عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

لماذا نتحمل مشقة ان نكون صالحين؟

ارتبطت الاخلاق، او السلوك الصالح، تقليديا بالتقدير الإيجابي المشروط، لكن هل يجب إعادة صياغة هذا التقدير كمصلحة ذاتية؟ سنستكشف نظرية كارل روجرز.

يُنظر الى الاخلاق كفعل حسن، يحدده تقدير إيجابي مشروط، منفصلا عن الذات باعتبارها شخصا صالحا. ناقشت البشرية منذ الازل ما نعنيه بـ "صالح" او حسن، ليشمل ذلك فلسفة الاخلاق الأساسية والتنشئة الاجتماعية. لكن هل السعي للشخص الصالح يفترض سلفا اننا نفتقر للخيرية التي نبحث عنها، بما يجعل الكفاح الأخلاقي فعلا مؤلما للغاية ينم عن كراهية الذات؟ استطلاع الاخلاق، يبدأ بفكرة كارل روجرز عن التقدير الإيجابي المشروط (1)، هل يجب ان ننتقل بعيدا عن أفكار الاخلاق كتضحية ذاتية غير انانية الى فكرة المصلحة الذاتية؟

الشخص الصالح مقابل الفعل الصالح

بينما تختلف تعريفات الاخلاق بشكل كبير طبقا لكل مدرسة من مدارس الفكر، لكن ما هو واضح، وان يتم تجاهله، هو ان الاخلاق هي مسألة فعل وليست هوية. النقاشات الفلسفية حول الاخلاق تهتم بما يشكل "الشخص الصالح". اذن من أين يأتي السعي لنكون صالحين، وكيف يرتبط بالفعل الأخلاقي؟

التقدير الإيجابي المشروط

بحث عالم النفس الأمريكي البارز كارل روجرز بكثافة تأثير "التقدير الإيجابي المشروط" على تطور مفهوم الذات. هو اكتشف ان التربية تستلزم مكافأة وعقوبة تقود الى تقدير الذات المشروط. في الطفولة، عندما تُكافأ سلوكيات معينة وتُعاقب أخرى، نميل للخلط بين قيمنا الذاتية وأفعالنا.

ان طاعون المجتمع الحديث هو السعي الدائم لنكون "صالحين جدا". يجادل روجرز ان التقدير الإيجابي المشروط يقودنا الى استبطان إحساس بشعور داخلي بعدم القيمة، لأن قيمة الذات تصبح مشروطة بأفعال معينة.

هنا تبرز فجوة بين الذات الواقعية الأصلية والذات "المثالية"، التي تشير الى ذات خيالية تسعى لتلبية الشروط الاجتماعية للتقدير الإيجابي. وهكذا، يتأسس انشاقا بين الـ "انا" و "انا يجب"، بما يؤدي الى تنافر يقود الى معاناة كبيرة.

عمل الشيء الصالح

دعا روجرز لممارسة تقدير إيجابي غير مشروط، يحدد بفاعلية الفرق المُتجاهل بين الفعل ومفهوم الذات. عند النظر الى قيمتنا الجوهرية غير المشروطة، يتخذ سؤال الاخلاق رؤى مختلفة حيث لم نعد نربط قيمتنا الذاتية به. الاخلاق لا تستلزم ان تكون صالحا وانما تعمل صالحا. مع ذلك، ربما حتى اكثر من قبل، نحن لانزال نتساءل لماذا يجب ان نهتم بالافعال الأخلاقية. اذا لم تكن لأجل ان نكون صالحين، اذن لأجل ماذا؟

مشاعر عالمية

هناك قصيدة للشاعر سعدي شيرازي يُحتفل بها على نطاق واسع ضمن الدبلوماسية الدولية، وهي أبيات من قصيدة بني آدم كُتبت على سجادة رائعة وُهبت الى الأمم المتحدة عام 2005، والتي عُرضت داخل المقر الرئيسي للأمم المتحدة في نيويورك.

كل الكائنات البشرية هم أعضاء في اطار واحد

طالما ان الجميع في البداية نشأوا من نفس الجوهر.

عندما يصيب الألم أحد الأطراف

الأطراف الأخرى لا يمكنها ان تبقى ساكنة.

اذا انت لا تشعر بتعاسة الآخرين

"انسان" ليس اسما يليق بك.

كان سعدي شاعرا مشهورا من شيراز في ايران. في أول وهلة، القصيدة تبدو نقاشا مُبالغ فيه حول أهمية التحلي بالتعاطف نحو الجنس البشري. لكن فحصا دقيقا يبيّن ان سعدي يتحدث حول شيء ما أعمق. القصيدة تبدأ بتعريف الكائن البشري كأجزاء من كل، تنبثق من نفس المصدر الانطولوجي، هي تعبيرات لنفس المبدأ او الجوهر. يتبع من تلك العبارة الأولى انه متى ما كان يعاني جزء من الكل، فان الأجزاء الأخرى لا يمكن ان تبقى دون اضطراب.

الصالح العالمي

من منظور سعدي، ما لم نشعر بارتباط حقيقي يتجاوز العزلة الزائفة التي تفرضها فرديتنا، فلن نتمكن من احتضان انسانيتنا. عندما نرتبط بالكل، ندرك انفسنا والاخرين كأجزاء مختلفة من نفس الجسم.

انظر في يديك الاثنين. هما ظاهرا متميزان، ويمكن ان يُفهم كل واحد منهما بطريقة مختلفة، لكنهما جزء من جسمك. يدك اليمنى يمكنها ان تؤذي بسهولة يدك اليسرى، والعكس صحيح. وبينما اليد المصابة هي اليد الجريحة، لكن جسمك بالكامل سوف يتأثر. رغم ان أفكار سعدي قد تبدو غريبة، لكنها واضحة في تجربتنا اليومية. من المؤكد الشعور بالرعب من التسبب في أذى شخص آخر كما تبيّن تجربتنا وكما أثبت العدد الهائل من الدراسات السايكولوجية والعصبية.

ان علاقة الاخلاق الشخصية بالاخلاق الجمعية ليست جديدة في الفلسفة، حيث نوقشت بدءاً من سقراط وحتى عمانوئيل كانط في الاخلاق المطلقة، وان كانت بطرق مختلفة.

ما يفترضه سعدي كتحفيز للاخلاق هو بعيد عن حالة مثالية من نكران الذات، بل، انه تحفيز أناني متأسس على الوعي في الارتباط الانطولوجي لتفاعلنا الذاتي: وعي في كلّ غير اناني فيه كل ذات بشرية تكون جزءاً. وفق هذا المنظور، كل فعل من الأذى هو بالضرورة فعل لايذاء الذات. نحن نهتم بالاخلاق ليس لأجل الاخرين واانما لأجل انفسنا.

الاخلاق كمصلحة ذاتية

بينما السؤال عما يشكل الفعل الأخلاقي هو وراء نطاق هذا المقال، لكن ما هو مهم هو فصل الكفاح الأخلاقي عن التحديات العاطفية والارتباطات والرومانسية التجريدية. عندما ننظر للاخلاق كمسألة مصلحة ذاتية نُسجت مع أفضل مصلحة لانسانيتنا الجمعية، فان مخاوفنا تتخذ شكلا مختلفا وبسيطا، متجذرا في الإحساس العام.

لم تعد الرغبة تعوقنا في ان "نكون صالحين" ولا بالافكار المثالية المجردة لـ "عمل الشيء الصالح"، نحن يمكن ان ننظر للاخلاق كممارسة بسيطة في الحفاظ على رفاهيتنا الفردية. يمكننا الاهتمام بالآخرين لأننا نهتم بانفسنا، واعون بان الألم الذي نصيب به الاخرين انما نصيب به انفسنا أيضا .

نحن نحب الاخرين، ليس بسبب اننا ناس لطفاء جدا وانما بسبب اننا نحب انفسنا بما يكفي لكي لا نرغب في تجربة الكراهية. من هذا المنظور، نحن نفهم الفرق بين الأخلاق واللااخلاق كالفرق بين أفعال التدمير الذاتي والحفاظ على الذات.

***

حاتم حميد محسن

...............................

الهوامش

(1) التقدير الإيجابي المشروط يحدث عندما يُعطى الحب والموافقة والمساعدة فقط عندما يحقق الشخص مستويات معينة او سلوكيات او توقعات " انا فخور بك او أحبك فقط عندما تنفذ ما اريد".

أمثلة على ذلك: الاب عندما يحتضن او يمتدح طفله فقط عندما يجلب معه للبيت درجات عالية في الامتحان. او المدير الذي يبدي الدفء والاحترام فقط عندما يتجاوز العامل أهداف الأداء.

التأثيرات على الرفاهية النفسية:

1- شرط القيمة: يتعلم الافراد ان قيمهم تعتمد كليا على الآداء. هم يشعرون انهم "صالحين" فقط عندما ينجحون.

2- فقدان الأصالة: الناس يخفون مشاعرهم الحقيقية او يكبحون رغباتهم الحقيقية لكي يربحوا الموافقة ويتجنبوا الرفض.

3- القلق وانخفاض قيمة الذات: الخوف المستمر من الفشل في تلبية التوقعات يقود الى شك ذاتي عميق وقلق واحساس هش بالذات.

كارل روجرز يقترح مفهوما مضادا وهو تقدير إيجابي غير مشروط، unconditional positive regard حيث ان الشخص يُقبل ويُقيّم ويُدعم بالكامل بصرف النظر عن سلوكه وأخطائه او فشله. هذه البيئة الصحية تسمح للناس ببناء احترام وثقة حقيقية للذات تمكّنهم من النمو بدون خوف.

ماذا يحدث للإنسان حين لا يعود الزمن أمامه، بل خلفه؟

ربما تكون هذه هي اللحظة الأكثر قسوة في وعينا بالوجود. اللحظة التي نتوقف فيها عن النظر إلى الزمن باعتباره طريقا طويلا يمتد أمامنا، ونبدأ في رؤيته كمسافة قطعتها أقدامنا بالفعل.

 فجأة يصبح للماضي ثقل لم يكن له من قبل، وتتحول السنوات من أرقام على التقويم إلى وجوه غابت، وأماكن تغيرت، وأحلام تأجلت أو رحلت، وأشياء ظننا أن لدينا وقتا كافيا لاستعادتها، ثم اكتشفنا أن الوقت لم يكن ملكنا يوما.

الشيخوخة هي أن يتحول الزمن، للمرة الأولى، من مستقبل ننتظره إلى ماض نتأمله

الجسد يعرف طريقه إلى الشيخوخة.

لا يستشيرنا.

لا ينتظر موافقتنا.

يترك على الوجه خرائطه الصغيرة، ويبطئ الخطوة، ويغير ملمس اليد، ويأخذ شيئا من قوة العينين، ويذكرنا، كل يوم، بأننا لسنا أصحاب هذا الجسد بقدر ما نحن عابرون فيه.

لكن هناك شيئا آخر لا يخضع بالضرورة لقوانين الجسد:

دهشتنا.

وهنا يبدأ الفرق بين أن تكبر وأن تشيخ.

يمكن للجسد أن يتقدم، فيما يظل العقل قادرا على البدء.

يمكن للشعر أن يبيض، فيما يظل الفضول يملئنا

يمكن للمرآة أن تقول إننا تقدمنا في العمر، فيما يقول الداخل:

ما زلت أريد أن أعرف.

ما زلت أريد أن أحب.

ما زلت أريد أن أرى.

ما زالت لدي أسئلة لم أجد لها جوابا

نحن لا نكبر لأن عقارب الساعة تتحرك.

نحن نكبر حين ندرك أن بعض ما مضى لن يعود.

والشيخوخة، في معناها الأعمق، ليست مجرد تغير في الجسد، ولا عدد السنوات التي يحملها الإنسان في بطاقة هويته. إنها لحظة فلسفية يصبح فيها الإنسان أكثر وعيا بالزمن، وأكثر حساسية تجاه ما فقده، وأكثر إدراكا أن المستقبل الذي كان يبدو ذات يوم بلا نهاية، بدأ يضيق شيئا فشيئا.

الجسد يكبر، وهذا قانون لا نملكه.

لكن الإنسان قد يشيخ قبل جسده بسنوات طويلة.

وقد ترى شابا في العشرين يعيش بعقل متقاعد، يخاف التجربة، ويكره التغيير، ويكرر نفسه، ويعتبر الفضول ترفا، ويقول عن كل حلم: فات الأوان.

وقد ترى إنسانا في الثمانين يمشي في الحياة بعينين مدهوشتين، يتعلم، ويحب، ويسأل، ويضحك، ويجرب، ويبدأ من جديد.

لذلك لا أعتقد أن العمر وحده هو الذي يصنع الشيخوخة.

الإنسان يشيخ حين تصبح العادة أقوى من الرغبة، والخوف أقوى من الفضول، والتأجيل أسهل من المواجهة، واليقين أكثر راحة من السؤال.

قد يتقدم بنا العمر، لكن ما يجعلنا نشيخ حقا هو أن نتوقف عن الحركة الداخلية

يقول تشيخوف: "يكبر الإنسان ثلاثة أضعاف عمره عندما يحاول التأقلم مع حياة ليست مناسبة له."

وربما تكمن هنا إحدى أكثر مفارقات الشيخوخة قسوة.

فنحن لا نتعب دائما من الحياة، وإنما نتعب من الحياة التي لا تشبهنا.

كم من إنسان قضى سنوات طويلة يؤدي دورا لم يختره، ويعيش علاقة لا تشبه قلبه، ويعمل في مكان يطفئه، ويخاف من تغيير الطريق لأن الآخرين سيقولون إنه تأخر، أو فشل، أو فقد صوابه؟

ثم يستيقظ ذات يوم ليكتشف أنه لم يعش الحياة التي أرادها، وإنما الحياة التي اعتادها.

وهنا يصبح الزمن أكثر دهاء منا.

إنه لا يسرقنا دفعة واحدة.

لا يأتي في منتصف الليل ليأخذ منا عشر سنوات.

إنه أكثر هدوءا من ذلك.

يتقدم ببطء نحو المجهول، ويسرق منا كل يوم شيئا صغيرا: دهشتنا، جرأتنا، انتباهنا، قدرتنا على البدء، قدرتنا على قول ما نريد، ثم يجعلنا نعتاد هذا الفقد حتى نظنه نضجا

وفجأة نكتشف أن الحياة لم تمر من أمامنا فقط.

نكتشف أننا مررنا بجانبها.

وهنا يظهر السؤال الذي لا يمكن تأجيله إلى الأبد:

كم بقي من العمر كي نسترد ما سرقناه من أنفسنا؟

ترى سيمون دي بوفوار في كتابها التقدم في العمر أن الشيخوخة ليست مجرد حدث بيولوجي يخص الفرد، وإنما تجربة إنسانية تتشكل أيضا من الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى الإنسان المتقدم في العمر.

وهذه نقطة شديدة الأهمية.

فنحن لا نخاف الشيخوخة بسبب الجسد وحده، وإنما بسبب المعنى الذي منحناه لها.

نحن نعيش في ثقافة تمجد الشباب، السرعة، الجسد، الإنتاج، المنافسة، الجمال، والقدرة على الإنجاز، ثم تأتي الشيخوخة لتضع الإنسان أمام سؤال صعب:

ماذا تبقى مني حين لا أستطيع أن أفعل كل ما كنت أفعله؟

هل تظل قيمتي قائمة عندما يقل إنتاجي؟

هل أظل مرغوبا عندما يتغير جسدي؟

هل أظل قادرا على الحب حين تتغير ملامحي؟

هل تظل حياتي ذات معنى حين يصبح الماضي أطول من المستقبل؟

الشيخوخة تكشف لنا أحيانا أن كثيرا مما اعتبرناه قيمة إنسانية لم يكن سوى قيمة اجتماعية مؤقتة.

فالمجتمع قد يحب الإنسان المنتج أكثر من أي شخص اخر

وقد يحتفي بالشاب لأنه يمثل المستقبل، بينما ينظر إلى الشيخ باعتباره ماضيا.

لكن الإنسان ليس آلة إنتاج.

وقيمة وجوده لا ينبغي أن تبدأ حين يصبح نافعا وتنتهي حين تقل قدرته على الإنجاز.

ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من الشيخوخة أنها تعيد ترتيب علاقتنا بالزمن.

هنري برجسون لم ير الزمن مجرد سلسلة ميكانيكية من الثواني والدقائق، بل تحدث عن الزمن المعيش، الزمن الذي يتشكل داخل وعينا من خلال الذاكرة والشعور والتجربة.

ولهذا قد تكون ساعة واحدة طويلة جدا في لحظة ألم، وقد تمر سنوات كاملة كأنها لحظة في حياة ممتلئة.

نحن لا نعيش الزمن نفسه.

نحن نعيش إحساسنا بالزمن.

ولهذا لدي اعتقاد بأن عمر الإنسان ليس دائما هو الرقم المكتوب في شهادة ميلاده.

أحيانا، من خفة مشاعري، أعبر الشارع كطفلة في العاشرة.

وأحيانا، من فرط الشعور بالضجر ، أشعر أنني أكبر من سنواتي بكثير.

قد يحمل الإنسان جسدا في الستين وقلبا ما زال قادرا على الدهشة.

وقد يحمل جسدا في العشرين وروحا أنهكها الخوف حتى لم يعد فيها مكان للمغامرة.

الشعور لا يوقف الزمن، لكنه يغير الطريقة التي نسكن بها الزمن.

وأخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان بنفسه هو أن يقول: "فات الأوان."

فكل مرة نقول فيها فات الأوان، نمنح الزمن سلطة لم تكن له.

لا شيء يقول إن عليك أن تتوقف عن التعلم لأنك بلغت سنا معينة.

ولا شيء يقول إن الحب له تاريخ انتهاء.

ولا شيء يقول إن الفضول ملك للشباب فقط

ولا شيء يقول إن البداية تصبح سخيفة حين تتأخر.

ربما لا نستطيع أن نعيد أجسادنا إلى الوراء، لكننا نستطيع أن نرفض أن نتحول إلى نسخة من أنفسنا انتهت صلاحيتها لمجرد أن السنوات تقدمت.

لذلك اقول : مهما كان عمركم

تعلموا.

اقرأوا.

غيروا آراءكم.

جربوا أشياء لم تجربوها.

تعرفوا إلى أشخاص جدد.

اذهبوا إلى أماكن لم تروها.

اتركوا بعض المساحات للاصدقاء

لا تجعلوا ما فعلتموه بالأمس سجنا لما يمكن أن تفعلوه غدا.

أنت الآن تعيش في أحد الأيام التي قد يتمنى رجل في الثمانين أو التسعين العودة إليها.

لكن لأنك تعيش داخلها، لا تستطيع رؤيتها بالطريقة التي سيراه بها بعد عقود.

القرب يعمينا أحيانا.

والفقد هو الذي يعيد للأشياء حدودها.

الذاكرة لا تحفظ الزمن كالأرشيف.

الذاكرة تبعثه.

وهنا أعتقد أننا بحاجة إلى إعادة اكتشاف معنى اليوم العادي.

فلا توجد أيام عادية حقا.

هناك فقط أيام لم نعرف بعد ماذا ستعني لنا.

قد يمر يوم كامل بلا حدث يستحق أن نكتبه في مذكراتنا، ثم يصبح بعد سنوات أحد أكثر الأيام التي نتمنى استعادتها.

ليله لم يمت فيه أحد يهمني

مكالمة انتهت بكلمة "تصبح على خير" ثم جاء صباح آخر فعلا.

رحلة عادية إلى البيت وصل فيها الجميع سالمين.

ضحكة لم نعرف أنها ستصبح ذكرى.

وجه أحببناه ورأيناه في اليوم التالي مرة أخرى.

هذه الأشياء لا تصل إلى الأخبار.

ولا نحصل بسببها على جوائز.

لكن ربما تكون، عندما ينتهي كل شيء، هي الجزء الذي سنشتاق إليه أكثر.

نحن نقضي نصف حياتنا ننتظر الأيام الاستثنائية، ثم نقضي النصف الآخر نتمنى لو استطعنا استعادة يوم عادي واحد.

الشيخوخة، إذن، لا تجعلنا نخاف الموت فقط.

إنها تجعلنا نعيد تقييم الحياة.

وهنا تكمن قيمتها الفلسفية القاسية.

فالموت ليس مجرد نهاية بعيدة، وإنما حقيقة تجعل للوقت قيمة.

ولهذا لا أريد أن أعيش وكأن الحياة مجرد غرفة انتظار.

لا أريد أن أؤجل الفرح إلى وقت مثالي لن يأتي.

لا أريد أن أقول سأقرأ حين أتفرغ

 وسأسافر حين تتحسن الظروف

  وسأبدأ حين يصبح الطريق واضحا.

فقد يكون الاستعداد للحياة أحد أكثر الطرق أناقة لإهدارها.

نستعد.

ثم نستعد أكثر.

ثم نكتشف أن العمر كله كان استعدادا

لا تؤجلوا الحياة حتى تصبح الحياة مناسبة لكم.

الحياة لن تصبح كاملة.

سيظل فيها الخوف والفقد والمرض والقلق والرحيل.

لكنها ستظل أيضا قادرة على أن تمنحنا الدهشة.

وهذا يكفي كي نحاول.

لا أريد أن أتعامل مع الشيخوخة باعتبارها عدوا ينبغي سحقه.

الجسد له قوانينه، والزمن لا يفاوض أحدا.

ولا أعتقد أن مقاومة الشيخوخة تعني إنكار العمر أو مطاردة الشباب إلى الأبد.

أن تكبر ليس عيبا.

العيب أن تفقد علاقتك بالحياة قبل أن ينتهي عمرك.نتظر اللحظة المناسبة.

أنا لا أريد جسدا لا يشيخ.

أريد عقلا لا يتعفن.

أريد فضولا لا ينطفئ.

أريد قدرة على الحب لا تنتهي.

أريد دهشة تستطيع أن تنظر إلى شجرة في السبعين كما كانت تنظر إليها في السابعة.

أريد أن أبقى قابلة للبدء من جديد كل يوم

وربما لهذا أقول:

لا تنتظروا الحياة حتى تنتهي.

غنوا.

ارقصوا تحت المطر

تأملوا

اقرأوا.

اضحكوا بلا سبب.

قولوا لمن تحبون إنكم تحبونهم.

التقطوا الصور، ليس خوفا من الزمن، وإنما امتنانا للحظة.

اجلسوا مع من تحبون دون أن تنشغلوا بالهاتف

قولوا ما تريدون قوله قبل أن يتحول الكلام إلى ندم.

اقتربوا من الطبيعة.

تعلموا شيئا جديدا في سن لا يتوقع الناس فيه منكم أن تتعلموا شيئا.

لا تسمحوا للعمر أن يتحول إلى أمر قضائي ضد الحياة.

ربما تكون الشيخوخة أكثر مرايا الإنسان صدقا.

فهي تزيل شيئا فشيئا كل ما كنا نعتقد أنه ثابت، وتضعنا أمام الحقيقة البسيطة التي حاولنا طوال حياتنا الهرب منها:

أننا عابرون.

لكن كوننا عابرين لا يعني أن وجودنا بلا قيمة.

على العكس.

ربما لأننا عابرون تصبح الضحكة مهمة.

ويصبح الشغف مهما

وتصبح الصداقة مهمة.

ويصبح الكتاب الذي قرأناه في الوقت المناسب مهما.

وتصبح الشجرة التي زرعناها ولم نرها تكبر جزءا من معنى وجودنا.

وتصبح يد أمسكنا بها في لحظة خوف أثمن من كل الأشياء التي ظننا يوما أنها ستجعلنا سعداء.

ولهذا، إذا كان الزمن سيأخذ منا الشباب، فليأخذ ما يشاء.

لكن لا نعطه دهشتنا.

لا نعطه فضولنا.

لا نعطه قدرتنا على الحب.

أنا لا أخاف الشيخوخة  ولست مهتمة بأن أبدو أصغر من عمري.

أنا مهتمة بأن أظل أكبر من خوفي.

أتقبل أن يكبر وجهي، لا أن تصغر أسئلتي.

أتقبل أن تتغير ملامحي، لا أن تتجمد روحي

لن اقول. كيف نمنع الشيخوخة؟

ولكن . عندما اصل إلى سن الشيخوخة

أتمنى أن أقول.

هذا أنا.

هذه أخطائي.

هذه خساراتي.

هذه نجاحاتي

هذه ضحكاتي.

هذه الوجوه التي أحببتها.

هذه المدن التي تركت شيئا مني فيها.

هذه الكتب التي غيرتني

لقد عشت كما كنت اريد.. فاجمل مقاومة للشيخوخة هي أن نعيش

***

ابتهال عبد الوهاب

دفعني تخصصي في فلسفة التاريخ والحضارة من حواء وآدم حتى ترانب والخميني الى تأمل الفارق بين التجارب الحضارية والثقافات السياسية المختلفة، أن ثمة سؤالًا عميقًا يستحق أن نعيد طرحه بلا خوف ولا مجاملة: كيف تنظر الثقافة المختلف إلى حياة الإنسان وحقوقه؟ وما الذي تعتبره جديرًا بالحماية والرعاية والاحترام؟

من التأكيد بنسبية الوقائع المشخصة فليست الدولة العلمانية كتلة واحدة، كما أن المجتمعات العربية والإسلامية ليست كتلة واحدة، فهذه التعميمات لا تفسر التاريخ ولا الواقع . لكن يمكن ملاحظة اختلاف في البراديغم الثقافي والسياسي المهيمن في بعض التجارب

المتاحة للرؤية والمقارنة ففي الثقافة التي لا تكف عن تذكير الإنسان بعجزه وقلة شأنه وعدم كفاية عقله وخيبة مسعاه في هذه الدنيا الفانية التي يكرس فيها الاعتقاد بإنها (لا تساوي جناح بعوضة) لا يمكنها أن تكون دافعا وحافزا للأمل والعمل والنمو والتنمية والمستقبل والازدهار بل ستفضي مع مرور الزمان الى نتائج كارثية لم تكن بالحسبان وسيدفع جميع الناس أثمانها الباهظة، افرادا وشعوبا ودولا من دمهم ولحمهم وكرامتهم وتاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم كما يتنضد المشهد الآن أمام البصر والأبصار في مشهد تراجيدي سوريالي في اليمن التي يعاد تسويتها وتشكيلها أمامية حوثية طائفية من (انصار الله) أو الشباب المؤمن أو المسيرة القرآنية وقد سبق وحذرت من مخاطر تجنيد النساء والأطفال في الحرب الاهلية اليمنية الكارثية منذ بدايتها إذا كانت الحروب تُدمِّر الجسور والطرق والمباني، فإن أخطر ما تدمره هو الإنسان وهو في طور التكوين. فالطفل الذي يولد في زمن الحرب لا يرث الخراب المادي فحسب، بل يرث أيضًا عالمًا مضطربًا من الخوف والحرمان والقلق وانعدام اليقين. وهنا تبدأ الحرب في ممارسة تأثيرها الأعمق؛ إذ تنتقل من ساحات القتال إلى ساحات التربية، لتعيد تشكيل الوعي قبل أن تعيد تشكيل الواقع.

لقد أثبت علم الاجتماع التربوي أن الإنسان لا يتعلم من المناهج الدراسية وحدها، بل يتعلم من البيئة التي يعيش فيها، ومن الرموز التي تحيط به، ومن الصور التي تتكرر أمام عينيه، ومن الألعاب التي يلهو بها، ومن اللغة التي يسمعها كل يوم. فالطفولة ليست مرحلة عمرية فحسب، بل هي المصنع الذي تُصاغ فيه الشخصية، وتُبنى فيه منظومة القيم، ويُرسم فيه أفق المستقبل.

ولهذا فإن الحرب لا تكتفي بتدمير المدارس، وإنما تمتد إلى إعادة تعريف معنى المدرسة نفسها. فحين تغيب الدولة، ويضعف القانون، ويصبح السلاح جزءًا من المشهد اليومي، تتحول التربية من صناعة للمواطنة إلى عملية تكيف مع العنف، ويغدو البقاء أهم من المعرفة، والقوة أهم من الحوار.

وأتذكر هنا مشهدًا ما يزال حيًا في ذاكرتي، التقطته بعد سنوات قليلة من اندلاع الحرب في اليمن. كنت في طريقي إلى منزلي في مدينة خور مكسر، إحدى أكثر أحياء عدن مدنية وانفتاحًا، حين استوقفتني مجموعة من الأطفال، في عمر الزهور، يسيرون في صفوف منتظمة، يؤدون ما يشبه المارش العسكري بدقة لافتة. طلبت من سائق سيارة الأجرة أن يتوقف، وظننت في البداية أنها لعبة مدرسية عابرة أو نشاط احتفالي.

لكنني عندما اقتربت، كانت المفاجأة أكبر مما توقعت. فقد كان جميع الأطفال تقريبًا يرفعون في أيديهم بنادق ومسدسات وآليات عسكرية بلاستيكية، ويهتفون بشعارات حربية، ويحاكون حركات المقاتلين بكل براءة، وكأنهم يعيدون تمثيل مشاهد اعتادوها في حياتهم اليومية.

وهذا هو معنى العبارة التي طالما ورددتها (حينما يتكرر السلوك يصير عادة وحينما تترسخ العادة وتستبطن بفعل التطبع تصير ثقافة

وهكذا تمخضت نتائج هيمنة البرالديغم الثقافي في (يمن الحكمة والإيمان) اقصد هيمنة الثقافة التي تجعل الدنيا هامشًا، والإنسان عاجزًا، والعقل قاصرًا، والسعي الدنيوي قليل القيمة، والموت أسمى من الحياة، والنجاة الأخروية أهم من تحسين شروط الحياة الجديرة بالعيش والكرامة وكلما ضاقت فرصة الحياة الكريمة زادت ثقافة الموت الذميمة. لاحظت مشاهد مروعة من المعارك المشتعلة هذا الأيام في الجبال المطلة على باب المندب، جثث أطفال بعمر الزهور متناثرة في الشعاب والوديان وصور متوحشة في تمثيل المقاتلين من الأطراف المتحاربة بجثث بعضهم بصورة لا تنم عن قيم الشرف والبطولة أبدا. وليس هناك ما هو افضع من مؤمن لتعذيب مؤمن آخر من ذات الدين، إذ إن كلا منهم يعتبر ذاته ملاكا والأخر شيطانا ! وحينما تحضر الملائكة والشياطين يختفي آدم وحواء الانسان أبن أديم الأرض والنفحة الربانية وقيمه الإنسانية الدنيوية المتواضعة الشفوقة القنوعة النسبية المتغيرة المرنة الواقعية الممكنة العقلانية، إلا تكفي هذه النتائج الفاجعة كل من يدعي الأنتماء الى دين الإسلام الحنيف الذي أنزله الله رحمة بالعالمين لإعادة التفكير الحصيف بالنتائج والأسباب؟! والفكرة الآتية من خارج الحياة لا تستطيع أن تنتج حتى فكرة موتها وفي هذه الحلقة الجهنمية تكمن خطورتها !

وحينما ننظر إلى الدول المدنية التي قننت الحياة الحياة المشتركة لمواطنيها سياسيا نجدها تأخذ حياة الإنسان وحقوقه الطبيعية والمدنية وسعادته ورفاهه بكل صارمة وجدية بوصفها غاية الغايات.

ليست المشكلة في الدين بوصفه تجربة روحية وأخلاقية، ولا في الإيمان بوصفه بحثًا عن المعنى والرحمة والعدل، وإنما في اللحظة التي تتحول فيها بعض التأويلات الدينية إلى ثقافة تقلل من قيمة الحياة الدنيوية، أو تجعل الألم قدرًا لا ينبغي مقاومته، أو تحول الفقر والمرض والجهل والقهر إلى امتحان ينبغي احتماله بدل أن يكون سؤالًا ينبغي العمل على تغييره.

وليس هناك ما يمنع الإنسان من أن يؤمن بأن الحياة ابتلاء، وأن فيها الألم والمرض والفقد والخسارة، فالإيمان بالابتلاء قد يكون مصدرًا للصبر والقوة والتكافل والعمل من أجل تجاوز المحنة. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول هذا الإيمان إلى فلسفة للاستسلام، فيُطلب من الإنسان أن يتعايش مع الفقر والقهر والجهل والمرض وكأنها أقدار لا يجوز مقاومتها أو تغييرها. هناك فرق كبير بين أن أقول للإنسان: اصبر على ما لا تستطيع تغييره، واعمل على تغيير ما تستطيع، وبين أن أقول له: اصبر لأن الدنيا فانية، ولا تنشغل بحقوقك فيها لأن الجزاء الحقيقي في الآخرة. فالإيمان بالآخرة لا ينبغي أن يكون سببًا لإهمال الدنيا، بل حافزًا لجعلها أكثر عدلًا ورحمة وكرامة. وإذا كان الإنسان مكرمًا، فإن حياته وحقوقه وصحته وحريته وأمنه ليست أمورًا هامشية. فالحياة ليست ضد الآخرة، والابتلاء ليس دعوة إلى الاستسلام، والصبر لا يعني قبول الظلم.

ونحن نعلم إن الإنسان يسلك وفقًا لما يعتقد؛ فالمعتقد ليس فكرة تسكن الرأس فحسب، بل قوة تتسلل إلى السلوك وتعيد تشكيل علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين وبالعالم. فإذا اعتقدت أن بيتي مسكون بالخوف خفت منه، وإذا اعتقدت أن جيراني يتربصون بي توترت علاقتي بهم، وإذا اعتقدت أنني لا أستحق مستقبلًا أفضل فقدت الدافع إلى البحث عنه. وهكذا يمكن للمعتقد أن يكون قوة للتحرر والتقدم، كما يمكن أن يتحول إلى قيد يعيد إنتاج العجز والاستسلام.

وحين تتحول بعض المعتقدات إلى يقين مغلق، ثم تتكفل المؤسسات والتعليم والخطابات الاجتماعية بتثبيتها، فإنها لا تعود مجرد أفكار فردية، بل تصبح ثقافة كاملة تحدد ما نراه ممكنًا وما نراه مستحيلًا.

وهنا تكمن الخطورة الأكبر: حين يتعلم الإنسان أن الفقر قدر، والمرض ابتلاء لا ينبغي مقاومته، والجهل أمرًا محتومًا، والسؤال خروجًا، والحرية فتنة، والدنيا شيئًا لا يستحق كثيرًا من الاهتمام، تبدأ ثقافة احتقار الحياة.

أما حين يرى الإنسان الدنيا مجالًا للعمل والعمران والمسؤولية، يصبح العلم ضرورة، والصحة حقًا، والكرامة أساسًا، والحرية مسؤولية، ورعاية الإنسان واجبًا.

فالمشكلة ليست في أن نؤمن، بل في ماذا يفعل إيماننا بنا ومجتمعاتنا والعالم الذي نتشاركه مع أشباهنا من البشر.

فحين ننظر إلى تاريخ العنف باسم الدين، من الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش وحروب الطوائف الدينية في اوروبا ما قبل الحديثة ، إلى حروب الطوائف الإسلامية التي شهدتها ولاتزال تشهدها عدد من الدول العربية منها؛ اليمن وأفغانستان والصومال وسوريا والعراق وليبيا والجزائر وغيرها، ينبغي ألا نختزل هذه المآسي في الدين وحده؛ فالعنف تصنعه أيضًا صراعات السلطة والموارد، والاستبداد، والاحتلال، والفقر، وانهيار الدولة، والصراعات الطائفية والتدخلات الخارجية. لكن يبقى السؤال الأخلاقي قائمًا: كيف يستطيع الإنسان أن يقتل إنسانًا آخر لأنه يعتقد أنه وحده يمتلك الحقيقة؟ وكيف يتحول المختلف من إنسان إلى شيطان؟ عندما ينقسم العالم في الوعي المتطرف إلى ملائكة وشياطين، يختفي آدم، ويختفي الإنسان ابن آدم، ذلك الكائن الضعيف المحتاج إلى الرحمة، القابل للخطأ والصواب، والذي لا يملك الحقيقة كاملة. وهنا تبدأ المأساة؛ إذ يصبح القتل تطهيرًا، والتعذيب عقوبة، والإقصاء فضيلة، والكراهية دفاعًا عن المقدس. لذلك لا يكفي أن نسأل: من يملك الحقيقة؟ بل علينا أن نسأل: أي إنسان تنتج الحقيقة التي نؤمن بها؟ هل تجعلنا أكثر رحمة وعلمًا وحرية واحترامًا للحياة، أم تجعلنا أكثر خوفًا من السؤال، واحتقارًا للدنيا، وعداءً للمختلف، واستعدادًا للتضحية بحياة الآخرين باسم خلاصنا؟ إن الفكرة التي لا ترى الإنسان في الآخر، مهما كان اسمها، لن تستطيع أن تبني عالمًا إنسانيًا.

وهنا ينبغي أن نعيد التفكير: ليس في الإيمان بوصفه إيمانًا، ولا في الدين بوصفه دينًا، وإنما في الطريقة التي تتحول بها معتقداتنا إلى سلوك، وسلوكنا إلى مؤسسات، ومؤسساتنا إلى ثقافة، وثقافتنا إلى مصير تاريخي.

ففي عالم انكمش فيه الزمان والمكان، ولم يعد الإنسان يستطيع أن يعيش منعزلًا عن الآخر، لم يعد التعايش ترفًا أخلاقيًا، بل أصبح شرطًا لبقاء الإنسان. ومن هنا تبرز الحاجة إلى ما يمكن أن نسميه «لاهوت التعايش»: قراءة للإيمان تجعل اختلاف الأديان والثقافات مجالًا للتعارف لا للصراع، وللتكامل لا للإلغاء، ولحماية الحياة لا لتبرير إهدارها.

إننا بحاجة إلى إيمان يرى في الإنسان إنسانًا قبل أن يراه منتميًا إلى عقيدة أو طائفة أو قومية؛ إيمان يحرر الرحمة من حدود الجماعة، والكرامة من حدود الهوية، والحق من احتكار الحقيقة.

فإذا كانت الحياة ابتلاءً، فإن أول واجب في هذا الابتلاء هو حماية الحياة. وإذا كان الإنسان مكرمًا، فإن أول علامات تكريمه أن نحفظ كرامته. وإذا كان العقل نعمة، فإن شكره يكون باستخدامه في السؤال والنقد والمراجعة.

وعندها فقط تتحول العقيدة من جدار يفصل الإنسان عن أخيه الإنسان إلى جسر يعبر به الجميع نحو عالم أكثر رحمة وعدلًا وحرية.

وهنا تتجاوز مفارقة المعتقد حدودها، لتصبح دعوة إلى مصالحة الإنسان مع الحياة، ومع العقل، ومع الآخر.

***

د. قاسم المحبشي

 

هل يمكن للإنسان الفرد أو الجماعة، أن يفهم نفسه بدون الآخر.. وهل يستطيع الإنسان أن يستغني عن الآخر.. أم العلاقة بين الذات والآخر، من العلاقات المركبة على المستويين الفردي والجماعي، بحيث أنه لا يمكن فهم الذات إلا بفهم الآخر.. وبالتالي فإن العلاقة بين الذات مهما كان عنوان تعريفها، هي بحاجة إلى الآخر مهما كان عنوانه وتعريفه..

فإذا كان عنوان الذات دينيا، فإن هذه الذات بحاجة ماسة لفهم ذاتها وللعيش الإنساني السليم مع الآخر الديني. وإذا كان عنوان الذات قوميا أو عرقيا أو مذهبيا، فإنه لا يمكن لهذه الذات من إدراك حقائق الحياة بدون نسج علاقات سوية مع الآخر.. فالآخر بكل دوائره، هو مرآة الذات بكل دوائرها.. ومن يبحث عن ذاته، لا يمكن القبض على حقيقتها وجوهرها بدون استيعاب الآخر وفهمه وإدراك حاجاته ومتطلباته. فالآخر هو مرآة الذات، ولا ذات حقيقية بدون آخر حقيقي. لذلك فإننا نعتقد ومن منطلق فلسفي ومعرفي إن كل دعوات الاستغناء عن الآخرين مهما كانت مبرراتها ومسوغاتها أو عناوينها، هي دعوات لا تنسجم ونواميس الحياة الإنسانية..

فدعوات نفي الآخر واستئصاله، لم تؤد ولن تؤدي إلا إلى تشبت الذات بكل خصوصياتها وحيثياتها المباشرة وغير المباشرة .

لذلك فإننا نرى أن كل الأيدلوجيات والنزعات الاصطفائية والتطهيرية، لم تفض إلا إلى المزيد من بروز الهويات الفرعية والخصوصيات المراد طمسها وتغييبها.

وعليه فإن الآخر الديني هو ضرورة وجودية للذات الدينية. كما أن الأخر المذهبي هو ضرورة وجودية ومعرفية للذات المذهبية وهكذا بقية العناوين ودوائر الانتماء التي تحدد معنى الذات والآخر.. فالذات التي لم تتجاوز حدودها على أحد تعبير الكاتب المصري سمير مرقص، مهما كان ثراء هذه الذات ومهما حملت من خبرات، تظل في حاجة كيانية - ماسة ـ إلى أن تعبر هذه الحدود انطلاقا من احتمالية أن الآخر قد يحمل ثراء وخبره لم تعرفها أو قد تدركها ا الذات من جهة، وإن استمرار الذات في الوجود يعتمد إلى حد كبير على اختبار ما لدى هذه الذات من غنى وخبرة بالتفاعل أو باكتشاف ـ على الأقل ـ ما لدى الآخر من جهة أخرى.

والآخرـ بحكم التعريف ـ هو مغاير للذات، ويظل منطقة تحتاج إلى الإدراك.

والذات في عملية خروجها إلى الآخر ـ اكتشافا ـ إنما تعيد اكتشاف نفسها، وربما تبدأ في إدراكها. والذات لا يمكن أن تكون ذاتا إلا بوجود الآخر.

فمن يبحث عن اكتشاف ذاته، ومعرفة منظومته القيمية والثقافية، فعليه بالتواصل مع قيم الآخرين ومنظوماتهم الثقافية.

فالعزلة والانكفاء لا يقودان إلى اكتشاف الذات، حتى ولو كان خيار العزلة خيارا أيدلوجيا.

والنظرة النرجسية إلى الذات وقيمها وما تملك من مبادئ ومعارف، فإنها لا تؤدي أيضا إلى إدراك وفهم حقيقة الذات الثقافية والقيمية.. وذلك لأن النزعة النرجسية لدى الإنسان، تقوده إلى شعور وهمي بالاستغناء عن الآخرين بكل معارفهم ومكاسبهم العلمية والحضارية. فلا العزلة تقود إلى الفهم واكتشاف الذات، كما إن الاستغناء عن الآخرين، والتكور والتمحور حول الذات، لا يفضي إلى اكتشافها، وإنما يفضي إلى بناء صورة نمطية حول الذات، ليست قادرة على استنهاض الإنسان واكتشاف قدراته وطاقاته الكامنة. وحده التواصل والانفتاح هو الذي يقود إلى اكتشاف الذات. من هنا نصل إلى حقيقة اجتماعية وحضارية مهمة. وهي أن العزلة والانكفاء، ليست هي وسيلة الدفاع الحضارية والثقافية عن الذات، بل هي تعتبر وسيلة للهروب من استحقاقات الراهن. ولم يسجل لنا التاريخ تجربة إنسانية عن مجتمع، تمكن من حفظ ثوابته وصيانة مكتسباته من خلال الانكفاء والانعزال . ويبقى الانفتاح الرشيد والتواصل العلمي والثقافي والاجتماعي، بين مختلف التعبيرات والمكونات، هو وسيلة الدفاع عن الذات. فالتمسك بالثوابت والدفاع عن الخصوصيات، لا يمكن أن يتحقق بانغلاق الذات، وإنما بانفتاحها وتواصلها المستديم مع الآخر. ومهما كانت التباينات ونقاط الاختلاف، لا مبرر حقيقي للانكفاء والانعزال.. بل على العكس من ذلك تماما... ولا يمكن إدارة الاختلافات الدينية والمذهبية والفكرية، بدون تواصل المختلفين مع بعضهم البعض..

لهذا كله فإننا نعتقد وبشكل عميق أن اكتشاف الذات يتطلب الاهتمام بالأمور التالية:

1-  إن الإنسان مهما امتلك من إمكانيات وكفاءات وطاقات، لا يستطيع أن يحقق ذاته ويعزز مكاسبها العامة، بدون نسج علاقات طبيعية وسوية مع محيطه الاجتماعي والثقافي والوطني..

فالإنسان السوي لا يمكنه الاستغناء عن الآخرين وإنما من الضروري أن ينسج علاقات سوية معهم. ولا ريب أن بوابة هذه العملية هو الانفتاح والتواصل والتعاون مع الآخرين.

فالعلاقة شرطية وجدلية في آن واحد (على حد تعبير الكاتب سمير مرقص) بين الذات والآخر. وهذه العلاقة غاية في التعقيد، حيث يصبح الآخر شرطا لتحرر الذات من ذاتية عمياء لا ترى إلا نفسها – وربما لا تراها – ومن ثم تحمل نهاية لصيرورتها، وهنا يكمن البعد الشرطي في العلاقة. وفي الوقت نفسه فإن تحرر الذات من حدودها والخروج إلى الآخر، إنما يعني التجدد بإدراك نقاط القوة لدى الآخر والتي تعني نقاط الضعف لدى الذات ما يعني تحقق البعد الجدلي في العلاقة،والعكس صحيح بطبيعة الحال. هذا بالإضافة إلى تصحيح الصور النمطية أو الرؤى سابقة التجهيز التي يشكلها كل طرف من الطرفين – الذات والآخر – بعضهما عن بعض..

2-  إن الآخر المختلف، ليس موضوعا للنبذ والإقصاء والسباب والشتيمة، وإنما هو موضوعا للحوار والتواصل والتعارف. وإن الاختلافات والتباينات مهما علا شأنها، لا تشرع لأحد ممارسة الحيف والظلم بحق الآخر المختلف.

فالمطلوب من كل الأطراف، ليس التنابز بالألقاب، وممارسة سوء الظن المتبادل، وإنما المطلوب هو ممارسة العدل تجاه بعضنا البعض..

ولا يمكن أن نحقق مفهوم العدل في العلاقة مع المختلف، بعيدا عن قيم الحوار والتواصل والتعاون..

فليس عيبا أن نختلف، لأن ذلك من لوازم الحياة الإنسانية، ولكن العيب كل العيب حينما يقودنا هذا الاختلاف إلى الخصام والعداء المتبادل..

فتعالوا جميعا من مواقعنا الفكرية والثقافية والاجتماعية المتعددة والمتنوعة، أن نمد أيدينا لبعضنا البعض، ونطرد من واقعنا كل أسباب الإحن والبغضاء، ونتعاون مع بعضنا البعض لإرساء معالم وحقائق الاحترام المتبادل وصيانة الحقوق والحفاظ على أسباب الوئام وموجبات الاستقرار والتضامن..

3- حين الحديث عن ضرورة نسج علاقات إيجابية بين الذات والآخر، وإن جميع مكونات وتعبيرات المجتمع الواحد، من الضروري أن تنفتح على بعضها، وتتواصل اجتماعيا ومعرفيا.. فإننا ندرك وبعمق أن التوجيهات الأخلاقية بوحدها، لا تصنع هذه الحقائق، ولا تبني العلاقات الإيجابية بين مختلف الأطياف والتعبيرات..

لذلك فإننا نعتقد أن تنمية فضاء المصالح المشتركة، بين مختلف المكونات والتعبيرات، هو الذي يساهم مساهمة رئيسية في تعزيز التواصل والعلاقة..

فحينما تكون مصالح الناس متباعدة، فإن التوجيهات الأخلاقية، ستعالج في الحدود القصوى بعض الحالات الفردية. أما إذا كانت شبكة المصالح اليومية بين الناس متداخلة، فإن هذه الشبكة بمتوالياتها ومقتضياتها المتعددة، ستفرض واقعا جديدا على صعيد العلاقات الداخلية في المجتمع الواحد. وتأتي التوجيهات الأخلاقية، لتضيف إلى هذا الواقع نزعة أخلاقية – روحية، تساهم في ضبط العلاقة اليومية، وتخرجها من دائرة العلاقة بين الأجساد والعقول، وتدخلها في رحاب الروح والالتزامات الأخلاقية..

إننا نشعر بأهمية أن تكون العلاقة بين تعبيرات المجتمع إيجابية وحسنة، ومتجاوزة لإرث القطيعة والانفصال. ولا سبيل حيوي وفاعل لذلك إلا بتوسيع شبكة المصالح المشتركة بين مختلف الأطراف..

بحيث يشعر الجميع، أن مصلحة الجميع تقتضي، التمسك بكل أسباب الانسجام الاجتماعي والتضامن الوطني..

وصفوة القول: إننا ينبغي أنلا نذعن إلى إكراهات القطيعة ومناخات المفاصلة والجفاء بين أطياف المجتمع والوطن، ونعمل من مواقعنا المتعددة على إشاعة أجواء التفاهم والتواصل، ونوفر كل الأسباب المؤدية إلى بناء علاقة إيجابية وحيوية ومتضامنة بين جميع المكونات والتعبيرات.

***

محمد محفوظ

 

عندما يسود المجتمع وعي ماضوي، وثقافة احادية، وتعليم تنميطي يعتمد على التلقين والحفظ، وسياسة تعمل على خلق هُوية مُغلَقة، ويتصدر المشهد المُؤدلَجون، ويدخل الفن تحت الوصاية، ويكون الإعلام بوق دعاية وليس منبر تثقيفي وتوعوي عندها يتحول الناس إلى نُسخٍ مُكررة تجتر ما ابتلعته من أفكار دون أن تمر على العقل، لأن العقل قد تم احتلاله داخل هذه البنية المعرفية التي تخلق قطيع يُساق.

هنا تظهر حاجة ضرورية إلى أشخاص قادرون على طرح السؤال ومحاكمة النسق والنمط الواحد، لذلك تعلو قيمة صوت الاستاذة إبتهال عبد الوهاب الذي صدح شادياً: (لا يقاس الانسان بمدى اندماجه في القطيع، بل بقدرته على مقاومة الذوبان فيه. فالسلام الذي يمنحه التشابه سلام هش، سرعان ما ينهار عند اول سؤال حقيقي. وحده المختلف يدفع ثمن الوعي، لكنه وحده ايضا يمتلك شرف المعنى).

وهنا سوف نسعى معاً إلى قراءة فكر ابتهال عبد الوهاب لعل المجتمع ينتبه إلى هذا العقل الثري الذي ينفجر كشلال هادر، طامحاً إلى إزالة ما تراكم من نفايات الجهل داخل بنية العقل الجمعي المصري.

أولاً: التمرد 

ليس التمرد في فكر إبتهال هو إعتراض على واقع ترفضه وحسب، إنما هو سيرورة وصيرورة أي إنه فعل هدم وبناء في آنٍ واحد أما ماذا تهدم وماذا تبني ؟!! إنها تهدم الماهيات التي يفرضها عليها المجتمع لتبني وتخلق ماهية تخصها وكينونة تتجلى من خلالها ذاتها الشخصية لذلك تقول (انا ظاهرة تشكلت حين قررت الروح ان تخرج من قالبها.. ‏وتجرؤ على ان تكون ذاتها ولو كلّفها ذلك عزلتها الكونية... انا الكينونة التي تشق لنفسها دربا).

ومن أجل لذلك لم تقف عند قيود المجتمع التي تحرم المرأة من كينونتها بل تمردت على هذا النسق الإقصائي الذكوري وصرخت وهى تحمل صرخة كل أنثى قائلة: (ولدت أنثى في مجتمع ذكوري، لكنني لم أقبل أن تكون الأنوثة سجنا، ولا الذكورة معيارا للإنسانية. أردت فقط أن أعيش بإنسانيتي كاملة، أن أفكر دون وصاية، وأسأل دون خوف، وأختلف دون أن أدفع ثمن اختلافـي

ثمة امرأة قديمة في داخلي ماتت مرات كثيرة، وفي كل مرة كنت اعود منها بملامح مختلفة، وبقلب اكثر حذرا، ووعي اكثر عمقا. واليوم لا اريد ان اعود الى تلك المرأة...).

إذن فعل التمرد عند السيدة إبتهال هو فعل فلسفي وجودي، يعمل على تفكيك الماهيات المُسبقة، وتكسير القيود التي تكبل الحضور الانساني الحر وتمنع العقل من ترك بصمته الخاصة التي لا يمكن لأحد غيره أن يقوم بها.

لذلك يكون التمرد مفتاح هام في قراءة فكر إبتهال عبد الوهاب، ودعوة دائمة لحث قراءها على الاستجابة لنداء التمرد للخروج من نفق الإنغلاق والتحجر والإستنساخ الفكري.

ثانياً: الأنسنة

يقف الانسان في بؤرة إهتمام إبتهال عبد الوهاب لذلك سعت إلى أنسنة التراث الديني (المقدس)، وأنسنة القيم،وأنسنة السلطة في الواقع المُعاش.

١ - أنسنة الوعي الديني

أ - أنسنة التراث الديني

قامت الاستاذة إبتهال بتفكيك البنية المعرفية للتراث لذلك وضعت التراث الديني في إطار الاجتهادات الانسانية ولم تضعه في دائرة المقدس لكي تعمل على تحيده حتى لا يأخذ سُلطة على العقل لذلك قالت:

(غير أن التراث، في حقيقته، ليس نصا مقدسا، بل نص تاريخي كتبه بشر عاشوا ظروفا خاصه. وفكروا بأدوات عصرهم، وأجابوا عن أسئلة زمانهم. ومن الظلم للعقل أن نحوله إلى صنمٍ ذهني نطوف حوله دون أن نجرؤ على سؤاله.

إن المشكلة لا تكمن في التراث نفسه، فالتراث في جوهره ذاكرة الإنسانية وتجربة العقول التي سبقتنا. لكنه يصبح خطرا حين يختزل في صورة مقدسة لا يجوز الاقتراب منها. ففي تلك اللحظة يتوقف عن كونه معرفة، ويبدأ في التحول إلى سلطة. والسلطة حين تستقر في الفكر دون مساءلة لا تنتج علما بل تنتج طاعة. وتتحول سريعا إلى نوع من الجمود المعرفي).

لذلك دفاعاً عن الانسان ذهبت إلى ضرورة قراءة التراث الديني في سياقاته التاريخية والابتعاد عن تحويله إلى صنم يسجد له الإنسان، فالتراث في خدمة الانسان وليس العكس.

ب - أنسنة الطقس الديني

لم تنظر إبتهال إلى الطقس والاحتفال الديني من واقع التصور الدجمائي المُغلَق بل الخروج من مساحة العقيدة الضيقة إلى مساحة الانسانية الرحبة، لذلك قدمت رؤيتها المتقدمة عن شعيرة الصوم قائلة: (غير ان الخطر الحقيقي يكمن حين يختزل الصوم في الامتناع عن الطعام بينما تترك مساحات واسعة من السلوك اليومي اسيرة للكذب والنفاق واقصاء الاخر وازدراء العمل وتعطيل العقل. هنا يتحول الصوم من قيمة محررة إلى اداة تبرير ومن تجربة روحية إلى طقس اجتماعي يعاد انتاجه بلا وعي. وهو ما نبه إليه محمد اركون حين حذر من تقديس الشعائر على حساب النقد الاخلاقي معتبرا ان اخطر اشكال التدين هو ذاك الذي يصادر العقل ويغلق افق السؤال).

وعلى نفس القياس قدمت قراءة إنسانية لذبح الاضاحي حيث نبهت أن الاضحية الحقيقية هى ذبح كل ما يعتمل في النفس من قبح يعمل على إهدار قيمة وكرامة الانسان لذلك تترك لنا سؤالاً: (ولهذا يبدو عيد الأضحى سؤالا أخلاقيا أكثر منه طقسا دينيا: أيهما أولى بالذبح.. الخروف أم القسوة التي تسكن الإنسان؟.. ما الذي يجب أن يموت في الإنسان.. كي يصبح أكثر إنسانية؟).

٢ - أنسنة منظومة القيم.

لعل ما يلفت النظر أن القائمين على السلطة يجعلون الدين مصدر القيم الاخلاقية، حتى إنهم وضعوا الدين في قمة أدوات الضبط الاجتماعي لأن الناس تعيش بمنطق الحلال والحرام . أما الاستاذة إبتهال فإنها تضع من يقوم بإنتظار المكافأة على أفعاله في دائرة النفعية والمصلحة وهذا فى حد ذاته خَصماً من القيمة الاخلاقية للفعل ذاته. فالفعل يكتسب قيمته الاخلاقية من واقع تاثيره على الآخر إيجاباً وسلباً وليس لان القانون أو الدين بمنع الفعل يصبح  شريراً ولكن الضرر الذي ترتب علي القيام بهذا الفعل هو ما أعطى القيمة اللاأخلاقية لهذا الفعل . لذلك تقول لنا في مواجهة ساخنة مع العقل الدوجمائي: (لكن ثمة سؤالا أكثر عمقا: لماذا نحتاج أصلا إلى وعد بالجنة حتى نفعل الخير؟

ألا ينبغي أن تكون حياة الإنسان نفسها جديرة بأن نخفف آلامها، ونوسع إمكاناتها، ونمنح أبناءها فرصة أفضل للحياة، حتى لو لم يكن وراء ذلك ثواب موعود؟

هنا تبدأ الأخلاق في الارتقاء من منطق المكافأة إلى منطق المسؤولية).

ولا تقف الاستاذة إبتهال عند منظومة القيم الاخلاقية المعروفة لدى العامة بل أضافت إليها قيمة (القلق)

وقد يُصاب المرء بالدهشة من هذه الاضافة إلى منظومة القيم ولكن بالرجوع إلى فكر السيدة إبتهال نجد أن القلق هو فعل وجودي يعمل على تحريك الوعي من منطقة البلادة والجمود إلى منطقة الحركة وتحديث الفكر .

كما إنها تنتقد (المعرفة) وتقول إنها تفتقد بعدها الاخلاقي عندما تتحول إلى إداة لإنتاج الجهل والتعصب والكراهية (المعرفة في ذاتها ليست ضمانا للفضيلة بل قد تكون احيانا حجابا يحجب الانسان عن ذاته اذا لم تصقل بالوعي النقدي ولم تصف بالممارسة الاخلاقية فما جدوى عقل واسع الاطلاع ان كان اسيرا لرغباته الضيقة وانفعالاته اللحظية وما نفع ثقافة مترامية الاطراف اذا كانت عاجزة عن تحرير صاحبها من اسر التعصب والانحياز لقناعات مسبقة لا تفعل سوى اعادة انتاج الجهل في صورة اخرى).

٣ - أنسنة السُلطة

في ظل سياق عربي يترنح تحت صراعات دامية من أجل السُلطة، لذلك من تستب له يقبض عليها وكأنها هبة سماوية وكأنه هو مسيح ومخلص لهذا الشعب البائس، لذلك لا تستمد الدولة سلطتها وممارساتها داخل هذه النظم من الدستور والقانون بل من اللّه والزعيم المُلهم، لذلك تدفع الشعوب ضريبة هذا التصور عن السلطة. لذلك أنسنة السلطة عند الاستاذة إبتهال تعني أن الدولة هى نظام بشري يهدف إلى حماية الافراد من الفوضي وتعمل على صون حرياتهم وحقوقهم الاجتماعية والفكرية والدينية لذلك يجب أن تقف الدولة على مسافة واحدة من الجميع. ويجب أن يكون مِرجَع الدولة الدستور والقانون . لذلك تلخص رؤيتها نحو السلطة هكذا (أريد دولة يكون القانون فيها أقوى من الحاكم، والحق أعلى من الامتياز، والإنسان أكرم من كل شعار).

ثالثاً: الفلسفة

ليست الفلسفة عند إبتهال عبد الوهاب إجترار لأفكار كبار الفلاسفة وليست صدى صوت لاصواتهم بل الفلسفة كما تراها السيدة إبتهال هى أداة العقل للخروج من كهف الطمأنينة الزائفة إلى فضاء الشك الذي يلتمس الحقيقة، هى عدم الاكتفاء بالاجابات المُعلَبة بل السؤال الذي يفضح الجهل ويُعرّي الوهم،وبعبارتها هى (ضرورة أخلاقية وفكرية. إنها تلك اليد الخفية التي تمسك العقل وتمنعه من الانحدار نحو يقينيات مطلقة لا تعرف الشك ولا تعترف بالآخر. الفلسفة ليست موسوعة لأسماء الفلاسفة، ولا هي تكديس للنصوص، بل هي نمط خاص في النظر إلى العالم، رؤية تؤنسن الوجود، وتحول التجربة الفردية إلى مجال لاكتشاف الذات والآخر معا. وما الفلسفة إلا هذا التوتر الجميل بين حرية الفرد وانعكاس المجتمع فيه، بين تفرده وتشابكه، بين صوته الخاص وصدى البشرية في داخله.

الفلسفة ليست علما يدرس فحسب، بل هي طقس من طقوس الحياة. دهشة ممتدة وصوت داخلي يوقظ فينا السؤال الأول. السؤال الذي يشق الصمت ويخلق المعنى).

وقد إستخدمت الاستاذة إبتهال الفلسفة في إعادة تعريف مصطلح الجاهلية و تفكيك البنية المعرفية للتطرف ودافعت من خلالها عن حق الاختلاف العقيدي.

الاستاذة إبتهال عبد الوهاب ليست مثقفة تسكن في برج عاجي، وليست فيلسوفة تسبح في فضاء ميتافيزيقي بل هى فيلسوفة تشتبك مع المجتمع وتتفاعل مع قضاياه وتسعى إلى بناء عقول حرة ناضحة قادرة على الاختيار وبناء ذواتهم وماهياتهم الخاصة.

انا لا أدعي إنني إستوفيت كل فكر الاستاذة إبتهال بل فتحت نافذة صغيرة للقارئ ليطل من خلالها على هذا الانتاج الفكري والادبي الرائع كما أدعو غيري من القراء لتناول فكر إبتهال بالمناقشة والتحليل والقراءة المحايدة، فهذا ما يجعل الافكار قادرة على التوالد وإنتاج البُنى الفكرية المتكاملة.

***

بقلم: أشرف منير رمزي

الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (1926 - 1984) منح المفكر الفِلَسطيني الأمريكي إدوارد سعيد (1935 - 2003) شيئًا حاسمًا في بناء مشروعه، وهو طريقة جديدة للسؤال عن المعرفة نفسها. مِن أين تأتي؟، ومَن يملك حقَّ إنتاجها؟، وكيف تتحول إلى حقيقة مُعترَف بها؟، ومتى تصبح المعرفةُ وسيلة لتنظيم البشر وتصنيفهم والسيطرة عليهم؟.

أقرَّ سعيد بتأثير فوكو في مشروعه، ولا سِيَّما أفكاره المتعلقة بالخطاب والعلاقةِ بين المعرفة والسُّلطة. وتأثيرُ فوكو كان قويًّا بصورة خاصة في بناء الإطار النظري للاستشراق، قبل أن يبدأ سعيد لاحقًا في الابتعاد عن بعض نتائج فوكو الفلسفية. وهُنا بالضبط تكمن أهمية العلاقة بينهما، سعيد لَم يُكرِّر فوكو، لقد أخذ أدواته، ونقلها إلى تاريخ الاستعمار والتمثيل الثقافي، ثم أعادَ توجيهها لخدمة مشروع مختلف.

قبل فوكو، كان من الممكن أن يُنظَر إلى المعرفة، وخصوصًا المعرفة الأكاديمية، باعتبارها نشاطًا يهدف إلى اكتشاف الحقيقة. الباحثُ يدرس موضوعًا، ويجمع المعلومات، ويُحلِّلها، ثم يصل إلى نتائج يُفْتَرَض أنها مستقلة عن علاقات القوة. لكنَّ فوكو جعل المسألة أكثر تعقيدًا.

لم يتعامل فوكو معَ المعرفة بوصفها شيئًا محايدًا يقف خارج التاريخ والمجتمع. كان مهتمًّا بالشروط التي تجعل نوعًا مُعَيَّنًا من الكلام ممكنًا، وتجعل بعضَ الأقوال تبدو عِلمية ومعقولة ومشروعة، بينما تُستبعَد أقوال أُخرى، أوْ تُدفَع إلى الهامش. وهُنا ظهر مفهوم الخطاب بوصفه أكثر من مجرد مجموعة من الكلمات أو النصوص، إنَّه منظومة من القواعد والمفاهيم والمؤسسات والممارسات التي تُحدِّد، في فترة تاريخية مُعيَّنة، ما الذي يمكن قَوله، وكيف يمكن قَوله، ومَن يملك سُلطة قَوله.

وهذه النقلة الفكرية كانت شديدة الأهمية بالنسبة إلى سعيد، لأنَّ السؤال لَم يعد: هل كان المستشرق الفُلاني منصفًا في وصف الشرق أمْ لا؟، بل أصبح: كيف أمكنَ أصلًا أن يتشكل نظام معرفي كامل اسمه "الشرق" بحيث يبدو قابلًا للوصف والتصنيف والتفسير من موقع غربي؟. وهُنا تبدأ المسافة بين سعيد وكثير من النقد التقليدي للاستشراق.

لم يكن هدف سعيد في " الاستشراق" مجرد اكتشاف أخطاء في كُتب المستشرقين. لو كان الأمر كذلك، لكان مشروعه أقرب إلى تصحيح بعض الأحكام الخاطئة عن العرب والمسلمين، أو الدفاع عن صورة حقيقية للشرق في مقابل صورة غربية مُشوَّهة. لكن سعيد ذهب إلى أبعد من ذلك. سألَ عن النظام الذي جعل هذه الصور ممكنة ومتكررة وقادرة على الاستمرار. وهذه هي اللحظة التي يظهر فيها فوكو بقوة.

الخطابُ عند فوكو لا يصف موضوعَه فقط، وإنما يشارك في إنتاج الموضوع الذي يتحدث عنه. لذلك أمكنَ لسعيد أن ينظر إلى "الشرق" الذي يظهر في الأدبيات الاستشراقية، ليس باعتباره انعكاسًا بريئًا لواقع جغرافي وحضاري موجود مسبقًا، وإنما باعتباره نتاجًا لتاريخ طويل من الكتابة والتصنيف والتمثيل والمؤسسات والعلاقات السياسية.

حين يقول كاتب غربي إنَّ الشرق عاطفي، أو غير عقلاني، أو استبدادي، أو ساكن خارج التاريخ، لا يصبح السؤال فقط: هل هذه الجملة صحيحة؟. ينبغي البحث عن مصدر هذا التصنيف، وتاريخِ تَكراره، وطبيعةِ المؤسسات التي أعادت إنتاجَه، والمفاهيمِ التي جعلته يبدو طبيعيًّا، والنتائجِ السياسية المترتبة على النظر إلى شعب كامل بهذه الطريقة. بهذا المعنى، انتقلَ سعيد من تفنيد الصورة إلى تشريح آليَّة إنتاج الصورة، وهذه واحدة من أهم أفكار فوكو.

المعرفة لا تعمل في فراغ اجتماعي. المؤسساتُ تحدد مَن يستطيع الكلامَ، والجامعاتُ والمراكز البحثية والأرشيفات والكُتب والمناهج والمجلات العلمية تمنح بعضَ أشكال الكلام سُلطةً أكبر مِن غَيرها. والمعرفةُ يمكن أن تصبح جزءًا مِن آليَّات الإدارة والتصنيف والحُكم، لهذا كان فوكو مهتمًّا بترابط السُّلطةِ والمعرفة. سعيد أخذ هذه الفكرة، ووضعها في سياق الاستعمار. وأصبحَ بالإمكان النظر إلى الاستشراق باعتباره تاريخًا لعلاقة بين المعرفة والسُّلطة، وليس تاريخًا للأفكار عن الشرق فقط. فوكو كان يدرس تاريخًا أوروبيًّا في الأساس، ويُركِّز على تشكيل أنظمة المعرفة والانضباط والسُّلطة في مجالات مِثل: الطب، والجريمة، والسجن، والجنون، والجنس. أمَّا سعيد فنقل أدوات تحليل الخطاب إلى فضاء العلاقة بين الغرب والشرق والإمبراطورية والاستعمار. وهذا ما جعل الاستشراقَ نقطة تحوُّل في الدراسات ما بعد الاستعمارية.

مِن أكثر الأفكار التي تجعل تأثيرَ فوكو في سعيد عميقًا أنَّ سعيد لم يكن مهتمًّا فقط بما يقوله المستشرق عن الشرق، وإنما بكيفية تحوُّل الشرق إلى موضوع معرفي. أي: كيف يصبح بالإمكان تصنيف "الشرق" وكأنه شيء واحد متجانس؟. الشرقُ ليس بلدًا واحدًا،ولا لغة واحدة، ولا دِينًا واحدًا، ولا تاريخًا واحدًا، ولا مجتمعًا واحدًا. ومعَ ذلك، أنتجَ الخطابُ الاستشراقي في صور كثيرة "شرقًا" عامًّا، ومتشابهًا، وله صفات ثابتة وجامدة، مقابل غرب عقلاني وحديث ومتحرك.

هُنا يمكن رؤية أثر فكرة فوكو عن التصنيف والتشكيل الخطابي، ليست السُّلطة في منع الكلام فقط، إنها موجودة أيضًا في الطريقة التي تحدد بها الأشياء التي نتحدث عنها، والفئات التي نفكر من خلالها، والحدود التي نضعها بين "نحن" و" هُم". وهكذا يصبح الاستشراق أكثر من مجموعة كُتب، إنَّه طريقة في رؤية العالَم.

أحدُ المفاهيم المركزية عند سعيد هو التمثيل. الغربُ لا يصل إلى الشرق بلا وساطة. هُناك نصوص وصور ومفاهيم ورحلات وروايات وتقارير وأعمال فنية ودراسات أكاديمية ومؤسسات، تُنتج صورةً مُعيَّنة عن الشرق. وهُنا يصبح السؤال: هل الصورة التي نراها هي الشرق أمْ أنها طريقة مُعيَّنة لرؤية الشرق؟. هذا الفرقُ صغيرٌ في اللغة، لكنه هائل في النظرية، لأنَّ الاعتقاد بأن التمثيل هو الحقيقة يجعل الصورةَ غير مرئية بوصفها صورة، أمَّا عندما ننتبه إلى عملية التمثيل، فسوفَ نبحث عن هُوية مَنْ يُمثِّل، ومَن هو صاحب المصلحة في ذلك.

في "الاستشراق" تتجاور تأثيرات متعددة، مِن فوكو إلى غرامشي إلى ماركس وغَيرهم. وتُشكِّل هذه المصادر المختلفة شبكة فكرية جعلتْ مشروع سعيد أكثر تركيبًا من مجرد نظرية في الخطاب.

أخذ سعيد من فوكو حساسيةً شديدة تجاه إنتاج المعرفة والسُّلطة والخطاب. ومِن غرامشي أخذ اهتمامَه بالهيمنة ودَور الثقافة والمثقفين، ومِن ماركس استفادَ من التفكير في الإمبريالية والمصالح والعلاقات المادية والتاريخية، ومِن تقاليد النقد الأدبي أخذ قدرته على قراءة النصوص، ليس بوصفها جُملًا منفصلة وعبارات مُتقطِّعة، وإنما بوصفها أعمالًا تدخل في تاريخ اجتماعي وثقافي. لهذا فإن "الاستشراق" ليس كتابًا مرتبطًا بفلسفة فوكو، ولا كتابًا ماركسيًّا بالمعنى الصارم، ولا دراسة أدبية تقليدية. إنَّه تركيب خاص، وهذا تحديدًا ما جعله مُؤثِّرًا إلى هذا الحد.

فوكو يساعد سعيد على نقد الغرب، وسعيد يعيد توجيهَ فوكو نحو العالَم الاستعماري. فوكو طوَّر أدواته من داخل دراسة تاريخ المجتمعات الغربية، بينما أخذ سعيد بعضَ هذه الأدوات، ووجَّهها إلى علاقة الغرب بالآخَر.

وهكذا أصبحَ من الممكن استخدام سؤال فوكو عن المعرفة والسُّلطة لفحص ما يحدث عندما يقوم مجتمع قوي بإنتاج معرفة عن مجتمع آخَر أضعف منه سياسيًّا. وهُنا تظهر أهمية سعيد التاريخية، فهو لَم يقل فقط: الغربُ أخطأ في وصف الشرق، بلْ سألَ سؤالًا أكثر عُمقًا: ماذا لو كان وصف الشرق جزءًا من تاريخ القوة بين الغرب والشرق؟.

مِن الخطأ تصويرُ سعيد باعتباره تابعًا فكريًّا لفوكو طوال حياته. الأدبياتُ الأكاديمية حول العلاقة بينهما تؤكد وجود تأثير قوي، خصوصًا في "الاستشراق"، لكنها أيضًا تُوضِّح انتقاد سعيد لجوانب مِن تصوُّر فوكو للسُّلطة والحقيقة، خصوصًا عندما تعلَّق الأمر بتأسيس نقد مِعياري للظلم، والدفاعِ عن الحرية والعدالة. وهذا الخلافُ ليس هامشيًّا، إنَّه يمسُّ قلبَ مشروع سعيد، لأنه كان يريد أن يقول شيئًا يتجاوز الخطابات التي أنتجتها السُّلطة. كان يريد أن يقول إنَّ هذه الخطابات لها نتائج على بشر حقيقيين، لذلك ينبغي مقاومتها.

إذا كان سعيد قد دعا إلى عدم قَبول أي خطاب عن الآخَر باعتباره بريئًا ومحايدًا، فعلينا أن نُطبِّق الدرسَ نَفْسَه على سعيد. أي إنَّ "الاستشراق" يجب أن يبقى قابلًا للنقد. وقد ظهرتْ بالفِعل انتقادات أكاديمية متعددة للكتاب، بعضُها يتعلق بطريقة تعميم سعيد للخطاب الاستشراقي، وبعضُها يتعلق بعلاقته معَ فوكو، وبعضُها يرى أنَّ تحليله لا يمنح دائمًا مساحة كافية للاختلافات الداخلية بين المستشرقين، أو للتاريخ المتبادل والمعقد بين الشرق والغرب.

وجودُ هذه الانتقادات لا يلغي قيمة سعيد، بلْ يؤكد شيئًا مهمًّا في مشروعه، وهو أنَّ النصوص الكُبرى لا ينبغي أن تتحول إلى سُلطة مغلقة. يجب أن نقرأها، ونستخدم أدواتها، ونختبر حدودها، ونختلف معها.

فوكو يُركِّز على الخطاب، وسعيد يفحص الخطابَ الذي صنعه الغربُ عن الشرق. فوكو يُركِّز على العلاقة بين المعرفة والسُّلطة، وسعيد يفحص تشابكات المعرفة معَ الاستعمار والإمبريالية.

وتأثيرُ فوكو في سعيد لا ينبغي أن يُفْهَم باعتباره تأثيرًا شكليًّا، أو مجرد استعارة لمصطلحات فلسفية. لقد مَسَّ طريقةَ بناء السؤال نَفْسِه. وسعيد اعتمدَ على فوكو في اعتبار المعرفة ليست مجرد معلومات عن العالَم، والخطابات لا تصف الواقعَ فقط، وإنما تشارك في تشكيل الطريقة التي يظهر بها الواقع لنا. ومِن هذه النقطة استطاعَ سعيد أن يعيد قراءة الاستشراق باعتباره نظامًا من التمثيلات والمعارف التي ارتبطتْ تاريخيًّا بعلاقات القوة والاستعمار. لَم يكن حضور فوكو في مشروع سعيد حضورًا نظريًّا، وإنما كان نقطة انطلاق غيَّرت طريقةَ النظر إلى الاستشراق مِن أساسها. وقدْ تحوَّل الاستشراق مِن مجموعة كُتب وأوصاف عن الشرق إلى خطاب له تاريخ مصلحي، وسُلطة سياسية، وأثرٌ عميق في تشكيل صورة الشرق كما استقرَّت في الوعي الغربي.

لم يأخذ سعيد مِن فوكو إجابات جاهزة، ولا قوالب مُعَدَّة سلفًا، ولا عبارات إنشائية عاطفية، ولا شعارات رنَّانة، ولا خطابات حماسية، وإنما أخذ طريقة مختلفة في النظر إلى المعرفة، ثم استخدمها لتحليل العلاقة بين مَن يملك القُدرةَ على الكلام، ومَن يُعرَّف ويُوصَف ويُتحدَّث عنه.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية جديدة تُضاف إلى قائمة الأدوات التي اخترعها الإنسان لتوسيع قدرته على الفعل، كما لم يعد شأنًا محصورًا في المختبرات العلمية أو شركات التكنولوجيا الكبرى. لقد بدأ يتسلل إلى البنية العميقة للحياة المعاصرة، إلى التعليم والطب والهندسة والاقتصاد والفلك والعلوم الإنسانية، وإلى الطريقة التي نبحث بها عن المعلومة، ونحلل بها الظاهرة، ونبني بها الفرضية، ونختبر بها النتائج.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ بل أصبح: ماذا سيحدث للإنسان وللمعرفة عندما تدخل الآلة إلى قلب عملية التفكير نفسها؟ هنا يبدأ التحول الفلسفي. في هذا اللقاء نحاول ان نجعل هذا المشكل محور حديثنا في هذا اللقاء الفكري. فذا ما عدنا الى التاريخ العلمي للإنسان ومسيرته الطويلة سوف نجد انه في جانب منه، تاريخ توسيع أدواته في انتقاله من الموقف الطبيعي، اذ اخترع الإنسان المجهر لكي يرى ما لا تراه العين، والتلسكوب لكي يتجاوز حدود النظر الأرضي، والحاسوب لكي يسرّع الحساب، وشبكات الاتصال لكي يختصر المسافة بين العقول.

لكن الملاحظ من خلال تلك المراحل أن الذكاء الاصطناعي يختلف عن كثير من هذه الأدوات؛ لأنه لا يكتفي بتوسيع القدرة على الرؤية أو الحساب، وإنما يدخل إلى منطقة كانت تُعدّ طويلًا من أكثر المناطق التصاقًا بالإنسان: (التحليل، والتصنيف، والاستنتاج، والتنبؤ، وتوليد النصوص والصور والنماذج والفرضيات). التي كانت من اهم مهام الانسان. وهذا يجعلنا ازاء سؤال مهم، إذا كانت الأدوات السابقة تمدد حواس الإنسان وعضلاته، فهل يمثل الذكاء الاصطناعي تمديدًا لبعض وظائف العقل؟ كما وجدنا في تحول الانسان من الموقف الطبيعي ؛ من الضروري هنا التأكيد ليس المقصود بذلك أن الآلة أصبحت إنسانًا، ولا أن الذكاء الاصطناعي يمتلك بالضرورة وعيًا أو قصدية أو تجربة ذاتية مماثلة للإنسان؛ فهذه قضايا فلسفية وعلمية لا تزال مفتوحة. لكن المؤكد أن الحدود التقليدية بين الأداة والفاعل المعرفي أصبحت أكثر تعقيدًا. فالآلة لم تعد مجرد وعاء يحفظ ما يعرفه الإنسان، بل أصبحت قادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات، واكتشاف أنماط يصعب على الباحث رؤيتها مباشرة، والمساعدة في بناء نماذج وتوقعات واقتراح مسارات بحثية جديدة. ومن هنا تتضح أهميته في العصر الراهن. في حقول متنوعة وتحقق اضافة نوعية مثل : في الطب، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تحليل الصور الطبية، واكتشاف أنماط مرضية، ودعم التشخيص، وتحليل البيانات السريرية، والمساهمة في تطوير الأدوية. لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالًا أخلاقيًا بالغ الأهمية: هل يمكن أن نترك القرار الطبي للخوارزمية؟ الجواب لا يمكن أن يكون تقنيًا فقط؛ لأن الطب ليس مجرد مطابقة بيانات، وإنما علاقة إنسانية تتضمن المسؤولية والثقة والرحمة وفهم خصوصية المريض. وهذا يدخلنا الى حقل اخلاقيات البيوتقيا التي تعمل على توظيف وتحليل وتفسير ومقارنة وتأويل وافتراض العديد من الأسئلة المتعلقة بذات الجانب فالجينات الوراثية والقتل الرحيم وأبحاث الخلايا الجذعية وتأجير الأرحام والحيامن والهندسة الوراثية والاستنساخ البشري وغيرها من الأفكار تعد المادة الأساسية في الأخلاق التطبيقية في المجال البيوتيقي.

لكن نعود الى موضوعنا باستعراض المهام التي يقوم بها الذكاء الاصطناعي اذ في العلوم الطبيعية، يفتح الذكاء الاصطناعي إمكانات واسعة لتحليل البيانات والنمذجة والمحاكاة والتنبؤ. فالعالم المعاصر ينتج بيانات علمية تفوق قدرة الباحث الفرد والمؤسسة التقليدية على معالجتها بالوسائل القديمة. وهنا تصبح الخوارزمية وسيلة لعبور فائض البيانات إلى مستوى من التنظيم يسمح باكتشاف علاقات جديدة.

لكن هذه المهام التي يقوم بها الذكاء الاصطناعي تجعلنا ازاء مفارقة؛ اذ كلما ازدادت قدرتنا على معالجة البيانات، ازدادت حاجتنا إلى السؤال عن معنى البيانات. فالآلة تستطيع أن تجد علاقة بين متغيرين، لكنها لا تجعل العلاقة بالضرورة تفسيرًا سببيًا. وقد تنتج نتيجة دقيقة حسابيًا لكنها خاطئة علميًا إذا كانت البيانات منحازة أو كان النموذج غير ملائم للسؤال. وهي مفارقة مهمة تظهر في الكثير من النتائج، لكن نعود الى المهام ولا اريد ان اجعل الاستطرادات الجانبية محور حديثنا حتى لا يتفرع .

اذ نجد الذكاء الاصطناعي يقدم خدماته في الهندسة، يساعد الذكاء الاصطناعي على التصميم والمحاكاة وتحسين الأداء واكتشاف الأعطال، وقد أصبح قادرًا على اقتراح حلول تتجاوز أحيانًا التصورات الأولية للباحث. وهنا لا تعود الآلة مجرد منفذ لأفكار المهندس، بل يمكن أن تصبح طرفًا في عملية توليد البدائل. غير أن كثرة البدائل لا تعني بالضرورة جودة القرار؛ فالاختيار يظل فعلًا إنسانيًا، لأن السؤال ليس فقط: ما الحل الأكثر كفاءة؟ وإنما: أي كفاءة نريد؟ ولأي غاية؟ ولصالح من؟ وهو امر سوف نتركه الى الحوارات التي ممكن تحدث اضافات مفيدة وتوسع من الفائدة المرجوة من هذه المحاضرة.

أما المهام التي يقوم بها الذكاء الاصطناعي في علوم الفضاء والفلك، فإن حجم البيانات القادمة من التلسكوبات والمراصد الحديثة يجعل الذكاء الاصطناعي أداة شديدة الأهمية في اكتشاف الأنماط وتصنيف الأجرام وتحليل الإشارات وبناء النماذج. هنا تتسع العلاقة بين الإنسان والكون: الإنسان لا يرى الكون مباشرة، وإنما يمر إلى كثير من أسراره عبر أجهزة وبيانات ونماذج، والذكاء الاصطناعي يصبح طبقة جديدة بين الملاحظة والتفسير. فالمهام كبيرة والاحاطة بها ليس بالأمر السهل بل هي كبيرة، ولعل النتائج التي ظهرت اخيرا جعلت المهمة ناجحة وفعالة.

وفي العلوم الاجتماعية والإنسانية، تبرز إمكانات أخرى أكثر حساسية. يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل ملايين الوثائق، ومقارنة النصوص، وتتبع المفاهيم عبر العصور، واكتشاف الأنماط في الخطاب، والمساعدة في بناء خرائط للمفاهيم والاتجاهات الفكرية. ويمكن للباحث في التاريخ أن يستفيد منه في تنظيم الأرشيفات الضخمة، وللباحث في اللغة أن يستخدمه في تحليل المدونات، وللباحث في الفلسفة أن يستعين به في المقارنة بين المفاهيم والمدارس والنصوص. لكن هنا ينبغي أن نتوقف قليلًا؛ لأنه يتعلق بنا في حقل الفلسفة والعلوم الانسانية، فالآلة قد تساعدنا في قراءة النص، لكنها لا تلغي الحاجة إلى تأويله. وقد تستطيع مقارنة آلاف الكلمات، لكنها لا تختصر التاريخ الذي جعل الكلمة ممكنة، ولا التجربة الإنسانية التي منحتها معناها. ولذلك فإن الخطر لا يكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في تحويله من أداة توسع أفق الباحث إلى سلطة تُغلق أفقه. وهذا يقودنا إلى قضية التعليم. لقد كان التعليم التقليدي قائمًا إلى حد كبير على امتلاك المعلومة واسترجاعها. أما في عصر الذكاء الاصطناعي فإن قيمة التعليم لا ينبغي أن تقاس بكمية المعلومات التي يستطيع الطالب حفظها، لأن الآلة أصبحت قادرة على استرجاع كم هائل من المعلومات خلال لحظات. ومن ثم ينتقل مركز الثقل من امتلاك الإجابة إلى امتلاك القدرة على السؤال.

وهو امر حيوي ويعود بنا الى اشكال التعليم المطلوب اليوم وهذه ليست مسألة تقنية، بل انقلاب في فلسفة التعليم. فالطالب الذي يسأل سؤالًا جيدًا، ويميز بين الفرضية والحقيقة، ويفحص المصدر، ويكتشف التناقض، ويعرف حدود النموذج، ويستطيع بناء حجة مستقلة، سيكون أكثر قدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي من الطالب الذي يحفظ المعلومات دون أن يعرف كيف يفكر بها.

ومن هنا يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي قد يدفع التعليم، إلى العودة إلى جوهره القديم" تكوين العقل لا حشو الذاكرة". غير أن هذا الاحتمال الإيجابي يواجه خطرًا آخر هو الكسل المعرفي. فإذا أصبحت الآلة تكتب وتلخص وتحلل وتقترح، فقد يميل الإنسان إلى تسليمها الوظائف التي كان ينبغي أن تنمي قدرته العقلية. وهنا تظهر مفارقة العصر: الأداة التي يمكن أن تجعل الإنسان أكثر قدرة قد تجعله، إذا أسيء استخدامها، أقل قدرة. اذ كان يحاول جعل الذكاء الاصطناعي ان يقوم بالمهام بدل عنه في الوقت الذي وجدنا به اليوم يستطيع إنسان واحد، بأدوات لم تكن موجودة قبل سنوات، أن ينجز أعمالًا كانت تحتاج سابقًا إلى فريق كامل. ويستطيع الباحث استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل المعرفة والمساعدة في بناء الفرضيات. ويستطيع المهندس تسريع بعض مراحل التصميم. ويستطيع المبرمج بناء أنظمة بصورة أسرع. ويستطيع صاحب المشروع تحليل بياناته واتخاذ قرارات أفضل.لكن الأداة نفسها لا تصنع النهضة وحدها. لأن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يضاعف القدرة… ولا يمنح صاحبه بالضرورة الأمانة. بمعنى ان الآلة تستطيع أن تختصر الطريق، لكنها لا تضمن أن الإنسان استفاد من الرحلة. ولهذا ينبغي التمييز بين الاستعانة بالذكاء الاصطناعي والتنازل له عن الفعل العقلي. الأول توسيع للقدرة، أما الثاني فهو إضعاف لها. الأول يجعل الآلة شريكًا في البحث، أما الثاني فيجعل الإنسان تابعًا لنتائجها.

وتظهر المسألة بصورة أوضح في البحث العلمي. فالذكاء الاصطناعي قادر على تسريع مراجعة الأدبيات، وتنظيم البيانات، واقتراح الفرضيات، ومحاكاة السيناريوهات، وتحليل النتائج. لكن العلم لا يتقدم بالسرعة وحدها. إنه يتقدم أيضًا بالشك، والاعتراض، والتجربة، وفشل الفرضيات، والقدرة على القول: ربما نكون مخطئين. بمعنى ان الانسان له دور كبير لايمكن اهماله في سياق صناعة النهضة العلمية والاجتماعي.

ومن هنا فإن مستقبل البحث العلمي لن يكون، على الأرجح، صراعًا بين الإنسان والآلة بقدر ما سيكون إعادة توزيع للأدوار بينهما. الآلة تتفوق في السرعة والحساب ومعالجة الكميات الهائلة من البيانات؛ والإنسان يظل مسؤولًا عن صياغة الغاية، وتحديد قيمة السؤال، وفهم السياق، وتحمّل المسؤولية الأخلاقية عن النتائج.

لكن ثمة اعتراضًا لا يمكن تجاهله: ماذا لو أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر استقلالًا وقدرة؟ ألن يؤدي ذلك إلى تراجع الدور الإنساني؟

ربما يكون هذا السؤال مشروعًا، لكنه يختزل القضية في ثنائية غير دقيقة: إنسان مقابل آلة. المسألة الأعمق ليست من سينتصر، وإنما أي علاقة سنبني بين الطرفين؟

فالإنسان هو الذي يحدد البنية الاجتماعية التي تستخدم فيها التكنولوجيا، وهو الذي يقرر أين توضع الخوارزمية، ومن يمتلكها، ومن يراقبها، ومن يتحمل نتائجها. ولذلك فإن المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي وحده، وإنما في السلطة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي. وهو امر سابق على الذكاء الاصطناعي اقصد العلاقة مع الالة فقد ظهرت مباحث كثيرة في هذا الحقل خصوصا مع مدرسة فرانكفورت وما تم تناوله من علاقة مع الاله وهذا الامر نستطيع ان نجعل الذكاء الاصطناعي جزء منه أي انه ليس بالجزء الجديد بل تفرع مهم فقد تكون الخوارزمية محايدة في صيغتها الرياضية، لكن البيانات التي تتعلم منها قد تكون منحازة، والمؤسسة التي تستخدمها قد تكون منحازة، والغاية التي توجهها قد تكون منحازة. ولهذا فإن أخطر سؤال ليس: هل الذكاء الاصطناعي ذكي؟ بل: من يضع له السؤال؟ ومن يملك حق استخدام جوابه؟ وهذا واضح في الاحداث الاخيرة المنطق وما رافقها من توظيف للممكنات التي يوفرها الذكاء الاصطناعي انه الانسان.

وهنا نصل إلى البعد الأخلاقي. لا يمكن بناء مستقبل الذكاء الاصطناعي بالاعتماد على الكفاءة التقنية وحدها. فكلما ازدادت قدرة التكنولوجيا ازدادت الحاجة إلى الأخلاق. إن نظامًا قادرًا على التنبؤ بالسلوك يمكن أن يساعد في حماية المجتمع، لكنه يمكن أيضًا أن يتحول إلى أداة للمراقبة. ونظامًا قادرًا على تحليل المعلومات يمكن أن يساعد الباحث، لكنه يمكن أيضًا أن يسهم في إنتاج التضليل. وأداة قادرة على توليد المحتوى يمكن أن توسع الإبداع، لكنها تستطيع أيضًا أن تجعل الكذب أكثر سرعة وانتشارًا.

لذلك فإن التقدم التقني لا ينبغي أن يقاس فقط بما تستطيع الآلة أن تفعله، بل بما ينبغي لها أن تفعله. وهذه هي النقطة التي ينتقل فيها النقاش من التكنولوجيا إلى الفلسفة. وهو الحق التي ابدع فيه الفلاسفة من تقديم رؤية معمقة للموضوع، وفي نفس السياق تأتي هذه المحاضرة في قسم الفلسفة اذ يمكن لنا التأكيد على ان الذكاء الاصطناعي يكشف أن الإنسان لم يعد يعيش فقط في عالم من الأشياء، وإنما في عالم من الأنظمة الذكية التي تتوسط علاقته بالأشياء وبالآخرين وبالمعرفة نفسها. وهذا يفرض علينا إعادة التفكير في مفاهيم الحقيقة، والسلطة، والمسؤولية، والإبداع، والتعليم، والعمل، وحتى معنى الخبرة الإنسانية.

لكن ايضا ممكن القول ان أعظم أثر للذكاء الاصطناعي أنه يجبر الإنسان على إعادة اكتشاف ما هو إنساني فيه. وهو امر مهم بل حيوي، فحين تستطيع الآلة كتابة نص، نسأل: ما الذي يجعل الكتابة تجربة إنسانية؟ وحين تستطيع تحليل البيانات، نسأل: ما الذي يجعل المعرفة أكثر من مجرد معالجة للمعلومات؟ وحين تستطيع إنتاج صورة أو لحن، نسأل: هل الإبداع مجرد تركيب أم أنه يتضمن تجربة وذاكرة وقصدًا ومعنى؟ وحين تستطيع اقتراح قرار، نسأل: أين تبدأ المسؤولية وأين تنتهي؟ وهي اسئلة حيوية ومن مهام الفلسفة ومن الضروري مناقشتها ومحاولة استنباتها في حقول وقضايا متنوعة حتى نكون ازاء اجابات تقدم حلول للواقع وتفتح سؤال حول الممكن، وبذلك يتحول الذكاء الاصطناعي من مجرد موضوع تقني إلى مرآة فلسفية للإنسان. إنه لا يكشف فقط ما تستطيع الآلة أن تفعله، بل يكشف أيضًا ما كنا نظنه حكرًا على الإنسان، وما ينبغي لنا أن نعيد تعريفه.

ولعل المفارقة الأجمل أن التكنولوجيا التي يخشى البعض أن تجعل الإنسان أقل إنسانية يمكن أن تدفعه، إذا أحسن استخدامها، إلى سؤال أكثر عمقًا عن إنسانيته.

إن العصر القادم لن يكون عصر الإنسان الذي يستغني عن الآلة، ولا عصر الآلة التي تستغني عن الإنسان، وإنما عصر العلاقة الجديدة بينهما. وسيكون التفوق الحقيقي للمجتمعات التي لا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه آلة لإنتاج الأجوبة فحسب، بل بوصفه أداة لتوسيع مجال السؤال والممكن.

فالذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يكون بديلًا عن العقل، بل مجالًا جديدًا لاختبار العقل. ولا ينبغي أن يلغي الباحث، بل أن يمنحه قدرة أكبر على البحث. ولا ينبغي أن يحل محل المعلم، بل أن يدفع التعليم من تلقين المعرفة إلى صناعة القدرة على التفكير.

ولا ينبغي أن يحل محل الإنسان في اتخاذ القرارات الأخلاقية، بل أن يجعل الإنسان أكثر وعيًا بمسؤوليته عنها. وفي النهاية، ليست القضية أن الآلة أصبحت ذكية، وإنما أن الإنسان أصبح مطالبًا بأن يكون أكثر وعيًا بذكائه وحدوده ومسؤوليته.

لقد كان السؤال القديم: ماذا يستطيع الإنسان أن يعرف؟ أما سؤال عصر الذكاء الاصطناعي فيمكن أن يصبح: ماذا يفعل الإنسان بالمعرفة عندما تصبح القدرة على إنتاجها أسرع من قدرته على فهم آثارها؟

وهنا تبدأ المسألة الفلسفية الحقيقية؛ لأن المستقبل لا تصنعه الآلات وحدها، بل تصنعه الطريقة التي يختار بها الإنسان أن يعبر بها من المعرفة إلى الفعل، ومن القدرة إلى المسؤولية، ومن الإمكان التقني إلى الإمكان الإنساني. فالمشكلة ليست أن الذكاء الاصطناعي يفتح أبوابًا كثيرة، وإنما أن علينا أن نتعلم أي باب يستحق العبور.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

 

من البديهيات العلمية والتي لا تثير نقاشا وجدالا، هي أن العقل البشري متماثل بين البشر.. فالباري عز وجل خلق عقولنا جميعا بطريقة واحدة، وأودع فيها إمكانات وقدرات واحدة.. ولكن وبفعل الثقافة وسبل التنشئة والأعراف والتقاليد والبيئة الاجتماعية التي يعيشها الإنسان أضحى بفعل هذه العوامل، لكل عقل بشري إطار يؤطره ومنظار ينظر من خلاله إلى الكون وشؤون الحياة المختلفة..

لهذا نجد أن بعض القضايا والأمور لدى إنسان أنها عين الصواب، وهي ضرورة الحياة التي لا غنى عنها، ويقابله إنسان آخر يرى عكس هذه الرؤية.. إن هذا الاختلاف والتباين، لا ينم عن اختلاف في العقل، وإنما يكشف عن اختلاف وتباين في العقلية.. وهذه العقلية هي نتاج كل العوامل والشروط الثقافية والاجتماعية التي يخضع إليها الإنسان أو يعيشها.. لأن الأنظمة الاجتماعية والمعايير القيمية الحياتية، تتبدل أو تتراجع أو تتقدم تبعا لتغير المجتمع في أنماط حياته وسلوكه العام..

فالمشاكل والتحولات الاجتماعية التي يعيشها الإنسان الفرد أو الجماعة، هي مشاكل من صنع المجتمع ذاته وطبيعة الثقافة السائدة فيه..

فإذا كانت الثقافة السائدة ترذل قيمة العمل، ولا تحترم الجهد العملي الذي يبذله الإنسان في سبيل تحصيل رزقه أو تطوير أحواله، فإن هذه الثقافة ستقود إلى وقائع اجتماعية وأنماط حياة ومعايير عامة للتفضيل متناغمة وهذه النوعية من الثقافة.. وهكذا نستطيع القول: أن المشاكل الاجتماعية ليست مشاكل عقلية، وإنما هي مشاكل نتاج خيارات المجتمع الثقافية والسلوكية.. ويشير إلى هذه الحقيقة المفكر الراحل (على الوردي) في كتابه (خوارق اللاشعور) بقوله: بأن أصحاب المنطق القديم يعتبرون المشاكل الاجتماعية هي مشاكل عقلية من الممكن حلها عن طريق الوعظ والإرشاد ولا دخل للظروف الاجتماعية فيها.. وكما يقولون إذا أصلحت العقول استقامت الأمور! في حين أن العقل هو نتاج اجتماعي ومن صنع المجتمع والثقافة السائدة فيه، حيث تنمو فيه قدرات الإنسان الذهنية والمعرفية.. فإذا وجدنا أفرادا يمارسون عادات وتقاليد غير صحيحة فلا يكفي لإصلاحهم أن ندعوهم إلى التفكير السليم، لأنهم يعتقدون بأن ما اعتادوا عليه هو الصحيح وما يعتقد به الآخرون فهو خطأ.. ولذلك يميلون إلى الاعتداء على من يخالفهم في رأي أو عقيدة، وهذا هو شكل من أشكال التعصب العقلاني..

والذي يزيد هذه الحالة انتشارا وشيوعا في مجتمعاتنا، هو نزعة الإنسان لتعميم قناعاته واستخدام في بعض الأحيان وسائل قسرية لتعميم أفكاره وقناعاته..

مما يفضي إلى صراعات وصدامات من جراء هذه النزعة والسعي الحثيث لخلق التماثل والتطابق بين قناعات الآخرين وقناعات الممارس لهذه النزعة.. ولعل هذا هو الذي يفسر لنا اختلاف الأولويات والضروريات لدى الناس، حتى لو عاشوا في بيئة اجتماعية وثقافية واحدة.. فما هو ضروري لدي، ليس بالضرورة هو الضروري لدى الآخر..

وما يستحق التضحية لدي، ليس بالضرورة هو الذي يستحق التضحية لدى الآخر.. إن هذا الاختلاف والتباين، ليس وليد العقل الذي أودعه الباري عز وجل فينا، وإنما هو نتاج نوعية الثقافة وطبيعة الأعراف والتقاليد السائدة في المجتمع..

لهذا فإن عملية التغيير والإصلاح، لا تتم إلا بإصلاح الثقافة التي تحدد للإنسان منظارا ينظر من خلاله لشؤون حياته المختلفة.. وإن تغيير هذه الثقافة، لا يتم بالوعظ والإرشاد المجرد، وإنما يتطلب تغيير وقائع الحياة التي تعزز هذه القناعة لدى الإنسان..

ولعل هذا التغيير الذي يحدثه الإنسان في ثقافته ومنظومته القيمية كمدخل لإحداث التغيير في الحياة الاجتماعية والسياسية، هو ما تشير إليه الآية القرآنية الكريمة (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) فلكل إنسان حقيقته الخاصة، واستخدام القسر والقوة العارية لتعميم هذه الحقيقة، لا يفضي إلا إلى تشبث الناس بحقائقهم الخاصة، وضمور النزعة التواصلية، التي تبحث عن المساحات المشتركة وتثري واقع الحياة من روافد متعددة ومتنوعة..

وبفعل هذه الحالة تبرز في حياة الفرد والمجتمع حالة المفارقات على مستوى القيم والسلوك.. فالقيم العامة تدعو إلى الجد والاجتهاد والمثابرة، ولكن واقع الإنسان يعيش الدعة والكسل.. والقيم تدعو إلى الترفع عن الأصول الترابية من عائلية وعشائرية وقبلية والواقع الاجتماعي يندفع بشكل أو بآخر نحو هذه الأصول والانتماءات..

وتستمر هذه المفارقات، وتخترق كل جوانب الحياة الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.. فباسم الوحدة نمارس وننتج القيم المضادة لها.. وباسم العدالة نؤسس للظلم المستديم في دوائر الحياة المختلفة.. وباسم قوامة الرجل على المرأة، يمارس أقسى أنواع العسف والظلم بحق المرأة.. وهكذا دواليك..

وستستمر هذه المفارقات في حياتنا العامة، ما دام التغيير الذاتي لم يتحقق لدى الإنسان..

من هنا فإن حجر الأساس في مشروع تحقيق التقدم النوعي في أي مجتمع، حينما تتسع دائرة الناس القادرين على تغيير ذواتهم وصياغتها وفق قيم العلم والعمل والحرية والعدالة.. ودون ذلك ستبقى كل هذه التطلعات بعيدة المنال وصعبة التحقيق.. والسبب في ذلك هو أن الإنسان لا يستطيع أن يمارس حريته ويحافظ عليها، وهو خاضع لحاجاته وأهواءه، كما أن الإنسان لا يستطيع أن يستفيد من علمه حق الاستفادة وهو يعيش الأغلال والأحقاد.. فكل القيم الفاضلة والنبيلة، لا يمكن أن تتحقق في واقع الإنسان الفرد والمجتمع، بدون تغيير الذات وتنقيتها من شوائب الأثرة والأنانية، وضبطها عن نزعات التسلط والطغيان.. وإن التغيير الذاتي هو الذي ينهي المفارقة بين القبول والفعل، وبحيث تبقى أفعالنا منسجمة مع أقوالنا، وسلوكنا الخاص والعام متناغما مع قيمنا العامة.. وبه تنتهي الثنائية والازدواجية بين الحياة الحقيقية التي يمارس الإنسان فيها ما يحلو له، وبين الحياة الظاهرية، التي يراعي فيها الإنسان اللياقة والآداب العامة.. بحيث تصبح حياتنا سوية – مستقيمة، بدون ازدواجية وثنائية وانفصام.. كما أن التغيير الذاتي هو الذي يوفر القاعدة النفسية والعقلية، لكي يمارس الإنسان دوره التاريخي في البناء والتنمية والعمران..

***

محمد محفوظ

لم تكن الصحافة مجرد أوراق تُطبع بالحبر وتوزَّع على القراء، بل كانت واحدة من أهم التحولات التي غيّرت علاقة الإنسان بالمعلومة والسلطة والمجتمع. فمنذ أن بدأ البشر يتبادلون الأخبار عن الحروب والملوك والكوارث والأسواق، ظل السؤال قائماً: كيف يمكن نقل الخبر إلى أكبر عدد ممكن من الناس، وبطريقة منتظمة وسريعة؟ ومن هذا السؤال الطويل ولدت الصحافة، التي عاشت قروناً من التطور حتى وصلت اليوم إلى الهاتف والشاشة والمنصات الرقمية.

من الأخبار المكتوبة إلى الجريدة المطبوعة

تعود جذور نقل الأخبار إلى عصور قديمة. ففي روما ظهرت لوحات إخبارية حكومية عُرفت باسم«أكتا ديورنا» ، كانت تسجل بعض الأحداث السياسية والاجتماعية اليومية، لكنها لم تكن صحيفة بالمعنى الحديث. وفي أوروبا خلال العصور الوسطى ظهرت نشرات مكتوبة بخط اليد، كان التجار وغيرهم يتداولونها، وغالباً ما كانت تتناول حدثاً واحداً مثل معركة أو كارثة أو مناسبة عامة. ومن الأمثلة المبكرة روايات شاهد عيان عن معركة«فلودن»  سنة 1513.

ومع ازدياد الحاجة إلى الأخبار، برزت في البندقية خلال القرن السادس عشر منشورات أسبوعية حملت أخبار الحروب والسياسة في إيطاليا وأوروبا. وكانت هذه المنشورات خطوة مهمة نحو ظهور الصحيفة الحديثة، لأنها اتسمت بالتكرار والانتظام ووصلت إلى جمهور أوسع من الأخبار المكتوبة باليد.

لكن التحول الحقيقي جاء مع اختراع الطباعة. فقد أدى انتشار تقنية الطباعة إلى جعل إنتاج النصوص أسرع وأكثر قدرة على الوصول إلى أعداد كبيرة من القراء. وفي هذا السياق، يُنسب إلى الألماني (يوهان كارولوس) إصدار أول صحيفة مطبوعة في العالم بمدينة ستراسبورغ عام 1605، تحت اسم

 «Relation aller Fürnemmen und gedenckwürdigen Historien».

 وكان كارولوس قد بدأ بإعداد نشرات إخبارية بخط اليد، ثم انتقل إلى طباعتها بعد ارتفاع الطلب عليها.

أوروبا تكتشف قوة الخبر

خلال القرن السابع عشر بدأت الصحف تنتشر في عدد من المدن الأوروبية. ظهرت منشورات في هولندا وألمانيا وبولندا وإنجلترا وفرنسا، وأصبحت الصحيفة تدريجياً وسيلة منتظمة لجمع الأخبار من مصادر مختلفة.

وفي أمستردام ظهرت منشورات إخبارية اعتمدت على الأخبار الأجنبية والترجمات، بينما ظهرت في فرنسا سنة 1631 صحيفة«لا غازيت» ، التي ارتبط اسمها بالصحافة الفرنسية المبكرة. وفي البرتغال ظهرت الصحافة المطبوعة سنة 1641، ثم ظهرت الصحافة الإسبانية في القرن نفسه. كما شهدت السويد ظهور صحيفة سنة 1645، وهي من أقدم الصحف التي استمرت، وإن كانت اليوم تعمل إلكترونياً فقط.

ولم تكن الصحافة في بداياتها حرة كما نعرفها اليوم. فقد كانت الحكومات تفرض الرقابة على الصحف، وكانت بعض المطبوعات تركز على الأخبار الخارجية وأسعار السلع، وتتجنب انتقاد السلطة. لكن تخفيف الرقابة، خصوصاً في إنجلترا سنة 1695، فتح الباب أمام ازدهار الصحف في لندن وغيرها.

الصحافة والأدب.. علاقة بدأت ثم تحولت

في بداياتها كانت الصحافة قريبة جداً من الأدب. فقد تبادلت الصحف مع الأدباء المقالات والقصص والخاطرات والتأملات والمواد الثقافية. وكان (دانييل ديفو) من أبرز الشخصيات التي جسدت هذا التداخل؛ فقد مارس الصحافة وكتب الأدب في الوقت نفسه، وكان من أوائل من اهتموا بأخبار الأسواق والحوادث والجرائم والرياضة والنقد الأدبي والمسرحي.

ولم يكن ديفو صحفياً فقط، بل كان صاحب الرواية الشهيرة«روبنسون كروزو» ، وهو ما يكشف طبيعة العلاقة المبكرة بين الصحافة والأدب. ومع مرور الزمن بدأت الصحافة تبني هويتها الخاصة، فلم تعد موجهة إلى النخبة الأدبية وحدها، وإنما أصبحت وسيلة جماهيرية تخاطب شرائح المجتمع المختلفة.

ومع ذلك لم تنقطع العلاقة بين الصحافة والأدب تماماً. فقد ظهرت لاحقاً اتجاهات مثل: الصحافة الجديدة والصحافة الأدبية، التي استخدمت الأساليب الأدبية في كتابة التحقيقات والريبورتاجات، وبرز فيها كتاب مثل (توم وولف) و(ترومان كابوتي) و(غابرييل غارسيا ماركيز).

عندما أصبحت الصحافة سلطة

مع تطور المجتمع والصناعة والتكنولوجيا، لم تعد الصحيفة مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبحت قوة سياسية واجتماعية مؤثرة. فقد ساهمت الثورات والحروب والتحولات الكبرى في زيادة أهمية الصحافة، وكانت الثورة الفرنسية عام 1789 إحدى المحطات التي كشفت بوضوح قدرتها على التأثير في الرأي العام.

ثم جاءت الحروب النابليونية والحربان العالميتان والحرب الباردة، لتصبح الصحافة جزءاً أساسياً من الصراع السياسي والإعلامي. وفي المقابل، أثبت الصحفيون أن الصحافة تستطيع كشف الفساد ومواجهة أصحاب النفوذ. ومن أشهر الأمثلة تحقيقات (كارل برنستين) و(بوب وودورد) في صحيفة«واشنطن بوست» التي ارتبطت بفضيحة ووترغيت وأسهمت في إسقاط الرئيس الأميركي (ريتشارد نيكسون).

لكن هذا الوجه المشرق لم يمنع وجود وجه آخر مظلم؛ فقد استخدمت بعض الصحف الدعاية والتضليل، وحرضت ضد أقليات وشعوب، وتبنت خطاباً عنصرياً، أو تحولت إلى أدوات بيد الحكام والأنظمة السياسية. وهكذا ظلت الصحافة سلاحاً ذا حدين: يمكن أن تكون صوتاً للحقيقة، كما يمكن أن تتحول إلى أداة للتلاعب بالرأي العام.

الصحافة العربية.. بداية متأخرة ومسيرة حافلة

وصلت الصحافة الحديثة إلى العالم العربي في سياق التحولات السياسية والثقافية التي شهدتها المنطقة. وكانت مصر من أهم مراكز انطلاق الصحافة العربية، إذ ظهرت«الوقائع المصرية» سنة 1828 في عهد (محمد علي)، واستمرت لعقود، وتولى تحريرها عدد من الشخصيات الفكرية والسياسية البارزة، كما صدرت بالعربية والتركية.

وفي لبنان ظهرت الصحافة السياسية في بيروت خلال القرن التاسع عشر، ومن أبرز محطاتها جريدة«حديقة الأخبار» التي أسسها (خليل الخوري) سنة 1858. أما تونس فشهدت ظهور«الرائد التونسي» سنة 1860، وكان من أهدافها نشر التنوير والإصلاح. وفي مناطق عربية أخرى أخذت الصحافة تتوسع تدريجياً، حتى أصبحت الصحيفة جزءاً من الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية.

كما تطورت المصطلحات التي تصف هذه المهنة، فاستُخدمت كلمات مثل: «جورنال» و«صحيفة» و«جريدة» و«صحافة»، وهي ألفاظ أصبحت مرتبطة بمهنة نقل الأخبار وصناعة الرأي العام.

الثورة الصناعية تصنع العصر الذهبي للصحافة

كان القرن التاسع عشر مرحلة ذهبية للصحافة الورقية. فقد ساعدت المطابع الحديثة والورق الأرخص والآلات الجديدة والسكك الحديدية والتلغراف على إنتاج الصحف بكميات أكبر ونقلها إلى مسافات أبعد.

وفي الولايات المتحدة، ارتفع عدد الصحف بصورة كبيرة، وظهرت صحف جماهيرية بأسعار منخفضة، بينما أصبحت المنافسة بين المؤسسات الصحفية أكثر شدة. وفي منتصف القرن التاسع عشر وصل عدد الصحف اليومية والأسبوعية إلى أرقام كبيرة، ثم ظهرت وكالات الأنباء مثل«أسوشيتد برس» ، وأسهمت خدمات الأخبار الدولية في تغيير طريقة جمع المعلومات وتوزيعها.

ومع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ظهرت صحافة جماهيرية ضخمة، لكن المنافسة الشديدة أدت أحياناً إلى ما عُرف بـ«الصحافة الصفراء»، التي اعتمدت الإثارة والمبالغة من أجل جذب أكبر عدد من القراء.

من ملايين النسخ إلى شاشة الهاتف

بلغت الصحافة الورقية ذروة انتشارها خلال القرن العشرين. تحولت الصحف من منشورات صغيرة إلى مؤسسات ضخمة تضم عشرات الصفحات والأقسام السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية والاجتماعية. ووصل توزيع بعض الصحف إلى ملايين النسخ، وأصبحت مؤسسات مثل «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«الغارديان» و«التايمز» وغيرها علامات بارزة في عالم الإعلام.

لكن التكنولوجيا التي ساعدت الصحافة على الانتشار كانت نفسها التي وضعتها أمام أكبر تحدٍّ في تاريخها. ففي بداية القرن الحادي والعشرين بدأت الصحف الكبرى بإطلاق مواقعها الإلكترونية، وانتقل جزء كبير من الجمهور من الورق إلى الإنترنت. وأصبح الخبر يصل إلى القارئ خلال ثوانٍ، من دون انتظار الطباعة أو التوزيع.

وهنا بدأت رحلة الصحافة الورقية نحو التراجع. لم يعد القارئ مضطراً إلى شراء صحيفة في الصباح لمعرفة ما حدث في العالم؛ فالهاتف أصبح صحيفة ومذياعاً وشاشة أخبار في آن واحد. ومع ذلك، لم تختفِ الصحافة، بل تغير شكلها ووسائلها.

الصحافة لا تموت.. بل تتغير

إن تاريخ الصحافة هو في الحقيقة تاريخ تطور الإنسان في بحثه عن المعرفة. بدأت بخبر مكتوب باليد، ثم تحولت إلى نشرة مطبوعة، ثم إلى جريدة يومية، ثم إلى مؤسسة إعلامية ضخمة، وأخيراً إلى منصة رقمية تصل إلى العالم كله.

قد تختفي الورقة تدريجياً من أيدي القراء، وقد تتراجع المطابع والتوزيع التقليدي، لكن الحاجة إلى الخبر والتحليل والتحقيق والرأي لن تختفي. فالإنسان سيبقى بحاجة إلى من يبحث عن الحقيقة، ويتحقق من المعلومات، ويطرح الأسئلة الصعبة، ويحاسب أصحاب السلطة.

ولهذا فإن مستقبل الصحافة لا يتعلق ببقاء الورق بقدر ما يتعلق ببقاء جوهر المهنة: الحقيقة، والتحقق، والمسؤولية، وحرية التعبير. فالصحافة التي بدأت قبل قرون بورقة بسيطة استطاعت أن تصبح واحدة من أقوى أدوات تشكيل الوعي الإنساني، وربما يكون انتقالها من الورق إلى العالم الرقمي مجرد فصل جديد في قصة طويلة لم تنتهِ بعد.

***

رمزي ميركاني

والحاضر الذي نعيشه والمستقبل الذي نصنعه

يعد خط الزمن من المفاهيم التي تستوقف الإنسان عندما يتأمل حياته وما مر به من أحداث وتجارب وما ينتظره من أيام قادمة؛ فالإنسان لا يعيش لحظته الحاضرة منفصلًا عن ماضيه، ولا يستطيع أن ينظر إلى مستقبله دون أن يحمل معه شيئاً من تجاربه السابقة. ولذلك فإن علاقتنا بالماضي والحاضر والمستقبل تشكل معلماً مهماً من طريقة تفكيرنا ونظرتنا إلى الحياة وتعاملنا مع ما نواجهه من أحداث ومواقف. وأشخاص فالإنسان قد يجعل من الزمن مصدراً للقوة إذا أحسن التعامل معه واستافد من جوانب مهمة في حياته المهنية والاجتماعية والشخصية، وقد يجعله مصدراً للألم والتعب والإرهاق إذا بقي أسيراً مكبلاً لما مضى أو مرعوباً وخائفاً مما سيأتي من القادم في المستقبل الذي ينتظره.

وقد تناول عدد من المتخصصين مفهوم خط الزمن في مؤلفات وتطبيقات مختلفة منهم الذي اكتشفه (تاد جيمس) وكتب فيه أيضاً (عبد الناصر الزهراني، ووايت وود سمول)، لما لهذا المفهوم من أهمية في فهم الطريقة التي يستحضر بها الإنسان ماضيه، ويعيش بها حاضره، ويتطلع بها إلى مستقبله. غير أن الأهم من فهم خط الزمن هو أن ندرك كيف يمكن أن نجعل علاقتنا بالزمن أكثر وعياً وتوازناً وحكمة؛ فنأخذ من الماضي خبرته ونتعلم ما نجحنا فيه ونتفادى ما أخطأنا فيه وفشلنا في تحقيقه لنأخذ العظات والدروس والعبر، ومن الحاضر فرصته لنعمل ونجتهد ونوظف قدراتنا وطاقاتنا بأفضل طريقة وصورة نستطع أن نستخرج ما نملكه ونوظفه في عملنا وحياتنا وظروف معيشتنا، ومن المستقبل رؤيته والحلم الذي نخطط له ونهدف الوصول إلى أهدافه، بدل أن يتحول الماضي إلى حزن وكآبة، والحاضر إلى عجز وضعف وهوان، والمستقبل إلى خوف ورعب وقلق دائم يسجننا في أوهامنا وهواجسنا التي نكبل طاقاتنا.

إن الماضي يمثل جزءاً أصيلاً من حياتنا؛ ففيه تجاربنا الأولى، ونجاحاتنا وإخفاقاتنا، وأفراحنا وأحزاننا، ومواقف القوة والضعف، والقرارات التي أصبنا فيها والقرارات التي أخطأنا ارتكبناها، وكل ما مررنا به من أحداث تركت أثراً في شخصياتنا وطريقة تفكيرنا ومشاعرنا. لكن الماضي لا ينبغي أن يكون مكاناً نقيم فيه، وإنما مدرسة نتعلم منها؛ لأن الإنسان الذي يعود إلى ماضيه بهدف التعلم يزداد خبرة ووعياً، أما الذي يعود إليه كل يوم ليعيد الحزن والندم والخذلان والإحباط، فإنه يسمح للماضي بأن يستنزف قواه وحاضره ويضعف قدرته على التقدم والاستمرارية.

ولذلك فإن الحكمة ليست في أن ننسى الماضي أو ننكر ما حدث فيه، وإنما في أن نأخذ منه الدرس ونترك الألم، وأن نستفيد من التجربة دون أن نبقى أسرى لها. فالفشل الذي مررنا به يمكن أن يتحول إلى خبرة، والخسارة يمكن أن تعلمنا كيف نحسن الاختيار، والخذلان يمكن أن يجعلنا أكثر وعياً بعلاقاتنا، والألم يمكن أن يمنحنا قدرة أكبر على فهم أنفسنا والآخرين وتجاوز محطات كانت تمثل ثقلاً وإخفاقاً لنا. وقد يمر الإنسان بتجربة يظن في لحظتها أنها نهاية الطريق، ثم يكتشف بعد سنوات أنها كانت درساً غير طريقة تفكيره ونظرته إلى الحياة.

ومن هنا يأتي التوجيه القرآني العظيم: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ (الحديد: 23)، فليس المقصود أن يفقد الإنسان مشاعره تجاه ما يحدث له، وإنما ألا يسمح لما مضى أن يسيطر على حاضره، وألا يجعل ما فقده سبباً دائماً للندم والحسرة والانكسار الدائم الذي يزلزل كيانه ويضعف قواه. فالأيام تمضي، والأحداث تتغير، والإنسان ينضج ويعي، وما كان بالأمس مصدراً للألم قد يصبح اليوم مصدراً للأمل والحكمة والفائدة المرجوة.

والمشكلة تبدأ عندما يتحول الماضي من مصدر للخبرة إلى مصدر دائم للإحباط واليأس والحزن، فيظل الإنسان يستعيد المواقف القديمة وكأنها تحدث أمامه من جديد، ويتذكر الكلمات التي آلمته، والفرص التي ضاعت منه، والأشخاص الذين خذلوه، والأوقات التي شعر فيها بالعجز أو الضعف، ثم يبني على تلك الذكريات حكماً قاسياً على حاضره ومستقبله. وهنا يصبح الماضي عبئاً نفسياً ثقيلاً، بدل أن يكون تجربة نتعلم منها ونستخلص منها ما فشلنا به ونحوله لنجاحات تترى وتتوالى علينا.

أما الحاضر فهو المساحة الحقيقية التي يستطيع الإنسان أن يتحرك فيها ويصنع شيئاً مميزاً ومختلفاً؛ فهو اللحظة التي نملك فيها القدرة على التفكير والاختيار والعمل والتغيير. ولذلك فإن خسارة الحاضر بسبب الانشغال المفرط بالماضي أو الخوف المستمر من المستقبل، تعني أن الإنسان يفقد المساحة الوحيدة التي يستطيع فيها أن يفعل شيئاً ويحدث شرخاً في ما أستطاع الوصول إليه حتى يتمكن منه ويحققه.

وقد يعيش الإنسان بين ماض يرهقه ويحزنه ومستقبل يخيفه ويرعبه، فلا يجد في حاضره إلا الملل وقلة الحيلة؛ لأنه لا يستطيع أن يغير ما مضى، ولا يعرف كيف يستعد لما سيأتي من القادم من اليام حوله، فيظل واقفاً ومتجمداً في مكانه، يراقب حياته وهي تمضي دون أن يشارك في صناعتها. وتغييرها. وهنا تأتي أهمية أن يدرك الإنسان أن التغيير لا يبدأ غداً، وإنما يبدأ من هذه اللحظة، وأن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه على نفسه ليس فقط: ماذا حدث لي؟ ولا: ماذا سيحدث لي؟ وإنما: ماذا أستطيع أن أفعل الآن وأقوم بتغييره نحو الأفضل والأحسن؟

ومن هنا تظهر قيمة الرفض وعدم التسليم. فالإنسان الذي يريد أن يصنع تغييراً في حياته يحتاج إلى أن يرفض الاستسلام للظروف، لا أن ينكرها، وأن يرفض أن يجعل الفشل نهاية الطريق، وأن يرفض أن يجعل الألم هوية، وأن يرفض أن يصدق أن ما حدث في الماضي يجب أن يتكرر في المستقبل.

فالرفض الإيجابي لا يعني إنكار الواقع، وإنما يعني أن أقول: نعم، هناك صعوبة، ولكنني سأبحث عن الحل؛ نعم، حدث فشل، ولكنني سأتعلم منه؛ نعم، تعرضت للخذلان، ولكنني لن أسمح له بأن يدمر ثقتي بنفسي والحياة من حولي؛ نعم، تأخرت في بعض الأمور، ولكن ما زالت أمامي فرصة لأبدأ من جديد وأستعيد قوتي وقدراتي للعمل.

وهذا المعنى يلتقي بوضوح مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11). فالتغيير لا يبدأ دائماً من تغير الظروف، وإنما قد يبدأ من تغير الإنسان نفسه؛ من طريقة تفكيره، وتعديل مشاعره التي تدعمه وتدفعه للإعمال الصالحة والسليمة ويتخذ قرارات ملائمة، ومن نظرته إلى ما يواجهه، ومن استعداده للتحرك بدل الانتظار والتحسر على ما فات.

غير أن الرفض وعدم التسليم وحدهما لا يكفيان، فالرغبة في التغيير تحتاج إلى أخذ بالأسباب؛ لأن الأمنيات مهما كانت جميلة لا تصنع حاضراً إيجابياً ولا مستقبلًا مشرقاً ما لم تتحول إلى عمل، والأهداف لا تتحقق بمجرد التفكير فيها، وإنما تحتاج إلى تخطيط وتعلم ومثابرة واستمرار. فالإنسان الذي يريد أن ينجح في عمله عليه أن يطور نفسه، والذي يريد أن يحقق هدفاً عليه أن يحدد خطواته، والذي يريد أن يغير واقعه عليه أن يبدأ بما يستطيع فعله.

وهنا يأتي الحديث النبوي العظيم الذي يمكن أن يكون قاعدة لهذا المعنى كله: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز” رواه مسلم”. فالمؤمن لا يقف عند حدود التمني، ولا يستسلم للعجز، وإنما يبحث عما ينفعه، ويأخذ بالأسباب، ويستعين بالله.

وهكذا يصبح الأخذ بالأسباب هو الجسر الذي يصل بين الرغبة والنتيجة، وبين الحلم والإنجاز. وقد لا يملك الإنسان القدرة على التحكم في جميع الظروف المحيطة به، لكنه يستطيع أن يحدد إلى حد كبير كيف يستجيب لها، وما الذي يتعلمه منها، وما الخطوة التي يمكن أن يقوم بها في ظلها.

أما المستقبل فهو المساحة التي لم نعشها بعد، ولهذا فإنه قد يصبح في أذهان بعض الناس مصدراً للخوف والقلق والحزن والفزع. يبدأ الإنسان في معاناة أحداث لم تقع بعد، ويتخيل أسوأ الاحتمالات، ويضخم التحديات والصعوبات بشكل أكبر مما هي عليه واقعاً وحقيقة ويستهلك طاقته في سؤال: ماذا سيحدث؟ وماذا لو فشلت؟ وماذا لو تغيرت الظروف؟ وماذا لو لم أستطع أن أفعل كذا وكذا؟ وبذلك يعيش المستقبل قبل أن يأتي ويهول الأحداث قبل أن تكون واقعاً معاشاً، ويخسر حاضره بسبب خوفه وجزعه من غده.

وهنا نستحضر قول الله تعالى: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت: 30). وتأمل هذا التعبير العظيم: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾؛ فالخوف يرتبط غالباً بما هو آت وما لم يحدث بعد، بينما الحزن يرتبط بما مضى وفات ومات. وكأن الإنسان بين زمنين قد يستهلكان طاقته: ماض يحزنه ومستقبل يخيفه، بينما الحاضر هو المساحة التي يستطيع فيها أن يعمل ويغير ويصنع المجد والأثر.

ومن هنا يمكن أنا القول: الحزن على الماضي لا يعيد ماضيه، بل يخسر نفسه هماً غماً، والخوف من المستقبل لا يصنع له حلماً ولا رؤية تسره وتسعد كيانه، أما الحاضر فهو المساحة التي تستطيع أن تفعل فيها شيئاً إيجابياً يصحح مسار الماضي ويحسن من صورة المستقبل التليد.

وهذا لا يعني أن الإنسان لا يحزن ولا يخاف؛ فالحزن والخوف مشاعر إنسانية طبيعية يتعرض لها كل إنسان مهما علت رتبه أو قلت مناصبه، وإنما المقصود ألا يتحولا إلى حالة من الضعف والهوان تستولي على الإنسان وتمنعه من الحياة والعمل وتحرمه من النجاح والتوفيق. فالإنسان الواعي لا ينكر حزنه، ولكنه لا يسكن فيه، ولا يديم يأسه حتى لا يسجنه ويكبله ولا ينكر خوفه، ولكنه لا يسمح له بأن يقوده. إلى الهلع والجزع. بل يتعامل مع الماضي بالتعلم وأستخلاص ما بقي من الدروس التي تقوي عزيمته وتصحح مساره، ومع المستقبل بالاستعداد والتهيء، ومع الحاضر بالفعل والعلم الدؤوب والمتواصل.

ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث نفسه: «وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل » رواه مسلم. فهذه التربية النبوية تمنع الإنسان من الغرق في «لو» التي تعيد الماضي بصورة مؤلمة، وتدفعه إلى قبول ما وقع، والتعلم منه، ثم مواصلة الطريق غير آبه بما حصل له.

أما المستقبل فلا ينبغي أن يكون مساحة للفزع والخور، وإنما مساحة للاستعداد وتقوية النفس لمواجهة الحياة بكا صنوفها بقوة وبأس؛ فالإنسان لا يستطيع أن يعرف كل ما سيحدث غداً، لكنه يستطيع أن يطور نفسه اليوم، ويستعد للفرص والتحديات، ويضع أهدافه، ويخطط لخطواته، ويأخذ بالأسباب التي تساعده على الوصول إلى ما يريد.

وقد عبر القرآن الكريم عن هذا المعنى بوضوح حين قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (الحشر: 18). فالمستقبل هنا ليس مصدراً للهلع، وإنما دعوة إلى النظر والاستعداد والعمل: ماذا قدمت لغد؟ ماذا أعددت؟ ماذا تعلمت؟ ماذا أصلحت؟ وما الأثر الذي أريد أن أتركه؟

ومن هنا يمكن أن نفهم ذلك القول الذي يختصر كثيراً من معاني خط الزمن: إذا امتلكنا الرفض وعدم التسليم والأخذ بالأسباب، فلن يكون الماضي مجرد حزن واكتئاب وإحباط ويأس، ولن يكون الحاضر مللاً وقلة حيلة، ولن يكون المستقبل خوفاً وقلقاً وحزناً وفزعاً؛ بل يمكن أن يتحول الماضي إلى خبرة، والحاضر إلى فرصة، والمستقبل إلى رؤية وأمل.

وهذه الرؤية تجعل الإنسان أكثر قدرة على إعادة ترتيب علاقته بالزمن؛ فبدل أن ينظر إلى الماضي باعتباره سلسلة من الخسارات والفشل، يبدأ في البحث عن الدروس التي تركتها تلك التجارب، وبدل أن ينظر إلى الحاضر باعتباره واقعاً مفروضاً لا يستطيع تغييره، يبدأ في اكتشاف المساحات التي يستطيع أن يتحرك فيها، وبدل أن ينظر إلى المستقبل باعتباره مجهولاً مخيفاً، يبدأ في التعامل معه باعتباره مساحة تحتاج إلى رؤية واستعداد وعمل.

إن الإنسان لا يستطيع أن يعود إلى الأمس ليغير ما حدث، لكنه يستطيع أن يغير طريقة تعامله مع ما حدث، ولا يستطيع أن يعيش الغد اليوم، لكنه يستطيع أن يستعد له، أما اليوم فهو المساحة التي بين يديه. ولذلك فإن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يأخذ من الماضي حكمته لا أحزانه، ومن الحاضر فرصته لا عجزه، ومن المستقبل رؤيته لا مخاوفه.

وكم من تجربة مؤلمة تحولت مع مرور الوقت إلى درس ثمين، وكم من فشل كان بداية لنجاح جديد، وكم من شخص ظن أن الطريق انتهى به ثم اكتشف أن ما ظنه نهاية لم يكن إلا بداية لطريق آخر أكثر وعياً ونضجاً وقد قال تعالى: ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 5–6)، لتبقى في قلب الإنسان مساحة للأمل حتى في أشد لحظات العسر والشدة.

إن خط الزمن في حياتنا ليس مجرد انتقال من أمس إلى اليوم ومن اليوم إلى الغد، وإنما هو رحلة وعي نتعلم فيها كيف نقرأ ما مضى ونعتبره قاموس ودليل ومرشد لنا، وكيف نعيش ما هو حاضر ونستمتع بالرحلة بعد أن ننهمك في الوصول، وكيف نستعد لما هو قادم. والماضي مهما كان مؤلماً وقاسياً لا ينبغي أن يكون سجناً ومحبساً لنا، والحاضر مهما كان صعباً لا ينبغي أن يكون مساحة للاستسلام والتثبيط، والمستقبل مهما كان غامضاَ ومظلماً لا ينبغي أن يكون سبباً للفزع والسوادوية.

لقد مضى ما مضى، ولا نستطيع تغييره، لكننا نستطيع أن نتعلم منه ويكون بوصلة لنا. وهذا يومنا، ونستطيع أن نستثمره. وهذا مستقبلنا، ونستطيع أن نستعد له. وبين الماضي والمستقبل تقف لحظة الحاضر، وهي اللحظة التي نملك فيها القدرة على القرار والعمل.

ولذلك، فإن أجمل ما يمكن أن نقوله لأنفسنا ونحن ننظر إلى خط الزمن هو: لقد مضى ما مضى، وسأتعلم منه بدل أن أبقى أسيراً له، وهذا يومي وسأستثمره بدل أن أهدره، وهذا مستقبلي وسأستعد له بدل أن أخاف منه.

فالماضي ليس نهاية قصتنا، والحاضر ليس عجزنا، والمستقبل ليس خوفنا، وإنما الماضي خبرتنا، والحاضر مسؤوليتنا، والمستقبل رؤيتنا.

وقد لا نستطيع أن نختار كل ما يحدث لنا، لكننا نستطيع أن نختار كيف نتعامل معه، وقد لا نستطيع أن نغير اتجاه الرياح، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوجه شراعنا، وقد لا نستطيع أن نعود إلى الوراء، لكننا نستطيع أن نقرر من هذه اللحظة إلى أين نريد أن نمضي.

وعندما نرفض الاستسلام، ونأخذ بالأسباب، ونعيش الحاضر بوعي، وننظر إلى المستقبل برؤية وأمل، ونستعين بالله، يصبح الزمن الذي كان يمكن أن يكون مصدراً للحزن والقلق مجالاً للتعلم والنمو والإنجاز.

فلا تجعل الماضي يسكنك في الحزن، ولا تجعل المستقبل يسكنك في الخوف؛ خذ من الماضي درسه، ومن الحاضر فرصته، ومن المستقبل أمله. فما مضى لا يعود، وما سيأتي لم يأتِ، أما هذه اللحظة فهي حياتك التي بين يديك.

الماضي للتعلم، والحاضر للعمل، والمستقبل للاستعداد؛ فلا تحزن على ما مضى، ولا تخف مما لم يأتِ، وعش يومك مستعيناً بالله، آخذاً بالأسباب، مؤمناً بأن مع العسر يسراً.

***

د. أكرم عثمان

27-9-2026

ليست أخطر أزمات التدين أن يخطئ الإنسان في فهم مسألة ما، ولا أن يضيق أفقه في باب من أبواب المعرفة؛ فخطأ الفهم من طبيعة الإنسان، وضيق الأفق قابل للتوسعة بالتعلم والتجربة ومراجعة النفس والتقويم.. وإنما تبدأ الأزمة الحقيقية حين يتحول جهل الإنسان إلى يقين مطلق، وظنه إلى حكم ثابت؛ يدعوه إلى تحويل الاختلاف إلى خصومة، والخصومة إلى تفسيق أو تبديع أو تخوين، ثم ينتهي الأمر به إلى امتلاك مفاتيح الجنة والنار في الوعي الشخصي.. وعندها لا يصبح الدين -في نظره القاصر- حقيقة لبناء الإنسان؛ بل يصبح أداةً للحكم على الإنسان ومحاكمته وإرهابه!

ومن هنا يمكن النظر إلى أنماط متعددة من التفكير المنحرف أو المتشدد أو اللا أخلاقي أو الجاهل أو غير الواعي أو عديم الفقه أو ذي النظرة القاصرة الضيّقة.. على اختلاف صورها ومظاهرها، باعتبارها تلتقي أحيانًا عند دافع معرفي واحد؛ ألا وهو التشكيك الجهلي؛ وهو ذلك التشكيك الذي لا ينشأ عن بحث علمي، ولا عن سؤال معرفي نزيه، وإنما عن تصور مسبق يجعل المختلف موضع ريبة قبل أن يكون موضع فهم، فيسأل صاحبه: "كيف يمكن أن يكون على حق؟" قبل أن يسأل: "ماذا يقصد؟ وما دليله؟ وما سياقه؟ وما مدى دلالة كلامه؟".

وهنا يقع الانحراف الأصولي قبل أن يقع الانحراف الفقهي؛ لأن من أبجديات النظر المنهجي أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فمن لم يتصور كلام الآخر تصورًا صحيحًا، ولا عرف مقصده، ولا أحاط بسياقه، ثم أصدر عليه حكمًا، فإن حكمه لا يستند إلى العلم، ولو أكثر من الاستشهاد بالنصوص، فالنص الصحيح لا ينقذ دائمًا من سوء التنزيل، كما أن كثرة المحفوظات لا تعني بالضرورة سلامة الفهم لها.

إذن؛ المشكلة ليست في أن يختلف الناس؛ فالاختلاف سنة في العقل الإنساني، بل إن تاريخ العلوم الشرعية نفسه شاهد على أن اختلاف الأنظار لم يكن دائمًا علامة فساد، وإنما كان في كثير من صوره دليلًا على حيوية الاجتهاد واتساع النظر.. فالمشكلة تبدأ حين يتوهم أحدهم أن صحة ما يراه تستلزم بطلان كل ما عداه، وأن امتلاكه لدليل في مسألة ما يمنحه حق مصادرة نيات الآخرين ومقاصدهم ومآلاتهم.

وهذا هو الانتقال الخطير من فقه المسألة إلى محاكمة الإنسان وترويعه!

فثمة فرق عميق بين أن تقول: "هذا القول أراه خطأً"، وبين أن تقول: "صاحب هذا القول من أهل الخطأ والهلاك"؛ فالأول حكم معرفي قابل للنقاش والنظر والمراجعة، أما الثاني فهو انتقال من دائرة البحث في الأقوال إلى دائرة الحكم على المصائر، وبين الدائرتين مسافة أصولية وأخلاقية هائلة جدًا.

لقد نشأ في بعض البيئات الدينية وعيٌ غريب يجعل التدين أشبه بمحكمة دائمة للآخرين؛ فيصبح السؤال الأول عند رؤية المختلف: هل هو ناجٍ أم هالك؟ بدل أن يكون السؤال: ما الذي جعله يرى الأشياء بهذه الطريقة؟ وما مقدار الحق الذي يمكن أن يكون في كلامه؟ وما الذي يمكن أن نتفق عليه؟ وكيف يمكن أن نحفظ للإنسان كرامته ونحن نختلف معه؟

وهنا تتجلى إحدى أكثر المفارقات إيلامًا؛ أن يتحول التدين من وسيلة للارتقاء بالإنسان إلى وسيلة للاطمئنان إلى نجاته الشخصية عبر تخيل هلاك الآخرين.. وهنا تبرز أزمة عميقة جدًا تهدد حياة الناس وأمنهم!

والحال أن الإيمان لا يمنح الإنسان علمًا بالغيب لمجرد أنه آمن، والقرآن الكريم حين يتحدث عن الحكم على الناس لا يجعل المعيار هو مجرد الانتماء إلى صورة جماعية، ولا يفتح للإنسان بابًا مطلقًا إلى سرائر الخلق؛ بل يقرر قاعدة معرفية وأخلاقية شديدة العمق في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "مَنْ يُرِدِ اللهُ به خَيْرًا يُفَقِّهْه في الدِّينِ"، وهذا يؤكد أن العلم الحقيقي ليس مقتصرًا على مجرد امتلاك ظاهر النص؛ وإنما هو امتلاك لأهلية النظر والفهم فيما يراد الحكم عليه، وبين النص والحكم مساحات من الفهم والدلالة والسياق والمقصد والمآل لا يجوز اختصارها بعجلة نفسية تريد جوابًا سريعًا.

إن التشدد يبدأ غالبًا من اختزال العالم، فالعالم في العقل المتشدد بسيط أكثر مما ينبغي؛ فهو أبيض وأسود، حق وباطل، معنا وضدنا، ناجٍ وهالك.. لا مساحة للالتباس، ولا للجهل المعذور، ولا لتفاوت المدارك، ولا لاختلاف البيئات، ولا لتعقيد الإنسان، ولا لتداخل المصالح والظروف والتجارب.. كل شيء ينبغي أن يأخذ حكمًا نهائيًا، وكل إنسان ينبغي أن يوضع في خانة تحده!

لكن الإنسان ليس خانة! الإنسان تاريخ طويل من الضعف والقوة، والعلم والجهل، والصدق والخطأ، والنية والعمل، والظروف والاختيارات.. ولذلك فإن اختزال الإنسان في خطأ واحد، أو موقف واحد، أو عبارة واحدة، هو في جوهره اختزال للإنسان نفسه، والفقه الذي لا يرى هذه التعقيدات يتحول من علم لفهم الواقع إلى آلة لتصنيفه. ولذلك فإن الأزمة أعمق من "التشدد الديني" في معناه المتداول؛ إنها أزمة وعي ديني، والوعي الديني لا يعني أن تعرف الأحكام فحسب؛ بل أن تعرف حدود معرفتك بها، وأن تدرك الفرق بين القطعي والظني، وبين النص وتأويل النص، وبين الحكم على الفعل والحكم على الفاعل، وبين الخطأ والكفر، وبين المخالفة والعداوة، وبين النصيحة والإدانة، وبين الغيرة على الدين والرغبة في السيطرة على الناس باسم الدين.. إن الوعي ببساطة هو المعرفة المجردة عن الهوى والانتماء الطائفي..

وهذه التفرقة هي جوهر الفقه الراشد؛ فالفقه ليس كثرة الأحكام، وإنما حسن تنزيل الحكم على محله.. وليس العلم أن تعرف ما تقول فقط؛ بل أن تعرف متى تقول، وكيف تقول، ولمن تقول، وما الذي يترتب على قولك.. ولهذا كان النظر في المآلات جزءًا من العقل الفقهي؛ لأن الكلمة التي تُقال باسم الحق قد تُنتج باطلًا في الواقع إذا أُخرجت من سياقها، أو قيلت بغير ميزان، أو تحولت من إصلاح إلى تحريض، ومن نصح إلى احتقار..

ومن هنا أيضًا يمكن فهم خطورة الصبغة الشكلية للتدين حين تستولي على الوعي؛ إذ قد يصبح المظهر معيارًا للحقيقة، والشكل بديلًا عن المقصد، والجزئي حجابًا عن الكلي، والهيئة الخارجية معيارًا للحكم على عمق الإنسان.. وليس الخطر هنا في الشكل ذاته، فالشرائع لا تخلو من صور وهيئات وأحكام ظاهرة، وإنما الخطر حين يُختزل الدين في الشكل ويُنسى المعنى الذي من أجله شُرع الشكل.. فالدين الذي يعلّم الإنسان الطهارة الظاهريّة ولا يعلّمه طهارة القلب؛ ويعلّمه ضبط اللسان ولا يعلّمه حرمة الكرامة الإنسانية؛ ويعلّمه الحكم على الأفعال ولا يعلّمه التثبت في الحكم على أصحابها؛ إنما هو دين يحتاج إلى مراجعة في طريقة فهمه لا إلى مزيد من الشعارات حوله.

إن أخطر أشكال الجهل ليس أن يجهل الإنسان معلومة، وإنما أن يجهل أنه يجهل! فالجاهل البسيط يمكن تعليمه، أما الجاهل المركب فلا، لأنه لا يبحث عن الحقيقة؛ فهو يعتقد أنه يمتلكها كاملة أساسًا.. ولذلك فإن التشكيك الجهلي أخطر من السؤال الصادق؛ لأن السؤال يفتح العقل، أما الشك المتعصب فيغلقه ثم يضع على إغلاقه اسم "اليقين"!

ومن هنا يصبح المختلف في نظره مشبوهًا قبل أن يكون مخالفًا، وتصبح مخالفته دليلًا على سوء قصده، ثم يصبح سوء قصده دليلًا على فساد دينه، ثم يصبح فساد دينه مقدمة للحكم على مصيره.. وهكذا تتحول سلسلة من الافتراضات غير المبرهنة إلى يقين أخروي كاذب.

وهذه قفزة لا يبررها الفقه ولا تستسيغها الأخلاق.. فالقول بأن "الآخر هالك" هو موقف من وجود الإنسان نفسه، ولذلك ينبغي أن يكون الوعي الديني شديد الحذر في التعامل مع أحكام المصير.. فالإنسان يستطيع أن يناقش فكرة، وأن يرد قولًا، وأن يبيّن خطأ منهج، وأن يرفض سلوكًا؛ لكنه لا ينبغي أن يتعامل مع مصائر الناس وكأنه يقف في موضع القضاء الإلهي المطلق!

بل إن من أعمق مفارقات التدين أنه كلما ازداد الإنسان وعيًا بعظمة الله المطلقة، ازداد تواضعه في الحكم على عباد الله؛ لأنه يعرف أن الله أعلم بالسرائر، وأعلم بالظروف، وأعلم بما وراء الكلمات والأفعال، وأعلم بمن بلغه الحق وكيف بلغه، وما فهمه منه، وما عجز عن فهمه، وما حمله على اختياره.. ولهذا فإن التدين الحقيقي لا يقتل الإنسان باسم الدين، ولا يحتقر الإنسان باسم الحقيقة، ولا يجعل الاختلاف سببًا لإهدار كرامته.. فالإنسان يبقى هو الإنسان؛ له حرمة، وله كرامة، وله حق الأمن والعيش، وله حق في أن يُفهم قبل أن يُدان.

إن مجرد كونك متدينًا لا يمنع كونك إنسانًا.. بل لعل التدين الحقيقي هو أن تصبح إنسانًا أكثر إنسانية، فالدين لا يأتي ليحرر الإنسان من إنسانيته، وإنما جاء ليهذبها ويرفعها من مستوى الغريزة إلى مستوى المسؤولية، ومن الأنانية إلى الرحمة، ومن الفوضى الداخلية إلى المعنى المثالي، ولذلك فإن العلاقة بين التدين والإنسانية ليست علاقة تناقض؛ إذ لا قيمة لتدين يُنتج قسوةً تُهين الإنسان، ولا معنى لعبادة تنتهي إلى احتقار الخلق.

والدين الذي يحب الله لا يمكن أن يكون معاديًا للإنسان الذي خلقه الله، فحتى الكافر نفسه ــمن حيث كونه إنسانًاــ لا يفقد إنسانيته، ولا تسقط عنه كرامته الإنسانية لمجرد اختلاف اعتقاده، فالاختلاف العقدي لا يبرر الظلم، والاختلاف الفكري لا يبرر الإهانة، والمخالفة الدينية لا تبيح العدوان، فيمكن للإنسان أن يعتقد أن عقيدة ما باطلة؛ وأن يناقشها؛ وأن يرفضها؛ وأن يبيّن ما يراه من خطئها، دون أن يتحول رفض الفكرة إلى كراهية للإنسان ذاته.

وهنا يظهر الفارق بين دين يبني الضمير ودين يُستعمل لتغذية الأنا؛ فالأول يجعل الإنسان أكثر رحمة، وأكثر احتياطًا في الحكم، وأكثر قدرة على الاعتراف بالخطأ، وأكثر تواضعًا أمام الحقيقة. أما الثاني فيمنح صاحبه شعورًا بالامتياز، ثم يحول هذا الامتياز إلى حق مزعوم في مراقبة الآخرين وتصنيفهم والحكم عليهم!

ولذلك فإن معركة الوعي الديني ليست مع كثرة المعلومات، وإنما هي مع طريقة استعمال تلك المعلومات، فقد يحمل الإنسان آلاف النصوص ولا يملك فقهًا واحدًا في تنزيلها، وقد يحفظ عشرات الأحكام ولا يعرف مقصدًا واحدًا من مقاصد التشريع، وقد يكثر حديثه عن السنة وهو عاجز عن ممارسة أدنى أخلاقها في تعامله مع المخالف!

إن المعرفة حين تنفصل عن الأخلاق تصبح أداة للهيمنة، كما أن التدين حين ينفصل عن الرحمة يتحول إلى قسوة مقدسة، والفارق بين العالم والمتشدد ليس دائمًا في مقدار ما يعرفه كل منهما؛ بل في كيفية تعامله مع ما لا يعرفه، فالعالم يقول: "لا أعلم"، أما المتشدد فيقول: "أعلم ما في قلبك"!

العالم يميز بين ما ثبت وما لم يثبت، أما المتشدد فيحوّل الاحتمال إلى يقين.. العالم يفرّق بين الحكم على القول والحكم على قائله، أما المتشدد فقد يجعل القول طريقًا سريعًا إلى محاكمة صاحبه.. العالم يعرف أن الحقيقة أكبر من ذاته، أما المتعصب فيجعل ذاته معيارًا للحقيقة..

ومن هنا؛ فإن إصلاح الخطاب الديني لا يبدأ دائمًا بإضافة نص جديد إلى المكتبة، وإنما يبدأ بإعادة بناء الإنسان الذي يقرأ النص، لأن النص الواحد قد يصنع رحيمًا إذا قرأه قلب واسع، وقد يصنع قاسيًا إذا قرأه عقل مغلق، فالمشكلة فيما يحمله القارئ إلى النص من مخاوفه وصراعاته وأحكامه المسبقة..

وهكذا فإن الفوضى التي يصنعها الفكر المنحرف ليست فوضى في الأفكار وحدها، وإنما فوضى في معايير الحكم على الأفكار والناس، وحين تختل هذه المعايير يصبح كل مختلف متهمًا، وكل سؤال شبهة، وكل مراجعة تراجعًا، وكل نقد طعنًا، وكل رحمة تمييعًا، وكل انفتاح انحرافًا يجر إلى الهاوية!

والخروج من هذه الدائرة يكون بالعودة إلى عمق الدين؛ إلى دين يجعل الإنسان مسؤولًا عن نفسه قبل أن يكون مسؤولًا عن الناس، وإلى فقه يعلّمه أن الحكم يحتاج إلى علم، وأن العلم يحتاج إلى تصور، وأن التصور يحتاج إلى تأنٍّ، وأن التأنّي يحتاج إلى أخلاق، وأن الأخلاق ليست هامشًا على التدين؛ بل جزء من حقيقته الكبرى ومقاصده العليا.

وربما آخر ما ينبغي أن يُقال؛ أن التدين ليس أن تنجو وحدك في خيالك، وتوزع صكوك الهلاك على العالم؛ وإنما التدين أن تخاف على قلبك من أن يتحول اليقين فيه إلى كِبر، وأن تخاف على علمك من أن يتحول إلى أداة لإذلال الناس، وأن تدرك أن الطريق إلى الله لا يمر فوق كرامة الإنسان.. فإذا كان الدين قد جاء ليهدي الإنسان، فإن أول علامات الوعي به أن لا نفقد الإنسان ونحن نبحث عن الدين!

وإذا كان الله سبحانه رب العالمين، فإن رحمته ليست ملكًا لجماعة، ولا مذهبًا، ولا طائفة، ولا فردًا، وإن الإنسان -قبل كل تصنيف- أحد أفراد هذا العالم الذي خلقه الله عز وجل، وجعل له من الكرامة ما يوجب على المتدين أن يكون أرحم به، لا أشد عليه.

ولعل أعمق صور التدين أن تعرف أن الله سبحانه لا يحتاج إلى قسوتك على عباده وعياله!

***

د. محمد أحمد عبيد

كاتب مصري حاصل على دكتوراه في الفلسفة والفكر

يصعب الحديث عن مشروع الناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم (وُلد 1957) من دون التوقف عند المفكر الفِلَسطيني الأمريكي الدكتور إدوارد سعيد (1935 - 2003)، ليس لأن إبراهيم كان تلميذًا عربيًّا لسعيد، أو لأن مشروعه يمكن اختزاله في مفاهيم مِثل: الاستشراق، والخطاب الاستعماري. وإنما لأنَّ اللقاء معَ سعيد يقع في منطقة أعمق بكثير، وهي منطقة السؤال عن كيف تُنتج الثقافةُ صورتها عن نفسها والآخَرِ، وكيف تتحول المعرفةُ إلى سُلطة، وكيف يصبح الأدبُ جزءًا من تاريخ طويل من التمثيل والتسمية والتصنيف.

وهُنا تحديدًا تكمن أهمية سعيد بالنسبة إلى مشروع إبراهيم. لقد جاء سعيد إلى النقد الأدبي من باب مختلف عن الأبواب التي اعتاد النقدُ العربي الدخول منها. لم يكن الأدب عنده جزيرةً معزولة عن التاريخ، ولم يكن النص مجرد بنية لغوية مكتفية بذاتها، وإنما كان جزءًا من شبكة واسعة من المؤسسات والأفكار والسُّلطات والعلاقات السياسية والثقافية.

فَتَحَ سعيد أمام النقد العربي أفقًا جديدًا، ولم يسأل فقط: ماذا يقول النص؟، وإنما طَرَحَ أسئلةً مهمة: مَن يتكلم؟، ومَن يملك حقَّ تمثيل الآخَر؟، وما المعرفة التي يستند إليها هذا الكلام؟، وما العالَم الذي ساهمَ النصُّ في بنائه أو تثبيته؟. هذه الأسئلةُ هي الأعمدة التي يقوم عليها فكر سعيد. وإبراهيم اشتغلَ في هذا الأفق، لكنَّه لَم يعتمد على تكرار سعيد، وإعادةِ إنتاجه.

كان كتاب إدوارد سعيد " الاستشراق" الصادر بالإنجليزية عام 1978 لحظةً فاصلة في الدراسات الإنسانية. لم يكن الكتاب مجرد تاريخ للأفكار الأوروبية عن الشرق، وإنما محاولة للكشف عن منظومة معرفية وثقافية متشابكة أنتجت " الشرق" بوصفه موضوعًا للمعرفة الغربية.

سعيد لَم يقل ببساطة إن الغربيين كانوا يكتبون عن الشرق بصورة سلبية، المسألةُ عنده أكثر تعقيدًا، هناك مؤسسات، ورحلات، وكُتب، وأبحاث، وآداب، وخطابات سياسية، وتصورات تاريخية، كُلُّها ساهمتْ في تكوين صورة متماسكة نسبيًّا عن "الشرق" بوصفه آخَر مختلفًا عن الغرب.

سعيد نَقَلَ النقاشَ من مستوى "الصورة الخاطئة" إلى مستوى إنتاج المعرفة، وهذا التحول كان بالغ الأهمية بالنسبة إلى النقد العربي. فبدل أن يكون السؤال: هل صورة العربي في الأدب الغربي صحيحة أمْ خاطئة؟، صار ممكنًا أن نسأل: لماذا احتاج الخطابُ الغربي في سياقات تاريخية محددة إلى إنتاج هذه الصورة أصلًا؟، وما المؤسسات التي جعلتْ هذه الصورةَ قابلة للتداول؟، وكيف تحولت المعرفةُ بالشرق إلى سُلطة عليه؟.

في هذه النقطة يقترب مشروع إبراهيم من سعيد اقترابًا واضحًا. كثيرٌ من أعمال إبراهيم تتحرك داخل سؤال تمثيل الآخَر، والعلاقة بين السرد والهوية، وموقع الثقافة العربية في منظومات أوسع من إنتاج المعرفة. لكنَّه سُرعان ما ينقل السؤالَ إلى مجالات أكثر اتِّساعًا، تتعلَّق بكيفيةِ تمثيل الثقافة العربية لنفسها، وكيفيةِ صناعة صورتها عن الآخَر، وكيفيةِ إسهام السرد العربي في بناء المركز والهامش. وهُنا يبدأ استقلالُ مشروعه.

مِن السهل أن نكتشف تأثير سعيد في مشروع إبراهيم إذا بحثنا عن المصطلحات المتشابهة: الاستشراق، الآخَر، المركز، الهامش، التمثيل، الخطاب، السُّلطة، الهُوية، السرد. لكن هذا المستوى من المقارنة ليس كافيًا. التأثيرُ الأكثر عمقًا يظهر في طريقة بناء السؤال النقدي.

جَعَلَ سعيد الناقدَ أكثر حساسية تجاه العلاقة بين النص وسياقه التاريخي والسياسي والثقافي. ولَم يعد ممكنًا التعامل معَ النصوص التي تتحدث عن الشرق وكأنها بريئة من تاريخ القوة الذي أنتجها، وهذا الحِس حاضرٌ بقوة في مشروع إبراهيم، خصوصًا حين يتعامل معَ السرديات الكُبرى التي صاغتْ صورةَ الذات العربية، أوْ حين يبحث في طرائق تمثيل الآخَر داخل الثقافة العربية.

إبراهيم لا يقرأ السردَ باعتباره متعة جمالية فحسب، ولا بوصفه سِجلًّا محايدًا للأحداث. السردُ عنده قوة ثقافية، إنَّه يختار ويُقْصي، يُرتِّب ويُصنِّف، يمنح بعضَ الأصواتِ موقع المركز، ويضع أصواتًا أُخرى في الهامش. وهذا قريبٌ جدًّا من الروح التي أعاد بها سعيد تعريفَ العلاقة بين الأدب والتاريخ. لكنَّ الفرق أنَّ إبراهيم أخذ هذه الأدوات إلى داخل الثقافة العربية نفسها. ورُبَّما يكون هذا واحدًا من أهم آثار سعيد في مشروع إبراهيم.

سعيد جَعَلَ الاستشراقَ أكثر من مجرد موضوع بحث. صار الاستشراقُ مثالًا على آليَّة ثقافية أوسع، حيث المركز يصنع صورةً عن الهامش، ثم يتعامل معَ هذه الصورة بوصفها حقيقة عن الهامش. إبراهيم يُوسِّع هذه الفكرة باتجاه الثقافة العربية. ليس هُناك، في قراءته، مركز غربي فقط، وهامش عربي فقط. الثقافاتُ تستطيع أن تُنتج مراكزَها وهوامشَها، وتبني صورها عن الآخرين، وتمنح شرعيةً لبعض الأصوات، وتحجبها عن أصوات أُخرى. وهذا ما يجعل مشروعه متصلًا بما يمكن تسميته نقد المركزية.

المركزيةُ هُنا ليست شعورًا بالتفوق فحسب، إنها طريقة في تنظيم المعرفة والثقافة، وتحديد الأصل والفروع، والثقافة الرفيعة والثقافة الهامشية، والصوت الرئيسي والأصوات الثانوية، والتاريخ الذي يستحق أن يُروَى، والتواريخ التي يمكن إسكاتها أو تأجيلها.

وهكذا، تصبح قراءة إبراهيم للثقافة العربية أكثر تركيبًا من مجرد مواجهة "الغرب" أو الرد على الاستشراق، إنَّه يحاول أن يكشف آليَّات المركز والهامش حيثما ظهرتْ. إبراهيم جَعَلَ السردَ واحدًا من أهم المداخل إلى فهم الثقافة. والروايةُ والحكاية والتاريخ والتمثيلات الأدبية ليست عنده أشكالًا فنية منفصلة عن العالَم، إنها طُرق لصياغة الذاكرة والهُوية والتاريخ.

وهُنا، يلتقي إبراهيم معَ سعيد في نقطة شديدة الأهمية، وهي أنَّ التمثيل ليس مرآةً محايدة. حين نروي حكاية جماعة ما، فإننا لا ننقلها كما هي. نحن نختار زاوية النظر، ونحدد الشخصيات التي تستحق البطولة، ونحدد مَن يكون غريبًا، ومَن يكون قريبًا، ومَن يتكلم،ومَن يبقى صامتًا. وهذا ما يجعل السردَ متصلًا بالسُّلطة.

سعيد مارسَ هذا النوع من القراءة في الأدب الغربي، خصوصًا في موضوع الثقافة والإمبريالية، حيث حاولَ أن يقرأ الأعمالَ الأدبية الكُبرى ضمن تاريخ الإمبريالية وعلاقاتها الثقافية. لَم يكن المقصود اتهام الروايات بأنها سيئة، أو تحويل الأدب إلى منشور سياسي، بل الكشف عن التداخل بين المُتخيَّل الأدبي والعالَمِ التاريخي الذي أنتجه. هذه الفكرة تجد صدى واضحًا في مشروع إبراهيم، الذي أعطى السردَ العربي مكانة مركزية في فهم التحولات الثقافية وصناعةِ الهوية.

إبراهيم استفادَ من المناخ النظري الذي ساهمَ سعيد في تأسيسه عربيًّا وعالميًّا، لكنَّه لَم يَبْنِ مشروعَه كُلَّه على كتاب " الاستشراق". لديه اهتمام خاص بالسرديات العربية، والتاريخِ الثقافي، والمركزِ والهامش، والهُوية، والمُتخيَّل الثقافي، وطرائق تشكُّل الرواية العربية والخطابِ العربي. ومِن ثَمَّ فإنَّ العلاقة بين الرَّجلين أقرب إلى علاقة حوار فكري غير مباشر منها إلى علاقة تابع ومتبوع.

سعيد أعادَ تعريفَ السؤال عن الشرق، أمَّا إبراهيم فوسَّع السؤالَ ليشمل الطريقةَ التي تصنع بها الثقافةُ العربية صُوَرَ العالَم وصُوَرَ نفسها. وهذا فارقٌ مهم، فلوْ كان إبراهيم يعيد إنتاج سعيد، ويُكرِّره،لظلَّ اهتمامه محصورًا في تفكيك الصور الغربية عن العرب، لكنه ذهب إلى أبعد من ذلك، فبدأ يفحص البنية السردية والثقافية التي تشكلت داخل المجال العربي نفسه.

كان سعيد أحد أبرز الأسماء التي ساهمتْ في تأسيس دراسات ما بعد الكولونيالية/ الاستعمارية. وهي الدراسات الأكاديمية للإرث الثقافي للاستعمار والإمبريالية، وتُركِّز على التبعات البشرية لاستغلال السكان الأصليين في الأراضي المُسْتَعْمَرَة، والسيطرة عليهم، وعلى أراضيهم. وتُعْتَبَر ما بعد الاستعمارية تحليلًا نظريًّا نقديًّا لتاريخ وثقافة وأدب وواقع القوى الاستعمارية الأوروبية. ومِن أبرز ما قدَّمه هذا الاتجاه أنَّه نقل الاهتمامَ مِن الاستعمار بوصفه احتلالًا عسكريًّا وإداريًّا إلى دراسة آثاره في المعرفة واللغة والثقافة والتمثيل.

الاستعمارُ لا ينتهي بالضرورة لحظة خروج الجيش، أو رفع العلم الوطني. قد تبقى آثاره في الطريقة التي يرى بها مجتمعٌ ما نَفْسَه، والصورِ التي يرسمها عن ماضيه، وعلاقته باللغة، ومفهومِه عن الحداثة، وتصورِه للغرب، وموقعِ التراث مِن الحاضر.

هذه الحساسية واضحة في كثير من الأسئلة التي يطرحها إبراهيم، فهو لا يتعامل معَ الثقافة العربية باعتبارها كتلة ثابتة، ولا يرى الهويةَ شيئًا مكتملًا ينتظر مِنَّا الدفاع عنه، بلْ ينظر إلى الثقافة بوصفها عملية تاريخية تتشكل عبر التفاعلِ والصراع والتبادل وإعادة إنتاج المعاني. وهذه طريقة تفكير تدين بالكثير للمنعطف الذي أحدثه سعيد.

كان من الممكن أن يتحول "الاستشراق" في الثقافة العربية إلى مجرد خطاب احتجاج، الغربُ أساءَ تمثيلَنا، وعلينا أن نصحح صورته عنَّا. لكن إبراهيم، في جوانب مهمة من مشروعه، يذهب إلى منطقة أكثر إزعاجًا وعُمقًا، ماذا لوْ كانت لدينا نحن أيضًا أنظمة تمثيل تُنتج صورًا نمطية عن الآخرين؟، ماذا لو كانت ثقافتنا نفسها قدْ صنعتْ مراكز وهوامش؟، ماذا لو أن بعض الصور التي نعتبرها طبيعية عن المرأة، أو المُخْتَلِف، أو الجماعات الدينية والثقافية، أو الشعوب الأُخرى، هي أيضًا نتاج طويل من السرد والتصنيف؟. هُنا يتحول النقدُ من معركة معَ الآخَر إلى مسؤولية معرفية تجاه الذات.

كان سعيد شديد الحساسية تجاه فكرة الهوية الصُّلبة والمغلقة، رغم ارتباط مشروعه العميق بقضايا فِلَسطين والاستعمار والتمثيل. كان يرى التعددَ والتداخل والتاريخ المشترك والتفاعل بين الثقافات عناصر أساسيَّة في فهم الهوية.

مِن أكثر الأمور التي رسَّخها سعيد في النقد الحديث رفضه لفكرة أن الأدب يعيش خارج السياسة. لكن السياسة عنده ليست مجرد الأحزاب والحكومات والانتخابات. إنها علاقات القوة التي تحدد مَن يستطيع الكلامَ، وما الذي يمكن قوله، وكيف تُبنَى صورة العالَم. وهذا الفهمُ يساعد في قراءة مشروع إبراهيم أيضًا.

عندما يدرس الناقدُ السرديات، فإنَّه لا يدرس أفكارًا جميلة فحسب. إنَّه يدرس كيف تعمل الأفكارُ داخل المجتمع. وهذا يعني أن النص أكثر من كلماته، وأكبر من حدوده، إنَّه جزء من العالَم. وهذه إحدى أهم النقاط التي جعلتْ تأثير سعيد يتجاوز الدراسات الاستشراقية نفسها.

ما الذي أخذه إبراهيم من سعيد، وما الذي تجاوزه؟. يمكن تلخيص العلاقة في عدد من المستويات، دون تحويلها إلى علاقة تطابق:

1- النص والسياق: الإفادة من النظر إلى النص داخل سياقه التاريخي والثقافي بدل عزله عن العالَم.

2- التمثيل: التعامل معَ صورة الآخَر بوصفها بناءً ثقافيًّا، وليست انعكاسًا بريئًا للواقع.

3- الخطاب والسُّلطة: الانتباه إلى أن إنتاج المعرفة مرتبط، في حالات كثيرة، بعلاقات القوة.

4- المركز والهامش: فحص الطرق التي تُمنَح بها بعض الثقافات أو الأصوات موقع المركز بينما تُدفَع أُخرى إلى الهامش.

5- نقد الاستشراق: الاستفادة من الكشف عن آليَّات تمثيل الشرق في الثقافة الغربية.

6- توسيع السؤال: نقل النقد من سؤال: كيف يُمثِّلنا الآخَر؟، إلى سؤال: كيف نُمثِّل أنفسَنا ونُمثِّل الآخرين؟.

7- السرد: النظر إلى الحكاية والرواية والتاريخ بوصفها أدوات لصناعة الذاكرة والهوية.

8- الهوية: فهم الهوية باعتبارها تاريخًا متحركًا ومتشابكًا، وليست جوهرًا ثابتًا مغلقًا.

إنَّ التمثيل لم يعد حكرًا على المستشرق أو الروائي أو المؤرخ. كُلُّ شخص يمتلك منصة صار قادرًا على إنتاج صورة عن الآخَر. لكنَّ المشكلة لم تتغيَّر في جوهرها، الصورةُ ليست الواقع. والسؤالُ النقدي يبدأ عندما يتكرَّس رفض الخلط بينهما.

قيمةُ مشروع إبراهيم، في هذا السياق، أنَّه لا يتعامل معَ النقد بوصفه عملية تصحيح أخطاء الآخرين فقط، النقدُ عنده فِعْلُ كشفٍ، كشف ما يبدو طبيعيًّا، وما اعتدنا ألا نسأل عنه، وكشف الأنساق التي تختبئ خلف الحكايات. وهُنا تظهر قوة تأثير سعيد في أعمق صورها، ليس لأنَّ إبراهيم استخدمَ مفهومًا من سعيد، بلْ لأنه تبنَّى قَدْرًا من الشك المنهجي تجاه الخطابات التي تُقَدِّم نَفْسَها بوصفها حقيقة مكتملة. وهذا الشك ليس عدميًّا، إنَّه محاولة لفهم أعمق.

سعيد لَم يكن مهمًّا لأنَّه قال إنَّ الغرب مخطئ، والشرق صحيح. أهميته أنَّه جعلنا ننتبه إلى الآليَّة التي تُنتج بها صور الغرب عن الشرق. وبالطريقة نفسها، تكمن أهمية إبراهيم في أنَّه جعلنا ننتبه إلى الآليَّات التي تنتج بها الثقافة العربية سردياتها عن نفسها والعالَمِ.

سعيد علَّم الناقدَ أن النص لا يعيش وحده، وعلَّمه أن وراء المعرفة سُلطة، ووراء الصورة هناك تاريخ، ووراء تمثيل الآخَر هناك علاقة معقدة بين الثقافة والسياسة. ثم جاء إبراهيم، في سياقه العربي، ليواصل الحفرَ في السؤال، ولكن من جهة أُخرى: ماذا تفعل الثقافةُ العربية حين تحكي العالَمَ؟، وماذا تفعل حين تحكي نَفْسَها؟.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليست الكتابة فعلًا لغويًا محضًا، كما أن المعرفة ليست تراكمًا للمعلومات، والتنوير ليس مجرد شعار ثقافي يُستعاد كلما اشتدّ الالتباس في الواقع. خلف هذه المفاهيم الثلاثة تقف قضية أعمق تتصل بموقع الإنسان من العالم، وبقدرته على أن يفهم ما يجري حوله، وأن يحوّل التجربة إلى معرفة، والمعرفة إلى وعي، والوعي إلى قدرة على السؤال والمراجعة والنقد. ولعلّ الكتابة، في أحد أعمق معانيها، ليست سوى محاولة مستمرة لاستعادة هذه القدرة التي يهددها النسيان، ليس بوصفه فقدانًا للذاكرة فقط، وإنما بوصفه حالة ثقافية وحضارية يصبح فيها الإنسان عاجزًا عن ربط الحاضر بما سبقه، وعن رؤية جذور الأسئلة التي يواجهها، وعن استخلاص المعنى من التجارب التي عبرت أمامه.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للثقافة ليس أن يقلّ عدد الكتب، وإنما أن تفقد الكتابة قدرتها على إنتاج الأسئلة. فالكتاب الذي لا يفتح نافذة على سؤال جديد قد يظل حاملًا للمعلومات، لكنه لا يساهم بالضرورة في بناء معرفة حيّة. وكذلك الثقافة التي تنشغل بتكرار ما هو معروف، من دون مساءلة أو مراجعة، يمكن أن تتحول تدريجيًا إلى ذاكرة جامدة، تحفظ الكلمات، لكنها تفقد القدرة على مساءلة الواقع.

 تكتسب الكتابة قيمتها بوصفها فعلًا معرفيًا ونقديًا. فالكاتب لا يملك الماضي كي يعيد إنتاجه، ولا المستقبل كي يقدمه في صورة يقين جاهز؛ إنه يقف في المسافة الحرجة بينهما، ويحاول أن يقرأ الحاضر من خلال ما يحمله من آثار الماضي وإمكانات المستقبل. وفي هذه المسافة بالذات تتقاطع الكتابة مع المعرفة والتنوير.

حين تتحول الكتابة من تسجيل العالم إلى مساءلته

هناك فرق عميق بين أن نكتب عن العالم وأن نحاول فهم العالم من خلال الكتابة. في الحالة الأولى قد تتحول الكتابة إلى تسجيل للأحداث والوقائع والانطباعات؛ أما في الحالة الثانية فإنها تصبح فعلًا نقديًا يضع الواقع أمام مرآة الأسئلة. وهذا التحول هو الذي يمنح الكتابة مشروعيتها الفكرية، لأن قيمة النص لا تكمن في كثرة ما يصفه، وإنما في مقدار ما يستطيع أن يكشفه من علاقات خفية، وأن يعيد ترتيب عناصر المشهد بحيث يصبح ما كان مألوفًا قابلًا للتفكير من جديد.

الكتابة التي تستحق أن تبقى ليست بالضرورة الأكثر ضجيجًا، ولا الأكثر انتشارًا، وإنما تلك التي تضيف شيئًا إلى وعينا بالعالم. قد يكون هذا الشيء فكرة صغيرة، أو سؤالًا مؤجلًا، أو قراءة مختلفة لتجربة قديمة، أو اعتراضًا على يقين أصبح، من فرط تكراره، يبدو حقيقة نهائية. وفي كل هذه الحالات تتحول الكتابة من مجرد وسيلة للتعبير إلى ممارسة معرفية لها أثرها في تشكيل الوعي.

و لعلّ إحدى مشكلات الثقافة المعاصرة أنها تعيش في وفرة غير مسبوقة من الكلام، بينما تعاني في الوقت نفسه من نقص متزايد في التفكير. لقد أصبح إنتاج النصوص أسرع من القدرة على قراءتها، وتدفقت المعلومات إلى المجال العام بصورة جعلت الإنسان محاطًا بملايين المعطيات، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه أصبح أكثر معرفة. فالمعلومة لا تتحول تلقائيًا إلى معرفة، والمعرفة لا تتحول تلقائيًا إلى وعي، والوعي نفسه لا يصبح نقديًا إلا حين يمتلك القدرة على المقارنة والتحليل والمراجعة.

هنا تظهر وظيفة الكاتب والمثقف في معناها الحقيقي. ليست وظيفته أن يضيف صوتًا جديدًا إلى الضجيج، بل أن يساعد على التمييز بين الصوت والضجيج، بين الخبر والمعرفة، بين المعلومة والحقيقة، وبين ما يستحق أن يُقال وما ينبغي أن يخضع أولًا للتفكير. وهذه الوظيفة تزداد أهمية كلما أصبحت اللحظة الراهنة أكثر سرعة، وأكثر قدرة على استهلاك الأحداث قبل أن تمنح الإنسان فرصة لفهمها.

إن زمن السرعة يهدد المعنى بقدر ما يهدد الذاكرة. فالحدث الذي يحتل واجهة المشهد اليوم قد يُزاح غدًا بحدث آخر، حتى تبدو الوقائع وكأنها لا تملك زمنًا كافيًا كي تستقر في الوعي. وفي مثل هذا المناخ تصبح الكتابة محاولة لإبطاء الزمن قليلًا، لا لإيقافه، وإنما لمنح الإنسان فرصة للتأمل في ما يعبر أمامه.

وهنا تحديدًا تتصل الكتابة بالمعرفة. فالكتابة لا تحفظ الحدث فحسب، وإنما تستطيع أن تمنحه سياقه، وأن تربطه بما سبقه وما قد يترتب عليه. إنها تحاول أن تمنع الحاضر من أن يتحول إلى لحظة معزولة، وأن تمنع الماضي من أن يتحول إلى أرشيف بلا حياة.

إنً الكاتب الذي يشتغل على راهنية اللحظة لا ينبغي أن يكون أسير اللحظة. مهمته أن يقرأ ما وراءها، وأن يرى في الحدث أكثر من سطحه المباشر، ويسأل عن البنية التي أنتجته، وعن الأفكار التي تحكمت فيه، وعن الدروس التي يمكن أن تخرج منه. فالراهنية، بهذا المعنى، ليست عبودية للحاضر، وإنما قدرة على قراءة الحاضر في ضوء الزمن.

المعرفة حين تستعيد ذاكرتها ويصبح السؤال بداية التنوير

إذا كانت الكتابة تحفظ أثر التجربة، فإن المعرفة تمنح هذا الأثر معنى. غير أن المعرفة نفسها يمكن أن تدخل دائرة النسيان حين تنفصل عن السؤال النقدي. فليست المشكلة دائمًا في غياب المعرفة، وإنما في غياب استخدامها بوصفها أداة للفهم والمراجعة. وقد يكون الإنسان محاطًا بالكتب والمعلومات والمراجع، لكنه يظل أسيرًا لأفكار جاهزة إذا لم يمتلك القدرة على مساءلتها.

لهذا لا يبدأ التنوير من الإجابة، وإنما من السؤال. السؤال هو اللحظة التي يتوقف فيها العقل عن التعامل مع الأشياء بوصفها مسلّمات نهائية. إنه المسافة التي يصنعها الإنسان بينه وبين ما اعتاده، لكي يستطيع أن يراه من جديد. ومن دون هذه المسافة لا يمكن أن يكون هناك نقد، ومن دون النقد لا يمكن أن تتجدد المعرفة.

التنوير، في هذا المعنى، ليس زمنًا تاريخيًا انتهى، ولا مشروعًا اكتمل بمجرد ظهور أفكار فلسفية أو حركات إصلاحية في مرحلة معينة. إنه حاجة مستمرة ما دام الإنسان معرضًا لتحول المعرفة إلى دوغما، والثقافة إلى سلطة مغلقة، والذاكرة إلى رواية انتقائية. وكل مجتمع يحتاج إلى أن يعيد مساءلة مسلّماته، لا لأن كل ما ورثه خاطئ، وإنما لأن الموروث نفسه لا يصبح حيًا إلا حين يدخل في علاقة نقدية مع الحاضر.

من هنا يصبح التعامل مع التراث قضية فكربة معرفية لا قضية تقديس أو رفض شامل. فالتراث ليس كتلة واحدة، ولا يمكن اختزاله في صورة واحدة. داخله العقل والنقد والاجتهاد، كما داخله الجمود، وفيه أسئلة تجاوزت زمنها وأسئلة انتهت صلاحيتها، وفيه ما يمكن أن يضيء الحاضر وما يحتاج إلى قراءة تاريخية نقدية. والتنوير لا يكون بقطع الصلة بالماضي، كما لا يكون بتحويل الماضي إلى مرجعية مغلقة؛ وإنما بإقامة علاقة واعية معه، علاقة تسمح بالاستفادة والمراجعة في الوقت نفسه.

هنا تلتقي المعرفة بالذاكرة. فالمجتمع الذي ينسى تجاربه يفقد جزءًا من قدرته على فهم حاضره. والنسيان ليس دائمًا نتيجة لمرور الزمن؛ قد يكون أحيانًا نتيجة لطريقة انتقائية في بناء الذاكرة، أو نتيجة لهيمنة خطاب واحد، أو لتراجع السؤال النقدي. وعندما تصبح الذاكرة انتقائية، تصبح المعرفة بدورها ناقصة، لأن ما لا يدخل في الذاكرة العامة قد يفقد حقه في أن يكون موضوعًا للتفكير.

إن مقاومة النسيان لا تعني تحويل الماضي إلى متحف، وإنما إبقاء التجربة مفتوحة على القراءة. فالماضي لا يعود إلينا كما كان؛ نحن الذين نعود إليه بأسئلة جديدة. وكل جيل يعيد قراءة ما سبقه لأنه يواجه مشكلات مختلفة، ولأن المعرفة لا تتقدم بإغلاق الأسئلة، وإنما بإعادة صياغتها.

لهذا يمكن للكتابة أن تكون إحدى أدوات التنوير حين ترفض أن تكون مجرد تكرار لما قيل. فالكاتب الذي يعيد إنتاج الأفكار من دون مساءلتها قد يساهم، من حيث لا يريد، في تثبيت الجمود. أما الكاتب الذي يضع الفكرة في مواجهة الواقع، والواقع في مواجهة السؤال، فإنه يفتح إمكانًا جديدًا للتفكير.

ولا يعني ذلك أن مهمة الكاتب هي تقديم حلول نهائية. ربما تكون القيمة الأعمق للكتابة في قدرتها على جعل السؤال أكثر وضوحًا. فبعض الأسئلة لا تحتاج إلى جواب سريع، وإنما تحتاج إلى أن تبقى حاضرة في الوعي حتى تمنع الاستسلام للإجابات السهلة. والكاتب الحقيقي لا يخاف من السؤال المفتوح، لأن انفتاح السؤال يعني أن العقل ما زال قادرًا على الحركة.

في زمن النسيان: الكتابة دفاعًا عن حق العقل في أن يتذكر ويسأل

نعيش اليوم في زمن تتنافس فيه السرعة مع الذاكرة، والصورة مع الفكرة، والتدفق المعلوماتي مع المعرفة المتأنية. لا يعود التحدي أن نعثر على المعلومة، وإنما أن نعرف ماذا نفعل بها. ولا يعود السؤال كيف نصل إلى النص، وإنما كيف نقرأه في سياقه، وكيف نميز بين المعرفة والرأي، وبين الحقيقة والانطباع، وبين التفكير والدعاية.

في مثل هذا الزمن تصبح الكتابة مسؤولية معرفية قبل أن تكون نشاطًا ثقافيًا. إنها مطالبة بأن تقاوم اختزال الإنسان إلى مستهلك للمعلومات، وأن تدافع عن حق العقل في التمهل والتأمل والمقارنة. فالإنسان الذي لا يملك وقتًا للتفكير يصبح أكثر قابلية لأن تفرض عليه الأفكار الجاهزة نفسها، حتى عندما تبدو تلك الأفكار نابعة من اختياره الشخصي.

والكتابة التي تقاوم النسيان لا تستعيد الماضي من أجل الماضي، وإنما تستعيده لأن الحاضر يحتاج إلى ذاكرته. إنها تذكّرنا بأن كثيرًا من الأسئلة التي نظنها جديدة لها جذور قديمة، وأن كثيرًا من الأزمات التي تظهر فجأة هي نتيجة تراكمات لم ننتبه إليها، وأن المجتمعات لا تستطيع بناء مستقبلها إذا ظلت عاجزة عن قراءة تجاربها قراءة نقدية.

لكن مقاومة النسيان لا تعني أيضًا تحويل الكاتب إلى حارس للذاكرة وحدها. فالكاتب مطالب بأن يكتب للمستقبل بقدر ما يكتب للماضي والحاضر. وما يكتبه اليوم قد يصبح بعد سنوات وثيقة على طريقة عصره في التفكير، وعلى الأسئلة التي شغلته، وعلى المخاوف التي واجهها، وعلى الأحلام التي حاول أن يمنحها لغة.

وهنا تبرز العلاقة بين الكتابة والتنوير بصورة أكثر وضوحًا. فالكتابة التنويرية لا تقدم نفسها بوصفها امتلاكًا للحقيقة، وإنما بوصفها دفاعًا عن شروط البحث عنها. إنها تؤمن بأن العقل لا يحتاج إلى وصاية كي يفكر، وأن المعرفة لا تزدهر في المناخ الذي يخاف من السؤال، وأن الثقافة تفقد معناها حين تتحول إلى تكرار مطمئن لما هو قائم.

لذلك فإن مهمة الكاتب ليست أن يطارد اللحظة فحسب، بل أن يمنحها عمقها. وليس أن يلهث وراء كل جديد، بل أن يسأل عن قيمة الجديد ومعناه ومآلاته. وليس أن يكون حاضرًا في كل مكان، وإنما أن يكون حاضرًا حيث يصبح حضوره إضافة إلى المعنى.

إن الكتابة، في أحد وجوهها الأكثر نبلًا، فعل مقاومة هادئ ضد النسيان. إنها تقول إن التجربة تستحق أن تُفهم، وإن السؤال يستحق أن يبقى مفتوحًا، وإن المعرفة لا ينبغي أن تتحول إلى محفوظات، وإن التنوير ليس ترفًا ثقافيًا يمكن تأجيله إلى زمن آخر. فالإنسان الذي يفقد ذاكرته يفقد جزءًا من قدرته على فهم نفسه، والإنسان الذي يفقد حقه في السؤال يفقد جزءًا من قدرته على صناعة مستقبله.

من هنا لا تعود الكتابة مجرد أثر يتركه الكاتب وراءه، وإنما تصبح جزءًا من الصراع الطويل من أجل إبقاء العقل يقظًا. كل نص جاد يحاول أن يمنع فكرة من الموت قبل أن تُفهم، وتجربة من الاختفاء قبل أن تُقرأ، وسؤالًا من الانطفاء قبل أن يأخذ مداه.

لعلّ هذا هو المعنى الأعمق للكتابة في زمن النسيان: أن نكتب لا لكي نملأ صفحات جديدة، وإنما لكي نمنح الأشياء التي تستحق البقاء فرصة أخرى للحضور. أن نكتب لأن المعرفة تحتاج إلى ذاكرة، ولأن الذاكرة تحتاج إلى نقد، ولأن النقد يحتاج إلى حرية السؤال، ولأن التنوير لا يبدأ من امتلاك اليقين، بل من الاعتراف بأن العقل لا يزال قادرًا على أن يسأل.

ما هو مؤكًد وبديهي ٫ أنً الكتابة ليست وعدًا بأن تغيّر العالم دفعة واحدة، لكنها تستطيع أن تغيّر الطريقة التي نراه بها. وهذه ليست وظيفة صغيرة. فمن يتغير نظره إلى العالم يتغير بالضرورة ما يطلبه منه، وما يرفضه، وما يتذكره، وما يعتقد أنه ممكن. وفي المسافة بين السؤال والمعرفة، وبين الذاكرة والنسيان، تظل الكتابة إحدى أكثر الوسائل إنسانية لحماية المعنى من الضياع.

إنها، ببساطة، محاولة لأن نقول للزمن: لن نعبرك من دون أن نسأل ماذا صنعت بنا، وماذا صنعنا بك..

***

البشير عبيد - تونس

كاتب صحفي وباحث

 

(في منتصف الشتاء، وجدت في داخلي صيفًا لا يُقهر)... ألبير كامو

في قلب العالم العربي، يجد الإنسان نفسه أمام تيه لا يقاس بالمسافة الجغرافية، بل بعمق الفجوة الداخلية بين ما يحمله من ذاكرة وأمل، وما يصطدم به من واقع كأنه صدى لجرم قديم لا يذكره. هذا التيه ليس أزمة سياسية تحل بتغيير الحكام، ولا تراكما اقتصاديا يعالج بإعادة توزيع الثروات. إنه أزمة وجودية بالمعنى الفلسفي العميق: أزمة الكائن الذي لا يعرف أين يبدأ ولا أين ينتهي، من هو في مرآة الآخر، ومن يريد أن يكون في فضاء المستقبل. وبين هذا ال(لا يعرف) وذاك ال(لا يريد)، يسكن التيه.

السؤال الذي يطرحه هذا المقال ليس تشخيصيا محضا، نضيفه إلى أخرى أنجزت، حتى تحول بعضها إلى إنتاج يأس منهجي. بل هو سؤال فلسفي جذري: كيف يتحول التيه من عقوبة تلقى على كاهل الإنسان إلى أرضية يبني فوقها خلاصه؟

حين ننظر إلى أسطورة سيزيف، نرى استعارة للعقوبة الوجودية في أنقى صورها: صخرة تدفع إلى القمة لتعود إلى الهاوية، في حلقة لا رحمة فيها. غير أن سيزيف العربي يواجه وضعا أكثر خبثا: إنه يدحرج صخرة الهوية نحو قمة الإنتماء، فلا يجد قمة واضحة المعالم، بل قمما متعددة ومتنازعة: عربية، دينية، طائفية، قبلية، إثنية، كل منها تدعي أنها الحقيقة الكاملة وتنفي الأخريات. الهوية سلاح ماض، يمكن أن تكون درعا في مواجهة الضياع، ويمكن أن تكون المشرط الذي يمزق النسيج الجامع.

لم تكن أزمة الهوية العربية وليدة اليوم، بل هي ميراث مزدوج: من جهة، حقبة استعمارية رسمت الخرائط بمسطرة المصالح لا بمشرط التاريخ، فتركت شعوبا موزعة داخل دول وأخرى مقسمة بينها. ومن جهة أخرى، فشل النخب في بناء عقد اجتماعي حداثي يحتوي التعددية ولا يقمعها، فتحول الإختلاف الثقافي من نعمة إلى لعنة. الدولة الوطنية العربية، في أغلب تجلياتها، لم تبن مواطنا، بل بنت رعايا، ولم تؤسس فضاء مشتركا للإعتراف المتبادل، بل أقامت تراتبيات في الإنتماء، ليكون هذا أكثر وطنية لأنه من هذه الطائفة، وذاك أقل حقوقا لأنه من تلك الإثنية. حين انهار هذا البناء الهش أمام رياح (الربيع) العربي، لم تنكشف دولة تحتاج إصلاحا، بل انكشف فراغ هائل كان الإستبداد يملأه بالقوة، فتهاوت الجدران كلها دفعة واحدة.

للعقوبة الوجودية في السياق العربي وجه ثان أكثر قسوة في يومياته وإن كان أقل بريقا فلسفيا، وجه الجحيم الإجتماعي والإقتصادي. ذلك الجحيم الذي لا نيرانه أسطورية ولا حراسه شياطين، بل بيروقراطية فاسدة وبطالة تنهش الشباب وفجوات ثروة تعلن يوميا أن الكرامة بضاعة لمن يستطيع شراءها. حين يعجز الشاب العربي عن العمل اللائق الذي يحفظ كرامته، وحين يرى أن الوصول إلى فرص الحياة مشروط بوساطة أو ثروة أو انتماء لا بالجدارة والعطاء، يدخل في نوع من التيه الإجتماعي يتجاوز الأزمة الإقتصادية ليصبح أزمة معنى. يتساءل في قرارة نفسه: لماذا أجتهد؟ لمن أبني؟ وماذا يعني أن أكون مواطنا في دولة لا ترى فيّ إلا رقما ومؤشرا في إحصاءات؟

هذا السؤال: لِمَ؟ هو أخطر أسئلة التيه، لأن اليأس من المعنى أشد فتكا من اليأس من الرغيف. كامو الذي فهم هذا جيدا قال إن السؤال الفلسفي الحقيقي الوحيد هو: لماذا لا نقدم على الإنتحار؟ والإنسان العربي الذي يفقد المعنى لا ينتحر جسديا في الغالب، بل يمارس نوعا آخر من الإنتحار: الهجرة الداخلية، أي أن يكون حاضرا غائبا، مقيما بجسده ومرحلا بروحه.

في مواجهة هذا التيه المزدوج، تيه الهوية وتيه المعنى، يبرز الإنسان الفاعل كما وصفه سارتر: ذاك الذي يعلم أن وجوده يسبق ماهيته. أي أن الإنسان لا يأتي إلى الحياة حاملا هوية جاهزة وقدرا محسوما، بل يعرف نفسه عبر ما يختار وما يفعل وما يبني. هذه الحرية هي مصدر القلق الوجودي، لكنها أيضا مصدر الخلاص.

الإنسان الفاعل في السياق العربي ليس بطلا رومانسيا يتحدى الواقع بالخطاب والبلاغة، ولا ثائرا أيديولوجيا يكرر مانيفستوات1 الأمس. إنه كائن أكثر تواضعا وأكثر عمقا في الآن ذاته، يمارس الوعي النقدي يوميا ويرفض أن تعرفه الطائفة أو القبيلة قبل أن يعرف نفسه، يختار الفعل الأخلاقي في واقع فاسد لا لأنه يضمن النجاح، بل لأنه يحفظ كرامته كإنسان. هذا الإنسان لا يعيش خارج التيه، بل يعيش داخله ويحوله مثلما حول كامو سيزيف من رمز العقوبة إلى رمز السعادة العبثية: "ينبغي أن نتخيل سيزيف سعيدا". الخلاص لا يعني الخروج من الصحراء بالضرورة، بل أن تتحول الصحراء في نظرك من مكان للعقوبة إلى فضاء لاختبار ما أنت عليه.

الفلسفة الوجودية تعاني من إغواء الفردانية المفرطة حين تطبق على واقع جماعي متشابك العقد. الإنسان العربي لا يعيش في فراغ وجودي نظيف، بل في شبكة من العلاقات والضغوط والإنتماءات التي تشكل شرطه الوجودي. الخلاص الفردي ممكن، لكنه مبتور وقاصر ما لم يتقاطع مع مشروع جماعي. هذا المشروع ليس أيديولوجيا ناجزة تنتظر التطبيق، ولا حزبا سياسيا يقدم نفسه منقذا، هو أقرب إلى ما سماه هابرماس "الفعل التواصلي"، فضاء عمومي يلتقي فيه الناس على أساس العقل والحوار لا على أساس القوة والإذعان، يعيدون فيه تفاوض عقدهم الإجتماعي على أساس ما يريدون أن يبنوا معا لا على أساس من هم، طوائف وقبائل وأعراق. ومفتاح هذا المشروع هو إعادة الإعتبار للمواطنة لا بوصفها وثيقة قانونية، بل علاقة وجودية: أنا مسؤول عن الآخر لأنه شريكي في هذا الفضاء العام، لا لأنه من طائفتي أو عشيرتي.

التيه بين العقوبة والخلاص ليس سردية تتراتب فيها المراحل: نعاقب ثم نخلص. إنه حالة قائمة في آن واحد، العقوبة والخلاص يسكنان اللحظة الواحدة ذاتها. حين يختار الإنسان أن يكون فاعلا داخل تيهه، يبدأ الخلاص قبل أن ينتهي التيه. حين تختار مجموعة من البشر أن تتحاور بدل أن تتقاتل، يبدأ العقد الإجتماعي قبل أن تكتمل الدولة. لا عودة ممكنة إلى ما قبل هذا التيه، لا إلى حداثة متخيلة لم تكتمل، ولا إلى تراث مثالي لم يكن كما يرسم. الخروج ليس عودة بل عبورا نحو هوية مفتوحة لا تخاف التعددية، ونحو دولة تعترف بالمواطن فردا لا رعية، ونحو إنسان يتحمل مسؤولية حريته لأن هذه الحرية هي الثمن الوحيد الذي لا يعاد دفعه مرتين.

***

عبد الرحيم الجرودي

...................

1- مصطلح مانيفستوات هو صيغة جمع لكلمة مانيفستو (Manifesto)، والتي تعني في السياق الثقافي والسياسي بيانا أو إعلانا يوضح المبادئ أو الغايات لمجموعة أو حركة معينة، وغالبا ما يكون ذا طابع نقدي أو ثوري.

لا مندوحةَ إِذنْ ولا مفرّ، والمقال يستفتح أنفاسَه بهذا العنوان المستفِزّ إلا أنْ أَتَتَرَّسَ بهذه الديباجة التي تردّ الاعتبار للأبعاد المرذولة في التسويف، فالتسويف حين يطالُ عملا يُفترض بك تنفيذه، فهذا - بَداهةً - سلوك مذموم، لا يسع كل شخص سويّ إلا أنْ ينبُذَه، على أنّ علاجَه الناجع هو وضع خطة إجرائية تضمّ الخطوات مقرونةً بخطها الزمني، وبناء عملية وتوفير بيئة تعملان سياقا يضمن تنفيذ الخطوات كما خُطِّط لها، أما مجرد إبقاء ما نريد إنجازه فكرة ذهنية محبوسة بين قضبان جماجمنا، ومرهونة في عالَم التصوّر المجرّد، بلا خطة عملية توضح مراحل الإنجاز بخط زمني واضح، ولا إيجاد عملية تكفل التنفيذ بشكل مدروس، فسيظل التسويف دَفّةً تُدير المشهد، ويظل العمل مقبورا ينتظر قيامتَه.

وبما أننا فَرَغْنا من إزالة ما يمكن أن يكون لَبْسا في أن يكون مدحا يُكال للتسويف على خلاف ما استقرّ في وعينا من ذمّه وذمّ مَسْحوقيه ومَسْجونيه، فالمقال في لُبِّه يجيب على سؤال: متى لا يكون التسويفُ مشكلةَ تسويف؟!

لأنّ دهاليز نفوسنا معقّدة؛ فيمكن القول إنه ليس كل تسويفٍ هو ممارسة يستوجب تقويمها، ومشكلة نبحث لها عن مخرج، بل قد يكون نذيرا يجب الالتفات إليه، وتحذيرا يستحق الانتباه إليه بجديّة، وصرخة تحذيرية يتحتم علينا أن تُصيخ أسماعُنا إليها، مفادُه أنّ مماطلة النفْس في التنفيذ ليست بالضرورة لعلة في الإرادة أو خلل في العزيمة، أو حتى في الخطة العملية، بل قد يكون صوتا داخليا حقيقيا وحدسا صائبا مُلِحًّا بأن هذه الخطوة خطأ وضرر مَحض، يجب الابتعاد عنها، أو سابقةٌ لأوانها ينبغي تأخيرها، أو بحاجة لتعديل ضروري لتتساوَق ومصلحتَنا الشخصية، إلى غير ذلك من المحاذير الواقعية.

إن لغة حُدوسنا الداخلية تتهجّى أبجدياتٍ عدّة، من بينها أبجدية التسويف، إذ تجد نفسك متثاقلا على القيام بأمر ما، قد يظهر أنه جيد، رغم أنك بوجه عام لا تعاني من التسويف المَرَضي في بقية شؤونك، ومثال ذلك أن تكوني امرأةً منْطلقةً مُنْجزة مُنظّمة، لكنك بدأتِ مؤخرا تعانين من التسويف، خلافا للنَّسق العام الذي تتّسم به خطواتك الواثقة وعلى مدى عقود، فقد يكون  ذلك حينها مؤشرا صارخا على ضرورة التركيز وعدم الانزلاق لفخ التشتت؛ لضمان أن تليق المُخرجات باجتهادك كَمًا وكيفا، فالتشتيتُ - ولو بدا أنه تشتتٌ منظّم! - يئِد النجاحات العظيمة، وينشب أظافره في أوداجها في مهدها، بينما التركيز يطوي المسافات بين المرء وبين المجد بما لم يحلم به يوما ما، لا في مناماته ولا في أحلام يقظته.

ومثالٌ ثانٍ، أن تكون طالبا في البكالوريوس مُجِدًا مثابرا قويّ الشكيمة، ثم تجد نفسك في مساق دراسي ثقيل الوطأة على النفس، منيع الولوج، فلا تَنْشَبْ تسوّف في هذا المساق مشاريعَك وواجباتِك واستذكار دروسك، فهو - أي التسويف - إذَّاك، قد يكون علامة على ضرورة التفكير مَلِيًا في تغيير تخصصك مثلا، أو تأجيل فصل دراسي حتى ترتب أوضاعا راهنة لها أولوية قصوى، وأنّ عدم المسارعة لذلك قد يُحْدِثُ شَرْخًا في حياتك الخاصة لا قِبَلَ لكَ به.

ومثالٌ ثالثٌ، أن تكون عازما على المضيّ قُدُما في مشروعٍ ما، وقد أشبعتَ كل حيثياته دراسةً واستشارة وجاهزية، فضلا عن أنه لديك وَفْرة من الموارد اللازمة للمشروع، إلا أنك - رغم ذلك كله - تجد نفسك تنازعك الخُطى على نحوٍ مُبْهَم، فتسارعُ إلى الاعتقاد بأنه تسويف يجب القضاء عليه، إلا أنه قد يكون تنبيها بضرورة مراجعة دراسة المشروع لوجود ثغرة قد تكون كَبْوةً تصيبك في مَقْتَل، لا تنهض بعدها.

لا غَرْوَ أنّ التقدير والحُكم في المواقف التي يحضر فيها التسويف، هو حُكْمٌ مُحتَمَل، ففي الوقت الذي قد يكون تسويفا حقيقيا يجب حلُّه، إلا أنه قد يكون - على النقيض تماما - حدسا صائبًا بالتوقف حقا؛ لأنّ هناك خطأ ما يجب الالتفات إليه وإيلاؤه اهتماما جادا، والكارثة تكمُن في أنّك إن لم تكترث لحَدْسك، وتعاطيت معه على اعتبار أنه تسويف، وأكرهتَ نفسك على المضيّ قدما في تلك المهمة، فستجني على نفسك ويلاتٍ ساحقة، ويصدُق فيك حينئذٍ: وَجَنَتْ على نفسها بَراقِش! فالحَدْس لا يخطئ ولا يمزح، وهو أمرٌ جَلَلٌ ليس بالأمر الهَزْل! وعليه؛ يغدو السؤال الجامح والفيصلي هنا هو: كيف أميّز بين الحالتين ما دام الأمر بهذه الخطورة؟

ولعلي أقترح لِفَكّ الاشتباك في هذه المنطقة الملغّمة بين التسويف الذي خرج من رَحِمِ ضَعْفِ الإرادة أو التخطيط، وبين التسويف المدفوع بحدس داخلي بأن الخطوة خطأ، هو أن يجلس الواحد فينا مع نفسه جلسة حازمة مفتشا عن صحة ما يريد الإقدام عليه وجدواه، حتى لو كان كل شيء يبدو أنه على ما يُرام، محاولا أن يتلمَّس بَواعِثَ هذا التسويف، فإن لم يجد من علة في جوهر الخطوة التي يريد أن يخطوها أو المهمة التي يرغب في إتمامها أو المشروع الذي يطمح إلى إنجازه، فهذا يرجّح احتمال أنه تسويف ناتجٌ من افتقارٍ لخطة زمنية أو عوامل مؤثرة كموانع نفسية أو بيئية تتطلب حَلْحَلَتها بادئ ذِي بَدْء، وما إلى ذلك، أما إن وقف على حقيقة حدسه في الصدّ عن الإقدام، ورأَى رَأْيَ العين الباعثَ الحقيقي الذي يغذي هذا التسويف بما هو خطوة تستوجب أن يكبح نفسه عنها إنْ كليا أو جزئيا أو مؤقتا، فعندئذٍ يكون التسويف ليس مشكلةَ تسويف، بل درعا نفسيا حمانا من مغبّة ما يمكن أن يؤول إلى ندم وخيبة أمل، وحمِدَ مراعاتَنا إيّاه، وفي مثل هذا المقام يجمُل تقريظ المديح في تمجيد التسويف! 

***

محمـــد سيـــف

من فجر الضمير في وادي النيل الى الشرائع في وادي الرافدين

يثير سؤال نشأة الاخلاق واحدا من اقدم الاسئلة التي رافقت الفكر الانساني: هل جاءت الاخلاق مع الاديان، ام ان الانسان عرف الخير والشر قبل ان يعرف النصوص المقدسة؟ وهل كان الضمير ثمرة للوحي، ام ان الوحي جاء ليهذب ضميرا كان قد بدا يستيقظ في اعماق الانسان منذ فجر الحضارة؟ ان هذا السؤال لا يتعلق بتاريخ الدين فقط، بل بجوهر الانسان نفسه: متى بدأ يشعر ان عليه مسؤولية تجاه غيره، وان هناك افعالا ينبغي فعلها وافعالا ينبغي تجنبها حتى عندما لا يكون هناك رقيب او عقاب؟

تناول عالم المصريات الامريكي جيمس هنري بريستد هذه القضية في كتابه الشهير "فجر الضمير"، حيث رأى ان الاخلاق لم تولد فجاة مع ظهور الرسالات الدينية، بل ان جذورها تمتد الى عصور اقدم، عندما بدأت الحضارات تنقل الانسان من حياة تقوم على الغريزة والبقاء الى حياة تقوم على التنظيم والمسؤولية والوعي. فالانسان القديم لم يكن يعيش فقط لكي ياكل ويحتمي ويتكاثر، بل بدا يسال نفسه: كيف ينبغي ان يعيش؟ وكيف يمكن للجماعة ان تستمر من دون ان تتحول القوة الى ظلم والمصلحة الى صراع دائم؟

وفي وادي النيل ظهرت واحدة من اقدم صور هذا الوعي الاخلاقي. فلم يكن النيل مجرد مصدر للماء والغذاء، بل كان عاملا اساسيا في نشوء الاستقرار والمجتمع. ومع الاستقرار ظهرت الحاجة الى قواعد تنظم العلاقات بين الناس، وبدأ الانسان يميز بين العدل والظلم، والصدق والكذب، والرحمة والقسوة.

ومن هنا يمكن فهم مفهوم "ماعت" في مصر القديمة، وهي كلمة ارتبطت بالحق والعدل والصدق والنظام والتوازن، في مقابل الفوضى والاضطراب والظلم. وكان الحفاظ على "ماعت" يعني، في جوهره، الحفاظ على النظام الاخلاقي الذي يجعل حياة الفرد والمجتمع ممكنة ومستقرة. وهكذا ادرك المصري القديم ان المجتمع لا يمكن ان يستمر بالقوة وحدها، بل يحتاج الى معيار للحق والعدل.

وتظهر اهمية هذا التصور بصورة اوضح في المعتقدات المصرية المتعلقة بالحياة بعد الموت، حيث ارتبط مصير الانسان بفكرة محاكمة القلب. فقد كان القلب يوزن رمزيا في مقابل ريشة "ماعت"، في اشارة الى وزن اعمال الانسان وحقيقة حياته. وبغض النظر عن التفسير الديني لهذه الصورة، فان معناها الاخلاقي واضح: الانسان مسؤول عن افعاله، وحياته لا تقاس فقط بما امتلكه او بالقوة التي مارسها، بل بما فعله تجاه الاخرين. وهنا تظهر مبكرا فكرة الرقيب الداخلي والمسؤولية الاخلاقية.

اما في وادي الرافدين، فقد ظهرت صورة اخرى لتطور الاخلاق، تمثلت في انتقال القيم والاعراف الى قوانين مكتوبة. ففي بلاد سومر واكد وبابل ظهرت نصوص قانونية مبكرة، من بينها قوانين اور نمو وشريعة حمورابي. ولم تكن هذه النصوص مجرد قوائم للعقوبات والملكية، بل تضمنت تصورات عن العدالة وتنظيم المجتمع وحماية بعض الفئات.

وفي مقدمة شريعة حمورابي يظهر الحاكم بوصفه مسؤولا عن اقامة العدل ومنع القوي من ظلم الضعيف، وحماية الارملة واليتيم ونشر النظام. ورغم ان هذه القوانين لم تحقق المساواة بمفهومها الحديث، فان فكرة ان السلطة تتحمل مسؤولية اخلاقية تجاه المجتمع تمثل مرحلة مهمة في تاريخ الفكر الاخلاقي والسياسي.

كما تكشف النصوص السومرية والادب القديم عن اهتمام بقيم مثل الصدق والوفاء واحترام العهود والعائلة ومراعاة الضعفاء. وفي ملحمة جلجامش نرى تحولا اخلاقيا واضحا في شخصية البطل. ففي البداية يظهر جلجامش ملكا قويا ومتجبرا، ثم يمر بتجربة الصداقة والفقد والبحث عن الخلود، فيكتشف حدود القوة وحدود الانسان امام الموت. وتتحول رحلته من الغرور الى الحكمة، ومن البحث عن القوة والخلود الى فهم قيمة الحياة وحدود الانسان.

هذه الشواهد تجعل من الصعب القول ان الانسان لم يعرف الاخلاق قبل الاديان. فالانسان حين عاش في جماعة احتاج الى الصدق حتى تستمر الثقة، والى العدل حتى لا تتحول الجماعة الى صراع دائم بين الاقوياء والضعفاء، والى الرحمة حتى يبقى المجتمع متماسكا. ولذلك يمكن النظر الى الاخلاق في بداياتها باعتبارها استجابة لحاجات انسانية واجتماعية عميقة.

ومع مرور الزمن تطورت هذه القيم واصبحت اكثر تعقيدا، ثم جاءت الاديان لتمنحها بعدا روحيا ومقدسا. فالعدل اصبح عبادة، والرحمة فضيلة، والصدق مسؤولية امام الله، ومساعدة الضعيف عملا له قيمة روحية. وبذلك انتقلت الاخلاق من كونها ضرورة لتنظيم المجتمع الى كونها ايضا مسؤولية امام سلطة اخلاقية عليا تتجاوز المجتمع والفرد.

لكن التاريخ يعلمنا في الوقت نفسه ان الايمان وحده لا يضمن الاخلاق. فقد مارس بعض المتدينين الظلم باسم الدين، كما عاش اشخاص غير متدينين حياة مليئة بالصدق والرحمة والنزاهة. وهذا يدل على ان العلاقة بين الدين والاخلاق ليست حتمية. يمكن للدين ان يكون مصدرا قويا للاخلاق، كما يمكن للانسان ان يستمد مبادئه من ضميره وتربيته وتجربته وشعوره بالاخر ومسؤوليته تجاه المجتمع.

ومن هنا يصبح السؤال الاكثر عمقا ليس فقط: هل يستطيع الانسان ان يكون اخلاقيا من دون دين؟ بل: كيف نشا في الانسان اصلا ذلك الصوت الداخلي الذي يجعله يشعر ان بعض الافعال خاطئة حتى عندما يستطيع ارتكابها من دون عقاب؟ كيف نشات مشاعر التعاطف والشفقة والندم؟ ولماذا يشعر الانسان بالذنب عندما يظلم شخصا ضعيفا حتى لو لم يره احد؟

وتقدم لنا الاكتشافات الاثرية لمحات عن قدم التعاون ورعاية الضعيف. فقد عثر الباحثون على بقايا بشرية تعود الى عصور سحيقة لافراد عاشوا مع اصابات واعاقات كان من الصعب عليهم البقاء من دون مساعدة جماعتهم. ومثل هذه الشواهد تشير الى ان التعاون والرعاية لهما جذور عميقة في التاريخ الانساني.

كما تشير دراسات حديثة في علم النفس وتطور الطفل الى ان بعض اشكال التعاطف والتمييز بين الاذى والمساعدة تظهر في مراحل مبكرة من حياة الطفل قبل تلقي تعليم اخلاقي منظم. وهذا لا يعني ان الطفل يولد حاملا منظومة اخلاقية كاملة، لكنه يشير الى وجود استعدادات نفسية تساعد على نشوء الاخلاق، ثم تقوم التربية والثقافة والدين والقانون بتطويرها وتوجيهها.

ومن هنا يمكن القول ان الاخلاق والاديان دخلا في علاقة طويلة ومعقدة. فالانسان حمل معه استعدادا للتعاطف والتعاون والعدل، ثم جاءت الحضارات لتضع لهذه القيم اشكالا وقوانين، وجاءت الاديان لتمنحها معنى روحيا اعمق ومكانة مقدسة.

ولعل اعظم دليل على قدم الاخلاق ليس فقط ما تركته الحضارات القديمة من قوانين ونصوص، بل ما عاشه الانسان نفسه منذ بدايات وجوده. فالانسان لم يصبح اخلاقيا فقط عندما قرا الوصايا، بل عندما شعر للمرة الاولى ان الم الاخر يشبه المه، وان ضعف غيره يمكن ان يكون ضعفه، وان الجماعة لا يمكن ان تستمر اذا تحول كل فرد فيها الى كائن لا يرى سوى مصلحته.

وهنا ربما يكمن المعنى الحقيقي لفجر الضمير: ان الانسان بدا يصبح انسانا عندما لم يعد يسال فقط: ماذا استطيع ان افعل؟ بل بدا يسال ايضا: ماذا ينبغي ان افعل؟ وعندما ظهر هذا السؤال، ولد واحد من اعظم التحولات في تاريخ البشرية. فقد اصبح الانسان قادرا على مقاومة غرائزه، ومراجعة افعاله، والشعور بالندم، والتضحية من اجل غيره، ووضع قواعد تحمي الجماعة.

لذلك فان الحديث عن الاخلاق قبل الاديان لا ينبغي ان يكون محاولة لالغاء دور الدين، كما ان الحديث عن الدين لا ينبغي ان يؤدي الى انكار جذور الضمير الانساني. لقد بدا الضمير في اعماق الانسان، ثم جاءت الحضارات لتصوغ قيمه في قوانين ومفاهيم مثل "ماعت" والشرائع القديمة، وجاءت الاديان لتمنح هذه القيم افقا روحيا واسعا.

ومن فجر الضمير في وادي النيل، الى الشرائع في وادي الرافدين، الى الرسالات التي جاءت لاحقا، ظل السؤال واحدا: كيف يمكن للانسان ان يكون انسانا افضل؟ وربما تبدأ الاجابة عندما ندرك ان الاخر ليس مجرد غريب عن مصالحنا، بل انسان مثلنا، له خوفه والمه وكرامته وحقه في الحياة. وعندما يصبح هذا الادراك جزءا من وعينا، يصبح العدل اكثر من قانون، والرحمة اكثر من واجب، والصدق اكثر من مصلحة، ويصبح الضمير ذلك الصوت الداخلي الذي يذكرنا، حتى في غياب الرقيب، بان هناك حدودا لا ينبغي ان نتجاوزها.

***

د. عامر ملوكا - اكاديمي وكاتب

رئيس تحرير مجلة بابلون الصادرة في ملبورن / استراليا

في أكتوبر (تشرين الأول) 1971، أقامت جامعة آيندهوفن الهولندية مناظرة بين اثنين من أكثر المفكرين إثارة للجدل يومئذ: نعوم شومسكي وميشيل فوكو. وأدارها الفيلسوف الهولندي فونز إلدرز. وقيل يومئذ إنها كانت بين أهم اللحظات الفكرية في القرن العشرين.

طُرحت في المناظرة قضايا كثيرة، في فلسفة العلم، والطبيعة البشرية، ومفاهيم السلطة والعدالة والأخلاق. ونعلم أن الرجلين كليهما، فوكو وشومسكي، ينتميان لاتجاه اليسار الداعي للتغيير، ولكنهما في الوقت نفسه يقفان على طرفي نقيض -تقريباً- في الموقف من قضايا أساسية في الفلسفة والأخلاق. ولذا قيل إن المناظرة منحت فوكو فرصة نادرة لطرح آرائه الأكثر إثارة للجدل، بطريقة مقنعة وقريبة من الأذهان، وقدمته –خصوصاً- لجمهور المهتمين بالفلسفة وعلم الاجتماع خارج فرنسا.

والراجح أن الجدل السابق حول آرائه هو الذي جعل المناظرة مثيرة للاهتمام؛ لا سيما أن الطرف الثاني، شومسكي، معروف أيضاً بثقافته الموسوعية وصلابته في النقاش الفكري.

واستحوذت مسألتا الأخلاق والمعارف الإنسانية الأساسية على الجانب الأكبر من اهتمام المتابعين. فالمعروف أن فوكو يميل للتشاؤم إزاء علاقة الإنسان بعالمه. ويبدأ هذا بدعوى أثارت جدلاً واسعاً منذ ظهورها في 1966، وخلاصتها أن «إنسان العصر الراهن هو اختراع حديث».

مراد فوكو -بطبيعة الحال- ليس الإنسان بشكل عام؛ بل الإنسان بالمفهوم الذي نتداوله الآن: الإنسان الذي هو محور الحق والفكر والآيديولوجيا والسياسة والاقتصاد والعلم، الإنسان الذي يُنظر إليه كسيد للكون وهدف لكل حركة أو اختلاف أو اتفاق فيه. لم يعرف العالم هذا المفهوم قبل القرن التاسع عشر؛ لكن الذي تغير ليس موقع الفرد بالنسبة للجماعة. فالجماعة ما زالت -وفق رؤية فوكو- تسيِّر الفرد وتصوغ شخصيته، من خلال الثقافة واللغة وتقسيم الأدوار وصناعة المعاني ووسائل الإنتاج، وطريقة تظهير السلطة والنفوذ. الذي تغير في هذه المعادلة هو فهم الإنسان لنفسه، ثم ترتب عليه تغير اتجاه المعرفة والقيم.

بناءً على رؤية فوكو، يمكن القول إن الإنسان أقرب إلى نسخة مكررة، يشكلها المجتمع ومنظومة السلطة التي ينطوي عليها. وحين ينهض بنفسه فسوف يكون تجسيداً للأنساق التي تشكلت حولها وعلى أساسها الجماعة، وليس الشخص الذي يصنع ذاته وأقداره أو يؤثر بعمق في محيطه. ينطبق هذا على إنسان ما قبل القرن الـ19 والإنسان المعاصر. ولكن هذا التاريخ كان نقطة فاصلة بين مفهومين مختلفين تماماً.

خلافاً لهذا الموقف، رأى شومسكي أن فوكو أخطأ أولاً في تعريفه لطبيعة الإنسان، حين قرر أنه يأتي إلى هذا العالم صفحة بيضاء، لا يعرف شيئاً على الإطلاق. ومنذ اللحظة الأولى يتولى المجتمع صياغته وتشكيله. رأى شومسكي أن الإنسان يخرج من رحم أمه مزوداً ببنية عقلية، تمكِّنه من الفهم المتدرج لعالمه، والتفاعل معه، كما تمكِّنه من اكتساب أدوات التواصل مع البشر الآخرين، لا سيما اللغة والحدس الذي يمكِّنه من إدراك المعاني المتولدة عن الأفعال. يستطيع الإنسان في تلك المرحلة المبكرة تلمُّس الحرية؛ بل وممارستها حيثما أتيحت الفرصة. هذه البنية هي التي مكَّنتنا من فهم العالم الذي نحن فيه، واكتشاف بدائله، وتغيير ما يمكننا تغييره. ولولا قابلية استيعاب الواقع وبدائله، ولولا قابلية التغيير عند الإنسان، لبقي العالم على صورته التي عرفها أقدم أسلاف البشر.

ومن هنا فإن الحديث عن تغيير العالم نحو صورة أفضل مما ورثناه، ليس شكلاً من أشكال التوهم الآيديولوجي، كما رأى فوكو؛ بل هو دعوة للإنسان كي يكتشف جوهره الخلاق ويحرر طاقاته المبدعة. عندها سيعيد صياغة عالمه، على النحو الذي يحقق غاياته في تلك اللحظة. هذا خلق جديد وليس مجرد تأكيد لرؤية الأسلاف، كما يُفهم من رؤية ميشيل فوكو. ولذا يمكن الادعاء بأن الإنسان ليس مجرد تكثيف لحقيقة الجماعة التي ينتمي إليها؛ بل هو أقرب إلى جسر بين عالمها وعالم جديد ما زال في رحم الغيب. هذا العالم الجديد يصنعه الأفراد؛ لأنهم في الجوهر ذوات عارفة ومتحولة، تتطلع دائماً إلى ما وراء المشهد.

***

د. توفيق السيف

 

شهد الأدب عبر تاريخه الطويل تحولات عميقة ارتبطت دائمًا بتغير المجتمعات وتبدل أنماط الحياة ووسائل المعرفة والتواصل، غير أن التحول الذي فرضته العولمة خلال العقود الأخيرة يبدو من أكثر التحولات تأثيرًا في طبيعة الكتابة ووظيفة الكاتب ودور الأدب في الحياة العامة. فقد دخل العالم مرحلة جديدة أصبحت فيها الحدود الثقافية أكثر هشاشة، وانتقلت الأفكار والصور والنصوص بسرعة غير مسبوقة، حتى بات الكاتب يعيش في فضاء عالمي مفتوح لا تحكمه الجغرافيا التقليدية بقدر ما تحكمه شبكات الاتصال والتأثير الإعلامي والثقافي. وفي ظل هذا الواقع الجديد لم يعد الأدب مجرد تعبير محلي عن هموم مجتمع محدد، بل صار جزءًا من حوار كوني واسع تتقاطع فيه الثقافات والهويات والأسئلة الإنسانية الكبرى.

لقد كان الكاتب في الأزمنة السابقة يؤدي أدوارًا واضحة نسبيًا داخل مجتمعه؛ فهو حامل الوعي الثقافي، والناقد الاجتماعي، وصوت الهوية الوطنية، وأحيانًا ضمير الأمة في مواجهة السلطة أو الظلم أو التخلف. وكانت العلاقة بين الكاتب والقارئ تقوم على نوع من الثقة الثقافية، حيث يُنظر إلى الأدب باعتباره وسيلة للتنوير وبناء الوعي وتشكيل الذائقة الفكرية والجمالية. لكن العولمة بما رافقها من ثورة رقمية وإعلامية أعادت تشكيل هذه العلاقة بصورة جذرية، فالقارئ لم يعد مرتبطًا بكتاب أو صحيفة أو مؤسسة ثقافية بعينها، بل أصبح يتنقل بين آلاف المنصات والنصوص والثقافات بضغطة زر واحدة، الأمر الذي جعل الكاتب يواجه تحديًا جديدًا يتمثل في كيفية الحفاظ على صوته الخاص وسط هذا الضجيج العالمي الهائل.

ومن أبرز التحولات التي فرضتها العولمة على وظيفة الكاتب تراجع صورة “المثقف المركزي” الذي يمتلك سلطة رمزية واسعة داخل المجتمع. ففي الماضي كان الكاتب يحتل موقعًا متقدمًا في تشكيل الرأي العام، وكانت الرواية أو المقال أو القصيدة قادرة على إثارة نقاشات اجتماعية وفكرية واسعة. أما اليوم فقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات المحتوى السريع تنافس الأدب في التأثير والانتشار، بل إن كثيرًا من القضايا التي كانت تناقش عبر الكتب باتت تُستهلك في مقاطع قصيرة وتعليقات عابرة. وهذا التحول دفع الكاتب إلى إعادة التفكير في أدواته وأساليب حضوره، فلم يعد يكفي أن يكتب نصًا جيدًا، بل أصبح مطالبًا أيضًا بفهم آليات العصر الرقمي والتفاعل مع فضاءات إعلامية متغيرة باستمرار.

ومع ذلك، فإن العولمة لم تكن مجرد تهديد لوظيفة الكاتب، بل أتاحت له أيضًا فرصًا غير مسبوقة. فقد أصبح بإمكان الكاتب أن يصل إلى قراء من مختلف أنحاء العالم، وأن تُترجم أعماله بسرعة أكبر، وأن يشارك في حوارات ثقافية عابرة للقارات. كما وفرت التكنولوجيا أدوات جديدة للنشر والتعبير، فتراجع احتكار المؤسسات التقليدية للنشر، وظهر جيل من الكتّاب الذين صنعوا حضورهم عبر المنصات الرقمية قبل أن تعترف بهم المؤسسات الثقافية التقليدية. وهكذا تغيرت وظيفة الكاتب من مجرد منتج للنصوص إلى فاعل ثقافي يتحرك داخل فضاء عالمي متشابك، ويخوض معارك متعددة تتعلق بالهوية والحرية والمعنى.

لقد أثرت العولمة أيضًا في طبيعة الموضوعات التي يعالجها الأدب. فبينما كان الكاتب في السابق يركز غالبًا على قضايا محلية أو وطنية، أصبح الأدب المعاصر أكثر انشغالًا بالأسئلة الكونية مثل الهجرة، والمنفى، والهوية المركبة، والصدام الثقافي، والعزلة في العالم الرقمي، وتأثير الرأسمالية المعولمة على الإنسان. ولم يعد الكاتب يتحدث فقط باسم جماعته الضيقة، بل بات يحاول فهم الإنسان في عالم سريع التحول تتداخل فيه الثقافات وتتقاطع فيه المصائر. ولهذا أصبحت الرواية المعاصرة على سبيل المثال فضاءً مفتوحًا للهويات المتعددة والتجارب العابرة للحدود، حيث يمكن لشخصيات تنتمي إلى قارات مختلفة أن تتجاور داخل النص الواحد.

غير أن هذا الانفتاح العالمي خلق بدوره إشكالية معقدة تتعلق بمفهوم الهوية الثقافية. فالكاتب اليوم يعيش بين ضغطين متناقضين: ضغط المحلية الذي يدعوه إلى الحفاظ على خصوصيته الثقافية واللغوية، وضغط العالمية الذي يدفعه إلى مخاطبة قارئ دولي قد لا يعرف الكثير عن بيئته الأصلية. ومن هنا ظهرت أسئلة كثيرة حول ما إذا كانت العولمة تؤدي إلى إثراء الأدب عبر التبادل الثقافي، أم أنها تفرض نوعًا من التنميط الثقافي الذي يجعل النصوص أكثر تشابهًا وأقل ارتباطًا بجذورها المحلية.

وقد انعكس هذا التوتر بوضوح في الأدب العربي المعاصر، حيث يسعى كثير من الكتّاب إلى تحقيق معادلة صعبة تجمع بين الأصالة والانفتاح. فهناك من يرى أن الكاتب ينبغي أن يتمسك بلغته وخصوصيته الثقافية مهما كانت الضغوط العالمية، لأن الأدب الحقيقي ينبع من عمق التجربة المحلية. في المقابل يرى آخرون أن الانغلاق الثقافي لم يعد ممكنًا في عصر العولمة، وأن الكاتب المعاصر مطالب بالانخراط في الأسئلة الإنسانية المشتركة والتفاعل مع التيارات الفكرية والأدبية العالمية.

ومن التحولات المهمة أيضًا أن الكاتب لم يعد مجرد مراقب للواقع، بل أصبح جزءًا من صناعة الصورة الإعلامية والثقافية عن نفسه. فالعالم الرقمي خلق نوعًا من “الكاتب النجم” الذي يُتابَع حضوره الشخصي بقدر ما تُقرأ نصوصه، وأصبحت الشهرة أحيانًا مرتبطة بالقدرة على الظهور والتسويق الذاتي أكثر من ارتباطها بالقيمة الأدبية وحدها. وهذا الواقع يطرح تحديات أخلاقية وثقافية حول معنى الكتابة ودورها الحقيقي، وهل ما يزال الأدب قادرًا على الاحتفاظ بعمقه الإنساني وسط ثقافة الاستهلاك السريع والصورة العابرة.

ومع كل هذه التحولات، يبقى الأدب قادرًا على الاحتفاظ بجوهره الأساسي بوصفه محاولة لفهم الإنسان والعالم. فالكاتب، مهما تغيرت الوسائط والأدوات، يظل باحثًا عن المعنى في زمن مليء بالتشظي والقلق والتسارع. وربما كانت وظيفة الكاتب اليوم أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، لأنه لا يواجه فقط أسئلة الفن والجمال، بل يواجه أيضًا تحديات التكنولوجيا والهوية والاقتصاد والثقافة الرقمية. إنه مطالب بأن يكتب في عالم تتراجع فيه القراءة العميقة، لكنه في الوقت نفسه يملك فرصًا أوسع للوصول والتأثير والتفاعل.

إن الأدب في زمن العولمة لم يفقد أهميته، لكنه تغير في الشكل والدور والوظيفة. فالكاتب لم يعد معلمًا تقليديًا يقف فوق المجتمع، بل أصبح جزءًا من شبكة عالمية متداخلة من الأصوات والخبرات والرؤى. ومع ذلك فإن الحاجة إلى الأدب تبدو اليوم أكثر إلحاحًا، لأن الإنسان المعاصر، وسط هذا التدفق الهائل للمعلومات والصور، ما يزال يبحث عن سردية تمنحه معنى وعن لغة تساعده على فهم ذاته وعلاقته بالعالم.

ولهذا فإن وظيفة الكاتب في عصر العولمة لم تنتهِ، بل أعيد تشكيلها. لقد أصبح الكاتب شاهدًا على تحولات كبرى يعيشها الإنسان الحديث، ومترجمًا للقلق الوجودي الذي يرافق عالمًا سريع التغير، وجسرًا بين الثقافات والهويات المختلفة. وبينما تتغير الوسائط وتتشابك الثقافات، يظل الأدب واحدًا من أكثر الفنون قدرة على حماية العمق الإنساني من السطحية، وعلى تذكير العالم بأن الإنسان ليس مجرد مستهلك للمعلومات، بل كائن يبحث دائمًا عن الحكاية والمعنى والجمال.

***

د. عصام البرّام

لطالما حيرني سؤال يبدو، للوهلة الأولى، بسيطًا، لكنه كلما تعمقت فيه ازداد تعقيدًا: إذا كان الواقع المرئي والمحسوس والملموس واحدًا بالنسبة إلى البشر جميعًا، فلماذا يختلفون في رؤيته وتفسيره وتأويله وفهمه؟ لماذا يرى الإنسان الشيء نفسه بصورة مختلفة عن أخيه الإنسان، مع أن كليهما ينظر إلى العالم ذاته، وتشرق عليهما الشمس نفسها، ويعيشان فوق الأرض نفسها، وتخضع أجسادهما للقوانين الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية ذاتها؟

وهذا ما دفعني للاهتمام بالعلاقة بين الجغرافيا والثقافة وأنماط التفكير. هل تفكر المجتمعات بالطريقة نفسها مهما اختلفت بيئاتها الجغرافية والتاريخية؟ وهل للجغرافيا أثر في تكوين العقل الجمعي؟ أم أن الثقافة، بما تراكمه من لغة ودين وعادات وذاكرة ورموز ومؤسسات، هي التي تصنع الطريقة التي ننظر بها إلى العالم؟

اتذكر دراسات نشرتها عن معنى القوافل الأدبية في مجلة المنار العدنية الصادرة عن اتحاد الادباء والكتاب عام 2007م

في إحدى ندوات العولمة والمجايلة التاريخية للدكتور سيار الجميل، استوقفتني مقارنات ذكية بين عدد من الدول العربية وبعض الدول الآسيوية، مثل ماليزيا وسنغافورة وتايلاند وغيرها، وهي دول كانت في مراحل تاريخية سابقة أقل تقدمًا من بعض الدول العربية على مستويات متعددة، ثم حدث تحول نهضوي جعل مساراتها تتباعد بصورة لافتة. وقد دفع هذا السؤال الدكتور بن شرقي بن مزيان إلى طرح إشكالية وجدتها جديرة بأن تصبح موضوعًا للتفكير: ما الذي يفسر اختلاف المسارات بين المجتمعات؟

هل يتعلق الأمر بالأنثروبولوجيا التكوينية لهذه المجتمعات؟ أم بالثقافة وهيمنة بعض المؤسسات التقليدية؟ أم بالجغرافيا وسياقاتها؟ أم بنمط الدولة ومؤسساتها؟ أم أن الأمر برمته نتيجة تفاعل تاريخي مركب لا يمكن اختزاله في عامل واحد؟ ومنذ ذلك الحين وجدتني مأخوذًا بهذا السؤال، لأنني لا أبحث عن إجابة جاهزة بقدر ما أبحث عن معنى يفسر هذا الاختلاف الإنساني الهائل.

وتذكرت في أثناء ذلك كتاب عالم النفس الاجتماعي الأمريكي ريتشارد إي. نيسبت، «جغرافية الفكر: كيف يفكر الغربيون والآسيويون على نحو مختلف… ولماذا؟»، الذي يحاول أن يفسر بعض الفروق في طرائق التفكير بين الثقافات الغربية والآسيوية. والفكرة الأساسية التي أثارتني في الكتاب هي أن الإنسان لا يستقبل العالم استقبالًا محايدًا كما تستقبل الكاميرا صورة أمامها، وإنما يراه من خلال بنية ذهنية وثقافية تشكلت تاريخيًا في سياقات جغرافية وثقافية مختلفة فالعالم واحد، لكن خرائطه الذهنية متعددة.

يذهب صاحب جغرافية التفكير ريتشارد إي. نيسبت،، إلى رصد نمط من التفكير التحليلي في تشكل بعض البيئات الغربية، يميل إلى عزل الأشياء وتصنيفها والبحث عن القوانين التي تحكمها، بينما تطور في بعض البيئات الآسيوية نمط أكثر ميلًا إلى رؤية الأشياء داخل سياقاتها وعلاقاتها وشبكاتها المتبادلة. وليس المقصود بالطبع إقامة جدار نهائي بين «الغرب» و«الشرق»، أو تحويل البشر إلى قوالب جامدة، وإنما محاولة فهم الكيفية التي تؤثر بها البيئة والثقافة والتاريخ في الإدراك نفسه.

وهنا أجدني أعود إلى سؤال الوجودية الأولى ماذا يملك الإنسان قبل أن يصبح غربيًا أو شرقيًا، مسلمًا أو مسيحيًا، عربيًا أو آسيويًا، مؤمنًا أو غير مؤمن؟ غير كونه كائنا حيا يمشي على قدمين

فالجسد البشري، أينما وجد، يخضع لقوانين الطبيعة نفسها. الجوع لا يحتاج إلى ترجمة، والعطش لا يعرف الحدود القومية، والألم لا يسأل عن الدين، والحاجة إلى الأمن ليست اختراعًا ثقافيًا خالصًا. ومن هذا المستوى الأساسي يمكن فهم أهمية هرم أبراهام ماسلو للحاجات الإنسانية: الحاجات الفسيولوجية، ثم الأمن، ثم الحب والانتماء، ثم التقدير، ثم تحقيق الذات والحاجات العليا. قد نختلف في ترتيب هذه الحاجات أو في تفسيرها الثقافي، لكن الإنسان، في النهاية، يحتاج إلى الطعام والماء والأمان والانتماء والاعتراف والمعنى. وحتى حين يصل إلى مرحلة البحث عن الحقيقة والجمال والعدل وتحقيق إمكاناته الإنسانية، فإنه لا يخرج تمامًا من شروط وجوده البيولوجي والاجتماعي، بل يرتقي فوقها دون أن يلغيها.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى: الإنسان كائن طبيعي، لكنه لا يعيش في الطبيعة وحدها؛ إنه يعيش أيضًا في عالم من المعاني التي صنعها بنفسه وهذا هو الكائن الوحيد، في حدود معرفتنا، الذي يستطيع أن يقول: «أنا».

ومن هذه الـ«أنا» تبدأ الحكاية الطويلة للوعي واللغة والثقافة والهوية والذاكرة والتاريخ والحضارة فالكائن البشري المتعين لا يرى العالم كما هو فقط، وإنما كما تسمح له لغته وثقافته وذاكرته وتجربته التاريخية أن يراه. وهذا ما يضيء جانبًا مهمًا من أعمال الأنثروبولوجي الأمريكي إدوارد تي هول، الذي نظر إلى الثقافة بوصفها نظامًا لإنتاج المعنى، لا مجرد مجموعة من العادات والمعلومات والمعتقدات وكل جماعة بشرية تبني، بصورة واعية أو غير واعية، تصورًا عن الزمن والمكان والحقيقة والهوية والحياة والموت والخير والشر. ثم تنشأ المشكلة عندما تتحول هذه التصورات من أدوات لفهم العالم إلى حقائق مطلقة لا تقبل النقاش؛ عندها لا يعود الاختلاف مجرد اختلاف في الرأي، بل يتحول إلى تهديد للهوية ذاتها.

هنا نفهم لماذا يستطيع الإنسان أن يقتل من أجل فكرة، وأن يموت من أجل رمز، وأن يعادي إنسانًا آخر لمجرد أنه ينتمي إلى سردية مختلفة. فالمعتقد، حتى حين يكون غير قابل للاختبار التجريبي، يستطيع أن يصبح قوة مادية هائلة حين يؤمن به الناس ويتصرفون على أساسه.

وبهذا المعنى يمكن القول إن التاريخ الإنساني يمكن أن يُقرأ، في جانب منه، بوصفه تاريخًا لصراع السرديات الكبرى: من الأسطورة إلى الدين، ومن الطوطم إلى الأيديولوجيا، ومن الأساطير السياسية القديمة إلى العقائد السياسية الحديثة.وهذه هي الاطروحة التي انتبه اليها المفكر المصري أنور عبد الملك 1924- 2012م إذ تميز بمشروع فكري عقلاني وحضاري مبكر، انشغل بنقد المركزية الأوروبية وتفكيك الاستشراق التقليدي قبل سنوات من صدور كتاب إدوارد سعيد «الاستشراق». سعى عبد الملك إلى إعادة صياغة مفاهيم النهضة والثورة والأصالة والحداثة من منظور الخصوصية الحضارية، داعيًا إلى استعادة التعددية الثقافية في النظام الدولي، ومبشرًا بصعود الشرق، ولا سيما الصين والعالم العربي، بوصفه فضاءً حضاريًا قادرًا على إعادة تشكيل موازين القوة العالمية. وقد جمع في تحليله بين البنى الاجتماعية والتحولات السياسية والعسكرية والعمق التاريخي للأمم. ومن أبرز كتبه: «المجتمع المصري والجيش»، «نهضة مصر»، «ريح الشرق»، «تغيير العالم»، «من أجل استراتيجية حضارية»، «الجدلية الاجتماعية»، «الفكر العربي في معركة النهضة»، «مدخل إلى الفكر العربي المعاصر»، «الإبداع والمشروع الحضاري»، «الشارع المصري والفكر»، «الوطنية هي الحل»، و**«في أصول المسألة الحضارية»**؛ وهي في مجملها تعكس انشغاله بسؤال النهضة واستعادة الشرق فاعليته الحضارية والتاريخية. وهو يرى أن الحضارات لا تتحرك جميعها داخل السياق التاريخي نفسه، وأن اختلاف تجاربها الاجتماعية والقومية والتاريخية ينتج اختلافًا في رؤيتها للزمن وللصيرورة وللعلاقة بين الفرد والجماعة.

لقد نشأت حضارات شرقية قديمة، مثل مصر والصين وفارس واليابان، داخل مجتمعات ذات استمرارية تاريخية عميقة، وتماسك اجتماعي وثقافي قوي، جعل الزمن فيها يبدو أقل تجزؤًا من التصور الحديث الذي يميل إلى تقسيم التاريخ إلى مراحل منفصلة ومتتابعة.

فالإنسان الشرقي، في قراءة عبد الملك، لا يرى نفسه دائمًا بوصفه فردًا منفصلًا عن التاريخ، وإنما بوصفه حلقة في سلسلة ممتدة عبر الأجيال.

فكرة تستحق التأمل، لأنها تجعلنا نعيد النظر في الطريقة التي نفهم بها التقدم نفسه. فهل التقدم مسار واحد تسير فيه جميع المجتمعات بالسرعة نفسها؟ أم أن لكل حضارة زمنها التاريخي الخاص، وإيقاعها الداخلي، وطريقتها في استيعاب الحداثة؟

لا يعني هذا أن نرفض منجزات الغرب أو أن نغلق أبوابنا أمام العلم والتكنولوجيا والحداثة، كما لا يعني أن نقد الغرب ينبغي أن يتحول إلى تمجيد للشرق. المسألة أعمق من ذلك: كيف نستفيد من منجزات الآخر دون أن نفقد القدرة على التفكير من داخل شروطنا التاريخية؟

فالنهضة ليست تقليدًا للآخر، كما أنها ليست عودة رومانسية إلى الماضي. إنها القدرة على إنتاج معرفة تنطلق من الواقع، وتستفيد من التجارب الإنسانية كلها، لكنها لا تتخلى عن حقها في طرح أسئلتها الخاصة.

ليس العالم واحدًا بالمعنى الذي يجعل البشر يرونه بالطريقة نفسها؛ فالعالم الخارجي قد يكون مشتركًا بين الجميع، لكن الإنسان لا يراه عاريًا من اللغة والذاكرة والثقافة والتاريخ والجغرافيا والتجربة. نحن لا نرى العالم فقط، بل نؤوله، والخطر يبدأ حين ننسى أننا نؤول فنخلط بين الحقيقة وصورتنا عنها.

ومن هنا لا ينبغي أن نفهم الشرق والغرب بوصفهما جوهرين ثابتين أو عقلين متناقضين، بل بوصفهما تاريخًا طويلًا من التفاعل والتبادل والصراع والتعلم المتبادل. فلا يوجد عقل شرقي خالص ولا عقل غربي خالص، كما لا توجد حضارة تمتلك وحدها مفاتيح التاريخ.

إن العالم المعاصر أصبح قرية من حيث الاتصال، لكنه لم يصبح عقلًا واحدًا؛ بل كلما اقترب البشر ماديًا، ظهرت بصورة أوضح اختلافاتهم الرمزية والثقافية. ولهذا نحتاج إلى رؤية كلية ترى الاقتصاد والسياسة والثقافة والدين والتكنولوجيا والتاريخ بوصفها عناصر مترابطة داخل شبكة واحدة.

أما الفلسفة، فوظيفتها ليست إنتاج يقينيات مقدسة، وإنما حماية العقل من تحول أفكاره إلى أصنام. إنها تعلمنا أن نسأل، ونشك، ونختبر، ونراجع أنفسنا.

وربما لا يكون السؤال: من يرى العالم بصورة صحيحة، الشرق أم الغرب؟ بل: كيف نتعلم أن نفكر معًا، رغم اختلاف الطرق التي تعلمنا بها رؤية العالم؟

ولهذا أجد في انعقاد مؤتمر جامعة حضرموت بمناسبة الذكرى البلاتينية للعلاقات اليمنية الصينية أكثر من مجرد استعادة لحدث تاريخي مضى؛ إنها فرصة لإعادة قراءة التاريخ بوصفه سؤالًا مفتوحًا على المستقبل. فالعلاقة بين اليمن والصين ليست مجرد علاقة دبلوماسية بين دولتين، وإنما هي امتداد لتاريخ أقدم من الدول والحدود، تاريخ طرق التجارة والبحار والموانئ، وتبادل السلع والأفكار والثقافات بين حضارتين عريقتين.

وتكتسب هذه الندوة أهميتها من أنها تتيح لنا أن ننظر إلى الصين واليمن خارج الصور النمطية التي صنعتها المركزيات القديمة، وأن نقرأ تجربة الصين المعاصرة في ضوء تاريخها الحضاري الطويل، كما نعيد التفكير في موقع اليمن وقدرته على استعادة دوره في شبكة التفاعل الآسيوي والعالمي.

إن الاحتفاء بسبعين عامًا من العلاقات اليمنية الصينية لا ينبغي أن يكون احتفاءً بالماضي وحده، بل مناسبة للسؤال: ماذا يمكن أن نتعلم من هذا التاريخ؟ وكيف نحول الذاكرة المشتركة إلى معرفة، والمعرفة إلى رؤية، والرؤية إلى مشروع للمستقبل؟

فالتاريخ لا يصبح حيًا حين نتذكره فقط، وإنما حين يساعدنا على فهم حاضرنا وفتح إمكانات جديدة للمستقبل. وربما تكون هذه هي الرسالة الأعمق للندوة: أن الحضارات لا تتقدم حين تنغلق على ذواتها، بل حين تتعارف، وتتفاعل، وتتبادل الخبرة، وتبحث معًا عن عالم أكثر تعددًا وعدلًا وإنسانية.

***

ا. د. قاسم المحبشي

فرش اشكالي: يشغل بول ريكور موقعا متميزا في الفلسفة الفرنسية في القرن العشرين، فهو من أكثر فلاسفتها عمقا، وقد وصفته صحيفة لوموند يوم وفاته بعبارة فيلسوف جميع الحوارات، وهو وصف يلتقي مع ما رصد في سيرته الفكرية من دفاعه عن الحوار الكوني مع معظم تيارات عصره. ويلاحظ جان غروندان أحد أبرز شراحه، أنك لا تجد في أعماله الكتاب الأعظم الواحد، بل كتبا كثيرة يصلح كل منها لهذا اللقب، ومع ذلك تلاحقه تهمة متكررة أنه لا يملك فكرا خاصا، وأنه لا يفعل سوى عرض أفكار غيره وتصحيح تجاوزاتها.

يصف ريكور تقليده الفلسفي بثلاث سمات، الانتماء إلى الفلسفة الانعكاسية، والوقوف في دائرة الظاهراتية، وتمثيل نسخة تأويلية منها. وتكاد عبارة واحدة تلخّص مشروعه: «الإنسان هو فرح النَّعَم في حزن المتناهي». وليست هذه العبارة تفاؤلًا ساذجا ولا يأسا وجوديا، بل قدرة على قول «نعم» للحياة من داخل تناهيها نفسه. ومن هذا التوتر انبثقت فلسفة إرادة تعرف حدودها، وتأويل يثق بالرمز ويرتاب فيه معا، وأخلاق تطلب الحياة الطيبة في مؤسسات عادلة، وذاكرة ترفض أن يبتلعها النسيان أو تستعبدها الضغينة.

من هنا ينطلق مقالنا من سؤال مركزي: بأي معنى يمكن عد الجمع بين النقد والاقتناع عند ريكور بناء منهجيا متماسكا لا تسوية توفيقية، وكيف يتجلى ذلك في تصوره للذات المتناهية وللتأويل الذي تفهم به نفسها؟.

بأي مرجعية يمكن ان نفهم فلسفة بول ريكور؟

تتوزع الدراسات والمقالات المتعلقة بفلسفة بول ريكور على ثلاثة اتجاهات الاتجاه الأول الببليوغرافيا السيرية، وأبرزها نصوص كتاب غروندان الذي يقدم قراءة منتظمة لمسار ريكور ولأعماله، ويلاحظ بصفة خاصة أنه لا يوجد في هذه الأعمال الكتاب الأعظم الواحد، بل كتب كثيرة يصلح كل منها لهذا اللقب، كما يجعل من فاجعة ابنه أوليفييه مفتاحا لبعد مأساوي في الذات عينها كآخر. وإلى جانبه سيرة دوس، وهي المرجع الأدق في تفاصيل الحياة العامة والجامعية، ويضاف إليهما المراجع الاصطلاحية كمعجم أبيل وبوريه.

والاتجاه الثاني نقدي-موضوعاتي، يتناول ريكور من زاوية علاقته بالهامش وبما بعد الكولونيالية، وقد جمعت بعض مساهماته في عدد خاص من مجلة دراسات ريكور بعنوان ريكور ما بعد الكولونيالي، إضافة الى أول كتاباته الفلسفية «بحث عن مسألة الله عند لاشوليي ولانيو».

والاتجاه الثالث دراسات قطاعية تتناول عصبا واحدا من فكره، وهي الأكثر صلة بأطروحة هذا المقال. فمنها ما يتخذ من ثنائية النقد والاقتناع محورًا صريحًا، مثل بين النقد والاقتناع مسار تفكير بول ريكور، وبين القلق والنقد لحظة الاقتناع عند بول ريكور، ومنها ما يقرأ التأويل من جهة الغيرية وحدود المعنى، أو من جهة أخلاق الضيافة والانتقال من الارتياب إلى الثقة بالذات، أو من جهة الخصوصيات الوجودية، حيث تقرأ حياة الإنسان بوصفها توترًا لا يتوقف بين القدرة والعجز، ويكمل هذه الصورة ما كتب عن فلسفته بوصفها تجوالًا للمعنى وعن لغة التأويل وعقلها النقدي.

سيرته وفلسفته

ولد بول ريكور في فالانس يوم 27 فيفري 1913، وكان أبوه مدرّس إنجليزية في الثانوية. توفيت أمه بعد ولادته بقليل، وقُتل الأب في معركة المارن سنة 1915، ولم يُعثر على جثته إلا سنة 1932 حين حرث فلاح حقله. كبر في رين بين جدّيه لأبيه وعمّته وأخته أليس، في بيت بروتستانتي متقدّم في السنّ يغلب عليه الحداد. ويقول إن القراءة كانت ملاذه، وإن المدرسة كانت له استراحة لا عبئًا، وخرج من هذا اليتم بإحساس حادّ بالظلم الاجتماعي؛ فقد رأى لاحقًا أن أباه مات من أجل لا شيء، ووجد في تربيته البروتستانتية ما يسند هذا الإحساس. وماتت أخته أليس بالسلّ وهي في الحادية والعشرين، فظلّ يشعر بأن عليه دينًا غير مدفوع لها وسيعود هذا الدين في أعماله على شكل أسئلة عن الذنب والمسؤولية والذاكرة.

في ثانوية رين التقى ريكور أستاذه رولان دالبييز، فتعلّم منه قاعدة رافقت حياته (إذا اعترضك عائق فواجهه ولا تلتفّ عليه) وكتب بحثه الجامعي الأول عن مسألة الله عند لاشوليي ولانيو ثم صار أستاذًا في الثانوية سنة 1933، وسيقول إن هذا الدخول المبكر إلى التدريس حكم عمله كلّه، فأعماله الفلسفية ظلّت مرتبطة بالتعليم

كان في تلك السنوات قريبًا من الاشتراكيين ومن الحلقات المسيحية الملتزمة اجتماعيًا، وكتب مقالًا عن «ضرورة كارل ماركس» (1937–1938)، لكنه لم يخلط يومًا بين الإنجيل والاشتراكية [11][19]. وحاز التبريز سنة 1935 بالمرتبة الثانية. وكان يحضر كلّ جمعة صالون غابرييل مارسيل، وقاعدته ألّا يُستشهد بأي مؤلف وأن يبدأ التفكير من أمثلة حيّة وفي تلك الفترة اكتشف كارل ياسبرس وقرأ هوسرل، وتزوّج سيمون لوجاس، وأنجبا خمسة أبناء.

جُنّد ريكور سنة 1939، ووقع في الأسر في ماي 1940 في وادي المارن، المكان نفسه الذي سقط فيه أبوه. أُرسل إلى معسكر في بوميرانيا، وأقام هناك مع رفاقه ومنهم ميكل دوفرين ما يشبه جامعة صغيرة بمكتبة ودروس وامتحانات وترجم في الأسر أفكار هوسرل، وكتب في هوامش النص لقلّة الورق، وكتب أولى صفحات مشروعه عن الإرادة. ولم ينقص الأسرُ ولعه بالثقافة الألمانية، فقد عدّ غوته وشيلر وهوسرل وياسبرس ألمانيا الحقيقية. وحين حُرّر سنة 1945 وجد نفسه قريبًا من معسكر برغن-بلسن، فأدرك أن نجاته كانت أعجوبة ويُسجَّل في هذا السياق أن سنوات الأسر الخمس كانت أرضية خصبة، وأن ترجمته وتعليقه على هوسرل ثم كتاب كارل ياسبرس وفلسفة الوجود (1947) خرجا من صميمها

ومن صفاته التي تستحق التكريم أنه لم يتردد في نقد أحكامه القديمة؛ راجع نزعته السلمية قبل الحرب بقسوة، وسمّى بعض مواقفه السياسية آنذاك خاطئة، بل آثمة.

بعد التحرير استقبله غابرييل مارسيل كأنه أحد أبنائه. وصدر سنة 1947 كتابه الأول، كارل ياسبرس وفلسفة الوجود، بالاشتراك مع دوفرين وبمقدمة من ياسبرس نفسه. عُيّن أستاذًا في ستراسبورغ سنة 1948، وقضى فيها نحو ثماني سنوات وصفها بأنها من أسعد سنوات حياته. وفيها اقترب من مجلة «إسبري» ومؤسّسها إيمانويل مونييه الذي توفي سنة 1950، ودافع عن أطروحته «الإرادي واللاإرادي»، ونشر التاريخ والحقيقةوانتقل إلى السوربون سنة 1957حيث ازدادت شهرته وضاقت به قاعاتها المكتظة بالمجهولين

لم يعش في برج عاجي. تذكر المصادر أنه انحاز منذ 1947 إلى حرب التحرّر الوطني للجزائريين، وأن كشف التعذيب سنة 1957 هو ما دفعه إلى الانخراط في معارضة الحرب، وأنه ابتعد سنة 1960 عن دعوة بيان الـ121إلى العصيان الشامل، وقد بلغ ثمن هذه المواقف حدّ التوقيف فقد جاءت الشرطة إلى بيته في التاسع من جوان 1961 عند السادسة صباحًا، وهو يصحّح أوراق الامتحانات قبل الإفطار، وفتّشت البيت بحثًا عن أسلحة أو مقاومين جزائريين فلم تجد شيئًا، ثم أوقفته بتهمة الاشتراك في نشاط ضد الدولة الفرنسية.

بدأ ريكور مشروعًا فلسفيا ضخمًا من ثلاثة أجزاء: إيديتيقا الإرادة (1950)، ثم تجريبيتها في الجزأين اللذين صدرا معًا سنة 1960، ثم شعريتها عن المتعالي، وهو الجزء الذي لم يُنشر قطّ وأراد أن يقدّم في مجال الفعل ما قدّمته «ظاهراتية الإدراك» لميرلو-بونتي في مجال الإدراك.

فكرته الأساسية أن الإرادة الإنسانية ليست سيّدة مطلقة، بل حرية متجسّدة تابعة. تقوم الإرادة على ثلاثة أفعال: تقرّر وتتحرك وتوافق، وهي تعمل داخل نسيج من اللاإرادي: الحاجات والدوافع والعادات والانفعالات، وفي عمقها ما سمّاه اللاإرادي المطلق، أي الطبع واللاشعور والحياة نفسها الوجود عنده يُعانى ويُقاد معًا، وهو لا يرى في حدود الإرادة نقصًا يجب تجاوزه، بل شرط إمكانها وفي هذا العمل دفاع عن ساذجة ثانية» أن يستعيد الإنسان بعد التأمل والنقد ثقته بالحياة وإمكاناتها. وكان يرى أن فلسفتي هيدغر وسارتر بالغتا في التركيز على القلق والموت، وأن فكرة الموت لا ينبغي أن تلتهم كلّ الانتباه.

وفي الإنسان الخطّاء يجد ريكور إمكان الشرّ في اختلال التناسب بين المتناهي واللامتناهي، أي في طبيعة إنسان يشارك في الاثنين معًا، وفيه أثر لباسكال ولا يبلغ التحليل الفلسفي الشرّ نفسه، فيلجأ في رمزية الشرّ إلى الأساطير والرموز التي عبّر بها البشر عن تجربة الذنب. وهنا صاغ عبارته الشهيرة: الرمز يساعد على التفكير. وانتقل بذلك من فلسفة الوعي إلى فلسفة الطريق الطويل حيث لا يعرف الأنا ذاته بالاستبطان، بل بتأويل الرموز التي حملت تجربته.

يُعدّ كتاب في التأويل: بحث في فرويد (1965) الحلقة الأهمّ. بدأ ريكور مقالة قصيرة عن الشعور المرضي بالذنب فانتهى إلى كتاب ضخم وميّز فيه بين تأويلين: تأويل اختزالي يشكّ في ما تقوله الرموز عن نفسها، وتأويل موسِّع ينصت إلى المعنى الذي تحمله. وحاول التوفيق بينهما داخل تأويل عام. والرمز عنده تعبير لغوي ذو معنيين يحتاج إلى تأويل ولم يخفِ نقده لنفسه: عاتب نفسه لأنه بنى قراءته على أكثر نصوص فرويد نظرية ولم يحتكّ بما يكفي بالتجربة التحليلية. وأثار الكتاب عداء أنصار لاكان.

وفي صراع التأويلات (1969) أعاد ترتيب الخريطة بين الطريق القصير والطريق الطويل وناقش البنيوية، وكان أهدأ محاور لها بين الفلاسفة الفرنسيين، وتوسّط بين غادامير وهابرماس رافضًا التعارض بين الحقيقة والمنهج ثم انتقل من الرمز إلى الاستعارة لأنها أضبط بنية.

في سنة 1975 ألقى ريكور في جامعة شيكاغو سلسلة محاضرات نُشرت بالإنجليزية سنة 1986 بتحرير جورج تايلور، وبالفرنسية سنة 1997 بعنوان الإيديولوجيا واليوتوبيا. وهي تعالج الخيال الاجتماعي في صورتين. فللإيديولوجيا ثلاثة مستويات: تشويه الواقع (ماركس)، وتسويغ السلطة وإضفاء الشرعية عليها (فيبر)، وتحقيق الاندماج الاجتماعي (غيرتز). واليوتوبيا تقابلها لانها تفتح إمكانات جديدة وتنقد السلطة القائمة، ولها وجه مرضي هو الهروب من الواقع الصعب. ويمرّ ريكور بماركس وفيبر ومانهايم وغيرتز دون أن يصير تلميذًا لواحد منهم، ويرى مقدّم الطبعة البرتغالية أن هذه المحاضرات تردّ التهمة الشائعة بأنه «انتقائي»، لأنها تكشف وحدة عميقة في فكره حول الخيال الثقافي.

في الزمان والسرد يقرأ ريكور معضلات الزمن، ويقترح أن السرد جواب البشر عنها. فالتاريخ والخيال كلاهما سرد، والسؤال من أنا؟ يُجاب عنه بحكاية حياة، وهذا ما سمّاه الهوية السردية. لكنه يرفض أن تتحوّل الحكاية إلى شفافية كاملة، ويدعو إلى التخلّي عن هيغل، أي عن وهم حبكة الحبكات وفي وعيه التاريخي الماضي تقليد يحملنا، والمستقبل أفق انتظار، والحاضر لحظة مبادرة، وبها ينتقل من أنا كائن إلى أنا أستطيع

ثم جاءت الذات عينها كآخر (1990) ثمرة محاضراته في غيفورد. ميّز فيها بين هوية الإيدم (idem)، أي الهو ذاته الثابت، وهوية الإبسا (ipse)، أي الذات التي تحافظ على وعدها وتتغيّر مع ذلك، وهي ذات مسؤولة يمكن أن تُنسب إليها أفعالها.

ويجمع ريكور فلسفته في ثلاثة أسئلة: من أنا؟ ماذا ينبغي أن أفعل؟ ما الوجود؟ وجوابه عن الثاني هو الأخلاق الصغرى أي السعي إلى الحياة الطيبة مع الآخرين ومن أجلهم في مؤسسات عادلة ويفرّق فيها بين الأخلاق» بمعناها الغائي الأرسطي و«الأدب» بمعناه الواجبي الكانطي، ويقدّم الأولى على الثانية: كانط كامن في أرسطو، وأرسطو يقتضي كانط

في الذاكرة والتاريخ والنسيان (2000)، وهو كتاب من 676 صفحة نُشر وهو في السابعة والثمانين، يرى ريكور أن الكتابة التاريخية تعيد تمثيل الماضي، وأن الكتابة تعادل الدفن، هي عمل جنائزي يحفظ الموتى من الضياع. ويميّز بين نسيان بالإتلاف يجب أن تقاومه الذاكرة، ونسيان احتياطي وسعيد يتخذ شكل الصفح، وأقصى صوره التحرّر من الهمّ، ويربط هذا بكلمات الإنجيل عن زنابق الحقل. وينتصر مرة أخرى للحياة على الموت، فالحكيم عند سبينوزا لا يفكّر في الموت، والناس عند أرندت وُلدوا ليبتدئوا لا ليموتوا. وختم الكتاب بسطور قليلة تقول إن تحت التاريخ ذاكرةً ونسيانًا، وتحتهما حياة، وإن كتابة الحياة حكاية أخرى

وفي حيّ حتى الموت وهو النصّ الذي نُشر سنة 2007 مع شذرات كُتبت بين 2004 و2005 يعمل الحداد على غير ما يُتوقّع فقد صاغ ريكور البهجة بوصفها مقترنة بالنعمة المرجوّة للوجود حيًّا حتى الموت ويرى في الحداد فعلًا للأحياء لا للموتى، ويميّز مترجمه بين الحيّ والباقي على قيد الحياة، ويقرأ الموت من زاوية ذاكرة الأقربين.

وقد سبقت هذه الكتابة فاجعة كبرى: ففي خريف 1986، وهو يحاضر في براغ، فقد ابنه أوليفييه في مأساة انتحار. فازدادت نبرة فكره المأساوية عمقًا، وأهدى إلى ذكراه فاصل مأساوية الفعل في «الذات عينها كآخر» ويُسجَّل بداية الاشتغال على الموت في جانفي 1996، حين استجاب أوليفييه أبال لطلب ريكور بدء حوار معه حول الموت برسالة من نحو عشرين صفحة حُفظت مع المخطوط في الملفّ نفسه.

الخاتمة

تبيّن القراءة أن ثنائية النقد والاقتناع عند ريكور ليست ترددا بين قطبين ولا تسوية وسطى، بل ناظم منهجي يتجلى في حدود الإرادة، وتأويل الرموز، وهوية السرد، وأخلاق الذاكرة، وحوار الفلسفة والإيمان. ويترتب على ذلك ردّ جزئي على تهمة الانتقائية، فالمسار من الرمز إلى الاستعارة إلى السرد إلى الهوية السردية إلى الذات المسؤولة إلى الذاكرة ليس تراكما لأطروحات الغير، بل سلسلة إجابات عن سؤال واحد: كيف يفهم الإنسان ذاته وهو لا يصل إليها مباشرة؟ ويتعدد المحاورون عند ريكور دون أن تتعدد مواقفه.

نال ريكور جوائز كثيرة، منها جائزة هيغل في شتوتغارت وجائزة ياسبرس في هايدلبرغ وجائزة بالزان وجائزة كيوتو، وأكثر من ثلاثين دكتوراه فخرية، كما ثبت في قائمة موثّقة أنه نال جائزة ليوبولد لوكاس في توبنغن والجائزة الكبرى للأكاديمية الفرنسية وجائزة بول السادس الدولية سنة 2003. وتوفي في 20 ماي 2005 عن اثنين وتسعين عامًا في شاتناي-مالابري، وهو المكان نفسه الذي وقف فيه باكيًا في حديقة الأسوار البيضاء سنة 1950 عند موت صديقه مونييه، دون أن يعلم أنه سيسكنه يومًا.

لم يحلم ريكور بالخلود، وإنما بـ«حبّات الخلود» لحظات الحياة الكثيفة التي تُعاش في الحاضر. وترك للناس شجاعة التفكير، وطريقة في التفكير تقوم على الاقتراب من الأفكار المتباعدة دون إذابتها، والبحث عن الوسط الصحيح الذي رآه أصعب من التطرّف. ويقول غروندان إن فكره سيبقى مفتوحًا، لأن الحياة عنده تُكتب دون أن تكتمل وبذلك تُقرأ ثنائية النقد والاعتقاد لا تناقضًا يُتحمّل، بل توترًا مُخصبًا: «الإنسان هو فرح "النعم" في حزن المتناهي.

***

عمرون علي

.......................

المراجع

- نابي بوعلي، بول ريكور والفلسفة. منشورات الاختلاف

- الفيلم الوثائقي بول ريكور: فيلسوف كل الحوارات، من إخراج كارولين رويسنر

- حيّ حتى الموت، متبوعاً بشذرات. ترجمة وتقديم عمارة الناصر (مقدمة أوليفييه أبال وخاتمة كاترين غولدنشتاين)، منشورات الاختلاف / ضفاف، ط1، 2016.

- بول ريكور، عن الترجمة. ترجمة حسين خمري، منشورات الاختلاف، ط1، 2008.

- بول ريكور نظرية التأويل: الخطاب وفائض المعنى. ترجمة سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، ط1، 2003.

كلنا نعلم أن النص بنيان يشدّ بعضه بعضاً؛ شبكة من العلاقات المتضامة بين لبناته، لا تستمد دلالتها من عناصرها منفردة ومستقلة، بقدر ما تستمدها من طريقة انتظامها وتفاعلها وتموقعها داخل الكل. وهذا ما يفرض على القارئ والدارس معاً أن يبتعد عن النص قليلاً، مسافة بانورامية تسمح برؤية معماره ككل؛ من العنوان إلى المتن، ومن المتوزعات النصية إلى الإحالات، ومن البياضات إلى الهوامش وما يحيط بالنص من عناصر مشاركة في إنتاج دلالته. حيث لا ينتظم الجزء إلا داخل الكل ولا يلتئم الكل إلا بانتظام اجزائه.

ومن هنا تكتسب العتبات النصية، في تصور جيرار جينيت، أهميتها بوصفها عناصر مرافقة للنص وموجة له، لا مجرد إضافات تقع على هامشه. فالعنوان، واسم الكاتب، والصورة، والتصنيف النوعي، والمقدمة، والهامش، والبياضات وغيرها من العناصر التي تنتظم حول النص أو داخله، تشكل جزءاً من جهاز تواصلي ودلالي يشارك في توجيه القراءة، ويهيئ القارئ للدخول إلى النص من زاوية دون أخرى.

إن هذه المشيرات تتوزع على جغرافيا النص بوعي أو بغير وعي، وقد تؤسس، إذا دُرست بحذر، لقراءة أولية كاشفة عن بعض ما يضمره النص، لا بمعنى أنها تقدم مفاتيح نهائية لمعناه، وإنما لأنها تفتح منافذ أولى إلى عالمه، وتلفت الانتباه إلى ما قد يكون مستتراً خلف بنيته الظاهرة.

فالقراءة الحذرة لهذه العتبات يمكن أن تكون بمنزلة مفاتيح لمغاليق لا تصرح بها اللغة صراحة، بل تتوارى خلف تيمات قد تبدو راكدة في ظاهرها. غير أن خلخلة هذه التيمات، عبر التفكيك والمساءلة، تكشف أحياناً أنها تمارس لعبة الظهور والتخفي، وأنها تدخل، بصورة أو بأخرى، في علاقة توتر وممانعة مع القارئ؛ فتمنحه بعض الإشارات، وتحجب عنه بعضها الآخر، وتترك له مساحات يتعين عليه أن يملأها بالقراءة والتأويل.

إن قراءة من هذا النوع هي، بحق، خطوة أثرية أو أركيولوجية؛ تنقب في تربة النص بهدوء وصبر، دون إغفال الجزئيات المكتشفة. فقد تكون الجزئية الصغيرة سرّ الاكتشاف، أو على الأقل سبيلاً خفياً، كالرمز الذي يقود إلى كنز لا يظهر من الوهلة الأولى. وخصوصاً إذا أحسنّا التأويل الذي يمحص في العلاقات المتوارية والمتخفية بين العتبات، وفي الصلات التي تجمع بينها وبين المتن؛ إذ لا تبدو هذه العناصر، في النصوص المحكمة، جزرًا منفصلة، وإنما تنتظم في شبكة علائقية قد يكون لكل خيط فيها وظيفة دلالية أو إجرائية.

ولعل العتبات، بهذا المعنى، تشبه جهازاً عصبياً يشد الهيكل النصي بعضه إلى بعض، ويسمح للنص بأن يمارس لعبته؛ فيختبر قارئه قبل أن يهمس له بأسراره، أو يتكشف له شيئاً فشيئاً أثناء جذبته وشطحاته، إن جاز القول.

وهذا كله يعود، في جانب منه، إلى حنكة الدارس في استمالة النص وسحبه إلى ساحة مكشوفة الأبعاد، حتى يشعره بحريته، لا إلى مخفر شرطة ويرغمه على الاستنطاق. ومن هنا جاءت القراءات مختلفة ومتعددة؛ ذلك أننا لا نملك الرؤية نفسها، ولا الآليات نفسها في الاشتغال على النص، ولا الدرجة نفسها من الخبرة أو الصبر أو رحابة الأفق. وربما لا نملك المنهج نفسه ولا أدوات القراءة والتحليل، ناهيك عن سلطة المنهج!

وهذا بالذات ما يجعل النص، مهما اعترف وأسرّ وأقرّ، يبقى مراوغاً وصامتاً عن أشياء أخرى لم يبح بها؛ أشياء تنتظر قارئاً آخر، ربما كان أكثر تجربة وحنكة وصبراً، وأقل ثقة بحيل النصوص وقدرتها على إظهار كل ما تخفيه.

وإذا كانت العتبات تشكل، عند جينيت، مناطق تماس بين النص وما يحيط به، فإن أهميتها لا تكمن في وصفها أو تصنيف وظائفها؛ إذ إن قيمتها أعمق من ذلك بكثير. وجب أن ننظر إليها من حيث أثرها في فعل القراءة.

فالقارئ لا يدخل النص دائماً من بابه الداخلي المباشر، وإنما قد يسبقه العنوان، أو الصورة، أو التصنيف النوعي، أو اسم الكاتب، أو مقدمة، أو إهداء، أو هامش، فتتكون لديه، قبل أن يقرأ المتن، مجموعة من الفرضيات والانتظارات.

غير أن هذه الفرضيات ليست أحكاماً نهائية؛ فقد يأتي النص ليؤكدها، وقد يخذلها، وقد يقلبها رأساً على عقب. ومن هنا لا تكون العتبة سلطة تفرض معنى على القارئ، بقدر ما تكون اقتراحاً أولياً لمسار من مسارات الدخول. (هي مؤشر فقط يوجهك لمسار الدخول لكنه يترك لك حرية التوجه والتحرك داخل هذا المسار..)

وهنا تبرز أهمية التمييز الذي أقامه جينيت بين أشكال النص الموازي، ولا سيما بين ما يوجد داخل المحيط المادي للنص، وما يوجد خارجه من خطابات وتصريحات ومراسلات وإعلانات وغيرها. فليس كل ما يحيط بالعمل الأدبي يؤدي الوظيفة نفسها، ولا يجوز اختزال مفهوم العتبة في مجرد العناصر المرئية على الصفحة.

إن العتبة، بهذا المعنى، ليست مكاناً جغرافياً فحسب؛ إنها وضعية تواصلية. إنها المنطقة التي يلتقي فيها النص بقارئه قبل أن يدخل هذا الأخير إلى عمق المتن. (مساحة حرة- عذرا إن أسميتها - "منطقة التفاوض")

ولعل هذه النقطة (المنطقة) هي التي تسمح بالانتقال من جينيت إلى إيكو دون افتعال وصلة بين مشروعين نظريين مختلفين. فإذا كانت العتبة تسهم في إعداد القارئ للدخول إلى النص، فإن النص نفسه يبني، من خلال استراتيجيته، صورة القارئ الذي يستطيع أن يتعامل مع إشاراته وفراغاته وكفاءاته. (يتفاوض!)

ومن ثم يصبح السؤال: كيف يدخل القارئ النص؟ مكملاً لسؤال آخر: أي قارئ يفترضه ويرتضيه النص أصلاً؟

لقد أولت نظرية التلقي فعل القراءة أهمية مركزية، وأعادت النظر في العلاقة التقليدية بين الكاتب والنص والقارئ، بحيث لم يعد المعنى بلغة الإقتصاد (واردات - صادرات) ينتقل جاهزاً من ذهن الكاتب إلى ذهن المتلقي، بل صار فعل القراءة جزءاً أساسياً من عملية إنتاج الدلالة.

غير أن اختزال هذا التحول في القول إن القارئ «حل محل الكاتب» قد يكون تبسيطاً مخلّاً؛ فالأدق أن الاهتمام انتقل إلى العلاقة التفاعلية التي تنشأ بين النص وقارئه، وإلى الكيفية التي تتشكل بها الدلالة أثناء فعل القراءة. (لا وصية للكاتب على النص)

وهنا تظهر أهمية مفهوم «القارئ النموذجي» عند أمبرتو إيكو؛ إذ لا يتعلق الأمر بقارئ تاريخي محدد له مواصفاته، ولا بقارئ متفوق على غيره، وإنما بوظيفة نصية تستدعي مجموعة من الكفاءات التي تمكن المتلقي من التعاون مع استراتيجية النص.

فالنص، بهذا المعنى، لا يكتفي بأن يكون موضوعاً للقراءة؛ إنه يبني، في أثناء تشكله، شروطاً معينة لكي يُقرأ.

ومن هنا لا يعود القارئ النموذجي شخصاً نبحث عنه خارج النص، بل وظيفة يستدعيها النص من خلال لغته، ونوعه، وإشاراته، وفراغاته، واستراتيجياته. وقد يستطيع قارئ فعلي أن يقترب من هذه الوظيفة بدرجات متفاوتة، بحسب ما يمتلكه من كفاءات وخبرات ومعارف.

وهكذا يمكن النظر إلى العتبة والقارئ النموذجي بوصفهما لحظتين متكاملتين في استراتيجية التواصل النصي: العتبة تهيئ أفق الدخول، والنص يستدعي الكفاءة التي تسمح باستمرار الرحلة داخله.

لكن الإشكالية تظهر فوراً حين نتسأل: أي قارئ نقصد؟

فنحن لا نملك قارئاً واحداً، وإنما قراء متعددين، لكل واحد منهم تكوينه الثقافي، وخبرته، وحساسيته، وأدواته، وأفق انتظاره. وقد يقرأ القارئ نفسه النص ذاته في أزمنة مختلفة، فيخرج منه في كل مرة بمعنى أو بإمكان دلالي جديد. (خصوصا إذا اعترفنا أن النص طبقات معاني)

إذن: من أين لنا بمعنى موحد في ظل تعدد القراء؟ ومن أين لنا بمعيار يفصل بين القراءة الممكنة والقراءة المتعسفة؟ وإذا كان النص قابلاً لأن يُقرأ بوجوه متعددة، فهل يعني ذلك أن كل تأويل يصبح مشروعاً بمجرد أن يستطيع القارئ الدفاع عنه؟

هنا تتعمق الإشكالية أكثر مما تتبسط، وتتراءى لنا، للحظة، صورة ما يمكن أن نسميه مجازاً «فوضى القارئ».

هذه التسمية لا يجب أن تُفهم بوصفها حكماً على التعدد، وإنما بوصفها سؤالاً عن الحد الفاصل بين حرية التأويل واعتباطيته.

فالتعدد ليس بالضرورة فوضى!

بل إن النصوص الكبرى كثيراً ما تستمد جزءاً من حيويتها من قدرتها على إنتاج قراءات متباينة. والمشكلة لا تبدأ من اختلاف القراءات، وإنما من اللحظة التي تبتعد فيها القراءة عن العلامات التي يقدمها النص، ويتحول التأويل إلى إسقاطات وتهم القارئ عليه بدلاً من أن تكون حواراً معه.

 فتعدد القراءة لا ينفي بالضرورة وحدة النص بل تعدد التأويلات (الارتجالية) قد يفضي إلى انهيار المعنى...

فالقراءة يمكن أن تتعدد، لكن تعددها يظل مطالباً بأن يدخل في حوار مع النص نفسه؛ مع بنيته، وإشاراته، وتكراراته الدلالية، وعتباته، وهوامشه، وإحالاته، وشبكة العلاقات التي تنتظم عناصره.

إذا كان النص يستدعي قارئاً قادراً على التعاون معه، فإن هذا التعاون لا يعني أن القارئ يمتلك النص امتلاكاً مطلقاً (سلطة القارئ) . فثمة دائماً فرق بين أن يكون القارئ شريكاً في إنتاج الدلالة وأن يصبح صاحب السيادة الوحيدة عليها. اذا لابد من حد للتأويل.

فالحد ليس حصنا يغلق النص (سياج دوغمائي بمفهوم أركون)، ولا قانوناً يمنع تعدد القراءات(سكولاستيكي)، وإنما هو مجموعة من القيود أو نقول بلغة أخف " عقود للقراءة" التي يشترطها النص نفسه: لغته، وبنيته، وسياقه، وعلاقاته الداخلية، وإشاراته المتكررة، ونوعه الأدبي، وعتباته، وما يتيحه من إمكانات وما يستبعده من احتمالات.

بهذا المعنى، لا يكون التأويل بحثاً عن معنى وحيد مخبأ في مكان ما داخل النص، كما لا يكون إنتاجاً حراً لمعنى لا علاقة له به. إنه حركة بين ما يقوله النص وما يسمح به، وبين ما يقترحه وما يتركه مفتوحاً.

وقد يكون النص الجيد هو النص الذي يعرف كيف يترك لقارئه مساحة للحركة دون أن يفقده الطريق.

وهنا تحديداً تتضح قيمة العتبات: فهي لا تقول للقارئ دائماً ماذا يعني النص، لكنها قد تلمح "تشير" إلى كيفية الدخول إليه. كما تتضح قيمة القارئ النموذجي: فهو لا يختار أي معنى يشاء، وإنما يحاول أن يلتقط ما تفترضه استراتيجية النص من كفاءات ومسالك وطرائق للتعاون.

وعليه يمكن القول إن حرية التأويل لا تُقاس بغياب الشروط، وإنما بقدرة القارئ على التحرك داخل هذه الشروط التي يمنحها النص.

ولكي لا تغرق القراءة في العشوائية وارتجالية التأويل، ينبغي ألا يناقض التأويل بنية النص ودلالاته المتكررة، وألا ينفصل عن معطياته اللغوية والثقافية والنوعية، وألا يحول العتبات والهوامش والإشارات إلى مجرد زخارف يمكن استعمالها كيفما اتفق.

فهذه العناصر، حين تنتظم داخل شبكة علائقية غير اعتباطية، تصبح قابلة للتأويل والاختبار والمناقشة أمام معطيات النص نفسها.

وهنا ينتقل القارئ من مجرد الانطباع إلى القراءة، ومن القراءة إلى التأويل، ومن التأويل إلى مساءلة حدود هذا التأويل.

إن القراءة المنتجة ليست تلك التي تقول كل شيء عن النص، وإنما تلك التي تستطيع أن تبرهن على ما تقول.

خاتمة

  يختبر فرضياته كلما تقدم في القراءة.

ومن هنا لا تبدو العتبات مجرد مقدمات للنص، ولا يبدو القارئ مجرد مستقبل لمعناه. إنهما يدخلان في علاقة تفاوض مستمرة، تبدأ قبل المتن، وتستمر داخله، وقد لا تنتهي تماماً بعد إغلاق الكتاب.

***

الداودي الخالدي - المغرب

تعد أزمة القراءة والفهم في العصر الرقمي مشكلة حقيقية، لأنها لم تعد أزمة نقص في المعلومات، بل أزمة في كيفية التعامل مع هذا الانفجار المعلوماتي الكبير، وبمعنى اخر، نحن لا نعيش في أزمة قراءة، بل أزمة فهم ومعنى للقراءة.

فالحصول على أي محتوى يكون بمجرد ضغطت زر عبر أي منصة رقمية. ومع ذلك، حاليا نواجه تحديا وتراجعا حقيقيين في الفهم والقدرة على انتاج المعرفة، لان المشكلة الحقيقية ليست في قلة القراءة، بل في طبيعة واسلوب القراءة ذاتها. وتكمن أزمة القراءة والمعرفة في العصر الرقمي في عدة محاور رئيسية، وهي:

اولا: التصفح السريع مقابل القراءة العميقة: تحول الاسلوب السائد للقراءة لدى غالبية الافراد من التأني والتأمل الى القراءة السطحية السريعة. فالقراءة العميقة او المتأنية تفعل روابط عصبية متنوعة تتضمن الانتباه، والذاكرة العاملة، والتخيل، والاستدلال، مما يسهم في بناء تمثيلات معرفية اكثر تعقيدا داخل الدماغ البشري. اما القراءة السطحية السريعة - التي يمارسها الغالبية على منصات التواصل الاجتماعي – تركز على استهلاك العناوين والمحتوى السريع والمختصر، مما يسبب تشتيت الانتباه لدى الافراد، وبالتالي فقدان القدرة على التركيز وزيادة الفهم.

ثانيا: كثرة المعلومات على حساب المعرفة: أصبح هناك خلط كبير بين تجميع المعلومات وبين انتاج المعرفة، بأعتبار أن المعلومات مادة خام، وعبارة عن بيانات متناثرة. اما المعرفة فهي عملية معالجة لهذه المعلومات، وتحليلها وتطبيقها في سياقات واقعية لأنتاج رؤى وافكار جديدة. وعليه، فأن الفرد في الوقت الراهن بات غير قادر على التمييز بين المعلومة والمعرفة، وبالتالي أصبح الكثير منا مستهلكين جيدين للمعلومات، لكننا متعثرين في انتاج المعرفة.

ثالثا: حرية النشر: في الماضي، كانت المعرفة تنتج عبر مراحل مختلفة تبدأ من التحرير والنقد والتنقيح، وتمر عبر لجان علمية ومتخصصة لغرض التأكد من محتواها المعرفي. اما اليوم ومع سهولة النشر في المنصات الرقمية، اختلط الصحيح بالخاطئ والجيد بالرديء، وأصبح التحدي الكبير ليس في ايجاد محتوى منشور، بل في تنقية المكتوب الجيد من "الحطام الرقمي".

رابعا: وهم المعرفة: يعتقد الكثير من افراد المجتمع أن كثرة التصفح والاطلاع على المنشورات في هذه المنصات الرقمية يسهل اكتساب المعرفة وزيادة الفهم، لكن هذا الاسلوب في الحقيقة لا يساعد على القراءة الصحيحة، ولا على الفهم والتحليل. فالانسان قد يعتقد أنه يفهم لمجرد شاهد عشرين فيديو قصيرا او تصفح عشرة منشورات مختلفة، وعندما يطلب منه لاحقا شرح الفكرة، نكتشف أنه لا يستوعبها، وهذا يتطابق تماما مع ظاهرة تاثير (دانينغ كروجر) بخصوص وهم الفهم والتفسير.

وفي هذا المنظور، تعمل خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي على تقديم ما يوافق توجه القارئ من خلال مستشعرات ذكية لسلوكه، مما يحرمه من التعرض لافكار مغايرة او مضادة. هذا التحول في اسلوب القراءة يحول الفرد من التحرر الفكري الى الوقوع في فخ التحيز والانغلاق على الذات.

نحو حل الازمة، بما أن المعرفة ليست كمية كبيرة من المعلومات، وانما هي بناء ذهني يمنح الفرد القدرة على تحليل وتفسير العالم واتخاذ القرار، فلابد من تدريب العقل على تعلم القراءة النقدية، وتقييم المصادر والتحقق منها، والتفكير التأملي، والتعليم على كيفية انتاج معرفة اصيلة لا مجرد استهلاكها.

ففي زمن الادوات الرقمية الذكية، لم تعد المشكلة في الحصول على المعرفة، ولا مستقبل المجتمعات تحدده وفرة المعلومات التي تمتلكها، بل في قدرتها على تحويل تلك المعلومات الى فهم، وتحويل الفهم الى معرفة، وتحويل هذه المعرفة الى حكمة قادرة على بناء الانسان. وهو ما يستدعي منا النظر الى القراءة كمهارة تفكير عليا، لا مجرد وسيلة لفك الرموز اللغوية.

***

علاء جواد كاظم

ان الرغبة في الايمان بالحياة الآخرة هي وسيلة دفاعية ضد الخوف من الموت. نحن كبشر نفهم موتنا. فكرة المحو الدائم تقود الى قلق وجودي. الايمان بالحياة بعد الموت يوفر ملاذا روحيا، يعطي للحياة معنى واتجاه.

الايمان بما بعد الموت يخفف من حدة الخوف من الموت ويمنح الأمل باستمرار الوعي. رؤيتنا الى ما بعد الحياة تُظهر ان دافع الانسان للايمان يتفوق بشكل دائم على الحاجة لدليل قاطع. تلك العقيدة هي سيف ذو حدين: توفر راحة حيوية ولكن بثمن. الايمان الأعمى يقود الى الإنكار والى إحساس زائف بالأمان، يدفع الناس الى تشويه الحقيقة من أجل حماية سلامهم الداخلي بدلا من مواجهة الحقائق غير المريحة.

مع ذلك لايزال الايمان يقدم فوائد حيوية للبقاء. انه يعمل كملاذ روحي، يعطي للحياة معنى واتجاه. الأساس لهذه الراحة هو الايمان بما بعد الحياة ومفهوم الجنة – وهي الفكرة بان الموت ليس هو النهاية المطلقة، وان الوعي لن يُفنى. هذا الاعتقاد يخدم أهدافا أساسية متعددة في حياتنا.

تهدئة الخوف من العدم

يمتلك الانسان مستوى فريد من الوعي الذاتي. فكرة الفناء الدائم تسبب قلقا وجوديا عميقا. الاعتقاد بعالم حر من الألم والمعاناة سوف يكافح مباشرة هذا الخوف، موفراً املاً بالاستمرارية بدلا من العدم المطلق. الفيلسوف الاسباني ميغيل دي اونامونو Miguel de Unamuno كتب بكثافة حول " الجوع للخلود". هو جادل ان العقل البشري يخبرنا ان الموت هو النهاية، لكن العاطفة البشرية والمشاعر تطلب بشدة حياة خالدة. ميغيل يرى ان هذا الصراع يخلق جوهر "المعنى المأساوي" للتجربة البشرية، جاعلا الرغبة بما بعد الحياة ليست استنتاجا منطقيا وانما ضرورة عاطفية حيوية للتحكم باليأس.

التخفيف من وقع حتمية الموت

رغم ان الموت يبقى يقينا بايولوجيا مطلقا (على الأقل الآن)، فان الترقب المستمر للموت يتجلى دائما كعبء سايكولوجي هام في سن الشيخوخة. أنظمة العقائد التي تتمحور حول ما بعد الحياة تنجز وظيفة وقائية مساعدة على التكيف من خلال التخفيف من حدة القلق المرتبط بالموت. هذا المفهوم ينسجم مباشرة مع نظريات الانثرابولوجي الثقافي ارنست بيكر الذي نظّر بان الافراد يصوغون "مشاريع الخلود" - بما فيها الأطر الروحية، والارث الفني والقناعات الدينية – لمنح وجودهم أهمية مستمرة ولكي يواجهوا روحيا احتمال الفناء الكلي.

جعل الوجود المتناهي مقبولا

بدون الايمان بالحياة الاخرة، فان وجود الانسان – الخروج من لا شيء فقط ليعود الى لا شيء – يصبح امرا كئيبا. توقّع شيئا ما متجاوز يخفف من قسوة حقيقة محدودية حياتنا، يعيد صياغة الحياة القصيرة لتصبح رحلة مستمرة.

السايكولوجي والفيلسوف ويليم جيمس سلط الضوء على القيمة الوظيفية للايمان، مجادلا ان الايمان بنظام أعلى يشبع حاجة اساسية للأمل والأمان والمعنى. هو يرى، اذا كان الايمان بالحياة الاخرة يساعد في التغلب على الحزن ويمنح استقرارا عاطفيا في عالم قاس، فان هذا الاعتقاد ينطوي على قيمة عملية حقيقية وصادقة.

فوائد أخرى للبحث عن الايمان بعالم الآخرة

1- الحفاظ على أحبائنا والروابط التي تربطنا بهم

الحزن والفجيعة يخلقان انفصالا وجوديا عميقا. الايمان بالاخرة يعيد صياغة مفهوم الموت ليس باعتباره انهاءً مطلقا دائما للعلاقة، بل باعتباره انقطاعا مؤقتا. هذا يوفر مجالا نفسيا حيويا لاستمرار الروابط العاطفية مع الفقيد، موفراً راحة اثناء الحزن الحاد ويحافظ على الإحساس بالارتباط المستمر.

2- استعادة العدالة والإنصاف الكونيين

العالم المادي هو غالبا ما يكون غير مبال وغير متكافئ – الأعمال الجيدة لا تُمنح مكافأة والمعاناة تبدو عشوائية وتمضي بلا عقوبة أثناء حياة الشخص. حياة ما بعد الموت تحقق رغبة إنسانية أساسية في عالم أخلاقي. انها تخلق اطارا للمسائلة النهائية حيث الألم يتحول الى سلام ونزاهة أخلاقية تحمل وزنا مستمرا. "العدالة الكونية" يمكن ان تمنحنا الراحة بوجه كل الشرور في العالم.

3- ترسيخ الهوية والقدرة على الفعل وتقدير الذات

اذا كان الوعي البشري ينقرض تماما عند الموت، فان الهوية الفردية ستكون هشة ومؤقتة. الايمان بما بعد الحياة يعزز الشعور بالقدرة على التصرف بشكل مستقل وتقدير ذات مستمر، وهو ما يضمن ان تكون قصة حياة الفرد جزءاً من مسار دائم ذو مغزى بدلا من ان تكون عرضية وشرارة مؤقتة، أي، تترك بصمة كاربونية روحية للأجيال القادمة.

4 - التماسك الاجتماعي ورؤى مشتركة حول العالم

على المستوى الثقافي والجماعة، تؤسس المعتقدات المشتركة في ما بعد الحياة أعرافا جماعية وهياكلا أخلاقية وطقوسا مشتركة. هذا يعطي الجاليات لغة مشتركة حول الموت والحزن وإحياء الذكرى، بما يعزز الوحدة الاجتماعية والتعاون المتبادل عند مواجهة حتمية الموت. البؤس يحتاج الى رفقة.

5- منظور على نطاق كوني

في نهاية المطاف، الايمان بما بعد الموت – او في خالق عظيم – لا يتعلق بالحقيقة الإلهية الموضوعية بقدر ما يتعلق بتحمّل رُعبنا الوجودي. عندما نواجه كونا شاسعا لا يبالي بنا، حيث لا يمثل وجودنا القصير سوى ومضة عابرة على المسار الزمني الكوني، فاننا نلجأ بطبيعة الحال الى التباهي بأهمية الذات. نحن نبني روايات معقدة عن الحياة الآخرة لطمأنة أنفسنا باننا لسنا تافهين، وان معاناتنا لها هدف، ووعينا سوف لن يُمحى، وهنا تكمن المفارقة الجوهرية للوضع البشري:

حتى عندما نُواجه بالحقيقة القاسية للعلم، وعدم الاحتمال الرياضي، وكون محكوم بقوانين الفيزياء، فان إكراهنا العاطفي على الايمان يبقى صلبا.

وبالرغم من ان كل قطعة من الدليل الواقعي تشير الى كون غير شخصي، لكن روح الانسان تستمر بالمطالبة بمعنى، والتشبث الشديد بالأمل.

***

حاتم حميد محسن

...........................

Psychology today, August 22, 2026

المصادر:

1- Becker, E.(1973). انكار الموت. صحافة حرة.

2- James, w.(1897). الرغبة في الاعتقاد، ومقالات أخرى في الفلسفة الشعبية. Longmans, Green, and Co.

3- Unamuno, M.de.(1972). المعنى المأساوي للحياة في الناس والأمم (A-Kerrigan,Trans).، مطبوعات جامعة برينستون. (العمل الأصلي نُشر عام 1913).

4- Yalom, 1.D.(2008). التحديق في الشمس: التغلب على رعب الموت. Jossey-Bass

5- ثيش نات هان. (2002). لا موت، لا خوف: حكمة مريحة للحياة. دار نشر ريفرهيد.

6- ساغان، ..(1980)C الكون. راندوم هاوس.

قراءة فلسفية في فكر جوديث بتلر

في الوقت الذي يدّعي فيه الغرب أنه حامي "حقوق الإنسان" و"القيم الديمقراطية"، فإن شاشاته تطبع يومياً العنف الممارس ضد الفلسطيني وتقدمه كـ "ضرورة أمنية" أو "حتمية تاريخية". وهنا تبرز مفارقة أخلاقية وسياسية صارخة: كيف يحول الخطاب الإعلامي الغربي الفلسطيني من "ضحية" تستوجب الحماية، إلى "تهديد" يبرر العنف الواقع عليه؟ وكيف تُستخدم مفاهيم مثل "الضرر الجانبي" و"ثقافة الموت" كذرائع أخلاقية لتبرير الاستعمار؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، لا يكفي وصف "انحياز الإعلام"، بل نحتاج إلى تفكيك فلسفي للآليات التي تجعل العنف "مقبولاً". وفي هذا السياق، تقدم الفيلسوفة جوديث بتلر، بالاستناد إلى فلاسفة النقد المعاصر مثل إدوارد سعيد، وحنة أرندت، وجورجيو أجامبين، أدوات حادة لقراءة كيفية إنتاج الشاشات لـ "الحياة غير القابلة للرثاء"، وتحويل الضحية إلى جلاد.

آلية تطبيع العنف

ماذا يعني هذا المصطلح تحديداً في سياق الإعلام الغربي؟

إنه ليس مجرد "انحياز" أو "تغطية ناقصة"، بل هو عملية منهجية لإعادة برمجة وعي المتلقي. تطبيع العنف هو ذلك السحر الأسود الإعلامي الذي يجعل "الاستثناء" (قتل المدنيين وتدمير البنية التحتية) يبدو وكأنه "قاعدة" مقبولة، ويجعل "اللاأخلاقي" يبدو وكأنه "إجراء أمني ضروري"

تبرهن جوديث بتلر على أن التطبيع لا يحدث عبر الصدمة، بل عبر التكرار والتجريد. عندما تُعرض صور الدمار والضحايا الفلسطينيين يومياً، ولكن بصيغة جافة، خالية من الأسماء، والوجوه، والقصص الإنسانية، يتحول "الحدث المأساوي" إلى "خبر روتيني" يمر في شريط الأخبار دون أن يثير موجة غضب أو صدمة أخلاقية.

بمعنى آخر، "تطبيع العنف" هو جعل الجريمة "مألوفاً". هو تحويل السؤال من: "كيف نوقف هذا القتل؟" إلى "كم عدد الضحايا اليوم؟". وعندما يتبلد إحساس المشاهد بهذا التكرار، يتحقق الانتصار الأكبر للخطاب الاستعماري: ليس فقط قتل الجسد الفلسطيني، بل قتل "صدمة" العالم وضميره أمام هذا القتل، ليصبح العنف مقبولاً، متوقعاً، بل ومبرراً كـ "أقل الخسائر الممكنة" في مواجهة "التهديد الوجودي".

من "العنف الجسدي" إلى "نزع القابلية للرثاء"

تشرح جوديث بتلر في كتابها "أطر الحرب" حقيقة صادمة: العنف لا يبدأ لحظة سحب الزناد، بل يبدأ مسبقاً، عندما يُعاد تعريف الإنسان بوصفه حياةً أقل استحقاقاً للحماية. هنا، يتجاوز العنف كونه مجرد إيذاء جسدي للفلسطيني، ليصبح "عنفًا معرفيًا" يتمثل في تجريد حياته من قيمتها الإنسانية، وهي العملية الجوهرية التي تصفها بتلر بمفهوم "عدم قابلية الرثاء".

وبمجرد أن تُصنَّف بعض الأرواح على أنها أقل قابلية للرثاء، أو تُعامل وكأنها "ميتة سلفًا"، يصبح من السهل تبرير العنف الواقع عليها، بل والتعامل معه كإجراء وقائي ضروري، لا كجريمة. وهذا هو جوهر تطبيع العنف: تصوير شعوب كاملة كـ "تهديد وجودي"، مما يجعل القضاء عليها يبدو حتمية طبيعية أو ضرورة لحماية "الأحياء". وفي مواجهة هذا المنطق، تؤكد بتلر أنه إذا كان "العنف المؤسسي" مرفوضًا من حيث المبدأ، فلا يمكن مطلقًا تبرير عنف الدولة أو انتهاكاتها بمجرد الاستناد إلى خطاب زائف حول "الأمن".

والأخطر من ذلك، أن هذا العنف لا يُمارس فقط عبر تقديم صورة مشوهة عن الآخر، بل أيضًا عبر محو وجوده من الأصل؛ فلا تُذكر أسماؤه، ولا تُروى سيرته، ولا يجد موته مكانًا داخل الذاكرة العامة. ومن هنا ينبع تساؤل بتلر المزلزل عن آلاف الضحايا في الحروب الحديثة: "إذا فُقد شخص لم يكن يُعدّ أصلاً شخصًا في المخيال العام، فأين تكون الخسارة؟ وكيف يمكن الحداد عليه؟".

كيف يقتل الإعلام الفلسطيني قبل أن يُقتل؟

لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح طرفًا مؤثرًا في الطريقة التي نرى بها الإنسان والعنف والضحايا. وفي تغطية الحرب على الفلسطينيين، لا يتحدد حضور الضحية بما حدث لها فقط، وإنما أيضًا بالطريقة التي تُقدَّم بها حياتها وموتها أمام الجمهور. فقد يظهر الفلسطيني أحيانًا بوصفه ضحية تستحق التعاطف، لكنه قد يُقدَّم في خطاب آخر بوصفه تهديدًا أمنيًا أو مسؤولًا عن العنف الواقع عليه.

ومن هنا تطرح هذه المقالة سؤالها الأساسي: كيف يسهم الإعلام في جعل العنف ضد الفلسطيني أمرًا مألوفًا أو قابلًا للتبرير؟ وكيف تتحول اللغة الإعلامية من مجرد وصف للحدث إلى أداة تحدد من يستحق الحماية والرثاء، ومن يمكن التعامل مع موته باعتباره خسارة أقل أهمية؟

تحاول المقالة الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال قراءة فلسفية في فكر جوديث بتلر، خاصة مفهومها عن "قابلية الحياة للرثاء"،  فهي ترى أنه لا يعكس الإعلام الواقع بحياد، بل "يؤطره". فالإطار الإعلامي الغربي يقرر مسبقاً من هو "الضحية" ومن هو "الجلاد". عندما يسقط فلسطيني، لا يُعرض كإنسان فُقد، بل كـ "إرهابي محتمل" أو "حجر عثرة" أمام الأمن الإسرائيلي. هنا، يتحول الإعلام من مجرد ناقل للأخبار إلى "شريك في التشكيل الأخلاقي" للواقع، حيث يعيد توزيع قيمة الحياة الإنسانية، محولاً الاستبعاد السياسي إلى تفاوت أخلاقي يجعل حياة الفلسطيني أقل قيمة في الوعي العام، ومجرد مصدر دائم للخطر.

تسمي بتلر هذه الآلية ب"نزع القابلية للرثاء"؛ أي أن تُجرَّد حياةٌ ما من قيمتها الإنسانية قبل أن تُزهق، بحيث يصبح موتها "أقل ظهوراً، وأقل اعترافاً بها بوصفها خسارة إنسانية". والفلسطيني هو النموذج الأوضح لهذه الآلية في عصرنا. والتأطير الإعلامي يسبق القنبلة؛ فهو يخلق الواقع الذي يكون فيه قتل الفلسطيني "مفهومًا" ومقبولاً ويجعل قتله قابلا للتبرير باسم الضرورة الأمنية.. وبالتالي فإن الإعلام يقتل الفلسطيني مرتين: الأولى بالرصاص، والثانية بتشويه صورته وتجريده من إنسانيته قبل أن يسقط.

وبذلك، لا يكتفي الإعلام بعكس مصالح القوى المهيمنة فحسب، بل يعيد إنتاج "هيمنة ثقافية" راسخة. فهو فاعلٌ أساسي يشارك في إنتاج الخطاب السياسي والأخلاقي الذي يشرعن عنف الدولة، ويطبعه، ويخفي معاناة الضحايا أو يفرغها من بعدها الإنساني. من خلال هذه الآلية، يُشكَّل وعي المتلقي ويُدرَّب على تقبل هذا التفاوت في قيمة الحيوات، دافعاً بالحياة الفلسطينية إلى هامش الاعتراف، بينما تُمنح حيوات أخرى حق الظهور والرثاء.

هنا يمتد تحليل بتلر ليلتقي ببراعة مع أطروحات إدوارد سعيد حول "الاستشراق" و"تغطية الإسلام". فالإعلام الغربي يرث ويعيد إنتاج الصورة النمطية للعربي/المسلم ككائن همجي يعشق الموت، ويشكل "تهديداً وجودياً" للحضارة الغربية لا يفهم إلا لغة القوة. إن اتهام الفلسطيني بـ "ثقافة الموت" هو في جوهره "إسقاط نفسي" من الغرب وإسرائيل؛ فالخطاب الاعلامي الغربي يتجاهل أن الغرب هو من يمتلك ترسانة نووية وجيشاً يحتل ويقصف، لكنه يتهم الضحية بـ "الهمجية" لمجرد مقاومتها بحجر أو عملية فدائية. هذا هو "الاستشراق" بامتياز: إعلام يمنح أسماءً ووجوهاً مفعمة بالعاطفة لضحايا الطرف الآخر، بينما يُبقي الفلسطينيين مجهولين، مجرد أرقام بلا عزاء أو رثاء.

من الضحية الى المسؤول عن موته

عندما يُوصف الفلسطينيون بأن لديهم "ثقافة استشهاد" أو أنهم "يحبون الموت" أو أنهم" يستخدمون أطفالهم دروعاً بشرية"، فإن الخطاب لا يصف واقعاً فحسب، بل يرتكب جريمة إبستيمولوجية (معرفية). فهو يحول النضال السياسي ضد الاحتلال والمقاومة الفلسطينية  إلى "مرض ثقافي" أو "عقدة نفسية".

والنتيجة الماكرة لهذا التأطير هي: إذا كان الفلسطيني "يبحث عن الموت"، فإنه يتنازل طوعاً عن حقه في الحياة. وبهذا الانقلاب، يُنقل عبء المسؤولية الأخلاقية من كتف القاتل إلى كتف المقتول، ويصبح القصف "أثراً جانبياً مؤسفاً" لا جريمة حرب. فبهذا المنطق، يُجرَّد الفلسطيني من صفة "الضحية" مسبقًا، حتى يصبح طفله في نظر الإعلام حاملاً لبذور "التهديد". بينما يُغسل المحتل يديه من الدماء، ويُلقى اللوم على "ثقافة" الضحية نفسها؛ فيُجرَّد الفلسطيني من براءته مسبقًا، ويُتَّهم بموته قبل أن يُقتل.

وتسلط بتلر الضوء على أن هذا الخطاب يجعل قيمة الحياة الإنسانية غير متكافئة: فالحياة الإسرائيلية تُرثى، تُبكى، وتُقام لها النصب التذكارية (حياة قابلة للرثاء). أما الحياة الفلسطينية، فتُختزل في "أرقام" و"إحصائيات" جافة، بلا أسماء أو وجوه أو قصص إنسانية.

"الضرر الجانبي" و "الدرع البشري"

في قاموس الإعلام الغربي، يوجد مصطلح واحد يكفي لتبرير أي مجزرة: "الضرر الجانبي"، هذا المصطلح ليس تقنياً، بل هو جريمة لغوية. فهو يحوّل القتل العمد والمنهجي إلى "حادث مؤسف"، ويحوّل الضحايا إلى "أرقام"، ويحوّل الإبادة إلى "إحصائية". عندما تقول "بي بي سي" إن "150 فلسطينياً قُتلوا في غارة، من بينهم 40 طفلاً"، فإنها لا تحزن، بل "تُعلِن". وعندما تقول "سي إن إن" إن "العملية أسفرت عن أضرار جانبية"، فإنها لا تعترف بجريمة، بل "تُبلِّغ" ببرود.

ولفهم سبب تقبل المجتمع الغربي لهذا "الضرر الجانبي" وتلك "التراتبية الأخلاقية للحياة"، نحتاج إلى الاستعانة بفلسفة حنة أرندت حول "الحق في امتلاك حقوق". تشير أرندت إلى أن مأساة اللاجئين و"عديمي الجنسية" تكمن في أنهم حين يفقدون الانتماء إلى دولة قومية، يفقدون حقهم في أن يُعاملوا كبشر. فالفلسطيني، في الخطاب الإعلامي والسياسي الغربي، يُجسد مأساة "انعدام الجنسية"؛ فبما أنه لا يملك دولة تحميه أو "تثأر" له، فإن حياته تصبح "أقل قابلية للرثاء والحزن". والإعلام الغربي لا يبرر العنف فحسب، بل يمارس "عنفاً معرفياً" حين يحذف المعاناة الفلسطينية من دائرة التعاطف الإنساني، متجاهلاً أن غياب الدولة للفلسطيني لا يعني غياب إنسانيته.

هنا يلتقي تحليل بتلر مع تحليل جورجيو أجامبين من زاوية مكملة: فكلاهما يكشف أن المشكلة لا تكمن فقط في العنف الذي يقع على الحياة، بل في البنى التي تحدد مسبقاً أي حياة تستحق الحماية وأي حياة تُترك عرضة للعنف. يبيّن أجامبين بمفهوم "الحياة العارية" و"حالة الاستثناء" كيف تُستبعد فئات معينة من الحماية القانونية والسياسية، بحيث يمكن قتلها دون أن يُعامَل قتلها كجريمة. فالاستعمار الاستيطاني ينتج وضعاً قانونياً استثنائياً يجعل الفلسطيني "حياة عارية" (أجامبين)، ويُنتج الإعلام أطراً خطابية تجعل هذه الحياة "غير قابلة للرثاء" (بتلر). وبذلك، يتحول الفلسطيني من مجرد ضحية للاستثناء القانوني، إلى مثال حيّ على التقاء الاستثناء السياسي مع نزع القابلية للرثاء إعلامياً.  وتوضح بتلر كيف أن خطاب "الأمن" و"مكافحة الإرهاب" يُستخدم كدرع لانتهاك القانون الدولي، ويوضح إدوارد سعيد كيف أن الغرب يتبنى الرواية الصهيونية حرفياً، فيصبح "حق اليهود في الأمن" متفوقاً على "حق الفلسطينيين في الوجود".

يتجلى هذا بوضوح في سلاح "الدرع البشري". تكشف بتلر التحول الخطير لهذا المصطلح؛ فلم يعد يشير إلى فعل محدد، بل تحول إلى توصيف جماعي للسكان، بما يؤدي إلى طمس الفارق بين المدني والمقاتل. وعندما يصبح كل فلسطيني "درعاً بشرياً محتملاً"، يصبح كل فلسطيني هدفاً مشروعاً، وتلغى المساواة في الكرامة الإنسانية. تحذر أرندت من خطورة هذه "العقلانية الباردة" في تبرير العنف؛ فالقتل لم يعد بدافع الكراهية العاطفية، بل بتخطيط عسكري وقوانين ومسميات مثل "الضرر الجانبي".

ويقرر الإعلام الغربي أن الفلسطيني، بسبب "ثقافته" أو "مقاومته"، قد تنازل طوعاً عن حقه في الحياة، وبالتالي فقد استحقاقه للرثاء. إن هذه الرواية لا تبرر القتل فحسب، بل تشرعنه أخلاقياً، وذلك بجعل الضحية هي المتهمة الوحيدة في مسرح الجريمة. وهنا يلتقي هذا السلاح بسلاح "ثقافة الاستشهاد" في نتيجة واحدة: تجريد الفلسطيني من صفة "الضحية" مسبقاً. حتى وهو طفل، حتى وهو جريح، حتى وهو تحت الركام، فهو "ليس بريئاً". إنه متهم بموته قبل أن يُقتل.

نحو ثورة أخلاقية في الاعتراف

يظهر تطبيع العنف حين يعاد تقديم الاستعمار الاستيطاني بوصفه "إدارة للصراع" بدلًا من النظر إليه بوصفه"جريمة" تستدعي المساءلة، بل يرى فيه "إدارة صراع". والفلسطيني ليس ضحية استعمار، بل هو "عائق لوجستي" يجب إزالته لتحقيق "الأمن والاستقرار" الإقليمي. كما يقوم تطبيع العنف على الضرر الجانبي، الذي يحول القتل العمد إلى "حادث مؤسف" يقع أثناء "الدفاع عن النفس".

لا يُعَدُّ تفكيك الخطاب الإعلامي ترفاً فكرياً، بل هو شرط مسبق لأي عدالة. فطالما أن الإعلام الغربي يرفض الاعتراف بـ "قابلية الرثاء" للحياة الفلسطينية، وطالما يستمر في وصف الفلسطيني بـ "التهديد" أو "الضرر الجانبي"، فإن بعض الخطابات الإعلامية الغربية تصبح جزءًا من البنية الخطابية التي تهيئ للعنف وتطبع آثاره.

إن ما كشفه هذا التحليل الفلسفي ليس مجرد "انحياز إعلامي"، بل "نظامًا أخلاقيًا كاملاً" يُنتج العنف ويُبرره ويطبعه، ولذا لا يمكن أن يكون هناك سلام أو عدالة ما لم نعد تعريف "الإنسانية" لتشمل الفلسطيني، وما لم نرفض الخطاب الإعلامي الذي يحول "الضحية" إلى "جلاد " يبرر قتله.

وبناء على هذا التحليل، فإن الحل ليس في "تغطية إعلامية أفضل"، بل في "ثورة أخلاقية في الاعتراف". ثورة تعيد للفلسطيني "قابليته للرثاء"، وتعترف بأن حياته تساوي حياة أي إسرائيلي، وأن موته خسارة إنسانية كما موت أي إنسان آخر. وهذا يتطلب كما يرى إدوارد سعيد تفكيك "البنية الاستشراقية" التي تشكل صورة العربي/المسلم منذ قرون. ومن منظور حنة أرندت، يقتضي ذلك الاعتراف بـ "الحق في امتلاك حقوق" لكل إنسان، بغض النظر عن جنسيته، أما عند جورجيو أجامبين فيرتبط ذلك بضرورة إنهاء "حالة الاستثناء" التي تحول الفلسطيني إلى "حياة عارية".

يبقى السؤال الذي تتركه هذه القراءة الفلسفية مفتوحًا أمامنا جميعًا: إذا كنا نؤمن فعلاً بأن كل إنسان يستحق الكرامة، فهل يطبق هذا المبدأ على الفلسطيني؟ أم أن إنسانيته تتوقف عند حدود "الإطار الذي يُقدَّم من خلاله في الإعلام الغربي"؟

***

أ. د. هدى محمد عبد الرحمن جاب الله

أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة / جامعة الفيوم

التفكير في التاريخ جزء من انشغالات الإنسان بعد انفصاله عن الطبيعة بالتأكيد إذ يبدأ الوعي بالتاريخ حينما يعي الكائن البشري تميزه عن الطبيعة الفجة، وكل نظرة في التاريخ تظهر موقف الإنسان من الزمان، فالإنسان هو الكائن الذي جعل من حركة النجوم زمانا وجعل من الزمان تاريخا، لأنه مفطور على حاستي الذاكرة والوعي والتوقع، إذ انه ينظم حياته داخل شبكة تزامنية نسيجها؛ الماضي والحاضر والمستقبل. هذا الحس بالزمان وأبعاده يرجع إلى الحضارات البدائية، قال الشاعر (جون دن) "الكائنات ذوات الطبيعة الأدنى أسيرة الحاضر إما الإنسان فكائن مستقبلي". فقد توصل إنسان نياندرتال (نحو 50.0000) سنة ق. م إلى دفن موتاه "وهو ما لا يفعله حيوان أخر، .إذ يفكر في نوع من الوجود المتصل لهؤلاء الراحلين. إن الخوف من الموت ورغبة الإنسان في الخلود تعد من اقوي الدوافع التي حفزت الإنسان منذ أقدم العصور إلى التفكير في الزمان على أنه تغير مستمر، ومن ثم جعله يبحث عن معنى المصير الذي ينتظر الإنسان بعد الحياة. فما هو التأريخ بوصفه تدوينا ؟ ومن يكتبه؟ وما هي الحقيقة التاريخية؟ وكيف تطورت مناهج الدراسات التاريخية؟ وكيف يمكننا النظر إلى وظيفة المؤرخ في عصر الرقمنة والصوت والصورة والذكاء الاصطناعي؟

فما هو التاريخ؟ وما الذي بقي من وظيفته في عصر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي؟ نقصد وظيفة التأريخ الذي حددها ابو علم التأريخ هيرودوت اليوناني (حوالي 484 ق.م - 425) بقوله" هو تدوين الاحداث العظيمة وحفظها من الضياع والنسيان" فما الذي بقى من تلك الوظيفة التوثيقية للتاريخ وقد امتلك كل إنسان بما فيهم الأطفال الموبايل الذي يوثق كل صغيرة وكبير ة تحدث في حياته؛ يوثقها بالحرف والصوت والصورة لحظة بلحظة؟ وحينما يقول مالو (أن التاريخ هو أن نترك ندبة في الأرض) أو يكتب الأمريكي " دافيد رونالد" من جامعة هارفارد، (تاريخنا بلا أهمية) 1977م أو حينما يعلن المؤرخ البريطاني " ج. هـ. بلومب " في كتابه " حيرة المؤرخ" عام 1964م " ليس للتاريخ معنى أو فاعلية أو رجاء، فقد اندثرت فكرة الرقي والتقدم الصاعد بين المشتغلين بالتاريخ، فــ 90% منهم يرون أن العمل الذي يمارسونه لا معنى له على الإطلاق" أو يكتب المؤرخ الإنجليزي المشهور " جفري باراكلاف" من جامعة اكسفورد، تحت تأثير الإحساس العميق بالأزمة " إننا مهاجمون بإحساس من عدم الثقة بسبب شعورنا بأننا نقف على عتبة عصر جديد لا تزودنا فيه تجاربنا السابقة بدليل أمين لسلوك دروبه، وان أحد نتائج هذا الموقف الجديد هو أن التاريخ ذاته يفقد، إن لم يكن قد فقد سلطته التقليدية ولم يعد بمقدوره تزويدنا بخبرات سابقة في مواجهة المشكلات الجديدة التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً منذ آدم حتى اليوم" ١٩٧٠م أو حينما يكتب الأمريكي فوكوياما (نهاية التاريخ والإنسان الأخير)١٩٩٠م. أو حينما يخطب دبليو بوش في جنوده ومجنداته قبيل لحظات من اجتياح العراق العظيم قائلا لهم (أنتم تصنعون التاريخ) وحينما أشاهد بام عيني مجندة أمريكية تمتطي الدبابة في شارع السعدون، قلب مدينة بغداد، عاصمة الحضارة العربية الإسلامية فهذا ولا شك يدل على اضطراب معنى التاريخ. ثم يأتي فيلسوف التاريخ الأمريكي الفين توفلر ليمنح عبارة بوش معنى بوصفه حرب الاجتياح الأمريكي للعراق حربا بين الموجة الحضارية الثالثة الصاعدة وبقايا الموجة الثانية. وبهذا اختلف صورة التاريخ التي توحي بمسار النهر المتدفق باستمرار إلى مصبه الأخير. توفلر وآخرين يرون أن التاريخ يشبه البحر وليش النهر ربما قرأنا عن تشبيه التاريخ بالنهر بوصفه صيرورة دائمة الحركة عبر الزمان من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل إذ أن التاريخ يجري كما تجري مياه الأنهار إلى مصالتها؛ أنها تجري باستمرار يستحيل الاستحمام بها مرتين! بحسب هيرقلطيس. لكن هل هذا التشبيه دقيق ويشبع المعنى؟

‎الأنهار تجري في مسار واحد تنساب أو تجرف لكنها جميعها تصب في آخر المطاف في البحر ؛ البحر البحر هو من يشبه التاريخ أو يشبهه التاريخ إذ أننا نعيشه كما تعيش الأسماك بالماء وكما هو قانون البحار وحياة الأسماك الكبيرة التي تتغذى على الأسماك الصغيرة يمكن النظر إلى التاريخ وحركته المستمرة. نعم هو يتحرك حركة ذاتية نسبية ولكنه لا يسيل إلى مكان ما خارج هذه الكوكب. ومن البحر استلهم الشاعر الكاريبي ديريك والكوت قصيدته (البحر والتاريخ) فالبحر هو محور التاريخ حيث يحتفظ بالذكريات في قاعه كما يحتفظ بجثث ضحاياه وسفنهم ومقتنياتهم. ومن الاخطاء الفادحة في الدراسات التاريخية التقليدية أن الباحثين في التاريخ والآثار انشغلوا في تدوين ما حدث ويحدث في اليابسة وكل ما هو متاح للرؤية والمشاهدة بينما ظل التاريخ الحقيقي محتجبا عنكم في اعماق البحار والمحطات التي تشكل ثلاثة أرباع الكرة الأرضية مجازنا بينما هي في حقيقتها كرة مائية أو بحرية وصف أقرب إلى الحقيقة

‎إنه البحر الذي يستحق القراءة منذ أقدم العصور ولا زال هو من يشكل ويعيد تشكيل العالم بمختلف الصور والأنحاء وكل دراسة لإحداث ووقائع التاريخ الأرضية تظل قاصرة بدون أن تشتمل على فهم دور البحر وتاثيره المباشر وغير المباشر في حياة الناس الترابية. وربما ادركت مدرسة التاريخ الجديد موخرا ذلك الأمر وهذا هو ما فعله المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل وهو أحد مؤسسي مدرسة التاريخ الجديدة حينما جعل من عالم البحر الأبيض المتوسط والعالم المتوسطي على أيام فيليب الثاني – وهذا هو عنوان الكتاب الذي أصدره عام 1949 – نموذجاً تطبيقياً لكتابة التاريخ بحسب المنهجية الشمولية التي يدعو إليها. وقد توصل بروديل من دراسته المستفيضة لهذا الموضوع إلى وجود شخصية تاريخية لهذا البحر. وقد تجلى ذلك في وحدة النظم الاقتصادية والسياسية التي سادت في معظم الدول التي قامت على شواطئ البحار وهكذا بدا الأفق الشمولي عند بروديل"مجموعة تاريخية يشملها نمط واحد من نظم الحياة المادية والروحية، والسمة الأولى للحضارة هي أنها حقيقة واقعية ذات مدة مفرطة في الطول، وسمتها الثانية هي أنها مرتبطة أوثق الارتباط بمكانها الجغرافي إذ تحدث بروديل عن ثلاثة أزمنة وهي: الزمان الجغرافي والزمان الاجتماعي والزمان الفردي. وفي اطار هذا الفهم تبرز "امكانية لكتابة ثلاثة تواريخ ثانوية أو فرعية تصب كلها في ذات التاريخ الأصلي (الكلي) أو (الشامل): أولها تاريخ جغرافي (يهتم بدراسة الطبيعة أو المكان كتاريخ)، ثانيها: تاريخ ظرفي اجتماعي (يعنى بدراسة المجتمع والحضارة)، ثالثها: تاريخ حدثي (سياسي). ولا يعني هذا الاخير عودة مقنعة إلى المنهج التاريخي القديم، بل التأكيد على أن ثمة شروطاً تحدد الحدث نفسه وتسمح بامكانه". وقد خلص بروديل من كل ما تقدم إلى أنه قد أنجز في كتابه (البحر الابيض المتوسط والعالم المتوسطي على عهد فيليب الثاني) تاريخاً متعدداً لكنه واحد، لأن حركته تسير من البنية، أي من شروط لامكان إلى الحدث. في ضوء ما تقدم يمكن لنا القول بأن فهم تاريخ العالم الحديث والمعاصر، والاستعمار أهم ملامحه لا يمكن أن يتأتى بدون فهم حركة الاكتشافات الجغرافية وطرق السفن والبحارة ورواية روبنسون كروزو

وفي ذات السياق "تضع أعمال قرنح المحيط الهندي في المركز كمكان، وخلاله تتخلق التواريخ والهويات والعلاقات والصلات والسياسات. إن الساحل الشرق إفريقي السواحيلي العريض، والذي لا يحظى بما يستحق من استكشاف مع ذلك، هو موطن مزيج ثري من أشكال التراث الإفريقي والآسيوي والعربي، وهذه العوالم هي التي يرسم قرنح خرائطها في رواياته"

والاكتشاف فعل حركة ونقلة وقوة وتفوق وسيطرة ومن يكتشف يصمم ويشكل يسمي الذات والأخر فمن نحن ومن الآخر وكيف يمكننا الخروج من هذه الشبكة العلائقية المستحكمة فما هو التاريخ؟ وكيف يتحرك وإلى اين يسير؟ ولما كان قدرنا أن نكون شاهدين على هذا العصر ومنفعلين بما يحدث فيه من تغييرات وأحداث ومشكلات، فمن الأجدر بنا أن نفهم ما يدور حولنا ونتعرف طبيعة المنطلقات الفلسفية والمسارات العامة التي توجه دفة قيادة التاريخ العالمي في عالمنا المعاصر، والفلسفة هي النافذة التي نطل منها لتعرّف حقيقة عصرنا ومشكلاته ذلك لأنها روح عصرها ملخصاً بالفكر، ولا مندوحة لنا نحن القاطنين في هذا المكان المتوسط من الأرض من الفهم العميق للروح الفلسفية العامة التي تكمن خلف كل تلك المظاهر والأحداث والملامح التي تشكل وجه عالمنا الجديد، وتشكل وجهنا في نسيج هذا العالم الخارج عن نطاق سيطرتنا، والخاضع لديناميات قوى عالمية غربية وشرقية وإراداتفاعلة أخرى، قابضة على نواصي التاريخ والحضارة والمدنية والثقافة.ولما كانت الفلسفة حواراً بين الفكر والواقع، بين الإنسان وعصره، بين الشعوب والحضارات، حواراً يجدد الدهشة ويثير التأمل ويفتح الآفاق ويضيء السبل والممكنات لفهم المشكلات وحل الأزمات، فإن حاجتنا ماسة لمثل هذا الحوار الثقافي الذي يعين البشر على تحديد الأسئلة الجوهرية والبحث عن الإجابات المناسبة والممكنة عنها، ولاسيما بعد أن صرنا اليوم دون أجوبة لأن الأسئلة التي طرحناها لم تكن مطابقة للواقع، لذا جاءت أجوبتها مخيبة للآمال. فما أحوجنا لفهم شيء عن عصرنا وطبيعة مشكلاته وحقيقة فلسفاته، كي نتمكن من التعاطي معه على أسس عقلانية واقعية نقدية. هناك في قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة بغداد أعدت التفكير في التاريخ الذي يكسر رؤوس البشر ولم يتكسر رأسه أبداً. فكان سؤال التحدي والاستجابة عند الذي أستوقفني إذ كيف لنا اليوم أن نواجه تحدي التاريخ العالمي؟ لا سيما ونحن نعلم أن العالم العربي يزخر بتراث تاريخي حضاري وثقافي غني جدا ففيه نشأت نصف حضارات العالم القديم في جبال اوراس إلى النيل والفرات واليمن وما بينهما (الحضارة المصرية القديمة والاشورية والسومرية والكلدانية والبابلية والكنعانية والفينيقية وحضارات الشمال الافريقي والمغرب العربي الكبير والحضارة اليمنية في جنوب الجزيرة العربية وغيرها) فضلا عن كونه مهد الديانات الابراهيمية الثلاث (اليهودية والمسيحية والإسلام) لكن التاريخ بوصفه تراثا لا يضي الموقف المعتم في اللحظة العالمية الراهنة فلا بد لنا من التعرف على الأخر الذي يعيد تشكلنا فالآخر هو مرآة الذات لكن مشكلة وعي الذات وفهم الآخرين ليست من البساطة بحيث تنكشف للانا بذاتها ولذاتها دون عنأ أو جهد يذكر، بل هي عملية شديدة التعقيد وعسيرة الفهم، إذ قد يعيش الناس عشرات أو مئات السنين في بعض الحالات دون أن يتمكنوا من إختراق الحجب والأقنعة التي تحول دون وعيهم لذاتهم وللآخرين، فالذات إذا ما تركت لذاتها دون خبرة التفاعل والإحتكاك المباشر بالآخرين تظل عمياء ساذجة وفطرية غير واعية لذاتها وغير مدركة لهويتها التي تميزها عن هوياتهم المختلفة إذ بأضدادها تتمايز الأشياء. والطريق الوحيد لتحقيق كشف المحجوب في عمليات الذات والآخر لا يتم إلا بالإحتكاك والتفاعل المتبادل بين الفاعلين الاجتماعيين في أثناء الممارسة الحياتية وتغذيتها الراجعة في سياق تفاعلي مقارن، فرصد الآخرين وتأويلهم هو الوسيلة الممكنة في فهم الذات؛ فالآخر هو دائماً مرآة الذات ومبعث هويتها. هناك في العراق التليدة شهدت بنفسي لحظة الصدام التاريخي القاسي بين بداية التاريخ ونهايته وما كان لها من نتائج مروعة على الوطن العرب والعالم كله. فجاءت اطروحتي في فلسفة التاريخ الغربية محاولة لفهم التاريخ ومساراته العالمية في ضوء نظرية التحدي والاستجابة. وهي محاولة لتسلط الضوء على فلسفة التاريخ في الفكر الغربي المعاصر، آرنولد توينبي موضوعاً، إذ يعد العصر الحالي منذ بدء القرن العشرين أكثر العصور نزوعاً الى التفكير بصورة تاريخية، وذلك بسبب ما شهده مشروع الحداثة الغربية من أزمات خانقة وأحداث عاصفة ومتغيرات كثيرة في مجمل الخبرة التاريخية في الثقافة والحضارة والمدنية، وهذا ما أفضى إلى ازدهار فلسفات التاريخ المعاصرة على نحو لم يسبق له مثيل. إذ شغلت مشكلة التاريخ وقواه وحركته وتطوره، ومشكلة الحضارة الغربية ومصيرها عدداً واسعاً من الفلاسفة والمفكرين، أمثال شبنجلر وتوينبي وبليخانوف وپوپر وكروتشه وجورج لوكاتش وكولنجوود وكولن ويلسن واشفيتسر وليفي شتراوس وسارتر، وهيرمان، وجارودي وفوكو وتوفلر وهنتجتون وفوكو ياما غيرهم وتقدم هذه الأطروحة تحليلاً نقدياً شاملاً لأبرز الاتجاهات الفلسفية المعاصرة التي فسرت التاريخ والحضارة من زوايا نظر مختلفة ومتصارعة وأهمها: الاتجاه المادي الماركسي، والاتجاه الحيوي النيتشوي، والاتجاه الوضعي التجريبي، والاتجاه التأملي المثالي، والاتجاه البرجماتي الذرائعي، والاتجاه الليبرالي الجديد الذي يعد ارنولد توينبي ابرز ممثليه، إذ أن دراسته للتاريخ والتي بناها على مدى أربعة عقود، تقف معلماً بارزاً في الليبرالية الحديثة، فهي تعبر عن مميزاته عن فشلها، وعن التشاؤم التاريخي الكامن خلفها. وفي سياق تتبعنا لنشؤ تطور فلسفة التاريخ وتطورها تناولنا أهم التصورات الأسطورية واللاهوتية والميتافيزيقية في تفسير التاريخ وقواه وحركته واتجاهه وغاياته وخلصنا إلى أن فلسفة التاريخ من حيث هي تشريع أنساني عقلي لم تزدهر إلا بعد الثورة المنهجية الكبرى منذ عصر النهضة الأوربية وبدء الحداثة الغربية التي جعلت الإنسان محوراً لكل فكراً وسلوكاً، إذ سادت نظرة تقدمية ليبرالية متفائلة في تفسير التاريخ والحضارة الأوربية ومنذ نهاية القرن التاسع عشر أخذت تشيع في مختلف الدوائر الثقافية الأكاديمية الغربية نزعة تشاؤمية في فلسفة التاريخ والحضارة، إذ حلت فكرة الاضمحلال والانحلال محل فكرة التقدم والتطور، وحل الخوف والقلق والشك محل الثقة والطمأنينة، وحلت النسبية والعرضية محل الحتمية والضرورة في صورتي التشاؤمية الثقافية والتشاؤمية التاريخية، وخلصنا الى ان الصراع بين فلاسفة التاريخ لم يكن صراعاً معرفياً أكاديمياً منهجياً حول معنى التاريخ والمعرفة التاريخية، بل كان صراعاً على التاريخ ذاته بهدف السيطرة عليه وقيادته وتوجيه مساره والفوز بخيراته. وفي وسط ذلك الصراع تقف فلسفة ارنولد توينبي الليبرالية الجديدة كمحاولة للتوفيق بين جميع الاتجاهات الفلسفية إذ جمعت بين النظرة الدورية للحضارات والنظرة الخطية للعناية الإلهية، وذلك بتأكيد التعاقب الدوري للحضارات مع الحفاظ على دور الوثبة الحيوية في نظرية التحدي والاستجابة. وإذا كان توينبي قد كتب نقشاً على ضريح الحضارة الغربية فان المتشائمين الثقافيين أمثال نينشه شبنجلر وفوكو يتجمعون للاحتفال والسهر حول الجثة قبل دفنها. وعلى الرغم من تشاؤمية توينبي التاريخية ألا انه أبقى باب الأمل مفتوحاً, مشدداً على مسئولية الإنسان الأخلاقية في توجيه مسار التاريخ والحضارة للنماء أو للفناء. إذ دعا توينبي لقيام دولة عالمية تظم جميع الحضارات والشعوب والأديان منتقداً فكرة المركزية الأوربية والإمبراطورية والاستعمار والتعصب القومي والمذهبي، غير انه في دراسته للحضارة الإسلامية أعتمد على التراث الاستشراقي وجاءت أحكامه مضطربة ومتناقضة في كثير من المواضع، وكان موقف الفكر العربي من توينبي موقفاً احتفالياً أكثر منه نقدياً أكاديميا.

ختاما: فيما يتصل بكلمة تأريخ ومعناها فيمكنني القول أن مفهوم التاريخ قد استأثر قديماً وحديثاً باهتمام المؤرخين والكتاب والفلاسفة وتعددت الآراء والمباحث فيه، "حتى إلفينا أنفسنا أمام نتاج واسع يتناول التاريخ مصطلحاً وفكرة وفناً وموضوعاً وميداناً من ميادين المعرفة الإنسانية" وكلمة التاريخ من الكلمات التي تعرضت الى سوء فهم لا حدود له بسبب ما الصق بها من معان متعددة ودلالات مختلفة اذ اخذ الناس يطلقونها على ظواهر وأشياء لا حصر لها من قبيل: تاريخ الكون، وتاريخ العالم، والتاريخ العام، وتاريخ البشرية، وتاريخ الطبيعة، وتاريخ الإنسان، وتاريخ العلم، وتاريخ الحضارة، وتاريخ المدنية، وتاريخ الثقافة، وفلسفة التاريخ، وتاريخ الفلسفة، والمنهج التاريخي، والتاريخية، والحتمية التاريخية، وعلم التاريخ، والبحث التاريخي، والتاريخ السياسي، والتاريخ الاقتصادي، والتاريخ الاجتماعي....إلى آخره من الموضوعات التي تطلق عليها كلمة التاريخ إذ ان من يعود إلى مادة تاريخ في أية موسوعة يتعجب من عدد الكتب المؤلفة في موضوعها وذلك في لغة واحدة "وسيصعب تقدير حجم كتاب يؤلف اليوم على نمط القسم المخصص للتاريخ في فهرست ابن النديم" ولعل هذا اللبس الذي يكتنف مفهوم التاريخ هو ما يفسر حيرة الدارسين في فلسفة التاريخ، إذ نجدهم يتساءلون في بدء كل عمل عن "ما هو التاريخ؟" كيف نفهم التاريخ؟ ما هي فكرة التاريخ؟ وهل التاريخ سلسلة متصلة ومتجانسة من المراحل والحلقات أم ركام هائل ومشتت من الحوادث والأحداث؟ وهل هو واقف أم يتحرك؟ واذا كان يتحرك ما هي قواه الدافعة؟ وما شكل حركته؛ هل خطية؟ أم دائريّة؟ أم حلزونية؟ نهرية جارية أم موجية راجعة؟ كل تلك الأسئلة سوف تجدون ما يشبها في روابط المقالات المنشورة في الحوار المتمدن وغيره من المواقع .

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

عندما يكون تأثير الفلسفة عليك حقيقيا، لن تكره أحدا، لن تحقد على أحد، ولن تقصي أحدا. ستتسع في إنسانيتك، وتغدو أكثر قدرة على احتضان الاختلاف، لا بوصفه تهديدا لوجودك، بل بوصفه وجها آخر من وجوه الحياة.

سيبدو العالم أكثر إغراء للفرجة والتأمل، لا ساحة للتنافس ولا ميدانا لإثبات التفوق على الآخرين.

ستدرك أن الجميع، بطريقة أو بأخرى، هم أبناء ظروفهم، ونتائج حكايات لم يختاروا بداياتها، وتشكيلات معقدة من الموروث والخوف والتجربة والاحتياج. وأن قليلين فقط يمتلكون شجاعة مراجعة ما صاغهم، والتمرد على ما ظنوه قدرا لا سبيل إلى تغييره.

ستتعلم ألا تحاكم الإنسان من نهايته، قبل أن تتأمل الطريق الذي قاده إليها، وألا تختزل وجوده في خطيئة، أو فكرة، أو موقف عابر.

ستدرك أن الإنسان كثيرا ما يكون ابن ما لم يختره. او كما يقول الفيلسوف حسن حماد نحن أبناء رميه النرد ، وستدرك أن بعض قسوته ليست سوى خوف قديم لم يجد طريقا آخر إلى التعبير عن نفسه، وأن بعض تعصبه ليس قوة في اليقين، بل عجزا عن احتمال الأسئلة. وحين تفهم ذلك، لا يصبح الآخر عدوا، حتى حين تختلف معه، بل يصبح سؤالا آخر عن الإنسان.

وحين تنضج رؤيتك، لن تعود معركتك مع الآخرين، بل مع كل ما فيك من جهل، وكل ما استقر في وعيك دون أن تمنحه حق السؤال

 ستكتشف أن الحرية ليست أن تنتصر على الناس، بل أن تتحرر من حاجتك إلى إخضاعهم، وأن القوة ليست في قدرتك على إيلام أحد، بل في قدرتك على ألا تجعل من ألمك مبررا لإيلام الآخرين

قد يظن الإنسان أنه يحتاج إلى المال، بينما حاجته الأعمق هي الأمان. وقد يظن أنه يحتاج إلى الحب، بينما هو في الحقيقة يبحث عن اعتراف بوجوده. وقد يتوهم أنه يريد امتلاك الآخرين، بينما يعجز عن امتلاك زمام نفسه. وهكذا، كلما أخطأ الإنسان في معرفة حاجته، ازداد اغترابه عنها، وصار ما يظنه طريقا إلى الاكتفاء بابا جديدا إلى الجوع.

عندما تتعمق في الفلسفة ستبدو لك الحياة أقل شبها بساحة للمبارزة، وأكثر شبها بمسرح واسع، يقف عليه كل واحد منا للحظة، يؤدي دوره كما استطاع، ثم يغادر دون أن يعرف إن كان قد فهم النص أم قضى عمره يحفظه..

الفلسفة لن تمنحك العالم الذي تشتهيه، لكنها تمنحك وعيا يجعلك ترى العالم خارج حدود اشتهائك

لا تعدك بأن تصبح أكثر امتلاكا، بل تدعوك إلى أن تصبح أقل ارتهانا لما لا تملك. ولا تعلمك كيف تنتصر على الجميع، بل كيف تتخلص من ذلك الجزء فيك الذي لا يشعر بقيمته إلا حين ينتقص من قيمة الآخرين.

ولذلك التسامح الذي تصنعه الفلسفة ليس ضعفا أمام الخطأ، ولا صمتا أمام الظلم، بل قدرة على مقاومة الشر دون أن تتشبه به، ونقد الأفكار دون أن تتحول إلى عدو للإنسان، ومواجهة القبح دون أن تسمح له بأن يستوطن روحك.

إن الأثر الحقيقي للفلسفة ليس أن تجعلك تعرف أكثر فحسب، بل أن تجعلك أقل حاجة إلى الكراهية، وأقل افتقارا إلى التصفيق، وأكثر تحررا من أوهام التفوق.

أن تبلغ من الوعي حدا لا تعود فيه الحياة امتحانا مستمرا لقيمتك، ولا يصبح وجود الآخرين خصما من وجودك، ولا تحتاج فيه إلى أن تنتصر في كل جدال كي تطمئن إلى صوابك.

. لا تعود بحاجة إلى تحطيم الآخرين كي تشعر بعلوك، ولا إلى إقصائهم كي تثبت انتماءك، ولا إلى امتلاك الحقيقة كاملة كي تمنح نفسك حق الوجود.

هناك فقط، ستكتشف أن العالم لا يحتاج إلى نسخة أخرى منك، بل إلى إنسان أكثر وعيا بحدوده، وأكثر رحمة بضعفه، وأكثر شجاعة في مواجهة أوهامه.

وأن أعظم ما يمكن أن تبلغه الفلسفة فيك، ليس أن تصبح فوق الآخرين، بل أن تتحرر من الحاجة إلى أن تكون فوق أحد.

الفلسفة لا تمنحك بالضرورة حياة أسهل، لكنها تمنحك عينا ترى بها حياتك من مسافة. وهذه المسافة هي أول أشكال الحرية؛ أن تستطيع أن تنظر إلى أفكارك دون أن تكون أسيرا لها، وإلى رغباتك دون أن تنحني أمامها، وإلى مخاوفك دون أن تمنحها حق تقرير مصيرك.

قد لا تكون الحكمة أن نفهم العالم كله، فهذا مستحيل، وإنما أن نفهم موضعنا منه؛ أن نعرف ما نحتاج، وما نريد، وما يمكننا احتماله، وما ينبغي أن نتركه يمر دون أن نحوله إلى معركة

وربما تكون الثمرة الأعمق للفلسفة أن تتحرر من الحاجة إلى أن يكون العالم نسخة منك، وأن تكف عن مطالبة الآخرين بأن يروا ما تراه، أو أن يؤمنوا بما تؤمن به، أو أن يسيروا في الطرق التي اخترتها لنفسك. أن تدرك أن اختلاف الإنسان ليس خللا في الوجود، وأن الحقيقة لا تصبح أكثر حقيقة حين نصفق لها جميعا

أن تبلغ من الوعي ما يجعلك ترى في الآخر إنسانا قبل أن تراه خصما، وفي الاختلاف إمكانية للفهم لا ذريعة للعداء، وفي الحياة تجربة تستحق التأمل لا سباقا محموما نحو اعتراف الآخرين.

ما قيمة أن نبلغ قمة الحقيقة إذا كان الطريق إليها قد جعلنا أكثر قسوة وأقل قدرة على رؤية الإنسان؟

لعل أسمى ما تمنحنا إياه الفلسفة هو أن نغادر هذا العالم دون أن نكون قد أضفنا إلى أوجاعه وجعا، أو إلى أسواره سورا، أو إلى يقينياته سجنا جديدا

***

ابتهال عبد الوهاب

 

(كُلُّكُمْ لِآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ) خلاصة المعنى

أنت، أنا، هو، هي، نحن، هم، هن، هذا، ذاك، ذات، أخر، اولئك.. الخ من الرموز اللغوية التي يستخدمها الإنسان العاقل لتعريف الأشياء والكائنات والكيانات والظواهر في هذا العالم بوصفها ضمائر حاضرة أو غائبة، متكلمة أو خرساء، ماهوية أو وجودية .الخ فمن مبدأ الهوية نتعرف على ماهية الكائن وهويته الجوهرية (النوع والجنس والصفات) هذا معدن وذاك حجر هذا حيوان وذاك نبات، هذا فيل وذاك جمل ..الخ ومن هنا يمكن تصنيف جميع الكائنات غير العاقلة بعدها كائنات ماهوية وجدت بماهية وهوية مكتملة قلما تتغير مع الزمن، في حين أن مبدأ الوجود يقتصر على وجود الكائن الإنساني، إذ إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي ولد ناقصا، أي غير منجز الهوية، إذ إن وجوده يسبق ماهيته، فهو وجود لذاته ومن أجل ذاته وليس وجودا في ذاته وفي متناول اليد مثله مثل وجود الأشياء. وهذا هو مبعث حضور مشكلة الهوية الطاغي في عالم الإنسان، حيث توجد الحرية والعقل واللغة والحاجات والمصالح والرغبات والأحلام والأوهام والتنافس والصراع. إلخ. ويميز الفيلسوف الفرنسي بول ريكور بين معنيين للهوية: ف"الهوية بمعنى الشيء عينه (idem) والهوية المطابقة (Sameness) بالإنجليزية بمعنى الهوية المتطابقة بإحكام، أو المتماثلة إلى حدِّ التطابق التام أو التشابه المطلق مع الذات في جميع الأزمنة وجميع الأحوال". وربما كان الفيلسوف اليوناني بارمندس هو أول من وضع هذه الصيغة بعبارته الشهيرة (الوجود موجود والعدم غير موجود) ثم جاء أرسطو فصاغها منطقيا في قوانين الهوية الثلاثة. وهذا هو التصور الذي شاع في الفلسفة العربية الإسلامية المتأثرة بأرسطو. ويذهب الجرجاني في "التعريفات" إلى أن الهوية هي "الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق" و(البذرة تحمل في جوفها شكل الشجرة وطعم الفاكهة) حسب هيجل. أما عالم الاجتماع البريطاني انتوني جدنز فيذهب إلى أن الهوية Identity هي" السمات المميزة لطابع الفرد أو الجماعة المتصلة بماهيتهم وبالمعاني ذات الدلالة العميقة لوجودهم". ويذهب مايك كرانج إلى القول: إنه "يمكن تحديد الهوية من نقيض ما نحن عليه بقدر ما يمكننا تحديدها من طريق من نحن ... وكثيرا ما تتدخل الجغرافيا هنا لأن الجماعات في صيغة (نحن - هم) هي في أحوال كثيرة محددة إقليميا" ولعل هذا التعريف يستند إلى الفكرة الفلسفية التي مفادها (أن كل تعريف تحديد وكل تحديد سلب) ويرى روجيس دوبرية أن "هوية الجماعة هي إيديولوجيتها " وحيثما تختلج (نحن) فستكون (إيديولوجيا) وحينما يتعذر قول (نحن) لا تكون (إيديولوجية)... لأن ولادة إيديولوجية معناه ولادة جماعة " وتلك الصيغة هي التي وجدت رواجها في فكر ما بعد الحداثة الذي ينفي وجود هوية ذات مستقلة قبل وجود محمولها، فلا تتأسس هوية الذات إلا في علاقتها بالآخر وهكذا تتحدد المفاهيم بوساطة ما لا تكونه، بل إن الفيلسوف الأمريكي ريتشارد رورتي وصفها ب "النقلة الحاسمة في إعادة تفسير العلاقة بين الذات والموضوع ... لا يوجد أساس أو جوهر أو محل وراء الصفات أو المحمولات .. بل توجد {الهويات} فقط كما يجري تمثيلها في شكل مادي ملموس" نخلص مما تقدم إلى أن الهوية الجمعية هي بنية ثقافية تاريخية تمنح المنتميين إليها إحساسا بالتماهي مع ذاتهم الجمعية (نحن) التي تميزهم عن الجماعات الأخرى، فضلا عن كونها إيديولوجيا كلية تحدد نظرتهم إلى ذاتهم وإلى الآخرين وإلى التاريخ والحياة والعالم. وإذا ما اتفقنا بأن كل الناس هم بني آدم وحواء فهذا معناه أنهم على درجة متساوية من حيث الحسب والنسب والأصل والنوع والجنس. اليس كذلك؟ إذ انهم بذلك ينتمون إلى الهوية الإنسانية المشتركة بوصفها مسلمة بديهية فمن أين تأتي العنصرية والتمييز والاختلاف الهوياتية بين البشر؟ أننا بصدد استراتيجيات هوية بوصفها رهانات صراع أجتماعي ثقافي بين الفاعلين الاجتماعيين في عالم الممارسة الحياتية التاريخية؛ الممارسة التي تعبر بوضوح عن معناها حسب بول فيين، "إذ هي ليست مثالا غامضا أو أرضية تحتية للتاريخ أو محركا خفيا، بل ما يفعله الناس" في حاضرهم المباشر، حيث يكدون ويكدحون ويتدافعون ويتسابقون ويتنافسون ويتصارعون في سبيل الحصول على مقدرات وعناصر العيش المادية والمعنوية، حيث تكتسب الخطابات والرموز والتصورات والأسماء والمسميات والتعريفات والصفات والهويات الفردية والجمعية أهميتها وقيمتها وفاعليتها ودلالتها، وقوتها وسلطتها، إذ إن سلطة الكلمات والرموز لا توجد في ذاتها وبذاتها، بل تستمدها من خارجها، من سلطة الذين يستخدمونها في الواقع المتعين. وفي علاقة السلطة بالمعرفة، لا شيء خلف الستار حسب ميشيل فوكو، فالسلطة بوصفها علاقات قوى هي التي تقول دون أن تتكلم! والقوة دائما هي التي تشكل المجتمع وتمنحه المعنى، وهذا هو معنى القول المأثور (الناس على دين ملوكهم) ولا يوجد أي مجتمع تحترم فيه القواعد تلقائيا، ووظيفة السلطة هي الدفاع عن المجتمع من نقائصه الخاصة، ومن التهديدات الآتية من خارجه. فكيف يمكننا التوقف عن مشكلة الذات والهوية في اللحظة العالميّة الراهنة؟

يرى الفيلسوف الفرنسي فرانسوا جوليان إن «الهوية الثقافية لا وجود لها» هذا هو عنوان الكتاب الذي استفزني كما تلاحظون عنوانا، صادماً، بل مستفزاً لكل من اعتاد أن يتعامل مع الثقافة بوصفها جوهراً ثابتاً، ومع الهوية بوصفها شيئاً نرثه مكتمل الملامح من الآباء والأجداد ثم نحمله معنا أينما ذهبنا. غير أن جوليان لا ينكر وجود الثقافات ولا ينفي اختلاف التجارب التاريخية للشعوب؛ إنما يعترض على تحويل الثقافة إلى «هوية» مغلقة، وإلى جوهر حصري يملك أصحابه وحدهم حق تمثيله. فهو يقترح النظر إلى الثقافات باعتبارها موارد حية يمكن تفعيلها وإعادة تركيبها، لا هويات جاهزة مغلقة على أصحابها.

ولما كنت مشغولاً بسؤال الهوية منذ عقود، فقد وجدت في هذا العنوان فرصة للعودة إلى سؤال قديم يتجدد كلما تغير العالم: من نحن

هل توجد بالفعل هويات ثقافية للبشر متمايزة عن بعضها بعضاً، لكل واحدة منها جوهرها الخاص وحدودها المغلقة وذاكرتها المكتملة؟ أم أن ما نسميه «هويات» ليس أكثر من صور تاريخية متحركة للوجود الإنساني، تتشكل من التفاعل والاحتكاك والتبادل والاختلاف، ثم يعاد تركيبها باستمرار بحسب حاجات الإنسان وصراعاته ورهاناته؟

كتاب «الهوية الثقافية لا وجود لها» لا ينفي وجود الثقافات أو يمحو خصوصيات الشعوب، وإنما يريد أن يحرر الثقافة من ذلك القفص المفاهيمي الذي يسمى «الهوية»، حين تتحول الهوية من وسيلة للتعريف إلى ادعاء بالثبات والنقاء والانغلاق. فالثقافة، في نظره، ليست ملكية خاصة لجماعة بعينها، ولا جوهراً موروثاً نضعه في خزائن الذاكرة ثم نستدعيه عند الحاجة، وإنما هي موارد إنسانية حية لا تنضب بالاستخدام، بل تزداد ثراءً كلما أُعيد اكتشافها وتفعيلها وترجمتها وتداولها بين البشر. ومن هنا يستبدل جوليان بمنطق «الاختلاف» الجامد مفهوم الانزياح؛ فالانزياح لا يقيم جداراً بين الثقافات، وإنما يخلق مسافة منتجة تجعل كل ثقافة قادرة على رؤية نفسها من خارجها، واكتشاف ما لم تكن تراه وهي أسيرة اعتيادها الخاص. وفي هذه المسافة يولد ما يسميه جوليان «المبثوث» أو «المشترك» (L’entre)، أي ذلك الفضاء الذي يقع «بين» الثقافات، حيث لا تعود العلاقة علاقة نحن وهم، وإنما تصبح مجالاً للترجمة والحوار والتفاعل وإنتاج المعنى. وهكذا لا يكون المشترك الإنساني تشابهاً يلغي التنوع، بل فضاءً مفتوحاً يجعل الاختلاف نفسه مورداً للتعارف والتجدد. لذلك فإن الثقافة لا تحيا بانغلاقها على أصل متخيل نقي، وإنما بقدرتها على العبور والتفاعل والتحول؛ وما نسميه «الهوية الثقافية» ليس في النهاية جوهراً ثابتاً، بقدر ما هو سيرورة مفتوحة من التفاعل والاختيار وإعادة بناء الذات.

أن سؤال الهوية ليس سؤالاً ثابتاً، وإنما سؤال تاريخي يتغير بتغير الإنسان والعالم. فقد كان الإنسان القديم يعرف نفسه بقبيلته وعشيرته ونسبه، ثم أصبح الدين، في عصور هيمنة المرجعيات الدينية، إطاراً مركزياً لتعريف الذات، بينما جاءت الدولة الوطنية الحديثة لتمنح الإنسان هوية قانونية وسياسية جديدة قوامها المواطنة والسيادة والحقوق. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول أي واحدة من هذه الدوائر إلى حقيقة مطلقة تدّعي احتكار تعريف الإنسان، فتختزل الفرد في قبيلته أو طائفته أو دينه أو قوميته، وتحوّل الاختلاف الطبيعي بين البشر إلى حدود فاصلة بينهم. ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم، في عالم انكمش فيه الزمان والمكان وتشابكت فيه المصائر، ليس: ما الهوية التي ننتمي إليها؟ بل: أي نوع من العالم نريد أن نبنيه من اختلافاتنا؟ فقد يحمل الإنسان هويات وانتماءات وذكريات كثيرة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنحه الحماية والاعتراف والحقوق حين يصبح خارج حدود جماعته. هناك، عند الحدود والمطارات والقوانين، تتقدم المواطنة على النسب، والحقوق على الادعاءات، والدولة على العصبية. ومن هنا تكتسب قراءة فرانسوا جوليان أهميتها؛ فهو لا يدعونا إلى إنكار الثقافات، بل إلى تحريرها من وهم امتلاك هوية مغلقة ومكتملة، والنظر إليها بوصفها موارد إنسانية حية تتفاعل وتتغير وتُترجم وتتجدد. إن الثقافة التي تخاف من التفاعل تتحول إلى متحف، والثقافة التي تتغذى من الانفتاح تظل قادرة على الحياة. ولعل الخلاص من «أوهام الهوية» لا يعني أن نتخلى عن ذواتنا، وإنما أن نكف عن تحويلها إلى أسوار. فالإنسان أوسع من هوياته، والثقافة أوسع من حدودها، والتاريخ أوسع من سردية واحدة. وفي النهاية، لا أرى ما يضمن للإنسان المعاصر كرامته وانتماءه واعتباره مثل دولة عادلة تحمي حقوقه، ومجتمع يعترف بتعدده، وإنسانية تجعل الاختلاف ثراءً لا ذريعة للصراع. فلا هوية محترمة بدون إنسان محترم، ولا إنسان محترم بلا حقوق، ولا حقوق مصونة بلا دولة محترمة. وربما هنا بالضبط تبدأ الدعوة التي يضعها جوليان أمامنا: أن ننتقل من الدفاع عن «هوية» مغلقة إلى بناء مشترك إنساني مفتوح؛ من سؤال «من نحن؟» إلى سؤال أكثر رحابة: كيف نستطيع أن نكون نحن، وأن يظل الآخر هو الآخر، دون أن يمنع أحدنا الآخر من أن يكون إنساناً؟

ويمكن تلخص المعنى بهذا الحديث النبوي الشريف: (كُلُّكُمْ لِآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ).

***

ا. د. قاسم المحبشي

حين نختار لونا واحدا للوحة كانت تستحق الطيف كله

ثمة لحظة يقف فيها الإنسان أمام لوحة حياته ممسكا بفرشاته، وفي يده الأخرى علبة ألوان مليئة بكل ما شكله الطيف: الأحمر الجسور والأزرق المتأمل والأخضر الذي يعرف أسرار الينابيع والبنفسجي الذي يسكن عتبة الظلام والنور معا. لكنه في لحظة غريبة من الاستسلام أو الكسل أو الخوف ربما، يضع العلبة جانبا ويمد يده نحو لون وحيد، ليشرع في رسم حياته كلها بذلك اللون الأوحد، ظانا أن هذا الاتساق شكل من أشكال الحكمة، وأن الأحادية درع يرتديه في مواجهة تعقيد الوجود.

هذا المقال ليس دعوة إلى الفوضى اللونية، ولا ترنيمة لمن يعيشون متقلبين لا قرار لهم. إنه تساؤل هادئ ومقلق في عمقه، عن تلك العادة الإنسانية العميقة التي تجعلنا نقلص اللانهائي إلى المألوف، ونترجم ثراء العالم إلى لغة أحادية آمنة. تساؤل عما نخسره حين نرفض أن تكون لوحتنا بالألوان جميعها.

حين يختار المرء لونا واحدا لرسم حياته، فإنه غالبا لا يفعل ذلك عن جهل بوجود ألوان أخرى، بل عن خوف خفي من الاحتمال. فالألوان الأخرى تعني التعقيد، والتعقيد يعني أن الحياة لا تختصر بإجابة جاهزة. المرء يختار اليأس لونا وحيدا فيرى الدنيا كلها خرابا، أو يختار الأمل الساذج فلا يرى في الظلام إلا وهما عابرا، وقد يتخذ من الألم دينا فيقدس جراحه ويشيد معبدا للحزن يزوره كل صباح.

ما يوهم الإنسان بأن اللون الأوحد حكمة، هو ذلك الوضوح الزائف الذي يمنحه إياه. اللوحة ذات اللون الواحد لا تحتاج إلى توازن، لأنها لا تعرف التوتر الجميل بين المتضادات. هي مقروءة من أول نظرة، ولكنها لا تقول شيئا يستحق أن يقرأ مرتين أو أكثر.

الوضوح الذي لا يأتي من مواجهة التعقيد بل من إلغائه ليس حكمة، إنه استسلام مبهرج بثياب اليقين.

الفيلسوف الألماني هيغل رأى أن الروح لا تبلغ نفسها إلا حين تمر بالنفي، حين تواجه ما يعارضها وتحتويه. اللوحة الأحادية اللون لم تواجه نفسها قط. إنها صورة تنظر في مرآة، ترى فيها صورتها ذاتها، لا أثر لغير ولا مساحة لشيء لم يكن منتظرا. إنه وهم الوضوح.

علبة الألوان كما قال صديقي سعيد قاسمي، ليست دعوة للبهجة المصطنعة. إنها استعارة لذلك الانفتاح العميق على كامل طيف التجربة الإنسانية. أن تحمل العلبة كاملة يعني أنك تقبل أن الحزن لون، والفرح لون، والحيرة لون، والطمأنينة لون، وأن لوحة لا تحتوي هذه الألوان كلها تبقى ناقصة ولو بدت منسجمة تامة الاتساق. فالفنان الحقيقي يعرف ما يعرفه الفيلسوف: أن الإتقان لا يكون في استبعاد الألوان، بل في إتقان التوازن بينها. الأبيض المحض ليس نورا إنه عمى. والأسود الخالص ليس عمقا إنه إلغاء. النور الحقيقي يأتي حين يجاور الظلام ويحاوره، والعمق يتولد من التدرج لا من الانقطاع.

حين ترى لوحةً لرامبرانت، يصدمك ذلك الظلام. ظلام حقيقي، لا مجمل ولا مبرر. من أعماقه يتسرب ضوء يكاد يكون حارا كالتنفس، يضيء وجها هنا ويدا هناك، كأنما يعلن أن النور لا معنى له إلا في جوار عتمة تعرف ثقلها. رامبرانت لم يختر بين الضوء والظلام، لقد اختار المساحة الشاقة بينهما. هكذا الحياة الإنسانية المكتملة، ترسم في تلك المساحة الشاقة، لا في الأبيض المريح ولا في الأسود المستسلم. فمن يعيش الألم دون أمل ينزلق إلى عدمية تجفف الروح. ومن يتمسك بالأمل الساذج دون أن يشرب من كأس الحقيقة المرة يبني بيته على رمال وهم، فالبطولة الحقيقية، إن كان للحياة بطولة، هي في أن يحمل المرء كلا اللونين معا، ويمضي.

أن تقر بالجرح لا يعني أن تسكنه. وأن ترى الجمال لا يعني أن تعمى عن الشقاء. الحياة الكاملة هي التي تعرف كيف تنتقل بين الألوان دون أن تلغي أيا منها. الخطأ الكبير الذي يقع فيه من يختار اللون الأوحد هو الظن أن الألوان الأخرى خصوم لا شركاء. يظن الإنسان المتشائم أن الأمل نقيضه وعدوه، فيرفضه. ويظن المتفائل الساذج أن الألم مؤامرة على سعادته، فيهرب منه. كلاهما يرسم لوحة ناقصة، لأن كلاهما لا يفهم أن الألوان تعيش في حوار لا في صراع.

الفرنسي ميرلو بونتي قال إن الإدراك الحقيقي للعالم لا يكون بالعزل بل بالعلاقة. نحن لا ندرك الأحمر في ذاته، بل ندركه في حضور الألوان الأخرى، فيما يجاوره ويناقضه ويكمله. وهكذا تماما الفرح، لا يدرك في ذاته إلا لمن ذاق الحزن، ولا يقدَر العطاء إلا لمن عرف الفقد، والصحة لا يعرفها إلا من جرب الوهن.

ما تمنحه علبة الألوان الكاملة ليس الفوضى، بل الإتقان في مستوى أعلى، وهو القدرة على رسم الظل بيد والاضاءة بالأخرى، أن تحمل الثقل وتتقدم، وتعترف بالتعقيد وتجد فيه الجمال الأصعب لا الخوف.

اللوحة الأحادية اللون لا تعرف التفاصيل. وهذا بيت القصيد. الحياة تكمن في تفاصيلها، لا في صورتها الإجمالية. الحب الحقيقي ليس كتلة زرقاء واحدة إنه اللحظة التي تضحك فيها مع شخص ما حتى يؤلمك بطنك، والصمت الذي يسود في غرفة حين يكون كلاكما متعب، والجملة التي لا تقال لأن صاحبها يعرف أنها غير ضرورية. هذه التفاصيل أبدا لا ترسم بلون واحد. فالعقل الذي يفكر بلون واحد يرى العالم مسطحا والناس إما أخيار أو أشرار، والمواقف إما صواب أو خطأ، والعلاقات إما جنة أو جحيم. لكن الحياة الحقيقية تأبى هذا الاختزال.

كل إنسان علبة ألوان بذاته، فيه السخاء والضيق والشجاعة والخوف والبصيرة والعمى والمحبة والأنانية. ومن يراه بلون واحد سلبا كان أم إيجابا، يرى شخصا لم يوجد قط.

أن تحمل علبة الألوان الكاملة وتعمل بها، يتطلب شيئا أشق من الاختيار، الصبر على التعقيد.

الفنان يجلس أمام لوحته، يفكر طويلا قبل وضع لمسة واحدة، يسأل نفسه عن اللون الذي يخدم هذه اللحظة، وأي درجة من هذا اللون؟ وكيف يتحدث هذا اللون مع الذي سبقه؟ وهذا السؤال الفني هو في جوهره سؤال فلسفي عن كيفية التعامل مع الحياة: ليس بالاختزال، بل بالاختيار الواعي في كل لحظة، مع الاعتراف بأن اللحظة التالية قد تستدعي لونا مختلفا، ومن يتقن هذه الجماليات لا يكون موزعا ولا متضاربا، بل حيا بالمعنى الكامل. يضحك ويعرف أن الضحكة ستنتهي. يحزن ويعرف أن الحزن لن يدوم للأبد. يحب ويعرف أن الحب يحتاج إلى يقظة دائمة كي لا ينطفئ. يخطئ ويعرف أن الخطأ لون له أيضا مكان في اللوحة، وليس دليل فشل يبرر إلقاء الفرشاة.

الحكمة لا تكمن في أن تختار أجمل لون ثم تتمسك به حتى يغطي كل اللوحة، الحكمة تكمن في أن تعرف متى تضع اللون ومتى تتركه يجف، ومتى يأتي دور لون آخر لم تكن تتوقع جماله.

في النهاية، نحن لا نرسم لوحة مكتملة ثم نعيش. نحن نرسم ونعيش في الوقت ذاته، واللوحة تتشكل مع كل نفس. هذه الحقيقة ترعب من يريد ضمانة قبل أن يبدأ، وتهيج من يظن أن الإتقان يعني الضبط الكامل. لكنها حقيقة تمنح الشجعان شيئا ناذرا، حرية أن يغيروا لونهم كلما استدعت اللوحة ذلك. فلا أحد يخرج من الحياة بلوحة تامة الكمال. لكن الفرق بين لوحة يقال عنها إنها عاشت ولوحة تبدو كأنها لم تحدث، هو تلك العلبة: هل فتحت؟ هل استخدمت؟ هل جربت ألوان خشي منها في البداية؟ هل وضع اللون الأحمر حتى حين كانت اليد ترتجف؟

نصيحة صديقي سعيد، افتح العلبة، فكل اللوحات العظيمة تبدأ بهذه اللحظة الصغيرة الشجاعة.

***

عبد الرحيم الجرودي

ليست كل الجرائم التي يرتكبها الإنسان في حق الإنسان قابلة للرصد، وليست كل الضحايا ممن يستطيعون الوقوف أمام المحاكم ليقولوا إنهم كسروا وتألموا

فهناك جرائم لا تترك خلفها جثثا، ولا تلطخ أيدي مرتكبيها بالدماء، لكنها تترك في أعماق ضحاياها خرابا لا تراه العيون، وندوبا لا تمحوها السنوات، وأسئلة موجعة عن جدوى الطيبة، وعن معنى الثقة، وعن ذلك الإنسان الذي منحناه شيئا من أرواحنا، فإذا به يعيده إلينا مكسورا.

إننا نعيش في مجتمعات اعتادت أن تقيس الجريمة بما يمكن إثباته، وأن تحصي الخسائر بما يمكن تعويضه، وأن تبحث عن الجاني في مسرح الجريمة، متناسية أن بعض المسارح لا تتجاوز حدود القلب، وأن بعض الضحايا يواصلون حياتهم بصورة طبيعية، بينما يكون شيء جوهري في أعماقهم قد مات إلى الأبد.

فهل القتل هو فقط أن تنهي حياة الجسد، أم أن تدفع روحا إلى الانطفاء البطيء، حتى يصبح بقاؤها على قيد الحياة مجرد استمرار بيولوجي لحياة فقدت معناها؟

فالإنسان لا يعيش بالخبز وحده، ولا تحميه القوانين من كل أشكال الأذى. إنه يعيش أيضا بالحب والكرامة والثقة، وبالشعور بأنه مرئي ومقبول، وأن ثمة من يصغي إلى صوته دون أن يسخر منه، ويحتضن ضعفه دون أن يستغله، ويصون قلبه دون أن يتخذ منه ساحة لتجاربه العابرة.

ومن هنا تبدأ الحكاية؛ من تلك الجرائم التي لا تحدث في الشوارع المظلمة، بل في وضح العلاقات الإنسانية، حيث يرتدي الأذى أحيانا قناع الحب، وتتخفى القسوة خلف مبررات الحرية، ويصبح الجرح الذي أحدثناه في حياة الآخر مجرد تفصيل صغير في يومنا، بينما يتحول في حياته إلى مأساة كاملة.

أن تعلق قلب إنسان بك، ثم تتركه في منتصف الطريق، بعد أن جعلته يصدق أن مستقبلا ينتظره معك.. جريمة.

أن تستخدم ماضيه ضده كلما اختلفت معه.. جريمة.

أن تمنحه أملا وأنت تعرف أنك لا تنوي الوفاء به.. جريمة.

أن تسرق ضحكة أحدهم.. جريمة.

أن تصدم الآخر بكلمة جارحة في لحظة ضعف.. جريمة.

أن تتنمر عليه حتى تجعله يرى نفسه بعينك الساخرة ويكره صورته في المرآة.. جريمة.

أن تمنحه الأمان ثم تستخدم خوفه ضده.. جريمة.

أن تعبث بثقته، ثم تتركه يشك في كل من حوله.. جريمة.

أن تسخر من حلمه فتجعله يخجل من أحلامه.. جريمة.

أن تقلل من شأنه حتى يبدأ في تصديق أنه لا يستحق.. جريمة.

أن تستغل ضعفه وأنت تعرف أنه ائتمنك عليه.. جريمة.

أن تخذل قلبا جاءك صادقا، ثم تمضي في حياتك كأن شيئا لم يحدث.. جريمة.

أن تكون سببا في انطفاء شيء جميل في إنسان، ثم تتركه وحيدا في مواجهة عتمته.. جريمة.

قد لا تدخل هذه الجرائم سجلات المحاكم، لكنها تدخل ذاكرة الإنسان. وقد لا يعاقب عليها القانون، لكنها قد تتحول إلى عقوبة يعيشها الضحية كل يوم: خوف من الحب، شك في الآخرين، احتقار للذات، وعجز عن منح الثقة مرة أخرى.

لكن هل يعني ذلك أن كل ألم جريمة؟

بالطبع لا. فالإنسان ليس مسؤولا عن كل مشاعر الآخرين، والحب لا يُفرض، والرحيل قد يكون حقا مشروعا، والاختلاف ليس خيانة، والعلاقات قد تنتهي دون أن يكون فيها جان ومجني عليه.

إن ما يجعل الأذى مسألة أخلاقية ليس مجرد حدوث الألم، وإنما الطريقة التي نصل بها إليه: هل كنا صادقين أم مخادعين؟ هل احترمنا الآخر أم استغللنا تعلقه؟ هل كنا ندرك هشاشته ثم استخدمناها ضده؟ وهل، حين عرفنا أثر أفعالنا، حاولنا إصلاح ما أفسدناه أم واصلنا السير وكأن شيئا لم يحدث؟

فليس من الضروري أن يكون كل أذى مقصودا حتى يكون مؤلما، لكن المسؤولية الأخلاقية تبدأ حين ندرك أثر أفعالنا، ونملك القدرة على مراجعتها، ثم نختار بين أن نتوقف أو نستمر.

إن الجريمة المعنوية لا تحتاج دائما إلى يد مرفوعة أو سلاح حاد؛ فقد ترتكبها نظرة احتقار، أو تجاهل متعمد، أو خيانة ثقة، أو سخرية متكررة، أو كلمة قيلت في لحظة غضب ثم استقرت في ذاكرة صاحبها سنوات طويلة.

والكلمات على وجه الخصوص ليست أصواتا تتبدد في الهواء. إنها تترك أثرا في الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه. قد تكون الكلمة نافذة يطل منها المرء على ذاته بمحبة، وقد تكون جدارا يحاصره خلف صورة مشوهة عن نفسه.

ولعل التنمر من أكثر أشكال القتل المعنوي قسوة؛ لأنه لا يكتفي بإيذاء الإنسان من الخارج، بل قد يدفعه إلى استبطان الإهانة، فيتحول صوت المتنمر مع الوقت إلى صوت يسكن داخله. عندها لا يعود الضحية بحاجة إلى من يهينه؛ فقد أصبح يحمل سجانه في داخله.

وهنا تتجاوز المسألة حدود المشاعر العابرة لتصل إلى سؤال فلسفي أعمق: ما الذي يجعل فعلا ما جريمة في ميزان الأخلاق، حتى وإن لم يكن جريمة في ميزان القانون؟

ربما تبدأ الإجابة من الطريقة التي ننظر بها إلى الإنسان نفسه.

هل نراه ذاتا مستقلة، لها كرامتها وإرادتها وحقها في الاختيار؟ أم نراه مجرد وسيلة لإشباع رغباتنا، أو تأكيد أهميتنا، أو تفريغ غضبنا، أو ملء فراغ عاطفي مؤقت؟

هنا يصبح استحضار كانط ضروريا؛ فقد جعل احترام الإنسان بوصفه غاية في ذاته، لا مجرد وسيلة، مبدأ مركزيا في أخلاقه. ومن هذا المنظور، فإن استغلال ضعف الآخر أو التلاعب بوعيه ومشاعره لا يمثل مجرد سلوك مؤذ، بل انتقاصا من إنسانيته واستقلاله، لأنه يحوله من ذات لها إرادتها إلى أداة في مشروع لا يملك فيه حق الاختيار الحقيقي.

ولذلك فإن أخطر أشكال الأذى ليست دائما تلك التي تأتي في لحظة غضب، وإنما تلك التي تتحول إلى ممارسة واعية للسيطرة: أن تعرف موضع الألم في إنسان، ثم تضغط عليه عمدا؛ أن تعرف ما الذي يخيفه، ثم تستخدم خوفه لإخضاعه؛ أن تعرف مقدار تعلقه بك، ثم تجعل هذا التعلق وسيلة للابتزاز أو الإهانة.

نحتاج، في المقابل، إلى أن نعيد الاعتبار إلى اللطف، لا بوصفه ضعفا، بل بوصفه وعيا بقيمة الإنسان.

أن نفهم أن الاعتذار ليس انتقاصا من الكرامة، وأن الاعتراف بالخطأ ليس هزيمة، وأن الرحمة ليست ترفا أخلاقيا يمكن الاستغناء عنه في عالم مزدحم بالمنافسة والصراع.

فكم من إنسان لم يكن يحتاج إلى معجزة كي يستعيد ثقته بالحياة، بل إلى كلمة صادقة، أو اعتذار متأخر، أو يد تمتد إليه دون أن تطالبه بتبرير انكساره.

وكم من جرح كان يمكن ألا يحدث، لو أدرك صاحبه أن وراء كل وجه حكاية لا يعرفها، وأن الإنسان الذي يبدو قويا قد يخفي في أعماقه هشاشة لا تحتمل مزيدا من العبث.

إن أخطر ما في القتل المعنوي أنه قد يحدث دون أن يلتفت إليه أحد، وأن مرتكبه قد يواصل حياته مطمئنا، بينما يظل ضحيته يخوض معركة طويلة لاستعادة نفسه.

وقد ينسى الإنسان وجوه الذين آذوه، لكنه لا ينسى دائما كيف شعر في حضورهم: هل كان آمنا أم خائفا؟ محترما أم مهانا؟ مقبولا كما هو، أم مضطرا إلى الاعتذار عن ذاته؟

لهذا فإن مسؤوليتنا الأخلاقية لا تبدأ فقط حين نرفع أيدينا عن الآخرين، بل حين نكف عن استخدام الكلمات والمشاعر والثقة الإنسانية أدوات للسيطرة والإذلال.

لا تجعلوا من الحب فخا، ولا من الصراحة سلاحا، ولا من اختلاف الآخرين مادة للسخرية. لا تسلبوا إنسانا ثقته بنفسه ثم تطالبوه بأن يكون قويا، ولا تهدموا قلبا ثم تتعجبوا من عجزه عن الحب.

فليس كل ما لا يعاقب عليه القانون مباحا في ضمير الإنسان، وليس كل جرح لا يُرى جرحا صغيرا.

قد تنتهي الجريمة حين يغادر الجاني المكان، لكنها لا تنتهي بالضرورة حين يغادر الألم قلب ضحيته.

وربما كان أسمى ما يمكن أن نتركه في حياة الآخرين ليس أثرا يدل على أننا مررنا من هنا، بل طمأنينة تجعلهم أكثر تصالحا مع ذواتهم، وأكثر قدرة على الحب، وأقل خوفا من العالم.

فإذا لم نستطع أن نكون سببا في ابتسامة إنسان، فلنحاول على الأقل ألا نكون سببا في انطفائها.

فالكلمات مسؤولية، والحب مسؤولية، والثقة مسؤولية، والقوة مسؤولية. وكل قلب يضع شيئا من حياته بين أيدينا هو أمانة، حتى وإن لم يكتب القانون على هذه الأمانة عقدا.

لا تجعلوا من ضعف الآخرين فرصة للقوة، ولا من ثقتهم مادة للعبث، ولا من الحب مساحة للسيطرة.

 لا تقتلوا في الإنسان شيئا فشيئا ثم تطالبوه بأن يظل كما كان

***

ابتهال عبد الوهاب

 

جميعنا على معرفة بتقنية تنبيه الانحراف عن المسار في السيارة، فما إنْ نغفُل؛ لنعاسٍ أو لصارف، فتتّجه السيارة خارج مسارها، حتى ينطلق صوت التنبيه، وتهتز مُستشعِرات المِقْود، معدِّلةً اتجاه عجلات السيارة، لتنبّهنا بأننا كنا على وشك الخروج من مسارنا في الشارع، ولولا ذلك لكنّا عرضةً للاصطدام، فلا نصل لوجهتنا أو نصل لوجهة أخرى! مع أن السيارة تمضي قُدُمًا للأمام.

هذا حرفيا يلخّص ظاهرة خطيرة مستشريةً فينا، وخطورتها تكمن في أنّ صورتها العامة، حركةٌ وإنجاز وتقدُّم، بينما في حقيقتها لا تعدو أن تكون رجوعَ القهقرى؛ ذلك لأنّ الإنجاز لا يَشِي بالضرورة بشخصية متميزة، وتراكم الإنجازات ليس مؤشرا قاطعا على جودة الحياة، بل قد يكون علامة على التآكل الذاتي، وكثير من الإنجازات على هذه الشاكلة، ولكن كيف يصل الأمر بالإنجاز إلى هذا الحد من القَتامة، والحالُ أنّ الكل يستميت في مراكمة إنجازاته أمام الملأ عنوانًا للشخصية الناجحة؟! ينحدر الإنجاز إلى هذا الحضيض حين يكون خبطَ عشواء، لا ينظّمه سياقٌ واعٍ يضبطه على اتجاه بوصلة نسختنا المستقبلية، فستصبح الإنجازات قفزات تشتتنا، وخطوات تبعثرنا، في حركةٍ لا تتوقف من السير بغير اهتداء، مجرد كومة من إنجازات تمزّق أَنَانا يمنةً ويسرة، ولا تصنع مجدا واضحا، ولا تمهّد دربًا نحو وجهة تصنعنا فعلا، بل وجهات تتناوَشُنا ووهمُ تقدّم يعمينا عن التقدم!

مثالُه كمسافر على متن طائرة من مسقط ثم يحط في بغداد، ثم يطير إلى مومباي، ثم إلى إسطنبول، ثم إلى القاهرة، ثم إلى برلين، وقد نزل في كل مدينة منها ما شاء من السنوات، ليكتشف بعد أن استفرغ وُسعه واستنفد موارده من جهد وسيولة ووقت أنّ وجهته التي كان يُفترض به أن ينزل بها هي موسكو، لكنه ما عاد قادرا على ذلك، فكل تلك المدن التي نزل بها، تبدو إنجازات تُحسب فيه طريقه، لكنها في شريعة التقدّم لم تكن كذلك قَطّ، وليس فيها من التقدّم إلا وهمُه!

وهناك وهْمُ تقدّمٍ آخر كذلك حين تغيب البوصلة، وهو اقتناص الفرص، قد يبدو بديهيا أن اقتناص الفرص ممارسة تَنِمّ عن النباهة والكياسة، ولكنها حين تكون كيفما اتفق، بحيث تُركَب كلُّ موجة قادمة، وتكون الأبواب مُشْرَعةً لكل فرصة آتية، بدون أن تنتظم في سياقٍ يلملم شتاتها، وينتقي منها ما وافق، ويَذَرُ منها ما لا ينسجم معها، ويوصد الباب في وجهها مهما كانت مغويةً مغرية، أما بغير ذلك، فهذه الفرص المقتنَصة ليست تقدما يُفْرَح به، بل قفزاتٌ ملهية، وانزلاقاتٌ مختطِفة، تلهينا وتخطفنا عما هو أَوْلى في حقنا؛ وعليه فليس كل فرصة هي فرصة حقيقية لنا، بل قد تكون إلهاءً يبعدنا عن فرَصنا الحقيقية.

وهنا أستحضر صورةً أو رسمةً منتشرة في الإنترنت في وقت سابق، وقد يكون مَرّ عليك هذا المشهد عَيَانًا، وهو طابور من النمل يسير نحو وجهة واضحة وفي المنتصف ينعطف عن مصّاصة، رغم أنها فيما يبدو للناظر فرصة لا تقدَّر بثمن، لكنها بالنسبة إلى النمل إلهاءٌ صارخ عن وجهته التي ينبغي له ألا يَحيد عنها قِيْد أُنْمُلَة؛ لأنه آمَنَ أن فرصته الحقيقية ما هو فيه تلك الساعة، وأن القفز إلى فرصة عابرة هو طاقة مهدورة وانحراف مسار لا يصحّ!

إني حين استعرضتُ وهْمَ التقدم بِشقّيه: سواء ما يأتي في صورة إنجاز، أو ما يظهر في هيئة فرصة، كرَّرتُ صمّام أمان يحكم ما يكون إنجازا يستحق تحقيقه، وفرصةً تستحق اقتناصها، صمَّامُ الأمان هذا هو السياق المنظِّم لحزمة الإنجازات والفرص، وما أقصده بالسياق هو الرؤية، رؤيتنا الذاتية التي تحكم عموم تحركاتنا، على أنّ معادلة الرؤية تنتظمُها ثلاثة منطلقات، أولها: مَن أنت؟ وأين أنت الآن؟ وثانيها: ماهي نسختك المستقبلية التي تودّ أن تكونَها؟ وثالثُها الذي يتوسطهما: ماهي قدرتُك التي تمثّلك؟ لتفسح لها المجال لتصنع قدرك، فتنقلك من وضعك الراهن إلى مصيرك المستقبلي.

هذه الرؤية الواضحة تعمل مرشّحا دقيقا لدرجة مدهشة للحركات التي تصبّ في صالح مسارك، سواء للإنجازات التي تستحق أن تهبَها اختيارك، أو الفرص التي تستحق أن تسترعي انتباهك، على أنّ التركيز في مسارك الذي رسمَتْه رؤيتُك يفتح لك الباب أمام فرص حقيقية ما كانت لتقدم إليك لولا تركيزك الجادّ، كما يمنحك تحقيق إنجازاتك بأعلى كفاءة ممكنة؛ بسبب غياب المشتتات، فإذا بطائرتك تصل بك من مسقط إلى موسكو، بدون أن تُبَعْزِق رحلتَك وتبدّدها في محطات لا شأن لك بها، تستزفُ منك الغالي والنفيس، بل مباشرة صوب وجهتك التي تليق بك، كما أنك ترغب عن فرصة لذيذة عابرة في منتصف الطريق؛ لأنك راغب في مائدة ممتدة من الفرص الرائعة التي ستحوزها؛ لأنّك كنت من الحنكة بمكان بحيث إنك لم تدع تلك الفرصة المزيفة تصرفك عن تلك الفرص الحقيقية، وكما أنّ لكل شيءٍ ضريبتَه، فلكل شيء مكافأته أيضا.

إنّ هذه الرؤية هي تماما جهاز التنبيه في سيارتك، الذي كلما غفلتَ ولاح لك إنجازٌ يبدو رائعا، أو فرصة تبدو جذابة، عدَّلَ مسارك، وقوّم اختيارَك، وصوّب انتباهك، وذكّرك بقدَرك الذي تسير نحوه، فلا يقبل من الطريق إلا ما خدم المسار، مسارك أنت! فليس كل حركة بركة، بل كل حركة موجَّهة بركة.

***

محمد سيف – سلطنة عُمان

 

في المثقف اليوم