عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

في يثرب/المدينة استطاع محمد بن عبد الله (ص) تشكيل وبناء الجماعة الإسلامية كخطوة أولى في طريق تحقيق الأمة الكبرى، وذلك عندما كتب الرسول الكريم عقد المؤاخاة أو الصحيفة، التي هي بمثابة الدستور بين المهاجرين والأنصار واليهود، المبني على قاعدة المواطنة أي الإنتماء للوطن وليس المعتقد الديني في محاولة لتجاوز الإطار القبلي والتوافق على العيش المشترك، أي عيش الجماعات المتعددة قبليا ودينيا على نفس الأرض وفي إطار سياسي واحد.

والحقيقة التي لا نقاش فيها أن ما يميز الرسول هو أنه نظر للأمور نظرة واسعة وكان يمتلك رؤية سياسية شاملة تتجاوز حدود القبيلة والعشيرة وتتجاوز حتى حدود العواطف والمنافع الشخصية، كما كانت قراراته السياسية مبنية على دراسة لطبيعة المشكلات وعواملها الأساسية، وليس هذا فحسب، بل وتصدر عن قراة واعية واستشرافية لتداعياتها وأسسها البعيدة والقديمة، كما كانت رؤيته السياسية مقرونة بعزم وإرادة ونظرة مستقبلية متبصرة، تنظر إلى القبائل والعشائر التي عيش في الجزيرة العربية، على أنهم أمة واحدة، تجمعهم رابطة الجنس والوطن واللغة، كما يجمعهم التاريخ المشترك والمصير المشترك.

ولهذا كان تأثير الدعوة المحمدية تأثير يتيز بميزتين أساسيتين هما الديمومة والعالمية، وهذا هو النجاح الكبير الذي حققه الرسول الكريم، وجسَّدته الفتوحات التي تواصلت بعد وفاة النبي وبلغت الذروة في عهد الدولة الأموية، إذ كانت حدود الأمبراطوية الإسلامية تمتد من جبال البرييني في غربا أوروربا حتى حدود الصين شرقا.

وثمة ملاحظة في هذا الصدد، وهي أن الجماعة المؤمنة برسالة محمد بن عبد الله (ص) العدد، وقد كانت جماعة صغيرة من حيث العدد، لأن الدعوة لم تنتشر الانتشار الواسع بين الناس في المرحلة المكية بسبب الحصار المحكم الذي فرضه سادة قريش على الدعوة المحمدية، وهناك سبب أخر في عدم الانتشار هو الإضطهاد والتعذيب الذي تعرض له المسلمون الأوائل، وخاصة المستضعفين من أتباع الرسالة المحمدية، من عبيد وفقراء ونساء (السيد، الأمة والجماعة والسلطة، 2011، صفحة 23).

من البديهي القول، أن الرسول كان قد أسّس الأمة الإسلامية كجماعة دينية، الأمة التي تضم المهاجرين والأنصار وعدد كبير من قبائل الجزيرة العربية، وأساس الرابطة في هذه الجماعة التي تحولت أمة هو الدين الجديد، والعنصر الأساسي للإنتماء هو العقيدة الإسلامية. فأفراد هذه الأمة في البداية كان ضئيلاً ومحدوداً، إذ لم يتعد عدد من دخل في الإسلام، مائة وأربعة وخمسون(154) شخص، في المرحلة المكية أي في سنوات البعثة، والتي دامت، كما هو معروف، ثلاثة عشر سنة، ثم وصل عدد المؤمنين إلى عشرات الألاف في المرحلة المدينة والتي إستغرقت عشر سنوات، وانتهت سنوات الهجرة ومفهوم الهجرة بعد فتح مكة.

و من نافلة القول، أن هؤلاء الأفراد في مكة وهذه الجماعات في المدينة، إلتفوا حول رجل ذو كاريزما وتبعوا رسول صاحب رسالة وآمنوا بنبي نزل عليه الوحي عن طريق جبريل، وهذا ما يسمى في علوم القرآن بالتنزيل، وهو النص القرآني، ومن المتفق عليه بين المفسرين أن القرآن الكريم يتضمن أوامر ونواهي إلهية، يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويحدد شكل المعاملات، كافة أشكال المعاملات الإجتماعية والتجارية، نص إلهي ينطق بلغة الحرام والحلال، ويعبر عن عقيدة دينية، أساسها الإيمان بالله، وبرسله وملائكته وباليوم الأخر (السيد، الأمة والجماعة والسلطة، 2011، صفحة 140).

ما نسعى إلى بيانه، أن الدعوة المحمدية تكونت حولها جماعة مِلّية/دينية بالأساس وتسمى هذه الجماعة بالمسلمين. ولكن مع تطور الأحداث والتحولات السياسية والإقتصادية والتغيرات الاجتماعية، وكذلك مع انفجار الصراعات السياسية وتغير الخريطة الطبقية، تحولت هذه الجماعة الدينية إلى أمة تنطوي تحت لوائها عدة جماعات، وتخضع لسلطة سياسية مركزية في المدينة، ثم انقسمت الأمة إلى جماعات سياسية متناحرة في مرحلة الخلفاء الراشدين وخاصة في النصف الثاني من خلافة عثمان بن عفان واستمرت الصراعات بحدة في عهد الخليفة الرابع علي بن أبي طالب، وبقي الأمر كذلك حتى مع قيام الدولة الأموية، إذ هدأت الأمور بعض الشيء. (غليون، نقد السياسة.. الدولة والدين، 2007، صفحة 55).

وغني عن البيان القول، أن محمد بن عبد الله (ص) كان يتصرف كقائد روحي من ناحية وكزعيم سياسي من ناحية أخرى، فهو بإعتباره نبي وقائد لجماعة دينية، كان يرشد على العمل الصالح ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحذر من فعل الشر ويقرر ما ينفع الناس ويدعو إلى مكارم الأخلاق.  أما كقائد سياسي، فقد كان يحث المؤمنين على القتال في سبيل الدعوة وذلك بدعوته إلى الجهاد كما كان يجهز الكتائب ويعد السريات للقتال، وفي نفس الوقت كان يفاوض القبائل ويعقد الصفقات مثل صلح الحديبية الذي يقدم مثالا أعلى على المسلك السياسي النبوي النازع نحو الواقعية والمرحلية والبراغماتية، وهو صلح جاء في أعقاب مفاوضات شاقة خاضها الرسول مع سادة قريش، وقد وفرت له هذه المفاوضات هدنة كان يحتاجها المسملون لإلتقاط الانفاس ولإعادة بناء الجيش ورص صفوف المسلمين وتمتين الجبهة الداخلية، كما كان الرسول وبحنكته السياسية الفذة، يناور الأعداء ويعقد التحالفات مع الأصدقاء ويخطط للغزوات ويبرم الاتفاقيات... الخ (الجابري، العقل السياسي العربي، 1992، صفحة 111)

ما نريد التأكيد عليه، أن النبي كان يجمع في شخصه بين الزعامة الروحية والقيادة السياسية، بين الدعوة والدولة، ومن البديهي القول، أن تلك الحقبة الممتدة من سنة 610 م حتى سنة 632م هي حالة إستثنائية، وُجدت فقط في تلك الحقبة عند الرسول محمد بن عبد الله والرسول(ص). ولفهم ملابسات تلك التحولات من الجماعة إلى الأمة والصراع على السلطة، لا بد لأي باحث أو مؤرخ من تتبع الدعوة المحمدية من البداية حتى النهاية. أي من المرحلة المكية حتى الفترة المدينية، وبعبارة أخرى لا بد من قراءة السيرة النبوية في سياقها التاريخي والأخذ بعين الإعتبار الظرفية الاجتماعية /الإقتصادية.

النبوة والسلطة السياسية

ففي المرحلة المكية كان النبي زعيمًا روحيًا ورمزًا دينيًا، ولا أحد يجادل في ذلك، والأفراد الذين آمنوا به شكلوا جماعة روحية /دينية بمعنى الكلمة، وبعبارة أخرى فإن الشيء الوحيد الذي كان يربط أفرادها بعضهم ببعض هو الإيمان بالله وبرسوله وبما يوحى إليه، لم يكن ما يجمع بين أفراد الجماعة الإسلامية التي كانت أخذةً في التكوين غير العقيدة (جعيط، الفتنة.. جدلية الدين والسياسة، 2012، صفحة 35)

و حتى الدعوة في هذه المرحلة- وكثير من الآيات تشهد على ذلك- كان يغلب عليها طابع المُوادعة ونحت منحى المُسالمة واتسمت بروح التسامح. لأن التركيز في هذه المرحلة كان على الدعوة إلى الدين الجديد، والتأكيد على وحدانية الله" قل هو الله احد الله صمد لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوءا احد" (سورة الإخلاص) والإشارة إلى الحياة الأخرى والتذكير بيوم الحساب.. الخ.

و بالتالي لم يكن من مصلحة هذه الجماعة قليلة العدد، ضعيفة الإمكانيات، الدخول في مواجهة إنتحارية مع القوة الضاربة لقبيلة قريش، التي كنت تفوق المسلمين عددا وعدة (الجابري، العقل السياسي العربي، 1992، صفحة 75).

ففي هذه الحقبة كذلك، كان محمد بن عبد الله يتصرف كنبي ورسول، حامل لرسالة وصاحب دعوة دينية مع المؤمنين برسالته في مكة أي " أمة الإجابة " وإلى الناس كافة وإلى العالم أجمع أي " أمة الدعوة "، ولم يكن يتصرف كقائد سياسي أو رئيس دولة، ومع مقاومة قريش الشرسة للدعوة، واﻹضطهاد الذي مارسته على أتباع محمد، وخاصة على الضعفاء منهم، كان لابد من إتباع تكتيك السرية والمقاومة السلمية والصبر والمسالمة.

و الحقيقة التي لا مرية فيها، أن النبي في هذه المرحلة، كان أعزل ومحاصر من كل الجهات، فعدد الجماعة الإسلامية قليل بل وقليل جدا، لا يسمح بالمواجهة المباشرة مع خصم عنيد، شديد المِراس تحت قيادة " الملآ "، يفوق جماعة محمد بن عبد الله، عددا وعدة. لكن ميزان القوة سرعان ما سيتغير رأسا على عقب، في الحقبة المدينية. إذ سيصبح الرسول " النبي المسلح " (أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، 1998، صفحة 167) والقائد السياسي الذي له أتباع كثيرون، وهؤلاء الأتباع قد يتحولون في آية لحظة وبإشارة فقط من الرسول، إلى جيش يقاتل بضراوة وعن عقيدة دينية راسخة. و هو ما حصل بالتمام والكمال، مع غزوات الرسول العديدة والتي بلغت سبعة عشر غزوة في السنوات العشر للهجرة في المدينة/يثرب.

ما نريد التنبيه إليه، أن هناك اختلاف واضح بين المرحلتين، مرحلة ما قبل التمكين ومرحلة ما بعد التمكين، المرحلة الأولى كانت سِمتّها الأساسية هي الضعف وقلة الحيلة في مواجهة قوة قريش الضاربة وبأس سادة قبيلة قريش الذي لا يرحم والمرحلة الثانية كان يميزها القوة ممثلة في جيش مسلح قوامه عشرة آلاف مقاتل، جيس مستعد للقتال وقادر على خوض الحروب وشن الغزوات، ويمتلك عقيدة قتالية تقوم على التضحية في سبيل الله وعلى السعي نحو اكتساب صفة الشهيد، فالنبي في المرحلة المكية كان أعزل، أما النبي في المرحلة المدينية فكان نبي مسلح عددًا وعدة وهناك فرق، بطبيعة الحال بين قائد أعزل وقائد مسلح.

و لهذا إختلفت لهجة الخطاب وارتفعت نبرة الصوت وتبدل أسلوب المعاملة ليس فقط مع قبيلة قريش في مكة بل مع عدة قبائل في نجد والحجاز، وعن الإختلاف بين المرحلتين، يشير باحث معاصر إلى ذلك بقولهʺ.. مع الهجرة إلى المدينة تنتهي مرحلة وتبتدئ أخرى. كانت المرحلة المكية مرحلة الدعوة والصبر، أما المرحلة المدينية، فستكون مرحلة تأسيس الدولة والحرب. أن هذا لا يعني أن الدعوة السلمية قد انتهت، كلا، إن النهج التبشيري السلمي سيبقى قائما دائما، ولكنه لن يكون هو النهج الوحيد. إن الصراع مع قريش الذين حاربوا الدعوة المحمدية دفاعا عن مصالح معينة سينتقل هذه المرة إلى مرحلة أرقى، مرحلة ضرب تلك المصالح نفسها.. وهكذا ستشق الدعوة المحمدية طريقها إلى بناء الدولة عاملة في واجهتين، البناء الداخلي من جهة، وممارسة السياسية مع قريش بوسائل أخرى، وفي مقدمتها الحرب النفسية وضرب تلك المصالح، من جهة ثانية،.. " (الجابري، العقل السياسي العربي، 1992، صفحة 91)

و بالفعل، كان من الضروري في هذه الحقبة، من تنظيم المجتمع الجديد وفق هندسة اجتماعية جديدة. والعمل شيئا فشيئا، على تحقيق ما يسمى اليوم بالاندماج الوطني بين المهاجرين والأنصار، من خلال الأخوة التي تحقق التضامن والتكافل الاجتماعي وكذلك كان يجب عقد معاهدة بين المسلمين واليهود، وهي المعاهدة المعروفة باسم الصحيفة التي حددت النظام الداخلي للتعايش بين جميع الأطراف التي تسكن المدينة. وخاصة التعايش في إطار عدم الاعتداء وإحترام كل طرف لمعتقد الأخر طبقا لمبدأ " لا إكراه في الدين" (الجابري، العقل السياسي العربي، 1992، صفحة 93) نستنتج من هذا الكلام، أن تنظيم الجماعة الإسلامية والتركيز على البناء الداخلي، أي تمتين الجبهة الداخلية، وعقد معاهدات مع أطراف قد تشكل خطرا محتملا في المستقبل، كل ذلك وأكثر، هو ممارسة سياسية بامتياز (الجابري، العقل السياسي العربي، 1992، صفحة 94).

فالدين الجديد، كان يُحَارب بضراوة من طرف قريش التي استخدمت كل الوسائل المتاحة لديها للقضاء على هذه الدعوة في المهد، من التعذيب المادي والاعتداء الجسدي على المستضعفين من المسلمين، إلى الحصار الاقتصادي، إلى الإغراء المادي.

هذه الحرب الشاملة جعلت الرسول وأنصاره في المدينة يمارسون السياسية في الدين ومن أجل الدين. إنه عمل سياسي بامتياز، يراعي الواقع ويقدر الظروف ويأخذ بعين الاعتبار موازين القوى.  ما نخلص إليه ها هنا، أن الجماعة الدينية في مكة تحولت بالتدريج إلى جماعة سياسية في المدينة / يثرب، والجماعة السياسية هي الأخرى تحولت وبالتدريج وعلى مراحل إلى أمة لها دولة ونستطيع أن نطلق عليها وبتحفظ شديد مصطلح الدولة - الأمة.

نهاية مرحلة.. وبداية مرحلة

وفي سياق تاريخي محدد هو مرحلة النبوة، أي مع وجود نبي مع الصحابة والجماعة المؤمنة، شكَّل الرسول الكريم حالة استثنائية، إذ جمع بين الزعامة الروحية والقيادة السياسية، وهو صاحب الدعوة وحامل الرسالة. و لكن انتفت هذه الحالة بمجرد وفاة الرسول وانتهت الدعوة بنهاية صاحب الدعوة وانقضى بذلك زمن النبوة وبدأ زمن الخلافة. وبعبارة أفصح نقول، مع وفاة النبي محمد(ص) أُستدل الستار على المرحلة " المشاعية ".. كانت فيها العلاقات الاجتماعية فوق قبلية تحكمها الرابطة الدينية / كما كنت مرحلة مثالية بحكم وجود الأباء المؤسسين المتجسمة في النبي وأصحابه، وبالتالي هي حقبة زمنية غير قابلة للتكرار، مرحلة شهدت ميلاد أمة إسلامية، العنصر الأساسي في وجودها وتوحيدها هو الدين، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى العنصر الأساسي في تفرقها وتمزقها، هو السياسية، والمفارقة الكبرى أن الأمة هي التي أبدعت حضارة والسلطة هي أسقطت هذه الحضارة.

ففي هذه الحالة، الطرق السلمية وحدها لا تكفي، بل لا بد من طرق ووسائل وآليات أخرى سواء كانت أو غير سلمية. وقد تكون الوسائل السياسية ومنها الطرق الحربية. وهنا كان ضروريا إختلاط السياسية بالدين، في هذا السياق التاريخي، ومن أجل التمكين لهذه الجماعة الدينية وضمان إنتشار الدعوة، ومن هذا المنطلق مارس النبي كل الوسائل التي تحقق له هذا الهدف، الوسائل السياسية حينا من خلال عقد الإتفاقيات والصفقات، والوسائل اﻹقتصادية عن طريق إعتراض القوافل التجارية أحيانا أخرى، في إطار مواجهة الخصوم والأعداء من جهة وزيادة الأتباع من جهة أخرى (الجابري، العقل السياسي العربي، 1992، صفحة 113).

وفي هذا السياق نجد أن الرسول مارس السياسية بأتم معنى الكلمة، حيث قام بعقد عدد من التحالفات مع قبائل عربية مختلفة مثل بيعة العقبة، الأولى والثانية، التي أفضت إلى دخول قبيلتي الأوس والخزرج في الإسلام، وبالتالي مهدت الطريق للهجرة إلى يثرب. (الجابري، العقل السياسي العربي، 1992، صفحة 89)

ومما يلفت الانتباه، أن النبي طبق فن التفاوض والصلح وعقد الإتفاقيات بقدر كبير من الذكاء السياسي، من إبرام معاهدة الصحيفة، وهي الاتفاقية/ الدستور التي جمعت ثلاثة أطراف، الطرف الأول يمثله المهاجرون والطرف الثاني هم الأنصار والطرف الثالث يتمثل في اليهود، من أجل العيش المشترك والتعايش في الوطن الواحد.

وكذلك من الأحداث البارزة، في السيرة النبوية والدعوة الإسلامية صلح الحديبية الذي تجلى فيه التكتيك السياسي والحنكة الدبلوماسية ومراعاة المصالح الاقتصادية.

ولهذا هناك فرق بين الأمة والدولة، في التاريخ الإسلامي منذ مشكلة الخلافة إلى غاية اليوم، فالأمة الإسلامية هي شعور عاطفي يجمع بين أفرادها رغم اختلافاتهم العرقية واللغوية والمذهبية، يجمعهم شعورهم الديني والروحي، بالانتماء إلى نفس العقيدة وكذلك ممارسة نفس العبادات وأداء نفس المناسك والطقوس وإحياء نفس المناسبات والاحتفال بنفس الأعياد الدينية.. كل ذلك شعور عاطفي وإحساس روحي لا يغير من الواقع شيئا، أم الدولة فهي علاقة قانونية بين الفرد والدولة الذي يحمل جنسية nationalité-- وشعور وطني وانتماء مادي وممارسة سياسية.

وعلى هذا الأساس، يمكن أن نتصور أمة إسلامية تجمع بين إفرادها روابط عاطفية روحية عقائدية لأن الدين بطبيعته يوحد ولا يفرق، يجمع الناس حول عقيدة واحدة، والدليل على ذلك، الدور التاريخي الذي لعبه الدين الإسلامي في تحديد مهام الدولة وهي الكفاية والشوكة، الكفاية بمعنى منع الفتنة الداخلية والشوكة بمعنى صد العدوان الخارجي.

و لا نجانب الصواب، إذا قلنا أن الإسلام هو دين توحيد بإطلاق، ودين أخلاق بإطلاق، هو رسالة للناس كافة، ومجاله الدائرة الروحية/ الدينية. أما الدولة فمجالها الشؤون الدنيوية وهي تنطبق على عدد معين من الناس يحملون الجنسية ويحوزون على صفة مواطن- citoyen-، تجمعهم رابطة الوطن، أي الإرتباط بالوطن والموطن له علاقة بالأرض والتي تقام عليها دولة، وهكذا فالمواطان هو الفرد الذي ينتمي إلى دولة.

ولا جدال، في أن الدعوة كانت دعوة موجهة إلى الناس كافة، ومن المعقول أن يعتنق سكان العالم ديانة واحدة، ولكن أن يعيش كل سكان العالم في دولة واحدة فهذا أمر غير معقول.

وواضح أن مفهوم الأمة في التراث العربي وحسب التجربة التاريخية الإسلامية يختلف تماما عن مفهوم الدولة، الأمة تحكمها عقيدة دينية واضحة ومحددة. بينما الدولة تحكمها سياسيات وقوانين وضعية والدستور والإرادة العامة ومصلحة الدولة، أما الأمة فيغلب عليها الطابع، العاطفي/ الروحي، والدولة يغلب عليها الطابع العقلاني/ الواقعي.

ما نخلص إليه أن الإسلام هو في الأساس وفي الأصل هو رسالة إلهية ودعوة دينية ولم يكن دعوة ولا كان يحمل مشروع سياسي هدفه إقامة دولة وتأسيس ملك، والنبي محمد بن عبد الله (ص) هو أخر الأنبياء وخاتم الرسالات والدعوة المحمدية انتهت بوفاة صاحب وبعد وفاة الرسول الكريم، هي أراء وأفكار وإجتهادات وإيديولوجيات، ما يسمى قديما وحديثا بالدعاة، هم دعاة لمذهب أو لفرقة عقدية ودعاة لطائفة ولإيديولوجيا معينة، فعندما انقسم المسلمون بعد وقوع مشكلة الخلافة وأحداث الفتنة الكبرى الدامية، لم يعد هناك من يحمل صفة المسلم وكفى، بل أصبح هناك المسلم الشيعي والمسلم السُّني والمسلم الإباضي والمسلم السلفي الوهابي.

والنتيجة.. أن الجماعة قليلة العدد تحولت إلى جماعة كثيرة العدد، أي إلى أمة، كان لا بد لها من سلطة سياسية حاكمة، وعندما تشكلت السلطة، بدأت ارهاصات بناء الدولة، ومع وفاة الرسول الكريم، انتهت حقبة النبوة، ومن ثمة طفت على السطح مشكلة الخلافة /السلطة والتي أفضت إلى انقسام الأمة إلى جماعة متناحرة على السلطة وعلى الدولة.

***

مصطفى دحماني

باحث في الفكر السياسي الإسلامي /الجزائر

 

لم تكن المعرفة في الحضارة الإسلامية الأولى مدينةً مقسمةً إلى أحياء معرفية مغلقة، لكل علم سور لا يعبره إلا أهله، ولكل سؤال بطاقة هوية تحدد الجهة التي ينتمي إليها، وإنما كانت، في مراحل تشكلها الكبرى، فضاءً متداخلًا تتقاطع فيه اللغة والعقيدة والفقه والفلسفة والتفسير والتصوف والطب والفلك والمنطق، ويتحرك فيه العالم بين أكثر من مجال بحسب طبيعة المشكلة التي يواجهها وبحسب الأدوات التي يحتاج إليها.

ومع ذلك، فإن تاريخ الفكر الإسلامي اللاحق استقر على خريطة أكثر صلابة، فصلت بين «الفلسفة» و«علم الكلام»، وبين «الفقه» و«التصوف»، وبين «التفسير» و«العقل»، حتى بدا لكل علم موضوعه الخالص ومنهجه الخاص وحدوده التي لا يجوز تجاوزها. ولا شك أن لهذه التقسيمات قيمة تنظيمية وتاريخية، لكنها تصبح موضع مساءلة عندما نعاملها كما لو كانت حقائق أنطولوجية ثابتة، لا تصنيفات تشكلت في سياقات معرفية ومؤسساتية وصراعية معينة.

إن صناعة الحدود بين العلوم ليست مجرد مسألة تتعلق بتقسيم الكتب أو ترتيب المناهج، وإنما تتصل بسؤال أعمق: من يملك حق إنتاج الحقيقة؟ فعندما يقال إن هذا السؤال فلسفي، وذاك كلامي، وهذا فقهي، وذلك صوفي أو تفسيري، فإننا لا نصف السؤال فحسب، بل نحدد له الجهة التي يحق لها أن تجيب عنه، والأدوات التي يُسمح باستخدامها، ونوع البرهان الذي يمكن الاعتراف به، بل ونحدد أحيانًا حدود المقبول والمرفوض. ومن هنا فإن الحدود المعرفية ليست بريئة تمامًا؛ لأنها قد تتحول إلى حدود للشرعية، والسلطة العلمية، والاعتراف الاجتماعي. ولذلك فإن إعادة النظر في علاقة الفلسفة بالعلوم الإسلامية الأخرى لا تعني إلغاء التخصص، وإنما تعني الكشف عن المناطق التي أخفاها التخصص.

أولًا: الفلسفة والكلام: السؤال المشترك واختلاف الطريق

تبدو العلاقة بين الفلسفة وعلم الكلام، في السردية التقليدية، علاقة مواجهة واضحة: الفلاسفة يبحثون في الوجود بالعقل والبرهان، والمتكلمون يدافعون عن العقيدة بالجدل؛ الفلاسفة يستمدون كثيرًا من أدواتهم من التراث اليوناني، والمتكلمون يتحركون داخل فضاء الوحي؛ الفلاسفة يبحثون عن الحقيقة لذاتها، والمتكلمون يوظفون العقل لحماية حقيقة دينية سابقة. غير أن هذا التقابل، على الرغم من احتوائه على قدر من الحقيقة التاريخية، لا يكفي لتفسير التشابك الفعلي بين المجالين، لأن كليهما وجد نفسه أمام مجموعة من الأسئلة التي لا يمكن احتكارها باسم علم واحد: ما الوجود؟ هل العالم قديم أم حادث؟ ما طبيعة الزمان والمكان؟ هل الأشياء قائمة بذواتها أم بأعراضها؟ هل الإنسان حر؟ ما معنى السببية؟ كيف نعرف؟ وما حدود العقل؟

إن المتكلمين، منذ المعتزلة وما تلاهم، لم يكونوا مجرد حراس للعقيدة بالمعنى الضيق، بل مارسوا عمليات عقلية معقدة في تعريف الموجود والمعدوم، والجوهر والعرض، والسبب والشرط، والإرادة والقدرة، والعلم والجهل، والحسن والقبح. وقد دخلوا في سجالات عميقة مع الفلاسفة، وتأثروا ببعض أدوات المنطق، وطوّروا بدورهم أنماطًا من البرهنة الكلامية. ومع الأشعري والجويني والغزالي وفخر الدين الرازي، أخذ علم الكلام يزداد احتكاكًا بالمفاهيم الفلسفية، حتى أصبح من الصعب أحيانًا رسم خط فاصل واضح بين «السؤال الفلسفي» و«السؤال الكلامي» إذا كان المعيار هو الموضوع وحده.

لكن الاختلاف الحقيقي بين الفلسفة والكلام لا ينبغي إنكاره، بل ينبغي نقله من مستوى الموضوع إلى البنية والمنهج والغاية. فالمتكلم غالبًا ما ينطلق من مقدمات عقدية يريد الدفاع عنها أو تفسيرها، بينما يسعى الفيلسوف إلى بناء نسق برهاني أوسع، وإن كانت هذه الصورة نفسها قابلة للتعديل بحسب الفيلسوف والمتكلم. ومن هنا فإن الفرق بينهما ليس أن أحدهما «يعقل» والآخر «ينقل»، ولا أن أحدهما فلسفة والآخر خالٍ منها، وإنما يتعلق بالسؤال عن موقع الحقيقة الدينية من عملية البرهنة، وبالحدود التي يضعها كل خطاب للعقل.

ولهذا يصبح الغزالي شخصية كاشفة لهذا التداخل؛ فهو متكلم وفقيه وصوفي ومشتغل بالمنطق، وقد دخل عالم الفلاسفة من داخله قبل أن ينتقده، ولم يكن نقده ممكنًا دون معرفة عميقة بالبنية التي ينقدها. إن «تهافت الفلاسفة» نفسه يكشف أن الحدود بين الفلسفة والكلام كانت منطقة صراع معرفي، لا جدارًا قائمًا منذ البداية. فحين يستخدم المتكلم أدوات فلسفية لنقد الفلسفة، وحين يستعير الفيلسوف أسئلة كلامية لإعادة بناء مذهبه، فإننا لا نكون أمام علمين متجاورين فقط، بل أمام تاريخ مشترك للسؤال.

ثانيًا: الفلسفة والفقه: من الحكم إلى شروط الحكم

قد تبدو العلاقة بين الفلسفة والفقه أكثر بعدًا من العلاقة بين الفلسفة والكلام، لأن الفقه ينشغل بالأحكام العملية، في حين تنشغل الفلسفة بالوجود والمعرفة والحقيقة. لكن هذا الفصل ينهار بمجرد أن ننتقل من «الحكم» إلى السؤال عن كيف يصبح الحكم ممكنًا. فالفقه لا يتعامل مع النص باعده مادة شفافة تصل مباشرة إلى الحكم، وإنما يواجه قضايا اللغة والدلالة والعموم والخصوص والمطلق والمقيد والحقيقة والمجاز والتعارض والترجيح، ويحتاج إلى قواعد عقلية ومنهجية لتحديد معنى النص وتنزيله على الواقع.

وهنا يظهر علم أصول الفقه بوصفه منطقة فلسفية شديدة الأهمية، ليس لأنه «فلسفة» بالمعنى الاصطلاحي، وإنما لأنه طور أسئلة تتعلق باللغة والمعرفة والاستدلال والسببية والمصلحة والعلاقة بين الكلي والجزئي. وعندما يبحث الأصولي في دلالة الأمر والنهي، أو في القياس، أو في الاستصحاب، أو في الاستحسان، أو في المصلحة، فإنه لا يشتغل على الحكم وحده، وإنما يشتغل على الشروط التي تسمح للعقل بالانتقال من النص إلى الحكم.

ولهذا فإن الفقه، من منظور فلسفة العبور، يمثل نموذجًا واضحًا للمعرفة العابرة: النص ثابت في صورته، لكن الواقعة متحركة، والحكم لا ينتقل من النص إلى الواقع انتقالًا آليًا، بل يحتاج إلى عمليات من الفهم والتأويل والتعليل والقياس. وهذه المسافة بين النص والواقعة هي التي تجعل الاجتهاد ممكنًا، وهي أيضًا التي تجعل الأصولي يواجه بصورة غير مباشرة سؤالًا فلسفيًا عميقًا: كيف يمكن للمعنى أن ينتقل من عالم اللغة إلى عالم الحدث؟

إن الفقه لا يتحول بذلك إلى فلسفة، ولا ينبغي أن نسلبه خصوصيته الدينية والعملية، لكننا نكتشف أن العقل الذي يعمل داخله ليس عقلًا خاليًا من الأسئلة الفلسفية. بل إن بعض أعقد قضايا الفقه لا يمكن فهمها دون النظر إلى تصورات عن اللغة والعقل والإنسان والزمن والمصلحة والواقع. ومن هنا يصبح الفصل الصارم بين «الفلسفي» و«الفقهي» أقل قدرة على تفسير حركة المفاهيم داخل التراث.

ثالثًا: الفلسفة والتصوف: حين ينتقل السؤال من البرهان إلى التجربة

أما العلاقة بين الفلسفة والتصوف فتبدو أكثر حساسية؛ لأن التصوف أسس شرعيته المعرفية، في جانب مهم منه، على التجربة الروحية والذوق والكشف، بينما جعلت الفلسفة البرهان العقلي أداة أساسية في إنتاج المعرفة. ومع ذلك فإن اختلاف طريق المعرفة لا يعني اختلاف موضوع السؤال دائمًا. فالصوفي يسأل عن الله والإنسان والنفس والعالم والحقيقة والوجود، وهي أسئلة تقع في قلب التفكير الفلسفي، لكنه يدخل إليها من طريق مختلف، فيجعل تغير الذات جزءًا من إنتاج المعرفة.

وهنا تكمن أهمية قراءة التصوف بعيدًا عن الثنائية بين «العقل» و«الروح». فالتصوف لم يكن مجرد حالة وجدانية بلا مفاهيم؛ لقد أنتج معجمًا معقدًا في المعرفة والوجود والإنسان، واشتغل على مفاهيم مثل الفناء والبقاء والحضور والغيبة والتجلي والمحبة والمعرفة والإنسان الكامل. ومع ابن عربي خصوصًا، أصبحت هذه المفاهيم جزءًا من بناء نظري شديد الاتساع، لا يمكن اختزاله في التجربة الصوفية الفردية وحدها.

ولا يعني ذلك أن ابن عربي أو غيره من الصوفية «فلاسفة» بالمعنى نفسه الذي كان عليه ابن سينا أو الفارابي؛ فالفرق في مصادر المعرفة وفي مفهوم البرهان وفي طبيعة الحقيقة يظل جوهريًا. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: هل يمكن أن يكون هناك تفكير فلسفي خارج النموذج البرهاني المشائي؟ وإذا كان الجواب نعم، فإن التصوف يصبح مجالًا لاكتشاف صورة أخرى من صور التفلسف، حيث لا تكون المعرفة مجرد امتلاك لمعلومة عن الوجود، وإنما تحولًا في علاقة الذات بالوجود.

ومن منظور العبور، تصبح هذه النقطة حاسمة؛ لأن الصوفي لا يقيم بين الذات والحقيقة جدارًا نهائيًا، بل يعيش المعرفة بوصفها انتقالًا وتحولًا. الذات التي تعرف ليست هي الذات نفسها قبل المعرفة، والحقيقة لا تظهر بوصفها موضوعًا خارجيًا ثابتًا فحسب، بل بوصفها تجربة تغير من يعرفها. وهنا يلتقي التصوف مع أحد أهم أسئلة فلسفة العبور: المعرفة ليست وصولًا نهائيًا، وإنما عبور يعيد تشكيل العابر نفسه.

رابعًا: الفلسفة والتفسير: النص بوصفه مجالًا للتأويل

قد يبدو التفسير بعيدًا عن الفلسفة أكثر من المجالات السابقة، لأنه يرتبط بتفسير النص القرآني وبيان معانيه، لكن التأويل، بمجرد أن يصبح سؤالًا، يفتح مجموعة من القضايا التي تقع في قلب الفلسفة: ما معنى النص؟ هل المعنى ثابت أم متجدد؟ ما العلاقة بين اللفظ والقصد؟ هل يمكن للغة أن تحيط بالحقيقة؟ ما دور السياق؟ ما حدود العقل في فهم النص؟ ومتى يصبح المجاز مشروعًا؟ ومن يحدد الانتقال من الظاهر إلى الباطن؟

هذه الأسئلة لا تعني أن كل تفسير فلسفة، وإنما تكشف أن فعل التفسير نفسه يتضمن افتراضات حول اللغة والمعنى والحقيقة والقارئ. وقد كان الاختلاف بين المفسرين في كثير من المواضع اختلافًا حول نظرية القراءة قبل أن يكون اختلافًا حول النتيجة التفسيرية. فالذي يرفض التأويل غير الذي يجيزه، والذي يقدم اللغة على العقل غير الذي يمنح العقل مجالًا أوسع، والذي يربط الآية بسياقها التاريخي غير الذي يجعلها مفتوحة على دلالات تتجاوز لحظة النزول؛ كل واحد منهم يتحرك داخل تصور مختلف عن طبيعة النص والمعنى.

ومن هنا يمكن أن نرى في التفسير مجالًا آخر للعقل الفلسفي، لا لأن المفسر يمارس الفلسفة عمدًا، وإنما لأن التعامل مع النص يفرض عليه أسئلة لا يستطيع التخلص منها. وعندما يدخل التأويل، يصبح النص حدًا لا يغلق المعنى، بل ينظم حركة العبور بين اللفظ والفهم، وبين الماضي والحاضر، وبين النص والقارئ.

وهنا أيضًا تظهر أهمية المنظور العابر: الحد لا يمنع الحركة دائمًا؛ قد يكون هو الذي يجعلها ممكنة. فالنص ليس مفتوحًا بلا حدود، وليس مغلقًا بلا تأويل؛ إنه مجال تتفاوض فيه الحدود مع إمكانات الفهم. ومن هذه المسافة يتشكل العقل التأويلي.

خامسًا: هل كانت الحدود بين هذه العلوم صلبة فعلًا؟

بعد النظر في هذه العلاقات، يمكن القول إن الحدود بين الفلسفة والكلام والفقه والتصوف والتفسير كانت حقيقية من جهة، وسيالة من جهة أخرى. كانت حقيقية لأن لكل مجال مصطلحاته ومؤسساته وغاياته وتقاليده وسلطاته، وكانت سيالة لأن الأسئلة والمفاهيم والأدوات كانت تعبر بينها باستمرار. ومن الخطأ أن نختار أحد طرفي المعادلة: إما أن نذيب العلوم كلها في «فلسفة» واحدة، أو أن نحولها إلى جزر معرفية لا صلة بينها.

المطلوب هو مفهوم ثالث: الحدود بوصفها مناطق عبور. فالفاصل بين الفلسفة والكلام لم يكن مجرد جدار، بل كان أيضًا موقعًا لتبادل الحجج. والفاصل بين الفقه والتفسير لم يمنع الأسئلة اللغوية والتأويلية من الانتقال بينهما. والفاصل بين التصوف والفلسفة لم يمنع تشكل مفاهيم مشتركة حول النفس والوجود والمعرفة. وحتى الصراع بين هذه العلوم كان في ذاته وسيلة من وسائل إنتاج المعرفة؛ إذ كثيرًا ما كان الفكر يتقدم عندما يحاول خطاب أن يحدد نفسه في مواجهة خطاب آخر.

وهذا يعني أن تاريخ العلوم الإسلامية ينبغي ألا يُقرأ فقط بوصفه تاريخ التخصص والتمايز، وإنما أيضًا بوصفه تاريخ التداخل والعبور. فكل علم كان يبني هويته عبر التمييز عن غيره، لكنه كان في الوقت نفسه يستعير من غيره بعض أدواته ومفاهيمه، أو يرد على أسئلته، أو يعيد صياغة مشكلاته داخل جهازه الخاص. ولذلك فإن الحدود لم تكن ثابتة، وإنما كانت تُنتج وتُعاد صياغتها باستمرار.

ومن هنا تتخذ عبارة «صناعة الحدود» معناها الدقيق؛ فالحدود بين العلوم لم تكن مجرد انعكاس طبيعي لاختلاف الموضوعات، بل كانت نتيجة لعمليات تصنيف وتأسيس وترتيب للمعرفة. وقد ارتبطت هذه العمليات أحيانًا بالصراع على السلطة العلمية: من يحق له الكلام في العقل؟ من يحق له تفسير النص؟ من يملك تحديد الصحيح من الباطل؟ من يحدد ما هو برهان وما هو جدل؟ ومن يملك حق تسمية معرفة ما بأنها «فلسفة» أو «بدعة» أو «علم» أو «حكمة»؟

إن هذه الأسئلة تنقلنا من تاريخ العلوم إلى أركيولوجيا السلطة المعرفية. فحين نكتشف أن تسمية علم ما «فلسفة» واسم علم آخر «كلامًا» ليست مجرد مسألة لغوية، نبدأ في فهم أن التصنيف ذاته جزء من تاريخ الصراع على تعريف المعرفة. ومن هنا لا تعود مهمة الباحث أن يهدم التصنيفات، وإنما أن يجعلها مرئية، وأن يسأل عن شروط ظهورها، وعن المصالح المعرفية التي خدمتْها، وعن الإمكانات التي فتحتها أو أغلقتها.

وهذا هو المدخل الذي يسمح بإعادة التفكير في «الفلسفة في الإسلام» من دون الوقوع في فخين متقابلين: فخ التبعية الذي يجعل الفلسفة الإسلامية مجرد امتداد للفلسفة اليونانية، وفخ التوسيع الاعتباطي الذي يجعل كل فكر إسلامي فلسفة. فالطريق الثالث هو البحث عن العقل الفلسفي بوصفه حركة تعبر الحقول دون أن تلغي اختلافها.

وبذلك لا يصبح السؤال: هل كان الغزالي فيلسوفًا أم متكلمًا؟ ولا: هل ابن عربي فيلسوف أم صوفي؟ ولا: هل أصول الفقه فلسفة أم فقه؟ وإنما يصبح السؤال الأكثر إنتاجًا: ما الأسئلة الفلسفية التي ظهرت داخل هذه الحقول، وكيف تغيرت عندما عبرت من حقل إلى آخر؟

وهنا نقترب من التحول المنهجي الأكبر في هذه البحوث: إذا كان تاريخ الفلسفة قد كُتب طويلًا بوصفه تاريخًا للفلاسفة، فإن تاريخ العقل الفلسفي يحتاج إلى أن يُكتب بوصفه تاريخًا للأسئلة التي عبرت الحدود. فالاسم قد يبقى في مكانه، أما السؤال فلا يبقى؛ إنه يتحرك، ويتحول، ويغير اللغة التي يستعملها، ويعيد تشكيل المجال الذي يدخل إليه.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

 عندما سبقت المخيلةُ التكنولوجيا

لم تكن الآلة وليدة العصر الصناعي وحده، ولا ثمرةً حصرية للثورة التقنية الحديثة، بل كانت، قبل أن تصبح واقعاً مادياً، فكرةً سكنت خيال الإنسان منذ أقدم الأزمنة. فكل تقدم تقني عرفته البشرية كان، في جوهره، تحقيقاً لحلم سبق أن رسمته المخيلة، قبل أن تحوله المعرفة إلى حقيقة. ومن بين أكثر الشواهد دلالة على ذلك، تقف الأساطير اليونانية، التي لم تكتفِ بسرد حكايات الآلهة والأبطال، بل نسجت أيضاً صوراً مدهشة لآلات وكائنات ميكانيكية تبدو، في ضوء حاضرنا، أقرب إلى الروبوتات والذكاء الاصطناعي منها إلى عالم الخرافة.

وتعرِّف المعاجم الآلة بأنها منظومة من الأدوات تُسخِّر شكلاً من أشكال الطاقة لتحويله إلى عمل يحقق غاية معينة. وإذا كان الإنسان الأول قد ابتكر أول آلة عندما استخدم الفأس لتحويل قوة الضربة إلى أداة تقطع الخشب والحجر، فإن التاريخ الحديث يعد اختراع المحرك البخاري، على يد المهندس الاسكتلندي جيمس واط، نقطة التحول الكبرى التي دشنت الثورة الصناعية، وأطلقت مسيرة هندسية غير مسبوقة جعلت الآلات شريكاً دائماً في حياة الإنسان.

غير أن هذه القفزة التكنولوجية لم تظهر فجأة من فراغ، فقد سبقتها قرون طويلة من الأحلام والأساطير التي تخيلت عالماً تتحرك فيه الأشياء من تلقاء نفسها، وتؤدي أعمالها دون تدخل بشري. ولعل كلمة «أوتوماتون»، المشتقة من اللفظ اليوناني Automatos، والتي تعني «الذي يتحرك بإرادته الذاتية»، تكشف أن فكرة الآلة المستقلة ليست ابتكاراً حديثاً، بل امتداد لتصور قديم عن إمكانية منح الجماد حياةً وحركة.

ففي قلب الأساطير اليونانية يقف هيفايستوس، إله النار والحدادة، بوصفه أعظم صانع عرفته المخيلة الإغريقية. لم يكن مجرد إله للمعادن، بل مهندساً كونياً يجمع بين الحرفة والابتكار، حتى إن زيوس نفسه أوكل إليه مهمة صناعة مخلوقات وآلات تؤدي وظائف تتجاوز قدرة البشر.

ومن أشهر ما أبدعته يداه "تالوس"، العملاق البرونزي الذي كُلِّف بحراسة جزيرة كريت. كان هذا الكائن يجوب سواحل الجزيرة بلا كلل، يراقب السفن القادمة، فإذا رأى غزاة أو قراصنة، قذفهم بصخور هائلة تمنعهم من الوصول إلى اليابسة.

ورغم أن الأسطورة تصفه كائناً معدنياً، فإن صورته تقترب بصورة لافتة من مفهوم الروبوت المعاصر؛ فهو مخلوق صُمم لأداء مهمة محددة، يعمل بصورة مستقلة، ولا يعرف سوى تنفيذ البرنامج الذي خُلق من أجله.

ففي "الإلياذة" يصف هوميروس خادمات ذهبيات يصنعهن إله النار لمساعدته داخل ورشته. لم تكن مجرد تماثيل مزخرفة، بل كائنات تمتلك القدرة على الحركة والكلام والفهم، وتساعد سيدها في أعماله كما يفعل البشر.

ولعل هذه «العذارى الذهبيات» تمثل، في المخيال الأسطوري، أول تصور لما يمكن أن نسميه اليوم الروبوتات الذكية، أو حتى النواة الأولى لفكرة الذكاء الاصطناعي؛ إذ إنها تجمع بين الهيئة الإنسانية والقدرة على التعلم والعمل والاستجابة.

ولم تتوقف المخيلة اليونانية عند ابتكار الكائنات البشرية الآلية، بل امتدت إلى الحيوانات أيضاً.

ففي رحلة الأرجونوتيين الشهيرة بقيادة جيسون للبحث عن الصوف الذهبي، تروي بعض الروايات أنهم استعانوا بكلب ميكانيكي لحراسة سفينتهم أثناء نزولهم إلى الشاطئ، كي لا يتعرضوا لهجوم مفاجئ.

وتروي أسطورة أخرى أن ريا، أم الآلهة الأولمبية، صنعت كلباً ذهبياً ليحرس الطفل زيوس أثناء اختبائه من والده كرونوس الذي كان يلتهم أبناءه خوفاً من أن ينازعوه سلطانه.

ولم يكن الهدف من هذه الكائنات الزينة أو الترف، بل أداء وظيفة واضحة: الحماية والمراقبة، وهي الوظائف ذاتها التي تؤديها اليوم كثير من الأنظمة الآلية الحديثة.

ومن بين أكثر الأساطير عمقاً تأتي قصة "بيغماليون وجالاتيا"، لأنها لا تتحدث عن صناعة آلة، بل عن العلاقة العاطفية التي قد تنشأ بين الإنسان وما يصنعه بيديه.

كان بيغماليون نحاتاً بارعاً، لكنه عجز عن العثور على المرأة التي توافق مثاله الأعلى للجمال. فقرر أن ينحت امرأة من العاج، جاءت على الصورة التي طالما حلم بها، وأطلق عليها اسم جالاتيا.

ومع مرور الوقت لم يعد يرى في تمثاله حجراً منحوتاً، بل كائناً حياً يستحق الحب. رقَّ قلب أفروديت لهذا العاشق، فنفخت الحياة في التمثال، فتحولت جالاتيا إلى امرأة حقيقية.

قد تبدو القصة بعيدة عن عالم التكنولوجيا، لكنها في جوهرها تطرح سؤالاً ما زال يشغل عصر الذكاء الاصطناعي: ماذا يحدث عندما ينجح الإنسان في منح مصنوعاته مظهراً إنسانياً؟ وأين تنتهي الحدود الفاصلة بين الخالق وصنعته، وبين العاطفة والآلة؟

وإذا كانت الروبوتات إحدى ثورات العصر الحديث، فإن الطيران يمثل ثورة أخرى غيرت تاريخ البشرية.

ومع ذلك، فإن حلم التحليق في السماء سبق اختراع الطائرة بآلاف السنين، وقد حفظته الأسطورة اليونانية في قصة ديدالوس وابنه إيكاروس.

كان ديدالوس أشهر مهندس في جزيرة كريت، وقد كلفه الملك مينوس ببناء المتاهة الشهيرة التي سُجن فيها المينوتور، الكائن نصف الإنسان ونصف الثور. لكن الملك، خوفاً من أن يكشف المهندس أسرار المتاهة لغيره، حبسه مع ابنه داخلها.

وهنا لم يجد ديدالوس وسيلة للنجاة سوى أن يقلد الطبيعة نفسها. صنع جناحين من الريش والخيوط وثبتهما بالشمع، ثم علَّمهما الطيران بعيداً عن البحر والشمس.

نجحت الخطة، لكن إيكاروس، مدفوعاً بنشوة الحرية، حلق أعلى مما أوصاه والده، حتى اقترب من الشمس، فذاب الشمع، وتناثرت الريشات، وسقط في البحر حيث لقي حتفه.

ليست هذه الحكاية مجرد أسطورة عن أول محاولة للطيران، بل تأمل عميق في العلاقة بين الابتكار والمسؤولية. فالمعرفة تمنح الإنسان القدرة على تجاوز حدوده، لكنها تفرض عليه أيضاً احترام حدود الطبيعة. وما لم يقترن الطموح بالحكمة، تحول الإنجاز إلى سبب للهلاك.

واليوم نعيش في عالم أصبحت فيه الآلات شريكاً دائماً للإنسان، وتغلغلت التكنولوجيا في أدق تفاصيل الحياة، حتى بات من الصعب تصور العالم من دونها. لكن هذه الثورة لم تبدأ في المصانع أو المختبرات، بل بدأت في الخيال.

لقد حلم الإغريق بآلات تتحرك وحدها، وبخدم آليين، وحراس معدنيين، وأجنحة تحمل الإنسان إلى السماء، قبل أن تمتلك البشرية الوسائل العلمية لتحقيق تلك الأحلام.

وهذا ما يمنح الأساطير الكلاسيكية قيمتها الدائمة؛ فهي لا تخبرنا بما كان عليه الماضي فحسب، بل تكشف أن التقدم العلمي يبدأ دائماً بفكرة، وأن كل اختراع عظيم كان، في لحظة ما، مجرد حكاية يرويها شاعر أو حلم يراود إنساناً يتطلع إلى تجاوز حدود الممكن.

فالأسطورة ليست نقيض العلم، بل ذاكرته الأولى؛ إنها اللحظة التي سبقت التجربة، حين كان الخيال هو المختبر الوحيد الذي يستطيع الإنسان أن يختبر فيه مستقبله.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

من وحي ندوة الفلسفة والحقيقة في أسفار أفلاطون

تلك الندوة الرائعة التي كرستها وحدة الدراسات الفلسفية بالمعهد العالمي للتجديد ل«قراءة كتاب د. خديجة زتيلي الموسوم ب الفلسفة والحقيقة في الرسالة السابعة لأفلاطون: عندما تعيد الأسفار تشكيل الذات وصوغ المعنى»، التي أدارها بكفاءة واقتدار رئيس الوحدة الدكتور بن شرقي بن مزيان، واختتمها مقررة الوحدة دكتورة ريم الدندشلي وقدمت ورقتها الرئيسة الدكتورة خديجة زتيلي، أكثر من مجرد قراءة في كتاب جديد عن أسفار أفلاطون"؟" حفزتني لاعادة تأمل معنى السفر في ضوء كتاب الفيلسوفة الأنجليزية ايميلي توماس استاذة الفلسفة في جامعة دورام البريطانية فضلا عن جرعة التغذية الراجعة التي منحتني ايها الندوة بشأن سؤال السفر والمسافرين وانا احدهم؛ سؤال يشغلني منذ زمن طويل ويتجدد كلما غادرت مكان مررت به إلى آخر ؟

خبرتي بالسفر ومداراته بينت لي أنه؛ السفر مجرد ليس انتقال الإنسان من مكان إلى آخر، كما توحي به التعريفات الجغرافية البسيطة، ولا هو مجرد استراحة من رتابة الحياة اليومية أو بحث عن المتعة واكتشاف الأمكنة. السفر، في معناه الأعمق، هو خروج الإنسان من دائرة المألوف إلى فضاء المختلف؛ خروج من المكان الذي اعتاد أن يرى العالم من خلاله إلى مكان يجبره على إعادة النظر في نفسه وفي العالم معًا.

وهذا هو ما فحوى كتاب إيميلي توماس «معنى السفر»، الذي يحاول أن يجعل من السفر موضوعًا فلسفيًا قائمًا بذاته، لا مجرد موضوع عرضي في تاريخ الفلسفة. فالكتاب لا يسأل فقط: لماذا يسافر الإنسان؟ وإنما يسأل سؤالًا أكثر عمقًا: لماذا كان السفر مهمًا للفلاسفة؟ وكيف أسهمت الفلسفة نفسها في تغيير الطريقة التي نسافر بها وننظر بها إلى العالم؟ (القافلة)

وربما كان كتاب خديجة زياني عن أسفار أفلاطون اضافة متميزة للمعرفة بشأن سفر الفيلسوف الذي اعتدنا أن نتخيله جالسًا في مكتبه، محاطًا بالكتب والمفاهيم، يظهر في هذا الكتاب بوصفه إنسانًا يمشي ويجوب الطرق ويعبر الحدود ويصطدم بالمجهول. فالفلسفة ليست دائمًا تأملًا ساكنًا؛ إنها قد تكون حركة أيضًا. وإذا كانت الفلسفة تبدأ بالدهشة، فإن السفر ربما يكون أحد أكثر الأفعال الإنسانية قدرة على إنتاج الدهشة؛ لأن المسافر يخرج من عالم يعرفه إلى عالم لا يعرفه وبهذا المعنى نفهم اسطورة الكهف في جمهورية أفلاطون بوصفها خروج من المكان المعتم الضيق إلى المكان المشرق المفتوح إذ إننا حين نبقى في المكان نفسه، لا نرى المكان بالضرورة؛ لأن الاعتياد يحول الأشياء إلى خلفية صامتة لوجودنا. البيت الذي نعيش فيه لا نراه كما يراه الغريب، والشارع الذي نعبره كل يوم يفقد شيئًا من غرابته، والمدينة التي نولد فيها تصبح جزءًا من بديهيات وعينا. ولذلك فإن السفر لا يضيف إلى الإنسان أمكنة جديدة فحسب، بل يعيد إليه القدرة على رؤية المكان القديم فحين نسافر، نكتشف أن ما كنا نعتقد أنه طبيعي ليس طبيعيًا بالضرورة، وأن ما كنا نراه بديهيًا ليس إلا عادة ثقافية. الطعام، والملابس، واللغة، وأنماط السلوك، والعلاقات الاجتماعية، وحتى مفهوم الزمن؛ كلها تبدو مختلفة عندما نعبر حدود المكان والثقافة. وهنا يصبح السفر تجربة فلسفية في نقد المركزية: مركزية الذات، ومركزية الثقافة، ومركزية المكان الذي ننتمي إليه

وهذا هو ما اشترت اليه في الحلقة الاولى فيما اسميته بالآخر مرآة الذات 

إذ قد يعيش الناس عشرات أو مئات السنين في بعض الحالات دون أن يتمكنوا من إختراق الحجب والأقنعة التي تحول دون وعيهم لذاتهم وللآخرين، فالذات إذا ما تركت لذاتها دون خبرة التفاعل والإحتكاك المباشر بالآخرين تظل عمياء ساذجة وفطرية غير واعية لذاتها وغير مدركة لهويتها التي تميزها عن هوياتهم المختلفة إذ بأضدادها تتمايز الأشياء. والطريق الوحيد لتحقيق كشف المحجوب في عمليات الذات والآخر لا يتم إلا بالإحتكاك والتفاعل المتبادل بين الفاعلين الاجتماعيين في أثناء الممارسة الحياتية وتغذيتها الراجعة في سياق تفاعلي مقارن، فرصد الآخرين وتأويلهم هو الوسيلة الممكنة في فهم الذات؛ فالآخر هو دائماً مرآة الذات ومبعث هويتها ولعل هذا هو ما يفسر اهتمام الفلاسفة بالسفر في مختلف العصور ففي النهضة؛ عصر الكشوف الجغرافية كان اكتشاف الآخر اكتشافًا لحدود الذات الأوروبية، وإن لم يؤدِّ ذلك دائمًا إلى الاعتراف بالآخر. وهنا ينبغي ألا نقرأ تاريخ السفر قراءة رومانسية؛ فالسفر الذي وسّع أفق المعرفة الإنسانية كان في الوقت نفسه جزءًا من تاريخ الاستعمار والسيطرة ورسم الخرائط وإعادة تقسيم العالم. فالخريطة ليست بريئة دائمًا، والسفر ليس بريئًا دائمًا.

كان المستكشف الأوروبي يعبر البحار بحثًا عن المجهول، بينما كان الإنسان الواقع في الطرف الآخر من الخريطة يُكتشف بوصفه موضوعًا للمعرفة والسيطرة. ومن ثم فإن فلسفة السفر ينبغي ألا تتوقف عند جمال الرحلة، بل عليها أن تسأل أيضًا عن السياسة الكامنة وراءها: من يسافر؟ ومن يُمنع من السفر؟ من يملك جواز المرور؟ ومن يتحول إلى مهاجر أو لاجئ أو غريب غير مرغوب فيه؟

المفكر العربي الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه المهم (الاستشراق؛ المعرفة السلطة الإنشاء ١٩٨١) الاستشراق من حيث هو الأسلوب الغربي للتعرف على الشرق وبحثه ودراسته وفهمه وتصوره وتشكيله واختلاقه وتمثيله وترويضه وإحكام السيطرة عليه وامتلاكه. إذ هو حصيلة خبرة تاريخية متراكمة لشبكة واسعة من الممارسات والعلاقات الثقافية والحضارية والمدنية، بين الشرق والغرب، بين الأنا والآخر، بين نحن وهم. هذه العلاقة التي نمت وتطورت عبر التاريخ في مسارات متقاطعة من الفهم وسوء الفهم، والشدة واللين، والحوار والصدام، والسلم والحرب، والندية والتبعية، والتكافؤ والهيمنة، والقوة والضعف، والتحدي والاستجابة، وغير ذلك من تجليات التوتر والاضطراب في جدل التماس والصراع بين الشرق والغرب، بين القوة والضعف منذ الاستشراق الأول المحمول على رؤوس الحروف الإغريقية الأكاديمية، حتى الاستشراق الأخير المحمول على رؤوس الصواريخ البالستية الأوروأمريكية. لأنها تحتاج إلى تبويب المراحل الثلاث بعدها ....ويمكن من ذلك تمييز ثلاث مراحل أساس لتطور الاستشراق. وهكذا غدت العلاقة بين الغرب والشرق، علاقة بين ذات فاعلة وموضوع منفعل، بين من يرى ويتأمل ويكتب ويفسر وبين من يبُسط موضوعاً للرؤية والتصنيف والتقييد والحكم بين المستشرق الآتي من بلاد الغرب المزدهر، والشرق المتخلف الضعيف العاجز الذي ينتظر من يؤخذ بيده ويحييه، وهذا ما عبر عنه المستشرق الألماني (لودفيغ هيرمان فون) بعد زيارته للجزائر وتونس عام 1835 بقوله: "إنهم يتحلون أكثر مَنا بمظهرهم وسلوكهم بهيبة الإنسان الفطري، ويفوقوننا من حيث السجايا البدائية، لكنهم لظروف معينة ظلوا جاثمين عند أول درجة من سلم الحضارة، بالنسبة لغرائزهم الطبيعية التي لا يتورعون عن إشباعها بفظاظة بل قل بوحشية رغم رقة شمائلهم.. أصبحوا جنساً منتكساً قاصراً عن تحقيق أي نوع من النهضة أو عن بعث أي ضرب من ضروب الحضارة، ولا سبيل لحضارة إليهم إلا إذا أُخضِعوا لهيمنة المسيحيين". ويتساءل بكامل الدهشة، كيف يمكن لمملكة تونس أن تصبح لو آلت إلى الأوربيين من ذوي الخبرة والاجتهاد، إن في وسع هذه البلاد الخصبة أن توفر العيش والنعمة لستة أضعاف عدد سكانها، وينتهي إلى التصريح برغبته في حكم البلاد والعباد معلناً: "إنه ليس هناك مهمة أنبل وأجمل من تنصيبه من قبل القوى الأوربية إثر انهيار الإمبراطورية العثمانية ملكاً على شمال إفريقيا من حدود المغرب الأقصى إلى حدود برقة، وذلك إشفاقاً منها على هذا الربع المهمل.. ويضيف وسينجح في تسخير كل حياته لتكوين البدو وترويض شعوب القبائل، وتسوية أوضاع أهالي المدن من المسلمين وفي حكم الجميع بقبضة من حديد.. وبتحقيق هذا العمل فإن هذا الأمير يصبح مؤهَّلًا لكي تطلق عليه أجيال الحاضر والمستقبل لقب (المحيي) إذ يكون أجدر به من نابليون" (بنظر، علي شلق، كارل بروكلمان والاستشراق، مجلة الاجتهاد، بيروت العددان (٥٠ - ٥١) صيف ٢٠٠١) على هذا النحو تنتج القوة المعرفة التي تسوغها وتقويها وتعزز مواقعها ولا يهمها ما إذا كانت هذه المعرفة حقيقية أم باطلة. لأنها معنية بإنتاج ذاتها وإعادة إنتاج حقيقتها هي، وعلى هذا لم يكن بمقدور الاستشراق أن يأتي تعبيراً صادقاً عن الشرق بقدر ما كان تعبيراً عن الشرق كما يراه الغرب، أي الشرق المستغرب. وهذا ما أدركه مؤخراً بعض المستشرقين أمثال الإنجليزي (مايكل كاريدرس) فقد أشار في كتابه (لماذا ينفرد الإنسان بالثقافة؟) إلى أنه "بات لزاماً على علماء الأنثروبولجيا والمستشرقين عموماً أن يعملوا للتغلب على افتراضاتهم هم وعلى حكمتهم التي اكتسبوها، وعلى نظراتهم التي حددتها لهم ثقافاتهم، وذلك بغية الوصول إلى فهم واضح قدر المستطاع، لنظرة أولئك الذين يتخذونهم موضوعاً لدراستهم وأصبحت القاعدة البديهية: "إذا كنا نقرأ في نفوس الآخرين دوافعنا وفهمنا فكيف لنا أن نفهم دوافعهم وفهمهم؟. إن من طبيعتنا أن نتبنى نظرة وموقفاً من حيث علاقتنا بالآخرين ومن ثم فإن هذه النظرة تتأثر لزوماً بأسلوب الحياة الذي نشأنا عليه منذ الميلاد" (ينظر، قاسم المحبشي، فلسفة التاريخ في الفكر الغربي المعاصر، صنعاء ٢٠٠٦)

 فليس كل من قطع آلاف الكيلومترات مسافرًا بالمعنى الفلسفي، كما أن الإنسان قد يسافر بعيدًا دون أن يغادر مكانه فكريًا. يمكن للسائح أن يحمل معه وطنه بالكامل، بلغته وعاداته وأحكامه المسبقة، وأن يرى العالم الجديد من خلال مرآة القديم وربما كان الفرق بين السائح والمسافر ليس في المسافة التي يقطعها، وإنما في درجة انفتاحه على المختلف؛ السائح يبحث غالبًا عن العالم الذي يتوافق مع توقعاته؛ أما المسافر الحقيقي فيسمح للعالم بأن يغيّر توقعاته فالإنسان يسافر وهو يحمل خريطة ذهنية للعالم، ثم يكتشف أن العالم أكثر تعقيدًا من الخريطة. وما نعتقد أننا نعرفه قبل الرحلة قد لا يبقى كما هو بعدها. بهذا المعنى، السفر يشبه التجربة العلمية: نخرج بفرضيات عن العالم، ثم نصطدم بالواقع، فنضطر إلى تعديلها.

لكن السفر لا يختبر معرفتنا فقط، بل يختبر هويتنا أيضًا.

في الوطن، تبدو الهوية أمرًا مستقرًا؛ أما في الخارج فإنها تصبح أكثر وضوحًا. هناك نكتشف أننا لسنا مجرد «أنا»، وإنما «أنا» تحمل لغة وذاكرة وعادات وتاريخًا. الغربة تجعل الهوية مرئية. وربما لهذا السبب يكون السفر أحيانًا تجربة وجودية مؤلمة؛ لأن الإنسان يفقد مؤقتًا شبكة المعاني التي كانت تحيط به وتحميه.

وهنا يصبح الخوف جزءًا من فلسفة السفر كما اشرنا في مكان سابق . فالخوف من المجهول ليس عيبًا في الرحلة، بل أحد شروطها. وتشير توماس إلى العلاقة بين السفر والخوف، مستحضرة كامو، حيث يصبح الخوف نفسه جزءًا من قيمة السفر؛ لأن الإنسان حين يبتعد عن مألوفه يكتشف هشاشته واعتماده على ما يعرفه فالإنسان لا ينفتح على العالم لأنه شجاع تمامًا، وإنما لأنه يتعلم كيف يعيش مع قدر من عدم اليقين.

ورغم انكماش الزمان والمكان في عالمنا المعاصر، حيث أصبحت الطائرات والخرائط الرقمية ومحركات البحث تسهل معرفة العالم بحيث يبدو قريبًا ومكشوفًا، بما يجعلنا نظن أن السفر فقد شيئًا من معناه القديم. لكن المفارقة أن العالم، رغم سهولة الوصول إليه، لم يصبح بالضرورة أكثر فهمًا. يمكننا اليوم أن نرى آلاف الصور لمدينة لم نزُرها، وأن نعرف أسماء شوارعها وفنادقها ومتاحفها قبل الوصول إليها، لكن المعرفة الرقمية لا تلغي تجربة الحضور فالصورة لا تحمل رائحة المكان، والخريطة لا تمنحنا ارتباك الطريق، والمعلومة لا تستطيع أن تحل بالكامل محل المفاجأة. ولذلك يبقى السفر الحقيقي هو الانتقال من المعرفة عن الشيء إلى تجربة الشيء.

في الختام، يتجاوز السفر الحديث فكرة الانتقال الجغرافي ليصبح تجسيدًا صارخًا لما وصفه زيجمونت باومان بـ «الهجرة السائلة» و«الحداثة السائلة». إن الانتقال من سؤال «ماذا يفعل السفر بنا؟» إلى «ماذا نفعل نحن بالأماكن؟» يعكس تحول السفر من تجربة صلبة ومستقرة إلى ممارسة استهلاكية عابرة، تتسم بالسيولة والهشاشة والأنانية الفردية. فالسياحة المفرطة وتحويل الثقافات والمدن إلى سلع جاهزة للاستهلاك الفوري يثبتان أن السفر المعاصر بات مدفوعًا برغبات الفرد السائل الذي يستهلك الأمكنة دون الالتزام بمسؤولية أخلاقية تجاهها. 

هنا تتحول فلسفة السفر إلى اختبار للمسؤولية الأخلاقية في عالم سائل. السفر الحقيقي ليس استهلاكًا سريعًا للمكان أو تحويل الآخر إلى مجرد «نسخة سياحية» لإرضاء رغباتنا المتغيرة، بل هو تفكيك لـ «اليقينيات الصلبة» التي تسكننا. إن السفر، في ضوء رؤية باومان، هو حركة مستمرة في الوعي والهوية؛ حيث لا يسافر الإنسان للوصول إلى جغرافيا جديدة، بل للهروب المؤقت من نسخته القديمةوالتملص من ثباتها. 

بناءً على ذلك، فإن أجمل أنواع السفر ليس عبور القارات، بل السفر السائل عبر الأفكار. إن الرحلة الحقيقية لا تقاس بالكيلومترات، بل بمدى قدرتها على تسييل قناعاتنا الصلبة، وتركنا أمام سيل من الأسئلة التي تعيد تشكيل رؤيتنا للعالم ولذواتنا. 

***

ا. د. قاسم المحبشي

تطرَّقت المساقات الماضية إلى نقدٍ منهجيٍّ لترجمة مادَّة «جازان» في «دائرة المعارف الإسلاميَّة»، للمستشرق الأميركي (جورج س. رنتزGeorge Snavely Rentz، -1987)، من عمل (إبراهيم زكي خورشيد). وقد كشفت تلك المقالات عن سلسلةٍ من الأخطاء اللُّغوية، والجغرافيَّة، والتاريخيَّة، تُظهِر ضعفًا عامًّا في الترجمة، واضطراب الفهم، ما أفضى إلى إساءة في التعامل مع النصِّ الإنجليزي، وما تضمَّنه من إشارات، ولاسيما في مجالات الأنساب، والأسماء، والأحداث. منتهين، من خلال ذلك النموذج، إلى أنَّ كثيرًا من الترجمات العربيَّة الحديثة قد لا تزيد القارئ إلَّا التباسًا وجهلًا بالمصادر الأجنبيَّة.

قال (ذو القُروح)، مواصلًا عرض الإشكالات في تلك الترجمة:

 ـ ثمَّ اقرأ، إنْ شئتَ، عن شيءٍ غريبٍ، سمَّاه المترجِم: «السنامكى»!

ـ «السنامكى»؟ ما هذا؟

ـ هذا لُغز! وقد ذكرَ (رنتز) أنَّه كان يُحمَل مع (البُنِّ) من جبالنا في (فَيفاء) وما جاورها إلى (القاهرة) في القرن التاسع عشر؟

ـ أُعلِنُ، إذن، انسحابي من المسابقة لحلِّ هذا اللُّغز!

ـ لقد نقل المترجِم كلامه هكذا: «وكان نبات السنامكى والبن يحملان من الجبال إلى القاهرة.»(1) غير أنَّ ما قاله (رنتز)(2) هو:

Senna and coffee were sent from the mountains to Cairo.

ذلك أنَّ المترجِم أراد أن يكحِّل الكلمة فأعماها، كما يقال! مضيفًا إلى الاسم، كما أورده رنتز، كلمة «مكى»، ملصقًا كلمة (سنا) بكلمة (مكى). ولم ينقط الياء، كالعادة. وهو يَظنُّ أنْ لو التزمَ بما ذكرَه المؤلِّف، لن يكون الاسم معروفًا لدَى القارئ العَرَبي. وهذا غير صحيح. فـ(السَّنا، أو السَّنَة): نباتٌ طِبِّي، من نباتات (فَيْفاء). أوردَ عنه (ابن منظور)(3): أنَّ «السَّنا نبتٌ يُتَداوَى به، قال ابن سِيْدَه: والسَّنا والسَّناءُ نبتٌ يُكتَحَلُ به، يُمَدُّ ويُقصَر، واحدته سَناةٌ وسَناءَةٌ.» وليس (السَّنا المكِّيُّ) غير نوعٍ منه، يُنسَب إلى (مَكَّة). ويُعرَف أيضًا بـ(سَنا مَكَّة). وهناك نوعٌ آخَر ينبت في بلاد (الرُّوم)، يُعرف بـ(السَّنا الرُّومي).

ـ لكن حلوة «السنامكى» هذه! ثمَّ لاحظ أنهم ينقلون «النبات» نفسه، كما زعمَ المترجِم!

ـ لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله! تخيَّل القوافل تحمل أشجار البُنِّ من جبال (فَيْفاء) إلىٰ (القاهرة)! وأضف، أخيرًا، إلى ما سبق ما كتبه المترجِم، قائلًا، أو بالأحرى متقوِّلًا: «وكان أقوى الخيراتية الذي خلف حمودًا هو الحفيد الأكبر لابن أخيه الحسين بن على (حكم من سنة ١٨٤٠ إلى ١٨٤٨م) وهو الذي استولى على تهامة حتى بلغ جنوبًا إلى مخابل احتل تعزّ مدة من الزمن وغير ذلك من الأمكنة في جبال اليمن الأسفل. وهزمه في معركة من المعارك المتوكل محمد بن يحيا الزيدى فنزل الحسين عن العرش.» وعَدِّ عن كتابته «يحيا» بالألف الممدودة، فلا جديد هاهنا!

ـ لكن ماذا عنى بقوله: «حتى بلغ جنوبًا إلى مخابل»؟ أثمَّة مكان اسمه (مخابل)؟!

ـ هو هنا يحاول ترجمة قول (رنتز)(4):

who held Tihāma as far south as Mocha and even occupied for a time Taʿizz…

يتَّضِح، إذن، أنَّ المقصود (المَخاء)، إحدى مُدن منطقة (تَعِزّ). وقد أراد المترجِم أن يكتب: «بلغ جنوبًا إلى مخا، بل احتلَّ تَعِزّ» فاختلط لديه الحابل بالنابل! فظهرت الكلمتان في طبعة (القاهرة): «مخا بل»، وفي طبعة (الشَّارقة): «مخابل».

ـ السؤال: لماذا يقرأ العَرَبيُّ مثل هذه الترجمات الشَّوهاء؟ أما كان الأجدى أن يرجع إلى الأصل الإنجليزي، وكفى الله العَرَب الترجمة؟! إذ مهما كانت في النصِّ بغير العَرَبيَّة أغلاط في بعض المعلومات، سيجده أسلمَ لُغويًّا من تراجم هؤلاء المترجمين «العَرَب»: انتماءً لا لُغة!

ـ هذا غيضٌ من فيض، من الرَّكاكة، وغلط المعلومة، وإهمال التدقيق، والتصرُّف في النصِّ المترجَم، والاستخفاف بالأمانة العِلميَّة.

ـ هو نموذجٌ صارخٌ، يتجاوز بنا ما كُنَّا بصدده من شؤون التاريخ والعَرَبيَّة المعاصرة، إلى مآزق لُغويَّة وثقافيَّة وترجميَّة شتَّى. بَيْدَ أنَّه ليس ممَّا كُنَّا بصدده ببعيد، بل هو منه في الصَّميم. لكن ماذا لو عدنا إلى رحلة النصِّ، لا من لغة أجنبيَّة إلى العَرَبيَّة، بل من العَرَبيَّة إلى العَرَبيَّة، عبر كُتب التراث؟ 

ـ أمَّا تراثنا القديم، فيَصْدُق عليه ما ذهب إليه أستاذُ العَرَبيَّة بجامعة (كامبريدج)، المستشرق الأسكتلندي (ويليم روبرتسون سميث William Robertson Smith، -1894)(5)، من أنَّ الكُتب التراثيَّة، التي وصلت إلينا من عصور ما قبل الطباعة، قد تعرَّضت بالضرورة لتغييرات عديدة.  وقد حُفِظت بعض الكُتب في نُسَخٍ ناقصة، صنعَها نُسَّاخٌ جَهَلةٌ من العصور المظلمة، وبعضها أفسده محرِّرون خَلَطُوا موادَّ أجنبيَّة مع النصِّ الأصلي.  ولذا أبقَى لنا التاريخ كتاباتٍ كثيرة، لا تعدو عمليَّات تزويرٍ محض.  وفي كلِّ الأحول، فإنَّ على الناقد التاريخي، لكي يتوصَّل إلى الحقيقة العِلميَّة، أن يتخلَّص من المفردات المقحمة على النصوص، وكشْف صُوَر التزوير؛ لعرض البقايا القديمة في صُوَرها الحقيقيَّة.  ولن يضير كتابًا قديمًا قَيِّـمًا حقًّا عملُ الناقد الذي يحاول أن يضعه في ضوء الشمس، ويؤسِّس مكانته على قواعد أرسخ.

ـ وأمَّا لو كان المؤرِّخ- العَرَبي خاصَّة- من نمط (كمال الصليبي)، نموذجًا، ومن لَفَّ لَفَّه، أو من نمط (فراس السوَّاح) ومن لَفَّ لَفَّه، فليس في حاجة إلى كلِّ هذا العناء، وإنَّما عليه أن يكتب التاريخ من بنات أفكاره، وكفى الله المؤرِّخ العناء!

ـ صحيح. ذلك أنَّ نماذج طريفة من المؤرِّخين المعاصرين، من أهل الشَّام خاصَّة، واجهوا ضرورة تاريخيَّة ضاغطة لمواجهة التاريخ والحاضِر؛ فأين المفر؟! كلَّا، لا وَزَر! الأوَّل، (الصليبي)، سعَى إلى ترحيل تاريخ الشَّام إلى جزيرة العَرَب، ولكن (تاريخ بني إسرائيل) تحديدًا دون غيره؛ لأسباب واضحة. وآزرَه كثيرون من الشاميِّين، وبعض مجاوريهم، مثل (فاضل الربيعي) من العراق، أو (يوسف زيدان) من مِصْر.

ـ صاحب نظريَّة أن (المسجد الأقصى)، المشار إليه في «القرآن الكريم»، إنَّما هو مسجد في (الجعرَّانة)، بجوار (مكَّة)، لا في (فلسطين)!

ـ هو بعينه! فإذا كان العُربان قد خابوا في تحرير الأقصَى الشريف في (فلسطين)، فأقصى الجعرَّانة، إنْ وُجِد، هو البديل! أمَّا الآخَر (السوَّاح)، فعارضَ تلك الآراء بشِدَّة؛ لأنَّ له وُجهة أخرى معاكسة، تقول بترحيل تاريخ الجزيرة العربيَّة نفسها إلى بلاد الشَّام! فذهب إلى أن (محمَّد بن عبدالله، صلى الله عليه وسلَّم) شاميٌّ، لا حجازي، ولا علاقة له بـ(مكَّة)! بل ربما كانت مكَّة ، والمسجد الحرام خاصَّة، يقعان في ديار (الأنباط)، في منطقة (البتراء)، بالأردن، كما سبقه غيره من أساتذته في لعبة الشطرنج التاريخي هذه. ولعلَّ هذا هو ما أرهص للسوَّاح بأخرة بنظريَّته الساحقة الماحقة! لينتهي مَن كان فِراسًا منشغلًا بالأساطير، ومفكِّرًا سابقًا، يتظاهر بالعِلميَّة والعقلانيَّة، إلى محض «سوَّاح» اليوم، اسمًا على مسمًّى.

ـ وهذا يعني أنها ما زالت في التاريخ كتابات كثيرة، لا تعدو عمليَّات تزويرٍ محض. 

ـ بل إنَّ تلك الكتابات في الحاضر أكثر من تلك في الماضي، موظِّفةً أدواتها لمزيدٍ من التزوير، لمآرب سياسيَّة أو أيديولوجيَّة. وذو المرض السياسيِّ أو الأيديولوجيِّ، لا يمكن أن يكون مؤرِّخًا نزيهًا أبدًا. بل لا يمكن أن يكون صاحب طرحٍٍ عِلميٍّ يحترم العقول؛ مهما حمل من هالات الألقاب والأدوات؛ ففاقد الشيء لا يعطيه. وما تلك الألقاب والأدوات سِوَى وسائل يتوخَّى منها أن تسعفه لممارسة تزويرٍ أشدَّ إحكامًا، وأكثر قدرةً على تضليل العامَّة، أو تأييد أقرانه من ذوي الأهواء لا العقول. على أنَّ الناقد التاريخي هنا، ولكي يتوصَّل إلى الحقيقة العِلميَّة، ليس في حاجةٍ إلى كبير جهد لكشف صُوَر التزوير، لحُسن الطالع؛ لأنَّ هؤلاء النَّفَر من المعاصرين لا يستندون أصلًا إلى أدلَّةٍ عِلميَّةٍ تصمد لأدنى محاولة للفحص، هذا إنْ وُجِدت، وإنَّما هي مغامرات ساذجة، وتأويلات سطحيَّة بائسة، تارةً تهدف إلى نقل (الشَّام) إلى (اليَمَن)، وتارةً إلى نقل (اليَمَن) إلى (الشَّام)! والدليل لديهم: حروف اسمٍ هنا تشبه حروف اسمٍ هناك، فإذن المكان هو هو. بل إنَّ الصراع بين هؤلاء النَّفَر أنفسهم محتدم،  وعلى أَشُدِّه، متناشدين: أيُّ مكان من الجزيرة العَرَبيَّة يُختار لتوطين شعب الله المحتار، أفي اليَمَن؟ أم في الحجاز؟ أم عُمان؟ أم جازان؟ أم عسير؟ أم بلاد غامد وزهران؟ أم في تشكيلة من تلك البلدان؟

ـ ثمَّ أيُّ الوجهتين أولَى وأنجع؟ أترحيل الشَّام إلى الجزيرة العَرَبيَّة؟ أم العكس؟

ـ تشابهت قلوبهم، واختلفت مناهجهم، إلَّا في التهافت. ولذا هم مضطرُّون إلى عَقْد مَجْمَع، أو مؤتمر، لدراسة الخلافات بينهم، قبل كلِّ خصومة مع غيرهم؛ فالغاية واحدة، وإنْ تفرَّقت بهم السُّبل!  

***

* مرفأ:

وما يُجْـدِيْ الغِـنَـاءُ عَلَى المُـغَـنِّـيْ

إذا ابتَلَعَتْ حَنَـاجِـرَهُ الثُّـعَالَـى؟!

ولـكِـنْ نَـحْـنُ قَـوْمٌ مِـنْ ضِـرَامٍ

فـلا تَـقْـنَــطْ إِذَا الـبُرْكَـانُ سَـالا

فبَـعْـدَ سُـيُـوْلَةِ الذَّهَبِ انْـفِـجَارٌ

يُطَـهِّـرُ مَعْـدِنَ الذَّهَـبِ الـمُسَالا

لِـكُـلٍّ يَـوْمُــهُ ، لا رَيْــبَ فِـيْـهِ،

وإِنْ أَمْطَـى مَـواعِـدَهُ الـمِـطَـالا!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

........................

(1)  تُقارَن ترجمة: دائرة المعارف الإسلاميَّة، طبعة (القاهرة: دار الشعب، 1969)، 13: 109- 115، بطبعة (الشارقة: مركز الشارقة للإبداع الفكري ، 1998)، 11: 3292- 3299.      

(2) Rentz, George Snavely, (1991), The Encyclopaedia of Islam, Prepared by a number of leading orientalists, Under the patronage of the international union of academies. (Leiden: E. J. Brill), 2: 518.

(3)  لسان العَرَب، (سنا).

(4) 2: 518.

(5) See: (1895), The Old Testament in the Jewish Church: A Course of Lectures on Biblical Criticism, (London: Adam and Charles Black), p. 17

قد نغادر بعض الأماكن، لكن بعضها لا يغادرنا. قد نترك بيتًا أو شارعًا أو مدينة سنوات طويلة، ثم نعود فنجد الطريق نفسه وربما المبنى نفسه، لكننا نشعر بأن المكان تغيّر. وربما تكون الحقيقة أن المكان تغيّر فعلًا، وأننا نحن أيضًا لم نعد الأشخاص الذين رأيناه بأعينهم الأولى.

لهذا لم يكن المكان عند الفلاسفة والأنثروبولوجيين مجرد مساحة تحددها الخرائط، بل سؤالًا عن الذاكرة والهوية والزمن والانتماء، وعن العلاقة الخفية بين الإنسان وما يحيط به.

كتب غاستون باشلار في «جماليات المكان» عن البيت بوصفه أكثر من جدران وسقف؛ إنه مستودع للذاكرة والخيال. الغرفة، والنافذة، والسلم، والممر، وحتى الزاوية الصغيرة التي كنا نختبئ فيها، تتحول مع الزمن إلى أجزاء من عالمنا الداخلي. لذلك قد نشتاق إلى بيت قديم أكثر مما نشتاق إلى أشخاص عاشوا فيه. لكننا في الحقيقة لا نشتاق إلى الجدران وحدها، بل إلى الزمن الذي كان يسكنها: طفولتنا، ووجوهًا غابت، وطمأنينة لم تعد ممكنة، ونسخة قديمة من أنفسنا.

أما مارتن هايدغر، فرأى أن الإنسان لا يوجد في العالم كما توجد الأشياء داخل صندوق، بل «يسكن» العالم. والسكن ليس امتلاك منزل فحسب، بل إقامة علاقة مع الأشياء والأشخاص والطبيعة. نحن لا نمر بالمكان فقط، بل نمنحه معنى، وهو بدوره يترك أثرًا فينا.

وذكّرنا موريس ميرلو-بونتي بأن علاقتنا بالمكان ليست ذهنية فقط، بل جسدية أيضًا. نتعلم الأمكنة بأقدامنا وعيوننا وحواسنا؛ نحفظ الطريق إلى البيت، ونعرف صوت باب، ورائحة شارع، وطريقة سقوط الضوء في غرفة. هناك أمكنة يعرفها الجسد قبل أن تستدعيها الذاكرة.

لكن المكان لا يحمل الذكريات وحدها، بل يحمل المجتمع أيضًا. رأى هنري لوفيفر أن الفضاء ليس محايدًا، بل تنتجه العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فالمدينة يمكن أن تُقرأ مثل نص: أين يعيش الأغنياء والفقراء؟ أين توجد الحدائق والمدارس والمستشفيات؟ ومن يملك الوصول إليها؟ يكشف توزيع المكان غالبًا عن توزيع القوة والموارد داخل المجتمع.

ومن زاوية قريبة، درس ميشيل فوكو علاقة المكان بالسلطة. فالسجن والمدرسة والمستشفى والثكنة ليست مباني فقط، بل فضاءات صممت للمراقبة والتنظيم وضبط الأفراد. أحيانًا تكون السلطة مكتوبة في الجدران والممرات والنوافذ أكثر مما هي مكتوبة في القوانين.

أما الأنثروبولوجيا، فقد نظرت إلى المكان بوصفه مرآة للثقافة. أظهر كلود ليفي-شتراوس أن توزيع البيوت وتنظيم القرى ليسا عشوائيين؛ فشكل القرية قد يكشف نظام القرابة والانقسامات الاجتماعية والعلاقات بين الجماعات، وكأن المجتمع يرسم نفسه على الأرض.

وبيّن بيير بورديو، في دراسته للبيت القبائلي في الجزائر، أن المنزل قد يكون خريطة رمزية للثقافة. فالأعلى والأسفل، والداخل والخارج، والمضيء والمظلم، تحمل معاني تتجاوز وظيفتها المادية. البيت صورة مصغرة عن النظام الاجتماعي والثقافي.

ومع المدن الحديثة ظهر سؤال آخر: ماذا يحدث عندما تصبح الأماكن بلا ذاكرة؟ قدّم مارك أوجيه مفهوم «اللامكان» لوصف المطارات ومحطات القطارات والطرق السريعة والمراكز التجارية. إنها فضاءات يعبرها ملايين الناس من دون أن يبنوا معها علاقة حقيقية؛ نستخدمها ثم نغادرها، فهي أماكن للحركة أكثر من كونها أماكن للانتماء.

في المقابل، رأى الجغرافي الإنساني يي-فو توان أن الفضاء يصبح مكانًا عندما تمنحه التجربة معنى. فالشقة الفارغة ليست سوى مساحة، لكنها بعد سنوات من الضحكات والأحاديث والأعياد والخصومات والوداع تصبح مكانًا. لذلك لا تكفي الخرائط لفهم علاقتنا بالمدن والبيوت، لأن أهم ما فيها لا يظهر عليها.

لهذا تكون العودة إلى الأماكن القديمة مربكة. نبحث عن الشارع والمقهى والجيران والشجرة، لكننا في الحقيقة نبحث عن زمن كامل. قد نجد المكان نفسه ولا نجد الشعور نفسه، لأن العودة إلى المكان ممكنة، أما العودة إلى الزمن فليست كذلك.

المكان الذي نحمله في الذاكرة ليس بالضرورة المكان الموجود في الواقع. بين الاثنين سنوات من التغير، وفي المسافة بينهما يقيم الحنين والخيبة والدهشة. فالمكان ليس جغرافيا نعيش فوقها، بل طبقات من الذاكرة والعلاقات والرموز. نحن نصنع الأماكن حين نعيش فيها، ثم تحملنا هي بعد أن نغادرها.

بعض المدن نتركها إلى الأبد، لكنها تظل حاضرة فينا، وبعض البيوت تُهدم، ومع ذلك يبقى بابها وممرها ورائحة غرفها أوضح في الذاكرة من أماكن نعيش فيها اليوم. وربما لهذا لا يكون السؤال الأجمل: أين عشنا؟ بل: أي الأماكن ما زالت تعيش فينا؟

***

إبراهيم السعدي

 

نحو تأسيس عقلاني للتعددية الداخلية

تستند دراسة ظاهرة الصراع والصلح داخل المجتمع الواحد -لا سيما في الكيانات التي تقاسمab الذاكرة والمصير المشترك واكتوت بنيران الانقسامات البينية الحزبية والقومية على مدى عقود - إلى ضرورة تفكيك البنى التحتية للتفكير السياسي والأخلاقي السائد. فالتاريخ المعاصر للحركات والقوى السياسية لم يكن سوى مرآة لصدام إرادات تتغذى على وهم احتكار الحقيقة المطلقة، مما أفضى إلى تكريس "عصبيات حزبية" وأيديولوجيات استئصالية تعاملت مع الآخر كخطر وجودي يجب محوه لا كشريك تفاوض يجب الاعتراف به. من هنا، لا يمكن لأي مشروع تسوية سياسية أو مصالحة مجتمعية أن يكتب له النجاح أو الاستمرار ما لم يستند إلى أرضية فلسفية وأخلاقية صلبة تعيد هندسة المفاهيم المؤسسة للرابطة الاجتماعية. إن الانتقال من ثقافة "الإلغاء المتبادل" إلى ثقافة "التفاوض العقلاني" يتطلب أولاً وقبل كل شيء تقويض الجذور الفلسفية للتعصب، وإعادة الاعتبار للإنسان بوصفه كائناً عاقلاً وحراً قادراً على صياغة العقد الاجتماعي من جديد عبر حوار الند للند، بعيداً عن منطق الغلبة والهيمنة والاستقطاب الأعمى.

الجذور الفلسفية للتسامح: من حتمية الاختلاف إلى عقلانية القبول

يمثل الانتقال من حالة "الاختلاف الوجودي" إلى "قبول الآخر عقلانياً" المنعطف الأبستمولوجي والأخلاقي الأهم في تاريخ الفكر السياسي الحديث. فمن الناحية الأنطولوجية، يُعد التنوع البشري والتعدد الفكري والقومي والسياسي حتمية لا رجعة فيها؛ غير أن الإشكالية التاريخية لم تكمن أبداً في أصل الاختلاف ذاته، بل في كيفية مقاربته وتأويله داخل النسق المجتمعي الواحد. لقد تعامل الفكر الاستبدادي والتعصبي دائماً مع هذا التنوع بوصفه "خطيئة" أو انحرافاً ينبغي استئصاله، بينما ينطلق التأسيس الفلسفي للتسامح من إعادة اعتبار جذرية تنظر إلى التعدد بوصفه الشرط الأساسي لحيوية العقل البشري وتطور المجتمعات.

وفي هذا السياق التأسيسي، شكلت أطروحات الفيلسوف الإنجليزي جون لوك (John Locke)، خصوصاً في إسهاماته حول التسامح، ثورة مفاهيمية كبرى نقلت مفهوم التسامح من دائرة "المنة السياسية" أو "الهدنة المؤقتة" التي تمنحها السلطة وفق أهواءها، إلى دائرة الواجب العقلي والحق الإنساني الأصيل. لقد أدرك لوك بعمق استحالة إكراه الضمائر أو فرض القناعات الفكرية والسياسية بالقوة المادية، لأن الإيمان أو الولاء الفكري والسياسي هو فعل باطني وعقلي حر لا يولد في أروقة الإكراه ولا يُستتب بالقمع القانوني أو الأمني. وعند إسقاط هذه المقاربة على واقعنا المجتمعي والسياسي المعاصر -حيث تتصارع الأحزاب والقوى والتيارات ضمن الفضاء القومي والوطني الواحد- فإن أطروحة لوك تقدم لنا مبرراً عقلياً قاطعاً يفيد بأن محاولة إقصاء الآخر أو فرض رؤية حزبية أو قومية أحادية بالقوة هي خرق سافر لطبيعة العقل الإنساني وشرود عن العقلانية السياسية.

غير أن هذا التأسيس الكلاسيكي لجون لوك وجد صداه النقدي والساخر في أطروحات فولتير (Voltaire)، الذي رفع لواء المعركة ضد التعصب الأعمى واحتكار الحقيقة المطلقة. لم يكن دفاع فولتير عن التسامح مجرد تنظير بارد، بل كان صرخة وجودية في وجه العقل المتكلس الذي يحول الخلاف الفكري إلى حرب إلغاء شاملة. يقرر فولتير أن البشر كائنات خطاء بطبيعتها، ولذلك فإن الخطأ الأول للتعصب يكمن في توهم العصمة واحتكار اليقين. وعند تطبيق هذه الرؤية على تاريخنا الحزبي والسياسي الممتد لنحو قرن من الصراعات العبثية، نكتشف أن الآفة الكبرى التي مزقت النسيج الاجتماعي لم تكن سوى استبداد اليقين الحزبي والتعصب الأيديولوجي الذي يرفض مجرد الاعتراف بوجود الآخر، ناهيك عن محاورته.

من هنا، لا يعود التسامح في هذا الفصل مجرد قيمة أخلاقية مسالمة أو ترفاً فكرياً، بل يتحول إلى "عقلانية قبول" صارمة؛ عقلانية تدرك أن بقاء المكونات والأحزاب وتماسك المجتمع الواحد مرهون بالانتقال من منطق "الحرب الاستئصالية" إلى منطق "الاعتراف المتبادل بحق الاختلاف". فالقبول العقلاني للآخر هو التجسيد الحق للوعي التاريخي الناضج الذي يتعلم من جراح الماضي ليصوغ عقداً اجتماعياً جديداً، يصبح فيه الاختلاف الحزبي أو القومي غنىً حضارياً لا مبرراً للتمزق والإبادة المعنوية.

فلسفة الاعتراف عند أكسل هونيث: تجاوز التسامح السلبي إلى العدالة الهوياتية

على الرغم من الأهمية الكبرى للتأسيس الكلاسيكي لمفهوم التسامح عند لوك وفولتير، إلا أن الاكتفاء به في المعالجات السياسية والاجتماعية المعاصرة قد يوقعنا في فخ "التسامح السلبي"؛ وهو تسامح غالباً ما يُمارس بنوع من التعالي أو التحمل القسري، حيث تنظر جهة نافذة أو حزب مهيمن إلى الآخر باعتباره عبئاً يجب تحمله شريطة صمته، لا شريكاً أصيلاً في صياغة المجال العام. ومن هنا تبرز الحاجة الماسة للانتقال إلى مستوى أعمق وأكثر رصانة، وهو ما تقدمه "فلسفة الاعتراف" (The Theory of Recognition) عند الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني أكسل هونيث (Axel Honneth)، أبرز ممثلي الجيل الثالث لمدرسة فرانكفورت النقدية.

ينطلق هونيث من أطروحة مركزية مفادها أن الصراعات المجتمعية والسياسية الكبرى لا تنشأ فراغاً، ولا تفسرها وحدها المصالح الاقتصادية المادية الصرفة، بل تغذيها في عميق جوهرها "معاناة الازدراء" (Pathologies of Recognition)؛ أي ذلك الشعور الدفين والمستميت بأن الهوية، أو الحزب، أو التيار، أو المكون القومي يتعرض لتهميش ممنهج، أو إنكار لمكانته، أو استخفاف بتاريخه ونضالاته. وحين تتعرض جماعة بشرية أو حزب سياسي عريق لتجربة الازدراء أو الإقصاء الاعتباري، فإن ردة فعلها لا تكون مجرد غضب عابر، بل تحولاً نحو صراع وجودي عنيف تدافع فيه عن كرامتها وبقائها المعنوي والمادي.

ولتحليل هذا البعد، يؤسس هونيث نظريته على ثلاثة أبعاد أساسية للاعتراف، تنعكس بوضوح على بنية الصلح والتفاوض داخل المجتمع الواحد:

البعد الأول: الدعم القانوني والمساواة الحقوقية

لا يمكن لأي تسوية داخلية أن تستقيم إذا شعر أي طرف بأنه مواطن أو شريك من الدرجة الثانية. يتطلب الاعتراف القانوني هنا إقراراً دستورياً ومؤسسياً بحقوق جميع الأطراف المتنازعة (سواء كانت أحزاباً سياسية، أو تيارات فكرية، أو مكونات قومية)، بحيث يُنظر إلى الجميع باعتبارهم متساوين أمام القانون وفي الفضاء العام، دون استئثار بالسلطة أو احتكار لشرعية تمثيل الوطن.

البعد الثاني: الاحترام الأخلاقي للذات

يتعلق هذا البعد بالاعتبار المعنوي؛ فلكل جماعة سياسية أو قومية رصيدها النضالي وتاريخها الذي يجب احترامه. إن محاولة تشويه الخصم الحزبي أو التبرير لإلغائه وتخوين رموزه التاريخية هو تدمير مباشر لشروط التفاوض. الاحترام الأخلاقي يلزم الأطراف بالتعامل مع الخصم كذات عاقلة ومسؤولة، لا كعدو وجودي يجب محوه.

البعد الثالث: التضامن الثقافي والسياسي والتقدير الاجتماعي

وهو البعد الأعمق الذي يعالج جذور الأزمة البينية؛ حيث يكتسب الأفراد والجماعات شعوراً حقيقياً بقيمتهم عندما تجد خصوصياتهم الثقافية والفكرية والسياسية تقديراً وإسهاماً فاعلاً في بناء المجتمع. التضامن هنا يعني أن تنوع الأحزاب والتيارات ليس عيباً بنيويّاً، بل هو "رأسمال رمزي" يغني التجربة الديمقراطية المشتركة.

وعند إسقاط نظرية هونيث على واقعنا الحزبي والسياسي، الممتد لعقود من الصراعات والتقاطعات المريرة في العراق وعموم منطقة الشرق الاوسط، يتضح جلياً أن فشل محاولات الصلح السابقة كان ناتجاً عن اختزالها في "تسويات فوقية" هشة وصفقات سياسية تكتيكية، تفتقر إلى العدالة الهوياتية. فحين نستحض الذاكرة السياسية العراقية، وما تلاها من مخاضات وتقاطعات بين القوى الوطنية والقومية والإسلامية، وصولاً إلى تعقيدات المشهد الكردستاني بصراعاته البينية التاريخية وتفاعلاته الإقليمية الممتدة من إشكاليات سلاح حزب العمال الكردستاني وتجربة الحركة في سوريا، وصولاً إلى الفراغ المستدام ومخاطر الانهيار في الإقليم والمنطقة، نرى بوضوح كيف تكلست هذه الأزمات نتيجة غياب الاعتراف المتبادل. إن الصلح الحقيقي والعميق لا يتحقق إلا برد الاعتبار للآخر المغاير، والاعتراف بأن أمن واستقرار المجتمع الواحد لا يقوم على إلغاء الذاكرة أو محو المخالف، بل على بناء منظومة متكاملة من الاعتراف المتبادل، تصبح فيها الاختلافات الحزبية والقومية رافداً للتكامل لا مبرراً للاقتتال والتمزق، لتتحول تلك الجغرافيا الملتهبة من حقل حروب استئصالية إلى فضاء رحب للسلام والعيش المشترك.

3. أخلاقيات الحوار والتواصل عند يورغن هابرماس: أفق التوافق العقلاني إذا كانت الجذور الفلسفية للتسامح قد وضعت الأساس الأخلاقي لتقبل الاختلاف، وفلسفة الاعتراف عند هونيث قد عالجت جروح الكرامة والازدراء الهوياتي، فإن الانتقال من التأملات النظرية إلى الممارسة الفعلية للصلح والتفاوض يتطلب هندسة إجرائية دقيقة للكيفية التي يتواصل بها البشر. وهنا تبرز مساهمة الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس (Jürgen Habermas)، أبرز أعلام مدرسة فرانكفورت المعاصرة، من خلال مشروعه الرائد في "نظرية الفعل التواصلوي" (Theory of Communicative Action) وأخلاقيات المناقشة.

ينطلق هابرماس من نقد جذري للعقلانية الأدواتية أو البراغماتية الضيقة، التي تسيدت التاريخ السياسي والحزبي الحديث، حيث يُنظر إلى الحوار لا باعتباره أداة للفهم، بل كوسيلة للهيمنة والسيطرة وإفحام الخصم. يرى هابرماس أن العقل البشري في جوهره ليس عقلاً أحادياً منغلقاً على ذاته، بل هو "عقل تواصلوي" يتجلى بوضوح عندما يتوجه الأفراد والجماعات نحو التفاهم المتبادل لا نحو فرض الإرادات. وفي بيئة الصراع الداخلي -حيث تتحكم العصبيات الحزبية والذاكرة الجمعية المشحونة بندوب الصراعات الممتدة لعقود- تنغلق الأطراف غالباً داخل "مونولوجات" استئصالية تعطل لغة العقل وتستبدل بها لغة القوة والتعبئة الإعلامية الهادفة إلى الإلغاء.

لتجاوز هذا المأزق، يطرح هابرماس مفهوم "موقف الكلام المثالي" (Ideal Speech Situation)؛ وهو نموذج معياري تخيلي ولكنه ضروري لتنظيم أي عملية صلح أو تفاوض ناجحة. يشترط هذا الموقف توفر شروط تواصلية صارمة تضمن نزع فتيل الهيمنة، وتتمثل في:

- تكافؤ فرص الخطاب: ألا يحتكر طرف سياسي أو حزبي نافذ المنبر لوحده، بل يُمنح الجميع حق الكلام وطرح الرؤى دون وصاية أو استعلاء.

- التحرر من الإكراه: أن تُدار طاولة الصلح بمعزل عن الضغوط المادية، أو التهديدات الأمنية، أو الابتزاز السياسي والإعلامي، بحيث يكون الحاكم الوحيد هو قوة الحجة لا حجة القوة.

- الصدقية وقصدية التفاهم: أن يتجه المتفاوضون إلى طاولة الحوار بنية صادقة للوصول إلى حقيقة مشتركة ومصلحة عليا، لا بهدف تسجيل النقاط أو خداع الخصم.

وعند إسقاط هذه البنية الفلسفية على واقعنا الحزبي والسياسي المعقد - سواء على مستوى القوى الوطنية والداخلية، أو في امتداداتها الإقليمية المأزومة - فإن مقاربة هابرماس تقدم لنا التشخيص والدواء معاً. إن الأزمات المستحكمة والحروب الإعلامية العبثية ما هي إلا نتيجة لانهيار الشروط التواصلية العقلانية. وبناءً عليه، فإن الصلح والتفاوض الحقيقيان لا يتحققان عبر صفقات الغرف المغلقة أو التوازنات الهشة المؤقتة، بل يتطلبان تأسيس فضاء عمومي ديمقراطي حُر، يتحول فيه "صراع الأحزاب والعصبيات" المهدِم إلى "صراع فكري عقلاني" من أجل السلام، تُصاغ فيه الإرادة المشتركة على أساس التراضي، ليغدو الحوار هو الملاذ الأخير لإنقاذ المجتمع من أتون التمزق المستدام.

***

ئاريان علي

المسألة اليهودية في ضوء الدفاتر السوداء

مقدمة: في ذكرى ميلاد مارتن هايدغر (26 سبتمبر 1889)، يعود السؤال مجدداً حول إرثه الفلسفي الأكثر إشكالية، فقلما شغلت قضية فلسفية الرأي العام والأوساط الأكاديمية كما شغلتهما قضية ساحر ميسكيرش كما كان يلقب، فمنذ عام 1945 وصورة الفيلسوف الألماني الأكثر جدلا في القرن العشرين تتأرجح بين قطبين متنافرين: عبقرية فلسفية أعادت تأسيس السؤال عن الوجود بعد أن نسيته الميتافيزيقا الغربية طوال عصورها، ونازية معلنة انخرط فيها هايدغر بإرادته، وتحمس لها، ولم يتراجع عنها قط.

غير أن نشر "الدفاتر السوداء" بين عامي 2014 و2015 نقل النقاش بأسره إلى مستوى جديد كلياً. لم تعد المسألة تتعلق بموقف سياسي، بل بشيء أعمق وأخطر يعكس علاقة بنيوية بين فلسفة الوجود والمسألة اليهودية، صاغها هايدغر بنفسه حين كتب أن "مسألة دور اليهودية العالمية ليست مسألة عرقية، بل هي مسألة ميتافيزيقية"

هذه العبارة وحدها كفيلة بإعادة صياغة السؤال الفلسفي بأكمله. فإذا كانت المسألة اليهودية عند هايدغر ميتافيزيقية وليست عرقية، فهذا يعني أنه لا يمكن عزلها عن نسق تفكيره، بل هي نتاج داخلي لهذا النسق ذاته. والسؤال الذي يفرض نفسه حينئذ هو: هل يمكن للمرء أن يقرأ "الوجود والزمان" ومحاضرات هايدغر عن التقنية والفن والشعر بمعزل عن هذه المعاداة الميتافيزيقية لليهود؟ أم أن الفلسفة الغربية ذاتها، في تراثها الممتد من كانط إلى نيتشه، كانت تحمل في أعماقها استعداداً لصياغة هذا النوع من الإقصاء؟

الواقع انه يمكن مقاربة هذه الإشكالية عبر خمسة محاور أولاً: الانتقال من سيرته إلى الموقف الفلسفي في تفسير نازية هايدغر، ثانياً: تتبع جذور معاداة اليهود في الفلسفة الألمانية الكلاسيكية التي مهدت الطريق لهايدغر، ثالثاً: تحليل البنية الميتافيزيقية الخاصة التي بنى عليها هايدغر تصوره لليهودي، رابعاً: مواجهة النص الأكثر إشكالية في هذا الملف كله، وهو تفسيره للمحرقة بوصفها "إبادة ذاتية": وخامساً: استعراض القراءات النقدية المضادة التي حاول من خلالها فلاسفة يهود، من ليفيناس إلى دريدا، أن يقيموا حواراً نقدياً مع هذا الإرث الثقيل.

من السيرة إلى الارتباط الفلسفي

منذ وفاة هايدغر عام 1976، سادت رواية رسمية لعلاقته بالنازية تلخّصها عبارة "الفاصل السياسي، وبحسب هذه الرواية، انساق هايدغر وراء حماسة عابرة حين تولى رئاسة جامعة فرايبورغ في أفريل 1933، وسجل نفسه عضواً في الحزب النازي في الأول من شهر ماي من العام نفسه، لكنه سرعان ما اصطدم بواقع النظام، فاستقال من رئاسته في افريل 1934، وانسحب إلى عزلته الفلسفية في تودتناوبرغ.

هذه الرواية، التي روّج لها هايدغر نفسه في اعترافاته المتأخرة وفي مقابلته الشهيرة مع مجلة دير شبيغل (التي لم تُنشر إلا بعد وفاته وفقاً لشرطه)، تركت أسئلة كثيرة معلّقة: لماذا ظلّ هايدغر عضواً في الحزب النازي حتى سقوط الرايخ عام 1945؟ لماذا لم يُدِن التزامه هذا قط، ولو مرة واحدة، بعد الحرب؟ ولماذا التزم ذلك الصمت العنيد حيال ما يسمى المحرقة طوال حياته؟

الدفاتر السوداء تجيب عن هذه الأسئلة بطريقة تهدم الرواية الرسمية من أساسها. فهي تكشف عن ان معادته لليهود مستمرة ومتصاعدة تمتد من عام 1931 إلى عام 1948، أي إنها تسبق تولي هايدغر رئاسة الجامعة وتلي سقوط النازية بثلاث سنوات كاملة. وهذا يعني أن الأمر لا يتعلق بحادثة عابرة محصورة في فترة زمنية محدودة يمكن "وضعها بين قوسين" كما فعل كثير من المفسرين، بل بموقف بنيوي راسخ يتخلل نسيج تفكيره الفلسفي بأكمله. كما تكتب دوناتيلا دي تشيزاري في كتابها المرجعي عن هذه القضية: "لم تكن معاداة السامية 'إضافة' أيديولوجية، بل كانت حجر الزاوية للاشتراكية الوطنية" في تفكير هايدغر، وهذا "يدحض أيضاً الفكرة التي يتبناها الكثيرون بأن معاداة هايدغر للسامية كانت بعيدة كل البعد عن معاداة كارل شميت أو إرنست يونغر".

والأهم من ذلك أن الدفاتر السوداء تُظهر أن هايدغر لم يكن يتحدث عن "اليهود" بوصفهم جماعة عرقية أو دينية بالمعنى الشائع، بل كان يفكر فيهم بوصفهم مقولة فلسفية داخل نسقه الخاص عن "تاريخ الوجود هذا الانتقال من التصنيف العرقي إلى التصنيف الميتافيزيقي هو ما يجعل موقف هايدغر أشد خطورة، لا أقل، من معاداة السامية النازية "المبتذلة" القائمة على نظريات الأجناس. فحين يصرّح هايدغر بأن "المسألة اليهودية ليست عرقية بل ميتافيزيقية"، فإنه بذلك يمنح كراهية اليهود شرعية فلسفية لم تكن لتحظى بها لو ظلّت حبيسة الخطاب العرقي الذي كان يهيمن على الدعاية النازية الرسمية.

جذور معاداة السامية في الفلسفة الألمانية الكلاسيكية

لفهم كيف أمكن لهايدغر أن يصوغ هذا النوع من معاداة اليهود "الميتافيزيقية"، لا بد من الرجوع إلى تراث طويل من الفلسفة الألمانية الكلاسيكية التي مهّدت الطريق لهذا التصور، بدءاً من الإصلاح البروتستانتي وانتهاءً بنيتشه.

يمثّل مارتن لوثر نقطة الانطلاق التاريخية. فرغم أن أوغسطينوس كان قد أرسى تقليداً مسيحياً معادياً لليهودية يقوم على فكرة أن اليهود "شهود" على حقيقة المسيحية يجب الحفاظ عليهم حتى نهاية الزمان، فإن لوثر قلب هذا الموقف رأساً على عقب في كتابه الشهير "عن اليهود وأكاذيبهم" (1543)، حيث ألغى أي أمل في خلاص اليهود، ودعا صراحة إلى حرق معابدهم ومصادرة ممتلكاتهم وإسكاتهم إلى الأبد. والأخطر من ذلك أن لوثر ربط بين "كذب" اليهود وطريقتهم في تفسير النصوص المقدسة، فحوّل التهمة من مجرد كراهية دينية إلى اتهام بنيوي بالتزوير والخداع، وهو الاتهام ذاته الذي سيتردد صداه عند كانط ونيتشه وهتلر لاحقاً.

وفي كتاب "الدين ضمن حدود العقل المحض"، ينفي كانط عن اليهودية صفة "الدين" أصلاً، معتبراً إياها مجرد تنظيم سياسي محض قائم على قوانين خارجية لا صلة لها بالأخلاق الداخلية المستقلة التي يتأسس عليها العقل العملي. وفي "الأنثروبولوجيا من منظور براغماتي"، يذهب كانط إلى وصف اليهود بأنهم "أمة من الغشاشين"، معلناً في "صراع القدرات" ضرورة "القتل الرحيم لليهودية، أي ذوبانها الكامل في المسيحية الأخلاقية العقلانية.

ويطور هيجل هذا الإقصاء باتجاه أشد جذرية. ففي "روح المسيحية ومصيرها"، يصف هيجل اليهود بأنهم شعب "بلا ملكية"، لأن الشريعة الموسوية، بحسب تأويله، لا تمنحهم حق التملك الفعلي بل مجرد "استعارة" مؤقتة من الله. ومن هذا الحرمان الميتافيزيقي من الملكية، يستنتج هيجل حرمانهم من الحقوق المدنية: "كمواطنين لم يكونوا شيئاً" وقد علّق جاك دريدا على هذه العبارة قائلاً إنها تعني أنه "لا وجود لكائن يهودي في حد ذاته" بالمعنى الفلسفي الهيجلي. أما في "فينومينولوجيا الروح"، فيصف هيجل اليهودي بأنه "الوعي الشقي" الجامد على عتبة الخلاص، رافضاً الرفع الجدلي الذي يفتح الطريق أمام تحقق الروح المطلقة.

في نفس الاتجاه يمثل نيتشه حالة أكثر تعقيداً والتباساً؛ فهو من جهة يهاجم معادي السامية بعنف "أريد أن أقتل كل معادي السامية"، كما كتب في إحدى رسائله الأخيرة، ومن جهة أخرى يحمّل "اليهودية الكهنوتية" مسؤولية "ثورة العبيد في الأخلاق"، أي ذلك الانقلاب التاريخي الذي أحلّ قيم الضعف والاستياء محل القيم النبيلة الأرستقراطية. بحسب نيتشه، فإن اليهودية هي التي "زوّرت" الطبيعة، ثم صدّرت هذا التزوير إلى العالم عبر المسيحية، التي وصفها بأنها "يهودية للجماهير". هذا المفهوم عن "التزوير" سينتقل مباشرة إلى الخطاب النازي، ومنه إلى فلسفة هايدغر ذاتها حين يتحدث عن "الأكاذيب" اليهودية التي تحجب الوجود.

هذا الخط المتصل - من لوثر إلى كانط فهيجل فنيتشه - يكشف أن هايدغر لم يخترع معاداة السامية الفلسفية من العدم، بل ورث تقليداً ألمانياً عريقاً حوّل اليهودي، عبر قرون من التنظير، من "الآخر الديني" إلى "الآخر الأخلاقي" فـ"الآخر السياسي" فـ"الآخر الميتافيزيقي". وما فعله هايدغر هو أنه استكمل هذا المسار عبر ربط اليهودي بمفهومه الخاص عن "تاريخ الوجود"، فمنحه بذلك أعمق وأخطر تسويغ فلسفي عرفته معاداة السامية الحديثة.

البنية الميتافيزيقية لتصور هايدغر عن اليهودي

يقوم النسق الفلسفي الذي يبني عليه هايدغر تصوره عن اليهودي على ثلاثة مفاهيم مركزية متشابكة: انعدام الجذور، والمكائد أو التقنية، ونسيان الوجود.

وهنا يقيم هايدغر تعارضاً حاداً بين "التجذر " وهو حالة الشعب الذي يستمد أصالته من ارتباطه العضوي بالأرض واللغة والتربة، وبين "انعدام الجذور" الذي ينسبه لليهودي. فاليهودي، بوصفه شعباً بلا أرض ثابتة، محكوم عليه بحياة التيه والتشتت، وهو بذلك عاجز - بنيوياً لا عرضياً - عن بلوغ تلك "الأصالة" التي يشترطها هايدغر للوجود الحقيقي. هذا التصور مستمد جزئياً من فيرنر سومبارت، الذي قابل في كتابه "اليهود والرأسمالية الحديثة" بين "الغابة" الألمانية الرمزية للتجذر والانتماء، و"الصحراء" التي يُفترض أنها تشكّل الأفق الروحي لليهودية المرتحلة. غير أن هايدغر يرفع هذا التقابل الأنثروبولوجي-الاقتصادي إلى مستوى وجودي-تاريخي، فمن لا أرض له لا يمكنه أن "يسكن" الوجود بالمعنى الذي يقصده هايدغر حين يتحدث عن "السكنى الشعرية" للإنسان على الأرض.

لا حقا يطور هايدغر في الدفاتر السوداء مفهوم "الماكينشافت"، أي تلك القوة التي تخضع الكائنات لمنطق الحساب والاستغلال والهيمنة التقنية، والتي يعتبرها النتيجة القصوى لتاريخ الميتافيزيقا الغربي بأسره. والمفارقة الخطيرة هنا أن هايدغر يربط هذه القوة التقنية المدمرة تحديدا باليهودية، فيصفها بأنها "القوة اليهودية" التي، لكونها مجردة من الجذور والعمق، تنتشر أفقياً على سطح الكوكب، ناسجة علاقات المصلحة والحساب والتبادل بلا أي التزام تجاه الأرض أو التاريخ أو الوجود. وهكذا تتحول اليهودية، في هذا النسق، إلى الاسم الفلسفي لتلك القوة العدمية التي تُفرغ الوجود من معناه وتختزله في مجرد "مخزون احتياطي" قابل للاستغلال، وهو بالضبط المفهوم الذي سيستخدمه هايدغر لاحقاً، وبشكل صادم، لوصف ضحايا معسكرات الإبادة أنفسهم.

أما المفهوم الأخطر فهو ربط اليهودي بـ"نسيان الوجود"، وهو المفهوم المحوري في كل فلسفة هايدغر، والذي يصف به تاريخ الميتافيزيقا الغربية بأسره منذ أفلاطون، حين اختُزل الوجود إلى مجرد كائن من بين الكائنات وأُهملت مسألة الوجود بما هو وجود. في الدفاتر السوداء، لا يعود هايدغر يصف اليهودي بوصفه ضحية أو نتاجاً لهذا النسيان، بل يحمّله مسؤوليته المباشرة: فاليهودي هو من يقف حائلاً دون وصول "الشعب الألماني" - الذي يعتبره هايدغر الوريث الوحيد للبداية اليونانية والمهيّأ الوحيد لـ"البداية الأخرى" إلى استعادة السؤال عن الوجود. بهذا المعنى، لا يعود اليهودي مجرد أقلية دينية أو عرقية يمكن التسامح معها أو إقصاؤها سياسياً، بل يصبح "العدو الميتافيزيقي بامتياز، الكيان الذي يجسّد في ذاته نقيض كل ما يسعى إليه تاريخ الوجود من أصالة وبداية جديدة.

هذا التماسك البنيوي بين المفاهيم الثلاثة هو ما يجعل معاداة السامية عند هايدغر، كما تصفها دي تشيزاري "معاداة سامية ميتافيزيقية": فهي ليست موقفاً سياسياً عابراً يمكن فصله عن باقي فلسفته، بل هي نتيجة منطقية لتطبيق أدواته الفلسفية ذاتها (الأصالة، التجذر، تاريخ الوجود، نقد الميتافيزيقا) على "المسألة اليهودية".

مواجهة النص الأكثر إشكالية

إذا كان ما سبق يكفي وحده لإثارة أزمة فلسفية عميقة، فإن النص الذي يستحق أقصى درجات الجدية والحذر التأويلي هو ذلك المقطع من الدفاتر السوداء الذي كتبه هايدغر أثناء سنوات المحرقة ذاتها (بين 1939 و1941)، حيث يفسّر إبادة اليهود على أنها ما يسمّيه بـ"الإبادة الذاتية" الميتافيزيقية: أي أن اليهود، بوصفهم عملاء التقنية والميتافيزيقا، هم من "يبيدون أنفسهم" حين تبلغ سيطرتهم على العالم ذروتها التي تستدعي انقلابها الذاتي.

هذا التفسير، الذي كتبه هايدغر هو إعادة تأطير فلسفي للمحرقة، يُحمّل فيه اليهود مسؤولية إبادتهم، ويحوّل ما قامت به النازية إلى مجرد "لحظة" حتمية في تاريخ الوجود لا يتحمل الجاني فيها أي مسؤولية أخلاقية أو سياسية. وهذا ما يفسر أيضاً ما كان يُعتقد سابقاً أنه "صمت هايدغر" المطبق حيال المحرقة بعد الحرب - فهو لم يكن صمتاً فارغاً، بل تعبيراً عن موقف مكتوب ومتماسك، لم ير هايدغر يوماً حاجة للتراجع عنه.

وتزداد خطورة هذا الموقف حين نضعه إلى جانب رسالة هايدغر الشهيرة إلى تلميذه السابق هربرت ماركوزه Herbert Marcuse عام 1948، حين طالبه ماركوزه، وقد كان يهودياً مهاجراً، بالاعتراف العلني بجريمة إبادة اليهود. فأجاب هايدغر بأنه لو استبدل كلمة "اليهود" بكلمة "الألمان الشرقيين" (في إشارة إلى المرحّلين الألمان من أراضي أوروبا الشرقية بعد الحرب) لصح الكلام "بنفس القدر" على تصرفات الحلفاء.

القراءات النقدية المضادة

في مواجهة هذا الإرث الثقيل، نشأ تقليد فلسفي يهودي حاول أن يفكّك أدوات هايدغر ذاتها لينتج منها نقيضها. لا يسع هذا المقال إلا أن يستعرض أبرز هذه المحاولات بإيجاز:

إيمانويل ليفيناس، الذي كان تلميذاً لهايدغر قبل الحرب، أعاد صياغة السؤال الفلسفي كله بقلبه رأساً على عقب: فبدلاً من أن ينطلق التفكير من "الوجود" كأفق أول، اقترح ليفيناس أن الأخلاق، أي مواجهة "وجه الآخر" ومسؤوليتنا تجاهه - هي "الفلسفة الأولى" التي تسبق الأنطولوجيا. عبارته الشهيرة "وجود مختلف عن الوجود" هي رد مباشر وعميق على مركزية الوجود الهايدغرية التي أفضت، في نهاية المطاف، إلى إقصاء اليهودي بوصفه غريباً عن "تاريخ الوجود".

كما نجد جاك دريدا، من جهته، طوّر مفهوم "اليهودية" بوصفها استحالة بنيوية لتحقيق الهوية الذاتية الكاملة، وهو بذلك يقلب الاتهام الهيجلي-الهايدغري (اليهودي "بلا شيء"، "بلا جذور") ليجعل من هذا "النقص" ذاته شرطاً للانفتاح على الآخر وعلى العدالة، بدلاً من أن يكون علة للإقصاء.

هانس يوناس، تلميذ هايدغر الآخر الذي قاتل في الجيش البريطاني ضد ألمانيا النازية، وصف الحرب بأنها "حرب يهودية" بالمعنى الوجودي، إذ لم يكن اليهود فيها مهدَّدين في جزء من وجودهم كباقي الشعوب، بل في وجودهم بالمطلق - وهو ما ميّز، في نظره، خصوصية المحرقة عن أي إبادة جماعية أخرى، خلافاً لتسوية هايدغر المذكورة أعلاه.

هذه القراءات النقدية لا تكتفي بإدانة هايدغر أخلاقياً من الخارج، بل تحاول أن تبني من داخل الحوار الفلسفي معه وضده أنطولوجيا بديلة لا تقصي "الآخر" اليهودي بل تجعل من مواجهته أساساً للفلسفة ذاتها.

خاتمة

يبقى السؤال الذي طرحناه في المقدمة معلّقاً بلا حسم نهائي، هل تُسقط معاداة السامية الميتافيزيقية مشروع هايدغر الفلسفي بأكمله؟ ثمة من يذهب إلى القول - كما فعل إيمانويل فاي - بضرورة إخراج هايدغر من قاعة الفلسفة كلياً، بوصفه "مدخلاً للنازية إلى الفلسفة" لا أكثر. وثمة من يحاول، على النقيض، عزل "الوجود والزمان" (1927) عن الدفاتر السوداء اللاحقة، معتبراً أن هذا العمل المبكر لا يزال يحتفظ بقيمته الفلسفية المستقلة عن انحرافات صاحبه اللاحقة.

غير أن ما تكشفه الدفاتر السوداء يجعل هذا الفصل الأنيق أمراً بالغ الصعوبة، فإذا كانت المفاهيم المركزية في فلسفة هايدغر - الأصالة، التجذر، الوجود-من-أجل-الموت، تاريخ الوجود، نقد التقنية - هي ذاتها الأدوات التي استخدمها لبناء تصوره الإقصائي لليهودي، فإن أي قراءة "بريئة" لهذه المفاهيم تصبح مشكوكاً فيها سلفاً. لعل الموقف الأكثر نزاهة فلسفياً هو ذلك الذي تقترحه دي تشيزاري نفسها حين تصر على "قراءة نقدية" تأخذ كلا الجانبين على محمل الجد، الاعتراف بعمق الأسئلة الهايدغرية عن الوجود والتقنية والزمن من جهة، والمواجهة الصريحة غير المتهاونة مع الجذور الفلسفية العميقة لمعاداة السامية عنده من جهة أخرى، دون السماح لأي منهما بأن يبرر الآخر أو يمحوه.

***

عمرون علي – الجزائر

........................

هوامش

1. نُشرت الدفاتر السوداء ضمن الأعمال الكاملة لهايدغر في المجلدات 94 إلى 97، بإشراف بيتر تراوني (Peter Trawny)، عن دار Klostermann، فرانكفورت، ابتداءً من 2014.

2. حوار دير شبيغل أُجري مع هايدغر عام 1966 بعنوان "لم يعد بمقدور إلا إله أن يُنقذنا"، ولم يُنشر إلا في 31 مايو 1976، أي بعد وفاة هايدغر بأيام، تنفيذاً لشرطه.

3. مارتن لوثر، عن اليهود وأكاذيبهم،1543.

4. عمانويل كانط، الدين في حدود العقل وحده، 1793.

5. ج. و. ف. هيغل، روح المسيحية ومصيرها، كتابة 1798–1800، نُشر لاحقاً بعد وفاته.

6. فيرنر سومبارت، اليهود والرأسمالية الحديثة، 1911.

7. إيمانويل ليفيناس، الوجود بخلاف الماهية أو ما وراء الجوهر 1974.

8. رسالة هايدغر إلى هربرت ماركوزه، 20 يناير 1948، منشورة ضمن مراسلاتهما المتبادلة (1947–1948)، وترد ترجمتها الإنجليزية في عدة دراسات نقدية عن العلاقة بين هايدغر والمدرسة النقدية.

مدخل: ليس الأدب مجرد زينةٍ للفكر، ولا هو ملحقٌ لطيفٌ يجاوره من بعيد، بل هو المجال الذي يختبر فيه الفيلسوف حدود يقينه، عندما يدخل الفكر إلى الأدب، لا يدخل إلى فضاءٍ مريح، بل إلى منطقةٍ تكشف أن الحقيقة لا تُعطى في صورة واحدة، وأن الإنسان أعقد من أن يُختزل في تعريف، وأن اللغة نفسها ليست أداةً شفافة بقدر ما هي كائنٌ حيّ، مراوغ، ومفتوح على أكثر من معنى..

 لهذا ظلّ الأدب بالنسبة إلى الفلسفة سؤالًا لا ينتهي، هل يكشف عن العالم أم يربكنا فيه؟ هل يضيء الوجود أم يضاعف غموضه؟ وهل الفلسفة، حين تقرأ الأدب، تفسّر نصًا فقط، أم تكتشف في النص ما يعجز خطابها عن قوله؟ من هنا تبدأ المغامرة الفكرية الحقيقية، عندما يدرك الفيلسوف أن الأدب لا يجمّل الحقيقة، بل يعرّيها، ولا يقدّمها مطمئنة، بل يضعها في حالتها الأكثر حيوية وقلقًا وانفتاحًا على التأويل.

فمنذ أفلاطون، ارتبط الأدب بسؤال الحقيقة والتمثيل، وكأن الفلسفة كانت تختبره بقدر ما كانت تخشاه، ثم جاء أرسطو ليحوّل هذا التوتر إلى فهمٍ أعمق لطبيعة العمل الأدبي، بوصفه بناءً يشتغل على الفعل والاحتمال والانفعال لا على النقل الحرفي للواقع. ومع نيتشه صار الأدب أقرب إلى قلب الفلسفة من هامشها؛ إذ كشف أن اللغة ذاتها ليست وعاءً شفافًا، بل قوةً خالقة للمنظور، وأن الحقيقة لا تُمنح دفعة واحدة، بل تُصاغ في أساليب القول. بينما هايدغر فقد رفع الشعر إلى مقام الانكشاف، كأن الوجود لا يُفهم كاملًا إلا حين يصغي الفكر إلى ما تقوله القصيدة..

بينما دريدا يؤكد أن النصوص الفلسفية والأدبية معًا لا تقيم خارج البلاغة، وأن كل قراءة هي دخول في شبكة من الأثر والاختلاف والتأجيل.

 الفيلسوف لا يفكر في الأدب بوصفه ترفًا جماليًا أو ملحقًا ثانويًا للمعرفة، بل بوصفه إحدى الصيغ التي يتشكل فيها فهم الإنسان لذاته وعالمه.. فالأدب ليس مجرد كلام جميل، وإنما طريقة في إظهار التجربة وهي تتكثف في لغة، وتتحول إلى صورة، وتكتسب معنى يتجاوز العبارة المباشرة، حتى صارت العلاقة بين الفلسفة والأدب علاقة قديمة ومتوترة في آن، توترٌ بدأ مع أفلاطون، ومرّ بأرسطو، واشتد مع نيتشه، ثم صار أكثر عمقًا مع هايدغر ودريدا..

الأسئلة الخمسة

لعل أول ما يشغل الفيلسوف في الأدب هو سؤال الحقيقة، فالأدب، منذ البدايات، وُضع في مواجهة الحقيقة أحيانًا، أو على الأقل في مواجهة تعريفها الضيق، عندك أفلاطون الذي رأى في الشعر محاكاةً قد تُبعد النفس عن الأصل، لكنه في الوقت نفسه لم يستطع أن يستغني عن الأسطورة والحوار والمشهد، لأن الفلسفة نفسها احتاجت إلى شكل سردي لكي تقول ما تريد قوله.. في حين أرسطو، فقد حرّر الأدب من موضع التهمة، حين فهمه باعتباره فعلًا له منطق داخلي، لا مجرد نسخ للواقع.

فمنذ ذلك الحين صار الأدب يُنظر إليه لا باعتباره نقيض الحقيقة، بل باعتباره أحد طرق بلوغها، خاصة حين تتعلق الحقيقة بالتجربة الإنسانية لا بالصيغة المنطقية المجردة.

ثم يأتي سؤال اللغة، فالفيلسوف لا يرى في اللغة وعاءًا محايدًا، بل قوةً تصنع المعنى وتشكله، إذ الأدب يفضح هذه الحقيقة بوضوح، لأنه يكشف أن الكلمات ليست مجرد أدوات تسمية، بل حقول توتر وإيحاء وانزياح.. هنا يلتقي التفكير الفلسفي الحديث مع الأدب لدى نيتشه الذي هاجم وهم الشفافية اللغوية، ثم عند هايدغر الذي رأى أن اللغة ليست أداة خارجية بل موطنًا للوجود، وكذا دريدا الذي أظهر أن كل نص يحمل داخله أثرًا من البلاغة والاختلاف والتأجيل. الأدب، بهذا المعنى، لا يعلّم الفيلسوف كيف يكتب فحسب، بل يعلّمه أن المعنى نفسه لا يستقرّ في صياغة واحدة نهائية..

ولدينا كذلك سؤال الخيال، وهو من أهم ما يلتفت إليه الفيلسوف في الأدب، حيث الخيال ليس هروبًا من الواقع، بل وسيلة لإعادة تنظيمه وفهم إمكاناته، كون الأدب يشتغل على ما يمكن أن يكون، لا على ما كان فقط، ولذلك فهو يفتح أفقًا للمعنى لا توفره المعرفة التجريبية وحدها، ضمن هذا السياق يكتسب السرد قيمة فلسفية، لأنه لا يصف الحدث بوصفه واقعة فقط، بل يعيد تشكيله في صورة يمكن للوعي أن يفهمها.. لذلك درست الفلسفة الحديثة الخيال لا كملكة ثانوية، بل كعنصر أساسي في المعرفة والتأويل وبناء التجربة..

وأعمق من ذلك كله هو سؤال الزمن، فالأدب يفكر في الزمن بطريقة لا تشبه العلم أو التاريخ أو الفلسفة المجردة، كونه يجعل الزمن محسوسًا: زمن الانتظار، والذكرى، والانقطاع، والتكرار، والندم، والتحول، في الرواية والاعتراف واليوميات، لا يكون الزمن خطًا فقط، بل تجربة معيشة تُعاد صياغتها في السرد، لهذا أضحى السرد، في كثير من الدراسات الفلسفية، وسيلةً لفهم الزمن الإنساني نفسه، لأن الإنسان لا يعيش الزمن كتعاقب مجرد، بل كخبرة تُنظَّم داخل قصة عن الذات والعالم..

ثم نصل إلى سؤال الذات، فالأدب من أقدر الأشكال على كشف تشظّي الأنا، وتبدلها، وتكوّنها عبر التجربة، لأن الفيلسوف يهتم بالذات بوصفها موضوعًا للإدراك، لكن الأدب يُريه الذات بوصفها كائنًا يتشكل في الحركة، والذاكرة، والعلاقة، والصراع الداخلي.. مما جعل الرواية، على وجه الخصوص، مختبرًا فلسفيًا ممتازًا، لأنها تُظهر الذات وهي تصنع نفسها عبر الحكاية، وقد اتسع هذا المنظور مع فلسفات الهوية السردية التي ترى أن الإنسان لا يكتشف نفسه إلا من خلال القصة التي يرويها عن حياته أو تُروى عنه..

بهذه الطبقات الخمس، يتحدد تفكير الفيلسوف في الأدب: فهو يسأل كيف يكشف النص عن الحقيقة، وكيف تعمل اللغة، وكيف يشتغل الخيال، وكيف يُعاش الزمن، وكيف تتشكل الذات، لكن هذه الأسئلة كلها تفضي في النهاية إلى نقطة مركزية واحدة، الأدب ليس مجرد موضوع للتأمل الفلسفي، بل شكل من أشكال التفكير ذاته، كونه يضع المعنى في حركة، ويجعل الوعي يختبر حدوده، ويمنح الحقيقة بعدًا إنسانيًا محسوسًا لا يتحقق في الجملة النظرية وحدها..

إذا أردنا أن نرى هذه الأسئلة الخمسة متجسدة في تراث ذي نفس فلسفي، وجدنا أنها تظهر منذ النصوص القديمة في صور مختلفة: عند أفلاطون في الحوار الذي يحوّل الفكرة إلى مشهد؛ وعند أرسطو في تحليل التراجيديا بوصفها فهمًا للفعل الإنساني؛ وعند أوغسطين في الاعترافات حيث تتحول الذات إلى سؤال عن الزمن والذاكرة والخطيئة؛ وعند ابن طفيل في حي بن يقظان حيث تتداخل الحكاية مع المعرفة والتأمل في نشأة الوعي؛ وعند المعري في شعره الذي يجعل الشكّ وجودًا لغويًا؛ وعند المتصوفة، من ابن عربي إلى جلال الدين الرومي، حيث يصبح الرمز والخيال لغةً للبحث عن المطلق، وفي العصر الحديث تتجدد الأسئلة نفسها مع كافكا وبورخيس وكالفينو وكامو، ثم في الكتابات التي جعلت السرد مختبرًا للهوية والعبث والمعنى، حتى صرنا أمام تراثٍ متصل يثبت أن الأدب لم يكن يومًا بعيدًا عن الفلسفة، بل كان في كثير من الأحيان الطريق الأكثر حساسية لقول ما تعجز المصطلحات عن احتوائه.

بالتالي، من هذه الزاوية، لا يعود السؤال الأساسي في المقال مجرد: كيف يفكر الفيلسوف في الأدب؟ بل: كيف يظل الأدب، عبر العصور، الشكل الذي يذكّر الفلسفة بأن الحقيقة لا تُرى من جهة واحدة، وأن الإنسان لا يُفهم إلا وهو يُروى؟ وهذا ما سنسلط الضوء عليه في المقالة القادمة- بإذن الله تعالى- عبر سؤال أكثر تركيزا: كيف يفكر الفيلسوف داخل الرواية؟

(يتبع)

***

مراد غريبي

 

في العصر الذي تمضي فيه مشاريع الذكاء الاصطناعي في انتاج آلة تفوق قابلية الإنسان من حيث قدرات حفظ البيانات والمعلومات وسرعة وسهولة استحضارها، والقدرة على حل المعادلات الصعبة والعمليات الحسابية المعقدة، فإن ابلغ درس في الوعي يمكن ان يقدّمه المثقف والباحث الاكاديمي هو ان يفكر باستمرار في حث الفرد والمجتمع على الإبداع من خلال إثارة ملكة الإنسانية. فبالإنسانية يدرك مستخدم التقنية الذكية، المعنى الحقيقي لحريته وبإدراكه لهذا المعنى الحقيقي سيدرك معنى المسؤولية الاخلاقية والادبية والعلمية، وبهذا الإدراك سيتمكن من تحرير نفسه وتحرير مجتمعه وتحرير عالمه من التفاهة التي قد تتسرب اليه من بعض التطبيقات الالكترونية، التي تخاطب فيه المتعة والراحة واللذة، هذه الصفات التي تطرب لها النفس البشرية، فمثلما يشكل التكوين البيولوجي للجسم محورا للتوجهات الجاذبة للـ (ميديا)، فعلى الباحث الأكاديمي الذي يتحرك في بحثه من منطلق الحس الثقافي الانساني المسؤول أن يفتش عن السبل التي يمكنه من خلالها إعادة هيكلة التكوين الانساني في ضوء الاهتمام البيولوجي الطبيعي. لقد اصبح مستخدم التقنية الذكية يعلم كيف يدار العالم وكيف تسير الامور من حوله، لكنه قد لا يعلم كيف يحافظ على انسانيته في هكذا مناخ يفرض نفسه عالمياً، لذا بدا لنا ان البحث في ايجاد علاقة ثقافية بين الفلسفة والتكنلوجيا والانثروبولوجيا والتاريخ، يمكنها ان تسهم في احداث توازن في جوانب شخصية الفرد النفسية والعقلية والسلوكية والاخلاقية والعاطفية، لاعتقادنا ان حالة التوازن هذه سيرافقها حالة مصالحة مع النفس وهي غاية ما يحتاجه كثير من مستخدمي التقنية اليوم لكي لا يصبحوا مجرد مستهلكين لمنتجات شركات التقنية الرقمية، الأمر الذي يحوّلهم بالتدريج الى مستهلكين (بفتح اللام). انه امر ممكن التحقيق لأن بنية الناس الطبيعية لا تزال محتفظة بالانسانية وهي مادة خام اساسية ومعدن مقاوم للتلف اذا وجد من يعتني به.

الفلسفة

من تعريفات الفلسفة المعاصرة التي اراها قريبة جداً من لغة العصر وروحه، ما تناوله الدكتور حسام الدين الآلوسي في كتابه (دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي) حيث يقول (تعني الفلسفة، حسب اشمل تعريف لها واكثره قبولاً عندنا: انها نظرة الى العالم، وشكل من اشكال معرفة الواقع، الذي هو الإنسان والمجتمع والطبيعة، وهي موقف يعكس الوعي الاجتماعي الى جانب الاشكال الأخرى التي يتمظهر فيها هذا الوعي الإجتماعي، وباعتبارها موقفاً إجتماعياً فهي ذات بعد ايديولوجي يعبر عن المصالح المادية للطبقات المختلفة. وللتبسيط نقول ان الفلسفة موقف، سواء كان ها الموقف عن إدراك ووعي او لم يكن، فموقف الإنسان الأول الذي يقدم القرابين للآلهة ويعتقد بوجود ارواح معينة، وحياة اخرى، هو موقف فلسفي بها المعنى او ذاك، وكذلك موقف المؤمن العادي الذي لم يتجاوز مرحلة "التقليي" في اعتقاداته خالية من البراهين والأدلة العقلية، هو موقف فلسفي بها المعنى او ذاك... على ان للفلسفة معنى أدق وهو انها التفكير الحر المنظم والمتناسق والواعي..) (1)

وفي كتابه (الفلسفة والانسان) يقول الدكتور الآلوسي (ان الفلسفة موجودة في أي مجتمع في الأقل منذ بضعة آلاف من السنين، موجودة في الفرد بأي درجة من الوعي أو عدم الوعي، وموجودة في المجتمع بشكلين بشكل وعي منظم وبشكل شعبي اعتيادي يفصح عنه مجموع ما تواضع عليه المجتمع او فئات منه، وفي التقاليد ومختلف اشكال الشعور والتفكير والعمل لدى الجماعة...) (2)

 ما حاجتنا الى الفلسفة في عصر التقنية الذكية؟

من خلال التعريف السهل المبسط الذي قدّمه الدكتور حسام الدين الآلوسي للفلسفة، وفي ضوء الواقع الحياتي الذي نعيشه اليوم في ظل التطور العلمي والتقني المتسارع، حيث عصر التقنية الرقمية، والشاشات الملونة، ومشاريع الذكاء الإصطناعي، ومستقبل التطبيقات الذكية، التي باتت بشكل او بآخر ضرورة حياتية ملحة، لا غنى لديمومة الحياة عن استخدامها.

وحيث يذهب المشتغلون في مشاريع الذكاء الاصطناعي الى ان العمل جار على تطوير هذه التطبيقات الذكية، كي تخاطب حاجات النفس البشرية وميولها عند مستخدميها، بحيث يجد المستخدم اجابات سريعة ومفصلة لكل اسئلته التي سيوجهها للذكاء الاصطناعي في كل مجالات حياته وشؤونه الخاصة.

نعتقد ان هذا الجانب الإيجابي من التطور العلمي التقني، يمكنه ان ينطوي على خطر يكمن في اعتياد مستخدم التطبيقات الذكية على ادمان حضورها المتواصل في حياته الى الحد الي لا يجد معه ضرورة او حاجة الى ان يفكر فيما حوله وفي شؤون حياته، ما دامت تطبيقات الذكاء الاصطناعي مستعدة لتقديم الحلول المقبولة. ونشير هنا الى ان الذكاء الاصطناعي يقدم حلولاً مقبولة، وهذا لا يعني بالضرورة انها حلول منطقية، او انها حلول لا تتقاطع مع منظومة القيم والاخلاق والدين. لذا نعتقد ان ثمة خطر يمكنه ان يهدّد سلامة استمرار واستقرار الحياة الانسانية، وقد يشكل هذا الخطر تهديداً حقيقياً لمنظومة القيم الحضارية للانسانية، من شأن هذا الخطر ان يطال الإبداع كميزة انسانية بحتة، بتهديده بالتحول الى تقليد وتطبيق اجتماعي تقترحه وتقرره التقنية الرقيمة الذكية لمستخدمها، فإذا تعطل أو أهمل الجانب الإبداعي في الانسان، اصبح الانسان كتلة بشرية، هو اقرب الى الآلة الذكية منه الى الإنسان الحي المبدع المفكر. واذا اصبح الانسان كتلة بشرية، تحوّل المجتمع الى تجمعات بشرية فاقدة للانسانية او تفتقر اليها، عندها تستحيل الحياة الى روتين لا بد منه، والاستمرار في هذه الحياة يصبح مرهوناً بدرجة تفاعل تلك الكتلة البشرية مع منتجات شركات التقنية الرقمية، فالتسوق سيضحى ميزة حياتية، وستصبح كثرة الاستهلاك مؤشراً حياتياً. عندها سيمكن تعليب المشاعر وتسطيح العقول، وفرض الفردية كحل للتخلص من الحاح الضمير على تفعيل الشعور بالمسؤولية. من كل ها نجد اننا في حاجة ماسة الى علم وضعي يمكنه ان يحول دون تفاقم الأمور الى ما تحمله الرؤى الواقعية والمستقبلية الينا، وفيما يلي جانب من بحث شاركت به في مؤتمر اقامته جامعة فردوسي في مدينة مشهد الايرانية في 2026م، عرضت فيه فكرة تأسيس علم جديد يقوم على صياغة علاقة علمية بين الفلسفة والثقافة والانثروبولوجيا والتكنلوجيا والتاريخ.

الفلسفة والانثروبولوجيا

الانثروبولوجيا – علم الانسان – علم يعنى بدراسة كل ما له علاقة بطبيعة المجتمعات البشرية، ويتناول تأثير اللغة في الانسان، وتأثير الدين، ويأخذ في نظر الاعتبار العادات والثقافات والتقاليد، فضلاً عن اشتغاله على الجانب البيولوجي لجسم الانسان، فهو علم يدرس الإنسان ويدرس ثقافة عصره.

وهو اصطلاح يوناني من مقطعين (انثروبو) وتعني انسان، و(لوجك) وتعني علم، ظهر منذ قرنين تقريباً، اخذ شكله كعلم مختص في الجامعات في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتطور ليشمل مجالات اجتماعية وثقافية وفيزيائية، وما يهمنا في هذا البحث هو الانثروبولوجيا الثقافية الاجتماعية التي تعنى بدراسة سلوك الناس وعاداتهم وتفاعلاتهم مع ثقافة العصر الذي يعيشونه. يقوم البحث الانثروبولوجي على معايشة واقع الحال وتدوين الاحداث كما هي بتفاصيلها، ثم تليها مرحلة عرض تلك التفاصيل على التأمل والتفكير والتحليل بغية الخروج بنتائج تخدم تطوير طريقة او طرق الحياة وتحسين الأداء وتجنب المشاكل والمعوقات التي حصلت. هدف الانثروبولوجيا هو الانسان، كما ان هدف الفلسفة هو الانسان، واذا اضفنا اليهما الثقافة كمفهوم انثروبولوجي، تهيأ لدينا مستلزمات علم وضعي جديد يجمع بين الفلسفة كنظرية والبحث العلمي الانثرولوجي كتطبيق، هدفه انساني بالمفهوم المتوارث لمعنى الانسانية في التاريخ والكتب السماوية، وهذا العلم الوضعي قد يساعدنا في تحقيق توازن لصالح قيمة الانسانية في عصر الآلات الرقمية الذكية، بحيث لا تتحول علاقة الانسان بالآلة الذكية الى عبء او قلق او ضرورة الزامية، بقدر ما نريد لها ان تصبح علاقة ثقافية واعية، واقعية، تواصلية، تكاملية تطورية.

تأتي العلاقة بين الفلسفة والانثروبولوجيا من حيث الهدف وطريق البحث، فالانسان هدفهما، تحاول ان تصل اليه الفلسفة عن طريق الاستفهام الـنظري والتأمل، وتحاول الانثروبولوجية ان تصل اليه عن طريق الاستفهام العلمي والعملي، فالانثروبولوجيا تثير اسئلة من قبيل: لماذا يدمن مستخدم الموبايل على استعمال التطبيقات الذكية، ولماذا تجذبه الشاشات الملونة ومواقع التواصل الاجتماعي، لماذا لم يعد تفاعل الفرد مع الكتاب الورقي كتفاعله مع المنشور الالكتروني، لماذا تتفوق دول على غيرها في انتاج التقنية الرقمية، لماذا تتراجع بعض المجتمعات مع انها تعيش في ظل عصر يتطور علمياً وصناعياً واقتصادياً وبتسارع كبير. كما ان الفلسفة تتساءل عن مصير الانسان في ظل هذا التطور العلمي التقني وتتساءل عن مكانته وقيمته امام الحاسوب الذكي.

الفلسفة والتكنلوجيا

في كتابه (الآلة قوة وسلطة) يقول المختص بتاريخ التكنلوجيا آر إيه بوكانان (التكنلوجيا حديث عن الماكينات والعمليات مثلما هو حديث عن الناس، وهي معنية بشكل خاص بالنتائج المباشرة وطويلة المدى المترتبة على العلاقات بين الماكينات والعمليات من ناحية والناس في المجتمع من ناحية اخرى) (3)

مع استخدام التقنية البدائية حيث الاعتماد على طاقة المياه والخشب في تسيير شؤون الحياة اليومية، بدأت التكنلوجيا بدراسة تاريخ التقنية. بقيت هذه التقنية سائدة حتى القرن الثامن عشر الى ان جاءت تقنية الفحم والحديد، التي استمرت حتى نهاية القرن التاسع عشر. بعدها جاءت تقنية محركات الاحتراق الداخلي والكهرباء وصولا الى تقنية الذكاء الاصطناعي التي تعتمد على البيانات.

ميزة هذا العصر انه عصر تدفق هائل للبيانات والمعلومات، وهو عصر التطور المتسارع قياساً بالقرون الماضية. لهذه الميزة بعدان، بعد ايجابي يتمثل في تحفيز الانسان على تطوير مهاراته وقدراته بالاعتماد على الخدمات الوفيرة التي تتيحها تكنلوجيا المعلومات والتقنيات الذكية التي من شأنها ان توفر مساحة ابداع كبيرة كانت بالأمس مرهونة بالظروف والإمكانات والقدرات المالية والعلمية.

البعد الثاني لميزة هذا العصر هو البعد السلبي المتمثل بتوظيف هذه التقنية الذكية وهذا التدفق الهائل للبيانات والمعلومات في تسخير اكبر عدد ممكن من المستخدمين وتوظيفهم عبر وسائل التواصل وتطبيقات الانترنت لتحويلهم الى مستهلكين ومستخدمين دائميين حد الإدمان على الشاشة، من شأن هذا النوع من الإدمان ان يبطء نمو القدرات البشرية على التفكير الذاتي، وعلى الابداع، وعلى النقد الذاتي، فيصبح المستخدم جزءا من التقنية التي يستخدمها، الأمر الذي يخشى منه ان يؤثر في شخصية مستخدم التقنية بحيث تتمكن شركات انتاج رقمي وحكومات عالمية من توظيف وفرة البيانات في إعادة هيكلة التكوين الثقافي للمستخدم بإتجاه يخدم مشاريع مثل أمركة العالم ثقافياً، ومشاريع شرق اوسط جديد، ومشاريع الديانة الابراهيمية وممر داود، وغيرها من المشاريع التي تصب في صالح هيمنة النظام العالمي على القرار السياسي والسيادي حول العالم من خلال التطوير المستمر لتقنيات الذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق التي تعيد انتاج التاريخ بأحداث ووقائع مزيفة ينقله اشخاص حقيقيون. من هنا جاءت فكرة هذا البحث، من اجل تمكين مستخدم التقنية الذكية ثقافياً بحيث يصبح قادراً على معرفة ما هو مزيف مما هو حقيقي، فقد أشارت توقعات الى ان العام 2030 سيشهد تطويراً في تقنية الذكاء الاصطناعي يمكن معه تزييف 90% من مقاطع الفديو المنشورة على شبكة الانترنت، وهذا يعني ان الجيل القادم سيتعذر عليه التمييز بين المزيف والحقيقي مما يشاهدونه، يشكل هذا التوقع خطراً على مستقبل الجيل القادم وعلى الحياة الانسانية، لذا نجد ان التوصل الى صياغة حديثة للعلاقة بين الفلسفة والتكنلوجية في ضوء الانثروبولوجيا سيعطينا امكانية تشكيل ثقافة وعي كافية لتكوين قاعدة عمل جماعي بدافع الحفاظ على الانسانية والابداع والحرية الحقيقية.  

الفلسفة والتاريخ

تنطلق علاقة الفلسفة بالتاريخ في عصر الذكاء الاصطناعي من الاستفهام المستقبلي: من سيكتب التاريخ في عصر الالات الذكية؟

في جواب هذا الاستفهام تدخل ثنائية الانسان والآلة كمحور اساسي في الوصول الى نتيجة تضمن سلامة التاريخ من محاولات إعادة كتابته م قبل الآلة على وفق اجندات بشرية تخدم سوق المال والأعمال في مجال التقنية وتكنلوجيا المعلومات على حساب انسانية الانسان.

بدخول الفلسفة مع تاريخ التكنلوجيا وتاريخ الثقافة، في صياغة معاصرة سيتمكن مستخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي من ان يضع نصب عينيه كل الاحتمالات الواردة بشأن الحاضر والمستقبل اذا تدخلت الآلة الذكية في إعطاء اجوبة لكل اسئلة مستخدميها الذين يتحولون الى مستفيدين تابعين معتمدين اعتماداً كلياً على شبكة المعلومات الالكترونية كمصدر لمعلوماتهم وثقافاتهم، وتأتي الحاجة الى وجود الفلسفة في علاقة صداقة مع التاريخ في عصر الذكاء الاصطناعي من خلال الفارق الكبير الذي احدثه عصر التقنية بين البلدان المنتجة لهذه التقنية وبين البلدان المستهلكة لها. فمن المثقفين المعاصرين من وجد ضرورة الحاجة الى اعادى قراءة تاريخ بلدانهم القديم، من اجل اعادة كتابته من جديد بادوات العصر التقني الذكية، لإعتقادهم ان الطريقة التي عليها التاريخ الآن غير قادرة على منح حاضر المجتمع فرصة استيعاب التطور التقني المتسارع، مما يجعل المجتمع متأخراً. لكي لا يصبح جيل المستقبل أمام مصادر الكترونية لا بديل عنها بعد هجر الكتاب والقراءة والمصادر الاصلية الرصينة وبعد الاعتماد كلياً على ما توفره التقنية الرقمية من نسخ من تلك المصادر الرصينة التي لن يكون بوسعهم معرفة مدى مطابقتها لحقيقة ما في المصادر الاصلية، ولكي لا يسهم التدوين الرقمي للتاريخ في تغيير، او تشويه، او تحوير، او اختلاق احداث والباسها جلباب الحقيقة، فإن دور الفلسفة يأتي مهماً في كشف ذلك عن طريق التقاء استفهاماتها مع استفهامات التكنلوجيا في سياق انثروبولوجي ثقافي.  

الفلسفة والثقافة

تأتي دعوة النظر الى الفلسفة كثقافة ضرورية في عصر الذكاء الاصطناعي من حيث بدأت الآلة بالتفكير الرقمي، واخذت تحمل صفة الذكاء الاصطناعي. هنا يصبح من الضروري على البحث العلمي الذي يتمحور حول انسانية الانسان ان يبحث عن صناعة جديدة يقابل بها صناعة الآلة الذكية. هذه الصناعة هي صناعة الوعي. الوعي بنوعيه التلقائي والموضوعي يحتاج الى استفهامات تحرك منظومة التفكير من اجل انتاج فكرة جديدة، يتحقق ذلك في تقديرنا من خلال العلم الوضعي الجديد الذي تحاول اوراق هذا البحث ان تكون مقدمة له.

العلاقة بين الفلسفة والثقافة علاقة مترابطة، محورها الإنسان والطبيعة. فإذا كانت الثقافة بحكم اسبقيتها التاريخية على الفلسفة، قد بدأت مع حياة الإنسان الطبيعية، فيمكن القول ان الفلسفة بدأت مع حياة الانسان المعرفية.. واذا كان للثقافة نصيبها الكبير في التعبير عن الواقع، فإن للفلسفة نصيب كبير في تغيير ذلك الواقع. فالثقافة تهيئ للفلسفة أدوات عملها، والفلسفة بدورها تطور اداوت الثقافة. ولعلي استطيع القول ان الفيلسوف مثقف بالضرورة، والمثقف فيلسوف بالصيرورة.

اذن جميع الناس فلاسفة على اختلاف درجات وعيهم، وجميع الانثروبولوجيين يبحثون في هدف هؤلاء الفلاسفة وهو الإنسان، والتكنلوجيا تدرس تاريخ انتاج الانسان للتقنية، وكل هذه الميادين تستخدم في معاملها ومعاملاتها ادوات الاستفهام: من، متى، لماذا، كيف.. هكذا يمكننا ان نقيم صناعة وعي تتيح للمجتمعات المتقدمة وعي مصيرها في ظل التطور المتواصل لتقنية الذكاء الاصطناعي التي تنتجها بالاضافة الى ما يمكن ان يخفيه مستقبلها من مفاجآت ضارة وسارة. وتتيح صناعة الوعي للمجتمعات المتأخرة وعي مصيرها في ظل حاجتها المستمرة لمخرجات تطور الدول المتقدمة، فقد يكون من المعقول قبول مهندس متفوق في مجال الذكاء الاصطناعي، لكن من غير المعقول قبول مثقف واعي لا يعيش الفلسفة وهو يستخدم هذه التقنية الذكية. وقد يكون من البديهي ان نجد طبياً يجيد استخدام الروبوت الذكي في صالة العمليات، لكن من غير البديهي ان نجد طبيباً يعطل تفكيره الفلسفي الفطري بالاعتماد على ذكاء الآلة.

 نتائج وتوصيات

اولاً: جعل التفكير الفلسفي جزءاً من السلوك الاجتماعي للفرد الاعتيادي.

ثانياً: ادخال الفلسفة كنقاش استفهامي يرمي الى إثارة التفكير النقدي بدلاً عن الاستفزاز أو الاستفهام بهدف التفاهة، ويمكن توظيف ذلك في وسائل الإعلام وتدريب مقدمي البرامج وصنّاع المحتوى ومعدّي برامج (البود كاست) والمقاطع المصورة.

ثالثاً: ربط الفلسفة بمشكلات الواقع الحياتي للناس من خلال حثهم على الاستفهام والاستعلام عن معاني الحياة والسعادة والعدالة والحرية والنجاح. 

رابعاً: منح مستخدم التطبيقات الذكية شعوراً إيجابياً بسمو النفس وقدرتها على مجاراة تطور الآلة الذكية.

خامساً: جعل الفلسفة قوة اخلاقية معيارية داخل الثقافة.

سادساً: تقليل الضغط النفسي الذي يتعرض له الفرد جرّاء سعيه الحثيث المتواصل لتلبية احتياجاته الحياتية التي يرتفع سقفها، من مأكل وملبس ومسكن ومعيشة واسرة، بحيث تدخل الفلسفة كعامل تخفيف حدّة الاضطراب والزدواجية التي يمكن ان تصيب الفرد

سابعاً: تحويل الفلسفة الى بنية ذهنية للثقافة، لا الى مجرد مادة دراسية.  

ثامناً: دعم الترجمة والنشر الفلسفي الميسر مع شروحات توضح علاقة واقع المجتمع بالفكر العالمي.  

تاسعاً: تحفيز البحث العلمي على انتاج نصوص موجهة لعموم الناس، لا للنخب فقط كما هو الحال.  

عاشراً: توسيع مساحة عمل المثقف العضوي في المجتمع من اجل تمكين المجتمع ثقافياً وتأهيل ارضية متينة للعمل الجماعي.

أحد عشر: تعزيز ثقة مستخدم التقنية الذكية بنفسه بمنحه شعوراً متواصلاً بالاستقلالية الفكرية والحرية المسؤولة والهوية الشخصية.  

ثاني عشر: بهذا لن تكون الفلسفة بديلاً، لكنها ستكون اداة مؤثرة وفاعلة في تنظيم علاقة العقل العضوي بانسانية الانسان، لكي لا تتأثر الحاجة الضرورية لعلاقة الفرد بالحاسوب الذكي بالاتجاه الذي يضفي صفة الرقمنة البعيدة عن الانسنة.  

ثالث عشر: تحويل الفلسفة من معرفة نظرية الى ممارسة ثقافية من حق الجميع التمتع بها.

رابع عشر: تنمية مهارات التفكير الطبيعي في الوسط الجامعي والتعليمي عموماً عبر التحفيز على الابداع بصفته حاجة اجتماعية ضرورية.

 خامس عشر: اعداد برامج تعليمية اعلامية ومناهج دراسية ثقافية مكملة للمناهج التعليمية المقررة في المدارس، على سبيل المثال منهج (التربية الإنسانية) لطلبة المدارس، ومنهج (الثقافة الانسانية) لطلبة الجامعات.

 سادس عشر: انشاء مراكز ابحاث فكرية وفلسفية تعنى بتوظيف الدراسات الانثروبولوجية في الثقافة الاجتماعية.

سابع عشر: ارتفاع معدل الوعي الثقافي في لغة الحوار مما ينتج عنه ظهور بارز لسلوك الاحترام المتبادل في النقاشات الاجتماعية والثقافية والعلمية.

ثامن عشر: تدخل الفلسفة كقوة باعثة ومحركة للوعي الذاتي عند مستخدمي التقنية الذكية.

  ***

د. عدي عدنان البلداوي

.....................

1- الآلوسي، د. حسام الدين - دراسات في الفكر الفلسفي الاسلامي، ص47، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1992م

2- الألوسي، د. حسام الدين، الفلسفة والانسان، دار الحكمة، بغداد 1990م، ص185

3- آر إيه بوكانان، الآلة قوة وسلطة، ترجمة شوقي جلال، مؤسسة هنداوي، 2023م، ص

ثمة نوع من النقد يبدأ بالفلسفة وينتهي بشيء آخر. يدخل من باب المفاهيم ويخرج من باب الشخص. يستشهد بكانط وسقراط وأرسطو، ثم يستخدمهم لتشريح من كتبها، بدل فحص الفكرة. هذا النوع من الخطاب ظاهرة تستحق الرصد بعيداً عن أي نص بعينه أو حادثة بذاتها، لأنها ليست استثناء فرديا، بل نمط متكرر في تاريخ الحوار الفكري، يظهر في كل حقبة بلباس جديد وبنفس الحركة الجوهرية: أن تجعل من الفلسفة سلاحا في مواجهة من يكتبها بدلا من أن تجعل منها مرآة يقف الجميع أمامها.

المفارقة المركزية في هذا النمط النقدي، أنه يستعير لغة الفلسفة وأدواتها ليقول شيئا يأباه جوهر الفلسفة: أن من يكتب عن الحرية ينبغي أن يُثبت حريته بسيرته، والكاتب عن الصدق عليه إثبات صدقه بسلوكه الخاص، وإلا فإن كتابته مجرد قناع أنيق يخفي وهما أعمق. وهذا الشرط، لو طُبِّق بالاتساق الذي يطالب به أصحابه، ببساطة يعني أن الفلسفة لا يحق لها أن تُكتب إلا من قِبَل القديسين. وحين لا يكون القديسون متاحين، وهم ليسوا كذلك أبدا، يتحول هذا الشرط إلى أداة تصفية لا أداة نقد.

كانط لم يضع معيارا لتقييم الفلاسفة والكتّاب حين صاغ أمره المطلق، بل وضع معيارا لتقييم الأفعال والمبادئ. تصرّف وفق المبدأ الذي تستطيع أن تريد له أن يصبح قانونا كونيا، هذه الصيغة تسأل عن المبدأ ذاته، عن قابليته للتعميم، لا عن السيرة الشخصية لمن يعلنه. الاتساق الكانطي يحاكم الفكرة في ميزان العقل، لا يحاكم صاحبها في ميزان حياته. والخلط بين هذين المستويين، بين نقد الحجة ونقد من يحملها، ليس تدقيقا فلسفيا، بل هو تحويل للمنهج إلى سلاح.

وسقراط، الذي يُستشهد به دوما في مثل هذه السياقات، لم يكن يذهب إلى محاوريه ليقول لهم: أشك في أنكم تطبقون في حياتكم ما تعلنونه في حديثكم. كان يسأل عن التعريف، عن الاتساق الداخلي للحجة، عما يُلزم المرء به منطق مقدماته. تواضع سقراط الشهير لم يكن في تعليم الآخرين فن الشك بمن يحيط بهم، بل في إدراك حدود ما يعرفه المرء، وأول ما يجهله المرء حقا هو ما يجري في باطن الآخرين. سقراط الذي يُستحضر للتشكيك في أخلاق الكتّاب لم يكن ليعترف بهذا التوظيف.

غير أن ما يجعل هذا النمط أشد خطورة من مجرد خطأ منهجي هو بنيته الداخلية التي تُصمَّم بحيث تُفلت من أي رد. حين يُقال لكاتب ما: "قد تكون صادقا في لحظة الكتابة، لكنك لا ترى المسافة بين صورتك عن نفسك وسلوكك الفعلي"، فأي جواب يمكن أن يأتي به إلا وأعيد تفسيره كدليل إضافي على الوهم المزعوم؟ الاعتراض يُقرأ دفاعا يدل على الإحراج، والصمت يُقرأ إقرارا يدل على القبول، والموافقة تُقرأ خضوعا يدل على ضعف الحجة. ما لا يمكن دحضه بأي دليل محتمل لا يمكن إثباته، وما لا يمكن إثباته لا يستحق اسم الحجة الفلسفية. كارل بوبر حين وضع معيار القابلية للدحض كان يشير إلى هذه الخاصية الجوهرية في أي خطاب يريد أن يكون عقلانيا: أن يقبل بوجود شرط يمكن لو توافر أن يثبت خطأه. الخطاب الذي يصمَّم بحيث يخرج صحيحا من كل موقف ممكن لا يستحق اسم الفلسفة، هو عين الأيديولوجيا.

لهذه الظاهرة تاريخ قديم يستحق استعادته. في كل مرحلة شهدت توترا فكريا حادا، ظهر نمط من النقد يستخدم الفلسفة لتصفية الخصوم لا لفحص أفكارهم. نيتشه نفسه، وهو من أكثر الفلاسفة استخداما لهذا الأسلوب، كان يتساءل عن "إرادة القوة" المختبئة خلف الخطاب الأخلاقي للآخرين. لكن نيتشه كان يستهدف المنظومات والأنساق لا الأفراد، وكان يعترف صراحة بأن هذا التشخيص يعود عليه هو أيضا، أن لا أحد يقف خارج دائرة التشكيك. هذا الاعتراف بالتساوي هو ما يميز الفيلسوف الحقيقي عمن يستخدم الفلسفة: أن تدرج نفسك في السؤال قبل أن تدرج غيرك.

ما نراه في النمط المعاصر مختلف: الانتقال من نقد الفكرة إلى تشريح صاحبها يتم بسلاسة كأنه خطوة طبيعية في الاستدلال، ملفوفا في الغالب بتحفظات منهجية تمنح الخطاب حصانة شكلية مع احتفاظه بكامل أثره التقليلي. "لا أشخص ..."، "هذا تحليل احتمالي ..."، "لا أدّعي معرفة البنية النفسية ..."، ثم تأتي المساءلة التفصيلية للسيرة والنيات والتناقضات المزعومة كأن التحفظ لم يُقَل. هذا النوع من الاحتياط الشكلي لا يخفف من أثر الخطاب، بل يضيف إليه طبقة من الاحترافية تجعله أصعب في المواجهة المباشرة.

ثمة سؤال لا ينبغي تجنبه حين نرصد هذه الظاهرة: لماذا يلجأ الخطاب إلى هذا المسار؟ الجواب الذي تقترحه الفلسفة نفسها، وهو جواب مُحرج للجميع، بمن فيهم من يكتب هذه السطور، أن تشريح الآخر أسهل دائما من مواجهة حجته. حين تعسر الإجابة على فكرة ما، يكون الانتقال إلى الشخص الذي يحملها مخرجا مريحا لأنك لا تحتاج بعد ذلك إلى إثبات خطئها، تكتفي بالتشكيك في أهلية من يحملها. والأكثر إغراء أن هذا الانتقال يمكن تقديمه في صورة عمق فلسفي: من يدّعي أنه لا يكتفي بالنقد الفكري، بل يذهب إلى الجذور النفسية، يبدو أشد جرأة وأعمق نظرا ممن يقف عند سطح النص. لكن هذا العمق الظاهري هو بالضبط ما ينبغي التدقيق فيه.

للظاهرة أيضا وجه آخر ينبغي الإقرار به بنفس الأمانة. كل ما سبق لا يعني أن الحياة منفصلة تماما عن الفكر، ولا أن الكاتب محصّن من أي مساءلة تتعلق باتساقه. الفلسفة ليست لعبة مفاهيم في الفراغ، هي طريقة في العيش أيضا، أو تسعى إلى ذلك في أفضل صورها. والتناقض الفاضح المتكرر بين ما يعلنه مفكر وما يمارسه ليس من المحظور الإشارة إليه. لكن الفارق الحاسم يكمن في المنهج وفي الترتيب: هل نبدأ من الفكرة أم من الشخص؟ هل نعترض على الحجة ثم نلاحظ التناقض دليلا إضافيا يستحق التأمل، أم نبدأ بالشك في الشخص ثم نستخدم تشكيكنا لإلغاء حجته قبل أن نفحصها؟ الأول نقد فلسفي مشروع ومطلوب. والثاني إجراء يشبه المحاكمة أكثر مما يشبه الحوار، ويشبه أكثر ما يشبه إصدار حكم قبل انعقاد الجلسة.

وهنا يصبح السؤال الأكثر عمقا: ما الذي تفعله هذه الظاهرة بالفضاء الفكري المشترك حين تسود؟ الجواب المقلق أنها تجعل الكتابة الصادقة مغامرة مكلفة. حين يعلم الكاتب أن أي شيء يكتبه عن الحرية أو الصدق أو الكرامة قد يحوَّل إلى شاهد على شخصيته لا على أفكاره، فإن أول ما يتعلمه هو أن يكتب بحذر، وبحساب، وبمسافة آمنة من الصدق الكامل. وهذا بالضبط ما تصنعه محاكم التفتيش الأيديولوجية في كل صورها: لا تمنع الكتابة، بل تصادر الخيال والإبداع، وتعلم الكاتب كيف يراقب نفسه قبل أن يراقبه الآخرون، حتى تصبح الرقابة الداخلية أكثر فتكا من أي رقابة خارجية.

الفلسفة في جوهرها فضاء مشترك لا ملكية خاصة لأحد. حين يكتب مفكر عن الحرية أو العبث أو الكرامة الإنسانية، فهو لا يشهد على نفسه ولا يُقدّم سيرته للتقييم، هو يدعو القارئ إلى تأمل في أفكار تتجاوزه هو شخصيا وتتجاوز القارئ أيضا، لأنه حر في قبول هذه الدعوة أو ردها، في الاتفاق مع الحجة أو الاعتراض عليها. لكنه ليس مُفوَّضا، لا فلسفيا ولا أخلاقيا، بأن يحوّل هذه الدعوة إلى محاكمة يجلس فيها الكاتب في قفص الاتهام وتُقدَّم أفكاره أدلة على جرائمه المحتملة.

الفلسفة لا تشترط في صاحبها القداسة. تشترط فيه الأمانة في التفكير، والشجاعة في طرح ما يراه حقيقيا، والتواضع أمام ما لا يعرفه. وتشترط في ناقده شيئا واحدا قبل كل شيء: أن يحاكم الفكرة بنفس الجدية التي يحاكم بها صاحبها، وربما أكثر. لأن الفكرة التي تصمد أمام نقد حقيقي تستحق البقاء، وتلك التي لا تصمد تستحق الرفض، لا لأن صاحبها لا يطبقها في حياته، بل لأنها لا تصمد في ميزان العقل.

وفي النهاية، ربما كان أصدق ما يمكن قوله، هو أن الفيلسوف الذي يجلس مع سؤاله الحقيقي يعرف أن السؤال لا يعفيه من شيء، لكنه يعرف أيضا أن الجلوس مع السؤال أشرف من التظاهر بامتلاك الجواب. ومن يمتلك الجواب الجاهز الذي يُقيّم الآخرين دون أن يُقيّم نفسه بنفس المعيار، هو بالضبط من يجسّد الوهم الذي يزعم أنه يكشفه.

***

عبد الرحيم الجرودي

نشأة التجمعات البشرية من المجتمعات المبكرة إلى الدولة المعاصرة

تمثل لحظة الانتقال البشري من مجتمعات الصيد والجمع المتنقلة إلى الاستقرار الزراعي وبناء المدن والكيانات الهرمية الأولى واحدةً من أكثر المحطات تعقيداً وجدلية في تاريخ البشرية؛ حيث سيطرت على الفكر التاريخي والأنثروبولوجي لفترات طويلة سرديات خطية تفترض أن التطور الحضاري مسار محتوم يبدأ بالبداوة والهمجية وينتهي بالدولة المركزية والسلطة الملكية المطلقة، معتبرةً أن هذا التطور استوجب بالضرورة تنازل الإنسان عن حرياته التلقائية لصالح التنظيم والاستقرار. غير أن إعادة قراءة الشواهد الأثرية والأنثروبولوجية المعاصرة تفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات جوهرية حول تلك التحولات الكبرى؛ لتطرح تساؤلاً ملحاً عما إذا كان ظهور المدن والملوك نتاجاً حتمياً للتقدم التقني والاقتصادي والبيئي، أم أنه جاء نتيجة خيارات اجتماعية وصراعات مبكرة حول السيطرة والفائض والملكية، وكيف تعاملت المجتمعات البشرية المبكرة مع معضلة السلطة وتنظيم العيش المشترك بعيداً عن أطر الدول الكبرى. ومن هنا تكمن أهمية البحث في تجاوز المقاربات الاختزالية التي تفسر التاريخ البشري من زاوية واحدة، وإعادة تسليط الضوء على آليات التفاعل بين البيئة والاقتصاد والسلطة، وكيف أسست التحولات المادية الأولى لهياكل البنى الاجتماعية والسياسية التي ما زالت تلقي بظلالها على العالم المعاصر، وذلك بهدف دراسة العوامل البيئية والمادية والاقتصادية التي دفعت نحو الاستقرار ونشأة الكيانات المدنية الأولى، وتحليل طبيعة الصراع بين الهياكل القسرية للسلطة ومرونة المجتمعات البشرية المبكرة، مع مقارنة التفسيرات المختلفة التي قدمتها الحقول المعرفية المتنوعة من أنثروبولوجيا وعلم آثار واقتصاد سياسي لتفسير نشأة الدولة والطبقات الاجتماعية، ليتمحور البحث حول إشكالية رئيسية تسعى للإجابة عن مدى إمكانية اعتبار ظهور المدن والملوك والهياكل الهرمية مساراً حتمياً تفرضه متطلبات الحضارة، أم أنه كان خياراً تاريخياً رافق تحولات السيطرة الاقتصادية واحتكار الفائض.

الإطار النظري وتعدد المقاربات المعرفية

يتطلب فهم مسار التطور البشري ونشأة المدن والكيانات الهرمية الأولى الغوص في أدبيات حقول معرفية متعددة تتقاطع فيها الأنثروبولوجيا وعلم الآثار والاقتصاد السياسي والفلسفة التاريخية؛ حيث قدمت هذه الحقول مقاربات متباينة لتفسير الانتقال من مجتمعات المساواة المتنقلة إلى مجتمعات الدول والملوك. فمن الناحية البيئية والمادية، يبرز التفسير القائم على الحتمية البيئية وتوافر الموارد، إذ يرى مؤيدو هذا الاتجاه أن ظهور التوافقات الكبرى والطبقات الحاكمة لم يكن مجرد خيار حر، بل فرضته التحولات المناخية وظهور محاصيل قابلة للتدجن والتخزين، مما أنتج فائضاً غذائياً تطلب بالضرورة وجود جهاز إداري وكهنة وملوك لتنظيمه وحمايته وإدارة شبكات الري الكبرى، وهو ما يتسق مع رؤى المفكرين الذين اعتبروا المدينة الكبرى آلة سلطة صُممت لهندسة المجتمع والسيطرة على الطبيعة. وفي المقابل، تقدم نظريات الصراع والسيطرة الاقتصادية قراءة ترتكز على تطور قوى الإنتاج وظهور الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج؛ حيث أدى تراكم الفائض الاقتصادي إلى انقسام المجتمع إلى طبقات متصارعة بين مستغِلين ومستغَلين، لتنشأ الدولة وأجهزتها السياسية والقسرية بوصفها أدوات في يد الطبقة المسيطرة لحماية مصالحها وتثبيت هيمنتها. وإلى جانب ذلك، تبرز مقاربات أنثروبولوجية نقدية أخرى تنظر إلى نشأة الدول الأولى بوصفها آلات استعباد وتثبيت سكاني ركزت على زراعة الحبوب الأساسية التي تسهل مراقبتها وإخضاعها ضريبياً، في مقابل حركات التمرد والهروب التي قادها البدو والمهمشون بحثاً عن فضاءات أوسع للحرية. بينما تذهب نظريات العقد الاجتماعي التقليدية إلى أن التنازل عن جزء من الحريات الفردية لصالح سلطة مركزية لم يكن سوى استجابة ضرورية للخروج من حالة الفوضى والصراع المستمر لضمان الأمن والاستقرار الاجتماعي؛ لتتكامل هذه الرؤى والنظريات وتستبين معالم إطار تحليلي مركب يساعد على تفكيك الخلفيات المعرفية والتاريخية التي أحاطت بظهور الحضارات الأولى، ويمهد الطريق لفهم طبيعة التفاعل بين البنى الاقتصادية والخيارات الاجتماعية في تشكيل الخريطة السياسية للبشرية.

المنهجية العلمية والآليات التحليلية

يعتمد هذا البحث على المنهج التاريخي التحليلي والمنهج المقارن لتفكيك مسارات التطور البشري ونشأة الكيانات الهرمية الأولى؛ حيث يستند إلى تتبع الأدبيات الأنثروبولوجية والأثرية والفلسفية وقراءة الشواهد التاريخية قراءة نقدية تعيد تقييم السرديات الكبرى حول الانتقال من مجتمعات الصيد والجمع إلى مجتمعات الدول والمدن. ويتم التركيز في هذا السياق على فحص الآليات المنهجية المتبعة في دراسة الوثائق والنصوص التاريخية والمقارنات العابرة للثقافات التي قدمتها مختلف الحقول المعرفية بعيداً عن تبني نموذج أحادي الجانب، وذلك عبر استنطاق المعطيات المادية والاقتصادية والاجتماعية المتوفرة في الدراسات المقارنة حول نشأة السلطة والفائض. كما يعتمد البحث على تحليل الخطاب النظري السائد ومقارنة فرضيات الحتمية البيئية بنظريات الصراع الطبقي وخيارات التنظيم الاجتماعي، مما يتيح بناء إطار منهجي متكامل يربط بين البنى الاقتصادية والخيارات السياسية الأولى، ويمهد الطريق نحو قراءة علمية وموضوعية للنتائج المستخلصة حول طبيعة المدن والملوك في التاريخ البشري.

نحو مدن بلا ملوك: أفق المستقبل بين إكراهات البيروقراطية ورهانات الحرية

يتضح في الختام أن المجتمعات البشرية لم تكن مسيَّرة دائماً بمسارات حتمية صارمة، بل تراوحت بين خيارات التمرد والمرونة الاجتماعية والوقوع في أسر البنى الهرمية والسلطة المركزية التي تحولت تدريجياً إلى ركيزة أساسية لتنظيم التعقيد المدني. وهو ما يقود إلى التساؤل المباشر حول إمكانية صنع مدن في العصر الحالي بدون ملوك أو سلطة مركزية مطلقة؛ حيث تعتمد الإجابة عن ذلك على إعادة تعريف مفهوم الملك؛ فإذا قصدنا بالملوك الأفراد الذين يحكمون بالوراثة أو السلطة المطلقة، فإن أغلب مدن العالم المعاصر تدار بالفعل عبر أنظمة جمهورية وديمقراطية أو إدارات مدنية منتخبة لا توجد فيها ملكيات بالمعنى التاريخي. أما إذا قصدنا بالسلطة المركزية والبيروقراطية وأجهزة الدولة المهيمنة، فإن إقامة وتسيير المدن المعاصرة يبدو مستحيلاً بمعزل عنها، نظراً لأن تعقيد الحياة الحضرية الحديثة من شبكات طاقة ومياه ونقل ومستشفيات وأنظمة أمنية واقتصادية يتطلب بالضرورة وجود إدارة مركزية ومؤسسات تخطيط تضمن بقاء واستمرار هذه التجمعات الضخمة، بخلاف المدن والمجتمعات التاريخية المبكرة التي كانت تملك مرونة فائقة في الانفصال والتنقل وإدارة شؤونها أفقياً دون الحاجة إلى دولة أو بنى هرمية معقدة

نماذج من مدن بلا ملوك في العصر الحديث

يمكننا التعمق نظرياً واعتبار بعض المدن العالمية والحركات الحضرية الحالية "مدناً بلا ملوك" بالمعنى السياسي والفلسفي الدقيق، خصوصاً عند إسقاط المفاهيم الأنثروبولوجية المعاصرة على التنظيم الحضري الحديث؛حيث تبرز من منظور النظرية السياسية وعلم الاجتماع الحضري نماذج معاصرة تتجاوز الأشكال التقليدية للسلطة الأحادية، مثل تجارب المدن الحرة والإدارات الأفقية والبلديات الديمقراطية التشاركية التي تسعى جاهدة لإلغاء الهيرمية البيروقراطية الصارمة وتدار عبر المجالس الشعبية والتعاونيات الإنتاجية والمحلية دون وجود حاكم فرد أو سلطة مركزية فوق العادية، لتتحول إدارة الشأن العام إلى عملية أفقية تفاوضية تقترب من مرونة المجتمعات البشرية المبكرة التي رفضت التمركز السلطوي. وحين نناقش هذا الأمر نظرياً، يجب التمييز بدقة بين السلطة السياسية المانعة للحرية مثل الملوك والديكتاتوريات وبين الإدارة التقنية للتعقيد مثل شبكات الطاقة والمياه والنقل، إذ يمكن للمدن العالمية المعاصرة أن تتخلص نهائياً من ملوكها وتصبح مدناً حرة، في حين يكمن التحدي الأكبر في مدى قدرتها على تفكيك البيروقراطية التقنية التي تفرض نفسها كبديل حديث للسلطة المركزية، ليظل الحلم الإنساني القديم بالتحرر والعيش في فضاءات مدنية تتسع للحرية والعدالة دون تسلط ملوكي أو هرمي قسري حياً في الفكر السياسي المعاصر وشاهداً على صراع الإنسان المستمر بين التنظيم والحرية

***

ئاريان علي

حين يسقط المثقّف الحداثيّ في فخّ العنصريّة

"النّاس صنفان: إمّا أخٌ لك في الدِّين، أو نظيرٌ لك في الخَلْق" -علي بن أبي طالب (ر)

"لدينا من الدين ما يكفي لكي نكره، وليس لدينا منه ما يكفي لكي يحبّ بعضنا بعضًا" - جوناثان سويفت

"التعصّب هو طاعون القرن الحادي والعشرين" - آموس عوز

1- مقدمة:

ما أكثر ما تُفسد العصبيّة عقولًا نحسبها قد تحرّرت منها، وما أكثر ما يعود الموروث ليتكلّم بأفواه أولئك الذين أمضوا أعمارهم يعلنون القطيعة معه. وقد تكون المفارقة أبلغ ما تكون حين نرى مثقّفًا حداثيًّا، شديد الجرأة في نقد التراث، يعيد إنتاج بعض أبنيته العميقة من حيث لا يشعر، لا بلغته القديمة، بل بمفردات أكثر أناقة وحداثة.

كنت في مجلس بين أصدقاء، وقد دار الحديث عن العلماء والمفكرين، فتحدّثت عن أبي الريحان البيروني، وعن عبقريته العلمية وإسهاماته في الفلك والرياضيات والجغرافيا والطبيعة. وما إن مضيت في الحديث حتى اعترضني أحد الحاضرين، وكان أستاذًا جامعيًّا، وقال في انفعال شديد: إن عليّ بن أبي طالب أعلم من البيروني، بل هو أعرف من البشر جميعًا بدروب السماء ومدارات الأفلاك.

سألته يومها: وما الذي جاء بعليّ إلى الحديث عن البيروني؟ فنحن لسنا في مسابقة للفضائل، ولا في حلبة لترتيب البشر. إننا نتحدّث عن عالمٍ أسهم في تاريخ العلوم، فما معنى أن نستدعي شخصية دينية كبرى كي نثبت أنها «أعلم» منه؟

لقد بدا لي الموقف آنذاك نموذجًا صغيرًا لعطب ثقافيّ كبير: نحن لا نعرف كيف نُعجب بإنسان من غير أن نبحث عمّن نضعه فوقه أو تحته. وكأنّ الاعتراف بالفضل لا يكتمل إلا بالمقارنة، وكأنّ العظمة تحتاج دائمًا إلى ضحية.

2- العظمة لا تحتاج إلى خصم:

يمكنني أن أقول إنّ فلانا من الناس شخصية عظيمة من غير أن أقارنه بأحد. ويمكنني أن أقول إنّ البيروني عالم عظيم من غير أن أبحث عمّن هو أعلم منه. ويمكنني أن أتحدّث عن نيوتن من غير أن أضع أينشتاين في مواجهته، وعن ابن سينا من غير أن أجعله في منافسة مع الرازي، وعن المتنبي من غير أن أطالب الناس بالاعتراف بأنه أعظم شاعر ولدته العربية. العظمة الحقيقية لا تحتاج إلى منصة تفاضل.

ومن هنا كان ما استوقفني في حديث لأدونيس عن عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه، وقد اسْتمعْت إليه يتحدّث في فيديو مصور عن شخْصيّة عليّ بْن أبي طالب رضي الله عنه وكرّم الله وجهه إلى حد الغو والمغالاة في حبه وتقديسه، وقد رفع مقامه إلى أعْلى درجات التّمْجيد على مبْدأ التّفْريد، وكمْ هو جميل أنْ نتحدّث عن فضائل علي الإسلاميّة وجهاده العظيم في نشْر الإسلام وتحْقيق معانيه، فهذا أمْر جميل ومسْتحبّ وجائز، وربّما مطْلوب، على ألا يكون في الأمْر تعصّب أوْ تصلّب مذْهبيّ .

ولكنْ ما يؤْخذ على أدونيس أنْ يعْتمد منْهج التّفْضيل بيْن عليّ وغيْره من البشر، وقدْ أدْهشتْني صيغة التّمْجيد على مبْدأ التّفْريد الّذي أعْطاه أدونيس لشخص للإمام عليّ (رضي الله عنه وأرضاه)، فوضعه فوْق غيْره من البشر، ووصفه بأنّه الشّخْصيّة المتفرّدة في التّاريخ الّتي تجاوزت الحدود الجغْرافيّة والأعْراق والثّقافات، إلى الدّرجة الّتي نسب فيها إليْه من الأفْضال ما ليْس في غيْره من البشر. وممّا لا شكّ فيه أنّ عليّ بْن أبي طالب شخْصيّة إسلاميّة كبيرة كان لها حضورها المتميّز في الإسلام، ويكْفيه أنّه كان الصّحابيّ الرّابع، ولا ينْسى فضْله في نشْر الإسلام كغيْره من الصّحابة رضي الله عنهم جميعًا.

ونحْن لا نخْتلف مع أدونيس في تمْجيده لعليّ بْن أبي طالب(ر)، ولكنّ يجب عليْنا أنْ نقول بأنّ تجاوز الحدود والثّقافات لا ينْفرد به عليّ وحْده، فهناك شخْصيّات إسلاميّة تاريخيّة لا تقلّ أهمّيّةً عن عليّ أوْ غيْره، مثْل شخْصيّة الفاروق عمر، وأبي بكْر، وعمر بْن عبْد العزيز، وخالد بْن الوليد، وغيْرهمْ كثير، وقد تدفق صيتهمْ وتأْثيرهمْ في الدّنْيا والثّقافات.

ومهْما يكن الأمْر، فإنّ هذا التّفْضيل – برأينا يخفي - ما لا يخفى – إذ يخْفي تعصبا مذهبيا طائفيًّا خطيرًا كامنا في عقْل أدونيس وفي ترْبته الدّينيّة، إذْ لمْ يكفّ يوْمًا عن تمْجيد آيات الله والثّوْرة الإسلاميّة في إيران على خلْفيّات دينيّة تعصّبيّة.

إنّ التّمْجيد على مبْدأ التّفْريد يفْهم بدقّة على أنّه تعصّب، ولا سيّما إذا صدر عن مثقّف يدّعي العلْمانيّة والحداثة. وعليْه فإنّ تفْضيل عليّ بْن أبي طالب على غيْره من المسْلمين يأْخذ طابع الشّدّ العصبيّ الطّائفيّ في هذه المرْحلة الّتي تتفجّر فيها العنْصريّة الطّائفيّة في بلداننا الكئيبة.

ولوْ جاء هذا التّمْجيد والتّفْريد منْ قبل إنْسان عاديّ لقبلْناه، ولكنْ أنْ يأْتي منْ قامة فكْريّة، فهذا يرمز إلى نشْوة التّعصّب الطّائفيّ لا أكْثر. ومن الغريب أنْ يحْمل رجل يدّعي الحداثة هذا العنْوان الطّائفيّ في وقْت يجب عليْنا فيه أنْ نفكّك هذه المعْتقدات العصبيّة، وأنْ نعْمل على تصْفيتها، فعمر وعليّ وعثْمان وخالد وسائر الصّحابة (رضي الله عنهم جميعًا) شخْصيّات إسلاميّة تاريخيّة انْتشرتْ فضائلهمْ في العالم، وليْس الأمْر حكْرًا على أحد وليس لأحدهم فضل على الآخر.

فالإمام عليّ كرّم الله وجهه ورضي الله عنه، لا يحتاج للمقارنة بغيره من الصّحابة الكرام الّذين أسْهموا في نشْر الإسلام وتجْسيد معانيه في الدّنْيا شرْقًا وغرْبًا. فالأوائل من الصّحابة والمسْلمين حاضرون في كلّ الثّقافات الّتي انْتشر فيها الإسلام شرْقًا وغرْبًا، وإنّ ثقافة التّفْضيل ثقافة رخيصة اليوْم؛ فلا فضْل لأحد على آخر إلّا بالتّقْوى، وإنّني لأجد أنّه من المناسب اليوْم العمل على تفْكيك العصبيّات الدّينيّة الطّائفيّة لا أنْ نحْييها، وعليْنا أنْ نعْمل اليوْم على تصْفيتها لا أنْ نغذّيها.

ويا لبؤْس الثّقافة والمثقّفين في هذا الزّمن التّعس الّذي ينْحدر فيه المثقّف الحداثيّ إلى منْحدر التّعصّب الدّينيّ المذْهبيّ الطّائفيّ. وسؤالي: ألمْ يحن الوقْت بعْد لتفْكيك العنْصريّة الطّائفيّة بدلًا منْ تغْذيتها؟  فالتقدير، فهذا حق مشروع، وإنما التفريد المطلق، أي رفع الشخصية إلى مرتبة تبدو معها فوق المقارنة وفوق التاريخ وفوق سائر الشخصيات. فهذا أمر مستهجن.

وهنا يبدأ السؤال. حين نقول إنّ شخصًا هو الأعظم أو الأكثر تفرّدًا، فالأعظم في ماذا؟ في الشجاعة؟ في العلم؟ في الزهد؟ في السياسة؟ في الأخلاق؟ في الفقه؟ في التأثير التاريخي؟ في الحضور الرمزي؟ إنّ كلمة «الأعظم» ليست حكمًا علميًّا إذا لم تُحدّد جهة العظمة ومعيارها. وأمّا العظمة المطلقة فهي في الغالب تعبير وجداني، لا حكمًا تاريخيًّا.

3- مِن المحبّة إلى الهيمنة الرمزيّة

لا مشكلة في أن يحب الإنسان شخصيّة تاريخيّة أو دينيّة حبًّا عميقًا. فالمحبّة شأن وجداني. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحوّل هذه المحبّة إلى معيار للحقيقة. حين يقول المحب: إن هذه الشخصية عظيمة عندي، فهذا حقه. وحين يقول: هذه الشخصية أعظم البشر، فعليه أن يبرهن. وحين يطالب الآخرين بالتسليم بذلك، لم نعد أمام محبّة، بل أمام نوع من الهيمنة الرمزيّة.

فالذاكرة الطائفيّة تقوم في جوهرها على هذه الآلية: كل جماعة تريد أن ترى رمزها أعلى من رموز الجماعات الأخرى. وكل جماعة تبحث في الماضي عن بطل تتماهى معه، ثم تمنحه من الفضائل ما يعيد إنتاج صورتها المتخيّلة عن ذاتها.

وعندئذ لا يعود التاريخ مجالًا للفهم، بل يصبح مرآةً للنرجسيّة الجماعيّة. فالتفريد ليس بريئًا دائمًا، وقد يبدو في ظاهره ثناءً بريئًا، لكنه في السياقات الطائفيّة ليس دائمًا كذلك. لأنك حين تقول إنّ شخصية واحدة تجاوزت الجميع، فأنت لا ترفعها وحدها، بل تضع الآخرين ضمنيًّا في منزلة أدنى. وهكذا يتحوّل التمجيد إلى ترتيب خفيّ للقيم. ومن هنا كانت الحساسية الشديدة في الخطاب الدينيّ؛ لأن الشخصيات الدينية ليست أفرادًا منعزلين في الذاكرة، بل علامات لهويات وجماعات وانتماءات.

والكلمة التي تبدو مجرد ثناء قد تُستقبل بوصفها انتصارًا لطائفة على أخرى. ولهذا ينبغي للمثقف أن يكون أكثر حذرًا من غيره، لا أقل. المثقف الذي لا ينقد انحيازاته، والمشكلة ليست في أن يكون الإنسان ابن بيئته؛ فجميعنا أبناء بيئاتنا. المشكلة أن يدّعي الإنسان التحرر الكامل من الموروث، ثم يتصرّف حين تلامس المسألة رموزه الخاصة كما يتصرف أكثر الناس تقليدية.

فالحداثة لا تُقاس بكمية التمرّد الظاهر على الماضي، بل بقدرة الإنسان على إخضاع موروثه هو للنقد. ومن السهل جدًا أن تكون حداثيًّا في مواجهة مقدّسات الآخرين. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ حين تصل أداة النقد إلى مقدساتك أنت. هناك يظهر الفارق بين المثقف الذي يمارس النقد بوصفه منهجًا، والمثقف الذي يستخدمه سلاحًا في مواجهة خصومه. ولهذا فإنّ السؤال الذي يثيره خطاب أدونيس هنا ليس سؤالًا عن عليّ بن أبي طالب، بل عن أدونيس نفسه بوصفه مثقفًا حداثيًّا:

هل يستطيع المثقف أن يكون نقديًّا حقًا إذا احتفظ في داخله بمناطق محرّمة على النقد؟ فالتاريخ ليس سباق خيل.   لقد تعاملنا طويلًا مع التاريخ الإسلاميّ كما لو كان سباقًا لا بدّ أن يخرج منه فائز. من أفضل؟ من أعظم؟ من أشجع؟ من أعلم؟ من أزهد؟ من أحق؟ وكأن التاريخ لا يُقرأ إلا بمنطق الترتيب.

وهذا من أفقر أشكال التفكير. فالتاريخ ليس سباق خيل، ولا جدول ترتيب، ولا منصة تتوزع عليها الميداليات. عليّ بن أبي طالب لا يحتاج إلى أن يكون أفضل من عمر كي يكون عظيمًا. وعمر لا يحتاج إلى أن يتقدّم على عليّ كي تثبت مكانته. وأبو بكر لا يحتاج إلى أن يُفضّل على عثمان. وخالد لا يحتاج إلى أن يُقارن بسواه. كلّ شخصية تُفهم في سياقها، وفي أفعالها، وفي أثرها، وفي حدود تجربتها.

السؤال الناضج ليس: من الأفضل؟ السؤال الناضج هو: ماذا فعل؟ وكيف نفهم تجربته؟ وهذا الفارق الصغير في صيغة السؤال هو الفارق الهائل بين العقل التاريخيّ والعقل الطائفيّ.

4- حين يصبح الماضي وقودًا للحاضر

مشكلتنا ليست في الماضي ذاته، بل في الطريقة التي نستخدمه بها. نحن نعيد تعبئة الماضي داخل صراعات الحاضر، ونستنطق الموتى لكي يخوضوا معاركنا. نستدعي الصحابة والأئمة والفقهاء والقادة، لا لكي نفهمهم، بل لكي ننتصر بهم. وهكذا يتحوّل التراث من ذاكرة إلى ذخيرة. ومن معرفة إلى تعبئة. ومن تاريخ إلى اصطفاف. وعندما يفعل المثقف الشيء نفسه، فإنّ المشكلة تصبح أشدّ مرارة؛ لأنه يُفترض أن تكون وظيفته تفكيك العصبيّة، لا تزيينها بلغة ثقافيّة رفيعة.

5- لا تصغّروا الآخرين كي يكبر أبطالكم:

ثمة عبارة أراها جديرة بأن تصبح قاعدة في قراءة التاريخ: لا تُصغّروا الآخرين كي يكبر أبطالكم.

إذا كان عليّ عظيمًا وهو كذلك، فدعوا عظمته تتكلم من خلال سيرته. وإذا كان عمر عظيمًا وهو كذلك، فليتكلم تاريخه. وإذا كان البيروني عبقريًّا، فلتشهد مؤلفاته. العظيم لا يحتاج إلى هزيمة أحد.

والفكرة الكبرى لا تحتاج إلى تحقير فكرة أخرى كي تكتسب قيمتها. والمحبّة الناضجة لا تحتاج إلى أن تتحول إلى مفاضلة. بل إنّ التمجيد الذي لا يستطيع أن يعيش من دون مقارنة يكشف في الغالب عن خوف خفي: الخوف من ألا تكون الشخصية عظيمة إلا إذا جعلنا غيرها أقل عظمة.

6- العصبيّة حين ترتدي ثياب الحداثة:

للعصبيّة أشكال قديمة نعرفها: الشتيمة، والتكفير، والتحريض، والانغلاق. لكن لها أيضًا أشكالًا حديثة أكثر أناقة. قد ترتدي لغة الشعر. وقد ترتدي مفردات الفلسفة. وقد تتحدث باسم الحداثة والتحرر. لكن البنية العميقة تظلّ هي نفسها: نحن وهم، رمزنا ورمزهم، بطلنا وبطلهم، تفوقنا ونقصهم. وهنا تصبح الحداثة قشرة لغوية فوق وجدان لم يغادر منطق العصبية.

وتلك مفارقة مؤلمة. فما قيمة أن نهدم الأساطير القديمة ثم نصنع لأنفسنا أساطير جديدة؟

وما قيمة أن ننتقد التقديس حين يقع عند الآخرين، ثم نمارسه في موضع آخر؟ إن المطلوب: عقل تاريخي لا ذاكرة مقاتلة لسنا في حاجة إلى محو الماضي، ولا إلى تحطيم الرموز، ولا إلى مطالبة الناس بالتخلي عن محبّتهم لشخصياتهم التاريخيّة. المطلوب أبسط وأصعب في آن:

أن نحبّ من غير أن نكره. أن نُجلّ من غير أن نحتقر. أن نختلف من غير أن نرتب البشر في سلالم الطوائف. أن نقرأ التاريخ بوصفه تاريخًا، لا سلاحًا هوياتيًّا. وأن نحرّر الشخصيات الكبرى من الاستخدام الطائفيّ الذي جعلها رهائن لصراعات لم تختَرها.

7- الخاتمة

أما آن للمثقفين العرب، من جميع الاتجاهات والمذاهب، أن يعلنوا هدنة مع هذا الولع المرضيّ بالتفاضل؟ أما آن لنا أن نتوقف عن السؤال: من أفضل من؟ أما آن لنا أن ندرك أنّ كل مفاضلة طائفيّة تنطوي في باطنها على انتقاص من الآخر، وأن كل تمجيد مطلق لشخصية دينية يمكن أن يتحول، في مجتمع مأزوم طائفيًّا، إلى وقود جديد للانقسام؟

إنّ عليّ بن أبي طالب أكبر من أن نستخدمه في معارك المفاضلة. وعمر أكبر من أن نحوله إلى نقيض له. وأبو بكر وعثمان وخالد وسائر الشخصيات التاريخيّة أكبر من أن نختصر حضورهم في مسابقة للفضائل. والثقافة أرفع من أن تجعل التاريخ ساحةً لتصفية العصبيّات. إنّنا لا نحتاج اليوم إلى مزيد من الأبطال الذين نضعهم فوق بعضهم، بل نحتاج إلى مزيد من العقل والتعقل والعقلانية .

وهذا يعني أننا لا نحتاج إلى تضخيم الذاكرة التراثية وتفخيخها، بل إلى فهمها وتخليلها و تفكيكها. وعليه لا نحتاج إلى تمجيد يُقصي ويصنف ويبعد بل إلى فهم يعي ويدرك ويستوعب دون تحيز أو تعصب .  وحين يستطيع المثقّف أن يقول عن رمزه: «أحبّه وأقدّره، لكنني لا أحتاج إلى أن أجعله فوق البشر»، يكون قد خطا أولى خطواته الحقيقية نحو الحداثة الإنسانية الحقيقية ـ أما أن نهدم العصبيّة في كتبنا ونبعثها حيّة في وجداننا، فتلك ليست حداثة، إنها فقط عصبيّة قديمة بملابس جديدة.

وسؤالي إلى المثقفين من كل الطوائف والملل ألم يحن الوقت كي نقدم رؤية موضوعية للتاريخ الإسلامي وشخصياته دون تفضيلات ودون عصبيات مذهبية أو دينية. لأن تناول هذه الشخصيات يحمل في ذاته معاني دينية مذهبية، والأمر هنا خطير وحساس إذ لا يجب أن نقلل من شأن أحدهم دون الآخرين، أو أن ترفع بعضهم فوق بعض بالتفضيل. ولو كان الأمر يتعلق بشخصيات علمية أو فكرية أو لما كان في الأمر ما نخشاه، فعلى سبيل المثال لو قلت إن البيروني عالم فاق فضله جميع العلماء قد يجوز وإن كان في القول بعض المبالغة. ولكن الشخصيات التي تحمل معان دينية فيجب علينا أن نحذر لأن هذا الأمر يغذي النفوس بالتعصب والكراهية

وأخيرا نقول بأنه في أي حال إذا أردنا أن نبجل شخصية تاريخية يمكننا أن نفعل ذلك دون المقارنة بينها وبين شخصيات أخرى على مبدأ التفضيل المطلق . وعلى هذه الصورة يمكننا أن نمجد – إذا كان التمجيد مشروعا – بشخص ما دون حدّ التقديس ودون مقارنته بأشخاص آخرين أي: خارج مقارنات التفوق والتفضيل. ولكننا في حالة التفضيل على مبدأ التفريد فإننا ننتقص من قيمة اشخاص لحساب أشخاص أخر. وعلى هذه الحالة يمكننا أن نمجد عليا أو عمرا أو خالدا (رضي الله عنهم) أو البيروني أو الفارابي أو ابن سينا دون أن نفاضل بينهم أو بينهم وبين أحد آخر ولكل منهم فضله العظيم.

***

د. علي أسعد وطفة

جامعة الكويت

سامح الطنطاوي هو مفكر وباحث وأكاديمي مصري في الفلسفة والإستشارة الفلسفية وعلم الجمال، حاصل على درجتي دكتوراه في الفلسفة، و"مُستشار فلسفي دولي" لدى المؤسسات والشركات الإيطالية، بالإشتراك مع وزارة الصحة والتعليم والعدل الإيطالية منذ عام 2023م، ويُعد من الرواد الذين تحدثوا عن الإستشارة الفلسفية في الفكر العربي المعاصر، كما ويُعد كتابه المشترك مع الدكتور "مصطفى النشار" بعنوان" مدخل الى الإستشارة الفلسفية"عام( 2024م)، من أبرز الكتب التي تحدثت عن الإستشارة الفلسفية، كما ناقش الكتاب موضوع مهم وجديد على المجتمع العربي ألا وهو "الإستشارة الفلسفية للأطفال"، وأهمية تدريس الفلسفة للطفل في المدرسة.

من أبرز أبحاثه في مجال الإستشارة الفلسفية: "الإستشارة الفلسفية عند جيرد آشينباخ" نُشر في عام 1918م، و"الإستشارة الفلسفية بوصفها فناً" في عام 2023م، وصدر له العديد من الكُتب في الفلسفة، والدراسات الجمالية، والإستشارة الفلسفية، أبرزها "مدخل الى الإستشارة الفلسفية" الذي أصبح مرجِعاً مهماً لكل الباحثين والراغبين في التعرف على مفهوم الإستشارة الفلسفية ومهام المستشار الفلسفي باللغة العربية، وفي أثناء قراءتي لكتاب "مدخل الى الإستشارة الفلسفية" إستوقفني حديث الدكتور "سامح الطنطاوي" عن الأسباب التي ألهمته فكرة الكتابة عن ضرورة تدريس الفلسفة للأطفال، والعمل على تفعيل الإستشارة الفلسفية في مدارس الأطفال، حيث يقول في هذا الكتاب، في الفصل الرابع بعنوان "الإستشارة الفلسفية والأطفال: إشكالية السؤال الفلسفي": ((كتبت هذا الفصل من خلال مُعايشتي لإبني "محمود"، في مرحلة طفولته البريئة، والمُدهشة بحق..، ولعل الدهشة والشغف في عيون إبني تجاه تفاصيل الحياة بوصفها تفاصيل جديدة في كونه الخاص، ورؤيتي له، كانا وراء التفكير في إعداد دراسة حول السؤال الفلسفي عند الأطفال، هذا السؤال الذي كان وراء إبداعات فلاسفة ومفكرين كِبار على مر العصور))، نستطيع أن نستشف من هذا النص حرص"الطنطاوي" على أن لا يُقدم الفلسفة للأطفال كنسق مُغلق، بل "كخبرة جمالية حية"، وهذا ما يجعل فكره مدخلاً ممتازاً للإستشارة الفلسفية للأطفال، لأنه يربط الفلسفة بالدهشة والجمال لا بالتعقيد.

لماذا يجب تدريس الفلسفة للأطفال؟

يُركز "الطنطاوي" على قضية مهمة تقع في صُلب الإستشارة الفلسفية وهي تتعلق "بالفلسفة للأطفال" Philosophy For Children التي يتم إختصارها الى ( PC4)، من خلال التركيز تحديداً على السؤال الفلسفي، حيث لاحظ الطنطاوي (توفر دراسات باللغات الأجنبية والعربية حول موضوع الفلسفة للأطفال بشكلٍ عام)، ولكن مع ندرة شديدة تُركز على موضوع (السؤال الفلسفي لديهم)، إذ لم ياخذ هذا السؤال الإهتمام الكافي في الفكر الفلسفي المعاصر في وقت كتابة هذا الكتاب في عام 2024)، من هنا جاءت أهمية هذه الدراسة الفلسفية التي يقدمها "الطنطاوي" لتُسلط الضوء على الإهتمام بهذا النوع من البحث الفلسفي الذي يهتم بقيمة السؤال الفلسفي بشكلٍ عام، وسؤال الطفل بشكل خاص، كما أشار"الطنطاوي" الى رأي استاذ الفلسفة الأمريكي (ماثيو ليبمان) الذي إشتهر بدعوته الى ضرورة تطوير التفكير النقدي عند الأطفال في مرحلة الطفولة وبالتحديد في سن الحادية عشرة وماقبلها، خصوصاً حينما لاحظ "ليبمان" أن طُلابه في الجامعة وإن كانوا قادرين على دراسة تاريخ الفلسفة، إلا أنهم غير قادرين على التفلسف، وهذا يرجع الى عدم ممارسة التفكير النقدي، وطرح السؤال منذ الطفولة، ونحن نعتقد أن دراسات الفلسفة التي أسسها "ماثيو ليبمان" تتفق مع ما يؤكده "الطنطاوي" في جمالياته في أن "الطفل يمتلك ما يفقده الكبير، وهو القدرة على الدهشة"، فالطفل يسأل: من هو الجميل؟ لماذا هذا عادل وهذا ليس عادلاً؟ ماذا يعني أن أكون طيباً؟ ماهي السعادة؟ إن هذه الأسئلة ليست أسئلة ساذجة، بل هي أسئلة فلسفية خالصة، لكن المشكلة تكمن في أن طريقة التدريس في المدرسة التقليدية تقتل السؤال بالإجابة الجاهزة، وهنا ياتي دور الإستشارة الفلسفية لتشجيع الأطفال "أن لا يخافو من التساؤل"، وأن يتعلموا الحوار، ويتدربوا على "فن طرح السؤال الصحيح".

وقد أورد الطنطاوي في هذا الكتاب بعض التجارب الدولية في تعليم الفلسفة للأطفال، حيث يذكر مركزين جديرين بإهتمامٍ خاص في مجال تنمية الفلسفة من أجل الأطفال، وقد إعتمد هذان المركزان في البداية "على منهج " ماثيو ليبمان"، إلا أنهما ضما فيما بعد مناهج أخرى، المركزان هما:

- معهد تطوير الفلسفة للأطفال (IPAC)، وقد تأسس في عام 1974.

- والمجلس العالمي للبحث الفلسفي مع الأطفال، وقد تأسس في عام 1975.

كما يوجد عبر العالم عدد من المجلات التي تهتم بالأنشطة الفلسفية للأطفال، منها:

- Childhood and Philosophy يُصدرها (ICPIC)، وتتضمن مقالات وتدوينات وبرامج دراسية ليس فقط للأطفال، بل الى كل من يُهمه أمر تدريس الفلسفة لليافعين.

- Aprendar a Pensar، حيث تنشُرها في إسبانيا المجلة الدولية للمراكز اللاتينية الأمريكية، للفلسفة من أجل الأطفال.

- Thinking Critical and Creative Critical، ينشرها مركز (LAPC)، منذ عام 1979م، وتُمثل منتدى يتعلق بأعمال الممارسين في مجال الفلسفة من أجل الأطفال.

- وفي ألمانيا هناك قطبان مهمان أحدهما حول أعمال "إكهارت مارتنزEkkehard Martens" (جامعة هامبورج)، والثاني حول "هيرب كارل فريدريك Friedrich Herb Regensburg"، (أستاذ كرسي التربية في مجال الفلسفة السياسية وتاريخ الأفكار بجامعة ريجنزبيرج Regensburg)

وكذلك يُشير "الطنطاوي" الى أن النموذج الإيطالي في تدريس الفلسفة في المدرسة يُعتبر نموذجاً مثالياً يُركز على تاريخ الفلسفة، وقد أتاح أحد المؤتمرات في عام 2003 من خلال الجمعية الفلسفية الإيطالية (SFI) وضع وتحديد الافاق والتطورات المُتعلقة بمنهج تدريس الفلسفة في إيطاليا.

وتُدَّرس الفلسفة في بعض المدارس الثانوية في العالم العربي، وهناك أقسام فلسفة في أغلب كليات الآداب، وأيضاً هناك في أفريقيا في كل من "كينيا" (شعبة الفلسفة بجامعة كينياتا)، وفي "نيجيريا" (معهد التربية)، وكذلك في جنوب إفريقيا، جامعة، Western Cape، في كلية التربية.

إن الفلسفة من أجل الأطفال تُمثل تجديداً في تاريخ تدريس الفلسفة في العالم المعاصر، ويُشير الطنطاوي الى أنه لأمر مُستحب أن تتعدد الممارسات الفلسفية في إستشارات الأطفال، وأن تتنوع الُسُبل التربوية والتعليمية في تدريس الفلسفة للأطفال، وذلك لأن سُبل الفلسفة ذاتها متنوعة ومُتعددة.

الإستشارة الفلسفية للأطفال برؤية "سامح الطنطاوي"

لو طبقنا منهج سامح الطنطاوي على الإستشارة الفلسفية للأطفال، سنخرج بثلاث مبادىء:

الأول: من المفهوم المجرد الى التجربة الجمالية:

لاتسأل الطفل ما هوتعريف العدالة؟ بل إعرض عليه قصة مصورة لوحة أو موقفاً من حياته، الطنطاوي يرى أن الجمال هو المدخل للفهم، فحين يرى الطفل صورة غير عادلة، سيشعر بالقُبح قبل أن يفهم الظلم، وهذا الشعور هو بداية التفلسف.

الثاني: المعلم ليس مُلقناً بل وسيطاً جمالياً:

في الإستشارة الفلسفية عند الطنطاوي، دور المًستشار ليس أن يُعطي،إجابة صحيحة، بل أن يوزع سلطة السؤال، كما يقول الطنطاوي في تحليله للجماليات، فإن العمل الفني عمل مفتوح، وكذلك حوار الأطفال يجب أن يكون عملاً مفتوحاً، يجلس فيه الأطفال في دائرة تكون (على شكل لُعبة)، يقترحون حلولاً ويبنون على أفكار بعضهم البعض، ويتعلمون فن السؤال، والحوار، والقدرة على الإنصات للآخرين، والتفكير النقدي البسيط المناسب لعمرهم.

الثالث: الإرشاد بالمعنى لا بالتشخيص:

الطفل الذي يُعاني من خوف أو غضب لا يحتاج الى "وصم بالتشخيص"، بل يحتاج الى مساحة آمنة ليسأل: ما الخوف؟ ما الغضب؟ ما السعادة؟، فالإستشارة الفلسفية للأطفال لاتُعالج الطفل، بل تُعلمه كيف يُفكر فيما يؤلمه، فيحوله من مُعاناة صامتة، الى سؤال قابل للفهم.

إن أهمية الإستشارة الفلسفية للأطفال عند " سامح الطنطاوي" تكمن في أنه أعاد الجمال من جديد الى قلب الفلسفة العربية" وبالأخص "الإستشارة الفلسفية عند الأطفال"، وهذا بالضبط ما تحتاجه الإستشارة الفلسفية للأطفال، وهو أن تُعيد للفلسفة جمالها، وللطفل حقه في أن يسأل دون خوف، فالفلسفة ليست فقط مادة تُدرس في المدرسة، أوالثانوية فحسب، بل هي حق إنساني منذ أن يندهش الطفل أول مرة ويسأل لماذا. أو كيف؟ تلك الدهشة لو حافظنا عليها يصبح لدينا جيل قادر على التفكير النقدي، والحفاظ على القيم الإنسانية، ويُجيد مهارات الحواروالتواصل الإجتماعي، وقادر على بناء المجتمع وتطويره.

***

شيماء هماوندي

...................

المصادر التي إستند إليها المقال:

1- مدخل الى الإستشارة الفلسفية، مصطفى النشار، وسامح الطنطاوي، 2024م.

2- الإستشارة الفلسفية عند جيرد آشينباخ، سامح الطنطاوي، 2018م.

3- الإستشارة الفلسفية بوصفها فناً، سامح الطنطاوي، 2023م.

أين تكمن مشكلة الدرس النحوي؟

لا خلاف في عظمة التراث النحوي العربي وما أنجزه علماؤنا الأوائل من جهود رائدة في وصف العربية وتقعيدها وحفظ نظامها. غير أن عظمة التراث لا تعني أن طريقة تنظيمه وتقديمه وتعليمه ينبغي أن تبقى على صورتها الأولى؛ فحاجات المتعلم قد تغيرت، والدراسات اللسانية الحديثة قدمت تصورات جديدة لطبيعة اللغة وآليات إنتاجها وفهمها. ومن هنا تبدو الحاجة إلى إعادة النظر في طريقة بناء القاعدة النحوية وتنظيمها وتعليمها، بما ينسجم مع طبيعة اللغة وحاجات المتعلم وما انتهت إليه الدراسات اللسانية المعاصرة.

إن الدعوة إلى تحديث قواعد النحو العربي ليست جديدة، فقد ظهرت منذ زمن بعيد محاولات متعددة لعلماء وباحثين سعوا إلى إعادة النظر في الدرس النحوي وتيسيره وإعادة تنظيمه، وأسهمت تلك المحاولات في فتح الطريق أمام التفكير في تجاوز بعض أوجه التعقيد في المنهج التقليدي.

ومن أبرز الداعين إلى تحديث الدرس النحوي أستاذي العلامة الدكتور مهدي المخزومي، ولا سيما في كتابه (في النحو العربي: نقد وتوجيه)، غير أن معظم تلك الطروحات على أهميتها، لم تنتظم تحت مظلة نظرية كلية تستوعب مختلف تفاصيل النظام النحوي وتقدم له إطارًا تفسيريًا موحدًا؛ ولذلك بقي جانب كبير من التقعيد والمناهج التعليمية مرتبطًا بالإطار التقليدي، ومستندًا إلى نظرية قديمة هي نظرية العامل.

ومن هنا يأتي هذا المقال محاولة لمواصلة تلك المسيرة، ولكن من خلال مشروع ذي إطار نظري قابل للتطبيق، يشمل الظاهرة اللغوية بجميع تفاصيلها، وتلك هي نظرية الصفر اللغوي التي تسعى إلى إعادة بناء العلاقات النحوية انطلاقًا من المعنى الكلي للجملة والسياق، ثم الانتقال إلى أجزائها.

ما نظرية الصفر اللغوي؟

تنطلق النظرية من أن هناك مجموعة محدودة من القواعد الأساسية التي تشترك فيها اللغات، في حين يختلف ظاهر كل لغة باختلاف الطريقة التي تدير بها تلك القواعد وتنظمها وتطبقها من خلال آليّاتها اللغوية الخاصة. ومن ثم فإن اختلاف اللغات في صورتها الظاهرة لا يعني بالضرورة اختلاف الأسس التي تقوم عليها عملية إنتاج اللغة.

وعند تطبيق هذه الرؤية في اللغة العربية تظهر نتائج يمكن أن تسهم في تحديث المنهج النحوي، وأن تستكمل المسيرة التي بدأها الداعون إلى تجديد الدرس النحوي، ولكن بمنهج يقوم على تنظيم القواعد وفق نظرية تتبنى المعنى والوظيفة والسياق.

لماذا سُمّيت نظرية الصفر اللغوي؟

سُمّيت النظرية (نظرية الصفر اللغوي) لأن الصفر يمثل مرحلة البدء والانطلاق؛ فالصفر اللغوي هو المرحلة التي يبدأ منها تكوين الجملة في الذهن، ويبدأ فيها الربط بين مكوناتها تمهيدًا للانتقال إلى إنتاج جمل لا حصر لها، مترابطة مع بعضها، تناسب مقتضى الحال والسياق الذي يحتضنها، ثم يأتي علم النحو ليضع لها القواعد المناسبة لنظام إنتاجها.

وبذلك لا يكون الصفر فراغًا لغويًا ولا يعني العدم، وإنما هو مرحلة البدء والتأسيس الذهني التي تسبق تشكل البنية اللغوية الظاهرة.

من الكل إلى الجزء

توصلت نظرية الصفر اللغوي إلى تصور لآليّة تكوين الجمل في الذهن. وهذه الآليّة لا تبدأ بالكلمات لتصل منها إلى المعنى الكلّي، وإنما ينطلق الذهن من الفكرة الكاملة، ثم يربط بين أجزائها، ثم يختار الكلمات والصيغ اللغوية المناسبة لتحقيقها في صورة جملة أو جمل مرتبطة مع بعضها، في ضوء القواعد الأساسية التي تفصلّها النظرية. (ينظر: نظرية الصفر اللغوي للنحو الكلي وتطبيقاتها في العربية، دار كنوز المعرفة، الأردن)، وهذا التصور يقود إلى مبدأ جوهري في النظرية، هو: الانتقال من الكل إلى الجزء، وليس من الجزء إلى الكل.

ويمثل هذا المبدأ أحد أهم الفروق المنهجية بين نظرية الصفر اللغوي والمنهج النحوي التقليدي؛ إذ يبدأ التحليل في المشروع المقترح من الوحدة الكلية ثم يتدرج إلى مكوناتها، بدلًا من أن يبدأ من الأجزاء المتفرقة ثم يحاول تركيب الكل منها.

ويكون التسلسل في التحليل على النحو الآتي:

النص - معناه الكلّي - أنواع الجُمل فيه - الروابط بين الجمل - الزمن المهيمن على النص والجمل في سياقها - معنى كل جملة - العلاقات النحوية بين أجزائها، كالفاعلية والمفعولية - تحديد زمن الفعل في ضوء السياق - علامات الإعراب.

وبذلك تصبح العلامة الإعرابية نتيجة لتحليل العلاقة والمعنى، لا نقطة البداية التي يُبنى عليها التقعيد.

مواضع نحوية بحاجة إلى التحديث

أولًا: إعادة ترتيب العلاقة بين المعنى والإعراب

من المبادئ الأساسية في نظرية الصفر اللغوي أن الإعراب والعلامات الإعرابية، من رفع ونصب وجر وجزم، رموز تشير إلى المعاني النحوية والوظائف التي تؤديها الكلمات في السياق.

أما في المنهج التقليدي فتجد أن العلامة الإعرابية محور مهم في تنظيم أبواب التقعيد؛ فتجمع المرفوعات في أبواب، والمنصوبات في أبواب، والمجرورات في أبواب، وتجمع موضوعات مختلفة تحت عنوان واحد بسبب اشتراكها في العلامة الإعرابية، مثل جمع كان وأخواتها، وجمع إن وأخواتها، وأدوات نصب الفعل المضارع وأدوات جزمه.

ولو لاحظنا الجُمل التي تشتمل عليها هذه الألفاظ لوجدناها مختلفة من حيث المعنى؛ فوجود ليس في مجموعة كان وأخواتها، ووجود لن مع أن، وكي، ولام التعليل، والفاء السببية، وإذن، ووجود ليت ولعل مع إن، وأن، وكأن، ولكن، يكشف اختلافًا واضحًا في المعاني التي تؤديها هذه العناصر، وإن اشتركت في بعض الخصائص الإعرابية.

أما في المنهج المقترح، فإن الاتجاه ينقلب: المعنى والوظيفة النحوية هما محور التقعيد، والعلامة الإعرابية تأتي نتيجة لهما ودليلًا عليهما.

وعليه، لا يكون السؤال الأول: ما العلامة الإعرابية لهذه الكلمة؟ وإنما: ما نوع الجملة التي تحتوي على هذه الكلمة؟ وما الوظيفة التي تؤديها في الجملة؟ وما العلاقة التي تربطها بغيرها؟ ثم تأتي العلامة الإعرابية لتدل على هذه الوظيفة حيث تكون ظاهرة أو مقدرة أو غير ذلك من صور النظام العربي.

ثانيًا: تعدد الدلالة الزمنية في الجملة العربية

في المنهج التقليدي تقسم الأفعال إلى ثلاثة: ماضٍ ومضارع وأمر. أما نظرية الصفر اللغوي فتوجه النظر إلى زمن الفعل من خلال السياق؛ لأن الصيغة الصرفية الواحدة قد تؤدي دلالات زمنية متعددة بحسب السياق.

وهذا لا يكشف فقط عن أهمية السياق في تحديد الزمن، وإنما يكشف كذلك عن ثراء اللغة العربية وقدرتها على التعبير مهما تعددت الدلالات الزمنية، وهو أمر تشترك فيه العربية مع لغات أخرى؛ فاللغة الإنجليزية، مثلًا، تستعمل صيغًا وتراكيب متعددة للتعبير عن فروق زمنية دقيقة، ومن ثم فإن تعدد الدلالة الزمنية في العربية ليس خروجًا عن طبيعة اللغات، بل هو مظهر من مظاهر ثرائها و قدرتها على التعبير عن المعاني الزمنية المتنوعة.

ومن أمثلة الدلالات الزمنية التي يمكن أن يؤديها الفعل في العربية بحسب السياق:

- الماضي: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾.

- الماضي التام: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾.

- الماضي المستمر: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾.

- المستقبل المؤكد: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾.

- الحاضر أو المطلق: تشرق الشمس من الشرق.

- المستقبل القريب أو البعيد: سيفوز فريقنا، أو سوف يفوز فريقنا.

فهذه الأمثلة تبين أن الدلالة الزمنية ينبغي ألّا تُفهم بمعزل عن السياق الذي ترد فيه الصيغة، وأن الصيغة الواحدة قد تتسع لدلالات زمنية مختلفة بحسب المقام والسياق.

ويمكن ملاحظة الفرق في معالجة الفعل في هاتين الآيتين الكريمتين:

 في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ وقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

يعامل الفعل (جاء) والفعل (أتى) في المنهج التقليدي بوصفه فعلًا ماضيًا بحسب صيغته، في أي سياق يرد فيه.

أما في نظرية الصفر اللغوي، فإن التحليل ينظر إلى الزمن الذي يؤديه الفعل في سياقه؛ فالفعل (جاء) والفعل (أتى) هنا يؤديان دلالة المستقبل في السياق القرآني، ولذلك يمكن وصف كل منهما من جهة دلالته الزمنية بأنه فعل يدل على المستقبل المؤكد.

فلا يقال، بحسب نظرية الصفر اللغوي، إنه (فعل ماضٍ)، وإنما يقال: فعل، زمنه المستقبل.

وهذا يعني عدم ربط الزمن بصيغة الفعل في الاصطلاح، إذ يكفي أن يعرف الطالب أنه فعل، ثم يحدد زمنه حسب السياق الذي يرد فيه.

وهنا يبرز الفرق بين النظر إلى الصيغة وحدها، وهي مجردة من سياقها، والنظر إلى الصيغة في سياقها وحسب معناها.

ثالثا: موضوعات بحاجة إلى إعادة النظر في تحليلها

1- العلاقة الوظيفية بين ركني الإسناد

مثال: زيدٌ نجحَ

بحسب التحليل التقليدي القائم على نظرية العامل:

زيد: مبتدأ مرفوع.

نجح: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير مستتر تقديره «هو».

والجملة الفعلية (نجح) في محل رفع خبر للمبتدأ.

أما في نظرية الصفر اللغوي، فينظر إلى العلاقة بين الركنين في ضوء الوظيفة التي يؤديها كل ركن:

زيد: فاعل مقدم.

نجح: فعل، زمنه الماضي.

ومثل ذلك: الطلاب نجحوا.

في المنهج التقليدي:

الطلاب: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة.

نجحوا: فعل ماضٍ مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة.

الواو: ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل.

والجملة الفعلية في محل رفع خبر للمبتدأ.

أما في نظرية الصفر اللغوي:

الطلاب: فاعل مقدم مرفوع وعلامة رفعه الضم.

نجحوا: فعل، زمنه الماضي، والواو لاحقة تشير إلى أن الفاعل جمع مذكر.

ومثل ذلك الألف في «الطالبان نجحا»، والنون في «الطالبات نجحن»؛ فكل ما اتصل بالفعل إنما هو لواحق تشير إلى الفاعل المتقدم.

مثال قرآني في بناء الجملة

في قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ.... علمت نفس ما قدمت وأخرت﴾

يختلف التحليل بين النظريتين.

في المنهج التقليدي، القائم على نظرية العامل، يقال:

إذا: أداة شرط غير جازمة لما يستقبل من الزمان.

السماء: فاعل لفعل محذوف وجوبًا يفسره الفعل المذكور، والتقدير: إذا انفطرت السماء انفطرت. (هنا يٌفرض على النص كلمات لا وجود لها في واقع الآية)

انفطرت: فعل ماضٍ مبني على الفتح، مؤكد للفعل المحذوف.

التاء: تاء التأنيث الساكنة لا محل لها من الإعراب.

أما في نظرية الصفر اللغوي، فينظر إلى الجملة في بنائها الظاهر والعلاقة المعنوية بين كلماتها في السياق:

إذا: أداة شرط لما يستقبل من الزمان.

السماء: فاعل مقدم مرفوع.

انفطرت: فعل، زمنه المستقبل بالنظر إلى السياق.

التاء: لاحقة دالة على الفاعل المؤنث.

وبذلك يُستغنى عن افتراض الحذف والتقدير حين لا تكون هناك حاجة إليه في تفسير العلاقة القائمة بين الكلمات في الجملة.

2-  إعادة النظر في معالجة «كان وأخواتها»

لنأخذ مثالين:

كان زيدٌ معلمًا.

كان زيدٌ يعلّمُ الأولادَ.

بحسب نظرية العامل والمنهج التقليدي، تعد كان وأخواتها أفعالًا ناقصة تدخل على المبتدأ والخبر، فترفع الأول ويسمى اسمها، وتنصب الثاني ويسمى خبرها.

فإذا كان الخبر فعلًا، يعرب الفعل على أن فاعله ضمير مستتر تقديره «هو»، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان. وهذا يعني تقدير ما لا حاجة لتقديره لأنه مذكور في الجملة.

أما بحسب نظرية الصفر اللغوي، فإن الاتجاه يكون نحو المعنى الذي تؤديه هذه العناصر في الجملة وفي السياق.

وينظر إلى كان وأخواتها، باستثناء (ليس لاختلاف وظيفتها الدلالية)، بوصفها موجّهات للزمن؛ لأنها في الغالب لا تتضمن في بنائها حدثًا مستقلًا وحدوثًا، ولكن وجودها في الجملة يوجه زمن الفعل الذي ترافقه هذه الألفاظ.

والزمن يهيمن على الجمل، أيا كان نوعها، سواء أكانت جملًا فعلية أم جملًا اسمية.

كان زيدٌ معلّمًا: جملة خبرية، زمنها الماضي لوجود «كان». زيد: مخبر عنه أو مسند إليه مرفوع. معلّمًا: خبر منصوب.

كان زيدٌ يعلّمُ الأولادَ : (كان يعلّم) فعل، زمنه الماضي لاقترانه بـ«كان». زيد: فاعل مرفوع. الأولاد: مفعول به منصوب.

وهنا يتم التعامل مع (كان يعلّم) على أن هذين الجزأين يعبران عن فعل واحد لا يصح فصله عند التحليل.

ومثل ذلك: أمسى المريضُ يتألمُ.

المريض: فاعل مرفوع.

أمسى يتألم: فعل، زمنه الماضي وقت المساء.

إذن «أمسى» توجه زمن الحدث إلى الماضي المرتبط بوقت المساء.

وهكذا يصبح التقعيد قائمًا على الوظائف التي تؤديها الكلمات في الجملة وفي السياق، أي على المعنى، لا على مجرد إدراج هذه الأدوات في باب واحد بسبب العلامات الإعرابية.

3-  إعادة النظر في أفعال المقاربة والشروع

مثال: كاد الطفلُ يغرقُ.

في المنهج التقليدي، بحسب نظرية العامل:

كاد: فعل ماضٍ مبني على الفتح.

الطفل: اسم كاد مرفوع بالضمة.

يغرق: فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على الطفل.

والجملة الفعلية في محل نصب خبر كاد.

أما في ضوء نظرية الصفر اللغوي، فما سمي أفعال المقاربة والشروع لا ينظر إليها على أنها أفعال؛ لأنها لا تتضمن الحدث والحدوث اللذين هما ركيزة البناء الفعلي، وإنما هي ألفاظ توجه حدوث الفعل المقترنة به، فتوجهه نحو المقاربة أو نحو الشروع.

لذلك لا تفصل (كاد (عن (يغرقُ) في مثل هذه الجملة، وإنما تحلل على النحو الآتي:

كاد يغرق: فعل قريب الحدوث، زمنه الماضي.

الطفل: فاعل مرفوع.

وبذلك تنتقل المعالجة من حفظ أبواب وتصنيفات قائمة على العمل الإعرابي إلى فهم الوظيفة التي تؤديها الكلمة داخل المعنى الكلي للجملة.

4-  إعادة النظر في دراسة الجمل المنفية والأدوات

في المنهج التقليدي، وحسب نظرية العامل، توزعت دراسة الجمل المنفية بين أدوات جزم الفعل المضارع، وهي كثيرة وسياقاتها متنوعة ومختلفة من حيث المعنى، ومن هذه الأدوات (لم) ، أما (لن) فجاءت مع أدوات نصب الفعل المضارع، وهي كثيرة أيضًا وسياقاتها مختلفة من حيث المعنى .

وهذا يعني أن المنهج التقليدي جمع أدوات لا يربطها رابط معنوي، وكل ذلك بسبب التركيز على العلامة الإعرابية وجعلها محور التقعيد.

فقد جمع المنهج التقليدي (لن) مع (أن، وكي، ولام التعليل، والفاء السببية، وإذن) على أنها أدوات نصب الفعل المضارع، فيضطر الطالب إلى حفظها، والحفظ، إن لم يكن مقترنًا بالفهم النابع من واقع اللغة، سرعان ما يُنسى.

أما في ضوء نظرية الصفر اللغوي، فتدرس الجمل المنفية وكل ما يتعلق بها في موضوع واحد:

لا يكذبُ زيدٌ: النفي في الحاضر والمطلق.

لم يكذبْ زيدٌ النفي في الماضي.

لن يكذبَ زيدٌ : النفي في المستقبل.

وبذلك يكون اختلاف العلامات الإعرابية على الفعل إشارة إلى اختلاف المعنى.

أما (أن، وكي، ولام التعليل، والفاء السببية، وإذن)، بعد إخراج (لن) من المجموعة، فهي أدوات ربط بين عبارتين لتتألف منهما جملة واحدة ، نحو : يدرس الطالب كي ينجح ، يسرني أن تنجح.

أو ربط بين جملتين في سياق بين متكلم ومتلق، كقولك: يقرأ زيدٌ كثيرًا، فيكون التعقيب من المتلقي: إذن ينجحَ. وكذا باقي أدوات الربط، والفعل المرتبط يكون منصوبًا.

وهناك موضوعات أخرى يمكن معالجتها بالطريقة نفسها، من حيث النظر إلى معنى الجملة في سياقها، ثم الوظائف التي تؤديها الكلمات داخل الجملة من أجل تحقيق المعنى المقصود، وتكون العلامات الإعرابية إشارات إلى اختلاف الوظائف التي تؤديها الكلمات في الجملة.

نحو مشروع قابل للمناقشة والاختبار

إن القصد من هذا المشروع ليس إلغاء التراث النحوي، ولا إنكار ما أنجزه علماؤنا، وإنما إعادة النظر في مسار بناء القواعد وتنظيم أبوابها وتعليمها بالطريقة التي تناسب فكر الدارسين في العصر الحديث، والإفادة مما توصلت إليه الدراسات اللسانية الحديثة في توجيه النظر إلى المعنى والسياق والوظيفة النحوية، وتأتي العلامة الإعرابية في موقعها الطبيعي بوصفها رمزًا ودليلًا على تلك الوظائف.

وإذا كان تحديث النحو العربي قد شغل عددًا كبيرًا من علمائنا وباحثينا، فإن الحاجة اليوم تبدو مهيأة للانتقال إلى مرحلة اتخاذ القرار بشأن التحديث واختبار نظرية الصفر اللغوي بوصفها نظرية قادرة على تقديم منهج متكامل يعدّل مسار المنهج التقليدي في المواضع التي باعد فيها بين القاعدة والمعنى والوظيفة التي تؤديها الكلمات في سياقها، مع الأخذ بالمقترحات البناءة لسد الثغرات إن وجدت.

ومن هنا أقترح أن يناقش الأساتذة المتخصصون في اللسانيات العربية وغير العربية هذا المشروع، وأن تضم اللجنة العلمية متخصصين في النحو واللسانيات العربية إلى جانب متخصصين في لسانيات اللغات الأخرى، بما يتيح مقارنته بالمناهج النحوية المعروفة في اللغات الأخرى، وبيان مدى صلاحيته للإسهام في تحديث قواعد اللغة العربية وإعادة بناء مناهج تعليمها.

فاللغات، على تنوعها واختلاف تفاصيلها، سواء أكانت لغات معربة أو غير معربة، أو اشتقاقية أو غير ذلك، تشترك في منطق موحد هو التعبير عن المعاني، ومن هنا تأتي أهمية إخضاع المشروع للمناقشة العلمية والمقارنة والاختبار.

إن عزوف الطلبة عن تعلم العربية، بل والتندر على بعض قواعدها في قولهم (كان وأخواتها وبنات عمها وبنات خالاتها)، يقتضي فتح باب الدراسة والمناقشة لهذا المشروع، والبحث في إمكان بناء درس نحوي يجعل القاعدة وسيلة للفهم لا غاية قائمة بذاتها.

والغاية ليست استبدال نظرية بنظرية لمجرد الرغبة في التغيير، وإنما الوصول إلى منهج علمي أكثر اتساقًا مع طبيعة اللغة:

يبدأ من الكل إلى الجزء، ومن المعنى إلى الوظيفة، ومن الوظيفة إلى العلامة، ويجعل القاعدة وسيلة لفهم اللغة لا غاية قائمة بذاتها.

والله عزّ وجل من وراء القصد.

***

د. سناء حميد البياتي

قراءة تأويلية في المشهد الراهن

ليست كلّ إصابةٍ ألمًا، كما ليست كلُّ معاناةٍ قابلةً للاختزال في الألم. هذه التفرقة الريكورية، التي تبدو في ظاهرها لغوية، تنفتح في العمق على أنطولوجيا كاملة للإنسان: ماذا يعني أن نتألم؟ وماذا يعني أن نعاني؟ وأين يبدأ الألم بوصفه إحساسًا، وأين تبدأ المعاناة بوصفها اختلالًا في علاقتنا بأنفسنا وبالآخر وبالعالم؟

في نصه الشهير «المعاناة ليست الألم» (La souffrance n’est pas la douleur)، يحرص بول ريكور على ألا يجعل المعاناة مجرد اسم آخر للألم. فالألم، في أحد مستوياته، يتعلق بما يُحَسّ في الجسد أو النفس، أما المعاناة فتتصل، على نحو أعمق، بانحسار القدرة الإنسانية: القدرة على الفعل، والكلام، والسرد، وتقدير الذات، والدخول في علاقة مع الآخر. لذلك فالمعاناة ليست مجرد «ألم أشد»، وإنما هي تجربة يتراجع فيها الإنسان عن إمكاناته التي كان بها يسكن العالم.

ومن هنا يمكن أن نقرأ الراهن الجزائري، في لحظاته المثقلة بالفقد والحرائق والخوف والقلق الجماعي، لا من جهة ما أصاب الأجساد والأمكنة فقط، بل من جهة ما أصاب معنى العيش المشترك. فالكارثة حين تقع لا تترك وراءها رمادًا ماديًا فحسب؛ إنها تترك سؤالًا معلقًا في الذاكرة: ماذا حدث لعلاقتنا بالمكان؟ ماذا حدث لشعورنا بالأمان؟ وكيف يمكن أن يستعيد الإنسان قدرته على النظر إلى الغد بعد أن اهتزّ العالم الذي كان يظنه مألوفًا؟

هنا تصبح عبارة ريكور أكثر من أطروحة فلسفية: «المعاناة ليست الألم» ليست فصلًا بين تجربتين، بل انتقال من مستوى الجسد إلى مستوى العلاقة. الألم يمكن أن يكون في الجسد؛ أما المعاناة فتحدث في المسافة بين الإنسان والعالم.

فالذي فقد مأواه لا يعاني فقط من ألم الفقد، وإنما من اختلال معنى «المأوى». والذي رأى النار تقترب من أرضه لا يتألم فقط من مشهد الاحتراق، بل يعاني من اهتزاز صورة المكان الذي كان يمثل له السكينة والذاكرة والانتماء. والذي فقد عزيزًا لا يحمل ألم الغياب فحسب؛ إنه يجد نفسه أمام عالم تغيرت فيه بنية الحضور نفسها. ولذلك فإن المعاناة، بالمعنى الريكوري، هي نوع من الجرح الذي يصيب العلاقة قبل أن يصيب الشيء.

من الإنسان المتألم إلى الإنسان القادر.

تنبني فلسفة ريكور للمعاناة على فكرة القدرة (capacité). فالذات عنده ليست ذاتًا مكتفية بالتأمل في نفسها، وإنما هي ذات تستطيع: تستطيع أن تقول، وأن تفعل، وأن تحكي، وأن تتحمل مسؤولية أفعالها، وأن تتعرف إلى نفسها من خلال علاقتها بالآخر. ومن ثم فإن المعاناة تظهر حين تتعرض هذه القدرة للتقلص أو الانسحاب. وهذا ما يجعلها مختلفة عن الألم في دلالته الضيقة.

وهذا المفهوم يسمح لنا بأن نفهم الراهن الجزائري من زاوية أكثر إنسانية. فالمأساة لا تُقاس فقط بحجم الخسائر، بل أيضًا بمقدار ما تحدثه من عجز في القدرة على الفعل. قد يجد الإنسان نفسه غير قادر على إنقاذ ما يحب، أو عاجزًا عن حماية المكان، أو غير قادر على تفسير ما حدث، أو فاقدًا للكلمات التي كان يستطيع بها أن يحكي تجربته.

عند هذه النقطة يصبح الصمت نفسه جزءًا من المعاناة.

فالإنسان المعاني ليس فقط من يتوجع؛ إنه أحيانًا ذلك الذي لا يجد اللغة الكافية لقول وجعه. ومن هنا تأتي أهمية السرد عند ريكور. فالإنسان لا يستعيد ذاته بمجرد أن ينسى ما حدث، وإنما من خلال القدرة على إعادة صياغة التجربة داخل قصة تمنحها موضعًا في الزمن. ولهذا يرتبط الألم عند ريكور ارتباطًا وثيقًا بالسرد والذاكرة والهوية.

إن الكارثة، حين لا تُروى، تبقى جرحًا بلا لغة. أما حين تتحول إلى ذاكرة جماعية، فإنها تبدأ في مغادرة صمت الصدمة نحو إمكان المعنى.

الآخر: من العزلة إلى التضامن

لكن المعاناة لا تنكشف فقط في علاقة الإنسان بنفسه؛ إنها تظهر كذلك في علاقته بالآخر. وهنا تتقاطع فلسفة ريكور مع فكرة التضامن تقاطعًا بالغ العمق. فالمعاناة قد تدفع الإنسان إلى الانغلاق والعزلة، إلى الشعور بأنه وحيد داخل تجربته، وأن الآخرين يقفون خارج عالمه. وقد أشار ريكور إلى هذا البعد في تحليله للمعاناة، حيث تتقاطع علاقة الذات بالآخر مع تجربة فقدان القدرة.

لكن ما حدث في الجزائر راهنا يتيح لنا أن نرى الوجه المقابل: التضامن بوصفه مقاومة لعزلة المعاناة.

فاليد التي تمتد إلى المتضرر لا تزيل عنه ألمه، لكنها تقول له إن ألمه لم يعد محكومًا بالعزلة. والجماعة التي تلتف حول من أصابته الكارثة لا تلغي الفقد، لكنها تمنح الفقد معنى آخر: معنى أن الإنسان يمكن أن يُحمل في ضعفه كما يُحمل في قوته.

وهنا تتخذ كلمة «معًا» دلالتها الفلسفية.

ليست «معًا» مجرد اجتماع مكاني، وإنما هي صيغة أخلاقية للوجود. إننا نكون معًا حين يصبح ضعف الآخر شأنًا يخصنا، وحين لا نكتفي بمشاهدة المعاناة من الخارج. وفي هذا المعنى يمكن القول إن التضامن هو استعادة مشتركة للقدرة: قدرة المتضرر على النهوض، وقدرة الجماعة على الاعتراف، وقدرة المجتمع على تحويل المأساة إلى مسؤولية.

الجزائر: حين تصبح الكارثة سؤالًا تأويليًا

ليس التأويل عند ريكور ترفًا لغويًا يُمارس بعد انتهاء الأحداث؛ إنه فعل يمنح التجربة إمكانية أن تُفهم. وما حدث في الجزائر لا يحتاج فقط إلى من يسجل وقائعه، وإنما إلى من يسأل عن معناه الإنساني.

ماذا تقول لنا هذه الكارثة عن علاقتنا بالطبيعة؟

ماذا تقول عن معنى الوطن؟

ماذا تقول عن هشاشة الإنسان؟

وماذا تقول عن قدرتنا على أن نحول الخوف إلى تضامن؟

هذه الأسئلة لا تبحث عن «سبب» بالمعنى التقني وحده، بل عن المعنى الذي يمكن أن يتولد من الحدث.

وهنا تظهر الوظيفة التأويلية للفلسفة: ألا تجعل المأساة مجرد نهاية، بل أن تبحث عن الإمكان الكامن في داخلها. ليس الإمكان بمعنى تبرير الكارثة، فالمعاناة لا تحتاج إلى تبرير، وإنما بمعنى أن ما حدث يمكن أن يصبح مناسبة لإعادة بناء علاقتنا بالآخر وبالمكان وبالمستقبل.

لقد كان ريكور حذرًا من اختزال الإنسان في كونه ذاتًا فاعلة فقط؛ فالإنسان أيضًا كائن يتلقى ويعاني ويتعرض لما يفوق قدرته. لكن هذا الجانب المنفعل لا يلغي القدرة تمامًا؛ إذ يبقى هناك «أقل قدر من الفعل» في القدرة على التحمل والمقاومة وإعادة بناء المعنى. وقد ربط ريكور نفسه بين agir وpâtir، بين الفعل والتعرض للمعاناة.

وهنا تكمن إحدى أكثر أفكاره إنسانية: أن الإنسان قد لا يستطيع اختيار ما يحدث له، لكنه يستطيع، ضمن حدود مؤلمة، أن يشارك في تحديد ما سيصير إليه بعد ما حدث له.

الذاكرة بوصفها مسؤولية

ولذلك لا ينبغي أن يكون السؤال بعد الكارثة: متى ننسى؟

بل: كيف نتذكر؟

فالنسيان قد يغلق الجرح ظاهريًا، لكنه لا يمنحه بالضرورة معنى. أما الذاكرة التأويلية فليست إعادة اجترار للمأساة، وإنما تحويلها إلى مسؤولية. وهذا يلتقي مع مشروع ريكور الأوسع في التفكير في الذاكرة والتاريخ والنسيان، حيث تصبح علاقتنا بالماضي جزءًا من مسؤوليتنا تجاه الحاضر والمستقبل.

أن نتذكر يعني أن نرفض أن يتحول الألم إلى رقم، وأن يتحول الفقد إلى خبر، وأن تتحول الكارثة إلى صورة عابرة في شاشة الذاكرة.

أن نتذكر يعني أن نقول: لقد حدث هذا، ولذلك ينبغي أن نتعلم كيف لا نترك معناه يضيع.

من المعاناة إلى الرجاء

لا تنتهي القراءة الريكورية عند تشخيص الجرح. فريكور، رغم حساسيته العميقة تجاه الشر والمعاناة والهشاشة، لا يترك الإنسان في عتمة العبث. إن فلسفته تقوم، في جانب منها، على استعادة إمكان الفعل من قلب العجز، وإمكان السرد من قلب الصمت، وإمكان الاعتراف من قلب الانقسام.

ولهذا يمكن للراهن الجزائري أن يُقرأ بوصفه لحظة اختبار للقدرة على تحويل المعاناة إلى تضامن، والتضامن إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى رجاء.

والرجاء هنا ليس تفاؤلًا ساذجًا. إنه ليس الاعتقاد بأن كل شيء سيكون بخير، وإنما هو القدرة على إبقاء المستقبل مفتوحًا رغم أن الماضي لا يمكن تغييره.

إن النار لا تعيد ما أخذته. والفلسفة لا تستطيع أن تفعل ذلك. لكنها تستطيع أن تسأل: ماذا سنفعل بما بقي؟

وهذا هو السؤال الريكوري في أعمق صوره.

فالإنسان ليس فقط ما أصابه، وإنما أيضًا ما يستطيع أن يصنعه من أثر ما أصابه.

ومن هنا، فإن الألم يخص الجسد، لكن المعاناة تخص الوجود؛ الألم يُحَسّ، أما المعاناة فتُعاش؛ الألم يوجع الإنسان، أما المعاناة فتضعه أمام هشاشة قدرته على أن يكون وأن يفعل وأن يقول وأن يعيش مع الآخرين.

وفي المشهد الجزائري الراهن، ربما كان الدرس الأكثر إنسانية أن الكارثة، وهي تكشف هشاشتنا، كشفت في الوقت نفسه إمكانية أخرى: أن تتحول هشاشة الفرد إلى قوة الجماعة، وأن يتحول جرح الواحد إلى مسؤولية الجميع.

وهنا لا يعود التضامن مجرد فضيلة اجتماعية، بل يصبح جوابًا تأويليًا عن المعاناة.

إننا لا نداوي المعاناة بالكلمات وحدها، ولا نتجاوزها بمجرد النسيان؛ وإنما نمنحها إمكانًا جديدًا حين نعيد الإنسان إلى شبكة العلاقات التي تمنحه القدرة على الفعل والقول والرجاء.

وربما لهذا يمكن أن نختم، مع ريكور، لا عند حدود السؤال: «كيف نتألم؟»، وإنما عند السؤال الأبعد:

كيف نعيد إلى الإنسان، بعد المعاناة، قدرته على أن يقول: أنا، وأن يقول معها: نحن؟

ففي المسافة بين «أنا» و«نحن» يولد التضامن، وفي المسافة بين الجرح والمعنى يبدأ التأويل.

الألم يطرق باب الجسد؛

أما المعاناة فتطرق باب العالم.

والتأويل لا يغلق الباب، بل يعلّمنا كيف نفتح منه نافذة على الغير.

***

بقلم: د. معروفي العيد

...................

الهوامش:

1. Paul Ricœur, «La souffrance n’est pas la douleur», in Claire Marin et Nathalie Zaccaï-Reyners (dir.), Souffrance et douleur. Autour de Paul Ricœur, Paris, PUF, 2013, pp. 13–34.

2. Paul Ricœur, «La souffrance n’est pas la douleur»,op,  cit.

وهو النص الذي صاغ فيه ريكور التمييز بين souffrance وdouleur بصورة مباشرة.

Paul Ricœur, Soi-même comme un autre, Paris, Seuil, 1990. ويحتل فيه سؤال الذات والغير والقدرة والمسؤولية موقعًا مركزيا.

. 3Paul Ricœur، Du texte à l’action. Essais d’herméneutique II, Paris, Seuil, 1986في صلته بمشروع ريكور التأويلي الذي ينتقل من فهم النص إلى فهم الفعل

بوسايدون وأثينا كاستعارتين لجدلية القوة والمؤسسة

الميثولوجيا التفكيكية للسيادة

لقراءة البنية التحتية للهيمنة المعاصرة، تتيح الرمزية الأسطورية الإغريقية أداة تفكيكية ترفع الغطاء عن الأقنعة الأيديولوجية للنظام الدولي؛ فالنزاع الأسطوري التأسيسي بين بوسايدون وأثينا ، حول حق رعاية مدينة أثينا، يجسد صراعاً وجودياً بين نمطين من القوة والسلطة. هذا التقابل ليس مجرد مروية خيالية، بل هو ترسيمة فلسفية تتقاطع بعمق مع الجغرافيا السياسية ونظريات العنف والسيادة.

السيادة البحرية الإمبراطورية والعنف الخام

يُجسد بوسايدون في التحليل الفلسفي الجيوسياسي ، الذي استعاده كارل شميت في أطروحته "الأرض والبحر"، ومثله أفلاطون في محاورة "كريتياس" حول قارة أطلانطس المفقودة،منطق السيادة البحرية الحركية القائمة على الوفرة المادية، والتدفقات التجارية، والقدرة التدميرية الساحقة التي ترفض التقيد بالحدود الثابتة لناموس الأرض المستقر. إن بوسايدون هو التمثيل الرمزي للقوة العسكرية العاتية، وللقبضة البحرية الإمبراطورية القادرة على إحداث الزلازل وإثارة العواصف لفرض الهيمنة وتأمين المضائق والممرات الحيوية. وعندما يستشعر الوكلاء الإقليميون الخطر الداهم، فإن استغاثتهم تتجه تلقائياً إلى بوسايدون؛ أي أنهم يطالبون الراعي الإمبراطوري بإطلاق العنان للقوة التدميرية الفجة، واستخدام الأساطيل الجوالة وحاملات الطائرات والضربات الصاروخية لردع الخصوم وتثبيت الأوضاع بالقوة الصلبة العارية.

عقلنة العنف وتأطير القانون

في الجانب المقابل، تمثل أثينا سلطة العقل المؤسسي، والتخطيط العقلاني البارد، والمكر التقني الذي يعيد إنتاج السيطرة دون استعمال الصدمة التدميرية العشوائية، بل عبر الهيكلة الإجرائية والقانونية. وكما يظهر في ثلاثية "الأوريستيا" لإسخيلوس، لم تضع أثينا حداً للعنف حينما أقامت محكمة التل العالي "الأريوباغوس" لحل نزاع أوريستيس وتهدئة ربات الانتقام، بل قامت بامتصاص العنف البدائي وإدماجه داخل نسيج القانون والدولة، محولةً الثأر الغريزي إلى قضاء منظم ومحتكر.

يرتبط هذا الانقلاب مباشرة بأطروحة فالتر بنيامين في مؤلفه التأسيسي "نقد العنف"؛ إذ يفكك بنيامين الأصول الميثولوجية للقانون عبر التمييز الحاسم بين "العنف المؤسس للقانون" و"العنف الحافظ للقانون". ويوضح بنيامين أن القانون ليس نقيضاً للعنف، بل هو تمظهر أسطوري له يتخذ شكل عنف يفرض الحدود ويُخضع الحياة الإنسانية المجردة لسلطة الذنب والواجب الدائمين. وتلعب أثينا هنا دور الحارس لهذا العنف الأسطوري المنظم؛ فعندما يشتكي الوكلاء بمرارة ويطلبون تدخلاً عسكرياً بطاشاً، تتدخل أثينا لتزجرهم وتكبح جماحهم، ليس حرصاً على إرساء السلم، بل إعلاءً لعقلانية "النظام القائم على القواعد"، وتذكيراً بالتكاليف الحسابية، والمصالح البيروقراطية العليا، والمشروطية الاقتصادية والسياسية التي تمنع التورط في مغامرات غير محسوبة العواقب.

توحش السيادة والتفكيك البنيوي

يتعمق التناقض عند تفكيك بنية السيادة ذاتها من منظور جاك دريدا في كتابيه "الدول المارقة" و"الوحش والسيّد"؛ إذ يكشف دريدا أن السيّد المطلق يتقاطع وجودياً مع "الوحش" أو الكيان "الخارج عن القانون"؛ فكلاهما يشترك في خاصية مفصلية تتجلى في التواجد خارج القانون والتعالي عليه. فالوحش يجهل القانون بحكم طبيعته الغريزية، بينما السيّد يمتلك سلطة تعليق القانون وإعلان حالة الاستثناء وفق النموذج الشميتي.

تتجلى في هذا السياق آلية "الانتحار المناعي الذاتي" للسيادة؛ حيث إن النظام السيادي، في مسعاه لحماية حصانته ومناعته من الاختراق والانهيار، يلجأ إلى ممارسات استثنائية تؤدي إلى تقويض الأسس والمبادئ القانونية والمعيارية التي يستمد منها مشروعيته ذاتها. وهكذا تتحول الدولة الإمبراطورية الحامية إلى قوة تمارس الخروج والمراوغة حيال القواعد الدولية حين تقتضي مصلحتها ذلك، في حين تُطالب الأطراف التابعة إقليمياً بالخضوع التام للترتيبات الإجرائية، ما يجعل مشروعية القرار السياسي للدول التابعة معلقة في فراغ بنيوي بين توحش السيادة الإمبراطورية وعقلانية القوانين المفروضة قسراً.

تسليع السيادة وشبكات التبعية

لم تعد السياسة الليبرالية المستحدثة تقتصر على كونها نهجاً اقتصادياً يعتمد الخصخصة وتحرير الأسواق، بل تحولت، وفق تشريح الفيلسوفة ويندي براون في كتابها تفكيك الشعب:" الثورة الخفية لليبرالية المستحدثة"، إلى "عقلانية حكمية" شاملة تتسلل إلى مفاصل الحياة الاجتماعية والسياسية برمتها. تقوم هذه العقلانية بـ "تسليع" كل مجال وتغليبه اقتصادياً، مستبدلة مقولة الفاعل السياسي والمواطن الديمقراطي بمقولة "الإنسان الاقتصادي"، ومعيدةً صياغة مؤسسات الدولة ذاتها وفق نموذج "المنشأة الاستثمارية" أو الشركة التجارية التي تلهث خلف تعظيم قيمتها، وتنافسيتها، وإدارتها للمخاطر المالية.

يتلاقى هذا النموذج البنيوي مع إفرازات ما يُعرف بـ "الإدارة العامة الحديثة" التي نشأت لتطبيق تقنيات إدارة الأعمال الخاصة على أجهزة الدولة ومرافق الخدمة العامة. وقامت هذه العقيدة الإدارية على نزع الطابع السياسي عن الشأن العام، وتحويل المواطن من صاحب حقوق سيادية يشارك في الفضاء المدني إلى "مستهلك أو زبون" يُقيّم أداء مؤسساته بناءً على معايير الكفاءة والرضا الفردي وسرعة تقديم الخدمة. وعندما تسللت هذه العقلانية إلى العلاقات الدولية والدبلوماسية في الشرق الأوسط، أفرزت نمطاً مشوهاً لإدارة التحالفات الإقليمية يمكن توصيفه بنموذج "خدمة الزبائن الجيوسياسية":

يمارس النظام الإقليمي التابع سياسته الخارجية كزبون يشتري "حزمة أمن وحماية" من مراكز القوة الكبرى، متوهماً أن سداد التكاليف يمنحه حق الحصول على تغطية أمنية فورية ومضمونة. وعندما تواجه الدولة الإقليمية أزمات أمنية تهدد استقرارها، فإنها تلجأ إلى القنوات الدبلوماسية لا كشريك إستراتيجي يمتلك أهلية المبادرة، بل كزبون يرفع مذكرة شكوى إلى قسم الدعم الفني، مطالباً بالتدخل العسكري لحماية استثماراته وتأمين حدوده. غير أن هذه الشكوى تُقابل بزجر فوري من مراكز الهيمنة؛ إذ ترفض هذه المراكز التصرف كحليف التزامي تقليدي، وتتعامل بمنطق المشروطية وتقاسم الأعباء، مطالبة الزبون بتعديل سلوكه، ومضاعفة مساهمته المالية، والالتزام بمعايير الحوكمة الصارمة، وإعادة هيكلة اقتصاده الداخلي وفق إملاءات الصناديق والمؤسسات الدولية كشرط مسبق لاستمرار تقديم الخدمة.

يتطابق هذا النمط الوظيفي مع أطروحة المؤرخ والباحث الاجتماعي تشارلز تيللي حول "صناعة الدولة بوصفها جريمة منظمة"؛ والتي يقرر فيها أن وظائف الدولة في توفير الأمن وجباية الموارد تشبه إلى حد التطابق مسلك عصابات فرض الأتاوات وابتزاز الحماية. يوضح تيللي أن الفاعل المهيمن يمارس الابتزاز عبر اصطناع التهديدات الخارجية والداخلية أو تضخيمها، ثم يقدم نفسه للرعايا بوصفه الملاذ الحصري لدرء هذا الخطر، مشترطاً انتزاع الموارد والولاء المالي المطلق نظير هذا التدخل.

وفي الشرق الأوسط المعاصر، تمارس القوى الدولية هذه العقيدة الابتزازية بصيغة معولمة؛ حيث يُطلب من الدول التابعة تخصيص حصص هائلة من فوائضها المالية وعائداتها النفطية لاقتناء ترسانات أسلحة ضخمة وضخ الاستثمارات في أسواق المركز، لقاء وعود ضبابية بالحماية. وحين يقع الخطر الفعلي، يتكشف أن هذه الحماية ليست حقاً سيادياً أصيلاً ولا التزاماً مبدئياً ثابتاً، بل هي خدمة تجارية تخضع لتقلبات السوق، وتوازنات العرض والطلب، وحسابات الكلفة السياسية للمزود الإمبراطوري.

الاختبار العملياتي: حدود الردع وإكراهات الحساب البارد

جاءت الاستجابة الميدانية لنموذج بوسايدون عبر إطلاق الولايات المتحدة لتحالف "حارس الازدهار" في ديسمبر 2023، لتعقبه حملة الضربات الجوية الواسعة التي أطلق عليها البنتاغون رمزياً اسم عملية "رامي بوسايدون"، مستهدفة منصات الإطلاق ومواقع الرادارات ومستودعات الصواريخ. غير أن هذه الصدمة العسكرية عجزت عن تحقيق هدف الردع الحاسم؛ إذ أثبتت البيئة العملياتية تآكل جدوى القوة البحرية الكلاسيكية في مواجهة تكتيكات الطائرات المسيرة والزوارق الموجّهة غير المأهولة التي تُطلق بتكلفة زهيدة مقارنة بصواريخ الاعتراض الدفاعية باهظة الثمن، ما فكك معادلة التفوق التقني التقليدي وأبرز العجز البنيوي للردع الإمبراطوري.

عند هذه اللحظة الحرجة، تدخل صوت "أثينا" المؤسسي ليزجر المستغيثين ويضبط حركتهم؛ إذ لم تكن مراكز القرار الغربي على استعداد للانخراط في غزو بري جديد أو التورط في حرب إقليمية استنزافية مفتوحة لحساب الأنظمة التابعة. بل سارعت القوى الأوروبية إلى النأي بنفسها عن التصعيد الهجومي المشترك عبر تدشين عملية "أسبيدس" ذات التفويض الدفاعي الصرف المقتصر على حماية الملاحة التجارية، بغية تقليص المخاطر وحماية مسارات الطاقة دون إشعال مواجهة إقليمية شاملة. وعوضاً عن تقديم مظلة حماية مجانية ومطلقة، أُمر الوكلاء الإقليميون بتحمل أعباء حماية ممراتهم بأنفسهم عبر تكتلات محلية مستحدثة، ومواءمة موازناتهم المنهكة مع اضطرابات التجارة وسلاسل الإمداد العالمية وفق القواعد الحسابية المالية الصارمة.

ينسجم هذا العجز العملياتي مع التحليل الفلسفي الجذري الذي صاغه جيل دولوز وفيليكس غواتاري في مؤلفهما "ألف هضبة"، وتحديداً في تمييزهما بين "جهاز الاحتواء والالتقاط" التابع لسلطة الدولة المركزية، و"آلة الحرب" المتحررة والمتشكلة في الفضاءات المفتوحة غير الخاضعة للترسيم. يرى دولوز وغواتاري أن جهاز التقاط الدولة يسعى دوماً إلى تقنين الفضاء وتنظيمه هندسياً، وتحويل التدفقات الحرة للسلع والبشر إلى ريع وضريبة وحركات منضبطة بيروقراطياً وقانونياً، في حين تنجح التشكيلات اللامتماثلة في كسر هذا الاحتواء عبر السيولة والانتشار المباغت.

استعصاء الارتهان وتدمير المناعة السيادية

إن الحصيلة الفلسفية والسياسية لهذا المأزق تفكك الجوهر المزعوم لـ "مشروعية القرار السياسي" لدى الأنظمة الإقليمية التابعة في الشرق الأوسط، وتظهر تهافته عبر مستويين تحليليين:

أولاً: المأزق الاستعصائي للقرار السياسي

في الرؤية التفكيكية لجاك دريدا، لا يكتسب القرار السياسي أو الأخلاقي مشروعيته الحقيقية ما لم يمر بلحظة "المأزق الاستعصائي الحائر"؛ أي الوقوف أمام فجوة الحيرة الجذرية التي لا يمكن ردمها بتطبيق آلي لقواعد حسابية جاهزة أو خوارزميات مسبقة الصنع. وإذا تحول القرار إلى مجرد إنفاذ لبرنامج تقني مسيّر أو استجابة لحسابات منفعة نفعية، فإنه ينحدر من كونه خياراً سيادياً مسؤولاً ليغدو مجرد تدبير إداري وظيفي بارد.

وهذا بالضبط ما أصاب القرار السياسي الإقليمي؛ إذ تم تفريغه من بُعده التأسيسي، واختزاله في إدارة الحسابات المالية لزبائنية السوق الدولية. وبذلك تقف العواصم التابعة في قلب مأزق مشلول الإرادة:

العجز عن خوض المواجهة: فهي عاجزة عن اتخاذ قرار الرد السيادي المستقل أو الدفاع التحرري؛ لأن قيود التبعية الأمنية والارتهان المالي تحرمها من حيازة مفاتيح التسليح والعتاد، وقطع الغيار، والغطاء السياسي والدبلوماسي.

العجز عن إقرار السلام: وهي عاجزة في الوقت عينه عن اتخاذ قرار السلام الإقليمي التأسيسي الشامل والعادل؛ لأن هذا السلام يتطلب تفكيك شبكات الريع والتبعية، والتخلي عن الاستقواء بالمظلات الأجنبية، وإعادة توزيع الثروة والسلطة داخلياً بصورة عادلة.

يتحول القرار في هذا السياق إلى ممارسة مسلوبة السيادة، يُملى مضمونها وفق منطق دفاتر الحسابات المعولمة، ما يسقط عنها أي ادعاء للمشروعية التمثيلية الأصيلة.

ثانياً: الانتحار المناعي للأنظمة التابعة

يقود التحليل التفكيكي إلى تشخيص أزمة الشرعية كعملية "انتحار مناعي ذاتي" لا فكاك منها في ظل شروط التبعية؛ فالأنظمة الحاكمة، في سعيها المحموم لحماية بقائها وتأمين ذاتها ضد التهديدات الداخلية والإقليمية، تستعين بالمظلة العسكرية الخارجية بوصفها درعاً مناعياً مستعاراً. بيد أن هذا الجهاز المناعي المستورد سرعان ما يوجّه آلياته التدميرية ضد الجسد السياسي والاجتماعي للدولة ذاتها عبر ثلاثة مسارات:

تدمير القاعدة الشعبية والفاعلية السياسية: يؤدي الركون إلى الحماية الخارجية إلى عزل السلطة عن مجتمعها، وإلغاء الحاجة إلى عقد اجتماعي ديمقراطي ومواطنة حقيقية فاعلة، ما يُفرغ المؤسسات من تمثيلها الشعبي ويحول المجتمع إلى مجرد رعايا منزوعي الإرادة السياسية يتم ضبطهم أمنياً.

الاستعداء الإقليمي الذاتي: إن تحويل أراضي الدولة ومياهها الإقليمية إلى قواعد ارتكاز متقدمة لـ "بوسايدون" الأجنبي يدفع الدولة إلى عداء مستحكم مع محيطها الجغرافي، ما يضاعف من حجم التهديدات الأمنية الموجهة ضدها بدلاً من احتوائها؛ فيغدو العتاد الذي جُلب للحماية هو المحرض الأول على استهداف أمن الدولة واستقرارها.

هشاشة الرهان التعاقدي والخدماتي: فحين تقتضي حسابات الربح الإمبراطوري إعادة التموضع، أو الانسحاب، أو فرض تنازلات قاسية، يجد النظام التابع نفسه مكشوفاً بلا حماية خارجية حقيقية تحميه، وبلا حاضنة شعبية متماسكة تسنده، ما يجعله عرضة للانهيارات الهيكلية المفاجئة.

نحو أفق متحرر من التبعية وتجاوز العنف الأسطوري

يكشف التفكيك الفلسفي المقارن أن السياسة الإقليمية في الشرق الأوسط ظلت لعقود حبيسة ثنائية مضللة:

إما الالتجاء إلى هيجان القوة العاتية العشوائية لـ "بوسايدون" العسكري التي تجلب الخراب وتفشل في تحقيق الردع الميداني، وإما الخضوع لصرامة "أثينا" المؤسسية التي تشرعن العنف وتوظف المنظومات القانونية والديون الدولية لاستنزاف الموارد وتقليص الهوامش السيادية. وتتجذر هذه المعضلة في بنية العولمة النيوليبرالية المعاصرة التي سلّعت مفهوم الدولة وحولته إلى منشأة لتوفير الخدمات، واختزلت التحالفات الإستراتيجية في عقود إذعان تجارية تدار بمنطق "خدمة الزبائن" وابتزاز الحماية.

إن استعادة "مشروعية القرار السياسي" في المنطقة تقتضي بالضرورة قطيعة جذرية ومزدوجة:

تفكيك العنف الأسطوري المؤسس والحافظ للقانون: نزع الهالة المعيارية والقداسة الزائفة عن المنظومة الدولية التي تبرر التدخلات الإمبراطورية كأدوات لإنفاذ العدالة وحماية القانون، في حين تمارس الاستثناء الذاتي والمراوغة، وتفرض على الفواعل الإقليمية البقاء في منزلة الزبائن التابعين الخاضعين لحسابات الكلفة والمنفعة الأجنبية.

استعادة المجال السياسي وبناء القاعدة الشعبية الحرة: الانعتاق من أسر العقلانية النفعية التي أفرغت الدولة من رسالتها التحررية، والانتقال من سياسات التحوط الزبائني وشراء الأمن الخارجي إلى صياغة ميثاق أمني واقتصادي إقليمي مستقل ينبثق من الشرعية الديمقراطية للمجتمعات ذاتها؛ متجاوزاً رهانات الاستجداء لعواصف بوسايدون التدميرية، وحسابات الإذلال لدفاتر أثينا الحسابية الباردة.

***

غالب المسعودي

عندما يذكر اسم "فريدريش نيتشه" يتبادر إلى الذهن فورا ذلك الفيلسوف المتمرد الذي هز أركان الفكر الغربي في القرن التاسع عشر، وأعاد طرح الأسئلة الكبرى حول الأخلاق والدين والحقيقة والإنسان. غير أن نيتشه لم يكن فيلسوفا بالمعنى التقليدي فحسب، بل كان كاتبا يمتلك حساسية شعرية نادرة، ولغة تتجاوز حدود البرهان العقلي إلى فضاءات الرمز والاستعارة والإيقاع.

ومن هنا يبرز سؤال نقدي مهم: هل يمكن اعتبار نيتشه شاعراً حداثياً، أم أن انتماءه الفلسفي يحول دون إدراجه ضمن تاريخ الحداثة الشعرية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي أولاً تجاوز التصنيف التقليدي الذي يفصل بين الفلسفة والشعر. فنيتشه نفسه كان من أبرز الرافضين لهذا الفصل الحاد بين المعرفة والإبداع. لقد رأى أن الحقيقة ليست معطى ثابتاً يمكن الإمساك به عبر المنطق وحده، بل هي بناء إنساني تتداخل فيه الرؤية والتأويل والخيال. ولهذا جاءت كتاباته أقرب إلى النصوص الأدبية منها إلى المؤلفات الفلسفية الأكاديمية. فالعبارة عنده ليست وسيلة لنقل الفكرة فقط، وإنما هي حدث جمالي قائم بذاته، يحمل طاقة شعرية تجعل القارئ يعيش التجربة الفكرية بدلاً من أن يتلقاها بصورة مجردة.

في كتابه الشهير "هكذا تكلم زرادشت" تظهر هذه النزعة الشعرية بوضوح لافت. فالكتاب لا يُبنى على الحجج المنطقية المتسلسلة، وإنما على الرؤى والاستعارات والقصص الرمزية. وشخصية زرادشت ليست مفهوماً فلسفياً مجرداً، بل قناع شعري يتحدث من خلاله نيتشه إلى العالم. إن اللغة هنا مشبعة بالإيقاع والصور والتكثيف، وهي عناصر تجعل النص قريباً من القصيدة الطويلة أو الملحمة الحديثة أكثر مما تجعله قريباً من الرسالة الفلسفية التقليدية.

ومن السمات التي تدفع إلى اعتبار نيتشه شاعراً حداثياً نزوعه الدائم إلى تحطيم الأشكال الجاهزة. فالحداثة في جوهرها ليست مجرد مرحلة زمنية، بل موقف فكري وجمالي يقوم على الشك في المسلمات ومراجعة الموروث وإعادة بناء الرؤية إلى العالم. وهذا ما فعله نيتشه بصورة جذرية عندما أعلن حربه على الحقائق المطلقة والقيم المستقرة. لقد سعى إلى تحرير الإنسان من القيود الفكرية التي كبّلته قروناً طويلة، ودعا إلى خلق قيم جديدة تنبع من إرادة الحياة نفسها. وهذا التمرد على الثوابت يُعد من أبرز الملامح التي ميزت الأدب الحداثي في القرن العشرين.

كما أن نيتشه سبق كثيراً من شعراء الحداثة في نظرته إلى اللغة. فهو لم يتعامل معها بوصفها أداة شفافة تعكس الواقع، بل رأى أنها شبكة من الاستعارات التي يصنع بها الإنسان عالمه. وهذه الفكرة ستكون لاحقاً من الأسس التي قامت عليها اتجاهات أدبية وفلسفية عديدة، بدءاً من الرمزية وصولاً إلى ما بعد الحداثة. ومن هنا يمكن القول إن نيتشه لم يكن متأثراً بالحداثة فحسب، بل كان من الممهّدين النظريين لها.

وقد انعكس تأثيره بوضوح على عدد كبير من الشعراء والكتاب في القرن العشرين. فقد وجد فيه المبدعون نموذجاً للمثقف الذي يكتب خارج الحدود الفاصلة بين الأنواع الأدبية. وتأثر كثير من شعراء الحداثة بلغته المتوهجة ورؤيته المأساوية للوجود وإيمانه بقدرة الإنسان على تجاوز ذاته. بل إن بعض النقاد يرون أن روح نيتشه كانت حاضرة في معظم التجارب الشعرية التي سعت إلى كسر القوالب التقليدية والبحث عن أشكال جديدة للتعبير. غير أن اعتبار نيتشه شاعراً حداثياً لا يعني أنه كان يكتب الشعر وفق المفهوم المتعارف عليه للقصيدة. فهو لم يترك ديواناً شعرياً يضاهي إنتاج الشعراء الكبار في عصره، ولم يكن هدفه الأساسي إنتاج نصوص شعرية خالصة. لكن الحداثة نفسها دفعت إلى توسيع مفهوم الشعر بحيث لم يعد مقصوراً على الوزن والقافية أو حتى على الشكل الشعري المعروف. لقد أصبح الشعر رؤية إلى العالم وطريقة خاصة في استخدام اللغة، وبهذا المعنى فإن نيتشه كان شاعراً بامتياز.

إن شعرية نيتشه تتجلى أيضاً في اعتماده على المفارقة والرمز والإيحاء. فهو لا يقدم أفكاره بصورة مباشرة، بل يترك للقارئ مهمة اكتشافها عبر طبقات متعددة من الدلالة. وهذه الخاصية تشكل إحدى الركائز الأساسية في الكتابة الحداثية التي ترفض الوضوح التقريري وتسعى إلى إشراك المتلقي في إنتاج المعنى. ولذلك فإن قراءة نيتشه ليست عملية استهلاك معرفي بسيط، بل هي مغامرة تأويلية تتطلب جهداً وخيالاً ومشاركة فكرية مستمرة. ومن ناحية أخرى، فإن صورة الإنسان في كتابات نيتشه تنسجم مع التصورات الحداثية التي جعلت الفرد محوراً للتجربة الإبداعية. فقد ركز على الذات بوصفها مشروعاً مفتوحاً للتجاوز والتكوين، لا كياناً ثابتاً ومكتملاً. ومن هنا جاءت أفكاره حول الإنسان الأعلى وإرادة القوة والتغلب على الضعف باعتبارها دعوة دائمة إلى الخلق والتجدد. وهذه الرؤية كانت قريبة من روح الحداثة التي احتفت بالحرية الفردية وبالقدرة على إعادة تشكيل الواقع.

ومع ذلك، ينبغي الحذر من اختزال نيتشه في صفة الشاعر الحداثي فقط. فهو مفكر معقد تتداخل في أعماله الفلسفة والأدب والنقد الثقافي وعلم النفس. وربما تكمن فرادته الحقيقية في هذا التداخل ذاته. لقد كان يكتب في منطقة حدودية لا تنتمي بالكامل إلى أي حقل معرفي، وهو ما منح نصوصه قدرة استثنائية على التأثير والاستمرار. فالقارئ يجد عنده الفيلسوف والشاعر والنبي والناقد في آن واحد.

ويبدو البعد الحداثي في تجربة نيتشه أكثر وضوحاً إذا نظرنا إلى موقفه من التراث الثقافي والفلسفي الأوروبي. فقد كان يدرك أن كل مشروع إبداعي جديد لا يمكن أن يولد من فراغ، بل من مواجهة حادة مع الموروث. لهذا لم يتعامل مع التراث بوصفه سلطة مقدسة، وإنما بوصفه مادة قابلة للنقد وإعادة التأويل. وقد تجلت هذه النزعة في قراءاته للفلسفة اليونانية وللمسيحية وللأخلاق الغربية، حيث سعى إلى الكشف عن المسلمات التي تحكمها وإعادة النظر في أسسها. وهذه الروح النقدية نفسها أصبحت لاحقاً سمة بارزة في الخطاب الحداثي الذي انشغل بتفكيك المرجعيات الكبرى والبحث عن رؤى جديدة للعالم.

كما أن نيتشه منح الكتابة بعداً وجودياً عميقاً، إذ لم تكن الأفكار عنده منفصلة عن تجربة الحياة. لقد كان يكتب من داخل معاناته الشخصية ومن داخل أسئلته الوجودية الحادة حول الألم والعزلة والمعنى. ولذلك تبدو نصوصه نابضة بطاقة إنسانية تجعلها أقرب إلى الاعترافات الشعرية منها إلى التنظيرات الفلسفية الباردة. وهذا الالتحام بين الفكر والتجربة هو ما منح أعماله قدرة استثنائية على التأثير في أجيال متعاقبة من الأدباء والشعراء الذين وجدوا في كتاباته نموذجاً للكاتب الذي يحول حياته نفسها إلى مادة للإبداع

والتأمل. ولعل أهم ما يجعل نيتشه قريباً من الحساسية الحداثية هو إيمانه الدائم بأن الإنسان مشروع غير مكتمل. فالحداثة في أحد وجوهها الأساسية هي بحث مستمر عن آفاق جديدة للمعرفة والوجود، ورفض للركون إلى اليقين النهائي. وقد عبّر نيتشه عن هذا المعنى في معظم أعماله عندما دعا إلى تجاوز الحدود المألوفة وإعادة ابتكار الذات باستمرار. ومن هنا فإن قيمته بالنسبة للشعر الحديث لا تكمن فقط في جمال لغته أو قوة صوره، بل في تلك الروح القلقة والخلاقة التي جعلت من السؤال أهم من الجواب، ومن البحث أهم من الوصول.

لذا، يمكن القول إن نيتشه لم يكن شاعراً حداثياً بالمعنى الفني الضيق للكلمة، لكنه كان واحداً من أكثر الكتاب اقتراباً من جوهر الحداثة الشعرية. لقد منح اللغة بعداً جديداً، وحوّل الفكر إلى تجربة جمالية، وفتح أمام الأدب آفاقاً لم تكن مطروقة من قبل. ولهذا ظل حضوره مؤثراً في الشعر الحديث والمعاصر، لا بوصفه فيلسوفاً فحسب، بل بوصفه مبدعاً استطاع أن يجعل من الكتابة فعلاً من أفعال الخلق والتجاوز. وربما لهذا السبب ما زال سؤال «هل نيتشه شاعراً حداثياً؟» مفتوحاً حتى اليوم، لأن نصوصه نفسها ترفض الإجابات النهائية، وتدعو دائماً إلى إعادة القراءة واكتشاف معانٍ جديدة في كل مرة.

***

د. عصام البرّام

سيمفونية الورق في مواجهة السرعة المطلقة

(إن الإنسان اختراع لم تكتشف الآركيولوجيا الفكرية بسهولة تاريخه القريب. وإذا اختفت تلك اللبنات فسيُمحى الإنسان، كوجه من الرمل مرسوم على شاطئ البحر)... ميشيل فوكو  (Michel Foucault) كتاب "الكلمات والأشياء. أرشيف العلوم الإنسانية"

الجذور الأولى من حسابات الطين في أوروك إلى سلطة التدوين

تعود أولى أدلة التدوين المادي إلى الرسوم والرموز الكهفية التي أنجزتها الأيدي البشرية قبل أكثر من 40,000 سنة لتشكل المعلم الأولي للتوثيق البشري والوجود الإنساني عبر الأثر الجسدي المباشر مرورا بظهور الكتابة المسمارية في سومر والهيروغليفية في مصر القديمة حوالي 3200 ق.م حيث تشير الألواح الطينية المكتشفة في مدينة أوروك التاريخية جنوب العراق إلى أن العلامات الأولى كانت عبارة عن صور مصغرة تمثل سلعا معينة مثل رأس ثور أو سنبلة قمح أو جرعة جعة إلى جانب علامات عددية، وتحولت الأصابع البشرية إلى أداة ضغط وتشكيل مباشر للطين الرطب والنحت على الحجر بواسطة أقلام القصب، إذ لم تكن أولى الكلمات والرموز المكتوبة شعرا أو فلسفة بل ولدت كالسجلات المحاسبية الاقتصادية لضبط الموارد والحبوب والماشية وتوزيع حصص الشعير والعمال لتوثيق الملكية والتبادل التجاري بعيداً عن البدء بالأدب أو الفلسفة، كمنظور لغوي يعكس تطور النظام الإشاري تدريجيا من الرمز المادي إلى الرمز الصوتي الذي يعبر عن الكلمة المنطوقة، لتستدمجها الطبقات الحاكمة والكهنة كأداة مركزية لضبط الضرائب وتوثيق العقود وحفظ القوانين والملاحم الأسطورية لحمايتها من الاندثار والنسيان عبر الزمن.

الشبكة العصبية للتدوين كيف أعفى القلم الدماغ من عبء الذاكرة

فرض تعقيد العلاقات البشرية المتنامية الحاجة الملحة لإنشاء ذاكرة خارجية تتجاوز طاقة الذاكرة الشفوية على استيعاب الأعداد الهائلة للمعلومات والتشريعات مما أدى إلى لعب الكتابة دور المحرك الأساسي لتطوير التفكير التجريدي والتخطيط طويل المدى والفلسفة عبر إعفاء الدماغ من عبء التخزين الخام للمعلومات، معتمداً عصبياً وتشريحياً على شبكة معقدة ومتكاملة لا توجد فيها منطقة واحدة مسؤولة حصرياً عن الكتابة بل تشمل منطقة بروكا المسؤولة عن تنسيق الحركات العضلية الدقيقة لليد والأصابع عبر القشرة الحركية لإنتاج الخط والرموز، ومنطقة الفص الصدغي والقذالي المتمثلة في منطقة شكل الكلمة المرئية والمسؤولة عن التعرف البصري على الحروف والرموز وتحويلها إلى معاني دقيقة، إضافة إلى الحصين والقشرة الجبهية المسؤولتين عن استدعاء المفاهيم وصياغة الأفكار وتنظيمها قبل ترجمتها إلى حركات جسدية على الورق.

فلسفة الخط: مرآة النفس وبصمة الوعي البشري

تشكل الخطوط والرموز امتداداً مباشراً للحالة النفسية والروحية لكاتبها، حيث تفضح زوايا الميل والضغط البدني للأصابع على أداة الكتابة توتر الإنسان أو هدوءه وصراعاته الخفية، لتتحول التموجات والزوايا إلى مرآة حية تعكس شخصية الكاتب ومرونته أو صرامته عبر ارتباط وثيق باللاواعي البشري؛ ومن هنا تتجلى العلاقة السايكولوجية والمعرفية العميقة لتؤكد أن الخط اليدوي للكاتب يشكل بصمة مباشرة ودليلاً حياً يعبر عن جوهر محتوى النص وروحه، بارزاً ارتباطاً عضوياً لا غنى عنه بين العقل البشري، واختراع الكتابة، وجماليات الحروف في منظومة فلسفية متكاملة تتجسد في علم مستقل لتخطيط الحروف وفلسفة الخطوط. هذا التطور يتقاطع مع براعة الحضارات القديمة التي استطاعت تكثيف سرديات وقصص طويلة في رمز أو عبارة واحدة بليغة، كما ظهر بوضوح في الألواح الطينية والمسلات التاريخية، وصولاً إلى الدور المحوري للتاريخ في إبراز كون حمورابي أول من صاغ ونظم الكتابة بمفهومها التشريعي والعلمي المنضبط. وتتكامل هذه المعطيات مع الرمزية الكونية التي ساهمت، من خلال محاكاة الكلمات الأولى لتضاريس الطبيعة، في منح العقل البشري لغة ثانية تخاطب العين والوجدان لتعميق الارتباط بين الإدراك الجمالي والتطور المعرفي؛ لتتوج هذه الرحلة بنهضة حضارية مذهلة تمثلت في مدارس الخطوط والأنواع الخطية المتنوعة عبر مختلف اللغات والثقافات العالمية، كالخط العربي بفروعه الكوفي والنسخ والثلث، وفنون الخط الآسيوي واللاتيني المتصل، حيث تحولت الكتابة وفنون الخطوط الجميلة من مجرد أداة تواصل وظيفية إلى هندسة مقدسة وفن تشكيلي رفيع ومسرح تتصاهر فيه الذات الإنسانية واللاواعي البشري مع الجماليات الكونية في إيقاع بصري ونفسي وفلسفي فريد يخلد أثر الوجود البشري في أعمق أبعاده الوجدانية.

انتحار في معبد السرعة: اغتراب الشاشات وبقاء الأثر

حين تتسارع الخوارزميات وتتحول اللغة إلى مجرد بيانات مقتضبة على شاشات الزجاج البارد، يجد الكاتب المعاصر نفسه وجهاً لوجه أمام مأزق وجودي خطير. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يُعد الكاتب الذي يصر على حمل القلم والخط بيديه اليوم منسلخاً عن عصره وأفكاره، وكيف يمكنه النجاة من براثن التكنولوجيا دون أن ينعزل عنها؟

الواقع أن الإجابة تكشف عن عكس ما يُظن؛ فالكاتب الذي يكتب يدوياً اليوم هو الأكثر وعياً بأمراض عصره وأزماته، لأن تشخيص المرض لا يعني الاستسلام له. إن الوقوف في وجه طوفان "السرعة المعممة" ليس رجعية أو هروباً عاجزاً إلى الماضي، بل هو شكل من أشكال "المقاومة الواعية" والممانعة الفكرية ضد ذوبان الإنسان في قالب الخوارزميات وصناعة النمطية. وهو إعلان شجاع بأن الفكر العميق يحتاج إلى إيقاع عضوي بطيء لا تفرضه شاشات اللمس ولا تمليه لوحات المفاتيح الرقمية.

ولا يُطالب الكاتب المعاصر هنا برمي حاسوبه أو مقاطعة العالم الرقمي، فالوسائط الرقمية ضرورية للبحث والتنظيم والنشر، ولكن النجاة الحقيقية تكمن في إرساء "إستراتيجية الفصل المقدس" عبر ممارسات يومية صارمة تحمي جوهر الإبداع:

طقس المسودة الأولى اليدوية تماماً. الالتزام المطلق بأن تكون ولادة الفكرة، وانبثاق الخيط الرفيع للنص، حصرياً على ورق حقيقي وبقلم حبر تقليدي. تُترك الشاشة واللوحة الرقمية حصراً للمراحل اللاحقة المتعلقة بالتدقيق والتهذيب والنشر، مما يحمي جوهر النص من برودة الآلة في لحظة المخاض الأولى.

حراسة الذاكرة ضد الاستلباب. الاعتماد على التكنولوجيا كأداة تخزين وبحث، لا كعصا سحرية تفكيرية؛ ورفض أن تبتلع الخوارزميات قدرة الكاتب على التداعي الحر والتأمل البطيء، مع الحفاظ على "المسافة النقدية" بينه وبين ما تنتجه الشبكات.

عادة الاعتبار للحواس المفقودة. إدراك أن العصر الرقمي يفقد الإنسان ملامسة العالم الحقيقي. فقدان ملمس الورق، ورائحة الحبر، وانحناءة الأصابع المجهد ولذلك يُعامل طقس الكتابة اليدوية كجلسة تأمل وعلاج روحي تعيد للإنسان توازنه البيولوجي والنفسي المبعثر بين التنبيهات الرقمية وإضاءة الشاشات الزرقاء، وتقيه شر الاغتراب وذوبان الهوية.

بهذا المعنى، لا يتحول الكاتب اليدوي إلى شبح هارب من التاريخ أو كائن منسلخ عن فكره، بل يغدو حارساً أخيراً للذاكرة الإنسانية، يذكّر العالم بأن الفكر العميق ولد من ضغط الأصابع على الطين والقلم على الورق، وأن الإنسان إن تخلى عن أثره الجسدي المباشر واكتفى بالانصهار الكلي في الآلة، فسيتحول تدريجياً إلى مجرد صدى باهت لخوارزمية صماء.

***

ئاريان علي

فرش اشكالي: في الفلسفة الزرادشتية النار تجسد الحقيقة والنور والنظام الكوني، هي الوسيط بين عالم المادة وعالم الروح، ترمز إلى الحضور الإلهي في العالم، وهنا تتقاطع الزرادشتية مع فلسفة هيراقليطس فالنار عنده عنصر تحول دائم، نار لكل شيء وكل شيء للنار، نار حية أبدية تشتعل بمقادير وتنطف بمقادير

من هنا تولد المفارقة التي تشغلنا، النار التي سرقها بروميثيوس من الآلهة، والتي كانت ترمز الى نور المعرفة والدفء والحضارة- المحرقة المحركة والفاعلة- تنقلب اليوم إلى نقيضها من وسيط للتطهير والتجديد إلى أداة عمياء للإبادة، لم تعد مقدسة بل صارت مدمرة يتجلى ذلك في حرائق الغابات في عصرنا هذا.

مع نهاية شهر أوت 2026، لم تكن الصور التي تناقلتها الوسائط الإعلامية من جيجل وبجاية وولايات أخرى من الشرق الجزائري ومناطق اخرى مجرد أخبار عابرة تقرأ وتنسى، بل كانت صورا صادمة ومفجعة، سفوح جبال بأكملها تحولت إلى كتلة سوداء دخانية، قتلى وجرحى، ورجال يخوضون معركة غير متكافئة أمام جدار من اللهب لا يرحم. تصدرت هذه المشاهد المؤلمة الرأي العام أياما، وتفاعل معها الناس بمزيج من الغضب والحزن والعجز وفي نفس الوقت بقيم المواساة والتضامن والتراحم. لكن ما إن نتأمل هذا المشهد الجزائري المحلي، حتى نكتشف أنه ليس استثناءً معزولًا، بل حلقة في سلسلة طويلة تمتد عبر العالم كله. فقبل ثمانية أعوام، وتحديدًا في الثامن من نوفمبر 2018، محيت مدينة "بارادايس" الأمريكية بأكملها عن الخريطة في أقل من ست ساعات. مدينة راقية بنيت على ثقة عمياء بأن التخطيط العمراني الحديث والتقنية كافيتان لإبعاد شبح الكارثة. والمشهد نفسه تكرّر أيضًا في غابات الصنوبر السويدية، في مستنقعات بريطانيا، وفي إندونيسيا وأستراليا بل وحتى في غرينلاند. ومن الشرق الجزائري إلى كاليفورنيا، ومن السويد إلى إندونيسيا أنظمة سياسية مختلفة، ثقافات مختلفة، لكن ثمة سؤال يتردد: كيف يعقل أن يظل الإنسان، بكل ما يملكه من علم وتقنية وطائرات إطفاء، عاجزًا أمام قوة النار؟

يمكننا أن نفهم هذه اللحظة بالمعنى الذي أعاد به الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر قراءة الكلمة اليونانية أليثيا (ἀλήθεια)، التي تعني "اللا-احتجاب" وتترجم تقليديا بـ"الحقيقة". فالحقيقة عند هيدجر حدث انكشاف: لحظة يخرج فيها الوجود من تحت "احتجابه" المعتاد، فنرى الأشياء كما هي حقا بعد أن كانت مستورة بطبقة من الألفة والروتين. والحرائق الهائلة، من هذا المنظور، لحظة انكشاف قسري تسقط الحجاب عن علاقتنا بالطبيعة، وترغمنا على رؤية بنية مريضة كانت كامنة فيها طوال الوقت. فالنار هنا لا تحرق الأشجار فحسب، بل تحرق الوهم.

حين نرى صور الغابات وهي تحترق على شاشاتنا، نميل إلى قراءة المشهد بوصفه كارثة بيئية بحتة، أشجار تفنى، حيوانات تنفق، هواء يتلوث. لكن وراء هذا المشهد المأساوي يكمن سؤال أعمق بكثير، سؤال فلسفي في جوهره: ما الذي تخبرنا به هذه الحرائق الكبرى عن طبيعة العلاقة التي تربط الإنسان بالطبيعة؟ إن حرائق الغابات المعاصرة، كما تشير إليها بعض الأعمال الفلسفية الحديثة، ليست حدثا طارئا أو عرضيا، بل هي عرَض لمرض أعمق يصيب المجتمعات الصناعية في علاقتها بالعالم الطبيعي فحتى لو أعيد غرس الأشجار من جديد، تبقى الخسارة غير قابلة للتعويض، لأننا لا نخسر غابة فحسب حين تحترق، بل نخسر معها شيئًا من علاقتنا القديمة بعنصر ظل على الدوام مزيجًا من الفتنة والخطر، من وهم السيطرة والخوف من الفناء.

الفيلسوفة الفرنسية جويل زاسك، في كتابها حين تحترق الغابة (2019)، تضيف تصحيحًا حاسمًا وموجعا: النار تغير كل شيء، لكننا نحن لا نتغير. فالحريق يحدث تحولا وجوديا جذريا في الأرض في غضون ساعات، بينما تبقى ردودنا عالقة في المنطق نفسه منذ عقود: المزيد من الطائرات، والمزيد من المواد والوسائل، والمزيد من "جنود النار". هذا التناقض الصارخ بين عالمٍ يتغير بسرعة النار وذهنياتٍ متجمدة بسرعة الجليد هو جوهر الأزمة التي يحاول هذا المقال مساءلتها.

فالسؤال الذي ينبغي أن يشغل الفلسفة إذن ليس لماذا تحترق الغابات؟ السؤال الأكثر إحراجا هو: ماذا لو كان بعض ما نسميه اليوم كارثة طبيعية هو في جزء منه، نتيجة مباشرة لطريقة تدخلنا نحن في الطبيعة؟ وكيف يمكننا أن نواجه هذه الأزمة، لا بمزيد من الانتصار على النار، بل بعقل جديد يتيح لنا العيش معها دون أن تكون كارثتنا الدائمة؟

من التعايش إلى إعلان الحرب على النار

ثمة شيء بدائي يستيقظ فينا أمام مشهد حرائق الغابات، تلك الرهبة القديمة التي وصفها الفيلسوف غاستون باشلار حين تحدث عن "القوة القاتلة والمدمرة" للنار، ففي كتابه التحليل النفسي للنار (1938)، اكد أن علاقتنا بالنار ليست معرفة موضوعية خالصة، بل مشبعة بطبقات من الرغبة والخوف اللاواعيين. من بين "العقد" النفسية التي حدّدها، “عقدة بروميثيوس" وتعني الرغبة في معرفة ما حرمنا معرفته"، و"عقدة إمبيدوكليس" وهي الانجذاب الغامض نحو الفناء الذاتي بالنار ، و"عقدة نوفاليس" أي ربط النار بالحرارة الحيوية والرغبة الجسدية. هذه التحليلات تذكرنا بأن خوفنا من الحرائق الهائلة ليس خوفا عقلانيا محضًا من خسارة مادية، بل يستدعي طبقات أعمق من مخيلتنا الجماعية حول النار كقوة "مقدسة" ومرعبة في آن واحد

تاريخيا لم يبدأ الإنسان الحديث بخوف جديد من النار، فقد عرف خطرها منذ أقدم العصور. وما تغير واقعيا ليس المعرفة بالنار ، بل العلاقة ذاتها فمن علاقة قائمة على الحذر والتدبير والمعرفة العملية، إلى علاقة قائمة على السيطرة والإلغاء، فمنذ الاف السنين لم تكن النار عدوا مطلقًا بقدر ما كانت قوة يتعلم الإنسان توجيهها ومراقبتها، كانت الحرائق الصغيرة جزءا من دورة الأرض، يشعلها الإنسان أحيانا عمدا لتنظيف المراعي وتجديد الغطاء النباتي. لم يكن ذلك يعني السيطرة على الطبيعة، بل إدراكا عمليا بأن العيش داخل نظام بيئي يعني التعامل مع قواه، لا تخيل إمكانية إلغائها.

غير الحداثة أدخلت إلى هذه العلاقة وهما جديدا، وهم السيطرة الشاملة. فكلما تقدمت الدولة الحديثة وتطورت معارف الانسان العلمية وازدادت قدرة التقنية على القياس والمراقبة، أصبحت الغابة شيئًا يمكن تصنيفه وترقيمه وإدارته، الأشجار صارت موردا، والأرض مساحة قابلة للتخطيط، والنار حادثا ينبغي منعه بالمطلق. ومن هنا ولد "المركب الصناعي للنار"، وهي منظومة ضخمة من الطائرات والمروحيات والمواد المثبِطة، تستنزف فيها موارد هائلة. والمفارقة أن هذا المركب، بقدر ما يقاوم النار، يخلق في الوقت نفسه فرصًا جديدة للربح، فينتج حلقة مفرغة: كلما تضاعف الاستثمار في "حرب النار"، تراجع الاستثمار في مساءلة الشروط التي تجعلها كارثية أصلاً. فالطائرة لا تستطيع أن تمنع جفاف الغابة، والمروحية لا تستطيع أن تعيد ترتيب علاقة المدينة بالغابة. يمكن للتقنية أن تتدخل في لحظة اندلاع الكارثة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تعالج الشروط التي جعلت هذه الكارثة ممكنة أصلًا، تراكم الوقود النباتي، وتمدد العمران، وتغيّر المناخ، وطريقة إدارة الغابات كل ذلك يبقى غالبًا خارج مركز اهتمامنا.

وهنا يكمن الفرق الجوهري بين منطقين، منطق الصناعة الذي يسأل كم طائرة نحتاج وكم رجل إطفاء....الخ، ومنطق الثقافة الذي يسأل أسئلة أعمق: لماذا تراكمت الأغصان اليابسة، والأعشاب وبقايا الأشجار والمواد القابلة للاشتعال في الغابة؟ لماذا بني هذا الحي هنا بالذات؟ لماذا اختفت الممارسات المحلية التي كانت تدير النار بحكمة؟ من يعرف هذه الأرض فعلًا؟ الأول يبحث عن الانتصار في المعركة؛ والثاني يبحث عن الشروط التي تمنع تحوّل النار إلى كارثة من الأساس.

وهذا السؤال عمن يعرف الأرض يقودنا مباشرة إلى منطقة أكثر إظلامًا في تاريخ النار: اللحظة التي لا تعود فيها الغابة مجرد فضاء بيئي، بل تصبح أيضًا فضاء للسلطة. فمن يحدد كيفية إدارة الغابة؟ من يملك حق إشعال النار أو منعها؟ وماذا يحدث حين تتحول قواعد حماية الطبيعة نفسها إلى أداة للسيطرة على من يعيشون في هذه الأرض ومنها؟ لا نحتاج إلى البحث بعيدا عن إجابة: يكفي أن نعود إلى الجزائر في القرن التاسع عشر، حيث تكشف لنا أرشيفات حرائق الغابات أن الحرب على النار كانت، منذ وقت مبكر جدًا، قادرة على أن تتحول إلى حرب على الأرض وعلى الناس أيضًا.

الغابة والاستعمار شهادة من الأرشيف الجزائري

ثمة وثيقة تُلقي ضوءًا إضافيًا على هذا التاريخ، وتمنحه بعدا سياسيا صريحًا تقرير رسمي صدر عام 1882 عن الحكومة العامة للجزائر تحت عنوان "التحقيق العام في حرائق الغابات بالجزائر 1865-1881"، وما تكشفه هذه الوثيقة هو أن السؤال عن أسباب حرائق الغابات لم يكن يوما سؤالًا تقنيا محايدا، بل كان دوما سؤالًا سياسيًا بامتياز.

فقد جنحت لجان التحقيق الاستعمارية، في أغلب تقاريرها، إلى تحميل السكان مسؤولية الحرائق، مستحضرة فرضيات "التآمر" و"العصيان"، متجاهلة عاملًا أكثر جوهرية: أن السلطات الاستعمارية نفسها كانت قد منعت ممارسة "الإحراق الموجَّه" التي توارثها الفلاحون والرعاة الجزائريون منذ أجيال لتنظيف الغابات وتجديد المراعي. وقد أدى هذا المنع، بحسب بعض شهادات المسؤولين المحليين أنفسهم آنذاك، إلى نتيجة معاكسة تمامًا لما كان مقصودًا، تكاثفت الأحراش، وتراكم الوقود النباتي القابل للاشتعال، فازدادت الحرائق اتساعًا حين اندلعت.

والأخطر أن نتائج حرائق 1881 لم تبق حبيسة التوصيف: فقد أفضت، بحسب وثائق أرشيفية لاحقة، إلى فرض غرامات جماعية ومصادرة أراضٍ على الجماعات الأهلية التي اعتبرت مسؤولة أي إلى عقاب جماعي بمنطق استعماري صرف. هذه الحلقة التاريخية تُبرهن مبكرًا على الأطروحة المركزية نفسها: أن "الحرب على النار" ليست موقفًا محايدًا من الطبيعة، بل غالبًا ما تكون غطاء لصراع على الأرض والسلطة والموارد. فحين منعت ثقافة النار المحلية باسم الحداثة الاستعمارية، لم تقضَ الحرائق، بل ازدادت ضراوة وهو درس لا يزال صداه يتردد اليوم كلما جرى التعامل مع الغابة بمنطق إداري بحت، منفصل عن معرفة الناس الذين يعيشون بجوارها.

مفارقة الاقتراب من الطبيعة

من أكثر جوانب هذه الأزمة إثارة للسخرية المأساوية أن جزءا من تفاقم خطر الحرائق الهائلة لا ينبع من الابتعاد عن الطبيعة، بل من الرغبة في الاقتراب منها. فقد تزايد في العقود الأخيرة، خصوصا في أمريكا الشمالية وأستراليا وأجزاء من أوروبا المتوسطية، بناء المنازل مباشرة داخل الغابات أو على أطرافها، تحقيقا لحلم "المنزل وسط الطبيعة".

لكن هذا الاقتراب الجغرافي لا يعني تعايشًا حكيمًا؛ بل يخلق ما يُعرف بـ"الواجهة بين البرية والعمران"، منطقة شديدة الهشاشة يجتمع فيها وقودان قابلان للاشتعال: الغطاء النباتي الكثيف من جهة، والمنازل والمركبات وخزانات الوقود من جهة أخرى. وحين تندلع النار هناك، تتضاعف الخسائر البشرية، وتصبح عمليات الإخلاء أشد خطورة.

هذه المفارقة تكشف تناقضًا فلسفيًا أعمق: فنحن نسعى إلى "امتلاك" قطعة من البرية بوصفها مشهدًا نستهلكه بصريًا وعاطفيًا، لكننا حين نفعل ذلك بمنطق السوق العقاري والرغبة الفردية لا بمنطق العناية الجماعية، نُحوّل حلم القرب من الطبيعة إلى أحد أخطر أسباب هشاشتنا أمامها.

من الأنثروبوسين إلى البيروسين

ثمة بعد آخر كثيرا ما يغفل، البعد الوجودي والنفسي. فحين تحترق غابة، لا يفقد منظر طبيعي فحسب، بل يفقد نسيج كامل من العلاقات بين الأفراد وبيئتهم. إن ما يعيشه الناجون هو صدمة لا رجعة فيها، شعور بأن المكان الذي كان مأهولًا أصبح فجأة غير صالح للسكن.

وهذه الصدمة لا تقتصر على البشر حيث تروي شهادات الناجين من حرائق كبرى، كحريق أونتاريو الكندي عام 1916 أو حريق "كامب فاير" في كاليفورنيا، مشاهد يصعب نسيانها: طيورا تتساقط من السماء كالمطر اختناقًا بالدخان، حيوانات أليفة تفقد كل غريزة نجاة فتركض نحو ألسنة اللهب. هذا التطابق بين ارتباك الإنسان وارتباك الحيوان يشي بأن ما يدمر ليس مجرد ممتلكات، بل شبكة كاملة من "المعرفة بالمكان" التي يتقاسمها كل كائن حي نشأ فيه. وهذا التناقض بين عمق تجربة الضحايا وجهل الرأي العام به يستحق تأملًا أخلاقيًا مستقلًا.

ثمة خسارة أعمق أيضًا، خسارة المستقبل نفسه. فالمنظر الطبيعي ليس ذاكرة للماضي فقط، بل أفق مفتوح على احتمالات لم تستكشف بعد. حين يمحى هذا المنظر، ينقطع خيط الاستمرارية الذي يصل الأجيال، فلم يعد بإمكاننا أن نصطحب أبناءنا إلى الأماكن التي شكّلت طفولتنا. حين يفقد المكان أفقه الزمني، يتوقف عن أن يكون "عالمًا" بالمعنى الكامل للكلمة.

يقترح بعض المفكرين المعاصرين، ومنهم المؤرخ ستيفن باين، أن نعيد تسمية عصرنا، فبدلا من "الأنثروبوسين" (عصر الإنسان)، ربما يكون من الأدق الحديث عن "البيروسين" (عصر النار)، إذ إن العلاقة التبادلية بين الإنسانية والنار تمتد لمئات آلاف السنين. فالنار ليست خارجة عن الإنسان، بل جزء من تاريخه البيولوجي والثقافي معًا.

ويميز باين بين أربعة أنواع من النار: الحرائق "الطبيعية" الناشئة عن الصواعق؛ والحرائق "الأصلية" التي يشعلها الإنسان عمدًا بشكل موجَّه، وهي ممارسة تعود إلى الإنسان المنتصب قبل نحو مليوني عام؛ ثم الحرائق "الصناعية" الناتجة عن احتراق الوقود الأحفوري؛ وأخيرًا "الحريق الهائل"، الذي توصف أحيانًا بـ"الوحش" لضخامته وسرعة انتشاره. وهذا التمايز مفتاح فلسفي لا مجرد تصنيف تقني: فبينما صممت طائرات الإطفاء لمواجهة الحرائق العادية عند مستويات شدة معينة، تتجاوز الحرائق الهائلة هذه العتبات بأضعاف مضاعفة، حتى يستحيل إخمادها بأي وسيلة تقنية، ولا تنطفئ إلا لأسباب طبيعية بحتة. ومن هنا يصبح من الضروري فلسفيًا التمييز بين الحرائق الموجَّهة والمُتحكَّم فيها، التي مارسها الإنسان منذ آلاف السنين لأغراض معيشية، وحرائق كبرى ناتجة عن منطق المضاربة والربح .

من اللافت أن تسعة وتسعين من كل مئة حريق هائل، بحسب الإحصاءات التي تستند إليها زاسك، من صنع الإنسان، إما عن إهمال، أو سوء تدبير، أو فعل إجرامي متعمَّد. من هنا تتحدث الفيلسوفة عن دخولنا "عصر الحرائق"، عصر لا يمكن فيه الاكتفاء بموقف واحد من موقفين متطرفين شائعين: إما تقديس النار بوصفها عنصرًا "طبيعيًا" لا ينبغي المساس به، أو محاربتها بكل ما أوتينا من تقنية باسم السيطرة الكاملة. كلا الموقفين، في نظرها، سقطة في وهم واحد: وهم إمكانية فصل الإنسان عن النار فصلًا تامًا.

البديل الذي تقترحه زاسك هو "ثقافة النار"، أي مجموع المعارف والممارسات التي طوّرها على مدى أجيال كل من يتعامل يوميًا مع النار بوصفها أداة تدبير لا عدوًا مطلقا، الفلاحون ورعاة الماشية الذين يستخدمون الحرق الموجه لتجديد المراعي، وحراس الغابات الذين يعرفون متى تترك النار تأخذ مجراها ومتى يجب إيقافها. هذه "الثقافة" وسيطة بين القداسة والعداء، وهي في جوهرها موقف فلسفي، الاعتراف بأن العيش المشترك مع عنصر خطير لا يكون بإنكار خطورته ولا بمحاولة إلغائه، بل بتعلّم التعايش الحذر معه.

حريق غابة فونتينبلو

في شهر جويلية 2026، اجتاح حريق هائل غابة فونتينبلو جنوب باريس، ملتهما أكثر من ألفي هكتار، في مشهد استدعى تدخل طائرات "كانادير" ومروحيات الحماية المدنية، بل ودفع مزارعي المنطقة إلى المساهمة بملء خزانات المياه. والمفارقة الصادمة أن أحد المتورطين في إشعاله كان، بحسب ما كُشف لاحقًا، رجل إطفاء متطوعًا نفسه.

هذه الواقعة تعيد إلى الواجهة نقطة أساسية، أن جزءا من الحرائق لا يندلع بدافع مصلحي، بل بدافع "الهوس بإشعال النار" بوصفه اضطرابًا نفسيًا معقدًا، يجد صاحبه فيه لذة اندفاعية خالصة في مشهد الاشتعال ذاته. وقد لاحظ باشلار أن هذا النوع من "المجرمين" هو الأكثر تخفيًا بين كل المجرمين، إذ يبدو الفعل بسيطًا (عود ثقاب، قليل من الوقود الجاف) بينما نتائجه كارثية وغير متناسبة إطلاقًا مع بساطة الوسيلة. وحين يلتقي هذا الاضطراب الفردي بظروف مناخية متفاقمة من جفاف وحرارة، تتضاعف "فرصة" الفعل الهوسي، بحيث يتحول تغيّر المناخ نفسه إلى محفّز غير مباشر لتفشيه. وهذا يعيد تأكيد فكرة مركزية: أن الحرائق الهائلة، بسبب الفجوة بين ضآلة الفعل المسبِّب وهول الدمار الناتج، أصبحت أقرب إلى "أسلحة دمار شامل" لا تستهدف حياة البشر مباشرة، بل تستهدف المناظر الطبيعية ومقومات العيش المشترك.

نحو عقد اجتماعي جديد مع الطبيعة

الخلاصة الفلسفية التي يمكن استخلاصها من كل ما سبق ليست دعوة إلى الهيمنة على النار عبر الحرب الشاملة عليها، ولا دعوة إلى استعادة ماضٍ استنفدت وظيفته البيئية. فكلا الموقفين لم يعودا صالحَين لمواجهة واقع اليوم. البديل هو التفكير في إمكانية "أنسنة" الطبيعة والغابة دون أن تصبح "متمحورة حول الإنسان"، أي الاعتراف بأن الإنسان جزء لا يتجزأ من النظام البيئي، فاعل فيه ومتأثر به في آن واحد، دون أن يختزل هذا النظام إلى مجرد أداة في خدمته.

هذا يستدعي عقدًا اجتماعيًا جديدًا، عقدًا يستدعي إقامة علاقات حوارية مع الطبيعة، وحماية مشتركاتنا الطبيعية على مختلف المستويات — من الغابة المحلية إلى الغلاف الجوي للكوكب بأسره.

إن حرائق الغابات الكبرى، حين نتأملها فلسفيا، تكشف عن أزمة أعمق من كونها مجرد أزمة مناخية أو بيئية تقنية: إنها أزمة في تصوّرنا لعلاقة الإنسان بالطبيعة، أزمة ثنائية "الثقافة/الطبيعة" التي ورثناها من الحداثة. وربما تكون النار، بقدر ما هي عنصر تدمير، مرآة صادقة تكشف لنا هشاشة النموذج الحضاري الذي بنيناه، وتدعونا — بإلحاح متزايد كل صيف — إلى إعادة التفكير جذريًا في طريقة سكننا للأرض.

ومن اللافت أن هذا الوعي غالبًا ما يولد من قلب التجربة المباشرة مع الكارثة، لا من التنظير المجرد عنها. فمن نفس مدينة "بارادايس" التي افتتحنا بها هذا المقال، خرجت فتاة مراهقة عاشت حريق 2018 وهي تقف اليوم كل أسبوع أمام مقر الأمم المتحدة مطالبة بالعدالة المناخية، معتبرة أن ذلك الحريق كان "قبل وبعد" في مسار حياتها. هذا الانتقال من الصدمة الفردية إلى الفعل الجماعي يلخّص ربما أفضل ما يمكن أن نطمح إليه فلسفيًا: أن تتحول الحرائق الهائلة، من إنذار يُصيبنا بالشلل، إلى نقطة انطلاق لاستعادة "ثقافة النار" — تلك المعرفة الجماعية، العملية والمتواضعة، التي تجعلنا لا سادةً على الطبيعة ولا ضيوفًا عابرين فيها، بل شركاء دائمين في صون ما تبقى من عالمنا المشترك.

***

عمرون علي

..................

هوامش

هذا المقال هو قراءة في كتاب جويل زاسك "حين تحترق الغابة: التفكير في الكارثة البيئية الجديدة 2019 ، وبالاستناد الى حوار أجراه سفين أورتولي مع زاسك (2022)، إضافة إلى وثيقة أرشيفية استعمارية جزائرية بعنوان "التحقيق العام في حرائق الغابات بالجزائر 1865-1881" (الجزائر، 1882)، وتقرير صحفي عن حريق غابة فونتينبلو (2026.

أو كيف يُنتج الفكر اختلافه في مواجهة بلاهة العالم.. قراءة تأويلية في فلسفة جيل دولوز

 في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات أكثر مما تتكاثر فيه الأفكار، وتفيض فيه المعلومات بينما يتراجع المعنى، يبدو السؤال عن الفلسفة سؤالًا عن مصير الإنسان نفسه. فالأزمة التي يعيشها عالمنا ليست أزمة نقص في المعرفة، وإنما أزمة في كيفية التفكير. لقد أصبحنا نعيش عصرًا تُستهلك فيه الآراء بسرعة، وتُنتج فيه الأحكام قبل أن تنضج الأسئلة، حتى غدا الضجيج قادرًا على احتلال المكان الذي كان يحتله العقل.

في هذا السياق، تكتسب فلسفة جيل دولوز راهنية استثنائية، لأنها لا تدعونا إلى البحث عن يقين جديد، بل إلى تحرير الفكر من أوهام اليقين. لم يكن دولوز منشغلًا بتقديم منظومة مغلقة من الحقائق، وإنما كان يسعى إلى زعزعة ما سماه «الصورة الدوغمائية للفكر»، أي ذلك الاعتقاد بأن الإنسان يفكر لمجرد أنه يمتلك عقلًا، وأن الحقيقة تنتظر من يكتشفها في هدوء. أما الواقع، فيكشف أن التفكير فعل نادر، وأن العقل قد يتحول، إذا استسلم لعاداته، إلى أداة لتبرير المألوف بدل مساءلته.

إن الحمق، من هذا المنظور، ليس شتيمة تُوجَّه إلى الأشخاص، ولا وصفًا لضعف الذكاء، بل هو نمط في الوعي يرفض أن يغادر يقيناته. إنه لحظة يتوقف فيها السؤال عن العمل، ويستقر العقل داخل أجوبة جاهزة، فيغدو تكرار الأفكار أكثر سهولة من إنتاجها، ويصبح الدفاع عن الموروث أهم من اختبار صلاحيته. وهنا يكمن الخطر الحقيقي؛ لأن المجتمعات لا تتراجع حين يكثر الجهل فقط، بل حين يتحول اليقين إلى بديل عن التفكير.

لقد أراد دولوز للفلسفة أن تكون فنًا لخلق المفاهيم، لا مستودعًا للمفاهيم. فالمفهوم، في نظره، ليس تعريفًا جامدًا، بل أداة تفتح للعالم إمكانات جديدة للفهم. وكل مفهوم يولد لأن الواقع تغيّر، ولأن اللغة القديمة لم تعد قادرة على احتواء التجربة الجديدة. لذلك فإن الفلسفة ليست تكرارًا لما قاله السابقون، وإنما هي شجاعة في ابتكار لغة جديدة حين تعجز اللغة الموروثة عن تفسير ما يحدث.

ولعل هذا ما نفتقده في فضائنا الثقافي العربي. فنحن نميل، في كثير من الأحيان، إلى استهلاك الأفكار أكثر من إنتاجها، وإلى استحضار الأسماء الكبرى أكثر من محاورتها. نقرأ الفلاسفة باعتبارهم سلطات معرفية، بينما كانوا هم أول من تمرّد على سلطة من سبقهم. وهكذا تتحول الفلسفة، التي وُجدت لتحرير العقل، إلى محفوظات جامدة، ويصبح استدعاء الأسماء بديلاً عن صناعة المفاهيم.

إن أخطر أشكال الحمق ليست تلك التي تظهر في الخطابات الصاخبة وحدها، بل تلك التي تتسلل إلى الحياة اليومية، حين يصبح الاختلاف مدعاة للريبة، والسؤال علامة على التمرد، والنقد قرينًا لسوء النية. عندها لا يعود المجتمع ينتج مواطنين يفكرون، بل أفرادًا يكررون ما اعتادوا سماعه. وهذا ما يجعل الفلسفة ضرورة حضارية قبل أن تكون تخصصًا أكاديميًا؛ لأنها تعلم الإنسان كيف يعيش مع السؤال، لا كيف يهرب منه.

ولا يعني الدفاع عن الاختلاف الدعوة إلى الفوضى أو إنكار الحقائق، بل يعني الاعتراف بأن الحقيقة لا تزدهر إلا في فضاء الحوار، وأن الفكر لا ينمو إلا إذا تعرض للاختبار. إن الثقافة التي تخشى الأسئلة محكوم عليها بأن تعيد إنتاج نفسها حتى وهي تعتقد أنها تتجدد، بينما الثقافة التي تمنح العقل حق الشك والنقد، تمتلك القدرة على تصحيح أخطائها وصناعة مستقبلها.

لقد أدرك دولوز أن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان هو أن يعتقد أن العالم قد اكتمل، وأن كل ما تبقى هو إعادة شرح ما قيل. لكن الحياة، في جوهرها، ليست تكرارًا، بل صيرورة دائمة، وكل جيل مدعو إلى أن يخلق مفاهيمه التي تفسر زمنه، لا أن يكتفي بترديد مفاهيم الأزمنة السابقة. لذلك فإن الفيلسوف لا يحرس الماضي، بل يفتح المستقبل، ولا يقدس الأجوبة، بل يمنح الأسئلة قدرة جديدة على الإقامة في الوعي.

إن مجابهة الحمق ليست معركة ضد أشخاص، بل هي مقاومة لكل بنية ثقافية تجعل الإنسان يطمئن إلى ما يعرف أكثر مما يطمح إلى ما يمكن أن يعرفه. إنها دعوة إلى استعادة فضيلة الدهشة، وإلى إعادة الاعتبار للتفكير بوصفه فعلًا من أفعال الحرية. فحين يتوقف العقل عن الابتكار، تبدأ الحضارات في الدوران حول نفسها، وحين يفقد الإنسان شجاعته في مساءلة البداهات، يصبح أسيرًا لما صنعه بيديه من يقين.

ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا اليوم ليس: كيف نكسب مزيدًا من المعلومات؟ بل: كيف نعيد إلى الفكر قدرته على إنتاج الاختلاف؟ فالمعرفة التي لا تخلق أفقًا جديدًا سرعان ما تتحول إلى عبء، والثقافة التي لا تشجع على التفكير تنتهي إلى صناعة الامتثال. أما الفلسفة، فإنها تظل، رغم كل شيء، الوعد الدائم بأن الإنسان قادر على أن يبدأ من جديد، وأن يبتكر مفاهيم جديدة كلما بدا العالم وكأنه استنفد كل إمكاناته.

وهكذا، فإن أفضل وفاءٍ لجيل دولوز لا يكون بتكرار مفاهيمه، بل بممارسة الروح التي حكمت مشروعه الفلسفي: روح الجرأة على التفكير، والقدرة على خلق الاختلاف، والإيمان بأن العالم لا يتغير عندما نعيد وصفه، بل عندما نجرؤ على التفكير فيه بطريقة لم تكن ممكنة من قبل.

***

بقلم: د. معروفي العيد

في 2002 اقترح ديفيد بلانكيت، وزير الداخلية البريطاني السابق، مشروع قانون يلزم المواطنين بحمل بطاقة تعريف شخصية، تتضمن أسماءهم وصورهم وعنوان سكنهم. وبريطانيا واحدة من 11 دولة لا تلزم مواطنيها بحمل هوية تعريف داخل البلاد. وقال الوزير يومئذ إن القانون ليس ضرورة أمنية فحسب، فهو يرمي في الأساس إلى توفير قاعدة بيانات موثوقة، للتخطيط الاجتماعي والاقتصادي. أثار المشروع جدلاً عنيفاً في وقته، وقد أقرّه البرلمان في 2006 بعدما أُجريت عليه تعديلات جوهرية. لكن الاعتراض عليه تواصل، حتى تراجعت عنه الحكومة وقررت إلغاءه في 2010.

إن السبب الرئيس للمعارضة الواسعة لذلك القانون، هو خشية الناس من تسلط مديري قواعد المعلومات، على تفاصيل حياتهم. جرى هذا الجدل عندما كان انتشار الإنترنت محدوداً نوعاً ما. ولا شك أن ذلك القلق بات أكثر مصداقية في هذه الأيام. فالشركات التي تملك شبكات الإنترنت أو تدير منصات التواصل الاجتماعي، فضلاً عن الحكومات، تعرف بدقة تفاصيل حياة كل منا، أصدقاءه، وضعه الصحي والمعيشي، هواياته ونوعية الملابس التي يشتريها، والبلدان التي يسافر إليها والكتب التي يقرأها، والعشرات من التفاصيل التي لا تخطر على بالك. ولذا؛ قيل إن الحروب المقبلة، ستدار من وراء الشاشات، وليس على متن الدبابات والطائرات. ولعل بعض القراء يذكرون الجدل الذي أثاره قرار الحكومة الأميركية حظر منصة التواصل الاجتماعي «تيك توك» في 2020، بعدما ظهرت معلومات تدعي أن شريحة معتبرة من جنود الجيش الأميركي وموظفي الحكومة وعائلاتهم، تستعمل التطبيق الذي تديره شركة صينية، وأن هذا جعل الجيش مكشوفاً للمخابرات الصينية. إن اهتمام الحكومة الأميركية بهذا التطبيق، ينبع من فهمها لقدرة منصات التواصل، على اختراق تفاصيل الحياة الشخصية لمستخدميها ومن حولهم، حتى لو حاولوا التكتم.

عند هذه النقطة، لعل بعض القراء قد بدأ يتساءل: هل نتحدث عن رؤية ميشيل فوكو (1926 - 1984) لمكانة الإنسان في العالم الحديث؟

الواقع، إنني قد سألت نفسي هذا السؤال أيضاً، بعدما قرأت تصريحاً لرئيس «مايكروسوفت» السابق بيل غيتس في الأسبوع الماضي، يحذّر فيه من خطر وشيك يتمثل في الذكاء الاصطناعي المنفلت. ولفت نظري في تصريحه نقطتان: تحذيره من انجذاب الأطفال بشكل تام لمنصات الذكاء الاصطناعي وما توفره من بيانات، وإمكانية استخدامه من جانب جهات غير موثوقة، وربما إجرامية، للسيطرة على الآخرين والتحكم في حياتهم أو ابتزازهم.

تدور رؤية ميشيل فوكو حول علاقة المعرفة بالسلطة، وتأثير أنواع المعارف التي يتلقاها الفرد خلال تجربته الحياتية، على توجهاته وخياراته. وهو يرى أن القوى المهيمنة في عالم اليوم، ليست مهتمة بالعقاب والتحكم الخشن في الأفراد، بل هي تمارس واقعياً التحكم اللين، الذي يسهِم فيه الأفراد بمحض اختيارهم، بل ربما يراه بعضهم شيئاً محبباً، رغم أنه ينتهي بجعل خياراتهم وإراداتهم، في أيدي أشخاص آخرين. ألم يبدِ جان جاك روسو عجبه من إنسان هذا العصر «الذي مشى برجليه إلى سجن القانون»؟

القوى المهيمنة تسيطر على حياة الأفراد من خلال التنظيم المتقن للمجتمع، التنظيم الذي يحدد موقع كل فرد في النظام الاجتماعي والاقتصادي، ويلقنه ما يكفي من المعارف لجعل هذا التموضع مريحاً ومقبولاً.

الإنسان المعاصر- وفقاً لهذا التقدير- مجرد رقم في السجلات الضخمة المخزونة في أنظمة الكمبيوتر، وليس زيداً أو أحمد أو عبد الله. وماذا يهمهم من اسمك أو اسم أبيك؛ فأنت مجرد مستهلك لبعض السلع أو منتج لسلع أخرى، المهم هو ما تفعله وليس وجودك بذاته. المهم أن تتقبل المكان الذي جرى تحديده موضعاً مناسباً لك، وأن تراه نعمة لا ينبغي إنكارها أو التفكير في بدائلها.

ألا يبدو أننا نعيش في ظل حكومة الآلات، أو قريباً منها؟

***

د. توفيق السيف

 

جدل الهوية والمعرفة ومسؤولية المثقف في زمن الانحطاط

حين تتحول الثقافة إلى سؤال في المصير

في الأزمنة التي تتصدّع فيها المعاني، وتضطرب فيها معايير الحقيقة والقيمة، لا يعود السؤال عن الثقافة ترفاً نخبوياً، ولا تصبح المعرفة مجرد فائض رمزي تتباهى به المجتمعات؛ بل يتحول الأمر إلى سؤال في المصير. فحين تفقد الجماعة قدرتها على إنتاج المعنى، تبدأ في فقدان قدرتها على فهم ذاتها، وحين تعجز عن فهم ذاتها، تصبح هويتها قابلة للاختطاف من الأيديولوجيا، أو السلطة، أو السوق، أو الاستلاب الثقافي.

الثقافة، في جوهرها، ليست ما نضيفه إلى الحياة بعد أن ننجز ضروراتها، بل هي الطريقة التي نمنح بها الحياة معنى. إنها اللغة التي نسمي بها العالم، والرموز التي نختزن فيها الذاكرة، والقيم التي نزن بها الأفعال، والأساطير التي نفسر بها المجهول، والفنون التي نترجم بها انفعالاتنا، والعادات التي ننظم بها معاشنا، والتصورات التي نبني من خلالها علاقتنا بالآخر.

ومن هنا تتقدم الأنثروبولوجيا الثقافية بوصفها واحدة من أكثر العلوم قدرة على الاقتراب من الإنسان في تعدده وتعقيده؛ فهي لا تكتفي بالسؤال: ماذا يفعل الإنسان؟ بل تسأل أيضاً: لماذا يفعل؟ وما المعنى الذي يمنحه لما يفعل؟ وكيف تشكلت الرموز والقيم والتصورات التي تحكم سلوكه؟

ولذلك فإن أزمة الثقافة العربية الراهنة لا يمكن اختزالها في ضعف الإنتاج الأدبي أو العلمي، ولا في تراجع القراءة وحده، بل ينبغي النظر إليها باعتبارها جزءاً من أزمة أعمق: أزمة معنى، وأزمة معرفة، وأزمة علاقة بالذات والتاريخ والآخر.

أولاً: الثقافة بوصفها بنية للوجود الإنساني

حين عرّف إدوارد بيرنت تايلور الثقافة في كتابه Primitive Culture بأنها كل مركب يشتمل على المعرفة والمعتقد والفن والأخلاق والقانون والعادات وسائر القدرات التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً في المجتمع، كان يؤسس لتحول بالغ الأهمية في فهم الثقافة؛ إذ لم تعد الثقافة حكراً على الفلسفة والأدب والفنون الرفيعة، وإنما أصبحت مفهوماً شاملاً يطال مجمل أنماط الحياة الإنسانية.

وهنا تتبدى القيمة المعرفية للأنثروبولوجيا: إنها تنقل الثقافة من هامش الحياة إلى مركز تفسير الإنسان.

فالإنسان لا يعيش في الطبيعة وحدها؛ إنه يعيش في عالم من الرموز. لا يتعامل مع الأشياء كما هي فحسب، وإنما كما يسميها ويتخيلها ويؤوّلها. فالبيت ليس حجارة فقط، والوطن ليس رقعة جغرافية فقط، واللغة ليست أصواتاً متتابعة، والموت ليس حدثاً بيولوجياً محضاً؛ كل ذلك محمّل بطبقات من الدلالة أنتجتها الجماعة عبر تاريخها الطويل.

ومن هنا يمكن القول إن الأنثروبولوجيا الثقافية تدرس الإنسان الذي يصنع المعنى، والمعنى الذي يعيد تشكيل الإنسان.

ثانياً: من دراسة الآخر إلى اكتشاف الذات

كان أحد التحولات الكبرى في تاريخ الأنثروبولوجيا هو الانتقال من النظر إلى الثقافات الأخرى بوصفها درجات على سلم تطوري واحد، إلى فهم كل ثقافة في سياقها التاريخي والاجتماعي الخاص.

وقد كان فرانز بواس من أبرز من أسهموا في هذا التحول؛ إذ قاوم التفسيرات التي تجعل الاختلافات الثقافية انعكاساً لتراتب عرقي أو حضاري ثابت، وربط السلوك الإنساني بتاريخ التعلم الثقافي وأنماط العيش المكتسبة. وقد كان لأعماله أثر أساسي في جعل الثقافة مفهوماً مركزياً لتفسير السلوك الإنساني.

ومن هنا نشأ ما ارتبط بالأنثروبولوجيا من اهتمام بالنسبية الثقافية: أي ضرورة فهم الظواهر الثقافية ضمن السياق الذي نشأت فيه، بدلاً من إسقاط معايير ثقافة واحدة على جميع الثقافات.

غير أن النسبية الثقافية لا ينبغي أن تتحول إلى عقيدة مغلقة تنفي إمكان النقد؛ فقد نبّهت دراسات لاحقة إلى أن تعليق الأحكام الخارجية تماماً قد يجعل الباحث عاجزاً عن رؤية علاقات القوة والتفاوت داخل الثقافة نفسها.

وهذه ملاحظة بالغة الأهمية بالنسبة إلى الثقافة العربية: أن نفهم ثقافتنا لا يعني أن نبرر كل ما فيها، وأن نحترم خصوصيتها لا يعني أن نعفيها من النقد.

فالأنثروبولوجيا الحقيقية لا تمارس التقديس ولا الإدانة السريعة؛ إنها تمارس الفهم أولاً، ثم تفتح الطريق أمام النقد.

ثالثاً: المثقف العربي وسؤال الوعي

في هذا الإطار يتغير تعريف المثقف.

فالمثقف ليس هو الأكثر حفظاً للمعلومات، ولا الأكثر حضوراً في المنابر، ولا الأكثر قدرة على استعراض المصطلحات؛ بل هو، في جوهره، الإنسان الذي يمتلك قدرة استثنائية على تحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى موقف، والموقف إلى مسؤولية.

وظيفته ليست أن يصفق لما هو قائم، وإنما أن يسأل عن شروط قيامه.

وليست مهمته أن يكرر ما يقوله المجتمع، وإنما أن يكشف ما يعجز المجتمع عن رؤيته في ذاته.

المثقف، بهذا المعنى، هو ضمير الاختلاف.

إنه يقف على تخوم الجماعة: ينتمي إليها بما يكفي لفهمها، ويبتعد عنها بما يكفي لنقدها.

وهذا هو أحد أصعب أشكال الوجود الثقافي؛ لأن المثقف الذي يذوب كلياً في الجماعة يفقد مسافة النقد، والمثقف الذي يقطع صلته بها يفقد القدرة على التأثير.

رابعاً: بين التكلس والتغريب

أحد أخطر وجوه المأزق العربي المعاصر أن الثقافة تتأرجح بين قطبين متقابلين في الظاهر، متشابهين في العمق:

تكلسٌ ماضوي يجعل من التراث حقيقة مكتفية بذاتها، ويعامل الأسلاف بوصفهم خاتمة السؤال.

وتغريبٌ استهلاكي يجعل من الغرب نموذجاً جاهزاً، ويستورد نتائجه دون أن يستوعب الشروط التاريخية التي أنتجتها.

الأول يريد أن يعيش الحاضر بعقل الماضي.

والثاني يريد أن يعيش المستقبل بعقل الآخر.

وكلاهما يعجز عن إنتاج ذات تاريخية مستقلة.

وهنا تكتسب أطروحة عبد الله العروي أهميتها؛ فمشروعه الفكري يرتكز بصورة واضحة على التاريخانية وعلى ضرورة فهم مشكلات المجتمع العربي ضمن شروطه التاريخية، لا من خلال أفكار مجردة منفصلة عن الواقع. كما ظل سؤال الحداثة والتحديث والعلاقة بالتراث من المحاور المركزية في أعماله.

ومن ثم فإن المشكلة ليست أن نختار بين التراث والحداثة، وإنما أن نمتلك القدرة على إعادة بناء علاقتنا بالتراث في ضوء الوعي التاريخي.

فالتراث الذي لا يتحول إلى موضوع للدرس يتحول إلى سلطة.

والحداثة التي لا تتحول إلى تجربة نقدية تتحول إلى تقليد.

خامساً: الهوية ليست أثراً متحفياً

إن أخطر الأخطاء في خطاب الهوية أن ننظر إليها بوصفها شيئاً ثابتاً مكتملاً منذ البداية.

الهوية ليست حجراً أثرياً محفوظاً في متحف؛ إنها كائن تاريخي متحرك.

إنها تتشكل من اللغة والذاكرة والمكان والدين والعادات والتجارب السياسية والاجتماعية، لكنها لا تتوقف عند لحظة تاريخية واحدة.

ولهذا فإن الدفاع عن الهوية لا يكون بتجميدها، بل بمنحها القدرة على الحوار والتجدد.

فالهوية التي تخاف من السؤال تتحول إلى عقيدة مغلقة.

والهوية التي تخاف من الآخر تتحول إلى سجن.

أما الهوية الناضجة فهي التي تعرف من أين جاءت، وتفهم أين تقف، وتدرك إلى أين تريد أن تذهب.

إنها ذاكرة تتجه إلى المستقبل.

وهنا تتقاطع الأنثروبولوجيا مع الفكر التاريخي: فالهوية ليست جواباً نهائياً عن سؤال «من نحن؟»، وإنما هي عملية مستمرة من إعادة تعريف الذات.

سادساً: إدوارد سعيد وسؤال المعرفة والسلطة

يكتسب هذا النقاش بعداً آخر مع إدوارد سعيد، الذي كشف في الاستشراق عن الكيفية التي يمكن أن تتداخل بها المعرفة مع علاقات القوة والتمثيل والهيمنة.

فليس كل وصف للآخر بريئاً بالضرورة، وليس كل خطاب معرفي منفصلاً عن السياق السياسي الذي أنتجه.

وهذا لا يعني أن كل معرفة غربية عن الشرق مجرد مؤامرة، وإنما يعني ضرورة فحص الشروط التاريخية والمؤسساتية والخطابية التي تنتج المعرفة.

ومن هنا يصبح سؤال الأنثروبولوجيا أكثر تعقيداً:

من يدرس من؟

وبأي أدوات؟

ومن يملك حق تعريف الآخر؟

ومن يملك سلطة إنتاج الصورة التي يصبح الآخر مطالباً بأن يرى نفسه من خلالها؟

لقد أسهم سعيد في جعل هذه الأسئلة جزءاً من الوعي النقدي الحديث، خصوصاً في تحليل العلاقة بين التمثيل الثقافي والسلطة الاستعمارية.

وهذا الدرس شديد الأهمية بالنسبة إلينا؛ لأن التحرر الثقافي لا يعني رفض الآخر، بل يعني امتلاك القدرة على النظر إلى الذات والآخر من موقع نقدي مستقل.

سابعاً: من الأنثروبولوجيا إلى نقد المجتمع

إذا كان الإنسان كائناً ثقافياً، فإن دراسة الثقافة تعني، في نهاية المطاف، دراسة البنية العميقة للمجتمع.

وهنا تتقاطع الأنثروبولوجيا مع علم الاجتماع والفلسفة والتاريخ وعلم النفس واللسانيات.

فالعادة ليست مجرد عادة؛ إنها قد تخفي وراءها بنية سلطة.

والطقس ليس مجرد ممارسة؛ قد يكون حاملاً لذاكرة جماعية.

واللغة ليست أداة اتصال فقط؛ إنها نظام تصنيف للعالم.

والأسطورة ليست مجرد حكاية قديمة؛ إنها قد تكشف عن مخاوف الجماعة ورغباتها وصورتها عن الكون.

ومن هنا يصبح المجتمع نصاً ضخماً يحتاج إلى القراءة.

والمثقف الذي لا يقرأ هذا النص الاجتماعي يبقى أسير النصوص المجردة.

ثامناً: محنة الثقافة العربية: حين تنقلب المعايير

المحنة الأكثر قسوة تبدأ حين لا يعود المجتمع قادراً على التمييز بين المعرفة واستعراض المعرفة.

حين يصبح عدد المتابعين معياراً للقيمة.

وحين تتحول الشهرة إلى بديل عن الكفاءة.

وحين يُهمّش الباحث لأنه لا يجيد الضجيج، بينما يتصدر المشهد من يجيد صناعة الضجيج.

وحين يصبح الولاء أهم من الحقيقة، والموقف الشخصي أهم من الحجة، والانتماء أهم من الكفاءة.

عندها لا يكون الخلل في الثقافة وحدها، بل في البنية الرمزية للمجتمع.

فالمجتمع الذي يفقد معايير التمييز بين العالم والجاهل، وبين الناقد والمصفق، وبين المثقف والداعية إلى الشهرة، يدخل مرحلة من الفوضى المعرفية.

وهذه ليست فوضى معلومات، وإنما فوضى معايير.

والأخطر أن الفوضى المعرفية قد تتعايش مع وفرة هائلة من المعلومات.

فليس كل مجتمع يمتلك المعلومات يمتلك المعرفة، وليس كل من يقرأ كثيراً يمتلك عقلاً نقدياً.

تاسعاً: كانط والجرأة على التفكير

يظل سؤال كانط عن التنوير راهناً: كيف يخرج الإنسان من حالة القصور التي تجعله يعتمد على وصاية الآخرين في التفكير؟

إن المشكلة لا تكمن دائماً في غياب العقل، وإنما في التنازل عن استعماله.

قد يعرف الإنسان، لكنه لا يفكر.

وقد يقرأ، لكنه لا يسائل.

وقد يمتلك الشهادة، لكنه يفتقر إلى المنهج.

وقد يتحدث عن الحرية، لكنه يخاف نتائجها.

وهنا يصبح شعار التنوير الحقيقي: الجرأة على التفكير.

إن الثقافة التي لا تعلم الإنسان كيف يفكر ليست ثقافة مكتملة.

والجامعة التي تنتج شهادات ولا تنتج عقولاً نقدية لا تؤدي رسالتها كاملة.

والمثقف الذي يخاف مراجعة أفكاره يتحول إلى سجين لمقولاته.

عاشراً: نحو أنثروبولوجيا عربية للذات

نحتاج اليوم إلى مشروع أنثروبولوجي عربي لا يكتفي باستيراد المفاهيم والمناهج، وإنما ينطلق من الإنسان العربي في واقعه التاريخي الملموس.

نحتاج إلى دراسة الذاكرة الشعبية، والعائلة، والمدينة، والقرية، والهجرة، والدين الشعبي، والأمثال، والأغنية، والطقوس، والعلاقات بين الأجيال، وصور السلطة، وتمثلات الجسد، ومفهوم الشرف، وأنماط التضامن، وعلاقة الإنسان العربي بالمكان والزمن والموت والعمل والحرية.

نحتاج إلى أن نعرف:

كيف تشكل الوعي العربي الحديث؟

كيف أثرت الاستعمارية في بنيته؟

كيف أعاد الاستبداد إنتاج الخوف؟

كيف أسهمت المدينة والإعلام والهجرة في إعادة تركيب الهوية؟

كيف تحولت بعض القيم إلى أدوات للضبط الاجتماعي؟

وكيف يمكن للثقافة أن تتحول من أداة لإعادة إنتاج الواقع إلى أداة لتحرير الإنسان منه؟

هذه الأسئلة ليست ترفاً أكاديمياً؛ إنها أسئلة النهضة ذاتها.

الحادي عشر: العروي والتاريخانية واستعادة الزمن

هنا تتضح أهمية العروي مرة أخرى.

فالمشكلة، في جانب عميق منها، ليست مجرد غياب الأفكار الحديثة، وإنما العجز عن استيعاب التاريخ بوصفه شرطاً للفكر والعمل.

وقد ظل العروي يؤكد أهمية المنهج التاريخي في فهم المشكلات العربية، ويربط أزمة الحداثة بمشكلة الوعي بالتاريخ، كما جعل التحديث والعقلانية والحرية والدولة مفاهيم ينبغي فهمها ضمن سياقاتها التاريخية، لا باعتبارها ألفاظاً منفصلة عن شروط إنتاجها.

وهذا يعني أن النهضة لا يمكن أن تبدأ من سؤال: «كيف نعود إلى الماضي؟» ولا من سؤال: «كيف نقلد الغرب؟»، وإنما من سؤال أكثر جذرية:

كيف نفهم اللحظة التاريخية التي نقف فيها؟

فمن لا يفهم زمنه، يظل أسيراً لزمن غيره.

 استعادة المعنى قبل استعادة الثقافة

إن الأزمة العربية ليست أزمة ثقافة بالمعنى الضيق، بل أزمة علاقة بالثقافة؛ وأزمة علاقة بالمعرفة؛ وأزمة علاقة بالتاريخ؛ وأزمة علاقة بالذات والآخر.

ولذلك فإن الخروج من هذه المحنة لا يبدأ بكثرة المؤتمرات، ولا بتكاثر المهرجانات، ولا بتوزيع الجوائز، وإنما يبدأ من إعادة بناء العقل الذي ينتج الثقافة ويتلقاها ويحكم عليها.

نحتاج إلى مثقف لا يكون بوقاً للسلطة، ولا أسيراً للماضي، ولا تابعاً للآخر؛ مثقف يملك شجاعة السؤال، وصرامة المنهج، وعمق المعرفة، واستقلال الضمير.

نحتاج إلى ثقافة لا تكتفي بوصف المجتمع، بل تكشف البنى التي تصنع وعيه.

ونحتاج إلى هوية لا تتحول إلى قفص، ولا تذوب في الآخر، بل تعرف جذورها وتدرك تاريخها وتفتح نوافذها على العالم.

فالأنثروبولوجيا، في أعمق دلالاتها، تعلمنا أن الإنسان ليس كائناً بيولوجياً فقط، وإنما كائن رمزي يصنع العالم حين يمنحه معنى.

ومن ثم فإن المعركة الثقافية الحقيقية ليست مع الجهل وحده، وإنما مع اللامعنى؛ لأن الجهل يمكن علاجه بالمعرفة، أما اللامعنى حين يستوطن المجتمع فيهدد قدرته على معرفة نفسه وتحديد مستقبله.

إن مستقبل الثقافة العربية لن يُصنع باستعادة الماضي كما كان، ولا باستنساخ الآخر كما هو، وإنما بإنتاج وعي تاريخي نقدي قادر على تحويل التراث إلى موضوع للمعرفة، والحداثة إلى تجربة واعية، والهوية إلى مشروع مفتوح، والثقافة إلى قوة لتحرير الإنسان.

وهنا تلتقي الأنثروبولوجيا مع الفلسفة، ويلتقي التاريخ بالنقد، ويلتقي المثقف بالمسؤولية.

فلا نهضة بلا معرفة.

ولا معرفة بلا سؤال.

ولا سؤال بلا حرية.

ولا حرية بلا عقل نقدي.

ولا عقل نقدي بلا إنسان يملك شجاعة أن ينظر إلى ذاته بلا أسطورة، وإلى ماضيه بلا تقديس، وإلى الآخر بلا دونية، وإلى المستقبل بلا خوف. مراجع أساسية مقترحة

***

عماد خالد رحمة - برلين

..................

١. إدوارد ب. تايلور، الثقافة البدائية (Primitive Culture)، 1871.

٢. Franz Boas, The Mind of Primitive Man، وأعماله في الأنثروبولوجيا الثقافية. وتُظهر الدراسات التاريخية لأعماله دوره في ترسيخ الثقافة مفهوماً مركزياً لتفسير السلوك الإنساني.

٣. Claude Lévi-Strauss, Structural Anthropology.

٤. Bronisław Malinowski, Argonauts of the Western Pacific.

٥. إدوارد سعيد، الاستشراق.

٦. إيمانويل كانط، ما التنوير؟ ونقد العقل المحض.

٧. عبد الله العروي، الإيديولوجيا العربية المعاصرة.

٨. عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي.

٩. عبد الله العروي، الإسلام والحداثة. وتؤكد الدراسات الخاصة بمشروعه مركزية التاريخانية والحداثة والمنهج التاريخي في تفكيره.

١٠. Hans Peter Hahn, “On the Changeful History of Franz Boas’s Concept of Cultural Relativism”, 2023، لمراجع

إننا نظن، من جانبنا، أن الأفكارَ، أو أغلبها، لا تُولَد مُعلَّقَةً في الهواء، ومعزولةً عن السياقِ الاجتماعي والسياسي والنفسي، والذي يكون له دورٌ، بِنَسَبٍ متفاوتةٍ، في بلورةِ هذه الأفكارِ وصياغتها، وأشيرُ في البداية إلى أنني لا أقولُ هذا على سبيل «الحتمية»، وأن سياقًا اجتماعيًّا ما لابد وحتْمًا أن يُفرِزَ نمطًا معينًا من الخرافة والتبعية على سبيل «الحتمية» والضرورة، لا، ليس هذا مرادي، وإنما أردتُ التنويهَ إلى وجود أثر حقيقي لهذه الأشياء، ولكن لا على سبيل الجبْر والحتمية.

كما أنني أقررُ قاعدةً أخرى مهمة في هذا السياق، وهي أنه ليس بالضرورة، عند كلامنا في «ظُلْمٍ وانهزام» وقع لأحدهم، وتسبب هذا الظلمُ أو الانهزام في صياغةِ مجموعةٍ من الأفكار، أو التأثير فيها، أقولُ: ليس «بالضرورة» أن يكون هذا الظلمُ والانهزامُ قد وقعَ بالفعلِ؛ فقد تكون هناك حال مِن «ادِّعاء» المظلومية وغيرها؛ لاتخاذها كمُبرِّرٍ ومدخلٍ لفكرة واتجاه ما يُراد تثبيته وشيوعه، وأقول إن هذا الأمر ليس بالضرورة أيضًا؛ فصحة هذا من عدمه متروكة للبحث في كل قضية على حِدة؛ ومِن ثَمَّ نتبين مدى صِدْقِ الادعاء فيها أو كذبه.

هذه إشاراتٌ مهمةٌ؛ تَضْبِطُ ما نريد الحديثَ عنه خلال السطور القادمة.

جدل العلاقة بين الانهزام والخوف والمعتقدات الدينية

ظهرَ في مدرسة التحليل النفسي اتجاهٌ يرى أن الدينَ ينبعُ من عجْزِ الإنسانِ عن مواجهة قوى الطبيعة في الخارج، والقوى الغريزية داخل نفسه، ووجود الدين حينئذ يرتبطُ بعدم استطاعة الإنسان أن يفكرَ بطريقة عقلانية؛ ليتصدى لهذه المخاطر في حياته، ونتيجة لعدم هذه الاستطاعة؛ يلجأ الإنسانُ إلى مواجهتها بقوى عاطفية أخرى، أي يُقابِل العواطف بعواطف مضادة، ويكون دور الدين في هذا الصدد: تأدية الوظيفة التي يعجز الإنسانُ عن التعامل معها ومواجهتها(١).

هذا الطرح السابق، وإن كان لا ينطبق على جميعِ الأديانِ، وذلك بسبب وجود بعض الأدلة في بعض الأديان يَصْعُبُ أن تتَّسِقَ بشكلٍ كاملٍ مع الدافع والمعيار النفسي السابق، وذلك لأننا يمكن، على سبيل المثال، أن نتخذ الإسلام وظهوره ونطبِّقَ عليه هذا المعيار، فهل سيصمُد هذا المعيار أمام كل الجزئيات؟ إذا نظرنا إلى ظهور الإسلام، فإننا نجد أن البيئةَ التي ظهر فيها لم يكن لديها ترحيب بهذا الدين على نطاق واسع في بداية الأمر، وهذا أمرٌ معلومٌ ومشهور، وهذه النقطة يمكنها أن تَخْرِقَ بعضَ جوانبِ المعيار النفسي السابق، الذي يفسِّر ظهور الأديان بأنها كانت بسبب حاجة نفسية وخوف لدى جمهرة من الناس لا يستطيعون دفْعَه، وهذا الأمر لا ينطبق بشكل كامل على ظهور الإسلام؛ إذا لم ينشأ الإسلامُ أصلًا بسببِ حالة اجتماعية لاتجاه ما من الاتجاهات وجدَ ظلمًا أو مخاوف لم يستطع مقاومتها؛ فظهور الإسلام كان في بدايته بشكل فردي، صدرَت الدعوة إليه مِن قِبَلِ شخص واحد: محمد صلى الله عليه وآله وسلَّمَ، ثم بعد ذلك أصبحتْ معه قِلَّة من الناس.

وهنا ينتفي، على الأقل، وجود جماعة أو اتجاه وقع عليه ظلم ثم لجأ إلى مجموعة معتقدات وخرافات تعويضًا له عن هذا الظلم؛ فما حدث على النقيض تمامًا؛ إذ لم يتعرض نبي الإسلام، صلى الله عليه وآله وسلَّمَ، لأذى مضاعَف إلا بعد دعوته للإسلام، أي أننا لو قررنا السيرَ مع ما يقوله المعيارُ النفسي، من أن ظهور الأديان يكون بسبب دافع نفسي وظلم ومخاوف طبيعية وغيرها لا يستطيع الإنسانُ مواجهتها، فهل هذا الأمر انطبق على النبي محمد؟ الإجابة كما وضحنا لا، فكما ذكرنا أنه لم يتعرض لأذى كبير إلا بسبب دعوته هذه، وهذا نقيض ما يقوله المعيار النفسي، لأن النبي بذلك قد قَبِلَ هذا الأذى والظلم الذي تعرض له في سبيل دعوته الجديدة، وكان قبلها مستقر الحال، يأمن على نفسه من الأذى.

ولكن هل هذا يعني أن المعيار النفسي باطل من كل وجوهه؟ لا أقول ذلك، فهناك بعض الحالات التي يمكن بالفعل تفسيرها، ولو جزئيًّا، من خلال هذا المعيار، وسأضربُ على ذلك بعضَ الأمثلةِ لنتبين حقيقة الأمر.

عقيدة المهدي

لقد لَعِبَت عقيدة المهدي دورًا كبيرًا من القرن الأول إلى اليوم، وذلك يرجع إلى سببين:

الأول: أن نفسية الناسِ تكره الظلمَ وتحب العدلَ، فإذا لم يتحقق لهم العدلُ في زمنٍ من الأزمنةِ؛ تطلعتْ نفوسُهم إلى حاكم عادل، تتحقق فيه العدالة بجميع أشكالها، فبعض الناس يلجأ في ذلك إلى الخيال يعيش فيه، ويؤلِّف في ذلك اليوتوبيا والمدن الفاضلة، وكل ذلك في خياله يعيش فيه، ومن الناسِ من لجأ إلى الثورة لرفْع المظالم، فلما عجزوا عن تحقيقها على أرض الواقع؛ أمَّلوها، خاصة إذا جاءتْ هذه الفكرة عن طرق الدين، فهنا يكون الناس أكثر حماسة لها؛ وبالتالي وجدوا في عقيدة «المهدي» ما يحقق أملهم، وهذا يفسر لنا انتشار عقيدة المهدي في اليهودية والمسيحية والإسلام على حد سواء(٢).

ومما يشير إلى رجاحةِ المعيار النفسي في تفسير ظاهرة المهدي -أو بعض جوانبها- أن بدايات ظهور هذه الفكرة كانت عندما رفض محمد ابن الحنفية بن علي بن أبي طالب -عليه السلام- مبايعة عبد الله بن الزبير، فتعرضَ عبد الله بن الزبير له بالأذى وأساء جواره؛ مما اضطره إلى الخروج من مكة مع بعضِ أصحابه، ونشأت حينئذ فِرقة تُسمى «الكيسانية»، يتزعمها المختار بن أبي عبيد الثقفي، وزعمَ هو وفرقته أن محمد ابن الحنفية هو الإمام وهو المهدي، بمعنى أن هذا المهدي سيرجعُ إلى الدنيا ليملأها عدْلًا(٣).

أرأينا كيف كانت الفكرةُ في مهدِها؟ ترتبطُ، كما قلنا بعامل القهر والاستبداد؛ ففرار محمد ابن الحنفية، مِن بطْشِ عبد الله بن الزبير، خلقَ نوعًا من التفكير في كيفية المواجهة القادمة مع هذا الاضطهاد، ولو لم يُنْفَ لَمَا كانت هذه من البذور الأولى التي شكَّلَتْ عقيدة المهدي، وهذا يدلنا على أن جو الحرية في التعبير يساعد بطبيعة الحال على نمو التفكير العقلاني، على نقيضِ جو الاستبداد والقهر؛ الذي يُفْرِزُ لنا، أو يساعد في ذلك، أفكارًا خرافية، ويغذي الأوهام أكثر من تغذية العقلانية، فأنْ تُغْلَق جميعُ وجوه التعبيرِ عمَّا يَنْزِلُ بالإنسان؛ فمعناها ألا تأمَن العواقب بعد ذلك.

ولقد ساعدَ في ترسيخِ فكرة المهدي، الظلمُ والبطْشُ من قِبَلِ السلطاتِ الاستبداديةِ ضد المعارضين، خاصة مِن الطالبيين، أي مَن هم مِن نسْل أبي طالب، والتنكيل بهم، وتقتيلهم بكل أنواع القتل، مِن السم وغيره، وتشريد كثير منهم في البلاد(٤)، هذا الاستبداد والتنكيل بالمعارضين خلقَ أزمةً نفسيةً واجتماعيةً لدى هؤلاء؛ وفي غالب الظن أن كثيرًا منهم لم يَقْوَ على الثبات على العقلانية المجرَّدَةِ إزاء هذا القهر النفسي والعذاب المتواصل والاضطهاد، الأمر الذي يتطلب تسليةً نفسيةً وتطييبًا لهذه الجراح؛ وبالتالي يزدادُ التمسكُ بمخلِّصٍ تشْرَئبُّ إليه النفوسُ لإزالة هذا الكم من استفحال القهر، ولا يعني هذا الأمر أن هؤلاء قد قصَّروا في مواجهة الظلم بالثورة عليه والكتابة ضده بعقلانية رفيعة؛ وإنما أردتُ الإشارةَ إلى أن هذا الاضطهادَ تركَ آثاره على النفوس والأفكار، ومن بينها عقيدة المهدي.

ولقد أشار ابن خلدون إلى العلاقة بين القهر وصناعة الخرافة والأوهام، ومن ذلك عقيدة المهدي، التي يقْوى اعتقادُ الناس فيها فرارًا من الظلم، وأن هذا المهدي ينبغي أن يكون ظهوره ومكان ظهوره غير مقرون بالاستبداد والقهر والظلم(٥).

هذا عن دوافع فكرة المهدي النفسية والاجتماعية، ومن ناحية أخرى، فإن مِن أكبر المنتفعين من هذه الفكرة هم أرباب الاستبداد؛ إذ إنهم في حال من الاستقرار والأمان طالما أن جزْءًا من عقيدة أغلب الناس ينبني لا على تغيير الوضع بأيديهم؛ وإنما بيد شخص مجهول -المهدي-، وبالتالي فالاستبداد في أمان طالما لم يظهر هذا المهدي، والذي لن يظهر أبدًا.

وتنطوي عقيدة المهدي أيضًا على قدْرْ من إفساد الإصلاح وتثبيط الهمم؛ إذ هذه الفكرة كفيلة وحدها برفْع المسؤولية عن عاتق الإنسان، وتعليقها على شماعة الخرافة والمجهول، تعزيةً للنفس وعجْزها عن مواجهة واقعها، ونَسِي هؤلاء، أو تناسوا، قول الباري: «إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ». [سورة الرعد، مِن الآية: ١١]. وأن الأمم مِن حولنا ما تقدَّمَتْ بانتظارها للمخلِّص؛ وإنما بالعمل والسعي نحو تغيير واقعهم، وما أسعد العالَم الاستعماري الاحتلالي بهذه الأفكار التي تملأ عقول هذه الجمهرة من الناس؛ فهم -ونحن- يرون البينة، وأن ما أضاعه كثيرون من الوقت في انتظار مَن ينتشلهم من أوضاعهم، لو قضوا ربع هذا الوقت في تطوير مجتمعاتهم، ومحاولة مواجهة الإشكال لا الفرار منه؛ لَمَا وصلنا إلى هذه الحال مِن التردي، غير أننا مع هذا لا يمكن أن ننكر أثر العامل النفسي في فكر صاحبه، وفي بعض الأحيان لا تكون الأمور مواتية ومساعِدة على التخلص منه ومن آثاره في صياغة أفكار للتعزية والتسلية، وقليلون هم الذين يستطيعون أن يفلتوا من أسْرِ هذا العامل النفسي والاجتماعي؛ بالعمل على تغيير نمط تفكيرهم، وعدم الاستسلام لفكر الأوهام والخرافة، الذي قد يزيد من انغماسهم في ظلام حالِكٍ.

***

بِقَلَم: محمد خليفة أحمد ـ باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم

.......................

هوامشُ المقالةِ:

(١) يُنظَر: إيريك فروم، «الدين والتحليل النفسي»، ترجمة: فؤاد كامل، (ط١، القاهرة، مكتبة غريب، د.ن)، ص ١٥: ١٦.

(٢) أحمد أمين، «المهدي والمهدوية»، (ط١، القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠١٢م)، ص ٧: ٨.

(٣) المصدر السابق، ص ١٠.

(٤) أبو الفرج الأصفهاني، «مقاتل الطالبيين»، تحقيق: السيد أحمد صقر، (ط٤، بيروت، مؤسسة الأعلى للمطبوعات، ٢٠٠٦م)، ص ٢٤: ٢٥.

(٥) ابن خلدون، «المقدمة»، تحقيق: إبراهيم شوح ـ إحساب عباس، (ط١، تونس، الدار العربية للكتاب، ٢٠٠٦م)، ١/٥٦٩.

(إن العمل الفني يخلق دائماً جمهوراً قادراً على تذوق الجمال وإيجاد المتعة فيه)... كارل ماركس، كتاب مقدمة نقد الاقتصاد السياسي

تعود المعنى الأساسي لعلم الجمال إلى الإغريق القدامى كعلم مرتبط بالحساسيات والمشاعر، ليصبح لاحقاً فرعاً خاصاً بالوجدان. وهو علم حديث يرتكز على تاريخ طويل من التأمل الفلسفي حول الجمال (نوعيه: الطبيعي والفني) وقيمه ومتعته. ولهذا يُعد علم الجمال فرعاً مهماً من الفلسفة يبحث في جوهر الجمال ومعاييره، مما جعله محط نقاش مستمر بين المفلاسفة والفلاسفة عبر التاريخ.

فقد نظر أفلاطون (٤٢٧ – ٣٤٧ ق.م) إلى الفن بحذر لكونه محاكاة للطبيعة، مشدداً على أن الجمال الحقيقي يجب ألا يبنى على أساس نفعي أو متعة مؤقتة، ومعتبراً الموسيقى أجمل مواضيع علم الجمال. أما أرسطو (٣٨٤ – ٣٢٢ ق.م) فأكد على أهمية التمييز بين الجمال الحقيقي والجمال المؤقت المرتبط بالمصالح. فيما سعى هيغل (١٧٧٠ – ١٨٣١) إلى تحليل الظواهر الاجتماعية والفنية عبر المنهج الديالكتيكي دون فصل عناصرها. ومصطلح علم الجمال كفرع فلسفي استُخدم لأول مرة على يد الفيلسوف الألماني ألكسندر بومغارتن (١٧١٤ – ١٧٦٢) في القرن الثامن عشر، ليتعامل عموماً مع الطبيعة والجمال والمتعة والفن كقراءة نقدية للطبيعة والثقافة والفن. ورغم التقارب الشديد والخلط الدائم بين الفن والجمال، إلا أنهما متميزان؛ فعلم الجمال أقرب للأعمال الوجدانية والحسية، بينما الفن هو خلق وإعادة خلق للمواد المحسوسة كلوحة أو نحت أو شعر أو موسيقى

أما هيغل (١٧٧٠ – ١٨٣١)، بوصفه أحد أعظم فلاسفة التاريخ، فقد سعى إلى تحليل الظواهر الاجتماعية ومن ضمنها الفن عبر المنهج الديالكتيكي دون فصل العناصر الاجتماعية عن بعضها. ومفهوم علم الجمال كفرع فلسفي استُخدم لأول مرة من قبل الفيلسوف الألماني ألكسندر بومغارتن (١٧١٤ – ١٧٦٢) في القرن الثامن عشر. وعلم الجمال عموماً يتعامل مع الطبيعة والجمال والمتعة والفن. ويُجمع أغلب الباحثين على أن علم الجمال قراءة نقدية للطبيعة والثقافة والفن. ونظراً لوجود خلط دائم بين الفن والجمال –ورغم تقاربهما الشديد– إلا أنهما متميزان، سيما في المجالين الحسي والوجداني. فعلم الجمال ليس شعوراً، بل هو أكثر ارتباطاً بالأعمال الوجدانية والحسية للبنان البشري، بينما الفن هو خلق وإعادة خلق للمواد المحسوسة مثل اللوحة الفنية، أو النحت، أو الشعر، أو القطعة الموسيقية وباعتبار أن العلم والفلسفة قد فصلا حتى أواخر القرن التاسع عشر مفاهيم علم الجمال في تحليلاتهما لصالح البرجوازية، فقد تغير تاريخ التحليل والقراءة الطبقية في المجتمع الرأسمالي مع ظهور الماركسية كعلم مخلص للطبقة العاملة من الظلم الرأسمالي. وحلت القراءة الماركسية للأدب والفن وعلم الجمال مكاناً هاماً في تاريخ القراءات، إلا أن هذا العلم لم يستطع حتى أوائل القرن العشرين أن يتخذ شكلاً وقوالباً خاصة به ويحدد أصوله ويثبتها.

علم الجمال من منظور الماركسية

تتعود جذور تاريخ علم الجمال إلى بدايات ظهور ونشأة الفلسفة والفن. ورغم أن تاريخ الفن أقدم من تاريخ الفلسفة، إلا أن الفلسفة استطاعت أن تصبح الأرضية للحديث عن علم الجمال. وكما هو معلوم، فإن الأعمال الأدبية والفنية هي أيضاً زاد ونتيجة لظروف اجتماعية واقتصادية محددة في المجتمع؛ أي أن تلك الأعمال هي وقائع تنبثق من العلاقات الاجتماعية. وهذه الأعمال الأدبية والفنية هي تعبير عن مشاعر وأحاسيس البشر، والتي لا تُداغ وتُعرض بشكل مجرد، بل تُصاغ وتُعرض اجتماعياً وفنياً. إن علم الجمال الماركسي، بوصفه أحد الأبعاد النقدية للأدب الماركسي، يعود أساسه إلى الفهم الماركسي للنص والمجتمع؛ لأن علم الجمال الماركسي يتحرك على أساس التاريخ لأشكال الملكية والطبقات وأيديولوجياتها، ويرى ماركس أن الفن هو شكل من أشكال تمثيل العالم. وهذا يعني أن الفن هو بوابة، وهدف معرفي، وعلاقة اجتماعية، وسلاح طبقي، وإثراء للإنسانية، وعمل واعٍ، وفي النهاية هو مرآة للمجتمع. وكما أشار بليخانوف، فإن ماركس (١٨١٨ – ١٨٨٣) كان يعتقد أن علم الجمال الهيجلي كان خطوة كبيرة للأمام نحو فهم ماهية الفن وتاريخه. ورغم أن ماركس لم يتحدث قط عن علم الجمال كموضوع مستقل، إلا أن الباحثين والنقاد الماركسيين سرعان ما وجهوا انتباههم نحو هذه المسألة، ولاحقاً على يد: غيورغي بليخانوف، بيلينسكي، تشيرنيشيفسكي، برتولت بريشت، جورج لوكاش، هربرت ماركوزه، والتر بنيامين، أنطونيو غرامشي، تيري إيغلتون، لويس ألتوسير، وصولاً إلى رولان بارت والعديد من أدباء وفناني ذلك العلم، وُضعت أسسه وتطويره. في عام ١٩١٢ وفي كتابه (الفن والحياة الاجتماعية)، شرع بليخانوف في دحض أي رأي يتعلق بانفصال الفن عن الحياة، حيث يقول: (لا يكفي أن نقول إن الأدب والفن يمثلان الحياة، بل يجب أن نعرف كيف يعبر الفن عن الحياة وكيف يفهم حركة الحياة الجدلية

يرتكز علم الجمال الماركسي على قراءة النصوص والفنون وفق منهج المادية الديالكتيكية؛ فهو يربط العمل الفني بمستوى تطور المجتمع وقوى الإنتاج، مؤكداً أن لكل نشاط مادي بشري جانباً جمالياً. وترتبط النقدية الماركسية بهذا العلم ارتباطاً وثيقاً بوصفه سلاحاً معرفياً لا غنى عنه. يتمحور هذا العلم حول الإنسان باعتباره أساس النص الفكري، فـ "النص بلا فكر إنساني نص ميت". وعلى عكس الأدب البرجوازي الذي يركز حصراً على الشكل والقالب، يشدد علم الجمال الماركسي على الالتزام الطبقي وتحديد دور الإنسان الفاعل في الصراع الطبقي.

يُمثل علم الجمال الماركسي نظرية ثقافية وفنية ترتكز على المادية الديالكتيكية والتاريخية، حيث يرى أن الظروف الاقتصادية والعلاقات الطبقية تؤثر عميقاً في حياة الإنسان وفنونه. ولا يمكن فهم أي عمل أدبي أو فني من هذا المنظور دون إدراك أبعاده الطبقية وعلاقته بالصراع الاجتماعي، ليكون في النهاية علماً يدرس الروابط الجمالية التي تصل الإنسان بعالمه المحيط.

ولم ينبع اهتمام ماركس بهذا المجال من رغبة أكاديمية منعزلة، بل من رؤيته للإنسان ككائن خلاق تسلبه الرأسمالية روحه. من هنا، جاء ربط النضال والثورة بالجانب الجمالي؛ فالثورات ليست دماراً مجرداً، بل هي مخاض مؤلم لولادة عالم عادل، وعمل إنساني فاعل يحطم القيود ويكسر القوالب البالية، لتتحد فيها الحرية والعدالة والجمال بهدف تحرير الإنسان واستعادة كرامته المسلوب

أين استقر المرام بماركس في علم الجمال؟

إن التعمق في هذا السؤال يقودنا إلى استكشاف واحدة من أكثر المسائل دقة في الفلسفة الماركسية؛ فكارل ماركس لم يترك مطلقاً نسقاً أو كتاباً مستقلاً يحمل عنوان "علم الجمال" بالمعنى الذي تركبه المدارس الفلسفية البورجوازية التقليدية. لقد انتهى مطاف علم الجمال لدى ماركس –ومنه تفرع لاحقاً إلى الماركسية الغربية والنقد الأدبي الحديث– عند فكرة جوهرية مفادها: أن الجمال ليس قالباً شكلياً معزولاً في المتاحف أو اللوحات، بل هو تجسيد لمدى تحرر الإنسان من اغترابه. وتتجسد هذه الإشكالية عبر محطات عميقة ترسم مسار وتطور هذا المفهوم

من الاغتراب الرأسمالي إلى الاكتشاف الجمالي: رأى ماركس في كتاباته المبكرة (مثل مخطوطات 1844 الاقتصادية والفلسفية) أن الإنتاج الرأسمالي يحول العامل إلى سلعة مسلوبة الإرادة، مما يغترب الإنسان عن عمله، وعن أخيه الإنسان، وعن طبيعته الخاصة. وهنا يبرز الجمال والفن عند ماركس بوصفهما "الملاذ" و"المرآة" التي يعيد من خلالها الإنسان اكتشاف قدرته على الخلق الحر. فالحيوان ينتج وفقاً لحاجة نوعه البيولوجية وحدها، بينما الإنسان ينتج "وفقاً لقوانين الجمال" وينسج إبداعه بحرية تامة عن الحاجة المادية البحتة.

الأثر الهيجلي وانعطافة المادية: انطلق ماركس من إرث هيغل الذي اعتبر الفن تجلّياً للروح المطلق، لكن ماركس أخذ هذا التصور ونزل به من السماء إلى الأرض؛ فلم يعد الفن توضيحاً لأفكار ميتافيزيقية، بل أصبح انعكاساً للبنية التحتية المادية ولصراع الطبقات وقوى الإنتاج. بهذا المعنى، انتهى مطاف علم الجمال الماركسي إلى أن يصبح أداة معرفية ونضالية لفهم الواقع وتغييره، لا لمجرد تأمله بجمود.

الثورة كذروة للفعل الجمالي: حين نربط الثورة بالجمال، نجد أن مطاف الفكر الماركسي يستقر عند نقطة التقاء الفعل السياسي التحرري بالإبداع الإنساني. الثورة الكبرى ليست تخريباً، بل هي ميلاد إنسان جديد يكسر قيود الاستغلال. وكما يكتب الشاعر أو يرسم الفنان لوحة تحطم القوالب البالية، فإن الجماهير الثائرة تعيد صياغة التاريخ والعلاقات البشرية بوعي جمالي وأخلاقي رفيع.

التطور اللاحق عند رواد الماركسية: لم يتوقف هذا المسار برحيل ماركس، بل تطور على أيدي مفكرين كبار مثل غيورغي بليخانوف الذي أكد ارتباط الفن بالحياة الاجتماعية، وجورج لوكاش الذي بحث في "الواقعية الكبرى" وقدرة الأدب على كشف تناقضات المجتمع، وصولاً إلى والتر بنيامين وتيري إيغلتون اللذين ربطا الجمال بالثقافة الجماهيرية وبالأيديولوجيا. لقد انتهى مطاف علم الجمال لدى ماركس إلى التحول من "فلسفة تأملية للجمال" إلى "علم نقد مادي" يربط حبل السرة بين الإبداع البشري وتحرر الإنسان من نير الاستغلال الطبقي

***

ئاريان علي

اليوم، وعلى هامش نقاش متبادل بيني وبين الصديق عبد الجبار الرفاعي، بعد قراءة الجزء الأول من دراسته المعنونة: "في حضرة مولانا: سياحة في عالم المعنى"، زودني بمقال كتبه قبل أعوام بعنوان: "تراث المتصوفة مرآة عصره"، نشره عام 2022. ومع انتهاء النقاش، بقي العنوان حاضرًا في ذهني، لا بسبب ما يقوله عن الماضي وحده، وإنما لما يمكن أن يقوله عن حاضرنا. فإذا كان تراث المتصوفة قد حمل آثار الأزمنة التي ولد فيها، فإن التصوف الذي نراه اليوم على المنصات الرقمية لا يستطيع أن يعيش خارج شروط عصره. نحن أمام بيئة جديدة لا تغير وسائل الوصول إلى التجربة الروحية فقط، إذ تعيد تشكيل المكان والسلطة والصحبة والسند والذكر، حتى صورة الشيخ في وعي المريد.

ينطلق الرفاعي من فكرة أن التصوف نشأ محاولة لاسترداد وظيفة الدين في إنتاج المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي للحياة، ثم يرى أن هذه البصيرة فقدت كثيرًا من ضوئها عندما انصرف بعض المتصوفة إلى العزلة، وصارت الخلوة والصمت والجوع والسهر أجزاءً من نظام صارم لترويض النفس والجسد. وينتقد بصورة أشد تحول علاقة المريد بالشيخ إلى إذعان وطاعة عمياء تلغي الإرادة وتعطل العقل النقدي، حتى تتضخم صورة الشيخ في مخيلة أتباعه وتتجاوز حدودها البشرية. لا يوجه الرفاعي نقده إلى التصوف كله، وإنما إلى "تصوف الاستعباد"، حين تنقلب التربية الروحية إلى سلطة استعباد، ويتحول الشيخ من دليل إلى سيد، والمريد من طالب للمعنى إلى تابع مسلوب الإرادة. في هذا النمط يمنح التسلط أسماء الشيوخ قدسية، ويتحول الخضوع إلى فضيلة، ويختزل الطريق الروحي في الولاء لشخص الشيخ.

ما أثار اهتمامي عند العودة إلى هذا النص أن الدراسات التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة حول ما يسمى "التصوف الرقمي" أو "التصوف السيبراني" تكشف أن كثيرًا من هذه المفاهيم القديمة لم يختف، وإنما تغيرت البيئة التي يعمل فيها. لم تعد الخلوة دائمًا غرفة مغلقة، ولا الزاوية بناء له جدران، ولا مجلس الذكر يحتاج بالضرورة إلى اجتماع الأجساد في مكان واحد. حتى الوصول إلى الشيخ لم يعد مشروطًا بالسفر أو الصحبة المباشرة؛ فهناك اليوم مريد في مدينة، وشيخ في قارة أخرى، وبينهما شاشة ومنصة وخوارزمية.

تقدم دراسة حفصة إقبال، المنشورة عام 2024 بعنوان "The Digital Sufi Gaze: Between Love, Longing and Locality in COVID Britain"، حالة مهمة من بريطانيا. تابعت الدراسة ما حدث لبعض الجماعات الصوفية عندما دفعتها جائحة كورونا إلى نقل جزء من نشاطها إلى البيئة الرقمية. لم تقتصر المسألة على بث محاضرة عبر الإنترنت، فقد ظهرت مشكلة أعمق تتعلق بالحضور نفسه، وعلاقة المرشد بالمريد والجماعة الصوفية، حتى مفهوم "النظر" الذي يحمل دلالة روحية في بعض التقاليد الصوفية. هكذا دخلت الشاشة إلى منطقة كان الحضور الجسدي جزءًا أساسيًا من تكوينها. وتتناول دراسة أخرى صدرت عام 2024 منح إجازات أوراد الذكر عبر الوسائط الرقمية، وتدخل بذلك إلى منطقة أكثر حساسية؛ فالإجازة في التقليد الصوفي ليست شهادة معرفية فقط، وإنما جزء من سلسلة انتقال المعرفة والممارسة من الشيخ إلى المريد. غير أن الوسائط الرقمية أتاحت منح بعض هذه الإجازات عبر الإنترنت، وأتاحت أنماطًا جماعية منها. ووجد الباحثان أن التقنية تستطيع نقل التعليم والذكر، لكنها لا تستطيع المحافظة بصورة كاملة على طبيعة العلاقة التقليدية القائمة على الصحبة والاتصال المباشر. هنا نبدأ بمشاهدة تحول أكبر من مجرد رقمنة التصوف.

 وذهبت دراسة حديثة عن الطرق الصوفية في إندونيسيا إلى استعمال مفهوم لافت، هو "Digital Zāwiya" أو "الزاوية الرقمية". درس الباحثون حضور تسع طرق صوفية في الفضاء الرقمي، ووجدوا أن بعض البيئات الرقمية لم تعد تقتصر على نشر المعرفة، فقد أخذت تؤدي بعض وظائف الزاوية التقليدية؛ ففيها تعليم وذكر وتفاعل وإرشاد، ومجتمع يتكون حول الشيخ والطريقة، من دون أن يجتمع أفراده بالضرورة في مكان مادي. وهكذا أصبحت الزاوية، التي احتاجت في الماضي إلى باب وجدران، قادرة على الوجود داخل شبكة.

 وهذا التحول يعيدني إلى نقد الرفاعي للخلوة؛ ففي التصوف القديم كان الانسحاب من المجتمع يتحقق بالابتعاد الجسدي عن الناس، أما الإنسان الرقمي فيعيش وضعًا أكثر غرابة وتعقيدًا؛ إذ يستطيع أن يكون وحيدًا في غرفته، وهو متصل بآلاف الأشخاص، وأن يمارس الذكر ممسكًا بهاتفه، ثم ينتقل في لحظة من درس صوفي إلى خبر سياسي، ومن إعلان تجاري إلى مادة ترفيهية. هنا لا تعني الخلوة انقطاعًا عن العالم، فقد يحمل الإنسان ضجيج العالم كله إلى عزلته. هكذا تظهر مفارقة الخلوة الرقمية: عزلة في المكان واتصال لا يتوقف، سكون في الجسد وتشتيت متواصل للانتباه. وإذا كانت الخلوة القديمة تسعى إلى جمع القلب وتحريره من المشتتات، فإن المنصة الرقمية تعرضه لتدفق لا ينتهي من الصور والأخبار والرغبات. من هنا لا يتعلق السؤال بإمكان ممارسة الذكر عبر الشاشة فقط، وإنما بقدرة الإنسان على صون حضوره الداخلي من منطق السرعة والتشتت الذي تفرضه البيئة الرقمية.

لم تعد الخلوة عزلة عن العالم؛ فقد دخل العالم كله إليها عبر الشاشة. كانت الخلوة القديمة تقلل المؤثرات الخارجية لتوجه الوعي نحو الداخل، في حين يقوم اقتصاد المنصات على جذب الانتباه وتشتيته. من هنا يتمثل التحدي الروحي الجديد في استعادة الصمت وسط عالم لا يتوقف عن الكلام. ويظهر التحول الأخطر في سلطة الشيخ؛ فالفضاء الرقمي لا يلغي ما يسميه الرفاعي "تصوف الاستعباد"، حين تتضخم صورة الشيخ في وعي المريد، ويتوارى العقل النقدي خلف المتخيل المقدس، وقد يمنحه أدوات أشد تأثيرًا. قدمت دراسة صدرت عام 2025 عن التصوف الرقمي وإعادة تشكيل السند في إندونيسيا مفهوم "Algorithmic Spiritual Authority" أو "السلطة الروحية الخوارزمية"، إذ صارت الخوارزمية طرفًا في صناعة الحضور الروحي، تختار للمستخدم ما يراه وفق الانتشار والتفاعل ومدة المشاهدة، حتى تبدو الشهرة الرقمية علامة على السلطة، مع أنها لا تعني علمًا أو سندًا أو تجربة روحية. كان الشيخ في التصوف التقليدي يدل المريد على الطريق، أما اليوم فقد صارت الخوارزمية تدل الباحث على الشيخ، وهي لا تعرف الأعمق تجربة، وإنما تعرف الأقدر على جذب الانتباه. هكذا تكتسب صورة الشيخ المتخيلة قوة جديدة تصنعها الكاميرا والمونتاج وأعداد المتابعين والتكرار الخوارزمي، ويغدو نقد الرفاعي لتضخم سلطته أكثر راهنية.

 غير أن لهذا التحول وجهًا آخر؛ فقد كسر الفضاء الرقمي كثيرًا من احتكارات المعرفة، وأتاح نصوص ابن عربي والرومي والحلاج والقشيري والغزالي، والمخطوطات والمكتبات والدروس، لقارئ لم يكن يستطيع الوصول إليها، وعرّفه إلى تجارب صوفية تنتمي إلى ثقافات بعيدة. نحن لا نقف أمام خسارة خالصة أو مكسب خالص؛ فالتكنولوجيا توسع الوصول إلى المعرفة، وتغير في الوقت نفسه شروط السلطة والثقة والحضور. وأضاف الذكاء الاصطناعي طبقة جديدة، إذ يستطيع البحث في كم هائل من النصوص الصوفية، وتلخيصها ومقارنتها وترجمتها وشرح مفاهيمها خلال ثوان، وربما يصبح أحد أهم وسائط الوصول إلى التراث الروحي. غير أن هذه القدرة تكشف الحد الفاصل بين المعرفة والتجربة؛ فالآلة تشرح الخلوة من دون أن تختلي، وتحلل الوجد من دون أن تجد، وتصف الفناء من دون أن تفنى. إنها تعرف الكثير عن الطريق من دون أن تسير فيه، فرقمنة التراث غير رقمنة التجربة الروحية. هنا تكتسب رؤية الرفاعي في كون "تراث المتصوفة مرآة عصره" معنى جديدًا؛ فالتصوف الرقمي يحمل سرعة عصره وشبكاته واقتصاد الانتباه وسلطة الخوارزمية، مثلما يحمل قدرته على فتح المكتبات وكسر احتكار المعرفة وتجاوز الجغرافيا.

نحن أمام انتقال تاريخي في الوسيط قد يغير شيئًا من طبيعة التجربة نفسها. كان المتصوف القديم يغلق باب الخلوة ليبتعد عن ضجيج العالم، أما الإنسان الرقمي فيحمل العالم كله في جيبه، ولهذا يحتاج إلى خلوة تستعيد ذاته من تدفق الصور والأخبار والتنبيهات، لا خلوة تقطعه عن الحياة.

وفي ضوء موقف الرفاعي من "تصوف الاستعباد"، لا تقاس قيمة التحول الرقمي بقدرته على توسيع جمهور الشيخ، وإنما بما يتيحه للمريد من وعي واختيار ومراجعة. فالوسيط الجديد قد يحرره من الانغلاق داخل طريقة واحدة، وقد ينشئ تبعية أشد خفاء، حين تتولى المنصة تشكيل ذائقته الروحية وتوجيه ثقته من دون أن يشعر. هنا ينتقل الاستعباد من الطاعة المباشرة لشخص الشيخ إلى الخضوع لشبكة من الصور والتوصيات والمؤثرات التي تصنع السلطة وتعيد إنتاجها. لقد انتقلت الزاوية إلى الشاشة، ومجلس الذكر إلى المنصة، ودخلت الخوارزمية بين الباحث والمرشد، غير أن حاجة الإنسان إلى معنى روحي وأخلاقي وجمالي بقيت قائمة. التحدي الذي يواجه التصوف اليوم هو إنتاج هذا المعنى مع صون حرية الإنسان وكرامته، كي لا تصبح التكنولوجيا أداة حديثة لتجديد الاستعباد الروحي. عندها تصبح الشاشة المرآة الجديدة التي يرى فيها التصوف عصره.

***

الدكتور تحسين الشيخلي

لدى تفاعل عنصرين كيميائيّين ينتج عنهما عنصر كيميائي ثالث جديد كليا! وهكذا الحال في تكتّل الأفراد وهم يشكّلون المجتمع، فلا يكون المجتمع عندئذٍ خليطا من سمات الأفراد، بل كيانا جديدا يمكن الإشارة إليه بالعقل الجمعي، إلا أنّ هذه العقلية الجمعية هي عقلية انفعالية حُكما في حراكها وقيادتها، هكذا كانت رؤية الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون عن الظاهرة المجتمعية كما يؤسس لها في ثلاثيّته سيكولوجية الجماهير والآراء والمعتقدات وحياة الحقائق.

هذه العقلية الاجتماعية بكُنهِها من الأعراف وبمحدِّداتها من موارد المجتمع المادية والمعنوية، والثقافة والفنون، وترِكة الموروث، والقانون، والسلطة السياسية، والظاهرة الدينية بتحيّزاتها كافة، والحركات الفكرية، ونُخَب النفوذ المباشرة وغير المباشرة، تمثّل سلطة لا يمكن الاستهانة بها، ولا الاستغناء عنها، ورغم تعدد أشكالها لكن جوهرها باقٍ على اعتبار أنّ الإنسان مدني طبعًا؛ ولذا كان الاعتراف الاجتماعي ركيزة أساسية يأخذها أفراد المجتمع في الاعتبار، لتيسير مصالح حياتهم.

ووسط ذلك كله، يجد الفرد نفسه عالقا في مسافة محرجة بين تحقيق ذاته واستقلاليتها وبين الوشيجة التي تصل بينه وبين مجتمعه، ولِحَلْحلة هذا العَلَق يُعمَد إلى عدة اتجاهات، على رأسها النفاق المجتمعي؛ أي خطبة ودّ المجتمع ظاهرا؛ لتحقيق المآرب الشخصية، وإبْطان التوجّهات والرؤى التي لا ترتضيها سلطة المجتمع، على أنّ هذا التوجّه مهما بدا مثيرا للاشمئزاز غير أنه في كل فرد مُنتمٍ نسبة منه، ولا بد؛ لاقتضاء الطبيعة الفرد-مجتمعية - لو جاز لي هذا التعبير - وتوجهٌ ثان يقضي باستلاب إرادة الفرد؛ كَرْمى إرادة المجتمع، فتُسحَق تطلّعاته وهواجسه تحت سطوة مصلحة المجتمع، فيعيش المرء في قالب يحدّد قياساتِه مجتمعُه الذي وجد نفسه فيه، وتوجّه ثالث يعلن فيه الفرد استقلاليته التامّة ثائرا ومناهضا، فيدفع ضريبة باهظة، إذْ لا تراه العين الجمعية إلا نشازا يجب استئصال شأفةِ حماسته حتى لا ينشر العدوى، فيفقد أفراده الذين هم رأس ماله في المقام الأول!

إن هذه الاتجاهات في جوهرها إن كانت تشير إلى شيء فإن سيولة دلالة اصطدامٍ ما بين كيانين متنافرين تبدو واضحة، فمن ناحية يحاول الفرد ترسيم حدود مترامية الأطراف لاستقلاليته، ومن الناحية الأخرى يحاول المجتمع أن يتشبّث بكل شبر من سلطته، ولأن الهُويّة الفردية تتغير بحركة ديناميكية متسارعة، في حين تمشي الهُويّة المجتمعية الهُوَينَى، فهذا الصدام يأخذ شكلا صاخبا؛ مما يشكّل ظاهرة كبرى تتسيّد مشهد المجتمعات المدنية المعاصرة، ولعل الفرد على المستوى العالمي استطاع خلال نصف قرن الماضية أن يوسّع حدوده ويغيّر من بِنْية مجتمعه بعد أن أيقظه من غفلته أو تغافله.

إن المجتمع الذي يقتل في الفرد نموه وإنتاجيته واستجابته الفاعلة في الحياة، باسم الحفاظ على هُويّة المجتمع، يكون مجتمعا هشًا قابلا للاستلاب من الإرادات الكبرى بيُسر وقوة؛ لأنه منبنٍ على التبعية، أما المجتمع الذي يستبدل بسلطته بيئةً حاضنة، يُمَكّن فيها الأفراد من أن يمارسوا إرادتهم على نحو يكفل لهم الطمأنينة والرعاية، فهو مجتمع واعٍ يصعب اختراقه؛ لأنه قائمٌ على ضمان الحرية، وهذه مفارقة، إذ يسري الوهم بأنّ الحرية الفردية تفتّ في عضد المجتمع، بينما الفرد الذي يجد في المجتمع مساحة داعمة يعيش فيها حريته يتعزّز انتماؤه بمجتمعه، وتقوى صِلاتُه بأفراد مجتمعه.

وممّا يمكن المراهنة عليه في الاعتراف باستقلالية الفرد أمران، أولهما المواطَنة، ولكن تلك التي تلتفتُ جيدا إلى صون حقوق الفرد، وتُوْليه المنزلة المُثلَى التي يستحق، ومن شأنها إِذّاك أن تقلّم الكثير من جبروت المجتمع؛ الأمر الذي يؤول تاليًا إلى تهدئة نسبة كبيرة من الصراع المحتدم بين الفرد والمجتمع، على أن العملية جِدُّ عسيرة على المواطَنة وهي تردّ الاعتبار للفرد في السياق المجتمعي، إذْ إنها أشبه بالرقص على رؤوس الأفاعي؛ كون أنه ولا بد من طبقة من الأفراد لأسباب عدّة يرتكبون المستحيل لتعزيز سلطة المجتمع.

وثاني ما يمكن المراهنة عليه هو قوة الفرد، هذه القوة التي تتنوع مظاهرها من النفوذ أو المال أو المنصب أو الوجاهة أو المهارة أو المعرفة أو العلاقات وغيرها، بإمكانها أن تصنع فارقا كبيرا في دَوْزَنَة الحدود المجتمعية، فالفرد الضعيف يبذل أضعاف ما يبذله الفرد القوي في التعبير عن استقلاليّته وممارستها، وارتداداتُه السلبية عليه أكثر بكثير مما يكون على الفرد القوي، على أنّ نتائج الفردانية للفرد القوي تطال غيره بسبب التغيير الذي يأتي على نظرة المجتمع.

إنّ الطبيعة الراهنة لسلطة المجتمع هي تطوّر بشري حدث عبر آلاف السنين منذ أول مجتمع بشري عاقل، نبع من ضرورة حماية اللُّحمة المجتمعية؛ من أجل البقاء الذي هو أسُّ الأساسيات، غير أن باعث النشأة اندثر وبقيت آثاره، وبقي الفرد ضحيةً لهذا التطور الذي ما زال حتى الساعة يلاحق الفرد ويخنق إرادته بيدين من وهم المصلحة العامة، رغم الانزياح الكبير الذي حققه الفرد من أجل استقلاليته، ومع ذلك فالمفارقة الغريبة أنّ الفرد بحاجة ماسّة إلى المجتمع حتى يمارس استقلاليّته، فالفردانية في الانعزال لا تعدو أن تكون حياةً منزوعًا منها طبيعتها الإنسانية، وهذا بدوره يُبرِز سؤال التنازلات والمصالح المشتركة، كما يُبرِز سؤالا محيرا آخر، ماذا لو اجتمع الأفراد المُتبنّون مفهوم الفردانية في هيئة مجتمع، أكنّا سنجد صداما بين الفردانية وسلطة مجتمع الفردانية؟ أم أن ذلك سيُحيلنا إلى الرؤية التي طرحها لوبون من اللعنة المصاحبة لأي مجتمع، كما ذكرتها في الفقرة الأولى من المقال؟

***

محمـــد سيـــف

 

الطوفان الرقمي وتحولات البنية الثقافية المعاصرة

يتبدّى الطوفان الرقمي في المشهد الكوني الراهن بوصفه "انكشافًا وجوديًا" يتجاوزُ منطق التراكم التقني؛ ليُعيد هندسة الكينونة الإنسانية في صميم علاقتها بالمعنى وجوهر الحقيقة. إن هذا التدفق الهادر للبصمات الرقمية قد أرسى قطيعةً ابستمولوجية راديكالية مع زمن "الندرة المعرفية"، ذلك الزمن الذي كان فيه المعنى يُشادُ كصرحٍ حصين داخل أروقة المؤسسات المرجعية والمحاضن النقدية الرصينة، لينقلنا قسرًا إلى عصر "رثاثة الفيض المرجف"؛ حيث تنزاحُ المعرفة عن عرشها بوصفها غايةً أنطولوجية سامية، لتستحيل إلى مادةٍ استهلاكية سيالة، تفتقرُ إلى "الثقل المرجعي" وتخضعُ لسطوة اللحظي والعابر. وفي هذا الفضاء السديمي، يغدو المعنى شظايا متطايرة في "سيمياء التسطيح"، حيث تذوبُ المسافات الفاصلة بين العمق والرثاثة، ويتحول الوعي من "فعل بناءٍ تأملي" إلى محض "استجابةٍ رقمية" محاصرة بخوارزميات تقتاتُ على تفتيت الذاكرة الجماعية، وإفراغ الرموز من حمولاتها الحضارية الصافية. في هذا الفضاء الافتراضي، تراجع "اقتصاد المعرفة" الذي كان يقدس العمق والتأمل، لصالح "إنتاج السطح" الذي يتغذى على اللحظي والعابر والمبهر، حيث تغدو عقلية المستخدم محاصرةً بصراعٍ دائم على اقتناص لحظات من التركيز وسط ضجيجٍ خوارزمي لا يهدأ، مما أدى إلى تحول الفكر من "فعل تراكمي" إلى "استجابة غريزية" لتدفق الصور والبيانات.

تتبلورُ إشكالية هذا الطوفان في كونه أدى إلى "سيولة المعنى" وتآكل سلطة المرجعيات الثقافية والتقليدية التي كانت تمثل بوصلة الهوية للذات الجماعية. ففي ظل هذا الانفجار المعلوماتي، لم يعد النصُّ يتمتع بقداسة المركز، بل استحال إلى شظايا تتطاير في فضاءات المنصات، حيث تتساوى الحقيقة مع الزيف، والعمق مع الرثاثة، في مساواةٍ رقمية مضللة تمنح التوافهِ صوتًا يضاهي صوت الحكمة. وقد أدى هذا التسطيح القسري إلى تآكل "الذاكرة الثقافية"؛ فالإنسان المعاصر بات يعيش في "حاضرٍ مستمر" بلا ذاكرة، حيث يُدفن محتوى الأمس تحت ركام "تريند Trend" اليوم، مما ينتجُ هويةً رمزيةً متشظية، تعجزُ عن بناء سردية متماسكة للذات وسط هذا التفتت القيمي والجمالي. إن الذاكرة التي كانت تُخزّن في الكتب والمتاحف والصدور، عوِّضت بذاكرة سحابية باردة In cloud memory، تتيحُ الوصول السريع للمعلومة؛ لكنها تقتلُ فعل "الاستيعاب الوجداني" الذي يصنع الثقافة الحقة.

تستحيلُ الهيمنة الثقافية في العصر الرقمي إلى نمطٍ خفيٍّ وناعم، لا يمارس سلطته عبر المنع أو الرقابة التقليدية، بل عبر "الخوارزميات" التي تعيد هندسة الوعي الجمعي وفق منطق السوق الرقمي. هذه الخوارزميات ليست أدوات محايدة، بل هي "بنىً أيديولوجية" تُصمم لعزل الأفراد داخل "غرف صدى Chambers of echo" معرفية، تعزز انحيازاتهم وتمنعهم من الانفتاح على "الآخر" أو "المختلف"، مما يكرسُ حالةً من العزلة الجماعية داخل الفضاء المشترك. إن الوعي البشري يتم تشكيله الآن عبر "برمجيات التوجيه" التي تفرز القيم والمعارف وفق جدارتها التسويقية وقدرتها على جلب التفاعل، وليس وفق قيمتها الأخلاقية أو الجمالية. وبذلك، يواجه الإنسان المعاصر تحديًا وجوديًا يتمثل في كيفية استعادة "السيادة الثقافية" وسط هذا الطوفان، وحماية جوهر الهوية من الانصهار في بوتقة العولمة الرقمية التي تسعى إلى تحويل الثقافة إلى "سلعةٍ عابرة" خالية من الروح والتاريخ.

الأمن الثقافي وسيولة الهوية الرقمية

ينبثقُ مفهومُ الأمن الثقافي في العصر الراهن بوصفه درعًا أنطولوجيًا، وضرورةً وجودية، تتجاوزُ الأطر الدفاعية التقليدية، لِيستحيل إلى فعل مقاومة معرفية ضد سيولة المعنى التي يفرضها الطوفان الرقمي المُعَولم. وتبعًا لذلك، فإنَّ حماية الذاكرة الجماعية والرموز الحضارية من التفكك أو الذوبان في الفضاء الافتراضي لا تعني الانطواء على الذات، أو الانغلاق في فضاءات تراثية مغلقة، بل تعني اجتراح "سيادة ثقافية" قادرة على مواجهة "أنطولوجيا الزيف" ورثاثة الخطاب التي تكتسح المنصات. في هذا الفضاء السيال، تفقد الرموز صلابتها التاريخية وتتحولُ إلى صور عابرة مفرغة من دلالاتها العميقة، حيث يعمل المنطق الرقمي على "تسليع التراث"، وإعادة إنتاجه ضمن قوالب استهلاكية تخدم اقتصاد الانتباه على حساب جوهر الهوية. إنَّ الأمن الثقافي هو، في حقيقته، سعي إلى استعادة "المرجعية الصلبة" وسط عالم يمجد العبور واللحظي، وهو محاولة جادة لترميم "البيت الثقافي" من تصدعات العولمة الرقمية التي تسعى لتنميط الوعي البشري وفق معايير خوارزمية صماء.

والحال هذه، تتبلورُ العلاقة بين المنصات الرقمية وإعادة تشكيل القيم من خلال عملية "هندسة اجتماعية" ناعمة، حيث تتحول هذه الفضاءات إلى أدوات قهرية لإعادة إنتاج الهيمنة الرمزية تحت شعارات الانفتاح والتواصل. إن ما نعيشه اليوم هو "انفجارٌ في التمثيل"، يقابله "تآكلٌ في الجوهر"؛ إذ تفرض المنصات أنماطًا ثقافية سطحية تقوم على المحاكاة السريعة والابتذال الجمالي، مما يؤدي إلى "رثاثة الخطاب" وتدني مستوى الذوق العام. هذه الرثاثة ليست مصادفةً تقنية، بل هي نتيجة حتمية لمنطق "السوق الرقمي" الذي يقدس الكمَّ على الكيف، ويمنح السيادة لـ "التريند Trend" العابر فوق القيمة الراسخة. وبذلك، يستحيل التراث في الوعي الرقمي الجديد إلى مجرد "فلكلورٍ بصري" يُستدعى للزينة لا للتأسيس، مما يفضي إلى اغتراب الذات عن جذورها الحضارية، ويجعل الهوية الرقمية كائنًا هجينًا بلا ذاكرة، يقتات على شظايا الثقافات المبعثرة دون أن ينتمي إلى أيٍّ منها بصدق.

وفي ضوء ذلك، يتجلى التوتر القائم بين الانفتاح الرقمي وحفظ الخصوصية الثقافية في كونه صراعًا بين "كونيةٍ تقنية" و"خصوصيةٍ وجدانية"؛ فالارتقاءُ بالخطاب النقدي يتطلب اليوم فهم كيفية اشتغال هذه المنظومات الرقمية في تذويب الفوارق الجوهرية بين الشعوب لصالح "إنسانٍ ذي بعدٍ واحد" يسهل توجيهه واستهلاكه. وما من ريب، فإن حفظ الخصوصية الثقافية لا يقفُ عند حدود حماية اللغة أو العادات، بل يمتدُّ ليشمل حماية "أنماط التفكير" وطرق التلقي التي تشكلُ فرادة كل أمة. وفي ظل الهيمنة الخوارزمية، يصبح الوعي الجمعي عرضة للاختراق عبر نشر قيم غريبة تفتت التماسك الرمزي للمجتمعات، محولة الانفتاح إلى "تبعية رقمية" تكرس نموذج المركزية الثقافية المهيمنة؛ لذا، فإنَّ الأمن الثقافي يستلزمُ بناء "عقلٍ نقديٍّ بيني" يجمعُ بين مهارات العصر الرقمي وأصالة الرؤية الوجودية، قادرًا على فرز الغثّ من السمين، وإعادة الاعتبار للمعنى الجوهري في مواجهة ركام المحتوى الفارغ، ليبقى النصّ الحضاريّ نابضًا بالحياة وسط صحراء المادة الرقمية الباردة.

النجاة الثقافية في الفضاء الرقمي

تنبثق استراتيجيات النجاة الثقافية في العصر الرقمي بوصفها ممارسة "سيادية" تهدف إلى اجتراح فضاء ثالث بين مطرقة الانغلاق التراثي وسندان الذوبان في السيولة الرقمية. إنَّ بناء مقاربات معرفية تضمن التفاعل الإيجابي مع التحولات التقنية يتطلبُ تجاوز المنطق الدفاعي التقليدي نحو "فعل تأسيسي" يرى في الرقمنة أداةً للامتداد لا وسيلة للمحو. في هذا الأفق، تستحيل النجاة من كونها محاولةً للبقاء إلى صيرورة خلاقة تزاوج بين "صلابة الجوهر الحضاري" و"سيولة الوسيط الرقمي"، حيث يتمُّ استلحامُ أدوات العصر لإعادة ضخ الدماء في عروق المعنى، وتحويل الفضاء الافتراضي من ساحة التهالك إلى "مختبرٍ كوني" لاستعادةِ فاعليةِ الوعي الإنساني.

تتبلور هذه الاستراتيجية من خلال تفعيل دور "التربية الثقافية" و" الصمود الثقافي في العصر الرقمي" كأدوات لتحرير الوعي من هيمنة الخوارزميات؛ إذ لم يعد المطلوب هو محو الأمية التقنية، بل بناء "عقل نقدي" يمتلك القدرة على تفكيك الأنساق المضمرة في المنصات، وإعادة توجيه الاستهلاك الرقمي نحو "إنتاج القيمة". إنَّ الصمود الثقافي في ظل النقد الرقمي هنا يمارس حفرياته في قلب "اقتصاد الانتباه"، محولًا المستخدم من متلق سلبي تحت سطوة "التريند" إلى "ذاتٍ مؤولة" تفتش عن العمق وتنبذ التسطيح. وبذلك، تصبح التربية الثقافية هي الحصن الذي يحمي العقل من الانغماس في "الرثاثة"، عبر تعزيز ذائقة جمالية، ورؤية فلسفية، تجعل من المحتوى الرقمي وسيطًا لنشر المعرفة الرصينة والبحث عن الحقيقة وسط ركام البيانات الزائفة.

خمود الفكر، تآكل الحس الحضاري

تستحيل التكنولوجيا، ضمن هذه الرؤية الناجية، من كونها تهديدًا للهوية إلى "وعاءٍ حافظٍ" للذاكرة الجماعية، حيث يتم توظيف الذكاء الاصطناعي والوسائط المتعددة في إعادة تقديم التراث بصيغ رقمية واعية تخاطب إنسان المستقبل بلغة عصره دون التفريط بفرادة جذوره. إن إحياء الذاكرة عبر الرقمنة يعني تحويل الموروث من قطع محفوظة جامدة إلى "كيانات رقمية حية" تتفاعل مع المتلقي، وتكشف عن طبقات المعنى الكامنة في الرموز الحضارية. هذا التوظيف الواعي للتكنولوجيا يردمُ الفجوة بين "نبض التاريخ" و"إيقاع الحداثة"، محولًا الفضاء الرقمي إلى "مكتبةٍ كونيةٍ كبرى" لا تطمس الخصوصيات، بل تمنحها أفقًا عالميًا للظهور والتأثير.

يتجلى سؤالُ المستقبل الثقافي في ظل هذه التحولات بوصفه رهانًا على صياغة "رؤية حضارية" ترفض الاستسلام لعدمية التشيُّؤ الرقمي. إنَّ المستقبل لا ينبغي أن يكون قطيعة مع الماضي، بل هو "استشرافٌ" ينطلق من جوف التراث المتجدد؛ حيث تغدو الرقمنة مجالًا لتعزيز "الأمن الثقافي" عبر بناء منصات بديلة تحترم التعددية وتقاومُ التنميط العولمي. وبذلك، تصبح نجاة الثقافة مرهونة بقدرتها على أن تظل "سؤالاً مفتوحًا" في قلب الآلة، وبقدرة الإنسان على استعادة موقعه كصانع للمعنى وسيد للتقنية، ليكون العصر الرقمي فصلًا جديدًا من فصولِ "الإشراق الإنساني" لا فصلًا ختاميًا لهوية أكلتها الخوارزميات.

الميثاق الرقمي وحراسة المعنى

يستدعي الحديث عن ميثاق رقمي؛ لضبط جودة المحتوى العربي، إدراك التحول العميق في بنية إنتاج المعنى الرقمي. فالمجال الثقافي لم يعد محكومًا بالوسائط التقليدية التي كانت تمنح للكتاب والجامعات والمؤسسات الثقافية قدرة على تنظيم الخطاب وتوجيهه، بل انتقل إلى فضاء مفتوح تتحكم فيه خوارزميات الانتشار وسرعة التداول ومنطق الجذب البصري واللغوي. في هذا الفضاء تتقدم الصورة السريعة والعبارة المختصرة على الفكرة المركبة، ويصبح المحتوى قابلاً للانتشار بقدر ما يثير الانفعال اللحظي لا بقدر ما يضيف إلى الوعي معرفة راسخة. من هنا تبرز الحاجة إلى ميثاق رقمي يحدد إطارًا أخلاقيًا ومعرفيًا يحكم إنتاج المحتوى الثقافي العربي، بحيث لا يتحول الفضاء الرقمي إلى مجال لتكريس الرداءة، أو استنساخ التفاهة، بل إلى ساحة لتجديد حضور الثقافة في أشكال تتلاءم مع الوسيط الجديد دون التفريط في عمقها.

يرسّم الميثاق الرقمي حدودًا بين إنتاج المعنى وبذخ السطحية، بين الثقافة التي تبني وعيًا والمحتوى الذي يبتلع الانتباه دون أثر. ويمكن تصور هذا الميثاق بوصفه شبكة من المعايير التي توجه عملية الإنتاج الثقافي في المنصات، بحيث تقوم على احترام اللغة بوصفها وعاء للمعنى، وعلى الالتزام بالدقة المعرفية في نقل المعلومات، وعلى تقديم الأفكار ضمن سياق يربط الحاضر بتراثه الفكري والحضاري. إن المحتوى الثقافي الجيد لا يكتفي بتبسيط المعرفة، بل يعيد صياغتها في خطاب قادر على الجمع بين العمق والوضوح، وبين الإقناع الجمالي والحجة العقلية، بحيث يصبح النص، أو الفيديو، أو المقال الرقمي، امتدادًا لحضور الثقافة في الفضاء العام، لا مجرد مادة للاستهلاك السريع.

إن تحديد معايير الجودة الثقافية داخل هذا الميثاق يقتضي النظر إلى المحتوى بوصفه بنية من العلامات التي تنتج المعنى داخل سياق اجتماعي وثقافي. فكل خطاب رقمي يحمل في مضامينه تمثلات معينة للعالم، ويعيد ترتيب علاقة الفرد بلغته وتاريخه وقيمه. ولذلك فإن جودة المحتوى لا تقاس فقط بدرجة انتشاره، بل بقدرته على بناء وعي نقدي لدى المتلقي، وعلى فتح أفق للتفكير يتجاوز ردود الفعل السريعة التي تصنعها التريندات. إن المحتوى الذي يكتفي بملاحقة الاهتمام اللحظي للجمهور سرعان ما يفقد قيمته، بينما يظل المحتوى الذي يربط المعرفة بالتجربة الإنسانية قادرًا على الاستمرار لأنه يضيف إلى الوعي طبقة جديدة من الفهم.

في هذا الإطار يظهر دور المثقف بوصفه فاعلًا قادرًا على إعادة توجيه الخطاب الرقمي نحو مسارات أكثر عمقًا وتأثيرًا. لقد تراجع حضور المثقف في الفضاء الرقمي أمام صعود المؤثرين الذين يعتمدون على الجاذبية الشخصية وسرعة التفاعل مع الأحداث اليومية، غير أن هذا التراجع لا يعني اختفاء دوره، بل يكشف عن تحول في طبيعة السلطة الثقافية. فالمثقف لم يعد يحتكر المعرفة كما كان الحال في عصور النشر الورقي، لكنه يظل قادرًا على استعادة موقعه المرجعي إذا استطاع أن يعيد تشكيل خطابه بما يتلاءم مع طبيعة الوسيط الرقمي. إن استعادة هذه السلطة لا تتحقق بالعودة إلى لغة النخبة المنغلقة، بل بخلق خطاب يجمع بين الدقة الفكرية والقدرة على التواصل مع جمهور واسع دون الوقوع في فخ التبسيط المخل.

إن حضور المثقف في عالم التريندات لا يعني الانخراط في منطقها الاستهلاكي، بل يعني تحويلها إلى فرصة لطرح الأسئلة التي تكشف عمق القضايا التي تختزلها الأخبار السريعة. فعندما ينجح المثقف في تحويل الحدث العابر إلى مناسبة للتأمل في خلفياته التاريخية والثقافية، فإنه يعيد توجيه اهتمام الجمهور من الانفعال اللحظي إلى التفكير المتأني. وهنا تتجلى قيمة الخطاب الثقافي القادر على الربط بين الظاهرة اليومية والبنية العميقة التي تنتجها، بحيث يصبح المحتوى الرقمي أداة لفهم العالم لا مجرد وسيلة لمتابعة ما يحدث فيه.

ويمكن للميثاق الرقمي الذي يحدد معايير الجودة الثقافية أن يوفر الإطار الذي يسمح بظهور هذا النوع من الخطاب؛ لأنه يرسخ فكرة أن الفضاء الرقمي ليس مجالًا فوضويًا بالكامل، بل فضاء يمكن تنظيمه عبر التوافق على قيم تحكم إنتاج المعرفة وتداولها. وعندما يلتزم صناع المحتوى بهذه القيم، يصبح من الممكن بناء بيئة رقمية، تحافظ على حضور اللغة العربية في صورتها الثرية، وتعيد للتراث الفكري مكانته داخل الخطاب المعاصر، وتمنح المثقف فرصة للقيام بدوره في توجيه النقاش العام. وحيث الحال كذلك؛ فإن استعادة السلطة المرجعية للمثقف لا تعني العودة إلى زمن الهيمنة الثقافية المغلقة، بل تعني تأسيس علاقة جديدة بين المعرفة والجمهور، تقوم على الحوار والانفتاح، وتستفيد من إمكانات الوسيط الرقمي دون أن تفقد صلتها بالجذور الفكرية التي تمنح الثقافة معناها واستمراريتها.

***

د. عبد القادر فيدوح

جامعة مولاي الطاهر – سعيدة - الجزائر

نقد القراءة الاختزالية لـ"تاريخ وفلسفة التربية".. لوثيقة الجديدة للإجازة الوطنية للتربية والتعليم

بمثابة تقديم: دفاعا عن البعد الفلسفي في "تاريخ وفلسفة التربية"

يثير التحول الذي عرفه برنامج إجازة التربية والتعليم في تونس سؤالا مشروعا حول موقع الفلسفة في تكوين المعلمين: هل يعني غياب تسمية «الفلسفة العامة» و«فلسفة العلوم» من بعض الوحدات الجديدة إلغاء للفلسفة، أم أننا أمام إعادة توجيه لمجال اشتغالها داخل تكوين مهني غايته إعداد المعلم؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا ينبغي أن تُبنى على العناوين المعزولة أو على مقارنة لفظية بين البرامج القديمة والجديدة، وإنما تقتضي قراءة الوثيقة في كليتها، والاشتغال تحديدا على العنونة، والمحاور، والأهداف، والمفاهيم التي تستدعيها، ونمط التكوين الذي تتوجه إليه.

ومن هنا تأتي هذه المحاولة للدفاع عن البعد الفلسفي الكامن في مادة تاريخ وفلسفة التربية  Histoire et philosophie de l’éducation، لا دفاعا عن تسمية إدارية، ولا بحثا عن حضور شكلي للفلسفة

السؤال الاوّل: هل حُذفت الفلسفة أم تغير موقعها ووظيفتها في تكوين المعلمين؟

أود أن أوضح منذ البداية أنني لا أدافع عن حذف الفلسفة العامة أو الإبستمولوجيا، بل أقول شيئا أكثر تحديدا: غياب الفلسفة العامة وفلسفة العلوم بوصفهما مادتين مستقلتين لا يساوي منطقيا إلغاء الفلسفة من تكوين المعلمين. وهذا ليس دفاعا عن الاسم، وإنما قراءة في بنية البرنامج ومحتواه وأهدافه.

أولا: علينا أن نحدد محل النزاع

إذا كان المقصود أن الفلسفة العامة التي كانت تدرّس في السنة الأولى قد أزيلت من البرنامج الجديد، وأن الإبستمولوجيا لم تعد تظهر بوصفها مادة مستقلة، فأنا لا أرى موجبا لإنكار ذلك إذا كانت الوثيقة تثبته.

لكن الانتقال من هذه العبارة: أزيلت الفلسفة العامة والإبستمولوجيا إلى العبارة: أُلغيت الفلسفة في تكوين المعلمين ليس انتقالا بديهيا. فالوثيقة نفسها تضع في السداسي الثاني مادة بعنوان:

Histoire et philosophie de l’éducation  تاريخ وفلسفة التربية

كما أن الوزارة، بحسب ما ينقله الدكتور فتحي التريكي نفسه، لم تقل إنها ألغت الفلسفة من المسار، بل أكدت له أنها موجودة في السنة الأولى وفي السنة الثالثة في صورة فلسفة موجهة إلى الطفل.

إذن محل الخلاف الحقيقي ليس وجود الفلسفة أو عدم وجودها، وإنما طبيعة الحضور الفلسفي ومقداره وتوزيعه.

وهذا فرق لا يجوز إغفاله.

السؤال الثاني: لكن هل «تاريخ وفلسفة التربية» مجرد تاريخ؟

هنا تحديدا أختلف مع بعض الاصدقاء. لأن الحكم على المادة لا ينبغي أن يصدر من عناوين الأجزاء الثمانية وحدها، وإنما من الأهداف التي حددتها الوثيقة للمادة. وهذا مهم جدا. لو كانت الوثيقة تقول إن الطالب سيحفظ مراحل تاريخ التربية وأسماء المربين، لكان وصف المادة بأنها تاريخ للتربية وصفا قريبا من الصواب. لكن الأهداف المعلنة تقول شيئا آخر.

الهدف AA1

الوثيقة لا تتحدث عن تاريخ التربية فقط، وإنما عن:

أهم التصورات الفلسفية والتربوية للتربية

les principales conceptions philosophiques et pédagogiques de l’éducation

ثم تطلب وضع هذه التصورات في سياقها التاريخي والاجتماعي والثقافي. وهنا نحن أمام سؤال فلسفي واضح: كيف تتغير صورة التربية عندما تتغير صورة الإنسان والمجتمع والمعرفة؟ فالفلسفة ليست في «الأسماء» وإنما في التصورات التي تنتجها تلك الأسماء.

والهدف AA2 أكثر وضوحا

الوثيقة تطلب فهم تطور الأفكار المتعلقة بـ: التربية، التعلم، النمو الإنساني، دور المعلم. أي أننا أمام سؤال: أي تصور للإنسان يقف وراء كل تصور للتربية؟ وهذا ليس مجرد تاريخ.

فحين ننتقل مثلا من تصور للطفل بوصفه موضوعا للتشكيل إلى تصور يجعله مركز العملية التربوية، فإننا لا ننتقل فقط بين مرحلتين تاريخيتين، وإنما ننتقل بين تصورين للإنسان وللحرية وللمعرفة ولعلاقة المربي بالمتعلم.

هذه هي فلسفة التربية تحديدا.

ثم يأتي الهدف AA3 ليحسم جزءا كبيرا من الإشكال

الوثيقة تطلب من الطالب:

Analyser de manière critique les théories éducatives

أي: تحليل النظريات التربوية تحليلا نقديا. ولا تتوقف هنا، بل تطلب تحديد: الاستمراريات والقطائع والنقاشات المؤسسة.

إذن المطلوب ليس: ماذا حدث في القرن السابع عشر؟ بل: ما الذي تغير؟ ولماذا؟ وما الذي استمر؟ وما الذي انقطع؟ وما الجدل الذي أنتج هذه التحولات؟ وكيف أثرت هذه النظريات في المدرسة الحالية؟

وهنا أقول لاصدقائي: إذا كان تحليل النظريات التربوية تحليلا نقديا والكشف عن قطائعها واستمرارياتها ونقاشاتها المؤسسة لا يمثل تفكيرا فلسفيا، فما الذي نسميه تفكيرا فلسفيا في التربية؟

والأهم: الوثيقة لا تحبس المادة في الماضي

من خلال الهدف AA4 يطلب: ربط إسهامات كبار المربين بقضايا التربية المعاصرة، ولا سيما في السياق التونسي. وهذا يعني أن أفلاطون وروسو وديوي وفريري وغيرهم ليسوا غاية المادة. التاريخ هنا يصبح وسيلة لفهم الحاضر. أي أن السؤال ليس: ماذا قال ديوي؟ بل: ما الذي تسمح لنا فلسفة ديوي بفهمه في المدرسة المعاصرة؟ وليس: ماذا قال فريري؟ بل: ما معنى التربية بوصفها ممارسة نقدية وتحررية؟ وهنا بالضبط ينتقل تاريخ التربية إلى فلسفة التربية.

أما الهدف AA5 فيجعل التجربة التونسية جزءا من التحليل الوثيقة لا تكتفي بتاريخ التربية الغربية، بل تطلب: فهم تطور التربية في تونس من خلال تحليل الإصلاحات المختلفة وعلاقتها بالنظريات التربوية وكبار المربين. إذن الإصلاح التربوي التونسي لا يقدم بوصفه سلسلة من التواريخ والقرارات فقط. بل يسأل: ما التصور التربوي الذي كان وراء الإصلاح؟ ما صورة الطفل؟ ما صورة المعلم؟ ما غاية المدرسة؟ ما نوع المعرفة التي يراد إنتاجها؟ ما علاقة الإصلاح بالمجتمع والدولة والحداثة؟ وهذه أسئلة تقع في صميم فلسفة التربية.

أما AA6 فهو في رأيي أقوى دليل الوثيقة تطلب:

Développer une posture réflexive et citoyenne face aux finalités de l’éducation...

أي: تنمية موقف تأملي ومواطني تجاه غايات التربية، وتصورات الطفل والتعلم ودور المعلم، في منظور ديمقراطي وشامل. لنقف عند عبارة:

finalités de l'éducation  غايات التربية.

ما غاية التربية؟ هل التربية لتكييف الفرد مع المجتمع؟ أم لتحريره؟ هل المدرسة لإعادة إنتاج المجتمع؟ أم لنقده؟ هل المعلم سلطة؟ أم ميسر؟ هل الطفل موضوع للتشكيل؟ أم ذات مستقلة؟ ما علاقة التربية بالديمقراطية؟ ما معنى التربية الشاملة؟ هذه ليست "مهارات حياة" إنها أسئلة فلسفية مؤسسة للفعل التربوي. ولذلك لا أتفق مع وصف المادة بأنها "تعويم للفلسفة" هنا ينبغي التفريق بين مضمون المادة كما صيغ في الوثيقة وبين كيفية تنفيذها لاحقا. أنا لا أقول إن البرنامج مثالي. ولا أقول إن ساعات المادة كافية. ولا أقول إن انتقال الفلسفة العامة والإبستمولوجيا إلى فلسفة التربية لا يحتاج إلى نقاش. بل أقول: لا يجوز الحكم على المادة بأنها غير فلسفية قبل قراءة أهدافها، لأن أهدافها نفسها تتضمن التصورات، وتطور الأفكار، والتحليل النقدي، والقطائع والاستمراريات، والنقاشات المؤسسة، وغايات التربية، وتصوّر الطفل، والتعلم، ودور المعلم، والديمقراطية والمواطنة. هذه ليست عبارات عرضية. إنها المفردات التي تحدد المجال الإشكالي لفلسفة التربية.

أما الاعتراض على «التربية المسيحية» فهو يحتاج إلى إعادة نظر السؤال: ما علاقة تكوين المعلمين بقضايا التربية المسيحية؟ ولماذا لا التربية اليهودية والإسلامية؟ لا أراه اعتراضا كافيا على وجود هذا المحور. لأن دراسة التربية المسيحية في سياق تاريخ الفكر التربوي الغربي ليست بالضرورة تدريسا دينيا مسيحيا. إنما يمكن أن تكون مدخلا لدراسة سؤال فلسفي مركزي: ما العلاقة بين العقل والإيمان؟ وهذا تحديدا ما تتيحه دراسة الفكر الوسيط والمدرسية. كما أن الوثيقة لا تقف عند المسيحية، وإنما تنتقل تاريخيا إلى النهضة والإنسانوية والعقلانية والتجريبية والتنوير والحداثة ثم البيداغوجيات المعاصرة. إذن وجود «التربية المسيحية» في تاريخ الفكر التربوي الغربي لا يعني أن الهدف هو تلقين المسيحية للمعلم. ويمكن، بالطبع، مناقشة مدى التوازن الحضاري للبرنامج، وهذا سؤال مشروع آخر. أما «التربية في تونس: التاريخ والإصلاحات» فلا أفهم لماذا تكون بالضرورة خارج الفلسفة هنا أيضا يجب أن نفرق بين: تاريخ الإصلاحات و فلسفة الإصلاحات. يمكن أن ندرس الإصلاحات باعتبارها تواريخ وقرارات إدارية، وهذا تاريخ. لكن يمكن أن نسأل: ما الإنسان الذي أراد الإصلاح إنتاجه؟ ما صورة المواطن؟ ما وظيفة المدرسة؟ ما مفهوم المعرفة؟ ما علاقة التعليم بالحداثة؟ ما علاقة المدرسة بالدولة؟ ما معنى الاستحقاق والمساواة والعدالة في التعليم؟ ما الذي تغير في تصور الطفل والمعلم؟ وهنا يصبح تاريخ التربية التونسية مادة خصبة لفلسفة التربية. بل أذهب أبعد من ذلك: إذا لم نفلسف الإصلاحات التربوية التونسية، فإننا سنظل نكتب تاريخها ولا نفهم معناها.

في المقابل، هناك جانب من النقد أراه وجيها أنا أتفق معه في شيء أساسي: لا ينبغي أن تتحول فلسفة التربية إلى بديل عن التكوين الفلسفي الجاد. وهذا بالضبط هو موضع الحوار الحقيقي

إذا كان الطالب سيدرس فلسفة التربية، فمن المشروع أن نسأل: ما الرصيد الفلسفي السابق الذي يمتلكه؟

وإذا لم يكن لديه رصيد كاف في المفاهيم والتيارات والمناهج الفلسفية، فكيف سيمارس تحليلا فلسفيا عميقا للتربية؟

إذن يمكنني أن أقول: أنا لا أختلف مع من يقول بضرورة التكوين الفلسفي التأسيسي؛ أختلف فقط مع تحويل غياب مادة الفلسفة العامة إلى حكم بأن الفلسفة نفسها أُلغيت. وهذا فرق جوهري.

وهنا نصل إلى أخطر جزء: الفلسفة اصبحت ترادف"التنمية البشرية"

أعتقد أنه  هناك خلط هنا بين قضيتين ينبغي فصلهما. إذا كانت الوثيقة تحتوي على:

Study skills

و

Éducation à la pensée critique et aux compétences du 21e siècle

فهذا لا يسمح وحده بالقول إن: خطاب التنمية البشرية حل محل الفلسفة. لأن وجود مادة مهارات أو كفايات لا يساوي منطقيا إلغاء الفلسفة. بل ينبغي قراءة محتوى تلك المادة قبل الحكم عليها. والأهم: التفكير النقدي ليس مرادفا للتنمية البشرية، كما أنه ليس ملكا حصريا للفلسفة. لكن إذا اتضح أن «التفكير النقدي» اختُزل فعلا في تقنيات وظيفية ومهارات سوقية، دون مفاهيم أو حجج أو نقد أو تحليل، فهنا نكون إزاء وظيفية واداتية . أي أننا نحتاج إلى فحص المحتوى الفعلي قبل إطلاق حكم "الاستبدال"

السؤال الاخير: هل خسر تكوين المعلم شيئا من التكوين الفلسفي العام عندما اختفت مادة الفلسفة العامة؟

هذا سؤال مشروع جدا. ويمكن أن تكون الإجابة: نعم، ربما خسر شيئا. لكن لا يترتب عليه: إذن الفلسفة أُلغيت. بل: ربما أعيد توزيع الفلسفة بطريقة تجعل فلسفة التربية أكثر حضورا، ولكن على حساب بعض التكوين الفلسفي العام الذي كان يوفر للطالب أساسا مفهوميا أوسع.

وهذا هو النقاش الذي أراه أكثر جدية.

السؤال الثالث: ما العلاقة بين فلسفة التربية والفلسفة التطبيقيّة؟

الفلسفة التطبيقية والتربية: من التنظير إلى الممارسة

اولا: سياق فلسفة التربية

يمكن علميا تنزيل فلسفة التربية ضمن الفلسفة التطبيقية أو العملية، بل إن هذا التصنيف موجود صراحة في مراجع فلسفية أكاديمية معتبرة. غير أن فلسفة التربية لا تعني تطبيقا ميكانيكيا لنظريات فلسفية جاهزة على المجال التربوي، وإنما تمثل مجالا فلسفيا ينتقل فيه التفكير الفلسفي إلى مساءلة التربية باعتبارها ممارسة إنسانية واجتماعية ومؤسسية، مع احتفاظه بأدواته الخاصة في التحليل المفهومي والحجاج والنقد والسؤال المعياري.

وتعرّف Stanford Encyclopedia of Philosophy فلسفة التربية، في إحدى صيغها الأرشيفية، صراحة بأنها “the branch of applied or practical philosophy”، أي «فرع من الفلسفة التطبيقية أو العملية»، يهتم بطبيعة التربية وغاياتها وبالمشكلات الفلسفية الناشئة عن النظرية والممارسة التربويتين. وهذا التصنيف لا يجعل فلسفة التربية مجرد معرفة ثانوية، وإنما يحددها باعتبارها مجالا ينتقل فيه السؤال الفلسفي إلى موضوع تربوي محدد. كما أن المدخل نفسه يبين أن فلسفة التربية تتناول قضايا مثل غايات التربية، ومحتواها، وطرائقها، والسلطة التربوية، والمسؤوليات المرتبطة بالفعل التربوي.

ويؤكد هذا الاتجاه John White في مقاله المنشور سنة 2024 في Journal of Philosophy of Education، حيث يناقش التصورات المختلفة لطبيعة فلسفة التربية، ومن بينها تصورها باعتبارها “a form of applied philosophy”، وهو التصور الذي يمنحه وزنا خاصا في تحليله² ومن ثم فإن الانتقال من الفلسفة العامة إلى فلسفة التربية لا ينبغي أن يفهم باعتباره انتقالا من «الفلسفة» إلى مجال غير فلسفي، وإنما باعتباره انتقالا بالسؤال الفلسفي إلى موضوع وممارسة محددين.

ثانيا: ديوي: التربية ليست هامشا للفلسفة

ولعل John Dewey يمثل أحد أقوى الشواهد الفلسفية على عدم جواز الفصل الحاد بين الفلسفة والتربية. ففي Democracy and Education لا يكتفي ديوي بتأسيس نظرية تربوية، وإنما يعيد النظر في وظيفة الفلسفة ذاتها انطلاقا من التربية والممارسة. يقول في الفصل الرابع والعشرين:

 “If we are willing to conceive education as the process of forming fundamental dispositions, intellectual and emotional, toward nature and fellow men, philosophy may even be defined as the general theory of education.” ³

أي "إذا كنا على استعداد لتصور التربية باعتبارها عملية تكوين الاستعدادات الأساسية، الفكرية والانفعالية، تجاه الطبيعة وإخواننا من البشر، فإنه يمكن حتى تعريف الفلسفة بأنها النظرية العامة للتربية."

ولا ينبغي اقتطاع هذه العبارة من سياقها وتحويلها إلى مساواة بسيطة بين الفلسفة والتربية؛ فديوي يربطها مباشرة بمسألة الممارسة. فهو يقول في السياق نفسه إن المشكلات الفلسفية ينبغي أن تُرى في المواضع التي «تنشأ وتزدهر» فيها، حيث يؤدي قبول فكرة فلسفية أو رفضها إلى اختلاف في الممارسة. ولذلك تصبح التربية، بالنسبة إليه، مجالا تتخذ فيه الأفكار الفلسفية نتائج عملية. وتؤكد Stanford Encyclopedia of Philosophy أن ديوي رأى في Democracy and Education العمل الذي عُرضت فيه فلسفته بأوسع صورة، وأنه فهم الفلسفة نفسها بوصفها “the general theory of education”.

بل يذهب ديوي إلى صياغة أكثر دلالة على علاقة النظرية بالممارسة حين يقول في الكتاب نفسه إن الفلسفة، إذا لم تبقَ مجرد خطاب أو عقيدة، ينبغي أن تُحدث آثارها في السلوك. ومن هنا تصبح التربية أحد المجالات التي تتحول فيها الأفكار والقيم إلى عادات واتجاهات وممارسات فعلية.

وبهذا المعنى، لا تكون التربية مجرد «موضوع تطبيقي» تأتي إليه الفلسفة من الخارج، وإنما تصبح التربية نفسها مجالا يمكن أن تظهر فيه المعاني الفلسفية وتُختبر نتائجها. ولذلك فإن السؤال عن غايات التربية، وطبيعة المعرفة التي ينبغي أن تُدرّس، وحدود سلطة المعلم، ومفهوم الحرية، وطبيعة الطفل، والعدالة في المدرسة، وعلاقة التربية بالديمقراطية، ليس خروجا من الفلسفة، وإنما هو انتقال بالسؤال الفلسفي إلى مجال الفعل الإنساني.

ثالثا: من الفلسفة عن التربية إلى الفلسفة في التربية

من هنا يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات مترابطة:

أولا: التربية موضوعا للتفلسف:

تُطرح الأسئلة الفلسفية حول غايات التربية، ومفهوم الإنسان الذي تفترضه، وطبيعة المعرفة التي تنقلها، ومشروعية السلطة التي يمارسها المعلم والمؤسسة التعليمية، وعلاقة التربية بالحرية والعدالة والديمقراطية.

ثانيا: الفلسفة أداة للتفكير في الممارسة التربوية:

لا يقتصر الأمر على دراسة أسماء الفلاسفة ومذاهبهم، وإنما تُستخدم المفاهيم والحجج الفلسفية لفحص المناهج، والتقويم، والعلاقة بين المعلم والمتعلم، والسلطة، والاختلاف، والإدماج، والمواطنة.

ثالثًا: التربية مجالا لاختبار المعنى العملي للفلسفة:

وهذا هو الجانب المتعلق بجون ديوي الأكثر أهمية؛ إذ لا تظل الفلسفة في مستوى التجريد، بل تُختبر آثار تصوراتها عندما تدخل مجال التربية باعتبارها ممارسة لتكوين الإنسان. ولهذا ارتبط مشروع ديوي الفلسفي ارتباطا وثيقا بالتجربة التربوية، وبالمدرسة المختبرية التي أنشأها في جامعة شيكاغو، حيث أصبحت المدرسة فضاء لاختبار أفكاره في المنطق الوظيفي والتعلم والخبرة والديمقراطية.

ومن ثم فإن فلسفة التربية ليست تخفيضا للفلسفة، وإنما أحد أشكال انتقال الفلسفة من السؤال المجرد إلى السؤال المتعلق بالفعل الإنساني. وإذا كانت الفلسفة التطبيقية تعني انتقال التفكير الفلسفي إلى قضايا وممارسات واقعية مع الاحتفاظ بالتحليل الفلسفي، فإن التربية تمثل مجالا نموذجيا لهذا الانتقال.

وعلى هذا الأساس، لا يكون السؤال العلمي: «هل فلسفة التربية فلسفة حقا؟» وكأنها تحتاج إلى شهادة اعتراف من الفلسفة العامة، وإنما يصبح السؤال الأكثر دقة: هل تُدرّس فلسفة التربية باعتبارها فلسفة؟ أي: هل تضع الطالب أمام مشكلات مفهومية واشكالية وحجاجية حول التربية، أم تتحول إلى مجرد سرد تاريخي للمذاهب التربوية؟

وهذا التمييز حاسم في النقاش الدائر اليوم حول تكوين المعلمين: يمكن نقد برنامج فلسفة التربية إذا كان سطحيا أو تاريخانيا أو خاليا من التحليل الفلسفي؛ لكن لا يصح الانتقال من هذا النقد إلى الحكم بأن الانتقال من الفلسفة العامة إلى فلسفة التربية هو في ذاته إلغاء للفلسفة. فالتغيير في موضوع الفلسفة أو في مجال اشتغالها لا يساوي إلغاءها، كما أن جعل التربية موضوعا للتفكير الفلسفي له سند قوي في تاريخ الفلسفة الحديثة والمعاصرة، ولدى ديوي بصورة خاصة.

خاتمة: من سؤال "حذف الفلسفة" إلى سؤال "وظيفة الفلسفة في تكوين المعلم"

ينتهي هذا النقاش، في تقديرنا، إلى ضرورة إعادة صياغة السؤال الذي انطلق منه. فالسؤال عن "حذف الفلسفة" لا يمكن أن يُحسم بمجرد ملاحظة أن تسمية «الفلسفة العامة» أو «فلسفة العلوم» لم تعد واردة بالصيغة نفسها في البناء الجديد؛ لأن هذا يحوّل النقاش إلى مقارنة بين أسماء المواد بدل قراءة وظائفها ومضامينها وأهدافها داخل مشروع تكوين المعلم. والوثيقة، كما تكشف أهداف مادة "تاريخ وفلسفة التربية"، لا تكتفي بإدراج معرفة تاريخية بالتربية، وإنما تنص على فهم تطور الأفكار التربوية، وتحليل النظريات تحليلا نقديا، وربطها بقضايا التربية المعاصرة وبالسياق التونسي، وتنمية موقف انعكاسي ومواطني من غايات التربية ومفهوم الطفل والتعلم ودور المعلم في منظور ديمقراطي وشامل.

ومن هنا لا يصح أن يتحول غياب الاسم إلى دليل على غياب الوظيفة. فقد تتغير مواقع الفلسفة داخل التكوين بتغير غاية التكوين نفسه. فإذا كان المقصود من الإجازة هو إعداد معلم لا تكوين فيلسوف متخصص، فإن السؤال يصبح: كيف يمكن للفلسفة أن تدخل في تكوينه بما يخدم مهمته المهنية دون أن تفقد طبيعتها النقدية؟ وهنا تكتسب فلسفة التربية مشروعيتها بوصفها مجالًا يلتقي فيه السؤال الفلسفي بالفعل التربوي.

ولا يعني هذا الدفاع عن «تاريخ وفلسفة التربية» أن كل ما يحمل هذا الاسم فلسفة بالضرورة، أو أن البرنامج الجديد بمنأى عن النقد. على العكس، إن معيار الحكم الحقيقي هو الكيفية التي تُدرّس بها المادة. فإذا تحولت إلى سرد للحقب والأسماء والمذاهب دون مساءلة مفاهيمها وافتراضاتها وغاياتها، أمكن نقدها بوصفها تاريخا وصفيا للتربية. أما إذا أصبح التاريخ مجالا لفهم التحولات في تصورات الإنسان والطفل والمعرفة والعقل والسلطة والحرية والتعلم ودور المعلم، وأصبح اختلاف النظريات مناسبة للمقارنة والنقد والحجاج، فإننا نكون أمام تاريخ يُقرأ فلسفيًا، وفلسفة تشتغل داخل التاريخ التربوي.

فالمطلوب من المعلم ليس أن يحمل معه إلى القسم مخزونا من أسماء الفلاسفة فحسب، وإنما أن يمتلك القدرة على مساءلة الفعل الذي يمارسه: ما معنى أن أعلّم؟ ماذا أعني بالمعرفة؟ أي إنسان أريد أن أساهم في تكوينه؟ ما حدود سلطتي؟ ما معنى الحرية والاستقلالية لدى المتعلم؟ كيف أفهم العدالة والمساواة داخل المدرسة؟ وما علاقة المدرسة بالمجتمع والديمقراطية؟ إن هذه الأسئلة لا تجعل المعلم فيلسوفا متخصصا، لكنها تجعله ممارسا واعيا بالافتراضات الفلسفية الكامنة في مهنته.

ولذلك فإن استدعاء ديوي هنا ليس ترفا نظريا. فحين يذهب إلى إمكان تعريف الفلسفة بأنها "النظرية العامة للتربية"، فإنه يضع التربية في قلب السؤال الفلسفي، لا على هامشه. ومن هذا المنظور تصبح فلسفة التربية أحد المجالات التي يمكن أن تتحول فيها الفلسفة من معرفة نظرية إلى تفكير في الممارسة، دون أن يعني ذلك التخلي عن المفهوم أو الحجاج أو النقد.

وعليه، فإن النقاش الأكثر علمية لا ينبغي أن ينتهي إلى ثنائية مبسطة من قبيل: "إما الفلسفة العامة وفلسفة العلوم، وإما غياب الفلسفة". هذه الثنائية تفترض مسبقا أن الفلسفة لا تكون فلسفة إلا إذا حافظت على صورتها التقليدية كمادة مستقلة، بينما يكشف تاريخ الفلسفة نفسه عن انتقالات عديدة في موضوعاتها ووظائفها ومجالات اشتغالها. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح على الوثيقة هو سؤال أكثر دقة: ما مقدار الفلسفة الذي حافظ عليه البرنامج؟ وأين يتموضع السؤال الفلسفي داخله؟ وكيف يُمارس؟ وما الذي كسبه تكوين المعلم من هذا التحول وما الذي يمكن أن يكون قد خسره؟

وهذا يفتح في الوقت نفسه بابا لنقد متوازن: الدفاع عن البعد الفلسفي في فلسفة التربية لا يقتضي الدفاع عن كل تفاصيل البرنامج، كما أن المطالبة بحضور أقوى للفلسفة العامة أو الإبستمولوجيا لا تقتضي وصف التحول كله بأنه "إلغاء للفلسفة". يمكن المطالبة بإثراء فلسفة التربية بالمفاهيم والحجاج والتحليل الإبستمولوجي والسياسي والأخلاقي، ويمكن أيضا الدعوة إلى تدعيم الصلة بين الفلسفة العامة وفلسفة التربية؛ لكن ذلك شيء، والقول بأن الفلسفة «أُلغيت» شيء آخر.

لذلك ربما يكون الموقف الأدق هو أن الفلسفة لم تعد تُستدعى هنا فقط بوصفها غاية معرفية مستقلة، وإنما تُستدعى أيضًا بوصفها قدرة على التفكير في مهنة التربية ومشكلاتها وغاياتها. وإذا كان هذا التحول قد نجح في تحويل المعلم من حامل لمعارف منفصلة إلى مهني قادر على التفكير النقدي في ممارسته، فإنه يكون قد منح الفلسفة وظيفة جديدة داخل التكوين؛ وإذا أخفق في ذلك، فإن المطلوب ليس إعلان موت الفلسفة، وإنما المطالبة بأن تصبح فلسفة التربية أكثر فلسفية.

وهكذا تنتقل القضية من "هل حُذفت الفلسفة؟" إلى السؤال الأعمق والأجدى:

هل استطاع البرنامج أن ينقل الفلسفة من مجرد مادة تُدرّس للطالب إلى قدرة على التفكير الفلسفي يمارسها المعلم في التربية؟

ففي النهاية، قيمة الفلسفة في تكوين المعلم لا تقاس فقط بما يحفظه من تاريخ الفلسفة، وإنما بما يستطيع أن يفعله بالفلسفة عندما يدخل القسم. ومن هنا يمكن أن يكون الانتقال من الفلسفة العامة إلى فلسفة التربية انتقالا مشروعا، بل خصبا، بشرط ألا يتحول من فلسفة تُمارس في التربية إلى مجرد تاريخ يُروى عن التربية.

***

احمد الكافي يوسفي - باحث في الفلسفة بين الحداثة والحداثة المغايرة

 

إن العشْق في رصيد الشاعر الجاهلي لم يكن رفاهية شعورية ترفل في الدعة، بل كان مخاضاً وجودياً حاداً ينبثق من قسوة الصحراء ووحشتها؛ فلم ينظر إلى الحب عاطفةً مجردةً أو شعورًا داخليًا محصورًا في وجدان المحب وحده، بل جعله مرادفًا للوفاء الأبدي للأرض والديار، فكانت أي رحلة غزلية تبدأ بالوقوف على الأطلال ومناجاة الرسوم الدارسة، مُعتبراً أن حب الحبيبة يمر حتمًا عبر حب أثرها ومكانها وترابها الذي شهد صباها.  وقد تجذرت في هذه النفس البدوية الصلبة مناعة روحية جعلت المعاناة الصامتة والفراق القسري -الناجم عن الترحال المستمر للقبائل بحثًا عن الكلأ والعشب-محركًا رئيسيًا لكل لوعة، مما حول العشق إلى شجن وأسى عميقين لا يملك أمامهما الشاعر سوى الدموع وذكريات اللقاء العابر. وفي هذا السياق، لم يكن ولع الشاعر بالجسد الأنثوي ووصف محاسنه جنوناً غريزيًا عابراً، بل كان انعكاساً للغة بصرية مجسدة تفاعل فيها مع جمال المرأة بوصفه المرآة الكبرى لصفاء الطبيعة ونقائها، فتوجت هذه المنظومة بالسيادة الوجدانية للمرأة التي احتلت مكانة رفيعة رمزًا للجمال المطلق والخلاص الروحي.

من هنا، امتلك الشاعر الجاهلي حسّاً تعبيرياً بالغ التكثيف والعمق، مستمداً قاموسه اللغوي من صلابة البيئة وحرارتها؛ فكان ذكر المرأة وحبها في مستهل القصائد والمعلقات مفتاحًا استهلاليًا رئيسيًا تتبارى فيه الأقلام لإبراز طاقته البلاغية وعمق عاطفته، وكأنّ استدعاء جسد الحبيبة وذكر محاسنها كان درعًا واقيًا يواجه به وحشة القفر، ليتحول الحب في ميزانه الفني إلى وثيقة بقاء، وشاهد صدق على عمق إنساني يتخفى خلف جلال الصحراء وهيبتها.

أبرز شعراء الغزل والوجد في العصر الجاهلي ونماذج من قصائدهم

لم يكن الغزل الجاهلي ترفاً شعرياً عابراً، بل تجسد بملامحه العميقة وأبعاده الوجدانية من خلال رموز شعرية كبرى خلدتها الذاكرة العربية، وتجلت إبداعاتهم في قصائد ومقطوعات خالدة

امرؤ القيس رائد الغزل الجاهلي: أرسى بوقوفه على الأطلال وتقسيم منازل الأحبة قواعد النسيب الثابتة، جامعاً بين لوعة الفراق ودقة الوصف الحسي في معلقته التي يقول في مطلعها

قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ ... بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ

وضِحَ فَالْمِقْرَاةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُهَا ... لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وَشَمْأَلِ

عنترة بن شداد رمز الحب المخلص والعفيف: واجه قسوة قيود النسب وعصبية القبيلة بصبر وفروسية، محولاً معاناته وعشقه الأبدي لـ "عبلة" إلى ملحمة من الوفاء المطلق، ومن بديع شعره:

وَلَقَدْ ذَكَرْتُكِ والرِّمَاحُ نَوَاهِلٌ ... مِنِّي وبِيضُ الْهِنْدِ تَقْطُرُ مِنْ دَمِي

 فَوَدِدْتُ تَقْبِيلَ السُّيُوفِ لِأَنَّهَا ... لَمَعَتْ كَبَارِقِ ثَغْرِكِ المَبْتَسِمِ

طرفة بن العبد شاعر الأطلال والشجون: استهل معلقته بتأمل المكان ومرارة الفراق عن حبيبته "خولة"، مصوراً حرقة الشوق بأسلوب يمزج بين ديمومة التعلق بالديار وسطوة العاطفة، بقوله:

لِخَوْلَةَ أطْلَالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَدِ ... تلوحُ كباقي الوَشْمِ في ظَاهِرِ اليَدِ

وُقُوفاً بِهَا صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ ... يَقُولُونَ لاَ تَهْلِكْ أَسَىً وَتَجَلَّدِ

امتداد التجربة والتقاطع مع العصر الحديث

يمثل الحب في الشعر الجاهلي جَذراً عميقاً ومورداً دائمًا استلهم منه الشعراء المعاصرون ملامح التعبير الوجداني، فعلى الرغم من الهوة الزمنية والبيئية الهائلة بين جحيم البادية وقسوتها وصخب العصر الحديث وتعقيداته، ظلت ثيمات أساسية مثل الفقد، والاشتياق، ولوعة الفراغ تشكل الجسر الرابط بين التجربتين. إلا أن هذا التقاطع لا يعني التطابق؛ فبينما كانت التجربة الجاهلية مرتبطة بظرف مكاني وواقع مادي محدد، استطاع الشعر الحديث نقل العاطفة من أفقها الخارجي إلى أفقها النفسي الداخلي، معيدًا صياغة لغة الشوق بما يواكب اغتراب الإنسان المعاصر.  وتتجلى أروع صور هذا التقاطع والتطوير في تجارب كبار الشعراء المعاصرين، وفي مقدمتهم الشاعر الفلسطيني محمود درويش، الذي نجح ببراعة فائقة في استحضار روح التراث الجاهلي وأسلوبية الوقوف على الأطلال ورمزية الحبيبة، لكنه طوعها لتعبر عن مأساة الوطن والشتات. فعندما ينادي درويش حبيبته أو يستحضر تفاصيل الأرض، فإنه يبعث الحياة في رماد الأطلال القديمة بروح عصرية عميقة، جاعلاً من العشق مقاوماً للنسيان ورمزاً لهوية لا تتبدل، وبذلك يتحول الإرث الجاهلي من مجرد شكل كلاسيكي إلى طاقة تعبيرية حية تتجدد في شرايين القصيدة الحديثة

استقلالية القصيدة الجاهلية وتعدد أغراضها

على الرغم من المكانة البارزة التي احتلها الغزل والوقوف على الأطلال كتقليد فني استهلالي في بنية القصيدة الجاهلية، إلا أن الحب لم يكن الغاية الوحيدة أو المحور الحصري للإبداع الشعري في ذلك العصر. فقد اتسمت القصيدة الجاهلية باستقلالية موضوعية واضحة، وتجاوزت حدود العاطفة الرومانسية لتستوعب تجارب الحياة البدوية بكامل تعقيداتها وتناقضاتها.  وقد برزت أغراض شعرية مستقلة تماماً وقائمة بذاتها؛ كالفخر الذي يخلد بطولات الشاعر ومآثر قبيلته، والرثاء الذي يفيض بلوعة الفقد الحقيقي والموت، والهجاء الذي يمثل سلاحاً إعلامياً واجتماعياً لا يستهان به، إلى جانب الوصف الدقيق للطبيعة والراحلة وصراع الحيوانات في الصحراء. لم تكن هذه الأغراض مجرد هوامش، بل شكلت في كثير من الأحيان الجسد الأساسي أو الوحيد للقصيدة.  ولعل أبرز ما يؤكد هذه الاستقلالية هو تخلي الشاعر الجاهلي عن مقدمة "النسيب" (الغزل) طواعيةً في سياقات ومقامات محددة لا تتسع لذكر النساء والحب. ففي قصائد الرثاء الخالصة، كما هو الحال في مراثي الخنساء لأخيها صخر، غاب الغزل تماماً احتراماً لجلال الموت وهيبة الفجيعة. وبالمثل، في أشعار "الصعاليك" (كالشنفرى وتأبط شراً) التي وثقت قسوة الصحراء وصراع البقاء الفردي، تراجعت العاطفة الرومانسية لصالح واقعية خشنة وتأملات وجودية قاسية؛ مما يثبت أن الشاعر الجاهلي كان يمتلك وعياً فنياً دقيقاً، يطوع به أدواته ويختار أغراضه وفقاً لمقتضيات الموقف النفسي والاجتماعي، دون أن يكون أسيراً لنمط الغزل في جميع أحواله.

طبيعة الوصف الحسي والجسدي في العرض الجاهلي

لم يكن دمج الشاعر الجاهلي للحب بالوصف الحسي والجسدي ترفاً طارئاً أو جنوحاً نحو الغرائز المجردة، بل كان انعكاساً أميناً لواقع بيئي ولغة فطرية تتفاعل مع العالم عبر الحواس المباشرة. فالإنسان البدوي، بحكم ارتباطه الوثيق بالطبيعة وصراع البقاء، كان يمتلك بصيرة حسية حادة تجعل المفاهيم المعنوية تتجسد أمامه في صور مادية وملموسة؛ لذا جاء التعبير عن العشق ومحاسن المرأة متداخلًا مع مفردات الصحراء، ومقترناً بوصف الرحلة، والبراقع، ونقاء الثغور، وعطر الرياض.  ولا يقتصر هذا الوصف على كونه زينة جمالية، بل يؤدي وظيفة فنية دقيقة لتعميق الشعور בלوعة الفراق الوشيك. فحين يمعن الشاعر في تفصيل الجسد والملامح، فهو يحفر صورة الحبيبة في ذاكرته ليواجه بها وحشة القفر وغربة الترحال الطويل. هذا المزج بين الجسد والوجدان حول القصيدة الجاهلية إلى مرآة حية تنبض بالدفء الإنساني وسط قسوة الجغرافيا، مؤكدة أن الحسية الجاهلية كانت أداة بلاغية رفيعة لتجسيد الشوق وربطه بالحياة والأرض.

التجسيد الواقعي مقابل العمق النفسي (مقارنة بين الشعر الجاهلي والحديث)

تتجلى أعمق التحولات في مسار القصيدة العربية عند مقارنة البعد النفسي والتعبيرات الوجدانية بين العصر الجاهلي والعصر الحديث، حيث انتقلت التجربة العاطفية من آفاق التجلي المادي إلى سراديب الداخل الإنساني. فقد تفوق الشاعر الجاهلي ببراعة منقطعة النظير في نقل لوعة الفراق الحسي وربطه الحميم بالمكان والأطلال، مما جعل صوره أكثر صلابة ووضوحًا، مرسخةً الارتباط بالأرض والرسوم والرحلة كعلامات فارقة للوجدان.  وفي المقابل، أبدع شاعر العصر الحديث في تطويع الحب ليكون أداة فكرية ونفسية معقدة للتعبير عن الاغتراب، والصراع الداخلي، وتفكيك التشظي الوجداني للإنسان المعاصر. فلم يعد العشق مجرد بكاء على ديار دارسة أو وقوف على أطلال مادية، بل غدا رحلة غوص في الذات، واشتباكًا مع أسئلة الوجود والحرية والهوية، ليبرز التباين الجميل بين صلابة الواقع الجاهلي وشفافية العمق النفسي للقصيدة الحديثة.

***

ئاريان علي

في المثقف اليوم