في يثرب/المدينة استطاع محمد بن عبد الله (ص) تشكيل وبناء الجماعة الإسلامية كخطوة أولى في طريق تحقيق الأمة الكبرى، وذلك عندما كتب الرسول الكريم عقد المؤاخاة أو الصحيفة، التي هي بمثابة الدستور بين المهاجرين والأنصار واليهود، المبني على قاعدة المواطنة أي الإنتماء للوطن وليس المعتقد الديني في محاولة لتجاوز الإطار القبلي والتوافق على العيش المشترك، أي عيش الجماعات المتعددة قبليا ودينيا على نفس الأرض وفي إطار سياسي واحد.
والحقيقة التي لا نقاش فيها أن ما يميز الرسول هو أنه نظر للأمور نظرة واسعة وكان يمتلك رؤية سياسية شاملة تتجاوز حدود القبيلة والعشيرة وتتجاوز حتى حدود العواطف والمنافع الشخصية، كما كانت قراراته السياسية مبنية على دراسة لطبيعة المشكلات وعواملها الأساسية، وليس هذا فحسب، بل وتصدر عن قراة واعية واستشرافية لتداعياتها وأسسها البعيدة والقديمة، كما كانت رؤيته السياسية مقرونة بعزم وإرادة ونظرة مستقبلية متبصرة، تنظر إلى القبائل والعشائر التي عيش في الجزيرة العربية، على أنهم أمة واحدة، تجمعهم رابطة الجنس والوطن واللغة، كما يجمعهم التاريخ المشترك والمصير المشترك.
ولهذا كان تأثير الدعوة المحمدية تأثير يتيز بميزتين أساسيتين هما الديمومة والعالمية، وهذا هو النجاح الكبير الذي حققه الرسول الكريم، وجسَّدته الفتوحات التي تواصلت بعد وفاة النبي وبلغت الذروة في عهد الدولة الأموية، إذ كانت حدود الأمبراطوية الإسلامية تمتد من جبال البرييني في غربا أوروربا حتى حدود الصين شرقا.
وثمة ملاحظة في هذا الصدد، وهي أن الجماعة المؤمنة برسالة محمد بن عبد الله (ص) العدد، وقد كانت جماعة صغيرة من حيث العدد، لأن الدعوة لم تنتشر الانتشار الواسع بين الناس في المرحلة المكية بسبب الحصار المحكم الذي فرضه سادة قريش على الدعوة المحمدية، وهناك سبب أخر في عدم الانتشار هو الإضطهاد والتعذيب الذي تعرض له المسلمون الأوائل، وخاصة المستضعفين من أتباع الرسالة المحمدية، من عبيد وفقراء ونساء (السيد، الأمة والجماعة والسلطة، 2011، صفحة 23).
من البديهي القول، أن الرسول كان قد أسّس الأمة الإسلامية كجماعة دينية، الأمة التي تضم المهاجرين والأنصار وعدد كبير من قبائل الجزيرة العربية، وأساس الرابطة في هذه الجماعة التي تحولت أمة هو الدين الجديد، والعنصر الأساسي للإنتماء هو العقيدة الإسلامية. فأفراد هذه الأمة في البداية كان ضئيلاً ومحدوداً، إذ لم يتعد عدد من دخل في الإسلام، مائة وأربعة وخمسون(154) شخص، في المرحلة المكية أي في سنوات البعثة، والتي دامت، كما هو معروف، ثلاثة عشر سنة، ثم وصل عدد المؤمنين إلى عشرات الألاف في المرحلة المدينة والتي إستغرقت عشر سنوات، وانتهت سنوات الهجرة ومفهوم الهجرة بعد فتح مكة.
و من نافلة القول، أن هؤلاء الأفراد في مكة وهذه الجماعات في المدينة، إلتفوا حول رجل ذو كاريزما وتبعوا رسول صاحب رسالة وآمنوا بنبي نزل عليه الوحي عن طريق جبريل، وهذا ما يسمى في علوم القرآن بالتنزيل، وهو النص القرآني، ومن المتفق عليه بين المفسرين أن القرآن الكريم يتضمن أوامر ونواهي إلهية، يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويحدد شكل المعاملات، كافة أشكال المعاملات الإجتماعية والتجارية، نص إلهي ينطق بلغة الحرام والحلال، ويعبر عن عقيدة دينية، أساسها الإيمان بالله، وبرسله وملائكته وباليوم الأخر (السيد، الأمة والجماعة والسلطة، 2011، صفحة 140).
ما نسعى إلى بيانه، أن الدعوة المحمدية تكونت حولها جماعة مِلّية/دينية بالأساس وتسمى هذه الجماعة بالمسلمين. ولكن مع تطور الأحداث والتحولات السياسية والإقتصادية والتغيرات الاجتماعية، وكذلك مع انفجار الصراعات السياسية وتغير الخريطة الطبقية، تحولت هذه الجماعة الدينية إلى أمة تنطوي تحت لوائها عدة جماعات، وتخضع لسلطة سياسية مركزية في المدينة، ثم انقسمت الأمة إلى جماعات سياسية متناحرة في مرحلة الخلفاء الراشدين وخاصة في النصف الثاني من خلافة عثمان بن عفان واستمرت الصراعات بحدة في عهد الخليفة الرابع علي بن أبي طالب، وبقي الأمر كذلك حتى مع قيام الدولة الأموية، إذ هدأت الأمور بعض الشيء. (غليون، نقد السياسة.. الدولة والدين، 2007، صفحة 55).
وغني عن البيان القول، أن محمد بن عبد الله (ص) كان يتصرف كقائد روحي من ناحية وكزعيم سياسي من ناحية أخرى، فهو بإعتباره نبي وقائد لجماعة دينية، كان يرشد على العمل الصالح ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحذر من فعل الشر ويقرر ما ينفع الناس ويدعو إلى مكارم الأخلاق. أما كقائد سياسي، فقد كان يحث المؤمنين على القتال في سبيل الدعوة وذلك بدعوته إلى الجهاد كما كان يجهز الكتائب ويعد السريات للقتال، وفي نفس الوقت كان يفاوض القبائل ويعقد الصفقات مثل صلح الحديبية الذي يقدم مثالا أعلى على المسلك السياسي النبوي النازع نحو الواقعية والمرحلية والبراغماتية، وهو صلح جاء في أعقاب مفاوضات شاقة خاضها الرسول مع سادة قريش، وقد وفرت له هذه المفاوضات هدنة كان يحتاجها المسملون لإلتقاط الانفاس ولإعادة بناء الجيش ورص صفوف المسلمين وتمتين الجبهة الداخلية، كما كان الرسول وبحنكته السياسية الفذة، يناور الأعداء ويعقد التحالفات مع الأصدقاء ويخطط للغزوات ويبرم الاتفاقيات... الخ (الجابري، العقل السياسي العربي، 1992، صفحة 111)
ما نريد التأكيد عليه، أن النبي كان يجمع في شخصه بين الزعامة الروحية والقيادة السياسية، بين الدعوة والدولة، ومن البديهي القول، أن تلك الحقبة الممتدة من سنة 610 م حتى سنة 632م هي حالة إستثنائية، وُجدت فقط في تلك الحقبة عند الرسول محمد بن عبد الله والرسول(ص). ولفهم ملابسات تلك التحولات من الجماعة إلى الأمة والصراع على السلطة، لا بد لأي باحث أو مؤرخ من تتبع الدعوة المحمدية من البداية حتى النهاية. أي من المرحلة المكية حتى الفترة المدينية، وبعبارة أخرى لا بد من قراءة السيرة النبوية في سياقها التاريخي والأخذ بعين الإعتبار الظرفية الاجتماعية /الإقتصادية.
النبوة والسلطة السياسية
ففي المرحلة المكية كان النبي زعيمًا روحيًا ورمزًا دينيًا، ولا أحد يجادل في ذلك، والأفراد الذين آمنوا به شكلوا جماعة روحية /دينية بمعنى الكلمة، وبعبارة أخرى فإن الشيء الوحيد الذي كان يربط أفرادها بعضهم ببعض هو الإيمان بالله وبرسوله وبما يوحى إليه، لم يكن ما يجمع بين أفراد الجماعة الإسلامية التي كانت أخذةً في التكوين غير العقيدة (جعيط، الفتنة.. جدلية الدين والسياسة، 2012، صفحة 35)
و حتى الدعوة في هذه المرحلة- وكثير من الآيات تشهد على ذلك- كان يغلب عليها طابع المُوادعة ونحت منحى المُسالمة واتسمت بروح التسامح. لأن التركيز في هذه المرحلة كان على الدعوة إلى الدين الجديد، والتأكيد على وحدانية الله" قل هو الله احد الله صمد لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوءا احد" (سورة الإخلاص) والإشارة إلى الحياة الأخرى والتذكير بيوم الحساب.. الخ.
و بالتالي لم يكن من مصلحة هذه الجماعة قليلة العدد، ضعيفة الإمكانيات، الدخول في مواجهة إنتحارية مع القوة الضاربة لقبيلة قريش، التي كنت تفوق المسلمين عددا وعدة (الجابري، العقل السياسي العربي، 1992، صفحة 75).
ففي هذه الحقبة كذلك، كان محمد بن عبد الله يتصرف كنبي ورسول، حامل لرسالة وصاحب دعوة دينية مع المؤمنين برسالته في مكة أي " أمة الإجابة " وإلى الناس كافة وإلى العالم أجمع أي " أمة الدعوة "، ولم يكن يتصرف كقائد سياسي أو رئيس دولة، ومع مقاومة قريش الشرسة للدعوة، واﻹضطهاد الذي مارسته على أتباع محمد، وخاصة على الضعفاء منهم، كان لابد من إتباع تكتيك السرية والمقاومة السلمية والصبر والمسالمة.
و الحقيقة التي لا مرية فيها، أن النبي في هذه المرحلة، كان أعزل ومحاصر من كل الجهات، فعدد الجماعة الإسلامية قليل بل وقليل جدا، لا يسمح بالمواجهة المباشرة مع خصم عنيد، شديد المِراس تحت قيادة " الملآ "، يفوق جماعة محمد بن عبد الله، عددا وعدة. لكن ميزان القوة سرعان ما سيتغير رأسا على عقب، في الحقبة المدينية. إذ سيصبح الرسول " النبي المسلح " (أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، 1998، صفحة 167) والقائد السياسي الذي له أتباع كثيرون، وهؤلاء الأتباع قد يتحولون في آية لحظة وبإشارة فقط من الرسول، إلى جيش يقاتل بضراوة وعن عقيدة دينية راسخة. و هو ما حصل بالتمام والكمال، مع غزوات الرسول العديدة والتي بلغت سبعة عشر غزوة في السنوات العشر للهجرة في المدينة/يثرب.
ما نريد التنبيه إليه، أن هناك اختلاف واضح بين المرحلتين، مرحلة ما قبل التمكين ومرحلة ما بعد التمكين، المرحلة الأولى كانت سِمتّها الأساسية هي الضعف وقلة الحيلة في مواجهة قوة قريش الضاربة وبأس سادة قبيلة قريش الذي لا يرحم والمرحلة الثانية كان يميزها القوة ممثلة في جيش مسلح قوامه عشرة آلاف مقاتل، جيس مستعد للقتال وقادر على خوض الحروب وشن الغزوات، ويمتلك عقيدة قتالية تقوم على التضحية في سبيل الله وعلى السعي نحو اكتساب صفة الشهيد، فالنبي في المرحلة المكية كان أعزل، أما النبي في المرحلة المدينية فكان نبي مسلح عددًا وعدة وهناك فرق، بطبيعة الحال بين قائد أعزل وقائد مسلح.
و لهذا إختلفت لهجة الخطاب وارتفعت نبرة الصوت وتبدل أسلوب المعاملة ليس فقط مع قبيلة قريش في مكة بل مع عدة قبائل في نجد والحجاز، وعن الإختلاف بين المرحلتين، يشير باحث معاصر إلى ذلك بقولهʺ.. مع الهجرة إلى المدينة تنتهي مرحلة وتبتدئ أخرى. كانت المرحلة المكية مرحلة الدعوة والصبر، أما المرحلة المدينية، فستكون مرحلة تأسيس الدولة والحرب. أن هذا لا يعني أن الدعوة السلمية قد انتهت، كلا، إن النهج التبشيري السلمي سيبقى قائما دائما، ولكنه لن يكون هو النهج الوحيد. إن الصراع مع قريش الذين حاربوا الدعوة المحمدية دفاعا عن مصالح معينة سينتقل هذه المرة إلى مرحلة أرقى، مرحلة ضرب تلك المصالح نفسها.. وهكذا ستشق الدعوة المحمدية طريقها إلى بناء الدولة عاملة في واجهتين، البناء الداخلي من جهة، وممارسة السياسية مع قريش بوسائل أخرى، وفي مقدمتها الحرب النفسية وضرب تلك المصالح، من جهة ثانية،.. " (الجابري، العقل السياسي العربي، 1992، صفحة 91)
و بالفعل، كان من الضروري في هذه الحقبة، من تنظيم المجتمع الجديد وفق هندسة اجتماعية جديدة. والعمل شيئا فشيئا، على تحقيق ما يسمى اليوم بالاندماج الوطني بين المهاجرين والأنصار، من خلال الأخوة التي تحقق التضامن والتكافل الاجتماعي وكذلك كان يجب عقد معاهدة بين المسلمين واليهود، وهي المعاهدة المعروفة باسم الصحيفة التي حددت النظام الداخلي للتعايش بين جميع الأطراف التي تسكن المدينة. وخاصة التعايش في إطار عدم الاعتداء وإحترام كل طرف لمعتقد الأخر طبقا لمبدأ " لا إكراه في الدين" (الجابري، العقل السياسي العربي، 1992، صفحة 93) نستنتج من هذا الكلام، أن تنظيم الجماعة الإسلامية والتركيز على البناء الداخلي، أي تمتين الجبهة الداخلية، وعقد معاهدات مع أطراف قد تشكل خطرا محتملا في المستقبل، كل ذلك وأكثر، هو ممارسة سياسية بامتياز (الجابري، العقل السياسي العربي، 1992، صفحة 94).
فالدين الجديد، كان يُحَارب بضراوة من طرف قريش التي استخدمت كل الوسائل المتاحة لديها للقضاء على هذه الدعوة في المهد، من التعذيب المادي والاعتداء الجسدي على المستضعفين من المسلمين، إلى الحصار الاقتصادي، إلى الإغراء المادي.
هذه الحرب الشاملة جعلت الرسول وأنصاره في المدينة يمارسون السياسية في الدين ومن أجل الدين. إنه عمل سياسي بامتياز، يراعي الواقع ويقدر الظروف ويأخذ بعين الاعتبار موازين القوى. ما نخلص إليه ها هنا، أن الجماعة الدينية في مكة تحولت بالتدريج إلى جماعة سياسية في المدينة / يثرب، والجماعة السياسية هي الأخرى تحولت وبالتدريج وعلى مراحل إلى أمة لها دولة ونستطيع أن نطلق عليها وبتحفظ شديد مصطلح الدولة - الأمة.
نهاية مرحلة.. وبداية مرحلة
وفي سياق تاريخي محدد هو مرحلة النبوة، أي مع وجود نبي مع الصحابة والجماعة المؤمنة، شكَّل الرسول الكريم حالة استثنائية، إذ جمع بين الزعامة الروحية والقيادة السياسية، وهو صاحب الدعوة وحامل الرسالة. و لكن انتفت هذه الحالة بمجرد وفاة الرسول وانتهت الدعوة بنهاية صاحب الدعوة وانقضى بذلك زمن النبوة وبدأ زمن الخلافة. وبعبارة أفصح نقول، مع وفاة النبي محمد(ص) أُستدل الستار على المرحلة " المشاعية ".. كانت فيها العلاقات الاجتماعية فوق قبلية تحكمها الرابطة الدينية / كما كنت مرحلة مثالية بحكم وجود الأباء المؤسسين المتجسمة في النبي وأصحابه، وبالتالي هي حقبة زمنية غير قابلة للتكرار، مرحلة شهدت ميلاد أمة إسلامية، العنصر الأساسي في وجودها وتوحيدها هو الدين، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى العنصر الأساسي في تفرقها وتمزقها، هو السياسية، والمفارقة الكبرى أن الأمة هي التي أبدعت حضارة والسلطة هي أسقطت هذه الحضارة.
ففي هذه الحالة، الطرق السلمية وحدها لا تكفي، بل لا بد من طرق ووسائل وآليات أخرى سواء كانت أو غير سلمية. وقد تكون الوسائل السياسية ومنها الطرق الحربية. وهنا كان ضروريا إختلاط السياسية بالدين، في هذا السياق التاريخي، ومن أجل التمكين لهذه الجماعة الدينية وضمان إنتشار الدعوة، ومن هذا المنطلق مارس النبي كل الوسائل التي تحقق له هذا الهدف، الوسائل السياسية حينا من خلال عقد الإتفاقيات والصفقات، والوسائل اﻹقتصادية عن طريق إعتراض القوافل التجارية أحيانا أخرى، في إطار مواجهة الخصوم والأعداء من جهة وزيادة الأتباع من جهة أخرى (الجابري، العقل السياسي العربي، 1992، صفحة 113).
وفي هذا السياق نجد أن الرسول مارس السياسية بأتم معنى الكلمة، حيث قام بعقد عدد من التحالفات مع قبائل عربية مختلفة مثل بيعة العقبة، الأولى والثانية، التي أفضت إلى دخول قبيلتي الأوس والخزرج في الإسلام، وبالتالي مهدت الطريق للهجرة إلى يثرب. (الجابري، العقل السياسي العربي، 1992، صفحة 89)
ومما يلفت الانتباه، أن النبي طبق فن التفاوض والصلح وعقد الإتفاقيات بقدر كبير من الذكاء السياسي، من إبرام معاهدة الصحيفة، وهي الاتفاقية/ الدستور التي جمعت ثلاثة أطراف، الطرف الأول يمثله المهاجرون والطرف الثاني هم الأنصار والطرف الثالث يتمثل في اليهود، من أجل العيش المشترك والتعايش في الوطن الواحد.
وكذلك من الأحداث البارزة، في السيرة النبوية والدعوة الإسلامية صلح الحديبية الذي تجلى فيه التكتيك السياسي والحنكة الدبلوماسية ومراعاة المصالح الاقتصادية.
ولهذا هناك فرق بين الأمة والدولة، في التاريخ الإسلامي منذ مشكلة الخلافة إلى غاية اليوم، فالأمة الإسلامية هي شعور عاطفي يجمع بين أفرادها رغم اختلافاتهم العرقية واللغوية والمذهبية، يجمعهم شعورهم الديني والروحي، بالانتماء إلى نفس العقيدة وكذلك ممارسة نفس العبادات وأداء نفس المناسك والطقوس وإحياء نفس المناسبات والاحتفال بنفس الأعياد الدينية.. كل ذلك شعور عاطفي وإحساس روحي لا يغير من الواقع شيئا، أم الدولة فهي علاقة قانونية بين الفرد والدولة الذي يحمل جنسية nationalité-- وشعور وطني وانتماء مادي وممارسة سياسية.
وعلى هذا الأساس، يمكن أن نتصور أمة إسلامية تجمع بين إفرادها روابط عاطفية روحية عقائدية لأن الدين بطبيعته يوحد ولا يفرق، يجمع الناس حول عقيدة واحدة، والدليل على ذلك، الدور التاريخي الذي لعبه الدين الإسلامي في تحديد مهام الدولة وهي الكفاية والشوكة، الكفاية بمعنى منع الفتنة الداخلية والشوكة بمعنى صد العدوان الخارجي.
و لا نجانب الصواب، إذا قلنا أن الإسلام هو دين توحيد بإطلاق، ودين أخلاق بإطلاق، هو رسالة للناس كافة، ومجاله الدائرة الروحية/ الدينية. أما الدولة فمجالها الشؤون الدنيوية وهي تنطبق على عدد معين من الناس يحملون الجنسية ويحوزون على صفة مواطن- citoyen-، تجمعهم رابطة الوطن، أي الإرتباط بالوطن والموطن له علاقة بالأرض والتي تقام عليها دولة، وهكذا فالمواطان هو الفرد الذي ينتمي إلى دولة.
ولا جدال، في أن الدعوة كانت دعوة موجهة إلى الناس كافة، ومن المعقول أن يعتنق سكان العالم ديانة واحدة، ولكن أن يعيش كل سكان العالم في دولة واحدة فهذا أمر غير معقول.
وواضح أن مفهوم الأمة في التراث العربي وحسب التجربة التاريخية الإسلامية يختلف تماما عن مفهوم الدولة، الأمة تحكمها عقيدة دينية واضحة ومحددة. بينما الدولة تحكمها سياسيات وقوانين وضعية والدستور والإرادة العامة ومصلحة الدولة، أما الأمة فيغلب عليها الطابع، العاطفي/ الروحي، والدولة يغلب عليها الطابع العقلاني/ الواقعي.
ما نخلص إليه أن الإسلام هو في الأساس وفي الأصل هو رسالة إلهية ودعوة دينية ولم يكن دعوة ولا كان يحمل مشروع سياسي هدفه إقامة دولة وتأسيس ملك، والنبي محمد بن عبد الله (ص) هو أخر الأنبياء وخاتم الرسالات والدعوة المحمدية انتهت بوفاة صاحب وبعد وفاة الرسول الكريم، هي أراء وأفكار وإجتهادات وإيديولوجيات، ما يسمى قديما وحديثا بالدعاة، هم دعاة لمذهب أو لفرقة عقدية ودعاة لطائفة ولإيديولوجيا معينة، فعندما انقسم المسلمون بعد وقوع مشكلة الخلافة وأحداث الفتنة الكبرى الدامية، لم يعد هناك من يحمل صفة المسلم وكفى، بل أصبح هناك المسلم الشيعي والمسلم السُّني والمسلم الإباضي والمسلم السلفي الوهابي.
والنتيجة.. أن الجماعة قليلة العدد تحولت إلى جماعة كثيرة العدد، أي إلى أمة، كان لا بد لها من سلطة سياسية حاكمة، وعندما تشكلت السلطة، بدأت ارهاصات بناء الدولة، ومع وفاة الرسول الكريم، انتهت حقبة النبوة، ومن ثمة طفت على السطح مشكلة الخلافة /السلطة والتي أفضت إلى انقسام الأمة إلى جماعة متناحرة على السلطة وعلى الدولة.
***
مصطفى دحماني
باحث في الفكر السياسي الإسلامي /الجزائر






























