عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ثمة لحظة في حياة الإنسان يدرك فيها أن أطول رحلة يمكن أن يخوضها ليست رحلة إلى مكان بعيد، وإنما رحلة العودة إلى ذاته.

كنت أظن أنني أعرف نفسي، حتى أخذت الحياة مني أشياء كثيرة كنت أظن أنها جزء مني. كلما سقطت صورة كنت أختبئ خلفها، اكتشفت امرأة أخرى في داخلي؛ امرأة لم أكن أعرفها، ولم أكن مستعدة لمواجهتها

هناك اوجاع لا ترى، لكنها تعيد تشكيل الانسان من الداخل. لا تترك على الجسد ندبة، وانما تترك في الوعي اثرا كبيرا.

كما تعلمون، نحن لا نعيش حياتنا كما تبدو للاخرين. فخلف كل وجه هادئ قد تختبئ معركة، وخلف كل ابتسامة قد يقيم سؤال مؤجل، وخلف كلمة «انا بخير» تاريخ كامل من الصمت والمقاومة. فالانسان، في كثير من الاحيان، لا يخفي المه عن الاخرين فحسب، بل يخفيه عن نفسه ايضا، لان الاعتراف بالهشاشة يحتاج الى شجاعة قد تكون اصعب من احتمال الالم ذاته.

ولعل المفارقة الاكثر عمقا ان الانسان لا يعرف ذاته كاملة في لحظات القوة، وانما يكتشف اكثر اجزائه صدقا حين يتصدع. في هذه اللحظات تسقط الصور التي صنعناها عن انفسنا، ويتراجع الوهم، ويظهر الانسان عاريا امام وجوده، بلا اقنعة ولا يقين جاهز.

وهكذا لم يعد السؤال الذي يطاردني: كيف نجوت من كل هذا؟

فثمة نجاة لا تعني ان نعبر الالم سالمين، وانما ان نعبره وقد تغير فينا شيء الى الابد.

واصبح سؤالي الاعمق: من اصبحت بعد ان مررت بكل هذا؟

ومن هذا السؤال تبدأ حكايتي...

حكاية امرأة تعلمت ان تخفي ارتجاف قلبها خلف ابتسامة، وان تمضي بين الناس بوجه هادئ، بينما كانت في اعماقها تعيد بناء مدن كاملة هدمتها الايام.

امرأة لم تكن تبحث عن يد تنتشلها من عتمتها، بقدر ما كانت تبحث عن معنى يجعل لكل ما عاشته قيمة، ولكل جرح حكمة، ولكل سقوط بداية جديدة.

كان يخيل لمن يراني انني في احسن حال. كنت ابدو هادئة، ابتسم، اتحدث، وامارس حياتي كأن شيئا لم يحدث. لكن احدا لم يكن يعرف كم كان يلزمني من القوة كي ابدو بهذه العادية.

كنت اقنع الجميع انني بخير، بينما كنت ابحث عن نفسي بين الركام. كنت في داخلي اخوض معركة لا يعرف عنها احد شيئا، معركة طويلة مع الخذلان، والفقد، والوحدة، ومع اشياء كثيرة انكسرت في داخلي ولم اجد لها اسما.

كنت ابحث عن نفسي بين ركام ايام لم تكن رحيمة، واحاول ان استعيد مني امرأة بعثرتها الحياة في اكثر من اتجاه.

كنت ارتدي قناع الابتسامة، واخفي خلفه ندوب قلبي النازفة، وفي اعماقي مدائن مهدومة يسكنها صمت طويل لا يسمعه احد. كنت الملم شتات روحي في الخفاء، واعقد صلحا مؤقتا مع انكساراتي، كي لا يلمح العابرون عراء حزني، ولا يدركوا كم مرة سقطت ثم نهضت وحدي.

كنت تلك الطائرة التي تحلق بجناح كسير، وتغني... لا طربا، بل لتخرس انين الجرح في صدرها.

احمل فوق كتفي ثقل وجود اثقل من قدرتي على الاحتمال، واتلفع بالصبر، لا لانني لا اتالم، بل لانني تعلمت ان بعض الالام لا تجد لغة تليق بها.

كان بعض حملي اشياء احببتها ولم تستطع البقاء، واشخاصا تركوا وراءهم فراغا لا يملا، وكلمات ظلت عالقة في الذاكرة، ومواقف مرت على الاخرين عابرة، لكنها بقيت في روحي كانها حدثت بالامس.

كنت احمل كل ذلك معي، وامضي.

كنت الملم شتات نفسي قطعة قطعة.

وفي كل مرة كنت اظن انني تعافيت، كانت الحياة تكشف لي جرحا اخر لم اكن قد وصلت اليه بعد.

حتى ادركت ان بعض المعاناة لا تحدث دفعة واحدة، انها تتراكم في اعماقنا بهدوء، طبقة فوق طبقة، حتى يصبح الانسان غريبا عن نفسه.

ولدت أنثى في مجتمع ذكوري، ولم يكن أصعب ما واجهته أنني امرأة، بل أنني كنت أريد أن أكون إنسانة كاملة في عالم اعتاد أن يضع للمرأة حدودا قبل أن يسألها عن أحلامها. تعلمت منذ وقت مبكر أن أنوثتي كانت في نظر البعض سببا كافيا لأن يقرروا نيابة عني كيف أفكر، وماذا أقول، وما الذي يحق لي أن أطمح إليه.

ولدت أنثى، لكن معركتي لم تكن يوما مع كوني امرأة، بل مع كل ما حاول أن يجعل من أنوثتي قيدا على عقلي، ومن اختلافـي ذنبا، ومن أسئلتي تمردا، ومن حريتي عبئا ينبغي أن أعتذر عنه.

 كان مطلوبا مني أن أكون قوية، ولكن دون أن تبدو قوتي تحديا، وأن أكون عاقلة، ولكن دون أن يتحول عقلي إلى سلطة، وأن أملك رأيا، بشرط ألا يتعارض مع ما اعتاده المجتمع. ومع الوقت أدركت أن المعركة الحقيقية لم تكن مع كوني امرأة، بل مع الصورة التي أرادوا أن يحبسوني داخلها. لذلك اخترت أن أكون أنا، لا النسخة التي صاغتها التوقعات الاجتماعية. دفعت ثمن هذا الاختيار، وعرفت الرفض والخذلان والاغتراب، لكنني تعلمت أن الحرية تبدأ في اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن طلب الإذن كي يكون ذاته.

ولدت أنثى في مجتمع ذكوري، لكنني لم أقبل أن تكون الأنوثة سجنا، ولا الذكورة معيارا للإنسانية. أردت فقط أن أعيش بإنسانيتي كاملة، أن أفكر دون وصاية، وأسأل دون خوف، وأختلف دون أن أدفع ثمن اختلافـي

كنت ابدو قوية طاهريا، لان العالم لا يمنح الضعفاء وقتا كافيا لالتقاط انفاسهم. وكنت اضحك احيانا، لا لان الفرح كان يسكنني، وانما لانني ادركت ان الانسان قد يبتكر ابتسامة كاملة كي يخفي بها خرابا لا يراه احد.

ثم جاءت السنوات بما يكفي من الخذلان، والفقد، والوحدة، والاغتراب، حتى وجدتني ذات يوم أقف أمام نفسي ولا أعرف: من هذه المرأة التي أصبحتها؟

جلست طويلا امام اوجاعي، لا لاجلد نفسي، ولا لابحث عن مذنب، وانما لافهم. فادركت ان الانسان لا يعرف اعماقه حقا حين تكون الحياة لطيفة معه، انه يعرفها حين تسقط عنه الاشياء التي كان يستند اليها، حين يجد نفسه واقفا في منتصف العاصفة بلا يقين.

وبدأ النضج الحقيقي عندي، لا عندما بدأت اتخلص من اوجاعي، بل حين توقفت عن اعتبارها عدوا. فادركت ان بعض الجراح لا تأتي لتقتلنا، وانما لتعيد تشكيل وعينا بانفسنا. وبعض الانكسارات لا تهدم الانسان، بل تهدم الصورة الوهمية التي كان يعيش داخلها عن ذاته، وعن الاخرين، وعن العالم.

لقد فهمت، بعد وقت طويل، انني لم اكن ابحث عن طريق للخروج من العتمة، بقدر ما كنت ابحث عن عينين قادرتين على رؤية ما كنت عليه في قلبها.

ولكني كنت أجهل ان العتمة ليست دائما غياب النور، احيانا تكون المساحة التي يتعلم فيها الانسان كيف يصنع نوره بنفسه.

ولهذا لم اعد انتظر المخلص او المنقذ. لأن النجاة ليست يدا تمتد الينا من الخارج، بل لحظة داخلية نقرر فيها، رغم كل شيء، الا نترك انفسنا للهاوية.. ولا حتى أبحث عن إجابات تمنحني راحة مؤقتة.

لقد جلست طويلا الى جوار حزني، دون ان اهرب منه. اصغيت اليه كما يصغي الفيلسوف الى سؤال عصي، حتى امتلكت شجاعة المواجهة.

ومنذ ذلك الحين، لم اعد اخجل من ندوب قلبي.

فالندبة ليست دليلا على اننا كسرنا فقط، بل شهادة على اننا عبرنا الكسر ولم نبق فيه.

انا لست المرأة التي لم تتالم.

انا المرأة التي عرفت الالم، وعبرت من خلاله، وخرجت منه بوعي لم يكن لها ان تعرفه لولا تلك الرحلة القاسية.

لذلك، ان رايتموني ابتسم، فلا تظنوا انني لم اعرف الحزن.

وان رايتموني قوية، فلا تظنوا انني لم انكسر.

وان رايتموني امضي بهدوء، فلا تظنوا ان الطريق كان سهلا.

لقد مشيت طويلا فوق رماد اشياء احببتها

ودفنت في قلبي مدنا كاملة، وودعت نسخا قديمة مني، حتى ادركت ان الحياة لا تطلب منا ان نخرج منها سالمين، بل ان نخرج منها اكثر وعيا، واكثر رحمة، واكثر تفردا، والا نكون نسخة مما اراده الاخرون لنا.

انا لم اخرج من كل هذا كما كنت.

ثمة امرأة قديمة في داخلي ماتت مرات كثيرة، وفي كل مرة كنت اعود منها بملامح مختلفة، وبقلب اكثر حذرا، ووعي اكثر عمقا.

واليوم لا اريد ان اعود الى تلك المرأة...

لكنني اريد ان اشكرها.

لانها تحملت اكثر مما قالت، وبكت اكثر مما اظهرت، وسقطت اكثر مما عرف الاخرون، ثم قامت في كل مرة دون جمهور، ودون تصفيق، ودون يد تمتد اليها.

اريد ان اقول لها:

لقد كنت متعبة، نعم...

لكنك لم تكوني ضعيفة.

كنت مكسورة، نعم...

لكنّك لم تكوني مهزومة.

وكل هذا الذي ظننته يوما نهايتك، كان يصنع منك امرأة جديدة بوعي جديد.

خرجت وانا اعرف ان بعض الجراح لا تشفى تماما، لكنها تتوقف عن النزف حين نتعلم كيف نعيش معها.

وهذه هي نجاتي الحقيقية...

انني لم اعد ابحث عن قيمتي في كلام احد، ولم اعد مضطرة الى ارتداء القوة كي اخفي هشاشتي.

لقد تصالحت مع المرأة التي كنتها، ومع كل ما انكسر فيها، ومع كل الطرق التي اضطرت الى السير فيها وحيدة.

لقد اكتشفت ان القنديل الذي كنت ابحث عنه في عتمة عالمي لسنوات طويلة كان، طوال الوقت، مختبئا في داخلي.

وانني حين ظننت انني فقدت الطريق، كنت في الحقيقة اتعلم للمرة الاولى كيف اصنعه.

تصالحت مع حقي في ان اسال، ومع حقي في ان اشك، ومع حقي في ان ابحث عن الحقيقة دون ان اخاف من الطريق اليها.

وهنا، للمرة الاولى، لم تعد الحيرة سجنا لي...

اصبحت فضاء للحرية.

بل نافذة اطل منها على وجود اكثر اتساعا، وعلى ذات لم اعد اخاف من مواجهتها.

شككت في اشياء كثيرة كنت اظن انني امتلك يقينا بشانها.

 ووقفت طويلا امام اسئلة لم يكن الخوف منها في عدم العثور على اجاباتها، بل في اكتشاف ان بعض الاجابات التي ورثناها لم تعد قادرة على اقناع ارواحنا.

ولم يعد الشك هاوية اسقط فيها...

بل اصبح طريقا الى وعي اكثر صدقا، ونظرة اكثر تحررا، وحياة لا اخاف فيها من السؤال.

وكان اصعب ما في الرحلة انني لم اكن ابحث عن اجابات تمنحني الراحة، بل عن حقيقة تمنحني السلام، حتى لو كانت الحقيقة اكثر قسوة من الوهم.

ولذلك كان اغترابي في اعمقه اغترابا عن النسخة التي ارادها الاخرون مني. كنت اريد ان اصل الى نفسي دون وصاية، وان امتلك شجاعتي في السؤال كما امتلكت شجاعتي في الاحتمال.

وفي نسختي الجديدة، فهمت ان الشك لم يكن خصما للايمان، ولا الحيرة عجزا، ولا القلق ضعفا، بل كانت كلها علامات على ان وعيي يرفض ان يعيش مستسلما لما لم يفحصه.

كنت ابحث عن حياة استطيع ان اعيشها دون ان اخون اسئلتي، او اتخلى عن صوتي الداخلي.

لقد اتعبتني اسئلتي، نعم...

لكنها انقذتني ايضا.

فلو لم اشك، ربما عشت مطمئنة داخل يقين لم اصنعه بنفسي. ولو لم احتار، ربما قبلت طرقا لم تكن طريقي. ولو لم اغترب، ربما لم اكتشف ان اقسى انواع الغربة ان يعيش الانسان بعيدا عن ذاته.

لقد عشت اغترابي، وحيرتي، وشكوكي، لا بوصفها هزيمة، بل بوصفها جزءا من رحلتي نحو ذات اكثر صدقا.

ربما لم اصل الى اليقين الذي كنت ابحث عنه...

لكنني وصلت الى نفسي.

وكان ذلك، في النهاية، اصدق يقين عرفته

***

ابتهال عبد الوهاب

 

تقاطعات فساد السلطة والنص والإنسان في ظل الرأسمالية المراوغة

تفكيك "الهلوسات الفلسفية" في مقاربة الأزمة

تمثل "معضلة الشرق الأوسط" واحدة من أعقد الإشكاليات ذات الأبعاد الجغرافية والسياسية والاجتماعية في العصر الحديث، حيث تتداخل فيها أزمات الهوية، وانسداد الأفق الديمقراطي، والتبعية الاقتصادية، مع تدخلات القوى الكبرى وصراعاتها. غير أن محاولات فهم هذه المعضلة غالباً ما تصطدم بما يمكن تسميته بـ "الهلوسات الفلسفية". وتتمثل هذه الهلوسات في مقاربات تحليلية تكتفي بملامسة السطح، أو تغرق في التنظير الأخلاقي المجرد، مفضلةً المواقف السريعة على التحليل السببي الطويل والمعقد. إنها مقاربات تخشى طرح الأسئلة الجذرية، فتعجز عن التفريق بين السبب والنتيجة، مما يؤدي إلى إعادة إنتاج الخطاب السائد وتكريس الاستقطاب بدلاً من تفكيك بنية الأزمة.

لتجاوز هذا القصور المنهجي، يقتضي التحليل المعمق تفكيكاً منطقياً لثلاثية محورية تتشابك في صناعة المشهد:

(فساد السلطة، فساد النص، وفساد الإنسان)، وصولاً إلى تحديد المحرك الفعلي للأزمة مقابل العوامل المُسرّعة أو المُسوّغة لها. وفي هذا السياق، يبدو جلياً أن الانطلاق من فرضية أن "فساد الإنسان" هو العلة الأولى يعكس اختزالاً مخلاً؛ فالإنسان في هذه الجغرافيا ليس فاعلاً معزولاً، بل هو نتاج بنيوي لمصفوفة من القهر. إن فساد الإنسان يمثل عاملاً مُسرّعاً ومُعقّداً للمشهد، لكنه لا يمكن أن يكون المحرك الوحيد أو البنية التأسيسية.

في المقابل، يمثل "فساد النص" أداة أيديولوجية بالغة التعقيد، يتم من خلالها تحويل التراث والاجتهاد البشري التاريخي إلى مقدسات مطلقة تُستخدم لتسويغ الاستبداد. ورغم خطورة هذه الأداة، تشير القراءة الفاحصة إلى أن "فساد السلطة" يقف كعامل بنيوي أعلى وأكثر حسماً. السلطة هنا ليست مجرد كيان إداري، بل هي بنية تحتكر القرار والموارد، وتُعيد إنتاج النصوص بما يخدمها، وتُشوه الإدراك الإنساني، ضامنةً بذلك استدامة منظومتها عبر آليات القمع، واقتصاديات الريع، وإدارة التناقضات والحروب بالوكالة. وإذا كانت السلطة مبنية على هذه الاستدامة القهرية، فإن أي تحليل يتجاهل هذا الثقل البنيوي يصبح، بوعي أو بدونه، جزءاً من منظومة الدفاع عن الوضع القائم.

ولا يمكن عزل هذه التفاعلات الحركية الداخلية عن المؤثرات الخارجية، لا سيما في ظل التحولات العميقة التي تشهدها الرأسمالية العالمية. وتبرز هنا "الرأسمالية المراوغة" التي تجلت بوضوح في المقاربات النفعية القائمة على نهج الصفقات المباشرة في السياسة الخارجية؛ كنمط يعتمد على الواقعية التعاقدية وإدارة الغموض الاستراتيجي، مما يعمّق أزمات الهوية وضياع الأفق. إن تفاعل هذا النمط العالمي النفعي مع البنى السلطوية الهشة في الشرق الأوسط يُنتج سرديات تحررية عقيمة ومخرجات وعي متدنية، حيث يتحول المجال العام إلى مسرح لتصفير السياسة وتدوير النخب بدلاً من معالجة المشكلات الجوهرية للحكم والعدالة.

ثقل السلطة كعامل بنيوي حاسم

لا يُفهم "فساد السلطة" في سياق معضلة الشرق الأوسط بمعناه السلوكي أو الأخلاقي البسيط، المتمثل في الرشوة أو التجاوزات الإدارية، بل يُقصد به الفساد البنيوي والوظيفي الذي يحوّل مفهوم الدولة من مؤسسة دستورية راعية لعقد اجتماعي متوازن، إلى "بنية تقفل أبواب التغيير" وتعمل حصراً على تأمين استمراريتها. إن فساد السلطة هو المحرك البنيوي الأعلى تأثيراً، حيث يوظف كلاً من النص والإنسان كملحقات تسوّغ وتربك مشهد التغيير.

دولة المكونات والمحاصصة

لفهم كيفية مأسسة فساد السلطة تحت مظلة ديمقراطية هشة، يجب إدراك أن الانتقال من النظام الشمولي الصارم لم يُنتج دولة مؤسسات حديثة، بل أسفر عن نموذج "الدولة الهجينة". في هذا النموذج، تتعايش المؤسسات الديمقراطية الرسمية كالدستور والبرلمان وصناديق الاقتراع، مع شبكات نفوذ عميقة غير رسمية تقوم على "المحاصصة الطائفية والقومية" والولاءات الفرعية. إن الهشاشة البنيوية هنا ليست ضعفاً عابراً أو فشلاً إدارياً مؤقتاً، بل هي "خيار إداري قسري" انتهجته النخب السياسية للحفاظ على استقرار نخبوي متخادم من خلال توزيع الريع بدلاً من بناء مؤسسات مواطنة فاعلة.

في هذا السياق، تفقد الدولة قدرتها على احتكار العنف الشرعي، وتبرز قوى "لادولتية" مسلحة تنافس سلطة المركز وتأتمر بأجندات خارجية، مما يخلق بيئة من "سيولة السيادة". إن عملية "تداول السلطة السلمي"، والتي تعني في النظم الديمقراطية منح الحكومة المنتخبة فرصة لتطبيق رؤيتها عبر تعيينات سياسية تمثل برنامجها، تتحول في نظام المحاصصة إلى تقاسم دائم للنفوذ، حيث يمثل المسؤولون مصالح أحزابهم داخل مؤسسات الدولة وليس رؤية حكومية موحدة لخدمة الصالح العام. ونتيجة لذلك، يصبح تدوير النخب مجرد مسرحية تعطي انطباعاً زائفاً بالتغيير، بينما يظل الجوهر الاستغلالي مستمراً.

 نزع التسييس وتصفير السياسة

هذا المسار يؤدي إلى "تصفير السياسة" بدلاً من تصفير المشكلات؛ فإضعاف المجال العام يُقابل بتقديم "حلول تقنية" لا تمس جذور أزمات الحكم، والعدالة، وتوزيع الثروة. وعندما تنعدم قنوات التعبير التنازعي السلمي، يزداد خطر تحول التناقضات المجتمعية إلى أعمال عنف، أو استغلالها من قبل قوى خارجية، مما يبرر للسلطة مجدداً استخدام القمع تحت لافتة حماية الاستقرار والأمن. هكذا يتكرس فساد السلطة كبنية مغلقة تصنع أزماتها ثم تقدم نفسها كحل وحيد لها.

فساد النص كأداة أيديولوجية لاحتكار الحقيقة

إذا كانت السلطة تمثل الهيكل العظمي لمنظومة القهر، فإنها تحتاج إلى وعاء أيديولوجي يضفي الشرعية على ممارساتها ويُدجّن وعي الجماهير. هنا يبرز دور "فساد النص". إن فساد النص لا يُقصد به الطعن في النصوص التأسيسية المقدسة ذاتها، بل هو توصيف لفساد آليات الفهم، والتأويل، والتوظيف الأيديولوجي، التي تنتزع النص من سياقه التاريخي وتحوّل الاجتهادات البشرية التراثية إلى مُسَلَّمات عقائدية جامدة تخدم إرادة القوة والاستبداد.

تآكل الوعي وفخ الموقف الأخلاقي السريع

يعاني الفرد في ظل هذه المنظومة من تدني مخرجات الوعي فلسفياً وثقافياً. وهذا التدني لا يقاس بنقص تدفق المعلومات في عصر الفضاء الرقمي، بل يتجلى في "ضعف أدوات التفكير الهيكلي". يفقد العقل الجمعي قدرته على التفريق المنهجي بين السبب (كالاقتصاد الريعي والفساد المؤسسي) والنتيجة (كالفقر والبطالة وتدهور الخدمات).

يُنتج هذا الضعف المعرفي تفضيلاً ملحوظاً لاتخاذ "المواقف الأخلاقية السريعة" والعاطفية تجاه الأزمات، بدلاً من الشروع في "التحليل السببي الطويل" الذي يتطلب صبراً ومواجهة لأسئلة مؤلمة حول الذات والهوية. وفي ظل خطاب أحادي مسيطر يخاف الأسئلة النقدية ويجرمها، تنشأ سرديات لا تُفسر الواقع ولا تُقنع المخالف، بل تزيد من الاستقطاب. فالإنسان الذي يفشل في تحليل بيئته، يتحول إلى متلقٍ منفعل، ينقاد بسهولة خلف الشائعات ونظريات المؤامرة التي تعفيه من مسؤولية التغيير.

الرأسمالية بنسختها النفعية المراوغة

لا يكتمل تفكيك معضلة الشرق الأوسط دون ربط التفاعلات الداخلية بالسياق العالمي؛ إذ يمر النظام الدولي بمرحلة انتقال عاصفة، يتلاشى فيها نظام القطبية الأحادية دون أن تبرز قوة بديلة قادرة على فرض قواعد نظامية جديدة، مما يخلق حالة من "الغموض الاستراتيجي" وانعدام اليقين لكافة الفاعلين الدوليين.

يمكن توصيف التحول الأبرز في السياسة الخارجية للقوى العظمى بالانتقال نحو "الواقعية التعاقدية"؛ إذ تعتمد هذه المقاربة على التخلي عن الالتزامات المؤسسية طويلة الأمد والمبادئ السياسية الثابتة، لصالح صفقات ثنائية تحكمها المنفعة المباشرة، مع تفضيل الدبلوماسية المشخصنة والإعلامية.

في هذا النمط، تُستبدل استراتيجيات الوضوح بـ "إدارة الغموض الاستراتيجي". ويظهر ذلك جلياً في الشرق الأوسط من خلال التذبذب المستمر بين التصريحات العدوانية والتهديد بالقوة من جهة، وبين المبادرات الدبلوماسية المفاجئة والتراجع عن التدخل من جهة أخرى. هذا التذبذب أضعف المصداقية الدولية وزاد من مخاطر التصعيد وسوء التقدير.

تستند ظاهرة "نهج الصفقات" في السياسة الخارجية إلى عدة ركائز أساسية، أبرزها:

الشك في الالتزامات الكلاسيكية للأمن القومي، واعتبار التجارة الثنائية المحرك الحيوي للمصلحة، واستخدام الإنذارات النهائية للحصول على مكاسب دبلوماسية سريعة، وتقليص الإنفاق الدفاعي الخارجي، ورفض التدخل بدوافع حقوق الإنسان أو بناء الدول. تطرح الرأسمالية في حلتها النفعية المراوغة مقاربات تُترجم في الشرق الأوسط إلى فوضى منظمة، تتلخص في:

تغذية الانقسام المربح:

بدلاً من معالجة أسباب الصراعات الهيكلية، يُقدَّم الدعم العسكري والسياسي لفصائل أو دول محددة لتأجيج تكلفة الصراع على الخصوم الاستراتيجيين ضمن حروب وكالة معقدة.

 تبديل الواجهات وإدارة الغموض:

رفع شعارات الترويج الديمقراطي في مرحلة، واستبدالها سريعاً بصفقات أمنية وتسليحية كبرى لدعم أنظمة سلطوية في مرحلة أخرى حسب المصلحة المالية العاجلة.

 تدوير المسؤولية:

دفع الفاعلين المحليين والإقليميين لتحمل التبعات الكارثية للحروب وانهيار الدول، بينما تحتفظ القوى العظمى بالسيطرة على سقوف الصراع والمنافذ الحيوية.

 عقم السرد التحرري وضياع بوصلة البديل

عندما تلتقي سلطة قمعية تستند إلى نصوص مؤدلجة، مع بيئة إنسانية منهكة وصراعات دولية نفعية ومراوغة، تُصاب قوى المعارضة والحركات المجتمعية بعقم فكري وبنيوي. إن "السرد التحرري" الذي رافق حركات التغيير في المنطقة يُصاب بالعقم عندما يتحول إلى أدوات بلا فاعلية، ويمكن تصنيف هذا الخلل في نمطين رئيسيين يعانيان من انسداد الأفق:

السرد الطقوسي

خصائصه: يعتمد على كثافة الكلمات، استحضار المظلوميات التاريخية، والخطابات الحماسية المستمرة.

مكامن الخلل (العقم الهيكلي):

غياب التنظيم المؤسسي، افتقاد لبرنامج حكم واقعي، وانعدام أي رؤية لاقتصاد سياسي بديل لنموذج الريع.

السرد الحتمي/التبشيري

خصائصه: يَعِدُ الجماهير بخلاص حتمي قريب (سواء بغطاء إسلامي أو قومي أيديولوجي) بناءً على حتميات تاريخية.

مكامن الخلل (العقم الهيكلي): قراءة مثالية حالمة تتجاهل التحليل المادي الدقيق للقوى العظمى، وموازين الموارد، وتعقيدات العلاقات الداخلية والدولية.

إن هذا العقم يفسر لماذا أسفرت فترات الاحتجاج الكبرى عن زعزعة السلطة دون القدرة على إرساء بديل مستقر وفعال. فالتنظيم المجتمعي يعاني من غياب "البرهان" العقلاني الذي دعا له المفكر محمد عابد الجابري كبديل عن الانفعال البياني. الوعي هنا محاصر بين يأس قاتل أو تفاؤل أعمى، وكلاهما لا يبني مؤسسات قادرة على اختراق جدار "الدولة العميقة" والميليشيات العابرة للحدود التي تستمد ديمومتها من استمرار حالة الفوضى والهشاشة.

التكيف العملي مع النظام العالمي المتشظي

خارجياً، وفي ظل غياب بنية أمنية إقليمية مستقرة، وسيطرة السياسات الدولية المراوغة، إدارة الغموض الاستراتيجي وصراعات القوى الكبرى، يجب على دول المنطقة استيعاب حقيقة أن الحماية الخارجية المضمونة لم تعد قائمة. المآل المستقبلي الآمن يتطلب من الفاعلين المحليين والإقليميين تطوير سياسات خارجية مَرِنَةً وعمليّةً، تتجنب الانخراط كأدوات في حروب الوكالة الصفرية المدمرة.

الاستقرار المستقبلي يرتهن بالانتقال من التحالفات التكتيكية المؤقتة إلى بناء شبكات استراتيجية للتعاون الإقليمي البيني في مجالات البنية التحتية مما يخلق مصالح حيوية متبادلة ترفع تكلفة الصراع وتخفف من ارتهان المنطقة للإملاءات والضغوط المتقلبة للقوى العظمى.

إن محاولة تفكيك معضلة الشرق الأوسط تتطلب تجاوز "الهلوسات الفلسفية" التي تعتمد على التفسيرات الأحادية الأخلاقية أو المؤامراتية. وقد بين هذا التحليل البنيوي المعمق أن الأزمة ليست وليدة فساد عارض أو حتمية جغرافية، بل هي نتاج لمركب ثلاثي خطير تقف في هرمه "سلطة استبدادية ريعية" تحتكر الموارد والمجال العام وتقفل أبواب التغيير. هذه السلطة تعتاش بشكل بنيوي على "فساد النص"، حيث تُنتزع النصوص الدينية والاجتهادات التاريخية من سياقها لتُحكم أيديولوجياً السيطرة على الوعي الجمعي وتسكت المعارضة. وفي قاع هذه المصفوفة، يقف "الإنسان" المنهك، الذي يفتقر لأدوات التفكير النقدي ويعاني من تعب سياسي مزمن، ليعمل كمسننات تدفع عجلة الفساد عبر الولاءات الزبائنية والمحاصصة.

أمام هذا الواقع المعقد، يعقم السرد التحرري حين يكتفي بالخطابات الطقوسية أو التبشيرية الخالية من أي برنامج مؤسسي أو قراءة واقعية للاقتصاد السياسي. إن أفق المستقبل في المنطقة لا يحمل حلولاً سحرية، بل يضع المجتمعات والنخب أمام خيارين لا ثالث لهما:

إما الاستمرار في سياسة التكيف مع التردي وانتظار انهيارات سيادية ومجتمعية أعمق في ظل نظام عالمي متقلب، أو الشروع الجاد في تفكيك بنية المحاصصة والريع لبناء "عقد اجتماعي جديد" يرتكز على الإنتاج المستدام، ويُعيد الاعتبار للمجال العام والمواطنة العقلانية المتساوية كضمانة وحيدة لاستعادة استقلالية القرار وسيادة الدولة.

***

غالب المسعودي

في المساق الماضي تطرَّقنا إلى بعض إشكالات الثقافة العَرَبيَّة اليوم والبلاغة والترجمة. وممَّا جاء فيه أنَّ مصطلح الترجمة يملأ الحيطان، غير أنَّ المحصول منها قد يكون ضرره أكبر من نفعه. على أنَّ هذا ليس بالحادث الجديد. فستجد من نماذجه، مثلًا، في «دائرة المعارف الإسلاميَّة»، ما الله به عليم! وكانت قد طُبعت ترجمة «دائرة المعارف الإسلاميَّة» في (مِصْر)، سنة 1933، ثمَّ تتالت طبعاتها. ومنها طبعةٌ صدرت عن (دار الشَّعب- القاهرة: 1969)، مضبوطةً بعض مفرداتها بالشَّكل. ثمَّ أُعيدَ طبعُها، مع استكمال الترجمة لأجزاء الموسوعة، في (مركز الشارقة للإبداع الفكري، 1998)، تحت عنوانٍ جديد، هو: «موجز دائرة المعارف الإسلاميَّة». وكان المتوقَّع أن تظهر هذه الطبعة الأخيرة أفضل من سابقتها، لكنَّها، مع الأسف، لم تكن كذلك، ولاسيما من حيث الضبط بالشَّكل. بل ليتها حافظت على نُسخة الطبعة المِصْريَّة؛ ولم تتخفَّف من بعض الضبط بالشَّكل. وقد ضُرِبت على ذلك، بعض الأمثلة. وكان الصَّواب غالبًا من نصيب طبعة (القاهرة). قلتُ لمحاوري (ذي القُروح):

ـ كنتَ قد أشرتَ إلى أن «دائرة المعارف الإسلاميَّة»، على يد (رنتز G. Rentz)، تزعم: أنَّ (جازان) «صيغة قديمة». والصحيح أنَّ (جازان) هي الصيغة العَرَبيَّة الصحيحة منذ القِدَم، أمَّا «جيزان»، فلا تعدو صيغة عامِّيَّة. ماذا عن الملحوظات الأخرى؟

ـ منها أنَّ المؤلِّف كتبَ عن صيغة (جازان) أنَّها: «لا تزال تُستعمَل كثيرًا وخاصَّة على يد الكتاب المنتمين إلى هذه المقاطعة نفسها.» والحقُّ أنَّها ظلَّت مستعملةً، وشواهدها ماثلة، منذ القرن السادس الميلادي إلى اليوم. وذلك بناءً على أقدم نصٍّ يمكن العثور عليه، من حديثٍ نبويٍّ، أورده (يحيى بن آدم القرشي، - 203هـ= 818م)(1)، في كتابه «الخَراج»، وهو: «أنَّ رجلًا قال يا رسول الله إنِّي أُحِبُّ الجِهاد والهجرة، وأنا في مالٍ لا يُصلِحه غيري، قال: فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلَّم: لا يَأْلِتُكَ اللهُ من عملك شيئًا ولو كنتَ بضَمَد وجازان.» وأوردَه (ابن الأثير)، في «النهاية في غريب الحديث والأثر»(2)، بروايةٍ أخرى: «أَنَّ رَجُلًا سأَلَ رسولَ الله، صلى الله عليه وسلَّم، عن البَداوَة، فقال: «اتَّقِ اللهَ ولا يَضُرُّكَ أَن تَكُونَ بجانبِ ضَمَدٍ».» ولعلَّ ما ورد في هذه الرواية الأخرى للحديث ليس بأكثر من تصحيف لما ورد في الرواية الأولى؛ حيث صُحِّفت عبارة «بجازان وضَمَد» إلىٰ: «بجانب ضَمَد». ومهما يكن من شيء، فليس هذا بمجال البحث في صحَّة الحديثَين (أو الروايتَين)؛ ولكن في دلالتهما على اسم المكان الصحيح.(3)

كما أشار الشاعر الغَزِل المشهور (أبو دَهْبَل الجُمَحي، -63هـ= 682م) في شِعره إلى (جازان) ومواطنها. ولا غرو فـ(الأصفهاني)(4) يذكر أن (سليمان بن عبد الملك) كان قد أقطعَ أبا دهبل قطيعة (بحاذان) باليَمَن. وأغلب الظن أنَّ (حاذان) هاهنا ما هي إلَّا تصحيف (جازان)؛ لأنَّ «حاذان» اسمٌ لا ذِكر له في ما تحت أيدينا من كتب البُلدان المعروفة قديمة أو حديثة؛ ولأنَّ أبا دَهْبَل يذكر (جازان) في شِعره ويدعو لها بالسُّقيا، في مثل قوله:

سَقَى اللهُ جـازانًا، فمَن حَلَّ وَلْيَهُ،

فكُـلَّ فَسيلٍ مِن سَهامٍ وسُـرْدُدِ

*

ومحصولَه، الدَّارَ الَّتي خيَّمتْ بها

سَقاها، فأَرْوَى كلَّ رَبعٍ وفَـدْفَـدِ

*

فأنتِ التي كلَّفتِني البِرْكَ شاتِـيًا

وأورَدْتِنِـيهِ، فانظُري أيَّ مَوْرِدِ(5)

يُذكَر أنَّ (عبدالله بن الزُّبير) كان قد ولَّى الشاعر (أبا دهبل) بعض أعمال (اليَمَن)(6)، حتَّى ليُؤنَس من إشارات شِعره أنَّ تلك الولاية التي تولَّاها لابن الزُّبير إنَّما كانت بجازان، أو قريبًا منها. ذلك أنَّ (جازان) في الأصل إنَّما هو اسم الوادي (وادي جازان)، وقد يُطلَق على جِواره من قَبيل إطلاق اسم بعضٍ على كُل، أو خاصٍّ على عام. قال (الزَّبيدي)(7): «جازانُ: أَهْمَلَهُ الجَوْهرِيُّ. وهُوَ (وادٍ باليَمَن)، سُمِّيَتْ بِهِ القَرْيةُ المَوْجودَةُ الآنَ على البَحْرِ المِلْحِ.» ثمَّ لمـَّا جاء توزيع المناطق الإداريَّة في العهد السُّعودي، وكان مركز الإمارة بذلك القطاع في مدينة جازان، سُمِّيَتْ المنطقة التابعة للمركز كلُّها باسم منطقة جازان، أي التابعة لمركز الإمارة في مدينة جازان. وكنتُ قد تطرَّقت إلى هذا في دراستي تحت عنوان «الحركة الثقافيَّة والفكريَّة المعاصرة في منطقة جازان: (معالم وآفاق)»، ضِمن «موسوعة المملكة العَرَبيَّة السُّعوديَّة»، التي أصدرتها مكتبة الملك عبدالعزيز العامَّة، عام 1428هـ، في المجلد الحادي عشر، الخاص بـ(منطقة جازان)، الباب الخامس، «الحركة الثقافيَّة»، ص375-421.(8) وبُلدانيًّا أشار (الهمداني)(9)، إلى (جازان) بالألف، لا بالياء. وممَّا أورده قوله: «منفهق جابر، وهو رأس غزيرٌ كثير الرِّياح حديدها، إلى الشَّرجة ساحل بلد حَكَم، فباحة جازان، إلى عَثَّر...»، وفي موضع آخَر: «ثمَّ بعد وادي خلب وادي جازان ووادي ضَمَد». كما قال: «والهَجَر القرية بلغة حِمْيَر والعَرَب العاربة، فمنها: هَجَر البحرين، وهجر نجران، وهجر جازان.» وأورد قول الشاعر (أبو الحيَّاش الحِجْري، من الحِجْر بن الهِنْو):

سُقِيَتْ بُرهةً قُرَى خُلَبٍ منـ

ـها فجازانُ تلك فالصَّبياءُ(10)

ولقد بقيتْ تلك التسمية مستعملةً لدَى الناطقين باسم هذا المكان على صيغته الصحيحة، من أبناء المنطقة وغيرهم. واستمرَّ ذلك في التداول اللِّساني إلى القرن العاشر الهجري، تقريبًا. يشهد بهذا ما استشهد به (رنتز) نفسه، من أنَّ الملَّاح (شهاب الدِّين أحمد بن ماجد، -906هـ= 1501م) كان يشير إلى ميناء «جازان»، بهذا اللَّفظ، لا بلفظ «جيزان». ويذكر كذلك رُبَّان جازان المشهور: «عثمان الجازاني ʿUthmān al- Djāzānī».(11) ومع هذا فقد حرَّف المترجِم نصَّ المؤلِّف، الذي جاء فيه:

Writing in the late 9th/15th century, the master pilot Shihāb al-Dīn Aḥmad b. Mādjid [q.v.] gives instructions for entering Djayzān (Djāzān) port.

فنبَّهَ المؤلِّف هاهنا بجعله (جازان) بين هلالَين إلى أنَّ هذا هو المستعمَل على لسان (ابن ماجد). أمَّا المترجِم، فساق الاسم بصيغة «جيزان»، ولم يلتفت إلى غير ذلك من النصِّ المترجَم.(12)

ولنا مزيد تفصيل، حول ما ورد في ترجمة «دائرة المعارف الإسلاميَّة»، في المساق المقبل، بعون الله.

***

 مرفأ:

كَذَا، فلْـتَـلْـتَـقِ الآمَـاسُ يَـوْمِـيْ

بِفَجْـرِ غَـدِيْ، يَـنَابِـيْـعًا حَـبَالَـى

تُـرَوِّيْ شَاحِـبَ الأَزْمَـانِ فَـتْـحًا

مِنَ التَّارِيْـخِ يَـنْـتَـهِبُ الـمِحَـالا

إِذا ما سِيْـمَ خَـسْفًا، سَـامَ عَـسْفًـا

سِـبَاعَ الكَـوْنِ، إِنَّ لَـهُ اصْطِـيَـالا

فــآبَ كَقَشْعَمٍ ، قَــوْلًا وفِـعْـلًا،

وآبَ عُـدَاتُـهُ رَخَـمًـا خِـطَـالا!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

.............................

(1) (1987)، كتاب الخراج، تحقيق: حسين مؤنس، (القاهرة/ بيروت: دار الشروق)، 115.

(2) تحقيق: محمود محمَّد الطناحي وطاهر أحمد الزاوي، (بيروت: دار إحياء التراث العَرَبي، (د.ت)، (ضمد).

(3) وإنَّما عبارة الحديث مَثَلٌ- على طريقة العَرَب في المبالغة- ضُرِب للبُعْد عن مجتمع الرسالة الأوَّل في مدينة رسول الله، لا يقتضي الطعن في البُقعة المذكورة لذاتها ولا في أهلها تخصيصًا، فضلًا عن تعميم ذلك زمنيًّا. وما يلفت هنا استنفار بعضٍ للدِّفاع عن أن يتعلَّق نصُّ الحديث بمكانٍ معيَّن، وإنْ بالتشكيك في صحَّة الحديث، أو باللجوء إلى التأويل، وإنْ بِلَيِّ أعناق النصوص. ولو أُخذِت النصوص بسياقاتها وأزمانها ومقاصدها، لما احتيج إلى شيء من ذلك كلِّه.

(4) يُنظَر: الأصفهاني، (2008)، الأغاني، تحقيق: إحسان عبَّاس وإبراهيم السعافين وبكر عبَّاس، (بيروت: دار صادر)، 7: 102، 105- 106.

(5) م.ن، 7: 105.

(6) ينظر: الزركلي، (1984)، الأعلام، (بيروت: دار العِلم للملايين)، 8: 125.

(7) تاج العروس، (جزن).

(8) لمطالعة المادَّة المشار إليها على موقع الموسوعة، التابع لمكتبة الملك عبدالعزيز العامَّة، على شبكة «الإنترنت»: https://qrcd.org/9bRA

(9) يُنظَر: (1974)، صِفَة جزيرة العَرَب، تحقيق: محمَّد بن علي الأكوع الحَوالي، (الرياض: دار اليمامة)، 92، 136، 167، 336.

(10) من الطريف أنَّ يطلع على الناس أحدهم منذ حين زاعمًا أنَّ الاسم (جيزان) بالياء، لكنَّ «الجباليَّة»- يقصد أهالي القطاع الجبَلي- لا يُحسنون نُطق الكلمات بالياء فيسمُّونه (جازان)! ومعنى هذا أنَّ كلَّ من أوردوا الاسم في التراث العَرَبي، منذ صدر الإسلام، كانوا جباليَّة، لا يُحسنون نُطق الكلمات بالياء فيسمُّونه (جازان)! بل الحقُّ أنَّ العامِّيَّات هي التي تميل إلى إمالة كلِّ منصوب وكسر كلِّ مرفوع.

(11) See: Rentz, George Snavely, (1991), DJAYZĀN (The Encyclopaedia of Islam, 2: 516- 518), Prepared by a number of leading orientalists, Under the patronage of the international union of academies, (Leiden: E. J. Brill), 2: 517.

(12) يُنظَر: دائرة المعارف الإسلاميَّة، (القاهرة: دار الشعب، 1969)، 13: 109.

"الرئيس ترامب بوصفه كائنًا لغويًا ورمزيًا"

مقدمة: في سياق بحثنا عن اللغة التي اعتمدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مخاطبة الجماهير، لا تبدو عبارة «أمريكا أولًا» مجرد شعار انتخابي عابر، بل تكشف عن بنية لغوية وسياسية كاملة تقوم على تحويل القلق الاجتماعي إلى طاقة سياسية، وتحويل الخوف من المستقبل إلى حنين إلى ماضٍ متخيل، ثم تقديم الرئيس بوصفه الشخص القادر على إعادة ذلك الماضي إلى الحياة.

وهنا تصبح اللغة أكثر من وسيلة للتواصل؛ إنها تتحول إلى آلة لإنتاج الواقع السياسي، أو على الأقل إلى مرآة مقعرة تعيد إلى الجمهور صورته عن نفسه، ولكن بعد أن تكبر بعض مخاوفه وتختفي بعض تناقضاته.

ولعل المفارقة الساخرة في شعار «أمريكا أولًا» أنه يبدو للوهلة الأولى شديد البساطة، إلى درجة توحي بأن من يخالفه لا بد أن يكون قد ارتكب خطأً في ترتيب الكلمات. فمن يستطيع أن يعترض على أن تكون أمريكا أولًا؟ لكن المشكلة تبدأ عندما نسأل السؤال الذي تتجنبه الشعارات عادة: أمريكا أيّ أمريكا؟ هل هي أمريكا المهاجرين والسكان الأصليين والأقليات والعمال والنخب والمهمشين؟ أم أمريكا التي يجري اختزالها في صورة ثقافية وسياسية محددة؟ ومن الذي يملك حق تعريفها؟ هنا تتحول العبارة البسيطة إلى مشروع لتحديد من ينتمي إلى «أمريكا الحقيقية» ومن يقف خارجها.

وهذا هو المدخل الذي يجعل الخطاب الترامبي مادة خصبة للتحليل اللغوي والنقد السياسي. فترامب لم يقدم نفسه للجمهور باعتباره مجرد رئيس يحتاج إلى برنامج سياسي، بل باعتباره صوتًا لجماعة تشعر بأن أحدًا سرق منها شيئًا: وظائفها، أمنها، مكانتها، هويتها، وربما حتى الماضي الذي تتخيله أفضل من حاضرها. وفي هذه الرواية لا يحتاج القائد إلى أن يقدم تفسيرًا معقدًا للتحولات الاقتصادية والاجتماعية؛ يكفي أن يشير إلى شخص أو جماعة يمكن أن تُحمّل مسؤولية القلق العام.

وهنا يدخل المهاجر إلى المسرح السياسي لا بوصفه إنسانًا له قصة وظروف وحقوق، بل بوصفه «علامة» تختصر الخطر. إنها براعة لغوية لا تخلو من مفارقة: فبدل أن يسأل الخطاب عن شبكة الأسباب التي صنعت مشكلة اقتصادية أو اجتماعية، يمكنه أن يقدم للجمهور وجهًا محددًا للخطر، ثم يَعِده بإزاحته. وبذلك تتحول السياسة من إدارة التعقيد إلى إدارة الانفعال. الاقتصاد معقد، الهجرة معقدة، العولمة معقدة، التحولات الديموغرافية معقدة؛ أما الشعار فليس معقدًا إطلاقًا، وهذه تحديدًا إحدى نقاط قوته.

ومن هنا تأتي أهمية دراسة ما يمكن تسميته «الشعبوية اللغوية»؛ أي الطريقة التي تُستخدم بها اللغة لإنتاج «نحن» متجانسة في مواجهة «هم» يجري تصويره باعتباره مصدر المشكلة. فاللغة لا تصف الجماعة فقط، بل تصنع حدودها. وعندما يتكرر الخطاب حول «الأمريكي الحقيقي»، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بالهوية الوطنية وحدها، بل يتحول إلى سؤال عن السلطة التي تمتلك حق تعريف الوطنية نفسها.

أما القاعدة العسكرية الأمريكية التي أُشير إليها في هذا السياق، فيمكن النظر إليها بوصفها جزءًا من البيئة الرمزية التي يتجاور فيها خطاب القوة العسكرية مع خطاب التعبئة السياسية؛ غير أن الأدق منهجيًا هو عدم افتراض أن قاعدة بعينها «تحاول» تعبئة الأمريكيين ضد المهاجرين من دون دليل مباشر على ذلك. الأهم هو تحليل كيف يمكن للخطاب السياسي والإعلامي أن يستثمر رموز الأمن والقوة والخطر في بناء سردية شعبوية تجعل المهاجر يبدو وكأنه مشكلة أمنية قبل أن يكون قضية إنسانية أو اجتماعية.

وهنا تبدأ السخرية النقدية من مفارقة المشهد: الدولة التي صنعت واحدة من أكثر التجارب التاريخية تعقيدًا في الهجرة تتحول فجأة إلى متحدث باسم «الأمريكا الخالصة»، وكأن التاريخ قرر أن يمحو سجلاته ويعيد كتابة نفسه بشعار انتخابي. والمهاجر الذي كان جزءًا من قصة بناء الولايات المتحدة يمكن أن يتحول، داخل الخطاب الشعبوي، إلى ضيف ثقيل لم يُدعَ أصلًا إلى الحفلة.

إن الخطورة، إذن، ليست في الشعار وحده، وإنما في ما يفعله الشعار بالعقل السياسي. فهو يمنح الجمهور شعورًا بأن الحل قريب، وأن المشكلة محددة، وأن العدو معروف، وأن القائد يمتلك المفتاح. وبذلك يصبح الوهم السياسي أكثر ذكاءً من الكذبة المباشرة؛ لأنه لا يطلب منك أن تصدق شيئًا مستحيلًا، وإنما يطلب منك أن ترى جزءًا من الحقيقة وتتعامل معه باعتباره الحقيقة كلها.

من هنا سنحاول قراءة اللغة الترامبية لا بوصفها مجموعة من العبارات الانتخابية، بل بوصفها بنية لإنتاج المعنى السياسي: كيف يصنع «الشعب»؟ كيف يُنتج «الآخر»؟ كيف يتحول الخوف إلى شعار؟ وكيف يصبح الشعار، بعد كثرة ترديده، حقيقة اجتماعية تبدو وكأنها كانت موجودة قبل أن تُقال؟ فحين تنجح اللغة في إقناع الناس بأن المهاجر هو المشكلة، يصبح السؤال عن الأسباب الحقيقية للمشكلة ترفًا. وحين ينجح الرئيس في تقديم نفسه بوصفه «صوت أمريكا»، يصبح الاعتراض عليه، في منطق الخطاب نفسه، اعتراضًا على أمريكا. وهنا تحديدًا تكمن المفارقة التي تستحق أن نضحك منها قليلًا قبل أن نقلق منها كثيرًا: حين يصبح الرئيس هو المتحدث باسم الشعب، والشعار هو المتحدث باسم الحقيقة، والعدو هو المتحدث باسم المشكلة، لا يبقى للمجتمع إلا أن يصفق للنص الذي كُتب له مسبقًا.

لا يمكن دراسة الرئيس في الخطاب السياسي بوصفه شخصًا يتولى منصبًا فحسب؛ إذ إن «الرئيس» يُنتج أيضًا بوصفه كائنًا لغويًا ورمزيًا من خلال شبكة من الألفاظ والصور والاستعارات والسرديات التي تمنحه معنى يتجاوز وجوده الفردي. فالرئاسة لا تُمارس بالقانون والمؤسسات وحدهما، وإنما تمارس كذلك باللغة؛ إذ يستطيع الخطاب أن يحول الحاكم من موظف عام إلى «أب للأمة»، أو من ممثل دستوري إلى «منقذ»، أو من سياسي قابل للنقد إلى رمز يجسد إرادة الجماعة. ومن هنا تصبح اللغة جزءًا من ممارسة السلطة، لا مجرد وسيلة محايدة لوصفها.

لقد بيّن رولان بارت في كتابه أسطوريات أن الخطاب اليومي لا يقتصر على نقل الواقع أو وصف الأشياء كما هي، بل يشارك في إنتاج الطريقة التي يظهر بها الواقع أمام الوعي. فالصحافة والإعلان والصورة واللغة الشعبية والخطاب السياسي والثقافي تستطيع أن تأخذ واقعة تاريخية أو علاقة اجتماعية أو قيمة أيديولوجية نشأت في ظروف محددة، ثم تعيد تقديمها في صورة علامة تبدو بسيطة وطبيعية وبديهية. وهنا تكمن الوظيفة الأعمق لما يسميه بارت «الأسطورة»؛ فالأسطورة ليست بالضرورة حكاية خرافية، وإنما هي طريقة في جعل شيء تاريخي يبدو وكأنه طبيعي. ()

ينطلق بارت من أن العلامة في مستواها الأول تتكون من دال ومدلول ينتجان معنى معينًا، لكن هذا المعنى يمكن أن يتحول نفسه إلى دال في نظام دلالي ثانٍ هو نظام الأسطورة. وبذلك لا تقوم الأسطورة بإلغاء المعنى الأصلي للعلامة، وإنما تستولي عليه وتعيد توجيهه، بحيث يصبح حاملًا لمعنى أيديولوجي جديد. وهذه العملية هي التي تسمح للخطاب بأن يقول شيئًا تاريخيًا واجتماعيًا، ولكنه يقدمه كما لو كان حقيقة قائمة بذاتها، لا بوصفه نتيجة لصراعات ومصالح واختيارات بشرية.

ومن هنا تكتسب الأسطورة قوتها؛ فهي لا تكذب بالضرورة، وإنما تخفي تاريخ الحقيقة التي تقولها. إنها لا تحتاج إلى اختراع واقعة جديدة، بل يكفيها أن تنتزع الواقعة من سياقها التاريخي، وتفصلها عن الشروط الاجتماعية والسياسية التي أنتجتها، ثم تعرضها بوصفها أمرًا طبيعيًا لا يحتاج إلى سؤال. فالامتياز الاجتماعي يمكن أن يظهر باعتباره نتيجة طبيعية للكفاءة، والسلطة السياسية يمكن أن تبدو امتدادًا طبيعيًا للنظام، والهوية الجماعية يمكن أن تُقدَّم باعتبارها جوهرًا ثابتًا لا تاريخ له، وحتى بعض التراتبيات الاجتماعية يمكن أن تتحول في الخطاب إلى فروق «طبيعية» بين البشر.

وهذه الفكرة تسمح بفهم الشعبوية بوصفها ممارسة لغوية لا تكتفي بالتعبير عن الواقع السياسي، وإنما تسهم في إنتاج صورة معينة عنه. فحين يقول القائد «نحن الشعب»، لا يكون بصدد وصف جماعة محددة وصفًا محايدًا، بل يقوم بعملية تمثيل رمزي ينتقي من المجتمع بعض خصائصه، ويمنحها صفة «الإرادة الشعبية»، ثم يتحدث باسمها.

وهنا تكمن إحدى الخصائص المركزية للغة الشعبوية إنها لا تتعامل مع المجتمع بوصفه تركيبًا معقدًا من المصالح والهويات والطبقات والاتجاهات، وإنما تعيد تشكيله في صورة ثنائية بسيطة: الشعب في مقابل النخبة، الأصالة في مقابل الفساد، الوطني في مقابل الخائن، الأمن في مقابل الفوضى، الخير في مقابل الشر.

ويؤدي هذا الاختزال وظيفة سياسية مهمة؛ لأنه يحول الصراعات الاجتماعية المركبة إلى صراع أخلاقي واضح الأطراف. وبدل أن يسأل الخطاب عن أسباب البطالة أو الفقر أو ضعف المؤسسات أو سوء الإدارة، يبحث عن شخص أو جماعة يمكن تحميلها المسؤولية.

وقد أصبحت ثنائية «الشعب/النخبة» من أكثر البنى حضورًا في الدراسات المعاصرة للشعبوية؛ إذ يرى كاس مود أن الشعبوية تقوم على تصور المجتمع منقسمًا إلى جماعتين متجانستين ومتعارضتين: «الشعب النقي» و«النخبة الفاسدة»، مع افتراض أن السياسة ينبغي أن تكون تعبيرًا مباشرًا عن الإرادة العامة للشعب().

ولا تكمن خطورة هذا التصور في مجرد وجود نقد للنخب، فالنقد السياسي للنخب جزء مشروع من الديمقراطية، وإنما في تحويل الشعب إلى وحدة متخيلة لا خلاف داخلها، ثم الادعاء بامتلاك تمثيلها الحصري.

وبذلك تُنتج اللغة الشعبوية ما يمكن تسميته «الشعب اللغوي»؛ أي شعبًا لا يُكتشف كما هو في الواقع، وإنما يُصاغ داخل الخطاب. فالمجتمع الواقعي متعدد ومتناقض، بينما الشعب الذي تتحدث باسمه الشعبوية يبدو متجانسًا، له إرادة واحدة، ومصلحة واحدة، وذاكرة واحدة، وعدو واحد. وفي اللحظة التي ينجح فيها الخطاب في تثبيت هذه الصورة، يصبح كل اعتراض عليه قابلًا للتأويل باعتباره اعتراضًا على الشعب ذاته.

وهنا تنتقل اللغة من كونها وسيلة للتواصل إلى كونها آلية للتمثيل السياسي. فالقائد لا يقول فقط «أنا أمثل الشعب»، بل يضع نفسه داخل ضمير الجمع: «نحن». وهذه الـ«نحن» ليست بريئة؛ لأنها تقوم بعملية دمج وإقصاء في الوقت نفسه. فهي تدمج قطاعات اجتماعية مختلفة في هوية رمزية واحدة، لكنها تستبعد في المقابل من لا ينسجم مع التعريف الذي يقدمه الخطاب للشعب. وبذلك يتحول الاختلاف السياسي من اختلاف طبيعي داخل المجتمع إلى علامة على الانحراف عن الجماعة.

وتتضح هنا أهمية مفهوم الاستقطاب اللغوي؛ فكلما نجحت الشعبوية في تقسيم المجال السياسي إلى «نحن» و«هم»، أصبحت عملية التفكير في الحلول المعقدة أقل حضورًا. فاللغة لا تقول للجمهور فقط من هو الصديق ومن هو العدو، بل تقدم له أيضًا الإطار الذي ينبغي أن يفكر من خلاله في الأحداث. ولهذا فإن القوة الحقيقية للخطاب الشعبوي لا تكمن في كثرة شعاراته، وإنما في قدرته على تحديد المفردات التي يُفهم الواقع من خلالها.

هذه الالية لها حضورها في خطابات الرئيس ترام وقد استخدمها في براعة في خلق عدو وهمي هم المهاجرين وكيف جاء هو كي ينقذ امريكا وهذا الخطاب التعبوي معروف ايضا في الخطابات الشمولي في منطقتنا .

ومن هذه الزاوية يمكن الاستفادة من أطروحة لويس ألتوسير حول الأيديولوجيا؛ فالأيديولوجيا لا تعمل فقط عندما تقدم أفكارًا صريحة، وإنما تعمل حين تجعل الفرد يتعرف إلى نفسه داخل منظومة من المعاني بوصفها طبيعية وبديهية(). وبذلك يمكن النظر إلى الخطاب الشعبوي بوصفه ممارسة أيديولوجية حين يجعل تصورات تاريخية وسياسية معينة تبدو وكأنها حقائق طبيعية لا تحتاج إلى البرهان. فالتوسير يؤكد "الهوية الجماعية ليست معطى طبيعيًا، وإنما تُنتج داخل علاقات اجتماعية وأيديولوجية محددة ."فعندما يقال إن «الشعب يريد»، ينبغي أن يُطرح السؤال: أي شعب؟ وكيف عُرفت إرادته؟ ومن الذي يتحدث باسمه؟ وما الجماعات التي جرى استبعادها من تعريف الشعب؟

وهذه الأسئلة تكشف أن الوهم السياسي يبدأ غالبًا من وهم التمثيل. فالخطاب يوهم الجمهور بأن هناك تطابقًا مباشرًا بين القائد والشعب، بينما توجد في الواقع مسافة واسعة بينهما. الرئيس يتحدث بصفته فردًا أو مؤسسة، لكن اللغة تمنحه إمكانية التحدث بضمير الجماعة. وحين ينجح في إلغاء هذه المسافة، يصبح نقده أشبه بنقد «الشعب»، وتصبح معارضته أشبه بمعارضة «الإرادة العامة». وهنا تتحول اللغة إلى أداة لحماية السلطة من المساءلة.

ولا يعني ذلك أن كل خطاب يستخدم مفردات الشعب أو الأمة هو خطاب شعبوي بالضرورة. فالمفاهيم الجماعية جزء أصيل من اللغة السياسية. الفارق يكمن في طريقة استخدامها: هل تُستعمل «الشعب» بوصفه مجتمعًا متنوعًا له حقوق واختلافات، أم بوصفه كتلة متجانسة لا تمثلها إلا سلطة واحدة؟ وهل تُستخدم الوطنية لفتح المجال أمام المشاركة، أم لإقصاء المختلف واتهامه بالخيانة؟ وهل تُستخدم الهوية بوصفها إطارًا للتعايش، أم بوصفها معيارًا لامتلاك الحقيقة السياسية؟

1.  تتأسس قوة اللغة الشعبوية على التبسيط:

فالواقع السياسي شديد التعقيد، لأن كل أزمة تنشأ عادة من تفاعل عوامل اقتصادية واجتماعية وتاريخية ومؤسسية متعددة. لكن الخطاب الشعبوي يختصر هذه الشبكة في سبب واحد وفاعل واحد. ومن هنا يصبح «الفاسد»، أو «الخائن»، أو «النخبة»، أو «المؤامرة» تفسيرًا جاهزًا لأزمات لا يمكن فهمها إلا بتحليل طويل. إن هذا التبسيط لا يقلل من حجم المشكلة فحسب، بل يمنح الجمهور شعورًا بالمعرفة؛ أي إنه يخلق وهم الفهم.

وهنا تلتقي الشعبوية مع ما ناقشه إدوارد هيرمان ونعوم تشومسكي بشأن صناعة القبول؛ إذ أظهرا كيف يمكن للأنظمة الإعلامية والسياسية أن تنتقي المعلومات وتعيد ترتيبها ضمن أطر تجعل بعض الوقائع بارزة وبعضها الآخر هامشيًا(). ولا يعني ذلك أن الشعبوية هي مجرد صناعة إعلامية، وإنما يعني أن وسائل الاتصال الحديثة تمنح الخطاب الشعبوي قدرة استثنائية على تكرار مفرداته وتثبيت ثنائياته وإعادة تدويرها حتى تتحول من مجرد عبارات سياسية إلى إطار إدراكي يرى الجمهور العالم من خلاله.

2.  من أهم أدوات هذا الخطاب أيضًا استدعاء الماضي:

إن الخطاب الشعبوي لا يحتاج دائمًا إلى تقديم برنامج معرفي متماسك؛ يكفي أن يقدم للأفراد صورة يستطيعون أن يتعرفوا فيها على أنفسهم: نحن الشعب، وهم النخبة؛ نحن الحقيقيون، وهم الغرباء؛ نحن المظلومون، وهم الذين صادروا حقوقنا.

وهذا قريب جدًا من مفهوم ألتوسير الشهير «الاستدعاء» أو «النداء الأيديولوجي» (interpellation): حين يخاطب الخطاب الفرد بطريقة تجعله يتعرف على نفسه بوصفه جزءًا من هوية معينة.

 فالشعبوية نادرًا ما تكتفي بوصف الحاضر، وإنما تبني سردية عن ماضٍ متخيل كان فيه المجتمع أكثر قوة ونقاءً ووحدة. تظهر في هذا السياق مفردات مثل «المجد»، و«الأصالة»، و«الأيام الجميلة»، و«استعادة المكانة».

لكن المشكلة ليست في استحضار التاريخ، وإنما في تحويله إلى أسطورة سياسية تُستخدم لإنتاج الحنين وتبسيط الماضي. وهنا تقترب الشعبوية من مفهوم بارت عن «الميثولوجيا»: إذ تتحول الوقائع التاريخية إلى علامات أيديولوجية تبدو وكأنها تحمل معنى طبيعيًا ثابتًا().

إن الماضي الشعبوي ليس بالضرورة الماضي الذي حدث، بل الماضي الذي يحتاج إليه الخطاب في الحاضر. ولذلك يمكن أن يُعاد ترتيب الذاكرة الجماعية بحيث تُبرز الانتصارات وتُنسى الهزائم، وتُستعاد الرموز التي تخدم الهوية المطلوبة، بينما تُهمش الوقائع التي تعقد الرواية. وبهذا لا يصبح التاريخ مادة للمعرفة، وإنما يتحول إلى مادة لإنتاج الشرعية.

3. العلاقة بين اللغة الشعبوية وصناعة الوهم:  

فالوهم لا يعني أن كل ما يقوله الخطاب كذب، بل يعني أن الخطاب ينتقي من الواقع ما يسمح ببناء صورة كلية تبدو مكتملة بينما تخفي عناصر أساسية من الحقيقة. إن الوهم الأكثر فاعلية ليس ذلك الذي يناقض الواقع بصورة صريحة، بل ذلك الذي يستخدم بعض عناصر الواقع لإنتاج تفسير شامل له.

ولهذا فإن الرئيس الشعبوي لا يحتاج دائمًا إلى اختراع واقع بديل؛ يكفيه أن يعيد ترتيب الواقع لغويًا. يمكن أن تكون هناك أزمة حقيقية، لكنه يحولها إلى مؤامرة. ويمكن أن تكون هناك نخبة فاسدة فعلًا، لكنه يجعل كل معارض له جزءًا منها. ويمكن أن تكون هناك مخاوف اجتماعية حقيقية، لكنه يربطها بعدو محدد. ويمكن أن يكون هناك حنين حقيقي إلى الماضي، لكنه يحوله إلى وعد باستعادة زمن لم يكن موجودًا بالصورة التي يصورها الخطاب.

وبذلك يصبح السؤال الفلسفي المركزي ليس: هل اللغة الشعبوية تقول الحقيقة أم تكذب؟ وإنما: أي واقع تنتجه حين تتحدث؟ فالمشكلة الأعمق في اللغة السياسية ليست فقط في صدق الجمل، وإنما في الإطار الذي يجعل بعض الأشياء قابلة للرؤية وأشياء أخرى غير مرئية. إن الخطاب الذي يحدد لنا من هو «الشعب»، ومن هو «العدو»، وما هو «الخطر»، وما هو «الماضي المجيد»، يكون قد بدأ بالفعل في تشكيل المجال الذي تتحرك داخله السياسة.

ومن هنا، فإن نقد اللغة الشعبوية لا ينبغي أن يقتصر على تفكيك الشعارات، بل ينبغي أن يتجه إلى البنية التي تجعل الشعار ممكنًا وفعالًا: من يمتلك المنبر؟ من يحدد المفردات؟ من يكررها؟ من يمنحها الشرعية؟ ومن يستفيد من تحولها إلى حقائق اجتماعية؟ عند هذه النقطة تنتقل دراسة اللغة من اللسانيات إلى فلسفة السلطة، ومن تحليل الخطاب إلى تحليل إنتاج الواقع ().

4. انها تخلق وعيٌ كاذبٌ يُغلق باب السؤال:

إن أخطر ما تفعله اللغة الشعبوية أنها تجعل الإنسان يشعر بأنه أصبح أكثر فهمًا للواقع في اللحظة التي يصبح فيها أقل قدرة على مساءلته. فهي تمنحه إجابات سريعة بدل الأسئلة، وأعداء واضحين بدل الأسباب المركبة، وهوية صلبة بدل الذات المتعددة، وقائدًا يتحدث باسم الجماعة بدل مؤسسات تسمح للجماعة بالتعبير عن اختلافاتها. وهنا بالضبط تتشكل صناعة الوهم السياسي: حين يصبح الاختزال معرفة، والتكرار حقيقة، والرمز واقعًا، والتمثيل تطابقًا، والقائد تجسيدًا متخيلًا لإرادة الشعب.

ولذلك فإن مقاومة الشعبوية لا تبدأ بإنتاج خطاب مضاد أكثر شعبوية، وإنما تبدأ بإعادة الاعتبار إلى تعقيد الواقع، وإلى تعدد الأصوات، وإلى الفرق بين الشعب بوصفه مجتمعًا حيًا متعدد المصالح، والشعب بوصفه صورة لغوية تنتجها السلطة. فحين نستعيد حقنا في السؤال عن معنى «نحن»، وعن هوية «هم»، وعن مصدر «الإرادة الشعبية»، نكون قد بدأنا في تفكيك الوهم الذي تحاول اللغة تحويله إلى حقيقة سياسية.

إذا كانت اللغة الشعبوية تبدأ من إعادة تنظيم الواقع داخل ثنائيات بسيطة، فإن قوتها الحقيقية لا تظهر عند مستوى القول، وإنما عند اللحظة التي تتحول فيها هذه الصياغات اللغوية إلى أنماط إدراك وسلوك وممارسة سياسية. فالكلمات لا تبقى معلقة في فضاء الخطاب؛ إذ يمكن للخطاب، حين تتوافر له سلطة الدولة والإعلام والمؤسسات، أن ينتقل من وصف الواقع إلى إعادة تشكيله().

وهنا تصبح اللغة جزءًا من صناعة الواقع السياسي نفسه، لأن ما يتكرر في الخطاب يمكن أن يتحول تدريجيًا إلى ما يبدو للناس حقيقة مستقرة، وما يبدو حقيقة مستقرة يمكن أن يصبح أساسًا لسياسات وإجراءات ومواقف اجتماعية.

من هذا المنظور، لا ينبغي فهم الوهم السياسي باعتباره مجرد معلومات خاطئة أو أكاذيب متعمدة؛ فالوهم أكثر تعقيدًا من ذلك. إنه نظام من التمثيلات يجعل الإنسان يرى جانبًا من الواقع وكأنه الواقع كله؛ لهذا لا يحتاج الخطاب الشعبوي بالضرورة إلى اختلاق الوقائع أو إنكار الحقيقة كي يمارس تأثيره؛ فقد ينطلق من أحداث حقيقية، لكنه يعيد ترتيبها وانتقاءها وإدخالها في سردية مغلقة، بحيث لا تعود الوقائع تُقرأ بوصفها معطيات مفتوحة على أكثر من تفسير، وإنما تتحول كل واقعة، مهما اختلف سياقها، إلى شاهد يؤكد النتيجة التي سبق للخطاب أن قررها. ومن هنا لا تكمن المشكلة الأساسية في غياب الحقيقة، بل في احتكار طريقة تفسيرها وتوجيه معناها؛ إذ يصبح الخطر في أن يُحرم المتلقي من إمكان النظر إلى الواقعة من زوايا متعددة، وأن يُدفع إلى رؤية واحدة تبدو وكأنها النتيجة الطبيعية والوحيدة لما حدث. وهذا ما يجعل تحليل روث فوداك للخطاب اليميني الشعبوي بالغ الأهمية؛ فهي لا تتعامل مع الشعبوية باعتبارها مجرد أيديولوجيا أو برنامج سياسي، وإنما تنظر إليها بوصفها ممارسة خطابية تعمل من خلال اللغة والصور والاستعارات والحجج وإثارة الخوف، وبناء ثنائية حادة بين «نحن» و«هم»، بحيث تتحول الوقائع المتفرقة إلى عناصر داخل قصة سياسية متماسكة، ويغدو تفسير الحدث جزءًا من عملية صناعة الخوف والهوية والاستبعاد ().

أولًا: صناعة «نحن» وبناء الجماعة المتخيلة

تبدأ الشعبوية غالبًا من عملية لغوية تبدو بسيطة:

إنتاج ضمير الجمع. فالقائد يتحدث باسم «نحن»، لكنه لا يكتفي بوصف الجماعة، بل يقوم بتحديد حدودها. من هم الذين يدخلون في «نحن»؟ ومن الذين يبقون خارجه؟ وما الصفات التي تمنح هذه الجماعة نقاءها وأصالتها؟ هنا تتحول اللغة إلى عملية هندسة للهوية. وقد قدم إرنستو لاكلو تحليلًا بالغ الأهمية لهذه العملية؛ إذ يرى أن «الشعب» ليس معطى اجتماعيًا جاهزًا قبل الخطاب، وإنما يمكن أن يتشكل سياسيًا من خلال تجميع مطالب اجتماعية مختلفة داخل سلسلة من المطالب والمفردات المشتركة، إلى أن تظهر صورة جماعية قادرة على تقديم نفسها باعتبارها «الشعب»().

وبهذا المعنى، فإن الشعبوية لا تكتشف الشعب بقدر ما تبنيه خطابيًا. فالجماعة الواقعية متعددة: فيها العامل والموظف ورجل الأعمال والطالب والمثقف والفقير والغني، وفيها مصالح متعارضة وتصورات سياسية مختلفة. أما «الشعب» الذي ينتجه الخطاب الشعبوي فيبدو أكثر تجانسًا؛ إذ يجري اختزال هذه التعددية في صفات عامة مثل «البسطاء»، و«الشرفاء»، و«الوطنيين»، و«أبناء البلد». وكل من لا يدخل ضمن هذه الصفات يمكن دفعه تدريجيًا إلى موقع «الآخر». وبذلك يصبح الانتماء إلى الشعب ليس مجرد انتماء اجتماعي، بل موقفًا أخلاقيًا؛ فالشخص الذي يؤيد القائد ليس فقط مؤيدًا سياسيًا، بل يصبح «وطنيًا» أو «شريفًا» أو «ابن الشعب»، بينما يتحول المعارض إلى «خائن» أو «فاسد» أو «تابع».

وهذه النقلة من الاختلاف السياسي إلى الحكم الأخلاقي هي إحدى أخطر آليات الشعبوية؛ لأنها تجعل النقاش السياسي مستحيلًا تقريبًا، إذ كيف يمكن الحوار مع من جرى تعريفه ابتداءً بوصفه شرًا؟ وتبدو هذه الآلية بصورة فجة ومضحكة أحيانًا في خطاب دونالد ترامب؛ فهو لا يتحدث إلى الأمريكيين باعتبارهم مجتمعًا معقدًا متعدد المصالح، وإنما يميل إلى تقسيمهم إلى «الأمريكيين الحقيقيين» من جهة، وإلى أولئك الذين يهددونهم أو يخدعونهم أو يقفون ضدهم من جهة أخرى.

وفي خطاباته الانتخابية كثيرًا ما يتحول «الشعب» إلى جمهور حاضر أمامه في القاعة: «أنتم» الذين لم تفهمكم النخب، و«أنتم» الذين سرقت الوظائف منكم، و«أنتم» الذين لا يسمعكم الإعلام.

وفي المقابل يوجد السياسيون، ووسائل الإعلام، والمهاجرون، والمؤسسات، والمنافسون الديمقراطيون، و«النظام»؛ أي ذلك الكائن الضخم الغامض الذي يبدو وكأنه مسؤول عن كل شيء سيئ تقريبًا.

وفي خطاب قبوله ترشيح الحزب الجمهوري عام 2016 بلغ هذا البناء ذروته حين قال ترامب: «أنا وحدي أستطيع إصلاح الأمر» (I alone can fix it)، بعد أن قدم نفسه باعتباره الشخص الذي يعرف النظام من الداخل والقادر على إصلاح نظام «مزور» ضد المواطنين().

هنا تحدث مفارقة شعبوية شديدة الطرافة:

يبدأ الخطاب بالدفاع عن الشعب ضد الفرد المتسلط، ثم ينتهي إلى القول إن خلاص الشعب يتوقف على فرد واحد فقط! كأن الديمقراطية اكتشفت فجأة أن أفضل طريقة لاستعادة سلطة الشعب هي أن يسلم الشعب مفاتيحه لشخص واحد. وهذه ليست مجرد عبارة انتخابية عابرة؛ إنها تكشف عن انتقال مهم من «نحن الشعب» إلى «أنا ممثل الشعب»، ثم من «أنا ممثل الشعب» إلى «أنا وحدي قادر على إنقاذ الشعب».

وبذلك يتقلص المجتمع كله تدريجيًا حتى يصبح القائد هو الناطق باسمه، ثم يصبح الاعتراض على القائد اعتراضًا على الشعب نفسه. وتظهر الآلية بصورة أكثر وضوحًا في موقف ترامب من الإعلام. ففي عام 2017 وصف وسائل إعلام كبرى بأنها «عدو الشعب الأمريكي»، وربطها بما سماه «الأخبار الكاذبة»() وهنا يحدث شيء شديد الدلالة: الصحفي الذي يختلف مع الرئيس لا يعود مجرد صحفي مخطئ، والمؤسسة الإعلامية التي تنتقد السلطة لا تعود مؤسسة يمكن مناقشة حججها، وإنما يجري نقلها مباشرة إلى خانة «عدو الشعب».

فجأة يصبح المشهد بسيطًا جدًا: الشعب هنا، والإعلام هناك؛ والشخص الذي يصفق للرئيس هو «الشعب»، ومن ينتقده يمكن أن يصبح، بلمسة لغوية واحدة، عدوًا للشعب. وقد كرر ترامب هذه الثنائية بصورة صريحة في مؤتمراته الصحفية، إذ قال عن CNN وغيرها إن من ينشر «الأخبار الكاذبة» هو «عدو الشعب»() والمفارقة الساخرة هنا أن الإعلام، الذي يفترض أن يكون وظيفة أساسية في مراقبة السلطة، يتحول في الخطاب الشعبوي إلى متهم بالعمالة ضد الشعب لمجرد أنه يمارس وظيفته في مساءلة السلطة.

وبذلك يصبح السؤال الصحفي فعلًا عدائيًا، وتصبح الإجابة التي لا تعجب الرئيس «أخبارًا كاذبة»، ثم تصبح «الأخبار الكاذبة» جزءًا من مؤامرة، ثم يصبح أصحاب المؤامرة أعداء للشعب. إنها سلسلة لغوية تستطيع أن تبدأ بسؤال صحفي وتنتهي بالخيانة الوطنية.

أما في قضية الهجرة، فتظهر صناعة «نحن» و«هم» بصورة أكثر خشونة. ففي خطاباته الانتخابية والرئاسية، لم يكتف ترامب بالحديث عن الهجرة بوصفها قضية قانونية أو اقتصادية، بل ربطها مرارًا بالجريمة والمخدرات والعصابات، وقدم حماية الحدود بوصفها دفاعًا عن «الناس في بلدنا».()

وفي أحد خطاباته وصف أعضاء عصابة MS-13 بأنهم «حيوانات»، بعد أن انتقد خصومه الذين قالوا إن عليهم أن يُعاملوا بوصفهم بشرًا ().هنا نصل إلى أقصى درجات اللغة الشعبوية: لا يعود الآخر منافسًا سياسيًا، ولا حتى مهاجرًا مخالفًا للقانون، وإنما يجري دفعه خارج الحدود الرمزية للإنسانية نفسها. والأكثر طرافة وفجاجة أن الخطاب الشعبوي يختزل قضايا معقدة كالهجرة والاقتصاد والجريمة والحدود في معادلة انتخابية صبيانية: نحن = الأمريكيون الطيبون، هم = المهاجرون المجرمون، الحل = الجدار، والمنقذ = أنا.

وهكذا تحول شعار «ابنوا الجدار!» إلى علامة سياسية؛ فالجدار لم يعد حاجزًا حدوديًا، بل صار تجسيدًا ماديًا للفاصل بين «نحن» و«هم». وهنا تتضح فكرة لاكلو: الشعب ليس وحدة جاهزة، بل يُنتج خطابيًا من خلال جمع مطالب ومخاوف متفرقة داخل هوية واحدة. وبذلك يتحول الانتماء إلى الشعب إلى اختبار أخلاقي للولاء: المؤيد «وطني»، والمعارض قد يصبح «خائنًا». إنها صناعة «نحن» عبر اختراع «هم».

ثانيًا: صناعة الآخر بوصفه شرطًا لصناعة الذات

لا تستطيع «نحن» الشعبوية أن توجد دون «هم». ولذلك فإن بناء الآخر ليس نتيجة جانبية للخطاب، بل شرط من شروطه. فالآخر قد يكون النخبة، أو المعارضة، أو الإعلام، أو المثقفين، أو الأقليات، أو القوى الخارجية، أو حتى مؤسسات الدولة نفسها. ويتغير هذا الآخر بحسب الحاجة السياسية، لكن وظيفته تبقى واحدة: تفسير الأزمة وتوحيد الجماعة.

وهنا تتقاطع الشعبوية مع ما يسميه بيير بورديو السلطة الرمزية؛ فالقدرة على تسمية الأشياء ليست قدرة لغوية محايدة، وإنما هي قدرة على فرض طريقة معينة في رؤيتها. عندما تنجح السلطة في وصف مجموعة ما بأنها «فاسدة» أو «خائنة» أو «مهددة للأمن»، فإنها لا تقدم وصفًا فقط، وإنما تضع هذه المجموعة داخل موقع اجتماعي وسياسي محدد() .

ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين اللغة والاستبعاد. فالمجموعة التي توصف باستمرار بأنها خطر تبدأ في الظهور في الوعي العام باعتبارها خطرًا بالفعل، حتى قبل تقديم أدلة كافية على ذلك. ويصبح السؤال عن حقيقة الاتهام أقل أهمية من تكراره؛ لأن التكرار نفسه ينتج الألفة، والألفة تنتج التصديق.

وتقدم خطابات دونالد ترامب مثالًا واضحًا على هذه الآلية. فالآخر عنده ليس ثابتًا، بل يتغير بحسب الأزمة: المهاجر عندما تكون القضية الهجرة، والصين عندما تكون القضية الاقتصاد، والإعلام عندما يكون النقد السياسي، والديمقراطيون عندما تكون المعارضة، و«الدولة العميقة» عندما يتعلق الأمر بالمؤسسات، والمؤسسة الانتخابية عندما تصبح شرعية الانتخابات موضع نزاع. العدو يتبدل، لكن وظيفته لا تتبدل. ولعل شعار «ابنوا الجدار!» يلخص هذه العملية بأوضح صورها.

فقد جعل ترامب من الحدود المكسيكية مسرحًا رمزيًا يفصل بين «نحن» و«هم». لم يعد الجدار مجرد مشروع هندسي لمعالجة الهجرة، بل أصبح علامة سياسية تختصر معادلة كاملة: نحن في الداخل، وهم في الخارج؛ نحن الأمن، وهم الخطر؛ نحن الوطن، وهم التهديد. وبذلك بُني الجدار في المخيلة قبل أن يُبنى على الأرض. والأكثر فجاجة أن قضية معقدة مثل الهجرة، بما تتضمنه من اقتصاد وقانون وسوق عمل وأمن وديموغرافيا، اختُزلت في صورة واحدة: (مهاجر ، جريمة ، حدود مفتوحة ، جدار ، قائد قادر على إغلاق الباب).

وبذلك تتحول السياسة من تحليل مشكلة إلى إنتاج عدو. ويتكرر الأمر مع الإعلام. فقد استخدم ترامب تعبير «Fake News» ضد وسائل إعلام اعتبرها منحازة، ووصف الصحافة في إحدى المناسبات بأنها «عدو الشعب». هنا ينتقل الخلاف من مستوى الأفكار إلى مستوى الولاء: الصحفي الذي يخطئ يمكن مناقشته، أما الصحفي الذي يصبح «عدوًا للشعب» فيُدفع إلى خارج المجال الأخلاقي للجماعة.

والسخرية أن الإعلام حين ينقل هجوم الرئيس عليه قد يساهم، من حيث لا يريد، في توسيع انتشار العبارة نفسها: ( ترامب يهاجم الإعلام ، الإعلام ينقل الهجوم ، الجمهور يناقش الهجوم ، العبارة تنتشر ، يصبح الإعلام، في رواية ترامب، أكثر حضورًا بوصفه خصمًا). أما استعارة «المستنقع» (the swamp)، فتختزل تعقيد واشنطن ومؤسساتها وبيروقراطيتها ومصالحها في صورة واحدة: هناك «مستنقع» فاسد، وهناك قائد يأتي لتجفيفه.

إنها استعارة سياسية جذابة لأنها تمنح الجمهور تفسيرًا بسيطًا لعالم شديد التعقيد: المشكلة ليست في شبكة المؤسسات والمصالح؛ المشكلة أن هناك مستنقعًا، والحل أن يأتي شخص ليجففه. ثم يتسع «هم» ليشمل ما يسمى «الدولة العميقة»؛ أي مؤسسات أو مسؤولين يُقدَّمون بوصفهم يعملون ضد إرادة الرئيس والشعب.

وهنا تبلغ صناعة الآخر مرحلة أكثر خطورة: المؤسسة التي يفترض أن تراقب السلطة تصبح، في الخطاب، جزءًا من المؤامرة على الشعب. وبعد انتخابات 2020 ظهرت الآلية بصورة أشد حدة مع رواية «الانتخابات المسروقة». فالخصم لم يعد مجرد حزب منافس، بل أصبحت مؤسسات انتخابية وإعلامية وقضائية، وأحيانًا جمهوريون رفضوا الادعاءات، جزءًا من سردية أوسع عن سرقة إرادة الشعب.

وهنا يتحول الخلاف السياسي إلى صراع على تعريف الحقيقة نفسها: إذا كانت النتيجة لا توافق «الشعب»، فربما يكون «الشعب» قد سُرق؛ وإذا كان القضاء يرفض الرواية، يصبح القضاء جزءًا من المشكلة. وبذلك يتحرك «الآخر» باستمرار:( المهاجر ، النخبة ، الإعلام ، الديمقراطيون ، الدولة العميقة ، المؤسسات ، القضاة ، الخصوم داخل الجماعة نفسها ) ؛ لكن الثابت ليس العدو، وإنما وظيفته السياسية.

فهو يقدم تفسيرًا مبسطًا للأزمة، ويمنح الجماعة شعورًا بالتهديد، ويجعلها أكثر تماسكًا، ثم يمنح القائد مبررًا للظهور بوصفه حاميها. وهنا تتضح صلة ذلك ببورديو: السلطة الرمزية تبلغ قوتها عندما يتوقف الناس عن رؤية التصنيف بوصفه تصنيفًا. فإذا تكررت كلمة «غزو»، لم يعد المتلقي يتخيل أفرادًا يعبرون الحدود، بل يتخيل جيشًا يهاجم البلاد. وإذا تكررت «عدو الشعب»، لم يعد الصحفي مجرد خصم سياسي، بل أصبح تهديدًا. وإذا تكررت «الانتخابات المسروقة»، يتحول السؤال من «هل سُرقت؟» إلى «كيف سُرقت؟». وهنا تصل اللغة إلى أخطر مراحلها: لا تعود تصنع الإجابات، بل تصنع الأسئلة التي ينبغي طرحها.

وبذلك يمكن اختصار صناعة الآخر في معادلة الشعبوية: اصنع أزمة، سمِّ لها عدوًا، كرر الاسم، حوّل العدو إلى خطر، اجعل الخطر مبررًا للوحدة، ثم قدم نفسك بوصفك حامي الجماعة.

فإن الشعبوية لا تقول فقط: «أنا مع الشعب»، بل تقول ضمنيًا: «أنا أعرف من هو الشعب، وأعرف من يقف ضده». وعند هذه النقطة يصبح «نحن» أكثر من ضمير جمع؛ إنه حد سياسي وأخلاقي: من يدخل داخله يصبح وطنيًا، ومن يُدفع خارجه يمكن أن يصبح خائنًا أو فاسدًا أو عدوًا.

وبذلك تصنع الشعبوية الذات والآخر في اللحظة نفسها: تصنع «نحن» لأنها تحتاج إلى «هم»، وتصنع «هم» لكي يبدو «نحن» أكثر نقاءً وتماسكًا. ومن هنا لا تكون صناعة الآخر مجرد وسيلة لتشويه الخصم، بل تقنية لإنتاج الجماعة نفسها. فالشعبوية لا تكتشف العدو؛ إنها تحتاج إليه لكي تكتشف ذاتها.

ثالثًا: خطاب الأزمة الدائمة

تحتاج الشعبوية إلى الأزمة كما تحتاج إلى العدو؛ لأن القائد لا يستطيع تقديم نفسه بوصفه المنقذ إلا إذا كان هناك خطر يحتاج إلى إنقاذ. ولذلك تُنتج اللغة الشعبوية شعورًا مستمرًا بأن المجتمع يعيش على حافة الانهيار: الأمن مهدد، الاقتصاد مهدد، الهوية مهددة، الدولة مهددة، المستقبل مهدد.

ولا يعني ذلك أن الأزمات التي يتحدث عنها الخطاب غير حقيقية؛ فقد تكون هناك أزمات فعلية. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الأزمة من حالة تاريخية قابلة للتحليل والمعالجة إلى حالة دائمة تستمد منها السلطة شرعيتها. عندها لا يعود المطلوب حل الأزمة، لأن استمرار الشعور بها يصبح جزءًا من وظيفة الخطاب.

وهنا تظهر مفارقة مهمة: الخطاب الذي يعد بالخلاص من الأزمة قد يحتاج إلى استمرار الشعور بالأزمة حتى يستمر تأثيره. ولذلك يمكن أن تتحول السياسة من البحث عن حلول إلى إدارة دائمة للخوف. وقد درست روث فوداك هذه الآلية في سياق «سياسات الخوف»، موضحة كيف تستخدم الخطابات الشعبوية التهديدات المتخيلة أو المبالغ فيها لبناء حدود صارمة بين الجماعة والآخر().

يقدم دونالد ترامب نموذجًا صارخًا لما يمكن تسميته «سياسة الأزمة الدائمة»؛ إذ لا تظهر أمريكا في خطابه بوصفها دولة تواجه مشكلات قابلة للمعالجة، بل بوصفها بلدًا «يخسر» باستمرار ويُنهب ويُهان ويُهدَّد. ففي خطاب ترشحه عام 2015 قال إن البلاد «في حالة يرثى لها» وإنها لم تعد تحقق الانتصارات. ولذلك كان عليه، قبل أن يقدم نفسه بوصفه المنقذ، أن يقدم أمريكا بوصفها بلدًا مكسورًا يحتاج إلى الإنقاذ.

وتكمن الحيلة في تحويل المشكلات المتعددة إلى إحساس واحد شامل بالخطر: الصين تسرق الوظائف، المهاجرون يهددون الحدود، المدن تعاني الفوضى، الإعلام يكذب، واشنطن فاسدة، «الدولة العميقة» تتآمر، والانتخابات يمكن أن تكون «مسروقة».

وهنا لا تعود الأزمة حدثًا استثنائيًا، بل تصبح طريقة دائمة لرؤية الواقع. ولعل الهجرة المثال الأكثر وضوحًا. فقد انتقل ترامب من الحديث عن الهجرة غير النظامية إلى مفردات أكثر درامية، مثل «الغزو»، وربط الحدود بالمخدرات والجريمة والعصابات، ثم قدم الجدار بوصفه الحل الأكثر وضوحًا.

ولذلك تحولت قضية قانونية واقتصادية وديموغرافية شديدة التعقيد إلى صورة سينمائية بسيطة: هناك غزو، وهناك حدود مهددة، وهناك جدار، وهناك رجل واحد سيعيد السيطرة. لقد أصبح الجدار في المخيلة السياسية أهم من تفاصيل سياسة الهجرة نفسها.

والأمر ذاته ظهر في حديثه عن المدن الأمريكية خلال احتجاجات 2020؛ إذ جرى تكثيف صور العنف والفوضى حتى أصبحت بعض المدن الديمقراطية تبدو في الخطاب كأنها على حافة الانهيار. هنا لا يعود السؤال: ما أسباب الجريمة؟ بل: هل الدولة قادرة على السيطرة أم لا؟ ولذلك تتحول السياسة من معالجة المشكلة إلى إدارة الخوف منها.

ثم جاءت جائحة كوفيد-19، وهي أزمة حقيقية لا تحتاج إلى اختراع. لكن الصراع انتقل سريعًا إلى سؤال: من المسؤول عن الأزمة؟ الصين، منظمة الصحة العالمية، الحكومات المحلية، الإعلام، الخصوم السياسيون... ولذلك أصبحت الأزمة الصحية أيضًا مجالًا لإنتاج خصوم سياسيين. أما انتخابات 2020 فكانت لحظة أكثر دلالة؛ إذ انتقل الخطاب من «أنا سأحل الأزمة» إلى «لقد حُرم الشعب من الحل». وأصبحت عبارة «الانتخابات المسروقة» إطارًا يفسر كل شيء: إذا رفض الإعلام الرواية فهو متواطئ، وإذا رفضها القضاء فهو منحاز، وإذا رفضها مسؤول انتخابي فهو جزء من المشكلة.

وهنا تصبح الأزمة شبه غير قابلة للتكذيب؛ لأن الدليل المخالف يمكن تحويله نفسه إلى دليل على المؤامرة. وهذه هي النقطة التي تلتقي فيها تجربة ترامب مع مفهوم روث فوداك عن «سياسات الخوف»: لا يشترط الخطاب الشعبوي أن يخترع الخطر، بل يكفي أن يجمع أخطارًا حقيقية ومتفرقة، ويضخمها، ويربطها في قصة واحدة، ثم يقدم نفسه بوصفه الشخص القادر على إنقاذ الجماعة().

يمكن اختصار هذه الآلية في معادلة تكاد تكون كاريكاتورية:( أمريكا في خطر ، هناك عدو ، أنا أعرفه ، الآخرون عاجزون أو متواطئون ، أعطوني السلطة ، سأحل الأزمة )، ما زالت الأزمة قائمة ؛ لأن الأعداء ما زالوا موجودين. وهنا تكمن المفارقة: القائد يحتاج إلى الأزمة بقدر حاجته إلى الوعد بحلها؛ فاختفاء الخطر الكامل يقلل الحاجة إلى المنقذ. لذلك يمكن أن يتحول الخوف إلى رأسمال سياسي: كلما بدا البيت مهددًا بالحريق، ازداد استعداد الناس للاستماع إلى رجل الإطفاء، حتى لو ظل هذا الرجل يصرخ طوال الوقت: «النار! النار!» وبذلك لا تعود الأزمة مجرد ظرف تستثمره الشعبوية، بل تتحول إلى بنية لإنتاج الخوف، وتفسير الفشل، وصناعة الخصوم، وإعادة شحن الولاء للقائد. إنها لا تحتاج إلى أن يكون الخطر حاضرًا دائمًا؛ يكفي أن يبقى حاضرًا في المخيلة

رابعًا: العاطفة بدل الحجة

لا تعمل الشعبوية بالعقل وحده، ولا بالعاطفة وحدها، وإنما تقوم على إعادة ترتيب العلاقة بينهما. فهي لا تمنع الجمهور من التفكير، لكنها تقدم له إطارًا عاطفيًا يسبق التفكير ويحدد مساره. الخوف يجعل بعض المعلومات أكثر إقناعًا، والغضب يجعل بعض التفسيرات أكثر قبولًا، والحنين يجعل الماضي يبدو أفضل مما كان، والأمل يجعل الوعود المستقبلية تبدو أقرب إلى الواقع.

ولهذا فإن الخطاب الشعبوي يكثر من المفردات التي تثير المشاعر: (الخيانة، الكرامة، المجد، المؤامرة، الخطر، الإنقاذ، الثورة، الشعب، الفساد، الأعداء). وهذه الكلمات لا تحمل معاني وصفية فقط، وإنما تحمل شحنة وجدانية تجعل المتلقي يتخذ موقفًا قبل أن يفحص الحجة.

إن المشكلة هنا ليست في حضور العاطفة في السياسة؛ فالعاطفة عنصر لا يمكن إلغاؤه من الحياة العامة. وإنما المشكلة حين تصبح العاطفة بديلًا عن البرهان، وحين يتحول الغضب إلى معيار للحقيقة، ويصبح حجم الاستجابة الانفعالية معيارًا لصحة الفكرة.

ويقدم ترامب مثالًا واضحًا على هذه الآلية. ففي قضية التجارة مثلًا، بدل الدخول في تعقيدات التعريفات الجمركية وسلاسل الإمداد وسوق العمل، تختصر الرسالة في عبارة من قبيل «الصين تسرق منا». فجأة تتحول التجارة الدولية إلى صورة كاريكاتورية: لصّ أجنبي يدخل البيت الأمريكي ويخرج حاملًا الوظائف في كيس! وفي الهجرة، تتحول قضية قانونية واقتصادية معقدة إلى سلسلة عاطفية قصيرة: (مهاجرون، مخدرات، جريمة، غزو، جدار).

أما شعار «Make America Great Again» فيعمل على العاطفة لا على التعريف. فهو لا يحدد: متى كانت أمريكا عظيمة؟ ولمن؟ وبأي معيار؟ لكنه يستدعي إحساسًا بمجد ضائع. وهنا يصبح الماضي الغامض أكثر فائدة سياسيًا من الماضي التاريخي؛ لأن الماضي الحقيقي مليء بالتناقضات، بينما الماضي الشعبوي صورة منتقاة لا تظهر فيها إلا الأشياء التي تصلح للحنين.

والأمر نفسه في «America First»: من السهل أن يتعاطف الجمهور مع فكرة أن تكون بلاده «أولًا»، لكن السؤال السياسي الحقيقي ــ أولًا في ماذا؟ وبأي ثمن؟ وعلى حساب من؟ ــ يختفي خلف الشحنة العاطفية للشعار. وتؤدي الاستعارات الوظيفة نفسها. فـ «Drain the Swamp» تحول التعقيدات المؤسسية في واشنطن إلى «مستنقع» يمكن تخيله فورًا، و«Fake News» تختصر نقاشًا معرفيًا كاملًا في حكم مسبق: (لا تقرأ، لا تفحص، لا تقارن؛ هذا خبر كاذب).

ولذلك تصبح العبارة ليست حجة، لكنها تؤدي وظيفة الحجة قبل أن تبدأ المناقشة. حتى الهتاف الجماهيري «Build the Wall!» يكشف انتقال السياسة من البرهان إلى الطقس العاطفي: القائد يطلق الشعار، الجمهور يردده، فينشأ شعور بالوحدة والانتماء. لم يعد المواطن يناقش سياسة الحدود؛ أصبح يهتف لهويته. وهنا تتجمع الآلية في ثلاثية شديدة البساطة: الخوف: «هناك غزو» ، نحن مهددون. الغضب: «لقد سرقوا بلدكم» ، هناك عدو يجب معاقبته. الحنين: «اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» ، هناك مجد ضائع.

ثم يأتي الأمل: «أنا سأعيده». وهذه هي النقطة الأخطر: قد تتحول الاستجابة الانفعالية نفسها إلى دليل على صحة الفكرة. إذا خفتَ، فلا بد أن الخطر حقيقي؛ وإذا غضبتَ، فلا بد أن الاتهام صحيح؛ وإذا شعرت بالفخر، فلا بد أن السياسة صائبة. وهنا ينقلب المنطق: بدل أن يكون الشعور نتيجة المعرفة، يصبح بديلًا عنها. لذلك فالمشكلة ليست في أن السياسة تستخدم العاطفة؛ فالديمقراطية تحتاج إلى مواطن يشعر بقدر ما يفكر.

المشكلة حين تصبح العاطفة وسيلة لإلغاء السؤال قبل البحث عن الجواب. فحق المواطن أن يخاف، لكن الخوف ليس دليلًا؛ ومن حقه أن يغضب، لكن الغضب ليس برهانًا؛ ومن حقه أن يحن إلى الماضي، لكن الحنين ليس تاريخًا. وهنا يمكن صياغة جوهر التقنية الشعبوية: لا تطلب من الجمهور أن يقتنع أولًا؛ اجعله يشعر أولًا، ثم سيبحث لاحقًا عما يبرر شعوره.

عند هذه النقطة تتحول السياسة إلى مسرح: القائد يطلق العبارة، والجمهور يطلق الهتاف، والهتاف يصنع الانتماء، والانتماء يحمي الرواية من النقد. ولذلك فإن الشعبوية لا تقول للجمهور: «صدّق لأن لديّ دليلًا»، بل تقول بصورة أكثر براعة: «صدّق لأنك تشعر». وهنا يصبح الخوف حقيقة، والغضب حجة، والحنين تاريخًا، والوعد إنجازًا؛ لا لأن الواقع تغير، بل لأن اللغة نجحت في تغيير الطريقة التي يُستقبل بها الواقع.

خامسًا: الرئيس بوصفه «علامة سياسية»

عندما تتكرر اللغة الشعبوية حول الرئيس، فإن الشخص يتحول تدريجيًا إلى علامة سياسية. لم يعد الرئيس فردًا له قرارات يمكن تقييمها، وإنما يصبح رمزًا لمعانٍ مثل القوة أو الكرامة أو الوطنية أو الاستقرار. وهنا يتحول نقد الرئيس إلى نقد للمعنى الذي يحمله، فيصبح الدفاع عنه دفاعًا عن «الوطن» أو «الشعب» أو «الكرامة».

وهذه هي إحدى أخطر صور الميثولوجيا السياسية التي يمكن قراءتها في ضوء بارت؛ إذ تتحول العلامة التاريخية إلى معنى يبدو طبيعيًا. فلا يعود السؤال: «ماذا فعل الرئيس؟»، بل يصبح السؤال: «هل أنت مع الوطن أم ضده؟». وبذلك ينتقل النقاش من مستوى الأداء السياسي إلى مستوى الولاء الرمزي.

إن هذه العملية تكشف كيف يمكن للغة أن تُشخصن الدولة. فبدل أن تكون الدولة مجموعة مؤسسات وقوانين، تصبح صورة شخص واحد. وبدل أن يكون نقد الحاكم جزءًا من الحياة الديمقراطية، يصبح نقده اعتداءً على الدولة نفسها. وهنا تصل اللغة الشعبوية إلى أخطر نتائجها: إلغاء المسافة بين الشخص والمؤسسة.

ويقدم دونالد ترامب نموذجًا واضحًا لذلك. فاسمه لم يعد عند مؤيديه مجرد اسم مرشح أو رئيس، بل أصبح اختصارًا لعالم سياسي كامل: القوة، أمريكا أولًا، مواجهة النخب، رفض الإعلام التقليدي، التشدد في الهجرة، والحنين إلى «عظمة» أمريكية مفقودة.

وهنا تصبح الشخصية نفسها حاملة للبرنامج. يظهر ذلك بوضوح في شعار MAGA والقبعة الحمراء. فالقبعة قطعة قماش، لكن ظهورها في تجمع سياسي يستدعي فورًا شبكة كاملة من المواقف والانتماءات. إنها لا تقول: «أنا أؤيد هذه السياسة تحديدًا»، بل تقول: «أنا من هذه الجماعة». وهنا تتحول العلامة السياسية إلى هوية اجتماعية. والأمر نفسه ينطبق على شعار «Make America Great Again». فهو لا يقدم تعريفًا دقيقًا للعظمة ولا يحدد متى كانت أمريكا عظيمة، بل يستدعي إحساسًا بماضٍ مجيد ضائع، ويضع ترامب ضمنيًا في موقع الشخص القادر على استعادته.

فالشعار لا يقدم برنامجًا بقدر ما يصنع صورة للمنقذ. أما عبارة «I alone can fix it»، التي قالها ترامب في مؤتمر الحزب الجمهوري عام 2016، فتكشف انتقالًا أكثر وضوحًا من المؤسسة إلى الشخص: «أنا وحدي أستطيع إصلاح الأمر». هنا لا يعود الحل مؤسسة أو سياسة أو فريقًا؛ يصبح الحل هو «أنا». وهذه هي الشخصية الشعبوية في أنقى صورها: القائد لا يمثل المشروع فقط، بل يصبح المشروع نفسه. وقد بلغت هذه الشخصنة كثافة رمزية استثنائية بعد محاولة اغتيال ترامب في يوليو 2024، حين انتشرت صورة قبضته المرفوعة وهو ينزف، وأصبحت لدى أنصاره رمزًا للصمود والتحدي. الواقعة تاريخية وحقيقية، لكن تحويلها إلى صورة للرجل «الذي لا يسقط» ينقلها من التاريخ إلى الأسطورة. وهذا بالضبط ما يفسر أهمية بارت: الميثولوجيا لا تحتاج إلى اختراع الواقعة؛ يكفي أن تمنحها معنى يتجاوزها، ثم تجعل هذا المعنى يبدو طبيعيًا. وهنا تظهر وظيفة العلامة: اختصار عالم سياسي كامل في صورة أو اسم أو شعار. ترامب، القبعة، القبضة المرفوعة، MAGA، «America First»؛ كلها علامات تستطيع أن تستدعي شبكة من المعاني دون الحاجة إلى شرحها. والخطر يبدأ حين يصبح الولاء للعلامة أقوى من تقييم الأداء. فإذا فشل الرئيس، يمكن تفسير الفشل بأنه نتيجة عرقلة المؤسسات؛ وإذا خسر، فالخسارة قد تصبح «خيانة»؛ وإذا هاجمته مؤسسة، تصبح المؤسسة جزءًا من المشكلة.

ولذلك تتحول العلامة إلى بنية شبه محصنة ضد النقد، لأن الوقائع نفسها يعاد تفسيرها لحماية الصورة. وهنا يحدث انقلاب ديمقراطي دقيق: ( الرئيس يمثل الدولة ، ثم يصبح رمزًا للدولة ، ثم يصبح الدفاع عن الدولة دفاعًا عنه ، ثم يصبح نقده اعتداءً على الدولة). وعند هذه النقطة يصبح السؤال الأخطر ليس: هل الرئيس على حق؟ بل: هل أنت معه أم ضدّه؟ ذلك أن السؤال الأول يطلب تقييم سياسة، أما الثاني فيطلب تحديد هوية.

وحين تنتصر الهوية على التقييم، يصبح المواطن مستعدًا للدفاع عن الشخص بسبب ما أصبح يعنيه، لا بسبب ما فعله. ومن هنا يمكن تلخيص الميثولوجيا السياسية في عبارة واحدة: حين يتحول الرئيس إلى علامة، لا يعود الناس يدافعون عن الرجل بسبب أفعاله؛ بل قد يدافعون عن أفعاله بسبب ما أصبح الرجل يعنيه. وهنا تختفي المسافة الضرورية بين الحاكم والوطن، والرمز والواقع، والشخص والمؤسسة. ولذلك ينبغي أن يستعيد النقد سؤاله البسيط والمقاوم للأسطورة: ماذا فعل الرئيس؟ لا: ماذا يعني الرئيس بالنسبة إلينا؟ فالأول سؤال سياسي قابل للمحاسبة، أما الثاني فقد يكون بداية الميثولوجيا.

سادسًا: من السلطة الرمزية إلى السلطة المادية

لا تظل هذه التحولات في المجال الرمزي. فعندما ينجح خطاب معين في إنتاج تصور اجتماعي مستقر، يمكن أن يتحول إلى سياسة. فإذا جرى تصوير جماعة باعتبارها خطرًا، قد تصبح مراقبتها أو إقصاؤها مقبولًا. وإذا جرى تصوير المعارضة بوصفها خيانة، يمكن تقييد مجالها السياسي. وإذا جرى تصوير المؤسسات باعتبارها عائقًا أمام «إرادة الشعب»، يصبح إضعافها فعلًا يبدو ضروريًا.

وهنا يمكن الاستفادة من تحليل بورديو للسلطة الرمزية؛ فالسلطة الرمزية تكون أكثر فعالية حين لا يشعر الخاضعون لها بأنهم خاضعون، بل يتعاملون مع التصنيف الذي تفرضه السلطة باعتباره وصفًا طبيعيًا للواقع(). وهذا هو جوهر الوهم السياسي: أن تُمارس السلطة دون أن تُرى بوصفها سلطة.

إن اللغة، في هذه الحالة، لا تقنع الناس فقط بقبول السلطة، وإنما تساعدهم على إعادة إنتاجها بأنفسهم. فالفرد الذي يكرر مفردات السلطة، ويصف خصومها بالأوصاف نفسها، ويساهم في نشر ثنائياتها، يتحول من متلقٍ للخطاب إلى حامل له. وهنا تنتقل الشعبوية من خطاب يصدر عن الرئيس إلى بنية خطابية موزعة في المجتمع. ()

تقدم تجربة دونالد ترامب مثالًا واضحًا على اللحظة التي تنتقل فيها اللغة من "إنتاج المعنى إلى إنتاج الفعل". فشعارات مثل :«ابنوا الجدار»، و«أمريكا أولًا»، و«جففوا المستنقع»، و«أوقفوا الهجرة غير الشرعية» لم تبقَ في فضاء الحملة الانتخابية؛ فعندما وصل صاحبها إلى السلطة، دخلت المؤسسات والميزانيات والأجهزة التنفيذية في عملية تحويلها إلى سياسات.

خذ " الجدار" مثلًا. بدأ بوصفه صورة سياسية تختصر الحدود بين «نحن» و«هم»، ثم صار وعدًا انتخابيًا، ثم سياسة حدودية، ثم أعمالًا مادية لبناء واستبدال قطاعات من الحواجز الحدودية.

وبذلك يمكن رسم المسار: (الكلمة ، الصورة ، الشعار ، القرار ، المادة." ، والأكثر دلالة هو خطاب الهجرة. فعندما يُعاد تعريف المهاجر غير النظامي بوصفه «خطرًا» أو «غزوًا»، يتغير السؤال من: ما السياسة الأنسب لمعالجة الهجرة؟ إلى: كيف نواجه هذا الخطر؟ وهنا تعمل السلطة الرمزية بالطريقة التي يصفها بورديو: لا تفرض النتيجة مباشرة، وإنما تجعل بعض النتائج تبدو طبيعية بعد تغيير اسم المشكلة. وقد ظهر ذلك بوضوح في سياسة «عدم التسامح» (Zero Tolerance) عام 2018، التي ارتبط تطبيقها بفصل أطفال عن ذويهم في سياق إنفاذ قوانين الهجرة.

هنا يصبح المثال بالغ القسوة: التصنيف اللغوي «تهديد» يمكن أن ينتهي إلى إجراء إداري يمس حياة أسرة حقيقية. والأمر نفسه ينطبق على استعارة «المستنقع». فما كان في الحملة صورة ساخرة عن النخبة السياسية والبيروقراطية أصبح، بعد الوصول إلى الحكم، إطارًا لتفسير الصراع مع مؤسسات وموظفين وإعلاميين ومسؤولين.

وذلك تتحول الاستعارة إلى منطق للحكم: إذا كانت المؤسسة «مستنقعًا»، فإن مقاومة قواعدها وأعرافها يمكن تقديمها باعتبارها «تنظيفًا». لكن السلطة المادية لا تمر دائمًا عبر أجهزة الدولة؛ فقد تمر عبر الجمهور نفسه. عندما تتكرر عبارة «Fake News»، أو «الدولة العميقة»، أو «الانتخابات المسروقة»، يبدأ أنصار القائد في إعادة إنتاجها دون حاجة إلى توجيه مباشر.

هنا تصبح اللغة ملكًا للجمهور، ويصبح المواطن حاملًا للخطاب وموزعًا له. وتظهر هذه العملية بوضوح في "MAGA"؛ فقد خرج الشعار من المنصة إلى القبعة والقميص والسيارة والمنشور الرقمي. أصبحت القبعة الحمراء تقول سياسيًا ما كان يحتاج إلى فقرة كاملة لشرحه. العلامة حملت الرسالة، والمواطن حمل العلامة. أما المثال الأكثر درامية فجاء بعد انتخابات 2020. فقد تحولت رواية «الانتخابات المسروقة» من خطاب سياسي إلى اعتقاد لدى قطاعات من الجمهور، ثم ارتبطت بتعبئة جماهيرية انتهت إلى اقتحام مبنى الكابيتول في 6 يناير 2021. ولا يمكن اختزال الحدث كله في خطاب ترامب وحده، لكن المثال يكشف بوضوح كيف يمكن لفكرة رمزية حول «سرقة إرادة الشعب» أن تنتقل إلى سلوك مادي في الشارع. وهنا تكتمل الدائرة التي تجمع بارت وبورديو والشعبوية: الاسم يغيّر المعنى، والمعنى يغيّر الإدراك، والإدراك يغيّر السلوك، والسلوك يعيد تشكيل الواقع.

وعند هذه النقطة لا تعود اللغة مجرد وسيلة لوصف السلطة؛ بل تصبح أحد أجهزتها. فحين يصبح المهاجر «غزوًا»، والإعلام «عدوًا»، والمؤسسة «مستنقعًا»، والانتخابات «مسروقة»، فإننا لا نغير الكلمات فقط؛ بل نعيد ترتيب المجال الذي ستتحرك فيه السياسة. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: قد يبدأ القرار بكلمة، ثم يصبح الواقع دليلًا على صحة الكلمة التي بدأت بها العملية.

سابعًا: الإعلام وتكرار الوهم

تضاعفت قدرة الخطاب الشعبوي على الانتشار مع وسائل الإعلام الحديثة والمنصات الرقمية. فالكلمة السياسية لم تعد مرتبطة بالمؤتمر أو الخطاب الرسمي؛ إذ يمكن لعبارة قصيرة أو مقطع مقتطع أن ينتشر في دقائق، ويُعاد إنتاجه آلاف المرات خارج سياقه الأصلي. ()

وهنا يصبح التكرار عاملًا معرفيًا. فالمعلومة المتكررة تبدو مألوفة، والمألوف يميل إلى الظهور بمظهر الصحيح. لكن التكرار لا يجعل العبارة صحيحة من الناحية المنطقية؛ إنه يجعلها فقط أكثر حضورًا في الوعي.

وهذا ما يجعل البيئة الرقمية مناسبة بصورة خاصة للشعبوية؛ لأن الرسائل المختصرة والثنائية والانفعالية أكثر قدرة على الانتشار من التحليل المركب. فالجملة التي تقول «نحن ضدهم» أسهل تداولًا من تفسير طويل لأسباب الأزمة الاقتصادية، كما أن صورة القائد بوصفه «منقذًا» أكثر قابلية للانتشار من تقرير مؤسسي عن أداء الحكومة () .

وتجربة دونالد ترامب تكشف هذه المفارقة بوضوح؛ فقد استطاع أن يجعل حسابه على تويتر منصة سياسية مباشرة، يطلق منها موقفًا أو هجومًا أو اتهامًا، فتنتقل عبارته خلال دقائق إلى شاشات التلفزيون والصحف ومواقع الأخبار ومنصات التواصل.

وهنا نشأت مفارقة تستحق التأمل: الإعلام الذي كان يريد مراقبة الرئيس وجد نفسه أحيانًا يعمل على نشره. تغريدة مثيرة تصبح خبرًا عاجلًا، والخبر يتحول إلى نقاش، والنقاش إلى آلاف المشاركات، ثم يعود ترامب ليهاجم الإعلام لأنه «مهووس به». وهكذا يدخل الطرفان في دائرة يستفيد منها السياسي والمنصة معًا: الأول يحصل على الحضور، والثانية تحصل على التفاعل. المشكلة إذن ليست في أن الإعلام يكرر الكذب فقط، وإنما في أنه قد يمنح الخطاب قيمة سياسية بمجرد منحه الانتباه. فإذا أصبحت عبارة مثل «Fake News» أو «Stolen Election» موضوعًا دائمًا للنقاش، فقد نجح الخطاب في فرض نفسه على المجال العام حتى لو كان النقاش كله لتفنيده.

وهنا يظهر الفرق بين إثبات الفكرة وإنتاج حضورها. فالعبارة لا تحتاج دائمًا إلى أن تكون مقنعة لكي تكون مؤثرة؛ يكفي أن تصبح مألوفة. والتكرار لا يحول الكذب إلى حقيقة، لكنه يجعله جزءًا من الذاكرة السياسية اليومية. وبعد زمن قد لا يتذكر الناس تفاصيل الادعاء، لكنهم يتذكرون أنه كان حاضرًا بكثافة. وهذا ما يجعل الإعلام الرقمي بيئة ملائمة للشعبوية.

فالمحتوى الأكثر إثارة للغضب أو الخوف أو السخرية أسرع انتشارًا من التحليل المتزن. عبارة مثل «هم سرقوا وظائفكم» تختصر تاريخًا اقتصاديًا معقدًا، بينما يحتاج تفكيكها إلى صفحات من الشرح. ولذلك يمكن القول ساخرًا: الكذبة تحتاج إلى جملة، أما الحقيقة فتحتاج إلى حاشية. لكن المسؤولية لا تقع على الجمهور وحده. فهناك اقتصاد كامل للانتباه يكافئ ما يثير التفاعل، وتستفيد المنصات من المحتوى الذي يدفع الناس إلى التعليق والمشاركة. وهكذا يلتقي منطق الشعبوية مع منطق الخوارزمية: كلاهما يفضل الرسالة القصيرة، الصادمة، الثنائية، والمشحونة عاطفيًا. ومن هنا يصبح نقد الإعلام أكثر عمقًا من مجرد مطالبته بـ«تصحيح الأخبار». السؤال الأهم هو: لماذا سمح لخطاب معين بأن يحدد موضوع النقاش أصلًا؟ فالصحافة قد تفند «الانتخابات المسروقة»، لكنها حين تجعلها العنوان الأول لأيام متتالية تكون قد منحتها حياة سياسية لم تكن تمتلكها.

وهنا تلتقي فكرة بارت عن الأسطورة مع مفهوم بورديو للسلطة الرمزية: من يفرض الكلمات لا يفرض الإجابات فقط، بل يحدد المجال الذي تُطرح داخله الأسئلة. ولهذا فإن الخطر الأكبر في الشعبوية الرقمية ليس أن يصدق الناس كل ما يقوله السياسي، وإنما أن يبدأوا في التفكير داخل قاموسه.

فحين تصبح «الأخبار الكاذبة»، و«المستنقع»، و«الدولة العميقة»، و«الانتخابات المسروقة» مفردات يومية، يكون الخطاب قد حقق انتصارًا يتجاوز التصديق والرفض معًا: لقد أصبح جزءًا من اللغة التي يفكر بها المجتمع في واقعه. وهنا تكمن المفارقة الأخيرة: قد يهزم الإعلام فكرةً شعبوية بالحجة، لكنه قد يساعدها على الانتصار بالاهتمام. ثامنًا: حين يصبح الوهم حقيقة اجتماعية

تبلغ اللغة الشعبوية ذروة قوتها عندما يتحول ما كان في البداية تمثيلًا لغويًا إلى واقع اجتماعي. فإذا تكرر أن هناك «عدوًا داخليًا»، بدأ المجتمع في البحث عنه. وإذا تكرر أن هناك «مؤامرة»، أصبح كل حدث دليلًا عليها. وإذا تكرر أن القائد وحده قادر على الإنقاذ، أصبح ضعف المؤسسات دليلًا إضافيًا على ضرورة وجوده.

وهنا تعمل اللغة بطريقة دائرية: الخطاب ينتج الاعتقاد، والاعتقاد ينتج السلوك، والسلوك ينتج الوقائع التي تؤكد الخطاب. فإذا أُضعفت مؤسسة بسبب تصويرها باعتبارها فاسدة، فإن ضعفها اللاحق يصبح دليلًا على فسادها. وإذا أُقصيت جماعة بسبب تصويرها باعتبارها خطرة، فإن عزلها الاجتماعي يمكن أن ينتج توترًا حقيقيًا، ثم يُستخدم التوتر دليلًا على خطورتها ().

إن هذا هو الانتقال الحاسم من الوهم إلى الواقع: لا يعود الوهم مجرد صورة خاطئة عن الواقع، بل يصبح قوة قادرة على إنتاج الواقع الذي تدعي وصفه.

وهنا تتحول اللغة إلى علاقة اجتماعية. فحين يوصف الإعلام باستمرار بأنه «كاذب»، لا تبقى الكلمة حكمًا على مضمونه، بل تصبح سببًا لتغيير سلوك الجمهور تجاهه. وحين يوصف الخصم بأنه «عدو»، يصبح التعامل معه بوصفه عدوًا أمرًا مشروعًا في نظر الجماعة. التسمية لا تصف الموقع الاجتماعي فقط؛ إنها تساعد على إنتاجه. وتظهر قوة هذه الآلية في MAGA. فقد بدأ الشعار علامة انتخابية، ثم صار هوية سياسية، ثم أصبح معيارًا لتصنيف الذات والآخر. لم يعد الفرد يقول: «أوافق على هذه السياسة»، بل: «أنا MAGA». وهنا ينتقل الخلاف من مستوى الرأي إلى مستوى الانتماء؛ ولذلك يصبح تغيير الموقف أكثر كلفة نفسيًا، لأنه قد يبدو تراجعًا عن الجماعة لا مجرد مراجعة لفكرة. والأخطر أن الخطاب قد ينتج أحيانًا الوقائع التي يدّعي اكتشافها. فإذا صُورت مؤسسة ما باستمرار باعتبارها فاسدة، تراجعت الثقة بها؛ وإذا تراجعت الثقة، ظهرت صدامات معها؛ ثم يأتي الخطاب ليقول: «ألم أقل لكم إنها لا تستحق الثقة؟».

بهذا المعنى لا يصبح الوهم حقيقة واقعية، لكنه يصبح حقيقة في نتائجه الاجتماعية. وهنا ينبغي التمييز بين الحقيقة والفاعلية: قد تكون الرواية خاطئة، لكنها تظل قادرة على إنتاج الخوف والاستقطاب والقطيعة والولاء. ولذلك لا يكفي تفنيد الادعاء؛ فالمشكلة أعمق من المعلومة، لأنها تتعلق بالبنية التي تجعل الادعاء جزءًا من هوية الجماعة. إن أخطر نجاح للشعبوية ليس أن تجعل الناس يصدقون كذبة، بل أن تجعلهم يتصرفون على أساسها. عندئذ تنتقل السلطة من اللغة إلى السلوك، ومن السلوك إلى الواقع، ثم يعود الواقع الجديد ليمنح اللغة مظهر الصدق. وهنا تكتمل الحلقة: الخطاب لا يكتفي بتفسير العالم؛ إنه، عندما ينجح، يجعل الناس يشاركون في صناعة العالم الذي ادعى الخطاب منذ البداية أنه موجود.

خاتمة: تفكيك الوهم يبدأ من تفكيك اللغة

إن دراسة اللغة الشعبوية تكشف أن السلطة السياسية لا تعمل فقط عبر القوانين والمؤسسات، وإنما تعمل كذلك عبر الكلمات التي تحدد ما يمكن التفكير فيه، وما ينبغي الخوف منه، ومن يستحق الثقة، ومن يستحق الإقصاء. ولذلك فإن مقاومة الوهم السياسي لا تبدأ فقط بالتحقق من الأخبار، وإنما تبدأ بتحليل البنية اللغوية التي تجعل خبرًا معينًا مقبولًا، وتفسيرًا معينًا طبيعيًا، وعدوًا معينًا ضروريًا.

والوعي النقدي هنا لا يعني رفض الخطاب السياسي أو الشك في كل ما يقال، بل يعني استعادة المسافة بين الكلمة والواقع. حين يقول الخطاب «الشعب»، نسأل: من هو الشعب؟ وحين يقول «الإرادة الشعبية»، نسأل: كيف تشكلت هذه الإرادة؟ وحين يقول «العدو»، نسأل: من حدده؟ وبأي دليل؟ وحين يقدم الرئيس نفسه بوصفه «صوت الأمة»، نسأل: ماذا يحدث للأصوات الأخرى؟

إن هذه المسافة النقدية هي التي تمنع تحول اللغة إلى قدر سياسي. فالديمقراطية لا تحتاج فقط إلى مؤسسات انتخابية، وإنما تحتاج أيضًا إلى مواطن قادر على مقاومة السحر اللغوي للسلطة؛ مواطن يعرف أن الكلمات ليست بريئة، وأن الصور السياسية لا تعكس الواقع دائمًا، وأن «الشعب» ليس صوتًا واحدًا، وأن الرئيس ليس الأمة، وأن الدولة ليست شخصًا، وأن الحقيقة لا تُقاس بقدرة الخطاب على إثارة التصفيق.

ومن هنا فإن تحرير المجال السياسي من الوهم يبدأ بتحرير اللغة من احتكار المعنى. فحين يستعيد المجتمع حقه في تعريف نفسه، وحقه في الاختلاف، وحقه في مساءلة من يتحدث باسمه، تتراجع قدرة الشعبوية على تحويل الوهم إلى حقيقة. عندئذ فقط تصبح اللغة وسيلة للتواصل السياسي، لا أداة لصناعة الواقع نيابة عن المجتمع.

***

ا. د. عامر عبد زيد الوائلي

 

استمرارًا للحوار الفكري الذي أثارته محاضرة الأستاذ الدكتور سيّار الجميل في وحدة الدراسات الثقافية حول الجامعة العربية وسبل النهوض بها وجعلها مؤسسات فاعلة وحية، أجدني مدفوعًا إلى مواصلة التأمل في الجامعة بوصفها أهم مؤسسة أكاديمية أنشأها العقل الإنساني الحديث، لا لأنها تحفظ المعرفة وتنقلها من جيل إلى جيل فحسب، وإنما لأنها المؤسسة التي يفترض أن تنتج المعرفة الجديدة، وتعيد تشكيل العقل، وتدرب الإنسان على التفكير النقدي، وتربط العلم بالمجتمع والاقتصاد والدولة والمستقبل.

وقد لفت الدكتور سيّار الجميل في محاضرته إلى فكرة بالغة الأهمية، مؤداها أن الجامعة في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس بعدد مبانيها، ولا بحجم ميزانيتها، ولا بعدد طلبتها الأجانب، وإنما بقدرتها على إنتاج معرفة جديدة، وتكوين إنسان قادر على الابتكار، وربط البحث العلمي بحاجات الاقتصاد والمجتمع. فالجامعة التي تستهلك المعرفة أكثر مما تنتجها، مهما بلغت فخامتها، تظل محدودة الحيوية والديناميكية.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية؛ لأن تاريخ التعليم العالي في العالم العربي يضعنا أمام مفارقة حضارية كبرى: كيف يمكن لمنطقة كانت من أسبق مناطق العالم إلى إنشاء مؤسسات التعليم العالي أن تتأخر لاحقًا عن مناطق لم تعرف الجامعة إلا بعد قرون؟

إن استعادة التاريخ ليست هنا استعادة للماضي من أجل التفاخر به، وإنما من أجل مساءلته. فالتاريخ الذي لا يساعدنا على فهم الحاضر يتحول إلى مجرد ذاكرة، والذاكرة التي لا تنتج سؤالًا جديدًا قد تتحول إلى أداة لتعويض العجز الراهن بأمجاد الماضي.

لننظر أولًا إلى خريطة نشوء مؤسسات التعليم العالي في المجال العربي والإسلامي. ففي تونس تعود جذور جامع الزيتونة إلى سنة 737م، وهو من أقدم مراكز التعليم الديني والعلمي في العالم الإسلامي. ثم جاءت جامعة القرويين في فاس بالمغرب، التي تأسست سنة 859م على يد فاطمة الفهرية، وكانت في بدايتها مسجدًا ومركزًا للتعليم، ثم أصبحت واحدة من أهم مراكز التعلم في الحضارة الإسلامية.

ثم جاء الأزهر الشريف في القاهرة في أواخر القرن العاشر الميلادي، وتؤرخ المصادر لتأسيسه بين 970 و972م، ليصبح عبر القرون أحد أهم مراكز التعليم العربي والإسلامي وفي بغداد ظهرت المدرسة المستنصرية في العصر العباسي، التي تأسست في القرن الثالث عشر، وكانت من المؤسسات العلمية المهمة التي جمعت تدريس علوم متعددة في مؤسسة واحدة. ثم انتقل العالم العربي إلى مرحلة جديدة في القرن التاسع عشر، مع ظهور مؤسسات التعليم العالي الحديثة ذات الطابع المدني والعلمي، في سياق مختلف تمامًا عن مؤسسات التعليم التقليدية.

وفي هذا السياق تأسست الجامعة الأمريكية في بيروت سنة 1866 تحت اسم الكلية السورية البروتستانتية، قبل أن تحمل اسمها الحالي سنة 1920. وهذه المؤسسة تمثل محطة مهمة في تاريخ التعليم الحديث في المنطقة العربية.

إذ تخرج منها بعض المفكرين والأدباء العرب الذين تركوا أثراً عميقاً في الثقافة العربية، مثل الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان، والمفكر وعالم الاجتماع هشام شرابي، والروائية إيملي نصر الله، والمفكر القومي والسياسي قسطنطين زريق، وقد ساهم هؤلاء في إثراء الفكر الأدبي والنهضوي العربي الحديث والمعاصر.

ثم جاءت جامعة القديس يوسف في بيروت سنة 1875، وظهرت في السودان كلية غوردون التذكارية سنة 1902، التي أصبحت لاحقًا جامعة الخرطوم. وفي مصر تأسست الجامعة المصرية سنة 1908، وهي التي أصبحت جامعة القاهرة، وبدأت الدراسة فيها في 21 ديسمبر من ذلك العام. ثم تأسست جامعة الجزائر سنة 1909، وظهرت الجامعة الأمريكية بالقاهرة سنة 1919، ثم تأسست جامعة دمشق بصورتها الجامعة سنة 1923، بعد جذور تعود إلى مؤسسات تعليمية سابقة. وبعدها جاءت جامعة الإسكندرية سنة 1938، ثم جامعة عين شمس سنة 1950، والجامعة اللبنانية سنة 1951، وجامعة بنغازي سنة 1955، وجامعة بغداد سنة 1957، وجامعة الملك سعود سنة 1957، وجامعة أسيوط سنة 1957، ثم جامعة حلب سنة 1958. وتأسست أول جامعة في عدن 1970م وفي عام 1971م تأسست جامعة صنعاء، وتأسست جامعة السلطان قابوس في مسقط عام 1986 وهناك ما يربوا على 700 جامعة عربية حكومية وخاصة، معظمها حديثة النشأة إذ نشأ أكثر من 80% منها بعد عام 1970م. ففي الجزائر 66 جامعة وفي المغرب 29 جامعة وفي تونس حوالي 30 جامعة ومؤسسة تعليم عالي. ففي اليمن وحدها اليوم أكثر من أربعين جامعة فضلا المعاهد والمؤسسات التعليمية الأخرى. هذا التوسع الكمي في الجامعات اليمنية أفضى إلى إنتاج عشرات الآلاف من حملة الشهادات الأكاديمية من النوع الاجتماعي، ورغم ما لهذا من ملامح إيجابية عامة في شيوع أهمية الجامعة وشهادتها، إلا أنه أفضى إلى جعل الجامعات أشبه بالمدارس التقليدية التي تمنح الشهادات لغرض البحث عن وظائف عمل ممكنة.

من المعروف أن إي فعل أو سلوك إذا ما تكرار يصير عادة وإذا ما ترسخت العادة صارت ثقافة! فلماذا لم يتحول العلم والتعليم في المجتمعات العربية الإسلامية إلى ثقافة ؟ وما الذي يفسر شيوع الخرافة والعنف والتعصب والتطرف والإرهاب بعد هذا المسار الطويل من نشوء المؤسسات العلمية العربية إذ تعد الجامعة مقوماً أساسياً من مقومات الدول العصرية، وركيزة من ركائز تطور المجتمعات البشرية وتحقيق تقدمها العلمي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، فضلاً عن كونها بيوتاً للخبرة ومعقلاً للفكر والإبداع، ومركزاً لانتقال الإنتاج والمعرفة وتطبيقها وبؤرة للتحديث والتجديد والتنوير والتغيير، وهي أهم وأخطر مؤسسة حديثة وإستراتيجية في تاريخ الحضارة الإنسانية، وذلك لإسهامها الحاسم في نهضة وازدهار مشروع الحداثة العلمية العقلانية في عموم الكرة الأرضية، وأهمية الجامعة لا تعود إلى قيمة وظائفها الأساسية الثلاث: المتمثلة في نقل المعرفة خلال وظيفة التدريس، أو في إنتاج وتطوير المعرفة وظيفة البحث العلمي أو في استخدام وتطبيق المعرفة وظيفة خدمة وتنمية المجتمع فحسب، بل وإلى كونها تعد المثل الأعلى لمؤسسات المجتمع المدني الحديث والإدارة البيروقراطية الرشيدة، وذلك بما تمتلكه من بنية تشريعية دقيقة التنظيم وإدارة فنية أكاديمية كفؤة وعالية الجودة وقيم ومعايير، وهيئة أكاديمية علمية قانونية وثقافية وأخلاقية وجمالية وحضارية وإنسانية وعقلانية شاملة.

إن الحضارات لا تعيش على رصيدها التاريخي إلى الأبد. فكل جيل مطالب بإعادة إنتاج شروط حاضره ومستقبله والعمل على استنهاض ممكناته للتصدي للتحديات التي تواجه في حياته الفورية المباشرة وتجاوزها إلى المستقبل. أما إذ تحولت الحضارة إلى مجرد حارس لماضيها، فإنها تبدأ في فقدان قدرتها على إنتاج المستقبل.

ولعل هذه هي إحدى المشكلات الكبرى في الثقافة العربية المعاصرة: أننا كثيرًا ما نتحدث عن «أمجاد الماضي» أكثر مما نتحدث عن «شروط المستقبل». نحتفي بأن لدينا أقدم جامعة، وأقدم مكتبة، وأقدم مدرسة، وأقدم مرصد، ثم لا نسأل السؤال الأكثر أهمية: ماذا ننتج اليوم؟

لقد امتلكنا الجامعة قبل أمريكا بقرون، لكننا لم ننجح دائمًا في تحويلها إلى نظام مستدام لإنتاج المعرفة فالمؤسسة التي ولدت من الحاجة إلى المعرفة يمكن أن تتحول إلى مؤسسة جامدة إذا فقدت الحاجة إلى السؤال. وما نحتاج إليه اليوم هو استعادة روح السؤال لا مجرد الاحتفال بتاريخ المؤسسة.

إن النهوض بالجامعات العربية يبدأ إذن من الانتقال من جامعة الذاكرة إلى جامعة المستقبل؛ من الجامعة التي تحفظ ما قيل إلى الجامعة التي تسأل عما ينبغي أن يقال؛ من جامعة الشهادة إلى جامعة المعرفة؛ من جامعة التلقين إلى جامعة التفكير؛ ومن جامعة تستهلك المعرفة إلى جامعة تنتجها.

وفي النهاية، فإن أقدم جامعة ليست بالضرورة أفضل جامعة، وأغنى جامعة ليست بالضرورة أكثر الجامعات حيوية، وأكبر جامعة ليست بالضرورة أكثرها تأثيرًا. الجامعة الحقيقية هي التي تستطيع أن تجعل المعرفة فعلًا اجتماعيًا، والعلم ثقافة، والبحث العلمي قوة إنتاج، والتعليم ممارسة للتحرر العقلي.

كتب توني هب في كتابه المهم (فجر العلم الحديث؛ الصين ألعرب والاسلام) ترجمة محمد عصفور عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية؛ قائلا: " كان العرب في كل حقول العلم .. في طليعة التقدم العلمي … إذ أن ما حققه العرب يثير الإعجاب إلى حد يدعو للتساؤل عن السبب الذي منعهم من اتخاذ الخطوة الأخيرة باتجاه الثورة العلمية الحديثة؟ ويضيف ” كان العرب قد وصلوا إلى حافة أعظم ثورة فكرية حدثت في التاريخ، ولكنهم رفضوا الانتقال من العالم المغلق إلى الكون اللانهائي) حسب تعبير(Koyre كويري). وبما أنهم عجزوا عن اتخاذ هذه الخطوة الخطيرة في بداية العصر الحديث، فإن البلاد الإسلامية لا تزال تتمسك بالتقاويم القمرية”

ويخلص (توني هب) إلى القول: “لقد ضيق مهندسو الشريعة واللاهوت في الحضارة العربية الإسلامية القدرات العقلية عند ألإنسان ورفضوا فكرة الفاعلية العقلية التي يتميز بها جميع بني البشر لصالح الرأي القائل إن على الإنسان أن يسير على نهج السلف وأن يتبع التقليد، وإن الأسلاف لم يتركوا شيئاً للآخلاف. أما الأوربيون القروسطيون فقد وضعوا تصوراً للإنسان والطبيعة كان فيه من العقل والعقلانية ما جعل النظرات الفلسفية واللاهوتية مجالات مدهشة من مجالات البحث التي كانت نتائجها لا هي بالمتوقعة.

كان العلم الحديث يحتاج إلى افتراضات ميتافيزيقية جديدة: الإيمان بانتظام الطبيعة، وقابلية العالم للفهم، وقدرة العقل الإنساني على اكتشاف القوانين والتحكم بها. وهذه الافتراضات لم تتحول في حضارتنا إلى وعي جمعي مؤسس، بل بقيت محاصرة داخل حدود ضيقة. ولذلك دخلنا العصر الحديث من بوابة التحديث القسري لا من بوابة الحداثة الفكرية اقصد المنطلقات الفلسفية للحداثة الاوروبية

لا شك إن ة العالم العربي شهد أنماطًا واسعة من التحديث منذ القرن التاسع عشر: جيوش حديثة، إدارات بيروقراطية، جامعات، مطابع، مدن إسمنتية، شبكات اتصال، وأخيرًا ثورة رقمية هائلة. لكن هذه التحولات بقيت في أغلبها سطحية لأنها لم تُنتج حداثة حقيقية في بنية العقل. استوردنا منتجات الحداثة دون أن نمرّ بالمخاض الفلسفي الذي أنجبها وهذا ما أفاض به عالم الاجتماع الفرنسي برتران بادي في كتابه المهم (الدولة المستوردة؛ تغريب النظام السياسي).

لهذا تبدو مدننا حديثة من الخارج وتقليدية من الداخل. نستعمل أحدث الهواتف الذكية بينما ما تزال علاقتنا بالسلطة والمعرفة والتاريخ محكومة بعقل ما قبل حداثي. ندخل عصر الذكاء الاصطناعي بينما لم نحسم بعد سؤال حرية التفكير. نعيش في قلب الموجة الرقمية الثالثة، لكننا ما زلنا عالقين في معارك الموجة الأولى المتعلقة بشرعية العقل ذاته.

إن الأزمة الحقيقية في المجتمعات العربية الراهنة ليست نقص التحديث، بل في غياب الحداثة بوصفها إطارًا فلسفيًا وأخلاقيًا. وهذا ما يفسر لماذا أخفقت محاولات النهضة العربية الحديثة في إنتاج قطيعة معرفية حقيقية مع الماضي. فمنذ رفاعة رافع الطهطاوي وحتى محمد عابد الجابري ظل السؤال المركزي هو: كيف نأخذ من الغرب قوته دون أن نفقد هويتنا؟ غير أن السؤال الأعمق كان ينبغي أن يكون: كيف نعيد بناء علاقتنا بالعقل والتاريخ والإنسان؟

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

ثمة لحظة يعرفها كل إنسان وإن لم يسمّها. ليست لحظة مأساة كبرى ولا صدمة وجودية مُفاجئة، هي أقل من ذلك وأشد إيلاما: تجلس في منتصف يوم عادي تماما، تنغمس في روتينك اليومي، وفجأة يتسلل إليك سؤال لم تدعُه: لماذا أفعل هذا؟ لماذا أستمر؟ ما الذي يجعل هذه الساعة، وهذا اليوم، وهذه الحياة، تستحق أن تُعاش؟ وقبل أن تجيب تجد الجواب يرفض دعوتك، أو يأتي مجوّفا، مستعارا من طقوس قديمة أو توقعات الآخرين أو مجرد خوف من التوقف. هذه اللحظة بالذات هي ما سمّاه ألبير كامو "الشعور بالعبث"، وجعل منها نقطة انطلاق لفلسفة كاملة لا تستسلم ولا تكذب، بعيدا عن منطق المرض الذي يُعالَج او المزاج الذي يُصرف النظر عنه.

كامو ولد في الجزائر عام 1913 لعائلة فقيرة من المعمّرين الفرنسيين. عاش طفولته في ظل العوز والغياب والمرض، أصيب بالسل وهو في التاسعة عشرة، فأبعده ذلك عن الفلسفة الأكاديمية التي كان يحلم بها. ومع ذلك، أو ربما بسبب ذلك، طوّر كامو حساسية فلسفية خاصة به لا تنتمي بالكامل لأي مدرسة. صنّفه كثيرون وجوديا فرفض التصنيف. قرّبه سارتر من فلسفته فاختلف معه اختلافا أدى إلى قطيعة شهيرة في الخمسينيات حول السياسة والتاريخ والحرية. كامو كان يسمع بأذنيه الاثنتين: أذن الفيلسوف وأذن الأديب، وكان يرفض أن يصم إحداهما لإرضاء الأخرى.

في ثلاثة أعمال متزامنة قدّم كامو من خلالها فلسفة العبث، رواية "الغريب" التي جسّدت العبث سردياً في شخصية مورسو الذي يعيش بلا انفعال مُصطنع أمام أحداث الحياة والموت على حدٍّ سواء، ويُعاقَب في نهاية المطاف لأنه رفض أن يُمثّل ما لا يشعر به، ومسرحية "كاليغولا" التي مثّلت مآل إنسان يكتشف العبث ثم يستجيب له بالعنف المطلق كأنه يُعاقب الكون على صمته، وأخيراً المقال الفلسفي "أسطورة سيزيف" الذي وضع الإطار النظري الكامل لهذه الفلسفة. هذه الأعمال الثلاثة معا لا تقرأ العبث من الخارج، بل تسكنه من الداخل وتجعله تجربة مُعاشة قبل أن يصبح موضوع بحث. فالعبثية عند كامو لا تبدأ من الكون، بل تبدأ من التصادم. الإنسان يحمل في داخله نهما لا يُشبع نحو الوضوح والمعنى والوحدة والاستمرار، رغبة في فهم العالم، أن يعرف موضعه فيه، أن يجد ما يُبرر وجوده لنفسه بشكل يطمئن إليه، والكون من جهته صامت تماما، لا يجيب ولا يرفض صراحة، لا يعدك ولا يخذلك، يكتفي بأن يكون بلا اكتراث مرئي. هذا التصادم بين رغبة الإنسان في المعنى وصمت العالم المطبق هو ما يسميه كامو "العبث". ليس خاصية الإنسان وحده، وليس خاصية العالم وحده، بل هو الاحتكاك الدائم بينهما على المسرح الذي تقع فيه الحياة الإنسانية.

المشكلة الفلسفية الوحيدة الجدية، في رأي كامو، هي الانتحار. هذه الجملة التي يفتتح بها "أسطورة سيزيف" صادمة بحدّتها المتعمدة، وهي أبعد ما تكون عن الاستفزاز البلاغي. يريد كامو أن يُحدّد الرهان الحقيقي: إذا كانت الحياة بلا معنى، ففيمَ نستمر؟ هذا السؤال أولى من أسئلة المنطق والمعرفة والوجود لأنه يسبقها جميعا،  فقبل أن تسأل عن معنى الوجود، ينبغي أن تقرر أولا إن كنت ستواصل الوجود. الانتحار إذن، كفكرة فلسفية لا كاختيار شخصي، هو السؤال الحقيقي الذي يختبر صدق الإنسان مع نفسه في مواجهة عبثه.

يرفض كامو ثلاثة مخارج يراها خيانات للفكر. المخرج الأول هو الانتحار الجسدي ذاته: الاستسلام للعبث بدل مواجهته، ورفضه بالغياب بدل مقابلته بالحضور، فالانتحار لا يحلّ العبث، بل يُخرج الإنسان من المعادلة دون أن يجيب عن سؤالها. المخرج الثاني هو ما يسميه الانتحار الفلسفي: القفزة نحو إيمان ديني أو نظام فكري يدّعي أنه حسم السؤال وأعطى الوجود معنى يطمئن إليه العقل ويسكن إليه القلب. كامو لا يُقلّل من الإيمان كتجربة إنسانية عميقة، لكنه يرفضه كموقف فلسفي لأنه يتجاوز العبث بدل أن يواجهه ويقفز فوق الهوة بدل التحديق فيها والعيش على حافتها. يسمّي هذا "القفزة"، ويرى مثاله في كيركيغارد الذي أقرّ باللامعقول ثم قفز إليه كإله، وفي ياسبرس الذي عاين حدود الوجود ثم لجأ إلى مفهوم "التسامي". المخرج الثالث هو الاستسلام الإذعاني: الاستمرار في الحياة لا لأن الإنسان اتخذ قراراً واضحا، بل لأنه لا يفكر كثيرا، ينزلق في العادة ويملأ الوقت بالانشغال ويُرجئ السؤال إلى ما لا نهاية له. هذا النوع أكثر شيوعاً وأقلها اعترافاً بنفسه، وهو شكل من أشكال الجبن الوجودي المُقنَّع بالواقعية.

التمرد، هو البديل الذي يقترحه كامو. لكن "التمرد" هنا لا يعني الثورة بالمعنى السياسي ولا تغيير العالم ولا الاعتراض على صمته بالصراخ. إنه أدق من ذلك وأقل تصريحاً وأكثر عمقاً: هو الإصرار اليومي على العيش في وضوح كامل أمام العبث، دون أن يزوّد هذا الوضوح بأمل زائف أو يخفّف باعتقاد مريح. الإنسان المتمرد كما يتصوره كامو، يعيش كل يوم وهو يعرف أنه لن يجد جوابا نهائيا، ويستمر رغم ذلك. ليس بحثاً عن البطولة ولا لإثبات شيء لأحد، بل لأن هذا الاستمرار ذاته، في وعيه الكامل وانفتاح عينيه، هو الشكل الوحيد من الحرية المتاح للإنسان في عالم لم يُعطَ منه موثوقٌ على المعنى.

سيزيف يجسّد هذا كله في صورة لا تنسى. الملك الأسطوري الذي خدع الآلهة وأصرّ على الحياة حتى حين أمر بالرحيل، يُعاقَب بأن يحمل صخرته إلى قمة الجبل إلى الأبد، وما إن تبلغ القمة حتى تتدحرج وينزل خلفها، ويبدأ من جديد بلا توقف ولا نهاية. إنه الصورة المكثّفة للوضع الإنساني: عمل متكرر لا ينتهي، جهد بلا نتيجة تستحق الجهد، حياة تُصرف في تحصيل ما يتبخر حين يُحصَّل. غير أن كامو يضيف ما لم تقله الأسطورة اليونانية قط: "ينبغي أن نتصوّر سيزيف سعيداً". ليس لأن عقوبته عادلة، وليس لأنه توهّم أن الصخرة ستقف عند القمة يوما. سعادته تأتي من شيء آخر تماما: من وعيه التام بوضعه، ومن رفضه أن تملكه الصخرة فيما هو يحملها. في اللحظة التي تتدحرج فيها الصخرة وينزل سيزيف خلفها، تلك اللحظة بالذات هي لحظته هو خارج العقوبة، خارج الآلهة، خارج المعنى المفروض. الجبل نفسه يمكن أن تكون فيه سعادة.

فرانز كافكا، الذي لم يكن فيلسوفاً بالمعنى الأكاديمي، جسّد العبثية في نسيجه السردي بعمق مباشر لا يبلغه كثير من الفلاسفة بآليات الحجة. في "المحاكمة"، يُستدعى يوزيف كا إلى محاكمة لا يعرف تهمته ولا المحكمة التي تحاكمه ولا القانون الذي تنتهكه أفعاله. يقضي الرواية كلها يحاول أن يفهم الآلية التي تُدينه بها، دون أن يصل إلى شيء، ويُنفَّذ فيه الحكم في النهاية دون أن يعرف ما الحكم. في "القلعة"، يسعى "ك" طول الرواية إلى الوصول إلى قلعة تمنحه الاعتراف بوجوده، فيجد الطرق تتعرج وتنقطع والأبواب تُفتح لتُغلق أمامه، والقلعة موجودة وتُرى لكنها غير قابلة للبلوغ. هذا بالضبط ما تبدو عليه الحياة حين تُنظر إليها بصدق تام دون أن تُقنع نفسك بأن ثمة "قلعة" في الأفق تستحق الانتظار اللانهائي.

كتب كامو في سياق الحرب العالمية الثانية، والجزائر المستعمَرة، والأيديولوجيات الشمولية التي بدت له في شقّيها الستاليني والنازي، نموذجا مأساويا للإنسان الذي لا يطيق العبث فيلقي بنفسه في أحضان "المعنى الكبير"، المعنى الذي يُسوّغ كل شيء بما فيه القتل والقهر والتدمير. وهنا يصبح التمرد الكاموي موقفا سياسيا أيضا، لا فلسفيا فحسب: رفض الاستسلام للأيديولوجيا، رفض القفز إلى أي "معنى جماعي" يُخرس السؤال ويُريح الضمير بدم الآخرين. العيش بلا أوهام والتمسك بكرامة الإنسان الفرد أمام كل نظام يطحنه لصالح "الهدف الأعلى" هذا هو ما يُسميه كامو التمرد الحقيقي.

***

عبد الرحيم الجرودي

بقلم: روزا كامبل

ترجمة: د. محمد غنيم

***

حتى قبل تقرير شيري هيت، رفض حتى أكثر علماء الجنس جرأةً الاستماع إلى ما ترغب فيه النساء وما يكرهنه في الجنس

في عام 1972، ركبت شيري هيت، عارضة أزياء بلاي بوي السابقة التي تحولت إلى باحثة نسوية في مجال الجنس، دراجة نارية وتجولت في مانهاتن. مع انسياب خصلات شعرها الأشقر الفراولي من تحت الخوذة، وشفتيها الورديتين المرئيتين تحت حاجب العين، وفستان دانتيل عتيق يرفرف خلفها، كانت توزع استبيانات على أي امرأة تقبل أخذ واحد. كان الموضوع كله عن الجنس. عبر 58 سؤالاً، سألت هيت: "هل يمكنكِ وصف شعور النشوة الجنسية بالنسبة لكِ؟"؛ "هل تشعرين بالحرية لفعل كل ما ترغبين فيه [في الجنس]، أم تظنين أن الشخص (أو الأشخاص) الآخر(ين) سيصدم(ون)؟"؛ "هل تعتقدين أن الجنس سياسي بأي شكل من الأشكال؟" شكلت الإجابات أساس الكتاب الأكثر مبيعاً في علم الجنس النسوي تقرير هيت: دراسة وطنية عن الحياة الجنسية للمرأة  1976 ). بيع منه 50 مليون نسخة.)

كان هذا من بين الكتب الأولى التي سألت النساء عن شعورهن تجاه الجنس، بدلاً من إخبارهن بما يجب أن يشعرن به. كان استفزازه الكبير هو أن معظم النساء الأميركيات كن غير راضيات جنسياً: 70% منهن لا يستطعن الوصول إلى النشوة من الجماع المهبلي بل يحتجن إلى تحفيز البظر؛ نسبة كبيرة من النساء تزعجن النشوة الجنسية. لا يزال تقرير هيت يحتل المرتبة 30 ضمن الكتب الأكثر مبيعاً على الإطلاق، وأحد أكثر الكتب قراءةً في القرن العشرين. ومع ذلك، اليوم، اختفى هذا الكتاب ومؤلفته تقريبا.

بحلول أوائل السبعينيات، كانت نسبة الشابات في الولايات المتحدة اللواتي أبلغن عن ممارسة الجنس قبل الزواج حوالي 62% - متجاوزة نسبة 7.6% لمن ولدن قبل عام 1900. كانت حبوب منع الحمل متاحة على نطاق واسع - 10 ملايين امرأة تستخدمها - مما فصل الجنس عن الإنجاب لأول مرة في التاريخ. كما أن إدخال الطلاق غير القائم على الخطأ في كاليفورنيا عام 1969 (تلته ولايات أخرى قريباً) يعني أن النساء يمكنهن التحرر بسهولة أكبر من الزيجات غير السعيدة. في خضم هذه الثورة الجنسية المربكة، نشرت شيري كتابها تقرير هيت.

وجدت هيت أن الثورة الجنسية تعني مزيداً من الجنس للنساء، ولكن ليس جنساً أفضل. بالنسبة للعديد من النساء اللواتي شملتهن دراستها، كان الجنس لا يزال يتبع نمطاً مشابهاً وغير مرضٍ وصفته إحدى النساء بأنه "قبلة صغيرة، لمسة صغيرة، إصبع للإثارة، لمسة للثدي وهو في الأعلى، بوم، انتهى الأمر". بشكل ثابت، كانت نشوة الرجل تحدد نهاية الجنس. لاحظت إحدى النساء، التي حررتها الثورة الجنسية لتكون لها عشاق كثيرون، أن "أنا بدأت أعتقد أنه يجب أن يكون هناك شيء مثل "نظام روبرت للقواعد" الجنسي الذي يتبعه كل رجل". حتى كتاب أليكس كومفورت واسع القراءة بهجة الجنس (1972) لم يستطع الابتعاد عن السيناريو الجنسي الذي يعتبر الجنس المهبلي هو قطعة المقاومة الرئيسية. (علّقت امرأة مثلية سوداء ملأت الاستبيان الأصلي، الذي استند عليه تقرير هيت، بأنها "لم تكن تعتقد الكثير" في مساهمة كومفورت). شعرت النساء أيضاً أنهن خلال الثورة الجنسية "فقدن حقهن في قول "لا"". قالت إحدى النساء لهيت: "معظم الرجال لم يهتموا بأمر ما إذا كنت أرغب في ممارسة الجنس معهم أم لا؛ إذا لم أرغب في مضاجعتهم، كانوا ... يحاولون إلقاء محاضرة عليّ لأكون "حرة"". كان عدم المساواة الجنسية يتسرب عبر الثورة.

كان مسار هيت إلى النسوية غير معتاد. بينما كانت مسجلة في برنامج دكتوراه في جامعة كولومبيا في نيويورك، عملت كعارضة أزياء، أحياناً في وظائف أزياء، وأحياناً في أفلام إباحية (التي كانت تدفع أفضل)، ووظفتها شركة أوليفيتي للآلات الكاتبة لتظهر في إعلان. ولكن، كما تذكرت هيت لاحقاً، عندما نُشر الإعلان، وجدت صورتها تظهر تحت عنوان جنسي: "الآلة الكاتبة ذكية لدرجة أنها لا تحتاج إلى أن تكون كذلك". دفع ذلك فرع نيويورك من المنظمة الوطنية للمرأة (NOW) إلى إطلاق احتجاج. ساروا في مانهاتن بلافتات تعلن "لا تغرقوا في بركة كاتبات أوليفيتي". كانت هيت مسرورة بالدعم. اتصلت بـ NOW وسرعان ما انخرطت في الحملات السياسية ومجموعات رفع الوعي (CR)، التكتيك الرئيسي لتحرير المرأة.

في مجموعات رفع الوعي، كانت النساء يجتمعن في مجموعات صغيرة للحديث عن كيفية تشكيل المجتمع الذكوري لهن، غالباً ضد مصالحهن الخاصة. كنّ يتناوبن على الإجابة عن أسئلة مثل "كيف تشعرين تجاه الأعمال المنزلية؟" و"كيف تشعرين تجاه التقدم في العمر؟". أدركت النساء أن مشاعرهن ، التي غالباً ما تكون سيئة ، هي سياسية، نتيجة لعالم غير متكافئ بعمق، وليست إخفاقات فردية خاصة بهن. غالباً ما وصفت هذه اللحظة من رفع الوعي بأنها "نقرة": كان هناك سبب سياسي لبؤسهن الشخصي. كانت المشاعر شكلاً من أشكال الخبرة. يمكن للنساء اتباعها لرسم صورة جماعية لما تبدو عليه الحياة كنساء، وما الذي يحتاج إلى التغيير، وكيف يمكنهن المضي قدماً في ذلك. لكن هيت لاحظت شيئاً آخر في مجموعات رفع الوعي. تحدثت النساء عن مشاعرهن تجاه كل جانب من جوانب الثقافة والمجتمع ، باستثناء الجنس. حتى في هذه المجموعات، كان الجنس لا يزال يُعتبر مسألة خاصة وشخصية، وحتى مخزية.

نشرت مجلة إباحية استبيان هيت "في سبيل تحسين التواصل [مع] النساء"

كان هناك بعض الكتابات النسوية عن الجنس. في أسطورة النشوة المهبلية (1970)، جادلت آن كويدت بقوة بأن جميع حالات النشوة هي بظرية. احتفت إيريكا جونج، في روايتها الخوف من الطيران (1973)، بمتع "المضاجعة غير الملتزمة" (لقاء جنسي دون التزام أو عاطفة). تناولت رواية نانسي فرايداي حديقتي السرية (1973) بالتفصيل أكثر تخيلات النساء صراحة. كانت أعمال فرايداي وجونج من الأعمال الأكثر مبيعاً، وأفادت العديد من النساء اللواتي ملأن استبيان هيت الأصلي بقراءتهن. لكن كيف تتطابق هذه التصريحات والحسابات الخيالية والرغبات الجامحة مع حقيقة الحياة الجنسية للنساء؟ لمعرفة ذلك، اقترحت هيت عقد مؤتمر لرفع الوعي يستمر لعطلة نهاية الأسبوع لمناقشة الجنس، بصراحة. لكن رفيقاتها، مع ذلك، كن مذهولات، بل مرتعبات؛ احتجت إحدى النساء: "هل تعتقدين أنني سأقف وأخبر الجميع عن كيفية بلوغي النشوة الجنسية!" للتغلب على خجل النساء وخجلهن من الجنس، طورت هيت استبيانها المجهول.

انتشر استبيان هيت إلى ما هو أبعد من الحركة النسوية. أولاً، وزعته في نيويورك، وسرعان ما كانت ترسل 100,000 نسخة عبر مجموعات حقوق الإجهاض والنشرات الكنسية. أعادت مجلات بريدز و مادموازيل إنتاج الاستبيان، ونشرته مجلة إباحية أوي "في سبيل تحسين التواصل [مع] النساء"، إلى جانب لوحة وسطية لـ"فتيات أفضل من الشهر الماضي". مرره الرجال لزوجاتهم وصديقاتهم، وأظهرته النساء اللواتي صادفن الاستبيان بأعين مذهولة لصديقاتهن، وأمهات مررنه لأخوات، ومعلمات لطالبات.

كشفت الردود على الاستبيان عن شيء مفاجئ. التأثير الرئيسي على الحياة الجنسية للعديد من النساء لم يكن النسوية أو الثورة الجنسية، بل التحليل النفسي. في كتاب فرويد' ثلاث مقالات في النظرية الجنسية (1905)، قام فرويد بزرع أفكار الأشكال الناضجة/ غير الناضجة والسليمة/ المختلة للجنس الأنثوي على المهبل والبظر، على التوالي. وفقاً لفرويد، تجد الفتيات المتعة في بظرهن، تماماً كما يفعل الأولاد الصغار في قضيبهم، ولكن مع نضوج الفتيات ليصبحن نساء، ينتقل مركز المتعة من البظر إلى المهبل بينما تضع النساء "ذكوريتهن الطفولية جانباً". في المرأة الناضجة المغايرة جنسياً، وضع فرويد الإيروتيكي والإنجابي في نفس المكان: المهبل.

كما رأى فرويد، فإن البظر سينقل "الإثارة إلى الأجزاء الجنسية المجاورة" بشكل طبيعي تماماً كما تساعد "نشارة الصنوبر" في "إشعال جذع من الخشب الأكثر صلابة". كان "الجذع" الذي يشير إليه هو المهبل - ولكن هذا التشبيه كان زلة فرويدية وحشية، تكشف لمن كانت النشوة المهبلية، ولمن ستزيد متعته، وحدود سياسات فرويد الجندرية الخاصة. إذا كانت النساء البالغات لا يستطعن بلوغ النشوة مهبلياً لأن "فتحة المهبل" ظلت "مخدرة"، فذلك بسبب عدم نضجهن الجنسي. أوصى فرويد بمعالجة ذلك بالتحليل النفسي. بمعنى آخر، كان عدم القدرة على بلوغ النشوة مهبلياً يُعتبر مرضاً عقلياً.

بحلول السبعينيات، كانت المشكلة مع المحللين النفسيين الجدد المحافظين. العديد من النساء اللواتي لم يستطعن بلوغ النشوة مهبلياً تم إرسالهن إلى العلاج النفسي الفرويدي، الذي تبنى تماماً معاداة النسوية منذ الأربعينيات فصاعداً. كما أظهرت المؤرخة جين جيرهارد في التوق إلى الثورة (2001)، رأى المحللون النفسيون أن الجنس الإنجابي المغاير هو النموذج الوحيد للأنوثة "الناضجة". في العلاج، قيل للنساء أن عدم بلوغهن النشوة المهبلية هو نتيجة لعرقلة عصبية ونواقص في النفس، وصدقن ذلك. قالت إحدى النساء لهيت: "يمكنني بلوغ النشوة مع التحفيز البظري لكنني لم أحظَ أبداً بواحدة مع الجماع. هذا هو خوف محض... ساعدني معالجي في رؤية ذلك". تحدثت أخرى عن كيف توصلت إلى اعتبار النشوة البظرية "أنانية أو طفولية (بفضل فرويد، على ما أظن)".

أصر المحللون النفسيون الجدد المحافظون على النساء أن عدم قدرتهن على بلوغ النشوة مهبلياً هو عرض جسدي لرفضهن النفسي للتكيف مع دورهن كنساء. كان هذا هو الثمن الذي دفعنه لرفضهن مكانتهن السلبية والأمومية في غرفة النوم والأسرة. امتدت الفكرة إلى ما هو أبعد من عيادة المعالج. حتى لو لم تكن النساء في علاج، رأت هيت، مثل بيتي فريدان قبلها، أن "تأثير هذه النظريات النفسية على النساء كان قوياً ومنتشراً... هذه النظريات غير المبنية على أسس والمعادية للنساء [تُكرر] بلا نهاية" في مجلات النساء، والأفلام، وكتب الزواج. في الاستبيان، استخدمت النساء اللغة العلاجية مراراً وتكراراً لتوبيخ أنفسهن: "يجب أن أترك، أسترخي وأثق، وأتخلص من محظوراتي ودفاعاتي".

لهذا السبب كتبت كبرى المفكرات النسويات مثل هيت وفريدان وشولاميث فايرستون وكيت ميليت ضد التحليل النفسي. كما رأينه، ساعد العلاج النساء على قبول ما لا يمكن قبوله والتكيف مع الظروف من حولهن، بدلاً من تغيير تلك الظروف. كتبت هيت: "تمنيت لو كان بإمكاننا استعادة كل الوقت والطاقة التي أنفقناها في لوم أنفسنا. وكل الأموال التي أنفقناها "في التهافت على الأطباء النفسيين"... أود أن يكون لدي ما كنا لنبنيه بتلك الطاقة."

من خلال النظر إلى الجنس من خلال عدسة النسوية، وجدت هيت أنه كان مليئاً بالقوة وعدم المساواة

في استبيانها، سألت أيضاً عن علم الجنس الحديث: "هل قرأتِ الدراسات العلمية الحديثة لماسترز وجونسون عن الاستجابة الجنسية البشرية...؟ ما رأيكِ فيها؟ ماذا عن كينزي؟ أي كتاب آخرين؟" تساءلت عما إذا كان هذا العمل الأحدث سيساعد النساء على قلب السيناريو الجنسي. عمل عالم الأحياء ألفريد كينزي خلال الأربعينيات والخمسينيات، وكان مهتماً بكيفية ممارسة الناس للجنس فعلياً، بما يتجاوز ما تمليه الأعراف الاجتماعية. من خلال مقابلات متعمقة مع 18,000 شخص، سعى لمعرفة كيف يمارس الناس الجنس، ومع من، وكم مرة. سأل بلا خوف: هل يمارس الناس الجنس خارج إطار الزواج؟ مع أشخاص من نفس الجنس؟ في الأماكن العامة؟ مع الحيوانات؟ نشر تقارير كينزي في 1948 (عن الرجال) و1953 (عن النساء)، وبعد ذلك سُمي تقرير هيت. كما أوضحت هيت في برنامج ذا مايك دوغلاس شو عام 1982: "قام كينزي بخدمة بوضع خريطة لعدد مرات ممارسة الناس لماذا مع من. لكن مجال اهتمامي كان مختلفاً بعض الشيء، سألت الناس لماذا تفعلون ذلك؟، كيف تشعرون حيال ذلك؟ و هل ترغبون في أن تكونوا مختلفين؟ هل ترغبون في أن تكون الأمور مختلفة؟ لذا فأنا أحاول حقاً رسم صورة أكبر للمجتمع وكيف يشعر الناس داخل ذلك المجتمع."

كان طبيب النساء ويليام ماسترز وعالمة الجنس فيرجينيا جونسون مهتمين بالاستجابات الجسدية للناس تجاه الجنس. أجريا مراقبة مخبرية مباشرة لما يقرب من 10,000 فعل جنسي من أواخر الخمسينيات إلى 1965. دعوا متطوعين - في البداية عاملات جنس - ووصلوهم بأسلاك، مما مكنهم من قياس معدل ضربات القلب أثناء الجنس والانقباضات أثناء النشوة. لاحظوا نساء يمارسن الجنس باستخدام قضيب اصطناعي زجاجي سمي بشكل غير محتمل يوليسيس. سمح ضوء وكاميرا داخل يوليسيس لهم برؤية داخل المهبل أثناء الجنس، ومراقبة لحظة النشوة. أدى هذا إلى الاستنتاج، المهم لـ تقرير هيت، أن جميع حالات النشوة عند النساء هي نشوات بظرية، وأن النساء اللواتي يبلغن النشوة من الجماع يفعلن ذلك لأن البظر يتم تحفيزه بشكل غير مباشر بواسطة القضيب. أعطتهم نتائج ماسترز وجونسون الفرصة لعزل الاختراق باعتباره أعلى شكل من أشكال الجنس ،ورفع العادة السرية، والتحفيز البظري، والجنس المثلي كاحتمالات. للأسف، لم يفعلوا ذلك. بدلاً من ذلك، اقترحوا فقط أن معظم النساء يمكنهن بلوغ النشوة من التحفيز غير المباشر للبظر أثناء الاختراق، وأن هذا تلقائي، جزء من المسار "الطبيعي" للجنس.

استنتجت هيت أن ماسترز وجونسون لم يقترحا أبداً التحفيز البظري المباشر للنساء لأنهما "استمرا في النظر إلى الجنس من خلال عوائق ثقافية معينة". كانت دبلوماسية هنا؛ كان هذان الباحثان ملتزمين بشدة بالزواج الأحادي المغاير كأعلى شكل من أشكال العلاقة. من عام 1968، أدارا برنامجاً علاجياً لـ "الرجال المثليين غير الراضين"، لمساعدتهم على "التحول" إلى المغايرة الجنسية، والذي استمر لفترة طويلة بعد إزالة المثلية الجنسية من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية كاضطراب نفسي في عام 1973. عكست أفكار ماسترز وجونسون عن النساء أيضاً القيم الجنسية للزوجين. إذا كانت النشوة للنساء أمراً مفروغاً منه، فهذا يعني أنه لم تكن هناك حاجة للرجال لممارسة الجنس بشكل مختلف؛ يمكنهم الحفاظ على الجنس المتوقع الذي يخدمهم جيداً والعديد من النساء لا يخدمهن على الإطلاق.

بالنسبة لهيت، لم يكن بسبب نقص المعرفة أن النساء لم يتحدثن عما يرغبن فيه في الجنس - بل كان بسبب نقص القوة. كان ابتكارها الكبير في جلب النسوية إلى الجنس. من خلال النظر إلى الجنس من خلال عدسة النسوية، وجدت هيت أنه كان مليئاً بالقوة وعدم المساواة. أصر المجتمع على أن النساء، مثل الرجال، يجب أن يجدن أعظم متعهن في الجنس الاختراقي: المرأة المخترَقة، الرجل المخترِق. في مقابلة عام 1977، أعلنت هيت أن "الجنس عنصري جنسياً... الحياة الجنسية للنساء تعكس بوضوح مكانتهن كمواطنات من الدرجة الثانية في المجتمع. النساء، لا يزال، في عام 1976، يحصلن على 60% فقط من المبلغ الذي يحصل عليه الرجال مقابل نفس العمل: للرجال الحق في مكافآت (مال، خدمات، احترام) أكثر من النساء. وكذلك في الجنس."

مثل العديد من النساء البيض المشاركات في حركة تحرير المرأة، فهمت هيت الجنس باعتباره القمع الأساسي في حياة النساء، الذي تتدفق منه جميع أنواع القمع الأخرى، مثل الطبقة والعرق. جادلت النسويات السود بأنه عندما تشير الحركة النسوية إلى النساء فهي تعني النساء البيض، ولكن لم يُذكر هذا البياض أبداً تقريباً - جعل غير مرئي في الفكرة العالمية لـ "المرأة".

ذهب العرق دون تحليل في دراسة هيت. لكن النساء السود قرأن ورددن. ملأن استبيانها وكتبن رسائل بعد قراءة الكتاب، وغالباً ما دفعن مشروعها إلى أبعد من ذلك. لاحظت امرأة سوداء، سجلت ردودها على شريط: "عندما كنت أكبر، لم تكن للنساء السود جمال". كتبت طالبة قانون سوداء شابة أنها لا تستطيع "مضاجعة عبر الحواجز"، وأن الرجال البيض لا يرغبون بها. لاحظت امرأة أميركية صينية أن هويتها العرقية أحدثت فرقاً في حياتها الجنسية. لاحظت بسخرية أن "الصيني "رائج" هذا العام". أظهرت هذه الردود كيف أن العرق والعنصرية، مثل الظلم الجندري، منسوجان في اللقاءات الجنسية، وتقدم نظرة ثاقبة لكيفية تفاوض النساء الملونات على هذا التمييز.

ماذا حدث للثورة الجنسية - وماذا تبقى لدى عمل هيت ليقدمه؟ اليوم، تؤخذ متعة المرأة على محمل الجد؛ بفضل، إلى حد ما، نسويات مثل هيت. كانت غالبية النساء اللواتي شملتهن دراسة هيت يمارسن العادة السرية بانتظام للوصول إلى النشوة، لكنهن شعرن "بالوحدة، والشعور بالذنب، وعدم الرغبة، والأنانية، والسخافة، والسوء بشكل عام" نتيجة لذلك. هذا العار ليس منتشراً كما كان: وجدت إحدى الدراسات للنساء الأميركيات في عام 2014 أن الأغلبية شعرن "بالتمكين الجنسي" بعد ممارسة العادة السرية. في المملكة المتحدة، أطلقت النائبة العمالية سامانثا نيبليت حملة "نعم من فضلك جنس، نحن بريطانيون!"، وهي تلاعب بعنوان فيلم كوميدي من عام 1973؛ تخطط لاستضافة معرض للألعاب الجنسية في قصر وستمنستر كجزء من حملتها لتعزيز التثقيف الجنسي وإزالة الوصمة عن متعة المرأة.

تغيرت القوانين المتعلقة بالاغتصاب والموافقة أيضاً، بفضل الضغط النسوي. كما يكتب الباحثون القانونيون والمؤرخون مثل أليسيا سيموندز وإيزابيلا سكوت وجوانا بورك، لم يعد الاغتصاب جريمة قوة كما في القرون السابقة حيث يُعرّف على أنه ضرر لممتلكات الرجل، أي زوجته أو ابنته البكر. أعيد تعريف الاغتصاب من حيث الموافقة الجنسية. تحدد المحاكم في محاكمات الاغتصاب الآن كيفية منح الموافقة أو عدم منحها: ماذا قالت الضحية، وماذا سأل الجاني؟ وتغلغلت الموافقة في السياسة الجنسية إلى ما هو أبعد من المحاكم. إنها ليست مجرد اختبار حاسم لتحديد ما إذا كان الجنس اغتصاباً، ولكنها الطريقة التي يمكن من خلالها تحقيق الجنس الممتع. نحن، كما تكتب الباحثة كاثرين أنجل في " غداً سيكون الجنس جيداً مرة أخرى "(2021)، نعيش في عصر "تسود فيه المثالية ... للموافقة".

منذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حُثت النساء على معرفة ما يردن والمضي قدماً فيه بحزم. تزامن صعود سياسات الموافقة مع عصر نسوية "الفتاة الرئيسة"، التي حثت النساء على "الانحناء" في حياتهن الشخصية والمهنية. ساعدت هيت في إحداث هذا التغيير. في كتابها حثت النساء: "عليكِ أن تهتمي بنفسك وتريدي إرضاء نفسك، وعليكِ أن تشعري أنه حقك. عليكِ أن تفعلي ذلك، مهما كان - أو تطلبي ذلك، بوضوح شديد وتحديد شديد."

كانت هيت شديدة العدائية، وسريعة في ترك المقابلات إذا شعرت بكراهية النساء (وكثيراً ما حدث ذلك)

ومع ذلك، بالنسبة لهيت، كانت معرفة الذات والتحدث علناً مجرد البداية. لم تكن بداية سيئة، لكنها عرفت أن عدم المساواة الهيكلي لا يمكن حله حقاً من قبل زوجين من جنسين مختلفين في السرير، مهما كان تواصلهما صادقاً. عرفت أن عدم المساواة يتخلل خياراتنا ومشاعرنا قبل وقت طويل من وضع أقدامنا في غرفة النوم، قبل أن ننطق بنعم أو لا.

لم يُسهم التركيز الحالي على الموافقة في تغيير عدم المساواة بين الجنسين خارج نطاق العلاقة الحميمة. فالفجوة في الأجور بين الجنسين، والاعتداءات على حقوق الإجهاض، والعنف الجنسي المتفشي، وفجوة النشوة الجنسية ، التي تُشير إلى التفاوت بين نشوة الرجل والمرأة في العلاقات الجنسية التقليدية ، تستمر بلا انقطاع  مُشكّلةً رغباتنا قبل اللقاء الجنسي بفترة طويلة. كما أن سن الرضا لم يوقف صعود اليمين المتطرف. إذ يُروّج المؤثرون في عالم الرجال أن حزم المرأة الجنسي دليل على أن الحركة النسوية قد تجاوزت الحد وأن العالم أصبح الآن مُتحيزًا ضد الرجال. وتُجادل الزوجات التقليديات أيضًا بأن تعدد الشركاء الجنسيين للمرأة (الذي يُشيرن إليه بـ"عدد العلاقات") قبل الزواج يُسبب لها التعاسة، مُستنداتٍ إلى ادعاءات قديمة بالية مفادها أن المرأة ليست "مُهيأة" للعلاقات الجنسية العابرة، بل فقط للزواج الأحادي والإنجاب والخضوع الزوجي.

نشرت هيت كتابين آخرين: تقرير هيت عن الحياة الجنسية للرجل (1981) و النساء والحب1987.وقد كانت الردود على هذين الكتابين مختلفة تماماً عن كتابها الأول. كان  الكتابان اللاحقان معيبين من الناحية المنهجية، وكانت الإحصاءات التي كشفت عنها مذهلة لدرجة عدم الإقناع: "84% من النساء غير راضيات عاطفياً عن علاقاتهن"، زعمت، و70% من النساء والرجال في زيجات طويلة الأمد كان لديهم علاقات خارج الزواج. لم يتم تأكيد هذه الإحصاءات؛ أفادت أبحاث أخرى بمعدل خيانة زوجية يتراوح بين 15-20% للنساء. علاوة على ذلك، كانت هيت شديدة العدائية، وسريعة في ترك المقابلات إذا شعرت بكراهية النساء (وكثيراً ما حدث ذلك). أصبحت هي نفسها القصة - وليست البيانات التي لا جدال فيها من مسح قوي. عندما افتتح مذيع برنامج 60 دقيقة أستراليا عام 1987 مقابلة معها قائلاً: "لقد اتُهمتِ بضرب الرجال -" قاطعته هيت قائلة: "نعم، وسيحدث ذلك هنا!" قبل أن تخرج غاضبة. كان لوسائل الإعلام روايتها، ولم تكن عملها الجاد.

خلال موجة معاداة النسوية في أواخر الثمانينيات والتسعينيات، اختفت هيت في عاصفة من الهجمات الإعلامية، التي أشعلتها صعود اليمين الجديد. شعر العديد من المحافظين أن اضطرابات الستينيات - النسوية والحقوق المدنية - قد حطمت عوالمهم. أعطى اليمين الجديد، الذي ضم قادة إنجيليين مثل تيم لاهي وجيري فالويل، ونساء يمينيات مثل فيليس شلافلي وأنيتا براينت وبيفرلي لاهي، متنفساً لهذا السخط المتزايد. جادلوا بأن النسوية كانت "غير طبيعية" وأن الاختلافات البيولوجية بين الرجال والنساء تبرر عدم المساواة. نسجوا ذلك مع سياسة الاستياء، مقترحين أن السياسات التقدمية للستينيات والسبعينيات استحوذت على مصالح الحكومة وتركت الأميركيين "العاديين" في الخلف.

سرعان ما أغلقت وسائل الإعلام صفوفها. من لندن ريفيو أوف بوكس و واشنطن بوست إلى نيويورك بوست و بينتهاوس، كلها هاجمتها. كتبت مجلة تايم أن النساء والحب كان "خطاب الكاتبة الخاص بضرب الرجال"، وأن الكتاب بأكمله كان "مليئاً بالآراء المتطرفة" للنساء غير الراضيات. زعمت مجلة نيويورك أنها "تتجاهل البيولوجيا تماماً"، وأن الرجال غير مخلصين بطبيعتهم. إذا كان نجاح تقرير هيت الأول يروي صعود النسوية، فإن تحطيم هيت لاحقاً يحكي قصة رد الفعل المحافظ عليها. فرت هيت من الولايات المتحدة في منتصف التسعينيات، وقضت سنواتها الأخيرة تعيش بشكل متنقل في جميع أنحاء أوروبا. توفيت في توتنهام، شمال لندن، في عام 2020.

في تقرير هيت الأول، اقتبست عدة نساء حول كيف غيرت الحركة النسوية حياتهن الجنسية. كتبت إحداهن: "مع بداية الحركة النسوية، وتأثيرها الشخصي عليّ، توقفت عن تزييفها". وأخرى: "لا أعتقد أنني طلبت ما أردت من قبل... الآن ساعدتني الحركة النسوية في أن أكون صريحة. أطلب ما أريد في جميع أنواع المواقف - الكنيسة، العمل، السوبر ماركت، الحكومة المحلية - وفي السرير." كان تحرير المرأة هو الذي سيصنع "نوعاً جديداً من العلاقات الجسدية ليتناسب مع مجتمع جديد، أكثر إنسانية ومؤيداً للمرأة". على المدى الطويل، كان عالم عادل بين الجنسين سيعيد تشكيل الظروف التي تشكل الرغبات ويغير الطريقة التي تتشكل بها الخيارات الجنسية. لكن هيت آمنت أن النضال النسوي سيغير النساء في الحاضر أيضاً. عندما تبدأ النساء في رؤية أنفسهن والآخرين ليس كأشياء بل كذوات، سيبدأن، أخيراً، في أن يكن حرّات. طوال حياتها، كانت هيت غير متسامحة: لتغيير الجنس نحو الأفضل، يجب على النساء أن يكن نسويات.

****

......................

* روزا كامبل / Rosa Campbell: هي مؤرخة للنسوية العالمية. تشغل زمالة ما بعد الدكتوراه من مؤسسة ليفرهيلم في كلية كينجز كوليدج لندن، المملكة المتحدة. هي مؤلفة كتاب  الكتاب الذي علم العالم كيفية النشوة ثم اختفى  2026.

الفتنة.. وضرورة الإختلاف

من الطروحات التي تحولت إلى مسلمات في قراءة التاريخ العربي- الإسلامي والتي لا خلاف عليها بين الباحثين، أن حقبة الإسلام المبكر هي الحقبة التي فيها تكونت الجماعة الدينية، وفيها توحًّد المسلمون وشَكلُّوا أمَّة واحدة، ولكنها كذلك هي الفترة التي انقسم فيها المسلمون ثم إزدادوا انقساما بعد ذلك على المستوى السياسي وعلى المستوى الديني في كل التاريخ العربي /الإسلامي، إذ ظهرت عدة خلافات وتواجدت في نفس الحقبة، خلافة في بغداد وخلافة في القاهرة وخلافة في الأندلس، دع عنك الخلافات التي سبقتها وهي كذلك تواجدت في نفس الوقت، خلافة عبد الله بن الزبير في المدينة وخلافة المختار بن عبيد الله الثقفي في الكوفة وخلافة عبد الملك بن مروان في دمشق. ورغم ذلك فإن حقبة الخلفاء الأربعة الذين تولوا الحكم مباشرة بعد عهد النبوة، الحقبة التي مازالت تلهم خيال المسلمين وتدغدغ عواطفهم، فلقد كانت ومازالت بالنسبة لجموع المسلمين المدينة الفاضلة وبالتالي هي المعيار - paradigme - وهي النموذج والتاريخ المتخيَّل، التاريخ الذي لم يقع والنموذج الذي لم يتكرر، والنموذج الذي يقاس عليه كل التاريخ فيما بعد، ولا ننسى أن زمن النبوة والخلفاء الراشدين، هي الحقبة التي يقدمها خطاب الإسلام السياسي اليوم بأنها العصر الذهبي للإسلام وبالتالي هي القالب الذي يجب أن تبنى عليه الدولة الإسلامية، دولة الإيمان والعدل والحرية. ولسنا في حاجة إلى شرج كبير للقول بأن هذا النموذج الطوباوي في إدارة شؤون الدولة ونظام الحكم، كان حتما سينتهي سريعا بطريقة أو بأخرى، وبالفعل انتهت هذه الحقبة بقيام الدولة الأموية، دولة الأمر الواقع، دولة الملك العضوض، حيث تأسست دولة الكفاية والشوكة، الكفية لمنع الفتنة الداخلية والشوكة لصد العدوان الخارجي. وهكذا استولى معاوية بن أبي سفيان، ومعه عشيرة وسلالة بني أمية على السلطة بالشوكة والغلبة، بعد أن أزاحوا عن طريق السلطة عشيرة وسلالة بني هاشم، بطريقة دراماتيكية. وتجدر الإشارة إلى أن غياب الفكر السياسي وعزوف الجمهور والنخب عن الممارسة السياسية والإمتناع عن الكلام في السياسة، لا يعني غياب الإهتمام بالسياسة ولو من وراء الأبواب الموصدة وفي الغرف المُقفلة، وبالتالي لا نعدم كلام في السياسة في شكل قصص وحكايات أدبية، كلها رموز ومعاني، وفي كثير من الأحيان على لسان الحيوانات. وما نبغي قوله أنه لا توجد جماعة بشرية، سواء أكانت عشيرة أو قبيلة أو أمة، لم تهتم بمسائل السياسة وأصول الحكم ولم تناقش صلاحيات الحاكم ومهام السلطة وشؤون الملك، وتساءلت علاقة الدين بالدولة، والشريعة بالقانون وكل ما يتعلق بقضايا الحكم والدولة والشعب والمدينة والجماعة والإجتماع السياسي. غير أن الميزة التي تميزت بها الجماعات والفرق والطوائف في الإسلام هو كثرة الكلام والتعبير في السياسة وبكل أدوات التعبير المتاحة وذلك بإستخدام جهاز ضخم من المعاني والرموز والمجاز والقصص وحتى الحكايات الخيالية والأساطير.

الحكم.. وضرورة الدستور

 والشيء المؤكد اليوم أن أكبر مشكلة واجهت المسلمين والعرب في صدر الإسلام بعد وفاة النبي محمد بن عبد الله (ص) هي مسألة الحكم، وتمثلت المشكلة أساسًا في غياب الدستور، الدستورية الذي يحدد كيفية الوصل إلى السلطة وكيفية إدارة شؤون الدولة ويحدد كيفية الوصول إلى السلطة والأهم من كل ذلك كيفية الخروج من سدة الحكم. ومن الثابت لدينا أن أزمة الحكم والمسماة بمشكلة الخلافة وهي مشكلة سياسية/دستورية بالدرجة الأولى ولم تكن مشكلة دينية/عقدية، وبعبارة أدق مشكلة الحكم كانت السبب الرئيس في ذلك التدافع السياسي المحموم على السلطة، والذي أفضى في نهاية المطاف إلى إنقسام الجماعة الإسلامية سياسيا، جماعة المؤمنين في المدينة، وبالتالي إنقسام الطبقة السياسية التي تجسّدت في كبار صحابة الرسول، وقد حدث الإنقسام، وهذا شيء طبيعي بسبب تغير المواقع السياسية وتناقض المصالح الإقتصادية واختلاف العصبيات القبلية. ما نبغي الإشارة إليه، أنه وفي سياق تلك التحولات الكبرى البعض من هؤلاء الصحابة ومن كبار القوم وجد نفسه في نظام الحكم والبعض الأخر رمت به الأقدار في صفوف المعارضة السياسية وثمة ملاحظة في هذا الصدد وهي أن المعارضة توزعت قبليا بين عدة قبائل وعشائر وانقسمت إيديولوجيا- وبلغة الفكر السياسي الحديث - إن جاز هذا التعبير- بين اليسار واليمين والوسط، وبالتالي كل ذلك انعكس في مواقف سياسية / إيديولوجية ومذاهب دينية. ولتوصيف ما جرى نقول، إنه إنقسام الجماعة الدينية إلى جماعات وفرق وأحزاب سياسية، ففي البداية انقسمت إلى فرق وجماعات وتنظيمات، وبلغة العلوم السياسية المعاصرة إلى أحزاب سياسية، وأشهر هذه الأحزاب وأبرزها نذكر حزب الشيعة أو كما يسميهم البعض " شيعة علي " أو شيعة آل علي "أو " شيعة آل بيت النبي "، وهناك أيضا حزب المرجئة الذي كان حزبا نخبويا بدون عمق إجتماعي، أي كان يفتقر القاعدة الإجتماعية، وبالتالي عجزت نخبة المرجئة عن التحول إلى طائفة دينية لها مذهبها الفقهي ولها أتباعها وأنصارها على غرار الطائفة الشيعية. وثمة ملاحظة في هذا الصدد وهي أن الحزب السياسي الجماهيري المقابل للتيار الشيعي من حيث القوة والمعاكس له في الإتجاه هو حزب الخوارج الذي كان له عمق اجتماعي وقاعدة اجتماعية وايديولوجية واضحة ويطلق على الخوارج عدة تسميات من بينها " المُحكَّمة " و" الحروَّرية " و" أهل النهروان " وعندما ظهرت الإتجاهات الراديكالية في الاتجاهين في منتصف الستينات من القرن الهجري الأول بدأت تتسلل إلى المصادر تسميات مثل " الغالية " و" الغلاة، بالنسبة للشيعة و" الأزارقة " والقعدة و" القائلون بالاستعراض و" النجدات" وغيرها من التسميات بالنسبة للخوارج. كما تشكلت جماعة فيما بعد، هي في حقيقة الأمر ليست حزبا بل جبهة عريضة وكتلة هُلاّمية، غير واضحة المعالم من الناحية الإيديولوجية، وقد كانت هذه الجبهة في واقع الأمر تيار يضم جماعات وهي الكتلة الأكبر من المسلمين، والتي تسمى في التاريخ الإسلامي ب" أهل السنة والجماعة " وتعرف بأنها لم تكن لا مع الشيعة ولا مع الخوارج ولا مع المرجئة. ومن البديهي القول أنه في المجال السياسي حدوث الإنقسامات والإنشقاقات، وهذا ما وقع مع الجماعات في الإسلام. إذ انقسمت الأمة إلى أحزاب وفرق سياسية وتيارات إيديولوجية، كما تشرذمت الفرق نفسها وتجزأت الجماعات عينها إلى طوائف وفرق وجماعات أخرى، وكما أشرنا سابقًا، فقد انقسم الشيعة كما هو معروف إلى زيدية وإسماعيلية والإثنا عشرية..الخ وكذلك انقسم الخوارج إلى فرق وجماعات إباضية وأزارقة ونجدات والقعدة..الخ. والجدير بالذكر أن هذه التنظيمات السياسية تحولت في النهاية ومع مرور الوقت وتسارع الأحداث وتحولات السياسة والتغيرات الإجتماعية إلى طوائف دينية، لها مرجعيتها الإيديولوجية وشرعيتها الدينية ومذهبها الفقهي الخاص، بل ولها مسندها الخاص في الحديث وتفاسيرها للقرآن، وبعبارة أدق وضعت ودونت صحيحها من الحديث النبوي وكتبت وقدمت تفاسيرها للقرآن الكريم. وهكذا كانت كل فرقة تعتقد في نفسها أنها الفرقة الناجية، وبالتالي كان من الطبيعي أن يتحول التدافع السياسي إلى صراع قبلي، ثم ينتهي إلى صراع إيديولوجي. ولا يخامرنا شك في أن التنافس الشرّس على السلطة أطلق العنان لإنشقاقات وانقسامات في صفوف الأمة الوليدة وأحدث شقوقًا في جدار الجماعة المؤمنة وتسبب في شرخ عميق في جدار ما يسمى اليوم بالصف الوطني. وغني عن البيان القول أنه في خضم هذا التطاحن القاتل انتقلت هذه الفرق والجماعات في صراعها السياسي، أي التطاحن من أجل السلطة والحكم من الساحة السياسة إلى ساحة الدين حيث التدافع لإثبات بأنها الجماعة الوحيدة المُتمسكة بخط النبوة وبنهج الرسالة المحمدية، بذلك تحول التدافع السياسي إلي صراع إيديولوجي وانتهي عند نقطة التناحر الديني والمذهبي، الذي أنتج في النهاية طوائف ومذاهب وعصبيات وجماعات في الإسلام، جماعات تكفر بعضها بعضًا.

و دون الحاجة إلى الدخول في كثير من التفاصيل، لبيان أن هذه القضايا وتلك المشكلات، قد أثارت إهتمام الجماعة الإسلامية، وجعلت العرب والعجم يفكرون جديًا في المشكلات التي تطرحها وفي الحلول المناسبة لها، ولكن وبعد أن تحولت الخلافة إلى لملك وراثي عَضوّض وأصبحت أمرًا واقعًا، ولقد كان الكلام في الغرف المغلقة وكان النقاش همسًّا والتفكير بتحفظ، أما من تجرأ وكتب في هذه القضايا فقد كان يكتب أحيانا في السر وأحيانا في العلن ولكن بتحفظ، كما كان يدون أفكاره وأراءه السياسية في خطاب صريح وأحيانا في خطاب به قدر كبير من التلميح، كل ذلك كان يتم في سياق تاريخي وسياسي مفعم بالصراع والفتن والحروب وينتابه الحذر والشعور بالخوف.

الدين.. وضرورة القانون

ومن القضايا التي نالت قسطا وافراً من الجدل الصاخب والتفكير العميق والنقاش الساخن هي ثنائيات الدين والدولة، النبوة والسياسة، الفتنة والإنقسام. ولا ننسى أن هذه الثنائيات المثيرة للجدل أخذت كذلك ما تستحقه من نصاب التأويل والتفسير والتبرير والشرح، هي علاقة الإسلام بالسياسة، وتجاذبات الدين والدولة والسلطة في التاريخ العربي /الإسلامي. والسؤال المركزي الذي كان يتردد على الألسنة وفي الأقلام وفي نصوص المفكرين وفي النقاشات التي كانت تدور رحاها بين تيارات الفكر السياسي النهضوي وفي الخطاب العربي المعاصر منذ نهاية أو بالأحرى سقوط دولة الخلافة العثمانية السنية وصعود الدولة الوطنية التركية عام 1924، وتحول الولايات العربية التابعة لها إلى دول وطنية، هو سؤال الدولة والدين، السلطة السياسية والسلطة الدينية. وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى المناظرة الشهيرة بين الشيخ محمد عبده والمفكر فرح أنطون حول الإسلام والسلطة وكذلك كتابات الشيخ محمد رشيد رضا وخاصة في كتابه " الخلافة أو الإمامة العظمى " الصادر سنة 1922و كذلك تجدر الإشارة إلى النص /الكُتيب الذي أقام الدنيا ولم يقعدها حتى الآن " الإسلام وأصول الحكم " للشيخ الأزهري " المتمرد " علي عبد الرازق الصادر سنة 1925، فكل هذه الكتابات والجدالات كان محورها هذا السؤال : هل الإسلام دعوة دينية أم مشروع سياسي؟ ويمكن صياغة السؤال بصيغة أخرى: هل كانت الدعوة المحمدية تحمل رسالة دينية وتريد إقامة دولة/ملك في نفس الوقت؟ ونحن في هذه المقالة نسعى إلى تحليل ومناقشة هذا السؤال الذي أسال الكثير من الحبر في القرن العشرين، وفي نفس نحاول التركيز وتقديم تفسير وفهم للجانب السياسي في الدعوة المحمدية، ومن الضروري أن نشير كذلك إلى الفرضيات التي ننطلق في هذه المقالة وهي كما يلي: أولها: لا يمكن الفصل في التاريخ السياسي العربي/الإسلامي بين ما بين ما قبل الإسلام وما بعد الإسلام، ما بين الجاهلية والإسلام، فالإسلام على الصعيد السياسي هو امتداد للعصر الجاهلي، فالذين كانوا سادة قبل الإسلام كانوا سادة في الإسلام وبعبارة أخرى الطبقة السياسية الحاكمة لم تتغير كثيراً. ثانيها: أن هناك ثغرة دستورية إن صح هذا التعبير في النظام السياسي الذي تشكل في زمن النبوة في المدينة/ يثرب، فالنص الديني سواء في القرآن الكريم أو السنة النبوية، لم يتطرق صراحة ولا تلميحا إلى موضوعات لها علاقة بالسياسة والدولة والسلطة والحكم والملك، وحتى ما ورد في النص الديني من الكلمات والعبارات ذات الصلة بهذه القضايا كانت خاضعة دوما للتأويل. ثالثها: هي أنه رغم خلو النص الديني من كل ما يتعلق بالشأن السياسي وبكل ما يمت صلة لفعل ساس ويسوس، وكل ما يشتق من كلمة سياسة، إلا أن تجربة الإسلام التاريخية، أي الإسلام كما تجسد في التاريخ الحّي، وكما حدث في الواقع التاريخي، ليس الإسلام المعياري، إسلام النصوص، إسلام ما ينبغي أن يكون، أقول أن تجربة الإسلام التاريخية تتوفر على الكثير من الشواهد والوقائع وأدلة الإثبات على مركزية المسألة السياسية.

القبيلة.. وضرورة السلطة

و من المفيد أن نذكر، أنه قد ساد في الجزيرة العربية التنظيم الإجتماعي العشائري/ القبلي، حيث على رأس كل عشيرة أو قبيلة، سلطة pouvoir - - مُمثّلة في رئيس القبيلة الذي يمتلك ليس فقط النفوذ السياسي والمكانة الإجتماعية بل يمتلك الثروة المادية، وبعبارة أدق كانت هناك سلطة سياسية تجمع في واحدة، السلطة والثروة، هذه السلطة في مكة كانت قد تجلت بصورة واضحة في ما يعرف تاريخيًا ب " الملأ "و "دار الندوة "التي كانت لها السيادة على البلاد والعباد أي على مدينة مكة وعلى قبيلة قريش، وفي نفس الوقت كانت ترعى شؤون الكعبة. ولا بد من التنبيّه كذلك إلى مسألة في غاية الأهمية، وهي أن مجموعة العشائر التي كانت تعيش في مدينة مكة، ورغم وجود " الملأ "، كانت هناك سلطة، فلا تخلو جماعة بشرية من وجود سلطة، لكنها كانت تفتقد السلطة المركزية، أي ما كان غائبا عند العرب وقتذاك هو - وبلغة العصر الحديث - هو المؤسسة السياسية، مؤسسات الدولة، بما في ذلك السلطات الثلاث إن جاز هذا العبير وعلى رأسها السلطة التنفيذية. وغني عن البيان القول أن هناك علاقة ماهوية بين وجود الدولة ووجود السلطة، ففي المخيال الإجتماعي العربي وفي الثقافة الشعبية وحتى عند النخب الفكرية والسياسية في الوطن العربي الدولة هي السلطة والسلطة هي الدولة، وبالتالي الدولة المركزية هي التي تتوفر على سلطة مركزية. ولعلنا لا نضيف شيئا جديدا، كما لا نتزيد أو نبالغ حين نقول، أن السلطة تتمثل في القانون أو ما يعادله سواء شكل في شريعة أو في شكل عرف، المهم هو في وجود آليات الضبط وطرق المنع وكيفية العقاب، أي كل ما من شأنه ضبط سلوك الأفراد والجماعات وردع كل من يخالف القانون. والحقيقة التي لا نقاش فيها، أن نموذج الدولة الحديثة، الدولة الليبرالية/الرأسمالية، الدولة التي أفرزتها الحداثة، الدولة يحكمها الدستور وتكون فيها السيادة للأمة/الشعب، وبالتالي الدولة الحديثة هي دولة المؤسسات وليس الأشخاص، وهي الدولة المعروفة في الأدبيات السياسية باسم الدولة- الأمة nation -états، أقول أن هذا النموذج قد نشأ وتبلور وتشكل في الأربعة قرون الأخيرة في أوروبا الغربية، ثم انتشر هذا النموذج، نموذج الدولة الحديثة في العالم بأسره، وقد ساهم في انتشاره عدة عوامل أبرزها الإستعمار والتوسع الرأسمالي والعولمة. ولعلنا لن نبتعد عن الصواب، إذا قلنا أن الدولة الحديثة هي وجود القانون أولاً، وهي سيادة القانون ثانيًا، وبعد ذلك هي تطبيق القانون على الجميع ثالثًا، وعندما يطبق القانون على الجميع يتحقق العدل.

نعم الدولة الحديثة هي سيادة القانون، وعلة وجودها هو توفير الأمن وضمان الحرية وتحقيق العدل.

*** 

د. مصطفى دحماني - باحث في الفكر السياسي الإسلامي

ليس من قبيل المغالاة أن نزعمَ أنَّ الأديبَ يُضاهي الفيلسوفَ في منزلته، بل إنَّ الأدبَ، في أسمى تجلياته، قد يخترقُ بالفكرِ عوالمَ لا تبلغُها الفلسفةُ بآلياتها ذاتها. فالفيلسوفُ يُقيمُ صرحَ أفكارِه على قواعدِ المنطقِ والمفاهيمِ، ويصوغُ تساؤلاتِه في أطرٍ برهانيةٍ، ويتحركُ في فضاءٍ تفترضُه المقدماتُ وتضبطُه المناهجُ. وأما الأديبُ، فيُغامرُ في المجهولِ من بوابةِ الخيالِ، ويكتبُ عن أشياءَ لا يُحسنُها معرفةً يقينيةً، ثم يحاولُ أن يُكسوَها جسدًا إنسانيًا محسوسًا. وهنا يكمنُ جوهرُ المشقةِ في العملِ الأدبيِّ؛ فالأديبُ لا يكتبُ ما يعرفُه فحسب، بل يكتبُ ما يشتاقُ إلى معرفتِه. قد يكتبُ عن قاتلٍ وهو لم يقتلْ، وعن مجنونٍ وهو لم يفقدْ عقلَه، وعن إنسانٍ يعيشُ ويلاتِ الحربِ وهو لم يشهدْها، وعن امرأةٍ لا تشبهُه، أو عن زمنٍ لم يُولدْ فيه. ومع ذلك، يُنتظرُ منه أن يُقنعَ القارئَ بأنَّ هذه التجاربَ حقيقيةٌ، وأن يمنحَ شخصياتِه بواطنَ دوافعِها ومخاوفِها وأوهامِها وأحلامِها، كأنما عاشَ حياتَها من داخلها.

أما الكاتبُ الأكاديميّ، فعلى جسامةِ مهمتِه، فإنه يسبحُ في فضاءٍ أكثرَ تحديدًا؛ لديه موضوعٌ، ومصادرُ، ومراجعُ، ومفاهيمُ، وقواعدُ، ومنهجٌ علميٌّ يسيرُ على هداه. إنه يكتبُ، في الأعمِّ الأغلب، انطلاقًا من معرفةٍ سابقةٍ، فيُحلِّلها ويناقشُها ويُضيفُ إليها. وأما الأديبُ، فقد يبدأُ من فراغٍ معرفيٍّ، ثم يبني عالَمًا كاملًا من الحدسِ والخيالِ والتجربةِ الإنسانيةِ. ولعلَّ هذا ما يجعلنا ننظرُ إلى الأديبِ الكبيرِ بوصفه فيلسوفًا على نحوٍ آخر؛ فهو لا يُقدِّمُ الفكرةَ في قالبٍ نظريٍّ، بل يُجسِّدُها في إنسانٍ. لا يقولُ لك: "ما معنى الشرِّ؟"، بل يضعُ أمامَك شخصيةً شريرةً، ثم يُدخلك إلى عقلِها، وتسمعُ تبريراتِها، وترى تناقضاتِها، وربما أحسستَ نحوَها بشيءٍ من الشفقةِ، على الرغمِ من نبذِك أفعالَها. ولا يشرحُ لك معنى العزلةِ شرحًا فلسفيًا، بل يجعلك تعيشُها مع شخصيةٍ وحيدةٍ، حتى تتحولَ العزلةُ في وعيك إلى تجربةٍ لا إلى مفهومٍ مجردٍ. وهنا يتفوقُ الأدبُ في بلوغِ جمهورٍ أوسعَ، إذ كثيرًا ما تُكتبُ الفلسفةُ بلغةٍ مفاهيميةٍ نخبويةٍ تحتاجُ إلى قارئٍ متخصصٍ قادرٍ على مُتابعةِ المصطلحاتِ والحججِ والبراهينِ، بينما يستطيعُ الأدبُ أن يُمرِّرَ الفكرةَ العميقةَ عبر الحكايةِ والشخصيةِ والصراعِ والصورةِ والرمزِ. إنه يُحيلُ الفكرَ ملموسًا، ويحوِّلُ السؤالَ الفلسفيَّ إلى تجربةٍ إنسانيةٍ نابضةٍ. ولعلَّ الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي خيرُ شاهدٍ على ذلك، فقد استطاع أن يُناقشَ قضايا الجريمةِ والحريةِ والإيمانِ والشكِّ والعدالةِ والشرِّ والضميرِ، من غير أن يكتبَ كتابًا فلسفيًا بالمعنى التقليدي. لقد غرسَ هذه الأسئلةَ في أعماقِ شخصياتِه، وجعلَ القارئَ يعيشُ الصراعَ بدلَ أن يقرأَ عنه وصفًا نظريًا. ولذلك تجاوزَ أثرُه حدودَ الأدبِ الروسيِّ إلى الفلسفةِ وعلمِ النفسِ والفكرِ العالميِّ، حتى إنَّ فرويدَ نفسه رأى في أدبِ دوستويفسكي مادةً بالغةَ الأهميةِ لفهمِ النفسِ البشريةِ، وناقشَ شخصيتَه وأعمالَه في سياقِ التحليلِ النفسيِّ. ومن هنا نُدركُ كيف يستطيعُ العملُ الأدبيُّ العظيمُ أن يكونَ أوسعَ أثرًا من بعضِ الأعمالِ الفلسفيةِ؛ لأنه لا يُخاطبُ العقلَ وحدَه، بل يخاطبُ العقلَ والوجدانَ والذاكرةَ والخيالَ دفعةً واحدةً. ولهذا قد تُغيِّرُ روايةٌ واحدةٌ نظرةَ الإنسانِ إلى العالمِ، لا لأنها قدَّمتْ له نظريةً جديدةً، بل لأنها جعلتْه يرى العالمَ بعينٍ غيرِ عينِه. وفي هذا السياقِ، تبرزُ روايةُ "الساعةِ الخامسةِ والعشرين" للكاتبِ الرومانيِّ قسطنطين جورجيو مثالًا دالًّا على قدرةِ الأدبِ في مساءلةِ الإنسانِ والتاريخِ والأنظمةِ والأيديولوجياتِ. فقد تحولتِ الروايةُ إلى شهادةٍ أدبيةٍ وفكريةٍ على الإنسانِ حين تسحقُه الآلةُ السياسيةُ والاجتماعيةُ، وأظهرتْ كيف يستطيعُ السردُ الروائيُّ أن يحملَ أسئلةً كبرى تتصلُ بالحريةِ والهويةِ والسلطةِ والاغترابِ، وأن يُواجِهَ القارئَ بهذه الأسئلةِ من خلالِ مصائرَ بشريةٍ، لا من خلالِ مفاهيمَ مجردةٍ. وليس غريبًا أن تُقارنَ بعضُ الأعمالِ الأدبيةِ الكبرى بالأعمالِ الفكريةِ المؤسسةِ؛ فالأدبُ العظيمُ لا يكتفي بأن يحكي لنا ما حدثَ، بل يسألُنا: لماذا حدثَ؟ وماذا يفعلُ ذلك بالإنسانِ؟ وكيف يمكنُ للإنسانِ أن يتحولَ إلى ضحيةٍ أو جلادٍ أو متفرجٍ؟

ومن الكتبِ العربيةِ المهمةِ التي تفتحُ بابًا واسعًا لفهمِ هذه المسألةِ، كتابُ الناقدِ العراقيِّ سعيدِ الغانمي "فاعليةُ الخيالِ الأدبي"، إذ يضعُ الخيالَ في صميمِ العمليةِ الأدبيةِ، ويُجلي لنا أن الخيالَ ليس هروبًا من الواقعِ، بل إحدى الوسائلِ الأعمقِ في إعادةِ تشكيلِه وفهمِه. وربما هنا، تحديدًا، تكمنُ قوةُ الأديبِ: إنه لا يملكُ دائمًا يقينَ الفيلسوفِ، ولا أدواتِ الأكاديميِّ، لكنه يمتلكُ قدرةً نادرةً على اختبارِ الأفكارِ داخلَ الحياةِ. فالفيلسوفُ يقولُ لك ما معنى الحريةِ، أما الأديبُ فيضعُك أمامَ إنسانٍ حُرِمَ منها. والفيلسوفُ يسألُ عن طبيعةِ الشرِّ، أما الأديبُ فيُدخلك إلى عقلِ الشريرِ. والفيلسوفُ يبحثُ عن معنى الموتِ، أما الأديبُ فيُجلِسُك إلى جوارِ إنسانٍ ينتظرُ موتَه. لهذا لا ينبغي أن ننظرَ إلى الأدبِ بوصفه نقيضًا للفلسفةِ، بل بوصفه أحدَ أشكالِ التفكيرِ الإنسانيِّ. فهناك أفكارٌ لا يمكنُ البرهنةُ عليها بسهولةٍ، لكن يمكنُ رؤيتُها، والشعورُ بها، ومعايشتُها داخلَ روايةٍ أو قصيدةٍ أو مسرحيةٍ. وإذا ما تعمقنا في هذه المقاربةِ، أدركنا أن الأدبَ يمارسُ نوعًا من الفلسفةِ الضمنيةِ التي لا تستقرُ على أطروحةٍ نهائيةٍ، بل تظلُّ في حالةِ صيرورةٍ وتوترٍ، تمامًا كالحياةِ نفسها. ففي الفلسفةِ، يطمحُ المفكرُ إلى بناءِ نظامٍ متكاملٍ، أو إلى حلِّ إشكالٍ معرفيٍّ، لكن الأديبَ لا يبحثُ عن إجاباتٍ قاطعةٍ بقدرِ ما يبحثُ عن أسئلةٍ أكثرَ إيلامًا وعمقًا. إنه يتركُ النصَّ مفتوحًا على احتمالاتٍ متعددةٍ، ويُشركُ القارئَ في عمليةِ البحثِ عن المعنى، لا أن يُلقنَه إياه. وهذه السمةُ وحدها تجعلُ الأدبَ أقربَ إلى روحِ التساؤلِ الفلسفيِّ من كونه مجردَ وعاءٍ لنقلِ الأفكارِ. كذلك، يجدرُ بنا أن ننتبهَ إلى أن الأديبَ، حين يكتبُ عن الإنسانِ، لا يكتبُ عنه بوصفه كائنًا معرفيًا فحسب، بل بوصفه كائنًا راغبًا، خائفًا، محبًّا، ممزقًا بين رغباتِه وقيمِه. وهذه الرؤيةُ التركيبيةُ للإنسانِ، التي تجمعُ بين البعدِ العقليِّ والعاطفيِّ والجسديِّ، هي ما تغيبُ عن كثيرٍ من الفلسفاتِ التي تُعلي من شأنِ العقلِ على حسابِ الجسدِ والوجدانِ. فالأدبُ يُعيدُ للإنسانِ كينونتَه الكليةَ، ويُذكِّرنا بأننا لسنا مجردَ عقولٍ محلقةٍ في فضاءِ الأفكارِ، بل كائناتٌ من لحمٍ ودمٍ، تعيشُ في الزمانِ والمكانِ، وتتألمُ وتحلمُ وتخطئُ وتتوبُ.

ومن هنا يصبحُ السؤالُ الحقيقيُّ ليس: من أعمقُ، الفيلسوفُ أم الأديبُ؟ بل: أيُّهما استطاعَ أن يجعلَ الإنسانَ يفكرُ في نفسِه وفي العالمِ بطريقةٍ لم يكنْ قادرًا عليها من قبلُ؟ وعندما يبلغُ الأدبُ هذه الدرجةَ، يصبحُ الأديبُ أكثرَ من راوٍ للحكاياتِ؛ يصبحُ مفكرًا يختبئُ فكرُه داخلَ الحكايةِ، وفيلسوفًا يتحدثُ بلغةِ الإنسانِ، ويطرحُ أسئلتَه الكبرى لا من فوقِ المنبرِ، وإنما من أعماقِ الحياةِ نفسِها، ومن قلقِ الوجودِ الذي لا يهدأُ.

***

مؤمل الحطاب – جامعة موسكو

كاتب ومترجم وباحث

المعتزلة انموذجاً

يرى العديد من المفكرين العرب المعاصرين أن المعتزلة قاموا بثورة العقل على النقل، وهذه أهم سمة تميزهم عن بقية الفرق الكلامية الأخرى.

وعلى الرغم من ذلك، فإن تقديم المعتزلة للعقل على النقل كان في موارد محدودة، وليس كما تصوره لنا دراسات الفكر العربي المعاصر التي اهتمت بالمعتزلة في هذا الجانب.

فعند النظر إلى مصادر المعرفة عند المعتزلة، نجدها تنحصر في أربعة مصادر رئيسية هي:

الأول: القرآن الكريم

الثاني: السنة النبوية

الثالث: العقل

الرابع: الإجماع.

فقد كان  استعمال العقل عند المعتزلة يندرج في المرتبة الأولى فيما يتعلق بمعرفة الله أولاً؛ واثبات وجوده في المناظرات مع المخالفين ثانياً؛ يقول القاضي عبد الجبار المعتزلي المتوفى سنة 415 هـ: "معرفة الله لا تنال إلا بالنظر في حجة العقل". ومع ذلك، ليس المعتزلة وحدها من قدمت العقل على النقل في هذا السياق؛ فقد اعتمدت الفرق الكلامية الأخرى، على المنهج العقلي في أصول والمسائل المتعلقة بأصل التوحيد.

وعند النظر في أهم آراء المعتزلة الأساسية في منظومتهم الكلامية تعتمد على النقل - القرآن والسنة - أولاً، ثم العقل ثانياً. فلم تنفِ المعتزلة المعجزة عن النبي محمد (ص)، فضلاً عن بقية الأنبياء. وتخصيص شفاعة النبي (ص) فقط للمحسنين دون العصاة، وفقاً للأصل الثالث للمعتزلة (الوعد والوعيد)، ومعاقبة الفساق وتخليدهم بالنار، دون وصفهم بالكفر أو النفاق، هي أمثلة على ذلك.

وكذلك نجد ان الأصل الخامس عند المعتزلة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، يقوم على وجوب النهي عن المنكر كله، ويكون بالقوة في مرحلته الأخيرة إذا لزم الأمر. كل هذه الآراء وغيرها الكثير استندت إلى الدليل النقلي القائم على الإيمان بالقرآن والسنة، وليس الدليل العقلي فقط.

وليس هذا فحسب، بل إن  قسم من مفكري المعتزلة استخدمت منهج التكفير ضد مخالفيهم، كما نجد في رد الجاحظ المتوفى سنة 255هـ على الحنابلة في قولهم بعدم خلق القرآن، حيث يقول: "فنحن لم نكفر إلا من أوسعناه حجة...الخ".

أما إذا سلطنا الضوء على مكانة النقل وأهميته في المنظومة الاعتزالية، وجدنا أن أعلام المعتزلة صنّفوا مؤلفات في الفقه وعلم الرجال وخبر الآحاد. فأولهم أبو جعفر الإسكافي المتوفى سنة 240هـ، فقد ألّف كتاباً سمّاه "القاضي بين المختلفة" تناول فيه خبر الآحاد في الحديث. ثم جاء بعده أبو الحسن الخياط المتوفى سنة 290هـ، فصنّف كتاب "الردّ على من أثبت خبر الواحد". ويليه أبو علي الجبائي المتوفى سنة 303هـ، فصنّف كتاب "شرح الحديث"، وله في علم الرجال كتاب "شيوخ أبي داود". وآخرهم أبو القاسم الكعبي البلخي المتوفى سنة 319هـ، فألّف كتاب "حجّة أخبار الآحاد".

كما ويجب التفريق عند داسة افكار المعتزلة بين مدرسة  البصرة والكوفة؛ بل أكثر من ذلك، يجب التفريق بين مفكّري المعتزلة من ناحية الآراء في المسألة الواحدة .  ولعلّ أهم ما يميّز المعتزلة هو الاختلاف الكبير بين مفكّريها، حتى داخل المدرسة الواحدة، وهي ميزة قلّما نجدها عند بقيّة المدارس الكلامية الأخرى. وهكذا ونجد أنّ من الخلل المنهجيّ دراسة المعتزلة كمدرسة واحدة والحكم عليهم على هذا الأساس.

وفي الختام، نرى أن آراء المعتزلة الكلامية تعرضت لحملة تشويه على مرحلتين:

المرحلة الأولى: كانت من خلال المصادر الحنبلية والأشعرية.

والمرحلة الثانية: كانت من خلال القراءات التأويلية لبعض المفكرين العرب المعاصرين.

فهذه الحملة أدت إلى تشويه الصورة الحقيقية للمعتزلة وآرائهم، مما يستدعي إعادة النظر في فهم وتفسير أفكارهم من جديد.

***

د. علاء كاظم الجابري

 

أعلنت الحداثة الغربية فصل الدين عن السياسة، وأسست بذلك لمفهوم "العلمانية"، لكن الحقيقة لم يكن ذلك بصدد تحرير الإنـسان بقدر ما كانت تريد اعادة توزيع أدوات الهيمنة، فالدين لم يُقصَ، بل أُعيد تدويره، وما إن تفجّرت الصراعات ذات الجذور الدينية في العالم، حتى عاد الغرب ليستحضر المقدّس من جديد، لا بوصفه إيماناً، بل كحلٍّ تقني للصراع، تحت لافتة زائفة تُدعى "دين السلام العالمي".

إنّ نشأة أي دين، في معناها الفلسفي العميق، ليست حدثاً عابراً ولا تركيباً خطابياً يمكن هندسته في غرف السياسة، بل هي لحظة انفجار وجودي تتأسس على الدعوة، وعلى الصدمة الأولى للمعنى، وعلى سلطة الوحي بوصفه اقتحاماً للواقع لا تفاوضاً معه. ومن هنا تتبدّى فرادة الرسالة الإسلامية، التي لم تبدأ كمشروع علني، ولا كأيديولوجيا جاهزة، بل كدعوة سرّية، سرعان ما تحوّلت إلى إعلان كوني، مسنود بثلاثية لا تقبل الاختزال: الوحي، والكتاب، والرسول، ثلاثية صنعت ديناً، لا خطاباً، ووجوداً، لا تسوية.

وعلى الضدّ من ذلك، تشكّلت الديانات الأخرى ضمن مسارات تاريخيّة أكثر تعقيداً؛ فاليهودية، وقد ارتبطت بالألواح، لم تتبلور نصياً إلا بعد صدمة السبي البابلي، حيث تحوّل المقدّس إلى ذاكرة جمعية، وإلى نصٍّ يعيد إنتاج الهوية تحت وطأة الهزيمة. أما المسيحية، فقد تشكّل نصّها لاحقاً بوصفه تدويناً لتجربة إيمانية روحية، لا بوصفه نصاً منزَّلاً بالمعنى الصارم للوحي.

ومع الزمن، استقرّ العالم على وهم التعايش الديني، وعلى القبول بتعدّد الشرائع والمناهج، فانفتح الباب أمام خطاب "حوار الأديان"، الذي بدا في ظاهره دعوة للتقارب، لكنه في عمقه كان تمريناً ناعماً على تفريغ الدين من حدّته، وتحويله إلى لغة أخلاقية عامة بلا جذور صدامية. غير أنّ هذا المسار لم يقف عند حدود الحوار، بل انزلق، مع تراكم القبول، إلى أطروحات أكثر خطورة، ترفع شعار توحيد الأديان في دينٍ واحد، يستند إلى "المشترك الإبـراهيمي" بوصفه أصلاً جامعاً، ويُعرف اليوم بما يُسمّى بـ"الدين الإبـراهيمي الجديد".

وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: فهذا الدين المزعوم لا يولد من رحم المقدّس، بل من بطن السياسة، دين بلا وحي، بلا كتاب، وبلا رسول؛ دين يُبقي من النشأة الدينية عنصراً واحداً فقط، هو الاسم الرمزي لإبـراهيم، بعد أن يُجرّد من سياقه النبوي، ويُعاد تشكيله كأيقونة تصالحية تخدم مشروعاً كونياً مُسبق التصميم، إننا لسنا أمام دين، بل أمام هندسة رمزية للمقدّس، تُوظَّف لتسوية صراعات، وتبرير هيمنات، وتمرير مشاريع استيطانية واستعمارية تحت قناع التسامح.

من هنا، لا ينطلق هذا المقال من سؤال لاهوتي بريء، بل من فعل تمرّد معرفي على هذا التزييف المنظّم، تمرّد يرفض اختزال الدين إلى أداة سياسية، ويرفض تحويل إبـراهيم (ع) من نبيٍّ إلى علامة تجارية عابرة للأديان، ويسعى إلى تفكيك الاستراتيجيات الخطابية التي تُسوّق لهذا الدين الجديد، والكشف عن المسكوت عنه في سرديته، وردّ هذه النشأة المزعومة إلى أصولها السياسية والاستيطانية، لا إلى جذورها الروحية. ففي زمن تُعاد فيه صناعة المقدّس على مقاس القوة، يصبح الـتمرّد فعلاً أخلاقياً قبل أن يكون موقفاً فكرياً، وتغدو الفـلسفة آخر خطوط الدفاع عن المعنى في مواجهة دينٍ بلا وحي، وسلامٍ بلا عدالة.

إنّ ما يجري تنفيذه على الأرض يومياً لا يمكن قراءته بوصفه أحداثاً منفصلة أو تسويات سياسية عابرة، بل هو جزء عضوي من مخطط أشمل للتحوّل الثقافي، العقدي، السياسي، في المنطقة العربية، مخططٍ يسعى إلى إعادة هندسة الـوعي قبل إعادة رسم الجغرافيا، وصولاً إلى ما يمكن تسميته بـ"كيان الولايات المتحدة الإبـراهيمية"، الممتد رمزياً من المحيط إلى الخليج، مشروعٌ لا يمرّ عبر التنمية ولا عبر العدالة، بل يعبر، من بوابة تصفية القضية الفلسطينية، لا بوصفها أزمة سياسية قابلة للحل، بل بوصفها عائقاً وجودياً يجب إزالته من طريق المشروع.

ومن هذا الأفق يمكن فهم التطبيقات العملية للخطاب الإبـراهيمي التي ترافقت مع موجة التطبيع العربي مع إسرائيل، فالتطبيع هنا لا يُقدَّم كخيار سياسي فحسب، بل يُغلَّف بسردية دينية–أخلاقية ناعمة، تُفرغ الصراع من جذوره الاستعمارية، وتعيد تقديمه كخلاف ثقافي قابل للتسوية تحت مظلة السلام والأخوّة الإنـسانية. ومن هذا المنطلق أيضا، يمكن قراءة الاتفاق الذي أُطلق عليه اسم "أبراهام"، والذي رعاه الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب)، وتمخّض عملياً عن تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2020.

فالتسمية لم تكن بريئة ولا محايدة؛ إذ أوضح السفير الأمريكي لدى إسرائيل أنّ اختيار اسم "أبراهام" يعود إلى كون إبـراهيم أباً للديانات الثلاث الكبرى: يُدعى "أبراهام" في المسيحية، و"إبـراهيم" في الإسلام، و"أبرام" في اليهودية، باعتباره، بحسب الخطاب الرسمي، الرمز الأمثل لإمكانية الوحدة بين هذه الأديان. غير أنّ هذا التفسير، في عمقه، لا يعبّر عن رغبة في الوحدة بقدر ما يكشف عن محاولة اختطاف الرمز الديني الأعلى، وتجريده من سياقه النبوي، وإعادة توظيفه بوصفه أداة سياسية عابرة للعقائد.

إنّ تسمية اتفاقيات التطبيع بين الإمارات والبحرين وإسرائيل بـ"الاتفاقات الإبـراهيمية" أثارت، ولا تزال، أسئلة جوهرية حول دلالات هذه التسمية، وخلفياتها الفـكرية، وغاياتها الفعلية، إذ لا يمكن فصل هذه التسمية عن جذورها الدينية العميقة، ولا عن استدعائها الانتقائي للتاريخ المقدّس، بما يكشف بوضوح حجم التوظيف السياسي للأبعاد الدينية والحضارية، وتطويعها لخدمة أجندات جيوسياسية محددة. وهنا يتجلّى جوهر الإشكال: فالدين، بدل أن يكون مجالاً للمعنى والتحرّر، يُعاد إنتاجه كأداة للهيمنة، وبدل أن يكون النبي رمزاً للعدالة والقطيعة مع الظلم، يتحوّل إلى جسرٍ لتطبيع الاحتلال. وتحت غطاء مفاهيم إنسانية كالسلام العالمي، والأخوّة الكونية، والتسامح بين الأديان، يُراد تمرير مشروع سياسي يستبطن نفي المظلومية الفلسطينية، وإعادة تعريف الظالم والضحية داخل سردية واحدة مصالِحة، لا مكان فيها للعدالة ولا للاعتراف بالجريمة.

***

د. حيدر عبد السادة جودة

بين أدوات التفكير وحدود الإطار

فرش اشكالي: في بلد حفرت فيه الفلسفة أخاديد عميقة في صخر الهوية الثقافية والحضارية لإيران ، من زرادشت الذي جعل الأفكار الطيبة منبع الكون، إلى ابن سينا الذي حوَّل المنطق إلى سفينة عبور نحو الحكمة الحقيقية، ومن السهروردي الذي أضاء الظلام بنور الإشراق، إلى ملا صدرا الذي جعل الوجود حركة لا جثة، وصولا إلى جلال الدين الرومي الذي صرخ في وجه العقل بأن الحب يتجاوز الادراك العقلي في هذا البلد يبدو السؤال عن تدريس الفلسفة سؤالاً مربكا من شأنه ان يدخلنا في متاهة من التناقضات: بين التراث والحداثة، بين العقل والتجربة الروحية، بين حرية السؤال وضرورة الإطار.

للوهلة الأولى قد يظن الواحد منا أن الفلسفة غائبة أو هامشية في التعليم الثانوي الإيراني. لكن الفحص الدقيق للكتب المدرسية الرسمية الصادرة عن منظمة البحث والتخطيط التربوي يكشف عن بنية منهجية لافتة: هرم ثلاثي يتدرج عبر ثلاث سنوات متتالية. يبدأ في الصف العاشر بالمنطق بوصفه ميزان الفكر وأداة التفكير، ثم ينتقل في الصف الحادي عشر إلى مدخل في ماهية الفلسفة وتاريخها ومسألة المعرفة، ليغلق في الصف الثاني عشر بالمنظومة الإسلامية المستندة إلى الحكمة المتعالية، هذا النموذج يجمع في آن واحد بين تعليم كيفية التفكير وتحديد ما يُسمح بالتفكير فيه، حيث يمنح الطالب أدوات المنطق والنقد، لكنه يضع هذه الأدوات داخل إطار يحدد حدودها سلفاً. ومن هنا ينبثق السؤال المركزي: هل هذا الهرم نافذة حقيقية على التفلسف الحر، أم جدار أنيق يحول الفلسفة إلى معرفة موجهة؟ وكيف يتعامل هذا المنهج مع تراث فلسفي حي كان يصف نفسه، كما لاحظ هنري كوربان، بـروايات رحلة في العالم المعقول؟¹

لا يمكن فهم المنهج الحالي لتدريس الفلسفة في ايران دون العودة إلى عمق التربية في التراث الإيراني. ففي التراث الزرادشتي كانت المبادئ الثلاثة: الأفكار الطيبة والكلمات الطيبة والأعمال الطيبة أساس التربية الأخلاقية والعلمية. وفي العصر الساساني تجسد هذا الاهتمام في أكاديمية جندي سابور التي جمعت بين الطب والفلسفة والعلوم وأصبحت فضاء للحوار بين الحضارات، و مع مجيء الإسلام ظهرت مدارس فلسفية متعددة: المشائية مع الفارابي وابن سينا التي ركزت على بناء الفضائل بالعادة والممارسة، والإشراقية مع السهروردي التي حوَّلت المنطق الأرسطي إلى طريق نوراني وفتحت باب العالم الخيالي كمستوى أنطولوجي حقيقي، والحكمة المتعالية مع ملا صدرا التي قدمت نظاما فلسفيا شاملا ومارست نقداً صريحاً للشكلية الدينية، وكانت المكاتب التقليدية تجسد هذه الرؤية عملياً بحرية اختيار المعلم والحوار والتعليم القائم على الحاجة الفردية، ومع التحديث في القرن التاسع عشر تأسست دار الفنون على النمط الفرنسي، وبحلول مطلع الستينيات ظهرت مادة المنطق والفلسفة رسمياً. أما التحول الحاسم فجاء بعد الثورة الإسلامية عام 1979، حيث أُعيدت صياغة المحتوى ضمن إطار إسلامي مستند إلى الحكمة المتعالية، مع الإبقاء على الهيكل المؤسسي للمادة. ²

في الصف العاشر يدرس الطالب كتاب المنطق، والعنوان نفسه يكشف عن استراتيجية واعية: حيث يعتبر المنطق في التقليد الإسلامي الإيراني هو ميزان الفكر و أداة قبل أن يكون محتوى، وهو بذلك آمن إيديولوجياً لأنه  يعلم الطالب كيف يفكر دون أن يدفعه للتساؤل عما إذا كان ما يُفكر فيه صحيحاً.

يفتتح الكتاب باقتباس للخميني يقول فيه:"  أن الإسلام دين قائم على المنطق ولا يخاف من حرية البيان والقلم"  ثم يستهل درسه الأول باقتباس ابن سينا الذي يصوّر المنطق علماً للميزان وسائر العلوم علماً للربح والخسارة. ومن حيث الموارد المعرفية يتكون الكتاب من سبعة أبواب تتدرج من ماهية المنطق إلى علاقات الذهن واللغة والخارج، ثم التعريف، فالاستدلال الاستقرائي، فالقضايا الحملية والقياس الاقتراني، فالقضايا الشرطية، ليختتم بالمنطق التطبيقي والتفكير الناقد، والملاحظ ان هذا الكتاب يحتضن تنوعاً فكرياً داخل إطار واحد: المنطق الأرسطي، والمنطق الإسلامي-الإيراني ممثلاً في ابن سينا ونصير الدين الطوسي، والإشارات إلى المنطق الحديث. ويعتمد الحكايات الفلسفية كأداة تدريسية، فيقترب شكلياً من منهج فلسفة الأطفال، لكنه يبقى موجَّهاً نحو بناء قياس صحيح دون مساءلة المقدمات ذاتها.³

في الصف الحادي عشر يأتي كتاب الفلسفة الاول ليكون الحلقة التي تربط بين المنطق كأداة والفلسفة كمحتوى، يفتتح الكتاب باقتباس يضع العقل في مرتبة أعلى من الحس ضمن رؤية تؤكد أن قانون العلية والمعلولية معقول لا محسوس، ويستحضر ملا صدرا ليميز بين مستويين من التفكير: الانشغال بأمور الحياة العادية، والدخول في الأسئلة الأساسية التي يراها مرحلة أرقى. يتناول الكتاب ماهية الفلسفة والعجب الفلسفي ودرجات التفكير وأصل الكلمة اليوناني وخصائص الفلسفة، ثم قضايا المعرفة والإدراك. وفق منهجية سقراطية وأسئلة مفتوحة وحكايات، لكن الغيابات لافتة: تاريخ الفلسفة الإسلامية مؤجل، وأفلاطون وأرسطو مختصران، والميتافيزيقا والإلهيات مؤجلة، ولا فلاسفة غربيون معاصرون.⁴

في الصف الثاني عشر يُغلق الهرم بكتاب الفلسفة الثاني. فبعد أن يكون الطالب قد تعلم كيف يفكر وعرف ماهية الفلسفة، يأتي ليتلقى الإجابات، حيث ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام: الواقع والوجود بما يتضمنه من مباحث الوجود والماهية وعالم الممكنات والعلة الأولى؛ ثم الله والعقل حيث تُدرَّس براهين وجود الله بما فيها نقد هيوم، قبل أن تُختم الدروس بخلاصات تؤكد أن الوجود الواجب هو الإجابة الصحيحة؛ ثم نظرة موجزة إلى سير الفلسفة في العالم الإسلامي من الكندي إلى ملا صدرا والعلامة الطباطبائي و مطهري. وما يعاب على الكتاب هو الإطار الإيديولوجي الذي يتجلى في مرجعية افتتاحية الكتب وفي التوحيد كأفق نهائي وفي الخلاصات الجاهزة التي تغلق النقاش. فلا وجود لفلسفة نيتشه ولا ماركس ولا فوكو، ولا فلسفة سياسية مستقلة، ولا أخلاق فلسفية منفصلة عن الإطار الديني.⁵

يتميّز التراث الفلسفي الإيراني بعمق يجمع بين الصرامة المفاهيمية والتجربة الروحية، فعند ابن سينا تتحول الفلسفة إلى بحث عن الحكمة الحقيقية ومسار يرتقي بالروح، و مع السهروردي يصبح النور المفهوم المركزي وتغدو الفلسفة تجربة إشراقية تجمع بين الاستدلال والذوق، ويفتح باب العالم الخيالي كمستوى أنطولوجي وسيط. أما ملا صدرا فيشنّ هجوماً صريحاً على من يقتصر على ظاهر الشريعة، ويرى الفلسفة تفسيراً حياً مستمراً. ويصل التيار إلى أقصى درجاته مع الرومي الذي يرى في الحب تجربة تتجاوز العقل تماماً. هذا التراث الحي يواجه تحولاً واضحاً حين يدخل المنهج المدرسي حيث  تُستدعى الأسماء وتحفظ المفاهيم، لكن يُغيب البعد النقدي الحاد والبعد الشعري الصوفي و ما كان رحلة داخلية يصبح محتوى معرفياً موجَّهاً.⁶

هذا النموذج يمثل في آن واحد نافذة وجداراً، فثلاثة سنوات من المنطق والفلسفة إنجاز نادر في العالم الإسلامي، والانفتاح الانتقائي على هيوم وديكارت وكانط ليس بالأمر الهين، والمنهجية السقراطية الشكلية تعود الطالب على بعض مهارات التفكير، وإحياء التراث يحفظ أسماءً غنية. لكن الإطار الإيديولوجي المحكم، وغياب النقد الجذري، وغياب الفلسفة السياسية والأخلاق المستقلة، وغلبة الجانب القابل للاختبار على ممارسة التفلسف الحر، حول الفلسفة إلى معرفة موجَّهة. حيث تشير الأبحاث المحلية إلى ضعف تدريب المعلمين وغلبة الجانب المعرفي على الممارسة الحوارية ونظام تقييم يركز على الحفظ.

ورغم وجد تجارب في فلسفة الأطفال أظهرت نتائج إيجابية، الا انها لم تتحول إلى سياسة وطنية. ذلك ان  كل مقترح لتطوير المنهج يصطدم بجدار الخوف الإيديولوجي، فالفلسفة الحقيقية تشجع على التساؤل حول الوجود والله والدين والسلطة والنظام  رغم زخرفته بالفلسفة الإسلامية على غرار كل الأنظمة العربية والاسلامية يخشى هذا التساؤل.

***

عمرون علي

......................

الهوامش

1- هنري كوربان، في الإسلام الإيراني: جوانب روحية وفلسفية، أربعة أجزاء، منشورات الجمل، بيروت. يصف كوربان الفلسفة الإيرانية بأنها روايات رحلة في العالم المعقول.

2 - مهدي نقستين، تاريخ التربية وفلسفتها؛ بختيار شعباني وراقي ورؤيا محمدي شابكي، فلسفة التربية الإيرانية، مجلة النظرية التربوية والفلسفة، 2020؛ أبو الحسن كاظمي ساساني، التعليم في إيران، تقرير مكتب التربية الأمريكي، 1963.

3 - منظمة البحث والتخطيط التربوي، المنطق ومباحثه، كتاب الصف العاشر، وزارة التربية والتعليم، طهران، الطبعة السادسة .

4 - منظمة البحث والتخطيط التربوي، فلسفة 1: الفلسفة وأبعادها، كتاب الصف الحادي عشر، وزارة التربية والتعليم، طهران.

5 - منظمة البحث والتخطيط التربوي، فلسفة 2، كتاب الصف الثاني عشر، وزارة التربية والتعليم، طهران.

6 - هنري كوربان، المرجع السابق.

7 - كريستيان جامبيه، فلسفة إيران، حلقات إذاعية ضمن برنامج دروب الفلسفة، إذاعة فرنسا الثقافية، 2017.

من استهلاك التكنولوجيا إلى بناء السيادة الرقمية وصناعة المستقبل

على سبيل الافتتاح: حين يصبح الذكاء الاصطناعي سؤالا عن المستقبل:

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تطور تقني جديد يضاف إلى سلسلة التحولات التي عرفها العالم خلال العقود الأخيرة، بل أصبح أحد المحددات الأساسية لمستقبل الاقتصاد والمعرفة والإدارة والصناعة والتعليم وسوق الشغل. فالعالم يشهد اليوم انتقالا متسارعا من الاقتصاد القائم على الموارد المادية إلى اقتصاد تتزايد فيه قيمة البيانات والخوارزميات والقدرة على المعالجة والحوسبة والابتكار.

وفي خضم هذا التحول العالمي، يبدو أن المغرب اختار ألا ينتظر اكتمال ملامح الثورة الجديدة حتى يبدأ في التعامل معها، وإنما اتجه إلى الاستثمار فيها مبكرا، انطلاقا من تصور يجعل الذكاء الاصطناعي جزءا من التحول الرقمي ومن رهانات التنمية المستقبلية.

وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من حجم الأهداف المعلنة، إذ يستهدف المغرب، في أفق 2030، خلق نحو 50 ألف فرصة عمل مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتكوين 200 ألف خريج في مهارات الذكاء الاصطناعي، والسعي إلى إضافة نحو 100 مليار درهم، أي ما يقارب 10 مليارات دولار، إلى الناتج الداخلي الإجمالي. ولا يرتبط هذا الطموح بالتكوين والتشغيل فقط، بل يقوم كذلك على رفع القدرة الوطنية لمعالجة البيانات من خلال مراكز البيانات السيادية، وتوسيع البنية التحتية للحوسبة السحابية والألياف البصرية، وربط مراكز الذكاء الاصطناعي بالجامعات والقطاع الخاص، وإدماج حلول الذكاء الاصطناعي في الإدارة والقطاعات الإنتاجية.

وهنا تتجاوز القضية حدود التكنولوجيا لتصبح سؤالا حول قدرة المغرب على الانتقال من مجتمع يستهلك التكنولوجيا إلى مجتمع يشارك في إنتاج المعرفة التي تقوم عليها التكنولوجيا.

فالمسألة ليست في امتلاك تطبيقات الذكاء الاصطناعي فقط، وإنما في امتلاك شروط إنتاجه وتوطينه وتطويره وتكييفه مع الخصوصيات الوطنية. ومن هذه الزاوية يمكن فهم العبارة التي تختصر فلسفة هذا الرهان:

الذكاء الاصطناعي ليس رفاهية للدول الكبرى فقط، بل فرصة ذهبية لمن يمتلك الرؤية والجرأة.

فالرؤية تسمح باستشراف التحول قبل اكتماله، والجرأة تسمح بتحويل الاستشراف إلى استثمار ومؤسسات وبنية تحتية وكفاءات.

إشكالية الدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من إشكالية مركزية مفادها:

إلى أي حد يستطيع المغرب تحويل رهانه على الذكاء الاصطناعي من مجرد استثمار في التكنولوجيا إلى مشروع وطني لإنتاج المعرفة وبناء السيادة الرقمية وتعزيز القدرة التنافسية، وما الشروط الضرورية لنجاح هذا الانتقال في أفق 2030؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من الأسئلة الجزئية:

هل تكفي الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية لبناء اقتصاد قائم على الذكاء الاصطناعي؟

كيف يمكن تحويل 200 ألف خريج مستفيد من التكوين إلى قوة بشرية منتجة للمعرفة والابتكار؟

هل يستطيع المغرب الانتقال من استخدام الحلول الأجنبية إلى تطوير حلول مغربية؟

ما موقع الجامعة والبحث العلمي في هذه الثورة؟

كيف يمكن تحقيق التوازن بين الانفتاح على الشركات العالمية والحفاظ على السيادة الرقمية؟

وما الذي يجعل الذكاء الاصطناعي فرصة حقيقية للمغرب، وليس مجرد موجة تقنية عابرة؟

أهمية الدراسة:

تتجلى أهمية هذه الدراسة من كونها تتناول واحدا من أكثر التحولات تأثيرا في حاضر المغرب ومستقبله، والمتمثل في الانتقال من مرحلة الرقمنة التقليدية إلى مرحلة توظيف الذكاء الاصطناعي باعتباره رافعة جديدة للتنمية والابتكار وصناعة القيمة. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية متقدمة تستخدم في بعض المجالات المتخصصة، وإنما أصبح عنصرا متداخلا في الاقتصاد والتعليم والإدارة والصناعة والبحث العلمي وسوق الشغل، بما يجعله جزءا من التحولات العميقة التي تعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة والإنتاج والتكنولوجيا.

وتكتسب الدراسة أهميتها كذلك من محاولتها قراءة الرهان المغربي على الذكاء الاصطناعي قراءة تتجاوز المعطى الرقمي والإخباري، حيث لا تكتفي بالوقوف عند الأهداف المرتبطة بخلق فرص العمل وتكوين الكفاءات وزيادة الناتج الداخلي، وإنما تسعى إلى مساءلة الشروط التي تجعل هذه الأهداف قابلة للتحقق، وفي مقدمتها بناء البنية التحتية الرقمية، وتطوير مراكز البيانات السيادية، وتوسيع الحوسبة السحابية، وتعزيز شبكات الألياف البصرية، وتأهيل الموارد البشرية، وربط الجامعة بالبحث العلمي والابتكار والمقاولة.

كما تنبع أهمية الدراسة من إبرازها البعد الاستراتيجي للبيانات والقدرة الحوسبية في بناء السيادة الرقمية. فالدول لم تعد تقيس قوتها الاقتصادية بمواردها الطبيعية ومؤسساتها الإنتاجية فقط، وإنما أصبحت القدرة على امتلاك البيانات ومعالجتها وحمايتها وتوظيفها عاملا متزايد الأهمية في تحديد موقعها داخل الاقتصاد العالمي الجديد. ومن ثم فإن الاستثمار المغربي في مراكز البيانات والحوسبة والبنية الرقمية يمكن قراءته باعتباره جزءاً من بناء مقومات جديدة للسيادة الوطنية.

وتتجلى أهمية أخرى للدراسة في تركيزها على الإنسان المغربي باعتباره محور التحول التكنولوجي. فاستهداف تكوين مئات الآلاف من الخريجين في مهارات الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يفهم فقط بوصفه استجابة لحاجات سوق الشغل، بل باعتباره استثمارا في الرأسمال البشري والمعرفي للمغرب. ومن هنا تطرح الدراسة سؤالا جوهريا حول الانتقال من مجرد تدريب المستخدمين على أدوات الذكاء الاصطناعي إلى تكوين باحثين ومهندسين ومبرمجين ومبتكرين قادرين على إنتاج المعرفة والحلول الرقمية وتطويرها.

وتتأكد أهمية الدراسة أيضا من خلال مساءلتها طبيعة الشراكات الدولية التي ينخرط فيها المغرب في هذا المجال، ومن بينها التعاون مع شركة Mistral AI الفرنسية، حيث تطرح هذه الشراكات إشكالية دقيقة تتمثل في كيفية تحقيق التوازن بين الاستفادة من الخبرة والتكنولوجيا العالمية وبين بناء قدرة وطنية مستقلة على إنتاج المعرفة وتوطينها. ومن ثم يصبح الانفتاح على التكنولوجيا العالمية وسيلة لبناء الكفاءة الوطنية، لا بديلا عنها.

وتكتسب الدراسة بعدا إضافيا من خلال ربطها بين الذكاء الاصطناعي والطاقة والتنمية المستدامة، ذلك أن مراكز البيانات والبنية الحوسبية تحتاج إلى قدرات طاقية متزايدة، وهو ما يجعل الجمع بين الاستثمار في التكنولوجيا وتطوير الطاقات المتجددة أحد المجالات التي يمكن أن تمنح المغرب ميزة استراتيجية في المستقبل.

وأخيرا، تتمثل الأهمية الفكرية لهذه الدراسة في أنها تحاول قراءة الذكاء الاصطناعي باعتباره رهانا على المستقبل وليس مجرد تقنية للحاضر، فالمغرب أمام فرصة لإعادة تحديد موقعه في اقتصاد المعرفة، ليس فقط باعتباره مستهلكا للتكنولوجيا، وإنما باعتباره منتجا لها ومطورا لحلولها ومصدرا لخدماتها، ولا سيما في محيطه الإفريقي.

ومن هنا تتأسس الفكرة المركزية للدراسة والتي تتمثل قي كون الذكاء الاصطناعي ليس رفاهية للدول الكبرى فقط، بل فرصة ذهبية للدول التي تمتلك الرؤية والجرأة، غير أن تحويل هذه الفرصة إلى قوة وطنية مستدامة يظل رهينا بالعلم والكفاءة والبحث العلمي والحكامة والاستمرارية.

 الذكاء الاصطناعي من التكنولوجيا إلى الجغرافيا الجديدة للقوة:

أصبح الذكاء الاصطناعي اليوم جزءا من إعادة تشكيل موازين القوة في العالم. فالدولة التي تمتلك القدرة على جمع البيانات ومعالجتها، وتطوير الخوارزميات، وتوفير مراكز الحوسبة، وإنتاج الكفاءات، لا تمتلك مجرد تفوق تقني، وإنما تمتلك جزءا من شروط القوة الاقتصادية والمعرفية المستقبلية.

ولهذا لم تعد المنافسة بين الدول محصورة في امتلاك المصانع والطرق والموانئ ومصادر الطاقة، بل أضيفت إليها منافسة جديدة حول البيانات، ومراكز الحوسبة، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والقدرة على إنتاج المعرفة الرقمية.

ومن هنا تأتي أهمية التحول المغربي، لأنه يضع الذكاء الاصطناعي ضمن سياق أوسع من مجرد تحديث تقني، سياق يتعلق بموقع المغرب في الاقتصاد العالمي الجديد.

 50 ألف فرصة عمل: عندما يتحول الذكاء الاصطناعي إلى رهان على الإنسان:

قد يبدو رقم 50 ألف فرصة عمل رقما اقتصاديا في ظاهره، لكنه يحمل دلالة أعمق، فالذكاء الاصطناعي لا يخلق وظائف جديدة فقط، بل يعيد تشكيل طبيعة الوظائف الموجودة أصلا..ومن ثم فإن السؤال الحقيقي ليس كم وظيفة ستنشأ، وإنما أي نوع من الوظائف سينشأ؟

هل يتعلق الأمر بوظائف بسيطة مرتبطة باستعمال التطبيقات؟ أم بوظائف عالية القيمة في البرمجة والهندسة وعلوم البيانات والأمن السيبراني والبحث والتطوير؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ستكون حاسمة في تحديد طبيعة المكاسب التي سيحققها المغرب.

فإذا استطاعت المملكة تكوين كفاءات قادرة على بناء النماذج والخوارزميات وتطوير الحلول، فإن الذكاء الاصطناعي قد يتحول إلى رافعة حقيقية لاقتصاد المعرفة.

أما إذا ظل الاستخدام محصورا في استهلاك المنتجات الأجنبية، فقد يتحول جزء من الاستثمار إلى مجرد توسيع لسوق التكنولوجيا المستوردة. وهنا تكمن أهمية الانتقال من المستخدم الرقمي إلى المنتج الرقمي.

200 ألف خريج: الرهان الحقيقي ليس في العدد وإنما في نوعية الكفاءة ؛

إن هدف تكوين 200 ألف خريج في مهارات الذكاء الاصطناعي يمثل أحد أهم عناصر المشروع المغربي.

لكن القراءة النقدية لهذا الرقم تفرض التمييز بين التدريب على استعمال الذكاء الاصطناعي والتكوين القادر على إنتاج الذكاء الاصطناعي.

فالأول يمكن أن يتم خلال دورات قصيرة، بينما الثاني يحتاج إلى سنوات من التكوين في الرياضيات والإحصاء والبرمجة والهندسة وعلوم البيانات والمنطق واللغات.

ومن هنا ينبغي ألا تتحول الثورة الرقمية إلى مجرد سوق جديدة للشهادات والدورات التكوينية، حيث أن المطلوب هو بناء إنسان مغربي قادر على فهم الخوارزميات، وتحليل البيانات، وتطوير البرمجيات، وبناء النماذج، وتقييم نتائج الذكاء الاصطناعي، واكتشاف أخطائه وانحيازاته، و توظيفه في البحث العلمي والإدارة والصناعة والتعليم.

وهذا يعني أن الجامعة المغربية تصبح شريكا مركزيا في المشروع، وليست مجرد مؤسسة لتزويد السوق بالموارد البشرية.

 مراكز البيانات السيادية: الوجه الآخر للذكاء الاصطناعي:

من أقوى عناصر المشروع المغربي التركيز على مراكز البيانات السيادية، حيث يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى بيانات وقدرة هائلة على معالجتها، ومن ثم فإن امتلاك البنية التحتية التي تستضيف البيانات وتعالجها يصبح جزءا من السيادة الرقمية.

وتشير المعطيات المعلنة إلى أن رفع مساهمة الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد المغربي يرتبط إلى حد كبير بتوسيع القدرة المحلية لمعالجة البيانات عبر مراكز بيانات سيادية، وتطوير الحوسبة السحابية وشبكات الألياف البصرية.

وهنا نصل إلى تحول مهم في مفهوم السيادة.

فكما كانت السيادة في مراحل تاريخية مرتبطة بالأرض والحدود والثروات الطبيعية، فقد أصبحت اليوم مرتبطة كذلك بالقدرة على حماية البيانات وإدارتها ومعالجتها وتوظيفها. ومن ثم فإن مركز البيانات ليس مجرد مبنى تقني، بل يمكن أن يصبح أحد رموز السيادة الاقتصادية والمعرفية الجديدة.

 الحوسبة السحابية والألياف البصرية: البنية غير المرئية للثورة:

كثيرا ما يظهر الذكاء الاصطناعي في الوعي العام على شكل روبوت أو تطبيق أو محادثة ذكية. غير أن وراء هذه الواجهة البسيطة توجد منظومة ضخمة من مراكز البيانات والخوادم والشبكات والطاقة والألياف البصرية والحوسبة السحابية.

ومن هنا فإن الاستثمار في هذه المجالات يمثل استثمارا في البنية التحتية غير المرئية للاقتصاد الرقمي.

ولا يمكن للمغرب أن يبني اقتصادا متقدما للذكاء الاصطناعي إذا لم تتوفر لديه قدرة مستقرة وسريعة وآمنة على نقل البيانات وتخزينها ومعالجتها.

ولهذا فإن التحول الرقمي ينبغي أن يقرأ باعتباره منظومة متكاملة، وليس مجموعة من المشاريع المنفصلة.

11 مليار درهم: من الإنفاق الرقمي إلى الاستثمار المنتج:

خصص المغرب نحو 11 مليار درهم، أي ما يقارب 1.2 مليار دولار، لاستراتيجية التحول الرقمي للفترة الممتدة من سنة 2024 إلى سنة 2026، وتشمل هذه الاستراتيجية مبادرات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتوسيع البنية التحتية للألياف البصرية. غير أن القيمة الحقيقية لهذا الاستثمار لا تقاس بحجمه المالي وحده.

فالسؤال الأهم هو: كيف يتحول الإنفاق على التكنولوجيا إلى قيمة مضافة مستدامة؟

وهنا تظهر الحاجة إلى ربط الاستثمار الرقمي بالإنتاج، والجامعة، والبحث العلمي، والمقاولة، والتصدير.

فالاستثمار الناجح في الذكاء الاصطناعي هو الذي ينتج بعد سنوات شركات، وبراءات، وبرمجيات، وخدمات، ومهندسين، وباحثين، وحلولا مغربية قابلة للتصدير.

 الشراكة مع Mistral AI: الانفتاح على العالم دون التفريط في بناء القدرة الوطنية:

تكتسب الشراكة المغربية مع شركة Mistral AI الفرنسية أهمية خاصة في هذا السياق.

ففي 12 شتنبر 2025، وقعت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة مذكرة تفاهم مع الشركة الفرنسية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتركز التعاون على تنمية الكفاءات المحلية من خلال التكوين والبحث التطبيقي وتبادل الخبرات، إضافة إلى دعم الشركات الناشئة والمشاريع الصناعية المبنية على حلول الذكاء الاصطناعي. كما نص التعاون على تعزيز الاستخدام الأخلاقي والشامل والمسؤول للذكاء الاصطناعي وحماية المعطيات.

وتكشف هذه الشراكة عن معادلة استراتيجية مهمة تتجلى في الانفتاح على الخبرة العالمية، مع بناء القدرة الوطنية. وهذا هو التحدي الحقيقي.

فالشراكة مع الشركات العالمية ينبغي ألا تجعل المغرب مجرد سوق للمنتجات الرقمية الأجنبية، بل ينبغي أن تساعده على اكتساب المعرفة والخبرة وتطوير كفاءاته المحلية. وبتعبير آخر ، يجب أن تتحول الشراكة من نقل التكنولوجيا إلى توطين المعرفة.

 من الاستهلاك إلى الإنتاج:

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في عصر الذكاء الاصطناعي هو أن يتحول المجتمع إلى مستهلك دائم للأدوات التي تنتجها شركات خارجية، حيث أن المستخدم المغربي يستطيع اليوم أن يستعمل أدوات الذكاء الاصطناعي بسهولة، لكن الرهان الأكبر هو: هل يستطيع المغرب أن ينتج أدواته الخاصة؟

وهنا تظهر أهمية الاستثمار في نماذج تراعي اللغة العربية والأمازيغية والخصوصيات الثقافية والإدارية والاقتصادية للمملكة، حيث أن الدول التي تنتج المعرفة الرقمية لا تنتج فقط أدوات تقنية، وإنما تنتج أيضا تمثلاتها الخاصة للعالم واللغة والمعلومة والمعرفة.

ومن هنا يصبح إنتاج الذكاء الاصطناعي قضية معرفية وثقافية إلى جانب كونها قضية اقتصادية.

 الجامعة المغربية: من فضاء للتكوين إلى مختبر لصناعة المستقبل ؛

إذا كان المغرب يريد فعلا أن يتحول إلى مركز تفوق في الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات، فإن الجامعة ينبغي أن تكون في قلب المشروع. فالجامعة هي المكان الذي تتقاطع فيه علوم الرياضيات والإعلاميات والهندسة واللغات والاقتصاد والقانون والعلوم الإنسانية.

ولا يمكن اختزال الذكاء الاصطناعي في العلوم التقنية وحدها. فنجاحه يحتاج كذلك إلى الباحث في القانون الذي يدرس المسؤولية الرقمية، وإلى الباحث في اللغة الذي يطور معالجة اللغة العربية والأمازيغية، وإلى الباحث في الاجتماع الذي يدرس أثر الذكاء الاصطناعي على المجتمع، وإلى الفيلسوف الذي يسائل علاقة الإنسان بالآلة، وإلى المتخصص في التربية الذي يعيد التفكير في المدرسة والجامعة في عصر الذكاء الاصطناعي.

وهكذا يصبح المشروع مشروعا معرفيا متعدد التخصصات.

 الذكاء الاصطناعي والإدارة: من الرقمنة إلى الإدارة الذكية:

إن من أهم المجالات التي يمكن أن تحقق فيها المملكة المغربية مكاسب مباشرة هي مجال الإدارة العمومية.

فالذكاء الاصطناعي قادر على المساهمة في معالجة الوثائق، وتحليل البيانات، وتسهيل الولوج إلى الخدمات، ودعم اتخاذ القرار، وتحسين بعض العمليات الإدارية.

لكن هذا الاستخدام ينبغي أن يتم وفق قاعدة أساسية تتجلى في كون أن التكنولوجيا هي التي في خدمة الإنسان، وليس العكس أن الإنسان هو الذي في خدمة التكنولوجيا.

فكلما توسع استخدام الخوارزميات في الإدارة، ازدادت الحاجة إلى الشفافية وحماية البيانات والمسؤولية والمراقبة البشرية.

ولهذا فإن إعداد إطار قانوني ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي يمثل جزءا أساسيا من نجاح المشروع. وقد أشارت المعطيات المعلنة إلى أن الحكومة المغربية تعمل على إعداد تشريع ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي والاقتصاد المنتج:

لن تبلغ الاستثمارات الرقمية مداها الحقيقي إذا ظلت منفصلة عن القطاعات الإنتاجية. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يخدم الصناعة من خلال تحسين الإنتاج والصيانة والتنبؤ، ويمكن أن يخدم الفلاحة من خلال تحليل المعطيات المناخية والزراعية، ويمكن أن يطور اللوجستيك والنقل والطاقة، ويمكن أن يدعم البحث العلمي والتعليم.

وهنا يتحول الذكاء الاصطناعي من قطاع مستقل إلى أداة لتحويل القطاعات الأخرى..وهذا هو أحد أهم معايير نجاح المشروع المغربي والذي لا يتمثل في عدد مراكز الذكاء الاصطناعي وحده، وإنما يتعلق أبضا بمقدار التحول الذي تحدثه هذه المراكز في الاقتصاد والمجتمع.

الذكاء الاصطناعي والطاقة:

توجد علاقة وثيقة بين الثورة الرقمية والتحول الطاقة، حيث تحتاج مراكز البيانات إلى كميات كبيرة من الطاقة، كما يحتاح الذكاء الاصطناعي في المقابل إلى قدرات حوسبة متزايدة باستمرار.

ومن هنا تبرز إحدى نقاط القوة الاستراتيجية للمغرب والتي تتجسد في الجمع بين الاستثمار في الاقتصاد الرقمي وتطوير الطاقات المتجددة.

وقد أشارت المعطيات المتعلقة بالمشروع المغربي إلى التخطيط لإنشاء مركز بيانات بقدرة 500 ميغاواط في الداخلة يعمل بالطاقة المتجددة، بما يخدم في الوقت نفسه معالجة البيانات وتعزيز أمن وسيادة تخزينها وطنيا. وهنا تتقاطع ثلاثة رهانات استراتيجية تتمثل في الطاقة والبيانات والذكاء الاصطناعي، بما يجعل العلاقة بينها إحدى أهم مداخل بناء الاقتصاد الرقمي المستدام. فمراكز البيانات تحتاج إلى موارد طاقية متزايدة، والذكاء الاصطناعي يعتمد على قدرات حوسبية ضخمة لمعالجة البيانات وتوظيفها، بينما تتيح الطاقات المتجددة للمغرب إمكانية توفير جزء مهم من الاحتياجات الطاقية لهذه البنية الرقمية بكلفة واستدامة أفضل. ومن ثم فإن الجمع بين الطاقة النظيفة والبيانات والذكاء الاصطناعي لا يمثل مجرد تقاطع تقني، بل يمكن أن يشكل رافعة استراتيجية لتعزيز السيادة الرقمية، وتحفيز الابتكار، وخلق قيمة اقتصادية جديدة، وترسيخ موقع المغرب ضمن الاقتصادات الصاعدة في مجال التكنولوجيا والمعرفة.

هذا التقاطع بين الطاقة والبيانات والذكاء الاصطناعي ت يمكن أن يمنح المغرب ميزة استراتيجية مهمة إذا أحسن استثماره.

 المغرب وإفريقيا: من التحول الوطني إلى الطموح القاري:

لا ينبغي أن يتوقف طموح المغرب عند بناء سوق وطنية للذكاء الاصطناعي. فالموقع الجغرافي للمملكة، وعلاقاتها الاقتصادية والمؤسساتية مع إفريقيا، وقدرتها على بناء شراكات دولية، تفتح أمامها فرصة للتحول إلى منصة إقليمية في مجال التكنولوجيا والبيانات والتكوين الرقمي. وقد أكدت وزارة الانتقال الرقمي أن أحد أهداف التعاون مع Mistral AI هو تعزيز موقع المغرب كمنصة إقليمية وإفريقية في الذكاء الاصطناعي والابتكار الرقمي. وهنا يمكن أن يتحول المغرب من مستورد للحلول إلى مطور ومصدر للخدمات الرقمية والمعرفة والكفاءات.

الرؤية والجرأة:

إن أهم ما يميز الرهان المغربي، في تقديري، ليس فقط حجم الأرقام، وإنما القدرة على النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره فرصة مستقبلية.

فالذكاء الاصطناعي ليس رفاهية للدول الكبرى فقط. بل يعتبر فرصة للدول التي تمتلك الرؤية والجرأة.

حيث الرؤية تعني أن تدرك الدولة التحول قبل أن يصبح أمرا واقعا، في حين تعني الجرأة أن تستثمر في المجال في الوقت الذي لا تزال فيه نتائجه النهائية غير مكتملة.

والمغرب، من خلال الجمع بين البنية التحتية الرقمية، وتكوين الكفاءات، ومراكز البيانات، والشراكات الدولية، والطاقة المتجددة، والبحث العلمي، يحاول بناء منظومة متكاملة تسمح له بالدخول إلى هذه المرحلة الجديدة.

لكن الرؤية والجرأة وحدهما لا تكفيان.

فهما تحتاجان إلى الحكامة، والاستمرارية، والتقييم، والشفافية، والبحث العلمي، وربط المسؤولية بالمحاسبة والنتائج.

 ما الذي ينبغي أن نراقبه حتى 2030؟

إن إعلان الأهداف يمثل خطوة أولى، لكن القيمة الحقيقية لأي استراتيجية تظهر في قدرتها على تحقيق نتائج قابلة للقياس. ولهذا فإن السنوات المقبلة ينبغي أن تجيب عن مجموعة من الأسئلة من قبيل:

هل تحولت 50 ألف فرصة عمل إلى وظائف ذات قيمة مضافة؟

هل استفاد 200 ألف خريج من تكوين نوعي أم من تدريب محدود؟

كم عدد الشركات المغربية التي ستنتج حلولا للذكاء الاصطناعي؟

كم عدد براءات الاختراع والمنتجات الرقمية التي ستخرج من الجامعات؟

هل ستصبح البيانات المغربية أكثر أمنا وسيادة؟

هل ستتمكن الشركات المغربية من تصدير حلول الذكاء الاصطناعي إلى إفريقيا؟

وهل سيتحول الاستثمار الرقمي إلى زيادة فعلية في الإنتاجية والثروة؟

حيث تعتبر هذه الأسئلة بمثابة جزء من المراقبة النقدية لأي مشروع استراتيجي.

على سبيل الختام: حين يصنع المغرب موقعه في عصر الذكاء الاصطناعي:

إن الرهان المغربي على الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يقرأ باعتباره مجرد استجابة لموضة تقنية عابرة، وإنما باعتباره محاولة للانخراط في واحدة من أكبر التحولات التي يعرفها العالم المعاصر.

فخلق 50 ألف فرصة عمل، وتكوين 200 ألف خريج، والسعي إلى إضافة نحو 100 مليار درهم إلى الناتج الداخلي الإجمالي، ليست مجرد أرقام منفصلة، بل أجزاء من تصور أوسع لبناء اقتصاد أكثر اعتمادا على المعرفة والابتكار. غير أن النجاح الحقيقي لن يقاس بعدد الأجهزة والخوادم ومراكز البيانات وحدها.

بل إنه سيقاس بقدرة المغرب على إنتاج الإنسان القادر على إنتاج التكنولوجيا. وسيُقاس كذلك بقدرته على تحويل الجامعة إلى مختبر للابتكار، والشركات الناشئة إلى أدوات لإنتاج القيمة، والبيانات إلى مورد سيادي، والطاقة النظيفة إلى قوة مساندة للاقتصاد الرقمي، والشراكات الدولية إلى وسيلة لنقل المعرفة وتوطينها.

ومن هنا يمكن القول إن السؤال لم يعد:

هل سيدخل المغرب عصر الذكاء الاصطناعي؟

لأن المغرب قد بدأ بالفعل في بناء شروط هذا الولوج.

أما السؤال الجوهري والأكثر أهمية فهو ما الموقع الذي يريد المغرب أن يحتله داخل هذا العصر؟

هل سيكون مستهلكا للتكنولوجيا؟ أم شريكا في إنتاجها؟ أم مركزا إقليميا وقاريا لصناعة المعرفة الرقمية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ستتحدد بما سيحدث بين اليوم وسنة 2030.

فالرؤية تفتح الطريق، والجرأة تدفع إلى اقتحامه، لكن العلم والكفاءة والحكامة والاستمرارية هي التي ستحدد إلى أي مدى يستطيع المغرب أن يصل.

وبذلك يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر من تكنولوجيا جديدة، حيث يصبح اختبارا لقدرة المغرب على تحويل الرؤية إلى مشروع، والمشروع إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى معرفة، والمعرفة إلى ثروة، والثروة إلى تنمية يستفيد منها الإنسان المغربي.

نتائج الدراسة:

يمثل الذكاء الاصطناعي انتقالا من التحول الرقمي التقليدي إلى اقتصاد قائم بصورة متزايدة على البيانات والمعرفة والحوسبة.

تظهر الأهداف المغربية المتعلقة بخلق 50 ألف فرصة عمل وتكوين 200 ألف خريج عن انتقال الذكاء الاصطناعي من المجال التقني إلى صلب السياسة الاقتصادية والتنموية.

تشكل مراكز البيانات السيادية والحوسبة السحابية والألياف البصرية بنية أساسية للسيادة الرقمية.

لا يمكن تحقيق التحول المنشود من دون جامعة قوية وبحث علمي متعدد التخصصات.

يمثل الاستثمار في الكفاءات البشرية الشرط الأساسي لتحويل المغرب من مستهلك للتكنولوجيا إلى منتج لها.

تفتح الشراكة مع Mistral AI المجال أمام نقل الخبرة وتطوير الكفاءات والبحث التطبيقي، بشرط أن تقود إلى توطين المعرفة وليس مجرد استهلاك الحلول الجاهزة.

يمثل الجمع بين الطاقة المتجددة ومراكز البيانات فرصة استراتيجية لبناء اقتصاد رقمي أكثر استدامة.

يمكن للمغرب أن يستثمر موقعه الإفريقي للتحول إلى منصة إقليمية في الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات.

تحتاج الثورة الرقمية إلى إطار قانوني وأخلاقي يحمي البيانات ويضمن الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي.

يبقى التحدي الأكبر هو الانتقال من استخدام الذكاء الاصطناعي إلى إنتاج المعرفة والمنتجات والخدمات القائمة عليه.

توصيات الدراسة:

جعل الجامعة والبحث العلمي في قلب الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي.

إنشاء مختبرات جامعية متخصصة في الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات.

توجيه جزء أكبر من الاستثمار نحو البحث والتطوير وليس البنية التقنية فقط.

تطوير برامج تكوين عميقة لا تقتصر على الاستعمال السطحي لأدوات الذكاء الاصطناعي.

دعم الشركات الناشئة المغربية القادرة على إنتاج حلول رقمية قابلة للتصدير.

تشجيع تطوير نماذج لغوية وتقنيات معالجة للغة العربية والأمازيغية.

تعزيز السيادة الوطنية على البيانات ومراكز الحوسبة.

ربط مراكز البيانات بالطاقات المتجددة لتقليص الكلفة والأثر البيئي.

تحويل الشراكات الدولية إلى آليات فعلية لنقل المعرفة وتوطين التكنولوجيا.

اعتماد مؤشرات سنوية لقياس التقدم نحو أهداف 2030.

تعزيز الإطار القانوني والأخلاقي للذكاء الاصطناعي.

جعل إفريقيا مجالاً استراتيجياً لتصدير الخبرة والكفاءات والحلول الرقمية المغربية.

***

بقلم: د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ الحضاري والسياسي.

"صمت السينما وصراخ المأساة": في صمت السينما يصرخ الجسد، وفي غياب الحوار يتعرى الوعي الشرقي من أقنعته.

شاهدتُ فيلماً كورياً دراماتيكياً يجسد عبقرية المخرج "كيم كي-دوك" في أبهى صورها؛ وهو فيلم "موبيوس" (Moebius). إنه عمل سريالي صادم، يتخلى فيه المخرج عن الحوار تماماً ليجعل من لغة الجسد والعنف الصامت أداة لتفكيك العقد النفسية والأسريّة. تدور أحداث الفيلم في حلقة مفرغة (تجسيداً لشريط موبيوس الرياضي) تنتهي بفناء العائلة انتحاراً، لكن لفهم هذه المأساة، يجب العودة إلى الخطيئة الأولى واللحظة الصادمة التي أسست للذنب المشترك ودمرت هذا الكيان بالكامل.

تبدأ المشكلة الأساسية من خيانة الأب لزوجته مع عشيقة، لكن الحبكة النفسية الأعمق تتجلى في حضور الأم والإبن معاً في مسرح هذه الجريمة الأخلاقية. فالأم لم تكتشف الخيانة مصادفة، بل كانت حاضرة في الطرف الآخر تشاهد الحادثة بعينها ومن مسافة صفر. وتتخذ المأساة بعداً نفسياً شديد التعقيد عقب انتهاء العملية الجنسية بينهما؛ حيث تقرر الأم الانتقام. لكن قبل أن تهاجم زوجها الخائن، تنظر وعيناها مملوءتان بالدموع وخيبة الأمل من شق الباب لتجد ابنها المراهق متأثراً بالمشهد ويمارس العادة السرية. تلك الحركة أورثت الأم يأساً قاتلاً وصدمة في امتدادها ونسلها؛ إذ أوعزت إليها أن ابنها يشبه والده تماماً، وأنه ورث ذات الشهوة وبدأ يشرعن الخيانة ويتلذذ بها بدلاً من الانتصار لمظلومية والدته.

هذا التداخل المرضي فجّر غضباً سادياً لا يمكن كبحه؛ وحين توجهت لزوجها وفشلت في النيل منه بسبب مقاومته العنيفة لها، نقلت جام غضبها فوراً إلى الابن؛ إذ رأت فيه "النسخة البديلة" المتاحة لرجولة الأب الخائن، فقامت بقطع عضوه التناسلي فيما كان يغطّ في نومٍ عميق كعقاب بيولوجي ونفسي يبتر سلالة الأب وغريزة الابن التي ولدت مشوهة خلف الباب. هذا يوضح كيف يتحول عجز الكبار عن مواجهة خطاياهم إلى رغبة عمياء في تدمير أقرب الناس وهم في حالة استسلام تام.

يتصاعد التوتر الدرامي من خلال تتابع متقن للمشاهد يكشف حجم المعاناة الجسدية والنفسية للشاب؛ حيث يظهر لأول مرة بالسيارة برفقة والده، ويطلب منه الذهاب إلى مرحاض عام. بينما ينتظر والده في السيارة. هناك، وأثناء محاولته التبول، يصاب شخص آخر بالدهشة والذهول حين يرى الشاب المخصي يتبول على بنطاله عاجزاً عن التحكم بجسده المبتور. يخرج الابن إلى الشارع مذعورًا، ليتفاجأ بزملائه في المدرسة وهم يحاولون نزع بنطاله قسرًا لتوثيق عاهته والشهادة على أنه خصي. وهنا يتدخل والده لينتزعه ويحميه من تنمّرهم، فيضربهم أول الأمر فيهربون من قبضته. وبينما كان الأب يحاول تهدئة ابنه المصدوم من قسوة الأولاد، إذا بالمجموعة تعود مجددًا لتركل الأب وتنهال عليه بالضرب، لتكسر صورته أمام عيني ابنه، وتُسقط هيبته تحت أقدام الصغار، في سحقٍ تام "لرمزية الأب الحامي."

يأتي بعد ذلك مشهد الإغواء المحوري؛ حيث يلتقي الابن بالعشيقة في متجرها، فتسعى إلى استمالته بفتح أزرار فستانها كاشفة عن صدرها، فيقترب منها مدفوعًا بغريزته المراهقة. غير أن الحبكة تتعقد في المشهد التالي؛ إذ يعود الابن إلى المتجر مترددًا، ليطلّ التلاميذ من جديد ويطرق أحدهم زجاج الباب. يخرج الابن مسرعًا خشية أن ينكشف سره أمام العشيقة التي بدأت تتودد إليه. وفي الشارع، يطارده زملاؤه محاولين إذلاله بانتزاع بنطاله عنوةً لإثبات عجزه والتشهير به، لكن عصابة من المجرمين تتدخل لإنقاذه من قبضتهم؛ وهي لفتة سيكولوجية بارعة من المخرج، إذ أن العصابة لا تتحرك بدافع الشهامة، بل لتأكيد نفوذها واستقطاب الضحية الأضعف.

هذا الموقف جعل الابن سيكولوجياً أقرب إلى العصابة وأبعد عن الأب؛ فالعصابة مكنته من الحماية التي عجز عنها والده والمجتمع. وهنا يطرح المخرج قانوناً اجتماعياً خطيراً: حين يفتقر المجتمع إلى الأدوات المتاحة لحماية الأفراد، يُدفع هؤلاء قسراً إلى اللجوء لأشخاص خارج إطار القانون بحثاً عن الأمان. هذا الإنقاذ البديل كان فخاً وتمهيداً درامياً غرضه دمج الابن في وكرهم، ليتحول "المنقذ" لاحقاً إلى "جلاد" يجر الشاب إلى مستنقع الجريمة (الاغتصاب).

المحطة التالية التي عمّقت الكارثة هي لحظة الاعتداء الوحشي الأصلي على عشيقة الأب. فبينما كان الشاب المراهق يتواجد في مسرح الجريمة مع تلك العصابة التي أنقذته سابقاً، أُجبر على المشاركة في الاعتداء الجماعي على العشيقة. لم يكن دافع الشاب هنا هو "الشهوة"، بل كانت محاولة بائسة ومذعورة منه لإخفاء عاهته (أنه خصي) والمحاكاة الجسدية أمام الآخرين الذين حموّه بالأمس، خشية أن ينفضح أمره أمامهم.

لكن العشيقة –بسبب صدمة الاعتداء والذعر الأعمى– لم تدرك هذا النقص، بل اعتبرته شريكاً كاملاً في الجريمة وبلغت عنه الشرطة. هنا يتدخل الأب مجدداً لإنقاذ ابنه من السجن، لكنه "يجعل الطين بلة" حين يؤكد للشرطة علناً أن ابنه خصي ولا يمكنه القيام بذلك، ليتسبب في فضح سر ابنه الطبي والنفسي ويسحق كبريائه تماماً أمام المجتمع.

إن الضحية الحقيقية في الفيلم هو الابن؛ مراهق بسيط وهادئ بالفطرة، يكتشف غريزته الطبيعية تجاه الجنس الآخر، لكنه يقع ضحية لـ "شيطنة" الكبار وتصفية حساباتهم المريضة.

وتتجلى قسوة المجتمع في مشهدين جوهريين:

1. تفرج السلطة: عندما يحاول الأب تبرئة ابنه بكشف عورته ونقصه أمام رجال الشرطة، تثور أعماق الابن دفاعاً عن كرامته المهدورة عبر ركلات يائسة لوالده، بينما يقف رجال الأمن متفرجين، في إشارة لإدانة بلادة المجتمع واستعراضه للفضائح.

2. عجز المنظومة الإصلاحية: يظهر ذلك في مشهد إطلاق سراح المغتصب الحقيقي (فرد العصابة) وعودته لمزاولة جرائمه، وهو نقد لاذع للقوانين التي تفشل في إعادة تأهيل الجناة، بل تعيد تصديرهم ليفترسوا ضحايا جُدد

المحطة التالية في كسر القوى تظهر عقب خروج رئيس العصابة من السجن وازدرائه السابق للابن. هنا يبرز تحول درامي عميق، حين تستدرج العشيقة رئيس العصابة إلى مهجعها، لا استسلامًا بل انتقامًا لنفسها وللابن معًا. يستلقي الشاب على الأرض، ورأسه تحت المنضدة المنخفضة، فيما تجلس هي على ساقيه وتنزع بنطاله وهو غارق في وهم المتعة الجنسية. وفي تلك اللحظة، تسحب السكين لتقطع جهازه التناسلي بينما يضغط المراهق على يديه مثبتًا إياهما إلى الأرض، ليُفتح المجال أمام فعلٍ صادم يبدّد أي وهم باللذة. وفي خطوة تماثل صدمة البداية، تقوم بقطع عضوه التناسلي لتجريده من غطرسته وقوته الذكورية السامة، وتشرع في السيطرة عليه بالكامل وتحديد الطريقة التي ينال بها شهوته تحت شروطها. بالأمس كانت ضحية مستسلمة، واليوم يدفع الجلاد المتغطرس ثمن تصرفه اللاأخلاقي، وتتحول هي إلى متحكم بمسار الألم واللذة. عقب هذا القطع، يتدخل الابن المراهق في مشهد بالغ الرمزية؛ حيث يخطف العضو المقطوع ويفر به مسرعًا في محاولة يائسة لاستعادة رجولته ونقصه الجسدي. يلاحقه رئيس العصابة دون جدوى، لتكون الكلمة الأخيرة لـ عجلات السيارات المادية في الشارع، وهي تسحق تلك القطعة تحتها مبددة أحلام الشفاء، ومؤكدة أن العنف لا يولد إلا عدماً وفناءً كاملاً.

يتردد رئيس العصابة على متجرها خاضعًا ذليلًا، راغبًا في الحصول على اللذة الجنسية. حال دخوله، تغرس السكين في كتفه اليسرى، وتهزها من قبضته بينما يقف المراهق خلفه ممسكًا به لتثبيته، فيما تتصاعد نشوته الوهمية بتنهدات ممزوجة بالألم. أثناء هذا الطعن، يقوم المخرج بتركيب مشهد غاية في الرمزية السيكولوجية؛ إذ تحضن العشيقة رئيس العصابة المخصي، وتضاعف الألم بتحريك السكين في كتفه، ثم تضع حنكها على كتفه ليصبح وجهها مقابل وجه الابن الذي يقف خلفه. هنا تلتقي عيون الابن والعشيقة، وتتلامس أنوفهم وشفاههم بلمسة خفيفة، في لقطة تعلن بوضوح أن معاناتهم باتت متداخلة ومتلاحمة، وأنهم حققوا انتصارًا مشتركًا وسحقوا الطاغية الذي انتهك كرامتهم بالأمس، ليدفع المتغطرس ثمن تصرفه اللاأخلاقي ويتحول من جلاد إلى ضحية خاضعة لشروطها السادية.”

استخدم المخرج بذكاء شديد نفس الممثلة لتقوم بدوري "الأم" و"العشيقة" في آن واحد، وهي لفتة سيكولوجية عميقة ترمز لتداخل أدوار الرغبة والعقاب. فمن ناحية، يبرز مظهر الانتقام والمحاكاة عندما تقوم الأم بممارسة الخيانة كنوع من الرد بالمثل على زوجها، حيث عرضت نفسها على ابنها تحت الغطاء ممرغة كبرياء الأب في التراب. هذا التشابه الجسدي جعل الابن يعيش في حالة تشتت وضياع كامل بين الأم التي عاقبته بقطع رجولته، وبين العشيقة التي ينجذب إليها.

وهنا تبرز الفكرة الأكثر عمقاً في الفيلم؛ حيث يتجلى الابن كضحية مطلقة لصراع مرير بين والدين عاجزين تماماً عن مواجهة أخطائهما الشخصية والاعتراف بفشلهما، وبدلاً من مواجهة الذات، يصبان جام غضبهما وساديتهما على ابنهما الأعزل. هجوم الأب الهستيري بالسكين في النهاية لم يكن سوى محاولة لـ "إبادة" هذا الشاهد البريء الذي تجسدت فيه كل خطايا الكبار.

يطرح الفيلم سؤالاً فلسفياً: هل قطع الأعضاء أو ممارسات التشويه والتعذيب الجسدية تحرر الإنسان من خطيئته؟ الإجابة هي (لا) قاطعة، فالخطيئة تكمن في الوعي لا في الجسد. وفي المشهد الأخير، يحمل الابن السكين ويتوجه نحو تمثال بوذا، ليرمي السكين في النهاية معلناً نبذ العنف الذي لا يجر إلا الدمار النفسي والجسدي. وهنا تبرز رمزية مادية عميقة؛ فالشاب يبحث عن التمثال في الظلام ولا يجده إلا بعد إسقاط ضوء المصباح المادي. هذا يثبت أن الأفراد عندما يعجزون عن حل معضلاتهم الواقعية يهربون نحو الروحانيات الغيبية التي لا تملك حلولاً ملموسة، فالنور الحقيقي الذي يكشف الحقائق ويقشع الظلام هو نور العلم والمعرفة المادية، الذي اخترعه عالم مادي وليس فكراً صوفياً.

ينعكس هذا التحليل السينمائي بشكل مباشر على واقعنا الشرقي والعربي؛ حيث يعاني المجتمع من غياب التفكير النقدي وسيطرة "الوعي العاطفي والروحاني الجاهز". يتجلى هذا التسطيح في الاستهانة بالبحث والتمحيص، حيث ينساق العقل الجمعي فوراً خلف الأخبار الزائفة والصور المفبركة لمجرد أنها تثير مشاعره، لتتحول منصات التواصل إلى ساحات لتفريغ الإحباطات عبر سيل من الانتقادات اللاذعة دون التثبت من الحقيقة. ويتقاطع هذا تماماً مع مأساة الفيلم؛ فعندما تتقاعس مؤسسات الوعي والدعم عن حماية "البسطاء"، يقع المجتمع في شباك سلطات الجهل والجريمة البديلة.

إن النجاة من هذه الدوائر المفرغة من الجهل والعنف والتبعية تكمن في إعادة بناء الإنسان من الجذور. يبدأ الإصلاح الحقيقي بتأهيل المجتمع بدءاً من الروضة والمدرسة، وتغيير المناهج التعليمية لترسيخ الفكر النقدي والمنهج العلمي التجريبي. يترافق ذلك مع إلغاء كافة أشكال الضغط والترهيب النفسي في المدرسة والبيت؛ فالعائلة السليمة والصالحة المبنية على الحوار والأمان هي النواة الوحيدة القادرة على إنتاج مجتمع صالح، نقي، ومستنير بنور الوعي الحقيقي.

"ما لم نكسر حلقة العنف والجهل، سنظل ندور في دائرة موبيوس بلا نهاية"

***

كفاح الزهاوي

القهر المستبطن للنساء

كثيرًا ما تتداول النساء المقولة الشهيرة: "المرأة عدوة المرأة"، وهي مقولة طالما رفضتها؛ لأنها تبدو لي اختزالًا مخلًا لعلاقة إنسانية بالغة التعقيد. فهل نحن أمام نزعة فطرية تحكم التنافس البشري؟ أم أن ما نشهده أحيانًا من قسوة امرأة على أخرى هو نتاج عوامل بيئية وثقافية ونفسية وتاريخية تراكمت عبر الزمن؟

ما لمسته في تجاربي المتواضعة أثار دهشتي، ودفعني أحيانًا إلى استنكار بعض المواقف التي تصدر عن النساء أنفسهن. أتذكر، مثلًا، اتصال امرأة بنا لتكيل الاتهامات إلى نادٍ يضم شابات كن يناقشن قضية رفع الوصاية الذكورية عن المرأة؛ لأن مثل هذه النقاشات، في رأيها، قد تدفع الفتاة إلى الخروج عن طاعة أخيها أو عمها.

وكذلك حين استمعنا إلى خطيب مسجد يندد بالرجال الذين يسمحون لزوجاتهم أو بناتهم بالخروج من دون إذنهم، مستشهدًا بقوله تعالى: "قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة" (التحريم: 6)، وجدت المستمعات يتلقين هذا الخطاب بالرضا؛ فلم تعترض واحدة منهن أو تشعر بالإهانة، وإنما قابلنه بالابتسام والاطمئنان، وكأن هذا الوضع هو الأمر الطبيعي الذي لا ينبغي مساءلته.

هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:

 لماذا تبدو المرأة أحيانًا أكثر قسوة على امرأة أخرى؟ ومتى يحدث ذلك؟ ومن المستفيد من استمرار هذه الصورة؟ والأهم من ذلك: ما الذي مرت به المرأة عبر تاريخها حتى أصبحت بعض النساء يعِدن إنتاج القيود المفروضة عليهن، مع أنهن عانين منها؟

ربما تساعدنا بعض أفكار علم النفس والاجتماع والفلسفة على الاقتراب من فهم هذه الظاهرة. ذكّرني هذا السؤال بما قرأته في علم النفس والاجتماع عن علاقة المقهور بالقاهر، وبحالات تاريخية كان فيها بعض العبيد، وإن لم يكن ذلك قاعدة عامة، يخشون التحرر أو يعجزون عن تخيله. يقدم مارتن سليغمان، في نظرية "العجز المتعلم"، تفسيرًا نفسيًا مهمًا؛ فعندما يتعرض الإنسان طويلًا لأوضاع مؤلمة لا يستطيع التحكم فيها، قد يتعلم تدريجيًا أن أفعاله لن تغير شيئًا. وحين تتغير الظروف لاحقًا، ويصبح التغيير ممكنًا، قد لا يحاول؛ لأنه اعتاد الاعتقاد بأن المحاولة بلا جدوى، وأن عجزه قدر لا يمكن تجاوزه.

 وهنا أتذكر الحكاية الشائعة عن الفيل الذي يربط منذ صغره بحبل صغير، فيتعلم أن مقاومته لا جدوى منها، ثم يظل، بعد أن يكبر ويصبح قادرًا على قطع الحبل، أسيرًا لحدود لم تعد موجودة إلا في وعيه. أحيانًا لا تبقى القيود خارج الإنسان، وإنما تنتقل إلى داخله.

عاشت المرأة، عبر تاريخ طويل، في مجتمعات وحضارات مختلفة، ضمن تصورات تحدد لها أدوارها وترسم حدودها، وتحصرها في الإنجاب والمنزل والطاعة والرعاية والامتثال لما يقرره الآخرون لها. لم يقتصر ذلك على الثقافة العربية أو الإسلامية، فقد ظهرت تصورات مماثلة في حضارات ومجتمعات كثيرة. في الفلسفة اليونانية القديمة، مثلًا، نجد لدى أرسطو تصورًا هرميًا للعلاقة بين الذكر والأنثى؛ إذ عد الرجل صاحب سلطة طبيعية، ووضع المرأة في منزلة الخضوع له. لم تكن المسألة مجرد قوانين تكتب، وإنما كانت منظومة متكاملة تصوغ صورة المرأة عن نفسها.

 فهل كانت المرأة قادرة على أن تضع اسمها تحت قصيدتها بالجرأة نفسها التي يضع بها الرجل اسمه؟ أم أن كثيرًا من النساء اضطررن إلى الاختباء خلف اسم رجل، أو قريب، أو اسم مستعار، حتى يسمح لصوتهن بأن يسمع؟

إذا نشأت المرأة في بيئة تردد على مسامعها باستمرار: "هذا ليس لك"، و"لا ترفعي سقف طموحك"، و"لا تكوني جريئة"، و"ماذا سيقول الناس؟"، و"هذه حدود المرأة"، فقد تتعلم تدريجيًا أن تجاوز هذه الحدود غير ممكن أو غير آمن. وعندما تأتي امرأة أخرى وتحاول تجاوزها، قد لا يكون رد فعلها نابعًا من كراهية شخصية، بقدر ما يكون دفاعًا عن العالم الذي اعتادت العيش داخله: "لماذا تتجاوزين الحدود التي التزمنا بها جميعًا؟".

القهر المستمر، كما تشير نظرية "العجز المتعلم"، يفقد الإنسان ثقته بقدرته على التغيير، ويزرع فيه الخوف من المحاولة وتحمل المسؤولية ومواجهة المجهول. من اعتاد أن تكون قراراته بيد شخص آخر قد يخشى امتلاك قراره، فتقول المرأة التي استبطنت القيود المفروضة عليها: "لقد عشت هكذا، فلماذا لا تعيشين مثلي؟". وهنا تكتسب أفكار باولو فريري في كتابه "بيداغوجيا المقهورين" أهمية خاصة؛ فالمقهور قد يستبطن صورة القاهر وقيمه، فلا يكتفي بقبول النظام الذي قهره، وقد يعيد إنتاجه ويفرضه على الآخرين. وإلا فما الذي يدفع امرأة عانت من هيمنة النظام الذكوري في المنزل والعمل، ومن التهميش في مختلف مجالات الحياة، إلى ممارسة القهر ذاته على زميلاتها حين تتولى منصبًا ما؟

لا يعني هذا أن كل امرأة مقهورة ستصبح قاهرة، أو أن المرأة مسؤولة عن النظام الذي قيدها، لكنه يفسر كيف يستمر القهر بعد غياب القاهر المباشر، وكيف يمكن أن يتحول السجين إلى سجان. المرأة التي عاشت داخل منظومة تحدد قيمتها وفق معايير صنعها المجتمع، قد تتحول مع مرور الوقت إلى حارسة لهذه المعايير، فتكيل الاتهامات إلى امرأة أخرى لأنها أكثر استقلالًا وجرأة، أو مختلفة في مظهرها، أو اختارت طريقًا غير مألوف، أو رفضت الدور التقليدي، أو قالت "لا" حين اعتادت نساء كثيرات قول "نعم".

 هنا يصبح القهر أعمق من القيد الخارجي؛ لأنه ينتقل إلى وعي الإنسان، فيغدو ما فرض عليه جزءًا من تعريفه لما هو طبيعي وصحيح، ولما ينبغي أن تكون عليه الحياة. لماذا تخاف امرأة من حرية امرأة أخرى؟ والسؤال الأعمق: لماذا تدافع امرأة دفاعًا مستميتًا عن قيود اجتماعية استطاعت امرأة أخرى تجاوزها؟ ربما لأن المرأة الحرة تضع أمامها سؤالًا لم تكن تريد مواجهته: "إذا استطاعت هي، فلماذا لم أستطع أنا؟".

المرأة التي تختار طريقًا مختلفًا لا تعيش حياتها فقط، وإنما قد تصبح، من دون أن تقصد، مرآة تكشف لنساء أخريات إمكانات لحياة لم يجرؤن على التفكير فيها. ويمكن هنا الاستعانة بـ "نظرية تبرير النظام" التي ارتبطت باسم عالم النفس الاجتماعي جون جوست؛ إذ تشير إلى أن البشر قد يميلون إلى تبرير النظام الاجتماعي القائم، حتى حين لا يكون في صالحهم؛ لأن الاعتقاد بأن العالم منظم، وأن ما يجري فيه يستند إلى مبررات، يمنحهم قدرًا من الاستقرار النفسي، ويخفف شعورهم بالفوضى والعجز.

ولهذا قد تصبح المرأة التي تكسر القاعدة مصدر إزعاج، لا لأنها آذت أحدًا، وإنما لأنها تزلزل اليقين الذي عاش عليه الآخرون، فوجودها يقول، من دون أن تتكلم: "كان يمكن أن تكون حياتنا مختلفة". وهذا الاحتمال وحده قد يكون مخيفًا. فهل يمكن أن تكون الحرية مخيفة إلى حد يجعل المرأة تفقد ثقتها بنفسها، وتتشوه صورتها في نظر ذاتها، وتظل أسيرة السعي إلى رضا زوج ذي سلوك نرجسي، رافضة الاستقلال والخروج من العلاقة المؤذية؟

 هنا أجد نفسي أعود إلى إريك فروم في كتابه "الخوف من الحرية"، فالإنسان حين يتحرر من القيود الخارجية لا يصبح بالضرورة أكثر سعادة؛ لأن الحرية تعني أيضًا المسؤولية والاختيار والقلق واحتمال الخطأ وتحمل نتائج القرار. لهذا قد يهرب الإنسان أحيانًا من الحرية إلى التبعية؛ لأنها تمنحه شعورًا بالأمان والانتماء، حتى إن كان ثمن ذلك استقلاله. وهذا يفسر، جزئيًا، لماذا قد تتمسك امرأة بعلاقة مؤذية. إذا تعلمت منذ طفولتها أن قيمتها مرهونة برضا الآخرين عنها، فقد لا يكون التحرر بالنسبة إليها مجرد باب يفتح، وإنما مواجهة عالم كامل لم تتعلم كيف تعيش فيه.

حين تصبح المعايير الاجتماعية جزءًا من تعريفها لذاتها القيمية، ولما يعني أن تكون "امرأة محترمة"، و"امرأة جيدة"، و"امرأة مقبولة"، و"امرأة صابرة"، و"امرأة مضحية"، تظهر أهمية مفهوم "العنف الرمزي" لدى بيير بورديو؛ فالعنف لا يمارس دائمًا بالقوة المباشرة، وقد تصبح علاقات القوة مألوفة إلى حد يتعامل معها الناس على أنها طبيعية، ويعيدون إنتاجها من دون حاجة إلى إكراه ظاهر.

 هكذا قد تتحول المرأة من ضحية للمعايير إلى حارسة لها، ومن متلقية للقواعد إلى من تفرضها على بناتها. الأم التي عانت من أب ذكوري قاسٍ حرمها كثيرًا من حقوقها، قد تصبح أكثر قسوة على ابنتها، لا لأنها تكرهها بالضرورة، وإنما لأنها تعتقد أنها تحميها. فهل تكفي إزالة القيود كي نصبح أحرارًا؟ ربما تقودنا هذه الأسئلة إلى "جدلية السيد والعبد" عند هيغل. العلاقة عند هيغل ليست مجرد علاقة بين شخصين؛ فهي علاقة بالاعتراف والوعي بالذات والاعتماد المتبادل أيضًا.

من هنا يمكن فهم أن الانتقال من التبعية إلى الحرية لا يتحقق بمجرد إزالة القيد الخارجي؛ فالإنسان يحتاج إلى إعادة بناء وعيه بذاته، واكتشاف قدرته على الاختيار. وهذا يقودنا إلى السؤال الأهم: هل يكفي أن تمنح الإنسان الحرية حتى يصبح حرًا؟ قد تفتح له الباب، لكن هل يستطيع الخروج؟ وقد تزيل القيد، لكن هل يستطيع تصديق أنه لم يعد موجودًا؟ قد تقول للمرأة: "أنت حرة"، لكن ماذا لو أصبح صوت المجتمع جزءًا من صوتها الداخلي؟

هنا أتذكر إيمانويل كانط ومقالته الشهيرة "ما التنوير؟"، حين ربط الخروج من حالة الوصاية بامتلاك الشجاعة لاستخدام العقل بصورة مستقلة. الوصاية ليست دائمًا شخصًا يقف فوق رأس الإنسان ويأمره؛ إذ قد تتحول إلى صوت يسكن داخله. وهكذا يغدو التحرر أكثر تعقيدًا من فتح باب أو تغيير قانون؛ لأن الإنسان يحتاج إلى إعادة بناء صورته عن ذاته، واكتشاف أنه قادر على الاختيار، وأن ما اعتاده ليس بالضرورة ما ينبغي أن يستمر. فهل المرأة عدوة المرأة؟ ربما آن الأوان أن نتوقف عن استخدام هذه العبارة كأنها تفسير جاهز. المرأة ليست عدوة المرأة بطبيعتها، كما أن الرجل ليس بالضرورة عدوًا لها، غير أن المرأة قد تتحول، في بعض الظروف، إلى أداة في يد النظام الذي يقيدها، وقد تفعل ذلك وهي تظن أنها تحمي القيم أو الأسرة أو ابنتها أو حتى نفسها.

 لهذا لا تكفي محاسبة المرأة وحدها على إعادة إنتاج القهر. علينا أن نسأل: من علمها أن هذه القيود ضرورية؟ من أقنعها بأنها طبيعية؟ من أضفى عليها طابعًا بيولوجيًا، مع أنها نتاج اجتماعي؟ من ربط الشرف بجسدها؟ من جعل الطاعة فضيلة مطلقة، والتضحية معيارًا للحكم على صلاح المرأة؟ ومن أقنعها بأن المرأة "المحترمة" هي التي تصمت وتصبر وتطيع وتتنازل وتتحمل؟ وربما كان السؤال الأهم: ماذا يحدث حين تقتنع المرأة بأن القيد الذي فرضه المجتمع عليها جزء من طبيعتها، فتدافع عنه كأنها تدافع عن ذاتها؟

***

منى الصالح - كاتبة سعودية

ابدأ هذا المقال بسؤال.. لماذا أصبحنا نسمع عن جرائم هذه الأيام أكثر قسوة، وأكثر وحشية من ذي قبل؟؟.. وهل نحن أمام مجرد ارتفاع في معدلات الجريمة، أم أمام شيء أخطر: تآكل تدريجي في المناعة الأخلاقية للمجتمع؟

للأسف لقد انشغلنا طويلا بتعليم الإنسان كيف ينجح، وكيف ينافس، وكيف يحصل على المال والشهادة والمكانة، لكننا لم ننشغل بالقدر نفسه بتعليمه كيف يكون إنسانا.

علمناه كيف يستخدم التكنولوجيا، ولم نعلمه دائما كيف يستخدم عقله. علمناه كيف يحفظ المعلومات، ولم نعلمه كيف يشكك فيها. علمناه كيف ينتصر في الجدال، ولم نعلمه كيف يصغي. علمناه كيف يطالب بحقه، ولم نعلمه كيف يحترم حق الآخر. ثم نتساءل بدهشة: لماذا يزداد العنف وتتضاعف معدلات الجريمه؟

في وجهه نظري الجريمة ليست دائما ابنة اللحظة التي ارتكبت فيها، ولا وليدة الغضب الذي سبقها، ولا مجرد انحراف فردي يمكن أن نغلق عليه ملفا قضائيا ثم نمضي. فبعض الجرائم تبدأ قبل أن تقع بسنوات؛ تبدأ حين يتشوه وعي الإنسان بذاته وبالآخر، وحين تضيق مساحة الحوار حتى يصبح الاختلاف استفزازا، والتسامح ضعفا، والآخر عدوا لمجرد أنه لا يشبهنا. ولهذا، فإن السؤال عن ازدياد معدلات الجريمة لا ينبغي أن يتوقف عند: من ارتكب الجريمة؟

 بل عليه أن يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر عمقا وإزعاجا: أي بيئة فكرية وأخلاقية أنتجت إنسانا قادرا على أن يسلب إنسانا آخر حقه في الحياة أو الكرامة أو الأمان؟

في الآونة الأخيرة، بدا المشهد الجنائي في مصر أكثر قسوة ووحشية، وأصبحت بعض الجرائم التي نسمع عنها تثير سؤالا يتجاوز حدود الواقعة ذاتها إلى السؤال عن الإنسان الذي ارتكبها والمجتمع الذي نشأ فيه.

فإن ما يلفت النظر هو حضور العنف في المجال العام والأسري بصورة تثير القلق، وهو ما تناولته تقارير ودراسات ربطت بين الجريمة وعوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية متعددة.  لكنني أظن أن ثمة سببا أعمق كثيرا لا يحظى بما يستحقه من اهتمام: غياب العقل الفلسفي عن تكوين الإنسان. فحين يتراجع التفكير، لا يختفي العقل تماما، وإنما قد يتحول إلى أداة لتبرير الغضب والتعصب والانتقام

 وحين يغيب السؤال، يصبح الإنسان أكثر استعدادا لتصديق انفعاله، وحين ينعدم الحوار يصبح العنف لغته البديلة

اعتدنا أن ننظر إلى الفلسفة باعتبارها ترفا ماده علميه تخص الأكاديميين والمتخصصين، بينما الحقيقة أن الفلسفة في جوهرها تدريب للإنسان على أن يفكر قبل أن يحكم، وأن يسأل قبل أن يرفض، وأن يفهم قبل أن يدين.

ومن هنا فإن غياب الفلسفة ليس غياب مادة دراسية من المناهج فحسب، وإنما هو غياب ثقافة كاملة قوامها التفكير النقدي، واحترام الاختلاف، والقدرة على إدارة الصراع بالحوار لا بالقوة.

الإنسان الذي يتعلم التفكير الفلسفي لا يتلقى الأفكار باعتبارها حقائق نهائية، ولا ينظر إلى المختلف باعتباره عدوا لمجرد أنه مختلف. إنه يتعلم أن الحقيقة أكبر من زاوية واحدة، وأن الإنسان يمكن أن يخطئ دون أن يفقد إنسانيته، وأن الاختلاف لا يعني بالضرورة الصراع.

وهذا النوع من التفكير يصنع واحدة من أهم المناعات الأخلاقية ضد العنف: القدرة على الاعتراف بإنسانية الآخر.

 وربما لهذا ينبغي ألا تكون مواجهة الجريمة مواجهة أمنية وقانونية فقط، بل مواجهة فكرية وتربوية أيضا

فالتسامح ليس مجرد فضيلة أخلاقية نطالب الناس بها في الخطب والمواعظ، وإنما هو في جانب كبير منه ثمرة لنضج العقل. وكلما اتسعت قدرة الإنسان على التفكير، ضاقت حاجته إلى العنف لإثبات ذاته أو فرض رؤيته

جزء كبير من العنف الذي نراه في مجتمعاتنا يبدأ من فكرة صغيرة: "من ليس معي فهو ضدي".

وحين تتراجع ثقافة الحوار، يصبح المختلف خصما، ثم يتحول الخصم إلى عدو، ثم يصبح التخلص منه رمزيا أو اجتماعيا أو جسديا أمرا يمكن تبريره داخل عقل مغلق.

هنا لا تعود المشكلة في السلوك وحده، وإنما في البنية الفكرية التي أنتجت السلوك. ولعل علينا أن نذهب أبعد من ذلك، إلى المنطقة التي لا نحب الاقتراب منها كثيرا: إلى الطريقة التي قدمنا بها تاريخنا وتراثنا لأجيال متعاقبة. فمن المؤسف أن كثيرا من نصوصنا وحكاياتنا التاريخية التي تصل إلى الطفل والناشئ لا تقدم الماضي بوصفه تجربة إنسانية تحتاج إلى النقد والتأمل، وإنما بوصفه سجلا للبطولات والانتصارات، حتى عندما تكون تلك البطولات قد تشكلت فوق جماجم الآخرين. في بعض الروايات التاريخية، يصبح القتل بطولة، وسفك الدماء شجاعة، والانتقام مجدا، وإقصاء المختلف انتصارا للعقيدة أو للجماعة

السؤالُ.. لماذا ظلت بعض هذه الصور الدموية تعبر القرون إلينا في هيئة بطولة ومجد؟

لا يمكن بالطبع مواجهة الجريمة من دون قانون حازم وعدالة ناجزة. لكن العقوبة تعالج الفعل بعد وقوعه، بينما الوقاية الحقيقية تبدأ من تكوين الإنسان قبل أن يتحول إلى خطر على نفسه وعلى الآخرين.

نحن بحاجة إلى أن نسأل: ماذا يتعلم الطفل في المدرسة عن الاختلاف؟ ماذا يتعلم عن الحوار؟ ماذا يتعلم عن قيمة الإنسان؟ هل يتعلم أن الآخر يمكن أن يكون مختلفا عنه دون أن يكون عدوا له؟

نحن بحاجة إلى تعليم لا يكتفي بحشو الذاكرة بالمعلومات، وإنما يبني عقلا قادرا على التفكير والنقد والمراجعة.

نحتاج إلى إعادة الفلسفة إلى المدرسة والجامعة والحياة العامة، لا باعتبارها تاريخا لأسماء الفلاسفة ومذاهبهم، وإنما باعتبارها تربية على التفكير.

مواجهة الجريمة ليست مسؤولية الشرطة والقضاء وحدهما، وإنما مسؤولية مجتمع بأكمله.

نحن بحاجة إلى منظومة متكاملة تبدأ من الأسرة، حيث يتعلم الطفل احترام الآخر، وتمتد إلى المدرسة التي تعلمه التفكير لا التلقين، وإلى الجامعة التي تمنحه القدرة على النقد والحوار، وإلى الإعلام الذي لا يحول العنف إلى مادة للفرجة، وإلى الخطاب الديني والثقافي الذي يعزز الرحمة والكرامة الإنسانية، وإلى مؤسسات الدولة التي تضمن العدالة وتكافؤ الفرص وسيادة القانون

والأهم من ذلك كله أن نعيد الاعتبار إلى الإنسان بوصفه قيمة في ذاته

نحتاج إلى طفل يتعلم أن السؤال ليس عيبا،وليس محرما

 نحتاج إلى خطاب ثقافي وديني يضع الإنسان في قلب اهتمامه، فيرسخ قيمة الرحمة والكرامة.. نعم نحتاج إلى مجتمع يعيد اكتشاف معنى الإنسان.

ربما لا تستطيع الفلسفة وحدها أن تمنع جريمة، لكنها تستطيع أن تمنع شيئا أعمق: أن يصبح العنف طريقة تفكير. فغياب التفكير النقدي لا يترك العقل فارغا، وإنما يتركه فريسة سهلة للتعصب والانفعال والكراهية.

ولعلنا الآن نحتاج إلى استعادة سؤال غاب طويلا عن النقاش العام: أين الفلسفة من حياتنا؟

لقد جرى اختزال الفلسفة في كتب جامدة، ومصطلحات أكاديمية، وأسماء فلاسفة تحفظها الذاكرة ثم تنساها، بينما الفلسفة في جوهرها ليست تاريخا للأفكار بقدر ما هي تدريب للإنسان على أن يكون إنسانا أكثر وعيا بذاته وبالعالم.

نحتاج إلى أن نعيد الفلسفة إلى المجال العام، لا باعتبارها مادة دراسية هامشية، وإنما باعتبارها ثقافة للحياة. نحتاج إلى أن نعلم أبناءنا أن الإنسان لا يصبح قويا بإسكات الآخرين، وأن الرجولة ليست في البطش، وأن القوة ليست في القدرة على الإيذاء

ربما لا تستطيع الفلسفة أن تقف في كل لحظة أمام يد تحمل سلاحا، لكنها تستطيع أن تفعل ما هو أعمق: أن تعمل على بناء عقل لا يرى في الآخر هدفا للكراهية، وأن تزرع في الإنسان السؤال قبل الحكم، والحوار قبل الصدام، والفهم قبل الإدانة.

الفلسفة لا تمنع اليد من حمل السكين مباشرة، لكنها تستطيع أن تمنع العقل من تحويل الإنسان إلى شيء يستحق الطعن

وعندما يفقد الإنسان القدرة على رؤية إنسانية الآخر، تصبح الجريمة مجرد خطوة تالية في طريق طويل بدأ منذ اللحظة التي مات فيها الحوار.. وحين يتحول الاختلاف إلى تهديد، يبدأ العنف في اتخاذ مكانه

واخيرا إذا كنا نريد أن نحاصر الجريمة حقا، فعلينا ألا نطارد الجريمة بعد ولادتها فقط، بل أن نذهب إلى الرحم الذي ولدت فيه: إلى العقل، وإلى التربية، وإلى الثقافة، وإلى منظومة القيم.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

عوامل الانهيار الداخلي والخارجي

هل تسقط الحضارات بفعل الهجمات الخارجية فقط، أم أن عوامل التفكك تبدأ من داخلها قبل أن تتجسّد في صورة انهيار سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي وعسكري؟.

إنّ حضارة الأمم لا تموت فجأة، ولا تنهار الأمم في لحظة عابرة من الزمن، بل تمرّ بمسار طويل من التآكل الداخلي يسبق السقوط الظاهر.

التاريخ الإنساني، منذ حضارات بلاد الرافدين ووادي النيل وصولاً إلى الإمبراطوريات الحديثة، يكشف أن الانهيار ليس حدثاً طارئاً بل نتيجة تراكمات فكرية وأخلاقية واقتصادية وسياسية تنخر جسد الأمة تدريجياً.

لقد شغلت مسألة سقوط الحضارات كبار المفكرين، من ابن خلدون إلى أرنولد توينبي وأوزفالد شبنغلر، الذين رأوا أن الحضارات تحمل في داخلها بذور ازدهارها وبذور فنائها في آن واحد.

إنّ الحضارات تبدأ بالانهيار عندما تفقد منظومتها الأخلاقية قدرتها على توجيه السلوك الفردي والجماعي.

ومن أبرز هذه المظاهر:

انتشار الفساد.

غياب النزاهة.

تراجع الشعور بالمسؤولية العامة.

تغليب المصلحة الشخصية على المصلحة الوطنية.

تفكك الروابط الاجتماعية.

يرى ابن خلدون أن العصبية الجامعة هي أساس قيام الدول، وعندما تتحول إلى أنانية وفئوية تبدأ مرحلة الشيخوخة الحضارية.

فإذا لم نكن ندري فحوى المشكلات التي تواجهنا، فإننا نبدأ بالانزلاق في سلوكياتٍ غير مقبولة.

لذا إنّ الوعي والمعرفة هي الأساس في مواجهة هذه التحديات، ويجب أن نعيد صياغة منظومتنا التعليمية والتربوية والأخلاقية، ونعمل على تطوير خطاباتنا لتواكب التغييرات السريعة في مجال السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والإعلام والثقافة والأخلاق.

حيث لا يمكننا ولا بأي شكلٍ من الأشكال التحكّم في المجتمع إلاّ من خلال العلم والوعي والمعرفة.

إنّ السلوكيات والعلاقات الجيدة تتطلّب أساساً قوياً من القيم والمعرفة، وتسليح أنفسنا بالعلم والمعرفة والوعي هو المفتاح الأساسي لخروجنا من الأزمات.

كما لا يمكن لأي أمّة أن تستمر في الإبداع وهي تحارب حرية التفكير.

حيث تقوم هذه الأمّة ب:

قمع الرأي الآخر.

تهميش المثقفين والعلماء.

احتكار الحقيقة.

تحويل المواطن إلى تابع لا شريك.

فعندما يغيب النقد تتضخم الأخطاء، وعندما يُصادر العقل تتوقف القدرة على التجديد.

بالرغم من مظاهر الحداثة في العالم العربي، إلا أنها تخفي انحداراً وسقوطاً فكرياً وثقافياً واقتصادياً مرعباً ومدوّياً، لأن التقنيات التي يستخدمها المواطن العربي، هي أداة وظيفية منفصلة تماماً عن عقل المستخدم، لذلك هذا التفاعل لم يؤسس لتقدم حقيقي ولا إبداع ذاتي، وتحول الوطن العربي إلى أقوام مستهلكة لإنتاج الآخر.

السؤال الكبير الذي ينبثق هنا والذي طالما نردده، لماذا تقدم الآخرون وتخلف العرب؟.

ما زال الفكر العربي الحديث غارق في مستنقع أزمته، بالرغم من المحاولات الجادة البحثية والنقدية والتأصيلية التي قام بها بعض المفكرين العرب، لعل أبرزهم من وجهة نظري، المشروع التحديثي النقدي الذي قاده المفكر المغربي “ محمد عابد الجابري ”، الذي حاول إعادة الاعتبار والمكانة للعقل العربي بعد أن هيمنت عليه الأيديولوجيات في القرن العشرين.

إن التخلف والتصلب والتثاقل في البنى الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والسياسية في العالم العربي، واللبس والاختلاط الواقع في العديد من المفاهيم، أبرزها قضايا بناء الدولة والحريات العامة ومفاهيم المواطنة والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، والمشاركة في الحكم والتعددية، إضافة إلى سيادة الأنظمة الأبوية والعشائرية بفكر بدائي، والنزعة الاستبدادية الجائرة والقمع والظلم، وغياب النقد وعدم وضوح الرؤى المستقبلية، وعدم وجود مشاريع جيو استراتيجية، وإشكالية الإصلاح والتغيير والتحديث والتنمية المستدامة، (جميعها إضافة إلى عوامل أخرى) أدت إلى فشل مشروع النهوض العربي، وشكلت سداً منيعاً أمام دخول العرب إلى عصر الحداثة والتقدم حتى لو من الأبواب الجانبية أو الخلفية.

كل حضارة عظيمة قامت على المعرفة. وعندما يصبح التعليم تلقيناً لا تفكيراً، حفظاً لا إبداعاً، شهادات لا كفاءات، تبدأ الأمة بفقدان قدرتها على المنافسة.

إن تراجع البحث العلمي ليس مجرد مشكلة تعليمية، بل مؤشر على تراجع القدرة الحضارية ذاتها.

لا يختلف اليوم اثنان حول حقيقة أن مستوى التعليم في بلادنا قد تدنّى بشكل خطيرٍ خلال العقود الماضية، وفي جميع المستويات:

الأساسي والثانوي والجامعي.

فاليوم ليس نادرا أن يكتشف ولي الأمر أن ابنه الذي أكمل المستوى السادس لا يعرف ماذا يقرأ وماذا يكتب !.

وكثيرا ما نسمع أن مستوى خريج الثانوية في خمسينيات القرن الماضي يفوق مستوى خريج الجامعة اليوم.

لذلك علينا التسليم بأن هناك خللاً كبيراً في التعليم في بلادنا. وهناك عوامل عدة لهذه الظاهرة، منها ما يرتبط بتخفيض الميزانية ونقص التمويل المخصص للتعليم، وهو أمر فرضه اقتصاد العولمة الذي يحد من الإنفاق على التعليم المجاني.

وقد أدى غياب تمويل التعليم إلى نفور الطلبة الجيدين من اختيار الالتحاق بكليات التربية والالتحاق بسلك التدريس، وكذلك بروز ضعف كبير في تأهيل المعلمين القادرين على استخدام طرق تدريس الحديثة في هذا العالم، الذي شهد تطوراً كبيراً في المناهج ووسائل الاتصال الرقمية.

ومن المؤكد أن المناهج الدراسية لم تعد مناسبة أو غير محدّثة، ولا تلبي احتياجات الطلاب، إضافة إلى ضعف في البنية التحتية، ونقص في التجهيزات.

ومن ناحية أخرى فاقمت الأزمات والحروب التي شهدتها بلادنا، الظروف المادية لمعظم الأسر التي لم تعد قادرة على توفير متطلبات التعليم المتعددة، ملابس، أجهزة، مواصلات، كتب.. الخ.

وكذلك المتابعة اللازمة لأولادها الذين أصبحوا ضحية إدمان الإنترنت وألعاب الفيديو، والقنوات الفضائية. وقد أدى طغيان ثقافة الصورة إلى إبعاد الكبار والصغار عن الكتاب والقراءة والكتابة والمعرفة.

كما تعدّ ظاهرة تفشي الغش من العوامل التي ساعدت على تدني المستوى التعليمي في بلادنا، وهي ظاهرة تحتاج إلى اعتماد سياسات جديدة في تقييم التلاميذ والطلبة. ربما يكون أفضلها اعتماد النتائج التراكمية للمستويين الأساسي والثانوي لدخول الجامعات، واعتماد النتائج التراكمية فقط في الجامعة.

ومن أهم التحديات التي تواجه التعليم اليوم، طغيان السطحية وثقافة القشور، وهي ظاهرة تفاقمت بسبب ظهور الكثير من المؤسسات التعليمية الافتراضية التي تمنح شهادات علمية مختلفة بمقابل، وجزء كبير منها لا يقدم للطالب غير رؤوس أقلام حول التخصص، وفي الحقيقة أن كثيراً من الكليات والجامعات في بلادنا، تمارس نهج التسطيح، وتشجع المدرسين على اعتماد ملازم المناهج بأي طريقة وفي أسابيع محدودة.

في عصرنا الحديث لم تعد السيطرة تتم بالسلاح فقط، بل بالتحكم بالعقول، كما تظهر ملامح الإنحدار عبر:

نشر المعلومات المضللة.

صناعة الرأي العام وفق مصالح النخب، ومراكز القرار.

تسطيح الثقافة.

تحويل المواطن إلى مستهلك للصور والشعارات.

وهنا تصبح الأمة ضائعة وعاجزة عن إدراك أزماتها الحقيقية.

 أن التضليل والتزييف في الإعلام أصبح من أكثر المشكلات الضاغطة على المستوى الدولي والإقليمي، وذلك بسبب تأثيراتها السلبية في نشر المعلومات الزائفة الهادفة إلى التلاعب في الرأي العام، وتزييف الحقائق، والمواقف خدمة لأجندات أصحابها، ولما تحدثه من تأثيرات في الصراعات السياسية، والاجتماعية، وتشويه حقيقة الأمور، ونشر الشائعات لسهولة صناعتها ونشرها، بعد الثورة الهائلة في وسائل الاتصال الإلكتروني، ومنصات التواصل الاجتماعي، والذكاء الصناعي.

إنّ الإعلام يواجه اليوم أزمة “ مصداقية ” كبيرة في ظل فوضى النشر والموجات التي لا تنقطع من المعلومات المزيفة والملفقة والمحرّفة والمضللة، التي باتت تشكل تهديداً هائلاً كونها تدمّر ما يشكّل حجر الأساس في المعرفة والعمل الإعلامي.

هذه الآفة المستشرية، على وقع الانحياز الخبيث والتشويه المتعمد للحقائق في منصات اعلامية كثيرة، تترك آثاراً مدمرة في العلاقة بين الإعلام والجمهور، فهي تؤدي الى تآكل الثقة والتشكيك الافتراضي بكل ما يُنشر، بكل الانعكاسات السلبية.

تبدأ المشكلة من ازدواجية المعايير في التغطية الإخبارية، حيث يتم تناول ذات الأحداث وتوصيفها بشكل متناقض كلياً حسب هوية الفاعل. فما يُسمى “ مقاومة ” في حالةٍ معينة، يصبح “ إرهاباً ” في حالة أخرى، والعكس صحيح. والفصائل المسلحة تشبه جيشاً وطنياً، وفي مكان آخر يصبح الجيش فصيلاً أو جماعةً، وفق توصيفات المنصات المُكبّلة بسياسات مصادر تمويلها.

بل إن الأمر غالباً يتجاوز ذلك، إلى التلاعب باللغة ذاتها، حيث تُستخدم كلمات ناعمة لوصف أعمال عنيفة عندما يقوم بها الحلفاء، مثل “ أضرار جانبية ” و” عملية عسكرية ”، بينما تُستخدم كلمات قاسية لوصف أعمال أقل عنفاً عندما يقوم بها الخصوم، مثل “ مذبحة ” و”إرهاب ”. اللغة هنا تتحول إلى سلاح إعلامي يُشكّل وعي المتلقي ويوجّه مشاعره ويحدد مواقفه.

هذه الممارسات منتشرة بكثرة في المؤسسات الإعلامية والصحفية في منطقتنا، وهي توضح بجلاء أن لها ميولاً سياسية وحزبية وقومية ومذهبية وطائفية. هذا الواقع هو نتيجة طبيعية لطبيعة الملكية والتمويل في القطاع الإعلامي، فأغلب القنوات الفضائية والصحف والمواقع الإخبارية تملكها أو تموّلها حكومات أو أحزاب أو رجال أعمال مرتبطون بالسلطة أو بالتبعية، مما يجعل استقلاليتها محدودة للغاية أو مفقودة، خاصة إن أحزاب السلطة تلك تستطيع التهرب من قواعد التغطية المهنية والأسس الاخلاقية طالما هي من تضع قواعد المساءلة.

لذلك نرى أن هناك مؤسسات إعلامية تصرخ بأعلى صوتها منددة بالمخالفات والفساد والانتهاكات التي ترتكبها الجهات المعارضة لأصحاب تلك المؤسسات أو للجهة السياسية التي تديرها، بينما تتحدث بحياءٍ شديد أو تصمت تماماً عن الأفعال ذاتها عندما يكون مرتكبوها من دائرة المقربين.

و عندما تتراجع الهوية الوطنية الجامعة، تتقدم الهويات الفرعية.

ومن أبرز هذه المؤشرات:

التعصب الديني أو الطائفي.

الانقسام العرقي.

الصراعات المناطقية.

انتشار خطاب الكراهية.

وبكلِ تأكيد حين يصبح الانتماء للجماعة الصغيرة أقوى من الإنتماء للوطن وللأرض، تدخل الأمة مرحلة التفكك لا محالة.

ففي مجتمعٍ مُثْقلٍ بسنواتٍ من الحروب والصراعات السياسيَّة، لا تنشأ الانقسامات دائماً من العنف المباشر، بل كثيراً ما تبدأ من الكلمة، فالخطاب الطائفيُّ بات يُعيد اليوم إنتاج هذه الانقسامات ويُهدِّد رأس المال الاجتماعيّ من خلال تآكل الثقة بين الأفراد وبالمؤسَّسات.

يقصد بانهيار الدولة تعطل أجهزتها وتفككها وضعف سلطتها وعجزها على القيام بمهامها تجاه مواطنيها، ويكون الانهيار إمّا جزئياً مثل فقدان السيطرة على إقليم من الأقاليم أو انهياراً كلياً مع عجز أحد الأطراف المتصارعة على فرض سلطته كما هو الحال فى بعض الدول العربية. وأرى أنه من نتائج الصراعات الإثنية والطائفية ذوبان الهوية الوطنية والرباط الاجتماعي، مما ينتج عنه محاولة تدويل القضايا الداخلية، وهو ما يستغله المتربصون، ممّا يترتب عليه إشعال نار القطيعة والفتنة، واستدعاء البعد الديني والاعتبارات الدينية، ممّا ينتج عنه تمزق الدولة فى الداخل وقد يؤدى إلى حروب أهلية.

 يُعزز البناء الطائفي للدولة من تدخل المراكز الإقليمية مثل: إيران، تركيا، إسرائيل، وبعض الدول العربية، في الشؤون الداخلية لهذه الدولة، وباتت دبلوماسية تلك الدول وأجهزتها المخابراتية تتدخل في الحياة السياسية أيضاً من خلال امتداداتها داخل الكتل السياسية المتنفّذة في الدولة. وهذا يؤدّي إلى بروز العامل الطائفي وتحكّمه في بناء الدولة، وهذا يؤدّي بالتالي إلى سيادة الفكر الطائفي وما ينتج عنه من تراجع الفكر السياسي القومي والوطني الديمقراطي.

 كما أنّ الأمم لا تنهار بسبب الفقر وحده، بل بسبب الظلم الاقتصادي أيضاً، وتشمل مظاهره:

احتكار الثروة.

ضعف العدالة الاجتماعية.

تفشي البطالة.

استغلال النفوذ.

تركز الموارد في يد أقلّية محدودة.

 حينها يفقد المواطن الإحساس بالعدالة، وتتآكل شرعية المؤسسات.

إنّ ضعف التوجيه والتربية وعدم ترشيد وسائل الإعلام، في مجالات التوجيه والإرشاد والتربية على الوجه المطلوب، ساهمت في هدم القيم والمبادئ.

كما أنّ البطالة، وعدم تنظيم سوق العمل، وقلة الأمانة والإخلاص، وعدم إعطاء العامل أو الموظّف أجره بما يكافئ الجهد، والاختلاس والتزوير، وإنتشار الكذب والخيانة بين الناس، والحرص على المصالح، وارتفاع الأسعار وزيادة الضرائب، وما يشكله ذلك من ضغط على الدخل والأجور وسلوك الأفراد في المجتمع.

إنّ التفاوت الكبير في الأجور بين كبار الموظفين والعامة منهم، في الدولة والمؤسسات المختلفة، يُشكّلُ الحنق والغضب لدى البسطاء.

 سياسة الخصخصة وتحويل القطاع العام إلى القطاع الخاص وما يرافق تلك العملية من مجاملات ومحاولات للحصول على أكبر قدر من المكاسب.

كما أنّ ضعف السلطتين القضائية والتشريعية وخضوعها للسلطة التنفيذية،

وضعف الحريات، بل فقدانها، وتطبيق نظم وقوانين لا تتواءم وحاجات المجتمع، وتشبث الطبقة التي تحكم بالسلطة، وانتشار الفساد بشكل أفقي في المؤسسات العامة والخاصة، واستخدام المال السياسي في العمليات الانتخابية، وقوة تلاحم وتكاتف الفاسدين والمفسدين، ودقة التنظيم لديهم واتساع نطاقهم في المؤسسات كافة وضعف المجتمع المدني وتهميش دور مؤسساته في التصدي ومواجهة الفساد، حينها تبدأ الأوطان والأمم بالانهيار.

إنّ الأمم الحية تمتلك رؤية للمستقبل، كما تملك مشروعها الحضاري، أما الأمم المتراجعة فتعيش على أمجاد الماضي، وتفتقد مشروعها الحضاري من خلال:

الاجترار المستمر للتاريخ، والعودة إلى التراث.

العجز عن إنتاج أفكار جديدة.

غياب التخطيط الاستراتيجي.

الاكتفاء بردود الأفعال.

إنّ أي حضارة عندما تتوقف عن فكرها وعن حلمها، تبدأ بالسقوط.

بعض المجتمعات تنقطع عن تراثها فتفقد جذورها، وأخرى تنغلق عليه فتعجز عن الانفتاح على العصر. كلا الموقفين يعيق القدرة على بناء مشروع حضاري متوازن يجمع بين الأصالة والمعاصرة.

إنّ الاستبداد السياسي يشكل أكبر معوّق للنهضة. فحين تُصادر الحريات، يُقمع الإبداع، وتُجهض المبادرات، تفقد المجتمعات القدرة على التقدم.

كما أنّ انتشار الفساد يُهدر الموارد، ويزرع اليأس في النفوس، ويحول دون توجيه الإمكانيات إلى مشاريع نهضوية حقيقية.

كثير من الدول ترتهن قراراتها السياسية والاقتصادية لإرادة قوى أجنبية، مما يجعلها عاجزة عن رسم مسار نهضوي مستقل، من خلال التبعية التي تمكّنت منها.

و المؤسسات السياسية الهشّة غير القادرة على صنع القرار أو مراقبة تنفيذه تترك فراغاً يعرقل النهوض، ويتيح المجال لانتشار الفوضى والمحسوبيات، بشكلٍ حتمي.

إنّ اعتماد الاقتصادات على استيراد السلع الأساسية والمنتجات التقنية يجعلها عرضة للابتزاز السياسي والاقتصادي، ويضعف قدرتها على النمو الذاتي.

الكفاءات العلمية التي تهاجر بسبب غياب البيئة الداعمة، تحرم الأوطان من أهم مواردها " الإنسان المبدع ".

 الطائفية، القبلية، أو العرقية كلّها تمزّق المجتمعات، وتعيق تكوين هوية وطنية جامعة، وغياب ثقافة المبادرة والتطوع يقلّل من طاقة المجتمع في دعم المشاريع النهضوية.

إنّ التفاعل مع الثقافات الأخرى ضرورة حضارية، لكن التقليد الأعمى يؤدي إلى فقدان الهوية أيضاً.

ويظهر ذلك من خلال:

احتقار الذات الحضارية.

استيراد النماذج دون نقد.

ضعف الإنتاج الثقافي المحلي.

الاغتراب الفكري.

فتتحول الأمة من منتجة للمعرفة إلى مجرد مستهلكة لها.

غير أنَّ آخرين يعتبرون أنَّ التحرُّر من التَّبعيَّة الثَّقافيّة يبدأ من بوّابة التحرُّر الاقتصاديّ بالدَّرجة الأولى، لأنَّها توفِّر الأسس الماديَّة لبناء منظومة ثقافيّة قادرة على حماية الموروث الثَّقافيّ وإنتاج حالة ثقافيّة واجتماعيّة متطوّرة، وتطوير مؤسَّسات بحثيَّة وإبداعيَّة قادرة على مواجهة الغزو الثَّقافيّ الذي تتعرَّض له بلادنا.

 إنَّ بناء الاقتصاد المتين الإنتاجيّ، يَمُرُّ عبر إطلاق الحُرّيّات السِّياسيّة وفتح الطريق أمام تطوير النُّظم وقواعد الإنتاج، دون التقوقع ضمن بنى اقتصاديّة قديمة ومتهالكة، وهذا يفترض الوصول إلى حالةسياسيّة ديمقراطيَّة، تتجاوز السناريوهات المرسومة، والتي تَحُدُّ قُدرة الفرد على الإبداع والتَّطوير، ما تشكِّلُ سدّاً منيعاً أمام أيّ غزو ثقافيّ لبلادنا.

وللتحرّر من التَّبعيَّة الثَّقافيّة يتطلّب أوَّلاً بناء حضارة علميّة من خلال:

“ صناعة وصياغة الذهنيَّة العلميَّة المعرفيَّة، ونشر حيثياتها في قطّاعات المجتمع كافَّة، ليصير العلم والمعرفة من سمات المجتمع ومن أوصافه، ومن مواصفات الفئات المجتمعيّة، وإن كانت بدرجات متفاوتة ”.

إنَّ قضيَّة التَّبعيَّة الثَّقافيّة غدت في عصرنا الحديث، قضيَّة متشعّبة ومعقَّدة تواجهها شعوب منطقة الشَّرق الأوسط، في ظِلِّ سيادة ثقافة الهيمنة الثَّقافيّة عبر الأثير، وغدا من الصعوبة بمكان إبداء أيّ نوع من المقاومة

الثَّقافيّة بالأدوات والأساليب السّابقة، بل يجب على الشُّعوب التي أصبحت ترزح تحت تأثير الكمِّ الهائل من المعلومات والثَّقافات المتناقلة بسرعات خياليّة، أن تطوِّرَ خياراتها وطرائق دفاعها عن هُويّاتها الثَّقافيّة، ولا تَركُن إلى الأساليب البدائيَّة، وتنبري لمحاربة كُلّ أنواع الغزو الثَّقافيّ، عبر تطوير بنى ومؤسَّسات ثقافيّة إبداعيَّة، قادرة على خلق بدائل متطوّرة، غير مستَلَبة الإرادة، أو خاضعة لسلطات الرَّقيب والحسيب، عليها بالدَّرجة الأولى الانطلاق من المحلّيّ نحو العالميّ، بأن تُحرِّرَ نفسها من القيود التي تُكبّلها، وترسم سياقات إستراتيجيَّة لها، تُشكِّلُ في النِّهاية قوَّةً ثقافيّة لها حضورها في السّاحة الثَّقافيّة العالميّة أيضاً.

رغم أهمية العوامل الخارجية، إلا أن التاريخ يبين أن القوى الخارجية تنجح غالباً عندما تجد أمةً منهكة من الداخل.

لذلك فإن:

الاحتلال،

العقوبات،

الحروب،

الضغوط الاقتصادية،

تكون في كثير من الأحيان عوامل مُسرّعة للانهيار لا أسباباً أصليّة له.

الحضارات لا تُهزم أولاً في ميادين القتال، بل تُهزم في ميادين الفكر والقيم والمعرفة. فالسقوط العسكري غالباً ما يكون الإعلان الرسمي عن انهيار بدأ قبل ذلك بسنوات أو عقود داخل العقل الجمعي للأمة.

إن أخطر ما يواجه أي حضارة ليس العدو الخارجي، بل فقدانها القدرة على نقد ذاتها وتجديد نفسها. فالحضارة التي تتوقف عن إنتاج المعنى، وتستبدل الحقيقة بالدعاية، والمعرفة بالتلقين، والمواطنة بالعصبية، تكون قد بدأت بالفعل رحلة الأفول.

يمكن القول إن هدم الحضارات لا يحدث بفعل عامل واحد، بل نتيجة تفاعل شبكة معقدة من الأزمات الأخلاقية والسياسية والثقافية والاقتصادية. فالفساد يضعف الدولة، والاستبداد يقتل الإبداع، والجهل يعيق التقدم، والانقسام يمزق المجتمع، والتبعية تسلب الإرادة.

والدرس الأكبر الذي يقدمه التاريخ هو أن الحضارات لا تسقط عندما تفتقر إلى الموارد، بل عندما تفقد القدرة على تجديد ذاتها.

لذلك فإن حماية أي أمة لا تبدأ من تحصين الحدود فقط، بل من بناء الإنسان الحر والواعي، القادر على التفكير والنقد والإبداع، لأن الحضارة في جوهرها ليست حجارةً ومؤسسات، بل وعيٌ حيّ يمتلك القدرة على الاستمرار والتجدد.

لا تقوم الأمم على الاقتصاد والسياسة وحدهما، بل تقوم أيضاً على منظومة من الرموز والقدوات والشخصيات المؤسسة، التي تمنح المجتمع شعوراً بالاستمرارية والانتماء. فالعلماء والمفكرون والمصلحون والقادة التاريخيين يشكلون جزءاً من الوعي الجمعي للأمة، ومن خلالها تتحدد معايير النجاح والقيم العليا التي يسعى الناس إلى الاقتداء بها.

وعندما تبدأ عملية منهجية أو عفوية لتشويه الرموز والطعن في المنجزات التاريخية وإفراغ الشخصيات الوطنية أو الحضارية من قيمتها المعنوية، تنشأ حالة من الفراغ الرمزي، ويؤدي هذا الفراغ إلى فقدان الأجيال الجديدة لنماذج الإلهام والاقتداء، فتضعف الثقة بالذات الحضارية، ويتراجع الشعور بالانتماء.

غير أن المسألة تحتاج إلى قدر من التوازن الفكري، فالنقد العلمي للرموز ليس هدماً للحضارة، بل قد يكون ضرورة لتصحيح الرواية التاريخية. أما الخطر الحقيقي يكمن في الانتقال من النقد الموضوعي إلى التشويه المتعمد، ومن المراجعة العلمية إلى السخرية والازدراء، ومن دراسة الأخطاء إلى نفي كل إنجاز أو قيم.

لقد أدرك العديد من المفكرين أن الأمم التي تفقد احترامها لعلمائها ومبدعيها وتاريخها تتحول تدريجياً إلى مجتمعات بلا مرجعيات أخلاقية أو ثقافية. وعندما يغيب النموذج الملهم، تبرز نماذج بديلة قد تكون قائمة على الشهرة العابرة أو القوة أو المال وحدها، فتختلّ منظومة القيم الاجتماعية من خلال:

التقليل من شأن العلماء والمفكرين والمبدعين.

تشويه الشخصيات التاريخية دون منهجية علمية.

إقصاء الرموز الوطنية والثقافية من الوعي العام.

تقديم نماذج سطحية بوصفها قدوات للأجيال.

القطيعة مع التراث الفكري والحضاري للأمة.

نشر ثقافة السخرية من كل ما هو تاريخي أو وطني أو معرفي.

إن الأمة التي تفقد القدوة والروّاد لا تفقد أفراداً فقط، بل تفقد جزءاً من بوصلتها الأخلاقية والثقافية. فالرموز ليست أشخاصاً فحسب، وإنما هي تجسيد للقيم التي قامت عليها الحضارة.

ليست قوة الأمم فيما تمتلكه من ثروات فحسب، بل فيما تحتفظ به من معانٍ ورموز، فحين يُهدم الرمز تُصاب الذاكرة الجماعية بالتصدع، وحين تُمحى القدوة يضيع المعيار الذي يقيس به المجتمع فضائله وإنجازاته.

 لذلك فإن أخطر أشكال الهدم الحضاري ليس تدمير الأبنية أو المؤسسات، بل تدمير الثقة بالذات التاريخية للأمة حتى تنظر إلى ماضيها بازدراء، وحاضرها بعجز، ومستقبلها بيأس.

في العصر الرقمي، أصبحت وسائل الإعلام والمنصات الاجتماعية قادرة على صناعة القدوة أو إسقاطها في وقت قصير، مما يفتح باباً فلسفياً واسعاً حول العلاقة بين السلطة والذاكرة والهوية الحضارية.

لم تعرف الحضارات المزدهرة مكانة أعلى من مكانة المعلم، فهو الواسطة التي تنتقل عبرها المعرفة والقيم والخبرة من جيل إلى آخر. ولذلك كان احترام المعلم في مختلف الحضارات مؤشراً على احترام العلم نفسه.

غير أن من علامات التراجع الحضاري انحدار المكانة المعنوية للمعلم، وتحوله من شخصية مرجعية تحظى بالتقدير إلى موظف هامشي أو مادة للسخرية والاستهزاء. وعندما يفقد المعلم هيبته الاجتماعية، يفقد التعليم جزءاً كبيراً من قدرته على التأثير والتربية.

إن الأمة التي تضع نجوم الترفيه أو أصحاب الشهرة العابرة في قمة السلم الاجتماعي، بينما تهمّش المعلم والباحث والمفكر، ترسل رسالة ضمنية إلى الأجيال مفادها أن المعرفة لم تعد قيمة عليا في المجتمع، وهذا يظهر حينما نتابع ونرى:

ضعف التقدير الاجتماعي للمعلمين.

تراجع المكانة الاقتصادية للمهنة التعليمية.

تصوير المعلم في بعض الخطابات الإعلامية بصورة سلبية أو ساخرة.

تحميل المعلم وحده مسؤولية أزمات التعليم.

تراجع هيبة المدرسة كمؤسسة تربوية.

عزوف الكفاءات المتميزة عن مهنة التعليم.

والأخطر من ذلك أن احتقار المعلم لا ينعكس على شخصه فقط، بل يمتد أثره إلى الطلاب أنفسهم. فالطالب الذي يرى معلمه موضع استهزاء سيفقد تدريجياً احترام المعرفة والانضباط والتعلّم الجاد.

لقد ارتبطت النهضات الكبرى تاريخياً بتعظيم دور المعلم، في عصور الازدهار كانت مكانة العلماء والمعلمين تقترب من مكانة القادة وصناع القرار، لأن الجميع كان يدرك أن بناء الإنسان يسبق بناء الدولة.

إن الحضارات لا تُبنى في القصور ولا في الثكنات العسكرية وحدها، بل تُبنى أولاً في الصفوف الدراسية. والمعلم ليس ناقلاً للمعلومات فحسب، بل هو مهندس الوعي وصانع المستقبل. لذلك فإن الأمة التي تهين معلّمها إنما تضعف أحد أهم أسس بقائها وتجدّدها.

فإذا كان هدم الجسور يقطع الطرق بين المدن، فإن هدم مكانة المعلم يقطع الطريق بين الأجيال والمعرفة، ولهذا يمكن اعتبار تهميش المعلم أحد المؤشرات المبكرة على دخول المجتمع في أزمة ثقافية وحضارية عميقة، لأن احترام المعلم ليس مجرد فضيلة أخلاقية، بل شرط من شروط استمرار الحضارة نفسها.

فالأمم التي تكرّم معلميها تستثمر في مستقبلها، أما الأمم التي تسمح بازدرائهم فإنها تُضعف، من حيث تدري أو لا تدري، الركيزة التي تقوم عليها نهضتها القادمة.

إن الحضارات لا تُهدم أولاً من الخارج، بل تبدأ عملية الهدم عندما تفقد الأمة احترام العلم، وتستخف بالمعلم، وتشوه قدواتها، وتستبدل المعرفة بالدعاية، والنقد بالبغضاء، والانتماء بالانقسام. وعندها يصبح السقوط الخارجي مجرد النتيجة الأخيرة لمسار طويل من التآكل الداخلي.

حيث أن هدم حضارة أي أمّة يبدأ من الإنسان وينتهي بالدولة وبالحضارة.

إن أخطر أشكال هدم الأمم ليس تدمير المدن ولا إسقاط الحكومات، بل تدمير الإنسان في وعيه وقيمه وثقته بذاته.

 فحين يُهان المعلم، ويُغيَّب المفكر، ويُشوَّه الرمز، ويُحتقر العلم، وتُزرع الفرقة بين أبناء المجتمع، تكون معاول الهدم قد بدأت عملها بالفعل.

أمّا الحضارة الحية فهي التي تحمي ذاكرتها، وتصون قدواتها، وتكرّم علمائها، وتمنح الأجيال أسباب الإيمان بالمستقبل.

فالأمم لا تعيش بما تملك من ثروات فقط، بل بما تملك من وعيٍ وقدرةٍ دائمة على التجدد والنهوض.

***

د. أنور ساطع أصفري

تُعد التربية من أهم الركائز التي تقوم عليها المجتمعات في بناء الإنسان وتنمية قدراته الفكرية والأخلاقية والاجتماعية، فهي عملية مستمرة تهدف إلى إعداد الأفراد للحياة وتمكينهم من التفاعل الإيجابي مع بيئتهم ومجتمعهم. ولم تعد التربية في العصر الحديث تقتصر على نقل المعلومات والمعارف من المعلم إلى المتعلم، بل أصبحت عملية شاملة تستهدف بناء الشخصية المتكاملة وتنمية الوعي الثقافي وتعزيز التفكير النقدي والإبداعي. فالمجتمعات المعاصرة تواجه تحديات متسارعة نتيجة التطورات العلمية والتكنولوجية والانفتاح الثقافي والعولمة، الأمر الذي جعل التربية مطالبة بإعداد أفراد يمتلكون المعرفة والقدرة على تحليلها وتوظيفها بصورة واعية ومسؤولة. ومن هنا برزت أهمية الجمع بين نقل المعرفة وبناء الوعي الثقافي، لأن المعرفة وحدها لا تكفي إذا لم تقترن بفهم عميق للقيم والثقافة والهوية والانتماء، كما أن الوعي الثقافي لا يمكن أن ينمو بعيدًا عن قاعدة معرفية راسخة. ولذلك أصبحت التربية الحديثة تسعى إلى تحقيق التوازن بين هذين البعدين، بما يسهم في إعداد مواطن قادر على التعلم المستمر والمشاركة الفاعلة في تنمية المجتمع والمحافظة على هويته الثقافية.

التربية ودورها في نقل المعرفة

يُعد نقل المعرفة من الوظائف الأساسية للتربية منذ نشأة المؤسسات التعليمية، حيث تهدف المدرسة إلى تزويد المتعلمين بالمعارف والمهارات التي تمكنهم من فهم العالم والتعامل مع متطلبات الحياة. وتشمل هذه المعرفة العلوم الطبيعية والإنسانية واللغات والرياضيات والتقنيات الحديثة، إضافة إلى المهارات العملية التي يحتاجها الفرد في حياته اليومية والمهنية. وقد تطورت وسائل نقل المعرفة عبر الزمن، فبعد أن كانت تعتمد على التلقين والحفظ، أصبحت اليوم ترتكز على التعلم النشط، والمناقشة، والبحث، والتجريب، والتعلم التعاوني، بما يساعد المتعلم على المشاركة في بناء المعرفة بدلًا من الاكتفاء باستقبالها.

كما أن الثورة الرقمية أسهمت في إحداث تغير كبير في مفهوم المعرفة وطرق الحصول عليها، حيث أصبحت المعلومات متاحة عبر مصادر متعددة، ولم يعد المعلم المصدر الوحيد للتعلم. ولذلك تغير دوره ليصبح موجهًا ومرشدًا يساعد الطلاب على اختيار المعلومات الصحيحة وتحليلها وتوظيفها بصورة علمية. وأصبحت المناهج التعليمية تركز على تنمية مهارات التفكير، والبحث، وحل المشكلات، والقدرة على التعلم الذاتي، وهي مهارات ضرورية في عالم سريع التغير.

ولا تقتصر عملية نقل المعرفة على الجوانب الأكاديمية، بل تشمل أيضًا نقل الخبرات الإنسانية والقيم الأخلاقية والمبادئ الاجتماعية التي تسهم في بناء شخصية الفرد. فالمدرسة، إلى جانب الأسرة، تؤدي دورًا مهمًا في تعليم الطلاب أساليب التواصل، واحترام النظام، وتحمل المسؤولية، والعمل بروح الفريق، وهي معارف حياتية لا تقل أهمية عن المعرفة العلمية. وعندما يتم تقديم المعرفة بصورة مترابطة مع واقع المتعلم واحتياجات مجتمعه، تصبح أكثر قدرة على إحداث أثر إيجابي في سلوكه وفكره.

بناء الوعي الثقافي وأهميته في التربية

يمثل الوعي الثقافي أحد الأهداف الرئيسة للتربية الحديثة، لأنه يساعد الفرد على فهم ثقافته الوطنية والإنسانية، وإدراك القيم التي يقوم عليها مجتمعه، مع احترام الثقافات الأخرى والتفاعل معها بصورة إيجابية. ويُقصد بالوعي الثقافي قدرة الفرد على فهم التراث الثقافي والهوية الوطنية، وتحليل الظواهر الاجتماعية والفكرية، والتمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة، وتكوين مواقف قائمة على التفكير الواعي لا على التقليد أو التعصب.

وتؤدي التربية دورًا محوريًا في بناء هذا الوعي من خلال المناهج الدراسية، والأنشطة الثقافية، والبرامج التربوية التي تعزز قيم الحوار والتسامح والانتماء والمواطنة. كما تسهم دراسة التاريخ والأدب واللغة والفنون في تعريف المتعلم بجذوره الحضارية، وتنمية شعوره بالفخر بهويته، مع الانفتاح على الإنجازات الإنسانية المختلفة. وهذا التوازن بين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على الآخر يُعد من أهم مقومات التربية في العصر الحديث.

وفي ظل الانتشار الواسع لوسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، أصبحت الحاجة إلى بناء الوعي الثقافي أكثر إلحاحًا، لأن الفرد يتعرض يوميًا لكم هائل من المعلومات والأفكار المتنوعة. ومن دون امتلاك مهارات التفكير النقدي والوعي الثقافي، قد يصعب عليه التمييز بين الحقيقة والشائعة، أو بين المعرفة الموثوقة والمعلومات المضللة. ولذلك تسعى التربية إلى تنمية قدرة المتعلم على التحليل والمناقشة والاستنتاج، بما يجعله أكثر وعيًا بالقضايا التي تؤثر في مجتمعه والعالم.

كما أن الوعي الثقافي يعزز احترام التنوع والتعددية، ويشجع على قبول الاختلاف والحوار البناء، وهو ما يسهم في الحد من التعصب والانغلاق الفكري. فالمجتمعات التي تمتلك أفرادًا واعين بثقافتهم وقادرين على فهم الثقافات الأخرى تكون أكثر قدرة على التعايش وتحقيق التنمية والاستقرار، لأن الثقافة تصبح وسيلة للتواصل والتفاهم، لا سببًا للصراع والانقسام.

التكامل بين المعرفة والوعي الثقافي في التربية المعاصرة

لا يمكن تحقيق أهداف التربية الحديثة من خلال التركيز على نقل المعرفة وحدها أو بناء الوعي الثقافي بمعزل عن المعرفة، بل إن النجاح الحقيقي يتحقق عندما يتكامل الجانبان في العملية التعليمية. فالمعرفة تمنح الإنسان القدرة على الفهم والتحليل، بينما يمنحه الوعي الثقافي القدرة على توظيف هذه المعرفة في خدمة المجتمع، واتخاذ القرارات بصورة أخلاقية ومسؤولة. ولهذا أصبحت المؤسسات التعليمية تعمل على تطوير مناهج تجمع بين المحتوى العلمي والقيم الثقافية والإنسانية، بما يسهم في إعداد أجيال تمتلك العلم والوعي معًا.

ويؤدي المعلم دورًا أساسيًا في تحقيق هذا التكامل، فهو لا ينقل المعلومات فقط، بل يغرس قيم الحوار والاحترام والتفكير النقدي، ويشجع الطلاب على طرح الأسئلة والمناقشة والبحث عن الأدلة. كما أن الأنشطة المدرسية، مثل الندوات الثقافية، والمسابقات الأدبية، والعمل التطوعي، والرحلات التعليمية، تسهم في ربط المعرفة النظرية بالتجربة العملية، وتنمية شعور الطلاب بالمسؤولية تجاه مجتمعهم.

ومن جهة أخرى، أصبحت الأسرة شريكًا مهمًا في العملية التربوية، لأنها تسهم في ترسيخ ما يتعلمه الأبناء داخل المدرسة، وتوفر لهم بيئة تشجع على القراءة والحوار واحترام القيم الثقافية. كما أن مؤسسات المجتمع المختلفة، مثل المكتبات والمراكز الثقافية ووسائل الإعلام، تؤدي دورًا داعمًا في نشر الثقافة وتعزيز الوعي، مما يجعل التربية مسؤولية مشتركة بين المدرسة والأسرة والمجتمع.

وتفرض التحولات العالمية المتسارعة على التربية أن تواكب متطلبات المستقبل، من خلال إعداد أفراد يمتلكون القدرة على التعلم مدى الحياة، والتكيف مع التغيرات، والإبداع في مواجهة المشكلات. وهذا لا يتحقق إلا إذا جمعت التربية بين المعرفة العلمية والوعي الثقافي، بحيث يصبح المتعلم قادرًا على الاستفادة من منجزات العصر مع المحافظة على هويته وقيمه. فالتعليم الذي يركز على الحفظ وحده قد ينتج أفرادًا يمتلكون معلومات كثيرة، لكنه قد يعجز عن إعداد مواطنين قادرين على التفكير المستقل والمشاركة الفاعلة في بناء المجتمع.

لذلك، تمثل التربية عملية متكاملة تجمع بين نقل المعرفة وبناء الوعي الثقافي، وهما جانبان متلازمان لا يمكن الفصل بينهما في إعداد الإنسان المعاصر. فالمعرفة تزود الفرد بالأدوات العلمية والفكرية التي يحتاجها لفهم العالم، بينما يمنحه الوعي الثقافي القدرة على توظيف هذه المعرفة بما يخدم مجتمعه ويحافظ على هويته وقيمه. ومع التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم، تزداد أهمية تطوير النظم التربوية لتصبح أكثر قدرة على تنمية التفكير النقدي والإبداعي، وتعزيز ثقافة الحوار والانفتاح والمسؤولية. ومن خلال هذا التكامل تستطيع التربية أن تؤدي رسالتها في إعداد أجيال واعية ومثقفة، قادرة على الإسهام في تحقيق التنمية المستدامة، وبناء مجتمع متماسك يوازن بين الأصالة والمعاصرة، ويواجه تحديات المستقبل بثقة وكفاءة.

***

د. عصام البرام

في سبيل النهوض بالمؤسسة الأكاديمية العربية

كانت ندوة وحدة الدراسات الثقافية في المعهد العالمي للتجديد العربي، التي انعقدت يوم الاثنين 10 أغسطس 2026م، بعنوان: «الجامعات العربية وسبل الارتقاء بها نحو المستقبل»، مناسبة فكرية استثنائية بالنسبة لي؛ ليس فقط لأن موضوع الجامعة يلامس واحدًا من أكثر الأسئلة التي رافقت تجربتي الأكاديمية منذ سنوات طويلة، وإنما لأن المحاضر، الأستاذ الدكتور سيّار الجميل، جاء إلى الندوة محمّلًا بتجربة أكاديمية واسعة ونادرة، أتاحتها له فرصة العمل والتدريس والزيارة والمشاركة في عدد كبير من الجامعات والمؤسسات العلمية في بلدان وثقافات مختلفة. فقد عمل محاضرًا وأستاذًا في جامعات وهران بالجزائر، وتونس الأولى، والموصل بالعراق، واليرموك وآل البيت بالأردن، وجامعة الإمارات العربية المتحدة، كما عمل أستاذًا زائرًا في جامعة كيل بألمانيا منذ عام 1987، وفي لوفان وإنديانا، وزار جامعات ريدنغ وأكسفورد وكامبريدج والسوربون وإدنبرة ودندي وهامبورغ ومونبلييه وتورنتو وفكتوريا وبنسلفانيا وفاس والجزائر والزقازيق وبغداد والمستنصرية والجامعة الأمريكية في بيروت والشارقة وغيرها، فضلًا عن مشاركته في مؤتمرات وندوات علمية دولية عديدة.

وقد أدار الندوة الأستاذ الدكتور خضير المرشدي، رئيس المعهد، وشارك فيها الدكتور خالد كموني، رئيس وحدة «هندسة المفاهيم» الجديدة، كما عقبت الدكتورة ريم دندشي. غير أن ما استوقفني بصورة خاصة هو انتقال الدكتور سيّار الجميل من السؤال التقليدي عن جودة الجامعة إلى سؤال أكثر عمقًا: ما الذي يجعل الجامعة مؤسسة حيّة وفاعلة؟

وهذا هو اسماه «مؤشر الحيوية الجامعية» (UVI)، بوصفه محاولة للخروج من أسر مؤشرات التصنيف الجامعي التقليدية. فالتصنيفات العالمية تسأل عادة: كم نشرت الجامعة؟ كم عدد الاستشهادات؟ ما موقعها في سلم التصنيف؟ كم تملك من المختبرات والبرامج والدرجات العلمية؟ أما السؤال الذي يقترحه مؤشر الحيوية الجامعية فهو أكثر جذرية: ماذا أضافت الجامعة إلى مستقبل الأمة؟

فإذا كان المثل الأعلى لروضة الأطفال يتمثل في تمكين الطفل من النطق بالحروف والأرقام والتعرف إلى أبجديات المعرفة، وإذا كان المثل الأعلى للمدرسة يتمثل في إكساب التلاميذ والتلميذات المعارف والمهارات الأساسية في مختلف العلوم والتخصصات، فإن المثل الأعلى للجامعة ينبغي أن يتجاوز مجرد نقل المعرفة وتكديس المعلومات إلى تمكين الطالب والطالبة من فهم ما تعلموه في المراحل السابقة، وإعادة تركيبه ونقده وتوظيفه وتحويله من مجرد معرفة مكتسبة إلى قدرة إنسانية فاعلة، ومن معرفة الأولاد والبنات إلى قدرة الرجال والنساء المفترضة في بناء المجتمعات وتنمية الأوطان وصناعة المستقبل. فالجامعة، بهذا المعنى، ليست نهاية السلم التعليمي، وإنما هي المرحلة التي تتحول فيها المعرفة إلى وعي، والوعي إلى قدرة، والقدرة إلى فعل اجتماعي وحضاري نهضوي ومستقبلي.

استمعت إلى محاضرة الدكتور سيّار باهتمام نابع من تجربتي الشخصية مع الجامعة، ومن موقع ما راكمته من أسئلة وذكريات وخيبات وآمال خلال ما يقارب عقدين من العمل والتدريس والبحث الأكاديمي. ولذلك قد يكون معنى الجامعة بالنسبة إليّ مختلفًا تمامًا عن معناها بالنسبة إلى زميل آخر. وهذه ليست مشكلة؛ بل هي طبيعة المعنى نفسه. فالمفاهيم لا تعيش خارج التجربة الإنسانية، وإنما تتشكل داخلها فمنذ التحاقي بمهنة التدريس الجامعي، ظل سؤال الجامعة يرافقني بوصفه سؤالًا في المعنى قبل أن يكون سؤالًا في الإدارة. وقد قادني ذلك إلى عدد من المؤتمرات والدراسات والأبحاث التي تناولت الاعتماد الأكاديمي، والجودة، وإدارة الأداء، والتعليم العالي، والعلوم الإنسانية، ودور الجامعة في خدمة المجتمع، كما نشرت منذ عام 2005 دراسات ومقالات عن الجامعات العربية ومعايير الجودة، وعن الجامعة والنقابة، وجامعة عدن بين التقييم والتكريم، وفي معنى كلية الآداب، وغيرها.

وخلال هذه الرحلة راكمت مجموعة من المراجع والدراسات التي تناولت نشأة الجامعات، وتاريخ العلم، وإدارة الجودة في التعليم العالي، وضمان الجودة، ومعنى اكاديمية ووظيفة الأكاديمي والجامعة والثقافة ، والجامعات العربية والبحث العلمي، والتميز والقيادة، وسوسيولوجيا العلوم، وما بعد الحداثة، وتحديث الإدارة الجامعية، والجودة الشاملة، والاستراتيجية الوطنية للتعليم العالي في اليمن، وغير ذلك لكنني اكتشفت، بعد كل هذه السنوات، أن سؤال الجامعة أكبر من كل هذه العناوين.

إذ اتفق هنا مع الدكتور سيّار الجميل بالنظر إلى المؤسسة الأكاديمية الحية بوصفها المؤسسة الوحيدة التي تسعى إلى تجاوز ذاتها وتنمية وتأهيل مجتمعها والأرقى به لا تبرير ايديولوجيته كما يعتقد البعض للأسف الشديد وقد كان الفتح الجديد الذي أوجد حرية البحث العلمي هو من اخطر الثورات الفكرية والاجتماعية في تاريخ البشرية، ولقد أعطى العلم بصفته الشكل النموذجي للبحث الحر، مهمة وضع مجالات الفكر كلها في الوضع الصحيح لذا فإن العلم هو العدو الطبيعي للمصالح القائمة كلها سواء منها الاجتماعية أو السياسية أو الدينية بما فيها مصالح المؤسسة العلمية ذاتها، ذلك أن الحرية ترفض التسليم ببقاء الأشياء على حالها. والشك المنظم الذي تتصف به الطبيعة العلمية أمر دائم الحضور ودائم التشكك بأخر الاقتناعات الفكرية، بما فيها تلك التي طال أمد التسليم بها. وكما يقول توبي أ. هف » بما أن العلم قد أعطى هذه المهمة الفكرية لفحص صور الوجود وأشكاله كلها فانه غدا العدو الطبيعي للنظم التسلطية بشكل خاص وهذه النظم لا تستطيع أن توجد حقاً إلا إذا كبتت أشكال البحث العلمي التي تظهر الطبيعة الحقيقية للنتائج الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية الخطيرة والمدمرة لتسلطها وحكمها. ولما كانت الجامعة هي المؤسسة التي تنهض برعاية العلم وتنميته وتقدمه وازدهاره، فلابد لها من أن تكون مؤسسة حرة ومستقلة، إذ أن الحرية هي الشرط الجوهري لوجود العلم والفكر العلمي، كما يقول كروبر "إن حاجة العلم إلى الحرية، مثل حاجة النباتات التي تنمو في البيوت الزجاجية إلى الشمس والأكسجين، أما إذا طليت النوافذ بالسواد كما في الحروب، فلا تنمو إلا الأعشاب الطفيلية الضارة، والإبداع العلمي يتيبس في البيئات الاستبدادية والتسلطية"10، وتلعب الحرية الأكاديمية دوراً حاسماً في تنمية المجتمع وتغييره وتقدمة وازدهاره. وهذا ما أوضحه امارتيا صن في كتابه (التنمية حرية) (مؤسسات حرة و إنسان متحرر من الجهل والمرض والفقر) بقوله"أن الحرية هي الغاية والهدف الأسمى لكل تنمية ذلك أن الحرية تعني المقدرة على الفعل والاختيار و التفكير والإبداع " وبدون أن تأمن الجامعة بيئة مناسبة للأساتذة والطلبة في ممارسة نشاطهم التعليمي والعلمي، فلا يمكن لها النمو والتطور والازدهار. هكذا نلاحظ أن حرية الجامعة واستقلاليتها المالية والإدارية والأكاديمية ليست من الأمور التكميلية والثانوية، بل هي أس الأسس ولب المسألة برمتها.لكن كيف يمكن للجامعة أن تكون مؤسسة حرة ومستقلة؟!

وهكذا فهمت معنى مفهوم (الحيوية الجامعية UVI) بوصفه مؤشرًا لقياس جودة المؤسسة الأكاديمية. فالحيوية ليست مجرد رقم جديد يضاف إلى عشرات مؤشرات التصنيف، وإنما ينبغي أن تكون محاولة لإعادة تعريف معنى الجامعة نفسها. نحن لا نحتاج فقط إلى جامعة أكثر إنتاجًا، بل إلى جامعة أكثر حياة؛ جامعة تجعل المجتمع أكثر قدرة على التفكير، والدولة أكثر عقلانية، والإنسان أكثر حرية، والمعرفة أكثر حضورًا في الحياة اليومية.

وهكذا تعين السؤال الملح الذي وضعه سيّار الجميل ليس سؤالًا عن الجامعة وحدها، بل عن المجتمع الذي تنتجه الجامعة وتعيد إنتاجه في الوقت ذاته فالحيوية الأكاديمية أكثر من مجرد نشاط علمي داخل قاعات الدرس أو المختبرات ومراكز البحث؛ إنها قدرة الجامعة على إنتاج بيئة حية للتفكير والنقد والحوار والاختلاف والابتكار، وعلى تحويل المعرفة إلى طاقة اجتماعية وحضارية. فالأستاذ الجامعي لا يؤدي وظيفته الحقيقية حين ينقل ما في الكتاب إلى الطالب، وإنما حين يساعده على أن يتجاوز الكتاب إلى السؤال، والمعلومة إلى الفكرة، والفكرة إلى النقد، والنقد إلى الإبداع. والطالب لا يصبح جامعيًا بالمعنى الحقيقي حين يحفظ ما قيل له، وإنما حين يمتلك القدرة على أن يسأل: لماذا؟ وكيف؟ وهل يمكن أن يكون الأمر على نحو آخر؟

هنا تتحدد القيمة الحقيقية للجامعة؛ فهي لا تُقاس بعدد خريجيها، ولا بفخامة مبانيها، ولا بترتيبها في التصنيفات الدولية، وإنما بنوعية الإنسان الذي تصنعه، وبقدرتها على تحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى قدرة، والقدرة إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى فعل حضاري. فمعيار الجودة الأكاديمية الأعمق ليس فقط: كم تنتج الجامعة من بحوث وشهادات؟ بل: أي نوع من العقول والإنسان والمجتمع تنتج؟ إن الجامعة الحية هي التي لا تكتفي بتلقين المعرفة أو إعادة إنتاج الأفكار السائدة، بل تفتح للعقل آفاق السؤال والنقد والابتكار، وتمنح الطالب القدرة على فهم عالمه والمشاركة في تغييره. أما الجامعة التي تعيد إنتاج الماضي كما هو، فتظل، مهما امتلكت من مبانٍ ومناهج وتصنيفات، عاجزة عن أداء رسالتها التاريخية. فالحيوية الأكاديمية في جوهرها ليست كثرة النشاط، وإنما قدرة الجامعة على صناعة إنسان قادر على التفكير الحر، والعمل المسؤول، والإسهام الواعي في بناء مجتمع أكثر معرفةً وعدلًا وقدرةً على صناعة المستقبل.

***

قاسم المحبشي

 

يناقش المقال العلاقة بين الطبقة البرجوازية والدين في اوروبا والعالم العربي مع اعطاء مساحة خاصة لتاثير الدين علي الطبقة البرجوازية المصرية التي ينتمي اليها كاتب المقال.

ظهرت الطبقة البرجوازية في اوروبا نتيجة للتحولات في البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية منذ أواخر العصور الوسطى، مع انهيار النظام الإقطاعي وبروز المدن، والتجارة، ثم الصناعة.

تسيطر البرجوازية على وسائل الإنتاج، وتستمد قوتها من رأس المال، وتشكل القوة الدافعة للاقتصاد الحديث. ولذلك، اعتبرها كارل ماركس الطبقة الحاكمة اقتصادياً، التي تستغل الطبقة العاملة لتحقيق الربح.

تميل الطبقة البرجوازية إلى دين يشجع على الطاعة واحترام القانون وتقدير العمل ونبذ الفوضى وحماية الملكية. كما يوفر الدين الاستقرار الاجتماعي، وهو أمر ضروري لازدهار التجارة والصناعة. ولذلك، دعمت الطبقة البرجوازية في القرون الماضية المؤسسات الدينية لترسيخ سلطتها السياسية، واستخدمت الدين كخطاب أخلاقي لتبرير النظام الاقتصادي.

تحولت البرجوازية الأوروبية تدريجياً إلى العلمانية عندما أصبحت قوية ولم تعد بحاجة إلى الشرعية الدينية، لكن الدين استمر في الوجود خارج المجالات السياسية والاقتصادية.

تختلف البرجوازية العربية عن البرجوازية الأوروبية لكونها طبقة تشكلت في ظل دولة ريعية، واقتصاد غير صناعي. وهي طبقة هجينة تجمع بين رأس المال التجاري والريعي أكثر من رأس المال الصناعي، وتتمتع بعلاقات سياسية قوية ومناصب إدارية رفيعة. تحصل البرجوازية العربية على امتيازاتها من خلال السلطة، وتعتمد على قربها من النخب السياسية؛ لذا فهي برجوازية تابعة سياسياً، وليست مستقلة اقتصادياً.

تتعايش الطبقة البرجوازية في العالم العربي مع الدين، مستخدمةً إياه كمصدر للشرعية الاجتماعية والسياسية، خاصةً ان طبيعة هذه الطبقة تستلزم خطابًا دينيًا محافظًا يضمن الاستقرار والطاعة واحترام السلطة، ويبرر الفوارق الطبقية. لذا، لا يوجد صراع بين البرجوازية العربية والدين، بل تحالف وظيفي؛ فالدين ينظم المجتمع، والبرجوازية تستفيد من الاستقرار، وتشجع خطاباً دينياً يحمي حقوق الملكية، ويرفض الفوضى، ويشجع العمل دون المطالبة بأجور عادلة أو مساواة اقتصادية.

قد يصبح الوضع متوتراً إذا دعت الأديان إلى تغيير جذري اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي، مثل حركة "لاهوت التحرير" في أمريكا اللاتينية، التي أعادت تعريف دور الدين في المجتمع، وجعلت الدين قوة سياسية وأخلاقية لتحرير الناس من الظلم، وقدمت قراءة جديدة للكتاب المقدس كنص منحاز للفقراء ومشروع للعدالة الاجتماعية.

تتميز البرجوازية المصرية بتاريخها العريق الذي يعود إلى القرن التاسع عشر، وبتنوعها الكبير الذي يجمع بين الصناعة والتجارة ورأس المال الحديث، إلى جانب جهاز إداري قوي. بعد ثورة يوليو 1952، تضاءل نفوذ البرجوازية التقليدية، وبرزت برجوازية بيروقراطية مؤلفة من موظفي الدولة والعسكريين. ثم جاء عهد التحرير الاقتصادي في ظل حكم السادات، وبرزت طبقة برجوازية من رجال الأعمال والتجار وأصحاب الشركات الخاصة. واستمر هذا الوضع دون تحولات جذرية خلال عهد مبارك.

تميل الطبقة البرجوازية المصرية إلى دين محافظ يضمن الاستقرار الاجتماعي. وهي طبقة ليست علمانية تماماً ولا متدينة تماماً. تستخدم الدين عندما يخدم مصالحها، وتتجاهله عندما يقيد السوق أو يهدد السلطة.

يمثل ظهور جماعة الإخوان المسلمين علاقة معقدة بين الدين والطبقة البرجوازية المصرية. فقد تمكنوا من بناء شبكتهم البرجوازية الخاصة داخل الاقتصاد المصري، والتي نمت بشكل ملحوظ بفضل التبرعات المالية المنتظمة من أعضاء الجماعة ومن مصادر خارجية، وخاصة من دول الخليج، بالإضافة إلى أنشطتهم التجارية، مما جعلهم قوة اقتصادية كبيره.

اعتمدت جماعة الإخوان قوتها الاقتصادية لنشر أفكارها، التي تبنت القيم الاجتماعية المحافظة، والالتزام بالدين، ورفض القيم الحديثة، وأكدت على الانضباط والطاعة.

استخدمت جماعة الإخوان المسلمين التعليم المدرسي والجامعي للتأثير على المجتمع، ونجحت في التغلغل في نظام التعليم الحكومي وإنشاء مدارسها الخاصة التي تقدم التعليم بأسعار منخفضة. لم يهتم تعليم الإخوان بالإبداع والتفكير النقدي والعلوم الحديثة والفنون والفلسفة، بل ركز بدلاً من ذلك على تفسير العلوم تفسيراً دينياً، ودمج الدين في جميع المواد الدراسية، وعرض التاريخ من منظور ديني، وتعزيز الهوية الإسلامية على حساب الهوية الوطنية.

نجحت جماعة الإخوان المسلمين ايضا في استخدام الجامعات لإنشاء كوادر سياسية واجتماعية منذ سبعينيات القرن الماضي من خلال السيطرة على اتحادات الطلاب، وتقديم الندوات الدينية، والخدمات التعليمية مثل مجموعات الدروس الخصوصية، والكتب المخفضة، والدعم المالي للطلاب المحتاجين، مع الترويج لخطاب يربط الدين بالسياسة ويقدم الدولة ككيان يجب إصلاحه بالدين.

تراجع هذا التأثير بعد عام 2013، لكنه ترك بصمة طويلة الأمد على وعي الطبقة الوسطى.

كان هدف الإخوان المسلمين هو إقامة دولة ذات أساس ديني وفرض نظام يستمد قوانينه من الشريعة الإسلامية، من خلال بناء قاعدة اجتماعية واسعة، والسيطرة على النقابات والجمعيات والتعليم، مع توفير الخدمات الاجتماعية لبناء شبكات الدعم في الطبقة الوسطي.

وللتوضيح، يعتبر المؤلف "الطبقة الوسطى"، التي تعتمد على دخل ثابت من الوظائف المهنية والتعليم وتشكل قاعدة الدولة الحديثة، جزءًا من "البرجوازية المصرية"، على الرغم من الاختلاف الاقتصادي بينهما واعتماد البرجوازية على ملكية رأس المال وامتلاك النفوذ الاقتصادي والسياسي.

واجه مشروع جماعة الإخوان المسلمين تناقضات سياسية واجتماعية بسبب إنكارهم لقواعد الدولة الحديثة، التي تقوم على فصل الدين عن السياسة، بالإضافة إلى فشلهم في تقديم رؤية واضحة لشكل الدولة، والنظام الاقتصادي، ودور المرأة، والحريات الفردية، وطبيعة المواطنة في مجتمع متنوع.

يمكن تلخيص فشل حكم جماعة الإخوان المسلمين في تمسكها بأيديولوجية تتنافى مع مبادئ الدولة الحديثة، القائمة على المواطنة، وسيادة القانون، والمؤسسات القوية، وفصل السلطات، والحريات الفردية. يرتكز مشروع الجماعة على السلطة الدينية والولاء التنظيمي، ويتسم بالغموض الفكري، والازدواجية التنظيمية، وتجاهل التجارب السياسية والاقتصادية للعالم المتقدم. وقد أثبتت هذه التجارب أن الازدهار الوطني مرتبط ببناء المؤسسات، وتراكم المعرفة، وحرية الفكر، وسيادة القانون. فالدولة ليست مسؤولة عن خلق الفضيلة، أو مراقبة الضمائر، أو الانشغال بالهوية الدينية للأفراد.

كذلك، يرتكب الخطاب الديني السياسي خطأ فلسفيا عندما يتجاهل أن السياسة قابلة للمراجعة والتصحيح، وأن كل سلطة تخضع للنقد، وأن كل حاكم قابل للاستبدال، وأنه لا توجد حصانة دينية أو حماية للسلطة باسم المقدس.

أثرت المسيحية في الطبقة البرجوازية المصرية من خلال تشجيع التعليم والقضاء على الأمية، مما رفع مستوى تعليم الأقباط ويسّر صعودهم إلى الطبقة العليا. كما برع الأقباط في مجالات الإدارة والمالية منذ عهد محمد علي، مما جعلهم جزءًا مهمًا من الطبقتين الوسطى والعليا.

قبل عام ، 1952 كانت الطبقة البرجوازية القبطية جزءًا من النخبة المدنية والسياسية في مصر، ومثّلت ثورة 1919 ذروة الاندماج الوطني مع رفع شعار الهلال مع الصليب.

وللتوضيح، يُستخدم مصطلح الأقباط لوصف المجتمع المسيحي الأرثوذكسي، الذي يشكل غالبية المسيحيين في مصر. 

في الختام، تكشف العلاقة بين الدين والطبقة البرجوازية عن أنماط مختلفة. ففي كل مكان، تستخدم البرجوازية الدين عندما يخدم مصالحها، وتتجاهله عندما تقتضي مصالحها ذلك. وهذا ما يجعل فهم هذه العلاقة ضروريا لفهم تحولات السلطة والقيم في العالم المعاصر.

***

بقلم استاذ دكتور سامح مرقس

في إطار العمل على تغيير ملامح الشرق الأوسط، وفي لحظات حبك خيوط الديانة الجديدة كبوابة أصيلة في ترسيخ عقيدة التمدد الامبريالي والهيمنة، يتبادر في الذهن سؤال مفصلي وضروري، يتمثل في البحث عن الأسباب الحقيقية التي تكمن وراء الإصرار على اسم النبي (إبراهيم) في تمثيله كرأس الهرم للديانة الإبراهيمية الجديدة. فلماذا (إبـراهيم) تحديداً، دون سائر الأنبياء؟

إنّ اختيار إبـراهيم ليس اختياراً لاهوتياً بريئاً، بل هو قرار سياسي محسوب، فالإدارة الأمريكية تستخدم مصطلح (الإبـراهيمية) للإشارة إلى الديانات السماوية الثلاث، وتعيد تسميتها بوصفها الديانة الإبـراهيمية، نسبة إلى إبـراهيم، لما يتمتع به من مكانة روحية وقدسية جامعة في وعي أتباع هذه الديانات. وبهذا، يُقدَّم إبـراهيم بوصفه الرمز الأعلى القادر على إذابة الخلافات بين (لأبناء) وإعادة البناء على التراث المشترك والتشابهات اللاهوتية، تمهيداً لإنتاج ما يُسمّى (سلاماً دينياً عالمياً) قائماً على الضمير الجمعي.

وتتكرر في هذا السياق عبارات من قبيل، نحن جميعاً عائلة إبـراهيمية واحدة، أو نحن أسرة روحية واحدة، تجمعنا أخوّة إنسانية... غير أنّ هذه اللغة العاطفية، حين تُنزَع من سياقها الإيماني، وتُزرَع في تربة السياسة، تتحول إلى أداة إلغاء لا إلى أداة وحدة، إذ تُسقِط الفوارق العقدية، وتُفرغ الدين من حدوده، وتُعيد تعريفه كقيمة أخلاقية عامة بلا جذور.

واللافت أنّ معظم هذه الإشارات إلى إبـراهيم تعود في أصلها إلى اجتهادات بروتستانتية غربية واستشراقية، قامت بابتكار مصطلح (الديانات الإبـراهيمية)، ثم نُسب هذا المصطلح، خطأً، إلى الثـقافة الإسلامية، فبينما يحتل إبـراهيم مكانة مركزية في العقيدة الإسلامية بوصفه نبياً موحِّداً، فإن مفهوم (الديانات الإبـراهيمية) غريب عن الـوعي الإسلامي، وغير متداول في اللغتين العربية أو العبرية، إلا بوصفه ترجمة حرفية عن الإنجليزية، وهذا وحده كافٍ للكشف عن طبيعته المستوردة ووظيفته الأيديولوجية. وإنّ الهدف الحقيقي من استحضار اسم إبـراهيم في هذا السياق هو المغالطة الرمزية، تقديم الحركة الصهيونية، وهي في جوهرها حركة استعمارية أوروبية، بوصفها حركة دينية يهودية، وإخفاء بعدها الاستيطاني خلف قناع لاهوتي. فبهذا التلاعب، يجري تحويل غزو فلسطين من فعل استعمار إلى عودة دينية، ومن مشروع إحلالي إلى (تحقيق وعد تاريخي).

وفي هذا الإطار، يعمل المخطط الإبـراهيمي على ربط القادة الدينيين بالسياسيين، وإعادة تعريف أسباب الصراع لا بوصفها احتلالاً واستعماراً، بل بوصفها خللاً في الاعتراف المتبادل، ويُطرح حلّ الصراع عبر إعادة المصالح الدينية للسكان الأصليين إلى خريطة التفاوض، دون تحديد واضح لهوية هؤلاء السكان، لتُترك المسألة مفتوحة أمام التوافقات السياسية بين رجال الدين وصنّاع القرار. وهكذا، يُفرَّغ مفهوم (الشعوب الأصلية) من معناه الحقيقي، ويُعاد شحنه بما يخدم الطرف الأقوى.

ومن أبرز تجليات الديانة الإبـراهيمية الجديدة، زيارة البابا (فرنسيس) إلى العـراق، التي قُدّمت بوصفها حدثاً إنسانياً وروحياً يعزّز التعددية الدينية والتعايش والسلم المجتمعي، وقد قوبلت الزيارة بترحيب شعبي ورسمي واسع، بلغ حدّ إعلان الحكومة العـراقية يوم الزيارة عطلة رسمية في جميع مفاصل الدولة، احتفاءً بالحدث. غير أنّ هذا القبول، على أهميته الرمزية في سياق التعايش، يكشف في الوقت ذاته عن نجاح الخطاب الإبـراهيمي في اختراق الـوعي الجمعي، وتقديم نفسه بوصفه مشروع سلام، دون مساءلة خلفياته السياسية ولا رهاناته البعيدة.

***

د. حيدر عبد السادة جودة

يمر العالم المعاصر بمرحلة تاريخية حرجة، يُعاد فيها تشكيل الفضاء العمومي وصياغة وعي المجتمعات وفق مقتضيات السوق ومصالح الرأسمالية العولمية. وفي هذا السياق المأزوم، لم تعد المعرفة تطلب لذاتها كأداة للتحرر وتوسيع آفاق الوعي البشري، بل جري تسييقها وتشييئها لتتحول إلى سلعة تضبطها قوانين العرض والطلب. ولعل أبرز تجليات هذا الانزلاق البنيوى هو صعود نجم ما يُعرف بمراكز البحوث والدراسات، التي غدت ذراعا أيديولوجيا وثقافيا للهيمنة النيوليبرالية، تنهض بمهمة مأسسة نموذج من الرداءة الفكرية. حيث يتراجع الفكر النقدى الأصيل أمام زحف معايير النمطية والتبسيط والابتذال الوظيفي. إن قراءة هذا التحول المعرفي تفرض علينا تفكيك المفاهيم التي يتأسس عليها هذا النظام الجديد، وعلى رأسها مفهوم "الخبير أو البروفيسور" الذي حل محل المثقف النقدى والملتزم أو أصحاب الفكر الرصين المهتم بقضايا مجتمعه. فإذا كان المثقف يسعى بطبيعته إلى الكشف عن المسكوت عنه، ومساءلة الشرعيات السياسية والاقتصادية القائمة، فإن الخبير أو البروفيسور في مراكز البحوث في هذا العصر هو محض تقني في معبد السوق. لا يمتلك تساؤلات وجودية أو مجتمعية، بل تقتصر وظيفته على تقديم حلول إجرائية للمشكلات التي يفرزها النظام نفسه، دون أن يجرؤ يوما على التشكيك في بنيته أو عدالته. إن المعرفة التي ينتجها هؤلاء الخبراء هي "معرفة غائية بالطلب"، تمولها الاحتكارات الكبري والمنظمات المالية الدولية، لتصوغ قرارات السياسة العامة في قالب علمي زائف يوحي بالحياد والموضوعية، بينما هو في حقيقته انحياز سافر لمصالح الأقليات المالية أو الشركات التجارية والتسويقية الكبري على حساب الأغلبيات الشعبية. تخدم هذه المراكز، في جوهر بنيتها التمويلية والسياسية، التحالف العولمي القائم بين الشركات العابرة للحدود والنخب السياسية الحاكمة التي تخلت عن دورها الاجتماعي والرعائي. أما أجندتها العميقة فتتمثل في نزع الطابع السياسي عن الفضاء العام وتحويل القضايا المجتمعية الكبرى إلى مسائل إجرائية محضة. إن الفقر والتهميش، وتمركز الثروة، لم تعد في أدبيات هذه المراكز نتائج حتمية للاستغلال البنيوى، بل غدت عثرات تقنية تعالج من خلال ما يروج له باسم الحوكمة والإدارة الرشيدة. يكمن الخطر هنا في أن هذه المفاهيم، المستعارة أساساً من معجم الشركات ومجالس الإدارة، تعمل على إلغاء السياسة بمعناها النبيل كفعل ديمقراطي جماعي، محولة الدولة إلى مجرد مجلس إدارة يرعى شؤون السوق، والمواطنين إلى زبائن ومستهلكين مسلوبي الإرادة. من جهة أخرى، تعمل هذه المراكز كحارس بوابات للوعي الجمعي، إذ تسعى جاهدة لفرض سقف معرفي محدد لا يمكن تجاوزه. ومن خلال الضخ المعرفي المستمر، والتقارير الإحصائية المعقدة، واللقاءات الإعلامية اللامعة، تصنع توافقاا عاما زائفا يوهم الجماهير بأنه لا خيار آخر سوى الاندماج في المسار النيوليبرالي القائم. إن أى تفكير يسعى للبحث عن بدائل اقتصادية واجتماعية أكثر إنسانية يصنف فورا ضمن خانة عدم الواقعية أو الشعبوية المعطلة للتنمية. وبهذا المعنى، فإن هذه المؤسسات تمارس رقابة ناعمة وخفية لا تعتمد المنع المباشر، بل تستخدم آليات التهميش المعرفي والإقصاء التمويلي لكل فكر يغرد خارج السرب، مما يجبر النخب الأكاديمية على الانصياع لشروط السوق وتدجين عقولهم لتتلاءم مع متطلبات النمطية السائدة. إن مراكز البحوث في العصر النيوليبرالي ليست سوي معامل لتزييف الوعي وإنتاج المسوغات الأيديولوجية للاستبداد المالي ومأسسة الرداءة المعرفية. إنها الأداة التي تحوّل الفكر الإنساني من قوة محركة للتاريخ وقادرة على التغيير، إلى تروس صامتة في آلة الإنتاج الرأسمالي الكبير. ولمواجهة هذه الهيمنة، يغدو لزاماً على العقل النقدى المعاصر التحرر من سلطة هؤلاء الخبراء الموجهين، والعودة إلى ينابيع المعرفة المستقلة التي تضع كرامة الإنسان وعدالته الاجتماعية فوق حسابات الربح والخسارة.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

في أواخر يوليو/تموز 2026، بلغ سعر صرف الين حوالي 164 ينًا للدولار. وفي 31 يوليو/تموز، قامت الحكومتان الأمريكية واليابانية بتدخل منسق، وهو أول تدخل من واشنطن لدعم الين منذ الأزمة المالية الآسيوية عام 1998.أنفقت وزارة المالية اليابانية ما يُقدّر بـ 75 مليار دولار لشراء الين، بينما ساهمت وزارة الخزانة الأمريكية بمبلغ أقل، يُقدّر بـ 5-10 مليارات دولار. انخفض الدولار من حوالي 164 ينًا إلى حوالي 155-156 ينًا مباشرة بعد الإعلان. في وقت مبكر من صباح الاثنين، بعد الإعلان الرسمي عن التدخل، انخفض الدولار بنحو 1% إلى 156.34 ينًا. التدخل الأمريكي حاله حال تدخل أمريكا السابق لصالح العملة الأرجنتينية والاماراتية فاجأ الأسواق.

يعانى الين الياباني من ضعف منذ سنوات عديدة. فقد بدأ انخفاض قيمة الين في عام 2021 تقريبًا، وتسارع بشكل كبير بعد عام 2022. وكان السبب المباشر هو التباين الكبير في أسعار الفائدة بين اليابان والولايات المتحدة. بينما رفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة بقوة من الصفر تقريبًا إلى 5.5% لمكافحة التضخم الذي أعقب الجائحة، أبقى بنك اليابان سعر الفائدة عند الصفر أو دونه لمدة ثماني سنوات، ولم يبدأ في تشديد السياسة النقدية إلا تدريجيًا في عام 2024.  من جهة أخرى، رفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة. مما زاد الفارق في أسعار الفائدة بين الولايات المتحدة واليابان إلى 5%.

أدى هذا الفارق إلى ازدهار تجارة الفائدة(Yen Carry Trade:) حيث اقترض المستثمرون بالين بأسعار فائدة منخفضة لشراء أصول بالدولار ذات عائد أعلى، مما خلق ضغط بيع متواصل على العملة اليابانية. وبحلول منتصف عام 2024، وصل سعر صرف الين إلى 160 ينًا للدولار، وهو مستوى لم يُشهد منذ نحو 40 عامًا. في أبريل 2024، انخفض الين الياباني إلى أدنى مستوى تاريخي له عند 160 ينًا للدولار. واستمر هذا الضعف في عامي 2025 و2026، حيث لامس الين ما يقرب من 164 ينًا في يوليو 2026 قبل التدخل الأخير. وقبل أواخر الأسبوع الماضي، كان الدولار يتداول فوق 163 ينًا، مسجلًا أعلى مستوياته في 40 عامًا.

طبعا، لا يقتصر ضعف الين على الفارق في أسعار الفائدة فحسب، بل يعكس اختلالات هيكلية عميقة في الاقتصاد الياباني. حيث يتجاوز الدين الحكومي الياباني 200  ٪ م من الناتج المحلي الإجمالي وهو يعتبر الأعلى في الدول الغنية. ولمنع هذا الدين من ان يصبح خارج السيطرة، يضطر بنك اليابان الى وضع حد اقصى لعوائد السندات الحكومية طويلة الاجل من خلال عمليات شراء ضخمة للسندات، حيث يمتلك نصف اجمالي السندات الحكومية. هذا الحد الأقصى للعائدات يمنع بنك اليابان من رفع أسعار الفائدة، مما يبقى الين ضعيفا. ان اليابان في الواقع نقلت مشكلة ديونها من سوق السندات الى سوق العملات .

لقد  أدى فرض سقف للعائد على السندات الى نقل تداعيات ضعف ديناميكيات الدين من سوق السندات الى ضعف العملة.

اليابان تستورد معظم احتياجاتها من الطاقة من الخارج، فان  ضعف الين يؤدي الى ارتفاع أسعار الواردات. وقد أدى الى تضخم في الفترة الأخيرة وخاصة ان الأجور الحقيقية قد انخفضت لمدة 26 شهرا متتالية حتى منتصف 2024 مما أدى الى تراجع حاد في استهلاك الاسر، في مايو، انخفض الاجر الحقيقي بنسبة 1.4 ٪ مقارنة بالعام السابق.

اليابان تواجه تباطؤ في نمو الإنتاجية، واستثمار الشركات حذر، وقوى عاملة متقدمة في السن ومتقلصة، واتجاها متزايدا لدى الشركات اليابانية لإعادة استثمار ارباحها في الخارج بدلا من تحويلها الي الين. كل هذه الأسباب أدت الى ضعف الين. ويرى معظم المراقبين ان الين لن ينتعش من تلقاء نفسه عندما تخف الضغوط الخارجية فقد اصبح الضعف هيكليا.

كان قرار واشنطن التدخل في سوق الصرف يخدم أسباب عديدة، فحسب بعض المصادر فان الخزانة الامريكية باعت اليورو الاوروبي لتشتري الين. ومن ناحية أخرى قرار التدخل جاء ليمنع اليابان من بيع اذونات الخزانة الامريكية والمعروف ان اليابان هي الدولة الأولى في الاستثمار في سندات الخزانة الامريكية. واذا باعت اليابان كميات كبيرة من هذه السندات فان على الخزانة الامزيكية جذب مستثمرين جدد وذلك برفع أسعار الفائدة الامريكية طويلة الاجل، مما سيزيد من تكاليف خدمة الدين الأمريكي. كما ان الإدارة الامريكية تتخوف ان انخفاض الين بشكل غير منتظم سيزيد الضغط علي العملات الاسيوية، بما في ذلك اليوان الصيني، وهذا قد يؤدي الى تقلبات أوسع في الأسواق الاسيوية. وهذا الانخفاض في العملات الاسيوية بالضرورة سيؤدي الى اتساع العجز التجاري الأمريكي. كما ان ضعف هذه العملات سيلغي تماما مفعول التعرفة الجمركية التي فرضها ترامب. طبعا هناك جانب سياسي، الإدارة الامريكية تعتبر هذا التدخل هو لصالح اصدقاء أمريكا فهو يعتبر ردا للجميل او هكذا يزعم الرئيس ترامب . 

فحسب مقال الاقتصادي اسوار برساد في النيويورك تايمز، بتاريخ 6 اغسطس، فان  اقتصاد أمريكا واقتصاد اليابان  في وضعين مختلفين، لكن يجمعهما مشكلة واحدة كبيرة: مستويات الدين الحكومي المرتفعة بشكل غير مستدام. يُعدّ تدخل طوكيو وواشنطن في سوق العملات محاولة يائسة لتجاهل التحذيرات الصاخبة من الأسواق المالية. في نهاية المطاف، من غير المرجح أن تتمكن أي من الحكومتين من تجاوز انضباط قوى السوق في الحد من تراكم الديون غير المقيد. ربما حان الوقت لكي يتعلم البلدان درسًا من الأرجنتين.   

***

علي الرئيسي

باحث في قضايا الاقتصاد والتنمية

تتغير صورة المرأة في العمل الفني تبعًا للوسيط الذي تنتقل عبره، فالمرأة التي يرسمها النص الأدبي بالكلمات قد لا تكون هي ذاتها التي تتشكل في فضاء الغناء والموسيقى والأداء. وبين النص المكتوب والصوت واللحن وحضور المؤدي أمام الجمهور، تتعدد الدلالات وتتغير زوايا النظر إلى الأنثى ودورها ووظيفتها داخل العمل الفني. ومن هنا تبرز أهمية دراسة العلاقة بين «صورة المرأة في النص» و«صورتها في الأداء»، باعتبارها علاقة لا تكتفي بنقل المعنى، بل تعيد إنتاجه وتأويله. وتقدم تجربة كاظم الساهر نموذجًا غنيًا لهذه التحولات، لما تتيحه أغانيه من تفاعل واضح بين الشعر والغناء والموسيقى والأداء، وما تنتجه هذه العناصر مجتمعة من صور متعددة للمرأة.

وتُمثّل تجربة الساهر واحدة من أثرى وأعقد المحاولات الغنائية في تاريخ الموسيقى العربية المعاصرة، حيث لم تكمن قيمتها الاستثنائية فقط في نجاحه بفك العزلة عن الشعر الفصيح ونقله من بطون الكتب وصالونات النخبة المغلقة إلى الفضاء المفتوح للشغف الجماهيري، بل تعدت ذلك إلى قدرته الفائقة على إعادة رسم صورة الحب والأنثى والذات في أذهان المتخيل العربي.

 وفي هذا العالم الغنائي الفسيح لا تأتي المرأة كعنوان أخير ومفرد لجميع الأغاني، فتجربة الساهر تتقاطع وتتشابك دائماً مع قضايا كبرى أخرى كالوطن، والحرب، والنزوح، والذاكرة، لكن المرأة تظل، بلا شك، البطل الأكثر حضوراً، وتأثيراً، وإثارة للجدل في مشروعه الموسيقي، ولفهم هذه الصورة بشكل دقيق لا يكفي أن نقف عند حدود الكلمات المكتوبة في دواوين الشعر، فالمرأة عند كاظم الساهر لا تُولد متكاملة المعالم في لحظة كتابة القصيدة فقط، بل تمر برحلة ممتدة من إعادة الصياغة والإنتاج الدلالي تبدأ من الشاعر (سواء كان نزار قباني، أو كريم العراقي، أو غيرهما)، مروراً بالنص الأدبي المكتوب، ثم المعالجة اللحنية والتوزيع الموسيقي الأوركسترالي، وصولاً إلى صوت الساهر وأدائه الجسدي على المسرح أمام الجمهور، وفي كل خطوة من هذه السلسلة تتغير زوايا الرؤية، وتظهر "امرأة الأغنية" مختلفة في بنيتها ووظيفتها عن "امرأة القصيدة"، حيث تظهر الفكرة الأبرز في هذه الرحلة عند المقارنة بين سلطة النص المكتوب وسلطة الغناء والموسيقى، إذ إن القصيدة المكتوبة – خصوصاً في الإرث الشعري لنزار قباني – تحمل في كثير من الأحيان نبرة خطابية حادة وتُمارس استعلاءً لغوياً أو رغبة ضامرة في الهيمنة والاستحواذ الذكوري، غير أن الساهر بمجرد أن يحول هذه الكلمات إلى ألحان وأداء حسي يقلب موازين القوى داخل الخطاب العاطفي، فنبرة صوته المحملة بالرجاء الشجي والانكسار مدعومة بالتوزيع الموسيقي المركّب الذي يجمع بين الوتريات الحادة وآلات النفخ التعبيرية تعمل على تفريغ النص من نبرته الذكورية المباشرة، لليتحول التحدي أو الغضب أو التعالي اللفظي الموجود على الورق على خشبة المسرح إلى اعتراف حار وصادق بضعف العاشق وهشاشته الإنسانية.

 لكن هذا التحول الموسيقي يطرح في الوقت ذاته سؤالاً نقدياً مهماً ينتمي إلى فهم أدوار النوع الاجتماعي؛ فهل نحن في أغاني الساهر أمام امرأة قوية تملك قرارها وفاعليتها بذاتها، أم أننا أمام صورة متخيلة صنعها الرجل بنفسه داخل خطابه الخاص؟

 يقودنا التحليل العميق للأغاني إلى ملاحظة أساسية؛ فعندما يصرخ المغني بكلمات مثل «المستبدة» أو يعلن خضوعه واستسلامه أمام «سلطة الأنثى»، تبدو المرأة ظاهرياً هي القوية والمسيطرة وصاحبة القرار، لكنها في الحقيقة تظل صامتة خارج هذا الخطاب، فالرجل هو وحده من يمتلك أدوات التحدث والتسمية والوصف وتوزيع الأدوار، هو من يمنحها صفة الاستبداد، وهو من يحدد أبعاد قوتها أو قسوتها بناءً على موقعه هو كمتلقٍ لهذه الأفعال، وبالتالي فإن قوة المرأة هنا ليست قوة نابعة من صوتها الخاص أو موقفها المستقل، بل هي قوة مشتقة بالكامل من ضعف الرجل وعجزه أمام الصورة التي رسمها لها في عقله ومخيلته، ومن هنا يمكن القول إن الساهر لم يطرح المرأة كشخصية حرة ومستقلة تماماً بالمعنى الحداثي بقدر ما أعاد تقديم الصورة الرومانسية التقليدية للأنثى بأسلوب أحدث وأكثر تعقيداً وجاذبية، فقوة المرأة هنا تُقاس دائماً بمدى أثرها في نفس الرجل وانكساره أمامها لا بوجودها المنفصل عنه، ولتوضيح هذه الديناميكية المزدوجة بين النص واللحن يمكن تقسيم صور الأنثى في تجربة الساهر إلى أربع حالات رئيسية تتشكل منها أغلب أعماله؛ الأولى هي «المرأة المثالية» ففي أغانٍ شائعة مثل «أشهد أن لا امرأة إلا أنتِ» و«هل عندك شك؟» يرفع الغناء والكلمات المرأة إلى مكانة فريدة تجعلها أشبه بأيقونة مقدسة لا تطال، غير أن هذا التمجيد المفرط يعمل بطريقة غير مباشرة على تجريد المرأة من طبيعتها البشرية العادية وعالمها الواقعي فتصبح رمزاً مطلقاً للجمال المصنوع بفرشاة " العاشق" حيث لا نراها إلا من خلال ما تقدمه للرجل من امتلاء روحي.

 والحالة الثانية هي «المرأة المستبدة» وتظهر في أعمال مثل «المستبدة» و«أتحداكِ» و «المتمردة» كشخصية قاهرة ومسيطرة تُربك الراوي وتتحكم بمصيره، لكن عمق المفارقة يكمن في أن هذه القوة تُبنى وتُروى بالكامل من وجهة نظر الرجل نفسه، فقسوتها وطغيانها الغرامي ليسا إلا مرآة تعكس حجم التوسل والاحتياج العاطفي والضعف الذي يريد الساهر إبرازه في أدائه ليكون انكساره هو الحدث الدرامي الأهم، وتأتي الحالة الثالثة في «المرأة الغائبة» كما في الملاحم العاطفية الخالدة مثل «أنا وليلى» و«مدرسة الحب» حيث تحضر المرأة من خلال غيابها التام والنهائي، فهي غير موجودة كجسد أو كشريك متكلم بل تحضر كأثر مؤلم وفراغ ضاغط يمنحها سلطة هائلة محركة تدفع الرجل إلى الصراخ والشكوى وتصقل تجربته الفنية وتجعله يعيد تشكيل هويته وتاريخه لتتحول المرأة الغائبة إلى السبب الأول والأخير الذي من أجله يتشكل النص واللحن والمعنى.

 أما الحالة الرابعة فهي «المرأة المرغوبة» وتظهر في اعمال مثل واني احبكِ ، او قولي احبكَ، وفيها تتجاوز الأنثى حيز كونها مجرد موضوع للرغبة الحسية العابرة لتصبح مركز ثقل يعيد الرجل من خلاله اكتشاف نفسه، فالميل والتجاذب نحوها لا يكونان من أجل الهيمنة أو الاستملاك بل يكونان عملية استسلام تدفع الذات الذكورية إلى التخلي عن كبريائها التقليدي والتسليم بهشاشتها والاعتراف بأن هذا الرجل بكل قوته وكبريائه لا يمكنه الاكتمال إلا بوجود الآخر، لتصل هذه التحولات والمفارقات جميعها إلى ذروة تجليها على مسرح الغناء، فالأداء الحي لكاظم الساهر يتحول في كل حفلة إلى ما يشبه العرض المسرحي والدرامي المتكامل، حيث لا يعرض الساهر على المسرح المرأة كشخصية واقعية أو كذات متحدثة وموجودة بالفعل، بل يعرض الرجل وهو يتصارع ويتوسل ويستسلم للصلة المعقدة التي تربطه بصورة المرأة التي أنتجها النص وجسدها اللحن، فالجمهور الحاضر والمستمع لا يرى الأنثى الحقيقية بملامحها الواقعية، بل يرى انعكاسها المباشر في نبرة صوت المغني وجسده المتوتر وإيماءات يديه وحركاته التي تتصاعد وتهدأ مع حركة الأوركسترا. وهكذا تظل المرأة حاضرة بكثافة في تجربة كاظم الساهر، لا لأنها تُعبر عن نفسها بصوتها المستقل أو تملي شروطها الخاصة، بل لأنها المرآة الجمالية الكبرى التي يرى الرجل فيها أشواقه، وأزماته، ورغباته، وانكساراته أمام الفن والحياة. ومهما تنوعت القراءات حول تمثيل الأنثى في أعماله، يبقى قيصر الغناء العربي علامة فارقة واستثنائية؛ عبقري استطاع بصوته وإحساسه الرفيع وألحانه الساحرة أن يخلّد الشغف العاطفي في أبهى صوره، ليصنع أرشيفاً غنائياً آخذاً بالقلوب، تجتمع على جماله وجلاله أجيال المتعاطفين مع الفن الأصيل والموسيقى العابرة للزمن.

***

إبراهيم السعدي / باريس

تمثل الكفاية التواصلية جانباً من القدرات المعرفية واللغوية التي تتأسس عليها العملية التعليمية التعلمية من أجل خلق توافق معرفي بين الأستاذ والمتعلم، وتسعى الفلسفة التربوية التدبيرية الحديثة إلى ترسيخ هذا التوافق مع استحضار دور كل الهيئات والفاعلين التربويين بمنظومة التربية والتعليم. وفي ظل التكامل بين هؤلاء الفاعلين، والتكامل بين المناهج الدراسية والعلوم المعرفية واللغوية يكثر الحديث في سياق بزوغ المكون الحجاجي عن عدم جدوى البلاغة التعليمية وكونها بلاغة تقنية تكرس مفهوما واحدا للبلاغة يسميها محمد مشبال ب "المعرفة التقنية المجردة". ضمن هذا الرأي المتداول عند من يصفون أنفسهم بالبلاغيين الجدد نتساءل كيف تنمي البلاغة مفهوم التواصل في الفضاء المدرسي وتعزز من قيمته؟ ثم كيف يسهم الدرس البلاغي في إحداث الأثر التربوي في سلوك المتعلمين؟ كيف تعمل المدرسة على تحقيق خطاب تربوي يستمد مقوماته من أخلاقيات التواصل؟ كيف تسعى المدرسة إلى تبني خطاب يقوم على العدل والمواطنة؟ كيف تتحول البلاغة من مكون تعليمي إلى وسيلة لصناعة خطاب تربوي يحمل قيما معرفية؟

إن تطور الدرس البلاغي بالتزامن مع تطور الشعر العربي الجاهلي وهيمنته على مجال الأدب ظلت البلاغة تحاكم النصوص من منطلق جمالي إمتاعي فقط مبني على الذوق ومدى تحقيق الأثر النفسي، إلى أن تبلورت نظرية حديثة تدعو إلى توسع مجال البلاغة للنظر في مجمل الخطابات الإنسانية من منطلقات إقناعية وهذا ما سمي بنظرية الحجاج. وإن كان سؤالا كبيرا شغل الناقد التونسي "شكري المبخوت" يلغي مكون الإقناع في الأدب العربي القديم وهو أين يبرز مبحث الحجاج في مدونة الثقافة العربية القديمة؟ حيث قاده هذا السؤال إلى «قراءة مدونات البلاغيين قراءة استدلالية لا تقوم على أي تعسف أو إسقاط وإنما هي نابعة من صلب تصور البلاغيين لموضوع علمهم وأسلوب مقاربة الظواهر التي يهتمون بها». هذا السؤال يحمل في مدلوله غياب مكون الإقناع في التراث العربي القديم، علما أن الإقناع لا ينفصل عن الذوق والتقبل. فعندما حكمت "أم جندب" بكون علقمة بن عبدة أشعر من امرئ القيس فقد اهتدت إلى حكمها النقدي بكونها اقتنعت بتناسق اللفظ وجمال العبارة وحسن توظيف وصف الفرس الذي ينسجم مع معايير الفروسية العربية. لذلك فالإقناع والاقتناع لا ينفصلان عن النظر الجمالي والإمتاعي للنصوص.

لاينكر أحد أن الدرس البلاغي العربي نشأ في حضن القرآن الكريم وترعرع في سياقه من حيث دراسة أوجه إعجازه لفظا، لذلك يمكن القول إن عماد السؤال البلاغي العربي هو ثنائية اللفظ والمعنى وليس ثنائية التخييل والحجاج كما يذهب إلى ذلك "محمد العمري" وثلة من البلاغيين الجدد سواء في الغرب أو الوطن العربي، لكن هذا الرأي الذي يدعمه "محسن الزكري" في كتابة " أصول التأويل في البلاغة العربية" يظل قاصرا عن إدراك جوهر البلاغة في تعالقها مع النصوص والخطابات الإنسانية التي تستمد قوتها من الحجاج والتخييل وأهمها الخطاب التربوي. من هنا تظل البلاغة في أفقها العام توظف الإمتاع وتجعل الإقناع أداتها الكبرى.

بين الإمتاع والإقناع يدور موضوع البلاغة ولا يمكن لنا أن نتجاوز الوظيفية الجمالية لها على حساب وظيفتها الإقناعية ومن ثمة لا يعدو أن يكون الإقناع مكونا جماليا. لهذا فالبلاغة من خلال الخطاب التربوي تنمي الحس الجمالي التأملي في المتعلم كما أنها تعلمه تذوق النصوص. وإذا كانت البلاغة عند القدامى "مطابقة الكلام لمقتضى الحال" فإن الوضعية التدريسية أو التقويمية من خلال التعلمات الصفية لا تنفصل عن هذا المفهوم؛ من أجل ذلك تعد البلاغة شرطا أساسا لتحقيق التواصل بين الأستاذ والمتعلم، «حيث إن المعنى المدروس في البلاغة هو مراد المتكلم لا المعنى مطلقا سواء أراده المتكلم أم لم يرده» [شكري المبخوت، الاستدلال البلاغي ص: 24]. إن البلاغة هنا وسيلة ديداكتيكية ينطلق منها الأستاذ في بناء التعلمات  لذلك نعتبر أنه من شأنها تحقيق الانسجام والتوافق وتخليق الخطاب التربوي عبر الممارسة المهنية التعلمية حيث تستمد مقوماتها من العلاقة الأفقية الصفية التي تراعي بيداغوجيا الأخطاء والتفاوتات الذهنية والنفسية والمعرفية؛ من هنا تكون البلاغة جديرة بنقل الخطاب التربوي من حدود الفصول الدراسية إلى خارجها عبر توسيع نطاق القيم التربوية. لكن أمام هذا الرأي تعترضنا إكراهات كثيرة وإشكالات عميقة تتمظهر على مستوى مواظبة المتعلمين، التربية الوالدية، الحافزية، الإحباط المدرسي والمهني، وكذلك الانتقال بالبلاغة من مفهومها القيمي إلى مستوى تمويهي تضليلي حيث تقترن البلاغة بالمصلحة الشخصية فتتساوى مع الخطاب الإنساني الذي يراهن على الكذب والخداع والمراوغة خصوصا السياسي والاجتماعي، لأجل ذلك لا تحقق البلاغة الكفاية التواصلية في ظل تراجع أداء التعلمات نتيجة لضعف الإلمام والإعداد من طرف الأستاذ وعدم الجاهزية والاهتمام من طرف المتعلم وغياب دور الأسرة والإدارة التربوية التي سمينها سابقا بالإكراهات، إذ تظل المدرسة فضاء للنجاح والعمل بغض النظر عن الوسيلة حيث لم تعد تبحث في صناعة متعلم قادر على تعبئة موارده ومعارفه من أجل وضعية مشكلة لكنها أصبحت مؤرقة بسؤال: كيف ننقد موسما دراسيا بدون تهديدات حقيقية؟ وتبحث في حل المشكلات النفسية والاجتماعية للمتعلمين أكثر من بحثها عن حلول لمشاكل تعليمية صفية، وهذا ناتج عن تقليص دور الأسرة كما أنه ناتج عن السياسية العامة للإصلاحات التربوية التي تؤكد على عدم نجاعتها وفاعليتها كما تم التخطيط لها وقد أشار إلى ذلك تقرير المجلس الأعلى للتعليم بالمغرب 2024. «لقد أضحى من البديهي أنه بدون تحول عميق للنظام التربوي لا يمكن بلوغ أي هدف من الأهداف التنموية للمغرب على مستوى ازدهار المواطنين، والتماسك الاجتماعي، والنمو الاقتصادي، والإدماج الترابي»" ص: 18.

إن فئة كبيرة من المتعلمين لم تعد مهتمة بالدرس والتحصيل بقدر ما تهتم للنجاح أو العبور للمرحلة الموالية إن صح هذا التعبير، وهنا يبرز شبح الغش كآلية مضللة للنجاح تستثمر ذكاءات المتعلم في اختراع أساليب كثيرة، وفي علاقته بالبلاغة يمكن القول إنه يحول  الجد إلى الاتكالية أي تحويل الصدق إلى الكذب وقد كان مفهوم البلاغة عند القدامى مرتبطا بهذا المعنى في إحدى تعريفاتها، يقول " ابن المقفع": «البلاغة كشف ما غمض من الحق وتصوير الحق في صورة الباطل»، لذلك فالبلاغة ترتدي رداءات مختلفة وينبغي تحريريها من هذا العبء كما يذهب إلى ذلك "صلاح حاوي" في كتابه "تحرير البلاغة، بحث في الذاكرة".

في عرف مفاهيم الحيل والذكاء والمكر يقترن الغش بالبلاغة المضللة التي تظهر الباطل في صورة الحق، لكننا نحسب أن الغش لا يقترن بالبلاغة ولكن يقترن بضعف شخصية الغاش التي نجد نظيرا لها عند القائد والسياسي والمثقف الذين يستعنون بالكذب والخداع والتملق لتسلق المناصب. وقد وظفت وزارة التربية والتعليم الأولي والرياضة بالمغرب هذا الموسم تقنية جديدة متطورة في تتبع حالات الغش في امتحانات البكالوريا؛ وإذ تنبأنا بجدواها وأهميتها حينها لكننا لم نلغ فرضية الغش لأن المتعلم يمارس دهاء ومكرا يفوق الآلة.

من هذا المنطلق نطمح في البلاغة المدرسية أن تبني الثقة في التلميذ وتشجع فيه التفكير النقدي وتزوده بآليات دقيقة للفهم والتحليل والتعامل مع الوضعيات المشكلة. كان هذا مبتغانا من هذا المقال وهو كيف تنتج المدرسة خطابا بلاغيا يقوم على البناء القيمي لشخصية المتعلم لا أن تستلهم المدرسة النموذج البلاغي القائم على الدهاء الذي يتبناه الكثير في مجتمعنا الثقافي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي.

***

د. عبد المجيب رحمون

المقال الأول: العدمية، حين تصمت السماء

في منتصف القرن التاسع عشر، كتب نيتشه جملته التي لم يتعافَ منها الفكر الغربي حتى اليوم: "الله مات ونحن قتلناه". لم يكن يعلن نبأ لاهوتيا، ولا بشّر بنصر الإلحاد على الإيمان. كان يصف انهيارا في البنية الكاملة للمعنى، في تلك الشبكة الخفية من القيم والمعتقدات واليقينيات التي جعلت الحياة الأوروبية تبدو على مدى قرون وكأن لها اتجاها ووجهة وعقلا مدبّرا. فحين يسقط المطلق أيا كان اسمه أو توصيفه، إلها أو عقلا أو تاريخا أو تقدما، لا يبقى شيء يملأ مكانه ولا يُستعاض عنه بشيء. يبقى الفراغ فراغا. وهذا هو قلب العدمية النابض بالصمت.

قبل نيتشه، كان شوبنهاور يمهّد الأرض لهذا الفهم بطريقته الخاصة الثقيلة. كان يرى أن الكون لا يحكمه عقل ولا حكمة ولا عناية، بل تحركه "إرادة" عمياء مجنونة، قوة جرفاء لا تعرف هدفا ولا ترحم ضعفا. كل كائن حي هو تجلٍّ لهذه الإرادة العمياء: يجوع فيطلب الطعام، يشتهي فيطلب الاقتران، ويبني فيطلب الديمومة، وفي كل مرة يبلغ مطلبه، لا يجد فيه ما توهّمه، فيعود الجوع والاشتهاء من جديد. هذه الدوامة بلا منتهى ليست قدرا طارئا يمكن إصلاحه، بل هي طبيعة الوجود ذاته. الحياة في جوهرها معاناة، لا كمصطلح أخلاقي بل كحقيقة بنيوية. والمعرفة في أقصى مآلاتها، لا تُنتج سوى مشاهدة أوضح لهذا الإفلاس. لهذا أُعجب شوبنهاور بالبوذية، ووجد في الزهد الاختياري وإطفاء الإرادة طريقا نحو نوع من الخلاص السلبي: التخلي بدل بالتحقق.

قلب نيتشه الطاولة على هذا الحل البارد. في كتبه "إنساني، إنساني جداً" ثم في "هكذا تكلم زرادشت" و"ما وراء الخير والشر" و"في نسب الأخلاق"، شنّ نيتشه حربا فلسفية لم يوفّر فيها شيئا: لا الدين، ولا الأخلاق الموروثة، ولا الديمقراطية، ولا حتى العلم حين يتوهم أنه خلف شرعي للميتافيزيقا. وفي قلب هذه الحرب كان السؤال المؤلم: إذا أسقطنا كل ما كنا نؤمن به، فما الذي يتبقى؟ وكيف نعيش في الفراغ الذي أوجدناه بأيدينا؟

كان نيتشه يميز بين عدميتين، الأولى يسميها العدمية السلبية، وهي تلك التي تستسلم لموت المعنى وتقبع في حفرة اليأس، تنعى مطلقا ضاع ولا تجد من يعوّضه، وتنتهي بنفوس مرهقة تؤمن بلا شيء وتعجز عن الإبداع. هذا النوع كان نيرى فيه مرضا، لا نهاية المطاف. والثانية يسميها العدمية الفاعلة، وهي تدمير للقيم القديمة لا كغاية في ذاتها بل كتمهيد لخلق قيم جديدة من مادة الإنسان نفسه. الإنسان الأعلى (Übermensch) الذي يُطلقه نيتشه في فضاء أفكاره ليس طاغية خارقا ولا بطلا أسطوريا، بل هو من يتحمّل العدم دون أن ينهار، ومن يُقرّ بغياب المعنى الموروث ثم يُصرّ على صنع معناه الخاص من الإرادة والإبداع والشجاعة. هو إنسان يعيش ثقل اللامعنى ولا يُسقطه على الآخرين، ولا يهرب منه إلى الأوهام الجماعية. ثمة في فلسفة نيتشه فكرة أشد فتكا من "موت الله": فكرة "العود الأبدي". تقول هذه الفكرة إن كل لحظة من حياتك، بكل آلامها وأفراحها وخسائرها وانتصاراتها الصغيرة، ستعود إلى الوجود مرات لا تُحصى، بلا تغيير ولا رحمة. لا بداية ولا نهاية ولا تقدم ولا خلاص، فقط تكرار أبدي لنفس اللحظات نفسها. طرح نيتشه هذه الفكرة ليس بوصفها حقيقة ميتافيزيقية مؤكدة، بل كاختبار وجودي: لو علمت أن حياتك ستتكرر إلى الأبد بهذه الصورة بالذات، فهل تريدها؟ هل تقبلها؟ الإنسان الذي يجيب بنعم، الذي يقول للحياة "عُودي" رغم معرفته الكاملة بثقلها وأوجاعها، هذا هو الإنسان الذي تجاوز العدمية فعلا لا قولا.

في القرن العشرين، حمل مارتن هايدغر هذا الموروث ووضعه في سياق وجودي أعمق وأكثر تقنية، رأى أن الأزمة الحديثة لا تبدأ من الإجابات الخاطئة، بل من نسيان السؤال الصحيح، سؤال الوجود ذاته. الإنسان الحديث يمضي في حياته دون أن يسأل يوما: ما الذي يعنيه "أن يكون" شيء ما؟ ما الذي يجعل الموجودات موجودة بدل أن تكون لاشيء؟ هذا النسيان ليس جهلا عارضا يُعالَج بالتعليم؛ هو طريقة وجود أصيلة تسكن الحداثة في جوهرها. الإنسان يعيش "مُلقىً" في العالم دون أن يختار هذا الإلقاء، ثم يندمج في ال"هُم" الاجتماعية: ما يشغل الجميع، ما يقوله الجميع، ما يريده الجميع، هربا من مواجهة وجوده الخاص. الموت هو الإمكانية الوحيدة التي لا يستطيع أحد أن يتقاسمها مع الإنسان أو يحمل عنه عبأها، وحين يواجه الإنسان موته بوضوح، باعتبار نهايته الحتمية الشخصية اللاقابلة للنقل إلى سواه، تنكشف له العدمية لا كنظرية فلسفية بل كحقيقة نابضة تحت جلده في كل لحظة.

"المسكين" نيتشه انتهى إلى انهيار عقلي في تورين عام 1889، قضى على إثره السنوات العشر الأخيرة من حياته في صمت شبه كامل حتى وفاته عام 1900. التشخيص الطبي الدقيق لا يزال محل جدل بين المؤرخين. ما الذي نصنع بهذه النهاية؟ ليس من الإنصاف أن نُقيّد فكرة بقدر صاحبها البيولوجي، فالحياة الشخصية ليست دليلا على صحة الفكر أو بطلانه. لكن ثمة شيئا موجعا في هذه المشهدية لا يمكن إغفاله: أن الفيلسوف الذي أراد للإنسان أن يُبدع معناه بإرادته الخاصة انتهى في صمت لا إرادة فيه ولا إبداع. ربما لأن من يواجه الهاوية بلا هوادة لا تكفيه الفلسفة وحدها سلاحا.

ما يجعل العدمية فكرة يصعب رفضها بسهولة أنها لا تطلب منك أن تؤمن بشيء، بل تطلب منك الدليل على أن للحياة معنى، لا الدليل الديني ولا الأيديولوجي ولا العلمي، بل الدليل الحقيقي الذي لا تسنده سلطة خارجية ولا عادة موروثة. وحين يجلس الإنسان مع هذا السؤال في صدق تام دون أن يستعجل الإجابة، يجد أن معظم ما اعتقده معنى طوال حياته لم يكن أكثر من خوف مُقنَّع، أو انتماء جماعي مريح، أو وهم أقنعه إياه من سبقوه لأنهم هم أيضا كانوا يحتاجون الإقناع. العدمية مزعجة لأنها صادقة في تشخيصها. وهي مقيمة بيننا منذ أمد بعيد، تحت أسماء كثيرة وأوجه متعددة، في الاكتئاب الحضاري  العميق، وفي الشعور العابر بأن كل شيء لا يهم حقا، وفي تلك اللحظات التي تسقط فيها الأقنعة ويجد الإنسان نفسه وحيدا في مواجهة سؤال لا يعرف أين يذهب به.

***

عبد الرحيم الجرودي

يترددُ أحيانًا على لسان بعضِهِم، أن مسائلَ عِلْمِ الكلام قد عفا عليها الزمنُ، وأنه ما الجدوى من الكلام الآن في خلافاتٍ تَمَّتْ قبل مئات السنين، فلنتحدث عن قضايا تمس واقعنا.

هذا فحوى الكلام الذي يفْتأ بعضهم يردده زاعمًا بذلك أنه يَعملُ على تطوير وتجديد الفكرِ الإسلامي، والقضية، في نظري، تحتاجُ إلى تفكيكٍ لهذا الاعتراض المُركَّبِ.

فمِن ناحية أننا لابد أن نتناولَ قضايا لها عَلاقةٌ بواقعنا، فهذا أمر لا شك فيه، وبالفعل لابد منه، وهو صحيح، هذه نقطة نتفق عليها بدايةً.

أما مكمن الخلل في الاعتراض المُركَّب، فيتمثل في أنه ينطوي، سواء بشكلٍ ضمني أو صريح، على أن القضايا الكلاميةَ التي وقعَ فيها الاختلافُ منذ مئات السنين، لم يَعُد لها جدوى في واقعنا، وأن تناولها غير مؤثر، وغير مفيد للحاضر الذي نحياه، وهنا يكمن لُب المشكلة والخلل في هذا الطَّرْح.

فالواقع الذي نحياه، والاصطفاف المذهبي، والتناحر الطائفي، لم يكن إلا على هذه القضايا في الأساس، فانقسام المسلمين إلى سُنَّةٍ وشيعةٍ، وغير ذلك من المذاهب والطوائف، كان قائمًا على هذه القضايا، بالإضافة إلى العامل السياسي التاريخي الذي دعَّم هذا الانقسام.

ومِن ثَمَّ تُصبح الدعوةُ إلى ترْكِ السبب والقضايا الرئيسة في انقسام الأمة شيئًا من العبث الفكري؛ فهذه القضايا، وإن زُعِمَ أنها في ظاهرها لا تمس الواقع، إلا أن الانقسام الدائرَ حولها هو سبب رئيس في حالة الضعف والتردي القائم، والذي تعاني منه الأمةُ أشد المعاناة.

وبالتالي، فإن التحدي الحقيقي هو مواجهة هذه القضايا وليس الهروب منها، ولا أقصدُ بمواجهتها أن نطرحها من باب أن ينتصرَ كلُّ فريقٍ لنفسه ويُقْصي غيرَه، لا، وإلا فنحن بذلك لم نغيِّر شيئًا، وسنزيد الواقعَ سوءًا، ولكن الهدف والمقصد من مواجهة تلك القضايا، هو إقامة حوار بشأنها، وتغيير منهجيةِ التناول ولغته، فمثلًا: الخطابُ الكلامي القديم، في كثيرٍ من جوانبه واتجاهاته، يقوم على «الإقصاء» للآخَر وتبديعه أحيانًا، وتفسيقه أحيانًا، وتكفيره أحيانًا أخرى، بل والسخرية من الخصم والشماتة فيه وسَبِّه(١)، وهذا ما نحتاج بالضبط إلى معالجته، فنتناول هذا بآلية وخطوات واضحة، كالتالي:

أولًا: نعيدُ بحْث كثير من القضايا وننظر فيها، فلربما كان جزء من الخلاف من قبيل «الخلاف اللفظي»، وحينها يهون الأمر كثيرًا ونَعلَمُ أن المضمون واحدٌ وإن اختلفت العبارة.

ثانيًا: ننظر في مدى قطعية هذه الاختلافات، وفي ظني أن هذه الاختلافات مِن قبيل الظني الذي لا نستطيع أن نقطع من كل وجه على صحته، وإذا كان الأمر كذلك وعلى هذا النحو، فهل يصبح من العقل أن نتطاحن على قضايا ليست بالقطعية من الأساس؟!

ثالثًا: منهجية الخطاب، وكما تقدَّم، كانت المنهجيةُ الكلاميةُ القديمةُ -أغلبها- قائمة على الإقصاء في جوانب عديدة، والتجديد لا يكون بالإهمال والتَّرْك لكل شيء كما هو عليه؛ وإنما بتوضيح هذه القضايا وإقامة النقاش حولها، سعيًا إلى تغيير منهجية «الإقصاء» إلى «التعايش» مع الآخَر وتَقَبُّله.

ولربما قال قائل: لن تجدي هذه المحاولات شيئًا، فكلٌّ سيبقى على ما هو عليه.

لتأتي الإجابة وأقولُ: إذا كان تناول هذه القضايا ومحاولة إيجاد أرضية مشتركة لن يجدي، فهل التَّرْك لهذه المسائل يجدي؟! فعلى أقل تقدير، تناول هذه القضايا بمنهجية عقلانية غير إقصائية، مِن شأنه أن يقوم بعمل حراك فكري، ثمرتُه تأتي عاجلًا أو آجلًا، وما الثورة الفكرية في أوروبا على العصور المظلمة ببعيدة، فلم تَصِل أوروبا إلى ما هي فيه من يومٍ وليلةٍ، وإنما من محاولاتٍ دؤوبةٍ في طريق تمهيد الطريق للإصلاح والتجديد والتأسيس، وراح في سبيل ذلك ضحايا، ودَفَعَ آخرون ضريبةً باهظةً جرَّاء هذا التجديد، فأوروبا لم تصل إلى حالها هذا فجأة، ولم تهبط عليها الحضارةُ هديةً من السماء(٢)، هذه ثمرةٌ مرجوةٌ مِن تناول هذه القضايا.

أما على الجانب الآخَرِ، فإن إغلاق هذه القضايا بزَعْم أنها لا جدوى منها، ما ثمرته؟ ثمرته أن كل شيء سيصبح كما هو عليه، التناحر المذهبي ظاهر وواقع، وجزء منه كامنٌ، وعلى استعداد أن يلتهمَ سعي الأمة ويدحض محاولة نهضتها.

كما أنه من غير المنطقي أن تكون هناك قضايا شائكة تمس جوهرَ الواقع، كالفِكْر الجبري والتواكلي والمُشَرْعِن لكثير من الخطايا، ثم نقول بعد ذلك: هذه خلافات تاريخية ما دخْلنا بها! فتكون هذه الدعوة بذلك قد خدَمَتِ اتجاهاتٍ بعينها، مستفيدة من إبقاء الوضع كما هو عليه، ومن رَوَاجِ فكرها، وسيطرتها الكاملة على العقل الجمعي، واستخدام ذلك في التنكيل بغيرهم، هذه أبعاد قد تكون غير مرئية وراء هذه الاختلافات، وهي أبعاد اجتماعية بالغة الخطر، ومِن ثَمَّ تصبح مواجهة هذا الحَشْد ضرورة فكرية ودينية واجتماعية، وإلا، فمَن يتمسكُ بغلْق هذه القضايا ويزعم عدم جدواها، فهو بذلك يُكرِّس للخطاب السائد، والذي هو المستفيد الأكبر من بقاء الأوضاع كما هي عليها.

وهذا كله لا ينفي التفاعلَ مع المستجدات الفكرية، فنتفاعل معها، ولكن ليس على حساب خطاب كامن شَكَّلَ العقلَ الجمعي، ثم بعد ذلك ندعو إلى إغلاقِ كل شيء وبقاء الأوضاع كما هي عليه.

وهذا التناول، بهذه المنهجية، لهذه القضايا جزء من تجديد عِلْم الكلام، فتجديد عِلْم الكلام لا يكون فقط بطرْح قضايا جديدة بالكلية لا علاقة لها بالتراث، هذا تعريف بعضهم لتجديد عِلْم الكلام، وبناء عليه يصبح تناول أية قضايا تراثية لا لندرج تحت عِلْم الكلام الجديد، وفي نظري هذا قصورٌ في النظر إلى تجديد عِلْمِ الكلام؛ فتجديد عِلْم الكلام لا يكون، فقط، بتناول قضايا جديدة؛ وإنما -أيضًا- بإعادة طرْح قضايا قديمة ولكن بتغيير منهجيةِ التناول.

ومن الاعتراضات المطروحة أيضًا على عِلم الكلام: اتهامُه بأنه سبب الفرقة بين المسلمين! فهل بالفعل يتحملُ عِلمُ الكلام -من حيث كونه عِلمًا- الانشقاق الذي حدث بين الأمة؟ بمعنى آخر: هل عِلم الكلام هو الذي «أنشأ» هذا الخلاف والانشقاق؟

إذا نظرنا إلى نشأة علم الكلام؛ نجدُ أنه نشأ في فترةٍ مبكرةٍ من التاريخ الإسلامي، بسببِ عدد من العوامل الداخلية، وعلى رأس هذه القضايا: قضية الإمامة(٣). وإذا عَلِمنا أن الجذور الأولى لبذوغ قضية الإمامة كان بُعَيْد وفاة الرسول، صلى الله عليه وآله وسلَّمَ، فكيف يكون عِلم الكلام هو الذي أنشأ الخلاف؟ ومَن السابق؟ بمعنى: هل كان قبل بذوغ الاختلاف حول الإمامة يوجد تنظير وعلماء كلامٍ ثم جاء الاختلافُ حول الإمامة متأثرًا بهذا التنظير ومستجيبًا له؟ أو أن العكس هو الحاصل، وأن عِلم الكلام جاء ليصوغ أمرًا قد وقعَ وحدثَ بالفعل قبل التنظيرات الكلامية؟ الواضح هو أن السؤال الأخير هو الأدق، فقد أثبتنا وجود ونشأة البذور الأولى العِلم الكلام، متمثلًا -في البداية- في قضية الإمامة، والتي كان ظهورها قبل أي تأليفٍ وتنظيرٍ كلامي، ومِن ثَمَّ، كيف يتأتَّى لنا بعد ذلك أن نقول إن عِلم الكلام هو سبب الاختلاف بين المسلمين؟ الواقع أن نقيض هذا الطَّرْح هو الصحيح كما أثبتنا.

***

بِقَلَم: محمد خليفة ـ باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم

...................

الهوامش:

(1) عبد القاهر البغدادي، «الفَرْق بين الفِرَق». تحقيق: د. محمد عثمان الخشت، (ط١، القاهرة، مكتبة ابن سينا، د.ن)، ص ١١: ١٢.

(2) د. هاشم صالح، «معارك التنويريين والأصوليين في أوروبا». (ط١، بيروت، دار الساقي، ٢٠١٠م)، ص ٧.

(3) د. عبد الجبار الرفاعي، «عِلم الكلام الجديد: مدخل لدراسة اللاهوت الجديد وجدل العِلم والدين». (ط١، تونس، دار التنوير، ٢٠١٦م)، ص ٧.

أنا من المتحمسين لإمكانات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، وأثمن بثقة الإنجازات الهائلة التي يحققها في مجالات الطب والهندسة واللوجستيات والإدارة. بل أقر بأن هذه الثورة الرقمية تحمل وعوداً حقيقية بتجاوز العوائق العملية التي طالما أثقلت كاهل التطور والتنمية. غير أن المشكلة ليست في الأدوات ذاتها، بل في السياق الذي نوظفها فيه والجهاز المعرفي الذي نستقبلها به، فبقدر ما تشكل هذه التقنية قفزة نوعية للبشرية، بقدر ما قد تتحول في واقعنا العربي غير المكتمل الجاهزية إلى حجر عثرة يوسع الفجوة بيننا وبين العالم المتقدم، لا سيما في المجالات الجوهرية: التعليم، والتعلم، والابتكار.

1- وهم المعرفة وضياع التمايز المعرفي

المعضلة الجوهرية ان الذكاء الاصطناعي، في غياب المناخ النقدي، لا يوسع هامش الفكر الحر بقدر ما يمحو التمايز الضروري بين المفكر والجاهل. فمن خلال اتاحة المقالات الجاهزة والاجابات المنمقة التي تجيب عن كل شيء ولا شيء، يوهم المثقف انه يجيد التركيب ويوهم القارئ العادي انه يمتلك المعنى ذاته الذي يمتلكه الفيلسوف. والاخطر انه ينتج خطابا يحاور نفسه بنفسه، حيث تولد الخوارزميات الاسئلة والاجوبة والمناقشات في حلقة مغلقة لا يظهر فيها اثر للذات المفكرة. تتحول المعرفة هنا إلى صدى رقمي بلا بصمة انسانية، مما يجهز الارضية لاستقبال اعمى لكل ما تمليه الالة ويجعل من التفكير مجرد رفاهية لا ضرورة لها.

وهنا تتجلى المفارقة في قول المؤرخ الشهير يوفال هراري، الذي يحذر من ان الذكاء الاصطناعي "ليس اداة بل فاعل"، مضيفا: "اللحظة التي نتوقف فيها عن التفكير النقدي نصبح مجرد بيانات". فاذا كان العقل العربي قد اعتاد في كثير من محطاته على استيراد الحلول الجاهزة، فان هذه التقنية تاتي لتُعمق هذه العادة لا لتعالجها.

2- البنية النقدية الغائبة.. حين يقدس النص ولا يناقش

غير ان هذه الافة لا تقف عند حدود مخرجات الالة، بل تمتد لتكشف عن خلل اعمق في بنية تلقينا الثقافي. ففي المشهد الفكري العربي، نادرا ما تقابل المقالات الجادة والمثيرة للتفكير بنقاش معمق يقوم على التحليل والتفكيك والاعتراض البناء. بل ان ردود الفعل السائدة عليها لا تتعدى في الغالب الاعم الموافقة السريعة والاستحسان الخطابي والتبجيل المفرط لعقل الكاتب، وكان النص قد صار وثيقة مقدسة لا تقرا بقدر ما تبجل. وهذه الظاهرة ليست عارضة، بل هي دليل قاطع على غياب البنية النقدية في تشكيل وعينا الجمعي. وحتى الحفظ والتلقين الذي اعتدنا عليه كالية للتربية، بدا يضمحل امام قدرة الذكاء الاصطناعي على استبدالهما تماما بالنسخ واللصق، فتنهار اخر جسور المواجهة مع النص الاصيل ويُقتل العقل النقدي الذي بدا في النمو حديثا عندنا.

في هذا السياق، يحذر الدكتور ياسر ابوبكر في صحيفة "القدس" من ان "اخطر ما يهدد التعليم العربي اليوم ليس ضعف المناهج او نقص الموارد فقط، بل التحول إلى مستعمرات خوارزمية تستهلك ادوات الاخرين دون وعي بطبيعة قيمها ومضامينها وانحيازاتها". ويضيف ان "الذكاء الاصطناعي ليس جهازا بلا روح، انه يحمل ثقافة من صنعوه وقيمهم واهدافهم. وحين نستخدمه دون فهم، فاننا نسمح باعادة تشكيل وعينا العربي وفق منطق خارجي لا يشبهنا". وهذا يؤكد ان غياب النقد ليس مجرد تقصير اكاديمي، بل هو استسلام معرفي يفتح الباب امام هيمنة ثقافية جديدة.

3- فخ التعليم.. اختصار الوقت ام اختصار التفكير؟

وهنا يتجلى الخطر الاكبر ليس على الثقافة العامة فحسب، بل على مستقبل الابتكار في الامة العربية. فالغرب يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بصفته اداة لاختصار الوقت في المراحل الدنيا من التفكير (كجمع المعلومات وتنظيمها)، لينصرف بعدها العقل البشري إلى مستويات اسمى من التاليف والتحليل النقدي والابداع الفكري. اما في مؤسساتنا التعليمية التي لم تؤسس بعد ثقافة نقدية عميقة تقوم على الجدل والفحص، فان اختصار الوقت هذا يتحول إلى اختصار للتفكير ذاته والغاء له.

تخيل المشهد: طالب عربي يطلب من الذكاء الاصطناعي كتابة بحثه الجامعي في دقائق، فينهي واجبه دون ان يمر بمشقة القراءة والموازنة بين المصادر، بينما يستخدمه طالب في جامعة غربية لتوليد فرضيات جديدة واختبارها نقديا تحت اشراف ذاتي واع. النتيجة ليست مجرد فجوة في الدرجات، بل فجوة منهجية في تكوين العقل. الاول يدرب الالة على الاجابة والثاني يدرب عقله على الاسئلة. وهذا هو جوهر الابتكار: ليس في استهلاك المعلومات بل في اعادة تركيبها نقديا، وهو ما يعجز عنه المستخدم السلبي.

وتؤكد الدراسات الحديثة هذه المخاوف، إذ وجدت دراسة اجرتها شركة مايكروسوفت بالتعاون مع جامعة كارنيغي ميلون ان "كلما اعتمد البشر على ادوات الذكاء الاصطناعي لاتمام مهامهم قل التفكير النقدي لديهم وقل اعتمادهم على انفسهم". كما كشفت دراسة اخرى ان "الطلاب الذين استخدموا ادوات الذكاء الاصطناعي بكثرة اظهروا قدرات تفكير نقدي متدنية مقارنة باؤلئك الذين لم يستخدموها بكثرة". بل ان الافراط في استخدام برنامج "شات جي بي تي" قد يؤدي وفق دراسة حديثة إلى "ضعف الذاكرة وتراجع التحصيل الدراسي". وهذه النتائج ليست مجرد ارقام، بل انذار مبكر لمستقبل عربي قد يفقد فيه الجيل القادم القدرة على التحليل والاستنتاج.

4- تخدير العقل الجمعي وتوسيع الهوة الحضارية

اذا سألتني بصدق وتجريد عن الحبر الاعظم لهذه التقنية في واقعنا الشرقي، فلن اقول لك انها تستخدم في التصنيع او الزراعة، بل ساقول لك: استخدامها الاكبر والاخطر هو "تخدير" العقل الجمعي. انها ليست دواء للجهل بل مسكنا يداريه، تشعر المتلقي بانه مثقف واع، بينما هو في الحقيقة مستقبل سلبي يكتفي باستهلاك النتيجة النهائية دون ان يكابد عناء البناء الفكري. هذا التخدير المعرفي يخلق جيلا واثقا من معارفه لكنه هش امام اول سؤال ناقد، لانه لم يعتد على انتاج الاجابة من داخله بل استوردها جاهزة.

وفي هذا الصدد، يحذر الدكتور عبد الله حمد المريخي في جامعة قطر، من ان الاستخدام المفرط للذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى "اتكالية الطالب عليه في كل اموره وانه سيحل الواجبات والتكليفات وسيجري البحوث نيابة عنه". ويدعو إلى "مراجعة وتطوير اساليب التدريس والتقييم" لتتناسب مع المستحدثات، مؤكدا ان الذكاء الاصطناعي "اداة تكنولوجية ومساعدة وليست بديلا عن التفاعل البشري بين المعلم والمتعلم".

وهنا تكمن المفارقة الماساوية: بدلا من ان تضيق هذه الثورة الفجوة بيننا وبين الدول المتطورة، فانها ستعمل على توسيعها بسرعة فائقة. فالذكاء الاصطناعي في سياقنا يصبح اداة استعمارية معرفية جديدة بامتياز، لانه يقدم حلولا جاهزة لمشاكلنا المركبة، فيتبدد طاقتنا الفكرية في هامش النصوص المكررة وتبقي مجتمعاتنا في دائرة الاستهلاك المعرفي المحض، عاجزة عن المنافسة في انتاج التقنيات نفسها التي تستهلكها. نحن لا نطور الخوارزميات بل نستورد تطبيقاتها، ولا نبتكر المناهج بل نقلد نتائجها. وبهذا تتحول التكنولوجيا التي كان من المفترض ان تكون جسرا للعبور إلى المستقبل، إلى سد يمنعنا من رؤية تعقيدات طريقنا.

5- العيب ليس في الالة بل في عدم جهوزيتنا

ان الخطر الحقيقي لا يتمثل في ان ياتي الذكاء الاصطناعي ليجيب عن اسئلتنا، بل في ان ينسينا كيف نطرح الاسئلة اصلا، وان يسرق منا لحظة المواجهة الوحيدة مع تعقيد الواقع. واذا اردنا الا تتحول هذه الثورة إلى كارثة معرفية، فعلينا ان نبدا اليوم لا بمنع التقنية بل باعادة بناء البنية النقدية في مدارسنا وجامعاتنا، وتعليم الاجيال ان يستخدموا الالة لتوسيع مداركهم لا الغائها. والا، فان الفجوة بيننا وبين الدول المتقدمة لن تتسع في الانتاج التقني فحسب، بل في القدرة على التفكير ذاتها، وسنظل نردد اصداء الاخرين بينما يصنع الاخرون مستقبلهم بايديهم، منهزمين ليس امام الالة بل امام غيابنا عن وعي ذاتنا الناقد.

ختاما، لا يخفى على القارئ ان ما سطرته في هذه المقالة لا ينبع من موقف متشائم من الذكاء الاصطناعي او رفض مطلق له، بل من حرص شديد على مستقبل التعليم في عالمنا العربي، وعلى ضرورة ان نكون مستعدين لهذه التقنية لا مكتفين باستهلاكها. فأنا مؤمن تمام الايمان بان الذكاء الاصطناعي يمكن ان يكون اداة هائلة لحل المشكلات المعقدة وتسريع عجلة التنمية، شريطة ان نستخدمه بوعي ونبني اولا عقولا ناقدة قادرة على توجيهه لا الانجراف وراءه. واذا بدا في عباراتي شيء من القسوة او التشاؤم، فهو فقط مرآة لخوفي من ان تفوتنا هذه الفرصة الذهبية، لا رغبة في التخلي عنها. فالتحدي الحقيقي ليس في التقنية نفسها، بل في كيفية تعاملنا معها، وفي قرارنا الجماعي بأن نكون صناع ادواتنا لا مجرد مستهلكين لنتائجها.

***

محمد الربيعي

بروفسور متمرس، جامعة دبلن

"النظافة لا دين لها" علاء مشذوب/ حمام اليهودي

في رواية (حمام اليودي) للمرحوم الروائي علاء مشذوب يتم طرح سؤال الاخلاق بطريقة إشكالية، عبر تناوله لطبيعة النزاع حول "يجوز او لا يجوز" ليهودي ان يكون راعيا لنظافة اجساد المسلمين. فيحتدم الجدل مما يؤدي الى ان تواجه النظافة ذاتها اشكالية تتعلق بما حولها لا بها، فتنتكس النظافة. لاحظوا هذه "العلاقة الصراعية" بين (النظافة) كمفهوم اخلاقي، و(يجوز او لا يجوز) كمفهوم اجرائي، فنخسر النظافة. لأن الاخلاق حسنة بذاتها لا بمتعلقاتها.

لقد شهدنا خلال الايام الماضية حوادث كثيرة بل مصائب وازمات، اشدها ايلاما (حوادث الفساد التي تزكم الانوف) وحرائق وضحايا، ولكن ما يثير الاشمئزاز حقا، ما نشهده من غياب القيم الاخلاقية في تناول هذا الامر. فتم الادعاء مثلاً بان الحريق مفتعل لغرض صرف الانظار عن حريق في وزارة، وان النائب المدان ليس هاربا فيخرج لنا بتبرير ساذج، ان الفساد اولى من الفوضى. اعتراضي هنا لا يتعلق بدقة المعلومة، ولكن ان يتم تناول الفاجعة بكونها حدثا ثانوياً لحدث اكثر اهمية هو الخوف من الآخر كفاعل مشؤوم. التبرير هنا اكثر مأساوية من الحدث ذاته، فتكون سلامة الورقة، اكثر اهمية من سلامة الانسان، وسمعة الجهة المنتمي لها الفاسد اهم من فعل السرقة، والحفاظ على الواقع اهم من كل قيمة اخلاقية. هنا اقول قد نجد في ما ذهب اليه المرحوم علاء مشذوب في تسليط نقده عل العلاقة الجدلية بين (الاخلاق والاجراء) تفسيرا لازماتنا التي لا تنتهي.

فلو استعرنا ايضا مفهوم (سلافو جيجك) استطيع ان اقول ان رمزية الفساد لدينا يتأتى من فرط واقعيته التي لا تصدق، لتتحول الى مادة للتفكير بضرورة إيجاد حل، هذا التفكير هو الذي يجعلنا نختبر واقعيته على انه "كيان افتراضي" وتلك هي المفارقة. ان تتحول الواقعية المفرطة في كل مناحي حياتنا (مثل نقص الادوية) في معالجة المرضى، الى رمزية تتمثل في ان انقاذ الحياة تتطلب ايجاد حل عاجل "بالتبرع" من قبل المستثمرين كما طالب وزير الصحة، اي ان يتم تحويل نقص الخدمات الصحية في مستشفى الى (افتراض) فاعل مشؤوم. وان محاربة الفساد تصب في صالح العدو المفترض سواء كان داعشيا، اسرائيليا، بريطانيا، او امريكياً، بعثيا. او نتيجة صراع حزبي، كل ذلك يجعل من (محاربة الفساد او حياة الانسان) امر لا قيمة اخلاقية له، مقابل اجراء كشف الفاعل المشؤوم.

ان تحول مظاهر الفساد الى "كيان افتراضي" تخرجه من كونه معضلة سوء الادارة في مرسسات الدولة ودوائرها الى حل بالتبرع من اجل ترميم مستشفى. او الاشارة الى فاعل "رمزي" فتنتقل المسؤولية من واجب الموسسة، الى واجب المجتمع، من التخطيط والتنمية المستدامة، الى التبرع من اجل الدواء او ادامة المستشفيات ليتم التنازل عن دور الدولة في الضمان الصحي والاجتماعي بالاستعاضة عنها بالتكافل الاجتماعي. وقس ذلك على الكهرباء وكل مناحي حياتنا، فيقال لنا ان من يمنع تبليط شارع او بناء منظومة تصريف صحي، او اعمار مدينة منكوبة، او تقديم ماء صالح للشرب، هو بفعل فاعل مشؤؤم. فأزمة الكهرباء المستدامة، تُقدم لنا لا بكونها مشكلة واقعية تحتاج حلا واقعيا، بل بكونها تحمل من الرمزية الشيء الكثير. رمزيتها تتأتى من فرط واقعيتها التي لا تصدق، لتتحول الى مادة للتفكير بضرورة إيجاد حل، هذا التفكير هو الذي يجعلنا نختبر واقعية انقطاع الكهرباء على انه "كيان افتراضي"، بفعل فاعل مشؤوم. فنتعرض في الواقع الى ضغط غياب الكهرباء والحاح الحر المفرط في واقعيته، وبين افتراض ان الحل ممكن ولكن ليس بيدنا (بل لأن الفاعل المشؤوم لا يريد). يساق هذا الامر (كصراع بين الواقع والافتراض) من قبل الكثير من المنعزلين ويحيون حياة مفعمة بالحرية في مساحة (كيبورد) لا تمت للواقع بصلة، ولكن نتيجة الخبرة الكامنة لديهم، والتي يظهر فيها الواقع على شكل تحليل يكرس الذاتي لا الموضوعي، فيرفض التعرف على الفساد بنتيجته، ليقول لنا انها تعبير عن رمزية الشر الكامنة في الاخر.

لا يكتفي هذا المنعزل عن الواقع الذي نخبره من حولنا بمصائبه ونكباته واحزانه التي لا تنتهي، بل ويرغب ان يحررنا من وهمنا، ليقنعنا ان الفساد المفرط في واقعيته ما هو الا مظهر لشيء اكبر، لكننا لا نراه. ليقول لنا ان ما نراه كحقيقي (الفساد) هو الوهم الذي يقدم لنا على انه حقيقي (الفساد خير من الفوضى). هنا تقدم الدعوة لنصدق اننا نحيا في كون مصنوع بفعل فاعل بشع يهددنا طوال الوقت، ليعكس الجدل، في ان اي نقد للفساد هو تبرئة لفعل الفاعل المشؤوم. هي دعوة صريحة من قبل المنعزل لرفض التفسير الاجتماعي لفساد المفسدين، باعتباره تبريرا خفيا للفاعل المشؤوم.انها ثقافة تصرف النظر عن الواقع وتبرير لعدم تحمل مسؤولية الفساد من قبل المفسدين ذاتهم.

ان المشكلة الحقيقة تكمن في منظومة العمل ذاتها، وان نعزوا هذا الفساد الى فاعل خارجي، هو تبرئة لهذه المنظومة. فالصراع بين الفساد ونقضيه صراع داخلي محض، لذا علينا تغيير قواعد العمل الظاهرة لهذه المنظومة الداخلية. الفساد والشر لا يحتاج ان يرتكبه الشياطين، بل يرتكبه الحمقى والاغبياء كما تقول حنا ارندت، والانهيار الاخلاقي الذي يسببه فساد السلطة، والعجز عن التفكير او التفكير من وجهة نظر آخر (التفكير من خلال فكر تاج الراس).

كيف يمكن للوضع المساؤي ان يتحول الى وضع فلسفي (على قول باديو)، يقال عندما تحدث المفارقة، او عندما يفتقد المعيار المناسب بين حالتين المفروض ان تكون متشابهتين، لتتحول الى نقيضها. اخترع الانسان المشافي من اجل الشفاء، من اجل استعادة الصحة، لكن ان تتحول هذه المشافي الى محارق وقبور وموت مجاني وبالجملة تلك هي المفارقة المبكية المضحكة. واوجد الانسان الدولة من اجل تحقيق العدالة ونشر القيم الأخلاقية لتحفظ للمجتمع امنه وسلامته، لا للتمتع بمغانم السلطة، ونشر الفساد، وقتل كل القيم الاخلاقية والانسانية.

ان الطبيعة المتخفية للفساد يكمن في داخل نظام مغلق، تديرة مجموعة من المجرمين المرضى ويهدف الى نزع الشخصية الانسانية عن ضحاياه، عبر تصدير الفهم على انهم مجرد ضحايا لسوء الادراة، او نتيجة للعنف، اي عبر تحويل واقعية الموت المجاني المفرط في واقعيته على قول (جيجك)، الى رمزية "المسؤولية" لتتحول المسؤولية الاخلاقية لرجال السلطة الى سوء ادارة مثل"التفريط بشروط السلامة المهنية" فيتم تبرئة الفساد والمفدسين.

الاخلاق وحدها يمكن ان يكون جذرية، اما الفساد فلا يمكنه ذلك إلا ان يكون متطرفا (جورجير اغامبين)، لذا يتولد الفساد من فشل في التفكير، فهو يتحدى التفكير، فحين يتصدى الفكر له ويتقصى المقدمات واصولها، يصاب بالارباك حين لا يجد شيئا سوى ان المسبب "فاعل مشؤوم" مفارقة مبكية مضحكة. السؤال الجوهري حول ما نواجهه من كوارث يتلخص في؛ ما الذي يجعل اي قرار او خيار يتخذ على مستوى عام يؤدي الى اخطاء كارثية لدينا، سواء على مستوى السياسة والاقتصاد والثقافة ومنازلة الفساد. يقول الأمام علي (ع) رجال العلم على أربع:

1. رجل يعلم ويعلم أنه يعلم فذاك عالم فاتبعوه.

2. ورجل يعلم ولا يعلم أنه يعلم فذاك نائم فأنبهوه.

3. ورجل لا يعلم ويعلم أنه لا يعلم فذاك جاهل فعلموه.

4. ورجل لا يعلم ولا يعلم أنه لا يعلم فذاك أحمق فاجتنبوه.

في التهديد الوجودي الذي واجهناه في ايام جائحة كورونا، لعبت معرفتنا دورا كبيرا في ما آلت اليه احوالنا. لقد زعزعت الجائحة الكثير من المسلمات فحدث شواش:

- حول المعرفة ذاتها.

- حول الاكراه على العزلة.

- والعيش بلا يقين.

المفارقة تكمن في المعرفة التي نحوزها، فقد واجه العالم الجائحة "بعلمه انه لا يعلم"، بينما نواجهها نحن، "بجهلنا أننا لا نعلم". فالمواجهة التي حصلت معرفيا حول الجائحة في العراق كانت بين نمطين من المعرفة:

- الاول الذي يعرف انه لا يعرف، فيحاول التعلم من اجل النجاة، وهم القلة.

- والثاني الذي لا يعرف انه لا يعرف، وهم الكثرة ولهم الغلبة.

المشكلة لا تكمن بعدم المعرفة بما يحدث حولنا. بل جهلنا التام بعدم المعرفة حول ما يحدث. هذا الجهل يوجب علينا التعامل معه كواقعة مجتمعية يتساوى فيها الاستاذ الجامعة مع الامي (الذي لا يقرأ)، يسوقهم عدم القلق لأنهم يستندون الى عدم تحمل المسؤولية نتيجة بعض الاعتقادات الراسخة، التي تعطيهم ضمانة موهومة ضد الخطر.

الغلبة هنا لهذا الصنف الثاني، فهم يملكون مفاتيح السياسة والاقتصاد والثقافة، القابضين على السلطة واما التابعين لهم فيملئون الارض عويلا وصراخا عن الحق المضيع، والمذهب المهدد، والطائفة التي في خطر...الخ، وسبب كوارثنا تكمن في العدو الماثل امام العين، لا في قرارتنا وخياراتنا، لانها تؤخذ تحت قهر وقسر معتقدنا باننا مظلومين، بل حتى فساد النفوس بسبب العدو لا غير. فلا مسؤولية يتحملها الحمقى والتابعين والمطبلين. لذا جل الحوادث تتحول الى كوارث لانها تقع تحت طائلة قرار او خيار يخرج من دائرة الحمق هذه.

علينا ان نعرف ان "المعرفة لا تعرض ذاتها" كما يقول الحكماء. فلا يمكن اعتبار تجاربنا الذاتية وهي مشتبكة بالشأن العام حدثا شخصياً، بل هي في احتدامها جزء من التجربة الاخلاقية والقيمية للمجتمع الذي ننتمي اليه. اي انني في اشتباكي بالشأن العالم ارسي قواعد اخلاقية وقيمية لمن هم معي وحولي ومن انا مشتبك معهم توافقا او تنافراً. ان عملية تشكيل الذات كما تذهب بتلر، لا تقع كلها في متناول الذات وبرغبتها، بل هي تقع تحت تأثير عوامل محكومة بالعلائقية ومعتمدة على معايير الاخر (المجتمع) بشكل رئيسي، وفي هذه الفجوة بين رؤيتنا لذاتنا، وتأثير الاخر في تشكيلها نقع في مطب التوازن بين رؤيتنا لذواتنا ورؤية الاخر لنا.

وكذلك في جدلية الصراع بين الطموح والواقع، تدخل ذواتنا محنة المفارقة بين ما نريد وما يمكن تحقيقه، فنصاب بالخيبة من سعة الفجوة، لذا تحاول ذواتنا ان تعيد ترتيب اولوياتها من جديد، معتقدة بقدرتها على النجاح، ولكنها (تخادع نفسها) لانها تفشل من جديد في ايصال الواقع الى ما تطمح اليه. فمحنة الذات المتوهجة انها لا تعترف بخداعها لنفسها، ولكنها بدلاً عن ذلك تتعالى على تجربتها باكتسبها فهما جديداً عبر هذا الخداع (قدرتها على الى ايصال الواقع لما تطمح اليه).

يكمن التعالي في العلاقة بين "الرغبة" الجارفة للذات المتوهجة بتغيير الواقع و"القوة"التي تحتاجها لتشكيل الواقع الذي تعيش فيه وتعتقد بانه "الغريب" عنها الى واقع تعتقد انها تعرفه وهو الذي لم يتحقق بعد "الحلم". في هذه الجدلية، الذات المأزومة بالتوهج، التي لا تعترف بالعجز عن التغيير التام، فهي اما ان تخسر الواقع الذي تحلم به بتصالحها مع ذاتها، واما ان تخسر نفسها بتوجهها للواقع الذي تحلم به. اي تسعى لتشكيل واقعها (الحلم) لتتشارك به مع الاخرين، فتدرك نفسها بوصفها اكثر غزارة مما كانت من قبل(بتلر).

تلك هي محنة الذات المتوهجة بالتغيير، تعاني الخوف من فقدان (الحلم)، والنشوة التي تشعر بها وهي ترى نفسها وقد حلت في آخر، الذي تشعر به امتداد لها "فتستملكه"، لذا فهي غير قادرة على تحمل فقدان هذا الاخر الذي استملكته. وللخروج من هذه المحنة تسعى الذات الى ممارسة الغطرسة ضد الاخر ما ان تشعر انه يسعى للاستقلال عنها. ان العنف الذي يمارس ضدنا، يعني انكشافنا امام الاخر وضعفنا وهشاشتنا المعرفية. (بتلر).

***

د. سليم حوهر

لكل دعوةٍ أهدافُها وغاياتُها، ولكي تبلغ تلك الغايات لا بدّ لها من آليات ومرتكزات تُمهِّد الطريق أمام تحققها، وفي هذا الإطار، تسعى "الديانة الإبـراهيمية الجديدة" إلى البحث عن البيئة الملائمة التي تضمن لها النمو والانتشار، فتتوسل بالمشتركات الظاهرة بين الديانات السماوية الثلاث، بوصفها أرضية جاهزة للتقارب والاندماج؛ من وحيٍ منزّل، ونبيٍّ مرسل، وكتابٍ مقدّس، ومعجزةٍ خارقة للعادة، غير أنّ ما يُروَّج له من أنّ هذه الدعوة انطلقت من رحم المؤتمرات الفـكرية، أو وُلدت في فضاءات المقالات الأكاديمية والمراكز البحثية، لا يخلو من قدرٍ كبير من التمويه؛ إذ إنّ جذورها الفعلية، كما تكشف الوقائع، انبثقت من أروقة وزارة الخارجية الأمريكية، لا من ساحات الحوار الديني الحر.

نحن، إذن، أمام مشروعٍ متسلسل الحلقات، تتداخل فيه المصطلحات وتُعاد صياغتها بعناية، بحيث تغدو السياسة هي الحاكم الفعلي، فيما يُستدعى الدين بوصفه المظهر الخارجي لبوتقتها، وتُرفع شعارات السلام والتسامح والتعايش كواجهة أخلاقية لمضامين مغايرة. غير أنّ المحطات التي تمرّ عبرها هذه الدعوة، والبوابات التي تُفتح أمامها، لا توحي إلا باتجاهٍ واحد: تكريس النفوذ الغربي في الوطن العربي والإسلامي، أو ما يُسمّى سياسياً بالشرق الأوسط، عبر ترسيخ مفاهيم جديدة تتلاءم مع تحولات الثـقافة المعاصرة، وتُقدَّم بثوبٍ حداثي ناعم، بوصفها مبرراً لإزالة الحواجز بين الديانات الثلاث. وقد أسهم هذا المسار في توليد شعورٍ متنامٍ بأن وراء هذه الدعوة أيادي خفيّة، تتمثل على نحوٍ خاص في الحركة المسيحية الأصولية المعاصرة، التي تراهن، بالتكامل مع حلفائها، على خلق مناخٍ يسمح بتطبيق المشروع الأمريكي–الصهيوني ذي البعد السياسي، تحت غطاء ديني–إنساني.

إنّ تسارع الأحداث في الشرق الأوسط، وتأجيج الصراعات الطائفية والعرقية والدينية، لا يمكن فصله عن عملية إعادة ترتيب أوراق النفوذ المُعدّة سلفاً، ففي هذا السياق، تُقدَّم الديانة الإبـراهيمية بوصفها الدعامة المعنوية والمادية والإعلامية لتوسيع الهيمنة، لا بالسلاح العسكري، بل بالأسلحة الفـكرية والرمزية، وباستهداف الحركة الأصولية الإسلامية التي يُنظر إليها باعتبارها الخطر الأكبر، غير أنّ المفارقة الأكثر خطورة تكمن في تجاهل الأصولية اليهودية–المسيحية، التي لم، ولن، تتخلى عن قراءتها الحرفية للكتاب المقدّس، ولا عن عقائد عصمة العهدين، وما يرتبط بها من نبوءات تتعلق بأحداث مستقبلية ومصيرية، مثل فكرة "الشعب المختار".

ومنذ لحظة الاحتلال عام 1948، وولادة الصراع العربي–الصهيوني على أرض فلسطين، جرى توظيف هذه النبوءات لتبرير مشروعٍ استيطاني يروم تجسيد ما ورد في النصوص المقدّسة، من موقع معبد الله إلى حدود مملكة بني إسرائيل المزعومة. وهكذا، نجد أنفسنا أمام إشكالية عميقة: دعوةٌ مُعلنة إلى التسامح والتعايش والسلام العالمي، تقابلها في العمق مخططات للسيطرة، واقتحام الدين من داخله، وإعادة تفكيك الأديان، لا لتقريبها، بل لتفريغها من معناها المقاوم، وتحويلها إلى أدواتٍ في مشروع الهيمنة.

إنّ الحديث المتزايد عن "القواسم المشتركة بين الأديان" لا يمكن فصله عن كونه مدخلاً تمهيدياً لإعادة هندسة الـوعي الجمعي، لا عبر الصدام، بل عبر التذويب، فهذه القواسم تُقدَّم بوصفها قيَماً سماوية عليا، مقبولة لدى الجميع، لا تثير حساسية أتباع الديانات المختلفة، لتتحول، في الخطاب السياسي، إلى أرضية ناعمة يُبنى عليها مشروع "حلّ الصراع العربي–الإسرائيلي"، غير أنّ هذا الخطاب، في عمقه، لا يستهدف العدالة، بل إعادة تعريف الحق.

ولهذا، يحذّر المنظّرون الداعمون لهذا المسار من خطورة الحديث عن "إعطاء الحق للشعوب الأصلية" بصيغته النـقدية، لأنّ هذا المفهوم، كما يُعاد تأويله سياسياً، ينقلب عملياً إلى تبرير استيلاء إسرائيل الكامل على القدس، فالمفاوض الإسرائيلي والغربي لا يتوقف عن الترويج، بوسائل متعددة، لما يسمّى "الحقوق التاريخيّة لليهود" في المدينة، عبر استدعاء سرديات زائفة من قبيل "مملكة داوود" بوصفها كياناً سياسياً تاريخياً، والادعاء بأن اليهود هم سكان كنعان الأصليون، وأن اليهودية سبقت المسيحية والإسلام، بما يمنحها، وفق هذا المنطق، أسبقية الحق. وهذه المفاهيم، التي يجري ضخّها ثقافياً وإعلامياً، لا تمهّد إلا لتنفيذ ما يُعرف بـ"الدولة الإبـراهيمية"، القائمة على مبدأ إعادة الحق إلى أصحابه الأوائل… أي اليهود، بحسب الزعم الصهيوني.

***

د. حيدر عبد السادة جودة

في المثقف اليوم