عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

يقولون إن الإبداع لا يعترف بالقواعد، وإن العبقرية ترفض القيود، وإن الكتابة الحق تنزل كالوحي لا كصنعة تتقن. لكنني أتساءل هل يعقل أن نبني قصراً على رمال متحركة؟ هل نرضى لجراحنا المبتدئين أن يمارسوا العمليات دون دراسة التشريح؟ ثم لماذا نستخف بالكتابة إلى هذا الحد؟

لطالما لفت نظري ذلك التناقض العجيب في سلوك كثير من الكتاب الشباب. تري أحدهم يمضي الليالي ساهراً يكد في جمع أفكاره، يلتقط صوراً للحياة من زواياها الخفية، يحمل بين جوانحه فكرة قد تغير مسار قارئ أو تنير له طريقاً. فإذا جلس ليكتب، ألقي بذلك الكنز كله في قالب مشوه، بلغة ركيكة، وبنية غير متماسكة، وكأنه يصر على أن يظل سجين جهله بأبجديات فنه.

إنها -بلا شك- أزمة وعي. فأكثر من يمسكون القلم اليوم لم يقرؤوا الكتابة حرفة قبل أن يمارسوها هواية. بدؤوا كمن يهبط على قمم الجبال بطائرة، لم يعرفوا مشقة الصعود درجة درجة، ولم يتذوقوا طعم التسلق حجراً حجراً. فالكتابة عندهم وحي ينزل من السماء، لا مهارة تبنى على الأرض.

وهنا يكمن الخطر المدمر. فالذي يجهل أصول الكتابة يظن أن كل ما يكتبه جيدا لأنه كتب. لا يفرق بين السليم والسقيم، لا يميز بين المتين والواهن، لا يدري أن القارئ ليس وعاء فارغاً نصب فيه ما نشاء، بل كيان واعي له ذائقة نقدية وحاسة جمالية.

والأدهى أن هذه الفوضى تصير أحياناً علامة تميز! يفتخر أحدهم بأنه يكتب من قلبه دون تعقيدات أكاديمية أو قواعد جامدة، وكأن القواعد صنم يجب تحطيمه، وكأن المتقن لصنعته أقل إبداعاً من الفوضوي. وهذا وهم كبير.

هل تعلمون لماذا كان كبار الكتاب "طه حسين ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم" يبدعون؟ ببساطة لأنهم لم يكونوا يجهلون القواعد، بل كانوا يتقنونها ثم يتجاوزونها. كانوا يعرفون متى يلتزمون بها ومتى يحيدون عنها عن عمد ووعي، لا عن جهل وعجز. الفرق شاسع بين من يخالف القاعدة لأنه يعرفها ويختار تجاوزها لغاية فنية، وبين من يخالفها لأنه لا يعرفها أصلاً.

والعجيب أن هذا النفور من تعلم الأصول لم يقتصر على الكتابة وحدها. لو قال لك أحدهم: سأبني بيتاً دون أن أتعلم الهندسة لضحكت منه. أو: سألحن سيمفونية دون معرفة النوتة الموسيقية لاستغربت أمره. لكنه حين يقول: سأكتب رواية دون دراسة فن الكتابة تجده يتحدث بكل ثقة وافتخار!

نحن نخلط بين "الموهبة" و"الصنعة". فالموهبة هي الشرارة الأولى، العين الثاقبة، الحس المرهف، القدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون. أما الصنعة فهي الآلة التي تحول هذه الموهبة الخام إلى منتج نهائي متقن. الموهبة وحدها كبذرة جميلة، لكنها دون تربة مناسبة وماء وعناية، لن تثمر إلا شجرة قزمة أو لا تثمر شيئاً. وكثيراً ما نصادف كتاباً موهوبين حقاً، لكن موهبتهم تذوب في بحر من العيوب الفنية. الفكرة رائعة، لكن صياغتها ضعيفة. الحبكة مبتكرة، لكن تنفيذها مهلهل. الشخصيات نابضة بالحياة في مخيلة الكاتب، لكنها تخرج على الورق كدمى خشبية. كل هذا لأنهم أهملوا الجانب التقني، وظنوا أن الموهبة تكفي وحدها.

أما القارئ –وهو سيد الموقف في معادلة الكتابة- فهو ليس غبياً كما يتوهم بعض الكتاب. القارئ اليوم أكثر وعياً وثقافة من أي وقت مضى. يقرأ كثيراً، يقارن، يحلل، يتذوق الفن. وقد يكون هو نفسه كاتباً أو ناقداً. فكيف نرضى أن نقدم له عملاً ناقصاً، ثم نبرر ذلك بأننا نكتب من القلب؟

القارئ يريد القلب والعقل معاً. يريد العاطفة المتأججة والصياغة المتقنة. يريد الفكرة العميقة والقالب الجميل. وهنا يأتي دور النقد الذاتي، الذي هو أقسى أنواع النقد وأكثرها إنصافاً. فالكاتب الواعي هو الذي يستطيع أن ينظر إلى نصه كما لو كان لغيره، فيرى عيوبه قبل أن يراها النقاد. وهذا لا يتأتى إلا بمعرفة المعايير الفنية التي على أساسها يُحكم على العمل. وإلا كيف تنقد ما لا تفهم أسسه؟

لا أريد أن يفهم كلامي على أنني أدعو إلى كتابة أكاديمية جافة، أو تقليد أعمى لنماذج سابقة. كلا ثم كلا. أنا أدعو إلى الوعي أولاً. الوعي بأن الكتابة فن كسائر الفنون، له أدواته وتقنياته وأسسه. وأن تعلم هذه الأسس لا يقتل الإبداع كما يظن البعض، بل على العكس، يحرره ويمنحه أجنحة. فأنت حين تتقن العزف على آلتك الموسيقية، تكون أكثر قدرة على التعبير عن مشاعرك، لا أقل.

وأذكر هنا ما قاله الدكتور جابر عصفور: "القواعد ليست سجناً للإبداع، بل هي حديقة يمارس فيها الإبداع رياضته". فالموسيقار العظيم يحتاج إلى معرفة النوتة والمقامات والإيقاعات، ليس ليقيدوه، بل ليمنحوه مفردات يعبر بها عما في داخله. وكذلك الكاتب.

مشكلتنا ليست في قلة الموهبة، إنما في الكسل الفكري الذي يدفعنا إلى تبرير جهلنا بالادعاء بأننا "نكتب بطبيعتنا" و "لا نؤمن بالتنظير". نعم، قد تأتي جملة جميلة بالصدفة، وقد يبهرنا نص بكامله رغم جهل كاتبه بالأصول. لكن هذا استثناء، والقاعدة أن الإتقان يحتاج إلى علم وتدريب.

وأكثر ما يؤسفني أن تضيع الفكرة الجميلة في قالب رديء، كالجوهرة الثمينة توضع في علبة بالية. والفكرة -أيها السادة- هي روح العمل الأدبي. وهي أغلى ما يملك الكاتب. فكيف نبخل عليها بقالب يليق بها؟ كيف نرضى لها أن تخرج إلى الناس بثياب مهلهلة رثة؟ لو كان كل كاتب يدرك قيمة ما يحمله من أفكار، لسعى إلى صقل أدواته حتى يكون أهلاً لحمل هذه الأمانة. فليست الكتابة مجرد تسلية أو قضاء وقت، إنها رسالة وتأثير. وقد تكون سبباً في تغيير حياة إنسان أو مجرى تاريخ.

وختاماً، لا أدعو إلى تعقيد الأمور أو إلى جعل الكتابة علماً منفراً. كلا، بل أدعو إلى التوازن. اكتب كما تشاء، لكن تعلم أولاً. ابدأ كهواية، لكن لا تبقَ عند الهواية. طور نفسك، اقرأ كثيراً، حلل ما تقرأ، تعلم من أخطائك، واقبل النقد برحابة صدر.

فالكتابة ليست امتلاك قلم، الكتابة هي امتلاك رؤية، وإتقان صنعة، وإخلاص لفكرة، واحترام لقارئ. ومن يظن غير ذلك، فليعد النظر في علاقته مع الكلمات التي يخطها، وليسأل نفسه بصدق: هل يستحق ما يكتب أن يقرأه غيره؟

***

عبد السلام فاروق

نقاش مع مقال هال براندز

يكتسب مقال هال براندز (Hal Brands) "ثلاث سيناريوهات لعالم ما بعد ترامب (Three Scenarios for a Post-Trump World) الذي نشرته الفورين بوليسي بتاريخ ٢٣ مارس ٢٠٢٦ (رابطه في نهاية المقال، وترجمته إلى العربي في التعليقات) أهميةً بالغة لا تنبع من جرأة طرحه وحده، بل من توقيته في لحظةٍ يقف فيها النظام الدولي على مفترق طرقٍ حقيقيٍّ. فأستاذ العلاقات الدولية يُقدِّم خريطةً تحليلية ومفاهيمية تتجاوز التحليل التقليدي أو الآني إلى استشراف كل ملامح ومنعرجات العقد القادم، مُحتضِناً في متن المقال ثلاثة مستويات من التحليل: التاريخ بوصفه مرجعاً، والنظرية بوصفها أداةً، والسياسة بوصفها ميداناً. وما يجعل شموليته ذات قيمة بالغة هو أنه لا يُفكِّر في مآلات القوة الأمريكية منفصلةً عن سياقها البنيوي العالمي، بل يُدرجها في شبكة من العلاقات التي تربط الحلفاء بالمنافسين والمؤسسات بالمصالح والأيديولوجيا بالاستراتيجيات. وبغض النظر عن الاختلاف حول بعض النقاط، والقبول الحذر لبعضها الآخر، فثمة في المقال ما يستحق الاهتمام الجاد، ولا سيما تحذيراته من وتيرة التآكل العالية للنظام الدولي الذي أُرسيت دعائمه عقب الحرب العالمية الثانية، وما قد ينطوي من مخاطر كبيرة أثناء عملية الانتقال. غير أن المقال، على ما يتسم به من رصانة تحليلية، يرزح تحت عبء افتراض أساسي جدير بالمساءلة: هل ما يتداعى اليوم كان في جوهر تصميمه نظاماً حقيقياً، لا هيكلاً أو غطاءً بالغ الأناقة للهيمنة، صُِيغ في لغته الكونية وأُُسْبِغَت عليه ثياب الشرعية الدولية؟ فضلا عن الإشكاليات في افتراضاته الأساسية أو الجوهرية وغلبة اللغة التحذيرية/التوجسية وعدم الجرأة في التفكير بما يجب أن يكون وراء السيناريوهات الثلاثة، أي نحو أسئلة أكثر جذرية عن طبيعة النظام والعدالة والسلطة التي يُفترض أن تكون في عالمٍ شديدٍ التعولم والتقوقع في الآن ذاته، وينوء بمخاطر عالية، ويجاهد، بعد عقود من الأحادية والاستنزاف السياسي والاقتصادي والنفسي، كي يُعيد اكتشاف معنى لـ"تعدد" لم تتبلور هو الآخر ملامحه بعد.

لنبدأ من حيث بدأ براندز- من الادعاء بأن منظومة ما بعد عام 1945 كانت صنيعةً أمريكية أفضت إلى "سلام غير مسبوق وازدهار وحرية". وهذا ليس خاطئاً كلياً من الناحية التاريخية، لكنه ناقص في دلالته ونتائجه. فقد شُيِّد ذلك النظام لا لإرساء السلام في المقام الأول، بل لإرساء سلام بعينه - سلام يُعرِّف نفسه بالأولوية الدائمة لمؤسسيه. إذ جسَّد ميثاق الأمم المتحدة هذه المعادلة بدقة: فحق النقض (الفيتو) الممنوح للأعضاء الدائمين في مجلس الأمن لم يكن تجسيداً للمساواة الدولية، بل كان نفياً محسوباً لها، آليةً قانونية لضمان ألا يُوجَّه سلاح الأمن الجماعي ذات يوم نحو من صنعوه. بمعنى أن القوى المتناقضة المنتصرة عام 1945 قد "صاغت نظاماً أساسياً لتثبيت سلطتها على الدوام". وفي هذا السياق، وجدنا أنفسنا كما كتب ذات مرّة الروائي الكبير عبد الرحمن منيف: "من كثرة التفنن بخرق ميثاق حقوق الإنسان والاعتداء عليه، أصبح وكأنه وُضع أساساً لكي يتم خرقه"، أو كما تندر أحدهم بأنه صار إذا احتكمت دولتان صغيرتان إلى هيئة الأمم المتحدة، ضاعت الدولتان الصغيرتان معا أما إذا احتكمت دولتان كبيرتان إلى هيئة الأمم المتحدة ضاعت الأمم المتحدة نفسها!

ويُفسَّر هذا التناقض الجذري بين نظام عالمي يُفترض به أن يُحقِق الأمن والاستقرار ويُعزِز مرتكزات العدالة في السياق الدولي وبين تحوله إلى آلية تقنية لإدارة مصالح الكبار أحد الظواهر التي يعاملها براندز باعتبارها انحرافاً طارئاً: أعني سرعة تحوُّل الحلفاء إلى خصوم. لكن في الحقيقة، لو تمعنّا جيداً في بنية هذا النظام، فإن الحرب الباردة لم تكن خيانةً للنظام الذي أعقب الحرب، بل كانت امتداده الطبيعي والمنطقي. فأي نظام يُصمَّم لتركيز السلطة يُفضي حتماً إلى تنافس بين حامليها. والتنافس السوفيتي-الأمريكي الذي استنزف النصف الثاني من القرن العشرين لم يكن وليد الصدفة الأيديولوجية، بل كان تعبيراً عن الديناميكيات البنيوية لأي ترتيب أحادي القطبية أو شبه هيمنوي اُريد منه إدارة عالم متنافس باستمرار، ومتعدد الأقطاب على الدوام.

وما أعقب نهاية الحرب الباردة زاد هذا التناقض الداخلي حدةً حتى بلغ ذروته في أزمته الراهنة. فمنذ عام 1991، وقد خلا الميدان من أي ثقل استراتيجي موازن، انزلقت الولايات المتحدة إلى ما سمّاه الفيلسوف النمساوي هانز كوشلر ((Hans Köchler) في مقالته العميقة "القوة والنظام الدولي" (Macht und Weltordnung)  بـ"إنكار مبدأ الواقع" (Realitätsverweigerung )  أو" فقدان الصلة بالواقع" (Realitätsverlust) إذ باتت ترى نفسها، على حد تعبير مادلين أولبرايت الشهير: "الأمة التي لا غنى عنها في كل مكان"، التي ترى أبعد من سواها وتقف أرفع شأناً. يرى كوخلر بأن هذا التصور المُسبق بضرورة الحضور في كل مكان لحماية المصالح وفي ظل طبيعة النظام الدولي الحالي جعل السياسة الأمريكية تسترشد على نحوٍ دائمٍ بـ"منطق القوة" (Logik der Macht) مما جعلها تقع في فخٍ لا فكاك منه: فهي تسعى إلى غاية تُناقض شرط إمكانها، إذ تجعل من الهيمنة الدائمة هدفاً نهائياً، في حين أن الهيمنة بطبيعتها الجدلية تحمل في رحمها بذور نفيها الذاتي. فكلما امتد الادعاء بالمطلق واتسعت دائرة السيطرة، تكاثرت جبهات المقاومة وتضاعفت، في حركة تاريخية لا تخطئها العين؛ حتى ليبدو المُهيمِن، في لحظة بلوغه ذروة قوته، كمن يحفر قبره بيده. ذلك أن إطلاق الادعاء بالمطلق يُلزم صاحبه بما يعجز عنه أي كيان محدود: أن يكون في آنٍ واحد حاضراً في كل مكان، حارساً لكل حدود، ومانعاً لكل بديل؛ وهو ما يُحيل قوته تدريجياً إلى عبء يثقل كاهله لا إلى رصيد يعزز مكانته، خصوصاً وأن الآخرين (الخصوم) سيستخدمون النموذج ذاته لمواجهة الهيمنة والتمدد، وتعزيز تمددهم الخاص وهيمنتهم من الجانب الآخر. وليس من باب الصدفة أو المفارقة أن يجد الرئيس ترامب الذي عارض التواجد الأمريكي في العالم نفسه في نهاية المطاف أو بدايته منغمساً فيه إلى أبعد حد. ولهذا الغرض ابتكر الاستراتيجيون الأمريكيون مصطلح "الارتداد" أو "التداعيات العكسية" (blowback) للإحالة إلى حالة المقاومة أو الإعاقة الشديدة أثناء محاولة التحرك في العالم، كما قام تشالمرز جونسون في كتابه الارتداد: تكاليف الإمبراطورية الأمريكية وعواقبها (The Costs and Consequences of American Empire, 2000) تحليل تبعات هذا الحضور على المستوى الدولي بعمقٍ، مستجلياً كيف يُنتِج التمدد الإمبريالي المفرط (imperial overextension) في كل مرة التهديدات التي يسعى إلى إخمادها، في حلقة تصاعدية تنخر الهيمنة من الداخل.

وعند هذه النقطة بالذات ينبغي أن تُقرأ سيناريوهات براندز الثلاثة - الحرب الباردة الجديدة، وتشرذم مناطق النفوذ، والفوضى العالمية (غابة سياسية خاصة بكل دولة) – من منظورٍ نقديٍّ متيقظٍ. فما خلص إليه من أن حرباً باردة جديدة باتت تمثل "خير ما يمكن الأمل به" إفصاحٌ صريحٌ يستحق التوقف. غير أنه يكشف أيضاً عن القيد الجوهري للمقال: إذ يعامل الفوضى الراهنة باعتبارها انحرافاً عن خطٍ أساسيٍّ مستقرٍ ومشروعٍ/مقبولٍ، لا نتيجةً متوقعة لمنطقه الداخلي. فـ"خير ما يمكن الأمل به" من حربٍ باردةٍ جديدةٍ ليس استعادةً للنظام - بل هو تأسيس لمسار جديد من التوجس الدولي المتبادل عالي الوتيرة بين الدول الكبرى، وهي بالضبط الديناميكية التي يصفها كوخلر بالدوامة الخطيرة من انعدام الثقة والإفراط التي أوصلت البشرية إلى "توازن الرعب" النووي.

وثمة تحفظ آخر ينبغي التنبيه إليه، وهو الحديث عن انهيار النظام الدولي وكأنه سيقع وشيكاً، وبين ليلةٍ وضحاها. وتحذيراته بكل تأكيد ليست في غير محلها، ويجب أخذها بجدية كبيرة، لكن يقع المقال في مبالغة مزدوجة: مبالغة في تصوير اتساق ما كان قائماً، ومبالغة في تصوير سرعة تفككه. فالأنظمة الدولية لا تنهار بين عشية وضحاها، بل تتآكل على مدى عقود من الزمن، وكثيراً ما تظل واجهاتها المؤسسية قائمة. وليس ثمة مؤشرات موثوقة على أن المشهد الراهن سيُفضي إلى ما يشبه الانهيار المباغت للاتحاد السوفيتي؛ ذاك الانقطاع الشامل السريع والدراماتيكي. وما يمرَّ به العالم حالياً قد لن يكون سوى إعادة توازن وتكيّف مطوَّلة ومؤلمة، فحتى الخصوم والقوى الصاعدة باتت تستفيد من النظام الدولي القائم، وتستثمر فيه بكل ما تملك.

يُصيب براندز في ملاحظته بأن الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بثقل قرار استثنائي فيما يخلف النظام الذي صنعته. لكن المفارقة الأعمق، التي لا يواجهها المقال بالكامل، تكمن في أن الخيارات ذاتها التي أفضت إلى السيادة الأمريكية - رفض قبول التكافؤ الاستراتيجي، وربط الهيمنة بالأمن، وازدراء المعاملة بالمثل - هي بعينها الخيارات التي أوصلت النظام إلى حالته الراهنة. إن ما نحتاج إليه ليس تحليل السيناريوهات بحثاً عن أي أشكال التنافس أقل وطأة/خطراً في الإدارة، بل مواجهة الإخفاق الأخلاقي والبنيوي لنظام دولي لم يتجاوز قط منطق القوة الذي ادّعى أو انتدب نفسه في مهمة مقدسة لترويضها.

اقترح كوخلر فكرة أن النظام العالمي المستقر لا يمكن بنائه إلا على أساس توازن حقيقي بين الدول ذات السيادة، مقترناً بالشراكة الفعلية التي تحفظ الأمن والاستقرار، وتحافظ على مصالح الجميع – ما أمكن – وفي حدود المشروعية القانونية والأخلاقية. فالواقعية (المدّعاة) دون ذلك الضبط الضروري لن تُنتج استقراراً - بل تُنتج الكوارث التي تسعى إلى درئها. والسؤال الذي يطرحه براندز: "أيُّ سيناريو ينتظر العالم على الضفة الأخرى من المرحلة الانتقالية" هو سؤالٌ مشروعٌ للغاية، لكن السؤال السابق عليه، أو الذي ينبغي طرحه ولا يقل إلحاحاً، وقد تحاشاه كلياً، هو: "أيُّ نظامٍ يستحق البناء، وهل سيمتلك مصمِّموه أخيراً الحكمة اللازمة لمقاومة إغراء الهيمنة الدائمة؛ ذلك الإغراء الذي أثبت التاريخ في كل عصر أنه أوثق الطرق إلى الزوال؟".

***

أمين اليافعي

إعادة قراءة تجربة جماعة التقريب من خلال زكي الميلاد.. التحديات والرّهانات

أوَّلًا: تقديم العمل: ناقش الباحث اللبناني الفرنسي الأب توماس جيز (Thomas GÈZE) مذكرة في الإجازة الكنسية (ماجستير) في الدراسات العربية والكنسية بعنوان: «التقريب والبحث عن الوحدة بين المسلمين: إعادة قراءة تجربة جماعة التقريب من خلال زكي الميلاد.. التحديات والرّهانات». وقد أنجزت هذه المذكرة باللغة الفرنسية، ونوقشت في رحاب المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية في روما، في أكتوبر سنة 2024م، وأشرف عليها الأكاديمي التونسي الدكتور عدنان المقراني، واحتوت 162 صفحة من القطع الكبير.

قسّم الباحث المذكرّة ثلاثة أقسام، استهلّها بمقدّمة وذيّلها بخاتمة ومجموعة فهارس وقائمة في المصادر والمراجع. خُصّص القسم الأوّل للحديث عن السياقات التاريخية والثقافية التي احتضنت فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية، وفي هذا السياق تحدّث الباحث عن تجربة جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة، وتطرَّق إلى تجارب أخرى ارتبطت بها منذ العصور الوسطى إلى العصر السائد. وركَّز صاحب الرسالة أساسًا على أفكار زكي الميلاد التقريبية وما تعلّق منها بالرّاهن بما يعكسه من تقارب أو تباعد.

أمّا القسم الثاني، فعرّف فيه الباحث بزكي الميلاد وكتابه موضوع الرّسالة الموسوم بعنوان: «التقريب والأمة.. كيف نواجه معضلة التقريب بين المذاهب؟» الصادر سنة 2019م، واضطلع توماس جيز بترجمة نصّوص من هذا الكتاب مع التعليق عليها.

وارتأى الباحث أن يختم مذكرته بالحديث عن «ما وراء الاختلافات: إعادة التفكير في الوحدة من خلال التقريب»، وفي هذا السياق قدّم الباحث قراءة نقدية في كتاب زكي الميلاد. ودرس طبيعة الاختلاف بين المسلمين (أساسية أم ثانوية)، وتناول مسألة التقريب بين المذاهب الإسلامية من خلال تجديد الفكر كما تجلّى عند زكي الميلاد. وختم الباحث القسم الثالث بالحديث عن التقريب من خلال الاعتراف بالآخر.

ذيّل الباحث توماس جيز رسالته بأربعة فهارس، خصَّصها للآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والأعلام، والمصطلحات الفنية. وعرض بعدها قائمة من المصادر والمراجع استفاد فيها من أدبيات متنوِّعة في لسانها وخلفياتها المعرفية.

نعتقد أنّ هذا العمل مهمّ، وذلك لعدّة اعتبارات. فقد أُنجز العمل من خارج دائرة الانتماء الإسلامي. وهذا يعني أنّنا سنجد قراءة مختلفة لمسألة التقريب بين المذاهب الإسلامية تتميَّز عن الدراسات التي عهدناها سواء الرافضة لمسألة لتقريب أو الداعية لها. كذلك استفاد الباحث من أدبيات غربية كثيرة ممّا سيثري العمل ويجعله مرجعًا مهما في الدراسات الاستشراقية المتعلّقة بمسألة التقريب وقضاياها.

أعدّ الباحث العمل وناقشه في إطار اهتمامات المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية، وهي مؤسسة دينية كاثوليكية رسمية تتَّخذ من روما مقرًّا لها. ونفهم من ذلك أنّ الكنيسة الكاثوليكية أصبحت بدورها تهتمّ أكثر بقضايا الحوار الإسلامي - الإسلامي، كما اهتمت سابقًا وطيلة قرن بقضايا الحوار المسيحي - المسيحي. ويعكس ذلك رغبة في معرفة قواعد الاختلاف بين جماعات الديانة الواحدة، وهذا ما رصدناه بوضوح في ثنايا هذه المذكرة البحثية.

اجتهد الباحث في هذا العمل في التعريف بزكي الميلاد وكتابه المذكور، واعتبره من الشخصيات القليلة التي جمعت بين التنظير والممارسة في مجال التقريب، ويتجلّى ذلك في مساره الفكري الخاص، وقد نبّه إلى جرأته في نقد الحضارة الإسلامية، وتعرّض إلى مجموعة من مؤلفاته، وتوقَّف عند كتابه حول «عصر النهضة»، إذ تحدّث فيه زكي الميلاد عن انبثاق وإخفاق الحركة التجديدية في العالم العربي الإسلامي، كما أحال الباحث على مقالة «لماذا لا توجد لدينا نظرية في حوار الحضارات» من دون ذكر الصفحة، وربط هذا الإخفاق -استئناسًا- بنصوص زكي الميلاد بتراجع مفهوم الحضارة في العالم العربي. وفي هذا السياق ثمّن الباحث اهتمام زكي الميلاد بالمقارنات بين أعلام النهضة الأوروبية ورواد الإصلاح في العالم الإسلامي والعربي، كما في مقالته التي تحدَّث فيها عن محمد إقبال وعلاقته بالفيلسوف الفرنسي هنري برغسون (bergsonien)، وهكذا في مقالات أخرى.

استثمر الباحث ما كتبه زكي الميلاد ليطرح مسألة المصطلحات وما يتعلّق بها من خلفيات معرفية، ودفعه هذا الأمر إلى مراجعة مجموعة من الكلمات المفتاحية مثل: (الحوار، والمعرفة، والإصلاح، والمصالحة، والتسامح، والتجديد...).

ولم يكتفِ الباحث بوصف المصطلحات وتدقيقها، بل نظر في خلفياتها، ومن ثمّة في خلفيات زكي الميلاد الفكرية. متوقِّفًا عند نظريته حول تعارف الحضارات المستنبطة أساسًا من القرآن، وتحديدًا من آية التعارف، وكيف قارن الميلاد هذه النظرية بنظرية الفعل التواصلي للفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (Habermas) الذي ركَّز على أهمية التواصل والتفاهم المتبادل (compréhension mutuelle). ويُضاف إلى ذلك الحديث عن التاريخ والثقافة الإسلامية التي تثمّن الحوار من خلال تجارب معيَّنة درسها زكي الميلاد.

ثانيًا: التعريف بزكي الميلاد وكتابه (المدوّنة)

عرّف الباحث بزكي الميلاد، فحدَّثنا عن حياته، وبيئته الدينية والفكرية، ودراسته في المملكة العربية السعودية وخارجها، وتحدّث عن كثرة قراءته الكتب حتّى لُقّب في فترة الدراسة بـ«حمامة المكتبة»، كذلك تحدَّث عن رحلاته إلى دمشق ولبنان حيث أسس مجلة «الكلمة» سنة 1993م. وركّز الباحث في إطار ترجمته لزكي الميلاد وتقديم كتابه الذي اشتغل عليه والموسوم بعنوان: «التقريب والأمة.. كيف نواجه معضلة التقريب بين المذاهب؟»، وقد اضطلع الباحث بترجمة فصول منه بعد عرض فهرس مواضيع الكتاب وأقسامه.

والكتاب مقسَّم إلى ثلاثة فصول، تناول الفصل الأول «فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية.. التجربة والتطوُّر والمعنى»، وحمل الفصل الثاني عنوان: «المسلمون الشيعة ومسألة التقريب بين المذاهب الإسلامية»، وتساءل المؤلف في الفصل الثالث: «هل الأمة الواحدة أمر ممكن؟»، ونبّه الباحث أنّ زكي الميلاد وضع عنوانًا للخاتمة وسمه بـ«مبدأ الأخوة الإسلامية».

وفي هذا الإطار التعريفي التحليلي عرض الباحث فصول الكتاب ومباحثه بإيجاز، كذلك عرض الخيارات التي اشتغل عليها في الترجمة، وبرّر اختيارها، وتناول أساسًا إشكالية ترجمة مصطلح «تقريب»، إذ ارتأت الأدبيات الغربية المختصّة ترجمة التقريب بمصطلح «œcuménisme»، ورأى أنّ هذا المصطلح لا يعكس عمق دلالة التقريب، واقترح مصطلحات أخرى من قبيل (rapprochement approximation/ proximité).

وفي هذا السياق رصد الباحث دلالة كلمة التقريب من خلال ضديدها: تباعد، وتفارق، وفرقة، وتقسيم، وانقسام، وانغلاق، وقطيعة، وتخاصم، وتعصّب.... ، فقد تُعرف الأشياء بأضدادها، وليس من السهل ترجمة المصطلحات الحضارية نظرًا إلى خصوصياتها، وهذا ما دفع الباحث إلى التحرّي فيما يتعلّق بترجمة مصطلحي «التقريب» و«المذاهب» إلى اللغة الفرنسية، واختار أن يترجم مصطلح «المذاهب» بالمدارس القانونية استئناسًا بما ذهب إليه أغلب المستشرقين.

جدير بالذّكر أنّ الباحث استفاد من خبرة أستاذه المشرف والخبير اللاهوتي عدنان المقراني الذي أظهر في كتاباته المتعدّدة كفاءة في الإلمام بالتقليدين المسيحي والإسلامي، ممّا حفّز الباحث على المقارنة بين النسقين الدينيين.

ثالثًا: قضايا التقريب والوحدة في فكر زكي الميلاد

الطريف أنّ صاحب المذكرة استهلّ رسالته بمقولة لغاندي، نصّها: «إنّ قدرتنا على تحقيق الوحدة من خلال التنوُّع ستكون جمالاً واختباراً لحضارتنا». واضطلع هذا الاستهلال بوظيفة تمهيدية توجيهية، أكّد من خلالها الباحث استئناسًا بآراء زكي الميلاد أنّ التنوّع لا يفسد الوحدة بل يزيدها جمالًا وإشراقًا، ولا تخصّ هذه القيمة ديانة أو حضارة من دون سواها بل تخصّ الإنسان في تجاربه المختلفة، ولعلّ هذا يؤكّد البعد الإنساني في كتابات زكي الميلاد التقريبية.

ولا غرابة أن نجد الباحث يتطرّق في مقدمة عمله إلى أهمية فكرة التوحيد في الديانات الإبراهيمية اليهودية والمسيحية والإسلامية، وكأنّ هذا المشغل يهمّ الديانات جميعًا. فكلّما تكاثرت الملل والنحل وتصارعت من أجل احتكار الخلاص والحقيقة، ظهرت أفكار لاهوتية تحاول التقريب بين من تباعدوا من حيث العقيدة والأفكار.

في هذا الإطار التعدّدي درس الباحث في الباب الأول من عمله الفكر التقريبي الإسلامي، وخصّص الفصل الأول للحديث عن جماعة التقريب باعتبارها تجربة تهدف إلى تحقيق الوحدة بين المسلمين. واعتبر جماعة التقريب منظمة (Association)، فتحدّث عن مجلتها «رسالة الإسلام» وعرّف بأعلامها وكتاباتها. ولم يكتفِ الباحث بتجربة الريادة بل تطرّق إلى الحديث عن المجمع العالمي للتقريب بطهران ومؤتمراته التي شارك زكي الميلاد في العديد منها، وكتب في مجلّتها «رسالة التقريب»، واعتبر الباحث المجمع تواصلًا لتجربة جماعة التقريب، ولقد بيَّنَّا في أطروحتنا وجهة نظر تغاير ذلك، إذ توصلنا إلى استنتاج مفاده أنّ تجربة المجمع انزاحت عن مسار التجربة المصرية.

وبالإضافة إلى التجربتين تحدَّث الباحث عن تجارب تقريبية أخرى، وحاول من خلالها، واستئناسًا بما كتب زكي الميلاد أن يفهم الصراع السني الشيعي أو صراع الألفية كما يُسمِّيه الباحث استئناسًا بقويدار (M. Guidère). ولقد حاول صاحب الرسالة رصد هذا الصراع منذ العصور الإسلامية الأولى إلى العصر الحديث بمحطّاته المختلفة.

رابعًا: إشكالية الاختلاف في فكر زكي الميلاد

نلاحظ من خلال قراءة الباحث في نصوص زكي الميلاد اهتمامه بمسألة الاختلاف في أبعادها المتباينة، فقد اهتمّ المسلمون قديمًا وحديثًا بهذه المسألة، ودرسوها من زوايا متباينة، وقد ارتأى الباحث أن يلج إلى هذا الموضوع من خلال ثنائية الاختلافات الجوهرية والاختلافات الثانوية، وركّز أساسًا على الخلافات السنية - الشيعية، وهي خلافات معقَّدة طرحت عبر العصور عدّة إشكاليات، وفي هذا السياق طرح الباحث سؤالًا مهمًّا نصّه: هل الاختلافات بين السنة والشيعة جوهرية أم ثانوية؟ أو بمعنى آخر: هل هي اختلافات في الأصول أم في الفروع؟. وفي إطار الإجابة عن هذا السؤال، حاول الباحث -استئناسًا بأدبيات زكي الميلاد- أن يعرض دور جماعة التقريب في التمييز بين الاختلاف والخلاف، فالاختلاف ظاهرة محمودة، تُؤسِّس لثقافة الحوار والعيش المشترك، بينما ينسف الخلاف جسور التواصل والإبداع.

استأنس الباحث بأدبيات زكي الميلاد حتى يدرس اهتمام جماعة التقريب بالاختلاف المذهبي والتعدُّد الفكري، فقد حاولت هذه الجماعة إدارة الاختلافات بين السنة والشيعة، وتوضيح حقيقة الخلافات، وفي هذا السياق تعرّض الباحث إلى العالم اللبناني الشيخ محمد جواد مغنية وحديثة عن التقية، إذ ربطها بمرحلة تاريخية ولّت، ونفى أن تكون من أساسيات الدين أو العقيدة، كذلك تحدّث عن العالم الإيراني الشيخ محمد تقي القمّي وتمييزه بين أصول الدين وأصول المذاهب. فقد ميّز التقريبيون الروّاد بين فروع الدين وأصوله، وفي هذا السياق تناول قضايا التحريف والإمامة والخلافة وغيرها من القضايا التي أخذت بُعدًا عقديًّا رغم أنّها لا تنتمي إلى مجال العقائد. وقد استند الباحث إلى كتابات حيدر حب الله ليؤكّد مشروعية الاختلاف، إذ ليس من حق المسلمين إلغاء الاختلافات سواء في الأصول أو في الفروع، ومن الخطير أيضًا تحويل إلى الاختلاف إلى خلاف وصدام.

حاول الباحث رصد أسباب هذا التحوّل، وخلفيات ثقافة الصدام التي هيمنت على الثقافة الإسلامية عائدًا إلى العصور الإسلامية، وتحدَّث عن فتنة مقتل عثمان، وما نتج عنها من حرب بين علي ومعاوية، كذلك وقف عند الفتنة الثانية بعد موت معاوية وحكم ابنه يزيد وقتل الحسين بن علي في كربلاء، وكلتا الفتنتين عزَّزتا الانقسام بين السنة والشيعة.

وفي هذا الإطار نزّل الباحث دعوة جماعة التقريب وكذا دعوة الباحث اللبناني حيدر حب الله إلى تجاوز الماضي والاهتمام بالحاضر، وهذا الأمر أكّد عليه زكي الميلاد، إذ دعا إلى تخطِّي الماضي وضرورة التحرُّر مما يشدنا إليه الزمن الغابر. وقد رصد الباحث هذا المنزع التحرّري أيضًا عند الباحث المصري جمال البنّا الذي أكَّد أنّ الميل إلى الماضي يتناقض مع الإسلام، ويتوافق ذلك مع ما ذهب إليه مالك بن نبي الذي اعتبر الحنين إلى الماضي عائقًا يحول دون فهم الحاضر وتحدياته.

كما استأنس صاحب البحث بزكي الميلاد لعرض أفكار ثلّة من المفكرين المهتمّين بمسألة التقريب بين المذاهب الإسلامية. وفي ضوء ذلك اجتهد الباحث في بيان إسهام زكي الميلاد في دراسة مسألة الاختلاف وتقديم حلول عملية لها. ويمكن تلخيص هذه الإسهامات في النقاط التالية:

1- تجديد الفكر الديني عند زكي الميلاد

طرح الباحث الأفهام المختلفة لمسألة التجديد، إذ نظر إليها البعض باعتبارها إلغاء القديم واستبداله بالكامل بالجديد، أو باعتبارها عودة إلى الأصول والتطهّر من كلّ ما هو غريب، أو باعتبارها فكرًا يفتح آفاقاً جديدة في الفقه، مع مراعاة احتياجات العصر الحديث.

2- ضرورة التمييز بين الدين والفكر الديني

أكَّد الباحث -مستشهدًا برأي الباحث العراقي مصطفى خضير- «أنّ زكي الميلاد اهتمّ بتجديد الفكر الإسلامي وليس الدين»، فالخطابات الدينية ليست الدين، وهي عند زكي الميلاد بعضها خطابات قديمة لم تعد منسجمة مع العالم اليوم

3- التقريب من خلال تجديد الفكر

عنون الباحث أحد مباحثه بهذه العبارة، ونفهم من خلالها أهمية تجديد الفكر في تحقيق الحوار التقريبي، وفي هذا الإطار تحدَّث عن اهتمام زكي الميلاد بعلم الكلام الجديد، وأشار الباحث في هذا إلى آراء بعض الباحثين مثل الباحث العراقي عبد الجبار الرفاعي، والباحث الإيراني محمد مجتهد شبستري ودوره في تطوير الكلام السياسي وبخاصة مسألة الديمقراطية، وفي السياق نفسه تحدّث عن أهمية المدرسة الإيرانية المعاصرة والراهنة في مجال تجديد الفكر

4- إلغاء كل المقارنات السلبية القائمة على فكرة التفوق

طرح الباحث إشكالية الآخر وتعقيداته كما تجلّت في كتب زكي الميلاد، الذي أكَّد على حق الاجتهاد والاختلاف في نطاق الفكر الديني، والترفع عن ذهنية الفرقة الناجية، فكل واحد منا هو آخر بالنسبة إلى غيره، ولذلك لا بدّ أن يقبل به.

5- مراجعة المصطلحات

فقد اهتمّ زكي الميلاد بالمصطلحات المجاورة لمصطلح التقريب من قبيل: الإصلاح والتحديث والتغيير... كذلك اهتم بتدقيق عدّة مصطلحات أخرى.

خاتمة

قدّم الباحث بعض الملاحظات النقدية على كتاب «التقريب والأمة» لزكي الميلاد، ودقّق في مصطلح «تقريب»، ولاحظ غيابه في الفصل الثالث من الكتاب ومن الخاتمة، رغم أهميته وكثرة تواتره في بقية أجزاء الكتاب، ومردّ ذلك عنده يعود إلى أنّ أغلب أجزاء الكتاب وحتى المقدمة، قد نشرها المؤلف سلفًا، وفي هذا الإطار عرض رسالة لزكي الميلاد موضِّحًا فيها هذا الأمر. بالإضافة إلى ذلك وجّه الباحث نقدًا لما جاء في المقدمة من ربط بين التقريب والإصلاح، وتساءل: «هل أهل الإصلاح متّفقون ومنسجمون فيما بينهم وهل نظرتهم للإسلام موحدة؟».

حاول الباحث في هذه الرسالة أن يعرض فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية من خلال ما كتبه زكي الميلاد. والطريف أنّ الباحث قارن بين فكرة التقريب كما ظهرت في بيئتها الإسلامية المعاصرة، وأفكار مشابهة لها ظهرت في البيئة المسيحية، حيث ظهرت الحركات المسكونية، فقارن الوضع العربي الإسلامي بالوضع الأوروبي، وتحدَّث عن مجهودات (Robert Schuman) التوحيدية التي قرّبت بين دولتين عدوّتين هما: فرنسا وألمانيا، وبذلك يكون الباحث قد فتح باب الدراسات المقارنة بين المسيحية والإسلام في مجال الأفكار التوحيدية والمشاريع التقريبية.

وممّا لا شكّ فيه سيُسهم هذا العمل في التعريف بحركة التقريب بين المذاهب الإسلامية في العصر الحديث والزمن الراهن، ولعلّ ذلك سيحفّز باحثين آخرين مختصِّين في اللاهوت المسيحي على دراسة أفكار إسلامية مهمّة وما أكثرها.

***

الدكتور علي بن مبارك

جامعة قرطاج، تونس

مُنذ عُقود، يتكرَّر السؤال في الأوساط الثقافية العربية: لماذا لم يحصل أدونيس (وُلد 1930) على جائزة نوبل للآداب رغم حضوره العالمي وترجماته الواسعة؟. ويكاد هذا السؤالُ يتحوَّل إلى مُسلَّمة ضِمنية تفترض أنَّه يستحق الجائزةَ، وأنَّ عدم منحه إيَّاها هو تقصير أوْ تحيُّز. غَيْرَ أنَّ مُقارَبة هذا السؤال بجدية تستدعي مراجعة نقدية عميقة لتجربته، بعيدًا عن الهالة التي أحاطتْ باسمه، والنظر في أعماله بوصفها نصوصًا قابلة للفحص لا أصنامًا ثقافية.

يُقَدَّم أدونيس غالبًا كشاعر حداثي كبير، لكنَّ جُزءًا كبيرًا من إنتاجه يُعاني من غُموض مُفرِط لا يَنتج عن كتافة دَلالية بِقَدْرِ ما يَعكس انفصالًا عن التجربة الإنسانية المُباشرة. الكثيرُ مِن نُصوصه تبدو مشغولة باللغة ذاتها أكثر من انشغالها بالمعنى، وكأنَّها تُمارس نوعًا من " الكتابة عن الكتابة ". هذا النمط قد يُثير الإعجابَ في إطار نُخبوي محدود، لكنَّه يفقد قُدرته على التأثير الواسع الذي يُعَدُّ أحد معايير التقدير العالمي. والأدبُ العظيم - حتى في أكثر تجلياته حداثةً - يحتفظ بخيط تواصل مع الإنسان العادي. أمَّا في تجربة أدونيس فنجد ميلًا واضحًا إلى الانغلاق داخل شبكة من الرموز والإحالات الثقافية المُعقَّدة التي تتطلَّب قارئًا متخصصًا لفكِّ شيفراتها. هذا لا يُعَدُّ ميزة، بَلْ يُفَسَّر على أنَّه عَجْز عن بناء خطاب إنساني شامل، وهو ما يَجعل أعماله أقل قُدرة على اختراق الثقافات المختلفة مُقارَنةً بأدباء عالميين آخَرين.

لا يُمكن فصل شِعر أدونيس عن مواقفه الفكرية التي أثارتْ جدلًا واسعًا، فقد تبنَّى خطابًا نقديًّا حادًّا تجاه التراث العربي والإسلامي، لكنَّه في الوقت نَفْسِه لَمْ يُقَدِّمْ بديلًا فكريًّا متماسكًا. هذا التناقضُ جعل مشروعه قائمًا على الهدم لا البناء، وهو ما يُضعِف مِن قيمة " المشروع الأدبي المتكامل " الذي تَبحث عنه لجان الجوائز الكُبرى. ورغم ترجمة أعماله إلى لغات عديدة، فإنَّ تأثير أدونيس في الأدب العالمي ضعيف ومحدود. والحُضورُ الأكاديمي أو الاحتفاء النقدي لا يكفيان، إذْ إنَّ الجائزة غالبًا ما تذهب إلى مَنْ يَترك أثرًا عميقًا في الوعي الإنساني العام، لا في دوائر نقدية ضيقة فقط. وهُنا يَظهر الفرقُ بين الانتشار الشكلي والتأثير الحقيقي.

إنَّ أدونيس شاعر نُخبوي بامتياز، وهذه النُّخبوية تحوَّلت إلى حاجز يفصل نصوصَه عن جمهور واسع. والأدبُ الذي ينحصر في طبقة محدودة يفقد أحد أهم شروط الخُلود، وهو القُدرة على التجدُّد عبر القُرَّاء المُختلفين، وهذا يُفَسِّر عدم حصوله على تقدير عالمي بحجم نوبل.

يُؤْخَذ على أدونيس أنَّ كثيرًا من نصوصه تبدو وكأنَّها عميقة، لكنَّها في الواقع غارقة في التجريد والالتباس إلى حَد يُفْقِد المَعنى. والغُموضُ هُنا ليس نتيجة كثافة فكرية، بَلْ هو سِتار لُغوي يُخْفي فراغًا دَلاليًّا، والقارئُ يَخرج بانطباع أنَّه أمام نَص كبير، لكنَّه يعجز عن الإمساك بفكرة مُحدَّدة. وأدونيس - رغم ادِّعائه التجديد والتحديث - قد قطع الصلةَ مع التراث دون أن ينجح في بناء بديل مُقْنِع. وشِعْرُه لا يُحفَظ، ولا يُتداوَل شفهيًّا، ولا يعيش في الذاكرة الجَمَاعِيَّة. وهذا يُعتبَر مُؤشِّرًا على أنَّ مشروعه نُخبوي أكثر مِمَّا هو شِعْري حَي. كما أنَّ مشروعه يبتعد عن الذاكرة الشِّعْرية العربية الجَمَاعِيَّة، وهو لَمْ يَكتب نُصوصًا تُحْفَظ وتُرَدَّد، بَلْ كتبَ للنُّخبة المُثقَّفة فقط، والجُمهورُ لا يَجد في نُصوصه صَدًى أوْ حياةً. وخِطابُه النقدي ومواقفه الفكرية أعطت انطباعًا لدى البعض أنَّه يُقَدِّم نَفْسَه كمشروع حضاري كامل لا كشاعر فقط، وهذا التضخم انعكسَ على شِعْره، حيث يَظهر كأنَّه يكتب أفكارًا فلسفية بلباس شِعْري أكثر مِنْ كَونه يَصنع تجربة شِعرية نابضة.

ورغم مسيرته الطويلة، فإنَّ أدونيس يُكرِّر نَفْسَ الثيمات (الهدم، الثورة، الأُسطورة)، ويُعيد تدويرَ الرموز نَفْسِها، دُون تطوُّر حقيقي في الأدوات أو الرؤية، وكأنَّ الشاعر عالقٌ في دَوَّامة واحدة لَمْ يجدْ مَخرجًا لها، مِمَّا يَجعل تجربته الشِّعْرية محدودة وغَير مُتجددة، ويَجعل مشروعَه يَدور في حَلْقة مُغلَقة.

وقدْ تعرَّضَ لانتقادات حادَّة بسبب مواقفه السياسية والثقافية والاجتماعية، فهو مُراقِب مِنْ بعيد، ومُنفصل عن مُعاناة الواقع، وَمُتردِّد في مواقف مِفْصَلية. وهذا أضعفَ صورته كشاعر" ثَوْري "، إذْ بدتْ ثَوريته لُغوية أكثر مِنها واقعية. وبعبارة أُخرى، إنَّ الثَّورية عِنده شِعارات لُغوية أكثر مِنها فِعْلية أوْ مَلموسة، وهذا أضعفَ صُورةَ الشِّعْرِ الذي يُفْتَرَض أنْ يَكُون مُعبِّرًا عَنْ هُمومِ العصر، ومُعاناةِ الشُّعوب، وآلامِ الأوطان.

يُمكن تفسير عدم فَوز أدونيس بجائزة نوبل للآداب (مِن زاوية نقدية) بِعِدَّة أسباب:

1 - شِعْرُه صعب الترجمة والتلقي عالميًّا بسبب كثافته الرمزية المُرتبطة بالسياق العربي، وهذا الرَّمزية مُغلَقة تصل إلى حَد الإبهام والإخفاء والغُموض وعدم الوضوح. وبسبب صُعوبة الترجمة، وغُموضِ الرُّموز، يُصبح مِن الصعب على لجنة عالميَّة تَقْييمه مُقارَنةً بشعراء تَركوا أثرًا عالميًّا ملموسًا.

2 - الانفصال عن الواقعِ والجُمهور.

3 - تأثيره العالمي ضعيف ومحدود مُقارنة بأسماء أحدثتْ تحوُّلًا كَونيًّا واضحًا في الأدب.

4 - الجدل حَول شخصه ومواقفه جَعَلَ صُورته إشكالية ثقافيًّا.

5 - مشروعه لَمْ يَنجح في إحداث نقلة نَوعية حاسمة في الشِّعْر العالمي.

6 - التناقض بين ادِّعاءِ الحداثة وادِّعاءِ التمسُّك بالتُّراث.

7 - المَيل إلى المثالية النظرية على حساب التواصل الإنساني.

8 - الانحياز الفِكري الذي يَحُدُّ مِن الشُّمولية وتقديمِ رُؤية مُتكاملة.

أدونيس شاعر يُجيد صناعة الهالة أكثر مِمَّا يُجيد صناعة الدهشة الحقيقية. ونُصوصه تَبدو كبيرة من الخارج، لكنَّها عِند التحليل كثيرًا ما تَكشف عَن تفكُّك، وتَكرار، وغُموض بلا ضرورة.

وهو يميل إلى لُغة مُعقَّدة ومُحمَّلة بالرموز المُستعصية، تَجعل القارئَ يَشعر بالارتباك أكثر مِن الإلهام. والشاعرُ الحقيقي يترك أثرًا في النَّفْس، أمَّا أدونيس فيترك القارئَ تائهًا بين الأساطير القديمة والفلسفةِ المُستعصية، دُون أنْ تُقَدِّم نُصُوصُه شُعورًا حقيقيًّا، أوْ تجربة إنسانية ملموسة.

أدونيس شاعرٌ يتوهَّج اسْمُه أكثر مِنْ نَصِّه. الهالة التي أحاطَ بها نَفْسَه أبهرت البعضَ، لكنَّها لا تُخفي حقيقة أنَّ شِعْرَه مَحصور في دائرة ضَيِّقة. وَمِنَ المُستحيل أنْ يَفوز بجائزة نوبل للآداب، لأنَّ جائزة نوبل تَبحث عن الشِّعْرِ العالمي، وهو الذي يَقُوم على تجربة إنسانيَّة حقيقية، لا مُجرَّد فِكرة فلسفية مَلفوفة بالكلمات الكبيرة.

يُعتبَر أدونيس أحد أبرز الرموز الشِّعْرية العربية الحديثة، لكنَّ هذه المكانة لَمْ تمنعه مِن الوقوع في تناقضات داخلية واضحة في نُصوصه وأفكاره، تَحُدُّ مِن قِيمته كأديب عالمي، وتضع علامات استفهام حَول مُنطلقاته النَّقْدية في الشِّعْرِ والفِكر. وقِراءةُ شِعْرِه بِعَيْن ناقدة تَكشف ضعفًا جَوهريًّا في بُنيته الفَنِّية، وفلسفته النَّقْدية، وتناقضًا صارخًا بين طُموحه التَّجديدي وقُدرته على التواصل الإنساني العميق. وهكذا تتحوَّل اللغةُ إلى جِدار أمام القارئ، بدل أنْ تَكُون جِسرًا للعاطفة، أو التجرِبة الإنسانية المُشتركة، لذلك فإنَّ نُصوص أدونيس مُغْلَقَة على نَفْسِها، ومَحرومة مِن التواصل المُباشر مع القارئ العادي. وهُنا يَظهر ضعفُ أدونيس، فقدْ تَمَكَّنَ مِن بناء لُغة فلسفية مُبْهِرة، لكنَّه فشلَ في جَعْلها لُغة يعيشها الناس.

أحد أكثر التناقضات وُضوحًا في شِعْر أدونيس هو مُحاولته الجمع بين الحداثة والتجريب مِنْ جِهة، وبين التمسُّك بالرموز الأُسطورية مِنْ جِهة أُخرى. وهو يُعلِن ضرورةَ التحرُّر مِن التُّراث، والبحثِ عن هُوِيَّة جديدة للشِّعْر العربي، لكنَّه في الوقتِ ذاته يَحِنُّ إلى الأساطير القديمة، ويتشبَّث بِصُوَر رمزية يَصعُب على القارئ الغَرْبي أوْ حتى العَرَبي استيعابَها دُون دِراسة عميقة. وهذا التناقضُ بَين التحرُّر مِن القديمِ والانغماسِ فيه، يَصنع شُعورًا بعدم الاتِّساق، ويَجعل المَشروعَ الشِّعْري أكثرَ تعقيدًا بِلا آفاق ولا رُوح ولا حياة.

أدونيس يَميل إلى المثالية المُطْلقة في تصوُّراته عن الشِّعْرِ والحُرية والإنسان، ويَكتب عن تحطيم التقاليد والفِكرِ البائس، إلا أنَّ نُصوصه تَكشف ضعفًا في مُلامسةِ الواقع الإنساني، فهو لا يُقَدِّم حُلولًا أوْ رُؤى واقعية، بَلْ يَبقى مَحصورًا في الشُّعورِ بالتَّحَسُّرِ والتمرُّدِ النظري. وهُنا يَظهر التناقض: شاعر يَسعى إلى التغيير والتحرُّر، لكنَّه في شِعْره يَكتفي بالإدانةِ دُون تقديم حُلول عملية، مِمَّا يُقَلِّل مِنْ أثره الإنساني في النُّصوص، ويَجعلها صَعبةَ التقدير على مُستوى عالمي.

وأهمُّ نقطة ضعف في أدونيس هي نظرته النقدية الحادَّة التي تتجاوز الشِّعْرَ لِتَدخل في الفلسفةِ والسِّياسةِ والدِّين، وهذا يُفْسِد التوازنَ الفَنِّي للنَّص، فهو يُهاجم الأديانَ والتقاليدَ والشُّعوبَ أحيانًا بشكل عام، مِمَّا يَضع شِعْرَه في مُواجهة القارئ بدلًا مِنْ أنْ يكون مساحة للحِوار الإنساني، والتفاعل الأخلاقي، والتسامح الأخوي، وهذا مَنَعَه مِنْ أنْ يكون شاعرًا عالميًّا مَقبولًا. ونُصُوصُ أدونيس تفتقر إلى الإيقاع الموسيقي الشِّعْري الذي يَجعل الشِّعْرَ تجربة حَيَّة للمُتلقي. فهو يُركِّز على الرمزية والفلسفة أكثر مِن المُوسيقى الداخلية للكلمة، وهذا يُضْعِف الجانبَ الحِسِّي للشِّعْر، ويَجعل نُصُوصَه أقرب إلى مقال فلسفي مِنْه إلى قصيدة تُؤَثِّر في القلبِ قبل العقل. وغِيابُ الإيقاعِ العاطفي في شِعْرِه حالَ دُون اعتباره شاعرًا عالميًّا ذا بَصمة كَوْنِيَّة.

عدمُ فَوز أدونيس بجائزة نوبل للآداب لَيس نتيجة مؤامرة أوْ ظُلْم، بَلْ هو انعكاس طبيعي لحدود تجربته. ورغم مكانته الأدبية في العالَم العربي، فهو لَيس فوق النقد، وأعمالُه لَيستْ بِمَنأى عن المُساءلة. وإعادةُ تقييم تجربته بإنصاف ومَوضوعية تكشف أنَّ حُضوره الكبير في الثقافة العربية لا يُوازي تأثيرًا عالميًّا عميقًا، وأنَّ الغُموض، والنُّخبوية، والتناقض الفِكري، كُلها عوامل ساهمتْ في عدم فَوزه بالجائزة. وَتبدو تجربة أدونيس مُثْقَلَة بتناقضات حادَّة ومواقف مُلتبسة، كشفتْ هَشاشةَ خِطابه، وعَرَّت ادِّعاءاته الفِكرية، رغم مَا يُحيط بِه مِنْ هالة ثقافية. وهذا الاضطرابُ الصارخ في رُؤيته ومواقفه كانَ سببًا في تَهميشه مِنْ قِبَل جائزة نوبل للآداب وعدم الاعتراف بِه كشاعرٍ عالمي صاحب مشروع أخلاقي وإبداعي وفِكري.

رُبَّما يكون السُّؤال الأجدر لَيْسَ: لماذا لَمْ يَفُزْ أدونيس بجائزة نوبل للآداب ؟، بَلْ: هَلْ كانتْ تَجربته مُؤهَّلة فِعْلًا لتجاوز حدود الإعجاب المَحَلِّي إلى مُستوى العالميَّة الحقيقية؟.

***

 إبراهيم أبو عواد

ليس الجهل أن نقول لا أعرف بل الغرور أن نزعم أننا نعرف كل شيء. فعبارة لا أعرف ليست فراغا في الوعي، بل قمته، وليست اعترافا بالعجز بل انحناءة العقل أمام اتساع ما لا يمكن الإحاطة به. منذ أن بدأ الإنسان رحلته في مساءلة الوجود، وهو يتأرجح بين وهم اليقين وصدق الحيرة، بين إجابات جاهزة تمنحه طمأنينة مؤقتة، وأسئلة مفتوحة تقلقه بقدر ما تنضجه.

إن الوعي الحقيقي لا يكتمل بالإجابات، بل يتسع بالأسئلة، وكلما ازداد الإنسان معرفة، أدرك أن ما يجهله أوسع بكثير مما ظن يوما أنه امتلكه. وهنا لا تصبح لا أعرف نهاية الطريق، بل بدايته، لا علامة نقص، بل إعلان دخول إلى أفق التأمل.

إن الإيمان بأن الإجابة النهائية هي لا أعرف هو ارتقاء نحو فهم أعمق، فهم يدرك أن الحقيقة ليست كيانا ثابتا يمتلك، بل أفقا متجددا يقترب منه ولا يستنفد.

فالإنسان، في لحظات وعيه الأعلى، لا يتحدث بلهجة اليقين المغلق، بل بنبرة الباحث الذي يدرك أن كل رأي هو ثمرة تأمل، وأن كل قناعة قابلة للمراجعة كلما تبدلت زوايا النظر.

إن ما نسميه معرفة ليس إلا تأويلا مؤقتا للعالم، محاولة ذهنية لإدراك ما يتجاوز قدرتنا على الإحاطة الكاملة. لذلك يصبح التواضع المعرفي ضرورة وجودية، لا مجرد فضيلة أخلاقية، لأنه يحرر العقل من الجمود، ويفتحه على احتمالات لا نهائية من الفهم.

ومع اتساع الوعي، لا يعلو صوت الإنسان، بل يخفت، لا لأن فكره تراجع، بل لأن يقينه انحنى أمام تعقيد الوجود. فيدرك أن الحقيقة لا تفرض بالصوت المرتفع، بل تكتشف بالإنصات، وأن التأمل ليس طريقا إلى إجابة نهائية، بل أسلوب وجود داخل السؤال نفسه.

فقد جعل سقراط من قوله الشهير "أنا أعرف أني لا أعرف" نقطة انطلاق للفلسفة، لا تعبيرا عن جهل، بل عن وعي نقدي يرفض الادعاء ويؤسس للبحث

 وعلى امتداد هذا المسار يأتي ديكارت ليجعل الشك المنهجي أداة للوصول إلى اليقين، مؤكدا أن المعرفة لا تبدأ إلا حين نهدم ما نظنه مسلما به. ثم يعمق كانط هذا الوعي حين يقرر أن العقل الإنساني محدود بحدود التجربة، وأن ما وراءها يظل عصيا على الإدراك الكامل. وفي أفق آخر، يرى كارل بوبر أن المعرفة الحقيقية ليست يقينا نهائيا، بل فرضيات قابلة للدحض وأن التقدم لا يتحقق بإثبات الصواب، بل بقدرتنا على اكتشاف الخطأ. وهكذا، يتلاقى هؤلاء المفكرون، رغم اختلاف عصورهم، عند فكرة مركزية مفادها أن الاعتراف بعدم الاكتمال ليس نقصا في المعرفة، بل شرطا ضروريا لاستمرارها.

في النهاية، لا تقف لا أعرف على هامش المعرفة، بل تقف في مركزها كأكثر أشكالها صدقا ونزاهة. فهي ليست اعترافا بالفراغ، بل اعتراف باتساع لا نهائي يعلو على كل امتلاك.

إن الإنسان لا ينضج حين تتكاثر إجاباته، بل حين تتسع أسئلته، وحين يدرك أن كل يقين يبلغه ليس إلا محطة عابرة في رحلة لا تنتهي.

وهكذا، يصبح الجهل المدرك أعلى من المعرفة المتوهمة، وتغدو الحيرة الواعية أرقى من الطمأنينة الزائفة.

لسنا مطالبين بأن نصل إلى الحقيقة كاملة، بل أن نظل أوفياء لرحلتها، أن نحسن الإصغاء لما يتجاوزنا، وأن نقيم داخل السؤال دون أن نختزله في إجابة.

فربما كانت الحكمة كلها كامنة في هذا الاعتراف البسيط والعميق معا:

أن نعرف حدودنا، وأن نترك للغموض حقه، وأن نواصل السير... لا بحثا عن نهاية، بل وعيا بأن الطريق ذاته هو المعنى.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في حدود المشروعية وإمكانات الفهم والحوار

نعيش اليوم في زمنٍ لم يعد فيه السؤال المركزي ما الحقيقة؟. بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا هو: من يستطيع أن يقنع الناس أكثر؟.

لقد تحوّل الإقناع في العالم المعاصر إلى صناعة متكاملة تمارسها السياسة والإعلام والخطابات الأيديولوجية والدينية، حتى أصبح العقل الإنساني ساحة مفتوحة للتنافس بين تقنيات التأثير لا بين الحجج المعرفية، وكأن السلطة أصبحت بشكلٍ عام هي مصدر المعرفة.

هذه الظاهرة ليست مجرد تفصيل في الثقافة الحديثة، بل هي علامة على انزياح خطير في مفهوم الحقيقة وماهيتها. قبل أن تكون الحقيقة موضوعًا للفهم والبحث والنقد، أصبحت في كثير من الأحيان مجرد نتيجة للخطاب الأكثر قدرة على الإقناع.

إن الخطر الحقيقي هنا لا يكمن في الإقناع بحد ذاته، بل في تحوّله إلى بديل عن التفكير. فعندما يصبح الهدف هو إقناع الآخر لا فهمه، يتحول الخطاب إلى أداة للهيمنة الرمزية بدل أن يكون فضاءً لتبادل المعرفة والوعي.

الإقناع ليس هو فلسفة لغوية بريئة في التداول الفكري، بل هو غالباً أداة خفيّة بيد السلطة، لتمارس تأثيرها على عقول الناس باِسمِ الحقيقة زوراً وبهتاناً، إنّ الإقناع وعبر التاريخ لم يكن إلاّ أداة لفرض الرأي، وتوجيه الوعي، وصناعة وصياغة مفهوم الامتثال.

ومن هنا تنشأ الإشكالية الأساسية:

هل الإقناع ضرورة معرفية تساعد على كشف الحقيقة، أم أنه تقنية خطابية تهدد الحرية المعرفية عبر توجيه العقول بدل تحريرها؟.

يُقدَّم الإقناع في الخطاب الثقافي التقليدي بوصفه وسيلة للتعليم والتوضيح. فالمعرفة – كما يُقال – تحتاج إلى عرضٍ عقلاني وحجج مقنعة لكي تصل إلى الآخرين. وفي هذا المنحى يبدو الإقناع أداة ضرورية لنقل الأفكار وتوسيع أفق الفهم.

لكن هذه الصورة المثالية تخفي حقيقة أكثر تعقيدًا. حيث أنّ الإقناع ليس مجرد عرض للحجج، بل هو في كثير من الأحيان تقنية للتأثير النفسي والاجتماعي.

فالخطاب الإقناعي لا يعمل فقط على مستوى العقل، بل يتلاعب أيضًا بالعاطفة والرموز والهويات.

وإذا تعمّقنا في واقعنا المعاصر نجد أن معظم الخطابات السياسية والدينية لا تهدف أساساً إلى البحث عن الحقيقة، بل إلى إنتاج قناعة جماعية، بمعنى أن الهدف ليس هو معرفة الواقع، بل إدارة الاعتقاد، وهنا يتّضح أمامنا بأن العقل لا يُدعى إلى الحوار والتفكير، بل للإنضمام إلى رأيٍ مُسبق الصنع.

وهنا يبدأ الانزلاق، فبدل أن يسعى الخطاب إلى كشف الحقيقة، يبدأ بالسعي إلى صناعة القناعة. والفرق بين الأمرين جوهري. فالحقيقة تتطلب الحوار النقد والشك والتجربة، أما القناعة فقد تُصنع بوسائل خطابية بارعة حتى لو كانت منفصلة عن الواقع.

لقد أدرك بعض الفلاسفة مبكرًا هذا الخطر، حين حذروا من أن البلاغة في اللغة قد تجعل الباطل يبدو مقنعًا إذا امتلك الخطاب مهارة التأثير. ومع تطور وسائل الإعلام الحديثة، تضاعفت هذه القدرة إلى حد غير مسبوق.

ومن هنا يظهر خطر آخر، يتجسّد عندما تتحوّل الحقيقة إلى مسألة تصويتٍ شعبي تُمارسه السلطة، أي عندما تُقاس صدق الفكرة، بمدى قدرتها على الانتشار القسري.

ولذلك فإن السؤال لم يعد فلسفيًا فقط، بل أصبح سياسيًا وثقافيًا:

هل ما نعيشه هو عصر المعرفة، أم عصر إدارة العقول، ومصادرة الرأي الآخر؟.

إحدى أكبر المغالطات في الثقافة المعاصرة هي الاعتقاد الضمني بأن الفكرة الأكثر انتشارًا هي الأقرب إلى الحقيقة، لكن التاريخ يكشف العكس تمامًا.

فكم من أفكار أقنعت شعوبًا كاملة ثم تبيّن لاحقًا أنها مجرد أوهامٍ جماعية، وكم من حقائق علمية واجهت الرفض والسخرية قبل أن يعترف بها العالم، ومن ثُمّ انتشرت.

إن ربط الحقيقة بالإقناع هو في حد ذاته خلط بين معيارين مختلفين:

الإقناع يتعلق بقوة الخطاب ومصدره، أما الحقيقة فتتعلق بصدق الواقع.

وفي كثير من الأحيان تكون الأفكار الأكثر إقناعًا هي تلك التي تخاطب العاطفة أو الهوية لا العقل النقدي، ولهذا تنتشر بسهولة لأنها تمنح الناس شعورًا باليقين، حتى لو كان هذا اليقين مجرد وهمٍ ليس إلاّ.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى التي يجب أن يُدركها الجميع، بأن الإقناع قد ينجح في إخفاء الحقيقة بدل كشفها.

يحبّ الخطاب الإقناعي أن يقدّم نفسه على الدوام بوصفه محايدًا وعقلانيًا، ويبتغي المصلحة العامة، لكن الواقع مختلف، فكل خطاب إقناعي ينطلق من موقع معرفي وثقافي محدد، ويحمل في داخله افتراضات مسبقة عن العالم والإنسان والمجتمع.

بل إن كثيرًا من تقنيات الإقناع الحديثة تعتمد أساسًا على التأثير غير العقلاني مثل: إثارة الخوف، استدعاء الهوية الجماعية، أو اللعب على المشاعر، بمزيدٍ من العاطفة.

وفي هذه الحالة لا يعود الخطاب موجّهًا إلى العقل، بل إلى اللاوعي الجمعي.

إن الإقناع يعمل داخل شبكة معقدة من القوى " السلطة السياسية، الإعلام، المؤسسات الثقافية والتربوية، وحتى اللغة نفسها "، ومن دون إدراك هذه الشبكة يصبح الحديث عن حياد الإقناع نوعًا من السذاجة المعرفية.

ولهذا فإن الإقناع قد يتحول بسهولة إلى أداة للهيمنة الفكرية، " بل هو يهدف إلى الهيمنة بالأساس " خصوصًا عندما يُستخدم لتبرير أفكار جاهزة أو لإغلاق باب النقد، والرأي الآخر.

يبدو الإقناع والحوار متشابهين ظاهريًا، لكنهما في الحقيقة ينتميان إلى منطقين مختلفين.

الإقناع يقوم على فكرة بسيطة، " هناك رأي صحيح، وعلى الآخرين أن يقتنعوا به ".

أما الحوار فينطلق من فكرة أكثر تواضعًا وعمقًا، " ربما لا يمتلك أي طرف الحقيقة كاملة ".

الحوار الحقيقي لا يسعى إلى الانتصار في النقاش، بل إلى توسيع أفق الفهم والإدراك.

ولهذا فإن الإقناع يميل إلى اتجاه واحد، بينما الحوار يقوم على تفاعل متبادل بين العقول، للوصول إلى الهدف المطلوب.

في الإقناع يسعى المتكلم إلى الانتصار في النقاش، بينما في الحوار فالمطلوب هو توسيع أفق الفهم والإدراك.

ولهذا فإن الحوار أكثر قدرة على إنتاج المعنى، لأنه يسمح بتعدد وجهات النظر ويعترف بأن الحقيقة ليست ملكًا خاصّاً لطرف واحد.

إنّ الحقيقة في المجال الإنساني ليست مُحتكرة لطرفٍ دون سواه، بل هي عملية مستمرة من الاكتشاف والنقد والتصحيح.

إنّ الحوار يروم إلى الهدف الأسمى، وهو الوصول معاً إلى فهمٍ أعمق لواقعنا ومجتمعنا والعالم.

في النموذج السلطوي للحقيقة، يصبح الإقناع أداة لفرض الرأي، أي أن الخطاب المُبرمج يسعى إلى جعل الآخرين يُسلّمون بما يراه المتكلّم كحقيقةٍ نهائية.

إذا كان الإقناع يحمل في داخله نزعة خفية نحو السيطرة، فإن الحوار يمثل نموذجًا معرفيًا مختلفًا تمامًا، لأن الحوار لا يسعى إلى إخضاع الآخر، بل إلى فهمه، وهو لا يفترض أن الحقيقة جاهزة ومكتملة، بل يرى أنها تتشكل تدريجيًا عبر التفاعل بين العقول، وعلينا أن نكتشفها.

في هذا الإطار تصبح الحقيقة عملية انكشاف لا عملية إلزام، أي أنها تظهر عبر النقاش والنقد والتجربة، لا عبر الخطاب السلطوي الأكثر تأثيرًا.

إن الدفاع عن الحوار ليس موقفًا أخلاقيًا فقط، بل هو أيضًا موقف معرفي، فالمعرفة لا تتطور عبر الخطابات المغلقة والمُغلّفة، بل عبر النقاش الحر والشك المنهجي.

ولهذا يمكن القول إن أزمة الفكر المعاصر لا تكمن في غياب الإقناع، بل بطوفان الإقناع وبشكلٍ فائض، فالعالم مليء بالخطابات التي تريد أن تقنعنا، لكنه فقير بالخطابات التي تريد أن تتحاور معنا وتفهمنا.

إن إشكالية الإقناع تكشف عن صراع عميق بين منطق السلطة ومنطق المعرفة، فحين يتحول الإقناع إلى هدف بحد ذاته، تصبح الحقيقة مجرد ضحية جانبية في معركة الخطابات الموجّهة.

وعندما يتحوّل الإقناع إلى صناعة، تصبح الحقيقة مجر هيكلٍ كرتوني هش، لأن الأفكار لا تُختبر بعمقها المعرفي، بل بقدرتها على التأثير ومصادرة الرأي الآخر.

ولذلك فإن الدفاع عن الحرية المعرفية يقتضي إعادة الاعتبار للحوار بوصفه الفضاء الحقيقي لولادة المعنى، فالحقيقة لا تولد من الخطاب الأكثرضجيجاً من خلال المهارة في التأثير، بل من العقول الأكثر قدرة على النقد البنّاء والإصغاء والتفكير المشترك.

وفي زمنٍ تتضخم فيه تقنيات التأثير الجماهيري، يصبح الموقف والسؤال الفلسفي الأكثر إلحاحًا ليس كيف نقنع الناس؟

بل: كيف نحمي العقل من الإقناع عندما يتحول إلى سلطة قمعيّة؟.

***

د. أنور ساطع أصفري

هل توجد هناك حقا أكوان متعددة؟ كيف تبدو هذه الأكوان وكيف يمكن الوصول اليها دون التأثير على الزمن؟ ان فكرة الأكوان المتعددة هي احدى القصص التي يسعى الخيال العلمي الى استكشافها. لكن هل هناك وجود حقيقي لهذه الأكوان المتعددة؟ لكي نجيب على سؤال ما اذا كان تعدد الكون واقعيا، يجب علينا أولا الاتفاق على ما تعنيه كلمة واقعي. يذكر زاكاري سليبيان Zachary Slepian عالِم الفيزياء الفلكية (1) الذي درس الكوزمولوجي وفلسفة الفيزياء، انه فكّر بهذا السؤال مرات عديدة أثناء عمله المهني.

التعريف المباشر لمفردة "واقعي" هو كل ما نستطيع رؤيته او لمسه. غدائي واقعي لأني أستطيع تذوقه وانت تستطيع الاستماع لي وانا أمضغ الطعام. لذا فان كلمة "واقعي" يمكن تعريفها كشيء تستطيع انت تصوره على الأقل بواحدة من حواسك الخمس. لكن ذلك يستبعد الكثير من الأشياء التي هي أيضا واقعية. أفران المايكروويف التي تسخن الطعام هي واقعية، لكنك لا تستطيع تصورها بشكل مباشر – انت تدرك فقط تأثيرها في تسخين الطعام.

وهكذا فان بعض الأشياء الواقعية نستطيع رؤيتها مباشرة فقط عبر الدليل الذي تتركه خلفها. وجود الديناصورات هو مثال آخر – لا يمكنك رؤية سوى متحجرات الديناصور. اذن، انت تستطيع ان تطرح صيغتين للسؤال حول ما اذا كانت الأكوان المتعددة موجودة ام لا. الصيغة الأولى: هل تستطيع رؤية، او سمع، او لمس، او شم هذه الأكوان او تذوقها؟ الصيغة الثانية: حتى لو كنت لا تستطيع ذلك، هل هناك أي دليل لتأثيرها؟

ميكانيكا كم الأكوان المتعددة

الجواب الذي يقدمه أغلب الباحثين للسؤال حول ما اذا كنا نستطيع تصور العوالم المتعددة بحواسنا الخمس هو النفي. لكن هناك الكثير من الأشياء الواقعية التي هي ليست واقعية بهذا المعنى، مثل المايكروويف. اذن هل نستطيع رؤية أي دليل غير مباشر لتعدد الاكوان، مثل تأثيراتها على العالم المُلاحظ؟

الجواب المختصر هو عن طريق فهم سلوك الأشياء الصغيرة جدا، مثل الذرات وجسيمات ما دون الذرة. العلماء يسمون القواعد التي تحكم هذه الأشياء الصغيرة جدا بميكانيكا الكم. في ميكانيكا الكم، من غير المؤكد ابدا ما ستكون عليه نتيجة التجربة. انت تستطيع فقط كتابة الحظ – بمعنى، احتمال حدوث شيء ما.

انها تشبه عملية رمي النرد: نحن لا يمكن ان نتأكد أي رقم سوف نحصل عليه، لكن يمكننا القول اننا نمتلك حظا متساويا في الحصول على رقم 1،2،3،4،5،6 على سطح النرد. مع ذلك، لو عرفنا ما يكفي من المعلومات حول النرد – مثل شكله بالضبط وكتلته، او أشكال الهواء التي تحيط به والطريقة التي نستخدمها لرميه – يمكننا التنبؤ بالضبط على أي جانب سيقع. ربما نحتاج الى محاكاة حاسوب لتحليل الأرقام، وكل ذلك ممكن.

الآن لو تخيّلنا نردا صغيرا جدا. حتى لو كان لدينا كومبيوتر قوي جدا، سوف لن نكون قادرين على التنبؤ بالجانب الذي يسقط عليه هذا النرد المتناهي في الصغر. هذا بسبب انه محكوم بميكانيكا الكم، حيث لا نستطيع التنبؤ بالمحصلات بيقين تام. اننا يمكننا التنبؤ باحتمال فقط.

عدة عوالم والكون المتعدد

ميكانيكا الكم هي عشوائية الى حد ما - ليس كل شيء له حظ متساوي بالحدوث. نحن نستطيع ان نتنبأ بحظ كل سيناريو بالحدوث، ولكن ليس النتيجة الحقيقية. في حالة النرد الكمي، كل ما نستطيع معرفته حوله هو ان هناك واحد من ستة احتمالات في السقوط على أي وجه من وجوه النرد. احدى الطرق التي فسر بها العلماء الخصائص الغريبة لميكانيكا الكم هي ان كل سيناريو محتمل انما يحدث حقا. لكن عندما يحدث، يخلق كونا آخر. هذا يُسمى رؤية العوالم المتعددة لميكانيكا الكم.

في هذه الحالة من النرد الكمي لدينا، تقول رؤية العوالم المتعددة ان هناك 1 في 6 حظوظ من رمي كل رقم لأن ستة عوالم تُخلق في كل مرة نرمي بها النرد. رغم اننا نبقى في واحد منها – لنقل ان العالم الذي يظهر فيه النرد هو 3 – فان عوالم خمسة أخرى أيضا تُخلق حيث يظهر النرد كواحد من الأرقام الأخرى. في هذه الصورة من ميكانيكا الكم، يتفرع الكون مع كل سيناريو. بالطبع نحن لا نستطيع حقا عمل نرد ميكانيك كمي ونرميه – لأن التفاعل مع النرد سوف يحطم طبيعته الكمية. هل هذا يعني ان ميكانيكا الكم هي دليل على ان الأكوان المتعددة واقعية؟ يقول الأستاذ زاكاري كلاّ. مع انها طريقة ساحرة لتصور ميكانيكا الكم، لكنها فقط تفسير واحد، ليس دليلا لا يمكن انكاره للكون المتعدد. اذا كان من المحتمل وجود الأكوان المتعددة لكنك غير قادر على تصور أي واحد منها، فهل هي حقا موجودة؟

الكون المتعدد ونظرية الأوتار

مظهر آخر ملائم للكون المتعدد هو دوره في نظرية الاوتار. نظرية الاوتار ترى ان الجسيمات الأساسية التي تكوّن المادة هي ذاتها مصنوعة من خيوط اهتزازية من الطاقة. تخيّل شريط مطاطي يهتز داخل كل جسيم. نظرية الاوتار أيضا ترى ان الكون له اكثر من ثلاثة ابعاد. مختلف نظريات الاوتار تتنبأ بمختلف الأرقام لأبعاد إضافية. هذا يعني ان الثوابت الفيزيائية مثل سرعة الضوء وشحنة الالكترونات يمكن ان تكون لها قيم مختلفة. ونفس الشيء يمكن ان يحصل لكمية الشيء في الكون، مثل المادة. هذا يشير لمسرح لمختلف الاكوان الممكنة كل واحد له ظروف مختلفة – متعدد الاكوان.

حتى الان، لا وجود لدليل محدد لكون متعدد مرتكز على نظرية الاوتار. هذه الاكوان يُحتمل ان لا ترتبط ببعضها، والاّ لما اعتُبرت عوالم منفصلة.

اذن حتى لو كانت تلك الأكوان موجودة حقا نحن قد لا نحصل على دليل مباشر لوجودها. مع ذلك، يمكن ان يكون هناك دليل غير مباشر على وجود اكوان متعددة. فمثلا، نظرية الاوتار يمكن ان تساعد العلماء في التنبؤ بنتائج كل تجربة عالية الطاقة في الكون الخاص بنا. انه يمكن أيضا عمل تنبؤات للكيفية التي تتصرف بها المادة في نطاق صغير جدا. اذا تبيّن ان هذه التنبؤات صحيحة، ذلك سيكون دليلا على نظرية الاوتار. واذا كان من المحتمل ان تكون نظرية الاوتار واقعية في كوننا، هذا يعني بشكل غير مباشر ان الكون المتعدد هو أيضا واقعي. وعلى الرغم من عدم وجود دليل قاطع في كوننا على نظرية الاوتار، فمنْ يدري ما قد يحمله المستقبل؟

***

حاتم حميد محسن

........................

الهوامش

(1) أستاذ مشارك في علم الفلك، جامعة فلوريدا.

قوة المجتمعات تتجلى في تجذر الانتماء إلى هويتها الوطنية، وقدرتها على إثراء ميراثها القيمي والثقافي والرمزي، وادخار ثرواتها المادية والمعنوية وتنميتها. وتتجلى قوة الوطن في تشبث المواطن بأرضه، وفي إخلاصه له ووفائه لهويته الوطنية، وحرصه على حمايته وصيانة إرثه الحضاري. هذا شأن سائر المجتمعات التي صاغت هويتها بمراكمة منجزاتها المادية والمعنوية عبر التاريخ، وتكريس ذاكرتها، وولاء إنسانها لوطنه.

لم يتجذر الانتماء لدى العراقي لأرضه ووطنه، إذ ما زال يعيش اضطرابًا وهشاشة في هويته، لعدم شعوره بأنه يمتلك هذه الأرض، أو أنه يحكمها بإرادته، ولا يعيش فيها بوصفه شريكًا في صناعة مصيرها. غياب الشعور بأن هذه الأرض ملكه، وإحساسه بأن مَن يحكمها غيره، يفضي إلى اغتراب المواطن عن أرضه، وينتج وجعًا دفينًا بأن هذا الوطن ليس له. ذلك ما نراه في عدم إحساس كثير من العراقيين بالفخر بالانتماء إلى هذه الأرض وتاريخها وميراثها الحضاري العريق. لم يترسخ في اللاشعور السياسي الجمعي للعراقي الانتماء لأرضه بوصفها أرضًا ذات تاريخ حضاري وقيم ورموز وثقافة ثمينة. الذاكرة الجمعية للعراقي مضطربة، أحيانًا تستبدل بذاكرة طائفية أو قومية مستعارة من خارج أرضه، أو تتشوه وتتمزق بفعل الانقسامات والصراعات الطائفية والقومية.

مَن لا يُمنح الحق في المواطنة الكاملة، لا ينغرس في ضميره الانتماء الحقيقي للوطن، ولا يتولد لديه الشعور بالمسؤولية تجاه أرضه وتاريخها ومصيرها. الذاكرة الحضارية وذاكرة الدولة رصيد الهوية الوطنية، ومرآة حضورها العميق في الوعي الفردي والجمعي. العراقي، مقارنة ببعض المجتمعات، لا يكترث كثيرًا بذاكرة وطنه، ولا يهتم بما تراكم فيها عبر التاريخ من مكاسب، ولا يتأمل ما مر به الوطن من استبداد لحكام مفروضين على أهله، وأهوال ونكبات ما زالت آثارها تعيق نهوضه. اللامبالاة بالذاكرة تعني القطيعة والانفصال عن الذات، والحرمان من بناء هوية وطنية مشتركة تتجذر في المكان. ضعف الانتماء للوطن وعدم تجذر الهوية العراقية الجامعة يفرض علينا إعادة بناء هذه الذاكرة، باستحضار رموزها الدينية والقيمية والثقافية، وإيقاظ ما هو مستودع في لاشعور العراقي من ميراث حضاراته، خاصة في العصر الإسلامي، وما أنجزته الكوفة والبصرة وبغداد من إبداع وابتكار في علوم الدين المتنوعة، والفلسفة والعلوم العقلية، والمعرفة اللغوية والأدبية والفنية. كما نحتاج إلى استعادة اللحظات المضيئة في العصر الإسلامي، وما شهده من إسهامات عراقية رائدة في العلوم والمعارف والفنون والآداب، والعمل على صهر هذه العناصر المتناثرة في ذاكرة تعيد ربط العراقي بأرضه، وتوقظ شعوره الوطني. إعادة بناء الذاكرة ضرورة وطنية، وشرط لازم لتشكل الهوية، وتكريس شعور الإنسان بالانتماء إلى العراق وأرضه وتاريخه وحاضره ومستقبله.

بلاد الرافدين خذلتها الجغرافيا قبل أن يخذلها التاريخ:

بلاد الرافدين خذلتها الجغرافيا قبل أن يخذلها التاريخ. المكان ليس إطارًا محايدًا للأحداث، وإنما قوة فاعلة تشارك في صياغة مصير الشعوب، لأن طبيعة الأرض والموقع والمناخ والموارد تحدد إلى حد كبير إمكانات العمران وأنماط الاقتصاد وأشكال السلطة وتشكل الثقافة والتدين. موقع بلاد الرافدين الجغرافي غير محصن بأسيجة طبيعية، لذلك وقع ضحية تاريخ يضج بالاحتلالات. أرض بلاد الرافدين سهلية، غير مسيجة بحواجز طبيعية، وهي غنية بثرواتها المتنوعة، وهذا ما جعلها هدفًا في مختلف العصور لأطماع الغزاة. لم يعش إنسان هذه الأرض تراكمًا طويلًا لدولة تعبر عن إرادته وأرضه وهويته، فلبث ترابه مستباحًا قديمًا وحديثًا لسلسلة من الاحتلالات. الدول المحمية بسلاسل جبلية، وتحيط بها بحار ومحيطات، أو تفصلها عن غيرها صحارى قاحلة، وتفتقر إلى الموارد والثروات الطبيعية، لا تثير شهية الغزاة غالبًا، ولا يغامر المحتلون باجتياحها.

أما بلاد الرافدين فكانت دومًا مطمعًا للغزاة، لما تنفرد به أرضها من خصوبة، ووفرة مياه، وغنى بالثروات، وافتقار إلى أسوار طبيعية تصد المحتلين. تمتد أرض الرافدين السهلية من الشمال إلى الجنوب، ويخترق سهولها نهران عظيمان، دجلة والفرات، فيمنحانها شروط الري ويوفران المياه بغزارة، وهي الشرط الضروري للزراعة ولأشكال الحياة المتنوعة. هذا الانفتاح الجغرافي لبلاد الرافدين جعلها هدفًا دائمًا للقوى الطامعة بثروتها الزراعية وغيرها وموقعها التجاري. منذ سقوط بابل تعاقبت على احتلالها إمبراطوريات وقوى خارجية متعددة، الأمر الذي أدى إلى انقطاعات متكررة في مسار التجربة التاريخية لإنسان هذه الأرض، فعطّل التراكم الاقتصادي والمعرفي والرمزي، وأضعف شروط تشكّل الدولة، وأخّر انبثاق وعي سياسي وطني وتجذره. هكذا أصبحت الجغرافيا التي أنجبت حضارات عظيمة في وادي دجلة والفرات هي نفسها التي جعلت هذه الأرض مكشوفة أمام الغزاة، فكان تاريخها سلسلة متواصلة من الصعود الحضاري تتخلله انقطاعات موجعة بسبب الغزو الخارجي.

لم تكن بلاد الرافدين الأكثر تعرضًا للاحتلال، ولا الأعنف في وقائع الغزو وتنوع أشكال الهيمنة الأجنبية، منذ أن سقطت بابل بيد الأَخمينيين عام 539 قبل الميلاد، لكنها كانت من أطول البلدان خضوعًا للاحتلال الأجنبي. مكث العراق نحو 1840 سنة غير محكوم من أهله بشكل كامل، منها حوالي 1176 سنة قبل الإسلام (من 539 ق.م إلى 637 م)، ونحو 664 سنة بعد احتلال هولاكو لبغداد عام 1258، منذ 1258 إلى 1921، باستثناء فترات الحكم المحلي، كان العراقي خلالها أسيرًا للهيمنة الأجنبية، من دون أن يحكم أرضه بنفسه. تخللتها فترات قصيرة لحكم محلي هش، لم يفلح في بناء دولة تنتمي إلى الأرض، وتعبر عن إرادة سكانها، ولا في صياغة كيان سياسي ينبثق من صلب ثقافتها وهويتها ونسيج مجتمعها.

لم يرَ العراقي في السلطات المتعاقبة بأزمنة الاحتلالات سوى امتدادات خارجية مفروضة، لم تتجذر في أرضه وتاريخه، ولا في نسيجه الاجتماعي. وجد نفسه في فراغ سياسي، بلا مرجعية وطنية، ولا ذاكرة عراقية جامعة. هذا الفراغ رسخ اغتراب الإنسان العراقي عن أرضه، واغترابه عن مفهوم الدولة، بنحو أمست الدولة كيانًا مغتربًا في العراق. كان هذا الاغتراب نتيجة طبيعية لنفور العراقي من سلطة لا تنتمي إليه، ولا تعبر عن هويته، وغذّى لديه شعورًا مزمنًا بغربة السلطة عن المجتمع وغربة المجتمع عن السلطة، وأعاق تبلور مفهوم الدولة بوصفها تعكس الإرادة المشتركة للمواطنين، وإطارًا جامعًا للمواطنة، يكون فيها القانون هو السيد، والحقوق مصانة، دولة تنبثق من إرادة مَن يعيش على أرضه، وتعبر عن حاجاتهم، وتؤسس لشراكة متساوية بينهم في مصيرهم الواحد.

الدولة كيان سياسي يتجسد فيه العقل العمومي، وتنبثق منه القيم التي تؤسس للعيش المشترك، وتصون التعدد، وتحمي السلم الأهلي. الدولة مرجعية جامعة، لا مجرد سلطة مفروضة، السلطة حين تستعار من الخارج وتفرض بالإكراه تفتقر إلى الشرعية، وتخفق في أن تنتج شعورًا بالانتماء، ولا تنجح في صناعة ذاكرة جمعية تؤسس للهوية الوطنية. تحولت الدولة في الوعي العراقي من أفق للتحرر وضامنة للحقوق والحريات والعيش الكريم إلى كيان مغترب، لا تتمثل فيه السلطة إلا في قوة قاهرة، لا في مشروع عراقي نابـع من الأرض ويعمل لأجل صناعة حياة جيدة لإنسانها. لم يكن هذا الاغتراب وليد الحاضر وحده، بل هو نتاج تاريخ تواصل قرونًا عديدة لغياب الدولة الوطنية، وتدهور المدينة، وتعطيل السياسة بوصفها أداة لبناء المصير المشترك، وحضور السيادة بمعناها الوطني والإنساني والأخلاقي والقانوني. لا تولد الدولة إلا حين تتوفر بيئة حاضنة تتيح التراكم، وتوفر شروطًا تغرس الوعي بالعيش المشترك وتطوره، وترسخ الانتماء إلى وطن ومصير واحد.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

في اشتباك الغريزة بالتاريخ

تتشابك في دراسة الاجتماع البشري أبعاد متعددة تصهر علم النفس الجمعي بمسارات التاريخ الكبرى، لتنتج في النهاية تلك الترتيبات الاجتماعية والسياسية التي تحكم صناعة السلطة وتداولها. وفي سياق الشرق الأوسط، يكتسب هذا التشابك عمقاً استثنائياً؛ إذ إن التطور التاريخي للمنطقة لم يشهد قطيعة معرفية أو بنيوية حقيقية مع الماضي، بل قام بإعادة إنتاج المفاهيم التقليدية كالقبيلة والعصبية والطائفة داخل أرحام الدولة الحديثة. إن الفهم الرصين لهذه الحركية يستوجب تجاوز السرد الوصفي الذي يكتفي برصد الوقائع، والغوص العميق في تفكيك "البنى السردية" التي تصيغ الوعي العام وتحدد أطر الممارسة السياسية؛ فنحن أمام تساؤل جوهري: كيف تقاطعت "غريزة الامتثال" مع التحولات الجغرافية لإنتاج سرديات سلطوية تمنح الشرعية للقطيع على حساب الفرد؟ وكيف أجهضت هذه السرديات مفهوم المواطنة الحداثي؟

المنظور الفلسفي والسيكولوجي للنزعة القطيعية

يحتل مفهوم "عقلية القطيع" موقعاً مركزياً في الفلسفة الحديثة وعلم النفس الاجتماعي على حد سواء. وإذا كان المفهوم في أصله البيولوجي يمثل آلية تطورية لضمان البقاء عبر المحاكاة والتحوط الجماعي لمواجهة الأخطار البيئية، فإن انتقاله إلى الفضاء القيمي والاجتماعي البشري كشف عن أبعاد أكثر تعقيداً ترتبط بتغييب الوعي الفردي وإخضاع الإرادة الحرة لمنطق المجموع.

في هذا الفضاء، يفقد الفرد سماته العقلانية النقدية بمجرد انصهاره في الوسط الجماهيري. وكما ذهب "غوستاف لوبون"، فإن الجمهور لا يعقل، بل يشعر، وهو يتحرك بدافع من العواطف الجياشة والعدوى النفسية التي تلغي المسافة بين الذات والآخر. هذا "الذوبان للأنا" الذي ناقشه "سيغموند فرويد" يفسر كيف يتنازل الأفراد عن معاييرهم الأخلاقية المستقلة لصالح "الفكرة المهيمنة" أو "الرمز القائد"، مما يحول المجتمع إلى كتلة صماء تستجيب للإيحاء والتحريض أكثر من استجابتها للمنطق البرهاني. إن عقلية القطيع هنا ليست مجرد سلوك عابر، بل هي حالة نكوصية يهرب فيها الإنسان من ثقل المسؤولية الفردية إلى دفء الجماعة الموهوم.

المطرقة النيتشوية وأخلاق التبعية

يعد الفيلسوف الألماني "فريدريك نيتشه" الشارح الأكبر لهذه الظاهرة عبر صياغته لمصطلح "أخلاق القطيع". لا يشير نيتشه هنا إلى حالة قانونية من الرق، بل إلى بنية سيكولوجية وتكوين أخلاقي يتسم بالخوف من المجهول والنزوع الدائم نحو الامتثال والتماثل. يرى نيتشه أن المنظومات القيمية السائدة تعمل كمخدر يمنع الإنسان من الارتقاء والوصول إلى أقصى درجات القوة والبهاء الممكنة له؛ فهي تعلي من شأن "التواضع، والطاعة، والصبر السلبي، والمساواة النمطية" ليس لكونها فضائل في ذاتها، بل لأنها تخدم مصالح الضعفاء وتضمن بقاءهم عبر كبح جماح الأفراد المتميزين الذين يملكون "إرادة القوة."

إن هذا التنميط يفضي بالضرورة إلى شيوع حالة من "الاستياء المستمر" والحسد تجاه كل من يجرؤ على الخروج عن نمط المجموع. في المجتمعات التي تسودها أخلاق القطيع، يُصنف المتميز أو المستقل فكرياً بوصفه "مارقاً" أو "شريراً"، بينما يُحتفى بالوديع الممتثل بوصفه "الرجل الصالح"، وهو ما يغتال طاقة العظمى التي تنشأ بالضرورة من المعاناة والمشقة والتفكير المنفرد. بالنسبة لنيتشه، فإن سيادة هذه الأخلاق تقود إلى تدهور الجنس البشري لأنها تحافظ على المتوسط وتكبح الاستثنائي.

العصبية الخلدونية والقبيلة كمحدد سياسي

بالإسقاط على واقع الشرق الأوسط، لا يمكن فهم بنية السلطة دون استحضار مفهوم "العصبية" لدى "ابن خلدون" وربطه بالنزعة القطيعية. فالعصبية هي الوقود السيكولوجي والاجتماعي الذي يحرك القبائل من تشتت الصحراء إلى استقرار الأمصار. تاريخياً، قامت مسارات الفتوحات الكبرى بنقل القبائل إلى مراكز الدولة الناشئة، لكنها لم تفكك بنيتها الاجتماعية العميقة؛ بل جمدتها وسيّستها داخل بنية الدولة.

لقد أدى هذا التحول إلى بقاء "العصبية" كمحدد أساسي للولاء والاستحقاق، عجزت التحولات اللاحقة عن تفكيكه. فالدولة في المخيال الجمعي لم تكن يوماً "عقداً اجتماعياً" بين مواطنين متساوين، بل كانت "غنيمة" أو "دار إمارة" تسعى كل عصبية للاستحواذ عليها. هذا الربط الوثيق بين الانتماء العشائري والاستحقاق الاقتصادي كرس لاوعياً سياسياً ينظر إلى الدولة كأداة للمغالبة واقتسام الريع، مما جعل "القبيلة السياسية" هي الفاعل الحقيقي تحت قشرة المؤسسات الدستورية والبرلمانية الحديثة. إن العصبية هنا هي الوجه الاجتماعي لعقلية القطيع؛ حيث الولاء للجماعة يسبق الولاء للحقيقة أو القانون.

 مأزق المواطنة.. الفرد بين مطرقة "الرعية" وسندان "الهوية الجمعية"

 إن الانتقال من "القطيع" إلى "المجتمع" يتطلب تحولاً جذرياً في تعريف الكائن السياسي؛ أي الانتقال من مفهوم "الرعية" الذي يستمد وجوده من طاعة الراعي، إلى مفهوم "المواطن" الذي يستمد وجوده من حقوقه الطبيعية والقانونية المستقلة. إلا أن الحداثة السياسية في منطقتنا تعثرت في هذه العتبة تحديداً؛ حيث تم استيراد هيكل الدولة كقشرة قانونية صلبة بينما ظلت "الرعوية" هي المحرك السلوكي العميق داخل النفوس والمؤسسات.

اغتيال الفردانية باسم "الإجماع":

 تعتبر الحداثة الفلسفية أن "الفرد" هو الوحدة الأساسية لبناء الدولة والقانون. أما في البنية السردية السائدة، فإن الفرد لا يكتسب شرعيته الوجودية أو السياسية إلا عبر انتمائه ل (طائفة، عشيرة، أو تكتل أيديولوجي مغلق). هنا، تُمارس "ديكتاتورية الجماعة" نوعاً من الرقابة المسبقة على التفكير؛ فالمواطنة الحقيقية تتطلب "استقلالاً نقدياً"، بينما تفرض البنى التقليدية "امتثالاً عقدياً". إن الفرد الذي يحاول ممارسة مواطنته خارج السرب يُنظر إليه كخائن للملح أو مارق عن الأصل، مما يجعل تكلفة "الفردانية" باهظة نفسياً واجتماعياً، ويدفع الجميع للعودة إلى حظيرة الامتثال تجنباً للعزلة.

 المواطنة كـ "منحة" لا كـ "حق":

 في الدولة الحديثة، المواطنة عقد تبادلي بين الفرد والمؤسسة. أما في الأنظمة التي يسيطر عليها منطق القطيع، فتتحول المواطنة إلى "مكرمة" أو "منحة" تمنحها السلطة للأتباع المخلصين والموالين. هذا "الزبائنية السياسية" تعيد إنتاج علاقة الشيخ بالمريد؛ فالدولة لا تعود مؤسسة لإنفاذ القانون، بل تصبح "راعي قطيع" يوزع العطايا والمناصب مقابل الولاء الصامت. هذا الفهم أجهض مفهوم "المصلحة العامة"، وحل محله "حصص الجماعات"، فصار الصراع السياسي ليس على جودة السياسات العامة، بل على من يملك حق تمثيل الجماعة الأكبر في اقتسام الغنائم.

وهم "الهويات الصغرى" وتآكل العقد الاجتماعي:

 إن تشبث الفرد بهويته الطائفية أو القبلية كبديل عن الهوية الوطنية هو إعلان صريح عن فشل "العقد الاجتماعي" وتآكل شرعية الدولة. فحين تصبح الدولة أداة في يد عصبية معينة، يرتد الآخرون نحو "قطعانهم" الخاصة طلباً للحماية والأمان. هذا الارتداد يخلق "مواطنات مجزأة" تصطدم ببعضها البعض في فضاء عام مأزوم، مما يحول المجتمع إلى ساحة صراع بين "ذوات جمعية" متورمة، لا تلتقي إلا في لحظات الصدام أو التوافق الهش على تقاسم النفوذ. إن "المواطنة" هنا تذوب في "العصبية"، ويصبح القانون مجرد أداة بيد الجماعة الأقوى لفرض إرادتها.

الحداثة المشوهة وتكريس "الوعي الزائف"

لقد وظفت النخب الحاكمة في الشرق الأوسط أدوات الحداثة (الإعلام، التعليم، البيروقراطية) لا لتحرير الفرد وصناعة المواطن، بل لترويض القطيع وتحديث أدوات السيطرة عليه. صار التعليم في كثير من الأحيان وسيلة للتلقين وتكريس التبعية لا للنقد والتحليل، وصار الإعلام بوقاً لتمجيد "الرمز" الذي يختزل الدولة والشعب في شخصه.

إن هذه "الحداثة الصورية" هي أخطر أنواع التجهيل، لأنها تمنح القطيع شعوراً واهماً بالانتماء للعصر عبر استخدام التقنيات الحديثة، بينما هو لا يزال يتحرك بغرائز العصبية والمظلومية التاريخية المتخيلة. إن تحرير مفهوم المواطنة يتطلب بالضرورة "خلخلة" هذه السرديات التاريخية المغلقة، وتفكيك المركزيات السياسية والدينية التي تقتات على تغييب العقل الفردي المستقل لصالح سطوة المجموع.

نحو "إرادة قوة" وطنية

إن عقلية القطيع في أبعادها الفلسفية والسيكولوجية تمثل سلوكاً تكيفياً ونفسياً عميقاً يهرب فيه الإنسان من قلق التفكير المستقل. وفي مجتمعاتنا، وجد هذا السلوك سياقاً خصباً في الأطر القبلية والطائفية التي تفرض الامتثال الصارم للزعامات التقليدية. إن الخروج من هذا التيه لن يكون عبر استبدال زعيم بآخر، بل عبر استبدال "ثقافة الامتثال" بـ "ثقافة المساءلة"، وعبر بناء مؤسسات دولاتية حقيقية قادرة على إدارة التنوع وحماية الأفراد بصفتهم "مواطنين" لا بصفتهم "أتباعاً."

إن التحدي الفلسفي والسياسي الأكبر يكمن في استعادة "إرادة القوة" التي تحدث عنها نيتشه، ليس للسيطرة على الآخرين، بل للسيطرة على المصير الفردي والتحرر من أغلال "الوعي الجمعي" الزائف. إن بناء دولة المواطنة يبدأ حين يتوقف الفرد عن كونه "رقماً" في قطيع، ويصبح "ذاتاً" حرة تساهم في صياغة عقد اجتماعي جديد، يحترم التعددية ويقدس الحرية الفردية بوصفها الضمانة الوحيدة ضد تغول الجماعة واغتيال الدولة.

***

غالب المسعودي

.........................

المراجع

نيتشه، فريدريك. إرادة القوة. ترجمة د. محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2011.

نيتشه، فريدريك. هكذا تكلم زرادشت. ترجمة علي مصباح، منشورات الجمل، بغداد-بيروت، 2007.

لوبون، غوستاف. سيكولوجية الجماهير. ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، الطبعة العاشرة، 2013.

ابن خلدون، عبد الرحمن. مقدمة ابن خلدون. تحقيق د. علي عبد الواحد وافي، نهضة مصر، القاهرة، 2006.

غليون، برهان. نقد السياسة: الدولة والدين. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2007.

غليون، برهان. المأزق العربي: الدولة ضد المجتمع. دار الساقي، بيروت، 1994.

أركون، محمد. نزعة الأنسنة في الفكر العربي. ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، 1997.

تارد، غابرييل. قوانين التقليد. (دراسة كلاسيكية في السلوك الجمعي والمحاكاة).

هابرماس، يورغن. التحول البنائي للمجال العام. (مرجع أساسي لتحليل دور الفرد في الفضاء العام).

عبد اللطيف، كمال. في تشريح أصول الاستبداد: قراءة في الملحوظات السياسية عند ابن خلدون. دار الطليعة، بيروت، 1999.

فرويد، سيغموند. علم نفس الجماعة وتحليل الأنا. ترجمة كامل كحالة، دار مكتبة الحياة، بيروت

 

أقرأ لعبدالجبار الرفاعي منذ سبعة أعوام، وأنا من أشد المتأثرين به. تلك الإثارة الأولى التي انبثقت في حياتي مع الإلهام العميق لقراءاتي في الدين وقضاياه، ما كانت لتبلغ غايتها في اكتشاف المعنى، لولا ما أتاحته كتابات الرفاعي من أفق رحب، وما فتحته رؤيته الأخّاذة للدين من دروب تقود إلى تجربة أعمق في الفهم والعيش. الرفاعي سفيرٌ معنويٌّ لحياةٍ روحيةٍ، أخلاقيةٍ، جمالية. وأقصد بـ"السفير المعنوي" أنه ينهض بدورٍ يتجاوز التنظير الأكاديمي، إذ يمنح العالم رؤية تفتح أفقًا يُعيد فيه الدين اكتشاف معناه، بوصفه طاقة حب وجمال وأخلاق، بعد أن أثقلته صور التهويل والتخويف. هذه الثلاثية: الروحية، والجمالية، والأخلاقية، تشكّل الأعمدة التي يرتكز عليها مشروعه في إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، ليغادر به المجال الأيديولوجي إلى الأفق الأنطولوجي، وينتقل من القوالب الشكلانية إلى المعنى الجوهري، ومن التنظير السطحي إلى رؤية نقدية عميقة تُنصت إلى حاجة الإنسان للمعنى.

تتردد كلمات: روح، أخلاق، جمال، معنى، ومعنى المعنى، بكثافة في مؤلفات الرفاعي، كأنها المفاتيح التي يفتح بها أفق رؤيته للدين والإنسان. الإنسان عنده تعبير عما يختزنه في داخله، لذلك يمنح الآخرين الجمال والمعنى بوصف ذلك انفتاحًا لروحه، التي لا تحتمل الاكتظاظ بما امتلأت به، فتفيض به حضورًا في العالم. سألتُه مرة عن هذا الحضور الكثيف لمفردة "المعنى" في كتاباته، فقال: "الدين حياة في أفق المعنى، الدين والحب كلاهما محاولات لإنتاج معنى لحياة الإنسان. لا يستطيع الإنسان العيش من دون معنى لحياته الفردية والمجتمعية."

 يحدثنا عبد الجبار الرفاعي بطريقة يأمل معها أن يُعاد الدين من حقله الأيديولوجي إلى حقله الأنطولوجي، ليُروى بهذه النقلة ظمأ الإنسان إلى المقدس، وتمتلئ روحه بالحب والإيمان والجمال. يقول الرفاعي: "يمكن أن يكون الدين منبعًا للمعاني الجميلة عندما يعود الإنسان إلى البعد الأنطولوجي للدين"، ويرى أيضًا أن "إدراك البعد الأنطولوجي للدين من شأنه أن يضع الدين في حقله الذي يكفل بناء حياة روحية وأخلاقية وجمالية في حياة الفرد والمجتمع". تتسع آفاق هذه الرؤية حين ننظر إلى الظاهرة الدينية بوصفها تركيبة متنوعة الأبعاد، أساسها لغة الدين بوصفها نواة يتولد منها المعنى، وتتفرع عنها تجليات متعددة للغة الدينية في الواقع؛ فهذه اللغة تتشكل وفق الأرضية النفسية، والوضع الاجتماعي، وأفق انتظار المتلقين الذي يتبدل من زمن إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر، ومن واقع إلى أخر. عندما نؤمن بتعدد هذه التجليات، تنفتح أمامنا رؤية جديدة للدين والإنسان والعالم، رؤية تدرك أن التعدد أفق كل معرفة وتجربة، في هذا الأفق تتجدد الحياة الدينية بوصفها إشراقة للمعنى، تعيد لكل شيء دلالته، وتفتح القلب لتقبّل الآخر كما هو، بوصفه شريكًا في البحث عن المعنى لا خصمًا في الاعتقاد.

يعيش الإنسان في فضولٍ معرفي لا يخفت، يتوق به إلى الكشف عن الدلالات الملتبسة التي تتسلل إلى حياته عبر مؤثرات العالم، فتوقظ في أعماقه أسئلة لا تهدأ، أشبه بمشاكساتٍ دفينة تقلق سكونه، وتدفعه إلى البحث عن أجوبة تمنحه معنى لوجوده، وتعيد ترتيب علاقته بنفسه والعالم. هذه الأسئلة لا تنشأ على هامش الحياة، بل تنبثق من صميم التجربة الإنسانية، حين يواجه الإنسان قلق المعنى وغربة الوجود، يندفع نحو ما يروي عطشه إلى الفهم والسكينة. هكذا يغدو الإنسان، كما يقول عبد الجبار الرفاعي، "في توق مستمر للكشف عن معنى المعنى"، إذ لا يكتفي بالمعاني الجاهزة، بل يظل يبحث عن أفق أعمق يهب حياته دلالة تتجاوز العابر والمؤقت.

يعيش الإنسان حياته كأنها رحلة مؤقتة، تتصارع فيها الأضداد وتتعاقب فيها الأحوال؛ طريقها طويل وقصير، سريع وبطيء، هادئ وصاخب، مبهج ومثقل، جميل ومؤلم. في هذا التوتر الدائم بين الأضداد تتشكل حركة الإنسان في العالم، وتتجلى صيرورته التي تنمو من احتكاك التجربة وتفاعلها مع تناقضات الواقع. في قلب هذه الرحلة المفعمة بالصراع والقلق، يندفع الإنسان بقوة نحو كل ما يمنحه الطمأنينة ويعيد إليه توازنه، فيتأمل ويشتاق إلى ما يفيض بالمعنى، وما يشبع عقله وروحه وقلبه من أفق يتلمس فيه أثر الخلود وإيحاءات السلام العميق.

يستكشف الإنسان العالم في هذه الرحلة بحثًا عن مبتغاه، فيخوض في الفنون والأدب والشعر والعلوم الإنسانية والدين، كما يتأمل في المعرفة والعلوم الطبيعية، وينخرط في الواقع المادي الذي يتجلى اليوم في الخوارزميات والبزنس والتطورات الرقمية المعاصرة. في كل واحد من هذه الحقول يلمس الإنسان جانبًا من ذاته، ويجد تعبيرًا عن انشغالاته وأسئلته؛ ففي الفن يتذوق الجمال، وفي الشعر يختبر طاقة الإبداع، وفي العلوم يكتسب خبرة تتطلب التأني والدقة، وفي الدين يستشعر أفق الخلود ومعنى النجاة. وعندما ينغمس في العالم الرقمي بما يحمله من حركة وتدفق وفرص، يتلمس شكلًا من البهجة والاستقرار والأمان، كأن كل حقل من هذه الحقول يمنحه جزءًا من المعنى الذي يظل يسعى إلى اكتماله.

 ليس كل إنسان قادرًا على الإحاطة بجميع هذه الحقول والخوض في تفاصيلها، الإنسان يولد بسيطًا هشًا، ضعيفًا جاهلًا، محدود التوهج روحيًا وأخلاقيًا وجماليًا، ثم يرتقي في مدارج التكامل ليغدو كائنًا أكثر تعقيدًا ووعيًا وقدرة. وفي أثناء شق طريقه في العالم، يواجه تضاريس قاسية، ويدخل في صراعات لا تخلو من عنف وهيجان وحروب واضطهاد وعصبيات واستبداد فكري، حيث يضيق أفق المعنى تحت وطأة ما يسميه عبدالجبار الرفاعي "نظام احتكار المعنى"، حين يُرحَّل الدين من حقله الأنطولوجي إلى حقل الأيديولوجيا، فيفقد طاقته على إرواء الظمأ الروحي، ويغدو أداة في صراعات السلطة والثروة. في هذا الأفق، تستوقفني عبارة محمد أركون: "لقد قتلت الأيديولوجيا العرب"، وهي عبارة بدت لي يومًا صادمة وغامضة حين كنت أفهم الأيديولوجيا فهمًا ساذجًا، غير أن معناها انكشف في ضوء قراءة الرفاعي، الذي يرى أن "الأيديولوجيا ليست مجرد أفكار، بل هي نظام لتوليد المعنى ينتج وعيًا زائفًا بالواقع، ويصوغ شبكة سلطة متشعبة تنبثق من أحلام مشبعة بعالم طوباوي متخيل، فتحتكر إنتاج المعنى، وتعيد تشكيل الواقع في صورة تختزل تعقيده وتطمس أبعاده، وتفرض على الإنسان فهمًا مغلقًا للعالم، يحرمه من رؤية غناه وتعدده".

 إذن نحن، في خضم هذا الصراع، ننازل غولًا ضخمًا اسمه الأيديولوجيا، أمسك بالدين وقيده بأغلال ثقيلة تتمثل في وعي زائف، ورؤية مظلمة للعالم، وأسئلة جامدة تتكرر بلا أفق، واحتكار للحقيقة، وإخماد لذلك الاستفهام المتقد الذي يسلكه المعنى في عقل الإنسان، فيضيق أفقه، وينحسر حضوره، ويتحول الدين من طاقة تحرر إلى أداة تسلط واستعباد. لقد "قتلت الأيديولوجيا العرب" فعلًا، ويمكن القول، من منظور ديني، إن الأيديولوجيا قتلت الدين أيضًا. إنها جريمة كبرى تستدعي يقظة كل المنهمكين في حقول الدين، من فقهٍ وأصولٍ وكلامٍ وعرفان، لأن إقحام الدين في الحقل الأيديولوجي يعني إدخال العقل الديني في نفق ضيق معتم، أفقه مغلق، وحركته مغلولة. في هذا النفق يضيق أفق العقل، ويتباطأ فعله، ويبدأ بالتآكل تدريجيًا تحت وطأة ما تراكم فيه من أوهام وسموم فكرية، حتى يفقد الدين قدرته على إنعاش الروح وإيقاظ المعنى، ويتحول إلى منظومة خانقة تُطفئ الحيوية بدل أن تُشعلها.

 بتسلط الأيديولوجيا لا نستطيع أن نُدين فاعلًا بعينه، لأن المجتمعات الدينية في عالمنا العربي تتشرب الأيديولوجيا على نحو لا شعوري، إذ يحتل اللاشعور مساحة واسعة في البنية النفسية للإنسان، فتتشكل هذه المجتمعات داخل جهاز مفاهيمي مغلق، تظن أنه الأقدر وحده على الكشف عن الحقيقة والمعنى اللذين يتوق إليهما الإنسان، في حين أن هذا المعنى وهذه الحقيقة يتبدّيان بوصفهما بناءً زائفًا يتولد داخل هذا النسق المغلق. ومع ذلك، يمكن الانتصار في هذا الصراع لا عبر الإدانة، بل عبر فتح أفق آخر للعيش والفهم، أفق لحياة عقلانية مشبعة بالروح والأخلاق والجمال، كما يدعو إلى ذلك عبد الجبار الرفاعي، الذي الخبير بفلسة الدين وعلومه، الذي غاص في أعماقه لأكثر من أربعة عقود، فصار يدعو إلى استعادة الدين بوصفه تجربة تُنير الوجود، لا أيديولوجيا تُغلق أفق المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي.

***

طالب في كلية طب جامعة البصرة

..................

* في الصورة غلاف ترجمة كتاب: الدين والظمأ الأنطولوجي للغة البوسنية

Religija i ontološka žeđ

تأليف: عبد الجبار الرفاعي

, autor: Abdul-Jabbar al -Rifa'i

ترجمه للغة البوسنية: عدنان مصطفى مشانوفيتش

 

ما الذي يربط بين الاقتصاد الحقيقي، ذاك النسيج اليومي الذي تُنسَج فيه حياة الناس وأعمالهم وأجورهم، وبين عالم المالية الذي يبدو أحيانًا ككونٍ موازٍ لا يعترف بالجاذبية ذاتها؟ وأين يقف كارل ماركس من هذا الشرخ العميق الذي يفصل الإنتاج عن المضاربة، والعمل عن الأرقام؟

ماركس ليس مجرد اسم في كتاب قديم، بل عدسة حادة ما زلنا ننظر عبرها إلى العالم، حتى حين نزعم أننا تجاوزناه. مفكرٌ أراد أن يمسك بكل شيء: بالاقتصاد، والسياسة، والفلسفة، وبالإنسان ذاته في اغترابه. انتقد عصره بلا هوادة، ولم يكتفِ بوصف العالم، بل حاول أن يعرّي منطقه الداخلي. ورغم أن كثيرًا من أطروحاته الاقتصادية وُجهت باتهامات بعدم الواقعية أو المبالغة الأيديولوجية، فإن أفكاره، على نحو عكسي، تسللت إلى قلب السياسة نفسها، وأعادت تشكيل التاريخ باسمها.

ماركس اليوم أيقونة ثقيلة الظل. مرّ قرنان على ولادته، لكن اسمه ما زال يستدعي لدى أنصاره وعدًا باليقين والعدالة. لحيته تحولت إلى شعار، وصورته إلى سلعة. ولو كان للرموز حقوق ملكية، لربما تفوّق رصيده على عمالقة وادي السيليكون.

في المقابل، تقف المالية كعالم بارد، صامت، لا وقت لديه للتأمل. عالمٌ لا يعترف بالفلسفة إلا بقدر ما تتحول إلى «سردية» قابلة للبيع. قد نُقنع أنفسنا أن الأسواق لا تمس حياتنا اليومية، لكن الأرقام تفضح الوهم: حين ترتفع البورصات إلى قممها التاريخية، لا تتحرك الأجور إلا بالكاد، وحين تنهار، يسقط الاقتصاد الحقيقي معها كما في زلزال 2008. علاقة غير متكافئة، أشبه بعقدٍ لا يربح فيه إلا طرف واحد.

هذا الرابط المنحرف حيّر الاقتصاديين طويلاً. جون ماينارد كينز، على سبيل المثال، رأى أن قيمة الشركات لا تُقاس بما تنتجه فعليًا، بل بالقصة التي تنجح في روايتها عن نفسها. الصورة، العلامة، والقبول الاجتماعي تصبح أهم من الميزانيات والنمو الحقيقي. وحين تتحول القصة إلى أسطورة، تولد الفقاعة، ويأتي الانهيار كصحوة قاسية. حدث ذلك مع فقاعة التكنولوجيا عام 2000، ويتكرر بأشكال جديدة مع العملات الرقمية، كواقعٌ مالي يطفو بعيدًا عن الأرض.

أما ميلتون فريدمان، فقد حسم الأمر ببرودة السوق: الشركة ملكٌ للمساهم، لا للعامل ولا حتى للمدير. كل شيء يُختزل في حركة بيع وشراء لا تتوقف، مليارات المعاملات التي تعبر العالم بسرعة الضوء، من نيويورك إلى شنغهاي، دون أن تسأل عمّن يصنع القيمة فعليًا.

الآلية، في جوهرها، تبدو بسيطة: طرح عام أولي، مستثمرون يؤمنون، رأسمال يتدفق، وظائف تُخلق. لكن السحر ينكسر حين تتحول الأسهم إلى غاية في ذاتها، وحين تبدأ الأسعار في العيش حياة مستقلة عن أي هدف إنتاجي. عندها يصبح التاريخ سلسلة من الفقاعات والانفجارات.

هنا، يعود ماركس من القرن التاسع عشر ليهمس في آذان القرن الحادي والعشرين. قد نلومه على نبوءة لم تتحقق بالكامل، على حديثه عن انهيار حتمي للرأسمالية، أو على رؤيته الراديكالية للمجتمع. لكن كلماته عن المالية تبدو اليوم، على نحو مقلق، واقعية. ففي «رأس المال» كتب عن ولادة أرستقراطية مالية جديدة، طبقة طفيلية تعيش على إصدار الأسهم وتداولها، على الاحتيال المنظم الذي يتخفى في هيئة نظام.

كان يرى تحولًا عميقًا: من مجتمع صناعي إلى مجتمع مالي، من ثروة تُنتَج إلى ثروة تُستخرج بالمضاربة، من العمل إلى الدخل المجرد. طبقة وسطى تتآكل، وملكية تتكدس، وصناعة تفقد معناها لصالح أرقام بلا جذور.

المفارقة أن ماركس، الذي هاجم الرأسماليين بلا رحمة، تنبأ في الوقت ذاته بتفككهم، وكأن النظام يحمل بذور انهياره في داخله. الرأسمالية، في نظره، لا تسير في خط مستقيم، بل في دوامة من الأزمات والانتعاشات. من فقاعة التوليب في القرن السابع عشر إلى أزمات القرن العشرين، وصولًا إلى أزماتنا الراهنة، تتكرر الدائرة دون أن تنكسر.

ولعل أكثر ما يربك صورة ماركس هو حياته نفسها. عاش في لندن، قلب الرأسمالية الناشئة، وكتب أعنف نقد لها من داخلها. سعى، رغم فقره، إلى حياة برجوازية، دفع لبناته دروس الرقص، ولم يكن بمنأى عن إغراء المضاربة في البورصة. كأن الواقع الذي أدانه التهمه جزئيًا، أو كأنه أدرك، بمرارة، أن الإنسان لا يعيش دائمًا وفق أفكاره.

هنا، ربما، تكمن الرسالة الأعمق. ماركس لا يقول لنا إن العالم فاسد فحسب، بل إن الإنسان متناقض. نعرف الطريق القويم، لكننا نسلك غيره. نطالب بتحرير العمل، بينما نغرق في اغترابه. نفضح النفاق، ثم نمارسه حين يخدم احتياجاتنا. وربما كان غضّ الطرف أحيانًا وسيلتنا الوحيدة للتعايش مع هذا التوتر الداخلي.

هكذا يبقى ماركس شاهدًا لا على فشل نظام فقط، بل على هشاشة الإنسان نفسه: كائنٌ يحلم بالعدالة، ويعيش بالتناقض، ويتأرجح دائمًا بين النقد والوقوع في ما ينتقده.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

بين الرؤية التوحيدية الكونية والمدد الغيبي للحياة البشرية

مقدمة: في الفكر الإسلامي المعاصر، يبرز مرتضى مطهري كمفكر مجدد يسعى إلى إحياء الدين لا بالانغلاق على النصوص القديمة أو الاستسلام للتقليد الجامد، بل بإعادة صياغة الوعي الديني بما يتناسب مع عمق الإنسان وتحديات وجوده في عالم يتسارع نحو المادية واليأس. تجديد الفكر الديني عنده ليس مجرد إصلاح سطحي أو تكييف شكلي، بل هو عملية جذرية تعيد الدين إلى حيويته كرؤية شاملة للكون والحياة، تجعل منه قوة دافعة للإنسان نحو الكمال. هذا التجديد يتجلى بوضوح في التوازن الدقيق الذي يقيمه مطهري بين رؤيتين متكاملتين: الرؤية التوحيدية الكونية التي تكشف عن وحدة الوجود وانسجامه تحت إرادة إلهية واحدة، والمدد الإلهي الذي يمنح الحياة البشرية العون الغيبي في مواجهة واقعها اليومي. ويأتي الربط بينهما عبر مقاربة تيوديسية عميقة، تجيب على إشكالية الشر والمعاناة دون أن تنفي عدل الله أو توحيده، بل تكشف كيف أن الشرور ذاتها جزء من نظام كوني أفضل يدعم نمو الإنسان ويفتح له أبواب المدد الإلهي. كيف يدافع مطهري عن العدل الالهي في ظل وجود الشر في العالم؟

الرؤية التوحيدية الكونية والمدد الغيبي للحياة

يبدأ تجديد مطهري للفكر الديني من الوعي بأن الدين، في أصله، ليس مجموعة من الطقوس الميتة أو المعتقدات النظرية المعزولة عن الواقع، بل هو حياة كاملة تمنح الإنسان معنى وهدفاً ومسؤولية. في عصر يواجه فيه الإسلام تحديات المادية الغربية والتشاؤم الفلسفي، يرى مطهري أن التجديد يقتضي إعادة اكتشاف الدين كقوة عقلانية فلسفية قادرة على مواجهة الإشكالات المعاصرة. هذا التجديد يرفض الجمود الذي يحول الدين إلى تراث ماضوي، ويرفض كذلك الانهيار أمام الثقافات الوافدة التي تنكر الغيب والروح. بدلاً من ذلك، يقدم مطهري الدين كمشروع حيوي يعتمد على العقل والبرهان، ويربط بين الاعتقاد والعمل، بين النظرية والتطبيق. التجديد هنا يعني إحياء الإيمان بجعله قادراً على تفسير الكون والإنسان والتاريخ، ومنحه القدرة على تحريك الإنسان نحو بناء مجتمع يعكس القيم الإلهية. وفي هذا السياق، يصبح التجديد جسراً بين الرؤية الكونية الشاملة التي تكشف وحدة الوجود، والعون الإلهي الذي يدعم الإنسان في رحلته اليومية، حيث تتحول الإشكالات الوجودية – كالشر والمعاناة – إلى فرص للنمو لا إلى مبررات للشك. لذلك تُشكل الرؤية التوحيدية الكونية عند مطهري الأساس النظري لهذا التجديد، إذ تتجاوز التوحيد مجرد عقيدة لفظية أو إيمان قلبي سطحي، لتصبح رؤية شاملة للوجود كله. في هذه الرؤية، ليس الكون مجموعة من الكائنات المنفصلة أو الفوضى العشوائية، بل نظام متكامل مترابط يسير تحت تدبير إلهي واحد، حيث يعكس كل موجود – من الذرة إلى المجرة – صفات الواحد الأحد. التوحيد هنا ذاتي وصفاتي وفعلي وعبادي: الله واحد في ذاته، صفاته عين ذاته لا زائدة عليها، أفعاله لا شريك لها، وعبادته خالصة دون شرك. هذه الرؤية تكشف عن محدودية المخلوقات ونسبيتها وحاجتها، مما يدل بالضرورة على الواقع المطلق الغني عن كل شيء. الكون، في هذا التصور، ليس مجرد مسرح للأحداث العابرة، بل مدرسة إلهية للإمتحان والتطور، حيث يُجازى الإنسان على نيته وجهده، وتكتسب الأهداف الإنسانية قداسة لأنها مرتبطة بالهدف الكوني الأسمى. هذه الرؤية الكونية تجدد الفكر الديني بمنحه عمقاً فلسفياً يجعله قادراً على مواجهة الرؤى المادية التي تحصر الوجود في المحسوس. إنها تمنح الإنسان إحساساً بالانسجام والغاية، فالحياة ليست عبثاً، والوجود ليس صدفة، بل مسار محكم يسير نحو الكمال. التوحيد الكوني يرفض الثنائية بين الخير والشر كأصلين متساويين، ويؤكد أن الوجود كله خير في جوهره، وأن النظام المتحقق هو أحسن النظم. هكذا، تصبح الرؤية التوحيدية ليست مجرد اعتقاد، بل قوة تحريكية تحول الوعي البشري من التشاؤم إلى الطموح، ومن اليأس إلى المسؤولية. في سياق التجديد، تكشف هذه الرؤية كيف أن الدين يمكنه أن يعيد صياغة الإنسان المعاصر ككائن مسؤول أمام كون مترابط، لا كائن منعزل في فراغ مادي. غير أن هذه الرؤية الكونية الشاملة، مهما كانت عظيمة، تحتاج إلى ترجمتها إلى واقع الحياة البشرية اليومية، وهنا يأتي دور المدد الإلهي أو الغيبي كبعد عملي يربط السماء بالأرض. المدد الغيبي، عند مطهري، هو العون والدعم الذي يأتي للإنسان والمجتمع من عالم ما وراء الحواس، من الغيب الذي يتجاوز الإدراك المادي. ليس هذا المدد اعتباطياً أو سحرياً، بل هو نتيجة للجهد الإنساني المخلص والإخلاص والسعي، وهو امتداد طبيعي للتوحيد: فالله الواحد الغني يفيض برحمته الرحمانية على الكل، ورحمته الرحيمية الخاصة على المؤمنين الذين يسعون إليه. يتجلى هذا المدد في صور متعددة: الإلهام والإشراق الذي يفتح آفاق العلم والمعرفة للمفكرين، والتهيئة الظرفية التي تفتح أبواب التوفيق، والهداية التي تيقظ القلوب، وصولاً إلى البعد الاجتماعي الكبير كما في فكرة المهدي المنتظر، التي تمثل الأمل الغيبي في نهاية الظلم وملء الأرض عدلاً.

في الحياة البشرية، يواجه الإنسان صعوبات ومحن وشروراً تبدو أحياناً كأنها تنفي العدل الإلهي أو تجعل التوحيد مجرد نظرية بعيدة. هنا يبرز المدد الإلهي كقوة دافعة تحول هذه الصعاب إلى فرص. إنه يمنح الإنسان الاطمئنان والأمل، ويمنعه من الاستسلام للمادية التي تنكر أي تأثير روحي أو غيبي. المدد يربط الإنسان بالعالم الأعلى، فيجعله يرى في كفاحه اليومي امتداداً للنظام الكوني التوحيدي. هكذا، يصبح التجديد الديني عملياً: الدين ليس فقط رؤية كونية تتأمل الكون من بعيد، بل مدداً يدعم الإنسان في صراعه مع الواقع، يعطيه قوة داخلية لمواجهة اليأس والفوضى. والآن، تظهر المقاربة التيوديسية عند مطهري كالجسر الحاسم الذي يربط بين الرؤية التوحيدية الكونية والمدد الإلهي للحياة البشرية.

التيوديسيا – أي الدفاع عن عدل الله أمام وجود الشر – ليست عند مطهري مجرد حل نظري لإشكال فلسفي قديم، بل هي قلب التجديد الديني نفسه. في مواجهة تساؤلات الإنسان عن الألم والمعاناة والظلم الذي يبدو في الكون، يقدم مطهري تفسيراً عميقاً ينطلق من التوحيد نفسه. الشر، في هذه المقاربة، ليس وجوداً مستقلاً أو أصلاً متعادلاً مع الخير، بل هو عدمي في جوهره: نقص أو فراغ أو عدم كمال، كالظل الذي ليس إلا غياب النور، أو المرض الذي هو فقدان الصحة. الشر نسبي أيضاً؛ فما هو شر بالنسبة لإنسان قد يكون خيراً في سياق النظام الكلي، كسم الحية الذي يحميها لكنه يضر الإنسان.

هذا التفسير ينسجم تماماً مع الرؤية التوحيدية الكونية: الكون نظام واحد محكم، طولي (مراتب العلة والمعلول) وعرضي (الشروط المادية)، وهو أحسن النظم لأنه يعطي كل موجود ما يستحقه حسب قابليته واستعداده. الاختلافات والنقائص ليست ظلماً، بل لازمة للكمال الكلي؛ فبدون النقص لما برز الكمال، وبدون الشرور الظاهرية لما تحقق الجمال والانسجام. العدل الإلهي هنا ليس معياراً خارجياً يحاكم الله، بل هو صفة ذاتية لأفعاله: الله يفيض الوجود حسب الحكمة، ولا يظلم أحداً لأنه لا شريك له. أما حرية الإنسان – الاختيار بين الخير والقبيح – فهي التي تجعل الشرور الناتجة عن الأفعال البشرية جزءاً من المسؤولية، لا تنفياً للعدل الإلهي.

في هذه المقاربة التيوديسية، يصبح الشر جسراً نحو المدد الإلهي. المحن والشدائد ليست عقاباً عشوائياً، بل تربية وصقل للنفس، تفتح أبواب الإلهام والعون الغيبي لمن يسعى ويخلص. التوحيد الكوني يؤكد أن كل شيء من الله وإليه، والعدل يضمن أن هذا "كل شيء" يخدم الكمال الإنساني.

هكذا، يجدد التيوديسيا الفكر الديني بجعله قادراً على احتواء التناقضات الظاهرية: الإنسان يعاني في حياته اليومية، لكنه مدعوم غيبياً، والكون موحد ومنسجم رغم الشرور التي هي في الحقيقة غيابات تكمل الصورة الكلية. التجديد يتحقق إذن في هذا التوازن: الرؤية الكونية تعطي الإطار الشامل، والمدد الإلهي يمنح القوة اليومية، والتيوديسيا تذيب الشكوك وتحول المعاناة إلى طريق نحو الله.

المقاربة التيوديسية

في تجديد الفكر الديني عند مرتضى مطهري، تبرز المقاربة التيوديسية كعنصر محوري يعيد صياغة الإيمان بطريقة تجعله قادراً على مواجهة أعمق إشكالات الوجود البشري: لماذا يوجد الشر والألم والمعاناة في عالم يحكمه إله واحد قدير حكيم؟ لا تكتفي هذه المقاربة بالدفاع السلبي عن عدل الله، بل تحولها إلى رؤية إيجابية تحول الشرور ذاتها إلى محركات للكمال الإنساني، وتفتح أبواب المدد الإلهي في الحياة اليومية. إنها ليست مجرد حل فلسفي لمشكلة قديمة، بل هي تجديد جذري يربط الرؤية التوحيدية الكونية – التي ترى الكون نظاماً واحداً مترابطاً – بالعون الغيبي الذي يدعم الإنسان في رحلته الوجودية. بهذا، يصبح التيوديسيا عند مطهري ليس دفاعاً عن الله أمام الشر، بل إعلاناً عن حكمته في نظام يجعل كل نقص وكل ألم جسراً نحو الارتقاء والفيض الإلهي. يقوم مطهري مقاربته التيوديسية بإعادة تعريف العدل الإلهي نفسه، بعيداً عن المفاهيم الاجتماعية البشرية الضيقة. العدل عنده ليس مجرد مساواة أو إعطاء كل ذي حق حقه بمعنى قانوني سطحي، بل هو رعاية الاستحقاق والأهلية في إفاضة الوجود والكمال حسب قابلية كل موجود. الله، بوصفه المالك المطلق للكون، لا يمكن أن يظلم أحداً لأن كل شيء منه وله؛ فالظلم يفترض ملكية مستقلة للمظلوم، وهذا غير وارد في التوحيد الكوني. هذا التعريف يجعل العدل صفة ذاتية لأفعال الله، لا معياراً خارجياً يحاكمه. فالكون ليس موزوناً بالتساوي بين الخلائق، بل بالتناسب مع مراتبها واستعداداتها في سلسلة الوجود. التمييز في الخلق – كالذكاء أو الصحة أو الثراء – ليس ظلماً، بل هو تعبير عن الحكمة الإلهية التي تفيض حسب الاستعداد، كما أن الشمس لا تُلام على أنها لا تضيء كل مكان بنفس القدر. أما جوهر المقاربة التيوديسية، فيكمن في تحليل ماهية الشر نفسه. يرى مطهري أن الشر ليس وجوداً إيجابياً مستقلاً يقف في مقابل الخير كقطب ثانٍ، كما في الثنويات القديمة أو الماديات الحديثة. الشر أمر عدمي في أصله: هو نقص أو غياب أو عدم كمال، كالظلام الذي ليس إلا غياب النور، أو الجهل الذي هو عدم العلم. هذا الفهم ينسجم تماماً مع الرؤية التوحيدية الكونية، حيث الوجود كله خير وفيض إلهي، والنقائص إنما تظهر في المراتب الدنيا من سلسلة العلة والمعلول. فالكون نظام مترابط طولياً (من الله إلى أدنى المخلوقات) وعرضياً (الشروط والعلاقات بين الموجودات)، وهو "أحسن النظم" لأنه يحقق الكمال الكلي رغم النقائص الجزئية. بدون هذه النقائص، لما برز الجمال والتنوع والارتقاء؛ فالشرور الظاهرية ضرورية لإبراز الكمال، كما أن الظل ضروري لإبراز النور. كما يؤكد مطهري على نسبية الشر: ما هو شر بالنسبة لإنسان قد يكون خيراً بالنسبة لمخلوق آخر أو في سياق الكلي. العقرب، مثلاً، ليس شراً في ذاته؛ فسمها يحميها ويحفظ توازنها البيئي، لكنه شر بالنسبة للإنسان. هكذا، يرفض مطهري النظرة الجزئية التي تحكم على الكون من منظور إنساني ضيق، ويدعو إلى النظرة الكلية: الكون كله خير في جوهره، والشرور مجرد جوانب نسبية في نظام يخدم الغاية الأسمى. هذا يحل إشكالية الشرور الطبيعية (كالزلازل والأمراض) بجعلها لازمة للنظام الكوني، وليست اعتباطية أو مخالفة للعدل. أما الشرور الأخلاقية (الظلم البشري)، فتنبع من حرية الإنسان – الاختيار الحقيقي بين الخير والقبيح – التي هي شرط للكمال الإنساني والمسؤولية. الله لا يجبر على الشر، بل يمنح الإنسان القدرة على الاختيار، ويترك له نتائجه، مع أن العدل الإلهي يضمن الجزاء العادل في النهاية.

غير أن مطهري لا يكتفي بهذا التفسير النظري؛ بل يربط الشر بالغاية التربوية والتكاملية للحياة البشرية. الشرور والمحن ليست عقاباً عشوائياً أو دليلاً على غياب العدل، بل هي مدرسة إلهية لصقل النفس وتنمية الروح. الألم يوقظ الوعي، والشدة تبني الصبر والإخلاص، والنقص يدفع نحو السعي والجهاد. هنا يظهر الربط العميق بين التيوديسيا والمدد الإلهي: المعاناة ليست نهاية، بل باب مفتوح للعون الغيبي. فمن يواجه الشر بإخلاص وجهد يتلقى الإلهام والتوفيق والتهيئة الظرفية؛ الله يفيض رحمته الخاصة على من يسعى، فيجعل الشر نفسه وسيلة للمدد. هكذا، يتحول اليأس إلى أمل، والمعاناة إلى فرصة للارتقاء نحو مراتب أعلى في الوجود. في سياق التجديد الديني، تجعل هذه المقاربة التيوديسية الدين قادراً على مواجهة التشاؤم المعاصر والمادية التي ترى العالم فوضى أو صدفة. إنها تؤكد أن الكون موحد ومنسجم رغم الظاهر، وأن الإنسان ليس ضحية بل شريكاً في بناء مصيره تحت رعاية إلهية حكيمة. التوحيد الكوني يعطي الإطار الشامل – الكون نظام واحد يسير نحو الكمال – والتيوديسيا تذيب الشكوك حول العدل، والمدد الإلهي يمنح القوة العملية في الحياة اليومية. بهذا التوازن، يجدد مطهري الفكر الديني: لم يعد الدين مجرد اعتقاد نظري، بل رؤية تحول الشر إلى خير، والمعاناة إلى نمو، والإيمان إلى قوة دافعة للإنسان المعاصر.

الشر كعدم

في مقاربة مرتضى مطهري التيوديسية، يُعد مفهوم «الشر كعدم» أحد أعمق الأسس الفلسفية التي تربط بين التوحيد الكوني والعدل الإلهي، وتفتح الطريق أمام فهم المدد الغيبي كاستجابة حكيمة للنقص البشري. لا يرى مطهري الشر وجوداً إيجابياً مستقلاً يوازي الخير أو ينافسه، كما في بعض الرؤى الثنوية أو المادية التي تتصور الشر قوة كونية معادية. بل هو، في أصله، أمر عدمي: نقص محض، غياب للكمال، فراغ في الوجود، أو عدم تحقق لما ينبغي أن يكون. هذا الفهم ليس مجرد تحليل منطقي، بل هو تعبير عن رؤية توحيدية شاملة ترى أن الوجود كله فيض إلهي خالص، والشر إنما يظهر حيث ينقص هذا الفيض أو يُحجب بسبب محدودية المخلوق. يحرص مطهري على التمييز الدقيق بين الوجود والعدم. الوجود الحقيقي هو ما يفيض به الله تعالى، وهو خير محض لأنه صادر عن الخير المطلق. أما العدم فهو ليس شيئاً موجوداً بذاته، بل هو مجرد غياب الوجود. فالظلام، مثلاً، ليس جوهراً قائماً بذاته يحارب النور؛ إنه ببساطة عدم النور. كذلك المرض ليس وجوداً إيجابياً، بل هو غياب الصحة أو نقص في التوازن الحيوي. والجهل ليس علماً معكوساً، بل غياب العلم. والظلم ليس عدلاً مقلوباً، بل غياب العدل أو عدم تحققه في الفعل البشري. بهذا المعنى، الشر ليس مخلوقاً مستقلاً، ولا هو فعلاً إلهياً مباشراً، بل هو نتيجة حتمية للمراتب المحدودة والناقصة في سلسلة الوجود.هذا التصور ينسجم تماماً مع الرؤية التوحيدية الكونية عند مطهري. فالكون ليس مجموعة من الأشياء المنفصلة، بل نظام واحد مترابط طولياً (من الله كعلة أولى إلى أدنى المخلوقات) وعرضياً (بالعلاقات والشروط بين الموجودات). في هذا النظام، يفيض الوجود على كل شيء بحسب قابليته واستعداده. فالذرة تتلقى وجودها المحدود، والإنسان يتلقى وجوداً أرقى يشمل العقل والإرادة، والملائكة تتلقى وجوداً أنقى. حيث تكون القابلية محدودة، يظهر النقص بالضرورة. هذا النقص ليس ظلماً إلهياً، بل هو لازمة وجودية لتحقق التنوع والمراتب والكمال الكلي. لو كان كل موجود كاملاً مطلقاً، لما كان هناك كون متعدد المراتب، ولما برز الجمال في التنوع، ولما كان هناك مجال للارتقاء والسعي.ويُبرز مطهري نسبية الشر في هذا السياق. فالشر ليس مطلقاً، بل هو نسبي تماماً للمخلوق وللمنظور. ما يُعد شراً بالنسبة لإنسان قد يكون خيراً بالنسبة لمخلوق آخر أو في النظرة الكلية. سم العقرب، على سبيل المثال، شر بالنسبة للإنسان الذي يتعرض له، لكنه خير بالنسبة للعقرب نفسه لأنه يحميها ويحفظ بقاءها. كذلك، الزلزال الذي يدمر مدينة قد يكون شراً جزئياً، لكنه جزء من النظام الجيولوجي الذي يحفظ توازن الأرض ويجدد خصوبتها على المدى الطويل. هذه النسبية تكشف أن الشر ليس مخالفة للنظام الكوني، بل هو جانب من جوانب هذا النظام نفسه حين ننظر إليه من زاوية محدودة. النظرة الكلية – التي تكشفها الرؤية التوحيدية – ترى أن الكون «أحسن النظم» رغم هذه النقائص الجزئية، لأن النظام الكلي يحقق أكبر قدر ممكن من الخير والكمال بالنظر إلى طبيعة المخلوقات.

أما فيما يتعلق بالشرور الأخلاقية (كالكذب والظلم والعدوان)، فيؤكد مطهري أنها أيضاً عدمية في جوهرها. الظلم ليس وجوداً إيجابياً، بل هو غياب العدل في الفعل البشري، أي عدم تحقق العدل الذي ينبغي أن يكون. وهذا الغياب يعود إلى حرية الإنسان وقدرته على الاختيار. الله منح الإنسان الإرادة الحرة ليكون مسؤولاً، وليكون كماله اختيارياً لا جبرياً. لو أجبر الله الإنسان على الخير فقط، لما كان الإنسان إنساناً بل آلة. لذا، أتاح الله مجالاً للنقص والخطأ، لكن هذا النقص ليس من فعل الله المباشر، بل من فعل الإنسان نفسه الذي يختار العدم (الشر) بدلاً من الوجود (الخير). ومع ذلك، فإن العدل الإلهي يضمن أن كل فعل يلقى جزاءه، سواء في الدنيا أو في الآخرة، مما يعيد التوازن إلى النظام الكوني.هذا الفهم للشر كعدم يفتح الباب واسعاً أمام المدد الإلهي في الحياة البشرية. فحيث يوجد النقص (الشر)، تظهر الحاجة إلى الفيض الإلهي. المعاناة والألم والجهل ليست نهايات، بل هي نداء داخلي يدفع الإنسان إلى السعي والإخلاص والجهاد الأكبر. والله، بمقتضى رحمته الرحمانية العامة ورحمته الرحيمية الخاصة، يفيض المدد والعون والإلهام على من يسعى ويطلب. هكذا، يتحول الشر (كغياب) إلى فرصة لتحقق الوجود الأرقى. النقص يصبح محركاً للكمال، والألم يصبح طريقاً للصبر واليقين، والجهل يصبح باباً للعلم والمعرفة. المدد الغيبي إذن ليس تعويضاً عن شر إيجابي، بل هو استجابة حكيمة للنقص الذي يحتاج إلى ملء.

في سياق التجديد الديني، يجعل مفهوم الشر كعدم الفكر الديني قادراً على مواجهة التحديات المعاصرة بثقة عميقة. ففي عصر يرى فيه كثيرون العالم فوضى مليئة بالشرور المطلقة، يقدم مطهري رؤية توحيدية تكشف أن الكون ليس فوضى، وأن الشر ليس قوة مستقلة، بل غياب مؤقت أو نسبي يخدم في النهاية الكمال الكلي. هذا الفهم يحمي الإيمان من الانهيار أمام المآسي، ويحوله إلى قوة إيجابية تحول المعاناة إلى نمو، والنقص إلى سعي، والغياب إلى فيض. بهذا، يصبح الشر كعدم ليس مشكلة تُحل بالدفاع فقط، بل سراً كونياً يكشف عن حكمة الله: أن يسمح بالنقص ليفتح مجالاً للاختيار والارتقاء، وأن يجعل هذا النقص نفسه باباً للمدد الإلهي الذي يملأ الفراغ ويرفع الإنسان نحو مراتب أعلى. هكذا تكتمل الرؤية التوحيدية: الوجود كله من الله وإليه، والعدم (الشر) مجرد لحظة في رحلة العودة إليه، والمدد الغيبي هو اليد الإلهية التي تمد للإنسان في كل نقص لتعيده إلى الكمال.

خاتمة

يمثل تجديد الفكر الديني عند مرتضى مطهري نموذجاً متكاملاً للإحياء الإسلامي المعاصر. إنه لا يفصل بين النظر الكوني والعمل الإنساني، بل يجعلهما متداخلين عبر المدد الإلهي الذي يربط الغيب بالشهادة. والمقاربة التيوديسية ليست دفاعاً سلبياً عن الله، بل إعلاناً إيجابياً عن حكمته وعدله في نظام يدعم الإنسان ويرفعه. هذا التجديد يدعو الإنسان المعاصر إلى أن يرى في كونه جزءاً من كون توحيدي، وفي معاناته فرصة لمدد إلهي، وفي إيمانه قوة تحول الشر إلى خير واليأس إلى أمل. بهذا، يعود الدين حياً، قادراً على مواجهة العصر بكل تحدياته، ومؤكداً أن التوحيد ليس مجرد كلمة، بل رؤية ومدداً وعدلاً يحيي الحياة البشرية كلها. في النهاية، مقاربة مطهري التيوديسية ليست مجرد فلسفة دفاعية، بل دعوة إلى إعادة اكتشاف الإيمان كحياة كاملة. إنها تجعل الإنسان يرى في كونه جزءاً من كون توحيدي أفضل، وفي ألمه فرصة لمدد إلهي يرفعه، وفي جهده مسؤولية تكمل النظام الكوني. هكذا يعود الدين حياً، قادراً على احتواء تناقضات العصر وتحويلها إلى طاقة بناء، مؤكداً أن العدل الإلهي ليس غياب الشر، بل حكمة تحول الشر إلى طريق نحو الله.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

قدم العلامة د. نوري جعفر الجزء الثاني من كتابه (طبيعة الإنسان في ضوء فسلجة بافلوف)، وهو حصيلة أكثر من اثنتي عشرة سنة من البحث والتفكير العميق، عاشها بعيداً عن أسرته ومواجهة صعوبات متعددة، منها تعذر إيجاد مصطلحات عربية دقيقة.

يتناول هذا الجزء نظريات بافلوف حول النوم، الأحلام، والاضطرابات العصبية، مع موازنتها بالآراء الغربية، لا سيما فرويد، مستنداً إلى الفسلجة العصبية المركزية كأساس علمي لفهم النفس والسلوك البشري. ويكشف هذا المسار كيف يتحول علم النفس والتربية من مجرد تأمل فلسفي إلى معرفة علمية دقيقة، تتجذر في حقائق الجهاز العصبي، وتربط بين النظرية والتجربة.

إن اعتماد علم النفس والتربية على الفسلجة الحديثة يكسر قيود التأمل الفلسفي الأفلاطوني، ويفتحها على ثروة معرفية غنية مستمدة من العلوم الطبيعية والرياضيات. فالفسلجة تمدنا بفهم دقيق لطبيعة جسم الإنسان، وبخاصة الجهاز العصبي المركزي ودماغه، الذي يمثل أداة التفكير والانفعال والسلوك. ومع ضخامة المعطيات العلمية المتوافرة اليوم، يعرض هذا الملخص الملامح الكبرى المرتبطة مباشرة بعلم النفس والتربية، لتوازن بين الحقائق العلمية الراسخة وبين الافتراضات الميتافيزيقية غير المبنية على تجربة. هذا الاستناد للعلوم الطبيعية هو ما أتاح التقدم المذهل لعلم النفس منذ القرن السادس عشر حتى اليوم.

كشف التغلغل في العمليات الحيوية داخل الأجسام الحية عن الجذور الفيزيائية والكيميائية للوظائف العضوية، ففتحت أمام الإنسان الحديث آفاقاً واسعة للسيطرة عليها، كما سيطر على الطبيعة الجامدة بفضل تقدم العلوم.

تشير الدراسات الفسلجية الحديثة إلى أن دماغ الإنسان يستهلك في الدقيقة ما يعادل استهلاك الجسم كله أثناء الراحة، ما يفسر سرّ تأثره السريع بنقص الأوكسجين. أي توقف جزئي أو كامل في الدورة الدموية يؤدي فوراً إلى اضطراب في نشاط المخ والجسم، وقد يفضي إلى الموت خلال دقائق معدودة إذا لم تُتخذ الاحتياطات. حتى الانحباس المؤقت للدم في المخ يسبب الإغماء، بينما يزداد تدفق الدم أثناء نشاط الذهن المركّز. هذا يوضح أن الدماغ، كعضو الفكر والحياة العاطفية، شديد الحساسية، وأن أي نقص حاد في الأوكسجين قد يؤدي إلى تدميره والموت المحتم.

ثبت أن استعادة نشاط القلب بالدلك بعد توقفه لفترة تتجاوز ثلاث دقائق لا تكفل بالضرورة بقاء المريض على قيد الحياة إذا لم يستأنف الدماغ عمله ويحصل على كفايته من الأوكسجين. فحتى عند عودة القلب للعمل مؤقتاً، قد يبقى المريض في حالة إغماء ويموت إذا عجز المخ عن استعادة نشاطه، إذ يتوقف معظم خلاياه عن العمل — موتها البيولوجي.

توقف القلب والتنفس لا يعني دائماً موت الدماغ فوراً؛ هذه الحالة تُعرف بالموت الكلينيكي، وهي حالة وسطية انتقالية بين الحياة الكاملة والموت البيولوجي الحقيقي، حيث يمكن إعادة الحياة للجسم بوسائل تنشيط القلب والتنفس إذا لم يتوقف المخ نهائياً عن العمل. وهكذا، يصبح الموت الكلينيكي جسراً بين النشاط الحيوي الكامل والموت البيولوجي الذي يحل حتماً عند توقف الدماغ عن العمل.

حتى وإن أعاد الأطباء للقلب نبضه والتنفس عمله بالوسائل الاصطناعية، فإن الشخص يبقى (ميتا) إذا ظل دماغه معطلاً، إذ تتوقف حياته العقلية بالكامل. أما إذا انتعش الدماغ أثناء فترة الموت الكلينيكي، تعود الحياة إلى مجراها الطبيعي. ومع ذلك، الموت البيولوجي حتمي عاجلاً أم آجلاً، وفق قانون الطبيعة.

وقد ثبت أن قدرة المخ على امتصاص الأوكسجين تتناقص مع تقدّم السن، وأن صرخة المولود ليست احتجاجاً على القيود كما افترض كانت، ولا شعوراً بالنقص كما قال فرويد، بل تعبير فسيولوجي عن عدم اكتمال نضج خلايا المخ الهرمية المسؤولة عن المشي والعضلات المرتبطة به. وتبلغ مرونة الدماغ أقصى مستوياتها في السنوات الخمس الأولى من عمر الطفل، قبل أن تتجه نحو التحجر الوظيفي.

الطفل في السنوات الخمس الأولى من حياته يمتلك مرونة دماغية هائلة، تجعل هذه الفترة حرجة لتوجيهه ثقافياً واجتماعياً. فإذا افتقد البيئة المناسبة، يصبح لاحقاً صعب التدريب، ويصعب رفع مستوى تفكيره إلى ما يحققه أقرانه في المجتمعات الراقية. تضاعف المخاطر إذا أصيب الطفل بحمى طويلة الأمد أو تعرض لنقص التغذية، إذ يؤثر ذلك على خلايا دماغه ويؤدي إلى تخلف عقلي جزئي.

هذه المرونة المبكرة تفسر أيضاً السلوك الحيواني للأطفال الذين فقدوا الحياة الاجتماعية وعاشوا بين الحيوانات. من الناحية المورفولوجية، يتميز مخ الطفل بقشرة مخية غير ناضجة وخلايا عصبية بدائية، بينما تكون مراكز المخ السفلي المسؤولة عن الوظائف الحيوية أكثر نضجاً، ما يفسر ضعف مقاومته وسهولة تأثره بالاضطرابات التنفسية والهضمية. هذا التفسير العلمي يختلف جذرياً عن التأويل الميتافيزيقي لفرويد حول الطفولة والجنس.

ينمو الجانب الانفعالي لدى الطفل أسرع من نضج مخه، ما يجعل حياته الانفعالية غنية ومكثفة. وقد لاحظ فوكت (1817–1895م)، عالم الفسيولوجيا الألماني، أن مخ رجل توفي في الخمسين كان أكبر من جسده بعشر سنوات، نتيجة انقطاعه عن النشاط العقلي الطويل، ما أدى إلى فقدان خلايا عصبية عديدة—دليل على أن الخمول يضعف المخ، ويبرر تشجيع المجتمعات المتقدمة للمسنين على النشاط العقلي والجسدي المستمر.

ركز بافلوف اهتمامه في علم المنعكسات الشرطية على التعبيرات الموضوعية لنشاط المخ، وكشف القوانين الفسيولوجية التي تحكم ارتباط الإنسان والحيوان بالبيئة، فبين أن عدداً محدوداً من المنعكسات غير الشرطية يولد طيفاً هائلاً ومتعدداً من الأفعال الشرطية، ما يمكن الكائن من التكيف بأفضل صورة ممكنة.

يرى بافلوف أن المنعكسات—الشرطية وغير الشرطية—استجابات منظمة يقوم بها الجهاز العصبي المركزي للكائن الحي تجاه المنبهات البيئية. فالمنعكس غير الشرطي فطري، مثل إفراز اللعاب عند الطعام، بينما المنعكس الشرطي يكتسب تدريجياً عبر تكرار الربط بين منبه محايد (كالجرس أو ضوء المصباح) ومنبه طبيعي.

تكمن قيمة دراسة بافلوف في فهم النشاط العصبي الأعلى: كيف يولد الدماغ لدى الإنسان والحيوان سلوكيات تكيفية من خلال الربط الشرطي، مستنبطاً من تجاربه قوانين النشاط العصبي ونشوء المنعكسات الشرطية عبر التعلم والخبرة.

المنعكسات الشرطية تنقسم إلى طبيعية واصطناعية: الأولى استجابات مكتسبة تجاه منبهات ذات خواص جوهرية، كالروائح أو الأصوات الملازمة للطعام، مثل إفراز اللعاب عند الحيوان أو الإنسان الجائع. أما المنعكسات الشرطية الاصطناعية فهي استجابات تجاه منبهات محايدة في الأصل، كالجرس أو ضوء المصباح أو ظهور شخص معتاد على إحضار الطعام، بعد أن ترتبط بتجربة الطعام.

من خلال تجاربه، كشف بافلوف عن خصائص النشاط العصبي الأعلى، وأنماط الجهاز العصبي المركزي الأربعة المشتركة بين الإنسان والحيوان، المطابقة في المبدأ للأمزجة الأربعة التي وصفها إخوان الصفا. وتُقسم هذه الأنماط إلى مجموعتين: متطرفة وقوية مندفعة حيث تسيطر الإثارة على الكف، وضعيفة حيث تتراجع كل من الإثارة والكف معاً.

المجموعة الثانية من أنماط الجهاز العصبي المركزي هي المعتدلة، حيث تنسجم عمليتا الإثارة والكف بكفاءة، لكنها تنقسم بدورها إلى فئتين بحسب ديناميكية تبادلهما: فئة هادئة بطيئة، وأخرى نشطة سريعة الاستجابة حسب الظروف.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

كينونة الوجود في أتون الحرب والتلاعب الاقتصادي

في ماهية الصراع المعاصر: تُعد التحولات في السياسة الجغرافية والاقتصادية في مطلع القرن الحادي والعشرين نقطة تحول جوهرية في تاريخ النزاعات البشرية؛ إذ لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية تقليدية تنشد استعادة السلم أو صون السيادة، بل استمالت لتغدو أزمات اجتماعية وسياسية غائرة تتداخل فيها الهوية والعدالة وموازين القوى في فضاءات شديدة التعقيد والغموض الأخلاقي. إن مفهوم "الانتصار المنكسر" يجسد الحالة التي تبلغ فيها القوى المهيمنة مآربها المادية عبر أدوات القسر الاقتصادي، لكنها تظل حبيسة مأزق أخلاقي ووجودي ناجم عن تقويض شروط الحياة الكريمة للآخرين. وفي المقابل، تعبر "الهزيمة المتعالية" عن قدرة المجتمعات الهشة على تجاوز الانهيار المادي لبلوغ كينونة أصيلة تنبثق من جلال مواجهة "المواقف الحدية" التي صاغها الفيلسوف كارل ياسبرز؛ فهي هزيمة في معيار المادة، لكنها سموّ رفيع في ميزان الوجود والقيم.

 الميتافيزيقيا المعاصرة للصراع والوجود

تبدو الحروب المعاصرة، في ظل الواقع الراهن، بوصفها تحدياً مباشراً للجوهر الإنساني، فهي لم تعد تحصر نفسها في الميادين المادية الصرفة، بل تمددت لتهيمن على العقول، والوعي الجمعي، والشبكات الاقتصادية. إن هذه الحروب تُشن لا طلباً للاستقرار، بل في تمرد صارخ على مفهوم السكينة؛ مما يولد مساحات برزخية من "لا حرب ولا سلم"، تتسم بالاضطراب والمظالم العالقة، والعنف المستتر الذي يورث ندوباً نفسية واقتصادية تتوارثها الأجيال. ومن منظور فلسفي، يعيد هذا النزاع صياغة مفهوم "الوجود"؛ إذ لم يعد الفرد في المجتمعات المنكوبة يعرّف ذاته بإنتاجه أو ابتكاره، بل بمدى صموده أمام آلات المحو الاقتصادي، فتصبح الحرب حالة وجودية دائمة ترمي إلى تجريد الإنسان من فاعليته وتحويله إلى رقم مجرد في حسابات الربح والخسارة العالمية.

المواقف الحدية والإخفاق الوجودي

ينطلق التحليل الفلسفي هنا من رؤية كارل ياسبرز، الذي رأى أن الإنسان يدرك كنه وجوده حين يصطدم بحدود إدراكه وفعلِه في مواقف قدرية لا يمكن الفكاك منها، كالمعاناة، والذنب، والصراع، والموت. وفي سياق "الدول الرخوة" التي ترزح تحت وطأة التلاعب الاقتصادي الممنهج، يستحيل الانهيار المعيشي إلى "موقف حدي" كوني. بيد أن هذا الإخفاق، وفق منظور ياسبرز، ليس نهاية مسدودة، بل هو رمز لـ "التعالي"؛ فعندما يتداعى النظام المادي وتعجز الدولة عن تأمين الرفاه، يجد الإنسان نفسه مجبراً على مواجهة الأسئلة الوجودية الكبرى حول الجدوى والانتماء. إن "الهزيمة المتعالية" تتجلى حين يحول المجتمع هذا الانكسار المادي إلى وعي سياسي وأخلاقي عميق، يرفض الرضوخ للإملاءات الخارجية، فيكتشف الإنسان أن حريته الباطنية عصية على المصادرة مهما تعاظمت أدوات الضغط المالي.

عسكرة المال وتسليع الكينونة

تؤدي "عسكرة النظام المالي" إلى تحويل الاقتصاد من غاية لرفاه الإنسانية إلى وسيلة للمناورة القتالية، وهو تحول يفرز نتائج كارثية تتجلى في إقصاء الاستثمار في الطاقات البشرية، وتراكم المديونيات السيادية، وتوجيه المجتمعات نحو الصناعات العسكرية. إن هذا التوجه يصادر حق الفرد في "الارتقاء الذاتي" ويحيله إلى برغي في آلة الحرب الكبرى، مما يفاقم المأزق الوجودي عبر "تسليع الإنسان" واعتباره "جهداً ميتاً" في عمليات التراكم الرأسمالي العسكري. هنا، لا يصبح الفقر مجرد عوز للموارد، بل أداة استراتيجية لكسر الإرادات السياسية، حيث تُستخدم الحاجات البشرية الأساسية كأوراق ضغط وتفاوض.

الاعتماد المتبادل المسلح وتكتيكات "نقاط الخنق"

في عصر العولمة، لم تعد الروابط الاقتصادية والتقنية جسوراً للسلام، بل أضحت "ميدان حرب" مبتكراً. يبرز هنا مفهوم "الاعتماد المتبادل المسلح"، الذي يشير إلى قدرة القوى المسيطرة على "عقد" حيوية في الشبكات العالمية (مثل نظم التحويل المالي أو سلاسل توريد التقنيات السيادية) لفرض مشيئتها على الآخرين. إن هذه الآليات تعيد تعريف القوة؛ فالسيادة لم تعد تُقاس بفيالق الجيوش، بل بالقدرة على التحكم في "مضائق الخنق" التي تتدفق عبرها الموارد. ومع ذلك، يظل هذا الانتصار "منكسراً"؛ لأنه يحفز الدول المتضررة نحو "فك الارتباط" وابتكار أنظمة بديلة، مما يؤدي إلى تشظي النظام الدولي وتنامي احتمالات الصدام الشامل والانهيار العالمي.

الاستحواذ الرأسمالي والدول العقائدية

تتجلى ذروة التلاعب الاقتصادي في سياسة "الاستحواذ الرأسمالي" على منابع الطاقة والمعادن النادرة، ولا سيما في الدول ذات الصبغة الفكرية العقائدية. تعمد القوى الكبرى إلى توظيف تكتيك "الحصار الذكي" لشق الصف بين السلطة والشعب، ثم تتدفع بشركاتها العابرة للحدود لامتصاص الموارد تحت ذريعة "إعادة الإعمار" أو "تسوية الديون". في هذه الدول، تُسلب الثروات الطبيعية صفة "الأصول الوطنية" لتصبح "رهائن اقتصادية"؛ فالاستيلاء على الليثيوم والكوبالت والغاز ليس نشاطاً تجارياً فحسب، بل هو عملية "نزع سيادة" ممنهجة تجري عبر صياغة بيئات قانونية دولية تحمي المستثمر الأجنبي على حساب الحقوق البيئية والاجتماعية، مما يحول هذه الأوطان إلى "مناطق تضحية" تُستنزف لرفاهية المراكز الرأسمالية.

مآلات التنمية المستدامة والمأزق البشري

في ظل هذا التوحش الرأسمالي، تغدو "التنمية المستدامة" شعاراً فارغاً يُستخدم للتغطية على المأزق البشري العميق. إن قوى الهيمنة العالمية لا تسعى لتحقيق استدامة الموارد للبشرية، بل تهدف إلى "إدارة الاستغلال" بذكاء يضمن بقاء تدفق الثروات نحو المركز. إن المفهوم الحقيقي للتنمية قد تم إفراغه من محتواه الإنساني ليتحول إلى أداة لقمع التطلعات التنموية للدول النامية؛ حيث تُفرض معايير بيئية وتقنية تعجيزية تعمل كحواجز أمام نمو الدول الفقيرة، بينما تستمر القوى المهيمنة في تصدير أزماتها البيئية وتكاليفها الاجتماعية إلى تلك الشعوب. إن "المأزق البشري" يكمن في هذا التضاد الصارخ؛ حيث تُسحق القيم الإنسانية تحت أقدام الربح السريع، وتُستنزف دماء الأجيال القادمة عبر صفقات مشبوهة وعقود جائرة تُبرم في ظلال الحروب، مما يجعل التنمية المستدامة في ظل الهيمنة الحالية مجرد آلية لتأبيد التبعية وتشريع النهب تحت مسميات براقة.

الكينونة في مواجهة التلاعب: من النمو إلى النضج

في خضم هذا الانهيار، تحتم الوجودية المعاصرة الانتقال من مفهوم "النمو المادي" القائم على الاستهلاك، إلى "النضج البشري" الذي يرتكز على الأخلاق والتكاتف والوعي التاريخي. إن صراع "الانتصار المنكسر" و"الهزيمة المتعالية" يرسم ملامح مستقبل يتطلب صموداً وجودياً؛ فالتلاعب الاقتصادي قد ينتزع مكاسب عابرة، لكنه يقوض أركان القيم الإنسانية. إن التعالي على الانكسار المادي هو الفوز الحقيقي، إذ لا يُقاس بمؤشرات النمو، بل بمدى نجاة جوهرنا الإنساني من براثن التسليع، وقدرتنا على صون العدالة لمن لم يولدوا بعد.

***

غالب المسعودي

...........................

المراجع

ياسبرز، كارل (1951). فلسفة الوجود. (دراسة في المواقف الحدية والإخفاق كمسار للتعالي الوجودي).

ميردال، جونار (1968). الدراما الآسيوية: بحث في فقر الأمم. (المرجع الأساس لمفهوم الدول الرخوة وعلاقة الفساد بالتعثر التنموي).

فانون، فرانتز (1961). معذبو الأرض. (تحليل معمق لآليات السيطرة الاستعمارية والرأسمالية على مقدرات الشعوب).

فاريل، هنري ونيومان، أبراهام (2019). الاعتماد المتبادل المسلح. (بحث في توظيف الشبكات العالمية كأدوات للقسر الاقتصادي).

هارفي، ديفيد (2003). الإمبريالية الجديدة. (تأصيل لمفهوم التراكم عبر السلب والاستحواذ القسري على الموارد).

هايدغر، مارتن (1927). الوجود والزمان. (تحليل كينونة الإنسان في مواجهة تقنيات التسليع الحداثية).

قراءة نقدية في مأزق الوعي

«الإنسان الذي يعتبر حياته خالية من المعنى ليس تعيساً وحسب، بل بالكاد يصلح للحياة».. (ألبرت آينشتاين)

مقدمة: جاء في كتاب «نظام التّفاهة» للفيلسوف الكندي «آلان دونو» ما مفاده، أن المجتمعات المعاصرة بدأت تمنح السلطة والتّأثير لأشخاص لا يتميّزون بالضّرورة بالكفاءة الفكرية أو الإبداع، بل بقدرتهم على التّكيّف مع منطق السوق والإعلام. بهذا المعنى أصبحت التّفاهة شعار العالم الذي يقوده إلى الانحلال والانحطاط، حين عطّل وهمّش الفكر النقدي والإبداعي، وكافأ السّطحية التي أصبحت بدورها طابعاً تُخبّئُ ذواتاً لا تفكّر، ولا تُبدع، ولا تُبادر، بل تنتظر دائما، تتحيّن الفرص للرّبْح بعيدا عن العمل الجادّ، وعن  الأخلاق والقيم.

لا يخفى على ذي عقل راجح أن العصر الذي يضمُّنا، عصرٌ تتقاطع فيه التحوّلات التكنولوجية المتسارعة مع التّغيّرات الاجتماعية والاقتصادية، فشكّلت بذلك حياة مليئة بالفُرص من جهة، والتّحدّيات والضياع والفشل من جهة أخرى. وبين هذين الحدّين يجد الشباب العربي نفسه يتخبّط في الجهة الثانية من الحدّين بين سؤال الوعي بما هو وبما يحيط به، وسؤال المعنى والمصير وما يحكمهما ويتحَكّم فيهما.

والشباب كمرحلة عمرية تمتاز بالقوة والتَّحدّي والمغامرة والأحلام، وإيجاد موْطئ قدم على أرضية تتجدّد كلمح البصر تصنعها وسائل التّواصل الاجتماعي، تنبني على النّجاحات المُخادعة والسريعة والسّهلة، والثراء الفاحش والشّهرة الواسعة، لكن واقع الشباب العربي اليوم، يكسّر أجنحته، ويحد من انطلاقه ويطمس أحلامه ويُعجز حركته كالبطالة والقلق من المستقبل، والضغوط الاجتماعية وضبابية الحلم السياسي، وغياب شروط تحقيق الذّات. هذا الواقع يُوَلِّد لدى الشباب حالة من الاغتراب الداخلي، والوحدة القاتلة وانقطاع العلاقات الإنسانية الحقيقية، وهنا يبزغ سؤالٌ حارقٌ بناء على ما سبق: هل يعيش الشباب العربي اليوم أزمة فقدان المعنى في ظل عصر لا يعترف إلا بالصّورة والسرعة والقوة والرّداءة؟ وماذا يحدث إن لم يجد الشباب العربي معنى لحياته يُبنى على الوعي بذاته وواقعه وما يأتيه من العالم الآخر؟

الصّورة والوعي الكاذب..

في ظل ثقافة الصّورة وطغيان وسائل التّواصل الاجتماعي وتحَكُّمها في دواليب الحياة، وُجد وعيٌ كاذب زائف قائم على ذر الغبار في الأعين لتمويه العقول، وتسليع الحياة والإنسان، ممّا دفعَ بالشباب إلى التّلصُّص على حياة الآخر والتّماهي معها وتقليد ما يجود به من دون وعي، حتى تسرَّب الفشل واليأس والانتظار إليه، واختلّت لديه موازين القياس والنّظر والتفكير وإعمال العقل. وفي ظل التّفاوُتات التي تُكَرِّسها العولمة العالمية البغيضة، تراكمت الانتظارات والأحلام والأمنيات والتّمزُّقات، وفقدان المعنى والثقة في الحال والمآل، فانعدمت المبادرات، وانطفأ الأمل في إيجاد المشاريع العقلانية الدّافعة إلى التَّواجُد بالفعل، وأحاطت بالشباب الأزمات، أزمة إمكانيات وأزمة معنى وأزمة وعي، وتكالبت عليه حالات معقّدةُ من التّوتّر الوجودي والشعور بالنّقص والعجز واللاجدوى، والعيش خارج النّجاح رغم انفتاح العالم على العالم بفضل الوسائل الرقمية.

لقد بيّن عالم الاجتماع «غي ديبور» في كتابه «مجتمع الاستعراض» أن الإنسان الحديث لم يعد يعيش الواقع، بل يعيش تمثلاته، حيث تتحول الحياة إلى صور تُعرض للاستهلاك، وهذا ما تحفل به المنصّات الرقمية حيث تُختزلُ الحياة في لحظات مُنتقاة بعناية يلفُّها المكر والخبث، تُظهر النّجاح والتّفوّق من دون مساراته، والنّتيجة من دون معاناة، وهنا الفخّ الذي سقط فيه الشباب العربي حيث لم يستوعب جيّداً خيوط اللعبة الماكرة فانخرط فيها، فغاص في حمأة الإحباط والفشل وجلد الذّات والاغتراب وضياع القيمة والقيم، فمتى يستفيق الشباب العربي ويدرك الزّيف الذي يلف العالم الرقمي، ويبني على أنقاضه، بوعيٍ، معاييره  الجديدة نحو النّجاح ويُؤسّس مساره نحو المعنى؟

إن الانتقال إلى الوعي وبناء المعنى يتطلّب جهداً وتفكيراً ذكياً وإبداعياً، وقُدرةً على طرح السؤال وخوْض غماره، والاستعداد لأخذ المبادرة والتّغيير بدل الانتظار والاستهلاك والتّفرُّج على مواكب السائرين نحو الأمام.

الشباب العربي ومأزق الوعي..

«إن سعي الإنسان إلى البحث عن معنى هو قوة أولية في حياته... وهذا المعنى فريد ونوعي من حيث أنه لا بدّ أن يتحقق بواسطة الفرد وحده... وعندئذ فقط، يكتسب هذا المعنى مغزى يشبع إرادة المعنى عنده» ، فالعصر اليوم تتسارع دقّاته وتتوسّع خطواته، يعيشه شبابٌ يُسارع أمنياته وأحلامه لتحقيقها ليُصبح «شيئاً» وهو لم يكتشف بعد طاقاته ومن يكون، عصرٌ يطالبه بأن ينجح ويُحقّق ذاته بسرعة، في حين تحاصره البطالة والبطالة المقنّعة، والتّخلّف الاجتماعي، والصّراعات السياسية التي تدعوه من دون وعي منه، إلى الانخراط والسير في ركابها كالأعمى من دون طرح السؤال. وممّا عقّد الأمور وعمّق الأزمة لدى هذا الشباب، انفتاح أبواب عوالم تمتدّ بلا حدود للحلم، إذ يكفي الضّغط على زرِّ هاتفٍ على مقاس راحة اليد، ليرى العالم في صورة تدفعه دفعاً إلى تصديق ما يرى من دون إعمال عقله، بينما الحقيقة توجد خلف الصّورة محفوفة بالمخاطر والمغامرة وتحدّي الصّعوبات، وهنا يتكوّن وهم السرعة، إذ يظن الشباب أن النّجاح يأتي سريعاً، وأنّ الحياة سباقٌ لا يحتمل انتظاراً، وأنّ العمرَ شبابٌ، لكنه حين يصطدم بالواقع المرير ينشا عنه الإحباط والفشل واليأس والوقوف عند مشارف الهاوية والسقوط، حينها يكون الشباب قد مرّ وفات أوان التّفكير في العوْد والبداية.

في خضمّ هذا الضّغط يضيع سؤال مهمّ قد لا ننتبه إليه: هل يعيش الشباب العربي أزمة فقدان المعنى أم أنه يسارع زمنه، بعيداً عن تعريفه خارج كينونته، ليكون؟ وهل أزمة الشباب العربي اليوم هي أزمة إمكانيات، أم أزمة معنى، أم أزمة وعي؟

لقد تعلّم الشباب العربي كيف يحصُل على المعلومات والصّور التي تختزل الحياة، بل أصبح يُتقن كيفيات الوصول إليها بسهولة كبيرة، لكنّه، وهنا مبتدأُ المشكل، لم يتعلّم كيف يصنع المعنى لحياته، ويؤسّس لوعيٍ ينهض على الفكر ونقد الواقع وحل مشكلاته، فشهاداته تتراكم، ومهاراته تُكتسب، وحياته تصبغ بالأماني والأحلام، لكن الإحساس بالفراغ يظل حاضراً وبقوة، لأن الإنسان لا يعيش بما يُنجز فقط، بل بالمعنى الذي يمنح طعما لوجوده وإنسانيته، ويملأ خواء روحه. وهذا الصراع كفيل بأن يكون بداية لتشكُّل الوعي، فالأزمات كثيراً ما تكون بوّابة لاكتشاف الذّات، وفهم التّحدّيات واكتساب القوة لطرح السؤال وخوض غمار أجوبته، فالشباب يملك القوة لتجاوز ذاته ودخول التّحدّي للتواجد في مجالات أوسع ليكون، وتحويل الفشل إلى نجاحات تدفع إلى البحث عن المغامرة واكتشاف المجهول في ذاته والمحيط والعالم.

لم يعد العالم اليوم يقتصر على مشكلات الشباب من مثل البطالة والفراغ واليأس وصعوبة الاندماج في سوق العمل والسياسة، وتفشّي ظواهر المحسوبية والرشوة، بل أصبح النّقاش في اتّجاه أزمة أعمق تتعلّق بالوعي والمعنى. فحين تضخّمت المعلومات وتكدّست المعرفة التي لم تؤدّ إلى عمق في الفهم، بل إلى سطحية الإدراك وتفاهة الاهتمامات وبساطة التّحدّيات وقصور الأسئلة الواعية بالأزمات، أصبح الشباب يشعر بالضّياع رغم أنه يعيش زمن الفرص المفتوحة على النّجاحات، والخيارات المتعدّدة القريبة، لكن الحقيقة أن «الإنسان يخترع نفسه، ويُصمّم جوهره، أي يبتدع ويصمّم حقيقة ماهيته، بما في ذلك ما ينبغي أن يكون عليه أو يصير به» .

بين تفاهة الفرص والخيارات ورداءة ثقافة العصر وضياع المعنى وغياب الوعي، وقف الشباب العربي حائراً تتجاذبه التّيارات والمنظومات التي تجعل من الفضاء الرقمي والدينامية العالمية المُختلّة التي تعدُ بالنجاح السريع على حساب التّأمّل والعمق في التّفكير بوعي، فتحوّل إلى مشروع فاشل وُئِدَ قبل انطلاقه، يبني أساساته بعيداً عن المعرفة الحقّة والوعي الحقيقي، والمعنى الإنساني لوجوده وإنسانيته، في غيابٍ كامل لما يُحقّقُ هذا الوعي، رغم ظنّه أنّه يمتلك الأدوات الفكرية التي تُمكّنه من فهمه أو تحليله لكنه، وهذا واقعه المفروض عليه، يحيا ثقافة الاستهلاك بعيدا عن التفكير النقدي.

في ظل هذا المشهد المُربك والمتشعّب الذي يوحي بالضّياع وتفشّي أزمة الشباب العربي، تظهر من حين لآخر بذور وعي جديدة، تأخذ من أزماتها وما يبني مستقبلها انطلاقا من الوسائط الاجتماعية، لتجعل منها مقدّمات لتحولات في الوعي الجمعي، وفهم الواقع وما تأتي به رياح الفضاء الرقمي، إذ كثيراً من الشباب اليوم، أصبحوا يُدركون أن مقاومة التفاهة والرداءة والفشل، لا تكون بالانسحاب من المشهد أو التّفرّج عليه، بل بالتّحدّي وتطوير القدرات النقدية الدّافعة إلى التّميُّز والتّمييز بين المعرفة الحقيقية البانية، وبين السراب الثقافي، وبين الاستهلاك والإنتاج واستعادة المعنى وتحويله إلى فهمٍ والفهم إلى رؤية، والرؤية إلى مشروع حضاري مستقبلي واعد.

انطلاقا من هذا السياق، ليست أزمة الشباب العربي أزمة موارد أو فرص أو نجاح فحسب، بل هي أزمة معنى ووعي بالحياة، فالإنسان المعاصر يعيش وسط شلاّلات من الصّور والمعلومات، لكنه في الوقت نفسه يعاني صعوبة تحديد الغايات والمرامي والأهداف، وتأكيد نفسه داخل المنظومة الرقمية العالمية، في محاولة منح حياته قيمة ومعنى واتجاها، فأصبح يعيش «عصر الفراغ» كما سمّاه عالم الاجتماع الفرنسي «جيل ليبوفتسكي»، حيث تتراجع المشاريع الكبرى، والقيم الجامعة، والبحث عن آليات التشارك الإنساني، ويحلُّ محلّها الاهتمام بالفردانية والاستهلاك.

الشباب العربي من بين شباب العالم مُحاصر بعدّة ظواهر تزداد حدّتها وآثارها وتتعقّد يوما عن يوم، فالنّظم التعليمية في كثير من البلدان العربية تحتل المراتب المتأخّرة في سلّم التّصنيف العالمي، أولا بسبب تأرجحها بين الإصلاح والتغيير الذي لا ينتهي، وبين التّمسّك بالتلقين والحفظ كمنهجية للتعلُّم بدل التفكير النقدي والإبداعي وتشجيع المبادرات. كما أن الأوضاع الاقتصادية والسياسية كثيرا ما تحدّ من قدرة الشباب على إبراز طاقاتهم، إذ يَعتقد كبار السن أنهم ما زالوا مفاتيح الحل والعقد والتّسيير والتدبير، إضافة إلى السير السريع لحركة العصر وطغيان العالم الرقمي والذكاء الاصطناعي، وقلّة الضّمانات، وتمجيد الأنا، كل هذا وغيره، يفرض على الشباب العربي قيوداً تزداد قبضتها وشدّتها وضيقها مع تطور العصر وتقدم السنّ، ينشأ عنه شعور بالاغتراب والتيه والضياع.

خاتمة..

هذا التّشخيص رغم انسداد أفقه إلا من بصيص نور يظهر من بعيد، لا يعني أن الشباب العربي يعيش حالة استسلام كامل، فداخل هذا الواقع المرير والمعقّد تظهر من حين لآخر محاولات جادة لإعادة بناء المعنى، وإمداد الوعي بالحياة من خلال تواجده داخل مجموعة من التّظاهرات الثقافية والسياسية والاجتماعية، ومن خلال انخراطه الفعلي في البحث عن أشكال جديدة للتّواجد، وتفعيل آليات التفكير العلمي والنقدي والإبداعي واستغلال الفرص المـتاحة وتطويرها لإعادة صيغ جديدة للتفكير في القيم والأهداف، وتفعيل أدوات وطرق صياغة معنى ووعي عربي، والتّمسّك بروح الإبداع والمغامرة والاكتشاف لإعادة تقويم البنية الاجتماعية والسياسية والثقافية، وإعادة النّظر والتفكير في تمثلات النّجاح وأسبابه.

***

عبد الهادي عبد المطّلب

الدار البيضاء / المملكة المغربية

...............................

المراجع المعتمدة للتّوسُّع..

1 ـ آلان دونو. نظام التّفاهة

2 ـ جيل ليبوفيتسكي. عصر الفراغ

3 ـ زيكموند باومان. الحداثة السّائلة

4 ـ مالك بن نبي. مشكلة الثقافة

5 ـ غي ديبور. مجتمع الاستعراض

6 ـ عبد الرحمن بن خلدون. المقدّمة

7- فيكتور فرانكل. الإنسان يبحث عن معنى

إن مفهوم التقدم يشكل إحدى المعضلات الفكرية التي شغلت بال البشر منذ قرون. وقد اختلف الفلاسفة والعلماء على تحديد مفهوم التقدم العلمي والفكري: ما ماهيته؟ وكيف يمكن قياسه، هذا إن كان أصلا قابلا للقياس؟ إذا كان التقدم مسارا تصاعديا، هل سنصل يوما للحقيقة المطلقة؟ هل سنتمكن من الإجابة على كل سؤال يمكن طرحه؟ أم ان التقدم يعني فقط استخراج أجوبة للأسئلة الحملحة في زمن معين؟ أجوبة ستعيد فتح الباب لطروحات وأسئلة أخرى، فنبقى ندور في حلقة مفرغة من أسئلة وأجوبة لا تنتهي. ويزداد هذا الجدل تعقيدًا حين نقارن العلم بحقول أخرى.  هناك من يرى أن العلم هو محرك التقدم الفعلي القادر على انتاج أجوبة تراكمية قابلة للتحقق، بينما تبقى مجالات أخرى كالفلسفة والفن حبيسة الأسئلة الكبرى ذاتها لقرون. لماذا يبدو العلم "يتقدم" بطريقة لا نجدها بنفس الوضوح في الفن والفلسفة؟ يرى المؤرخ والفيلسوف الأمريكي توماس كون في كتابه "بنية الثورات العلمية" أن مصدر قوة العلم هو ليس العقلانية المطلقة بل نظام يخلق إجماعاً عبر نموذج ارشادي عملي أو ما سماه بالبارادايم يحدد الأسئلة المقبولة ومعايير حلها. إن هذا البارادايم لا يضمن حقيقة نهائية، لكنه يصنع محرك التقدم عبر العلم العادي وهو سيكون موضوعنا في هذا المقال.

ماذا يعني البارادايم عند كون؟

يتقدم العلم، حسب كون، عبر العلم العادي داخل بارادايم. البارادايم في هذه الحالة هو الإطار الذي يزود العلماء بأمثلة معيارية، ومعايير قبول للحلول، وأدوات ومفاهيم تحدد: ما المشكلة العلمية الجيدة؟ وما الذي يعدّ حلًا مقنعًا؟ يلجأ العالم لإثبات نظريته إلى القياسات التي يراها "المجتمع العلمي" صحيحة وكافية ضمن بارادايم يعملون فيه. كأن يد البارادايم الخفية تدير العلم من بعيد وتحدد الأطر التي يعمل بها العلماء.

داخل البارادايم، يقول كون أن العلماء يمارسون العلم العادي. العلم العادي هو حل الألغاز ضمن الأطر الموضوعة والمدارة من يد البارادايم الخفية. هذا يجعل التقدم تراكميا ومحليا داخل البارادايم: دقة القياس تتحسن، التقنيات تتطور، وتُحلّ ألغاز أكثر فأكثر وفق نفس القواعد. يتابع العلم العادي تقدمه إلى أن يواجه شذوذات. يكون حل هذه الشذوذات يتناقض مع المعايير الأساسية للبارادايم، أو أن المعايير ذاتها لا تقدر أن تحل هذه الشذوذات. في كلتا الحالتين، تبرز الحاجة المستعجلة لإيجاد بارادايم جديد يتعامل مع المشاكل الحالية. فتحدث ثورة علمية ويبزغ فجر برادايم جديد يعود فيه العلماء إلى العلم العادي، وتستمر هذه الحلقة.

لكن كل هذا لا يعني أن العلم غير قادر على الحصول على أجوبة. أثبت العلم ومنهجه التجريبي فعالية كبيرة في الحصول على الأجوبة. والأمثلة لا تعد ولا تحصى من حيث الهندسة والتكنولوجيا، إلى فهم الأنظمة الحية على تنوعها.

أحد أفضل الأمثلة على مقترح كون هو فيزياء نيوتن. في فيزياء نيوتن كان البارادايم يفترض زمناً ومكاناً مطلقين وأن الجاذبية قوة، لذلك كان “التقدّم” يتمثل في حل ألغاز داخل هذا الإطار مثل حساب مدارات الكواكب وتحسين دقة التنبؤات. لكن حين ظهرت شذوذات مُحرِجة كعدم تفسير انحراف مدار عطارد تفسيراً كاملاً. بدأت أزمة ثقة في قدرة البارادايم على توليد حلول مرضية. عندها جاءت النسبية العامة كثورة أعادت تعريف الجاذبية بوصفها انحناء الزمكان بدل كونها قوة، أي أنها لم تُصلح تفصيلاً صغيراً بل غيّرت المفاهيم والمعايير التي تُعدّ “تفسيراً صحيحاً” من الأساس.

المشاكل والثورات العلمية

تظهر خلال فترة العلم العادي داخل البارادايم مشاكل ومعضلات لا يستطيع العلماء ذاتهم حلها ضمن الأطر الموضوع في المجال العلمي المحدد. وتوضع المشاكل والشذوذ جانبا حيث تفسر كخطأ قياس، أو تؤجل، أو تدمج مؤقتا. هذه ليست "لا عقلانية"، بل شرط إنتاجية العلم العادي. مع تراكم الشذوذات، تقل قدرة البارادايم على توليد ألغاز قابلة للحل وتتشكل أزمة. تصبح عندها الحاجة إلى بارادايم جديد وثورة علمية حاجة ملحة.

الثورة العلمية هي ليست مجرد إضافة حقائق، بل إعادة تنظيم المفاهيم والمعايير. يطرح باراديام جديد قائم على أطر ونماذج جديد قادرة على حل المشكلات التي كانت شذوذا. وغالبا ما تؤدي الثورة العلمية إلى اتساع نطاق التفسير ونجاح تقني وتنبؤي أكبر. إذا فالثورة العلمية تخلق مناخا جديدا لممارسة العلم العادي عبر توفير أطر ومعايير جديدة. إلا أنها ليس بالضرورة، حسب كون، أن تمثل اقترابا خطيا نحو حقيقة مطلقة، بل تتمكن من تغيير أسلوبنا في التفكير وحل المعضلات داخل البارادايم الجديد. أما الأخير فسيأتي يوم ويواجه الشذوذات والمشاكل ويتم تغييره. وبذلك تستمر دورة العلم.

لماذا يبدو العلم مختلفا عن الفلسفة والفن؟

كما قلنا أعلاه أن العلم يتقدم لأنه يمتلك معايير مشتركة وتدريب وألغاز متفق عليها. كل هذا يؤدي إلى انتاج معرفي تراكمي داخل الإطار. أما الفلسفة فهي في خلاف دائم حول الأسس والمعايير، لذا لا يوجد علم عادي فلسفي مستقر بنفس الصورة. ففي الفلسفة مدارس عدة تدرس المشكلة ذاتها عبر استخدام أدوات مختلفة. هذا ما يجعل تقديم حل نهائي للمعضلة أمرا صعبا. أضف إلى ذلك أن الفلاسفة يستعملون طرق مختلفة عن العلماء للوصول إلى الحقيقة كالاستدلال المنطقي لا الاختبارات التجريبية. مشكلة الادراك هي احدى الأمثلة عن المشاكل التي دأبت الفلسفة على محاولة حلها لسنوات. ويقول نعوم تشومسكي أن مشكلة الإدراك تفتقد لتشكيل سؤال واضع ووضع أطر محددة ليقدر أي أحد على حلها. فالجميع يحاول حل المشكلة بدون تشخيص حقيقي. أما للعلم التجريبي، تشكل مشكلة الوعي واحدة من أهم الشذوذات التي تعصف اليوم في بارادايم علم الأعصاب، والتي تحتاج لثورة قد بدأت تحصل في طريقة التعامل مع المشكلة.

ما نذكره هنا هو ليس ادانة للعلم والفلسفة والفن، بل اظهار للاختلاف في وظيفة كل مجال وطريقة التعامل مع المعضلات.

في الختام، يطرح توماس كون نموذجا مميزا لتفسير التقدم العلمي عبر العمل داخل الباراديم المتفق على معاييره وطرقه بين العلماء. في حين يؤمن العلم العادي التقدم التراكمي. وهنا تظهر الاختلافات بين العلم ولافلسفة والفن في طريقة الإجابة على الأسئلة وحل المشاكل العالقة.

***

فضل فقيه – باحث

.....................

قراءات إضافية:

Kuhn, T. S. The Structure of Scientific Revolutions. 4th edition (University of Chicago Press, Chicago, 2012).

ليس التعافي لحظة عابرة تصادفنا كما يصادف الضوء نافذة مفتوحة، بل هو رحلة خفية في أعماق الذات، تخاض بصمت أشبه بصمت البذرة وهي تشق ظلمة الأرض لتصبح شجرة. التعافي ليس نسيانا للألم، بل إعادة تأويله؛ ليس محوا للجراح، بل تحويلها إلى خرائط ترشدنا نحو أنفسنا. إنه ذلك التحول الدقيق الذي يجعل المرء يخرج من انكساره لا كما كان، بل أعمق، وأصدق، وأشد قدرة على احتمال الحياة.

يتعافي المرء إذا ألقى كل البؤس جانبا وحاول ألف مرة أخرى ليصنع من كل الظروف التي تحاربه ظرفا يدفعه لما يريده ويتمناه.

يتعافى المرء حين يدرك أن الحياة لا تعطي دروسها لمن ينتظر، بل لمن يحاول.. ألف مرة، وربما أكثر. حين يتحول البؤس من عبء إلى مادةٍ أولية لصناعة المعنى، ومن خصم إلى معلم قاسي لكنه صادق.

‏يتعافي المرء عندما ينشغل بذاته ويعرف مقدار نفسه. وحين يزن نفسه بميزان داخلي لا تهزه نظرات الآخرين ولا تثقله توقعاتهم. حينما يعلم ان وجود الناس جميل ولكن غيابهم لا يضر. حينما يتعلم التغريد خارج السرب ويتعلم أن من يسير وحيدا عكس الجمع ليس مخطأ وأن الوحدة ليست فراغا بل مساحة لإعادة اكتشاف الصوت الداخلي الذي طالما ضاع وسط الضجيج.

ويتعافى في تلك اللحظات الهادئة التي لا يشاركه فيها أحد؛ حين يجلس إلى ذاته. وبتأمل الطبيعه ونسمة ليل تمر على قلبه فتعيد ترتيب فوضاه. ففي التفاصيل الصغيرة، يرمم الإنسان ما هدمته العواصف الكبيرة.

يتعافي بعزلته وفنجان القهوة الساخن.. في كتاب يفتح له نوافذ لم يكن يدرك وجودها. لكن التعافي لا يكتمل بالعزلة وحدها، بل يزهر أيضا في صحبة صادقة.

‏يتعافى بالأصدقاء وإن كانوا حطاما وإن هزمتهم قسوه الظروف أو متاعب الحياه.. نتعافى بمجرد وجودهم. نتعافي بصحبتهم وإن جلسنا صامتين..قد يكونون مثقلين بآلامهم، لكنهم يمنحوننا حضورا صافيا لا يشترى

نتعافى بمحبتهم ولو في البعد. نتعافي بإحساس أن هناك من يتقبلنا على حقيقتنا ويحبنا كما نحن..‏  يتعافى المرء بأحبته وأصدقائه وعائلته.. بالضحكات التي لا تتوقف والحكايات التي لا تنتهي والدفء المحيط بهم حتى في أكثر الليالي برودة.. يتعافى بالأيدي التي تمسك به إذا وقع.. والكتف الذي يحتضنه عند الحاجة..  يتعافى بالحب وبالدعم ويتعافى بالصحبة. وجلسة أنس مع الأحبة..

ويتعافى المرء حين يتخلى عن يقينه المطلق، حين يعترف بأن الحقيقة أوسع من زاوية نظره، وأن الحكم على الناس ليس امتيازا منح له. ‏وعندما بتخلي عن إصدار حكم مطلق على الناس اما للجنة او للنار.. يتعافي عندما يعترف بما يجهل وعندما يمتنع عن التحدث كأنه مندوب الإله علي الأرض.

‏يتعافى المرء عندما يتعلم التخلي عن تقديس الأشخاص.. ‏عندما يتنازل عن الرغبة في شرح نفسه للعالم، ويعرف أنه بوسع كل شخص أن يفترض ما يريده وأن يبصره بالطريقة التي تناسب الظنون بداخله مقابل أن يحتفظ له برؤيته، معرفته وتقديره لنفسه،

يتعافى المرء عندما لا ينتمي لأحد.. ينتمي فقط لكل ما يحرر روحه من ثقل هذا العالم. ينتمي لألمه ومعاناته.  ينتمي لكل موقف يدافع عن حق كل الموجودات في الحياة.

ثم يبلغ التعافي ذروته حين يتحرر من الانتماءات الضيقة التي تصغر روحه حين لا يعود أسير هويه أو اسم أو جماعة أو فكرة مغلقة، بل ينتمي لكل ما يحرره، لكل ما يعلي إنسانيته. حين يصبح قلبه واسعا بما يكفي ليحبّ دون شرط، ويتألم دون تحيز، ويمنح دون انتظار.

يتعافى المرء عندما يتخطي جميع الأُطر. إطار الأنا والعائلة والقبيلة والإعتقاد واللغة والثقافة والعرق والجنسية والجغرافيا.

يتعافى عندما يبتسم قلبه لكل ما هو جميل. ويتألم مع كل متألم.. يتعافي عندما يسمح لمشاعره أن تنطلق خارج الحدود المرسومة مسبقا. أن يتجرد من كل ما هو ثابت وجامد. يتعافي المرء عندما يحمل معه انسانيته فقط.

نعم يتعافى المرء بانسانيته. التعافي في جوهره، ليس نهاية الألم.. بل بداية فهمه. ليس وصولا إلى حالة مثالية، بل مصالحة عميقة مع النقص الإنساني. إنه أن تمشي في الحياة خفيفا، لا لأنك لم تعد تحمل شيئا، بل لأنك تعلمت كيف تحمل كل شيء دون أن تنكسر. أن تدرك أن أثقل ما فيك.. يمكن أن يصبح أجنحة. وأن الإنسان، حين يتمسك بإنسانيته وسط هذا العالم القاسي لا ينجو فقط.. بل يضيء.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

بقلم: سفيتلانا ساتشكوفا

ترجمة وإعداد: صالح الرزوق

***

قبل شباط 2022، لم تول حكومة بوتين أي اهتمام يذكر للأدب. وإذا ما استهدف الكتاب، فغالبا ما كان ذلك بسبب معارضتهم الصريحة للنظام، لا بسبب كتبهم. لكن بعد الغزو الشامل لأوكرانيا، اشتدت الضغوط، وظهرت قوانين رقابة جديدة تباعا. وكان أول تشريع بارز، والذي عرف بشكل غير رسمي باسم قانون "الأخبار الكاذبة عن الحرب"، قد أقر في آذار عام 2022. وهدفه مقاضاة أي شخص يخالف الرواية الرسمية للدولة بشأن الحملة العسكرية لبوتين، أو يطلق عليها حتى كلمة "حرب" بدلا من "عملية عسكرية خاصة". شهد صيف عام 2022 نقطة تحول أخرى، حين هاجم نواب مجلس الدوما رواية " صيف في مخيم الرواد"  لإيلينا ماليسوفا وكاترينا سيلفانوفا، مع أنها موجهة لليافعين وحققت حققت أعلى نسبة من المبيعات، وتدور أحداثها حول مراهقين من نفس الجنس في معسكر رواد سوفييتي. اعتبر المسؤولون نجاح الرواية دليلاً على تآكل "القيم الأسرية". بدأت الرواية تختفي من المكتبات، وبعد فترة وجيزة، صدر قانون جديد لـ"الدعاية المثلية"، يحظر هذا النوع من الموضوعات. وفي عام 2023، صنفت "الحركة العالمية للمثليين والمتحولين جنسيا" منظمة متطرفة، وأصبح نشر أي مواد ذات طابع مثلي جريمة جنائية. بعد ذلك بوقت قصير، وخوفا من استفزاز السلطات، بدأ الناشرون بحذف ليس فقط التلميحات إلى العلاقات المثلية، بل أيضا أي إشارة إلى الحرب أو أوجه التشابه مع الوضع السياسي الراهن. أحيانا كان الحذف يقتصر على جملة واحدة، وأحيانا يشمل صفحات كاملة قد تختفي أو يتم تظليلها بشكل واضح . ولم تقتصر المحظورات على المواضيع فحسب، بل منع بعض المؤلفين فعليا أيضا: فقد سحبت من الأسواق أعمال كتاب وصفوا بـ"العملاء الأجانب" أو "المتطرفين" بسبب موقفهم المناهض للحرب، مثل بوريس أكونين. وعندما غرِم بعض بائعي الكتب في مدن روسية مختلفة، واعتقل عدد من الناشرين، في أيار 2025، بات من الواضح أن عهدا جديدا قد بدأ يدخل في صناعة النشر الروسية. ومعه، عادت إلى الواجهة ممارسات النشر التي تعود إلى الحقبة السوفيتية، التي اعتقدنا أنها انتهت مع انهيار الاتحاد السوفيتي.

ساميزدات وتاميزدات

من بين الكلمات الروسية التي اشتهرت عالميا بجانب "غولاغ" و "أباراتشيك" وغيرها، نجد "ساميزدات " و "تاميزدات" . تشير الأولى إلى الكتب المنشورة يدويا بشكل بدائي، أو حتى إلى مجرد أكوام من صفحات مكتوبة بخط اليد بالكاد يمكن قراءتها، وقد انتشرت نظرا لاستحالة نشر بعض الأدبيات عبر القنوات الرسمية في الاتحاد السوفيتي. ويعتقد أن هذه الطريقة للتحايل على الرقابة الحكومية بدأت في ثلاثينات القرن العشرين، لكنها اكتسبت اسمها في منتصف الأربعينات بعد أن بدأ الشاعر نيكولاي غلازكوف بتوقيع مجموعاته المطبوعة بعبارة "سام سيبيا إزدات" (منشورة ذاتيا). كان المؤلف أو القراء ينسخون النصوص دون موافقة الحزب الشيوعي السوفيتي، عادة باستخدام الآلة الكاتبة أو الكاميرا أو يدويا. وقد أبدع الناس في ابتكار آلات كاتبة وأجهزة طباعة منزلية الصنع من قطع مسروقة أو مكتشفة أو مرتجلة. ومع تطور التكنولوجيا، استخدمت آلات التصوير الضوئي المبكرة، وأجهزة التسجيل، ولاحقا، خلال فترة البيريسترويكا، أجهزة الكمبيوتر. كانت هذه الممارسات محفوفة بالمخاطر بشكل كبير. كان الحصول على الورق، وخاصة ورق الكربون، صعبا، ليس فقط بسبب النقص، بل لأن كل ما يتعلق بالطباعة يخضع لمراقبة مشددة. منذ عهد ستالين، كان لا بد من تسجيل كل آلة كاتبة وكل قطعة من معدات الطباعة. كانت المصانع ترسل إلى جهاز المخابرات السوفيتية (كي جي بي) عينة من الصفحة تظهر بصمة الطباعة الفريدة لتلك الآلة، ولاحقا، عندما طرحت الآلات الكاتبة الشخصية للبيع، كانت المتاجر ترسل إلى جهاز المخابرات السوفيتية هذه العينات مع اسم المشتري. سمح هذا النظام للدولة بتتبع أي نسخة من أي جهاز وتحديد شخص مالكه. كانت الشرطة وجهاز المخابرات السوفيتية (كي جي بي) يداهمان منازل المشتبه بهم بشكل متكرر، وغالبا ما يعتمدان على بلاغات الجيران. حتى امتلاك ورق الكربون كان يعرض المرء للاعتقال. اعتبر إنتاج أو حيازة المواد السرية (ساميزدات) تحريضا ضد السوفيت، وهي جريمة جنائية بموجب عدة مواد من قانون العقوبات. وتراوحت العقوبات بين السجن والإيداع القسري في مصحات نفسية، والنفي الداخلي، والعمل في معسكرات العمل. لهذا السبب، لم تكن المواد السرية تشارك إلا مع الأشخاص الموثوق بهم، وعادة ما يتم ذلك خلال الليل، حتى لا تبقى في حوزة شخص واحد لفترة طويلة. لم تكن جميع منشورات ساميزدات سياسية. فقد منع نشر أعمال بعض شعراء العصر الفضي (الفترة الممتدة من مطلع القرن التاسع عشر إلى مطلع القرن العشرين)، مثل قسطنطين بالمونت وفياتشيسلاف إيفانوف، لأن أعمالهم اعتبرت غريبة عن الدولة البروليتارية، وأسلوبهم غير عقلاني أو منحل. كما خضعت أعمال تتناول اليوغا أو الكاراتيه لقيود لأنها روجت للروحانية الأجنبية، والانضباط الذاتي خارج سيطرة الدولة، والمجتمعات الصغيرة المستقلة. انتشرت رواية بولغاكوف " المعلم ومارغريتا" على نطاق واسع في ساميزدات بعد أن حظرها الرقيب السوفيتي؛ إذ تعارضت مواضيعها الدينية والفلسفية ونقدها للسلطة مع الأيديولوجيا الرسمية. وفي عامي 1966-1967، أي بعد أكثر من 25 عامًا على وفاة بولغاكوف، نشرت الرواية في مجلة "موسكوفا" بصيغة منقحة بشدة، مما أدى إلى موجة أخرى من نسخ ساميزدات المستندة إلى النص الكامل.

* إحياء التاميزدات منذ الحرب

لكن مفهوم "ساميزدات" بمعناه السوفيتي الأصلي لم يعد قائما. فاليوم، لا حاجة لإنتاج الكتب يدويا أو باستخدام أدوات طباعة بدائية، لأن كل شيء تقريبا متاح على الإنترنت أو يمكن مشاركته كملف رقمي. لا يزال مصطلح "ساميزدات" موجودا، لكن معناه تغير تماما. فقد أصبح مرادفا للنشر الذاتي، سواء كان مطبوعا أو رقميا، ويشير الآن إلى الكتاب الذين لم تنشر دور النشر التقليدية أعمالهم لأسباب تجارية أو تحريرية. وقد لا يعرف القراء الأصغر سنا، غير الملمين بالتاريخ السوفيتي، المعنى السابق للمصطلح. لكن أسلوب "تاميزدات" (أي "النشر هناك")، وهو أسلوب شقيق لها، أصبح مجالا نشيطا بشكل ملحوظ خلال السنوات الأربع الماضية. يشير هذا المصطلح إلى الكتب الروسية التي تظهر في الخارج، وعادة ما تكون أعمالا لا يمكن نشرها في روسيا بسبب الرقابة. في الحقبة السوفيتية، كانت المخطوطات تهرب من الاتحاد السوفيتي وتطبع بواسطة مطابع أجنبية صغيرة، أحيانا حتى دون علم المؤلف. أول عمل يعتبر على وجه العموم من أعمال "تاميزدات" هو رواية " نحن" لييفغيني زامياتين ، التي نشرت في الولايات المتحدة عام 1924، وهي الرواية التي ألهمت جورج أورويل روايته " 1984" . بعد ظهورها، واجه زامياتين حملة اضطهاد: فقد أوقفت الطبعة السوفيتية المخطط لها من أعماله الكاملة، ومنعت مسرحياته، وأُجبر على مغادرة اتحاد الكتاب. في عام 1931، حصل على إذن بالهجرة وغادر الاتحاد السوفيتي. ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، تلاشت الحاجة إلى النشر في الخارج فعليا. في روسيا الديمقراطية الجديدة، أصبح بالإمكان نشر أي شيء تقريباً، وأتيحت الفرصة أخيرا للقراء الذين فاتهم الاطلاع على بعض الكتب لعقود. لكن تلاشى هذا الانفتاح في ظل الظروف الراهنة. فبعد غزو أوكرانيا، عادت الكلمة (تاميزدات) للظهور، ونشأت شبكة من دور النشر الصغيرة المتخصصة في هذا النوع من الأدب في أنحاء أوروبا والولايات المتحدة. بحسب ياكوف كلوتز ، الباحث في مجال التاميزدات ومؤسس مشروع التاميزدات، وهي منظمة خيرية مقرها نيويورك تنشر كتبا خاضعة للرقابة في بلدان مؤلفيها، فإن أكثر من ثلاثين دار نشر روسية تعمل حاليا في الخارج. ومن بين هذه الدور دار "ميدوزا"، وهي دار نشر روسية مستقلة مقرها لاتفيا، أطلقت دار نشر خاصة بها تركز بشكل أساسي على الصحافة والكتب السياسية غير الروائية، إلى جانب نشرها للروايات. أما دار "فيديم بوكس"، التي أسسها ألكسندر غافريلوف المقيم في بولونيا، فتتعاون مع مؤلفين صنِفوا "عملاء أجانب" أو منعوا من النشر في روسيا. كما أنشأ الكاتب بوريس أكونين دار نشر خاصة به، هي "بابوك"، التي تنشر أعماله الخاصة بالإضافة إلى أعمال كتّاب آخرين مضطهدين. تعد دار نشر "فريدوم ليترز" الأكبر من حيث الإنتاج ، وهي من تأسيس جورجي أوروشادزه، الرئيس السابق لجائزة الكتاب الكبير في روسيا، والذي غادر البلاد بعد غزو أوكرانيا. وتصدر الدار نحو نصف، إن لم يكن أكثر، الكتب الروسية المنشورة في الخارج. ففي غضون عامين ونصف منذ تأسيسها، أصدرت "فريدوم ليترز" 250 كتابا بصيغ مطبوعة وإلكترونية ومسموعة. وتنشر الدار في العديد من البلدان وبعدد من اللغات: الروسية والأوكرانية والإنكليزية. ومن المقرر صدور أول كتاب لها باللغة البيلاروسية في كانون الأول. يقول أوروشادزه: "نخطط لنشر المزيد من الكتب، كما أننا بصدد إطلاق برنامج ترجمة واسع النطاق من الإنكليزية والألمانية والفرنسية والبلغارية والبولونية إلى الروسية. تباع كتب "فريدوم ليترز" في روسيا، بل ونطبعها هناك، الأمر الذي  يظهر ضعف نظام بوتين. في العام الماضي، طبعنا كتبا تتناول قضايا المثليين وكتبا تنتقد النظام على بعد ميل واحد فقط من الكرملين. وبطبيعة الحال، تحاول السلطات معاقبتنا. لقد وصف العديد من مؤلفينا، وأنا شخصيا، بـ"عملاء أجانب". وقد حوكمت بالفعل في روسيا. وحضروني من السفر تحسبا لأي فكرة تراودني بالذهاب إلى هناك. كما رفعوا دعاوى قضائية ضد دار النشر. ووصف مؤلفونا بـ"المتطرفين" و"الإرهابيين" لدعمهم أوكرانيا. وقد حظر المدعي العام العديد من كتبنا. وقامت "روسكومنادزور" [هيئة الرقابة على الإنترنت التابعة للحكومة الروسية] بحجب موقعنا الإلكتروني في روسيا." وأخيرا، تم تدمير عدة آلاف من نسخ رواية "سبرينغفيلد" لسيرجي دافيدوف و" الفأر" لإيفان فيليبوف .

* النظام البيئي الأدبي في المنفى

بدأت منظومة متكاملة تتشكل حول دور النشر هذه. فقد افتتحت مكتبات جديدة للكتب الروسية في أنحاء القارة الأوروبية، بالإضافة إلى لندن وإسرائيل. وظهرت جوائز أدبية جديدة تركز على أدب التاميزدات، إلى جانب معارض كتب وفعاليات عامة. ومؤخرا، أطلقت مكتبة بابل بوكس، ومقرها برلين، متجر توتيزدات الإلكتروني، الذي يضم جميع الكتب الروسية الصادرة عن دور نشر خارج روسيا، ويعد منصة مركزية لأخبار أنشطة دور نشر التاميزدات. قنوات إدخال كتب التاميزدات إلى روسيا محدودة، وإن كانت موجودة. شراء النسخ الإلكترونية في روسيا شبه مستحيل بسبب حظر بطاقات البنوك الدولية. يمكن العثور على بعض الكتب في الأسواق الإلكترونية الروسية مثل أوزون ووايلدبيريز، ولكن فقط لمن يعرف ما يبحث عنه. بحسب أوروشادزه، يمكن أحيانا العثور على عناوين دار نشر "فريدوم ليترز" في المكتبات المستقلة، وإن كان عددها يتناقص. أما النسخ الإلكترونية، فتبيعها الدار داخل روسيا بالروبل والعملات الرقمية عبر بوت على تطبيق تيليجرام: letterspay_bot.

* النشر في روسيا من الخارج

بالنسبة للعديد من الكتاب الروس في المنفى، لا يوجد خيار حقيقي. فإذا أرادوا النشر، يعتمدون على دور النشر الصغيرة المعروفة باسم "تاميزدات". لكن بعض الكتاب المقيمين خارج روسيا يواصلون نشر كتبهم في روسيا، رغبة منهم في الوصول إلى جمهور واسع من الناطقين بالروسية. وهذا له ثمنه، إذ يضطرون إلى "تنقيح" كتبهم لتجنب لفت انتباه الرقابة. وقد رفض كاتبان ممن تواصلت معهم التعليق، قائلين إنهما لا يشعران بالارتياح لمناقشة هذا الموضوع. ولعل ذلك يعود إلى إدراكهما أن النشر في روسيا اليوم قد يكون موضع شك أخلاقي. أستطيع شرح وجهة نظري. صدر آخر كتاب لي باللغة الروسية عام 2020، قبل الغزو بفترة طويلة. ولا يزال يباع في روسيا بأشكال مختلفة، على حد علمي، لكنني لا أتلقى أي عوائد. انقطعت علاقتي بدار النشر "إكسيمو"، وهي الأكبر في روسيا. لم يرسلوا لي بيانات المبيعات منذ أوائل عام 2021. وعندما تواصلت وكيلتي معهم قبل عامين، تجاهلتها دار النشر. ربما لن أعرف أبدا ما إذا كان ذلك بسبب إقامتي في الخارج، أم أنها ببساطة طريقتهم المعتادة في العمل. على أي حال، لا أنوي نشر أي شيء في روسيا في المستقبل القريب. والسبب الأهم هو أنني لا أريد دعم المجهود الحربي لبوتين اقتصاديا. فحتى لو كانت دار النشر تدار من قبل أشخاص يتفقون معي في الرأي، فإنهم يدفعون الضرائب ويساهمون في الاقتصاد الروسي. لكن آخرين يتخذون قرارات مختلفة. في مقابلة مع صحيفة "ريبابليك"، قالت بولينا بارسكوفا، التي لا تزال تنشر أعمالها في روسيا، إنها عندما تتخيل قراءها المثاليين، تفكر في أشخاص محددين يعيشون هناك. بالنسبة لهم، يعد دخول مكتبة "بوريادوك سلوف" (مكتبة مستقلة في سانت بطرسبرغ) وشراء كتبها أمرا بالغ الأهمية. كما يعتمد الأمر كثيرا على الجهة التي ترغب في نشر أعمالها. تقول: "إذا دعتني إحدى المجلات الروسية اللامعة، فربما أرفض. لكن عندما تدعوني إيرينا كرافتسوفا [محررة في دار نشر إيفان ليمباخ] أو إيغور بولاتوفسكي [شاعر ومترجم]، سأوافق دون تردد".  يولي صديق لي، ينشر أعماله أيضا في روسيا، اهتماما كبيرا للأشخاص عند اتخاذ قراراته. قال لي: "أتعامل مع دار النشر نفسها منذ ما يقارب خمسة عشر عاما. العاملون هناك أعزاء على قلبي، وأشعر بولاء عميق لهم. سيكون من الغريب مقاطعتهم الآن. بل على العكس، أنا متأكد من أنه طالما وجدت دور نشر تستمر في الوجود رغم ما يحدث في روسيا، فمن المهم دعمها".

***

...................

ملاحظة من المترجم: أدب الاستنساخ - مرادف لتاميزدات، معروف في مجمل الدول العربية سواء لأسباب الحظر الديني، أو بسبب السياسة. انتشرت الظاهرة في سوريا حافظ الأسد والعراق في زمن صدام حسين. وكذلك كانت معروفة في مصر عبدالناصر. وتجد تفاصيل عن الموضوع في بعض مؤلفات صنع الله إبراهيم. وربما لهذا السبب نشر أدباء الستينات فيما يسمى دول المواجهة أعمالهم المختلف عليها في بيروت.  يضاف لذلك أعمال رموز الإسلام السياسي وفي مقدمتهم سيد قطب وغيره.

- سفيتلانا ساتشكوفا  Svetlana Satchkova  كاتبة روسية معاصرة تقيم في الولايات المتحدة.

 

في إحدى حواراتي المكتوبة مع المفكر الإسلامي الشيخ حسين شحادة، نقش عبارة استذكرها كلّما جاء الحديث عن المسيحية، وعاد وكرّرها في حفل تكريمي من جانب ملتقى الأديان والثقافات للحوار والتنمية، الذي يترأسّه السيد علي فضل الله، وذلك بمناسبة صدور كتابي "أغصان الكرمة – المسيحيون العرب، مركز حمورابي، بغداد – بيروت، 2015"، ومفاد هذه العبارة أن شجرة الأديان واحدة وأغصانها متنوعة.

الشجرة تمثّل جوهر الأديان، وهي الحق المطلق والمساواة المطلقة والكرامة المطلقة والخير المطلق، وكلّ فرع أو غصن منها يمثّل التنوّع والاختلاف.

ليس بوسع الباحث المنصف في هواجس النهضة المشرقية القديمة والحديثة إغفال دور المسيحية المشرقية والعربية، فكانت إسهاماتها واضحة في البلدان العربية المختلفة، أو حتى في دول المهجر، بمن فيهم أقباط مصر، بغضّ النظر عن أصولهم التاريخية، وعلينا عدم نسيان الحديث النبوي الشريف "استوصوا بأقباط مصر"، وكان النبي محمد بن عبد الله (ص) قد تزوّج من ماريا القبطية، ناهيك عن العلائق الثقافية والسياسية بين المسلمين والأقباط، خصوصًا في عهد الدولة الفاطمية، وصولًا إلى مواقف الزعيم الروحي لأقباط مصر البابا شنودة الثالث إزاء ممارسات إسرائيل العدوانية، يوم قال في كلمته الشهيرة: لن يدخل الأقباط القدس إلّا مع أشقائهم المسلمين، فهل كانت علاقة المسيحية بالإسلام علاقة تصادم وتخاصم وعداء أم علاقة تفاهم وتلازم وصداقة؟

وبالعودة إلى النصوص القرآنية المتعلّقة بالتاريخ، سنلاحظ أن غزوة مؤتة وغزوة ذات السلاسل وغزوة تبوك، التي خاضها المسلمون عند أطراف الشام الجنوبية، لم تكن غزوات ضدّ المسيحيين، وإنما ضدّ جيش الروم الذي جمع حشودًا كثيرة بالشام، لكن المصادر التاريخية تجمع على أن الرسول لم يجبر أحدًا من النصارى على ترك دياره، وعلى العكس أمر معاذ بن جبلة وعمر بن حزام، بعدم إكراه نصرانيًا على ترك نصرانيته، ويذكر الطبري وابن حسام أم المسلمين لم يعزلوا الأمراء ورؤساء القبائل المسيحيين باليمن عن سلطانهم.

ومن أعظم الأحداث التاريخية حسب وجهة نظري هو لقاء النبي محمد مع وفد نصارى نجران في المدينة، وحسبما تقول المصادر التاريخية أنه سمح لهم بالصلاة في المسجد متّجهين صوب القدس والمشرق، وهذا لعمري دليل مبكّر على بذور التسامح الأولى في الإسلام، تلك التي يتنكّر لها المتعصّبون الإسلامويّون والمتطرّفون العنفيون والإرهابيون تحت عناوين شتّى أساسها عدم الاعتراف بالآخر وحجب حقّه في الاعتقاد والتعبير، وينسى هؤلاء أن رب عيسى وموسى من قبله ومحمد من بعدهما هو الله، وهو واحد لا شريك له، وعبادته واجبة، أما وسائل تلك العبادة فهي مختلفة ومتنوعة، بعضها أُدخلت عليه طقوس لا علاقة لها بالأديان ومنطلقاتها الإنسانية.

حسبي هنا أن أتوقف عند المناظرة الفقهية التي دارت بين الرسول ونصارى نجران وأساقفتهم حول مولد السيد المسيح وموقفه من نظام النبوّة والوحي والاصطفاء، فضلًا عن الألوهية، وهذه المناظرة هي من أهم المناظرات الدينية التي تمّت بين مسلمين ومسيحيين في أعلى المستويات في الفترة النبوية المحمدية، وليس أدلّ على ذلك من أن مضمون هذه المناظرات جاء على ذكرها القرآن الكريم في سورة عمران، وقد انتهى هذا الحوار إلى إبرام عهد، يصبح فيه نصارى نجران في ذمّة الدولة الإسلامية التي تضمن لهم دماءهم وأموالهم وأرضهم ودينهم، ودون أي تدخّل من جانب المسلمين في معتقداتهم وطقوسهم وشعائرهم، حيث يسمح لهم الحفاظ على أساقفتهم ورهبانهم.

وهو ما انتهى إليه كذلك الحوار مع نصارى تغلب، وكذلك مع العديد من المسيحيين العرب وقبائلهم، حيث تمسّك غالبيتهم بمسيحيته من دون حرج أو إكراه أو سؤال، لكن مثل هذا الوضع لم يستمرّ في فترة الخلافة الراشدية (من العام 11 للهجرة ولغاية العام 40)، حيث شهدت المسيحية تجاوزات عديدة، وكانت العلاقة مضطربة، ويعود بعضها إلى تعرّض الخلافة إلى الفتن الكبرى التي شهدتها تلك المرحلة وشيوع ظواهر النفاق والارتداد والحروب الداخلية.

واستنادًا إلى ما تقدّم، يمكن القول إن العقل الإسلامي، حتى في ذروة تطرّفه، ظلّ راعيًا لقدسية حماية أهل الكتاب استنادًا إلى النصوص القرآنية والسيرة النبوية في وجوب البرّ بالمسيحيين وأهل الكتاب عمومًا، وتوفير الحماية والأمن لهم بوصفهم جزءًا لا ينفصل عن العقد الاجتماعي في الإسلام.

إن جسور التواصل المسيحي – الإسلامي أساسها التوحيد والإيمان باليوم الآخر، وقد ظلّت قاعدة "لهم ما لنا وعليهم ما علينا "هي الناظم لعلاقة المسلمين بالمسيحيين، وهو ما يمكن أن ينطبق على حقوق المجموعات الثقافية الأخرى، الدينية والقومية، فلم يشهد التاريخ الإسلامي حروبًا تتعلّق بالتطهير الديني أو العرقي في عصور كانت تُباد فيه المجموعات الثقافية باسم الدين أو القومية، كما حصل في حرب الثلاثين عامًا في أوروبا التي انتهت بمعاهدة ويستفاليا (1648) أو قبلها حرب اﻟ 100 عام، ناهيك عمّا حصل في الحربين العالميتين الأولى والثانية.

***

عبد الحسين شعبان - أكاديمي ومفكر

يُعد علم المنعكسات الشرطية من أهم المنعطفات في دراسة السلوك الإنساني، إذ وضع أسسه العالم الروسي إيفان بافلوف، ثمّ جاء المفكر العراقي نوري جعفر ليمنح هذه النظرية أفقاً أوسع، متجاوزاً حدود التفسير الفسيولوجي إلى فهم أشمل لطبيعة الوعي الإنساني ونشأته. ومن هنا تتجلّى أهمية الربط بينهما، بوصفه انتقالاً من تفسير السلوك بوصفه استجابةً، إلى تفسير الإنسان بوصفه كائناً واعياً مُنتجاً للمعرفة.

لا يمكن فهم نظرية المنعكسات دون الانطلاق من مفهوم (الانعكاس) ذاته. فالانعكاس، في أبسط صوره، ظاهرة فيزيائية عامة تتّصف بها المادة، سواء كانت جامدة أو حية. ففي العالم اللاعضوي يظهر الانعكاس على شكل ارتداد الضوء أو انعكاس الصور، وهو انعكاس سلبي لا يحمل أي دلالة حيوية أو وظيفية.

لكن مع تطور المادة عبر مسار النشوء والارتقاء، تحوّل هذا الانعكاس من كونه ظاهرة سلبية إلى ظاهرة بيولوجية نشطة. فالكائن الحي لا يكتفي باستقبال المؤثرات، بل يستجيب لها بما يخدم بقائه. وهنا يظهر الفرق الجوهري:

- الجماد يعكس الواقع دون تمييز أو اختيار.

- الكائن الحي يستجيب انتقائياً وفق حاجاته.

مع تعقد الكائنات الحية وظهور الجهاز العصبي، تطورت الاستجابات لتصبح أكثر دقة وتنظيماً، فظهرت الحواس، وتعددت أنماط الإحساس، وصولاً إلى الدماغ بوصفه مركزاً لتنظيم العلاقة بين الكائن وبيئته. أما الإنسان، فقد بلغ بهذا التطور ذروته، إذ لم يعد انعكاسه للواقع مجرّد استجابة، بل تحوّل إلى إدراك واع، يمكّنه من فهم البيئة والتأثير فيها، لا التكيف معها فقط.

قدّم إيفان بافلوف تفسيراً علمياً دقيقاً لكيفية تشكّل السلوك من خلال ما سمّاه (علم المنعكسات الشرطية)، وذلك عبر تجاربه الشهيرة على الكلاب. من خلال المنعكس الغير شرطي، هو استجابة فطرية مباشرة، مثل إفراز اللعاب عند رؤية الطعام. هذه الاستجابة لا تحتاج إلى تعلم، بل هي جزء من التكوين البيولوجي للكائن الحي.

أما المنعكس الشرطي؛ هو استجابة مكتسبة، تنتج عن ربط مثيرٍ محايد كـ(صوت الجرس) بمثير طبيعي (الطعام)، بحيث يصبح المثير المحايد قادراً على استدعاء نفس الاستجابة. من خلال ذلك، أثبت بافلوف أن: السلوك ليس ثابتاً، بل قابل للتشكل، من خلال التعلم الذي يتم عبر الربط بين المثيرات، ومن خلال الجهاز العصبي الأعلى هو المسؤول عن تنظيم هذه العلاقات.

أما أهمية المنهج العلمي عند بافلوف فلم تقتصر إسهاماته على نتائجه التجريبية، بل امتدت إلى منهجه العلمي الصارم، الذي يمكن تلخيصه في:

- وضع خطة واضحة للبحث.

- التدرج من البسيط إلى المعقد.

- الفحص الدقيق (التمحيص).

- الاعتماد على الحقائق لا الافتراضات.

وقد عبر عن ذلك عملياً بشعاره الشهير: (التمحيص ثم التمحيص)، مؤكداً أن الحقيقة هي الأساس الذي يقوم عليه العلم.

أما العلامة نوري جعفر ودوره في توسيع مفهوم (علم المنعكسات الشرطية)، لم يقف عند حدود التفسير الفسيولوجي، بل سعى إلى بناء رؤية شاملة تربط بين البيولوجيا والفكر والمجتمع، من خلال المنعكس البيولوجي إلى الوعي الإنساني. يرى نوري جعفر أن المنعكسات ليست مجرد استجابات عصبية، بل هي الأساس الذي يبنى عليه الوعي. فالإنسان لا يستجيب فقط، بل: (يدرك، يفسر، يعيد تشكيل الواقع). هذا يعني أن الوعي هو نتيجة تطور طويل للمادة، بلغ ذروته في الدماغ البشري.

أما المنعكسات الكلامية، فمن أهم إضافات نوري جعفر لها، إذ اعتبر اللغة تلعب دوراً حاسماً في تشكيل التفكير. فالإنسان يستجيب للكلمات كما يستجيب للمثيرات الحسية، بل إن الكلمات تصبح بدائل رمزية للعالم الخارجي. وهنا يظهر الفرق الجوهري بين الإنسان والحيوان، من خلال:

- الحيوان يستجيب للمثيرات المباشرة.

- الإنسان يستجيب للرموز، مثل: (الكلمات، المعاني، الأفكار).

أما البُعد الاجتماعي للوعي؛ إذ يربط من خلالها نوري جعفر بين تطور الدماغ وتطور المجتمع، فالسلوك الإنساني لا يفهم بمعزل عن البيئة الاجتماعية. فاللغة، والثقافة، والتجربة التاريخية، كلها تسهم في تشكيل الوعي.

لنكتشف من خلال متابعتنا لذلك؛ من خلال الربط بين الاستجابة إلى السيطرة على الواقع بين بافلوف والعلامة نوري جعفر عن مسار تطوري واضح. عند بافلوف كان السلوك يمثل (الاستجابة للمثيرات)، أما عند نوري جعفر السلوك يمثل (الاستجابة للوعي إضافة إلى القدرة على التغيير). فالإنسان لا يكتفي بالتكيف مع البيئة، بل يعمل على فهم قوانينها وتوظيفها للسيطرة عليها، وهذا هو جوهر التقدم العلمي والحضاري.

إن هذا الفهم المتكامل (للمنعكسات) يقدم لنا العلامة نوري جعفر أساساً مهماً في التربية والتعليم ودلالاتها المعرفية، إذ يؤكد على أهمية التدرج في التعلم، وضرورة الربط بين المعرفة والتجربة من خلال دور اللغة في بناء التفكير، وأهمية البيئة في تشكيل السلوك. كما يبرز دور المنهج العلمي القائم على الفحص والتجريب، لا الحفظ والتلقين.

خاتمة

إن الربط بين إيفان بافلوف والعلامة نوري جعفر ليس مجرد مقارنة بين عالمين، بل هو تتبع لمسار تطور الفكر العلمي نفسه من تفسير للسلوك بوصفه انعكاساً بيولوجياً، إلى فهم الإنسان بوصفه كائناً واعياً يصنع المعنى ويعيد تشكيل العالم. وهكذا، يتحول (المنعكس الشرطي) من مجرد استجابة عصبية، إلى مفتاح لفهم أعقد ظواهر الوجود هو العقل الإنساني ووعيه.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

"الغضب والكره يُضرمان النار في قلبك أنت، لا في قلب من تكره" شمس التبريزي

هناك ظاهرة عجيبة تستحق التأمل في زمننا هذا: أن الكره لم يعد متواريا خجلاً في تفاصيل النفس البشرية، بل أصبح يتبجح في الفضاء العام بكل وقاحة واستكبار، متجلببا بشعارات الحق والدين والمذهب والوطن والأمة والعروبة والهوية. لم يعد الإنسان يخجل من كرهه، بل صار يفتخر به ويبشّر به ويستقطب المريدين إليه، كما لو أن الكراهية أضحت صكا من صكوك الغفران الأخلاقية، وبطاقةً تعريف الانتماء الصادق لجماعة ما، وما أكثر الكونتونات في هذا الزمان التي لا يجمعها شيء سوى ما تكرهه.

هذه الظاهرة تعيدنا إلى السؤال الذي يطرحه الدكتور عبد الجبار الرفاعي في مقاله الثري "أكرهك" بصمت مضمَر وعمق فلسفي نادر: كيف يمكن لكائن وصفه الرفاعي بأنه "ساحة تلتقي فيها الأضداد، وتتنازع فيها الرغبات المتعارضة" أن يختزل نفسه في موقف واحد جامد هو الكره؟ وكيف يمكن أن ينزلق هذا الكره، بحسب زيغمونت باومان -فيلسوف السوائل الفلسفية- من حالته الصلبة التي تجسّدت تاريخياً في مؤسسات وأنظمة وأيديولوجيات واضحة، إلى حالة سائلة تتسرب في شرايين الحياة اليومية دون أن يُشعَر بمصدرها أو يُحاسَب عليها أحد؟ هذه الأسئلة المتشابكة هي ما يسعى هذا المقال إلى تشريحه من أبعاد متعددة: نفسية وعرفانية وفلسفية وسوسيولوجية.

سيكولوجيا الكره

هناك مبدأ جوهري يُؤسّس عليه الدكتور رفاعي تحليله: أن "شخصية الإنسان مركبة تتألف من طبقات متعددة، لا يمكن فهم دوافع سلوكه أو تفسير أفعاله بعامل واحد أو سبب بسيط". وهذا المبدأ، في ظاهره فلسفي أنثروبولوجي، بينما هو في ضمنيا تحذير أخلاقي من كل من يدّعي ملكية التفسير الأوحد والنهائي لسلوك الآخرين ودوافعهم. فالكره في بنيته يقوم نظامه كله على عكس هذا المبدأ تماماً: إنه يختزل الإنسان في صورة واحدة جامدة ويُصدر عليه حكماً قاطعاً لا يقبل المراجعة أو المناقشة أو التفاوض.

وحين يُعبر الأستاذ الدكتور الرفاعي بأن الإنسان "يحمل في داخله تاريخاً من الخبرات والتجارب والآلام والرغبات، وتتراكم في وعيه ولاوعيه صور متعددة للعالم ولنفسه وللآخرين، وهذه التراكمات الخفية تشارك في توجيه سلوكه بقدر ما يشارك وعيه الظاهر"، فإنه يقدم لنا منهجية لفهم الكره نفسه: الكره في جوهره العميق ليس معرفةً بالآخر، بل هو إسقاط لما لا يستطيع الإنسان احتماله في نفسه عليه، فيجعل من الآخر وعاءً لكل ما يرفضه من ذاته. والكره الحماسي الذي يُفيض بيقينياته النارية على المنابر والمنصات الرقمية هو في أغلب الأحيان إنسان تتقدّم فيه -بتعبير المفكر الدكتور الرفاعي- طبقة "الغلظة والعدوان" وتتراجع طبقة "الشفقة والرحمة"، لا لأن طبيعته تبدّلت، بل لأن تراكماته الخفية من جروح ومخاوف وخيبات لم تُعالَج وجدت في الكره مهرباً من مواجهة الذات.

الكره بوصفه ذبح للكرامة

يكشف الفيلسوف الألماني أكسيل هونيث، في نظريته المحورية عن "الصراع من أجل الاعتراف" أن الكره لا يُفهَم بمعزل عن البُعد الاجتماعي لتكوّن الهوية، أي أن الإنسان لا يتشكّل إنساناً كاملاً إلا حين يُعترَف به؛ اعترافاً عاطفياً في الحب، واعترافاً قانونياً في الحقوق، واعترافاً اجتماعياً في التقدير والكرامة. وحين يُنتهَك هذا الاعتراف، حين يُهمَّش الإنسان أو يُحتقَر أو يُنفى وجوده الرمزي، تنشأ في أعماقه جرحٌ نرجسي عميق لا يُسمّى أحياناً، لكنه يتحوّل تدريجياً إلى وقود للكره.

هونيث يجعل الكره أثراً لا سبباً: فالمجتمعات التي تُنتج كارهين متطرفين هي في الغالب مجتمعات أخفقت في توزيع الاعتراف بعدالة، مجتمعات فيها فئات تشعر بأنها لا تُرى، ولا يُعترَف بتضحياتها ولا بهويتها ولا بمعاناتها. والمتطرف الديني أو السياسي أو الطائفي أو القومي أو الاثني، في كثير من أحواله، ليس شيطاناً نزل من عالم مجهول، بل هو إنسان جُرِح اعترافه في مكان ما، فوجد في الأيديولوجيا الكارهة جماعةً تعترف به وتُعلي من شأنه وتمنحه هوية راسخة في مقابل أن ينظم إلى ناديها للكره معها. وهذا يتقاطع مع ما يقوله الدكتور الرفاعي عن الطبقات الخفية الموجِّهة للسلوك: الكره في هذا السياق هو "طبقة الاعتراف المخذول" حين تتقدم وتتحوّل إلى اعتداء.

الكره بوصفه حجاباً عن الحقيقة

ربما التراث العرفاني والصوفي الإسلامي كان سابقا للفلسفة المعاصرة في تشخيص جذر الكره من زاوية مغايرة. فعند أبي حامد الغزالي في "إحياء علوم الدين"، الكره الذي يُضمَر في القلب ويُغذيه المرء بالحقد والضغينة ليس مجرد خطيئة أخلاقية، بل هو أولاً وقبل كل شيء آفة تُعمي القلب وتحجبه عن رؤية الحقيقة. أي الكره، في الكشف الصوفي، هو أشد أشكال التعلق بالنفس الأمارة بالسوء، لأن صاحبه يجعل من كرهه مرجعاً ثابتاً لفهم الآخر بدلاً من أن يُفرغ نفسه من هذا التعلق.

وعند ابن عربي في "فصوص الحكم"، تبلغ هذه الرؤية ذروتها العرفانية: فمن يرى الوجود كله تجلياً للحق لا يستطيع كرهاً مطلقاً، لأن الكره المطلق يعني رفض أحد وجوه التجلي الإلهي، وهو ما يناقض الرؤية العرفانية في صميمها. كما يُصوّر جلال الدين الرومي في المثنوي كيف أن "النفس الكارهة" هي نفس تعيش في السجن الوهمي للانفصال، ترى الآخر غريباً وعدوّاً، بينما الحقيقة أن ما يبدو تعدداً في الظاهر هو وحدة في الجوهر. الكره إذن، في الرؤية العرفانية، هو الحجاب السميك والأثقل والأشد إيلاماً: إنه يحجب صاحبه ليس فقط عن فهم الآخر، بل عن فهم نفسه.

وهذا يتقاطع مع ما أشار إليه المفكر الرفاعي حين أكد أن "ما يظهر من سلوك الإنسان ليس سوى الوجه الخارجي لما يختبئ في أعماقه". فالعارف بالله لا يرى في الإنسان الآخر، مهما اختلف عنه، سوى ذلك الكائن المركب الذي وصفه الرفاعي، الحامل لتاريخ من الخبرات والآلام والرغبات، والمستحق لأن يُرى في تعقيده لا أن يُختزل في صورة واحدة يسهل كرهها.

لماذا نكره؟

تمثل أطروحة الدكتور الرفاعي عن "الطبقات المتبادلة المواقع" في الشخصية الإنسانية استنارة في مقاربة السؤالَ الذي سعى المفكر البحريني الدكتور نادر كاظم إلى الإجابة عنه بعمق: لماذا نكره؟ فالكره ليس مجرد انفعال فردي خاص ينبثق من طبقة معيّنة في الشخصية، بل هو في كثير من الأحيان منتَج اجتماعي تصنعه الجماعة وتقنّنه وترسّخه. نكره لأن جماعتنا التي ننتمي إليها تُعلّمنا ماذا نكره ومن نكره، وتُكافئنا على هذا الامتثال وتُعاقبنا إن خالفناه. والكره في هذا الإطار ليس اختياراً حراً بقدر ما هو ثمن الانتماء وبطاقة الانخراط والانحطاط في الجماعة.

وهنا يُنبّه الدكتور الرفاعي ينبه إلى الخطورة في ذلك حين يقول إن "الإنسان يندفع أحياناً بدافع الرحمة والتعاطف، ثم ينقلب في موقف آخر إلى القسوة أو العنف"، إذ تستغل الجماعة الكارهة هذا الانقلاب وتُديمه وتُضفي عليه طابع الواجب الديني أو الوطني أو الأيديولوجي أو المذهبي أو العقيدي. فيصبح من يرفض الكره خائناً أو مرتداً. ومحل السخرية، أن هؤلاء أنفسهم يصنّفون أنفسهم في خانة "المحبة"؛ يقولون إنهم يكرهون دفاعاً عن القيم، ويكرهون خدمةً للحق والدين والعقيدة والأمة، يكرهون لأنهم يُحبون الله أو الوطن أو الأمة أو النبي والأئمة والصحابة. وهي مقولة تستحق وقفة تأملية: أيّ إله يحتاج إلى كراهيتنا لينتصر؟ وأيّ وطن يُبنى على الضغينة والإقصاء ويصمد؟ وأي نبي يؤزر بالكراهية والبغضاء والشحناء؟ وأي أئمة وصحابة يدافع عنهم بالسوء والفحشاء والمنكر؟ !

محنة الكره في زمن السوائل

يُقرّ الدكتور الرفاعي بصراحة فيلسوف لا يخشى الحقيقة المؤلمة: "لن يختفي الشر الأخلاقي ما دام الإنسان إنساناً، ما دام يكذب ويراوغ وينافق ويكيد ويمكر ويسفك الدماء. تنشأ هذه الأفعال من طبقات عميقة في الطبيعة البشرية حيث تتصارع النزعات المتضادة في النفس". هذا بيان رفض الوهم الأيديولوجي الذي يدّعي إمكانية بناء مجتمع بلا شر بالقوة والإكراه، ويلتقي التقاءً عميقاً مع ما أضافه زيغمونت باومان في مرحلته الفكرية المعنونة بـ"السيولة".

فإذا كان الشر الصلب في القرن العشرين قد تجسّد في أنظمة شمولية ومعسكرات إبادة ومؤسسات عنف منظَّم يمكن نظرياً محاصرتها وتفكيكها، فإن الشر السائل في عصر الحداثة المتأخرة بات خبيثاً بطريقة مغايرة: إنه لا يسكن في مؤسسة واحدة يمكن محاصرتها ولا في أيديولوجيا واحدة يمكن تفنيدها، بل يتسرب -تماماً كما تتسرب "التراكمات الخفية" التي يتحدث عنها الدكتور الرفاعي في لاوعي الفرد- في الفراغات الاجتماعية والتفاعلات اليومية والمنصات الرقمية. والحقل الرقمي يجسّد هذه السيولة في أبهى صورها؛ إذ حوّلت الكره إلى عمل جماعي هوائي رشيق يحتاج منك لا أكثر من إصبع يضغط دون أن تفكّر ودون أن تشعر بالمسؤولية، فيما الخوارزميات تتكفّل بإيصال كرهك إلى أكبر عدد ممكن من البشر مكافئةً إياك بنقرات الإعجاب التي تُشعل دوبامين الانتماء في دماغك.

الآخر المسلم نموذجاً للكره المُصنَّع

الشر السائل يبلغ ذروته المثيرة للدراسة حين يتضخم الكره ليتجاوز حدود الدين والعقيدة المشتركة، فيرفض المرءُ شريكه في الإسلام ويُكفّره ويُصوّره عدواً وجودياً. ولعل المواقف من الحرب على إيران في خطاب المتطرفين علمانيين ومطبعين وأصحاب التدين المغشوش، أبلغ نموذج معاصر على هذه الظاهرة. فمنذ قرابة خمسين عام والمشهد الإسلامي يشهد واحدة من أغرب تحوّلات الكره في التاريخ الديني المعاصر: مسلمون يكرهون مسلمين بحدة تتجاوز كرههم لغير المسلمين، ويُبيحون من العنف الرمزي والفعلي تجاههم ما لا يُبيحونه في وجه عدو معلَن.

والحال أن هذا الكره ليس نتيجة خلاف ديني عميق في أصول العقيدة وحسب، بل هو في جوهره كره مُصنَّع في المختبرات العالمية لـــ"فرق تسد" تحقيقا لـــــ"غاية في نفسها"، بحسب التعبير الدقيق. مراكز ومؤسسات وأنظمة تُموّل خطاباً دينياً يُضخّم الفوارق المذهبية ويُشيطن الآخر المسلم لحرف الأنظار عن مشاريعها الخفية أو عن إخفاقات شركائها في قرارات العالم العربي والإسلامي، وتيارات تجد في العدو المذهبي أداةً لتوحيد رعاياها خلفها وإسكات أصواتهم المعارضة. وهنا بالضبط يتجلى ما أنذر منه الدكتور الرفاعي من أن الشر "لا يختفي ما دام الإنسان يكيد ويمكر"، إذ يُحوَّل الدين، الذي يُفترض أنه من "القيم والثقافات التي تدعو للسلم"، إلى وقود للكره ومادة لتأجيجه.

والأخطر في هذه المعادلة أن الكره المذهبي يستعير من التراث الديني نفسه أسلحته، فيُلوي نصوصه ويُسقط من سياقاتها كل ما يدعو إلى الوحدة والأخوة الإنسانية والنظر في "التراكمات الخفية" للآخر وفهم دوافعه، ليُبقي فقط على ما يُغذي الصورة الشيطانية عنه. وهو ما يُذكّرنا بتحذير هونيث: أن الكره المُنتَج اجتماعياً هو أشد أنواع الكره مقاومةً للنقد، لأنه يُقدّم نفسه في ثياب الاعتراف المشروع بالهوية المظلومة، فيصعب فضحه دون أن يبدو الناقد متجاهلاً لمظالم حقيقية مختلطة بالكره المُصطنَع.

الكره ضدُ الكرامة الإنسانية

يُحذّر المفكر الدكتور الرفاعي بوضوح من أن "الحياة المشتركة بين البشر لا يحميها السلم من دون قوانين عادلة وعقوبات رادعة تضبط العلاقات بينهم، ومن دونها قد ينزلق الإنسان إلى أشكال من العنف تُفكك المجتمع وتُبدد الثقة والتضامن بين أفراده". عند التأمل في التناقض الصارخ الذي تجسّده الحركات الشمولية والأيديولوجيات المتطرفة: أنها تدّعي دائماً الدفاع عن كرامة الإنسان في الوقت الذي تدوس فيه هذه الكرامة بلا رادع وولا وازع. فــــالفاشية تكلّمت عن كرامة الأمة وهي تُعدم المختلف. والستالينية تكلّمت عن كرامة البروليتاريا وهي تُفني ملايين الأبرياء. وكثير من الحركات الدينية المتطرفة في عالمنا العربي اليوم تتحدث عن العدل الإلهي وهي تمارس أقبح أشكال الإقصاء والتكفير والتحريض والتسقيط.

هنا التحذير السابق ينال عمقاً مضاعفاً كون الجماعة الكارهة لا ترى في الآخر ذلك الكائن الذي وصفه المفكر الدكتور الرفاعي بأنه تلتقي في شخصيته "الرحمة والقسوة والسخاء والجفاء"، ولا ترى فيه "الساحة التي تلتقي فيها الأضداد"، بل ترى فيه عدو يجب ملاحقته لغاية استئصاله. ومتى اختُزل الآخر في هذه الصورة الشيطانية المجرّدة أصبح كل اعتداء عليه مشروعاً بل مقدساً. وهي بالضبط العملية التي يرصدها هونيث معكوسةً: بدلاً من الاعتراف بالآخر في تعقيده فتنمو إنسانيتنا، يجري "نزع الاعتراف" عنه فتتقلص إنسانيتنا نحن في المقام الأول.

متى يكون الكره مقدسا؟

أليس ثمة كره مشروع؟ أليس علينا أن نكره الظلم والطغيان؟ الجواب: نعم، بالطبع. غير أن ثمة فارقاً جوهرياً بين الكره بوصفه استجابة أخلاقية نقدية للفعل القبيح، وبين الكره بوصفه موقفاً وجودياً من إنسانية الآخر ذاتها. فالدكتور الرفاعي لا يدعو إلى القبول السلبي بالشر، بل يدعو إلى ما هو أصعب وأعمق: تهذيب الاستجابة تجاهه بالقيم والقانون والوعي لا بالكره المنفلت الذي "تتقدم فيه طبقة وتتراجع أخرى" دون أن يختار صاحبه شيئاً بوعي حقيقي. والإنسان المبتلى بالكره بشتى أشكاله، في حقيقته لا يريد حلاً للمشكلة التي يتذرع بها، لأن حلّها سيُفضي إلى انتهاء مبرر كرهه، فيبحث دائماً عن مظلمة جديدة لأن الكره صار هويته لا موقفه وبنيانه لا أداته.

نحو مضاد أخلاقي للكره

يُعلّمنا الدكتور الرفاعي، وهو يتأمّل الشخصية الإنسانية بوصفها "ساحةً تلتقي فيها الأضداد، وتتنازع فيها الرغبات المتعارضة، ويتكشف فيها التعقيد العميق للطبيعة البشرية التي لا تستقيم على صورة واحدة ثابتة ولا يمكن اختزالها في تفسير مبسط أو حكم قاطع"، أن الفهم الحقيقي لأنفسنا يبدأ بالقبول المؤلم بهذا التعقيد. وهونيث يُضيف أن هذا الفهم لا يكتمل من دون الاعتراف المتبادل الذي يُنمي كلاً منّا في الآخر. والتراث العرفاني يُذكّرنا بأن ما يُسمّيه الفلاسفة "الكره" هو في العمق "حجاب"، إذ لا يرى الكاره في الآخر سوى مشروع عدوّ، بينما يرى العارف فيه مرآة تعكس ما اختبأ من الحقيقة.

والشر السائل الذي حذّر منه باومان لن يتوقف عن التسرب إلا حين نأخذ تحذيرات الدكتور الرفاعي مأخذ الجد: بأن نُعيد بناء الفضاء العام على أساس الحوار الحقيقي لا استعراض الكره، وأن نُحيي تلك "القوانين العادلة والعقوبات الرادعة" التي طالب بها درعاً ضد انزلاق الإنسان نحو العنف الذي يُفكك المجتمع. وأن نُطالب كل خطاب ديني أو سياسي يستثمر في صناعة الكره المذهبي والطائفي بالمساءلة، لأنه يُنتج بالضبط ما أنذر منه الدكتور الرفاعي: "أشكال من العنف تُفكك المجتمع وتُبدد الثقة والتضامن بين أفراده."

الكره، أيها الأحبة، ليس دليل إيمان ولا شاهداً على صدق انتماء وولاء، بل هو في أحيان كثيرة ورقة التوت التي نُغطي بها تلك "الطبقات الخفية" من الخوف والضياع الداخلي التي تحدّث عنها الدكتور الرفاعي، وجرحَ الاعتراف المخذول الذي رصده هونيث، والحجاب الكثيف الذي حذّر منه الغزالي وابن عربي. وفي اليوم الذي يدرك فيه كل منّا أنه هو نفسه تلك "الساحة التي تلتقي فيها الأضداد"، وأن المختلف عنه في الدين أو المذهب أو الثقافة ليس عدواً بل مرآة تُكمل صورته الناقصة، قد نكون قد بدأنا أخيراً السعي في مضمار الحضارة.

***

مراد غريبي

تُعدّ السياسة الثقافية إحدى أكثر السياسات العمومية حساسية وتعقيدًا في أي مجتمع، لأنها تمسّ جوهر الوعي الجمعي، وتؤثر في تشكيل الهوية، وتحدد علاقة الفرد بالسلطة وبالمجال العام. وفي الوطن العربي، تكتسب هذه السياسة بعدًا أكثر إشكالية، نظرًا لتاريخ طويل من التداخل بين الثقافة والسلطة، وبين الإبداع والرقابة، وبين التنوير والتوظيف الأيديولوجي. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل تهدف السياسة الثقافية العربية إلى تمكين الإنسان والمجتمع، أم أنها أداة لتدجين الوعي وضبط المجال الرمزي؟

من حيث المبدأ، يُفترض أن تقوم السياسة الثقافية على دعم الإبداع الحر، وصيانة التنوع الثقافي، وتمكين المثقف والفنان من التعبير عن قضايا مجتمعه دون خوف أو إقصاء. فالثقافة ليست ترفًا ولا زينة خطابية، بل هي شرط أساسي للتنمية الشاملة، لأنها تصنع المعنى، وتؤسس للقدرة على النقد، وتفتح آفاق الخيال الاجتماعي. غير أن الواقع العربي يكشف عن فجوة عميقة بين هذا التصور النظري وبين الممارسة الفعلية، حيث غالبًا ما تُدار الثقافة بعقلية أمنية أو دعائية، لا بعقلية تنموية أو إنسانية.

لقد ارتبطت نشأة المؤسسات الثقافية الرسمية في كثير من الدول العربية بمشاريع الدولة الوطنية بعد الاستقلال، وكان من المفترض أن تكون هذه المؤسسات حاضنة للنهضة الفكرية والفنية. إلا أن مسار تطورها سرعان ما خضع لمنطق السلطة المركزية، فتحولت الثقافة في حالات كثيرة إلى ذراع ناعمة للشرعية السياسية، تُستخدم لإنتاج خطاب موحد، وتلميع الصورة الرسمية، وإقصاء الأصوات الناقدة أو المختلفة. وبهذا المعنى، لم تعد السياسة الثقافية معنية بتمكين المجتمع، بقدر ما أصبحت معنية بإدارة المجال الثقافي والتحكم فيه.

يتجلى هذا التدجين في أشكال متعددة، منها الرقابة الصريحة على الكتب والأعمال الفنية، أو الرقابة غير المعلنة عبر آليات التمويل والاحتواء. فالدعم الثقافي في كثير من السياقات العربية مشروط بالانسجام مع الخطاب الرسمي أو بعدم تجاوزه للخطوط الحمراء، وهي خطوط غالبًا ما تكون فضفاضة، ما يدفع المبدع إلى ممارسة رقابة ذاتية قاسية. وبدل أن تكون الدولة راعية للتعدد والاختلاف، تصبح حَكَمًا أخلاقيًا وسياسيًا يحدد ما يجوز وما لا يجوز في مجال الفكر والفن.

ولا يقتصر الأمر على الرقابة، بل يمتد إلى نمط الإنتاج الثقافي ذاته. إذ تُفضَّل الفعاليات الاحتفالية والمهرجانات الشكلية على حساب المشاريع الثقافية العميقة والمستدامة، ويُحتفى بالكم على حساب النوع، وبالصورة الإعلامية على حساب الأثر المعرفي. وهكذا تتحول الثقافة إلى حدث عابر، منفصل عن هموم المجتمع وأسئلته الحقيقية، وتفقد قدرتها على الإسهام في بناء وعي نقدي أو في تحفيز الحوار المجتمعي.

في المقابل، لا يمكن إنكار وجود تجارب عربية تحاول، بدرجات متفاوتة، كسر هذا النمط، والسعي نحو سياسة ثقافية أكثر انفتاحًا وتمكينًا. فبعض المبادرات المستقلة، وبعض المؤسسات الثقافية التي تتمتع بهامش من الاستقلال، نجحت في خلق فضاءات بديلة للنقاش والإبداع، وطرحت أسئلة جريئة حول الهوية، والحرية، والعدالة، والذاكرة. غير أن هذه التجارب غالبًا ما تبقى هشة، لأنها تعمل في بيئات قانونية وسياسية غير داعمة، وتعاني من ضعف التمويل، أو من التضييق غير المباشر.

إن جوهر الإشكال في السياسة الثقافية العربية يكمن في النظرة إلى الثقافة ذاتها. فحين تُعامل الثقافة بوصفها خطرًا محتملًا يجب احتواؤه، أو أداة تزيينيه تُستخدم عند الحاجة، فإن نتيجتها الحتمية ستكون التدجين. أما حين تُفهم الثقافة باعتبارها حقًا أصيلًا للمجتمع، ومجالًا للحوار الحر، ومصدرًا للقوة الناعمة الحقيقية، فإن التمكين يصبح خيارًا واقعيًا لا شعارًا نظريًا.

والتمكين الثقافي لا يعني الفوضى ولا القطيعة مع الثوابت، بل يعني إتاحة المجال لتعدد القراءات والتأويلات، والاعتراف بحق الاختلاف، واحترام ذكاء الجمهور. كما يعني الاستثمار في التعليم الثقافي، وفي المكتبات، وفي الترجمة، وفي الفنون الجادة، بدل الاكتفاء بالخطابات العامة والأنشطة الموسمية. فالسياسة الثقافية المُمكِّنة هي تلك التي تراهن على الإنسان، لا تلك التي تخشاه.

في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، باتت السيطرة الكاملة على المجال الثقافي أكثر صعوبة، إذ وفّرت المنصات الجديدة فضاءات بديلة للتعبير والتفاعل، وكشفت محدودية السياسات التقليدية القائمة على المنع والإقصاء. غير أن هذا الانفتاح الرقمي لا يعوّض غياب سياسة ثقافية رسمية رشيدة، بل قد يزيد الفجوة بين الدولة والمجتمع إذا استمر التعاطي مع الثقافة بمنطق الريبة لا الشراكة.

إن السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت السياسة الثقافية العربية تُدجّن أو تُمكّن فحسب، بل كيف يمكن الانتقال من واقع التدجين إلى أفق التمكين. وهذا الانتقال يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وإصلاحًا تشريعيًا يضمن حرية التعبير، واستقلال المؤسسات الثقافية، وإشراك المثقفين والفاعلين الثقافيين في صنع القرار، بدل التعامل معهم كموظفين أو مروّجين.

إذاً، تبقى الثقافة مرآة صادقة لعلاقة السلطة بالمجتمع. فإذا كانت هذه العلاقة قائمة على الثقة والاحترام المتبادل، انعكس ذلك تمكينًا وإبداعًا وتنوعًا. أما إذا كانت قائمة على الخوف والوصاية، فلن تنتج إلا ثقافة مُدجّنة، مهما بدا بريقها الخارجي. ومن هنا، فإن مستقبل الثقافة في الوطن العربي مرهون بالاختيار بين هذين المسارين، وهو اختيار لا يخص النخب وحدها، بل يخص المجتمع بأسره، لأنه يتعلق بحقه في التفكير، والحلم، وصناعة المعنى، ولأنها لا تتعامل مع البنى المادية فقط، بل مع الوعي والخيال والقيم وأنماط التفكير. فهي التي ترسم الإطار الذي تتحرك داخله الفنون والآداب ووسائل التعبير، وتحدد سقف الحرية الممنوحة للمبدعين، كما تعكس في جوهرها طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع. وفي الوطن العربي، حيث ما تزال الدولة تلعب الدور المركزي في إدارة المجال العام، تصبح السياسة الثقافية مرآة دقيقة لمدى الإيمان بالإنسان بوصفه فاعلًا حرًا، أو النظر إليه باعتباره موضوعًا يجب ضبطه وتوجيهه. ومن هنا يبرز السؤال الإشكالي: هل تتجه السياسة الثقافية العربية نحو تمكين المجتمع، أم أنها ما تزال أسيرة منطق التدجين؟

نظريًا، تقوم السياسة الثقافية الرشيدة على جملة من المبادئ، في مقدمتها حماية حرية التعبير، ودعم الإبداع المستقل، وضمان وصول الثقافة إلى مختلف الفئات الاجتماعية، وتعزيز التنوع بوصفه مصدر ثراء لا تهديد. فالثقافة، بهذا المعنى، ليست مجرد إنتاج فني أو نشاط ترفيهي، بل هي فضاء لتكوين المواطن النقدي، القادر على مساءلة الواقع وتخيل بدائل أفضل. غير أن هذا التصور يصطدم، في السياق العربي، بإرث طويل من الشك في الثقافة والمثقفين، واعتبار الكلمة الحرة خطرًا محتملًا على الاستقرار السياسي أو الاجتماعي.

لقد تشكلت السياسات الثقافية العربية الحديثة في سياق بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال، حيث سعت الأنظمة الجديدة إلى توظيف الثقافة في ترسيخ الهوية الوطنية الجامعة، ومواجهة الاستعمار الثقافي، وبناء سردية رسمية للتاريخ والذاكرة. وكان هذا التوجه مفهومًا في لحظته التاريخية، لكنه مع مرور الزمن تحول، في كثير من الحالات، إلى نمط دائم من الاحتكار الرمزي، حيث باتت الدولة هي المنتج الأكبر، والممول شبه الوحيد، والرقابة النهائية على ما يُقال ويُعرض ويُنشر. وبهذا، انتقلت الثقافة من كونها مجالًا للنقاش والتفاعل، إلى مجال للإدارة والتوجيه.

يتجلى هذا التوجه التدجيني في طبيعة المؤسسات الثقافية الرسمية، التي غالبًا ما تعمل وفق منطق بيروقراطي محافظ، يفتقر إلى الرؤية النقدية بعيدة المدى. فبدل أن تكون هذه المؤسسات فضاءات حاضنة للتجريب والمغامرة الفكرية، تتحول إلى أجهزة تنظيم للفعاليات البروتوكولية، وإعادة إنتاج الخطاب السائد بصيغ جمالية محدودة التأثير. كما يُلاحظ أن اختيار القيادات الثقافية في كثير من الأحيان يخضع لمعايير الولاء والانسجام، أكثر مما يخضع للكفاءة والرؤية الثقافية، ما ينعكس مباشرة على مضمون السياسات والبرامج.

ولا يمكن الحديث عن التدجين الثقافي دون التوقف عند مسألة الرقابة، بوصفها إحدى أكثر الأدوات وضوحًا في ضبط المجال الثقافي. فالرقابة في السياق العربي لا تقتصر على المنع المباشر، بل تتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا ونعومة، مثل التضييق الإداري، أو الحرمان من الدعم، أو الإقصاء من الفضاءات الرسمية. وهذا النوع من الرقابة غير المعلنة يدفع كثيرًا من المثقفين والفنانين إلى ممارسة رقابة ذاتية صارمة، خوفًا من العواقب، ما يؤدي في النهاية إلى إفراغ الإنتاج الثقافي من جرأته وأسئلته العميقة.

إلى جانب ذلك، تعاني السياسة الثقافية العربية من نزعة استعراضية، تُفرغ الثقافة من بعدها المجتمعي. إذ يُلاحظ التركيز المفرط على المهرجانات والاحتفاليات الكبرى، التي تُنفق عليها ميزانيات ضخمة، دون أن يكون لها أثر مستدام في تنمية الذائقة العامة أو دعم البنية التحتية الثقافية. وفي المقابل، تعاني المكتبات العامة، ودور النشر الجادة، ومشاريع الترجمة، والمسارح المستقلة، من ضعف التمويل وقلة الاهتمام، رغم أنها تشكل العمود الفقري لأي نهضة ثقافية حقيقية.

غير أن المشهد الثقافي العربي ليس كتلة واحدة من الجمود. فثمة حراك ثقافي حي، تقوده مبادرات مستقلة، وجماعات فنية شابة، ومنصات رقمية، تسعى إلى كسر الاحتكار الرسمي، وفتح نوافذ جديدة للتعبير. وقد أسهمت التحولات الرقمية في توسيع هامش الحرية، وتجاوز بعض القيود التقليدية، حيث بات المثقف قادرًا على الوصول إلى جمهور واسع خارج القنوات الرسمية. إلا أن هذا الفضاء البديل، رغم أهميته، يظل هشًا، لأنه يفتقر إلى الحماية القانونية، ويعمل في ظل سياسات عامة لم تُحدَّث بعد لاستيعاب هذا التحول.

إن إشكالية السياسة الثقافية العربية لا تنفصل عن الإشكال السياسي العام، فالثقافة لا تزدهر في فراغ، بل تحتاج إلى مناخ من الحريات، وإلى دولة تثق بمواطنيها، وتؤمن بأن النقد ليس تهديدًا بل ضرورة. فالتمكين الثقافي الحقيقي لا يتحقق عبر الشعارات، بل عبر سياسات ملموسة تضمن استقلال المؤسسات الثقافية، وتفصل بين الدعم والرعاية من جهة، وبين الوصاية والتحكم من جهة أخرى. كما يتطلب التمكين إشراك المثقفين أنفسهم في صياغة السياسات الثقافية، بدل الاكتفاء بدور المتلقي أو المنفذ.

وتبرز هنا أهمية إعادة تعريف دور الدولة في المجال الثقافي، من سلطة موجِّهة إلى شريك داعم. فالدولة القوية ثقافيًا ليست تلك التي تفرض خطابًا واحدًا، بل تلك التي تحمي التعدد، وتدير الاختلاف بوعي، وتستثمر في الثقافة بوصفها قوة ناعمة حقيقية تعزز مكانتها داخليًا وخارجيًا. كما أن تمكين الثقافة يعني ربطها بقضايا المجتمع الحقيقية، من العدالة الاجتماعية إلى قضايا الشباب والمرأة والذاكرة والهوية، بدل عزلها في أبراج نخبوية أو قوالب رسمية جامدة.

لذا، يظل السؤال حول تمكين الثقافة أو تدجينها سؤالًا مفتوحًا، لأنه يعكس صراعًا أعمق حول معنى المواطنة، وحدود الحرية، ودور الإنسان في المجال العام. فإما أن تُختار الثقافة كمسار للتحرر وبناء الوعي النقدي، وإما أن تُختزل إلى أداة للزينة السياسية وإدارة الرموز. والفرق بين الخيارين ليس فرقًا في الشكل، بل في مستقبل المجتمع ذاته. فالثقافة المُمكِّنة تصنع إنسانًا قادرًا على الفهم والمساءلة والإبداع، أما الثقافة المُدجَّنة فلا تنتج سوى الصمت الملوَّن، وهو صمت قد يبدو مستقرًا في الظاهر، لكنه يحمل في داخله كل بذور الانفجار.

***

د. عصام البرّام

احلم بجيل مختلف؛ جيل لا يرث الحروب كما ورثها آباؤه. لا يحمل السلاح حتى في خياله، بل يحمل الأسئلة ويحمل الدهشة .

الدهشة… تلك الفضيلة المنسية، التي كانت في أصل الفلسفة، حين وقف الإنسان الأول مذهولا أمام الوجود، فسأل بدلا من أن يقتل، وتأمل بدلا من أن يُدين. هذا الجيل الذي أحلم به، لن يبدأ من الكراهية، بل من السؤال؛ ولن يبحث عن اليقين السريع، بل عن المعنى العميق.

جيلا لا يغرى بالشعارات العالية، لأنه يرى هشاشتها، ولا يخدع بالبريق، لأنه تعلم أن النور الحقيقي لا يصنع بالضجيج. جيل يفهم أن من يفقد دهشته، يفقد إنسانيته، وأن من يعتدي على الحياة، إنما فقد قدرته على رؤيتها.

جيلا لا يفتن بصوت المعارك، بل يصغي إلى أنين ما بعدها. ولا يرى في الحرب بطولة، بل خللا أخلاقيا مزمنا. لا ينخدع بسرديات المجد التي تصاغ على ركام المدن، ولا يبتلع الحكايات التي تلمع القتل وتزين الخراب.

جيلا لا يرى في الاختلاف تهديدا، بل تنوعا ولن يفسر العالم بوصفه ساحة صراع، بل بوصفه نصا مفتوحا للقراءة.

احلم بجيل لا ينحني لثقل الماضي، ولا ينجرف وراء ضجيج الحاضر، بل يقف بينهما كوعي يقظ، يختار، ويعيد التسمية، ويمنح الأشياء معناها من جديد.

احلم بجيل لم تفقد روحه شجاعتها في الشك. جيل لا يطمئن إلى الإجابات السهلة، ولا يخاف من الأسئلة العميقة. جيلا لا ينجذب إلى الأساطير التي تغني للموت، ولا إلى الخطابات التي تزرع البطولة في فوهات البنادق

جيلا يتعلم أن الدم لا يصنع وطنا، وأن الجثث لا تؤسس مستقبلا، وأن الشعارات التي تولد في أوقات الحرب تموت غالبا في أول لحظة سلام.

جيلا لا يكتفي بكراهية الحروب بل يوسع دائرة الرفض لتشمل صناعها، أولئك الذين يعيشون على حواف الدم، ويتاجرون بالخوف، ويعيدون تدوير الكراهية كأنها مورد لا ينضب.. جيلا يعلم أن خلف كل معركة حسابات باردة تدار بعقل لا يرى في الإنسان سوى رقم..

جيلا يعيد تعريف البطولة: وانها لن تكون في القتال، بل في الامتناع عنه.. لن تكون في الانتصار على الآخر، بل في الانتصار على الرغبة في سحقه. سيدرك أن أعظم شجاعة ليست في اقتحام الجبهات بل في كسر الحلقة المفقودة بينك وبين الآخر

جيلا يرى في الأشياء ما هو أبعد من وظيفتها، وفي الإنسان ما هو أعمق من هويته، وفي الحياة ما هو أرحب من صراعاتها الضيقة.

غير أن هذا لن يكون سهلا؛ فالحروب لا تنتعش بالسلاح فقط، بل تعيش في الذاكرة، في التربية، في الخطاب، في اللغة ذاتها. لذلك فإن هذا التحول لن يكون سياسيا فحسب، بل وجوديا: عن طريق إعادة بناء الإنسان من الداخل، تحريره من إرث الخوف، ومن إدمان العداء، ومن وهم امتلاك الحقيقة المطلقة

هذا الجيل لن ينقذ العالم بالقوة، بل بالوعي؛ لن يغيره بالعنف، بل بإعادة اكتشافه. لأن الدهشة، في جوهرها، ليست ضعفا… بل بداية كل حكمة.

فحين نعيد للإنسان دهشته، نعيد له قدرته على أن يكون إنسانا

في النهاية اكرر، لا يولد العالم من جديد بالسلاح، بل بالعين التي ترى لأول مرة. حين يستعيد الإنسان دهشته، يستعيد براءته الأولى، تلك التي لم تدنسها الكراهية، ولم تثقلها يقينيات العنف. عندها فقط، لا يعود السؤال تهديدا، بل خلاصا؛ ولا يعود الاختلاف خطرا، بل ثراء. ولا يصبح الآخر عدوا، بل مرآة أوسع للذات.

ولكى يولد هذا الحيل نحتاج إلى تربية لا تلقن الاجوبة، بل توقظ الاسئلة. تعليم لا يعتمد على الحفظ، بل صانعي دهشة. ان نعلم الطفل كيف يرى، لا ماذا يرى، كيف يفكر، لا ماذا يفكر. فالعقول التي اعتادت التلقي يسهل قيادتها الى الحرب، اما العقول التي تعلمت التساؤل، فتصعب تعبئتها بالكراهية.

نحتاج الى خطاب ديني يستعيد جوهره الاخلاقي، لا صخبه التحريضي، الى ايمان يرقي الانسان، لا يقسمه. فالدين الذي لا يثمر رحمة، يتحول، بلا ان يدري، الى اداة في يد من يتقنون استثماره.

نحتاج الى اعلام لا يبيع الخوف، ولا يتاجر بالدم، بل يكشف، ويفسر، ويربي الذوق العام على الحقيقة لا الاثارة. فالكلمة، حين تنحرف، تصبح رصاصة مؤجلة.

نحتاج الى ذاكرة لا تقدس الالم، بل تتعلم منه، لا تعيد انتاج الجراح، بل تفكك اسبابها. فالشعوب التي تحول ماسيها الى اناشيد، تخاطر بان تعيد عزفها مرة اخرى.

نحتاج الى شجاعة من نوع مختلف، شجاعة الاعتراف، لا شجاعة الانكار، شجاعة مراجعة الذات، لا الاكتفاء باتهام الاخر. لان الحروب لا تبدأ حين نختلف، بل حين نرفض ان نفهم اختلافنا.

نحتاج، قبل كل شيء، الى ان نعيد للانسان حقه في ان يندهش، ان يرى العالم بلا اقنعة، وان يقترب منه بلا خوف، وان يلمسه بلا رغبة في امتلاكه او تدميره.

فهذا الجيل لن يولد من فراغ، بل من قرار. قرار بان نكف عن توريث الكراهية، كما نورث الاسماء. قرار بان نربي ابناءنا على الحياة، لا على انتظار الموت.

ولا يكتمل هذا التحول دون الفن الراقي، ذلك الذي لا يكتفي بأن يكون مرآة للواقع، بل يسعى إلى إعادة تشكيله. فالفن، حين يسمو، لا يسلي الإنسان فقط، بل يعيد تربيته وجدانيا، يفتح في داخله نوافذ للدهشة، ويهذب حسه تجاه الجمال والمعنى. لوحة صادقة، قصيدة عميقة، لحن نقي، او مشهد مسرحي حي، قد تفعل في النفس ما تعجز عنه الخطب والكتب. فالفن الحقيقي يزرع التعاطف حيث تنمو القسوة، ويوقظ الحس الانساني حيث يخدره الاعتياد، ويمنح الانسان القدرة على رؤية الاخر لا كخصم، بل ككائن يشبهه في الالم والحلم. ولذلك، فان الجيل الذي نحلم به لن يتشكل بالافكار وحدها، بل بالجمال ايضا

اعلم تماما انه مجرد حلم. لكنه ليس حلما طوباويا بقدر ما هو ضرورة وجودية؛ لأن العالم الذي أنهكته الحروب، وأفسدته الشعارات، لم يعد يحتمل نسخا مكررة.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

من الصعب جدا الإحاطة بسبعة عقود من التفكير المتوقد المتجسد بـ 14 ألف مادة بين كتاب ومقال. لقد راهن هابرماس بمسيرته المهنية على قوة الحوار والتداول، لذا من الملائم الاهتمام بآرائه. كان هابرماس (الذي توفي في 14 من الشهر الحالي بعمر 96 عاما) من بين أعظم المفكرين المعاصرين. كان لديه ايمان لايتزعزع بان الناس لديهم أذهانهم الخاصة، يمكنهم الأمل في مستقبل أفضل، ولديهم القدرة، وبطريقة جماعية وديمقراطية على جلب ذلك المستقبل للحياة.

وُلد في دوسلدورف عام 1929، ثم هرب من التجنيد الاجباري بإعجوبة الى فيرماخت. كان ادراكه اللاحق انه كطفل كان محاطا بنظام اجرامي سياسيا دفعه بقوة الى مسيرة اكاديمية مدى الحياة، والى حملة سياسية وشخصية لإنقاذ الديمقراطية واستعادة المستقبل.

كان صراعا شاقا له أبعاد مذهلة. اذا كان الأفضل لم يأت بعد فان الرحلة نحو التنوير ستتطلب "ليس أقل من نظرية شاملة للمجتمع الحديث ودينامياته الأساسية". كان هذا هو المشروع البحثي، الذي لم يفهمه الاّ القليل من منظّري القرن العشرين . قاد هابرمس الطريق بنطاق واسع متعدد التخصصات: فهمْ تاريخي، تصوّر جغرافي، رؤى سوسيولوجية، استيعاب لنظرية قانونية، انشغال دائم في الاخلاق والجماليات وعلم النفس والايبستيمولوجي والثيولوجي وغير ذلك. كل واحد من هذه الاتجاهات كان يمكنه إحداث تأثيرا كبيرا، لكن مع هابرماس كلها جاءت مجتمعة برسالة سياسية قوية.

فلسفته التطبيقية والبرجماتية التي وُصفت كاجتماعية، ديمقراطية، عالمية، وإنسانية كانت رؤيته السياسية. محورها هو ان تكوين وعمل وهشاشة المجال العام الذي يتوسط بين الدولة والمجتمعات المدنية، يعِد ببديل للأنظمة الاستبدادية والشمولية التي سعى لتجنّبها. عقيدة هابرماس طوال حياته التي تجسدت بعملين بارزين هي ان تكوين الرأي العام من خلال المحادثة العقلانية والمنطقية هو حيوي لسلوك وبقاء الديمقراطية البرلمانية. كلا العملين يشكلان حكايات تحذيرية تهتم بنفس المقدار بكل من القوى التي تخنق الديمقراطية التداولية وبالظروف التي تزدهر فيها.

الأول، هو التحول الهيكلي للمجال العام (1962) نجد فيه نطاقا لنقاش مستنير وشامل ونقدي تأثر سلبا بضغوط المصالح التجارية والبيروقراطية. وبعد ستة عقود، يتناول كتاب تحول هيكلي جديد للمجال العام والسياسة التداولية (2022) خوارزميات التواصل الاجتماعي. في هذه يرى – ان المصالح الثابتة، تهشّم المجال العام و تُضعف إمكانية الفعل الجماعي ضد التغيرات البيئية واللامساواة الحادة.

في تلك الاثناء، تمكّن هابرماس، المستند على جزئين من نظرية الفعل التواصلي (1981)، من إنجاح عمل المجال العام . ما هو الشيء الذي لم يتأثر به علماء الانسانيات والعلوم الاجتماعية من مشروعه في النصف الأخير من القرن ؟ يُعتقد انه كتابه (حول المعرفة والمصالح الإنسانية ،1968). حالما ندرك ان المعرفة ليست شيئا يُكتشف وانما ممارسة تتأسس بفعل مصالح متنافسة، فلن تكون هناك رجعة للوراء.

نحن كنا دائما منظّرين نقديين، في رحلة تأملية ذاتية لمستقبل اكثر عقلانية وعدلا. هابرماس بقي معنا في كل خطوة على الطريق، لاسيما انه لم يقتصر بعمله فقط على الكتب العلمية والمقالات. مخرجاته الصحفية ومداخلاته العامة الأخرى كانت أيضا بنفس الدرجة من الضخامة. انظر، مثلا، في 12 جزءاً من المحادثات والخطب والتعليقات القصيرة جُمعت كلها في كتاب (جمهورية برلين). يجب القول هناك نقد نسوي راقي وإعادة مراجعة لأفكار هابرماس الأساسية. هذه الفضاءات العامة التي تزدهر بها الديمقراطية التداولية كانت تقليديا يشغلها الرجال، وهي عموما سياسات استبعادية. تلك التحديات لم تربك هابرماس الذي تبادل بانتظام الرؤى مع نطاق واسع من جمهور المثقفين. هذه النقاشات جسدت الكيفية التي توقّع بها هابرماس انكشاف المستقبل .

أمل للمستقبل

بالنسبة لهابرماس، الأمل لم ينتصر دائما على التجربة. في عمله المهني المبكر هو قلل من أهمية المحادثات السطحية غير المعمقة مع تلاميذه. في منتصف العمر، هو بالغ في تقدير إمكانات الفكر في توجيه النقاش العام. وفي الأوقات المتأخرة، كانت النزعة نحو الانحدار الديمقراطي وتقوية الاستبداد ربما تشير الى انه وقع في "فخ الديمقراطية" الكلاسيكية. هل كان من العبث الأمل في تفويض الشعوب لتتمتع بحق التصويت الكامل لإختيار حكوماتها من خلال انتخابات حرة ومنتظمة؟

هابرماس، في الحقيقة، يدرك تماما ان القدرة على ممارسة الديمقراطية لا يمكن اعتبارها امرا مفروغا منه دائما. مع ذلك، هو لم يتخلّ ابدا عن وعودها. حول هذا كتب بنشاط حتى النهاية، وأحيانا بشكل مثير للجدل. ليس كل شخص أحب أسلوبه. احد الذين حزنوا عليه وصفه بانه "لامع ومؤثر بشكل مذهل وممل". لكن الرأي الأكثر دلالة هو ان عمله منحنا مفردات تحافظ على وعود الكرامة والاستقلالية حية وحقيقية.

باختصار، إنجازات هابرماس هي تجسيد لكل ما لا تمثله الشعبوية. لقد تمسّك بقناعته بان المعرفة العميقة والحجج المقنعة يمكن ان تُحدث فرقا مع مرور الزمن وانه حتى لو كانت البادرة نحو عالم افضل صغيرة فهي تستحق الجهد المبذول. ذلك يوضح لماذا يصف مراجع حديث مشروعه الأخير (ثلاثة أجزاء) وأيضا (تاريخ الفلسفة) بـ "عمل ينبع من التفاؤل المتعمد"، ولماذا في عمله الأخير، وهو عبارة عن مجموعة من محادثات سير، بعنوان (الأمور بحاجة الى ان تتحسن) لايزال هابرماس يعلق آماله على الحوار النقدي والنقاش العقلاني.

***

حاتم حميد محسن

من: The conversation, March 25, 2026

 

بين الهجمة الصهيوامبريالية والتخلف الثقافي للرجعيات

أثناء التحولات الجيوسياسية والثقافية التي تشهدها المنطقة العربية والإسلامية، تظل قضية الشعوب المضطهدة – سواء كانت أقليات قومية أو طائفية أو مجتمعات مهمشة أو شعوب تحت الاحتلال – واحدة من أعمق الجراح التي تُمزق نسيج الهوية والكرامة الإنسانية. هذه الشعوب، التي تشمل الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي، والأكراد في عدة دول، والبربر في شمال أفريقيا، والأقليات الدينية في بعض الدول، والنساء والشباب تحت أنظمة قمعية، تجد نفسها محاصرة بين مطرقة الهجمة الخارجية – التي يمكن تسميتها بالصهيونية-الإمبريالية كتعبير عن التحالف بين المشروع الاستيطاني الإسرائيلي والتدخلات الغربية – وسندان التخلف الثقافي الداخلي للرجعيات، سواء كانت أنظمة استبدادية علمانية أو تيارات إسلامية متطرفة أو هياكل اجتماعية تقليدية جامدة. هذه المقاربة الأكاديمية تكشف عن جدلية معقدة: فالضغط الخارجي يُفاقم الضعف الداخلي، بينما يُستغل التخلف الثقافي الداخلي كذريعة لتبرير الهيمنة الخارجية. إنها ليست مجرد سرد تاريخي، بل تحليل إبستمولوجي واجتماعي-سياسي يستند إلى نظريات ما بعد الاستعمار والنقد الثقافي، ليبين كيف أن الشعوب المضطهدة تصبح ضحية مزدوجة، وكيف يمكن أن يصبح الوعي بهذه الجدلية نقطة انطلاق لتحرر حقيقي.

تبدأ جذور هذه الازدواجية في مرحلة الاستعمار الكلاسيكي والحديث. منذ القرن التاسع عشر، شكلت الإمبريالية الغربية – البريطانية والفرنسية ثم الأمريكية – إطاراً لتقسيم المنطقة وفقاً لمصالحها الاستراتيجية، كما حدث في اتفاقية سايكس-بيكو (1916) التي رسمت الحدود الوطنية الحديثة بطريقة تجاهلت التنوع العرقي والطائفي. هذا التقسيم أنتج دولاً هشة، مما مهد لصعود حركات قومية وإسلامية ردت على الاستعمار، لكنها غالباً ما تحولت إلى أنظمة استبدادية. أما المشروع الصهيوني، الذي بلغ ذروته بإقامة دولة إسرائيل عام 1948، فقد مثل نموذجاً استيطانياً كولونيالياً حديثاً، حيث تم تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين في النكبة، واستمر الاحتلال للأراضي الفلسطينية كتعبير عن «الصهيونية» كحركة قومية توسعية مدعومة إمبريالياً. إدوارد سعيد في كتابه «الاستشراق» (1978) يُحلل كيف أن الخطاب الغربي صوّر العرب والمسلمين كـ«الآخر» المتخلف الذي يحتاج إلى «حضارة» خارجية، مما برر التدخلات المتكررة، ودعم الاحتلال الإسرائيلي كـ«ديمقراطية» في «محيط معادٍ».

هذه الهجمة الصهيونية-الإمبريالية لا تقتصر على الاحتلال المباشر، بل تمتد إلى سياسات اقتصادية وثقافية تُعمق التبعية. في فلسطين، يستمر النظام الاستيطاني في الضفة الغربية وقطاع غزة كشكل من أشكال «الأبارتهايد» الذي وثّقته منظمات حقوقية دولية، حيث يُحرم الفلسطينيون من الحقوق الأساسية في الأرض والمياه والحركة. أما في الدول العربية والإسلامية الأخرى، فإن التدخلات الغربية – من غزو العراق 2003 إلى دعم أنظمة معينة ضد «الربيع العربي» – ساهمت في تفكيك الدول وصعود الجماعات المتطرفة، مما زاد من معاناة الأقليات الذين يواجهون تهميشاً ثقافياً ولغوياً. هذه الهجمة الخارجية ليست مجرد عسكرية، بل ثقافية أيضاً، حيث تُروّج الإعلام الغربي صورة «الإسلام المتخلف» لتبرير السيطرة، كما أشار فرانز فانون في تحليله للاستعمار كعملية نفسية وثقافية تُفرض على المستعمَر.

في المقابل، يُشكل التخلف الثقافي للرجعيات الداخلية الجانب الآخر من المعادلة، وهو ليس أقل خطراً. الرجعيات هنا تشمل الأنظمة الاستبدادية التي تحولت إلى «دولة أمنية» بعد الاستقلال، والتيارات الإسلامية المتطرفة التي تُحوّل الدين إلى أداة قمع، والحساسيات الثقافية التقليدية التي تُكرس التمييز ضد الأقليات والنساء. في دول مثل سوريا والعراق واليمن، أدى الاستبداد السياسي إلى قمع الأكراد والشيعة والسنة المعارضين، حيث يُستخدم الطائفية كأداة حكم. أما التيارات السلفية المتطرفة، كما في بعض مناطق اليمن أو شمال أفريقيا، فتُفرض تفسيرات جامدة للإسلام تُكبت الحريات وتُهمش التنوع الثقافي، مما يُعمق التخلف الثقافي ويجعل المجتمعات أكثر عرضة للتدخل الخارجي. عبد الله العروي في أعماله حول «الأيديولوجيا العربية» يصف هذا التخلف كـ«جمود حضاري» ناتج عن رفض النقد الذاتي والانفتاح على الحداثة دون التنكر للتراث.

 الجدلية بين العاملين تظهر بوضوح في حالات محددة. في فلسطين، يجمع الاحتلال الإسرائيلي بين الضغط الخارجي والضعف الداخلي للسلطة الفلسطينية والانقسامات السياسية. أما الأكراد، فيعانون من قمع تركي وسوري وعراقي داخلي، بينما يُستغل الوضع من قبل قوى خارجية. في دول الخليج، يُهمش البدون (العديمو الجنسية) أو الأقليات الشيعية تحت ذريعة «الأمن القومي»، مما يُعزز من التبعية الخارجية. هذا التفاعل يُنتج «صدمة مزدوجة»: الشعوب تفقد الثقة في الذات والآخر، فتنتشر اللامبالاة أو التطرف كرد فعل.

في الختام، إن الشعوب المضطهدة في العالم الإسلامي والوطن العربي لا تُحاصر بقوة خارجية فقط، بل بتخلف داخلي يُعيق التحرر الحقيقي. السبيل إلى الخروج يكمن في نقد ذاتي جريء يجمع بين مقاومة الهيمنة الخارجية وإصلاح الثقافة الداخلية، مستلهماً من تراث النهضة العربية ومبادئ حقوق الإنسان الكونية. هذا ليس حلاً رومانسياً، بل ضرورة وجودية لإعادة بناء مجتمعات قادرة على الصمود والتقدم.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.........................

المراجع الرئيسية:

سعيد، إدوارد. (1978). الاستشراق. ترجمة كمال أبو ديب. بيروت: دار الآداب.

فانون، فرانز. (1961). معذبو الأرض. ترجمة سامي الدروبي. دمشق: وزارة الثقافة.

العروي، عبد الله. (1974). الأيديولوجيا العربية المعاصرة. بيروت: دار الطليعة.

"نحن لا نعرف حقيقةَ الحروب، ولكن يمكن أنْ نرويها بإتقانٍ"

هذه اللافتة تُعلَّق مع كلِّ صراع مُسلّح يلفُه الغموض والإشكال. الحرب - كما هي- مسألة فائقة على دقة الوصف. لأنَّها خارج مستوى العقل، هي رأساً تخاطب الغرائز والأهواء، فلا نتوقع منها سوى الأهوال والفواجع. أليست كذلك في ذاكرة البشرية القريبة أو البعيدة؟! كما أنَّ الحروب تُطبخ على نار هادئةٍ عبر المؤامرات وأعمال التجسس والشحن الايديولوجي. وفي حمأة الاحداث والوقائع، تتشابك أيادي الأوغاد والعملاء والمتواطئين وتجار الأسلحة والمرتزقة نفخاً في نيرانها حتى النهاية. أي لا تُوجد أسباب عقلانية تدفعُ في اتجاه الحروب ولا تستند المواقف إلى قاعدةٍ مشتركةٍ تجمعُ شتات الآراء، لأنَّ الطرف الذي يعقلنها منطقياً قد يصبحُ هو أول ضحاياها. بل لن يستطيع أيُّ طرف التحكم في مسارها إزاء الاحتمالات غير المتوقعة للصراع.

من جهةٍ أخرى، غير متاح للإنسان العادي أنْ يدرك مغزى الحرب (مثل الحرب الامريكية الايرانية). هل سيقول العقل في مستواه العام: علينا أنْ نتقاتل مع بعضنا البعض حتى ننهي مسألة (امتلاك ايران للاسلحة غير التقليدية كما يُقال)؟! إذن لماذا لا تنتهي هذه المسألة دون آثار دمويةٍ؟ وحتى لو ادّعى العقل العام ذلك، فإنَّه سيُعاود الكرّةَ مرةً أخرى ليتساءل: ما الجدوى مما جرى من أحداثٍ؟ وما مستقبل الصراع؟ وكيف سيتوقف عاجلاً أم آجلاً؟ بل لماذا كان صراعاً دموياً من البداية؟ وماذا عن اليوم التالي لانتهاء الحرب بين أمريكا وايران؟ وما بدائل الحرب إنْ لاحت احتمالاتُها في المستقبل؟

تطرح الأسئلة شيئاً مهماً: أنَّ حدوث الحرب لم يتم داخل غرف العمليات العسكرية فقط، بل عبر غرف إدارة السرديات والخطابات والمقولات. وأنَّ صياغة العبارات والمصطلحات صناعة حربية ثقيلة لا تقل خطورةً عن صناعة الصواريخ والآليات والقذائف. وربما يتم القصف مرةً بالصواريخ البالستية والأسلحة غير التقليدية، ولكن هناك قصفاً آخر عبر التعليقات والشعارات القادرة على أن تصيب مراكز الاقناع والتبرير في العقول. لأن الحروب تستمد مادتها الأثيرة من الجانبين وأنَّ فضاء المعارك واحد واحد ولكن الأسلحة مختلفة. ولم يتورع اطراف الحرب بين أمريكا وايران من استعمالها دون حدود.

لماذا السرديات؟

لابد من السرديات لأخراج صورة الحروب وفقاً لمآرب أطرافها البعيدة. وهي محاولة لاستباق الواقع بواسطة عمليات من الحكي والقص واطلاق التبريرات والدلالات واستحضار المرجعيات والتلويح بمخاوف في قوالب بلاغية تعيد تشكيل ذهنيات الجمهور وتمهد تربة التلقي للأفعال المنجزة والأحداث المنتظرة. السرديات بذلك تشكّل أفقاً للتفسير يأخذُ معه الذهنيات نحو ما يريد قوله، هادفاً إلى تحقيق الأقوال في العقول قبل الواقع. أي يُدخل السرد المتلقين في استراتيجية غسيل الخلفية وبث صور وإثارة أفكار لاقناعهم بأن صاحب السردية يقف موقفاً حقيقياً لا أقول صحيحاً. لأن صحة السردية لا يتم التأكّد منها مباشرة. ولكن وظيفتها هي احداث اختلال في الفهم وقبول البدائل المطروحة.

السردية حكاية يتم من خلالها هندّسة الأحداث وترتيبها عبر الذهنيات، بحيث تبدو محبوكة النسْج ومتتابعة الخطوات وسائرة وفقاً لخطوط مرسومة، وتبلغ من التشويق والاثارة حداً غير قليل كي يستبقها الناس وينتظرون مراحلها بكل شغفٍ، وكأنّها ألعاب افتراضية هم جزء منها وفقاً لأهدافها المحددة. ولذلك تعزف السرديات على نقاط إلتقاء الغرائز والأخيلة والمعتقدات والاراء الشائعة تبعاً لقاعدة الغموض والالغاز. ومن فرط قوتها الرمزية، تغذي لدى فئات واسعة من الناس ما يريدون سماعه وانتظار المزيد منه طوال الوقت. بل ويتحولون إلى مشجعين في مقاعد الجماهير الذين يصيحون مع كل هدف مثل جماهير كرة القدم. وهذا لون من التمثيل الذهني للأحداث على مستوىة أكثر انتشاراً وتأثيراً. ويعطي صاحب السردية إمكانية التزيد في إثارة الشغف والخيال. ويكون الكذب هو الاثير الذي يبدو شفافاً لقلب الوقائع إلى أدلة وتحويل الأعمال الحمقاء إلى طقسٍ وحشو الأشكال الفارغة بمضامين فعلية كما نراها في مواقف أمريكا واسرائيل.

أمّا منْ يمتلك عقلاً فاحصاً ناقداً، فستدخله تلك العملية البلاغية في دهاليز سردية تأخذ وقتاً طويلاً لفك خيوطها. وسيكون عليه أنْ يمتلك ثلاثة أشياء: الأول: هو القدرة على البحث عن المعرفة الأخرى لما هو سائد وعن مصادر المعلومات الدقيقة لكشف الزيف والمراوغة. والثاني: قراءة الواقع والأحداث الحربية والسياسية جيداً. والثالث: القدرة على استباق حبكة السرد وتمزيق نسيجه والتنبؤ بما سيحدث لاحقاً. لأنَّ أية سردية تخاطب الذهنيات حين تسكن داخلها لا من خارجها، أي بعد أن تجد لها تربة من التصديق سرعان ما تواصل الضخ المعلوماتي والأكاذيب التي تلف العقول وتطمس الشغف. وبذلك تشكل تفسيراً يبدو مقنعاً لما يجري.

في هذا الإطار، ليست أقوال الساسة وتحليلات الاعلام حول الحرب الامريكية/ الايرانية هي الحقيقة، يتكشف لنا يومياً حجم تعمية اطراف الحرب على الوقائع وأساليب المراوغة والهروب من ميدان الخطاب الواضح سواء من قبل الامريكان والاسرائيليين أم من الايرانيين. والتعمية باتت مقصودة من رموز الصراع (ترامب ونتنياهو وأقطاب النظام الايراني). إن الحروب لا يعنيها أنْ ترسم صورة حقيقيةً أمام المتابعين. الحروب ما كانت لتقع إلاّ من أجل اختلاق حقيقة معينةٍ. بالأدق فرض حقيقة تخص الطرف الغالب وإنْ لم تكن عادلةً. إذ لا توجد عدالةٌ في الحروب أصلاً حتى ولو كانت مبرراتها عادلةً في أحايين كثيرة!!

وذلك لكون الحرب تُشن بحثاً عن واقع جديدٍ بجميع الطرق الممكنة وغيرها. وهذا ما أكدته اسرائيل من ضرورة رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط. وكم تباهي نتنياهو أمام الجمهور السياسي بأنه يزهو بما عمله من احداث تغيير حقيقي في موازين القوى لصالح كيانه الصهيوني. وأنَّ اسرائيل اتخذت هذه المبادرة العسكرية تجاه ايران كأنَّها تحمل مسئولية تاريخية عن المستقبل. إذن كيف تفرض الحروب واقعها الخاص ثم ننتظر منها أن تقول الحقيقة ؟!

بالاجمال لا يتجاوز ما ورد ضمن معرفة الحروب شيئاً ذا أهمية مقارنةً بما حدث في الحرب الامريكية الايرانية. وجدت هذه الحرب في كلامنا، في رؤوسنا، في خطاباتنا، في بلاغتنا، في تعبيراتنا الجارية أكثر مما نلقاها في الواقع . إنَّ الصور والأخبار والتصريحات والتعليقات التي تحكي ما يجري إنما هي علامات تسكن الأدمغة وتنقل ما بها من رغبات. دونالد ترامب دماغ ثقافي ما بعد حداثي، وكان حريصاً منذ اليوم الأول أنه سينقل للمتابعين أحد أمزجة الحروب بامتياز. مزاج يجمع بين رجل التجارة وعقد الصفقات زائد نزق سياسي ومراهقة حربية لافتة واستعراض عسكري بازخ وتقارير غير صحيحة والرمي المجازي بالعبارات في ميدان القتال. إنَّ تجارب الحرب مرتبطة بمعتقدات أطراف المعارك. بينما ما يقوله نتنياهو يعد " سرداً مختلطاً" بلاهوت بني اسرائيل وبالآمال السياسية لشعبه وسط منطقة السرديات. ويكمل دونالد ترامب الصورة من وراء المحيط معتبراً أمريكا هي عقدة الحبكة في دائرة الصراع السردي. وأنّه دونها لن تحل المشكلات سلاماً وحرباً، كأنَّ أمريكا قد امتلكت نسيج السرد دون تعقيب. وكثيراً ما يرمي أحدهما بطرف الخيط ليكمل الآخر القصة ما بين الشرق الأوسط والقارة الأمريكية. نظراً لوحدة المرجعية وسريان المخطط إلى غايته.

وعلى افتراض أننا ذقنا ما ذقنا من طعم الحروب التاريخية في المنطقة، فما علمناه (سردياً) متقدم على التذوق كما يصف زهير بن أبي سلمى. أي أن الكلام، الحكي، أسبق من التجارب وهذه بديهية ثقافية، لأن عقولنا تُولد في اللغة حين تتورط مع حركة الواقع. نظام اللغة يترقب مع سبق الاصرار والترصد: ماذا نحن فاعلوم في المواقف المختلفة، حيث لا فاصل هناك بين اللغة والأشياء والأفعال، فالأخيرة أخذت دلالتها مما يوجد في عقولنا من كلمات ومعانٍ. مذاق الحرب هو مذاق الكلام، القصص الحاملة للأهوال والمآل. المعرفةُ تعني سردية الحرب كأنَّها شيء معروف لدينا بحكم نسق الثقافة الحكاء . فهي رواية قارّة في لاوعينا الثقافي إلى درجة التغلغل.

يقول زهير بن أبي سلمى:

وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ  

وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ

*

مَتى تَبعَثوها تَبعَثوها ذَميمَةً 

 وَتَضرَ إِذا ضَرَّيتُموها فَتَضرَمِ

*

فَتَعرُكُّمُ عَركَ الرَحى بِثِفالِها  

وَتَلقَح كِشافاً ثُمَّ تَحمِل فَتُتئِمِ

*

فَتُنتَج لَكُم غِلمانَ أَشأَمَ كُلُّهُم 

 كَأَحمَرِ عادٍ ثُمَّ تُرضِع فَتَفطِمِ

السبب أن أحداث الحروب تضع نفسها في النقطة التي لا تعود عندها مفهومةً. وهذا جزء من التكتيك الحربي الذي يخضع لصناعة الصورة الذهنية. ولعل الدول الأوربية وأبرز مثقفي الغرب قد تساءلوا مراراً: حول ضرورة تحديد أهداف ضرب إيران؟ ولماذا تضع امريكا كل قوتها ومقدراتها في خدمة اسرائيل؟ والثقافة على الدوام لا تقول شيئاً اعتباطياً، لأن المبررات لابد أن تُشتق من جسم الأفكار التي هي رائجة. وترامب ونتنياهو يبدوان كـ" رأسين بلُونيين " بلا عقل ولا فهم واضح حيال المسألة. فقد بعثاها (أي الحرب) ذميمةً بعبارة زهير بن أبي سلمى وتركا رحاها تعرك كل من يقابلها وأن تلد ناقتها الجرباء أفظع النتائج. وهما (ترامب ونتنياهو) لا يعلمان أنَّ" آبار الغضب " في المنطقة بحجم التواجد الاسرائيلي الأمريكي الذي خرج عن المألوف. لقد أخذا خريطة العالم العربي رهينة لمركز إدارة الأحداث العسكرية في واشنطن وتل أبيب كأن الخريطة لا يوجد بها مفاتيح أخرى.

ضخ السرديات

قبل شرارة الحرب الامريكية الايرانية كنا نتلقى دفقاً وفيراً من السرديات. اغرقت السرديات الواقع وفتحت سيلاً من القصص التي تلف شعوب المنطقة لفاً محكماً. تقول أمريكا: إنها لن تسمح لايران بامتلاك أية أسلحة نووية. في إشارة إلى كون تلك الاسلحة محرمة دولياً. وأنها تستحضر التجارب القريبة حول المصطلح وكم خِيضت حروب دولية للقضاء على من يقترب من امتلاكها. ولاسيما أن السردية الأمريكية تُناور قوى المجتمع الدولي، فمازالت العبارات الرنانة التي قيلت في امتلاك الارهاب لأسلحة غير تقليدية تترك صداها في آذان المسئولين والهيئات المختصة. ومازالت الاستجابة نفسها من مجتمعات الغرب ساريةً حتى اللحظة. إذن ... ما الجديد الذي حدثَ حتى تندهش دول الغرب (انجلترا وفرنسا) بصدد الحرب الامريكية على دولة مارقة اسمها إيران!!

سماع ترامب لكلمة (الله أكبر) أثناء أحد خطاباته المتلفزة كان كفيلاً باخراج المشهد كأنه حادثة ارهابية. حيث انفرط عقد الحضور وهرع ترامب من المكان، وكأنه يقف على حافة انفجار لقنبلة موقوتة. والربط بين نداء (الله أكبر) واستعادة كلمات الارهاب لا يحتاج إلى علامات الوضوح، حتى يرمي بثقله تجاه الصراع المتفجر في الشرق. وعندما يتم ربط ايران بكل السمات اللاهوتية للدولة وكونها تمول جماعات متطرفة وتدعم بعض الأذرع التي تتحرش برديفتها اسرائيل، فهذا كفيل باثارة الاسلاموفوبيا.

وبخاصة أن الثقافة الغربية (الامريكية) تحديداً تعتبر أن اسرائيل بمثبة المولود الشرعي لها. وأن مكانها يجب أن يظل مصوناً بالأسلحة والرعاية الحربية مهما كلف أمريكا من عتاد. بل سردياً تشكل اسرائيل ترمومترا لمستوى الخطابات السياسية في الشرق الأوسط، يتم بواسطته قياس تحولات الثقافة حولها ومعرفة ردود الأفعال التي تنقلها لقيادات الغرب والبيت الأبيض. اسرائيل أضخم سردية سياسية حربية حتى الأن ويدور في فلكها أحجام ضخمة من الخطابات والوثائق التي تتطلب فك شفرتها ومعرفة كيف صيغت غرباً وشرقاً.

استكمالاً للسردية الأمريكية، يثير ترامب تيمة عالمية أخرى باعتباره مدافعاً عن العالم الحر ضد ايران، حين أشار إلى أن الحرب مهمة للعالم أجمع لمنع اعتداء إيران على مؤسساته ومكتسباته الحضارية. وكأنَّ ترامب يقول للغرب: إن ايران تنتمي إلى عالم بربري، وأن مكانها ليس بين دول العالم المعاصر. ايران دولة متوحشة مثل حيوانات الغابة المفترسة. ولا يليق بالمجتمعات المتحضرة الصمت إزاء هذا الكائن الغريب الأتي من أزمنة غابرة ليمارس الوحشية تجاه اسرائيل ودول الخليج العربي. وعلى المنظمات والهيئات الدولية أن تقف بجوار امريكا واسرائيل في حربها. والكلام لا يخلو من تحذير سردي قديم إلى من يؤيد الارهاب. ولكنه يطرق عليه بقوة ليختبر مدى سخونته المعتادة في مثل هذه المواقف. على أمل أن يلقي الكلمات، فإذا بالتاريخ القريب يكمل الحكاية الغربية.

التعبير المقلوب: أن منْ لم يؤيد أمريكا تجاه ايران، فسيكون مدعماً لارهاب سيطال العالم أجمع. وتدريجياً سيكون متورطاً معها فيما تمارس. وهذا لايخلو ضمنياً من إلقاء التهم يميناً ويساراً وبخاصة حول الصين وروسيا الاتحادية. ترامب يتلاعب سردياً بتيمة المجتمع الدولي ويغازل آذان القوى الغربية ما بين شجب مواقفه المحايدة والدعم غير الواضح لحربه على ايران. مثل العربجي (سائق العربة الكارو) الذي يضرب الحصان بالسياط (الكرباج) مرةً، ثم يأخذ بضرب الهواء مرات كثيرة ليحدث فرقعه مسموعة. فقد خاطب ترامب دول حلف الناتو بكونها دولاً لا وزن لها دون وجود الولايات المتحدة. أي أن معادلة حلف الناتو معادلة صفرية ما لم تعتمد على رمزية أمريكا في كل الحروب التي خاضها. والمقايضة السرية لا يعوزها الشرح بين تأييد الحرب بل بين الدخول في الحرب جنباً إلى جنب وبين الخروج من الباب الواسع لإفشال حلف الناتو. هكذا يقول السرد بمزيد من التهديد لمن لا يشارك حتى بالرأي.

و لم يفُت ترامب أن يلقي بمزيد من " الضخ السردي" لمن تضرر بالآثار الجانبية للحرب الامريكية الايرانية ويقصد مجتمعات ودول الخليج العربي. فقد أشار أن ضرب ايران للقواعد الامريكية في هذه الدول يعد اعتداءً على سيادتها، وأن هذا الموقف يدخل في دائرة انتهاك القوانين الدولية التي تحفظ الحقوق. وأن ايران ليست أمينة على فكرة" حُسن الجوار". وهو بالطبع يريد إثارة الشحناء والتباغض والصراعات بين ايران ودول الجوار العربي.

وليس بعيداً عن المشهد رغبة امريكا في الزج بالعرب إلى حلبة الحرب كطرف أصيل من باب الرد على الضربات الايرانية لهم. والدول الخليجية كانت في موضع" الاحراج السياسي" نتيجة الاحداث المتفاقمة. واستطاعت حتى الآن أنْ ترد بالقدر الذي تحتمله المواقف، وأن يكون ردها حراكاً دبلوماسياً وسياسياً أكثر منه عسكرياً. لأنّ البديل هو الدخول في الصراع الحي مباشرة وأن يتم دفع فاتورة حربية باهظة في صراع دموي لا ناقة لها فيه ولا جمل. وأن تتحول الدول العربية من " دول عبور" إلى أطراف أصلاء في الميدان. ثم مع المرور الوقت، تتقهقر أمريكا رويداً رويداً إلى الخلف واضعة السيادة والقدرات العربية في المقدمة. لأن أمريكا لا تعبأ بمصالح العرب ولا ايران كذلك تهتم بهذه المصالح وهناك موروثات من الأعمال السياسية التي تثبت موقف الجانبين!!

ربما ذلك ما جعل سردية ترامب مكشوفة ولم تستطع تغطية مساحة الخليج العربي حتى اللحظة. لأنه لا يمكن أن تتحمل مجتمعات الخليج الخسائر بالوكالة. مفهوم أن يكسب الأطراف بعض المواقف والمقدرات بالوكالة أوقات الصراع إذا كانت هناك مصلحة في ذلك، ولكن أن يتكبدوا خسائر فادحةً لم يكونوا هم أصحاب شرارتها ولا هم مسيري عملياتها ولم يكن القرار الأول والأخير بين أيديهم، فهذا أمر غريب إلى درجة كبيرة!! كما أنه كان منزلقاً خطيراً لم تنجر إليه دول الخليج العربي. وهذه النقطة جعلت نسيجَ السردية الأمريكية لم يكتمل. كان ترامب يأمل انجرار " العالم العربي وأكراد ايران " في العمليات الحربية حتى يسوّق الصورة أمام العالم: بأن ايران هي امبراطورية الشر المحض وليس أبلغ دليل على ذلك من كونها شريرة أمام عناصر شعبها وجيرانها العرب.

ولكن حسنا فعلت دول الخليج ذلك، لأنَّ المسألة ليست انغمار اً في احداث وصراعات الآخرين على أراضيها، ولكن المسألة تحتاج إلى تفكير خارج السردية الأمريكية الاسرائيلية وخارج السردية الايرانية بالمثل. تفكيير استراتيجي آخر يرتبط بقدرة المجتمعات الخليجية على تقوية سيادتها ووجودها الدولي على خريطة العالم وهذا له سياق آخر. وتحتاج إلى تغيير أساليب التعاون الدولي في مجالات الاقتصاد والعلاقات الدولية وتنويع مصادر السلاح والاتفاقيات العسكرية بين الدول.

غير أنَّ أمريكا تعود لتسويق الفكرة إنْ لم تكن الآن فعلى الأقل في المستقبل المنظور. يسرد ترامب أنَّ حكام ايران مجموعة من الموتورين والمختلين عقلياً ولا يجب أنْ نترك دول الجوار في أيديهم كألعويةٍ يتلهون بها من وقت لآخر. وكأنه هو المانع للحمق السياسي والحربي في المنطقة رغم أنه أبرز صانعيه. وهو يعتمد على أن السردية لن تخضع للمساءلة، ولن يقول له أحد أنَّ دول المنطقة لن تنجر إلى حرب تستنزف قدراتها وتظل كشاهد قبر لواقع مجهول. والمدهش أن ترامب لا يهتم بصورة الدول العربية أصلاً، وحتى لم يخصص لها لقاء عاماً واحداً لمناقشة الأوضاع والحلول التي تليق بالمنطقة العربية. بل تأتي المسألة الخليجية في السرد عرضاً كلما أراد ترامب تجميل المشاهد وعدم نسيان قواعده في الشرق!!

عندما تتعثر السردية الامريكية، تدخل اسرائيل لترقيعها، فلم يكف نتنياهو عن الترقيع بادعاء أن ايران دولة معادية كل العداء للشرق الأوسط. وهنا نزع نتنياهو الهويات عن أصحابها وأظهر نواياه غير البريئة إزاء وضع يده الصهيونية على تضاريس المنطقة. لقد استحالت المنطقة في سردية اسرائيل إلى دول رديفة منسلخة من جلدتها القومية والعروبية وأن تتمتع بكل مقومات أخرى إلاَّ أن تصبح دولاً وطنيةً. وهذه السردية تريد أنْ يأتي العرب عرايا أمام اسرائيل لتعطيهم العلامات والأزياء المناسبة لوجودهم السردي الجديد. هل ستحتمل دول العرب هذه السردية؟ هل يمكن التعامل مع دول المنطقة فرادى وعرايا في انتظار عناوين اسرائيل المختلقة؟

أتصور أنّ تدخل بعض الدول العربية كان لمنع اكتمال هذه السردية، حين توسطت بين أمريكا وايران لحلحلة المشكلة. فسردية نتنياهو معروفة تمام المعرفة وهي أهازيج صهيونية توراتية على إيقاع الحروب في المنطقة منذ وعد بلفور مروراً بتأسيس الكيان الاسرائيلي وحربي عام سبع وستين وأكتوبر ثلاثة وسبعين إلى ابادة غزة الأخيرة. كيف تكون سردية بهذا الخداع والالتواء التاريخي واللاهوتي قابلة للطرح؟ والعجيب أنَّ نتنياهو يقول سرديته بكامل الثقة والاريحية كأن هناك من يصدق ويؤكد قبوله لما يقال. ولذلك من باب الخداع أن يذهب نتنياهو في اتجاه امريكا حين دفعت حبكة الصراع بالانابة عن العالم الحر. وأنهما يدافعان في هذه الحرب عن كرامة الحضارة المعاصرة إزاء أوغاد العصور البدائية!! والأعجب لو نلاحظ أن موقع الأوغاد البدائيين مقعد شاغر استراتيجياً بالنسبة لأمريكا واسرائيل. فهما يضعان فيه من وقت لآخر عدواً بعينه، مرة يجلس عليه دعاة الارهاب الديني ومرة يجلس عليه الفلسطينيون أصحاب الحق والأرض ومرة يجلس عليه الايرانيون. وهناك بالطبع اعداء جدد بحسب المرحلة وصناعة العدو في المستقبل!!

استغلت ايران ثغرات السردية الامريكية الاسرائيلية، لتطرح ما تحكي: أنَّ تواجدها في المنطقة العربية نتيجة الدفاع عن الحقوق المسلوبة للشعوب الاسلامية. فالاسلام يدعو لنصرة المسلمين ولا تهم حدود الجغرافيا والتاريخ. وطبعاً يوازي التواجد الايراني ثقل التواجد الامريكي، لأن خطوط الصراع بدأت من هنا: عندما تزاحمت السردية الايرانية مع السردية الامريكية الاسرائيلية. وتبين أنَّ السردية الأمريكية لديها كما أشرت مآرب نزع الهويات لصالح اسرائيل، فكذلك إيران تنزع الهويات لصالح اتساع نفوذها والسيطرة على خريطة المقدرات العربية. ولكن إيران دخلت من باب لاهوتي كي لا تُشعِر شعوب المنطقة بالغرابة. وإنْ كانت أمريكا قد دخلت من باب الكولونيالية التي تضفر وجودها مع تواجد الكيان الصهيوني.

المشكلة في سردية إيران كونها لم تأت بالاسلام مجرداً ولا بالثقافة الاسلامية التي هي لحمة الثقافة العربية فقط، ولكن سرديتها غارقة في الايديولوجيا السياسية لولاية الفقية. أي سيكون العرب على موعد مع ثقافة غارقة في الايديولوجيا اللاهوتية المسيَّسة. وهو ما رسّخ تاريخياً – على الأقل طوال ما يربو عن أربعين عاماً - الهواجس السياسية تجاه تضخم رقعة ولاية الفقية، حتى أطلت برأسها داخل المجتمعات العربية(اليمن ولبنان والسعودية وسوريا). أي وجود بعض الطوائف العربية الذين يدينون بالولاء لمركزية ولاية الفقية في طهران. ولذلك رغم أن المجتمعات العربية ترفض سرديتي أمريكا واسرائيل إلاَّ أنهم يرفضون على المستوى نفسه سردية إيران. فالأخيرة تتدخل في المنطقة لمصالح سياسية بالاضافة إلى مرجعية أخرى ستغير الثقافة السائدة بجانب كونها ستغير آليات السلطة وأنظمة الحكم. أي أن السردية الايرانية ستكون حاملة للبديل الجذري لا مجرد التجاور الجيو سياسي فقط.

وعندما تسرد ايران بأن ضرباتها للقواعد الأمريكية في الخليج ليست إلاَّ استهدافاً لمصالح امريكا، كان صعباً على الذهنية العربية تصديق ذلك رغم كراهية اسرئيل واحتلالها لجزء من جسد الأمة العربية. لأن رواسب الحساسيات الايرانية الخليجية قد طفت على السطح مرةً أخرى. لدرجة أن التواجد الأمريكي المكلف والأضرار التي سببها بات منزوياً أمام الضربات الايرانية المنتقاة. وعاد السرد الايراني ليقول بأن دول الجوار هي دول مقدرة ولا يحمل إزاءها إلا النوايا الطيبة ولها كامل الحقوق السياسية. ولكن لم تأخذ أنظمة دول الخليج أقوالاً كهذه على محمل الجد، واعتبرتها لوناً من تلطيف الضربات العسكرية بتيمات سردية مصيرها التلاشي مرة أخرى. وسارت الشعوب العربية في الاتجاه نفسه رغم التناقض إزاء هذا الموقف والنكاية في ضرب اسرائيل وملاحقتها بالصواريخ العابرة للحدود.

الملاحظ أنَّ حربَ السرديات تجاهلت تماماً ألصق شيء بالمجتمعات العربية وهو خصوصيتها الثقافية والإنسانية. وكذلك لم تدرك العمق التاريخي للمواقف إزاء ايران وأمريكا واسرائيل. وقد يقول قائل إنَّ السردية الأمريكية الاسرائيلية تمر دون تعليقات كثيرة. ولكن هذا القول لايدرك: أنّ بعض المصالح وبعض العلاقات الخارجية قد يدفع أحياناً لغض الطرف عما يُقال من السرديات المتداولة لا سردية بعينها، ولكن أصل المواقف العربية لا يُمحى وأنَّ أصالة الحقوق والسيادة أمور غير قابلة للمقايضة.

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

 

قراءة فلسفية في الموقف الأوروبي تجاه أزمات الشرق الأوسط

في تشابك الجغرافيا وتناقضات التاريخ: تُعد العلاقة بين القارة الأوروبية ومنطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر العلاقات تعقيداً في التاريخ السياسي والفلسفي الحديث؛ إذ لا يمكن فهمها بمعزل عن إرث الاستعمار القديم الذي لم يمت، بل تناسل في قوالب جديدة تحت مسمى "الهيمنة الليبرالية المستحدثة". إن فحص الموقف الأوروبي من الحروب المستعرة في الشرق الأوسط يتطلب غوصاً في أعماق المفاهيم الفلسفية التي شكلت وعي "السيادة" و"التبعية" منذ معاهدة "صلح وستفاليا" عام 1648، وصولاً إلى انكسارات القرن الحادي والعشرين. (انظر: هوبسباوم، عصر الإمبراطورية).

 الجذور الفلسفية للسيادة وإرادة المنتصر

تأسس النظام الدولي الحديث على أنقاض الحروب الدينية في أوروبا، مما أدى إلى بلورة مفهوم "السيادة الوطنية"، الذي منح الدول استقلالاً نظرياً داخل حدودها. ومع ذلك، يرى الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين في أطروحته حول "حالة الاستثناء" أن السيادة ليست مجرد قانون يسري على الجميع، بل هي القدرة المطلقة على "تعليق القانون" نفسه. ومن هنا، فإن السيادة الأوروبية بدت تاريخياً وكأنها "إرادة المنتصر" الذي يحدد من يدخل في نطاق الحماية القانونية ومن يظل في "العراء السياسي" أو ما يسميه أغامبين "الإنسان المستباح".

التباعد الكبير وتكريس الفجوة الحضارية

ارتبطت قوة أوروبا بما يصفه المؤرخ كينيث بوميرانتس بـ "التباعد الكبير"، وهي اللحظة التاريخية التي مكنت الغرب من تجاوز قيود النمو والتحول إلى قوة مهيمنة عبر استغلال الموارد المستعمرة. هذا التباعد لم يكن اقتصادياً فحسب، بل كان فلسفياً بامتياز؛ حيث ترسخ شعور بالتفوق الأخلاقي يبرر التدخل في شؤون "الآخر" بدعوى التمدين ونشر قيم الحداثة.

في الشرق الأوسط، تم توظيف هذا المفهوم لنزع الصبغة السيادية عن الدول، وتحويلها إلى مجالات نفوذ تابعة للمركز الأوروبي. إن الفلسفة الأوروبية، رغم ادعائها الكونية، ظلت حبيسة "المركزية الغربية" التي ترى في الشرق مجرد "مختبر" لتجريب نظريات الديمقراطية أو ساحة خلفية لتصريف الأزمات الأمنية. هذا التباعد هو الذي يفسر البرود الأخلاقي الأوروبي تجاه الضحايا في الشرق الأوسط مقارنة بالضحايا في العمق الأوروبي (كما في الأزمة الأوكرانية).

استعارة "أحدب نوتردام": سيكولوجية التهميش والازدواجية

تقدم رواية فيكتور هوغو "أحدب نوتردام" (1831) أرضية خصبة لفهم الموقف الأوروبي المعاصر. إن شخصية "كوازيمودو" ليست مجرد تشويه خلقي، بل هي تمثيل رمزي لـ "الآخر" الذي يُنظر إليه بعين الريبة والاشمئزاز رغم حاجته الماسة للحماية. إن الصراع في الرواية هو صدام بين "السلطة الاستبدادية" التي يمثلها القاضي فرولو، وبين "الضحية المهمشة".

في القراءات النقدية المعاصرة، يعكس هذا التناقض الموقف الأوروبي من شعوب الشرق الأوسط؛ حيث يتم تارة الاحتفاء بالثورات والمطالب الديمقراطية (تمثلاً بقيم التنوير)، وتارة أخرى يتم شيطنة هذه الشعوب كـ "تهديدات أمنية" أو "أحمال ديمغرافية" بمجرد تحولهم إلى لاجئين يطرقون أبواب القارة. إن أوروبا هنا تلعب دور "الجمهور الغوغائي" في الرواية، الذي يرفع المهمش ملكاً للحمقى في لحظات "الربيع العربي" العابرة، ثم يسحله بالتعذيب النفسي والقوانين العنصرية عند أول بادرة خوف من فقدان الرفاهية.

"الكتاب سيقتل الصرح "

في فصل "هذا سيقتل ذاك"، يتنبأ هوغو بأن المطبعة (الكتاب) ستدمر سلطة الكاتدرائية (الصرح). وبالإسقاط على واقعنا المعاصر، فإن "الصرح" هو الدولة القومية الأوروبية بحدودها الويستفالية التقليدية، بينما "الكتاب" هو تدفق المعلومات، والشبكات العابرة للحدود، وسطوة الشركات الكبرى والقرارات التي تُتخذ في مراكز القوى العالمية.

تعاني أوروبا اليوم من تمزق وجودي؛ فهي متمسكة بـ "صرحها" المؤسساتي (الاتحاد الأوروبي)، بينما تتآكل سيادتها تحت وطأة مراكز القوى في واشنطن وبكين. هذا الانتقال من المركزية السيادية إلى التشتت النيوليبرالي خلق حالة من "الذيلية"، حيث تتبع أوروبا قرارات القوى الكبرى لأنها لم تعد قادرة على حماية فضاؤها السيادي بمفردها. إن "الكتاب" (العولمة) قد قتل بالفعل قدسية "الصرح" السيادي الأوروبي، وجعل قرارات باريس وبرلين مجرد هوامش على متن الكتاب الأمريكي.

التبعية البنيوية: أوروبا بين واشنطن والاحتلال

يبرز مفهوم "الذيلية" كأداة تحليلية محورية لفهم الموقف الأوروبي. يرى المفكر برهان غليون أن القارة تعاني من "إفلاس استراتيجي"؛ فهي تطمح لشرق أوسط مستقر يخدم مصالحها في الطاقة والأمن، لكنها ترفض في الوقت نفسه نمو أي تيار استقلالي حقيقي قد يهدد الهيمنة الغربية العامة. (المرجع: غليون، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، 1988).

تتجلى هذه التبعية في قبول العواصم الأوروبية للقرارات الأمريكية حتى عندما تضر بمصالح القارة المباشرة. أما في ملف الصراع العربي الإسرائيلي، فتتحول المواقف الأوروبية غالباً إلى صدى للسياسة الأمريكية، مع التركيز على "إدارة النزاع" بدلاً من حله. إن العجز الأوروبي عن فرض "حل الدولتين" أو وقف المجازر هو دليل قاطع على أن "السيادة الأوروبية" مجرد قشرة رقيقة تخفي تحتها ارتهاناً كاملاً للمظلة الأمنية الأمريكية والضغوط اللوبية الصهيونية التي تغلغلت في البنية السياسية لفرنسا وألمانيا وبريطانيا.

 يورغن هابرماس وسقوط "الفضاء العام"

يرى يورغن هابرماس أن الاتحاد الأوروبي هو وسيلة لاستعادة القدرة على تنظيم الأسواق وحماية القيم الديمقراطية عبر "الفعل التواصلي". لكن الموقف من أزمات الشرق الأوسط كشف عن فشل "اليوتوبيا الهابرماسية". فالحوار العقلاني الذي يبشر به هابرماس توقف عند حدود البحر الأبيض المتوسط. (المرجع: هابرماس، حول دستور أوروبا، 2012).

إن السيادة في الممارسة الأوروبية لم تعد تُبنى على الحوار، بل على "التحالفات الأمنية الصلبة". لقد سقط الفضاء العام الأوروبي في فخ "الأمننة"، حيث أصبحت حقوق الإنسان مجرد أداة خطابية تُستخدم ضد الخصوم، وتُعلق عندما يتعلق الأمر بالحلفاء. هذا التناقض هو ما يسميه سلافوي زيزيك بـ "الأيديولوجيا التي تعمل في الخفاء"، حيث تدعي أوروبا الحياد الأخلاقي بينما هي غارقة في دعم منظومات القمع والاحتلال.

الهيمنة الثقافية عند غرامشي وصناعة "الرضا الأوروبي"

لفهم سبب استمرار التبعية الأوروبية رغم التكاليف الباهظة، يجب الرجوع إلى مفهوم "الهيمنة الثقافية" لأنطونيو غرامشي. يرى غرامشي أن القوى المهيمنة عالمياً تحافظ على قوتها ليس عبر الإكراه الفيزيائي فحسب، بل عبر "الرضا العفوي" الذي تمنحه الدول التابعة للاتجاه العام الذي تفرضه المجموعة المهيمنة.

إن الهيمنة الأمريكية على أوروبا ليست مجرد قواعد عسكرية؛ بل هي "ثقافة سياسية" أصبحت جزءاً من "الحس السليم" للنخب الأوروبية. يتم ترويج قيم "الليبرالية المستحدثة"، والدفاع المشترك تحت لواء "الناتو"، والتحالف غير المشروط مع إسرائيل كحقائق موضوعية لا تقبل الجدل. تقوم المؤسسات الأكاديمية والإعلامية بدور "الوكلاء" الذين يرسخون هذه الهيمنة، مما يجعل أي محاولة للخروج عنها تبدو كـ "انتحار سياسي". إن أوروبا اليوم تعيش حالة "الرضا التابع" حيث تظن أنها تختار قراراتها، بينما هي تنفذ مقتضيات الهيمنة الأمريكية. (المرجع: غرامشي، دفاتر السجن).

 فشل "السلام الاقتصادي"

لقد روجت أوروبا والولايات المتحدة طويلاً لفكرة "السلام الاقتصادي"؛ وهي الفرضية التي تدعي أن التجارة والتعاون سيحلان محل الحقوق السياسية. ومع ذلك، أثبتت التجربة المريرة أن "الرخاء تحت الاحتلال" هو وهم يهدف إلى تحويل المقاومة السياسية إلى عمالة رخيصة ومستهلكين مدجنين.

إن الاستثمارات الاقتصادية دون حل سياسي يحترم حق تقرير المصير هي مجرد محاولات لـ "شراء الصمت"، وهي محاولات محكومة بالفشل كما أثبتت الانتفاضات المتكررة. الموقف الأوروبي الذي يركز على تقديم "المساعدات الإنسانية" بدلاً من ممارسة "الضغط السياسي الفعال" لإنهاء الاحتلال، هو في جوهره محاولة لتجميد الصراع وضمان استمرار التبعية الاقتصادية للمنطقة تجاه المركز الأوروبي.

نحو استعادة الفاعلية والتحرر من "الذيلية"

إن فحص الموقف الأوروبي من أزمات الشرق الأوسط يكشف عن فجوة هائلة بين "الخطاب الأخلاقي" و"الممارسة السياسية". إن أوروبا، الغارقة في إرثها الاستعماري والمرتهنة لهيمنة القوى المنتصرة في القرن العشرين، لم تعد تمتلك زمام المبادرة السيادية. إنها تلعب دور "الوصيف" المطيع لواشنطن، مع محاولات خجولة للحفاظ على ماء الوجه عبر بيانات الإدانة التي لا تغني ولا تسمن من جوع.

إن خروج أوروبا من "شرنقة التبعية" يتطلب شجاعة فلسفية لإعادة تعريف هويتها بعيداً عن المركزية الغربية المتغطرسة. وبدون ذلك، ستظل المواقف الأوروبية تتراوح بين الوعظ الأخلاقي العقيم والتبعية الاستراتيجية المهينة، وسيبقى "الصرح" الأوروبي مهدداً بالانهيار أمام "كتب" التحولات العالمية الكبرى التي تكتبها اليوم قوى صاعدة لا تقيم وزناً لـ "السيادة الويستفالية" المتآكلة.

***

غالب المسعودي

....................

مراجع

أغامبين، جورجيو (2003). حالة الاستثناء. ترجمة ناصر إسماعيل. بيروت: دار التنوير. (مرجع أساسي لفهم تعليق القانون الدولي).

غليون، برهان (1988). المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات. (لتحليل الإفلاس الاستراتيجي الأوروبي).

زيزيك، سلافوي (2008). عن العنف: تأملات في وجوه مألوفة. ترجمة فاضل جكتر. (لتحليل العنف الأيديولوجي الموضوعي).

هابرماس، يورغن (2012). حول دستور أوروبا: مقال. (لفهم طموحات وفشل المشروع التواصلي الأوروبي).

غرامشي، أنطونيو. دفاتر السجن. (لفهم آليات الهيمنة وصناعة الرضا التابع).

بوميرانتس، كينيث (2000). التباعد الكبير: الصين وأوروبا وصناعة اقتصاد العالم الحديث. (للسياق التاريخي للهيمنة الاقتصادية).

هوغو، فيكتور (1831). أحدب نوتردام. (كمصدر للاستعارة الفلسفية والأدبية في النص).

 

ثمة مفارقة لافتة تطبع تاريخ الفكر العربي الحديث وهو أنّ فكرة الوحدة نشأت قبل أن تنشأ الدول التي يُفترض أن تتوحد. فحين كان المفكرون العرب في مطالع القرن العشرين يتداولون مشاريع النهضة والوحدة، لم تكن فكرة الدولة الوطنية قد ترسّخت بعد في الوجدان الجمعي، ولم تكن الحدود قد رُسِمَت بخرائطها النهائية. وهكذا وُلِدَت الفكرة في فراغ مزدوج: فراغ الدولة من جهة، وفراغ الشعب المتخيَّل كوحدة سياسية واعية من جهة أخرى. وهذا الفراغ المزدوج هو ربما أصل المعضلة الذي لم تتجاوزه الفكرة حتى اليوم.

وغنيٌّ عن القول بأن مشروع الوحدة العربية لم يكن فكرةً عابرة أو ترفاً ثقافياً، بل كان استجابةً لتحدياتٍ كثيرةٍ وضاغطة أبرزها لاستعمار الأجنبي الذي جثم على صدر المنطقة عقوداً طويلة، وكان في الوقت ذاته محاولة لاستدعاء ماضٍ مُجيد يُستأنس به في مواجهة الحاضر المأساوي. غير أن ما بُني على الاستجابة الثورية والانفعالية، أياً كان مشروعيته الأخلاقية، يظل رهين انفعاليته، عاجزاً عن تحويل الحلم إلى هندسة عقلانية منضبطة ومتراكمة تؤدي إلى إنتاج سيرورة توحيدية حقيقية وملموسة.

اللغة... رحِم الفكرة أم مقبرتها؟

يُشكّل التساؤل عن دور اللغة في الوحدة العربية عقدةً حقيقية في قلب هذا الجدل. فالقائلون بمركزية اللغة يستندون إلى أن العربية ليست وعاءً للتواصل فحسب، بل هي نسيج الهوية وذاكرة حضارية ومستودع القيم المشتركة. وقد ذهب ميشيل عفلق، المؤسس الأيديولوجي لحزب البعث، إلى أبعد من ذلك حين جعل اللغة روحاً حيّة تسري في العروبة كما تسري في الفرد روحه، فكتب: "اللغة ليست أداةَ تعبير فحسب، بل هي العقل ذاته الذي يفكر به الشعب ويحسّ بوجوده."

بيد أن هذا الطرح يصطدم بإشكالية واقعية جوهرية وتبدو إلى حد اللحظة غير قابلة للحل أو التجاوز. فالصراعات الأيديولوجية بين التيارات العربية التي عصفت بالمنطقة كثيراً ما اتخذت من اللغة سلاحاً خطابياً لضرب خصومها لا أداةَ حوار وفهم وتواصل. فتحولت اللغة إلى سلاح ذي حدين. نعم؛ "الناس يفهمون بعضهم"، لكن هذا الفهم المباشر جعل من الفضاء العربي ساحة سهلة ومكشوفة للاحتراب الإعلامي والأيديولوجي.

وعندما تقوم أحد الأطراف بمهاجمة طرف آخر بناء على خلافات سياسية أو إيديولوجية، كانت اللغة المشتركة تضمن وصول الشتائم والتحريض والتعبئة الأيديولوجية إلى كل بيت عربي، بسهولة فائقة، دون الحاجة إلى ترجمة. لقد خلقت اللغة مجالاً عاماً واحداً، ولكنه مجال مأزوم ومحتقن، حيث أصبحت القضايا الخلافية عابرة للحدود على نحوٍ فوري وتلقائي، مما جعل اللغة عامل "استقطاب وتفريق" أكثر من كونها عامل توحيد وتوافق، فتم تسخيرها في سبيل كل أنواع الصراعات.

الجدل الفكري وخريطة الانقسامات

لم يكن الفكر العربي بمنأى عن هذه التعقيدات، بل كان مرآتها الأكثر شفافية. فقد دار داخله جدل عاصف حول طبيعة الوحدة ومشروعيتها وشروطها. ذهب التيار القومي التقليدي، في نسختيه البعثية والناصرية، إلى أن الوحدة حتميةٌ تاريخية وجغرافية وثقافية، وأن التفرّق هو الاستثناء الناجم عن عوامل خارجية بحتة (الاستعمار).

وفي مقابل هذا الموقف، انتهى عدد من المفكرين النقديين، كعبد الله العروي وهشام جعيط وجورج طرابيشي، إلى أن الوحدة ليست قدراً محتوماً، بل هي مشروعٌ ينبغي بناؤه، وبناؤه يستلزم أولاً بناء الدولة الوطنية المتماسكة التي تكون نقطة انطلاق لا نقطة تجاوز. وقد أشار العروي في "مفهوم الأيديولوجيا" إلى أن القومية العربية تعاني من خلل بنيوي: أنها تريد أن تقفز فوق مرحلة التحديث الداخلي إلى الوحدة الكبرى، وكأنها تريد بناء السقف قبل أن يُرسى الأساس.

أفرز الواقع التعديلَ التدريجي للفكرة، فتحوّل الخطاب من "الوحدة" بمعناها الاندماجي إلى "التضامن" أو "التكامل"، وهو تحوّلٌ يعكس ضمناً اعترافاً بمعوقات المشروع في صيغته الأولى. وقد تجلى ذلك في تبدّل مفردات الخطاب الرسمي العربي من "الوحدة القومية" في خمسينيات القرن الماضي وستينياته، إلى "التكامل الاقتصادي" في السبعينيات والثمانينيات، إلى ما لا يكاد يُسمى شيئاً في واقع اليوم.

وقد شهد العالم العربي منذ نهايات القرن العشرين تحولات كبرى أعادت رسم خريطة الممكن والمتخيَّل في سياق فكرة ومشروع الوحدة، لعل أبرزها:

النزعة الوطنية: أفضى الفشل المتكرر لمشاريع أو محاولات الوحدة من جهة، وصعود الدولة الوطنية وترسّخ نخبها وبيروقراطياتها ومصالحها، من جهةٍ أخرى، إلى ما يمكن تسميته بـ"الوطنية المضادة" لمشروع الوحدة التقليدي. فتحوّلت "القطرية"، وهو ما يرادف "الهوية الوطنية" من مصطلح أقرب إلى شتيمة أو إرهاص هوياتي في قاموس خمسينيات وستينيات من القرن الماضي القومي إلى التعريف الأسبق والأعمق في قائمة الهويات/الانتماءات عند كثير من مواطني الدول العربية.

صعود الهويات البديلة: بالتوازي مع تراجع الخطاب القومي العروبي، صعدت الهويات البديلة والمنافسة. الإسلام السياسي الذي يُعيد تعريف الجماعة على أساس ديني لا لغوي، والهويات الإثنية والطائفية التي كان الخطاب الوحدوي يحاول إسكاتها تحت الغطاء الأيديولوجي. فتبيّن أن الغطاء كان يُخفي لا يُذيب، وأن ما خُبّئ تحته لم يتوقف عن التراكم (والملاحظة التي لا تخلو من طرافة أن كثيراً من أشياع التيارات القومية المعاصرة اندست في عباءة الإسلام السياسي أو انسحبت إلى خندق الهوية الإثنية/الطائفية، وهناك من وزّع دم انتمائه بين الاثنين وبكل سلاسة ويُسر).

درس الهندسة الصبورة

قدّم الاتحاد الأوروبي تجربة تستحق الدراسة المعمقة. فأوروبا لم تنطلق من وحدة لغوية أو ثقافية، بل من تنوع لغوي وثقافي هائل، ومن تاريخ يزخر بحروب دموية طاحنة بلغت ذروتها في حربين عالميتين. ما أُنجز كان ثمرة مسار تدريجي متأنٍّ بدأ بالفحم والصلب في 1951 قبل أن يُتوَّج باليورو والبرلمان الأوروبي. الدرس الأبرز هو أن التكامل لم يبدأ بالوجدان القومي، بل بالمصلحة الاقتصادية المحسوبة، وبناء منظومة لإدارة الخلافات بصورة عقلانية، وإيجاد صيغة للتضامن المُلزِم وقت الأزمات. أما في العالم العربي، فقد جاءت محاولات الوحدة موازيةً لبناء الدولة، بل سابقةً عليه في أحيان كثيرة، فقد سعوا إلى إقامة الاتحاد قبل حتى قبل أن يكتمل بناء الدول ذاتها. ومع مرور الوقت لم يتم بناء منظومات فاعلة لتأسيس مصفوفة مصالح جماعية، ولمراكمة المشتركات، ولإدارة رشيدة للتباينات والاختلافات والتحديات المختلفة، بما ينتصر لروح العمل الجماعي.

نموذج آسيان (رابطة أمم جنوب شرق آسيا) يقدِّم هو الآخر درساً هاماً في هذا الصدد. فثمة تعدد ديني ولغوي وعرقي مذهل بين أعضائه، ومع ذلك حقق التكامل مستوى لافتاً في التعاون الاقتصادي والاستقرار السياسي على الرغم من كل التحديات المشتركة أو الخاصة بكل دولة. في هذا النموذج، تم التركيز على ما يجمع من مصالح اقتصادية وتنموية ملموسة بدلاً من الإغراق في الصراعات الأيديولوجية والهوياتية. لم يطرح آسيان على نفسه سؤال: "من نحن في الجوهر؟"، بل طرح السؤال الأكثر إجرائية: "ما الذي يمكننا بناؤه معاً؟". ولعل في النموذج درساً يمكن أن تستفيد منه التجربة العربية: أن الهوية المشتركة حين تتحول إلى سلاح أيديولوجي، تصبح مجالاً للمزايدات الساذجة، وعائقاً أمام التكامل لا رصيداً له.

نحو قراءة متجاوزة

ليس الغرض هنا بالطبع إثبات استحالة أي شكل من أشكال التكامل العربي، ولا الانتصار للتشرذم أو إضفاء عليه مشروعية فكرية. الغرض أن نقرأ الظاهرة بعيون نقدية مفتوحة على كل محطات التجربة وإرهاصاتها النظرية والواقعية.

ما تحتاجه المنطقة العربية اليوم ليس إعادة إحياء خطاب الوحدة في صيغته القومية الخطابية، بل طرح سؤال مختلف: ما هي المشتركات التي يمكن بناؤها على قاعدة المصلحة المحسوبة والمؤسسة القانونية وبما يُحقق ويُراكم المنافع المتبادلة واستقرار البلدان وازدهارها؟

اللغة العربية مشترَكٌ ثمين فعلاً، لكنه مشترَك في حاجة ماسة إلى تحريره من كل قيوده المُكبّلة، ورفع الوصاية الأيديولوجية عن الكلمة. فحين تُصبح اللغة فضاءً حراً للحوار والتواصل الإيجابي، لا أداةً في يد هذا التيار أو تلك الجماعة، عندها قد تُعيد اللغة مكانتها الفعلية كجسر عبور سَلِس لا كعصا غليظة تَشُق أو كسور يعَزِل.

ربما المأساة الحقيقية أن فكرة الوحدة العربية كانت صحيحة في مشاعرها خاطئةً في هندستها، سليمة في قلبها متوعكة في آليات تنفيذها. وهي دعوة للبناء من الداخل إلى الخارج، من المواطن إلى الأمة، ومن المؤسسة إلى الاتحاد. بخلاف ما كانت عليه طوال عقود: محاولة هبوط الوحدة من السماء على مجتمعات لم تُبنَ بعد.

***

أمين اليافعي

 

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات وتتكدّس فيه الإجابات الجاهزة، يبدو أن المستقبل – كما يرى الفيلسوف والروائي الإسباني خوسيه كارلوس رويث – لن يكون حليفًا لمن يحفظون الأجوبة، بل لمن يُحسنون طرح الأسئلة. هذه الفكرة تتسلل بهدوء عبر روايته «امرأة متعلّمة»، حيث تستحضر شخصيات وأفكار حنّة آرنت وكانط وفوكو وشوبنهاور وليبوفيتسكي وأرسطو وغيرهم، في رحلة أدبية وفلسفية بطلتها «إيفا»، أستاذة الفلسفة التي تبلغ ذروة إنجازها الأكاديمي، قبل أن يقلب تشخيص إصابتها بسرطانٍ عضال حياتها رأسًا على عقب. ومن خلال حواراتها مع ممرضها، تخوض سفرًا تأمليًا يشبه الوصية الأخيرة، تتناول فيه الصدق والذنب والوحدة والمغفرة والحزن، وتعيد مساءلة معنى أن نحيا بوعي.

يرى رويث أن الحوار ليس فنًا عابرًا، بل حرفة تحتاج إلى معلمين وزمن وممارسة. فالمحادثة الحقيقية، كما يوضح، تقوم على علاقة متبادلة تُنشئ رابطة بين المتحاورين. غير أن هذه العناصر جميعها تمرّ بأزمة في زمن يمجّد الفرد العصامي، ويُعلي من شأن الاكتفاء الذاتي، ويُضعف الاعتراف بفضل المعلّم أو بضرورة التعلّم من الآخر. لم يعد كثيرون ينظرون إلى من يحاورونهم بوصفهم شركاء في بحثٍ مشترك عن الحقيقة، بل بوصفهم جمهورًا يُغذّي نرجسيتهم ويمنحهم انتباهًا مؤقتًا.

المشكلة، في نظره، لا تكمن فقط في ضعف الإصغاء أو في العجز عن السؤال، بل في غياب تربية حقيقية على السؤال نفسه. فالإصغاء الفضولي يفتح باب التعلّم ويولّد أسئلة جديدة، لكن ثقافة المنصات الرقمية عزّزت نمطًا من الخطاب يقوم على إعلان المواقف لا على اختبارها. يتحول الكلام إلى بيانٍ يقينيّ يخلو من الشك، وتُغلق أبواب الحوار قبل أن تُفتح. لا مجال للسؤال، ولا مساحة للشك البنّاء. وقد أعطت الأنظمة التعليمية الأولوية للإجابات، حتى باتت الآلات الذكية قادرة على تقديمها بكفاءة، بينما يظل السؤال الجيد مهارة إنسانية نادرة. لذلك يعتقد رويث أن المستقبل سيكافئ من يعرفون كيف يسألون.

أما عن تأثير الشاشات فيرى أنه يجد صعوبة في إجراء حوار حقيقي عبرها، لأن المحادثة تبلغ ذروتها في الحضور المباشر، حيث تتداخل الإيماءات ونبرات الصوت وتعابير الوجه في تشكيل المعنى. الشاشة، رغم قدرتها على وصل البعيد، تظل وسيطًا يفصل بقدر ما يصل، وتخضع الرسالة لقواعدها السردية، فيصبح الإطار مؤثرًا في المضمون، وغالبًا ما يختزله ويُفقِره.

وتثير الرواية أيضًا سؤال العلاقة بين الفلسفة وكتب التنمية الذاتية. بطلة العمل، بوصفها أستاذة للفلسفة، تنظر بعين نقدية إلى ما تعتبره تبسيطًا مُخلًّا لأفكار الفلاسفة الكبار. فبدل قراءة سينيكا أو شيشرون أو أبيقور أو ماركوس أوريليوس في سياقاتهم، تُقدَّم خلاصات سريعة وشعارات مختزلة تفقد روح النص الأصلي. ومع ذلك، تعود البطلة في لحظاتها الأخيرة إلى محاولة مخاطبة الناس بلغة أقرب إلى حياتهم اليومية، في مفارقة تُظهر توتر العلاقة بين الصرامة الأكاديمية والرغبة في التأثير الواسع.

في حديثه عن الصدق، يؤكد رويث أن من الصعب إقناع الناس نظريًا بفضيلته، لكن تجربة الكذب تكشف ثقلَه. فالكذبة عبءٌ مستمر؛ إذ تفرض على صاحبها أن يحافظ عليها خشية انكشافه. إنها سجنٌ زمنيّ، بينما الصدق – رغم كلفته – يحرّر صاحبه من ذلك العبء. أحيانًا لا يدرك الإنسان معنى الحرية إلا حين يختبر قيود الزيف.

ومن موقعه أستاذًا جامعيًا، يلاحظ رويث تقلّص الثروة اللغوية لدى الطلاب، بل في المجتمع عمومًا. فقد صارت الرسائل الإعلامية أكثر اختزالًا وأقرب إلى اللغة الإعلانية منها إلى اللغة التأملية، وتراجعت المفردات الدقيقة التي كانت تثري الكتب المدرسية. هذا التبسيط المفرط، وإن جاء بدعوى تسهيل الفهم، قد يُفضي إلى إفقار إدراكي؛ إذ غالبًا ما ترتبط محدودية المفردات بضعف القدرة على التفكير المعقّد. كما أن الفوارق اللغوية بين الطبقات الاجتماعية قد تعمّق فجوات قائمة، ما يستدعي مقاومة تربوية تُعيد الاعتبار لتعلّم اللغة وإتقانها بوصفه فعلًا يحفظ الكرامة الفكرية.

وحول هيمنة الترفيه على حساب المعرفة، يرى رويث أن المشكلة ليست في تفضيل المتعة على التعلّم، بل في ضعف الإرادة اللازمة لبذل الجهد الذي يتطلبه اكتساب المعرفة. فالناس بطبيعتهم لا يرغبون في الجهل، لكنهم يحتاجون إلى اختبار لذة الفهم بأنفسهم. وهنا يكمن التحدي التربوي الأكبر: توفير بيئة ومنهج وأدوات تُمكّن الأجيال الجديدة من تذوّق متعة المعرفة، لا بوصفها واجبًا ثقيلًا، بل خبرة مُرضية تُغني حياتهم وتوسّع أفقهم.

بهذا المعنى، لا تتحدث رواية «امرأة متعلّمة» عن مرضٍ فردي بقدر ما تُشخّص عِلّة أوسع في طريقة عيشنا وتواصلنا وتعلّمنا. إنها دعوة إلى استعادة الحوار، وإعادة الاعتبار للسؤال، والتمسك بثراء اللغة، والرهان على المعرفة بوصفها تجربة تحرّر لا عبئًا إضافيًا في حياة مثقلة بالإجابات السريعة.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

ان الانسان كثيرا ما ينخدع ببريق المعرفة الشكلية مئات الكتب التي يقرأها او الشهادات الممهورة باختام جامعات عريقة او المكانة الاجتماعية التي يحوزها او المنصب الوظيفي الذي يتكئ عليه غير ان كل هذه المكاسب تظل بلا قيمة حقيقية اذا لم تتحول الى جوهر يغني الروح ويهذب الضمير ويعمق القدرة على التمييز الاخلاقي والمعرفي والشعوري

المعرفة في ذاتها ليست ضمانا للفضيلة بل قد تكون احيانا حجابا يحجب الانسان عن ذاته اذا لم تصقل بالوعي النقدي ولم تصف بالممارسة الاخلاقية فما جدوى عقل واسع الاطلاع ان كان اسيرا لرغباته الضيقة وانفعالاته اللحظية وما نفع ثقافة مترامية الاطراف اذا كانت عاجزة عن تحرير صاحبها من اسر التعصب والانحياز لقناعات مسبقة لا تفعل سوى اعادة انتاج الجهل في صورة اخرى

ان الامتحان الحقيقي لكل ما يراكمه الانسان من معرفة يكمن في مدى قدرته على بناء انسان اكثر عدلا ورحمة اكثر تبصرا وحيادا اقل انقيادا لسطوة الاهواء ومن هنا فان القيمة الاخلاقية والمعرفية لا تستمد من حجم ما نقرأ او ما نمتلك من القاب بل من الكيفية التي تعيد بها هذه المعارف تشكيل وعينا وتهذب بها قدرتنا على الحكم على العالم وتحررنا من ضيق الذات نحو افق الانسانية الرحب.

الارتباط بين المعرفة والقيمة الاخلاقية شرطا ضروريا لبناء انسان متوازن يدرك ان المعرفة ليست امتيازا شخصيا يتباهى به بل امانة في عنقه وان الاخلاق ليست شعارات براقة بل ميزان يزن به اختياراته وافعاله. فالمعرفة الحقيقية هي التي تزرع في صاحبها حس المسؤولية والعدل والرحمة والاخلاق الاصيلة هي التي تجعل من العلم جسرا الى خدمة الانسانية لا سلما الي النفوذ والألقاب.

واخيرا إن قيمة الإنسان لا تقاس بكم الكتب التي التهمها، ولا بعدد الشهادات الممهورة بختم الجامعات، ولا بارتفاع موقعه الاجتماعي أو لمعان منصبه الوظيفي؛ فكل ذلك يظل أدوات خاوية إذا لم يفضِ إلى جوهر أرقى، يتمثل في القدرة على التمييز الأخلاقي والمعرفي والشعوري.

ولهذا تغدو الفلسفة بما هي مشروع نقدي متواصل ليست مجرد ترف عقلي او زخرفة فكرية بل دعوة ملحة لاعادة تعريف انسانيتنا وتذكير دائم بان قيمة الانسان لا تختبر فيما يحفظه بل فيما يصبح عليه.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

كلما انجذب القلب إلى سؤال العلة، وانفتح العقل على أفق المعرفة، تعود الذاكرة إلى نصّ حي بن يقظان للفيلسوف والمفكر الأندلسي أحمد بن طفيل، باعتباره مختبرا سرديا استشكاليا للوجود، تتقاطع فيه التجربة الإنسانية مع أعمق أسئلة الإدراك. ففي عزلة جزيرة مهجورة نائية ينمو الكائن الإنساني خارج اللغة الموروثة، خارج الجماعة، ليختبر إمكانات العقل وحده، وقدرته على اقتحام حجب العالم.

هذا النص الفانتاستيكي لم يكتف بإثارة سؤال: كيف نعرف؟ بل دفعه إلى تخومه القصوى: ما الذي يؤسس المعرفة في أصلها؟ أهي الحواس، أم العقل، أم حدس يتجاوزهما معا؟ وهل يظل الإنسان قادرا على بناء عالمه المعرفي انطلاقا من فطرته، أم أن المعرفة قدرٌ اجتماعي لا يكتمل إلا بالآخرين؟

في هذا الأفق، تتجاور مسارات فكرية كبرى، من ابن سينا إلى أبو بكر الرازي، ومن شهاب الدين السهروردي إلى ابن طفيل نفسه. جميعهم سعوا إلى استكشاف العلاقة بين العقل الإنساني والعقل الكلي، بين المحدود والمطلق، بين الأرضي والعلوي. في هذا المسار، يتدرج الوعي من المحسوس إلى المعقول، ومن المعقول إلى إشراقٍ يكاد يلامس ما يسميه المتصوفة "عين اليقين".

يقول ابن سينا إن النفس "تعلم ذاتها بذاتها"، في إشارة إلى قدرة داخلية على إدراك الحقيقة دون وسيط خارجي. ويذهب شهاب الدين السهروردي إلى أن المعرفة نورٌ، وأن الإدراك ليس سوى انكشافٍ تدريجي لذلك النور في مراتب الوجود. أما أبو حامد الغزالي، فيجعل من التجربة الباطنية مسارا يتجاوز حدود البرهان، حين يكتب: "ليس الخبر كالمعاينة".

وبين هذه الرؤى، يتشكل سؤال مركزي: هل المعرفة بناءٌ عقلي صرف، أم تجربة وجودية يعيشها الإنسان بكليته؟

إن ما يفتحه نص ابن طفيل لا ينتمي إلى زمنه وحده، بل يتسلل إلى راهننا بأسئلة أكثر إلحاحاً: كيف نفكر في عصر تُنتج فيه الخوارزميات معارف جاهزة؟ وهل ما نستهلكه من معلومات يقودنا إلى الحكمة، أم يراكم وهماً بالمعرفة؟ وهل ما يزال بإمكان الإنسان أن يخلو إلى ذاته ليعيد اكتشاف العالم، كما فعل "حي"، أم أن الضجيج الرقمي صار بديلاً عن التأمل؟

لقد نبه رينيه ديكارت إلى أن الشك هو بداية اليقين، غير أن زمننا يكاد يعكس المعادلة: يقين سريع بلا شك، ومعرفة فورية بلا مسار. بينما يذكّر مارتن هايدغر بأن "السؤال هو تقوى الفكر"، وكأن التفكير الحق يبدأ حين نتريث أمام المجهول، لا حين نغلقه بإجابات جاهزة.

أما في الأفق الصوفي، فإن جلال الدين الرومي يرى أن "ما تبحث عنه يبحث عنك"، في إشارة إلى علاقة جدلية بين العارف والمعروف، حيث تتحول المعرفة إلى رحلة وجود، لا مجرد تحصيل.

وفي ضوء ذلك، تغدو سردية "حي بن يقظان" مرآة مزدوجة، تعكس إمكانات الإنسان في بلوغ المعرفة، وتكشف في الآن نفسه هشاشة يقيناته. فهي تطرح من داخل سرديتها، سؤالا لم يفقد راهنيته، يتوجه بالاستفهام عن ماهية المعرفة هل هي طريقٌ إلى الحرية، أم عبءٌ يضاعف اغتراب الإنسان في عالم يتسارع بلا معنى؟

إن القراءة المتجددة لهذا النص تفتح أفقا للتفكير في علاقة الإنسان بزمنه: كيف يتغير الوعي حين تتغير وسائط الإدراك؟ وكيف يعاد تشكيل الحقيقة في عالم تتداخل فيه الحدود بين الواقع والتمثيل؟

يظل نص ابن طفيل مشتعلا في عمق الأسئلة، لا يقدّم أجوبة نهائية، بل يوقظ فينا ذلك القلق المعرفي الخلاق، الذي يجعل من الإنسان كائناً يسأل… لأن السؤال في جوهره، هو أول أشكال الحرية.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

ويتعالى على الدول والامبراطوريات

تظل الفلسفة اختصاصاً فوق المذاهب والفرق، وتتعالى على الدول والإمبراطوريات، لأنها ليست مجرد فن من الفنون أو علم من العلوم، بل هي النشاط الإنساني الوحيد الذي يجعل الإنسان يواجه نفسه ووجوده وكل ما يُبنى حوله من أسوار، في مواجهة مفتوحة لا تعرف حدوداً ولا تُقيَّد بسلطة. فمنذ أن نطق سقراط في أثينا بأن «الفيلسوف هو الذي يعرف أنه لا يعرف»، أصبحت الفلسفة ذلك الصوت الذي يرفض أن يُسجَن داخل مذاهب أو يُستعبد لإمبراطوريات. إنها تتجاوز الفرق الدينية لأنها تسأل عن الإله نفسه قبل أن تؤمن به، وتتجاوز الدول لأنها تُسائل السلطة قبل أن تخضع لها، وتتجاوز الإمبراطوريات لأنها تُفكّك الأساطير التي تُبنى عليها هذه الإمبراطوريات، حتى لو كانت إمبراطوريات العقل ذاتها. في أصولها اليونانية، كانت الفلسفة قد ولدت بالفعل متعالية على المدينة-الدولة. سقراط لم يكن أثينياً يدافع عن ديمقراطية أثينا، بل كان مواطناً كونياً يُحاكم الديمقراطية نفسها أمام محكمة العقل. عندما رفض أن يهرب من السجن، لم يكن يخضع لقانون الدولة، بل كان يُثبت أن العقل أعلى من أي قانون. أفلاطون أخذ هذا الإرث وصاغه في «الجمهورية» التي ليست دولة حقيقية، بل نموذجاً مثالياً يتجاوز كل دولة موجودة، حتى إمبراطورية الإسكندر التي جاءت بعده. أرسطو، تلميذه، لم يقف عند حدود المدينة اليونانية؛ بل جعل المنطق أداة كونية تُطبَّق على كل لغة وعلى كل حضارة.

هكذا أصبحت الفلسفة، منذ البداية، ليست ملكاً لأثينا أو لمقدونيا، بل ملكاً للإنسان كإنسان. وهذا التعالي لم يكن رفاهية، بل كان شرط بقائها: فلو أنها خضعت لمذهب أو لدولة لماتت مع موت ذلك المذهب أو سقوط تلك الدولة. عندما انتقلت الفلسفة إلى العالم الإسلامي في العصر الذهبي، لم تكن مجرد ترجمة لأرسطو، بل كانت تجاوزاً جديداً للفرق والمذاهب. الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد لم يُخضعوا الفلسفة للشريعة، ولم يُخضعوا الشريعة للفلسفة؛ بل جعلوها حكماً بينهما. ابن رشد في «فصل المقال» لم يكن يدافع عن مذهب أشعري أو معتزلي، بل كان يُثبت أن العقل الإنساني قادر على الوصول إلى الحقيقة بغض النظر عن النص الديني. وحينما حُورب ابن رشد في الأندلس، لم تمت الفلسفة معه؛ بل انتقلت إلى أوروبا لتُغذّي النهضة، لأنها كانت قد أصبحت فوق الخلافة العباسية والدولة الأموية والإمبراطورية العثمانية. الفلسفة هنا لم تكن «فلسفة إسلامية» بمعنى الملكية، بل كانت فلسفة الإنسان الذي يحدث أن يكون مسلماً أو يهودياً أو مسيحياً، لكن عقله يظل حراً.  ثم جاءت الحداثة الأوروبية لتُؤكّد هذا التعالي بطريقة أشد جذرية. ديكارت لم يكن فرنسياً يخدم الملك لويس الرابع عشر؛ بل كان عقلانياً يُشكّك في كل شيء، حتى في وجود الملك نفسه، حتى وصل إلى «أنا أفكر إذن أنا موجود» الذي يتجاوز كل إمبراطورية. كانط، في كونيغسبرغ، لم يكن يخدم بروسيا؛ بل كان يُعلن أن «التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي هو ذنبه» – قصور لا يقتصر على الكنيسة أو الدولة، بل يشمل كل سلطة خارجية. هيجل رأى في التاريخ نفسه صيرورة الروح المطلقة، لكنه لم يجعل الروح ملكاً لإمبراطورية نابليون أو للدولة البروسية؛ بل جعل كل دولة وكل إمبراطورية لحظة مؤقتة في حركة الروح التي تتجاوزها جميعاً.

نيتشه أعلن موت الإله، لكنه في الوقت نفسه أعلن موت كل إيديولوجيا وكل قومية وكل إمبراطورية تُبنى على أكذوبة «الأنا الجماعي». حتى ماركس، الذي بدا وكأنه يخدم طبقة، كان في الحقيقة يُفكّك كل دولة وكل إمبراطورية بوصفها أدوات للاستغلال، ويُعلن أن الفلسفة الحقيقية هي التي تُغيّر العالم لا التي تفسره فقط – وهذا التغيير نفسه يتجاوز كل حدود قومية. في القرن العشرين، حينما سقطت الإمبراطوريات الكبرى – العثمانية والنمساوية المجرية والبريطانية والسوفييتية – بقيت الفلسفة واقفة. هوسرل في ألمانيا النازية كان يُصفّي الوعي الخالص من كل واقعية قومية. هيدجر، رغم تورطه السياسي المؤسف، كان يُعلن نهاية الميتافيزيقا التي خدمت كل الإمبراطوريات. سارتر في فرنسا المحتلة كان يُعلن أن «الوجود يسبق الماهية»، فالإنسان حر حتى لو كانت الدولة سجناً. هابرماس بعد الحرب العالمية الثانية أعاد بناء العقلانية ليس كعقل ألماني أو أوروبي، بل كعقل تواصلي عابر للحدود يُنقذ الحداثة من براثن الإيديولوجيا. حتى في العالم العربي، كان طه حسين وعلي الوردي وزكي نجيب محمود يُمارسون الفلسفة لا كدفاع عن قومية عربية، بل كتفكيك للأساطير القومية نفسها، وكتجاوز للصراعات المذهبية بين سنة وشيعة أو بين علمانيين وإسلاميين. فما الذي يجعل الفلسفة قادرة على هذا التعالي الدائم؟ إنه طبيعتها المزدوجة: هي نقد وهي بناء في آن واحد. كل مذهب يُقدّم إجابة نهائية، أما الفلسفة فتُسائل الإجابة نفسها. كل دولة تُبنى على أسطورة شرعية، أما الفلسفة فتُفكّك الأسطورة. كل إمبراطورية تُدَّعي أنها نهاية التاريخ، أما الفلسفة فتُعلن أن التاريخ لم ينتهِ بعد، وأن كل نهاية هي بداية جديدة للسؤال. الفلسفة هي فوق المذاهب لأنها تُحوّل المذهب إلى موضوع للتفكير لا إلى قيد للمفكر. وهي فوق الدول لأنها تُحوّل المواطن إلى كائن كوني يُسائل انتماءه نفسه. وهي فوق الإمبراطوريات لأنها تُذكّر كل إمبراطور أن سلطته مؤقتة، وأن العقل الذي يُفكّر فيها أبدي. من ناحية أخرى، تظل الفلسفة ليست مجرد شاهد على الثورات، بل هي الشرارة التي تشعلها، والنور الذي يضيء طريقها، والمحكمة التي تُحاكم نتائجها. فالثورة ليست مجرد انفجار شعبي أو انقلاب سياسي؛ إنها لحظة يُعاد فيها تشكيل الوجود الإنساني نفسه، وهذا الإعادة لا يمكن أن تحدث دون أن يسبقها سؤال فلسفي جذري: ما الذي يجعل النظام القائم غير عادل؟ وما البديل الذي يستحق التضحية بالدم والروح؟

الفلسفة هنا ليست رفيقة الثورة فحسب، بل هي أمها الروحية، لأنها تُحوّل الغضب إلى وعي، والاحتجاج إلى برنامج، والفوضى إلى مشروع تحرري كوني. منذ البداية، كانت الفلسفة ثورية في جوهرها. سقراط، في أثينا، لم يقُد جيشاً ولم يُشعل حريقاً، لكنه أشعل ثورة داخلية في عقول الشباب حينما سأل: «ما العدالة؟» و«من يستحق الحكم؟». هذا السؤال نفسه هو الذي جعل أثينا تُحاكمه وتُعدمه، لأن الديمقراطية نفسها شعرت أن الفلسفة تهدد أسسها. أفلاطون أخذ هذه الثورة السقراطية وجعلها نموذجاً في «الجمهورية»، حيث دعا إلى ثورة كاملة ضد الحكم الديمقراطي الفاسد، مطالبًا بملك فيلسوف يُقلب نظام الأشياء رأساً على عقب. هكذا أصبحت الفلسفة أول من أعلن أن الثورة ليست تغييراً سطحياً للحكام، بل تغييراً للروح الجماعية، للقيم، للأساطير التي تُبنى عليها الدول. أرسطو، بدوره، أضاف البعد العملي: الثورة عنده ليست مجرد تغيير، بل هي تصحيح للانحراف عن الدستور الطبيعي، فالفلسفة هي التي تُحدد متى تكون الثورة مشروعة ومتى تكون فوضى. لكن الثورة الحديثة الحقيقية، كما نعرفها، ولدت من رحم الفلسفة التنويرية. لوك ومونتسكيو وروسو لم يكتبوا بيانات ثورية بالمعنى الحرفي، لكنهم كتبوا الدستور الروحي للثورة الفرنسية والأمريكية. لوك أعلن أن الحكم يقوم على العقد الاجتماعي، وأن الشعب له الحق في الثورة إذا انتهك الحاكم هذا العقد – فكرة أصبحت شعار «لا ضرائب بدون تمثيل» في أمريكا. روسو ذهب أبعد: «الإنسان يولد حراً ويُوجد في كل مكان مقيداً»، فالثورة عنده ليست مجرد تغيير سياسي، بل عودة إلى الطبيعة الحرة، إلى الإرادة العامة التي تُلغي كل سلطة غير مشروعة. حينما اندلعت الثورة الفرنسية عام 1789، كان الشعب يهتف بأسماء هؤلاء الفلاسفة، وكان روبسبيير يقرأ روسو ليبرر الإرهاب الثوري نفسه. الفلسفة هنا لم تكن أداة، بل كانت الوعي الذي حوّل الجياع إلى مواطنين، والرعايا إلى أحرار. كانط، في كونيغسبرغ البعيدة، لم يشارك في الثورة الفرنسية جسدياً، لكنه أعلن أنها «حدث تاريخي لا يُنسى» لأنها أثبتت أن الإنسان قادر على أن يخرج من قصوره الذاتي. كانط رأى في الثورة تجسيداً للعقل العملي: الحرية ليست هدية، بل واجب فلسفي. هيجل أخذ هذا الإرث وجعله جدلياً: الثورة هي لحظة في صيرورة الروح، حيث ينفي الواقع نفسه ليصل إلى مرحلة أعلى. الثورة الفرنسية عنده ليست خطأً، بل ضرورة تاريخية جعلت الحرية تتحقق في الدولة الحديثة. هكذا أصبحت الفلسفة ليست فقط مُلهمة للثورة، بل مُفسِّرة لها، ومُبرِّرة لها، وناقدة لها في الوقت نفسه. ثم جاء ماركس ليُحوّل الفلسفة إلى سلاح ثوري مباشر. في «البيان الشيوعي» و«رأس المال»، لم يعد الفيلسوف يفسر العالم، بل يغيّره. ماركس أخذ من هيجل الجدل، ومن فيورباخ النقد الديني، ومن الاقتصاد السياسي الإنجليزي، ليصنع فلسفة الثورة البروليتارية: الثورة ليست مجرد تغيير سياسي، بل قلب للبنية الاقتصادية نفسها، ثورة تُنهي الاغتراب الإنساني وتُعيد الإنسان إلى ذاته. بدون هذه الفلسفة، لما كانت هناك ثورة أكتوبر 1917 في روسيا، ولا الثورات الصينية والكوبية والفيتنامية. لينين نفسه كان يقرأ هيجل في أثناء المنفى ليُعدّل الماركسية، وماو تسي تونغ كان يُطبّق الفلسفة الماركسية على الواقع الصيني كأداة ثورية. هنا تكشف الفلسفة عن وجهها الأقوى: قدرتها على أن تتحول من تأمل إلى فعل، من نظرية إلى براكسيس. في القرن العشرين، أصبحت الفلسفة شريكة في ثورات التحرر الوطني والوجودية. سارتر وكامو وفانون لم يكتبوا فقط عن الحرية، بل جعلوا الوجودية فلسفة الثورة الجزائرية والكونغولية والفلسطينية. سارتر قال: «الإنسان محكوم عليه بالحرية»، فالثورة هي التعبير الأعلى عن هذه الحرية في مواجهة الاستعمار. فرانز فانون في «معذبو الأرض» حوّل الفلسفة إلى تحليل نفسي وسياسي للعنف الثوري: العنف ليس وحشية، بل تنظيف للوعي المستعمَر. هكذا أصبحت الفلسفة ليست فقط أوروبية، بل كونية، تشعل ثورات في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. حتى في ثورات القرن الحادي والعشرين، كالربيع العربي، كانت الفلسفة حاضرة بصمت عميق. لم تكن هناك كتب فلسفية تُقرأ في الميادين، لكن الأسئلة الفلسفية كانت تُهتف: «الشعب يريد إسقاط النظام» – هذا ليس شعاراً سياسياً فحسب، بل هو صدى لروسو ولوك وماركس. الشباب العربي كان يطالب بالكرامة والحرية والعدالة، وهذه قيم فلسفية قبل أن تكون سياسية. المفكر الايراني علي شريعتي أو الفيلسوف التونسي زهير الخويلدي أو المصري حسن حنفي كانوا يُقدّمون نقداً فلسفياً للاستبداد قبل الثورة وبعدها، يُفككون أساطير الدولة الأمنية ويطالبون بفلسفة عربية جديدة تُعيد بناء الوعي الثوري. حتى في فشل بعض هذه الثورات، كانت الفلسفة هي التي تُحاكم الفشل: لماذا تحولت الثورة إلى استبداد جديد؟ هذا السؤال هو الذي يُبقي الثورة حية في الوعي الجماعي. فما الذي يجعل دور الفلسفة في الثورات بهذا العمق والاستمرار؟ إنه قدرتها على أن تكون نقدية وإبداعية في آن. الفلسفة تنقد الواقع القائم بلا رحمة (نقد الميتافيزيقا عند نيتشه، نقد الإيديولوجيا عند ماركس، نقد السلطة عند فوكو)، ثم تُقدّم رؤية بديلة (المدينة الفاضلة عند أفلاطون، الإرادة العامة عند روسو، المجتمع اللا طبقي عند ماركس، الوجود الحر عند سارتر). هي تُحوّل الثورة من رد فعل غريزي إلى مشروع عقلاني، ومن لحظة عنف إلى عملية تحرر مستمرة. بدون الفلسفة، تتحول الثورات إلى انقلابات أو فوضى أو ديكتاتوريات جديدة. أما معها، فتصبح الثورة لحظة في صيرورة الإنسان نحو الحرية الكاملة. لذلك، تظل الفلسفة في كل ثورة هي الصوت الذي لا يُسكت: صوت يُذكّر الثوار أن السلطة الجديدة قد تصبح استبداداً إذا لم تُحاكم فلسفياً، وأن الحرية ليست نهاية الطريق بل بدايته. الثورة تموت إذا مات السؤال الفلسفي في داخلها. ولهذا السبب، مهما سقطت الأنظمة ومهما انتصرت الثورات أو فشلت، فإن الفلسفة تبقى هي الثورة الدائمة، الثورة التي لا تنتهي لأنها ثورة العقل على كل ما يُقيّده. هي التي تُعلّم الإنسان أن يثور على نفسه أولاً، ثم على العالم، حتى يصبح الوجود كله ثورة مستمرة نحو ما هو أفضل، نحو ما هو إنساني أكثر. لذلك تظل الفلسفة، حتى في أحلك العصور، ذلك الملاذ الذي لا يُغلق. حينما تُحرق الكتب، يبقى السؤال الفلسفي محترقاً في الذاكرة. حينما تُسجن الأجساد، يبقى العقل حراً. حينما تسقط الإمبراطوريات، تبقى الفلسفة تكتب تاريخاً جديداً. إنها ليست اختصاصاً أكاديمياً ضيقاً، بل هي الطريقة الوحيدة التي يستطيع بها الإنسان أن يعيش فوق كل ما يُبنى حوله من أصنام. ولهذا السبب، مهما تغيّرت المذاهب والفرق، ومهما سقطت الدول والإمبراطوريات، فإن الفلسفة تبقى هي الوحيدة التي لا تسقط، لأنها ليست شيئاً يُبنى، بل هي الفعل الذي يُفكّك كل بناء ويُعيد بناءه على أساس العقل الحر. هذا هو سر بقائها الأبدي، وهذا هو سر تعاليها الذي لا يُقهر: أنها ليست ملك أحد، بل هي الملكية الوحيدة التي يمتلكها كل إنسان بمجرد أن يبدأ في التفكير.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

يشكّل العنف في المدارس إحدى الإشكاليات التربوية الأكثر تعقيداً في العصر الحديث، نظراً لتداخل أسبابه وتشابكها بين الجوانب الأسرية والنفسية والتربوية والاجتماعية. وتؤكد التقارير الدولية أن ملايين الطلاب حول العالم يتعرضون سنوياً لأشكال من الاعتداء البدني أو اللفظي أو النفسي أو الرقمي داخل بيئاتهم التعليمية، وهو ما يجعل هذه الظاهرة تهديداً مباشراً لسلامة الطلاب النفسية وتقدّمهم الأكاديمي، ولقدرة المدرسة على أداء رسالتها التربوية في بيئة آمنة. ومن خلال تحليل أعمق، يتّضح أن العنف المدرسي لا ينشأ من فراغ، بل هو نتاج منظومة متداخلة من الظروف الاجتماعية والاقتصادية والتربوية التي تشكّل شخصية الطالب وتحدد طريقة تعامله مع الضغوط والتحديات اليومية.

إن تأثير البيئة الأسرية يظل أحد أهم العوامل المؤثرة في تكوين السلوك العدواني لدى الأطفال. فالطفل الذي يعيش في أسرة يسودها التوتر والصراعات، أو يشهد ممارسات عنيفة، أو يعاني من الإهمال العاطفي، غالباً ما يفتقد آليات التعامل الصحي مع المشكلات، فيلجأ إلى العنف باعتباره وسيلة للتعبير أو الدفاع أو فرض الذات. كما أن الأساليب التربوية القائمة على العقاب البدني أو الإذلال أو المقارنات القاسية تزرع في الطفل شعوراً بعدم الأمان والانتقاص، ما يجعله ميّالاً إلى ممارسة السلوك العدواني داخل المدرسة كردّ فعل انعكاسي. ولا يمكن إغفال أثر الضغوط الاقتصادية التي تعاني منها بعض الأسر، إذ تؤدي هذه الضغوط إلى زيادة التوتر داخل المنزل وإضعاف قدرة الوالدين على المتابعة والتواصل مع الأبناء، فينشأ الطفل في بيئة لا توفر له القدر الكافي من الدعم العاطفي والاستقرار النفسي.

أما المدرسة بوصفها البيئة الثانية للطالب، فهي تؤدي دوراً متناقضاً؛ فقد تكون مكاناً للنمو والتطور، وقد تصبح في غياب التخطيط والتوجيه ساحة للعنف والصراع. فالمدارس التي تفتقر إلى سياسات واضحة للسلوك والانضباط، أو التي يسودها غموض في الإجراءات وآليات التعامل مع المشكلات، تصبح بيئة خصبة للعنف. كذلك فإن الاكتظاظ في الفصول، وضعف الرقابة في الممرات والساحات، وغياب الأنشطة اللامنهجية التي تساعد الطلاب على تفريغ طاقاتهم بطريقة إيجابية، كلها عوامل تزيد من احتمالية الاحتكاكات والصراعات بين الطلاب. ويُضاف إلى ذلك تأثير العلاقة بين الطلاب والمعلمين، إذ تؤكد الأدلة أن المعلم الذي يتبع أسلوباً قاسياً، أو يمارس تمييزاً أو يسخر من الطلاب، يُسهم بشكل غير مباشر في تشجيع السلوك العدواني بينهم، بينما يسهم المعلم الذي يتمتع بالعدل والحزم والاحترام في بناء بيئة مدرسية آمنة تقل فيها معدلات العنف.

وتُظهر الدراسات المتخصصة أن العوامل النفسية لها أهمية كبيرة في تفسير الظاهرة. فبعض الطلاب يعانون من مشكلات في التنظيم الانفعالي أو لديهم صعوبات في ضبط الغضب أو يتميزون بمستويات عالية من الاندفاعية دون تلقي الدعم النفسي المناسب، مما يجعلهم أكثر استعداداً للجوء إلى العنف في مواقف التوتر. كما أن الطلاب الذين يعانون من مشاعر الدونية أو الإقصاء أو الوصم الاجتماعي غالباً ما يبحثون عن طرق لتعويض هذا الشعور من خلال فرض الهيمنة على الآخرين أو اكتساب مكانة اجتماعية داخل المجموعة باستخدام القوة. ويرتبط هذا بالضرورة بدور ضغط الجماعة المدرسية، حيث قد يلجأ الطالب للعنف فقط ليحظى بقبول أو اعتراف من زملائه.

وتكتسب الظاهرة بعداً جديداً مع تطور التكنولوجيا، حيث أصبح التنمّر الإلكتروني أحد أخطر أشكال العنف التي يصعب كشفها أو احتواؤها. فالعنف الرقمي يتميز باستمراريته وانتشاره وسهولة ممارسته دون مواجهة مباشرة، مما يسمح للمعتدي بأن يمارس ضغطاً نفسياً كبيراً على الضحية عبر الصور أو المقاطع أو الرسائل المسيئة. ويضاعف العالم الرقمي من معاناة الطلاب، لأن آثار الإساءة لا تتوقف عند حدود المدرسة، بل تمتد إلى المنزل والفضاء الشخصي للطفل، وهو ما يجعل هذا النوع من العنف أكثر وطأة وتهديداً للصحة النفسية.

أما عن الآثار المترتبة على العنف المدرسي، فإنها تتجاوز حدود الضرر المباشر وقد تمتد لسنوات. فالطلاب المتعرضون للعنف يعانون غالباً من القلق المزمن، والشعور بالتهديد، وتراجع تقدير الذات، وظهور أعراض اكتئابية، وربما اضطرابات سلوكية. وينعكس هذا على تحصيلهم الدراسي الذي يتراجع نتيجة ضعف التركيز، والخوف من المشاركة الصفية، والغياب المتكرر عن المدرسة. كما تخلق ظاهرة العنف بيئة مدرسية مشوهة يسودها التوتر والقلق وعدم الانتماء، ما يؤدي إلى انخفاض الروح المعنوية بين الطلاب والمعلمين، وتراجع جودة التعليم. وعلى المستوى الاجتماعي، يؤدي انتشار العنف إلى تآكل العلاقات بين الطلاب، وظهور مجموعات متصارعة، واتساع فجوة الثقة بين الطلاب وإدارة المدرسة. وتشير الدراسات الطويلة المدى إلى أن الطلاب الذين يمارسون العنف أو يتعرضون له في سن مبكرة قد يكونون أكثر عرضة لاحقاً للسلوك الإجرامي أو العنف الأسري أو الانخراط في أنشطة غير قانونية، ما يشير إلى ضرورة التدخل المبكر لمنع امتداد السلوك العدواني إلى المراحل اللاحقة من الحياة.

وتقتضي مواجهة هذه الظاهرة اعتماد رؤية شاملة لا تقتصر على العقاب التقليدي، بل تمتد إلى معالجة الجذور النفسية والاجتماعية والسلوكية. ومن أبرز الأساليب الفعالة بناء ثقافة مدرسية قائمة على الاحترام المتبادل، وتطبيق سياسات واضحة للسلوك والانضباط، وتوفير برامج تنمية المهارات الاجتماعية والعاطفية التي تُمكّن الطلاب من إدارة غضبهم، وتحسين تواصلهم، وحل النزاعات بشكل سلمي. كما يتطلب الأمر تعزيز دور المرشد النفسي والاجتماعي في المدرسة، وتدريب المعلمين على اكتشاف مؤشرات العنف المبكر، والتعامل مع الطلاب بطرق تربوية تدعم النمو النفسي المتوازن. ولا يمكن إغفال دور الأسرة؛ فهي شريك أساسي في التصدي للظاهرة من خلال بناء علاقات إيجابية مع الأبناء، ومراقبة سلوكهم الرقمي، والتعاون مع المدرسة لمتابعة المشكلات السلوكية. ويُضاف إلى ذلك أهمية إشراك المجتمع المحلي والجمعيات المتخصصة في تقديم حملات التوعية وبرامج الدعم.

إن بناء مدرسة آمنة خالية من العنف هو مشروع تربوي ومجتمعي طويل المدى يتطلب تخطيطاً واعياً وتعاوناً متكاملاً بين مختلف الأطراف. فالمدرسة ليست مجرد مكان للتعلم الأكاديمي، بل هي بيئة تُشكّل شخصيات المستقبل، وإذا كانت هذه البيئة غير آمنة أو مليئة بالخوف، فإن مخرجاتها ستكون بالضرورة مُحاطة بالتوتر والاضطراب. ولذلك فإن الاستثمار في مكافحة العنف المدرسي هو استثمار في جودة التعليم، وفي الصحة النفسية للطلاب، وفي بناء مجتمع متوازن قادر على العيش في سلام، بعيداً عن دوائر العنف التي تتغذى على الإهمال واللامبالاة.

***

أ.د. هاني جرجس عياد

استاذ علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية - الجامعة الإسلامية بولاية منيسوتا – الولايات المتحدة الأمريكية (المركز الرئيسي

مساهمة عبد المجيد جحفة نموذجًا

مقدمة: أضحى الدرس اللساني المغربي خلال العقود الأخيرة أحد أبرز الحقول المعرفية المؤثرة في تطور البحث اللغوي العربي المعاصر، إذ استطاع أن يؤسس لنموذج علمي يجمع بين استيعاب النظريات اللسانية الحديثة وإعادة تأويلها داخل السياق الثقافي العربي. ولم يظل هذا الإنتاج العلمي حبيس المجال المحلي، بل أسهم في تشكيل فضاء معرفي عربي مشترك، تجلت مظاهره في التفاعل الأكاديمي بين الجامعات المغربية ونظيراتها في المشرق العربي، وخاصة في التجربة النقدية واللسانية السعودية التي انفتحت على عدد من التصورات المنهجية المغربية واستثمرتها في تطوير أدوات التحليل اللغوي والنقدي.

وفي هذا الإطار، برزت أسماء علمية وازنة مثل عبد القادر الفاسي الفهري، وحسن الصميلي، وعبد الواحد خيري، وفاطمة اليحياوي، ولطيفة القاديري وغيرهم، غير أن تجربة الباحث اللساني عبد المجيد جحفة تمثل نموذجًا دالًا على دينامية الانتقال المعرفي العربي، لما اتسمت به أعماله من عمق نظري وانشغال إبستمولوجي بسؤال المعنى وبنيات اللغة العربية (جحفة، 2010).

أولًا: اللسانيات بوصفها حفريات معرفية

يقدّم عبد المجيد جحفة في كتابه حفريات في العربية تصورًا أركيولوجيًا للبحث اللساني، حيث تصبح اللغة مجالًا للتنقيب المعرفي الذي يكشف الطبقات التاريخية المتراكمة داخل الألفاظ والدلالات. فاختيار مفهوم «الحفريات» لا يحمل بعدًا استعاريًا فقط، بل يعكس تصورًا علميًا يرى أن المعاني تخضع لتحولات زمنية مشابهة لتحولات الطبقات الأثرية (جحفة، 2010).

ومن هذا المنطلق، يتحول اللساني إلى «أركيولوجي للمعنى»، يعمل على استنطاق العلامات اللغوية واستعادة تاريخها التداولي. وقد أسهم هذا التصور في إعادة توجيه الدراسات الدلالية العربية نحو فهم تطوري للمعنى، وهو توجه وجد صداه في عدد من الدراسات العربية الحديثة التي سعت إلى الربط بين اللسانيات والتاريخ الثقافي للغة.

ثانيًا: الاتصال الدلالي بين العربية المعيارية والعربية المغربية

يرفض جحفة المقاربة التقليدية التي تبحث عن الفصيح داخل الدارج، ويقترح بدلًا منها دراسة العلاقات الدلالية التي تربط بين أنماط العربية المختلفة بوصفها أنظمة متفاعلة داخل نسق لغوي واحد. فالمقارنة لا تقوم على التطابق، بل على تحليل مسارات تطور المعنى عبر ظواهر التخصيص والتعميم والانزياح الدلالي (جحفة، 2010).

ويكشف هذا الطرح عن تصور دينامي للغة العربية باعتبارها كيانًا حيًا يتطور وفق شروط الاستعمال الثقافي والاجتماعي، وهو ما ساهم في تعزيز الرؤية الوحدوية للغة العربية داخل البحث اللساني العربي، ومهّد لإمكانات تفاعل علمي أوسع بين المدارس اللسانية العربية، بما فيها التجربة السعودية التي انخرطت في دراسة التنوع اللغوي ضمن إطار العربية الجامعة.

ثالثًا: إشكالية المعنى بين الإدراك والعالم

في كتابه مدخل إلى الدلالة الحديثة، يطرح جحفة سؤالًا إبستمولوجيًا مركزيًا: أين يوجد المعنى؟ ويرى أن الإجابة تقتضي تجاوز الثنائية التقليدية بين اللغة والعالم، لأن المعنى يتشكل داخل علاقة تفاعلية تجمع الإنسان ببيئته الإدراكية (جحفة، 2018).

ويؤكد الباحث أن المعنى ليس خاصية مستقلة عن البنية اللغوية أو الذهن البشري، بل نتيجة عمليات إدراكية تسمح للإنسان بتمثيل العالم والتواصل بشأنه. ويستند في ذلك إلى التصورات الإدراكية التي أبرزت دور البيئة في بناء المعنى، كما عند غيبسن الذي اعتبر الإدراك عملية تفاعل مباشر مع المحيط (Gibson, 1979).

رابعًا: النظريات الدلالية والتصورات المنطقية للمعنى

يعرض جحفة ثلاث مقاربات كبرى لتعريف المعنى:

النظرية المرجعية التي تربطه بالإحالة على العالم،

نظرية الأفكار التي تجعله تمثيلًا ذهنياً،

النظرية السلوكية التي تفسره من خلال الاستجابة التواصلية.

وتشترك هذه النظريات في مبدأ «التعيين»، أي تحديد المعنى عبر علاقته بعنصر خارجي أو ذهني (جحفة، 2018). كما يناقش التصور المنطقي الذي يربط المعنى بشروط الصدق، وهو تقليد يمتد إلى الدراسات الدلالية المنطقية الحديثة، مقابل الاتجاه النفسي الذي يجعل المعنى بنية معرفية داخل الذهن الإنساني.

خامسًا: المتكلم وإنتاجية المعنى

يناقش جحفة البعد الإبداعي للمتكلم مستندًا إلى التصور التوليدي الذي يرى اللغة قدرة إنسانية خلاقة، كما ذهب إلى ذلك تشومسكي (Chomsky, 1986). فالمعنى، وفق هذا المنظور، يرتبط بقصد المتكلم، وهو ما يجعل إنتاج المعنى عملية دينامية لا تنفصل عن الفعل اللغوي ذاته.

غير أن هذا التصور يفتح المجال لنقاشات تأويلية حول دور المتلقي، وهو ما أسهم في تقريب اللسانيات من النقد الأدبي ونظريات التأويل، الأمر الذي يعزز إمكان بناء جسور معرفية بين الدراسات اللغوية والنقدية في السياق العربي المشترك.

سادسًا: تمثيل المعنى في النحو التوليدي

يميّز جحفة بين الدلالة التأويلية والدلالة التوليدية داخل النحو التوليدي، حيث تمنح الأولى الدلالة دورًا تفسيرياً لاحقًا للبنية النحوية، بينما ترى الثانية أن المكون الدلالي يسهم في توليد البنية التركيبية نفسها (جحفة، 2018).

ويستحضر نموذج غروبر الذي يفترض وجود مستوى دلالي سابق للوحدات المعجمية، حيث تتشكل الأوليات الدلالية قبل تحققها اللفظي. وقد ساعد هذا التصور على إعادة التفكير في العلاقة بين المعنى والتركيب داخل الدراسات اللسانية العربية الحديثة.

سابعًا: اللغة والزمن وإشكالية الإحالة الزمنية

في كتابه دلالة الزمن في العربية، يعالج جحفة الزمن باعتباره مقولة نحوية ودلالية في آن واحد، مشيرًا إلى أن فهم القول اللغوي يقتضي فهم إحالته الزمنية (جحفة، 2012).

ويرى أن تعقيد الزمن في العربية يعود إلى تداخل المستويات النحوية والدلالية والإدراكية، إضافة إلى قلة الدراسات الوصفية الشاملة للنسق الزمني العربي، مما يجعل البحث في الزمن اللغوي مجالًا مفتوحًا أمام الدراسات المستقبلية.

خاتمة

تكشف تجربة عبد المجيد جحفة اللسانية عن نموذج معرفي عربي قائم على الحوار بين النظرية والتطبيق، وبين التراث والحداثة، وهو ما جعل أعماله تسهم في تطوير التفكير الدلالي العربي وإدماجه ضمن النقاش اللساني العالمي.

ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار المشروع اللساني المغربي أحد الجسور المعرفية التي أسهمت في تعزيز التفاعل العلمي بين المغرب والسعودية، حيث أتاح انتقال المفاهيم والمقاربات اللسانية بناء أفق عربي مشترك يقوم على التكامل العلمي وتبادل الخبرات، بما يعكس وحدة المجال الثقافي العربي في تعدده المنهجي.

***

د.  منير محقق

...............................

لائحة المراجع والمصادر (APA)

- Chomsky, N. (1986). Knowledge of Language: Its Nature, Origin, and Use. New York: Praeger.

- Gibson, J. J. (1979). The Ecological Approach to Visual Perception. Boston: Houghton Mifflin.

- جحفة، عبد المجيد. (2010). حفريات في العربية. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق.

- جحفة، عبد المجيد. (2012). دلالة الزمن في العربية. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق.

- جحفة، عبد المجيد. (2018). مدخل إلى الدلالة الحديثة. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق.

- الفاسي الفهري، عبد القادر. (2000). اللسانيات واللغة العربية. الدار البيضاء: توبقال.

لماذا تشتعل الحروب بين بعض الدول؟ هل من بدائل تجنبنا الصراع؟ بأي معنى تحتمت– مثلاً – المواجهةُ الحربية بين أمريكا / اسرائيل وإيران؟! إحدى الاجابات الممكنة وليست الوحيدة: أنَّ " الايديولوجيات السياسية " المغلقة هي ما تصل بالدول إلى الصراعات الدموية، وأنَّها لا تتراجع قبل أنْ تترك نفسها للانتحار. وأنَّ ما نشاهده من حربٍ هو مجرد مظاهر لقيامة فاجعةٍ. لأنَّ ما يحكم الصراع (كما في حالتي أمريكا اسرائيل/ايران) ايديولوجيتان أخرويتان eschatological ideologies لا مجرد نظامين سياسيين وكفى. أي ترسمان مسارات أخر الزمان وما فيها من أحداث وعبر ونبوءات. وذلك ضمن سرديات متصارعةٍ على المستوى الرمزي كخطابٍ استراتيجي لا يقل خطورةً عن القوى الحربية.

هناك " الايديولوجيا الصهيونية " في سياق اسرائيل و" الايديولوجيا اللاهوتية " في السياق الايراني. وهما ايديولوجيتان لديهما صور عن نهاية العالم والموت والغيب السياسي بشكل من الأشكال. ليس مصادفة كلام نتنياهو بمنطق الاخرويات السياسية إزاء الحرب على ايران وهو ليس رجل دين: "سنصل في نهاية المطاف الى الملكوت، وسنصل الى عودة المسيح". بينما ترى الايديولوجيا اللاهوتية لإيران: أنَّ نهاية اسرائيل الكارثية أمر محتوم دينياً وتاريخياً من جنس نهاية الشر في العالم. وأنّ نهاية كهذه ستكون إمارةً فارقةً على استحكام الصراع لصالح المسلمين وانتصار الطائفة المؤمنة كما يقال.

ويمكن مقارنة الايديولوجيتين في الواقع بصرف النظر عن مبررات هذا الطرف أو ذاك تجاه الحرب الدائرة. وكذلك يمكن تحليل أساليب التفكير بخلاف مواقف المؤيدين للجانب الايراني وأسباب المؤيدين للجانب الأمريكي. فلكل طرف أنْ يدافع سياسياً عن مواقفه كيفما شاء، وأنْ يلقي الاتهامات يميناً ويساراً بحسب ما يريد. فالاوهام التي تحيط بالطرفين أوهام مجانية مثل الكوارث لا تباع ولا تشترى. الاوهام والكوارث أحداثٌ تقع بالضرورة على نحو مفاجئ من جنس ما يعتقد البشر. ولا علاقة لهذا الأمر بالدين، لكنه من صناعة ايديولوجيا تستغل رصيد القداسة، وتعيد انتاج الطاقات الدينية في إطار قابل للتوظيف السياسي.

كل أيديولوجيا لا تنتهي بسهولةٍ دون أنْ تجر معها أسئلةً حول القوة والواقع ونمط الحياة. في محاولة لأنْ تحشر داخل" أدمغة البشر " كلَّ ما تريد قوله وما تحدد من مواقف. هي تتحول إلى أشكالٍّ متباينةٍ من الانبعاث مرة أخرى خلال أية مرحلة تشعر فيها بالضعف. غرض الأسئلة استعادة السيطرة على الواقع مجدداً. لأنَّ الايديولوجيا مسكونةٌ بمخاوف فقدان هيمنتها على البشر. ولكنها عوضاً عن أنْ ترى تفاصيل الواقع بدقة، تزيد قبضتها احكاماً وهيمنةً. وهو ما يُعرف بفائض العنف كصفةٍ متفاوتةٍ في الأيديولوجيات المسيَّسة. لعلّ ذلك ما كانت تتحسب له أمريكا واسرائيل طوال الوقت إزاء إيران: لأنَّ النظام الايراني مُغلف داخل ايديولوجيا سياسيةٍ لها مبرراتها اللاهوتية غير القابلة للمراجعة.

ليس يوجد ما تخشاه "أمريكا –اسرائيل "أكثر من الأيديولوجيا الشاملة التي لا تعترف بهما، ايديولوجيا تراهما على وجه الحقيقة داخل" بروباجندا السياسات " المعلنة. واللافت أنَّ الايديولوجيات المغلقة تعرف مثيلاتها تماماً بدليل وقوفها بالعداء أمام بعضها البعض. كان روح الله الخميني يصف أمريكا بعبارة " الشيطان الأكبر" بينما يُطلق على اسرائيل "الغدة السرطانية" المرشوقة في خاصرة العالم الاسلامي. وأنهما سبب كوارث المسلمين ويجب محاربتهما في كل مكان من العالم. يقول عن أمريكا: "أمريكا لا تمتنع عن ارتكاب أيةَ جريمةٍ من أجل السيطرة على العالم سياسياً واقتصادياً وثقافياً وعسكرياً".

ويقرر الخميني أيضاً كأنه يلفت نظر الأجيال إلى قادم الأيام: "جميع مصائبنا اليوم.. هي من أمريكا " وهو ما حصل اليوم وغداً بالنسبة إلى أيامه. ويحث العالم كله لا المسلمين فقط على التخلص من الكيان العولمي الشرير: "يجب على العالم القضاء على أمريكا، وإلّا فإن هذه المصائب ستظل تسحق العالم ما دامت أمريكا موجودةً". وسارت الأنظمة السياسية الايرانية على الطريق نفسه بكل ترسانة المفاهيم والمبادئ التي أرساها. وهو ما تشكل في ترسانة عسكرية كانت تحت الاستعداد لهذا الغرض.

في المقابل تصنف" أمريكا واسرائيل" إيران عدواً أول في المنطقة. ولم تمر مناسبة أو أخرى دون النصّ على كونها خارج حدود القانون الدولي وخارج سلطة منظمات السلام والتعاون العالمي. أي تحرك أمريكا ضدها الأدوات العولمية الناعمة التي تتحكم في آليات السياسة الدولية. وأنها (أي إيران) دولة لا تمتثل لفكرة التعايش في منطقة الشرط الأوسط. وصف دونالد ترامب إيران بأنها "امبراطورية الشر"، وذهبت رديفتها اسرائيل إلى اعتبارها دولة ترعى الارهاب وتحرك الأذرع التابعة للتحرش بها. وتدخلت أمريكا لتروج لفكرة أن ايران لديها أطماع سياسية في دول الخليج وليس هذا فقط، بل روجت إلى أنَّ اطماع ايران تمتد للسيطرة على المقدسات الاسلامية وأماكن الحج في بلاد الرسالة. كما أنَّ ايران– فيما يقال– لا تكف عن زيادة النفوذ الشيعي داخل المجتمعات الاسلامية السنية. ولذلك حرصت أمريكا من فترة لأخرى على اثارة النعرات المذهبية على خلفية التواجد الايراني لاحياء الحساسيات الدينية القديمة بين السنة والشيعة.

كثيراً ما تقف الايديولوجيات بأتباعها عند حافة الجنون. كأنَّها تقول: لن انسلخ عن ذاتي مهما كانت الأسباب، وأنَّ خط النهاية بالنسبة إلى الاتباع هو مركزية رؤيتها وحسب. حتى بات محتوماً أنْ تلتف الايديولوجيا حول ذاتها كلما شعرت بالتهديد. مثل ثعبان الاناكوندا الذي إنْ شعر بالأخطار يلتوي حول جسمه تمهيداً للانقضاض على الفرائس. سارت الايديولوجيات السياسية واللاهوتية بهذه الطريقة، معتبرهً أنَّ كل وجود مغاير لها مجرد فريسةٍ تنتظر المصير البائس. ميكانيزم الايديولوجيا لا تسمح بالانفتاح على الآخر، بل تُوصد كافة الأبواب أمام الآخرين بإحكام شديد. ولا ترى الواقع بعيون مغلقة فقط، ولكنها تراقب الأحداث من وراء أسوار محصنةٍ ضد الاختلاف.

ليس ثمة حل لمأزق الايديولوجيا إلاَّ بالتفاوض على الموت. التفاوض حول: بأية طريقة ستكون النهاية آمنة أو غير آمنة. عندما تشعر الايديولوجيا بكون الواقع يُسحب من قبضتها، تدفع إلى الصراعات الوجودية. أخطر الأمثلة على ذلك كما أشرت " الايديولوجيا الصهيونية " و"الايديولوجيا اللاهوتية" تحت شتى العناوين. عندئذ لن يفلح التفاوض بصدد هاتين الايديولوجيتين إلاَّ عند خطوط المواجهة. ليس ثمة ما بعد الايديولوجيا في هذه الحالة، لأنه لا يوجد بعد الايديولوجيا إلاَّ الموت. وهذا ما ظهر جليّا عند مواجهات اسرائيل وايران!!

ظلت الاثنتان تترقبان لحظة التصادم الوجودي طوال الوقت، لا الصهيونية تريد التراجع عن التقدم نحو مآربها، لأنَّ كل ما يعترض الطريق إنما هو عدو عليها محاربته. ولا الايديولوجيا اللاهوتية المسيّسة للنظام الايراني تقبل بمنطق التنازل، لأنها قائمة على العداء المدمر لاسرائيل، وأنَّ ذلك جزء لا يتجزأ من جهاز المعتقدات الدينية، وقد جلس ممثلو الايديولوجيتين مراراً إلى طاولة التفاوض في وجود وسطاء دوليين، ولكن دون جدوى. أكثر من "عقدٍ كامل" استُنفد في عمليات التفاوض والقاء التهم المتبادلة على الجانبين. وكلما بلغت العملية التفاوضية نقاطاً معينةً، سرعان ما تمتد إلى أجلٍّ غير مسمى!!

حتى قبل أنْ تبدأ، فشلت عمليات التفاوض بين امريكا / اسرائيل وايران... ولكن ما السبب فكرياً كما سأطرح؟!

تبدو كلمة التفاوض في هذا السياق من المستحيلات. لأنَّها بمثابة " الكود الخطأ " لصندوق أسود ولن يفتح إطلاقاً بين الجانبين الامريكي والايراني. أصبح التفاوض حواراً بين الطرشان، يتفاوض كل طرف بشكل غامض كمنْ يتحدث إلى كائن أسطوري من عالم آخر. لأنَّ الايديولوجيات لا تقبل كلمة تفاوض من حيث المبدأ. وإلّا لأعلنت كل ايديولوجيا إذابة كيانها بين كرٍ وفرٍ. لو نجح التفاوض لقتلت الصهيونية تاريخها، ولو قبلت الايديولوجيا اللاهوتية الايرانية وجود اسرائيل لدمرت أسسها. الايديولوجيات حولّت الحرب الامريكية الايرانية إلى صراع وجود لا وجهات النظر.

هناك بعض النقاط التالية التي تكشف طبيعة الايديولوجيتين:

أولاً: الاتجاه المضاد

تختلف الايديولوجيتان الأمريكية/الاسرائيلية والايرانية في التوجهات، ولكنهما متشابهتان في التكوين، ومسيّستان في آليات العمل المادي والرمزي. انطلاقاً من هذا، فإن الصهيونية والأيديولوجيا اللاهوتية تتزاحمان على مناطق النفوذ المشتركة. ولن تكون هناك أدنى مهادنةٍ بينهما. فلا تتوافق أية أيديولوجيا مع نظيرتها إطلاقاً. منذ أنْ تُولد الواحدة منهما إلاَّ وتوجد مكتملةً من تلقاء نفسها. ليس هذا وحسب، بل تتحرك الايديولوجيتان في إطار المعنى السابق تجاه كافة القضايا المصيرية.

الايديولوجيا الصهيونبية تؤمن منذ لحظتها الأولى بأنَّ أرض فلسطين أرض يهودية المنشأ والتكوين، وأنَّها أرض الميعاد وعلى جميع يهود العالم الذهاب إلى الحلم الموعود لبني اسرائيل. لم تتزحزح الصهيونية عن هكذا مضمون قيد أنملة. وقد اعتبرت اعتقادها " قومية عبرية " لا مجرد رأي. وبالتالي اعتبرت الأيديولوجيا الصهيونية العلاقة مع ايران علاقة "عداء مطلق"، نظر ت إلى طهران كعدو استراتيجي يسعى لتدميرها عبر برنامجه النووي وبواسطة وكلاء إقليميين "محور المقاومة". ولذلك تبنت إسرائيل في جميع المراحل سياسة "الضربات الاستباقية" واستهداف المنشآت النووية والعسكرية الإيرانية وصولاً إلى درجة الانفجار الحربي. لأن الايديولوجيات العنيفة لا تجلس إلى سماع همسات الأخرى، ولكنها تدمن الاستمتاع بصراخ وآلام أصحابها جيداً!!

عندما سُئل ترامب عن الموقف تجاه إيران، عزز التوجهات الصهيونية المختلطة بمآرب الكولونيالية: "إن إيران هي الراعي الأول للارهاب في العالم... وأنَّ هذا النظام الارهابي لايمكن أنْ يمتلك سلاحاً نووياً. أكرر، لن يمتلك سلاحاً نووياً ". وبلسان " الايديولوجيا اللاهوتية"، يقول المؤسس الأول للنظام الايراني روح الله الخميني: " أمريكا هي التي تدعم اسرائيل والموالين لها.. وهي التي تمنحها القدرة على تشريد العرب والمسلمين." يتكلم الخميني بصيغة القرار الأخير لا التحليل. لأنَّ رؤيته أصبحت متغلغلة في الثقافة السياسية السائدة. ويلفت نظر أنصاره: "إنكم ترون أنَّ دولة متهرئة كإسرائيل تقف أمام المسلمين... فلو إتحد المسلمون وألقى كل منهم دلواً من الماء على اسرائيل لجرفتها السيول". يعني أن العتاد الحربي سيكون في حالة تأهب وإنْ تعاقبت الأجيال لأن الهدف واحد.

ثانياً: انكار الآخر

لا تقبل الايديولوجيتان اعترافاً متبادلاً بينهما على صعيد الواقع. فكل أيديولوجيا تسير بمنطق: " إما كذا أو كذا". أي إما أن تكون هي الايديولوجيا المتمتعة بالوجود الأوحد أو لا شيء على الاطلاق. هكذا تشكل ايران " امبراطورية الشر المحض" من وجهة نظر الصهيونية. ولا يتم الاعتراف بها أصلاً كدولة ذات سيادة. لأنه ليس ممكناً شن الحرب على دولةٍ أيا كان الخلاف معها دون اسقاطها من الحسبان. الايديولوجيا تمثل حداً فاصلاً لا يعود معه الآخر ذا صفة. وبذلك يتجاوز الانكار الوجودي حدود المعقول.

يعبر روح الله الخميني عن المعنى المقابل: " اسأل الله العلي القدير أنْ يزيد من يقظة ووعي المسلمين ويدفع شر أعداء الاسلام من بلاد المسلمين". ليوضح أن الانكار من باب كون الآخر عدواً لا للشعب الايراني، بل للاسلام والمسلمين كافةً. والتعبير له دلالة أكبر مما يُتوقع. فكيف يقطع الخميني بحجم العداء المجرد تجاه كيان سياسي ما لم تكن ثمة ايديولوجيا تجعله مطلقاً؟! ولكن في حالة وجود الايديولوجيا، فالأخيرة ترى أبعد من حركة الواقع وتتشمم مصير الأفكار وتحولها إلى أسلحة فتاكة.

يعود روح الله الخميني ليؤكد الفكرة: " إنَّ الايدي المجرمة لمستكبري العالم وأعوانهم وخاصة اسرائيل لن يتم قطعها عن الدول الاسلامية ما لم تنهض الشعوب الاسلامية والمستضعفون في العالم ضدهم... وتطرد هذه الغدة السرطانية من القدس ولبنان". فهو يريد أن تنهض الشعوب الاسلامية لقطع يد الاحتلال الصهيوني من المنطقة العربية. وتوسيع نطاق الصراع يغدو أمراً ممكناً على الدوام. والفكرة كانت مبرراً لتأسيس أذرع مساندة لإيران داخل بعض الدول العربية.

ولكن الخميني يشعر أن الأزمة العالقة توجد في فلسطين ولبنان بحكم أنهما على خط المواجهة المباشرة، فكان خطابه أكثر عمومية تبعاً لحدود الأيديولوجيا لا الحدود الجيوسياسية. وإذا كان ذلك خلال أعوام قيادته للثورة الاسلامية في ايران، فماذا لو كان موجوداً الآن وحدث الاعتداء الحربي من قبل معسكر الايديولوجيا الصهيونية؟ بالتأكيد كان سيتخذ الاجراءات ذاتها وسيقول أكثر من هذا في الاتجاه نفسه.

ثالثاً: القصور الذاتي

القصور الذاتي للأيديولوجيتين هو ميل العقل السياسي (الامريكي-الاسرائيلي والايراني) للتمسك بالمعتقدات الغالبة، والآليات السياسية، والتوجهات الفكرية الحالية، ومقاومة تغييرها أو تبني أفكار جديدة. يشبه هذا المفهوم القصور الذاتي الفيزيائي، حيث يستمر النظام السياسي في نهجه الفكري نتيجة نقص التحفيز للتطور، ممارسة العادات السياسية المُدمرة، والخوف من التغيير، مما يؤدي إلى جمود عقلي عام يمنع التكيف مع المتغيرات والتحولات الطارئة في النظام العالمي.

عندما سُئل أحد المسئولين الايرانيين عن كونهم مستعدين للحرب، قال مباشرةً:" إن بلاده على أتم الاستعداد، ثم أردف: كنا نعد العدة لتلك اللحظة منذ أربعين عاماً". كان تأكيد روح الله الخميني واضحاً منذ البداية: " لقد أشرت أنَّ الحكومة الاسرائيلية الغاصبة تشكل خطراً كبيراً على الاسلام ودول المسلمين بسبب الأهداف التي تسعى إليها، وأخشى أنْ تضيع الفرصة للوقوف بوجهها إذا ما أمهلها المسلمون.. ولما كان الخطر موجهاً الى الإسلام، فإنّ على الدول الاسلامية خاصة والمسلمين عامة أنْ يقضوا على جرثومة الفساد هذه بأي نحوٍ كان، وأنْ لا يتورعوا عن تقديم العون في هذا السبيل... ويجوز إنفاق وجوه الزكاة أو سائر الصدقات في هذا الامر الحيوي المهم".

بالأسلوب ذاته، رسمت الصهيونية مساحة ضيقةً حول ايران على ألّا تبرحها. وظلت تراقب أنفاس ايران النووية وغيرها من مظاهر الحياة، قتلت كلَّ رموز المجتمع الايراني في العلوم والسياسة ونوابغ ريادة الأعمال. لم تترك أية فرصة للدولة الايرانية لبناء قدراتها الخاصة. السبب أن الايديولوجيا الصهيونية تحالفت مع الكولونويالية الامريكية في المنطقة للاستيلاء على ثروات الدول. وقد وجدت إيران خارج السيطرة ولا تنفذ أوامر البيت الأبيض. وهذه الفكرة هي أحد معالم المرحلة التي نحياها: تجريد المجتمعات من أسباب تميزها لتظل في حاجة دائمة إلى الكيان الصهيوني. وليبقى الأخير هو الوحيد المتميز في منطقة معدومة المعالم.

قبيل الأحداث الأخيرة، قال المبعوث الأمريكي إلى المنطقة توم باراك: إنه لا توجد في الشرق الأوسط دول، بل هناك "قبائل وقرى" فقط، أي قبائل وعشائر وعائلات تحرس مناطق حيوية معينة وأن الغرب هو من قسمها جغرافياً وأعطاها صفة الدول عن طريق اتفاقية سايكس بيكو. وقال نتنياهو : "إن اسرائيل هي الدولة الديمقراطية الحرة الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط وسط محيط من رمال الديكتاتورية والاستبداد". وهي نظرة تفرزها الايديولوجيا الصهيونية لكل دول العالم العربي ولنكن أكثر تحديداً. فكيف ستكون إيران متميزة إلى حدٍ يجعلها تناطح دولة الكيان ومن يقف وراءها.

رابعاً: التوسع والاستحواذ

لا تكف الايديولوجيتان عن النظر طمعاً في مساحات الفراغ الايديولوجي لا فيما تهيمنان عليه. وهذه معضلة داخل الايديولوجيا، لكونها مبنية بالاساس على التهام غيرها سواء أكانوا عقولاً أم دولاً أم سياسات. إذ تفرض سطوتها طوال الوقت. اسرائيل لا تقف كدولة مستقلة هذا لو كان ينطبق عليها مصطلح الدولة بمعناه الحداثي. لكنها تحاول فرض وجودها بالسياسة مرةً وبالقوة الغاشمة مرات كثيرة وبالتدخل والمؤامرات مرات لا تنتهي. كل ذلك تحت مبررات التطبيع في أحايين كثيرة.

التطبيع هو التعبير السري عن النوايا الاستعمارية للايديولوجيا الصهيونية. التطبيع عملية ترويض لمجتمعات ترفض الكيان الغريب المسمى بإسرائيل. لأن التعايش معه ليس أمراً سهلاً إذا كانت مركزيته أيديولوجيا كولونيالية. كما أن التطبيع يجر معه عمليات أخرى من المراقبة وزرع العملاء واستغلال القوة لمآرب أخرى. وبخاصة المتعلقة باستلاب القدرات والبحث عن المصالح مع القوى الكبرى في العالم.

من جهةٍ أخرى يقول روح الله الخميني: "على الامة الاسلامية وانطلاقاً من واجبها الانساني وبموجب القيم العقلية والاسلامية. أنْ لا تتورع عن تقديم أية تضحية من أجل اجتثاث ربيبة الاستعمار (اسرائيل)، وأن تساعد المقاتلين في جبهات الحرب مع اسرائيل مادياً ومعنوياً، وكذلك عن طريق التبرع بالدم والادوية والمؤن والسلاح". وهذا القول يذهب إلى سلطة الدين اعتماداً على مخزون الكراهية تجاه اسرائيل. وهو بالطبع مبني على الموروث الاسرائيلي الدموي في المنطقة العربية الاسلامية، لقد شردت الفلسطينيين وأبادت أجيالاً من الشباب في معظم دول الصراع.

خامساً: لعبة البدائل

تضع الايديولوجيتان السابقتان وجودهما كبديل للأخرى. وإن لم تكن احداها بديلاً، فهناك لعبة البدائل التالية. وهي طرح أذرع وقوى تأخذ مكان المركز وتؤدي الوظائف الخاصة بالأيديولوجيا الأم. الصهيونية صورة مصغرة من أيديولوجيا كولونيالية استخدمت في أوروبا تجاه المجتمعات المستعمرة وقدمتها أمريكا كنموذج براق للاستيلاء على ثروات الدول. وما تقوم به الألة الحربية لاسرائيل إنما هو تطبيق لنموذج معد سلفاً بغرض الاستيلاء على الأرض وترسيخ النموذج الكولونيالي العابر للقارات. كثيراً ما أشاد نتنياهو بقوة إسرائيل (وهو يعلم أنها ذيل أمريكا والغرب) في تشكيل شرق أوسط جديد.

في حمأة الحرب مع ايران وبعد اغتيال المرشد الأعلى، قال دونالد ترامب: "يجب أنْ تكون لي الكلمة والرأي في تعيين المرشد" المقبل. هل هذا أمر معقول أمام ايديولوجيا أخرى؟ بل هل الأمر وارد عقب اغتيال ترامب للمرشد؟ وكيف يكون منصب ديني سياسي بهذه الخطورة محلاً لرهان كولونيالي؟!

ولكن تحسباً للعبة البدائل يؤكد روح الله الخميني: " لا تعقدوا أحلاف الاخوة والمودة مع اسرائيل عدوة الاسلام والمسلمين والمشردة لأكثر من مليون مسلم بريء... لا تجرحوا مشاعر المسلمين.. لا تفتحوا الطريق أمام اسرائيل وأعوانها الخونة للدخول الى أسواق المسلمين. لا تعرضوا إقتصاد البلاد إلى الخطر من أجل اسرائيل وعملائها." لأنَّ الخميني يدرك أن البديل يستحضر مركزية الايديولوجيا وسيشكل قوى ينتمي ولاؤها إلى أمريكا -اسرائيل.

ويحدد روح الله الخميني آفاق البدائل للايديولوجيا اللاهوتية الايرانية: "على الامة الاسلامية وانطلاقاً من واجبها الانساني وبموجب القيم العقلية والاسلامية أن لا تتورع عن تقديم أية تضحية من أجل اجتثاث ربيبة الاستعمار هذه، وأن تساعد المقاتلين في جبهات الحرب مع اسرائيل مادياً ومعنوياً، وكذلك بواسطة التبرع بالدم والادوية والمؤن والسلاح". فكان انشاء الأذرع الايرانية وفتح جبهات أخرى للقتال تدين بالولاء الايديولوجي السياسي لإيران. فهناك الحوثيون وحزب الله والمليشيات العقائدية في العراق وبعض الجماعات الاسلامية التي تتلقى التمويل والدعم لتكون شوكة في ظهر الايديولوجيا الصهيونية.

سادساً: المآرب واحدة

تستهدف الايديولوجيتان الهيمنة على مجال سياسي واحد. الصهيونية تريد الهيمنة على العالم العربي والاسلامي وقد نزعت عنه هويته التاريخية ليصبح عنوانه الجديد "الشرق الأوسط". بحيث تتحرك الايديولوجيا الصهيونية كما تريد، ولتصبح كافة الأقنعة الثقافية قادرة على استيعابها دون مبررات الهوية والدين والعرق. لأنَّ الشرق الأوسط هو لعبه المجال الموحد تحت قبعة العولمة والأمركة. إن فيزياء الايديولوجيا هي فيزياء دمج الأشياء والعناصر تحت هيمنتها على أن تستطرق كافة المعالم والتضاريس لصالح ما تريد.

أخطر ما ترفضه أمريكا واسرائيل أن يتم تسمية الأشياء بمسمياتها. فشرط" الاستيطان الايديولوجي" هو تغيير الأسماء لتغدو ذات دلالة تسمح باشهار المآرب. لأن الظفر في الحروب لايضمن تشغيل الايديولوجيا الصهيونية في المنطقة حتى تتكون هناك ثقافات متصهينة. وهذا ما قالته جولدا مائير: " سيتفاجأ العرب يوماً ما بأننا أوصلنا أبناء إسرائيل إلى سدة الحكم فى بلدانهم". وليس ضرورياً أنْ يكون هؤلاء اسرائيليين بالمعنى المعروف، ولكن هي لعبة الثقافة المتصهينة بعد أنْ تمحو معالم المعايير والهويات.

و كذلك هذه هي آلية الايديولوجيا اللاهوتية لخطط ايران في المنطقة. وليست الآلية دينية، ولكنها تتشكل مع السياسات وخريطة السيطرة لتقوية النفوذ وبناء امبراطورية عملاقة. يخاطب روح الله الخميني آذان المسلمين: "واجب على كل مسلم أن يعد نفسه لمواجهة اسرائيل". ولكن بأي منطق؟ هل دول المنطقة العربية الاسلامية تمتلك التوجهات نفسها؟! وبخاصة أنَّ ميراث هذه الدول حرج مع الاستعمار ولو تحت عناوين لاهوتية من جلدتها الاقليمية. إنَّ أكثر المناطق صعوبةً هي خريطة العالم العربي، كمنبت تاريخي للاسلام كما أنها تمثل نقطة إلتقاء الحضارات.

يلجأ روح الله الخميني إلى لغةٍ أخرى: " يا مسلمي العالم ومستضعفي المعمورة انهضوا وقرروا مصائركم بأنفسكم، الى متى تقوم واشنطن... بتقرير مصيركم؟ الى متى تدنس قدسكم بأقدام حثالات أمريكا واسرائيل الغاصبة؟ الى متى تتفرجون على ارض فلسطين المقدسة ولبنان والمسلمين المظلومين في تلك الديار وهم يرزحون تحت سيطرة المجرمين؟ ". هكذا تبقى القوة الخاملة من اتباع الاسلام هي حلبة الصراع. إذ يواصل قوله: " من واجب العلماء والخطباء أنْ يذكروا الناس في المساجد والاوساط الدينية بجرائم اسرائيل"

في الأخير.. لعلَّ ما تمارسه الايديولوجيتان (الصهيونية والايديولوجيا اللاهوتية) شيء واحد بأسلوبين مختلفين. وبلغة المنطق، فإنهما " لا يجتمعان معاً ولا يرتفعان معاً ". ومن ثمَّ كانت الحرب هو الحل الأخير الذي يحقق "القيامة السياسية". لأنَّ التفاوض هو الزناد القاتل لعدم الاعتراف المتبادل وهو اللامعقول بالأساس. وحتى لو جلس الطرفان على مائدة الحوار، فبفضل نتائج الانهاك الحربي، ولكنه لا يشكل قناعات حرةً.

و بالطبع كل ذلك دون أدنى اهتمامٍ بحرية المجتمعات العربية الاسلامية ومن غير تطوير لأبنيتها الأساسية ولا دفع تقدمها الحضاري. فالأيديولوجيتان يعنيهما المصالح الخاصة بالمقام الأول، وأن يكون العالم العربي رصيداً من حطبٍ إنْ لم يُجدِ سياسياً واقتصادياً، فهو وقود مناسب لاشعال الحروب.

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

 

ليس كل بيتٍ مليءٍ بالناس بيتًا مليئًا بالأمان… فالعائلة الحقيقية هي التي تمنح أبناءها معنى الحياة قبل أي شيءٍ آخر.

ما دفعني إلى هذا الحديث المؤلم حادثةٌ وقعت قبل أيام، حين أقدم شاب من عائلة محترمة وميسورة الحال على إنهاء حياته. ترك هذا الشاب رسالةً لوالديه يبرّر فيها فعلته بشعوره العميق بعدم جدوى الحياة، وعبّر فيها عن مشاعر قاسية تجاه أقرب الناس إليه: أمه وأبيه، واضعًا عليهما اللوم فيما آل إليه وضعه.

إن فقدان شاب في مقتبل العمر، لا لفقرٍ أنهكه، بل لعدم شعوره بالأمان، ولفراغٍ عاطفيٍ أوجعه، يدعونا إلى وقفةٍ صادقة مع مفهوم العائلة في زمنٍ اختلّت فيه المعايير؛ زمنٍ تتسارع فيه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأجهزة الذكية، وتغمره الألعاب الإلكترونية، إنه عصر التواصل الاجتماعي، وهو سيفٌ ذو حدّين، أُتيح فيه المجال لكل من هبّ ودبّ أن يُدلي بدلوه دون ثقافةٍ أو معرفة، مما قد يؤثر سلبًا على الأطفال والشباب.

في هذا الوقت، يواجه الشباب تحدياتٍ كبيرة، حيث صعوبة الحياة نتيجة انعدام فرص العمل، وتتكدّس الشهادات على حساب الكفاءة والمهارة، مما يدفع بعضهم إلى اليأس. كل ذلك يضع مسؤوليةً أكبر على عاتق العائلة، ويفرض علينا التأمل في برود العلاقات بين الآباء والأبناء وانعكاس ذلك عليهم، واستشعار مسؤولية المجتمع بأسره في بناء بيئةٍ تُعيد للإنسان إحساسه بقيمته، وتمنحه معنى لحياته، وتؤكد له أن المعاناة، مهما اشتدّت، لا تعني اليأس، ولا تبرّر القطيعة أو الكراهية.

العائلة هي الإطار الأول الذي تتشكل فيه شخصية الإنسان؛ فيها تُغرس القيم، وتتكوّن المنظومة الأخلاقية، ومنها يتعلّم الطفل لغته الأولى في الحب والخوف والاحترام والثقة بالنفس، ونظرة الأمل والتفاؤل بالحياة رغم صعوبتها. وهي الحاضنة الأولى للروح، والملاذ الذي يلجأ إليه الإنسان كلما أثقلته أعباء الحياة. فالعائلة ليست مجرد رابطة بيولوجية، بل علاقة مسؤولية وأمان، والتزام أخلاقي متبادل يقوم على الرعاية والاحتواء والدعم.

ولا شك أن تعقيدات الحياة أفرزت تحدياتٍ كبيرة أمام العائلة، جعلت السعي وراء المال وتأمين متطلبات المعيشة في مقدمة أولويات الأهل. ورغم أن هذا السعي ينطلق أساسًا من حرصهم على أبنائهم وتوفير حياة كريمة لهم، إلا أنه لا ينبغي أن يكون على حساب الطمأنينة والشعور بالأمان. فالعائلة، وإن كانت تُعرّف كوحدة اجتماعية تقوم على روابط الزواج والقرابة، إلا أن جوهرها الحقيقي يقوم على التراحم والتكافل والتكامل؛ فهي منظومة قيم قبل أن تكون مجرد تجمع أفراد.

ومن صفاتها الاحترام المتبادل؛ فلا تُكسر هيبة أحد أفرادها، ولا تُهان كرامته، ويشعر كل فرد فيها أنه ليس وحيدًا في أزماته. كما تقوم على القدوة الحسنة، حيث يُعدّ الأب والأم النموذج الأول، فيرى الأبناء القيم مطبّقة أمامهم لا مجرد كلمات تُقال. فلا إفراط في القسوة ولا تفريط في التربية، والعائلة المتماسكة لا تُقاس بثروتها المادية بقدر ما تُقاس بثرائها القيمي. حين ينشأ الطفل في بيت يسوده التعاطف، يتعلم أن العالم ليس ساحة صراع، بل مساحة تعاون ومحبة. وحين يرى والديه يتحاوران باحترام ويتجاوزان خلافاتهما بحكمة، يدرك أن القوة ليست في الصوت المرتفع، بل في الاتزان.

وفي مثل هذه الأجواء، أجواء التراحم والتفاهم والالتزام الأخلاقي، يكتسب الأبناء منظومتهم القيمية والأخلاقية، كالأمانة والصدق، من خلال تعامل والديهم وتصرفاتهم اليومية. ويكتسبون النزاهة لأنهم يشاهدون رفض الغش والخداع في تفاصيل حياة الوالدين. وبذلك يتربّون على الصدق، لأن الكذب لا مكان له داخل البيت، ويتشرّبون الإخلاص في العمل لأنهم يعيشون هذه القيم في بيئتهم، ويستمعون إلى أحاديث عن قيمة الجهد والضمير. كما تنمو بينهم عاطفة سوية تجاه إخوتهم، فيتشاركون ويتسامحون. فالأجواء الرحيمة تصنع أبناءً واثقين بأنفسهم، يعرفون حقوقهم وواجباتهم، ويوازنون بين العاطفة والعقل.

الطفل الذي ينشأ في بيئة مستقرة عاطفيًا يكون أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة وضغوطها، واتخاذ قرارات أخلاقية مستقلة، وأكثر قدرة على مقاومة الانحراف والضغوط السلبية، وعلى بناء علاقات صحية في العمل والمجتمع، وتحمل المسؤولية دون تهرّب، ومواجهة الفشل دون انهيار.

تزرع العائلة في أبنائها جذورًا عميقة، وكلما اشتدت رياح الحياة بقيت تلك الجذور ثابتة. وحين يكبر هؤلاء الأبناء، ينقلون ما تعلموه إلى عائلاتهم الجديدة، فتنتقل القيم من جيل إلى جيل كما تنتقل الملامح الوراثية. فالأمانة التي عاشوها تصبح سلوكًا طبيعيًا، والصدق الذي تربّوا عليه يتحول إلى منهج حياة، والتعاطف الذي شهدوه في طفولتهم يصبح لغة تعامل مع أزواجهم وأبنائهم, ومن هنا جاءت تلك العبارة الشائعة: “فلان ابن عائلة”، في إشارةٍ إلى عائلةٍ غرست فيه القيم والأخلاق، حتى أصبحت جزءًا من هويته وسلوكه.

تقوم العائلة أساسًا على ركنين عظيمين: الأم والأب. فالأم هي الحضن الأول ونبع الحنان والاحتواء؛ هي الدفء الذي يحتاجه الطفل، وهي المدرسة الأولى في العاطفة واللغة والقيم. أما الأب فهو السند، ومصدر الطمأنينة والاتزان والحماية، والنموذج الأول للالتزام والمسؤولية. وقد تفرض الحياة أحيانًا غياب أحد هذين الركنين، ولكن رغم الألم تبقى العائلة قادرة على التماسك إذا حمل الطرف الآخر الرسالة بإخلاص، وضاعف جهده في الرعاية والاحتواء. فكم من أم أصبحت أمًا وأبًا معًا فأنشأت جيلاً صالحًا، وكم من أب تحمّل المسؤولية كاملة فحفظ أبناءه من الضياع. فتماسك العائلة لا يرتبط بالرفاهية، بل بالمحبة والتضحية.

العائلة المتماسكة تورّث القيم قبل أن تورّث المال، وتبني إنسانًا يتمتع بكرم الأخلاق، قادرًا على أن يكون أمينًا ونزيهًا وصادقًا ومخلصًا ورحيمًا.

وفي الختام، لعل هذه الحادثة المؤلمة تذكّرنا جميعًا بأن أبناءنا لا يحتاجون فقط إلى طعام وكساء وتعليم، بل يحتاجون قبل ذلك إلى قلبٍ يسمعهم، وبيتٍ يحتضن ضعفهم، وكلمةٍ تطمئن خوفهم، وسقفٍ يوفر لهم الدفء والشعور بالانتماء. فلنقترب منهم أكثر، ولنفتح أبواب الحوار قبل أن تُغلق القلوب، ولنمنحهم الأمان قبل أن يبحثوا عنه بعيدًا عنا. فلنحفظ بيوتنا عامرة بالمحبة، فربما كانت كلمة صادقة أو حضن دافئ كفيلين بإنقاذ روحٍ كانت على حافة اليأس.

الأبناء لا يطلبون الكمال من آبائهم، بل يطلبون القرب والرحمة والإنصات. فإذا وجدوا ذلك في بيوتهم، كبروا مطمئنين إلى أن العالم — مهما اشتد — ليس مكانًا موحشًا، وأن لحياتهم معنى.

***

د. سعد عبد المجيد ابراهيم

يشهد العالم تحوّلا عميقا في طرائق إنتاج المعنى وتداوله، نتيجة الانتقال من نموذج اتصالي تقليدي تمحور حول المؤسسة الإعلامية إلى فضاء رقمي شبكي تتداخل فيه الذوات والخطابات والصور في زمن فوري. ضمن هذا الأفق، لم يعد الإعلام قناة لنقل الخبر أو الرأي، بل غدا محيطا يوميا تتشكل داخله الخبرة الإدراكية والوجدانية للإنسان. هذا التحول يضع سؤال الهوية في قلب إشكال جديد يتصل بكيفية تشكّل الذات في بيئة تتكاثر فيها صورها، وكيف يعاد بناء الانتماء في فضاء يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.

في هذا السياق، يذهب مانويل كاستلز إلى أن إنتاج السلطة والمعنى انتقل من المراكز الصلبة إلى الشبكات المتداخلة التي تعيد توزيع القوة الرمزية، بينما يرى زيغمونت باومان أن السيولة التي تطبع الحداثة المعاصرة أزاحت الأطر المستقرة للهوية، ودفعت الفرد إلى إعادة التفاوض المستمر مع ذاته ومحيطه. من هنا تبرز الحاجة إلى فهم العلاقة بين الإعلام الرقمي والهوية في أفق فلسفي يربط التقنية بالبناء الرمزي، ويستحضر دور الاقتصاد الثقافي في إعادة إنتاج المعنى.

إن ثمة ما يلهمنا بأن الهوية، هي بالأساس عملية تشكّل متواصلة تتداخل فيها اللغة والذاكرة والرموز وأنماط العيش. وقد أبرز بول ريكور أن الذات تُبنى عبر السرد، أي من خلال قدرة الإنسان على تأويل تجربته ضمن حكاية تمنحه الاتساق والاستمرارية. ففي السابق، كانت مؤسسات التنشئة تضطلع بدور محوري في بناء هذا السرد، أما اليوم فقد أضحت المنصات الرقمية فاعلا مركزيا، حاملة منطقا يقوم على السرعة والتفاعل والاقتصاد القائم على جذب الانتباه. وفي امتداد لهذا التحليل، يوضح جان بودريار أن عالم الصور قد يتقدم على الواقع ذاته، حيث تتكاثر التمثلات وتعيد تشكيل الإدراك، وهو ما يتجلى بوضوح في البيئة الرقمية التي تُعرض فيها الذات وتُعاد صياغتها باستمرار.

اللغة بدورها تعرف تحولات ملموسة داخل هذا الفضاء، إذ تتراجع مركزيتها لصالح الصورة والرموز المختزلة، ما يخلق اقتصادا جديدا في التعبير. وقد أشار مارشال ماكلوهان إلى أن الوسيط يؤثر في طبيعة الرسالة، وهو ما يجعل إيقاع السرعة والاختزال مؤثرًا في بنية المعنى ذاته. هذا الوضع يفتح إمكانات إبداعية واسعة، لكنه يضع أيضًا الخطاب أمام خطر التسطيح، حيث تتقدم الإثارة على التأمل. وفي الآن نفسه، تطرح هيمنة اللغات العالمية إشكال التوازن اللغوي، خاصة وأن بيير بورديو يعتبر اللغة رأسمالا رمزيا يمنح موقعا وسلطة داخل الحقل الاجتماعي.

أما على مستوى الوعي، فقد أصبح انتقاء المحتوى خاضعا بشكل متزايد لعمل الخوارزميات، التي ترتب ما يظهر للمستخدم وفق معايير غير مرئية. هذه الآليات تؤثر في تشكيل الرأي العام، وتعيد ترتيب أولويات النقاش. وفي هذا الإطار، يؤكد يورغن هابرماس أهمية المجال العمومي كفضاء للنقاش العقلاني، غير أن الفضاء الرقمي يخضع في كثير من الأحيان لمنطق الانتشار السريع، حيث تتقدم المضامين الجذابة على التحليل العميق. ويتقاطع ذلك مع تصور غي ديبور الذي يرى أن المجتمع المعاصر يميل إلى تحويل الحياة إلى عرض دائم، تصبح فيه الهوية عنصرًا بصريًا يسعى إلى جذب الانتباه.

وقد أفرز هذا الوضع أنماطا جديدة من الانتماء، تقوم على الاهتمام المشترك بدل الارتباط بالمجال الجغرافي، ما يعزز التعدد ويتيح أشكالًا جديدة من التفاعل، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى انغلاق داخل دوائر متشابهة. ويستحضر هذا التحول ما ذهب إليه بنديكت أندرسون حول الجماعات المتخيلة، حيث تتشكل الهويات عبر وسائط التواصل، وهو ما يتضاعف اليوم بفعل التداخل بين هذه الجماعات.

في موازاة ذلك، تبرز تحديات تتصل بتسليع الرموز الثقافية وخضوعها لمنطق السوق، وبهيمنة الفاعلين التقنيين على البنية التحتية للمجال الرقمي، فضلًا عن تراجع المرجعيات العميقة لصالح الإيقاع السريع. وقد نبه ميشيل فوكو إلى أن السلطة تتجلى في تنظيم المعرفة وتوجيهها، وهو ما يجد امتدادًا له في التحكم بالخوارزميات وتدفقات المعلومات.

أمام هذه التحولات، تبرز الحاجة إلى بناء وعي نقدي يتجاوز الاستخدام التقني نحو فهم آليات الاشتغال الرقمي، مع العمل على إدماج التراث في الفضاء الرقمي لضمان استمراريته، ودعم الإنتاج المعرفي المحلي بما يحقق توازنا بين الانفتاح والخصوصية، إلى جانب بلورة سياسات عمومية تربط التحول التكنولوجي بالبعدين الثقافي والرمزي.

تتطلب هذه اللحظة التفكير في الهوية باعتبارها بناءً متجددا، يتشكل في تفاعل دائم مع التحولات التقنية والثقافية. ويؤكد تشارلز تايلور أن الاعتراف عنصر حاسم في تشكّل الذات، وهو ما يكتسب بعدًا مضاعفًا في الفضاء الرقمي الذي يتحول إلى ساحة دائمة للتعبير والتفاوض حول المعنى.

النتيجة في اعتقادي، أن الهوية في زمن الشبكات ليست معطى مكتملا، بل أفق مفتوح يتشكل عبر التفاعل والاختيار. والتحدي يتمثل في توجيه هذا التحول بما يحفظ التوازن بين الانخراط في العالم الرقمي وصون الخصوصيات الثقافية، حتى يظل هذا الفضاء مجالًا لتجديد المعنى وتعزيز التنوع، لا لتقليصه أو إفراغه من محتواه.

***

د. مصطفى غَلْمــان

الانزياح من الحيز المادي إلى الوجود الشبكي

الانزياح الوجودي في عصر السيولة

يُمثّل التحول الجذري نحو الرقمنة في مطلع الألفية الثالثة انزياحاً وجودياً (أنطولوجياً) غائراً أعاد صياغة جوهر الشرط الإنساني؛ إذ انتقل الفرد من حيز مادي محكوم بحدود فيزيائية واجتماعية وقيمية جليّة، إلى فضاء شبكي يتسم بالسيولة والتدفق المستمر. إن هذا الانزياح لم يكن مجرد انتقال تقني لوسائل الاتصال، بل هو تحول بنيوي في ماهية الوجود الاجتماعي والنفسي، أفرز ما يمكن تسميته "وهم الحرية المطلقة". يتجلى هذا الوهم في الاعتقاد بأن الفضاء الرقمي يمنح تحرراً كاملاً من القيود الأخلاقية والقانونية والاجتماعية التي تضبط إيقاع الواقع المادي. هذا الاعتقاد خلق بيئة مثالية لظهور ممارسات منحرفة واضطرابات في الشخصية وجدت في المنصات الرقمية وسيطاً مثالياً للتعبير عن مكنوناتها دون رادع.

تتداخل في هذا السياق الأبعاد الفلسفية التي تدرس طبيعة الحرية الرقمية، مع الأبعاد الاجتماعية التي ترصد تفكك الروابط التقليدية في المجتمعات العربية، والأبعاد النفسية التي تحلل السمات "القاتمة" للشخصية وتأثيرها على السلوك الرقمي. إن الفضاء الرقمي في المنطقة العربية يواجه تحديات مضاعفة؛ فمن جهة، يمثل أداة للتمكين المعرفي وتعزيز الحقوق، ومن جهة أخرى، يتحول إلى ساحة لإعادة إنتاج الصراعات التاريخية، ونشر خطاب الكراهية، وبروز أنماط جديدة من الجرائم السلوكية التي تتغذى على مجهولية الهوية وضياع الرقابة الاجتماعية الواعية.

 وهم الحرية المطلقة والمفارقة الأخلاقية

تاريخياً، ارتبط مفهوم الحرية بالقدرة على الفعل ضمن إطار من العقل والإرادة الواعية، وليس مجرد الانفلات العشوائي من القيود. يرى أرسطو أن الحرية الحقيقية تنبع من العقل والقدرة على الاختيار بناءً على الفضيلة، لا اتباع الهوى المطلق. أما في الفضاء الشبكي، فيبرز "وهم الحرية" كنتيجة لغياب الحضور الجسدي المادي، مما يوهم المستخدم بأنه في حيز يتجاوز قوانين الطبيعة والاجتماع. ومع ذلك، يصطدم هذا التصور بحقيقة أن الكون والمجتمعات مبنية على قواعد تضبط إيقاعها، وأن التحلل من كل قيد يؤول بالضرورة إلى استبداد القوي بالضعيف، وهو ما حذر منه "كارل بوبر" في أطروحته حول "مفارقة الحرية"؛ حيث إن الحرية غير المحدودة تؤدي حتماً إلى نقيضها، أي زوال الحرية ذاتها تحت وطأة الفوضى.

يمثل الانزياح نحو الفضاء الرقمي نوعاً من "السيولة الوجودية" (بتعبير زيجمونت بومان)، حيث تتحول الذات من كيان فيزيائي صلب له تبعات ومسؤوليات، إلى "ذات رقمية" مشفرة في رموز وأيقونات. هذا الغياب للجسد يلغي "نظرة الآخر" التي كانت تمثل رادعاً أخلاقياً مركزياً في الفلسفة الوجودية عند "سارتر". ففي الفضاء المادي، يفرض الوجود المكاني للآخر التزاماً أخلاقياً متبادلاً، أما في الفضاء الشبكي، فإن مجهولية الهوية تكسر هذه الحواجز الرمزية، مما يسهل الانزياح نحو ممارسات عدوانية لم يكن الفرد يجرؤ على اجتراحها في حيز الواقع المادي الملموس.

 أزمة الشرط الإنساني في الوجود الشبكي

يتسم الوجود الرقمي بأنه وجود "منزوع الجسد"، وهو ما يضع الكيان الإنساني في مأزق معرفي غير مألوف. إن الفرد في المجتمع الرقمي يصبح "مركباً رقمياً غامضاً" يتم التعبير عنه من خلال الآثار الرقمية كالتفاعلات والمشاركات. هذه الرموز التجريدية تعيد تعريف مفهوم "الحضور"؛ فالفرد موجود رقمياً بقدر ما يترك من أثر لحظي، مما يدفع الأفراد إلى المبالغة الحادة في التعبير عن الذات للوصول إلى "اليقين الوجودي" عبر التفاعل الجماعي الكثيف.

من منظور "سبينوزا"، تكمن الحرية في الوعي بالأسباب والامتثال للقوانين الطبيعية، بينما يعتبر الانقياد الكامل للانفعالات "عبودية". وفي الفضاء الشبكي، يجد المستخدم نفسه منقاداً لانفعالات لحظية تغذيها المنطق البرمجي (الخوارزمي) للمنصات، مما يحول "وهم الحرية" إلى شكل من أشكال الاستلاب التقني، حيث يصبح الفرد مفعولاً به ومادة خاماً للمنظومة الرقمية بدلاً من أن يكون فاعلاً حراً يسعى للمعرفة.

 التحولات الاجتماعية في البيئة العربية

تواجه الهوية العربية في العصر الرقمي صراعاً محتدماً بين "الهوية الافتراضية" التي تتبنى قيم العولمة الاستهلاكية، وبين "الهوية الأصيلة" المشبعة بالتراث والتقاليد. أدى هذا الصراع إلى تآكل أركان النظام الاجتماعي التقليدي، حيث تراجع دور المؤسسات الضابطة كالأبوة والمدرسة لصالح الشبكات العالمية والقيم العابرة للحدود.

يبرز هنا مفهوم "الفرد الكبسولة"، وهو الفرد الذي يتقوقع في حالة من "العزلة الحقيقية" رغم تواصله الافتراضي الكثيف مع الملايين. هذا النمط الوجودي يقلل من جودة الوقت العائلي ويخلق فجوة تواصلية عميقة بين الأجيال. هذه العزلة المادية تعزز النزعة الفردانية الرقمية، حيث يبحث الفرد عن "انتماء وهمي" في مجموعات افتراضية قد تتبنى أفكاراً متطرفة أو ممارسات منحرفة لتعويض النقص في الروابط الاجتماعية الواقعية.

السمات الشخصية القاتمة والتفاعل الرقمي

يعد الفضاء الرقمي بيئة جاذبة للأفراد الذين يحملون "السمات القاتمة الأربع": النرجسية، والنفعية الذرائعية (الميكيافيلية)، والاعتلال النفسي (السيكوباتية)، والسادية. توفر هذه المنصات آليات لإشباع الاحتياجات النفسية المضطربة لهؤلاء الأفراد بطرق مدمرة للمحيط الاجتماعي:

النرجسية الرقمية:

 تتسم بالسعي المرضي للفت الانتباه وتضخم الأنا. يجد هؤلاء في المنصات وسيلة لتقديم "نسخة مثالية" متخيلة عن ذواتهم، عبر تعديل الصور ونشر النجاحات الوهمية للسيطرة على نظرة الآخرين.

النفعية الذرائعية:

 تتجلى في التلاعب بالآخرين واستخدامهم كأدوات لتحقيق مآرب نفعية. يستخدم هؤلاء الفضاء الرقمي لنشر الشائعات الممنهجة والخداع الإلكتروني للسيطرة على الوعي الجمعي.

الاعتلال النفسي الرقمي:

 يظهر من خلال غياب التعاطف والاندفاعية العمياء، والقيام بسلوكيات عدوانية كالتنمر الإلكتروني دون شعور بالذنب، مستغلين المجهولية للهروب من التبعات القانونية.

السادية الرقمية:

 وهي الاستمتاع الصريح بإلحاق الأذى النفسي بالآخرين، وترتبط بظاهرة "التصيد الرقمي" حيث يتعمد المستخدم استفزاز الآخرين وجرهم لنزاعات حادة للاستمتاع بضيقهم واضطرابهم.

تشير الدراسات في البيئة العربية إلى بزوغ ما يسمى "التكيف النرجسي الرقمي"، حيث تعيد المنصات صياغة السمات الشخصية بناءً على آليات المكافأة البرمجية (الإعجابات)، مما قد يؤدي إلى اضطرابات حادة في تقدير الذات في حال غياب التفاعل المنشود.

أثر انخفاض الكبح النفسي عبر الإنترنت

يعد مفهوم "انخفاض الكبح" حجر الزاوية في تفسير الممارسات المنحرفة رقمياً؛ إذ يؤدي غياب التواصل المباشر إلى خفض القيود الاجتماعية. في المجتمعات العربية التي تلعب فيها قيمة "الحياء الاجتماعي" دوراً ضابطاً، يسمح الإنترنت بتجاوز هذه الضوابط، مما يولد نوعين من الانفلات:

الانفلات الحميد:

 الذي يسمح بالبوح الوجداني وطلب الدعم في القضايا الحساسة.

الانفلات السام:

 الذي يؤدي لانطلاق الدوافع العدوانية، واستخدام الألفاظ النابية، وممارسة خطاب الكراهية الذي يهدد السلم المجتمعي.

 التوتر بين الحرية والضبط القانوني

تواجه دول المنطقة معضلة قانونية في الموازنة بين حماية حرية التعبير كحق دستوري أصيل، وبين ضرورة صون المصلحة العامة. ويلاحظ وجود اتجاه نحو "التجريم المفرط" عبر صياغات قانونية فضفاضة مثل "تهديد المبادئ الأسرية" أو "نشر أخبار كاذبة"، مما يمنح السلطات صلاحيات قد تقوض المحتوى التعبيري المشروع. كما أن توسع المراقبة الرقمية يخلق بيئة من "الرقابة الذاتية" القهرية التي تقتل روح الإبداع والنقد البناء.

استنتاجات

إن دراسة الفضاء الرقمي تكشف عن انزياح عميق في القيم والسلوكيات، حيث تحول "وهم الحرية" إلى وسيط لاضطرابات الشخصية. لقد أثبت التحليل أن هذه الاضطرابات لا تظهر بشكل عشوائي، بل تجد في بنية المنصات (المجهولية، والسرعة) محفزات تعيد تشكيل السلوك البشري نحو الأسوأ في حال غياب الضمير الأخلاقي والوعي القانوني. يظل الفضاء الرقمي مرآة عاكسة لصراعات الذات والمجتمع؛ مما يتطلب تضافر جهود الفلاسفة وعلماء النفس والقانون لبناء بيئة رقمية تحترم الحرية وتصون الكرامة الإنسانية في آن واحد.

***

غالب المسعودي

.........................

مراجع تعزيزية

بومان، زيجمونت. (2005). الحداثة السائلة. ترجمة: حجاج أبو جبر، القاهرة: الشبكة العربية للأبحاث والنشر. (مرجع محوري حول سيولة الروابط الاجتماعية في العصر الرقمي).

هيدغر، مارتن. (1954). السؤال عن التقنية. (دراسة فلسفية حول كيفية سيطرة التقنية على كينونة الإنسان وتحويله إلى مورد).

فوكو، ميشيل. (1975). المراقبة والمعاقبة. (لتحليل آليات الرقابة الرقمية الحديثة وكيفية تحول الفضاء الشبكي إلى سجن بانوبتيكي معاصر).

أبو زيد، أحمد. (2010). الهوية والتحولات الثقافية في العالم العربي. (لفهم صراع الهوية بين الأصالة والافتراض الرقمي).

سارتر، جان بول. (1943). الوجود والعدم. (لتعزيز مفهوم "نظرة الآخر" وتأثير غياب الجسد على المسؤولية الأخلاقية).

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. (2024). المؤشر العربي: اتجاهات الرأي العام نحو التحول الرقمي والحريات.

 

على سبيل البداية: حين تتكلم الشعوب وتكتب سيرتها بلغتها العميقة خارج كتب التاريخ

ليست الثقافة الشعبية مجرد بقايا من الماضي أو زخارف فولكلورية تُستدعى في المناسبات، بل هي الذاكرة الحية التي تحفظ روح الإنسان عبر الزمن. إنها اللغة غير المكتوبة التي تتحدث بها الشعوب حين تصمت السياسة، والجسر الخفي الذي يربط البشر رغم اختلاف اللغات والحدود والجغرافيا.

فعلى امتداد التاريخ، شكّلت الثقافة الشعبية التعبير الأكثر صدقًا عن التجربة الإنسانية؛ ففي الحكايات المتوارثة، والأمثال المتداولة، والأغاني الجماعية، والطقوس الاجتماعية، تختزن الشعوب خبرتها في الحياة، وتعيد صياغة علاقتها بالعالم وبالآخرين. ولهذا لم تكن الثقافة الشعبية يومًا تراثًا جامدًا، بل كانت دائمًا كائنًا حيًا يتجدد مع تحولات الإنسان والمجتمع.

واليوم، في زمن العولمة والتقنيات الرقمية، لم تعد الثقافة الشعبية محصورة داخل حدودها المحلية، بل تحولت إلى فضاء إنساني مشترك تتقاطع داخله الرموز والتجارب، بما يفتح أفقًا جديدًا لتقارب الشعوب.

الثقافة الشعبية: ذاكرة تصنع الهوية

تحمل الذاكرة الشعبية وظيفة تتجاوز مجرد حفظ الماضي؛ فهي تمنح الجماعة معنى وجودها واستمراريتها. فالأمثال ليست كلمات عابرة، بل خلاصة تجارب طويلة؛ والحكايات ليست تسلية للأطفال، بل مدارس رمزية تُنشئ الوعي الأخلاقي والاجتماعي.

ومن خلال هذه الذاكرة، يشعر الإنسان بانتمائه إلى تاريخ ممتد، حيث يصبح الماضي حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية. إنها آلية خفية تضمن تماسك المجتمع في مواجهة التحولات المتسارعة، إذ يعود الناس إلى مخزونهم الرمزي كلما واجهوا الأزمات بحثًا عن المعنى والاستقرار.

وهكذا، تبدو الثقافة الشعبية كأنها خزان الهوية الجماعية، تحفظها دون أن تجمدها، وتجدّدها دون أن تقطع صلتها بالجذور.

رموز تعبر الزمن ولا تموت

اللافت في الثقافة الشعبية أنها لا تختفي، بل تتحول. فالحكاية التي كانت تُروى حول النار أصبحت فيلمًا أو مسلسلًا، والمثل الشعبي الذي كان يُتداول شفويًا صار ينتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

إن قوة الرمز الشعبي تكمن في قدرته على إعادة تشكيل نفسه بما يلائم كل عصر. فالوسائط تتغير، لكن المعاني الإنسانية تبقى: الشجاعة، الحب، العدالة، التضامن، والأمل.

ولهذا تستمر الثقافة الشعبية لأنها تعبّر عن حاجات إنسانية متكررة، تعود للظهور في صور جديدة كلما تغير الزمن.

الإنسانية المشتركة: حين تلتقي الشعوب دون موعد

تكشف الثقافة الشعبية عن حقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد: البشر، رغم اختلافاتهم، يعيشون التجارب ذاتها. فالحكايات الشعبية في المغرب تشبه نظيراتها في آسيا أو أوروبا من حيث صراع الخير والشر، وانتصار العدالة في النهاية.

كما تختصر الأمثال الشعبية حكمة إنسانية مشتركة؛ فالمثل المغربي «اليد الواحدة ما تصفقش» يجد نظيره في ثقافات أخرى، وكأن الإنسانية تتحدث بصوت واحد عبر لغات متعددة.

أما الأغاني الشعبية، فهي التعبير الأكثر مباشرة عن المشاعر الإنسانية؛ إذ يستطيع المستمع أن يفهم الحزن أو الفرح في لحن لا يعرف لغته. وهنا تتجلى الثقافة الشعبية كمساحة وجدانية مشتركة تتجاوز الحدود السياسية والثقافية.

الثقافة الشعبية كقوة ناعمة للتقارب الإنساني

في عالم يزداد انقسامًا، تبرز الثقافة الشعبية باعتبارها أحد أهم أدوات الحوار غير الرسمي بين الشعوب. فهي لا تفرض نفسها بالقوة، بل تنتشر عبر الإعجاب والتأثر والتبادل الرمزي.

يكفي أن نتأمل كيف انتشرت الأطعمة والموسيقى والطقوس الاجتماعية عبر العالم لنفهم أن الإنسانية تمارس حوارًا صامتًا دائمًا، تتبادل فيه الشعوب عناصر هويتها دون أن تفقد خصوصيتها.

إن الثقافة الشعبية لا تلغي الاختلاف، بل تحميه؛ فهي تحتضن التنوع وتحوّله إلى مصدر غنى إنساني، مما يجعلها أساسًا ممكنًا لبناء عالم أكثر تسامحًا وتفاهمًا.

نحو أفق إنساني جديد

إن الحديث عن تقارب الشعوب لا يمكن أن يتحقق عبر الخطابات السياسية وحدها، بل يحتاج إلى وعي ثقافي عميق يبدأ من معرفة الذات والانفتاح على الآخر في الوقت نفسه. فالحوار الحقيقي لا يقوم على تلميع الصور المتبادلة، بل على الاعتراف بالتعدد والاحتفاء به.

ومن هنا تبدو الثقافة الشعبية أحد أهم الموارد الحضارية القادرة على إعادة صياغة العلاقات الإنسانية، لأنها تنطلق من الإنسان العادي، من حياته اليومية، ومن مشاعره المشتركة التي لا تعرف الحدود.

إنها دعوة إلى أن نرى العالم لا باعتباره فسيفساء متصارعة، بل عائلة إنسانية كبرى تتقاطع داخلها القصص والأغاني والأحلام.

وفي هذا الأفق، تصبح الثقافة الشعبية أكثر من تراث؛ إنها مشروع إنساني مفتوح نحو مستقبل يقوم على الحوار والتعايش وتقارب الشعوب.

***

بقلم: د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث

 

من الصعب تحديد مستويات وعمق تفكير الانزياح الإيديولوجي عند بعض الأطر الأكاديمية والجامعية من الجيل الجديد. من المتعب قراءة رمزيات التنظير المعياري لديهم الذي ينتج الولاءات والانبطاح، وذلك عندما يربط الهدف ببروز مصالح ذاتية أو أخرى متوزعة بالنفعية. وكذا من الصعب معرفة دواعي وخلفيات توجيه الرأي العام نحو الخضوع والإيجاب والقبول بحتمية قدر إكراهات معيشة الحياة، وحتمية التصديق المطلق لأصحاب القرار التنفيذي. لكن المشكلة الكبرى حين تغلب لغة العزف على وتر واحد، فاعلم أن هناك توجيهات صارمة وصامتة، أو أن هنالك ريع (حلال) في متناول اليد والاستهلاك الفاسد بقضايا الوطن.

لغة جديدة ظهرت رديئة، وباتت تماثل لغة شفهي (ميكرو- تروتوار/ Micro Trottoir) في إعلام الشارع (الفايسبوك) من قبل بعض من يحملون شواهد أكاديمية وجامعية، وقد تتشابه حد (تهجئة الكتابات) في علوم الدارجة. لغة تُشابه ما تتناقله (ميكروفونات) البلاهة والتفاهة، والتي تأسست لضرب القيم الحصينة، وتشتيت الرأي العام وفق خليط من الأفكار والقناعات السمجة والملتوية، ولما لا اختراق ما بقي من أسس نظافة الفكر والعقل البنائي الذي كان يتخرج بفخر من جامعاتنا الوطنية ويؤطر المواطنين والمواطنات.

تلك مظاهر جديدة من التحولات التي ترتكز على بلاهة الرأي والأسلوب والتوجيه، ورمي الأفكار والقناعات المفبركة، والعمل على تمرير نوعية من سموم تناقضات حربية السياسية، ولما لا خلق الفجوة الرقمية بين الحقيقة والتزييف.

كل هذا بحق باتت أزمة بعض من النخب التي تحمل الشواهد والديبلومات، وتتشدق بالعلمية والتحليل المنهجي، وما هي بالطبع إلا أداة تُسخر وكراكيز لتلميع الفاسد والفساد، وجعل أبي لهب يتسيد على فعل التقوى والخير!!!

من شدة العوز الثقافي المغربي، حين تركب تلك النخبة على ممرات الوطن والوطنية، ومحاولات تنميط الفكر، والعمل الحثيث على (فورماطاج/ Formatage) مكونات شخصية المواطن البسيط نحو إيمان جديد مفبرك بالبلاهة. نخب جديدة من الفكر الجامعي ومن بعض الوصوليين الذين يمتلكون ألوان العمى، ويفسرون الخير بالشر، والشر بالخير، وبازدواجية ماكرة. فقد تصبح الوطنية عندهم تماثل الخضوع والانبطاح والقبول حتى بالمتغيرات الدولية، ولما لا الهرولة نحو إلحاق الوطنية بمطامح ومطامع أخرى، وقد تصبح الوطنية عند هؤلاء من بيادق (البحلسة) والتمسح عند عتبات الولاءات تنميط متغير المواقف لا خلاف عليه، وعقل جمعي حاضر في قيادة القطيع اللامفكر.

اختلاف الأمة في الرأي فيه رحمة التنوع، من تم كانت التعددية الحزبية مسلكا سديدا نهجته الدولة المغربية بارتياح. وقد كان ولازال هذا الوعاء الشامل وغير الاستبدادي (الحزب الواحد) كيس أمان لكل الارتدادات والحوادث الاجتماعية الفزعة عبر تاريخ المملكة، لكن من العيب أن تأتي تلك الكُمشة من الانتهازيين على صفحات مجانية من إعلام الشارع (الفيسبوك)، وتعمل على صناعة لسعة السم المقوية للباطل وإدخال مصالح الدولة العليا ضمن منظومتهم الانتهازية، فإن هذا من العجب الذي يرتدي جلباب الحكيم في جسد شيطان مارد ماكر يختفي وراء مصالح حب الدولة والوطن ومن (الحب ما قتل).

الأهم عند هذه الفئة المستنيرة بعلم نشيد (لَعَبْ وَكُولْ)، هو دوام سيولة المال السخي، والعمل بالتوجيهات مهما كانت نوعيتها المنحطة، فأن تصبح الزيادة في ثمن المحروقات مصلحة وطنية لا محيد من التصفيق لها، والخضوع لها بفرح الكاميرات (البودكاست/Podcast )!!! فهذا مكر سياسي تجريدي من القيم!!! وأن يتم التنظير لتلك الوطنية الساذجة، والتي تتمثل في أن يتحمل المواطن تبعات توجهات الدولة الكبرى في صنف خلق التحالفات الجيوسياسية، وكأن المواطن مفعول به بالنصب!!!

هيهات فهيهات أن تكون الوطنية تكلفة فقط من المرتدات الضاغطة عند المواطن بحتمية القبول بها، وليس أن يكون المواطن جزءا من إنتاج الرأي والرأي المضاد. فالوطنية ليست نمطا استهلاكيا يُوازي الأكلات السريعة (الفاست فود/ Fast Food) ومرتبطة بالحروب والكوارث وبالمنجزات الرياضية، بل الوطنية الحقة هي جزء لا يتجزأ عن قيم الوطن وثوابت الدولة العليا بلا متغيرات. الوطنية الحقة أخلاق ومواقف الشعب المشتركة، والتي تتسم بحقيقة الهوية الثقافية الفردية والجماعية، وتلك الذاكرة المشتركة للشعوب.

ما أثارني من هذه الفئة الأكاديمية الجديدة المتشدقة بالمعارف (الجيوسياسية)، والمستنيرة من الانحيازيات السياسية والتحكمية، هو ذاك الولاء المطلق لأرباب النعمة في ضمير الغائب والمستتر والمنفصل، وكذا هو اللعب بقضايا الوطنية العليا بالاستهلاك الفاضح والمرتبك، وتقويض مرتكزاته الاعتقادية والاعتيادية.

فئة من نخب (أعطيني لسانك آكل به الشوكْ)!!! وكأنهم من الحراس الأمناء على هذا الوطن الكريم (حاشا والله أن يكونوا كذلك)!!! إنهم نوعية من توليفات رؤى الشيطنة السياسية الجديدة التي تصنع (تهافت التهافت على الأزمات من حروب وكوارث والمنجزات الرياضية) لكي تأكل الثوم بأفواه شرهة، وتُذهب تخوفات الجن المارد الذي يُغذي نمط حياتها بأنفة التعالي والتنظير والتهكم.

لا علينا فالفراغ العقلاني المتوتر بخلطة عاشوراء السياسية، وسيادة الفكر الثقافي الرخو، والمواقف السياسية الغائبة عند الأحزاب السياسية الوطنية، هي من تركت لهذه الفئة (المتنطعة) كي تلعب أدوار وكلاء البلاهة (... قاضي حاجة)، والاسترزاق من نشرات (إعلام الشارع) البئيس، ولكن التاريخ لن يغفر لهذه الفئة الرائدة في تثمين البلاهة التي تبيع الوهم والذمم، بل التأريخ سيعود بالعودة نحو المعقولية حتما وتحييد وكلاء إعلام أولي النعمة.

***

محسن الأكرمين