عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

هناك أماكن لا تتغير، لكننا نحن الذين نغادرها ثم نعود إليها بعيون أخرى. فالطفولة لا ترى الأشياء كما هي، بل كما صورها لها الخوف. والغرفة المظلمة لم تكن يوما مجرد أربعة جدران غاب عنها الضوء، بل كانت رمزا للعقاب، وسجنا صغيرا صنعته سلطة الكبار كي تؤدب براءة الصغار. كنا نرتجف من عتمتها، لا لأن الظلام مخيف في ذاته، بل لأن الخيال حين يكون طفلا يمنح الظلال أنيابا، ويجعل الصمت كائنا يترصدنا.

ثم نمضي في العمر، ونكتشف المفارقة الكبرى، أن أكثر الأماكن التي أفزعتنا كانت أكثر رحمة من كثير من الوجوه التي التقيناها لاحقا.

ليست الأماكن هي التي تتبدل، بل وعينا بها. فما كان في الطفولة سجنا، قد يصبح في النضج وطنا. وما كان يخيفنا بالأمس، قد يغدو اليوم آخر ما تبقى لنا من الطمأنينة.

تلك الغرفة التي كانوا يهددوننا بها، تصبح مع الزمن ملاذا آمنا. لا لأن العتمة صارت جميلة، بل لأننا رأينا في الخارج ظلمات أشد قسوة، ظلمة القلوب حين يخون أصحابها، وظلمة العقول حين تستبد بها الأوهام، وظلمة النفوس حين تتغذى على الحقد والكراهية والنفاق. عندها ندرك أن الظلام الحقيقي لا يبدأ حين يغيب الضوء، بل حين يغيب الضمير.

ما أبشع أن يعيش الإنسان بين بشر تضيء وجوههم الشمس، بينما تغرق أرواحهم في ليل لا فجر له. هناك يتبدل معنى الوحدة، فلا تعود عزلة، بل نجاة. ويصبح الصمت حوارا أرقى من ضجيج الكلمات الزائفة، وتغدو الجدران أوفى من كثير من البشر الذين أتقنوا ارتداء الأقنعة حتى نسوا وجوههم الحقيقية.

إن الإنسان لا يهرب إلى غرفته لأنه يكره العالم، بل لأنه يبحث عن مساحة لا يجبر فيها على تمثيل دور لا يشبهه. ففي العزلة لا تحتاج إلى الدفاع عن نقائك، ولا إلى تبرير اختلافك، ولا إلى الاحتماء من سهام الأحكام المسبقة. هناك فقط، حيث لا شاهد إلا ضميرك، تستعيد نفسك التي بعثرتها معارك الحياة.

ثم تكبر، وتتسع رؤيتك للعالم، فتدرك أن العتمة التي كانت تحيط بتلك الغرفة لم تكن سوى غياب للضوء، أما العتمة التي تسكن كثيرا من البشر فهي غياب للإنسان نفسه

ولعل أعظم درس تمنحه لنا السنوات، أن الأمن ليس مكانا مضاء، بل روحا مطمئنة. وأن الغرفة التي خفناها صغارا لم تكن مظلمة حقا، بل كانت خالية من الزيف. أما العالم الذي حلمنا به مضيئا، فقد اكتشفنا أن كثيرا من أنواره لم تكن سوى أضواء تخفي وراءها عتمة أشد كثافة.

لذلك أكثر ما يرهق الإنسان ليس أن يعيش وحيدا، بل أن يعيش محاطا بأشخاص يستهلكون روحه، ويطفئون دهشته، ويجعلونه غريبا عن ذاته.

لهذا، حين يغلق الإنسان باب غرفته في نهاية يوم طويل، لا يكون قد هرب من الحياة، بل يكون قد عاد إلى آخر مكان ما زال يحتفظ فيه بإنسانيته. فبعض العتمات تمنحنا بصيرة، وبعض الأبواب المغلقة تفتح في داخلنا نوافذ واسعة على الحقيقة. وليس كل من يجلس وحيدا حزينا، فهناك أرواح اختارت صحبة الصمت لأنها اكتشفت أن ضجيج البشر أكثر وحشة من ألف غرفة مظلمة.

لهذا، لم تعد الغرفة المظلمة بالنسبة إلي مكانا للعقاب، بل صارت مساحة للمصالحة مع الذات. ففي عتمتها لا أحتاج إلى ارتداء الأقنعة، ولا إلى الدفاع عن أفكاري، ولا إلى مجاملة أحد. هناك فقط أكون كما أنا، مجرد إنسانه تحاول أن تحافظ على ما تبقى من نقاء روحها في عالم يتقن إفساد كل شيء

أما الغرفة التي أخافتنا يوما، فقد كانت في الحقيقة، أكثر رحمة من عالم امتلأ بأناس يحملون الشمس فوق رؤوسهم، بينما يخفون في أعماقهم ليلا وسوادا لا ينتهي.

لذلك، لا تخافوا الوحدة استمتعوا بذواتكم، وأنصتوا إلى أصواتكم الداخلية قبل أن تبتلعها أصوات الآخرين. لا تجعلوا قيمتكم رهينة القبول، ولا سعادتكم أسيرة الحشود. كونوا أنتم، بكل ما تحملونه من اختلاف وصدق ونقاء، فالعالم لا يحتاج إلى نسخ متشابهة، بل إلى إنسان واحد حقيقي. وتذكروا دائما أن من تصالح مع نفسه، لن يخيفه ظلام غرفة، ولن تهزمه عتمة بشر، لأن النور الذي يسكن الداخل لا تطفئه كل ظلمات العالم.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

التنوير لغة: جاء التنوير من الفعل (نوّر). ونقول: نوّر الغرفة، أي أزال ظلمتها وأبان ما فيها).

التنوير مجازاً أو اصطلاحا: ينصرف مفهوم التنوير إلى تحرير عقل الإنسان وإرادته، وجعلهما المصدر الأساس لكل نشاط فكري أو عملي له. ومن أهم النقاط أو الأفكار المركزيّة التي يشتغل عليها التنوير في عالمنا الثالث بشكل عام ووطنا العربي بشكل خاص هي: إعلاء قيمة الحريّة الفرديّة، والدعوة للتسامح الديني، واحترام المرأة، ونقد السلطات المطلقة والعمل على تحطيمها، وإرساء مبادئ "العقد الاجتماعي" والحقوق الطبيعية التي مهدت للديمقراطيات الحديثة.

الإرهاصات الأولية للتنوير:

ابتدأت الارهاصات الأولية للتنوير برأيي مع بدء تاريخ وعي الإنسان لنفسه وما يحيط به. وربما نستطيع أن نعتبر المرحلة التاريخيّة التي ظهرت فيها أسطورة أو ملحمة "جلحاميش" في تراثنا العربي – على سبيل المثال لا الحصر - هي إحدى المحطات التاريخيّة الهامة التي بدأ يفكر فيها الإنسان من ذاته، ويبحت عن سر هذه الذات وسر وجودها، وهذه مسألة تعتبر أيضاً من المحطات التاريخيّة الرئيسة - الألف الثالث قبل الميلاد - التي راح الإنسان يسعى من خلال هذه الأسطورة أن ينفصل شيئاً فشيئاً عن تحكم الطبيعة به، أو ما يسمى فلسفيّاً بـ (الضرورة الحكميّة)، ويبحث عن سر الخلود. وهنا تظهر لنا في هذه الأسطورة البذور الأوليّة أيضاً للحكمة أو الوعي التنويري (الفلسفي) عند التقاء "جلجاميش" بالحكيم "أناناتبشم" بعد فشله في الحصول على النبتة التي تمنحه السر البقاء، ولقائه  بالحكيم "أنا نا تبشم" الذي قال له بعبارات مشبعة بالحكمة والتجربة:

متى بنينا بيتاً دام إلى الأبد؟.

متى ختمنا ختماً دام للأبد؟.

لم يكن هناك خلود ودوام منذ الأبد!.

أما لدى اليونان، فهذا "هيراقليطس" في القرن السادس قبل الميلاد يقول: (كما أنك لا تستطيع أن تستحم في مياه النهر مرتين فكذلك هي الحياة.) .

التنوير والحرية:

في الفكر الوضعي: جاء عند سبينوزا وهيجل وماركس: إن الحريّة هي وعي الضرورة، أو الضرورة الواعية. أي نكون أحراراً بالقدر الذي نعي فيه معوقات وجودنا وطموحنا.

إن حريّة الإنسان تقوم على وعي وإدرارك ومعرفة القوانين الموضوعية التي تتحكم بآليّة عمل الطبيعة والمجتمع، وبالتالي التسلح بها وتسخيرها لمصلحة الإنسان.

وفي الدين: جاءت حرية الإنسان وتأكيد شخصيته مرتبطتان بالمعرفة والتعلم. ففي القرآن: أول آية نزلت هي (إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم). فالمعرفة مكتسبة هنا وليست معطى قبلياً تولد مع الإنسان.

الأدوات المعرفية للتنوير:

1-  الدماغ و مدركات حواسه. (البصر – السمع – الشم – اللمس.. الخ).

2- التجربة الحسيّة للبشريّة في علاقات الناس بالطبيعة والمجتمع، وتقوم على العلاقة الجدليّة بين الإنسان ومحيطه: فـ ( من المشاهدة الحيّة إلى التفكير المجرد إلى الممارسة).

يقول محمد عبده: ((نعم إن الإنسان إنسان بفكره وعقائده، إلا أن ما ينعكس إلى مزايا عقله من مشاهد نظره ومدركات حواسه يؤثر فيه أشد التأثير، فكل شهود يحدث فكراً، وكل فكر يكون له أثر في داعية، وعن كل داعية ينشأ عمل، ثم يعود من العمل إلى الفكر، ولا ينقطع الفعل والانفعال بين العمل والأفكار ما دامت الأرواح في الأجساد، وكل قبيل هو للآخر عماد.).

منهج التنوير:

يقوم منهج التنوير على الإيمان بالحركة والتطور والتبدل (سبحان الذي لا يحول ولا يزول) – وبالعلاقة الجدلية بين الداخل والخارج، فالإنسان ابن بيئته (من عاشر القوم أربعين يوماً صار منهم) – وبالعلاقة الجدليّة بين الجزء والكل (حديث الرسول: المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص..) – وكذلك العلاقة الجدليّة بين الشكل والمضمون (المكتوب يعرف من عنوانه) - والقول بنسبية الحقيقة ( الكمال لله)– وأخيراً الايمان الشك القائم على رفض الأسطورة والامتثال والاستسلام للجبر المطلق. (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ).البقرة 260

جوهر وأهداف التنوير:

1- الإنسان وتنميته المستدامة أولاً: وهذه تتضمن بالضرورة: الحرية، العدالة، المساواة، التعليم، والصحية الخ. وثانياً: المواطنة وما يقوم عليها من حقوق وواجبات، وتعليم وحرية المرآة، واحترام الرأي والرأي الاخر.. وثالثاً: العمل دائماً على تنوير وتوعية الناس، ومحاربة من يعمل على تجهيلهم خدمة لمصالح سياسيّة أو طبقيّة محددة.

وللتنوير أهداف أخرى هي:

1-على المستوى السياسي: تحقيق دولة القانون والمؤسسات، أو ما يسمى الدولة المدنيّة.

2- على المستوى الاقتصادي: تحقيق العدالة في تقاسم الثروة الوطنيّة.

3- على المستوى الاجتماعي: تحقيق المواطنة، وتجاوز المرجعيات التقليديّة من عشيرة وقبيلة وطائفة ومذهب.

4- على المستوى الثقافي: الاشتغال على الجانب العقلاني النقدي الذي يبرز دور ومكانة الإنسان كخليفة على الأرض.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا

إن تأمل التحولات التي شهدتها منظومة الاتصال الدولية يكشف أن العالم دخل طورا جديدا من إعادة تشكيل السلطة، حيث لم يعد النفوذ يُقاس فقط بمؤشرات القوة العسكرية أو الاقتصادية، وإنما بامتلاك القدرة على إنتاج المعرفة، والتحكم في تدفقات المعلومات، وصياغة الوعي الجمعي. فقد أفرزت الثورة الرقمية فاعلين جدد في العلاقات الدولية، تصدرتهم الشركات التكنولوجية العملاقة، التي غدت تمارس أدوارا تتجاوز وظائفها التجارية لتندمج في الاستراتيجيات الكبرى للدول، بوصفها امتدادا لمصالحها السياسية والأمنية والاستخباراتية والاقتصادية.

 لقد أضحت شركات عملاقة معروفة إلى جانب شركات الاتصالات والأقمار الصناعية والحوسبة السحابية، فاعلا سياسيا موازيا للدول، بل إن بعضها يمتلك من البيانات والقدرات التحليلية والتأثير السلوكي ما يفوق ما تمتلكه حكومات كثيرة. ولم يعد الأمر يتعلق فقط بالسيطرة على الأسواق، وإنما بالتحكم في البنية التحتية للاتصال، من محركات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي إلى الكابلات البحرية، ومراكز البيانات، والأقمار الاصطناعية، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، وسلاسل أشباه الموصلات.

 إنها منظومة متكاملة تُدار بمنطق الهيمنة لا بمنطق الخدمة.  وقد تنبّه ميشيل فوكو إلى أن السلطة لا تُمارس بالقهر المباشر وحده، وإنما عبر إنتاج المعرفة وتنظيم الخطابات، غير أن عصر المنصات تجاوز هذا التصور نحو ما يمكن وصفه بـ"سلطة الخوارزمية"، حيث لم تعد المؤسسات تراقب الأفراد فحسب، بل أصبحت الخوارزميات تصوغ خياراتهم وتعيد هندسة ميولهم وتوقعاتهم. وهنا تتعزز أطروحة شوشانا زوبوف حول "رأسمالية المراقبة"، التي ترى أن البيانات الشخصية تحولت إلى مادة خام تُستثمر في التنبؤ بالسلوك الإنساني وتوجيهه، بما يخدم مصالح اقتصادية وسياسية متشابكة.

 ويزداد هذا المشهد تعقيدا عندما تتداخل الشركات التقنية مع المجمع الصناعي العسكري والأجهزة الاستخباراتية. فالبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي وتقنيات التعرف إلى الوجوه والحوسبة السحابية وأنظمة الاتصالات الفضائية، أصبحت جميعها أدوات تدخل في صلب الأمن القومي للدول الكبرى، وفي إدارة النزاعات والحروب السيبرانية والتأثير في الانتخابات وصناعة الرأي العام العالمي. وهكذا، لم يعد الاتصال شأنا مدنيا خالصا، بل غدا امتدادا للاستراتيجية العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية.

 أما دول الجنوب، فإنها تجد نفسها في الغالب داخل دائرة تبعية رقمية متفاقمة، لأنها تستهلك التكنولوجيا أكثر مما تنتجها، وتخزن بياناتها في بنى تحتية أجنبية، وتعتمد على منصات لا تخضع لسيادتها القانونية أو التقنية. وبهذا المعنى، فإن الاستعمار لم يعد يحتل الأرض بقدر ما يحتل الفضاء الرقمي، ولم تعد الهيمنة تُمارس عبر الجيوش وحدها، بل عبر تدفقات البيانات، والخوارزميات، والبروتوكولات التقنية، والمعايير التي تضعها القوى المهيمنة.

 إننا أمام انتقال من "الجغرافيا السياسية" إلى "الجيوبوليتيك الرقمي"، حيث أصبحت السيطرة على الكود والبيانات تعادل السيطرة على النفط والممرات البحرية في القرن العشرين.

 وقد أشار مانويل كاستلز إلى أن المجتمع الشبكي يعيد تشكيل السلطة وفق منطق تدفقات المعلومات، بينما يؤكد بيير بورديو أن الهيمنة تصبح أكثر رسوخاً عندما تتحول إلى عنف رمزي غير مرئي، وهو ما يحدث اليوم حين تُفرض نماذج ثقافية وقيم استهلاكية وأنماط تفكير عبر المنصات الرقمية، دون حاجة إلى الإكراه المباشر.

 أما نعوم تشومسكي فقد لفت إلى أن صناعة القبول لم تعد رهينة وسائل الإعلام التقليدية، بل انتقلت إلى فضاءات رقمية أكثر قدرة على الاستهداف الدقيق وإعادة تشكيل الوعي الجمعي.  إن أخطر ما في هذا التحول ليس احتكار التكنولوجيا في ذاته، بل احتكار القدرة على تعريف الحقيقة وترتيب الأولويات وصناعة الذاكرة وتحديد ما ينبغي أن يُرى وما يجب أن يختفي.

 فحين تصبح الخوارزمية حارساً للمعرفة، وتغدو البيانات مصدراً للثروة والسيادة، فإن ميزان القوى العالمي ينتقل من امتلاك الموارد الطبيعية إلى امتلاك البنية التحتية الإدراكية للعالم. وعند هذه النقطة، لا يعود الصراع بين الشمال والجنوب مجرد تفاوت في التنمية، بل يصبح صراعاً على "سيادة الوعي"، حيث تتحدد مكانة الأمم بقدرتها على إنتاج المعرفة، وامتلاك البيانات وتطوير الذكاء الاصطناعي والتحكم في شبكات الاتصال، لا بمجرد امتلاك الثروات التقليدية.

 ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي أمام الدول النامية لا يكمن في توسيع نطاق الولوج إلى التكنولوجيا فحسب، وإنما في بناء "سيادة رقمية" قادرة على حماية البيانات الوطنية، وتطوير البنى التحتية المستقلة وإنتاج المعرفة والخوارزميات وإرساء تشريعات تحكم العلاقة مع الشركات العابرة للقارات. فالمعركة المقبلة لن تكون على احتلال الأرض، بل على احتلال العقول؛ ولن تُحسم بالسلاح وحده، بل بامتلاك مفاتيح الاتصال، والبيانات، والذكاء الاصطناعي، والقدرة على صياغة المعنى نفسه.

وفي هذا الأفق، يغدو الاتصال سؤالا فلسفيا عن السلطة والسيادة والحرية، قبل أن يكون مجرد تقنية لتبادل الرسائل.

*** 

د. مصطفـــى غَلْمـــان

مدخل: ليست المشكلة الكبرى في ثقافتنا العربية المعاصرة أننا لا نقرأ، بل نقرأ كثيرًا من غير أن نصنع من القراءة منبهًا محفزًا على الغربلة والتمييز.  لأن امتلاء الرفوف ليس دليلًا كافيًا على امتلاء الوعي، ولا كثرة عناوين الكتب المعروضة علامةً لازمة على حيوية العقل، إذ قد تتحول الوفرة نفسها إلى ستار أنيق يخفي نوعًا من الفقر النقدي؛ فقرًا لا يتمثل في نقص المعلومة، بل في ضعف الأدوات التي تمتحنها، وتردّها إلى أصولها، وتكشف ما فيها من افتراضات خفية ومسالك سلطوية ناعمة، هكذا تبدو مكتبتنا العربية المعاصرة، على اتساعها وتنوعها، أقرب إلى ساحة ازدحام معرفي منها إلى فضاء ناضج للانتقاء؛ إذ تتجاور فيها الكتب، لكن لا تتجاور دائمًا المعايير التي تزنها.

ضمن هذا السياق، يجيء أبو حيّان التوحيدي لا بوصفه اسمًا تراثيًا يُستدعى للزينة الثقافية، بل بوصفه معيارًا يفضح ما انكسر في علاقتنا بالفكر، فصاحب "الإمتاع والمؤانسة" ليس مجرد أديب مجالس، وإنما هو شاهد على زمنٍ كانت فيه المعرفة تولد من المحاورة، وتتغذى من السؤال، وتكتسب قيمتها من قدرتها على احتمال الاعتراض.

ثم لا ننسى أن الكتاب نفسه، كما تفيد مقدماته المعروفة، خرج من سبعٍ وثلاثين ليلة من السمر الفكري مع الوزير، ثم دوّنها التوحيدي في عمل صار مرآةً لثقافة حوارية رفيعة، لا تفصل الأدب عن الفلسفة، ولا الطرفة عن الحكمة، ولا المؤانسة عن التفكر. لهذا فإن وضع التوحيدي في مكتبتنا العربية المعاصرة ليس مفارقة بلاغية فحسب، بل هو اختبار حاد: ماذا سيحدث حين يدخل عقل تشكّل في حضرة السؤال إلى فضاء صارت فيه الفكرة كثيرًا ما تُستهلك قبل أن تُفهم؟

منطق الهيمنة الثقافية

لعل ما يواجه القارئ العربي اليوم ليس مجرد تنوع في المعروض، بل شبكة معقدة من التأثيرات التي تعيد تشكيل ذوقه من الداخل، حيث لا تكفي اللغة الأخلاقية المباشرة لفهم ما يجري، لأننا لا نكون غالبًا أمام فرضٍ صريح أو منعٍ خشن، بل أمام ما سماه غرامشي الهيمنة الثقافية: ذلك النمط من السلطة الذي لا يشتغل بالقسر وحده، بل بصناعة القبول، وتثبيت التصورات، وترتيب ما يبدو طبيعيًا وحديثًا ونافعًا حتى يغدو وكأنه الخيار الوحيد الممكن، على هذا الأساس، لا تدخل بعض الكتب إلى وعينا لقيمتها المجردة فقط، بل لأنها محمولة بمنظومة كاملة من الشرعية الرمزية؛ شرعية السوق، والإعلام، والذوق العام، ولغة “الأكثر مبيعًا”، وإغراء العالم المعاصر بأن ما يخرج من مركزه الغربي  الليبيرالي أكثر أهلية لأن يُتّبع.

وفق نفس المسار، يكتسب كذلك ابن خلدون راهنيته المتجددة، حين يكتب أن “المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب”، فهذه العبارة ليست حكمة خالدة فحسب، بل هي تشريح نفسي عميق لما يطرأ على الوعي حين تختلط الهزيمة بالإعجاب، وحين يتحول التفوق الحضاري للآخر إلى قوة خفية تعيد ترتيب أحلامنا ومقاييسنا ومعاييرنا في الحكم، كما أن المغلوب لا يقلد الغالب في الزي والهيئة وحدهما، بل في صورة النجاح، وفي تعريف التقدم، وفي اختيار ما يقرأه بوصفه الأكثر تمثيلًا لروح العصر، ثم لا تعود القراءة لقاءً حرًا بين قارئ وكتاب، بل تصير في أحيان كثيرة جزءًا من اقتصاد رمزي أوسع، يعلّم القارئ تدريجيًا أن يثق بما يأتيه من جهة الغلبة أكثر مما يثق بما أنتجته تقاليده الخاصة من أدوات في الفحص والمساءلة.

بازار الترجمة وفوضى الاستهلاك

لا أقصد في هذا الكلام دعوة إلى خصومة عقيمة مع الترجمة، فالحضارات لا تنمو في العزلة، وما كان للحضارة العربية والاسلامية نفسها أن تزدهر إلا يوم انفتحت على غيرها ونقلت عنه ثم أعادت هضمه وتشكيله، غير أن الفرق شاسع بين الترجمة بوصفها فعلًا حضاريًا، والترجمة بوصفها استهلاكًا رمزيًا:

في الحالة الأولى تدخل الفكرة إلى المختبر؛ تُسأل، وتُفكك، وتُختبر على ميزان الإنسان الذي ستخاطبه.

وفي الحالة الثانية تدخل الفكرة إلى السوق؛ تُعرض، وتُسوّق، وتُمنح سلطةً جاهزة لأن مصدرها قادم من جهةٍ متفوقة في ميزان العالم الجديد.

هكذا يمكننا فهم الرواج الكثيف لبعض الكتب التي تعد بإعادة تشكيل النفس، وضبط العادات، وتدبير النجاح، وصناعة الذات على نحو سريع وعملي، اذ ليست المشكلة في أن يقرأ القارئ كتابًا في التهذيب أو الانضباط أو إدارة الوقت، بل في أن تتحول هذه الخطابات إلى بديل شبه كامل عن التكوين الفلسفي والأخلاقي والروحي الأعمق، لأنه عندما تُستهلك مفاهيم النجاح الشخصي والتعافي الفردي والتنمية الذاتية خارج مساءلة شروطها الحضارية والإنسانية، فإنها لا تنقل نصائح فقط، بل تنقل أيضًا صورة مخصوصة عن الإنسان: إنسانًا يمكن اختزاله إلى مشروع كفاءة، وإلى آلة قابلة لإعادة البرمجة، وإلى ذاتٍ يختصر خلاصها في إجراءات لا في أسئلة. وبالتالي تضيق التجربة الإنسانية بدل أن تتسع؛ لأن كل ما لا يدخل في منطق الفاعلية السريعة يُدفع إلى الهامش: القلق، والمأساة، والضعف، والأسئلة الوجودية الكبرى، وكل ما لا يُعالج بوصفة سريعة، الأمر نفسه يقع، بصيغة أخرى، في تلقي الرواية، حيث ليس الخلل في قراءة الرواية المترجمة، بل في أن تتحول الرواية، داخل الذوق السائد، إلى مادة تشويق بلغة الريلز، أو إلى منتج انفعالي سريع، أو إلى شكل من أشكال الترفيه الراقي الذي لا يطلب من القارئ أكثر من متابعة ذكية وإثارة محسوبة، عند ذلك يُعاد تشكيل الحساسية الجمالية نفسها، فيفقد القارئ صبره على النصوص التي تتطلب بطئًا، وتراكمًا، واصطبارًا على الغموض، واحتكاكًا شاقًا بالتاريخ والذاكرة واللغة والدين والنفس والآداب. هكذا تخسر الرواية بعدها التأملي، ويخسر القارئ حقه في أن تهزّه وتصدمه القراءة لا أن تسليه فقط.

رسالة التوحيدي لنا؟!

إن استدعاء التوحيدي ذو معنى حاد، لا يراد به التفاخر بتراثنا، بل استرداد شيء من كرامة السؤال التي كانت تحكم علاقتنا بالمعنى. فأبوحيان التوحيدي، كما الجاحظ وابن المقفع والغزالي وابن رشد وغيرهم، لا يمثلون أسماء كبرى فحسب، بل يمثلون طرقًا في التفكير؛ طرقًا تعرف كيف تحاور، وكيف تعترض، وكيف تزن الدعوى، وكيف تميز بين بريق العبارة وصلابة الحجة.

لكن نحن ما فقدناه في مكتبتنا العربية المعاصرة ليس النصوص وحدها، بل الأدوات التي أنتجت تلك النصوص: المناظرة بوصفها خلقًا عقليًا، والقياس بوصفه تمرينًا على ترتيب الدعاوى، والرزانة بوصفها شرطًا للفهم، والارتياب بوصفه حماية من الانبهار والذوبان في الٱخر.

لعله التوحيدي  لو دخل إلى مكتبتنا العربية المعاصرة، فلن يندهش من كثرة الكتب، بل من طبيعة العلاقة التي نشأت بينها وبين قرائها. سيجد رفوفًا لامعة، وكتبًا كثيرة، ومفاهيم تتردد بكثافة، لكنه سيشعر، على الأرجح، بأن شيئًا ما قد انكسر في العمق: انكسرت صلة القراءة بالتنشئة، وضعفت صلة الفكرة بالمحنة، وتراجع سؤال “كيف أفكر؟” أمام سؤال أكثر استعجالًا وأقل عمقًا: “ماذا أقتني الآن؟”.

حينئذ لن يكون احتجاجه على الترجمة نفسها، ولا على الرواية، ولا على علم النفس، بل على العقل الذي استقال من مهمته وصار يطلب من الفكرة أن تطمئنه قبل أن تهزه، وأن تعالجه قبل أن تفضحه، وأن تمنحه خلاصة قبل أن تورطه في عناء الفهم.

غير أن المشهد لا يكتمل من غير الالتفات إلى رواج الكتاب الديني والوعظي والمذهبي في صيغته الجديدة؛ ذلك الكتاب الذي يخرج من اللغة العقائدية الثقيلة إلى لغة أكثر خفة وسردية، ويقدّم الموعظة في هيئة حكاية، والعبرة في صورة عبارة قصيرة سهلة التداول، كما يظهر في عدد من الأعمال الواسعة الانتشار لدى كتّاب من طراز أدهم شرقاوي، الذي اطلعت على كل اصداراته ٱخرها كان "رسائل من التابعين" و"50 قانونا للحب"،حيث ليست المشكلة في حضور الدين في الكتابة، فالدين عنصر أصيل في وجدان هذه المجتمعات العربية وثقافتها، كما أن الخطاب الديني جزء من آليات التأثير في الوعي العام، لكن الخلل يبدأ حين يتحول هذا الحضور إلى صيغة مطمئنة أكثر مما هو موقظ، وإلى خطاب يواسي الوجدان بدل أن يوقظ العقل، ويمنح القارئ خلاصة أخلاقية جاهزة قبل أن يدفعه إلى مشقة السؤال!!

حين يشيع هذا اللون من الكتابة على نطاق واسع، فإنه قد يُنمّي الحس العاطفي والأخلاقي، لكنه قد يضعف في المقابل النباهة الإنسانية الدقيقة؛ لأنه يدرّب المتلقي على التلقي الوجداني السريع، وعلى الاستجابة للعبارة المؤثرة، أكثر مما يدرّبه على الصبر على الفكرة، وعلى تفكيك الحجج، وعلى بناء موقف ثقافي ناضج من النص والعالم.

ما أود التأكيد عليه في هذه السطور، أنه لا ينبغي أن يُقرأ هذا النص بوصفه رثاءً للتراث، ولا هجومًا متجهمًا على كل جديد، بل بوصفه دعوة إلى استئناف فعلٍ عقلي أرفع: أن نقرأ العالم من غير تبعية، وأن نُدخل الوافد إلى معملنا لا إلى مستنقعات انبهارنا، وأن نسترد حقنا في الشك والتمحيص قبل التبني والتقليد.

لأننا ندرك أن الثقافة لا تُهان حين تقرأ، بل حين تقرأ من موقع التابع، وتفقد في لحظة القراءة جهازها الداخلي في المقاومة والتأويل، وما أكثر ما نحتاج اليوم، وسط هذا الضجيج التافه، إلى أن نتعلم من جديد كيف نترزن أمام الفكرة، وكيف نعيد ترتيب المسافة بين الكتاب والقارئ، حتى لا تتحول المكتبة إلى معرض كبير للأجوبة، فيما الأسئلة العميقة تموت في سرداب القابلية للاستدمار.

لعل التوحيدي، لو خرج من بين رفوف مكتبتنا العربية المعاصرة بعد هذه الجولة الطويلة، لن يكتب مرثية غاضبة، ولن يلقي بيانًا ضد أحد، لعلّه سيكتفي، كما يليق بعقلٍ خبر هشاشة البشر وامتحن المقولات، بأن يترك لنا عبارةً واحدة بين الكتب اللامعة والوعود السريعة والمفاهيم المعلبة:

"لم تمت الأمة حين قلّ ورقها، بل حين ضاعت أسئلتها"

***

أ. مراد غريبي

يشهد العالم في العصر الحديث تحولات متسارعة فرضتها الثورة الرقمية والتطور التكنولوجي الهائل، حتى أصبحت السيبرانية واحدة من أبرز المفاهيم التي تعكس طبيعة المرحلة الراهنة. ولم تعد السيبرانية مجرد علم يرتبط بالحواسيب والبرمجيات والشبكات، بل تحولت إلى قوة مؤثرة في مختلف مجالات الحياة، وفي مقدمتها التعليم. فالمؤسسات التعليمية في العالم كله تعيش اليوم مرحلة انتقالية عميقة، انتقلت خلالها من الأساليب التقليدية القائمة على التلقين والحضور المباشر إلى فضاءات رقمية مفتوحة تعتمد على الاتصال الذكي وتبادل المعلومات بصورة لحظية. وقد فرض هذا التحول واقعًا جديدًا أعاد تعريف مفهوم التعليم ذاته، وفتح الباب أمام فرص غير مسبوقة للتعلم والمعرفة.

لقد كان التعليم عبر التاريخ مرتبطًا بالمكان والزمان، فالطالب يجلس داخل الفصل الدراسي ويتلقى المعرفة من المعلم بصورة مباشرة، وكانت مصادر التعلم محدودة بالكتب والمكتبات التقليدية. غير أن الثورة السيبرانية قلبت هذه المعادلة بصورة جذرية، إذ أصبح بإمكان الطالب الوصول إلى المعرفة من أي مكان وفي أي وقت عبر شبكة الإنترنت والمنصات الرقمية. وتحولت الشاشات الذكية والحواسيب والهواتف المحمولة إلى أدوات تعليمية رئيسية، بينما أصبحت المنصات الإلكترونية فضاءات معرفية واسعة تجمع ملايين الطلاب والمعلمين حول العالم.

إن السيبرانية لم تغيّر فقط وسائل التعليم، بل غيّرت فلسفته أيضًا. ففي الماضي كان التعليم يقوم غالبًا على حفظ المعلومات واسترجاعها، أما اليوم فقد أصبح التركيز منصبًا على تنمية مهارات التفكير والتحليل والإبداع والقدرة على التعامل مع المعلومات. فالمعرفة لم تعد نادرة أو صعبة الوصول، بل أصبحت متاحة بكثرة، والتحدي الحقيقي بات في كيفية فهمها وتحليلها والاستفادة منها بصورة صحيحة. وهذا التحول فرض على المؤسسات التعليمية إعادة النظر في مناهجها وأساليبها بما يتناسب مع طبيعة العصر الرقمي.

وقد ساهمت السيبرانية في كسر الحواجز الجغرافية التي كانت تعيق العملية التعليمية. فالطالب في قرية صغيرة أصبح قادرًا على متابعة محاضرات تقدمها أرقى الجامعات العالمية، كما أصبح بإمكان الباحثين والمعلمين تبادل الخبرات والمعارف عبر منصات إلكترونية عابرة للحدود. وهذا الانفتاح المعرفي الهائل منح ملايين البشر فرصًا للتعلم لم تكن متاحة لهم من قبل، وساعد على نشر الثقافة والمعرفة بصورة أوسع من أي وقت مضى.

ومن أبرز مظاهر الثورة السيبرانية في التعليم ظهور التعليم الإلكتروني الذي أصبح جزءًا أساسيًا من المنظومة التعليمية الحديثة. وقد أثبتت التجارب العالمية، خاصة خلال جائحة كورونا، أن التعليم الرقمي لم يعد خيارًا ثانويًا بل ضرورة استراتيجية لضمان استمرارية العملية التعليمية. ففي الوقت الذي أغلقت فيه المدارس والجامعات أبوابها، استطاعت التكنولوجيا الرقمية أن تحافظ على التواصل بين المعلمين والطلاب، وأن توفر بيئة تعليمية بديلة سمحت باستمرار الدراسة رغم الظروف الصعبة.

كما أدى التطور السيبراني إلى ظهور أنماط جديدة من التعلم تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتفاعل الذكي. فالأنظمة التعليمية الحديثة أصبحت قادرة على تحليل مستوى الطالب وتحديد نقاط القوة والضعف لديه، ثم تقديم محتوى تعليمي يتناسب مع احتياجاته الفردية. وهذا ما يعرف بالتعلم الشخصي الذي يراعي الفروق الفردية بين الطلاب ويمنح كل متعلم تجربة تعليمية خاصة به. وقد ساهمت هذه التقنيات في تحسين جودة التعليم وجعل العملية التعليمية أكثر مرونة وكفاءة.

ولم يقتصر تأثير السيبرانية على الطلاب فقط، بل امتد إلى المعلمين أيضًا. فقد أصبح المعلم اليوم مطالبًا بامتلاك مهارات رقمية جديدة تساعده على استخدام التكنولوجيا في الشرح والتفاعل وإعداد المحتوى التعليمي. كما أن دوره لم يعد مقتصرًا على نقل المعلومات، بل تحول إلى موجّه ومرشد يساعد الطلاب على الوصول إلى المعرفة والتعامل معها بصورة نقدية وواعية. وهذا التحول يفرض ضرورة تطوير برامج إعداد المعلمين وتأهيلهم للتعامل مع متطلبات العصر الرقمي.

ومن الجوانب المهمة التي أحدثتها الثورة السيبرانية في التعليم ذلك التوسع الكبير في مصادر المعرفة. فلم تعد الكتب المدرسية وحدها هي المرجع الأساسي للطالب، بل أصبحت هناك مكتبات رقمية ضخمة ومنصات تعليمية وقواعد بيانات علمية ومصادر متعددة للمعلومات. وهذا التنوع أتاح للطلاب فرصًا أوسع للبحث والاكتشاف والتعلم الذاتي، كما ساهم في تعزيز ثقافة التعلم المستمر التي أصبحت ضرورة في عالم سريع التغير.

كما لعبت السيبرانية دورًا كبيرًا في تطوير أساليب التقييم والاختبارات. فالأنظمة الرقمية الحديثة وفرت أدوات متقدمة لإجراء الامتحانات الإلكترونية وتحليل نتائج الطلاب بصورة دقيقة وسريعة. كما ساعدت تقنيات الذكاء الاصطناعي في متابعة أداء الطلاب وتقديم تقارير تفصيلية حول مستواهم الأكاديمي. وهذه التطورات أسهمت في جعل عملية التقييم أكثر موضوعية وشفافية، رغم ما يرافقها أحيانًا من تحديات تتعلق بالأمان الرقمي ومنع الغش الإلكتروني.

ورغم الإيجابيات الكبيرة التي قدمتها السيبرانية للتعليم، فإن هذا التحول لا يخلو من تحديات حقيقية. فالفجوة الرقمية ما تزال تمثل عقبة كبيرة أمام تحقيق العدالة التعليمية، إذ لا تتوفر الإمكانات التقنية والإنترنت السريع لجميع الطلاب بالقدر نفسه، خاصة في الدول الفقيرة والمناطق النائية. كما أن الاعتماد المفرط على التكنولوجيا قد يؤدي إلى ضعف التفاعل الإنساني المباشر بين المعلم والطالب، وهو عنصر مهم في العملية التعليمية والتربوية.

ومن التحديات الأخرى كذلك تلك المتعلقة بالأمن السيبراني وحماية البيانات التعليمية. فالمؤسسات التعليمية أصبحت هدفًا للهجمات الإلكترونية التي قد تهدد خصوصية الطلاب والمعلمين أو تعطل الأنظمة التعليمية الرقمية. ولذلك أصبح من الضروري تعزيز الوعي بالأمن السيبراني داخل المدارس والجامعات، وتطوير أنظمة حماية قوية تضمن سلامة المعلومات والبيانات.

كما أن الاستخدام غير المنضبط للتكنولوجيا قد يؤدي إلى مشكلات تتعلق بالتشتت وضعف التركيز والإدمان الرقمي، خاصة لدى الأطفال والشباب. فالإنترنت، رغم ما يتيحه من فرص معرفية هائلة، يحتوي أيضًا على كم كبير من المعلومات غير الموثوقة والمحتويات غير المناسبة. وهذا يفرض على المؤسسات التعليمية والأسرة مسؤولية مشتركة في توجيه الطلاب نحو الاستخدام الواعي والمسؤول للتكنولوجيا.

وفي العالم العربي، بدأت المؤسسات التعليمية تدرك تدريجيًا أهمية التحول الرقمي في التعليم، فظهرت مبادرات عديدة لتطوير البنية التحتية الرقمية وإدخال التكنولوجيا إلى المدارس والجامعات. غير أن هذا التحول ما يزال بحاجة إلى مزيد من التخطيط والاستثمار، خاصة في مجالات تدريب المعلمين وتطوير المناهج الرقمية وتوفير بيئة تعليمية متكاملة تواكب التطورات العالمية.

إن الثورة السيبرانية لا تعني استبدال الإنسان بالآلة، بل تعني توظيف التكنولوجيا لخدمة العملية التعليمية وتحسين جودتها. فالتعليم في جوهره يظل عملية إنسانية تهدف إلى بناء العقل والشخصية والقيم، والتكنولوجيا ليست سوى أداة يمكن أن تسهم في تحقيق هذه الأهداف إذا استُخدمت بصورة صحيحة. ولذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في امتلاك الأجهزة والمنصات الرقمية فحسب، بل في بناء رؤية تعليمية متكاملة قادرة على توظيف هذه الأدوات في تنمية الإنسان وإعداده لمستقبل أكثر تعقيدًا وتغيرًا.

لقد فتحت السيبرانية أمام التعليم آفاقًا واسعة لم تكن ممكنة في السابق، وأعادت تشكيل مفهوم المدرسة والجامعة والمعرفة. ومع استمرار التطور في مجالات الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي والتعلم الذكي، يبدو أن المستقبل سيحمل تحولات أعمق قد تجعل العملية التعليمية أكثر تفاعلاً ومرونة وشمولاً. غير أن نجاح هذا التحول سيظل مرتبطًا بقدرة المجتمعات على تحقيق التوازن بين التكنولوجيا والقيم الإنسانية، وبين التطور الرقمي والبعد التربوي، حتى يبقى التعليم أداة لبناء الإنسان لا مجرد عملية تقنية داخل فضاء إلكتروني.

***

د. عصام البرّام - القاهرة

في كل رحلة هجرة، هناك قصة هوية تتشكل من جديد، وكأن الإنسان يعيد كتابة تعريفه لنفسه وهو يعبر الحدود. الهوية ليست مجرد بطاقة تعريف أو انتماء قومي، بل هي شبكة معقدة من الرموز والعلاقات والذاكرة الجمعية التي ترافق الفرد أينما ذهب. حين يغادر المرء أرضه، لا يترك وراءه المكان فقط، بل يدخل في مواجهة مع ذاته: أي جزء من هويته سيحمله معه، وأي جزء سيتغير بفعل الاحتكاك بثقافات أخرى؟

الهجرة بهذا المعنى ليست مجرد انتقال جغرافي، بل هي تجربة أنثروبولوجية عميقة، حيث يصبح الفرد كائنًا بينيًّا، يعيش في فضاء مزدوج، يتأرجح بين الأصل والمهجر، بين الماضي والحاضر، وبين ما يفرضه المجتمع الجديد وما يظل عالقًا في الذاكرة. إنها لحظة اختبار للانتماء، حيث تتحول الحدود من خطوط سياسية إلى مساحات رمزية تعيد تشكيل معنى "نحن" ومعنى "الآخر".

في هذا السياق، يصبح الانتماء عملية ديناميكية لا تنتهي، إذ يعاد إنتاجه عبر اللغة، الطقوس، العادات، وحتى تفاصيل الحياة اليومية. فالهوية المهاجرة ليست ثابتة، بل هي مشروع مستمر، يتشكل من التفاوض بين الفرد والجماعة، بين الذاكرة والواقع، وبين الحنين والاندماج. ومن هنا، فإن دراسة الهوية والهجرة أنثروبولوجيًا تكشف عن عمق التجربة الإنسانية، وعن قدرة الإنسان على إعادة صياغة ذاته في مواجهة العبور والاقتلاع.

حين نتأمل في مسألة الهوية والهجرة، ندرك أن الانتماء ليس مجرد حالة ثابتة، بل هو عملية مستمرة من التفاوض وإعادة التشكيل. فالهجرة تضع الإنسان في مواجهة مع أسئلة وجودية عميقة: من أنا حين أترك أرضي؟ كيف أُعرّف نفسي في مجتمع جديد؟ وأي سردية من الماضي أستحضرها كي أجد لنفسي مكانًا في الحاضر؟ هذه الأسئلة لا تُجاب مرة واحدة، بل تُعاد صياغتها في كل لقاء، في كل لغة يتعلمها المهاجر، وفي كل علاقة يبنيها عبر الحدود.

الهوية هنا تتحول إلى فضاء متحرك، أشبه بجسر بين ثقافتين، حيث لا يعود الانتماء مجرد ولاء قومي أو عاطفة جماعية، بل يصبح تجربة معيشة تتشكل من التداخل بين الذاكرة والواقع. المهاجر يعيش في حالة "بين بين"، فهو ليس منفصلًا تمامًا عن جذوره، ولا مندمجًا كليًا في المجتمع الجديد، بل يخلق لنفسه هوية هجينة، تتغذى من التعددية وتعيد تعريف معنى الانتماء.

ومن منظور أنثروبولوجي، فإن هذه العملية تكشف عن قدرة الإنسان على إعادة إنتاج ذاته في مواجهة الاقتلاع والعبور. فالهوية ليست جوهرًا ثابتًا، بل هي بناء اجتماعي يتغير مع الظروف، مع اللغة، ومع الرموز التي يتبناها الفرد والجماعة. الهجرة إذن ليست مجرد انتقال، بل هي مختبر حي لإعادة تشكيل الانتماء، حيث تتقاطع السياسة مع الثقافة، والذاكرة مع المستقبل، والذات مع الآخر.

بهذا المعنى، يصبح الحديث عن الهوية والهجرة حديثًا عن الإنسان في أعمق تجلياته: كائن يبحث عن مكانه في العالم، ويعيد صياغة ذاته كلما عبر حدودًا جديدة. إنها رحلة لا تنتهي، لأن الانتماء نفسه ليس نهاية، بل سيرورة دائمة من التفاوض والتجدد.

الهجرة كتحول أنثروبولوجي

الهجرة ليست مجرد حركة جسدية من نقطة إلى أخرى، بل هي حدث أنثروبولوجي يعيد صياغة علاقة الإنسان بذاته وبالعالم. إنها لحظة عبور تتجاوز الجغرافيا لتدخل في عمق التجربة الإنسانية، حيث يصبح الفرد في مواجهة مع أسئلة الهوية والانتماء، ويجد نفسه مضطرًا إلى إعادة تعريف ذاته في سياق جديد.

حين يغادر الإنسان أرضه، لا يترك وراءه المكان فقط، بل يترك شبكة من الرموز والعلاقات والذاكرة التي شكّلت هويته الأولى. في المهجر، يكتشف أن تلك الهوية ليست ثابتة، بل قابلة لإعادة التشكيل وفقًا للظروف الجديدة. هنا يظهر البعد الأنثروبولوجي للهجرة: إنها ليست مجرد استجابة اقتصادية أو سياسية، بل تجربة وجودية تُعيد إنتاج المعاني التي تحدد من نحن.

المهاجر يعيش في حالة عبور دائم، بين ثقافتين، بين لغتين، بين طقوسين. هذا العبور لا ينتهي عند الوصول، بل يستمر في تفاصيل الحياة اليومية: في اللغة التي يتحدث بها، في الطعام الذي يتناوله، في الطقوس التي يحافظ عليها أو يتركها. كل هذه التفاصيل تتحول إلى أدوات لإعادة بناء الانتماء. فالهوية هنا ليست جوهرًا ثابتًا، بل سيرورة متحركة تتأثر بالزمان والمكان، وتُعاد صياغتها عبر التفاوض المستمر بين الماضي والواقع، بين الذاكرة والاندماج، بين الحنين والضرورة.

من منظور أنثروبولوجي، الهجرة تكشف عن هشاشة الهوية من جهة، وعن مرونتها من جهة أخرى. فهي تُظهر أن الانتماء ليس معطىً طبيعيًا، بل بناء اجتماعي وثقافي يُعاد إنتاجه في كل تجربة عبور. المهاجر يصبح نموذجًا أنثروبولوجيًا فريدًا: إنسان يعيش في "الفضاء البيني"، حيث الحدود ليست نهاية، بل بداية لإعادة تشكيل الذات والانتماء.

الهجرة أيضًا تفتح المجال أمام مقاربات إبداعية لفهم الإنسان. فهي تجعلنا نرى الهوية كجسر، لا كجدار؛ كحركة، لا كجمود. إنها تكشف عن قدرة الإنسان على التكيف، على إعادة ترجمة ذاته إلى سياق آخر، وعلى خلق هوية هجينة تتغذى من التعددية. بهذا المعنى، دراسة الهجرة أنثروبولوجيًا ليست مجرد بحث في حركة البشر، بل في حركة المعاني والرموز التي تصنع الإنسان وتعيد تشكيله عبر الحدود.

الهوية البينية والهوية الهجينة

حين يعبر الإنسان الحدود، لا يترك وراءه هويته كاملة، ولا يتبناها جديدة بشكل مطلق، بل يدخل في حالة أنثروبولوجية معقدة يمكن وصفها بـ"الهوية البينية". هذه الهوية ليست ثابتة، بل هي حالة وجودية يعيش فيها المهاجر بين ثقافتين، بين لغتين، بين عالمين متوازيين. إنها تجربة العيش في منطقة رمادية، حيث لا يكون الفرد جزءًا كاملًا من الأصل ولا من المهجر، بل يخلق لنفسه مساحة ثالثة، فضاءً خاصًا يعيد فيه صياغة ذاته باستمرار.

في هذا الفضاء البيني، يصبح المهاجر كائنًا مزدوجًا، يحمل في داخله سرديات متناقضة أحيانًا، لكنه قادر على التوفيق بينها عبر الممارسة اليومية. فهو يتحدث لغة في البيت ولغة أخرى في العمل، يحتفل بطقوس من الماضي ويشارك في طقوس جديدة من الحاضر، ويعيش بين ذاكرة جماعية تعود إلى الوطن الأصلي وبين واقع اجتماعي يفرضه المجتمع المضيف. هذه الازدواجية ليست ضعفًا، بل مصدر قوة، لأنها تمنح المهاجر القدرة على بناء هوية هجينة، هوية مركبة تتغذى من التعددية وتعيد تعريف معنى الانتماء.

الهوية الهجينة بهذا المعنى ليست مجرد خليط من عناصر مختلفة، بل هي مشروع إبداعي يعكس قدرة الإنسان على التكيف وإعادة إنتاج ذاته. إنها هوية تتجاوز فكرة "النقاء الثقافي" لتؤكد أن الهوية دائمًا في حالة حركة، وأنها تُبنى من التفاعل بين الذات والآخر، بين الأصل والمهجر، بين الماضي والمستقبل. ومن هنا، فإن المهاجر لا يعيش فقط في حالة "بين بين"، بل يخلق نموذجًا جديدًا للانتماء، نموذجًا يتحدى الحدود ويعيد صياغة معنى الجماعة.

من منظور أنثروبولوجي، الهوية البينية والهجينة تكشف عن أن الانتماء ليس معطىً طبيعيًا، بل بناء اجتماعي وثقافي يُعاد إنتاجه في كل تجربة عبور. إنها تُظهر أن الإنسان قادر على أن يكون أكثر من شيء واحد في الوقت نفسه، وأن يعيش في فضاءات متعددة دون أن يفقد ذاته. بل على العكس، هذه التعددية تمنحه فرصة لإعادة اكتشاف نفسه، ولإبداع سردية جديدة تعكس تعقيد التجربة الإنسانية في زمن العبور والهجرة.

الذاكرة واللغة والطقوس كأدوات انتماء

الهجرة لا تُفقد الإنسان ذاكرته، بل تجعله أكثر تعلقًا بها. فالذاكرة الجمعية تتحول إلى مخزون رمزي يستدعيه المهاجر في كل لحظة اغتراب، لتثبيت إحساسه بالانتماء. الحنين هنا ليس مجرد عاطفة، بل هو ممارسة يومية: في الأغاني التي تُسمع، في الأطعمة التي تُطهى، وفي الحكايات التي تُروى للأطفال عن "الوطن البعيد". هذه الذاكرة ليست استرجاعًا للماضي فقط، بل هي وسيلة لإعادة إنتاج الهوية في الحاضر، حيث يصبح الماضي مادة حية تُغذّي الانتماء وتمنحه معنى جديدًا.

اللغة بدورها أداة مركزية في تشكيل الهوية. فهي ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل فضاء رمزي يحدد موقع الفرد داخل الجماعة. المهاجر الذي يتحدث لغة الأصل في البيت ولغة المهجر في العمل يعيش ازدواجية لغوية تكشف عن عمق الهوية البينية. اللغة الأم تصبح رمزًا للذاكرة والحنين، بينما اللغة الجديدة تتحول إلى جسر للاندماج. هذا التداخل اللغوي لا يُضعف الهوية، بل يعيد تشكيلها، حيث يتعلم الفرد أن يكون أكثر من شيء واحد في الوقت نفسه، وأن يترجم ذاته باستمرار بين عالمين.

أما الطقوس والعادات، فهي المسرح الذي تُعاد فيه كتابة الهوية يوميًا. الطقوس الدينية، الاحتفالات الشعبية، وحتى تفاصيل الحياة اليومية مثل طريقة إعداد الطعام أو أسلوب اللباس، تتحول إلى أدوات لإعادة إنتاج الانتماء. المهاجر الذي يحتفل بالأعياد التقليدية في المهجر لا يفعل ذلك فقط بدافع الحنين، بل ليؤكد أن هويته ما زالت حية، وأنه قادر على نقلها إلى فضاء جديد. في المقابل، مشاركته في طقوس المجتمع المضيف تُظهر مرونة الهوية وقدرتها على التكيف. هذه الممارسات تكشف أن الهوية ليست ثابتة، بل مشروع مستمر يُعاد إنتاجه عبر الطقوس اليومية.

من منظور أنثروبولوجي، الذاكرة واللغة والطقوس ليست مجرد تفاصيل، بل هي آليات أساسية لإعادة بناء الانتماء. فهي تُظهر أن الهوية تُصنع من خلال الممارسة، وأنها ليست جوهرًا داخليًا بل بناء اجتماعي يتشكل من التفاعل بين الفرد والجماعة، بين الماضي والحاضر، بين الأصل والمهجر. بهذا المعنى، يمكن القول إن المهاجر يعيش في مختبر يومي لإعادة إنتاج الهوية، حيث كل كلمة، كل ذكرى، وكل طقس، يصبح أداة لإعادة صياغة الذات والانتماء.

السياسة والمجتمعات العابرة للحدود

الهجرة ليست فقط تجربة فردية أو ثقافية، بل هي أيضًا ظاهرة سياسية بامتياز، حيث تتقاطع فيها السلطة مع الهوية، والقوانين مع الانتماء. فالمهاجر لا يعيش في فراغ، بل في فضاء تحدده سياسات الدولة المضيفة، وإجراءات الاندماج أو الإقصاء، والحدود القانونية التي تُرسم حوله. هذه السياسات قد تمنحه فرصًا للاندماج، أو قد تدفعه إلى الهامش، لكنها في كل الأحوال تصبح جزءًا من عملية إعادة تشكيل الهوية والانتماء.

من منظور أنثروبولوجي، السياسة ليست مجرد قوانين جامدة، بل هي قوة رمزية تُعيد إنتاج معنى "من ينتمي" و"من يُستبعد". المهاجر يواجه هذه القوة يوميًا: في المدرسة، في سوق العمل، في الإعلام، وحتى في تفاصيل الحياة اليومية. هنا يصبح الانتماء مشروعًا سياسيًا، حيث يُعاد تعريف الهوية ليس فقط عبر الذاكرة والطقوس، بل أيضًا عبر موقع الفرد في النظام القانوني والاجتماعي.

لكن المهاجرين لا يقفون مكتوفي الأيدي أمام هذه السلطة، بل يخلقون لأنفسهم فضاءات بديلة، مجتمعات عابرة للحدود تربطهم بالأصل والمهجر في آن واحد. هذه المجتمعات ليست مجرد شبكات اجتماعية، بل هي فضاءات رمزية واقتصادية وثقافية، حيث يُعاد إنتاج الهوية بشكل جماعي. المهاجر قد يعيش في بلد جديد، لكنه يظل مرتبطًا بوطنه عبر العائلة، عبر التحويلات المالية، عبر الإعلام الرقمي، وعبر الطقوس التي تُمارس في الشتات. بهذا المعنى، الهجرة تُنتج هوية مزدوجة، لا تنتمي فقط إلى مكان واحد، بل إلى شبكة ممتدة تتجاوز الحدود الوطنية.

المجتمعات العابرة للحدود تكشف عن أن الهوية لم تعد مرتبطة حصريًا بالدولة القومية، بل أصبحت مشروعًا عالميًا يتشكل من التداخل بين المحلي والعالمي. المهاجر يعيش في عالم متعدد الانتماءات، حيث يمكن أن يكون دنماركيًا في العمل، مغربيًا في البيت، وعالميًا على الإنترنت. هذه التعددية ليست تناقضًا، بل هي تعبير عن واقع جديد، حيث الحدود السياسية لم تعد قادرة على احتكار معنى الهوية والانتماء.

من هنا، فإن دراسة الهجرة أنثروبولوجيًا تكشف عن أن السياسة ليست فقط قوة تُحدد من ينتمي ومن يُستبعد، بل أيضًا فضاء يُعاد فيه إنتاج الهوية عبر المقاومة والإبداع. المهاجرون يخلقون مجتمعات بديلة، يعيدون تعريف الانتماء، ويثبتون أن الهوية ليست حكرًا على الدولة، بل مشروع إنساني يتجاوز الحدود.

الهجرة بهذا المعنى تُظهر أن الإنسان قادر على أن يعيش في أكثر من عالم في الوقت نفسه، وأن يبني لنفسه هوية مركبة تتحدى السلطة وتعيد صياغة معنى الجماعة. إنها ليست فقط حركة بشرية، بل حركة رمزية وسياسية، تُعيد تشكيل العالم من جديد عبر المجتمعات العابرة للحدود.

الاقتصاد العاطفي للهجرة

الهجرة ليست فقط انتقالًا جسديًا أو إعادة تشكيل للهوية، بل هي أيضًا اقتصاد عاطفي معقد، حيث تتحول المشاعر إلى موارد تُستهلك وتُنتج وتُعاد توزيعها عبر الحدود. المهاجر يعيش في شبكة من الانفعالات: الحنين، الخوف، الأمل، القلق، الفخر، والاغتراب. هذه المشاعر ليست مجرد حالات نفسية فردية، بل هي جزء من البنية الاجتماعية التي تحدد كيف يُعاد تشكيل الانتماء.

الحنين مثلًا يعمل كعملة رمزية، يُستثمر في الطقوس والذاكرة، ويُعاد إنتاجه في الأغاني والقصص والممارسات اليومية. إنه ليس مجرد شعور بالغياب، بل قوة تُعيد ربط الفرد بجماعته الأصلية، حتى وهو يعيش في فضاء جديد. في المقابل، الأمل يصبح موردًا يُدفع به نحو الاندماج، نحو بناء مستقبل مختلف، نحو إعادة صياغة الذات في سياق جديد. وبين الحنين والأمل، يعيش المهاجر في اقتصاد عاطفي متوتر، حيث يُعاد توزيع المشاعر بين الأصل والمهجر، بين الماضي والمستقبل.

الخوف أيضًا جزء من هذا الاقتصاد، فهو يحدد حدود الانتماء ويكشف هشاشة الهوية. المهاجر قد يخاف من فقدان لغته، من ذوبان طقوسه، من أن يصبح "آخرًا" في المجتمع الجديد. لكن هذا الخوف يُترجم إلى ممارسات يومية: تعليم الأطفال لغة الأصل، الحفاظ على الطقوس، بناء مجتمعات صغيرة في المهجر. بهذا المعنى، الخوف ليس مجرد عاطفة سلبية، بل قوة تُعيد إنتاج الهوية وتمنحها معنى جديدًا.

الاقتصاد العاطفي للهجرة يكشف أن المشاعر ليست فردية فقط، بل جماعية أيضًا. فهي تُبنى وتُعاد إنتاجها في العلاقات الاجتماعية، في الإعلام، في السياسات، وفي المجتمعات العابرة للحدود. المهاجرون يتشاركون الحنين، يتبادلون الأمل، ويواجهون الخوف معًا، ما يجعل من العاطفة موردًا جماعيًا يُعيد تشكيل معنى الانتماء.

من منظور أنثروبولوجي، هذا الاقتصاد العاطفي يُظهر أن الهوية ليست فقط بناءًا ثقافيًا أو سياسيًا، بل أيضًا عاطفيًا. إنها تُصنع من خلال المشاعر، وتُعاد صياغتها عبر التوتر بين الحنين والاندماج، بين الخوف والأمل، بين الفرد والجماعة. بهذا المعنى، الهجرة ليست فقط حركة بشرية أو سياسية، بل أيضًا حركة وجدانية تُعيد تشكيل العالم من خلال الاقتصاد العاطفي الذي يحمله المهاجرون معهم أينما ذهبوا.

الهجرة والهوية كرحلة إنسانية مفتوحة

الهجرة، كما رأينا عبر المحاور السابقة، ليست مجرد انتقال جسدي أو حدث اقتصادي، بل هي تجربة أنثروبولوجية شاملة تعيد صياغة علاقة الإنسان بذاته وبالعالم. إنها لحظة عبور تكشف هشاشة الهوية ومرونتها، وتضع الفرد في مواجهة مع أسئلة الانتماء والذاكرة واللغة والسياسة والمشاعر.

في المحور الأول، أدركنا أن الهجرة هي تحول أنثروبولوجي يعيد إنتاج الرموز والمعاني، ويجعل من المهاجر كائنًا في حالة عبور دائم. ثم في المحور الثاني، رأينا كيف يعيش المهاجر في فضاء بيني، يصوغ هوية هجينة تتغذى من التعددية وتعيد تعريف معنى الانتماء. أما في المحور الثالث، فقد اكتشفنا أن الذاكرة واللغة والطقوس ليست مجرد تفاصيل، بل أدوات يومية لإعادة بناء الهوية، حيث يصبح الحنين واللغة الأم والطقوس الجماعية وسائل لإبقاء الانتماء حيًا في فضاء جديد.

في المحور الرابع، اتضح أن السياسة ليست مجرد قوانين، بل قوة رمزية تحدد من ينتمي ومن يُستبعد، وأن المهاجرين يخلقون مجتمعات عابرة للحدود تعيد صياغة معنى الجماعة في عالم متعدد الانتماءات. وأخيرًا، في المحور الخامس، رأينا أن الهجرة تحمل اقتصادًا عاطفيًا معقدًا، حيث تتحول المشاعر إلى موارد تُستهلك وتُنتج وتُعاد توزيعها، لتصبح جزءًا من البنية الاجتماعية التي تُعيد تشكيل الهوية.

الخلاصة أن الهوية في سياق الهجرة ليست جوهرًا ثابتًا، بل سيرورة متحركة تُبنى من خلال التفاعل بين الفرد والجماعة، بين الماضي والحاضر، بين الأصل والمهجر، وبين السياسة والعاطفة. إنها مشروع إنساني مفتوح، لا ينتهي عند الوصول، بل يستمر في كل ممارسة يومية، في كل كلمة، في كل ذكرى، وفي كل طقس.

الهجرة بهذا المعنى تكشف عن قدرة الإنسان على إعادة إنتاج ذاته في مواجهة العبور والاقتلاع، وتُظهر أن الانتماء ليس معطىً طبيعيًا، بل بناء اجتماعي وثقافي وعاطفي وسياسي يُعاد تشكيله باستمرار. إنها رحلة لا تنتهي، لأن الهوية نفسها ليست نهاية، بل حركة دائمة نحو إعادة اكتشاف الذات والآخر والعالم.

في النهاية، تبقى الهجرة أكثر من مجرد حركة بشرية؛ إنها اختبار دائم لمعنى أن تكون إنسانًا في عالم تتغير حدوده باستمرار. الهوية لا تُمنح مرة واحدة، بل تُصنع وتُعاد صياغتها في كل عبور، في كل لغة جديدة، وفي كل ذاكرة تُستحضر. ربما تكمن الحقيقة الأعمق في أن الانتماء ليس مكانًا نعود إليه، بل رحلة لا تنتهي نحو اكتشاف الذات والآخر… رحلة تُعلّمنا أن الإنسان لا يُعرَّف بما يتركه وراءه، بل بما يقدر على خلقه وهو يعبر الحدود.

***

د. حسن العاصي

 

ومكافحة الفكر المتطرف

 أسست المرأة وجودها الطوعي، والأساس في بناء اركان المجتمع بصورة عامة، والحياة الشخصية للأسرة بصورة خاصة. إذ تمركزت اعمدة المحيط الخارجي على ركائزها، وتضحياتها، وصبرها المعطاء من دون مقابل، حتى وأن خرج البعض منهن عن هذا الطريق، إلا أنه لا يشكل الكثرة، ولا يؤثر على الحقيقة المبانة.

 وإذ شهدت الخارطة الداخلية، والخارجية للكرة الأرضية خروج، ودخول مسارات، وافكار جديدة لم يطرأ اليها الواقع من قبل، حتى وأن طرأ فأنه جاء بصورة قليلة لم تنل الواجهة المعاشة للحياة الاجتماعية الأنية.

 هنا احتاج الواقع إلى وقفة حقيقية، ومعالجة جذرية للفجوة المخروقة، وأمام الضغط الحياتي للرجل، ومشاكل الحياة الاجتماعية في السعي لتأمين العيش الحلال للأسرة برز دور المرأة في المساندة والدعم امام الرجل والمجتمع في محاربة المصطلحات التحفيزية الدخيلة للأمن المجتمعي ومنها (التطرف)، فما هو التطرف؟ وكيف تصدت له المرأة في تعزيز الأمن المجتمعي؟

يعد التطرف من المفاهيم الحديثة، والدخيلة الينا.   دخولها جاء بصورة قصرية أفتعالية في الكثير منها إلى محيط مجتمعنا بصورة خاصة، والعالم العربي بصورة عامة، وعدت من المصطلحات الاستهلاكية المنتشرة بكثرة.

 لغوياً جاء من الطرف وهو الطائفة من الشيء، {طرفي النهار} أوله وآخره.

في المعنويات معناه: الوقوف من الطرف بعيداً عن الوسط، كالتطرف في الفكر أو السلوك، أو هو الناصية، ومنتهى كل شيء.

  واصطلاحيا ركز مفهمومه بالخروج عن المألوف للضوابط الاجتماعية، والقانونية.

  والابتعاد عن القواعد الفكرية، والمعايير، والقيم السلوكية في المجتمع وقد يتحول من مجرد فكر إلى سلوك وعمل، معاش بصورة تطبيقية وهنا تكمن الاشكالية الكبيرة.

   إذ يشكل تطبيق العنف فعلاً من افعال التهديد، لينتقل الى المشروع الأكبر المتمثل بالأجرام الفردي، والاجتماعي، عن طريق تأسيس وزرع فكرة الخوف، والترهيب، والترويع، وهي صورة معاشة بحذافيراها داخل المجتمع المعاش للعالم اجمع، وعدم التصدي له يشكل خطورة قصوى للحياة المعاشة.

وتمثلت جملة اسباب اسست لهذه الوحشية منها:

1- الجهل وعدم المعرفة والفقر.

2- الظلم والتهميش والاقصاء.

3- الاسباب النفسية بعض الافراد يمتلكون بنية نفسية مؤهلة للتطرف والعنف، وبعض هذه البنى النفسية توجد مع الإنسان منذ ولادته، وبعضها الآخر يكتسب من البيئة، والمناخ الذي يعيش فيه.

بالإضافة إلى عوامل:

1- اليأس والاحباط.

2- عامل الفقر والحرمان.

3- جنون العظمة.

4- الأسباب الاجتماعية.

5- اسباب دينية واعتقادية.

6-الأسباب الاعلامية.

7-الاسباب السياسية.

8-الاسباب الاقتصادية.

 للمعالجة الحقيقية كان لابد للمرأة بالنهوض عن طريق عمل الورش والمحاضرات التثقيفية للوعي والعمل الجاد لإبراز الصورة الحقيقية، والوقوف عند الخروقات ومعالجتها.

فضلا عن كل هذا لابد من العمل الجاد على ترميم الخروقات من داخل الاسرة، لكي يتمكن السيطرة من الداخل، ثم الزحف لتصحيح الخارج بالقدر المستطاع.

 ودوها كمربية اجيال ساهم في زرع الأفكار الصحيحة للطفل من مراحل تعلينه الأولية بالمدرسة فـ (التعليم في الصغر كالنقش على الحجر).

  وتطبيق هذا القول بالطريقة الصحيحة يعد المسار الأمن لمجتمع واع، وصحيح، يبتعد عن الامراض النفسية المدمرة لشخصية الطفل ؛ كونه- الطفل- نبتة تنشأ وتكبر على الامور التطبيقية التي يشاهدها، وهنا باستطاعتنا تنشأته بالطريقة الصحيحة أو المخالفة للمألوف؛ لأن ما يتعلمه الطفل في اعوامه الاولى قد لا يمحى حتى اخر يوم في حياته، وهنا يكمن جوهر حديثنا فالسلوك الصغير ينبت من الصغر، وأما انبات نافع أو ضار، ومهمة الأسرة يبدأ من هذه الوهلة، ودور الأساسي يقع على عاتق الأم فـ (الأم مدرسة أذا اعددتها اعددت شعباً طيب الأعراق)

  أضيف، حققت المرأة الصورة الأكبر في التربية والتضحية وتقويم السلوك، وتعزيز الأمن الداخلي للأسرة، والخارجي للمجتمع، حتى وأن لم تحقق بعضهم هذه الخصائل إلا انهن قلة قليلة لا تشكل ظاهرة.

***

د. وسن مرشد محمود

جامعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

اهم انواع التطرف الفكري :

التطرف الديني

التطرف الاعتقادي

التطرف العلمي

التطرف السياسي

التطرف الفكري

التطرف الثقافي

التطرف الاجتماعي

-دور المرأة في التصدي لهذه الضغوطات :

 التطرف واحد من اخطر الأمراض التي تدمر المجتمعات، والدول، وتعزز توليد مفهوم الكراهية، وتقتل التسامح، ونهاياته تكون محسومة بالأغلب بسفك الدماء، وانتهاك الاعراض.

  اول نشأته انحصر بالرجال، إلا أن الآونة الآخيرة ظمت النساء إلى صفوفها الأرهابية عن طريق توظيف الترهيب، والأكراه، بالغصب الضدي، والندرة القليلة جاءت بالطوعية وتحولوا إلى (نساء داعش).

 وانتقلت وظيفتهن من المهن المنزلية، وإداء متطلبات المنزل إلى المهن القتالية، وزرع الفتنة والعداء، وهذا ما جعل توظيف النساء لأسباب عدة اهمها:

-يعد استخدامهن ميزة عليا لتمرير الكثير من الاجندات، والأسلحة الأرهابية، وغيرها، بحجة أن المرأة حرمة لا يستطيع الكثير الشك، او اجراءعمليات التفتيش لهن.

-وجودهن عامل دعاية مجانية، واستقطاب كبير لفئة الشباب.

- كسب موارد مالية كبيرة عن طريق توظيف مفهوم الفدية.

 دورها الأساس يكمن في :

1-إن قيام المرأة بمسؤوليتها تجاه التكوين الفكري والنفسي والاجتماعي لأبنائها واندماجهم في المجتمع وتفاعلهم البناء مع انسجته ليكونوا جزءاً من النسيج الثقافي للمجتمعات يشكل حاجزاً منيعاً أمام اي انحراف فكري قد يحدث ويكون سبب في تدمير المجتمع.

2-مسؤوليتها لاتقتصر على الاسرة فقط، بل تمتد لتشمل مختلف المجالات، كعملها كمربية او معلمة او اعلامية او مرشدة او داعية.

3-تقدم المرأة رؤية جديدة في مكافحة التطرف الفكري عن طريق المشاركة في الانشطة التي يؤديها الرجال.

4-مساهمتها في الحوارات عبر وسائل الاعلام العامة او الموجهة للشباب اشد تاثير، وتنفيذ.

5-الاهم استطاعتها الفعالة في حماية المجتمع من التطرف الفكري إذا قامت بذلك عن طريق توعية المرأة بمخاطر الأرهاب النفسية والاجتماعية تساعدها في اتخاذ اجرات استباقية للوقاية منه داخل الاسرة وخارجها.

والأهم تفعيل محور الحوار الواعي الهادف سواء مع الاطفال، او الشباب الغير مدرك بمجريات الأحداث الداخلية والخارجية.

اهميتها في تكثيف الجهود والاستراتيجيات لمواجهة هذه الآفة ومشاركتها في صياغة الاستراتيجية الفعالة عن طريق وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي لنشر الوعي الهادف والفعال.

 منظمات المجتمع المدني تمتلك الدور الكبير في معالجة هذه الظاهرة المتنفشية اشراكها في الاعمال التطوعية الهادفة والواعية

***

د. وسن مرشد محمود

جامعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات

الدين والتدين.. بين قداسة الوحي وبشرية الفهم

بعد أن تتبعنا عبر هذه السلسلة الطويلة تحولات مفهوم التدين منذ بواكير النهضة العربية والإسلامية الحديثة، مرورًا بمراحل الاستعمار، وصعود الحركات الأيديولوجية، وتشكل الدولة الوطنية، ثم العولمة والثورة الرقمية، وما صاحب ذلك كله من تحولات عميقة في بنية التدين ووظيفته الاجتماعية والثقافية، نجد أنفسنا في خاتمة هذا المسار أمام سؤال يبدو للوهلة الأولى سؤالًا اصطلاحيًا، غير أنه في حقيقته يمثل أحد أكثر الأسئلة تأسيسًا لفهم الأزمة برمتها؛ وهو؛ هل الدين هو التدين؟. أم أن بينهما من الفروق ما يجعل الخلط بينهما منشأً لكثير من الإشكالات التي عاشها المسلمون قديمًا، وما زالوا يعيشون آثارها في حاضرهم المعيش؟.

ولعل الأمر الذي ينبغي التنبيه إليه منذ البداية أن كثيرًا من الاضطراب الذي أصاب الخطاب الديني في الأزمنة المتأخرة لم يكن ناشئًا عن الدين في ذاته، وإنما عن عدم التمييز بين الوحي الإلهي المعصوم وبين الفهم البشري لذلك الوحي. فالدين في جوهره ثابت؛ لأنه صادر عن الله تعالى، أما التدين فهو الكيفية التي يتلقى بها الإنسان ذلك الدين، ويفهمه، ويطبقه، ويترجمه إلى سلوك ومواقف وأنساق اجتماعية وثقافية وسياسية.

وهذا المعنى ليس من مبتكرات الفكر الحديث، ولا هو ثمرة اجتهادات معاصرة، وإنما قرره علماء الإسلام منذ القرون الأولى. فقد كان الإمام مالك يقول (كلٌ يؤخذ من قوله ويُرد إلا صاحب هذا القبر)، مشيرًا إلى قبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهي قاعدة عظيمة تقرر أن العصمة إنما هي للوحي، وأن أقوال العلماء ــ على جلالة قدرهم ــ تبقى خاضعة للمراجعة والنقد. كما قال الإمام الشافعي: (رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب)، وهي عبارة تكشف وعيًا مبكرًا ببشرية الاجتهاد، وأن اختلاف الفهم لا يعني اختلاف الدين.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أكد الإمام أبو حامد الغزالي أن الحق لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف الرجال بالحق، ولذلك اشتهرت عنه الكلمة الجامعة: «اعرف الحق تعرف أهله»؛ لأن جعل الأشخاص أو الجماعات معيارًا للحق يفضي إلى قلب الموازين، حتى يغدو الولاء للأشخاص مقدمًا على الولاء للمبادئ، ويصبح الدفاع عن الاجتهاد البشري دفاعًا عن الدين نفسه.

ومن هنا أيضًا قرر ابن تيمية أنه (ليس لأحد أن ينصب للأمة شخصًا يدعو إلى طريقته ويوالي ويعادي عليها غير النبي -صلى الله عليه وسلم-)، وهي قاعدة من أعظم القواعد التي تهدم كل محاولة لتحويل الانتماء إلى جماعة أو تنظيم أو شيخ إلى معيار للحكم على الإيمان أو التدين. وإذا كان علماء الأصول قد قرروا أن النص الشرعي ثابت، فإنهم في المقابل قرروا أن فهم النص متغير، وأن باب الاجتهاد إنما فتح لأن الوقائع لا تنتهي، ولأن عقول الناس تختلف، ولأن الأحوال تتبدل.

ولذلك أقام الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات بناءه الأصولي على أن الاجتهاد البشري ظني في كثير من فروعه، وأن الخطأ والصواب من طبيعة العمل الاجتهادي، وأن مقاصد الشريعة هي الميزان الذي تُوزن به الفهوم الجزئية، حتى لا يتحول التمسك بظاهر بعض النصوص إلى وسيلة لإهدار الكليات التي جاء الدين لحفظها. ومن هنا يتبين أن الدين واحد، بينما التدين متعدد.

فالدين هو الوحي المنزل، أما التدين فهو صور لا حصر لها من التفاعل الإنساني مع ذلك الوحي. ولذلك رأينا عبر التاريخ أن المسلمين جميعًا يقرؤون القرآن نفسه، ويؤمنون بالنبي -صلى الله عليه وسلم- نفسه، ويستقبلون القبلة نفسها، ثم تختلف بينهم صور التدين باختلاف البيئات والثقافات، واختلاف مناهج الاستدلال، وتباين الأوضاع السياسية والاجتماعية، الأمر الذي يؤكد أن تاريخ المسلمين ليس هو تاريخ الدين، وإنما هو تاريخ فهم المسلمين للدين.

وهنا تحديدًا بدأ كثير من المجترئين والمجتزئين يقعون في خطأ منهجي بالغ الخطورة؛ إذ ساووا بين الدين والتدين، وبين الوحي والاجتهاد، وبين النص المقدس والتمثل البشري للنص. فإذا نُقد فهمٌ بشري، عدُّوا ذلك طعنًا في الدين، وإذا رُوجعت اجتهادات تاريخية، اعتبروها خروجًا على الثوابت، مع أن علماء الإسلام أنفسهم لم يعرفوا هذا اللون من التقديس للاجتهادات البشرية، بل ظلوا يقررون أن أقوالهم تعرض على الكتاب والسنة، وأنها تقبل الأخذ والرد.

ومن هنا أيضًا يمكن تفسير كثير من الأزمات التي صاحبت تاريخ التدين في المراحل التي عرضناها في هذه السلسلة؛ إذ لم تكن تلك التحولات تعبيرًا عن تغير في الدين، وإنما كانت تعبيرًا عن تغير في الإنسان، وفي النسق الحضاري الذي يعيش داخله، وفي طرائق الفهم، وفي أدوات المعرفة، وفي علاقات السلطة، وفي طبيعة الصراع الاجتماعي والسياسي. فالدين بقي ثابتًا في أصوله، أما التدين فقد ظل يعيد تشكيل نفسه كلما تبدلت الأغيار، حتى أصبح في كثير من الأحيان مرآةً للمجتمع أكثر من كونه انعكاسًا مباشرًا للنص المقدس.

ولعل أخطر ما أصاب التدين في العصر الحديث أن بعض الجماعات والتيارات رفعت تمثلاتها البشرية إلى مرتبة المرجعية المطلقة، فغدت قراءتها الخاصة للنصوص هي القراءة الوحيدة الصحيحة في نظر أتباعها، وأصبح الخلاف معها لا يُنظر إليه بوصفه اختلافًا في الاجتهاد، وإنما بوصفه انحرافًا عن الدين نفسه. وهنا انتقل التدين من كونه تجربة إيمانية وأخلاقية مفتوحة إلى هوية تنظيمية مغلقة، يتحدد فيها الانتماء من خلال الولاء للجماعة، أو الشيخ، أو المدرسة، أكثر مما يتحدد من خلال المقاصد الكلية التي جاء بها الإسلام.

ولا ريب أن التجربة المعاصرة تقدم نماذج متعددة لهذا اللون من التدين التنظيمي، وإن اختلفت دوافعه وصوره ومرجعياته. فقد شهد المجال الإسلامي خلال القرن العشرين نشأة حركات وتنظيمات متعددة، سعت كل منها إلى تقديم تصورها الخاص للتدين بوصفه النموذج الأقرب إلى الإسلام الصحيح. وقد اختلفت هذه الحركات في مناهجها، ومواقفها من العمل السياسي، والعلاقة بالدولة، وموقفها من المخالف، إلا أن بعض اتجاهاتها وقعت في تحويل الاجتهاد البشري إلى معيار للولاء والبراء، وفي تضييق دائرة الحق حتى كادت تنحصر في المنتمين إلى تصورها الخاص.

كما أن بعض الاتجاهات المتشددة ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك، حين تعاملت مع النصوص الشرعية تعاملاً تجزيئيًا جامدًا، فعزلت النصوص عن سياقاتها، وأغفلت مقاصد الشريعة وكلياتها، وقدمت ظواهر بعض الأدلة على روح التشريع ومآلات الأحكام، فترتب على ذلك ظهور قراءات متشددة استباحت الدماء المعصومة، وروعت الآمنين، وعدّت العنف وسيلة لإقامة الدين، مع أن القرآن الكريم جعل حفظ النفس من أعظم المقاصد، فقال تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) المائدة: 32.

ولذلك قرر ابن القيم في إعلام الموقعين قاعدة أصبحت من أهم قواعد الفقه الإسلامي، فقال: إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، ومن الرحمة إلى ضدها، ومن المصلحة إلى المفسدة، ومن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل. وهذه القاعدة تكشف بجلاء أن الانتساب إلى النصوص لا يكفي وحده للحكم بصحة التدين، بل لا بد أن يكون الفهم منسجمًا مع مقاصد الشريعة وكلياتها.

كما أن واقع السلفية المعاصرة نفسه يقدم مثالًا واضحًا على أن التدين ليس صورة واحدة، رغم وحدة المرجعية التي تنتسب إليها هذه الاتجاهات. فقد تفرعت عنها مدارس متعددة، منها العلمية، والحركية، والسرورية، والمدخلية، والجهادية، وغيرها، وقد اختلفت في تصورها للسلطة، والعمل العام، والموقف من المخالف، وآليات التغيير، حتى أصبح كل اتجاه يزعم أنه الأقدر على تمثيل المنهج الصحيح. وهذه التعددية نفسها تؤكد أن ما نشهده هو تعدد في صور التدين، لا تعدد في الدين.

ومن هنا فإن الباحث المنصف لا يخلط بين نقد بعض صور التدين، وبين نقد الدين نفسه؛ لأن الأول يتناول اجتهادات بشرية قابلة للمراجعة، أما الثاني فيتعلق بالوحي المعصوم. وهذا هو الفارق الذي غاب عن كثير من المجترئين والمجتزئين؛ فإما أنهم قدسوا التدين حتى جعلوه بمنزلة الدين، وإما أنهم هاجموا بعض صور التدين فظنوا أنهم بذلك قد نقضوا الدين نفسه، مع أن الأمرين مختلفان اختلافًا جوهريًا.

وهكذا نخلص إلى أن التفريق بين الدين والتدين ليس ترفًا فكريًا، ولا مجرد تمييز لغوي، وإنما هو قاعدة منهجية لا غنى عنها لفهم تاريخ المسلمين، وقراءة تحولات الفكر الإسلامي، وتقويم الحركات والاتجاهات المختلفة بميزان العلم والعدل. فمن هذا التفريق تبدأ القراءة الرشيدة، وبه يمكن إعادة الأمور إلى نصابها، فلا يُحمّل الدين أخطاء المتدينين، ولا تُمنح الاجتهادات البشرية قداسة الوحي، ولا يُترك المجال لمن يحتكر الحديث باسم الإسلام، أو يدعي أنه الممثل الوحيد له.

 فالدين باقٍ في صفائه وربانيته، أما التدين فسيظل ما بقي الإنسان يتغير بتغير الأغيار، ويصيب ويخطئ، ويقترب ويبتعد، ويبقى ميزانه الأعلى هو كتاب الله، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ومقاصد الشريعة التي جاءت رحمةً للعالمين.

وبهذا نكون قد انتهينا من تحولات مفهوم التدين وليس للحديث بقية ...

***

 بقلم: د. بدر الفيومي

 

عندما يسأل طالب تطبيق (ChatGPT) عن موضوع معقد فيجيبه في بضع ثوانٍ، وطبيب يستعين بالنظام الذكي لتشخيص حالة مرضية، إذن أنت لا تستخدم مجرد آلة تقنية متطورة، بل تدخل في شراكة مع عقل ممتد خارج دماغك.

فهل نعيش مجرد ثورة تقنية، أم نحن في مرحلة انقلاب في مفهوم المعرفة ذاتها؟. هذا السؤال يمس عمق معنى التفكير والتعليم وتشكيل المعرفة. قبل أكثر من ثلاثة عقود، كان الباحث يذهب إلى المكتبة باحثًا عن المعلومة والمعرفة، لكن اليوم فهو يسأل نظامًا ذكيًا قادرًا على إنتاج مقاطع كتابية وأفكار خلال ثوانٍ. وبين الماضي والحاضر، لم تتغير وسائل الحصول على المعرفة فقط، بل تغيرت طبيعة المعرفة ذاتها.إذن يشير مفهوم “القطيعة المعرفية” إلى تحول نوعي يجعل بعض المسلمات والسياقات القديمة غير قادرة على تفسير واقع العالم المعاصر، بمعنى أن مصادر الحصول على المعرفة وفهمها غير قادرة على تحليل وتفسير سلوكيات البشر.

وإذا كان باشلار قد استثمر مفهوم القطيعة المعرفية لتمثيل التحولات الكبرى في تاريخ العلم، فإن السؤال الآن هو: هل تقود أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى انقلاب مشابه في وسائل بناء المعرفة؟ العصر الحالي الذي نعيشه عصر أنظمة الذكاء الاصطناعي، وخصوصًا هناك تطوير لنموذج ذكاء اصطناعي عام، وآخر ذكاء اصطناعي فائق السرعة، فالبشرية حتمًا قد تكون أمام تحول في بنية إنتاج المعرفة، لا مجرد تحديث للبيانات والمعلومات السابقة. الجدل المتزايد حول هل نحن أمام قطيعة معرفية وتحول معرفي، أم أننا مجرد أمام تطور تكنولوجي؟ نجد أن الانتقال من الاستهلاك المعرفي إلى الإنتاج المعرفي، حيث كانت المعرفة تُبنى وتنتج في أماكن مخصصة كالمدرسة والجامعة والكتب ومراكز الأبحاث، وكان دور المتعلم ينحصر في نمط الاستهلاك المعرفي التراكمي. أما في الوقت الراهن، وبقوة تقنيات أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، فقد تغير هذا الإنسان إلى منتج للمعرفة بطريقة جديدة نتيجة للتعاون المشترك مع الشبكات العصبية الرقمية، مما أدخلنا في عصر مشترك للإنتاج المعرفي. وهذا العصر المشترك للإنتاج يكشف لنا سؤالًا آخر أكثر أهمية: هل تفكر عقولنا خارج جمجمتنا؟ فإذا كانت بنية التفكير قد تغيرت، فإن ذلك يذهب بنا إلى التساؤل عن أثر هذا التحول في التعليم والبيئة الرقمية. إن أدوات الذكاء الاصطناعي قد تعمل كعقل ممتد، وهنا يظهر بوضوح أن القطيعة المعرفية تتجسد في كيفية تعريف مفهوم العقل والتفكير. يرى جمهور نظرية العقل الممتد أن بعض العمليات المعرفية قد تمتد إلى الأدوات الخارجية، والحجة على هذا الادعاء أن خوارزميات الأنظمة الذكية لم تعد مجرد أدوات مساعدة للتذكر كالورقة والحاسوب، بل أصبحت شريكًا فكريًا ممتدًا خارج أدمغتنا، تساهم في كتابة الأفكار والفرضيات والاختبارات، مما يجعل الذكاء المعاصر لا يقاس بالحفظ والاسترجاع، بل بالقدرة على طرح الأسئلة الصحيحة، والتحقق منها أكثر أهمية ودقة في الكتابة المنتجة. قد يكون هناك تغيير في مفهوم الذكاء نفسه، لأنه لم يعد الذكاء يشير إلى ما يعرفه الإنسان، بل كيف يتحقق، ويتعاون مع النظام الذكي لإنتاج معرفة أصيلة، وهذا بدوره قد أظهر مفهوم الوكالة المعرفية المشتركة، والدليل أن الإنسان لم يعد فاعلًا معرفيًا مستقلًا كفرد، بل أصبح يعمل وينتج ضمن منظومة تتضمن كلًا من الإنسان والذكاء الاصطناعي والفضاء الرقمي.ففي البيئة الرقمية، أصبحت سرعة الانتشار تؤثر أحيانًا على تداول المعرفة أكثر من جودتها، وفي عصر التحول الرقمي قد تتلاشى الفواصل بين التخصصات، وربما تظهر إشكالية معرفية تتجسد في تسطيح الوعي الثقافي وضياع الهوية المعرفية نتيجة اتساع وسرعة عمل الخوارزميات ووسائل التواصل الاجتماعي، لأنها تشكل مفهوم “غرف الصدى”، لأن الخوارزميات تغذي تحيزاتنا السابقة بدل أن تعطينا معرفة حقيقية. فالمعرفة لا بد أن تقاس بدقتها وعمقها لا بنمط الانتشار والسرعة.ولا بد من هجر أسلوب “التعليم الميكانيكي” والتحول إلى نمط التعليم النقدي التفاعلي، فإذا تفحصنا بشكل دقيق في الفلسفة التربوية، نجد قطيعة واضحة مع التعليم الميكانيكي، الذي انتقده كانط في كتابه «في التربية» بوصفه تعليمًا قائمًا على الحفظ والتلقين الصارم، لتحويل الفرد إلى مجرد آلة. فالتحول المعرفي الآن يجبرنا على العودة إلى التساؤل المستمر، والتفكير النقدي، والتحرر المعرفي، مما يؤكد أن الآلة أصبحت تقوم بالجانب الميكانيكي، والنقد والإبداع والتوليف المعرفي جوانب حيوية تبقى مرتبطة بالإنسان وحده.

قد تكون أزمة المناهج الدراسية دليلًا ملموسًا في الوقت الراهن، حيث نجد المنهج التعليمي في المدارس والجامعات غير قادر على مواكبة سرعة السيل المعرفي، والمعرفة تزداد بشكل كبير في أوقات زمنية قد تقاس بالأيام لا بالسنين. فبعض الأدلة العلمية الحديثة تكشف أن الدماغ الإنساني يعيد بناء شبكاته العصبية بالاعتماد على التفاعل النشط مع البيئة الرقمية، وهذا يعني أن جيل الألفية في مجال الأتمتة المعرفية يفكر بطريقة بنيوية مختلفة عن الأجيال الماضية. وبين ديمقراطية المعرفة وفوضى المعرفة تظهر لنا فكرة انتهاء الكاتب والمصدر الأوحد، بسبب أن المعرفة أصبحت في متناول الجميع، لكن سهولة الحصول عليها لا تعني بالضرورة معرفة حقيقية أصيلة. فالأدلة العلمية تشير إلى أن الثورات العلمية تقود إلى تغيير في الأطر والنماذج المعرفية، فهناك من يرى أن ما نلاحظه ليس أكثر من امتداد طبيعي لطفرة تقنية، وأن الذكاء الاصطناعي لا يختلف جوهريًا عن الحاسوب والإنترنت. في حين يعتقد آخرون أن الأمر أكبر من مجرد تطور رقمي، لأن الأنظمة الذكية لا تخزن المعرفة فقط، بل تشارك في بنائها وإعادة تشكيل طريقة التفكير والتعلم. لكن يبقى السؤال الأهم معلقًا: هل هذه القطيعة كاملة؟ ربما لا، لأن الإنسان ما زال يركز على الإدراك والفهم والعقل والخبرة الشخصية والتفكير النقدي والوعي بالعالم المحيط به. ومع هذا كله، ما يحدث هو أن المعرفة لم تعد تُبنى وتتشكل داخل جمجمة الإنسان وحده، بل أصبحت تُبنى وتنتج نتيجة تفاعل الإنسان مع الأدوات الذكية الخارجية. وختامًا، ربما يكون من المبكر الكلام على وجود قطيعة معرفية كاملة، لكن من المؤكد أننا نعيش في عصر انقلاب عميق في وسائل بناء المعرفة. وقد تصبح هذه التحولات بداية إعادة تعريف معنى العقل والتعلم والذكاء في عصر الخوارزميات الرقمية. وبين هذا التفاؤل والمخاوف، يبدو أننا دخلنا عصرًا جديدًا يعيد طرح أسئلة حول: كيفية التفكير والتحقق والتعاون مع الوسائل الذكية لإنتاج معرفة أكثر عمقًا وإنسانية.

***

علاء جواد كاظم

في خضم هذا العالم الذي يغرق في "الاستلاب الرقمي"، وتتآكل فيه الذات ضمن فضاءات الافتراضية، يبرز سؤال وجودي يتجاوز السطحية التي تطرحها أدبيات تطوير الذات الشائعة في وقتنا الراهن: هل السعادة، بوصفها غايةً نهائية، هي مجرد وهمٍ يُباع في أروقة السوق الرأسمالي، أم أنها فعلُ مقاومةٍ ضد "التشييء" الذي تفرضه هياكل السلطة والتقنية؟

إن النقاش حول السعادة حين نختزله بمعادلات المتعة مقابل الألم أو الاستهلاك مقابل الحرمان، ليس أكثر من إعادة تدوير لآليات التكيف مع نظام يعيد إنتاج عبوديته في ثوب الرفاهية. ومن منظور فلسفي يتقاطع مع رؤية حنة أرندت، يمكن القول إن اختزال الإنسان في "حيوان عامل" يبحث عن الإشباع اللحظي، هو ما يجعل السعادة مستحيلة؛ لأن السعادة الحقيقية ليست حالة بيولوجية من الاستقرار، بل هي "الفعل" الذي يمنح الوجود معناه في الحيز العام.

في مجتمعاتنا الراهنة، التي نسميها "مجتمعات البيانات"، لم يعد الإنسان سيداً على رغبته. فالخوارزميات التي تضبط إيقاع يومنا، وتوجه استثماراتنا العقارية، وتحدد حتى توجهاتنا السياسية، ليست أدوات محايدة، بل هي بنية سلطوية هدفها هندسة "الرضا القسري". إن السعادة التي يبحث عنها الفرد في هذا النظام ليست هي السعادة التي طالب بها فلاسفة العصور القديمة، بل هي تخدير منظم يضمن بقاء الفرد داخل الترسانة دون أن يطرح أسئلة حول ماهية النظام أو مشروعيته.

من هنا، يجب علينا أن نقف بصرامة ضد وهم "السعادة الخارجية". إن هوسنا بالمشاريع العقارية، والبحث عن ملاذات آمنة في أسواق الاستثمار الدولية، أو حتى الانغماس في التحليل النقدي للنظم السياسية الكليانية، لا يمكن أن يكون مجرد هروب من الواقع؛ بل يجب أن يكون ممارسة واعية للسيادة الشخصية. نحن لا نبحث عن سعادة مستقرة في عالم مضطرب، نحن نبحث عن "الاستقلالية"؛ أي القدرة على اتخاذ قرار لا تمليه علينا الخوارزمية، ولا يفرضه خطاب النخبة المسيطرة.

إن دعوتي، كما نناقشها دائماً، هي نحو تأسيس نخب معرفية لا تعزل نفسها في أبراج عاجية، بل تقتحم الميادين السياسية والثقافية لتحليل آليات السيطرة. الكتابة والترجمة -مثل مشروعك الحالي في نقل الفكر من العربية إلى الكردية- ليست مجرد نشاط ثقافي؛ بل هي جسر لكسر هيمنة اللغة التي تفرضها القوى المهيمنة، ومحاولة لخلق مساحة للتفكير الحر في وسط صحراء المعنى التي نعيش فيها.

السعادة، إذن، تكمن في القدرة على "الممانعة". هي أن تكون قادراً على قول "لا" للنظام الذي يريدك مجرد رقم في إحصائيات النمو أو مستهلك في قائمة التوقعات العقارية. هي أن تجد لذة في التفكيك النقدي للبنى الفاسدة، وفي بناء جماعات تدرك أن تحرر الفرد مرتبط بتحرر الجماعة.

الرهان على المستقبل لا يكمن في إيجاد وصفة للسعادة الفردية، بل في صياغة مفهوم جديد لـ "الحياة الطيبة" بعيداً عن صخب السوق. حياة تكون فيها السياسة فعلاً أخلاقياً، والقانون أداة للعدالة لا للضبط، والتقنية خادماً لا سيداً. في هذا التوجه، تصبح السعادة عرضاً جانبياً للحياة التي تملؤها الكرامة والوعي، لا هدفاً يسعى إليه المرء عبر استهلاك المزيد من الوعود الزائفة.

ختاماً، إننا مدعوون لإعادة تقييم أدواتنا؛ فالمعركة ليست في العلن فقط، بل في العمق. من خلال مؤسساتنا الصغيرة، ونصوصنا التي نكتبها، وحواراتنا التي لا تنتهي، نؤسس لمقاومة طويلة الأمد ضد كل ما يسلبنا إنسانيتنا. إن السؤال الحقيقي ليس "كيف نكون سعداء؟" بل "كيف نكون أحراراً في عالم مصمم ليجعلنا مجرد أدوات؟". وهنا، تحديداً، تبدأ الحرية، وهنا يكمن المعنى الحقيقي لما نسعى إليه.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

(رواياتٌ سُريانيَّةٌ عن الفتوحات الإسلاميَّة المبكِّرة!)

إذا اجتمع المستلَبُ لُغويًّا مع المتنطِّع لُغويًّا، فقل على اللُّغة السلام! أمسيتَ، يومئذٍ، أمام كارثة العَرَبيَّة بأبنائها، حين تجد كلَّ واحد من (المستلَبين والمتنطِّعين) يهدم العَرَبيَّة على طريقته، ويلعن الآخَر على طريقته، وهو يظنُّ أنَّه يُحسِن صُنعًا ولَعنًا. قلتُ لـ(ذي القُروح)، وهو يحاضرني ويحاصرني، فلا يكاد يعجبه شيء مما يُعجب الناس، فأُجاريه لأستنزف سحائبه:   

ـ على أنَّ الاستلاب اليوم بلا حدود، ليس أوَّله الاستلاب اللُّغوي ولا آخِره الاستلاب التاريخي.

ـ ومن آيات هذا الأخير، أنَّ التأريخ في هذه البلاد ظلَّ في العصر الحديث يسجَّل بتاريخ هذه البلاد، أي بالتاريخ الإسلامي الهِجري. ثمَّ بِتنا منذ سنوات نُغَرِّب عن تاريخنا، لنتبنَّى التاريخ المسيحي- الذي انتهى الأخذ به في الثقافة الإسلاميَّة منذ 1447 سنة- لا التاريخ الإسلامي. حتَّى أصبح تقويمنا لا بالتاريخ الإسلامي بل بالتاريخ المسيحي. وكان المؤرِّخون لدينا منذ سنوات يَجمعون، عند الضرورات التي تباح فيها المحظورات، بين التاريخَين.

ـ وتلك التبعيَّة التاريخيَّة عُقدةٌ عُربانيَّة حديثة، ظلَّت بلادنا غير مصابة بها، حتَّى غَرِق فيها الغارقون مؤخَّرًا، وإلى الأذنين.

ـ وهذا الضرب من التبعيَّة الاستلابيَّة بالغُ الدلالة على جيلٍ سينشأ مغتربًا عن تاريخه جذريًّا، لا بالمعنى الرقمي فحسب، بل بكلِّ ما وراء الأرقام من أرقامٍ وقِيَم.

ـ التاريخ يكتبه الغالب المنتصر، كما يقال!

ـ إذا كان التاريخ يكتبه الغالب المنتصر، كما يقال، فإنَّ من التاريخ ما يكتبه المغلوب المهزوم أيضًا، عن نفسه وعن الآخَر، لا بالحِبر فحسب، بل بالممارسات والمواقف أيضًا. المفارقة الأدلُّ هاهنا أنَّ هذا التاريخ الإسلامي المجيد كان يُستعمَل قديمًا، لا من العَرَب المسلمين فحسب، بل من غير المسلمين أحيانًا، إلى جوار تاريخهم القومي أو الدِّيني.

ـ وتلك الأيَّام نُداوِلها بين الناس!

ـ من الشواهد على ذلك- على سبيل النموذج- بعض الكتابات التاريخيَّة السُّريانيَّة.

ـ يُذكَر أنَّ (السُّريان) شعبٌ متحضِّر، وليس كشعب الله المحتار! يعود إلى (آرام بن سام بن نوح)، يجمعهم والعَرَب الانتماء إلى اللُّغات الساميَّة، حسب تصنيف اللُّغويِّين. استوطنوا بعض بلاد (الشَّام) و(العراق).

ـ نعم. في تلك الكتابات السُّريانيَّة لم يكن يكتفي الكاتب بالإشارة إلى التاريخ الإسلامي العام، بل قد يُؤرَّخ إلى جانبه بالسَّنَة من حُكم الحاكم الإسلامي المعاصر للأحداث. كأنْ تقرأ: «وفي سنة 936 يونانية، وهي السنة الخامسة عشرة لهرقل، والخامسة والثلاثين لكسرَى، والرابعة لمحمَّد... حدثَ كيت وكيت...». ويفعلون مثل ذلك حينما يأتون إلى أحداث وقعت في عهد (أبي بكر)، أو (عُمَر)، أو (عثمان)، وهلمَّ جرًّا، مشيرين إلى ما يوافق التاريخ من سِنيِّ حُكم كلِّ علَمٍ من هؤلاء الحُكَّام.

ـ قد يقول لك قائل: إنَّ السياق كان يقتضي ذلك لدَى المؤرخ السُّرياني؛ إذ يتحدَّث عن الفتوحات الإسلاميَّة، مثلًا، وما يتعلَّق بها.

ـ وليكن ذلك كذلك، فكيف بالعَرَبيِّ أو المسلم عندما يتحدَّث عن أمور داخليَّة، تتعلَّق بالعَرَب والمسلمين، فيؤرِّخها بتاريخ الآخَرين، منسلِخًا من هُويَّته وتاريخه.

ـ بل قل: حتَّى عندما يتحدَّث عن تاريخ ميلاده المجيد!

ـ لسان حاله: أنا لا شأن لي لا بالعَرَب ولا بالمسلمين ولا بتاريخ هذا الهُراء! بل أنا مولًى بن مولًى، من مَوالي الأقوَى في هذا العصر المغضوب عليه، أَدِين بدِين التبعيَّة له أنَّى توجَّهتْ ركابه! أتحدَّث لُغته، حتَّى في عقر دار الذين خلَّفوني، وأؤرِّخ بتاريخ سيِّدي، حفظه الله لي، فأنا منه وإليه، ولا انتماء لي إلى سِواه، ولو كان هذا السِّوَى نفسي وأهلي وقومي وتاريخي.

ـ وكذلك هو تاريخ الأَرِقَّاء دائمًا عبر التاريخ.

ـ وإنَّ من الأَرِقَّاء من هم أرفع نخوةً وكرامةً على نفوسهم من التردِّي في تلك الهُوَّة السحيقة.

ـ أنَّى لك هذه الخَبَريَّات، يا (ذا القُروح)؟

ـ لعلَّ من المفيد أن أحيلك في هذا الإطار إلى كتابٍ مهم، عنوانه «الرواية السُّريانيَّة للفتوحات الإسلاميَّة»، نشره الباحث (تيسير خلف)، (دمشق- بيروت، دار التكوين: 2016). وكان السُّريان، كما يقول المؤلِّف، شهودَ عيان على الأحداث في صدر الإسلام، فوثَّقوها عن كثب، في كُتب التاريخ التي كانوا يضعونها للسُّريان ويتوارثونها. واصفًا تلك المصادر السُّريانيَّة بأنها توفِّر روايةً حياديَّة، بين الرواية الإسلاميَّة والرواية البيزنطيَّة. وتزداد أهميَّتها من كون السُّريان دوَّنوا الأحداث في إبَّانها، من قِبَل مؤرِّخين معاصرين لزمن الفتوحات الأُولى، بعضها من أخبار جنودٍ سُريان، كانوا ضِمن القوَّات البيزنطيَّة، وبعضها من تقارير أو رسائل كان يدوِّنها أساقفةٌ ورجال دِين.

ـ يبدو كتابًا مدهشًا في محتواه عن الفتوحات الإسلاميَّة، لا على لسان مسلم، ولا على لسان عَرَبي، بل على لسان مؤرِّخ سُرياني، يقف على ضِفَّةٍ أخرى من الهويَّة والدِّين.

ـ ممَّا جاء فيه حول الاضطهاد الذي لحق بالمسيحيِّين، إبَّان الصِّراع بين (الرُّوم) و(الفُرس)، سنة 622 ميلاديَّة- أي بعد مولد (محمَّد، عليه الصلاة والسلام)، بنحو إحدى وخمسين سنة- تقرأ للراوي السُّرياني قوله، واصفًا الفتح الإسلامي بأنه جاء تحريرًا من اضطهاد القوَّتين العُظمَيين في ذلك العصر، (الفُرس) و(الرُّوم):

«وجاء [الله] من الجنوب بأبناء إسماعيل؛ لكي يكون لنا الخلاصُ من أيدي الرُّوم بواسطتهم. أمَّا الكنائس التي كُنَّا قد فقدناها باغتصاب الخلقيدونيين إيَّاها، فبقيتْ بيدهم؛ لأنَّ العَرَب، لدَى دخولهم المدينة، أبقوا لكلِّ طائفةٍ ما بحوزتها من الكنائس. وقد فقدنا في هذه الفترة كنيسة (الرها) الكبرى، وكنيسة (حَرَّان). غير أنَّ فائدتنا لم تكن يسيرة؛ حيث إنَّنا تحرَّرنا من خُبث الرُّوم، ومن شَرِّهم، وبطشهم، وحِقدهم المرير علينا، وتمتَّعنا بالطمأنينة».(1)

ويسجِّل المؤرخ السُّرياني عن وفاة الخليفة (أبي بكر، رضي الله عنه):

«وفي عام 946 يونانية، والرابعة والعشرين لهرقل [634م]، والـ13 هِجريَّة، تُوفي أبو بكر، بعد حكمٍ دام سنتين، وخلفَه عُمَر بن الخطاب، فأرسل جيشًا إلى ولاية العَرَبيَّة، واحتلَّ (بُصرَى) وفتحَ عِدَّة مُدن.»(2)

 وكتبَ عن وصول (عُمَر بن الخطاب، رضي الله عنه) إلى (القُدس)، قائلًا:

«في نهاية سنة 948 يونانية، وهي السنة 26 لهرقل، والخامسة عشرة للهِجرة، وصلَ الخليفة عُمَر إلى (فلسطين)، فاستقبله (صفرونيوس)، أسقف القُدس، وتحدَّث إليه عن البلاد، فكتب له عهدًا على أن لا يسكن يهوديٌّ في القُدس. فلمَّا دخل عُمَر القُدس، أَمَرَ ببناء مسجدٍ في موقع الهيكل. وإذْ رأَى صفرونيوس ثيابًا رثَّة على عُمَر، عرضَ عليه ثيابًا، والتمسَ منه قبولَها، فأَبَى؛ لأنه اعتاد على أن لا يأخذ شيئًا من أحد! وكان يقول: «لا ينبغي على المرء أن يأخذ شيئًا من آخَر، لم يُعطه اللهُ إيَّاه؛ لأنَّ الله يُعطي لكلِّ إنسانٍ ما يريده، وإذا طَمِع بما عند رفيقه، يكون قد تصرَّف ضدَّ مشيئة الله.»(3)

وفي مساق الأسبوع المقبل سنعرف بقيَّة ما سجَّله المؤرخ السُّرياني حول (عُمَر)، وأنَّ قرار فتح بيت (المقدس)، ومعه (بلاد الشَّام) برُمَّتها، كان قرارًا نَبَويًّا مبكِّرًا، لا قرارًا عُمَريًّا. وكذا ما وردَ عن الجبهة الفارسيَّة، وأخبار (سعد بن أبي وقَّاص)، و(سعيد بن عثمان بن عفَّان) على تلك الجبهة.

...........

مرفأ

إذا استَغْـنَـيْتَ، لَـمْ تَـنَلِ اللَّيَالي

مِنَ الإِصْـبَاحِ فِـيْكَ لَها الْتِـيَـالا

وإلَّا صِرْتَ رِجْلَـةَ(4) كُـلِّ رِجْـلٍ

ونَـعْـلًا عَـنْـهُ تَـدَّخِـرُ النِّـعَـالا!

**

وخَـيْرُ المـَالِ ما ادَّخَـرَ اليَـتامَـى

وشَـرُّ المـَالِ ما انْـتَـفَشَ اخْتِـيَالا

وما فَـقْـرٌ سِـوَى خَـوْفِ افْـتِـقَارٍ

ولا أَغْـنَى مِنَ الرَّاضِـيْ اتِّـكَـالا

فبَشِّـرْ قابِـضَ الكَفَّـيْنِ فَقْـرًا

وبَـشِّـرْ باسِـطَ الكَـفَّـيْنِ مَـالا!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

..............................

(1)  خلف، تيسير، الرواية السُّريانيَّة للفتوحات الإسلاميَّة، 38.

(2)  م.ن، 44. 

(3)  م.ن، 57. 

(4)  نبتة الرِّجْلَة، المسمَّاة في (فَيْفاء): مِرْجِلَة، وفي (فِلَسطين): فَرْفَحِيْنَة، وفي معجمات العَرَبيَّة: رِجْلَة، وفَرْفَخ، الموصوفة بأنها: «البقلة الحمقاء». قيل: لضَعفها، أو لأنَّها تَنْبُت على الطُّرق، فتُداس. (يُنظَر: ابن دريد، جمهرة اللُّغة، (حقم)؛ الزَّبيدي، تاج العروس، (حمق)).

مدخل: ليس من قبيل المبالغة القول إننا نعيش في زمنٍ تتوارى فيه الكرامة الإنسانية عن الأنظار، لا بالضرورة عبر انتهاكاتٍ ممنهجةٍ تُراقَب وتُسَجَّل، بل عبر تآكلٍ يوميٍّ تغيب في طياته الرحمة واللطف والإحسان والتعاطف والاحترام، ويُصبح التعامل مع الٱخر وكأنه طبيعةٌ ثانية للإنسان, حيث المجتمعات العربية المعاصرة لم تعد مجرد مجتمعاتٍ تعاني من ظواهر الفظاظة أوقسوة الأخلاق، بل هي، وبكل ما يحمل هذا الوصف من دقةٍ وبؤس، مجتمعٌ للغلظة؛ بمعنى أن الغلظة لم تعد سلوكًا فرديًا عابرًا أوطبعًا شاذًا، بل تحولّت إلى بنيةٍ ثقافية واجتماعية تُعيد إنتاج نفسها، وتُشرّع نفسها، وتُكافئ من يُعيد إنتاجها، وفي هذا المسار، تُصبح الكرامة الإنسانية، لا ضحيةً ظاهرةً، بل مفهومًا مُهدَّرًا، يُحتفظ به في خطب المؤسسات الدينية والسياسية والثقافية والاعلامية، بينما يُنهَك في فضاءات الحياة اليومية بلا رقيب ولا حسيب.

 كما أن المشكلة لا تبدأ من فكرة الناس أصبحوا أقلَّ لطفًا، بل من أن اللطف نفسه بات موضعَ ريبةٍ واتهام، حيث في مجتمع الغلظة، يُنظر إلى اللطف على أنه خللٌ في الحساب، أوضعفٌ في الشخصية، أوتزييفٌ في النوايا، وهذا الانقلاب في الأحكام يُفضي إلى حقيقةٍ مُرّة: أننا لم نفقد الأخلاق ببساطة، بل استبدلناها بنظامٍ بديل من التبريرات، يُحوّل القسوة إلى "حزم"، والوقاحة إلى "صراحة"، والاحتقار إلى "خبرة بالحياة".

هذا النظام التبريري يُشكّل، في جوهره، دفاعًا انفعاليا عن الكرامة المُزيّفة، تلك التي يُحاول الفرد المحافظة عليها عبر إذلال غيرها الٱخر، فالكرامة هنا تُفهم بشكلٍ مموه: ليست اعترافًا بالذات من خلال الاعتراف بالآخر، بل تأكيدٌ للذات من خلال إنقاص الآخر، إنها كرامةٌ في حالتها السلبيةٌ، تُبنى على أنقاض كرامة الغير، وهوما يُفسّر معادلة معادلات في ثقافتنا الجماهيرية: أن أكثر الناس حرصًا على "الكرامة" في الخطاب العام هم أنفسُهم الذين يُمارسون إذلالها في الخاص.

تشريح الغلظة وتمويه الكرامة

الغلظة في هذا السياق ليست غيابًا للأحاسيس، بل هي غيابٌ لبنيةٍ معرفية تستطيع أن تُميّز بين القوة والقسوة، بين الثقة والتعالي، بين الكرامة والتعنّت، فما يُسمّيه علم النفس الاجتماعي وعلوم العصبيات "سلوك التعاطف" ليس مجرد فضيلةٍ نبيلة تُضاف إلى السلوك، بل هوبنيةٌ عصبية واجتماعية ضرورية للتماسك الإنساني، كما ان اللطف،  تُظهر الأبحاث، أنه ينشّط مناطق في الدماغ مرتبطة بالأمان والمكافأة، ويُقوّي المسارات العصبية التي تجعل الارتباط الاجتماعي ممكنًا ومُستدامًا، بمعنى أعمق، اللطف ليس رفاهيةً، بل هوآليةٌ بيولوجية واجتماعية تُمكّن الإنسان من الاعتراف بالآخر كموضوعٍ لا كأداة، وهوبالضبط المعنى الجوهري للكرامة الإنسانية، كما أنه من يتخلّى عن هذا النسيج، لا يفقد فقط أدبًا، بل يفقد القدرة على بناء علاقاتٍ إنسانيةٍ تستحق هذا الاسم.

هذا التحول لا يُفهم بمعزلٍ عن طبيعة الحداثة التي خاضتها المجتمعات العربية. فقد دخلنا عصر الاستهلاك والسرعة والمنافسة المطلقة، من دون أن ندخل فعليًا عصر المؤسسات المدنية والتكافل الاجتماعي والتربية العاطفية العميقة، ولعل ما وصفته السوسيولوجية إيفا إيلوز بـ"الرأسمالية العاطفية" يُقدّم لنا مفتاحًا مُفيدًا: فقد حوّل العصر الحديث العلاقات الحميمة إلى سوقٍ تُدار فيه العواطف كسلع، تُقيّم وتُتاجر وتُستهلك وتستنزف. هكذا إذا كانت المجتمعات الغربية قد خاضت هذا التحول ببطء، ومع بنيةٍ مؤسسية توفر نوعًا من التعويض المدني، فإن مجتمعاتنا استوردت هذا المنطق السوقي بأقصى سرعة، دون أن تستورد معه مستلزمات الوقاية والرعاية، فأصبحت الكرامة نفسها بضاعةً تُمنح بالتقسيط، واللطف "استثمارًا فاشلًا" في اقتصادٍ عاطفي يُكافئ المحاسبة ويُعاقب الإنسانية.

لقد اصبح منح الاحترام بلا مقابل في هذا السوق يُعَدّ سذاجة، والكلمة الطيبة بلا ثمن تُثير الشكوك، وكل عاطفةٍ لا تُردّ بالمثل تُعتبر خسارة، هكذا، لم تعد الكرامة حقًا أوليًا للإنسان، بل أصبحت مكافأةً يمنحها القوي للضعيف حين يشاء، ويمنعها حين يشاء.

غير أن التحليل لا يكتمل ببُعدٍ اجتماعيٍّ اقتصاديٍّ فحسب، بل يتطلّب مواجهةً مع البُعد الديني والثقافي الذي يُعمّق الأزمة، حيث هناك في مجتمع الغلظة ما يُمكن تسميته "التدين المغشوش"؛ تدينًا يتجلى في المظهر ويغيب في المضمون، يُحفّظ الأطفال أن الله كرّم بني آدم، لكنه لا يُحفّظهم كيف يُكرّمون الجار، إن هذا التدين يُنشئ في الناس شعورًا بالتفوق الأخلاقي، دون أن يُنشئ فيهم حدًّا أدنى من التأدب اليومي، والنتيجة أننا نرى أقوامًا يُصلّون ويصومون ويحرصون على البعد عن المحرمات، ثم يُطلقون ألسنتهم كالسيوف على مواقع التواصل، ويُذلّون الموظفين في المؤسسات، ويُحتقرون الفقراء في الشوارع، هذا الانفصال بين الشكل والجوهر، بين الورع المؤسسي والرحمة العملية، يُنتج أنيميا أخلاقيةً خطيرة: يعجز فيها الفرد عن التمييز بين الكرامة المجردة التي تُرفع في الخطاب، والكرامة الملموسة التي تُنتهك في الواقع، أي اننا اصبحنا نُدافع عن الكرامة كمبدأ، وننتهكها كممارسة، ونظن أن التديّن يُغطي على هذا التناقض.

نحوتصورٍ واقعي للكرامة

إن ما يُغيب عن هذا المشهد هوفهمٌ عميقٌ لطبيعة الكرامة نفسها، فالكرامة، في التصور الواقعي الحي الذي نحتاج استعادته، ليست درعًا نرتديه لحماية ذواتنا من الآخرين، بل هي علاقةٌ تبدأ من الاعتراف بالآخر، إنها لا تعني أن أُظهر قوتي لكي لا يستطيع أحدٌ المسّ بي، بل تعني أنني أعترف بأن الآخر، مهما كان، هوكائنٌ مكرم بذاته، وأن إهانته ليست مجرد أذى، بل هونسيانٌ لطبيعة الوجود الإنساني ككل.

هذا المعنى هوما يُضيئه مفهوم الإحسان في التراث الإسلامي: أن تعمل كأنك ترى الله، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، هذا الوعي الديني في طياته يجعل اللطف ليس مجرد سلوكٍ مستحب، بل هواعترافٌ عميق بالتكريم الإلهي للإنسان، وهوما يجعل إهانته نوعًا من العقم الوجودي، لا مجرد خطأٍ أخلاقي.

إن مقاومة مجتمع الغلظة لا تكون بالهجوم عليه، بل بالرفض الهادئ للمنطق الذي يُسيّجه، فاللطف في بحرٍ من الغلظة هوأشقّ أنواع المقاومة، لأنه يُصرّ على رؤية الآخر بعينٍ لا تُذلّه، وعلى التعامل معه باعتباره غايةً لا وسيلة. إن استعادة الكرامة الإنسانية لا تعني العودة إلى زمنٍ ماضٍ وهمي، بل تعني إعادة بناء الحس الأخلاقي من جذوره، إنها تتطلّب أن نُدرك أن الكرامة ليست قضيةً كبرى تُحلّ بالسياسة والقانون فحسب، بل هي تفصيلٌ يوميٌّ يبدأ من كيفية نظرك إلى الآخر، وكيفية استماعك إليه، وكيفية احترامك لضعفه قبل قوّته.

فالكلمة الطيبة ليست هديةً بل هي حق، والاحترام ليس مجاملةً بل هوأدنى مستوى من العدالة الاجتماعية، والأدب والأخلاق ليس زينةً بل هوالبنية التي تستقرّ عليها الحضارة.

لذلك المجتمع الفظ ليس مجتمعًا أقوى، بل هو مجتمعٌ يتجمل بالقسوة لأنه يخاف الضعف، كما أن الضعف الحقيقي ليس في اللطف، بل في العجز عن الاعتراف بأن الآخر كائنٌ مكرم.

اما ان نُحافظ على شرفنا في المبادئ الكبرى ونُهدّر كرامة الآخرين في صغائر المعاملات، فهذا هو الداء بعينه، وهوما يستدعي منّا مواجهةً جريئةً مع دفائن الوعي التي صنعت من الغلظة قناعًا للجبن، ومن القسوة ستارًا لفقدان الكرامة. الحضارة لا تُقاس بارتفاع البنايات، بل بقدرة الناس على أن يُحافظوا على كرامة بعضهم البعض في أبسط لحظات التعامل، وأن يقولوا لبعضهم "سلام عليكم"، ويعنون ما يقولون.

 إن تقدمًا حقيقيًا لا يبدأ بإصلاح الأنظمة والقوانين والمؤسسات فقط، بل بإصلاح التصورات والنظرات والاستراتيجيات، بتعليم الألباب والعيون أن ترى الآخر كما هو: كائنًا لا يقل كرامةً عن الذات، ولا يزيد عليها، بل يشاركها فيها..

من التربية إلى المواطنة

 كما لا شك فيه أن الاعتراف بالداء لا يُغني عن البحث عن الدواء، والتخلص من منطق الغلظة يتطلب خارطة طريقٍ ثقافيةٍ تبدأ من التربية ولا تنتهي بالمؤسسات.

لعل أولى خطوات هذه الخارطة هي إعادة بناء التربية العاطفية في الأسرة والمدرسة، لا بالاكتفاء على تلقين الأطفال "أن يكونوا مهذبين" شكليًا، بل بتعليمهم أن التهذيب هولغة الاعتراف بالآخر، وأن إهانة الإنسان ليست مجرد خطأٍ أخلاقي، بل هي انتهاكٌ لقانون الوجود نفسه، ثم يأتي دور المؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية في إعادة صياغة الخطاب بما يُحوّل مفاهيم الإحسان والتعاطف والكرامة والأدب من مفرداتٍ خطابيةٍ إلى ممارساتٍ يوميةٍ ملموسة، فلا يُقبل من خطيبٍ أن يتحدث عن كرامة الإنسان بينما يُمارس في حياته الخاصة إذلالَ من هو أضعف منه، وعلى مستوى الفضاء العام، لا بد من إصلاحٍ إداريٍّ ونفسيٍّ يجعل المؤسسة العمومية، بدءًا من الدرك الأدنى في الإدارات والمؤسسات التربوية والاعلامية والمستشفيات والمصالح الحكومية، فضاءً للتعامل الإنساني لا للذل المُنظّم، فالمواطن الذي يُذلّ في استلام ورقةٍ إداريةٍ لا يُمكن أن يُصدّق أن كرامته مصونةٌ في خطابٍ سياسي، كذلك، يقع على المثقفين والكتاب والمؤثرين في الفضاء الرقمي عبءٌ خاص، فهم مطالبون بأن يُقدّموا نموذجًا للنقد الموضوعي بلا شتم، والاختلاف بلا احتقار، والصراحة بلا إذلال، لأن اللغة العامة تُشكّل في المدى البعيد البنية اللاوعية للمجتمع.

وأخيرًا، لا بد من مبادرةٍ فكريةٍ تُعيد ربط الأدب بالسياسة، والرحمة بالمواطنة، والأخلاق بالحداثة، بما يُنتج تصورًا تنويريًا يعرف أن المجتمع القوي ليس ذلك الذي يُذلّ أفراده، بل الذي يُعلّي من شأن التعامل الإنساني إلى مصافّ القيمة الحضارية الاسلامية الكبرى "التقوى" في معيار الكرامة الإنسانية.

***

أ. مراد غريبي

ليس من السهل أن نتناول شخصية الحسين بن منصور الحلاج بوصفها حدثاً تاريخياً انتهى بموته على خشبة الصلب، لأن الرجل تجاوز حدود زمنه، ليغدو واحداً من أكثر الرموز حضوراً في الوعي الثقافي العربي. فالحلاج لم يكن متصوفاً انعزل عن العالم، بل كان صاحب مشروع روحي وإنساني جعل من الإنسان محوراً لتجربته، ومن الحرية غايتها الكبرى. اختلف المؤرخون في تفسير شخصية الحلاج، فمنهم من رأى فيه متصوفاً غلب عليه الوجد، ومنهم من عدّه مصلحاً اجتماعياً اصطدم بمصالح السلطة، بينما نظر إليه الأدباء بوصفه بطلاً تراجيدياً دفع حياته ثمناً لأفكاره.

وربما تكمن عظمة هذه الشخصية في قدرتها على استيعاب هذه القراءات جميعاً، لأنها كانت أوسع من أن تُختزل في تفسير واحد. لم يكن خطاب الحلاج دعوة إلى التصوف المنغلق، بل كان محاولة لإعادة الاعتبار إلى الإنسان بوصفه قيمة عليا. فالروح عنده لا تنفصل عن معاناة الفقراء، ولا يكتمل الإيمان إذا بقي بعيداً عن آلام الناس. ولهذا اكتسبت كلماته طابعاً اجتماعياً وأخلاقياً، فبدت وكأنها احتجاج على واقع يسوده الظلم والتفاوت، أكثر مما هي جدل في مسائل العقيدة. هنا يكمن سر الصدام. فالسلطة لا تخشى الأفكار المجردة، بقدر ما تخشى الفكرة حين تتحول إلى قوة أخلاقية قادرة على التأثير في الناس. لذلك لم يكن الحلاج يمثل خطراً بسبب عباراته الصوفية وحدها، وإنما لأنه منح الكلمة سلطة تنافس سلطة السيف، وجعل من الضمير الإنساني مرجعاً في مواجهة الخوف والاستبداد.

تنقل لنا المرويات التاريخية أن الحسين بن منصور الحلاج ولد في واسط 236 هجرية، هو صوفي وشاعر ومعلم للتصوف في العصر العباسي، اشتهر بفلسفته الروحيّة، وطاف العديد من البلدان والمدن لنشر طريقته وفلسفته، فاكتسب شهرة واسعة، وزاد عدد اتباعه، ولاسيما في العاصمة العباسية بغداد، والبصرة وخراسان، قبل مواجهته السلطة، ومحاكمته بتهمة الزندقة. لقد انتهت حياة الحلاج بالصلب، في زمن الخليفة العباسي المقتدر بالله في يوم 24 ذي القعدة سنة 309 هجرية، وأحرقت جثته وذر رمادها من أعلى مئذنة في بغداد. غير أن موته لم ينه حضوره. فالتاريخ كثيراً ما يمنح المهزوم في الواقع، نصراً في الذاكرة. ومن هنا تحول الحلاج إلى رمز دائم للمثقف الذي لا يساوم على قناعته، وللمفكر الذي يدرك أن الحقيقة قد تكون باهظة الثمن، لكنها تستحق التضحية. وإذا كان السيف قد حسم المعركة في لحظتها السياسية، فإن الكلمة هي التي ربحت معركة الزمن. فما زالت تجربة الحلاج تستعاد في الأدب والمسرح والشعر والفكر، لأنها تمثل سؤالاً متجدداً عن العلاقة بين السلطة والحرية، وبين الدين بوصفه تجربة روحية، والدين حين يتحول إلى أداة للهيمنة والإقصاء.

نعرف أن الحلاج كان يعيش في عصر بالغ الاضطراب، وعاصر عالماً تتهدده عوامل الانهيار البطيء المؤكد. فقد اشتعلت ثورة الزنج في جنوب العراق والحلاج له من العمر أحد عشر عاماً، وانه رحل في ذلك الحين إلى البصرة، وهو بعد غلام يافع يتلقى أول مبادئ العلم والمعرفة والتصوف. ثم اندلعت ثورة القرامطة بعد رحيله إلى الأحواز. كان الحلاج قد يئس من عصره ومن إمكانية إصلاحه كي يتخلص الانسان من الفقر والقسوة والقهر والاستغلال والعنف، لقد حمل جوهر عصره حين انعكست عليه كل تمزقاته الفكرية والاجتماعية، لم يحمل هذا الجوهر في صورته الجامدة، إنما في صورته الإنسانية الحقيقية. لم يتردد في البحث عن المخرج الصحيح للإنسان من مأزق الإرهاب والفقر، وحين اكتشف استحالة تحقيق هذه الغاية، قرر أن يمدّ رقبته إلى سيف الجلاد ـ سيد عصره الغشوم ـ لكي يروي بدمه أفكاره العاجزة عن النماء في هذا العصر، الملتاث، القاسي، الضنين. إن القيمة الحقيقية للحلاج لا تكمن في تفاصيل محاكمته، بل في المعنى الذي تركه للأجيال اللاحقة. لقد رفض عصره وانطلق لكي يغيره، تمرد على قصور العقل الإنساني، وأن يكتفي بالنجاة لنفسه في الصمت، إنها نجاة الأنذال إذن، أن يصمت على قهره وفقره.

لقد أثبت أن الإنسان يستطيع أن يهزم القهر بمجرد تمسكه بحقه في التعبير عن قناعته، وأن الأفكار الصادقة تمتلك قدرة على البقاء تتجاوز عمر أصحابها. هكذا لجأ الحلاج إلى الكلمة، بدلاً من السيف الهمجي، يحملها أحلامه ومطامحه إلى وضع إنساني أفضل. لعل إصراره على مواجهة القوة بالكلمات وحدها هو الذي أمدّه برغبة الشهادة، حين أيقن أنه مقتول لا محالة، وأيقن من ضياع صوته في برية عصره الموحشة. لعل هذا ما يفسر استمرار حضوره بعد قرون طويلة. فالحلاج لم يعد شخصية تاريخية فحسب، بل أصبح رمزاً لكل صاحب كلمة حرة، ولكل من يعتقد أن المعرفة مسؤولية، وأن الحرية لا تُمنح وإنما تُنتزع بالموقف والشجاعة. ولهذا بقيت صورته حيّة في الوجدان الإنساني، لا بوصفه شهيد التصوف وحده، بل بوصفه شهيد الكلمة أيضاً. قراءة الحلاج اليوم ليست عودة إلى الماضي، بقدر ما هي تأمل في الحاضر. فما تزال الأسئلة التي أثارها قائمة: كيف يمكن للفكر أن يواجه الاستبداد؟ وكيف تستطيع الكلمة أن تبقى حية في مواجهة العنف؟ وكيف يتحول الإنسان إلى قيمة أعلى من السلطة والقوة؟ ولهذا كله يظل الحلاج واحداً من أكثر الشخصيات إشعاعاً في التراث العربي، لأن حياته ومماته يختصران صراعاً أزلياً بين السيف والكلمة، ولأن التاريخ، مهما تأخر، ينحاز في النهاية إلى الكلمة التي تحمل الحقيقة.

***

جمال العتّابي

 

فيما يشبه الوداع الأخير للراحل جوزيبي سكاتولين الذي أهداني ديوان ابن الفارض

ليست كل الندوات العلمية مجرد مناسبة لتبادل الأوراق البحثية، فبعضها يتحول إلى تجربة فكرية حقيقية، يخرج منها المرء وهو يشعر أنه لم يكتسب معرفة جديدة فحسب، بل أعاد ترتيب أسئلته القديمة أيضاً. وهذا ما عشته في الأمسية التي احتضنتها ساقية الصاوي بالقاهرة، وأدارها الأستاذ الدكتور الصاوي الصاوي أحمد، أستاذ الفلسفة بجامعة بنها ورئيس المنتدى الفلسفي، بمشاركة الدكتور أحمد حسن نور، الباحث في الفلسفة والتصوف الإسلامي، وبحضور المستشرق الإيطالي الأب الدكتور جوزيبي سكاتولين، أحد أبرز الباحثين العالميين في التصوف الإسلامي الذي وافته المنية في إيطاليا يوم الاثنين، 27 أبريل 2026م لروحه السلام والطمأنينة.

في تلك الأمسية القاهرية التقينا بدعوة كريمة من الدكتور الصاوي الصاوي أحمد الصاوي، رئيس المنتدى الفلسفي في الساقية وذلك بتاريخ 20 فبراير 2021م زمن جائحة كورونا.كانت الأمسية ثرية بالحوار، لا لأنها دارت حول التصوف فحسب، وإنما لأنها فتحت باباً واسعاً لإعادة التفكير في تاريخ الاستشراق، وحدود العلاقة بين الشرق والغرب، وبين المعرفة والسلطة، وبين النص الديني والتجربة الروحية وبين الثقافة الإنسانية والذكاء الاصطناعي وكان من أجمل لحظات تلك الأمسية أن تشرفت بلقاء الأب جوزيبي سكاتولين، الذي طالما تابعت أعماله العلمية بإعجاب، فأهداني آخر تحقيقاته النفيسة: «ديوان ابن الفارض: قراءات لنصه عبر التاريخ»، مشفوعاً بإهداء شخصي وتوقيعه الكريم. وقد رأيت في تلك الهدية أكثر من كتاب؛ رأيت فيها رمزاً لانتصار المعرفة على الأحكام المسبقة، ودليلاً على أن الحوار الصادق بين الحضارات لا يزال ممكناً، وأن الباحث الحقيقي لا تحده هوية قومية أو دينية بقدر ما تحركه المعرفة والحكمة والحلم.

ولعل أكثر ما أثار النقاش في تلك الندوة ما عرضه الدكتور أحمد حسن نور من قراءة نقدية جريئة لكتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد، حين وصفه بأنه أحدث أزمة معرفية لا تزال آثارها ممتدة في الدراسات الإنسانية، مستعرضاً المراسلات التي دارت بين إدوارد سعيد وصادق جلال العظم حول الكتاب قبل صدوره وبعده، وهي مراسلات تكشف أن النقاش حول الاستشراق كان أكثر تعقيداً مما شاع لاحقاً.

وقد دفعتني تلك المناقشات إلى طرح وجهة نظري التي أرى أنها أصبحت أكثر إلحاحاً في زمن العولمة والثورة الرقمية: نحن اليوم نعيش مرحلة ما بعد الاستشراق. فالعالم الذي كانت تحدده الجغرافيا والاستعمار والقنصليات لم يعد هو العالم الذي تصنعه اليوم الشبكات الرقمية والذكاء الاصطناعي. لم تعد العلاقة بين الشرق والغرب تُختزل في ثنائية الاستشراق والاستغراب بحسب تعبير حسن حنفي بل أصبحت المعرفة نفسها عابرة للحدود، وأصبح الجميع موضوعاً للمراقبة والتحليل وإنتاج المعرفة في آن واحد.

استمعنا وناقشنا واستفدنا وكانت مداخلتي

نحن في مرحلة ما بعد الاستشراق ولم تعد هناك قيمة ومعنى للجهات بعد العولمة والكورونا ويمكن تمييز ثلاث مراحل أساس لتطور الاستشراق التقليدي هي:

أولى هذه المراحل هي الاستشراق اليوناني؛ حين كان الشرق مركز العالم الحضاري، وكانت مصر وبلاد الرافدين والشام والهند مدارس الإنسانية الكبرى، بينما كان اليونانيون يشدون الرحال إليها طلباً للعلم والحكمة. وتروي محاورة «طيماوس» لأفلاطون كيف ذهب صولون إلى مصر يبحث عن تاريخ اليونان، فأجابه الكاهن المصري بقوله الشهير: «يا صولون، إنكم معشر اليونان أطفال دائماً.» كان ذلك استشراقاً معرفياً خالصاً، لا تحركه جيوش ولا قناصل ولا أجهزة استخبارات، بل يحركه شغف الإنسان بالحكمة.

ثم جاءت المرحلة اللاهوتية مع صعود الحضارة الإسلامية، حين تحول الإسلام إلى موضوع للدراسة بوصفه تحدياً دينياً وثقافياً. وفي هذه المرحلة اختلط البحث العلمي بالدفاع اللاهوتي، كما اختلطت الترجمة بالجدل، حتى غدت المعرفة أحياناً أداة من أدوات الصراع الحضاري. ومع ذلك، فإن هذه المرحلة نفسها شهدت انتقال كنوز الفلسفة والطب والرياضيات والعلوم الإسلامية إلى أوروبا، وأسهمت، من حيث لا تريد، في ولادة النهضة الأوروبية.

أما الاستشراق الحديث فقد ارتبط مباشرة بالمشروع الاستعماري، منذ الكشوف الجغرافية الكبرى وحتى الحملة الفرنسية على مصر، حين أصبحت المعرفة بالشرق جزءاً من آليات السيطرة عليه. لقد وصف إدوارد سعيد هذا النمط من الاستشراق بوصفه مؤسسة تنتج المعرفة من أجل السلطة، وكان محقاً في جانب مهم من تشخيصه، لكنه ــ في تقديري ــ لم يستوعب كل تعقيدات الظاهرة، ولم يميز دائماً بين الباحث الذي يخدم السلطة، والباحث الذي يخدم الحقيقة.

وهنا يبرز نموذج الأب جوزيبي سكاتولين بوصفه أحد أهم الأمثلة المعاصرة على المستشرق الذي تجاوز هذا الإرث الثقيل. فقد كرّس أكثر من أربعة عقود لدراسة التجربة الصوفية الإسلامية، وجاب مكتبات العالم بحثاً عن مخطوطات ابن الفارض، حتى عثر في مدينة قونية التركية على أقدم نسخة معروفة من ديوانه، يعود تاريخها إلى ثماني سنوات فقط بعد وفاة الشاعر. ومن خلال هذا الجهد العلمي الدقيق قدّم تحقيقاً يُعد اليوم المرجع الأوثق لديوان سلطان العاشقين.

غير أن أهمية سكاتولين لا تكمن في تحقيق النص وحده، بل في طريقته في قراءته. فقد أدرك أن لغة التصوف ليست لغة تقريرية، بل لغة رمزية، وأن التجربة الصوفية لا تُقرأ بمنطق الفقه وحده، ولا بمناهج النقد الأدبي وحدها، وإنما تحتاج إلى حس فلسفي وروحي معاً. ولهذا رفض اختزال ابن الفارض في شاعر الغزل الإلهي، ورأى فيه شاعراً للإنسان الكوني، الذي يخوض رحلة من التفرقة إلى الوحدة، ومن الذات إلى الحقيقة، ثم يعود إلى العالم وقد تغيرت رؤيته لكل شيء.

ولعل هذه الفكرة أعادتني إلى سؤال طالما شغلني في فلسفة التاريخ: ما الفرق بين المعرفة العقلية والمعرفة الوجودية؟

إن الفلسفة تبحث عن الحقيقة عبر البرهان، أما الصوفية فتبحث عنها عبر الذوق. الأولى تبني الجسور بين العقل والعالم، والثانية تهدم المسافات بين الإنسان والحقيقة. ولهذا تبدو اللغة الصوفية عصية على الترجمة الكاملة، لأنها لا تصف التجربة، بل تلمح إليها، ولا تقدم الحقيقة جاهزة، بل تدعو القارئ إلى أن يعيشها بنفسه.

وفي تلك اللحظة أدركت أن التصوف لا يمثل هروباً من العالم كما يتوهم البعض، بل يمثل نزولاً إلى أعماق الإنسان، حيث تتجاوز الذات حدودها الضيقة لتكتشف أن الحقيقة لا تُفرض من الخارج، بل تُولد من الداخل، من التجربة الحية، ومن الحب، ومن ذلك الشوق الأبدي إلى الوحدة.

غير أن العالم الذي نعيش فيه اليوم يضع هذه التجربة الإنسانية أمام تحديات غير مسبوقة. فمنذ الثورة الرقمية، لم يعد الإنسان يعيش داخل حدود وطنه أو ثقافته، بل داخل فضاء معلوماتي عالمي، أعاد تشكيل علاقتنا بالزمان والمكان، وبالهوية والمعرفة والسلطة. لقد وصف لوتشيانو فلوريدي هذا التحول بأنه «الثورة الرابعة»، بينما رأى ألفين توفلر أننا دخلنا حضارة جديدة بكل معنى الكلمة.

إننا نشهد أكبر تحول في تاريخ الإنسان منذ اكتشاف الكتابة، وربما منذ ظهور اللغة نفسها. فالذكاء الاصطناعي، والإعلام الجديد، والشبكات الرقمية، لم تغير أدواتنا فحسب، بل أعادت تشكيل وعينا بالعالم. ولم تعد الأديان، والهويات، والثقافات، معزولة عن بعضها كما كانت، بل أصبحت تتجاور يومياً داخل الفضاء الرقمي، بكل ما يحمله ذلك من فرص للحوار، ومخاطر للصدام.

ومن هنا فإن سؤال التعايش لم يعد ترفاً فكرياً، بل أصبح سؤال البقاء ذاته.

لقد وحدت العولمة العالم، لكنها وحدت أزماته أيضاً. فالإرهاب، والتطرف، وخطابات الكراهية، والحروب الثقافية، كلها وجدت في الإعلام الرقمي بيئة جديدة للانتشار. وفي المقابل، أوجدت التكنولوجيا إمكانات غير مسبوقة للحوار، والتعلم، والتقارب بين الشعوب.

لهذا أعتقد أن البشرية تحتاج اليوم إلى ما يمكن تسميته لاهوت التعايش؛ لاهوت لا ينطلق من الدفاع عن هوية ضد أخرى، بل من الدفاع عن الإنسان نفسه، وعن حقه في الاختلاف، وفي الكرامة، وفي البحث الحر عن الحقيقة. لاهوت يعيد الدين إلى رسالته الأولى: أن يكون طاقة للرحمة لا وقوداً للصراع، وجسراً بين البشر لا متراساً يفصل بينهم.

ولعل الأب جوزيبي سكاتولين يجسد، بسيرته العلمية، هذا النموذج النادر؛ فقد أثبت أن الباحث يستطيع أن يكون وفياً لعقيدته، ومنصفاً لعقيدة غيره في الوقت نفسه، وأن المعرفة لا تزدهر إلا حين تتحرر من أوهام الهيمنة ومنطق الإقصاء.

خرجت من تلك الأمسية وأنا أحمل كتاباً موقّعاً، لكنني حملت معه ما هو أثمن من الورق والحبر؛ حملت يقيناً متجدداً بأن الحوار بين الحضارات لا يصنعه السياسيون وحدهم، بل يصنعه أيضاً العلماء، والفلاسفة، والمترجمون، والمحققون، وكل من يؤمن أن الحقيقة أكبر من أن يحتكرها أحد.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي، حيث تتغير الحضارة بسرعة غير مسبوقة، ربما يصبح هذا اليقين هو أكثر ما يحتاجه الإنسان: أن يتعلم كيف يعيش مع المختلف، لا لأنه يشبهه، بل لأنه يشاركه المصير ذاته. فإما أن نتقن فن التعايش في هذا العالم المنكمش، وإما أن نتقن فن الفناء معه.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

يخطئ من يظن أن الفكر الإسلامي ـ وليس الإسلام ـ لا يعاني من أزمة معرفية ويصارع معركة تفصله عن الوشائج والعلائق بتراثه المعرفي الأصيل سواء المتصل بحوادث بعينها وهي ما اتفق على توصيفه بفقه الحالة، أو التراث المعرفي الذي يحسب كونه أنموذجاً فريداً في وقته . وفي ظل معركة الفكر الإسلامي الراهن تبدو ملامح أخرى لا يمكن إقصاؤها عن تفاصيل هذا الفكر الذي أصبح مستمرئ حالة الاستقرار رهن التصنيف والتبويب والتلميح والتصريح والاستيفاء ومن ثم استلاب القارئ بعيداً عن واقعه واستقطابه صوب التنظير .

وأبرز تلك الملامح التي تعتري معركة الفكر الإسلامي وليس خطابه هو فرض حالة الإقامة الجبرية على الاجتهاد الصائب والمحمود والذي يستهدف صالح الإسلام والمسلمين، هذه الإقامة التي تجاوزت حدود الاستخدام اللغوي التداولي لتصل بغير اكتراث إلى إصدار فتاوى غير محفزة أو بالأحرى فتاوى من شأنها إحداث فتنة طائفية أو حرب أهلية بين أطياف سياسية قد لا تعي من أمر رشدها شيئاً . واستحالت فتاوى التحريض مرطبات للفكر الإسلامي المعاصر في وقت أصبحت عبارات تجديد الفكر الإسلامي وتطوير الخطاب الديني من الشعارات الباهتة والمكرورة لأنها لا تتصل بواقع مشهود وحقيقة مجتمعية تفيد بفقر الثقافة وضعف القوة المعرفية لدى مجتمعات عربية كثيرة . رغم أن هذه الحالة تتعارض بالكلية مع المنهج الإسلامي في الإصلاح والتجديد، وتبدو أن عملية استنهاض قوى التجديد بدت خائرة واهنة.

وحالة الفكر الديني المعاصر تشبه بقدر المماثلة والمشاكلة ظاهرة الإنتروبيا، وهذا المصطلح Entropy يعني مقياس تحديد غموض الموقف، وهو مقياس عفوي أعده الفيزيائي الألماني رودلف كلاوزيوس عام 1856م حينما كان يدرس ظاهرة استحالة انتقال الحرارة من جسم أكثر برودة إلى جسم أكثر سخونة. والإنتروبيا تعني أيضاً التحول إلى الداخل، أي المنطوي على نفسه أو الموت الداخلي، وعلماء الفيزياء في الغرب ـ طبعاً ـ فسروا قانون الإنتروبيا على أنه حركة عشوائية عبارة عن طاقة مهدرة ومشتتة في أي نظام.

ومن يسع لرصد الحالة التي تعترينا من ناحية الفكر والخطاب الديني المعاصر من حيث إنها صورة من صور ظاهرة الإنتروبيا، من حيث الجمود الفكري الذي يصيب البعض منا، واحترازاً للقول القلة منا فقط، فتراه يقف عند حدود فقه عصر معين ويرفض رفضاً مطلقاً قبول فكرة الاجتهاد، رغم أن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود كان سابقاً لعصره، فقد كان رائد مدرسة الاجتهاد الفقهي.

وهذا العقم في استنهاض القوى المعرفية الدينية هو الذي أودى بحياة الكثير من ضباط الشرطة الذين بالقطع وبغير مبالغة يسهرون من أجل رفاهية آخرين لكننا مصرون أن نقف عند فاصلة الرئيس المصري السابق حسني مبارك التي كرست لثقافة شبه أمنية سقطت فعلا وقت اشتعال انتفاضة يناير، وهذا الفقر المعرفي في الفكر الإسلامي هو الذي أصدر الفتوى بتحريم تهنئة الأقباط بميلاد السيد المسيح الذي جاء ذكره في قرآني الذي لا يقرؤه هؤلاء المتطرفون بوعي أو بدراية كافية (إذ قالت الملائكة يامريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين) .

والتكفير والتحريم في هذه الآونة صارا وجهين لعملة واحدة يمكن أن نطلق عليها عملة (الغلو)، ولعل أبلغ تشبيه للغلو في التكفير هو " الورطة"، ولقد توعد رسول الله (عليه الصلاة والسلام) بهؤلاء الذين يكفرون إخوانهم بقوله: (لا يرمي رجل رجلاً بالفسق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك). أما الآن فأصبح التكفير أسرع حكم يمكن أن يصدره إنسان على أخيه، وإذا كان التكفير قديماً سلاح خفي يستخدمه بعض المتطرفين في مواجهة خصومهم، فاليوم أصبح أداةً هجومية تستخدم قبل وأثناء وبعد الحوار مع الآخر، هذا إن كان هناك حوار من الأساس. 

وإذا سألت أحد رجال الدين المستنيرين عن الغلو في التكفير لذكر لك أن المجازفة بالتكفير شر عظيم وخطر جسيم، وقد ذاقت الأمم كثيراً من ويلاتها ووبيل عواقبها، وليدرك هؤلاء قول الله تعالى في تحذير عباده من الغلو في التكفير (فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة). والمتأمل لهذا الأمر ـ الغلو في التكفير ـ يرى عواقبه التي تتمثل في استحلال الدم ومنع التوارث وفسخ عقد الزواج وتحريم إقامة الفرائض. ويدهشني كثيراً حينما أقرأ لشيخ الإسلام ابن تيمية الذي يتخذه معظم السلفيون إماماً لهم حينما يقول: فليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة ويبين له المحجة وإزالة الشبهة. 

وانظر إلى رأي الشيخ عبد الرحمن السديس إمام وخطيب الحرم المكي سنة 2004م حينما أكد على أنه يجب التفريق بين الفعل والفاعل والإطلاق والتعيين وتنزيل النصوص على الوقائع والأشخاص، وأن نصوص الوعيد في الكتاب والسنة ونصوص الأئمة بالتكفير والفسق ونحو ذلك لا يستلزم ثبوت موجبها في حق المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع. حتى بعض أنصار الفكر الوهابي ربما تناسوا قول إمامهم المجدد محمد بن عبد الوهاب إذ يقول: ولا نكفر إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم.

واستسهال رمي البعض بالكفر والشرك والخروج عن الملة يذكرني بقصة طريفة، فقد جاء رجل إلى ابن عمر، فسأله عن دم البعوضة، وعن حرمة قتل الذباب، فقال له: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق، قال: ها انظروا إلى هذا، يسأل عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن بنت رسول الله. 

 وأجمع المفكرون أن خطورة الفكر التكفيري تتمثل في إحداث حالة من الانفصام والانقسام والتمييز داخل المجتمع الواحد بين أبنائه، وهم بذلك أعداء للتنمية والتطوير والتجديد، وأعتقد أن المجتمع كفاه ما قد يعانيه من تمييز واستبعاد اجتماعي لبعض أفراده. هذا ولا بد من منهج واضح ومحدد الملامح لمواجهة هذا الفكر، وإحداث مناعة حقيقية لدى أفراد المجتمع ضد كل ما يسمعونه من صيحات تكفيرية، ومراجعة بعض كتب التراث التي تغذي الفكر التكفيري وتنقيتها.

وأبرز العلامات التي تلازم أزمة الفكر الإسلامي الراهنة محاربة التأويل، والتأويل في حد ذاته لم يعد حقاً يطلبه الإنسان، بل أصبح فريضة يؤديها ليل نهار على كل ما يمارسه من سلوكيات وقيم وأفكار، هذا إن يفكر من الأساس، وقراءاته هذا إن كان يقرأ في الأصل، وعلى ما يسمعه ويشاهده وأظن أنه لا يفعل ذلك أبداً، أقصد تأويل ما يسمعه. المهم أن التأويل بدلاً من أن يكون حقاً مكتسباً، صار شهوة موروثة بعلة وحجة أن صحة التأويل مرجعها الإجماع المطلق.

وعلماء الدين الأفاضل اتفقوا على ضرورة التأويل في المواضع التي تثير الشبهات فقط، وهذا يجعل الناظر (أي الذي يرى الأشياء بنظرة ثاقبة وروية) لقضية التأويل ملتبساً بعض الشئ، فكيف يقضي رجال الدين بشئ ولم يتفقوا وتجتمع آراؤهم عليه اجتماعاً وإجماعاً مطلقاً. وهذا يذكرني بما صنعه حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في كتابه "تهافت الفلاسفة" حينما كفر الفارابي وابن سينا لأنهما خرقا الإجماع في التأويل، رغم كونهما من أهل الإجماع أي أن رأي الغزالي فيهما لا يعتد به شرعاً، وهما (أي الفارابي وابن سينا) أكدا على توجه التربية إلى الاهتمام بالإنسان من جميع جوانبه، وأبعاده الروحية والعقلية والجسمية وغرس الفضائل والعادات السليمة.

إذن قضية التأويل لم تكن حديثة العهد بواقعنا العربي الراهن، بل هي ضاربة في جذورنا الثقافية وكم من مفكر صارع وصرع من أجل إثبات هذا الحق للمواطن العربي قبل أن يصبح اليوم مشاعاً. وإذا راهنت نفسك بسؤال أحد الأفاضل الذين امتلكوا وحدهم حق التأويل عن شروط التأويل، وشروط القائم بالتأويل ستكسب رهانك لأنه سيسرد لك عبارات عامة عن القراءة والاطلاع والثقافة وامتلاك ناصية اللغة، ولو أن أحداً من هؤلاء بذل جهداً بسيطاً أقل مما يبذله في إعداد ما يقوله إما للصحف أو للفضائيات الفراغية لما وصل بنا الحال وبشبابنا إلى حالة الفكاك المستديمة تلك التي نعانيها منذ أمد.

ولو أنه خرج قليلاً من عباءات الضيق والجمود الفكري التي يعاني بعضهم منه وقرأ كتاباً مهماً للقاضي ابن رشد وهو "مناهج الأدلة في عقائد الملة" لاستطاع أن يعبر بعقله أولاً ثم بعقول أبنائنا وشبابنا إلى المستقبل، وإلى خلق جيل أكثر تفكيراً ووعياً من سابقيه. فلقد حدد القاضي الفقيه ابن رشد شروطاً للقائم بالتأويل أبرزها أن يكون من العلماء أصحاب النظر البرهاني، أي الذي يبني على مقدمات يقينية، وليست فقط أن تكون مشهورة بين الناس. وفرغ ابن رشد من حديثه إلى أن الشريعة الإسلامية تؤيد التأويل وتحث عليه، بحجة أن النظر في الموجودات المصنوعة تدل على صانعها.

ونرى من العلماء الأجلاء كالرازي والآمدي وابن الحاجب وأبي الحسين البصري أنهم أكدوا على أن الأمة إذا اختلفت في تأويل آية كانوا على قولين، وأجازوا لم بعدهم إحداث قول ثالث، هذا بخلاف ما إذا اتفقوا في الأحكام على قولين فجوزوا أن تكون الأمة مجتمعة على الضلال في تفسير القرآن والحديث، وهكذا كانت سماحتهم ووعيهم الديدني بالتأويل وقبول الرأي الآخر ما لم يكن مخالفاً للشرع.

 وخلاصة القول والرأي في هذا أن التأويل والحمد لله لم يعد حقاً يطالب به بنو البشر على السواء، لأنه بالرغم من أنه أصبح مشاعاً، إلا أن فئة من العلماء أصحاب العقول الراجحة الجانحة اغتصبوا هذا الحق لهم وحدهم، وتركونا منفردين على حالات ؛إما نخاف على هيبتنا واحترامنا الثقافي والفكري لأنفسنا فالتزمنا الصمت، وإما أننا أكبر من كل هذا الذي يقولونه ويبثونه بثاً فيصير هباءً منثوراً، أو نقبله كما تورد الإبل نحو الماء، فاللهم لا تجعلنا إبلاً تورد للماء طوعاً وقسراً وكراهية.

***

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية

كلية التربية ـ جامعة المنيا

تتوالى الدعوات إلى تجديد الفكر الديني منذ أكثر من قرن، واتخذت مسارات ومناهج متنوعة. فمنذ انطلاق مشروع الإصلاح الإسلامي الحديث في القرن التاسع عشر، برزت أسماء جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وغيرهم من المصلحين الذين سعوا إلى التوفيق بين الإسلام والحداثة، وإحياء الاجتهاد، وتحرير العقل الإسلامي من الجمود الفقهي والانغلاق المعرفي. غير أن هذه المشاريع لم تكن متجانسة في رؤاها ومناهجها وغاياتها؛ فقد انشغل بعضها بإصلاح التعليم والمؤسسات الدينية، واهتم بعضها بإعادة تفسير النصوص، فيما سعى بعضها الآخر إلى بناء وعي ديني يستجيب لتحولات العصر وأسئلته. ومع تنوع هذه المحاولات، ظل التجديد مهمة مفتوحة، تتطلب مراجعة مناهج فهم الدين، والكشف عن تاريخية المعرفة الدينية، وإعادة النظر في صلتها بالإنسان والعالم المتغير.

ثم شهد النصف الثاني من القرن العشرين مرحلة جديدة اتسمت بالنقد المعرفي والمنهجي، برز فيها مفكرون أمثال محمد أركون، وحسن حنفي، ومحمد عابد الجابري، ونصر حامد أبو زيد، وعبدالمجيد الشرفي، وغيرهم. اتجه هؤلاء، على اختلاف مرجعياتهم ومناهجهم، إلى مساءلة التراث الإسلامي، وتحليل آليات إنتاج المعرفة فيه، وإعادة النظر في مناهج قراءته وتأويل نصوصه، مستعينين بمناهج الفلسفة الحديثة والعلوم الإنسانية. وهكذا انتقل سؤال التجديد من الدعوة إلى الإصلاح وإحياء الاجتهاد إلى نقد بنية العقل التراثي، والكشف عن سياقاته التاريخية والثقافية، وفحص أثرها في تشكيل الوعي الديني.

أما المرحلة المعاصرة، الممتدة من أواخر القرن العشرين إلى اليوم، فقد برز فيها عبد الجبار الرفاعي بوصفه احد المفكرين المنشغلين بإعادة بناء الفكر الديني، عبر استرداد الأبعاد الروحية والأخلاقية والجمالية للدين، وإعادة تعريف مفاهيمه الأساسية في ضوء مركزية الإنسان وكرامته وحاجته الوجودية إلى المعنى. وإلى جانب الرفاعي، يواصل عدد من المفكرين اشتغالهم على فلسفة الدين، والهرمنيوطيقا، ونقد الخطاب الديني، للكشف عن تعدد دلالات النصوص، وتاريخية المعرفة الدينية، وتجديد مناهج فهم الدين وآليات التفكير فيه.

غير أن تجديد الفكر الديني، على أهميته، مشروع شديد القابلية للتشويه والاستغلال؛ إذ غدا كل خروج عن المألوف في قراءة النصوص أو التراث يقدم، لدى بعض القراء والمهتمين، على أنه تجديد، حتى وإن لم يتجاوز إعادة إنتاج البنى الفكرية القديمة بصيغ ومصطلحات جديدة. من هنا تبرز ضرورة التمييز بين نمطين من التجديد: الأول مراجعة جذرية للتراث، ولبنية العقل الإسلامي، ولمناهج فهم النصوص وآليات إنتاج المعرفة الدينية، بما يفضي إلى إعادة بناء المفاهيم وتغيير طرائق التفكير، أما الثاني فلا يتجاوز الإحياء أو الإصلاح الجزئي، وقد يتخفى وراء شعارات التجديد، فيما ينتهي إلى ترميم المنظومة الموروثة وإعادة إنتاجها، أو تضخيم الخطابات الأيديولوجية المفتقرة إلى الحس النقدي والعمق الفلسفي. التجديد الحقيقي لا يقاس بحداثة المصطلحات وجرأة الشعارات، وإنما بقدرته على إحداث تحول عميق في بنية التفكير الديني، وتحرير العقل من أنماطه المغلقة، وفتح آفاق جديدة لفهم الدين ووظيفته في حياة الإنسان.

في ضوء هذا التمييز بين التجديد والإحياء والإصلاح، يمكن النظر في مشروعي حسن حنفي وعبد الجبار الرفاعي، للكشف عن اختلاف منطلقاتهما ومناهجهما وغاياتهما، وتحديد المسافة الفاصلة بين التجديد والإحياء والإصلاح. التجديد في الفكر الديني عملية معرفية خلاقة، تقوم على النقد والابتكار، وتستند إلى رؤية فلسفية عميقة. لا تكتفي بإعادة قراءة التراث أو تحديث لغته، وإنما تسائل المنظومة الدينية ومفاهيمها ومناهجها وآليات إنتاج المعرفة فيها. تبدأ بتحليل التراث وتفكيك بنيته والكشف عن سياقاته التاريخية، ثم تبتكر مناهج جديدة لقراءته، وصولًا إلى بناء فهم للدين يستجيب لهموم الإنسان المعاصر وأسئلته الوجودية والأخلاقية. التجديد الحقيقي لا يبدأ بالتراث لينتهي إليه، وإنما يتخذه نقطة انطلاق، ثم يغادر آفاقه المغلقة نحو فضاءات معرفية جديدة.

يعني التجديد إعادة النظر في المفاهيم الدينية والمناهج والموضوعات والبنى الفكرية والاجتماعية والثقافية، ومساءلة البداهات والمسلمات التي ترسخت عبر التاريخ واكتسبت سلطة تحول دون نقدها. لا يكتفي المجدد باستعادة الأفكار الموروثة أو إعادة صياغتها، وإنما يعيد بناءها ويبتكر طرائق جديدة لتوظيفها في أفق علمي وفلسفي مغاير. ينطلق التجديد من نقطة معرفية، لكنه لا يعود إليها، بل يتجاوزها إلى نتائج جديدة تولدها رؤية مختلفة ومناهج أكثر قدرة على استيعاب تحولات المعرفة وأسئلة الإنسان. ومن ثم فإن كل مشروع يبدأ بالتراث وينتهي إليه، من دون أن يتجاوزه إلى إعادة بناء المعرفة الدينية ومفاهيمها، يظل مشروع إحياء، مهما استعار من لغة التجديد ومصطلحاته.

أما الإحياء في الفكر الديني، فيقوم على استعادة القديم وإعادة إنتاجه؛ تراثًا وفكرًا ورؤية للعالم. لا ينطلق من نقد المنظومة الدينية وتحليل بنيتها وتفكيك آلياتها، ولا يثير الأسئلة القادرة على إحداث تحول عميق في الفكر الديني، وإنما يتلقى القوالب التراثية الجاهزة، بأفكارها ومفاهيمها وشعاراتها، ويعيد توظيفها في الواقع المعاصر حفاظًا على الفكر الديني الموروث واستمرارًا لفاعليته.

 في ضوء هذا التمييز، يبدو مشروع حسن حنفي أقرب إلى الإحياء منه إلى التجديد؛ فهو يبدأ بالتراث ويظل مشدودًا إلى مرجعياته، ولا ينجز تحولًا معرفيًا يتجاوز بنيته العميقة. كما يستمد رؤيته من منبع أيديولوجي تعبوي، يجعل التراث مركزًا تدور حوله حركة الفكر، ويعيد بناء الحاضر بأدوات الماضي ومفاهيمه، حتى حين يعيد تأويلها بلغة ثورية معاصرة.

من أبرز الإشكالات التي وجدتها في كتابات حسن حنفي محاولته الجمع بين الأيديولوجيا والفلسفة، مع أن بنيتيهما ووظيفتيهما متغايرتان. يقول حنفي: "لقد أصبح الإسلام أيديولوجية شاملة تعطي تصورًا فلسفيًا للعالم". غير أن الأيديولوجيا، في صورتها المغلقة، نظام لاحتكار المعنى؛ تقدم تصورات جاهزة وأجوبة نهائية، وتصوغ قوالب فكرية جامدة تنفر من السؤال المعرفي والتعددية الفكرية والدينية والاجتماعية. أما الفلسفة فتمنح الإنسان رؤية للعالم لا تستقر في يقين مغلق، وتفتح أمامه أفق السؤال والنقد والمراجعة المستمرة. الإنسان الذي يفكر فلسفيًا يسأل ويبتكر ويطور، ويمارس النقد المعرفي والفكري والثقافي والاجتماعي، فيما يظل الإنسان الأيديولوجي أسير رؤية دينية وسياسية وعقدية وفقهية مغلقة، تحول دون مراجعة المسلمات وطرح الأسئلة الكبرى المتصلة بالمفاهيم الدينية الأساسية، ولا تتيح له تنقيح أفكاره وإعادة بناء ذاته في أفق تساؤلي مفتوح. من هنا يصعب الجمع بين الأيديولوجيا والفلسفة؛ فالأولى تسعى إلى تثبيت اليقين وحشد الناس حوله، والثانية تخضعه للمساءلة والاختبار. تعمل الأيديولوجيا على حجب الرؤية الفلسفية عن الإنسان، وتمنحه أجوبة عاطفية جاهزة، وتبقيه داخل بنية مغلقة تقاوم النقد والتجديد.

نقد الفكر الديني أحد أبرز ثمار فلسفة الدين؛ ففلسفة الدين ليست منظومة من الأجوبة الجاهزة، وإنما أفق مفتوح للتساؤل لا يعرف الاكتمال. لا تغلق ملفًا من ملفات الفكر الديني، ولا تخضع للتبرير أو التوظيف الأيديولوجي، وتواصل مساءلة المفاهيم والتصورات والمعتقدات الدينية في ضوء العقل النقدي والخبرة الإنسانية، من دون أن تتعامل مع الفهم البشري للدين على أنه حقيقة نهائية أو دلالة جزمية مغلقة.

في هذا السياق، يمثل مشروع عبد الجبار الرفاعي مشروعًا شاملًا لتجديد الفكر الديني؛ فهو يبدأ بإعادة تعريف المفاهيم الدينية الكبرى، مثل: الإنسان، والدين، والوحي، والنبوة، والشريعة، والتكليف. يعتمد الرفاعي على الفلسفة الحديثة وعلوم الإنسان والمجتمع، ويستعين بمناهج بحث تتجاوز المناهج التقليدية، سعيًا إلى بناء أفق جديد للمعنى، يعيد اكتشاف الإنسان كائنًا أخلاقيًا وروحيًا وجماليًا، ويجعل كرامته محورًا لفهم الدين وتأويل نصوصه وتحديد وظيفته في الحياة.

وعلى الرغم من التشابه الظاهري بين المشروعين، لا سيما حين يقرآن قراءة سطحية عابرة، تكتفي بالمصطلحات والشعارات، إلا أن القراءة المتأنية تكشف عن تباين جوهري في منطلقاتهما ومناهجهما وغاياتهما. ينتمي مشروع عبد الجبار الرفاعي إلى التجديد بمعناه المعرفي والفلسفي؛ إذ يتجاوز استعادة التراث إلى إعادة بناء المعرفة الدينية وتعريف مفاهيمها الكبرى في ضوء الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع. أما مشروع حسن حنفي فيظل أقرب إلى الإحياء بصيغته الأيديولوجية، حيث يستعيد التراث ويعيد توظيفه في مشروع تعبوي جماهيري. ومن ثم فإن إدراج المشروعين تحت عنوان واحد هو "التجديد الديني" يحجب الفوارق المنهجية والمعرفية العميقة بينهما، ويساوي بين مشروع يغادر التراث إلى أفق جديد، ومشروع يعيد إنتاجه بلغة حديثة.

***

بهاء سوادي

طالب في المرحلة السادسة بكلية طب جامعة البصرة.

كيف أعدمت الترجمة الفكر الأصيل في العقل العربي؟

الترجمة كفعل تأسيسي ومجازفة معرفية

لم تكن ترجمة الفكر الماركسي إلى العربية في بدايات القرن العشرين مجرد عملية نقل لغوي للنصوص، بل كانت فعل تأسيس أيديولوجي اتسم بالمخاطرة الفكرية. فقد واجه الرعيل الأول من المترجمين، وفي مقدمتهم حسين القاياتي في بدايات الحركة الاشتراكية المصرية، وأحمد خير الدين، وصولاً إلى محاولات فؤاد كامل في الأربعينيات، تحدياً معرفياً مزدوجاً؛ تمثل في عجز الأدوات المصطلحية العربية حينها عن استيعاب التعقيد الفلسفي للأصول الألمانية والروسية، والاعتماد الاضطراري على لغات وسيطة كالفرنسية والإنجليزية.

هذه الوساطة اللغوية لم تكن محايدة، بل أدت إلى فلترة المعنى وتشويه المادة الفلسفية، حيث غُلِّب الهدف التعبوي على الأمانة الفلسفية، وتحول المترجم –بفعل الظرف السياسي– من ناقلٍ أمين للنص إلى مهندسٍ للوعي الأيديولوجي. وبذلك، وُلد الفكر الماركسي العربي مبتوراً عن سياقه الأصلي، ومُلبساً بقالبٍ وظيفي جعل منه عقيدةً سياسية نضالية، بدلاً من أن يكون تحليلاً علمياً رصيناً للواقع. إن استحضار هذه الحقبة اليوم، في ظل توفر أدوات الترجمة الرقمية المباشرة، يضعنا أمام مسؤولية تاريخية لإعادة قراءة هذا الإرث الفكري وفك الاشتباك بين النص الأصلي وبين الترجمة المؤدلجة التي شكلت وعي أجيالٍ كاملة.

جدلية النشأة والعبور الماركسية بين الأصل والاستيراد

لا ينبغي التعامل مع الفكر الماركسي كبناء فكري جامد، فقد وُلد في أحضان الصناعة الألمانية ماركس وتطورت آلياته التنفيذية في التربة الروسية لينين. هذا العبور من ألمانيا إلى روسيا كان أول تحول جذري في أصل الفكرة. أما عند وصولها للواقع العربي، فقد كانت عملية استيراد متعجلة؛ فلم يكن الهدف دراسة رأس المال كبناء فلسفي، بل كان الهدف توظيف الماركسية اللينينية كأداة تحررية ضد الاستعمار. هنا بدأت المجازفة الأولى: هل كنا ننقل فكراً، أم كنا نستعير بوصلة سياسية؟ معضلة الترجمة لوساطة كعامل تشويه بما أن النخب العربية لم تكن تتقن اللغات الأصلية، فقد تم الاعتماد على ترجمات وسيطة إنجليزية وفرنسية. هذا الوسيط لم يكن محايداً؛ فقد نقل رؤية الغرب للماركسية بصبغتها الفلسفية والسياسية الخاصة. المترجم العربي لم ينقل نصاً، بل نقل تأويلاً لمترجم أجنبي. وعندما حاول تعريب المصطلحات، وجد فجوة بين لغة الفلسفة الألمانية الدقيقة واللغة العربية التي كانت حينها مشغولة بمفاهيم النهضة والتحرر، مما أدى إلى نحت مصطلحات فقدت الكثير من حمولتها الفلسفية الأصلية.

التعبوية على حساب الأمانة صناعة الماركسية الوظيفية

في سبيل حشد القواعد الشعبية، تم تبسيط الأفكار إلى مستوى الكراريس التحريضية. هذه العملية لم تكن إخلالاً بالمعنى فحسب، بل كانت هندسة اجتماعية. لقد أُفرغ الفكر الماركسي من تعقيداته الاقتصادية ليتحول إلى خطاب تعبوي مباشر. العامل البسيط لم يكن يملك أدوات النقد ليكتشف أن ما يقرأه هو نسخة مختصرة وموجهة، بل أصبح مستلباً معرفياً أمام القائد الحزبي الذي يمتلك حقيقة النص، مما حول الترجمة من عملية معرفية إلى عملية ضبط أيديولوجي. صراع الترجمات عددية تعكس الانقسام لم يكن تعدد الترجمات في المكتبة العربية دليلاً على ثراء الفكر، بل كان تعبيراً عن شرذمة الولاءات. كل حزب وكل تيار تبنى ترجمة معينة أو قام بنحت مصطلحات تخدم خطه السياسي. هذا التعدد خلق ماركسيات متعددة في الساحة العربية؛ ماركسية سوفيتية رسمية، وماركسية نقدية. هذا التضارب جعل الفكر الماركسي العربي يبدو مشتتاً، وغير قادر على تقديم رؤية اقتصادية موحدة ومستقرة، مما جعله يظل دائماً في إطار العمل السياسي بعيداً عن كونه منهجاً نهضوياً نابعاً من الواقع. المجازفة الكبرى والمسؤولية التاريخية إننا أمام واقع تاريخي يقول: إن الماركسية العربية لم تكن ماركسية ماركس، بل كانت ماركسية المترجمين والقادة. لقد كانت مجازفة فكرية باهظة الثمن، لأنها قامت على أساس نقل فكر دون امتلاك أدواته. وهنا يبرز الفارق الجوهري بين الأمس واليوم؛ فبينما كانت الترجمة قديماً فعل اختيار وتحيز محكوم بضعف الأدوات اللغوية وضغوط الانتماء السياسي، أصبحت الترجمة اليوم في عصرنا الرقمي أداة معرفية باردة. إننا لم نعد نعتمد على وسيط بشري يفلتر النص أو يؤدلجه، بل صرنا أمام قدرة تقنية تت رجم من الأصول مباشرة، مما ينزع عن النص قناع التفسير الحزبي ويعيده إلىجوهره الفلسفي إن مسؤوليتنا اليوم تجاه هذا الإرث ليست في تقديسه أو رفضه، بل في تحريره من قوالب الترجمة القديمة، ومحاولة فهم الفكر في سياقه الأصلي، لعلنا نستخرج منه ما يفيد واقعنا المعاصر بعيداً عن أخطاء النقل التاريخي.

***

ئاريان علي

ليست الإشكالية في أن يدافع المجلس الوطني لحقوق الإنسان عن الحق في الحياة، فهذا يدخل في صميم اختصاصاته الدستورية. وليست أيضًا في أن يرافع من أجل مراجعة السياسة الجنائية للمغرب، أو أن يستحضر المعايير الدولية في مجال حقوق الإنسان.

 الإشكالية تبدأ عندما يتحول هذا الترافع إلى خطاب يوحي بأن إلغاء عقوبة الإعدام أصبح خيارًا مؤسساتيًا محسومًا، بينما الحقيقة أن الملف لا يزال مفتوحًا على مستويات تشريعية ودستورية ومجتمعية متعددة.

 من داخل البرلمان الفرنسي، وعلى هامش المؤتمر الدولي التاسع لإلغاء عقوبة الإعدام، قدمت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان مؤخرا، قراءة لمسار المغرب بدت، في كثير من جوانبها، وكأنها تستبق الإرادة التشريعية والنقاش العمومي، عندما اعتبرت أن التصويت المغربي لصالح القرار الأممي بوقف تنفيذ العقوبة يمثل محطة في طريق إلغاء تشريعي مرتقب.

 هذا الخطاب يثير أكثر من علامة استفهام.  فإذا كان المجلس مؤسسة استشارية مستقلة، فإن البرلمان هو صاحب الاختصاص الأصيل في التشريع، والمجتمع هو الفضاء الطبيعي للنقاش حول القضايا التي تمس المنظومة الجنائية والقيمية للدولة. أما القضايا المرتبطة بعلاقة القانون بالمرجعية الإسلامية، فهي تظل محكومة أيضًا بالإطار الدستوري الذي يجعل من إمارة المؤمنين المرجعية العليا في حماية الدين وصيانة ثوابته.

 ولهذا فإن الحديث عن إلغاء عقوبة الإعدام لا يمكن أن يُقدَّم باعتباره مجرد استحقاق حقوقي مؤجل، أو نتيجة حتمية لمسار دولي، لأن الأمر يتعلق بخيار سيادي تتداخل فيه اعتبارات الأمن والعدالة والسياسة الجنائية والخصوصية الحضارية للمغرب.

 ومن اللافت أن خطاب المجلس يكاد يحصر القضية في بعدها الحقوقي، بينما يتجاوزها الواقع المغربي إلى أسئلة أكثر تعقيدًا: كيف ينظر المجتمع إلى العقوبة في ظل تنامي الجرائم العنيفة؟ وما موقع حقوق الضحايا وأسرهم داخل هذا النقاش؟ وهل يمكن استيراد نماذج قانونية من بيئات اجتماعية وثقافية مختلفة دون مساءلة مدى انسجامها مع السياق الوطني؟ .

 إن الإشارة إلى أن أكثر من ثلاثة أرباع دول العالم لا تنفذ عقوبة الإعدام، أو أن المغرب لم ينفذها منذ عقود، لا تكفي وحدها لبناء حجة تشريعية ملزمة. فالقوانين لا تُعدّل بمنطق الإحصائيات الدولية، وإنما بمنطق التوافق الوطني، ووفق ما تقتضيه المصلحة العامة والثوابت الدستورية.

 كما أن احتضان المغرب لمؤتمر دولي حول إلغاء عقوبة الإعدام لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره إعلانًا عن تغيير رسمي في السياسة الجنائية للدولة. فاستضافة المؤتمرات الدولية تعكس انفتاح المملكة على الحوار وتبادل التجارب، لكنها لا تعني بالضرورة تبني جميع التوجهات التي تدافع عنها تلك المؤتمرات، وإلا لأصبحت الدبلوماسية الحقوقية بديلًا عن المؤسسات الدستورية المختصة.

 ثم إن من واجب المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وهو مؤسسة دستورية تحظى بمكانة اعتبارية، أن يحافظ على مسافة متوازنة بين الترافع والحياد المؤسسي. فالترافع يكتسب قوته عندما يفتح أبواب النقاش، لا عندما يوحي بأن النقاش انتهى وأن المسار التشريعي لم يعد سوى مسألة وقت.

 إن ملفًا بحجم عقوبة الإعدام لا يحتمل الاختزال، ولا يقبل أن يُدار بمنطق الضغط الرمزي الذي تفرضه المؤتمرات الدولية أو شبكات الترافع الحقوقي. إنه ملف يمس فلسفة العقاب، والسيادة التشريعية، والأمن المجتمعي، والمرجعية الدستورية والدينية للدولة المغربية.  ولذلك، فإن الحكمة تقتضي أن يبقى هذا النقاش داخل فضائه الطبيعي، أي المؤسسات الوطنية، وفي إطار حوار عمومي هادئ يشارك فيه الجميع: المشرعون، والفقهاء، والحقوقيون، والجامعيون، والفاعلون السياسيون، ومختلف مكونات المجتمع، تحت سقف الدستور، وفي ظل المرجعية التي يمثلها أمير المؤمنين باعتبارها الضامن لتوازن الدولة بين الانفتاح على المنظومة الكونية لحقوق الإنسان والحفاظ على ثوابتها الدينية والوطنية.  فالقضايا الكبرى لا تُحسم بالرمزية، ولا بالترافع وحده، وإنما بإرادة وطنية جامعة تُوازن بين الحقوق والواجبات، وبين الانفتاح والخصوصية، وبين الالتزامات الدولية والثوابت التي اختارها المغاربة لأنفسهم في دستورهم.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

ثمة تحديات عدة تواجه اللغة العربيَّة وتهددُ استعمالَها وبقاءَها أداةً للتواصل كالازدواجية اللغوية وهيمنة العامياتِ المحكية ومنافستها للفصحى ومدّ العولمة وتأثيره في ديمومة اللغاتِ، ومن بين تلك التحديات التي تواجه العربيّة ــ التيْ يرصدُها هذا المقالُ ــ سعي الفضائيات في الأعمالِ الدراميّة لتكريس صورةٍ نمطيةٍ سلبيةٍ عن العربيّة من خلال ما يُسَمَّى بـ (أفعال الهويّة اللغويّة) بوصف العربيّة الفُصحى أداة تواصل ينحصرُ استعمالُها فيْ أطرٍ ضيقةٍ ويتداولها فاعلون اجتماعيون سلبيون. وتحرص الدراما على جعل الفصحى سمة من سمات هويتهم المفارقة التي تترجم شخصياتِهم وتفصحُ عنْ أطرِهم الفكريّة الضيقة غيرِ المحببة لدى الجمهور، وهذه مشكلة لها آثارٌ خطيرةٌ فيْ سلامة العربيّة وضمان بقائها أداة تواصل حيّة وفاعلة، فلا يخفى على أحدٍ ما للإعلام والفن من أثرٍ كبيرٍ فيْ ترسيخ صورٍ نمطية عن الأشياء لدى الجمهور، وهذا الأمرُ سوف يرسّخ صورةً سلبيةً عن العربية لدى الجمهور وينذرُ بانحسارها عن الاستعمال، فواحدة من أسباب بقاء اللغات حية وفاعلة في التواصل هو تقدير أهلها الناطقين بها للغتهم واعتزازهم بها، ومما يُؤسَفُ لَهُ أنَّ هذا الأمر لا نجده في تحليلنا لأفعال الهويَّة اللغويَّة في الدراما التلفزيونيَّة، ولكن قبل ذلك ما المقصودُ بـ (أفعال الهويَّة اللغويَّة)؟

ثمة شخصية درامية في أداب الكاتب الإنكليزيّ (برنارد شو) تمثل مصداقاً لجدلية(أفعال الهوية اللغوية)،و تدعى (إلزا دوليتل) في مسرحية (بجماليون)، وهي فتاة فقيرة تبيع الزهور وكانت تتحدث بلهجة لندن العامية التي توحي بتواضع طبقتها الفقيرة، فقد مثلت هذه الفتاة مشروعاً للبروفيسور وعالم الأصوات اللغوية السيد (هنري هيغينز) ليثبت فرضيته بأنه قادر على جعلها تنسجم مع الطبقات الراقية في زجها في إحدى حفلات الطبقة المخملية من خلال تدريبها على التمكن من الأداء الصوتي المناسب لهذه الطبقة النبيلة، فإتقان عادات هذه الطبقة (أتكيتها) وقواعدها السلوكية وحدَهُ غيرُ كافٍ لانخراط هذه الفتاة في المجتمع الجديد من دون التمكن من ناصية لهجته في النطق والتخلي عن لكنتها القديمة، فتغييرُ المظهر والسلوك وحدَهُ لا يضمنُ أنْ تتواصلَ بتلقائيةٍ ويتفاعلُ معها الأفرادُ الجددُ من دون أن تتحدثَ بالكيفية اللسانيّة التي يتواصلون من خلالها، فلسان الفرد هو ترجمان صادق لهويته وانتمائه الطبقي. ومن مصاديق (أفعال الهوية اللغوية) ما ترويه الأميرة (بديعة) في مذكراتها عن عمها الملك فيصل الأول ملك العراق ووالدها الأمير علي بن الشَّريف حُسيْن إذ تروى أنهما كاناْ يشددانِ في تربيتهما للأسرة المالكة وأفرادها على ضرورة التحدث باللهجة العراقية والاعتياد عليها لا أنْ تظلَ الأسرةُ ملازمةً فيْ كلامِها للهجتها الحجازيّة واعتيادهم عليها بسبب أصولهم الحجازيّة، وتروي أيضاً فيْ مذكراتِها عنْ تنشئة الملك فيصل الثاني وطفولته وظروف تربيته وأنَّ الأسرة كانت تشدد أنْ يلتزموا الحديث معه باللهجة العراقية حتى ينشأ ملكاً متقناً مجيداً للهجة شعبه، فلاشك أن ذلك يُعزى إلى ما للهجة الوطنية من تأثير وإيحاء بالهوية العراقية وبالانتماء إلى جمهور الشعب العراقي، ويخفف من وطأة الاحساس بأنهم نازحون وطارئون من ديار أخرى، وأن أصولهم حجازية غير عراقية، فوحدة الاستعمال اللهجي من شأنها أن تحقق التضامن وتعزز الشعور بوحدة الهوية الوطنية بين الأسرة الحاكمة وشعبها. ومن السهل على المختصين باللغة أن يعرفوا انحدار العربي من أي بلد هو، ويعرفوا أصوله اللهجية العامية إذا تحدث بالعربية الفصحى، فمن السهل التمييز بين العراقي والمصري والشامي والحجازي إذا تحدثوا بالعربية الفصحى، ومن يستمع إلى الخطابات السياسية المسجلة للملك فيصل الثاني في العربية الفصحى سوف يستنتج أن لهجته العامية هي اللهجة العراقية ؛ فنطقه لمخارج الأصوات تشبه الكيفية التي ينطق بها العراقيون حينما يتحولون للحديث في العربية الفصحى. وثمة مثال آخر ـ يصب في فكرة هذا المقال ـــ ضمن الجاسوسية وفنونها إذ يرتكز زرع العملاء على فكرة إخفاء هويتهم الحقيقية واستبدالها بثانية، ويكون التدريب اللغوي على ناصية التعبير في لغة المحيط الذي زُرِعُوا فيه واحداً من أهم السبل للإيحاء بالهوية المزيفة. فالإيحاء بالهوية ضمن الزي والرداء وفنون التعامل لا يحقق فاعليته من دون استعمال لغوي مناسب لهذه الشخصية ويوحي بانتمائها الطبقي والفكري ومستواها الثقافي، وهذا ما تحرص عليه أيضاً وبشدة السينما والدراما التلفزيونية في رسمها وتقديمها للشخصيات. فالدراما تتمثل اللغات من منطق بناء الشخصية الدرامية من منظور العمل الفني عن الشخصية نفسها ولوازم إكمال هويتها لا من واقع اللغات نفسها وقيمتها الحضارية والثقافية، فتقع هذه الأعمال في فخ الأيديولوجيا وكيفية توظيفها للخطاب لخلق صور نمطية للأشياء من خلال تكريس تمثلات معينة، ومن بينها تمثلاتها السلبية الخطيرة عن العربية الفصحى، أما مفهوم (التمثلات) بنحو عام فيرتبط بمباحث الدلالة اللسانية التصورية والسيمياء وكيفية بناء المدلول، فالتمثلات هي عملية بناء صور ذهنية عن الموجودات الخارجية إذ لا يمكن أن تحضرَ الأعيانُ الخارجية (مراجع العلامات اللسانية) في الأذهان وإنَّما تنوب عنها صورها، وتبقى المشكلة في مدى مطابقة تلك الصور للأعيان الخارجية. والخطابات باختلاف أيديولوجياتها يحاول كل منها بناء صور نمطية عن موضوع ما، وتناسب هذه الصور أيديولوجية هذا الخطاب بعيداً عن مطابقتها لمراجعها الخارجية. لقد ولد مصطلح (أفعال الهوية اللغوية) على يد العالم الأمريكي (وليم لابوف) المختص في اللسانيات الاجتماعية نتيجة دراسته للغة الأطفال ذوي الأحياء الفقيرة، من خلال اختبار طلب منهم تفسير مشاهد صورية والتعليق عليها كتابة، فقد لاحظ أَنَّ تنظيمهم للنص واختيار مفرداتهم يختلف عن اقرانهم من ذوي الطبقة المرفهة بسبب اختلاف البيئة وما يولده من تنوعات لهجية، فداخل اللسان الواحد ثمة تنوعات لهجية ترتبط بالبيئة، وتنوعات لهجية ترتبط بالمهن والمستوى الطبقي والثقافة. والفرد حينما يتحدث لا يقصد في الغالب أنْ يعكس هويته من خلال اللغة، ولكن الدلالة العقلية التأويلية في بعدها الاستدلاليّ في التلقي هي من تحدد انتماء المتحدث وهويته تبعاً لتلك التنوعات. فالشخصية الريفية بأزيائها وبيئتها الريفية البسيطة تحرص الدراما على رسم أدائها اللغوي باللهجة الصعيدية التي تختلف عن لهجة المدن، فهناك من يراقب اللغة في إخراج العمل وهو شخص خبير باللهجة الصعيدية وملم بتنوعاتها الصوتية ؛ لتدريب الممثلين وتقويم أدائهم، والأمر نفسه يحصل في تقديم الآخر العربي اللبناني أو الخليجي أو الشامي أو المغربي غير المصري في الدراما المصرية، فاللهجة الخليجية ترتبط بالترف المبذر اللاهي في النوادي الليلية بينما تظهر اللهجة الشامية بصورة محببة وحميمية مما يعكس شدة الأواصر والألفة بين الثقافتين المصرية والشامية، فشوام مصر من مؤسسي وآباء النهضة والحداثة المصرية بكل أشكالها الأدبية والفنية والسياسية وهناك أواصر متينة بين الشعبين، فالانتماء الاجتماعي الطبقي المتنوع يحتم تقديم الشخصية وتصويرها مراعاة لهويتها، وغالباً ما يكون الحوار كاشفاً لطريقة تفكيرها من خلال لهجة بيئتها، وهذا ما يتم توظيفه في الأعمال الروائية التي تتعدد فيها الشخصيات ضمن ما يُسمى بتعدد الأصوات (البوليفونية)، وهذا المفهوم قد انبثق على يد الناقد الروسي (ميخائيل باختين) في تحليله السَّرديّ لأعمال الروائيّ (دوستويفسكي). والأعمال الدراميَّة ولاسيما المصريَّة في المسلسلات وأفلام السينما تحرص على رسم ملامح الأداء اللغويّ المكمل لرسم الشَّخصية، فيكون الحوارُ في اللغة العربيَّة الفصيحة مقتصراً على مشاهد ضمنية تجسّد شخصياتٍ ومواقفَ تدخلُ فيْ صراعٍ مع قوى الخير، وتمثل تلك الشخصيات رموزاً لقوى الظلام والفكر الإرهابي المتطرف، فتقديم الأداء الفصيح بهذه التمثلات الشخصية يوصل رسالة ضمنية غير صريحة تسيء للغة العربية، مفادُها أَنَّ استعمال الفُصحى هو استعمالٌ غريبٌ ينبو عنْ واقع الحياة مثلما ينبو منطق الحياة المعاصر عن التفكير المتزمت وأشكاله التي تمثل تمرداً على تفكير المجتمع وأزيائه وقيمه، يظهر ذلك من خلال رسم الشَّخصيات بزيها الديني ولحاها الطويلة ولغة جسدها القاسية غير المحببة للمشاهد. ومشهد المأذون الشرعي في عقد الزواج الذي هو من المشاهد المألوفة في السينما المصرية يظهر فيه الأداء الفصيح المنفرد للمأذون، إلى جنب كون الإشارات السيميائية المكملة للمشهد من الزي الدينيّ التقليديّ الذي يرتديه المأذون تمثل إحدى القرائن التي تؤكد أنَّ الرسالة الإعلامية تحاول ضمناً تمرير فكرة مفادها أنَّ الفصحى تقعُ خارج العرف اللغوي العام، فهي أقربُ إلى البعد التاريخيّ والدينيّ، وينحصرُ استعمالها بطقوسٍ محدودةٍ. وفي الكثير من الأعمال الدرامية يكون الحوارُ على لسان المحامينَ في الدفاع عن المتهم في مشهد المحاكمة يشتمل رسالة ضمنية تتضمن برماً من بلاغةٍ صوتيةٍ رنانةٍ وفائضٍ لغويّ إنشائيّ فيْ مشهدٍ قائمٍ على الخطابية يضيقُ بها الحضورُ وتضيقُ به شخصيةُ القاضي إذ يحصلُ التناوبُ الحواريّ بين القاضيّ والمحاميّ في المحكية الدراجة ويجرى التحولُ من الفصحى سريعاً من قبل المحامي فيْ رَدّهِ على القاضي، ونظيرُ ذلك خطبُ المرشحين في الدعاية الانتخابيّة البرلمانية التي غالباً ما تصورها الدراما المصريَّة في إطارٍ انتهازيّ نفعيّ. ويتم تصويرُ مدرسِ اللغة العربيّة بوضعٍ ساخرٍ في مظهره وهندامه الرّث وتعامل الطلبة معه وتهكمهم من تعبيره الفصيح، ويبدو بمظهر المنهك لوضعه الاقتصاديّ وما يكابد من شظف العيش بسبب تواضع مهنته، ولعلَّ الاستثناء الوحيد من ذلك مسلسل (سكة الهلاليّ)، ويظهر فيها النجم (يحيى الفخراني) بطلاً إعلامياً وأستاذاً جامعياً في اللغة العربيّة، ولكن كانت النهاية الصادمة إذ يُكتشف بأنه قد زوّر شهادتَهُ الثّانويّة ويستخدم شهرتَهُ الإعلامية في صفقات فسادٍ ورشى فيُودَع في السجن، على خلاف مدرس التَّاريخ الذي يظهرُ في الغالب في دور المثقف الرسوليّ المضحيّ، ويتم استحضارُهُ بوصفه رمزاً ملهماً ومؤثراً فيْ معالجةِ القضايا الاجتماعية كمسلسل (عباس الأبيض في اليوم الأسود) للفنان يحيى الفخرانيّ. وتمثّل مشاهدُ الخروج على النَّص فيْ مسرحيات عادل أمام مؤشراً واضحاً على الانتقاص من الفصحى في تهكمه ومحاكاته وسخريته من مشاهد حوارية فصيحة لأعمال فنيَّة تاريخيَّة وسرعان ما يستجيب لها الجمهورُ في ضحكاتٍ مرتفعةٍ جداً تجسّد مكبوتاً جمعياً يختزنُ الضيقَ بالفصحى وشخصياتها التاريخيَّة. والأجانبُ حينما يتواصلون مع العرب يتواصلون بمحكيتهم العاميَّة التي يحصل فيها قلبٌ وإبدالٌ صوتيّ لا تجيزه قواعدُ اللغة فيرسم مشهداً ساخراً في الأعمال الدرامية، والأمرُ الأخطرُ الذي يجسد غربة الأداء الفصيح عن الواقع العربيّ هو ما تقدمه جملة من الأفلام السينمائيَّة في تجسيدها للحوارات التي تجري على لسان أجانب غير ناطقين بالعربية، فهي لا تظهرُ الحوارَ الأجنبيّ بالنّص العربيّ المكتوب (في حوار الأجنبيّ للأجنبيّ) وإنَّما تقدمُ حواراتٍ بعربيةٍ فصيحةٍ وبأصوات سليمة النطق في مخارجها لا أنَّ المتحدث لغة غيرَ لغته يلتزم المستوى المعياريّ الأدبيّ الفصيح، بل لأنَّ العملَ يريد للمشاهد أنْ يتصورَ أَنَّ شفرةً تواصلية تخاطبية أجنبية غيرَ شفرة العمل(العربية المحكية الدارجة) يجري التواصلُ بها. والأمرُ بعيدٌ عنْ فكرة الدبلجة إلى العربية ؛ لأنَّ المسلسلَ هو عربيّ يتضمنُ شخصياتٍ عربية تجسّد شخصياتٍ أجنبية، ولضمان فهم كلامهم وللإيحاء بأنهم يتواصلون بلغةٍ ثانيةٍ فانَّ الحواراتِ تجري بشفرةٍ لغويّةٍ تجسّد أفعالَ الهويَّة المختلفة، وهذا الأمرُ ينذر بخطورةٍ كبيرةٍ جداً تتخلصُ بكون المستوى الفصيح بمنزلة الشَّفرة الأجنبية الغربيَّة غير العربية التي لا تحققُ ألفةً في التّلقي، والحقُ أنَّ هذهِ المشاهد الأخيرة هي محدودةٌ ولا تشيعُ فيْ كثيرٍ من الأعمال الدراميَّة ولكن يُخشى ذيوعُها وانتشارُها. ومن الحق أيضاً أن ثمة مشاهد في الدراما جسّدت اعتزازاً بالهويّة اللغويّة الفصحى، ففي مسلسل (مأمون وشركاؤه) ينتفضُ الممثلُ (خالد سرحان) المهاجر إلى إيطاليا بفورة غضب ضدّ حماته وأمّ زوجته الإيطالية التي كانت تكيلُ الإهاناتِ إليه وتضايقه وتصطحبُ ابنَهُ المسلمَ الصغيرَ إلى الكنيسة دونَ علمه على الرغم من احتفاظ الأب بديانته الإسلاميَّة، فهو مصريّ متزوجٌ من إيطالية وصهره أبو زوجته عربيّ لبنانيّ مغتربٌ في إيطاليا أيضاً، وبعد أنْ يكتشفَ أن أباه مأمون (عادل إمام) يمتلك ثروةً طائلةً يقررُ العودةَ إلى بلده مصر كي ينعم بثروة أبيه، ويبدأ بتصفية حساباته مع حماته ويكيلُ لها السبابَ بلهجته المصريَّة على الرغم من اعتياده الحديث معها باللغة الايطالية، ويطلبُ من صهره العربيّ أنْ يترجم كلامَهُ إلى اللغة الإيطالية ويترجم شتائمه تشفياً بها، فهو يختار أنْ يحدثها من خلال وسيط مترجم على الرغم من معرفته الإيطالية انتفاضاً لكرامته، وقبل أنْ يحزمَ حقائبه للعودة يفكّر بتعليم ولده الصَّغير العربية كي يدخل قلبَ جده حينما يرى حفيده ويتمكن من محادثته باللهجة المصريَّة، ولكنه يتفاجأ حينما يشاهد المعلمَ العربيّ المُهاجرَ في إيطاليا الذي كلّفه بتعليم ابنه يتفاجأ حينما يراه يعلّمه الفصحى لا العّامية المصريّة الدارجة. وعلى الرغم من تنبيهه له بانَّ كلَ ما هو مطلوب منه هو تعليمه مفردات العاميَّة المصريَّة فقط كي يتفاعلَ مع الجدّ حين العودة إلا أنَّ المعلمَ يبقى مُصرّاً على تعليمه الفُصحى اعتزازاً بها، فهذه المشاهدُ التي تضمنها العملُ تعكسُ حسَّ الممانعة التي تبديها الشَّخصيةُ العربيةُ المهاجرة ضد الذوبان في هوية الآخر الغربيّ. ولا شك أنَّ هذه مشاهد تجسّد صراع العرب المهاجرين ومحنة العربيّة وتعليمها للأبناء المغتربين وإصرارهم على تعلم العربيّة ؛ لأنها تربط الأبناءَ بجذورهم وأوطانهم الأم.ولكن تبقى مشاهدُ الاعتزاز بالهويَّة اللغويَّة محدودةً. ونخلصُ مما تقدّم إلى أنَّ الدراما أسهمتْ بنحوٍ عامٍ بتكريس صورةٍ سلبيةٍ للفصحى ترتبطُ بالسخرية مرة ومرة أخرى بالخطابة المنبرية المتحذلقة ومرة بحصر استعملها على لسان الجماعات الإرهابية في خطابهم الدينيّ المتشدد، ولا يخفى أنَّ بقاءَ اللغة مرهونٌ باستعمالها وتداولها في الإعلام والتعليم ووسائل التّواصل، واستعمالُها يرتبطُ بتقديرِ أهلها للغتهم، فمادامَ أهلُ العربيةِ لا ينظرون بإكبارٍ واعتزازٍ للغتهم فسوفَ تبقى لغةَ كتابةٍ ولغةً إداريَّةً ولغةً دينيةً فحسب، وهذا أمرٌ ينذرُ بالخطر ويؤشر لانحسارها في الاستعمال وهيمنة اللهجاتِ المحكية.

***

د. كريم عبيد علوي

باحث وتدريسي بجامعة بغداد

 

حين تتحول الحصة إلى رحلة لاكتشاف كنوز الطلبة

لم يعد دور المعلم في القرن الحادي والعشرين مقتصراً على نقل المعرفة أو شرح المحتوى الدراسي، بل أصبح رسالة تربوية وإنسانية عميقة، تقوم على قيادة الطلبة أثناء التعلم، وتمكينهم من اكتشاف قدراتهم، وإطلاق طاقاتهم، وبناء شخصياتهم. فالمعلم الحقيقي هو الذي يتحول من ناقل للمعلومات إلى ميسر للتعلم، ومن مصدر وحيد للمعرفة إلى داعم ومرشد وشريك أصيل في رحلة بناء الإنسان.

إن قيمة المعلم لا تقاس بكمية المعلومات التي يقدمها، وإنما بقدرته على إبراز أفضل ما لدى طلبته، واكتشاف مواطن القوة في كل واحد منهم، وتوجيهها نحو التعلم النافع والعمل المنتج. فهو يؤمن بأن لكل طالب قدرات فريدة ومتنوعة، وأن نجاح العملية التعليمية يبدأ من احترام هذه الفروق الفردية، لا من محاولة صهر الجميع في قالب واحد وبوتفة واحدة.

ومن هنا، فإن العدالة داخل الصف لا تعني معاملة جميع الطلبة بالطريقة نفسها، وإنما تعني منح كل طالب ما يحتاج إليه لينجح وفق إمكاناته وقدراته. الخلاقة التي وهبة الله سبحانه وتعالى بها، وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (سورة البقرة، الآية 286). وهذه الآية تؤسس لمبدأ تربوي عظيم، مفاده أن مراعاة قدرات الأفراد وطاقاتهم هي جوهر العدل والإنصاف.

إن المعلم الذي يقود التعلم لا يفرض أساليبه بصورة قسرية أو تسلطية، ولا يمارس نفوذه من خلال الهيمنة أو استعراض مكانته، بل يخلق بيئة صفية جاذبة ومحفزة يشعر فيها الطلبة بالأمان النفسي، والاحترام، والانتماء، ويمنحهم مساحة للتفكير، والتجريب، والحوار والنقاش، واتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية. فكل طالب حالة إنسانية فريدة ومتفلردة، ولكل واحد طريقته الخاصة في التعلم، والتعبير، والتفكير والإبداع.

وتزداد قيمة المعلم حين ينجح في بناء دافعية الطلبة وتحفيزهم نحو العلم والتعلم، فيجعل المعرفة تجربة ممتعةومرحة وليست عبئاً أو مهمة ثقيلة غير محببة، ويحول الدرس إلى مساحة للاستكشاف، لا إلى جلسة للتلقين أو الحفظ دون فهم أو تجريب. فالطلبة يتعلمون بصورة أعمق عندما يسهمون في أن يشاركون، ويجربون، ويناقشون، ويخطئون، ويعيدون المحاولة لا يكلون أو يملون، أكثر مما يتعلمون عندما يكتفون بالاستماع والحفظ.

ومن أبرز الأدوات التي تحقق هذا التحول توظيف استراتيجيات التعلم النشط، مثل الحوار والمناقشة، والعصف الذهني، والتعلم التعاوني، والاستقصاء، وحل المشكلات، ودراسة الحالة، والتجريب العملي، وربط التعلم بواقع حياة الطلبة واحتياجاتهم ورغباتهم. كما أن للقصة الواقعية أثراً بالغاً في جذب الانتباه، وإثارة الفضول، وترسيخ المعاني، لأنها تخاطب العقل والقلب معاً، فذلك يسهم في تحقيق تكامل عمل شقي الدماغ؛ الأيمن، المسؤول عن الإبداع والخيال والجانب الوجداني والعاطفي، والأيسر، المسؤول عن المنطق والتحليل والاستكشاف، بما يحقق توازنا ًفي التفكير ويعزز جودة التعلم .

ولا يقتصر دور المعلم على إدارة الأنشطة، بل يمتد إلى تنمية الشغف بالعلم، وغرس حب المعرفة، وربط ما يتعلمه الطلبة بحياتهم ومستقبلهم. فعندما يدرك الطالب قيمة ما يتعلمه، ويشعر بأنه قادر على النجاح، تتحول الدافعية من استجابة خارجية إلى رغبة شعورية داخلية تقوده نحو التعلم المستمر والاستدامة في النمو والتطور والبناء.

إن الإيمان الحقيقي بقدرات الأطفال هو نقطة البداية في كل نجاح تربوي. فداخل كل طالب طاقات وإمكانات قد لا تظهر للعيان أو يدركها الجميع، لكنها تنتظر معلماً مؤمناً بها، يمتلكالعقل الواعي والبصيرة المدركة قبل الخبرة والممارسات العلمية والتربوية، ويعرف كيف يستخرج الكنوز الكامنة والدفينة، ويمنحها الفرصة لتتألق وتنجح ويظهر وهجها ولمعانها للواقع المعاش في حياة الطلبة. فالمعلم المتميز لا يصنع طلبة يحفظون المعلومات، بل يصنع إنساناً يفكر، ويبدع، ويقود، ويؤثر ويصنع التغيير المبني على أسس علمية ومعرفية.

وفي النهاية، فإن المدرسة التي تضع الطالب في قلب العملية التعليمية، ويقودها معلم يؤمن بالإنسان قبل المنهاج، هي المدرسة القادرة على صناعة المستقبل. ورفدة بكل الطاقات الكفلية بقيادته والإمساك بعناصر التفوق والتميز، فكل حصة دراسية يمكن أن تكون فرصة لاكتشاف موهبة، أو بناء قيمة أو مهارة، أو إشعال شغف ورغبة في العلم والتعلم، أو تغيير مسار حياة طالب. وهذه هي الرسالة الحقيقية للتعليم؛ أن نبني الإنسان قبل أن نملأ عقله بالمعلومات ونحشو عقله بها، وأن نصنع قادة للحياة، لا مجرد حافظين للمعرفة.

***

د. أكرم عثمان

16-7-2026

لسنا نجد سبباً مباشراً لاختفاء الصدق من على الساحة الثقافيّة والفكريّة والاجتماعية والإعلاميّة سواء إلا أن يكون السبب المباشر هو فقدان القيم وتبديل المعايير والسعي الدائم إلى تخريب الثوابت ومحاولة القضاء عليها بالطرق المشروعة وغير المشروعة؛ فإنّ الدفاع - من ثمّ - عن القيم الثوابت أوجب عندنا من محاولة تبديلها بقيم أخرى تتغير وفق ضرورات المادة.

ثم إنّ الإدراك لها ومحاولة تفسيرها وتأويلها أحرى بالعناية عندنا من إهمالها، وعدم الاكتراث لها حتى إذا كان حظ الكاتب في كل ما كتب هو كشف الغطاء عن تعلق هاته القيم بوجود الإنسان الروحي فحسبه من شرف يسمو إليه قلمه المتواضع.

وإذا كان حظه هو محاولة الإدراك لتلك القيم مع محاولة تفسيرها وتأويلها وردها إلى قضيته الكبرى؛ فذلك ممّا كان يصبو إليه قلمه في كافة الأحوال على وجه الإجمال.

تلك كانت رؤيتنا فيما قدّمناه بالأمس، ولا زلنا نقدَّمه اليوم إلى القارئ العربي: نظرات في الحياة الفكريّة تعودنا أن ننظر إليها أبداً بعين الاعتبار حين ننظر في الوقت نفسه إلى القيم الروحيّة الباقية في حياتنا الثقافية على التعميم.

لقد كانت الفكرة الموجّهة عندي للكتابة في هذا المجال هي الإيمان الصادق القاطع بأهمية أن تكون قيم الوجود الروحي هي القيم الخالدة الثابتة، الدائمة، التي تنطلق منها حياتنا المعرفية في ماذا؟ في الفكر والثقافة، والعلم والأدب، والفنون والدين والأخلاق؛ وسائر الحيوات التي لا غنى لإنسان قط عن تحصيلها إذا هو أراد أن يحصّل من الحياة أمثلتها العليا ... إنّ الإيمان المطلق بأهميّة أن تكون القيم صادرة عن هذا الوجود الروحي هو عينه الإيمان الذي ينضاف إلى كل مؤمن بالله تعالى بالزيادة فيه، ففي الإيمان قوة - لا أي إيمان ولا كل إيمان بل إيمان العارفين، الأصفياء، الخلصاء، الأتقياء، طلاقة روحيّة عارمة لا تقيّدها أغلال الحدود والحواجز الماديّة، بل تفتح أمام الفكر والضمير منافذ الحرية الكاملة؛ لتهدي الإنسان إلى عنصر القيمة من وراء هذا الوجود، وهو عنصر - ولا شك - صادر عن الإيمان بالفكر وحرية الضمير فضلاً عن صدوره أيضاً في البدء والمنتهى عن هاته الطلاقة الروحية المبتعثة داخلياً من معدن الإيمان بالله.

وبما أن تراثنا يحتاج إلى تنقية وتهذيب وإدراك، ويحتاج منا في عين الوقت نفسه إلى وعي أمين لا عوج فيه ولا انحراف؛ فنحن، من ثم، في مسيس الحاجة أيضاً إلى إدراك جوهر القيم الفاعلة فينا والصادقة، والطرْق عليها على الدوام لترسخ فينا رسوخاً بيناً؛ ولتكون باقية في حياتنا الفكرية مع تطبيقها إنّ استطعنا في كل حال في حياتنا العمليّة والسلوكية على وجه العموم. وكلما أطلعنا مخلصين بالعبء الذي تناط به تبعاتنا نحو تراثنا العربي، أدركنا على الفور أهمية أن تكون القيم جزءاً لا ينفصل عن تنقية التراث وتهذيبه، وإدراكه، والوعي به وعياً صادقاً أميناً لا عوج فيه ولا انحراف؛ حتى إذا ما ركزنا (مخلصين) على البعد الروحي في تراثنا العربي، رجونا أن تكون هذه الشريحة وحدها كفيلة بإمداد الثقافة عنصر الحركة والحياة وعنصر البقاء والوحدة والشمول بمعوان من الإيمان بالقيم العلويّة السامقة التي يندر أن تجد مثيلها في تراث الأمم الأخرى بنفس القوة والحيويّة والطلاقة، وبذات المحتوى وبذات المضمون.

ــ فلسفة المثل الأعلى:

مرة أخرى أؤكد: لئن كان حظ الكاتب في كل ما كتبه هو كشف الغطاء عن تعلق تلك القيم بوجود الإنسان الروحي؛ فحسبه من شرف يسمو إليه قلمه المتواضع في كل حين.

لا ينفصل حظ الكاتب عن توخي المثل الأعلى، وقد كان صادقاً في توخّيه لأن اعتقاده كان دوماً أن المثل الأعلى في حياتنا الفكريّة هو من الأهميّة بمكان لا يكاد يغيب عنها إلا وقد غابت على الفور فاعليتها الكبرى وحيوتها الباقية.

أحياناً كثيرة يُنظر إليه، وكأنه الحقيقة الكبرى الصادقة؛ إذ تجسدت فيه، وغيرها من الحيوات الأخرى زيف وبهتان؛ لأنه من الواقع وفي الواقع تجسد فكان، وليس هنالك حقائق في الحياة الإنسانية إلا وللمثل الأعلى دورٌ بارز فيها وفعال.

ثمّة أوراق قديمة مطوية شاء الحظ أن أنفض عنها غبار السنين الطوال رحتُ أقلب فيها ما هو صالح للنشر في كل زمان ومكان لأن ما هو صالح يتصل بالعنصر الباقي في الإنسان: عنصر الوجود الروحي والعمل عليه والاشتغال به على الدوام بغير انقطاع؛ فإذا أمامي إهداء إلى المفكر الخالد العظيم الذي بحث في حقائق الوجود والحياة بنَفَس الشاعر، وحكمة الفيلسوف، وعاطفة الأديب، وذوق المتصوف، ووجاهة الرأي عند هؤلاء جميعاً. إلى روح الأديب الذي لم يقدر في بلاده، ولا في وطنه التقدير اللائق بمعدنه الأصيل.

إلى الرمز الباقي في حياتنا الفكريّة والثقافية تكرع من معينه الذي لا ينضب أجيال بعد أجيال. إلى روح أستاذي الذي لم أره، ولكني مع ذلك تعلمت منه أن للفكر عالماً ودولة، وأن للقلم كرامة وسلطاناً، وأن للقيم خلوداً ودواماً، وأن للإنسان - وهذه كلماته - وجوداً روحيّاًّ ما إن ينساه إلا هبط به النسيان إلى درك البهيمية، واستغرق في هموم مبتذلة لا فرق بينها وبين هموم الحيوان الأعجم، إنْ صح التعبير عن شواغل الحيوان الأعجم بكلمة هموم. وإنّ له ضميراً يقظاً متنبهاً ينبغي أن يشغله على الدوام بمطالب غير مطالبه الجسديّة وغير شهواته الحيوانية..". إلى روح المفكر الحكيم، والمثل الأعلى الذي أفادني، وأرشدني، وقومني، وأصقلني، وهذبني، وأنا لم أزل غضاً طريّاً منذ نعومة أظافري أتعرف عليه، ولا زلت أسيراً لرحابه العلوي وآفاقه المتسعة وتراثه الضخم ونهجه الثري وفيوض قلمه العملاق. إلى روح المفكر الخالد العظيم "عباس محمود العقاد" أهدي كتابي هذا عرفاناً بفضله على الحياة الروحيّة والفكريّة والثقافية على التعميم، وتقديراً لقلمه الجبار وشهوداً للطائف معانيه".

كُتِبَتْ هذه الكلمات في 30/10/1995م، وأهديتُ إذ ذاك إلى الأستاذ عباس محمود العقاد كتابي: "رسالة الفكر في زمن العدوان: رؤية نقديّة مُعاصرة في الأدب والفلسفة والتصوف والسياسة" والذي طبع في طبعته الأولى في العام (2016م).

إنما الذي يجعل المثل الأعلى مذكوراً الآن، وفي كل آن، ليس عَرَضَاً سافراً بل قصداً مباشراً يتصل من قريب بالخشية المؤلمة على الجيل الجديد، وهو الجيل الذي فقد القدوة وسقطت لديه - كما تقدّم - قيم الوطنية والدين واللغة والهويّة؛ لأنه فقد الاكتراث بعطايا الوجود الروحي وقيمه الثابتة من حيث اتصالها بالدين والحضارة والوطنية واللغة والهُويّة.

فإنَّ أخشى ما نخشاه على هذه الأمة، أن يأتي عليها اليوم الذي تنسى فيه رموزها الثقافية والمعرفيّة، تنسى العلماء، والمفكرين، والفلاسفة، وكبار الباحثين المختصين في فروع المعرفة الإنسانية، وأقطاب الرأي ودعاه التهذيب؛ فلا يذكر أبناء هذه الأمة أنَّ لها رجالاً تعبوا في خدمتها من حيث تعبوا في البحث عن القيم والأسس الثوابت التي يترقى فيها الإنسان مرتقى آخر غير ما يرتقيه في حياته من ماديات.

أخشى ما نخشاه أن ينسى الناس يوماً أن هنالك رجالاً عرفوا أن للأدمي قيمة خالدة غير القيمة المادية المظنونة التي تعترك حياته وتستغرق كافة مناشطه واهتماماته، فلا يلتفت إلى ما هو أبقى وأدوم في محيط الحياة. إنّ أخشى ما نخشاه أن ينسى الناس يوماً عناء الفكر وهموم الثقافة ووجود الحياة الروحيّة؛ ليستغرقوا في ظلمة من العدم هى بالضبط أوهام نور المدنية يحيونها بما عساهم يستوردونه من علوم الغرب وكشوفات الغرب واختراعات الغرب؛ حياة التقليد والاتباع لا حياة الفاعليّة والمشاركة الإيجابية وابتكار التجديد. يعيشون في ظلالها على غفلة، وفي كنفها يتعاملون ويحيون ويسيحون بغير يقظة وتنبيه لما في قواهم الباطنة من مصادر الثقة بالغيب. ينسون كيف كان المفكرون يعيشون ويحيون حتى يخرجوا لهم في كتاب أو في دراسة ثمار أفكارهم حيّة وباقية، أو يدونوا لهم رأياً، أو يفكروا في قضة من قضايا الحياة، أو فيما بعد الحياة من مسائل المصير.

أخشى ما نخشاه أن ينسى الناس يوماً أن العلماء كانوا في الزمن القديم يُقَوَّمون بثمرات عقولهم؛ لأن الناس أيضاً في الزمن القديم كانت تنتظر مثل تلك الثمرات. أمّا في هذا الزمن؛ فإن الناس في بلادنا تنتظر ما عساه يرد عليهم من اختراع الغرب، ومن كشوفات الغرب، ومن إمكانيات الغرب، ومن علم علماء الغرب، ومن عولمة الغرب، ومن حداثة الغرب: شعوب تعودت لذاذة الانتظار والصبر عليه ثم الاستهلاك لإنتاج الآخرين، وإبداع الآخرين، وثقافة الآخرين، وثمرات عقول الآخرين بغير مشاركة فعالة وبغير إسهامِ حقيقي فيما ينتجه العالم المتقدم من تقدّم علمي وتكنولوجي. إنّ أخشى ما نخشاه أن ينسى الناس يوماً إن وجودنا في هذه الحياة الدنيا مرهون بفاعلية القيمة، ما لم يكن بإرادتنا، وما لم تكن لنا حياة حقيقية نحياها وفق تلبية مطالب الروح كما تعلمناها من تعاليم العقائد الكتابية الكبرى: اليهودية والمسيحية والإسلام، وأن هذه العقائد مع التطور الفكري البشري شابها شئ من التحريف والجمود، ولا بدَّ فيها من تصحيح ما انحرف وتجديد ما جمدت عليه العقول، ونبضت به القلوب، لا بدَّ من ثورة بإزائها مُغيرة ومُبدّلة ماضية نحو التصحيح.

إذا لم نكن في أنفسنا قادرين على مثل هذا التغيير؛ فحقيقٌ بنا أن نسلب الذات والهُويَّة، وأن تسيطر علينا أطماع الشعوب القويَّة، وأن نكون لقمة سائغة لأنياب الذئاب المفترسة من سياسيات الدول العظمى؛ بل أولى بنا باطن الأرض من ظاهرها.

أي نعم ..! أولى بنا باطن الأرض من ظاهرها. إذا لم نتغيّر؛ فتعتدل - على أقل تقدير - على أسنان أقلامنا منظومة القيم، وعلى أفعالنا ما عساه يوافق عقائدنا ممّا عساه يؤكد وجود تلك القيم؛ فالزمن الذي نعيشه هو بحق زمن القيم الساقطة. إنّ نصيبنا بغير شك من منظومة القيم العليا؛ الباقية، الخالدة، أقل بقليل ممّا كان، وممّا ينبغي أن يكون؛ فما من فضيلة من الفضائل ولا خُلَّة طيبة من الخلال، ولا نزعة من النزعات الشريفة الخيّرة إلا في طريقها إلى الزوال. ولك أن تنظر لترى أن الكل حولك يأكل بعضه بعضاً، والصادق يهتز في صدقه وتصيبه قشعريرة أليمة أشبه ما تكونً بقشعريرة الموت، من حيث لا يجد أحداً يسعفه في صدقه ليعْبُر به شواطئ الأمان. والكاذب المُضلل الأفَّاق هو اليوم السيد وابن الأصول. والحق أضحى فريسة تحت أنياب المرائين. والقيم الرفيعة دهستها أنعال المستبدين. ما من قيمة شريفة - يا صاح - إلا زالت أو كادت في هذا الزمن الأهوج اللعين.

ولن يكون لنا نصيبٌ من القيم إلا إذا رحنا ننبش في أعماقنا الإنسانيّة كيما نتَسَمَّع صوت الله فينا، في ضمائرنا، نناجيه ويناجينا؛ لترتفع - بتلك المناجاة - عقولنا نحو التصحيح؛ ولترتفع أدمغتنا عن غواشي التخطيط المقلوب؛ ولنسمو بضمائرنا وبصائرنا عن حماقة الضلالة وعكارة التضليل.

يومئذِ فقط ندرك أن وجودنا الروحي هو الأبقى والأخلد من كل وجود مادي مصيره الفناء رغماً عن أنف الكبراء والصغراء سواء. لقد فقدنا القيم أو كدنا، وأضحى ترتيب سلمها مقلوباً، وأختل لدينا نظامها، فصار أوَّلها عندنا أدناها، وأعلاها أسفلها وأولاها بالرعاية والاهتمام هو من أشدّها نكاية وإهمالاً، وذلك لأننا فقدنا الاكتراث بغير ما يعتقده مألوف الناس؛ فالناس قد تعودوا سقوط القيم من حياتهم، وتعودوا أن يألفوا المنافع القريبة، حتى إذا ذكرتهم بكيان إنساني، بالوجود الروحي،  ليس ها هنا أعلى ولا أمثل ولا أخلق اكتراثاً منه، جرى على غير ما يألفون، فصادف غصّة في حلوقهم، ومعاناة لم تحصّلها فيهم سوى فضيلة الجهاد الشريف.

الوجود الروحي إنما هو قمّة "القيم" الباقية: علويّة متفاعلة ومتراكمة في باطن الإنسان، وفي داخله، توجِّهه إلى كل ما هو نافع فيما لو استمع صادقاً لنداءاتها، يصقلها صحيح الدين، ويذكيها الأدب الرفيع، ويهذبها الفن الهادف الجميل، وتستمد روافدها من ينابيع التصوف والأخلاق، أو بالأحرى هي مصدر جميع هذه الفنون والعلوم والثقافات في أعمق أعماق الإنسان. وسيجد القارئ عند التأمل في هذا حديثاً مباشراً أو أحياناً غير مباشر عن قيم الوجود الروحي في الدين والتصوف، وفي الفن الرفيع والذوق العالي. غير أنني أنتهز هذه الفرصة لأقول في تلك العجالة: إننا أمام واقع أسود مرير، مشحون بالدعوة إلى "اللا قيم" وبالتحلل من الأخلاق في ميادين ينبغي أن تكون فيها الأخلاق مقدَّمة على سواها، وبالفوضى الفكرية والثقافية، وبالضحالة العلمية والحذلقة بالجهل والادعاء، وبالابتذال والإسفاف فيما عساه يقدّم إلى الجمهور من أقوال وأفكار وأعمال: المكتوب فيه ضعيفٌ مُسِفِّ سخيف. والمشاهد المرئي على شاشات التليفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي على اختلاف أصنافها وأنواعها "مقرف" وتافه ومنفِّر ومُمل. والمسموع عبر شبكات الإذاعة ووسائل الإعلام  مؤذي ومبتذل ورخيص ..

فأية خشية من بعدُ نخشاها على الأجيال الجديدة أخطر وأعظم من خشيتنا على فقدان القيم من حياتنا الفاعلة، وغيبة العناية أو فقدانها بالوجود الروحي للإنسان على التعميم، ثم انتكاس الضمائر واضمحلال الأخلاق، وتقويم قيم الحياة مجتمعة كلها بالمعيار المادي؟!

فأية خشية، وأية بلوى، وأي حزن، وأي هلع على وطن في طريقه إلى فقدان الضمير، وإلى السخرية اللاذعة من نداء الاستقامة ودعوات الصلاح؟ أي مصاب أفظع عندنا من مصاب أمة تحتضر فيها القيم, وتعيش أشباحَاً ضارية بعيدة عن فضائل الإنسانية، وأجيال في العموم تولد لتموت، ومؤسسات توظّف نشاطها توظيفاً خبيثاً لخدمة مآرب صهيونيّة، واستغلال مادي لم يسبق له مثيل لموارد الأوطان وأقوات المواطنين، ويكفي في هذا السياق الإشارة فقط إلى التعليم الخاص: مدراس خاصة وجامعات خاصّة؛ صرفت عنايتها فقط على العوائد المادية، وأصبح ملف التعليم يخلو تماماً من قيم باقية نافعة ... ومع تشجيع الفساد فيه وفي غيره من مرافقنا الحيويّة إلى أين تسير هذه الأجيال؟

أإلى المصير المشئوم أم إلى حتف لها مجهول؟!

وعليه؛ فإنْ لم نكن بإرادتنا مستمسكين بفضائل وجودنا الروحي، قادرين على امتثال مطالبه، منفذين لمعطياته الضروريّة وواجباته الخلقية، واثقين من ثقافتنا الوجوديّة وأعمالنا التهذيبية؛ فلننتظر حتى يكون " التحدي" بادرة تُفْرَض علينا رغماً عن أنوفنا؛ ليعلنها صرخة مدويّة أمام المجموع:

ألا فاستسكوا بما هو أبقى لكم في الدنيا والآخرة، وفتشوا جادين عما في أنفسكم من معدن الهُّويّة العصماء.

***

د. مجدي ابراهيم

 

الجهميّةُ أو المُعَطِّلَةُ هي فرقةٌ كلاميَّة تنتسب إلى الإسلام. وهي إحدى فرق غلاة المُرجئة التي ظهرت ردًا على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب، (فهناك من يرى أنها فرقة تأويليّة تنزع للعقل، بينما ينظر أغلب أئمّة أهل السنة والجماعة إليها على أنها فرقة مارقة وذات أفكار وعقائد فاسدة، بل وينكرون نسبتها إلى الإسلام.) (1).

ظهرت الفرقة الجهميّة في الربع الأول من القرن الهجري الثاني على يد مؤسسها "الجهم بن صفوان" الترمذي، الذي ولد في الكوفة ونشأ فيها، وهناك رافق "الجعد بن درهم" بعد قدومه إلى الكوفة هارباً من دمشق وتأثر بتعاليمه. وهو – أي الجهم - من الجبريّة الخالصة، ولقد وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية للإله.

قتل "الجهم بن صفوان" عام 128 هجري بعد اشتراكه مع "الحارث بن سريج التميمي" في الثورة على الدولة الأمويّة. وبعد مقتل "الجعد بن درهم" على يد "خالد بن عبد الله القسري" عام 105هـ، واصل الجهم نشر أفكاره وصار له أتباع إلى أن تم نفيه إلى (ترمذ) في خراسان حيث نشأت ثورته هناك. (2).  (ويقال لهم مرجئة أهل خراسان، وترمي معتقداتهم إلى إرجاع المسلمين إلى العقائد السائدة فى العصر الجاهلي).(. (3).

وكان هؤلاء الجَهْميَّةُ العَقَبةَ الكَؤودَ في طريقِ العقيدةِ السَّلَفيَّةِ النَّقيَّةِ وانتشارِها كما يقول مشايخ وفقهاء السلفيّة، حيثُ صرَفوا أو أبعدوا عُلَماءَ السَّلَفِ عن نَشرِها بما وضَعوا أمامَهم من عراقيلَ شغلَتْهم، وأخذَت الحيِّزَ الأكبرَ من أوقاتِهم في ردِّ شُبُهاتِ الجَهْميَّةِ، ومجادلاتِهم لهم، وخصامِهم معهم، وقد يظُنُّ بعضُهم أنَّها أمسَت حديثَ الماضي والتاريخِ، إلَّا أنَّ الواقِعَ يشهَدُ تأثُّرَ كثيرٍ من الفِرَقِ بها، كالمُعتزِلةِ والأشاعِرةِ، بل إنَّ لقَبَ الجَهْميَّةِ غلَب على المُعتَزِلة في عهدِ المأمونِ.

هذا وقد أفتى علماء ودعاة السلف آنذاك بمروق "الجهمية" من الدين.

قال ابنُ تيميَّةَ: (أوَّلُ من أنكَر حقيقةَ محبَّةِ اللهِ لعَبدِه والعبدِ لرَبِّه في الإسلامِ هو الجَعدُ بنُ دِرهَمٍ). (4)

وقال أيضًا: (كان الجَعدُ هذا أوَّلَ من ظهَر عنه التَّعطيلُ بإنكارِ صفاتِ اللهِ تعالى، وبإنكارِ محبَّتِه وتكليمِه). (5)

وقال الذَّهبيُّ: (عِدادُه في التَّابعينَ، مُبتدِعٌ ضالٌّ، زعم أنَّ اللهَ لم يتَّخِذْ إبراهيمَ خليلًا، ولم يُكلِّمْ موسى، فقُتِلَ على ذلك بالعِراقِ يومَ النَّحرِ) (6).

وقال أبو حنيفة في "جهم بن صفان": (إنه كافر ضال لما بلغه من مخالفاته الكثيرة لعقيدة أهل السنة والجماعة.

وذكر الفقيه ابن قيم الجوزية في قصيدته المعروفة باسم "النونية"، أن خمسمائة من علماء البلدان المختلفة أفتوا بذلك) (7). وهذا ما أوجد مسوغًا شرعيًّا قويًّا للأمويين فى شن الحرب عليهم بعد انضمامهم لتمردات (الموالي) التي حدثت فى الولايات الشرقيّة من الدولة.(8).

مع بداية القرن الثالث للهجرة بدأت الجهمية بالانحسار، ويرى بعض العلماء والمؤرخون أن الجهمية لم تنته فعلاً، فقد جاء بعدهم من وافقهم في بعض معتقداتهم، كالمعتزلة في نفيهم صفات الله الأزليّة، وتأويلهم للصفات التي تشعر بالتشبيه، وقولهم بأن القرآن مخلوق، ونفيهم رؤية الله في الآخرة. وأما الأشعريّة والماتريديّة فقد وافقوهم في تأويلهم للصفات التي تشعر بالتشبيه، كاليد والوجه، وفي تعطيل صفات الله الأزليّة. (9).

معتقدات الجهمية:

1- تنزيه الله ونفي التشبيه، وتأويل الآيات التي تشعر بالتشبيه، كيد الله ووجهه سبحانه وتعالى.

2- ومن الصفات التي أولوها صفة الكلام، فكانوا يقولون إن كلام الله إنما هو داخل نفسه – سبحانه وتعالى – وترتب على ذلك القول بخلق القرآن.

3- كما نفوا رؤية الله في الآخرة واحتجوا بقوله تعالى: {لا تدركه الأبصار}، وقالوا بأن طبيعة الإله أعلى من أن ترى بالأبصار البشرية.

4- نفي صفات الله الأزلية، كالقدرة والإرادة والعلم، وقالوا بأن هذه الصفات هي عين ذاته، وليست مستقلة عنه، أي أنه ليس قادراً بقدرة غير ذاته، وليس مريداً بإرادة غير ذاته، وليس عالماً بعلم غير ذاته.

5- الإنسان لا يوصف بالاستطاعة على الفعل، بل هو مجبور بما يخلقه الله من الأفعال مثل ما يخلقه في سائر الجمادات، ونسبة الفعل إليه إنما هو بطريق المجاز كما يقال: جرى الماء وطلعت الشمس وتغيَّمت السماء.. إلى غير ذلك، وبسبب هذه النقطة يعدون من الجبرية.

6- الإيمان عقدٌ بالقلب وإن تلفظ الشخص بالكفر، وأن الإيمان لا يضر معه شيء، وبسبب هذه النقطة يعدون من المرجئة.

7- أن الله موجود بالأمكنة كلها، وهو كما يقول ":ابن خزيمة" في "التوحيد": (هذا الهواء مع كل شيء وفي كل شيء ولا يخلو منه شيء.).

8- القول بفناء الجنة والنار، حيث قالو أنه لا يتصور حركات لا تتناهى أولاً، فكذلك لا يتصوَّر حركاتٌ لا تتناهى آخراً، وحملوا قوله تعالى: {خالدين فيها أبداً} على المبالغة، واستدل الجهم بن صفوان على الانقطاع بقوله تعالى: {إلا ما شاء ربك}، وقال: (ولو كان مؤبداً بلا انقطاع لما استثنى) (10).

الرد على الجهميّة:

رد أهل السنة على نفيهم صفات الله الأزلية، وتأويلهم للصفات التي تشعر بالتشبيه، فقالوا: بأنه يجب الإيمان بما جاء في القرآن والسنة وما كان عليه الصحابة ومن بعدهم من الإيمان بالصفات على الحقيقة من غير تحريف ولا تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه.

كما رد أهل السنة على قولهم بأن (الإيمان لا تضر معه معصية) فيما يعرف بقاعدة الإيمان يزيد وينقص، فقالوا: بأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

ورد أهل السنة أيضاً على قولهم بأن (الله موجود في الأمكنة كلها)، بأنه ثبت في القرآن والسنة أن الله فوق السماء واستدلوا بقول الله تعالى (الرحمن على العرش استوى) وقوله (وهو القاهر فوق عباده) وقوله (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض) وقول النبي صلى الله عليه وسلم للجارية (أين الله؟) فقالت في السماء فقال (من أنا؟) فقالت أنت رسول الله فقال (أعتقها فإنها مؤمنة)

وأما قولهم بفناء الجنة والنار، فقد اعتُبر مخالفاً لصريح القرآن والأحاديث. (11).

ملاك القول: إن من ينظر في معتقدات الجهميّة وردود أهل السنة والجماعة عليهم، يجد أن كلا الطرفين قد أدخلا أنفسهما في قضايا لا يعلم بها إلا الله، كقضية الصفات، والقدم، وخلق القرآن، وموقع الايمان والكفر، وفناء الجنة والنار، وهل يرى الله يوم القيام أو لا، وغير ذلك من قضايا لا تتعلق أصلا بوظيفة الدين ومكانته في حياة الناس الاجتماعيّة ومصالحهم ، كونه نزل أصلاً لحل مشكل الناس ورفع الظلم عنهم، وتحقيق العدالة والمساواة بينهم، فأدخلوا أنفسهم في قضايا كما قلت لا يعلم بها إلا الله فاقتتلوا وكفروا بعضهم ولا زالوا على ذلك سائرين.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سوريّة

............................

الهوامش:

1- (موقع اليوم السابع - "الجهمية".. لماذا كفرهم أئمة السنة وهل لهم أتباع حتى الآن؟ - محمد عبد الرحمن).

2- الويكيبيديا. بتصرف.

3- (موقع اليوم السابع - "الجهمية".. لماذا كفرهم أئمة السنة وهل لهم أتباع حتى الآن؟ - محمد عبد الرحمن).

4- (موقع الدرر السنيّة - الفَصلُ الأوَّلُ: التَّعريفُ العامُّ بالجَهْميَّةِ).

5- التعريف بالجهميّة - المرجع نفسه.

6- التعريف بالجهمية - المرجع نفسه.

7- (موقع اليوم السابع - "الجهمية".. لماذا كفرهم أئمة السنة وهل لهم أتباع حتى الآن؟ - محمد عبد الرحمن).

8- موقع الدرر السنيّة - الفَصلُ الأوَّلُ: التَّعريفُ العامُّ بالجَهْميَّةِ.

9– (موقع المعرفة - الجهميّة - عقيدة الجهميّة). كما يراجع في عقائدهم موقع الويكيبيديا.

10- موقع المعرفة – الرد على الجهميّة.

11- لمعرفة أهم شخصيات التيار الجهمي وردود مشايخ وفقهاء السلفية عليهم، يراجع موقع الدرر السنيّة - التَّعريفُ العامُّ بالجَهْميَّةِ -الفَصلين الثاني والثالث.

في عالَم تكتظّ فيه القضايا والمواضيع الساخنة في كل يوم بمختلف الأصعدة وفي شتى الحقول السياسية منها والاجتماعية والثقافية والاجتماعية والدينية وغيرها، نميل لتبنّي مواقف شخصية إزاءَها؛ لاعتبارات عدّة، ليس أقلّها أن نواكب النقاشات اليومية، ولكن السؤال الذي يطفح على السطح: هل من الطبيعي أن يكون لنا رأي شخصي في كل موضوع يُطرح؟ خاصةً مع هذا الكم الهائل الذي تغرقنا به القنوات المعرفية من كل حدب وصوب، ولعل الإجابة البديهية: كلا، ولكن تطبيقاتنا اليومية تعاكس ذلك إلى حد كبير، إنْ بسبب طبيعة أدمغتنا الميّالة إلى محاولة سدّ الفراغات وعدم قبول الفجوات بلا تفسير ولو بشبه إجابة، وإنْ بسبب إكراهات تفاعلاتنا الاجتماعية التي تملي علينا الانخراط في المواضيع المطروحة والمنافَحة عن أحد اتجاهاتها لإثبات الذات أو السعي وراء الاعتراف الاجتماعي أو غيرها من الأسباب النفسية والاجتماعية، هذا أو ذاك أو غيره، ما نلمسه جليًا من الواقع أننا متلبّسون على نحو كبير بالاندفاع إلى تشكيل آراء شخصية متسارعة في مختلف القطاعات.

ليس لدي رأي، لا أدري، لا توجد لدي أدلة كافية تسعفني للانحياز لرأي دون آخر، ليس هذا الموضوع من اهتماماتي، كلها عبارات أصبحت تفتقر إليها أوساطنا بشكل حقيقي اليوم، فصرنا ننبري في كل محفل وفي كل قضية تُتداوَل بالرأي الذي نتبنّاه إزاءَها؛ ربما استحياءً من عدم اتّباع الجموع التي تتباهى برأيها وإن كان آراؤها مجرّد تقليد وتبعيّة ليس إلا، وربما انتفاخا بجانب من معرفة اطّلعنا عليها، أو لِخَلْطنا بين كثرة آرائنا وثقل هُويّتنا، وربما لأسباب أخرى، المشروعة منها وغير المشروعة.

إنّ الرأي الحصيف يتطلب استفراغ الجهد في فحص الأدلة والتفتيش عن الثغرات قبل الاستقرار على رأي شخصي، وهذا ما لا يسعفه وقتنا المتاح وسط التزاماتنا اليومية، ناهيك عن التضخم الهائل لعدد المواضيع التي يتم طرقها يوميا إنْ على الصعيد المحلي وإنْ على الصعيد العالمي، فإذا كان ذلك كذلك، فمن الطبيعي جدا أن نتوقف عن تبنّي أي اتجاه إزاء حزمة واسعة من تلك القضايا المحمومة، وأنّ أي سقوط في فخّ الاصطفاف وراء أيّ اتجاه فهو محتوم بالقصور وعدم الاتزان، لنجد أنفسنا بعد ذلك عبارة عن آراء مشوّشة مشوّهة باهتة الملامح.

لا بأس أن يكون لنا رأي - على تفاوت درجات التبنّي - بين الفينة والأخرى، ولكن أن تكون استجابتنا التلقائية لكل موضوع شائك تلوكُه الألسنة بإظهار رأي شخصي تجاهه فهذا هوسٌ يوقعنا في حرج عقلي كبير، ووعي سطحي مقرف، ثم مَن زرع فينا وجوب تبنّي رأي شخصي في كل قضية يُثار الجدل حولها أو مقاربة يتم تداولها؟ وهل ذلك من متطلبات الشخصية الواعية أو المثقفة أو المواكبة وغيرها من المصطلحات الرنّانة؟

مهما يكن من أمر، أودّ أن أختم بلفتةٍ دقيقة، وهي أنّ تبنّي الآراء حينما نجد في أنفسنا التأهّل لذلك ينبغي أن يكون تبنّيا قابلا للتراجع عنه، وليس حكما نهائيا؛ لأن الآراء تستند إلى المعرفة المتحصلة وفق الأدوات المتاحة والمحددات الموجودة، وسمة المحدودية هذه تفرض عليها ألا تكون مطلقة؛ ولذا من الطبيعي جدا أننا حينما نتبنّى رأيا ما أن نتراجع عنه لاحقا، على أن هذا التراجع لا يشترط أن يكون انزياحا من رأي إلى رأي آخر، بل من الطبيعي جدا أن ننتقل إلى وضعية عدم وجود رأي بالمرّة متى ما تضافرت القرائن المعرفية التي ترجعنا إلى المربع الأول وهو الحيادية، وأنْ نكون خِلوًا من الانحياز لأي اتجاه في بعض المواضيع الجدلية، ونكتفي بممارسة دور المراقب بكل وعي واتزان، ولك أن تتخيل بَهاء طبيعة أوساطنا المعرفية حينما تزدهر فيها ثقافة الاتزان في تبنّي الآراء وعدم الانسياق خلف كل (ترند) محموم.

***

محمـــد سيـــف

قراءة تفكيكية من داخل المشغل الأصولي

​لم تأتِ قناعتي بأن الفتوى اجتهادٌ بشري من موقفٍ عدائي تجاه الحوزة العلمية في النجف الأشرف، بل كانت ثمرة سنوات من الدراسة المعمقة وقراءة كتبها التأسيسية في علم أصول الفقه والاجتهاد.

​لقد كان رفيقي في هذه الرحلة البحثية متون فكرية رصينة؛ من بينها كتاب «النظرة الخاطفة في الاجتهاد» للشيخ محمد إسحاق الفياض، وكتاب «الاجتهاد والفتوى» للسيد محيي الدين الغريفي، و**«الاجتهاد والتقليد»** لزعيم الحوزة العلمية السيد أبي القاسم الخوئي بتقرير الشيخ غلام رضا عرفانيان. كما عكفتُ على دراسة «أجود التقريرات» (تقريرات السيد الخوئي لأبحاث أستاذه المحقق الميرزا محمد حسين النائيني)، وانفتحتُ على مناهج الاستنباط المعاصرة مثل «مباني الاستنباط» للسيد محمد الحيدري، مستنيراً بأبحاث ومحاضرات أساتذة فضلاء كالسيد عدنان البكاء، ومستلهماً من التراث العلمي الغني لمرجع الطائفة السيد عبد الأعلى السبراوي في آثاره الفقهية والأصولية.

​١. ميكانيكية الاستنباط: كيف تصنع الأدوات البشرية نصاً فقهياً؟

​قبل خوض هذه الغمار العلمي، كنت أظن -كغالبية الناس- أن الفتوى تمثل الحكم الإلهي والشرع السماوي بصورة مطابقة ومباشرة. غير أن الولوج إلى كواليس "المشغل الأصولي" يكشف حقيقة مغايرة تماماً؛ فالأصوليون يقررون بوضوح أن الفقيه لا يصنع الحكم الإلهي ولا يتلقاه بالوحي، وإنما يبذل أقصى وسعه العلمي عبر منظومة معقدة من القواعد اللغوية، والعقلية، والشرعية للوصول إلى "الحجة".

​إن هذه المنظومة تقوم على ركائز استدلالية صاغتها وطورتها عقول البشر عبر القرون، وليست نصوصاً توقيفية مقدسة:

​حجية الظهور: وهي قاعدة لغوية عقلائية تعتمد على فهم العرف البشري للألفاظ والسياقات، والظهور بطبيعته احتمالي لا قطعي.

​حجية خبر الواحد: وهي مسألة أصولية شائكة تدور حول مدى وثوقية نقل الرواة لحديث الآحاد، والقبول بها قائم على أدلة ظنية اعتبرها الشارع مرخصة للعمل، لا مفيدة لليقين التاريخي المطلق.

​مباحث التعارض والترجيح: وهي قواعد عقلية وضعها الأصوليون لفك التشابك والتناقض الظاهري بين النصوص (الروايات)، مما يعكس تدخلاً عقلياً بشرياً مباشراً لترتيب الأولويات الاستدلالية.

​٢. مملكة الشك والأصول العملية: هندسة إدارة الحيرة

​تتجلى بشرية الفتوى بأوضح صورها في أبحاث "القطع والظن والشك". عندما ينسد باب العلم (اليقين بالواقع الإلهي)، يجد الفقيه نفسه وجهاً لوجه أمام الشك. هنا لا يتوقف عن الفتوى، بل يلجأ إلى ما يُعرف بـ «الأصول العملية»:

​البراءة: (كل شيء لك حلال حتى تعلم أنه حرام) - وهي رخصة لتسهيل حياة البشر عند عدم وجدان الدليل.

​الاستصحاب: (إبقاء ما كان على ما كان) - وهو حكم ظاهري للمتردد يعتمد على الاستمرارية الزمنية للحالة السابقة.

​الاحتياط والتشاغل: لتأمين المكلف من العقاب الافتراضي.

​إن هذه الأصول لا تكشف عن الحكم الواقعي الذي أراده الله في اللوح المحفوظ، بل هي مجرد "وظائف عملية للمتحيّر" وضعها الشارع لإدارة العجز البشري عن إدراك الحقيقة المطلقة. فكيف يمكن بعد ذلك وصف المنتج النهائي (الفتوى) بأنه يمثل الإرادة السماوية القطعية؟

​٣. صراع المباني: لماذا يختلف المراجع؟

​إن رصد الاختلافات الفقهية بين المراجع ليس رصداً لاختلافٍ طارئ أو شخصي، بل هو نتاج طبيعي وموضوعي لـاختلاف المباني الأصولية.

​قد يتفق فقيهان على نفس النص القرآني ونفس الرواية، ولكنهما يختلفان في النتيجة اختلافا جذرياً:

​أحدهما يرى حجية "الشهرة الفتوائية" كجابر لضعف السند (كما هو مبنى بعض المتقدمين)، بينما يرفضها الآخر تماماً كالسيد الخوئي الذي يصفها بأنها لا تسمن ولا تغني من جوع استدلالي.

​أحدهما يقدم "أصالة الاحتياط" في مسألة معينة بناءً على مسلك "حق الطاعة" (كمبنى السيد الشهيد محمد باقر الصدر)، والآخر يجري "أصالة البراءة" بناءً على مسلك "قبح العقاب بلا بيان" (كمبنى المحقق النائيني).

​هذا التباين الهندسي في تأسيس القواعد يثبت بالدليل القاطع أن الفتوى صياغة فكرية إنسانية، ورأي تخصصي محكوم بالخيارات المنهجية للفقيه، وليس نقلاً حرفياً للإرادة الإلهية.

​٤. الحد الفاصل: بين قدسية الوحي وبشرية الفتوى

​من هنا، يصبح التفريق حتمياً بين قدسية الوحي وبشرية الفتوى:

​الوحي: ثابت، مطلق، معصوم، ولا يتغير بتغير الأزمنة والأمكنة.

​الفتوى: قراءة بشرية نسبية وتاريخية للوحي، تتأثر بالأدوات العلمية للفقيه، وبمستوى تطور العلوم المعاصرة له، وبظروفه وبيئته الاجتماعية والسياسية.

​إن عدم التفريق بين هذين الحقلين يؤدي إلى منزلق خطير؛ وهو إلباس الفهم البشري رداء العصمة الإلهية، وصناعة جدار سميك يمنع نقد الفتاوى وتطويرها بما يلائم حركة الزمن وحاجات المجتمع المتجددة.

​٥. نحو احترام العلم لا تقديس الرأي

​إن نقدي لآلية تقديم الفتوى في الفضاء العام ليس استهدافاً للدين، ولا تقليلاً من شأن الحوزة العلمية وجهود علمائها الإجلاء؛ بل هو دعوة للعودة إلى جوهر ما تقرره كتب الأصول نفسها: المجتهد يخطئ ويصيب.

​إن احترامنا للفقيه ينبع من كونه باحثاً أكاديمياً بذل جهداً مضنياً في دراسة النصوص وفهمها، وتوقيرنا له هو توقير للعلم والتخصص. لكن هذا الاحترام يجب ألا يتحول إلى "تقديس" يعامل الرأي الفقهي (الذي هو ظن معتبر في أحسن أحواله) كعقيدة معصومة لا تقبل النقاش أو المراجعة.

​إن فتح الباب للاعتراف ببشرية الفتوى هو الضمانة الوحيدة لحيوية الفقه الإسلامي، وهو السبيل لرفع القداسة الزائفة عن القراءات البشرية للنصوص، ليبقى الفكر مفتوحاً على التطوير، والتحديث، والنقد العلمي البنّاء.

***

​ستار الزهيري

١٤ تموز ٢٠٢٦ | ١ صفر الخير ١٤٤٨ هـ

الجنس بيولوجياً هو منظومة حيوية متكاملة تتجاوز الفعل الميكانيكي، لتشمل التفاعل الدقيق بين الهرمونات، والأعضاء التناسلية، والجهاز العصبي، بهدف ضمان استمرار النوع من خلال الوظيفة الإنجابية؛ بينما في مرحلة الطفولة، لا يوجد "جنس" بالمعنى الوظيفي، بل يمر الأطفال بما يُعرف بالاستكشاف الحسي البسيط، وهو سلوك طبيعي يعبر عن وعي الطفل بجسده ضمن نموه الإدراكي، ولا يرتبط بأي دافع جنسي أو قدرة إنجابية، حيث تظل الأجهزة التناسلية في حالة سكون تام وتفتقر للوقود الهرموني.

تبدأ جذور التطور الإنساني من المرحلة الجنينية التي تشهد نشاطاً ميكانيكياً للأعضاء التناسلية، مثل الانتصاب الجنيني؛ هذا النشاط هو استجابة فسيولوجية لا إرادية ناتجة عن تدفق الدم ونمو الأنسجة، ولا يمت بصلة لأي غريزة أو رغبة نفسية، إذ يفتقر الجنين في هذه المرحلة إلى الجهاز العصبي المتطور والقشرة المخية المسؤولة عن إدراك اللذة أو توجيه الدافع الجنسي.

بعد الولادة، يدخل الجهاز التناسلي في مرحلة طويلة من "السكون الوظيفي" التي تستمر طوال سنوات الطفولة، حيث تتسم هذه المرحلة بالتركيز على غريزة البقاء وتطور التعلق العاطفي، مع غياب كامل للوقود الهرموني اللازم لإنتاج الحيوانات المنوية، وتظل الخلايا المسؤولة عن النطاف خامدة بيولوجياً لعدم وجود إشارات كيميائية كافية من الدماغ  تحت المهاد والغدة النخامية

. وبناءً على ذلك، لا يمكن بيولوجياً إنتاج المني في سن السابعة أو الثامنة أو التاسعة في الظروف الطبيعية نظراً للبرمجة البيولوجية التي تحكم هذا التوقيت؛ وما يُسجل من حالات زواج مبكر تاريخياً في بعض المجتمعات هو ترتيب اجتماعي لا يغير من الحقيقة الفسيولوجية لعدم قدرة الجسد على الإنجاب قبل البلوغ، فالإنجاب في تلك الحالات هو نتيجة حتمية للبلوغ البيولوجي، حيث يبدأ الجسم حينها فقط في إفراز الهرمونات الجنسية وتفعيل عملية إنتاج النطاف، بينما تعد حالات البلوغ المبكر جداً (قبل سن العاشرة) استثناءات طبية مرتبطة باضطرابات هرمونية، وهي لا تشكل القاعدة الطبيعية لنمو الإنسان.

إن الغريزة الجنسية ليست مجرد فعل ميكانيكي، بل هي منظومة نضج عضوي وهرموني وعقلي لا يمكن لأي إنسان تجاوز مراحلها الزمنية، وتظل الحقيقة العلمية ثابتة في أن القدرة على الإنجاب مرتبطة حصراً بحدوث البلوغ الفسيولوجي الذي يكسر حالة السكون الوظيفي للجهاز التناسلي، وتترابط هذه المراحل لتؤكد أن الإنسان كيان بيولوجي محكوم بنظم زمنية دقيقة، حيث تتجلى حكمة التطور في هذا التدرج الذي يمنح الجسم فرصة كافية للنمو الهيكلي والنضج العقلي قبل تحميله بمسؤوليات الغريزة.

تعد الفجوة الزمنية بين النشاط الجنيني الميكانيكي والقدرة الوظيفية البالغة فترة حماية بيولوجية تضمن توازن الجهاز النفسي والعضوي للفرد، وعندما ينضج الدماغ ويتهيأ الهيكل الهرموني تتحول الغريزة من مجرد استجابة انعكاسية إلى دافع واعٍ؛ ومن هنا، يتضح أن الأطفال ليسوا ضحايا لغريزة داخلية لا يمتلكونها، بل هم ضحايا "إسقاطات خارجية" وتجاهل للطبيعة، حيث يحاول الكبار إقحامهم في ترتيبات اجتماعية تتطلب أدواراً إنجابية لا تسمح بها أجسادهم، ليظل فهمنا لهذه الحقائق العلمية مرجعاً أساسياً يضع حداً للخلط الشائع بين المظاهر السطحية والقدرة الحقيقية في تطور الجسد الإنساني.

***

ئاريان علي

لم يعد ممكناً الاستمرار في رعاية "الأوهام الثقافية" التي شيدتها نخبنا على مدى عقود. إن ما نسميه "تراجع الخطاب الثقافي" ليس مجرد انحسار في الكم، أو حالة عابرة من فقر الإبداع، بل هو انهيارٌ بنيوي في الجوهر، وسقوطٌ مدوٍ للأقنعة التي كانت تخفي خلفها خواءً فكرياً مزمناً. نحن اليوم أمام مشهدٍ ثقافيٍ عارٍ، فقدت فيه الكلمة قدرتها على التأثير، وصار المثقف -الذي كان يوماً "ضميراً للواقع"- مجرد "موظفٍ في شركة علاقات عامة"، يزين القبح، ويبرر الرداءة، ويغلف الانهيار بخطابٍ طنّانٍ لا طائل منه.

إن "سقوط الأقنعة" ليس حدثاً طارئاً، بل هو النتيجة المنطقية لمسارٍ طويلٍ من الخيانة المعرفية. لقد بدأت الحكاية حين تحولت الثقافة من "مشروع للتحرر" إلى "وسيلة للظهور". في البدايات، كان المثقف يمتلك "المسافة النقدية"؛ تلك المسافة التي تسمح له بأن يرى العطب في بنية الدولة والمجتمع، وأن يعبر عن ذلك بجرأةٍ لا تعرف المهادنة. أما اليوم، فقد ذابت هذه المسافة. صار المثقفُ جزءاً من "الآلة"؛ آلة الجوائز التي تُمنح وفق معايير المحاصصة والشللية، وآلة المهرجانات التي تُقام لتجميل وجه السلطة، وآلة الولاءات السياسية. وهكذا، فقدَ الخطابُ الثقافي "استقلاليته"، وتحول إلى "صدى" لأهواء مراكز القوة التي باتت تفرض شروطها على الفكر والإبداع.

التراجع في الخطاب الثقافي العربي ليس غياباً للمواهب بقدر ما هو غيابٌ لـ "المعايير". عندما تغيب المعايير النقدية الموضوعية، يسود "المتنمرون" و"المدّاحون". لقد شهدنا في السنوات الأخيرة صعود ظاهرة "المثقف الانطباعي"، ذلك الذي يمتلك فائضاً من العدوانية ونقصاً فادحاً في المنهج. هذا "المتنمر الثقافي" لا يقرأ النص، بل يقرأ الحسابات. إنه يمارس "الرقابة" على زملائه، ليس انطلاقاً من رؤيةٍ فكرية، بل من غريزةٍ اقصائيةٍ تحاول أن تنفي "الآخر" لتضمن لنفسها مكاناً تحت الضوء. إن سقوط القناع هنا يعني كشف الوجه الحقيقي لهذا الخطاب: خطابٌ يحمي "التفاهة" لأنها تشبهه، ويحارب "العمق" لأنه يفضح بساطته ومحدوديته.

وما يعمق من هذا المأزق هو "ارتهان المثقف للأيديولوجيا". فبدلاً من أن تكون الأيديولوجيا أداة لتحليل الواقع وتفكيك تناقضاته، تحولت إلى "أيقونة" للتقديس. لقد صار المثقف يكتب ليؤكد انحيازه المسبق، لا ليصل إلى الحقيقة. هذا "الإخلاص الأعمى" للأطر الجاهزة هو الذي جمد طاقة التفكير، وجعل الخطاب الثقافي يكرر نفسه في حلقةٍ مفرغة. إننا نكتب اليوم نصوصاً لا تلامس جرح الواقع، بل تنشغل بـ "تنميقِ الجروح" وتغطيتها بكلماتٍ منمقةٍ تليقُ بمنابرِ الاستهلاك الثقافي، لا بمنابر التغيير.

وفي هذا السياق، لابد من الإشارة إلى "سلطة الغوغاء" في الفضاء الرقمي. إن سقوط الأقنعة قد كشف أيضاً عن عجز النخب عن مواجهة "ديماغوجية التواصل". صار الخطاب الثقافي يُصاغ على مقاس "التريند"، حيثُ تُختزلُ القضايا الكبرى في تغريدة، ويُحاكمُ الفكر بناءً على شعبيته لا على عمقه. لقد انحاز المثقف للجمهور على حساب الحقيقة، خوفاً من "النبذ الرقمي"، فأصبح خطاباً باهتاً، يرضي الجميع، ولا يغير شيئاً. إن "سقوط القناع" هنا يعني اعترافنا بأننا صرنا نهتم بـ "عدد المعجبين" أكثر من اهتمامنا بـ "صلابة الفكرة".

أضف إلى ذلك، مأزق "اقتصاد الثقافة"؛ إذ باتت دور النشر والجوائز العربية خاضعة لمنطق الربح السريع. لقد تحولت الثقافة إلى "سلعة"، وأصبح الكاتب "منتجاً" يكتب وفقاً لمتطلبات السوق. إن هذا "التشييء" للمثقف وللنص أدى إلى انحطاط نوعي في الخطاب، حيث أصبحت القيمة تُقاس بالمبيعات، لا بالعمق المعرفي. المؤسسات الثقافية التي كان يُفترض بها أن تكون حاضنة للنقد والجدل الحر، تحولت في كثير من الأحيان إلى "شركات للعلاقات العامة"، تسوق أسماء محددة وتغيب أخرى لأسباب غير ثقافية، مما خلق "تنميطاً" في الذائقة العامة، ومنع بزوغ أصوات جديدة ومختلفة.

إننا أمام استحقاقٍ أخلاقيٍّ وجوديّ: إما أن يعود الخطاب الثقافي إلى "جذوره النقدية"، يمتلك الشجاعة لقول "لا" في وجه الرداءة والفساد الفكري، وإما أن نترك الساحة لمن يظنون أن الصراخ هو بديل عن الفكرة. إننا بحاجة إلى "ثورة في الكتابة"؛ ثورة تعيد الاعتبار للمعرفة كفعلٍ مقاوم، لا كفعلٍ استعراضي. نحتاج إلى مثقفٍ لا يخاف من عزلته، ولا يسعى لإرضاء "الجوقة".

إن سقوط الأقنعة هو في جوهره فرصة؛ فرصة لنرى الواقع كما هو، لنعترف بأننا في أزمة، ولنبدأ -بشجاعةٍ لا تعرف الخوف- في بناء خطابٍ جديد يليق بآلام الناس وطموحاتهم. خطابٌ لا يجمّل الواقع، بل يشرّحه، ولا يبرر الانكسار، بل يفكك أسبابه. إن التاريخ، يا صديقي، لن يحفظ سوى تلك الأصوات التي تجرأت على التعري أمام الحقيقة، ورفضت أن تختبئ خلف أقنعةٍ -مهما كانت جميلة- فإنها لا تحجبُ حقيقةَ العطبِ الذي ينهشُ جسدَ ثقافتنا. إن المسؤولية تقع اليوم على عاتق من لا يزال يؤمن بأن الكلمة يمكن أن تكون فعلاً تغييرياً، لا مجرد زينةٍ في فضاءٍ يمتلئ بالضجيج.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

الثقل المعرفي واستراتيجيات قلب النظرة

تمهيد: عندما يتحدث الصامت

في المخيال السوسيولوجي الكلاسيكي، ظلّت فكرة "المركز" و"الهامش" محكومة بمنطق ثنائي صارم، حيث يُعتبر الأول وعاءً للمعرفة والسلطة والشرعية، بينما يُختزل الثاني في صفة العدمية والفراغ والتلقي السلبي. غير أن هذا التصور، الذي تغذيه نظريات التحديث والمركزية الغربية، قد أهمل حقيقة جوهرية مفادها أن الهامش ليس مجرد مساحة جغرافية أو ثقافية مهمشة، بل هو حيز تاريخي مزدحم بالتفاعلات، ومليء بآثار الصدمات، ومشحون بطاقات المقاومة والتكيف. إن الهامش، بوصفه موقعاً وجودياً ومعرفياً، يمتلك ثقل معرفي ورمزي متراكم، يتشكل عبر قرون من الاحتكاك المباشر بالمركز. هذا المقال يسعى إلى تفكيك مفهوم "الثقل الهامشي" كأداة نقدية، وكشف كيف يمكن للهامش أن يتحول من مجرد موضوع للمعرفة إلى منتج لها، بل وكيف يستطيع أن يعكس النظرة على المركز عبر آليات "استشراق معرفي" معقدة، رغم ما يكتنف هذه العملية من مفارقات وأسر ثنائي.

تفكيك المركزية وتأسيس مفهوم "الثقل الهامشي"

لكي نفهم "الثقل الهامشي"، ينبغي علينا أولاً أن نخلع عن مفهوم "الهامش" رداء السلبية الذي ألبسته إياه الخطابات الاستعمارية وما بعد الكولونيالية المبكرة. فهو ليس صفحة بيضاء انتظرت حتى يخط عليها المركز تاريخه، بل هو أرض خصبة راكمت خبراتها الخاصة في التعامل مع النفوذ والسلطة. إذا تأملنا العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر، نجد أن الأخير اضطر، من أجل البقاء، إلى فك شيفرات المركز: تعلم لغته، وأتقن طقوسه، وتنبأ بردود أفعاله، بل واستبطن تناقضاته الأيديولوجية. هذا التراكم المعرفي، الذي يمتد لأجيال، هو ما نسميه "الثقل الهامشي". إنه يشبه ذلك المخزون الجيولوجي المعرفي الذي تترسب فيه طبقات من التمييز العنصري، والمقاومة المسلحة والسلمية، وأشكال التكيف اليومي، والهجنة الثقافية.

هذا الثقل لا يقاس بعدد الكتب أو الجامعات في الهامش، بل يقاس بعمق التجربة الإنسانية وصلابتها. فالمعرفة التي ينتجها هي "معرفة احتكاكية"، تولد من رحم الممارسة والتجربة الحيَّة، وليس من برج عاجي نظري. حين يعيش الفرد في الهامش، فإنه يختبر المركز كقوة نافذة في تفاصيل حياته: في قوانينه، اقتصاده، تعليمه، وحتى في أحلامه اليومية. هذه المعايشة القسرية للمركز تمنح الهامش قدرة فريدة على رؤية عيوب المركز وفضائحه الأخلاقية والمنطقية، وهي رؤية لا تتاح للمتمركز في داخله، لأن الأول يرى الثاني من الأعلى، بينما يرى الهامش المركز من الأسفل، حيث تنكشف الآليات الخفية للهيمنة دون رتوش بروباغندية.

المعرفة الهامشية ودقتها في تحليل علاقات النفوذ

غالباً ما يُزعم أن المعرفة المركزية هي الأكثر دقة وموضوعية، لأنها تمتلك أدوات منهجية متطورة. لكن هذا الادعاء يسقط حين ننظر إلى طبيعة المعرفة المنتَجة في الموقعين. المعرفة المركزية (الاستشراق نموذجاً) غالباً ما تكون معرفة "تأملية" أو "استنتاجية"، تعتمد على نصوص ووثائق قد تكون مشوهة، وتنظر إلى الآخر باعتباره موضوعاً جامداً يمكن تشريحه. في المقابل، المعرفة الهامشية هي معرفة "تراكمية" و"تفاعلية"، لأنها تنتج من داخل العلاقة نفسها؛ إنها معرفة بالعدو معرفة المصارع الذي يحصي أنفاس خصمه، أو معرفة التابع الذي يحفظ مفاتيح سيده.

إن دقة المعرفة الهامشية تنبع من كونها معرفة اضطرارية؛ فالذي يعيش على الأطراف يدرك أن أي خطأ في فهم نوايا المركز أو آلياته قد يكلفه حياته أو حريته. لذلك، تتطور لديه أدوات تحليلية دقيقة لقراءة النوايا الضمنية، وفك الرموز الأيديولوجية، وتفكيك الخطابات التي تختفي وراءها سياسات العنف. هذه المعرفة تتفوق على المعرفة المركزية في جانب حاسم: قدرتها على كشف التناقض بين المعلن والمضمر. فالمركز يعلن قيم الحرية والديمقراطية، بينما يمارس التمييز في مستعمراته؛ والهامش وحده، من خلال احتكاكه اليومي، يستطيع أن يرصد هذا التباعد بشكل حاد، وأن ينتج خطاباً نقدياً يكشف هذا النفاق، كما فعل فرانتس فانون في "معذبو الأرض"، حيث حلّل الطب النفسي الاستعماري كآلة لقمع الوعي، مستنداً إلى خبرته المباشرة لا إلى نظريات فرويد المجردة.

استشراق المركز: بين الاستشراق التخيلي والاستشراق المعرفي

إذا كانت المعرفة الهامشية بهذه الدرجة من العمق، فمن الطبيعي أن تنتج آلية خاصة للنظر إلى المركز، وهنا نصل إلى جوهر مفهوم "استشراق المركز". في السياق الكلاسيكي، كان الاستشراق الغربي يقوم على "رؤية من بعيد"، حيث يكتب الرحّالة والمستشرقون عن الشرق دون أن يعيشوا فيه حقاً، أو يعيشون فيه بوصفهم سادة غير مندمجين. هذا الاستشراق كان "تخيلياً" بامتياز، لأنه بنى صورته للشرق على النصوص المقدسة، والخرائط القديمة، وأوهام العقل الجمعي الغربي عن "الآخر الغامض". لكن عندما ينقلب السحر على الساحر، ونظر الهامش إلى المركز، فإن العملية تختلف جذرياً.

"استشراق الهامش" للمركز هو استشراق "معرفي"، لأنه لا يقوم على التخمين أو الرؤية من علو، بل على معرفة تراكمية ممتدة بفعل التفاعل التاريخي. فالشرقي أو الجنوبي الذي يعيش في ظل الهيمنة الغربية، يجيد قراءة الغرب أكثر مما يجيد الغرب قراءة نفسه. يمكننا تلمس ذلك في سيرة عبد الرحمن بن خلدون، الذي نظر إلى الشرق (المركز الإسلامي آنذاك) والمغرب (هامشه) من زاويته المغاربية، فقدم نقداً عميقاً للعصبية المركزية وللنماذج الحضارية المستقرة، معتمداً على ملاحظته المباشرة لتفاعل البدو والحضر. بل إن نظرة ابن خلدون إلى الغرب المسيحي كانت نظرة محايدة نسبياً، خالية من الرهبة الأسطورية، لأنه تعامل معه كطرف في صراع سياسي واقتصادي، وليس ككيان ميتافيزيقي غامض.

في كتابات جمال الدين الأفغاني أيضا نموذجاً صارخاً لهذا الاستشراق المعكوس. إذ استخدم الكاتب، في مناظراته ونقده للاستبداد، خطاباً استعارياً يكسر فيه القوالب: فقد نظر إلى أوروبا بعين ناقدة، مادحاً علمها وتقنيتها، لكنه في الوقت نفسه كشف عن وجهها الاستبدادي والإمبريالي، معتمداً على تجربته الطويلة في التنقل بين الشرق والغرب. فهو لم يكتفِ بردة الفعل، بل حاول بناء خطاب مضاد، لكنه ظل، كما سنرى، أسير إطار المركز ذاته إلى حد كبير.

الأدب والفن كساحات للتجسيد البصري للثقل الهامشي

يتجلى هذا الثقل الهامشي بشكل أكثر كثافة وبلاغة في حقلي الأدب المقارن والسينما، حيث تتحول الصور الفنية إلى حوامل معرفية تنقل نظرية الهامش إلى واقع محسوس. إن إعادة قراءة رواية "الغريب" لألبير كامو في السياقات العربية، كما أشار النص المؤسس لهذا المقال، تمثل لحظة استشراقية معرفية مثيرة. ففي قراءتها الغربية الأصلية، تبدو الرواية عملاً وجودياً حول عبثية الحياة واغتراب الإنسان. لكن القارئ العربي، الذي يحمل ثقلاً هامشياً من تجارب الاستعمار، يقرأ "الغريب" بشكل مختلف؛ فهو يرى في بطلها "ميرسو" نموذجاً للغرب المتعالي البارد، وفي جريمته رمزاً لمواجهة الغرب للآخر العربي (الذي يُقتل دون مبرر حقيقي في الرواية). هنا، يستخدم القارئ العربي أدوات المستشرق (التأويل وتحليل الرموز) ولكن من موقع مغاير، حيث يصبح الغرب ذاته هو الموضوع الغامض الذي يحتاج إلى تفكيك.

أما فيلم "الرسالة" للمخرج السوري مصطفى العقاد، فهو مثال أكثر تركيباً على هذه الآلية. العقاد، الذي عاش في الغرب وأتقن لغته السينمائية، يقدم صورة بصرية للإسلام وبدايات الدعوة المحمدية، مستخدماً أدوات هوليوود الإخراجية والمونتاجية. الفيلم، في جوهره، هو محاولة لاستشراق الغرب من الداخل؛ أي تقديم السيرة الذاتية للإسلام بلغة سينمائية يفهمها الغربي، لكن مع الحفاظ على جوهر الرؤية الإسلامية. إنه ليس استشراقاً تخيلياً (كما فعل الراحل يوسف شاهين في بعض أفلامه التي نظرت للغرب برومانسية هوليوودية مبتذلة)، بل هو استشراق معرفي سياسي، يحاول أن يثبت أن الهامش لا يقل جمالاً وتاريخاً عن المركز، بل إنه قادر على توظيف أدوات المركز ذاتها لخدمة مشروعه الثقافي.

ولا يمكننا هنا تجاوز ذكر رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح، والتي تشكل النموذج الأكمل لهذه الدائرة الاستشراقية. فبطلها مصطفى سعيد يجسد "الثقل الهامشي" بكل تناقضاته؛ فهو الذي يذهب إلى لندن (المركز) حاملاً تراكماته الثقافية الشرقية، لكنه يكتسب معرفة غربية معمقة، ليستخدمها لاحقاً في تدمير النساء الغربيات نفسياً وجسدياً. صالح يقلب الطاولة: فمصطفى سعيد يعرف الغرب (بشعرائه، وقوانينه، وعقداته الجنسية) أكثر مما يعرف الغرب نفسه، وهذا يسمح له بأن يكون "مستشرقاً معكوساً" ينتقم من المركز بأدواته الثقافية. غير أن الرواية، بذكائها المفرط، تُنهي هذه اللعبة بمأساة، مشيرة إلى أن الانعكاس المحض ليس تحرراً.

أزمة الدائرة الاستشراقية: حين يكرر الهامش شيفرات المركز

وهنا نصل إلى المفارقة الكبرى التي يحاول النص الأصلي للإشكالية طرحها، وهي أن هذه العلاقة بين المركز والهامش، رغم كونها ليست أحادية الاتجاه، فإنها تشكل في النهاية "دائرة استشراقية" مفرغة. فحين يستخدم الهامش ذات الأدوات التي استخدمها المركز ضده (أدوات التمثيل، الاختزال، التصنيف الثنائي)، فإنه غالباً ما يظل أسيراً لمنطق المركز ذاته. إن إنتاج خطاب مضاد ليس بالضرورة خطاباً محرراً؛ فكثيراً ما يكون مجرد انعكاس مقلوب للمرآة، حيث يتم استبدال "الشرقي البدائي" بـ"الغربي المتوحش"، أو "الاستبداد الشرقي" بـ"استبداد الحداثة". هذا التكرار للشيفرات الثنائية (خير/شر، أصيل/دخيل، متقدم/متخلف) يُبقي مركز الثقل الفكري في دائرة المركز، حتى ولو كان الغرض هو هدمه.

نرى هذا بوضوح في نماذج عديدة من الأدب السياسي العربي المعاصر، حيث أصبح "الغرب" شيطاناً مطلقاً في بعض الخطابات، بينما أصبح "الشرق" مثالية بريئة، وهو نفس النوع من التبسيط الذي مارسه الاستشراق الكلاسيكي حين جعل "الشرق" مهادناً حسياً أو مستبداً شرقياً. هنا يفشل الهامش في تجاوز أسر الثنائية، لأنه يظل يعرّف نفسه انطلاقاً من المركز (ضد المركز)، بدلاً من أن يعرّف نفسه انطلاقاً من كينونته المستقلة. حتى في أعمال مفكرين كبار مثل مالك بن نبي، الذي أسس لفكر الاستعمار القابل للاستعمار، نجد أنه لا يزال يمارس قراءة الغرب عبر مفاهيم الغرب نفسه (العقلانية، التقدم، الصناعة)، مما يوقع مشروعه في مفارقة القبول بمعايير المركز كنقطة مرجعية وحيدة للنجاح أو الفشل.

هذه "دائرة الانعكاس" هي المأزق الأصعب الذي يواجه الفكر الهامشي. فالهامش، لكي يمارس نقده للمركز، يحتاج إلى لغة المركز وفئاته، وهذا الاستعارة المنهجية تجعله عرضة للتناقض. كيف يمكن نقد العقلانية الغربية دون استخدام العقلانية ذاتها؟ كيف يمكن رفض الاستشراق دون الوقوع في فخ اختزال الآخر؟ الإجابة ليست في التخلي عن المعرفة الهامشية، بل في الوعي بهذه المفارقة ذاتها. إن التحرر الحقيقي لا يكمن في أن يصبح الهامش مركزاً جديداً (فهذا يعيد إنتاج الظلم)، ولا في أن يلغي نفسه في المركز (فهذا استسلام)، بل في تجاوز هذه الثنائية تماماً.

خاتمة: نحو أفق ما بعد الثنائي

إن مفهوم "الثقل الهامشي" يمثل إضافة نوعية لفلسفة المعرفة والنقد ما بعد الكولونيالي، لأنه يمنح الهامش فعالية وجودية وإبستمولوجية كانت مغيبة. إنه يعيد الاعتبار للخبرة الحية، وللتجربة اليومية المضطهدة، بوصفها مصدراً للمعرفة لا يقل قيمة عن المعرفة الأكاديمية المؤسسية. لكن هذا المفهوم لا يخلو من المزالق، وأبرزها مخاطر "الدائرة الانعكاسية" التي تبقيه رهيناً بآليات المركز حتى في لحظة تمرده.

ربما يكون الطريق نحو تجاوز هذه الدائرة هو ما نسميه بـ"التفكيك الإيجابي"، أي تفكيك ثنائية المركز/الهامش نفسها، والاعتراف بأن كل موقع هو مركز بالنسبة لذاته وهامش بالنسبة لذوات أخرى في آن واحد. العالم المعاصر، بعولمته وتشابكاته، لم يعد يحتمل تقسيمات جامدة؛ فالثقافات تتداخل، والمعارف تتزاوج، والهويات تتشكل في فضاءات وسطى. الثقل الهامشي، إذن، ليس سلاحاً لإحلال مركز بديل، بل هو أداة لتوليد تنوع معرفي، ومدخل إلى "عالمية متعددة المراكز"، حيث يمتلك كل موقع خبرته الفريدة، لكنه يظل منفتحاً على الآخر دون اختزاله أو أسطرته. بهذه الطريقة فقط، يتحول الهامش من مجرد موقع للاحتجاج على المركز، إلى مصدر لإغناء المعرفة الإنسانية جمعاء، مساهماً في بناء سردية كونية أكثر عدلاً وتعقيداً، تتسع لكل الأثقال المعرفية دون أن تسحق أحداً تحت وطأة ثقل آخر.

***

عبد السلام مسعودي

التعليم الذي نحتاج إليه هو التعليم الذي يدرب الشباب على خلق الفرص، وتحويل الخيال إلى واقع. الفرص التي نريد صناعتها، ليست موجودة فعلاً. والواقع الذي نتحدث عنه ليس موجوداً أيضاً، في العالم المادي، بل في الخيال والتصورات الذهنية. لكن المستقبل في حقيقته هو هذا الشيء: الواقع الذي ما زال في رحم الغيب... الأشياء التي نتخيلها، لكننا لا نستطيع لمسها في هذه اللحظة. التعليم الجيد هو الذي يزرع في أعماق عقل الطالب، أن القيمة الحقيقية تكمن في هذه الأشياء المتخيلة، وأن قيمته كإنسان رهن بانشغال ذهنه كلياً، في البحث عن الطرق التي تمكنه من تحويل ذلك الخيال إلى واقع. بكلمة موجزة: التعليم الذي نحتاج إليه هو الذي يقتلع التلميذ من دائرة الماضي والحاضر، ويلقي به في المستقبل المجهول، ويناديه: إن أردت النجاة فاصنع شيئاً لم تملكه من قبل.

الفارق بين التعليم المتخلف ونظيره المتقدم، بسيط جداً وواضح. في التعليم المتخلف يجري تأسيس الحاضر على صورة الماضي. أما نظيره المتقدم فهو يفكر في مستقبل لا نعرفه ولم نره. إنه يحفر في الحاضر، كي يستنبط شيئاً مختلفاً عنه.

هذه مفارقة جدية يصعب على رواد التعليم التقليدي تخيلها؛ لأن أذهانهم تأسست على فرضية فحواها أن كل جديد، ينبغي أن ينغرس أساسه في الموروث، فيكون امتداداً لشيء سابق. وكلما زادت صلة الجديد بالقديم، تعزز الاقتناع به وتحول من أمر محتمل إلى قطعي. وأريد هنا الاستشهاد برؤية المرحوم محمد عابد الجابري، الذي رأى أن المشكلة الكبرى في الثقافة العربية، هي كون العقل العربي قياسياً. بمعنى أنه يصنع مواقفه ويصوغ معارفه الجديدة، عبر إسقاط الماضي على الحاضر، أو إلحاق الجديد بالقديم. فما تناسب مع القديم فهو محقق، وما خالفه فهو مشكوك. بل يؤكد الجابري أن الهيمنة المطلقة لمنهج القياس، ليست حدثاً عابراً أو سقطة ظرفية، بل هي بنية حاكمة على رؤيتنا للطبيعة والحياة والسياسة والدين.

وفقاً للجابري فإن مفهوم الزمن والتطور في العقل القياسي، تراجعي وليس تقدمياً، فهو يجعل الكمال في الماضي، ويعتبره أصيلاً أو رمزاً للأصالة، ثم يضفي على وصف الأصالة وما يتصف بها، قيماً تبجيلية. ومن هنا يعتبر المجد والرفعة قرينين للتشبه بالأصل (أي الماضي). وكنتيجة لهذه القيمة الغريبة، تميل حركة الفكر إلى اتجاه دائري ملتصق بالمركز، أي الماضي، بدل أن تكون حركة خطية متصاعدة، ومتجهة إلى المستقبل.

- حسناً، كيف نحرر الأذهان من الحاضر والماضي ونطلقها في آفاق الخيال الرحيبة؟

- وكيف نزرع في الأذهان عادة النقد، أي التأمل والمساءلة لكل ما يواجهها من أفكار وأشياء، سواء كانت غريبة أو كانت عادية مألوفة، وسواء كانت مفتوحة للنقد أو كانت محمية بأسوار المنع والتحريم؟

يبدو لي أن السير في الطريق ليس سهلاً مثل الكلام عنه. نحن نروي قصص البطولات، من دون أن نتجرأ على خوض المعارك. كذلك الحال في ممارسة التخيل والتمرد على الواقع. إنني أطرح هذه الفكرة على القراء، وأنا واثق أن بعضهم لديه أفكار، تسد الثغرات التي تشير إليها هذه السطور. إن عرض الأفكار على الناس، هو الطريق السريع لتكميلها وتعميقها وكشف عيوبها ونواقصها. دعنا نفكر مثلاً في جعل البحث العلمي بديلاً عن الامتحانات السنوية في المدارس، أو دعوة الطلاب لكتابة قصص عما يتخيلونه من مشكلات في الواقع أو وراءه، وكيف يحللونها ويبتكرون طرقاً لحلها. وربما نطلب من تلاميذ الابتدائية أن يرسموا كل شيء يستطيعون تخيله كل يوم، لأن الذهن يسترجع المشاهدات والتخيلات من خلال الرسم والتلوين، ثم يعبر عن موقف الطفل من تلك المشاهدات. أو ربما نخصص ساعة يومية للنقاش بين الطلاب، في القضايا المطروحة على ساحة العلم والتقنية والاقتصاد والمجتمع، كي يتعلموا كيف ينظمون أفكارهم، وكيف يستفيد كل منهم من عقول الآخرين، وكيف يكتشفون عيوب آرائهم من دون أن ينفعلوا أو يستاءوا. هذه ستدربهم أيضاً على عدم الانبهار بالأسماء والعناوين البراقة، وعلى التحرر من هيمنة العقل الجمعي، بل وعلى كيفية التأثير فيه وتغيير مساراته.

زبدة القول أن التعليم المتقدم هو الذي يقتلع الشاب من حاضره ويأخذه للمستقبل. وبعكسه فإن التعليم المتخلف هو الذي يشده بكل وسيلة إلى الماضي، حتى يحوله إلى نسخة من أسلافه.

***

د. توفيق السيف

ليست كرة القدم مجرد لعبة تُحسم بنتيجة على لوحة إلكترونية، بل هي واحدة من أكثر الظواهر الإنسانية قدرةً على كشف البنى العميقة للحضارات. ففي الملعب تتعرى الثقافات أكثر مما تتعرى في الخطابات السياسية، لأن ما يجري هناك ليس مجرد صراع بين أحد عشر لاعباً وآخرين، بل مواجهة بين طرائق مختلفة في التفكير والعمل وتنظيم العلاقة بين الفرد والجماعة.

فمن يتابع المنتخب الإسباني لا يشاهد مجموعة من النجوم يسعون إلى صناعة المجد الشخصي، وإنما يشاهد كياناً يتحرك كما لو كان جسداً واحداً يمتلك عقلاً واحداً وإيقاعاً واحداً، حتى ليبدو أن الكرة نفسها تعرف مسبقاً إلى أين ستذهب.

وهنا تكمن المفارقة التي يغفل عنها كثيرون. فالناس عادةً يبحثون عن سر الانتصار في اللاعب الموهوب أو المدرب العبقري أو اللياقة البدنية، بينما تكمن الحقيقة في مستوى أعمق: في الثقافة التي أنتجت ذلك الأداء الجماعي. فقبل أن تكون «التيكي تاكا» خطة تكتيكية، كانت فلسفة في النظر إلى الإنسان والعمل والمعرفة.

لقد تعودنا في ثقافتنا العربية على تمجيد البطل الفرد، حتى أصبح تاريخنا نفسه يُكتب غالباً باعتباره تاريخ أفراد استثنائيين: القائد الملهم، والشاعر الفذ، والفيلسوف العبقري، والمنقذ المنتظر. أما الحضارة الحديثة فقد اكتشفت منذ زمن أن الإنجازات الكبرى لم تعد ثمرة عبقرية فرد واحد، وإنما ثمرة ذكاء جماعي منظم، تتكامل فيه العقول والخبرات والمهارات داخل منظومة واحدة.

وهنا نستعيد إحدى أهم أفكار الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران، الذي يرى أن العالم المعاصر لم يعد قابلاً للفهم بمنطق التجزئة والاختزال، لأن الظواهر الكبرى أصبحت مركبة بطبيعتها. ولذلك دعا إلى ما سماه «المنهج التركيبي»، الذي يقوم على وصل ما اعتدنا فصله، وربط العناصر المختلفة داخل شبكة من العلاقات المتبادلة. فالكل، في نظره، ليس مجرد مجموع أجزائه، بل يولد خصائص جديدة لا يمكن العثور عليها في أي جزء منفرد.

وهذه الفكرة الفلسفية هي بالضبط ما يجسده الفريق الناجح. فاللاعب الممتاز لا يصنع فريقاً ممتازاً بالضرورة، كما أن جمع أفضل الأفراد لا يؤدي تلقائياً إلى أفضل النتائج. إن القيمة الحقيقية تظهر عندما تتحول المهارات الفردية إلى شبكة من العلاقات الحية، فيصبح كل لاعب أفضل لأنه يعمل مع الآخرين، لا رغم وجودهم.

إنها فلسفة التكامل.

ولهذا لا يكون النجم الحقيقي في المنتخب الإسباني هو المهاجم أو صانع الألعاب، بل المنظومة كلها. فالتمريرة هناك ليست مجرد نقل للكرة، بل اعتراف عملي بأن زميلك يستطيع أن يكمل ما بدأتَه أنت. والثقة المتبادلة ليست قيمة أخلاقية مجردة، بل شرط وجودي لاستمرار الفريق. أما الاستحواذ الشهير على الكرة، فلا يهدف فقط إلى الهجوم، وإنما إلى تنظيم الزمن نفسه؛ فالفريق الذي يمتلك الكرة يمتلك إيقاع المباراة، ومن يمتلك الإيقاع يمتلك القدرة على تشكيل المستقبل.

ولعل أجمل ما في فلسفة «التيكي تاكا» أنها نجحت في تحويل الأنانية إلى تعاون، والبطولة الفردية إلى بطولة جماعية. فاللاعب الذي يحتفظ بالكرة طويلاً يُعدُّ نقطة ضعف، أما اللاعب الذي يعرف متى يمررها فهو الذي يخدم الفريق. وهكذا تصبح التمريرة أكثر أهمية من المراوغة، والحركة بلا كرة أكثر قيمة أحياناً من الحركة بالكرة، لأن ما يصنع الانتصار ليس ما يفعله الفرد وحده، بل ما يتيحه للآخرين من إمكانات.

وهنا يلتقي الملعب مع الفلسفة.

لقد كتب موران أن الذكاء الحقيقي لا يقوم على امتلاك أكبر قدر من المعلومات، وإنما على القدرة على تنظيم العلاقات بينها. ويمكن القول إن الفريق الإسباني لا يمتلك لاعبين أكثر مهارة من بقية المنتخبات دائماً، لكنه يمتلك قدرة أعلى على تنظيم العلاقة بين اللاعبين. وهذه هي الثقافة قبل أن تكون الرياضة.

إن الفريق، بهذا المعنى، يشبه العقل البشري نفسه. فالعقل لا يعمل بعضو واحد، بل بشبكة هائلة من الخلايا العصبية، يفقد فاعليته إذا انقطعت الصلات بينها. وكذلك المجتمع، وكذلك الدولة، وكذلك الحضارة.

ومن هنا تبدو كرة القدم مختبراً مصغراً لفهم العالم.

فالنجاح فيها لا يتحقق بتضخم الذات، بل بتقليصها لصالح الكيان الأكبر. وكلما ارتفع منسوب الأنا انخفض مستوى الفريق. ولذلك فإن أكثر الفرق استعراضاً للمهارات الفردية ليست دائماً أكثرها قدرة على الفوز بالبطولات.

وليس غريباً أن تصبح هذه الفلسفة نموذجاً تحتذي به كبرى الشركات العالمية. فإدارة المعرفة اليوم تشبه كثيراً لعبة التمريرات القصيرة؛ إذ لم تعد المعلومات تُحتكر في مكتب المدير، وإنما تتدفق بسرعة بين الأقسام المختلفة، بحيث يصبح كل فرد منتجاً للمعرفة ومستفيداً منها في الوقت نفسه. كما أن القيادة الحديثة لم تعد تعني إصدار الأوامر، بل صناعة البيئة التي تسمح للآخرين بأن يبدعوا.

ولعل هذا هو المعنى الحقيقي لروح الفريق.

فروح الفريق ليست شعاراً أخلاقياً يعلق على الجدران، وإنما ثقافة كاملة تبدأ بطريقة التفكير وتنتهي بطريقة اتخاذ القرار. إنها تقوم على الاعتراف بأن كل إنسان يحمل جزءاً من الحقيقة، وأن الحقيقة الكاملة لا تظهر إلا عندما تتفاعل هذه الأجزاء معاً.

ولذلك فإن المجتمع الذي يقدس الفرد على حساب المؤسسة يظل أسيراً لعبقريات متفرقة، بينما المجتمع الذي يبني مؤسساته على التكامل يصنع حضارة قادرة على الاستمرار.

ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي ينبغي للعرب أن يتأملوه ونحن نعيش أجواء مونديال 2026، الذي يشهد حضوراً عربياً غير مسبوق. فالقضية ليست في عدد المنتخبات المشاركة، ولا في نتائج المباريات وحدها، بل في قدرتنا على قراءة الدرس الحضاري الكامن وراء هذه اللعبة العالمية.

فالمونديال ليس مجرد احتفال رياضي، بل مدرسة كونية لتعلم النظام، والانضباط، واحترام القواعد، وقبول المنافسة، والعمل الجماعي، والاحتكام إلى القانون. إنه صورة مصغرة للعالم الحديث، الذي لم يعد يكافئ الأقوى جسداً بقدر ما يكافئ الأكثر قدرة على التعاون والتنسيق وإدارة التعقيد.

وهذا ما يجعل الرياضة أكثر صدقاً من كثير من الخطابات السياسية؛ لأنها تكشف الواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون. ففي الملعب لا تنجح الشعارات، ولا تنفع الخطب، ولا تصنع الأوهام أهدافاً. وحده الأداء هو الذي يتكلم.

لقد كتب إدغار موران أن مستقبل البشرية يتوقف على قدرتها على تعلم التفكير المركب، أي التفكير الذي يرى العلاقات قبل الأشياء، والأنظمة قبل الأجزاء، والكل قبل التفاصيل. وربما لم يكن يقصد كرة القدم، لكن كرة القدم تقدم أوضح مثال عملي على هذه الفلسفة.

فالمنتخب الإسباني لا ينتصر لأنه يمتلك أفضل اللاعبين دائماً، وإنما لأنه نجح في تحويل أحد عشر لاعباً إلى عقل واحد، وجسد واحد، وروح واحدة.

وهنا يكمن سر الحضارة أيضاً.

فالحضارات لا تنهض عندما يكثر العباقرة، بل عندما تعرف كيف تجعل العباقرة يعملون معاً. ولا تنتصر الأمم لأنها تمتلك موارد أكبر، بل لأنها تحسن تنظيم مواردها البشرية داخل منظومة متكاملة. فالفارق بين المجتمع المتقدم والمجتمع المتأخر ليس دائماً في حجم الثروة أو عدد السكان، وإنما في نوعية العلاقات التي تربط أفراده ومؤسساته.

ولهذا يمكن القول إن روح الفريق ليست مجرد استراتيجية للفوز في مباراة، بل فلسفة للحياة نفسها. إنها انتقال من منطق «أنا» إلى منطق «نحن»، ومن عبادة الفرد إلى بناء المؤسسة، ومن التفكير الخطي البسيط إلى التفكير التركيبي الذي يجعل الكل أكبر من مجموع أجزائه.

ولعل هذا هو الدرس الذي ينبغي أن نتعلمه من إسبانيا، لا لأن نقلدها في أسلوب لعبها، بل لأن نفهم الفلسفة التي أنتجت ذلك الأسلوب. فالثقافات لا تستورد جاهزة، والحضارات لا تُشترى، وإنما تُبنى بالممارسة اليومية، وبالتربية، وبالمؤسسات، وبإيمان عميق بأن الإنسان لا يكتمل إلا بالآخر، وأن الفوز الحقيقي ليس انتصار لاعب على لاعب، بل انتصار العقل الجماعي على الفوضى.

إن المستقبل لن يكون للأكثر صخباً، ولا للأكثر ادعاءً للبطولة، وإنما للأكثر قدرة على العمل المشترك. وهذه هي الرسالة التي تهمس بها الكرة المستديرة في كل مباراة: أن الحضارة، مثل كرة القدم، ليست لعبة أفراد، بل فنُّ بناء الفريق.

***

ا. د. قاسم المحبشي

إن الدين كما الفلسفة كل منهما كان له دور فاعل في حياة الناس بشكلٍ عام، وكان للناس فضول التعلّق بكلا الطرفين لمعرفة تفسير العديد من المظاهر إن كانت طبيعية أو اجتماعية أو كونية.

حيث استطاع الدين أن يجيب على بعض الأسئلة، كما كان للفلسفة باعٌ البحث والإجابة عن أسئلةٍ عديدة، كانت تدور في خلد الإنسان في ذلك الوقت، حيث كانت الفلسفة وعن طريق الوسيلة العقلانية تنجح في إيجاد تفسيرات لظواهر مختلفة قبل ظهور الأديان، مثل الصين والهند واليونان، وبعد ظهور الأديان أيضاً.

ولم يقع الصدام بين الفلسفة والدين، إلآّ حينما تحوّل الدين إلى مجالٍ للسيطرة على الشعوب من خلال الكنيسة والسلطان.

حينها وقع الصدام الحقيقي بين الفلاسفة ورجال الدين، وليس بين الدين والفلسفة.

كانت وستبقى الحقيقة بمعناها الفلسفي هي التي يبتغيها الإنسان وبشكلٍ مطلق، ومنذ نشأته. وهي التي حرّضت العقل البشري لينشد المعرفة.

لذلك معظم المدارس والنظريات الفلسفية المختلفة والمتعارضة تعاطت مع المعرفة كنظرية بمجملها بكامل أبعادها وشروطها بدون أي تحديدٍ مُبهم لها.

ولأن النظريات الفلسفية كثيرة بقيت في حلقةٍ تدور حول نفسها، بسبب الخلاف فيما بينها.

حيث أن النظريات الفلسفية تماماً مثل النظريات الاقتصادية المختلفة، والنظريات التربوية والإعلامية المنتشرة في كل مكان.

إلاّ أن النظريات الفلسفية وخلافاتها جمعها بشكلٍ أو بآخر منعطف مهم في حياة البشرية ألا وهو التطور الحضاري والتاريخي الذي بدا بل بدأ في القرن الخامس عشر.

تلك القفزة صنّفت الوجود البشري إلى أن يتمثّل بالعالم القديم، وآخر يتمثّل بالعالم الحديث. أي بمفهومٍ آخر بين " الكوكبية " و" الكونية " أو بين مفهومي " وحدة المعرفة " وجزئية المعرفة ".

وهذا يعني بمفهومه الواسع والصريح بين " الدين " بمعناه العمومي والشامل، والذي يعني بأن الوجود غير مكتفٍ بذاته، وبين العلمانية أيضاً بمعناها العام والموضوعي، والذي يعني بأن هذا الوجود مُكتفٍ بذاته، وليس هناك أي حاجةٍ للإمتثال لأي مفهومٍ مختلف آخر.

ما حدث من تطورٍ في القرن الخامس عشر نستطيع أن نعبّر عنه بأنه ساهم وبشكلٍ فعلي في صناعة قطيعةٍ فلسفية ومعرفية مع العالم القديم، التي حكمت بشكلٍ فعلي على رؤية الإنسانية على مدى سنواتٍ طوال.

القرن الخامس عشر شهد ثورة الأفلاك السماوية، وثورة الفيزياء، وقانون الحركة وقانون الجاذبية في الكون.

ومنذ ذلك العصر ظهرت عدة مدارس وتيارات فلسفية وفكرية، تمثّلت بين نزعتين، الفلسفة المادية، العلمانية والواقعية والتجريبية من جهة، ومن جهةٍ أخرى الأديان الموروثة، وتُمثّلها مدارس الفلسفة المثالية.

ومن هذا المنطلق انقسمت البشرية بين التيارين، وأصبح الإنسان إمّا مُتشدّداً للدين ومتمسّكاً بالعالم القديم، أو منساقاً وراء العلمانية الموضوعية والعالم الجديد.

وهنا لعبت الفلسفة دوراً كبيراً، وظهر الخلاف الاجتماعي بين العلمانية والدين، في الوقت الذي كان فيه الخلاف فلسفياً فقط.

ومنذ تلك الآونة توسّعت وتركّزت الخلافات بين التناقض الفلسفي حول الثبات الديني " المكاني "، والحركية الزمانية العلمانية.

نعم تستطيع الفلسفة أن تلعب دوراً واضحاً في التغيير الاجتماعي، وذلك من خلال محورين:

إمّا إعتماد المكاني الديني والذي يمثّل أولوية عند بعض علماء الفلسفة والاجتماع أمثال ماكس فيبر وإيميل دوركهايم، أو إعتماد الزماني العلماني، بحيث يحدث التغيير الاجتماعي بحركية ذاتية وداخلية، والذي يُمثّل أولوية عند بعض علماء الاجتماع والفلسفة أمثال كارل ماركس وأوغست كونت.

تيارات الفكر الإسلامي بدأت باثارة الجدل المفتوح حول الاشكالية الدينية والوضع السياسي منذ زمن طويل، وكانت قناعتهم أن كل سلطة سياسية بحاجةٍ إلى غطاء ديني من الكاهن أو السلطان، بهدف ترسيخ وضعها السياسي بين بني البشر، وتثبيت أركان النظام، وهذه الثنائية مرت بعلاقاتٍ يحكمها الصراع تارة هادىء وتارة أشد قساوة.

فالحضارات القديمة مثل البابلية والفرعونية واليونانية والاغريقية وسواها، كانت الفكرة الدينية هي التي تحكمها، حيث كان الدين هو الذي يوجّه كل الأعمال في مختلف المجالات.

ومن خلال هذا الخلاف الفلسفي حول الهيكل الاجتماعي نتوصّل إلى مرحلة أخرى، تتمثّل بالمجتمع المدني، والمجتمع الديني.

طبعاً المجتمع الديني يرتبط بشكلٍ مباشر بالنبي المبعوث لهم، ومن خلاله يتم تنظيم العلاقات الاجتماعية، والضبط الاجتماعي، وفرضها على المجتمع من خلال " الوصايا العشر " المنتشرة في معظم الأديان، عبر كتبهم ومرجعيتهم، حيث دوّنت في كتاب التوراة بواسطة النبي موسى، وكذلك في كتب الأسفار عند المسيحيين، والتي دوّنت في كتاب الانجيل بواسطة المسيح، وأيضاً الرآن الكريم عند المسلمين بواسطة النبي محمد.

من الطبيعي أن نقول أن أهم تعريفات العلمانية بأنها العقلانية، والعلمية، وكل من العقلانية والعلمانية والليبرالية ارتبطت بنظريات التحديث، بهدف ضبط المفاهيم على أرضية الواقع.

أمّا المجتمع المدني فإنّه يعتمد ويقوم على جملة تحوّلات مهمةٍ وعميقة يفرضها التحدي المادي من كافة الجوانب إن كانت معرفية أو ثقافية أو اقتصادية وسياسية، أمام كل المجتمعات البشرية.

الواقع الذي يُشكّل أرضية معطاءة أمام العديد من المفكرين والفلاسفة والمثقفين للوقوف بتحدٍ والتصدي لها.

وهنا تبرز حقيقة أخرى، والخلاف على أو حول " الفضاء القيمي "، لقواعد الأخلاق بين الدين والفرد، وخلاف آخر يعتمد ويرتكز على جوهر علم النفس والفلسفة، وانقسام طبيعة النفس البشرية.

كل نظام اجتماعي حتّى يستقيم ويُشيد نظريته الاجتماعية، لا بُدّ له من الاعتماد وبشكلٍ مباشر على حقيقة وجوهر " الطبيعة البشرية "، آخذين بعين الاعتبار محوري الخير والشر والصراع بينهما، في نظريات علماء النفس والفلسفة، ومن خلال ذلك سنتمكّن من الوقوف عند أساس الخلاف الذي قيّم من يبني المجتمع الديني، أو من يبني المجتمع العلماني أو المدني.

النفس البشرية في المجتمع الديني ترتبط بسلبيات تمسّ تكوينها ونشأتها، حيث أن مجمل الديانات السماوية تتلاقى عبر مفهوم " الخطيئة الأولى " للإنسان، التي حدثت مع هبوط النبي آدم.

ومختلف المدارس الفلسفية والنفسية والاجتماعية تعتقد أن النفس البشرية على الدوام تميل لإشباع الغرائز لديها، ومن هذا المنطلق لا يمكن الوثوق بها، كمؤسّس يحكم القواعد التاريخية والأخلاقية في المجتمعات.

ومن جانب آخر فإن النفس البشرية في المجتمع المدني بإيجابيات نشوئها وتكوينها، ويمكن ضبطها من خلال قواعد البرمجة النفسية، وصولاً إلى القيمة المطلقة للفرد " الإنسان "، حيث مدارس ونظريات الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع، بدءً من " فرويد " إلى " لاكان "، تقدّم أو قدّمت الكثير من الوسائل التي من خلالها يمكننا من تفسير رؤيتها.

الخلاف بين العلمانية والدين له جوانب تدميرية بكل تأكيد.

العلمانية ترفض كل المفاهيم التي من شأنها إعاقة إكتمال الوجود المادي والموضوعي، كحاكمٍ للوجود الإنساني البشري.

كما نشأت تيارات منقسمة عن بعضها في الأساس، مثل:

العدمية المنفعلة التي تميل إلى التأمل والإبتعاد عن الواقع، وتتخذ شكلاً فلسفياً أو دينياً مثل فلسفة " شوبنهور "، أو الديانة البوذية.

والعدمية الفاعلة، والتي تحدّث عنها الفيلسوف " نيتشه "، ووصفها بالقوة المتعاظمة للإرادةِ والفكر، واتّشحت بمفهوم الصراع، الذي ساد المستوى الفلسفي والفكري، كما أوصى له " تشارلز دراون " وتشكّل حامية لرؤية بعض الأنظمة الشمولية، مثل " النازية " أو " الفاشية ".

أمّا الجانب الديني فقد رفض مفهوم " الوجود " لسلطة مهيمنة ومقيّدة للوجود، وهذا ما تسبب بنشوء رؤية " الحاكمية بأمر الله "، الذي حكم بالشرق من خلال الخليفة أو السلطان، وفي الغرب من خلال القدّيس، أو البابا، وانتشر هذا المفهوم في العصور الوسطى من خلال الدولة الدينية، والتي ذهب ضحيتها ملايين البشر إن في الغرب أو في الشرق.

وهذا الخلاف التدميري الذي تناولناه يعتمد على عدة أبعاد:

منها البعد الفلسفي، الذي يعتبر الخلاف الأكثر ثباتاً بينهما، والذي نشأ عنه خلافاً آخراً أو اجتماعياً، والذي تمثّل في الصراع الذي يفرض النظام الاجتماعي، بين رؤية المجتمع المدني، والمجتمع الديني. وبعد ذلك يأتي البعد السياسي، كبعدٍ آخر ويُتوّج الخلاف بين الدولة المدنية، والدولة الدينية.

ومع ذلك استطاعت المجتمعات الغربية بعد الحرب العالمية الثانية أن تتعامل مع مفهوم العلمانية والمجتمع المدني، بينما مجتمعات الشرق استمرت ممزّقة بين مطرقة الدين وسندان العلمانية، ولا تزال.

يرى " دوركهايم " أن أي مجتمعٍ يحتاج إلى شيءٍ من التعبّد " دين "، كما يحتاج بنفس الوقت إلى مُثل عُليا، بهدف الاستمرارية بين " الدين " و" العلمانية "، أو الدين والمجتمع. وبيّن كيف أن الثورة الفرنسية ومن خلال مجتمعها تمكّنت من تحويل نقاط علمانية مثل الوطن والحرية والعقل، إلى أشياء مُقدّسة، وفتح المجال من خلال هكذا طرح إلى التساؤلات حول ماهيّة " الدين العلماني.

ويؤكّد " دوركهايم " بل يرى أن الطقوس الغريبة التي تُمارس تُترجم الحاجة البشرية لممارسة هكذا طقوس، إن كان على مستوى الأفراد أو الجماعة، ويمكن أن تكون هناك أسباب يعتمدها المؤمنون لتبرير تلك الطقوس، لكنها خاطئة.

لكن الحقيقة أو الأسباب الحقيقية تعود إلى علم الاجتماع، حيث لا توجد هناك ديانة خاطئة، وكلها صحيحة بأسلوبها الخاص، وبأساليب مختلفة، لشروطٍ تُمنح للعنصر البشري ووجوده.

دوركهايم من وجهة نظره يهاجم النظرية الحيوية والنظرية الطبيعانية، ويرى أنهما أخطأتا وخاصّة عندما نسبتا أصل المشاعر الدينية في الظواهر السيكولوجية " كا الأحلام " أو " كالعواصف والزلازل " في الخوارق الطبيعية، وقال (أن هذه النزعة السيكولوجية تفسّر إيمان الإنسان بالروح، كما لو أنه يعيش حلماً، وهذا المذهب يعتبر الدين مجرد وهم دون أي أساس واقعي في الحياة الاجتماعية).

ويؤكّد دوركهايم أن للأديان خصائص أساسية رغم تنوّعها، وأن كلّ المعتقدات تقوم على تصوّرات أساسية، وممارسة بعض الطقوس التي لها الدلالة الموضوعية لها.

مجتمعاتنا العربية أو الشرقية تعيش مأساة معرفية وثقافية وفكرية من الجانب الديني، حيث أن العديد من المنظّرين في مجتمعات الغرب يعتبرونها إنموذجاً ما كان له أن يُبنى إلاّ على موروثات الأديان، وآخرون يرونَ بأنه لا مناص لهذه المجتمعات من الانفكاك عن الإرث الديني، على خلاف المجتمع الغربي الذي خرج من هذه الحالة التي كانت تسيطر عليها الكنائس ومفهوم " المقدس "، وانطلق نحو الشخصية الإنسانية، وبناء المؤسسات والإعتماد على الواقع الاجتماعي دون الانفكاك عن الشعائر الدينية.

ويؤكّد الباحثون الشرقيون أن الملهاة المعرفية والثقافية والفكرية العلمانية عند الغرب، أنها تُمثّل خصوصية حضارية ما كان لها أن تستمر إلاّ من خلال تقويضها للعلمانية.

لكننا لو تعمّقنا أكثر نرى أنه في تراثنا الفكري والديني والمعرفي لوجدنا فيضاً من المفاهيم باستطاعتها أن تبنى من خلال وعينا وأفكارنا قصوراً من المعابد والمساجد والكنائس تتجاوز بهيبتها ما تراكم من بقايا حجارة الفكر والتاريخ والحضارات.

على الباحث في العلوم السياسية أن يتساءل بينه وبين نفسه، هل الإنسان هو مادة فقط؟.

وهل أصول الأخلاق والقوانين والعدل والعدالة محدودة أو مختصرة بالمادةِ ليس إلاّ؟.

إن السياسة والفلسفة السياسية وسيلة بهدف تحقيق المساواة والعدالة بين بني البشر، وهؤلاء الناس مبنّيون على زرع الأخلاق والفضيلة والوفاء، إمّا لأنها كذلك أو أنها وسيلة ما للتقرّب من خالقها " الله ".

وبكل تأكيد أن هذا التوجّه تحكمه العديد من المدارس الفلسفية والفكرية والتي تختلف حول النظرة إلى الأخلاق، وهذه القيم أساسها ما " ورائي " غير محدود بالمادة.

ومن بين هذه المدارس الفلسفية، وبشكلٍ دقيق الفلسفية الإلهية، والمدرسة الفلسفية المثالية، والمدرسة الفلسفية الإشراقية، إضافة إلى المدرسة الفلسفية دو النهج الديني، والتي تتفق بشكلٍ عام مع ما يعتقده المثاليون بأن نشأة الدولة يجب أن يكون مُبنيّاً على أفكار أخلاقية.

يقول " بوزانكيت " عن الدو لة، أنها تجسيد للفكرة الأخلاقية، وأن الأسرة والكنيسة تعدان كذلك مؤسسات أخلاقية هامة في المجتمع، ولكن الدولة هي أهم مؤسسة بين هذه المؤسسات، فهي تشمل بمعنى من معانيها على جميع المؤسسات الأخرى، إذا ما فُسّرت الدولة تفسيراً دقيقاً، فإنها تُعتبر منظومة معنوية تتوحّد من الناحية العملية مع المجتمع، وأن العدل بالنسبة للفرد يقوم على اكتشاف مكان المناسب في حياة المجتمع وعمله، وعلى أداء الوظائف المتصلة بذلك المكان، وأن الدولة لا غنى عنها لتحقيق أكمل نمو ورقي للشخصية البشرية، فالإنسان بالطبيعة كائن اجتماعي، ولأن الدولة هي منظمة المجتمع الفعالة لتحقيق غاية معنوية، وليس هناك تناقض حقيقي بين غاية الفرد وغاية الدولة، فغاية كليهما هي كمال الشخصية، وأن الدولة هي وجهة النظر الأخلاقية لا تعد غاية في ذاتها.

وإذا ما نظرنا إلى الدولة على هذا المنحى، نرى أن الدولة تصبح خير صديقٍ للإنسان، لهذا يقول المثاليون أن مفهوم الإنسان مقابل الدولة، هو مفهوم خاطىء تماماً.

وأن الفوضويين يرون في الدولة شرّاً خالصاً، كما الفرديين ينظرون إلى الدولة بأنها شرّ ضروري، وكلاهما يعجزان بالتالي فهم معنى الدولة الحقيقي.

كما أن المذهب الفلسفي الفردي لم يعد موجّهاً للنشاط البشري، فإن المثل العليا التي تقوم على أن يسمح لكل فرد بأن يعيش لذاته، قد أثبتت الأيام أنه مذهب مرفوض ومستحيل ومتناقض.

ويستمر الخلاف بين المدارس الفلسفية حول أصول القوانين والفضيلة التي تضمن العدالة وتحفظها، وعلى الدارس والباحث حول الممارسة السياسية أن يجد المحور الأوضح والأفضل بين كل هذه المدارس والاتجاهات الفلسفية المختلفة بهدف بناء صرحه القيمي والفكري وشخصيته المستقلة، وعلى ضوء ذلك يحدد المعايير الأساسية لأدائه السياسي بعد ذلك، ويحدد مساره بين:

الطريق المثالي، أو طريق الحكمة الإسلامية، أو الطريق الإشراقي الذوقي، أو الطريق الفلسفي الواقعي، أو الطريق الديني.

أمّا الإتجاه البراجماتي فقد أثبت فشله، علماً أنه أي التجربة البراجماتية الجديدة شدّت الأنظار إلى الماضي والحاضر والمستقبل، ونتيجة هذا الاتجاه اعطني من الكلمات ما يهديني إلى سواء السبيل، في الحياة العامة، إن كان ذلك في الصناعة أو الزراعة أو التجارة، هذا الاتجاه يحاول الفرار من قضية المعيار النظري كأمرٍ واقع لأي تصرف سياسي من خلال الهروب من الماهيّات إلى ما يجب أن يكون، فسلّط الضوء على الاستفادة معتبراً أنه المعيار الأصوب للحكم على المصداقية من عدمها، ولقد قال عنها " وليام جيمس ":

" ينأى بعيداً عن التجريد، وعن عدم الكفاية، ويعرض عن الحلول الكلامية وعن التعليلات القبلية الدرئية، وعن المبادئ الثابتة، وعن ضروب المطلق والأصول المزعومة، وهو يولي وجهه شطر الاستنادية والمحسوسة والكفاية، شطر الحقائق والوقائع، شطر العمل والأداء والمزاولة وشطر القوة ".

ومع الأسف صار الاتجاه البراجماتي يُمثّل من لا اتجاه له، أو اتجاه من يحاول أن لا يُثير في داخله النزاع بين الأخلاقية القيمية من ناحية، وبين حصيلة ما يدور من حوله من ممارسات تختلف كثيراً عن مبادئه، ومغايرة تماماً لمبادئه ونظريته، وبنفس الوقت لم يحل المشكلة بين المادي والقيمي، إنها محاولة فاشلة ساقها المادّيون لإنشاء إطارٍ مشترك يضم الجميع دون الاعتبار أو المساس بالنظرية الفكرية أو الهوية الفلسفية والإختلاف الفلسفي، فهو إطار مادّي ليس إلاّ.

إن الاضطراب والتضارب الفلسفي الذي يشمل المسائل الفلسفية للعهد القديم والحديث لا يتوافق مع الاعتماد الكلي للفلاسفة على العقل وتقديسه باعتباره المنقذ الأوحد للإنسانية والبشرية جمعاء.

وهذا يُشكّك في المنطلقات الفلسفية ومصداقيتها، بل وينعكس سلباً، ويؤثّر بشكلٍ مباشر ويؤدي إلى تشظّي النفس وحيرة العقل.

خلال السنوات الأخيرة، بل قبل نصف قرن مضى، تابعنا انبهاراً بالفلسفة يطفو بشكلٍ متسارعٍ في أوساط الشباب ذكوراً وإناثاً، وثقتهم بها، واعتبارها سبباً رئيسياً في التقدم والخروج من بوتقة التخلف الحضاري، ووسيلة أساسيّة لعلاج التعصّب والتحجّر الفكري.

وبعضهم تبنّى الحديث بأن السبب الجوهري لنشوء الفكر التكفيري لدى جماعات العنف هو غياب مادة الفلسفة في مدارسنا وجامعاتنا، لكنهم تناسوا أن معظم البلاد العربية تُدرّس مادة الفلسفة في جامعاتها وفي مدارسها الثانوية، وهناك أقسام متخصصة للفلسفة منذ سنواتٍ طوال، ولم يمنع ذلك من نشوء وتطور الحركات المتطرفة دينياً والتكفيرية في المنطقة.

إن الوضوح يؤكّد بأن الفلسفة لم تختلف أو تتعارض مع الإيمان، فكل منهما يروم إلى الحق والحقيقة، وكلاهما يقصد سعادة النفس البشرية، والإنسانية جمعاء، ولا ننكر بأنه وقع خلاف بين الفلاسفة ورجال الدين، أي ليس بين الفلسفة والدين، وبعض من الفلاسفة كان لهم مفهوماً آخراً للدين وليس كل الفلاسفة.

إن الفلسفة بمفهومها المجمل تُمثّل القدرة العقلية على التفكير النقدي ضد الوهم والخرافة، وهنا تلتقي مع الدين، كما أن الدين يمنحك القدرة على العيش المشترك والتعايش، وكذلك هي الفلسفة في مفهومها، والدين يطلب منك أيضاً أن تُمرّر تعاليمه على عقلك، كي تستقر في قلبك كيقين، وهنا يكون دور الفلسفة عقلياً.

ومع ذلك لا يزال رجال الدين الموازي يضيقون ذرعاً بالفلسفة ورجالها الفلاسفة، لأنها تكشف زيف أباطيلهم.

قال " ديكارت " في كتابه " مبادئ الفلسفة "، " إن الفلسفة وحدها هي التي تُميّزنا عن الأقوام المتوحشين والهمجيين، وإنما تُقاس حضارة الأمّة وثقافتها بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها، ولذلك فإن من أجل نعمة ينعم الله بها على بلدٍ من البلاد هو أن يمنحه فلاسفة حقيقيين. ".

هناك عوامل كثيرة يلتقي فيها الدين مع الفلسفة، بحيث لا نستطيع أن نقول أو نتّهم الفلاسفة بالإلحاد، فهناك طرق كثيرة لمعرفة الخالق، ومنها طريق الفلسفة، وكلا الطرفين أي الدين والفلسفة يقوم بدوره الإيجابي في الأخلاق والمعرفة الإنسانية.

وهذا مع الأسف لا يدركه بعض المتدينين، وفي أمور كثيرة تقوم الفلسفة بالإجابة عن الأسئلة التي لم يتوصّل العلم للإجابة عليها، وهنا تلتقي الفلسفة مع الدين عندما يجيب عن الأسئلة الماورائية.

ومن جانبٍ آخر ولأن الفلسفة تعني الحكمة، وبنفس الوقت كل الأنبياء ملكوا هذه الخاصيّة، والقرآن الكريم لم يتحدث عن نبي إلاّ وذكر الحكمة معه.

والآن الإنسانية بمجملها بحاجةٍ ماسّةٍ إلى الدين والفلسفة.

الفيلسوف المفكّر " محمد أركون يقول:

" إن الإنسان لا يمكن أن يعيش بلا دين، وهذا ما يقوله علم الأنتروبولوجيا، ولكن يجب أن يُدرك المتديّن أن هذا الدين له تجلّياته وتحولاته. والفلسفة أيضاً لها دور تنويري للقلب وللعقل أيضاً، لتنتشلهما وتنقذهما من التديّن المزيف، وتخلّص الإنسان من قيود الدين الموازي الفارغ إنسانياً، والمهزوم أيضاً عقلانياً ".

في عام 1784 طرحت صحيفة ألمانية على الفلاسفة سؤالاً: ما التنوير؟.

فكانت إجابة الفيلسوف كانط:

" التنوير هو خروج الإنسان من القصور الذي ارتكبه في حقّ نفسه، من خلال عدم استعماله لعقله إلاّ بتوجيه إنسانٍ آخر ".

وبذلك يتحرر الإنسان من التبعية للآخرين.

وعندما بدأ التنوير مشواره، تمت مقاومته من المؤسسات الدينية، التي استغلّت المجتمع المكبوت والمقيّد بأباطيل رجال الدين ضد الفلاسفة التنويريين، ولقد أطلق الفيلسوف الإيطالي " جيوردانو برونو " على هذا الفهم إسم " الجهل المقدّس ".

ولم يغضب حينما حكمت عليه الكنيسة آنذاك بالموتِ حرقاً بسبب أفكاره التنويرية، ولكن الشيء الذي أحزنه أن عجوزاً جاءت وألقت بخشبةٍ بالنار، وحينما سُئلت لماذا فعلتِ ذلك، قالت: إنه أمرٌ من الكنيسة.

فقال لها: اللعنة على الجهل المقدّس.

الأمر ذاته تكرر أيضاً في حادثة إغتيال " فرج فودة " بسبب أفكاره التنويرية، حينما قام القاضي بتوجيه سؤالٍ إلى القاتل:

هل قرأت كتب فرج فودة؟.

فجاءه الرد من القاتل:

أنا لا أقرأ ولا أكتب.

أيضاً إنّه الجهل المقدّس ذاته.

لعلّ ابن تيمية شيخ التيار السلفي يتحمّل مسؤولية الخصومة مع الفلسفة، واعتبر الفلسفة علماً ليس بنافع، كما سبقه إلى ذلك أبي حامد الغزالي الذي صمّم الإطار للخصومة بين الدين والفلسفة، وقبل ابن تيمية بثلاث قرون، وهو الذي قسّم الفلسفة إلى ثلاثة أصناف:

الملاحدة، واعتبرهم زنادقة - الطبيعيون، أنكروا البعث والحساب واعترفوا بوجود إله - الإلهيون - مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو.

لكنه كفّرهم كلهم وأتباعهم مثل الفارابي وابن سينا.

وبالتالي قام ابن رشد ودافع عن الفلسفة وردّ على الغزالي في كتابه المعروف " تهافت التهافت " وأكّد على التوفيق بين الدين والفلسفة، وقال:

إن التعارض بين الدين والفلسفة وهم.

وقال أيضاً:

الحق لا يُضاد الحق.

بكل تأكيد إن الفلاسفة ليسوا بمجملهم في سلّة واحدة فيما يخصّ محور الإيمان، وبنفس الوقت لم يكن علماء المسلمين ملمّين بقراءة كافية وواحدة للفلسفة، لذا كانت هناك حملة على الفلسفة والفلاسفة، ولم يتمكّن أيّاً منهم من الاعتماد على نصٍ قرآني يمنع الرؤية العقلانية والفكر الحر.

ابن سينا عرفه العرب بأنه فيلسوف، وحاول التوفيق بين الدين والفلسفة، لكنه فشل، لأن الكهنوت الإسلامي اعتبره زنديقاً، وآخرون اعتبروه " قصير النظر والرؤية ".

في التراث اليوناني نجد فيلسوفاً حكيماً " أبيقور " قال:

إن الفلسفة هي نشاط يوصلنا إلى الحياة السعيدة، عن طريق الأدلّة العقلية والبراهين الاستدلالية ".

أي أنّه أكّد على أهمية الدقّة في الملاحظة لإقامة الدليل العقلي.

وصدق أرسطو حينما قال قولاً حكيماً " إنما الدهشة هي الأم التي أنجبت الفلسفة ".

قال كانط: " إن الإنسان مخلوقٌ ناقص، بالنسبة للكمال الإلهي، ولو كنّا نعرف بالعقل كل شيء وندرك كنه الحقائق الدينية والدنيوية، لما أرسل الله إلينا الرسل بالوحي. وبسبب قصوره وعجزه جاء الوحي ليرشده ويهديه، وإذا قلنا من أودع فينا العقل؟، أليس الله؟، إذاً الإثنين مصدرهما واحد، وهو الله، فكيف لهما أن يكونا متضادين ويتصارعان ! ".

وعلى هذا الأساس نستطيع أن نتأكد بأن السبب الأساسي في الخلاف بين الفلسفة والدين يعود إلى منشأ القضايا الفلسفية من الإنسان.

وبالعودة إلى أساس الدين وصحيح الدين، والعقل الفطري أو سليم العقل، غير المشوّه أو المشوّش، نستطيع أن نتوصّل إلى إجابات كافية وشافية عن كلّ التساؤلات التي نتوقّف عندها من خلال الوحي، وبنفس الوقت من خلال العقل.

إنّ إشكالية العلاقة المتبادلة بين الدين والفلسفة ستبقى محوراُ فاعلاً للجدل والنقاش ما لم يتم تحديد بداية معنى المصطلحات، هذه العلاقة ستبقى مثيرة للحوار، وستبقى الإشكالية بين الطرفين قائمة وتتميّز بالحلول المفتوحة، وكأننا نقول ونتساءل:

أيهما أسبق البيضة أم الدجاجة. !.

إن العلمانية والعولمة السائدة في العالم تشكّل محوراً قد يكون متمثّلاً في تحدي قيم الدين من خلال نشر ثقافات مختلفة تأخذ منحى يمسّ الفكر والثقافة، وهذا أتاح أيضاً للدين أن يُعيد حساباته من خلال توظيف أدواتٍ تقنية، ممّا أتاح أمام الدين إنفتاحاً على الفلسفة والعلوم الأخرى كي يواكب المسيرة الحياتية للبشرية، لأن النظرية الدينية لا يمكنها التواصل مع هكذا واقع دون أن تحتك معه عبر التفاعل الإيجابي، وعلاقة العقلانية بالدين والعلمنة، لذا صارت موضع مراجعات وجعلها أكثر تركيباً وتعقيداً من الرؤية أو النظرة البسيطة لدقائق الأمور التي سادت طويلاً.

إن الرؤى تشهد صعوداً واضحاً لقصور العقل البشري الإنساني، وهذا الواقع يتطلب من الفكر الإسلامي النظر والاجتهاد لإعادة بناء أفكار وآراء وتصورات في غاية الدقة وعميقة حول إشكالية حقيقية تواجه الإنسان ومستقبله على هذا الكوكب الذي يعني البشرية جمعاء، تصورات تنطلق من الربط الجازم بين العقل والوحي والعلمانية والدين.

العلمانية انطلقت من الغرب، وعندما وصلت إلى بلادنا سرعان ما تبنّت النخب الفكرية والسياسية العلمانية وحوّلتها إلى شكلٍ من أشكال الصراع على خلفية الكفاح والنضال ضد الاستعمار، والعمل على تحرير أراضينا المحتلة.

وبعد التحرر من الاستعمار الخارجي، تحالفت أنظمة ما بعد الاستقلال مع هذه القوى، لكنها سرعان ما بدا عليها الوهن بسبب هشاشة دولة ما بعد الاستقلال.

في الوقت الذي كانت فيه المجتمعات متمسكة بقيمها وثوابتها، فنشأ الصراع المباشر بين السلطة الفوقية والمجتمع، أو مع الدين، فنعت الشعب الدولة بأنها ضد الدين أو رافضة للدين، لذلك تمسكت الدول بسلاح العلمنة كعقيدة سياسية وكفاحية ضد الغير، ولتشويه سلطة رجال الدين.

لذلك نرى أنه لا بدّ من المشاركة والتعايش لبناء دولة المواطنة، والدولة المدنية، ودولة الإنسان المسلم وكل مكونات المجتمع، دولة المؤسسات التي تعني دولة الوطن الواحد، دولة القانون والدستور الضامن، دولة الاعتراف بأن الله هو مصدر السلطات، دولة تحرير الإنسان من العبودية والقمع، دولة الإنسان الحر، من خلال:

- هوية الإنسان.

- التعددية المدنية.

- قبول الآخر.

- إحياء ثقافة التسامح.

- الحرية.

- المشاركة السياسية.

- التداول السلمي للسلطة.

كافة القيم لدينا تأتي من خلال العقل المنفتح لقيم إنسانية دائمة، مع مشاركة الأديان بما بالإمكان أن تقدمه في مجال القيم والأخلاق، بهدفٍ وحيدٍ أصيل هو التضامن والتعايش تحت مظلة الإنسانية.

***

د. أنور ساطع أصفري

في المثقف اليوم