لماذا نتحمل مشقة ان نكون صالحين؟
ارتبطت الاخلاق، او السلوك الصالح، تقليديا بالتقدير الإيجابي المشروط، لكن هل يجب إعادة صياغة هذا التقدير كمصلحة ذاتية؟ سنستكشف نظرية كارل روجرز.
يُنظر الى الاخلاق كفعل حسن، يحدده تقدير إيجابي مشروط، منفصلا عن الذات باعتبارها شخصا صالحا. ناقشت البشرية منذ الازل ما نعنيه بـ "صالح" او حسن، ليشمل ذلك فلسفة الاخلاق الأساسية والتنشئة الاجتماعية. لكن هل السعي للشخص الصالح يفترض سلفا اننا نفتقر للخيرية التي نبحث عنها، بما يجعل الكفاح الأخلاقي فعلا مؤلما للغاية ينم عن كراهية الذات؟ استطلاع الاخلاق، يبدأ بفكرة كارل روجرز عن التقدير الإيجابي المشروط (1)، هل يجب ان ننتقل بعيدا عن أفكار الاخلاق كتضحية ذاتية غير انانية الى فكرة المصلحة الذاتية؟
الشخص الصالح مقابل الفعل الصالح
بينما تختلف تعريفات الاخلاق بشكل كبير طبقا لكل مدرسة من مدارس الفكر، لكن ما هو واضح، وان يتم تجاهله، هو ان الاخلاق هي مسألة فعل وليست هوية. النقاشات الفلسفية حول الاخلاق تهتم بما يشكل "الشخص الصالح". اذن من أين يأتي السعي لنكون صالحين، وكيف يرتبط بالفعل الأخلاقي؟
التقدير الإيجابي المشروط
بحث عالم النفس الأمريكي البارز كارل روجرز بكثافة تأثير "التقدير الإيجابي المشروط" على تطور مفهوم الذات. هو اكتشف ان التربية تستلزم مكافأة وعقوبة تقود الى تقدير الذات المشروط. في الطفولة، عندما تُكافأ سلوكيات معينة وتُعاقب أخرى، نميل للخلط بين قيمنا الذاتية وأفعالنا.
ان طاعون المجتمع الحديث هو السعي الدائم لنكون "صالحين جدا". يجادل روجرز ان التقدير الإيجابي المشروط يقودنا الى استبطان إحساس بشعور داخلي بعدم القيمة، لأن قيمة الذات تصبح مشروطة بأفعال معينة.
هنا تبرز فجوة بين الذات الواقعية الأصلية والذات "المثالية"، التي تشير الى ذات خيالية تسعى لتلبية الشروط الاجتماعية للتقدير الإيجابي. وهكذا، يتأسس انشاقا بين الـ "انا" و "انا يجب"، بما يؤدي الى تنافر يقود الى معاناة كبيرة.
عمل الشيء الصالح
دعا روجرز لممارسة تقدير إيجابي غير مشروط، يحدد بفاعلية الفرق المُتجاهل بين الفعل ومفهوم الذات. عند النظر الى قيمتنا الجوهرية غير المشروطة، يتخذ سؤال الاخلاق رؤى مختلفة حيث لم نعد نربط قيمتنا الذاتية به. الاخلاق لا تستلزم ان تكون صالحا وانما تعمل صالحا. مع ذلك، ربما حتى اكثر من قبل، نحن لانزال نتساءل لماذا يجب ان نهتم بالافعال الأخلاقية. اذا لم تكن لأجل ان نكون صالحين، اذن لأجل ماذا؟
مشاعر عالمية
هناك قصيدة للشاعر سعدي شيرازي يُحتفل بها على نطاق واسع ضمن الدبلوماسية الدولية، وهي أبيات من قصيدة بني آدم كُتبت على سجادة رائعة وُهبت الى الأمم المتحدة عام 2005، والتي عُرضت داخل المقر الرئيسي للأمم المتحدة في نيويورك.
كل الكائنات البشرية هم أعضاء في اطار واحد
طالما ان الجميع في البداية نشأوا من نفس الجوهر.
عندما يصيب الألم أحد الأطراف
الأطراف الأخرى لا يمكنها ان تبقى ساكنة.
اذا انت لا تشعر بتعاسة الآخرين
"انسان" ليس اسما يليق بك.
كان سعدي شاعرا مشهورا من شيراز في ايران. في أول وهلة، القصيدة تبدو نقاشا مُبالغ فيه حول أهمية التحلي بالتعاطف نحو الجنس البشري. لكن فحصا دقيقا يبيّن ان سعدي يتحدث حول شيء ما أعمق. القصيدة تبدأ بتعريف الكائن البشري كأجزاء من كل، تنبثق من نفس المصدر الانطولوجي، هي تعبيرات لنفس المبدأ او الجوهر. يتبع من تلك العبارة الأولى انه متى ما كان يعاني جزء من الكل، فان الأجزاء الأخرى لا يمكن ان تبقى دون اضطراب.
الصالح العالمي
من منظور سعدي، ما لم نشعر بارتباط حقيقي يتجاوز العزلة الزائفة التي تفرضها فرديتنا، فلن نتمكن من احتضان انسانيتنا. عندما نرتبط بالكل، ندرك انفسنا والاخرين كأجزاء مختلفة من نفس الجسم.
انظر في يديك الاثنين. هما ظاهرا متميزان، ويمكن ان يُفهم كل واحد منهما بطريقة مختلفة، لكنهما جزء من جسمك. يدك اليمنى يمكنها ان تؤذي بسهولة يدك اليسرى، والعكس صحيح. وبينما اليد المصابة هي اليد الجريحة، لكن جسمك بالكامل سوف يتأثر. رغم ان أفكار سعدي قد تبدو غريبة، لكنها واضحة في تجربتنا اليومية. من المؤكد الشعور بالرعب من التسبب في أذى شخص آخر كما تبيّن تجربتنا وكما أثبت العدد الهائل من الدراسات السايكولوجية والعصبية.
ان علاقة الاخلاق الشخصية بالاخلاق الجمعية ليست جديدة في الفلسفة، حيث نوقشت بدءاً من سقراط وحتى عمانوئيل كانط في الاخلاق المطلقة، وان كانت بطرق مختلفة.
ما يفترضه سعدي كتحفيز للاخلاق هو بعيد عن حالة مثالية من نكران الذات، بل، انه تحفيز أناني متأسس على الوعي في الارتباط الانطولوجي لتفاعلنا الذاتي: وعي في كلّ غير اناني فيه كل ذات بشرية تكون جزءاً. وفق هذا المنظور، كل فعل من الأذى هو بالضرورة فعل لايذاء الذات. نحن نهتم بالاخلاق ليس لأجل الاخرين واانما لأجل انفسنا.
الاخلاق كمصلحة ذاتية
بينما السؤال عما يشكل الفعل الأخلاقي هو وراء نطاق هذا المقال، لكن ما هو مهم هو فصل الكفاح الأخلاقي عن التحديات العاطفية والارتباطات والرومانسية التجريدية. عندما ننظر للاخلاق كمسألة مصلحة ذاتية نُسجت مع أفضل مصلحة لانسانيتنا الجمعية، فان مخاوفنا تتخذ شكلا مختلفا وبسيطا، متجذرا في الإحساس العام.
لم تعد الرغبة تعوقنا في ان "نكون صالحين" ولا بالافكار المثالية المجردة لـ "عمل الشيء الصالح"، نحن يمكن ان ننظر للاخلاق كممارسة بسيطة في الحفاظ على رفاهيتنا الفردية. يمكننا الاهتمام بالآخرين لأننا نهتم بانفسنا، واعون بان الألم الذي نصيب به الاخرين انما نصيب به انفسنا أيضا .
نحن نحب الاخرين، ليس بسبب اننا ناس لطفاء جدا وانما بسبب اننا نحب انفسنا بما يكفي لكي لا نرغب في تجربة الكراهية. من هذا المنظور، نحن نفهم الفرق بين الأخلاق واللااخلاق كالفرق بين أفعال التدمير الذاتي والحفاظ على الذات.
***
حاتم حميد محسن
...............................
الهوامش
(1) التقدير الإيجابي المشروط يحدث عندما يُعطى الحب والموافقة والمساعدة فقط عندما يحقق الشخص مستويات معينة او سلوكيات او توقعات " انا فخور بك او أحبك فقط عندما تنفذ ما اريد".
أمثلة على ذلك: الاب عندما يحتضن او يمتدح طفله فقط عندما يجلب معه للبيت درجات عالية في الامتحان. او المدير الذي يبدي الدفء والاحترام فقط عندما يتجاوز العامل أهداف الأداء.
التأثيرات على الرفاهية النفسية:
1- شرط القيمة: يتعلم الافراد ان قيمهم تعتمد كليا على الآداء. هم يشعرون انهم "صالحين" فقط عندما ينجحون.
2- فقدان الأصالة: الناس يخفون مشاعرهم الحقيقية او يكبحون رغباتهم الحقيقية لكي يربحوا الموافقة ويتجنبوا الرفض.
3- القلق وانخفاض قيمة الذات: الخوف المستمر من الفشل في تلبية التوقعات يقود الى شك ذاتي عميق وقلق واحساس هش بالذات.
كارل روجرز يقترح مفهوما مضادا وهو تقدير إيجابي غير مشروط، unconditional positive regard حيث ان الشخص يُقبل ويُقيّم ويُدعم بالكامل بصرف النظر عن سلوكه وأخطائه او فشله. هذه البيئة الصحية تسمح للناس ببناء احترام وثقة حقيقية للذات تمكّنهم من النمو بدون خوف.
























