما في نماذج التنمية الإسلامية التي تجمع بين العدالة والكفاءة.

الجبهة العسكرية والأمنية

ليست المقاومة العسكرية سوى جبهة واحدة، لكنها ضرورية عند الاعتداء. من فتح مكة إلى معارك حطين ودفاع القسطنطينية، يرتبط النصر بالإعداد والتوكل. الصمود في المعارك غير المتكافئة (كمقاومة التتار) يحول الهزيمة العسكرية المؤقتة إلى انتصار حضاري طويل الأمد.

الجبهة الاجتماعية والنسوية والشبابية

تشمل تمكين المرأة في التعليم والعمل (كما كانت عائشة رضي الله عنها عالمة ومقاومة)، وتفعيل دور الشباب كقوة تغيير. المقاومة الاجتماعية تبني مجتمعاً مترابطاً قادراً على الصمود أمام الأزمات.

الجبهة البيئية والمستقبلية

في عصرنا، تمتد المقاومة إلى حماية الكوكب كأمانة إلهية، ومواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي والعولمة بقيم حضارة «اقرأ» التي تؤكد التوازن بين التقدم والأخلاق.

النصر والتحرر والصمود والسؤدد: علاقات جدلية

يمثل الصمود الركيزة: هو الثبات على المبادئ رغم الآلام، كما في قصة بلال والثبات في كربلاء وغيرها (مع الحفاظ على الإطار الإسلامي العام). يؤدي الصمود إلى التحرر، سواء كان تحرراً فردياً من الشهوات أو جماعياً من الاستعمار. أما النصر فهو نتيجة تراكمية، ليس دائماً عسكرياً بل حضارياً: انتصار الحضارة الإسلامية في حفظ المعارف ونشرها. ويتوج كل ذلك بالسؤدد، أي الرفعة والسيادة التي تجعل الحضارة قدوة، لا تابعاً. هذه القيم مترابطة: بدون صمود لا تحرر، وبدون تحرر لا سؤدد، وبالتوفيق الإلهي يأتي النصر.

خاتمة:

في حضارة «اقرأ»، المقاومة ليست استثناء بل قاعدة. هي مشروع متكامل يشمل كل جوانب الحياة، يقاوم به الإنسان المسلم كل أشكال الانهيار والذل. تاريخ هذه الحضارة مليء بفترات صمود أنتجت انبعاثاً حضارياً، كما بعد سقوط بغداد أو سقوط غرناطة. اليوم، تواجه الحضارة تحديات معاصرة تتطلب تجديداً في أساليب المقاومة دون المساس بثوابتها. العودة الحقيقية إلى «اقرأ» تعني بناء مقاومة واعية، علمية، أخلاقية، قادرة على تحقيق النصر والتحرر والصمود والسؤدد. إنها دعوة للأجيال لأن تكون جزءاً من مشروع حضاري مستمر، يقاوم الظلم ويبني المستقبل، مستلهماً من الوحي الأول: «اقرأ باسم ربك الذي خلق». هكذا تبقى المقاومة في حضارة «اقرأ» سر خلودها وقدرتها على التجدد عبر العصور. فهل يتسنى لنا أن نجعل من المقاومة كطريق الحضارة المستدامة؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

في توثيق الانكسارات والانتصارات الإمبراطورية

 التأسيس المعرفي للاستعمارية المضطربة وبنية القلق الإمبراطوري

تكشف القراءة التفكيكية المتعمقة لتاريخ الظاهرة الاستعمارية أنها لم تكن يوماً بنية مصمتة، أو واثقة من تفوقها المطلق؛ بل قامت في جوهرها على قلق وجودي مزمن أُطلق عليه في حقل دراسات ما بعد الاستعمار نسق "الاستعمارية المضطربة" أو "النزعة الاستعمارية القلقة". ويتجلى هذا الهلع المعرفي في التباين الصارخ بين الطموح التوسعي اللامتناهي للإمبراطوريات، والواقع المادي المتعثر الذي يسم بداياتها.

تعد التجربة الاستعمارية الإنجليزية المبكرة في القرن السادس عشر وبدايات القرن السابع عشر نموذجاً تاريخياً فريداً لهذا التعارض البنيوي؛ إذ تميزت بالتراجع والتخلف العملي مقارنة بالآلة الاستعمارية الإسبانية التي كانت قد أخضعت المكسيك وبسطت نفوذها الواسع قبل عقود من تأسيس شركة فرجينيا الاستعمارية في "جيمستاون".

أمام هذا العجز المادي والتعثر الميداني الذي انتهى بمذابح وهزائم متكررة، لجأت النخب الفكرية والأدبية الإنجليزية إلى سلاح "التراكم السردي والخطابي المفرط" للتعويض عن بؤس الواقع؛ وتمت صياغة نظريات تبريرية استندت إلى استعارة الضعف والقناعة بالأشياء البسيطة أو "التوافه"، لتسويق فكرة أن إنجلترا "الصغيرة" والمنعزلة ستقود العالم بنوع من العفة الروحية والرسالة الأخلاقية التي تتفوق بها على وحشية الاستعمار الإسباني. وبذلك، ولد الخطاب الإمبريالي من رحم العزلة القومية والاضطراب الوجودي، حيث تم توظيف الفضاء الاستعماري كمسرح تهكمي للتخلص من الهويات المشوهة، وإعادة صناعة الذات بوصفها المخلص التاريخي.

يمتد هذا المنظور النقدي ليفسر سلوك قوى إمبراطورية أخرى عاشت الهلع المعرفي ذاته؛ فالإمبراطورية اليابانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ورغم انتزاعها للوصاية الدولية على جزر جنوب المحيط الهادئ في مؤتمر فرساي عام 1919، جسدت نموذجاً صارخاً لـ "القوة المستكبرة والواثقة ظاهرياً، لكن القلقة والهشة باطنياً". كان هاجس البقاء والانتزاع للاعتراف الدولي يقض مضجع النخبة اليابانية التي كانت تخشى دائماً السقوط كضحية للقوى الغربية الاستعمارية الكبرى، مما جعل من حيازتها للمستعمرات عبئاً أمنياً ودافعاً لمزيد من التنازلات الاستراتيجية والقلق الوجودي بدلاً من كونه مصدر استقرار.

ويتسق هذا السلوك الإمبراطوري القلق تماماً مع المناورات المعاصرة للقوى الاستبدادية الكبرى، وصعود ظاهرة "الترامبية الجديدة" حيث" تتقنع البنية الإمبراطورية المعاصرة بالغطرسة الفجة، والاستعراض البلاغي، والاستخفاف بالقوانين الدولية، لإخفاء تصدعاتها الداخلية الراهنة ورعبها الوجودي من فقدان الأحادية القطبية.

تفكيك البنية الزمانية والمكانية للإزاحة الاستعمارية

يمثل المكان في الفلسفة التفكيكية مساحة مادية يجري شحنها بالرموز للتغطية على تصدعات البنية الحاكمة. وتعد كاتدرائية "القديس يوحنا الأنجليكانية" في مدينة بليز سيتي، والتي شُيدت بين عامي 1812 و1820 خلال فترة من المنافسة الاستعمارية المضطربة بين القوى الأوروبية، تجسيداً مادياً حياً لـ "المكان-زمان البنيوي" للإزاحة الكولونيالية.

إن إزاحة طقس التتويج الملكي بكل جلاله الكنسي والإمبراطوري من لندن إلى بقعة جغرافية نائية ومتواضعة في حوض الكاريبي لا يمثل مجرد استعراض للقوة، بل هو "استعارة كوميدية بائسة" ومحاكاة ساخرة تكشف رعب الإمبراطورية البريطانية المتداعية من فقدان السيطرة على خطوط الملاحة الاستراتيجية (وقناة السويس لاحقاً)، حيث أسقطت مشاعر القلق والترقب التاريخي على هذه المستعمرات النائية خوفاً من انتقام الشعوب المستضعفة التي وصفتها بالأمس بـ "الوحوش".

إن التتويج في المقبرة الاستعمارية يربط تهكماً بين طقس الولادة السياسية (التتويج) وفضاء الموت المادي (المقبرة)، معلناً انغلاق النطاق الاستعماري على نفسه، وتآكله البنيوي من الداخل عبر مشهد مسرحي يثير الازدراء والشفقة في آن واحد.

الكوميديا السوداء لمعاهدات فرساي: التفكيك النقدي لصلح المنتصرين وهزيمة الخاسرين

عند تطبيق المنهج التفكيكي على اللحظة التاريخية المفصلية لعام 1919 في قصر فرساي، يتجلى لنا كيف تحولت القاعات الفارهة إلى مسرح لمعالجة القلق الإمبراطوري عبر إنتاج منظومة من المعاهدات القهرية التي وزعت الهزائم والمكاسب بأسلوب تدميري يحمل في طياته بذور فنائه. لم يكن "صلح فرساي" وثيقة قانونية لإقرار السلام بقدر ما كان صياغة بلاغية انتقامية تهدف إلى هندسة الوجود السياسي للدول الخاسرة عبر آليات الإذلال المكاني والزماني.

تمثلت أولى هذه المعاهدات في "معاهدة فرساي" مع ألمانيا، والتي صيغت في قاعة المرايا ذاتها التي شهدت إعلان قيام الإمبراطورية الألمانية عام 1871. إن اختيار هذا المكان بالتحديد يعكس رغبة المستعمر الفرنسي والبريطاني في ممارسة فعل "المحاكاة الساخرة" للتاريخ؛ حيث تحول مكان التتويج الألماني القديم إلى مقصلة سياسية واقتصادية فرضت على برلين العزل العسكري الكامل، والاعتراف الفردي بالمسؤولية عن الحرب، ودفع تعويضات باهظة أصابت البنية الوجودية للدولة بالشلل. هذا الإفراط الانتقامي يعكس "اضطراب الوعي الذاتي" للمنتصرين الذين حاولوا طرد شبح الخوف من القوة الألمانية القادمة عبر تكبيلها بنصوص تعسفية قلقة.

لم تقف الهندسة الجغرافية الانتقامية عند حدود ألمانيا، بل امتدت لتفكيك أوصال الإمبراطوريات المهزومة الأخرى عبر منظومة معاهدات فرساي الفرعية. فجاءت "معاهدة سان جيرمان" (1919) لتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، محولة إياها من كيان إمبراطوري شاسع إلى جمهورية النمسا الصغيرة المحفوفة بالضعف الاقتصادي، مع حظر اندماجها مع ألمانيا، وهو ما مثّل حكماً بالإعدام الجيوسياسي القائم على عزل المكونات القومية وتفتيتها. ثم تلتها "معاهدة تريانون" (1920) التي بترت ثلثي مساحة المجر وألحقت ملايين المجر بالدول المجاورة، لتقدم نموذجاً صارخاً لكيفية إعادة رسم الخرائط بناءً على نزوات إمبراطورية قلقة تسعى لإنشاء حواجز بشرية وجغرافية واهية لحماية مصالحها المستقبلية.

أما "معاهدة نويي" (1919) مع بلغاريا، فقد جردتها من ممراتها الاستراتيجية نحو بحر إيجة لصالح اليونان، مما رسخ مفهوم العقاب الجغرافي وحرمان الدول المهزومة من مقومات الحياة الاقتصادية المستقلة. وتوجت هذه السلسلة بـ "معاهدة سيفر" (1920) الإقصائية التي استهدفت تفكيك تركة الدولة العثمانية، وتقسيم الأناضول والمشرق العربي إلى مناطق نفوذ استعمارية مباشرة بين فرنسا وبريطانيا وإيطاليا.

إن التفكيك النقدي لهذه المعاهدات يكشف أنها لم تكن خطة لبناء عالم مستقر، بل كانت استعراضاً مسرحياً مفرطاً حاول من خلاله المستعمرون الغربيون التغطية على تصدعاتهم الداخلية وأزماتهم الوجودية عبر تحويل جغرافيا الخاسرين إلى أراضٍ مستباحة ومقاطعات تابعة. وهو ما يحاكي تماماً بنية "التتويج البائس" في بليز؛ حيث تُبنى أمجاد الإمبراطورية فوق مقابر المهزومين، مما يحول السلام المزعوم إلى مهزلة تاريخية ومأساوية مكشوفة.

التوقيت الرمزي والمأزق الإمبراطوري المتجدد

تصل الاستعارة التهكمية للأمكنة والمواقيت إلى ذروتها الكوميدية السوداء عند تأمل السلوك السياسي الحديث للقوى الغربية في تعاطيها مع ملفات الشرق الأوسط، وتحديداً من خلال استدعاء قصر فرساي كموقع لإدارة وتوقيع التفاهمات والاتفاقيات الاستراتيجية مع إيران.

إن تكرار توظيف قصر فرساي في العصر الحديث لاستضافة هذه المشهديات السياسية يحمل دلالة رمزية بالغة الأهمية في الفلسفة النقدية؛ فالغرب، الذي يعيش اليوم طور "الاستعمارية المضطربة الجديدة" ويواجه تراجعاً بنيوياً في هيمنته الأحادية أمام الصعود التعددي للقوى الإقليمية، يحاول استدعاء "مكان الإخضاع التاريخي الأول" (فرساي 1919) ليضفي مشروعية إمبراطورية وهمية على مفاوضاته المعاصرة. وتتجلى هنا "الترامبية الجديدة" في أبهى صورها التهكمية؛ حيث يظن العقل الإمبريالي المأزوم أن استدراج طرف شرقي كإيران للتفاوض أو صياغة التفاهمات في فضاء فرساي يمثل محاولة ناجحة لإعادة إنتاج طقوس الهيمنة القديمة، وإيهام الذات الغربية بأنها ما زالت تمتلك القدرة على تحديد مصائر الأمم ورسم خرائط النفوذ من داخل الصالونات الفرنسية ذاتها.

لكن المفارقة التفكيكية هنا تكمن في تحول هذا الطقس الرمزي من مظهر للقوة إلى "مهزلة سياسية مكررة واستخفاف مفضوح". فبينما كان فرساي عام 1919 يمثل لحظة إملاء الشروط الصارمة من موقع المنتصر المطلق، تحول في القرن الحادي والعشرين إلى فضاء للمساومات المعقدة والاعتراف الضمني بالقوى الصاعدة.

إن التوقيت الرمزي والمكاني للتفاوض في فضاءات فرساي التاريخية يكشف عن رعب غربي كامن من تفكك المنظومة الدولية التي تأسست بعد الحرب العالمية الأولى؛ فالمستعمر الجديد لم يعد يمتلك القدرة على فرض "معاهدة سيفر" جديدة أو "فرساي" قهرية ثانية، بل أصبح يستجدي الحفاظ على الوضع القائم عبر إضفاء مسحة من الوقار الإمبراطوري التاريخي على تراجعاته الدبلوماسية المستمرة. وبذلك، تصبح رمزية فرساي المعاصرة استعارة كوميدية بائسة؛ حيث يتم استدعاء مسرح الانتصارات الخالية للتغطية على انكسارات الحاضر، وعجز الآلة الاستعمارية عن فرض إرادتها المطلقة.

الفلسفة التفكيكية والآليات الإدراكية لتوثيق الهزيمة

 ينطلق التفكيك المعرفي لخطابات الهزيمة من تفنيد القوانين التاريخية التي تحاول القوى المهيمنة فرضها كحقائق أزلية. ويرى كارل ماركس في أطروحته الشهيرة أن "التاريخ يعيد نفسه؛ في المرة الأولى كمأساة، وفي الثانية كمهزلة". غير أن الجانب التهكمي والساخر يتبدى بوضوح عندما تسعى النظم الاستبدادية والوكلاء المحليون إلى تحويل أدوات القمع الداخلي إلى رموز "تقدمية" أو دروع واقية، بزعم الوقوف في وجه التدخلات الإمبريالية المعولمة والترامبية الجديدة.

هنا تبرز السخرية والكوميديا السوداء كآليات نقدية وراديكالية ضرورية لتفكيك خطابات الهزيمة المزمنة، والتي تحاول الأنظمة والتعبئة الأيديولوجية الاستعمارية تحويلها من "حدث طارئ في الزمن" إلى "طبيعة بيولوجية وثقافية ثابتة" لدى المهزومين، لضمان انكفائهم على ذواتهم ورفضهم لأي محاولة للتغيير أو المقاومة.

بنيوية السخرية والاستخفاف

تتميز السخرية والاستهزاء بكونهما أدوات تعبيرية ذات بنيات إدراكية معقدة؛ فهما لا يقابلان الفكرة بفكرة موضوعية تفصيلية داحضة، بل يعتمدان على آليات خطابية وأدبية تهدف إلى تحقير خطاب الهيمنة وتوهينه في مشاعر المتلقي. ويؤدي هذا الأسلوب إلى وضع المخاطب (المستعمر أو المستبد) في مأزق نفسي حاد يمنعه من تبني الفكرة المستهدفة بالسخرية وقاية لنفسه وحفاظاً على كرامته واحترامه الاجتماعي أمام الآخرين.

وتكمن قوة السخرية التفكيكية في أنه لا يوجد دفاع موضوعي نافع ضدها؛ لأنها لا تلتزم بقواعد النقاش العقلاني المنظم، بل تعمل على الهتك البنيوي وتعرية التناقض الفاضح في خطاب الهيمنة، وتنزع عنه صفة الرصانة والوقار الزائفين.

يرتبط هذا التكتيك النقدي بنظريات المقاومة الثقافية الشعبية حيث كانت الكلمة الساخرة تاريخياً أداة للمستضعفين والعبيد لمواجهة غطرسة السادة وتجريدهم من ترفعهم الواهي، كما يتضح في شعر الهجاء الذي يقلب المعايير الجمالية والاجتماعية السائدة رأساً على عقب. وفي مواجهة السخرية الاستعمارية الفجة والمواقف الترامبية المتغطرسة، تنشأ حركات مقاومة لغوية وجسدية تعيد صياغة ردود الأفعال عبر مناورات إيمائية مبتكرة، تهدف إلى تفريغ تنمر المستعمر أو المستبد من فاعليته، وجعله هو ذاته موضع شك وضحك مكتوم؛ لتظل الاستعارة التهكمية للتاريخ والمكان السلاح الأقوى في تعرية بنية الاستعمارية المضطربة عبر العصور.

***

غالب المسعودي

أطروحات مالك بن نبي مهمة لمن ينظر إلى الاختلال الثقافي بوصفه معيقاً للنهوض العلمي والاقتصادي في المجتمعات العربية. تحدث مالك عن «الدروشة» التي حوّلت التراث من معرفة نشطة إلى مخدر للروح. كما دعا إلى عقلنة الثقافة التي تحدد اتجاهات السلوك الفردي والجمعي.

الإنسان هو نقطة الاشتباك في أي نقاش حول التقدم. هذا رأي لا يجادل فيه أحد، كما أظن. وهو يستدعي سؤالاً ضرورياً: ما دام اتفق الناس على أن كلاً منهم نقطةُ الاشتباك ومحور الجدل، فهل يَعُون أيضاً ما الذي ينبغي فعله كي نتقدم؟ وإذا كانوا يستوعبون أبعاد هذا السؤال، فهل يحاولون فعلياً وضع أقدامهم على طريق التقدم، أي هل يحاولون العثور على الجواب العملي لذلك السؤال؟

أريد هنا إيضاح نقطة ترد إلى ذهني بين حين وآخر، وخلاصتها أن العمل الفكري المهم لمالك بن نبي، لم يتواصل على أيدي مفكرين آخرين من بعده. أو لنقل على سبيل التحفظ إن المشروعات الفكرية التي تستهدف الغاية نفسها، أي التقدم، ليست كثيرة أو مترابطة، بل يبدو كل منها، مثل نخلة منفردة في صحراء، يثير الاهتمام، لكن يصعب التعرف إلى الخيوط التي تربطه بما قبله.

أعتقد أننا بحاجة إلى شيء يشبه عمل الفيلسوف المعاصر، أمارتيا سن، الذي وقف أمام فرضيات، جون رولز، في نظريته الشهيرة حول العدالة، ثم قال لنفسه: «كل بلد، حتى أكثره فقراً، تتوفر فيه فرص كثيرة لتحسين معيشة الناس. لا يوجد بلد خالٍ من الفرص. لماذا؟ لأن الفرص يخلقها الناس، شرط ألّا ينشغلوا بالحدود الضيقة لما يرونه بعيونهم، أو يسمعونه بآذانهم. ثمة في العالم فرص وفيرة. لكنك شغلت نفسك بالبحث عن تبرير للفشل، أو تركت الفعل الخلاق الإيجابي، وتفرغت لمراقبة ما يفعله هذا وذاك، كي تعثر على زلة تحولها إلى قصة. ولهذا السبب أو لغيره، عجزت عن تخيل الفرص التي يحصل عليها غيرك أو يخلقونها».

في أحاديثه الكثيرة حول الإنسان صانع الحضارة اكتفى مالك بن نبي بتأكيد ما يمكن أن نصفه اليوم بـ«الفردانية»، أي استقلال الفرد في تفكيره وتحمله مسؤولية حياته وأفعاله. ونعرف أن هذا شرط محوري للنهوض الاقتصادي والعلمي.

لكن ابن نبي لم يخبرنا كيف نخلق هذا الشعور لدى جميع الناس، خصوصاً الأكثر حاجة إلى التقدم، أي الطبقات الفقيرة والمعدمة. بل أستطيع القول إن تأكيده المتكرر على الصفات الريادية للإنسان المؤهل لصناعة الحضارة، أوقعه في مشكلة أخرى وهي النخبوية. فالمستفاد من كلامه أن صُنّاع الحضارة هم نخبة المجتمع وليس عامة الناس. هذا يتعارض جوهرياً مع الواقع القائم في عالم اليوم، حيث ينظر إلى جمهور الناس بوصفهم صُنّاعاً للمدنية ومستفيدين منها.

أعود إلى أمارتيا سن الذي ركز في نظريته عن العدالة على مبدأ تمكين عامة الناس من الإمساك بأقدارهم والسير في طريق التقدم. فكرة التمكين (empowerment) تجمع بين مفهومَين: المعرفة والإرادة. وأرى أن المعرفة هي التي تفسح الطريق لبروز الإرادة. وأقصد المعرفة العامة التي تجعل الإنسان العادي مطلعاً على العوالم البعيدة عن مداه الجغرافي والبصري، فيتعرف -تبعاً لذلك- إلى الفرص المتاحة في هذه العوالم. ويذكر في هذا السياق أن حكومة الهند وزعت في سبعينات القرن العشرين، عشرات الآلاف من أجهزة الراديو، على العائلات الفقيرة في الأرياف، كي تتعرف إلى الفرص المتاحة بعيداً عنها، ومن بينها فرص التعليم والصحة والأساليب الجديدة في الزراعة... إلخ. تلك الخطوة على بساطتها حسّنت، بشكل ملموس، شبكة الخدمات العامة في الريف، وعجلت بربطه بالاقتصاد الوطني، فتحسنت معيشة الناس.

هذا هو نموذج التقدم الذي نناقشه: حراك تنموي يخدم عامة الناس، لا سيما أقلهم حظاً. وهو لا يستهدف إنشاء نخبة، بل تحريك الطبقات الواقعة في أدنى السلم. في اعتقادي أن هذا أسرع طريق للتقدم... وللحديث بقية.

***

د. توفيق السيف

 

في كل مرة تنطلق فيها بطولة كأس العالم، يتكرر مشهد إنساني يستحق التأمل أكثر من متابعة النتائج والأهداف. فالأمر لا يتعلق بمجرد منافسة رياضية بين فرق تسعى إلى الفوز، بل بظاهرة اجتماعية وثقافية ونفسية قادرة على إعادة تشكيل سلوك ملايين البشر في وقت واحد. تتبدل الأولويات، وتتغير لغة الناس، وتتجه الأنظار نحو حدث واحد يصبح محور الأحاديث والاهتمامات والمشاعر. وكأن المجتمع بأسره ينتقل مؤقتًا من واقعه اليومي إلى واقع آخر تحكمه قواعد مختلفة.

وربما تكمن صعوبة فهم كرة القدم في أنها تجاوزت منذ زمن حدود اللعبة. فهي لم تعد مجرد نشاط ترفيهي أو منافسة بدنية، بل أصبحت إحدى أكثر الظواهر قدرة على إنتاج المعنى الجماعي في العصر الحديث. ولهذا تبدو النقاشات المتعلقة بها أقرب إلى الإيمان منها إلى التحليل، وإلى الانتماء الوجداني أكثر منها إلى الحسابات العقلانية. فما كان الدين والسياسة يقومان به في مراحل تاريخية سابقة من تعبئة للمشاعر وصناعة للهويات وتوحيد للجماعات، أصبحت كرة القدم تؤديه اليوم بدرجات لافتة.

في مواسم البطولات الكبرى، تستيقظ المشاعر الوطنية بطريقة يصعب العثور على نظير لها في أي مناسبة أخرى. الأعلام ترفرف في الشوارع والشرفات، والأناشيد الوطنية تُردد بحماس، والاختلافات السياسية والاجتماعية تتراجع مؤقتًا أمام هدف مشترك. وكأن المجتمع، بكل تناقضاته، يعثر فجأة على مساحة رمزية يتوحد فيها أفراده حول حلم واحد. ففي تلك اللحظات لا يعود اللاعبون مجرد رياضيين، بل يتحولون إلى ممثلين لآمال أمة بأكملها، فيما تصبح المباراة ساحة رمزية تُختزل فيها تطلعات الجماهير ومخاوفها ورغبتها في الانتصار.

هذا الاندماج الجماعي لا يمكن فهمه بمعزل عن الحاجة الإنسانية العميقة إلى الانتماء. فالإنسان لا يكتفي بالعيش البيولوجي أو الاقتصادي، بل يبحث دائمًا عن قصص كبرى تمنحه الشعور بأنه جزء من شيء أكبر من ذاته. وكرة القدم تقدم هذا المعنى بكثافة استثنائية؛ فهي توفر سردية مشتركة، وأبطالًا ورموزًا، وانتصارات وهزائم، وأوقاتًا مقدسة ينتظرها الناس بشغف يشبه انتظار الأعياد.

وليس من المصادفة أن يشبّه كثير من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا الملاعب بالمعابد الحديثة. فالمشجعون يتوجهون إليها كما يتوجه الحجاج إلى أماكنهم المقدسة، حاملين رموز الانتماء وألوان الفرق والمنتخبات. تتكرر الأهازيج والشعارات بصورة طقسية، وتتجسد حالة من الوحدة الجماعية التي تذوب فيها الفوارق الفردية. وفي لحظة تسجيل الهدف تبلغ هذه التجربة ذروتها؛ حيث تتوحد المشاعر في انفجار جماعي من الفرح أو الحسرة، في مشهد يعكس حاجة الإنسان القديمة إلى الاحتفال الجماعي وإلى اختبار الانفعال المشترك.

ولعل ما يمنح هذه الطقوس قوتها أنها تتيح للإنسان التحرر، ولو مؤقتًا، من أعباء الحياة اليومية. ففي عالم تحكمه الالتزامات المهنية والضغوط الاقتصادية والإيقاع المتسارع للحياة، تأتي كرة القدم لتفتح نافذة على زمن مختلف، زمن لا تحكمه الإنتاجية ولا الحسابات المادية، بل تحكمه المتعة والترقب والانفعال. إنها لحظة يخرج فيها الإنسان من دوره الوظيفي والاجتماعي المعتاد ليعود إلى مساحة أقرب إلى اللعب، ذلك النشاط الذي رآه كثير من الفلاسفة تعبيرًا عن الحرية الإنسانية في أنقى صورها.

وقد ساهمت وسائل الإعلام الحديثة في تعميق هذا البعد الرمزي. فالمباريات لم تعد أحداثًا محلية أو إقليمية، بل أصبحت مناسبات عالمية يعيشها الملايين في اللحظة نفسها. يجلس الناس أمام الشاشات في منازلهم أو يتجمعون في المقاهي والساحات العامة وكأنهم يشاركون في احتفال جماعي عابر للحدود. وبهذا المعنى، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة تُشاهد، بل تجربة اجتماعية تُعاش وتُستعاد في النقاشات اليومية والتحليلات والذكريات التي تمتد طويلًا بعد انتهاء المباريات.

ومن المثير للاهتمام أن كرة القدم أصبحت أيضًا ساحة رمزية لتجسيد المنافسات بين الأمم. فالتاريخ والسياسة والاقتصاد كثيرًا ما تحضر في خلفية المباريات الكبرى، حتى وإن لم يُعلن ذلك صراحة. وتتحول بعض المواجهات الرياضية إلى مناسبة لاستحضار ذكريات الصراع أو التعبير عن الرغبة في التفوق الوطني. ولهذا يشعر كثير من الناس بأن ما يجري داخل الملعب يتجاوز حدود الرياضة ليصبح تعبيرًا عن مكانة جماعة أو أمة بأكملها.

ومع ذلك، فإن هذه الهالة الرمزية لم تتأثر كثيرًا بالتجارية المتزايدة التي تحيط بكرة القدم أو بقضايا الفساد التي شهدتها بعض مؤسساتها. فالجماهير ما تزال قادرة على الفصل بين اللعبة بوصفها تجربة وجدانية عميقة وبين الإشكالات التي تحيط بها. وهذا ما يفسر استمرار سحرها وقدرتها على جذب الملايين رغم كل الانتقادات.

إن ما نشهده اليوم ليس دينًا جديدًا بالمعنى التقليدي للكلمة، لكنه بالتأكيد يعكس انتقال كثير من الوظائف الرمزية التي كانت تؤديها المؤسسات الدينية أو السياسية إلى فضاءات أخرى أكثر قدرة على مخاطبة وجدان الإنسان المعاصر. فالبشر لا يتوقفون عن البحث عن المقدس، لكنهم يغيرون صوره وأشكاله. وحين تضعف بعض المرجعيات التقليدية، تظهر بدائل جديدة قادرة على منح الأفراد شعورًا بالهوية والانتماء والمعنى.

ولهذا فإن كرة القدم تظل ظاهرة مزدوجة. فهي قادرة على تعزيز التضامن الاجتماعي، وبناء الجسور بين الأفراد، وإنتاج لحظات نادرة من الوحدة الجماعية. لكنها، في الوقت نفسه، قد تتحول إلى مصدر للتعصب والانغلاق والعنف حين تُرفع إلى مرتبة المطلق. فكل ما يمنح الإنسان معنى عميقًا يحمل في داخله إمكانية البناء وإمكانية الهدم معًا.

ويبقى السؤال الأكثر إثارة للتأمل: هل تكمن قوة كرة القدم في اللعبة نفسها، أم في الفراغ الوجودي والاجتماعي الذي جاءت لتملأه؟ وهل يتعلق الأمر بحب الرياضة حقًا، أم بحاجة الإنسان الدائمة إلى الإيمان بشيء يجمعه بالآخرين ويمنحه شعورًا بأنه جزء من قصة أكبر من حياته الفردية؟ ربما تكون الإجابة عن هذا السؤال هي المفتاح الحقيقي لفهم المكانة الاستثنائية التي تحتلها كرة القدم في عالمنا المعاصر.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

قد يظن البعض أن صوت الفكر يتلاشى في زمن القتال، لكن الحقيقة أن أكثر اللحظات حاجة إلى الفلسفة هي تلك التي تفقد فيها البشرية بوصلتها الأخلاقية.

ليس للفيلسوف سلاح غير فكره، ولا درع سوى ضميره. وبينما تنطلق القذائف وتقرع طبول الحرب، يقف وحده، هامسا في صخب الجنون، متحديا هذا العنف بمنطق السؤال. يراقب من وراء الضجيج ما لا يراه غيره: سقوط الإنسان تحت ركام الشعارات، وانهيار المعنى تحت الحطام.

الفيلسوف لا يبحث عن نصر ولا هزيمة، بل عن الحقيقة التي تغتال كلما اشتعلت النيران. لا تهمه خرائط الجغرافيا بل الخرائط الخفية في العقول التي يعاد رسمها بالحقد والخوف.

انه لا يقف على ضفة المنتصرين، ولا يصطف مع المهزومين، بل ينحاز دائما الى ما يتجاوز الانتصار والهزيمة: الى الحقيقة، والعدالة، والكرامة الانسانية

في زمن الحرب تكون الشجاعة الكبرى أن تسأل...  تسأل عن جدوى القتل، عن أسباب الكراهية، عن منطق العداء، عن مصدر الخطاب الذي يحشد الجموع نحو المجازر. من أين جاء؟ من يخدم؟ ولماذا لا يناقش؟

الفيلسوف لا يحمل بندقية، لكنه يزرع الشك في يد من يحملها. لا يعتلي منصة سياسية، لكنه ينصت لصوت الضمير، يسائل، يفتش عن منطق ضاع في متاهات التحريض، وعن انسانية جرفت تحت اقدام الشعارات الصاخبة.

ما دور الفيلسوف في الحرب؟

ان يفضح المسكوت عنه، ان يرفض تبرير الدم بالمقدس او بالتاريخ او بالتراث او بالخوف. ان يسأل السؤال الممنوع: هل ما يقال لنا هو الحقيقة؟ هل العدو عدو لان جوهره شرير، ام لان مصالحنا تقتضي شيطنته؟ هل الوطن يبنى بالدم، ام بالحوار؟ هل الدفاع عن القيم يعني سحق المختلف، ام احتواءه؟

هذه الاسئلة لا تصدر الا عن شجاعة من طراز خاص: شجاعة الوقوف في وجه القطيع حين يندفع نحو الهاوية.

الفيلسوف في الحرب لا يقترح استراتيجيات، بل يعيد ترتيب البوصلة الاخلاقية. انه لا يهمه كم عدد الجنود، بل كم عدد الاكاذيب التي صدقت حتى يبرر تجنيدهم. هو لا يدون الخرائط، بل يمزق خرائط الكراهية التي ترسم على جدران العقول.

احيانا، يكون صوت الفيلسوف همسا، لا يسمع وسط الجلبة. لكنه يبقى. ينقش اسئلته في الوعي الجمعي، كمن يزرع الغاما مضادة للجهل والتعصب في حقول الزمن. وربما بعد سنين، حين تتوقف المعركة، ويبدأ الناس في عد الخسائر، يظهر صوت ذاك السؤال القديم: لماذا فعلنا ذلك؟ وهنا يتضح ان الفيلسوف لم يكن صامتا، بل كان يتحدث بلغة لا يفهمها زمن الحرب، لكنها ضرورية لزمن السلام.

وليس ابلغ من الفيلسوف سقراط، الذي اثر الموت على ان يتخلى عن التفكير الحر في مدينة مزقتها الانقسامات، ولا اعظم من رسائل تولستوي وهو يناهض العنف باسم الحب، ولا اصدق من صرخة جان بول سارتر: اذا لم نسائل الحرب، فنحن نبررها

هؤلاء لم يمنعوا الحروب، لكنهم اعادوا للانسان وجهه، حين تخلى عنه

دور الفيلسوف في الحرب هو ان يكون شاهدا لا يوقع، ومفكرا لا يستدرج، وبوصلة لا تبرمج. ان يصر على ان الدم لا يغسل الخطأ، وان الطغيان لا يصلح بالقوة، وان الكرامة لا تستعاد بالقنابل، بل بالفهم والاعتراف واعادة بناء المعنى.

 الحرب لا تنتصر على الفلاسفة، حتى وان اسكتت اصواتهم مؤقتا. لان الكلمة التي تقال بصدق، ولو في زمن الجنون، تبقى. تنمو تحت الرماد، وتشقق طريقها الى ضمير العالم، شاهدة على ان الانسانية لم تكن نائمة تماما، بل كانت تحاول ان تتنفس عبر اسئلة فيلسوف.

إن دور الفيلسوف في الحرب ليس أن يصرخ، بل أن يبقى. أن يظل واقفا حين يجثو الجميع. أن يحتفظ بالسؤال حيا، حتى لا يموت المعنى

وفي النهاية، قد تخرس الحرب صوت الفلاسفة، لكنها لا تستطيع أن تطفئ نور أسئلتهم.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

ثمة لقاءات عابرة في الزمن، لكنها تظل مقيمة في الذاكرة كأنها حدثت بالأمس. في نهاية تسعينيات القرن الماضي، اقترح مثقف عراقي مقيم في السويد زيارة مدينة مراكش ولقاء مثقفيها وشعرائها في جلسة مفتوحة للحوار والقراءة والتعارف. لم يكن الأمر يومها مجرد نشاط ثقافي عابر، بل بدا أشبه بامتحان رمزي لإمكانية اللقاء بين عوالم مختلفة، تتقاطع فيها الجغرافيا بالخيال، والمنفى بالهوية، واللغة بالإنسان.

في فضاء دار الباشا الكلاوي بالمدينة العتيقة، اجتمعنا حول الشعر والنثر والكلمة الحرة. كانت الأمسية، في جوهرها، احتفاءً بما يسميه الفيلسوف الألماني هانس جورج غادامير "اندماج الآفاق"، حيث لا يذوب أحد في الآخر، ولا ينتصر أفق على أفق، بل تتسع مساحة الفهم المشترك. يومها لفت انتباهي أن أغلب الضيوف القادمين من الشمال الأوروبي كانوا يحملون ثقافة إنسانية واسعة وانفتاحًا نادرا على الاختلاف، لا بوصفه موضوعا للتسامح فحسب، بل باعتباره شرطا من شروط المعرفة ذاتها.

ولعل هذا ما جعلني أعيد النظر في كثير من الصور النمطية التي رسختها الأدبيات الكلاسيكية حول العلاقة بين الشرق والغرب. فقد سبق أن التقيت شعراء ومثقفين من بلدان أوروبية مختلفة، ولم ألمس لديهم ذلك القدر من الحماس الإنساني الذي وجدته لدى مثقفين اسكندنافيين. بدا الأمر كما لو أن المسافة الجغرافية لا تعني بالضرورة مسافة وجدانية، وأن القرب الحقيقي، كما كان يرى مارتن بوبر، لا يتحقق إلا عندما يتحول الآخر من "هو" إلى "أنت"، ومن موضوع للمعرفة إلى شريك في الوجود.

لهذا كان صدور كتاب "الاستشراق السويدي" للكاتب والمترجم العراقي سعيد الجعفر حدثا فكريا استوقفني على أكثر من مستوى. فمن جهة أولى، يعيد الكتاب مساءلة مفهوم الاستشراق خارج المركزيات التقليدية التي احتكرت هذا الحقل لعقود طويلة، خصوصا في فرنسا وبريطانيا وألمانيا. ومن جهة ثانية، يفتح نافذة على تجربة معرفية مختلفة، أقل ارتباطا بالمشروع الإمبراطوري وأكثر اتصالا بالفضول العلمي والإنساني.

يصعب الحديث عن الاستشراق دون المرور عبر المنعطف الذي أحدثه إدوارد سعيد في كتابه الشهير ّالاستشراق". فقد كشف سعيد أن الاستشراق لم يكن مجرد معرفة بريئة بالشرق، بل نظاما من التمثلات أنتجته علاقات القوة، وحوّل الشرق إلى موضوع للهيمنة والضبط والتصنيف. لقد بيّن أن المعرفة ليست دائما منفصلة عن السلطة، وهو ما سيتوسع فيه لاحقا ميشيل فوكو حين اعتبر أن كل خطاب معرفي يحمل في داخله شبكة من علاقات القوة التي تحدد ما يمكن قوله وما يجب إقصاؤه.

غير أن القراءة المتأنية لتجارب الاستشراق الاسكندنافي، وخاصة السويدي، تضعنا أمام سؤال أكثر تركيبًا: هل كل معرفة بالآخر هي بالضرورة شكل من أشكال الهيمنة؟ أم أن ثمة إمكانا آخر للمعرفة يقوم على الحوار والإنصات والاعتراف المتبادل؟

يبدو أن الكتاب الذي يقدمه سعيد الجعفر يراهن على هذا الاحتمال الثاني. فهو لا يكتفي بتوثيق أسماء ومستشرقين ورحالة، بل يعيد بناء شبكة من العلاقات الثقافية التي نسجتها الرحلة والترجمة والبحث اللغوي، حيث يتحول الرحالة من مراقب خارجي إلى وسيط حضاري، وتتحول الرحلة من أداة استكشاف إلى أداة فهم.

ولعل المقارنة التي يقيمها الكتاب بين ابن بطوطة وسفين هدين تحمل دلالة عميقة. فكل منهما كان يبحث عن العالم، لكن العالم الذي عثر عليه لم يكن مجرد أمكنة ومدن وشعوب، بل كان في جوهره بحثا عن الذات من خلال الآخر. أستحضر هنا ما كتبه بول ريكور حين أكد أن فهم الذات لا يتم إلا عبر المرور بالغير، وأن الهوية ليست معطى ثابتا بل سردية تتشكل باستمرار من خلال اللقاءات والتجارب والتبادلات.

إن قيمة هذا العمل (أعكف على قراءته حاليا)، لا تكمن فقط في إعادة اكتشاف صفحة شبه منسية من تاريخ الاستشراق، بل في دعوته الضمنية إلى تجاوز الثنائيات الموروثة بين شرق وغرب، مركز وهامش، ذات وآخر. فالعالم المعاصر، كما يذكرنا زيغمونت باومان، لم يعد يحتمل الهويات المغلقة ولا الجدران الثقافية الصلبة، بل يتجه نحو فضاءات أكثر سيولة وتعقيدًا وتداخلاً.

وأعتقد أن الاستشراق السويدي لا يمكنه قراءته كموضوع أكاديمي أو أرشيف تاريخي، بل بإعادة التفكير في معنى المعرفة نفسها. معرفة لا تقوم على امتلاك الآخر أو اختزاله، وإنما على الإصغاء إليه. معرفة تجعل من الرحلة فعلا أخلاقيا بقدر ما هي فعل معرفي، ومن الاختلاف فرصة للفهم لا ذريعة للإقصاء.

مؤكد أن الكتاب سيتيح لي أن أقرأ جزءًا من تاريخنا بعين أخرى، وأن أرى نفسي في مرآة مختلفة. فربما لا تكون الحضارات، في نهاية المطاف، سوى حوار طويل بين ذواكر متعددة، تبحث جميعها عن شيء واحد: أن تفهم العالم دون أن تدّعي امتلاكه.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

هل المدونة تشريع باسم الدين أم مصادرة له؟

في هذه المقالة المستعجلة) كالمدونة المستعجلة- التي أقرت بلا إقرار حقيقي داخل البرلمان العراقي عام ٢٠٢٥- من دون قراءة واطلاع ومناقشة مطلقا، لانهم تصوروها منزلة من "السماء " وهي قد قدمت للتو بتوقيع من المعصوم جعفر الصادق (عليه السلام) مباشرة – فيها نقد لكيف تم تحويل المذهب الحر الى مذهب فقهي لا يشبهه.

الأخطر ما في الأمر انهم جعلوا المدونة كما لو كانت نصا منزلا، غير خاضع للنقاش والمراجعة وكأنها لاتتعامل مع بشر معاصرين. بل مع "كومة أحجار"  ثابتة ومتشابهة وتصوراتهم واحدة عن قضايا حياتهم ودينهم ؟ أو كما لو كانت صياغة النص القانوني غير خاضع للمساءلة والتهميش والتعديل .

وهنا تبدأ المشكلة فالفقه الجعفري عبر تاريخه الطويل لم يكن مذهبا مغلقا أبداً. بل كان قائما على مبدأ الاجتهاد المفتوح وعلى تعدد الآراء (واختلاف الفقهاء) وحق المكلف في اختيار المرجع الذي يقلده) لم يكن هناك نص قانوني او فقهي يحتكر الحقيقة باسم المذهب لكن المدونة الجديدة فعلت العكس تماما.

لقد حولت الفقه من حركة فكرية حيّة الى جهاز قانوني جامد) ومن تعددية الاجتهاد الى احتكار النص. ومن اختلاف الفقهاء والاراء الى مادة قانونية ملزمة تصدرها الدولة وتفرضها على المجتمع باسم الدين.

والسؤال هنا: هل ماجرى هو تشريع باسم الدين، أم مصادرة للدين نفسه؟

لأن الدولة حين تختار رأيا فقهيا واحدا من بين عشرات الآراء داخل المذهب الجعفري) ثم تحويله الى قانون نافذ) فإنها  لاتغير نظام المجتمع فقط) بل تعيد تشكيل المذهب نفسه وفق حاجتها السياسية والإدارية .

إن أخطر ما في المدونة ليس مضمونها أو تسميتها (بل الطريقة التي قُدمت بها، فقد أريد للمجتمع أن يتعامل معها بوصفها فوق النقد) وخارج النقاش وكأن الاعتراض عليها اعتراض على الدين ذاته وعلى المذهب الجعفري، -الذي يشعر اتباعه لليوم بأنهم مستهدفون في دينهم وتشريعهم- لا على صياغة قانونية بشرية قابلة للنقد والتعديل، فهي وأن كانت مستمدة من المدونات الفقهية الجعفرية الا أن نقلها للفتاوى ليس معصوما وطريقة الجمع والانتقاء بالآراء لم تكن معصومة بالتأكيد.

وهذه واحدة من أخطر آليات تدمير المجتمعات: أن يتحول القانون الى مقدس) وسياسة البلد الى دين والاجتهاد البشري الى حقيقة نهائية) والأخطر أن المدونة لم تطرح في مجتمع مستقر ومتوازن، بل في مجتمع عراقي ممزق بالحروب والطائفية والفقر والفساد والانهيار المؤسسي. أي أنها جاءت في بيئة متفجرة أصلا، لم تخرج من الحروب بعد، بدل أن تبحث عن ترميمها وتوحيدها .

فهل كان العراق بحاجة فعلًا إلى قانون يشوه المذهب ويجعله مع مرور الزمن مذهبا مغلقا ويفتح نزاعات مذهبية جديدة؟
وهل كانت الأولوية هي إعادة صياغة قانون الأحوال الشخصية) وفق صراعات الهوية الطائفية، بينما الدولة نفسها تعاني من فقدان العدالة والخدمات والاستقرار وغياب الدين الفعلي في مفاصل الحياة اليومية للناس الذين اكتفوا بالطقوس الظاهرية) التي دفعتهم اليها جماعات متشددة بعيدة عن روح الدين؟

إن القوانين الكبرى لاتبنى على الاستعجال) ولا على القداسة السياسية ولاعلى التخويف الديني) بل على النقاش المجتمعي العميق، والتوافق وفهم الواقع الاجتماعي والنفسي والاقتصادي للمواطنين .

أما حين يتحول البرلمان إلى مجرد ختم سريع لنصوص يُخشى الاقتراب منها، فإننا لا نكون أمام تشريع ديمقراطي، بل أمام إعادة إنتاج للاستبداد بلغة دينية، في صورة تبدو ديمقراطية. لمصلحة من يتم تزييف كل شيء ؟

لقد كان الفقه الجعفري حيا لأنه كان مفتوحا ومتعدد مقالة. وكان قويا لأنه قبلَ الاختلاف. وكان إنسانيا لأنه فهم تغير الزمان والمكان.

أما تحويله الى " مدونة مغلقة " تدعي تمثيله النهائي (فليس انتصارا للمذهب) كما أدعى البعض (بل اختزال له) وربما بداية فقدانه لروحه التاريخية التي قامت على الحرية والاجتهاد والتعدد .

***

ا. د. بتول فاروق

١٦/ ٦/٢٠٢٦

من بين أكثر الظواهر الإنسانية حضوراً وأشدها تعرضاً لسوء الفهم تأتي ظاهرة اللعب. فالكلمات التي تتناسل حولها؛ لعب، لعبة، ألعاب، ملاعب، منافسة، مباراة، مبارزة، سباق، رياضة، تدريب، تأهيل، بطولة، ماراثون، مونديال، وغيرها من الكلمات التي ترمز إلى النشاط الذي يمارسه الكائن الحي بوصفه جزءا أصيلًا من حياته (وما الحياة الدنيا الا لعب ولهو) إشارات إلى واحدة من أعمق الخبرات الوجودية التي صاحبت الكائن الحي منذ ظهوره على المعمورة. فاللعب ليس ترفاً ولا فعلاً هامشياً كما اعتادت بعض الثقافات أن تتصوره، وإنما هو أحد الأشكال الأولى التي تتجلى فيها إرادة الحياة ذاتها وهي تتعلم البقاء وتقاوم الفناء قانون الحياة الفطري وتشير دراسات علم السلوك الحيواني وعلم الأعصاب الوجداني إلى أن اللعب وظيفة بيولوجية أساسية لدى الثدييات، لأنه يسمح بتعلم العلاقات الاجتماعية وبناء الثقة وتجريب المخاطر داخل فضاء آمن، وهو ما يجعل الفرح نفسه حاجة وجودية لا ترفًا ثقافيًا.

للعب وظائف جوهرية في تأهيل صغار الحيونات وجعلها قادرة على التكيف مع الحياة. بل قل أن الحياة برمتها هي لعبة الكائنات الحية في الوجود ولا عذر للكائن من ممارستها طالما وهو موجودا؛ يجب أن يتقن ممارستها؛ إنها لعبته مع الموت والخوف والعجز والمرض في هذا الحياة التي لا ترحم العجز أبدا وهكذا نفهم كيف لعبت صغار الحيوانات قبل أن تتعلم الصيد والدفاع عن النفس، ولعب الإنسان قبل أن يؤسس المدن والدول والإمبراطوريات.

غير أن الإنسان بعقله هو الذي ارتقى باللعب إلى مرتبة الثقافة، وحوله إلى مؤسسة اجتماعية واقتصادية وسياسية وجمالية وأخلاقية، ووضع له قواعد ومعايير وأهدافاً تتجاوز مجرد التسلية. ففي الملعب تتجسد قيم الكفاءة والانضباط والمهارة والسرعة والإبداع، وتختفي الامتيازات الموروثة التي تأتي من خارج الجسد. هناك لا يعمل النسب ولا الثروة ولا السلطة ولا الخطابة، بل تعمل القدرات المتجسدة في الجسد ذاته. ولهذا تظل الرياضة واحدة من أكثر المجالات الإنسانية عدالة من حيث المبدأ، لأنها تعيد الإنسان إلى ما يستطيع أن يفعله بنفسه لا إلى ما يملكه خارج ذاته.

ولعل هذه الحقيقة هي التي جعلت اليونانيين يربطون بين الفلسفة واللعبة. فالرواية المنسوبة إلى فيثاغورس حين سُئل عن الفلاسفة ما تزال تحتفظ بقدرتها الرمزية حتى اليوم. فقد شبّه الحياة بمشهد احتفالي رياضي؛ بعض الناس جاءوا للمنافسة والفوز، وبعضهم جاءوا للتجارة والربح، أما الفلاسفة فقد جاءوا للمشاهدة والتأمل وفهم ما يجري. ومنذ ذلك الحين أصبح اللعب مرآة لفهم الوجود نفسه، لا مجرد نشاط ترفيهي عابر.

وبهذا المعنى يرى الفيلسوف الهولندي يوهان هويزينغا أن " الحضارة الإنسانية لم تنشأ من العمل الجاد وحده، بل من اللعب أيضًا؛ فالقانون والفن والشعائر وحتى السياسة تحمل في أصلها بنية لعبية قائمة على الرمزية والتمثيل" فاللعب ليس نقيض الجدية، بل أحد شروطها الخفية، لأنه يمنح الإنسان مساحة يخرج فيها مؤقتًا من ضغط الضرورة الاقتصادية والاجتماعية ليستعيد توازنه النفسي والجماعي.

ولم يكن من المصادفة أن يلتفت المفكرون المعاصرون إلى كرة القدم بوصفها الظاهرة الإنسانية الأكثر انتشاراً في عصرنا. فهذه اللعبة البسيطة التي تدور حول كرة مستديرة استطاعت أن تستقطب مشاعر مليارات البشر وأن تحول الانتماءات المحلية والقومية والدينية إلى لغة مشتركة يفهمها الجميع. إنها تقدم نموذجاً مصغراً للعالم: صراع وتنافس، انتصار وهزيمة، أمل وإحباط، عدالة وخطأ، فرد وجماعة، مهارة ونظام، حرية وانضباط. ولذلك فإن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة، بل أصبحت بنية ثقافية كاملة، ومختبراً إنسانياً لفهم الذات والآخر والمجتمع.

غير أن القيمة الفلسفية للعب لا تتوقف عند حدود الرياضة، بل تمتد إلى إعادة اكتشاف الجسد نفسه. ذلك الكيان يمنح هوية الكائن وتجربة حياته فكما يصعب تصور الابتسامة بدون وجه يبتسم فكذلك يستحيل وجود الكائن بدون كيان! وفيما يتصل بالكائن البشري هيمنت على الفكر الإنساني صورة مشطورة للإنسان تفصل بين الروح والجسد، بين العقل والمادة، بين السماء والأرض، بين الخلود والزوال. وبموجب هذه الثنائية تم الاحتفاء بالروح والعقل والوعي، بينما أُهمل الجسد أو نُظر إليه بوصفه وعاءً مؤقتاً أو مصدراً للشهوة والخطيئة والآثم.

مع عصر النهضة وما تلاه من حداثة فكرية لاسيما، منذ سبينوزا مروراً بنيتشه ووصولاً إلى فوكو ودولوز وميرلوبونتي، بدأت تقلب هذه المعادلة رأساً على عقب. لقد أعلن سبينوزا عبارته الشهيرة: «إننا لا نعرف بعد ما الذي يستطيع الجسد أن يفعله». وهي عبارة تبدو بسيطة ظاهرياً، لكنها تمثل انقلاباً جذرياً في فهم الإنسان لذاته. فهي لا تسأل عن الروح ولا عن العقل، بل عن الجسد نفسه بوصفه لغزاً لم يُكتشف بعد وربما كان روسو محقاً حين قال (إن أكثر الأشياء قرباً منا هي أكثرها بعداً عن فهمنا)

فكيف يمكننا النظر إلى اللعب والرياضة؟ فهما لا يعيدان اكتشاف الجسد بوصفه آلة بيولوجية فحسب، بل بوصفه مجالاً للإمكانات. فالعدّاء لا يكتشف قوة عضلاته فقط، بل يكتشف حدود الإرادة والتحمل والانضباط. واللاعب لا يكتشف جسده بوصفه كتلة لحمية، بل بوصفه ذكاءً متجسداً قادراً على اتخاذ القرار والحركة والإبداع في اللحظة ذاتها. ولذلك يصبح الجسد في الرياضة شكلاً من أشكال التفكير، ويصبح التفكير نفسه نشاطاً جسدياً.

ليس من قبيل المصادفة أن تستقر في الوعي الجمعي مقولات تبدو بديهية حدّ التكرار، مثل المثل العربي الشائع: «العقل السليم في الجسم السليم»، حتى تغدو أشبه بحقيقة نهائية لا تُمس. غير أن التأمل الفلسفي الهادئ يكشف أن هذه العبارة، على رسوخها، تنطوي على قلبٍ خفيّ في ترتيب العلة والنتيجة؛ إذ تضع الجسد شرطًا للعقل، بينما التجربة الإنسانية، في عمقها، توحي بالعكس: أن العقل هو الأصل، وهو الحارس الأول، وأن الجسد ليس إلا ميدانًا لتجلّياته.

فالعقل ليس مجرد أداة للتفكير، بل هو نظام توجيه كامل، يضبط الإيقاع الداخلي للإنسان، ويرسم حدود أفعاله، ويمنحه القدرة على التمييز بين ما يبني حياته وما يقوّضها. ومن دون هذا الرقيب الداخلي، يصبح الجسد عرضةً لقوى عمياء: شهوة بلا ميزان، وغريزة بلا ضابط، واندفاع بلا تقدير للعواقب. عندها لا تعود صحة الجسد مسألة عافية بيولوجية فحسب، بل تتحول إلى نتيجة مباشرة لغياب البوصلة العقلية. فكم من جسد قويّ ظاهريًا ينهكه سوء الاختيار، وكم من إنسان امتلك أسباب الصحة، لكنه أضاعها حين تخلّى عقله عن وظيفته كحارس ذكي للجسد فالتجربة الإنسانية لا تؤكد أن سلامة الجسد تنتج سلامة العقل بقدر ما تؤكد أن العقل هو الذي يصنع شروط سلامة الجسد فالعقل هو الذي يحول القوة إلى قيمة، والطاقة إلى معنى، والحركة إلى غاية.

وبهذا المعنى كتبت قبل أيام مقال بعنوان (الجسد السليم ثمرة من ثمار العقل السليم وليس العكس.

وإذا كانت هذه العلاقة صحيحة على مستوى الكائن الفرد، فإنها أكثر صحة على مستوى الكيان الاجتماعي. فكما يحتاج الجسد إلى عقل ينظم حركته، يحتاج المجتمع إلى عقل سياسي ينظم حياته المشتركة. والسياسة في معناها العميق ليست مجرد صراع على السلطة، بل هي فن إدارة الحياة الجماعية وضبط التوازن بين المصالح والقوى والرغبات المتعارضة.

وبهذا المعنى نفهم قول الشاعر ابو العلا المعري:

يَسوسونَ الأُمورَ بِغَيرِ عَقلٍ

فَيَنفُذُ أَمرُهُم وَيُقالُ ساسَه

فَأُفَّ مِنَ الحَياةِ وَأُفَّ مِنّي

وَمِن زَمَنٍ رِئاسَتُهُ خَساسَه

هكذا أذن السياسة، شأنها شأن العقل، يمكن أن تكون علاجاً أو سماً (فارماكون) بحسب أفلاطون. فهي قادرة على إنتاج العدل والأمن والأمل حين تخضع للقانون والمؤسسات، وقادرة في الوقت نفسه على إنتاج الخوف والعنف والانهيار حين تتحول إلى أداة للهيمنة والقهر. ولذلك فإن المجتمعات التي تفقد عقلها السياسي تشبه الأجساد التي تفقد جهازها العصبي؛ تستمر في الحركة لكنها تفقد الاتجاه.

ولا تدوم الدول الا ب «عدل صحيح وأمن راسخ وأمل فسيح». فالعدل هو عقل السلطة، والأمن هو جسدها، والأمل هو روحها. وإذا اختلّ هذا التوازن، دخلت المجتمعات في حالة شبيهة بانفصال الجسد عن عقله: حركة بلا وعي، وقوة بلا اتجاه، وانهيار يتقدّم ببطء ولكن بثبات. وهذا هو حال معظم المجتمعات العربية الراهنة بنسب متفاوتة.

ربما كان ذلك الهم المستديم هو ما دفعني للتفكير بالمعاني الفلسفية لمونديال 2026م الكروي؛ فالرياضة ذات دلالة حضارية تتجاوز حدود الترفيه، فهي تعلم المجتمعات معنى القواعد المشتركة، واحترام المنافسة، والاعتراف بالآخر، وقبول الخسارة، والاحتفال بالنجاح دون تدمير الخصم. إنها مدرسة مصغرة للحياة المدنية الحديثة إذ كشفت التظاهرات الرياضية العالمية أن البشر، رغم اختلاف لغاتهم وأديانهم وألوانهم، قادرون على الاجتماع حول قواعد واحدة ولغة واحدة ومشاعر مشتركة. وفي هذا المعنى يصبح اللعب أكثر إنسانية من السياسة أحياناً، لأنه ينجح في بناء ما تعجز عنه الأيديولوجيات والصراعات الكبرى.

لذلك فإن فلسفة اللعب ليست فلسفة عن الرياضة فحسب، بل هي فلسفة عن الإنسان ذاته. عن ذلك الكائن الذي لا يتوقف عن اختبار حدوده، وعن اكتشاف ما يستطيع أن يكونه. إنها دعوة إلى إعادة النظر في علاقتنا بأجسادنا الفردية والمجتمعية، بثقافتنا، بسياساتنا، وبأنفسنا. فربما كان السؤال الذي طرحه سبينوزا قبل قرون ما يزال ينتظر جوابه الكامل حتى اليوم: ماذا يستطيع الكيان أن يكوّنه؟

وتحضرني الذاكرة تفسير مشيل فوكو لهندسة الجسد في الحضارة الرومانية الامبراطورية. بضرب مثال عن عروض صراع العبيد مع بعضهم حتى الموت في مشهد احتفالي بهيج في روما. وهذا هو ما فعله قائد ثورة العبيد سبارتاكوس حوالي 111 ق.م.-71 ق.م حينما ثأر على روما العظيمة إذ تعلم سبارتكوس في مدرسة للعبيد كيفية مصارعة الوحوش في ملاعب روما لتسلية الرومان، وفي سنة 73 ق.م نظم ثورة للعبيد في تلك المدرسة، وحينما انتصر بسرعة مذهلة على أسياده وراح يطبق عليهم ذات الممارسة التي تعلمها في مدرستهم إذ جعلهم يمارسون لعبة مصارعة الوحوش في الملعب الروماني وكان هو وقادة ثورته يشاهدون العرض بحماسة بالغة. إذ لم يكن لديه ما يفعله بأكثر مما تعلمه في مدرسة العبودية الرومانية ورغم هزيمته بعد سبعين يوما فقط إلا أن ثورته غيرت الإمبراطورية الرومانية نجح في تغيير تصور الرومان للعبيد، الذي أدى إلى تحسينات في حياة ووضع العبيد وتقليص العبودية تدريجيًا. فهل سيغير مونديال 2026م صورة العرب عن أنفسهم وتصورهم للعالم والحضارة العالمية الراهنة؟ لاسيما وإن هذا الجولة تظم ثمانية منتخبات عربية منافسة هي (مصر والعراق والجزائر والأردن والمغرب وقطر والسعودية وتونس) والثقافة يمكن اكتسابها بالتقليد والمحاكاة أما الحضارة فلا يمكن اكتسبها لا بتعلم قواعد لعبتها بالتعليم والممارسة لأن الممارسة ليس مثالاً غامضاً أو أرضية تحتية للتاريخ أو محركاً خفياً بل هي ما يفعله الناس حقاً وفعلاً فالكلمة كما يقول الفرنسي بول فين :” تعبر بوضوح عن معناها ” وإذا كانت بمعنى من المعاني (محتجبة) كالجزء المحتجب من جبل الجليد، فذلك هو ما تجهد القوى المهيمنة والمتسلطة والقابضة على السلطان والنفوذ في إخفائه على الدوام بما تثيره من زوابع ونقع كثيف يظلل أرض المعركة بالدخان والغبار، وهذه هي الوظيفة الجوهرية للأيدولوجيا السياسية، إنها العمل الدؤوب على إخفاء وحجب الواقع السياسي الفعلي في عالم الممارسة المتعينة.

نعم المونديال حدث رياضي إنساني عالمي ولكنه خطاب انتجته قوى لعبة أخرى ليست لعبتنا ولم يكن لنا دورا في انتاجه وتصميم قواعد لعبته التنافسية الشفافة ومع ذلك يبقى المونديال حدث مهمه بالنسبة لنا نحن العرب. إذ شكل فرصة سانحة للاحتكاك المباشر بشعوب وثقافات ومعتقدات متعددة قلما اجتمعت في مكان واحد. الآخر مرآة الذات كما اكرر القول دائما إذ لا تنكشف حجب الذات عن ذاتها إلا بالاحتكاك بالآخرين ومعايشتهم وكل ما عرفت الذات الأخر كلما زاد معرفتها لذاتها والتربية الجسدية الفردية تشبه الثقافة المجتمعية فكما إن التربية البدنية السليمة لا تهتم بتمرين(القدم أو الرأس فقط) أو أي عضو معين من أعضاء الجسم بل هي ممارسة تهتم بتمرين وتهيئة الجسم كله وإكسابه اللياقة اللازمة للنشاط والطاقة والحيوية والحركة والاستدارة بمرونة ورشاقة. والثقافة بوصفها استراتيجية للتنمية العقلانية المستدامة، تمنح الأفراد القدرة على استعمال جميع المعارف والمهارات المكتسبة لمجابهة الأوضاع المختلفة وحل المشكلات الجديدة؛ أي تمنحهم (الذكاء الجسدي والعاطفي) إذ (هي ما يبقى بعد نسيان كل شيء) والثقافة بهذا المعنى هي تجسيد لمفهوم الهابيتوس عند بيبر بورديو بوصفها نسقا من الاستعدادات المُكتسبة بالتربية والممارسة الاجتماعية التي تحدد سلوك الفرد ونظرته إلى نفسه وإلى الأخرين والحياة و الكون، وهو أشبه ما يكون بطبع الفرد أو بالعقلية التي تسود في الجماعة، لتشكل منطق رؤيتها للكون والعالم. ووفقاً لهذا التصور، يعد «الهابيتوس» جوهر الشخصية والبنية الذهنية المولدة للسلوك والنظر والعمل، وهو في جوهره نتاج لعملية استبطان مستمرة ودائمة لشروط الحياة ومعطياتها عبر مختلف مراحل لوجود، بالنسبة للفرد والمجتمع. فهل فهمنا معنى اللعبة ودلالتها الحضارية. كتب الدكتور ياسر قنصوه

" أن الاسـتدارة الكرويـة ليسـت مصادفـة، بـل حـدث يثـر أسـئلة فلسـفية وإنسـانية تدعونـا لإجابـات مدهشــة وعميقــة، فقــد جــاء التصميــم كالكــرة الأرضيــة بعالمهــا الرحــب، حيــث التنافس والصراع والانتصار والهزيمــة، والانكســار والإحبــاط، والعــودة مــن جديــد أو روح «الريمونتــادا»(*) وقــد تلخــص الاســتدارة الكرويــة مفهــوم العدالــة."

***

قاسم المحبشي 15، يونيو 2026م

........................

(ينظر، ياسر قنصوه، عندما يركل الفلاسفة كرة القدم، الصادر عن دار ريشة للنشر والتوزيع بالقاهرة 2024م) والدنيا دوّارة.

 

في الآونة الأخيرة، اتجه المزيد من المؤلفين الأجانب الى اليونان القديمة ليتمتعوا بالإلهام في رواياتهم. الكتّاب المعاصرون ومعظمهم من البريطانيين والامريكيين، اعتمدوا على الميثولوجيا اليونانية لإضافة المزيد من العمق لقصصهم، وهم ربما في صواب في ذلك نظرا للمشاهد اليونانية الجميلة وثراء الافكار الميثولوجية والدينية مما جعل من اليونان القديمة خلفية مثالية للرواية.

بدأ اتجاه كتابة مسرح الروايات في اليونان القديمة في أواسط القرن العشرين وتحديدا في الستينات. اليونان القديمة بقيت خيارا جاذبا للمؤلفين. وبعيدا عن المناظر الخلابة، وما فيها من أودية ومعابد، فان التاريخ الثري لليونان القديمة وميثولوجيتها يضيفان عناصر مثيرة لأي قصة، تنقل القارئ الى ما يعتبره البعض أعظم حقبة على مر العصور.

من خلال كتابة روايات تدور أحداثها في اليونان القديمة، يمكن للمؤلفين الالتقاط والاختيار من مستودع غني بالاساطير والالغاز، مثل آلهة انتقامية او خيّرة، أبطال ملاحم، وكائنات اسطورية. هذه تخلق وصفة جميلة من أحداث دراماتيكية مثل حرب طروادة او القتال بين مدن كبيرة مثل أثينا وسبارطة.

في السنوات الأخيرة، بدأ المؤلفون أيضا باستطلاع شخصيات وأساطير أقل شهرة، مثل ثيسيوس و بينيلوب (زوجة اوديسيوس الوفية)، والساحرة سيرس. مؤلفو الروايات الخمس التالية في اليونان القديمة أضفوا الحيوية على تلك الفترة من خلال كلماتهم، ويمكن للمرء ان يتوقع الانجراف الى عالم الآلهة والوحوش والابطال والبطلات الذين يصعب نسيانهم.

1- رواية الملك يجب ان يموت، للروائية ماريا رينو Mary Renault

هذه واحدة من بين روايتين في سلسلة ثيسيوس من جانب المؤلفة البريطانية ماري رينو نُشرت عام 1958. انها إعادة تصوّر حية لإسطورة ثيسيوس التي تتعقب قصته بدءا من شاب نبيل الى بطل اسطوري عبر معارك ملحمية مع مينوتور وصراعه للدفاع عن العرش، الذي يواجه تهديد المغتصبين للحكم. أحداث الرواية تجري في كريت المينوية، بقصورها الرائعة وثقافتها الثرية النابضة. وسواء كنت متذوقا للتاريخ اليوناني ام لا، فان القصة ستسحبك الى عالم الاحتفال، الى تعقيدات السياسة اليونانية القديمة، والى شبكة من الممرات المحيرة حيث يقاتل ثيسيوس أشهر الوحوش في الميثولوجيا اليونانية.

2- اغنية أخيل، للكاتبة الامريكية مادلين ميلر

اغنية اخيل هي اول رواية لمادلين ميلر والفائزة بجائزة الرواية لعام 2012. وحسب عنوان الرواية، انها تدور حول احد اشهر الابطال في اليونان القديمة، اخيل، حيث رُويت القصة بواسطة ابن عمه باتروكلس.

نالت رواية ميلر المديح لنثرها الجميل الذي يستطلع الروابط العميقة بين اخيل وباتروكلس وسط فوضى حرب طروادة. انها تنقل القرّاء الى قلب اليونان حيث ساحة حرب طروادة ولكن أيضا تقدم لهم استرخاء المناظر الطبيعية الهادئة لليونان القديمة، وجبالها الشاهقة، وسواحلها الخلابة.

3- البينلوباد للروائية مارغريت اتوود

البينلوباد هي احدى الروايات التي تستكشف شخصيات أقل شهرة في الميثولوجيا اليونانية القديمة، مثل بينيلوب زوجة اوديسوس الصابرة. الرواية نُشرت عام 2005، انها إعادة سرد لاسطورة اوديسيوس من وجهة نظر بينيلوب حيث كانت تمضي حياتها في عزلة اثناء غياب زوجها.

في بينيلوباد، تعطي مارغريت اتوود بينيلوب صوتا، بينما في الاوديسة لا تعطي ذلك. بهذه الطريقة، يمكن للقارئ معرفة شخصيتها وذكائها في المكائد ضد خاطبيها. جرت الرواية في منظر طبيعي مثالي في ايثاكا، انها رواية مثالية اذا اردت ان تنتقل الى واحة في جزيرة يونانية ولكن أيضا التعمق في اسطورة اوديسوس من منظور نقدي اكبر.

4- رواية الألف سفينة للروائية البريطانية ناتالي هاينز

استمرارا لنهج استخدام اليونان القديمة كخلفية لإستكشاف قصص المرأة، رواية الالف سفينة هي إعادة سرد لحرب طروادة من خلال عدسة امرأة. هاينيز تجسد مجموعة من الشخصيات النسائية من الاساطير اليونانية القديمة، بما في ذلك شخصيات نسوية شهيرة مثل كاساندرا واندروماخي، وإلهة ايريس واثينا. هي أيضا تلقي الضوء على شخصيات غير معروفة  مثل كريوسا بنت الملك بريما و بنثيسليا ملكة الامزون.

رواية الالف سفينة تأخذ القارئ في رحلة عبر مدينة توري المتألقة والمناظر المتباينة للعالم اليوناني القديم. انها تحكي القصص الفردية لهذه الشخصيات النسائية، تصف كيف أثّرت عليهن حرب طروادة من داخل طروادة المحاصرة ومن خارجها.

5- رواية سيرس Circe للكاتبة مادلين ميلر

معظم الناس يتذكرون سيرس كساحرة أبقت اوديسوس عالقا في جزيرتها لمدة سنة في طريقه الى مدينته ايثاكا. في روايتها، تعيد ميلر تصور سيرس كشخصية قوية وتتعقب رحلة الإلهة من حياة محمية في قصر والدها المتلألئ الى منفاها البعيد في جزيرة نائية، اثناء منفاها، ستواجه سيرس آلهة يونانيين بارزين وابطال، بعضهم يساعدها وآخرون يعارضونها. هي صادفت الآلهة مثل هيرمس، الصياد ابولو واثينا بالإضافة الى شخصيات هامة مثل ديدالدس، جاسون، وميديا. بالطبع، هي أيضا صادفت اوديسيوس.عبر مزج عظمة الأسطورة مع عواطف الانسان، وأجواء المناظر الخضراء والذهبية لجزر اليونان القديمة، تقدم ميلر للقارئ تجربة لا تُنسى حقا.  

***

حاتم حميد محسن

مقدمة: تشكل عملية تحويل السيرة الذاتية والتجارب الحياتية الشخصية إلى عمل فني واحدة من أعمق أشكال التعبير الإنساني. فالفن ليس مجرد تزيين للواقع، بل هو إعادة صياغة له، حيث يتحول الزمن الخاص إلى زمن عام، والألم الفردي إلى تجربة جماعية، والذكرى العابرة إلى رمز خالد. عندما يستمد الفنان من حياته الخاصة، لا يروي قصته فحسب، بل يعيد تشكيلها بطريقة تكشف عن أبعاد إنسانية أوسع، مما يجعل العمل الفني جسراً بين الذات والعالم. هذه العملية تتطلب توازناً دقيقاً بين الصدق العاطفي والتحكم الجمالي. فالسيرة الخام غالباً ما تكون فوضوية، مليئة بالتناقضات والتفاصيل غير الضرورية، بينما يحتاج العمل الفني إلى بنية وإيقاع ودلالة. التحويل إذن ليس نقلًا حرفيًا، بل إبداعًا يعتمد على الاختيار، التركيز، والرمزية. فبماذا تتم عملية التحويل الإبداعي للذات؟ وماذا يقتضي ذلك؟ وماهي النتائج المرتبة عن ذلك؟

الخطوة الأولى: الغوص في الذات والتأمل النقدي

تبدأ العملية دائمًا بالتأمل العميق. يجب على الفنان أن يعود إلى ذاكرته كما يعود المستكشف إلى أرض غير مُكتشفة. اكتب يوميات حرة دون رقابة، سجّل الأحداث الرئيسية، الإخفاقات، اللحظات المضيئة، العلاقات المؤثرة، والصدمات التي غيّرت مسارك. لا تبحث عن "القصة الكبيرة" في البداية؛ اترك الذكريات تتدفق كما هي.ثم انتقل إلى مرحلة التحليل: ما هي الأنماط المتكررة في حياتك؟ هل هناك موضوع متكرر مثل الفقدان، الهجرة، البحث عن الهوية، أو مواجهة السلطة؟ ما هي الرموز الشخصية التي تظهر في ذاكرتك (مكان معين، رائحة، أغنية، جرح)؟ هذه العناصر تصبح بذور العمل الفني. الغوص يجب أن يكون صادقاً، حتى لو كان مؤلماً؛ فالفن الحقيقي ينبع من الجرح لا من السطح.

الخطوة الثانية: اختيار الشكل الفني المناسب

ليس كل شكل فني يناسب كل سيرة. يجب أن يتناسب الشكل مع طبيعة التجربة: في الأدب: يمكن كتابة مذكرات أو رواية شبه ذاتية. في المذكرات، يبقى الصوت الشخصي مباشراً، أما في الرواية فيتحول "أنا" إلى شخصية تسمح بالمسافة النقدية والخيال. يمكن استخدام تقنيات مثل التداخل الزمني أو السرد المتعدد الأصوات لتعكس تعقيد الذاكرة.

في الفنون البصرية: تحول التجارب إلى لوحات، منحوتات، أو تركيبات. يمكن أن يصبح جرح الطفولة خطاً تشكيلياً، أو رحلة الهجرة سلسلة من الصور المتحركة. هنا يلعب اللون والملمس والفراغ دوراً في نقل العواطف غير القابلة للوصف بالكلمات.

في المسرح والأداء: يتحول الجسد إلى أداة. يستخدم الفنان جسده وصوته لإعادة تمثيل اللحظات الحاسمة، أو يخلق "مسرحاً وثائقياً" يمزج بين الحقيقي والمتخيل.

في السينما والفيديو: تسمح التقنيات السينمائية بإعادة بناء الزمن، استخدام المونتاج لربط ذكريات متباعدة، أو التصوير الرمزي للعواطف.

في الموسيقى والشعر: تحول التجارب إلى إيقاع ولحن أو صور شعرية. الإيقاع يمكن أن يعكس نبض القلب في لحظة الخوف، والكلمات المكثفة تنقل ما يصعب شرحه.

الاختيار يعتمد على القدرة التقنية والرغبة العاطفية: أي شكل يسمح لك بأن تكون أكثر صدقاً وتأثيراً؟

الخطوة الثالثة: تقنيات التحويل الإبداعي

هنا يكمن جوهر العملية. التحويل يتطلب عدة عمليات:

التقطير والتركيز: اختر لحظات مفتاحية بدلاً من سرد كل شيء. لحظة واحدة قد تكثف عقوداً من التجربة.

الرمزية والاستعارة: حوّل الواقع إلى رمز. بدلاً من وصف الفقر حرفياً، قد يصبح "غرفة مظلمة بدون نوافذ" رمزاً للكبت. الرمز يفتح الباب للتأويل العام.

المسافة النقدية: عامل "أنا" السابق كشخصية. اسأل: ما الذي كان يجهله ذلك الشخص؟ ما الذي تعلمته لاحقاً؟ هذا يضيف عمقاً درامياً.

التخييل المدروس: لا بأس بتعديل التفاصيل أو دمج شخصيات أو تغيير تسلسل الأحداث إذا خدم ذلك الحقيقة العاطفية. الفن ليس توثيقاً قضائياً، بل بحثاً عن الحقيقة الأعمق.

البنية الدرامية: أعطِ السيرة قوساً درامياً (استعراض- صراع - ذروة - انحلال). حتى لو كانت الحياة فوضوية، يحتاج العمل الفني إلى إحساس بالاتجاه.

الطبقات المتعددة: اجعل العمل يعمل على مستويات مختلفة: السطحي (القصة)، والعاطفي، والفكري، والرمزي. لكن هذه العملية تواجه تحديات عديدة.

 أولها الخوف من الكشف: كيف أفضح ضعفي؟ الحل يكمن في فهم أن الصدق هو مصدر القوة، وأن الجمهور يتعاطف مع الإنسانية المشتركة لا مع الكمال.

 التحدي الثاني هو الغرق في العواطف: قد يؤدي الاستغراق في الألم إلى عمل فوضوي. لذلك، حدد أوقاتاً للكتابة أو الإبداع، وأوقاتاً للابتعاد.

التحدي الثالث أخلاقي: خصوصية الآخرين. هنا يجب التوازن بين حقك في رواية قصتك وحق الآخرين في خصوصيتهم. غيّر الأسماء، أو ركز على تأثير العلاقة عليك بدلاً من تفاصيل الآخر.

التحدي الرابع فني: كيف تتجنب السقوط في الذاتية المفرطة التي لا تعني أحداً؟ الحل هو ربط الخاص بالعام دائماً: ما الذي في تجربتي يشبه تجارب الآخرين؟

عندما تنجح في تحويل سيرتك إلى عمل فني، تحدث عملية تحرر مزدوجة. أنت تحرر نفسك من عبء الذاكرة غير المُعالجة، وفي الوقت نفسه تقدم شهادة للعالم. يصبح عملك مرآة يرى فيها المتلقي نفسه، حتى لو اختلفت التفاصيل.

خاتمة

هذا النوع من الفن يمتلك قوة خاصة في عصرنا، حيث يبحث الناس عن أصالة وسط الزيف الرقمي. السيرة المُحوّلة فنياً تذكّرنا بأن كل حياة هي قصة فريدة تستحق أن تُروى، وأن الفن هو الوسيلة التي تحول الزمن الضائع إلى معنى دائم. في النهاية، صناعة الأثر الفني من التجارب الشخصية ليست مجرد تقنية، بل هي موقف وجودي: رفض أن تكون ضحية الزمن، وإصرار على أن تصبح خالقاً له. كلما غصت أعمق في ذاتك، كلما ارتفع عملك نحو العالمية. ابدأ اليوم، واكتب أو ارسم أو أدِ أول خطوة، فالرحلة نفسها هي التحفة الأولى. فماهي تقنيات السرد الذاتي في التجارب الفلسفية؟ وهل يمكن لفن المذكرات البصرية المعاصرة أن تتدخل في فن صناعة الذات تخيليا؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

تزايدت في السنوات الأخيرة حالات الخلافات الزوجية والطلاق بين الشباب بصورة تثير القلق وتدعو إلى البحث في أسباب ذلك. ومن المؤسف أن هذه الظاهرة أصبحت واقعاً يلمسه كثير من الناس في محيطهم العائلي والمجتمعي. وهذا يدفعنا إلى طرح سؤال مشروع: هل تراجع الشعور بالمسؤولية إلى الحد الذي جعل بعض الناس يتعاملون مع الزواج وكأنه رحلة سياحية مؤقتة يمكن إنهاؤها عند أول خلاف أو عقبة؟

ومع ذلك، فإن الحديث عن هذه الظاهرة لا يعني التعميم على جميع الزيجات أو التقليل من شأن النماذج الأسرية الناجحة التي ما زالت تمثل الأغلبية في مجتمعنا، وإنما يهدف إلى التوقف عند ظاهرة تستحق التأمل والبحث عن أسبابها وسبل معالجتها.

لم يعد الزواج، في ظل المرحلة الانتقالية المتسارعة التي نعيشها اليوم، يحظى بالمكانة ذاتها التي كان يتمتع بها في السابق. فقد أفرزت التحولات الاجتماعية والثقافية المتلاحقة تغيرات عميقة في منظومة القيم والنظرة إلى العلاقات الأسرية. وكان الزواج في نظر الأجيال السابقة مشروع حياة يقوم على الشراكة والصبر وتحمل المسؤولية، وكان الزوجان يدركان تماماً أن الحياة المشتركة لا تخلو من التحديات والخلافات، وأن استقرار الأسرة ونجاحها يتطلبان قدراً من التنازل والتسامح والحوار. أما اليوم، فيبدو أن ثقافة الاستهلاك والسرعة قد امتدت إلى العلاقات الإنسانية أيضاً، فأصبح بعض الأزواج يتطلعون إلى حياة مثالية خالية من المنغصات، فإذا ما ظهرت خلافات أو صعوبات، ولو كانت طبيعية وعابرة، سارعوا إلى التفكير في الانفصال بدلاً من البحث عن سبل التفاهم والمعالجة. إن وزر الطلاق مشترك يتحمله الطرفان، وهو ناتج عن أخطاء أو تقصير متبادل، وإن كان كل طرف يميل إلى تبرئة نفسه وإلقاء اللوم كاملاً على الطرف الآخر، فيظهر نفسه في صورة الملاك ويصوّر شريكه في صورة الشيطان.

ومن المؤسف أن مظاهر عدم الاكتراث ببيت الزوجية قد أصبحت أكثر وضوحاً في بعض الأوساط الأسرية، حيث تراجع الاهتمام الذي كان يُبذل لبناء بيت مستقر ودافئ أمام أنماط حياة جديدة فرضتها التحولات الاجتماعية والثقافية على مجتمعاتنا. فنجد اليوم بعض الأزواج يقضون أوقاتاً أطول خارج المنزل، في المقاهي وأماكن الترفيه أو في أنشطة اجتماعية مختلفة، تمتد أحياناً إلى ساعات متأخرة من الليل. كما يشهد المجتمع خلال السنوات الأخيرة تغيرات ملحوظة في بعض العادات الاجتماعية، فبعض الممارسات التي كانت في السابق أقل شيوعاً بين النساء أصبحت اليوم أكثر انتشاراً، ومن ذلك قضاء أوقات طويلة في المقاهي أو المنتديات والتجمعات الاجتماعية، يتسامرن خلالها ويدخنّ “الشيشة”. وقد تثير هذه المتغيرات خلافات بين الزوجين عندما تختلف توقعاتهما بشأن طبيعة الحياة الزوجية والأدوار والمسؤوليات المشتركة؛ إذ يختار الشباب اليوم تفاصيل حياتهم وهم يحملون تصورات مسبقة تشكلت في بيئاتهم الأولى، وعندما يصطدمون بواقع مختلف تنشأ الخلافات. وقد يحاول أحد الطرفين تغيير سلوكيات الطرف الآخر بما يتوافق مع قناعاته وتوقعاته، في حين يتمسك الطرف الآخر بما يراه حقاً شخصياً أو جزءاً من حريته في اختيار نمط حياته، متناسياً أنه أصبح جزءاً من منظومة أسرية اختارها بنفسه وبإرادته، ولم يعد فرداً مستقلاً في قراراته كما كان قبل الزواج، الأمر الذي قد يؤدي إلى اتساع فجوة التفاهم إذا غاب الحوار والتفاهم المتبادل بينهما.

وفي سياق متصل، هيمنت الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي على جزء كبير من وقت أفراد الأسرة واهتماماتهم، لدرجة أن التواصل الافتراضي بات يحل محل الحوار المباشر داخل المحيط الأسري. وبذلك تفاقمت شكاوى الأزواج من الإهمال المتبادل والانشغال الرقمي، الأمر الذي يؤدي إلى تراكم المشكلات الصغيرة وتعاظمها لتهدد في نهاية المطاف استقرار الكيان الأسري.

ومن المظاهر التي تستحق التوقف عندها، أن الأوقات التي كانت تقضيها الأسر خارج المنزل بشكل عائلي يضم جميع أفراد الأسرة مجتمعين، كزيارة الأقارب والأصدقاء أو الخروج في نزهات مشتركة، لم تعد شائعة كما كانت في السابق. فأصبح أفراد الأسرة يمارسون أنشطتهم بصورة فردية مع أصدقائهم وأقرانهم، وتغيّرت تبعاً لذلك أوقات عودتهم إلى المنزل. ففي الماضي كانت هناك حدود زمنية متعارف عليها داخل معظم العائلات، حيث يحرص الآباء والأمهات والأبناء على العودة إلى منازلهم في ساعات معقولة من المساء في الأيام الاعتيادية، مما يتيح فرصة للقاء العائلي وتبادل الحديث والاطمئنان على أحوال بعضهم بعضاً. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف في بعض الأسر أن يتأخر بعض الأزواج أو الأبناء في العودة إلى المنزل، كلٌّ على حدة، حتى ساعات الفجر الأولى، من دون وجود ضرورة حقيقية تستدعي ذلك. وبذلك تتغير ساعاتهم بحيث يصبح الليل للسهر والنهار للنوم، ويعكس هذا الواقع تراجع الالتزام بالنظام الأسري وضعف التواصل بين أفراد العائلة، الأمر الذي قد يؤدي تدريجياً إلى اتساع الفجوة بينهم وتلاشي جزء كبير من اللقاءات اليومية التي كانت تعزز الترابط الأسري.

ومن العادات الأسرية الجميلة التي تغيّرت كثيراً، والتي كانت تعزز الترابط بين أفراد العائلة، اجتماع أفراد الأسرة، ولو مرة واحدة يومياً، لتناول وجبة الطعام. ففي هذه المناسبة يلتقي أفراد الأسرة حول مائدة واحدة، يتبادلون الحديث، ويتفقد بعضهم أحوال بعض. وكانت أوقات الوجبات محددة، وكان أفراد الأسرة ينتظرون عودة الأب من عمله ليجتمعوا جميعاً إلى المائدة التي كان يتصدرها بوصفه رب الأسرة.

أما اليوم، فإذا وُجدت وجبة طعام داخل المنزل أصلاً، فقد أصبح كل فرد يعيش في عالمه الخاص؛ يأكل متى يشاء، ويتناول ما يطلبه من المطاعم، وغالباً ما يكون منشغلاً بهاتفه أو شاشته الخاصة أثناء الطعام. وهكذا تضاءلت فرص الحوار والتواصل العائلي، وفقدت مائدة الطعام دورها التقليدي بوصفها مساحة يومية للقاء والتقارب بين أفراد الأسرة.

ومن أكثر المظاهر إيلاماً فقدان الاحترام المتبادل بين بعض الأزواج. فالكلمة الجارحة التي كانت تُعد تجاوزاً غير مقبول أصبحت تُقال بسهولة، وأصبح استخدام الألفاظ البذيئة أو الإهانة، التي قد تمتد أحياناً إلى عائلاتهم، حاضراً في بعض البيوت. وهنا يجب التأكيد على أن العنف الجسدي، بأي شكل كان، هو سلوك مستهجن وغير أخلاقي وغير قانوني، ولا يمكن تبريره بأي حال من الأحوال. والحقيقة أن أي علاقة زوجية سليمة لا يمكن أن تستمر في ظل غياب الاحترام؛ لأن الاحترام هو الأساس الذي تقوم عليه المودة والرحمة اللتان وصفهما القرآن الكريم بأنهما جوهر العلاقة الزوجية.

ومن الأسئلة التي تطرح نفسها بقوة: لماذا لم يعد الأبناء، وبخاصة الأطفال، يشكلون عاملاً رادعاً للأزواج الراغبين في الطلاق؟ فالأطفال هم أكثر المتضررين من النزاعات الزوجية، إذ تترك هذه الخلافات آثاراً نفسية واجتماعية ترافقهم طوال سنوات حياتهم. ولذلك ينبغي أن تراعى مصلحة الأبناء وأن تكون مصلحتهم حاضرة في كل محاولة للإصلاح قبل الوصول إلى قرار الانفصال. فالأطفال الذين ينشؤون في أسرة مفككة يحملون آثار تلك التجربة معهم إلى مراحل لاحقة من حياتهم، وقد تنعكس على شعورهم بالأمان والاستقرار وعلى نظرتهم إلى الزواج والحياة الأسرية. كما قد يصبح بناء أسرة متماسكة في المستقبل أكثر صعوبة بالنسبة لبعضهم بسبب ما عايشوه من خلافات واضطرابات خلال سنوات الطفولة.

ومما يثير الدهشة والاستغراب أن النساء اليوم أصبحن أكثر مبادرة إلى طلب الطلاق مقارنة بالماضي، بعد أن كانت كلمة «الطلاق» تمثل كابوساً يرهب كثيراً منهن. ولهذه الظاهرة أسباب متعددة؛ ففي الماضي كانت المرأة، خوفاً من نظرة المجتمع السلبية إلى المطلقة، أو بسبب اعتمادها الاقتصادي الكامل على الزوج تتحمل أقسى الظروف لتجنب الطلاق. أما اليوم فقد أصبحت المرأة أكثر تعليماً واستقلالاً وقدرة على اتخاذ القرار، وهو تطور إيجابي من حيث المبدأ ويعكس تقدماً في مكانة المرأة ودورها في المجتمع. غير أن هذا التطور، على اهميته وإيجابياته، يستدعي إعادة التأكيد على المسؤولية المشتركة، بحيث لا يصبح الطلاق الخيار الأول أو الحل الأسهل عند كل خلاف. فاستقلال المرأة، كما هي سلطة الرجل، يجب أن يقترن بالحكمة والشعور بالمسؤولية والحرص على استنفاد فرص الحوار والتفاهم والإصلاح قبل الوصول إلى قرار الانفصال، حفاظاً على تماسك الأسرة واستقرارها كلما كان ذلك ممكناً.

ومن الطبيعي ألا نغفل سبباً آخر يتمثل في الضغوط الاقتصادية والمعيشية التي تواجهها كثير من الأسر في الوقت الحاضر؛ فارتفاع تكاليف المعيشة، وتحديات العمل، والقلق بشأن المستقبل، كلها عوامل تشكل ضغوطا نفسية على العائلة وتدفع الكثيرين إلى البحث عن فرص عمل بعيداً عن أماكن سكنهم، مما يؤدي إلى غياب بعض الأزواج لفترات ليست بالقصيرة، وقد ينعكس ذلك سلبا على العلاقة الزوجية والتواصل والحميمية الأسرية. وتسهم هذه العوامل في زيادة التوتر داخل الأسرة وتفاقم الخلافات الزوجية. غير أن هذه التحديات، على صعوبتها، لا ينبغي أن تلغي أهمية الحوار والتفاهم والتعاون بين الزوجين في مواجهتها.

إن تدني المستوى الثقافي لبعض الشباب، وتراجع ثقافة الحوار والصبر والإصلاح، وضعف الاستعداد لتحمل المسؤولية الأسرية ومواجهة مصاعب الحياة وتحدياتها، أصبحت من أبرز المشكلات التي تواجه الحياة المشتركة. ولعل الحاجة اليوم باتت أكبر من أي وقت مضى إلى تعزيز ثقافة الأسرة، وإعداد الشباب والفتيات للحياة الزوجية قبل الزواج، وتدريبهم على مهارات الحوار وإدارة الخلافات وتحمل المسؤولية، كما تبرز الحاجة الى توفير جهات استشارية نفسية وأسرية ودينية يمكن للزوجين اللجوء إليها عند وقوع المشكلات، بدلاً من اللجوء إلى الدجالين والمشعوذين ومدّعي قراءة الطالع والسحرة الذين يؤججون الخلافات ويعجلون بالانفصال. فاستقرار الأسرة هو أساس استقرار المجتمع كله، وإذا ضعفت الأسرة ضعفت معها منظومة القيم والعلاقات التي يقوم عليها المجتمع، فالزواج ميثاق يقوم على المشاركة في السراء والضراء، وعلى بناء أسرة مستقرة تمنح أبناءها الأمان والتوازن.

وفي الختام، يبقى السؤال مفتوحاً أمام الجميع: كيف نحافظ على مؤسسة الزواج بوصفها الركيزة الأساسية لبناء الإنسان والأسرة والمجتمع، ونحميها من أن تتحول إلى علاقة عابرة تنتهي عند أول اختبار أو خلاف؟

نسأل الله تعالى أن يحفظ شبابنا وأسرنا من كل سوء، وأن يديم على بيوتنا المودة والرحمة والتفاهم، فبصلاح الأسرة يصلح المجتمع، وباستقرارها يستقر المستقبل.

والله ولي التوفيق

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

وجدت الشكلية في الشرائع القانونية القديمة ولازالت موجودة في أحدثها، والشكلية البدائية هي شكلية رمزية تنطوي على القيام بحركات خاصة أو التفوه بعبارات محددة يتوقف عليها تحقق الأثر القانوني، ويرى مؤرخو القانون أن هذه الشكلية كانت تعبر عن رغبة عند الإنسان القديم في إشباع غريزة حب المظاهر الخارجية البراقة التي كانت، بما تضفيه من رونق وبهاء على حياته، تقيم الحساسية مقام عقلية كانت لاتزال قاصرة.

وتختلف الشكلية الحديثة عن القديمة في أنها  معقولة ومنطقية وأكثر مرونة، وأنها لا تكفي لوحدها لترتيب الأثر القانوني بل يجب أن تقترن بالإرادة السليمة غير المشوبة بعيب من عيوب الرضا، فالإرادة هي التي يقع عليها الشكل، ولم تعد الشكليات الحديثة مجرد طقوس تمارس ممارسة عمياء، بعد أن تمكنت البشرية في تطورات لاحقة من التمييز بين مضارها ومنافعها، وعرفوا ما يترتب عليها من تعقيدات وتعطيل وجهد ضائع وعرفوا مالها من فضل في إيقاظ الانتباه والتحذير من الفخاخ التي تنصب للإرادة، وبث اليقين في إنتاج الواقعة آثارها المطلوبة وتهيئة الوسيلة لإثبات هذه الواقعة حين النزاع عليها.

معاني الشكلية ومظاهرها

للشكلية في القانون عدة معاني، وفي نطاق الصياغة القانونية تُعرف الشكلية بأنها، الصورة الخارجية التي يظهر بها مضمون القانون.

وعلى هذا النحو قد يتخذ المضمون القانوني شكل قاعدة قانونية أو معيار قانوني أو مبدأ قانوني.

وقد يراد بالشكلية عنصر خارجي يشترط القانون إضافته إلى واقعة قانونية حتى تنتج آثارها سواء كان هذا الأثر ترتيب التزام أو واجب قانوني أو انشاء حق أو مركز قانوني أو تعديله أو انقضاؤه، كاشتراط نشر القانون في الجريدة الرسمية لنفاذه في مواجهة الكافة، واشتراط الشكلية في بعض العقود لصحتها. واشتراط الكتابة أو النشر بالنسبة لبعض القرارات الإدارية حتى تنتج آثارها.

أما الشكلية الدستورية فيقصد بها مجموعة الإجراءات والأوضاع التي تطلبها الدستور وأوجب على سلطة التشريع اتباعها ومراعاتها وهي بصدد سن التشريع.

وتتطلب الدساتير عادة، أن تمر عملية سن التشريع  بسلسلة من الإجراءات الشكلية التي يتعين على سلطة التشريع مراعاتها حتى يكون التشريع دستورياً، ويترتب على عدم مراعاة قواعد الشكل الإجراءات الشكلية أن يولد التشريع باطلا بسبب أنه معيب بعيب عدم مراعاة الشكل والإجراءات، ويكون محلاً للطعن به أمام المحكمة الدستورية والتي تعرف عادة باسم (المحكمة الدستورية العليا)، إذا ما تعلق الأمر بمخالفة جوهرية لتلك القواعد والإجراءات.

ومن أمثلة الإجراءات الشكلية التي تتطلبها الدساتير المقارنة بصفة عامة، تحقق نصاب انعقاد مجلس النواب سواء بالأغلبية المطلقة أو الأغلبية البسيطة، وجهة تقديم مشاريع القوانين أو اقتراحها، وجوب إدراج مشروع القانون في جدول الأعمال قبل مناقشته، والإجراءات الواجب اتباعها لقراءة مشاريع القوانين، والنصاب اللازم للموافقة على سن التشريع وتصديق الجهة المخولة صلاحية التصديق والإصدار، وهي السلطة التنفيذية عادة، وأن يصدر التشريع بموافقة الأغلبية البرلمانية التي حددها الدستور.

غاية الشكلية الدستورية

تتعدد الأغراض أو الحكمة من الشكليات في المجال التشريعي، فقد يكون الغرض منها الإشهار بسلامة الارادة التشريعية وبأن كل شيء سار على مايرام حسب الأوضاع الدستورية، باعتبار أن الشكل هو المظهر المادي للتعبير عن الارادة، ومع ذلك فان لكل شكل من الأشكال المطلوبة حكمته، فحكمة اشتراط أن يقدم اقتراح القانون من قبل عدد من الأعضاء تبدو في التأكد من جدية وأهمية المقترح قبل اتخاذ سلسلة إجراءات تتطلب وقتاً ثميناً، منها إدراجه في جدول الأعمال ومن ثم التصويت عليه، وقد يتبين فيما بعد أن الاقتراح غير مرغوب فيه وما يترتب على ذلك من هدر وقت ثمين، وتبدو حكمة تقديم مشاريع القوانين من قبل السلطة التنفيذية هو أن القانون أداة هذه السلطة في علاقتها مع المجتمع ومؤسساته العامة والخاصة وهي الأعرف بالحاجة العملية إلى التشريع في مجال معين من عدمه من خلال علاقتها المباشرة مع حاجات المجتمع، وقد تبدو الشكلية مظهراً من مظاهر الرقابة المتبادلة بين السلطة التشريعية والتنفيذية، كما في وجوب تصديق وإصدار القانون من السلطة التنفيذية لنفاذه مما يتيح لها الاعتراض على مشروع القانون بعدم المصادقة عليه مما يرتب عدم إمكانية سنه ونفاذه بعد ذلك إلا بناء على أغلبية خاصة.

وحكمة ضرورة إدراج الأعمال التشريعية في جدول للأعمال قبل مناقشتها هو تجنب إتخاذ أعمال تشريعية جوهرية في غياب عدد مؤثر من الأعضاء بحيث لو كان لديهم علم مسبق بجدول الأعمال لحضروا جميعاً، فضلاً عن تمكين الأعضاء من التهيؤ لما تتطلبه هذه الأعمال من استشارة مسبقة من ذوي الاختصاص قبل اتخاذ موقف منها بالتصويت عليها من عدمه.

التمييز بين الأشكال والإجراءات الجوهرية وغير الجوهرية

كان للفقه والقضاء عبر التاريخ الفضل في التمييز بين ما هو مفيد وجوهري من الشكليات والتمسك به وبين ما هو ضار وغير جوهري من الشكليات ومن ثم استبعادها بطريقة أو بأخرى.

ويميز الفقه والقضاء المعاصر كذلك بين الأشكال والإجراءات الجوهرية وغير الجوهرية والغرض من هذا التمييز هو ترتيب البطلان على القرارات التي تفتقد لشكلياتها الجوهرية أما القرارات التي تفتقد للشكليات غير الجوهرية فلا تكون باطلة، وفي هذه الحالة نكون في مواجهة قرارات معيبة بعيب الشكل ولكن هذا العيب لا يؤدي إلى البطلان، وقد أورد الفقه أمثلة كثيرة من قضاء مجلس الدولة الفرنسي على الشكليات التي لم يعتبرها المجلس من الشكليات الجوهرية المؤثرة على سلامة القرار، مثل الحكم بصحة انتخاب على الرغم من عدم السماح لعدد قليل من الأفراد بالتصويت على خلاف القانون إذا كان عددهم من القلة بحيث لم يكن من شأنه أن يؤثر موضوعاً على النتيجة النهائية، أو إذا كانت الأشكال والإجراءات المقررة هدفها تحقيق مصلحة الإدارة لا الأفراد، ولكن متى تكون شكليات القرار جوهرية ومتى لا تكون جوهرية

ولكن هل يسري نفس المبدأ بالنسبة للقضاء الدستوري؟

لا يوجد معيار ثابت لتحديد ما هو جوهري أو غير جوهري من الأشكال، وإنما يعتمد تقدير ذلك على الذكاء والحدس والفهم الصحيح لطبيعة الأشياء ومنطقها والغايات المرجوة منها، إلا أنه مما لا شك فيه أن التشدد الزائد في مراعاة مختلف الشكليات والإجراءات على نحو واحد يؤدي بالنتيجة إلى ضياع الوقت وعرقلة النشاط التشريعي دون أن تكون هناك قيمة حقيقية مقابل ذلك لتلك الشكليات، والملاحظ أن قواعد الشكل والإجراءات المصاحبة لعملية التشريع قد يرد النص عليها في الدستور ذاته، كما أنها قد ترد في الأنظمة الداخلية للبرلمان. وذهب الفقه في ذلك إلى اتجاهين فذهب الإتجاه الأول إلى أن العيب الشكلي يمكن أن يتحقق عند مخالفة التشريع للقواعد الشكلية سواء قد وردت في الدستور أو في الانظمة الداخلية  للبرلمان، بينما ذهب الاتجاه الأخر بأن عيب عدم الدستورية لمخالفة الشكل لا يتحقق إلا إذا كانت الشكلية التي خولفت قد ورد النص عليها في الدستور ذاته. فالمعول عليه في الرقابة الدستورية هو ما ورد من شكليات وإجراءات في الدستور، أما ما تضمنته النصوص القانونية الأخرى الاقل مرتبة من قواعد شكلية فان مخالفتها لا تؤدي إلى عدم دستوريته.والحال أن دستور جمهورية العراق قد تضمن أشكالا متنوعة من الإجراءات الشكلية، منها ما يتعلق بتحديد زمن معين للقيام بتصرف ما، وقد يكون بعض هذه الشكليات الزمنية جوهرية أو غير جوهرية، ونرى أن تقدير أثر عدم مراعاة الشكل على دستورية التشريع أو التصرف إنما يعود تقديره للقضاء.

والمحكمة الاتحادية العليا بطبيعة الحال لا تبحث في العيوب الموضوعية إلا بعد أن تتأكد من خلو التشريع من المخالفات  الشكلية  للأوضاع والإجراءات  التي تطلبها  الدستور، ذلك أن العيوب الشكلية  تتقدم العيوب الموضوعية.

وفي هذا الصدد تقول المحكمة الاتحادية العليا في مصر في حكم لها (وحيث أن الرقابة التي تباشرها هذه المحكمة غايتها أن ترد إلي قواعد الدستور كافة النصوص التشريعية المطعون عليها وسبيلها إلى ذلك إن تفصل باحكامها النهائية في الطعون الموجهة اليها شكلية كانت أو موضوعية وأن يكون استيثاقها من استيفاء هذه النصوص لأوضاعها الشكلية أمراً سابقاً بالضرورة على خوضها في العيوب الموضوعية ذلك أن الأوضاع الشكلية للنصوص التشريعية هي من مقوماتها كقواعد قانونية لا يكتمل كيانها أصلاً في غيبة متطلباتها.... ويتعين على هذه المحكمة بالتالي أن تتحراها بلوغاً لغاية الأمر فيها إن قضاء المحكمة في هذه المخالفة والقائمة في مضمونها على طعن موضوعي يكون متضمنا على وجه القطع واللزوم تحققاً من استيفاء القرار بقانون الذي اشتمل عليها لأوضاعه الشكلية إذ لو قام لديها الدليل على تخلفها لسقط هذا القرار بقانون برمته ولامتنع الخوض في اتفاق بعض مواده أو مخالفتها لأحكام الدستور الموضوعية الأمر الذي يعتبر معه هذا الوجه من النعي على غير أساس حرياً بالالتفات عنه).

الشكلية في دستور جمهورية العراق لسنة 2005

تبنى المشرع الدستوري العراقي في دستور 2005 النافذ عدد من الإجراءات الشكلية منها ما يتعلق بنصاب انعقاد جلسات مجلس النواب وجهة تقديم مشاريع القوانين كما في المادة (59) بنصها (أولاً : يتحقق نصاب انعقاد جلسات مجلس النواب بحضور الأغلبية المطلقة لعدد أعضائه. ثانياً: تتخذ القرارات في جلسات مجلس النواب بالأغلبية البسيطة، بعد تحقق النصاب ما لم ينـص على خلاف ذلك) والمادة (60) بنصها ( أولاً: مشروعات القوانين تقدم من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء. ثانياً: مقترحات القوانين تقدم من عشرة من أعضاء مجلس النواب، أو من إحدى لجانه المختصة.)

ونصت المادة (138) بأنه ( خامسا: أ. ترسل القوانين والقرارات التي يسنها مجلس النواب إلى مجلس الرئاسة لغرض الموافقة عليها بالاجماع واصدارها خلال عشرة أيام من تاريخ وصولها إيه باستثناء ما ورد في المادتين (118) و(119) من هذا الدستور والمتعلقتين بتكوين الأقاليم. ب. في حالة عدم موافقة مجلس الرئاسة، تعاد القوانين والقرارات إلى مجلس النواب لإعادة النظر في النواحي المعترض عليها والتصويت عليها بالأغلبية وترسل ثانية إلى مجلس الرئاسة للموافقة عليها. ج. في حالة عدم موافقة مجلس الرئاسة على القوانين والقرارات ثانية خلال عشرة أيام من تاريخ وصولها اليه تعاد إلى مجلس النواب الذي له أن يقرها بأغلبية ثلاثة أخماس عدد أعضائه، غير قابلة للاعتراض وتعد مصادقاً عليها. سادساً: يمارس مجلس الرئاسة صلاحيات رئيس الجمهورية المنصوص عليها في هذا الدستور.)

والمادة (144) التي نصت على أنه ( يعد هذا الدستور نافذاً بعد موافقة الشعب عليه بالاستفتاء العام ونشره في الجريدة الرسمية وتشكيل الحكومة بموجبه.). وحسب المادة (126) من الدستور، فإنه ( أولاً: لرئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعين أو لخمس (1/5) اعضاء مجلس النواب، اقتراح تعديل الدستور. ثانياً: لا يجوز تعديل المبادئ الأساسية الواردة في الباب الأول والحقوق والحريات الواردة في الباب الثاني من الدستور، إلا بعد دورتين انتخابيتين متعاقبتين، وبناء على موافقة ثلثي اعضاء مجلس النواب عليه، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام ومصادقة رئيس الجمهورية خلال سبعة أيام. ثالثاً: لايجوز تعديل المواد الأخرى غير المنصوص عليها في البند (ثانياً) من هذه المادة إلا بعد موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب عليه، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام، ومصادقة رئيس الجمهورية خلال سبعة أيام. رابعاً: لا يجوز اجراء اي تعديل على مواد الدستور من شأنه أن ينتقص من صلاحيات الأقاليم التي لا تكون داخلة ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية إلا بموافقة السلطة التشريعية في الإقليم المعني وموافقة أغلبية سكانه باستفتاء عام. خامساً : أ ـ يعد التعديل مصادقا عليه من قبل رئيس الجمهورية بعد انتهاء المدة المنصوص عليها في البند (ثانياً) و ( ثالثاً) من هذه المادة في حالة عدم تصديقه. ب ـ يعد التعديل نافذاً من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.)

وجاء في المادة (142) من الدستور على أنه (رابعاً ـ يكون الاستفتاء على المواد المعدلة ناجحاً بموافقة أغلبية المصوتين، وإذا لم يرفضه ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات أو أكثر. هـ ـ يستثنى ما ورد من هذه المادة من أحكام المادة (126) المتعلقة بتعديل الدستور، إلى حين الانتهاء من البت في التعديلات المنصوص عليها في هذه المادة. )

ونصت المادة (131) من الدستور على انه ( كل استفتاء وارد في هذا الدستور يكون ناجحا بموافقة اغلبية المصوتين مالم ينص على خلاف ذلك.)

يتضح من النصوص المتقدمة أن المشرع الدستوري العراقي قد وضع قيود شكلية متشددة على مسألة تعديل الدستور مراعياً بذلك ما أخذت به دساتير الدول الديمقراطية وضماناً لحقوق الشعب من تحكم الأغلبية البرلمانية في أي وقت من الأوقات ومحاولة تعديلها للدستور وفقا للمصالح السياسية الآنية. (2009)

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية

عندما نقرأ عن تجديد علم الكلام، نعيش لحظات استثنائية تتخللها الدهشة والإعجاب بهذا الجهد النقدي والفلسفي العميق الذي يقدّمه الدكتور عبد الجبار الرفاعي. فهو يمارس التجديد بعقل الناقد، ورؤية الفيلسوف، وشخصية المفكر الذي يغوص في أعماق الفكر الديني، محللًا ومفككًا بنياته ومفاهيمه. لا يكتفي الرفاعي بالنظر إلى الجوانب السطحية للموضوع، بل يتجاوزها إلى ما هو أبعد وأعمق؛ إذ تتجه رؤيته النقدية إلى البنية التحتية الكامنة في أعماق الفكر الديني، فيعيد النظر في المسلّمات والبديهيات التي اعتاد كثيرون التعامل معها على أنها مفاهيم ثابتة لا تقبل التغيير. في سياق ذلك، يعمد إلى نقد تعريفاتها، باحثًا في عوامل نشأة هذه التعريفات، والأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومختلف الإكراهات التاريخية التي أسهمت في تشكيل دلالاتها وبناء معانيها. ويعيد تعريفها في ضوء فلسفة الدين الحديثة.

بدأ الرفاعي مشروعه في تجديد الفكر الديني بإعادة تعريف الدين تعريفًا يحرّره من الاختزال العقدي والفقهي والأيديولوجي، حين عرّفه بأنه: "الدين حياة في أفق المعنى، تفرضها حاجة الإنسان الوجودية لإنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياته الفردية والاجتماعية". وانطلاقًا من هذا التفسير للدين، أعاد بناء منظومته الفكرية على أساس أن الدين يستجيب أولًا لحاجة الإنسان الوجودية إلى المعنى، قبل أن يكون منظومة أحكام أو مؤسسة سلطة أو هوية مغلقة. لذلك انشغل بإعادة تعريف المفاهيم المحورية في الدين، المتمثلة بـ : الإيمان، والوحي، والنبوة، والشريعة، والتكليف، سعيًا إلى اكتشاف دلالاتها الحيّة القادرة على إشباع حاجة وجود الإنسان إلى المعنى في عالم متغير.

 لم يتعامل الرفاعي مع هذه المفاهيم باعتبارها معاني نهائية مكتملة أُنجز فهمها في الماضي، وإنما نظر إليها بوصفها مفاهيم مفتوحة تتجدد قراءتها بتجدد علوم ومعارف وخبرة الإنسان وتحول شروط حياته وأسئلته. لذلك عمل على توسيع آفاقها الدلالية، وكشف ما تختزنه من إمكانات روحية وأخلاقية وجمالية، بما يجعلها أكثر قدرة على التفاعل مع تحولات العصر والاستجابة لتحديات الإنسان المعاصر. هكذا انتقل بهذه المفاهيم من فضاء التكرار والاستنساخ إلى فضاء الاجتهاد المواكب للواقع، حيث يغدو الدين مصدرًا لإثراء المعنى، وتحرير الإنسان، وحماية كرامته، وإيقاظ وعيه، بدل أن يتحول إلى أداة للوصاية أو الإقصاء أو إعادة إنتاج الماضي. في سياق هذه القراءة سعى الرفاعي إلى بناء فهم للدين يظل وفيًّا لجوهره الروحي، وفي الوقت نفسه منفتحًا على متطلبات الحياة الحديثة وأسئلة الإنسان المتجددة.

إن تجديد الفكر الديني يعني إعادة إحياء فاعليته الفكرية والاجتماعية والثقافية في حياة المسلم. وهذا التجديد مرهون بتجديد علم الكلام، كما أن تجديد علم الكلام مرهون ببذل جهد استثنائي وفريد، يستمد فرادته من الجرأة والقدرة على مقاربة المفاهيم الدينية الأساسية والحساسة، ونقدها، وإعادة النظر فيها، وصياغة تعريفاتها من جديد. يقتضي ذلك عدم الخضوع للرؤى الكلامية التقليدية المهيمنة على الفكر الديني الإسلامي، التي غدت رؤاها وتعريفاتها بمنزلة خطوط حمراء لا يجرؤ كثيرون على المساس بها أو الاقتراب منها.

عندما نتحدث عن علم الكلام، فهذا يعني أننا نتحدث عن "نظرية المعرفة في الإسلام" حسب رأي الرفاعي، لذلك يشدد على: "أن أية محاولة لتجديد الفكر الديني الإسلامي تتجاوز علم الكلام، فإنها تقفز إلى النتائج دون المرور بالمقدمات". علم الكلام، الذي يبحث في أصول العقيدة الإسلامية والدفاع عنها، يشكّل أساسًا للبنية التي تصوغ الرؤية للعالم في الدين الإسلامي. علم الكلام هو من يبحث عن: الله ووجوده، والقضاء والقدر، والثواب والعقاب، واليوم الآخر، والبعث والحساب. ويعرّف: النبوة والوحي، ويتجاوز ذلك إلى الشريعة والتكليف، مؤسسًا الأساس الذي تستنبط منه الأحكام الشرعية المتصلة بمختلف شؤون حياة الإنسان الدينية.

علم الكلام التقليدي، الذي تطوّر مع الأشاعرة والمعتزلة والماتريدية والإمامية وغيرهم من مؤسسي الفرق، انبثق في سياقات دينية وسياسية وثقافية خاصة، تعكس الأسئلة العقائدية في عصره، والتي فرضتها مرحلة تاريخية محددة على مجتمع بعينه، مما يعني أن جميع المفاهيم الدينية، مثل: الوحي، والنبوة، ومصير الإنسان، والقضاء والقدر، والبعث، وغيرها، يتلقاها الإنسان ويفهمها ضمن أفقه المعرفي وقدراته الذهنية والثقافية. من هنا فإن طرائق فهم هذه المفاهيم والتعبير عنها ليست ثابتة، وإنما تتأثر بتطور العلم والمعرفة وتبدّل السياقات التاريخية والثقافية. وفي ضوء هذا الفهم، يرى الرفاعي أن هناك حاجة ضرورية تدفعنا باستمرار إلى تجديد علم الكلام، وإعادة النظر فيه، ونقده، وإعادة بنائه.

يشرح الرفاعي الفرق بين ثلاثة مفاهيم، هي: الإحياء والإصلاح والتجديد. فالتجديد في نظره عملية ابتكار وتطوير، تتضمن تجديدًا في اللغة والمنهج والهدف والموضوع، وتسعى إلى إعادة بناء فهم الدين بما يستجيب لروح العصر ولتحولات الإنسان والعالم. أما الإصلاح فينشغل بمراجعة ما اعتراه من خلل أو انحراف في الفكر أو الممارسة الدينية، والعمل على تقويمه وتصحيحه داخل البنية القائمة، من دون أن يفضي بالضرورة إلى إعادة تأسيس المفاهيم أو إنتاج رؤى جديدة. في حين أن الإحياء هو "استئناف ما كان في الماضي كما هو". أي إن الإحياء يتحول، وفق هذا الفهم، إلى توسيع لحضور الدين في مختلف مجالات الحياة وعلومها ومعارفها، وتدخله في شتى نشاطات الإنسان، على نحو يفضي إلى إهدار المعنى الديني الروحي والأخلاقي والجمالي في حياة الإنسان. وفي ضوء ذلك يميز الرفاعي بين الإصلاح الذي يستهدف تصحيح القائم، والتجديد الذي يبتكر آفاقًا جديدة للفهم، والإحياء الذي يسعى إلى استعادة ما كان في الماضي وإعادة حضوره.

في ضوء ذلك لا يمكن تصنيف الرفاعي في إطار الإحياء أو الإصلاح بالمعنى الشائع لهذين المفهومين، وإنما يتموضع في أفق التجديد بوصفه مشروعًا فلسفيًا ومعرفيًا يسعى إلى إعادة بناء التفكير الديني في إطار الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة. الرفاعي مجدد يمارس التجديد بوصفه فعلًا نقديًا، لا يكتفي بمراجعة الأجوبة الموروثة، وإنما يذهب إلى الأسئلة المؤسسة التي أنتجتها، ويعيد فحص منطلقاتها ومقدماتها في ضوء التحولات الكبرى التي شهدها وعي الإنسان الحديث ومعارفه. وينشغل الرفاعي بمشروع متكامل للتجديد الديني، يهدف إلى إعادة اكتشاف المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي للدين، بعد أن حجبتْه في كثير من الأحيان قراءات مغلقة ومقولات تراثية استُهلكت تاريخيًا. لذلك يدعو إلى إعادة التفكير في المفاهيم الدينية الأساسية، وإعادة صياغتها بلغة جديدة تستوعب تحولات الإنسان والعلوم والمعارف، وتفتح أفقًا أرحب لفهم الدين بوصفه مصدرًا للمعنى والحرية والكرامة والحب والرحمة. في سياق هذا المسعى يعمل على بناء وعي ديني أكثر قدرة على الحوار مع العصر، وأكثر استعدادًا للاستجابة للأسئلة الوجودية والروحية التي يواجهها الإنسان اليوم.

****

بهاء سوادي - كاتب عراقي  

طالب في المرحلة السادسة بكلية الطب في جامعة البصرة.

من الغريب ان يتصور البعض حاليا ان الفلسفة والعلم بعيدان عن بعضهما. ذلك يعود جزئيا لنظام التعليم المرتكز على التخصص وربما عوامل اجتماعية اخرى. لكن ذلك بالضرورة لا يعكس الحقيقة. عندما نعود وننظر الى الخلف الى أصول الفلسفة اليونانية، سنرى ان هذا التمييز لم يكن موجودا. بالنسبة لفلاسفة ما قبل سقراط (او كما نحب نسميهم الفلاسفة الأوائل)، كانت الفلسفة علما. وسواء كانت مهمة الفيلسوف فهم لغز وعظمة الكون، او كيف يعمل ذهن الانسان وجسده، فهي لم تكن تختلف عن مهمة العالِم. نحن مدينون كثيرا للفلاسفة الأوائل، حيث ان العديد من الاختراقات الفكرية الهامة انطلقت منهم. لذا سننظر الان في بعض هؤلاء المفكرين الأوائل، كيف فهموا طبيعة العالم الذي حولهم، وكيف تشابك تاريخ العلم والفلسفة مع بعضهما لوقت طويل. هذا يثبت لنا ان التصور السائد حاليا لا يعكس دائما الحقيقة.

الانفجار العظيم في الفلسفة Big Bang

بعد قراءتنا المتكررة للفلاسفة والتراجيديين والشعراء ومعلقين آخرين في العالم القديم، سنُصاب بالدهشة. حيث في كثير من الأحيان كانت الرؤى التي جاؤوا بها بشأن الفلسفة الطبيعية والتأملية، الطبيعة (وطبيعة الانسان)، مثارا للدهشة. ومن المذهل كم كانوا قريبين جدا من فهمنا الحديث للفيزياء والكون والكثير من المعرفة التي سلّمنا بها كبديهية والتي استقرت كمعطيات علمية في عالمنا الحالي.

فلاسفة ما قبل سقراط (طاليس، اناكساغوراس، بارمنديس، فيثاغوراس، هيرقليطس، امبيدوكلس)، في الحقيقة مهدوا الطريق لكل الفلسفة العظيمة والنقدية التي أتت لاحقا. يمكننا ان نسميهم "الانفجار الكبير" للفلسفة الغربية. هم لم يحوزوا على جميع الأدوات العلمية المدهشة التي نمتلكها اليوم (المجهر الالكتروني، تليسكوب هابل الفضائي) لكي يفهموا الطبيعة والكون بشكل أفضل، لكنهم بمجرد التفكير والجرأة في الأسئلة النقدية توصلوا الى رؤى مدهشة. هنا سنعرض ثلاث رؤى مختصرة لثلاثة من فلاسفة ما قبل سقراط ربما لم نسمع بهم ابدا، لكنهم مع ذلك كشفوا لنا الكثير من الحقيقة.

هيرموتيمز الكلازوميني

كان هيرموتيمز Hermotimus (القرن السادس ق.م) عضوا في الاتحاد الأيوني (اتحاد كونفدرالي من 12 مدينة يونانية) وقد عاش في سميرنا (ازمير الحدية) في الساحل الوسط الغربي لما يسمى اليوم تركيا. لسوء الحظ، كما في العديد من فلاسفة ما قبل سقراط الأكثر غموضا، لا شيء وصل الينا من أعماله الاصلية، ولهذا نعتمد على إشارات الفلاسفة والكتّاب الاخرين مثل ارسطو، لينقلوا لنا معلومات حول تفكيره.

يعود لهيرمونتيمز الفضل في كونه اول فيلسوف افترض الفكرة المذهلة بان الذهن هو الأساس في سبب الأشياء. هو ذكر ان الوجودات المادية ثابتة بينما العقل هو الذي يسبب التغيير. هذا يبدو مشابه الى احد المبادئ الهامة لميكانيكا الكم الحالية: ان ذهن الانسان هو لاعب نشط في "خلق" الواقع الذي ندركه. فمثلا، مبدأ اللايقين لهيزنبيرغ يقول من المستحيل ان نعرف بالضبط وبشكل متزامن موقع الجسيم وزخمه. أي انه كلما عرفنا اكثر "الموقع" الذي يتقرر - من منظور الانسان - كلما كنا أقل معرفة بالزخم والعكس صحيح. في مستوى الكم، الطبيعة دائما في تدفق ولا يمكن التنبؤ بها، هي فوضوية بمعنى ما. نحن البشر ومن خلال الملاحظة والمشاركة، نفرض على الطبيعة إحساسنا بالنظام، وبالتالي يصبح كونا عشوائيا مع إضفاء شيء من المعنى.

مبدأ اللايقين

الفيلسوف والفيزيائي سيكستوس امبيريكوس في القرن الثاني الميلادي، يضع هيرموتيمز وهسيود وبارمنديس وامبيبوكلس باعتبارهم ينتمون الى صنف من الفلاسفة آمنوا بالنظرية الثنائية dualistic theory في ان الشيء المادي والمبدأ النشط "العقل" يشكلان مع بعضهما أصل العالم (المحرك الذي لا يتحرك لارسطو unmoved mover)(1). وبينما لم يمتلك هيرموتيمز أي شيء في ذهنه عن ميكانيكا الكم (هو توقّع المحرك غير المتحرك لارسطو في الكون - كخالق او السبب الأول في الخلق)، لكنه بالتأكيد اكتشف شيئا.

اخمين الكروتوني

كان اخمين Aicmeon الذي ولد عام 510 ق.م معاصرا لإيمبيدوكلس واناكساغوراس. ومع ان لا شيء متوفر من أعمالة ، لكن تتوفر لدينا تعليقات من ارسطو وثيوفارستس. اعتُبر اخمين فيزيائيا لامعا في زمانه وعاش اثناء فترة التحول في الطب اليوناني. وبينما كان الطب التقليدي خاضعا للفلسفة والدين، لكنه اتخذ منعطفا دراماتيكيا في القرن السادس قبل الميلاد. كان اخمين رائدا في الطريقة التجريبية الصارمة في التشخيص، مقابل النهج الأكثر عمومية لأسلافه الذين نسبوا الامراض او المشاكل الى مخالفة الله. بدلا من ذلك، نظر اخمين في الفرد وأراد حقائق محددة: كيف تعمل الحواس في هذه الحالة؟ ولماذا يبدو المريض على هذا النحو؟ ما هو حقا الشيء الذي تخبرنا عنه الأعراض؟ هو أدخل عقيدته في توازن البدن ليحدد ويوضح الحالة الصحية في المريض. قام اخمين بتحقيقات فسيلوجية مفصلة لمختلف الحواس لكي يستطلع الأسباب الحقيقية للأحاسيس والأعراض الظاهرة.

كذلك، هو اعتقد ان جسم الانسان السليم يجب ان يكون "في توازن". أربعة مظاهر او "قوى" للبارد، الحار، الرطب، الجاف يجب ان تكون في توازن طبيعي في جسم الانسان. عندما لا يعمل أي واحد منهم بشكل صحيح ستظهر مشكلة. وبينما هذه تبدو بدائية، لكن علم "الاخلاط الأربعة" هذا استمر في القرون الوسطى ونتذكر ان الأطباء كانوا حتى قبل قرنين يقومون بعمليات فصد الدم بشكل روتيني .

ان الشيء المهم هو ان اخمين مهّد الطريق لأطباء المستقبل مع التركيز على المعلومات الحسية للمريض. تركيزه كان حول ماذا تقول تلك الاعراض؟ جهوده في التركيز على البيانات التجريبية وإبقاء ذهن المريض في توازن، كان هاما في تقدم الطب في عصره.

ديوجين الابولوني

وُلد ديوجين الابولوني عام 460 قبل الميلاد، وعادة يُعتبر آخِر فلاسفة ما قبل سقراط ويبدو انه قام بمعظم أعماله الهامة في أثينا. هو تأثر باناكساغوراس في عقيدته بالذهن، وهو مدين للرؤية الذرية بان المجيء للوجود والخروج منه نتج عن مزج او فصل عناصر من نفس النوع. متبعاً اناكسامينس، هو افترض النظرية المادية بان كل الأشياء في العالم هي تحويرات لنفس المادة الأساسية: الهواء.

ادّعاء ديوجين بان كل شيء في الكون هو تعديل لمادة أساسية واحدة تم بناءً على اعتبارين مترابطين: 1- التفاعل المادي سيكون مستحيلا اذا كان كل شيء انفرادي مختلف راديكاليا عن كل شيء آخر، و 2- التناغم غير المنظم للطبيعة سيكون لغزا اذا كان الذكاء السائد في كل مكان لا يتحكم في او يرشد أي شيء. انكار هذه الاعتبارات سيكون مساويا طبقا لديوجين لتجاهل الطريقة التي تمتزج بها الأشياء او تساعد او تؤذي بعضها، بالإضافة الى الطريقة التي تعتمد بها الأشياء على كل منها (كما في الماء للنبات او أي كائن حي يتنفس هواء). سيكون معادلا لتجاهل التوازن والقياس والبناء المفهوم الذي يصف كل مظهر للطبيعة.

ديوجين أعلن ان الهواء هو المادة الكونية الأساسية طالما انه مبدأ الحياة والذكاء لكل العالم الحي. في اعتقاده، ان الهواء هو المصدر والقوة المرشدة لكل تغيير مادي. انه المادة الأكثر تنوعا وتكيفا. قدرته على تجسيد ذاته في نطاق واسع من الاشكال المتغيرة، وتحت أي ظرف قابل للتصور – حار، بارد، رطب، بخار وجاف - هو دليل على عقلانيته وإلوهيته. بالمقدار الذي يكون فيه هواء في كل شيء حي، معناه جزء من الله هو في كل مخلوق حي.

عالِم الفيزياء الفلكية كارل ساجان أعجب كثيرا بالمفكرين اليونانيين القدماء. هو تأمل انه لو سُمح لهم في الاستمرار في التقدم، لأصبحنا نحن البشر حضارة فضائية قبل قرون من العصر الحديث. يمكن الإشارة الى ان فلاسفة ما قبل سقراط تشكلت على أيديهم الأسس التي بُنيت عليها الأفكار والتاملات العلمية والفسفية.

***

حاتم حميد محسن

......................

June 05, 2026, classical wisdom

الهوامش

(1) في الفلسفة والثيولوجيا، يشير (المحرك الذي لا يتحرك) لأرسطو الى سبب أساسي وأبدي لكل الحركة والتغيير في الكون. هو السبب الأول كونه يزيل الحاجة الى تراجع لا متناهي للأسباب. اذا كانت كل حركة نتجت عن حركة سابقة فيجب ان تكون هناك نقطة بدء. ولأنه يستحيل منطقيا ان توجد سلسلة لامتناهية من الأشياء المتحركة ، جادل ارسطو يجب ان يكون هناك كائن متعالي تام ولا يتغير، يبدأ كل حركة بدون ان يتحرك هو ذاته.

الخصائص الأساسية للمحرك الذي لا يتحرك:

1- لا يتحرك ولا يتغير: انه غير مادي وأبدي، ليس له حجم ويوجد دائما ولا يملك أي إمكانية للتغيير.

2- الجذب وليس الدفع: انه يحرك الكون ليس عن طريق دفع او سحب الأشياء ماديا وانما هو يحرك الأشياء بشكل غير مباشر عبر التصرف كهدف او رغبة او فكرة او حب – جاذبا كل الأشياء في الكون نحو كماله، وهي تتحرك استجابة له.

3- فكر محض: كامل وجوده هو الفعل النهائي للتأمل، فكما وصفه ارسطو، انه "فكر يفكر في ذاته" او (nous) فهم كوني.

4 - غير شخصي: على عكس إله الأديان السماوية، محرك ارسطو هو ذاتي كليا، غير واع بوجود الانسان ولا يهتم في الشؤون الحياتية.

ارسطو اشتق المفهوم في الأصل عند استطلاعه السببية والطبيعة في كتابه فيزياء ارسطو، بينما توما الاكويني عدّل المفهوم الى (الطريقة الأولى) من بين خمس طرق لإثبات وجود الله. نظرية السبب الأول أشعلت نقاشا مستمرا حول ما اذا كان الواقع النهائي يتطلب نقطة توقف سببية ام ان الكون يعمل بشكل مختلف على أساس الفيزياء الحديثة.

العمل الجماعي في تجربة الإمامية الأوائل

لم يكن تشكّل الذاكرة الحديثية عند الإمامية نتاج جهود فردية معزولة، بل أسهمت في بنائها شبكة واسعة من التفاعلات العلمية التي شارك فيها الرواة والمحدثون والفقهاء عبر مراحل متعددة من التدوين والتصنيف والتنظيم، وقد شكّل العمل الجماعي أحد أهم الآليات التي ضمنت حفظ التراث الروائي وتطويره، إذ أدرك علماء الإمامية الأوائل أن الاشتراك في التأليف والرواية يحقق قدراً أكبر من الضبط والدقة، ويقلل من احتمالات الخطأ والسهو، فضلاً عن توسيع دائرة الاستفادة من الخبرات العلمية المتنوعة.

وتكشف المصادر الرجالية والفهرستية عن نماذج عديدة لهذا اللون من التعاون العلمي، فمن أوائل تلك النماذج ما نجده عند جميل بن دراج النخعي، أحد كبار أصحاب الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام، إذ نسبت إليه كتب اشترك في تأليفها مع غيره من الرواة، فكان له كتاب بالاشتراك مع محمد بن حمران، وآخر مع مرازم بن حكيم، وتدل هذه المشاركة على أن تدوين الحديث لم يكن دائماً عملاً فردياً، بل كان في بعض الأحيان مشروعاً علمياً مشتركاً يهدف إلى جمع الروايات ومقابلتها وضبطها بصورة أدق.

كما تتجلى هذه الظاهرة بوضوح في تجربة الحسن بن سعيد الأهوازي وأخيه الحسين بن سعيد، وهما من أبرز علماء مدرسة الحديث الإمامية في القرن الثالث الهجري، فقد اشتركا في تأليف مجموعة كبيرة من المصنفات بلغت ثلاثين كتاباً، حتى غدت هذه المؤلفات من أهم المصادر الحديثية والفقهية التي اعتمد عليها المتأخرون، ورغم أن الشهرة ارتبطت غالباً بالحسين بن سعيد، فإن المصادر تؤكد اشتراك الأخوين في هذا المشروع العلمي الكبير، وهو ما يعكس طبيعة العمل العلمي التعاوني في تلك المرحلة.

ومن الأمثلة الأخرى ما قام به الحكم بن سعد الأسدي الناشري، أحد أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، حيث شارك أخاه مشمعل في تأليف كتاب في الديات، ويكشف هذا المثال عن امتداد ظاهرة التأليف المشترك إلى المجالات الفقهية التخصصية، مما يدل على رسوخ ثقافة التعاون العلمي بين المحدثين والفقهاء الإمامية.

وفي المجال الطبي المرتبط بالمرويات الواردة عن الأئمة عليهم السلام، نجد نموذجاً آخر يتمثل في الحسين بن بسطام بن سابور الزيات وأخيه أبي عتاب عبد الله، اللذين جمعا معاً كتاباً في الطب اشتهر فيما بعد بعنوان طب الأئمة، وتظهر أهمية هذا العمل في كونه ثمرة جهد مشترك هدف إلى جمع الروايات الطبية وترتيبها وحفظها ضمن مصنف مستقل، الأمر الذي ساهم في انتقال هذا اللون من التراث إلى الأجيال اللاحقة.

كما نجد صورة أخرى للتعاون العلمي في كتاب إبراهيم بن محمد الأشعري، أحد أصحاب الإمامين الكاظم والرضا عليهما السلام، حيث شارك أخاه الفضل بن محمد الأشعري في تأليف كتاب روى عنهما الحسن بن علي بن فضال، ويؤكد هذا المثال أن التعاون الأسري كان يمثل إحدى القنوات المهمة في عملية إنتاج المعرفة الحديثية وتداولها داخل الأوساط العلمية الإمامية.

غير أن العمل الجماعي لم يقتصر على مرحلة التأليف المشترك، بل امتد إلى مراحل لاحقة تتعلق بتنظيم المصنفات وترتيبها وتبويبها. فقد قام أبو سليمان داود بن كورة القمي بتبويب كتاب النوادر لأحمد بن محمد بن عيسى، كما قام بتنظيم كتاب المشيخة للحسن بن محبوب السراد وفق أبواب الفقه ومعانيه، وتمثل هذه الجهود مرحلة متقدمة من الوعي المنهجي؛ إذ لم يعد الهدف مقتصراً على جمع الروايات، بل أصبح يشمل إعادة ترتيبها بما يسهل الوصول إليها والاستفادة منها.

وفي السياق نفسه قام أحمد بن الحسين بن عبد الملك الأزدي الكوفي بجمع كتاب المشيخة وتبويبه على أسماء الشيوخ، وهي خطوة تكشف عن اهتمام المحدثين الإمامية بتطوير أدوات الفهرسة والتنظيم العلمي للمادة الحديثية، وقد أسهمت هذه الجهود في تسهيل عملية النقل والاستفادة من الروايات، كما مهدت لظهور المشاريع الفهرستية والرجالية اللاحقة.

ومن خلال هذه النماذج يتضح أن الذاكرة الحديثية الإمامية لم تُبنَ عبر جهود فردية متفرقة، وإنما تشكلت من خلال منظومة متكاملة من التعاون العلمي شملت التأليف المشترك، والمراجعة المتبادلة، وجمع المصنفات، وإعادة ترتيبها وتبويبها، وقد أتاح هذا العمل الجماعي للموروث الحديثي أن يحافظ على استمراريته وأن ينتقل عبر الأجيال بدرجة عالية من الضبط والتنظيم، مما جعله أحد أبرز عناصر القوة في التجربة العلمية للإمامية الأوائل، ولذلك يمكن القول إن صناعة الذاكرة الحديثية لم تكن مجرد عملية حفظ للروايات، بل كانت مشروعاً معرفياً جماعياً شاركت فيه أجيال متعاقبة من المحدثين والفقهاء والمفهرسين، وأسهم في ترسيخ البنية العلمية للتراث الإمامي وتطوير أدواته المعرفية.

***

علي جعفر الرماحي

لا يجيء كتابي "مستعمرات الضوء: سؤال تشكيل الوعي في زمن الشبكات" بوصفه امتدادا تقنيا أو تتمة موضوعية لكتابي السابق "في سوسيولوجيا الإعلام والرقمنة"، بقدر ما ينبثق باعتباره تحولا في أفق السؤال نفسه؛ انتقالا من مساءلة الوسائط بوصفها أدوات تواصل وإنتاج للمعنى، إلى تفكيك البنية العميقة التي تصوغ الوعي الإنساني داخل الإمبراطوريات الرقمية الجديدة، حيث لم تعد السلطة تُمارَس بالعنف الرمزي التقليدي فقط، بل عبر هندسة الإدراك، وتوجيه الانتباه، وإعادة تشكيل الرغبة والذاكرة والزمن.

إن ما أسميه بـمستعمرات الضوء ليس سوى تلك الجغرافيا اللامرئية التي تحتل الإنسان من الداخل، لا عبر الجيوش أو الحدود، بل بواسطة التدفق اللامتناهي للصور والخوارزميات والمنصات. إنها استعمار جديد للوعي، يتسلل في هيئة إشعاع ناعم، يقدّم نفسه باعتباره حرية مطلقة، بينما يعيد إنتاج أشكال أكثر تعقيدا من الانضباط والمراقبة.

ربما نستعيد ها هنا أطروحات ميشيل فوكو وراهنيتها القصوى، خصوصا في حديثه عن المجتمعات التأديبية وتقنيات الضبط، غير أن السلطة اليوم لم تعد مؤسسة مغلقة أو جهازا مرئيا، بل تحولت إلى خوارزمية تتخفى داخل الاقتراح الذكي والتفضيل الشخصي واقتصاد الانتباه.

لقد أصبح الإنسان الرقمي، كما يتبدى في هذا الكتاب، يعيش داخل ما يشبه البانوبتيكون الشبكي، حيث يراقب ذاته بنفسه، ويعيد إنتاج صورته وفق ما تقتضيه معايير القبول الرقمي. ومن هنا، فإن سؤال الوعي لم يعد سؤالا فلسفيا مجردا، بل أضحى سؤالا سياسيا وأنثروبولوجيا وأخلاقيا يتعلق بمصير الإنسان نفسه داخل حضارة الشاشة.

وفي هذا السياق، يقترب الكتاب من تشخيصات غي ديبور في مجتمع الفرجة، حيث تتحول الحياة إلى تمثيل دائم، وتصبح الصورة بديلا عن التجربة الحية. غير أن الفرجة اليوم تجاوزت بعدها الاستعراضي إلى مستوى أعمق؛ إذ لم تعد الصورة تكتفي بعرض العالم، بل صارت تعيد إنتاجه وصياغته وفق منطق المنصة. فالمنصات الرقمية لا تنقل الواقع، بل تبنيه، وتعيد ترتيب أولوياته وقيمه وأوهامه.

إن الضوء في هذا الكتاب ليس استعارة بريئة، بل هو ضوء الشبكات الذي يسطع إلى درجة العمى، ضوء يكشف الأشياء بقدر ما يخفيها، ويمنح الاتصال فيما يعمّق العزلة، ويخلق وفرة في المعلومات مقابل فقر متزايد في المعنى.

كما وتتقاطع أفكار الكتاب مع نقد جان بودريار لمجتمع المحاكاة، حيث يغدو الإنسان سجين علامات وصور تفوق الواقع ذاته كثافة وهيمنة، حتى يصبح الفرق بين الحقيقي والافتراضي مسألة متلاشية.

ومن جهة أخرى، يحاول هذا المشروع مساءلة التحولات التي مست بنية المجال العمومي في العصر الرقمي، انطلاقا من الأسئلة التي أثارها يورغن هابرماس حول الفضاء العمومي والعقل التواصلي. فالمجال العمومي الشبكي، الذي وُعدنا به باعتباره فضاء للتحرر والتعدد، تحول تدريجيا إلى سوق كبرى للانفعالات، وإلى فضاء تُدار فيه الحشود بمنطق الترند لا بمنطق النقاش العقلاني، حيث تُختزل القضايا المعقدة في ردود فعل سريعة، وتُستبدل الحقيقة بقابلية التداول.

ولذلك فإن كتابي "مستعمرات الضوء" لا يشتغل فقط على نقد التكنولوجيا، بل على تفكيك الميتافيزيقا الرقمية التي جعلت الإنسان الحديث يؤمن بأن الخلاص يمر عبر الاتصال الدائم، والتدفق المستمر، والحضور الإلكتروني اللامنقطع. وهي الفكرة التي تحيلنا إلى تأملات مارتن هايدغر حول التقنية، حين اعتبر أن الخطر الحقيقي للتكنولوجيا لا يكمن في أدواتها، بل في الطريقة التي تجعل الإنسان يرى العالم باعتباره مخزونا قابلا للاستعمال.

إن القلق المعرفي الذي يحرك هذا الكتاب ينبع من إدراك أن المعركة الحقيقية في زمن الشبكات لم تعد معركة المعلومة، بل معركة الوعي ذاته؛ أي معركة الإنسان ضد تحوله إلى بيانات، وضد اختزاله في ملف رقمي قابل للتوقع والتوجيه والتسليع. فالرأسمالية الرقمية، كما أعتقد لم تعد تكتفي باستغلال العمل، بل انتقلت إلى استغلال الانتباه والعاطفة والميول النفسية، وهو ما يجعلنا قريبين من تحليلات زيغمونت باومان حول الحداثة السائلة، حيث تصبح العلاقات والهويات والقيم في حالة سيولة دائمة، فاقدة لأي يقين أو استقرار.

هذا المشروع الفكري لا ينتمي إلى سوسيولوجيا الإعلام بالمعنى التقليدي، بل ينفتح على فلسفة التقنية، ونقد الثقافة الرقمية، وأنثروبولوجيا الشبكات، بوصفها حقولا متداخلة لفهم التحولات الجذرية التي يعيشها الإنسان المعاصر. إنه محاولة لتفكيك الكيفية التي تتحول بها الشاشة إلى سلطة رمزية شاملة، وكيف تصير الخوارزميات فاعلا خفيا يعيد تشكيل الحس المشترك والخيال الاجتماعي وتمثلات العالم.

وفي العمق، يظل سؤال الكتاب سؤالا وجوديا:

كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على حريته الداخلية في زمن تُدار فيه الرغبات رقميا؟

وكيف يمكن استعادة المعنى وسط هذا الفيض الضوئي الهائل الذي يبتلع التأمل والبطء والمسافة النقدية؟

ذلك أن أخطر ما تنتجه مستعمرات الضوء ليس فائض الاتصال، بل تآكل القدرة على التفكير الحر، وانطفاء المسافة الضرورية بين الإنسان والعالم.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

.........................

* كلمة ألقيتها خلال اللقاء الثقافي الذي نظمته مديرية الثقافة بمراكش، بمناسبة معرضها الجهوي في دورته ال16 ، يوم الثلاثاء 19 ماي 2026 بساحة الكتبية مراكش

هذه مراجعة لرؤية المرحوم مالك بن نبي حول الأركان الثلاثة التي تقوم عليها الحضارة، أي الإنسان والتراب والوقت، مع تعديل أراه ضرورياً، كي تستوعب تحولات الفكر في يومنا الحاضر.

أعلم أن بعض الناس يرى هذا الموضوع قليل الأهمية، وأن المسائل العملية اللصيقة بالواقع اليومي هي الجديرة بالاهتمام. لكنني أجد أيضاً أن غالبية أهل الرأي، متفقون على أن مفتاح التقدم هو تطوير الاقتصاد والتعليم والبحث العلمي وتوطين التقنية. إن اهتمامهم بالمنطق الرياضي والحسابات، التي تشكل عماد التقنية المعاصرة، بدل البلاغة وبديع الكلام، دليل على إيمانهم بمحورية المعارف النظرية، التي تشكل الأرضية والإطار الضروري لتطوير التقنيات العملية.

أعتقد أن الجميع متفق على ضرورة النهضة، وعلى البدء بالإنسان الذي يحقق النهضة ويستفيد منها. لكن البعض قد يتناسى حقيقة أن النهضة ليست إجراءات أو منظومة أعمال فقط، بل هي في المقام الأول رؤية نظرية للأهداف الكبرى والوسيطة، ومعايير للتحقق من سلامة العمل، ثم الإجراءات والبرامج التي ستوصلنا إليها.

إنني أطمع أن يهتم عدد أكبر من أهل الرأي في بلدنا وحولها بقضايا النهضة، ولا سيما بتحويلها من شعارات عامة أو تمنيات، إلى مسائل قابلة للنقاش العام، وتطبيقات متصلة بالحياة اليومية للناس كافة.

لا شك أن هذه القضايا جديرة بالنقاش من جانب جمهور المواطنين، فضلاً عن أهل الرأي والمتخصصين. ويؤسفني أن غالبية العرب لا تهتم كثيراً بالجدل حول المشاريع الكبرى. ويشار عادة في تبرير هذا الإهمال، إلى انشغال الناس بلقمة العيش، التي قد تكون عسيرة في بعض البلدان. مع أن تلك المشاريع هي العلاج الفعال والتاريخي لشحة الرزق وانكشاف المجتمع.

سوف أعود لمناقشة الرؤية المبكرة التي طرحها مالك بن نبي في مقالات لاحقة. لكنني أود البدء بصياغة جديدة لمفهوم الإنسان الذي اقترحه، والذي أراه منصرفاً إلى معنيين: أولهما كون الإنسان هدفاً نهائياً للنهضة، فلا يصح أن تضم بين مشاريعها ما يضعف دوره أو يقيد مساراته. والآخر كونه الفاعل الرئيس الذي تعتمد عليه مشاريع النهضة. ومن هنا، فإن تطوير قدرات الإنسان العقلية والعلمية، أي تمكينه من إدارة التطور الذي نسميه نهضة، يُعدّ رهاناً محورياً وتمهيداً لا بديل عنه عند انطلاق المشروع وفي سياقه.

أما التراب، فقد كان الأستاذ مالك يركز على مفهوم الأرض والإنتاج الزراعي. وأرى أن الأصوب استبداله بمفهوم «الطبيعة» ككل، باعتبارها موضوعاً لعمل الإنسان. نهضة الاقتصاد والعلم، وهما جوهر مفهوم التقدم، ليست في حقيقتها سوى الاستثمار الأكفأ للموارد الطبيعية.

أما الوقت، فإنني أقترح أن نستبدل به مفهوم الزمن أو التاريخ؛ لأن التقدم ليس مشروعاً ينتهي بعد مدة. بل هو أقرب لبرنامج مفتوح، يبدأ بما تعرف، فتنفتح أمامك أبواب كانت مجهولة، فتستغني عما سبق. وهكذا، فكل عمل في مشروع النهضة هو عبور من مرحلة معروفة إلى أخرى جديدة، تؤدي بالضرورة إلى زوال قيم وبروز أخرى، وزوال مفاهيم وأحكام وأخلاقيات وبروز بدائل عنها، وهكذا. معرفة الإنسان تاريخية بطبعها، أي مؤقتة. اعتبار المعرفة تاريخية، أي مشروطة بزمنها، شرط ضروري للتعامل الناضج مع التحولات التي تجري في سياق النهضة. ولنا عودة إلى هذا الموضوع.

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

 

في مأزق الحقيقة الراهن

يمر العالم المعاصر بإنتاجية مكثفة لأزمات وجودية ومعرفية مركبة؛ تتبدى في تقاطع تحولات سياسية واقتصادية وفلسفية حادة، تعيد صياغة وعي الإنسان بذاته، وبمحيطه، وبالزمن. إن هذا التحول الكوني ليس مجرد تبدل عابر في موازين القوى، بل هو زلزال مفاهيمي يطال بنية الوعي البشري ويقوض ركائز الحقيقة الفلسفية والسياسية التي استقرت لقرون. ويمكن قراءة هذا التحول الكوني المعقد من خلال ثلاثة محاور رئيسية متداخلة تشكل ملامح العصر الحديث:

 أولها، صعود "الظاهرة الترامبية" كنموذج لتفكيك القيم السياسية الكلاسيكية وإحياء النزعة السيادية المشخصة التي تعتمد على كسر المؤسسات واختزال الدولة في الفرد.

 وثانيها، تأسيس "التعميق الأيديولوجي للتفاهة" بالتوازي مع ميتافيزيقيا براغماتية نفعية تختزل الوجود الإنساني كله في أبعاده المادية الأداتية، محولة القيم الأخلاقية إلى أدوات استخدامية عابرة.

 وثالثها، سيادة فلسفة تجارية سلعية مفرطة تكرس نمط وجود وشعار الاستهلاك الفوري القائل: "أعيش يومي وغداً لغائب".

تتوج هذه المحاور الثلاثة بمقاربة فلسفية تاريخية تفكيكية لصراع الكذب والسياسة؛ حيث يتحول الكذب المنهجي في عصر "ما بعد الحقيقة" من مجرد انحراف أخلاقي طارئ أو خطيئة سلوكية فردية، إلى آلية أنطولوجية وجودية تعيد هندسة الواقع وصناعة الأوهام الجمعية. إن فهم هذا المشهد المتشابك يتطلب تشريحاً بنيوياً حاداً يربط بين تآكل المؤسسات الديمقراطية، وصعود الرأسمالية المتأخرة، والتحولات العميقة في أنظمة التاريخانية والوعي البشري بالزمن والحقيقة. إنه محاولة لتعرية الأنساق الخفية التي تحرك واجهة العالم المعاصر وتدفع به نحو سيولة معرفية شاملة.

 الترامبية وفلسفة السيادة المشخصة (أيقونة الكاو بوي)

تتجاوز الظاهرة الترامبية كونها مجرد حقبة رئاسية عابرة في التاريخ الأمريكي المعاصر، أو مجرد حدث سياسي ارتدادي؛ إذ تمثل في الجوهر تياراً أيديولوجياً هجيناً يمزج بين مستويات مرتفعة من الشعبوية اليمينية المحافظة والنزعة السلطوية القومية الجديدة. إنها ظاهرة فريدة تستخدم أدوات الحداثة وما بعد الحداثة معاً لتفكيك القيم السياسية الدولية المستقرة. وتعتمد الترامبية في منطقها الحركي على سياسة "الصدمة" المتتالية لإرباك التوازنات الدولية التقليدية، متجاوزة عن عمد القنوات المؤسساتية والقانون الدولي لتكريس مبدأ الصفقات الثنائية والنفوذ المباشر المبني على ميزان القوى العاري. وينعكس هذا التوجه في صراع حاد يتسرب من قمة الهرم السياسي إلى أعمق قاع في المجتمع؛ معبراً عن ارتباك دولي يعيد صياغة مفهوم تعددية الأقطاب على أنقاض العولمة الليبرالية والتحالفات التاريخية التقليدية، حيث يحل منطق "الغابة السياسية" محل التوافقات التعاقدية.

تتقاطع الترامبية بنيوياً مع الفلسفة الكامنة وراء المثل السائد "أمير ولو على حجر"؛ وهي فلسفة شعبية تجسد النزعة السيادية المتطرفة والمشخصة التي تفضل الهيمنة الفردية المطلقة، وإن تكن هذه الهيمنة ممارَسة على ركام نظام متآكل أو بيئة قاحلة مهدمة. في هذا المنظور السياسي، تصبح السلطة غاية بذاتها، منفصلة تماماً ومجردة من مسؤولياتها البنائية أو التزاماتها التعاقدية الجماعية تجاه المجتمع أو المستقبل.

إن ممارسة الحكم هنا تتمأسس على مبدأ الذاتية المطلقة ورفض أي كبح مؤسساتي أو دستوري أو قانوني؛ بحيث تصبح الدولة مختزلة بالكامل في شخص القائد الفرد، وتتحول العلاقات الدولية من فضاء دبلوماسي إلى فضاء من الصراع البدائي الخالي من القيم الإنسانية المشتركة. إن "الحجر" في هذا السياق هو التعبير الوجودي عن التخلي العمد عن بناء الفضاءات العمومية المشتركة والمؤسسات المستدامة، لصالح نرجسية سيادية تبسط نفوذها على التشظي والخراب، وتجد مشروعيتها في استمرار الأزمة لا في حلها.

الفلسفة التجارية السلعية وحتمية "الحاضرية المطلقة"

توظف الرأسمالية المتقدمة النزعة الاستهلاكية المفرطة ومذهب المتعة اللحظية كأدوات تصفية واحتواء شرسة للقوى الاجتماعية والسياسية التي قد تشكل، في حال وعيها، تهديداً لاستقرار بنيتها الاحتكارية. وتعمل الآلة الصناعية المعاصرة، وثقافة الإعلام الاستعراضي، ومراكز التسوق الكبرى والمنصات الرقمية، على إنتاج ما يمكن تسميته بـ "الإنسان المسطح"؛ ذلك الكائن الذي يستهلك ذاته في عملية الاستهلاك نفسها، ويتحول من فاعل تاريخي إلى مفعول به اقتصادي. وقد قوضت هذه النزعة الاستهلاكية الشرسة القيم الروحية والأعراف الاجتماعية للمجتمعات التقليدية؛ حيث جرى إزاحة المناسبات الروحية والاجتماعية الكبرى من حيزها الرمزي والديني العميق إلى حيز "الطقوسية الشكلية والاستعراضية" التي تغذيها الميديا الرقمية وصناعة الصورة المعولمة. هذا التسليع الشامل لكل ما هو إنساني ينعكس في حالة من الاغتراب الروحي والاضطراب المتزايد الذي يلتهم البيئة والإنسان على حد سواء؛ مكرساً حالة "الغثيان" الوجودي التي تفرزها الحياة البرجوازية القائمة على المنفعة الضيقة لا الجمال، وعلى التكرار العقيم للحاضر الاستهلاكي الخالي من الإبداع الحقيقي والتجاوز التاريخي.

في هذا الصدد، يحلل المؤرخ فرانسوا هارتوغ كيف أن المجتمعات الإنسانية تعبر عن تجاربها في أطر ثقافية متغيرة تسمى "أنظمة التاريخانية". وقد تراجع الوعي الزمني المعاصر بشكل حاد بعد سقوط جدار برلين وتفكك اليوتوبيا التقدمية الحديثة التي كانت تتطلع نحو المستقبل، ليفسح المجال لنظام "الحاضرية المطلقة"؛ حيث يصبح الحاضر كلي الوجود والسيادة، ويتلاشى التوازن التاريخي التقليدي بين فضاء الخبرة المستمدة من الماضي وأفق التوقعات المأمول في المستقبل.

يعيش الفرد في ظل هذا النظام علاقة شيزوفرنية بالزمن؛ وهي تجربة دوال مادية معزولة ومتقطعة تفشل في التلاحم لتشكيل استمرارية زمنية للهوية الشخصية أو الجماعية. إن شعار "أعيش يومي وغداً لغائب" ليس مجرد تعبير عن تفاؤل عابر، بل هو السلوك النفسي والاجتماعي المنسجم تماماً مع آليات الرأسمالية المتأخرة التي تثير شهوة الاستهلاك الفوري في لحظة "هنا والآن". وفي هذه الحالة الوجودية المأزومة، ينفصم الجدل الطبيعي بين الحاضر والمستقبل؛ إذ يغترب الحاضر كلياً ويتحول إلى "حاضر كئيب وسرمدي" مفرغ من الوعي التاريخي والآفاق الاستشرافية. ويرى الفيلسوف فريدريش نيتشه أن هذا التكريس للوعي اللحظي والنزوع الاستهلاكي يدمر جوهر الإنسانية؛ عبر حصر غايتها في المعرفة التقنية الفورية والمنفعة المادية العاجلة بدلاً من القيم الروحية العميقة التي تمنح الوجود استمراريته الأخلاقية والتاريخية الممتدة.

جينالوجيا صراع الكذب: التحولات المفهومية الكلاسيكية

يمثل صراع الحقيقة واللاحقيقة المحور الجوهري لمسار التاريخ الفلسفي كله؛ إذ دأبت الفلسفة، منذ نشأتها الأولى، على البحث عن الحقيقة عبر تعرية أضدادها من الوهم، والزيف، والأسطورة، والتضليل. وقد شهد مفهوم الكذب تحولات مفهومية كبرى عبر العصور، بدءاً من الصياغة اليونانية الكلاسيكية حيث برز الكذب في صيغة "القول الزائف"؛ وهي صيغة معقدة تمزج في الآن ذاته بين الخطأ المعرفي غير المقصود، والخداع السياسي المتعمد، والتزوير الفني والجمالي المفارق للواقع.

وفي محاورة "هيبياس الصغرى" الشهيرة لأفلاطون، يخوض سقراط نقاشاً بنيوياً عميقاً حول التمييز بين شخصيتي البطلين الملحميين: "آخيل" الصادق والمستقيم، و"أوديسيوس" المراوغ والذكي. ويقدم أفلاطون من خلال هذا السجال أطروحة إشكالية صادمة تفترض "تفوق فاعل السوء الطوعي"؛ مبيناً أن الشخص الذي يكذب أو يرتكب الخطأ طواعية وبعلم تام ووعي كامل هو أفضل تقنياً وعقلياً وفلسفياً من الشخص الذي يخطئ عن جهل أو دون قصد.

السبب في هذا التفضيل الأفلاطوني المظهر هو أن الأول يملك ناصية المعرفة والخبرة التامة بالمجال، وبالتالي يمتلك القدرة الواعية على التحكم بالحقائق وتوجيهها وصياغتها، بينما الثاني يتخبط دون وعي. هذا التمييز المبكر يضع يدنا على الجذر الجينالوجي للكذب بوصفه مهارة معرفية وتقنية يجري توظيفها لأغراض الهيمنة وصناعة الرأي.

 من الكذب الممنهج إلى فضاء "ما بعد الحقيقة"

تنتقل الفيلسوفة حنة أرندت بمفهوم الكذب إلى فضاء الفلسفة السياسية الحديثة في مقالتها الكلاسيكية "الحقيقة والسياسة" ، والتي كتبتها في أعقاب الجدل الصاخب والشرس الذي أثير حول كتابها "آيخمان في القدس"  مقدمة مقاربة واقعية وعميقة للعلاقة الصدامية بطبيعتها بين الفضاء السياسي وعالم الحقيقة. وترى أرندت أن الصدق لم يكن يوماً من الفضائل السياسية في تاريخ الممارسة العملية، بل طالما اعتُبر الكذب ونصف الحقيقة أداة ضرورية ومبررة في إدارة الدولة والتوجيه الغوغائي للجماهير. وتناقش أرندت مقولة توماس هوبز الشهيرة في كتابه "الليفايثان" بأن "الحقيقة التي لا تتعارض مع لذة أو ربح أي إنسان هي موضع ترحيب الجميع"، لتؤكد أن الحقيقة الواقعية تواجه رفضاً وغضباً سياسياً مستمراً حتى حين لا تتعارض مباشرة مع المصالح المادية؛ وذلك لأن طبيعة الحقيقة القسرية والصلبة وغير القابلة للمساومة تقيد حركة الفاعل السياسي الباحث عن إعادة تشكيل الآراء، وتزييف الوقائع، وتوجيه الجمهور وفقاً لبوصلة مصلحته الآنية.

توضح أرندت عناد الحقيقة الواقعية من خلال حكاية السياسي الفرنسي جورج كليمنصو؛ فحين سئل عما سيكتبه مؤرخو المستقبل عن مسؤولية اندلاع الحرب العالمية الأولى، أجاب بثقة: "لا أعلم يقيناً ما سيكتبونه، ولكني متأكد تماماً من أنهم لن يجرؤوا على القول بأن بلجيكا هي من غزت ألمانيا في أغسطس 1914". وتظهر هذه الحادثة التاريخية الدالة أن الحقائق الملموسة تمتلك "صلابة مستفزة" وصموداً ذاتياً يعوق محاولات تزييف الواقع بالكامل أو محوه من الذاكرة البشرية.

ومع ذلك، تميز أرندت تمييزاً دقيقاً بين الكذب التقليدي القديم الذي كان يهدف إلى حماية الأسرار العسكرية أو خداع الأعداء بشكل موضعي وجزئي يترك نسيج الواقع العام سليماً، وبين "الكذب الممنهج الحديث" الذي تمارسه الحكومات المعاصرة والأنظمة الشمولية الشاملة. إن الكذب الممنهج لا يكتفي بإخفاء الوقائع أو مواراتها، بل يعمل على تدميرها كلياً من الجذر، وإحلال واقع افتراضي بديل، مصنع ومكتمل وموجّه، مكانها. ويكتسب هذا الكذب بعداً دموياً مرعباً؛ إذ يمثل الخطوة الأولى والأساسية للتصفية المادية الفعلية. فعندما تعمد سلطة شمولية إلى مسح اسم شخصية بارزة من الصور والسجلات التاريخية الرسمية، فإن هذا المحو الرمزي ليس مجرد إجراء إداري، بل هو تفكيك لوجوده يشرعن عملية اغتياله الفعلي ويسهل تقبل تدميره المادي في الوعي الجمعي دون إثارة أي شعور بالذنب.

ولمواجهة هذا التزييف المنظم، تقترح أرندت استلهام مفهوم "العقلية المتضخمة الشاملة" من فلسفة إيمانويل كانت المتعلقة بالحكم الجمالي؛ حيث يتطلب الفكر السياسي المتزن تفعيل طاقة الخيال لاستحضار مواقف الآخرين الغائبين، والتفكير من وجهات نظر متعددة ومتقاطعة لضمان تحقيق نوع من الموضوعية والتحرر من النفعية الفردية أو الحزبية الضيقة.

يواصل الفيلسوف جاك دريدا هذا التفكيك البنيوي في محاضرته التأسيسية "تاريخ الكذب: مقدمات"؛ والتي ألقاها في المدرسة الجديدة للبحث الاجتماعي تخليداً لذكرى ارتباط حنة أرندت بتلك المؤسسة الأكاديمية. ويحلل دريدا في هذه الأطروحة كيف يتواطأ الكذب المعاصر مع السرعة الفائقة لوسائل الإعلام الرقمية وشبكات التواصل، التي تنتج رأياً عاماً فورياً وموجهاً، وتمنع بالضرورة فترات التفكير، والتروي، والتحليل اللازمة لكشف التزييف وتعرية الأكاذيب. كما يحلل دريدا أداء "خطابات الاعتراف والاعتذار السياسي" المعاصرة بوصفها ممارسات أدائية إجرائية لغوية تهدف في حقيقتها إلى إعفاء الفاعلين السياسيين والأنظمة من المسؤولية القانونية والمادية الفعلية تجاه الضحايا، عبر تحويل الجريمة إلى مجرد حدث لغوي يجري تجاوزه بالاعتذار الشكلي.

ويبرز هذا التحليل المعرفي لدريدا في سجاله التاريخي العنيف مع المؤرخ توني جدت؛ وكان جدت قد نشر مقالاً شهيراً في صحيفة "نيويورك تايمز" عام 1995 بعنوان "قصص الحرب الفرنسية"، أثنى فيه على شجاعة الرئيس جاك شيراك في الاعتراف بمسؤولية الدولة الفرنسية عن ترحيل اليهود في عهد حكومة فيشي المتعاونة مع النازية، ولكنه في الوقت نفسه وجه نقداً لاذعاً ومجحفاً للمثقفين الفرنسيين الكبار من أمثال سارتر، فوكو، بوفوار، ودريدا، متهماً إياهم بـ "الصمت المريب والغريب" عن جرائم حكومة فيشي لعقود طويلة بسبب تعميتهم المعرفية وارتباطهم بالأيديولوجية الماركسية.

فكك دريدا ادعاءات جدت بصرامة معرفية، كاشفاً أنها تفتقر تماماً للدقة التاريخية وتمثل ما أسماه "الحقيقة المضادة" أو "أشباه الحقائق" الناتجة عن إهمال فادح أو تعمد مبيت لعدم البحث عن الحقيقة الناصعة. وبيّن دريدا أولاً أن التزامات فوكو السياسية البارزة لم تكن ماركسية قط، بل كانت في معظمها مناهضة صريحة ومعلنة للماركسية التقليدية. وثانياً، كشف زيف تهمة الصمت بتقديمه دليلاً تاريخياً قاطعاً تمثل في العريضة التاريخية الشهيرة الموقعة في يونيو 1992 (والتي كان دريدا نفسه من أبرز مهندسيها وموقعيها مع مثقفين آخرين) والتي طالبت صراحة ولأول مرة رئيس الجمهورية آنذاك فرانسوا ميتيران بالاعتراف الرسمي بجرائم فيشي ضد الإنسانية، وهو التحرك البارز الذي غطته صحيفة "نيويورك تايمز" ذاتها في حينه. يظهر هذا السجال الفلسفي التاريخي كيف يتحول التحريف التاريخي في الصحافة والأكاديميا المعاصرة إلى أداة لإنتاج "أوهام رقمية" وتمرير روايات كاذبة مغلفة بسلطة التواقيع الأكاديمية والمنشورات الرصينة في فضاء ما بعد الحقيقة، حيث يغدو التجهيل صناعة منظمة.

 آفاق الانسداد الأنطولوجي

يفضي هذا التشريح المعرفي والسياسي العميق للمشهد العالمي الراهن إلى إدراك واضح لحجم الانسداد الأنطولوجي الوجودي الذي تفرضه الرأسمالية المتأخرة والظواهر الشعبوية المصاحبة لها. إن تقاطع الترامبية كسيادة مشخصة فوضوية ("أمير ولو على حجر") مع أيديولوجيا التفاهة المسطحة والمنفعة البراغماتية الأداتية، قد أنتج في نهاية المطاف بشراً منزوعي البعد التاريخي والروحي، غارقين في حاضر استهلاكي سرمدي لا يرى أبعد من تلبية الرغبات الفورية لليوم الواحد. وفي هذا السياق المتآكل، يغدو الكذب أسلوب حوكمة أصيلاً، ومنهجاً منظماً لتصفية الحقائق الصلبة وتمرير السياسات الإلغائية تحت غطاء الأوهام الرقمية وشعارات ما بعد الحقيقة التي تبرر كل خطيئة سياسية.

ولا يمكن مواجهة هذا النظام الشامل للتفاهة والتزييف إلا باستعادة الفلسفة الفكرية النقدية الصارمة، والجرأة التفكيكية على قول الصدق في الفضاء العام، وتعرية آليات السيطرة السلعية والإعلامية لإنقاذ الفضاء المشترك للإنسانية من الانهيار والسقوط النهائي في بئر الأكاذيب المعولمة. إن استعادة التوازن المفقود بين فضاء التجربة التاريخية وأفق التوقعات المستقبلية، ورفض استبدال الرعاية التنموية الحقيقية للدول بأجهزة المنظمات غير الحكومية التابعة للشركات العابرة للقارات، تمثل الشروط البنيوية الأساسية والوحيدة لبناء مجتمع كوني يسترد وعيه التاريخي ويصون حقيقته الواقعية بقوة وصلابة في وجه أدوات التضليل الرقمي المعاصر. إنها معركة الوعي ضد التسطيح، ومعركة الحقيقة الصلبة ضد السيولة الخادعة.

***

غالب المسعودي

لمؤشرات تقييم التعليم العالي بين الكمّ والكيف

تأتي هذه القراءة في سياق الحاجة المتزايدة إلى إعادة التفكير في فلسفة التعليم العالي، وفي طبيعة الأسئلة التي ينبغي أن تُطرح قبل الشروع في أي إصلاح أو تطوير. فقد قدّم البروفيسور محمد الربيعي رؤية نقدية متزنة، لا تنحاز إلى طرفٍ دون آخر، بل تضعنا أمام مفاضلات حقيقية يعيشها التعليم العالي اليوم: بين التوسع الكمي والارتقاء النوعي، بين مجانية التعليم واستدامة تمويله، بين المركزية الصارمة والاستقلالية المسؤولة، وبين المعرفة النظرية والمهارة التطبيقية.

إن أهمية هذه الرؤية لا تكمن في الأسئلة التي طرحتها فحسب، بل في الطريقة التي صيغت بها؛ فهي أسئلة تُعيد ترتيب أولويات النقاش، وتدفع نحو بناء منظومة تعليمية واعية بذاتها، قادرة على تقييم أدائها، ومؤهلة لصياغة مستقبلها. ومن هنا تأتي هذه القراءة لتفكيك تلك المفاضلات، وتحويلها إلى مؤشرات قابلة للقياس، تُسهم في رسم صورة أوضح لموقع التعليم العالي بين الكمّ والكيف، وبين الواقع والطموح.

أولاً: مؤشرات الكمّ والنوع

تتأرجح الجامعات بين التوسع الكمي الذي يرفع أعداد الطلبة والأقسام، وبين التميز النوعي الذي يرفع مستوى الوعي والكفاءة. ولأن التوسع وحده لا يصنع جامعة، ولأن الجودة وحدها لا تكفي دون قاعدة بشرية واسعة، فإن التوازن بينهما يصبح ضرورة.

النمو الكمي يُقاس بمعدلات الزيادة السنوية في الطلبة والأقسام، بينما تُقاس الجودة النوعية بنتائج التقييمات، ورضا الطلبة، وكفاءة التدريس، وحجم الإنتاج العلمي.

هذه المفاضلة التي طرحها الربيعي ليست سؤالًا تقنيًا، بل سؤالًا فلسفيًا حول هوية الجامعة: هل هي مؤسسة جماهيرية أم نخبوية؟ أم أنها مطالبة بأن تكون الاثنتين معًا؟

ثانيًا: مؤشرات التمويل والعدالة التعليمية

بين مجانية التعليم وكلفته، تقف الجامعات أمام معادلة دقيقة: كيف تُبقي التعليم متاحًا دون أن تفقد جودته؟

وهنا يبرز مؤشر العدالة التعليمية الذي يقيس مدى وصول التعليم للجميع، مقابل مؤشر الكفاءة الاقتصادية الذي يقارن تكلفة الطالب بالعائد المهني والعلمي.

رؤية الربيعي تُذكّر بأن مجانية التعليم ليست قيمة مطلقة إذا جاءت على حساب الجودة، وأن التمويل ليس هدفًا إذا لم يُترجم إلى تعليم أفضل. إنها دعوة لإعادة التفكير في نماذج التمويل بعيدًا عن الشعارات.

ثالثًا: مؤشرات الحوكمة الجامعية

المركزية قد تضمن الانضباط، لكنها قد تخنق الإبداع. والاستقلالية قد تمنح الحرية، لكنها قد تشتت الجهود.

لذلك تُقاس الحوكمة عبر:

- مؤشر الاستقلالية: نسبة القرارات الأكاديمية المتخذة داخل الجامعة.

- مؤشر المركزية: حجم تدخل الجهات العليا في القرارات.

ما يطرحه الربيعي هنا ليس نقدًا للمركزية بقدر ما هو نقد لغياب التوازن؛ فالجامعة لا يمكن أن تنهض بلا حرية، ولا يمكن أن تستقيم بلا مسؤولية.

رابعًا: مؤشرات المخرجات التعليمية

لا قيمة لتعليم لا ينعكس على أداء الخريج في الواقع.

وهنا تبرز مفاضلة الربيعي بين المعرفة النظرية والمهارة التطبيقية. فالمعرفة تمنح الخريج عمقًا، والمهارة تمنحه قدرة، والجامعة الناجحة هي التي تجمع بينهما.

تُقاس المهارات التطبيقية باختبارات الأداء وتقييم أرباب العمل، بينما تُقاس المعرفة النظرية بجودة الامتحانات والمشاريع والنقاش العلمي.

خامسًا: مؤشرات البحث العلمي

البحث الفردي قد يلمع، لكن البحث المؤسسي هو الذي يصنع التغيير. وهنا يطرح الربيعي سؤالًا مهمًا: هل نريد باحثين أم منظومة بحثية؟

يُقاس التعاون البحثي بنسبة الأبحاث المشتركة، بينما يُقاس البرمجة البحثية بوجود خطط وطنية ممولة.

إنها دعوة للانتقال من البحث العشوائي إلى البحث الموجّه.

سادسًا: مؤشرات التأثير العالمي

لا تُقاس الجامعات فقط بما تقدمه لطلبتها، بل بما تضيفه للعالم.

ويظهر ذلك في:

- مؤشر التصدر العلمي: الحضور في التصنيفات العالمية.

- مؤشر السلام الأكاديمي: الشراكات الدولية ومشاريع التعاون العلمي.

رؤية الربيعي هنا تتجاوز حدود الجامعة المحلية لتضعها في سياق عالمي، حيث لا مكان للجامعات المنغلقة.

خاتمة

إن قراءة رؤية البروفيسور محمد الربيعي تكشف عن مشروع فكري يسعى إلى إعادة تعريف التعليم العالي من خلال مفاضلاته الكبرى.

فهو لا يقدّم حلولًا جاهزة، بل يقدّم إطارًا للتفكير، ويحوّل الأسئلة الفلسفية إلى مؤشرات قابلة للقياس، ويضع الجامعة أمام مسؤوليتها في أن تعرف أين تقف، وإلى أين تريد أن تصل.

بهذا المعنى، فإن ما يطرحه من رؤى ليست نقدًا للتعليم العالي بقدر ما هي دعوة لإعادة بنائه على أسس علمية، متوازنة، وواعية بذاتها.

***

الدكتور عبد الجليل البدري

 

مدخل: عناصر البحث:

1- ملخص عن البحث:

2- مدخل:

3- في المفهوم، السلفيّة السنيّة أنموذجاً:

4- مآل من يخرج عن أهل السنة والجماعة:

5- مصادر تلقي الدين عند السلفيين كما حددها الشافعي:

6- الخاتمة:

1- ملخص البحث:

إذا كان تعريف العقل عند الإنسان هو جملة المعارف التي اكتسبها هذا الإنسان تاريخيّاً من خلال علاقته مع الطبيعة والمجتمع، فإن العقل في علاقته الحميميّة والجدليّة مع الدماغ الإنساني هو من يقوم بتخزين هذه المعارف، ومن ثم تحليلها وتركيبها، وبالتالي توظيفها وفقاً لمصالح وحاجات الإنسان الفرد والمجتمع معاً.

فالعقل وفقاً لهذا المعطى – أي وفق تحالفه مع الدماغ - هو الوسيلة الأكثر فاعليّة ليس في ضبط حركة وتوازن الجسم الإنساني فحسب، بل هو الأكثر فاعليّة أيضاً في ضبط آليّة وحركة المجتمع. فمع غياب هذا العقل يفقد الفرد والمجتمع توازنهما. وعلى هذا الأساس تأتي دعوتنا إلى إيلاء العقل دوره ومكانته في هذه الحياة، والتصدي معرفياً وبحزم لكل من يحاول النيل منه. فمثل هؤلاء الذين يحاربون العقل ويكفرون ويزندقون أصحابه ودعاته باسم النقل، هم في الحقيقة من يسيئ للنقل ذاته أيضاً، أي من يسيئ للتراث بعد أن يقوم بتقديسه وإغلاقه وجعله المرجع الوحيد للحقيقة من جهة، ثم اعتبار من اشتغل على تكوينه في مراحل تاريخيّة محددة هم أناس كل منهم (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ)، أو هم (كالنجوم الزاهرة بأي منهم نقتدي نهتدي) من جهة ثانية.

إن هذا الفهم للنقل قامت بتجسيده في حياة الأمتين العربيّة والإسلاميّة فكريّاً وسلوكيّا، قوى اجتماعيّة نعتت نفسها بالسلفيّة، وقالت بأنها هي وحدها من يمتلك حقيقة الماضي والحاضر والمستقبل. وهذا ما سنجده في هذه الدراسة.

2- مدخل:

يعزف المرء أحيانا عن الخوض في بعض المواضيع ذات الطبيعة الحساسة، وخاصة الدينيّة أو السياسيّة منها خشية المتاعب التي قد يلاقيها، أو لأن المواضيع ذاتها على درجة من الغموض والإشكاليّة وأيضا التقديس، بحيث يغدو التعرض لها نوعاً من المغامرة العلميّة والأخلاقية والمعرفيّة. ولكن المرء يضطر أحياناً برأي إلى الخوض في مثل هذه المواضيع الحساسة والإشكاليّة لما لها من أهميّة في توعية الجماهير المضطهدة والمغيبة عقليّاً، وتبيان أسباب قهرها واضطهادها وتجهيلها من جهة، ثم المساهمة في تحريك الشارع موضوعيّاً وذاتيّاً وضبط آليّة علاقاته من جهة ثانية، أو لتبيان ما تتركه هذه المواضيع من آثار على جملة الحياة الاجتماعيّة والفكريّة، كما نرى من مشاهد اللامعقول التي تمارس باسم الدين ومشروع الإسلام السياسي اليوم على الساحة العربيّة والإسلاميّة من جهة ثالثة.

إن مسألة أو موضوعة السلفيّة، أو ما يسمي أيضا بأهل الحديث أو أهل السنة والجماعة، وكذلك السلفيّة في الفكر الشيعي عموماً، والخلافات الفكريّة الدائرة بين تياراتها، كالخلاف الدائر منذ زمن طويل ما بين الوهابيّة نفسها عبر مؤسستها وأحزابها الدينيّة، وبين التيارات السلفية الأخرى السابقة لها أو اللاحقة كالأشاعرة والماتريديّة والسروريّة والإخوان من جهة، أو الصراعات والخلافات الدائرة بين المذاهب السلفيّة كالمالكيّة والشافعيّة والحنبليّة والحنفيّة من جهة أخرى، وهذا الخلاف أو الصراع ينطبق أيضاً على التيار السلفي الشيعي ومفرداته المذهبيّة والطائفيّة، كالصراع الخفي عقديّاً الذي دار ولم يزل بين الاثنا عشريّة والاسماعيليّة والعلويّة وغيرهم منذ العصور الوسطى حتى اليوم. وبالتالي ما تركته هذه المذاهب والفرق بكل تجلياتها وخاصة السنيّة منها، مع المعتزلة والجهمية ومن اشتغل في علم الكلام والفلسفة في العصور الوسطى أولاً، أو مع العدو اللدود لهم سياسيّاً ومذهبيّاً وهم الشيعة بكل تياراتها أو فرقها ومذاهبها قديماً وحديثاً ثانياً. هذا إضافة إلى صراعها مع كل ما يتعلق بالفكر الوضعي السياسي منه والاجتماعي في عصرنا الحاضر وبخاصة الفكر القومي والاشتراكي في صيغتيه اليساريّة أو الليبراليّة ثالثاً.

نقول: إن هذه المسألة موضوع بحثنا – أي مسألة الخطاب السلفي السني - شكلت في الحقيقة ولم تزل تشكل أحد المواقف الإشكاليّة السياسيّة والفكريّة (العقديّة) في التاريخ العربي والإسلامي منذ وفاة الرسول حتى هذا التاريخ، وذلك لاعتبارات كثيرة، منها السياسيّة، ومنها العقديّة، ومنها الفكريّة /الفلسفيّة، ومنها الفقهيّة، ومنها الأمر الأهم الذي لم يزل قائماً ويمارس تأثيره في مجرى الحياة العربيّة والإسلاميّة بشكل واسع في حياتنا المعاصرة، وهو اعتبار دعاة وأتباع هذه المذاهب والفرق أنفسهم بأن كل منهم يعتبر "الفرقة الناجية"، وخاصة السنة الذين تبلورت دعوتهم السلفيّة تماًماً مع محنة "ابن حنبل" في الربع الأول من القرن الثالث للهجرة، حيث اعتبر من يختلف معهم في معطيات مذهبهم أو فرقتهم، كفرة وزنادقة ومن حقهم استباحة دمهم وأموالهم، في الوقت الذي يجدون فيه من يشجعهم من الحكومات والسلطات السياسيّة، التي تقدم لهم كل الدعم المادي والمعنوي من أجل نشر أيديولوجيتهم هذه وتسييدها في العالمين العربي والإسلامي، فراحت فتاوى ودراسات ومقالات مشايخهم تضع معايير الجرح والتعديل لتحدد من هو الكافر ومن هو المؤمن، ثم ما هي جزاءات كل فرقة من الفرق الضالة ومن يتبعها. بعد أن قاموا بليّ الكثير من أعناق النصوص الدينيّة المقدسة وبخاصة الآيات القرآنيّة، وما نسبوه للرسول محمد (ص) من أحاديث، بل وحتى بعض مقولات مشايخ الإسلام المعتبرين أمثال "ابن تيميّة وابن قيم الجوزيّة"، معتمدين في ذلك أيضاً على الكثير من كتب مشايخ وأئمة المذهب السلفي الدينيّة في العصور الوسطى أمثال الشيخ القاضي أبي بكر بن العربي (468-543 هـ). في كتابه الفريد (العواصم من القواصم)، وفكر من حققه وهو الشيخ (محب الدين الخطيب). هذا الكتاب الذي تناول فيه الدفاع عن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، ومواجهة كل من يحاول التشكيك في مصداقيّة أي واحد منهم، ونعته بالكفر والزندقة. وهو الكتاب الذي لقي كل الترحيب من هيئة الأمر بالمعرف في الحجاز سابقاً. وكذلك اعتمادهم في عصرنا الحاضر على الكتاب المهم جداً بالنسبة لمسألة جهاد الكفار للدكتور (عبد الله عزام)، "الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان" وهو أحد مؤسسي تنظيم القاعدة، حيث ابتدأ هذا الكتاب بقوله تعالى: (انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ.). (41 التوبة -). واتكأ في مضمون كتابه المتعلق بالجهاد، على معظم مشايخ تيارات السلفيّة وأئمتها ورجالاتها في العصور الوسطى، وعلى الكثير من رجالات ومشايخ وأئمة هذا المذهب وتياراته وبعض مؤسساته الدينيّة المعاصرة وبخاصة الوهابيّة، وبعض زعماء تيار "الإخوان المسلمون"

3- في المفهوم: السلفيّة السنيّة أنموذجاً:

لقد أجمع مشايخ وأئمة السلفيّة وعلى رأسهم علماء الحركة الوهابيّة بأنها: الرجوع إلى الكتاب والسنة لفهم سلف الأمّة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. والسلفيّة عندهم ليست مذهباً ولا حزباً ولا جماعةً، بل هي الدين الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وكان عليه صحابته. وهي الدعوة إلى نبذ كل شيء حدث في الدين ولم يكن منه في جميع أبوبه إن كان في العقيدة أو الشريعة أو الأخلاق. وأخيرا، السلفيّة هي الطائفة الناجية أو الفرقة المنصورة إلى قيام الساعة.(1)

أما مفهوم السلف: فقد بين علماء الدين من التيار السلفي، أن المراد بمصطلح السلف تاريخيّاً، هم الصحابة والتابعون وتابعوهم من أهل القرون الثلاثة الأولى. وبذلك أصبحت عقيدة السلف دليلاً على ما كان عليه هؤلاء ومن تبعهم من الأئمة الأربعة (المالكيّة والشافعيّة والحنفيّة والحنبليّة) وغيرهم من الفقهاء ومشايخ وأئمة الدين المعروفين ممن يهتمون بالشأن الديني السلفي أمثال: (سفيان الثوري، وحماد بن سلمه، والاوزاعي، وعلي بن ألمديني، وأبو داوود، والنسائي، وابن ماجة، وأبو حسن الشعري، وأبو حامد الغزالي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن القيم الجوزيّة، وابن حجر، وابن كثير، وابن عبد البر، والشاطبي، والإمام محمد بن عبد الوهاب، وفي هذا العصر ابن باز، والألباني، والشيخ البوطي، والعثيمين، والشيخ الفوزان والقرضاوي...) وغيرهم الكثير. بل وسائر أصحاب السلف الذين اتبعوا طريق الأوائل جيلاً بعد جيل. ولتأكيد رؤيتهم أو موقفهم هذه رجع بعض فقهاء السلفيّة إلى القرآن والحديث وأقوال الصحابة ليقدموا الأدلة النصيّة التي تدعم حجتهم، وتشير إلى تكريم الله لهؤلاء السلف وفضلهم على غيرهم من المسلمين. كتفسيرهم لقول الله عز وجل عن المهاجرين: (للفقراء المهاجرين الذين أ ُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون) الحشر الآية (8.) وكذلك بالنسبة للأنصار: (والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون علي أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون). الحشر الآية (9). وكذلك تبيان أهمية دور من بايع الرسول (ص) في بيعة الرضوان، في تفسيرهم لقوله تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم...) . سورة الفتح من الآية (18) . وأيضاً في تأكيدهم على أهميّة من آمن قبل الفتح وبعده في تفسيرهم لقوله تعالى: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى.). سورة الحديد. الآية (10). كما يؤكدون مسألة أهمية السلف ومكانتهم بناءً على أحاديث للرسول الكريم، منها ما رواه مسلم والبخاري يقول فيه: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم). وكذلك قول الرسول: (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي - وفي رواية لمسلم -، أحدا من أصحابي - فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ) . متفق عليه. أما الأكثر وضوحاً في هذا الاتجاه فهو حديث للإمام الشافعي يسند إلى أنس بن مالك عن رسول الله (ص): (إن الله اختارني واختار أصحابي فجعلهم أصهاري وجعلهم أنصاري، وإنه سيجيئ في آخر الزمان قوم ينتقصونهم، ألا فلا تنكحوهم. ألا فلا تنكحوا لهم. ألا فلا تصلوا معهم. ألا فلا تصلوا عليهم. عليهم حلة اللعنة.). (2).

إذن انطلاقاً من هذا الموقف الفكري الديني الوثوقي القائم على تفسير النص الديني المقدس بشأن السلف ودورهم ومكانتهم (الثابتة عبر الزمان والمكان). انبثق مصطلح السلفيّة وتبلور فيما بعد، وأخذ أيضاً سعته وحيويته كي يشمل مختلف العلماء والدعاة والمصلحين من أهل السنة والجماعة الذين يدعون بأنهم يقتدون بالسلف الصالح على مختلف مراحل وفترات التاريخ الإسلامي، بما فيها المرحلة الحاضرة ممن شهد له بالإمامة وعرف عظم شأنه في الدين، وتلقى الناس كلامهم خلفاً عن سلف دون من رمِيَ ببدعة أو شُهِرَ بلقب غير مرض بالنسبة لهم، مثل الخوارج والروافض والقدريّة والمرجئة والجهميّة، ومن يعتبرونهم على شاكلتهم من أهل زمننا كالقوميين والليبراليين واليساريين والعلمانيين ودعاة الديمقراطيّة.

هذا وقد قرر دعاة هذا التيار السلفي، بأن السلفيّة في صيغتها التي جئنا عليها أعلاه، هي منهج الإسلام، وعلي كل مسلم أن يلتزم نهجها، ومن يخرج عنه فهو مبتدع وضال، لذلك سموه بالمنهج السلفي.

إن إتباع منهج السلف في الإيمان والعمل والتزكية، هو أمر الله وأمر رسوله ولا يجوز الانحراف عن تلك الجادة قيد أنملة، وإن دعاة هذا المنهج أو المؤمنين به هم الفرقة الناجية بعد أن انقسم المسلمون علي ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. وهي التي حددها الرسول (ص) كما يقولون في قوله عندما سئل من قبل الصحابة عن الفرقة الناجية فقال:(هي ما أنا عليه وأصحابي- وفي رواية أخرى قال " الجماعة"). صحيح أخرجه الترمذي والحاكم وغيرهما.

وأهل السنة أيضا، هم أهل الحق، فكل من دان بهذا الحق فهو من أهل السنة، في أي زمان أو مكان وُجد... قال النووي:" ولا يلزم أن يكونوا – أي الطائفة المنصورة – مجتمعين – يعني في مكان واحد – بل قد يكونوا متفرقين في أقطار الأرض.).(3).

يُذكر أن "ابن تيمية" وشيوخ السلف الذين أخذوا بالقرآن والحديث والإجماع والقياس، كانوا يشيرون لأنفسهم بأهل السنة والجماعة لاعتقادهم أنهم الفرقة الناجية المتبعة للنهج الصحيح لأهل السنة والجماعة. ومآل أهل السنة، أي السلفيّة، أو (الفرقة الناجية) الجنة ابتداءً كما يقررون، إلا إذا زادت سيئات أحدهم علي حسناته فحينها يستحق دخول النار علي قدر زيادة السيئات، وإذا ما تساوت حسناته وسيئاته فهو في المشيئة، (أي الله وحده هو من ينظر في أمره)، ولو دخل النار فمآله في النهاية إلي الجنة ولابد.) (4)

4- مآل من يخرج عن أهل السنة والجماعة:

إن مآل من حاد عن منهج أهل السنة والجماعة واتبع فرقة من تلك الفرق الضالة الناريّة الـ (73) التي أخبر عنها الرسول في حديثه، فهو الكفر وبالتالي النار. هذا وقبل أن ندخل إلى تحديد تلك الفرق الضالة التي أشار إليها السلفيون وقالوا عنها بأنها "فرق ناريّة" دعونا نقف قليلاً عند مسألة تحديد معنى الكفر عندهم واتجاهاته:

أولاً تكفير النوع: ويعني أن العمل الفلاني فِعـْلـُهُ كفر أكبر، مثل من سجد لغير الله فقد كفر، ومن حكم بغير ما أنزل الله فقد كفر، ومن دعا إلى غير الله فقد كفر. (5)

ثانياً تكفير العين: ويعني أن فلاناً بعينه كافر لارتكابه العمل ألكفري.

وما يهمنا في جانب التكفير بعمومه هنا، هو تحديد الفرق الدينيّة غير الناجية التي كفرتها الفرقة الناجية، أي فرقة (أهل السنة والجماعة).(6)

جاء في الحديث الرسول: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتي وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة، قالوا من هم يا رسول الله؟، قال: هم الجماعة.) (وقال: هم من كانوا على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي.).

لقد حُددت الفرقة الناجية، والفرق التي لا تُعد من فرق الأمّة الإسلاميّة الـ/73/ أصالة، وهي فرق كافرة نوعاً وعيناً مثل (الدروز والعلويّة والإسماعيليّة.. الخ. وهذه فرق بنظرهم "تؤله غير الله عز وجل". وهناك أيضاً فلاسفة الصوفيّة "القائلون بالوجود المُطلق أو وحدة الوجود"، وغلاة الصوفيّة "الحلوليّة والاتحاديّة"، وهناك غلاة الرافضة الذين يقولون بتحريف القرآن ونقصانه ويؤلهون الأئمة وآل البيت.) وغيرهم. وهناك من الفرق الناريّة التي أقوالها أقوالا كفريّة وأعمالها أعمالا كفريّة، فالتكفير هنا تكفير نوع لا تكفير عين ٍ، وفي تكفير تلك الفرق بعين أفرادها خلاف سائغ بين العلماء، (مثل الرافضة غير الغلاة (الذين يسبون الصحابة ويكفرون بعضهم والذين يقولون بالرجعة والإمامة والتقية وغيرها).(7). وهناك المعتزلة (القائلون بنفي الصفات مع إثبات الذات والأسماء ويقولون سميع بلا سمع وبصير بلا بصر)، وبعض فرق الصوفيّة وهي الطرقيّة (الذين يتبركون بالقبور ويتمسحون يطوفون بها وينذرون لها وغير ذلك)، فمن كان من عوام تلك الفرق متأولاً أو جاهلاً أو مُلـَبَّساً عليه فهو في مشيئة الله تعالي، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، وهو مستحق للعذاب ابتداءً، وحتي لو دخل النار علي قدر مخالفته فمآله في النهاية إلي الجنة والله أعلم.

أما الْعَالِمْ من أهل تلك الفرق، الذي علم الحق ولم يظهره ، ودعا لذلك الكفر أو الشرك لأي مرض قلبي، أو لأي شهوة، فهو كافر هالك في النار. وهناك من الفرق الناريّة التي لا خلاف في عدم تكفير أهلها، ولكنهم مبتدعة ضالون، (مثل عامة الزيديّة الذين يقولون بأن أفضل الخلق بعد النبي هو علي بن أبي طالب ولكنهم يثبتون إمامة أبي بكر وعمر دون لعنهم أو سبهم. والمرجئة الذين يخرجون عمل القلب والجوارح من الإيمان) وغيرهم. (8).

إن تقويم السلفيين للكثير من الطوائف والفرق الدينيّة التي جئنا عليها أعلاه، والتي لم يزل قسم كبير منها قائماً حتى هذا التاريخ، هو التقويم ذاته بنظرهم الذي حدده "الشهرستاني" في كتابه (الملل والنحل)، أو "البغدادي" في كتابه (الفرق بين الفرق). علماً أن الزمن تغير وتطورت تلك الأقليات الدينيّة في فهمها للدين بسبب تطور العلم والمعرفة، وتلقيهم الكثير منهم الفكر الديني في زمننا المعاصر من المصادر ذاتها التي يتلقاها بقية المسلمين في المدارس والجامعات، ولكن ظلت صفة الطائفة لهذا الشخص أو ذاك لعنة عليه حتى ولو كان جاهلا أو حتى طفلا.

5- مصادر تلقي الدين عند السلفيين كما حددها الشافعي:

جاء في كتاب الرسالة للشافعي، أن السلفيين يعتمدون في تلقي الدين على المصادر التالية:

1- القرآن الكريم: وهو المصدر الرئيس عند السلفيّة ويستعينون على فهمه وتفسيره بالعلوم المساعدة على ذلك، كعلوم اللغة العربية والعلم بالناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول وبيان مكيّة ومدنية نزول الآيات، وغير ذلك من علوم تتعلق بدراسة وفهم القرآن الكريم.

2- السنّة الصحيحة: والسنّة عندهم هي كل ما نقل من أقوال وأفعال وصفات خلقيّة للرسول (ص) بعد تصحيحه والتأكد من سنده ومتنه من قبل علماء الحديث ، وفقاً لعلوم أصول الحديث.

ونتيجة لهذا العلوم يمكن الجزم بصحة نسبة الحديث المروي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو بكذبه، أو الحكم له بالحسن أو الضعف.

وفي هذا العلم يقسم الحديث إلى قسمين مقبول ومردود، فأقسام الحديث المقبول أربعة: الصحيح، والحسن، والصحيح لغيره، والحسن لغيره، ولكل واحد منها تعريف وأبحاث عديدة، ومن أهمها على سبيل المثال لا الحصر تعريف الحديث الصحيح بأنه: الحديث الذي اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذاً ولا معللاً. ومصادره عديدة منها (الموطأ) للإمام "مالك" و(صحيح الإمام أبي عبد الله البخاري وصحيح مسلم بن الحجاج القشيري، وصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، والمختارة لضياء الدين المقدسي، والمستدركات على الصحيحين كمستدرك الحاكم، والمستخرجات عليهما، وكتاب الخراج لأبي يوسف، وسنن الدار للقطني، ومسند ابن حنبل، وسنن الدرامي وغيرها.). (9).

وأما الحديث المردود فهو أنوع، منها الضعيف والمضعَّف والمتروك والمطروح والموضوع، وكذلك لكل منها تعريفه ومسائله. فمن ذلك أن الحديث الضعيف هو ما فقد شرطاً من شروط الحديث المقبول باختلال عدالة الراوي، أو ضبطه، أو انقطاع السند، أو شذوذ المتن، أو وجود العلة القادحة، أو عدم وجود العاضد عند الحاجة إليه.

ولا يشترطون أن يكون الحديث متواتراً، بل هم يعملون بالمتواتر والآحاد على السواء. (10) .

3 - الإجماع: هو اتفاق جميع رجال الدين المجتهدين من المسلمين في عصر من العصور على حكم شرعي. وإن اتفقوا سواء في عصر الصحابة أو بعده على حكم من الأحكام الشرعيّة، كان اتفاقهم هذا إجماعا. بيد أن السلفيين لا يقرون قولاً ولا يقبلون اجتهاداً إلا بعد عرضه على تلك الأصول. أي هم يجتهدون بآرائهم على ضوء تلك المصادر أو الأصول من دون أن يخالفوها. ومرد إيمانهم بأهميّة العودة إلى الإجماع هو حديث للرسول رواه ابن عباس يقول فيه: (مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به لا عذر لأحدكم في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله فسنة مني ماضية، فإن لم يكن سنة مني ماضية، فما قال أصحابي، إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فأيها أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة.). (11).

إن مفردة (أصحابي) التي جاءت في هذا الحديث قام الكثير من فقهاء وأئمة السلفيّة بفتح دلالاتها، حيث أقر بعضهم بأن أصحاب الرسول والمقتدون بسيرته هم كل من عاصره، وهم التابعون أيضاً وتابعوهم. يضاف لهم رأي أهل المدينة.

4- القياس: وهو حجة عندهم سواء كان جليّاً أو خفيّاً. ويعتقد السلفية بل يقرون بأن (لا خلاف بين نقل صحيح وعقل صريح.). وأن النقل مقدّم على العقل، فلا يجوز معارضة الأدلة الصحيحة من كتاب وسنة وإجماع بحجج عقليّة أو كلاميّة. وإن الأخذ بالقياس يجوز عندما لا يوجد نص في مسألة. (12) .

6- الخاتمة أو ملاك القول:

إن أهميّة خطورة التيار السلفي على حياة الفرد والمجتمع في تاريخنا المعاصر، لا تكمن في الجانب الوعظي فيه، وهو الجانب الذي يدعو الناس إلى التمسك بقيم الدين الحنيف ممثلة بالمحبة والتسامح وعدم إيذاء الآخرين واحترام الوادين والقيام بالعمل الصالح.. إلخ. وإنما تكمن الخطورة في تفسير وتأويل النص القرآني وإخراجه عن سياقه التاريخي أو ما يسمى بـ (خصوص السبب)، والتعامل مع ظاهر النص واعتباره صالحاً لكل زمان ومكان، والأكثر خطورة أنهم وضعوا أحاديث باسم الرسول والبحث عن نصوص في القرآن والعمل على ليّ عنقها عند تفسيرها أو تأويلها كي تؤيد ما يرمون إليه كما جاء في حديث للإمام الشافعي يُسند إلى أنس بن مالك عن رسول الله (ص) يقول: (إن الله اختارني واختار أصحابي فجعلهم أصهاري وجعلهم أنصاري، وإنه سيجيئ في آخر الزمان قوم ينتقصونهم، ألا فلا تنكحوهم. ألا فلا تنكحوا لهم. ألا فلا تصلوا معهم. ألا فلا تصلوا عليهم. عليهم حلة اللعنة.). فراحوا يبحثون عن أدلة في النص القرآني يؤيد هذا الحديث، مثل قوله تعالى: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون) الحشر الآية (8.) وكذلك بالنسبة للأنصار: (والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون علي أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون).

نلاحظ هنا كيف تجاهلوا خصوص سبب النزول من جهة، وكيفية التركيز على أشخاصهم كأفراد، على اعتبارهم قدوة لكل زمان ومكان من جهة ثانية. وهم بذلك يوقفون حركة التاريخ في إنتاج رجالات قدوة من بعدهم، وكل من يريد أن يحوز على درجة القدوة لا بد أن يقتدي بهم. هكذا نرى كيف تقوم السلفية بعلمها أو بدون علمها بتحطيم العقل من خلال اعتمادهم كثيراً على النقل وإقصاء العقل أولاً، ثم تحطيم المجتمع باسم الفرقة الناجية ثانياً، وأخيراً من خلال تمسكها بقيم الماضي ورجالته الذين تحولوا إلى نجوم زاهرة بأي منهم نقتدي نهتدي ثالثاً.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

.....................

الهوامش:

1- ما هي السلفية الصحيحة- موقع أنا مسلم.

2- - من تصدير كتاب "العواصم من القواصم "تقديم "محب الدين الخطيب". أيضاً يراجع في هذا الاتجاه: (أبو مريم محمد الحريتلي- من هم أهل السنة والجماعة؟ موقع الألوكة الشرعية - 18/5/2010 ميلادي.

3- محمد نبيل الشيمي. موقع الحوار المتمدن. العدد: 3723- 10/5/2012

4- محمد نبيل الشيمي – المرجع السابق.

5- منتدى الإسلام- لمحة عن الفرق الضالة - فضيلة العلامة د. صالح ن فوزان الفوزان.

6- المرجع نفسه.

7- المرجع نفسه.

8- للاستزادة في موضوع الكفر يراجع – الكفر عند أهل السنة والجماعة ومخالفيهم - للشيخ علي الشبل- عن موقع العقيدة والحياة. ويراجع أيضاً- الفرق الضالة وموقف أهل السنة منهم – موقع ألدي في دبي العربي).

9- راجع في هذه المسألة: مقال علم الحديث الشريف – عن موقع وزارة الأوقاف والشؤون الدينية – الكويت.

10 – المرجع نفسه.

11- من تصدير كتاب العواصم من القواصم. بقلم محب الدين الخطيب.

12- وفي الحقيقة إن القياس هنا أقرب إلى التشبيه منه إلى كونه آليّة عمل لها أصولها العلميّة بعينها، أو عند وجود نص غير واضح الدلالة، أو غير صحيح.

إن مفهوم النطق في الآية الكريمة "قالوا انطقنا الله الذي انطق كل شيء" فصلت الآية يتجاوز بكثير مجرد الكلام البشري المنطوق باللسان. ففي الرؤية العرفانية عند أهل الشهود، كل ذرة في الكون تنطق بلسان حالها، وتتحدث عن خالقها بآيات بينات.

 ليس الإنسان وحده الكائن الناطق، بل الوجود بأسره كتاب مفتوح، تتجلى فيه أسماء الله وصفاته. هذا النطق الكوني ليس صوتا مسموعا بالآذان، بل هو إشارة ودلالة وبرهان، يدركه القلب البصير والعقل المتدبر.

خذ على سبيل المثال لا الحصر الجلد والبصمة والحمض النووي، أليست هي ايضا آيات النطق في الإنسان بجانب اللسان.

يتجلى هذا النطق المشفر بوضوح في أدق تفاصيل خلق الإنسان. فالجلد، الذي يغطي جسدنا، ليس مجرد غطاء واق، بل هو ناطق صامت يحمل بصمات فريدة لا تتكرر. كل بصمة إصبع هي آية كونية، شهادة على التفرد والإبداع اللامتناهي. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: "بلى قَادرينَ على أَن نّسوي بنانه" (القيامة: 4)، في إشارة إلى دقة وتفرد البنان، أي أطراف الأصابع. هذه البصمة، التي أصبحت دليلا قاطعا في عالمنا المادي، هي في الحقيقة نطق صامت عن قدرة الخالق وعلمه المحيط. أما الحمض النووي دي إن آي، فهو كتاب كوني مكتوب بلغة الحياة، يحمل في طياته شفرة الوجود لكل كائن حي. كل جين، كل تسلسل، هو كلمة في هذا الكتاب الإلهي، ينطق بخصائص الكائن وتاريخه وتطوره.

 إنها لغة لا تحتاج إلى مترجم، فوجودها بحد ذاته هو نطق بالحق، ودليل على التصميم المحكم والعلم اللدني. لقد أدركت الصوفيات والمفكرات هذا العمق في خلق الإنسان. فرابعة العدوية، رائدة التصوف النسوي، وإن لم تتحدث عن دي إن آي بشكل علمي، إلا أن جوهر فكرها يدور حول تجلي الحق في كل شيء. فحبها الإلهي كان شاملا لكل مظاهر الخلق، ورأت في كل شيء دليلا على المحبوب. يمكن استشعار هذا المعنى في أقوالها التي تدعو إلى التأمل في آيات الله في النفس والآفاق.

أليس الهلال خير مثال لنطق الزمن ودلالة التجديد لدورة زمنية جديدة. هذا النطق ليس كلاماً، بل هو ظهور، تجل، يتبعه نظام كوني دقيق. حركة القمر، وتغير أطواره، هي آيات كونية تنطق بنظام محكم لا يتبدل ولا يتغير. "هو الذي جعل الشّمس ضياء وَالْقمر نورا وَقَدره منازل لِتعلموا عدد السنِين وَالْحساب" (يونس: 5). هذا التقدير الإلهي هو نطق صامت يخبرنا عن الزمن، عن الحساب، وعن دورة الحياة.

اما الحيض فهو نطق الخلقة ودورة الحياة أيضا مفهوم النطق الصامت للمخلوق. فالحيض، الذي قد يبدو للبعض مجرد عملية فسيولوجية، هو في الحقيقة نطق صامت عن دورة الخلقة، وعن الاستعداد للحياة الجديدة. إنه إشارة إلى قدرة الله تعالى على الخلق والتكوين، ودليل على الحكمة البالغة في تصميم جسد المرأة. هذا النطق البيولوجي يذكرنا بأن كل تفصيل في الوجود يحمل دلالة، وكل عملية طبيعية هي آية من آيات الله. هذا الفهم العميق للغة الوجود:

ان الفيلسوفة الألمانية هيليغارد اوف بينغن التي عاشت في القرن الثاني عشر، رأت العالم مليئاً بـ"الخضرة" المقدسة، وهي قوة الحياة الروحية التي تتجلى في كل شيء حي. فبالنسبة لها، كل كائن ينطق بهذه القوة الروحية، وكل جزء من الطبيعة هو مرآة تعكس بهاء الخالق عز وجل. تقول الكلمة حية وكينونة وروح، كلها خضرة خضراء، كلها إبداع. هذه الكلمة تتجلى في كل مخلوق.

إن الفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل ترى أن العالم هو "لغة المقدس"، وأن الجمال والنظام في الكون هما تعبير عن محبة الله تعالى.

 فبالنسبة لها، الصمت والتأمل يسمحان لنا بسماع هذه اللغة الرمزية التي لا تنطق بالكلمات.

كانت معروفة بعمق بصيرتها وتوحيدها. يروى عنها أنها كانت تقول: من عمل لله على المشاهدة فهو عارف، ومن عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص. هذا القول يشير إلى أن رؤية الله في كل شيء، أي مشاهدة تجلياته في الوجود، هو جوهر العرفان، وهذا يتضمن إدراك نطق الوجود بالحق.

تناولت الفيلسوفة النسوية المعاصرة لوس ايريجاراي، مفهوم لغة الجسد وصمت المرأة كشكل من أشكال التعبير الذي يتجاوز اللغة الذكورية التقليدية. يمكن أن يفهم هذا في سياق أوسع على أن الجسد نفسه، بتجلياته البيولوجية، ينطق بحقائق وجودية عميقة لا يمكن للكلمات وحدها أن تعبر عنها.

إن من أدق تفاصيل البصمة والحمض النووي، إلى دورات الهلال والحيض، تتجلى لنا لغة مشفرة صامتة، تدعونا إلى التأمل والتدبر. إن من يشهد التجليات الإلهية على لوح الاكوان هو من يدرك هذا النطق الكوني، ويسمع هذا الصدى الإلهي في كل شيء، فيتحول وجوده إلى حالة من الشهود الدائم، حيث لا يرى إلا الحق، ولا يسمع إلا صوته في كل تجليات الوجود.كاتب، المغرب.

إن مفهوم النطق في الآية الكريمة "قالوا انطقنا الله الذي انطق كل شيء" فصلت الآية يتجاوز بكثير مجرد الكلام البشري المنطوق باللسان. ففي الرؤية العرفانية عند أهل الشهود، كل ذرة في الكون تنطق بلسان حالها، وتتحدث عن خالقها بآيات بينات.

 ليس الإنسان وحده الكائن الناطق، بل الوجود بأسره كتاب مفتوح، تتجلى فيه أسماء الله وصفاته. هذا النطق الكوني ليس صوتا مسموعا بالآذان، بل هو إشارة ودلالة وبرهان، يدركه القلب البصير والعقل المتدبر.

خذ على سبيل المثال لا الحصر الجلد والبصمة والحمض النووي، أليست هي ايضا آيات النطق في الإنسان بجانب اللسان.

يتجلى هذا النطق المشفر بوضوح في أدق تفاصيل خلق الإنسان. فالجلد، الذي يغطي جسدنا، ليس مجرد غطاء واق، بل هو ناطق صامت يحمل بصمات فريدة لا تتكرر. كل بصمة إصبع هي آية كونية، شهادة على التفرد والإبداع اللامتناهي. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: "بلى قَادرينَ على أَن نّسوي بنانه" (القيامة: 4)، في إشارة إلى دقة وتفرد البنان، أي أطراف الأصابع. هذه البصمة، التي أصبحت دليلا قاطعا في عالمنا المادي، هي في الحقيقة نطق صامت عن قدرة الخالق وعلمه المحيط.أما الحمض النووي دي إن آي، فهو كتاب كوني مكتوب بلغة الحياة، يحمل في طياته شفرة الوجود لكل كائن حي. كل جين، كل تسلسل، هو كلمة في هذا الكتاب الإلهي، ينطق بخصائص الكائن وتاريخه وتطوره.

 إنها لغة لا تحتاج إلى مترجم، فوجودها بحد ذاته هو نطق بالحق، ودليل على التصميم المحكم والعلم اللدني.لقد أدركت الصوفيات والمفكرات هذا العمق في خلق الإنسان. فرابعة العدوية، رائدة التصوف النسوي، وإن لم تتحدث عن دي إن آي بشكل علمي، إلا أن جوهر فكرها يدور حول تجلي الحق في كل شيء. فحبها الإلهي كان شاملا لكل مظاهر الخلق، ورأت في كل شيء دليلا على المحبوب. يمكن استشعار هذا المعنى في أقوالها التي تدعو إلى التأمل في آيات الله في النفس والآفاق.

أليس الهلال خير مثال لنطق الزمن ودلالة التجديد لدورة زمنية جديدة. هذا النطق ليس كلاماً، بل هو ظهور، تجل، يتبعه نظام كوني دقيق. حركة القمر، وتغير أطواره، هي آيات كونية تنطق بنظام محكم لا يتبدل ولا يتغير. "هو الذي جعل الشّمس ضياء وَالْقمر نورا وَقَدره منازل لِتعلموا عدد السنِين وَالْحساب" (يونس: 5). هذا التقدير الإلهي هو نطق صامت يخبرنا عن الزمن، عن الحساب، وعن دورة الحياة.

اما الحيض فهو نطق الخلقة ودورة الحياة أيضا مفهوم النطق الصامت للمخلوق. فالحيض، الذي قد يبدو للبعض مجرد عملية فسيولوجية، هو في الحقيقة نطق صامت عن دورة الخلقة، وعن الاستعداد للحياة الجديدة. إنه إشارة إلى قدرة الله تعالى على الخلق والتكوين، ودليل على الحكمة البالغة في تصميم جسد المرأة. هذا النطق البيولوجي يذكرنا بأن كل تفصيل في الوجود يحمل دلالة، وكل عملية طبيعية هي آية من آيات الله. هذا الفهم العميق للغة الوجود:

ان الفيلسوفة الألمانية هيليغارد اوف بينغن التي عاشت في القرن الثاني عشر، رأت العالم مليئاً بـ"الخضرة" المقدسة، وهي قوة الحياة الروحية التي تتجلى في كل شيء حي. فبالنسبة لها، كل كائن ينطق بهذه القوة الروحية، وكل جزء من الطبيعة هو مرآة تعكس بهاء الخالق عز وجل. تقول الكلمة حية وكينونة وروح، كلها خضرة خضراء، كلها إبداع. هذه الكلمة تتجلى في كل مخلوق.

إن الفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل ترى أن العالم هو "لغة المقدس"، وأن الجمال والنظام في الكون هما تعبير عن محبة الله تعالى.

 فبالنسبة لها، الصمت والتأمل يسمحان لنا بسماع هذه اللغة الرمزية التي لا تنطق بالكلمات.

كانت معروفة بعمق بصيرتها وتوحيدها. يروى عنها أنها كانت تقول: من عمل لله على المشاهدة فهو عارف، ومن عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص. هذا القول يشير إلى أن رؤية الله في كل شيء، أي مشاهدة تجلياته في الوجود، هو جوهر العرفان، وهذا يتضمن إدراك نطق الوجود بالحق.

تناولت الفيلسوفة النسوية المعاصرة لوس ايريجاراي، مفهوم لغة الجسد وصمت المرأة كشكل من أشكال التعبير الذي يتجاوز اللغة الذكورية التقليدية. يمكن أن يفهم هذا في سياق أوسع على أن الجسد نفسه، بتجلياته البيولوجية، ينطق بحقائق وجودية عميقة لا يمكن للكلمات وحدها أن تعبر عنها.

إن من أدق تفاصيل البصمة والحمض النووي، إلى دورات الهلال والحيض، تتجلى لنا لغة مشفرة صامتة، تدعونا إلى التأمل والتدبر. إن من يشهد التجليات الإلهية على لوح الاكوان هو من يدرك هذا النطق الكوني، ويسمع هذا الصدى الإلهي في كل شيء، فيتحول وجوده إلى حالة من الشهود الدائم، حيث لا يرى إلا الحق، ولا يسمع إلا صوته في كل تجليات الوجود.

***

د محمد غاني – كاتب / المغرب

 

إن التداوي بالفلسفة ممارسة قديمة، رغم أنها عادت للظهور والإنتشار من جديد في عصرنا، وإن إستخدام (الفلسفة كدواء) قديم قِدَم الفلسفة ذاتها، حيث إستخدم الحكماء والفلاسفة القدماء الفلسفة بوصفها دواءً لعلاج الروح، وأمراض العقل، وإن خير ما يمكن أن يقال في حق الفلسفة هو انها: (صيدلية) لعلاج مشكلات الإنسان اليومية، حيث تتضمن الفلسفة انواعاً متعددة من المناهج والأفكار الفلسفية التي تصلح أن تكون دواءً لمشكلات الإنسان الحياتية، والتي يمكن أن نطلق عليها مجازاً إسم( الأدوية الفكرية) لعلاج الأزمات التي يواجهها الإنسان المعاصر، والدواء الفلسفي يستطيع ان يشفي الروح من أسقامها، ويُخلص الإنسان من الألم والمعاناة الفكرية والنفسية، ويحرره من المشاعر السلبية، ويكون عوناً له في التخلص من الهموم الحياتية، وتتضمن الفلسفة العديد من المناهج الفلسفية الفعّالة التي يمكن إذا تم تطبيقها بشكل عملي أن تصبح (وصفات فلسفية) يمكن إستخدامها كدواء فلسفي لشفاء الروح والعقل، ويجب أن نشير الى أن صيدلية الفلسفة لا تقدم وصفة فلسفية واحدة لعلاج جميع مشكلات الإنسان، فلكل مشكلة علاج خاص بها، ولا يصلح لغيرها، والفيلسوف يختار لكل مشكلة مايناسبها من الصيدلية الفلسفية لعلاج المشكلات الفكرية.

ويعد مفهوم (صيدلية الفلسفة) إستعارة متكررة في التراث الفلسفي الغربي، تفيد بان الفلسفة تقدم دواءً لعلاج امراض الروح والفكر، ويتجلى هذا المفهوم بوضوح في قراءتين محوريتين هما: جاك دريدا Derrida،(صيدلية أفلاطون) La Pharmacie de Platon ، وإستعارة (المطرقة) عند نيتشه Nietzsche ،حيث يُحلل "دريدا" مفهوم الفارماكون (Pharmakon) عند أفلاطون Plato، بينما يقوم "نيتشه" بتكسير الأوهام الفكرية بمطرقة الفلسفة.

 والفارماكون  Pharmakon كلمة إغريقية تحمل دلالة  ومعنى مزدوج (الدواء، والسم)، وعند أفلاطون الكتابة هي فارماكون Pharmakon، لأنها دواء للذاكرة وسم للنسيان في آنٍ واحدٍ، إذ تُضعف مَلَكة التذكر الحي، وتولّد وهم المعرفة دون فِهمٍ حقيقي، فهي دواء للنسيان، وفي نفس الوقت هي سمٌ للذاكرة الحية، فالعلاج الأفلاطوني يقوم على الحوار الحي Dialectic بوصفه (دواء أصيل)، فهو "سمٌ وترياق" في الوقت نفسه، حسب طريقة الإستخدام، فالفلسفة تكون دواءً فقط إذا تم إستخدامها بالطريقة الصحيحة، وإن فارماكون  Pharmakon أفلاطون يعطي معنى ودلالة مزدوجة فهو (دواء) وعلاج، ولكنه يمكن أن يكون سم في الوقت ذاته، وبما أن أصل كلمة صيدلة Pharmacy الإنجليزية مشتقة من الإغريقية Pharmakeia، بمعنى ( دواء، سم، تعويذه)، وهي باللاتينية Pharmacia  بمعنى (تحضير الأدوية)، و(علم الأدوية)، وبالفرنسية Pharmacie ، فإن هذا يفسر سبب إختيار "دريدا" عنوان "صيدلية أفلاطون" ليعبر عن فلسفة أفلاطون في الشفاء الفلسفي، لأن الفارماكون Pharmakon يحمل الثنائية نفسها في المعنى (العلاج، والضرر).

وفي المقابل نجد نيتشه Nietzsche ينقل مفهوم صيدلية الفلسفة الى مستوى علاجي آخر، إذ يرى نيتشه أن القيم الأخلاقية والميتافيزيقة الموروثة هي سموم اضعفت الإنسان، وإن العلاج النيتشوي يهدف الى تكسير هذه الموروثات ليفسح المجال لخلق قيم جديدة.

إن فلسفة نيتشه معروفة بأنها "فلسفة المطرقة"The Hammers Philosophy، ولُقِبَ نيتشه (بالمطرقة) لأنه كسر أوهام الإعتقاد، وإستخدم الفلسفة بوصفها (مطرقة) لتكسير الأوهام والمعتقدات الفكرية الخاطئة، فالمطرقة هنا ليست مجرد اداة بناء، بل هي اداة إختبار وتكسير، وبذلك يكون نيتشه "فيلسوف المطرقة" الذي يتعامل مع الفلسفة بوصفها "أداة العلاج النيتشوي" الذي لايقدم دواءً جاهزاً، بل يكسر القيم والإعتقادات والأوهام السائدة، ويقدم دواءً مزدوج الفاعلية، دوره التخلص من الأوهام، وبناء الإنسان القوي فكرياُ، ليفسح المجال لقيم جديدة وإنسان متفوق، فالفارماكون الأفلاطوني يبحث عن الدواء الأصيل لمشكلات الإنسان، والمطرقة النيتشويه تبحث عن المستقبل الأفضل للإنسان.

***

شيماء غازي هماوندي

سؤال يبدو بسيطاً للوهلة الأولى، لكنه يخفي وراءه واحداً من أعقد الأسئلة التي واجهت الفكر الإنساني منذ أن بدأ الإنسان يتأمل معنى وجوده في الزمن. فكل جيل يقف عند مفترق طرق بين ميراث ثقيل يأتيه من الماضي، وأفق مفتوح يستدعي منه الفعل والابتكار. وبين هذين القطبين تتحدد مكانة الإنسان في التاريخ: أهو وريث لما أنجزه الأسلاف، أم صانع لما سيتركه للأحفاد؟.

وأنا أتأمل في نظرية المجايلة التاريخية وفلسفة التكوين عند المفكر العربي سيّار الجميل، بدا لي أن التاريخ لا يتحرك بوصفه مجرد تعاقب زمني للأحداث، بل بوصفه منوال لفعل للأجيال المتعاقبة بحسب فيلسوف التاريخ الأمريكي جوزيف هربرت مولر (1905–1980) الذي أكد إن التاريخ نسيخ متشابك ومعقد من افعال مليارات الناس افرادا وجماعات ومؤسسات وافكارهم وعلاقاتهم الاجتماعية اثناء ممارستهم اليومية لحياتهم في كل مكان وزمان فالأجيال ليست وحدات عمرية معزولة السياق الحيوي للمارسة الاجتماعية، وإنما هي جماعات تاريخية تحمل رؤى وقيمًا وخبرات ومصالح مختلفة، وتدخل في حوار دائم مع ما سبقها وما سيأتي بعدها.

إن تعاقب الأجيال في المجتمعات البشرية حقيقة بيولوجية واجتماعية في آن واحد. فالآباء يفسحون المجال للأبناء، والأبناء يصبحون آباءً، والأحفاد يتحولون بدورهم إلى فاعلين جدد في مسرح التاريخ. غير أن هذه الحقيقة الطبيعية لا تفسر وحدها حركة المجتمعات. فالفرد لا يعيش بوصفه كائناً بيولوجياً فقط، بل بوصفه حاملاً لجملة من الأدوار الاجتماعية التي تحدد مكانته ووظيفته وعلاقاته بالآخرين. دور الأب ودور الأم ودور الابن ودور الابنة ودور الزوج / الزوجة ودور الجد، الجدة، ودور، الطفل، ودور، الطفلة ودور التلميذ ودور، الطالب ودور الزميل ودور المدير ودور السجان ودور الجلاد ودور القاضي ..الخ)؟إذ أكدت نظرية الدور الاجتماعي بأن سلــوك الفرد وعلاقاته الاجتماعيـة انمـا تعتمد على الأدوار الاجتماعيـة التـي يشغلهــا فــي المجتمــع. فضــلاً عــن أن منزلته ومكانته تعتمد على ادواره الاجتماعية المعترف بها والمقدرة اجتماعيا خير تقديرا. فلا سلطة الا بوظيفة ولا وظيفة الا بدور اجتماعي ولا دور اجتماعي الا بفاعل اجتماعي يقوم به صاحبه في المجتمع. والدور هو نمط الأفعال أو التصرفات التي يتعلمها الأشخاص أما بشكل مقصود أو بشكل تقليدي عبر المحاكاة والتكرار للهابيتوس الثقافي بحسب بورديو وحينما يتكرر السلوك يصير عادة وحينما تترسخ العادة تصير ثقافة. ويتوزع الرأسمال الثقافي بحسب بيير بورديو الى ثلاثة عناصر هي شكل متجسد في الهابيتوس الثقافي وتكمن وظيفته في جعل الانسان كائنا اجتماعيا ومشاركا في الفضاء العام، وشكل مموضع في مستوى ثان يتكون من منافع ثقافية وخيرات رمزية مثل الكتب والآثار الفنية والأدوات الرقمية وتتمثل مهمتها في حزن وحفظ العناصر الثقافية، وشكل مؤسساتي في مقام ثالث ويتمثل في العناوين المدرسية والمتاحف والمكتبات ودور الثقافة والمسرح والسينما وتتمثل مهمته في عرضه للمنتوجات الثقافية للفرجة والتقبل والتداول التوزيع والاستعراض والاستهلاك وبالتالي تتحول هذه المؤسسات الى سوق ثقافي. وهكذا يمكن القول أن الناس هو الذين يشكلون ثقافتهم بما يبدعونه من علم وفن وأدب ثم تقوم هي بتشكيلهم بما تحتويه من معرفة وقيم وعادات وافكار وانماط الحياة فهي كل ما نفكر به أو نمتلكه ونمارسه في المجتمع وتُعدّ الثقافة، وفق تعريف عالم الاجتماع الأمريكي روبرت بيرستد، ذلك الكل المركب الذي يشمل ما يفكر فيه الإنسان وما يقوم به وما يمتلكه بوصفه عضواً في المجتمع.

والناس يصنعون تاريخهم بقدر ما تصنعهم ثقافتهم. فهم ينتجون المعرفة والفنون والآداب والمؤسسات، ثم تعود هذه المنتجات لتؤثر فيهم وتشكل وعيهم وسلوكهم. ولذلك فإن الثقافة ليست شيئاً ثابتاً، بل هي عملية تاريخية متجددة تتغير بتغير الأجيال وتبدل الظروف. وحيوية أي مجتمع لا تقاس بكمية ما يمتلكه من تراث فقط، بل بقدرته على إعادة تأويل هذا التراث وتجاوزه وإنتاج أشكال جديدة من الحياة والمعنى.

ومن هنا تكتسب العلاقة بين التاريخ والأجيال أهميتها الحيوية. فالتاريخ ليس مجرد سجل للأحداث الماضية، بل هو العلم الذي يدرس العلاقة المعقدة بين الأموات والأحياء إذ إن تعاقب الأجيال المتوالدة هي الصيغة التي ابتكرتها الحياة لتتجاوز نفسها باستمرار. فالموت يفسح المجال للميلاد، والماضي يفسح المجال للمستقبل، والتاريخ يتجدد لأن الأحياء لا يكفون عن إعادة تفسير العالم وصياغته من جديد. ولهذا فإن التاريخ الحقيقي ليس تاريخ الموتى، بل تاريخ الأحياء الذين يحاولون تدبير حاضرهم وصناعة مستقبلهم في ظل شروط ورثوها من أسلافهم ولم يختاروها بأنفسهم.

وتتشكل الجماعات والمجتمعات البشرية وتنمو وتستمر وتستقر وتزدهر في سياق اجتماعي تاريخي ثقافي علائقي تفاعلي يتكون من أربعة انساق أساسية؛ (فاعل، فعل، علاقة، بنية) فضلا عن المكان والزمان بوصفهما إطارنا قبليان بحسب كانط تلك العناصر الأربعة وما ينجم عنها من مظاهر وظواهر وأشكال ورموز وقيم وتمثلات يعاد صياغتها وبناؤها باستمرار في خضم عملية ممارسة الفاعلون الاجتماعيون لحياتهم المتعينة ماديا ومعنويا واقعيا وافتراضيا بمختلف صيغ وصور وأنماط تمظهراتها العلائقية ؛ بين أنا _ أنت، ذات _ أخر _ نحن _ هم وغير ذلك من اشكال العلاقات الاجتماعية المتغيرة باستمرار والتي لا تدوم على حال من الأحوال وتجلياتها المختلفة والتي بدونها يصعب الحديث عن الظاهرة الاجتماعية بوصفها ظاهرة قابلة للرؤية والدراسة والفهم. كتب ابن خلدون "

إنّ اختلاف الأجيال في أحوالهم إنّما هو باختلاف نحلتهم من المعاش»

فلا وجود فعل اجتماعي بدون فاعل اجتماعي ولا وجود لعلاقة اجتماعية بدون تفاعل بين الفاعلين الاجتماعيين وهذا التفاعل الاجتماعي والعلاقة التي يقيمها عبر التكرار المستمر تشكل بنية مؤسسية شبه ثابت في سياقي التفاعلية الرمزية. فالتزاوج بين ذكور البشر وأناثهم ينجب بنية القرابة التي هي العائلة وعبر الاستمرار الدائم لهذه العلاقة تدوم البنية وهكذا هي سائر المؤسسات الاجتماعية فالمدرسة علاقة بين المعلم والمتعلم والجامعة علاقة بين الطالب والأستاذ فاذا كف التلاميذ عن الذهاب إلى المدرسة انتهت المؤسسة. وإذا كف الناس عن التزاوج الشرعي انتهت الأسرة وإذا كف الناس عن التقاضي في المحكمة انتهت مؤسسة العدالة واذا كف الناس عن الرقص والغناء والفرح إنتهت المؤسسات الفنية. وإذا كف الناس عن الالتزام بالدستور والقانون انتهت المؤسسة السياسية وإذا كف الناس عن اتباع قواعد المرور إنتهت المدينة والنظام المدني. وتلك هي خلاصة نظرية التفاعلية الرمزية( فاعل، فعل، علاقة، بنية) غير أن التاريخ الجديد ينظر إلى هذا المجتمع من زواية اشمل وأعمق وقد تبلورت خبرة الإنسان في التاريخ ومحاولة فهمه وتفسيرة في جملة من المنظورات الفكرية نشير إلى أهمها التيار المتمثل بالتاريخ الجديد”

المجايلة التاريخية لا يتعلق بتعاقب الأجيال فحسب، بل بطبيعة علاقتها بالزمن نفسه. فكل جيل يجد نفسه محاطاً بماضٍ لم يصنعه، لكنه مطالب بأن يحيا في حاضر ملموس وأن يفتح طريقاً نحو مستقبل لم يتشكل بعد. ومن هنا نفهم المعنى العميق لقول بنديتو كروتشه إن «كل التاريخ تاريخ معاصر»، أو أن التاريخ كله حاضر. فالتاريخ ليس ما مضى وانقضى، بل هو دائماً فاعلية الناس الأحياء الساعين إلى تدبير حاضرهم وتجاوز ماضيهم في آن واحد.

وحين يكون الحاضر مشبعاً بالحيوية والنشاط والإنجاز والفاعلية الخلاقة، يتراجع الماضي تلقائياً إلى مكانه الطبيعي بوصفه خبرة وذاكرة وعبرة، لا بوصفه ملاذاً نفسياً أو مشروعاً سياسياً أو حلماً بديلاً. فالناس لا ينشغلون كثيراً باستعادة ما مضى عندما يكون حاضرهم زاخراً بالحياة، ومفعماً بالأمل، ومفتوحاً على إمكانات التقدم والتجدد. عندئذٍ يصبح المستقبل هو مركز الجاذبية الذي يشد انتباههم، وتغدو مشاريع الغد أكثر إثارة من بطولات الأمس.

إننا نقصد بذلك تلك الحياة اليومية العادية التي تستغرق تسعة أعشار وجودنا؛ حياة العمل والدراسة والتعلم والإنتاج والاستهلاك والعلاقات الاجتماعية وتدبير شؤون العيش. إنها عالم اللحظة الحاضرة المباشرة، العالم الملموس الذي يعيش فيه الإنسان أكثر مما يعيش في كتب التاريخ أو في تصورات المستقبل. ذلك العالم الذي تتشابك فيه الحاجات والمصالح والرهانات والصراعات والتطلعات، وتتشكل فيه أنماط السلوك والعلاقات والمؤسسات التي تصنع النسيج الحقيقي للمجتمع. إنه ما سماه بعض علماء الاجتماع «الحياة بلا مزايا»، أي الحياة اليومية العادية التي تبدو بسيطة لكنها في الواقع تمثل عصب الجسد الاجتماعي ومصدر حركته الفعلية.

لكن حين يعجز هذا الحاضر عن إشباع حاجات الناس المادية والمعنوية، وحين تضيق آفاق المستقبل وتخبو إمكانات الإنجاز والتغيير، يعود الماضي إلى الواجهة من جديد. لا يعود بوصفه موضوعاً للمعرفة التاريخية، بل بوصفه بديلاً استيهامياً يعوض نقص الحاضر وعجزه. عندئذٍ يتحول التاريخ إلى مخزن هائل للأحلام المؤجلة والتبريرات النفسية والبطولات الرمزية، ويصبح الحنين إلى الماضي تعبيراً غير مباشر عن بؤس الحاضر وانسداد أفق المستقبل.

ومن هنا فإن الاعتقاد بأن تعلق الناس بالماضي ظاهرة طبيعية أو فطرية هو تبسيط شديد للمسألة. فالإنسان لا يحن إلى الماضي لأنه قديم، بل لأنه يشعر بأن حاضره أقل قدرة على منحه المعنى والأمل. ولذلك فإن المجتمعات الحية لا تنسى تاريخها، لكنها لا تعيش فيه أيضاً. إنها تستحضره بوصفه مادة للفهم والنقد والتعلم، لا بوصفه وطناً بديلاً عن الواقع.

إننا نعيش التاريخ كما تعيش الأسماك في الماء؛ لا نستطيع الخروج منه ولا الإفلات من استحقاقاته. فإما أن نستجيب لتحدياته وننخرط في صناعة حاضره ومستقبله، وإما أن نتخلف عن حركته فيتجاوزنا كما يتجاوز القطار المتحرك من يقف على الرصيف متردداً.

تعلمنا نظرية المجايلة التاريخية وجيلنا الراهن يواجه وضعاً غير مسبوق في تاريخ الإنسانية كلها. إذ نقف على عتبة تحول حضاري عميق تعيد فيه الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي تشكيل المعرفة والعمل والتعليم والثقافة والسياسة والاقتصاد وأنماط الحياة اليومية برمتها. لقد شهد التاريخ البشري ثورات كبرى كثيرة، من الثورة الزراعية إلى الثورة الصناعية، غير أن ما نشهده اليوم يتميز بسرعة التغيير واتساعه على نحو يجعل الإنسان نفسه عاجزاً عن ملاحقة التحولات التي ينتجها.

في الأزمنة الماضية كانت الأفكار والمؤسسات والقيم تستمر أحياناً قروناً طويلة قبل أن تتعرض لتحديات جوهرية. أما اليوم فإن الفرد قد ينام على نظرية ويستيقظ على مراجعتها، ويتخرج الطالب من جامعته وقد أصبحت بعض معارفه بحاجة إلى تحديث جذري. لقد دخل العالم مرحلة تتغير فيها المعارف العلمية والتقنيات والمهارات المطلوبة بوتيرة متسارعة تجعل الثبات استثناءً والتغير قاعدة عامة. ولم يعد السؤال المركزي: ماذا نعرف؟ بل كيف نستطيع الاستمرار في التعلم وإعادة التعلم والتكيف مع عالم يتغير أسرع من قدرتنا على استيعابه.

المستقبل لا ينتظر أحداً، ولا يولد من الأمنيات ولا يتحقق بالحنين إلى الأزمنة الغابرة. المستقبل يُصنع هنا والآن، في الحاضر المعيش، من خلال العمل والمعرفة والتنظيم والإبداع. وما لم ينجزه جيل اليوم في لحظته التاريخية قد يصبح مستحيلاً على الأجيال اللاحقة. ولذلك فإن الرهان الحقيقي لأي مشروع نهضوي عربي يكمن في استنهاض الطاقة الشابة وتحويلها من طاقة كامنة إلى قوة فاعلة في المجتمع.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل المستقبل أمام الأجيال أم وراءها؟ بل: هل تمتلك الأجيال الشابة الشجاعة والمعرفة والإرادة الكافية للسير نحوه؟ فالماضي، مهما كان عظيماً، قد انقضى وانتهى، ولا يعود إلا بوصفه ذاكرة وخبرة وعبرة. أما المستقبل فهو المجال الوحيد المفتوح أمام الفعل الإنساني. إنه ليس خلفنا بل أمامنا دائماً، يستدعي منا أن نتجاوزه باستمرار، وأن نصنعه بأيدينا وعقولنا وأحلامنا. فالتاريخ لا ينتظر المترددين، والحياة لا تكافئ الواقفين على أطلال الأمس، وإنما تنحاز لأولئك الذين يملكون الجرأة على تحويل الممكن إلى واقع، والحلم إلى علم.

***

ختاماً: لعلكم سمعتم عن كتاب (الشوامل والهوامل) فقد كان البدو في الصحراء ولا زالوا يطلقون جموع الإبل في الصحراء بحثاً عن الماء والكلأ ويسمونها الهوامل، ويحتفظون بثلاث إلى سبعة من الإبل العتاق بقرب مضارب خيامهم، ويسموها الشوامل . إذ يطلقونها بعد بضعة أسابيع من غياب الهوامل لتقوم بجمع شملها والعودة بها إلى ديارها، والنخب الشابة هي شوامل اليوم ورواد مشاريع بناء المجتمع الجديد التي ستظهر نتائجها المثمرة على المدى البعيد.

***

ا. د. قاسم المحبشي 

 

في المثقف اليوم