عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

إن مفهوم النطق في الآية الكريمة "قالوا انطقنا الله الذي انطق كل شيء" فصلت الآية يتجاوز بكثير مجرد الكلام البشري المنطوق باللسان. ففي الرؤية العرفانية عند أهل الشهود، كل ذرة في الكون تنطق بلسان حالها، وتتحدث عن خالقها بآيات بينات.

 ليس الإنسان وحده الكائن الناطق، بل الوجود بأسره كتاب مفتوح، تتجلى فيه أسماء الله وصفاته. هذا النطق الكوني ليس صوتا مسموعا بالآذان، بل هو إشارة ودلالة وبرهان، يدركه القلب البصير والعقل المتدبر.

خذ على سبيل المثال لا الحصر الجلد والبصمة والحمض النووي، أليست هي ايضا آيات النطق في الإنسان بجانب اللسان.

يتجلى هذا النطق المشفر بوضوح في أدق تفاصيل خلق الإنسان. فالجلد، الذي يغطي جسدنا، ليس مجرد غطاء واق، بل هو ناطق صامت يحمل بصمات فريدة لا تتكرر. كل بصمة إصبع هي آية كونية، شهادة على التفرد والإبداع اللامتناهي. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: "بلى قَادرينَ على أَن نّسوي بنانه" (القيامة: 4)، في إشارة إلى دقة وتفرد البنان، أي أطراف الأصابع. هذه البصمة، التي أصبحت دليلا قاطعا في عالمنا المادي، هي في الحقيقة نطق صامت عن قدرة الخالق وعلمه المحيط. أما الحمض النووي دي إن آي، فهو كتاب كوني مكتوب بلغة الحياة، يحمل في طياته شفرة الوجود لكل كائن حي. كل جين، كل تسلسل، هو كلمة في هذا الكتاب الإلهي، ينطق بخصائص الكائن وتاريخه وتطوره.

 إنها لغة لا تحتاج إلى مترجم، فوجودها بحد ذاته هو نطق بالحق، ودليل على التصميم المحكم والعلم اللدني. لقد أدركت الصوفيات والمفكرات هذا العمق في خلق الإنسان. فرابعة العدوية، رائدة التصوف النسوي، وإن لم تتحدث عن دي إن آي بشكل علمي، إلا أن جوهر فكرها يدور حول تجلي الحق في كل شيء. فحبها الإلهي كان شاملا لكل مظاهر الخلق، ورأت في كل شيء دليلا على المحبوب. يمكن استشعار هذا المعنى في أقوالها التي تدعو إلى التأمل في آيات الله في النفس والآفاق.

أليس الهلال خير مثال لنطق الزمن ودلالة التجديد لدورة زمنية جديدة. هذا النطق ليس كلاماً، بل هو ظهور، تجل، يتبعه نظام كوني دقيق. حركة القمر، وتغير أطواره، هي آيات كونية تنطق بنظام محكم لا يتبدل ولا يتغير. "هو الذي جعل الشّمس ضياء وَالْقمر نورا وَقَدره منازل لِتعلموا عدد السنِين وَالْحساب" (يونس: 5). هذا التقدير الإلهي هو نطق صامت يخبرنا عن الزمن، عن الحساب، وعن دورة الحياة.

اما الحيض فهو نطق الخلقة ودورة الحياة أيضا مفهوم النطق الصامت للمخلوق. فالحيض، الذي قد يبدو للبعض مجرد عملية فسيولوجية، هو في الحقيقة نطق صامت عن دورة الخلقة، وعن الاستعداد للحياة الجديدة. إنه إشارة إلى قدرة الله تعالى على الخلق والتكوين، ودليل على الحكمة البالغة في تصميم جسد المرأة. هذا النطق البيولوجي يذكرنا بأن كل تفصيل في الوجود يحمل دلالة، وكل عملية طبيعية هي آية من آيات الله. هذا الفهم العميق للغة الوجود:

ان الفيلسوفة الألمانية هيليغارد اوف بينغن التي عاشت في القرن الثاني عشر، رأت العالم مليئاً بـ"الخضرة" المقدسة، وهي قوة الحياة الروحية التي تتجلى في كل شيء حي. فبالنسبة لها، كل كائن ينطق بهذه القوة الروحية، وكل جزء من الطبيعة هو مرآة تعكس بهاء الخالق عز وجل. تقول الكلمة حية وكينونة وروح، كلها خضرة خضراء، كلها إبداع. هذه الكلمة تتجلى في كل مخلوق.

إن الفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل ترى أن العالم هو "لغة المقدس"، وأن الجمال والنظام في الكون هما تعبير عن محبة الله تعالى.

 فبالنسبة لها، الصمت والتأمل يسمحان لنا بسماع هذه اللغة الرمزية التي لا تنطق بالكلمات.

كانت معروفة بعمق بصيرتها وتوحيدها. يروى عنها أنها كانت تقول: من عمل لله على المشاهدة فهو عارف، ومن عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص. هذا القول يشير إلى أن رؤية الله في كل شيء، أي مشاهدة تجلياته في الوجود، هو جوهر العرفان، وهذا يتضمن إدراك نطق الوجود بالحق.

تناولت الفيلسوفة النسوية المعاصرة لوس ايريجاراي، مفهوم لغة الجسد وصمت المرأة كشكل من أشكال التعبير الذي يتجاوز اللغة الذكورية التقليدية. يمكن أن يفهم هذا في سياق أوسع على أن الجسد نفسه، بتجلياته البيولوجية، ينطق بحقائق وجودية عميقة لا يمكن للكلمات وحدها أن تعبر عنها.

إن من أدق تفاصيل البصمة والحمض النووي، إلى دورات الهلال والحيض، تتجلى لنا لغة مشفرة صامتة، تدعونا إلى التأمل والتدبر. إن من يشهد التجليات الإلهية على لوح الاكوان هو من يدرك هذا النطق الكوني، ويسمع هذا الصدى الإلهي في كل شيء، فيتحول وجوده إلى حالة من الشهود الدائم، حيث لا يرى إلا الحق، ولا يسمع إلا صوته في كل تجليات الوجود.كاتب، المغرب.

إن مفهوم النطق في الآية الكريمة "قالوا انطقنا الله الذي انطق كل شيء" فصلت الآية يتجاوز بكثير مجرد الكلام البشري المنطوق باللسان. ففي الرؤية العرفانية عند أهل الشهود، كل ذرة في الكون تنطق بلسان حالها، وتتحدث عن خالقها بآيات بينات.

 ليس الإنسان وحده الكائن الناطق، بل الوجود بأسره كتاب مفتوح، تتجلى فيه أسماء الله وصفاته. هذا النطق الكوني ليس صوتا مسموعا بالآذان، بل هو إشارة ودلالة وبرهان، يدركه القلب البصير والعقل المتدبر.

خذ على سبيل المثال لا الحصر الجلد والبصمة والحمض النووي، أليست هي ايضا آيات النطق في الإنسان بجانب اللسان.

يتجلى هذا النطق المشفر بوضوح في أدق تفاصيل خلق الإنسان. فالجلد، الذي يغطي جسدنا، ليس مجرد غطاء واق، بل هو ناطق صامت يحمل بصمات فريدة لا تتكرر. كل بصمة إصبع هي آية كونية، شهادة على التفرد والإبداع اللامتناهي. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: "بلى قَادرينَ على أَن نّسوي بنانه" (القيامة: 4)، في إشارة إلى دقة وتفرد البنان، أي أطراف الأصابع. هذه البصمة، التي أصبحت دليلا قاطعا في عالمنا المادي، هي في الحقيقة نطق صامت عن قدرة الخالق وعلمه المحيط.أما الحمض النووي دي إن آي، فهو كتاب كوني مكتوب بلغة الحياة، يحمل في طياته شفرة الوجود لكل كائن حي. كل جين، كل تسلسل، هو كلمة في هذا الكتاب الإلهي، ينطق بخصائص الكائن وتاريخه وتطوره.

 إنها لغة لا تحتاج إلى مترجم، فوجودها بحد ذاته هو نطق بالحق، ودليل على التصميم المحكم والعلم اللدني.لقد أدركت الصوفيات والمفكرات هذا العمق في خلق الإنسان. فرابعة العدوية، رائدة التصوف النسوي، وإن لم تتحدث عن دي إن آي بشكل علمي، إلا أن جوهر فكرها يدور حول تجلي الحق في كل شيء. فحبها الإلهي كان شاملا لكل مظاهر الخلق، ورأت في كل شيء دليلا على المحبوب. يمكن استشعار هذا المعنى في أقوالها التي تدعو إلى التأمل في آيات الله في النفس والآفاق.

أليس الهلال خير مثال لنطق الزمن ودلالة التجديد لدورة زمنية جديدة. هذا النطق ليس كلاماً، بل هو ظهور، تجل، يتبعه نظام كوني دقيق. حركة القمر، وتغير أطواره، هي آيات كونية تنطق بنظام محكم لا يتبدل ولا يتغير. "هو الذي جعل الشّمس ضياء وَالْقمر نورا وَقَدره منازل لِتعلموا عدد السنِين وَالْحساب" (يونس: 5). هذا التقدير الإلهي هو نطق صامت يخبرنا عن الزمن، عن الحساب، وعن دورة الحياة.

اما الحيض فهو نطق الخلقة ودورة الحياة أيضا مفهوم النطق الصامت للمخلوق. فالحيض، الذي قد يبدو للبعض مجرد عملية فسيولوجية، هو في الحقيقة نطق صامت عن دورة الخلقة، وعن الاستعداد للحياة الجديدة. إنه إشارة إلى قدرة الله تعالى على الخلق والتكوين، ودليل على الحكمة البالغة في تصميم جسد المرأة. هذا النطق البيولوجي يذكرنا بأن كل تفصيل في الوجود يحمل دلالة، وكل عملية طبيعية هي آية من آيات الله. هذا الفهم العميق للغة الوجود:

ان الفيلسوفة الألمانية هيليغارد اوف بينغن التي عاشت في القرن الثاني عشر، رأت العالم مليئاً بـ"الخضرة" المقدسة، وهي قوة الحياة الروحية التي تتجلى في كل شيء حي. فبالنسبة لها، كل كائن ينطق بهذه القوة الروحية، وكل جزء من الطبيعة هو مرآة تعكس بهاء الخالق عز وجل. تقول الكلمة حية وكينونة وروح، كلها خضرة خضراء، كلها إبداع. هذه الكلمة تتجلى في كل مخلوق.

إن الفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل ترى أن العالم هو "لغة المقدس"، وأن الجمال والنظام في الكون هما تعبير عن محبة الله تعالى.

 فبالنسبة لها، الصمت والتأمل يسمحان لنا بسماع هذه اللغة الرمزية التي لا تنطق بالكلمات.

كانت معروفة بعمق بصيرتها وتوحيدها. يروى عنها أنها كانت تقول: من عمل لله على المشاهدة فهو عارف، ومن عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص. هذا القول يشير إلى أن رؤية الله في كل شيء، أي مشاهدة تجلياته في الوجود، هو جوهر العرفان، وهذا يتضمن إدراك نطق الوجود بالحق.

تناولت الفيلسوفة النسوية المعاصرة لوس ايريجاراي، مفهوم لغة الجسد وصمت المرأة كشكل من أشكال التعبير الذي يتجاوز اللغة الذكورية التقليدية. يمكن أن يفهم هذا في سياق أوسع على أن الجسد نفسه، بتجلياته البيولوجية، ينطق بحقائق وجودية عميقة لا يمكن للكلمات وحدها أن تعبر عنها.

إن من أدق تفاصيل البصمة والحمض النووي، إلى دورات الهلال والحيض، تتجلى لنا لغة مشفرة صامتة، تدعونا إلى التأمل والتدبر. إن من يشهد التجليات الإلهية على لوح الاكوان هو من يدرك هذا النطق الكوني، ويسمع هذا الصدى الإلهي في كل شيء، فيتحول وجوده إلى حالة من الشهود الدائم، حيث لا يرى إلا الحق، ولا يسمع إلا صوته في كل تجليات الوجود.

***

د محمد غاني – كاتب / المغرب

 

إن التداوي بالفلسفة ممارسة قديمة، رغم أنها عادت للظهور والإنتشار من جديد في عصرنا، وإن إستخدام (الفلسفة كدواء) قديم قِدَم الفلسفة ذاتها، حيث إستخدم الحكماء والفلاسفة القدماء الفلسفة بوصفها دواءً لعلاج الروح، وأمراض العقل، وإن خير ما يمكن أن يقال في حق الفلسفة هو انها: (صيدلية) لعلاج مشكلات الإنسان اليومية، حيث تتضمن الفلسفة انواعاً متعددة من المناهج والأفكار الفلسفية التي تصلح أن تكون دواءً لمشكلات الإنسان الحياتية، والتي يمكن أن نطلق عليها مجازاً إسم( الأدوية الفكرية) لعلاج الأزمات التي يواجهها الإنسان المعاصر، والدواء الفلسفي يستطيع ان يشفي الروح من أسقامها، ويُخلص الإنسان من الألم والمعاناة الفكرية والنفسية، ويحرره من المشاعر السلبية، ويكون عوناً له في التخلص من الهموم الحياتية، وتتضمن الفلسفة العديد من المناهج الفلسفية الفعّالة التي يمكن إذا تم تطبيقها بشكل عملي أن تصبح (وصفات فلسفية) يمكن إستخدامها كدواء فلسفي لشفاء الروح والعقل، ويجب أن نشير الى أن صيدلية الفلسفة لا تقدم وصفة فلسفية واحدة لعلاج جميع مشكلات الإنسان، فلكل مشكلة علاج خاص بها، ولا يصلح لغيرها، والفيلسوف يختار لكل مشكلة مايناسبها من الصيدلية الفلسفية لعلاج المشكلات الفكرية.

ويعد مفهوم (صيدلية الفلسفة) إستعارة متكررة في التراث الفلسفي الغربي، تفيد بان الفلسفة تقدم دواءً لعلاج امراض الروح والفكر، ويتجلى هذا المفهوم بوضوح في قراءتين محوريتين هما: جاك دريدا Derrida،(صيدلية أفلاطون) La Pharmacie de Platon ، وإستعارة (المطرقة) عند نيتشه Nietzsche ،حيث يُحلل "دريدا" مفهوم الفارماكون (Pharmakon) عند أفلاطون Plato، بينما يقوم "نيتشه" بتكسير الأوهام الفكرية بمطرقة الفلسفة.

 والفارماكون  Pharmakon كلمة إغريقية تحمل دلالة  ومعنى مزدوج (الدواء، والسم)، وعند أفلاطون الكتابة هي فارماكون Pharmakon، لأنها دواء للذاكرة وسم للنسيان في آنٍ واحدٍ، إذ تُضعف مَلَكة التذكر الحي، وتولّد وهم المعرفة دون فِهمٍ حقيقي، فهي دواء للنسيان، وفي نفس الوقت هي سمٌ للذاكرة الحية، فالعلاج الأفلاطوني يقوم على الحوار الحي Dialectic بوصفه (دواء أصيل)، فهو "سمٌ وترياق" في الوقت نفسه، حسب طريقة الإستخدام، فالفلسفة تكون دواءً فقط إذا تم إستخدامها بالطريقة الصحيحة، وإن فارماكون  Pharmakon أفلاطون يعطي معنى ودلالة مزدوجة فهو (دواء) وعلاج، ولكنه يمكن أن يكون سم في الوقت ذاته، وبما أن أصل كلمة صيدلة Pharmacy الإنجليزية مشتقة من الإغريقية Pharmakeia، بمعنى ( دواء، سم، تعويذه)، وهي باللاتينية Pharmacia  بمعنى (تحضير الأدوية)، و(علم الأدوية)، وبالفرنسية Pharmacie ، فإن هذا يفسر سبب إختيار "دريدا" عنوان "صيدلية أفلاطون" ليعبر عن فلسفة أفلاطون في الشفاء الفلسفي، لأن الفارماكون Pharmakon يحمل الثنائية نفسها في المعنى (العلاج، والضرر).

وفي المقابل نجد نيتشه Nietzsche ينقل مفهوم صيدلية الفلسفة الى مستوى علاجي آخر، إذ يرى نيتشه أن القيم الأخلاقية والميتافيزيقة الموروثة هي سموم اضعفت الإنسان، وإن العلاج النيتشوي يهدف الى تكسير هذه الموروثات ليفسح المجال لخلق قيم جديدة.

إن فلسفة نيتشه معروفة بأنها "فلسفة المطرقة"The Hammers Philosophy، ولُقِبَ نيتشه (بالمطرقة) لأنه كسر أوهام الإعتقاد، وإستخدم الفلسفة بوصفها (مطرقة) لتكسير الأوهام والمعتقدات الفكرية الخاطئة، فالمطرقة هنا ليست مجرد اداة بناء، بل هي اداة إختبار وتكسير، وبذلك يكون نيتشه "فيلسوف المطرقة" الذي يتعامل مع الفلسفة بوصفها "أداة العلاج النيتشوي" الذي لايقدم دواءً جاهزاً، بل يكسر القيم والإعتقادات والأوهام السائدة، ويقدم دواءً مزدوج الفاعلية، دوره التخلص من الأوهام، وبناء الإنسان القوي فكرياُ، ليفسح المجال لقيم جديدة وإنسان متفوق، فالفارماكون الأفلاطوني يبحث عن الدواء الأصيل لمشكلات الإنسان، والمطرقة النيتشويه تبحث عن المستقبل الأفضل للإنسان.

***

شيماء غازي هماوندي

سؤال يبدو بسيطاً للوهلة الأولى، لكنه يخفي وراءه واحداً من أعقد الأسئلة التي واجهت الفكر الإنساني منذ أن بدأ الإنسان يتأمل معنى وجوده في الزمن. فكل جيل يقف عند مفترق طرق بين ميراث ثقيل يأتيه من الماضي، وأفق مفتوح يستدعي منه الفعل والابتكار. وبين هذين القطبين تتحدد مكانة الإنسان في التاريخ: أهو وريث لما أنجزه الأسلاف، أم صانع لما سيتركه للأحفاد؟.

وأنا أتأمل في نظرية المجايلة التاريخية وفلسفة التكوين عند المفكر العربي سيّار الجميل، بدا لي أن التاريخ لا يتحرك بوصفه مجرد تعاقب زمني للأحداث، بل بوصفه منوال لفعل للأجيال المتعاقبة بحسب فيلسوف التاريخ الأمريكي جوزيف هربرت مولر (1905–1980) الذي أكد إن التاريخ نسيخ متشابك ومعقد من افعال مليارات الناس افرادا وجماعات ومؤسسات وافكارهم وعلاقاتهم الاجتماعية اثناء ممارستهم اليومية لحياتهم في كل مكان وزمان فالأجيال ليست وحدات عمرية معزولة السياق الحيوي للمارسة الاجتماعية، وإنما هي جماعات تاريخية تحمل رؤى وقيمًا وخبرات ومصالح مختلفة، وتدخل في حوار دائم مع ما سبقها وما سيأتي بعدها.

إن تعاقب الأجيال في المجتمعات البشرية حقيقة بيولوجية واجتماعية في آن واحد. فالآباء يفسحون المجال للأبناء، والأبناء يصبحون آباءً، والأحفاد يتحولون بدورهم إلى فاعلين جدد في مسرح التاريخ. غير أن هذه الحقيقة الطبيعية لا تفسر وحدها حركة المجتمعات. فالفرد لا يعيش بوصفه كائناً بيولوجياً فقط، بل بوصفه حاملاً لجملة من الأدوار الاجتماعية التي تحدد مكانته ووظيفته وعلاقاته بالآخرين. دور الأب ودور الأم ودور الابن ودور الابنة ودور الزوج / الزوجة ودور الجد، الجدة، ودور، الطفل، ودور، الطفلة ودور التلميذ ودور، الطالب ودور الزميل ودور المدير ودور السجان ودور الجلاد ودور القاضي ..الخ)؟إذ أكدت نظرية الدور الاجتماعي بأن سلــوك الفرد وعلاقاته الاجتماعيـة انمـا تعتمد على الأدوار الاجتماعيـة التـي يشغلهــا فــي المجتمــع. فضــلاً عــن أن منزلته ومكانته تعتمد على ادواره الاجتماعية المعترف بها والمقدرة اجتماعيا خير تقديرا. فلا سلطة الا بوظيفة ولا وظيفة الا بدور اجتماعي ولا دور اجتماعي الا بفاعل اجتماعي يقوم به صاحبه في المجتمع. والدور هو نمط الأفعال أو التصرفات التي يتعلمها الأشخاص أما بشكل مقصود أو بشكل تقليدي عبر المحاكاة والتكرار للهابيتوس الثقافي بحسب بورديو وحينما يتكرر السلوك يصير عادة وحينما تترسخ العادة تصير ثقافة. ويتوزع الرأسمال الثقافي بحسب بيير بورديو الى ثلاثة عناصر هي شكل متجسد في الهابيتوس الثقافي وتكمن وظيفته في جعل الانسان كائنا اجتماعيا ومشاركا في الفضاء العام، وشكل مموضع في مستوى ثان يتكون من منافع ثقافية وخيرات رمزية مثل الكتب والآثار الفنية والأدوات الرقمية وتتمثل مهمتها في حزن وحفظ العناصر الثقافية، وشكل مؤسساتي في مقام ثالث ويتمثل في العناوين المدرسية والمتاحف والمكتبات ودور الثقافة والمسرح والسينما وتتمثل مهمته في عرضه للمنتوجات الثقافية للفرجة والتقبل والتداول التوزيع والاستعراض والاستهلاك وبالتالي تتحول هذه المؤسسات الى سوق ثقافي. وهكذا يمكن القول أن الناس هو الذين يشكلون ثقافتهم بما يبدعونه من علم وفن وأدب ثم تقوم هي بتشكيلهم بما تحتويه من معرفة وقيم وعادات وافكار وانماط الحياة فهي كل ما نفكر به أو نمتلكه ونمارسه في المجتمع وتُعدّ الثقافة، وفق تعريف عالم الاجتماع الأمريكي روبرت بيرستد، ذلك الكل المركب الذي يشمل ما يفكر فيه الإنسان وما يقوم به وما يمتلكه بوصفه عضواً في المجتمع.

والناس يصنعون تاريخهم بقدر ما تصنعهم ثقافتهم. فهم ينتجون المعرفة والفنون والآداب والمؤسسات، ثم تعود هذه المنتجات لتؤثر فيهم وتشكل وعيهم وسلوكهم. ولذلك فإن الثقافة ليست شيئاً ثابتاً، بل هي عملية تاريخية متجددة تتغير بتغير الأجيال وتبدل الظروف. وحيوية أي مجتمع لا تقاس بكمية ما يمتلكه من تراث فقط، بل بقدرته على إعادة تأويل هذا التراث وتجاوزه وإنتاج أشكال جديدة من الحياة والمعنى.

ومن هنا تكتسب العلاقة بين التاريخ والأجيال أهميتها الحيوية. فالتاريخ ليس مجرد سجل للأحداث الماضية، بل هو العلم الذي يدرس العلاقة المعقدة بين الأموات والأحياء إذ إن تعاقب الأجيال المتوالدة هي الصيغة التي ابتكرتها الحياة لتتجاوز نفسها باستمرار. فالموت يفسح المجال للميلاد، والماضي يفسح المجال للمستقبل، والتاريخ يتجدد لأن الأحياء لا يكفون عن إعادة تفسير العالم وصياغته من جديد. ولهذا فإن التاريخ الحقيقي ليس تاريخ الموتى، بل تاريخ الأحياء الذين يحاولون تدبير حاضرهم وصناعة مستقبلهم في ظل شروط ورثوها من أسلافهم ولم يختاروها بأنفسهم.

وتتشكل الجماعات والمجتمعات البشرية وتنمو وتستمر وتستقر وتزدهر في سياق اجتماعي تاريخي ثقافي علائقي تفاعلي يتكون من أربعة انساق أساسية؛ (فاعل، فعل، علاقة، بنية) فضلا عن المكان والزمان بوصفهما إطارنا قبليان بحسب كانط تلك العناصر الأربعة وما ينجم عنها من مظاهر وظواهر وأشكال ورموز وقيم وتمثلات يعاد صياغتها وبناؤها باستمرار في خضم عملية ممارسة الفاعلون الاجتماعيون لحياتهم المتعينة ماديا ومعنويا واقعيا وافتراضيا بمختلف صيغ وصور وأنماط تمظهراتها العلائقية ؛ بين أنا _ أنت، ذات _ أخر _ نحن _ هم وغير ذلك من اشكال العلاقات الاجتماعية المتغيرة باستمرار والتي لا تدوم على حال من الأحوال وتجلياتها المختلفة والتي بدونها يصعب الحديث عن الظاهرة الاجتماعية بوصفها ظاهرة قابلة للرؤية والدراسة والفهم. كتب ابن خلدون "

إنّ اختلاف الأجيال في أحوالهم إنّما هو باختلاف نحلتهم من المعاش»

فلا وجود فعل اجتماعي بدون فاعل اجتماعي ولا وجود لعلاقة اجتماعية بدون تفاعل بين الفاعلين الاجتماعيين وهذا التفاعل الاجتماعي والعلاقة التي يقيمها عبر التكرار المستمر تشكل بنية مؤسسية شبه ثابت في سياقي التفاعلية الرمزية. فالتزاوج بين ذكور البشر وأناثهم ينجب بنية القرابة التي هي العائلة وعبر الاستمرار الدائم لهذه العلاقة تدوم البنية وهكذا هي سائر المؤسسات الاجتماعية فالمدرسة علاقة بين المعلم والمتعلم والجامعة علاقة بين الطالب والأستاذ فاذا كف التلاميذ عن الذهاب إلى المدرسة انتهت المؤسسة. وإذا كف الناس عن التزاوج الشرعي انتهت الأسرة وإذا كف الناس عن التقاضي في المحكمة انتهت مؤسسة العدالة واذا كف الناس عن الرقص والغناء والفرح إنتهت المؤسسات الفنية. وإذا كف الناس عن الالتزام بالدستور والقانون انتهت المؤسسة السياسية وإذا كف الناس عن اتباع قواعد المرور إنتهت المدينة والنظام المدني. وتلك هي خلاصة نظرية التفاعلية الرمزية( فاعل، فعل، علاقة، بنية) غير أن التاريخ الجديد ينظر إلى هذا المجتمع من زواية اشمل وأعمق وقد تبلورت خبرة الإنسان في التاريخ ومحاولة فهمه وتفسيرة في جملة من المنظورات الفكرية نشير إلى أهمها التيار المتمثل بالتاريخ الجديد”

المجايلة التاريخية لا يتعلق بتعاقب الأجيال فحسب، بل بطبيعة علاقتها بالزمن نفسه. فكل جيل يجد نفسه محاطاً بماضٍ لم يصنعه، لكنه مطالب بأن يحيا في حاضر ملموس وأن يفتح طريقاً نحو مستقبل لم يتشكل بعد. ومن هنا نفهم المعنى العميق لقول بنديتو كروتشه إن «كل التاريخ تاريخ معاصر»، أو أن التاريخ كله حاضر. فالتاريخ ليس ما مضى وانقضى، بل هو دائماً فاعلية الناس الأحياء الساعين إلى تدبير حاضرهم وتجاوز ماضيهم في آن واحد.

وحين يكون الحاضر مشبعاً بالحيوية والنشاط والإنجاز والفاعلية الخلاقة، يتراجع الماضي تلقائياً إلى مكانه الطبيعي بوصفه خبرة وذاكرة وعبرة، لا بوصفه ملاذاً نفسياً أو مشروعاً سياسياً أو حلماً بديلاً. فالناس لا ينشغلون كثيراً باستعادة ما مضى عندما يكون حاضرهم زاخراً بالحياة، ومفعماً بالأمل، ومفتوحاً على إمكانات التقدم والتجدد. عندئذٍ يصبح المستقبل هو مركز الجاذبية الذي يشد انتباههم، وتغدو مشاريع الغد أكثر إثارة من بطولات الأمس.

إننا نقصد بذلك تلك الحياة اليومية العادية التي تستغرق تسعة أعشار وجودنا؛ حياة العمل والدراسة والتعلم والإنتاج والاستهلاك والعلاقات الاجتماعية وتدبير شؤون العيش. إنها عالم اللحظة الحاضرة المباشرة، العالم الملموس الذي يعيش فيه الإنسان أكثر مما يعيش في كتب التاريخ أو في تصورات المستقبل. ذلك العالم الذي تتشابك فيه الحاجات والمصالح والرهانات والصراعات والتطلعات، وتتشكل فيه أنماط السلوك والعلاقات والمؤسسات التي تصنع النسيج الحقيقي للمجتمع. إنه ما سماه بعض علماء الاجتماع «الحياة بلا مزايا»، أي الحياة اليومية العادية التي تبدو بسيطة لكنها في الواقع تمثل عصب الجسد الاجتماعي ومصدر حركته الفعلية.

لكن حين يعجز هذا الحاضر عن إشباع حاجات الناس المادية والمعنوية، وحين تضيق آفاق المستقبل وتخبو إمكانات الإنجاز والتغيير، يعود الماضي إلى الواجهة من جديد. لا يعود بوصفه موضوعاً للمعرفة التاريخية، بل بوصفه بديلاً استيهامياً يعوض نقص الحاضر وعجزه. عندئذٍ يتحول التاريخ إلى مخزن هائل للأحلام المؤجلة والتبريرات النفسية والبطولات الرمزية، ويصبح الحنين إلى الماضي تعبيراً غير مباشر عن بؤس الحاضر وانسداد أفق المستقبل.

ومن هنا فإن الاعتقاد بأن تعلق الناس بالماضي ظاهرة طبيعية أو فطرية هو تبسيط شديد للمسألة. فالإنسان لا يحن إلى الماضي لأنه قديم، بل لأنه يشعر بأن حاضره أقل قدرة على منحه المعنى والأمل. ولذلك فإن المجتمعات الحية لا تنسى تاريخها، لكنها لا تعيش فيه أيضاً. إنها تستحضره بوصفه مادة للفهم والنقد والتعلم، لا بوصفه وطناً بديلاً عن الواقع.

إننا نعيش التاريخ كما تعيش الأسماك في الماء؛ لا نستطيع الخروج منه ولا الإفلات من استحقاقاته. فإما أن نستجيب لتحدياته وننخرط في صناعة حاضره ومستقبله، وإما أن نتخلف عن حركته فيتجاوزنا كما يتجاوز القطار المتحرك من يقف على الرصيف متردداً.

تعلمنا نظرية المجايلة التاريخية وجيلنا الراهن يواجه وضعاً غير مسبوق في تاريخ الإنسانية كلها. إذ نقف على عتبة تحول حضاري عميق تعيد فيه الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي تشكيل المعرفة والعمل والتعليم والثقافة والسياسة والاقتصاد وأنماط الحياة اليومية برمتها. لقد شهد التاريخ البشري ثورات كبرى كثيرة، من الثورة الزراعية إلى الثورة الصناعية، غير أن ما نشهده اليوم يتميز بسرعة التغيير واتساعه على نحو يجعل الإنسان نفسه عاجزاً عن ملاحقة التحولات التي ينتجها.

في الأزمنة الماضية كانت الأفكار والمؤسسات والقيم تستمر أحياناً قروناً طويلة قبل أن تتعرض لتحديات جوهرية. أما اليوم فإن الفرد قد ينام على نظرية ويستيقظ على مراجعتها، ويتخرج الطالب من جامعته وقد أصبحت بعض معارفه بحاجة إلى تحديث جذري. لقد دخل العالم مرحلة تتغير فيها المعارف العلمية والتقنيات والمهارات المطلوبة بوتيرة متسارعة تجعل الثبات استثناءً والتغير قاعدة عامة. ولم يعد السؤال المركزي: ماذا نعرف؟ بل كيف نستطيع الاستمرار في التعلم وإعادة التعلم والتكيف مع عالم يتغير أسرع من قدرتنا على استيعابه.

المستقبل لا ينتظر أحداً، ولا يولد من الأمنيات ولا يتحقق بالحنين إلى الأزمنة الغابرة. المستقبل يُصنع هنا والآن، في الحاضر المعيش، من خلال العمل والمعرفة والتنظيم والإبداع. وما لم ينجزه جيل اليوم في لحظته التاريخية قد يصبح مستحيلاً على الأجيال اللاحقة. ولذلك فإن الرهان الحقيقي لأي مشروع نهضوي عربي يكمن في استنهاض الطاقة الشابة وتحويلها من طاقة كامنة إلى قوة فاعلة في المجتمع.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل المستقبل أمام الأجيال أم وراءها؟ بل: هل تمتلك الأجيال الشابة الشجاعة والمعرفة والإرادة الكافية للسير نحوه؟ فالماضي، مهما كان عظيماً، قد انقضى وانتهى، ولا يعود إلا بوصفه ذاكرة وخبرة وعبرة. أما المستقبل فهو المجال الوحيد المفتوح أمام الفعل الإنساني. إنه ليس خلفنا بل أمامنا دائماً، يستدعي منا أن نتجاوزه باستمرار، وأن نصنعه بأيدينا وعقولنا وأحلامنا. فالتاريخ لا ينتظر المترددين، والحياة لا تكافئ الواقفين على أطلال الأمس، وإنما تنحاز لأولئك الذين يملكون الجرأة على تحويل الممكن إلى واقع، والحلم إلى علم.

***

ختاماً: لعلكم سمعتم عن كتاب (الشوامل والهوامل) فقد كان البدو في الصحراء ولا زالوا يطلقون جموع الإبل في الصحراء بحثاً عن الماء والكلأ ويسمونها الهوامل، ويحتفظون بثلاث إلى سبعة من الإبل العتاق بقرب مضارب خيامهم، ويسموها الشوامل . إذ يطلقونها بعد بضعة أسابيع من غياب الهوامل لتقوم بجمع شملها والعودة بها إلى ديارها، والنخب الشابة هي شوامل اليوم ورواد مشاريع بناء المجتمع الجديد التي ستظهر نتائجها المثمرة على المدى البعيد.

***

ا. د. قاسم المحبشي 

 

إن لوحة تراجع التعليم التي تم تناولها لا تعد مجرد عدم توازن سطحي في بنية النظام التعليمي، بل تظهر حالة عميقة من الانفصال النظامي والبنيوي، ويمكن تسميتها بظاهرة "الاغتراب التعليمي" من الناحية الفلسفية. وتتجلى ظاهرة الاغتراب التعليمي (المعرفي) عندما ينفصل الطالب عن انتاج المعرفة، والمعلم عن دوره الحقيقي في عملية التعليم، وبالنتيجة ينفصل التعليم كمنظومة تربوية عن غايتها الحقيقية في بناء الانسان.

يعد الاغتراب مصطلح مهم من مصطلحات الفلسفة، وهو تعتبير عن حالة الغربة او الانفصال بين الذات البشرية وبين ما يجب ان يكون متصلا بها، وهو يشير الى حالة شعور الفرد بأنه "منفصل او غريب" عن محيطه الاجتماعي، او فقدانه السيطرة على قراراته او حياته. ويرى هيجل وماركس أن الاغتراب الفلسفي يكون عندما يغترب العامل عن منتجه لانه لا يجده في نفسه، بل يكون مجرد اداة في ماكنة المعمل. 

اما الاغتراب الاجتماعي فهو حالة شعور الانسان بالعزلة عن مجتمعه او عدم الانتماء لقوانينه وقيمه وعاداته وتقاليده، مما يسبب حالة من اللامبالاة. بينما يشير الاغتراب النفسي الى انفصال الفرد عن ذاته الحقيقية ويتصرف كما يريده الاخرون لا وفق قناعاته الشخصية، فيشعر بحالة من الخواء الداخلي.

اما الاغتراب التعليمي مفهوم حديث يشير الى حالة من الانفصال بين مكونات العملية التعليمية الاساسية والتي يفقد بها النظام التعليمي علاقته الحقيقية بالمعرفة، ويفقد المعلم والمتعلم دوره النشط والفعال في التفكير لانتاج المعرفة الجديدة.

ويعد الاغتراب التعليمي (المعرفي) من الظواهر التربوية المعاصرة ويعرف بالشكل الجديد من "اللا تفكير" والذي يعكس حالة من الانفصال بين ما يتعلمه الفرد داخل المدرسة او الجامعة وبين الواقع الحياتي الذي يعيشه، ويظهر هذا المفهوم المعاصر عندما يفقد الطالب الشعور بقيمة ما يحصل عليه من معرفة ولا يجد لها تطبيقا عمليا في حياته اليومية.

ويتكون هذا الشكل من الاغتراب في التعليم بسبب الانظمة التربوية القائمة على الاساليب التقليدية في التعليم البنكي والتي تعتمد على نقل المعلومة بطريقة مجردة دون ربطها بسياقات واقعية او مشكلات حقيقية. ونتيجة لذلك، تتحول المعرفة الى مادة جامدة ومنفصلة عن خبرة الطالب الشخصية واهتماماته واتجاهاته.

ونجد مفهوم الاغتراب المعرفي في السياق التعليمي، عندما تتحول المعرفة من وسيلة للفهم الى "حمل غريب" يفرض على المتعلم، وهو بهذا يمثل فجوة بين ما يتعلمه الطالب في المدرسة او الجامعة وبين واقعه وذاته ومستقبله. ونستدل على هذا المفهوم في التعليم من خلال دلالة انفصال النص الدراسي عن الواقع الحياتي، وعندما يدرس المتعلم فرضيات ونظريات في علم النفس او علم الاجتماع او علم الاحصاء وغيرها من العلوم الانسانية او الصرفة، لكنه لا يستطيع تطبيقها او توظيفها لفهم وتحليل مشكلة ما في بيئته الاجتماعية او مجال عمله الوظيفي، وهنا تصبح المعلومة "كتلة غريبة" تسكن ذهنه لفترة محدودة ومن ثم تتلاشى.

وعندما يتعامل المتعلم مع المنهج الدراسي كعائق يجب التخلص منه مجرد انتهاء الاختبار، تصبح المعرفة سلعة لا قيمة حقيقية لها، وهنا ينفصل الطالب عن المعرفة لان هدفه من التعلم كان مجرد الحصول على الدرجة لا الفهم والتطبيق للاستفادة منها في الحياة. ونجد ايضا الاغتراب الادواتي في حالة استخدام البرامج الاحصائية او ادوات الذكاء الاصطناعي دون فهم المعنى المنطقي او الرياضي ورائها، فحينها يصبح المتعلم مشغلا للالة بدلا من كونه مفكرا ومحاورا وباحثا عن المعنى.

ويعد هذا الاغتراب في التعليم خطرا كبيرا، لانه يشكل ما يسمى بمفهوم "العقل المستقيل" وهو ذلك العقل "اللا رشيد" الذي يمتلك حشو معلوماتي لكنه خالي من الروح والمقدرة على الشك والتفكير والنقد الذاتي، وحينها يصبح الطالب منفصل معرفيا ويسهل انقياده فكريا، لانه ببساطة لم يتعلم كيف يحصل على المعرفة من خلال السؤال والتفكير والشك والنقد، بل مجرد يتعلم كيف يطيعها.

وأن ما طرحه ايمانويل كانط من فكرته حول مفهوم "قصور العقل" يطابق هذا المفهوم المعاصر عندما يكون الانسان "عاجزا عن استخدام عقله دون توجيه من الاخرين"، وفي التعليم عندما يعجز المتعلم عن تدريب عقله على الحوار والتفكير في غرفة الصف، يستقيل عقله، وحين يستقيل عقله، تنهار المعاني والافكار، وتتحول المعرفة الى كلمات محفوظة بلا معاني حقيقية. 

لكن يمكن الانتقال من حالة "اللا تفكير" او الاغتراب المعرفي الى حالة "الاتصال والتمكين" اذا غيرنا فلسفة تعليمنا وحولناها من نموذج التعليم البنكي الى الفهم والتحليل والحوار ليصبح الطالب شريكا معرفيا في بناء المعرفة لا مجرد مستهلك لها.

أن وجود حالة الاغتراب التعليمي تمثل تحديا حقيقيا امام نظام التعليم، لانه يفصل المحتوى التعليمي من مضمونه الحقيقي ويحوله الى عملية ظاهرية او شكلية، وأن اعادة تشكيل وبناء العلاقة بين حياة الانسان والمعرفة تعد مهمة اساسية لضمان مفهوم التعليم التحرري وتحقيق هذا الهدف من خلال بناء فلسفة قائمة على مشروع لتحرير العقل المدرسي.

وما يشهده التعليم من تراجع هو نتيجة منطقية لحالة الاغتراب التعليمي، وأن اي محاولة اصلاحية حقيقية يجب ان تنطلق من اعادة العلاقة بين ما انقطع بين التعليم والتفكير، وبين الحياة والمعرفة، وبين المعلم والمتعلم ودورهما الحقيقي في خلق المعرفة الجديدة. ومن هنا فأن كسر حاجز هذا الاغتراب في التعليم يبدأ من مدخل "انسنة التعليم" اي الرجوع الى الجانب الانساني والاجتماعي في عملية التعليم، لان المعرفة التي لا تطابق الواقع الحقيقي للمتعلم او لا تحل ولا تجيب على اسئلته في الحياة، حتما ستبقى معرفة مغتربة وبعيدة عن الواقع.

***

علاء جواد كاظم

في رحلة البحث عن المعرفة وتطوير المؤسسات الأكاديمية، تبرز "تصنيفات الجامعات" التي تصدرها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي كحدث سنوي يترقبه رؤوساء الجامعات. ولكن، خلف بريق الأرقام والترتيبات، تتبادر إلى الذهن تساؤلات جوهرية تفرض نفسها على الساحة الأكاديمية: هل تؤدي هذه التصنيفات غرضها الحقيقي في الارتقاء بمستوى التعليم، أم أنها تحولت إلى مجرد أداة للاستعراض الإعلامي، يبهج بها الأوائل في القائمة ويغرق في ظلها الباقون؟

ان الإشكالية تبدأ من المبدأ ذاته، فالجامعات الحكومية في العراق، بحكم طبيعة نظامها، تدار مركزياً من قبل الوزارة نفسها فهي فروع لجامعة واحدة اسمها وزارة التعليم العالي. تضع الوزارة المناهج، وتحدد السياسات، وتُعين الكوادر، وتوزع الميزانيات من قبل الدولة. فكيف لنا ان نبرر وجود هذه الفروقات الشاسعة في التصنيف بين جامعة وأخرى؟ إذا كانت جميع هذه المؤسسات "تنهل من معين مركزي واحد"، فلماذا نجد هذا التباين الذي يوحي بأن بعضها في مصاف الجامعات العالمية، بينما يقبع بعضها الآخر في ذيل القائمة؟

لذا، أقترح أن نستبدل تصنيف الجامعات بـ 'تصنيف رؤساء الجامعات'، فالتصنيف الحالي يعاقب المؤسسة ويصمها بالقصور، بينما التقييم الحقيقي يجب أن يوجه لمن يملك سلطة التغيير. إن رئيس الجامعة هو المحرك الذي يمكنه تجاوز سطوة المركزية، وهو الذي يحدد بوصلة الابتكار والتميز في بيئة مؤسسته. إن تقييم أداء القيادات الأكاديمية بناءً على مخرجاتها، وقدرتها على الإنجاز وسط التحديات، سيكون أصدق في التعبير عن التسلسل الفعلي للتقدم، وأكثر إنصافاً في تحديد من يستحق الصدارة ومن يحتاج إلى المساءلة. فالمؤسسات لا ترتقي بقرارات ورقية، بل برؤى قيادية تجعل من التميز خياراً لا صدفة.

هنا، يتحول التساؤل إلى نقد حاد للمنظومة. فهل هذه التصنيفات تعبر فعلاً عن "جودة" أكاديمية ملموسة، أم أنها تعكس قدرة إدارية على تجميع البيانات وتعبئة الاستمارات المطلوبة؟ إن وضع جامعات في مؤخرة التصنيف، وتسميتها علناً، قد يحمل رسالة سلبية غير مقصودة، حيث يتم تلقين الطلبة والمجتمع بأن هذه الجامعات "أقل جودة"، مما يخلق نفوراً أكاديمياً واجتماعياً منها، ويضع خريجيها في موقع الدفاع عن شهاداتهم، بينما هم في الحقيقة خريجو مؤسسات وطنية تتبع الهيكل الإداري والتعليمي ذاته.

ان الخطر الحقيقي يكمن في تحول التصنيف من "أداة للتقويم والإصلاح" إلى "مقياس للمفاضلة التنافسية" التي لا تعترف بخصوصية كل جامعة وظروفها. إن التساؤل الملح هو: هل تقدم الوزارة الدعم اللازم للجامعات التي تذيلت القائمة لتلحق بركب الصدارة، أم أنها تكتفي بموقعها كـ "حكم" يعلن النتائج دون أن يتدخل لعلاج الخلل؟

اذا كانت هذه التصنيفات لا تؤدي إلى تحسين حقيقي في المختبرات، أو تطوير طرائق التدريس، أو تقليص الفجوة في مخرجات التعليم، فإنها تظل مجرد تمرين رقمي يخدم "الصورة الذهنية" للوزارة، أكثر مما يخدم الطالب أو سوق العمل. فبدلاً من أن نسأل: "من هو الأول ومن هو الأخير؟"، ربما كان الأجدر أن نسأل: "لماذا لم نصل جميعاً إلى معايير الجودة الشاملة في آن واحد؟".

التعليم العالي ليس سباقاً للخيل حيث يفوز من يسبق، بل هو بناء وطن، فاذا كانت الجامعات في مؤخرة الترتيب لا تحظى باهتمام إضافي، فاننا بذلك نحكم على أجيال كاملة بالبقاء في الصفوف الخلفية، دون ذنب اقترفوه، سوى أنهم التحقوا بمؤسسات تركتها الوزارة تواجه مصيرها في "قاع التصنيف" دون خطة انقاذ حقيقية.

سؤال للتأمل: في ظل المركزية التي تدار بها الجامعات العراقية، هل ترى أن المسؤولية عن تدني مستوى بعض الجامعات تقع على عاتق ادارات تلك الجامعات، ام هي انعكاس طبيعي لسياسات الوزارة في التخطيط والتوزيع؟

***

ا. د. محمد الربيعي

 

قد تبدو كلمة "التأميم" غريبة في سياق الحديث عن ملحمة أدبية عمرها آلاف السنين. فالمصطلح ارتبط في الوعي السياسي بنقل ملكية المؤسسات أو الثروات إلى الدولة. غير أن المقصود هنا معنى رمزي وثقافي مختلف؛ أي تحويل إرث إنساني مشترك إلى ملكية معنوية خاصة، وإدخاله ضمن سردية قومية أو هوياتية محددة. ومن هذا المنطلق يمكن الحديث عن "تأميم ملحمة جلجامش"، حين تصبح الملحمة موضوعاً للتنافس بين جماعات مختلفة تسعى إلى احتكار رمزيتها أو ضمها إلى تاريخها الخاص، رغم أن عالمها أقدم بكثير من الهويات القومية التي نعرفها اليوم.

منذ أن خرجت ألواح ملحمة جلجامش من تحت أنقاض المدن الرافدينية القديمة وعادت إلى الضوء في العصر الحديث، لم تعد مجرد نص أدبي ينتمي إلى الماضي السحيق، وأصبحت أيضاً موضوعاً لصراعات التأويل والهوية. فالنص الذي كُتب قبل آلاف السنين، في عالم يختلف جذرياً عن عالمنا، وجد نفسه داخل معارك فكرية وقومية لم يكن يعرفها مؤلفوه ولا أبطاله.

تكمن المفارقة في أن الملحمة التي تتناول الإنسان في مواجهته للموت والزمن تحولت إلى مادة تُستخدم لإثبات انتماءات قومية. فأصبحت شخصياتها وأحداثها وأماكنها موضوعاً للتنافس بين سرديات متعددة، يسعى كل منها إلى العثور في النص على ما يمنحه عمقاً تاريخياً أو شرعية رمزية.

إن القومية الحديثة تبحث دائماً عن جذور بعيدة. وكلما كان الماضي أقدم وأكثر مجداً ازدادت قيمته في بناء الوعي الجماعي. ولهذا كثيراً ما تُقرأ الحضارات القديمة بوصفها بدايات مفترضة لشعوب معاصرة، وتُستدعى إلى معارك الحاضر وتوتراته.

هنا تبدأ عملية الإسقاط التاريخي. فبدلاً من دراسة الماضي ضمن شروطه الخاصة، يجري إعادة تشكيله وفق احتياجات الحاضر. وتتحول الأسئلة من محاولة فهم الشخصيات في سياقها التاريخي إلى البحث عن هوياتها القومية المفترضة. وهكذا يصبح النص الأدبي ساحة للتنافس الرمزي، وتتحول الفرضيات مع مرور الوقت إلى ما يشبه الحقائق داخل الخطاب الثقافي للجماعات التي تتبناها.

والمشكلة لا تكمن في طرح الفرضيات أو اقتراح قراءات جديدة للنصوص القديمة، فذلك جزء طبيعي من أي جهد معرفي. المشكلة تظهر عندما تُقدَّم الفرضية بوصفها نتيجة نهائية. فثمة فرق واضح بين الدراسة التي تسعى إلى إقناع القارئ بقوة الدليل، والقراءة التأويلية التي تدعوه إلى تبني منظور معين. وعندما يختلط المجالان، تتحول الاحتمالات إلى يقينيات، وتصبح الرغبات الهوياتية أقرب إلى حقائق مفترضة.

ومن المفيد التمييز هنا بين القراءات الشعبية والبحث الأكاديمي المتخصص. فثمة محاولات شائعة لربط شخصيات الأدب الرافديني أو أسماء الشعوب والأماكن القديمة بلغات أو هويات معاصرة اعتماداً على التشابه الصوتي بين الكلمات أو على تقاطعات جغرافية وثقافية عامة. غير أن مثل هذه المقاربات لا تحظى عادة بقبول واسع في الدراسات التاريخية واللغوية المتخصصة، لأن التشابه اللفظي وحده لا يكفي لإثبات القرابة التاريخية أو الاستمرارية القومية.

أما الاتجاه الأكاديمي السائد فيتعامل مع شخصيات جلجامش وأنكيدو ضمن سياقها الحضاري الرافديني، وينظر إليهما بوصفهما جزءاً من البيئة السومرية والأكادية التي نشأت فيها الملحمة. ولهذا يتعامل المؤرخون وعلماء اللغات القديمة بحذر مع الادعاءات التي تنسب شخصيات أو شعوباً من عصور موغلة في القدم إلى قوميات معاصرة. فالقوميات الحديثة تشكلت في ظروف سياسية وثقافية متأخرة نسبياً، في حين أن عالم جلجامش يسبق ذلك بآلاف السنين.

وتزداد حساسية هذه المسألة في الشرق الأدنى القديم بسبب تعاقب الحضارات وتداخل الشعوب واللغات عبر فترات زمنية طويلة. فالتاريخ في هذه المنطقة لم يكن خطاً مستقيماً يمتد من شعب قديم إلى أمة حديثة، وإنما شبكة معقدة من التفاعلات والهجرات والتحولات الثقافية. ولهذا تبدو محاولات إلباس شخصيات الملحمة هويات قومية معاصرة أقرب إلى إعادة قراءة الماضي بمنطق الحاضر.

وحين تحاول جماعة ما أن تقدم نفسها بوصفها الوريث الوحيد لحضارة قديمة أو منطقة تاريخية بعينها، فإن ذلك يقود في كثير من الأحيان إلى تقليص حضور الجماعات الأخرى أو تهميش دورها في السردية التاريخية. وهنا تظهر إحدى الإشكاليات الأساسية في القراءات الهوياتية للماضي، إذ يصبح التاريخ مجالاً للاحتكار الرمزي بدلاً من أن يكون مجالاً للفهم المشترك.

وفي حالة ملحمة جلجامش تحديداً، فإن البيئة الحضارية التي خرجت منها الملحمة هي بيئة بلاد الرافدين القديمة، وهي بيئة أسهمت في تشكيلها حضارات وشعوب متعددة، من السومريين والأكديين إلى البابليين والآشوريين وغيرهم. ولذلك فإن تحويل الملحمة إلى ملكية رمزية لقومية معاصرة واحدة يثير سؤالاً مشروعاً: ماذا عن الجماعات الأخرى التي ترتبط هي أيضاً بهذه الجغرافيا وبهذا التراث التاريخي؟

ومن منظور تاريخي، يبدو أكثر دقة النظر إلى تراث بلاد الرافدين بوصفه إرثاً حضارياً مشتركاً تتقاطع معه هويات معاصرة متعددة بدرجات متفاوتة، لا بوصفه ملكية حصرية يمكن إلحاقها بجماعة واحدة أو سردية واحدة. فالحضارات الكبرى التي أسهمت في تشكيل التاريخ الإنساني تتجاوز بطبيعتها الحدود والهويات التي نشأت بعد آلاف السنين من أفولها.

كما أن السرديات القومية تميل بطبيعتها إلى البحث عن أبطال مؤسسين. وعندما يصعب العثور على شخصيات تاريخية تؤدي هذا الدور، يجري أحياناً استدعاء شخصيات أسطورية لتصبح رموزاً لهوية معاصرة. وعند هذه النقطة تتحول الأسطورة إلى وثيقة إثبات، ويتراجع الاهتمام بقيمتها الأدبية والإنسانية.

غير أن ملحمة جلجامش نفسها تقاوم هذا الاختزال. فهي لا تقدم شخصياتها بوصفها ممثلين لأمم أو قوميات، وإنما بوصفها نماذج إنسانية كبرى. جلجامش يجسد مواجهة الإنسان للسلطة والفقد والموت، وأنكيدو يجسد العلاقة المعقدة بين الطبيعة والحضارة. ومن خلال صداقتهما ورحلتهما المشتركة تتولد الأسئلة التي منحت الملحمة خلودها.

إن القيمة الحقيقية لجلجامش تكمن في عالميته. فبقاء الملحمة عبر آلاف السنين لم يكن نتيجة انتمائها إلى هوية معينة، وإنما بسبب قدرتها على التعبير عن خبرات إنسانية مشتركة تتجاوز حدود اللغة والجغرافيا والانتماء. وعندما تُختزل هذه الشخصيات في هوية واحدة، تضيق مساحة المعنى التي جعلتها حية في وجدان البشر.

لهذا ربما يكون السؤال الأهم: لماذا نبحث باستمرار عن هوياتنا المعاصرة داخل نصوص كُتبت في عصور سحيقة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تكشف الكثير عن هواجس الحاضر ورغبته في العثور على جذور ثابتة وسط عالم متغير. أما جلجامش، الذي عبر آلاف السنين ووصل إلينا من عالم بعيد، فما يزال يذكرنا بأن ما يجمع البشر في النهاية أكبر بكثير مما يفرقهم.

***

بولص آدم

 

(ليس في المذاهب أشرف من مذهبك، لتعلقك باللّه تعالى، فلا تنتم لمذهب أحد سواه، فإنه أشرف المذاهب، واستمر على حالتك، والزم الاعتدال فإنه طريق الرجال).. "كتاب مواقع النجوم لابن عربي"

يطل بين فترة واخرى نقد كبير للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي (شيخ العرفان الاسلامي (متوفي 638هجرية) تحت عناوين مختلفة مرة انه سني متعصب بل ومن النواصب ومرة اخرى انه لا يمكن لاحد ان يمدحه ويضعه في مرتبة مقاربة لأهل البيت ..وبوجه عام يضعه السنة ضمن المذهب المالكي /الاشعري ..بل وبعضهم يضعه على مذهب الظاهريّة لابن حزم !!.اما بعض الشيعة لاسيما العرفاء منهم فإنهم يعدونه شيعيا اذ وبحسب البحث الدقيق للشيخ قاسم الطهراني هو شيعي بامتياز وهذا ما اكده في كتابه: (القول المتين في تشيع الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي). وانا اريد اقدم اشارات سريعة للرد:

١: ان كتب الشيخ قد زورت وتم اضافة الاراء الكثيرة لها وهذا ما تحدث عنه عبد الوهاب الشعراني (متوفي 973هجرية) عندما قال ان نسخ كتاب الفتوحات المكية لابن عربي قد تم التلاعب بها في القاهرة.. اذ نبه لذلك في كتابيه (اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر) و(لطائف المنن) بل وزاد ان الدس شمل كتاب ابن عربي الاهم (فصوص الحكم) وبذلك فهو فلم يكن يشتم الشيعة ولم يكن يغالي في اهل السنة..

٢: ان اي عارف بحسب نظر العارف الاستاذ السيد علي القاضي (رحمه الله تعالى) لايمكن له السير والسلوك في طريق التوحيد إلا عبر حب اهل البيت وموالاتهم ..

٣: ان ابن عربي الذي كتب هذه الموسوعات الفكرية العميقة والعلوم الالهية هل كان يغيب عن ذهنه المتبحر مقامات اهل البيت.. أيعقل ذلك..بل ان العرفاء والمتصوفة جميعا يرون وباتفاق كبير بينهم جميعا اهمية مقامات اهل البيت وعلومهم بل ويرجعون لها ممكن النظر في ذلك على سبيل المثال (تذكرة الاولياء لفريد الدين العطار)..

٤: اننا نتكلم عن التشيع بوصفه هنا حب اهل البيت وليس بوصفه منطق الفقهاء واجتهاداتهم ولقد ناقشنا ذلك تجوزا تحت عنوان التشيع .وبهذا الصدد يقول العارف الشيعي الشيخ محمد حسن وكيلي عن تشيع بن عربي : تشيعه باطني، وبالتالي فهو ليس تشيعا فقهيا، بل اساساً لاتعتبر الأفكار الفقهية  للاشخاص معيارا لحقيقة التشيع والخلاص في الآخرة، بل هي من لوازم التشيع والتي إذا كان احد مطلعا بملازمتها فعليه الالتزام بها .ومعظم الذين يصبحون شيعة من الباطن، لا يتمتعون بامكانية الوصول إلى الفقه الشيعي كما هو حقه ولايتوقع منهم ذلك . ولهذا فان العرفاء والمتصوفة هم خارج لعبة الخلاف الفقهي.

اذ ان المذاهب الاسلامية الأختلاف بينهم قائم على الشريعة أي على مجموعة الاحكام والاوامر والنواهي الالهية المستنبطة من النصوص الدينية (القرآن والسنة)، وليس الخلاف على التجارب الذوقية، القلبية، الباطنية، المعرفية المتحصلة جراء التواصل مع الحق سبحانه، أي ليس على (الحقيقة) فكل المذاهب  الاسلامية متفقة ان لا حقيقة بلا شريعة.

ولكن كيف غطت الشريعة على الحقيقة واستولت على معانيها ودلالاتها على وفق اسس مذهبية؟ بعبارة أخرى كيف تلون التصوف الاسلامي الذي هو سلوك اخلاقي/ ذوقي بين كافة المذاهب الاسلامية، بحسب القواعد الفقهية لهذا المذهب أو ذاك؟ أو لنقل: كيف ابتلع علماء الظاهر (الفقهاء) مسارات علماء الباطن (العرفاء) لصالح طرائق أو اجتهادات فقهية خاصة، على الرغم من اتفاقهم جميعاً هؤلاء المتصوفة أو العرفاء على ان الشريعة وسيلة للوصول إلى الغاية (الحقيقة) عبر وسائطية (الطريقة)، فكيف اصبحت الشريعة هي الغاية بدلاً عن الحقيقة ويتصارعون على تفسيراتها وأحكامها التي أقترنت بالبعد السياسي (الإمامة)؟.

ان اعتراضنا هنا بطبيعة الحال ليس على المذاهب، إذ انها تعبر عن القراءات المتعددة للتجربة الاسلامية المؤسسة (القرآن والسنة) انما اعتراضنا ان يُمذهب التصوف، بل ان تُمذهب (الحقيقة العرفانية) لصالح الوسائلية (الشريعة)، ومن ثم تغدو منطلقاً للتنابذ والتصارع والعداء وسوء الظن، بل وحتى التكفير!!؟، وهذا الامر يعني ان البوصلة قد انحرفت عن مسار (التوحيد) وعن مسار (النبي محمد) (صلى الله عليه واله وسلم) وهما مطلبان جوهريان لدى المتصوفة والعرفاء (السنة والشيعة على حدٍ سواء).

ان مرد هذه الاشكاليات بحسب اعتقادنا ترجع إلى أمرين جوهريين هما:

1) مسألة الخلافة أو الامامة التي بدأت من سقيفة بني ساعدة واستمرت إلى يومنا هذا.

2) مسألة نشأة المذاهب الاسلامية وتقعيد قواعدها واحكامها الفقهية وقراءتها الشخصانية (نسبة لمؤسسي المذاهب).

من الواضح ان هذين الامرين بكل حمولاتهما السلبية خصوصاً بعدما دخلا المعترك السياسي في ظل السلطات السياسية المتعاقبة والتي فعلت مفاعليها في تقطيع الصلات بين المسلمين الموحدين جميعهم والأدهى والأمر انها قطعت الصلات بين المتصوفة والعرفاء (السنة والشيعة) فيما بعد!؟، إذ أسهمت السلطتين الاموية والعباسية في عزل الشيعة وإقصاءهم عن المشهدية الدينية والثقافية بوصفهم خارج الجماعة الدينية مرةً وخارج النظام الاجتماعي العام لأنهم معارضون مرةً أخرى ولكن حصلت بعض الاستثناءات في القرن الثالث الهجري واستلم الشيعة بعض المناصب السياسية آبان الحكم العباسي.

لعل الجيل الثاني بعد ظهور الفقهاء الكبار والمؤسسين للمذاهب الاسلامية، أو الاصح الذين عُدت  اشتغالاتهم الفقهية بمثابة حقول نظر في الشريعة مختلفة فيما بينهم، ومن ثم عدت بوصفها مذاهب اتبعها هذا الجيل الثاني هم من انشئ القطيعة أو شبه القطيعة في كثير من الاحيان مع اهل البيت والخط الفقهي المنبثق منهم الذي بدأ يصنع لنفسه قلعة فقهية بمعزلٍ تام عن سائر المذاهب الاسلامية، على الرغم من انه قد تأثر بكثير من معالجات واستدلالات وأقيسة ابناء المذاهب الاخرى..

وعليه فان النظر بمنظار فقهي للتصوف والعرفان انما منظار خاطئ لانه منظار إسلام تاريخي تأسس تحت شروط اجتماعية وسياسية وثقافية بل وحتى اقتصادية مختلفة عن تجربة النبوة التي نعتقد ان تجارب المتصوفة والعرفاء هي وريثتها الحقيقة بل ان القول النبوي الشريف (علماء امتي ورثة الأنبياء)..او علماء امتي خير من أنبياء بني اسرائيل انما المراد بالعلماء هم العرفاء الكبار امثال بن عربي والشيخ الجنيد والشيخ الكيلاني واخرون كثر..

ان اهمية الحديث عن بن عربي لا يدركها الا من عرف ان بداية اقامة حداثة اسلامية انما تنطلق من هذا الميراث الانساني /التعددي/الرحماني/ الذي يمثله بن عربي وكبار المتصوفة والعرفاء ..

***

د. جعفر نجم نصر

اللقاء الافتراضي بالأستاذ سيار الجميل بالنسبة لي هو أكثر من متابعة ندوة فكرية عابرة. بل حوار متأخر بين جيلين؛ جيل تشكل وعيه في زمن الكتاب الورقي والمجلات الفكرية، وجيل يعيش اليوم في زمن الشاشة والاتصال الفوري. وبين الزمنين امتدت أسئلة كثيرة عن التاريخ والنهضة والوعي والمصير. وبحسب عالمة الأعصاب البريطانية سوزان غرينفيلد في كتابها المهم (تغيير العقل: كيف تترك التقنيات الرقمية بصماتها على أدمغتنا) نحن جيل المهاجرين الرقميين إذ صنفت الاحياء اليوم في جيلين (جيل المهاجرين الأجداد والآباء وجيل المواطنيين الابناء والاحفاد أي " الأجيال التي وُلدت ونشأت في عصر التكنولوجيا المتقدمة والإنترنت بعد عام 1990م إذ تُعد الأجهزة الذكية والمنصات الافتراضية جزءاً طبيعياً وبديهياً من مكونات حياتهم اليومية منذ الطفولة بالمقابل، يُمثل المهاجرون الرقميون لأفراد الذين وُلدوا قبل ثورة التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، واضطروا للتكيف معها وتعلُّم استخدامها في مرحلة لاحقة من حياتهم والدكتور سيار الجميل ونحن منهما .

نادرة هي تلك اللحظات التي يجد فيها المرء نفسه وجهاً لوجه أمام نظرية تاريخية عربية معاصرة، لا يقرأها من خلال شروح الآخرين أو ملخصاتهم، بل يناقشها مع صاحبها ذاته. ولعل ندرة هذه اللحظات لا تعود فقط إلى ندرة المشاريع الفكرية الكبرى في ثقافتنا العربية الإسلامية، بل إلى ندرة أولئك الذين يهبون أعمارهم الطويلة للبحث والتأمل وإعادة بناء الأسئلة الكبرى المتعلقة بالإنسان والزمن والتاريخ كما المسعودي وابن النديم وابن خلدون.

حينما اقترح الدكتور خضير المرشدي، رئيس المعهد العالمي للتجديد العربي فكرة الحوار مع الاستاذ سيار الجميل حول نظريته قبل أسبوعين رحبت بالفكرة بدوافع مختلفة يطول شرحها منها اطلاعي على تلك النظرية بوصفها مقررا في السنة التحضيرية للدكتوراه بقسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة بغداد عام 2001م. لهذا رحبتُ منذ اللحظة الأولى باقتراح الحوار مع الدكتور سيّار الجميل حول نظريته في «المجايلة التاريخية»؛ تلك النظرية التي صاغها بعد عقود من الاشتغال بالتاريخ وفلسفته، والتي حاول من خلالها أن يقدّم تفسيراً جديداً لحركة التكوين الحضاري العربي الإسلامي، الحديث والمعاصر.

وصلني كتابه الضخم «نظرية المجايلة التاريخية: فلسفة التكوين التاريخي» في طبعته الثانية المنقحة الصادرة سنة 2018. وما إن بدأت تصفحه حتى أدركت أنني لا أقف أمام كتاب تاريخي بالمعنى التقليدي، بل أمام مشروع موسوعي تتضافر فيه الفلسفة مع التاريخ، والسوسيولوجيا مع الأنثروبولوجيا، والجغرافيا مع علم النفس، والإحصاء الكمي مع التأمل النظري والنقد الثقافي مع الحس الحضاري.

وصلني الكتاب عبر الأيميل في طبعته الثانية المنقحة عن المركز الأكاديمي للأبحاث؛ العراق - تورنتو كندا عام 2018م. كتاب ضخم في 666 صفحة في خمسة فصول فضلا عن المقدمة والملحقات حاول مؤلفه أن يجيب عن سؤال بدا بسيطاً في ظاهره لكنه شديد التعقيد في جوهره: كيف يتكوّن التاريخ؟ وما الآليات العميقة التي تحكم انتقال المعرفة والقيم والأفكار من جيل إلى جيل؟ فالتاريخ عند الجميل ليس مجرد تعاقب زمني للأحداث، وليس سلسلة من الدول والسلالات والحروب والانهيارات، بل هو شبكة متداخلة من الأجيال المتعاقبة التي تتواصل فيما بينها عبر ما يسميه «التواصل الحلزوني»، حيث تنتقل الخبرات والمعارف والرؤى من جيل إلى آخر عبر جدلية معقدة من التأثير والتأثر، ومن الاستاذية والتلمذة، ومن الاستمرار والتجاوز في آن واحد.

الكتاب ضخم ويصعب قراءته وفهمه في أسبوعين لا سيما بما يحتويه من رسومات بيانية وإحصاءات كمية ومعلومات تفصيلية تدوخ بالرأس بالنسبة لمن أدمن قراءة الأفكار المجردة كمثل حالي! جذبني الكتاب بطبيعته الموسوعية إذ جمع بين التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع والأنثربولوجيا والجغرافيا والسياسة وعلم النفس والاقتصاد ففيه وجدت اسماء معظم الفلاسفة والمفكرين الذين اعرفهم ومنهم (ابن خلدون وفولتير وهيجل وماركس وشبنجلر وتوينبي وميشال فوكو وكارل مانهايم وبيتريم سوروكين وإدرار هل وليفي شتراوس وجان بول سارتر وجيري بنتلي ومارشال هدجسون وجماعة مدرسة التاريخ الجديد ومنهم: مارك بلوخ ولوسيان فيفر وفرناند بروديل وبول فيبن وجاك لوغوف وعبدالله العروي وغيرهم .فكيف تمكن سيار الجميل من بناء هذه النظرية المهمة في دراسة التاريخ وما هي مصادره وفرضياته وما المفاهيم الأساسية التي صاغها ودلالتها ومنها(التحقيب ، الجيل، المجايلة، العصر، التكوين، الانتاج، التزامن، التزمن ، المستقبل .الخ) هذا اولا وثاني ما المداخل المنهجية التي مكنته من انجاز هذا النسق النظري الفلسفي التاريخ بهذا السعة لاسيما منهج التاريخ الكمي؟ فضلا عن مدى علاقة هذه النظرية بمدرسة التاريخ الجديد ومناهجه تهتم بدراسة كل الفعاليات البشرية وكل ما في الإنسان أو يعتمد على الإنسان أو نتيجة الانسان أو يجريه الإنسان مما له أهمية في وجود الإنسان ونشاطه وأذواقه وأزيائه" إذ أكد فرنان بروديل – وهو من أبرز رواد التاريخ الجديد – أن التاريخ يجب أن يكون شمولياً أو لايكون، "وهو يحتاج إلى العلوم الاجتماعية الأخرى، وقادر على تبني اشكال التفسير الجديدة التي تبتدعها هذه العلوم وتكييفها لأغراضه الخاصة. والتاريخ قادر بدوره على تقديم ما تفتقرإليه العلوم الأخرى، وهو البعد الزمني، الذي يمثل خصوصيته، ولايهم في نظر بروديل ان أتهم البعض التاريخ بأنه (امبريالي) يريد ابتلاع كل شيء"‏

ولعل أهم ما لفت نظري في هذا المشروع هو محاولته تجاوز الإشكال القديم المتعلق بالتحقيب التاريخي. فمنذ نشأة الكتابة التاريخية ظل المؤرخون يختلفون حول الطريقة المثلى لتقسيم الزمن وتحقيبه . هل نقسمه وفق الدول والسلالات؟ أم وفق الحقب السياسية؟ أم وفق التحولات الفكرية والحضارية؟ أم وفق الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية؟

سيّار الجميل يرى أن معظم أنظمة التحقيب التقليدية تعاني قصوراً منهجياً لأنها تركز على الظاهر السياسي وتغفل البنى العميقة التي تتحرك داخل المجتمع والثقافة. لذلك يقترح أن يكون «الجيل» هو الوحدة الأساسية لفهم الزمن التاريخي، وأن تُدرس الحضارة بوصفها سلسلة من الأجيال المترابطة لا مجرد تعاقب للسلطات السياسية.

وهنا تتجلى العلاقة الواضحة بين مشروعه وبين أعمال عالم الاجتماع الألماني كارل مانهايم (1893-1947) الذي اصدر كتاب مشاكل الأجيال عام 1928م . قبل كتاب مانهايم كان الجيل يُفهم غالبًا بمعناه البيولوجي، أي مجموعة من الأشخاص الذين ولدوا في فترة زمنية متقاربة. لكن مانهايم رأى أن هذا التعريف غير كافٍ اجتماعيًا. ف الجيل يتكون عندما يتعرض أفراد ينتمون إلى فئة عمرية متقاربة لأحداث تاريخية واجتماعية كبرى تترك أثرًا عميقًا في وعيهم وتصورهم للعالم فالناس الذين يولدون في سنوات متقاربة لا يشكلون جيلًا اجتماعيًا لمجرد تقارب أعمارهم، بل لأنهم يعيشون أحداثًا تاريخية وثقافية مشتركة في مرحلة تكوين وعيهم غير أن الجميل لا يكتفي بالاستفادة من مانهايم، بل حاول أن يؤسس نموذجاً خاصاً بالتاريخ العربي الإسلامي، مستفيداً في الوقت نفسه من منظورات منهجية ونظرية متعددة متعددة منها نظرية صديقه المؤرخ الأمريكي

جيري بنتلي ت 2012م إذ يرى بنتلي أن أفضل أساس لتحقيب التاريخ العالمي ليس ظهور دول معينة أو حضارات بعينها، بل أنماط التفاعل بين المجتمعات والثقافات المختلفة ويعتبر أن ثلاثة عوامل كانت المحركات الكبرى للتاريخ العالمي:

1. الهجرات البشرية واسعة النطاق.

2. التوسع الإمبراطوري.

3. التجارة بعيدة المدى والتبادل الثقافي.

كما استفاد سيّار الجميل من مدخل مارشال هودجسون (1922-1968) صاحب كتاب (مغامرة الإسلام: الضمير والتاريخ في حضارة عالمية) وتتلخص رؤيته في أن النهضة الغربية والتحديث لم ينشأا من "عبقرية أوروبية خاصة" ومنعزلة، بل هما نتاج تراكمي لشبكة تبادل عالمية كانت الحضارة الإسلامية مركزها وثقلها الأساسي لقرون طويلة. واعتبر أن صعود الغرب يعود لطفرة تقنية وتنظيمية حدثت في القرن الثامن عشر، وليس بسبب تفوق ثقافي أو ديني. إذ رفض هودجسون حصر الإسلام في شبه الجزيرة العربية أو اعتباره ديناً "بدويّاً" أو "عربياً" خالصاً. ويرى أن النظرية التاريخية للإسلام تتضح عندما ننظر إليه في المدى الجغرافي الممتد من نهر النيل حتى نهر جيحون (آسيا الوسطى). هذه المنطقة كانت مهد الحضارات الإنسانية القديمة، وجاء الإسلام ليعيد صياغة ودمج هذه الثقافات (السامية والإيرانية والهلنستية) في بوتقة حضارية عالمية واحدة.

هذا فضلا عن استفادة المولف من ابن خلدون والفارابي وتوينبي ولا اعرف لماذا تجاهل الفيلسوف الأمريكي المعاصر اولفين توفلر صاحب كتاب الموجة الحضارية الثالثة؟

ولعل أكثر ما شدّني في هذا المشروع هو محاولته الربط بين المستوى الجزئي والمستوى الكلي؛ بين الفرد والبنية، وبين السيرة الذاتية والتحول الحضاري. فهو يعتقد أن فهم التاريخ لا يتم من خلال دراسة الملوك والقادة وحدهم، بل من خلال دراسة الشبكات الاجتماعية والثقافية التي تنتج المعرفة وتعيد إنتاجها عبر الزمن.

ومن هنا جاءت أهمية ما يسميه «مكروسوسيولوجيا البايوغرافيات»، أي دراسة السير الفردية بوصفها وحدات تكشف عن حركة النظام الحضاري بأكمله. كتب " يعد التاريخ الكمي أحد أهم الوسائل النمطية المتطوّرة في دراسة التاريخ الاجتـ الجديد الذي اختلف في تطوّره الحديث عن التاريخ الاجتماعي التقليدي، وقد بدأ الـ بتحديث التاريخ الاجتماعي على أيدي بعض من المؤرّخين الاجتماعيين الجدد إبان السـ من القرن العشرين، مذ قاموا باستخدام بيانات التعداد السكاني والإحصاءات الديمعـ وإحصاءات متنوعة تخص الزيجات والوفيات، والطلاقات والولادات، وسحـ المستشفيات، وسجلات الضرائب، وسجلات الرواتب، وسجلات الأطفال، وسجـ المعونات الاجتماعية، وسجلات الأملاك والملكيّات، وسجلات المنتجعات والقـ والوقفيات والحدائق .. وإحصاء العربات والسيارات والنقل والسكك الحديدية و المسافرين وأعداد الحيوانات .. وغيرها من البيانات التي تحدّد جملة من المعاني الجديد دراسة شعوب بأكملها. وتشمل تلك الموضوعات التي تشمل القضايا السكانية معدلات النمو السكاني، ومعدّلات الولادة والوفاة والزواج والمرض، والتوزيعات المـ والتعليم والهجرة والتغيرات السكانية"

وعندما انتقل المؤلف إلى التطبيقات العملية للنظرية، حاول أن يعيد قراءة التاريخ العربي الإسلامي كله من خلال خمسين جيلاً متعاقباً تمتد بدايتها من أواخر القرن السادس الميلادي وصولاً إلى نهاية القرن الحادي والعشرين. وهنا يطرح سؤالاً مدهشاً: في أي جيل نحن؟ وفي أي عصر تاريخي نعيش؟

" نحن الآن قد انتهينا من الجيل السابع والأربعين ۱۹۷۹ - ٢٠٠٩ م، وستتلونا ثلاثة أجيال حتى عام ۲۰۹۹ م، حتّى يكتمل العصر الخامس الذي بدأ عام ١٧٩٩ م بالجيل الحادي والأربعين وهو جيل التأسيس النهضوي .. ثم تبعته حتى جيلنا الحالي الذي بدأ عام ١٩٧٩ أي على مدى ۲۲۰ سنة عاشت ستّة أجيال هي : جيل التنظيمات الإصلاحية، وجيل الحركة ٤٧٥" ينظر، سيّار الجميل، نظرية المجايلة التاريخية"

إنه سؤال يبدو بسيطاً لكنه يعكس رؤية مختلفة تماماً للزمن. فالزمن هنا ليس مجرد سنوات تتوالى على التقويم، بل بناء حضاري متحرك يتشكل من تفاعل الأجيال المتعاقبة.

ومن بين الصفحات التي توقفت عندها طويلاً تلك المخصصة للنساء المثقفات في التاريخ العربي الإسلامي. ففي وقت اعتادت فيه معظم السرديات التاريخية التقليدية أن تضع المرأة في الهامش، يحاول سيّار الجميل أن يدمجها في قلب عملية التكوين الحضاري. فهو يقدّم نماذج لعشرات العالمات والمحدثات والأديبات والمثقفات اللواتي شاركن في صناعة الثقافة العربية الإسلامية، مؤكداً أن تأثيرهن لم يكن هامشياً كما توحي بعض القراءات التقليدية، بل كان جزءاً من حركة المجايلة التاريخية نفسها.

بعنوان (دور المرأة ومجايلة النسوة المثقفات) دون عدد من اسماء النساء الشهيرات " بلغ عددهن (۱۸۹) امرأة، منهن (١٥) امرأة عشن في القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي، و (٨٥) امرأة عشن في القرن السادس للهجرة / الثاني عشر الميلادي، و (۸۰) امرأة امتدت حياتهن إلى أوائل القرن السابع للهجرة / الثالث عشر للميلاد، و (۹) منهن كن من المخضرمات بين القرنين.. مسندة خراسان زينب الشعرية، ومسندة مرو كريمة المروزية، ومسندتا بغداد تجنّي الوهبانية، وضوء الصباح عجيبة الباقدارية، ومسندة العراق الكاتبة شهدة الابري وغيرهن الكثيرات من النسوة المثقفات" (ينظر ، نظرية المجايلة التاريخية، ص 205)

غير أن الكتاب لا يتوقف عند الماضي، بل يمتد إلى المستقبل. ففي فصله الأخير الذي جاء بعنوان (عصر النهضة والمستقبليات العربية الاسلامية؛ اعادة لفهم التكوينات التاريخية في ضوء فلسفة المجايلة التاريخية) يدخل المؤلف إلى حقل المستقبليات، محاولاً استشراف مصير الأجيال القادمة في العالم العربي والإسلامي. وهو هنا لا يتحدث بلغة التنبؤ الغيبي، بل بلغة الاتجاهات الكبرى التي يمكن استنتاجها من قراءة المسارات التاريخية الطويلة.

ويذهب إلى أن الأجيال القادمة ستجد نفسها مضطرة للاعتماد على المعرفة والإنتاج والعمل، وأنها ستواجه تركة ثقيلة من الأزمات والصراعات والاختلالات التي خلفتها الأجيال السابقة. وهي رؤية تبدو اليوم أكثر راهنية مما كانت عليه عندما كتبها قبل أكثر من عقدين. كتب " إن الجيل القادم والمرقم (٤٨) الذي سيعايش ثلاثة عقود زمنيّة من القرن القادم أي بین ۲۰۰۹-۲۰۳۹ والذي سينتجه الجيل الحالي (٤٧) الذي يتخضرم بين القرنين. سيتحمّل جملة مشكلات ساخنة تورثه إياها الأجيال التي عاشت في القرن العشرين، ولما سيجد الجيل القادم نفسه في قلب تطوّرات وأزمة لا يمكننا تخيلها نظراً لتعقيداتها (ينظر، نظرية المجايلة التاريخية، ص 469- 470)

لكن أهمية هذا المشروع لا تكمن فقط في تفاصيله أو في نتائجه، بل في موقعه داخل تاريخ الفكر التاريخي نفسه. فمن يقرأ الكتاب يكتشف أنه يقف عند نقطة تقاطع بين تيارات معرفية عديدة. فهو يستلهم من ابن خلدون فكرة العمران، ومن التاريخ الجديد اهتمامه بالبنى العميقة، ومن السوسيولوجيا اهتمامها بالأجيال، ومن الأنثروبولوجيا حساسيتها تجاه الثقافة، ومن الإحصاء أدواته الكمية، ومن فلسفة التاريخ أسئلتها الكبرى.

أن ما استوقفني في نظرية المجايلة التاريخية هو ذلك الإيمان العميق بقدرة الإنسان على استئناف الفعل التاريخي مهما بلغت درجات التراجع والانكسار. فالرجل الذي قضى عمره يقرأ القرون الطويلة لا ينظر إلى التاريخ بوصفه قدراً مغلقاً، بل بوصفه مجالاً مفتوحاً للفعل الإنساني فغاية النظرية ليست مجرد تقسيم الأزمنة أو تصنيف الأجيال، بل إيقاظ الوعي التاريخي العقلاني الواقعي. إنها دعوة إلى أن يدرك كل جيل مسؤوليته الخاصة عن زمنه، وألا يعيش أسير أمجاد الماضي أو كوارثه.

إذ ادرك بحسه التاريخي المتمرس إن الأمم لا تنهض بالبكاء على الماضي، كما لا تتقدم بترديد أناشيد الأمجاد القديمة بل عندما تستأنف المبادرة والفعل و تنتج معرفة جديدة، ورؤية جديدة، ووعياً جديداً بالعالم وبذاتها والأمم التي تتوقف عن إنتاج المعرفة تتوقف تدريجياً عن إنتاج التاريخ.

وبذلك تبدو فكرة المجايلة التاريخية أقرب إلى فلسفة النهوض الحضاري منها إلى مجرد نظرية في التحقيب التاريخي . فهي تذكّرنا بأن كل جيل يرث العالم ناقصاً، ثم يغادره ناقصاً أيضاً، وأن القيمة الحقيقية لأي جيل لا تكمن في مقدار ما ورثه، بل في مقدار ما أضافه إلى الإرث الإنساني العام. وبهذا المعنى نفهم فكرة اللا اكتمال عند الدكتور خضير المرشدي رئيس المعهد العربي للتجديد العالمي إذ أكد" إن اللااكتمال ليس مجرد فلسفة، إنَّما عاصفة في قلب الغموض. إنه موقف وجودي يقول: الجهل ليس عار، بل بوابة الاكتشاف. والسؤال ليس ضعفاً، بل قوة تحطم جدران الروتين، في بيئة عربية لا تزال تتردد أمام التغيير وتتهم وتشتم مع يسعى لذلك ، وتميل إلى اليقين كملاذ آمن، يأتي اللا اكتمال كثورة فكرية، يحثنا على القفز إلى المجهول بشجاعة، وعلى بناء الأفكار من الأسئلة، كما يبني الفنان تحفته من الفراغ"

خاتما يمكننا القول: أن قيمة نظرية المجايلة التاريخية تكمن تحديداً في أنها تقف عند هذا الحد الفاصل بين الماضي والمستقبل. فهي تنتمي إلى تقاليد التاريخ الجديد من جهة، لكنها تنفتح من جهة أخرى على إمكانات التاريخ الكمي وتحليل البيانات. إنها محاولة عربية جادة لإعادة التفكير في الزمن الحضاري بوصفه بنية معقدة من العلاقات والأجيال والتكوينات المتداخلة.

ولهذا فإن الحوار مع سيّار الجميل ليس حواراً حول نظريته في سلسة الأجيال فحسب، بل حول معنى التاريخ في زمن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وكيف نعيد بناء وعينا بالزمن في عصر تتسارع فيه التحولات إلى حد يجعل الماضي نفسه مادة لإعادة الاكتشاف في كل لحظة؟ فنحن نقف على أعتاب براديغم تاريخي جديد تُشكّله الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد التاريخ مجرد سرد أو تحليل للوثيقة، بل صار شبكة من البيانات الضخمة، تُقرأ بالخوارزميات والتعلّم العميق، ويعاد إنتاجها على ضوء تفاعل الإنسان مع الآلة. لقد أصبح المؤرخ يجاور عالم البيانات، وأضحت الذاكرة الإنسانية رقميّة، قابلة للدمج والحذف والتحليل اللحظي. وهنا يطرح السؤال الفلسفي الحادّ:هل نحن أمام ميلاد مدرسة تاريخية جديدة؟ مدرسة التاريخ الخوارزمي، حيث يُصبح ماضي الإنسان قابلًا للحوسبة؟أم أن الذكاء الاصطناعي سيُحوّل التاريخ إلى محاكاة تحجب معنى التجربة الإنسانية نفسها؟

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

من الثبات إلى التفاوض

في قلب النقاشات المعاصرة حول الإنسان والمجتمع، يبرز سؤال الهوية والاختلاف كأحد أكثر الأسئلة إلحاحًا في الفكر الأنثروبولوجي الحديث. فالهوية لم تعد تُفهم بوصفها جوهرًا ثابتًا أو معطىً طبيعيًا، بل باعتبارها بناءً اجتماعيًا وثقافيًا يتشكل عبر التفاعل المستمر بين الذات والآخر، وبين المحلي والعالمي. أما الاختلاف، فقد تحول من كونه مجرد علامة على التباين إلى أداة معرفية أساسية لفهم الإنسان في سياقاته المتعددة، حيث يُنظر إليه كنافذة لفهم التنوع البشري بدلًا من كونه تهديدًا للوحدة أو الانسجام.

لقد أسهمت التحولات الكبرى التي شهدها العالم منذ منتصف القرن العشرين – من انهيار الاستعمار إلى صعود العولمة والرقمنة – في إعادة صياغة مقاربات الأنثروبولوجيا للهوية والاختلاف. فبينما كان التركيز في الأنثروبولوجيا الكلاسيكية منصبًا على دراسة "الآخر البعيد" في المجتمعات التقليدية، أصبح الفكر الأنثروبولوجي الحديث ينظر إلى الهوية باعتبارها عملية تفاوض وتأويل مستمرة، تتأثر بالهجرة، والاندماج، والتهجين الثقافي، وبروز فضاءات جديدة مثل العالم الافتراضي.

في هذا السياق، لم يعد السؤال الأنثروبولوجي مقتصرًا على "من نحن؟" أو "من هم الآخرون؟"، بل أصبح يتجاوز ذلك إلى مساءلة آليات إنتاج الهوية، والسلطة الكامنة في تعريف الذات والآخر، والكيفية التي يُعاد بها تشكيل الاختلاف في ظل التوترات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وهكذا، فإن الهوية والاختلاف لم يعودا مجرد موضوعين للدراسة، بل أصبحا محورين لفهم أعمق للعلاقات الإنسانية في عالم متغير، حيث تتقاطع الثقافة مع السلطة، والمعرفة مع التجربة، والذات مع الآخر في شبكة معقدة من المعاني والدلالات.

مفهوم الهوية في الفكر الأنثروبولوجي

في الفكر الأنثروبولوجي الحديث، لم تعد الهوية تُفهم كجوهر ثابت أو كيان مغلق، بل كعملية اجتماعية وثقافية متحركة تتشكل باستمرار عبر التفاعل مع السياقات التاريخية والسياسية والاقتصادية. فهي ليست بطاقة تعريف جامدة، وإنما بناء اجتماعي يتغير مع الزمن، يتأثر بالهجرة، بالعولمة، وبالتحولات الرمزية التي تعيد صياغة معنى الانتماء. الأنثروبولوجيون يرون أن الهوية ليست معطى طبيعيًا يولد مع الفرد، بل هي نتاج للتفاعل مع الآخرين، تُنتج من خلال الخطاب والممارسات اليومية والرموز الثقافية، ما يجعلها عملية تفاوض وتأويل دائم بين الذات والآخر. بهذا المعنى، الهوية ليست ماهية، بل سيرورة، وليست جوهرًا بل شبكة من العلاقات التي تُعيد إنتاج نفسها باستمرار. العلاقة بين الفرد والجماعة هنا تأخذ طابعًا جدليًا؛ فالفرد يعرّف نفسه من خلال الجماعة، والجماعة تُعيد إنتاج هويتها عبر أفرادها، مما يجعل الهوية دائمًا في حالة إعادة تعريف بين "نحن" و"هم". ومن ثم، فإن الهوية في الأنثروبولوجيا الحديثة تُفهم كحقل للتوتر بين الثبات والتحول، بين الاستمرارية والانقطاع، وبين الذات والآخر، حيث يصبح الاختلاف جزءًا من عملية البناء نفسها لا مجرد عنصر خارجي يهددها.

الاختلاف كأداة للفهم الأنثروبولوجي

يُنظر إلى الاختلاف في الفكر الأنثروبولوجي الحديث، لا باعتباره مجرد علامة على التباين بين الثقافات، بل كأداة معرفية أساسية لفهم الإنسان في سياقاته المتعددة. فالاختلاف هو الذي يفتح المجال أمام الأنثروبولوجي ليقرأ المجتمع من الداخل والخارج في آن واحد، ويكشف عن أنماط التفكير والممارسة التي قد تبدو مألوفة لأصحابها لكنها تحمل دلالات عميقة عند مقارنتها بغيرها. بهذا المعنى، يصبح الاختلاف ليس تهديدًا للوحدة أو الانسجام، بل شرطًا لإنتاج المعرفة، إذ إن فهم الذات لا يكتمل إلا عبر مواجهة الآخر المختلف. ومن هنا، فإن الأنثروبولوجيا لا تكتفي بوصف الاختلاف، بل تسعى إلى تأويله، وتحويله إلى مدخل لفهم التنوع البشري، حيث تُقرأ الرموز والطقوس والعادات في ضوء ما تكشفه من تمايزات داخلية وخارجية.

لقد كان الاختلاف في الأنثروبولوجيا الكلاسيكية يُستخدم غالبًا لتأكيد مركزية الثقافة الغربية في مواجهة "الآخر البعيد"، لكن الفكر الأنثروبولوجي الحديث أعاد صياغة هذا المفهوم ليصبح أداة نقدية تكشف عن حدود تلك المركزية، وتعيد الاعتبار للمعرفة المحلية وللتجارب المتعددة التي تشكل العالم. فالاختلاف هنا ليس مجرد مقارنة بين "نحن" و"هم"، بل هو عملية معقدة من التفاعل والتفاوض، حيث يُعاد تعريف الهوية باستمرار في مواجهة التباينات الثقافية والاجتماعية. وهكذا، يتحول الاختلاف إلى فضاء للتأمل في معنى الإنسانية نفسها، وإلى وسيلة لفهم كيف تُبنى المجتمعات وتُعيد إنتاج ذاتها عبر التمايز والتنوع.

إن الأنثروبولوجيا الحديثة ترى أن الاختلاف ليس حالة استثنائية، بل هو القاعدة التي يقوم عليها الاجتماع البشري. فكل مجتمع يحمل داخله اختلافات طبقية، جندرية، دينية، وإثنية، وهذه الاختلافات هي التي تمنحه ديناميكيته وتجعله قابلًا للتطور. ومن ثم، فإن دراسة الاختلاف لا تعني فقط النظر إلى ما يميز ثقافة عن أخرى، بل أيضًا إلى ما يميز الأفراد داخل الثقافة الواحدة، وكيف يُعاد إنتاج السلطة والمعنى عبر هذه التمايزات. بهذا الشكل، يصبح الاختلاف في الفكر الأنثروبولوجي الحديث أداة لفهم الإنسان في تعدده، ولتفكيك التصورات السائدة عن الوحدة والانسجام، ولإعادة التفكير في العلاقة بين الهوية والآخر في عالم يتغير باستمرار.

الهوية والاختلاف في زمن العولمة

تتخذ الهوية والاختلاف في الفكر الأنثروبولوجي أبعادًا جديدة ومعقدة في زمن العولمة، حيث لم يعد الانتماء الثقافي أو الوطني قائمًا على حدود جغرافية واضحة أو على استمرارية تقليدية، بل أصبح يتشكل في فضاء مفتوح تتداخل فيه الشبكات الاقتصادية والسياسية والرقمية. الهوية هنا تتحول إلى عملية تفاوض مستمرة بين المحلي والعالمي، بين الأصالة والاندماج، وبين الانتماء الوطني والانتماء الكوني. فالعولمة لا تذيب الهويات بالضرورة، لكنها تعيد صياغتها في أشكال هجينة تجمع بين عناصر متعددة، ما يجعل الفرد يعيش في حالة من التعدد والانفتاح، وأحيانًا في حالة من التوتر والازدواجية.

الأنثروبولوجيا الحديثة تقرأ هذه التحولات بوصفها جزءًا من ديناميكيات جديدة للعلاقات الإنسانية، حيث يصبح الاختلاف ليس فقط بين الثقافات، بل أيضًا داخل الثقافة الواحدة، نتيجة لتأثيرات الهجرة، الإعلام الرقمي، وتدفق الرموز والمعاني عبر الحدود. في هذا السياق، يُعاد تعريف الهوية باستمرار، وتصبح مسألة "من نحن؟" مرتبطة بالقدرة على التفاعل مع الآخر المختلف، سواء كان هذا الآخر قريبًا أو بعيدًا، واقعيًا أو افتراضيًا. وهكذا، فإن الهوية في زمن العولمة لم تعد مجرد علامة على الانتماء، بل فضاء للتفاوض بين قوى متعددة، حيث يتقاطع الفرد مع الجماعة، والمحلي مع العالمي، والذات مع الآخر في شبكة معقدة من المعاني والدلالات.

بهذا المعنى، يصبح الاختلاف في زمن العولمة أداة لفهم كيف تُبنى الهويات الجديدة، وكيف يُعاد إنتاج السلطة والمعنى في عالم متغير. فالأنثروبولوجيا لا تكتفي بوصف هذه الظواهر، بل تسعى إلى تحليلها بوصفها جزءًا من إعادة تشكيل الإنسانية نفسها، حيث تتداخل الثقافات وتتفاعل في فضاءات جديدة، وتُعاد صياغة الهوية في مواجهة تحديات الانفتاح والاندماج والرقمنة.

المقاربة الأنثروبولوجية المعاصرة

في المقاربة الأنثروبولوجية المعاصرة، لم يعد الهدف مجرد وصف المجتمعات أو تسجيل ممارساتها اليومية، بل أصبح التركيز منصبًا على تحليل البُنى العميقة التي تنتج الهوية والاختلاف، وعلى مساءلة السلطة والمعنى الكامن وراء هذه البُنى. الأنثروبولوجيا اليوم تتحرك بين مستويات متعددة: فهي تدرس الرموز والطقوس بوصفها لغة ثقافية، وتفكك الخطابات السياسية والاجتماعية التي تُعيد إنتاج الهوية، كما تنفتح على الفضاء الرقمي لفهم كيف تُبنى الذات في عالم افتراضي يتجاوز الحدود المكانية التقليدية. هذا التحول يعكس انتقال الأنثروبولوجيا من كونها علمًا وصفيًا إلى كونها علمًا نقديًا، يسائل المركزية الغربية، ويعيد الاعتبار للمعرفة المحلية، ويكشف عن التوترات بين السلطة والمعنى في تشكيل الهوية.

المقاربة المعاصرة أيضًا تتبنى أدوات جديدة، مثل الأنثروبولوجيا الرقمية التي تدرس التفاعلات في وسائل التواصل الاجتماعي، والأنثروبولوجيا السياسية التي تركز على العلاقة بين الهوية والسلطة، والأنثروبولوجيا الرمزية التي تقرأ الطقوس والعادات بوصفها نصوصًا ثقافية. في هذا السياق، يصبح الأنثروبولوجي ليس مجرد مراقب خارجي، بل مشارك في عملية إنتاج المعرفة، حيث يُعيد التفكير في موقعه ودوره، ويعترف بأن كل قراءة للهوية والاختلاف هي أيضًا فعل تأويلي مشروط بسياق الباحث نفسه. وهكذا، فإن المقاربة الأنثروبولوجية المعاصرة تضع الهوية والاختلاف في قلب النقاش حول الإنسان، وتفتح المجال أمام فهم أعمق للعلاقات الإنسانية في عالم يتغير باستمرار، حيث تتقاطع الثقافة مع السلطة، والمعرفة مع التجربة، والذات مع الآخر في شبكة معقدة من المعاني والدلالات.

الهوية كحقل للتفاوض والتأويل

في الفكر الأنثروبولوجي الحديث، تُفهم الهوية كحقل للتفاوض والتأويل أكثر من كونها معطىً جاهزًا أو حقيقة نهائية. فهي ليست مجرد انعكاس لانتماء ثابت، بل عملية معقدة تتداخل فيها السلطة والمعنى، حيث يُعاد تعريف الذات باستمرار في مواجهة الآخر المختلف. الهوية هنا تُبنى عبر الخطاب والممارسة، وتُعاد صياغتها في سياقات اجتماعية وسياسية واقتصادية متغيرة، ما يجعلها دائمًا مفتوحة على احتمالات جديدة. ومن هذا المنطلق، يصبح السؤال حول الهوية سؤالًا حول من يملك حق تعريف الذات، وكيف تُستخدم الرموز والمعاني لتثبيت أو زعزعة هذا التعريف. فالهوية ليست فقط شأنًا فرديًا، بل هي أيضًا أداة جماعية تُوظف في الصراع على السلطة، وفي إنتاج الشرعية، وفي بناء الحدود بين "نحن" و"هم".

الاختلاف في هذا السياق لا يُفهم كتهديد، بل كجزء من عملية التفاوض نفسها، إذ يُعاد من خلاله تحديد الهوية وتوسيعها أو تضييقها. فالمجتمعات لا تعيش في انسجام مطلق، بل في توترات مستمرة بين مكوناتها، وهذه التوترات هي التي تمنح الهوية معناها وحيويتها. ومن هنا، فإن الأنثروبولوجيا الحديثة ترى أن الهوية ليست مجرد انعكاس للواقع، بل هي نص مفتوح للتأويل، يُكتب ويُعاد كتابته باستمرار عبر التفاعل بين الأفراد والجماعات، وبين المحلي والعالمي، وبين الماضي والحاضر. بهذا المعنى، تصبح الهوية فضاءً للتفاوض، حيث تُمارس السلطة ويُنتج المعنى، وحيث يُعاد تعريف الذات والآخر في شبكة معقدة من العلاقات الإنسانية.

البعد المعرفي والنقدي للهوية والاختلاف

في الفكر الأنثروبولوجي الحديث، يبرز البعد المعرفي والنقدي للهوية والاختلاف بوصفه محورًا أساسيًا لفهم كيفية إنتاج المعرفة ذاتها. فالأنثروبولوجيا لا تدرس الهوية والاختلاف فقط كظواهر اجتماعية، بل أيضًا كآليات معرفية تحدد كيف يُبنى العلم وكيف تُمارس السلطة داخل الحقول الأكاديمية والثقافية. الهوية هنا تُفهم كإطار معرفي يحدد من يملك حق الكلام والتمثيل، والاختلاف يُقرأ كأداة تكشف عن حدود هذه المعرفة وتفضح انحيازاتها. ومن هذا المنطلق، يصبح التفكير في الهوية والاختلاف ليس مجرد دراسة للثقافات، بل أيضًا مساءلة للأنثروبولوجيا نفسها، وللمناهج التي استخدمتها عبر تاريخها في تمثيل الآخر.

لقد أظهرت الدراسات النقدية وما بعد الكولونيالية أن الهوية والاختلاف كثيرًا ما استُخدما في الماضي لتكريس المركزية الغربية، حيث جرى تصوير الآخر بوصفه "مختلفًا" بشكل جوهري، ما منح الغرب موقعًا مهيمنًا في إنتاج المعرفة. لكن الأنثروبولوجيا المعاصرة أعادت النظر في هذه الممارسات، وسعت إلى بناء مقاربة أكثر توازنًا، تعترف بالمعرفة المحلية، وتُعيد الاعتبار لتجارب المجتمعات التي كانت تُدرس بوصفها موضوعًا خارجيًا. بهذا الشكل، يصبح الهوية والاختلاف مجالًا لإعادة التفكير في علاقة الباحث بالمبحوث، وفي كيفية إنتاج خطاب علمي أكثر عدالة وشمولًا.

إن هذا البعد المعرفي يفتح المجال أمام الأنثروبولوجيا لتكون علمًا نقديًا يراجع نفسه باستمرار، ويكشف عن التوترات بين السلطة والمعرفة، وبين الذات والآخر، ليس فقط في المجتمعات المدروسة، بل أيضًا في الحقل الأكاديمي ذاته. وهكذا، فإن الهوية والاختلاف في الفكر الأنثروبولوجي الحديث لا يقتصران على دراسة الإنسان في سياقاته الاجتماعية، بل يتجاوزان ذلك إلى مساءلة البُنى المعرفية التي تحدد كيف نفكر في الإنسان، وكيف نعيد إنتاج معاني الانتماء والاختلاف في عالم يتغير باستمرار.

الهوية كعملية مفتوحة والاختلاف كشرط للفهم

يتضح في الختام أن الهوية والاختلاف في الفكر الأنثروبولوجي الحديث ليسا مجرد موضوعين للدراسة، بل هما إطاران لفهم الإنسان في عالم متغير ومعقد. الهوية لم تعد تُفهم كجوهر ثابت أو معطى طبيعي، بل كعملية اجتماعية وثقافية تتشكل باستمرار عبر التفاعل مع الآخر، ومع القوى السياسية والاقتصادية التي تعيد صياغة معنى الانتماء. أما الاختلاف، فقد تحول من كونه علامة على التباين إلى أداة معرفية أساسية، تُستخدم لفهم التنوع البشري، ولتفكيك التصورات السائدة عن الوحدة والانسجام، ولإعادة التفكير في العلاقة بين الذات والآخر.

العولمة والرقمنة والهجرة أعادت تشكيل الهوية في أشكال هجينة، حيث يعيش الفرد في حالة من التعدد والانفتاح، وأحيانًا في حالة من التوتر والازدواجية. والمقاربة الأنثروبولوجية المعاصرة لم تعد تكتفي بالوصف، بل أصبحت نقدية، تكشف عن السلطة والمعنى الكامن وراء بناء الهوية، وتقرأ الاختلاف بوصفه فضاءً للتفاوض والتأويل. وهكذا، فإن الهوية والاختلاف يشكلان معًا شبكة من العلاقات الإنسانية التي تُعيد إنتاج نفسها باستمرار، حيث تتقاطع الثقافة مع السلطة، والمعرفة مع التجربة، والذات مع الآخر في فضاء مفتوح على احتمالات جديدة.

إن الدرس الأهم الذي يقدمه الفكر الأنثروبولوجي الحديث هو أن الهوية ليست حقيقة نهائية، بل نص مفتوح يُعاد كتابته باستمرار، وأن الاختلاف ليس تهديدًا، بل شرطًا لفهم الإنسان في تعدده. ومن هنا، فإن التفكير في الهوية والاختلاف لا يعني فقط دراسة الماضي أو الحاضر، بل أيضًا استشراف المستقبل، حيث سيظل الإنسان في حالة تفاوض دائم مع ذاته ومع الآخر، في عالم يتغير باستمرار ويعيد صياغة معاني الانتماء والاختلاف.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

 

(1850- 2026)

رأينا في المقال السابق كيف أسهم النسق الإصلاحي العقلاني الذي ساد مرحلة النهضة في منح التدين قدرةً ملحوظة على التعايش مع التحولات الحديثة، كما أتاح قدرًا من التقارب بين المتفقهين والمثقفين داخل فضاء فكري واجتماعي مشترك، حيث لم تكن الحدود بين الإصلاح الديني والإصلاح الاجتماعي والسياسي قد اكتسبت بعدُ طابعها الصارم الذي عرفته المراحل اللاحقة.

غير أن هذا التوازن لم يدم طويلًا، إذ بدأت التحولات السياسية والاستعمارية تعيد تشكيل مفهوم التدين ووظيفته داخل الوعي الجمعي العربي، ليدخل في مسارات جديدة أكثر تعقيدًا وتشابكًا. وفي هذا المقال ننتقل إلى دراسة المرحلة التالية الممتدة من أعقاب الحرب العالمية الأولى حتى منتصف القرن العشرين، للوقوف على أبرز التحولات التي طرأت على مفهوم التدين في ظل المتغيرات السياسية والاجتماعية والفكرية التي شهدها العالم العربي والإسلامي آنذاك، حيث نجد أن مفهوم التدين بدأ يتحرك داخل نسق مغاير تمامًا لما كان عليه في لحظة النهضة؛ إذ لم تعد الأسئلة المركزية تدور حول الإصلاح والعمران والتحديث بقدر ما أصبحت تدور حول الهوية والبقاء والمقاومة.

فمع توغل الاستعمار في المجال العربي والإسلامي، وتهاوي ما تبقى من البنى الجامعة التقليدية، بدأ الوعي الجمعي يعيش حالة قلق حضاري حاد، الأمر الذي دفع قطاعات واسعة من الشبيبة إلى البحث عن ملاذ رمزي يعيد إليها الشعور بالتماسك والانتماء. وهنا بالتحديد بدأ التدين يتحول من كونه مشروعًا إصلاحيًا مفتوحًا إلى كونه هوية مقاومة ومشحونة بالتوتر الحضاري.

ولعل الأمر الذي ينبغي التنبيه إليه هنا أن هذا التحول لم يكن وليد التنظير الفكري وحده، بل كان ثمرة نسقية معقدة تشابكت فيها الهزائم السياسية مع التفكك الاجتماعي ومع تغوّل النموذج الغربي في التعليم والإدارة والثقافة. فقد شعر كثير من الناس آنذاك أن المجال العام يُعاد تشكيله بعيدًا عن المرجعية الإسلامية، وأن الدولة الوطنية الناشئة تتجه تدريجيًا نحو أنماط من العلمنة والإدارة الحديثة لا تمنح الدين موقعه المركزي الذي كان يحتله سابقًا. ومن ثَمّ، بدأ التدين يكتسب وظيفة دفاعية جديدة، لا بوصفه علاقة روحية وأخلاقية فحسب، بل بوصفه وسيلة لحماية الذات الحضارية من الذوبان داخل الأغيار.

وفي هذا السياق تحديدًا ظهرت الحركات التنظيمية الحديثة التي أعادت بناء مفهوم التدين على أسس أكثر حركية وانضباطًا. ولم يعد التدين مجرد تجربة فردية مرتبطة بالتزكية والعبادة، بل صار يدخل شيئًا فشيئًا في بنية التنظيم والتعبئة وإعادة تشكيل المجتمع. وهنا يبدوا التحول بالغ الأهمية؛ لأن التدين بدأ ينتقل من فضاء المسجد والكتاب والمدرسة إلى فضاء الجماعة والتنظيم والنسق الحركي المغلق أحيانًا. والأمر الذي يقودنا إلى ملاحظة فارقة أن صورة «المتدين» نفسها بدأت تتغير داخل الوعي الجمعي، فلم يعد المتدين هو ذلك الإنسان المنصرف إلى إصلاح نفسه ومجتمعه بهدوء، بل أصبح في بعض السياقات هو الإنسان المنخرط في مشروع تعبوي واسع يسعى إلى إعادة صياغة المجال العام بأكمله.

ومع تزايد الاستقطاب السياسي والفكري، بدأت بعض النهوج التنظيمية تميل إلى رسم حدود حادة بين «المتدين» و«غير المتدين»، وهي الحدود التي ستتضخم لاحقًا بصورة أكثر حدة. فقد تحوّل التدين تدريجيًا إلى غرابيل اجتماعية وثقافية يتم من خلالها تصنيف الناس والحكم على وعيهم ودرجة التزامهم. وشيئًا فشيئًا، أخذت بعض المظاهر الشكلية تحتل موقعًا متقدمًا في تعريف التدين داخل المخيال الشعبي، بينما تراجعت الأسئلة الكبرى المرتبطة بالأخلاق والعمران والحرية والعدالة. ومن هنا بدأت تظهر البذور الأولى لذلك الانزياح الذي سيقود لاحقًا إلى اختزال الدين في مظاهر جزئية أو شعارات مغلقة، الأمر الذي مهّد الطريق أمام بعض المجترئين كي يحتكروا الحديث باسم الدين ذاته.

ناهیک عن أن التحولات الدولية آنذاك أسهمت بدورها في إعادة تشكيل التدين داخل المجال العربي والإسلامي؛ فصعود القوميات الحديثة، وانهيار الخلافة العثمانية، وتزايد الخطاب الاستعماري، كلها عوامل دفعت قطاعات من الشبيبة إلى النظر إلى التدين بوصفه آخر الحصون المتبقية في مواجهة التفكك الحضاري.

غير أن المشكلة لم تكن في هذا الشعور في ذاته، بل في الكيفية التي أُعيد بها تشكيله داخل بعض الأنساق الحركية المغلقة، بحيث تحوّل أحيانًا من قوة أخلاقية منفتحة إلى أداة للمفاصلة والاستقطاب. وهنا بالتحديد بدأ التدين يفقد شيئًا من طابعه الإصلاحي الرحب الذي ميّز لحظة النهضة، ليدخل تدريجيًا في مسارات أكثر توترًا واحتقانًا، الأمر الذي سيبلغ ذروته لاحقًا مع مرحلة الصدام الأيديولوجي والدولة الوطنية بعد منتصف القرن العشرين.

وإذا ما حاولنا الاقتراب من المرحلة الممتدة منذ تسعينيات القرن العشرين وحتى ما قبل الثورات العربية، نجد أن مفهوم التدين بدأ يدخل طورًا جديدًا مختلفًا في بنيته ووظيفته معًا؛ إذ لم يعد التدين في هاتيك اللحظة خاضعًا بالكامل لسلطة المؤسسة الدينية التقليدية، ولا لسلطة التنظيمات الحركية المغلقة كما كان في العقود السابقة، بل بدأ يتحرك داخل فضاء سيّال ومفتوح أعادت تشكيله العولمة والفضائيات والثورة الاتصالية المتسارعة.

ومن هنا تحديدًا بدأت تتفكك النسقية الصلبة التي حكمت التدين طوال عقود، لتحل محلها حالة من التعدد والتشظي والانتقائية، الأمر الذي يقودنا إلى ما يمكن تسميته فعلًا بـ«المنطق المائي» للتدين المعاصر؛ حيث لا يقين مستقر، ولا مركزية معرفية واحدة، ولا سلطة قادرة على احتكار تشكيل الوعي الجمعي كما كان الأمر سابقًا. فقد شهد حاضرنا المعيش آنذاك انفجارًا هائلًا في وسائل الإعلام الديني، بدءًا من أشرطة الكاسيت التي هيمنت في الثمانينيات، وصولًا إلى القنوات الفضائية العابرة للحدود في التسعينيات وبداية الألفية الجديدة.

وهنا ظهر ما يمكن وصفه بـ«التدين الإعلامي»؛ إذ لم يعد المتدين يتلقى معارفه عبر حلقات العلم التقليدية أو المؤسسات التعليمية وحدها، بل صار يتشكل عبر الشاشات والبرامج الجماهيرية والخطابات السريعة التي تخاطب العاطفة أكثر مما تبني المعرفة العميقة. والأمر الذي يبدوا بالغ الدلالة أن صورة الشيخ نفسها تغيرت؛ فلم يعد الشيخ مجرد متفقه أو عالم تقليدي، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى شخصية جماهيرية قادرة على التأثير في الشبيبة عبر الأداء الإعلامي والكاريزما واللغة المبسطة.

وفي هذا السياق برز نمط جديد من التدين يمكن وصفه بالتدين الانتقائي أو الفرداني؛ إذ أخذ الأفراد يُعيدون تركيب تدينهم بأنفسهم خارج الأنساق التقليدية الصارمة. فلم يعد الإنسان ملتزمًا بنهج فقهي أو حركي واحد، بل صار ينتقي من الخطابات والفتاوى والممارسات ما يتوافق مع تجربته الشخصية وواقعه الاجتماعي.

 ومن ثَمّ، أصبح التدين أكثر مرونة وسيولة، لكنه في الوقت ذاته فقد كثيرًا من تماسكه المعرفي القديم. وهنا بدأت تظهر ظواهر شديدة التعقيد؛ كتدين الاستهلاك، والتدين المناسباتي، والتدين العاطفي السريع، وهي ظواهر لم تكن مألوفة بالصورة ذاتها في المراحل السابقة. ناهیک عن أن العولمة الثقافية أعادت هي الأخرى تشكيل علاقة الشبيبة بالدين والهوية. فقد وجد كثير من الشباب أنفسهم يتحركون بين عوالم متناقضة؛ عالم محلي محافظ، وعالم رقمي عالمي مفتوح على كل الأفكار والصور وأنماط الحياة. وهذا التداخل بين الأنساق المختلفة خلق حالة من القلق الهوياتي المستمر، الأمر الذي دفع بعضهم إلى مزيد من التشدد والانغلاق، بينما دفع آخرين إلى أنماط من التدين الخفيف أو الرمزي أو حتى الانفصال التدريجي عن المجال الديني كله.

وهنا يبدوا أن الأزمة لم تعد أزمة التزام ديني فحسب، بل أزمة معنى وهوية وموقع داخل عالم متغير بصورة متسارعة. ولعل أخطر ما في هذه المرحلة أن التدين أصبح أكثر قابلية للتسليع والاستهلاك الإعلامي. فقد دخل السوق بقوة إلى المجال الديني، وتحول بعض الخطاب الدعوي إلى منتج جماهيري يخضع لقوانين المشاهدة والتأثير والانتشار. ومن هنا ظهرت شخصيات دعوية جديدة تخاطب الطبقات الوسطى بلغة التنمية البشرية والنجاح الفردي أكثر من مخاطبتها للأسئلة المعرفية والروحية العميقة. وبينما رأى بعض المشككين في هذه الظاهرة نوعًا من التخفف الإيجابي من الراديكالية القديمة، رأى آخرون أنها قادت إلى تفريغ التدين من مضمونه المعرفي والتحويلي، وتحويله إلى ممارسة استهلاكية ناعمة لا تمس البنى العميقة للوعي أو السلوك.

 نخلص إذن إلى أن هاتيك المرحلة لم تشهد تراجع التدين بقدر ما شهدت إعادة تشكيله داخل نسق عالمي جديد تحكمه السرعة والسيولة وتفكك المرجعيات الكبرى. حيث خرج التدين من الأطر المغلقة القديمة، لكنه لم يدخل في المقابل إلى حالة استقرار معرفي أو أخلاقي واضحة، بل أصبح يتحرك داخل فضاء متشظٍّ تتنازعه المؤسسات الرسمية، والحركات الحركية، وقادة الرأي، والإعلام، والسوق، والمنصات العابرة للحدود.

وهكذا صار التدين أكثر حضورًا في المجال العام من جهة، وأكثر هشاشة واضطرابًا من جهة أخرى، الأمر الذي سيمهد لاحقًا للانفجار الأكبر مع الثورات العربية وصعود الإعلام الرقمي والخوارزميات في العقد التالي.

وللحديث بقية؛ إذ ننتقل في المقال القادم إلى المرحلة التالية، وهي مرحلة ما بعد الثورات العربية منذ عام 2011م وحتى وقتنا الراهن، حيث يبدو أن مفهوم التدين قد دخل أكثر مراحله سيولةً واضطرابًا منذ بدايات العصر الحديث. فلم تعد التحولات تقتصر على مضامين الخطاب الديني أو أنماط الممارسة التعبدية فحسب، بل امتدت لتطال مصادر الشرعية الدينية وآليات إنتاج المعرفة وتشكيل الوعي الديني ذاته، في ظل فضاء رقمي مفتوح وتحولات اجتماعية وثقافية متسارعة أعادت رسم العلاقة بين الفرد والدين والمجتمع على نحو غير مسبوق.

***

بقلم د. بدر الفيومي

 

لَيست عُزلة المثقف حادثةً عابرة في تاريخ الفكر الإنساني، بلْ هي قَدَرٌ يتكرر كُلَّما ازدادَ وعي الإنسان بذاته وبالعالَم مِن حَوله. المثقفُ، بِحُكم موقعه بين الواقع والحُلْم، وبين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، يجد نفسه في كثير من الأحيان غريبًا عن مُحيطه، ومُحَاصَرًا بأسئلة لا تَشغل الآخرين، ومُثْقَلًا برؤية تتجاوز حدودَ اليَومي والعابر. ومِن هُنا تبدو العُزلة تجربة وجودية عميقة يعيشها أصحابُ الفكر والإبداع في مختلف الثقافات، ولَيست انقطاعًا عن المجتمع والعالَمِ.

عِند التأمل في تجربة الأديب الأردني عيسى الناعوري (1918- 1985) وتجربة الروائي الياباني ناتسومي سوسيكي (1867- 1916)، نجد أن المسافة الجغرافية والحضارية الشاسعة بينهما لَم تمنع من التقاء تجربتيهما عند نقطة جَوهرية هي عُزلة المثقف. عاشَ كُلٌّ منهما قلقَ الإنسانِ الذي يمتلك وعيًا يتجاوز عصره، ويشعر في الوقت نفسه بثقل الانتماء إلى مجتمع يتغير بِبُطء، أوْ يتغير في اتجاه لا ينسجم معَ تطلعاته الرُّوحية والفكرية.

يُشكِّل الناعوري واحدًا من أبرز الوجوه الثقافية العربية في القرن العشرين، فقدْ جمع بين الأدبِ والترجمة والعمل الثقافي، وسعى إلى بناء جسور معرفية بين الثقافة العربية والثقافات العالمية، غَير أنَّ هذه الرحلة الفكرية لَم تكن خالية من الشعور بالغربة والعزلة.

كانَ الناعوري يرى الثقافةَ رسالةً تتجاوز حدودَ الترف الفكري، لذلك اصطدمَ مِرارًا بواقع لا يَمنح المعرفةَ مكانتها المستحقة. فالمثقفُ في مجتمعات كثيرة يجد نفسه مُطالَبًا بأن يكون شاهدًا على التحولات الاجتماعية والسياسية، لكنَّه في الوقت نفسه عاجزٌ عن التأثير المباشر فيها. وهكذا تتشكل عُزلة مزدوجة: عُزلة عن العامَّة الذينَ لا يدركون أهمية مشروعه الثقافي، وعُزلة عن المؤسسات التي كثيرًا ما تنظر إلى الثقافة بوصفها هامشًا لا مَركزًا.

انعكستْ هذه التجربة في كتاباته التي تفيض بإحساس عميق بالحنين، والبحثِ عن المعنى. والناعوري لَم يكن منفصلًا عن مُجتمعه، لكنَّه كان يشعر أحيانًا بأنه يسير أمام زمنه بخطوات، فيرى مَا لا يراه الآخرون، ويَحمل هُمومًا تتجاوز حدودَ اللحظة الراهنة. ومِن هُنا كانت عُزلته عزلة المفكر الذي يزداد التصاقًا بقضايا أُمَّته كلما ازدادَ شعوره بالوَحدة.

أمَّا ناتسومي سوسيكي فقدْ عاشَ واحدةً من أكثر التجارب الفكرية تعقيدًا في تاريخ اليابان الحديث. فقدْ جاء في مرحلة انتقالية شهدت انفتاحَ اليابان على الغرب بصورة غير مسبوقة، وكانَ عليه أن يُواجه السؤالَ الكبير: كيف يمكن للإنسان الياباني أن يحافظ على هُويته وسط مَوجة التحديث الجارفة؟.

عندما أُرْسِلَ سوسيكي إلى بريطانيا للدراسة، لَم تكن الرحلة مُجرَّد انتقال جُغرافي، بلْ كانت مُواجهة حادَّة مع اختلاف الحضارات. هُناك اكتشفَ أن المعرفة الغربية التي كان يسعى إليها لا تمنحه الطمأنينة التي توقَّعها. بلْ على العكس، ازدادتْ غُربته حِدَّةً، وشعر بأنه يقف بين عَالَمَيْن لا ينتمي تمامًا إلى أيٍّ مِنهما.

وتظهر هذه الأزمة بوضوح في رواياته الكُبرى، حيث تتكرر صورة الفرد المنعزل الذي يعجز عن بناء جسور حقيقية معَ الآخرين.إنَّ أبطال سوسيكي لَيسوا أشخاصًا مهزومين بالمعنى التقليدي، بلْ هُم أفراد يمتلكون حساسية فكرية وأخلاقية عالية تجعلهم أكثر وعيًا بالتناقضات التي تُحيط بهم. لذلك، فإنَّ عُزلتهم لَيست نتيجة ضعف، وإنما نتيجة وعي مفرط يَجعل التَّكَيُّفَ معَ الواقع أمرًا بالغ الصعوبة.

أدركَ سوسيكي أنَّ التقدم المادي لا يضمن بالضرورة التوازنَ الرُّوحي، وأنَّ الإنسان قد يربح العالَمَ الخارجي، ويَخسر عالَمَه الداخلي. ومِن هُنا تحوَّلت العُزلة في أعماله إلى سؤال فلسفي حَول معنى الذات والحرية والانتماء.

وعلى الرغم من اختلاف البيئة العربية التي عاشَ فيها الناعوري عن البيئة اليابانية التي عاشَ فيها سوسيكي، فإنَّ القارئ يَلمح خيطًا إنسانيًّا مشتركًا يربط بينهما. كلاهما مثقف حَمَلَ عِبْءَ الوعي في زمن التحولات الكبرى، وكلاهما حاولَ أن يصالح بين الأصالةِ والانفتاح، وبين الانتماءِ المحلي والأفق الإنساني الواسع.

لَم تكن عُزلة الناعوري مكانية فَحَسْب، ولَم تكن عُزلة سوسيكي مُجرَّد اغتراب حضاري، بلْ كانتا تعبيرَيْن مختلفَيْن عن أزمة المثقف الذي يرى الواقعَ بعين ناقدة. وكُلما اتَّسعت المعرفةُ، اتَّسعت معها مساحة الأسئلة، وكُلما تَعَمَّقَ الوَعْي، ازدادتْ صعوبة الانسجام معَ السائدِ والمألوف.

والمثقفُ الحقيقي لا يعيش في راحة كاملة، لأنَّه يظلُّ مشغولًا بمراجعة الأفكار والقِيَم والمُسلَّمات. ولهذا تبدو العُزلة أحيانًا ثمنًا للمعرفة، وضريبة للرؤية البعيدة. وبَينما ينشغل كثيرون بما هو يَوْمي وعابر، ينشغل المثقف بمصير الإنسانِ والمجتمع والتاريخ، وهي أسئلة لا تسمح لصاحبها بالاستقرار النَّفْسي الكامل.

ومِن الخطأ النظرُ إلى عُزلة المثقف باعتبارها علامة على الانسحاب أو الهزيمة. ففي كثير من الأحيان تكون هذه العُزلة مَصدرًا للإبداعِ والتجدد الفكري. لقدْ أنتجَ الناعوري أهمَّ أعماله وهو يَحمل إحساسًا عميقًا بالمسؤولية الثقافية، كما كتبَ سوسيكي أعظمَ رواياته مِن قلبِ أزمته الوجودية.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

تتشكل في كثير من الموروثات الثقافية شبكة واسعة من الرموز التي تمنح الأدوار الاجتماعية معاني جاهزة وتؤثر في طريقة فهم الإنسان للإنسان. ومن أكثر هذه الرموز حضورًا صورة الثعبان والأفعى، إذ ارتبطا عبر الأزمنة بدلالات متعددة تتصل بالغموض والقوة والقدرة على التأثير والمناورة. وقد انتقلت هذه الدلالات من الأسطورة إلى الأدب، ثم تسربت إلى الوعي الاجتماعي حتى أصبحت جزءًا من المخيال الجمعي الذي يوجّه الأحكام والانطباعات بصورة غير مباشرة.

في بعض البيئات الثقافية تُسند إلى المرأة صورة الأفعى بما تحمله من إيحاءات تتصل بالغموض والجاذبية والقدرة على التأثير، بينما يُمنح الرجل صورة الثعبان المرتبطة بالمراوغة والمرونة وإدارة الصراعات من وراء الستار. ومع الزمن تتحول هذه الاستعارات إلى قوالب ذهنية تمنح الأفراد صفات مسبقة قبل التعرف إلى شخصياتهم الفعلية، فتؤثر في طبيعة العلاقات الإنسانية وفي أساليب التفاعل الاجتماعي.

وقد وجدت هذه الرموز طريقها إلى الأدب بوصفها أدوات تعبيرية تمنح النص كثافة دلالية وطاقة تصويرية. فالرمز الأدبي يستخدم صورة الحيوان للدلالة على معنى مجرد كالمكر، أو الخيانة، أو الحكمة، أو الشجاعة، فيتوجه إلى الفعل أو الصفة أو الحالة النفسية، ويمنح القارئ فرصة للتأمل والفهم. ومن هنا اكتسبت الاستعارة الحيوانية مكانتها في التراث الأدبي العالمي بوصفها وسيلة لتكثيف المعنى وإثراء التجربة الجمالية.

غير أن المشكلة تظهر عندما تغادر هذه الرموز فضاءها الفني وتتحول إلى أحكام اجتماعية جاهزة. فعند هذه النقطة يبرز ما يمكن تسميته بالتوحيش؛ أي تجريد الإنسان من إنسانيته واختزاله في صورة حيوانية تُلصق به على نحو دائم. ويتحول الرمز من أداة لفهم السلوك إلى وسيلة لتصنيف الأشخاص وإطلاق الأحكام عليهم، فتتراجع الفردية الإنسانية أمام الصور الموروثة.

ويكمن الفرق بين الرمز الأدبي والتوحيش في أن الرمز يحافظ على تعقيد الإنسان وتعدده، بينما يقود التوحيش إلى اختزاله في صفة واحدة. فالأدب الرفيع يتجه إلى كشف الدوافع والصراعات الداخلية والآثار النفسية التي تصنع السلوك البشري، ويمنح الشخصيات عمقها الإنساني بكل ما تحمله من تناقضات. وقد أثبت كبار الأدباء والشعراء أن تصوير قسوة الواقع لا يحتاج إلى الشتيمة أو الإلغاء الرمزي. ففي رواية "آنا كارنينا" لم يُقدِّم تولستوي بطلته في صورة "أفعى" بعد هجرها زوجها، وإنما رسم عالمها الداخلي بما فيه من رغبة وخوف ونشوة وندم وحيرة، فظهرت شخصية إنسانية كاملة تتجاوز الأحكام السريعة. وتكمن قوة الأدب هنا في توسيع مساحة الفهم بدل تضييقها.

وتتجلى خطورة الصور النمطية في تأثيرها على الأجيال الجديدة، إذ تُرسخ تصورات مسبقة عن الرجل والمرأة وتضعهما داخل أطر جاهزة تحدد طبيعة العلاقة بينهما. وينتج عن ذلك حضور خفي للريبة والخوف وسوء الفهم، ويتراجع التقدير الفردي للشخصية الإنسانية لصالح الأحكام الموروثة. وهكذا تتداخل السلطة الاجتماعية مع السلطة الرمزية، ويتحول الرمز الثقافي إلى عنصر فاعل في تشكيل السلوك والتوقعات المتبادلة.

إن القراءة الحضارية لهذه الرموز تتيح التعامل معها بوصفها جزءًا من التراث الإنساني ومن التاريخ الطويل للخيال البشري. فالقوة والغموض والقدرة على التأثير صفات إنسانية تتوزع بين الأفراد على اختلاف أجناسهم وخلفياتهم، ولا تستقر في رمز واحد أو فئة واحدة. ويمنح الوعي النقدي المجتمع قدرة على التمييز بين المجاز والإسقاط، وبين التعبير الفني والحكم الاجتماعي، وبين جماليات الرمز وقيود الصورة النمطية.

وعندما تستعيد الرموز موقعها الطبيعي داخل الثقافة والأدب، يتحول الثعبان والأفعى إلى صورتين قابلتين للتأمل والمراجعة والفهم، وتُقرأ العلاقات الإنسانية في ضوء الكرامة الفردية والاستقلالية والوعي المتبادل. وعندئذٍ تصبح الرمزية أداة لاستكشاف تعقيد الإنسان وثرائه، وتتحرر اللغة من النزعة إلى الاختزال، ويتسع المجال أمام رؤية أكثر عمقًا وإنصافًا للإنسان بوصفه كائنًا يتجاوز كل القوالب الجاهزة.

***

بولص آدم

بعد قريتنا نحو ستة كيلومترات عن أقرب مدرسة ابتدائية تأسست سنة 1960. كنتُ ومجموعة من أقراني من المحظوظين حين أصبحنا تلامذةً في الصف الأول الابتدائي في العام الثاني لتأسيس مدرسة المتنبي الابتدائية. لولا هذه المدرسة لبقينا أسرى مهنة الرعي، الذي كان يرسم ملامح الطفولة الريفية يومئذٍ، حيث يرث الصغار نمط حياة آبائهم في زراعة الأرض وتربية الماشية. فتحت المدرسة أمامنا نافذة على عالم أوسع، وأيقظت وعيًا جديدًا بالمعرفة والحياة. كنا نقطع يوميًا اثني عشر كيلومترًا ذهابًا وإيابًا، نسير حفاةً على درب ترابي ضيق بين الحقول. لم يكن ذلك المشوار مجرد طريق إلى المدرسة، وإنما عبور من عالم الأمية إلى عالم المعرفة. مع كل خطوة كنا نبتعد عن حياة ورثناها، ونقترب من أفق يعيد تشكيل رؤيتنا للذات والعالم. هكذا تحوّل الطريق المتعب إلى رمز للانتقال من قدر يبدو محتومًا إلى مستقبل مفتوح على إمكانات لم نكن نتخيلها.

 الأمهات كنّ الأكثر إرهاقًا في حياة الريف، لتعدد المسؤوليات التي ينهضن بها. رحلة كدحهن تبدأ مع الفجر، حين تخوض الأم مياه الجداول الباردة في أيام الشتاء، حاملةً أبناءها إلى الضفة الأخرى ليواصلوا سيرهم مشيًا إلى المدرسة. ما إن تنجز هذه المهمة حتى تلتحق بأعمال الحقل إلى جانب الأب، فتشارك في الفلاحة وسائر الأعمال الزراعية الشاقة، ثم تعود لتتابع شؤون الأسرة وإعداد الطعام البسيط. الأم عماد الأسرة ومصدر تماسكها، تحمل أعباءً ثقيلة بصبر استثنائي، وتواجه قسوة الحياة بجلَد صامت، مانحةً أبناءها ما يحتاجونه من رعاية ودفء وأمان، على الرغم من المشقة التي تستنزف طاقتها. بعض الأمهات واجهن أقدارًا موجعة حين فقدن أزواجهن بالموت، أو القتل الذي لم يكن نادرًا في القرى آنذاك. وجدت الأم نفسها وحيدة في رعاية الأيتام وتأمين معيشتهم وحمايتهم من الجوع. كانت تحمل هذه الأعباء بصبر مدهش، وتواصل حياتها بقوة تستمدها من محبتها لأبنائها وشعورها بالمسؤولية تجاههم، فتغدو تجسيدًا للتضحية الصامتة التي تترك أثرها العميق في حياة الأبناء ومستقبلهم.

من الصور الكئيبة الراسخة في ذاكرتي صورة جارتنا التي قُتل زوجها وترك لها أربعة أولاد وبنتًا في سن الطفولة. لم يترك أرضًا ولا ماشيةً ولا مالًا، فقد عاش فقيرًا ورحل فقيرًا. وجدت الأم نفسها وحيدة في مواجهة أعباء الحياة وإعالة أطفالها، غير أنها لم تنكسر أمام محنتها، وإنما اهتدت بذكاء فطري وإرادة صلبة إلى ما يوفّر الحد الأدنى من قوت الأبناء ونفقاتهم اليسيرة حدّ الكفاف. تذهب هذه السيدة يوميًا إلى منطقة كثيفة الأشواك، تبعد نحو ساعة سيرًا على الأقدام، فتقضي ساعات في قطع الشوك وجمعه وإحراقه حتى يتحول إلى فحم. تراقب النار والجمر بعناية، وتحمل الماء من الجدول القريب كي لا يتحول ما جمعته إلى رماد، كي تبيعه لتؤمّن قوت أطفالها.

 لم يكن ذلك مجرد عمل شاق، وإنما كفاح امرأة وحيدة في مواجهة الفقر، تنتزع بصبرها وإرادتها من أرض قاسية ما يحفظ لأبنائها الحد الأدنى من العيش. تكابد هذه السيدة ذلك العمل المرهق بصمت، وتحوّل كدحها اليومي إلى مورد رزق يحمي أبناءها من الفاقة. بعد اكتمال تفحّم الشوك تجمعه وتحمله إلى القرية، ثم تنطلق في اليوم التالي إلى مدينة قلعة سكر، حاملةً على رأسها نحو خمسة عشر كيلوغرامًا منه، قاطعةً، سيرًا على الأقدام، ما يقارب ثلاثين كيلومترًا ذهابًا وإيابًا. تبيع الفحم لتشتري بثمنه ما يسد الرمق لأيام قليلة، ثم تعود عند المغيب لتستأنف دورة الكفاح نفسها.

 كلما استعدت صورتها أدركت كيف استطاعت أمهات فقيرات أن ينتزعن من قسوة الحياة ما يصون أبناءهن من الجوع ويجمي كرامتهم من التسوّل، بقوة الإرادة وصبر يعجز الوصف عنه. ظل مشهدها من أكثر صور الطفولة مرارة في ذاكرتي، لأنه كان يلخّص حكاية أمهات كثيرات حملن أعباء الحياة بصمت وجَلَد نادر نيابة عن الأبناء،كل ذلك من أجل أن تؤمّن لأطفالها ما يسد رمقهم. كلما استحضرت صورتها أدركت حجم التضحيات التي قدّمتها أمهات الريف بصمت، وكيف غدت إرادتهن سندًا خفيًا حمى أسرًا كثيرة من التصدع والانهيار، في زمن كانت الحياة فيه أكثر قسوة، ولا يهب العيش للإنسان شيئًا إلا بعد كفاح يومي شاق.

على الرغم من الشقاء الاستثنائي الذي عاشته هذه الأم، لم يكن الفقر أقسى ما واجهته. كان أحد أبنائها شديد العدوانية، يؤذيها بالصراخ الغاضب والضرب، ويقابل تضحياتها بالجفاء. ما زلت أذكر مشاهد موجعة شجّ فيها رأس أمه بالفأس أكثر من مرة، فتخرج مذعورة تستغيث بأخي الكبير شريف "أبو عادل". كان مؤلمًا أن ترى أمًا تستنزف عمرها من أجل أبنائها، ثم تتلقى من أحدهم أسوأ أشكال الاحتقار والعنف. حظي أبو عادل بمكانة خاصة بين أهل القرية، لما عُرف به من إيمان واستقامة ونزاهة، ولأنه علّم نفسه القراءة والكتابة في بيئة ندر فيها مَن يقرأ ويكتب. كلما استغاثت به تلك الأم المفجوعة سارع إلى نجدتها، يواسيها ويزجر ابنها ويذكّره بحق أمه.كان أبو عادل يشفق على هذه الأم المفجوعة ويهدئ من روعها، ثم يجلس إلى ابنها محاولًا أن يوقظ في ضميره الندم ويذكّره بحق أمه. كان الفتى يهدأ أيامًا، ثم يعود إلى عنفه وعنفه.كلما استغاثت به أمه هبّ لمواساتها وتجديد محاولاته في توجيهه. حين أستعيد تلك المواقف أدرك أن بعض الأمهات لم يقعن في محنة الفقر وحده، وإنما وقعن ضحايا عقوقًا يوجع القلب، واحتملن ذلك بصبر يكاد لا يعرف حدودًا.

الأمومة جعلتها تحتمل الإهانة والعنف من غير أن تتخلى عن ابنها أو تحرمه من رعايتها. ظل قلبها مفتوحًا له مهما تمادى في جحوده. كان يدهشني صبرها النادر؛ تكابد شظف العيش والعمل المرهق، وتتحمل قسوة ابنها، فيما تبقى شفقتها عليه وحنانها نحوه لا ينطفئان. كلما استعدت سيرتها أدركت أن حياتها كانت سلسلة من المحن التي لا يحتملها إلا أصحاب الإرادة الاستثنائية. لم يلفتني حجم ما عانته بقدر ما لفتني إصرارها على حماية أطفالها وصون كرامتهم في أقسى الظروف. ستبقى صورتها حيّة في ذاكرتي، لأنها تجسد أعمق ما تختزنه بعض الأمهات من طاقة على التضحية، وكيف تنتصر قوة المحبة على الفقر والألم والجحود.

حين أتأمل سلوك هذا الابن اليوم أميل إلى أنه لم يكن عاقًا بطبعه، وإنما كان يحمل جروحًا نفسية عميقة خلّفها قتل الأب والحرمان المبكر، وهذا يعني أنه كان بحاجة إلى عيادة نفسية. في ذلك الزمان لم يعرف الناس شيئًا عن العلاج النفسي، فكانوا يفسرون مثل هذا السلوك على أنه سوء تربية، أو فساد أخلاق، أو مسّ من الشيطان. لا أريد أن أبرر عنفه تجاه أمه، غير أن ذلك يفسر جانبًا من سلوكه، ويكشف عن معاناة داخلية لم يجد من يفهمها أو يساعده على تجاوزها.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

تراكمت عبر العصور مظاهر التخلف وقائع وممارسات، أدت في المحصلة الأخیرة إلى تغییب النزعة الأنسیة العمیقة التي یحتضنها الدین الاسلامي في كل قیمه ومبادئه وشخصیاته المحوریة.

فالجهل أدى إلى عدم اكتشاف هذا المخزون الانساني الهائل التي تحتویه قیم الاسلام الفردیة والاجتماعیة، مما أدى الى التعایش البغیض بین مرجعیة فكریة تعلي من شأن الانسان وحقوقه، وبین واقع سیئ یتجه إلى المزید من تغییب البعد الانساني للحیاة.

والانحرافات الفكریة والسیاسیة، التي سادت في حقب تاریخیة متفاوتة، حالت دون ابراز المضمون الانساني للاسلام والمسلمین.

وعلى كل حال نستطیع القول: أن هناك عوامل تاریخیة ومجتمعیة عدیدة، ساهمت دون ابراز النزعة الانسیة في التجربة الاسلامیة على المستویین النظري والسلوكي.. مما أدى إلى تراجع تلك الجهود العلمیة والبحثیة والنظریة، التي تعتني بشكل موضوعي إلى ابراز هذه النزعة الأصیلة في حیاة الاسلام.

وأمام التحدیات الكبرى التي تواجه عالم الاسلام الیوم، نحن بحاجة ماسة إلى العمل الجاد لابراز النزعة الأصیلة في واقعنا وحیاتنا، بحیث تكون كل شؤون حیاتنا، منسجمة في یومیاتها بمقتضیات هذه النزعة.. وذلك لأن التقدم الحقیقي لا یقاس بمستوى توفر الأشیاء المادیة والظاهریة، وإنما بمدى التزامنا افرادا وجماعات بكرامة الانسان وحقوقه الأساسیة.

لذلك نجد أن بدایة التقدم في التجارب الانسانیة هي حینما تمكنت هذه المجتمعات، من إحداث قطیعة حقیقیة مع كل قیم وأشكال وامتهان الانسان، وسعیها الحثیث نحو ارساء معالم نزعة وثقافة جدیدة، محورها الأساسي هو الانسان، فلا تنمیة حقیقیة بدون تنمیة الانسان في أبعاده المختلفة، كما انه لا استقرار مجتمعیا بدون سیادة ثقافة تحول دون التعدي على حقوق الانسان الأساسیة.

فالأدیان القدیمة الوثنیة دمرت شخصیة الانسان، وجعلت منه مجرد قربان للآلهة، أو كائن عاجز أمام قدرة الهیة مطلقة، لذلك لم تبرز في تلك التجارب البشریة النزعة الانسانیة.. ولقد عانى الأوروبیون قبل عصر النهضة من هذه الرؤیة، حیث كانت السلطة الكهنوتیة تلغي في الانسان ذاته وإرادته وحریته لتجعل منه مجرد مخلوق علیه أن یدفع ضریبة الخطیئة الأولى استعبادا وتدمیرا وتجهیلا.. وبدأت النزعة الانسانیة في التجربة الأوروبیة كرد فعل على هذا الواقع الكنسي المریر. وتمكنت هذه التجربة بعد صراعات عمیقة وطویلة من إزاحة الجبریة اللاهوتیة التي كرستها مسیحیة القرون الوسطى في أوروبا.

أما على المستوى الاسلامي، فإن الاسلام ینظر إلى اﷲ استخلف الانسان في الأرض، وانه یمتلك القدرة على الاختیار اذ قال تعالى {إنا هدیناه السبیل إما شاكراً وإما كفوراً} وهذا المعنى یتضمن أصالة الكرامة الانسانیة، وذلك لأن الحریة من خصائص الانسان وحده، وتوفر الاستعدادات والقابلیات البشریة، وغیاب العوائق والأغلال، وعلى ضوء ذلك فان نزعة الأنسنة بما یحتضن من قیم وحقوق واجراءات هي تكلیف وواجب قبل أن تكون حقا، ولكي تتضح هذه الرؤیة من الضروري ان نوضح علاقة هذه المسألة بنظام القضاء والقدر، فالقضاء الالهي هو عبارة عن حكم اﷲ القاطع في الأحداث، والقدر الالهي عبارة عن تقدیر الظواهر والأحداث، ومن الثابت على صعید علم العقیدة والكلام عدم تعلق القضاء الالهي بأي حدث مباشرة وبلا واسطة.، وإنما یوجب كل حدث عن طریق عالمه وأسبابه فقط، أي أن القضاء الالهي یحتم أن یكون نظام العالم نظام أسباب ومسببات.

وعلى هذا فإن القضاء والقدر لیسا ضد حریة الانسان واختیاره، من هنا نجد أن الدین الاسلامي على المستوى التاریخي، حارب كل المظاهر والأعراف التي تغیب حریة الانسان أو تهین كرامته بین الانسان وأخیه على قاعدة طبقیة - مادیة، وأرسى دعائم نظریة التعارف وتجاوز كل الحواجز التي تحول دون انسانیة الانسان، إذ قال تبارك وتعالى {یا أیها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند اﷲ أتقاكم} وربط الاسلام هذه القیمة الكبرى بمبدأ دفع المضار وجلب المصالح.. إذ أن نزعة الأنسنة بكل مقتضیاتها لا تنجز على الصعید العملي، الا على قاعدة توفیر المصالح التي یسعد بها الانسان ویحیا حیاة كریمة، ودفع الأضرار التي تجلب الیه الشقاء والبعد عن الجادة والحیاة الكریمة.

لذلك فقد اعتنى الدین الاسلامي إیما اعتناء بهذه المسألة، وأسس الفقه الاسلامي استنادا على النص العدید من القواعد الفقهیة والقانونیة، التي تحول دون الشقاء، وتجلب للانسان الفرد والجماعة كل أسباب المصلحة والسعادة، فقد جاء في الحدیث (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام).. اذ یقف الاسلام ضد كل الأضرار النفسیة والاقتصادیة والسیاسیة والاجتماعیة والسلوكیة، التي تؤثر سلبا في حیاة الانسان الخاصة والعامة، ولا یكتفي الدین بتأصیل وتأسیس البعد السلبي من مفهوم الأنسنة (اذا جاز التعبیر)، وإنما یسند هذا التأسیس، بنظام آخر هو استدعاء وجلب كل المصالح التي تضمن الحیاة الكریمة للانسان، التي قوامها القدرة والحریة والمسؤولیة، فالانسان في المحصلة الأخیرة، هو الذي یختار بارادة حرة صفاته وممیزاته، عالما أو جاهلا، شجاعا أو جبانا، لصا أو شریفا، وبما ان الانسان مسؤول عن أفعاله فعلیه أن یتحمل نتائجها.

وأن مسؤولیة الانسان أمام اﷲ في الاسلام، لا تعني بأي حال من الأحوال، أن یفقد الانسان حریته، بل إن المسؤولیة لا وجود لها بدون الحریة.

وعلیه فان الهدف الأعلى للاسلام في هذا الاطار، هو خلق الانسان الحقیقي بارادته الحرة ووعیه المفتوح على كل الدوائر، لینشئ علاقة حمیمة وأخویة وانسانیة مع أخیه الانسان، وعلاقة تسخیر ونماء وتطویر مع الطبیعة بأشكالها المختلفة.

وعلیه فان إزالة ركام الواقع، وتطویر منهجیات النظر والرؤیة، سیوصلنا الى قیم انسانیة علیا مستمدة من المرجعیة الاسلامیة، تلبي حاجات واقعنا إلى هذه النزعة الأصیلة، وتخرجنا من حالات الخصام مع هذا البعد على مستوى الواقع والممارسة.

فالنص الاسلامي في هذ الاطار، یزخر بامكانات غنیة وحیة ومشبعة بالمعنى، ومهمتنا تتجسد في تظهیرها وخلق الحقائق المنسجمة معها، والعمل على جعل واقعنا وممارساتنا في سیاق واحد مع هذه المعاني النبیلة.

وإننا الیوم وأزاء التداعیات الخطیرة لأحداث 11سبتمبر أحوج ما نكون على مستوى الداخل العربي والاسلامي ومستوى العلاقة مع الأمم والعوالم الأخرى، إلى ابراز القیم الانسانیة لدیننا الاسلامي الحنیف...

وهذا الابراز لا یتم فقط عبر الاطار النظري وبیان فضائل الاسلام ورؤیته للعدالة والتسامح وحقوق الانسان...

وإنما ایضا عبر تقدیم نموذج وقدوة واقعیة وهذا یحملنا مسؤولیة خطیرة في هذا الاطار، اذ المطلوب ومن مواقعنا المتعددة، تجسید قیم العدالة والعفو والتسامح في حیاتنا، بحیث تكون هذه القیم، هي سمة حیاتنا ولازمة من لوازم ممارساتنا الخاصة والعامة.

وإن تحسن أوضاعنا وخلاصنا من العدید من الأمراض المجتمعیة، مرهون الى حد بعید الى قدرتنا على الالتزام بمقتضیات ومتطلبات نزعة الأنسنة التي تحتضنها مرجعیتنا الاسلامیة في كل قیمها وأنظمتها واجراءاتها، وان التطور الحضاري العالمي، أبان ایضا عن جملة من القیم والحقوق الانسانیة، التي أصبحت جزءا من الشرعة الدولیة ومواثیق الأمم المتحدة.. مما یدفعنا الى ضرورة الاحترام العمیق لهذه القیم التي هي جسر الاستقرار السیاسي والاجتماعي، وسبیلنا الى الوفاء إلى مبادئ دیننا وقیمنا العلیا.

وفي إطار ضرورة تجلیة وتظهیر هذا البعد الهام والحیوي في واقعنا ومحیطنا من الأهمیة بمكان التأكید على النقاط التالیة:

1-  إن من المفارقات الخطیرة التي یعاني منها واقعنا العربي والاسلامي وساهمت بشكل أو بآخر في تشویه هذا الواقع على الصعید الدولي.. هي اننا حینما نتحدث عن البعد الانساني والحقوقي، نستند في حدیثنا عن البعد النظري والتاریخي، فیأتي حدیثنا في سیاق تاریخي وقیمي رفیع، مع واقع ممارسات قائمة لیست لها صلة حقیقیة بهذا السیاق والقیم الأساسیة التي نتحدث عنها.. فهي مفارقة عجائبیة، حیث إن ما ینبغي ان یكون ملیئا بالیوتیبیا والقیم النبیلة، وما هو قائم ومحسوس یرتكز في التخلف والبعد الجوهري عن تلك القیم والمثل العلیا..

وستبقى هذه المفارقة، تساهم في تشویه واقعنا في الداخل والخارج.. وان الجهد ینبغي أن یتجه نحو توحید المثال والواقع وتجسیر الفجوة بین ما ینبغي أن یكون وما هو كائن... فلا یكفي أن نتحدث عن أخلاق الاسلام وتسامحه والحقوق التي یمنحها للانسان، وإنما الضرورة الدینیة والحضاریة تلزمنا بضرورة أن یكون واقعنا كله منسجما وهذه القیم الكبرى التي نطرحها باسم الاسلام، وان كفاحنا الحقیقي لابد أن یتجه صوب الالتحام بهذا المطلق والقیم الكبرى، التي نعتبرها حجر الأساس في مشروع استقرارنا وتقدمنا.

2-  إن المسؤولیة الانسانیة، هي أساس الحق والواجب، وبالتالي فان الرؤیة الاسلامیة تستدعي في اطار المسؤولیة ونیل الحقوق بحریة الارادة، بمعنى أن الطریق الذي ترسمه الرؤیة الاسلامیة لنیل الحقوق هو الالتزام بالواجب، فكلما التزم الانسان بوظائفه وواجباته تهیأت الظروف الذاتیة والموضوعیة لنیل حقوقه، وان اي خلل یصیب هذه العلاقة، سینعكس سلبا على عموم الحیاة الاجتماعیة، ولكي یمارس الانسان مسؤولیته على أكمل وجه، بحاجة أن یتحرر من كل الشهوات والأهواء التي تحاول ان تدفعه الى الحضیض، فبمقدار تمكن الانسان من التحرر من أهوائه ونزعاته الشیطانیة بذات المقدار یتمكن من الاستفادة من بركات المسؤولیة الانسانیة والاختیار الحر..

لذلك جاء في المأثور (وأكرم نفسك عن كل دنیئة وإن ساقتك الى الرغائب فانك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا) من هنا فان الحریة المعنویة (التحرر من الأهواء والشهوات) هي بوابة ممارستها في الواقع الخارجي بصورة منسجمة والمنظور الحقوقي.

3-  ضرورة الانفتاح والتواصل العمیق مع مفهوم الكرامة الانسانیة المستنبط من قوله تعالى {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطیبات وفضلناهم على كثیر ممن خلقنا تفضیلا} (الاسراء الآیة 70)، وذلك لأن هذا المفهوم الذي أرسى دعائمه الباري عز وجل في كتابه العزیز، یعد هو جذر الحقوق كلها.. وان المطلوب في كل العصور والأزمنة، هو الوفاء والالتزام بمقتضى ومتطلبات هذا المفهوم وآفاقه المفتوحة على القیم الربانیة ومنجزات الانسان في العصر الحدیث.

وخلاصة القول: إن تطورات العالم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، تدفعنا في المجالین العربي والاسلامي الى ضرورة العمل على إبراز وتجسید قیم الانسان وحقوقه في مختلف مجالات حیاتنا، وذلك لأن خلق النموذج الراقي في الداخل العربي والاسلامي، هو أنجع استراتیجیة للرد على الحملات الاعلامیة الغربیة المضادة لعالمنا العربي والاسلامي.

***

أ. محمد محفوظ

 

لم تعد الرقمنة مجرد مرحلة تقنية إضافية في تاريخ التطور الإنساني، بل تحولت إلى منطق جديد يعيد ترتيب العالم من الداخل، بهدوء يشبه تحولات البنى العميقة التي لا تُرى في لحظتها، لكنها تغيّر كل شيء بعد ذلك. فما يحدث اليوم لا يتعلق فقط بتطور الأدوات، وإنما بإعادة تشكيل الإنسان نفسه، وإعادة تعريف علاقته بالسلطة والمعرفة والاقتصاد والزمن والآخرين.

 لقد دخل العالم عصرا لم تعد فيه التكنولوجيا مجرد وسيلة في يد الإنسان، بل أصبحت بيئة كاملة يعيش داخلها، ويتحرك وفق إيقاعها، ويعيد بناء وعيه من خلالها. 

إن التحول الرقمي لم يغيّر طريقة التواصل فقط، بل غيّر معنى الحضور الإنساني ذاته. فالفرد المعاصر لم يعد يعيش داخل المجال العمومي التقليدي الذي كانت تصنعه المدرسة والشارع والأسرة والمؤسسات، بل أصبح يعيش داخل فضاءات رقمية مفتوحة تُنتج أنماطا جديدة من الإدراك والانتماء والتأثير.

 الإنسان اليوم يعمل عبر المنصات، يستهلك عبر المنصات، يتعلم عبر المنصات، يحب عبر المنصات، ويعبّر عن غضبه وآرائه وأحلامه داخل فضاء تتحكم فيه الخوارزميات أكثر مما تتحكم فيه الإرادات الحرة.  لقد انتقل العالم من مجتمع المؤسسات إلى مجتمع المنصات؛ من سلطة القانون الترابي إلى سلطة التدفق الرقمي.

ولم تعد القوة تقاس فقط بما تمتلكه الدول من حدود وجيوش ومؤسسات، بل بما تمتلكه المنصات من بيانات وقدرة على التوجيه وإعادة تشكيل الوعي الجماعي. فالشركات الرقمية الكبرى لم تعد مجرد فاعلين اقتصاديين، بل تحولت إلى قوى فوق-وطنية تمتلك قدرة هائلة على التأثير في الرأي العام، وفي السوق، وفي السياسة، بل وحتى في تعريف الحقيقة نفسها.

 إن أخطر ما في هذه السلطة الجديدة أنها لا تُمارَس بالعنف المباشر، بل بالإغراء الناعم. فالخوارزمية لا تأمر، لكنها توجّه؛ لا تفرض، لكنها تقترح؛ لا تمنع، لكنها تخفي. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى للعصر الرقمي: الإنسان يعتقد أنه يمارس حريته كاملة، بينما تتحكم أنظمة غير مرئية في ما يراه، وما يستهلكه، وما يصدقه، وحتى في ما يغضبه أو يسعده.

لقد تحولت السلطة من مراقبة الأجساد إلى هندسة الانتباه، ومن ضبط السلوك بالقانون إلى تشكيل الرغبات عبر الشاشة.  ومن هنا تظهر الأزمة العميقة التي تواجه الدولة الحديثة. فالدولة التي تأسست تاريخيا على السيادة القانونية والحدود والمؤسسات، تجد نفسها اليوم أمام فضاءات رقمية لا تعترف بالحدود التقليدية. القانون الوطني يتحرك داخل جغرافيا محددة، بينما المنصة تتحرك داخل فضاء كوني عابر للقارات.

إن الدولة تبني شرعيتها على التنظيم القانوني، بينما تبني المنصات قوتها على سرعة التدفق والتحكم في البيانات. ولهذا أصبح السؤال القانوني المعاصر أكثر تعقيدا من أي وقت مضى: من يملك السلطة الحقيقية اليوم؟ هل هي المؤسسات المنتخبة، أم الخوارزميات التي تدير المجال الرقمي العالمي؟  لقد ظهرت تحديات قانونية لم تكن مطروحة في الأزمنة السابقة. فمن يملك المعطيات الشخصية للأفراد؟ ومن يحق له استثمارها اقتصاديا وسياسيا؟ وإذا ارتكب الذكاء الاصطناعي خطأ أو تسبب في ضرر، فمن يتحمل المسؤولية؟ هل يمكن للقانون التقليدي أن يواكب أنظمة تتعلم ذاتيا وتتخذ قراراتها داخل بنى خوارزمية معقدة؟ ثم كيف يمكن حماية حرية التعبير دون السقوط في فوضى الأخبار الزائفة وخطابات الكراهية؟ وكيف يمكن بناء عدالة رقمية دون المساس بضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الإنسان؟ .

 إن المأزق الحقيقي يكمن في أن التكنولوجيا تتحرك بسرعة هائلة، بينما يتحرك القانون ببطء المؤسسات وتراكم التشريعات. ولهذا يبدو العالم الرقمي وكأنه يسبق دائما قدرة الدولة على التنظيم والمراقبة والتقنين. فكلما حاول القانون الإمساك بتحول جديد، كانت التكنولوجيا قد تجاوزته بالفعل نحو تحولات أكثر تعقيدا.

 لكن القضية لا تتعلق فقط بمستقبل القانون، بل بمستقبل الإنسان نفسه. فالرقمنة لا تعيد تشكيل المؤسسات فقط، وإنما تعيد تشكيل الإدراك الإنساني والذاكرة والعلاقات الاجتماعية. لقد أصبح الإنسان المعاصر أسير التدفق المستمر للمعلومات، سريع الاستهلاك، سريع النسيان، يعيش داخل زمن متشظّ لا يمنحه فرصة التأمل العميق. كما أصبحت العلاقات الإنسانية أكثر هشاشة، لأن المنصات لا تنتج فقط وسائل للتواصل، بل تنتج أيضا أنماطا جديدة من العزلة المقنّعة. فالصداقة أصبحت افتراضية، والانتماء متقلبا، والهوية نفسها قابلة لإعادة التشكيل داخل فضاء رقمي سريع التحول.  بل إن المنصات لم تعد تؤثر فقط في السلوك، وإنما في الذوق والقيم والوعي الجماعي.

إنها تعيد ترتيب ما نراه مهما وما نراه هامشيا، وتعيد صياغة معنى الشهرة والنجاح والحقيقة. ولذلك لم يعد السؤال الفلسفي اليوم: ماذا نفعل بالتكنولوجيا؟ بل ماذا تفعل التكنولوجيا بنا؟ وكيف تعيد بناء تصورنا لأنفسنا وللعالم من حولنا؟.

  ومع ذلك، فإن التحدي لا يكمن في رفض الرقمنة أو الحنين إلى عالم ما قبل التكنولوجيا، لأن التاريخ لا يعود إلى الوراء. الرهان الحقيقي يتمثل في بناء سيادة رقمية عادلة، قادرة على التوفيق بين الابتكار وحماية الإنسان، بين الحرية والتنظيم، بين التطور التقني والكرامة الإنسانية. فالمجتمعات التي ستنجح مستقبلا ليست تلك التي تمتلك التكنولوجيا فقط، بل تلك التي تمتلك القدرة الفكرية والأخلاقية والقانونية على توجيهها. 

إن العالم يعيش اليوم لحظة انتقال كبرى تشبه، من حيث العمق، التحولات التي رافقت الثورة الصناعية، غير أن ما يتغير هذه المرة ليس أدوات الإنتاج فقط، بل بنية الوعي الإنساني ذاته. ولهذا أصبح القانون مطالبا بأن يعيد التفكير في مفاهيمه التقليدية: السيادة، الخصوصية، العدالة، الحرية، وحتى المواطنة. لأن الخطر الأكبر لا يكمن في تطور الخوارزميات، بل في أن يتحول الإنسان تدريجيا إلى مجرد معطى داخل منظومة رقمية شاسعة، تفكر عنه، وتقرر عنه، وتعيد تشكيل وجوده دون أن يشعر.

***

د. مصطفى غَلْمان

المراهنة على العقل بوصفه ثروة وطنية

تحتل تنمية الثروة العقلية واستثمارها محلّ الصدارة في جهد العلّامة نوري جعفر، أصبح هذا الهدف محور اهتمامه الفكري والعلمي طيلة انشغاله في البحث العلمي الرصين، فانصرف كلياً للكشف عن المواهب والكفاءات وتنميتها وتوجيهها ورعايتها علمياً وتربوياً ومهنياً، ذلك أنه يَعدّ العنصر البشري جزءاً لا يتجزأ من الثروة الوطنية، ولأجل ضمان تحقيق هذا الاستثمار على خير وجه على وفق منهجية علمية مبرمجة، قدّم نوري جعفر المئات من البحوث والدراسات إلى المؤسسات العلمية والهيئات التربوية، داخل العراق وخارجه، لكي تتحول تلك الأفكار إلى واقع ملموس يرنو ببصره إليه، ليتحول إلى حقيقة ماثلة أمام عينيه، ولأنه كان يعي تماماً الصعوبات الجمّة التي كانت تعترض سبل الكشف عن مصادر الإبداع وإعاقتها، بسبب العقلية المتخلفة السائدة التي تدير أو تشرف على ميدان العلم ومؤسساته، وكثيراً ما تعرّض بسبب منهجه هذا إلى المضايقات والملاحقة، أو التهميش من قبل السلطات الحاكمة، ودفع بسبب ذلك ثمناً باهظاً فاختار الغربة، أيضاً، وعاش بعيداً عن وطنه. بألم وحسرة وهو يشهد ما أحاط بالوطن من ظلمة وخواء، يقول الراحل نوري جعفر: كان أملي كبيراً بأن يصبح مشروعنا في المستقبل غير البعيد مثالاً نموذجياً رائعاً يحتذى به في أرجاء البلاد العربية والدول النامية، وأن يتحول أيضاً بصورة تدريجية إلى أكاديمية علمية، ينصرف أعضاء الهيئة التدريسية فيها وطلابها إلى إجراء أبحاث علمية أصيلة رائدة نظرية وتطبيقية، ويعني بذلك "مشروعه الوطني " في أساليب الكشف عن المواهب العلمية وطبيعتها. وكان يحلم بأن يعرض العراق في هذا المشروع منجزاته العلمية النظرية والتكنولوجية في المحافل العلمية الدولية.

تتلخص فكرة هذا المشروع بدراسة المواهب وتحديد ماهيتها، والتي يعرّفها: أنها قدرات عقلية نادرة أو فريدة يتّصف بها بعض الناس وتعبّر عن نفسها عند النضج، بالرابطة الخفية بين الموهبة والخيال.

ومثلما يشير (فاخز عاقل – الإبداع وتربيته) وهو يبحث في طبيعة العمل الإبداعي وشروطه، الذي يعرّفه بـ (الدهشة الفعّالة)، فالبحث في وظائف الدماغ أخذ الحيز الأكبر في انشغالات نوري جعفر العلمية، في ضوء علوم الدماغ الحديثة. وكانت جلّ طروحاته تنفي وجود قدرات رياضية وغير رياضية نظرية كامنة في طبيعة الفرد، أو مسجّلة على صفحة المخ، فمحتوى القدرات العقلية جميعها ينشأ بالاكتساب البيئي وأن الخصائص المخيّة لأصحاب المواهب لا تؤدي من نفسها إلى إنتاج أي شيء إلا إذا وجدت الظروف البيئية الملائمة واستثمرها صاحبها إلى حدها الأقصى في الموضوع الذي يجنح نحوه منذ سن مبكرة، مع العلم أن تلك الخصائص موجودة بشكلها العام لدى جميع الأفراد الأسوياء بدرجات متفاوتة.

إن القدرات العقلية برأيه ليست قوة فطرية مسجّلة تتحجر على صفحة المخ، بل هي تنشأ وتتطور في مجرى الحياة اليومية، والفروق الفردية في هذه القدرات لا تدلّ على شيء آخر، سوى أن الأشخاص قادرون على القيام بجميع أوجه النشاط العقلي بدرجات متفاوتة وأن كل شخص سوى أقدر من غيره (ومن نفسه أيضاً) في مجال معين منه في المجالات الأخرى، فبعض الطلاب يتخطى أقرانه في بعض الموضوعات ويتخلف عنهم في موضوعات أخرى، وبإمكانه أن يتخطّى نفسه في موضوع أو أكثر من موضوعات الدراسة، وأن يكون مبدعاً فيها، وهذا يستلزم إتاحة فرص تعليمية واجتماعية ملائمة لجميع الطلاب ليستثمر كل منهم رصيده المخّي إلى حده الأقصى في الموضوع الذي يميل إليه.

في ضوء ما تقدم، يؤكد نوري جعفر ضرورة تجهيز الطالب منذ اليوم الأول في تعليمه مادة الرياضيات - بوصفها الميدان الأكثر واقعية في الكشف عن المواهب - بمواد حسية بصرية كثيرة ومتنوعة، وجعله يتعامل معها تمهيداً لحصول الصور الذهنية، والحسية والبصرية والتعامل معها بدل الأشياء المادية. ويستلزم كذلك تدريب الطلاب على فهم معاني المصطلحات الرياضية الملائمة وتجهيزهم بثروة لغوية رياضية مناسبة وتبسيط صوغ المسائل الحسابية والعناية بدقة التعابير المستخدمة والابتعاد عن استعمال الألفاظ والعبارات الغامضة تفادياً لحصول الالتباس في أذهانهم. وهو بذلك ينبّه إلى عقم أساليب التعليم في مراحل الدراسة الابتدائية، وبخاصة في الصفوف الثلاثة الأولى، لذا كان يدعو إلى أن يغير المعلّم موقفه السلبي من الطالب إلى موقف إيجابي يتّسم بالحنان والتوجيه وبعث الثقة بالنفس لتمكينه من التغلب على صعوبات التعلم والدراسة.

يطرح نوري جعفر أساليبه المتنوعة في رعاية الموهوبين، منطلقاً بذلك من تجارب عالمية في هذا المجال، وجد في تطبيقها، أو الإفادة منها، معيناً مهماً في ابتكار أساليب جديدة تناسب الواقع المحلي، وتكاد تجمع تلك الأساليب على رعاية الموهوبين من خلال إثراء مفردات منهج الدراسة المعتاد، بإضافة موضوعات جديدة، أو التوسع في موضوعاته أو باعتماد أسلوب التعجيل (التسريع) وذلك بالسماح للطالب بالانتقال إلى صف أعلى من صفه في أثناء العام الدراسي الواحد، فضلاً عن الرعاية الخاصة بالنشاطات الّلاصفية خارج أوقات الدوام المحدد، في ضوء برامج معدة علمياً لهذا الغرض.

ويستلزم تنفيذ هذه الأساليب القيام بمسح شامل للقدرات المتميزة في كل مدارس العراق، وتسجيل الحالات الأكثر وضوحاً في تلك القدرات منها: الرغبة الواضحة في موضوع الرياضيات والفيزياء، والميل الملحوظ نحو تعلم وإتقان المهارات الأساسية، كذلك القدرة على تعميم المادة الرياضية المتعلمة، والمرونة في إجراء العمليات الرياضية وإدراك جوهرها والقدرة على ابتكار أساليب جديدة لحل المسائل الرياضية، والإلمام بالعلاقات الرياضية العامة وبأساليب التفكير الرياضي، كذلك القدرة على اختزال خطوات العمل الذهني والميل نحو إدراك العالم الخارجي إدراكاً رياضياً، أو تحليل الظواهر البيئية وعلاقاتها تحليلاً رياضياً، والقدرة على ممارسة التفكير بشكل مقلوب، أو معكوس أي السير من المجهول والرجوع به إلى المعلوم، فضلاً عن الجرأة أو الإقدام على اقتحام المجهول. مع ضرورة توفر استقلالية التفكير الرياضي والاتصاف بالمبادرات الشخصية والابتعاد عن التقليد أو المحاكاة أو التطبيق الميكانيكي على الحالات الجديدة.

إن أحد الأسباب التي دعت نوري جعفر التركيز على حقلي (الرياضيات والفيزياء) في كشوفاته العلمية، هو إيمانه المطلق بأن تقدم الشعوب، وتمكنها من بناء حضارتها لم يأتِ من فراغ أو مجهول، بل اعتمدت كلياً في برامجها وخططها العلمية على ذينك العلمين، ووضعهما في ميدان التطبيق الفعلي والعملي. وهكذا ظلت الدول المتقدمة تتسابق من أجل تحقيق أفضل الإنجازات بفضل هذين العلمين. ولابد من الإشارة إلى الرأي الذي كان يرجع سر تفوق (الاتحاد السوفيتي) آنذاك، على الولايات المتحدة في مجال غزو الفضاء، أيام الحرب الباردة، هو تفوق علمائه الرياضيين والفيزيائيين على زملائهم في الدول الأخرى، وربما تأثر نوري جعفر بالمدرسة (السوفيتية) -إذا صح التعبير- بعد أن سنحت له الفرصة بعد تموز 1958 للاطلاع مباشرة على تلك التجربة، وهو لا يخفي هذه الحقيقة حين قدّم لكتابه (طبيعة الإنسان في ضوء فلسفة بافلوف) الصادر عام 1978 إذ يقول: أتاحت لي ثورة 14 تموز فرصة الاطلاع المباشر عن طريق اللغة الإنكليزية على منجزات الفكر السوفيتي في علم النفس وفلسفة الجهاز العصبي المركزي، فكانت حصيلة ذلك هذا الجهد الفكري المتواضع.

يلمس المتتبع لسيرة حياة هذا العالم ملامح جديدة في مواقفه السياسية والاجتماعية فيها انحياز واضح لقضايا شعبه، ويتجلى هذا الانحياز في تعاطفه الكامل مع "بافلوف" حينما يستعرض حياته يقول عنه: ومع أن "بافلوف" كان رجل علم مختبري تجريبي، إلا أنه مع ذلك لم يعزل نفسه أو علمه عن الحياة الاجتماعية التي كانت تجري من حوله فارتبط بالجماهير بكل جوارحه وعواطفه النبيلة وأعدّ العمل الشريف الذي يدرّ على صاحبه الرزق الحلال أثمن شيء في الدنيا.

البعد المنهجي لمشروعه

لم يكن مشروع نوري جعفر مجرد دعوة إصلاحية عامة، بل قام على رؤية منهجية متكاملة استندت إلى علم النفس التجريبي وعلوم الدماغ والتربية الحديثة. فهو لم يكتفِ بتشخيص أزمة التعليم، بل اقترح أدوات عملية للرصد والقياس والتوجيه، ما يمنح مشروعه قيمة أكاديمية رصينة، إذ سعى إلى تغيير الواقع التعليمي لا وصفه فحسب.

مفهوم الموهبة وعلاقتها بالخيال

تتلخص فكرة مشروعه في دراسة المواهب وتحديد ماهيتها، إذ يعرّفها بأنها قدرات عقلية نادرة تتجلى في القدرة على اكتشاف علاقات خفية بين عناصر مألوفة. وترتبط الموهبة عنده ارتباطاً عضوياً بالخيال، الذي لا يعدّه نقيضاً للعقل، بل امتداده الأكثر حرية وخصوبة.

فالخيال هو القدرة على إعادة تركيب الواقع، وعلى الجمع غير المألوف بين عناصر متباعدة، بما يفضي إلى إنتاج الجديد. وكلما ازداد الخيال ابتعاداً عن المباشر، كان أكثر رقياً، سواء في الرياضيات أو الشعر. وهذه الرؤية تضعه في تقاطع مع الفلسفات الحديثة التي ترى في الخيال قوة معرفية منتجة، لا مجرد ترف جمالي.

لم يكن مشروع نوري جعفر، في جوهره، مجرد دعوة تربوية لتطوير طرائق التعليم أو الكشف عن المواهب، بل كان، على نحو أعمق، مشروعاً لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والمعرفة. فقد أدرك مبكراً أن العقل لا يُبنى بالتلقين، ولا تُستثار طاقاته الكامنة عبر التكرار الآلي، وإنما عبر ما يمكن تسميته بـ"أخلاق المعرفة"، أي ذلك الوعي الذي يجعل من التفكير فعلاً حراً ومسؤولاً في آنٍ معاً.

الرياضيات والفيزياء بوصفهما اختياراً فلسفياً

إن إلحاحه على الرياضيات والفيزياء لم يكن انحيازاً تقنياً بقدر ما كان اختياراً فلسفياً، إذ رأى فيهما النموذج الأعلى للصرامة الفكرية، حيث تتجلى القدرة على الانتقال من المحسوس إلى المجرد، ومن المعطى إلى الممكن. وهذا ما يفسر تركيزه على “التفكير المعكوس” والانطلاق من المجهول نحو المعلوم، بوصفه تمريناً على كسر النسق الذهني السائد، وتحرير العقل من أسر التقاليد الموروثة.

ومن هنا، فإن مشروعه يتجاوز حدود المؤسسة التعليمية ليغدو مشروعاً حضارياً، يراهن على إعادة تشكيل الذهنية العراقية والعربية، عبر استبدال ثقافة الامتثال بثقافة السؤال، وثقافة الحفظ بثقافة الاكتشاف. فالموهبة عنده ليست امتيازاً بيولوجياً مغلقاً، بل هي إمكانية مفتوحة، تتغذى من البيئة، وتزدهر حين تجد نظاماً تعليمياً يؤمن بالاختلاف ويحتضن التفرد.

ولعل أكثر ما يمنح تجربة نوري جعفر فرادتها، هو هذا التوتر الخلّاق بين العلمي والإنساني في مشروعه؛ فهو، وإن انطلق من علوم الدماغ والنفس، لم يغفل البعد الاجتماعي والأخلاقي للمعرفة. لذلك ظلّ حريصاً على أن يبقى العالم مرتبطاً بمجتمعه، وأن يتحول العلم إلى قوة تحرير لا أداة هيمنة، وإلى وسيلة لكرامة الإنسان لا مجرد أداة إنتاج.

بهذا المعنى، يمكن النظر إلى نوري جعفر بوصفه واحداً من القلائل الذين حاولوا أن يؤسسوا لعقل عربي حديث، لا يكتفي باستيراد المعرفة، بل يسعى إلى إنتاجها، ولا يرضى بالاقتباس، بل يطمح إلى الابتكار. وهو طموح، وإن بدا مؤجلاً، إلا أنه يظل ممكناً ما دام هناك من يؤمن بأن النهضة تبدأ من سؤالٍ صحيح، ومن عقلٍ يتجرأ على التفكير خارج المألوف.

جدل البيئة والقدرة

ينطلق نوري جعفر من موقف علمي واضح ينفي أن تكون القدرات العقلية معطىً فطرياً ثابتاً، مؤكداً أنها تنشأ وتتطور عبر التفاعل مع البيئة. فالفروق الفردية ليست دليلاً على امتلاك قدرات نوعية مغلقة، بل على اختلاف درجات التفعيل والاستثمار لما هو مشترك بين البشر.

وهذا الطرح يحرر التفكير التربوي من النزعة القدرية، ويحمّل المؤسسة التعليمية مسؤولية اكتشاف المواهب ورعايتها، بدل الاكتفاء بفرزها أو تصنيفها.

نقد التعليم التلقيني

في ضوء ذلك، يوجّه نقداً عميقاً للنظام التعليمي التقليدي، القائم على التلقين والاستظهار، والذي يحوّل الطالب إلى متلقٍ سلبي. ويرى أن هذه البنية التعليمية تُعطّل الإمكانات الإبداعية، وتقمع المبادرة، وتزرع الخوف بدلاً من الثقة.

ومن هنا يدعو إلى إعادة تعريف العلاقة بين المعلم والطالب، بحيث تتحول من علاقة سلطوية إلى علاقة تربوية قائمة على التشجيع والتوجيه وبعث الثقة.

أساليب رعاية الموهوبين

طرح نوري جعفر مجموعة من الأساليب لرعاية الموهوبين، منها:

إثراء المناهج الدراسية

التوسع في الموضوعات

اعتماد أسلوب التسريع

تنشيط البرامج اللاصفية

كما دعا إلى إجراء مسح شامل للقدرات في المدارس، وتحديد المؤشرات الدالة على الموهبة، مثل المرونة الذهنية، والقدرة على التعميم، والتفكير الرياضي العميق، والجرأة في اقتحام المجهول.

القيمة الحضارية للثروة العقلية

إن مفهوم "الثروة العقلية" عنده يتجاوز كونه استعارة، ليغدو مفهوماً حضارياً، يجعل من العقل ركيزة أساسية في بناء الأمم. فالتقدم لا يتحقق بالموارد الطبيعية، بل بالقدرة على اكتشاف العقول وتنميتها.

بين العلم والعدالة الاجتماعية

لم يكن مشروعه نخبوياً، بل كان مشبّعاً بروح العدالة الاجتماعية، إذ آمن بأن الموهبة يمكن أن تنشأ في أي بيئة، وأن مسؤولية الدولة هي اكتشافها أينما كانت. وبذلك يصبح التعليم أداة للإنصاف، لا مجرد وسيلة للترقي الفردي.

تتجلى أهمية مشروعه اليوم في توافقه مع الاتجاهات التربوية الحديثة، مثل:

التعلم النشط

التفكير النقدي...

التعليم القائم على حل المشكلات

ما يؤكد أنه كان مفكراً استشرافياً سبق زمنه، ارتباط مشروعه أيضاً ببعد أخلاقي واضح، إذ يرى أن العلم مسؤولية اجتماعية، وأن العالم يجب أن يبقى مرتبطاً بقضايا مجتمعه، لا معزولاً عنها.

نحو إعادة قراءة معاصرة

يظل نوري جعفر، في الذاكرة العراقية، أكثر من عالم أو تربوي، إنه مشروع لم يكتمل، وإمكانية ما تزال مؤجلة في ضمير الثقافة. فالرجل الذي راهن على العقل بوصفه ثروة وطنية، لم يكن يبحث عن نجاح فردي أو مجد شخصي، بل كان يسعى إلى تأسيس بنية ذهنية جديدة، قادرة على تحويل المعرفة إلى قوة إنتاج، والتفكير إلى فعل حضاري.

وإذا كان الزمن قد خذل مشروعه في حياته، فإن القيمة الحقيقية لمثل هذه المشاريع لا تُقاس بمدى تحققها الآني، بل بقدرتها على البقاء كفكرة ملهمة تتحدى الإهمال والنسيان. فالأمم التي تتأخر في تكريم علمائها، لا تفقد أسماءهم فحسب، بل تفقد معها فرصاً كانت كفيلة بتغيير مسارها.

إن خطوة مجلة "الثقافة الجديدة" في استعادة نوري جعفر اليوم ليست عملاً وفائياً بقدر ما هي ضرورة معرفية، لأن مشروعه ما يزال صالحاً لأن يكون منطلقاً لإصلاح تربوي عميق، يعيد الاعتبار للعقل، ويضع الموهبة في سياقها الصحيح، بوصفها طاقة وطنية ينبغي اكتشافها ورعايتها.

إن سيرة حياة نوري جعفر، ومنجزه الفكري والعلمي، تمثل حالة فريدة من العطاء والأصالة، ومنهلاً ثراً للباحثين والدارسين وللثقافة العراقية على وجه الخصوص. فنوري جعفر إنسان ومبدع وإرث علمي بحاجة إلى اليد التي تعيد له مكانته المتميزة، وتردّ له اعتباره فحسناً لو فعلت وزارات التعليم العالي والتربية والثقافة بإعادة طبع مؤلفاته ووضعت أفكاره في مناهج التعليم موضع التطبيق، أو على الأقل لو أطلق اسمه على إحدى الجامعات أو القاعات التدريسية أو خصص يوم للاحتفاء به أو تكريمه، وتلك إجراءات لا نعتقد أنها عسيرة التحقيق لو توفّرت النوايا الطيبة لدى (أولي الأمر) في رعاية العلماء، فالبلد الذي لا يستذكر رموزه وعلماءه، أمثال: نوري جعفر ومصطفى جواد وجواد علي وعبد الجبار عبد الله ومهدي المخزومي وعلي جواد الطاهر، والقائمة تطول… فإنه سيكون والله بلد عاق.

إن إعادة قراءة مشروعه اليوم ينبغي أن تتجاوز التوثيق إلى التفعيل، عبر إدماجه في إصلاح التعليم المعاصر، وبناء برامج حديثة تستلهم أفكاره.

يظل نوري جعفر أكثر من عالم أو تربوي، إنه مشروع لم يكتمل، وإمكانية مؤجلة في ضمير الثقافة. لقد راهن على العقل بوصفه ثروة وطنية، لا لتحقيق مجد شخصي، بل لبناء مستقبل جماعي.

وإذا كان الزمن قد خذل مشروعه، فإن قيمته الحقيقية تكمن في بقائه فكرة ملهمة. فالأمم التي لا تستذكر علمائها، تفقد فرصها في التقدم.

إن استعادة نوري جعفر اليوم ليست وفاءً فحسب، بل ضرورة معرفية، لأن مشروعه ما يزال قادراً على أن يكون منطلقاً لإصلاح تربوي عميق.

وما بين حلمه الذي لم يكتمل، وواقعنا الذي ما يزال يبحث عن طريقه، تبقى دعوته قائمة: أن نمنح العقل فرصته، وأن نؤمن بأن المستقبل لا يُبنى إلا بعقول تفكر.

***

جمال العتّابي

بين التشكيك والتقييم

مقدمة: طرح سؤال «ما الحاجة إلى تدريس الفلسفة اليوم؟» نفسه بإلحاح في عصر الثورة الرقمية، وهيمنة العلوم التطبيقية، وسيادة المنطق الاقتصادي-التقني على السياسات التعليمية. لم يعد هذا السؤال استفساراً بريئاً عن قيمة مادة دراسية، بل هو تعبير عن أزمة حضارية أعمق تتعلق بطبيعة الإنسان، غايات التعليم، ومستقبل الوعي البشري. يحمل السؤال في طياته توتراً جدلياً بين التشكيك (الذي يرى الفلسفة ترفاً غير ضروري أو حتى معيقاً) والتقييم (الذي يؤكد على ضرورة الفلسفة كشرط لتكوين الإنسان الكامل والمواطن النقدي). تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف مبررات طرح هذا السؤال، وتحليل أبعاده المتعددة، مع الغوص في الجدل بين الشكوك المعاصرة والحجج المؤيدة لتدريس الفلسفة، سعياً إلى فهم أعمق لمكانتها في التعليم المعاصر. فما منزلة تدريس الفلسفة في التعليم؟ ولماذا يزداد عدد الكارهين لها؟ وهل تحتاج الى مراجعة أم تثمين؟ وما مستقبل تدريسها؟ وألا يجدر بنا تعميمها وتوسيع نطاقها؟

أولاً: مبررات طرح السؤال – السياق الحضاري والتعليم

يبرر طرح السؤال عدة تحولات جذرية:

هيمنة المنطق الاقتصادي-التقني: أصبح التعليم في كثير من الدول أداة لإنتاج قوى عاملة ماهرة في مجالات العلوم، التكنولوجيا، الهندسة والرياضيات. في هذا السياق، تبدو الفلسفة غير منتجة اقتصادياً، فهي لا تقدم مهارات مباشرة قابلة للتوظيف مثل البرمجة أو التسويق.

عصر المعلومات والذكاء الاصطناعي: مع توفر المعرفة الفورية عبر الإنترنت، وظهور الذكاء الاصطناعي القادر على معالجة المعلومات وتوليد نصوص، يتساءل البعض: لماذا نحتاج إلى تدريس التفكير الفلسفي إذا كانت الآلات تستطيع القيام بجزء كبير منه؟

الأزمات التربوية العالمية: تراجع مستويات التحصيل في العلوم الإنسانية، انتشار الثقافة الاستهلاكية، وتفشي الاستقطاب الإيديولوجي، كلها تدفع إلى إعادة النظر في أولويات المناهج.

السياق العربي-الإسلامي: في بيئات تعاني من توتر بين التراث والحداثة، أو بين الدين والعقل، يصبح السؤال مشحوناً بمخاوف من «الفلسفة كفتنة» أو «كأداة استعمارية ثقافية».

هذه العوامل مجتمعة تحول السؤال من مجرد نقاش تربوي إلى استفهام وجودي عن دور الإنسان في عالم يتجه نحو الآلة والكفاءة.

ثانياً: التشكيك في الحاجة إلى تدريس الفلسفة

يستند التشكيك إلى حجج قوية ومتنوعة:

الجانب العملي-الاقتصادي: في سوق عمل تنافسي، يُنظر إلى الفلسفة كمادة لا تمنح مهارات ملموسة. خريجوها قد يواجهون صعوبة في الاندماج المهني مقارنة بمهندس أو طبيب. هذا التشكيك يرى أن الوقت المخصص للفلسفة يمكن استثماره في مواد «أكثر نفعاً».

الجانب المعرفي: مع تقدم العلوم التجريبية، يبدو بعض الفلاسفة التقليديين «متجاوزين». لماذا ندرس أفلاطون أو كانط إذا كانت العلوم المعاصرة تقدم إجابات أدق حول الطبيعة والمجتمع والمعرفة والاخلاق؟

الجانب الاجتماعي-السياسي: يخشى البعض أن تدريس الفلسفة يشجع على الشك والتمرد، مما يهدد الاستقرار الاجتماعي أو القيم الدينية والوطنية. في بعض السياقات، يُنظر إليها كبذرة للإلحاد أو التغريب الثقافي.

الجانب التربوي: يرى المتشككون أن الفلسفة صعبة ومجردة، وقد تسبب إحباطاً لدى الطلاب، خاصة في مراحل التعليم الأساسي. كما أن نقص الكفاءات المؤهلة لتدريسها يجعلها عرضة للتحوير أو التسطيح.

هذا التشكيك ليس سطحياً؛ إنه تعبير عن تحول حضاري يفضل «المعرفة المفيدة» على «المعرفة الحكيمة».

ثالثاً: التقييم الإيجابي – الحاجة الملحة إلى تدريس الفلسفة

في مقابل التشكيك، يقدم التقييم حججاً عميقة تؤكد أن الفلسفة ضرورة وجودية وتربوية:

تنمية التفكير النقدي والإشكالي: الفلسفة تعلم الطالب كيف يسأل، يشك، يحلل، ويبني حججاً. في عصر «ما بعد الحقيقة» والأخبار الكاذبة، تصبح هذه القدرة حصانة ضد التضليل والتلاعب.

تشكيل الهوية والوعي الذاتي: تساعد الفلسفة الفرد على فهم «من أنا؟» و«ما معنى حياتي؟» و«ما هي قيمي؟». هذا أساسي لبناء شخصية متكاملة في عالم يهدد بالتفتت والاغتراب.

التربية الأخلاقية والمواطنية: في زمن الأزمات البيئية، والذكاء الاصطناعي، والصراعات الثقافية، تحتاج المجتمعات إلى أفراد قادرين على التفكير الأخلاقي. الفلسفة توفر أدوات لمناقشة قضايا مثل العدالة، الحرية، الخصوصية، والمسؤولية تجاه الأجيال القادمة.

الربط بين المعارف: الفلسفة هي «العلوم بالعلوم»؛ إنها تجمع بين التخصصات وتعطيها معنى. بدونها، يصبح التعليم مجرد تراكم معلومات دون رؤية كلية.

الدور الحضاري: في السياق العربي الاسلامي، تمثل الفلسفة جسراً بين التراث والحداثة. إنها تسمح بإعادة قراءة نقدية للتراث، ومواجهة التحديات المعاصرة بوعي أصيل، لا تابع.

الفائدة النفسية والوجودية: تساعد الفلسفة على مواجهة القلق الوجودي، وتعزز المرونة الفكرية، وتقلل من التطرف والتعصب.

رابعاً: الجدل بين التشكيك والتقييم – نحو توازن نقدي

يظهر الجدل أن التشكيك والتقييم ليسا متناقضين تماماً، بل يمكن أن يكملا بعضهما. التشكيك يدفع إلى تجديد مناهج الفلسفة وجعلها أكثر ارتباطاً بالواقع والعلوم المعاصرة (فلسفة العلوم، فلسفة التكنولوجيا، أخلاقيات الذكاء الاصطناعي). أما التقييم فيحمي من اختزال التعليم إلى مجرد تدريب مهني، محافظاً على البعد الإنساني.

التوفيق الممكن يكمن في الفلسفة التطبيقية والإشكالية: مناهج تجعل الفلسفة أداة لفهم الواقع لا مجرد حفظ نصوص. يجب أن تكون الفلسفة حاضرة في كل مراحل التعليم، بطرق ملائمة لكل مرحلة: قصص فلسفية للأطفال، نقاشات إشكالية للمراهقين، وتحليل عميق للجامعيين.

خاتمة

يظل سؤال «ما الحاجة إلى تدريس الفلسفة اليوم؟» مشروعاً وضرورياً، لأنه يعيدنا إلى جوهر التعليم: هل نريد خريجين اكفاءً تقنياً فقط، أم نريد بشراً واعين قادرين على التفكير الحر والفعل الأخلاقي؟

التشكيك ينبهنا إلى مخاطر الفصل بين الفلسفة والواقع، بينما يؤكد التقييم أن الفلسفة ليست رفاهية بل شرط للبقاء الإنساني في عالم يتجه نحو الآلية والتسطيح. إن الحاجة إلى الفلسفة اليوم أكبر من أي وقت مضى، لأنها الضمانة الأخيرة للحرية الفكرية، والحكمة العملية، وبناء حضارة إنسانية متوازنة. تجاهل هذه الحاجة ليس مجرد قرار تربوي، بل خيار حضاري له عواقبه الخطيرة على مستقبل الوعي البشري. فمتى تصبح الفلسفة السلاح الثوري والقاطرة التنويرية التي تحمل المجتمعات الى بر الأمان؟.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

الفكرة التي اغتالها الخوف ولم تنتصر عليها الرصاصة

ما أثقل الذكرى حين تعود لا بوصفها حنينا، بل بوصفها محكمة.. تحاكم صمتنا، جبننا، ورضوخنا التاريخي بأن يدفن الضوء حيا

في مثل هذا اليوم، لم يغتال رجل فحسب بل اغتيل العقل عندما بدأ يستفيق. واغتيل السؤال حين حاول أن يمد يده نحو الحقيقة. واغتيل الأمل، لأن أمثاله لم يكونوا رجالا فقط، بل كانوا بدايات محتمله لعصر مختلف.

المأساة الحقيقية في اغتيال فرج فودة لا تكمن في الرصاصة التي اخترقت جسده، بل في المناخ الذي سبقها ومهد لها واحتفى بها أو صمت عنها. فالاغتيال لا يبدأ من فوهة البندقية، بل يبدأ من لحظة يتحول فيها السؤال إلى جريمة، والاختلاف إلى خيانة، والفكر إلى تهمة تستوجب العقاب.

حين قتل فرج فودة، لم تسكت بندقية جسدا فقط، بل سحق ما هو أعمق: ضميرا كان يكتب في زمن كان الضمير يباع في سوق المناصب والفتاوى

خسارته لم تكن خسارة مثقف أو كاتب، بل كانت خسارة نادرة لشخص امتلك الجرأة أن يفكر بصوت عالي.

في بيئة تقدس التلقين وتجرم السؤال لقد كان عقلا يمشي على الأرض، لا يريد أن يحكم، بل أن يفتح أعين المحكومين. لا يريد سلطة، بل مساحة للتفكير. ولكن ما أشد فقر الأمم حين تصبح هذه المطالب تهما يعاقب عليها القانون أو ينهيها السلاح كان خطرا، لا لأنه كان عدوا للدين كما ادعوا. بل لأنه فضح تدينهم الزائف. كان خطرا، لا لأنه حارب الإسلام، بل لأنه كشف كيف يستغل الدين ليخدر الناس، ويجرهم من نور النهار إلى كهف الطاعة العمياء

كان خطرا لأنه قال: إن أخطر ما في الفكر الظلامي ليس أنه يقتل المفكرين، بل أنه يحول الأحياء إلى موتى يخافون الكلام. وقد فهم خصومه هذا جيدا، فاختاروا قتله لا مجادلته، لأن القاتل يعرف دوما أن الهزيمة تبدأ حين يتكلم العقل

في مؤلفاته  من "الحقيقة الغائبة" إلى "الارهاب" كان يكتب وكأنه يمشي فوق حقل من الألغام، لكنه لم يتراجع. لم يختبئ خلف المجاملات، ولم يساوم على قناعاته، ولم يحاول أن يشتري السلامة بالصمت. كان مؤمنا بأن وظيفة المثقف ليست أن يردد ما يريده الجمهور، بل أن يقول ما يحتاج الجمهور إلى سماعه، حتى لو كان مؤلما.

لم يكن فرج فودة يهاجم، بل كان ينقب في عمق الموروث، يفككه بجرأة الطبيب لا بغضب الهادم. ويكتب لا ليربح جمهورا، بل ليوقظ القلة التي لا تزال تقرأ كي تفهم لا كي تسلم.

لقد أرادنا مواطنين لا رعايا، مفكرين لا مكررين، مؤمنين لا مستأجرين للإيمان

لقد خسرنا..

خسرنا مثقفا حرا في زمن صار المثقفون فيه إما أبواقا أو صامتين. خسرنا لغة العقل، واستبدلناها بلغة التخوين والتكفير والتكبير على القبور لا على الحياة. خسرنا التنوير لا ككلمة جميلة، بل كمشروع بدأه مجموعه مثقفين، وكان فرج فودة أحدهم، بل أشدهم صدقا، وأغزرهم جرأة. خسرنا درسا كبيرا، وما زلنا نكرره:

نقتل النور حين يولد، ثم نشكو من الظلام، ومع كل ذلك، لم يمت فرج فودة. لأن الذين يكتبون بصدق، يخلدون بالمعنى لا بالجسد. ولأن كل حرف من كلماته، يوقظ اليوم من لم يدركه الأمس.

فرج فودة لم يكن معصوما من الخطأ، ولم يكن نبيا يحمل وحيا مقدسا، لكنه كان يمتلك فضيلة نادرة: الشجاعة الفكرية. والشجاعة الفكرية هي أعلى مراتب الشجاعة الإنسانية، لأنها تعني أن يقف الإنسان وحيدا في مواجهة قطيع كامل، وأن يتمسك بصوته الداخلي رغم ضجيج الاتهامات والتهديدات.

ولهذا فإن ذكرى فرج فودة ليست مناسبة للبكاء، بل مناسبة للتأمل. ليست مناسبة لاستدعاء الماضي فقط، بل لمساءلة الحاضر. فالسؤال الذي تركه لنا لا يزال قائما: هل تعلمنا شيئا؟ هل أصبح العقل أكثر أمنا؟ هل صار الاختلاف حقا مكفولا؟ أم أننا ما زلنا نكرر الأخطاء ذاتها بأسماء جديدة ووجوه مختلفة؟

في ذكرى استشهاد فرج فوده نحن لا نبكي، بل نستدعيه... نستدعيه في حوار صادق فقدناه، في جامعة خافت من مناقشة التاريخ. في تلميذ يريد أن يسأل، لكن يخاف أن يسمى "مشبوها". في أم تريد أن تعلم ابنها المحبة قبل العقيدة، والحرية قبل الطاعة.

لقد فشل قاتلوه في وأد فكره، لأن النور لا يحبس في قنينة، ولا يسكت بفتوى، ولا يحاصر بالرصاصة. ها هو حي في عقول الشجعان وفي صفحات الوعي والتنوير. وفي كل سؤال صغير يطرح في حضرة فكر كبير. لم يكن نبيا، لكنه كان ضروريا.

في زمن كانت الضرورة القصوى أن نعيد اكتشاف إنسانيتنا، أن صوت العقل، وإن أخرس بالرصاص، يظل يهمس في جوف التاريخ

شكرا لك أيها المثقف القدير فرج فوده لأنك مت كما كنت: واقفا، مبتسما، متمسكا بالعقل حتى الرصاصة الأخيرة. وشكرا لأنك علمتنا أن الصمت جريمة، وأن الفكرة لا تقتل، بل تتكاثر إن أريق دمها. شكرا، استاذي لأنك منحتنا المعنى حين أرادوا أن نعيش بلا معنى. ولأنك مت واقفا، في زمن اختار الناس فيه أن يعيشوا راكعين.

سلاما على كل من دفع ثمن الكلمة الحره.. وسلاما على كل عقل قاوم الظلام، وسلاما على فرج فودة الذي أثبت، وهو يسقط برصاص التعصب، أن الجسد يمكن أن يغيب، أما الفكرة الصادقة فتبقى واقفة في وجه الزمن.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

تَنْتَعِشُ الكتاَبةُ وتَحْيَاْ فِي العزلة ِ، ولكن شتَّانَ مَاْ بينَ عُزلتينِ: عزلة المكان وعزلة أنساق التَّأليف السَّائدة، إذْ تتيحُ عُزلةُ المكانِ للمؤلف وفرةً من الوقت والهدوء ومساحةً من التَّأمل فيعكف على إتمام مشاريعه، فأبو تمَّام 231هـ لَمْ تسعفْهُ الظّروفُ الجويَّة القاسية بالعودة إلى بلاده بعد تساقط الثَّلج فمكثَ فيْ خرسان وألَّفَ اختياراتِهِ الشّعريَّة التي أسماها بـ (ديوان الحماسة)، وتشاءُ الأقدارُ أنْ يقعَ الأزهريّ اللغويّ 370هـ أسيراً فيْ أيدي البدو فبعد عودته من الحج وفي الطَّريق أسرته القرامطةُ وفي أسْرِهِ انشغلَ بجمع المادة اللغويَّة ومشافهة الأَعراب مما مكَّنه من وضع معجمه (تهذيب اللغة) كما يُصرّحُ هو في مقدمته، وربما تفعلُ الظّروفُ النَّفسيَّة فعلها فتدفعُ المؤلفَ نحو عزلة الآخرين فيستثمرُ عزلتَهُ بنتاجٍ فكريّ ما، فجلالُ الدين الرّوميّ 672هـ بعد غياب ملهمه وشيخه شمس التَّبريزيّ بحادثٍ غامضٍ ومفاجئ بسبب ضيق المحيطين بوجود شمس بالقرب منه يمر باغترابٍ روحيّ فيعتزلُ المحيطين به فيبدعُ أهمَّ نتاجاته الرّوحيَّة وهو كتاب (المثنوي) في اعتكافه وخلوته. وكثيرٌ من الأدباء والفلاسفة لم تكن الكتابةُ تمثل لهم دخلاً مادياً يسعفهم في العيش على الرّغم من غزارة نتاجهم الفكريّ والأدبيّ فاضطروا لامتهان أعمالٍ تضمنُ لهم العزلة وإتاحة الوقت، فالجاحظ 255هـ كانَ يكتري دكاكين الورَّاقين للقراءة ويشتغل بنسخ الكُتب ويقوم بحراستها ليلاً، والفيلسوف الفارابيّ 339هـ على الرغم من صلاته القوية بسيف الدولة الحمدانيّ وصلة الأخير له بالعطايا والمنح إلا أنَّ ذلك كان شيئاً محدوداً لا ينهضُ بتسديد حاجاته، فكان يعمل ناطوراً للبساتين مما يتيحُ لَهُ التَّأملَ والعزلةَ والوقتَ. وابن خلدون ت 808هـ الذيْ كَانَ مُنْخَرِطَاً بالجو السّياسيّ فيْ عصره من خلال المشورة والقضاء وارتباطه بالأمراء فبعد اضطراب الأحداث ونشوب الفتن وبرمه وضيقه من الدَّسائس اعتزلَ في قلعة ابن سلامة في الجزائر بما يناهز الخمس سنوات وتوفرَ له من أسباب الهدوء فابتعد عن صخب الأحداث وعكفَ على تأليف كتابه في التَّاريخ (العبر) ووضع له مقدمتَهُ المهمةَ فِيْ علم الاجتماع (المقدمة).

وأمَّا عزلة أَنساق التَّأليف السَّائدة فترتبط بالخلق والإبداع وتجاوز السَّائد وقد تلاقي تلك المحاولاتُ جفوةً من التَّلقي العام وتتمخض عن مواقف شخصيَّة ذاتيَّة سلبيَّة من الكاتب فيضيق القُرَّاءُ بألوان مختلفة من الكتابة تخالف السَّائد وتصدم مع التَّقليْد، وإزاء هذا قد يحبطُ الكاتبُ فيرمي قلمَهُ ويطوي أوراقه أَسفاً وبذلك تُؤَدُ الأفكارُ وتنقطع الكتابة، أو قد يواجه الكاتبُ التَّحدي مفترضاً قارئاً ضمنياً مثالياً فيواصل الكتابة، ففي الفترة المظلة من التَّاريخ العربيّ الإسلاميّ وبانحطاطها الفكريّ وزهد النَّاس في علوم اللغة يعكفُ ابنُ منظورٍ الافريقيّ 711هـ الذي كان يستوطنُ القاهرةَ على تأليف معجمه (لسان العرب) بإصرارٍ وتحدٍّ عجيبٍ، فهو يذكر فيْ مقدمته: (أنه قد شرع بتأليف هذا المعجم وحاله كنوح إذ يصنع الفُلكَ وقومُهُ منه يسخرون). و(تشومسكي) اضطر إلى نشر فصولٍ من اطروحته في الدكتوراه تحت اسم (البنى النَّحويَّة) فِيْ هولندا عام 1957لأنَّ مواطنيه من النَّاشرين الأمريكان رفضوا نشر الكتاب؛ لانَّ طروحاته تخالفُ السَّائدَ فِي التَّفكير اللسانيّ الأمريكيّ بل حتى مجلة (وورد) الأمريكيَّة رَفَضَتْ أنْ تنشرَ لَهُ بَحْثاً عَنْ نظريته التَّوليديَّة ولكنه بعد حين تمكن من النَّشر داخل أمريكا ويحوز على الاعتراف بنظريته ليحقق للسانيات الأمريكيَّة فتوحاً معرفيَّة تضاهي الثَّورة اللسانيَّة الأوربيَّة في النَّظر البنيويّ في الكشوف العلميَّة. بينما أحجم من قبلُ (دي سوسير) عن نشر أفكارِهِ اللسانيَّة فبقيتْ ملاحظاتٍ تضمنتها دروسُهُ في اللسانيات وقد جمعها تلاميذُه ُبعد وفاته بثلاث سنوات وفاءً لفكر أستاذهم وخرجتْ إلى النّور عام 1916 لتحدث ثورةً في ميدان العلوم اللغويَّة وتشكّل ميلادَ اللسانيات. ونجيبُ محفوظ الذي ما فتئ يكتب طوال حياته ودون انقطاعٍ حتى في حادثة طعنه كتب بعدها ـ متحدياً إصابته ـ روايتَهُ (أحلام فترة النَّقاهة) ولم يعتزلْ الكتابة، لكنه بعد ثورة يوليو 1952 في مصر انقطع نجيب محفوظ عن الكتابة لخمس سنواتٍ وكان قبلها قد كتبَ أهم أعماله الرّوائيَّة الخالدة (الثّلاثيَّة)، فقد كانت التَّطورات والتَّحولات الاجتماعيَّة السَّريعة بعد التَّغيرات التي أطاحت بالنّظام الملكيّ المصريّ تملي عليه التَّفكير في رُؤيةٍ سرديَّةٍ تفسرُ تلك التحولاتِ إلى جنب أنَّ الأعمال الكبيرة والمتميزة مثل (الثلاثيَّة) تجعلُ الأديبَ يحجمُ ويفكر قبل الكتابة بعملٍ يضاهي عمله السَّابق ولا يقل عنه مستوى ولا يُجازفُ بعملٍ لا يحظى باهتمامٍ نقديّ، وهذا ما تحقق له في سلسلةٍ من الروايات الفكريَّة الفلسفيَّة التي كتبها بعد تلك العزلة كرواية (الطَّريق) و(الشَّحاذ) و(اللص والكلاب) في منحاها الرَّمزيّ التي تشتبك مع أسئلة الوجود في هموم وقضايا الإنسان بنحو عامٍ وضمنها قضايا الإنسان المصريّ وتسلط الضوء على جدليَّة تلك التَّحولات ولكن بطريقةٍ تبتعدُ عَنْ أسلوب الواقعيَّة. وربما سوء التَّأويل في تلقي الأعمال الأدبيَّة يكون وراء إحجام الأديب في العناية بعملٍ من أعماله المهمة ويعزف عن متابعة طباعته في بلاده تحاشيا للغط المغرض، فرواية (أولاد حارتنا) لنجيب محفوظ التي كانتْ تُنْشَرُ في حلقاتٍ يومية في جريدة الأهرام أُثِيْرَت حولها مجموعة من التَّأويلات والقراءات الرَّمزيَّة النَّقديَّة للدين البعيدة عن قصديَّة المؤلف فاضطر لطباعتها في بيروت ولم تُطبعْ في مصر إلا بعد نيله لجائزة نوبل، وكان محفوظ لا يتحمسُ كثيراً للحديث عنها إذا ذُكِرَتْ أَمامه. وقد تفعل الصَّدمة النَّفسيَّة فعلها من نفس الكاتب أو المبدع فيحجم عن نشر ما كتب ويعزف عن طباعته وإخراجه للقُرَّاء بل إنَّ غيرَ واحدٍ من المبدعين أوقد النارَ فيْ كتبه وحرقَ أوراقه كأبي حيَّان التَّوحيديّ 414هـ بسبب إحباطه وشعوره بالاغتراب والخذلان، وكان قبله أبو العلاء المعريّ 449هـ قد عمد إلى دفن كتبه وأوراقه لجرأة أفكاره التي تصدم مع التلقيات السَّائدة ولما واجهه من إتهامٍ بالكفر والزَّندقة، والكثير من الأوراق غير المنشورة طواها النّسيانُ وأصبحتْ فيْ ذمة العدم المطلق بعد أنْ تَلَفَتْ وأُهْمِلَتْ بعدَ رحيلِ مبدعيها بسبب قلة ذات اليد التي لم تمكنهم من نشرها أو لعدم رغبتهم بنشرها لضيق المحيطين بهم وزهدهم في المعرفة فَطُويتْ صفحاتٌ متميزة ٌمن الإبداع لو قُدِّرَ لها أَنْ تظهرَ لغيَّرتْ مساراتٍ فكريةً وشكلتْ منعطفاتٍ مفصليَّة مهمة في تاريخ الأفكار. ويضطر الكثيرُ من المؤلفين الى الكتابة بغير لغتم الأم بسبب خوضهم في دائرة (اللامفكر فيه) الذي يشكّل محظوراً ثقافياً ويصدم بالتابوات الاجتماعيَّة فربما لا يوجد جهاز اصطلاحيّ يُمَكِّنُ المختصَ في حقل معرفيّ من الكتابة والتَّعبير عن أشياء متطورة في هذا الحقل العلميّ فيضطر إلى الكتابة بلغة ثانيةٍ غير لغته الأم بسبب وفرة المصطلحات في تلك اللغات. ولعلَّ أقسى أنواع العزلة وأكثرها إيلاماً هو أن يعتزلَ الكاتبُ لغتَهُ الأم فيكتبُ بلغةٍ ثانيةٍ، ومن أمثلة ذلك أنَّ الكاتبة (حنا آرنت) الناطقة باللغة الألمانيَّة قررت أنْ تتعلم الإنكليزيَّة بعد الخامسة والثَّلاثين من عمرها فتفضلها على لغتها الألمانيَّة في الكتابة على الرغم من تضمن معجم اللغة الألمانيَّة على جهاز مفاهيمي اصطلاحيّ أكثر وفرة من اللغة الإنكليزيَّة سبب خيبة أمل الكاتبة من وسطها الثَّقافيّ الألمانيّ وخذلانها من رموز فكريَّة كانت تربطها معهم علاقات تجاوزت علاقة التَّلقي والتَّلمذة إلى علاقات إنسانيَّة وعاطفيَّة من بينهم أستاذها الفيلسوف (هايدغر) ولكنهم تخلو عنها جميعاً. فاللغة الأم ليست مجرد سيلة تواصل ووسيط مادي شكلي وأداة رمزية محايدة لنقل الأفكار بل هي من تشكّلُ شخصيَّةَ الانسانِ وتبلورُ رؤاه وفكرَهُ ومشاعرَهُ وطريقةَ تفكيرِهِ، وأنْ تتخلى عنها الكاتبة (حنا آرنت) فتكتب بالإنكليزيَّة لهو أمرٌ يشفُّ عن مستوى الخذلان الذي مُنيت به ويشفُّ عن ثورتها وبرمها بالمشهد الثَّقافيّ المحيط بها.

وقد تتيح العزلة للكاتب إبداع نصوص تأسيسيَّة مفارقة في الثَّقافة، فطه حسين بعد نشره لكتاب (في الشّعر الجاهليّ) ومحاكمته وإبعاده عن الجامعة وفي سفره خارج مصر عكف على كتابة سيرته الذاتيَّة (الأيَّام) التي هي أول سيرة أدبيَّة عربيَّة فكانتْ متنفساً نقديَّاً في تفكيك معوقات التَّنوير والتَّعليم الحديث في المؤسسات التعليميَّة الدينيَّة المحافظة في تزمتها وجهلها ونفعيتها الضيقة في أسلوب ساخر يتعقبُ التفاصيلَ التي تشف عن الصراع بين الشيوخ الذي يستغل الدينَ ويسيء إليه وإلى العلم في الوقت نفسه.

وثمة فرق بين العزلة والانعزال في الكتابة، فالانعزالُ هو خيارٌ أسلوبيّ في اختيار الموضوع وفي تعيين المُخَاطَبِ وتضييق دائرة التَّلقيّ، فالمفكرُ والأديب قد ينشغلُ بقضايا قد ترتبط بالتَّرف الفكريّ ويبتعد عن هموم مجتمعه وقضاياه، أو قد يمارسُ الكاتبُ ـ مما يُؤسفُ له ـ شيئاً من الشَّعوذة العلميَّة في أسلوبه باعتماد الغموض في اللفظ وفي الأفكار ليموّه على المتلقي البسيط خواءَهُ الفكريّ وفراغه المعرفيّ وقصرَ باعِهِ ويخلقُ حسَّ الانبهار الذي يريدُ لفتَ النَّظر إلى نفسه لا إلى الأفكار التي يسطّرها قلمه طلباً للشّهرة أو تكسُّباً وطمعاً. ومن أمثلة هذا ما يُنسبُ إلى النَّحويّ الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة 215هـ حين شكا إليه الكثيرونَ غموضَ ما يكتبُ وصعوبةَ فهمِهِ فأجابَ إنه تعمَّد أنْ يصنعَ ذلك لئلا يكتفي المتعلمُ بما يقرأ من كتابه ولا يعوده إليه في تفسيره وشرحه، فهو قد تكلَّف الغموضَ حتى ينتفع هو ويتكسَّب بعودة المتعلمين له في شرح ما غَمُضَ عليهم من عبارات عصيَّة على الفهم.

وغالباً ما يرتبطُ الانعزالُ بخيارٍ فكريّ حداثويّ منشؤه القطيعة المفاهيميَّة بين أفكار تقليديَّة موروثة وبالية وأفكار تتسم بالجدّة والنّخبويَّة لا يتهيأ لها جهاز مفاهيميّ اصطلاحيّ متداول ليتيح لها التَّعبير، فهناك فجوة مُعجميَّة اصطلاحيَّة فيضطر المؤلفُ لنحت واستعمال مصطلحاتٍ غيرِ معهودةٍ وتحتاجُ جهداً تأويلياً يصطدم بالسَّائد. وتتفاقمُ المشكلة الأخيرة إذا تجاهلَ المشهدُ النقديّ تلكَ النّتاجاتِ الإبداعيَّة وأغفلَ تسليطَ الضوء عليها وتقريبها للقارئ فيكرّس هو الآخر عزلتَها. وتبقى العزلةُ مهما كانتْ قاسيةً وتضمنتْ جفوةً في التَّلقي تبقى قدراً يحتضنه الكاتبُ بسموٍ وإصرار، فصدمة التَّلقي وجفوتُهُ تلجئ الكاتبَ إلى أنْ يشرعَ نوافذَهُ على بَاحَة المُراجعة وإعادة النَّظرِ في الأسلوب وجدوى الأفكار ونقدها، ولا يمكنُ للكتابة الفاعلة أنْ تحيا وتتطور وترتادُ آفاقاً جديدةً إلا من خلال مراجعةِ الأفكارِ ونقدها وتجاوز الأسلوب.

***

د. كريم عبيد علوي

باحث وتدريسي بجامعة بغداد.

مفتتح: تُعدّ مسألة الذهنيات من المسائل المركزية في فهم حركة المجتمعات ومساراتها التاريخية، لأنّ ما تستقرّ عليه الجماعة من تصورات وقيم وأنماط استجابة لا يظل رهن المجال النفسي الفردي فقط، بل يصبح إلى قوة فاعلة في تشكيل الفعل الاجتماعي ومصائر البناء الحضاري.

لهذا، يكون الحديث عن النهوض الحضاري إذا حُصر في البعد المادي أو التقني غير سليم، لأنّ جوهر التحول التاريخي يبدأ من البنية الذهنية التي تُنتج الموقف من المعرفة، العمل، الحرية، المسؤولية، الآخر والمستقبل، اذ النهضة، في معناها العميق، ليست وفرة في الوسائل بقدر ما هي تحوّل في الإنسان نفسه، في نظرته إلى العالم، وفي استعداده للمبادرة، وفي قدرته على تحويل الوعي إلى فعل.

لا مناص أن الذهنية تكتسب أهميتها من كونها الإطار الخفي الذي يوجّه السلوك ويمنح الأفعال معناها واتجاهها، فهي ليست مجرد "فكرة" عابرة أو رأي مؤقت، بل هي بنية مركبة من الاستعدادات النفسية والمرجعيات القيمية والتصورات المتراكمة التي تشكل علاقة الإنسان بذاته وبمجتمعه وبالعالم، ولما تصبح هذه البنية قائمة على الثقة بالذات، وعلى الاستقلال النقدي، وعلى الإيمان بإمكان التغيير، فإنها تتحول إلى رافعة حضارية. بينما حين تتأسس على الاتكالية، أو الانبهار بالآخر، أو الخوف من المبادرة، أو الاستسلام للجمود، فإنها تصبح عائقًا داخليًا يحول دون أي مشروع للنهوض، مهما امتلك من الموارد أو الشعارات .

وفق هذه الرؤية، يبدو الوعي الحضاري شرطًا سابقًا على الفعل النهضوي، لأنه يمثل القدرة على إدراك السنن التي تحكم صعود الأمم وتراجعها، وعلى التمييز بين مظاهر القوة الحقيقية ومظاهر الزيف المؤقت، لأن الوعي الحضاري لا يكتفي بوصف الواقع، بل يسعى إلى فهم آلياته العميقة، ويعيد ربط الإنسان بتاريخ مجتمعه ومسؤوليته في صنع مستقبله، لذلك فإن أي مشروع إصلاحي لا يضع مسألة الوعي في مركزه، ولا يشتغل على إعادة تشكيل الذهنيات، يظل مشروعًا منقوصًا، محدود الأثر، سرعان ما يتبدد عند أول اختبار عملي.

كما لا يخفى أن الذهنيات المعيقة للنهوض يمكن قراءتها بوصفها أنماطًا من العجز التاريخي المتخفي؛ كونها تشمل الذهنية الاتكالية التي تنتظر الحل من الخارج، وذهنية التبعية التي ترى الكمال في النموذج الأجنبي، وذهنية الجمود التي تتعامل مع الواقع كأنه قدر غير قابل للتجاوز، وذهنية الخوف التي تشلّ الإرادة وتمنع المبادرة، وذهنية الاستهلاك التي تنصرف إلى المظهر وتغفل شروط الإنتاج والمعرفة.

هذه الذهنيات، على اختلاف صورها، تشترك في أنها تُضعف صلة الإنسان بالفعل، وتفصل بين الوعي والإنجاز، وبين الطموح والمسؤولية، وبين الرغبة في التغيير والقدرة على صناعته .

من جهة أخرى، لا يمكننا الحديث عن نهوض حضاري من غير منظومة ذهنية بديلة تقوم على التعليم الجاد، والحرية الفكرية، وإنتاج المعرفة، والعمل المؤسسي، والعدالة، والمبادرة، والثقة بالنفس.

مثلًا التعليم، إذا أُنجز بمنطق التلقين، لا يصنع نهضة، أما إذا تحوّل إلى بناء للعقل الناقد والمبدع، فإنه يهيئ الإنسان لامتلاك أدوات الفهم والإضافة. حيث الحرية الفكرية لا تعني الانفلات، بل تعني القدرة على مساءلة المسلّمات ومراجعة الموروث دون قطيعة مع الجذور. أما إنتاج المعرفة فهو العلامة الفاصلة في خروج المجتمع من موقع الاستهلاك إلى موقع الفاعلية التاريخية، لأن المجتمعات التي تستهلك الأفكار والمنتجات دون أن تسهم في إنتاجها تظل على هامش الفعل الحضاري، حيث يبقى العامل الحاسم في كل ذلك هو الإنسان بما يحمله من وعي واستعداد ومسؤولية.  بل من المؤكد أن الحضارة لا تُبنى فوق أرض صلبة فقط، بل عبر إنسان قادر على تحويل القيم إلى ممارسة، والمعرفة إلى مشروع، والغاية إلى عمل منظم ومتقن، والوعي الحضاري هو المدخل الأعمق لأي تحول حضاري مستدام، لأنه يُنتج "الاستعداد السيكولوجي" الذي يُوجه الفعل نحو الهدف. كما يتطلب الوعي الحضاري "تدبرًا" للحضارة، وتمييزًا بينها وبين الثقافة، وفهمًا لكيفية الوصول إلى النهضة وتحقيقها

من هنا، فإنّ إصلاح الذهنيات ليس مسألة تربوية جانبية، بل هو قلب المشروع الحضاري نفسه. إذ لا يمكن لمجتمع أن ينهض وهو يعيد إنتاج الخوف والاتكالية والتبعية في تعليمه وإعلامه وخطابه العام، بل لا يمكنه أيضًا أن يتقدم إذا ظلّ ينظر إلى نفسه بعين النقص، وإلى الآخر بعين الإعجاب غير النقدي، وإلى المستقبل بعين الارتياب.

لهذا ، كان المدخل الأجدى إلى النهوض الحضاري يمرّ عبر إعادة بناء الذهنية الفردية والجماعية على أسس جديدة: أسس الثقة، والمعرفة، والحرية، والمسؤولية، والعمل. لأن التغيير الحقيقي لا يبدأ من رفع الشعارات، بل من تغيير البنية الداخلية التي تنتج السلوك، ومن إعادة وصل الإنسان بفعل التاريخ بوصفه فاعلًا لا متلقيًا ثم عندما تتحول الذهنية من موقع التلقي إلى موقع الإنتاج، ومن موقع الاتكالية إلى موقع المبادرة، ومن موقع الانبهار إلى موقع النقد، يصبح النهوض ممكنًا لا بوصفه حلمًا أخلاقيًا، بل بوصفه مسارًا تاريخيًا قابلاً للتحقق.

يبقى أن نؤكد على ان التغيير الذهني هو "طريق المستقبل" الذي يُنتج "القابلية للاستنهاض"، والمواقف الذهنية عند الشعوب هي "سبب تطورها"، وليس الموارد أو الثروات.

لذلك المسؤولية الجماعية تتطلب من النخبة والسلطة والشعب معًا استلهام دروس التاريخ لاستخلاص الأخطاء والمزالق الحضارية، وتحديد الذهنيات المعيقة، وبناء الشروط الإيجابية للنهوض، والمسؤولية الجماعية هي "شرط أساسي" للنهوض، لأنها تُنتج "الاستعداد السيكولوجي" الذي يُوجه الفعل نحو الهدف. بينما يظل النهوض الحضاري هو "العملية الشاملة التي تقوم من خلالها الأمة أو المجتمع بإعادة بناء ذاته فكريًا، وقيميًا، ومؤسساتيًا، واقتصاديًا، وثقافيًا"، إنه مشروع متكامل يقوم على توازن بين القيم الروحية والمادية، وعلى انسجام بين الفرد والجماعة والمؤسسات، وعلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى تسعى إلى بناء إنسان حرّ، كريم، مسؤول، قادر على العطاء والإسهام..

***

أ. مراد غريبي - الجزائر

07/06/2026

 

الديمقراطية.. المفهوم غير المرغوب فيه

القول بأن الديمقراطية كفر هو السمة البارزة لجماعات الإسلام السياسي، وهي الفكرة التي يتفقون على صحتها ويختلفون فقط في لغة القول ولهجة الخطاب في رفض الحل الديمقراطي، وقد يختلفون كذلك في مضمون الخطاب الذي يرفضون به النظام السياسي الديمقراطي. ولتفصيل القول أكثر، فإن هناك قطاع عريض من الإسلاميين يعلن صراحة وأمام الملأ (الرأي العام) عن رفضه التام لمفهوم الديمقراطية شكلا ومضمونا، وثمة قطاع أخر من نفس التيار يرى أن الفكرة الديمقراطية فكرة أوروبية/غربية/ رأسمالية ومصدرها مسيحي/يهودي، وبالتالي هي من الحلول المستوردة التي جنت على أمتنا كما جاء في أحد عناوين كتب الشيخ يوسف القرضاوي “ الحلول المستوردة وكيف جنت على أمتنا “ وهناك عدد كبير من المفكرين السياسيين يعتبر الشورى هي النظام المميز الذي يليق بالدولة الإسلامية، أي أن الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر يعتبر الشورى هي النسخة الإسلامية للديمقراطية الغربية وهناك قطاع أخر من الإسلام الحزبي الإخواني وخاصة في الجزائر في تسعينيات القرن الماضي، حاول التوفيق حتى لا نقول التلفيق بين الشورى والديمقراطية. وجمع الكلمتين في لفظ واحد، الذي أفرز مفهوما أو مخلوقا مشوّهًا هو الشورقراطية. ما نخلص إليه أن الإسلاميين يرفضون حتى لا نقول يُكفرّون الديمقراطية وينتقدون الفكر الديمقراطي، مهما كانت الصيغة التي سوف تطبق بها، بل وينظرون إليها نظرة ريبة وشك، رغم أنهم لم يتواجدوا في ساحات السياسة العربية - على ضيق هذه الساحة - علنا ورسميا إلا بها ومن خلالها، وكانوا أكبر المستفيدين منها في عدد من الأقطار العربية، وحتى إن قبل بعض الإسلاميين الديمقراطية، فقد قبلوا اللعبة الديمقراطية على مضض وكتكتيك مرحلي في إطار إستراتيجية بعيدة بهدف الوصول إلى السلطة وإقامة دولة ثيوقراطية. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا يتوجَّس الإسلام السياسي خيفة من الديمقراطية، ويناصبون النظام الديمقراطي كل هذا العداء؟ والجواب هو من البساطة بمكان وهو أن مفهوم الديمقراطية، وما يعنيه من تعددية حزبية وحرية التعبير والرأي وما يعنيه من حقوق الإنسان وتداول السلطة والفصل بين السلطات القضائية، التشريعية والتنفيذية وما يدل عليه من حقوق مثل حق الإضراب وحق تكوين النقابات والجمعيات والهيئات ثقافية والفنية والعلمية وما يكرسه من صحافة حرة موضوعية ومستقلة ومفكرين أحرار ومبدأ المواطنة الذي يتجاوز الإنتماءات الدينية والعرقية والطائفية، يتناقض تماما مع خطاب الأصولية الدينية الذي يسعى لإقامة نظام سياسي ديني ودولة فاشية. نستنتج أن المسَّار الحقيقي للديمقراطية يسير في الاتجاه المعاكس لمشروع الدولة الثيوقراطية/ الدينية ولنظام الحكم الشمولي التوتاليتاري- totalitarisme- الذي يمارس الهيمنة والسيطرة، لأن الهدف الوحيد للأصولية الدينية، فهو العودة بالمجتمع إلى الوراء، إنه نظام الحاكمية الذي يحكم من خلال رجال الدين، وعندما يتحقق هذا النظام سوف يجثم على صدر المجتمع ويكتم أنفاس كل الفئات الإجتماعية والقوى الحية، ولا مكان فيه للكتاب والمثقفون، ولا مكانة فيه للفنانين ولا للنساء، وفيه أيضا يتم وأد الحياة الدستورية، كما يتم فيه سحق المجتمع المدني وقتل الأحزاب السياسية، وتجميد الجمعيات المدنية وحل النقابات المهنية ثم الشطب بجرة قلم على كل القوانين الوضعية وتطبيق “ القوانين الإلهية “ في هذا النظام كذلك لا صوت للمعارضة السياسية، ولا معنى للحياة السياسية الحزبية، ولا وجود للجمعيات المدنية، ولا حرية للكتاب الأحرار ولا أثر للصحافة المستقلة، ولا لمبدأ المواطنة، وبالتالي العودة لما يسمى في أدبيات الفقه السياسي بالرعية وأهل الحل والعقد والذمة والجزية. ولا وجود في هذا النظام القروسطي للدستور ولا معنى للإنتخابات ولا معنى للبرلمان. والشواهد على هذا النوع من حكم الإصولية الدينية تجسَّدت في عدد من جغرافية العالمين العربي والإسلامي في أفغانستان - طالبان وفي جمهورية الملالي في إيران وفي السودان عندما تحالف العسكر مع الإخوان واحتضن الجنرال عمر البشير مرشد الإخوان حسن الترابي، وقد حقق هذا التحالف “ انجازا عظيما “ هو تقسيم السودان ورميه في أتون الحرب الأهلية، أما أكبر شاهد اثبات على حكم “ الحاكمية “هو ما قامت به دولة “ داعش “ في سوريا والعراق، حيث تفننت في قطع الايدي والإرجل وسمل العيون وجذع الأنوف وجلد النساء. والحقيقة أن الإسلام السياسي والحركات الإسلامية، كما هو شأن كل الحركات الشمولية والفاشية الحديثة مثل النازية، الفاشيستية والستالينية والخمير الحمر، فإنها حركات بطبعها وفي طبيعتها لا ديمقراطية. وبناءً على التجارب التاريخية هنا وهناك، يمكننا القول أن الحركات السياسية الإسلامية حتى وإن قبلت بقواعد اللعبة الديمقراطية وبالنظام السياسي الليبرالي، وادعت تمسكها بالدستورو زعمت احترامها لقوانين الدولة الوطنية، فإنها تفعل ذلك، كما أشرنا في عدة مقالات ودراسات، كتكتيك مرحلي فقط، أما الهدف الاستراتيجي، فهو التربع على سدة الحكم ومن ثمة الإستيلاء على الدولة. وهكذا وباسم الديمقراطية وبواسطتها وعن طريق الانتخابات ساهمت الحركات الإسلامية وبالتحالف مع العسكر في اجهاض التجربة الديمقراطية في أكثر من بلد عربي.

الشورى.. أخلاق وليست سياسة

و يمكننا الكشف عن لا ديمقراطية جماعات الإسلام السياسي، من جوانب مختلفة وزوايا متعددة:

أولاً: الدستور الجزائري الذي كان ساري العمل به من سنة 1989 جتى سنة 1996، وبعد الإستفتاء والموافقة عليه بنسبة تفوق 70 % في شهر فيفري/شباط 1989 يؤكد في المادة 40: “.. حق إنشاء الجمعيات ذات الطابع السياسي معترف به ولا يمكن التذرع بهذا الحق لضرب الحريات الأساسية والوحدة الوطنية والسلامة الترابية واستقلال البلاد وسيادة الشعب" والكل يعلم أن الأسلام السياسي ممثلا بالجبهة الإسلامية للإنقاذ قد خرقت هذه المادة الدستورية أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة.

ثانيًا: كما خرقت الجبهة الإسلامية للإنقاذ الدستور وكل قوانين الجمهورية الجزائرية في أحداث جوان 1991 الدامية، ففي هذه الأحداث أو ما سُمِّيَ بالإضراب السياسي أو ما أطلقت عليه جبهة الإنقاذ اسم "العصيان المدني " رفع شعار " لا ميثاق لا دستور.. قال الله قال الرسول " ومعانى ودلالات الشعار تؤكد على نفي كل المضامين القانونية والتظيمية التي تقوم عليها الدولة الحديثة والركائز التي يمكن أن يستند إليها المجتمع، بالرغم من الدور الذي مثله هذا الأخير في التمكن لها. وفي أثناء الإنتخابات التشريعية في ديسمبر من عام 1991عُلقت يافطة كبيرة في أحد تجمعات الجبهة، كتب عليها " عليها نحيا وعليها نموت وفي سبيلها نقاتل وعليها نلقى الله" أي أننا سنعمل على إقامة الدولة الإسلامية وسنسعى الى هذا الهدف بمختلف الوسائل، عن طريق الإنتخابات أو من خلال ممارسة العنف والقيام بعمليات إرهابية وإعلان“ الجهاد “ ومقاتلة كل من يقف في طريق هذا المشروع المقدس” وهذا ما وقع قبل الإنتخابات التشريعية في 26 ديسمبر /كانون الأول.. 1991 وفي أحداث الهجوم على ثكنة عسكرية في مدينة قمار الحدودية مع ليبيا، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، كما عاشت الجزائر موجة من العنف السياسي غير مسبوقة في دولة ما بعد الإستقلال ودفعت ثمنا باهضا من الإرهاب الأعمى الذي مارسته الجماعات الإسلامية المسلحة من سنة 1991 حتى سنة 2001، خاصة بعد إلغاء نتائج الدور الأول من الإنتخابات التي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

ثالثا: كذلك يمكن الكشف عن التناقض والتنافر بين الأصولية الدينية ونموذجها الأبرز جبهة الإنقاذ بإعتبارها حركة دينية متطرفة وحاملة مشروعا شموليا، راديكاليا وبين الديمقراطية التي تعني من بين ما تعنيه من حريات وحقوق، أولها حرية الإعتقاد. ولسنا في حاجة إلى شرح كبير للقول بأن هذا التنافر بين الأصولية الدينية وبين الديمقراطية، يلغي أي حديث عن المجتمع المدني في ظل دولة دينية. والجدير بالذكر إلغاء المجتمع المدني معناه ألغاء أهم مبدأ في الديمقراطية، ألا وهو الحرية الفكرية للأفراد، الحرية بمعناها الواسع والشامل، أي تحرر الفرد من كل قيد أو سلطة أو وصاية، تحد من تفكيره وتحجر على عقل المثقفين وتمنع الباحثين من الإبداع خارج سلطة النص المُعَّد سلفا، وتقمع المفكرين حتى من الإجتهاد داخل النص الديني.

رابعاً: كل التنظيمات الدينية والأحزاب الإسلامية.. وكل مكونات الإسلام السياسي- وأشدد على لفظة كل – لا تمارس الديمقراطية فيما بينها، ولا بين صفوفها، ولن ننسى أن بناؤها التنظيمي شبه العسكري، أي هرمي، تراتبي يعتمد على السمع والطاعة وتنفيذ الأوامر الآتية من فوق، دون مناقشة أو التفكير، كما أن بعض الجماعات السياسية الدينية لم تتأسس عن طريق مؤتمر أو جمعية عامة، وأكبر دليل على ذلك هو حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ.، وهو الحزب الذي اكتسح الإنتخابات التشريعية في يوم 26/12/1991.. وكان بذلك على قال قوسين أو أدنى من إستلام السلطة، وهو لم يعقد مؤتمراً تأسيسيا يخرج بقيادة منتخبة وشرعية وموحدة، وخطاب سياسي واضح خالٍ من الغموض والضبابية.

خامسًاً: ً نتأكد من معاداة الإسلام السياسي للنظام الديمقراطي، من خلال تصريحات الشيوخ وخطابات الدعاة وكتابات المفكرين، ولنأخذ نموذجا على ذلك ماقاله الشيخ على بن حاج نائب رئيس جبهة الإنقاذ، بأنه سيطأ بأقدامه قوانين الجمهورية، إذا كانت ستقف في وجه المشروع الإسلامي، وسيعلن عن الجهاد إذا اقتضى الأمر- واعلان الجهاد معناه ممارسة الإرهاب، كما قال الرجل الثاني في جبهة الإنقاذ المنحلة بصريح العبارة ما يلي :.. " كلمة ديمقراطية.. كلمة كفر.. الديمقراطية تقوم على سيادة الشعب، معنى ذلك أن الشعب هو الذي يحكم، وفي كتاب الله من الحاكم؟ سبحان الخالق...فكيف تكون السادة للشعب ؟...ليس في الإسلام ديمقراطية.. والإسلام فيه شورى فقط والشورى لها ضوابطها...نحن لا نحترم إلا قوانين الله.. " أما مؤسس جماعة الإخوان الشيخ محفوظ نحناح في الجزائر التي تحولت الى حزب سياسي باسم حركة حماس(حركة مجتمع السلم) فقد هضم بعسر مفهوم الديمقراطية وقبل على مضض متطلباتها، ثم قام بنحت مفهوم غريب وملتبس هو الشورقراطية، محاولاً بذلك التوفيق – أو بالأحرى التلفيق – بين مبدأ الشورى التي هي في حقلها التداولي مبدأ أخلاقي أي تدخل في إطار مكارم الإخلاق، وليست مفهوما سياسيا، ولم تكن أبدً أسلوباً لنظام الحكم.، ولا تجسدت في مؤسسة سياسية. ولا يمكن مقارنتها بأي شكل من الأشكال بمفهوم سياسي معاصر هو الديمقراطية.

و بناءً عليه سنضطر للوقوف عند مفهوم الشورى، بعد أن كشفنا عن الطابع الشمولي واللاديمقراطي للحركات السياسية الإسلامية. والنتيجة هي رفض الديمقراطية وإجهاض التجربة الديمقراطية في أكثر من بلد عربي أجل النتيجة المنطقية هي رفض الديمقراطية والبحث عما يوازيها في التراث العربي الإسلامي، بمعنى أخر إن خطاب الأصولية /السلفية التي تتحكم فيها مرجعية تراثية، تحتم عليها القول بالشورى بدل الديمقراطية.، فلا غرو أن يكتب الإسلاميون الكثير عن مفهوم الشورى، وأنه البديل الحقيقي والأصيل لمفهوم الديمقراطية.. الوافد علينا من الغرب الأوروبي. أما الشورى كمبدأ فهي نابعة من ذاتنا ومن ديننا وجزء لا يتجزأ من تراثنا.، وبالتالي هي من أصول الحكم في الإسلام. وبناءاً على ذلك حدد الخطاب السياسي الديني المعاصر، مفهوم الشورى بأنه التشاور بين المسلمين في إنتخاب الخليفة وفي شؤون الحياة، وفي شؤون الحكم في دولة الإسلام. ولا شك أن المقارنة بين الشورى والديمقراطية وتفضيل الأولى على الثانية والتأكيد على إسلامية الشورى وعلى المصدر الغربي /المسيحي للديمقراطية يخفي وراءه إحساسا بالنقص الذيسرعان ما ينقلب إلى إحساس وهمي بالعظمة، ويندرج كذلك ضمن آلية من آليات الخطاب الديني المعاصر وهيىلية التفكير بالأسبقية، أي أننا سبقنا الغرب في الديمقراطية وفي حقوق الإنسان وفي العلوم والقانون، ويندرج أيضا في إطار، التأكيد على الذات والإحتماء بالأخر أي بالتراث الإسلامي وخوفا من الأخر أي من الغرب المسيحي. بعبارة أخرى، القول بالشورى هو آلية من آليات الدفاع عن الذات.هذا من جانب، ومن جانب أخر، فإن مبدأ الشورى حتى وإن أخذناه بالمعنى السياسي وحملنَّاه مقولات ومفاهيم معاصرة، فإنه لم يطبق حتى في أزهى العصر الذهبي للإسلام، ولم يطبق حتى في عصر الخلفاء الراشدين،. ولقد كتب شهيد الفكر حسين مروة عن الوضع التشريعي لهذا المبدأ ".. ليس في النصوص الأصول (القران والسنة) ما يقضي بإعتبار الشورى مبدأ تشريعيا صريحا، أي بإعتباره جزءا من الشريعة الإسلامية يجب إلتزامه كشأن التشريعات الواجبة الإتباع في النظم الإسلامية...فإن أظهر نص قرآني ورد بهذا الشأن هو :".. وأمرهم شورى بينهم (من سورة الشورى آية38).. إن هذا النص لا يدل على على تشريعية المبدأ لأنه لم يرد في سياق التشريع في الآية، بل ورد خلال وصف أخلاقية المؤمنين وسلوكيتهم وهو -أي المبدأ- يخلو من الدلالة على كونه خاصا بنظام الحكم.. ولو أنه كان يحمل هذه الدلالة لكان من المستبعد أن يجري اختيار الخليفة على نحو ما جرى في اختيار الخلفاء الراشدين من اللجوء إلى اعتبارات بعضها يرجع إلى مواقف ذاتية وبعضها إلى نوع من الشورى الفوقية التي حصرت أهل الشورى في أشخاص معدودين كان معروف سلفا- أنهم لن يتفقوا على الأكثر كفاءة فيهم لمنصب الخلافة، لما كان بينهم من خصومات سياسية ومن مواقف ترجع من جهة إلى طموح كل منهم الى المنصب وترجع الى إتفاق الأكثرية سلفا على إبعاد علي بن أبي طالب عن قيادة دولة الخلافة، إذن مبدأ الشورى المستفاد من النص القرآني السابق، مبدأ عام ومطلق غير محدد، فليس من شأنه أن يعتبر، ذا وضع تشريعي يقرر الطابع الخاص بنظام الحكم في الإسلام.. " (النزعات المادية ص 398) والسؤال الذي يطرح نفسه – وهو سؤال بالغ الأهمية- هو لماذا انقلبت الخلافة الى ملك عضوض ونظام حكم وراثي فُرِض فرضا على الأمة، إذا كان مبدأ الشورى هو المبدأ المطبق أنذاك في ممارسة شؤون الحكم؟ وثمة ملاحظة – ونحن بصدد مناقشة مبدأ الشورى – وهي أنه منذ أربعة عشر قرنا، لم ينصب حاكم واحد بطريقة تشاورية سليمة، ولم يجر انتقال السلطة من طرف الى طرف أخر بطريقة سليمة وبدون اراقة الدماء. وتأكيدا للفكرة عينها، وهي أن الشورى، مهما حملناها من الدلالات تبقى مجرد صفة أخلاقية حميدة، يكتب المفكر محمد عابد الجابري في كتابه وجهة -نحو اعادة بناء الفكر العربي المعاصر قائلاً: ".. وإذا غضضنا الطرف الآن عن هذا النوع من الممارسة الإيديولوجية وبحثنا في ملامح الصورة التي ترتسم في ذهن المفكر داخل المرجعية التراثية عندما يضع الشورى كموازن للديمقراطية وكبديل أفضل لجميع أواع الحكم، لا نجد لديه سوى نوع من الممارسة للحكم يُجّسمه سلوك الخليفة عمر بن الخطاب كما ترويه كتب التراث، وهو سلوك يجمع بين الإستبداد والعدل. ومن هنا كان الحاكم النموذجي والأمثل، من المنظور الذي يتأطر داخل المرجعية التراثية، وهو ذلك الذي يمارسه مستبد عادل. وإذن فالشورى، في مضمونها التراثي العربي الإسلامي لا تقوم بديلا عن الإستبداد مطلقا بل فقط عن نوع من الاستبداد هو ذلك الذي يمارسه الحاكم الظالم.. الاستبداد الذي يترتب عنه ظلم، والحاكم يتفادي الظلم ويتجنبه – عندما تكون له رغبة في ذلك، أي عندما يهديه الله سواء السبيل – بإعتماد المشورة أو الشورى التي تعني أهل الحل والعقد من الفقهاء والعلماء وأكابر القوم قبل الإقدام على أي عمل. والمشورة أو الشورى بهذا المعنى لا تلزم الحاكم.إنه يستشير، ولكن القرار في نهاية الأمر له وحده، ووحده فقط، سواء كان القرار عملاً بما أشار به أهل الشورى أو عملاً بخلافه...و هكذا تبقى الشورى في الإسلام من باب النصيحة، من باب فضائل الحكم وليست قط من باب الفروض والواجبات... " (الجابري- وجهة نظر، ص 118) ولهذا الشورى غير.. والديمقراطية غير كما عنون الأستاذ محمد عابد الجابري في إحدى مقالاته. وما يقال عن الشورى بأنه المبدأ الذي سبق يمقراطية الغرب، يقال عن مفاهيم أخرى في مجالات أخرى، بالحدة نفسها أو أكثر، وأبلغ مثال على ذلك هو تلك الظاهرة المنتشرة جداً بين شيوخ ودعاة الأصولية الدينية، وأعني بها ظاهرة الربط بين حقائق العلم المعاصر والنص القرآني، أو بالأحرى التأكيد على أسبقية هذه الحقائق كما كان يفعل مصطفى محمود في برنامجه الشهير “ العلم والإيمان “. وهكذا فكل المفاهيم والنظريات التي انتجتها العلوم الطبيعية وا إنسانية سبقها القرآن منذ قرون.. وبالتالي فإن كل تشابه في المعنى أو اللفظ بين مفهوم أو كلمة معاصرة مع كل ما تحمله هذه المصطلحات أو تلك من حمولات علمية معقدة، وبين عبارات وألفاظ القرآن، فإن هذا دليل على وجودها في القرآن وعلى أسبقيته في هذا العلم أو ذاك، وبرهان على معجزة القرآن وعظمة الإسلام !!

***

مصطفى دحماني

باحث في الفكر السياسي الإسلامي/الجزائر

عندما استُدعي ارسطو لتعليم الاسكندر الأكبر، كانت تلك الخدمة التعليمية بمثابة الحدث الذي رسم مسار الحضارة اليونانية. ان علاقة المعلم والطالب استمرت ما يقارب 20 سنة، حيث كان الاسكندر بعمر 13 سنة عندما بدأ التعليم. ارسطو (384-322 ق.م) كان تلميذ افلاطون. هو كان رائدا في استخدامه الإختبار المنهجي والعلمي في جميع مظاهر المعرفة الإنسانية. معاصروه أطلقوا عليه "الرجل الذي يعرف كل شيء".

اتجاه ارسطو كان تجريبيا قائما على الملاحظة. هو اعتقد بأهمية الدليل والتجربة في متابعة المعرفة. هو أيضا أدخل مفهوم الميتافيزيقا، بينما كتاباته امتدت لتغطي نطاقا واسعا من الحقول، مثل المنطق، الاخلاق، النظرية السياسية، الجماليات، والبلاغة. كان ارسطو أول من وصف العواطف والتحكم بها باعتبارها الجزء الأكثر أهمية في تطور الشخصية. ارسطو غاص أيضا في الحقول غير الفلسفية مثل البايولوجي التجريبي. هو كان مراقبا ممتازا وكتب توصيفات مكثفة للنباتات والحيوانات.

لماذا استدعى فيليب الثاني ارسطو؟

اعتبر الملك فيليب الثاني ملك مقدونيا ارسطو المعلم المثالي لتعليم ابنه الاسكندر لكي يصبح وريثا قويا لعرشه. علاوة على ذلك، أراد فيليب جلب الثقافة والتعليم الى مملكته لمسايرة الإنجازات الفكرية والثقافية للمدن اليونانية المنظّمة والمتعلمة جيدا. حينذاك، استدعى ملك مقدونيا ارسطو لتعليم الاسكندر، مقدونيا كانت سلفا تتحول من منطقة مضطربة الى مملكة حقيقية. هذه المملكة كانت تقع في نقطة تقاطع عدة ثقافات مختلفة يصعب فيها الاندماج. فيليب الطموح ادرك ان البراعة العسكرية وحدها لا تكفي لخلق مملكة قوية جديرة بالاحترام . كان الامر بالنسبة لارسطو تحديا، لأنه سيكون قادرا على تطبيق مبادئه الفلسفية لصنع حاكم المستقبل. الاسكندر سيكون الحاكم لمناطق، كانت حتى ذلك الوقت محل سخرية من ملوك المدن اليونانية المنظمة جيدا.

ارسطو يعلّم الاسكندر الشاب

في عام 343 ق.م، عندما استدعى فيليب ارسطو لتعليم ابنه، بدأت علاقة وثيقة بينهما استمرت لسبع سنوات. ارسطو اختار معبد الحوريات في منطقة ميزا ليكون مكانا للتعليم بسبب صفائه وبيئته الطبيعية الجميلة. المنهاج الذي وضعه كان مزيجا من البلاغة والفلسفة والسياسة والعلوم الطبيعية والفنون. هذا كان لتنمية فكره وشخصيته. الطريقة التي استعملها ارسطو كانت مرتكزة على الاهتمام ومتأسسة على الملاحظة والتجربة. وبينما كانا يسيران في منطقة ميزا الخضراء، جرت بينهما محادثة. نقاشاتهما تراوحت من طرق الحكومة الى هيكل النباتات والحيوانات. أراد ارسطو من الاسكندر ان يفكر تحليليا ونقديا. المعلم والطالب أيضا تحدثا حول العواطف. نقاش العواطف كان حاسما في تحديد شخصية الاسكندر لأن الشاب كان مندفعا وأحيانا عاصفا. مع ذلك، هو امتلك ذهنا فضوليا وايجابيا.

تدريجيا، أصبحت العلاقة بين الطالب والأستاذ شراكة ديناميكية للاحترام المتبادل. الشراكة انتهت عام 336 ق.م عندما ورث الشاب العرش بعد اغتيال والده. في عام 335 ق.م عندما بدأ الاسكندر حملته الطموحة في اسيا، عاد الفيلسوف الى أثينا، لكن الرجلين بقيا على تواصل من خلال الرسائل.

الاسكندر يحمل تعاليم ارسطو الى فتوحاته

تأثير ارسطو على اكبر الفاتحين في العالم يمكن رؤيته في حمل الاسكندر لكتب كثيرة معه حول عدة موضوعات اثناء حملته الكبرى. والأكثر أهمية، هو ما أظهره من مهارة دبلوماسية في التعامل مع المشاكل السياسية الصعبة طوال حياته كامبراطور عظيم.

بمعرفة او بدونها، أصبح الاسكندر نتاجا للتقاليد الهيلنستية، ومشبعا باحساس الرسالة الثقافية والرغبة لنشر الأفكار والقيم اليونانية. وعندما غزا الاسكندر اسيا الصغرى، ومصر، بلاد فارس، عزز انصهار الثقافات اليونانية والمحلية، وهي السياسة التي عُرفت بـ الهيلينية Helleniztion. دروس ارسطو في الشعر وخاصة هوميروس، حفزت الاسكندر لتطوير قصة اخيل الشجاع كمعيار يطمح نحوه. ولهذا، اختار الاسكندر مسار البطل الأخلاقي، واضعا الشرف وضبط النفس فوق كل شيء آخر. هو لم ينغمس في الملذات الجنسية ومارس نفس الانضباط في الطعام.

كذلك، غرس ارسطو في الامبراطور اهتماما في الطب مما قاد الاسكندر لوصف علاجات للعديد من أصدقائه. ان تعاليم ارسطو في علم الحيوان وعلم النبات حفزت الاسكندر ليأخذ جيشا من علماء النبات والحيوان الى اسيا الى جانب جيشه النظامي. هؤلاء الرجال أخذوا معهم كميات كبيرة من العينات التي كانت مفيدة للتقدم العلمي اللاحق في المجالات ذات الصلة.

ارسطو، الاسكندر، والدبلوماسية

هناك كتاب سمي سر الاسرار secretum secretorum كان مشهورا جدا من القرن 13 الى القرن 15، يُزعم انه رسالة حول رسائل تحتوي على نصيحة من ارسطو الى الاسكندر الاكبر. النصيحة هي حول كل شيء من غذاء الاسكندر الى كيفية التصرف في الحرب. ان أصل الرسالة غير معروف. يقال ان النسخة العربية في القرن التاسع جرى ترجمتها من اليونان. لم يُعثر على نصوص يونانية. العلماء يعتقدون ان النصوص في الأصل كُتبت في اللغة العربية بواسطة يحيى بن البطريق، وهو عالم اشوري مسيحي برع في ترجمة النصوص اليونانية القديمة الى العربية. ومن بين النصائح كانت حول قضايا الحياة اليومية مثل الصحة والطبيعة وعادات التغذية. كذلك يغوص الفيلسوف في قضايا سياسية خطيرة عندما يرد على أسئلة الاسكندر حول كيفية إدارة الأراضي الجديدة اثناء الفتوحات وكيفية التعامل مع المواطنين الأصليين. سنأتي الان الى مثال للاسئلة التي أثارها الاسكندر:

يا استاذي الرائع، احيطك علما اني وجدت في بلاد فارس رجال يتمتعون بحكم سليم وفهم قوي، ويطمحون لتطبيق القواعد. ولهذا انا قررت ان اقتلهم جميعا. ما رأيك في هذه المسألة؟

جواب ارسطو

لا فائدة من قتل الرجال الذين غلبتهم، لأن بلادهم ، وحسب قوانين الطبيعة، سوف يتكاثر فيها جيل آخر مشابه للأول. ان شخصية هؤلاء الرجال تتقرر بطبيعة الهواء الذي يستنشقونه في بلدهم والماء الذي يشربونه. أحسن طريقة لك هو ان تقبلهم كما هم وتسعى الى جعلهم يتبنّون افكارك من خلال كسب ودهم باللطف.

هذه النصيحة تبيّن قيمة المستشارين والنخب الإدارية، وما هو اكثر أهمية، انها تعزز الحاجة الى الدبلوماسية في المواقف الصعبة. وبعد احتلال الإمبراطورية الفارسية، عامل الاسكندر العائلة الملكية الفارسية باحترام شهم وتزوج بنت الملك الفارسي داريوس، واسمها ستاتيريا (وأيضا تسمى هوما). هو أيضا امتلك اثنين من الزوجات الفارسيات النبيلات وهما بارسين و باريساتيس. كانت فكرته هي دمج وبث الثقافة اليونانية في البلدان التي تم اخضاعها. افضل أصدقاء الاسكندر هيفايستيون، أيضا تزوج امراة فارسية نبيلة اسمها درايبت. من غير المؤكد ان كان الاسكندر اتّبع نصائح معلمه في جميع القضايا. مع ذلك، الفاتح اليوناني مارس حكما مطلقا في جزء كبير من العالم آنذاك، وميراثه يبقى قويا حتى اليوم.

***

حاتم حميد محسن

عرفت مصر قبل الفتح الإسلامى عددًا من اللغات التى انتشرت بها، نظرًا لتعدد الأجناس فيها، فعرفت اللغة اليونانية، واللغة العبرية، وبعض ألفاظ من العربية بحكم الرحلات التجارية، إلا أن اللغة السائدة فيها كانت اللغة القبطية، كانت اللغة التى تجرى على الألسن. وفى أواخر سنة 19 هـ تحرك عمرو بن العاص بجيش قوامه أربعة آلاف مقاتل ليفتح مصر فى خلافة الفاروق عمر بن الخطاب، حتى فتحها واستقرت سيطرته عليها عام 20 هـ.

بدأت العربية تخطو خطوات سريعة حتى سارت جنبًا إلى جنب مع اللغة القبطية، وما لبثت أن ظفرت وتغلبت على القبطية، ثم اكتمل هذا الظفر فى العصر الأموى عندما أصدر والى مصر عبد الله بن عبد الملك بن مروان قرارًا بتعريب الدواوين، ومن ثم أصبحت العربية هى اللغة الرسمية فى مصر.

ومنذ تعرَّف المصريون العربية، كانت كل إقطاعية تتحدث العربية وتمارسها ولكن وفق طريقتها هى، بتحولات فى الأصوات أو التراكيب أو الدلالات، فعلى سبيل المثل تجد فى الإسكندرية لهجة، وفى الدلتا والفيوم لهجات، وفى الصعيد لهجات، وللقاهرة مركز مصر لهجتها التى أصبحت هى الأشهر والأكثر شيوعًا وانتشارًا حتى وقتنا الحالى.. أسباب شهرة وغلبة العامية القاهرية

1 – العامل الحضارى

القاهرة هى المركز الحضارى والعلمى والثقافى فى مصر، وهى مركز استقطاب للكثيرين من أبناء البلاد والمحافظات لما فيها من سبل الحياة والأسباب المتنوعة التى تشجع على النزوح إليها. فبهذه القوة الحضارية تمكنت القاهرة أن تبسط سلطان لهجتها.

2 – العامل السياسى

القاهرة هى عاصمة مصر، السياسيون فى الخطابات واللقاءات والحوارات، حين يركنون إلى العامية، فإن عاميتهم قاهرية. حتى وإن كان بعضهم غير ذى جذور قاهرية، إلا أنه اكتسب اللهجة القاهرية وأصبحت ذات الجريان الأول على لسانه. من هنا منح هذا العامل السياسى العامية القاهرية أن تكون هى الأكثر ذيوعًا.

3 – وسائل الإعلام

كافة وسائل الإعلام، التليفزيون والراديو والصحافة، وغيرها من مستجدات وسائل الإعلام. فى كل نشاطاتها اللسانية هى قائمة على العامية القاهرية، إلا ما استدعى الحديث بالفصحى. فوسائل الإعلام هذه داخلة فى كل بيت فى أقطار عديدة، بأى صورة كانت عليها، من هنا كانت أحد أهم الوسائل لغلبة العامية القاهرية.

4 – الأعمال الفنية

أنت ترى ذلك بنفسك حين تشاهد فيلمًا أو مسلسلا أو مسرحية أو تسمع أغنية، تجدها عامية قاهرية، إلا ما استدعى الحوار أو بنية العمل أن يجرى وفق لهجة صعيدية على سبيل المثال، أو سكندرية، أو لهجة فلاحى أى لهجة ريفية.

5 – خفة تراكيب العامية القاهرية وبساطة الألفاظ والدلالات

تجد العامية القاهرية خفيفة التراكيب بسيطة الألفاظ والدلالة، فهى تنأى عن التعقيد، هى لهجة مباشرة. ذلك مما مكنها أن تكون هى الأيسر على الألسن والأكثر ذيوعًا.

من سمات اللهجة العامية القاهرية

1 – أكثر اللهجات تأثرًا بالتقدم التكنولوجى والتطور الحضارى.

وذلك بحكم أنها المركز الحضارى والثقافى والمعرفى. وهى الأسبق لملاحقة أى تطور حادث، فتأخذ من كلماته ومصطلحاته وتشتق وتحوِّر فى البنية الصرفية. ومثال ذلك: الفيس بوك، اشتقت العامية القاهرية: نفيِّس- نفسبك ". ومن ذلك أيضًا: هاديك رنة، ومنها رِّن له أى نبهه. وتجد الشخص الذى يسعى لإشعال الخصومة يوصف بأنه بوتاجاز بينما فى اللهجة الريفية يوصف بأنه باجور. والشخص دؤوب العمل يوصف بأنه مكنة شغل أى ماكينة عمل بينما فى الريف يوصف بأنه حمار شغل. والشخص الذى يقوم عليه عبء العمل وينجزه يوصف بأنه دينامو. والكلام المكرور الذى يتكرر ولا جديد فيه يوصف بأنه إسطوانة. فكل ذلك وغيره كثير، من الثابت أنه ناتج تقدم تكنولوجى وحضارى.

2 – أكثر اللهجات تضمينـًا لمفردات غربية

فتجدها أكثر اللهجات انفتاحًا على الأخذ من ألفاظ لغات أخرى، وتجرى هذه الألفاظ على الألسن فى الحياة اليومية، مثل: علـِّى التـُون- وطـِّى التـُون، أى رفع وخفض الصوت. أوكيه، باى، مستر، مس، ديسك.

3 – أكثر اللهجات تأثيرًا فى اللهجات الأخرى

وذلك بحكم ذيوعها وفرض سيطرتها للعوامل السابق ذكرها. فهى تؤثر فى غيرها من اللهجات المحلية، ويصعب أن تتأثر هى بلهجة محلية أخرى. هى تتأثر وتنمو بالتقدم التكنولوجى والحضارى والمعرفى، تتأثر وتضمِّن ألفاظـًا غربية، أمَّا أن تؤثر فيها لهجة محلية أخرى فهذا أمر صعب التحقق.

4 – إبدال الحروف صوتيًا

فتجد مثلا إبدال القاف إلى "همزة /ألف"، مثل: قال تصبح آل، قلم تصبح ألم، قفا تصبح أفا، قاعد تكون آعد، قادر تكون آدر. والتاء ثاء، مثل: ثعلب- الثلاثاء- ثوم- ثعبان، تكون: تعلب- التلات- توم- تِعبَان. والذال دال، مثل: ذهب- ذيل، تكون: دهب- ديل. الظاء ضاد، مثل: الظهر- ظهرى، تكون الضهر- ضهرى. والصاد سين، مثل: صقر، تكون: سقر، وتبدل القاف همزة فتكون سأر.

5 – غلبة الجملة الاسمية فى الاستعمال

يغلب على العامية القاهرية تغليب الجملة الاسمية فى الاستعمال، فالمتكلم عادة ما يجرى كلامه على الجملة الاسمية، مثل: الدنيا ليلت أى جاء الليل. النهار طلع. الجو حَر. الجو برد. المشمش طلع. البطيخ ظهر. فلان اتجوَّز.

6 – الإبدال الموضعى بين الحروف

وذلك مثل: ملعقة تجدها معلقة. زوج تجدها جوز.

7 – الاختصار

الاختصار من سمات العامية القاهرية، مثل: الولد- البنت- شاطىء، تكون: الواد- البت- شط.

8 – سرعة الإيقاع

سريعة الإيقاع بعض الشىء عن اللهجات الأخرى، وذلك راجع لسهولتها وخفتها على اللسان.

9 – الترقيق

من حيث الصوت تميل إلى الترقيق، وذلك بحكم العامل الحضارى والبيئى والمستوى الثقافى ورفاهية المدن.

10 – النحت

النحت اللغوى ظاهرة لغوية، مثل " بسم الله الرحمن الرحيم " فنقول: بسملة، " لا حول ولا قوة إلا بالله " نقول: حوقلة. إذن أنت تبينت أن النحت هو اختصار كلمتين أو أكثر فى كلمة واحدة منحوتة من أحرف الكلمات التى اختصرتها.

وكذلك العامية القاهرية عرفت النحت، مثل: كلشنكان أى كل شىء كان، إنشلـَّه أى إن شاء الله، اسملـَّه أى اسم الله، مشئلـَّه أى ما شاء الله، إزيَّك أى أىُّ زى زيك؟ ومعناها كيف حالك؟، جابلى أى جاء لى بكذا.

10 – احتواء الكثير من الكلمات الفصيحة

تحتوى العامية القاهرية الكثير من الكلمات العربية الفصحى، واللهجات العربية الفصيحة الموروثة، وهى أكثر اللهجات التى تتحلى بهذه السمة، والعامة يتحدثون وهم لا يعلمون أن تلك الكلمات التى يظنونها عامية هى فى الأصل فصيحة.

وذلك مثل:

أ – تشديد " هوَّ – هىَّ "، وتلك لهجة همدان. وهمدان قبيلة يمنية وهى غير همذان التى هى منطقة فى إيران.

ب – استعمال الكلمات مثل: قفش بمعنى مسك – جعجع أى علا صوته دون فعل – ينبش و ينكش يبحث عن شىء فى الأرض – بَسْ هى كلمة فصيحة فهى اسم فعل أمر بمعنى كفى وحسب- دَش فى كلامه أى أكثر منه – دَعكَ: دعك الشىء أى دلكه وليَّنه.

11 – أكثر اللهجات استعمالا للمجاز

هى أكثر اللهجات استعمالا للمجاز اللغوى فتنتقل باللفظة من أصلها اللغوى وتستعيره لمعنى جديد، مثل:

أ – ملط: هو من لا شعر له على جسده، واستعيرت لمن لا ثياب على جسده.

ب- أرن بكسر الراء: أى نشيط ومرح، وأصبحت بمعنى المتكبر.

ج – إسفين: هو الوتد يدق فى الأرض، وأصبحت بمعنى المكيدة توضع بين اثنين للتفريق بينهما.

د – همج: هم جماعات البعوض المتفرقة، ثم استعيرت للبشر العشوائيين.

وختامًا نرجو أن نكون قد حققنا قدرًا من المعرفة والمنفعة فى كساء من المتعة والثراء اللغوى.

***

د. أيمن عيسى - مصر

لم يطلب الرجل امتيازا خاصا، ولم يسع إلى فرض معتقده على أحد. كل ما أراده أن يضع رمزا دينيا يخصه على قطعة حلوى يحتفل بها مع أسرته، ولم يدع إلى مواجهة أو صراع. كان يمارس حقا إنسانيا بسيطا: أن يعبر عن هويته كما يشاء. لكن المفاجأة لم تكن في رفض الطلب فحسب، بل في الدلالة العميقة الكامنة وراء هذا الرفض.

أي مجتمع هذا الذي يخاف من رمز مرسوم على قالب حلوى؟. إن المشكلة ليست في التورتة، ولا في الصليب، ولا في قطعة السكر التي ستشكل الرمز. المشكلة تكمن في العقلية التي ترى في وجود الآخر تهديدا، وفي التعبير عن هويته استفزازا، وفي أبسط مظاهر الاختلاف خطرا يجب منعه. لكن المجتمع الذي يضيق برمز صغير مرسوم بالسكر ليس مجتمعا يخاف من الرمز، بل من المعنى الذي يحمله الرمز. إنه يخاف من الاعتراف بأن هذا الوطن يتسع لغير صورة واحدة، ولغير صوت واحد، ولغير معتقد واحد.

حين يرفض إنسان خدمة مشروعة لمواطن آخر فقط لأن طلبه يحمل رمزا دينيا مختلفا، فإننا لا نكون أمام موقف شخصي عابر، بل أمام صورة مصغرة لمرض اجتماعي أعمق؛ مرض يقوم على الاعتقاد بأن بعض الناس يملكون حق الظهور الكامل في الفضاء العام، بينما يطلب من آخرين أن يخفوا هوياتهم وأن يعيشوا مواطنتهم في الظل.

ما أبشع أن يتحول رمز ديني بالنسبة لملايين البشر إلى سبب للرفض والإقصاء. وما أخطر أن يعتاد المجتمع مثل هذه الممارسات حتى تصبح أمرا عاديا لا يثير الاستنكار.

إن الحرية الدينية لا تعني أن نحترم ما يشبهنا فقط، بل أن نقبل بحق الآخرين في التعبير عن ذواتهم كما يقبلون حقنا في التعبير عن ذواتنا. أما الانتقائية في احترام الحريات فليست حرية، وإنما امتياز مقنع بلغة الأخلاق.

لو أن الرفض كان موجها ضد رمز يخص الأغلبية لقامت الدنيا ولم تقعد. لكن معيار العدالة الحقيقي لا يقاس بطريقة تعاملنا مع من يشبهوننا، بل بطريقة تعاملنا مع من يختلفون عنا.

إن المجتمعات المتحضرة لا ترتعب من الصليب، ولا من الهلال، ولا من أي رمز ديني أو ثقافي. إنها ترتعب فقط من الكراهية والتمييز والإقصاء. أما المجتمعات التي تخاف من الرموز أكثر مما تخاف من الظلم، فهي مجتمعات ما زالت تخوض معركتها الأولى مع معنى المواطنة.

ليس السؤال لماذا أراد الرجل صليبا على تورتته، بل لماذا انزعج البعض من وجوده؟

فحين يصبح رسم الصليب مشكلة، بينما لا تصبح الكراهية مشكلة، نكون أمام خلل أخلاقي عميق يحتاج إلى مراجعة شجاعة.

إن كرامة الإنسان لا تتجزأ، وحرية المعتقد لا تقبل الاستثناءات. والحق الذي أطالب به لنفسي يجب أن أقبله لغيري، وإلا تحول حديثنا عن التسامح إلى مجرد شعار جميل يخفي وراءه وجها آخر من وجوه التمييز..

أي مفارقة هذه؟

مجتمعات تتعايش مع الفساد عقودا طويلة، وتتسامح مع الكذب اليومي، وتغفر التعصب والعنف والتحريض، لكنها ترتجف أمام رمز ديني مرسوم على قالب حلوى.

والمؤسف حقا أن بعض الناس ما زالوا يعتقدون أن إقصاء الآخر دفاع عن الدين، بينما الحقيقة أن الدين لا يحتاج إلى الكراهية كي يبقى، ولا إلى التمييز كي ينتصر. الذي يحتاج إلى الكراهية هو الخوف، والذي يحتاج إلى الإقصاء هو الضعف، أما الإيمان الواثق من نفسه فلا يخشى صليبا مرسوما على قطعة حلوى. وما أكثر الأوطان التي تتغنى بالتسامح في الخطب، ثم تضيق بأبسط تجلياته في الواقع.

إن الصليب في هذه الحكاية ليس مجرد علامة دينية، بل اختبار أخلاقي. اختبار يكشف مدى قدرتنا على قبول التنوع، ومدى استعدادنا للاعتراف بأن الإنسان أكبر من انتمائه، وأن الكرامة لا تعرف دينا ولا طائفة.

ولتعلموا ان المجتمع الناضج لا يسأل الناس عن رموزهم، بل عن أخلاقهم. لا يحاكمهم على معتقداتهم، بل على أفعالهم. ولا يرى في التنوع تهديدا، بل يرى فيه دليلا على ثراء التجربة الإنسانية.

***

ابتهال عبد الوهاب

الحديث عن الثورة الديمقراطية والديمقراطية الثورية ليس حديثا عن المفهوم نفسه. فالثورة الديمقراطية تشير إلى مشروع تغيير سياسي تحكمه حدود الديمقراطية القائمة ومؤسساتها، بينما تنطلق الديمقراطية الثورية من فكرة جعل الديمقراطية أداة مستمرة لإعادة تشكيل المجتمع وتوسيع المشاركة الشعبية. وبين المفهومين يكمن خلاف أعمق يتعلق بطبيعة التغيير وحدوده وأهدافه. امتلك اليسار خلال القرن العشرين مشروعا سياسيا واضحا. كانت الاشتراكية تمثل الهدف النهائي، وكانت الأحزاب اليسارية تطرح برامج واستراتيجيات محددة للوصول إليها. لم يكن هناك غموض كبير حول الوجهة، سواء اتفق المرء مع هذه الرؤية أو اختلف معها. فقد كان اليسار يقدم نفسه باعتباره بديلا تاريخيا للرأسمالية وقادرا على بناء نظام اقتصادي واجتماعي مختلف. لكن التحولات التي شهدها العالم منذ نهاية الحرب الباردة دفعت اليسار إلى مراجعة أسسه الفكرية. فمع انهيار التجربة السوفيتية وتراجع الحركات العمالية التقليدية وصعود العولمة المالية، فقدت الاشتراكية مكانتها بوصفها أفقا سياسيا جامعا. وحلت محلها مشاريع أكثر تواضعا تتحدث عن العدالة الاجتماعية والبيئة والديمقراطية التشاركية والإصلاحات الاقتصادية.

هذا التحول لم يكن مجرد تعديل في الخطاب، بل كان تعبيرا عن أزمة استراتيجية. فبدلا من امتلاك مشروع متكامل للمستقبل، أصبح اليسار يعتمد بصورة متزايدة على نقد الحاضر. وتحولت الراديكالية من السعي إلى بناء نظام جديد إلى معارضة السياسات النيوليبرالية وآثارها الاجتماعية والاقتصادية. وفي محاولة للخروج من أزمة التمثيل الاجتماعي، استبدل جزء من اليسار خطاب الطبقة العاملة بخطاب الشعب والديمقراطية الراديكالية. غير أن هذا التحول لم ينجح دائما في بناء قاعدة اجتماعية واسعة، بل أدى في بعض الأحيان إلى ضبابية سياسية جعلت اليسار عاجزا عن تحديد القوى الاجتماعية التي يمثلها أو طبيعة المشروع الذي يدافع عنه. ولا يمكن فهم تاريخ الاشتراكية من خلال التجربة الأوروبية وحدها. ففي إفريقيا وأمريكا الجنوبية ظهرت تجارب مختلفة ارتبطت بقضايا التحرر الوطني ومقاومة التبعية الاقتصادية. فقد رأت حركات الاستقلال الإفريقية في الاشتراكية وسيلة لبناء الدولة الوطنية وتحقيق التنمية بعد عقود من الاستعمار. كما شهدت أمريكا الجنوبية صعود تيارات يسارية سعت إلى مواجهة هيمنة النخب الاقتصادية والشركات الأجنبية وإعادة توزيع الثروة. غير أن هذه التجارب اصطدمت بواقع اقتصادي وسياسي معقد. فضعف البنية الإنتاجية، وهشاشة المؤسسات، والصراعات الداخلية، والتدخلات الخارجية، كلها عوامل ساهمت في إضعافها. ولذلك فإن اختزال فشل بعض التجارب في الاشتراكية وحدها يمثل قراءة تبسيطية، تماما كما أن اعتبار نجاح بعضها دليلا قاطعا على صلاحية الاشتراكية يمثل قراءة دعائية لا تقل تبسيطا. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن هذه التجارب فتحت نقاشا مهما حول العدالة الاجتماعية ودور الدولة في التنمية والسيادة الاقتصادية. كما أثبتت أن الرأسمالية ليست قدرا تاريخيا محتوما، وأن البحث عن نماذج بديلة كان جزءا من نضال شعوب الجنوب العالمي من أجل الاستقلال والتنمية. لكن اليسار لم يخسر معركته فقط أمام الرأسمالية، بل خسر أيضا جزءا من علاقته بالجماهير. فبعد أن كان مرتبطا بالحركات العمالية والنقابية والتنظيمات الشعبية، أصبح جزء كبير من خطابه محصورا في الجامعات والمراكز البحثية والدوائر الثقافية. وبدلا من أن يتحول إلى قوة اجتماعية واسعة، أخذ يتحول تدريجيا إلى تيار نخبوي محدود التأثير.

ولا يزال نقد الديمقراطية الليبرالية جزءا أساسيا من الفكر اليساري. فوجود الانتخابات والمؤسسات التمثيلية لا يعني بالضرورة وجود سلطة شعبية حقيقية، خاصة في ظل النفوذ المتزايد لرأس المال والشركات الكبرى على القرار السياسي. غير أن النقد وحده لا يكفي. فالمشكلة الأساسية التي تواجه اليسار اليوم ليست في قدرته على تشخيص أزمات الرأسمالية، بل في عجزه عن تقديم بديل واضح ومقنع. إن أزمة اليسار المعاصر هي في جوهرها أزمة مشروع تاريخي. فقد تراجع اليقين القديم، لكن البديل الجديد لم يتشكل بعد. وبين الحنين إلى ثورات القرن العشرين والبحث عن أشكال جديدة للديمقراطية والمساواة، ما زال اليسار يعيش مرحلة انتقالية طويلة لم ينجح حتى الآن في تجاوزها. ولذلك يبقى السؤال مفتوحا: هل يستطيع اليسار إنتاج مشروع جديد يتجاوز إخفاقات الماضي وأزمات الحاضر، أم أنه سيبقى أسير النقد الدائم دون امتلاك القدرة على بناء بديل سياسي واجتماعي قابل للحياة؟.

***

زكريا نمر

 

ثمة مفارقة مؤلمة تطوي تاريخ الفكر العربي الحديث كله، وهي أن أكثر القضايا التي استنزفت طاقة المفكرين تحليلا وتفسيرا هي بالضبط أكثرها عقما على صعيد الإنجاز. منذ ما يزيد على قرن لم يتوقف سؤال التأخر الحضاري عن استدعاء العقول واستهلاك الأقلام، تعاقبت في إثره المشاريع الإصلاحية وتنوعت التفسيرات حتى باتت أزمة النهضة من أكثر المسائل تشخيصا في تاريخ الفكر الحديث. غير أن كثافة التشخيص لم تُفض الى كثافة مماثلة في الإنجاز وهذا وحده كاف ليكون مشكلة مستقلة تستحق التأمل قبل أن يُستأنف الحديث عن النهضة من جديد.

إن المعضلة الحقيقية لم تكن يوما نقصا في الأفكار بل كانت عجزا مزمنا عن تحويل المعرفة النظرية إلى قدرة فعلية على التغيير. نجح الفكر الإصلاحي في وصف المرض وصفا دقيقا أحيانا ومبهرا لكنه تعثّر في بناء الآليات القادرة على نقل الأفكار من فضاء التنظير المريح إلى فضاء الممارسة المضني. ولذلك ظل سؤال شكيب أرسلان - لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ - يدور في حلقات متكررة لأنه صِيغَ سؤالا فلسفيا مفتوحا أكثر مما صِيغَ مشروعا هندسيا يبحث في أدوات التنفيذ وشروط النجاح. والفلسفة التي لا تُفضي إلى فعل تنتهي إلى ترف فكري يُريح أصحابه من مسؤولية التغيير بل يمنحهم إحساسا زائفا بأنهم قد أدوا ما عليهم لأنهم قالوا ما ينبغي قوله. وثمة اعتراف لا بد منه هنا: هذه المقالة نفسها ابنة الثقافة التي تنقدها، وربما كان هذا الوعي بالقصور هو نقطة البدء الوحيدة الصادقة إذ لا ينفع اصلاح من لا يرى نفسه داخل ما يُصلحه.

أحد أبرز مآزق أدبيات النهضة يتمثل في تصورها الخطي للتغيير ذلك الوهم الذي يجعل من الإصلاح مسارا متعاقبا. انشغل الإصلاحيون طويلا بسؤال البداية: هل يبدأ الإصلاح من الأخلاق أم من السياسة؟ غير أن هذا الجدل أخفى حقيقة أكثر تعقيدا وهي أن العلاقة بين المجالين ليست علاقة تعاقب بل علاقة تفاعل دائري لا ينتهي. فالاستبداد ينتج أنماطا سلوكية فاسدة كما تنتج السلوكيات الفاسدة أنظمة استبدادية تُعيد انتاج ذاتها جيلا بعد جيل. وفرض مؤسسات سياسية حديثة فوق مجتمع لم تتشكل فيه ثقافة المواطنة قد يُحوّل الديمقراطية نفسها إلى أداة لإعادة إنتاج العصبيات داخل أطر قانونية توهم بالشرعية وتُفرغ المحتوى. وكان كانط بصيرا حين رأى أن المشكلة ليست في افتراض صلاح البشر بل في بناء مؤسسات تجعل حتى أصحاب المصالح الأنانية مضطرين إلى التصرف بما يخدم الصالح العام، وهو معنى يتقاطع مع ابن خلدون الذي اعتبر الظلم مُؤذِنا بخراب البنى كلها. فالنهضة منظومة متوازية تتشابك فيها البنى الاجتماعية والمؤسساتية والثقافية كما تتشابك جذور شجرة لا ينمو أحدها إلا بامتصاص غذائه من سائر الجذور.

في سياق تفسير هذا التعثّر يبرز تشخيصان يتكاملان ولا يتعارضان. الأول يقدمه مالك بن نبي الذي يتحدث عن فقدان الفاعلية الحضارية داخل التديّن نفسه، فالمشكلة عنده ليست غياب العقيدة بل تحوّلها من قوة دافعة لتغيير الواقع إلى طقوس منفصلة عن الفعل الاجتماعي، من إسلام رسالة حضارية باعثة إلى حضور شعائري كثيف لا يُفرز طاقة تغيير. وهذا نقد للعلاقة المرضية بالدين لا للدين ذاته تلك العلاقة التي تجعله مخدّرا للوعي لا محرّضا له. أما علي الوردي فيضيف البعد الاجتماعي إذ يرى أن المجتمع يعيش صراعا بين منظومتين متنافرتين: قيم مدنية تُتبنّى في الخطاب وقيم عشائرية تُوجّه السلوك العملي فينشأ انفصام مزمن يمتدح فيه الفرد القانون علنا ويلجأ إلى الواسطة في الخفاء. وكان الوردي مُصيبا حين أكد أن الأخلاق ليست نتاج الخطب بقدر ما هي انعكاس للبيئة والنظم التي يعيش الناس في إطارها.

يبدو العراق المعاصر نموذجا مكثّفا لهذا المأزق لا لأنه استثناء بل لأنه مرآة مكبِّرة. فبدلا من أن تسير عملية تمدين الريف ضمن مشروع دولة حديثة، حدث ما يشبه ترييف المدن ومؤسساتها. وتغلغلت البنى العشائرية والطائفية داخل أجهزة الدولة حتى أصبحت العشيرة جزءا عضويا من آليات توزيع النفوذ لا بديلا مؤقتا عن الدولة. والأخطر أن النخب باتت تستخدم الدين والروابط التقليدية أدوات للتعبئة والنفوذ فتتحول الأزمة من أزمة أفكار إلى أزمة بنية اجتماعية اكتفت بتحديث واجهاتها الخارجية بينما ظل نظامها القيمي العميق محكوما بمنطق ما قبل المدنية.

غير أن رد هذا الإخفاق الى المؤامرات أو الأفراد تفسير ناقص لا يُريح إلا من يبحث عن العزاء لا عن الحقيقة. المشكلة الأعمق هي غياب المأسسة. فالفكر العربي في أغلب تجاربه ظل فكر أفراد لا فكر مؤسسات: تظهر الأفكار مع أصحابها وتخبو برحيلهم وتتحول إلى نصوص محنّطة تُعبد ولا تُستثمر، وبينما حوّلت المجتمعات الناجحة أفكارها إلى شبكات ومؤسسات وقواعد عمل تتراكم عبر الأجيال بقيت مشاريعنا النهضوية رهينة الشخصيات الملهِمة التي لا تُورِث ذاكرتها ولا تُنتج عقلا جمعيا يتجاوز أصحابها. والنهضة المبنية على عباقرة فرادى نهضة هشة لأن التاريخ لا يُنتج العباقرة بالطلب، أما المؤسسات الحية فهي التي تصنع البيئة التي تتكاثر فيها الكفاءات وتتراكم الحكمة الجمعية عبر الأجيال.

الإجابة الحقيقية لا تبدأ من خطابات أخلاقية إضافية بل من بناء سياسات تُغيّر الحوافز التي تحكم السلوك اليومي. فالنزاهة لا تنتشر بالموعظة بل حين ترتفع تكلفة الفساد ويُكافأ السلوك المنتج بانتظام لا باستثناء. وتبقى ثمة مفارقة عسيرة: الإصلاح يحتاج إلى دولة بينما الدولة نفسها قد تكون جزءا من الأزمة. ولذلك يغدو الحل الأكثر واقعية هو بناء ما يمكن تسميته الجزر المؤسسية، تلك المساحات المحدودة من الكفاءة والاستقلالية داخل المجتمع سواء كانت هيئات رقابية أو نقابات مهنية أو إدارات محلية نزيهة أو مؤسسات تعليمية نموذجية. هذه الجزر لا تُغيّر الواقع الكبير دفعة واحدة لكنها تراكم ثقافة مختلفة في الإدارة والعمل والعلاقة بالقانون. والجزيرة المؤسسية ليست هروبا من الواقع الثقيل إلى ملاذ صغير مريح، بل هي استراتيجية التراكم الصبور: أن تبني ما تستطيع الآن بالكفاءة المتاحة الآن، على يقين أن البنى الصغيرة الصلبة تمتلك من قدرة التمدد ما لا تمتلكه الأحلام الكبيرة المعلّقة في فضاء التجريد.

ولا يمكن الحديث عن نهضة حقيقية مع الاستمرار في استهلاك منتجات الحداثة ورفض أسسها العقلية. فكما أشار الجابري الحداثة لا تبدأ باستيراد الآلة بل بتبني العقلانية التي صنعتها تلك العقلانية التي ليست قيمة غربية خالصة بل شرط موضوعي لكل حضارة تريد أن تُنتج لا أن تستهلك فحسب. ويبقى التعليم المجال الأكثر حسما في هذا كله، لأن المجتمعات تصنع مستقبلها في المدارس لا في البرلمانات. والتعليم المطلوب ليس تعليم الحفظ الذي يُملأ فيه الرأس ويُفرّغ منه العقل بل التعليم الذي يُدرِّب على التساؤل والنقد والعمل المؤسسي لأن القدرة على التفكير المستقل هي التي تصنع تلك الطليعة الواعية القادرة على قيادة التحول التاريخي، تلك التي لا تنتظر زعيما ملهِما ينقذها بل تُنتج زعماءها ومؤسساتها من رحم تجربتها المتراكمة الصبورة.

لم تعد أزمة التأخر الحضاري أزمة أفكار بقدر ما أصبحت أزمة تفعيل. لقد استُهلك السؤال القديم حتى كاد يفقد جدواه وتراكمت الإجابات فوق رفوف المكتبات دون أثر في الواقع المعاش. فالحضارات لا تولد من ومضة فكرية ولا من خطبة ملهِمة بل من تراكم طويل صبور لمؤسسات فعالة وقوانين عادلة وثقافة عمل تحترم الكفاءة وتُحاسب الإخلال. والفارق الجوهري بين الأمم التي نهضت وتلك التي ظلت تتأمل نهضتها هو فارق واحد: أن الأولى حوّلت القيم إلى مؤسسات والأفكار إلى قواعد عمل والجهود الفردية إلى شبكات مستدامة تتجاوز أعمار أصحابها. وهذا الأفق لا يُبلَغ بالتمني ولا يكفي فيه الوعي ما لم يتحول إلى إرادة ولا إرادة ما لم تتحول إلى بناء. وبناء هذا المستقبل لن يبدأ في قاعات الخطابة بل في تلك اللحظة الهادئة حين يقرر إنسان واحد في مؤسسة واحدة في زاوية واحدة من هذا العالم أن يفعل ما يقول، لا أكثر من ذلك ولا أقل.

***

حميد القحطاني

في البدء لم تكن الطبيعة يوما مجرد مشهد خارجي يحيط بالإنسان، بل كانت ولا تزال السؤال الذي يطارده.  لم تكن الفلسفة سوى نظرة مدهوشة إلى الطبيعة، ولم تكن الطبيعة سوى السؤال الأول الذي أيقظ في الإنسان قدرته على التأمل. هناك بين شجرة تميل مع الريح، ونهر يواصل جريانه بلا اكتراث بالزمن، وسماء تتبدل ألوانها كأنها فكرة تتشكل ثم تتلاشى، ولدت الفلسفة لا كمعرفة جاهزة، بل كحيرة جميلة.

حين وقف الإنسان الأول أمام السماء الممتدة بلا نهاية، وأمام البحر الذي لا يكرر ذاته، وأمام الشجرة التي تموت لتولد من جديد، لم يكن يملك إلا أن يسأل. ومن السؤال، لم تولد الإجابة فحسب، بل ولدت الفلسفة نفسها. لقد كانت الطبيعة هي المعلم الأول، والكتاب الأول، واللغز الأول الذي دفع العقل إلى أن يخرج من صمته.

الطبيعة ليست خلفية صامتة، بل هي النص الأول الذي قرأه الإنسان قبل أن يتعلم القراءة. ومنذ لحظة الإغريق الأولى حين وقف أرسطو يتأمل الكائنات، لم يعد العالم مجرد مادة خام، بل صار نظاما يمكن فهمه عبر العلة والغاية. لقد رأى أن في كل كائن نزوعا داخليا نحو اكتماله، وكأن الطبيعة نفسها تفكر بطريقة أخرى، أكثر بطئا لكنها أكثر عمقا من تفكير الإنسان.

أما إيمانويل كانط فقد نقل العلاقة بين الإنسان والطبيعة من الخارج إلى الداخل، حين جعل من العقل البشري شرطا لفهم العالم. لم تعد الطبيعة شيئا هناك، بل أصبحت صورة تتشكل داخل حدود الإدراك الإنساني. ومع ذلك ظل في فلسفته نوع من الهيبة أمام الطبيعة بوصفها مجالا يذكر الإنسان بحدوده، ويضعه أمام اتساع يفوق قدرته على الإحاطة.

وفي منعطف آخر رأى جان جاك روسو أن الطبيعة ليست فقط موضوعا للتأمل، بل ملاذا أخلاقيا ضائعا. فالإنسان في نظره لم يفسد إلا حين ابتعد عن طبيعته الأولى، حين غادر البساطة إلى التعقيد، والبراءة إلى التصنع. لذا بدا الرجوع إلى الطبيعة عنده ليس عودة جغرافية، بل عودة وجودية إلى الأصل.

ثم يأتي مارتن هايدغر ليعيد صياغة السؤال جذريا، ليس المهم أن نفهم الطبيعة، بل أن نتعلم كيف نسكن العالم. فالكائن البشري في جوهره ليس سيد الطبيعة بل راع للوجود. هنا تتحول الطبيعة من موضوع للهيمنة إلى فضاء للإنصات، ومن شيء يفسر إلى حضور يستدعى في الصمت.

في الفكر المصري الحديث، تأخذ هذه العلاقة بعدا أكثر حيوية وارتباطا بسؤال الإنسان في واقعه التاريخي والاجتماعي. فالفيلسوف حسن حنفي، حين دعا إلى إعادة بناء الوعي من منظور إنساني واقعي، كان يلمح ضمنيا إلى ضرورة إعادة اكتشاف العالم لا كفكرة مجردة، بل كواقع حي تتداخل فيه الطبيعة بالتاريخ والإنسان. فالطبيعة عند هذا التصور ليست موضوعا للتأمل فقط، بل جزء من مشروع التحرر الإنساني ذاته.

أما زكي نجيب محمود فقد اقترب من الطبيعة من خلال نزعة عقلانية تحليلية، رأت أن فهم العالم يبدأ من ضبط أدوات التفكير قبل الانبهار به. ومع ذلك، فإن هذا العقل الصارم لم ينفي حس الدهشة أمام انتظام الظواهر، بل جعله أكثر عمقا، إذ تتحول الطبيعة في ضوء العقل إلى نظام قابل للفهم، دون أن تفقد غموضها الكامن

أما الفيلسوف حسن حماد فقد قدم قراءات عديده تكشف أن علاقتنا بالطبيعة ليست علاقة بريئة أو مباشرة، بل علاقة تتوسطها أنساق الثقافة والوعي والسلطة والمعرفة. فالعالم الطبيعي، في نظره، لا يصل إلينا كما هو، بل كما يعاد بناؤه داخل الوعي الإنساني عبر اللغة والتاريخ وأنماط الإدراك. ومن هنا تصبح الطبيعة ليست معطى صافيا، بل بناء مركبا

وعلى هذا الأساس، لا يعود الإنسان كائنا يواجه الطبيعة من الخارج، بل يصبح جزءا من شبكة معقدة من العلاقات التي تحدد طريقة رؤيته لها وتفسيره له

وفي ضوء ما يطرحه فكر حسن حماد من أن الوعي لا يعكس العالم بل يعيد إنتاجه وتأويله داخل شروطه التاريخية والثقافية، تصبح الطبيعة مجالا مفتوحا للتأويل لا للامتلاك، وللسؤال لا للسيطرة. إنها ليست مادة صامتة نقرأها بعيون محايدة، بل نص مفتوح.

إن العلاقة بين الفلسفة والطبيعة ليست علاقة وصف بموضوع، بل علاقة حوار طويل. الطبيعة تسأل بصمت، والفلسفة تحاول أن تصوغ السؤال في كلمات. لكن كلما ظن الإنسان أنه أجاب، اكتشف أن الطبيعة قد غيرت سؤالها.

ولهذا فإن أعظم ما تقدمه الطبيعة للفلسفة ليس الجواب، بل الدهشة. تلك الدهشة الأولى التي تحدث عنها الإغريق، والتي لا تزال حتى اليوم الشرارة الخفية لكل تفكير عميق. فحين يقف الإنسان أمام جبل أو بحر أو شجرة، فهو لا يرى شيئا فقط، بل يستدعى داخله سؤال قديم: كيف وجد كل هذا؟ ولماذا يظل العالم أكبر من قدرتنا على الفهم؟

و ربما الفلسفه محاولة دائمة للعودة إلى تلك اللحظة الأولى، لحظة التقاء العين بالطبيعة، حين كان العالم ما يزال جديدا، وكان الإنسان ما يزال قادرا على الدهشة.

كل محاولة لفهمها هي في الوقت نفسه محاولة لفهم الإنسان لنفسه. وهنا تتكشف المفارقة الكبرى: كلما سعينا إلى القبض على الطبيعة، اكتشفنا أننا نقبض على ظلنا نحن

وفي النهاية، تظل العلاقة بين الفلسفة والطبيعة علاقة لا تحسم، بل تعاد صياغتها مع كل تجربة إنسانية جديدة. فكلما ظن العقل أنه اقترب من فهم الطبيعة، اكتشف أن ما يفهمه ليس العالم كما هو، بل العالم كما يعيد تشكيله داخله. وهكذا تتحول الطبيعة من موضوع للمعرفة إلى سؤال مفتوح على الدوام، ومن مشهد خارجي إلى عمق ينعكس في بنية الوعي نفسه.

والفلسفة في جوهرها ليست سوى محاولة مستمرة للإصغاء إلى هذا الوجود الممتد حولنا ليظل الإنسان واقفا بين دهشة لا تنطفئ وطبيعة لا تنفد ابدا.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

مفارقة السلوك الإمبراطوري

تطرح السياسة الخارجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط معضلة فلسفية وسياسية بالغة التعقيد؛ حيث يتأرجح السلوك الإمبراطوري لواشنطن بين نزعة الهيمنة المطلقة وبين الانكفاء الحذر الذي يتبدى في شكل توجّس إستراتيجي وتردد بنيوي. إن هذا التوجّس لا يمكن تفكيكه بوصفه أداءً تكتيكياً عابراً أو تراجعاً ظرفياً، بل هو تجلٍّ أصيل لمقاربة فلسفية سياسية تنطلق من إدارة المخاطر وحسابات المصالح المتغيرة في بيئة إقليمية شديدة السيولة والاضطراب.

في هذا السياق المعرفي، تبرز إشكالية العلاقة الجدلية بين هذا التوجّس الأمريكي والأزمات الهيكلية التي تعصف بالدولة الوطنية في المنطقة. ويثور هنا التساؤل الجوهري: هل يشكل هذا السلوك الإمبراطوري المتردد استثماراً نظامياً وعقلياً في مأزق "عجز الوطنية المحلية المعاصرة"، أم أنه يمثل تصالحاً نفعياً براغماتياً مع المنظومات التقليدية السائدة من قبلية وطائفية بهدف إدارة الفوضى وتدويرها بأقل التكاليف الحمائية؟

من الهيمنة المباشرة إلى التوازن المتردد

تأسست السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، من الناحية التاريخية، على إدارة مصالح واضحة المعالم إبّان الحرب الباردة، تمثلت حصراً في محاصرة النفوذ الشيوعي وتأمين التدفق الحر لمصادر الطاقة الحيوية. وقد أُديرت هذه المصالح بكفاءة نسبية عبر إستراتيجية "التوازن من وراء البحار"، بالاعتماد على ركائز إقليمية وثيقة كـ "العمودين التوأمين"، ثم الانحياز الوظيفي للعراق إبّان حربه مع إيران. بيد أن تحول النظام الدولي نحو الأحادية القطبية الفظة بعد حرب الخليج الثانية دشن مرحلة التخلي الفعلي عن هذا التوازن الحذر لصالح سياسة "الاحتواء المزدوج" لكل من العراق وإيران، وهي سياسة افتقرت في جوهرها للمسوغات الإستراتيجية العميقة، نظراً لحالة الإنهاك الشامل التي أصابت الدولتين جراء الحروب المستمرة.

أدى هذا التحول لاحقاً، وتحديداً في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، إلى تبني عقيدة "الهيمنة العالمية الشاملة"، التي أعادت تعريف الإرهاب بوصفه تهديداً وجودياً يبرر التدخل العسكري المباشر، وتغيير الأنظمة الحاكمة، وإعادة هندسة المجتمعات المحلية قسرياً وفقاً للنموذج الغربي. غير أن هذا التورط العسكري المباشر سرعان ما اصطدم بحقيقة صلبة: وهي قصور القوة التكنولوجية الفائقة والآلة العسكرية الضخمة عن قهر الجغرافيا الطبيعية المعقدة، والتركيبات البشرية الثقافية المتجذرة للمجتمعات المحلية في المنطقة.

أنتج هذا الإخفاق المدوي نقاشاً فكرياً وسياسياً محتدماً داخل النخب الأكاديمية الأمريكية؛ حيث دعت مدرسة "الواقعية السياسية" إلى ضرورة الانكفاء الفوري والعودة لإستراتيجية التوازن من وراء البحار. يجادل دعاة هذا التوجه بأن تقليص الوجود العسكري المباشر كفيل بخفض النفقات الدفاعية الهائلة التي تستنزف الخزينة الأمريكية، فضلاً عن تحفيز القوى الإقليمية على تحمل مسؤولية أمنها الذاتي، والحد من الارتدادات العنيفة والعمليات الانتحارية التي يذكيها الوجود العسكري الأجنبي، كما حدث تاريخياً بعد التمركز الأمريكي في الجزيرة العربية عام .1990

في المقابل، يحذر نقاد هذا التراجع من كونه يخلق فراغاً إستراتيجياً مفاجئاً يفضي إلى مضاعفة عدم الاستقرار، وتآكل الهيبة الإمبراطورية الأمريكية، وتهديد المصالح الحيوية المتعلقة بأمن الطاقة، وحظر الانتشار النووي، وحماية الحلفاء التقليديين. يعود التوجّس الأمريكي البنيوي في جوهره إلى حقيقة أن الولايات المتحدة تُصنف في أدبيات العلاقات الدولية كـ "موازن متردد"؛ ويرجع ذلك بالدرجة الأولى إلى ما يُعرف بـ "قوة مياه البحار الكابحة". فهذه الحصانة الجغرافية الفريدة تجعل التدخل العسكري المباشر خياراً خاضعاً دائماً للتجاذبات السياسية الداخلية المعقدة وغير مضمون النتائج، مما يدفع واشنطن إلى تفضيل البقاء وراء البحار واستخدام القوى المحلية كخطوط دفاع أولى في مواجهة الأزمات.

آليات "فخ الاحتمالات" وتفكيك سيكولوجيا التوجّس

ينشأ "فخ الاحتمالات" الإقليمي من طبيعة التردد الأمريكي الكامن في إستراتيجية التوازن عن بُعد. فلأن واشنطن ترفض تقديم التزام أمني مطلق وثابت، وتفضل التحرك كموازن في الملاذ الأخير فقط، فإن سلوكها يصبح محكوماً بالظرفية والاحتمالية الرمادية. يتجلى هذا بوضوح في حالة التنافس الإقليمي المحموم مع إيران؛ إذ لا يمكن للقوى المحلية أن تتنبأ بيقين بمدى استعداد الولايات المتحدة لخوض مواجهة عسكرية كبرى لحمايتها، نظراً لأن هذا القرار يرتبط بتوازنات سياسية واقتصادية داخلية أمريكية متقلبة وغير مضمونة العواقب.

يؤدي هذا الغموض الإستراتيجي المتعمد إلى إنتاج سلوكيات أمنية بالغة الخطورة على مستوى الإقليم، يمكن تفكيكها عبر آليتين رئيستين:

المخاطرة الأخلاقية والاندفاع غير المحسوب: حيث تندفع بعض الأنظمة المحلية الحليفة لواشنطن إلى تبني سياسات خارجية عدوانية وتصعيدية ضد خصومها الإقليميين، مدفوعة بافتراض واهم بأن الولايات المتحدة ستتدخل حتماً لإنقاذها لحماية هيبتها إذا حانت لحظة الحقيقة والمواجهة الشاملة.

سيكولوجيا الارتياب والاعتمادية المفرطة: في المقابل، تعيش هذه الدول في هلع مستمر من احتمالية التخلي الأمريكي المفاجئ، مما يدفعها إما إلى الهرولة نحو مسارات تطبيعية وتحالفات أمنية بديلة تفتقر للحاضنة الشعبية والشرعية التاريخية، أو الاستمرار في رهن سيادتها ومواردها بالكامل للإرادة الأمريكية طلباً للحماية المؤقتة.

وبذلك، يتحول التوجّس الأمريكي من نقطة ضعف إلى أداة تضبط بها واشنطن إيقاع الصراعات الإقليمية دون حسمها، مكرسةً بيئة إقليمية قائمة على توازن الضعف المستدام واستنزاف الطاقات الذاتية لجميع الأطراف.

أزمة الدولة المشرقية وفشل الاندماج العقلاني

لا يمكن عزل فاعلية التوجّس الأمريكي عن الأزمة الهيكلية العميقة التي تعصف بالدولة الوطنية في المشرق العربي. يرى فلاسفة السياسة المؤرخون للمنطقة أن التعريف البنيوي الدقيق للدولة التاريخية لا ينطبق بالمعنى العلمي إلا على كيانات محدودة، في حين تظل بقية الكيانات المعاصرة مجرد دول وفقاً للتعريف القانوني الدولي، عاريةً من أي تماسك مؤسسي أو مجتمعي حقيقي.

تتبدى هذه الأزمة، التي يمكن وصفها بـ "مأزق الوطنية المحلية"، من خلال عدة تمظهرات بنيوية وتاريخية:

أزمة الشرعية وسلوك النخب: ترتبط الأزمة مباشرة بفشل النخب الحاكمة في تحقيق قيم المواطنة المتساوية وسيادة القانون. لقد تحولت الدولة الوطنية المعاصرة في كثير من الأحيان إلى أداة قهرية لنهب الموارد، وتجويف الطبقة الوسطى، وتدمير الوسائط الاجتماعية لصالح نخب تسلطية تحكم بالقوة والإقصاء.

التناقض الفلسفي بين الشكل والمضمون: يظهر هذا التناقض في تبني الشكل الخارجي للدولة الحديثة ببيروقراطيتها وقالبها القانوني القائم على سيادة الحدود، مع الاحتفاظ بباطن تقليدي يقوم على أنماط السلطة الأبوية والعصبيات الخلدونية المحدثة. وعند حدوث أي اهتزاز سياسي أو اقتصادي، يتلاشى هذا القشر الحداثي الهش ليطفو المضمون التقليدي (الطائفي والقبلي) كبديل وحيد لحماية الأفراد.

الجذور الاستعمارية المعطلة: يمتد هذا العجز إلى سياق تاريخي عطل فيه الاستعمار والتدخل الخارجي المسار الطبيعي لتطور المجتمعات نحو دول وطنية متكاملة. لقد احتفظ الغرب بالقواعد الدولية للسيادة لنفسه، وحرم بقية العالم منها، فارضاً حدوداً وكيانات هشة تفتقر للاندماج العقلاني والشرعية الداخلية.

تستثمر السياسة الأمريكية بذكاء في هذا العجز البنيوي؛ فالضعف الذاتي وغياب التكامل الإقليمي والعقلاني للدول يجعلها هشة أمام الضغوط الخارجية، وفريسة سهلة للمشروعات الإمبراطورية المتصارعة. وفي هذا السياق، تكف برامج الإصلاح السياسي المطروحة من الخارج عن كونها أداة للتحديث، لتصبح وسيلة للتدخل وابتزاز النخب الحاكمة الفاقدة لشرعيتها الشعبية.

الاستثمار الإمبراطوري في الهويات الفرعية

تأسيساً على المقاربة النقدية الفلسفية، لا يمثل التصالح الأمريكي مع المنظومات التقليدية من قبلية وطائفية مجرد قبول بأمر واقع، بل هو إستراتيجية إمبريالية واعية لإدارة التنوع المجتمعي بما يخدم أهداف الهيمنة. لقد استخدمت القوى الكبرى التعددية العرقية والمذهبية بانتظام كآليات للحكم والسيطرة غير المباشرة.

إن الصراعات الطائفية المعاصرة ترسم حدوداً اصطناعية وتنتج جماعات متخيلة بهدف الاستئثار بالدولة أو الصراع عليها، مستغلةً عجز الدولة الوطنية وفشلها في دمج مواطنيها على أساس المواطنة المتساوية.

هذا التطييف الممنهج واختراع مسميات جغرافية طائفية لم يكن تعبيراً موضوعياً عن تنوع المجتمع، بل كان إسقاطاً وتأويلاً إمبراطورياً أُعيد إنتاجه قسرياً على أرض الواقع عبر صياغة دستور ونظام سياسي يرسخ الانقسام البنيوي.

إن تصالح واشنطن مع هذه البنى التقليدية يوفر لها أدوات مثالية لتطبيق إستراتيجية التوازن من وراء البحار. فبدلاً من تحمل كلفة الوجود البري المباشر لمواجهة قوى وطنية موحدة، تسهم مأسسة الطائفية والقبلية في توجيه طاقات المجتمعات نحو صراعات بينية وأهلية مستدامة، مما يحول دون نشوء هويات وطنية جامعة أو محاور إقليمية مستقلة قادرة على تهديد المصالح الإمبراطورية أو الإخلال بتوازن القوى الملائم لواشنطن.

تحدي الوعي والبديل الصادم

إن الحقيقة الصادمة التي يتهرب العقل السياسي الإقليمي من مواجهتها هي أن "التوجّس الأمريكي" ليس دليلاً على تراجع الإمبراطورية أو قرب أفولها، بل هو المظهر الأكثر دهاءً لذكائها الإستراتيجي؛ إنها مهندسة الفوضى التي تدير العالم بالرماد لا بالحديد. إن الرهان المستمر للأنظمة والنخب العربية على تبدّل أمزجة البيت الأبيض، أو البحث عن مظلة حماية بديلة في الشرق أو الغرب، ليس سوى استمرار صريح في العيش داخل "صومعة الغفلة التاريخية".

إن المعضلة الحقيقية لا تكمن في غدر الإمبراطوريات، بل في قابلية المجتمعات لـمأسسة التجزئة، وفي هذه البنى الهشة التي تستمرئ دور الضحية وتتطوع للعب دور "فئران التجارب" في مختبرات الإستراتيجيات الدولية. إن التحدي الفلسفي والوجودي الذي يواجه المنطقة اليوم يتجاوز مجرد المطالبة بإصلاحات سياسية شكلية أو ترقيعية لكيانات سايكس بيكو الهرمة؛ إنه تحدٍّ يفرض قطعاً إبستمولوجياً ومعرفياً كاملاً مع بنية الدولة التابعة برمتها.

إن الشرق الأوسط لن يخرج من "فخ الاحتمالات" إلا إذا تجرأت نخبه وشعوبه على تفكيك هذه "الهويات المتخيلة" والانتقال الصارم نحو عقلانية سياسية سيادية. وما لم تتأسس شرعية الحكم على عقد اجتماعي داخلي متين وعابر للولاءات الضيقة، فإن المنطقة ستبقى مجرد جغرافيا مستباحة، ومخزنٍ للموارد، وهامشٍ منسيٍّ تضبط إيقاع احتضاره البطيء حسابات التوجّس الأمريكي من وراء البحار.

***

غالب المسعودي

 

لو سألتني: هل يمكن للجامعة أن تخلق السوق من العدم؟ لأجبتك: نعم. يمكن للجامعة أن تفعل هذا. لكن الأذكياء يدركون أن المقصود ليس تحويل الجامعة من جهة تعليمية إلى جهة تجارية، كما لا نقصد أن الجامعة تستطيع خلق السوق بمفردها. نتحدث عن شيء ضمن سياقه، ومعرفة السياق شرط ضروري لفهم المقصود بالكلام.

بعد هذا التمهيد، لا بد أيضاً من إيضاح أننا نتحدث عن الجامعة بوصفها رمزاً للمجتمع العلمي بكل تفرعاته، وليس عن عنوانها القانوني أو المكاني. بديهي أن حديثنا لا يتعلق بالمباني والأماكن، بل التعليم الذي هو الشغل الرئيسي للجامعة. ومن هنا فإن الحديث يشمل أيضاً كل إطار يجري فيه إنتاج العلم أو استثماره. ويدخل فيه بطبيعة الحال المبتكرون والمخترعون الأفراد، والباحثون والمطورون في الشركات الخاصة، بل كل شخص يسعى لتحويل منتجات العقل إلى مصدر للثروة.

ومما يدخل في السياق أيضاً، الدور التحفيزي - الحمائي للمجتمع والدولة. عرفت فيما مضى من السنوات شخصاً طامحاً إلى إنشاء مصنع لتدريع المركبات. وقد نجح فعلاً في إنتاج النموذج الأولي لمركبة مدرعة بالكامل. فلما عرضها على شخص رفيع المقام، أصر هذا على أن صناعة المدرعات ليست من شأن الأفراد، وأن عليه أن يسلّم المشروع إلى الحكومة. وقد قبل الرجل هذا الطلب على كراهة. وحين التقيته بعد هذا الحادث بعقد من الزمن، أخبرني أنه حصل على مال كثير، لكنه يشعر بأسى عميق، لأن ذلك المشروع قد مات، فقد سُلّم إلى أشخاص لا يفرّقون بين اقتناء المركبة وصناعتها، وكانوا يعتقدون أن شراء مركبة جاهزة موثوقة، من شركة معروفة، أفضل من إنفاق المال على تجارب لا نعلم نهايتها. هذا -بالطبع- يكشف غفلتهم عن الفارق الجوهري بين صناعة شيء في بلدك، وشراء مصنوعات الآخرين. أعرف مثالين آخرين يشبهان هذا في أكثر التفاصيل، وأحدثها يتعلق بتطوير سيارة كهربائية.

في كل الأمثلة، كان الجميع متفقاً على ضرورة تشجيع المبادرات، لكن قصر نظر بعض الناس جعل المال وسيلة وحيدة للتقدير، في حين كان المبتكر يريد مواصلة العمل، وتذليل العقبات القانونية أو البيروقراطية التي يتمسك بها أشخاص لم يضعوا في اعتبارهم احتمال أن يأتيهم مبتكر من مكان ما، يتطلّع إلى صنع شيء لم يخطر على بالهم من قبل.

أما وقد وصلنا إلى هذه النقطة فلا بد من القول إن بعض المبتكرات تبدو غريبة على المجتمع أو ربما كريهة. وهذه تظهر أكثر ما تظهر في الأفكار وليس التقنيات العملية. فإذا اعتاد المجتمع على التسامح مع الأفكار المخالفة له أو الغريبة عن معتقداته وأعرافه، فهو يؤسّس ما نسميه «السوق الحرة للأفكار» الذي عدّه جون ستيوارت ميل، الفيلسوف الإنجليزي المعروف، أرضية ضرورية للابتكار وإنتاج الجديد. أما إذا قُوبلت تلك الأفكار بالتجاهل، أو تعرّض أصحابها للأذى، فسوف يميل أصحاب الأفكار والمبتكرون إلى الانكماش، وعدم الاكتراث بإنتاج أي جديد، أو ربما يهجرون مجتمعهم إلى مجتمعات يظنون أنها أكثر تقبلاً للجديد.

يمكن للمجتمع أن يساعد المبتكرين، ويمكن له أن يفسح الطريق لهم، وإن لم يساعدهم. في كلتا الحالتين، يجب أن يتبنّى المجتمع عقيدة واسعة، تتسامح مع المختلف، وإن كانت آراؤه مضادة لقناعات المجتمع ومعتقداته.

زبدة القول إن الدور التحفيزي - الحمائي للمجتمع والدولة يتمثل في مساعدة المبتكرين الأذكياء على مواصلة عملهم، وخوض التحدي الذي ظنوا أنهم قادرون عليه، ومساعدتهم في تخطي الصعوبات، وليس استغلالهم في الدعاية أو إقناعهم بالراحة.

المجتمعات التي تحتفي بالأشياء الغريبة والمختلفة وغير المعتادة، أو -على الأقل- تتسامح مع أصحابها، جديرة بأن تتحول إلى حاضنة للإبداع. بعكس المجتمعات التي تحب السيطرة على التغيير والتحكم فيه، أو تشترط الحصول على ترخيص لكل عمل، فهذه أحرى بأن تتحول إلى ثلاجة للمبدعين أو ربما مقبرة.

***

توفيق السيف

منذ اللحظة التي وعى فيها الإنسان هشاشته فوق هذه الأرض، بدأ يبحث عن شيء يحميه من قسوة الحقيقة. لم تكن الحقائق دائمًا رحيمة، فهي تخبره بأنه فانٍ، وأن أحلامه قد تتكسر، وأن جهوده قد لا تُكافأ، وأن العدالة ليست حاضرة في كل مكان كما يتمنى. لذلك نشأت داخل النفس البشرية قدرة غريبة على صناعة الأوهام أو التشبث بها، باعتبارها آليات خفية للبقاء.

فحين نتحدث عن الوهم، فإننا غالبًا نمنحه دلالة سلبية. نراه نقيضًا للحقيقة، وعدوًا للعقل، وحجابًا يمنع الرؤية الواضحة. لكن التجربة الإنسانية أكثر تعقيدًا من هذا التقسيم الحاد. فليس كل وهم خداعًا رخيصًا، وليس كل حقيقة قابلة للاحتمال في كل الأوقات. هناك لحظات يصبح فيها الوهم أشبه بعكاز نفسي مؤقت، يمنح الإنسان القدرة على عبور مرحلة لا يستطيع اجتيازها بقوة الواقع وحده.

من ذلك نرى عديد النماذج لحالات إنسانية تعبر عن هذا، فالمريض الذي يصدق في أعماقه أنه سيتعافى، رغم أن المؤشرات لا تبدو مطمئنة، يعيش نوعًا من الوهم الجميل. والعاشق الذي يعتقد أن الغد سيكون أفضل، رغم كل الخيبات، يستند إلى صورة لم تتحقق بعد. والفقير الذي يواصل العمل سنوات طويلة وهو يتخيل حياة أكثر كرامة، إنما يتحرك بقوة فكرة لم تصبح واقعًا بعد. في كل هذه الحالات، يبدو الوهم كأنه طاقة كامنة تدفع الإنسان إلى الأمام.

ولعل المفارقة الكبرى أن الحضارة نفسها قامت على أوهام تحولت لاحقًا إلى حقائق. فقبل أن يطير الإنسان، كان الطيران حلمًا أقرب إلى الوهم. وقبل أن يصل إلى القمر، كان الأمر يبدو ضربًا من الخيال. إن كثيرًا مما نعتبره اليوم إنجازًا بدأ في الأصل بصورة ذهنية غير مؤكدة، وبإيمان يتجاوز حدود المعطيات المتاحة.

غير أن الوهم ليس دائمًا نعمة. فهناك أوهام تتحول إلى سجون مغلقة، حين تمنع الإنسان من رؤية العالم كما هو، أو تدفعه إلى إنكار الوقائع باستمرار. الفرق الجوهري يكمن في أن الوهم الصحي يمدّ الإنسان بالقوة إلى أن يواجه الحقيقة، بينما الوهم المرضي يجعله يهرب من الحقيقة إلى الأبد.

في العمق، لا يعيش الإنسان بالحقائق وحدها. إنه يعيش أيضًا بالمعاني، والرجاء، والاحتمالات، والتصورات التي يصنعها عن المستقبل. ولهذا فإن النفس البشرية لا تبحث دائمًا عن الواقع المجرد، بل عن واقع يمكن احتماله. أحيانًا يكون الوهم بمثابة جسر مؤقت بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، بين الجرح والشفاء، وبين العجز والأمل.

وربما لهذا السبب لم يستطع البشر، عبر آلاف السنين، التخلي تمامًا عن الأحلام والأساطير والوعود والصور المثالية. فهم يدركون، بوعي أو دون وعي، أن الروح لا تقتات على الحقيقة وحدها. فكما يحتاج الجسد إلى الخبز، تحتاج النفس إلى شيء من الضوء البعيد، حتى وإن لم تكن متأكدة تمامًا من وجوده.

إن الإنسان لا يلجأ إلى الوهم دائمًا لأنه يكره الحقيقة، بل لأنه أحيانًا يحتاج إلى مساحة من الأمل تمكنه من احتمالها. وبين الحقيقة التي تجرح، والوهم الذي يواسي، تتشكل إحدى أكثر المعضلات الإنسانية عمقًا: كيف نستمر في العيش ونحن نعرف كل ما نعرفه عن هشاشتنا؟

لعل الجواب يكمن في أن الإنسان كائن لا يعيش بما يراه فقط، بل بما يتخيله أيضًا. وما دام المستقبل مجهولًا، فسيظل هناك دائمًا متسع لوهم صغير، يرافقه في الطريق، ويمنحه سببًا آخر كي يواصل المسير.

***

مجيدة محمدي ـ تونس

مقدمة: في التجربة الإبداعية يقف الشغف كقوة حيوية أولية، تتجاوز مجرد الدافع أو الاهتمام لتصبح حالة وجودية كاملة تجعل الإنسان يعيش الخلق كمصير وكمتعة عميقة في آن واحد. الشغف ليس مجرد حماس مؤقت، بل هو التزام عميق وعاطفي ومعرفي بالموضوع أو العمل الإبداعي، يجعل الفرد ينسى الزمن ويذوب في الفعل الخالق. التجربة الإبداعية، بدورها، هي لحظة يتجاوز فيها الإنسان ذاته المألوفة ليولد شيئاً جديداً: فكرة، عمل فني، اكتشاف علمي، أو رؤية فلسفية. هذه التجربة ليست آلية عقلية بحتة، بل هي عملية كلية تشمل الجسد والعقل والروح.

يأتي الشغف هنا كوقود أساسي يشعل هذه العملية، يدفع بها إلى أقصى حدودها، ويمنحها الاستمرارية والعمق. بدون شغف، يبقى الإبداع ممارسة روتينية باردة، أما معه فيصبح مغامرة وجودية تُعيد تشكيل الذات والعالم. تكشف هذه الدراسة عن أبعاد هذا الدور من خلال تحليل نفسي، فلسفي، ووجودي، مع التركيز على كيفية تشكيل الشغف لمسار التجربة الإبداعية ونتائجها. فكيف يمكن التعامل مع الشغف كمحرك أولي للإبداع؟

البعد النفسي: الشغف بين الدافع الداخلي والحالة المتدفقة

يبدأ دور الشغف على المستوى النفسي بتحويل الدافع من خارجي إلى داخلي خالص. عندما يكون الفرد شغوفاً بمجال ما – سواء كان الرسم أو الكتابة أو البحث العلمي – يصبح العمل الإبداعي غاية في ذاته وليس وسيلة للشهرة أو المكافأة المادية. هذا التحول يولد طاقة هائلة تتجاوز الإرهاق اليومي وتسمح بالاستمرار لساعات طويلة دون الشعور بالجهد كعبء. في هذا السياق، يرتبط الشغف ارتباطاً وثيقاً بحالة "التدفق" التي يصفها علم النفس، حيث يندمج الشخص تماماً مع النشاط الإبداعي، يفقد الوعي بالذات، ويشعر بتوازن مثالي بين التحدي والمهارة. الشغف هو ما يفتح باب هذه الحالة: هو الذي يجعل الفنان يرسم حتى مطلع الفجر، أو العالم يستمر في تجربته رغم عشرات الفشل. كما أن الشغف يعزز المرونة المعرفية والقدرة على تحمل الغموض.

التجربة الإبداعية مليئة بالمسارات المسدودة والأفكار الميتة؛ هنا يأتي الشغف كقوة دافعة تحول الإحباط إلى وقود لمحاولات جديدة. إنه يغذي الفضول الدائم، فيصبح الإبداع عملية استكشاف مستمرة بدلاً من إنتاج روتيني. ومع ذلك، يحمل الشغف جانباً مزدوجاً: إذا لم يُدار، قد يتحول إلى هوس يؤدي إلى الإرهاق أو الاحتراق، مما يجعل التجربة الإبداعية ممراً للألم قبل أن تكون مصدراً للفرح.

البعد الفلسفي والوجودي: الشغف كتجاوز للذات

من المنظور الفلسفي، يمثل الشغف تجسيداً للرغبة في الخلود والتجاوز. عند نيتشه، يرتبط الشغف بالقوة الحيوية التي تدفع الفنان إلى خلق قيم جديدة وأشكال جمالية تتجاوز النظام القائم. التجربة الإبداعية تصبح هنا لحظة "ديونيزيسية" يذوب فيها الفرد في الطاقة الكونية، ويولد منها شيئاً أعلى من نفسه.

أما في التراث الرومانسي، فيُرى الشغف كحالة إلهام شبه مقدس يرفع المبدع إلى مرتبة النبي أو المكتشف. الشاعر أو الموسيقي الشغوف لا يختار موضوعه، بل يُختار من قبله؛ يصبح وسيطاً بين الواقع والمثال. وجودياً، يمنح الشغف التجربة الإبداعية معنى عميقاً في عالم يتسم بالعبث. إنه يجيب على سؤال "لماذا أخلق؟" بإجابة بسيطة ومطلقة: "لأنني أحب، ولأن هذا الحب يجعل وجودي جديراً بالعيش".

في هذا السياق، يتحول الشغف إلى جسر بين الذات والعالم. المبدع الشغوف لا يرى في عمله مجرد منتج، بل امتداداً لوجوده. اللوحة أو الكتاب أو النظرية العلمية تصبح جزءاً من سيرته الذاتية، تحمل بصمته العاطفية والفكرية. هذا الاندماج يمنح التجربة الإبداعية أصالة نادرة، تجعل العمل يتجاوز الزمن ويخاطب الآخرين على مستوى وجودي.

الشغف في حقول الإبداع المتنوعة

يتجلى دور الشغف بشكل خاص في مختلف الحقول الإبداعية. في الفنون التشكيلية والأدبية، يكون الشغف هو ما يحول التقنية إلى تعبير حي. الفنان الشغوف لا يكتفي بإتقان المهارة، بل يبحث عن الحقيقة العاطفية والجمالية التي تلامس الروح. قصيدة مكتوبة بشغف تحمل نبضاً مختلفاً عن أخرى مكتوبة ببرودة مهنية. في العلوم، يدفع الشغف العالم إلى رؤية ما وراء الحقائق المعروفة. نيوتن وأينشتاين وكوري لم يكونوا مجرد باحثين، بل كانوا شغوفين بأسرار الكون، مما جعلهم يقضون سنوات في تأمل وتجربة. الشغف هنا يولد الحدس العلمي، ذلك الومض الذي يسبق البرهان المنطقي. أما في مجال الابتكار التكنولوجي وريادة الأعمال، فيحول الشغف الفكرة إلى مشروع يتغلب على العقبات المالية والإدارية. ستيف جوبز كان يتحدث عن "الحب" للمنتج، وهو ما جعل منتجاته تحمل طابعاً إبداعياً فريداً.

تحديات الشغف وشروط إنضاجه

رغم أهميته، ليس الشغف ضماناً تلقائياً للإبداع الناجح. قد يؤدي الشغف غير المنضبط إلى تشتت أو تعصب فكري يرفض النقد. كما أنه قد يتعارض مع متطلبات الحياة اليومية، فيولد صراعاً بين الالتزام العائلي أو الاجتماعي والتفاني الإبداعي. لذا، يحتاج الشغف إلى تهذيب وانضباط. التجربة الإبداعية الناضجة تجمع بين الشغف الحار والصبر البارد، بين الحماس والانضباط. المبدع الكبير هو من يعرف كيف يحول شغفه إلى نظام عمل يومي، وكيف يجدد هذا الشغف عندما يخبو. هنا تظهر أهمية البيئة الداعمة، القراءة المستمرة، والتفاعل مع الآخرين كعناصر تغذي الشغف وتمنعه من التحول إلى جمود. فماهي التأثيرات الكارثية والمباركة على الوجود البشري؟

يمتد تأثير الشغف في التجربة الإبداعية إلى مستوى وجودي عميق. مباركاً، يمنح الفرد شعوراً بالكمال والتحقق الذاتي، يجعل الحياة أكثر كثافة ومعنى. المبدع الشغوف يعيش حياة أغنى، حتى لو كانت مليئة بالتضحيات. أما كارثياً، فقد يؤدي الشغف المطلق إلى عزلة، أو تضحية بالصحة، أو حتى جنون إبداعي كما حدث لبعض العباقرة. ومع ذلك، تبقى هذه المخاطر جزءاً من رهان الإبداع: المغامرة بكل ما فيها من جمال وألم.

خاتمة:

في نهاية المطاف، يُعد الشغف السر الأعمق والمحرك الأساسي للتجربة الإبداعية. هو ما يحول الجهد العقلي إلى رقصة روحية، وما يجعل الإنسان قادراً على خلق ما لم يكن موجوداً. بدون شغف، يبقى الإبداع حرفة؛ وبه يصبح مصيراً وشهادة على حيوية الروح البشرية.في عصر يسيطر فيه الإنتاج الآلي والذكاء الاصطناعي، يبقى الشغف العنصر الإنساني الأصيل الذي لا يمكن استبداله. إنه الدعوة الدائمة لكل فرد ليبحث عما يشعل فيه النار الداخلية، ويجعله يخلق بكل وجوده. الشغف ليس رفاهية، بل هو الشرط الأول لأي تجربة إبداعية حقيقية تستحق أن تُسمى إنسانية. فكيف يمكن اعتبار الشغف كسرّ التجربة الإبداعية؟ وماهي علاقة الشغف بالذكاءات المتعددة؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

ثمة فرق بين التخلف والسوبر تخلف. الشعب المتخلف هو الشعب الذي لا ينتج ما هو مفيد للعالم والبشرية بينما الشعب السوبر متخلف فهو الذي يطوّر التخلف من خلال استخدام العلم من أجل التجهيل. السوبر تخلف هو تقديم العِلم على أنه جهل وتقديم الجهل على أنه عِلم. السوبر تخلف هو تطوير التخلف من خلال استغلال العلوم والتكنولوجيا من أجل نشر الجهل والتجهيل والتعصب. قانون السوبر تخلف هو التالي: السوبر تخلف = التكنولوجيا ÷ العِلم. وبذلك مع ازدياد استخدام التكنولوجيا وتناقص العِلم (أي تناقص قبول العِلم وعدم المشاركة في إنتاج العلوم)، يزداد تطوّر التخلف. السوبر تخلف سائد في الشرق والغرب معاً. مثل ذلك استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزيونية لتقديم الجهل على أنه عِلم وتقديم العِلم على أنه جهل ورفع رايات التجهيل والتعصب.

العِلم خالٍ من اليقينيات فالنظريات العلمية تُستبدَل بشكل دائم بنظريات علمية أخرى مختلفة. وبما أنَّ العِلم يخلو من اليقينيات، إذن بقبول العِلم والمشاركة في إنتاجه نتحرّر من يقينياتنا المُسبَقة مما يحرِّرنا من التعصب فيسمح بنشوء مجتمعات سلمية ومسالمة. وعلماً بأنَّ العِلم يحرِّرنا من اليقينيات والتعصب وهو بذلك ضمانة التحرّر الفكري فالسلوكي، إذن رفض العِلم وعدم المشاركة في إنتاجه يؤديان إلى سيادة اليقينيات والتعصب فزوال الحريات الفكرية والسلوكية مما يدفع إلى استخدام التكنولوجيا للدفاع عن يقينياتنا المطلقة ضد الآخرين ومعتقداتهم. من هنا، مع زيادة استخدام التكنولوجيا (كزيادة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي) وتناقص قبول العِلم وزوال المشاركة في إنتاج العلوم، يسود التعصب وتهيمن اليقينيات مما يحتِّم سيادة السوبر تخلف الكامن في استخدام التكنولوجيا للتعبير عن تعصبنا ليقينياتنا المطلقة ورفضنا للآخرين ومعتقداتهم. هكذا يولد السوبر تخلف ويَسود من خلال رفض العِلم المؤدي لا محالة إلى استغلال التكنولوجيا لنشر التعصب والجهل والتجهيل بهدف الدفاع عن يقينياتنا الكاذبة. فالحضارة تكمن في إنتاج العلوم. وبذلك رفض العلوم يحتِّم زوال الحضارة فسيادة السوبرتخلف.

لكن السوبر تخلف قد تطوّر وأمسى سوبر تخلفاً فائقاً. من معالم السوبر تخلف الفائق استخدام العلوم والمعارف من أجل تدمير الحضارة. فبينما من المفترض أن تكون العلوم والمعارف أعمدة بناء الحضارة والإنسان، أصبحت العلوم والمعارف أدوات لقتل الإنسان وإنسانيته وحضارته. مثل على السوبر تخلف الفائق الكامن في استغلال العلوم والمعارف من أجل تدمير الحضارة هو استخدام الذكاء الاصطناعي لارتكاب الإبادات الجماعية والمجازر اليومية كما حَدَث ويحدث في فلسطين ولبنان مثلاً. فبدلاً من أن يكون الذكاء الاصطناعي مصدراً للمعرفة والعلوم، أمسى أداة قتل واقتتال. استغلال علوم الذكاء الاصطناعي ومعارفه لارتكاب الإبادات الجماعية والمجازر استغلال للعِلم والمعرفة من أجل تدمير الحضارة وإنسانية الإنسان. لم يكتفِ الذكاء الاصطناعي بتغييب العقل والتفكير والبحث العلمي من خلال تقديم إجابات سريعة على أيّة أسئلة وتساؤلات بل تحوّل أيضاً إلى أداة قمع واضطهاد من جراء ممارسته للإرهاب بقتل الأبرياء في الإبادات الجماعية والمجازر بالإضافة إلى ممارسته للسوبر إرهاب الفكري الكامن في تضليل العقول من خلال تقديم إجابات مُحدَّدة على أيّ سؤال فكري فلسفي أو علمي بينما الحقيقة هي أنه لا توجد إجابات مُحدَّدة في الفلسفة والعلوم بل ثمة خلاف فكري حيال كلّ مسألة فكرية فلسفية وعلمية مما يناقض ما يقدّمه الذكاء الاصطناعي الكاذب.

أما المعادلة الأساسية المُعبِّرة عن السوبر تخلف الفائق فهي التالية: السوبر تخلف الفائق = تلقي المعلومات ÷   إنتاج المعرفة. فمع زيادة تلقي المعلومات وتناقص إنتاج المعرفة، يفقد الإنسان إنسانيته ويتحوّل إلى آلة مما يجعله يستخدم المنجزات الحضارية كالعلوم والمعارف من أجل تدمير الحضارة والإنسان. حين يغدو الفرد متلقياً للمعلومات بدلاً من أن يكون مُنتِجاً للمعرفة، يصبح عندئذٍ كينونة منفعلة بالمعلومات التي يتلقاها بدلاً من أن يكون فعّالاً في إنتاج المعرفة. وبذلك يخسر الفرد إنسانيته الكامنة في الإبداع المتمثل في بناء المعرفة على ضوء التفكير المنطقي والعلمي. وبفقدان إنسانيته يستغل الفرد المعارف والعلوم وما تتضمن من تكنولوجيا لتدمير الإنسان وحضارته كأن يشارك في ارتكاب الإبادات الجماعية والمجازر من خلال مثلاً استخدام معلومات الذكاء الاصطناعي لتحديد مَن سيقتل وكيف سيقتله. لقد أمسى السوبر تخلف الفائق المنظومة الأساسية السائدة في الشرق والغرب معاً. فمعظم البشر ليسوا سوى متلقين للمعلومات بدلاً من أن يكونوا منتجين للمعرفة وذلك مثلاً من خلال اعتمادهم على التلفون الذكي كمصدر للمعلومات بدلاً من المساهمة في الإنتاج المعرفي والإبداع الحضاري.

ثمة فرق بين المعلومات والمعرفة. فالمعلومات إما صادقة وإما كاذبة والحصول عليها يجعلنا مجرّد متلقين بينما المعرفة صادقة بالضرورة المنطقية والعلمية ولا تتحصَّل سوى من خلال المشاركة في إنتاجها على ضوء التفكير المنطقي والاستنتاج العلمي. وبذلك المعلومات تحوِّلنا إلى كينونات منفعلة بينما المعرفة تمكّننا من امتلاك إنسانيتنا من خلال جعلنا فعّالين في إنتاجها. على أساس هذه الاعتبارات، معظم شعوب الأرض فقدت تحضّرها وإنسانيتها لأنها مجرّد كينونات منفعلة مستهلكة لمعلومات مُحدَّدة سلفاً مما مكَّن من سيادة السوبر تخلف الفائق.

***

حسن عجمي

 

ملخص: تظل مشاكل الإنسان في العموم، مشاكل ثقافيّة، أي مشاكل معرفة، جوهرها تلك الأسئلة التي يطرحها الإنسان على نفسه ثم محاولته الاجابة عليها. وبقدر ما يحوز الفرد والمجتمع على وعي عالٍ بمشاكله، بقدر ما تكون أسئلته وأجوبته على درجة عالية من الصواب.

موضوع دراستنا هو محنة الثقافة. أي محنة المعرفة، وخاصة في عالم الأطراف ومنه عالمنا العربي. هذه المحنة التي لم تزل تنوس بين ماضي مفوّت حضاريّا لم يزل يفرض حضوره بقوة في كل مستويات حياتنا الماديّة والروحيّة، وبين معرفة حداثيّة تحاول هز شجرة معرفتنا التقليديّة والعمل على إسقاط الثمار التي جفت وفسدت ولم تعد صالحة للتناول من جهة، ثم العمل على تطعيم ما تبقى من ثمار صالحة للتناول في هذه الشجرة من ثمار معرفيّة، بمعرفة جديدة فرضها التطور العلمي وقضايا الإنسان المعاصر.

عناصر الدراسة:

1- مفهوم الثقافة.

2- أهمية التطور العلمي والتكنولوجي على ثقافة المركز والأطراف.

3- - التركيب الثقافي في مجتمعات ودول الأطراف وحالة الخلل الثقافي فيها.

4- - أسئلة الثقافة في دول ومجتمعات الأطراف.

5- خاتمة،

1- في المفهوم

بداية نقول: ليس المقصود بالثقافة هنا المعنى الشائع لها، أي بكونها جملة العناصر المجسّدة والموضوعيّة للممارسة الإنسانيّة في اتجاهيها المادي والروحي فحسب، بقدر ما نعني بها أيضاً، (مجموع الرؤى والقيم الداخليّة النشطة، التي تمثل التعبير الهادئ عن التجربة اليوميّة الفرديّة والجماعيّة للناس الذين يعيشون هذه التجربة بأنفسهم.). (1). فالثقافة بهذا المعنى لم تعد نتاج النشاط الإنساني المادي والروحي فحسب، بل كذلك صيرورة الإنسان نفسه التاريخيّة النشطة، التي حازت على إنسانيتها ووعيها بهذه القيمة الإنسانيّة، عبر علاقتها المباشرة مع الطبيعة والمجتمع.‏

بهذا الفهم المنهجي لمعنى الثقافة، نعود ثانية لموضوعنا الأساس عنوان هذه الدراسة لنقول أيضاً: ليس من السهل على الدارس أو المطلع فهم العمليّة الثقافيّة بمعناها المشار إليه أعلاه في النطاق العالمي، وخاصة في العصرين الحديث والمعاصر، فهماً دقيقاً دون الأخذ بالاعتبار عامل تقويم الفكر العلمي ـ التكنولوجي لأوربا وما حققته الحداثة فيها. وكذلك دون حساب تسرب هذا الفكر إلى الممارسة الاجتماعية، وشكل وعمق ترسبه في التجربة الداخليّة للمجتمعات البشرية التي أخذت بإنتاجه وممارسته بأشكال مختلفة، وفي أوساط اجتماعية أثنية وثقافيّة مختلفة أيضاً. وبالتالي ما أفضت إليه عمليتي الإنتاج والممارسة من ردود أفعال إنسانيّة متعددة الاتجاهات والألوان والمستويات، ما بين القبول والرفض لهذا الفكر.

2- أهمية التطور العلمي والتكنولوجي على ثقافة المركز والأطراف:

على العموم إن كل خطوة تخطوها البشريّة في مجال تطور طابع القوى المنتجة وملحقاتها الاجتماعيّة والفكريّة، يرافقها بالضرورة خطوات أخرى في تطور المجال الروحي ـ السيكولوجي لهذه البشريّة. فالتطور الذي حدث في مجال المعرفة الماديّة والروحيّة لأوروبا منذ قيام الثورة الصناعيّة، أثر تأثيراً شاملاً وقوياً في معظم جوانب نشاط الإنسان (الفرد والمجتمع)، ليس في أوربا فحسب، بل وفي عالم الأطراف، إن كان على مستوى الوعي الاجتماعي والفردي، أم على المستوى النفسي والسلوكي للفرد والمجتمع. أي بمعنى آخر: لقد حدث (تأثير) على مجمل النشاطات الماديّة والاجتماعيّة والروحيّة التي يمارسها الإنسان. بيد أن ما أحدثته الثورة العلميّة / التكنولوجيّة في أوروبا، هذه الثورة التي ابتدأت أسسها المنهجية مع قيام الثورة الصناعيّة من تغيير لوجه العالم الحديث والمعاصر، لم يكن تأثيرها المادي والروحي على كل مجتمعات أوروبا والأطراف واحداً عبر أوساطها الاجتماعيّة. ففي دول الأطراف عامة، ومنها وطننا العربي على وجه الخصوص، راحت نتائج هذه الثورة تسير سيراً بطيئاً ومتنوعاً ومعقداً للغاية. إضافة إلى أنها أخذت أيضاً تتحقق هنا وهناك من دول الأطراف عموماً بأشكال مختلفة، وعلى مستويات متفاوتة، إن كان على المستوى الوطني أو الدولي أو المحلي، وأخيراً على المستوى الاجتماعي في اتجاهاته الإثنيّة والدينيّة...الخ.‏

نعم إذا كانت الثورة العلميّة / التكنولوجيّة (2) الحديثة والمعاصرة تحمل في كل حالة من حالاتها التي تحدث في البلدان المنتجة لها ـ أي أوروبا هنا ـ طابعاً اجتماعيّاً منسجماً في مكوناته، إلا أنها تحمل في البلدان النامية ـ الأطراف ـ طابعاً أكثر خصوصية، والسبب في ذلك يعود أساساً، لكون الذي يقوم بإنتاج المعرفة واستهلاكها، غير الذي يقوم باستهلاكها فقط. فمجتمعات الإنتاج والاستهلاك المعرفي (العلمي ـ التكنولوجي)، تمتاز عن غيرها بكونها عبر عملية الإنتاج والاستهلاك هذه، استطاعت أن تخلق مجتمعات أكثر انسجاماً مع الذات، هذا الانسجام الذي راح يتجلى بخاصة في القدرة على ردم الهوة ما بين الماضي والحاضر لشعوب تلك المجتمعات. فالتطور العلمي ومفرزاته، خلقا إنساناً جديداً منسجماً مع واقعه ـ على الأقل ـ الذي أنتجه هو بنفسه، بمعاناته، لذلك لم يعد هذا الواقع غريباً عنه كي يدفعه للبحث عن فردوسه المفقود، برغم كل ما يحمله هذا الواقع المعاش من ظلم وقهر ومآسٍ لـه. إضافة إلى ذلك، هناك مسألة هامة ساعدت على خلق ذاك الانسجام مع الذات، لابد من الإشارة إليها هنا، وهي إنه، كلما تطورت وسائل الإنتاج، كلما ولدت مع تطورها مجالات جديدة للإنتاج، وبالتالي، زج الإنسان المنتج نفسه لممارسة نشاطه عبر هذه المجالات التي ستخلق عنده بالضرورة مهارات وسلوكيات ووعياً جديداً يتناسب مع طابع الإنتاج الجديد. أي إن الإنسان يبدل ذاته دائماً ماديّاً وروحيّاً، في كل مرة يمارس فيها عملاً جديداً. ففي العمل حقاً يبدل الإنسان في الطبيعة ويبدل في نفسه أيضاً.‏

أما في دول أو مجتمعات الأطراف ومنها عالمنا العربي، فحالة الانسجام مع الذات تُفتقد هنا، بسبب استمراريّة تعايش وتفاعل عناصر التقليد المتجذرة في هذه المجتمعات وعدم قدرتها على الانسجام مع الصناعات المبكرة، وما يرافقها من علاقات اجتماعيّة وثقافيّة جديدة فرضتها التكنولوجيا المستوردة.

3- التركيب الثقافي في مجتمعات ودول الأطراف وحالة الخلل الثقافي فيها:

إن حالة التركيب الثقافي المعقد القائم ما بين القديم والجديد في مجتمعات الأطراف ومنها وطننا العربي على سبيل المثال، هي التي تحدد بدورها حالة الخلل والتمايز الثقافي بين هذه المجتمعات والمجتمعات الأوروبيّة المتقدمة. وبالتالي فإن عملية كشف آليّة التركيب القائم ما بين التطور العلمي / التكنولوجي، ومفرزاته الماديّة والاجتماعيّة والروحيّة في الغرب، مع الوضعيّة الثقافيّة لبلدان الأطراف يدفعنا للنظر في التالي:‏

أولاً: إن غياب مسألة إنتاج العلم / التكنولوجيا المتطورة في هذه البلدان، لم يساعد على خلق علاقات إنتاج جديدة، وما يرافقها من علاقات اجتماعيّة وسياسيّة وفكريّة تتناسب معها، الأمر الذي أبقى الهوة واسعة ما بين الماضي التقليدي بكل ثقله، والحاضر، فالماضي لا زال قويّاً ومتماسكاً في بلدان الأطراف.‏

ثانياً: إن سيادة الماضي بكل ثقله، يعني بقاء الوجود الاجتماعي محافظاً على طبيعته منذ مئات السنين، أي عدم وجود تطور في المجتمع بمفهومه الواسع، وبالتالي عدم خلق علاقات إنتاجيّة جديدة تولد بالضرورة قوى اجتماعية جديدة لها مصلحة حقيقيّة في تحقيق التطور. أي فقدان الحامل الاجتماعي المؤهل لقيادة عبء المشروع الثقافي / النهضوي القادر على تحقيق التوازن مع الذات الفرديّة والاجتماعيّة.‏

4- أسئلة الثقافة في دول ومجتمعات الأطراف:

إن ما تقدمنا به أعلاه، يدفعنا للتساؤل هنا:‏

أـ ما مدى قابلية ثقافة الأطراف التقليديّة لتقبل التفكير العلمي / التكنولوجي الحديث، واستخدام نتائجه في الحياة اليوميّة... وبالتالي القدرة أيضاً على المساهمة في إنتاج مثل هذا الفكر وتطويره؟‏

ب ـ ما هي درجة تشبع مجتمعات الأطرف بالنجاحات التي حققتها التكنولوجيا الحديثة، وما مدى استعداد الجماهير للتكيف مع نجاحاتها؟‏

ج ـ كيف نستطيع الجمع ما بين عناصر المعارف الغربيّة العلميّة / التكنولوجيّة، ومعطيات ثقافة الأطراف التقليديّة؟. وما هي العلاقة بين الثابت والمتحول في هذه الثقافة؟ وكيف السبيل إلى اجتياز بوتقة الحضارة العلميّة ـ التكنولوجية المتقدمة دون فقدان الذات؟.‏

إن مسألة طرح هذه الأسئلة يظل الهاجس وراءها عدم تشكل ثقافة طرفيّة قادرة على تحقيق الانسجام مع الذات. وذلك بسبب غياب مكونات المشروع الثقافي / النهضوي، والذي يأتي في مقدمتها غياب الحامل الاجتماعي لهذا المشروع أولاً، ثم ثقل الموروث الثقافي التقليدي ثانياً، وهناك حالة التمايز والتفاوت في التطور ما بين المركز (المسيطر) والأطراف (التابع) ثالثاً.‏

أما السؤال عن كيفيّة تجاوز هذه المعوقات، فهذه مسألة أخرى!!‏

5- خاتمة:

ملاك القول هنا: تظل في الواقع تلح علينا الحقيقة لتأكيد مسألة منهجيّة أساسيّة هي: إن الأشكال والتكوينات الثقافيّة الرئيسة التي تراءت عبر التجربة الثقافيّة في التاريخ، وخاصة في تاريخ التفاعل الزماني والمكاني للشعوب، ولمختلف مراحل التاريخ والحضارات والمناطق والبلدان، لا يمكن تقديمها بمعزل عن تحديدها البشري.أي خارج الشخصيّة الإنسانيّة. فالديناميكيّة الثقافيّة لمجتمع الأطراف في شكلها الحالي، تظل في الواقع نتاج تفاعل شروط اجتماعيّة و ثقافيّة محليّة، مع كثرة من الاتجاهات العمليّة التاريخيّة العالميّة، الحديثة والمعاصرة التي ولدت في حضارات شعوب أخرى، وفي ظروف ثقافيّة تاريخيّة أخرى أكثر منها نتاجاً للتطور التاريخي.‏

نعم، إن الثقافة الحديثة تمثل لمجتمع الأطراف ومنها وطننا العربي، طرازاً جديداً من المعارف، وبالتالي، طرازاً جديداً من التنظيم الذهني والروحي، وكذلك نمطاً جديداً لشخصيّة جديدة.‏

وعلى ما يبدو، لا زالت الثقافة العربيّة ـ بمفهومها المشار إليه أعلاه، ومن ضمنها الشخصيّة العربيّة، غير قادرة على استلهامها والتفاعل معها بطريقة إيجابيّة أو حتى إنتاجها.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سورية

..................

الهوامش:‏

1ـ ارتقاء المجتمعات الشرقية، مجموعة من الباحثين، ترجمة، حسان اسحق، دار الأهالي 88 دمشق، ج3، ص 26.‏

2ـ تأتي التكنولوجيا هنا بمعناها الواسع على أنها: (مجموع المعارف والخبرات المتراكمة والمتاحة، مضافاً إليها، الأدوات والوسائل العادية والتنظيمية والإدارية التي يستخدمها الإنسان في إدارة عمل ما، أو وظيفة ما، في مجال حياته اليومية، لإشباع الحاجات المادية والمعنوية على مستوى الفرد والمجتمع). راجع مجلة الوحدة، العدد، 55، عام 1989، ص 7.‏

 

يمثل العمر الإنساني إحدى أعظم الهبات التي أنعم الله تعالى بها على الإنسان؛ إذ جعله وعاءً للعمل، ومجالا للتكليف، وفرصة لبناء الذات وعمارة الأرض وتحقيق الغاية التي خلق الإنسان من أجلها. وليس العمر مجرد عدد من السنوات يتقلب فيه الإنسان بين الميلاد والموت، بل هو رصيد وجودي وأخلاقي وروحي، تتحدد قيمته بما يملؤه الإنسان من علم وعمل وخير وإصلاح. ومن هنا كان الوعي بحقيقة العمر وكيفية استثماره من أهم القضايا التي شغلت الفكر الديني والفلسفي والإنساني عبر العصور.

لقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون عمر الإنسان محدودا، لأن محدودية الزمن هي التي تمنح الحياة معناها، وتجعل الإنسان أكثر إدراكا لقيمة اللحظة وأهمية الإنجاز. ولو كان العمر ممتدا بلا نهاية لفقد الإنسان كثيرا من دوافع السعي والعمل والمسؤولية. ولذلك ارتبط الزمن في الرؤية الإسلامية بالحساب والجزاء؛ فالإنسان مسؤول عن أيامه وسنواته، وعن كيفية إنفاقها فيما ينفع أو يضر. ومن هنا جاء التأكيد على أن العمر نعمة لا تقاس بطوله وحده، وإنما ببركته وأثره وما يحققه صاحبه فيه من نفعٍ لنفسه ولمجتمعه.

وتتجلى أهمية العمر في كونه المجال الحقيقي لتكوين الإنسان أخلاقيا وفكريا وروحيا؛ ففيه يتعلم، ويخطئ، ويتوب، وينضج، ويختبر معاني النجاح والفشل، والقوة والضعف، والفرح والحزن. وهذه التجارب جميعها ليست عبثا، بل هي جزء من التربية الإلهية للإنسان حتى يزداد وعيا بنفسه وبخالقه وبالحياة من حوله. ومن هنا فإن إهدار العمر في اللهو الفارغ أو الصراعات الصغيرة أو الأحقاد والضغائن وتدبير المؤامرات للآخرين يمثل خسارة حقيقية؛ لأن الزمن إذا مضى لا يعود، ولأن الإنسان لا يملك في النهاية سوى ما صنعه في عمره من أثرٍ طيب وعملٍ صالح.

إن استغلال العمر استغلالا صحيحا يقوم على جملة من المبادئ:

 أولها/إدراك قيمة الوقت، فالأمم المتقدمة لم تنهض إلا حين أدركت أن الزمن أساس الحضارة، وأن احترام الوقت احترام للحياة ذاتها.

 وثانيها/ أن يوازن الإنسان بين مطالب الروح والجسد، وبين العمل للدنيا والعمل للآخرة، فلا يطغى جانب على آخر. وثالثها/ أن يجعل الإنسان لنفسه رسالة أو هدفا يسعى إليه؛ لأن الحياة التي تخلو من المعنى تتحول إلى مجرد تكرار يومي يفقد الإنسان حيويته وطمأنينته.

كما أن الفلسفة الحصيفة في التعامل مع العمر تقتضي من الإنسان أن ينظر إلى الحياة باعتبارها فرصة للإصلاح والبناء لا للهدم والعداوة. فالعاقل هو من يحول سنواته إلى مواسم للعطاء والتسامح والمعرفة، ويجعل من تجاربه ـ حتى المؤلمة منها ـ وسائل للنضج واكتساب الحكمة. أما من يستهلك عمره في الحسد والصراع والفراغ، والاضرار بالآخرين والكيد لهم فإنه يحول النعمة إلى نقمة، ويخرج من الحياة مثقلا بالندم والخسارة المعنوية.

ومن الحكمة كذلك أن يدرك الإنسان أن جمال العمر لا يرتبط بالشباب وحده، بل بما يتركه المرء من أثرٍ كريم وسيرةٍ حسنة. فكثير من الناس طالت أعمارهم ووصلوا لأرذل العمر دون أن يتركوا أثرا يذكر، بينما خلد التاريخ آخرين لأنهم أحسنوا استثمار أعمارهم القصيرة في العلم أو الإصلاح أو خدمة الإنسانية. ولذلك كانت القيمة الحقيقية للعمر في عمقه لا في امتداده، وفي بركته لا في عد سنواته.

خلاصة القول: إن العمر أمانة إلهية عظيمة، وهبة ربانية تستوجب الشكر بالحسن في استثمارها، لا بإضاعتها وإهدارها. والإنسان الحكيم هو الذي يدرك أن كل يوم يمر من عمره إنما يقربه من نهايته، فيجعله يوما عامرا بالخير والعمل والمعرفة والمحبة. فإذا أحسن الإنسان إدارة عمره صار العمر نعمة مباركة، ووسيلة للسمو الإنساني والروحي، أما إذا فرط فيه وغفل عن قيمته تحول إلى مصدر للحسرة والندم. ولذلك يبقى حسن استثمار العمر من أعظم صور الحكمة، ومن أصدق الدلائل على وعي الإنسان بحقيقة وجوده ورسالة حياته.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

دراسة تحليلية نقدية في تعدد المقاربات وتكاملها

يُعدّ سؤال: «لماذا تأخر المسلمون وتقدّم غيرهم؟» من أكثر الأسئلة إلحاحًا في الفكر العربي الإسلامي الحديث، إذ شغل بال المفكرين منذ القرن التاسع عشر، ولا يزال حاضرًا في النقاشات المعاصرة. وهو، في حقيقته، ليس سؤالًا مستحدثًا، بل يمتد في جذوره إلى التراث الفكري، ولا سيما عند ابن خلدون، الذي قدّم تحليلًا مبكرًا لظواهر العمران البشري، وديناميات النهوض والانهيار الحضاري، من خلال مفاهيم العصبية، والعمران البدوي والحضري، ودور العلوم والصنائع في تطور المجتمعات.

وفي سياق النهضة الحديثة، قدّم رفاعة الطهطاوي تصورًا للتقدم قائمًا على ثنائية التمدن المعنوي والمادي، كما عرض في مؤلفاته، حيث ربط بين رقي الأخلاق والعادات من جهة، والتقدم في المنافع العمومية والعلوم والصناعات من جهة أخرى، مؤكدًا أن العمل والمعرفة يشكلان أساس الحضارة. وفي الاتجاه ذاته، رأى علي مبارك أن اتساع دائرة العلم كان العامل الحاسم في انتقال أوروبا من التخلف إلى التقدم، وأن تراجع الأمة الإسلامية يعود إلى تراجع مكانة العلم وأهله، والانحراف عن المصالح العامة.

أما المقاربة السياسية، فقد تجلت بوضوح عند خير الدين التونسي، الذي ربط التقدم العمراني بتحقيق العدل والحرية، معتبرًا أن النهضة لا يمكن أن تتحقق دون إصلاح سياسي يحدّ من الاستبداد، ويؤسس لنظام قائم على القانون. وفي السياق نفسه، أكد عبد الرحمن الكواكبي أن الاستبداد السياسي يمثل العلة الجوهرية للتخلف، وأن التحرر منه شرط لازم لقيام مجتمع قائم على الشورى والتمثيل.

ومن منظور أخلاقي، قدّم مصطفى الغلاييني تفسيرًا يُرجع التخلف إلى فساد الأخلاق وضعف التربية، مؤكدًا أن ازدهار الأمم أو انحطاطها يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمنظومتها القيمية. فالأخلاق، في تصوره، ليست مجرد بعد فردي، بل هي أساس البناء الحضاري، وشرط قيام مجتمع حيّ قادر على النهوض.

وفي محاولة أكثر شمولًا، خصّص شكيب أرسلان مؤلفًا كاملًا للإجابة عن هذا السؤال، حيث رأى أن الإسلام كان عاملًا رئيسًا في نهضة المسلمين، غير أن التخلف اللاحق لا يعود إلى الدين ذاته، بل إلى الانفصال عن تعاليمه وقيمه. وقد أرجع أسباب التأخر إلى عوامل أخلاقية، مثل الكسل والجمود وفقدان الحافز، وعوامل فكرية، كضعف العلم والانغلاق الذهني، داعيًا إلى استعادة روح العمل والاجتهاد.

أما مالك بن نبي فقد أجاب عن هذا السؤال موضحًا أن السبب الكامن وراء هذه الحالة يتمثل في غياب منهج واضح للإصلاح، وانعدام نظرية محددة المعالم من حيث الوسائل والأهداف؛ فلا توجد دراسة عميقة تحليلية لأمراض المسلمين الفكرية، ولا تصور دقيق للحلول والمقترحات الممكنة. وقد ركّز مالك في تحليله لهذه الأمراض على مستوى الفرد والمجتمع، دون أن يمنح الدولة أو الإصلاح السياسي القدر نفسه من الاهتمام، على خلاف ما نجده عند الأفغاني. ومن ثمّ، يؤكد ضرورة إزالة شوائب المجالين الفكري والروحي قبل الشروع في أي حركة إصلاحية؛ إذ أصبح الفكر الإسلامي، في نظره، كالحقل البور الذي نمت فيه نباتات طفيلية، مثل الذرّية، والنزوع إلى المديح، والجدل العقيم، والحرفية، والتشبث بأذيال الماضي.

وأوضح أن الإصلاح في الفكر العربي مرّ بعدة مراحل، لكل مرحلة منها رؤيتها الخاصة؛ فكانت المرحلة الأولى ذات طابع ثوري، تدعو إلى الهدم بغية إعادة البناء، وقد تمثلت في فكر الأفغاني. أما المرحلة الثانية، فهي مرحلة الفكر المنهجي، الذي يسعى إلى التشذيب، وتحرير النظام القائم من أوزار التقاليد، وفق منهج مرسوم يقوم على التمييز بين الخبيث والطيب، وهو ما نجده عند ابن باديس ومحمد عبده.

غير أن المصلحين أنفسهم أسهموا، بدرجة ما، في إرجاع الحركة الإصلاحية إلى الوراء؛ إذ ظل الجدل مسيطرًا على المناقشات الفكرية والأدبية، وانصرف الاهتمام إلى البحث عن البراهين الشكلية بدلًا من تقصّي الحقائق، مما أفقد الإنسان القدرة على تقدير الأمور تقديرًا سليمًا.

ومن ثم يرى مالك أن لثورة الإصلاح ثلاث مراحل رئيسة: مرحلة ما قبل الثورة، ومرحلة الثورة، ومرحلة ما بعد الثورة، ويطلق عليهم أيضًا: المرحلة التحضيرية، ومرحلة الإنجاز، ومرحلة الحفاظ على الخط الثوري. ويرتبط نجاح الثورة أو فشلها بمدى قدرتها على الحفاظ على مضمونها؛ إذ تُعد المرحلة الأخيرة الأهم، غير أن كثيرًا من الحركات الإصلاحية لا تبلغها، نظرًا لما تتعرض له من اختراق من قِبل أشباه الثوريين، الذين يسعون إلى توظيفها لتحقيق مصالحهم الخاصة. ومن هنا تبرز ضرورة الحذر من المرتزقة وخبراء إجهاض الثورات، مع أهمية الكشف عن الأخطاء وتصحيحها أولًا بأول.

كما يؤكد مالك أن سوء فهم الإسلام من قِبل المسلمين، أو سوء نقله من المجال العقدي الروحي إلى المجال التطبيقي الاجتماعي، كان ولا يزال يمثل إشكالية جوهرية. فهو يرى أن الإسلام ليس عائقًا أمام التقدم، كما يُشاع، بل هو دين شامل يحمل في طياته طاقة دافعة نحو الرقي والازدهار، بما يتضمنه من منظومة قيم وقواعد تنظم حياة الفرد والمجتمع. غير أن المأساة الحقيقية تكمن في طبيعة علاقة المسلم بالإسلام؛ فهي علاقة مزدوجة: روحية واجتماعية. ففي حين تبدو العلاقة الروحية قوية ومتماسكة، باعتبارها قائمة على يقين راسخ، تعاني العلاقة الاجتماعية من خلل واضح؛ إذ يظهر نوع من الانفصام في السلوك، حيث يلتزم الفرد بالشعائر الدينية، كالصلاة والصيام والزكاة والحج، لكنه في المجال الاجتماعي ينقاد لضغوط الواقع المادي وانحرافاته، فضلًا عن تأثير التوجهات السياسية والدولية التي تُسخّر الفكر والإرادة في اتجاهات معينة.

ويتجلى هذا الخلل في إهدار الوقت والجهد في مناقشة قضايا فقهية أو كلامية لا تمسّ الواقع، أو في الانشغال بمباحث فلسفية تجريدية، مثل مسألة قِدم العالم وحدوثه، في مقابل إهمال قضية تطوير الثقافة الإسلامية لتتحول إلى نمط اجتماعي عملي. ومن ثمّ، يخلص مالك إلى أن القصور لا يكمن في الإسلام ذاته، بما يحمله من ثوابت صالحة لكل زمان ومكان، بل في سوء فهمه أو ضعف تفعيله في الواقع.

وانطلاقًا من هذه الرؤية، أقام مالك فلسفته الإصلاحية، مؤكدًا أن أي مشروع إصلاحي حقيقي يقتضي تصفية العادات والتقاليد، وتنقية الإطار الخلقي والاجتماعي من العوامل السلبية والميتة التي تعوق النهوض، حتى يتهيأ المجال للعوامل الحية الدافعة نحو الحضارة. ولا يتحقق ذلك إلا من خلال فكر جديد قادر على تفكيك البنية الموروثة عن مرحلة التدهور، والسعي نحو بناء وضع حضاري جديد. وبناءً عليه، فإن تجديد الأوضاع يقتضي مسلكين متكاملين: أولهما مسلك سلبي يقوم على الانفصال عن رواسب الماضي، وثانيهما مسلك إيجابي يهدف إلى الارتباط بمقومات الحياة الكريمة.

ويلتقي هذا التصور مع ما ذهب إليه الغلاييني من ضرورة تقديم الإصلاح الأخلاقي على الإصلاح السياسي، إذ لا يمكن لأي نظام سياسي متقدم أن ينجح في مجتمع لم تُهيّأ بنيته الأخلاقية والاجتماعية لاستقباله. فالإصلاح، في هذا المعنى، هو عملية تدريجية تبدأ بتغيير الإنسان، قبل تغيير المؤسسات.

وانطلاقًا من ذلك، يمكن القول إن مختلف هذه المقاربات—على تباينها—تتفق ضمنيًا على أن التخلف ليس نتيجة عامل واحد، بل هو حصيلة تفاعل معقد بين عوامل أخلاقية، وفكرية، وسياسية، واجتماعية. كما تتقاطع في التأكيد على أن أي مشروع نهضوي لا يمكن أن ينجح دون تأسيس قاعدة قيمية صلبة، تجعل من الإنسان محورًا للإصلاح وغايته في آنٍ واحد.

وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تشخيص أسباب التأخر فحسب، بل في القدرة على تحويل هذا التشخيص إلى مشروع عملي متكامل، يربط بين إصلاح الفكر، وبناء القيم، وتطوير المؤسسات، بما يحقق نهضة شاملة ومستدامة.

***

ا. د. هدى سيد محمد

 

اثارت انتباهي مؤخرا مقالة لافتة نشرت في مجلة "نيتشر" (Nature) العريقة (20 ايار/مايو 2026)، تحمل عنوانا مباشرا وعميقا في ان واحد: "الابتكار يبدا من المدارس — دروس من الصين". وما زاد هذا المقال اهمية وجاذبية، واكسبه وزنا استثنائيا، هو انه كتب باقلام اكاديميين وباحثين صينيين (دان تاو، روي وي، ويونغ خه تشنغ). وهنا تكمن القيمة الحقيقية للطرح، فهم بلا شك "اعلم بشعاب مكة"، والاكثر دراية بخبايا المنظومة التعليمية في بلادهم، وفي تشخيص الفجوات وفهم مواطن القوة الكامنة وراء قفزات الصين التكنولوجية والاقتصادية.

تبدا حكاية المقال من حقيقة يغفل عنها الكثير من مخططي السياسات التعليمية في عالمنا العربي: ان الدول التي تطمح الى بناء منظومات ابتكار ناجحة وقادرة على المنافسة عالميا، لا يمكنها ان تبدا من قمة الهرم — اي من مراكز الابحاث المتقدمة او الجامعات فقط — بل عليها اولا وقبل كل شيء ان تستثمر في الجذور، في تعليم العلوم في المدارس، وفي المعلم الذي يقود هذا التعليم.

وينقلنا الكتاب الصينيون في سرد خطير للواقع، يوضحون فيه كيف ان التفوق في مجالات الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحيوية، والهندسة المتقدمة، ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج استراتيجية وطنية تتغلغل في الفصول الدراسية الاساسية. لكنهم، بروح النقد الذاتي البناء، لا يكتفون باستعراض الانجازات، بل يسلطون الضوء على الحاجة الملحة للتطوير المستمر في اعداد معلمين قادرين على الانتقال بالتعليم من التلقين السلبي وحفظ النصوص الى تفجير طاقات التفكير النقدي والفضول العلمي لدى الاطفال.

ان الدرس الاساسي الذي نخرج به من هذه القراءة الصينية الخالصة هو ان المعلم يظل حجر الزاوية في اي نهضة علمية. الاستثمار في تأهيله وتزويده باحدث مهارات الاستقصاء العلمي ليس ترفا، بل هو خط الدفاع الاول عن مستقبل اي بلد يريد مكانا تحت شمس الاقتصاد المعرفي. ومن هنا، يضع المقال امامنا مرآة واضحة: اذا اردنا ابتكارا حقيقيا يغير وجه المجتمع، فعلينا اولا ان نصلح المدارس، ونعيد الاعتبار لمعلم العلوم، ونعلم الاطفال كيف يسالون "لماذا وكيف"، بدلا من "ماذا ومتى".

ولا يقف الباحثون الصينيون في مقالهم عند حدود التنظير، بل يغوصون في تفاصيل هيكلية تكشف عمق الازمة التي تواجهها حتى المنظومات الناجحة. فهم يشيرون بوضوح الى فجوة جوهرية: كيف يمكن لبلد يطمح لسيادة الابتكار العالمي ان يعتمد على نظام اعداد معلمين لا يواكب هذا الطموح؟ يذكر المقال ان تحديث المناهج وبناء المختبرات المتقدمة في المدارس يظلان بلا قيمة حقيقية ما لم يتوفر المعلم المؤهل الذي يمتلك مهارات "الاستقصاء العلمي" والقدرة على تحويل الفصل الدراسي الى ورشة عمل حية للفضول والتجريب.

هنا يتجلى النقد الذاتي الجريء، اذ يعترف الكُتّاب بان الاعتماد الطويل على نظام الحفظ والتلقين والاختبارات الصارمة، رغم انه انتج كفاءات عالية في حل المشكلات النمطية، الا انه قد يعوق توليد الافكار الابداعية الخارقة للمالوف. ولذلك، تسعى الصين اليوم، وفقا للمقال، الى احداث ثورة في برامج اعداد المعلمين في الجامعات، عبر دمج العلوم البين-تخصصية والتركيز على كيفية تعليم الاطفال "التفكير كعلماء".

ان هذه المراجعة الصينية تضع بين ايدينا مجموعة من الدروس المستفادة التي يمكن صياغتها في نقاط جوهرية:

1.  الابتكار لا يصنع في المختبرات الجامعية فقط: بل تولد بذرته الاولى في المرحلة الابتدائية والمتوسطة عندما يتاح للطفل ان يلمس العلوم بيده ويفكر بنقد واستقلالية.

2.  الاستثمار في المعلم هو الاستثمار الاضمن: ان تطوير كليات التربية وتاهيل معلم ومدرس العلوم ليس مجرد اجراء اداري، بل هو قضية امن قومي وتنموي لاي دولة تنشد المستقبل.

3.  الانتقال من "كم المعرفة" الى "نوعية التفكير": لم يعد التحدي هو حشو عقول الطلاب بالمعلومات المتوفرة بنقرة زر، بل في تدريبهم على كيفية صياغة الفرضيات، واجراء التجارب، وتقبل الفشل كخطوة نحو النجاح.

في ختام قراءتي لهذا المقال، لم يسعني الا ان اتساءل: اذا كان هذا هو حال الصين — وهي العملاق التكنولوجي الذي يهدد عروشا اقتصادية كبرى — ورغم ذلك يجلس اكاديميوها ليمارسوا هذا النقد الذاتي الشجاع لتعليمهم المدرسي، فاين نحن من هذه المراجعات؟

المقال لا يصف لنا وصفة نجاح صينية جاهزة، بل يوجه لنا صفعة تنبيه باردة: ان اصلاح التعليم لا يحدث بالشعارات والاستعراض الخارجي، بل بالنزول الى الارض، الى غرف الصفوف الابتدائية، وتأهيل المعلم الذي يقف خلف المنصة. لقد اثبت لنا خبراء الصين، وهم الاعرف بشعابها، ان الابتكار ليس سحرا، بل هو غرس نزرعه اليوم في المدرسة، لنحصده غدا في مصانع ومختبرات المستقبل. فالامم التي لا تستثمر في معلم العلوم اليوم، لن تجد علماء يقودون ابتكاراتها غدا.

***

ا. د. محمد الربيعي

صفات المرأة القياديّة

تتمثّل مهمّة المرأة القياديّة في العديد من الجوانب التي تُسهم في تحقيق الأهداف الشّخصيّة والمهنيّة، وتُسهم في تطوير المجتمع وتحقيق التّقدّم الاجتماعيّ والاقتصاديّ. فضلاً عن أنّها تعمل على تطوير مهاراتها وقدراتها القياديّة؛ لتحقيق أهدافها الشّخصيّة والمهنيّة، كما تسعى المرأة القياديّة إلى تعزيز التّنوّع والشّموليّة في مختلف المجالات، وتعمل على تحقيق التّوازن بين الجنسين في القيادة وفي فرص العمل، وعلى إلهام الآخرين وتحفيزهم لتحقيق أهدافهم، وتسعى لتحقيق التّأثير الإيجابيّ في المجتمع من خلال قيادتها بالمثال، وفي هذه الحال فإنّ المرأة العربيّة تواجه تحدّيات كبرى في مسار تطوّرها وصراعها التّاريخيّ من أجل الحصول على حقوقها المدنيّة والسّياسيّة، نتيجة للصّراع الدّاخليّ الحادّ داخل المجتمعات العربيّة بشأن حقّ المرأة في العمل والدّراسة، وفي التّحكّم في مظهرها الخارجيّ، حيث إنّه كلّما اعتقد المجتمع أنّ المرأة العربيّة الحديثة استطاعت أن تتجاوز وضعها كجارية أو أنثى خاضعة لإرادة الرّجل الذي يمارس الوصاية على وجدانها وعقلها وجسدها، إلاّ ونجد أنّ هناك من يطالب باستمرار أن يعاد النّظر في الوضعيّة الاجتماعيّة والقانونيّة للمرأة، بحيث يظلّ مستقبلها مرتبطاً بكونها أمّاً عليها أن تلزم بيتها لتربية أبنائها.[1]

وبالنّظر إلى ذلك فإنّ المرأة القياديّة تعمل على تمكين دورها الفاعل بمساعدة النّساء وتشجيعهنّ على تطوير مهاراتهن والمشاركة في مختلف المجالات واتّخاذ القرارات الحاسمة، والمساهمة في تطوير المجتمع؛ إذ تعمل المرأة القياديّة على المساهمة في تحقيق التّغيير الإيجابيّ في المجتمع من خلال تطوير السّياسات والبرامج التي تعزّز العدالة الاجتماعيّة والاقتصاديّة. وفي هذا المجال فقد أوضح ( (LIKERT.R وجوب الاهتمام بمدخل متكامل لدراسة ظاهرة القيادة، ويكون ملائما لطبيعة ونوعيّة الإشراف التّنظيميّ، بالنّظر إلى أنّ معظم أبحاث العلاقات الإنسانيّة ومصادرها تتركّز بالضّرورة على النّتائج الواقعيّة من البحث والتّجربة، ّأمّا مدخل الإدارة العلميّة فلها إسهاماتها الهامّة الإداريّة في العمل على زيادة الإنتاج والفاعليّة التّنظيميّة عمومًا.[2]

ولعلّ عامل الثّقة في النّفس هو الدّافع الذي تتمتّع به المرأة القياديّة وبقدراتها لاتّخاذ القرارات الصّعبة والتّأثير على الآخرين، لأنّها تمتلك القدرة على رؤية الرّؤية المستقبليّة وتحليل البيانات والمعلومات لاتّخاذ القرارات الاستراتيجيّة، حتّى تكون قدوة للآخرين من خلال السّلوك القائد والأخلاقيّ والتّفاني في العمل، وما تتمتّع به من مهارات اتّصال متميّزة تمكّنها من التّواصل بشكل فعّال مع فريق العمل وإلهامهم.

ومن ثمّة فإنّ المرأة تحاول دومًا أن تكون قادرة على التّفكير خارج الصّندوق، وابتكار الحلول الجديدة للتّحديات والمشكلات المعقّدة، والقدرة على التّحمّل والتّكيّف، بما تمتلك من المرونة اللاّزمة للتّعامل مع التّحديات والمواقف الصّعبة بكفاءة وثبات؛ لإظهار مكانة العمل الجماعيّ، من خلال الحثّ على بناء بيئة عمل تشجّع على التّعاون والتّفاعل بين أفراد الفريق وتعزّز روح العمل الجماعيّ.

وكشفت دراسة (Women in Education Management: Present and Future Challenges) عن التّحديّات التي تواجه المرأة العاملة وأبرزها صعوبة حصولها على التّرقية الوظيفيّة لمستويات أعلى مقارنة بالرّجل، وهذه ناتجة عن أسباب اجتماعيّة متمثّلة في شيوع الاعتقادات الخاطئة من عادات وتقاليد مجتمعيّة قيّدت المرأة.[3]

الفرق بين الرّجل والمرأة في القيادة

من الصّعب تحديد فارق دقيق بين مهارات المرأة ومهارات الرّجل بشكل عامّ، لأنّ القدرات والمهارات الفرديّة قد تختلّف بين الأفراد بغضّ النّظر عن الجنس. ومع ذلك، هناك بعض الاتّجاهات التي قد تكون شائعة بين الجنسين نظرًا للتّوجّهات الاجتماعيّة والثّقافيّة التّي تؤثّر على تطوّر المهارات، كما تعتبر القيادة فنّ على التّأثير في سلوك أفراد الجماعة وتنسيق جهودهم وتوجيههم لبلوغ الغايات المنشودة بحسب ما يمليه العمل الذي يؤدّي إلى مواجهة احتياجات الحالة الاجتماعيّة، إذ أنّ هناك بعض الأفراد يصلحون أكثر من غيرهم لأن يكونوا قادة لأنّهم يمتلكون قدرات وسمات شخصيّة بارزة، وسواء كان القادة من هذا النّوع أم غيها، فإنّ القيادة شكل متخصّص من النّشاط أو كنوع من العمل أو الوظيفة محقّقين ما يؤدّيه القادة ويتّصل باكتشاف السّمات الشّخصيّة المطلوبة[4].

ومن هذا المنظور تكمن مهارة المرأة من خلال التّوازن بين المهارات العاطفيّة واللّوجستيّة: على نحو ما أظهرته الدّراسات من أنّ النّساء قد تكون أكثر توجّهًا نحو المهارات العاطفيّة مثل التّواصل الفعّال وفهم العواطف، بينما قد تكون المهارات اللّوجستيّة مثل التّحليل البيانيّ والحلّ المنطقيّ أكثر شيوعًا بين الرّجال، والقدرة على التّحمّل والتّكيّف؛ إذ يعتقد الكثير من الباحثين أنّ النّساء يمتلكن قدرة على التّحمّل والتّكيّف مع المواقف الصّعبة والضّغوط النّفسيّة بشكل أفضل من الرّجال، والقدرة على التّعاطف والتّواصل والتّعبير عنها بشكل فعّال، ممّا يسهّل عليها بناء علاقات قويّة مع الآخرين والتّواصل الفعّال، والتّفكير الاستراتيجيّ والابتكار على الرّغم من أنّ هذه المهارات تُعتبر مهمّة لكلا الجنسين، إلاّ أنّ بعض الدّراسات تظهر أنّ الرّجال قد يكونون أكثر توجّهًا نحو التّفكير الاستراتيجيّ والابتكار في بعض الحالات، من منظور أنّ القيادة هي نشاط إيجابيّ يقوم به شخص بقرار رسميّ تتوفّر به سمات وخصائص قياديّة يشرف على مجموعة من العاملين لتحقيق أهداف واضحة بوسيلة التّأثير والاستحالة أو استخدام السّلطة بالقدر المناسب وعند الضّرورة، ويكن تعريف القيادة أيضًا بأنّها (فنّ التّأثير المرأة والرجل' ويمكن القول بأنّ القيادة الفعّالة هي محصّلة التّفاعل بين القائد ومرؤوسيه في المواقف التّنظيميّة المختلفة، وتقوم القيادة على دفع و تشجيع الأفراد نحو إنجاز أهداف معيّنة، والقيادة كما يعرفها وايت، تعني التّأثير على الآخرين في تنفيذ قرارات أشخاص آخرين ويفرّق وايت بين نوعين من القيادة هما:

القيادة التي تعتمد على الإقناع وهي التي تستمدّ قوّتها من شخصيّة القائد، وكذلك القيادة القائمة على التّخويف والتّهديد وتستمدّ قوّتها من السّلطة، الممنوحة للرّئيس.[5]

ولعلّ الاختلاف بين المرأة والرّجل بخصوص الأسلوب القياديّ لا يكن إيعازه إلى اختلافات فرديّة يمكن أن ينسب إلى فروق تنظيميّة، فالمرأة لا متنح كلّ الصّلاحيّات والقوّة التي تمنحُ للرّجل والمرأة تحرم من مصادر القوّة والسّلطة، وتعيّن في المناصب التي تعزّز أدوارها الاجتماعيّة. ومع كلّ هذه الصّفات التي حوصلت دور المرأة القياديّة في الحياة العامّة، فإنّ وضعيّة المرأة في العامل فيما يخصّ القيادة هي على العموم كما يلي كلّما صعدنا في سلّم القيادة اتجاه الهرم، قلت نسبتهن، مع العلم أنّ عدد النّساء القائدات قد تضاعف في الثّلاثين سنة الأخيرة لكن نسبتهنّ تبقى ضعيفة[6].

وفي ضوء ذلك يجب ملاحظة أنّ هذه الفروقات ليست قواعد صارمة وثابتة، وهي تعتمد على عوامل عديدة مثل الثّقافة والبيئة والتّدريب والتّجارب الشّخصيّة لكلّ فرد. في النّهاية، يجب أن نفهم أنّ كلّ فرد فريد من نوعه، ويمكن لكلّ شخص أن يطوّر ويعزّز مجموعة مهاراته بغضّ النّظر عن جنسه. وتتضمّن القيادة أعمالاً هامّة وضعها سيلزنيك ((seilwnick.p في أربعة عناصر[7] هي:

تتميز الأعمال القياديّة من خلال المستوى النّظامي أو التّنظيميّ، فرسالة التّنظيم ودوره تظهر من خلال ملاءمة التّغيّرات الخارجيّة وعمليّاتها الدّيناميكيّة.

يتمثّل هذا الطّابع التّنظيميّ في تحقيق الهدف أو الغرض، فالعناصر القياديّة تعمل داخل بناءات محدّدة، وتهدف لتحقيق جميع النّتائج والأهداف.

تظهر الأعمال القياديّة في إطار تنظيميّ تكامليّ، وتعمل على ربط القيم والعلاقات العامّة المتنوّعة داخل التّنظيم، وهذا يضمن بالضّرورة إتّباع الأفراد للقرارات الصّادرة وتنفيذها.

تعمل القيادات من خلال قدرتها على ضبط الصّراع الدّاخليّ، وذلك من أجل حفظ التّوازن الدّاخليّ للتّنظيم.

وتأسيسًا على ذلك تعود قيادة المرأة بالفائدة على المجتمع بشكل عام من عدّة زوايا:

التّنوّع والشّمولية: يساهم تمثيل المرأة في المناصب القياديّة في زيادة التّنوّع والشّموليّة في صنع القرارات وإدارة المجتمع، ممّا يعكس احتياجات وآراء شرائح مختلفة من المجتمع.

التّنمية الاقتصاديّة: يسهم تمكين المرأة ودمجها في سوق العمل ومنحها فرصاً متساوية في التّعليم والعمل في تعزيز التّنمية الاقتصاديّة للمجتمع، حيث تسهم قوّة العمل النّسائيّة في زيادة الإنتاجيّة وتحسين الاقتصاد بشكل عامّ.

العدالة الاجتماعيّة: تساهم المرأة القائدة في تعزيز العدالة الاجتماعيّة من خلال تمثيل الجنسين بالتّساوي في مختلف القطاعات، وتوفير فرص متساوية للجميع.

التّمكين النّسائيّ: يؤدّي تمكين المرأة إلى تعزيز دورها في المجتمع وبناء الثّقة بالنّفس والاستقلاليّة، ممّا يؤدّي إلى تطوير قدراتها ومساهمتها الفعّالة في التّنمية المستدامة.

الإبداع والابتكار: يمكن لتنوّع وتمثيل المرأة في المجتمعات القياديّة أن يشجّع على الإبداع والابتكار، حيث يتيح التّنوّع الفكريّ، والتّجارب المختلفة فرصًا لإيجاد حلول جديدة ومبتكرة للتّحديات المجتمعيّة.

ومع هذا كما تذكر الباحثة عبلة محمود فإنّ إشكاليّة وضع المرأة على كراسي قياديّة مركّبة ومعقّدة، فهي تعيش في بلدان معظمها، يفتقر لتوافر عوامل الاستقرار السّياسيّ والاقتصاديّ، ومحاطة بأجواء التّمييز السّلبيّ بحكم طغيان عادات وتقاليد متخلفة، وفي ظلّ غياب سياسات نهضويّة شاملة حيث تشتّت حركتها باتّجاه بين الانعزال، والحداثة الهاربة إلى الأمام التي تجاوزت الحدود الوطنيّة تجنّبا للصّدام المحتمل مع الأنظمة السّياسيّة القائمة وضيق هامش الحريّات الأساسيّ[8]

بالمجمل، يمكن القول إنّ قيادة المرأة تعزّز التّنمية المستدامة وتعمل على تحقيق مجتمع أكثر تقدّماً وعدالة اجتماعيّة وازدهاراً للجميع، انطباع المرأة عن المرأة القياديّة.

تحدّيات المرأة القياديّة

تحمل التّحديات أهمّية كبيرة في حياة المرأة القائدة وفي تطوّرها الشّخصيّ والمهنيّ، وذلك لعدّة أسباب، أهمّها النّموّ الشّخصيّ؛ إذ عندما تواجه المرأة التّحديات، تتعلّم كيف تتعامل مع المواقف الصّعبة وتتطوّر وتنمو من خلال تجاربها، ممّا يعزّز ثقتها بنفسها ويجعلها أكثر قوّة وقدرة على التّحمّل، ومن خلال التّحديات، يمكن للمرأة القائدة أن تكتسب المهارات والخبرات اللاّزمة للتقدّم في حياتها المهنيّة وتحقيق النّجاح في مجال القيادة، ومن الضّروريّ التّأكيد على أنّ التّحدّيات التى تواجه المرأة العربيّة هي جزء من كلّ أعمّ وأشمل وهو التّحديات التي تواجه المنطقة العربيّة بأسرها، وهي تحدّيات خارجيّة وداخليّة أكثر من معقّدة وتضرب بجذورها في أعماق التّاريخ وليس من الممكن الانفراد بمواجهة التّحدّيات التي تواجه المرأة بمعزل عن التّحدّيات الكليّة التي تواجه العالم العربيّ بأسره، فتهميش المرأة العربيّة وغيابها عن دوائر صنع القرارات وبعدها عن دائرة التّأثير، وغياب حريّتها ليس إلاّ الوجه الآخر لتهميش الرّجل العربيّ وفقدانه لدوره وفاعليّته في المجال العامّ وهذا وذاك ليس إلاّ جزءا من فقدان العالم العربيّ بأسره لدوره على المستوى الدّوليّ و فقدانه للاستقلاليّة في صنع مستقبله وتبعيّته للآخر سياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا... إلخ، بعبارة وجيزة فإنّ أهمّ تحدّي يواجه المرأة العربيّة وهو نقص الحريّة الذى لا يعدّ قصرا عليها ولكنّه نتيجة منطقيّه لتدنّى مستوى الممارسة الفعليّة للحريّة فى البلدان العربيّة، ومع ذلك ثمّة مدخلان للتّعامل مع تحدّيات المرأة العربيّة يمكن السّير فيهما معًا في آن واحد وهما المدخل الجزئيّ الذي يركّز على قضايا المرأة بحيث تصبح المرأة هي بؤرة التّركيز الأساسيّة في كلّ ما يوجّه خطط واستراتيجيّات العمل التّنمويّ، والمدخل الكلّيّ الذي يمكّن المرأة وينمّيها من خلال تنمية الرّجل وتمكينه، بل تنمية المجتمع العربيّ ودفعه نحو رسم حاضره و مستقبله من خلال التّفاعل البنّاء مع العالم الخارجيّ الذى يحقّق القدرة على التّأثير والإرسال لا التّأثّر والاستقبال فقط[9]

وتعمل التّحديّات على تحفيز المرأة بالبحث عن حلول جديدة وابتكاريّة للمشكلات، ممّا يسهم في تطوير القدرات الإبداعيّة والتّفكير النّقديّ لديها، بخاصّة عندما تتغلّب المرأة القائدة على التّحديّات، التي من شأنها أن تصبح مصدر إلهام للآخرين، ويمكن لقصّتها الشّخصيّة أن تحفّز الآخرين على تحقيق أهدافهم وتجاوز العقبات، بناء الثّقة والاعتماد على النّفس: وذلك عندما تتغلّب المرأة على التّحدّيات، وتبني ثقتها بنفسها وتكون أكثر قدرة على التّحكّم في حياتها واتّخاذ القرارات بثقة، بالإضافة إلى ذلك، تساهم التّحديات في بناء القدرات الشّخصيّة والمهنيّة للمرأة القائدة، وتعزّز من قدرتها على التّكيّف مع المواقف المختلفة وتحقيق النّجاح في الحياة الشّخصيّة والمهنيّة، والمرأة العربيّة المعاصرة ليست استثناء من هذه التّطوّرات الحاصلة في المجتمعات المفروضة عليها بوصفها جزء لا يتجزّأ من التّحديات التي تواجه المرأة على المستوى العالميّ، وإن كانت لها خصوصيتها النّابعة من تراثها الثّقافيّ من جانب وخصائص الواقع العربيّ من جانب آخر. وفى ضوء قناعتنا الخاصّة بأنّ التّنمية العربيّة الشّاملة لن تتحقّق في غياب مشاركة كاملة من جانب المرأة باعتبارها وسيلة التّنمية وهدفها في آن واحد، فقضيّة إدماج النّوع الاجتماعيّ أضحت أحد المكوّنات الأساسيّة للسّياسات التّنمويّة في العالم. واتّساقا مع ما أشار إليه تقرير التّنمية الإنسانيّة العربيّة في هذا السّياق حيث أكّد على أنّ عدم تمكين المرأة يمثّل أحد جوانب النّقص الثّلاثة الرّئيسيّة التي تؤثّر سلبًا في التّنمية الإنسانيّة إلى جانب تدنّي مستوى الحريّة ونقص القدرات الإنسانيّة قياسًا إلى الدّخل، سوف تتحدّد أهداف هذه الورقة وأسلوب معالجتها[10].

هناك العديد من التّحديات التي تواجه المرأة القائدة، ومن بين هذه التّحديات:

النّمطيّة الجنسيّة: لا يزال هناك اعتقادات وتوقّعات جنسيّة تعترض طريق المرأة القائدة، حيث قد يتمّ تقييمها بمعايير مختلفة عن الرّجال، ممّا يجعلها تواجه صعوبات في الحصول على الفرص المتساوية والاعتراف بكفاءتها.

نقص التّمثيل النّسائيّ: قد يكون هناك نقص في التّمثيل النّسائيّ في المناصب القياديّة والمجالات ذات النّفوذ، ممّا يجعل من الصّعب على المرأة القائدة الوصول إلى المراتب العليا وتحقيق التّقدّم المهنيّ.

الانحيازات المؤسّسيّة: قد تواجه المرأة القائدة انحيازات داخل المؤسسات، مثل الرّواتب المختلفة بين الجنسين وقلّة الدّعم والتّشجيع على التّرقّي وتطوير المهارات.

التّوازن بين الحياة العمليّة والشّخصيّة: يمكن أن تكون التّحديات الشّخصيّة والأسريّة، مثل الاهتمام بالأسرة وتحمّل المسؤوليّات المنزليّة، عامل تقييد يؤثّر على قدرة المرأة القائدة على التّفرّغ للعمل القياديّ بالكامل.

قيود الثّقافة والتّقاليد: في بعض الثّقافات، قد تفرض التّقاليد والعادات قيودًا على دور المرأة في المجتمع وتحدّ من قدرتها على تحقيق النّجاح في المجال القياديّ.

نقص الدّعم والشّبكات: يمكن أن يكون نقص الدّعم الاجتماعيّ والشّبكات المهنيّة عائقًا للمرأة القائدة في تطوير مهاراتها والحصول على فرص جديدة.

هذه بعض التّحدّيات التي تواجه المرأة القائدة، والتي تتطلّب جهوداً مستمرّة للتّغلّب عليها وتحقيق النّجاح في القيادة والتّطوّر المهنيّ.

إعداد المرأة لدورها القياديّ

يتطلّب إعداد المرأة لدورها القياديّ جهوداً مستمرّة ومتعدّدة الأوجه، كما يعتمد إعداد المرأة لدورها القياديّ على توفير الدّعم والفرص المناسبة، وتحفيزها لتطوير مهاراتها وتحقيق إمكاناتها الكاملة كقائدة فعّالة ومؤثّرة في المجتمع؛ لذا جاءت دراسات كثيرة لتؤكّد أنّ إعداد المرأة لدورها القياديّ يتطوّر بفضل العوامل الاجتماعيّة المتمثّلة في الخبرات الحياتيّة التي يمرّ بها الفرد، المهنة التي يشتغلها ومستواه التّعليميّ، وبالنّسبة للمرأة تساهم أدوار الرّعاية التي تشرف عليها المرأة في تطوير قدرتها على التّعامل مع الآخرين، كما أنّ الخلفيّة الثّقافيّة التي تأتي منها تؤثّر بشكل مباشر على قدراتها القياديّة أثناء ممارستها السّلطة[11]

ويمكن أن يشمل عدّة مراحل وخطوات، منها:

التّعليم والتّدريب: توفير الفرص التّعليميّة والتّدريبيّة للمرأة لتطوير مهارات القيادة، بما في ذلك القيادة الفعّالة، والاتّصال، وإدارة الوقت، وحلّ المشكلات.

بناء الثّقة بالنّفس: تشجيع المرأة على تطوير ثقتها بنفسها وقدراتها، وتوفير الدّعم والتّشجيع لها لتجاوز التّحديّات والمواجهات التي قد تواجهها في طريقها للقيادة.

تعزيز الوعي والتّوجيه: تقديم المعرفة والموارد حول القيادة والتّطوير الشّخصيّ، وتقديم التّوجيه والمشورة للمرأة لتحديد أهدافها القياديّة ووضع خطط لتحقيقها.

بناء الشّبكات الاجتماعيّة والمهنيّة: تعزيز الانخراط في شبكات اجتماعيّة ومهنيّة تساعد على توسيع دائرة الدّعم والفرص المهنيّة، وتوفير الفرص للتّعلّم من القادة الآخرين.

تعزيز الوعي بالمساواة والحقوق: تشجيع المرأة على الاستفادة من حقوقها وتعزيز الوعي بأهمية المساواة بين الجنسين في جميع المجالات، بما في ذلك المجالات القياديّة.

تشجيع الابتكار والاستماع إلى الآراء: توفير البيئة المناسبة التي تشجّع على الابتكار وتقدير الآراء المختلفة، وتشجيع المرأة على المشاركة الفعّالة في عمليّات اتّخاذ القرارات.

وتبعا لذلك فإنّ تبوّء المرأة اليوم لمناصب قياديّة سواء لمشاركتها في تخطيط للسّياسات العامّة لابدّ من خلال تقلّدها مناصب قياديّة في أعلى هرم السّياسة تنفيذيّ تشريعيّ أي الحكومات والبرلمانات أو مشاركتها في إدارة الشّؤون الاقتصاديّة من خلال الهيئات الوسطيّة القاعديّة مثل (الرّئاسة، أقسام الوزارات أو في القطاع الخاصّ أو في مجالس المحليّة والبلديّة أو إدارة المشروعات الخاصّة، ثمّ في قيادة مؤسسات المجتمع المدنيّ على اختلاف اختصاصها أمام هذه المسؤوليّات لابدّ أن تتوافر في المرأة قواعد رئيسيّة تشكّل أساس عوامل النّجاح[12]

المرأة القياديّة والمجتمع

يشكّل موضوع المرأة القائدة في علاقتها بالمجتمع جزءًا أساسيًا من بنية الحوار الاجتماعيّ والتّنمية الشاملة؛ إذ يتأثر المجتمع بشكل كبير بالدور الذي تلعبه المرأة في القيادة والتأثير،

وبالنظر إلى ذلك جلب النظام الاجتماعي الذي صاغه القوانين العالمية، والجزائرية على وجه الخصوص مجتمعا لا يفرق بين الرجل والمرأة إلا فيما تمليه سنن الكون، متجاهلاً الحيثيات الفارقة بين الجنسين داخل المجتمع، ويمكن تقسيم هذا التأثير إلى عدة جوانب:

التمثيل والتنوع: تسهم المرأة القائدة في زيادة التنوع والتمثيل في مختلف القطاعات والمجالات، مما يعكس احتياجات وآراء متنوعة في صنع القرارات وتطوير السياسات.

العدالة الاجتماعيّة: يمكن للمرأة القائدة أن تلعب دورًا هامًا في تعزيز العدالة الاجتماعية وتحقيق المساواة بين الجنسين، من خلال تمثيل النساء في المناصب القيادية وتوفير فرص متساوية للجميع.

التّنمية الاقتصاديّة: يسهم دور المرأة القائدة في تعزيز التنمية الاقتصادية، حيث تسهم في تحقيق النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل وتحفيز الابتكار وريادة الأعمال.

التغيير والتطور: تعمل المرأة القائدة على تحفيز التغيير الإيجابي في المجتمع من خلال تطوير السياسات والبرامج التي تعزز العدالة وتحقق التنمية المستدامة.

الإلهام والتأثير: يمكن للمرأة القائدة أن تكون مصدر إلهام للآخرين، وتؤثر في تغيير الثقافة والممارسات الاجتماعية من خلال قيادتها بالمثال وتحفيز الآخرين على تحقيق أهدافهم.

وفي ضوء ذلك يتجسد دور المرأة القائدة في تحقيق التغيير الإيجابي وتحقيق التنمية المستدامة في المجتمع، مما يسهم في بناء مجتمع أكثر تقدماً وعدالة اجتماعية وازدهارًا للجميع.

***

أ.د. سعاد بسناسي جامعة وهران1

..................

[1] ينظر، الحسين الزاوي، المرأة العربية وتحديات المستقبل، https://2u.pw/iBJOlLK

[2] ينظر، حسين عبد الحميد رشوان، القيادة الإدارية، دراسة في علم الاجتماع النفسي والإداري والتنظيمي، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية، ،2010 ص 85، 86

[3] S.Pillay, Women in Education Management: Present and Future Challenges, University of South Africa.(2001).P:41

[4] ينظر، حسين عبد الحميد رشوان، القيادة الإدارية، دراسة في علم الاجتماع النفسي والإداري والتنظيمي، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية، ،2010 ص. 85

[5] ينظر، دي عطا حمادي، القيادة الإدارية الحديثة في استراتيجيّة التّنمية، دار البداية، عمان، ط1، 2013، ص.17، 18

[6] ينظر، محمود بوسنة، مراد عيمر، المرأة والقيادة في الجزائر: دراسة مسحيّة حول تصوّرات الموظّفين، النّدوة الإقليميّة حول: المرأة في مراكز القيادة و اتّخاذ القرار بالبلدان العربيّة، الكويت 10- 188 ص، 2013 ، مارس 11.

[7] ينظر المرجع السّابق، ص 90.

[8] عبلة محمود أبو عبلة، المرأة العربيّة العاملة ومتطلّبات النّجاح في العمل القياديّ، بحوث ودراسات. المنظّمة العربيّة للتّنمية الإداريّة، القاهرة، 2004، ص 11.

[9] ينظر، ميثاء سالم الشامسي، المرأة العربيّة الفرص والتّحديات، الرّابط، https://2u.pw/3sepnHq

[10] المرجع السّابق https://2u.pw/3sepnHq

[11] نسرين تواتيت، القيادة السنوية وعلاقتها بأداء العاملين في المؤسسة، مذكرة ماجستير، علم الاجتماع تنظيم وعمل، جامعة باتنة، 2014، ص 113

[12] ينظر، عبيد شيماء وآخر، أثر مهارات المرأة القياديّة على العلاقات العامّة بالمؤسّسة العموميّة https://2u.pw/Q6ypGZO

 

لعلَّ من نافلِ القول هنا الإشارة إلى أنَّ حقيقة أوضاعنا العربية (والإسلامية عموماً) في معظم بلدان العرب ومجتمعاتهم، لم تعد مستترة أو خافية على أحد، كما لم تعدْ الحلول والمعالجات المقدمة أو الموضوعة لها والمطلوب العمل عليها، مشفّرة أو صعبة التحقق والمنال.. فكلنا على معرفة ودراية واقعية أن حالنا سيئة، نتعيش فيها على مُخرجات الآخرين ونتاجاتهم في كل ما يتعلق بوجودنا وحركتنا ويومياتنا للأسف الشديد.. والكل بات يعي ويدرك إدراكاً تامّاً أن هذا التدهور الخطير والمأساوي لحال العرب خاصة خلال العقد الأخير، جاء نتيجة طبيعية لهيمنة التسلط والفساد والنهب والتبعية للخارج.. بحيث جعلنا هذا التدهور والتقهقر الحضاري المزمن نتذيل تصنيف وترتيب الأمم والمجتمعات في كل مؤشرات التنمية والعلم والاقتصاد والبحث العلمي وغيره..

بطبيعة الحال تلكَ الأرقام والمؤشرات البيانية والخطية والرقمية الخطيرة المعروفة، والمعبرة عن حقائق الوجود العربي، والتي تعود لسنوات طويلة مضت، لم تحرّك طوال عقود طويلة من الخسائر والمآسي العربية، قيدَ شعرةِ إحساسٍ في أجساد ووعي نخب الحكم العربي التي استمرت في التصرف –وهي صاحبة القرار الأعلى- كنخب غريبة عن واقع مجتمعاتها وبلدانها، واكتفت بالتركيز الجنوني على البقاء الأعمى في سدة الحكم على حساب تنمية أفرادها ومجتمعاتها، متجاهلةً عن قصدٍ وعمدٍ كاملين مآلات حكمها السلبية والكارثية على الفرد والمجتمع والدول ككل..

ولقد كان من أبرز تلك التحديات والأولويات التي كان من الواجب والمفروض أن تواجهها نظم العرب وحكوماتها ونخبها ومسؤولوها القابعون بالحكم منذ زمن طويل، هي تحديات البناء العلمي، أي توطين المعرفة وإنتاجها ذاتياً، أو ما يطلق عليه بــــــ "فلسفة العلوم"، ومحاولة دعم أعمال وسبل إيجاد علاقة معرفية وفلسفية منتجة بين الثقافة العربية الإسلامية السائدة ومجمل النتاجات والمنتجات والمكتسبات والاختراعات والمكتشفات والتطورات العلمية التي تمكن الإنسان من الوصول إليها، ومحاولة تبيئتها محلياً.. أي إيجاد بيئة (وفضاء) ثقافي وأرضية معرفية عربية إسلامية مُنتِجة للعلم والمعرفة العلمية الحقيقية الخصبة والثرية، ليس فقط من زاوية القدرة على تحقيق الاستجابة النوعية الفاعلة على مجمل التطورات العلمية الحاصلة باستمرار في صميم وجود وحركة المجتمع الإنساني، بل بالأصل والأساس امتلاك المعايير والمعادلات والنظم البنيوية المؤسِّسة للإنتاج العلمي عملياً وليس فقط نظرياً، أي امتلاك القوانين المولِّدة والصانعة للعلوم ذاتها، لا أن تكتفي تلك الثقافة فقط وحتى الآن بلعب دور المتلقِّي والمنفعل والمستهلك والمستجيب قسراً وغصباً لتلك التطورات العلمية الهائلة في عمق المعرفة العلمية الإنسانية على مستوى العلم النظري والعلم العملي فكراً وتجربةً وإنتاجاً.

وعلى هذا الطريق نسأل قومنا وأنفسنا: ما هي السبل وطرق العمل وآليات التطبيق الكفيلة بإخراج المشهد الثقافي والعملي العربي والإسلامي المعاصر –على مستوى الفلسفة العلمية وتوطين العلوم والمعارف العلمية الحقيقية- من حالة الاحتكاك والتلقي السلبي لكل ما في العصر من نتاجات تقنية وثورات تقنية معرفية وصناعية ومعلوماتية، إلى حالة الفعل والتأثير الإيجابي والمشاركة والمساهمة في صنع العلم والتقنية وإنتاجها؟!.. ولماذا لم يتمكن العرب رغم مرور عقود عديدة على استقلالهم وبنائهم لنظم سياسية (فيها استقرار نسبي)، من التمكين المعرفي العلمي وبناء مؤسسات علمية فاعلة ومنتجة هي بذاتها؟!!....

حقيقةّ، الحصيلة العامة لمَسيرة الأحداث والتطورات التي وصلت إليها مجتمعاتنا العربية عموماً تنطوي –كما سلفَ القول- على مظاهر مقلقة ونتائج سلبية مخيبة للآمال، ومُحطِّمة للنّفوس خاصة هنا على صعيد بناء الطاقات والقدرات العلمية العربية والإٍسلامية بالخصوص، وبحيث تشكل تلك الأحداث -في الوقت نفسه- صدمة نفسية عنيفة لكل أصحاب الطموحات والمشاريع النهضوية العربية والإسلامية.. حيثُ أنَّ الحضارةَ العربية والإسلامية التي كان لها حضور عالمي نوعي ومميز في سالف الزمان (أي منذ أكثر من ألف عام زمن الانفتاح العلمي والتبادل الحضاري، زمن الترجمة والتأليف والنشر، وانتشار مدارس وجامعات العلوم المختلفة)، توقفتْ واستبعدتْ نفسها (أو استبعدتها ظروف وأسباب ذاتية وموضوعية) عن دورة الحياة الفاعلة والمنتجة، وساحة القرار والتأثير الدولي والحضور النّوعي المميز في معادلاتِ العالم ومختلف ملفاته وتوازناته، بدلاً من أن تكون منتمية إلى حضارات صانعة وفاعلة ومنتجة -هي بذاتها- للفكر والعلم والتقنيات العلمية بما يؤهلها للفاعلية السياسية وغير السياسية، لا أن تبقى أو تكون مجرد حضارة -كما هي الآن- منتكسة وهامشية ومتقهقِرة، ليس لها من واقع الحضارات المنتجة والناشطة والحاضرة في عصرها، إلا اسمها ورسمها وشكلها الحداثي القشري الخارجي، تتعيش على موائد (وفتات) الأمم المتقدمة الأخرى، على مستوى إنتاج العلم والمعرفة العلمية الحديثة، وتنمية الموارد والأسواق الدولية، واستثمار موارد الطبيعة وثرواتها الباطنية الهائلة التي تذهب هدراً على طريق شراء منتجات حضارة الآخرين وليس بناء مقومات وأسس قانون صناعة الحضارة داخلياً.

وفي قناعتي هناك قضيتان أساسيتان لا يمكن بدء أي نهضة علمية أو أي تطور حقيقي في مجتمعاتنا العربية (والإسلامية عموماً) من دون وعيهما وعياً عميقاً عملياً وليس فكرياً فقط:

1- تجاوز الأيديولوجيات السائدة المغلقة والرافضة للآخر والمعادية للثقافة الحديثة القائمة على العقلانية والحداثة السياسية والعلمية.. مع قناعتنا هنا طبعاً بالفرق بين الغرب الثقافي والعلمي (غرب القيم والحداثة والتنوير)، والغرب كإدارات سياسية مهيمنة.

2- التخلّي عن فكر (وعقلية ونظرية) المؤامرة التي أثبتت تحولات واقعنا العربي وأحداثه الهائلة منذ زمن، فشلها وعقمها، وأنها كانت مجرد آليات إلهاء وتخدير، لتكون نظرية الكسالى والمتقاعسين والمتثاقلين..!.. طبعاً مع قناعتنا أيضاً بوجود متآمرين، وأصحاب نوايا سيئة، وهيمنة قوى غربية تعتبر ذاتها مركزية عليا وغيرها أطراف هامشية.. لكن عندنا نحن العرب تحولت الفكرة (فكرة التآمر والمؤامرة) من حالة ووضعية إلى قاعدة للسلوك العربي اليومي، تمنعنا من السعي والتطور والتنمية الذاتية..!!. يعني باتت مرضاً ذاتياً مُتحكّماً بكثيرٍ من مفاصلنا السياسية والعملية الحياتية..!!. وهنا المرضُ والعلّة القائمة.

هذا كله لنْ ينطلقَ من دون بناءِ كتلةٍ تاريخيةٍ واعية أو جيل ثقافي عربي يجب أن يتربّى ويتنشَّأ وينمو في ظلّ القيم العقلانية الحديثة، وعلى رأسها القيم الحقوقية المصانة، والاستقلالية الفكرية وغير الفكرية.. بحيث يكونُ هذا الجيل قادراً على:

أ- إحداثُ صدمة التغيير الإيجابي الحقيقية على مستوى وعي الذات ووعي الواقع معرفة تغييرية عقلانية صحيحة.

ب- إدراكُ حركة بناء المصالح التي تربطنا بالآخر، وقياسها ومعايرتها من دون حمولات فكرية هوياتية مغلقة، ومقاربتها من زاوية التبادل المصلحي والإسهام الحضاري.

ج- إعادةُ النظر بالركائز التي تحكمُ حاضرَنا العربي على صعيد التربية والاقتصاد والعلوم..

د- وربّما الأهم من ذلك كلّه، هو تعميقُ فكرة الإصلاح الديني الحقيقي، وضرورة الاجتهاد النوعي في التراث الدّيني ذاته الذي ما زال يكرّس العصبية والطائفية والانغلاقية والخوف من الآخر.. فالدينُ هو المجالُ الثقافي والسياسي الاجتماعي الأقوى والأهم والأكثر فاعلية وحضوراً في حركة حياة المجتمعات العربية والإسلامية، وهو العنصر المهيمن على حياتهم وسلوكياتهم الذاتية والموضوعية، يدورون حوله ويعتبرونه محور حركتهم وحياتهم الخاصة والعامة.. لهذا إصلاح هذا التراث الفكري -الذي يستمد معاييره من نصوص جاءت زمنياً قبل 1400 سنة- هو المدخل لإصلاح وتطوير حياة تلك المجتمعات.. بل يمكن القول هو المدخل الأساسي والإجباري لنهضتهم وتقدمهم المنشود.. ونكرر: ليس لأن الخلل قائم في الدين وتقاليد الناس وثقافاتها التاريخية وعاداتها الموروثة، فكل الأمم والحضارات لدى أهلها وناسها عادات وتقاليد تعود لمئات وآلاف السنين، وإنما الخلل في بناء قدراتنا العلمية (وقبلها إشادة هيكل الدولة القوية القادرة العادلة)، قائم جوهرياً في هيمنة عوامل تتعلق بالسياسات المطبقة وطبيعة الجغرافيا السياسية التي تحكّمتْ بكثير من وقائع المنطقة وتحولاتها الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية، والتي دفعت الغربَ السياسي الاستعماري للهيمنة كلياً على منطقتنا، سابقاً بذاته عسكرياً، واليوم عبر نخب زَرَعَها، وتوازنات وَضَعَها ورَسَّخَها لتتحكم في سياسات العالم (وبالتالي المنطقة) وموازينه كافة..

إن طريق التحرر والحرية ومن ثم البدء بمسيرة النهوض (العلمي وغير العلمي) طويلة ومضنية وشاقة، وهي يجب أن تبدأ من ضرورة أن نخرج كعرب من أن نكون مجرد حاشية أو هامش أو ظل باهت للآخرين، بقطع النظر عن أفكارهم وطروحاتهم وانتماءاتهم وقناعاتهم.. فما بالنا فيما إذا كانوا مجرد أناس عاديين خياليين منفصلين عن واقعهم، ومضلِّلين للرأي العام ومزيِّفين للحقائق الواضحات، وتابعين لخطوط فكرية مسبقة الصنع، ويقسرون الحقائق لصالح القوالب الجاهزة.. غير منتجين وغير مؤثرين وغير قادرين على العطاء الحقيقي للإنسانية جمعاء.. العامل البسيط في أي موقع للإنتاج والعمل، والمهندس الذي يصمم ويشرف وينتج، والطبيب القاعد في عيادته أو العامل في مشفاه، الخادم للناس، والذي يخفف معاناتهم وآلامهم.. كل هؤلاء وغيرهم من العاملين لخير مجتمعاتهم ونهضتهم العلمية وغير العلمية، هم من الجنود المعروفين والمجهولين، وفيهم خير للبشرية أكثر من أولئك الناعقين ليلا نهاراً وراء الميكروفونات وفي مختلف وسائل الميديا.. وهم يقبضون أموالاً طائلة من جيوب غيرهم من حيث لا يشعرون أو لا يشعرون.. من هنا المطلوب قليلاً من العقلانية والهدوء الفكري والواقعي، ومن هنا يجب أن يكون الإنسان هو هو لا أن يكون هو الآخر، أو الآخرين..!!.

نعم، إن من أهم مشاكلنا في هذا الشرق، والتي تتسبب لنا بمزيد من الارتكاس الحضاري، هو التبعية العمياء والانقياد المكلف وراء الاشخاص والقادة والزعامات وغيرهم.. مع أنّ الحق أولى أن يُعرفَ فيتّبع.. والإمام علي(ع) –ونحن نحتفل هذه الأيام بذكرى بيعته العطرة (عيد الغدير المبارك)، كان يقول: "اعرف الحَقَّ تعرفُ أهْله".. ويقول: "يُعرفُ الرجالُ بالحقّ.. والحقُّ أولى أنْ يُعرَفَ فيتبع..".

***

نبيل علي صالح - كاتب وباحث سوري

ليلة الجنون التدميري المبرمج.. غارات. غارات، قصف من السماء، غارات متواصلة منذ الصباح حتى الليل الأسود، ظلمات فوق ظلمات، ليس من ضوء في أي مكان سوى البروق الخاطفة المنطلقة من انفجارات الصواريخ والحرائق، والقنابل المضيئة القادمة عبر البحار.. المدينة تهتزّ من جذورها، والطائرات تعربد فوق البنايات، فوق بيوت العراقيين من أقصى الشمال إلى الجنوب.

ربما يبدو السؤال صادماً للوهلة الأولى: هل للحروب جمالياتها؟ الحرب في حقيقتها محض خراب، والحصار جوع للمدن وساكنيها. هكذا كنّا، لا ملاجئ تأوينا، القلق يحتدم داخل الرؤوس، قلق على حفيديّ الصغيرين.. أضواء تدخل من النوافذ، الطفلان يركضان باتّجاه النافذة. نركض خلفهما..طائرة في الأعالي، ألقت عدّة قنابل مضيئة، تضيئ السماء وأجسام البنايات المظلمة، ومن الأرض تنطلق المدافع المضادّة، القذائف تترك خلفها خطّاً طويلاً منحنياً من الضوء الأحمر، خطوط الضوء المنطلقة من الأرض تتلاقى حول منطقة القذائف الهابطة. المشهد كأنّه ثريا نورانية هائلة معلّقة، أو قبّة شاسعة من أضواء برتقالية وخطوط ضوئية حمراء تتلامع وتتوسّط السماء السوداء.

الطفلان منبهران، لم تعد أصوات الانفجارات تعني لهما شيئاً.. يتأملان "القناديل" الهابطة والمتلاقية، عيون الأطفال لا تلتقط ما في هدير القذائف، وهي تتعاقب فوق الرؤوس، انها أضواء مهرجانية هائلة الحجم "باهرة الجمال" تتشكل بإيقاع عنيف يشبه موسيقى كونية فظّة، لا جمال فيها لذاتها، بل في قدرتها على كشف عدوانية وغطرسة الامبريالية.

لحظات.. وعادت أصوات الانفجارات، ترتجف حيطان المنزل، والمدينة تهتز من جذورها، لكن الأضواء ما تزال متنوعة باهرة، تصير للحرب جماليتها، عندما تتحول من مجرد عدوان إلى احتدام ملحمي، عندما تتنامى المجابهة في مختلف تنويعاتها وأشكالها، جماليات ليست بريئة، إنها جماليات مفارقة تولد من التوتر بين الرهبة والخوف والدهشة، فالضوء الذي ترسمه الصواريخ في السماء قد يبدو للعين لحظة بصرية خاطفة، لكنه في الأرض يعني بيتاً ينهار أو أطفالاً يموتون.

لعلّ من أصفى تجليات تلك المشاعر أننا كنّا، وسط الجحيم والعطش والجوع والموت اليومي، سعداء. كنّا في الوضوح الكامل، نجابه مباشرة، وبوعي عفوي، من دون التباس، العدو الواضح، المباشر.

الحروب لا تمتلك جمالها الخاص، بقدر ما تكشف قدرة الانسان على انتزاع معنى أو صورة ولو من قلب الظلام، إنها جماليات الألم والمفارقة. لا فرق لدينا حين يختلط العواء والغناء والعويل. والقتام بالضياء! مغول الحروب، كانوا يستدرجوننا إلى مرحلة أشد، يشربون من دمائنا، ويشنقون البلد من الوريد إلى الوريد. لا مفرّ للبلاد أن تعيش في (عرسها ـ الحصار) الجديد، من جوعها تلوك اشداقاً من الحجر

لقد تحول الإنسان العراقي في سنوات الحصار إلى كيميائي للحياة اليومية، كان يصنع الممكن من المستحيل، واستخرج من العدم أسباب الاستمرار، لا علاج في المستشفيات ولا دواء في الصيدليات، رواتب هزيلة تتبخر في سوق مجنون بالأسعار بسبب التضخم المالي المهدد لحياة الإنسان. ومع ذلك ظل الناس يجدون طريقة ما للضحك، وللعيش، وللاعتقاد بأن الغد يمكن أن يكون أقلّ قسوة.

في قلب هذا الضيق الهائل، ابتكر العراقيون طرقاً للحياة لم يعرفها غيرهم، نبشوا القبور والمطامر، ورقّعوا إطارات السيارات وملابسهم، اثناء ذلك انتشرت ظاهرة (تاير ابو الريحة)، جموع من البشر اصبحت مهنتهم نبش مطامر النفايات، يستعيدون ويأهلون المواد المستهلكة من جديد،

وصنّعوا معجون الطماطة والبعض صنّع الخمور في بيوتهم، واستخرجوا من بطارية ميتة خلية صالحة، أما المبرّدات القديمة فقد عاشت عمراً ثانياً، تعاد صناعة هياكلها، وتبديل أحشائها. سيارات الشارع هياكل معدنية متعبة.

نحن الأخوة مع الأبناء كانت مهنتنا خط لافتات المناسبات الوطنية والقومية التقدمية، وما اكثرها! لا نهمل لافتات القماش الأبيض التي نخطأ في كتابتها فندعها جانباً ثم نعود إليها نخيط منها (لبساناً داخلية بمختلف القياسات والأحجام).

في سنوات الحصار الطويلة، تغيّر مصير أشياء كثيرة، لم تعد المكتبات ضرورية للأديب، ولا نوافذ وأبواب منزله المتواضع، كلها تجد طريقها إلى أرصفة البيع! كيف حدث ذلك؟ ربما لأن الإنسان حين يواجه الحصار طويلاً، لا يكتفي بالبقاء، بل يبتكر حيلة للفرح كذلك، سعادة صغيرة يعيشها كإعلان خفي بأن الحياة، مهما ضاقت، ما تزال قادرة على الاستمرار. لكن المعنى النهائي يبقى شاهداً على فداحة ما حدث. في المقالة التي كتبها سعدي يوسف قبل يوم من مغادرته بيروت، مع المقاتلين الفلسطينيين، قال إنه لا يستطيع معرفة القيمة الأدبيّة والشعرية لما كتبه خلال أيام حصار بيروت الصعبة، ولكنه يعتزّ بها شهادة وذكرى، ومن يدري ـ يقول سعدي ـ فلعلّني معتز بها شعراً.

إن شعور الاعتزاز لدى سعدي هو الشعور الأرسخ والأبقى في أعماق الكتّاب والشعراء الذين قاوموا الحصار والحروب.

كنا بين غارة وغارة نخرج إلى الشوارع، نتلمس جراحنا الجديدة، العيون تتطلع إلى الانهيارات الجديدة، الثقوب في الجدران ثقوب في القلوب، الجسور والمباني المهدمة سكاكين تحفر أثلاماً في الجسد الحيّ، النوافذ التي اندلعت منها نيران الحرائق توقد نيران الروح. الوجوه التي لا تعرف بعضها بعضاً، تلتقي، صوفيون هم أهل بغداد، في الحصار والحروب، مندمجون بهما، متوحدون بحجار المدينة المحترق، كما المتعبّد لتماثيل الآلهة في معبد عريق.

يتساءل سعدي يوسف أثناء حصار بيروت: كيف احتفظتُ بالعصب الهادئ وسط الجحيم؟ قد أخجل الآن حين أقول إنني كنت سعيداً، لكنها الحقيقة، كنت سعيداً فعلاً. سعيداً أن أبرر حياتي وكلماتي .

***

جمال العتّابي

 

"نظرة أخلاقية وشرعية وقانونية"

مفهوم الأمانة: الأمانة في معناها العام هي أداء الحقوق إلى أصحابها، والمحافظة عليها وصيانتها من الضياع أو الاعتداء، سواء تعلقت بحقوق مادية أم معنوية. ويعد حفظ الامانة من أعظم القيم الإنسانية والدينية والقانونية عبر التاريخ ، إذ تقوم عليها الثقة بين الأفراد واستقرار المعاملات والمجتمعات.

وتنقسم الأمانة بحسب طبيعتها إلى قسمين رئيسيين متكاملين:

هما الأمانة المادية والامانة المعنوية

أولاً: الأمانة المادية (المالية)

التعريف: يقصد بالأمانة المادية حفظ الأموال والممتلكات والأشياء المادية التي تُسلَّم إلى الشخصعلى سبيل الحفظ أو الاستعمال أو الإدارة أو الوكالة او الإعارة، مع الالتزام بردّها أو التصرف بهاوفق ما أُؤتمن عليه.

أمثلة الأمانة المادية:

المحافظة على المال العام وعدم استغلاله لمصلحة شخصية.

أمانة الموظف في إدارة الأموال والموجودات الرسمية.

ردّ الديون إلى أصحابها في مواعيدها.

المحافظة على الودائع والأموال المسلَّمة للحفظ، وحفظ البضائع والأمانات التجارية.

إعادة الأشياء المستعارة إلى أصحابها

أهمية الأمانة المادية:

تُعد الأمانة النادية (المالية) أساس الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، لأن ضياعها يؤدي إلى انتشار الاحتيال والفساد وفقدان الثقة في المعاملات والمؤسسات.

ثانياً: الأمانة المعنوية

التعريف:

الأمانة المعنوية هي صيانة كل ما لا يُقدَّر بثمن مادي، ويتعلق بالقيم الأخلاقية والمبادئ والواجبات الإنسانية وحقوق الآخرين المعنوية.

وهي أوسع نطاقًا وأعمق أثرًا من الأمانة المالية، لأنها ترتبط بالضمير والصدق والشرف المهني والاجتماعي.

صور الأمانة المعنوية

1. أمانة المشورة والرأي:

ويكون ذلك بإعطاء الرأي أو المشورة بصدق وإخلاص، بعيدًا عن التضليل أو تحقيق المصالح الشخصية، سواء في مجالات القانون أو الاقتصاد أو السياسة أو الإدارة او المجالات العسكرية والاستخبارية والأمنية أو غيرها.

2. حفظ الأسرار:

ويشمل المحافظة على أسرار الدولة خاصة تلك التي تتمتع بالسرية والتي يؤدي كشفها الى اضرار عامة.

وكذلك امانة حفظ اسرار الناس وخصوصياتهم وأسرار البيوت والمجالس والعمل، وعدمإفشائها بما يضر أصحابها.

3. أمانة الكلمة والنصيحة:

فالكلمة مسؤولية، والنصيحة أمانة، ويجب أن تقوم على الصدق والإخلاص وعدم الخداع أوالغش أو تضليل الرأي العام.

4. أمانة المهن والوظائف:

وتتمثل في أداء الواجب المهني بضمير حي وإتقان وإخلاص، وانانة الحفاظ على اسرار المهنة مثل:

أمانة القاضي في تحقيق العدالة.

أمانة المحامي في الدفاع الشريف.

أمانة الطبيب في حفظ حياة المريض.

أمانة المعلم في تربية الأجيال.

أمانة الموظف العام في خدمة المجتمع.

5. أمانة الرعاية والتربية:

وتشمل مسؤولية الآباء والأمهات في رعاية الأبناء وتربيتهم تربية صالحة قائمة على الأخلاق والعلم والقيم.

6. بيوع الأمانة:

من التطبيقات الفقهية المهمة للأمانة ما يُعرف بـ”بيوع الأمانة“، وهي البيوع التي يعتمد فيها المشتري على صدق البائع في بيان الثمن الحقيقي للسلعة.

ومن أهم صورها

بيع المرابحة.

بيع التولية

بيع الوضيعة.

وتقوم هذه البيوع على الصدق وعدم الغش أو التدليس.

الأثر الشرعي والقانوني للأمانة:

في الفقه والقانون يُفرَّق بين "يد الأمانة" و"يد الضمان"، فـيد الأمانة هي يد الشخص الذييحوز المال بإذن صاحبه ولمصلحته أو لمصلحة مشتركة، كالوديع والمستعير والوكيل، ولايضمن ما يهلك أو يتلف إلا إذا تعدّى أو قصّر.

أما يد الضمان فهي يد من يلتزم بضمان المال وما يلحقه من تلف أو نقصان، سواء بسبب التعدي أو بحكم العقد أو القانون، كالغاصب أو من استعمل المال على وجه غير مأذون به.

ويترتب على هذا التمييز آثار مهمة في المسؤولية المدنية والفقهية، إذ تختلف حدود الالتزام بالتعويض بحسب طبيعة اليد وما إذا كانت يد أمانة أم يد ضمان.

أولاً: في الشريعة الإسلامية

جعل الإسلام الأمانة من أعظم الواجبات الأخلاقية والدينية، وعدّها من صفات المؤمنين، قالتعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىأَهْلِهَا﴾

كما عدّ النبي محمد ﷺ خيانة الأمانة من علامات النفاق، لما يترتب عليها من فساد وظلموضياع للحقوق.

ولا تقتصر الأمانة في الإسلام على المال فقط، بل تشمل المسؤولية والوظيفة والعلموالسلطة والكلمة.

ثانيا: في القانون

حظيت الأمانة بحماية قانونية واسعة، سواء في القانون المدني أو الجزائي أو الإداري.

1. في القانون المدني

تظهر الأمانة في:

الوديعة

الوكالة.

العارية

الإدارة.

تنفيذ العقود بحسن نية

2. في القانون الجزائي

جرّم القانون خيانة الأمانة باعتبارها اعتداءً على الثقة المشروعة بين الناس.

وتتحقق جريمة خيانة الأمانة عندما يتسلم شخص مالًا أو شيئًا على سبيل الأمانة ثم يختلسه أو يستعمله بصورة مخالفة للغرض الذي سُلّم من أجله.

وتختلف خيانة الأمانة عن السرقة، لأن المال في خيانة الأمانة يُسلَّم إلى الجاني ابتداءً بصورة مشروعة، ثم يقع الاعتداء لاحقًا بإساءة استعمال

***

فارس حامد عبد الكريم

في المثقف اليوم