عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

تُسهم الثقافة الشعبية، ولا سيما السينما الهوليودية، في تشكيل تصورات مثالية ومبالغ فيها عن الحياة والموت على حد سواء. فبعيدًا عن الصورة النمطية للحظة الاحتضار كما تقدمها الأفلام، ثمة مشهد آخر يتكرر باستمرار: لحظة “المراجعة النهائية” للحياة، حيث تمر الذكريات في مونتاج سريع مصحوب بموسيقى عاطفية، وكأن الحياة لا تكتسب مشروعيتها إلا إذا أمكن اختزالها في سردية درامية ذات مغزى. ويفترض هذا التصور ضمنيًا أن كل حياة يجب أن تحتوي على حدث استثنائي أو إنجاز كبير يمنحها قيمة خاصة في تلك اللحظة الختامية.

غير أن الواقع الإنساني غالبًا ما يختلف عن هذه الحبكة السينمائية. فكثير من الناس لا يعيشون “اللحظة العظيمة” التي تبرر حياتهم وفق المعايير الثقافية السائدة، وربما لا يحتاجون إليها أصلًا. فالحياة اليومية، بطبيعتها، ليست مصممة لتقديم أحداث ملحمية أو تحولات درامية مستمرة، وهذا ليس عيبًا فيها. لكل حياة قيمتها الخاصة، ولكل فرد سيرته الذاتية، حتى وإن لم تكن مادة مناسبة لمسلسل قصير أو فيلم سينمائي. غير أن الإشكالية تكمن في خوف الإنسان من أن تكون حياته “عادية” أو “مملة”، وأن يفتقر إلى ما يميزه عن الآخرين. إن إدراك احتمال العيش في إطار العادية قد يكون مصدرًا لقلق وجودي عميق.

في هذا السياق، يمكن فهم ما يُعرف بـ”أزمة منتصف العمر”، أو ما يُتداول شعبيًا باسم “أزمة الأربعين”، بوصفها تعبيرًا عن هذا الخوف من عدم الأهمية. وبغض النظر عن الجدل القائم حول مدى علمية هذا المفهوم، فإن كثرة الأدبيات النفسية والاجتماعية التي تناولته تشير إلى أنه يمثل تجربة شعورية شائعة. ويتمثل جوهر هذه الأزمة في الإحساس بأن الإنسان لم يحقق ما كان يتوقعه من ذاته، أو أنه لم ينجز “الأشياء الكبرى” التي تخيلها في شبابه، وأنه وصل إلى منتصف الطريق في الحياة دون قصة استثنائية أو إنجاز فارق. إنها لحظة مواجهة مع فكرة أن المسار الشخصي قد يكون “مسارًا جماهيريًا” لا يختلف كثيرًا عن الآخرين.

وتدعم بعض النماذج النفسية هذا التصور، مثل منحنى السعادة على شكل حرف (U)، الذي يشير إلى أن مستويات الرضا عن الحياة تنخفض في منتصف العمر قبل أن تعود إلى الارتفاع لاحقًا. ففي هذه المرحلة، يشعر كثيرون بأن الفرص تضيق، وأن بعض الأحلام أصبحت بعيدة المنال أو غير قابلة للتحقق. ويظهر هذا الشعور بوضوح في مجالات متعددة: الرغبة في الإنجاب في سن متأخرة، عدم الرضا عن المسار المهني مع الإحساس بصعوبة تغييره، أو الحنين إلى أنماط حياة وممارسات شبابية لم تعد ممكنة أو ملائمة.

ويرتبط هذا الإحساس أيضًا بما يُعرف بالأزمات المرتبطة بالأعمار التي تنتهي بالرقم تسعة، مثل 29 و39 و49، إذ تُعدّ هذه الأعمار في المخيال النفسي والاجتماعي محطات للمراجعة الذاتية وإعادة التقييم. ففي هذه اللحظات، يعيد الأفراد النظر في إنجازاتهم، وعلاقاتهم، وخياراتهم، بل وحتى في هويتهم الشخصية.

ولا يمكن عزل هذه الأزمات الفردية عن السياق العام الذي يعيش فيه الإنسان. فالعوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية تؤثر بعمق في إدراك الفرد لمعنى حياته ومستوى رضاه عنها. ففي عالم يتسم بارتفاع تكاليف المعيشة، وأزمات السكن، والضغوط الاقتصادية، وتصاعد الاستقطاب السياسي، يصبح من الصعب على كثيرين أن يشعروا بأنهم “يعيشون” فعلًا، فضلًا عن أن يحققوا أحلامهم الكبرى. وفي مثل هذا السياق، قد يبدو السعي نحو حياة استثنائية ترفًا غير واقعي، بينما ينحصر جهد الإنسان في “البقاء” ومواجهة الحاضر.

وقد وصفت بعض التحليلات المعاصرة هذه الحالة بأنها أشبه بالعيش في “غرفة انتظار”؛ حالة من التعليق الوجودي، حيث يمر الزمن بينما ينتظر الإنسان ظروفًا أفضل لم تأتِ بعد. يشعر كثيرون بأنهم عالقون بين حاضر مرهق ومستقبل غامض، فيتولد لديهم شعور بالعجز أو بالإرهاق المزمن، وتتراجع قدرتهم على تصور الحياة بوصفها مشروعًا قابلاً للتحقق أو قصة تستحق أن تُروى.

من هنا، فإن الخوف من عدم الأهمية ليس مجرد وهم نفسي فردي، بل هو انعكاس لتفاعل معقد بين التوقعات الثقافية، والضغوط الاجتماعية، والتحولات الاقتصادية، والبنية النفسية للإنسان المعاصر. وقد يكون تجاوز هذا الخوف مرهونًا بإعادة تعريف معنى النجاح والمعنى الشخصي بعيدًا عن الصور النمطية التي تفرضها الثقافة الجماهيرية. فالحياة لا تُقاس فقط باللحظات الكبرى أو الإنجازات الاستثنائية، بل أيضًا بالمعاني الصغيرة، والعلاقات الإنسانية، والقدرة على التكيف، وصناعة الرضا في سياقات غير مثالية.

وربما تكون الخطوة الأولى للخروج من هذا القلق الوجودي هي تطوير معرفة أعمق بالذات، وفهم أكثر واقعية للمكان الذي نقف فيه، وللظروف التي شكّلت مساراتنا. فحين يدرك الإنسان أن القيمة لا تكمن دائمًا في “العظمة” الظاهرة، بل في المعنى الذي يمنحه لحياته، يمكن أن يتحرر من وهم التفوق، ويبدأ في بناء سردية شخصية أكثر صدقًا واتزانًا.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

مهما كان الإنسان صغيرًا أو كبيرًا فإنه يحتاج إلى الحب والدعم العاطفي. الخلطة السحرية في التربية والتعليم يغذّيها القلب والعواطف قبل العقل، لأن العاطفة أعمق أثرًا في بناء الإنسان وتكريس شخصيته. إذا أراد المعلم التأثير الفعال في أذهان تلامذته فعليه أن يبدأ بعواطفهم، لأن العاطفة توقظ القابلية على التعلم، وتفتح العقل لتلقي المعرفة. كلما ازدادت العواطف الصادقة ازداد تحفيز المواهب، واستيقظ الوعي، واغتنت المهارات. الاعتراف بمنجز التلميذ، والإعجاب بجهوده، وتشجيعه، من أكثر ما يبعث الثقة في نفسه، ويمنحه الشجاعة على اكتشاف طاقاته الكامنة. التاريخ صنعته العواطف مثلما صنعه العقل، التفكير يتجاذبه سلطان العواطف والمشاعر والمعتقدات والهويات من جهة، والعقل والتفكير النقدي من جهة أخرى، لذلك تتجلى قيمة الفلسفة والعلوم في قدرتها على إيقاظ العقل وتمكينه من النظر الحر الذي يراجع المسلمات ويختبر الأفكار خارج اندفاع العاطفة وانغلاق الهوية.

القلب مرآة يضيئها الحب، القلب الذي يعيش الحب لا تدركه الشيخوخة، الحب يغيّر ما دام متوهجًا، في الحب يتجلى أجمل ما في الإنسان، وتنبعث منابع الخير المودعة في أعماقه. في التربية والتعليم الحب يغيّر؛ يوقظ العقل، ويروي المواهب، ويطور المهارات، ويفجر الطاقات الكامنة. في العلاقات الإنسانية الحب يغيّر؛ الحب يتكفل بحماية الإنسان من الشر الأخلاقي. عندما تتحدث لغة الحب تصمت لغة الشر. أجمل ما يتجلى في الإنسان الحب، وأسمى ما يتجلى فيه الإنسان الحب، وأنفس طور وجودي للإنسان الحب، وأثمن وجود للإنسان الحب، وأزكى وجود للإنسان الحب، وأعذب صلة وجودية بين إنسان وإنسان لا ينتجها إلا الحب. في بعض الحالات يتسامى الحب ليكون نمطًا لوجود الإنسان في العالم، وذلك ما يجعل وجود هذا الإنسان ضروريًا لتغذية الحياة بأبهج معانيها. ليس هناك ما يشعر الإنسان بمتعة وجوده في العالم كالحب. الحب يتكفل بحماية الإنسان من الشر الأخلاقي؛ عندما تتحدث لغة الحب تصمت لغة الشر.

كل مجتمع يتوطنه الحب، والفن، والتدين العقلاني الأخلاقي، تتوطنه قيم احترام المختلف في المعتقد، والعيش المشترك في إطار الاختلاف والتنوع، وإن كان مثل هذا المجتمع يظل حلمًا أكثر من تحققه في الواقع. الدين والحب والفن يغذي كل منها الآخر ويتغذى منه. الرؤية الجمالية لله والعالم تتوالد من التفاعل الإيجابي الخلاق لهذه العناصر الثلاثة. تظل المحبة الرصيد الأسمى للعلاقات الإنسانية، ومن يوقف حياته للاستثمار في المحبة يراها دواء للقلوب، ولكل داء في حياته الشخصية وعلاقاته الاجتماعية. المحبة رافد غزير يغذي الصلة بالله ويكرسها. العرفان في الأديان يوقظ في الأرواح لغة الحب والجمال.

الحب كيمياء تصهر عناصر متنوعة في حياة الإنسان فتنتج توليفة كأنها إكسير يحول كل شيء إلى نفيس، وكذلك تفعل الرحمة عندما تنطقها لغة القلب المشفقة، فالرحمة تعيد ترميم كل شيء تتفاعل معه في حياة الإنسان؛ تشفي جروح الروح، وتبعث طاقة حيوية تعيد بعث الأمل في الأرواح اليائسة. غير أن الحب ولا الرحمة لا يكونان بديلًا للعدالة والعقوبات والقوانين والأنظمة والخطط والبرامج الضرورية لبناء الدولة وإدارة شؤون الناس، وحماية الحياة الشخصية والمجتمعية من الشر الكامن في الإنسان.

العقل والعلم والمعرفة لا تكفي وحدها لتطهير الإنسان من الشر الكامن في باطنه. الإيمان والمحبة والأخلاق هي ما يخفف وطأة الشر الأخلاقي في الأرض. الإنسان الأخلاقي الخالص والإنسان الكامل يتنكر له الواقع، لأنه لا يشبه طبيعة الإنسان، وعلى فرض وجوده فهو استثناء نادر. لا يمكن الاستغناء عن العدالة بالرحمة، فالرحمة ليست بديلًا عن العدالة في بناء أي جماعة بشرية أو بناء أي دولة. الظلم مقيم في الأرض، وعيش الإنسان وتأمين متطلباته الحياتية يفرضان عليه الكدح والتنافس والصراع، لذلك تمنع العدالة أن ينتهي سعي الإنسان إلى تأمين مصالحه ومتطلباته إلى نزاعات دموية وحروب عدوانية.

لا مجتمع في الأرض يخلو من الشر الأخلاقي والظلم والجريمة والعنف، ولا مجتمع يعيش بلا قضاء وأنظمة وقوانين لإدارة حياته وتنظيم علاقاته. لا تتأسس المجتمعات والدول على الحب وحده، أو الرحمة وحدها، أو الشفقة وحدها، أو العطاء وحده. لا تعني الدعوة للحب إلغاء النظم التربوية والتعليمية والإدارية والقضائية والسياسية، ولا القوانين الأساسية لبناء الدول القائمة على التداول السلمي للسلطة والأسس العلمية الحديثة. ولا تعني الدعوة للرحمة إلغاء القوانين الجنائية والجزائية العادلة، كما لا تعني الدعوة للإنفاق والعطاء إلغاء الملكية الشخصية، ولا تعني الدعوة للذكاء العاطفي في الإدارة إلغاء النظام الإداري الحديث. الدعوة إلى شيء لا تعني إلغاء ما سواه.

إن افتراض بناء مجتمع على الرحمة وحدها افتراض غير واقعي، لأن مثل هذا المجتمع لا يمكن أن يتحقق ما دام الإنسان إنسانًا. غير أن الرحمة تظل قيمة إنسانية رفيعة تسمو بحياة الفرد والجماعة، إذ تنفي بعض العقوبات عفوًا، أو تخفف من قسوة بعض العقوبات الأخرى، كما تغدو هدفًا نبيلًا ينشده الدين ليوقظ به ضمير الإنسان، ويرتقي به إلى أجمل حالة إنسانية يمكن أن تتحلى بها شخصيته.

الرحمة تنتج ما لا تنتجه العدالة، فمن الرحمة يتوالد الغفران والعفو والعطف والرفق واللين والشفقة، لذلك يستطيع من يعيش الرحمة حالة في أعماقه أن يتحمل الأقوال والأفعال المؤذية الصادرة عن الآخر، كما يستطيع العفو عنها. الرحيم يتحمل ما لا يتحمله غيره، ويعفو عما لا يعفو عنه سواه من البشر. والكائن البشري لا يتصف بالرحمة بطبعه، إذ ينزع في كثير من الأحيان إلى التسلط على الآخرين والاستحواذ على ما في حياتهم، ولعل في ذلك سر تركيز القرآن الكريم على الرحمة وكثافة حضورها فيه، وجعلها إطارًا مرجعيًا وبوصلة دلالية ترشد إلى ما تشير إليه آياته وسوره. الرحمة حالة يمكن أن يعيشها الإنسان، غير أن التحقق بها ليس يسيرًا، ولا يتمثلها أكثر الناس بسهولة، لأنها شاقة على النفس، إذ تحول نزعات العدوان المترسبة في أعماق الإنسان دون امتلاكها على الدوام.

الإنسان كائن يتغلب في حياته أحيانًا الشر على الخير، والتوحش على الرحمة، ولولا الأخلاق والدين والقانون لما كانت الحياة ممكنة. لقد أسهمت الأخلاق والأديان والقوانين في خفض جانب كبير من الطاقة التدميرية للتوحش في الأرض، فغدت الحياة قابلة للاستمرار. ولا يتأنسن الإنسان إلا بالرحمة، ومن دونها يتساوى هذا الكائن مع أي وحش مفترس. والكائن البشري ليس خيرًا بطبعه، وإنما يمتلك استعدادًا لأن يكون خيرًا أو شريرًا، ونادرًا ما ينجو الإنسان في نشأته من آثار العوامل التي تكوّن نواة السلوك العدواني في شخصيته، ولو تحرر منها أكثر الناس لكانوا أكثر رحمة. لذلك يتطلب الحد من تأثير هذه العوامل أن ينشأ الإنسان في بيئة تربوية صحية، وتنمو شخصيته في فضاء من التربية الأخلاقية والحياة الروحية الملهمة والثقافة الحيوية المتنوعة، كي تترسخ فيه النزعات الخيرة، وتتولد في روحه بذرة المحبة وتنمو باستمرار، فتغدو طاقة تلهم أجمل معاني الحياة، وتكرس الرحمة وما يتولد عنها من قيم العفو والغفران والشفقة على الخلق، وما يحمي الإنسان من الاغتراب الوجودي.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

الذكاء الاصطناعي يسقط ورقة التوت عن التلقين

في مقالنا السابق "وهم المناهج العالمية"، وضعنا الاصبع على الجرح حين اكدنا ان وحدة المعرفة العلمية وتشابه العناوين بين جامعاتنا وجامعة اوكسفورد لا يعني بالضرورة تماثل المخرج التعليمي، فالفارق الجوهري يكمن في فلسفة التعليم لا في كمية المعلومات. وقد جاء تعقيب الدكتور تحسين الشيخلي ليعمق هذا الطرح ويضعه في سياقه المعاصر والاكثر خطورة، مشيرا الى ان عصر OpenAI ونماذج الذكاء الاصطناعي جعل الاعتماد على الحفظ والتلقين "اكثر هشاشة من اي وقت مضى".

اليوم، لم يعد النقاش حول "كيف ندرس" مجرد ترف فكري، بل اصبح معركة بقاء اكاديمي، فالذكاء الاصطناعي لم يأت لينافسنا في المعلومات، بل جاء ليكشف عورة نظام تعليمي حصر نفسه في "فخ الاختزال" والاستظهار.

1. سقوط "خزان المعلومات" امام سطوة الالة

لقد استند الدفاع عن المناهج التقليدية طويلا الى فكرة "تزويد الطالب بالخريطة المعرفية". لكن في عصر الذكاء الاصطناعي، اصبحت هذه الخريطة متاحة ومجانية وفورية. اذا كان الطالب يقاس بما يحفظ فان الالة اليوم هي "الطالب المثالي" فهي تسترجع المعلومات وتلخصها وتصيغها بسرعة البرق. هذا الواقع اثبت ان "الوعاء المعرفي" الذي سعينا لملئه لسنوات قد انكسر، فالمعلومة فقدت قيمتها كسلعة احتكارية للجامعة، وبقيت القيمة الحقيقية في كيفية ادارتها.

2. فلسفة التفكيرهي الرهان الرابح في عصر الابتكار

كما اشار الدكتور الشيخلي، فأن الجامعات التي ستبقى مؤثرة هي تلك التي تعلم الطلبة "كيف يفكرون". ان الانتقال من "ماذا ندرس" الى "كيف نفكر" هو الجسر الوحيد لربط الجامعات بالابتكار والواقع المعاصر:

- ثقافة السؤال بدلا من الاجابة الجاهزة: في عالم الـ ChatGPT، لم يعد الذكاء في اعطاء الجواب، بل في صياغة "السؤال الذكي" (Prompting). هذا يتطلب عقلية نقدية لا تقبل المخرجات كمسلمات، بل تحللها وتفحصها.

- التعلم القائم على المشكلات: اذا كانت الالة قادرة على حل المعادلات، فان الانسان هو الوحيد القادر على "تحديد المشكلة" وربطها بسياقها المجتمعي والصناعي. هذا هو جوهر الابتكار الذي يفتقده خريجنا المبرمج على تنفيذ المهام.

3. تحويل الجامعة من محطة تفريغ الى مختبر ابتكار

لقد حذرنا سابقا من تحويل القاعات الدراسية الى محطات لتفريغ المعلومات، واليوم يأتي الذكاء الاصطناعي ليجعل هذا النوع من التعليم منتهي الصلاحية. الربط بالواقع المعاصر يتطلب:

- تجاوز المنهج الورقي: الفارق المفصلي لا يصنعه المنهج المكتوب، بل المساحة الذهنية التي تمنح للطالب ليخطئ ويجرب ويستخدم ادوات الذكاء الاصطناعي كشريك فكري وليس كاداة للغش.

- الاستاذ كميسر للابتكار: لم يعد دور الاستاذ ناقلا للمعلومة (فهي متاحة عالميا)، بل اصبح دوره، كما وصفه الدكتور الشيخلي، في ترسيخ بيئة البحث وثقافة النقد.

4. الرهان على الانسان المفكر

ان الذكاء الاصطناعي كشف ان "عورة التلقين" كانت تكمن في محاولتنا تحويل البشر الى الات استرجاع. واليوم، ونحن بصدد مواجهة "وهم المناهج"، نجد انفسنا امام حقيقة صادمة: المعلومات اصبحت مشاعا، والرهان الوحيد المتبقي للجامعات هو على فلسفة التفكير.

لقد انتهى الزمن الذي كانت فيه الجامعة تترك طالبها تائها فوق حدود الورق، فأما ان نعلمه كيف يخطو بثبات في وعورة طريق الابتكار مستخدما ادوات عصره، او اننا سنستمر في تخريج اجيال تملك عناوين اوكسفورد لكنها تفتقر الى عقل المبتكر الذي يواجه تحديات الواقع.

الخلاصة: المعرفة متاحة، لكن الحكمة في توظيفها هي الميزة البشرية الاخيرة. والجامعة التي لا تتحول الى حاضنة للتفكير النقدي والابتكار، ستجد نفسها خارج التاريخ في عصر لا يعترف الا بمن يصنع الحلول، لا بمن يحفظها.

***

د. محمد الربيعي

بروفيسور متمرس، جامعة دبلن

يرد لفظ "قاموا" في القرآن الكريم ثلاث مرات وفي كل موضع يختلف معناه وسياقه، «وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُوا۟ فَقَالُوا۟ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَ اتِ وَٱلۡأَرۡضِ» [سورة الكهف 14]، «وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ» [سورةالنساء: 142] وفي الآية التي نتأمل دلالتها وأنساقها اللغوية «كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا» [ سورة البقرة 20]  جاء لفظ "قاموا" ليعبر عن وضع التوقف ثم مواصلة السير، وقد يرتبط هذا اللفظ من حيت الجناس اللغوي بلفظ استقاموا. فهذا الفعل المزيد بثلاث أحرف ارتبط بالإقامة في قوله وأقاموا الصلاة والاستقامة في قوله تعالى: إِنَّ ٱلَّذِینَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟ فَلَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ، ونقرأ في الشعر العربي بيتا مشهورا لأحمد شوقي:

قم للمعلم وفه التبجيل

كاد المعلم أن يكون رسولا

يتضح إذن أن فعل "قاموا" في قوله تعالى يدل على الوقوف، أي الثبات في مكانهم حتى يتبيّن نور البرق. ونتساءل: لماذا لم يقل عز وجل "جلسوا" أو "قعدوا"؟ لعل في ذلك إشارة إلى معنى الهيبة والخضوع؛ إذ أن القيام هنا دالّ على التقدير والخشوع. يقول "البغوي" في تفسيره: «أي وقفوا متحيرين، فالله تعالى شبههم في كفرهم ونفاقهم بقوم كانوا في مفازة في ليلة مظلمة أصابهم مطر فيه ظلمات من صفتها أن الساري لا يمكنه المشي فيها». والقيام هنا دال على التقدير والخشوع. إن التعمق في تأويل الصورة كما يسميها النقاد بالصورة الفنية أو الذهنية يفضي بنا القول إلى أن القوم المخاطبين في الآية يجلسون لما تظلم عليهم الطريق خوفا وترقبا، ويقومون لما تضيء لهم. وبين الظلمة والنور جاء قوله تعالى «الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ» [البقرة 257 ]. وبين هذين المعنيين تدور الحلقة الكونية، فنقول واقع مظلم فهو حالك أسود قاتم، وبيت مضيء فهو بهيج مريح، ووجه مضيء فهو صبوح يغشاه نور، قال تعالى: «فأما الذين ابيضت وجوههم...» [آل عمران 107]. قد يوحي الظلام والظلمة بالسواد، بينما يدل الضياء والبياض على النور.

وعودة إلى الآية الكريمة وفي سياق التقابل الدلالي نقرأ في موضع آخر «هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال» [ الرعد12]، لقد أجمعت التفاسير على اعتبار البرق قد يحدث صاعقة وهنا يقع معنى الخوف، وقد يتبعه مطر وغيث وهنا يقع معنى الطمع بعد القنوط من الجفاف فيرسل السحاب المحملة بالأمطار. عبر هذه الثنائية يمكن أن ننتقل إلى معنى آخر يتجلى في الخصائص الأسلوبية للفظ " قاموا"، فالقيام ارتبط في كل الآيات القرآنية المشار إليها سابقا بمعناه اللغوي المباشر أي "الوقوف" لكن في ارتباطها بهذا التأمل والتحليل تدل على الخضوع والتقدير. إن ضوء البرق لا يمكن أن يعتمد عليه سالك الطريق ليلاً؛ لأن المدة الفاصلة بين ظهوره واحتجابه تُقاس بالثواني، لذلك فإن السير في ضوئه لا يحقق غاية السالك. فَلِمَ حضرت الآية في هذا السياق؟ يحيلنا هذا السؤال إلى كون القرآن الكريم يعتمد على مفهوم المشابهة لتقريب المعنى؛ إذ تمثل المشابهة نظاماً من العلاقات اللغوية والدلالية التي تسهم في بناء صورة ذهنية تتيح للمتلقي استكشاف أبعادها. ومن ثم جاءت الألفاظ: أضاء، أظلم، قاموا، مشوا، لتشكّل صورة دلالية متكاملة، مفادها أن الإنسان كلما لاح له نور الأمل قصده وسعى إليه، وكلما أظلمت الدنيا في وجهه تردد وتوقف. فهو بين إقدام وإحجام، بين نور يهديه وظلمة تربكه.

***

د. عبد المجيب رحمون

وضرورة التعايش بين الأديان والثقافات

في زمنٍ تتكاثر فيه الأسماء والصفات والهويات واللافتات التي نعلّقها على ذواتنا الفردية والجماعية، حتى تكاد تحجب عنا حقيقتنا الأولى، يبدو السؤال عن “الإنسان” سابقًا على كل سؤال آخر: من نحن قبل أن نصبح ما نحن عليه؟ قبل الدين، وقبل القومية، وقبل اللغة، وقبل كل ما نظنه تعريفًا نهائيًا لأنفسنا. هناك، في تلك النقطة البعيدة القريبة، حيث يولد الإنسان عاريًا من كل التصنيفات، تبدأ الحكاية الحقيقية.

فإذا تخيلنا الكائن البشري في الوضع الأصلي قبل اللغة والنار وتصنيع الأدوات لما وجدنا شيئا غير الطبيعة الفجة في حالتها البيولوجية الأولى. وسواء آخذنا بالوحي الإلهي أو التفسير الاختباري العلمي؛ يظل الإنسان هو المعني بالتحول والتغيير والتعقل والتفكير والتأمل فهو من علمه الله الأسماء كلها وجعله خليفته في الأرض. والإنسان العاقل (باللاتينية: Homo Sapiens) هو الاسم العلمي للنوع الوحيد الغير منقرض من جنس الأناسي والمعروف بهومو (باللاتينية: Homo)، الذي يحتوي أيضاً على نياندرتال وأنواع أخرى من القردة العليا. صاغ كارولوس لينيوس الاسم الثنائي للإنسان العاقل (Homo Sapiens) في عام 1758، وهو اسم لاتيني؛ الجزء الأول منه homō بمعنى الإنسان، بينما تكون كلمة sapiēns صفة بمعنى المتميز، الحكيم، أو العاقل. الكائن الوحيد الذي يمتلك القدرة على تعقل العالم ومنحه المعنى. فمن الإنسان لا من غيره انطلقت مسيرة الفكر البشري منذ أقدم العصور وقد كان جسد الكائن وعقله وحواسه وحدسه هي أدواته المتاحة للتعرف على عالمه وفهمه وتدبير العيش فيه ومازال كذلك إلى يوم الدين إذ لم يولد الإنسان مكتمل الهوية كما تولد الكائنات الأخرى محكومة بماهياتها. فالشجرة شجرة، لا تسأل نفسها لماذا هي كذلك، ولا تحلم بأن تكون شيئًا آخر. أما الإنسان، فهو الكائن الوحيد الذي وُجد أولًا، ثم طُلب منه أن يصير. وجوده يسبق ماهيته، وحياته كلها محاولة دؤوبة لكتابة تعريفه الخاص. إنه مشروع مفتوح، لا يكتمل إلا بانطفائه، ولا يستقر إلا في لحظة نهايته. لذلك كانت الهوية عند الإنسان قلقًا دائمًا، وسؤالًا لا يُحسم، وتجربة لا تنتهي.

من المهم أن نفهم، بان كل الهويات التي نتشبث بها—الدينية، والقومية، والطائفية، والعشائرية—ليست سوى اسماء وصفات هوياتية وإضافات تاريخية وثقافية، لا ينبغي أن تُختزل فيها إنسانيتنا. فحين يُسأل الإنسان في مطارٍ بعيد عن هويته، فإنه لا يستدعي كل تلك التفاصيل، بل يختصر نفسه في اسم دولة، في إطار قانوني يمنحه الاعتراف والعبور. كأن العالم، رغم كل تعقيده، لا يعترف إلا بالحد الأدنى من الهوية، بينما نحن نغرق في تضخيم دوائرها حتى تمزقنا.

بيد إن المشكلة لا تكمن في وجود هذه الهويات، بل في تحويلها إلى جدران فاصلة بدل أن تكون جسورًا للتعارف. فحين ينسى الإنسان أنه يشبه الآخر في جوهره البيولوجي والنفسي والعاطفي، يبدأ في تضخيم اختلافاته، ويحوّلها إلى مبررات للصراع. مع أن الحقيقة البسيطة تقول إننا جميعًا نمشي على قدمين ولدينا ذات الحاجات الحيوية التي بدونها تستحيل الحياة كما حددها إبراهام ماسلو إذ نضحك ونبكي، نخاف ونأمل، نحب ونكره، نحلم ونتألم، ونسعى، كل بطريقته، إلى معنى يبرر هذا الوجود.

فكل الكائنات الموجودة في هذا العالم تنطبق عليها قوانين الفيزياء بما في ذلك الرسل والأنبياء والمستوى الكيمائي فكل الكائنات في هذا الكون تنطبق عليها قوانين الكيمياوية بما في ذلك الجمادات والنباتات والحيوانات والمستوى البيولوجي فكل الكائنات الحية الأرضية تنطبق على قوانين الحياة ولديها الاعضاء ذاتها ووظائفها الحيوية التي لا تكون حية إلا بها فلا فرق هنا بين كل الاحياء وفي مستوى حاجات الحياة الأساسية لا أحد يمكنه تجاوز هرم إبراهام ماسو بما في ذلك الرسل والأنبياء والحاجات هي:

1- الحاجات الفسيولوجية Physiological needs مثل الجوع، والعطش، وتجنب الألم، والجنس، وغيرها من الحاجات التي تخدم البقاء البيولوجي بشكل مباشر.

2- حاجات الأمان Safety needs وتشمل مجموعة من الحاجات المتصلة بالحفاظ على الحالة الراهنة، وضمان نوع من النظام والأمان المادي والمعنوي مثل الحاجة إلى الإحساس بالأمن.. والثبات.. والنظام.. والحماية.. والاعتماد على مصدر مشبع للحاجات. وضغط مثل هذه الحاجات يمكن أن يتبدى في شكل مخاوف مثل الخوف من المجهول.. من الغموض… من الفوضى واختلاط الأمور أو الخوف من فقدان التحكم في الظروف المحيطة. وماسلو يرى أن هناك ميلا عاما إلى المبالغة في تقدير هذه الحاجات.. وأن النسبة الغالبة من الناس يبدو أنهم غير قادرين على تجاوز هذا المستوى من الحاجات والدوافع.

3- حاجات الحب والانتماء Love & Belonging needs وتشمل مجموعة من الحاجات ذات التوجه الاجتماعي مثل الحاجة إلى علاقة حميمة مع شخص آخر الحاجة إلى أن يكون الإنسان عضوا في جماعة منظمة.. الحاجة إلى بيئة أو إطار اجتماعي يحس فيه الإنسان بالألفة مثل العائلة أو الحي أو الأشكال المختلفة من الأنظمة والنشاطات الاجتماعية.

(أ) المستوى الأدنى أو مستوى الحب الناشئ عن النقصDeficit or D-love وفيه يبحث الإنسان عن صحبة أو علاقة تخلصه من توتر الوحدة وتساهم في إشباع حاجاته الأساسية الأخرى مثل الراحة والأمان والجنس….. الخ.

(ب) المستوى الأعلى أو مستوى الكينونة Being or B-love وفيه يقيم الإنسان علاقة خالصة مع آخر كشخص مستقل… كوجود آخر يحبه لذاته دون رغبة في استعماله أو تغييره لصالح احتياجاته هو.

4 – حاجات التقدير Esteem needs هذا النوع من الحاجات كما يراه ماسلو له جانبان:

(أ) جانب متعلق باحترام النفس.. أو الإحساس الداخلي بالقيمة الذاتية.

(ب) والآخر متعلق بالحاجة إلى اكتساب الاحترام والتقدير من الخارج… ويشمل الحاجة إلى اكتساب احترام الآخرين.. السمعة الحسنة.. النجاح والوضع الاجتماعي المرموق.. الشهرة.. المجد… الخ. وماسلو يرى أنه بتطور السن والنضج الشخصي يصبح الجانب الأول أكثر قيمة وأهمية للإنسان من الجانب الثاني.

5- حاجات تحقيق الذات Self-actualization والحاجات العليا Metaneeds تحت عنوان تحقيق الذات يصف ماسلو مجموعة من الحاجات أو الدوافع العليا التي لا يصل إليها الإنسان إلا بعد تحقيق إشباع كاف لما يسبقها من الحاجات الأدنى. وتحقيق الذات هنا يشير إلى حاجة الإنسان إلى استخدام كل قدراته ومواهبه وتحقيق كل إمكاناته الكامنة وتنميتها إلى أقصى مدى يمكن أن تصل إليه. وهذا التحقيق للذات لا يجب أن يفهم في حدود الحاجة إلى تحقيق أقصى قدرة أو مهارة أو نجاح بالمعنى الشخصي المحدود.. وإنما هو يشمل تحقيق حاجة الذات إلى السعي نحو قيم وغايات عليا مثل الكشف عن الحقيقة.. وخلق الجمال.. وتحقيق النظام.. وتأكيد العدل.. الخ.

وهكذا هو الكائن الوحيد الذي يقول (أنا)

أنت إي لإنسان تجده يشترك مع غيره من الناس في كثير من الأفعال. ويشترك معهم بكل شيء ويختلف عنه بكثير من الأشياء. الحالة الأولى هي موضوع العلوم الاجتماعية والثقافية والحالة الثانية هي موضوع علم الأحياء والعلوم المتاخمة والحالة الثالثة هو موضوع علم النفس والعلوم النفسية وكل فعل يتضمن فاعلين اجتماعية، ويسمى الفعل اجتماعيًا حينما يحدث بين فاعلين أو أكثر هي: ميكروسوسيولوجية وماكروسوسيولوجية صغيرة وكبيرة. وكل فعل اجتماعي يتضمن علاقة اجتماعية، وحينما تتكرر تلك العلاقة تتشكل في بنية أو أطار أو مؤسسية. وحينما تزاوج آدام وحواء لأول مرة تكونت الأسرة النووية وبتكرار التزاوج بين الفاعلين الاجتماعيين عبر الألف السنين واستمرارها تكونت البنى الاجتماعية؛ بنية الأسرة والقرابة والعشيرة والقبيلة والقومية والأمة والإنسانية الأممية اليوم. وبنية المؤسسة التعليمية إذ تحول فعل الدراسة والتدريس إلى علاقة ببن الطالب والمعلم وبتكرار تلك العلاقة تحولت إلى مؤسسة؛ الروضة والمدرسة والجامعة وكل مؤسسات التعليم والتربية التي لا يمكن لها أن تستمر وتدوم إلا باستمرار الفاعلين والعلاقة. والدين مؤسسة تكونت عبر فعل العبادة بين العابد والمعبود بكل اشكالها وأنماطها وبتكرر ذلك الفعل كل يوم وعبر الأجيال منذ الألف السنين بقيت واستمرت المؤسسات الدينية حول العالم . خذ أي ظاهرة أجتماعية وانظر اليه من زاوية نظر منهجية تكاملية ستجدها لا تخرج عن ذلك السياق العام. وبما أن المجتمع حالة متغيرة ومتحولة من حال إلى حال ولا تدوم في نقطة متجمدة فقد ميز علماء الاجتماع وأولهم أوغست كونت بين حالتين للظاهرة الاجتماعية؛ الحالة الديناميكية الحركية والحالة الاستاتيكية الثابتة نسبيًا.

لقد علمتنا الحياة أن الآخر ليس تهديدًا، بل مرآة. فمن خلاله نرى أنفسنا بوضوح أكبر. لكن هذه الرؤية لا تأتي بسهولة، بل تحتاج إلى احتكاك وتجربة وتواضع معرفي. فالإنسان، إذا تُرك داخل حدوده الضيقة، قد يتوهم أنه مركز الكون، وأن طريقته في الفهم هي الحقيقة الوحيدة. أما حين ينفتح على العالم، فإنه يكتشف تعدد الرؤى، ويبدأ في إدراك نسبية ما كان يظنه مطلقً إذ قد يعيش الناس عشرات أو مئات السنين في بعض الحالات دون أن يتمكنوا من إختراق الحجب والأقنعة التي تحول دون وعيهم لذاتهم وللآخرين، فالذات إذا ما تركت لذاتها دون خبرة التفاعل والإحتكاك المباشر بالآخرين تظل عمياء ساذجة وفطرية غير واعية لذاتها وغير مدركة لهويتها التي تميزها عن هوياتهم المختلفة إذ بأضدادها تتمايز الأشياء. والطريق الوحيد لتحقيق كشف المحجوب في عمليات الذات والآخر لا يتم إلا بالإحتكاك والتفاعل المتبادل بين الفاعلين الاجتماعيين في أثناء الممارسة الحياتية وتغذيتها الراجعة في سياق تفاعلي مقارن، فرصد الآخرين وتأويلهم هو الوسيلة الممكنة في فهم الذات؛ فالآخر هو دائماً مرآة الذات ومبعث هويتها وهنا تتجلى إحدى أهم إشكاليات عصرنا: إذا كان العالم واحدًا في معطياته الحسية، فلماذا يختلف الناس في تفسيره إلى هذا الحد؟ الإجابة تكمن في أن الإنسان لا يرى الواقع كما هو، بل كما يفهمه. والمعنى لا يسكن الأشياء، بل يُبنى داخل وعينا. لذلك، فإن المعتقدات—الدينية منها والأيديولوجية—ليست مجرد أفكار، بل أنظمة كاملة تحدد كيف نرى العالم ونتفاعل معه ومن يعتقد ويؤمن بشيء، لا يراه احتمالًا، بل يقينًا. وهذا ما يجعل الحوار بين المختلفين صعبًا، لأنه ليس مجرد تبادل آراء، بل مواجهة بين عوالم داخلية متكاملة. ومع ذلك، فإن الفرق الجوهري بين المعرفة العلمية والاعتقاد الأيديولوجي يكمن في قابلية الأولى للاختبار والنقض، مقابل تمسك الثاني بذاته حتى في غياب الدليل وهذا ما يميز العلم عن الرأي فالعلم بوصفه مجال للاختبار والتكذيب والصح والخطأ هو فب جوهره، لغة مشتركة بين البشر. لا يحتاج إلى صراخ، ولا إلى تعصب، لأنه قائم على البرهان. أما الأيديولوجيات، فغالبًا ما ترتفع أصواتها بقدر ما تفتقر إلى الحجج. وهنا يظهر التناقض العجيب في عالمنا: اتفاق شبه كامل على قوانين الطبيعة، يقابله اختلاف حاد في تفسير المعنى والغاية.

وتكمن إنسانية العلم وحياديته في ذلك الاتفاق المدهش بين الجميع من مختلف الشعوب والحضارات واللغات والثقافات والأديان بشأن وحدته المنهجية والنظرية شكلا ومضمونا إذ أن 1+1=2، ومجموع زوايا المثلث 180 درجة. والخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين. والماء يتكون من ذرتي هيدجين وذرة أكسجين. ولَكل فعل رد فعل مساوي له بالقوة ومضاد له بالاتجاه ، ولا شيء يحدث بدون سبب من الأسباب ، ولا تشتغل السيارة الا بالوقود والكهرباء وقس على ذلك حقائق العلوم الوضعية التي تتميز بالموضوعية والشمولية والوحدة في الصين أو في امريكا أو في اسرائيل أو في العراق ,الجميع يدرسون ذات العلوم والنظريات والقوانين العلمية بذات الطرق والاساليب ,بينما يكمن الخلاف والاختلاف والتنافر والتباعد بشأن الاراء والمعتقدات والايديولوجيات بما فيها من ديانات واعتقادات ومقدسات وتشريعات سماوية ووضعية وعادات وتحيزات ثقافية ,وسياسية هنا بالذات سوف نجد أن الخطابات تعلو وتنخفض والاصوات تحتدم وتهدى حينما يتم التعبير عنها ,وكلما كان المرء غير واثق من الاشياء التي يتحدث عنها كلما زادت نبرة صوته ارتفاعا ,وكلما افتقد المرء للبراهين والحجج المقنعة ,كلما زاد صراخه في تأكيد آراءه ومعتقداته الأيديولوجية بينما لايحتاج عالم الرياضيات أو الكيمياء أو الفيزياء الى الصراخ والاصوات العالىة للتعبير عن حقائقه وقوانينه العلمية. فالصمت هو سيد العلم الحقيقي والضجيج هو سيد الاعتقادات الايديولوجية. ولكن ليس هناك إلا طريقتان لتوصيل افكارنا الى الأخرين :أما أن نجبرهم على قبولها بالتهديد والتخويف والوعد والوعيد وأما أن نجعلهم يقتنعون بها بقوة البرهان والاقناع المتولد من أرادتهم الحرة بدون جبر أو اكراه من أي نوع كان.

وفي خضم هذا التداخل والتفاعل والصراع، جاءت العولمة لتضع الإنسان أمام نفسه بصورة لم يسبق لها مثيل. لقد تقلصت المسافات، وتسارعت الاتصالات، وأصبح العالم، بكل تنوعه، حاضرًا في حياتنا اليومية. لم نعد نعيش في عزلة ثقافية، بل في احتكاك دائم مع الآخر. وهذا الاحتكاك، رغم ما يحمله من فرص للتعلم، يكشف أيضًا عن فجوات هائلة في القيم والمعايير، مما يولد توترات واضطرابات فحين يرى الإنسان فجأة كيف يعيش الآخرون، وكيف يفكرون، وكيف ينظمون حياتهم، فإنه يُجبر على إعادة النظر في ذاته. وقد يؤدي ذلك إلى انفتاح وتطور، أو إلى انغلاق وعدوان. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: كيف نحافظ على خصوصيتنا دون أن نحولها إلى سجن؟ وكيف ننفتح على العالم دون أن نفقد ذواتنا؟

إن التعايش اليوم، لم يعد خيارًا أخلاقيًا فقط، بل ضرورة وجودية. فالعالم لم يعد يحتمل صراعات الهويات الضيقة، لأن آثارها لم تعد محلية، بل تمتد إلى الجميع. ومن هنا، فإن الحاجة إلى قيم التسامح والحوار لم تعد ترفًا فكريًا، بل شرطًا لبقاء الإنسان غير أن التسامح، في معناه العميق، ليس مجرد تحمل للآخر، بل اعتراف بحقه في الاختلاف. هو إدراك أن الحقيقة ليست حكرًا على أحد، وأن التنوع ليس خللًا يجب إصلاحه، بل ثراء يجب استثماره. وهو، قبل ذلك كله، قدرة على رؤية الإنسان في الآخر، قبل أن نرى انتماءه وفي هذا الإطار، يمكن أن تتحول الأديان—بدل أن تكون مصدرًا للصراع—إلى فضاء للتلاقي. فالمشترك الإنساني بينها أوسع بكثير مما يُتصور. كلها، في جوهرها، تدعو إلى الخير، والعدل، والرحمة، والصدق، والتسامح. وكلها تسعى، بطريقتها، إلى منح الإنسان معنى لوجوده، وأملًا في مواجهة قلقه.

لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الرسائل إلى أدوات للهيمنة، أو إلى هويات مغلقة. وهنا تبرز فكرة “تضافر الأديان” كبديل أعمق من مجرد التعايش. فالتعايش قد يكون اضطراريًا، أما التضافر فهو اختيار واعٍ للتعاون. هو انتقال من مجرد قبول الآخر إلى العمل معه من أجل غاية مشتركة: كرامة الإنسان وفي عالم يواجه تحديات كبرى—من الحروب إلى الأزمات البيئية، ومن الفقر إلى الأمراض—لم يعد ممكنًا لأي جماعة أن تنجو وحدها. إن مصيرنا أصبح مترابطًا، وأي خلل في جزء من العالم ينعكس على الكل. لذلك، فإن التعاون بين الأديان والثقافات لم يعد مسألة نظرية، بل ضرورة عملية.

ختاما يمكن القول إن بين كل الرموز التي يمكن أن تلهم هذا التوجه، يبرز معنى “القيامة” بوصفه فكرة إنسانية عابرة للأديان. فهي ليست مجرد حدث ديني، بل تجربة وجودية تتكرر في حياة كل إنسان: أن يسقط ثم ينهض، أن ينكسر ثم يرمم نفسه، أن يختار الأمل رغم الألم. إنها القدرة على إعادة خلق الذات، وعلى قول “نعم” للحياة، حتى في أكثر لحظاتها قسوة. ذلك هو الرمز والمعنى أن ننهض من تحت ركام الكراهية، وأن نعيد بناء إنسانيتنا على أسس أوسع من كل الانقسامات. أن نرى في الآخر امتدادًا لذاتنا، لا نقيضًا لها. أن ندرك أن أعظم ما فينا ليس ما نؤمن به فقط، بل ما نصنعه من هذا الإيمان في علاقتنا بالآخر فالإنسان، حين يصدق مع نفسه، لا يحتاج إلى معجزة خارجية إذ يكفيه أن يختار الخير، وأن يتمسك بالعدل، وأن يمنح الحب، ليصبح هو معجزته الخاصة. وفي عالم تتنازعه الأصوات العالية، ربما يكون الصمت العميق—صمت الفهم والتأمل—هو الطريق الوحيد لسماع الحقيقة.

وفي النهاية، لا يبقى من كل هذه التعقيدات إلا ذلك الوميض البسيط: إننا، رغم كل شيء، بشر. وهذه الحقيقة، إذا أُخذت بجدية، كفيلة بأن تغير كل شيء.

***

ا. د. قاسم المحبشي

مظاهرها وتأثيراتها على تشكيل الوعي المجتمعي

العبودية أيّاً كان توجّهها، وفي أي مجال، هي ثقافة ونظام يتمّ من خلاله إجبار الناس على العمل بعيداً عن الحرية، وعن التفكير، وعن المطالبة بالحقوق، في الوقت الذي يستفيد فيه الآخرون مادّياً ويتسلقون، هذه الثقافة معمول بها عبر التاريخ، حيث إتخذت العبودية نماذج وأشكال مختلفة، ويبقى القاسم المشترك بين هذه النماذج هو بتر حرية الأفراد، وحرمانهم من أي حقوق سياسية أو إجتماعية أو قانونية، وهكذا انتقلت العبودية من الآباء إلى الأبناء مروراً بأجيالٍ متتابعة، إلى أن توقّف العمل بها عام 1948، حيث حُظرت عملاً بإعلان الأمم المتحدة لحقوقِ الإنسان.

إن العبودية بالمنظور الأوسع هي مؤسّسة قمعية، وهي نتاج علاقاتٍ إنسانية مُعقّدة، وتتلخّص على إجبار الطبقة الأضعف على الرضوخ والمعاناة بسببِ رغبةِ الأقوياء في المجتمع، للسعي وراء الشهرة والسلطة والنفوذ على الآخرين، بدافع الجشع والرغبة في السيطرة.

إنّ مسألة العبودية هي دائمة، وقائمة، حيث أنّ العبودية في كلّ عصر تتّخذ ركيزة أساسية لها.

إنّ العبودية الفكرية هي التحكّم في المعلومات، ومرتبطة بالعبودية الفلسفية، من خلال السعي الأكاديمي.

قولاً واحداً، نحن لسنا أحراراً، لأنّ المكان هو عشوائي و مليء بالتجارب على أدمغتنا وأفكارنا، والعبودية الفكرية المتخفّية تلتهم المواطن من الداخل.

إنّ العبودية الفكرية هي ورمٌ خبيث ينتشر في أدمغة البشر، ويُلوّث نسيجها الثقافي والاجتماعي ، آخذين بعين الاعتبار بأنّ العبودية الفكرية هي أشدّ وجعاً وأفتك خطراً على الشعوب من العبودية الجسدية.

وكلّ ما يحتاجه المستبد هو فكرة شريرة يدغدغ بها مشاعر الناس، ويخاطب بها عواطف البلهاء، أو قضية مقنّعة يُعيد من خلالها تشكيل الواقع كما يشاء.

ومن يبحث في صفحات التاريخ بغض النظر إن كان قديماً أو حديثاً، سوف يرى العلل المميتة لإرادة الشعوب، وكيف استطاعت الشعارات البرّاقة امتلاك إرادة وعقول الناس، والسيطرة عليها، واستغلال سذاجتها واستعبادها، من هنا نستطيع أن نحدد حجم وخطورة العبودية الفكرية.

من يُتابعون الواقع يُدركون تماماً، أنّ الإعلام يلعب دوراً محوريّاً في صقل وتشكيل الرأي العام، حيث تُعتبر الصحافة أبرز الأدوات الإعلامية وتلعب دوراً يؤثّر على السياسة والمجتمع، من خلال تقديم المعلومات وتحليل وقراءة الأحداث.

إنّ الإعلام هو سلطة تملك قدرات تأثيرية جليّة على تحديد مسار الرأي العام والتأثير السياسي.

ولكن للأسف ما نلمسه من الواقع المُعاش هو ليس سلطة الإعلام، بل إعلام السلطة، الذي تُمارسه الأنظمة العربية على إمتداد الساحة العربية المترامية الأطراف، بهدف تعزيز سلطتها، وتوجيه الرأي العام وفق مصالحها وأجنداتها، وتوجيه الرأي العام نحو الأهداف والشعارات الخاصّة بالسلطة الحاكمة وبمراكز القرار. وبالتالي السيطرة على الرأي العام وتوجيهه، والتلاعب بالعقول وبفكر الأجيال.

حيث لم يعد الإعلام مُجرّد وسيط لنقل الأحداث، بل تحوّل إلأى أخطر الفاعلين في تشكيل الوعي الجمعي، وتوجيه مسيرة الرأي والإدراك العام. فهو لا يتوقّف عند عكس الواقع، بل يُعيد إنتاجه وفق منظومة مصالح وقوى متحكّمة.

ومن خلال هذا الواقع تتشكّل لدينا وتبرز إشكالية " العبودية الفكرية " بوصفها ظاهرة مُتحكّمة داخل المؤسّسة الإعلامية، ليس باعتبارها انحرافاً عارضاً، بل كحالةٍ مُزمنة من الارتهان المعرفي والوظيفي.

إن العبودية الفكرية في الحقل الإعلامي تعني بصريح العبارة أن يتحوّل هذا الحقل من مساحةٍ للحرية والتعددية، إلى فضاءٍ مُغلق يُعيد تدوير نفس الخطاب والشعارات، ويُقصي كلّ ما يُهدد النسق المُسيطر والمُهيمن.

إنّها حالةٌ يفقد فيها الإعلامي استقلاليته، وتفقد فيها الوؤسّسة الإعلامية رسالتها وأهدافها، ويُختزل دور الجمهور ليتحوّل إلى مُتلقٍ سلبي، يُعاد تشكيل وعيه وفق ماهو مخطط، و وفق ما يُراد له أن يرى ويفهم.

لذلك نرى أن العلاقة بين الإعلام وبين الأنظمة السياسية، هي علاقة تبعية وانصياع، وهنا تتجلّى العبودية الفكرية بصورها الجليّة، حيث تبدو السلطة هنا بصورة المهيمن الذي يتعمّد إلى إظهار السلطة بأنها تخدم المستضعفين من أبناء الشعب، بينما هي تخدم فئة واحدة من الأعوان والتابعين والمتسلّقين.

العبودية الفكرية هنا ليست مجرّد تبعية تلقائية، بل هي نمط من " الاستبطان القسري " الذي يجعل الأفراد أو المؤسسات يتبنّون خطاباً مُعيّناً دون وعيٍ كاملٍ بالإكراه، إنها حالةٌ من التكيّف مع منظومة فكرية في مطلق الهيمنة، بحيث يصبح الخروج عن عباءتها صعباً أو مستحيلاً.

ويتضح هذا الواقع داخل المجال الإعلامي، حيث تتخذ هذه الظاهرة أبعاداً معقّدة، ففي المجال المعرفي، يتم تضييق أفق التفكير، ويتم حصر التحليل إلاّ ضمن قوالب جاهزة، وهذا يؤدّي إلى شحّ الخطاب الإعلامي وتحويله إلى تكرارٍ روتيني بنمطٍ وحيد.

وفي المجال النفسي، يتشكّل عند الإعلامي خوفٌ ضمني من تجاوز " الخطوط الحمراء " ممّا يُعزّز الرقابة الذاتية.

وفي المجال الإجتماعي، يُعاد إنتاج نفس القيم والتصوّرات التي تخدم بنية الهيمنة، بما يُعمّق الفجوة بين الوعي بحقيقته والوعي مسبق الصنع.

إن هذه العبودية الفكرية لا تُفرض دائماً بالقوة، بل تتسلّل عبر الاعتياد والتطبيع والتلقين، حتّى تصبح جزءاً أساسياً من طبيعة المهنة ذاتها.

هكذا هي العبودية الفكرية، تتجلّى حينما يتم تقييد العقل ضمن حزمةٍ من الأفكار والمعتقدات، التي تعرّقل حرية الإبداع والتفكير الحر والنقد، وتحوّل الإنسان وتجعله جزءاً أساسيّاً من عملية استعباده لنفسه.

إنّ الإعلام ليس كياناً مستقلاً في الفراغ، بل هو ضمن شبكةٍ مُعقّدة من العلاقات مع السلطة السياسية والاقتصادية، وهذه العلاقات لا تكون حيادية في كثيرٍ من الأوقات، بل تؤسّس لمنظومة من التبعية، التي قد تكون متبادلة أحياناً.

حيث أن السلطة السياسية لا تحتاج دائماً إلى القمع المباشر، ويكفي بالنسبة لها أن تتحكّم في تدفق المعلومات، أو تمنح الامتيازات، أو تفرض إطاراً عاماً للنقاش، بهدف ضمان انضباط الخطاب الإعلامي.

كما أن السلطة الاقتصادية تُمارس نفوذها عبر التمويل والإعلانات، ما يجعل الإعلام خاضعاً لمنطق الربح، حتّى لو كان ذلك على حساب الحقيقة.

كلّ هذه الأمور ينتج عنها إعلاماً " وظيفياً " لا يعنيه البحث عن الحقيقة بقدر ما يسعى إلى الحفاظ على التوازنات القائمة بشكلٍ هرمي.

 بهذه الحال تتحوّل العبودية الفكرية إلى خيارٍ ضمني إمّا " الامتثال والبقاء " أو " المواجهة والإقصاء ".

بكلّ تأكيد تتجلّى العبودية الفكرية في المقام الإعلامي عبر ممارسات متعددة، بعضها أصبح مألوفاً إلى درجة أنه لم يعد يُنظر إليه بمثابة إشكال.

حيث يتم تقديم الوقائع ضمن سياق مُحدّد يخدم تفسيراً مُعيّناً.

وإعادةِ نفس الروايات حتّى تتحوّل إلى " حقائق " في وعي المتلقي أو الجمهور.

وتجاهل الأصوات الصاعدة المُخالفة بدلاً من مواجهتها.

والتماهي مع الخطاب الرسمي دون مُساءلةٍ حقيقية أو تفكيك نقدي.

وتجاهل القضايا المُعقّدة وتحويلها إلى مُحتوى سريع الاستهلاك ليس إلاّ.

وصناعة الإجماع الوهمي من خلال إيهام الجمهور أن رأياً مُعيّناً هو السائد أو الوحيد.

طبعاً هذه المظاهر لا تُعبّر فقط عن خللٍ مهني، بل عن بُنيةٍ عميقة تُعيد إنتاج العبودية الفكرية بشكلٍ يومي ومنهجي.

من خلال هذا النسق تستند العبودية الفكرية إلى إستعباد العقل والقلب والرؤى والأفكار، وتجعل من الإنسان فرداً خاضعاً، ويتم توجيهه بسلاسة دون الحاجة لإستخدام أي عنف.

فحينما يخضع الإعلام لهذه البنية، عندها تفقد الرسالة الإعلامية بريق جوهرها:

حيث تتحوّل الحقيقة إلى سرديات بعيداً عن أي معيار، كما يصبح الخبر أداة توجيه وليس وسيلة معرفة، ويُعاد تشكيل الواقع فقط وفق ما يُلبي مصالح وأجندات مُعيّنة، وليس وفق ما هو قائم وملموس.

وعلى صعيد الرأي العام تكون النتائج أكثر خطورة: حيث يتم تفريغ وعي الرأي العام من طابعه النقدي، وتحويله بشكلٍ أو بآخر إلى وعيٍ استهلاكي. وبالتالي إنتاج جمهور منقاد، لا يمتلك أدوات التحليل أو المساءلة، وتطبيع ونشر الهيمنة، بحيث يتم قبولها كأمرٍ طبيعي لا يُناقش. وبهذا الشكل لا يعود الإعلام مُجرد ناقلٍ للأفكار، بل يُصبح مصنعاً لإعادة تشكيل العقول في اتجاهٍ واحدٍ وفريدٍ غالباً.

ولمواجهة هذه الظاهرة والحدّ من العبودية الفكرية وتعزيز استقلالية الإعلام، يتطلّب مقاربة وعلى مستوياتٍ مختلفة:

حيث لا بُدّ من تحرير البنية التمويلية للإعلام من خلال دعم نماذج مستقلّة لا تخضع لهيمنة المُعلنين أو السلطة أو مراكز القرار.

وبالتالي إعادة بناء وصياغة التكوين الإعلامي، بحيث يُركّز على التفكير النقدي، وليس على المهارات التقنية فقط. وتعزيز موضوع المُساءلة والشفافية داخل الحقل الإعلامي. ودعم التعددية الإعلامية لضمان توفّر تنوّع الأصوات والأفكار والرؤى. وتمكين الجمهور معرفياً كي يملك القدرة على التفكيك والنقد، و ليس مُجرد مُتلقّي.

إنّ التحرر من العبودية الفكرية ليس قراراً يُتخذ، بل هو مسار ثقافي متشعّب وطويل، يبدأ من نقطة إعادة تعريف ما هيّة دور الإعلام.

إنّ التحرّر الفكري لا يتحقّق ولا بأي شكلٍ من الأشكال من خلال الإنفصال عن المحيط أو العالم، بل يتحقّق بالتحرر من احتكار المعنى، لتحريره من الانغلاق.

إنّ أنسنة الرؤى ليست مُجرّد إصلاح تربوي وثقافي، بل هي ممارسة جماعية للوعي النقدي، ليمنح الأجيال القدرة على مساءلة المنهج الذي شكّل وعينا وفهمنا للعدالة وللحياة، بدلاً من الاكتفاء بالإملاء والإلتزام بالإكراه.

نحن لا نستطيع إصلاح العبودية الفكرية في المؤسسات الإعلامية من خلال بعض التوصيات، لأن هذه العبودية مُتجذّرة وتدار بعناية، لأنّها تخدم مصالح لا تريد أن يطفو الإعلام الحرّ، لأن الإعلام المستقل يُشكّل خطراً عليهم، ويفضح ويُزعزع السرديات الجاهزة.

الحقيقة التي تصدمنا، هي أن الكتلة الكبرى من الإعلام اليوم لا يسعى إلى تحرير الوعي، بل إلى ترويضه، ولا يعمل على توسيع أفق التفكير، بل يعمل جاهداً على تضييقه، وهذا المسار لا ينتج عنه مواطناً ناقداً، بل مُستهلكاً ومُطيعاً.

إنّ التحرّر من العبودية الفكرية هو موقف وجودي، إمّا إعلامٌ حرّ يُقلق السلطة ويوقظ الجميع، أو إعلامٌ يُخدّر العقول والرؤى ويُعيد إنتاج القطيع، وليس هناك أي مجالٍ لمنطقةٍ رماديةٍ بينهما.

***

د. أنور ساطع أصفري

مع (ذي القُروح) يحلو النقاش. وحول شؤون الكتاب العَرَبي، سألته، امتدادًا لنقاشي معه في المساقات الماضية:

- تَرَى إقبالًا تاريخيًّا على معارض الكُتب، لكن هل يعكس ذلك وعي القارئ؟ أم هو نتيجة لحالة من النشاط التجاري؟

- تسمع بالمُعَيْدِيِّ خيرٌ من أن تراه! من الصعب التعميم في هذا المجال. غير أنَّ الملحوظ أنَّ معارض الكُتب أصبح يطغى عليها دافعان: الدَّافع التجاري، ودافع المفاخرة بعدد الكُتب المقتناة، وحجمها، وتزيين المجالس والمكاتب بها. ولهذا فإنَّ الإقبال على معارض الكُتب لا يعكس دائمًا وعيًا، أو حتى حبًّا للقراءة. ونحن نعرف أنَّ كثيرًا ممَّن يقتنون الكُتب لا يقرؤونها؛ ولو كان ذلك الإقبال على معارض الكُتب يعني قراءة عَرَبيَّة جادَّة، لاختلف الحال.

- وتتصدَّر كُتب التنمية والروايات سوق الكُتب، فهل لهذا دلالة؟

- الناس يميلون إلى السهل والمسلِّي. حتى في الروايات، تجد أنَّ السوق الرائج هو سوق تلك الروايات الشعبيَّة، أو الهابطة، فنيًّا وربما أخلاقيَّا أيضًا. وهذا بالطبع له دلالة ثقافيَّة وقرائيَّة وتجاريَّة في الوقت نفسه. وهو يؤكِّد ما قلناه، من أنَّ معارض الكُتب ليست دائمًا صورة عن الثقافة والقراءة والاهتمام بالكتاب الاهتمام الحقيقي، لكنَّ هناك مآرب أخرى للناشر وللقارئ من الاهتمام ببعض الكُتب المتصدِّرة واجهات المعارض.

- هل تراكم المؤلَّفات اليوم غدا فائضًا لا حاجة إليه؟

- يظلُّ الكتاب مهمًّا، وإنْ لم يكن جيِّدًا في محتواه، فهو يعطي صورة ثقافيَّة واجتماعيَّة وحضاريَّة، لو لم تخرج إلى العلن لما استطعنا التقييم، ولما استطعنا أن نناقش مثل هذا النقاش، ولما استطعنا أن نؤلِّف كتابًا في النقد الثقافي، على سبيل المثال. فالتراكم، مهما كان سلبيًّا في بعض صوره، مفيدٌ لكشف الواقع والثقافة والعلاقة بين الكتاب والقارئ. عندما تطرح سؤالًا: لماذا يتصدَّر المبيعات كتاب الطبخ، مثلًا؟ أو كتاب الأدب من مستويات معيَّنة، كالأدب العامِّي؟ أو الكُتب القصصيَّة الخرافيَّة؟ فأنت تستطيع من خلال ذلك أن تقيِّم العقل الجمعي والثقافة. والاهتمام هذا لا يقلِّل من أهمية ذلك المنتج، عندما يُدرَس دراسةً نقديَّةً، ولا يظلُّ مجرد مادَّة استهلاكية، تُشكِّل المجتمع والثقافة العامَّة، وتُشكِّل سلوك الإنسان. فعلينا أن نُفرِّق بين المؤلَّف الاستهلاكي والمؤلَّف التوثيقي، وكذلك أن نُميِّز بين القارئ الاستهلاكي والقارئ الناقد. إذن، هذا التراكم يبدو سلبيًّا في حضوره الاستهلاكي، ولكنَّه إيجابيٌّ في حضوره التوثيقي، من ناحية، وبوصفه مادَّة للدراسة والنقد، من ناحية أخرى.

- كثيرًا ما يُسأل السؤال النمطي: ما الكتاب الذي أحدث نقلة نوعية في فكرك ومسيرتك؟ فهل لمثل هذا الكتاب وجود؟

- ليس هناك، كما أرى، كتابٌ يمثِّل نِقلة نوعيَّة في فكر الإنسان ومسيرته؛ لأنَّ الكتاب: مجموعة كُتب، وهو خلاصة مؤلِّفين كُثْر. وكذلك القارئ، أو الباحث، لا يمكن أن نختزله في أنَّه نتاج كتابٍ واحدٍ، أحدث نِقلة نوعيَّة في فكره ومسيرته. إلَّا إنْ كان هذا القارئ محدود الثقافة، وكان لأوَّل مرَّة يقرأ كتابًا فيتحوَّل تحوُّلًا جذريًّا. أمَّا إذا كان يقرأ منذ نشأته، فيصعب أن نقول إنَّ كتابًا واحدًا فعل فيه الأفاعيل. ربما صحَّ هذا في حقلٍ معرفيٍّ بعينه، كالنقد الأدبي على سبيل المثال، أن تقرأ كتابًا فيمثِّل نقلةً نوعيَّةً في مسارك. غير أنَّ ثمَّة كُتبًا كثيرة يصعب على الإنسان أن يُدرِك حصرها، أو متى أحدثت فيه ما أحدثت؟  الإنسان نتاج تراكمات قد لا يكون واعيًا بها، أو قد لا يكون واعيًا بما أحدثه كتابٌ ما فيها. ودعنا نتحدَّث في مجال الأدب، بصفة خاصَّة، فإنَّه يصعب فيه أن تزعم أنَّ كتابًا واحدًا قد غيَّر مسارك. أمَّا في العِلم، فيمكن أن تقرأ كتابًا فتنتقل به نِقلةً تُذكَر. وهذا راجع إلى الطبيعة النوعيَّة المختلفة بين هذين الحقلين (الأدب والعِلم).

- الكُتب التي تراها جديرة بالاقتناء قديما وحديثا؟

- صُبَّه رُدَّه! هذا امتداد للتساؤل الآنف. قديمًا حينما سُئل عن ترشيح بعض الكُتب أشير إلى: «أدب الكاتب» ل-(ابن قُتيبة)، و«البيان والتبيين»، ل-(الجاحظ)، و«الكامل»، ل-(المبرِّد)، و«الأمالي»، ل-(القالي). هذا أيَّام الوصفات الجاهزة! وهذا ما كان يوصي به القدماء في مجال الأدب، ولكن لم يعُد مثل هذا جائزًا اليوم. وإنَّما يمكن، بدل هذا، أن يُشار إلى (مواصفات الكتاب الجيِّد) سواء كان قديمًا أو حديثًا. وهو: أن يكون كتابًا منهاجيًّا عِلميًّا، إذا كان السؤال عن الكُتب العِلميَّة، وأن يكون مؤلِّفه من المتخصِّصين المشهود لهم في المجال الذي نريد أن نقرأ فيه، ونتعلَّم منه. أمَّا تعيين عنوانات أو مؤلِّفين، فهذا يتعذَّر، إلَّا بمعرفة القارئ أوَّلًا: ما الذي يريد أن يقرأ؟ وما تخصُّصه؟ لكي تُرشَّح له الكُتب المناسبة.

- ثقافة التأليف والقراءة حاليًّا، هل فرضت نوعًا من الكُتب بحجم معيَّن ومحتوى يتسق مع الحالة الحضاريَّة؟

- بطبيعة الحال. لكنَّ الحجم لم يعد محلَّ إشكال، فبإمكانك أن تحمل مكتبة كاملة في جوَّالك.

- يقال: الكتاب الأوَّل للمؤلِّف هو كلُّ شيءٍ، وما بعده تنويعٌ واسترجاع!

- غير صحيح.  وإذا حدث، فهو مؤشِّرٌ سلبيٌّ على المؤلِّف والمؤلَّف!

- ماذا عن قرصنة الكتاب؟

- القرصنة جريمة انتهاكٍ لحقوق فكريَّة وعِلميَّة. وهناك أنظمة وقوانين تجرِّم ذلك، وتضع العقوبات الرادعة. وهناك أنظمة للحماية الفكريَّة وحفظ الحقوق الفنيَّة.  وحقوق الملكيَّة الفكريَّة هي إطارٌ نظريٌّ للحماية القانونيَّة لحقوق المبدعين والمنتجين من طائلة الادِّعاء أو السرقة. وقد انضمَّت معظم الدُّول العَرَبيَّة إلى عضويَّة ثلاث اتفاقيَّات دوليَّة لحماية حقوق الملكيَّة الفكريَّة، هي: (اتفاقيَّة المنظمة العالميَّة للملكيَّة الفكريَّة- «الويبو»)، و(اتفاقية بيرن لحماية المصنَّفات الأدبيَّة والفنيَّة)، و(اتفاقيَّة باريس للملكيَّة الصناعيَّة). على أنَّ انضمام أيِّ دولة من الدول العَرَبيَّة إلى عضويَّة منظمة التجارة العالميَّة يصبح ملزمًا لها بأحكام اتفاقية «تربس»، وهي: (اتفاقيَّة الجوانب المتَّصلة بالملكيَّة الفكريَّة في التجارة)، وتُعَدُّ اتفاقيَّةً شاملة. ولقد أدَّت التوجُّسات من آثار حماية الملكيَّة الفكريَّة إلى ظهور منظَّمات أخرى، ك-(منظَّمة الحُريَّة الفكريَّة) Free Software Foundation، التي تسعَى إلى فتح المجال للإفادة من المنتجات، أو نقلها، أو تغييرها، أو تطويرها.  ولعلَّ مخاوف منظَّمة الحُريَّة الفكريَّة من جناية «الحماية الفكريَّة» على «الحُريَّة الفكريَّة» إنَّما تتعلَّق بمجال الصناعات، أو البرامج الحاسوبيَّة، لا بالكتاب. غير أنَّ الكتاب بدَوره قد بات اليوم صناعة، وصار حاسوبيًّا، من خلال النشر الإلِكتروني، الذي تعمُّه الفوضَى غالبًا، وعدم السيطرة على ما تجري فيه من تجاوزات، قد تتخطَّى الأعمال الفكريَّة في ذاتها إلى أشخاص المنتجين. ومن ثمَّ فإنَّ عدم شموليَّة الحماية الفكريَّة سيفتح منافذ شتَّى غير تقليديَّة لاختراق تلك الحماية. وإذا أضفت إلى هذا (ثالثة الأثافي)، وأعني ما يُسمَّى (الذكاء الاصطناعي)، أدركت أنه يمكن توظيفه في (ذكاء لصوصي)، لا يرعَى حقًّا ولا يحترم حماية!

- ماذا عن الحال في المملكة؟

- الوضع الراهن لحقوق الملكيَّة الفكريَّة في المملكة يتمثَّل في الانضمام إلى اتفاقيَّة المنظمة العالميَّة للملكيَّة الفكريَّة (الويبو)، عام 1982م. كما أنَّه صدر (نظام حماية حقوق المؤلِّف في المملكة)، عام 1410ه-= 1990م. وينصُّ على مواد عقابيَّة على تجاوز تلك الحقوق. على أنَّ اتفاقيَّات الملكيَّة الفكريَّة وأنظمتها لن تحمي تلك الملكيَّة إلَّا حين تصبح محلَّ المتابعة والتطبيق، وهذا أمر بَدَهي. والواقع الثقافي العَرَبي عمومًا يكشف عن قصور عامٍّ في التطبيق؛ ولذلك تحدث الاعتداءات والتجاوزات حتى من بعض المؤسَّسات العِلميَّة، ولاسيما في الرسائل العِلميَّة من بعض الجامعات، وفي البحوث المنشورة ضمن مجلَّاتها، الموصوفة ب-«العِلميَّة». 

- ماذا عن فكرة التسويق للكتاب والدعاية له، وهل تراها تنقص من قيمته الفكريَّة؟

- كلَّا. فالكتاب صناعة وسِلعة. وليس التسويق بعيب. غير أنَّ التسويق للكتاب لا يزيد من قيمته الفكريَّة، الكامنة فيه، ولا ينقص. وإنْ كان قد يَصرف عن كتابٍ أجدر بالاهتمام. مع أنَّ السِّلعة الجيِّدة تفرض نفسها في النهاية وتطرد السِّلعة الرديئة.  وهذا مبدأ معروف، حتى في ميدان التجارة، الخالص لوجه التجارة.

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

 

لطالما ارتبطت الحضارة الغربية بفكرة راسخة، وإن كانت ضمنية، مفادها أن الجدارة هي الأساس الذي يُبنى عليه التفوق الفردي. فمنذ تصورات أرسطو حول الفضيلة بوصفها نتاجًا للتكرار والممارسة، وصولًا إلى تحليلات ماكس فيبر للأخلاق البروتستانتية، تكرّست فكرة أن العمل الجاد والسعي المستمر هما الطريق المشروع لتحقيق النجاح. لم تكن الجدارة مجرد وصف لسلوك، بل شكلت معيارًا أخلاقيًا يُقاس به الفرد، ودليلًا على قدرته على تشكيل مصيره.

غير أن هذا التصور التقليدي بدأ يتعرض لتحديات عميقة في عصر الذكاء الاصطناعي. إذ لم يعد الجهد البشري شرطًا لإنتاج نتائج عالية الجودة، بعدما أصبحت الآلات قادرة على إنجاز مهام معقدة - كالكتابة والإبداع الفني - في وقت قياسي. وهنا يبرز تساؤل جوهري: ما قيمة الجدارة إذا لم تعد النتائج تعكس مسارًا طويلًا من التعلم أو الموهبة أو الخبرة؟

تكشف هذه التحولات عن فجوة متزايدة بين قيمة النتيجة وقيمة العملية التي تؤدي إليها. فالخوارزميات، بخلاف البشر، لا تعرف الإخفاق أو التردد، بل تعمل بكفاءة مستمرة وتتطور بسرعة. وفي هذا السياق، يمكن استحضار تصور بيونغ-تشول هان لمجتمع الأداء، حيث يتحول الفرد إلى كيان يسعى لإثبات ذاته عبر الإنتاج الدائم. غير أن هذا الدور نفسه أصبح مهددًا، مع دخول الذكاء الاصطناعي بوصفه فاعلًا جديدًا قادرًا على الإنتاج دون قيود إنسانية.

في الأصل، ظهرت الجدارة كبديل عادل للأنظمة الطبقية القائمة على النسب والامتيازات الموروثة. فقد وعدت بإتاحة الفرص بناءً على الكفاءة والجهد. لكن هذا التصور لم يخلُ من الإشكاليات، إذ يشير مايكل ساندل إلى أن الجدارة قد تتحول إلى أداة تبرير أخلاقي للنجاح والفشل، مما يولد شعورًا بالاستحقاق لدى الناجحين، ويعمّق الإحساس بالإقصاء لدى الآخرين.

ومع تطور الذكاء الاصطناعي، تتفاقم هذه المفارقة. فإذا كانت الأنظمة الذكية قادرة على إنتاج أعمال فنية أو نصوص فلسفية تضاهي أعمال كبار المبدعين، فإن ذلك يطرح تساؤلات حول طبيعة القيمة البشرية. هل تظل الموهبة معيارًا للتفوق، أم أن قابلية استنساخها تقوّض معناها؟

تُظهر هذه التحولات أيضًا تغيرًا في أنماط السلطة والمعرفة، وهو ما يمكن فهمه في ضوء أفكار ميشيل فوكو، الذي رأى أن كل عصر ينتج أدواته الخاصة لتنظيم السلوك. فإذا كانت الجدارة قد أدت هذا الدور سابقًا، فإن الأنظمة الخوارزمية تؤدي اليوم وظيفة مماثلة، حيث لم يعد التقييم قائمًا على المعرفة بحد ذاتها، بل على القدرة على استخدام التقنيات التي تنتجها.

بذلك، ينتقل مركز القيمة من «امتلاك المعرفة» إلى «إدارة المعرفة»، ومن الجهد الفردي إلى الكفاءة التفاعلية مع الأنظمة الذكية.

وفي نفس السياق لطالما اعتُبرت الموهبة مجالًا حصريًا للإنسان، ومصدرًا لتميّزه. غير أن تطور الذكاء الاصطناعي التوليدي يقوّض هذا التصور، إذ أصبح بإمكانه إنتاج أعمال فنية ونصوص إبداعية دون امتلاك تجربة إنسانية أو وعي ذاتي. وهنا يبرز تساؤل حول طبيعة الإبداع ذاته: هل هو تعبير عن ذات، أم مجرد إعادة تركيب لمخزون ثقافي؟

في هذا السياق، يمكن استحضار رؤية أومبرتو إيكو للثقافة بوصفها ذاكرة جماعية. إلا أن هذه الذاكرة، حين تُعالج بواسطة أنظمة غير واعية، تتحول إلى مادة قابلة لإعادة الإنتاج بلا حدود، مما يضعف الارتباط بين الإبداع والذات الإنسانية.

في ظل هذه التحولات، يبدو أن مفهوم الجدارة بحاجة إلى إعادة تعريف. فبدلًا من ربط القيمة بالإنتاجية فقط، يمكن النظر إليها من زاوية أوسع تشمل الوعي والمسؤولية. وتنسجم هذه الرؤية مع تصور هانا آرندت، التي رأت أن جوهر الفعل الإنساني يكمن في القدرة على البدء وإحداث الجديد، لا في مجرد تحقيق النتائج.

كما يحذر يوفال نوح هراري من أن المستقبل قد يشهد تنافسًا بين أنماط مختلفة من الذكاء، إلا أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في التفوق على الآلة، بل في الحفاظ على المعنى الإنساني في عالم تحكمه الكفاءة التقنية.

في هذا الإطار، قد تصبح القدرة على التوقف والتأمل - بدلًا من السعي الدائم نحو الإنتاج - قيمة بحد ذاتها. وهو ما يذكّر بأفكار فالتر بنيامين، الذي أشار إلى أن التقدم الثقافي قد يخفي في طياته أبعادًا إشكالية إذا لم يُرافقه وعي نقدي.

وبالمقابل لا يعني صعود الذكاء الاصطناعي نهاية الجدارة بقدر ما يكشف حدودها. فهو يدفعنا إلى إعادة التفكير في ما نعتبره قيمة: هل تكمن في النتيجة أم في التجربة الإنسانية التي تقود إليها؟ وربما يكمن التحدي الحقيقي في الانتقال من مفهوم الجدارة بوصفها إنتاجية، إلى فهم أعمق لها باعتبارها تعبيرًا عن الوعي والمعنى.

في عالم تستطيع فيه الآلات تحقيق الكمال التقني، قد يظل النقص البشري - بما يحمله من تجربة وحدود - هو المصدر الحقيقي للقيمة الإنسانية.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

الكتابة أشبه ببناء معماري، فهي بحاجة إلى تصور عام قبل مباشرة عملية البناء. وقد يتطلب الأمر أحيانا نقض الأساس، أو هدم ما بنيت لتعود من جديد إلى حجر الأساس. ولكل كاتب عالمه الخاص الذي يستمد أحجاره من الواقع اليومي ومشاهداته، ثم يضيف إليها قِطعا من خياله ورؤاه الفنية، ليقدم إلينا في الأخير تجربة من الحياة الإنسانية، تحمل في طياتها مقومات الخلود!

مرافقة الكُتاب أمر حيوي لكل راغب في امتهان صنعة الكاتب، لأن في التنوع الذي يميز طقوس كتابتهم، يمكن للمرء أن يلتقط توجيهات وخطوات، تذلل له الصعوبات، وتُحرره من الرؤى الضبابية التي تكتنف عادة كل مشوار للكتابة في بدايته.

لابد للكتابة، كما يرى الأديب السوري الراحل حنة مينة، من تجارب حياتية بالغة الاتساع والعمق، وفهم البيئة والناس وكل الوجود المحيط بهم. وكلما افتقر الكاتب إلى تجربة الحياة الواسعة، إلا وشعر بالعجز عن إعطاء شيء جيد كل مرة، ليقع بالتالي في فخ التكرار ثم الانطفاء.

إن تحري الخبرات الإنسانية في جميع الأمكنة والأزمنة يتيح للمرء أن يواصل الكتابة، حتى لو كان المجتمع من حوله يتحرك بالمقلوب. قبل أن تحصل الروائية الألمانية من أصل روماني هيرتا موللر على جائزة نوبل سنة 2009، كانت عرضة للتهديد والمطاردة من طرف نظام تشاوسيسكو المستبد، وصودر كتابها الأول.

 لم أواصل الكتابة لدواعي قوة ما، تقول موللر، لكني اكتشفت أنها منحتني صيغة للتماسك الداخلي، ويمكنها أن تدعم وعيي بذاتي. ربما عدم امتلاكي للقوة دفعني لكي أكتب. آمنت لحظتها بأن الكتابة مفتاح يحق لنا التشبث به، حتى لو أدركت أن وقائع الحياة ستبقى على حالها.

وإلى جانب السعي خلف التجربة وتحري الخبرات، ينبغي أن يجيد الكاتب الاصطفاف إلى جانب المبادئ، والمثل الجمالية والإنسانية التي تمنح كتاباته الدفء والصدق اللازمين. لقد أمضى جورج أورويل خمس سنوات من حياته، في سلك الشرطة الامبريالية الهندية ببورما، فمنحته وظيفته فهما أعمق لطبيعة الامبريالية؛ ثم جاء هتلر والحرب الإسبانية الأهلية فعرف جيدا أين يقف، واتجه للكتابة ضد الشمولية ومن أجل الديموقراطية.

عندما أجلس لكتابة كتاب، يقول أورويل، لا أقول لنفسي "سوف أنتج عملا فنيا". أكتبه لأن هناك كذبة أريد أن أفضحها. حقيقة أريد إلقاء الضوء عليها. وهَمي الأول هو الحصول على مستمعين، لكن ليس بإمكاني القيام بمهمة كتابة كتاب، أو حتى مقالة طويلة لمجلة لو لم تكن أيضا تجربة جمالية.

أول خطوة إذن في سبيل إتقان مهارات الكتابة هي التوظيف الجيد للخبرات، والمشاهد اليومية، والإنصات للواقع حتى تمس الكتابة وجدان القارئ، وتصور آماله وهمومه وتساؤلاته. لكن ذلك لا يعني الاكتفاء بنقل الأحداث، أو التقاطها بشكل مجرد كما تفعل آلة التصوير؛ بل يتطلب الأمر إضفاء مسحة جمالية، والإلمام بقواعد التعبير الفني.

 تتصل الكتابة برؤيتنا للعالم، بما يعنيه ذلك من توجيه لآلية الخيال لفهم الواقع، وليس للهروب والالتفاف عليه. لذا فأحد أهم الأسئلة التي على الكاتب أن يواجهها يدور حول منظوره لعلاقة الكتابة بالواقع، وهل عليها أن تتقيد بما يُضمره الكاتب من أفكار ثابتة عن الحياة والوجود، أم يقف على الحياد، تاركا مهام الاستكشاف والتأويل والاستنطاق للقارئ؟

كان إرنست همنغواي أحد رواد الكتابة الجديدة الذين سعوا إلى تجاوز الخطابية التي جعلت من الأدب فنا تعليميا، يُخضع الحياة لأفكار وقناعات مسبقة. تحرر همنغواي من نمطية المدرستين الرومانسية والاشتراكية، حين دافع عن الكتابة باعتبارها رؤية بصرية، تكشف كثافة الانفعالات والتكوين الروحي للإنسان. إنها بمثابة الخُمس العائم من جبل الجليد، والذي يتعين على القارئ وحده أن يكشف عن أربعة أخماسه المغمورة تحت الماء! يقول همنغواي: إذا وصفت شخصا ما، فإنه يصبح شخصية سطحية، كصورة فوتوغرافية؛ وهذا من وجهة نظري يعد تقصيرا. أما إذا قمت بتكوينه بناء على ما تعرفه عنه، فإنه يكتسب أبعادا متعددة.

ولأن الكتابة أخت العزلة، فلا محيد لأي كاتب عن حفر سردابه الخاص، والنزول وقتما ألحّ جنون الكتابة. ذلك أن الاحتدام الذي يتملّك ذاته، بفعل المشاعر والأفكار والانطباعات، يسحبه، شاء أم أبى، من مجريات الحياة العادية.

إن العزلة المتعلقة بالكتابة، تقول مارغريت دوراس، هي عزلة بدونها لا يُنتَج المكتوب. أو أنه يتفتت نازفا في البحث عما يُكتب. هو فقد من الدم لم يعترف به الكاتب بعد. ولأن الرجال لا يتحملون في العادة امرأة تكتب، فقد كانت دوراس مجبرة على أن تصنع وحدتها، وتخاتل العائلة والأصدقاء، بل قد تضطر أحيانا لغلق الأبواب كي تصنع وحدتها، كأن توجد في حفرة، تقول دوراس مرة أخرى، في وحدة شبه كاملة، وتكتشف أن الكتابة وحدها ستنقذك. وأن تعدم أي موضوع لكتاب، دون أي فكرة عن كتاب، فأنت عندئذ ستلقى نفسك، ستستعيدك أمام كتاب. أمام فراغ هائل. كتاب محتمل.

ينجر كل كاتب في بداية مشواره إلى المقارنة، وتحسس مواطن النقص التي قد تؤجل التحاقه بنادي الكُتاب. ولعل الهاجس الذي لا ينفك يطارده، متعلق أساسا بحتمية الموهبة والإلهام خلف كل نص يكتبه، وترقُّب تلك الطاقة الإبداعية التي تغمره بين الحين والآخر، حيث يستمتع بالتدفق السلس للكلمات والجمل. غير أن أليس مونرو صرّحت غداة حصولها على جائزة نوبل للأدب سنة 2013، بأن سر الكتابة يكمن في دقة الملاحظة، والنفاذ بعمق إلى جوهر الناس والأشياء. قد تكشف لحظات التألق عن بعض المقاطع الجميلة، إلا أن الكاتب الجيد عليه أن يضاعف فترات الكتابة إن كان يأمل بالانتظام والإنتاج المتواصل.

لا أعتقد أني احتجت يوما إلى الإلهام، تقول مونرو، فالقصص بالنسبة لي، من أهم الأشياء في العالم. أردت ابتكار بعض هذه القصص؛ هذا كل ما أردت فعله. أما بشأن الموهبة، فهي أمر لم تفكر فيه مونرو، لأن الكتابة كانت شيئا أرادته بشدة. مجالا يمكنها النجاح فيه إذا اجتهدت بما فيه الكفاية. لذا، تضيف مونرو، إذا كانت الكتابة موهبة، فهي بالتأكيد لم تكن موهبة سهلة.

حين يقرر المرء أن يكتب فإنه يفعل ذلك لنفسه أولا. يكتب ليختبر ذاته وبصيرته وحكمه على الأحياء والأشياء من حوله. يكتب لأن هناك تداعيا مؤلما يتلاطم بين حناياه كالموج الهادر. ويكتب أيضا ليُمتع ويؤثر ويؤرق، ويلقي حجرا في بركة الروتين اليومي، علّه يُحدث دوائر حول الدوائر، فيهز الخط المستقيم الذي ملت الأقدام من المشي عليه!

لكن حين يكتب وعينه على المسابقات والأضواء الخاطفة. أو يكتب بيمناه بينما يسراه تحصي المعجبين كل ليلة في مواقع التواصل الاجتماعي. حين يشعر بالخيبة أمام نقد واضح يقوم مساره، أو قراءة جادة تحدد هفواته، آنذاك يشير بوضوح إلى هويته ككاتب رديء.

يحكي الروائي المكسيكي غابرييل غارسيا ماركيز عن شاب في الثالثة والعشرين من العمر، جاء إلى بيته بمدينة مكسيكو، وكان قد نشر روايته الأولى قبل ستة أشهر، ويشعر بالنصر في تلك الليلة لأنه سلم لتوه مخطوط روايته الثانية إلى ناشره؛ يقول ماركيز، أبديت له حيرتي لتسرعه وهو ما يزال في بداية الطريق؛ فرد علي باستهتار لازلت أرغب في تذكره على أنه استهتار لا إرادي:" أنت عليك أن تفكر كثيرا قبل أن تكتب، لأن العالم بأسره ينتظر ما ستكتبه، أما أنا فأستطيع أن أكتب بسرعة لأن قلة من الناس يقرؤونني. إن ذلك الشاب قرر سلفا أن يكون كاتبا رديئا، كما كان في الواقع، إلى أن حصل على وظيفة جيدة في مؤسسة لبيع السيارات المستعملة، ولم يعد بعدها إلى إضاعة وقته في الكتابة!"

تتيح مرافقة الكُتاب إمكانية تحسس خطاهم، وهم يمزجون الخبرات والمواقف الإنسانية بعناصر البناء الفني واللغوي التي تحرر كتاباتهم من الفجاجة، وتضمن لها بعثا متجددا كلما امتدت لها يد القارئ. يؤمن الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر بأن الإنسان حين يبدأ بالاحتجاج يصبح أكثر جمالا. يمكننا قول الشيء ذاته عن الكتابة، فالإنسان حين يكتب يصبح أكثر إنسانية ووضوحا، لأن الكتابة الجيدة أشبه بلعبة المرايا التي تتأرجح خلالها صورتنا بين التقعر والاحديداب، ثم تقودنا في نهاية المطاف إلى التصالح مع الذات.

***

حميد بن خيبش

تتجلى الليبرالية الجديدة في جوهرها كطورٍ متقدمٍ ومأزومٍ في آنٍ واحد من أطوار الرأسمالية العالمية، حيث تتجاوز كونها مجرد حزمة من السياسات الاقتصادية لتستحيل إلى منظومة فكرية شاملة تعيد صياغة الوجود الإنساني برُمّته، وتفكك الروابط التقليدية بين الفرد والمجتمع والدولة. وفي سياق الشرق الأوسط، لم تكن هذه التحولات نتاج تطور داخلي صرف، بل جاءت استجابة قسرية في كثير من الأحيان لضغوط بنيوية بدأت مع أزمات المديونية وصدمات النفط في سبعينيات القرن العشرين، مما أدى إلى تحويل الدولة من مشروع وطني تنموي إلى كيان هشّ يسهل اختراقه واستنزاف موارده. إن هذا التحول لا يقتصر على الأبعاد المالية الجافة، بل يمتد ليشمل محاربة أسس الدولة المدنية القائمة على المواطنة والمساواة، واستبدالها بنماذج من التشدد المنقّح أو الاعتدال المصنّع الذي يخدم استقرار السوق ومصالح القوى الكبرى، وهو ما يستدعي فحصاً دقيقاً للجذور البنيوية التي أدت لنشوء ما يعرف بالدولة الرخوة.

لم تنبثق هذه الدولة الرخوة في المنطقة من فراغ، بل كانت نتاجاً لسلسلة من الصدمات الاقتصادية التي بدأت معالمها تتشكل منذ عقود. فقد شكلت حرب عام ثلاثة وسبعين وتسعمائة وألف وصعود أسعار النفط نقطة التحول الأولى، حيث أدى تراكم الأموال النفطية في المصارف الغربية إلى تدفق القروض نحو دول العالم الثالث التي كانت تعاني من عجز مالي حاد. ومع حلول عام تسعة وسبعين وتسعمائة وألف، أدى التغيير السياسي الجذري في إيران إلى صدمة نفطية ثانية، تزامنت مع إجراءات نقدية صارمة في الولايات المتحدة لرفع معدلات الفائدة بشكل دراماتيكي لكبح التضخم، مما رفع تكلفة الديون على دول المنطقة إلى مستويات غير مسبوقة، وأوقع الدولة العربية في فخ المديونية المزمنة. هذا الفخ هو الذي منح المؤسسات المالية الدولية الضوء الأخضر لفرض ما يسمى ببرامج التكيف الهيكلي، وهي برامج استندت إلى توافقات دولية طالبت بتفكيك دور الدولة في الاقتصاد، وخصخصة القطاعات العامة، وإلغاء الدعم عن المواد الأساسية، مما أدى إلى تآكل العقد الاجتماعي الذي كان يربط الدولة بالطبقات الشعبية.

في هذا السياق، يمكن تعريف الدولة الرخوة بأنها تلك التي تتخلى طواعية أو قسراً عن مسؤولياتها التنموية والاجتماعية، وتكتفي بدور الحارس لمصالح القوى الاحتكارية المحلية ورأس المال العالمي. ومن المفارقات الصارخة أن هذه الدولة تظهر رخوة وهشة أمام الضغوط الخارجية وتدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود، لكنها تظل صلبة وعنيفة في قمع الاحتجاجات الشعبية الناتجة عن التهميش الاقتصادي. وتتعرض هذه الدول لممارسات استثمارية مفترسة تستغل عجزها عن سداد الديون، حيث تبرز كيانات مالية تُعرف بصناديق المضاربة الانتهازية التي تشتري ديون الدول المتعثرة بخصومات هائلة، ثم تقاضي هذه الدول في المحاكم الدولية للمطالبة بكامل القيمة الاسمية للديون مع الفوائد والجزاءات، مما يستنزف موارد التنمية الشحيحة ويشل عمليات الإغاثة المالية.

علاوة على ذلك، تبرز ممارسات الإقراض غير المسؤولة المرتبطة بمبادرات دولية كبرى، حيث يتم إغراق الدول الهشة بقروض لمشاريع بنية تحتية ضخمة لا تتناسب مع قدرتها على السداد، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى سيطرة المقرض على الأصول السيادية والمرافق الحيوية. إن هذه الآليات تعمل كقوة مضادة لبناء الدولة المدنية، فبينما تتطلب الدولة المدنية فضاءً عاماً حراً وعدالة اجتماعية ومواطنة متساوية، تقوم الليبرالية الجديدة بتقويض هذه الأسس لصالح منطق السوق والفردية المفرطة. وتستند هذه الفلسفة إلى إنكار وجود المجتمع ككيان عضوي، مما يعني غياب المسؤولية الجماعية عن الرفاه الإنساني، ويؤدي بالضرورة إلى تآكل القيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، حيث يتم تبرير التفاوت الصارخ بأنه نتيجة طبيعية للاستحقاق الفردي في حلبة المنافسة.

تشظي القوى الاجتماعية

إن هذا التشظي في القوى الاجتماعية أدى إلى استبدال السياسات الطبقية الجامعة بسياسات هوياتية أو فردية ضيقة، مما أضعف النقابات ومنظمات المجتمع المدني التي تشكل عماد الدولة المدنية. ومع سحب الدولة لخدماتها بذريعة الإصلاح الاقتصادي، انتشر الفقر وتصاعدت الاحتجاجات، وهي فراغات غالباً ما تملؤها الحركات الدينية نتيجة غياب البدائل المدنية المنظمة. وعلى عكس الادعاءات التي تروج بأن الحرية الاقتصادية تؤدي حتماً إلى الديمقراطية، أثبتت التجربة التاريخية في المنطقة أن الليبرالية الجديدة غالباً ما تتحالف مع الأنظمة المستبدة لضمان استقرار السوق، حيث أدت عمليات الخصخصة إلى إثراء نخبة صغيرة من رجال الأعمال المقربين من السلطة على حساب إفقار الملايين، وهو ما أنتج نموذجاً من الاستبداد المالي الذي يستخدم السياسات الاقتصادية لتقليم أظافر المعارضة والحد من المشاركة السياسية الحقيقية.

في موازاة هذه الهندسة الاقتصادية، تجري عملية هندسة جيوسياسية تحت مسمى التشدد المنقّح أو صناعة الاعتدال، وهي أداة لضبط المنطقة وتوجيه تدينها بما يتوافق مع المصالح الأمنية للقوى الكبرى. هذا النموذج ليس عودة للدين في شكله النقي، بل هو إعادة صياغة للخطاب الديني ليكون متوافقاً مع الفردية الرأسمالية والولاء السياسي المطلق. ويتم استخدام خطاب الاعتدال كقوة ناعمة وصلبة في آن واحد لتبييض السجلات الحقوقية وجذب الاستثمارات، بينما تستمر الممارسات القمعية في الداخل. وتتضمن هذه الهندسة ما يمكن تسميته بالخصخصة الروحية، عبر تشجيع نماذج من التدين الفردي التي تركز على الخلاص الروحي المنعزل بعيداً عن أي اشتباك مع قضايا العدالة الاجتماعية أو موازين القوة الاقتصادية، مما يجعلها نماذج آمنة لا تهدد بنية السوق أو الهيمنة السياسية.

التحليل الفلسفي للواقع الراهن

يربط التحليل الفلسفي للواقع الراهن بين الأزمات الأمنية العنيفة وتمرير الأجندات الاقتصادية القاسية، حيث تعتمد السياسات الدولية أحياناً على إحداث صدمة أمنية كبرى تضع الشعوب في حالة من الهلع، مما يشل قدرتها على مقاومة الصدمات الاقتصادية اللاحقة التي تتضمن سحق ما تبقى من شبكات الأمان الاجتماعي. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى مشاريع إعادة الإعمار الكبرى كفرصة لجني الأرباح قبل أن تجف دماء الضحايا، حيث تتنافس الشركات الدولية على مقاولات ضخمة في مناطق دمرتها الحروب التي غذتها السياسات الأمنية ذاتها. إن هذه السياسات أدت إلى ارتهان السيادة الوطنية للمديونية الخارجية، وأفقدت الدول القدرة على رسم استراتيجيات تنموية مستقلة تخدم مصالح شعوبها، وخلقت فجوة هائلة بين نخب معولمة مرتبطة بالاستثمار الأجنبي وأغلبية مهمشة تتحمل عبء التضخم والبطالة.

الفارق الوظيفي

إن الفارق الوظيفي بين الدولة التنموية المستقلة والدولة الرخوة التي أنتجتها الليبرالية الجديدة يكمن في الهدف والمحرك والعقد الاجتماعي؛ فبينما تسعى الدولة التنموية لتحقيق السيادة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية عبر الاستثمار في التصنيع والزراعة والبشر، تكتفي الدولة الرخوة بتسهيل تراكم رأس المال وحماية الملكية الخاصة عبر الاستثمار في العقارات والخدمات المالية والترفيهية. وإذا كان العقد الاجتماعي للدولة التنموية يقوم على الدعم والتعليم المجاني والتوظيف الكامل، فإن نموذج الليبرالية الجديدة يرتكز على الخصخصة والتقشف المالي، مما يحول السياسة الأمنية من حماية المشروع الوطني والحدود إلى حماية النخبة وقمع الاحتجاج الاجتماعي.

ونتيجة لفشل الدولة الرخوة في توفير الأمن الاقتصادي، يميل المهمشون نحو خطابات هوياتية أو دينية متطرفة كآلية للدفاع عن الذات، وهو ما تستغله الأنظمة لتبرير مزيد من القمع الأمني تحت لافتة محاربة الإرهاب. إن الخروج من هذا المأزق يتطلب رؤية جديدة تتجاوز أوهام الليبرالية الجديدة، وفي مقدمتها وهم كفاءة السوق الحرة المطلقة، ووهم الرشح الاقتصادي الذي يدعي أن ثراء الأغنياء سيفيد الفقراء بالضرورة. إن النهضة الحقيقية تتطلب شراكة جماعية تشمل الدولة المركزية القوية، والمجتمع المدني الفاعل، والقطاع الخاص الوطني، والمنظمات النقابية، بهدف توطين العلم والتكنولوجيا وبناء قدرات إنتاجية محلية بدلاً من الاعتماد على الاستيراد الاستهلاكي.

الدولة المدنية الحقيقية

تظل الدولة المدنية الحقيقية هي الضمان الوحيد لمواجهة التشدد المصنّع والاستبداد المالي، فهي الدولة التي تحترم التعددية، وتصون الكرامة الإنسانية، وتجعل من الاقتصاد وسيلة لرفاه الإنسان لا غاية في حد ذاته لخدمة رأس المال العابر للحدود. إن التحول من الدولة الرخوة المستلبة إلى الدولة القوية بشعبها ومؤسساتها هو التحدي الأبرز الذي يواجه منطقة الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين، وهو المسار الوحيد لاستعادة السيادة المفقودة وتحقيق العدالة الاجتماعية المنشودة بعيداً عن هيمنة النماذج الاقتصادية المفروضة من الخارج.

***

غالب المسعودي

من نحن.. ما اصعب هذا السؤال.. ليس لانه بلا جواب، بل لان كل جواب محتمل يحمل شيئا من الوهم وشيئا من الحقيقة. نحن لسنا تعريفا جاهزا، بل طبقات من الحكايات، وتراكم من الاختيارات التي لم نختر معظمها، ثم صدقناها واطلقنا عليها قدرا.

نحن ما بين ما ورثناه وما نستطيع ان نكونه، بين صوت الجماعة الذي يعلو فينا، وهمس الفرد الذي يكاد يختنق. نحن ذلك التوتر الخفي بين الرغبة في الانتماء والخوف من الذوبان، بين الحاجة الى اليقين وقلق السؤال.

ما اصعب ان نعرف من نكون، لان المعرفة هنا ليست كشفا بريئا، بل مواجهة الحقيقه أننا لسنا سؤالا عابرا يلقى في فراغ اللغة، بل نحن مرآة مشروخة تعكس تاريخا طويلا من التردد بين النور والظل؛ بين إرادة الحياة ووراثة الخوف.

نحن أبناء ذاكرة مثقلة، لم تتح لها فرصة أن تنسى ما ينبغي تجاوزه، ولا أن تتذكر ما يستحق. وفي هذا المناخ، نشأت ازدواجية قاتلة: وجوه تبتسم في العلن، وقلوب مأزومة في الخفاء

 الغالبية من شعوبنا، شعوب تعادي المختلف، شعوب تكره الفرح والسعادة والاحتفال، شعوب تخاف وتخشى أن تكون على طبيعتها الإنسانية؟. لماذا؟. لانها شعوب اعتادت على ثقافة الجمود والإنعزال والكراهية. لهذا استمرت كشعوب كسولة غير منجزة، لا تعمل ولا تبدع ولا تحترم الإنسان ولا القانون.

والحقيقه الواضحه في هذه المجتمعات انها مجتمعات متجمده ومتحجره ومتقولبه، والقيمه الأكثر انتشارا هي قيمة التشابه والتطابق بغض النظر عن حق الفرد في الاختيار والاختلاف والتفرد، لهذا تقوم بسحق وجوده لتحوله إلى جزء ملتصق بمنظومتها، ليصبح مجرد حاضنة مؤقتة لما يغرس فيه ويستهلك عمره وقودا للإبقاء على هذه الأفكار التي لم يختارها من الأساس.

مجتمعات غاب العقل فيها تحت ركام خطب الوعيد وكثرة الفتاوى وتقديس ما ليس بمقدس.. مجتمعات لديها إزدواجية أخلاقية سلوكية تحكمها فجوة رهيبة بين مظاهر السلوك وبين حقيقة السلوك.. مجتمعات الإنسان فيها مهدور الكرامة والحقوق ويعتنق ثقافه النفاق والتطبيل لأي سلطه.

مجتمعات مازالت تعتمد في منظومتها التعليميه على الحفظ والتلقين لم يتعلم الفرد داخلها معنى التحليل والنقد والشك حول ما يتلقاه من أفكار ومعتقدات، ولهذا استمر في التعاطي مع أزماته بالبحث عن الحلول في ماضيه وتراثه ومعتقداته وأساطيره وليس في اكتشاف حلول جديدة تلائم الواقع الراهن.

تخلف هذه البنية الذهنية هو نتاج تاريخي انحطاطي مرت عليه قرون طويلة من الانغلاق الثقافي وأعطيت فيه القداسة والتبجيل للنقل والتقليد على حساب العقل الذي تم تغييبه وتقييده ومحاربة ابداعه.. مجتمعات تطغي فبها الطائفية على الإنسانية، والكراهية علي التعايش والتكفير على الحوار والتعصب بدلا من التسامح.

مجتمعات تعمل على وأد السؤال وتضليل القارئ وتجهيل العقل الجمعي.. مجتمعات تزعجهم شعارات الحرية والحياة والتنوع، لأنهم اعتادوا على القمع والتبعية والوصاية على الإنسان.. مجتمعات ممتلئه بالوجوه الكالحة الفاسدة سياسيا واجتماعيا وب لحى منافقة دينيا وبمذهبية وقبلية طاغية وبوسائل اعلامية دنيئة ورخيصة، يمدحون ويطبلون لمن يدفع أكثر ومن يعتلي المناصب

مجتمعات لا يزال خطابها عاطفي ديني لا يحمل أي مقومات علمية أو فلسفية أو حداثية يواجه بها قوة الصناعة وتكنولوجيا العلم ومفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات والمساواة والتعددية، وعندما تتوحش ثقافة المنع والقمع والكبت في هذه المجتمعات، يتخلف المجتمع، وتتهاوى مؤشرات الاختلاف والتنوع وتقبل الآخر وتتلاشي قيم التسامح والتعايش، وتتراجع مؤشرات الفن والحياة والجمال.

لهذا ستبقى مجتمعاتنا العربية غير جاهزة للحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان والعلمانية، طالما تسيطر عليها مؤسسات دينية تخشى من الإنفتاح، وثقافة بدائية يدافع عنها الرعاع، وأنظمة استبدادية ليس لديها من مشروع، سوى مشروع بقاءها في السلطة السياسية

الحل في احترام حق الإنسان في الحياة والحرية والإعتقاد والعدالة، لم تعد اليوم امتيازات حقوقية مجردة يتمتع بها المواطن في وطنه. بل أصبحت، هي الطريقة الأخلاقية التي يتواصل من خلالها الأفراد، ويتفاعلون سياسيا واجتماعيا في الوطن، ليؤسسوا مع بعضهم البعض رؤيتهم للعيش المشترك والنظرة إلى الإنسان

ليست المأساة أن مجتمعاتنا أخطأت الطريق، بل أن الخطأ تحول إلى يقين، واليقين إلى هوية، والهوية إلى قيد يدافع عنه أصحابه وكأنه خلاصهم الوحيد. هنا تكمن المفارقة: أن يصبح السجن فكرة محببة، وأن ينظر إلى الحرية بوصفها تهديدا، لا أفقا

اعتقد ان الحل يبدأ عندما تحفظ الدوله حقوق كل الأديان والأفكار والمعتقدات دون تمييز أو إعلاء أو محاباه

احترام مبدأ الحوار والاعتراف بقيمه الآخر المختلف واحترام الحريات الفردية وعدم مراقبة حياة الآخرين

الاهتمام بملفات التعليم والصحه والتنميه وتحسين معيشه المواطن

ولنعلم ان نزع جذور التسلط والإكراه والوصاية في ثقافتنا وسلوكنا وأخلاقنا، هو المدخل لتأسيس بيئة حاضنة للعلمانية في مجتمعاتنا العربية بعد عقود طويلة عملت فيها الأنظمة والمؤسسات الدينية على زرع أفكار وقيم تعلي من شأن الطاعة والخضوع والخوف وتزدري قيم الفردية والمساواة والحريات

ويستعيد الإنسان فردانيته وانسانيته عندما يستعيد استقلاليته التي ذابت تلاشت مع الأوهام والقطيع والخرافات

علموا اولادكم ان الانسان لا يقاس بما يردده، بل بما يفهمه، ولا بما ينتمي اليه، بل بما يختاره بوعي ومسؤولية.

ان الحقيقة ليست ميراثا يسلم، بل رحلة تخاض، وان السؤال ليس خطرا، بل اول اشكال الحياة في العقل.

علموهم ان الاختلاف ليس تهديدا، بل اتساع في الوجود، وان الاخر ليس خصما بالضرورة، بل احتمال جديد لفهم العالم.

ان الحرية ليست ان يفعلوا ما يشاؤون، بل ان يعرفوا لماذا يفعلون، وان يتحملوا معنى ما يفعلون.

علموهم ان الشك ليس ضعفا في الايمان، بل نزاهة في التفكير، وان اليقين الذي لا يختبر يتحول الى سكون عقيم.

ان العقل لا يستعار، والضمير لا يفوض، وان اخطر ما يفقده الانسان ليس صوته، بل قدرته على ان يفكر.

حدثوا أولادكم عن جمال الحب والفن والرسم والموسيقى والفلسفه ...تحدثوا معهم عن قيم التسامح والعفو والمحبه

عن الصدق والعدل . وعن اهميه العمل والاجتهاد، وعن تقبل الاخر المختلف

حدثوهم عن جمال الحياه وعلمهم ان هناك أرض مشركه من الممكن أن تتسع للجميع

علموهم ان للحقيقه جوانب متعدده كل منا يحمل جانب منها لذلك لاوجود في الحياة للصح المطلق ولا للخطا المطلق

علموهم ان العقل والضمير هما جناحا النفس البشرية السوية يفقدهما الانسان حين تطغي المرجعية على التفكير وحين يترك لغيره تحديد ماهية الخير والشر

علموهم ان الانسان اكبر من اي فكرة تغلقه، واوسع من اي جماعة تعرفه، وانه لا يكون انسانا كاملا الا حين يحتفظ بحقه في ان يعيد النظر، وان يخطئ، وان يتغير.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

"القراءة الناضجة وأنماط القراء"

هناك إشكال يظل معلقاً في هواء كل نقاش ثقافي جاد، من قبيل الإشكالات التي لا نجرؤ دائماً على طرحها بصراحة: لماذا يقرأ اثنان النص ذاته، ويخرجان منه وكأنهما قرآ كونَين مختلفين؟ يقرأ أحدهما تاريخ الفتوحات الإسلامية فيرى ملحمةً من نور، ويقرأه الآخر فيرى مأساةً من دم، يقرأ أحدهما متناً في التجديد الديني فيشمّ فيه رائحة الإيمان المتجدد، ويقرأه الآخر فلا يرى غير الردة المقنّعة، ليس المشكل في النص، بل في الكائن الذي يحمله: القارئ.

هذا الكائن المُهمَل في كثير من دراسات الفكر الإسلامي المعاصر — ذلك القارئ الذي يقف عند عتبة النص حاملاً كل تاريخه وجروحه ويقيناته وهواجسه وشخصياته— هو محور هذه السطور، لأن الإشكالية الحقيقية في أزمتنا الثقافية والدينية ليست أزمة نصوص، بل أزمة قراء لم يُكوَّنوا بعد، ناهيك عن أن التجديد الحقيقي لن يأتي من فوق بقرار، بل سيُولد من أسفل، حيث يجلس إنسان أمام كتاب وهو مستعد فعلاً للقراءة لا للتأكيد.¹

1- في ماهية القراءة وأهدافها

حين عرّف أمبرتو إيكو القراءة بوصفها "تعاوناً نصياً" بين المؤلف والقارئ، لم يكن يتحدث عن نشاط ترفيهي بين دفتَي كتاب،² كان يتحدث عن فعل تأسيسي يعيد بناء المعنى في كل مرة يلتقي فيها عقل بنص، أي أن القراءة — في جوهرها — ليست استقبالاً سلبياً لمعلومات، بل هي ما أسماه بول ريكور "التملّك"، أي ذلك الفعل الذي يجعل الغريبَ مألوفاً والمألوفَ مساءَلاً.³

لكن أي قراءة نقصد حين نتحدث عن مواضيع بالغة الحساسية كالدين والتجديد والنقد والتاريخ والسياسة والجنس والآخر والمقدس؟ ثمة فارق جوهري بين ثلاثة أنواع من الأهداف التي يحملها القراء إلى هذه المواضيع:

أولاً: القراءة الوظيفية التي يمارسها من يقرأ ليستخرج حكماً يُفتي به، أو حجةً يُجادل بها، أو معلومةً يُكمل بها فراغاً، هذا القارئ يستخدم النص كأداة أو كمن يستخدم غوغل في البحث عن معلومة، وعلاقته بالنص علاقة استخراج لا تفاعل.

ثانياً: القراءة التأكيدية وهي الأكثر انتشاراً في مجتمعاتنا، يمارسها من يقرأ ليجد في النص ما يؤكد ما يعتقده مسبقاً. إنه يدخل النص بحكم جاهز ويخرج منه بنفس الحكم، متسلحاً بشعور الاطمئنان، هذه القراءة لا تُكوّن مثقفاً، بل تُحصّن جاهلاً وتجهز متطرفاً..

ثالثاً: القراءة البنّاءة وهي ما نقصده حين نتحدث عن القراءة الناضجة، قراءة تدخل النص بسؤال وتخرج بسؤال أعمق، قراءة تجعل القارئ بعدها مختلفاً عمّا كان قبلها. كما كتب المفكر مالك بن نبي: "الكتاب الحقيقي هو الذي يُغيّر شيئاً في موقفك من الوجود."⁴

والفارق بين هذه الأنواع الثلاثة ليس فارقاً في الذكاء، بل في التكوين — ذلك التكوين الذي تتشارك في بنائه الأسرة والمدرسة والمجتمع والتجربة الشخصية والإرادة الذاتية.

2- أنماط القراء

لعل خريطة أنماط القراء في مواضيع الدين والتجديد والنقد والتاريخ والسياسة والجنس والآخر والمقدس في مجالنا العربي والإسلامي المعاصر، تقودنا الى مشهد عظيم الفوضى وكثير التعقيد، لا يمكننا حصره في ثنائية المتدين والعلماني، أو المحافظ والحداثي، بل الأشكال والنماذج والأنماط متعددة بشكل تشابكي معقد.

أ‌. القارئ المريد: هو ذلك الذي يتعامل مع النص الديني أو التاريخي المقدّس لديه بوصفه خطاباً مطلقاً لا يقبل ولا يحتمل التساؤل، يقرأ السيرة ليُكرّر ما حفظه منها في اللقاءات والجلسات الوعظية، ويقرأ التاريخ ليُمجّد ما أُمر بتمجيده، هذا النمط لا يسمح للنص بأن يُزعزع أفقه المسبق5، وقد تحدث عنه في نظريته عن "أفق التوقع" روبرت ياوس، أي أن القارئ ليس صاحب النية السيئة، وإنما المحروم من الشجاعة التأويلية.

ب‌. القارئ البراغماتي: إنه النمط الأكثر خطورةً لأنه أكثر مراوغة، يتقن فن الاستشهاد الانتقائي، حيث يقطف الآية دون سياقها من قبيل "ويل للمصلين"، ويستحضر الحادثة التاريخية دون حيثياتها، ويقتبس فكرة لمفكر دون فلسفته. هذا النمط منتشر بشكل مثير في الخطاب الديني المتشدد كما في الخطاب العلماني الإيديولوجي على حدٍّ سواء — الإثنين يُعلنان احترام النص وهو في الحقيقة اختطاف واستثمار خارج النص.

ت‌. القارئ المستغرق : يضع كل نص في سياقه الزمني والاجتماعي، وهذه فضيلة حقيقية، غير أنه حين يستغرق في التاريخانية ينتهي إلى حصر النص في زمنه ويرفض أي إمكانية لتجاوزه، مما يُفضي أحياناً إلى نسبية مُفرِطة تجعل كل قيمة رهينة زمانها.⁶

ث‌. القارئ الناقد: نمط يمتلك القدرة على مساءلة النص دون رفضه، والاختلاف معه دون اتهامه، حيث يقرأ التاريخ الإسلامي فيرى الجليل والهشّ معاً، يقرأ التجديد فيُقيّمه بمعايير داخلية وخارجية في آن واحد، لكنه يعاني في واقعنا من وطأة الاتهام المسبق: فهو إما "عميل" أو "علماني" في نظر التقديسي، أو "رجعي" في نظر المتطرف العلماني.

ج‌. القارئ التنويري: هو النمط النادر والمطلوب في ذات الوقت: يقرأ النص الديني والتاريخي بحثاً عن الروح لا القشر، عن المبدأ لا الشكل، عن القيمة الإنسانية الكبرى المختبئة تحت طبقات التفسير والتأويل المتراكمة عبر الأزمنة، هذا هو القارئ الذي بحث عنه إقبال حين كتب تجديد الفكر الديني في الإسلام، والذي قاربه الغرباوي حين طالب بـ"نقد العقل التراثي" والكثير من المفكرين المجددين.⁷

بين هذه الأنماط الخمسة يتوزع معظم قرّاء الفكر الديني والتاريخي في عالمنا، وكثيراً ما يحمل القارئ الواحد خليطاً من أكثر من نمط حسب اللحظة والموضوع والمزاج !!

3- سياجات غير مرئية

لعل أخطر ما يُعيق نضوج القراءة ليس شح الكتب، بل وفرتها المشوّهة في زمن صار فيه الجميع يكتب وقلّ من يقرأ صدقاً وعدلاً، بل ارتفعت سياجات حقيقية أعمق من هذا الواقع المضطرب بمعوقات متعددة منها:

1.  كتب بيار بورديو في التمييز أن كل تلقٍّ ثقافي مشروط بـ"الهابيتوس"، أي تلك المنظومة من المواقف والتوجهات المكتسبة التي تُنظّم ما يُدرَك وما يُهمَل.⁸ أي أن القارئ الذي نشأ في بيئة دينية مغلقة يحمل مصفاة إدراكية ركبت له قبل أن يُولد وعيه، وتقول له ضمنياً: هذا النص مقدّس فلا تُسائله، وذاك المفكر منحرف فلا تقرأه، بالمختصر إنها الأيديولوجيا اللامرئية أو المضمرة !!

2. العديد من القرّاء يُتقنون الحرف لكنهم يفتقرون إلى فن التأويل، أي المقدرة على قراءة النص في ضوء سياقه وقرائنه وتاريخ تلقيه، كمن يقرأ الآية دون أن يملك مفاتيح الناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، ومراتب الأحاديث، ومناهج التفسير، فينتج فهماً مشوهاً يُشبه صورةً التُقطت بعدسة مكسورة9، أي أنيميا التأويل..

3. نعيش في التصفح السريع بل هناك دعوات للقراءة السريعة حيث تصنع أدمغتنا على الإشباع الفوري، على التغريدة والمقطع والبوست والمقتطف، بينما الكتاب الفكري الجاد يطلب عكس ذلك تماماً: تركيزاً معمقاً، التعود على كشف الغموض، استعداداً لتعليق الحكم. بينما تشظّي الانتباه الرقمي كمعيق عصري ذو طابع حضاري مثل عالم تيك توك يُنتج قرّاء من نوع خاص: سريعو التلقي، قاصرون عن التأمل العميق.¹⁰

4. غالبا ينظر للتدين الشعبي كظاهرة إنسانية جميلة في بُعدها العاطفي والروحي، لكنه حين يتحول إلى جدار صد وسياج يمنع مساءلة التاريخ أو نقد الموروث الفقهي، يصبح حائلاً دون القراءة الناضجة، وهذا ما كتب عنه المفكر عبد الله العروي تحت عنوان "العقلية السلفية" التي تقرأ الماضي بعيون الحاضر وتقرأ الحاضر بعيون الماضي¹¹، أي التديّن الشعبي كحاجب معرفي ..

4- كيف تُبنى القراءة الحية؟

القراءة الناضجة ليست موهبةً نُولد بها، بل هي تربيةٌ تُكتسب، وتدريب يصقل الذات، وكما أن الأوركسترا تحتاج إلى عازف مُدرَّب لا مجرد شخص يحمل آلة موسيقية، فإن القراءة الناضجة تستلزم تكوّن شروط معينة:

أ‌. الكفاءة اللغوية والتاريخية: القارئ الذي يجهل أن كلمة "الجهاد" في القرن السابع الميلادي لم تكن تحمل بالضرورة الدلالات ذاتها التي اكتسبتها في القرن الحادي والعشرين، يقع أسيراً للغة دون أن يعرف، كون القراءة النصية المجرّدة من السياق التاريخي مثل قراءة خريطة مقلوبة — يمكن أن تُوصلك إلى نتيجة، لكنها نتيجة كارثية، فالكفاءة شرط لا تفاوض فيه.

ب‌. القراءة الإستشكالية: مركز ثقل في معادلة فهم النص واستيعابه والإستشكال آلية محورية في مشوار القراءة، فالنص التراثي لا يُقرأ إلا بسؤال — سؤال يأتي من داخل التراث ذاته ومن خارجه في آن معاً.¹² كما عبر الدكتور طه عبد الرحمن في تجديد المنهج في تقويم التراث، بل أكثر من ذلك القارئ الناضج لا يسأل فقط "ماذا يقول هذا النص؟" بل يسأل: "لماذا قِيل هذا النص الآن؟ ومن يخدم؟ وما الذي يُسكته؟ وما الذي يفتحه؟"

ت‌. التناصّ intertextualité: والذي يعني مهارة قراءة نص في ضوء نصوص أخرى، على سبيل المثال لا يمكننا قراءة مفهوم "الشورى" في القرآن بمعزل عن تاريخ تطبيقه في الفقه السياسي الإسلامي، ولا بمعزل عن النقاشات المعاصرة حول الديمقراطية التشاركية، القارئ الذي يعزل النص يُنتج فهماً مشوها ناقصا مبتوراً.

ث‌. جورج ستاينر في الحضور الحقيقي أو الفعلي يقول: إن النص الكبير — الديني منه والأدبي — يتطلب من القارئ نوعاً من الانفتاح الوجودي، نوعاً من القبول المؤقت بأن تدعك هذه الكلمات تُحرّك شيئاً فيك قبل أن تسأل.¹³ أي هناك تناغم أو شكل من الشرطية بين المقاربة الوجدانية الواعية مع الروح النقدية..

ج‌. إدغار موران في تربية المستقبل يُلحّ على ضرورة تعليم "المعرفة المركّبة" التي تقبل التناقض وتُدرب على التفكير في الأنظمة لا في الأجزاء المعزولة.¹⁴ وهنا يتبلور فهم معقد لدور المؤسسة التعليمية لا يمكن إغفاله، حيث مناهجنا الدراسية تُنتج في معظمها قرّاء يُحسنون الحفظ لا القراءة، يُجيدون الإجابة لا التساؤل.

5- من الورقة إلى الواقع

ما أسماه غرامشي "المثقف العضوي"، ذلك الإنسان الذي لا يُنتج الأفكار في برج عاجي، بل تتشابك أفكاره مع الحياة المعاشة للناس من حوله.¹⁵ والمثقف العضوي في سياقنا الإسلامي المعاصر هو من يقرأ التراث بعيون حاضرة، ويقرأ الحاضر بجذور تراثية، دون أن يستعبده أي منهما.

التاريخ يُقدّم لنا نماذج فذّة لهذا النوع من القرّاء الذين أصبحوا مثقفين مسؤولين، على سبيل المثال لا الحصر ابن رشد الذي قرأ أرسطو وأعاد تشكيله من داخل الأسئلة الإسلامية الكبرى، فأنتج إبداعاً فلسفياً لا مجرد ترجمة، الأفغاني الذي قرأ الحداثة الغربية دون أن يستغرق في خصوصياتها ويفقد هويته، فطرح مشروع النهضة من داخل الإيمان لا رغماً عنه، ثم هناك إقبال الذي قرأ نيتشه وبرغسون وهيغل وخرج منهم بفلسفة إسلامية جديدة للذات والحضارة¹⁶، ومالك بن نبي الذي قرأ التاريخ الإسلامي فاكتشف ظاهرة "القابلية للاستعمار" — تلك القراءة التي غيّرت وعي جيل كامل.¹⁷

هؤلاء لم يكونوا مجرد قرّاء نهمين، بل كانوا قرّاء مسؤولين: يعرفون أن ما يقرأونه يُشكّل أمة، وأن الخطأ في القراءة يُكلّف ثمناً حضارياً كبيرا، لأن القراءة في نهاية المطاف ليست غايةً في ذاتها، إنها مشروع تكوين إنساني وحضاري، والقارئ الناضج حين يستكمل نضجه، ينتقل من الورقة إلى الواقع — يصبح ما قرأه جزءاً من بنيته الأخلاقية والعقلية والروحية، لا مجرد معلومات مُختزنة في ذاكرته.

هنا تتجلى العلاقة العضوية بين القارئ الناضج والمثقف المسؤول: الثاني لا يُولد إلا من رحم الأول، لا يمكن لمجتمع أن يُنتج مثقفين مسؤولين ما لم يُربِّ قراءً ناضجين، والقارئ الناضج — في مواضيع الدين والتجديد والنقد والتاريخ تحديداً — هو من يفهم أن هذه المواضيع ليست ملكاً لأحد: لا للسلطة الدينية التي تحرسها، ولا للعلمانية التي تُريد طيّها، بل هي تراث إنساني حي يستحق أن يُقرأ بكامل الجدية والتواضع والشجاعة والجسارة والجدارة..

فإدوارد سعيد في المثقف والسلطة ينبهنا بأن المثقف الحقيقي هو من يرفض "التسويات المريحة"، من يُصرّ على قول ما يراه حتى حين يُكلّفه ذلك عزلةً أو اتهاماً.¹⁸ وهذا لا يتأتى إلا لمن قرأ جيداً — قرأ بما يكفي لأن يعرف ما يعرف، وما لا يعرف.

حين تُصبح القراءة فعل مقاومة

في زمن التفاهة والمعلوماتية حيث تبرمج عقولنا وفق ما نقرأ وما لا نقرأ، وتُحيط بنا خوارزميات الإحباط والتبعية والنكوص بحيث تعكس لنا ما ألفناه فتُضخّمه حتى يبدو حقيقةً كونية، في ظل هذه الفوضى العارمة، تُصبح القراءة النقدية الناضجة فعلَ مقاومة، مقاومةً لصناعة الجهل المُنظَّم التي وصفها علم اجتماع المعرفة الحديث بـ"الأغنولوجيا"، أي ذلك الحقل الذي يُحلّل كيف تُصنَع الجهالة وتُسوَّق وتُستثمر، ومقاومةً للتهييج الهوياتي على حساب الحقيقة، مما يجعل من كل قراءة دينية أو تاريخية اختبارَ ولاء لا بحثاً عن حق.

القارئ الناضج الذي نتحدث عنه ليس نموذجاً مثالياً معلّقاً في فراغ، بل هو إنسان حقيقي يُكابد تحيزاته ويقاوم يقينياته ويُطلق الأسئلة في مواجهة الإجابات الجاهزة، إنه من يفهم أن قراءة التاريخ الإسلامي بعيون نقدية ليست خيانةً للهوية، بل هي الطريق الوحيد للحفاظ عليها حيّة، وأن قراءة الفكر الديني بعيون تجديدية ليست تفريطاً في الإيمان، بل هي امتداد لروح الاجتهاد التي صنعت حضارة باسم الإسلام في يوم ما.. وربما تكون الجملة الأصدق في وصف ما تفعله القراءة الناضجة هي: أنها لا تُعطيك إجابات، بل تُعلّمك كيف تحيا مع أسئلتك دون أن تستحمر أو تستدمر.. !!

مع تمنياتي للجميع قراءة ناضجة طيبة..

***

ا. مراد غريبي

.......................

الهوامش

¹ جابر عصفور، هوامش على دفتر الثقافة (القاهرة: دار الشروق، 2011)، ص 47-63.

² Umberto Eco, Lector in fabula: La coopération interprétative dans les textes narratifs (Paris: Grasset, 1985), p 63

³ Paul Ricœur, Temps et récit, vol. III (Paris: Seuil, 1985), p. 229

⁴ مالك بن نبي، شروط النهضة، ترجمة: عبد الصبور شاهين (دمشق: دار الفكر، 1987)، ص 112.

Hans Robert Jauss, Pour une esthétique de la réception (Paris: Gallimard, 1978), p. 49.

⁶ محمد أركون، الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد، ترجمة: هاشم صالح (بيروت: دار الساقي، 1990)، ص 92.

⁷ محمد أركون، نحو تاريخ مقارن للأديان الإبراهيمية (بيروت: دار الطليعة، 1993)، ص 34.

Pierre Bourdieu, La Distinction: Critique sociale du jugement (Paris: Minuit, 1979), p. 190.

⁹ نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن (بيروت: المركز الثقافي العربي، 1990)، ص 41.

¹⁰ نيكولاس كار، ترجمة وفاء يوسف عن دار صفحة سبعة، عام 2021 ص171.

¹¹ عبد الله العروي، مفهوم الإيديولوجيا (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1993)، ص 78.

¹² طه عبد الرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1994)، ص 62.

¹³ George Steiner, Réelles présences : Les arts du sens (Paris: Gallimard, 1991), p. 143.

¹⁴ Edgar Morin, Les Sept Savoirs nécessaires à l'éducation du futur (Paris: Seuil, 2000), p. 47.

¹⁵ Antonio Gramsci, Cahiers de prison, vol. III (Paris: Gallimard, 1978), p. 313.

¹⁶ علي عزت بيغوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ترجمة: محمد يوسف عدس (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1993)، ص 201.

¹⁷ مالك بن نبي، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي (الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1980)، ص 97.

¹⁸ إدوارد سعيد، المثقف والسلطة، رؤية للنشر والتوزيع 2005، ص 33

¹⁹ Robert Proctor, « Agnotologie, aux racines de l'ignorance », Le Monde diplomatique, septembre 2021.

ثمة ضرورات معرفية واجتماعية عديدة، تتعلق ببذل الجهد العلمي والمعرفي في عملية تأصيل القيم والمفاهيم، التي تساهم في إدارة حالة التنوع والتعدد في المجتمعات الإنسانية. لأنه لا يمكن دفع المجموعات البشرية المتنافسة أو المتصارعة نحو خيار آخر مختلف، إلا بإقناعهم ثقافيا ومعرفيا بالخيار المختلف، بحيث لا تشعر المجموعات البشرية أن خضوعها أو التزامها بهذا الخيار الجديد يشكل عبئا اجتماعيا ونفسيا عليها. لذلك تنبع الحاجة باستمرار لتأصيل المفاهيم التي تتعلق بطبيعة العلاقة بين المجموعات البشرية التي تعيش في إطار وطني واحد.

ولعل من أهم هذه المفاهيم، التي تحتاج إلى تأصيل وتظهير معالمها ف التجربة الإسلامية التاريخية الخالدة، هو مفهوم التعايش السلمي.

حيث ينطلق أو يتأسس هذا المفهوم من عدة مقدمات نظرية أساسية يمكن بيانها من خلال النقاط التالية:

 1 أن جميع المجتمعات الإنسانية تعيش حالة التعدد والتنوع الأفقي والعمودي. وإن حالة التنوع تخلق حالة من التنافس في أحسن الحالات أو حالة من الصراع المفتوح بين هذه المجموعات البشرية، ولا ريب أن خضوع حالة التنوع إلى مقتضيات الصراع يعني المزيد من الفوضى وعدم القدرة أي مجتمع على صيانة وحدته واستقراره الداخلي.

ولكن مفهوم التعايش يسمح لكل المجموعات البشرية أن تتنافس بعضها إلا أنها جميعا محكومة بصيانة وحدتها الوطنية والاجتماعية من خلال منظومة قيم التعايس السلمي.

2. إن التعايش بين الأطراف والأطياف ليس حالة سلبية، وإنما هو نزعة وحالة إيجابية، تعمل على تظهير المساحات المشتركة والعمل على تفعيلها في الفضائيين الاجتماعي والثقافي.

فالتعايش لا يساوي التساكن، وإنما الانفتاح والتفاعل في صناعة المستقبل والمصير المشترك.

3 إن قيمة التعايش قيمة مضادة لحسم التنافسات والتباينات بين المجموعات البشرية قيمة التعايش قيمة مضادة لحسم التنافسات أو التباينات بي المجموعات البشرية بوسائل قسرية وعنفية .وعليه فإن قيمة التعايش تساهم في إبراز البعد المدني من الصراعات والتنافسات الاجتماعية والسياسية. فمن حق الجميع أن يختلف مع الجميع، ولكن هذا الاختلاف يدار بوسائل سلمية حضارية، وأية محاولة لحسم الاختلافات والتباينات بوسائل عنفية هي حالة مضادة لقيمة التعايش السلمي في المجتمع والوطن الواحد.

انطلاقا من هذه المقدمات النظرية يمكننا أن نقترب من التجربة النبوية فيما يتعلق وتعزيز قيمة التعايش السلمي في ظل مجتمع جديد، وجاء أفراده من بيئات متعددة ويحملون قيما اجتماعية وأعرافا، ليست بالضرورة متناغمة مع بعضها البعض..

فالتجربة النبوية تعلمنا أن قيمة التعايش السلمي لا تبنى إلا باحترام المختلف والمتنوع وصياغة نظام سياسي واجتماعي قادر على استيعاب الجميع بدون نزعات الغلبة والمغالبة.

وحركة الأنبياء ورسالاتهم السماوية، هي مصداق خارجي إلى تلك القيم والأفكار الحية، التي جاءت لنقل الناس من الظلمات إلى النور، ومواجهة كل تلك الأفكار والتوجهات، التي تلغي دور الإنسان في الحياة، وتميت دوره ووظيفته في الحياة.

فالتجربة النبوية بكل مراحلها وأطوارها هي تعمل في آن واحد من أجل:

1 استنبات وغرس قيم الخير والصلاح في نفوس الناس وعقولهم وفي الفضاء الاجتماعي، بحيث تكون حركة الإنسان فردا وجماعة متسقة ومعنى الخيرية والصلاح والعبادة بالمعنى العام قال الله تعالى "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين"

2. طرد ومقاومة كل الأفكار التي تجمد الإنسان وتجعله أسير التقاليد البالية أو تدفعه إلى ممارسة العنف والقتل. فالأنبياء جميعا جاءوا من أجل تهذيب النفس والعقل، وإخراج الإنسان من ربقة الأفكار الميتة والأفكار القاتلة.

وحينما يتحرر الإنسان من هذه الأفكار ويجسد كل مستلزمات الأفكار الحية، فإنه يتحول إلى طاقة إيجابية خلاقة، تتجه باستمرار صوب البناء والعمران.

3. صياغة نظام حياة ومصالح ترعى خصوصيات الأفراد والجماعات الفرعية، دون أن يتغافل عن مقتضيات الجماعة ونظام مصالحها.

ولعل نظام العيش الواحد أو المشترك هو الأقدر في ظل التنوع والتعدد الذي تعيشه المجتمعات الإنسانية لضمان مصالح الجميع بدون افتئات أي طرف على الآخر.

وهذا النظام لا يساوي المساكنة السلمية بين المختلفين والمتنوعين، وإنما يعني العمل الجمعي باتجاه بناء نظام مصالح يضمن حقوق الجميع دون إلغاء أو محارية عناوينهم الخاصة.

فالتنوع الاجتماعي ليس عيبا يجب إخفاؤه، وإنما هو جزء من الناموس والطبيعة البشرية، وأي جهد فردي أو جماعي لإلغاء أو محاربة هذه الحقيقة أو الناموس، فإن مآل كل هذه الجهود الفشل والإخفاق. لأن حقائق المجتمع بطبعها حقائق عنيدة وضاربة بجذورها في عمق التاريخ والاجتماع، ومحاولات الاستئصال والإلغاء، تزيد هذه الحقائق رسوخا ف الوجود الاجتماعي.

والكثير من الحروب الدينية والمذهبية والقومية في العديد من الدول والبلدان، يعود إلى طبيعة الخيارات السياسية المستخدمة التي تلجأ إلى القوة والقهر لدحر هذه الحقائق المجتمعية لصالح حقيقة واحدة، أو نسق أيدلوجي واحد، وأصحاب هذه الحقائق مهما كانت الضغوطات التي تواجههم، فإنهم سيتشبثون بخصوصياتهم وعناوينهم وحقائقهم الذاتية. فالعجز عن إقامة نظام سياسي واجتماعي وثقافي يستوعب جميع هذه الحقائق والخصوصيات، هو أحد الأسباب العميقة التي تنتج ظاهرة الحروب الدينية والمذهبية والقومية.

ولامناص إذا أرادت مجتمعاتنا الخروج من نفق الحروب والتوترات والأزمات الطائفية والمذهبية، إلا الاعتراف بهذه الحقائق، وبناء نظام مصالح مشترك، يستوعب هذه الحقائق ويحميها من كل المخاطر والتعديات، والتجربة النبوية في المدينة المنورة، تعلمنا هذه الحقيقة، فالرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لم يلغ حقائق المجتمع، ولم يعمل من أجل دحر خصوصيات فئات ومكونات المجتمع، وإنا عمل على بناء نظام سياسي وإداري وقانوني متكامل يضمن خصوصيات الجميع ويزيل كل عناصر الجفاء والتوتر بينها، ويعمل على بناء متحد اجتماعي مستند إلى احترام التنوع في سبيل بناء وحدة صلبة. ومدونة المدينة المسماة ب (صحيفة المدينة) هي الوثيقة النبوية التي تؤكد هذا الخيار وتشرعه.

وتعتبر أن الوحدات الاجتماعية، لا تبنى بمخالفة ومعاندة حقائق التنوع، بل باحترامها وتقديرها وحمايتها قانونيا وسياسيا.

***

أ. محمد محفوظ

الزمكان غير مُحدَّد مما يفسِّر نسبيته وتغيّره. من الممكن التعبير عن لا مُحدَّدية الزمكان على النحو التالي: الزمكان × صفر = بنية الكون × صفر. فبما أنَّ الزمكان × صفر = بنية الكون × صفر، إذن الزمكان = (بنية الكون × صفر)  ÷   صفر. وبذلك الزمكان = صفر ÷  صفر. لكن الصفر مقسوم على صفر نتيجته غير مُحدَّدة. من هنا، الزمكان غير مُحدَّد. هكذا ينجح قانون الزمكان السابق في التعبير عن لا مُحدَّدية الزمكان.

بما أنَّ، بالنسبة إلى هذا القانون، الزمكان غير مُحدَّد، إذن من المتوقع أن يكون الزمكان نسبياً من جراء لا مُحدَّديته فيختلف باختلاف الموجودات (فالزمكان الذي على يميني قد يكون على يسار شخص آخر). من هنا، ينجح قانون الزمكان السابق في تفسير لماذا الزمكان نسبي. وبفضل هذا النجاح يكتسب قانون لا مُحدَّدية الزمكان صدقه. وبما أنَّ الزمكان غير مُحدَّد، إذن من المتوقع أيضاً أن يتغيّر زمكان أيّ موجود وذلك من جراء لا مُحدَّدية الزمكان مما يفسِّر نشوء الحركة بفضل تغيّر الزمكانات. فإن كان الزمكان مُحدَّداً، فحينها لن يتغيّر. بذلك لا مُحدَّدية الزمكان تفسِّر تغيّر الزمكان. هكذا ينجح القانون السابق في تفسير تغيّر الزمكان (كتغيّر زمكان الكواكب من زمكان إلى آخر المُلاحَظ بحركتها). وعلى ضوء هذا النجاح يكتسب قانون الزمكان السابق مصداقيته.

كما يتصف الزمكان بالتغيّر بمعنى آخر. فبما أنَّ الزمكان غير مُحدَّد، إذن من المتوقع أيضاً أن تتغيّر هندسة الزمكان من جراء لا مُحدَّديته فيتخذ بذلك هندسات متعدّدة ومختلفة مؤدية إلى نشوء طاقات وجُسيمات ما دون ذرية متنوّعة (كنشوء الجاذبية من جراء انحناء الزمكان أي من جراء هندسة الزمكان بشكل منحن ٍ كما يؤكِّد أينشتاين). هكذا ينجح قانون الزمكان السابق (الذي يتضمن أنَّ الزمكان غير مُحدَّد) في تفسير تغيّر هندسة الزمكان. وفي هذا النجاح دلالة على صدقه.

قانون الزمكان السابق قانون علمي لأنه قابل للاختبار. فبما أنَّ، بالنسبة إليه، الزمكان غير مُحدَّد، إذن من المستحيل تحديد الزمكان بِدقة ويقين. من هنا، إذا تمكّنا من تحديد الزمكان بِدقة ويقين، فحينئذٍ القانون السابق كاذب. على هذا الأساس، من الممكن اختبار قانون الزمكان السابق مما يجعله قانوناً علمياً.

بالإضافة إلى ذلك، بما أنَّ الزمكان × صفر = بنية الكون × صفر، وعلماً بأنَّ بنية الكون متكوِّنة من طاقات وكُتَل، إذن الزمكان × صفر = (الطاقة  × الكتلة) × صفر. وبذلك الزمكان = الطاقة × الكتلة ( وذلك من خلال اختزال الصفريْن في المعادلة السابقة). وبما أنَّ الزمكان = الطاقة × الكتلة، إذن كلّ زمكان وإن كان فارغاً يحتوي على طاقات وكُتَل مما يفسِّر نشوء الجُسيمات الافتراضية (الحائزة على طاقات وكُتَل) في الزمكانات الفارغة. وفي هذه القدرة التفسيرية الناجحة دليل آخر على صدق قانون الزمكان السابق.

كما بما أنَّ الزمكان = الطاقة × الكتلة، إذن مع تغيّر هندسة الزمكان تتغيّر الطاقة والكتلة فتنشأ طاقات وكُتَل متنوّعة مما يفسِّر وجود طاقات وكُتَل مختلفة (كطاقة الجاذبية المختلفة عن الطاقة النووية). هكذا ينجح هذا القانون أيضاً في تفسير تنوّع الطاقات والكُتَل واختلافها. من المنطلق نفسه، بما أنَّ الزمكان = الطاقة × الكتلة، إذن مع اختلاف هندسة الزمكان تختلف الطاقات والكُتَل مما يتضمن إمكانية نشوء أكوان مختلفة باختلاف طاقاتها وكُتَلها. هكذا ينجح القانون السابق أيضاً في التعبير عن إمكانية نشوء أكوان متعدّدة ومختلفة.

من جهة أخرى، بما أنَّ الزمكان × صفر = بنية الكون × صفر، إذن الزمكان يتضمن بنية الكون. وبذلك ينشأ الكون من الزمكان. هكذا ينجح القانون السابق أيضاً في تفسير نشوء الكون.

***

حسن عجمي

تأمُّلات في زمن ما بعد الإنسان

تمهيد: هل يعيش الإنسان زمن انقراضه؟ وهل بدأ العد العكسي لتراجع الإنسان عن مركزه الإنساني لصالح النظم الخواريزمية[1]؟ وهل انتهت صلاحية الإنسان وابتدأت ثورة النظم المعلوماتية؟ وهل وقَّع الإنسان صكَّ انقراضه حين ارْتَكَن إلى الراحة والهدوء والدّعة، وسكت عن السؤال وأغلق عنه باب المغامر؟

يُحيلنا هذا الطّرح التراجيدي إلى تحذيرات (فريدريش نيتشه) في كتابه «هكذا تكلم زرادشت» حول "الإنسان الأخير" كمفهوم فلسفي للإنسان الساكن، الرّاضي بوضع الـقطيع، بلا طموح، يسعى فقط للراحة، الأمن، والملذات الصغيرة، ورؤى (هايدجر) حول التقنية التي تحول الإنسان إلى "مخزون احتياطي". فهل أخطأ الإنسان حين سلّم المشعل للنّظم المعلوماتية تقوده مُتَحكِّمةً في عالمه؟ وهل أخطا حساباته وتقديراته واتجاهاته حين ألغت النظم المعلوماتية معناه وغاياته ومسافاته وآماله وتأمّلاته وأخرجته من السياق وحكمت عليه بعدم الصلاحية، فارتاح واطمأنّ على بذرته التي زرعها فيها وأصبح قاب قوسين أو أدنى من التجاوز والاندثار؟

انقراض الإنسان مقاربة تراجيدية ليست موتاً فعلياً، بل عبور نحو ما بعد الإنسانية. فالعالم اليوم تحكمه النّظم الذّكية التي صمّمها الإنسان نفسه ليتنازل لها، بعد ذلك طواعية، عن مكانته ومركزيته ويصبح خادما لها.

مقدمة..

«ما بعد الإنسان» سؤال يضرب عميقا في وجود الإنسان ومركزيته، وفي «النُّظُم المعلوماتية» كواقع يفرض نفسه بقوة، ويعتبر أحد المواضيع إثارة للقلق والدهشة في آن واحد، فهو يطرح تساؤلاً جوهريا تتفرّع عنه أسئلة مقلقة: هل الإنسان بصدد تطوير أدوات وجوده ومعناه، أم بصدد فقدان ماهيته، وتوقيع صكّ انقراضه لصالح النظم المعلوماتية؟

لطالما كان الإنسان هو المركز الذي يدور حوله الكون، والعقل الذي يطوِّع المادة لتخدُم إرادته، غير أننا الآن نقف على أعتاب عصرٍ لم تعد فيه التكنولوجيا مجرد أداة خارجية، بل بدأت تتوغّل في نسيجه البيولوجي وهويته المعرفية. إن "ما بعد الإنسان" ليس مجرد مصطلح تقني، أو تجاوز للقيود البيولوجية الطبيعية، أو تطوير القدرات الجسدية والفكرية ودمج الآلة بالجسد في إطار ما يسمى بالسبيرانية لزيادة كفاءة الذاكرة والحواس والسعي نحو الخلود، أو تأخير الشيخوخة، بل هو صرخة ميلاد لكائن جديد يتشكل في رحم النظم المعلوماتية؛ حيث تتلاشى الحدود الفاصلة بين الانسان كنبض للحياة ومركز لها والنظم المعلوماتية كهياكل منطقية لإدارة البيانات. فهل سنظل في نهاية المطاف "بشراً" كما عهدنا أنفسنا، أم أننا نتحول إلى نسخة مطورة تتجاوز قيود الجسد والزمان؟

ما بعد الإنسان..

هذه ليست نبوءة ولا محض خيال علمي جامح، لكنه، وبحياد تام، تفكير لسيناريو قد يبدو دراميا، ووقفةٌ للتّأمل فيما وصل إليه الإنسان، وفتح نقاش هادئ ورصين عن زمن فقد فيه الإنسان مركزيته لصالح النّظم المعلوماتية، كما فقد إنسانيته ومعناه الحقيقي في الوجود.

هل يعيش الإنسان زمن انقراضه؟ والانقراض هنا لا نعني به المحو والفناء والزوال، بل نقصد به التّخلّي عن مركزيته وفشله في تسيير دواليب الحياة وخلافته في الأرض وإعمارها. وهل بدأ العدّ العكسي لتراجع الإنسان عن غاياته وصلاحياته الإنسانية والوجودية لصالح نُظم لا تعترف بما يؤسّس وجود الإنسان من أخلاق وقيم وعدالة وكرامة وحرية؟ وهل «نهاية الإنسان هي المعرفة؟»[2]، «نعم، لإنه لا يستطيع أن يعرف ما إذا كانت المعرفة ستُنقذه أم أنها ستقتله. سيُقتل، نعم، لكنه لا يستطيع أن يعرف ما إذا كان قُتل بسبب المعرفة التي اكتسبها أم بسبب المعرفة التي لم يكتسبها والتي كانت لتُنقذه لو أنّه عرفها»[3].

لقد استفادة الآلة من معارف الإنسان وحسّنت أدائها، واتّسع نطاق اشتغالها وتحكُّمها في مجرى حياته من مولده إلى مماته، وبرضاه حين أقصى نفسه وركن إلى الظل يستريح بعيدا عن القلق الفكري وعن السؤال، ولم يعد يُقلقه تراجعه عن مركزيته، ولا الضّريبة الباهظة التي يؤدّي ثمنها من وجوده الإنساني والروحي، وحين لم يعد يُلقي بالاً للقيم ولا لتشْييء الإنسان وتسليعه، كلّ شيء يمضي سلساً إلى نهايته وحتفه من دون الشعور بالذّنب أو ضياع الاستقرار النّفسي.

الصلاحية للإنسان أم للنّظم الذكية؟..

لقد سمّى الإنسان الأشياء بمسمّياتها وأغلق الكتاب وغادر مركزه في الدّائرة، وأتلف خريطة وجهاته، وأَبْدَلَ الفعل بالتّفرج والانتظار، ووقف ذليلا يستجدي معارفه وسيْر حياته بكل تفاصيلها ممّنْ وقّع لهم صك انسحابه وأصبح حلاًّ مؤقتا في حين استمرت النظم بذكائها تؤسِّس لوجودها القوي، لأن سنة الحياة أن تُجدّد خلاياها وتتخلّى عن التي ماتت أو أصابها الدمار، وتبحث عن البدائل التي يقود بها العالم الجديد.

أعطى الإنسان، في إطار التسابق الحضاري، كل شيء، وبنفس السرعة التي أعطى بها فقَدَ كل شيء حين زرع روحه في بديلٍ لا يعترف بما يقيم أوْدَ إنسانيته فحكم على سلالته بالتيه والضياع، وجلس في الهامش أسفل الحياة كتوقيع باهت ضائع لا قيمة له، تجاهل الإشارات والتحذيرات وصفّارات الإنذار، وضاعت من يده السلطة، وطوى صُحُفَهُ وأغلق عنه الأبواب، وأمسك مناديل الوداع يلوّح بها غير نادمٍ، ووقف ينتظر جنازته ليُدفن عميقاً من دون اعتراف ومن دون مقاومة، وتخلى عن البحث والسؤال والفضول العلمي والقلق المعرفي لصالح الإجابات الجاهزة من النظم المعلوماتية، واستحلى الاعتماد عليها فأصبحت تختار له ما يقرأ وما يشتري، وكيف يفكّر ويربي أولاده، وكيف يحل مشاكله، في انتظار أن يضيف إلى صك تنازله تنازلات أخرى.

ماذا..

هل يستمر العالم من دون الإنسان؟ وهل سنعيش زمن استحكام قبضة النّظم الذكية في دواليب الحياة وتسيير العالم؟

حين تراجع الإنسان عن مركزيته كان لابد من تدخّل ومن تصحيح للأمور وحكم العالم، وكان لابد أيضا من إصلاح العطب وتحريك دفة العالم يسير بسرعة، وكان لابد أخيرا من إحياء الدهشة والسؤال والانفتاح على آفاق بكر وعلى زمن جديد، زمن لا يخاف المواجهة ولا يركن إلى الراحة، يخاف البُطء والتّوقّف، يدفع العالم إلى الأمام بقوة، يبدو خارج الزمن، لكنه الزّمن وصانع الزّمن، والإنسان في دعته يكره السرعة بينما النظم الذكية تكره الكسل، والسرعة عندها تقتل التفاصيل، بل لا تعترف بها ولا بالقيم والأخلاق والحب أو الكره، تقود الإنسان إلى نهايته وتُبقي العالم مُعلّقاً تتلاعبه التّنبّؤات، تسير به من دون شغف ولا دهشة ولا روح، مُبرْمجٌ من دون مقاومة، ينام ليستيقظ على زمن النظم التي ملكت كل شيء تصوغ أيامه بلا معنى يُعدّدُ خساراته وانكساراته وهزائمه.

ما بعد الإنسان يحتاج نبوءة قوية صادقة، صادمة ومنطقية لنقول لم يبق من الإنسان إلا اسمه وعينان في رأس لا يفكّر كثيراً، ونفَسٌ طالع ونازلٌ، ولا شيء آخر مهم حين تنازل برضاه عن مركزيته ومعناه وإنسانيته ووجوده، وحين سكتَ عن السؤال والبحث فيه.

ما بعد الإنسان أزمنةٌ تمر تَتْرى بلا توقُّف، لا أحد يفتح قلبه ليعي ما وصل إليه الحال، لأن السؤال ضاع، فالعالم بعد الإنسان حكاية تتناقلها الشّفاه تدفعها إلى النسيان، حكاية عن عالمٍ لم يعد شاهداً على شيء، لا هو أفضل ولا أسوأ، يسير بلا توتّر، لا يُفرّق، لا يتعلّق، لا يحب، لا يكره، يسير سريعا بلا توقّف بهدوء مُرْبِك وسلام بارد، بكثير من الرغبة لملء ما بعد الإنسان بعيداً عن الصراع، لأن الصراع إنساني. والإنسان في زمنه هذا موجود وغائب، يعمل ولا يعمل، يتلاشى حضوره، يبتعد عن إنسانيته ومركزيته، يقاوم بما تبقّى له من وجود وقوة كي لا يختفي تماماً وينقرض.

ختاماً..

رغم هيمنة عالم النظم المعلوماتية والسرعة التي يفرضها على الإنسان، يظهر أن زمن "ما بعد الإنسان" ليس وجهة نهائية نصل إليها أو حتفا نُدفعُ إليه دفعاً، بل هو رحلة مستمرة من التكيف والتحول. ورغم كل الإغراءات التي تقدمها لنا الرقمنة من "خلود تقني" أو "ذكاء فائق"، يبقى الرهان الحقيقي ليس في مدى سرعة معالجاتنا لما غمض من الحياة أو سعة ذاكرتنا للتخزين والتحليل، بل في قدرتنا على الحفاظ على تلك "الشرارة" التي تجعلنا بشراً، شرارة التعاطف، والحكمة، والوعي بالجمال، وإنسانية الإنسان. إن الخوف ليس من أن تصبح الآلات مثلنا، بل من أن نصبح نحن مثلها، مجرد نظم معلوماتية باردة خالية من المعنى. لذا، ونحن نخطو نحو هذا المستقبل السيبراني، علينا أن نتذكر أن أعظم إنجاز لمعلوماتيتنا يجب أن يكون تعزيزاً إنسانيتنا، لا محوها، ليبقى الإنسان، بكل تناقضاته وضعفه، هو المعيار الأسمى في عالمٍ تتصارع وتتلاعب به الأرقام.

***

عبد الهادي عبد المطلب

الدار البيضاء / المغرب

....................

[1] الخوارزمية (Algorithm) هي مجموعة من الخطوات المُنظمة والمُتسلسلة التي تُصمم لحل مشكلة محددة أو أداء مهمة معينة.

[2] فرانسيس فوكوياما. نهاية الإنسان (عواقب الثورة البيوتيكنولوجية). ترجمة د. أحمد مستجير. إصدارات سطور 2002. (ص 7 ـ 8)

[3] نفس المصدر (ص 7 ـ 8). جوابٌ لشخصية من رواية «كل رجال الملك» لروبروت وارين.

تقاطع استراتيجيات التلاعب والسياسات الرأسمالية في ظل صراع الاستحواذ القطبي الكوني

تعد منطقة الشرق الأوسط نموذجاً مثالياً لدراسة تداخل القوى الجيوسياسية، والأنظمة الاقتصادية، وآليات السيطرة النفسية التي تهدف إلى إبقاء الشعوب في حالة من التبعية الدائمة. إن الجدل القائم حول "استراتيجيات التلاعب العشر" المنسوبة للمفكر نعوم تشومسكي* وعلاقتها بالسياسة الخارجية الأمريكية، يكشف عن منظومة تتجاوز مجرد التحالفات العسكرية لتصل إلى هندسة الوعي المجتمعي وتطويع الهياكل الاقتصادية لخدمة الرأس مال العالمي. ان تحليل الروابط الهيكلية بين هذه الاستراتيجيات، والتحولات النيوليبرالية في المنطقة، والدور الوظيفي للثيوقراطيات والأنظمة السلطوية في تأمين المصالح الإمبريالية، مع استشراف مآلات هذه السياسات في ظل التحولات الاقتصادية العالمية الجديدة.

اذ تتبدّى منطقة الشرق الأوسط في الراهن السياسي بوصفها المختبر الأكثر تعقيداً لدراسة التمفصلات البنيوية بين القوى الجغرافية السياسية، والأنظمة الاقتصادية العابرة للحدود، وآليات الضبط السيكولوجي الممنهج. إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد اضطرابات عابرة، بل هو صراع استحواذ بامتياز، حيث تدار المنطقة وفق "هندسة ارتهان" دقيقة، تهدف إلى تغييب الوعي الجمعي عن القضايا الوجودية عبر تكتيكات الإلهاء السياسي والاقتصادي الممنهجة، لضمان بقائها وقوداً في حريق الحرب العالمية الثالثة المستترة.

نظرية الإلهاء السياسي في إدارة الأزمات

يمثل الإلهاء السياسي الركيزة الأولى في إدارة الأزمات الكبرى؛ حيث لا تهدف القوى المهيمنة إلى حسم الصراعات، بل إلى "تسييلها" وإدارتها بما يخدم استمرار التبعية.

صناعة الأزمات الموازية كستار دخاني

عندما تقرر القوى الدولية تمرير مشروع استحواذ ضخم، كاستبدال مسار طريق تجاري عالمي أو رهن موارد سيادية، يتم افتعال "أزمة موازية" تتصدر العناوين. هذا النوع من الإلهاء يستنزف طاقة المجتمع في نقاشات استقطابية هامشية (دينية أو عرقية)، مما يمنح الفواعل الكبرى "هدوءاً عملياتياً" لإتمام الصفقات الكبرى بعيداً عن الرقابة الشعبية. الإلهاء هنا هو "الفخ" الذي تقع فيه النخب قبل الجماهير، حيث يتم استدراجهم لمعارك جانبية تُستنزف فيها القوة النقدية والسياسية.

التوظيف السياسي للاستقطاب الهوياتي

تعتمد هندسة الارتهان على تفتيش الصراعات الهوياتية كأداة إلهاء دائمة. تحويل الصراع من "شعب ينشد السيادة" إلى "مكونات تتصارع على الوجود" هو ذروة النجاح في إدارة الأزمة عبر الإلهاء، حيث يصبح المجتمع هو الرقيب الذاتي على حركته، وتنسحب القوى الدولية لتؤدي دور "الوسيط النزيه" في أزمة هي من صميم هندستها المسبقة لضمان تفتيت أي كتلة وطنية صلبة.

الإلهاء الاقتصادي والارتهان الهيكلي

يمثل الاقتصاد الميدان الأكثر قسوة لتطبيق نظريات الإلهاء؛ حيث يتم التلاعب بالضرورات المعيشية لضمان الانصياع السياسي الكلي وتحييد القدرة على الاعتراض.

هندسة التضخم وانهيار العملة كأداة للضبط

يُستخدم "الإلهاء النقدي" لكسر إرادة الشعوب. عندما يُقيد المواطن في دوامة البحث اليومي عن السلع الأساسية ويراقب تآكل مدخراته، فإنه يفقد القدرة الذهنية على التفكير في مفاهيم "السيادة النقدية" أو "التحرر من الدولار". الانهيار الاقتصادي المفتعل هو أداة إلهاء وجودية بامتياز؛ فالإنسان القلق على غده المعيشي لا يملك ترف التفكير في "معركة الممرات"، بل يصبح أقصى طموحه هو استعادة استقرار زائف توفره له قوى الاستحواذ مقابل تنازلات سيادية جديدة ترهن ثروات الأجيال القادمة.

سيكولوجيا القروض والمديونية الدائمة

تعمل القروض الدولية كأداة إلهاء اقتصادية بعيدة المدى. يتم تصوير "القرض" إعلامياً كإنجاز ودليل على الثقة الدولية، بينما هو في الحقيقة "أغلال نقدية" تضمن استلاب القرار الوطني. الإلهاء هنا يكمن في حرف الأنظار عن الشروط الهيكلية المرافقة لهذه القروض، والتي تؤدي حتماً إلى تفكيك الصناعة الوطنية وفتح الأسواق المحلية للاستحواذ الأجنبي الكلي تحت ذريعة الإصلاح الاقتصادي.

جيوبوليتيك الممرات وصراع الاستحواذ القطبي

في ظل هذا الضجيج المفتعل من الإلهاء، تدور رحى الحرب العالمية الثالثة حول "عنق الزجاجة" الجغرافي والسيادة المالية العالمية.

طريق الحرير والرد الجيوسياسي الغربي

تمثل مبادرة "الحزام والطريق" الشرقية محاولة جادة لكسر المركزية البحرية الغربية. وفي المقابل، تعتمد القوى الغربية على تكتيك "إحراق المسارات"؛ أي خلق بؤر توتر دائمة في دول العبور الحيوية في الشرق الأوسط. الإلهاء السياسي هنا يتجلى في تصوير هذه النزاعات كخلافات محلية أو ثورات عفوية، بينما الهدف الحقيقي هو تعطيل أي تكامل تجاري قد يخرج المنطقة من دائرة الاستحواذ الغربي المباشر.

السيادة النقدية وسلاح الاستبعاد المالي

إن الاستحواذ على نظام المقاصة والتحويلات العالمي يتيح للأقطاب الكبرى ممارسة "الإعدام المالي" ضد أي كيان يحاول التحرر. الصراع الحالي بين "المركزية الدولارية" والعملات الناشئة هو المحرك الفعلي للأزمات السياسية في المنطقة؛ حيث يتم معاقبة الدول "المتمردة" عبر أدوات الإلهاء الاقتصادي لتصوير فشل التجربة التحررية أمام شعوبها، ودفعها للندم على محاولة الاستقلال.

دور الوسائط المحلية والبرجوازية التابعة

لا يمكن لهذه الهندسة أن تستقر دون وجود "وكلاء" محليين يؤدون أدواراً وظيفية مرسومة بدقة. البرجوازية التابعة والأنظمة السلطوية تتبنى استراتيجيات الإلهاء لحماية امتيازاتها المرتبطة بالمركز الكوني. هؤلاء هم "المقاولون المحليون" لمشروع الاستحواذ، الذين يحولون الأزمات الوطنية إلى فرص لمزيد من الارتهان مقابل ضمانات بالحماية والبقاء في السلطة. إنهم يمارسون "الاستبداد بالوكالة" لضمان عدم خروج الجماهير عن مدارات الهيمنة الدولية.

الاستعمار الرقمي وحروب الخوارزميات

أضيفت "البيانات" كحقل جديد للاستحواذ المادي والمعنوي. تُستخدم الخوارزميات والذكاء الاصطناعي لتعزيز تكتيكات الإلهاء عبر الفضاء الرقمي؛ حيث يتم توجيه الرأي العام نحو "أزمات افتراضية" تستهلك الغضب الشعبي وتفرغه في قضايا لا تمس جوهر السلطة أو مصالح الشركات الكبرى. إن هندسة الارتهان اليوم تجري عبر شاشات الهواتف بنفس الفعالية التي تجري بها عبر فوهات المدافع، مما يجعل السيادة الوطنية مفهوماً مستباحاً في عالم رقمي لا يعترف بالحدود.

مآلات الحرب العالمية الثالثة في الشرق الأوسط

إن التوقعات تشير إلى أن المنطقة ستظل ساحة "للاشتباك غير المتناظر". الحرب العالمية الثالثة هنا ليست مواجهة نووية شاملة -حتى الآن- بل هي عملية تفتيت مستمرة للكيانات الوطنية لصالح فواعل دولية جديدة. إن "تسييل الدول" وتحويلها إلى أشباه كيانات هو الهدف الأسمى لصراع الاستحواذ، حيث يسهل نهب الموارد وتأمين الممرات في ظل غياب سلطة وطنية مركزية قوية تمتلك قرارها السيادي.

نحو وعي سيادي ضد التلاعب

إن التحرر من "هندسة الارتهان" يبدأ من إدراك أن كل أزمة (سياسية أو اقتصادية) نعيشها هي تكتيك إلهاء مدروس لتمرير مشروع استحواذ كوني. السيادة الحقيقية لا تستعاد بالشعارات، بل بامتلاك "الدفاع الذاتي المعرفي" الذي يربط بين حركة النقد الدولي وبين لقمة العيش، وبين النزاع الهوياتي المفتعل وبين ضياع السيادة على الأرض والممرات. إنها حرب وعي بامتياز، والانتصار فيها يبدأ من استرداد القدرة على "الانتباه السيادي" لما يحاك في الكواليس الدولية المظلمة.

***

غالب المسعودي

...............................

* هذا النص ليس من تأليف نعوم تشومسكي. يعود أصل هذا النص إلى وثيقة فرنسية نُشرت عام 2002 بعنوان "أسلحة صامتة لحروب هادئة وقد قام كاتب فرنسي يدعى سيليفان تيمسيت بتلخيص هذه الاستراتيجيات في مقال.

اول مجموعة من مقالات شعرية لـ البير كامو نُشرت في الجزائر العاصمة عندما كان بعمر عشرين عاما، هذه المجموعة تكشف عن جمال مأساوي في فلسفة كامو المبكرة. حين شارف على نهاية عمله المهني، نظر كامو رجوعا في أولى مقالاته المنشورة، والتي كانت بعنوان الجانب الخطأ والجانب الصحيح، واستنتج ان العمل الذي بدأ هنا لايزال في طور التحول الى عمله الحالي. ما نجده معبّرا عنه في هذه المقالات القصيرة يمكن اعتباره الأصل المادي لكل عمله اللاحق. هذه المقالات الساذجة والجميلة تستحق القراءة في حد ذاتها لكنها أيضا مفيدة جدا لاولئك الذين يبحثون عن فهم عميق لفلسفة كامو في الحياة.

البير كامو (1913-1960) نشر الجانب الخطأ والجانب الصحيح عام 1937. الكتاب عبارة عن مجموعة من خمس مقالات ترتكز في معظمها على تجارب كامو الشخصية وتأملاته في الحياة في الجزائر. غير ان واحدة من هذه المقالات "الموت في الروح" هي حول رحلة الى براغ، والمقالة الأخرى "حب الحياة" تدور أحداثها في بالما. كان كامو بعمر العشرين عاما عندما بدأ العمل في هذه المقالات وكانت غير معروفة تماما في الحلقات الأدبية. ولاحقا في عام 1958 اعيد اصدار المجموعة القصصية بمقدمة كتبها كامو الكاتب العالمي الشهير اليوم.

 ورغم ان كامو لم يكن قد وجد صوته بعد، لكن تلك المقالات المبكرة تقدم رؤى ساحرة في تطور وسمة أفكاره. بالتأكيد، نحن نستطيع رؤية كامو الشاب يصارع مع أفكار جديدة قام بتوسيعها لاحقا وبنى عليها، لكن هناك أيضا جمال غريب في النثر يجعل كل من هذه القصص تستحق القراءة بحد ذاتها. أي، ان هذه المجموعة لها قيمة اكبر من كونها مجرد سجل لأفكار كامو الشاب.

هناك سذاجة ساحرة في العمل. حينما نقرأ، نشهد تلاشي تدريجي للأفكار، تحولا مفاجئا في النغمة والعواطف، واحساس بالحرج في الكتابة. لكن عند أخذ كل هذا في الاعتبار، نجد هناك شيئا آخرا في النص يكشف اكثر من عدم تجربة الكاتب. هناك عذوبة في "الجانب الخطأ والجانب الصحيح"، حتى لو كنا مطلعين على بعض الأفكار المتضمنة في المقالات. من الواضح ان كامو يكافح للتعبير عن شيء ما جديد بلغة أفكار تختلف عن تلك المستخدمة عادة. موضوعه، الذي تتعلق به كل واحدة من مقالاته، هو الى حد ما غامض وغير مؤكد.2690 camo

كلا وجهي العملة

L Envers et L Endroit عنوان يصعب ترجمته الى الإنجليزية. اليوم، نحن نجد من الشائع انه "الجانب الخطأ والجانب الصحيح"، لكن أحيانا يُستعمل عنوان "بين بين" Bet wixt and Between. من الممكن ترجمة العنوان الأول الى "كلا جانبي العملة"، والذي أيضا يكون ذا معنى.

في الحقيقة، مع ان العنوان ليس مثاليا، لكنه سيكون ذو معنى بالنسبة للافكار التي يحاول كامو القبض عليها. في الفرنسية، تشير عبارة L Envers et L Endroit الى كلا جانبي قطعة من القماش. وبطريقة مشابهة، نحن نستطيع تصور كلا جانبي العملة. في مقالاته، يمسك كامو بكلا جانبي القصة او الفكرة. النظر الى جانبي عملة عادية يُشار لهما بالوجه الامامي والخلفي. "الوجه الامامي" عادة يصف رأس حقيقي لشخص ما، و "الوجه الخلفي" يصف فكرة هامة ترتبط بالدولة. في علم المسكوكات، الجانب الرئيسي هو الوجه، والمعكوس له هو ظهر العملة. لماذا يُعد هذا هاما لنقاشنا؟

انه يتعلق باقتراح تفضيل الأفكار. استخدام استعارة العملة للحديث عن أفكار، هناك اقتراح لفكرة رئيسية ومن ثم طريقة ثانوية او معكوسة لرؤية الأشياء. انها تشبه الإقرار بوجود وجهة نظر أخرى، لكنها تحمل أقل وزنا. مع ذلك، هذا ليس ما يقصده كامو. هو لا يقول هناك طريقتان لرؤية الأشياء ونحن نستطيع التقاط واحدة، بل هو يقول انت لا تستطيع امتلاك واحدة بدون الأخرى. لكي تمتلك عملة يعني انك تمتلك كلا الجانبين.

في ضوء النقاش أعلاه، فان ترجمة عبارة L Envers et Lendroit الجانب الخطأ والجانب الصحيح تشجع كثيرا فكرة وجوب ان نفضل وجهة نظر على أخرى. لقد رأينا هذا ليس ما يحاول كامو نقله. مع ذلك، نحن سنستمر باستخدام هذه الترجمة لأنها حاليا الأكثر شهرة. وبالتحرك قدما، لننظر في الأفكار التالية:

الله موجود، او هو غير موجود

من غير الممكن ان نمتلك ضوء بدون ظلام

نحن نستطيع التفكير في العبارة الأولى كفكرتين متضادتين: ان الله موجود والفكرة المضادة في انه غير موجود. هنا، قد يجادل احد لدعم الأولى وشخص اخر يجادل لأجل الأخيرة. سوف لن يكون هناك معنى في كلا العبارتين الله موجود وغير موجود. انظر في هذه العبارة الغريبة: "انت يجب ان تقبل بوجود الله الى جانب عدم وجوده". الان، دعونا ننظر في العبارة 2. عندما نفكر في الظلام كغياب للضوء، عندئذ نحن نحتاج الى الضوء ليوجد لكي يكون هناك ظلام. نفس الشيء ينطبق على السعادة: لكي تكون سعيدا، نحتاج ان تكون هناك فترات من عدم السعادة (او على الأقل فترات في ان تكون لا سعيد ولا حزين). من المنطقي القول عن الحياة، "انت يجب ان تقبل بانه بدون أوقات سيئة، سيكون هناك لا وجود لأوقات جيدة". بالطبع، انت قد لا توافق على هذه الفكرة، لكن مع ذلك من الممكن ان يكون معنى لها. بالنسبة لكامو، الحياة تتألف من الضوء والظلام، ولكي نعيش، نحن يجب ان نقبل حضور الاثنين. تماما مثل امتلاك عملة، انت يجب عليك قبول ان تأتي بوجهين.

سخرية البير كامو

المقالة الاولى من الجانب الخطأ والجانب الصحيح تتأمل في عمر الشيخوخة وهي بعنوان "سخرية". يبدأ كامو بوصف الموقف اللاسعيد لـ امرأة مسنة مصابة بالشلل كان يعرفها ذات مرة. اختزلتها ظروفها وعمرها من انسانة نابضة بالحياة وكثيرة الكلام الى امرأة عجوز صامتة لا تتحرك، كأنها شخص متدين بعمق، يرافقها تمثال من الرصاص للمسيح وتمثال من الجص ليوسف وهو يحمل الطفل يسوع. يصف كامو زيارة الى بيت عاشت هي فيه مع بنتها. هو وآخرون التقوا هناك للعشاء قبل الذهاب الى السينما لرؤية فيلم كوميدي. المرأة العجوز جرى تجاهلها، تجلس بصمت في كرسيها. هي لا تستطيع المشاركة في الطعام بسبب مشاكلها الهضمية. كامو يشفق عليها ويحاول التحدث اليها. بعد ذلك، يظل مدركا باستمرار لوجودها الصامت في الغرفة. عندما تستعد المجموعة للمغادرة، هو يهز يد المرأة المسنة. هي سوف لن تدعه يغادر، هي تبكي، لا تريد ان تُترك وحيدة. لكنهم بالفعل يتركونها. في الخارج، هو ينظر الى الأعلى من الشباك ويرى الضوء قد انطفأ. بنتها تعلن ان أمها تفضل الجلوس في العتمة عندما تكون وحيدة.

 في المقال، كامو أيضا يقدم وصفا مختصرا لشخصيتين أخريين مسنين: رجل مسن لا احد يستمع له في الحانة ومعه جدّته. الرجل المسن يحاول باستمرار الانتباه للرجال الشباب في الحانة. هو يحكي قصة ويكثّف حركاته التهريجية لجذب انتباه الناس. كل واحد، بمنْ فيهم الرجل العجوز، يشعرون بالحرج المتزايد من جراء تصرفه. كامو أيضا يناقش سلوك جدته الهستيري والمتسلط، وبالذات خوفه من الظهور كأنه غير صادق عند البكاء في جنازتها: وهي الفكرة المركزية في (الغريب).

بين نعم ولا

كامو في مقهى مغاربي في الجزائر العاصمة. الوقت مساءً، وهو يتأمل في الذاكرة والسعادة. رجل عربي مسن يجلس القرفصاء عند المدخل، أنفاسه تبدو تتناغم مع أصوات البحر. كامو يشكل انطباعا في اللامبالاة السلمية للكون. تأتي الى الذهن ذكريات من الطفولة. هو يتذكر العيش في حي فقير، الظلام في بيته المعتم، والخوف من الصراصير التي تتسلل ليلا. هو يتذكر امه تجلس بصمت في كرسيها. الناس يسألون ما الذي تفكر فيه، وهي تجيب بصدق "لاشيء". هو يتذكر محدقا في امه الصامتة ويشعر باحساس هائل بالشفقة نحوها. هو يتساءل: "هل هذا نفس الشيء كالحب لها؟" كامو أيضا يتذكر جدته التي نجدها في المقالة السابقة. هذه الذكرى خاصة السوط الذي كانت تحمله لفرض الانضباط في بيتها. "لا تضربهم في الرأس"، هذا كل ما قالته والدته عندما استخدمت والدتها السوط ضد كامو وشقيقه.

وهو جالسا في المقهى، يقارن كامو لامبالاة العالم حوله مع لامبالاة امه. هو لا يشعر بالندم او الخسارة او الحب ولا في السعادة عند الفكرة. هو ببساطة يشعر بالحياة، في اللحظة بين نعم ولا. أفكاره تتحول الى رعب. هو يتذكر المجيء الى البيت ليكتشف ان امه هوجمت من جانب غريب، وقطة مات صغارها وتعفنوا الواحد تلو الاخر. هو يتذكر القطة جاثمة بلا حراك، تشاهده وهو ينظف صغارها المتفسخين.

أخيرا، هو يتذكر شيئا عاديا، محادثة محدودة بينه وبين الام المسنة. كل هذه الذكريات هو يمارسها بحكم معلّق، بين التأكيد والرفض. بين نعم ولا.

موت في الروح

المقالة تبدأ بوصول كامو الى براغ. هو يبعد الاف الأميال عن وطنه، لا يتحدث اللغة، ويجب ان يبقى وحيدا، مع القليل جدا من النقود لمدة أسبوع تقريبا قبل ان يلتحق به أصدقائه. هو ينجح في العثور على فندق يبدو في حدود قابليته المالية لكن عند رؤية الغرفة يشعر بالإستياء حين يكتشف انها تكلّف مرتين ما متوفر لديه في الميزانية. الان، هو يجب ان يوفر في مصروفاته. وفي بحثه عن مكان رخيص للغداء، يجد كامو مكانا في قبو مظلم ترتاده البغايا. وكونه غير قادر على فهم قائمة الطعام، هو يطلب عشوائيا وينتهي بطعام من العصيدة ولحم مغطى بالكمّون. احدى البغايا نوديت الى الطاولة، وكامو يشتري لها مشروبا.

في الأيام القليلة القادمة، يعود كامو الى نفس المطعم لأنه على الأقل مألوف له، وانه جرى الترحيب به بإيمائة او ابتسامة. كامو يحاول ان يملأ أيامه ولكن بدون التحدث بلغة وكونه دائما وحيدا، هو يشعر منفصلا عما يحيط به. في احد الأيام، هو يكتشف ان رجلا في الغرفة المجاورة له وُجد ميتا. ليس انتحارا وانما مسناً. مات وحيدا.

هنا في هذه اللحظة، كامو يلتحق به صديقه. بعد وقت قصير، هما يسافران سويا الى إيطاليا. هنا، يبيّن كامو تناقضا صارخا بين تجربته وحيدا في مدينة براغ الكئيبة وبين أصدقاء في مدينة فيتشتزا المشمسة. الان، عندما يتأمل كامو بكلا التجربتين، "كلاهما عزيزتان على قلبي، وانا أجد من الصعب فصل حبي للضوء والحياة عن ارتباطي السرّي بتجربة يأس حاولت وصفه". نحن نرى بوضوح، هنا، كلا جانبي العملة.2691 camo

حب الحياة

هذه المقالة تدور أحداثها في بالما. كامو في مطعم صغير زُينت جدرانه بأكاليل وردية وبمصابيح اضاءة حمراء صغيرة في السقف. وبالرغم من حجم المكان، فهو يحتوي على أوركسترا وبار مجهز جيدا. المطعم مكتظ بالزبائن كتفا الى كتف. في طاولة كامو ضابط بحري ثمل، و"قزم لا يشيخ"، وآخرين. هناك صوت الصنجات، وامرأة ضخمة في بداية العشرينات من العمر تظهر على المنصة. هي تؤدي رقصا مثيرا لقي استحسانا كبيرا من الزبائن. كامو يعتبرها رمزا للحياة ذاتها. كامو بعد ذلك يتأمل كيف ان السفر الى الخارج يحرمنا من راحة المألوف والمعتاد. هو يشير الى "تجريده من الدعائم" و "حرمانه من الأقنعة". هو يقارن بين الاثارة الرومانسية الناتجة عن السكر في الحانة والهدوء السلمي الذي يشعر به في الجلوس في رواق دير بازيلكا في سان فرانسسكو. هنا، المحيط المجاور المثالي أيضا يوفر رموزا للحياة ذاتها. ما هو مهم للملاحظة هو ان كامو لا يعطي توضيحات. فمثلا، هو لا يقول لماذا او كيف ترمز المرأة الراقصة في البار او الحمام الذي يرفرف باجنحته فوق الكاتدرائية الى الحياة.

قضية كامو هي ان هذه الأشياء لا تجيب على أسئلة حول الحياة وانما تجعل تلك الأسئلة لا لزوم لها. هو أيضا يلاحظ الطبيعة الزائلة للتجربة واستحالة جعل العالم ملكا للمرء. نحن نستطيع أيضا ملاحظة العديد من المواضيع المتكررة: التباين في التجارب، عدم القدرة على التعبير وفهم العواطف القوية، الاغتراب والانفصال عن الحياة، الاثارة الرومانسية والموت، مرور الزمن، وتعليق الأحكام (كونه بين نعم ولا).

الجانب الخطأ والجانب الصحيح

المقال الأخير من المجموعة يعرّفنا على امرأة "وحيدة" و "غريبة". نحن نشعر انها تؤمن بانها في اتصال وثيق مع عالم الروح. هي تتجنب حتى أعضاء عائلتها الخاصين الذين "لهم سمعة سيئة" في العالم الآخر. القصة تبدأ بهذه المرأة التي تستلم تركة قدرها خمسة الاف فرنك من اختها. هذه النقود تثبت انها مصدر ازعاج اكثر من ان تكون نعمة. الثروات الصغيرة يصعب التعامل معها مقارنة بالكبيرة. مشكلة إضافية هي ان المرأة تقترب بالفعل من نهاية حياتها وبهذا فان أي استثمار طويل الأجل سيكون بلا معنى لها.

الحل يأتي من توفر فرصة لشراء عقد ايجار منتهي الصلاحية في المقبرة المحلية. مقابل أربعة الاف فرنك عُرضت عليها قطعة ارض كاملة مع قبر من الرخام الأسود. المرأة قررت الشراء وقامت بتجهيز الجزء الداخلي من القبر ليكون جاهزا لإستقبال بقاياها عندما يحين الوقت. هي أيضا جعلت اسمها محفورا على الرخام الأسود بحروف ذهبية. في كل يوم احد، المرأة المسنة "تزور ذاتها"، تدخل قبرها وتركع وحيدة على المذبح. انها وسيلة الترفيه الوحيدة لديها وهو الوقت الوحيد الذي تغادر به بيتها. في احدى المناسبات، هي تصل الى المقبرة لتكتشف ان شخصا ما وضع زهورا على قبرها. شخص رقيق، طيب القلب، شاهد قبرا غير مزيّن بالزهور، ترك بعض مما لديه. لجميع الأغراض والمقاصد، هذه المرأة التي زارتها كل يوم احد هي ميتة سلفا، في ذهنها واذهان الاخرين. هذه القصة الأخيرة لمرأة مسنة مهملة، وحيدة في نهاية حياتها، تشكل خاتمة للمجموعة.

***

حاتم حميد محسن

....................

Albert Camus’s Early Philosophy in the wrong side and the right side, The collector, April 22,2026

الأفكار التي أعرضُها اليومَ مستقاةٌ من كتاب «طبيعة التحيز» لعالم النفس الأميركي غوردون ألبورت، وهو مرجعٌ كلاسيكي في هذا الحقل.

اطلعتُ على الكتاب منذ زمن بعيد. وقد ذكَّرني به ما أرى من ملاسنات على مواقع التواصل الاجتماعي حول مسائلَ معقولةٍ وغير معقولة، يشارك فيها شبانٌ صغار، ورجالٌ أو نساء يفترض أنَّهم ناضجون، من الدول العربية كافة من دون استثناء. وتتداخل فيها موضوعاتٌ كالحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة، والحرب على غزة، ومشكلات السودان وسوريا والخلافات الدائرة بين هذه الدولة العربية وتلك. كما تستخدم فيها قصص صحيحة أو متخيلة عن نزاعات شخصية، فتعمم على أهل البلد كله.

لا أستطيع بطبيعة الحال ذكر التفاصيل. لكنّي واثق أن الذين يتابعون وسائل التواصل الاجتماعي يعرفونها. وغرضي هو التنديد بهذه الظاهرة، وليس التوسع في شرحها. إنَّ اتساعَ تلك الملاسنات وتنوعها دليل على أنَّها ليست عابرة، وليست أخطاء فردية أو محدودة.

لا أريد أيضاً تهويل الموضوع، ولا تصوير المجتمع العربي كما لو أنَّه يعيش «حرب الجميع على الجميع»، حسب وصف توماس هوبز. أتفهم حقيقة أن أصحاب الأصوات العالية قلة، لكن تأثيرهم واسع النطاق.

بالعودة للبروفسور ألبورت، فهو يبدأ كتابه بشهادة للأديب الإنجليزي شارلز لامب: «أقر بأني ألاحظ الفوارق بين الناس، القومية والفردية وغيرها. بكلمات بسيطة، أنا كتلة من التحيزات، من الحب والكراهية والتعاطف واللامبالاة».

أورد الكاتب هذا الشاهد كي يقول إن التحيز ليس ظاهرة غريبة، بل سمة طبيعية في البشر. لكن الغريب فيها هو تحولها إلى موقف عام ومبرر للعدوان على الغير أو احتقارهم. ويذكر في هذا الصدد قصة (أظن أن كثيراً منا قد لاحظ شبيهاً لها):

في روديسيا، مرَّ سائق شاحنة أبيض بجمع من الأفارقة العاطلين عن العمل. فهمس قائلاً: «إنهم كسالى متوحشون». بعد ساعات قليلة، رأى جمعاً مماثلاً يرفعون أكياس حبوب يزن بعضها 90 كغم على شاحنة، وهم يغنون بحماس. فتمتم قائلاً: «متوحشون! ماذا تتوقع منهم؟».

هذا السائق كان يحتقر الأفارقة، فحكم عليهم أولاً بالكسل والوحشية لأنهم لا يعملون، ثم حكم عليهم بالوحشية لأنهم يعملون بحماس. نعلم طبعاً أن حكمه مدفوع بالتحيز، وليس وصفاً محايداً أو موضوعياً. ولو كان الأشخاص الذين رآهم من نفس عرقه، فلربما تعاطف معهم. ولو فكر في عملهم بذاته، دون ملاحظة لون بشرتهم، فلربما أصدر أحكاماً متفاوتة في الحالتين.

من هنا يرى ألبورت أن أبسط تعريف للتحيز هو أنه «سوء الظن بالآخرين دون مبرر كافٍ». هذا يركز على التحيز السلبي. كما يستشهد بتعريف قاموسي يذكر الجانبين السلبي والإيجابي: «التحيز شعور إيجابي أو سلبي، تجاه شخص أو شيء، لا يستند إلى تجربة فعلية».

الجانب الأكثر سوءاً في التعصب أو التحيز هو تحويل انطباع عن عدد قليل من الأشخاص، إلى موقف عام ضد شعب بأكمله.

نعلم أن مثل هذا الموقف مرجعه ميل الإنسان للأحكام المبسطة، طالما كانت مقبولة في المحيط الاجتماعي. المشكل أن التعبير السلبي عن التحيز أو التعصب يضعه في خانة الكراهية. وهذا يستدعي أن نسأل أنفسنا دائماً: أين نود الاصطفاف... بين أهل المحبة أم بين أهل الكراهية؟

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

حين نتحدث عن الفقر في خطاب سياسي أو أكاديمي، نميل في أحيان كثيرة إلى معاملته كظاهرة محايدة، كأنه يقع على الجميع بالقدر ذاته وبالطريقة ذاتها. لكن النظرة النقدية الطبقية تكشف زيف هذه الحيادية، وتؤكد أن الفقر لا يوزَع بالتساوي، وأن النساء يتحملن عبئه بشكل أكثر حدة واستمرارية.

من هنا يأتي مفهوم تأنيث الفقر، ليس توصيفاً إحصائياً فحسب، وإنما أداة تحليلية نقدية تكشف العلاقة البنيوية بين النظام الاقتصادي الرأسمالي وعلاقات النوع الاجتماعي، وما ينتج عنهما من أشكال متعددة من الإقصاء والتهميش.

ظهر هذا المفهوم في سبعينيات القرن العشرين لوصف التزايد المستمر في نسب الفقر بين النساء، خاصة مع ارتفاع عدد اللواتي يتحملن مسؤولية إعالة الأسر وحدهن. ومنذ ذلك الحين اتضح أن الفقر ليس محايداً لا من حيث الجنس ولا من حيث الطبقة، ويرتبط بهياكل قوة تحدد من يملك الموارد ومن يحرم منها.

تشير أحدث بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن 9.2% من النساء والفتيات يعشن في فقر مدقع مقابل 8.6% من الرجال والفتيان، مع تفاقم الفجوة في الفئة العمرية 25-34 سنة حيث تكون النساء أكثر عرضة للفقر المدقع بنسبة 25%. كما توضح تقارير البنك الدولي أن فجوة الأجور بين الجنسين تبلغ 23% عالمياً، وتقفز إلى 47.9% في مناطق الجنوب مثل جنوب آسيا. هذه المعطيات تؤكد أن الفقر ليس محايداً من حيث الجنس، لكن الأرقام وحدها لا تكفي لفهم ما يجري، لأنها تصف الأعراض دون أن تحفر في الجذور.

حين يكون الاستغلال مزدوجاً

لا يمكن تفسير تأنيث الفقر بالاقتصار على الفجوة في الأجور، ويجب فهمه في إطار بنية اقتصادية أعمق تعيد إنتاج اللامساواة بين الجنسين بشكل ممنهج. فالرأسمالية لا تنتج التفاوت الطبقي فحسب، وتعيد أيضاً إنتاج التفاوت بين الجنسين من خلال تنظيم العمل وتقسيمه على نحو يخدم مصالح رأس المال قبل أي اعتبار آخر.

هذا ما رأته كلارا زيتكين بوضوح حين أكدت أن المرأة العاملة تتعرض لاستغلال مزدوج لا يمكن فهم أحدهما دون الآخر: تستغل كعاملة بأجر أقل من الرجل في سوق العمل، وتستغل داخل الأسرة من خلال العمل المنزلي غير المدفوع الذي يضمن إعادة إنتاج قوة العمل دون أن يكلف رأس المال شيئاً. وقد أعادت أنورادها غاندي التأكيد على هذا التحليل، مشيرة إلى أن هذا الاستغلال المزدوج يتخذ أشكالاً أكثر حدة في سياقات الجنوب العالمي، حيث تتشابك الطبقة والطائفة والنوع الاجتماعي في منظومة واحدة من الهيمنة.

أحد أهم تجليات هذا النظام هو الفصل بين العمل المنتج المعترف به اقتصادياً والعمل غير المدفوع الضروري لاستمرار الحياة. فالعمل المنزلي والرعائي الذي تقوم به النساء يشكل أساساً لإعادة إنتاج المجتمع، ومع ذلك لا يعترف به اقتصادياً، مما يؤدي إلى تقليل قيمته وإقصاء النساء من الاستقلال الاقتصادي. وحين تطالب النسوية الاشتراكية بالاعتراف بهذا العمل وتحويله إلى مسؤولية مجتمعية عبر الحضانات العامة ودور الرعاية والخدمات الاجتماعية، فإنها لا تطالب بإصلاح جزئي، وإنما بإعادة تنظيم العلاقة بين الإنتاج والتكاثر الاجتماعي في صميم النظام الاقتصادي.

في الوقت ذاته، تدمج النساء في سوق العمل بشكل غير متكافئ، إذ يتركزن في قطاعات منخفضة الأجر وهشة من حيث الاستقرار والحماية. وبدلاً من أن يكون العمل المأجور وسيلة للتحرر الاقتصادي، يصبح في كثير من الأحيان امتداداً لأشكال التبعية، خاصة مع استمرار التمييز في الأجور وفرص التقدم المهني. ويتفاقم هذا الوضع بسبب العبء المزدوج الذي تتحمله النساء نتيجة الجمع بين العمل المأجور والعمل غير المدفوع داخل الأسرة، دون إعادة توزيع عادلة للأدوار. وهذه الازدواجية ليست قدراً بيولوجياً ولا موروثاً ثقافياً محايداً، وإنما نتاج نظام اقتصادي طبقي يحتاج إلى إبقاء النساء في موقع العاملة المرنة التي يمكن دفعها إلى الهامش حين تقتضي مصلحة السوق ذلك، ثم استدعاؤها مجدداً حين يحتاج إلى يدها الرخيصة.

الأزمات والتقشف، حين تدفع النساء ثمن أزمات لم يصنعنها

ما يزيد المشهد تعقيداً أن الأزمات الاقتصادية والنزاعات والتغيرات المناخية تعمق تأنيث الفقر، حيث تتأثر النساء بشكل غير متناسب بهذه التحولات، خاصة في المجتمعات الأكثر هشاشة. وفي سياق عالمي تتقاطع فيه علاقات الاستغلال الاقتصادي مع أشكال الهيمنة التاريخية، تصبح النساء في مناطق واسعة من العالم أكثر عرضة لأقسى أشكال الفقر والتهميش.

غير أن الأمر لا يتوقف عند الأزمات الطارئة، فسياسات التقشف التي فرضتها المؤسسات المالية الدولية على دول الجنوب العالمي على مدى عقود تمثل نموذجاً صارخاً لتأنيث الفقر بقرار سياسي مقصود. حين تقلَص الخدمات العامة من تعليم وصحة ورعاية، لا تختفي هذه الخدمات، وإنما تنتقل إلى كاهل النساء اللواتي يعوضن بأجسادهن وأوقاتهن ما أسقطته السياسة النيوليبرالية من موازنات الدولة. التقشف بهذا المعنى ليس سياسة محايدة، وإنما سياسة ذات نوع اجتماعي تدفع النساء ثمنها أولاً وأكثر.

ولايمكن الفصل بين النضال ضد سياسات التقشف والنضال من أجل حقوق المرأة. فالمرأة التي تفقد وصولها إلى التعليم العام حين تخصخص المدارس، والمرأة التي تضطر إلى ترك العمل حين تغلق الحضانات العامة، والمرأة التي تتحمل رعاية المرضى حين تقلَص ميزانيات الصحة، جميعهن يدفعن ثمن قرارات اقتصادية اتخذت في مؤسسات دولية لا تنتخب ولا تحاسَب. لذلك لا يمكن مواجهة تأنيث الفقر دون مواجهة المنظومة الاقتصادية الرأسمالية العالمية التي تنتجه وتعيد إنتاجه.

وتظهر هذه الفجوة بوضوح أيضاً في مجالات العمل، حيث تقل مشاركة النساء في سوق العمل مقارنة بالرجال، كما تعمل نسبة كبيرة منهن في وظائف هشة منخفضة الأجر ومحدودة الحماية. وتعاني النساء بدرجة أكبر من انعدام الأمن الغذائي ومن غياب أنظمة الحماية الاجتماعية، وهو ما يعمق هشاشتهن الاقتصادية ويجعل أي صدمة خارجية أكثر قدرة على إسقاطهن إلى ما دون حد الكفاف.

من التشخيص إلى التغيير: نحو سياسات جذرية لا سطحية

ما يجعل هذه الظاهرة أشد خطورة أنها لا تقتصر على كونها معاناة فردية، وتمتد آثارها إلى مستوى الرفاه داخل الأسر، وتسهم في إعادة إنتاج الفقر عبر الأجيال، وتحد من إمكانات التنمية من خلال تهميش دور النساء وإقصاء مساهماتهن الاقتصادية والاجتماعية. وبذلك يصبح تأنيث الفقر تعبيراً عن خلل بنيوي يتطلب معالجة جذرية، لا مجرد حلول جزئية تهدئ الأعراض دون أن تلامس الجذور.

وهنا تبرز الهوة بين الرؤية الطبقية للنسوية الاشتراكية والنسوية الإصلاحية التي تكتفي بالمطالبة بتمكين المرأة ضمن النظام القائم دون المساس ببنيته. فبينما تركز التيارات الليبرالية على تمكين النساء فردياً عبر التعليم والتدريب والوصول إلى التمويل الصغير، يرى هذا المنظور أن هذه الأدوات لا تكفي ما لم تترافق مع تغيير جذري في علاقات الإنتاج والملكية والسلطة. فالمرأة التي تحصل على قرض صغير في مجتمع يقصيها من التعليم ويكبلها بالعمل المنزلي غير المدفوع وتحكمه قوانين عمل هشة، تظل أسيرة البنية ذاتها، حتى لو تحسنت أوضاعها نسبياً.

إن مواجهة هذه الظاهرة تستدعي سياسات قائمة على المساواة بين الجنسين وإلغاء الاستغلال الطبقي معاً. يشمل ذلك تحقيق المساواة في الأجور، وضمان الحقوق القانونية للنساء في العمل، وتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية لتشمل الفئات الأكثر هشاشة، والاستثمار في التعليم والتدريب لتمكين النساء اقتصادياً. كما يتطلب الاعتراف بالقيمة الاقتصادية للعمل الرعائي، وتوفير خدمات عامة تقلل من عبئه، وإعادة توزيع الأدوار داخل الأسرة والمجتمع بما يسمح بمشاركة أكثر عدالة في العمل المدفوع وغير المدفوع.

غير أن هذه الإجراءات، رغم ضرورتها، تبقى قاصرة ما لم تحدث تغييراً في طبيعة علاقات الملكية التي تجعل عمل النساء أرخص وأهش وأقل حماية بشكل بنيوي. فالاعتراف الكامل بالعمل الرعائي لا يعني فقط احتسابه في الناتج القومي، وإنما يعني تحويله إلى مسؤولية جماعية تتكفل بها الدولة والمجتمع لا المرأة وحدها. وتحقيق المساواة في الأجور لا يعني فقط رفع الحد الأدنى، وإنما يعني تفكيك التراتبية الطبقية في سوق العمل التي تجعل النساء، خصوصاً من الطبقات الدنيا، الأكثر هشاشة في كل أزمة.

في النهاية، لا يمكن فصل القضاء على تأنيث الفقر عن نقد البنية الرأسمالية الاقتصادية التي تنتجه. المسألة ليست مجرد تحسين شروط العيش، وإنما إعادة النظر الجذرية في كيفية تنظيم العمل وتوزيع الموارد والسلطة داخل المجتمع. ما دامت النساء يتحملن عبء إعادة إنتاج الحياة دون اعتراف ودون أجر ودون حماية، فإن الحديث عن المساواة يبقى خطاباً معلقاً في الهواء لا يلمس الأرض التي تقف عليها ملايين النساء يومياً.

***

بيان صالح

..........................

المصادر الإحصائية:

 * UN Women, Gender Snapshot 2025:

https://www.unwomen.org/en/node/476303

 * UN Women, Women aged 25-34 face higher poverty rates (2023):

https://sundiatapost.com/2bn-women-girls-lack-access-to-social-protection-un-women/

 * UN Women, Equal Pay (CSW61): https://www.unwomen.org/en/news/in-focus/csw61/equal-pay

فرش إشكالي: في البدء كان السؤال، ثم كان النقد عنواناً للحقيقة وشرطاً لكل ثورة. فالأمم التي تكف عن مساءلة واقعها ونقده، وتستبدل التأمل بالصخب، لا تصنع حضارة ولا تورث مجداً، بل تغدو ظلاً باهتاً وخبراً من أخبار التاريخ.

حين نستعيد اليوم، بعد قرن كامل، تجربة جريدة «المنتقد» (1925)، فإننا لا نستعيد مجرد صحيفة صدرت في زمن استعماري مظلم، بل نستعيد لحظة وعي فلسفي نادرة، تجرأت فيها نخبة من الشباب الجزائري على أن تُعلن النقد مشروعاً لا مجرد مزاج، وأن تجعل منه أساساً للنهضة، وركناً من أركان البناء الحضاري.

النقد في المشروع الباديسي لم يكن تنظيراً عابراً في معزل عن الممارسة؛ كان رؤية للوجود وللاجتماع الإنساني. إنه فعل ثلاثي الأبعاد: رؤية سياسية تحدد الواقع وتفككه، وإرادة تهذيبية تعيد بناء الإنسان الذي استهلكه الاستبداد والجمود، ومنهج عقلي وأخلاقي يضبط إيقاع التغيير ويحميه من الانزلاق إلى فوضى الانفعالات. وكأن ابن باديس ورفاقه أدركوا، في لحظة تأسيسية، أن الضوضاء التي تحدثوا عنها هي ذاتها طوفان العواطف غير المروَّضة حين تختلط بالجهل، وأن الملوكية بكل تجلياتها تبدأ من لحظة تعطيل النقد في العقول قبل أن تترسخ في مؤسسات الدولة. لذلك قدموا لنا، في بضعة أعداد من جريدتهم، نموذجاً تطبيقياً نادراً: كيف نبني العقل الناقد بالقدوة؟ وكيف نُعرّي الاستبداد بمنطقه هو؟ وكيف نمارس النقد بوصفه خدمة للحق والوطن لا عداوة للآخرين؟

من خلال هذا المقال سنحاول الامساك بتلك اللحظة الفلسفية التأسيسية واستنطاقها. وسنقرأ المبادئ الثلاثة الكبرى التي أعلنتها الجريدة في عددها الأول قراءةَ من يبحث عن الأسس لا عن الشعارات. ثم نتتبع تجلياتها في نصوص العددين الثاني والثالث، إننا بإزاء مشروع لم يكتمل لأنه توقف عند العدد الثامن عشر، لكنه بقي حياً لأنه أودع في الضمير الجزائري سؤالاً لا يموت: كيف ننتقد لنحيا؟

العدد الأول: العقد النظري للمشروع النقدي

حين نفتح العدد الأول من «المنتقد»، لا نواجه مجرد افتتاحية صحفية، بل نواجه وثيقة تأسيسية تعلن وعياً نظرياً متكاملاً. لقد اختارت الجريدة أن تعرّف نفسها للقارئ منذ اللحظة الأولى: «جريدة سياسية تهذيبية انتقادية». هذه التسمية ليست وصفاً عابراً، بل هي إعلان عن بنية فكرية محكمة، يتكامل فيها النقد مع التهذيب والسياسة في مثلث لا يقبل التجزئة (المبدأ السياسي، المبدأ التهذيبي، المبدأ الانتقادي).

المبدأ السياسي

المبدأ السياسي في العدد الأول، هو نص استراتيجي من ثلاث طبقات متداخلة، تشكل معاً نظرية متكاملة في الفعل السياسي النقدي. إنها الطبقات التي تصنع موقفاً لا مجرد رأي.

الطبقة الأولى: فيها تأكيد على ان الهوية مصدر للقوة المعنوية « فلأننا مسلمون » ليست عبارة تعصب، بل هي إعلان عن مورد ذاتي لا يُنزع: الدين بوصفه «قواماً» أخلاقياً و«قوة عظيمة لا يستهان بها». ابن باديس هنا لاينطلق من نقطة ضعف بل من قوة الاعتزاز بالإسلام وهو لا يضع الدين في مواجهة الدولة، بل يؤسس لتمييز منهجي: «لا نعني بهذا أن نخلط بين الدين والسياسة... ولا أن يتداخل رجال الدين في سياستنا». هذا تمييز نقدي دقيق: يحول الدين الى مصدر للقيم وللتماسك، لا أداة للحكم الثيوقراطي. إنه يريد أمة متماسكة الضمير، لا دولة رجال دين.

الطبقة الثانية: القومية كإرادة للنهوض – « ولأننا جزائريون» ينتقل من البعد الروحي إلى البعد الوطني. «لم شعث الأمة الجزائرية» و«إحياء روح القومية» انه يؤسس لمشروع للاستقلال الحضاري. يربط فيه بين القومية والنهوض المعرفي يخاطب الأمة الجزائرية من خلال: «ترغيبهم في العلم النافع والعمل المفيد». وهنا يظهر النقد الخفي: الأمة الجزائرية ليست «ضعيفة ومتأخرة» لأنها تفتقر إلى الموارد، بل لأنها لم تستكمل وعيها بذاتها كأمة لها «حق الحياة والانتفاع في العالم». وهو يربط هذا الحق بواجب: «خدمة الإنسانية».

الطبقة الثالثة: الاستعمار كتناقض يجب كشفه – « ولأننا مستعمرة» وهنا تكمن العبقرية النقدية. لا يقول: «نحن ضد فرنسا»، بل يقول بالحرف: «نسعى لربط أواصر المودة... وتحسين العلائق». لكنه يتابع فوراً بما يشبه التقرير القانوني: «إن الأمة الجزائرية قامت بواجبها نحو فرنسا في أيام عسرها ويسرها... ومع الأسف لم نرَ الجزائر نالت على ذلك ما يصلح أن يكون جزاءها». هذا هو النقد بالمبدأ: أنتِ، أيتها الجمهورية، تدَّعين «الحرية والمساواة والأخوة»، ونحن نطالبك بهذه المبادئ تحديداً: «رفع مستوانا العلمي والأدبي بتعميم التعليم... وتشريكنا تشريكاً صحيحاً سياسياً واقتصادياً». إنه يُلزم فرنسا بمنطقها، لا بمنطقه هو.

ثم تأتي الجملة الأخطر: «لقد قامت فرنسا بما يناهز القرن في الجزائر... غير أنها – ويا للأسف – ليست لها تلك الأيادي ولا نصفها في تحسين حال الأهالي العلمي والأدبي». إنه يشهد بالمنجز المادي (الأمن، العمران، الاقتصاد) لينزع عنها شرعية الفراغ الروحي والعلمي الذي تركته. ثم يضع يده على الجرح النرجسي لفرنسا: «مع الذي يناسب سمعة فرنسا ومبادئها». والخيط الناظم هنا هو: «الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء» فالمبدأ السياسي ليس مهادنة ولا استسلاماً، بل هو نقد استراتيجي يُمسك المستعمِر من لسانه. إنه يترجم الشعار المؤسس إلى خطة عمل: الحق (المبادئ المعلنة) يُوضع فوق كل أحد (بما في ذلك الدولة المستعمِرة)، والوطن (الجزائر كأمة حية) يُوضع قبل كل شيء (بما في ذلك المصالح الضيقة). إنه نقد يرفض أن يكون ضجيجاً، ويختار أن يكون مرافعة عقلية وأخلاقية. وهكذا، يتحول «المبدأ السياسي» من مجرد بند في افتتاحية، إلى مختبر للنقد التأسيسي.

المبدأ التهذيبي

إذا كان المبدأ السياسي قد حدد ساحة المواجهة ورسم استراتيجية النقد من الداخل، فإن المبدأ التهذيبي يجيب عن سؤال أعمق: من هو الإنسان القادر على هذه المواجهة؟ وأين يُصنع؟ الجواب في هذا النص الذي ينقلنا من معركة السياسة إلى معركة الوعي. إنه ليس دعوة وعظية إلى «الأخلاق»، بل هو نظرية نقدية متكاملة في بناء الذات القادرة على النقد. حيث يبدأ النص باستعارة أنثروبولوجية دالة: «كما تحتاج الأبدان إلى غذاء من المطعوم والمشروب كذلك تحتاج العقول إلى غذاء من الأدب الراقي والعلم الصحيح». هذه ليست بلاغة، بل موقف فلسفي. ذلك ان الدماغ ليس آلة جاهزة، والعقل كملكة تفكير كائن حي ينمو أو يضمر، يُغذَّى أو يُجوَّع. والمشروع الإصلاحي كله يقوم على هذه الفرضية: أن العقول الجزائرية قد جُوِّعت زمناً طويلاً بالجهل والخرافة، وأن النقد لا يمكن أن ينبت في تربة جدباء. فأن تُغذّي العقول معناه أن تصنع الشروط الحيوية لإمكان النقد ذاته. ثم ينتقل النص من الفرد إلى الجماعة: «ولا يستقيم سلوك أمة وتنقطع الرذيلة من طبقاتها وتنتشر الفضيلة بينهم إلا إذا تغذت عقول أبنائها بهذا الغذاء النفيس». هنا يكشف النص عن منطقه النقدي العميق: المشكلة ليست في «الرذيلة» فقط، بل في أنها عرض لمرض أعمق هو سوء تغذية العقول. إصلاح الأمة لا يكون بتكثير الوعاظ، بل بتغيير «نظام الغذاء العقلي» كله. وهذا نقد مزدوج: نقد للرذيلة الظاهرة، ونقد للتصور الساذج الذي يظن أن محاربتها تكون بالخطاب وحده. وذلك بالانفتاح كممارسة نقدية: «من صحف الشرق والغرب وأقلام كتاب الوطن وهنا يأتي أحد أخطر أبعاد هذا المبدأ: «فنحن ننشر المقالات العلمية والأدبية وكل ما يغذي العقول من منظوم ومنثور من صحف الشرق والغرب وأقلام كتاب الوطن». هذا الانفتاح على «الغرب» هو في ذاته ممارسة نقدية في وجه موقفين: موقف المنغلقين الذين يرون في الانفتاح خيانة، وموقف المستعمِر الذي يحتكر العقل والعلم. ولا يتحقق هذا الهدف الا من خلال تفكيك الخرافة ونقد الذات ومقاومة «البدع التي أدخلت على الدين «نحارب بالخصوص البدع التي أدخلت على الدين الذي هو قوام الأخلاق فأفسدته». هذا نقد ذاتي موجع وضروري. ثم يختم النص بقاعدة منهجية جامعة: «فلسنا مع الجامدين في جمودهم ولا مع المتنطعين في طفرتهم وتنطعهم والوسط العدل هو الذي نؤيده وندعو إليه». وهو موقف نقدي بالغ الصعوبة: أن تنتقد فريقين في آن، وأن ترفض أن تكون أسير ثنائية «التراث ضد الحداثة». فالنقد الباديسي هنا جدلي: يحفظ من التراث ما كان «حسناً وموافقاً لحالنا»، ويأخذ من الغرب ما كان صالحاً، ويرفض من التراث ما كان بدعة، ومن الغرب ما كان «قبيحاً أو مبايناً لمجتمعنا». إنه نقد مستمر، لا يستريح إلى جاهزية أي جواب.

المبدأ الانتقادي

لعل أخطر ما في هذه الوثيقة التأسيسية هو التعريف الدقيق لمجال النقد. لقد حدد ابن باديس مبدأه الانتقادي بقاعدة منهجية صارمة: النقد يتوجه إلى الأعمال العامة والأدوار التي يباشر بها الأفراد شؤون الأمة، لا إلى أشخاصهم في خصوصياتهم. يقول النص بوضوح لافت: «فأما صفاتهم الشخصية وأعمالهم الخاصة فلا... لا يجوز لنا أن التعرض لها بشيء». وفي هذا الضابط يكمن سر الفعل النقدي الباديسي كله: إنه نقد مؤسساتي ووظيفي، لا تشهيري ولا شخصي. ثم يضيف قاعدة إجرائية: «فإذا نظر من الناس إلى أعمالهم لا إلى أشخاصهم». هذه القاعدة هي التي تفسر لماذا استطاعت «المنتقد» أن تنتقد الحكام والقضاة والعلماء دون أن تتحول إلى ساحة للتصفية، ولماذا قال ابن باديس لاحقاً لأحد منتقديه: «تخطأ الخطأ الفاضح إذا توهمت أن المنتقد عدو أحد». النقد هنا محكوم بأخلاق تجعله ممكناً ومحمياً من الانزلاق.

وحدة السياسي والتهذيبي والانتقادي

لا نقرأ هذه المبادئ الثلاثة قراءة صحيحة إذا تصورناها ثلاثة أقسام منفصلة. إنها في الحقيقة طبقات متداخلة في بناء واحد: السياسي يحدد الموقع ويصف الداء، والتهذيبي يبني الذات التي ستتصدى للداء، والانتقادي يضبط الأداة التي ستستخدمها تلك الذات في فضاء السياسة. إنها دورة متكاملة: لا سياسة بلا إنسان مهذب، ولا تهذيب بلا قدرة على نقد الذات والواقع معاً، ولا نقد بلا أخلاق تحميه من التحول إلى إرهاب فكري أو «ضوضاء» (كما سيأتي في العدد الثالث).

وهكذا، يخرج العدد الأول من كونه مجرد تصدير لصحيفة، ليصبح عقداً نظرياً يحدد بدقة: لماذا ننتقد؟ (للحق والوطن)، ماذا ننتقد؟ (الأدوار العامة المختلة)، وكيف ننتقد؟ (بالتمييز بين العام والخاص، وبالبناء التهذيبي الموازي). وما الأعداد التالية إلا تجسيد عملي لهذا العقد، كما سنرى في المحاور القادمة.

المبدأ التهذيبي من منظور مقال «عظماء الرجال وشغف الناس بهم»

إذا كان العدد الأول قد أعلن أن العقول «تحتاج إلى غذاء من الأدب الصحيح والعلم الصحيح»، فإن العدد الثاني قدم لنا، دون ضجيج، نموذجاً تطبيقياً لهذا الغذاء في أسمى صوره: النقد بالقدوة. في مقاله «عظماء الرجال وشغف الناس بهم»، لم يختر محمد التهامي التيضامي (الترجمان) أن يكتب مقالاً مباشراً في ذم الجهل أو التقليد أو الجمود، بل اختار – بتوجيه من روح المشروع الباديسي – أن يبني عقلاً ناقداً بطريق غير مباشر: أن يضع أمام القارئ نماذج إنسانية رفيعة، ويدعوه إلى التأمل والمحاكاة. وفي هذا الاختيار تكمن عبقرية الدرس النقدي الأول.

لقد أدرك المشروع الباديسي مبكراً أن الإنسان لا يعيش بلا قدوة. فإذا أفرغت عقله من القدوة المنحطة، ولم تملأه بقدوة سامية، بقي في فراغ روحي وعقلي يملؤه أول ناهب. لذلك لم يمارس النقد هنا بوصفه هدماً للموروث الفاسد وحده، بل بوصفه بناءً لنسق بديل كامل من النماذج. يقول المقال: «المرء في قطع أدوار حياته لا يكتفي بمجالسة أقرانه... بل يحاول ما هو أرفع من ذلك وأنفس... يحاول التشبه بعظماء الرجال الذين ابتهج بهم التاريخ». هذه فلسفة نقدية كاملة: أن تُخرج الإنسان من أفق المألوف المنحط إلى أفق العظمة الإنسانية؛ وحين يفعل، يصبح قادراً تلقائياً على نقد واقعه لأنه صار يمتلك معياراً أعلى يقيس به.

ان النقد بالمقارنة الحضارية من أخطر ما في هذا المقال فهو يمارس النقد بالمقارنة الحضارية الواثقة، لا بالعزلة المنغلقة. إنه لا يخشى أن يضع في قائمة «العظماء» سقراط وأفلاطون ونيوتن وديكارت وباستور إلى جوار الفارابي وابن سينا وعمر بن الخطاب رضي الله عنه. وهذا التجميع ليس سذاجة انبهار بالغرب، بل هو نقد مزدوج: نقد للذات التي تظن أن العظمة وقف على أجدادها وحدهم فتركت إلى الماضي، ونقد للاستعمار الذي يدَّعي احتكار الحضارة. كأن المقال يقول للقارئ: العظمة الإنسانية مشاع، فخذ منها ما يبنيك، وقس عليها واقعك لترى تخلفه. وهكذا يصبح الانفتاح الواعي شرطاً للنقد، لا استلاباً. ولم يمارس المقال نقده للواقع في الفراغ، بل وجه بوصلته نحو الفئة الأكثر قابلية للتشكل: الشباب. يقول: «إذا كانت هكذا أهمية التشبه بعظماء البشر عند مطلق الناس فما عسى أن تكون عند الأولاد الصغار خاصة؟» ثم يحلل: «لأن حبه لذاته لم يأخذ وقتئذ ما أخذه منه... ولأن مخيلته فائضة على جميع مشاعره». هنا يكتمل الدرس النقدي: النقد ليس مجرد تشخيص لعلل الحاضر، بل هو رهان على المستقبل. إن توجيه النقد إلى عقول لا تزال لينة قابلة للتشكيل أجدى من الصراخ في آذان صماء. إنها استراتيجية النقد البعيد المدى، الذي يزرع اليوم ليحصد بعد جيل. ثم يختم المقال بإشارة منهجية بالغة الذكاء: «ولنا والحمد لله تاريخ مفعم بفطاحل الرجال... فسيرة سيدنا عمر مثلاً وحدها كافية». هذه العبارة ليست استطراداً عاطفياً، بل هي ممارسة نقدية موجعة. حين أذكِّر شباب اليوم بعمر، فأنا لا أمجد الماضي لذاته، بل أنقد الحاضرَ الذي لم يعد ينجب «عُمَراً»، وأقول له بصوت خفيض: أين أنت من هذا المعيار؟ وهكذا يتحول التاريخ من مخدر يعطل الهمم إلى معيار نقدي يوقظها.

وبهذا، يكون العدد الثاني قد أنجز أول تطبيق للمبدأ التهذيبي: نقد للواقع المنحط بالقدوة لا بالخطاب المباشر، بناء للعقل الناقد بالتوجيه الهادئ نحو نماذج السموّ، لا بالتوبيخ والتقريع. وهو ما يمهد، منطقياً، للعدد الثالث حيث سيأخذ النقد شكله السياسي الصريح.

المبدأ السياسي من منظور مقال «الملوكية ضمن الجمهورية»

إذا كان العدد الثاني قد علَّمنا كيف ننتقد بالقدوة، فإن العدد الثالث يأخذنا إلى قلب العتمة: نقد السلطة التي تحتكر الحق والمصير. في مقاله «الملوكية ضمن الجمهورية!!»، لا يقدم مبارك الميلي مجرد تحليل سياسي، بل ينفِّذ، بقسوة المنطق ووضوح الرؤية، المبدأَ السياسي الذي أعلنه العدد الأول. إنه يمسك المستعمِر من كلمته، ويكشف عن التناقض الصارخ بين شعار «الجمهورية» وواقع «الملوكية»، في عملية نقد من الداخل تجرِّد الاستعمار من قناعه الحضاري. وتحاصر فرنسا بديمقراطيتها ولفهم العمق الاستراتيجي لهذا المقال، لا بد أن نضعه في سياق التصريح المؤسِّس للعدد الأول: «نعمل لسعادة الأمة الجزائرية بمساعدة فرنسا الديموقراطية». هذه العبارة ليست استجداءً ولا تملقاً، بل هي فخ أخلاقي وقانوني. إنها تقول لفرنسا: أنتِ تدَّعين الديمقراطية، وهذا هو منطق الديمقراطية، فأين أنتِ منه في جزائرنا؟ مقال الميلي هو الجواب الصاعق على هذا السؤال. إنه ينتزع قناع «الجمهورية» ليكشف تحتها «ملوكية» بالية، ويثبت أن الاستعمار لا يحكم الجزائريين بمبادئ الثورة الفرنسية، بل بمنطق القهر الذي يسبق تلك الثورة بقرون. وأولى خطوات النقد الباديسي في السياسة هي التعريف الدقيق. الميلي لا يصف «الملوكية» وصفاً عاطفياً، بل يعرّفها تعريفاً يكشف جوهرها: «نظام بالٍ... يسمح للقائم بحفظه... أن يستبد على الأمة في شؤون حياتها... ولا يسمح للأمة بنقد ما قرر لسعادتها أو شقائها». فالملوكية ليست مجرد حكم فرد، بل هي أي نظام يمنع الأمة من ممارسة النقد على ما يُقرَّر لها. بهذا التعريف، يتحول النقد من كونه حقاً سياسياً إلى كونه حدّاً فاصلاً بين الحرية والاستعباد. الأمة التي لا تنتقد ليست محكومة فحسب، بل هي مستعبَدة وجودياً. ثم ينتقل النقد من التعريف إلى التحليل. الميلي لا يكتفي بوصف القهر الظاهر، بل يخترق الأقنعة ليكشف عن آليات أخطر: إفساد النخبة. يقول: «وقد يكون في الأمة عظماء ذوو اتباع ونفوذ يخشى الملك مخالفتهم... فيلاطف أهواءهم ويسمع أقولهم سماعاً لا يزيد على مقدار تأثيرهم في الأمة». ان الاستبداد لا يحتاج دائماً إلى السوط، بل يكفيه أن يروِّض النخبة بالمناصب، ويمنحها وهماً بالمشاركة، ويفرغ صوتها من أي أثر حقيقي. وهنا يصبح النقد الباديسي نقداً مزدوجاً: نقداً للحاكم المستبد، ونقداً للنخبة التي تقبل هذا الدور المسلوب الإرادة. واهم ما في تحليل الميلي أنه لا يفصل بين البنية السياسية والبنية الحضارية. إنه يربط بين «ضيق المملكة» (أي الاستبداد) ونتيجته الحتمية: «يمد الفقر رقابته لمعاقة تلك الأمة، والفقر والجور أحدق دليل على فساد الاخلاق واحسن معول لهدم صرح المجد وأعطف ريح لاقتلاع أصول المروءة». هذه ليست مبالغة بلاغية، بل قانون حضاري: حيث يُمنع النقد، ينتشر الفساد، ويزول الإنتاج، وتنهار الأخلاق. إنه نقد كلي يرى في غياب النقد السياسي سبباً مباشراً للخراب الشامل، لا مجرد خطأ في أسلوب الحكم. ثم يوجه الميلي نظره إلى الأمة نفسها: «نظام الملوكية هو النظام الواحد الذي عرفه الإنسان الأول لذلك نراهم إذا أنفوا من البقاء تحت دولة وأمكنهم ضعفها من رغبتهم أسسوا نهضتهم على قواعد الملك». هذا نقد ذاتي قاسٍ ومربك: المشكلة ليست في هذا المستبد أو ذاك فحسب، بل في العقلية التي تختزن «الملوكية» كنظام أوحد للحكم، فما إن تتحرر الأمة من مستبد حتى تلد آخر على صورته. وبهذا يصل النقد الباديسي إلى أعمق طبقاته: إنه نقد للبنية الذهنية المنتجة للاستبداد، لا فقط للأشخاص الذين يمارسونه. وهذا هو شرط الإصلاح الحقيقي: أن ننتقد «الملوكية» التي تسكن فينا نحن أيضاً.

وهكذا، يكون العدد الثالث قد أنجز التطبيق العملي للمبدأ السياسي: نقد للاستعمار من داخل نسقه القيمي، تفكيك لميكانيزمات القهر، تحليل للثمن الحضاري للصمت، ونقد ذاتي يمنع المشروع من السقوط في وهم المؤامرة الخارجية وحدها.

أخلاق النقد في الممارسة

بعد أن رأينا كيف تجسد المبدأ التهذيبي في بناء القدوة، وكيف تجسد المبدأ السياسي في تفكيك الاستبداد، نصل إلى السؤال المنهجي الأهم: كيف يُمارس هذا النقد؟ وكيف يحمي المشروعُ الإصلاحي نفسَه من آفة النقد ذاته؛ من أن يتحول إلى «ضوضاء» أو إلى استبداد جديد؟ الجواب في العدد الثالث نفسه، حيث نجد نصين متكاملين: الأول تنظيري، والثاني تطبيقي. معاً، يشكلان «المختبر العملي» للمبدأ الانتقادي.

الأول افهموا ثم إن شئتم فانقموا حيث يضع ابن باديس قاعدة منهجية صارمة. إنه يشخِّص الداء أولاً: «من الناس قوم لا يقرؤون أو يقرؤون ولا يفهمون أو يفهمون ولا يتأملون ثم يسارعون فيغضبون ويصخبون». هذا توصيف دقيق لثلاثية التخلف والتبلد الفكري: الجهل، الفهم السطحي، غياب التأمل. والنتيجة واحدة: «تضيع الحقائق بين هذه الضوضاء». ثم يأتي الدواء في جملة جامعة: «يا هؤلاء السادة إذا أردتم الحق والإنصاف فافهموا ثم إذا شئتم فانقموا». إنه دستور كامل: الأولوية للعقل على العاطفة، وللتأمل على رد الفعل. بل إن ابن باديس يذهب إلى أبعد من ذلك حين يضيف: «فإنكم ربما لو فهمتم لما نقمتم». هذه هي الوظيفة القصوى للنقد الإصلاحي: أن يحل المشكلة من جذورها بإزالة سوء الفهم، لا أن يكتفي بالتعبير الصاخب عن الرفض. وعبقرية ابن باديس لا تكمن في التنظير وحده، بل في أنه يعلِّم بالقدوة. في ركن «ملاحظاتي» من العدد الثالث، ينشر رسالة من أحد القرَّاء، هو السيد «ابن وطاف»، ويعقِّب عليها نقطة بنقطة. هذا الرد القصير هو مصغَّر لكل ما ندَّعيه عن النقد الباديسي.

- أولاً: مبدأ الانفتاح وحرية النقد. ينشر الرسالة «على ما فيها من خلط وغمز وهمز»، لأن المبدأ فوق الشخص. هذا تجسيد لإعلان العدد الأول أن النقد للجميع، وأن «المنتقد» ليست نادياً مغلقاً.

- ثانياً: نقد النقد بالفهم لا بالغضب. يلتقط ابن باديس نقطة سياسية حساسة، وبدل أن يثور أو يسخر، يصحِّح بهدوء: «البت النهائي في المسألة موقوف على ما يقرره مجلس الحكومة». ثم يضيف ملاحظته النقدية اللاذعة ولكن المهذبة: «سياستكم... لا يدركها إلا المحنكون... خصوصاً إذا كانوا في الشهور الأولى من اتصالهم بها وفي نشوة الطرب بمعرفتها». إنه يطبِّق حرفياً: «افهموا ثم انقموا». هو ينتقد خصمه لا لأنه اختلف معه، بل لأنه أصدر حكماً قبل أن يفهم بعمق.

- ثالثاً: نقد الذات والتواضع. الجملة التي قد لا يلتفت إليها كثيرون هي: «لا يستحيل أنكم قد تغلطون». هذا اعتراف ضمني بأن «المنتقد» نفسها ليست معصومة. هذا هو الشرط الأخلاقي الذي يمنع النقد من التحول إلى وصاية: أن تعترف أنك أيضاً تحتمل الخطأ.

- رابعاً: نفي منطق العداوة. ربما كانت العبارة الأهم في الرد كله هي: «تخطأ الخطأ الفاضح إذا توهمت أن “المنتقد” عدو أحد». بهذا يكمل ابن باديس بناء فلسفة النقد: النقد ليس حرباً، وليس تصفية حسابات، وليس بحثاً عن أعداء. إنه خدمة للحق والوطن، حتى للمنتقَد نفسه.

- خامساً: دعوة إلى الاستمرار. وأخيراً، يختم الرد بدعوة السيد «ابن وطاف» إلى معاودة الكتابة، مع «كل إخلاص واحترام». بهذا، يتحول النقد من طقس إقصائي إلى عملية تربوية متواصلة. ابن باديس لا يريد أن يصمت منتقدوه، بل يريدهم أن يصبحوا ناقدين أفضل.

وهكذا، لا يكون العدد الثالث قد قدم نقداً سياسياً للاستبداد فحسب، بل قدم، في الآن نفسه، نموذجاً عملياً لنقد لا يستبد. إنه نقد يمارس على نفسه ما يطالب به غيره، ويحمل في داخله مصلحاته الذاتية ضد «الملوكية» التي قد تتسلل إلى الناقد نفسه.

اليوم نحن نقف، بعد مائة عام من تلك اللحظة التأسيسية، لنطرح السؤال الذي ربما كان ابن باديس يوجهه إلينا من خلال أسطر «المنتقد»: ماذا فعلنا بالنقد؟ لقد رأينا كيف أن المشروع الإصلاحي لم يكتفِ برفع شعار النقد، بل بنى له عقداً نظرياً في العدد الأول، وجسَّده في العدد الثاني بناءً تهذيبياً بالقدوة، وفي العدد الثالث تفكيكاً سياسياً للاستبداد، ثم تكلل كله في العدد الثالث ذاته بدرس تطبيقي في أخلاقيات النقد. أربع حلقات، في ثلاثة أعداد فقط، تكفي لتشييد نظرية متكاملة في النقد الإصلاحي: تعرف لماذا تنتقد، وماذا تنتقد، وكيف تنتقد، والأهم: كيف تحمي نقدك من أن يتحول إلى وبال على صانعيه.

لقد أثبتت قراءتنا التتبعية هذه أن النقد في مشروع ابن باديس لم يكن مجرد «ركن» من أركان الجريدة، بل كان العمود الفقري الذي انتظمت عليه المبادئ كلها. السياسي حدَّد ساحة المواجهة وجرَّد المستعمر من قناعه بمبادئه هو، والتهذيبي بنى الإنسان القادر على المواجهة، والانتقادي ضبط إيقاع المواجهة وحماها من فوضى الانفعال و«الضوضاء». بهذا التكامل تحول النقد من مزاج عابر إلى منهج حياة، ومن سلاح في يد الغاضبين إلى خدمة للحق والوطن.

ولعل إيقاف «المنتقد» عند العدد الثامن عشر، وهو العدد نفسه الذي توقفت عنده «العروة الوثقى»، لم يكن نهاية المشروع، بل كان اكتمالاً لدورته الأولى. لقد أودعت تلك الأعداد القليلة في الضمير الجزائري بذرة نقدية لم تمت، بل انتظرت من يسقيها. وها نحن اليوم، في زمن تسوده «الضوضاء» التي حذَّر منها ابن باديس، وتتجدد فيه «الملوكية» بأقنعة مختلفة، وتضيع فيه الحقائق بين «الغضب والصخب»، نكتشف أن أسئلة «المنتقد» ما تزال أسئلتنا: كيف ننتقد لنحيا، لا لنفني بعضنا بعضاً؟ كيف نمارس نقداً يبني ولا يهدم؟ وكيف نستعيد ذلك النقد التأسيسي الذي كان يرى في الفهم العميق شرطاً للنقمة الراشدة؟

لعل الجواب ما يزال حيث تركته «المنتقد»: في أن نجرؤ على النقد، ولكن بشجاعة العقلاء لا بتهور الغاضبين. في أن نفتح صدورنا للنقد المضاد، كما فتح ابن باديس صدره لرسالة «ابن وطاف». في أن نمارس على أنفسنا النقدَ الذي نمارسه على غيرنا. وفي أن نتذكر، مع كل كلمة نكتبها أو نقولها، قولَ الرجل الذي لم يجعل من «المنتقد» عدوّاً لأحد، بل مرآةً لأمة تريد أن ترى وجهها الحقيقي لتنهض.

***

الأستاذ: عمرون علي

في لحظة عادية من يوم عادي، يكفي أن تنطفئ الكهرباء لثوانٍ حتى يتغير كل شيء في الغرفة؛ فرغم أن الأشياء نفسها، والوجوه نفسها، إلا أن الإحساس بها يتبدل بشكل كامل. إن الضوء، إضافة إلى كونه الوسيلة التي تجعلنا نرى الأشياء من حولنا، يحدد كذلك طريقة رؤيتنا لها. هذه الحقيقة البسيطة التي يعيشها الإنسان يومياً، هي ذاتها التي يستند إليها العقل وهو يحاول فهم أكثر الأفكار تجريدًا.

العقل عندما يفكر يستعير من العالم الذي يراه أمامه. وعندما يحاول أن يفهم معنى مثل الهداية أو المعرفة، فإنه يعود بشكل تلقائي إلى أكثر تجربة حسية رسوخًا فيه: الرؤية. هنا يظهر الضوء، لا كظاهرة فيزيائية فقط، بل كنموذج إدراكي يعيد العقل استخدامه لتنظيم المعنى. وقد أشار لايكوف إلى أن الأنظمة المفاهيمية لدى الإنسان ترتكز جزئيًا على أنماط حسية متجذّرة في بنيته العصبية (Lakoff, 2012)، وهو ما يجعل الضوء أحد أكثر النماذج حضورًا في التفكير الإنساني.

لهذا السبب، عندما يتحدث الإنسان عن الفهم، فإنه يقول اتضحت الصورة، وعندما يعجز يقول الأمر غامض. تمثل هذه التعابير آثارًا مباشرة لطريقة عمل الإدراك، وتتجاوز كونها مجرد استعارات لغوية عابرة. وقد بيّنت دراسات في علم النفس المعرفي أن الارتباط بين الضوء والمعرفة، وبين الظل والغموض، ليس اعتباطيًا، بل يدخل في تشكيل الأحكام العاطفية والمعرفية (Crawford, 2009).

في نظرية النظم العامة عند برتالانفي (1968)، التي تشير إلى إمكانية وجود تماثلات بنيوية بين أنظمة مختلفة رغم اختلاف طبيعتها، حيث يمكن ملاحظة تشابه في أنماط التنظيم دون افتراض وحدة القوانين أو تطابقها. هذا يفتح المجال لفهم كيف يمكن لنموذج مثل الضوء أن يُستخدم كإطار إدراكي لفهم مجالات غير فيزيائية. وهو ما عبر عنه بالتشاكل البنيوي. 

ومن هنا، نفهم نقطة جوهرية كيف يتجلى في القرآن الكريم التشاكل البنيوي بين البصر كبصيرة معرفية والنور كضوء فيزيائي، حيث يستخدم القرآن النور والظلمات كأدوات معرفية لبناء المعنى. حين يرد النور في سياق الهداية، فهو لا يقدّم صورة شعرية عابرة، إنما يستدعي تجربة إدراكية كاملة يعيشها الإنسان في كل مرة يرى فيها الطريق بعد عتمة. وقد أظهرت دراسات حديثة أن مفهوم النور في القرآن يعمل كمجال دلالي ينقل معاني معرفية وروحية تتجاوز المعنى الحسي المباشر (Elamin & Alhazmi, 2021).

والمعجز في البلاغة أن هناك نظامًا داخليًا دقيقًا غير ملاحظ في الحالة العادية للفهم والتفسير ولكن الكشف العميق يظهر أن النور يأتي في كثير من المواضع بصيغة المفرد، بينما تتكرر الظلمات بصيغة الجمع، في إشارة دلالية إلى وحدة الحقيقة في مقابل تشتت مسارات الضلال، وهو ما رصدته تحليلات لغوية حديثة بوصفه بنية تنظيمية داخل النص (Ramadan, 2023). هذا النوع من البناء، يكشف عن انسجام عميق مع الطريقة التي يعمل بها العقل البشري.

ومع تطور العلوم المعرفية، بدأ الباحثون يلاحظون أن الدماغ لا يتعامل مع المفاهيم المجردة بمعزل عن الخبرة الحسية، حيث تشير بعض الدراسات إلى وجود تداخل بين معالجة المفاهيم والنشاط في مناطق مرتبطة بالإدراك الحسي، خاصة البصري (Landau et al., 2010). هذه النتائج لا تعني أن التفكير هو مجرد صورة ضوئية داخل الدماغ، لكنها توضح أن الإدراك يعيد استخدام أنماط مألوفة لبناء معانٍ جديدة.

هذا ما أسميته بـ “التفكير الضوئي”، حيث يعمل العقل على تنظيم الخبرة عبر نماذج مثل الضوء والظل، فيحوّل الرؤية إلى أداة للفهم. وعندما يستخدم القرآن هذه اللغة، فإنه يخاطب الإنسان من داخل بنيته الإدراكية، فيجعل المعنى قريبًا دون أن يفقد عمقه.

الأمر يمتد إلى الطريقة التي يفكر بها الإنسان في حياته اليومية، حيث يستخدم الضوء ليحكم على الأشياء، وعلى الناس، وعلى نفسه أحيانًا. ومع أن الدراسات الحديثة تشير إلى أن الإدراك يعتمد على أنظمة متعددة تشمل التمثيل الحسي والتجريد والتنبؤ (Kiefer & Pulvermüller, 2024)، فإن حضور النماذج الضوئية يبقى من أكثرها تأثيرًا واستقرارًا.

بهذا المعنى، لا يكون الضوء مجرد أداة للرؤية، بل يصبح طريقة في التفكير، ولا يكون الظل غيابًا، بل مساحة يتشكل فيها المعنى. وبين الضوء والظل، يتحرك العقل وهو يحاول أن يفهم، وأن يفسّر، وأن يجد طريقه وسط هذا العالم المعقّد.

***

الكاتب نبيل عيدو

تاملات في الوعي الجمعي

لم اكن اتصور في زمن تتكدس فيه المعارف بضغطة زر، ان افاجا بهذا السيل الجارف من الخرافة، يزحف على العقول كما لو اننا لم نغادر عصور الظلام قط. دهشتي ليست من وجود الخرافة ذاتها، فهي رفيقة الانسان منذ فجر التاريخ، بل من اتساع رقعتها، ومن هذا الانقياد الجماعي المذهل وراء اوهام تلبس ثوب العلم، وتسوق كانها خلاص سحري من الام الواقع. كاننا، رغم كل ما انجزه العقل البشري، ما زلنا نقف عند عتبة الوهم، نطرق ابوابه بلهفة، ونلوذ به كلما ضاقت بنا سبل الفهم.

ان الخرافة ليست مجرد فكرة عابرة او اعتقاد بسيط، بل هي بنية ذهنية قادرة على تشكيل الوعي، وتوجيه السلوك، واعادة انتاج الجهل في صور متجددة. والخطورة الحقيقية لا تكمن في جهل العوام فحسب، بل في انخراط بعض من يفترض انهم حراس المعرفة في ترويج هذا الزيف، فيختلط الحق بالباطل، ويضيع معيار التمييز بين العلم والوهم.

في المجتمع المصري، يبدو المشهد اكثر تعقيدا، اذ تتداخل الموروثات الشعبية مع الازمات الاجتماعية والاقتصادية، فيصبح الانسان اكثر قابلية للتعلق باي تفسير يخفف عنه قلقه، ولو كان زائفا. ومع غياب التفكير النقدي وضعف الثقة في المؤسسات العلمية، تتحول الخرافة الى بديل سهل، لا يتطلب جهدا ولا مساءلة، بل يمنح شعورا زائفا بالسيطرة والفهم.

ان ما يسمى بظاهرة ضياء العوضي ليست حادثة عابرة في تاريخ الوعي المصري، بل علامة فارقة على هشاشة البنية المعرفية حين تترك نهبا للوهم. لم يكن الرجل مجرد فرد يروج لوصفات زائفة، بل كان تجسيدا حيا لكيف يمكن للخرافة ان ترتدي قناع العلم، وان تتسلل الى العقول من اوسع ابوابها: باب الحاجة والخوف والالم.

كيف يمكن لخطاب فارغ، محمل بنبرة يقين زائفة، ان يخلق حوله هالة من التصديق الجماعي؟

ونحن هنا في ظاهرة العوضي لا نتعامل فقط مع خطاب زائف، بل مع سلطة معرفية مستعارة من لقب "الطبيب"، وهو ما يمنح الوهم شرعية مضاعفة. فحين يتكلم غير المختص، يظل كلامه في دائرة الهامش، اما حين يتحدث من يفترض فيه العلم، فان الكارثة تتضاعف، لان الثقة تتحول الى اداة تضليل، والعلم الى غطاء للدجل.

ومن منظور فلسفي، يمكن القول ان هذه الظواهر تكشف عن ازمة اعمق: ازمة الانسان حين يفقد قدرته على التمييز بين المعرفة والاعتقاد، بين الدليل والانطباع، بين الحقيقة وما يراد له ان يبدو كذلك. انها لحظة ينكفئ فيها العقل، لا لانه عاجز، بل لانه مثقل بالخوف والرغبة في الخلاص السريع.

والمفارقة المؤلمة ان هذا الانتشار لهذه الظاهرة لا يحدث في الخفاء، بل في العلن، وعلى منصات يفترض انها فضاءات للمعرفة. يروج للوهم بوصفه "حقيقة مخفية"، وتقدم السذاجة على انها "شجاعة في مواجهة السائد"، فيعاد انتاج الجهل تحت لافتة التمرد. وهنا تتجلى الازمة في اقسى صورها: حين يصبح رفض العلم فضيلة، وينظر الى التفكير النقدي باعتباره ترفا او تعقيدا غير ضروري.

لقد ظننا، ربما بسذاجة، ان زمن قنديل ام هاشم قد انقضى، وان ذلك الصراع بين نور العلم وظلمة الخرافة قد حسم لصالح العقل. لكن الواقع يكشف ان القنديل ما زال مشتعلا، كدلالة على عناد الوهم، وقدرته على البقاء والتجدد، مهما تقدمت العصور.

ان مواجهة الخرافة لا تكون بالسخرية ولا بالتجاهل، بل ببناء وعي حقيقي، يعيد الاعتبار للعقل، ويرسخ قيمة السؤال، ويعلم الانسان ان الشك بداية المعرفة لا نهايتها. نحن لا نحتاج الى مزيد من المعلومات فحسب، بل الى شجاعة التفكير، والى مجتمع يحترم العلم لا لانه سلطة، بل لانه الطريق الوحيد للخلاص من هذا التيه.

فإما ان نختار ان نكون ابناء عصرنا، او نظل اسرى قناديل لا تنطفئ، لانها تعيش في داخلنا قبل ان تضاء في الخارج.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

الجُسيمات ما دون الذرية (كالإلكترونات) غير مُحدَّدة إن كانت جُسيمات أم موجات كما تؤكِّد على ذلك نظرية ميكانيكا الكمّ العلمية. ومن الممكن التعبير عن لا مُحدَّدية الجُسيمات ما دون الذرية من خلال القانون الفيزيائي التالي: الجُسيمات ما دون الذرية × صفر = برامج إنتاج للمعلومات × صفر. فبما أنَّ الجُسيمات ما دون الذرية × صفر = برامج إنتاج للمعلومات × صفر، إذن الجُسيمات ما دون الذرية = (برامج إنتاج للمعلومات × صفر) ÷ صفر. وبذلك الجُسيمات ما دون الذرية = صفر ÷ صفر. ولكن الصفر مقسوم على صفر نتيجته غير مُحدَّدة. بذلك الجُسيمات ما دون الذرية غير مُحدَّدة. هكذا ينجح القانون السابق في التعبير عن لا مُحدَّدية الجُسيمات ما دون الذرية مما يشير إلى صدق هذا القانون على ضوء نجاحه التعبيري.

ينجح القانون السابق أيضاً في تفسير إمكانية أن يوجد الجُسيم نفسه (كالإلكترون) في أمكنة مختلفة في الوقت عينه. فبما أنَّ الجُسيمات ما دون الذرية × صفر = برامج إنتاج للمعلومات × صفر، إذن الجُسيمات ما دون الذرية برامج مُنتِجة للمعلومات. ولكن البرنامج نفسه قد يوجد في أمكنة مختلفة في الوقت نفسه. لذلك من الممكن للجُسيم ما دون الذري أن يوجد في أمكنة مختلفة في الوقت عينه من جراء أنه برنامج إنتاج للمعلومات. من هنا، ينجح القانون السابق في تفسير إمكانية أن يوجد الجُسيم ما دون الذري في أمكنة مختلفة في الوقت نفسه. وعلى أساس هذا النجاح التفسيري يكتسب القانون السابق صدقه.

كما ينجح هذا القانون في تفسير التشابك الكمي بين الجُسيمات الذي مفاده أنَّ الجُسيمات ما دون الذرية تتشابك وتتواصل رغم تباعدها بمسافات هائلة. فبما أنَّ، بالنسبة إلى القانون السابق، الجُسيمات ما دون الذرية برامج إنتاج للمعلومات بينما من الممكن دمج برامج مختلفة في برنامج واحد فتتشابك وتتواصل، إذن من الممكن أن تندمج الجُسيمات ما دون الذرية فتتشابك وتتواصل وكأنها تشكِّل كينونة واحدة. هكذا ينجح القانون السابق في تفسير التشابك الكمي مما يدل على أنه قانون صادق.

قانون الجُسيمات السابق قانون علمي لأنه قابل للاختبار. فبما أنَّ الجُسيمات ما دون الذرية × صفر = برامج إنتاج للمعلومات × صفر وبذلك الجُسيمات برامج مُنتِجة للمعلومات، إذن إذا وُجِد جُسيم ما دون ذري بلا إنتاج للمعلومات فحينئذٍ القانون السابق كاذب. من هنا، القانون السابق قابل للاختبار مما يجعله قانوناً علمياً.

الجُسيمات ما دون الذرية برامج مُنتِجة لمعلومات حيال ذاتها كمعلومة أنها من المحتمل أن تكون جُسيمات ومعلومة أنها من المحتمل أن تكون موجات مما يجعلها تتصرّف وكأنها جُسيمات وموجات في آن. فمن جراء أنها برامج غير مُحدَّدة بمضامين مُسبَقة، تُنتِج الجُسيمات معلومات متعارضة كمعلومة أنه من المحتمل أنها جُسيمات ومعلومة أنه من المحتمل أنها موجات بدلاً من جُسيمات. والجُسيمات غير مُحدَّدة بمضامين مُسبَقة وإلا وُجِد مُحدِّد لتلك المضامين الذي يحتاج إلى مُحدِّد آخر (لكي يحدِّد المُحدِّد الأول) والذي بدوره يحتاج إلى مُحدِّد ثالث (لكي يحدِّد المُحدِّد الثاني) مما يؤدي إلى سلسلة لامتناهية من عمليات التحديد المستحيلة الحدوث لكونها سلسلة تحديد لامتناهية.

على ضوء الاعتبارات السابقة، الجُسيمات برامج مُنتِجة لمعلومات حيال ما يُحتمَل أن تكون مما يجعلها غير مُحدَّدة إن كانت جُسيمات أم موجات فالاحتمالات متعدّدة ومتعارضة. وإن لم تكن الجُسيمات برامج إنتاج للمعلومات، فحينئذٍ لن يتمكّن الجُسيم نفسه من التواجد في أمكنة مختلفة في الوقت نفسه (علماً بأنَّ البرنامج نفسه قد يتواجد في أمكنة مختلفة في الوقت عينه). وإن لم تكن الجُسيمات برامج مُنتِجة للمعلومات، فحينئذٍ لن تتمكّن من أن تتشابك (علماً بأنَّ البرامج المختلفة قد تندمج فتتشابك).

***

حسن عجمي

نواصل مع (ذي القُروح) رحلتنا حول شؤون الكتاب العَرَبي، التي بدأناها في المساق السابق. إذ سألته:

- تُرَى هل يهدِّد الكتاب الإلِكتروني الكتاب الورقي في الوقت الراهن؟

- سؤال التهديد هذا طُرِح أيضًا قديمًا حينما بدأ الإنسان يكتب أفكاره ولا يلقيها إلقاءً. بمعنى آخَر حين تحوَّلت الثقافة من الطَّور الشِّفاهي إلى الطَّور الكتابي. فجاء السؤال: هل ستهدِّد الكتابة الذاكرة والحافظة العِلميَّة والقُدرة الإبداعيَّة. فكان هناك هذا التوجُّس عينه- في ثقافتنا العَرَبيَّة، على سبيل النموذج- وكانت النظرة الدُّونيَّة إلى الكتابة والكتاب، وإلى الاعتماد على القلم والورقة. ولذلك نقرأ في تراثنا الانتقاص من العالِ-م الذي يعتمد على هذه التقنية الجديدة في وقتها، فجاءت عبارة مثل «فلان إنَّما عِلمه في قراطيس!» لأنَّ العالِ-م، بمقاييس ذلك العصر، هو الحافظ. ولذا ليس من فراغٍ أن نجد لقب (الحافظ) في تراثنا يتكرَّر. وكان يُنظَر إلى العالِ-م الذي يعتمد على المكتوب أنه مشكوكٌ في عِلمه.

- وحتى في الأدب، وفي الشِّعر تحديدًا، ل-مَّا بدأ بعض الشُّعراء يكتبون قصائدهم، كانوا يتخفَّون من الناس، ويخشون من أن يعلَم عنهم الجماهير أنهم يكتبون قصائدهم.

- صحيح، ويَحضرنا هنا نموذج الشاعر (ذي الرُّمَّة). وهو شاعرٌ أعرابيٌّ، أسلوبه يتعلَّق بالصحراء وبالبادية، أكثر ممَّا نعرفه حتَّى في الشِّعر الجاهلي. ولم-ا أخذ يكتب بعض شِعره، كان يتكتَّم على كتابته، ويتستَّر على ممارستها؛ لأنَّ الشاعر الذي يكتب القصيدة ليس بشاعر، بل الشاعر الشاعر هو الراوية، لشِعره وشِعر غيره. رُوي في هذا أنَّه ذات يوم «قرأ (حمَّادٌ الراوية) على (ذي الرُّمَّة) شِعره، فرآه [ذو الرُّمة] قد ترك في الخطِّ لامًا، فقال له: اكتب لامًا، فقال له حماد: وإنَّك لتكتب؟! قال: اكتُمْ عليَّ! فإنَّه كان يأتي باديتنا خطَّاط، فعلَّمنا الحروف تخطيطًا في الرِّمال، في اللَّيالي المقْمرة، فاستحسنتُها، فثبتتْ في قلبي، ولم تخطَّها يدي.»(1)

- خلاصة القول: إنَّ هذا التوجُّس المعاصر من الكتاب الإلِكتروني، وأنه سيكون مهدِّدًا للكتاب الورقي، توجُّس مرحلي؟

- نعم، وقد مرَّت بمثله الثقافات من قَبل، عندما انتقلت من الشِّفاهي إلى الكِتابي، ومن المخطوط إلى المطبوع، حتَّى لقد حُرِّمت المطبعة في العالم الإسلامي، بادئ الأمر. والتاريخ يعيد نفسه!

- إذن، هذه التحوُّلات في كلِّ مجال تُواجَه بهذا الخوف على الإرث، وعلى الماضي، وعلى ما وجدنا عليه آباءنا، في مجال الكتابة والتأليف وفي غيرهما من المجالات.

- وأنا لا أرى سببًا لهذا القول بالتهديد أصلًا، سِوَى الخوف على الإِلف لا على المؤلَّف. ما معنى تهديد الكتاب الورقي؟ الكتاب الورقي موجود، ولا تهديد لبقاء المادَّة المتاحة ورقيًّا. وليكن ما نشهده اليوم تطوُّرًا يحتاج ممَّن لم يَعتد عليه أن يطوِّع نفسه له، ويطوِّر مهاراته لمواكبة العصر، مثلما انتقلنا من الطَّور الشِّفاهي إلى الطَّور الكِتابي، ومن الطَّور الكِتابي الخَطِّي إلى الطَّور الطِّباعي، وها نحن هؤلاء الآن ننتقل إلى عصرٍ جديد و تقنية جديدة.

- وهي تقنية (مفيدة جدًّا للفرد والجماعة، وللُّغة، وللأُمَّة، وللثقافة). والذين لا يعرفون الكتاب الإلِكتروني لا يُدركون أنَّه أكثر انتشارًا.

- غالبًا، هم يُدرِكون ذلك، إلَّا أنَّهم قد لا يُدرِكون أنَّ القراءة فيه لمن تمرَّس بها أسهل وأسرع وأسلم للمادَّة المقروءة، وتتيح للقارئ وللباحث أن يبحث في الكِتاب على نحو أفضل وأدق وأسرع من الكِتاب الورقي، على الرغم من أنَّ الأمور ما زالت في تطوُّر، وقد تكون هناك صعوبات في التقنية العَرَبيَّة؛ لأنها معتمدة على الآخَر، ولكن هي تتطوَّر يومًا بعد يوم.

- لعلَّك توضح لنا، يا (ذا القروح)، أكثر حول تلك الميزات!

- أنت مع الكِتاب الإلِكتروني تستطيع، مثلًا، أن تبحث آليًّا. وتستطيع أن تسجِّل ملحوظاتك بطريقة لا تشوِّه الكِتاب، كما يحدث مع الكِتاب الورقي. فضلًا عن ميزات أخرى تتعلَّق بالبيئة وبالصِّحَّة العامَّة. ذلك أنَّ الكِتاب الإلِكتروني يحميك من بعض الأضرار الصِّحيَّة، ولا سيما في بعض البيئات كبيئتنا، بما يحمله الكِتاب الورقي من غبار وغير غبار. ويحميك حتى من روائح الحبر أحيانًا والورق، وما تسببه لبعض الناس من حساسيَّات. الكتاب الإلِكتروني صديقٌ للإنسان وللبيئة أكثر بكثير. أضف إلى هذا أنك تستطيع أن تحمل في جوَّالك مكتبة كاملة، حيثما ذهبت، فتقرأ وتبحث. وهذا مستحيل في العصر الورقي البائد. أمَّا مَن كان مُصِرًّا على الكتاب الورقي، ويرَى في التقنية الحديثة تهديدًا له، فللناس في ما يعشقون مذاهب!

- هذا، كما قلتَ، يحدث في كلِّ طورٍ انتقالي، كهذا الانتقال بين العصر الورقي إلى العصر الإلِكتروني. إذن ليس هناك تهديدٌ للكتاب الورقي لمن يعشقه ويتمسَّك بأن يقرأ ورقيًّا. لكن دع القارئ، أليس فيه تهديد للناشر؟

- لقد كنتُ من الذين كتبوا عن هذا منذ عقدين؟

- منذ عقدين؟! أم منذ العصر الجاهلي، ي-(ذا القُروح)؟!

- هناك تناسخ ما، يا «خبيبي»! أعني منذ أن بدأتْ هذه التقنية الإلِكترونيَّة، وأنا أرى (تهديدًا لإنتاج الكِتاب الورقي)؛ لأنَّ تسويقه وبيعه لم يعُد كالسابق؛ فحينما تجد الكِتاب إلِكترونيًّا، فلماذا تشتريه ورقيًّا؟ فهذا (تهديد للناشر التاجر)، لكنَّه (ليس بتهديدٍ للقارئ، بل فيه خدمة للقارئ)، وفتحٌ عظيمٌ للطالب، ليقرأ، ويطَّلع على امتداد العالَ-م. ولقد أجبرتنا (أزمة كرونا) قبل أعوام على الاعتراف بضرورة الكِتاب الإلِكتروني للطالب والمعلِّم، بل ضرورة التعامل الإلِكتروني والتعليم الإلِكتروني. ليس هذا فحسب، بل أنت أيضًا تستطيع الآن أن تصل حتى إلى بعض المخطوطات الموجودة في مكانٍ ما، شرقًا أو غربًا من العالَم.

- وهو ما لم يكن ممكنًا قبل سنين إلَّا بالسَّفَر ودفع الأموال الطائلة للاطلاع على ورقةٍ من مخطوط.

- ولذلك فالكتاب الإلِكتروني، أو لتقُل التقنية الإلِكترونيَّة عبر شبكة «الإنترنت»: نعمةٌ عظيمةٌ للقارئ وللباحث.

- ماذا عن فكرة الكِتاب التفاعلي الذي يتيح فضاءً أوسع للقارئ؟ كيف تراها؟

- تعجبني أسئلتك المعلَّبة على طريقة الإعلاميين: ماذا عن...؟ كيف تراها؟

- لأنَّني أُراعي أنك شاعرٌ جاهليٌّ حداثي! كيف لا وقد سافرتَ إلى (أنقرة)؟! وأنت القائل:

بَكَى صاحِبي ل-مَّا رأى الدَّرْبَ دُوْنَهُ

وأَيْ-قَ-نَ أَن-ا لاحِ-ق-انِ ب-قَ-يْ-صَ-را

- أيَّام! نعم، كنتُ يومها أبحث عن مخطوطة لشِعر (ابن خِذام)؛ لأنَّنا ظللنا نبكي الدِّيارَ كما بَكَى ابنُ خِذام، ولكن لا نعرف من هو؟ ولا أين شِعره؟

- وإنَّك لتكتب؟!

- نعم، كنتُ أكتب، وشعري شاهد. لكن اكتُمْ عليَّ!

- سِرُّك في بئر «أَضْحَى حَوْضُهُ وَهْوَ نَاشِفُ»! فَعَدِّ عن ذلكم إذ لا ارْتِجاعَ لَهُ!

- عَدِّ أنت، أوَّلًا، يا (عمرو)! أقول: كثيرًا ما ألحظ خلطًا- وقد كتبتُ عن ذلك مرارًا في مقارباتٍ خاصَّة، أو من خلال بعض مؤتمرات أو ندوات حول الأدب الإلِكتروني- يقع بين مفهوم (الكِتاب التفاعلي أو الأدب التفاعلي) ومفهوم (الكِتاب الإلِكتروني). نعم التفاعل الآن قائمٌ حتى مع الكتاب التراثي؛ فإذا حوَّلت ديوان (امرئ القيس) إلى نسخة «بي دي أف» سيكون التفاعل معها أوسع جِدًّا، بطبيعة الحال. غير أنَّ (الأدب التفاعلي) أو (الكِتاب التفاعلي) شأنٌ آخر، يتعلَّق بالنصِّ التشعُّبي، أو ما يُسمَّى (النَّص المترابط Hypertext). الذي يتيح شراكة القارئ مع المؤلِّف في إنتاج النص، ليس بالمفهوم التقليدي، بل بحيث يغدو المتلقِّي شريكًا في إنتاج النصِّ بصورةٍ أو بأخرى.

- مثل هذا أمرٌ معروفٌ قبل التقنيات الحديثة.

- بيد أنَّه يجري الآن من خلال تقنية حاسوبيَّة، غير متيِّسرة لإنتاج الكِتاب لدَى معظم الناس. عبر هذه التقنية يستطيع القارئ أن يُضيف وأن يُداخِل. وذلك للقُرَّاء عمومًا وليس لقارئٍ بعينه، كأن يكون متخصِّصًا. إلَّا أنَّ هذه التجربة ما تزال محدودة في مجال الرواية وفي مجال الشِّعر. هناك أسماء محدودة جِدًّا في عالمنا العربي ممَّن أنتجوا كُتبًا تفاعليَّة، في روايات أو أعمال شِعريَّة، بهذه الطريقة التفاعليَّة. لعلَّ أشهرهم (محمد سناجلة) من (الأردن)، في الرواية، و(مشتاق عبَّاس معن) من (العراق)، في الشِّعر. وعليه، فالكِتاب التفاعلي بهذا المفهوم تجربة حديثة غير مسبوقة، لها تقنياتها الخاصَّة ومريدوها.

- غير أنَّ العمل الجيِّد يظلُّ يفرض نفسه، ويميز صاحبه، من خلال محتواه، ومن خلال أسلوبه، سواء أُنتج في كتابٍ تفاعلي أو في كتابٍ غير تفاعلي.

- الأصل جودة العمل دائمًا؛ فلا تُغني التقنيةُ التفاعليَّةُ الكِتابَ شيئًا في ميزان الجودة الحقيقيَّة للمنتَج.

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

...............................

(1) الصولي، (1341ه-)، أدب الكُتَّاب، عناية: محمَّد بهجة الأثري، (القاهرة: المطبعة السَّلفيَّة)، 62؛ المرزباني، (1965)، الموشَّح في مآخذ العلماء على الشُّعراء، تحقيق: علي محمَّد البجاوي، (القاهرة: دار نهضة مِصْر)، 231.

قراءة معاصرة في أسباب نقد المعطيات الرجالية الأولية

تمثّل كتب الرجال عند الإمامية أحد الأركان الأساس في بناء المعرفة الحديثية، إذ تُعدّ المرجع الأول في تقويم الرواة وتمييز المقبول من المردود في الأخبار، غير أنّ المتأمّل في المسار العلمي لهذا الفن، ولاسيّما في الموسوعات الرجالية المتأخرة، يلحظ بوضوح بروز نزعة نقدية تجاه المعطيات التي قدّمتها المصادر الرجالية الأولية , وهذه النزعة لم تنشأ من فراغ، بل جاءت نتيجة تراكُمات علمية ومنهجية دفعت الباحثين إلى إعادة النظر في تلك المادة التراثية بوصفها معطيات قابلة للفحص والمراجعة، لا نصوصًا نهائية مكتفية بذاتها.

ومن أبرز العوامل التي أسهمت في ظهور هذه النزعة النقدية، حالة الاضطراب المفهومي التي رافقت بعض المصطلحات الرجالية، وفي مقدّمتها مفهوم "الغلو"، حيث لم يتفق الأعلام على تحديد دقيق له، بل تباينت قراءاتهم تبعًا لاختلاف منطلقاتهم العقدية، فعدّه بعضهم تركًا للعبادات اعتمادًا على الولاية، بينما وسّع آخرون دائرته ليشمل كثيرًا من القضايا المرتبطة بمقامات الأئمة (عليهم السلام)، حتى أُدرجت مسائل عقدية معتبرة عند فريق ضمن دائرة الغلو عند فريق آخر , وقد انعكس هذا التباين بشكل مباشر على الأحكام الرجالية، فاتهم بعض الرواة بالغلو لمجرّد تبنّيهم رؤى عقدية معيّنة، في حين وُصِف آخرون بالتقصير لعدم بلوغهم تلك الرؤى، مما جعل التقويم الرجالي في كثير من الأحيان متأثرًا بالاتجاهات الفكرية أكثر من كونه قائمًا على معايير موضوعية خالصة، وهو ما أثار انتباه المتأخرين ودفعهم إلى التعامل مع هذه الأحكام بحذر نقدي.

وإذا انتقلنا إلى الجانب النصّي، نجد أنّ كثيرًا من الكتب الرجالية لم تصل إلينا بصورتها الأصلية، بل تعرّضت عبر مسار النقل إلى تصحيفات وتحريفات وأخطاء نسخية، الأمر الذي أضعف الثقة المطلقة بما ورد فيها، خصوصًا مع الإشارة المتكررة من قبل عدد من الأعلام إلى وجود خلل في بعض النسخ المعتمدة، بل ووقوع أخطاء في نقل المعلومات أو إدراج بيانات غير دقيقة , وهذا الواقع النصّي ألقى بظلاله على مجمل المادة الرجالية، وجعل من الضروري إخضاعها لعمليات تحقيق ومقارنة، الأمر الذي أسهم بدوره في تعزيز النزعة النقدية لدى الباحثين، إذ لم يعد بالإمكان التسليم بكل ما ورد في تلك المصادر دون تمحيص.

كما أنّ طبيعة الكتب الرجالية الأولى نفسها كانت عاملًا مهمًا في هذا الاتجاه، فهي لم تُصنّف بوصفها موسوعات شاملة تستوعب جميع الرواة وتقدّم فيهم أحكامًا متكاملة، بل جاءت في الغالب على هيئة مصنّفات جزئية، يكتفي بعضها بذكر الأسماء أو الإشارة إلى المصنّفات، دون استيعاب كامل للجرح والتعديل، بل إنّ عددًا كبيرًا من الرواة بقي مسكوتًا عن حاله، الأمر الذي يكشف عن نقص بنيوي في هذه المصادر، ويجعل الاعتماد عليها بشكل مباشر دون استكمال أو تحليل أمرًا غير كافٍ، ومن هنا وجد المتأخرون أنفسهم أمام مادة أولية تحتاج إلى إعادة بناء واستدراك، لا مجرد نقل وتكرار.

ويضاف إلى ذلك إشكالية الخبروية في مجال الجرح والتعديل، إذ تبيّن للباحثين أنّ بعض من نقل عنهم التوثيق أو التضعيف لم يُعرفوا بالتخصص في علم الرجال، بل جاءت أحكامهم في سياقات عرضية ضمن مؤلفات كلامية أو فقهية، ومع غياب المؤلفات المتخصصة التي تثبت خبرتهم في هذا الفن، ومع ملاحظة وقوع بعض الاضطرابات أو التناقضات في تقويماتهم، أصبح من المتعذّر التعامل مع أقوالهم بوصفها حججًا تامة، بل غاية ما يمكن عدّه هو كونها قرائن تحتاج إلى ضمّها إلى غيرها من الشواهد، وهو ما رسّخ لدى المتأخرين ضرورة التمييز بين الخبير الرجالي وغيره، وعدم الاكتفاء بمجرد صدور الحكم من عالم متقدم.

وأخيرًا فإنّ تعارض التقويمات الرجالية بين الأعلام يُعدّ من أبرز الدوافع التي كشفت عن الطابع الاجتهادي لهذا العلم، إذ نجد اختلافًا واضحًا في الحكم على الراوي الواحد، بل قد يصدر عن العالم نفسه حكمان متباينان في موضعين مختلفين، وهو ما يدلّ على أنّ هذه الأحكام ليست قطعية في كثير من مواردها، وإنما هي نتاج اجتهادات قابلة للمناقشة والمراجعة، وقد دفع هذا التعارض الباحثين إلى البحث عن مناهج أكثر دقة في الترجيح والتحليل، بدل الاكتفاء بالنقل والتسليم، مما أسهم في ترسيخ النزعة النقدية بوصفها ضرورة منهجية لا خيارًا فكريًا.

وعلى هذا الأساس، يمكن القول إنّ النزعة النقدية في الموسوعات الرجالية تمثّل مرحلة متقدمة في تطور علم الرجال، حيث انتقل البحث من مستوى جمع المادة إلى مستوى تحليلها وتقويمها في ضوء معايير أكثر نضجًا ووعيًا بالسياقات التاريخية والفكرية، وهو ما يفتح آفاقًا أوسع لبناء رؤية رجالية معاصرة تتسم بالدقة والموضوعية، وتكون أكثر قدرة على التعامل مع التراث الحديثي بروح علمية نقدية متوازنة.

***

أ. م. د. علي جعفر محمد

كلية الفقة / جامعة الكوفة

لا يوجد عنوان فكري اليوم اسمه (المثقف الموسوعي)، الذي يعرف كل شئ ويتحدث من ثم في كلّ شىء، هذا الأمر انتهى منذ عصر القرون المظلمة التي اضاعت بها المجتمعات الإسلامية وعيها المعرفي، ولم تستيقض إلا على صدمة الحداثة التي ترافقت قسرا مع المد الاستعماري.

وهذه الحداثة التي ارتكزت على فكر أكاديمي صرف بدرجة كبيرة، انما قطعت إبستمولوجيا كذلك مع العصور السابقة التي كانت ترى في القس هو الكاهن والطبيب والفيلسوف، مثلما كنا نرى ذلك فيما مضى في الكندي وابن سينا وغيرهما الكثير.

ومن ثم كان المرتكز العلمي الجديد قائم على التخصص الدقيق حتى في داخل الحقل المعرفي الواحد، كالرياضيات او الفيزياء او الكيمياء وفي العلوم الاجتماعية الامر ذاته بل ازداد تخصصا بنحو مفرط، وهذا ما وصل اليه الحال في الفلسفة كذلك، فهناك اليوم من تخصص بهيغل وهناك من تخصص بكانت واخرون تخصصوا بفكر نيتشه وهكذا دواليك.

وهذه التخصصات تتطلب رؤية معمقة بطبيعة الحال في مقارباتها او انتقاداتها بين آونة وأخرى، ولكن ان يظهر علينا احدهم وهو يتحدث: بالرقمية تارة والعولمة تارة اخرى وبأزمة الاجيال بين مدحها او ذمها.. وبأنسنة الدين تارة اخرى.. وبفلسفة الصمت مرة.. وبفلسفة الكوانتم مرة اخرى ويظل يقفز (كالبهلوان) من حقل إلى آخر بغير روية وباستعراض معرفي مكشوف وبنرجسية حادة انما هي عملية ثرثرة فكرية لا طائل منها سوى البرهنة على وجوده بالساحة الفكرية.. وما المخجل ان يصمت المثقف قليلا حتى ياتي من خلال تخصصه بشى جديد.. فهذا جورج طرابيشي توقف سنينا وهي يكتب رده على محمد عابد الجابري.. ما الضير في الصمت قليلا ربما اشهر او سنوات ويعيد التامل في الوجود مرة اخرى ما الضير.. اعتقد ان المريض نفسيا لا يستطيع إلا ان يثرثر.. وهو (يعجل لانه يخاف الفوت).. فوت استعراض الأنا النرجسية !!.

وليست القضية هنا فحسب، ان الأدهى ان يجد من يصفق له وينحني تعظيما وإكبارا لثرثرته ورثاثته الفكرية الواضحة عبر السطو على افكار الآخرين بسرعة لا حد لها.

اننا نعيش عصر التفاهة كما يقولون وفي الوقت نفسه عصر الثرثرة وعصر المثقف الثرثار، الذي لا يعرف حدود التخصص والخارطة المعرفية التي يسير عليها، اذ هو ينبغي ان ينشغل بمشروع فكري يراكمه ويعيد فحصه وتمحيصه بين فترة وأخرى، وليس ان يظل يسطو على مساحات فكرية بحجة انه مفكر موسوعي مجدد!!.

***

د. جعفر نجم نصر

يُعدّ علم التفسير من فروض الكفايات، وأجلّ العلوم الشرعية الثلاثة: التفسير، والحديث، والفقه، لما له من دور في بيان معاني القرآن الكريم والكشف عن مراد الله تعالى من كلامه. فالتفسير يرفع ما قد يعتري الفهم من لبس، ويعين القارئ على إدراك دلالات الآيات في ضوء اللغة والسياق والبيان النبوي. وقد نقل الحافظ السيوطي عن الإمام الزركشي أنه «علم يُفهم به كتاب الله المنزل على نبيه محمد ﷺ، وبيان معانيه، واستخراج حِكَمه وأحكامه»[1]. وقريب منه قول بعضهم: إنه علم يبحث فيه عن أقوال القرآن المجيد من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية، وهذا القيد يبرز أن فهم القرآن يحتاج إلى اجتهاد مبني على العلم والتواضع، مع إدراك حدود الفهم البشري.[2]

ومن هنا تتجلى أهمية الجمع بين التدبر الشخصي للقرآن والرجوع إلى علم التفسير وأقوال العلماء؛ إذ التدبر مطلوب شرعًا، غير أنه يظل في حاجة إلى ميزان العلم الذي يضبط الفهم ويهديه إلى المعنى الصحيح. وانطلاقًا من هذه الأهمية، يتناول هذا المقال أوجه التفسير التي أشار إليها ابن عباس رضي الله عنهما، والتي تكشف عن منهجية راسخة في التعامل مع كتاب الله تعالى، حتى يكون هذا التعامل قائمًا على البصيرة لا على الفهم السطحي أو الرأي المجرد من الدليل. فكيف نُميِّز بين من يُسخِّر القرآن لرأيه، وبين من يجعله مرجعه وحاكمه ؟

الحاجة إلى التفسير

تكمن الحاجة إلى التفسير في طبيعة القرآن الكريم ذاته؛ يقول الدكتور يوسف القرضاوي في هذا الشأن: "إن القرآن قد نزل بلسان العرب، على ما فيه من تنوع الدلالات، من الصريح والكناية والحقيقة والمجاز، والخاص والعام، والمطلق والمقيد، والناس يتفاوتون في الفهم والإدراك، فمنهم من لا يدرك إلا القريب، ومنهم من يغوص على المعنى البعيد."[3]

وإذا كان التفاوت في الفهم سنّةً بشرية لا مفرّ منها، فإن الخطأ في تأويل القرآن لم ينتظر مرور القرون، بل هو واقعة موثَّقة شهدها عصر النبوة في مهده.

. وقد أشار الدكتور يوسف القرضاوي إلى نماذج دالة على ذلك، منها: فهم عدي بن حاتم الطائي للخيط الأبيض والخيط الأسود في آية الصيام على ظاهرهما الحسّي، حتى بيّن له النبي ﷺ أن المراد بياض النهار وسواد الليل. ومنها توقف بعض الصحابة عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82]، حين ظنوا أن الظلم هنا يعني كل معصية، فأشفقوا من التبعة، إلى أن أرشدهم النبي ﷺ إلى أن المراد الشرك تحديداً، استناداً إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.[لقمان : 13][4]

وتزداد الحاجة إلى التفسير وضوحاً حين يتأمل المرء في مقصود القرآن من التدبر؛ فالتدبر ليس مجرد القراءة، بل هو كما أوضح الدكتور القرضاوي عملٌ عقلي يترتب عليه أثرٌ قلبي، يتجلى في التأثر والتذكر والاعتبار، وهو ما أشارت إليه الآيات الكريمة: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]، وقوله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:29].[5] وهذا التدبر المأمور به لا يكتمل إلا بالفهم الصحيح الذي يوفره التفسير، وإلا صار تدبراً في معنى خاطئ، وهو ما نبّه إليه الطبري حين روى عن سعيد بن جبير قوله: "من قرأ القرآن ثم لم يفسّره، كان كالأعمى أو كالأعرابي."[6]

أوجه التفسير ومناهجه

وقد رسم العلماء لهذا العلم منهجاً دقيقاً يقوم على تحديد أوجه التفسير وأنواعه؛ إذ روى الطبري بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى."[7] وقد شرح الإمام الزركشي هذه الأوجه الأربعة في البرهان شرحاً وافياً، فبيّن أن الوجه الأول يعني أن القرآن نزل بلسان العرب على معهود كلامهم من الحقيقة والمجاز والصريح والكناية، فالعرب تعرف القرآن من خلال معرفتها بأسلوب كلامها وطرائقه. والوجه الثاني هو ما كان واضحاً بحيث يتبادر إلى الأذهان معرفته دون حاجة إلى كدّ الذهن وإجهاد العقل، وقد يكون المراد به ما كان من أساسيات الدين بحيث لا يُعذر أحد بالجهل به. والوجه الثالث هو ما لا يعرفه إلا أهل العلم مما يحتاج إلى استنباط وتدقيق ومعرفة بعلوم أخرى حتى يُحمل المطلق على المقيد والعام على الخاص. والوجه الرابع - وهو أعلاها وأدقها - ما لا يعلمه إلا الله سبحانه، مثل شؤون الغيب كأحوال البرزخ وأمور الآخرة والعالم المستور عنا.[8]

وانطلاقاً من هذه الأوجه، انقسم التفسير عند العلماء إلى نوعين رئيسيين: التفسير بالمأثور أو بالرواية، والتفسير بالرأي أو بالدراية. فأما التفسير بالمأثور فهو - كما أوضحه الدكتور يوسف القرضاوي - التفسير المقتصر على النقل عن الرسول ﷺ، أو عن الصحابة رضي الله عنهم، أو عن تلامذتهم من التابعين، وربما عن الأتباع، أي تلاميذ التابعين. وقد صنّف العلماء المتقدمون في هذا النمط كتباً كثيرة، غير أن أجمعها وأشهرها كتاب الإمام الطبري جامع البيان في تأويل القرآن، الذي جمع التفسير رواية ودراية معاً. وتعتري هذا النوع آفات ينبغي التنبه لها، أبرزها: وجود الضعيف والمنكر والموضوع في المنقول عن الرسول ﷺ وصحابته وتابعيهم، وتضارب الروايات بعضها مع بعض في تفسير الآية الواحدة.

وأما التفسير بالرأي فيُراد به، كما نصّ الدكتور يوسف القرضاوي: الاجتهاد وإعمال العقل والنظر في فهم القرآن الكريم في ضوء المعرفة بلسان العرب، وفي إطار ما ينبغي أن يتوافر للمفسر من أدوات وشروط معرفية وأخلاقية. وقد روى البيهقي في الشعب عن الإمام مالك قوله: "لا أُوتى برجل غير عالم بلغة العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالاً." واشترط بعضهم للمفسر جملة من العلوم، منها علوم اللغة العربية من النحو والصرف والاشتقاق واللغة وعلوم البلاغة، والقراءات، وأصول الدين، وأصول الفقه، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والأحاديث المبيّنة للقرآن، والفقه، وأخيراً، علم الموهبة. وبعض هذه الشروط قد ينازع فيه. كما اشترطوا سلامة القلب من الكبر والهوى والبدعة وحب الدنيا والإصرار على الذنوب، "فهذه كلها حُجب تحول بين القلب ومعرفة الحق الذي أنزله الله."[9] كما قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: 146]

غير أن الرأي في التفسير لا يُقبل على إطلاقه، بل قيّده العلماء بقيود جوهرية؛ إذ إن بعض من تورعوا عن التفسير بالرأي كانوا يخشون أن يكون المراد بالرأي هو الهوى، أي أن يجرّ المفسر القرآن تأييداً لما يهواه ويميل إليه من فكر أو معتقد، فيصبح القرآن تابعاً لا متبوعاً، ومحكوماً لا حاكماً، وفرعاً لا أصلاً. وكذلك يُذمّ من يهجم على تفسير القرآن دون أن يتأهل بما يلزم من أدوات التفسير وشروط المفسّر. وهكذا يتضح أن المنهج الصحيح في التفسير إنما يجمع بين الرواية والدراية، ويوازن بين النقل والعقل، مؤسَّساً على العلم والأمانة والتواضع أمام كلام الله تعالى.

خاتمة

إن علم التفسير ليس ترفاً فكرياً أو إضافةً خارجية على القرآن الكريم، بل هو ضرورة علمية تمليها طبيعة الكتاب العزيز وتنوع أساليبه، وتقتضيها سنّة التفاوت في الأفهام البشرية. وقد جلّى الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه كيف نتعامل مع القرآن العظيم هذه الحقيقة بصورة جامعة، مؤكداً أن التعامل الصحيح مع كتاب الله يستلزم الجمع بين التدبر والتفسير، وبين الوجدان والعلم، وبين الإخلاص في القصد والتثبت في الفهم.

وقد كشفت أوجه التفسير التي رواها الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما — وشرحها الزركشي في البرهان — أن هذا العلم الشريف يتدرج من المعلوم المشترك إلى الغيب المحجوب، مروراً بميدان الاجتهاد الذي يسع العلماء ويُغلق على غيرهم. وبين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي طريقٌ جامعة سلكها الأئمة الكبار كالطبري والزركشي وغيرهم، وهي طريق العلم المؤصَّل المقرون بالتواضع أمام مراد الله تعالى.

ومن ثَمّ فإن على كل من يتصدى لتفسير القرآن أو يعمل بأحكامه أن يُعنى بهذه الأوجه عناية تامة، وأن يُميّز بين ما يقطع به وما يظنه وما يجهله، وأن لا يُجري القرآن وفق هواه بل يُجري هواه وفق القرآن. وتلك هي البصيرة التي يغرسها علم التفسير في قلوب العارفين، والله أعلم بمراده من كلامه، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.

 ***

بقلم: جهاد المجدوب

.....................

[1] بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، البرهان في علوم القرآن، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعرفة، بيروت، ج2، ص148. .

[2] يوسف القرضاوي، كيف نتعامل مع القرآن العظيم، دار الشروق ،  ط3، 2000، ص 197

[3] المرجع السابق، ص 199

[4] المرجع السابق، ص 200

[5] المرجع السابق، ص 199

[6] ابن جرير الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، بيروت، ج1، ص74.

[7] الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج1، ص74-75.

[8] الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ص155–157.

[9] يوسف القرضاوي، كيف نتعامل مع القرآن العظيم، ص 208.

علي حليتيم: النظرية البدائية قائمة على العنصرية وفرانس فانون مفككها بلا منازع

(فرانز فانون يعود إلى الحياة في ملتقى الشهاب للبحوث والدراسات)

ارتبطت حياة فرانز فانون بفكر الزنوجة أو الزنجية négritude والجذور الإفريقية السوداء الثابتة والراسخة التي كانت تموج بالحركات السياسية التحررية والدعوة إلى الإستقلال، ورأى أن ما يحدث في البلدان المستعمَرة وبخاصة الجزائر اجعله يرتبط بالثورة الجزائرية ، واتخذ من هذا الارتباط بعدا ثقافيا إلى جانب البعد الثوري السياسي، يتمثل ذلك في التمرد على الثقافة الاستعمارية وبخاصة الثقافة الفرنسية التي كان الفرنسيون يفرضونها على الشعوب في مختلف مناطق العالم ة يرون بأن الزنوج يجمعهم عامل واحد وهو الأصل الإفريقي، وهو ما أشار إليه الشاعر المارتنيكي إيميه سيزير، والزنوجة مصطلح تطور وشكل فلسفة كاملة لاكتشاف الذات دون الارتماء في أحضان الماضي أو الانقطاع عن العالم الحديث الذي أصبح يروج أن الزنجية هي دعوة للعنصرية، حيث شغلت الفكرة الرأي العام من خلال القصيدة الملحمية التي كتبها الشاعر إيميه سيزير بعنوان "كراسة العودة إلى أرض الوطن" عام 1939 وهي تجسد صراع الإنسان الأسود من أجل تحقيق حريته، فظهرت حركات التمرد واتخذت شكل ثورات عارمة تمثلت في ثورة الزنوج وخاصة في أمريكا.

و فرانز فانون طبيب نفساني وفيلسوف من مواليد 1925 بفور دو فرانس في جزر المارتنيك التابعة لفرنسا، والواقعة في بحر الكاريبي بأميركا الوسطى، ومع بداية الحرب العالمية الثانية انخرط في "جيش فرنسا الحرة"، فخدم فيه وحارب النازيين، وفي سنة 1953 حُوّل فانون إلى الجزائر، ليشتغل طبيبا عسكريا، فعمل رئيساً لقسم الطبّ النفسي في مستشفى البليدة وفيه بدأ فانون يتعاطف مع الجزائريين، فذكر في كتابه "معذبو الأرض" بعض قصصه في مستشفى البليدة، فقرر الانضمام إلى الثورة الجزائرية وجبهة التحرير الوطني ، وصفه البعض بأنه شخصية متعددة الأبعاد وذات تأثير عميق، مما يجعله محلاً للدراسة والتحليل المستمر، ووصفه البعض بـالشخص الغامض نظرا لتداخل أدوار الطبيب النفسي، الفيلسوف، والمناضل الثوري في شخصه، ما جعل مركز الشهاب للبحوث والدراسات يسلط الضور على هذه الشخصية الثورية في ملتقى تناول فيه أكاديميون ومؤرخون الظاهرة الفانونية ، من خلال إسهامات فرانز فانون في بناء الفكر الوطني الثوري وإشكالية الثقافة في مشروع فانون التحرري وكيف تلقى فرانز فانون الفكر الجزائري،هو الملتقى الذي نظمه مركز الشهاب للبحوث والدراسات تابع لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين سطيف الجزائر تحت إشراف مدير المركز الدكتور علي حليتيم طبيب مختص في الأمراض العقلية .

 حاول الدكتور علي حليتيم إظهار شخصية فرانز فانون والطرح الفانوني كون فانون رائد دراسة النيوكولونية بلا منازع ولا يزال فكره يدرس حتى الآن في أوروبا والولايات المتحدة وهو مفكك المشروع الاستعماري الأول ومفكك العنصرية بلا منازع، يشخص الدكتور علي حليتيم المدرسة الفرنسية وكيف طورت نظرية سمتها بـ: النظرية البدائية، وهي نظرية قائمة على العنصرية ، وهذه النظرية تقول أن الفرد الجزائري قد توقف تطوره في المخ البيني، ولا يملك الروادع الأخلاقية ولا يملك الوعي، وتأسف الدكتور علي حليتيم لعدم وجود دراسات أو رسائل دكتوراه في الطب النفسي خاصة في المرحلة الاستعمارية لكشف محاولات الغرب في وصف الإنسان الجزائري بالإنسان البدائي وعجزه عن إقامة علاقات اجتماعية، وكيف كان المستعمر الفرنسي يعالج الجزائري المريض بالكهرباء، ويخلص علي حليتيم إلى القول أن أعمال فرانز فانون فيها عمق فكريس لكن بدون تقديس أو اتخاذ موقف، والقول ان فانون خدم الجزائر أكثر من الجزائريين

ويتميز فرانز فانون بخصائص جعلته يختلف عن من عايشوه واحتكوا به ، حيث استطاع التأثير فيهم من خلال ما كان يقدمه من محاضرات وبخاصة علاقته بالأركان العامة ، يقول المؤرخ الجزائري محمد عباس أن علاقة بعض المفكرين الجزائريين بفرانز فانون يقول الدكتور محمد بوعزيز كانت سلبية بحيث لم يتقبلوه بطريقة إيجابية ، ومنهم مصطفى الأشرف الذي انتقده دون شعور منه ، لأن فانون كان يرى أن الثورة الجزائرية كانت عفوية، حتى المفكرين اليساريين كانوا يوجهون له نقدا لاذعا، لأنه كان يركز على فكرة "الزنجية" التي منها انتقل فانون إلى مشروعه لتصفية الاستعمار، في الوقت الذي تأثر بفكره كثير من الشخصيات من أهل الفكر على غرار المفكر الإيراني الإسلامي علي شريعتي الذي ترجم أعماله، لقد فكك الدكتور بوعزيز نصوص فرانس فانون وثنائيته بين الريف والمدينة، وهو بذلك جدير بأن تتحرك كل الأقلام والمنابر الفكرية لقراءة فكره وفي رسالة وجهتها إلى قادة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بأن تعيد قراءة الظاهرة الفانونية، وتسليط عليها الضوء أكثر من خلال التمعن في فكره، حسب الدكتور مصطفى كيحل فإن فرانز فانون كان محاورا نقديا للفكر الغربي إلا أن المحاضر ربط فكر فرانز فانون بفكر الحداثة العربية والكولونيالية، كونه من بين المؤسسين للفكر الديكولونيالي وهذا المفهوم يعني إلغاء الاستعمار ، حيث تحول إلى تيار قائم بذاته في الفكر الغربي، ففرانز فانون يُعَدُّ ركيزة أساسية في الفكر الديكولونيالي وكان يطالب بنزع الإنسانية عن الاستعمار، وهذا التيار أو المذهب يعتبر منهج تحرري ومسار تفويضي للخطاب المعرفي الحداثي، فالحداثة يضيف هذا الباحث عند فانون هي حداثة كولونيالية، من وجهته نظره هو فإن الخطاب الكولونيالي يحتاج إلى عصيان معرفي، خاصة المفاهيم التي قامت عليها الحداثة، يجيب أكاديميون على أسئلة الحضور أن مشروع فانون لم يكتمل بعد على كل المستويات.

***

علجية عيش

خلال متابعتي للقاء الفكري الذي احتضنته مؤخرا المكتبة الجامعية الرقمية التابعة لـجامعة القاضي عياض، والذي استضاف المفكر والأكاديمي المغربي عبد الله ساعف لمقاربة تحولات الحقل السياسي المغربي، بدا واضحا أن ما يُطرح لا يمكن الاكتفاء بتلقيه في مستوى العرض، بل يفرض نفسه كموضوع للتفكير النقدي. ذلك أن هذا الحقل، بما يحمله من توترات وتحولات، لا يُختزل في توصيف سطحي، بل يستدعي مساءلة عميقة لشروط إمكانه، وحدود اشتغاله، ومآلاته الممكنة.

ومن هذا المنطلق، يبدو ضروريا تسجيل جملة من الملاحظات التي لا تنطلق من موقع الرفض أو التسليم، بل من أفق فلسفي يسائل ما يُقال بقدر ما يكشف ما يُسكت عنه، ويعيد تفكيك البداهات التي تُقدَّم باعتبارها حقائق مكتملة، في حين أنها تظل مفتوحة على احتمالات متعددة من التأويل والنقد.

في قلب المحاضرة، سعى عبد الله ساعف إلى تفكيك مفارقة تبدو، في ظاهرها، دقيقة التحليل، لكنها في عمقها لا تفلت من إعادة إنتاج نفس الإطار التأويلي الذي تدّعي مساءلته.

 كيف يمكن للتغيير أن يتحول إلى مجرد آلية لإعادة إنتاج الثبات؟

 هذا السؤال، يظل حبيس أفق وصفي يلامس الظاهرة دون أن ينفذ إلى بنيتها الجذرية، إذ يفترض ضمنيًا أن هناك تغييرًا فعليًا يُعاد توجيهه، بينما قد يكون الأجدر أن نتساءل: هل نحن أمام تغيير أصلًا، أم مجرد إعادة تمثيل رمزي للحركة داخل بنية ساكنة؟

إن القول بأن “الجنوب الكبير” لم يكن خارج التحول، بل أعاد إنتاج بنياته عبر استثمار الحداثة من داخل القوى التقليدية، لا يعدو أن يكون إعادة صياغة لأطروحة كلاسيكية حول “تكيّف التقليد”، دون مساءلة حقيقية لما يسميه ميشيل فوكو بـ“ميكروفيزياء السلطة”، حيث لا تكون السلطة شيئًا يُعاد توزيعه بين الصلب واللين، بل شبكة كثيفة من العلاقات التي تُنتج الذوات نفسها. فالمشكلة ليست في أن الحداثة استُخدمت من داخل التقليد، بل في أن هذا التقابل ذاته (حداثة/تقليد) قد فقد صلاحيته التحليلية، لأنه يخفي أكثر مما يكشف.

أما استبدال مفهوم “الانتقال الديمقراطي” بـ“الانتقال السياسي”، بدعوى تفادي الحمولة المعيارية، فيكشف بدوره عن نوع من الحذر المنهجي الذي ينتهي إلى تفريغ المفهوم من قوته النقدية. فكما يذهب يورغن هابرماس، لا يمكن للفعل السياسي أن يتحرر من أفقه المعياري دون أن يفقد معناه التداولي.

 إن التخلي عن “الديمقراطي” لصالح “السياسي” لا يحرر التحليل، بل يجعله منزلقًا نحو توصيف محايد ظاهريًا، لكنه متواطئ ضمنيًا مع القائم، لأنه يعجز عن تسميته بما هو عليه.

وإذا انتقلنا إلى المحاور الخمسة التي انتظمت ضمنها المحاضرة، فإنها، رغم تماسكها الظاهري، تعيد إنتاج منطق خطي يُوهم بالفهم الشامل. ففكرة “إعادة إنتاج النسق منذ السبعينيات” تغفل ما يشير إليه بيير بورديو من أن الاستمرارية ليست مجرد تكرار، بل هي نتاج “عنف رمزي” يُعيد تشكيل الفاعلين أنفسهم بحيث يصبحون شركاء في إعادة إنتاج ما يهيمن عليهم. وهنا، لا يعود السؤال عن لماذا يستمر النسق، بل كيف يُنتج ذواتًا لا ترى خارج شروطه.

أما الحديث عن الديناميات الاجتماعية (البطالة، التحولات الديمغرافية، الأسرة النووية) بوصفها مفاتيح تفسيرية، فيبقى اختزالياً، لأنه يعامل هذه الظواهر كمعطيات خارجية، في حين أنها، كما يؤكد أنتوني غيدنز، جزء من “بنية التشكّل” حيث يتداخل الفعل والبنية في علاقة جدلية، لا يمكن فيها فصل الاجتماعي عن السياسي.

وفي ما يتعلق بمركزية الدولة وتحولها من “سلطة صلبة” إلى “سلطة لينة”، فإن هذا الطرح يظل سجين ثنائية مضللة. فالسلطة، وفق تصور جيل دولوز، لم تعد تُمارس عبر الصلابة أو الليونة، بل عبر “مجتمعات التحكم” حيث يصبح الضبط أكثر سيولة، لكنه أيضًا أكثر تغلغلاً. وبالتالي، فإن الحديث عن الحكامة والتفاوض كبدائل للهيمنة يغفل أن هذه الآليات نفسها قد تكون أشكالًا أكثر تعقيدًا لإعادة إنتاجها.

أما بخصوص “الدولة التدبيرية” وتراجع الإيديولوجيا لصالح التقنية، فإن استدعاء يورغن هابرماس هنا يبدو انتقائيًا، لأن أطروحته لم تكن احتفاءً بالتقننة، بل نقدًا لـ“استعمار العالم المعيش” من طرف العقل الأداتي. وبالتالي، فإن ما يُقدَّم كتحول نحو النجاعة قد يكون، في العمق، تفريغًا للسياسي من معناه الصراعي، وتحويله إلى مجرد إدارة للضرورات.

كما أن الحديث عن انتقال من نخب حزبية إلى نخب رقمية وشبكية، ومن وساطة مؤسساتية إلى احتجاج مباشر، لا ينبغي أن يُفهم كتحول تحرري، بل ربما كأحد تجليات ما يسميه زيغمونت باومان بـ“الحداثة السائلة”، حيث تتفكك الأطر دون أن تُستبدل بأخرى قادرة على الفعل المنظم، مما يترك الفاعلين في حالة سيولة دائمة تُضعف قدرتهم على التأثير.

في المحصلة، تبدو المحاضرة، رغم عمقها الظاهري، وكأنها تدور داخل نفس المدار الذي تحاول نقده، فهي تُفكك دون أن تُزعزع، وتصف دون أن تُؤسس لقطيعة إبستمولوجية حقيقية. إنها تعيد إنتاج المفارقة ذاتها التي تعلنها، تحديث بلا تحرر، وتغيير بلا تحول. وهو ما يجعل الحقل السياسي المغربي لا يبدو معلقًا بين الممكن والمستحيل فحسب، بل أسيرًا لخطابٍ يصف أزمته أكثر مما يملك الجرأة على تسميتها أو تجاوزها.

***

د. مصطفى غلمان

في كل تجربة قرائية حقيقية، لا يدخل القارئ إلى النص كما يدخل إلى غرفة مضاءة بالكامل، ولا كما يقتحم كهفًا مظلمًا تمامًا؛ بل يجد نفسه في فضاء تتداخل فيه الإضاءة والظلال. هناك مناطق واضحة تُطمئنه، وأخرى غائمة تستفزه. وبين هذا الوضوح النسبي وذلك الغموض المقصود، تتشكل جمالية النص الأدبي، ويتحدد أفقه التأويلي.

الشفافية، في معناها الأولي، هي القدرة على إيصال المعنى دون عوائق لغوية أو تركيبية. إنها كتابة تقترب من القارئ، تفتح له أبوابها، وتدعوه إلى الدخول دون تردد. نلمس هذه الشفافية في السرد الواقعي، وفي النصوص التي تراهن على الحكي المباشر، حيث تتقدم الأحداث بوضوح، وتُرسم الشخصيات بخطوط جلية، ويُبنى العالم الروائي بطريقة لا تُربك التلقي. لكن هذه الشفافية، إذا فُهمت بشكل سطحي، قد تُختزل في البساطة أو التبسيط المخل، وهنا يكمن الخطر. فالشفافية الحقيقية ليست غياب العمق، بل هي القدرة على التعبير عن المعقد بلغة تبدو بسيطة. إنها اقتصاد لغوي، وليست فقرًا دلاليًا.

ولعل أجمل ما في النص الشفاف أنه يمنح القارئ شعورًا بالألفة؛ يشعر أنه يفهم، أنه يمسك بخيوط المعنى، أنه ليس غريبًا عن هذا العالم النصي. وهذا الإحساس ليس أمرًا بسيطًا، بل هو عنصر أساسي في بناء العلاقة بين النص ومتلقيه. غير أن هذه العلاقة قد تتحول إلى علاقة استهلاكية إذا لم يُرافق الوضوحَ عمقٌ داخلي، أي إذا اكتفى النص بأن يكون مفهومًا دون أن يكون مثيرًا للتفكير.

في المقابل، ينبثق الغموض بوصفه طاقة جمالية مختلفة. إنه لا يهدف إلى الإخفاء من أجل الإخفاء، بل إلى توسيع أفق الدلالة. النص الغامض لا يقول كل شيء، بل يلمّح، يُشير، يترك فراغات. وهذه الفراغات ليست نقصًا، بل هي دعوة إلى المشاركة. القارئ هنا لا يكتفي بالتلقي، بل يُصبح شريكًا في إنتاج المعنى. إنه يملأ البياضات، يربط بين الإشارات، ويُعيد بناء النص في ذهنه.

غير أن الغموض ليس واحدًا. يمكن التمييز بين غموض خلاق، وغموض معتم. الغموض الخلاق هو ذلك الذي يفتح النص على تعدد القراءات، ويُغني التجربة الجمالية. هو غموض يُشبه الضباب الخفيف الذي لا يحجب الرؤية، بل يمنحها عمقًا. أما الغموض المعتم، فهو الذي يُغلق النص على ذاته، ويحوّله إلى لغز مغلق لا يُنتج إلا الإحباط. في هذا النوع، يشعر القارئ بأنه مُقصى، عاجز عن الفهم، وكأن النص لا يعنيه. وهنا يتحول الغموض من قيمة جمالية إلى عائق تواصلي.

وإذا تأملنا تاريخ الأدب، وجدنا أن مسألة الشفافية والغموض ليست مجرد اختيار أسلوبي، بل هي تعبير عن تحولات عميقة في الرؤية إلى اللغة والعالم. ففي الكتابات الكلاسيكية، كان الوضوح قيمة مركزية، لأن الهدف كان الإفهام والتأثير المباشر. أما مع تحولات الحداثة، فقد بدأت اللغة تُشكك في قدرتها على تمثيل الواقع، وأصبح الغموض وسيلة للتعبير عن تعقيد التجربة الإنسانية، وعن تشظي المعنى في عالم لم يعد بسيطًا.

إن النص الحديث، في كثير من تجلياته، لم يعد مرآة تعكس الواقع، بل أصبح فضاءً يُعيد تشكيله. ولذلك، لم يعد مطلوبًا منه أن يكون شفافًا بالمعنى التقليدي، بل أن يكون قادرًا على احتضان التناقض، والتوتر، والتعدد. من هنا، صار الغموض أداة للتعبير عن اللايقين، وعن تلك المناطق التي تعجز اللغة المباشرة عن الإمساك بها.

لكن، رغم هذا التحول، لا يمكن للأدب أن يستغني كليًا عن الشفافية. فحتى أكثر النصوص غموضًا تحتاج إلى حد أدنى من الوضوح كي تظل قابلة للقراءة. إن الأمر يتعلق بتوازن دقيق: أن يمنح النص قارئه ما يكفي من الضوء ليرى، وما يكفي من الظل ليتساءل. وهذا التوازن هو ما يميز النصوص الكبرى، التي لا تُستنفد في قراءة واحدة، بل تظل قابلة لإعادة الاكتشاف.

ومن زاوية أخرى، يمكن النظر إلى الشفافية والغموض بوصفهما وظيفتين داخل النص، لا مجرد صفتين ثابتتين. فقد يكون المقطع الواحد شفافًا في بنيته السردية، غامضًا في دلالته الرمزية. وقد تكون اللغة بسيطة، لكن ما تُخفيه من إيحاءات معقد. وهنا يظهر أن المسألة ليست في ظاهر النص، بل في عمقه.

كما أن دور القارئ لا يقل أهمية عن دور الكاتب في تحديد درجة الشفافية أو الغموض. فالقارئ المثقف، الذي يمتلك أدوات تأويلية، قد يجد متعة في النصوص الغامضة، لأنها تُحفزه على التفكير. بينما قد ينفر منها قارئ آخر يبحث عن المعنى المباشر. وبالتالي، فإن الغموض ليس خاصية مطلقة في النص، بل هو نتيجة تفاعل بين النص والقارئ.

ولعل من المفيد أيضًا الإشارة إلى أن السياق الثقافي يلعب دورًا مهمًا في هذه الثنائية. فما يُعتبر غامضًا في ثقافة معينة قد يكون واضحًا في أخرى، والعكس صحيح. فالنصوص التي تعتمد على رموز دينية أو أسطورية أو تاريخية قد تبدو شفافة لمن ينتمي إلى نفس المرجعية، وغامضة لمن يجهلها.

في ضوء كل ذلك، يمكن القول إن الشفافية والغموض ليسا خيارين متناقضين بقدر ما هما بعدان متكاملان في بناء النص. إنهما مثل نَفَسَيْن: لا يمكن للنص أن يحيا بأحدهما دون الآخر. فالشفافية تُقرب، والغموض يُعمّق. الأولى تُطمئن، والثاني يُقلق. وبين الطمأنينة والقلق، يولد ذلك التوتر الخلاق الذي يجعل الأدب تجربة لا تُختزل في الفهم، بل تمتد إلى الإحساس والتأمل.

وفي النهاية، يبقى النص الأدبي الحقيقي هو ذلك الذي يعرف كيف يُخفي بقدر ما يُظهر، وكيف يقول دون أن يُصرّح بكل شيء. نصّ لا يُسلّم نفسه للقارئ بسهولة، لكنه أيضًا لا يغلق أبوابه في وجهه. نصّ يُشبه الحياة ذاتها: واضحة في ظاهرها، غامضة في أعماقها، وكلما اقتربنا منها، اكتشفنا أننا ما زلنا في بداية الفهم.

***

حسن لمين - كاتب مغربي

يلفت انتباهي بين حين وآخر، إصرار الناس على جواب واحد لكل سؤال. وهذا - في ظني - من أهم الأسباب التي تجعلنا غير قادرين على الاستفادة من نقاشاتنا، أو التوصل عبرها إلى تفاهمات مفيدة أو قناعات جديدة.

ويبدو أن هذه الفكرة؛ أي أن لكل سؤال جواباً واحداً فقط، راسخة في أذهاننا، حتى إن تأثيرها يظهر خارج إطار النقاش، فترى الكُتّاب والخطباء يطلقون أحكاماً جازمة على المواضيع التي يبحثونها، يعرضونها في «فترينة» الحق الوحيد، الذي لا يمكن أن يوازيه رأي آخر يخالفه في قليل أو كثير. مع أن كل فكرة هي احتمال واحد من بين احتمالات عدة، فالرأي المنشور يمكن أن يكون أحد الاحتمالات، كما أن الآراء المقابلة له احتمالات، في المستوى نفسه، وهي قد تكون واحداً أو اثنين أو عشرة.

في السياسة والصحة والتجارة والتسويق والميكانيكا والفيزياء والأخلاق، بل كل حقل من حقول المعرفة الإنسانية، نتوصل إلى رأي في موضوع، ثم يتوصل غيرنا إلى رأي مختلف، ويأتي بعده رأي ثالث ورابع، وهكذا. ولا يمكن للعالم أن يسير أو يتقدم، لو أصر الناس على رأي وحيد. تخيلْ لو أن معاصري غاليليو، المكتشِف الإيطالي الشهير، نجحوا في كبْت آرائه، استناداً إلى أقوال العلماء الأقدم منه (وهم يومذاك أشهر منه وأرفع مكانة) نظير كوبرنيكوس أو ابن الهيثم أو أرخميدس أو أرسطو، فهل كنا سنعرف ما أنتجه من مبادئ أساسية في الفيزياء الحديثة، مثل القصور الذاتي والسقوط الحر، وحتى مركزية الشمس في الكون، التي حاكمته الكنيسة لأجلها؟

إن أعظم التطورات في مجال المعرفة الإنسانية (بما فيها المعرفة الدينية) هي ثمرة القبول بمبدأ تعدد أوجه الحقيقة. كما أن تاريخ العلم برهان ساطع على بطلان القول بأن الحقيقة ذات وجه واحد.

تبدو هذه الرؤية بديهية عند أكثر الناس، لكنهم مع ذلك لا يأخذون بها حين يصل الأمر إلى مواضع الاشتباك. ألا يستدعي هذا السلوك تساؤلاً عن السر وراء إيمان الإنسان بشيء ثم العمل بخلافه؟

ذلك السلوك يرجع - في ظني - لعوامل عدة، قد تجتمع عند بعض الأشخاص، أو يغلب واحد منها عند آخرين. وأول تلك العوامل هو المسافة بين موضوع الرأي وبين الذات. لو قلت مثلاً إن المسلمين أقل تسامحاً من المسيحيين، فالمتوقع أن الغالبية الساحقة من أطراف النقاش (المسلمين) سترفض هذا القول من حيث المبدأ، ولن تسأل عن مبرراته أو تفصيله. ولو قلت إن التعاطف والتراحم نادر أو منعدم في الغرب، فإن تلك الغالبية نفسها سوف تؤيد، دون سؤال عن التفاصيل. السر وراء هذا الموقف هو الخلط بين الذات والموضوع.

أما العامل الثاني فهو ثقافيّ. تراثنا يقول إن الحق واحد غير متعدد. وهذه، للمناسبة، استعارة من رؤية مشهورة لأرسطو فحواها أن كل سؤال له جواب واحد صحيح، ولا يمكن أن يكون للسؤال الواحد جوابان صحيحان. وهو تفريع عن مبدأ عدم التناقض الشهير في المنطق الأرسطي، وقد تبنّاه معظم علماء المسلمين القدامى، وورثناه منهم.

ويرجع العامل الثالث إلى ما سمّاه الفيلسوف المعاصر توماس كون بـ«البرادايم»؛ أي النسق الثقافي/الاجتماعي الذي يشكل طابعاً عاماً للفكر في زمن محدد أو تيار محدد. وهو وإن كان معنياً بالعلوم الطبيعية بشكل رئيس، إلا إنني وجدت في دراسة قديمة لي، أنه قابل للتطبيق في العلوم الإنسانية أيضاً.

حين تكون ضمن نسق معين، فكل شيء داخله يُعد مسلَّماً به أو شبه بديهي، وكل ما هو خارجه مثير للتساؤل. ولهذا نادراً ما يفكر الناس (نقدياً) في معتقداتهم ومنطلقاتهم وبنية تفكيرهم، التي توجه لغتهم ومواقفهم وقناعاتهم الراسخة، وتؤسس - بالتالي – منظومة المسلَّمات، التي يرجعون إليها حين يفكرون أو يقررون.

***

د. توفيق السيف

 

لطالما اعتقدنا أن الفلسفة تسكن الكتب وأن الغناء يتبخر بمجرد صمت الحنجرة، لكن ماذا لو كان الغناء هو الطريقة الوحيدة التي تفكر بها الروح بصوت عالي؟ حيث أن علاقته بالفلسفة ليس مجرد لقاء بين نص ونغم، بل هي محاولة الإنسان الازلية لترجمة قلق الوجود إلى لحن مسموع، وإذا عدنا في الذاكرة إلى جمهورية أفلاطون التي طرده الشعراء والموسيقيين خوفاً على منطق الدولة وصولاً إلى نيتشة الذي رأى في الموسيقى الخلاص الوحيد من عبثية العالم، ضل الغناء لغزاً فلسفياً محيراً، وهل هو مجرد ترفيه للحواس أم أنه ميتافيزيقا تتجسد في صورة البشر. هنا بالتحديد تصبح الكلمة المغناة أعمق من المفهوم المجرد، ويصبح اللحن هو الجسر الذي يسير فوقه العقل البشري ليصل إلى الحقيقة التي عجزة اللغة عن نطقها. هناك منطقة سرية في الوعي البشري تلتقي فيها الحكمة بالنغم عن طريق رصانة الفكر وجموح الطرب. البحث عن العلاقة بين الغناء والفلسفة يقودنا إلى مسارات فكرية عميقة حيث أن هذه العلاقة ليست سطحية بل هي متجذرة في جوهر كليهما كتعبير عن الطبيعة البشرية والسعي لفهم العالم، وعلى المستوى الوجودي الغناء والفلسفة كلاهما يحاولان الإجابة عن أسالة الوجود. من نحن؟ ما هو مكاننا في هذا العالم؟ هنا التحديد تستخدم الفلسفة المنطق والتحليل، بينما يستخدم الغناء النغم والعاطفة لتجسيد هذه الأسئلة والشعور بالوجود نفسة، والصوت البشري هو أحد أقدم مظاهر الوجود الإنساني وأكثرها فكرة تصل إلى عقل ووجدان المتلقي. من منظور فلسفي يمكن النظر إلى الغناء كحضور مادي لفكرة معينه تطرح بشكل فلسفي في هذا العالم وينظر إلى الغناء فلسفياً كحالة فيض روحي يتحرر فيها الصوت من ماديته ليصبح تجربة حيه تعيد تشكيل الذات والعالم، وارتبط الغناء بالفلسفة منذ الاغريق حيث أعتبرها ارسطو علماً يؤثر على النفس والمجتمع، وشوبنهاور رآها سبيلاً للخلاص من الإرادة، بينما يرى اسبينوزا الغناء أحساس يعزز التفكير التأملي، و يؤكد الفلاسفة أن الغناء يهيب بالعواطف لتكوين شخصية أخلاقية محولاً المتعة الحسية إلى قوة روحية تعالج النفس وتعد العقل للفلسفة، وعند العرب مثل أبو حيان التوحيدي هو مغطاة للعقل ومعاينة للروح، بينما يرى الرازي فيه سحراً نفسياً يقي من الأزمات . من جانب جمالي يعتبر الغناء أحد أهم مواضيع فلسفة الفن والجمال من خلال التوفيق بين الشكل والمضمون على حدٍ سواء ما بين الغناء والفلسفة، والاغنية الجديدة كالفكرة الفلسفية الجديدة التي تتسم بالتماسك والتناغم الداخلي. من جانب أخلاقي أستخدم الغناء عبر التاريخ كوسيلة لنقل الرسائل الأخلاقية تماماً مثلما تنظر الفلسفة الأخلاقية في القيم وتنظيم المجتمع، وإن بعض الأغاني تعتبر فلسفة ملحنة تنبع من الهوية الاجتماعية عن طريق مساهمة الغناء في صنع الهوية والذاكرة للمجتمع، والفلسفة تتمثل في سعي العقل البشري للمعرفة المنظمة، بينما يمثل الغناء معرفة من نوع أخر تتمثل بالمعرفة القلبية او العاطفية أو البديهية، وبعض الفلاسفة مثل شوبنهاور ونيتشه يؤكدون على أهمية الفن كطريقة للمعرفة لا تقل أهمية عن العقل، ونظر ارسطو إلى التراجيديا المسرحية المصحوبة بالموسيقى والغناء تؤدي غالباً إلى التطهير من المشاعر الحزينة عن طريق أثارة الروح الحماسية في نفس المتلقي، والغناء هو كالصلاة أو الاتصال بالمطلق في العديد من التقاليد الفلسفية والدينية كالأفلاطونية المحدثة أو التصوف الإسلامي والمسيحي، ويستخدم الغناء كوسيلة لرتقاء الروح والاتصال بالوجود المطلق أو الإلهي، هنا بالتحديد يصبح الصوت جسراً بين العالم المادي والعالم الروحي، وفيثاغورس قديماً ربط بين الموسيقى والتناغم الرياضي للكون حيث أن النغمات والإيقاعات كانت أنعكاساً للنظام الفلسفي والأخلاق للكون. في الختام علاقة الغناء بالفلسفة هي علاقة تكاملية بين العقل والقلب، وبين المنطق والعاطفة، وكلاهما يبحث عن الحقيقة والتعبير عنها مع اختلاف الأدوات، والغناء ممكن أن يكون فلسفة محسوسة، والفلسفة ممكن أن تكون أغنية عقل مجرد، وكلاهما يمثلان سعياً إنسانياً خالصاً لفهم الوجود وإعطائه المعنى الذي يناسبه.

***

قائد عباس حمودي

 

لم يسبق للإنسان أن امتلك هذا القدر من الحرية التقنية التي تتيح له إنجاز ما كان يتطلب شهوراً من العمل في وقت قصير قد لا يتجاوز ساعات محدودة، ومع ذلك يتشكل مشهد معاصر يبدو فيه الإنسان أكثر انشغالاً وضيقاً في الوقت وأقل قدرة على التركيز والبناء طويل المدى، فتظهر مفارقة عميقة تكشف عن فجوة بين ما توفره الأدوات وما يعيشه الوعي فعلياً في يومه العادي.

الهواتف أصبحت جزءاً ملازماً للحضور اليومي، ترافق اليد والنظر والانتباه في معظم اللحظات، ومع هذا التدفق الهائل للمعرفة الذي لم يكن متاحاً في أي زمن سابق، تتراجع القدرة على العمل العميق ويتقلص مجال الانتباه تدريجياً، ويتحول التشتت إلى حالة ممتدة تتجاوز العمل لتصل إلى العلاقات نفسها، حيث يصبح الحضور الجسدي منفصلاً عن الحضور الذهني في كثير من التفاعلات.

يمكن ملاحظة ذلك بسهولة في مواقف يومية بسيطة، حيث يدور حوار بين شخصين بينما ينشغل أحدهما بشاشة هاتفه، يرفع نظره بين الحين والآخر في محاولة شكلية للحفاظ على الحد الأدنى من التواصل، بينما يبقى انتباهه موزعاً ومشدوداً نحو ما يحدث داخل الشاشة، فتظهر نظرة غير مستقرة تعكس غياب الارتباط الحقيقي باللحظة، ويصبح الحوار أقرب إلى إجراء اجتماعي منه إلى تجربة إنسانية مكتملة.

هذا المشهد لا يرتبط بضعف الإرادة الفردية بقدر ما يعكس تحولاً أعمق في طريقة عمل الانتباه نفسه، حيث لم يعد الانتباه مورداً يُدار بشكل تلقائي كما في السابق، بل أصبح ساحة تنافس مستمر بين قوى متعددة تعمل على اجتذابه وتفتيته، مما يغير طبيعة العلاقة بين الإنسان ووقته، وبين ما يختار أن يمنحه حضوره وما يُسحب منه دون وعي مباشر.

تتجسد هذه الفكرة بصورة بصرية معبرة لرجل يقف خلف قضبان، يمد يده نحو هاتف ملقى على الأرض بينما يستقر مفتاح زنزانته بالقرب منه دون أن يلتفت إليه، في مشهد بسيط يحمل دلالة عميقة على حالة ذهنية معاصرة حيث يتقدم الإشباع الفوري على إمكانيات التحرر بعيدة المدى، ويصبح الانجذاب نحو ما يمنح لذة سريعة أقوى من الانتباه لما يفتح أفقاً أوسع للحياة.2666 nabil

التحول الذي نعيشه يتجاوز الأدوات إلى البنية المعرفية نفسها، ففي عصور سابقة كانت أشكال السيطرة واضحة ومباشرة وتقوم على المنع والتقييد الصريح، أما في السياق الحالي فتظهر آليات أكثر نعومة وتعقيداً، حيث يظل الباب مفتوحاً أمام القراءة والتفكير والعمل العميق، بينما يتبدد الوقت تدريجياً داخل مسارات صغيرة متفرقة تستنزف القدرة على التركيز دون أن يشعر الفرد بأنه فقد سيطرته.

في هذا الإطار يظهر ما يعرف باقتصاد الانتباه بوصفه أحد أهم النماذج التي تفسر ما يحدث، حيث تتحول كل لحظة يقضيها الإنسان داخل المنصات الرقمية إلى قيمة قابلة للقياس والاستثمار، ويتم تحليل السلوك وتوجيهه بشكل مستمر بهدف إبقاء الانتباه داخل دائرة التفاعل، ومع هذا التراكم يصبح الاستخدام اليومي جزءاً من نظام أوسع يعمل على إعادة تشكيل العادات الذهنية وأنماط التركيز.

لا يدفع المستخدم مقابلاً مادياً مباشراً لهذه الخدمات، إلا أن المقابل الفعلي يتمثل في استهلاك مورد أكثر قيمة من المال نفسه، وهو الانتباه بما يحمله من قدرة على الفهم والبناء والتجربة، حيث يتم توزيعه على مساحات متعددة بشكل متقطع، فيفقد عمقه تدريجياً وتضعف قدرته على إنتاج معنى متماسك داخل الحياة اليومية.

في هذا السياق يتشكل التشتت بوصفه نتيجة طبيعية لبنية متكاملة تعمل في الخلفية، وليس كحالة فردية يمكن تفسيرها بضعف الإرادة أو خلل شخصي عابر، إذ إن الدماغ البشري مهيأ منذ نشأته الأولى للبحث عن المكافآت السريعة بوصفها وسيلة فعالة للبقاء في بيئات كانت الموارد فيها محدودة وتتطلب استجابة فورية للفرص، ومع انتقال الإنسان إلى بيئة حديثة فائقة المحفزات ومشبعة بالمثيرات الرقمية، يتحول هذا التكيف القديم إلى نقطة ضغط مستمرة تستنزف الانتباه بدلاً من أن تحميه.

الإشباع الفوري يعمل عبر دوائر عصبية ترتبط بمادة الدوبامين، حيث تتغذى هذه الدوائر على الإشعارات المفاجئة والمقاطع القصيرة والجدل السريع الذي يتدفق بلا توقف، فتُضخ جرعات صغيرة ومتكررة من التحفيز يسهل الوصول إليها دون حاجة إلى جهد ذهني عميق أو صبر طويل، ومع هذا التكرار يصبح العقل مبرمجاً على استقبال المتعة في شكلها السريع والمجزأ، مما يعيد تشكيل استجابته لما هو أبطأ أو أكثر تعقيداً.

على المدى القريب يبدو هذا النمط خفيف الأثر، وكأنه مجرد فترات استراحة قصيرة تمنح قدراً من الترفيه أو التخفف الذهني، إلا أن الامتداد الزمني يكشف عن تحول أعمق يتسلل إلى بنية الإدراك نفسها، حيث يعتاد العقل على الإيقاع السريع والتغير المستمر والتنقل اللحظي بين الأفكار دون استقرار، ومع هذا الاعتياد تبدأ القدرة على التركيز الطويل في التراجع التدريجي، ويصبح البقاء داخل مهمة واحدة لفترة ممتدة أمراً مرهقاً يتطلب جهداً غير معتاد.

تظهر الخطورة بشكل أوضح في الحالات التي لا تحمل ملامح الإدمان التقليدي، حيث قد يقضي الفرد وقتاً محدوداً نسبياً على المنصات الرقمية ويحتفظ بانطباع داخلي بأنه يدير وقته بشكل مقبول، إلا أنه يواجه صعوبة حقيقية عند محاولة الدخول في عمل يتطلب ساعتين من الانتباه المتواصل والهدوء الذهني، وهنا يتضح أن المسألة لا تتعلق فقط بعدد الساعات بقدر ما تتعلق بطبيعة الانتباه نفسه الذي تعرض لإعادة تشكيل غير مرئية.

هذا التحول البنيوي يمنح العقل مساحة واسعة لتبرير الحالة، حيث يتمسك الفرد بفكرة أنه ما زال ضمن حدود زمنية معقولة، ويستخدم ذلك كدليل على السيطرة، بينما في العمق يكون نمط الانتباه قد تغير بشكل جوهري، وتكون القدرة على الإنجاز العميق قد تآكلت تدريجياً دون ملاحظة مباشرة، فيتحول الوقت المتاح إلى مساحة غير مستثمرة بالكامل لأن الأداة التي تمنحه قيمته الفعلية، وهي الانتباه المركز، لم تعد تعمل بالكفاءة نفسها.

***

الكاتب نبيل عيدو

......................

* الرسم مولد بالذكاء الصناعي

 

قراءة نفسية في قراراتهم

لم تعد القيادة الحديثة مجرد إدارة مهام أو توزيع أدوار بين أعضاء الفرق العاملة، بل أصبحت عملية ذهنية ونفسية عميقة تتعلق بفهم الإنسان قبل النظام، وإرساء القيم الأخلاقية قبل محاسبة المقصرين والمخطئين، وقراءة السلوك قبل الأرقام وتحقيق الأهداف البيعية والخدماتية، واستيعاب الديناميات الخفية داخل الفرق قبل صنع واتخاذ القرارات الملائمة. القائد الحقيقي لا يقود العمل فقط، بل يقود البشر والحالة النفسية التي ينتج عنها تفاعلات وديناميكية العمل. ومن هنا تبدأ القيادة كذوق وفن وعلم لفهم العقول، وإدارة المشاعر بإيجابية، وبناء بيئة منسجمة ومحفزة قادرة على الاستمرار.

إن القائد الناضج الذي يتسم بالوعي والإدراك النشط يرى الواقع كما هو، لا كما يتمنى أن يكون عليه. هذه القدرة العقلية والنفسية على مواجهة الحقائق دون إنكار تمنح القائد وضوحاً وشفافية في الرؤية وواقعية في القرار. عندما ينخفض الأداء، لا يفسره القائد الناضج كحالة مؤقتة، بل يتعامل معه كإشارة تحتاج إلى دراسة وتحليل. هذا النمط من التفكير يمنع تضخم المشكلات وتفاقمها، ويحول القيادة من محاسبة مستغلة لسلطتها إلى عملية تشخيص واع مستمر للواقع واتخاذ القرارات المناسبة لعلاجه وتحقيق النماء والتطور في العمل.

كما أن القائد الواعي يفصل بين الشخص والمشكلة. فالنقد الموجه للسلوك يحافظ على كرامة الفرد ويدعم وجوده، بينما الهجوم الشخصي يخلق دفاعية نفسية تجعل الآخر يدافع عن نفسه باستماتة ولا يتقبل النقد واللوم الجارح والهدام، مما يعطل العلاقات ويزيد من الحواجز والعقد العلائقية ويضعف النمو والتعلم. عندما يقول القائد "التقرير يحتاج تحسيناً" بدل "أنت غير دقيق"، فإنه يخلق مساحة آمنة للنمو. هذه المساحة النفسية هي أساس الإبداع والتطوير داخل الفرق.

لا يمكن للقائد إدارة فريقه ما لم يدر ذاته وقلقه الداخلي أولاً، فالمشاعر داخل المؤسسات تنتقل كعدوى؛ فالقائد القلق ينشئ فريقاً مضطرباً ومتوتراً، بينما يصنع القائد الهادئ بيئة مستقرة. وفي الأزمات، يتطلع الفريق إلى قائده كمصدر أول للطمأنينة، مما يجعل التنظيم الانفعالي مهارة قيادية جوهرية وليس مجرد سمة شخصية.

يفسر القائد البصير السلوك بدوافعه لا بأحداثه؛ فعندما يواجه تأخراً، لا يراه كسلاً أو تمرداً، بل يتساءل عن الأسباب الكامنة وراءه. هذه القدرة على البحث عن الجوهر تمنع إصدار الأحكام المتسرعة، وتتيح فهماً إنسانياً أعمق لأفراد فريقه، مدركاً أن وراء السلوك الظاهر غالباً ما تكمن ضغوط نفسية، أو مشكلات شخصية، أو غموض في الأدوار، أو تراجع في الدافعية.

وفي السياق ذاته، يرى القائد الصراع فرصة للفهم والتحليل لا تهديداً؛ فالاختلاف في الرؤى، إن أُدير بحكمة، يعزز التواصل ويحفز الإبداع ويقود إلى قرارات صائبة. القائد الذي يتجنب الصراع يفقد فرصة الحوار البناء والتعلم الجماعي، بينما من يديره يحوّل الاختلاف إلى طاقة إيجابية للتطوير. أخيراً، يفكر القائد المتمرس بمنطق النظم لا الأفراد فحسب؛ فهو يدرك أن الأخطاء المتكررة تنبع غالباً من خلل في الإجراءات. إن تركيز القائد على تحسين بيئة العمل بدلاً من لوم الأشخاص يقلل الضغوط، ويعزز الانضباط والاستقرار، وهو ما يمثل نقلة نوعية في الفكر القيادي والرؤية الثاقبة.

كما يراقب القائد الذكي الطاقة النفسية للفريق؛ فالأداء لا ينخفض فجأة، بل يسبقه انخفاض في الانضباط والقيم المهنية والحماس والدافعية. قراءة هذه الإشارات المبكرة تمكن القائد من التدخل قبل حدوث التراجع والضعف والانهيار، وهنا تصبح الاجتماعات القصيرة الفعالة لقياس "نبض الفريق" أداة قيادية مهمة. القائد الواعي يفهم أن مقاومة التغيير ليست رفضاً، بل خوف من الجديد والمجهول دون توضيح وتبصير وتطوير وتدريب؛ لذلك يطمئن قبل أن يفرض، ويوضح قبل أن يطبق، ويعلم قبل أن يمضي قدماً في المهمات.

عندما يشرح القائد معنى التغيير وفوائده ونتائجه الإيجابية والمذهلة، يتحول القلق إلى رغبة وتحفيز بالمشاركة والتفاعل، أما فرض التغيير دون فهم فيخلق مقاومة صامتة تعطل التنفيذ. ويربط القائد الناضج العمل بالمعنى وليس بالمهمة فقط؛ فعندما يعرف الموظف لماذا يعمل، يزداد التزامه. المعنى يحفز أكثر من الأوامر، والرؤية تحرك أكثر من التعليمات؛ فالقائد الذي يوضح الأثر الإنساني للعمل يخلق دافعية داخلية مستدامة.

كما يدير القائد التوقعات النفسية بوعي؛ فالإحباط غالباً ينتج من فجوة بين التوقعات والواقع. القائد الذي يعد بنتائج غير واقعية يخلق خيبة أمل لاحقة، بينما القائد الواقعي يبني ثقة طويلة المدى، ويشعل رغبة الموظفين، ويفعل قدراتهم بشكل مبدع وخلاق. ويخلق القائد بيئة أمان نفسي، حيث يستطيع الأفراد التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم دون خوف؛ فالأمان النفسي هو الأرضية التي ينمو عليها الإبداع. وعندما يشعر الفريق بأن الخطأ مسموح كجزء من التعلم، يتحول العمل إلى مساحة تجربة وتطوير. والقائد العميق يرى الأداء انعكاساً للحالة النفسية؛ فانخفاض الأداء قد يكون نتيجة ضغط شخصي أو إرهاق أو فقدان معنى، لذلك يبحث القائد عن ما وراء الأرقام، ويقرأ الإنسان قبل المؤشر.

كما يفهم أن التحفيز الداخلي أقوى من الخارجي. المال قد يحرك السلوك مؤقتاً، لكن التقدير والمعنى يحركان الالتزام. القائد الذي يقدر الجهد علناً يبني دافعية طويلة الأمد، ويقرأ القائد ما بين الكلمات؛ فالموافقة الصامتة قد تعني رفضاً داخلياً، والصمت قد يعني خوفاً من البوح بما يسكن داخل الموظف، فالقائد الذي ينتبه للإشارات غير المباشرة يفهم الفريق بعمق أكبر. ويدرك القائد الحكيم أن الإرهاق يؤدي إلى قرارات سيئة، لذلك يدير الطاقة قبل الوقت؛ فالعمل الذهني المعقد يحتاج إلى ذهن مرتاح ونفسية هادئة، وليس إلى ساعات طويلة فقط. ويرى الأخطاء كنافذة تعلم، وتحليل الخطأ دون لوم يحوله إلى معرفة، أما الخوف من الخطأ فيغلق باب التطوير والنمو. كما يفهم أن العدالة أهم من المكافأة، والشعور بالإنصاف يولد الانتماء والولاء، بينما الشعور بالظلم يقتل الدافعية حتى مع وجود حوافز مادية أو معنوية.

ويوازن القائد بين السيطرة والتمكين؛ فالإفراط في السيطرة يقتل المبادرة ويشل حركة الأفراد وطاقاتهم الكامنة، بينما التفويض الواعي يبني الثقة ويشجع الموظفين على المشاركة الفعالة. ويفهم أن الصمت رسالة، فعندما لا يتحدث الفريق قد يكون السبب خوفاً وليس رضا، وهو ما يتطلب فتح مساحات للحوار لمعرفة أسباب السكوت السلبي وضعف الرغبة في إبداء الآراء والأفكار.

ويرى القائد نفسه نظاماً مؤثراً لا شخصاً فقط، فهو يبني ثقافة تستمر حتى في غيابه، والقيادة هنا تتحول من حضور فرد إلى منظومة عمل. ويدرك أن الدافعية تتآكل تدريجياً، لذلك يراقب الحماس قبل انخفاض الأداء، كما يقرأ المنظمة كجهاز نفسي حي له مزاج عام يتأثر بالضغوط، وأن كل قرار قيادي يحمل أثراً عاطفياً، والقائد الواعي يحسب هذا الأثر قبل التنفيذ. كما يفهم أن التغيير يبدأ من الداخل قبل الأنظمة، ويتطلب أن يجمع بين العقل التحليلي والعاطفي، فلا يعتمد على الأرقام فقط ولا على الحدس فقط، فهذا التوازن ينتج قرارات إنسانية وعملية في آن واحد، ويعرف أن الثقة تبنى ببطء وتهدم بسرعة، لذلك يحافظ على الاتساق بين قوله وفعله، كما يميز بين الأداء الظاهر والاحتراق النفسي والوظيفي.

***

د. أكرم عثمان

22-4-2026

الحرارة التي في قلوب المحبين، نواتها المحبة، وهي تشمل الأنبياء والمعصومين وأولياء الله العارفين، وفي ذكراه الـ٢٨ نستذكر السيد محمد الصدر بحرارة محبة القلوب، ونذكر بعضًا من جانبه الفكري الذي سيخلد معه في عالمه الأخير، ويمكن القول إنه:

١- تبنى منهج تقويض الطائفية:

فقد اعتمد على عدم استفزاز الآخر، بالرغم من استفزازه للسلطة الطاغية، ودعا إلى نوع من (المواطنة المظلومة والتي منها السنة والشيعة والمسيح والأقليات) في مقابل المواطنة الظالمة، والتي تمثل السلطة الطاغية.

٢- أعاد إنتاج معاني الطقوس والشعائر الدينية:

(طقوس محرم والمسير للحسين، وزيارة المهدي)، وما زالت هذه المعاني تقود مجتمع العراق المعاصر.

بالإضافة إلى تثبيته لمفاهيم المقاومة الشعبية الغاندية مثل (الشعارات، الأهازيج، المسيرات) والتي جعلت الشارع العراقي بما يشبه المسرح الحيوي للمقاومة المدنية.

٣- أعاد إنتاج المعنى السياسي:

فهو العقل الذي خطط وصمم ونفذ لتغيير خارطة العراق السياسية، فقوض سلطة البعث، وقلم أظافر الطاغية بمنهج ديني واجتماعي وإعلامي مبسط، وأنتج آلية تصنيع الحشود وإدارتها لإحراج الهيكل السياسي العراقي الظالم.

كما أنه خرج من مشروع الإصلاح المحلي إلى آلية الإصلاح العالمي بطرح فرضية الموعود المستقبلي، بالإضافة إلى نقد الدول التي تستعبد الدول الضعيفة وتسميتها بالثالوث المشؤوم.

وفي تفكيري فإن الصدر دفع عنا شبح الجوع بظهوره كرقم معارض تراخت عنه السلطة الظالمة، لتهدد به الدول التي تحاصر العراق.

٤- إنتاج المعنى الاجتماعي والنفسي:

فقد قاد تغيرًا اجتماعيًا دينيًا ونفسيًا، ليؤسس إلى الفقيه الشعبي، وليس فقيه النخبة، ذلك الذي أعاد بناء الإنسان العراقي الجديد وفق تحييده عن مرضين قاتلين:

الأول: منظومة البعث التي أعدها الطاغية بوصفها محرقة لإدخال كل فئات المجتمع في مشروع صنع الإنسان العراقي الجديد، فأفشله مشروع الصدر بتأسيس إلغاء الخوف من أهل العراق، وإعادة تأهيل النفسية والقابلية العراقية، وتجديد الإحساس بالقيمة الإنسانية والمواطنة المبنية على مزاولة الإنسان لحريته ورفض الظلم.

أما المرض الآخر: فهو كشف زيف المبغضين والمخدوعين والمتزمتين من الشيعة المعادين للشهيد الصدر، والذين (ابتلوا بأحد أكبر الابتلاءات التاريخية، فوقفوا بصفين: إما المحايد أو المبغض للطاهر الصدر)، وكلاهما (قشمره) كل من التاريخ وسوء سريرته أو توفيقه، واستغفر بعضهم، وبقي الآخر في التيه وما زال.

٥- إنتاج المعنى العلمي:

فقد برزت منظومة ما بعد الحداثة الفقهية وفلسفة التاريخ الاجتماعي، وهي صورة مقلوبة لفلسفة ابن خلدون (وهذا أمر مهم جدًا) الذي بدأ بالاجتماع ليؤسس للتاريخ، في حين بدأ الصدر بعلم المستقبل ليؤسس للتاريخ وللاجتماع معًا.

٦- أيضًا أسس للأخلاق التطبيقية:

وسيما الجانب البواتيقي (فقه المسائل الحديثة)، وهو رائد مفهوم المستقبل المعاصر في العراق بالحديث عن المستقبل البعيد المدى (في موسوعته).

٧- أسس لمعنى ما بعد الحداثة الفقهية:

(ما وراء الفقه).

٨- أسس لنقد العلم المعاصر وطرح اليوتوبيا الدينية:

(يوتوبيا الصدر) التي لا تشبه اليوتوبيا المثالية الأفلاطونية أو الأوغسطينية الأخروية أو يوتوبيا ماركس أو سواهم.

٩- أسس لمعنى الراديكالية الشيعية:

فحاول تصحيح الكثير من المفاهيم وطرح منهجية الحوزة الناطقة، وتجريب مقدرات الدين في إصلاح المجتمع.

١٠- إنتاج معنى الاقتصاد المقاوم:

رغم أنه لم يؤلف في الاقتصاد، إلا أنه أسس لنوع من الاقتصاد المقاوم والذي كان محوره أن يكون سببًا سياسيًا مدافعًا عن حقوق كل الشعب العراقي، فلا يهمل الطاغية ولا الأمم المتحدة والغرب المستعمر هذا الشعب.

١١- إعادة إنتاج مفهوم “الغيبة” للإمام المهدي:

لم ينتظر الصدر الظهور، بل أسس لواقع الظهور، ورسم سيناريوهاته، وما زال العالم اليوم (الصديق والعدو) يركض لمتابعة تفاصيل ذلك الظهور والاستعداد له.

١٢- إنتاج “النموذج الصدري” في التأثير المستقبلي:

فهو خلافًا للثورات المسلحة أو الأحزاب السرية، ابتكر نموذجًا ثالثًا وهي (الثورة بالكلمة والمنبر والمواكب والفتوى والمسير وكاريزما الصوت)، وهو نموذج لم تستطع المنظومات المعاصرة من البراغماتية والماركسية والعلمانية، بل والإسلامية المعاصرة، أن تجاريه.

وما زال هذا النموذج يسير بشكل ثابت ولم يتغير، وفق متغيرات سياسية ودينية واجتماعية ونفسية.

١٣- إنتاج معنى “الشهادة كمنهج حياة”:

لم يقدّس الموت، بل قدّس “العيش الكريم الذي يستحق الاستشهاد من أجله”، وحوّل الشهادة من نهاية مأساوية إلى بداية حضور سياسي لا ينتهي.

ولا تكفي هذه السطور ولن تكفي، وما زلنا نجد من أضاع بوصلته وضميره ويصر على الاعتقاد بأنه كان اختراقًا للتشيع (وسيَعرفون حقيقة هذا الغل في عالم لا اعتذار ولا أعذار فيه، ولا صدقة ولا رجعة منه لتصحيح الأخطاء).

***

ا. د. رحيم محمد الساعدي

(بين الكِتابيَّة والشِّعريَّة والنَّشر)

في ضوء بعض المساقات السالفة ساءلتُ (ذا القُروح) عن المعرفة بين الشفاهيَّة والكتابيَّة، وهل الكتابة جاءت ضرورة حضاريَّة؟

- نعم هي ضرورة، على المستوى الفردي والحضاري. منذ الإنجاز الفينيقيِّ في اصطناع الأبجديَّة قبل الميلاد بنحو عشرة قرون- وكانت في البداية للأغراض التجاريَّة- قفزتْ المعرفة قفزاتٍ هائلةً نحو النشر المعرفي زمانًا ومكانًا.  وهو ما لم يكن في مقدور المحاولات الكتابيَّة السالفة، من مقطعيَّة في (العراق) أو تصويرية في (مِصْر)، أن تحقِّقه.(1)

- معنى هذا أنَّ ثمَّة ارتباطًا بين تاريخ الكتابة والتطوُّر الفكري للإنسان؟

- قطعًا... الكتابة أسهمت على نحوٍ جذريٍّ في تشكيل الفكر الإنساني والحضارة الإنسانيَّة. ولنا أن نتصوَّر لو بقيت التجربة الإنسانيَّة تجربة شفاهيَّة؟  إذن، لبقي الإنسان رعويًّا، ولظلَّ محدودًا في بيئته المحليَّة، مكانًا وزمانًا. الكتابة أتاحت للإنسان، لا أن يُطوِّر في آليَّات التفكير والتحليل الفكري والنظري فحسب، ولكن أيضًا أن يُسهِم في الحركة الفكريَّة والحضاريَّة تاريخيًّا وعالميَّا. حتى التاريخ جاء مرتبطًا بالكتابة. فمفهوم ما قبل التاريخ يعني ما قبل الكتابة؛ فقبل أن يكتب الإنسان كان تاريخه مجهولًا.

- ماذا عن التراث العربي بين الشفاهيَّة والكتابيَّة، كيف نصفه؟

- العَرَبيَّة لُغة صوتيَّة بطبيعتها. ثمَّ أصبح تاريخها رهين ارتباطها الأبدي بكتابٍ كريمٍ، للتقنية الصوتيَّة فيه آياتها المتَّجهة إلى عبقريَّة التقنية الصوتيَّة في اللِّسان العَرَبي. لتظلَّ العَرَبيَّة لُغةً موسيقيَّةً شفاهيَّة، وإنْ كُتِبت. فإذا خرجتْ- فَرَضًا - عن صوتيَّتها، امَّسختْ، ولم تعد تبدو من العَرَب والعَرَبيَّة في شيء. وكتاب «النَّظْم الشَّفوي في الشِّعر الجاهلي»، للألماني (جيمس مونرو)، يكشف الحقبة الشفاهيَّة من العَرَبيَّة.  لكن هل انتهت الشفاهيَّة في العَرَبيَّة باستعمال الكتابة؟ الإجابة: كلَّا.

- ومن هنا، هل كان لتطوُّر الكتابة في العصر العباسي أثر في تراجع الشِّعر لصالح النثر، مثلًا؟

- بل العكس. لم يكن لتطوُّر الكتابة في العصر العباسي أثرٌ سلبيٌّ على الشِّعر، ويكفي أنْ نعلم أنَّ العصر العباسيَّ كان ذروة التطوُّر والازدهار في الشِّعر العَرَبي، غزارةً ونوعيَّة. حتى إنَّ الكُتَّاب العباسيِّين كان منهم الشُّعراء، مثل (ابن العميد)، و(الصاحب بن عبَّاد)، و(كشاجم)، و(أبي الفتح البستي)، و(إبراهيم الصابئ).  وشكَّل شِعر الكُتَّاب في العصر العباسي ظاهرةً لافتة، إذ أصبح الشاعر يخرج من عباءته الشَّفويَّة التقليديَّة إلى الشِّعر الكِتابي في ذلك العصر. ذلك أنَّ الشفاهيَّة والشِّعريَّة مكونان عضويَّان في الثقافة العَرَبيَّة، حتى حينما تحوَّل المبدع العَرَبي من الشفاهيَّة إلى الكتابيَّة ظلَّ يكتب بذهنيَّة شفاهيَّة. ولذا قلتُ إنَّ الشفاهيَّة في العَرَبيَّة لم تنتهِ باستعمال الكتابة. وأنت ستَجِد ذلك في كُتب التراث، ك-«البيان والتبيين»، و«العقد الفريد»، و«الأغاني»، وغيرها؛ حيث يعبِّر المؤلِّف الكاتب بطريقة الراوية، معتمدًا على السَّنَد، وعلى عبارات أخبرَنا وحدَّثَنا. ويظهر ذلك كذلك في (المقامات)، التي كانت نصوصًا قصصيَّة كتابيَّة، إلَّا أنَّها ظلَّت تنسج على منوال الرواية الشفويَّة. هذا، إذن، ما يتعلَّق بعلاقة الشَّفوي بالكتابي. وكذلك الشِّعر بقي مكوِّنًا أساسًا في الثقافة العَرَبيَّة، حتى لدَى الكُتَّاب في نثرهم. ولذلك فالقول الصحيح: إنَّ الكتابة طوَّرت الشِّعر العَرَبيَّ منذ العصر العباسي. ونستطيع القول: إنِّ الشِّعر كذلك أسهم في تطوير الكتابة شِعريًّا، بمعنى الشِّعريَّة الأسلوبيَّة. إنَّ الشفاهيَّة والشِّعريَّة متلازمتان في نسغ اللِّسان العَرَبي وأدبه؛ ومن ثَمَّ بقيتا مؤثِّرتين في الأساليب إلى عصرنا الحاضر؛ فنستطيع القول: إنَّ الأدب العَرَبي أدبٌ شفاهيٌّ شِعريٌّ وإنْ كُتِب، أو كان نثرًا. وهذه من خصائص الأدب العربي، العريق في شفاهيَّته وشِعريَّته، إذا ما قورن بغيره من الآداب.

- لكنَّ صناعة الكِتاب في الحضارة الإسلاميَّة كانت تراوح بين العناية بالمحتوى والتزويق.

- الكِتاب في الحضارة الإسلاميَّة مرَّ بأطوار: من التدوين، إلى التأليف، إلى التزويق. المرحلة الأُولى كانت تُعنَى بالمحتوى وبحفظ المعلومة، وهذا كان في المؤلَّفات المبكِّرة، لدَى (أبي عمرو ابن العلاء)، و(الأصمعي)، و(الخليل بن أحمد)، ومعاصريهم من جيل القرن الأوَّل والثاني الهجريَّين. ثم جاء التأليف في القرن الثالث، حينما انتقل الكاتب من جمع المعلومات إلى تحليلها ونقدها ومقارنتها. وهذا حدثَ لدَى (ابن قتيبة)، و(الجاحظ)، على سبيل المثال، و(المُبَرِّد)، وحدثَ كذلك في كُتب النقد الأدبي، لدَى (ابن سلام الجُمَحي)، و(ابن المعتز)، و(الآمدي)، و(الجرجاني، عبدالعزيز)، وأضرابهم. أمَّا التزويق، فجاء بعد ذلك، وكان يتعلَّق بتيَّارٍ عامٍّ في الأدب وفي غير الأدب. وهو ذلك التيَّار الزخرفي البديعي، الذي أصبح يطغَى على الكلمة وعلى المعنى. جاء مواكبًا لحركة النَّمْنَمَة والزخرفة في موازييك الفسيفسائيَّات في الفنون الإسلاميَّة، في العمارة وتزيين المساجد وما إلى ذلك. وهذا أخذ يتصاعد منذ القرن الثالث إلى القرن السادس فالسابع وصولًا إلى بدايات العصر الحديث. ذلك لا يعني أنَّ المحتوى قد اختفى في الطَّور الثالث الذي أشرنا إليه، والذي يمكن أن نُسمِّيه طور التزويق والاهتمام اللَّفظي البديعي، غير أنَّ زخرف القول أصبح يُزاحِم المحتوى العِلمي، وقد يحرفه عن مساره. وظهر ذلك حتى في عنوانات الكُتب المطوَّلة المسجوعة، المحمَّلة بفنون المحسِّنات. هذا في ما يتعلَّق بالكلمة، ولكن عندما نأخذ الجانب الفنِّي الشكلي أيضًا، من حيث الخط، وربما بعض الرسوم في كتبٍ معيَّنة، سنلحظ أنَّ هذا جاء صدًى للفنون البَصَريَّة في الحضارة الإسلاميَّة العامَّة، التي تنامَى فيها الفنُّ الكتابي والخَطِّي والتشكيلي، إلى آخِر هذه الفنون البَصَريَّة التي أصبحت تُشاهَد في الكتابات على المساجد وفي القصور. وما الكتاب غير جزء من هذا التيَّار الحضاريِّ الفنِّيِّ العامِّ الذي شهدته الحضارة الإسلاميَّة.

- ماذا عن عملية إنتاج الكتاب العربي اليوم؟ وهل لتدنِّي تلك العمليَّة أسباب؟

- لكي نكون منصفين ليس هناك تدنٍّ في عمليَّة إنتاج الكِتاب العَرَبي اليوم، بما تعنيه هذه الكلمة من معنى، ربما التدنِّي في التسويق. ويُلحَظ هذا، مثلًا في تسويق إصدارات الأندية الأدبيَّة في المملكة. على أنَّ التدنِّي، بل شِبه التوقُّف، قد لحق في الآونة الأخيرة إنتاجَ الكتاب وتسويقه معًا!

- ما السبب؟

- التحوُّلات الأخيرة، في التنظيم الإداري والمالي للأندية. الذي تعلَّق حتَّى بالتنازل عن التسمية العريقة (النادي الأدبي) إلى تسمية، لا تدري من أين انبثقت، هي: (جمعية أدبي كذا). ولن تدري ما الحكمة من هذا التحول من تسمية (النادي...) إلى تسمية (جمعية...)؟!

- قديمًا كان من عادة موروثنا الشعبي أن يَنقُض الأبوان اسم الطفل إذا أُصيب بمرضٍ أو عَيْن، تشاؤمًا باسمه القديم ، وظنًّا أنَّ فيه سببَ نَحْسِه.

- والآن صرنا نشهد هذا أيضًا في تسمية الجامعات، والكليَّات، والمؤسَّسات الثقافيَّة، ارتجالًا بلا مسوِّغات مقنعة أو غير مقنعة.

- لماذا في ثقافتنا العَرَبيَّة يحدث هذا التنكُّر للتاريخ والتراث؟

- عادة قديمة! كلما خطرت خاطرة، شطبنا التراث، لنعيد ابتكار العجلة؟! وهذا ديدنٌ عَرَبيٌّ في كلِّ مجال، بخلاف الحضارات التي تعتز بمنجزاتها القديمة، وإنْ رجع تاريخها إلى ما قبل الميلاد، ولا تنسفها بين عشيَّة وضحاها؛ ولأسبابٍ غير جديرة بالتقدير، إنْ وجدت. نحن نظن أنَّ التطوُّر هو بتغيير الأسماء، والأشكال، والمحتوى في تراجع مطَّرد. ولذلك لو راقبت الحراك الثقافي والحضاري العَرَبي في العصر الحديث، لوجدت أنه لا يستقرُّ على حال، بل لا يتقدَّم اليوم خطوة حتَّى يتقهقر غدًا عشرين خطوة؛ في قلق أبدًا وتردُّدٍ، يُبدئ ويُعيد، ويُقدِم ويُحجِم؛ حتَّى لربما وجدت الصُّورة الثقافيَّة في النصف الأوَّل من القرن العشرين، أفضل بكثير وأكثر طموحًا ورصانة من النصف الثاني، و كانت في القرن الماضي خيرًا منها في هذا القرن. وهكذا دواليك؛ لأنَّ من تسوس ذلك في النهاية أمزجةُ أفرادٍ غالبًا، لا تخطيط مؤسَّسات.

- حتَّى لا نخرج عن الموضوع! وهذه عادة جاحظيَّة «قُروحيَّة» قديمة!

- نعود إلى القول إنَّ طغيان الأسباب التجاريَّة، وضرورات التسويق قد تؤثِّر في قيمة المنتج للمكتبة العَرَبيَّة؛ بتصدُّر الكتاب الشَّعبي، أو الكتاب المتعلِّق بشؤون الحياة العامَّة، ككتب التسلية الشبابيَّة، على الكتاب العلمي أو الأدبي الجاد. وعلينا أن لا ننسى أنه، منذ أن أُتيحت الطباعة في العصر الحديث، وفي العالم أجمع، وهي تُنتِج هذا الغذاء المتنوِّع لشرائح مختلفة، ولكلِّ منتَج سُوقه وقارئه. أمَّا قبل وجود المطبعة، فكان الكتابُ الذي يُخَطُّ ويُكتَب الكتابَ العِلميَّ والأدبيَّ، الموجه للنخبة غالبًا. وإنْ وُجدت كتب ترفيهيَّة، فإنَّها في حُكم النادر. وهي من هذا النوع الذي ينظر إليه الأكاديميُّ الآن على أنَّه لا يستحقُّ التصدُّر، بَيْدَ أنَّ من حقِّ قرائه أن يحتفوا به، على كل حال. ذلك أنَّ إنتاج الكتاب قديمًا كان صعبًا، وأصبح الآن ميسورًا. بل أصبح، مع التقنية الإلكترونيَّة، متاحًا لكل كاتب أن ينشر ما شاء، على نطاق أوسع ممَّا يمكن أن تتيحه الطباعة التقليديَّة. ولذا، دعنا نقل إننا نشهد (تدنِّ-يًا في إنتاج القارئ الجيِّد)، لكثرة الغثاء الذي يجعل أمام القارئ صعوبة في الاختيار، إلَّا إذا كان يتمتَّع بمهارات النقد وتمييز الغث من السَّمين. أمَّا إنتاج الكِتاب، من حيث هو، فهو يشهد غزارة إنتاجيَّة نوعيَّة، غير مسبوقة، على مستوى العالم أجمع.

[للمساءلات بقيَّة].

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

......................

(1) وأبجديَّات العالم المعروفة اليوم مدينة لتلك الأبجديَّة الفينيقيَّة الأُولى بالفضل؛ حتَّى إنَّ رسم الحروف إنَّما جاء في معظمه بتحويرات للرسم الفينيقي للحروف. والرسم الفينيقي للحروف كان في الأصل تصويرًا للأشياء، فالسين صورة للأسنان، والميم صورة لقَطرة الماء، والنون صورة للنُّون، أي الحُوت أو السمكة، وهلمَّ جرًّا. ولذا كان رسم حرف (النون)، مثلًا، في صدر الإسلام مختلفًا عن رسمه الآن، وكذا سائر الحروف. فهي كتابة تصويريَّة في الأساس، لكنَّها أكثر تطوُّرًا ورمزيَّة من التصويريَّة المِصْريَّة. ثمَّ استُتِمَّ تحوير الرسم الحروفي إبَّان العصر الأُموي، بإضافة النقط، للتفريق بين الحروف المتشابهة. (يُنظَر في هٰذا، مثلًا: جويدي، إغناطيوس، (د.ت)، محاضرات: أدبيَّات الجغرافيا والتاريخ واللُّغة عند العَرَب، باعتبار علاقتها بأوروبا وخصوصًا بإيطاليا، (مجلَّة الجامعة المِصْريَّة)، 72- 73).  

تُعَدُّ فكرة " الدَّورة الحضارية " من أبرز المفاهيم التي شغلتْ عقول المفكرين عبر التاريخ، حيث حاولوا تفسيرَ نشوء الحضارات وازدهارها ثُمَّ سقوطها. ومن بين أبرز من تناول هذا الموضوع بعمق وتحليل، المفكر الجزائري مالك بن نبي (1905 - 1973)، والفيلسوف الألماني أوسفالد شبنغلر (1880- 1936). ورغم اختلاف السياقات الثقافية والفكرية بينهما، إلا أنَّ كليهما قدَّم رؤية تفسيرية متماسكة لمسار الحضارات.

تشير الدورة الحضارية إلى أن الحضارات لا تنشأ عشوائيًّا، ولا تستمر إلى الأبد، بل تمرُّ بمراحل متتابعة: النشأة، النمو، النضج، الانحدار. وقد تختلف تسميات هذه المراحل وتفاصيلها، لكنَّ الفكرة العامَّة تقوم على أن الحضارة كائن حَي له عُمر مُحدَّد، وسَيرورة داخلية تَحكمه.

يرى مالك بن نبي أن الحضارة نتاج تفاعل ثلاثي بين: الإنسان، والتراب، والوقت، في ظِل فكرة دافعة (الفكرة الدينية غالبًا). ويؤكد أن المشكلة الأساسيَّة في العالَم الإسلاميِّ لَيست نقص الموارد، بل " قابليَّة الاستعمار"، أي الاستعداد الداخلي للانحطاط.

يُقَسِّم بن نبي الدَّورةَ الحضارية إلى ثلاث مراحل رئيسية:

1- مرحلة الروح: حيث تكون الفكرة الدينية في أوجها، فتولد طاقة أخلاقية هائلة تدفع المجتمعَ نحو البناء.

2- مرحلة العقل: يبدأ فيها التنظيم والعقلانية، وتتوسَّع الحضارة في الإنتاج والإنجاز.

3- مرحلة الغريزة: تضعف القِيَم، وتُسيطر المصالح الفردية، فتبدأ الحضارة في الانهيار.

يُركِّز بن نبي على العامل الداخلي، ويرى أن سقوط الحضارات يبدأ من داخلها، عندما تفقد الفكرةَ المُحرِّكة، ويتحوَّل الإنسان من فاعل إلى مُستهلك.

أمَّا أوسفالد شبنغلر، فقد قدَّم في كتابه" تدهور الحضارة الغربية" رؤية تشاؤمية حتمية، حيث شبَّه الحضارات بالكائنات العُضوية التي تولد وتنمو ثم تموت.

يُقَسِّم شبنغلر الحضارة إلى مرحلتَيْن أساسيتَيْن:

1- مرحلة الثقافة: وهي مرحلة الإبداع الروحي والفَنِّي والديني، حيث تكون الحضارة حيَّة ومُبدعة.

2- مرحلة المدنية: وهي مرحلة الجمود والتقنية والمادية، حيث تفقد الحضارةُ روحَها، وتدخل في طَور الانحلال. ويرى أن الحضارات لا يمكن إنقاذها بعد دخولها مرحلة المدنية، لأنها تخضع لقوانين حتمية لا يمكن تغييرها. كما يؤكد على تعددية الحضارات، ويرفض فكرةَ وجود حضارة إنسانية واحدة مشتركة.

ورغم الاختلافات، هناك تقاطعات واضحة بين المفكرَيْن:

1- يؤمنان أن الحضارات تمرُّ بمراحل محددة.

2- يؤكدان أن الانحطاط يبدأ عندما تفقد الحضارةُ بُعدَها الروحي.

3- يرفضان التفسيرَ المادي البَحْت لقيام الحضارات.

4- يعتبران أنَّ للأفكار والقِيَم دورًا حاسمًا في البناء والانهيار.

لكنَّ الاختلافات بينهما عميقة وجوهرية:

1- الحتمية مقابل الإرادة: شبنغلر يؤمن بحتمية سقوط الحضارات، بينما يرى بن نبي إمكانية النهوض من جديد إذا توفرت الشروط.

2- الدِّين: يحتلُّ الدِّينُ مركزًا أساسيًّا في فكر بن نبي، بينما عند شبنغلر هو عُنصر ضِمن عناصر الثقافة.

3- النظرة المستقبلية: رؤية شبنغلر تشاؤمية، أمَّا بن نبي فهي إصلاحية نهضوية.

4- المنهج: شبنغلر يعتمد على التشبيه العُضوي والتاريخ المُقارَن، بينما بن نبي يعتمد على تحليل اجتماعي حضاري عملي.

شبنغلر قدَّم تحذيرًا عميقًا من مصير الحضارة الغربية، لكنَّه وقع في فَخِّ الحتمية التي تُلْغي دورَ الإنسان. أمَّا بن نبي، فقد أعادَ الاعتبارَ للإنسان كفاعل تاريخي، وربطَ بين الأخلاقِ والحضارة، مُقَدِّمًا مشروعًا عمليًّا للنهوض. غير أنَّ بن نبي قد يُؤْخَذ عليه تركيزه الكبير على العامل الداخلي، مع تقليل أثر العوامل الخارجية، كالصراعات الدولية والاستعمار المباشر. في المقابل، يُنْتَقَد شبنغلر لتعميماته الواسعة، ونزعته التشاؤمية المُفرطة.

وتكمن أهمية المقارنة بين بن نبي وشبنغلر في كَوْنهما شخَّصا أزمة الحضارة من زوايا متعددة. بَينما غرق شبنغلر في حتمية بيولوجية تَرى الحضارةَ ككائن يشيخ ويموت لا مَحَالة، قدَّم بن نبي رؤية تجعل النهضة إرادةً واعية مرتبطة بتغيير مَا بالنَّفْس.

وفلسفةُ شبنغلر هي نَعْيٌ لروح الغربِ التي استنفدتْ طاقاتها، بَينما فلسفةُ بن نبي هي دَعوة لاستعادة الفعالية الحضارية من خلال صياغة جديدة لعناصر النهضة.

إنَّ دراسة الدَّورة الحضارية عند بن نبي وشبنغلر تكشف عن رؤيتَيْن للعالَم: رؤية تؤمن بإمكانية التغيير والإصلاح، وأُخرى ترى التاريخَ قَدَرًا لا مَفَرَّ مِنْه. وبين هاتَيْن الرؤيتَيْن، يقف الإنسانُ المعاصر أمام سؤال جوهري: هل نحن صانعو حضارتنا أمْ أسْرَى مَسارها؟. رُبَّما تكون الإجابة في الجمع بين الوعي بقوانين التاريخ، والإيمانِ بقدرة الإنسان على تجاوزها، وهو ما يَجعل من دراسة الحضارة لَيس مُجرَّد تأمُّل في الماضي، وإنما مشروع لصناعة المستقبل.

والتاريخُ لَيس مَقبرةً للعُظماء كما رآه شبنغلر، بل هو مُختبَر للأفكار التي تمنح الأممَ فرصةَ البعث الجديد إذا ما امتلكت الوَعْيَ الحضاري الكافي. وبذلك، يظلُّ بن نبي أكثر إشراقًا في طرحه، حيث حوَّل التشخيصَ الفلسفي البارد إلى مشروع عملي لإعادة بناء الذات الحضارية.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

فرش اشكالي: لا تنهض الأمم بالخطب الجوفاء ولا بالشعارات او الاحتفالات التي تغلب الشكل على المضمون، بل بفعل تأسيسي يبدأ من حيث ينتهي كل بناء تبدأ من الإنسان وتنتهي اليه. ففي سياقات الاستعمار الجديد، حيث يُحتل الوعي قبل الأرض، وتُسرق الذاكرة قبل الموارد، تصبح مهمة رجل الفلسفة والمفكر والمصلح مهمة وجودية يحتل فيها هذا التساؤل مساحة كل تفكير كيف يُعاد بناء الإنسان ليعود المستعمر مستحيلاً؟ هذا هو السؤال المحوري الذي شغل الإمام عبد الحميد بن باديس (1889-1940)، ليس بصفته عالم دين تقليدي أو متكلم يمارس الجدال، بل بصفته فيلسوف مقاومة، ومربياً للأمة، وحكيماً في سياسة العمران، تساؤل طرحه في زمن "اعتقد ولا تنتقد" وللإمساك بمشروعه الإصلاحي في ابعاده الفلسفية نتساءل بدورنا:

- كيف شخّص بن باديس أزمة الأمة الإسلامية عامة، والجزائرية خاصة، من حيث هي أزمة وجود ومعنى وانسجام داخلي؟

- ما العلاقة الجوهرية التي أقامها بين هجر القرآن والسنة، وبين جمود العقل وضعف الأمة؟

- بأي معادلة منهجية وضع بن باديس أسس إصلاح التعليم، وما دورها في بناء الإنسان الجديد؟

- كيف جمع بن باديس بين أبعاد الإنسان الثلاثة: العقيدة، العقل، الأخلاق، في فلسفة واحدة للتغيير؟

- ما الذي يميز مشروعه من حيث الجمع بين التفكير وحسن العمل والتدبير، ومن حيث رؤيته للسلطة والشورى؟

- لماذا يمكن اعتبار تجربته الصحفية وتأسيسه لجمعية العلماء نموذجاً في تشكيل الوعي الجماعي وتمهيد الثورة؟

في زمن الاستدمار الفرنسي الذي عمل على محو هوية الانسان الجزائري: لغته، دينه، ذاكرته. وفي قلب هذا الظلام، بزغ فجر رجل بأمة، فجر عبد الحميد ابن باديس الذي امتلك الحكمة وسحر البيان، وجعل دستوره القرآن والسنة، واحتكم إلى منطق العقل المستنير بمشكاة الشريعة، ومزج بين القول والفعل في مشروع نهضوي متكامل.

لم يكن وهابياً ولا صوفياً ولا رجل سياسة يحمل شعارات، بل كان مقاومًا ثائرًا، زكي النفس، فاعلًا متحركًا ومحركًا. أدرك بذكائه وقوة حدسه أن الأمم لا تُهزم حين تُحتل، بل تُهزم حين تفقد هويتها وتماسكها الداخلي. إنها لا تسقط بسبب قوة العدو، بل بسبب القابلية للاستعمار.

في تشخيص عميق للأزمة، وصف بن باديس حال المسلمين قائلاً:" رأينا كما يرى كل مبصر ما نحن عليه معشر المسلمين من انحطاط في الخلق وفساد في العقيدة وجمود في الفكر وقعود عن العمل وانحلال في الوحدة وتعاكس في الوجهة وافتراق في السير. حتى خارت النفوس القوية وفترت العزائم المتقدة، وماتت الهمم الوثابة ودفنت الآمال في صدور الرجال، واستولى القنوط القاتل واليأس المميت"

هذا النص ليس مجرد رثاء للحال، بل هو تشخيص فلسفي لانهيار حضاري: انفصام في العلاقة بين الخلق والعقيدة، وبين الفكر والعمل، وبين الوحدة والوجهة. إنها أمة فقدت انسجامها الداخلي، وضاع منها المعنى، وافتقدت المرجعية.

لم يقف بن باديس عند وصف الأعراض، بل تعقب العلة الأصلية. رأى أن من أسباب الضعف هجر القرآن والسنة، والاقتصار على الفروع دون استدلال ولا تعليل. فالعلم الذي ينفصل عن أصوله، والأحكام التي تُتداول دون معرفة مآخذها، لا تُنتج عقلًا حيًا، بل عقلًا مقلدًا متحيرًا. كان يخاطب تلامذته بقاعدة منهجية محكمة:" محال أن يضبط الفروع من لم يعرف أصولها."

هنا يتجلى البعد الفلسفي في فكر بن باديس: الأزمة ليست في نقص كمية المعرفة، بل في منهج تلقيها وتداولها. فالتقليد في الفروع دون استدلال ينتج عقلًا أسيرًا، وهذا العقل الأسير هو الشرط الذاتي لإمكان الاستعمار. وافق رفيق دربه البشير الإبراهيمي هذا التحليل، فقال:" إذا نحن وازنا بين ما أجداه علينا علم الكلام وبين ما خسرناه بسببه وجدنا الخسارة تربو على الربح. فتوحيد الله مقرر في القرآن بأجدى بيان وأكمل برهان."

وضع بن باديس معادلة دقيقة، منطوقها: "إذا أردنا إصلاح المسلمين فلنصلح علماءهم. ولن يصلح العلماء إلاّ إذا صلح تعليمهم. فالتعليم هو الذي يطبع المتعلم بالطابع الذي يكون عليه في مستقبل حياته." الأمة عند بن باديس لا تُبنى بالخطب الجوفاء، ولا بالشعارات، بل بعقول تُصاغ منذ الطفولة، وقلوب تُربى على القيم الأخلاقية، وأرواح تنسجم مع فطرتها؛ القرآن هو دستور حياتها.

قضى قرابة 25 سنة في تفسير القرآن، ونحو 15 سنة في شرح موطأ الإمام مالك. كان يلقي أحياناً 15 درساً في اليوم الواحد. لم تكن دروساً عابرة، بل جهاداً بالمعرفة. قال في حكمة خالدة: "ولا أدل على وجود روح الحياة في الأمة وشعورها بنفسها ورغبتها في التقدم من أخذها بأسباب التعليم: التعليم الذي ينشر فيها الحياة ويبعثها على العمل ويسمو بشخصيتها في سلم الرقي الإنساني ويظهر كيانها بين الأمم."

لم يختزل بن باديس الإنسان في بُعد واحد. رأى أن الإنسان الحقيقي قائم على ثلاث ركائز: عقيدة تحدد وجهته، وعقل يحدد فهمه، وأخلاق تحدد فعله في العالم. فأصلح العقيدة لأنه لا يريد للإنسان أن يعيش بمرجعية مشوشة. وأصلح العقل لأنه لا يريد له أن يظل حبيس التقليد والجمود. وأصلح الأخلاق لأنه لا يرى قيمة للمعرفة إذا لم تتحول إلى سلوك. انطلق من قوله تعالى (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (الرعد 11

هذه الثلاثية تجعل من مشروع بن باديس مشروعاً إنسانياً شاملاً، لا يكتفي بتصحيح المعتقدات، ولا يبقى في سماء النظريات، بل ينزل إلى أرض السلوك والممارسة. إنها فلسفة عملية بامتياز: المعرفة التي لا تثمر فعلاً هي معرفة عقيمة، والعمل الذي لا يستند إلى عقيدة راسخة وعقل مستنير هو عمل أعمى.

ما يميز مشروع بن باديس هو الجمع بين منطق التفكير وحسن العمل والتدبير. حدد أركان مشرعه بوضوح: "عملنا: نشر السنة النبوية المحمدية وحمايتها. خطتنا: الأخذ بالثابت عند أهل النقل الموثوق بهم، والاهتداء بفهم الأئمة المعتمد عليهم، ودعوة المسلمين كافة إلى السنة دون تفريق بينهم. غايتنا: أن يكون المسلمون مهتدين بهدي نبيهم في الأقوال والأفعال والسير والأحوال حتى يكونوا للناس مثالاً أعلى في الكمال."

بهذه الدقة، كان يفرق بين الفعل والمنهج والغاية. لم يكن يتحرك برد فعل عاطفي، بل ببصيرة منهجية. وهذا جوهر العقل الفلسفي العملي: أن تعرف لماذا تفعل (العمل)، وكيف تفعل (الخطة)، وإلى أين تريد أن تصل (الغاية). وفي مسألة السلطة، لم يكن غافلاً؛ بل نظر إلى تنظيم الأمة بعين الفيلسوف المؤسس. فسّر الآية بأن "أولي الأمر" هم العلماء والأمراء معاً، لأن أمر الله يحتاج إلى من يعينه بالعلم، وإلى من ينفذه بالسلطان. فقال: "فبالعلم يُعين، وبالسلطان يُنفذ". ثم قرر أن الحال لا يستقيم إلا بوجود الطائفتين وتعاونهما بطريق الشورى التي هي أساس الأمر في الإسلام.

عرف بن باديس أن الفكرة إذا بقيت في المسجد وحدها قد تبقى حبيسة أذهان من يستمع إليها، وأن المجتمع لا يُعاد بناؤه بالدرس الخاص فقط، بل بالمنبر العام. فأسس جريدة "المنتقد" التي حمل اسمها برنامجها: النقد البناء الذي تخشاه السلطة الاستعمارية وأصحاب الطرقية. كان شعاره في الصحافة: "باسم الله ثم باسم الحق والوطن ندخل عالم الصحافة العظيم". ثم أعلن مبادئه: مبدأ سياسي، ومبدأ تهذيبي، ومبدأ انتقادي. ووضع شعاراً لم يكن مجرد كلمات: "الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء".

ثم أسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. لم تكن الجمعية مجرد هيئة توقع بيانات، بل كانت وعياً حياً يمشي على الأرض. وضع فيها منهجاً: إصلاح العقيدة، وتحرير العقل، وبناء الأخلاق، ونشر التعليم، ومقاومة الجمود، وحماية الهوية. وعندما جاءت ساعة الثورة، لم يظهر المجاهدون من فراغ. خرجوا من مدارس ربّاها بن باديس، تعلموا فيها أن الحرية لا تُمنح، بل تُؤخذ بالوعي والإرادة. لقد زرع بذوراً لم يرَ ثمارها كاملة، لكنه كان يوقن أن البذرة الصالحة إذا وقعت في أرض صالحة، ستأتي أيامها. وهذا من أسمى معاني الإصلاح: أن تعمل لجيل لا تدركه.

مات الفقيد ابن باديس في السادس عشر من أفريل سنة 1940، وفي نفسه حسرة من تعطيل جريدته "البصائر". وكان معتزاً بها أيما اعتزاز. يقول الإبراهيمي عنه: "كل ما يعلو فيها من أصوات صدى مردد للكلمات النارية التي كان يقذفها لسان مبين، يترجم عن علم مكين ودين متين، وهو لسان المرحوم باني النهضات الجزائرية من غير منازع الإمام عبد الحميد بن باديس."

لقد ترك بن باديس إرثاً ليس في الكتب التي ألفها، بل في النفوس التي ربّاها، والعقول التي حرّرها، والإرادة التي أيقظها. وصفه الإبراهيمي قائلاً: "جمع الله فيه ما تفرق في غيره من علماء الدين في هذا العصر وأربى عليهم بالبيان الناصع، واللسان المطاوع، والذكاء الخارق، والفكر الولود، والعقل اللماح، والفهم الغواص على دقائق القرآن وأسرار التشريع الإسلامي، والاطلاع الواسع على أحوال المسلمين ومناشئ أمراضهم وطرق علاجها، والرأي السديد في العلميات والعمليات... فكان من أخطب خطباء العربية، وفرسان منابرها، كما كان من كتب كتابها."

واليوم، وقد تغيرت أشكال الاستعمار لكن جوهره بقي، لا يزال السؤال الذي طرحه بن باديس قائماً: كيف نبني نهضة لا تبدأ بالشعار، بل تبدأ ببناء الإنسان؟ أن تكون على خطى ابن باديس اليوم لا يعني أن تكون خطيباً فقط، بل أن تكون صادقاً في عملك، نافعاً في مجتمعك، ثابتاً في قيمك، متحرراً في عقلك، رابطاً بين العلم والأخلاق، بين النص والحياة. أن تكون إنساناً لا يقبل أن يُستعمر وعيه، ولا أن تُسرق هويته، ولا أن يُحاصر فكره. فالأمم لا تُبعث بالخطب، بل تُبعث بالإنسان.

***

الأستاذ: عمرون علي

اتخذ الفيلسوف اليوناني القديم ثيودورس Theodorus مسارا مختلفا عن المفكرين الاستفزازيين المعاصرين له بسبب جرأته في تحدّي ورفض الأخلاق ذاتها. وبينما شكّك العديد من معاصريه بالتقاليد، فهو ذهب بعيدا في إنكار ليس فقط الآلهة وانما أيضا جوهر الأسس الأخلاقية ذاتها. وبالنتيجة، جرى وصفه من جانب الكتّاب القدماء كملحد وكمؤيد لعدم احترام الاخلاق. وللوقوف على أهمية ثيودورس، من الضروري وضعه ضمن المناخ الثقافي السائد في زمانه. عاش ثيودورس في بداية القرن الثالث قبل الميلاد وكان عضوا في المدرسة القورينية التي اعتبرت المتعة أعلى أشكال الخير. هو لم يرث تعاليمه فقط وانما أضفى عليها طابعا متطرفا، نابذا القيود التقليدية ودافعا الشك الفلسفي الى استنتاجات مقلقة ومثيرة للجدل.2656 skay

الصورة تكشف العدد الهائل للنجوم في مجرة درب التبانة وحيث يشير ثيودورس الى هشاشة الاخلاق في ظل هذا الكون المترامي الاطراف

وُلد ثيودورس في قورين cyrene المدينة اليونانية التي تقع في شمال افريقيا والتي عُرفت بإنتاج مفكرين أذكياء وغير تقليديين. ومنذ نعومة أظفاره أظهر ثيودورس استقلالية فكرية، حيث درس تحت إشراف أتباع أرستيبو قبل ان ينحرف بسرعة عن تعاليمهم. وبينما قدّر القورينيون المتعة، الاّ انهم ظلوا يلتزمون ببعض الأعراف الاجتماعية التي تحدّاها ثيودورس ورفضها رفضا قاطعا. رؤاه غير التقليدية قادته الى صراع دائم مع السلطات، حيث واجه النفي اكثر من مرة. في أثينا، وُجّه الاتهام اليه بالمعصية، وهو اتهام خطير في مدينة لاتزال تتذكر محاكمة سقراط. وعلى الرغم من انه تجنّب الموت لكن الشكوك ظلت تحوم حوله. لاحقا، سافر ثيودورس كثيرا، ممضيا وقته في مصر تحت حكم بطليموس حيث زار المحاكم الهلنستية. هذه الرحلات عكست كل من سمعته المتزايدة وحالة اللااستقرار التي يعيشها. هو جذب الانتباه أينما حل لكنه نادرا ما وجد قبولا.2657 skay

في ظل قوانين الطبيعة لا وجود لحدود اخلاقية

أخلاق ثيودورس الراديكالية

المصدر الأساسي لحياة وتعاليم ثيودورس هو المؤرخ ديوجين لايرتيوس الذى روى عن شخصيته المثيرة وأفكاره الراديكالية. في هذه الشهادة تبرز فلسفته المتماسكة والمقلقة بعمق. عرّف ثيودورس المرح والحزن باعتبارهما الظروف الإنسانية الرئيسية، رابطا المرح بالمعرفة والحزن بالجهل. من هذا الأساس، هو اعتبر التعقل والعدالة هما الخير الحقيقي، بينما المضاد لهما هو الشر. غير انه اعتبر المتعة والألم محايدان أخلاقيا، و وضعهما خارج القيم الأخلاقية الرئيسية.

وفي نفس الوقت، هو رفض احدى الدعامات الأساسية في الحياة الاجتماعية اليونانية وهي الصداقة. وفقا لرؤيته، الصداقة الحقيقية ربما غير موجودة. الافراد الحمقى تخلوا عنها عندما اختفت مزاياها، بينما الحكيم لم يكن بحاجة الى أصدقاء ابدا. الكفاية الذاتية جعلت الصداقة غير ضرورية.

الفلسفة ضد المجتمع

كانت رؤى ثيودورس السياسية استفزازية. هو جادل بان الرجل الحكيم يجب ان لا يخاطر بحياته لأجل بلده، مصرّا على عدم وجوب التضحية بالحكمة لأجل مصلحة منْ يفتقرون اليها. بدلا من ذلك، هو أعلن صراحة ان العالم بأسره هو الوطن الحقيقي للرجل الحكيم، متوقعا شكلا من العالمية الراديكالية radical cosmopolitanism. غير ان معظم الجوانب المذهلة لفكر الفيلسوف ثيودورس تتعلق بالاخلاق ذاتها: هو زعم ان أفعالا مثل السرقة والزنا وتدنيس المقدسات لا تحمل عارا متأصلا، وانما سمعتها السلبية برزت فقط من الأعراف الاجتماعية وآراء الجهلة. لذلك، فان الشخص الحكيم يمكن ان ينخرط بمثل هذه الأفعال عندما تستدعي الظروف. هذه الأفكار بلا شك صدمت الاثنيين بعمق . هو وسّع هذا التفكير الى رغبة الانسان، مدّعيا ان الجمال موجود للإستخدام وان التمتع به غير خاطئ أخلاقيا. ثيودورس بإثارته أسئلة حادة ومقلقة – مثل ما اذا كان الجمال كالمعرفة يحقق غرضا عمليا – هو تحدّى بإصرار المعتقدات التقليدية للاخلاق، مجبرا مستمعيه لمواجهة حقائق غير مريحة.

صراع ثيودورس مع السلطة

عبّر ثيودورس عن فلسفته ليس فقط نظريا وانما عمليا أيضا. هو تحدّث بجرأة مبينا القليل من الاعتبار للسلطة او الرأي العام، ومواجهاته مع المفكرين الآخرين كشفت عن ذكائه وتحدّيه أيضا. فمثلا، عندما حاول ستيلبو الإيقاع به في مأزق منطقي، قبل ثيودورس الاستنتاج السخيف بدون تردد. حتى عندما أوحت الحجة بانه يمكن ان يكون أي شيء، ظل غير مبال مبديا تبنّيه للعقل والمبدأ بدلا من السمعة. هو أيضا واجه السلطات الدينية بمفارقة حادة. عندما سأل الكاهن الأكبر يوريكليدس عن المعصية، هو حوّل الجواب ضده، مجادلا ان الكشف العلني عن الاسرار المقدسة جعل الكاهن ذاته مذنبا بالمعصية. رؤاه غير التقليدية ومسائلة الاخلاق طالما وضعته في خطر جسيم. طبقا لديوجين، هو اوشك على مواجهة المحاكمة امام اريوباغوس وربما نال عقوبة الموت لو لم يتدخل ديمتريس الفاليرومي لإنقاذه.

وفي وقت لاحق، عمل ثيودورس في محكمة بطليموس وتصرّف كسفير لليسماخوس، محتفظا بجرأته حتى في المحاكم الملكية. عندما سخروا منه بسبب نفيه، هو أجاب بذكاء اسطوري، عندما حذّروه بعدم العودة، أجاب بهدوء انه لن يأتي الاّ اذا تم ارساله. وفي مواجهة أخرى، اتهمه مسؤول في المحكمة بعدم احترام الالهة والحكام. أجاب ثيودورس انه لم يتجاهل الالهة لكنه اعتبر المسؤولين أعداءً لهم – وهو جواب يعكس الاستقلالية الأخلاقية والجرأة التي صاغت اتجاهه في الاخلاق والسلطة.

السنوات الأخيرة لثيودورس

حتى بين زملائه، هو بقي متحديا. عندما سخر منه المتروكليس الساخر، أجاب بسرعة وبقوة تعكس الطبيعة الحادة للنقاش الفلسفي القديم. بالنهاية، هو عاد الى قورينا وعاش في ظل حماية الحكام المحليين. بالرغم من النفي حافظ  ثيودورس على روح الدعابة حول مصيره، قائلا وهو يمزح ان طرده يعني ارساله "من افريقيا الى اليونان".

جسّد ثيودورس واحدا من بين أكثر الشخصيات الراديكالية في اليونان القديمة، مفكر رفض التقاليد ونبذ الحدود الأخلاقية ورفع من قيمة العقل فوق كل المعايير الاجتماعية. وبالنهاية، هو لم يتحدّ فقط المجتمع وانما أجبره لمواجهة افتراضاته الخاصة وإعادة النظر في أسس الحياة الأخلاقية.  

***

حاتم حميد محسن

 

ليس غياب التعليم الفلسفي في مجتمعاتنا مجرد تفصيل ثانوي داخل ازمة التعليم، ولا يمكن تفسيره بضعف المناهج او قلة الكوادر او ازدحام المقررات الدراسية فقط. هذا الغياب في جوهره علامة على شيء اعمق: طريقة فهمنا للعقل نفسه، وحدود ما نسمح له ان يفعله، ونوعية العلاقة التي تربط المعرفة بالسلطة وبالمجتمع وبالمدرسة. نحن لا نتحدث عن مادة دراسية مفقودة بقدر ما نتحدث عن نمط تفكير غير مسموح له ان يتجذر. عندما يطرح سؤال الفلسفة في التعليم، غالبا ما يجاب عليه بطريقة تقنية: هل نضيف المادة ام لا؟ كم عدد الساعات؟ من يدرسها؟ لكن هذه الاسئلة، رغم اهميتها الادارية، تتجاهل السؤال الحقيقي: هل بنية التعليم نفسها تسمح بوجود فلسفة؟ لان الفلسفة ليست اضافة الى المنهج، بل هي طريقة في تفكيك المنهج نفسه.

منذ السنوات الاولى للتعليم، يتم تشكيل عقل المتعلم على اساس محدد: هناك اجابة صحيحة واحدة، وهناك مسار واحد للوصول اليها. هذا النموذج، الذي يبدو فعالا من حيث التنظيم، ينتج نوعا خاصا من الوعي: وعي يبحث عن الحلول الجاهزة اكثر مما يبحث عن الاسئلة. في هذا السياق، تصبح الفلسفة مادة مزعجة، لانها لا تقدم اجابات نهائية، بل تفتح احتمالات لا تنتهي. الفلسفة في جوهرها ليست تراكم معلومات، بل تدريب على الشك المنهجي. لكنها حين تدخل الى نظام تعليمي قائم على اليقين، تتحول الى عنصر غريب. ليس لانها صعبة، بل لانها ترفض ان تكون سهلة. فهي لا تسأل فقط: ما هو الشيء؟ بل تسأل ايضا: لماذا نفهمه بهذه الطريقة؟ ومن الذي قرر هذا الفهم؟ وما الذي يتم اقصاؤه حين نختار هذا التعريف؟

هنا يظهر ما اشار اليه ميشيل فوكو في علاقته بين المعرفة والسلطة. المعرفة ليست محايدة تماما، بل تتحرك داخل شبكات من القوة تحدد ما هو مقبول وما هو غير مقبول معرفيا. داخل المدرسة، هذا يتجلى في شكل واضح: بعض الاسئلة مرحب بها لانها ضمن المنهج، واسئلة اخرى غير مرحب بها لانها تخرج عنه. وهكذا يتم رسم حدود غير مرئية للعقل منذ البداية. لكن اختزال المشكلة في السلطة وحدها لا يكفي. لان هناك ايضا بنية ثقافية اوسع تتشكل داخل المجتمع. هذا المجتمع لا يرفض التفكير الفلسفي لانه يكرهه، بل لانه غالبا لم يُدرَّب على التعامل مع السؤال بوصفه قيمة ايجابية. في كثير من السياقات، السؤال يُفهم كتشكيك، والتشكيك يُفهم كتهديد، والتهديد يُفهم كفوضى. بهذه السلسلة، يصبح التفكير النقدي مشبوها حتى قبل ان يُمارس. غير ان هذا التفسير ايضا ناقص اذا لم نضع التعليم نفسه في مركز التحليل. النظام التعليمي الحالي، في كثير من اشكاله، لا يهدف الى انتاج مفكرين، بل الى انتاج ناجحين في الامتحان. النجاح هنا يقاس بالقدرة على اعادة انتاج المعرفة، لا على انتاج سؤال جديد حولها. لذلك يتم تدريب الطالب على مهارة اساسية واحدة: كيف يطابق الاجابة مع النموذج، لا كيف يفكك النموذج نفسه.

هذا النوع من التعليم لا يقتل الفلسفة بشكل مباشر، لكنه يخلق بيئة لا تحتاجها. لان الفلسفة تحتاج الى فراغ، الى مساحة غير محسومة، الى قدرة على تحمل عدم اليقين. بينما النظام التعليمي التقليدي يسعى الى تقليل هذا الفراغ الى الحد الادنى، لانه يعتبره علامة على الفشل التنظيمي، لا على الامكان الفكري. اذا انتقلنا الى مستوى اعمق، سنجد ان الفلسفة ليست مجرد مادة غائبة، بل هي غياب لطريقة معينة في التعامل مع العالم. في الفلسفة، لا ينظر الى المفاهيم كحقائق ثابتة، بل كبنى قابلة للتفكيك. ما معنى العدالة؟ ما معنى الحرية؟ ما معنى الدولة؟ هذه الاسئلة لا تهدف الى الوصول الى تعريف نهائي، بل الى كشف طبقات المعنى وتاريخ تشكله. لكن هذا النوع من التفكير لا يجد مكانه بسهولة داخل نظام يفضل التعريفات الجاهزة. حين نقارن هذا الوضع بتجارب تعليمية اخرى، مثل فرنسا او المانيا، يظهر الفرق بشكل واضح. في فرنسا مثلا، الفلسفة ليست مادة هامشية، بل جزء من الامتحان النهائي في المرحلة الثانوية. لكن الاهم ليس وجود المادة، بل طريقة التعامل معها. الطالب لا يُطلب منه ان يحفظ آراء الفلاسفة فقط، بل ان يكتب مقالا يناقش فيه اشكالا فلسفيا. السؤال هو المركز، وليس الجواب. هذا التحول البسيط في البنية يغير طبيعة التعليم بالكامل: من تعليم قائم على التكرار الى تعليم قائم على التفكير. عندمآ  تنقل الفلسفة الى سياقات لا تتبنى هذا التصور، يتم تفريغها من محتواها النقدي. تصبح اسماء: افلاطون، ارسطو، ديكارت، ابن رشد، لكنها لا تتحول الى اسئلة حية. يتم التعامل معهم كجزء من التاريخ، لا كجزء من الحاضر الفكري. وبهذا تتحول الفلسفة الى معرفة محفوظة، لا الى ممارسة تفكير.

يمكن استدعاء فكرة كانط عن التنوير، حين ربطه بقدرة الانسان على استخدام عقله دون وصاية. التنوير عنده ليس حدثا تاريخيا انتهى، بل حالة مستمرة من الخروج من الاعتماد على الاخر في التفكير. لكن هذا الخروج لا يمكن ان يحدث داخل نظام تعليمي يعيد انتاج الوصاية بشكل ناعم: وصاية الكتاب، وصاية المعلم، وصاية الامتحان، وصاية النموذج. المفارقة ان الخطاب الرسمي في كثير من السياقات التعليمية يتحدث عن تنمية التفكير النقدي، لكن هذا التفكير غالبا يبقى محصورا داخل حدود آمنة. يمكن للطالب ان يناقش داخل الاطار، لكن لا يُسمح له دائما باعادة تعريف الاطار نفسه. وهنا يبدأ التناقض: التفكير النقدي يصبح وظيفة داخل النظام، لا اداة لمساءلته.

هذا الوضع ينتج اثرا عميقا على مستوى الوعي العام. لان غياب الفلسفة لا يعني فقط غياب مادة دراسية، بل غياب قدرة على التعامل مع التعقيد. حين يغيب التفكير الفلسفي، يصبح العالم اكثر بساطة مما هو عليه فعلا: اما صح او خطأ، اما جيد او سيئ، اما مع او ضد. هذه الثنائية المريحة قد تبدو مفيدة في الحياة اليومية، لكنها غير كافية لفهم واقع معقد بطبيعته. في السياسة، يؤدي هذا الغياب الى اختزال القضايا في شعارات. في الدين، يؤدي الى تحويل الاسئلة الوجودية الى اجوبة مغلقة. في المجتمع، يؤدي الى صعوبة قبول الاختلاف. لان الفلسفة، في جوهرها، لا تعلمنا ماذا نفكر فقط، بل تعلمنا كيف نختلف دون ان نلغي الاخر. لكن من الظلم ايضا تحميل التعليم وحده المسؤولية. لان غياب الفلسفة هو نتيجة تفاعل بين عدة مستويات: التعليم، المجتمع، السلطة، والتاريخ الثقافي. كل مستوى يعيد انتاج الاخر بطريقة ما. المجتمع الذي يخاف السؤال يعزز تعليم لا يشجع عليه، والتعليم الذي لا يشجع السؤال يعيد انتاج مجتمع اقل استعدادا له. وهكذا ندور داخل حلقة مغلقة.

السؤال الحقيقي اذن ليس: لماذا لا ندرس الفلسفة؟ بل: ما نوع الانسان الذي نريد ان ننتجه من خلال التعليم؟ هل نريد انسانا يكرر المعرفة، ام انسانا يسائلها؟ هل نريد عقلا مغلقا داخل الاجابات، ام عقلا قادرا على العيش داخل الاسئلة؟ الاجابة عن هذا السؤال ليست تقنية، بل سياسية وثقافية في آن واحد. لانها تتعلق بتوزيع السلطة داخل المعرفة نفسها: من يملك حق السؤال؟ ومن يحدد حدود التفكير؟ ومن يقرر ما هو طبيعي وما هو مرفوض معرفيا؟ في غياب التعليم الفلسفي ليس فراغا بسيطا يمكن ملؤه بإضافة مادة الى المنهج. انه مؤشر على نمط اوسع من التفكير داخل المجتمع. نمط يفضل اليقين على السؤال، والاجابة على الاحتمال، والاستقرار على القلق المعرفي. لكن الفلسفة، في اعمق مستوياتها، لا تزدهر في اليقين، بل في القلق. ولذلك فإن استعادتها لا تعني فقط تدريسها، بل تعني اعادة الاعتبار للسؤال نفسه كقيمة تعليمية وثقافية. وحين يحدث ذلك، لن يكون غياب الفلسفة مجرد مشكلة تعليم، بل بداية تحول في طريقة فهمنا للعالم ولانفسنا.

***

زكريا - نمر