قضايا

منذ بداية القرن الواحد والعشرين شاعت ظاهرة استبدال الورق بالشاشات الرقمية، وغطت الكتابة الالكترونية على الكتاب المطبوع، وتولى الإعلام الرقمي توجيه ثقافة الجيل الجديد من مستخدمي التطبيقات الذكية وبرامج الحاسوب. ففي عصر التكنلوجيا لم يعد الانسان يكتفي بالتعامل مع النص المقدّس على انه كلمات إلهية تقف قراءتها عند حدود العبادة وطلب الاستشفاء واستنزال الرزق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقد فرضت ظروف حياة العصر الجديدة مستجدات تتعلق بانسانية الإنسان، وبهويته، وبقدراته. فقد تمكنت تكنلوجيا المعلومات ومشاريع الذكاء الإصطناعي من التفوق على قدرات الانسان في حفظ المعلومات والأرقام والبيانات والأحداث، بل فاق الأمر تلك الميكانيكية البشرية بظهور تطبيقات ذكية آلية رقمية قادرة على جمع المعلومات وربطها ببعضها وتشكيل قوالب جديدة منحت الآلة صفة الذكاء. الأمر الذي انعكس سلباً على معنويات الانسان وهو يستخدم هذه التكنلوجيا بوفرة معلوماتها، وسرعة الوصول اليها وسرعة الحصول عليها، ودقة النتائج، وسلامة التكوين اللغوي للنص الالكتروني المعدّ بشكل كامل من قبل الآلة الذكية، مما دفع بكثيرين الى إحالة جهودهم الى التقاعد بالاعتماد على هذه التقنية الذكية التي يتوقع لها الخبراء مستقبلاً ان تتجاوز إنسانية الإنسان وانها ستزجّ به في مشاريع الإندماج بالآلة بواسطة تقنية النانو الذكية التي يمكن حقنها في دم الإنسان.

يميل العقل المعاصر الى النتائج المختبرية اكثر من قبوله بالتأويلات الفلسفية والتحليلات المنطقية، فنرى انصراف بعضهم الى الرقم والعدد في القرآن الكريم، فجاءت بحوث في دلالات الرقم ثمانية مثلاً. واحصاءات عن عدد الآيات وكم مرة ذكر لفظ "الحق" مثلاً، وهكذا. برغم التزاحم الكبير للأرقام والحسابات والمعادلات الرياضية في حياة الانسان المعاصر، تظل نفسه توّاقة محتاجة للروحانية بحكم تكوينه الفطري (المادة والروح) فيجد في قراءة القرآن الكريم جانباً من احتياجاته الروحية، لكن ينبغي ان نشير الى ان عدم إشباع الحاجة الى الطاقة الروحية من شأنه ان يعرّض منظومة الانسان الى اهتزاز يتسبب في عدم توازن شخصيته في جوانبها النفسية والأخلاقية والسلوكية والعقلية، ومفتاح إعادة توازنها يكمن في اللغة، فهي الضامن الوحيد لتفعيل البعد الروحي بعمق في حياة الانسان الى جانب بعده المادي الذي يتحرك به في حياته اليومية. وما استطيع قوله واثقاً ان ثلاثية القرآن واللغة والخاتمية هي مفتاح استقرار واستمرار الانسان في مرحلتي الوحي والوعي باتجاه يتوازن فيه طلب العلم وطلب العبادة كما أوصى نبي الرحمة في قوله (اطلبوا العلم طلباً لا يضر بالعبادة، واطلبوا العبادة طلباً لا يضر بالعلم).

ابتعاد الانسان عن لغة القرآن بسبب انبهاره بالمنجز العلمي التقني الذكي منذ بدايات القرن الحالي، وبذله الجهد الأكبر لمعرفة استخدام هذه التقنية وتطبيقاتها المتنوعة. أدّى الى هيمنة الثقافة الشعبية على لغة تفكير الجيل الجديد المتصل بالشبكة على مدار 24 ساعة يومياً، بحيث اصبح القرآن الكريم كتاباً مباركاً لا يخلو بيت او مكان عمل من وجود نسخة منه، واقتصر مكان قراءته على المساجد والمزارات الدينية وانحصر وقت القراءة في أوقات الصلاة والمناسبات الدينية والاجتماعية (مجالس الفاتحة). يرجع ذلك في اعتقادي الى الأسئلة الجديدة التي يطرحها الجيل الجديد على الدين فيما يتعلق بقضاياه المستجدة، ولأنه لم يتلق إجابات مقنعة تناسب لغة العصر واداوته، ظهرت حالات من ضعف الارتباط بالنص المقدّس، وحالات انحراف وتطرف. أما بعض المثقفين الذين امكنهم ربط التفوق العلمي في مجال الخلق ورؤية الكون، بالدين فقد جمعوا بين الإقرار بالعلم والخشوع لله، أدّى جمعهم هذا الى صياغة مهذبة لنفوسهم بعثت فيهم روح البحث عن قوالب جديدة للثقافة العربية تحفظها من التدجين والتهجين، وعلى الرغم من هذه الجهود الكبيرة، تبقى المساحة الأكبر من حصة الثقافة الشعبية التي تفتقر الى روح اللغة الفصيحة وبلاغتها وبيانها، الأمر الذي نتج عنه ثقافة نخبوية وثقافة شعبية، وهو حال لا يفضي الى انتاج مجتمع جديد يدخل عصر الآلات الذكية حاملاً القرآن في يده، وفي قلبه يحمل روح كلماته التامات، مدركاً ولو في حدود بسيطة حيوية النص المقدّس وحضور الله في كل التفاصيل (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها الا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة الا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس الا في كتاب مبين) الانعام – 59

ما لا يمكننا تجاوزه، ان عصر التقنية الرقمية المتطورة قد فرض السرعة في كل شيء، حتى في قراءة النص، فظهر جيل يميل الى قراءة ملخص كتاب، على قراءة الكتاب نفسه. ويفضل قراءة سطور معدودة على قراءة مقال أو بحث كامل. ويفضل ان يقرأ منشوراً مرفقاً معه صورة فوتوغرافية على ان يقرأ النص مجرداً. ويفضل ان يشاهد مقطع فديو على ان يقرأ نصّاً، لذا ظهرت المقاطع القصيرة المصورة، وشاعت الى الحدّ الذي تدخلت فيه بتشكيل ثقافة المتلقي عبر محتوياتها أياً كانت تلك المحتويات هادفة او هابطة. فظهرت القراءة المجتزأة وهي قراءة تضر كثيراً بفهم النص وسياقه العام الذي يستوجب التدبر والتفكير وهما – التدبر والتفكير - صفتان يفتقر اليهما المشهد الحياتي لكثير من الناس، لذا شعروا بوجود صعوبة في تفاعلهم مع القرآن الكريم، فأكتفى بعضهم بتقديسه، وانصرف نفر آخر الى تدريسه كعلم من العلوم. من شأن هذا الحال ان يقلل من الحدود الرحبة التي يتحرك بها النص المقدّس في مجالات الحياة العقلية والنفسية والاجتماعية والعلمية و... القراءة المجتزأة مع ضعف حضور روح اللغة بالإضافة الى هيمنة الشاشة على ثقافة المتلقي، تسبب ذلك كله في في ظهور القراءة الفردية والفهم الفردي، هنا يواجه المجتمع تنوعاً كبيراً ومساحات كثيرة لاحتمالات عديدة تتعلق بفهم النص المقدّس. في السابق كان حلّ هكذا مشكلة يتأتى من خلال طرح الأسئلة والمضي بالبحث عن إجابات وعرض تعددها وتنوعها على التفكير والتأمل للوصول الى نتائج منطقية عملية، أما اليوم فيتدخل الذكاء الاصطناعي في ابداء رأيه الرقمي من واقع قاعدة بياناته الواسعة التي تتيح له تكوين صورة رأي مقبولة لدى كثير من المستخدمين، حتى صرنا نسمع عبارة : هذا ما قاله الذكاء الاصطناعي. سألت الذكاء الاصطناعي فقال لي.

في خضم هذا الحديث نحن بحاجة الى تطبيق معرفي معاصر يقدم فيه علماء اللغة وعلماء التفسير بحوثاً ميسرة تقدم نتائج عملية وطاقة كبيرة تستطيع ان تحرك ثقافة العربي المسلم باتجاه وعي حاضره في ظل القرآن الكريم الذي انفرد بربط قيمة وجود الانسان بقدرته على التعلم واكتساب المعرفة وبقدرته على الابداع، فقد علمه الله سبحانه وتعالى الأسماء كلها، كما في سياق الآية الكريمة (وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني بأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين) سورة البقرة - 31، فجاء إقرار الملائكة بآدم إقراراً قائماً على العلم الذي أصبحت سبل اكتسابه في ظل التكنلوجيا المعاصرة ممكناً اكثر من أي وقت مضى، فإذا ربط الإنسان المعاصر تواصله مع المجتمع والعالم بثنائية الانسان والابداع، تغلب على تفوق الآلة الذكية بعمق وعيه، واللغة العربية تتيح إمكانية الوصول الى الوعي العميق عبر بلاغة النص المقدّس. 

لم يعد تعدد تفاسير القرآن يكفينا في عصر السرعة، ولم يعد يقلقنا ضعف قدرة الربط بين مضمون آية في سورة بآية أخرى في سورة أخرى، فقد وظف الذكاء الاصطناعي تقنيات تقوم بتحويل الكلمات الى ناقلات رياضية تمكن المستخدم من إظهار المعاني غير المرئية في النص المقدّس، أي إظهار معنى السياق العام للآية. فضلاً عن خدمات أخرى يقدمها الذكاء الاصطناعي منها " معالجة اللغات الطبيعية" حيت يتمكن من تحديد المعنى الأدق لكلمة تحتمل عدة معاني واختيار ما يتناسب منها مع سياق النص الذي وردت فيه. توفر التكنلوجيا عشرات التفاسير وتجعلها متاحة لمستخدميها في ثوان قليلة من الزمن، هذا الحال يجعل من المتلقي البسيط أمام تيه معرفي بسبب كثرة المعلومات وتنوع وتعدد التفاسير، مما يفقده القدرة على تكوين تصوّر واضح لحاجته من الآية فيكتفي مثلاً بحفظ سورة الفلق لأنها تبعد عنه الحسد، ويحفظ سورة الواقعة لأنها تجلب له الرزق، وقد يغيب عنه فهم معاني ما ورد من كلمات في الآية او السورة، وقد سجل أحد البرامج الإعلامية ذلك حين سأل مقدم البرنامج عدداً من الشباب: هل تحفظ سورة الإخلاص. الجواب : نعم. هل تعرف معنى " الصمد" الجواب : كلا.

التقنية الذكية ليست مجرد وسيلة رقمية متطورة، انها تتدخل في طريقة تفكير المتلقي وتحيله من مبدع الى متلقي محدود بأطر تقنية لا روح فيها إلا من حيث الصياغة الكلامية التي يفهم منها ان هناك محاولة بحث فيما هو جديد، وقد لا يكون كذلك في حقيقته. لا ننكر ان التقنية الذكية حفزت المتلقي على تجاوز الخوف من التفاعل مع النص المقدّس الى جرأة البحث والاستكشاف، لكن ينبغي ان لا نتجاوز أيضاً ان ذلك كله يحدث ضمن إطار بيانات التطبيق الذكي، وهذه البيانات أعدّت بلغة إنكليزية أهلها يحملون بشكل او بآخر عقائد معينة مرتبطة من قريب او بعيد بفكرة الإيمان، لذا علينا ان نستفيد من المزايا التقنية الذكية في مشاريعنا الثقافية المعاصرة في رحاب القرآن الكريم واللغة العربية، فهذا يكفل لنا إقامة صناعة وعي نكون قادرين بها على انتاج معنى جديد للحياة، لا يغادر سياق ومعنى الآية (فلنحيينه حياة طيبة) سورة النحل /97، كما يحفز فينا تفعيل روح الإنسانية وقدرة الإبداع، وان الإيمان ليس غيبياً بقدر ما هو منطقي وحاجة ضرورية، وهذا يتناسب مع منهج العقل العلمي المعاصر.

***

د. عدي عدنان البلداوي

 

الاشكالية في اعتقاد البعض ان ممارسة العمل السياسي او الاداري هو تكليف شرعي، ينبع من جذر فكري ميتافيزيقي للسلوك السياسي ما بعد عام 2003.

تكمن هذه المفارقة في ان الاعتقاد بالتكليف الشرعي يستلزم حضور اليقين في اداء الرسالة السماوية مقابل الممكن السياسي الذي قد يتطلب استخدام كل الوسائل المتاحة (دنيوية على الاعم الاغلب) من اجل انجاز هذا المهمة. حيث تتلازم ثنائية حضور اليقين بوجود خطر دائم يكمن في الفضاء العلماني، ويكفي تصور هذا الخطر مع عدم ضرورة وجوده فعلا من اجل بناء سياسات صراع متخيلة. ويستمد هذا التصور جذره الميتافزيقي من الاعتقاد باستحالة اجتماع الكفر والايمان (الشرع والعلمنة) في فضاء سياسي واداري على صعيد واحد.

والعقلية الشرعية في انخراطها بمسار عملية سياسية تدار في فضاء علماني تتطلب نهجا اقل ما يوصف به انه براغماتي. ومن ناحية اخرى بكونها تكتسب صفة (شرعية) فيتحتم على ذلك، انه لا يمكن تسليم الرسالة الى غير المكلف بها شرعا كواجب مقدس اي (ما ننطيها). بمعنى ان الثبات في العمل والدوام على متابعة الهدف حتى تحقيقه يتطلب ان تتماهى فيه الشرعية أي (الحق الالهي) مع الحزبية (الجوهر الايديولوجي) مع الشخصنة (الكفاءة الفردية). لذا لا يمكن تشخيص مسارات هذه العقلية في مساراتها المختلفة في اي قرار يتم اتخاذه في طريق اداء الرسالة وتحقيق الهدف (التكليف الشرعي) دون ملاحظة الثلاثية الكامنة خلفها. فقرارات هذه العقلية تتخفى خلف حصانة ذاتية لا ترى الخطأ في القرار السياسي في فضاء علماني الا بكونه عارض بسبب الشيطان الذي يمكن التحايل عليه بالعنوان الثانوي او الثالثي او غيره.

اي ان هذه المفارقة تؤدي بالعقلية الشرعية في فضاء سياسي علماني الجذر والنسق الى اعتماد "صناعة الحقيقة" بديلا عن امتلاكها، وهذا يتطلب نهجها "براغماتيا مشوها" يستند الى النجاح المؤقت ولو على حساب الخسائر الاستراتيجية بتطويع الوقائع او خسائر اخلاقية من خلال استدعاء التفسير التاريخي المأزق المعاصر. في هذه الاشكالية يختلط وعي الحقيقة مع العلم بالحقيقة كسردية تاريخية تحظى بالمقبولية في الذاكرة الجمعية الشعبية (حيث يتم القاء ضوء على الحاضر من خلال الاهتمام بالماضي، واستدعاء وهم التاريخ الرومانسي، اي الوصول الى الماضي انطلاقا من الحاضر) اي الأحياء للماضي بتصوير ازمنة اسطورية، وعصور البطولة والمظلومية، فيتم تحديد النقطة الزمنية في العصر الحديث، كوعيا تاريخيا لحقيقة مستعادة من اجل تحيينها في الحاضر.

غياب هذه التمييز واتخاذ تحيين الحقيقة التاريخية (شكل برنامج او مشروع ايديولوجي، يصطدم في اغلب الاوقات بثقل الماضي الاشد عتمة وفي الحاضر الاشد تعقيدا)، مما يؤدي الى أزمات حياتية ومعيشية يدفعهم الى التحقيب الاسطوري بتفضيل ازمان محددة، تتعلق بتواريخ ثورات او حروب وتحولات النظام السياسي، مما يثقل الذهنية والهوية الوطنية بسبب عدم الاتفاق على، او غياب الماضي المعروف والمعترف به من الجميع. فاعتمد الذاكرة الماضوية لتفسير الوقائع الحادثة في محاولة للاستحواذ على الذاكرة الجمعية العراقية الحديثة يولد تنافرا شديدا بين ماضي غير متفق عليه وواقع خطير وشديد التعقيد. وعلى الرغم ان السياسي المستند الى الشرعية الدينية يتسلح بالبراغماتية الا انها أي (البراغماتية) لم تحد من صلته مع التراث. بل ان الإسلام السياسي بنى نهجه السياسي في تجربته المريرة التي تميزت بطابع الصراع وخاصة مع الحداثة، مستندا الى فلسفة سياسية في قراءة الواقع تقوم باستحضار مقولات مأثورة من النصوص المقدسة مستعينا بارتفاع منسوب التعلق بالذاكرة الماضوية للجماعة المثقلة بهموم الهوية الملية.

لكل ذلك يتميز الفعل السياسي للعقلية الشرعية في فضاء علماني بالتباس الغاية الرسالية مستعينا بأدوات حداثوية (تحاول ان تكون كفؤة اكثر منها فاعلة) في الثبات على الهدف والاستمرار في العمل عبر تكييف الفضاء السياسي وفقا لثلاثية (الحق الإلهي، الجوهر الأيديولوجي، والكفاءة الشخصية). لذا لا يمكن ان تستقيم الامور بتشابك المسارات المتناقضة لاستراتيجيات تستند الى التكليف الشرعي والديمومة في العمل لتحقيق الهدف في فضاء علماني.

***

د. سليم جوهر

 

في الازمنة التي يعلو فيها صوت الجماعة حتى يخنق صوت الفرد يصبح الاختلاف جريمة غير مكتوبة، ويغدو التفكير الحر فعلا مريبا. يستدعي العقاب المعنوي قبل اي شيء اخر. هناك، حيث تقدس الطاعة ويكافأ التماثل، يولد القطيع بوصفه نظاما لا يرى في الإنسان سوى رقم، ولا يعترف بالذات الا بقدر ما تذوب في الجمع. في مثل هذه البيئات، لا يكون المختلف خارجا عن السرب فحسب، بل شاهدا خطيرا على زيفه، وكائنا يهدد استقرار الوهم اكثر مما يهدد اي نظام سياسي او اجتماعي معلن.

من هنا يبدا سؤال الاختلاف لا كترف فكري، بل كمعركة وجودية بين انسان يطلب حقيقته، وجماعة تخشى ان تنكشف امام مرآتها. ان تكون مختلفا ليس ترفا فكريا، بل قدرا وجوديا يلقى على كاهل من اختار ان يرى بعينين مفتوحتين. في بيئة القطيع، لا يدان المختلف لانه مخطئ، بل لانه يقوض الطمانينة الزائفة التي يستمدها الجمع من التشابه. فالتكرار يمنحهم شعورا بالامان، والامتثال يعفيهم من عناء السؤال، اما الاختلاف فهو مرآة قاسية تكشف فراغ اليقين وهشاشة المسلمات.

المختلف لا يواجه الناس وحدهم، بل يواجه الخوف بوصفه اداة ضبط جماعي. خوف مصنع بعناية، يزرع في النفس كي لا تجرا على الخروج من الصف، كي لا تسمع صوتك الحقيقي وانت تفكر خارج الاطار المرسوم. كل خطوة نحو الذات الحرة تربك النظام، لان هذا النظام لا يقوم على الحقيقة بل على العادة، ولا يحتمي بالقوة بل بعدد المطيعين له.

الفكرة الجديدة لا تخيف لانها خاطئة، بل لانها ممكنة. والامكانية هي العدو الاول لكل بنية راكدة.

حين يفكر المختلف بصوت مرتفع، يفضح ان ما بدا قدرا لم يكن سوى اختيارا مؤجلا، وان ما سمي ثوابت لم يكن الا خواء اتفق الجميع على عدم الاقتراب منه.

لذلك يعامل المختلف كخطر، لا لانه يهدم، بل لانه يكشف ان ما يدافع عنه القطيع لم يكن صلبا يوما.

لا تخش ان تكون الشرارة. فالزيف لا يحترق الا حين يلامس نورا صادقا. والخوف الذي يلقى في طريقك ليس الا صدى خوفهم هم، من ان يواجهوا انفسهم بلا اقنعة، وان يعترفوا بانهم احتموا بالجماعة هربا من مسؤولية ان يكونوا ذواتا كاملة. كن مختلفا، لا بدافع العناد، بل بدافع الوفاء للحقيقة التي ادركتها

لم يكن الاختلاف عبر التاريخ موقفا عابرا، بل كان دائما فعلا مقلقا للسلطات والجماعات، لذلك دفع الفلاسفة ثمنا باهظا لجراتهم على التفكير خارج القطيع.

ديوجين الكلبي اختار ان يعري الزيف الاجتماعي لا بالخطابة بل بالحياة نفسها، فكان وجوده صدمة دائمة لمن احتموا بالاعراف. بسخريته القاسية كشف ان القيم التي يدافع عنها الجمع ليست حقائق راسخة بل اقنعة هشة.

اما سقراط، فقد مارس الاختلاف بوصفه سؤالا لا يهدأ، فحوكم لانه ذكر المدينة بجهلها، وكان موته دليلا على ان الجماعة حين تخاف الاسئلة تفضل قتل من يطرحها على مواجهة ذاتها.

نيتشه ذهب ابعد، ففضح اخلاق القطيع نفسها، معتبرا ان ما يسمى قيما عامة ليس سوى نتاج خوف جماعي من الاستثناء، وان الكثرة لا تصنع الحقيقة بل تحاصرها

 وفي مستوى اخر، كشف سبينوزا ان الخوف هو الالة الاكثر فعالية في ضبط الجماهير، وان الانسان كلما خاف اكثر تخلى عن عقله طواعية، وهو ما يفسر عداء الجماعة لكل تفكير حر يهدد بنيتها النفسية قبل السياسية. وفي العصر الحديث، نبهت حنا ارندت الى ان اخطر اشكال الشر لا تصدر عن وحوش، بل عن بشر توقفوا عن التفكير وذابوا في منطق الامتثال، حيث يتحول القطيع الى اداة صماء تنتج العنف باسم النظام والطاعة.

ولم يكن الفكر العربي بمنأى عن هذه المعركة، فقد اشار مراد وهبة بوضوح الى ان تغييب العقل هو الشرط الاول لسيادة التطرف، وان المجتمعات التي تعادي الفلسفة انما تعادي امكان وعيها بذاتها. هكذا يظهر المختلف في تاريخ الفكر لا كمتمرد عابر، بل كضرورة وجودية، فبدونه يتكلس العقل، وتتحول الجماعة من فضاء انساني الى قطيع يخشى النور اكثر مما يخشى الظلام.

في النهاية، لا يقاس الانسان بمدى اندماجه في القطيع، بل بقدرته على مقاومة الذوبان فيه. فالسلام الذي يمنحه التشابه سلام هش، سرعان ما ينهار عند اول سؤال حقيقي. وحده المختلف يدفع ثمن الوعي، لكنه وحده ايضا يمتلك شرف المعنى.

 لا تنتظر تصفيقا من جماعة تخاف من صوتك، ولا اعترافا من نظام يقوم على اسكاتك. امض في اختلافك حتى النهاية، لان التاريخ لا يتذكر من ساروا في الصفوف، بل من كسروا المسار وفتحوا للانسان دروبا جديدة ليكون نفسه. والعالم لا يتغير بمن يشبهونه، بل بمن تجرؤوا على ان يكونوا انفسهم حين كان ذلك هو الخطر الاكبر.

***

ابتهال عبد الوهاب

حين تتحول الاستعارة إلى درجٍ خفي في مكتب الحياة، أو إلى ريشةٍ تكمّل جناح طائر، يغدو بالإمكان استدراج الحكمة من تخوم المستحيل، حيث تنمو ببطء، كما لو أنها تتعلم المشي في حضنه. فالإنسان في جوهره، لا يحتمل مواجهة الواقع عاريا.. إنه يفرّ منه حينا، ويؤوّله حينا آخر، ويستحييه غالبا، ثم لا يلتقط مآسيه إلا عند آخر حدود الرؤية.

الاستعارة ليست ترفا لغويا، بل نسقٌ من التأويل غير الفائض، يراعي هشاشتنا في الإصغاء، ويمنحنا مهلة لكتمان الحقيقة، وتذوّق الخديعة بجرعات محتملة. غير أنها رغم لطفها الظاهري، لا ترحم ضعفنا أمام الحقيقة المرة، أيًّا كان ثقل الألم الذي تحمله. فنحن نفهم الاستعارة غالبا كما لو أنها تقف ضد قناعاتنا، وضد إراداتنا، وضد محاولاتنا المتكررة لاختراع معنى للصمود في الحياة.

لكن الاستعارة في معناها العميق، ليست نقيضا للثبات، بل تفريغٌ لليقين الزائف، وتأسيسٌ لاكتمال الرؤية، وانعطافٌ واعٍ نحو الشك بوصفه أصلا للمعرفة. إنها ليست هروبا من الحقيقة، بل طريقة أخرى للاقتراب منها دون أن نسحق تحت وطأتها.

وحين قال ميلان كونديرا إن “الإمساك بجوهر الإنسان لا يتم إلا عبر الاستعارة، بواسطة الومضة الموحية”، كان يشير إلى تلك اللحظة التي يتصل فيها الإنسان بعالمه الخلفي، حيث يستعيد جوهره من الفشل، ويعيد تشكيل أحلامه انطلاقا من العدم. فهناك، في تلك المنطقة الهشة، تصبح الاستعارة قدرةً مشبعة بالصدى.. أن نصغي إلى أصواتنا الداخلية، دون أن نربك مصير انتمائنا للزمن، أو نخلخل علاقتنا بتداعياته، تلك التي كثيرا ما تتواطأ على تقويض أحلامنا نفسها.

2 ـ

لا نعادي كرة القدم.. لا ازدراءً لها ولا جفاءً للفرح الذي تعد به، فخفّة الروح قادرة على التقاط إيقاعات النصر وصوغها عبارات منسجمة مع البهجة. غير أننا نختار الابتعاد، لا نفورا بل اتقاءً لوجعٍ مألوف: وجع الاضطرار إلى تصريف خيبة غير متوقعة، وتحويلها إلى مراثٍ شعرية لا تزيد الألم إلا رسوخا.

إننا تدرك أن الهزيمة، حين تُستعاد عبر طقس التنفيس، لا تُشفى بل تُعاد كتابتها. لذلك نميل إلى ملء الفراغ بما هو يومي وبسيط، بشؤون البيت ونظامه، لا هربا من لحظة نهائية غير عادلة، بل حفاظا على توازنٍ داخلي لا تريد تعريضه لانفعالات لا طائل منها. فالوقت، وإن كان متسعا لمشاهدة مباراة حاسمة، يتسع أكثر للتأمل في جدوى المشاهدة ذاتها.

إننا نستعيد زخم اللحظة عبر أسئلة ذهنية هادئة: إلى أين يمضي هذا الفيض الصاخب من الاحتجاج على الهزيمة؟ وما معنى أن نروّع أنفسنا بما لا يمكن تبريره أو إصلاحه؟.

أسئلة لا تبحث عن إجابات جاهزة، بل تكشف عبث التعلّق بما يفلت من السيطرة.

لهذا نختار أن تتراجع خطوة عن انحياز القلب الوطني، لا خيانة له، بل إنقاذا للعقل من الاستنزاف. نعود إلى عزلتنا، لا باعتبارها انسحابا، بل بوصفها فضاءً للجدل الإيجابي، حيث يمكن استثمار الفكر والمعنى، وحيث يصبح الوجود قابلا لتأويلٍ أقل انفعالا وأكثر اتزانا.

ونبقى أوفياء لعبارة نردّدها كوصية صامتة: لندع الفراغات الموحشة لمن يتقن صناعة الأمل فيما لا يجدي. أما الحياة، فربما أجدر بنا أن نقبلها كما هي، عارية من الحقد والضغينة والاحتيال، بسيطة بما يكفي لأن تُعاش، وعميقة بما يكفي لأن تُفهم.

3 ـ

لا يحدث الانكسار إلا حين تدفعنا قوة خفية، لا نراها بقدر ما نشعر بثقلها، إلى أن نعيد امتلاك أنفسنا من بين الشظايا. ننكسر كي نلتقط جراحنا المشرعة على العراء، لا لنخفيها، بل لنفهم معناها. فالانكسار ليس سقوطا خالصا، بل وجعا مؤقتا، وانسحابا واعيا لتأجيل متاهات لم نعد قادرين على عبورها دفعة واحدة. وحين يتقاطع الألم مع التفكير، تتاح لنا فرصة نادرة لاسترجاع تلك الجذوة التي كادت تنطفئ.. حلمٌ كان هاربا نحو اللاجدوى، فيعود مترددا، ليمنح للوجود مبررا آخر للاستمرار.

4 ـ

تستبدّ بي، كلما تابعت انفعالات الجماهير وهي تلاحق أطوار منافسات كأس الأمم الإفريقية، حالةٌ من الحنين الهادئ، أقرب إلى ارتداد الذاكرة على ذاتها، حيث تمتزج صور الطفولة ببقايا الشباب، وتطلّ كرة القدم بوصفها أثرا وجوديا أكثر منها لعبة.

لم تكن آنذاك مجرد تسلية عابرة أو فرجة جماعية، بل كانت جزءا من نسيجنا النفسي والاجتماعي، عنصرا مكوِّناً لهويتنا الناشئة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بكل ما حملته تلك المرحلة من هشاشة وصدق وبساطة، قبل أن تتحول اللعبة إلى صناعة مكتملة الأركان للمال والنجومية والتمثيل الرمزي للقوة.

كنا نلعب كرة القدم بأدوات لا تستوفي شروط اللعبة، لكنّها كانت تستوفي شروط الحلم. بالونات بلاستيكية منفوخة، أو جلد مهترئ محشو بما تيسر من مواد تالفة، وعلى أرضيات مجروحة بالحفر، مثقلة بالحجر والطوب، لا تعرف الاستواء ولا الرحمة. وما إن نغادر فضاء المدرسة، التي كانت تستهلك طاقاتنا الصغيرة وتستنزف صبرنا الغض، حتى نندفع بأجسادنا النحيلة نحو ما نسميه ملعبا، وهو في الحقيقة مساحة قاسية لا تصلح للجري ولا للاحتفال، ومع ذلك كانت قادرة على احتضان فرحنا الخام.

هناك، في تلك البقعة الترابية، كانت تتشكل علاقتنا الأولى بالعالم.. بالصراخ، بالجري، بالاحتكاك، وباللعب دون حساب للوقت أو الخسارة. كنت أتقمص كل الأدوار دفعة واحدة.. أهاجم حينا، أدافع حينا آخر، وأقف حارسا للمرمى أغلب الوقت، لا عن اختيار واعٍ، بل لأن الفريق كان يهيئني لذلك بحكم طول قامتي، وكأن الجسد نفسه كان يفرض قدَره الكروي قبل أن يفرض عليه الزمن أقداره الأخرى. كانت الحراسة، بالنسبة لي، موقعاً للمواجهة والصبر والعزلة المؤقتة، لا وظيفة تكتيكية فحسب.

هذه المشاهد لا تغادرني، بل تعود إليّ في هيئة حنين نوستالجي غريب، كلما لمحت ضوءا يشبه ضوء ذلك الزمن، أو سمعت صرخة أحد أطفالي منفعلا بمباراة ما. غير أن اللعبة اليوم لم تعد تثير فيّ الحماسة ذاتها، ولا تستنفر وجداني كما كانت تفعل. صارت فكرة أكثر منها تجربة، عرضا بصريا أكثر منها ممارسة روحية.

أحب كرة القدم، نعم، لكنّها لم تعد توقظ في داخلي ذلك الفرح البدئي، ولا تعيد إنتاج تلك العلاقة البريئة مع الخسارة والانتصار. بل إن خسارة فريقي المفضل، اليوم، لا تفتح فيّ سوى مسافة باردة بين ما كنتُه وما صرتُه، بين لعبة كانت تشبهنا، ولعبة صرنا غرباء عنها.

هكذا، تتحول كرة القدم في الذاكرة إلى استعارة كبرى عن الزمن نفسه.. عن طفولة لا تعود، وبساطة لا تُستعاد، وعالم كان أقل بهرجة، لكنه أكثر صدقاً. وفي هذا الاسترجاع، لا أبحث عن تمجيد الماضي بقدر ما أفتش عن تلك الشرارة الإنسانية الأولى، التي كانت تجعل من اللعب فعلاً للحياة، لا مجرد صناعة للفرجة والنتائج.

5 ـ

البياضات في النصّ… همسات بلا صوت، فراغات بلا حدود، تنبثق كأصداء داخل الصمت، لا يعرفها الكاتب، ولا يملكها القارئ. هي خطوط بين الظاهر والباطن، مسافات تُفلت من المنطق، تتحرك على هامش المعنى، تتسلل كظلال بين الحروف، فتفتح أبوابا لغيب لا يُرى.

في هذه المساحات، يصبح الغياب حضورا، وتتحول الإشارة إلى أيقونة. كما في السينما المشهدية، حيث الصورة تحكم المشهد، لكنها تخفي عن عينك قدراتها النصية، فتتوه بين الاستعارة والتوجس، بين المباشرة والسرّ، بين ما يُرى وما يختبئ في الظلال.

هنا، في قلب الفراغ، يولد المعنى، ليس على نحو قاطع أو محدد، بل كإشراقة تتناثر بين الكلمات، حيث يصبح الصمت خطابا، والغياب حضورا، والبياض دعوة، ليس فقط للقراءة، بل للمشي بين ضفاف النصّ، والتأمل في سحره الذي لا ينتهي، في رحلة دائمة بين السؤال والجواب، بين الرؤية والخيال، بين ما نعرف وما نغفل.

6 ـ

ما بين جناحين لا يعود للطيران معنى الحركة، بل معنى الانفصال المؤقت عن الاسم، إذ الفراشة لا تشق السماء.. إنها تُؤجِّل ثقلها كي تختبر خفة الكينونة، فتدخل الفضاء لا بوصفه علوًّا، بل باعتباره احتمالا للوجود حين يتحرر من علله.

السماء هنا مقامٌ مائيٌّ يتعلّم من الغيم كيف يكون الحضور بلا امتلاء، وكيف يصير النور فعلا بلا مركز، ينقضّ على الجاذبية لا ليهزمها، بل ليُذكِّرها بأنها ميلٌ قابل للتأويل، وأن السقوط ليس نقيض العروج، بل صورته غير المفهومة بعد.

الفراشة في عبورها، لا تعصي الأرض ولا تغادرها، بل تضعها بين قوسين، كما توضع الفكرة حين تُمحى حدودها لتُرى في أصلها، فالأرض من هذا الاتزان الدقيق بين جناحين تبدو أقل واقعية وأكثر صدقًا، كأنها حقل نعناع ميتافيزيقي، لا يُشمّ بالحواس بل بالطمأنينة، يمسح جبينه من بقايا أضواء تاهت لأنها لم تجد معنى تستقر فيه. وفي ذلك، يتصالح الحارّ والبارد لا كدرجتين حراريتين، بل كإشارتين على وحدة الضدّ، إذ الهواء يصبح فكرا معلّقا، والفكر نسيمًا لا يُمسك.

وليس ما يحدث رؤية بالمعنى البصري، بل انكشاف بلا صورة، نقطة صمتٍ تستعير فضاءها كي تقول دون لغة إن الوجود لا يبدأ من الأرض ولا من السماء، بل من تلك اللحظة التي ينسى فيها الكائن سبب وجوده، فيصير وجودا خالصا...

قصيدة لا تُكتب، لأن الكتابة سقوطٌ آخر، ولأن البداية الحقيقية ليست حركة ولا سكونًا، بل ارتجافة المعنى حين يعي أنه كان حاضرًا قبل أن يُسمّى.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

 

الحرية، والفردية، والتاريخ 

كتب: كريستوفر لينكيويتش

ترجمة: علي حمدان

***

إرادة القوة

يُشكّل مفهوم إرادة القوة جوهر "نظام" نيتشه الظاهري - إن صحّ التعبير وفقًا لمعظم المعايير. وبما أن إرادة القوة تُعدّ ركنًا أساسيًا في فلسفته، فإنها تُقدّم لنا نقطة انطلاق مُحتملة لدراسة علاقته بالسياسة والديمقراطية والآراء والمُثل الشعبية. فإرادة القوة، في جوهرها، ليست مجرد فضيلة سياسية أو اجتماعية، بل هي ضرورة بيولوجية ونفسية تُحدّد أو تُؤثّر في كل جانب من جوانب الواقع الإنساني:

ينبغي على علماء الفسيولوجيا التفكير مليًا قبل اعتبار غريزة البقاء على قيد الحياة الغريزة الأساسية للكائن الحي. فالكائن الحي يسعى قبل كل شيء إلى إطلاق طاقته - فالحياة نفسها هي إرادة قوة؛ أما البقاء على قيد الحياة فهو مجرد نتيجة غير مباشرة، بل هي الأكثر شيوعًا. (ما وراء الخير والشر، §13، ص 21).

يرى نيتشه أن إرادة القوة، في حين أنها أعمق تعبير عن حيوية جميع الكائنات الحية، فإن مهمة فهم الفيلسوف وتفسيره تستلزم مواجهة مباشرة وضرورية مع "تحيزاته" - أي ميوله وقيمه:

وقد اتضح لي تدريجيًا ماهية كل فلسفة عظيمة حتى الآن: ألا وهي اعتراف شخصي من مؤلفها، ونوع من السيرة الذاتية اللاإرادية واللاواعية؛ وأن النوايا الأخلاقية (أو اللاأخلاقية) في كل فلسفة تُشكل البذرة الحقيقية للحياة التي نبتت منها النبتة بأكملها. (ما وراء الخير والشر، §6، ص 13).

يرى نيتشه أن الأهمية القصوى لإرادة القوة تستلزم إعادة النظر جذرياً في منظور الفلاسفة. فإرادة القوة لديهم تحدد تحيزاتهم وقيمهم، بل وأحياناً أيديولوجياتهم بأكملها. تصبح الأيديولوجيا موضع شك جوهري في فلسفة نيتشه، ويُعزى ذلك على الأرجح إلى طبيعة إرادة القوة وبنيتها.

نيتشه والحكومة

لفهم علاقة نيتشه بالحكومة، وتحديدًا بالديمقراطية، نحتاج أولًا إلى فهمٍ أعمّ لمنهجه الفلسفي. ينصح نيتشه قرّاءه في عرضه بإنكار مشاعر الشفقة والقيم الديمقراطية كالمساواة، بل ويسخر منها مرارًا، رابطًا إياها بالتواضع. فهل هو إذًا من دعاة شكلٍ بديلٍ من أشكال الحكم (ربما وحشيًا أو استبداديًا)؟ يبدو أنه يترك هذا الاحتمال مفتوحًا للتأويل، لكنه يكتب بانتقادٍ لاذعٍ عن معاداة السامية في مواضع عديدة (انظر: إنساني، إنساني جدًا، الفقرة 475، ما وراء الخير والشر، الفقرة 251). عمومًا، لا يكتب نيتشه بتفاؤلٍ عن الحكومات بشكلٍ عام. (وقد خدم هو نفسه كمسعفٍ في الحرب الفرنسية البروسية بين عامي 1870 و1871).

إن هموم الحكومات تبدو تافهة ونفعية نسبيًا، مقارنةً بالسمو الروحي والمخاطر التي يواجهها الفنانون والكتاب والفلاسفة. هؤلاء هم من يُرجّح أن يستفيدوا من وصفات نيتشه الفلسفية، وعليهم تجنّب إضعاف إرادتهم للسلطة بمشاعرهم الدافئة تجاه عامة الناس. من الواضح أنه يرى نفسه مناصرًا للقيم الفردية، إذ يعتبر القدرة الإبداعية والفلسفية - وهي قيم تخدم إرادة القوة - تمثل نوعًا أسمى وأجدر وأهم من عامة الناس.

بدلاً من أن يُصوّر نفسه عدواً لدوداً للديمقراطية، يبقى احتمال أن يرى أهداف الديمقراطية مناقضةً لقيم الأرستقراطية. فحتى لو تعاطف المرء مع قضية الديمقراطية، فقد لا تُمثّل مصالحه الشخصية. تمثل الديمقراطية انحرافاً عن النبل والسمو اللذين اتسم بهما جمهور نيتشه المُختار. ليس هدف نيتشه إقامة العدل - كما يفعل السياسيون تحت مظلة الديمقراطية - بل ممارسة الحرية وإرادة القوة كما تتجلى في إرادة أسمى: الاستعداد لاستخدام المواهب والقدرات والفكر وقوة الإرادة لتحقيق الإنجاز الفردي.

هكذا تكلم زرادشت: حول الألواح القديمة والجديدة

 قد نفترض أن نيتشه كان لديه رؤية معقدة للديمقراطية، حتى يكون شديد النقد لها. لذا، قد يستفيد بحثنا من ربط نيتشه بالديمقراطية من خلال مفهومه عن الإنسان المتفوق (Übermensch). في كتابه "هكذا تكلم زرادشت"، في الفصل "حول الألواح القديمة والجديدة" §3، يكتب نيتشه: وهناك أيضاً التقطتُ كلمة "الإنسان المتفوق" [Übermensch] بالمناسبة، وأن الإنسان شيءٌ يجب التغلب عليه، وأن الإنسان جسرٌ لا نهاية له: يُعلن نفسه مباركاً في ضوء ظهيرة ومساء يومه، باعتباره الطريق إلى فجر جديد، كلمة زرادشت عن الظهيرة العظيمة، وكل ما علّقته على الإنسان كآخر ضوء قرمزي في المساء. (نيتشه المحمول، ص 310) في موضع لاحق من الفصل نفسه، في الفقرة الرابعة من كتاب "عن الألواح القديمة والجديدة"، يقول زرادشت:           

ها هو ذا لوح جديد؛ ولكن أين إخوتي ليحملوه معي إلى الوادي وإلى قلوب البشر؟ هكذا يقتضي حبي العظيم لأبعد الناس: لا ترحم جارك! الإنسان شيء يجب التغلب عليه. [...] تغلب على نفسك حتى في جارك: والحق الذي تستطيع سلبه لا تقبله كهدية. ما تفعله، لا يستطيع أحد أن يفعله بك بدوره. ها هو ذا، لا عقاب. من لا يستطيع أن يضبط نفسه فليطع. وكثيرون يستطيعون ضبط أنفسهم، ولكن لا يزال هناك الكثير مما ينقصهم قبل أن يطيعوا أنفسهم. (نيتشه المختصر، ص 311):

وأخيرًا، في الفقرة الخامسة من الفصل نفسه، يقول زرادشت: 

  هذه هي طبيعة النفوس النبيلة: لا ترغب في الحصول على شيء مجانًا، وأقلها الحياة. من ينتمي إلى العامة يريد أن يعيش بلا مقابل؛ أما نحن، الذين وهبتنا الحياة نفسها، فنفكر دائمًا فيما يمكننا تقديمه على أفضل وجه. [...] لا ينبغي للمرء أن يرغب في التمتع حيث لا يمنح الفرح. ولا ينبغي للمرء أن يرغب في التمتع أصلًا! [...] (نيتشه المختصر، ص 311).

وهكذا يبدو أن اعتراض نيتشه على الديمقراطية وقيمها ينبع من نزعةٍ نحو النبل أو الجدارة. فالديمقراطية تسعى إلى تمثيل    مواطنيها وحمايتهم. أما حكام المدينة المتخيلون في جمهورية أفلاطون، فيسعون بإخلاص إلى تحقيق مصلحة المدينة ورعاياها. ويرى نيتشه أن أهداف الحكومة لا تخدم في حد ذاتها مصالح النبلاء                                               

في القسم ٧، يتابع زرادشت:

أن تكون صادقًا - قليلون هم القادرون! وحتى هؤلاء الصادقون يفتقرون إلى الإرادة. لكن الصالحين هم الأقل قدرة على ذلك. يا لهؤلاء الصالحين! الصالحون لا ينطقون بالحق أبدًا؛ لأن الروح ترى في الصلاح مرضًا. إنهم يستسلمون، هؤلاء الصالحون؛ يضحّون بأنفسهم؛ قلوبهم تردد، وأرضهم تطيع: لكن من يطيع الأوامر لا يطيع نفسه. (نيتشه المحمول، ص 312).

وهكذا ينأى نيتشه بنفسه عن المثال (الأفلاطوني ظاهريًا) لـ"الرجال الصالحين" - وهم، كما يُفترض، أولئك الذين يحكمون أو يشرعون. ويمكننا أن نستنتج أن "الرجال الصالحين" يُقارنون بالرجال "الحقيقيين" - الذين مع ذلك يُخضع زرادشت إرادتهم للتدقيق. ويتذكر المرء تأثير وهيمنة السفسطة في أثينا القديمة - وشخصية أولئك الذين حكموا في النهاية على سقراط بالإعدام. (كما نتذكر أيضًا سيطرة الخداع والمكر والميكافيلية - باختصار، السفسطة - على السياسيين الشعبويين المعاصرين). بالنسبة لنيتشه، يبدو أن "الرجال الصالحين" أنفسهم سفسطة: فهم يعيشون ويتواجدون ضمن زمان وسياق محددين. وبالتالي، فإن إرادتهم هي إرادة المظهر، واستعداد لاستغلال المظاهر. فهل يقصد نيتشه إذًا ببساطة النصح ضد "الصلاح"؟ - أم أنه يقصد النصح ضد تصديق "الرجال الصالحين"؟

في الفقرة ١٢ من كتاب "عن الألواح القديمة والجديدة"، يقول زرادشت:

يا إخوتي، أُكرّسكم وأُوجّهكم إلى نُبلٍ جديد: ستُصبحون مُنجبين ومزارعين وزارعين للمستقبل - لا نُبلاً يُمكن شراؤه كالباعة بذهبهم، فما له ثمنٌ قليل القيمة. ليس من أين أتيتم سيُحدد شرفكم، بل إلى أين أنتم ذاهبون! إرادتكم ورغبتكم في تجاوز ذواتكم - هذا ما سيُحدد شرفكم الجديد. [...] في أبنائكم ستُعوّضون كونكم أبناء آبائكم: هكذا ستُكفّرون عن كل ما مضى. هذا اللوح الجديد أضعه فوقكم. (نيتشه المحمول، ص 315-316)

وهكذا يبدو أن نيتشه يهتم بمفهوم الأصالة. فالمستقبل يحمل مصير الحاضر. و"أبناؤكم" يمثلون إرثكم. وينصح زرادشت الأبناء بألا يبخلوا بإرث آبائهم. وفي المجال السياسي، يكتسب هذا الأمر أهمية بالغة: إلى أي مدى نحترم حقًا إرث سياسيينا، على سبيل المثال، في إثارة الحروب؟

أُحبّ الشجعان، ولكن لا يكفي أن يحمل المرء سيفًا عريضًا، بل يجب أن يعرف أيضًا ضد من. وكثيرًا ما تكون الشجاعة أعظم عندما يمتنع المرء ويمرّ، ليُوفّر نفسه للعدو الأجدر. (نيتشه المحمول، ص 321).

فيما يتعلق بالحكم والقيادة والإبداع، يبدو أن أولوية نيتشه، بدلاً من إدارة الحكم مباشرةً، هي تنمية شخصية "قوية". قد تبدو جدالاته ضد الشفقة والمساواة مناسبةً لحكومة فاشية. مع ذلك، تشير قراءة متأنية لنيتشه إلى غاية "أرستقراطية" أكثر منها سياسية مباشرة.

***

وعملية التدريب على الذوق الرفيع

مقدمة: في سياق الدراسات الاجتماعية والثقافية، يُعد مفهوم "الذوق الرفيع" أداة تحليلية قوية لفهم كيفية ترسيخ الهيكل الاجتماعي داخل الثقافة. هذه العملية ليست عفوية أو طبيعية، بل هي نتاج تدريب منهجي ومستمر يتم من خلاله نقل وتعزيز الفروقات الطبقية عبر الأجيال. يركز هذا الدراسة على النظرية الاجتماعية لبيير بورديو ( 1930-2002)، الذي طور في كتابه الشهير التمييز: نقد اجتماعي لحكم الذوق ( 1979/1984) نموذجاً يفسر كيف يصبح الذوق أداة للتمييز الاجتماعي، وكيف يساهم في ترسيخ المجتمع داخل الثقافة من خلال الرأسمال الثقافي والهابيتوس (habitus). يُعرف بورديو الذوق بأنه ليس مجرد تفضيل شخصي، بل هو نظام تصنيف يعكس موقع الفرد في الفضاء الاجتماعي. هذا الذوق يتم تدريبه من خلال عمليات التنشئة الاجتماعية، التعليم، والاستهلاك الثقافي، مما يجعل الثقافة حقل معركة رمزية حيث يتم الحفاظ على الهيمنة الطبقية. الدراسة الحالية ستستعرض هذه العملية بشكل موسع، معتمدة على تحليل نظري وأمثلة تطبيقية، لتكشف كيف يصبح الذوق الرفيع آلية لإعادة إنتاج اللامساواة الاجتماعية. سنقسم الدراسة إلى أقسام رئيسية: شرح المفاهيم الأساسية، عملية التدريب على الذوق، آليات الترسيخ الاجتماعي، والنقد والتطبيقات المعاصرة. فكيف تتشكل الثقافة كذوق رفيع في البناء الاجتماعي؟

المفاهيم الأساسية في نظرية بورديو: الرأسمال الثقافي، الهابيتوس، والذوق كأداة نقد اجتماعي

يبني بورديو نظريته على فكرة أن الثقافة ليست محايدة، بل هي مجال للصراعات الرمزية حيث يتم ترسيخ الهيكل الاجتماعي. الرأسمال الثقافي هو أحد الأشكال الرئيسية لهذا الترسيخ، وهو يتكون من ثلاثة أشكال: المجسد ( مثل المعارف والمهارات الشخصية)، الموضوعي ( مثل الكتب أو الأعمال الفنية)، والمؤسساتي ( مثل الشهادات التعليمية). هذا الرأسمال يُكتسب عبر الزمن ويُحول إلى أداة للتمييز، حيث يسمح للطبقات المهيمنة بالحفاظ على مكانتها من خلال تفضيلات تبدو "طبيعية".الهابيتوس، بدوره، هو نظام من الاستعدادات الدائمة التي تُكتسب عبر التنشئة الاجتماعية والتي توجه السلوكيات والأحكام دون وعي كامل. إنه "مبدأ مولد للممارسات المنظمة"، يجعل الذوق يعمل كـ"حاسة اجتماعية" توجه الفرد نحو ما يناسبه في الفضاء الاجتماعي. يقول بورديو: "الهابيتوس هو ضرورة داخلية تحولت إلى استعداد يولد ممارسات ذات معنى وإدراكات تمنح معنى" . هكذا، يصبح الذوق ليس مجرد تفضيل، بل "نقد اجتماعي لحكم الذوق"، حيث يصنف الذوق المصنف نفسه، مكشفاً عن موقعه الطبقي.في هذا السياق، الذوق الرفيع هو نتاج تدريب يجعل الثقافة تبدو كـ"هبة طبيعية"، بينما هي في الواقع منتج للشروط الاجتماعية. يرتبط هذا بالفروقات بين الطبقات: الطبقات العليا تفضل الفنون المجردة (مثل كاندينسكي أو موسيقى باخ)، بينما الطبقات الدنيا تفضل الواقعية أو الوظيفية (مثل لوحات المناظر الطبيعية أو موسيقى شعبية).

عملية التدريب على الذوق الرفيع: الطرق والآليات

يتم تدريب الذوق الرفيع عبر عمليات متعددة، تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المدرسة والمجتمع.

في الأسرة (النمط المنزلي للاكتساب)، يحدث التدريب بشكل غير مباشر ومبكر، من خلال الغمر اليومي في الممارسات الثقافية مثل زيارة المتاحف أو الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية. هذا يمنح "الإرث الثقافي" شعوراً بالألفة والسهولة، يُعرف بـ"اللمسة الطبيعية"، مما يجعل الذوق يبدو فطرياً. يوضح بورديو: "الطريقة التي تم اكتساب الثقافة بها تعيش في الطريقة التي يتم استخدامها بها" .

أما في المدرسة (النمط المدرسي)، فيكون التدريب أكثر تنظيماً، من خلال المناهج التي تفرض تصنيفات ثقافية (مثل التمييز بين الكلاسيكي والرومانتيكي). الشهادات تعزز هذا، مما يمنح "تأثير الاعتماد" الذي يوسع الكفاءات الثقافية. ومع ذلك، يختلف الاكتساب: المنزلي يمنح الثقة، بينما المدرسي قد يؤدي إلى "التعلم الكتابي" أو الادعاء. يمتد التدريب إلى المجتمع عبر "الأسواق الثقافية"، مثل الحفلات أو النوادي، حيث يتم تقييم الكفاءات.

أمثلة تطبيقية: في الطعام، تدرب الطبقات العليا على "الذوق الرفيع" بالتركيز على الشكل والجودة (الخضروات الطازجة، الأسماك)، بينما الطبقات الدنيا على الكمية والقوة (اللحوم الدسمة). في الرياضة، الطبقات العليا تفضل الرياضات الطقسية مثل الغولف، المكتسبة مبكراً، مقابل الرياضات الشعبية مثل الملاكمة. هذه التدريبات تعزز التمييز، حيث يصبح الذوق "حاجزاً أقوى بين الطبقات".

آليات ترسيخ المجتمع في الثقافة عبر الذوق الرفيع

يترسخ المجتمع في الثقافة من خلال الذوق الرفيع كآلية لإعادة الإنتاج الاجتماعي. أولاً، من خلال "التماثل" بين الفضاء الاجتماعي وأنماط الحياة: الرأسمال الاقتصادي يعاكس الثقافي، مما يجعل التفضيلات تعكس المواقع الطبقية. ثانياً، عبر "الصراعات الرمزية"، حيث يصبح الذوق ساحة للتنافس على الشرعية (مثل تفضيل الفنون الجديدة للطبقات الصاعدة). ثالثاً، من خلال "الإنكار" ، حيث يُنظر إلى الذوق كهبة طبيعية، مخفياً عن اللامساواة. في السياقات المعاصرة، يظهر هذا في الاستهلاك: الطبقات العليا تستهلك الثقافة "المجردة" لتعزيز الهيمنة، بينما الطبقات الوسطى تقلد بـ"الإرادة الثقافية" ، مما يؤدي إلى "الألودوكسيا" (الخطأ في التصنيف). يقول بورديو: "الذوق هو تأكيد عملي لفرق حتمي". هذا الترسيخ يمتد إلى السياسة، حيث يشكل الذوق الآراء (النخب تفوض للكفء).

مفهوم الرأسمال الثقافي

في سياق النظرية الاجتماعية لبيير بورديو، يُعد الرأسمال الثقافي مفهوماً مركزياً لفهم كيفية ترسيخ الهيكل الاجتماعي داخل الثقافة. هذا المفهوم، الذي طوره بورديو في أعماله الرئيسية مثل التمايز ( 1979) وإعادة الإنتاج (1970/1977)، يشير إلى الموارد غير المادية التي يمتلكها الأفراد أو الجماعات، والتي تمنحهم ميزة في الفضاء الاجتماعي. الرأسمال الثقافي ليس مجرد معرفة أو مهارات، بل هو أداة للتمييز الطبقي، يُكتسب عبر عمليات التنشئة الاجتماعية ويُحول إلى رأسمال اقتصادي أو اجتماعي. توجد أشكال ثلاثة للرأسمال الثقافي. يصنف بورديو الرأسمال الثقافي إلى ثلاثة أشكال رئيسية، كل منها يعكس طريقة مختلفة للتراكم والاستخدام:

الرأسمال الثقافي المجسد : هذا الشكل يتجسد في الجسم والعقل، مثل المهارات اللغوية، الذوق الفني، أو القدرة على التصرف في المواقف الاجتماعية. إنه "الحالة المجسدة" التي تتطلب وقتاً طويلاً للاكتساب، وتكون مرتبطة بالهابيتوس، أي نظام الاستعدادات الدائمة. على سبيل المثال، القدرة على تقدير لوحة فنية مجردة أو إجراء حوار أدبي يعكس هذا الرأسمال، الذي يبدو "طبيعياً" لكنه في الواقع نتاج تنشئة اجتماعية. يؤكد بورديو أن هذا الشكل غير قابل للنقل المباشر، بل يُورث عبر "الاستثمار الزمني" في الأسرة أو المجتمع.

الرأسمال الثقافي الموضوعي: يتمثل في الأشياء المادية التي تحمل قيمة ثقافية، مثل الكتب، الأعمال الفنية، أو الآلات الموسيقية. هذا الشكل قابل للشراء أو البيع، لكنه يتطلب رأسمالاً مجسداً لاستخدامه بشكل فعال. على سبيل المثال، امتلاك مجموعة من اللوحات الكلاسيكية لا يمنح قيمة إلا إذا كان الشخص قادراً على تفسيرها أو عرضها بطريقة تعكس ذوقاً رفيعاً. هنا، يصبح الرأسمال الموضوعي أداة للعرض الاجتماعي، حيث يعزز التمييز الطبقي من خلال "الاستهلاك الثقافي".

الرأسمال الثقافي المؤسساتي: يتمثل في الاعتراف الرسمي، مثل الشهادات التعليمية أو الجوائز. هذا الشكل يمنح "ضماناً" اجتماعياً، حيث تحول المؤسسات (مثل الجامعات) الرأسمال المجسد إلى رأسمال معترف به. على سبيل المثال، درجة الدكتوراه في الأدب تمنح شرعية ثقافية، مما يسهل الوصول إلى مناصب نخبوية. ينتقد بورديو هذا الشكل كآلية لإخفاء اللامساواة، إذ يبدو النجاح "مبنياً على الجدارة" بينما هو مرتبط بالخلفية الاجتماعية.

هذه الأشكال مترابطة، حيث يعزز كل منها الآخر، مما يجعل الرأسمال الثقافي نظاماً ديناميكياً للحفاظ على الهيمنة. فماهي آليات اكتساب الرأسمال الثقافي والعمليات الاجتماعية والتعليمية المستعملة في ذلك؟

يُكتسب الرأسمال الثقافي عبر مسارات متعددة، تبدأ من التنشئة الأسرية وتمتد إلى النظام التعليمي والممارسات الاجتماعية:

الاكتساب الأسري: في الأسر النخبوية، يحدث الاكتساب بشكل غير مباشر من خلال "الغمر الثقافي"، مثل قراءة الكتب الكلاسيكية أو حضور العروض المسرحية. هذا يمنح "الألفة الطبيعية"، التي تجعل الرأسمال يبدو فطرياً. دراسات بورديو في فرنسا تظهر أن أبناء الطبقات العليا يمتلكون رأسمالاً ثقافياً أعلى، مما يعزز فرصهم في التعليم.

الاكتساب التعليمي: المدرسة تعمل كـ"سوق للرأسمال الثقافي"، حيث تكافئ الطلاب ذوي الخلفيات الثقافية الغنية. على سبيل المثال، المناهج التي تركز على الأدب الكلاسيكي تفضل الطلاب الذين يعرفون بالفعل هذه النصوص. يصف بورديو هذا بـ"العنف الرمزي"، حيث يُنكر النظام التعليمي دوره في إعادة الإنتاج الطبقي.

الاكتساب الاجتماعي: عبر الشبكات الاجتماعية، مثل النوادي أو الفعاليات الثقافية، يتم تبادل الرأسمال. في السياقات المعاصرة، مثل وسائل التواصل الاجتماعي، يصبح مشاركة المحتوى الثقافي (مثل اقتباسات من كتب فلسفية) طريقة لعرض الرأسمال.

أمثلة تطبيقية: في المجتمعات العربية، مثل تونس، يظهر الرأسمال الثقافي في إتقان اللغة الفرنسية أو معرفة الأدب الفرنسي، الذي ورث من الاستعمار كأداة للتمييز الطبقي. دراسات حديثة تظهر أن الطبقات الوسطى في الدول العربية تسعى للاكتساب من خلال التعليم الخاص، مما يعزز اللامساواة.

فماهو دور الرأسمال الثقافي في إعادة الإنتاج الاجتماعي والترسيخ الطبقي؟

يُعد الرأسمال الثقافي أداة رئيسية لإعادة الإنتاج الاجتماعي، حيث يحول الثقافة إلى مجال للصراعات الرمزية:

التمييز والإنكار: يسمح الرأسمال بـ"التمييز"، حيث يصنف الأفراد بناءً على ذوقهم، مخفياً اللامساواة تحت غطاء "الذوق الطبيعي". هذا "الإنكار" يجعل الهيمنة تبدو مشروعة.

التحويل إلى رأسمال آخر: يمكن تحويل الرأسمال الثقافي إلى اقتصادي (مثل وظائف في الإعلام) أو اجتماعي (شبكات نخبوية). في الاقتصاد الرأسمالي، يصبح "الثقافي" سلعة، كما في صناعة الترفيه.

مع العولمة، يتوسع الرأسمال الثقافي ليشمل الثقافات الرقمية، مثل المهارات في البرمجة أو التصميم الرقمي. ومع ذلك، يظل مرتبطاً بالطبقات، حيث يمتلك الأغنياء وصولاً أفضل إلى التعليم الرقمي. لكن بعض الدارسين، مثل ريتشارد بيترسون، يتحدثون عن "الذوق الشامل"، حيث تختلط الثقافات العليا والشعبية، مما يقلل من دور الرأسمال كأداة تمييز. لكن بورديو يرى هذا كتكيف للهيمنة. في العصر الرقمي، يظهر الرأسمال الثقافي في المنصات مثل إنستغرام، حيث يعرض الأفراد "أنماط حياة" ثقافية لتعزيز مكانتهم. في الدول النامية، يرتبط بالاكتساب الغربي، مما يعزز "الاستعمار الثقافي"، على سبيل المثال، يلعب الرأسمال الثقافي دوراً في التنقل الاجتماعي بعد الثورة، حيث يساعد التعليم في تشكيل نخب جديدة.  النظرية متهمة بالتركيز الغربي، لكن تطبيقات في آسيا وأفريقيا تظهر صلاحيتها، مع تعديلات للثقافات المحلية. فالرأسمال الثقافي، كمفهوم متعدد الأبعاد، يكشف كيف تترسخ اللامساواة داخل الثقافة. من خلال أشكاله واكتسابه، يعمل كآلية لإعادة الإنتاج الاجتماعي، محفزاً على سياسات تعليمية متساوية لتقليل الفجوات. هذا التوسع يدعو إلى بحوث إضافية في السياقات غير الغربية لفهم ديناميكياته العالمية. رغم قوتها، تواجه نظرية بورديو نقداً: بعض الباحثين يرونها جامدة، غير قادرة على تفسير التغيرات مثل "الذوق الشامل"، حيث تختلط الثقافات العليا والشعبية . كما أنها تركز على السياق الفرنسي، مما يتطلب تكييفاً للثقافات الأخرى، مثل في تركيا حيث يلعب الرأسمال الثقافي دوراً في تشكيل الطبقات منذ القرن التاسع عشر . توسعات حديثة تربطها بالتعليم، حيث يصبح الذوق أداة للتنقل الاجتماعي، أو بالاستهلاك الرقمي، حيث يعيد الذوق الرفيع تشكيل الهويات عبر المنصات.

خاتمة

الطريقة التي يترسخ بها المجتمع في الثقافة هي عملية التدريب على الذوق الرفيع، كما يفسرها بورديو، حيث يصبح الذوق آلية لإعادة إنتاج اللامساواة. هذا التدريب، من خلال الرأسمال الثقافي والهابيتوس، يجعل الثقافة ليست مجرد تعبير، بل أداة هيمنة. يدعو هذا إلى نقد اجتماعي يفضح "الأيديولوجيا الخواريزمية" للذوق، محفزاً على سياسات تعليمية تعزز الوصول المتساوي إلى الثقافة، لتقليل الترسيخ الطبقي. فكيف يتحول الراسمال الثقافي الى رأسمال رمزي يعيد انتاج الرأسمال الاجتماعي؟

***

د. زهبر الخويلدي - كاتب فلسفي

 

مفتتح: لا يزال مشروع المفكر الجزائري مالك بن نبي (1905-1973) يعاني من "نكسة دهشة" يتعكس أزمة بنيوية في آليات استقبال الأفكار داخل الفضاء العربي الإسلامي. فالمفكر الذي جاء ليتجاوز "الذرية الفكرية" و"الأصنام الجديدة" التي صارت تعبد في جغرافية "طنجة-مسقط"، ظل هو نفسه ضحية تلك الأصنام، محاصرا بين تصنيفات إيديولوجية جاهزة تختزل منظومته الشاملة إلى "علمانية" عند السلفيين، و"إسلاموية" عند العلمانيين، و"تجديدية" عند الإصلاحيين.[1]

الإفلاس الحضاري كمأزق ثقافي:

تنطلق منظومة بن نبي الفكرية من قراءة معمقة تؤكد بأن "الإسلام من حيث الوحي والنبوة جاء للعالمين"، مما يجعل رسالته حضارية إنسانية بالضرورة، متجاوزة كل جغرافية عرقية أو ثقافية مغلقة.[2] غير أن "الإنسان مابعد الموحدين" -وهو المصطلح لمالك بن نبي لما أصاب المسلمين من تحول في البنية الذهنية- بات كيانا مناهضا للنقد والحرية والتجديد بفعل الانحطاط السياسي واغتيال العقل المبرر "دينيا"[3]، هنا يطفو على السطح الجدل المركزي: اذ تقدم النهضات العربية والإسلامية السابقة  الإصلاح السياسي أو التجديد الديني كمدخل و أساس استراتيجي، يذهب بن نبي إلى "التأسيس للإنسان الجديد" عبر منظومة أخلاقية وجمالية ومنطقية وتقنية متكاملة، تستهدف "تثوير الفكرة-المحرك" ( (l'idée-motrice بلغة أرسطو، أي إعادة بناء "الإنسان" كفاعل حضاري قبل كل شيء[4]. لهذا كان مشروعه يطالب بتحقيق "ثنائية التنوير والتحرير" التي تشكل صلب منظومته الفكرية، حيث يرى أن التحرر الحقيقي لا يتحقق بالاستقلال السياسي وحده، بل بإعادة بناء "الذات الحضارية" عبر معادلة الحضارة الشهيرة: الحضارة = الإنسان + التربة + الزمن، حيث تلعب "الفكرة الدينية" دور المحفز الحاسم (Catalyseur) في هذه المعادلة[5]. فإذا تم تهميش أحد عناصر هذه المعادلة -وخاصة "الإنسان" ككيان مبدع- أفلس مشروع الحضارة ذاتها، مهما تكدست المكتسبات المادية.

محنة فهم خطاب بن نبي:

إحدى أعقد العقبات في "بنية الخطاب" عند بن نبي، أنه لم يكتب كفيلسوف أو عالم اجتماع بالمعنى التخصصي الضيق، بل كصاحب "مشروع تأسيسي" يريد إنشاء "أنساق ومناهج جديدة"[6]. هذه البنية تختلف جذريا عن أشكال التراثيين والنهضويين، مما أدى إلى "إعجاب من دون فهم"، حيث فهم المتلقون أفكاره حسب "مدركاتهم" المعرفية السابقة لا حسب "تصورات" المؤلف[7] أي الدهشة غلبت التشاور.

تتفاقم المحنة مع أنه كتب معظم أعماله -وعددها يتجاوز الخمسة والعشرين كتابا- بالفرنسية، فتعرضت عند الترجمة إلى العربية إما للتشويه أو التبسيط أو "التكييف" مع ثقافة المترجمين وما لا "يتعارض" مع المعتمد فكريا"؛ النتيجة: فهم مشوه يصور بن نبي "علمانياً" عند السلفيين، و"إسلاموياً" عند العلمانيين، و"مجدداً" عند الإصلاحيين[8]، بينما جاء فكره ليتجاوز هذه "الأصنام الجديدة" التي صارت تعبد في جغرافية "طنجة-مسقط" [9]. فالرجل الذي كتب الظاهرة القرٱنية ( بالفرنسية سنة 1946)  شروط النهضة (الجزائر، 1949)[10]و وجهة العالم الاسلامي (1954 بالفرنسية، 1956مترجم العربية) وفكرة كومنولث إسلامي (الجزائر، 1959)[11] الصراع الفكري في البلاد المستعمرة (صدر الكتاب عام 1960، وهو أول كتاب كتبه بن نبي بالعربية مباشرة دون ترجمة، ويُعد الجزء الأول من سلسلة "مشكلات الحضارة") والمسلم في عالم الاقتصاد (الجزائر، 1964)[12] ومذكرات شاهد القرن (الجزائر، 1965-1973)[13]، لم يكن يبحث عن أدلجة لمشروعه، بل عن "منظومة فكرية" تستجيب لتحديات "القابلية للاستعمار"colonisabilité

(ظهر هذا المصطلح لأول مرة في كتابه "Les conditions de la renaissance" (شروط النهضة) الذي نُشر عام 1949 باللغة الفرنسية. وقد لاقى هذا المفهوم قبولاً واسعاً وانتقادات شديدة في آن واحد، حيث اعتبره البعض تبريراً للاستعمار بينما رآه بن نبي تشخيصاً للمشكلة الحضارية التي يعاني منها المجتمع العربي الإسلامي[14].

أي منظومة تكتشف مالك بن نبي؟

تتسم غالبية الدراسات بـ"الشرح الممل" بدلا من "النقد و الابداع التجديدي"، مما أنتج عددا هائلا من صور "مالك بن نبي" دون بناء جديد[15].  "فالتأسيس يحتاج للنقد والثورة على الأنساق"، لا "إعادة الإنتاج والتعليب الجديد"[16]. إن الانتقال من "الاندهاش العقيم" إلى "الاستيعاب الخلاق" يتطلب قراءة منظومية تفهمه بمنظومته ولغته وأنساقه، كما هو الشأن مع ابن عربي أو جلال الدين الرومي أو كانط أو نيتشه ، بعيدا عن "الاستغراق الرجعي" الذي يخرج منظومته الفكرية عن مدارها التنويري[17]. فمشروع بن نبي ليس مجرد مجموعة أفكار مبعثرة، بل "رؤية ثقافية متكاملة" تتجسد في القضية الانسانية: "الحضارة"، وتحلل عبر مفاهيم مثل "أزمة الأفكار" و"تكديس الأشياء" و"الشيئية" التي تصف الميل المرضي لمعاملة الأفكار كأشياء مادية[18]. إن الاكتشاف الحقيقي هو غير الاندهاش العقيم (الذي يوصف كونه مجرد قراءة نصوص)، بينما اكتشاف بن نبي الحقيقي يعني إعادة بناء ذاتية تستجيب لتحديات العصر بمسؤولية حضارية تتجاوز كل مركزية أو شوفينية، وتسهم في "الحضارة الإنسانية" بروح عربية إسلامية أصيلة[19].

***

مراد غريبي

.........................

[1] محمد العاصمي، "مالك بن نبي: قراءة في المشروع الفكري"، في: مجلة الفكر المعاصر، العدد 45 (2015)، ص112

[2] Malek Bennabi, Vocation de l'Islam (Paris: Éditions du Seuil, 1954),P23

[3] محمد لزرق، "مرحلة ما بعد الموحدين عند مالك بن نبي"، في: الفكر العربي المعاصر، العدد 12 (2018)، ص45

[4] Malek Bennabi, Les Conditions de la renaissance (Alger : Entreprise nationale du livre, 1949), P78.

[5]  Alwi Alatas, "Malik Bennabi on Civilization", Hoggar Institute (2010), P3 et Z. H. Subhani, "Bennabi's Thoughts on Civilization", Journal of Arabic Studies 4 (2020), P112.

[6] فضيل بومالة، "هكذا أفكر! لماذا لم نكتشف مالك بن نبي بعد؟"، موقع عبد الحميد بن باديس، 01/11/2015

[7] محمد حبش، "إشكالية اللغة في فكر مالك بن نبي"، في: مجلة كلية الآداب، جامعة دمشق، العدد 32 (2016)، ص201

[8] محمد العربي، "مشكلات الترجمة في فكر مالك بن نبي"، في: مجلة الفلسفة واللغة، العدد 18 (2017)، ص89

[9]  انظر: بومالة، المرجع السابق

[10]  Malek Bennabi, Les Conditions de la renaissance (Alger : Entreprise nationale du livre, 1949), P45.

[11] Bennabi, Idée du Commonwealth islamique (Alger: Entreprise nationale du livre, 1959) , P112.

[12]  Malek Bennabi, Le Musulman dans le monde de l'économie (Alger : Entreprise nationale du livre, 1964), P67.

[13] Malek Bennabi, Mémoires d'un témoin du siècle، (Alger : Entreprise nationale du livre 1965), P45.

[14] Malek Bennabi, Le problème des idées dans le monde musulman (Alger: Office des publications universitaires, 1970), P201.

[15] انظر: بومالة، المرجع السابق.

[16] محمد لطفي، "من التكرار إلى التجاوز: قراءة نقدية في الدراسات البنابية"، في: مجلة الفكر الإسلامي، العدد 41 (2019)، ص167.

[17] انظر: محمد العاصمي، المرجع السابق.

[18]  Malek Bennabi, Le problème des idées dans le monde musulman,P215et encore Malek Bennabi, Naissance d'une société (Alger: Entreprise nationale du livre, 1960)، P78.

[19] Malek Bennabi, Mémoires d'un témoin du siècle, Tome 1 P 67.

 

بشكل مباشر، يمكنني القول ان مفهوم الحركة الجوهرية للامم، هي ان تبدا الامم من نشاة مادية عادية وتتحول الى روحية او بقايا تراث (كل بحسب قوته الحضارية) وهو يتاثر بالمؤثرات وبالعوارض او البيئة المسلطة على تلك الحضارة، ثم تتحول الى كيان يبحث عن هويته ثم تتخلص من روحيتها الى مادية وذاتية محددة، وبعدها يفنى الجانب المادي لتحشر روح الامة بوصفها نسيج شامل وهو عرضة للحساب الاخروي، لانها شخصية معنوية (وكل امة معها سائق وشهيد).

وفي جانبها الارضي المادي تتفق بعض الامم على مبادئ تسير عليها، قد تكون العنف او التعالي او الانكار الحقيقي للخير الاقصى .

ان هذه المحايثة الفكرية، مشتقة من منهجية الفيلسوف صدر الدين الشيرازي الذي قال بنظرية الحركة الجوهرية للنفس وأيضا بنظرية الحركة الجوهرية للطبيعة.

‏و هذه الفكرة تصطدم بمجموعة من المفاهيم والاراء، منها هل يمكن وصف الانتقال بالحتمي أم بجانب اختياري، مسالة أخرى ربما نجد أن بعض الامم بدأت معنوية وانتهت مادية، مثلما نلاحظ في بدايات الانبياء سيما النبي محمد (ص) فقد بدات الحضارية بابهى الجوانب المعنوية، ثم تحولنا الى فاتحين للدول، وسرعان ما اصبح الهم هو كيفية اعادة هيكلة المساحات الجغرافية في العالم، والانتفاع من ثروات الامم،و قد لا ينطبق هذا التنظير على بعض الأمم. لكن ذلك يعني بأن الحركة الجوهرية لتلك الامة تعثرت لبعض الوقت وهي تحمل في داخلها قوة استعادة الفعل التاريخي، مثال اخر ان الامم الوحشية مثلا بدات وحشية وانتهت كذلك، وهذا يعني أن هذه الأقوام أو الدول ليست لديها القدرة على تجديد السلوك أو الفعل التاريخي أو القدرة على الوعي، وسبب ذلك هو نظام افرادها السيء وعدم وجود منهجية للتغيير، او الاصلاح .

او خذ مثلا التنوير الذي اتت به الدول الغربية مثلا والذي يمثل بداية الجانب المادي ثم تطور تكنلوجيا وعلميا وانسانيا ليقود العالم، اقول ان هذا التنوير لا يمكن عده من الجانب المعنوي، لافتقاره الى النقاء فهو ملوث، وان وصف بالمعنوي فهو بجانبه السلبي، فهذه حركة جوهرية سالبة للامم .

ويمكن بشكل مختصر القول ان نمو الدول لا يختلف عن نمو الانسان، وهذا ما قاله ابن خلدون وشبنكلر وتوينبي، افهم هذا بالتأكيد ولكن ما أريد قوله أن هذه المساحة الحيوية للأمم يمكن وصف بداياتها بالجانب المادي وقدرة تلك الأمم على الاستمرار في جانب الحضاري فإن ذلك يتحول إلى جانب معنوي .

‏وعدم قدرة الاقوام الوحشية على إنتاج المعنى الحضاري فإن ذلك يعني أنها بدأت مادية وانتهت مادية.

‏ان من أعلى الحضارات قوة روحية هي التي تبدأ بشكل طبيعي ثم تقاوم التحدي باستجابة تنتهي بها إلى درجات من الجانب المعنوي، هذه الدرجات تختلف من أقوام إلى أخرى،

‏ومفهوم الحركة جوهرية للأمم هنا تعني بأن النسيج الواحد لمجموعة حضارية أو اقوام محددة تسير باتجاه نوع من أنواع الكمال.

‏ومن دلائل ذلك الكمال مثلا هو التراث الفكري او المادي او العلمي، او الاخلاقي أو الاستمرار في الفعل التاريخي، أو تبني الفعل الأخلاقي الصحيح، أول الانصياع إلى عدم الظلم.

‏ويمكن وصف الدول المتطورة تكنولوجيا وقت تخالف قواعد الفعل الإنساني والأخلاقي بأنها تسير وفق حركة جوهرية سالبة، والعكس من ذلك فإن هذه الأمة أو الحضارات او الدول فانها تسير وافق حركة جوهرية موجبة.

***

ا. د. رحيم محمد الساعدي

بين السيادة على الذات والتحكم الخفي

في سياق الفكر الفلسفي كانت الحرية دوما موضوعا مركزيا، فالفلاسفة منذ أرسطو وكانط وهيغل ونيتشه، حاولوا تحديد طبيعة الإنسان الحر وما يعنيه أن يكون الفرد سيدا على ذاته. أرسطو يرى الحرية باعتبارها القدرة على اختيار الخير وفق العقل، وهي وظيفة تكاملية للفضيلة والحياة الفاضلة، بينما يضع كانط الحرية في قلب مشروع العقل العملي، معتبرا أن الفعل الحر هو الفعل الذي ينسجم مع القانون الأخلاقي الداخلي، أي أنه ليس مجرد القدرة على الفعل، بل على الفعل وفق ما يمليه الواجب. هذه المفاهيم الكلاسيكية التي بنَت الحرية على أساس سيادة الذات والاختيار الأخلاقي، تتعرض اليوم لتحدٍ جديد ومعقد في ظل الثورة الرقمية وانتشار البيانات الضخمة، إذ لم يعد الإنسان يعيش في فضاء مادي واجتماعي فقط، بل في فضاء رقمي تتحكم فيه الخوارزميات وتتجمع فيه بياناته وتتقرأ تحركاته، متجاوزة حدود وعيه المباشر.

يمكن النظر إلى البيانات الضخمة باعتبارها صورة جديدة لما كان ميشيل فوكو يسميه "تقنيات الذات" و"السلطة المراقبة"، مع فارق أساسي، فوكو ركّز على المؤسسات التقليدية مثل السجون والمستشفيات والمدارس، حيث يتم التحكم في الأفراد جزئيا عبر المراقبة والمعايير، بينما اليوم تتم هذه المراقبة بشكل أوسع وأكثر عمقا، فهي تتغلغل في تفاصيل حياتنا اليومية، من تفضيلاتنا على الشبكات الاجتماعية إلى تحركاتنا الشرائية، ومن اهتماماتنا الثقافية إلى اختياراتنا السياسية. الخوارزميات أيضا ليست مجرد أدوات تحليلية، بل هي أدوات إدارة تحكمية تحاكي قدرات العقل البشري في التنبؤ، لكنها تفعل ذلك بطريقة تتجاوز السيطرة الفردية، فتتوقع رغباتنا وتوجه اختياراتنا دون أن ندرك بشكل كامل أننا تحت تأثيرها.

الحرية، في سياقنا هذا لم تعد مجرد فعل مقاوم للتأثيرات الخارجية، بل أصبحت مسألة معرفة الذات وإدراك آليات السيطرة التي تمارس علينا عبر البيانات. كما يشير جان بودريار في كتابه "المجتمع الاستهلاكي"، نحن لا نختار الأشياء فقط، بل يتم إنتاج رغباتنا وتوجيهها بواسطة أنظمة رقمية قادرة على محاكاة دوافعنا الداخلية. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى، فالحرية التي كانت دائما مرتبطة بالوعي الذاتي والاختيار الأخلاقي، تتعرض الآن لتهديد غير محسوس، لا يأتي بالضغط المباشر، بل من خلال التحكم الذكي والخفي الذي يمارسه النظام الرقمي على سلوكنا النفسي والاجتماعي. إنها حرية تحت الرقابة الدقيقة، حرية مشروطة بتقنيات التنبؤ والمعالجة الضخمة للبيانات، والتي تعمل في كثير من الأحيان دون وعي الفرد نفسه.

إن زمن البيانات الضخمة يعيد تعريف الحرية باعتبارها ليس مجرد قدرة على الفعل، بل قدرة على الفهم الذاتي في مواجهة مؤثرات خارجة عن إرادتنا المباشرة. فلوك أنطونيو غرامشي أشار إلى مفهوم "السيطرة الثقافية" في صياغة الرغبات والمعتقدات، وهو ما أصبح في عصرنا معادلاً رقميا من خلال البيانات، ليست السيطرة القسرية بالمعنى التقليدي، بل السيطرة الذكية التي تصنع نوعا من الانقياد الطوعي دون استخدام القوة المباشرة. الإنسان في هذا النظام الرقمي يصبح أداة لنفسه وللخوارزمية في الوقت نفسه، يعتقد أنه يختار، بينما يُدار اختياره ضمن أنماط محددة سلفا.

هذا التفاعل بين الحرية والسيطرة الرقمية يعيدنا إلى جدلية قديمة بين الفعل والنية وبين الوعي والبرمجة. إذ يمكننا القول مع هيجل، أن الفرد يحقق حريته عندما يصبح واعيا لمحددات واقعه، لكن في زمن البيانات الضخمة، هذه المحددات تتغير بسرعة وبعمق، فهي خفية موزعة، ومعقدة إلى درجة تجعل وعي الفرد بها تحديا فلسفيا بحد ذاته. الحرية لم تعد مسألة مجرد مقاومة لقوى خارجية، بل مسألة قدرة على التحليل النقدي لنفسنا في شبكة من البيانات المتشابكة، وهو ما يتطلب أدوات معرفية جديدة وربما طرقا جديدة للتفكير الذاتي.

ولكي نفهم ذلك بشكل أعمق، علينا أن نفكر في الحرية ليس فقط كقيمة أخلاقية، بل كأفق معرفي وجودي. فالمفكرون الوجوديون مثل جان بول سارتر رأوا أن الحرية مطلقة، لكنها مطلوبة ومؤلمة، إذ الإنسان "محكوم بالحرية" ويجب أن يتحمل مسؤولية اختياراته. في عالم البيانات الضخمة، هذه المطلقية تتعرض لتجربة جديدة، الحرية مطلقة ولكنها مشروطة بطريقة غير مباشرة من قبل الهياكل الرقمية التي تحدد السلوك. هذا يعيدنا إلى سؤال أساسي، هل يمكن أن يكون الإنسان حرا إذا كانت معرفته بذاته وبتأثيرات البيئة الرقمية غير كاملة؟ وهل يمكن اعتبار أي اختيار حر إذا كان مشفّرا مسبقا ضمن أنماط البيانات؟ .

الإجابة على هذا السؤال تتطلب إعادة التفكير في طبيعة السيادة على الذات. السيادة لم تعد تتعلق فقط بالقرار الأخلاقي أو الفعل المستقل، بل تتعلق بالقدرة على إدارة المعلومات الشخصية، وفهم كيفية استغلالها، وإدراك الديناميكيات الرقمية التي تتحكم في سلوكياتنا. الفيلسوف لوك، الذي وضع قواعد الحرية الطبيعية والحقوق الأساسية للفرد، لم يتصور يوما أن الحرية قد تكون مهددة من قبل كود رقمي وخوارزميات تتنبأ برغباتنا قبل أن ندركها نحن. هنا يظهر الفرق الجوهري بين الحرية الكلاسيكية في سياق العلاقات الاجتماعية التقليدية، وبين الحرية الحديثة في زمن البيانات، إنها حرية معرفية نقدية واستراتيجية، تتجاوز مجرد الإرادة لتصبح مسألة وعي وتحليل وإعادة تشكيل للذات في مواجهة بيئة رقمية ضخمة ومعقدة.

البيانات الضخمة تشكل منظومة تفاعلية مع الإنسان، ليس باعتباره مجرد موضوع مراقب، بل باعتباره شريكا في خلق نمط سلوكي يُقرأ ويستثمر. هذه الثنائية بين المراقب والمراقب عليه تعكس رؤية فوكو للسلطة، لكنها أعمق وأكثر نفوذا، فهي سلطة تحاكي العقل وتتعلم منه وتتكيف معه، وهو ما يجعل فهم الحرية عملية مستمرة من الوعي والتفكير النقدي. الإنسان الحر في هذا العصر ليس فقط من يختار، بل من يعرف ويستطيع تحليل تأثيرات المعلومات على نفسه، ويعيد صياغة ذاته ضمن هذا الفضاء الرقمي المعقد.

في عالم يسيطر فيه التزايد الهائل للبيانات، لم تعد الحرية مجرد قضية شخصية أو أخلاقية، بل أصبحت موضوعا وجوديا ومجتمعيا. فالبيانات الضخمة لا تمثل مجرد معلومات جامدة، بل هي شبكة مترابطة من المعاني والدلالات التي تُصاغ وتُعاد صياغتها باستمرار، فتخلق واقعا رقميا يتجاوز الإرادة الفردية. كما يشير هربرت ماركوزه في تحليله للمجتمع الصناعي المتقدم، إن حرية الإنسان لا تتحقق فقط في مواجهة القهر المباشر، بل في مقاومة الهيمنة الخفية التي تفرضها البنى الاقتصادية والاجتماعية، وإذا انتقلنا إلى عصر البيانات الضخمة، فإن هذه الهيمنة تتحول من مادية واجتماعية إلى معرفية رقمية، بحيث يُعاد إنتاج رغباتنا وسلوكياتنا ضمن أنماط متوقعة مسبقا.

إن السيادة على الذات تصبح تحديا معرفيا أعمق، ليست مسألة اختيار ضمن مجال محدد، بل القدرة على فهم كيفية تشكل اختياراتنا عبر الخوارزميات، والقدرة على إعادة توجيه هذه الاختيارات بما يعكس وعيا ذاتيا متجذرا. هنا تتلاقى أفكار سارتر حول الحرية المطلقة مع تحليل فوكو للسلطة الموزعة، فالفرد حر من حيث أنه مسؤول عن اختياراته، ولكنه يعيش ضمن شبكة قوة غير متكافئة وذكية، تتحكم في سلوكه بطرق غير مرئية. إن الحرية في هذا العصر إذن، لم تعد مجرد مقاومة للضغط الخارجي، بل فن التعرف على القوى غير المرئية التي تُشكل وعينا وقراراتنا.

المفارقة الكبرى تكمن في أن البيانات الضخمة ليست مجرد وسيلة للرقابة، بل أيضا وسيلة لتعزيز الإمكانيات الفردية إذا ما تمت إدارتها بوعي. إذ يمكن للمعرفة الدقيقة بسلوكنا الرقمي أن تمنحنا أدوات لفهم أنفسنا بشكل أعمق، وتطوير مهارات اتخاذ القرار، وصياغة استراتيجيات للتصرف الحر ضمن شبكة معقدة من التأثيرات. وهنا يظهر البعد الأخلاقي للحرية، فالحرية لم تعد فقط فعلا، بل مسؤولية مستمرة تتطلب تحليلا نقديا للبيانات، ووعيا بالخوارزميات، وقدرة على اتخاذ خيارات متأملة. كما يشير هانز جورج غادامير في فلسفته التأويلية، فإن فهم الإنسان لذاته ولعالمه مشروط بالوسط الذي يعيش فيه، وبالمعرفة التي يمتلكها، ومن هنا فإن الحرية تتطلب وعيا متأملا بما يحيط بنا من بيانات وتأثيرات غير مرئية.

إذا انتقلنا إلى النظرية السياسية، فإن الحرية في زمن البيانات الضخمة تضع تحديات جديدة أمام مفهوم الديمقراطية. فالقرارات السياسية، التي كانت تعتمد تاريخيا على التفاعل البشري المباشر والمعرفة الواقعية، أصبحت اليوم تتأثر بشكل كبير بتحليلات رقمية تتنبأ بسلوك الناخبين، وتوجه حملات الدعاية والسياسة العامة وفق ما يُعتقد أنه "الأكثر احتمالا". هذه السيطرة الخفية كما يوضح نيكولاس كار، تؤدي إلى نوع من "التلاعب الطفيف" الذي يغير قرارات الأفراد دون وعيهم المباشر، وهو ما يعيدنا إلى السؤال الفلسفي القديم، هل يمكن للإنسان أن يكون حرا إذا كانت قراراته تتأثر بصورة دقيقة ومنهجية بقوى خارجية، وإن كانت غير محسوسة؟.

إن الحرية في زمن البيانات الضخمة تعيد صياغة العلاقة بين الفرد والمجتمع والوعي والاختيار، وبين المعرفة والسلطة. فالتحكم الخفي الرقمي لا يلغي الحرية بالضرورة، ولكنه يحولها إلى ممارسة متواصلة من التأمل الذاتي، وإعادة قراءة السياق الرقمي، وفهم القوى المؤثرة على اختياراتنا. الحرية هنا لا تُختزل في الإرادة، بل تتطلب معرفة دقيقة بما يحيط بنا من بيانات، وتحليلا نقديا للأنماط الرقمية، ومقاومة واعية للتوجيهات الخفية. وهي بذلك تتحول من قيمة مجردة إلى ممارسة فلسفية يومية، تتطلب الانتباه والتحليل والفهم.

إن الخطر الأكبر الذي يهدد الحرية في هذا العصر ليس الرقابة المباشرة، بل الانقياد الطوعي غير المدرك، حيث يصبح الفرد جزءا من نظام رقمي يقرأ توجهاته ويعيد توجيهها دون أن يلاحظ ذلك. هنا يأتي دور الفلسفة ليس فقط في وصف هذه الظاهرة، بل في تقديم أدوات معرفية لفهمها وتحليلها، وإعادة صياغة ممارساتنا اليومية بما يعزز السيادة الذاتية كما يشير هابرماس في نظرية الفعل التواصلي. إن القدرة على النقاش الحر والتفكير النقدي هي أساس أي حرية حقيقية، وإذا نقلنا هذا إلى العصر الرقمي، فإن القدرة على تحليل البيانات وفهم تأثيراتها، والوعي بالتوجيهات الخفية للخوارزميات تصبح شرطا لازما للحفاظ على الحرية.

بالإضافة إلى ذلك، تعيد البيانات الضخمة تحدي مفهوم الهوية الفردية، إذ لم يعد الإنسان كائنا منفصلا عن بياناته، بل هو مزيج من سلوكه الواقعي والرقمي معا. فالبيانات تصبح امتدادا للذات، ومن ثم فإن التحكم فيها أو فهمها يصبح جزءا لا يتجزأ من ممارسة الحرية. كما تشير حنة أرندت في تحليلها للحرية السياسية، فإن الحرية تتطلب مشاركة فعالة وفهما عميقا لآليات السلطة، وفي العصر الرقمي، هذا الفهم يشمل أيضا فهم الشبكات الرقمية التي تحدد اتجاهاتنا وسلوكنا. الحرية إذن، تتحول إلى ممارسة معرفية متعمقة، تتطلب إعادة التفكير في علاقتنا بالذات، وبالمجتمع، وبالتقنيات التي تشكل حياتنا.

وفي هذا الإطار، يمكننا تصور الحرية كمسار مستمر من الوعي والتأمل والتحليل النقدي، وهو مسار يتحدى الفرد ليصبح سيدا على اختياراته، حتى في عالم تتحكم فيه الخوارزميات بشكل متزايد. إن الحرية لم تعد مجرد حالة ثابتة أو قيمة أخلاقية، بل عملية مستمرة من التفاعل الواعي مع محيطنا الرقمي، واستغلال البيانات لفهم أنفسنا بشكل أفضل، وتحقيق السيادة الذاتية في مواجهة التحكم الخفي.

إن الحرية في زمن البيانات الضخمة ليست مجرد خيار، بل مسؤولية وجودية وفلسفية، تتطلب من الفرد وعيا نقديا دائما، وفهما عميقا لكيفية تأثير الخوارزميات والبيانات على حياته. الحرية هنا ليست غياب القيود فقط، بل هي القدرة على فهم القوى المؤثرة، والتفاعل معها بوعي، وصياغة حياة متكاملة تتجاوز مجرد الانقياد. إنها حرية مُعاد تعريفها لتصبح مزيجا من الوعي الذاتي والتحليل النقدي، والسيادة على الذات، في مواجهة عالم رقمي معقد ومتشابك، حيث يُعاد تشكيل رغباتنا واختياراتنا باستمرار.

انطلاقا من هذا المعنى، يمكننا النظر إلى الحرية كفعل فلسفي حي، يمارس عبر كل لحظة من حياتنا اليومية، عبر كل تفاعل رقمي، وعبر كل قرار يتأثر بالبيانات والتحليل الرقمي. إنها حرية تتجاوز حدود التقليد الكلاسيكي، لتصبح ممارسة معرفية واستراتيجية، تتطلب من الإنسان ليس فقط أن يكون واعيا بما يحيط به، بل أن يكون قادرا على إعادة تشكيل ذاته وفهم ذاته ضمن شبكة متشابكة من المعلومات والتأثيرات الخفية.

تتحقق الحرية في زمن البيانات الضخمة عبر مزيج من الوعي الذاتي والتحليل النقدي، والمقاومة الاستراتيجية للسيطرة الخفية، لتصبح ممارسة فلسفية يومية، تتجاوز مجرد الإرادة إلى ممارسة عقلية معرفية عميقة، تُعيد تأكيد السيادة على الذات في عالم تحكمه البيانات والتقنيات الرقمية.

***

د. حمزة مولخنيف

تفكيك العقد الاجتماعي المشوه وسردية "نحن أو الفوضى"

مقدمة: هندسة الخوف والعبودية

في قلب البنية السياسية للدول المستبدة وتحديدا تلك المصنفة كدول فاشلة أو التي تتأرجح على حافة الانهيار تكمن سردية مركزية تحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم. هذه السردية لا تستمد مشروعيتها من الدستور، ولا من الإنجاز الاقتصادي، ولا حتى من الكاريزما التقليدية للزعيم، بل ترتكز على معادلة صفرية وحشية: "الذل والاستعباد مقابل وهم الأمن والأمان".

هذه المعادلة، التي يطرحها هذا التقرير للنقاش، ليست تكتيكاً سياسياً عابراً، بل هي "تقنية حكم" راسخة، تعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتشوّه البنية الاقتصادية، وتستدعي موروثات ثقافية ونفسية عميقة لضمان ديمومتها. إن السؤال المركزي الذي يوجه هذا البحث هو: هل نحن أمام تجلٍ متطرف لنظام رأسمالي عالمي يعيد إنتاج نفسه في الأطراف عبر ما يمكن تسميته بـ "الرأسمالية الاستبدادية"، أم أننا بصدد ظاهرة بنيوية ونفسية مرتبطة بـ "شرط ما بعد الاستعمار" وسيكولوجية الشعوب المقهورة؟

للإجابة، يستدعي التقرير أدوات التحليل الفلسفي (من هوبز إلى أرندت)، والاقتصادي السياسي (من سمير أمين إلى عجم أوجلو)، وعلم الاجتماع السياسي والنفسي (من فانون وميمي إلى شرابي وغليون).

أولاً: "الأمن" كسلعة للابتزاز.. تحوّل المفهوم

 في الفلسفة السياسية الكلاسيكية، يُنظر إلى الأمن باعتباره الغاية الأولى للعقد الاجتماعي. أسس الفيلسوف توماس هوبز في كتابه المرجعي "الوحش" (أو التنين) لشرعية الدولة بناءً على قدرتها على إنهاء حالة "حرب الكل ضد الكل".

ومع ذلك، فإن ما تقدمه الأنظمة الديكتاتورية يختلف جذرياً عن الأمن الهوبزي. فبدلاً من أن تكون الدولة هي "الحارس" الذي يمنع العنف، تصبح هي "المحتكر للعنف" الذي تهدد به المجتمع. الأمن هنا ليس حقاً عاماً، بل "منحة" مشروطة بالخضوع التام. وكما يشير المفكر برهان غليون في تحليله للدولة الأمنية العربية، فإن هذه الأنظمة أدخلت المجتمعات في حالة من "الموت السريري"، حيث تتم مقايضة الحقوق السياسية والمدنية ليس بأمن حقيقي، بل بـ "وهم الأمن". هذا الوهم يعني غياب الحرب الأهلية الشاملة مؤقتاً، لكن مع استمرار العنف البنيوي المتمثل في الفقر، والاعتقال، والإذلال اليومي. إنها معادلة تضع المواطن أمام خيارين: إما "الاستقرار في القبور" (السجون والمنافي) أو "الفوضى المتوحشة" التي يتم التلويح بها كفزاعة دائمة.

ثانياً: جدلية "الذل" والعبودية الطوعية

لماذا تقبل الشعوب بهذه المعادلة؟ هل هو القهر المادي فقط؟ هنا نستحضر أطروحة إتيان دو لا بويسي حول "العبودية الطوعية"، حيث يجادل بأن الطغاة لا يملكون قوة ذاتية لقهر الملايين، بل يستمدون قوتهم من قبول الشعوب لخدمتهم؛ إذ يقول: "إنه لا يملك عينين إلا عيونكم، ولا يملك يدين إلا أيديكم".

في الأنظمة الفاشلة، يتحول "الذل" من حالة طارئة إلى "مؤسسة"، ومن شعور بالألم إلى "استراتيجية بقاء". يصبح الذل جزءاً من نسيج الحياة اليومية: في طوابير الخبز، والحواجز الأمنية، والدوائر الحكومية. هذا "الإذلال الممنهج" ليس عبثياً، بل هو أداة لكسر "العمود الفقري الأخلاقي" للفرد، ودفعه للتركيز فقط على "النجاة البيولوجية" بدلاً من "العيش الكريم" وفق توصيف حنة أرندت.

ثالثاً: المقاربة الفلسفية.. تفكيك بنية الرعب

لفهم عمق المعادلة، يجب الغوص في الأسس الفلسفية التي تبرر الاستعباد بدعوى الأمن:

العقد الاجتماعي المغدور (هوبز ولوك): تستعير الأنظمة المستبدة لغة هوبز لتبرير بطشها، مدعية أن الطبيعة البشرية شريرة وأن "السيف" هو الضامن الوحيد للنظام. لكن جون لوك ينقض هذه المعادلة، مؤكداً أن الأمن بلا حرية وتملك هو "سجن"، وأن الحكومة التي تنتهك هذه الحقوق تفقد مبرر وجودها. في دولنا، نجد تبنياً انتقائياً ومشوهًا لهذه النظريات.

حنة أرندت وإلغاء الإنسانية: ترى أرندت أن الخطر في الأنظمة الشمولية ليس فقط قمع الحرية، بل في "تدمير العفوية" وإلغاء التفرد الإنساني. تقدم الدعاية الشمولية الأمن كبديل مغرٍ للجماهير المعزولة، قائلة: "تنازلوا عن تفكيركم وتحملوا المسؤولية، ونحن نضمن لكم مكاناً في حركة التاريخ". يعمل الذل هنا كأداة عزل؛ إذ ينكفئ الفرد على ذاته خجلاً من عجزه، مما يمنع تشكل أي فعل سياسي تشاركي.

أفيشاي مارغليت والمجتمع اللائق: في كتابه "المجتمع اللائق"، يطرح مارغليت معياراً جوهرياً: المجتمع اللائق هو الذي لا تهين مؤسساته الناس. في الديكتاتوريات، الإذلال هو "بنية مؤسسية" مصممة لإشعار المواطن بالعجز وأنه مجرد "موضوع" للسلطة، وكتلة بيولوجية تُدار بالحد الأدنى دون اعتراف بحقوقها.

رابعاً: الاقتصاد السياسي للقمع.. من "النيوليبرالية" إلى رأسمالية المحاسيب

تشير الأدبيات الحديثة إلى صعود نموذج "الرأسمالية الاستبدادية". في العالم العربي ودول الجنوب، لم يؤدِ الانفتاح الاقتصادي إلى الديمقراطية، بل أعاد تشكيل الاستبداد:

الانفتاح كأداة قمع: تزامنت سياسات السوق المنفلتة مع "تغول أمني". انسحبت الدولة من خدمات الرعاية الصحة والتعليم، مما كسر العقد الاجتماعي الرعوي، وعوضت فقدان الشرعية بـ "فائض القوة" الأمنية.

رأسمالية المحاسيب: البنية الاقتصادية ليست تنافسية، بل شبكة مصالح زبائنية بين النخبة الحاكمة ورجال الأعمال المقربين. وظيفة الأمن هنا حماية الاحتكارات ومنع المنافسة التي قد تهدد تدفق الريع.

الدولة الريعية وفخ "اللا تمثيل": في الدول المعتمدة على النفط أو المساعدات الخارجية، تستغني الدولة عن ضرائب المواطنين، وبالتالي عن تمثيلهم سياسياً. وحين يتراجع الريع، يتحول شراء الولاء بالمال إلى فرض الصمت بالخوف.

خامساً: المركز والأطراف.. جذور التبعية

من منظور الماركسية الجديدة، يرى الاقتصادي سمير أمين أن هذه الأنظمة نتاج "رأسمالية طرفية". هذه الدول ممنوعة بنيوياً من التطور المستقل، حيث تلعب النخب الحاكمة دور "الوسيط التابع" (بدلاً من مصطلح الكومبرادور) الذي يسهل نهب الموارد لصالح الشركات العالمية مقابل حماية عروشه. "الذل" هنا ضرورة اقتصادية للحفاظ على أجور منخفضة. كما أن مشاريع التنمية غالباً ما تكون "وهمية" تخدم الاستهلاك النخبوي وتترك الأغلبية في حالة فقر يسهل معه ضبطهم أمنياً.

ويتفق ذلك مع طرح عجم أوجلو وروبنسون حول "المؤسسات الاستحواذية" التي تنتزع الثروة من الأغلبية، وتفضل "الركود مع الأمن" على "النمو مع الحرية" خشية أن يزعزع الابتكار توازنات القوة.

سادساً: سيكولوجية القهر.. من الاستعمار إلى الاستبداد الوطني

الذل ليس صفة أصيلة في الشعوب، بل "تشوه بنيوي" تاريخي

فرانتز فانون وتذويب الدونية: الاستعمار لا يحتل الأرض فحسب، بل يستعمر العقل زارعاً شعوراً بالنقص. بعد الاستقلال، ورث الحاكم الوطني (الديكتاتور) "كرسي المستعمر"، ومارس نفس الدور الأبوي القمعي على شعب لم يتحرر نفسياً بعد.

ألبير ميمي واعتمادية الضحية: تنشأ علاقة اعتمادية تجعل المواطن يشعر بالعجز دون "الدولة/الأب" حتى لو كانت تذله. يصبح الذل مرادفاً للواقعية، ومحاولة التغيير ضرباً من الجنون.

استمرارية الدولة الكولونيالية: لم تنشأ الدولة العربية الحديثة كعقد اجتماعي، بل كجهاز سيطرة ورثته الأنظمة الوطنية وقامت بـ "تبيئته" دون تفكيك وظيفته القمعية.

سابعاً: الثقافة كأداة هيمنة.. "الأبوية المستحدثة"

لا يمكن إغفال دور الثقافة كأداة يتم التلاعب بها:

الأبوية المستحدثة (هشام شرابي): لم تحقق مجتمعاتنا الحداثة، بل أنتجت مسخاً يجمع قشرة الحداثة (تكنولوجيا) وجوهراً تقليدياً (عشائرياً). الحاكم هنا هو "أب" العائلة، ونقده "عقوق"، مما يضفي شرعية دينية وثقافية على الذل.

الهيمنة الثقافية: يتم استخدام التعليم والإعلام لترسيخ فكرة أن الوضع القائم هو القدر المحتوم، وتصوير الحرية كـ "مؤامرة".

توظيف الانقسامات: يتم التلاعب بالطائفية والقبلية لإخافة المكونات الاجتماعية من بعضها، ليلجأ الجميع للاحتماء بعباءة المستبد.

ثامناً: الخاتمة والمسار المستقبلي

يخلص التقرير إلى أن معادلة "الذل مقابل وهم الأمن" بنية مركبة تتضافر فيها عوامل الاقتصاد السياسي، والتاريخ الاستعماري، والثقافة الأبوية. اقتصادياً، هي رأسمالية استحواذية؛ وتاريخياً، هي استمرار للدولة ما بعد الاستعمارية؛ وثقافياً، هي نظام أبوي يُشرعن الطاعة.

إلا أن هذه المعادلة محكوم عليها بالفشل الحتمي. فـ "اقتصاديات القمع" تستنزف الموارد (الإنفاق العسكري الهائل على حساب التعليم والصحة)، و"سياسات الإذلال" تخلق مخزوناً هائلاً من الغضب. لقد أثبتت الكوارث والأزمات (كزلزال 2023) أن هذا الأمن هش وأن الدولة "نمر من ورق". المخرج الوحيد يكمن في استبدال هذه المعادلة بـ "عقد اجتماعي جديد" يقوم على الكرامة كقيمة تأسيسية، حيث الأمن نتاج للعدالة وليس نقيضاً لها.

***

غالب المسعودي

.............................

المراجع المقترحة

أمين، سمير. (1974). التطور اللامتكافئ: دراسة في تشكيلات الرأسمالية المحيطية. بيروت: دار الطليعة

أوجلو، دارون، وروبنسون، جيمس. (2012). لماذا تفشل الأمم: أصول السلطة والازدهار والفقر. ترجمة مروان سعد الدين

أرندت، حنة. (1951). أسس التوتاليتارية. (يُشار هنا إلى تحليلاتها حول الشمولية والعزلة)

بشارة، عزمي. (2012). في الثورة والقابلية للثورة. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

شرابي، هشام. (1988). البنية البطركية: بحث في المجتمع العربي المعاصر. بيروت: دار الطليعة

غليون، برهان. (1991). نقد السياسة: الدولة والدين. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر

فانون، فرانتز. (1961). معذبو الأرض. بيروت: دار الفارابي

مارغليت، أفيشاي. (1996). المجتمع اللائق. (ترجمة ومناقشة للمفهوم في السياق السياسي)

ميمي، ألبير. (1957). صورة المستعمر والمستعمر

هوبز، توماس. (1651). الليفياثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة

لا بويسي، إتيان دو. (1576). مقالة في العبودية المختارة

 

" إن الحروف هي مفاتيح الكائنات وبها ظهر الأمر الإلهي في العالم، وإن كل موجود إنما قام على حرف أو أكثر، فمن عرف مراتب الحروف عرف مراتب الخلق، ومن جهلها بقي محجوبا عن أسرار التكوين... أن الحرف لا يعمل بذاته، بل بأخلاق حامله واستعداده.... إن الحروف لا تفتح أبوابها إلا لمن طهّر قلبه وزكّى نفسه، أما من طلب بها الغلبة أو الدنيا فإنها تنقلب عليه حجابا وظلمة، لأن الحرف نور، ولا يسكن النور قلبا ملوّثا.... إنّ الأعداد أصول المقادير، وإن الله أقام العالم على ميزان عدد معلوم، فلا زيادة ولا نقصان إلا بحكمة، وكل عدد له روح ومعنى، ومن أدرك معاني الأعداد أدرك انتظام الكون وسرّ التقدير فيه... والعدد ليس مجرد كمية رياضية، بل دلالة أخلاقية وروحية، فمن استعمل الأعداد بغير حقّها، ومن غير طهارة نية، فقد استعمل ميزان الله في غير موضعه، ومن خان الميزان فقد خان العهد، ومن خان العهد انقلب علمه وبالا عليه...الحروف أعداد ناطقة، و الأعداد حروف صامتة، و الجمع بينهما هو سرّ التأثير، لكن هذا السرّ لا يُؤتى إلا لمن جمع بين العلم والعمل، وبين المعرفة والتقوى، لأن الله لا يسلّم مفاتيح خزائنه لمن لا يؤتمن عليها....."

نصّ مقتبس من كتاب "شمس المعارف الكبرى"

يشكّل أحمد بن علي البوني المتوفى نحو سنة 622هـ أحد أكثر العقول إشكالية وعمقا في تاريخ التصوف الإسلامي الغربي، وهو ابن مدينة بونة( عنابة اليوم)، التي ستغدو لاحقا مسرحا لتقاطعات معرفية مدهشة بين التراث العرفاني والعلوم الحديثة. لم يكن البوني فقيها تقليديا ولا متكلّما عقلانيا، بل عارفا يرى أن الوجود يُقرأ لا بالعقل المجرد وحده بل بالرمز والكشف والتزكية، وأنّ اللغة القرآنية ليست أداة وصف بل بنية كونية خالقة. في هذا السياق يظهر كتابه" شمس المعارف الكبرى ولطائف العوارف" نصّا مركزيا كونه مشروع ميتافيزيقي جريء يربط بين الحرف والعدد والاسم والكون والإنسان ضمن رؤية شمولية تجعل المعرفة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون قدرة تقنية. ممّا يدعو إلى ضرورة تغيير نظرة النقاد والفقهاء حول الكتاب باعتباره كتاب سحر كما شاع.

يقيم البوني تصوره للوجود على علم الحروف، حيث لا تُفهم الحروف بوصفها أصواتا لغوية بقدر ماهي كيانات وجودية فاعلة، لكل حرف موقعه في نظام الخلق وعلاقته بالعناصر والكواكب والمراتب الروحية. العالم عنده مكتوب قبل أن يكون مرئيا، والقرآن هو الخريطة الكبرى التي تتوزّع فيها الحروف كوسائط للتجلّي الإلهي. بهذا المعنى تصبح المادة أثرا لاحقا للّغة، ويغدو الكون نصّا قابلا للقراءة بالبصيرة. هذه الرؤية تضع البوني في تماس فلسفي غير مباشر مع مفاهيم معاصرة ترى العالم شبكة معلومات وأنماطا قبل أن يكون كتلة مادية، وهو ما يجعل فكره لا ينحصر في الطقوسية كما روّج له بل قابلا للتحديث . ومن الحروف ينتقل البوني إلى الأسماء الحسنى، حيث يؤكد أن الاسم ليس لفظا للترديد بل حضورا وجوديا يتحقّق بالنّية والانسجام الأخلاقي. فالاسم عنده ليس تقنية للسيطرة بل علاقة، ولا يعمل إلا بقدر ما يعمل الإنسان على تهذيب ذاته. الذكر اللّساني بلا تزكية لا يولد أثرا، والاسم بلا أخلاق يتحوّل إلى فتنة. هنا تتجلّى فلسفة دقيقة تفصل بين المعرفة كقوة والمعرفة كمسؤولية، وتربط التأثير بالاستعداد الداخلي لا بالصيغة الخارجية.

أما الأعداد والأوفاق والطلاسم، وهي أكثر أجزاء الكتاب إثارة للريبة، فيقدمها البوني ضمن نظام تحذيري صارم. العدد ليس كمية محايدة بل دلالة كونية، ونمط رياضي يعكس انتظام الوجود. لكنه يشدد على أن العبث بهذه الأنظمة دون طهارة نية يقود إلى الانحراف لا إلى الكشف. فالأوفاق ليست أدوات هيمنة بل خرائط رمزية لفهم العلاقات الخفية بين الإنسان والكون، ويظلّ البعد الأخلاقي هو الضامن الوحيد لسلامة هذا الفهم.

في قلب هذا المشروع يقف الإنسان بوصفه الكائن الوسيط، نقطة التقاء بين العالم السفلي والعالم العلوي، قادرا على الترقي أو السقوط بحسب وعيه وأخلاقه. المعرفة لا تهدف إلى تغيير العالم الخارجي بل إلى إعادة تشكيل الداخل، ولا قيمة لأي كشف لا يقود إلى التزكية. هكذا يضع البوني حدّا فاصلا بين العرفان الحقيقي والاستغلال النفعي للرمز، ويجعل الغاية القصوى للمعرفة هي الانسجام مع النظام الكوني لا السيطرة عليه.

ورغم التحريم التاريخي وسوء التلقّي الشعبي، ترك شمس المعارف أثرا عميقا في المخيال العرفاني والفلسفي، إذ رّسخ فكرة أن الكون نظام مترابط قابل للقراءة، وأن اللغة والعدد والاسم مفاتيح لفهمه، وأن المعرفة المنفصلة عن الأخلاق تتحوّل إلى خطر. هذه الأفكار، وإن وُلدت في سياق صوفي، تجد اليوم صدى غير متوقع في عصر الذكاء الاصطناعي والميتافيرس.

في العالم الرقمي المعاصر لم يعد الإنسان يتعامل مع مادة صماء بل مع رموز وبيانات وخوارزميات، أي مع عالم مكتوب بلغة جديدة. هنا يمكن إعادة قراءة شمس المعارف بوصفه نصا استباقيا، إذ تتحول الحروف والأعداد إلى عناصر تفاعلية، وتصبح البيئات الافتراضية أنظمة رمزية تستجيب لتصرّفات المستخدم. المتافيرس ليس فضاء للترفيه فقط، بل كونا قابلا للبرمجة والمعنى، حيث كل فعل رقمي يعيد تشكيل البيئة، تماما كما رأى البوني أن كل نية تعيد تشكيل الأثر.

في هذا السياق يبرز تقاطع لافت بين البوني وأحد أبناء عنابة المعاصرين، عثمان بوقطاية، المختص في علوم البيانات وData Things. فكما اشتغل البوني على أنماط الحروف والأعداد لفهم النظام الكوني والتفاعل معه أخلاقيا، يعمل بوقطاية على تحليل أنماط البيانات والتفاعلات الرقمية التي تشكل العوالم الافتراضية الحديثة. كلاهما يشتغل على القراءة العميقة للأنظمة غير المرئية، وكلاهما يدرك أن المعنى لا ينتج من الكم وحده بل من العلاقة والسياق والتأثير. الفرق أن البوني استخدم لغة الرمز الصوفي، بينما يستخدم بوقطاية لغة الخوارزمية والبيانات، لكن الجوهر واحد وهو البحث عن منطق خفي يحكم التفاعل بين الإنسان والنظام.

بهذا المعنى تصبح عنابة نقطة التقاء رمزية بين زمنين، زمن العرفان وزمن البيانات، حيث يتجسّد الانتقال من الأوفاق إلى الخوارزميات، ومن الحرف الكوني إلى الكود الرقمي، دون أن يُلغى السؤال الأخلاقي. فكما حذر البوني من المعرفة بلا تزكية، يفرض عصر الذكاء الاصطناعي السؤال ذاته: هل نملك القدرة على توجيه التقنية أخلاقيا أم سنتركها تتحوّل إلى قوة عمياء.

إن شمس المعارف الكبرى ليس كتابا عن الماضي بل مرآة للمستقبل، نصا يضعنا أمام سؤال جوهري يتجاوز التصوّف والتكنولوجيا معا، هل المعرفة سيطرة أم مسؤولية. وفي زمن الميتافيرس والتواصل الافتراضي يمكن أن يصبح هذا الكتاب خارطة فلسفية لتصميم عوالم رقمية واعية، حيث تُترجم النية إلى أثر، والرمز إلى تجربة، والتكنولوجيا إلى وعي. هكذا يظل شمس المعارف وثيقة فكرية عابرة للزمن، تصل بين التصوف الإسلامي والميتافيزيقا الرقمية، وتؤكد أن جوهر المعرفة واحد مهما تغيرت لغتها.

***

ليلى تبّاني ـ الجزائر

يشيع في الحقول العلمية والثقافية، وحتى في التداول الاجتماعي العام، استخدام مصطلح "المفكر" استعمالًا فضفاضًا، يكاد يفقده حدوده الدلالية ويحوّله إلى توصيف إنشائي أكثر منه مفهومًا معرفيًا دقيقًا. وحين يُسأل الناس عن معنى المفكر، تتشعّب الإجابات وتتنافر: فبعضهم يراه المنخرط في إنتاج الوعي، وبعضهم يحصره في العالِم الذي يمتلك مشروعًا معرفيًا ذا منطلقات ومنهجيات واضحة في المقاربة والتساؤل. وهكذا تتكاثر التعريفات من غير أنّ تستقر على معطى جامع أو معنى ضابط.

وليس المقصود هنا الانخراط في تفريع هذا المفهوم أو تعداد المؤاخذات النظرية التي تَرِد عليه، بقدر ما هو التنبيه إلى غياب مفهوم أجده أكثر قربًا في البيان، وأدقّ في توصيف الذات العالِمة حين تمارس مساءلتها العميقة لذاتها وللعالم. هذا المفهوم هو "المتأمِّل"، وهو في تقديري أصدق تعبيرًا عن تلك الذات البصيرة المتبحّرة التي جرى اختزالها، على نحو متعجّل في عنوان "المفكر".

فما معنى "المفكر" على التحقيق؟ إن التفكير، بالمعنى العام، فعل مشترك بين البشر جميعًا، وهو حاضر- بدرجات واستجابات مختلفة - حتى في السلوك الحيواني. وإذا كان الأمر كذلك، فإن إطلاق صفة "المفكر" لا ينهض وحده بتمييز نوعي دقيق، ولا يمنح الامتياز المعرفي الذي يُراد له عادة. من هنا تبدو الحاجة إلى مفهوم أكثر كثافة وأشدّ تخصيصًا، وهو ما أجده متحققًا في "المتأمّل".

في هذا السياق، يمكن الاستفادة من تجربة الغزالي(ت1112م) في دلالتها العميقة، بوصفها انتقالًا من عقل البرهان إلى أفق الكشف. فالغزالي لم يتخلَّ عن العقل، لكنه أدرك حدوده حين ينفصل عن البصيرة. والتأمّل عنده لم يكن نقيض التفكير، وإنما تجاوزه، أي نقله من مستوى الاشتغال الصوري إلى مستوى المعنى الحي، إذ لا تُختزل الحقيقة في الدليل، ولا المعرفة في النسق.

وعلى خطّ موازٍ، مارس محمد أركون(ت2010م) نقدًا جذريًا لما سمّاه "العقل الإسلاميَّ الكلاسيكي" و"العقل الأرثوذكسي"، ليس لأنّه عقل يفكّر، بل لأنّه عقل توقّف عن مساءلة نفسه واختبار وعوده. عقل راكم المفاهيم، وأدار النصوص، لكنّه فقد الجرأة على اختبار بداهاته الخاصة. ومن ثَّم، جاءت دعوته إلى تفكيك الاصطلاحات المهيمنة، لأن المفهوم حين يتحوّل إلى سلطة، يكفّ عن كونه أداة للفهم، ويغدو حاجزًا أمامه.

إن الذات العالِمة المتأمِّلة تسبق- من حيث العمق لا الزمن- الذاتَ العالِمة المفكِّرة. فالتفكير، في صوره الغالبة، يظلّ أسير العقل الأداتي: عقل التصنيف والترتيب والبرهنة. أمّا التأمّل فينشأ من تداخل العقل والروح، من منطقة لا يُختزل فيها الإنسان إلى آلة استدلال، ولا تُفصل فيها المعرفة عن الوعي الوجودي. ولا يُقصد بالتأمّل هنا نفي التفكير أو استبداله، وانما اعتباره شرطًا لتعميقه، إذ لا يبلغ التفكير مداه الكاشف إِلَّا حين يتجاوز أداتيته وينفتح على أفق المعنى.

ولتقريب الفكرة أكثر، يمكن النظر إلى المثقف المعاصر الذي يكتب مقالات أو يحلل ظواهر اجتماعية وسياسية بشكل سريع، ولكنه لا يوقف نفسه للتأمّل في أبعاد هذه الظواهر ومعانيها العميقة أو المطمورة، ويظلّ إنتاجه معرفيًا– لكنه محدود البصيرة. هذا الفرق البسيط يوضح لماذا التأمّل ليس رفاهية فكرية، بل شرط لتعميق الفهم، وإعطاء المعرفة أفقًا حقيقيًا بدل الانزلاق إلى التراكم العقلي الآلي.

الروح هنا ليست مفهومًا غيبيًا، بقدر ما هي أفق الكشف الذي يمنح التفكير معناه، ويقيه من التحوّل إلى مهارة فارغة، ويحول العملية المعرفية إلى فعل حيّ متواصل، لا مجرد تطبيق تقني أو استعمال آلي للمفاهيم.

وانطلاقًا من ذلك، فإن الدعوة موجّهة إلى الأوساط العلمية والثقافية والاجتماعية لإعادة النظر في هذا الاصطلاح الشائع، والعدول- ولو على مستوى النقد والمساءلة– عن عنوان "المفكر" لصالح عنوان "المتأمّل". فقلّة هم أولئك الذين يمارسون فعل التأمّل بوصفه اشتباكًا حيًّا بين العقل والروح، ومزاوجةً خلاّقة لا ينفصل فيها التحليل عن البصيرة، ولا المعرفة عن الوعي الوجودي. وقد أظهر الواقع المعاصر في الإعلام ووسائل التواصل الحديثة أنّ كثرة من يُنعتون بالمفكرين يملكون سرعة في التحليل والإجابة، ولكنهم يفتقرون إلى هذا العمق التأملي، ما يؤكد الحاجة الماسة لإعادة النظر في المصطلح.

وقبل أنّ أضع النقطة في نهاية السطر أود القول إن هذه المقاربة ما هي إِلَّا محاولة مفتوحة، قابلة للأخذ والرد، لا تدّعي امتلاك القول الفصل. غير أنّه إذا كان التعاون في المتّفق عليه واجبًا معرفيًا وأخلاقيًا ودينيًا، فإنّ التسامح في المختلف فيه أوجب، لأنه الشرط الضروري لكل تأمّل – أو تفكير- معتبر.

***

أ. م. د. حيدر شوكان السلطانيَّ

جامعة بابل- كلية العلوم الإسلاميَّة- قسم الفقه وأصوله

بين الجوهر الروحي والاستغلال الدنيوي.. رُؤيةٌ مُستقاةٌ منْ تَجربةٍ طَويلة

بعد مسيرة امتدت لما يقرب من أربعة عقود من التفاعل مع عالم الدين والتدين بمختلف أطيافه وخلفياته ورموزه وأفكاره وتمظهراته وتجلياته، شملت اطلاعات ودراسات وتحليلات ونقاشات وحوارات مع كثير من علماء الدين، مع متابعة دقيقة للخطابات الدينية، وقراءات نقدية معمقة في بنى التراث التاريخي الديني، ومشاركة في مؤتمرات وندوات وجلسات، تبلورت لدي رؤى محددة حول البعد الديني أو الظاهرة الدينية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية عموماً..

وهذه الرؤى لم تأت أو تنبع من فراغ، بل هي –كما قلت- ناشئة عن مقدمات وحصيلة تراكمية لتفاعل طويل مع الرؤى والنصوص الدينية الأصلية، وملاحظة للممارسات الواقعية، وتحليل للفجوة بين المثال والواقع..

الدين كسعي فردي وتجربة ذاتية نحو المعنى:

أرى أنَّ الدينَ في أساسه الحقيقي يرنو لبناء الإنسان على مقومات فكرية وروحية عميقة، هو بحاجة لها لإصلاح نفسه، وتهذيب ذاته، قبل الاندراج في معتركات الحياة وخوض غمارها وتحدياتها.. يعني هو أولاً تجربة ذاتية روحية، وسعيٌ فردي لإيجاد معنىً أعمق في الحياة وتحقيق سلام نفسي داخلي، قبل أن يكون له حالة ظهور خارجي على مستوى الفعل والحضور في الشأن العام.. إنها تجربة "جهاد أصغر" حقيقي، يقوم على بناء النفس وتهذيبها وفقَ القيم والأخلاق الرسالية السامية، قبل الانتقال إلى أي دور في الخارج على مستوى العلاقات والتبادليات والحضور.. وهذا البناء الداخلي هو الأساس المتين لأي بناء وعمران حضاري حقيقي خارجي، إذ كيف يمكن لمستخلَف في الأرض أن يساهم في بناء حضارة ذات معنى وغاية نبيلة، بلا قيم إنسانية راسخة أو فضائل نفسية متجذرة أو أخلاق رسالية قويمة؟!..

حرية التفكر مقابل التقليد والاستلاب الأعمى:

يقوم هذا السعي الروحي على التأمل والتفكر الحر، وليس على التقليد الأعمى أو الخضوع لتراث فقهي متحجر انتهت مفاعيله في الزمان والمكان.. النصوص الدينية الأساسية تؤكد باستمرار على أهمية التعقل والتدبر، وضرورة تحمّل مسؤوليات الاستخلاف والأمانة الربانية.. والآيات القرآنية التي تحث على التفكر والتعقل والتدبر ليست مجرد زخارف لفظية، بل هي دعوة صريحة لتفعيل العقل واعتماد الوعي النقدي في التعامل مع الدين وقضاياه الحياتية.. كما أن الأحاديث التي ترفع من شأن التفكر لتجعله "خيراً من عبادة ستين سنة" تؤكد على الأولوية الجوهرية للفهم الواعي على الممارسة الآلية الوظيفية.

علاقة والدين- احترام الفطرة ورفض التعقيد والغلو:

عامة الناس في مجتمعاتنا لا تنفر من الدين بحد ذاته، بل تحترمه كفطرةٍ وتوجهٍ فطري نحو الخالق. هذا الاحترام الفطري ينبع من حاجة إنسانية عميقة للاتصال بما يتجاوز الذات المحدودة. غير أن الناس عموماً ترفض -بحق- التطرف والتعقيدات والصراعات المذهبية التي لا طائل من ورائها، والتي غالباً ما تخدم أجندات فئوية مصلحية ضيقة بعيدة عن روح الدين الحقيقية في المعرفة والقيمية الأخلاقية.. وهي روح واحدة وحقيقة واحدة في كل الأديان في جوهرها.. فالدين واحد، وإن اختلفت شرائعُه. إنه حياة قلبية متجددة، تسمو بالإنسان من حظوظ نفسه إلى مشاهدة جمال الحق. وهو الجسر بين العبد والرب، حيث تصير الأخلاق عبادةً، والعبادة معرفةً، والمعرفة محبةً.

التدين المعتدل في الهواء الطلق:

يميل الناس بطبيعتهم إلى ممارسة تدينهم باعتدال وطمأنينة، بما يشبه ممارسة الطقوس في "الهواء الطلق" حيث التنفس حر والرؤية واضحة والآفاق ممتدة. وهم يبتغون علاقة مباشرة مع المقدس بعيداً عن الوسطاء المتعددين، وبمعزل عن الرؤى الجامدة المتكلّفة والاستغلال السياسي، وعدم احترام الخيارات الشخصية.. هذا النمط من التدين الفطري البسيط هو الذي يحافظ على حيوية الدين واستمراريته في سلوكيات الناس، بينما تهدده الممارسات المتشددة والتعقيدات المصطنعة والمغالاة المتكلفة.

مؤسسات رجال الدين.. بين الخدمة والاستغلال:

لا يمكن لأحد إلا أن يرى أمامه الكثير من الأمثلة الدالة على أن غالبية مؤسسات رجال الدين تحولت –مثل أي مجموعة ذات نفوذ في المجتمعات البشرية- تحولت مع الزمن إلى مجرّد هياكل تقليدية راكدة، تسعى فقط إلى تحقيق المصالح الخاصة لحرّاسها وسدنتها.. طبعاً هذا التحول من حالة الخدمة الروحية إلى حالة الجهاز المؤسسي المغلق ليس سمة دينية بحتة، بل هو ظاهرة بشرية تظهر في أي مؤسسة تتراكم فيها السلطة والامتيازات والمنافع الخاصة..

الاستغلال الاقتصادي والمعنوي:

ليس في السعي لتحقيق المصالح المشروعة مشكلة في حد ذاته.. أي أننا لا ننكر حقيقة أن الإنسان له مصالحه ومنافعه التي يسعى إليها، ولكن ليس تحت الغطاء والعمامة الدينية التي لها رمزيتها.. بما يعني أن العيب الحقيقي يكمن في الاستغلال الاقتصادي أو المعنوي للدين ومشاعر الناس تحت غطاء القداسة. حيث أنّ هذا التكسب "الرخيص" -الذي يتمُّ على حساب المشاعر الدينية الصادقة للناس، ويحول العلاقة الروحية إلى معاملة تجارية- هو الذي يفقد المؤسسة الدينية مصداقيتها والثقة فيها، ويبعدها عن دورها الأصيل المتمحور حول الفضيلة والرمزية القيمية الأخلاقية.

الصراعات الدينية- الجوهر السياسي تحت القشرة المقدسة:

الصراعات التي تُلبس ثوب الدين هي في حقيقتها صراعات سياسية دنيوية بحتة، تستخدم الشعارات الدينية لتبرير أطماعها ومحاولة إضفاء الشرعية عليها. والتاريخُ يظهر أن معظم الحروب التي توصف بأنها "دينية" كانت لها دوافعها ومسبباتها السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، حيث تم (ويتم) استخدام الدين كأيديولوجية تبريرية لتعبئة الأتباع وتحشيدهم، وإضفاء الشرعية على المطامع والمكاسب.

أحزاب التيار الديني والممارسات السياسية:

الأحزابُ ذات الخلفية الدينية لم تكن بأفضل حالاً من غيرها من الأحزاب في عالم السياسة؛ فقد انغمست في الممارسات السياسية نفسها، من صراع على السلطة والتآمر وحتى العنف أحياناً، متنكرةً في كثير من الأحيان للمبادئ التي ترفع شعارها. هذا التناقض بين الخطاب الأخلاقي والممارسة السياسية أضر بمصداقية التيارات الدينية في الحياة العامة، وجعلها في نظر كثيرين مجرد قوى سياسية تستخدم الدين كورقة ضغط.

النفاق الديني- أخطر أنواع النفاق.. استغلال القداسة لأغراض دنيوية:

أخطر أنواع النفاق هو ذلك الذي يتستر وراء الدين، لأنه يستغل قدسيته ومشاعر المؤمنين الطيبة لأغراض دنيوية خاصة. هذا النفاق المقدس يكتسب خطورته من كونه يحول المقدس نفسه إلى أداة للدنس، ويستعمل لغة القيم لنقض تلك القيم ذاتها. إنه نفاق مزدوج الخطورة: لأنه يخدع الناس باسم ما يقدسون، ويهدم الثقة في المؤسسات الدينية ذاتها.

وجود النماذج المخلصة:

مع هذا التشخيص النقدي، لا يعني ذلك عدم وجود علماء دين ومفكرين مخلصين، عملوا بصدق من أجل خدمة الإنسان وتخفيف معاناته، بغض النظر عن انتماءاته. هؤلاء المخلصون يمثلون الضمير الحي للدين، والذكرى المستمرة بما يمكن أن يكون عليه الدور الحقيقي لرجال الدين عندما يتحررون من الأجندات الضيقة، ويخلصون للقيم الإنسانية الكبرى.

نحو دولة مدنية عادلة-الدولة القوية كضامن للحرية الدينية:

إن الحل الجوهري يكمن في بناء دولة مدنية عادلة وقوية تحركها سلطات متغيرة، هي من تقود قاطرة الدولة التي هي بمثابة مظلة أمن واستقرار للجميع.. دولة تقوم على سيادة القانون والحرية والمساواة، وتضمن الحقوق الأساسية للمواطنين بما في ذلك حرية الاعتقاد والممارسة الدينية ضمن الحدود التي تحترم حرية الآخرين. في ظل هذه الدولة، تتراجع حاجة الناس للبحث عن ملاذات زائفة، وتفقد الخطابات الاستغلالية بريقها.

تحرير الدين من أسر السياسة:

في كنف الدولة المدنية العادلة، يعود الدين إلى جوهره الروحي والأخلاقي، ويؤدي رجاله دورهم الحقيقي في الهداية وترسيخ القيم، بعيداً عن متاهات السياسة والنفاق. تصبح العلاقة بين الدين والدولة علاقة تكاملية وليست تنافسية: الدولة توفر الإطار القانوني الذي يضمن حرية الممارسة الدينية ويحميها من الاستغلال، والدين يغذي القيم الروحية والأخلاقية التي تحتاجها أي مجتمع سليم.

ضعف الدولة وتنامي النفوذ الديني الزائف:

ضعف الدولة يفتح الباب على مصراعيه لتنامي نفوذ كل من هب ودب، من مستغلي الدين إلى المستبدين والمنافقين. في الفراغ السلطوي، تزدهر الخطابات الشعبوية الدينية التي تعد بالحلول السحرية، وتتحول الجماعات الدينية إلى بدائل للدولة في تقديم الخدمات، مما يعزز نفوذها ويوسع هامش استغلالها. بينما تقوى الدولة العادلة هي الضامن الحقيقي لتحرير الدين والمجتمع معاً من هذه الحلقة المفرغة.

نحو مستقبل أكثر إنسانية:

التجربة الطويلة مع عالم الدين تؤكد أن المشكلة ليست في الدين بحد ذاته، بل في العلاقة المشوهة بين الدين والمجتمع، وفي الاستغلال المؤسسي للدين لأغراض دنيوية. المستقبل الأكثر إشراقاً يكمن في إعادة الدين إلى مجاله الروحي والأخلاقي الشخصي، وفي بناء دولة مدنية عادلة تحمي هذا المجال من التدخلات والتوظيفات المشوهة.

إنَّ الدين الذي يُنظر إليه بوصفه طريقاً للوصول إلى المعرفة القلبية بالله، وليس مجرد مجموعة من العقائد والشعائر الظاهرة. وهذا هو الدين الذي يأتي العرفان (أو التصوف في السياق الإسلامي) ليكون جوهره الإنساني.. وهو يركز على البُعد الباطني، حيث يكون الهدف الأسمى هو الفناء في الله والبقاء به، عبر سُلَّم روحي يتدرج فيه السالك من ظاهر الدين إلى لبِّه الجوهري الفيّاض بالإشراقات والمعاني الإنسانية الوافرة.

وعندما يتم الفصل الوظيفي بين مجال الدين كمصدر للقيم والمعنى، ومجال الدولة كإطار للحقوق والواجبات، يمكن للمجتمعات أن تنتقل من دوامة الصراعات المذهبية إلى فضاء التعايش الإنساني. عندها فقط يتحرر الدين من أسر السياسة، وتتحرر السياسة من استغلال الدين، ويسير المجتمع نحو تكامل أكثر إنسانية بين حاجات الروح ومتطلبات العمران.

هذه الرؤى، رغم قسوتها أحياناً، تنبع من أمل عميق بإمكانية مصالحة حقيقية بين الدين والمجتمع، مصالحة تعيد للدين قدسيته وللمجتمع انسجامه، في ظل دولة تحمي الجميع وتخدم الكل.

***

نبيل علي صالح - باحث وكاتب سوري

الحرية، والفردية، والتاريخ

كتب: كريستوفر لينكيويتش

ترجمة: علي حمدان

***

مقدمة: كان فريدريك نيتشه (1844-1900) فيلسوفًا ألمانيًا يُذكر غالبًا كأحد رواد الوجودية، إلى جانب سورين كيركجارد (1813-1855). كان تأثير نيتشه هائلًا، وامتد إلى معظم فلسفة وأدب القرن العشرين، بما في ذلك الوجودية (كافكا، سارتر، كامو)، والظاهراتية (هوسرل، هايدغر، ميرلو-بونتي)، وما بعد البنيوية (دولوز، فوكو)، والتفكيكية (ديريدا).

على الرغم من أن تأثير نيتشه لا يظهر بشكل واضح، إلا أنه يُعتبر عاملاً حاسماً في تطور الفلسفة وتاريخها، ويُفهم حضوره وتأثيره على أنهما شبه شاملين. ولذلك، يُنظر إلى نيتشه بلا شك على أنه قوة مؤثرة في تاريخ الفلسفة وفي الفلسفة المعاصرة، وسواء قبلنا أو لم نقبل، على سبيل المثال، نقده للدين - وخاصة المسيحية - فقد تأثر به فلاسفة دينيون لاحقون مثل بول تيليش ومارتن بوبر. وتُعتبر رؤى نيتشه ومساهماته في الفلسفة عموماً بعيدة المدى وسابقة للعصر، إذ تتجاوز الزمان والمكان.

نيتشه والنازيون

لعلّ من الغريب أن اسم نيتشه يُرتبط غالبًا بالحزب النازي. فقد قامت شقيقته، إليزابيث فورستر-نيتشه، بتحريف ملاحظاته في إحدى النسخ الأولى من كتاب "إرادة القوة"، في محاولة لتبرير معاداة السامية والفاشية، مع أن البعض يعتقد أنها أرادت حماية إرث أخيها. لاحقًا، حاول النازيون أنفسهم استغلال كتابات نيتشه، مُوظفين فلسفته القاسية التي تبدو وكأنها تدعو للحرب، لتبرير أجندتهم السياسية.

يُوضح نيتشه معارضته لمعاداة السامية في مواضع عديدة، منها رسالته إلى فرانز أوفربيك، المؤرخة في 29 مارس 1883.

لعلّ قدري أن أُعتبر معادياً للسامية، مع أن غرائزي كلها تُعارض ذلك، ولا أتعامل مع أيٍّ من هؤلاء المُعادين للسامية. (Briefwechsel, 587)

إن استعداد نيتشه للسخرية من الشفقة والمساواة، بل وحتى الدفاع عن القسوة، يجعله عرضةً للتفسير، أو سوء التفسير، في سياق الدفاع عن المواقف والسلوكيات القاسية المرتبطة عادةً بالفاشية. لم تكن الفاشية انبثقت فعلياً في القرن العشرين، ومن المحتمل أن يكون نيتشه قد قلل من شأن احتمالية ظهور مثل هذا النظام.

نيتشه والنظرية السياسية

فيما يتعلق بعلاقة نيتشه بالديمقراطية تحديدًا، يبدو للوهلة الأولى أنه لا يُقدّم نفسه كمؤيد أو مدافع عن الديمقراطية أو حتى عن مُثلها. لكن من المؤكد أيضًا أنه لا يُقدّم نفسه لقرائه عمومًا كفيلسوف سياسي. فباستثناء بعض الجدالات ضد الديمقراطية، يتجنب عادةً الخوض في السياسة تمامًا. وهكذا يتضح أكثر فأكثر أن نيتشه مهتم بخلق قادة فاعلين (ليس بالضرورة سياسيين)، ومُجربين جريئين، ومُتحدّين للقيم الشعبية، وما إلى ذلك.

نيتشه والإغريق

تربط نيتشه علاقة فريدة بالإغريق، إذ يُكنّ تقديرًا كبيرًا للفلاسفة ما قبل سقراط، وتقديرًا أقل لسقراط وأفلاطون

وكما هو معروف، حُكم على سقراط بالإعدام من قِبل حكومة أثينا بتهمة الكفر وإفساد الشباب. أما أفلاطون، فليس فيلسوفًا بارزًا في مجال الديمقراطية، مع أن كتابه "الجمهورية" كان يُعنى عمومًا بتصور الحكم الأمثل للمجتمعات؛ وكذلك أرسطو، الذي صنّف الديمقراطية في كتابه "السياسة" (الكتابان الثالث والرابع) كثاني أسوأ أشكال الحكم بعد الاستبداد. ويرى أرسطو أن الديمقراطية تؤدي إلى ما وصفه الكاتب الفرنسي ألكسيس دو توكفيل لاحقًا بـ"استبداد الأغلبية". وبعبارة أخرى، تؤدي الديمقراطية إلى اختلالات في موازين القوى عندما يميل ميل مجموعة أكبر من الناس إلى تطبيق سياسات لا تلبي بشكل كافٍ احتياجات ورغبات الكل، أو مجموعة أصغر من الناس قد تشكل جزءًا من ذلك الكل.

على الرغم من أن سقراط لا يتبنى في كتابه "الجمهورية" رؤية ديمقراطية صريحة للحكم، إلا أن مفهوم الحكم الرشيد للمجتمع لا يتبنى رؤية متشائمة أو طائفية. ولذلك، يمكن اعتبار المدينة المتخيلة في "الجمهورية" لأفلاطون، من وجهة نظر معينة، جمهورية أو "ديمقراطية تمثيلية"، حيث يسعى حكامها إلى تمثيل مصالح المواطنين العليا. ويُختار الفلاسفة الملوك لحكم هذه المدينة المتخيلة لأنهم الأنسب بطبيعتهم للحكم. ونظرًا لطبيعة السلطة المُفسدة، فإن الأنسب للحكم في حكومة الجمهورية المتخيلة هم أولئك الذين يمتلكون، من جهة، القدرة على الحكم، ومن جهة أخرى، ارتيابًا عميقًا واستياءً من طبيعة السلطة؛ فعلاقة هؤلاء بالسلطة ليست علاقة براعة، كما قد يتوقع المرء من السياسيين، بل علاقة فهم؛ وفهمهم للسلطة هو أنها شيء بغيض. كان هدف الملوك الفلاسفة في جمهورية أفلاطون هو إقامة العدل بطريقة تعود بالنفع على المحكومين، فضلاً عن حماية حدود حكومتهم وضمان أمنها. وهذا يُشكّل تناقضاً صارخاً مع نظرتنا للسياسة اليوم: فالديماغوجيون الشعبويون، المتعطشون للسلطة، يُرددون ما يُرضي الجماهير دون الاكتراث بمصالحهم أو الوفاء بوعودهم. يُنظر إلى السلطة، إلى حد ما، كغاية في حد ذاتها، ووسيلة لتحقيق غاية أخرى، ألا وهي ضمان القدرة على الحكم، وإتاحة الفرصة، بكل ما يترتب على ذلك.

***

 

سلطة التفكير التي نمارسها قطعا وبمرات عديدة على الذوات، نستوثق من خلالها الكشف عن السلطة الديكتاتورية التحكمية الفوقية، حتى أننا قد نبيت نحمل أسفارا من المعلومات المعرفية المتنوعة، والوظيفية المتراكمة، وقد لا نستطيع قط حتى ترتيبها في تناسقية أفكارنا المبعثرة، وكيل التطفيف بالحسرة حين نفقد النسقية التكاملية.

من السهل (الممل) وضع رأس ممحاة طيعة ونُفعل من سلطتها سياسة الحذف لكل عُقد وإكراهات حياتنا، وبمقاضاة البحث عن متوالية ادفع نحو التخلص من أداء وأثر الماضي (الذكريات)، وكذا حتى إشكاليات الحاضر (الحلم) الموقعة بإجحاف من لحظات غير بادبة آتية حتما من المستقبل الغابر. ورغم ذلك، فإننا قد نسقط لزاما في صناعة لعبة الفراغات (الغميضة) والبياضات (الفارغة) في دواخل الذات (الأنا)، ولن نقدر حتما على ترميم تلك الفجوات ذات الفتحات المؤلمة بالوجع والألم ونكسات الحلم، ولما لا البحث عن صيغة مداومة بناء سلم سعادة الحياة نقطة نقطة.

من الإشكالات العويصة بانتظام، ضمان البحث عن أجوبة سليمة لسؤال متعدد الصياغات ومتنوع التطلعات: ماذا نريد؟ أو نريد ماذا؟ وفيه هذا (التقديم والتأخير) يلزمنا هذا السؤال (الصعب والسهل) بالضرورة على إعادة الصياغة بالتأني وبالترتيب أو التسبيق (من أنا؟ وماذا نريد؟)، وكأننا نبحث عن حل لإشكالية قديمة لا حل لها بتاتا بسلطة المنطق والعقل: من سبق (الفكر أم اللغة؟) وبتعبير اللغة والتفكير الشعبي: من سبق (البيضة أم الدجاجة؟)

عقم الإجابة الطيعة طبعا لهذه الإشكالية التي حيرت أجيالا سبقت من المفكرين والفلاسفة، لم ترحهم، ولن تريحنا حتى نحن لا بالعقل ولا باستيفاء علل النقل. من تم يبقى البحث عمَّا نريد؟ يتطلب منَّا أولا: الاعتراف بمحدودية التكهنات والتخمينات في ذات الغيب، وكذا ثانيا: عدم ثقتنا في المستقبل الخفي (الغائر بتفكير ودراسة جدوى المتاعب)، فما دمنا نؤمن بسلامة رأي (أخدمْ يا صغري لِكُبْري) وكأننا نبيع التعاسة والشقاق للصغر والشباب، لإراحتنا من همِّ الحياة ونحن كبار السن وفي دور الرعاية الاجتماعية، وبعدها قد نملأ الدنيا بالتحسر عمَّا ضاع منَّا من زمن سليم لصناعة جودة وسعادة الحياة.

كثير منَّا وقد نُجمع القول بالتأكيد، أن جلنا لن يقدر على الإجابة عن سؤال: ماذا نريد؟ إن نحن لم نضع سؤالا آخر ثانيا أكثر مكرا من الأول: من أنا؟ بالموازاة: من نحن؟ إنها لعبة مضحكة لفكر (الحداثة البعدية) الذي لم يحسم في تلك الاستعراضات النهائية.

نعم، ماذا نريد؟ أو نريد ماذا؟  تسيطر علينا الأنانية المفرطة، ونطلق عنان لسان الثرثرة في الإنفاق والتمني (أنا أستهلك...أنا موجود/ الحداثة البعدية)، ونحن نغفل قسما ساميا في حياتيا، ويتمثل في طلب الصحة أولا وأخيرا (العبرة مثلا في تواجد المال وغياب الصحة)، فقد صدق الشاب مامي غناء حين قال:" يا الصحة يا الصحة يا عدوة مولاها ... وإذا غابت الصحة وِينْ رَايَحْ نلقاها..."

الأهم بالضرورة، أن تعريف الذات (الأنا) لن يكون حتما إلا بالموازاة مع تفكير تواجد (الآخر) الذي يصنع المتغير والتحدي والوعي والسجال (عبد الله العروي الإيديولوجية العربية المعاصرة/ التفكير بادئ ذي بدء التفكير بالآخر، هذه القضية الصحيحة او الخاطئة نستوثق من صحتها (صدقها)  في حياتنا الجماعية، وبها بالضبط ينبغي البدء من هو الآخر؟  و ما هو التحدي للذات ؟/ بتصرف).

وبالتأكيد الحزين، قد نفسد بعض من ملذات حياتنا (غياب جودة سعادة الحياة)، في البحث الطويل عن قسط من الإجابات الشافية لهذين السؤالين (بصيغة النكرة/ وأجوبة الاستنكارية)، ونحن نزيد من الإفراط في رهان مضاعفات كمي من الأجوبة المتباينة والمتناثرة هنا وهنالك، في حين لن نقدر بتاتا على استيفاء ولو قسط بسيط من الحقيقة التي تتمثل في الأمانة التي حملها الانسان جهلا وظلما لذاته وعشيرته ونسل خلفه.

من السهل الاشتغال على لغة (الكوتشينغ) المفرطة في التمني وصناعة الحلم، ونحدد نقاط الانطلاق من الذات وبالمرور الآمن بنقاط الخط المستقيم بالترتيب وبدون قفز مفزع نحو حلم ما نريد؟ لكن يبقى التنظير المعياري، يصطدم بالطبع مع الحياة اليومية الاجتماعية والوضعيات الفئوية المتباينة بالتشكل، ويبقى توجيه التشوير يجري في وادي ( جزيرة الوقواق) والحقيقة البينة تكمن في اصطدامات المنعرجات المميتة للمجتمعات.  

حتما نختلف في التنشئة الاجتماعية، وفي كل مستلزمات الإدراك العقلاني، وفي حتى السندات الأصيلة من النقل العقائدي وتزكية الروح بالمنشطات السليمة بالقول والفعل والأعمال الرزينة، لكنا نتحد حلولا في البحث عن بدال الطريق السيار الآمن للذات (الأنا) العاقلة في متاهات إعادة صياغة الأسئلة: ماذا نريد نحن؟ ومن نحن؟.

***

محسن الأكرمين

في عمق العقل الجمعي وفي زواياه المعتمة تشكل وعي الانسان العربي وربما الانسان المعاصر عموما على قناعة خفية مفادها ان الفرح طارئ ثقيل الظل لا يليق به المقام الطويل وان الضحك الصافي فعل مشبوه يحتاج الى تبرير وان الانكسار وحده شهادة النضج والرصانة

نولد مهيئين للضحك لكننا لا نلبث ان نتعلم الحذر منه باكرا كأن الحياة تلقننا دروسها الاولى قائلة ان البهجة نذير شؤم وان الابتسام بغير حساب استفزاز لقوى خفية تترصدنا هكذا ترسخت في وجداننا ثقافة الخوف من السعادة فصرنا نبكي بصدق ونضحك بتحفظ نبتسم ثم نلتفت حولنا اعتذارا للقدر واسترضاء له حتى لا يعاقبنا على لحظة صفاء عابرة. صرنا نرتاب من الفرح ونتعامل معه كما نتعامل مع الأشياء القابلة للكسر نلمسه بحذر ونفرح على استحياء ونتهيأ دائما لما سيعقبه من خسارة محتملة.  نرتدي السعادة كما نرتدي ثياب المواسم العابرة ونخلعها سريعا حين تعصف بنا رياح الواقع. وحين يتحول الحزن من حالة الى عادة ومن رد فعل الى نمط وجودي يصبح اكثر فتكا من المأساة نفسها،  فالألم الذي ياتينا من الخارج يمكن احتماله اما الألم الذي نروضه ونسكنه في أعماقنا وندافع عنه فيصير جزءا من هويتنا ومن يقيننا اخطر انواع الالم لان اليقين بالحزن يغلق أبواب الإيمان بالفرح بلا شروط. هكذا غدت ثقافتنا من حيث لا ندري تعيد انتاج الحزن وتكافئه فترى في العبوس وقارا وفي الصرامة تهذيبا بينما تنظر الى الضحك بريبة وتضع البهجة في خانة قلة الرصانة الحزن صار الاصل والفرح استثناء يحتاج الى مسوغ اخلاقي

نحن جيل تشبع بالحزن حتى ادمنه فصار يزهر في دواخلنا كازهار الخريف جميلة في لحظتها لكنها محكومة بالذبول السريع نضحك من وراء القلب ونبكي من القلب كله ونحسب ان هذا هو الاتزان بينما هو في حقيقته خوف عميق من ان نصدق ان لنا حقا اصيلا في الفرح والحياة.

ان اخطر ما في هذه التربية انها لا تكتفي بانتاج افراد حزينين بل تنتج وعيا مشوها بالعالم وعيا يرى الحياة ساحة امتحان دائم لا مجال فيها للاحتفال ولا قيمة فيها للمتعة الا بقدر ما تسبق العقاب وبهذا المعنى يصبح الحزن ايديولوجيا صامتة تورث. 

استجابة انسانية للمعاناة بقدر ما تحول الى بنية ثقافية راسخة يعاد انتاجها عبر التنشئة واللغة والرموز اليومية حتى غدا معيارا ضمنيا للرصانة والجدية والعمق وعلى هذا الاساس صار الفرح موضع ريبة لا حقا اصيلا وانقلبت المعادلة فتم تطبيع الألم وتجريم البهجة

 ان تحرير الوجدان من هذه البنية لا يمر عبر انكار الواقع او القفز على المأساة بل عبر تفكيك اليقين الزائف الذي يربط النضج بالحزن والحكمة بالإنكسار واعادة الاعتبار للفرح بوصفه قيمة انسانية واخلاقية ومعيارا للصحة الوجدانية لا نقيضا لها

فالمجتمعات لا تتعافى حين تتقن البكاء بل حين تتعلم كيف تفرح دون خوف وتؤمن بان السعادة ليست استثناء مشبوها بل امكانية انسانية مشروعة وشرطا ضروريا لاي مشروع حضاري حي

لعل اول اشكال التحرر هو ان نعيد للفرح براءته وان نفك الارتباط القسري بين السرور والعقاب وان نسمح لانفسنا بان نكون سعداء دون شعور بالذنب مطمئنين دون فزع من الانهيار القادم فالحياة مهما كانت قاسية لا تحتمل الا بقدر ما نملك الشجاعة على الفرح لا بوصفه انكارا للألم بل بوصفه مقاومة له واعلانا صامتا بان الروح خلقت لتتسع للنور لا لتقيم ابديا في الظلام والحزن

وفي المحصلة ليس الحزن علامة عمق كما اوهمونا ولا الفرح دليلا على السذاجة كما لقنونا بل كلاهما موقفان من الوجود نختارهما او ننساق اليهما وحين نراجع علاقتنا بالحزن نكتشف كم مرة عشنا اقل مما نستحق وكم مرة خفنا من الضوء اكثر مما خفنا من العتمة

ان التحرر الحقيقي يبدأ حين نكف عن تربية الخوف في داخلنا ونمنح الفرح حقه الكامل في الاقامة لا كضيف عابر بل كمعنى أصيل من معاني الحياة وحينها فقط لا يعود السرور نذير شؤم ولا تصبح السعادة وعدا مخيفا بل فعلا شجاعا وموقفا أخلاقيا وانتصارا هادئا للروح على كل ما اراد لها الإنكسار.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

الموت الرقمي والذكرى في عصر الشبكات الاجتماعية

في عالم اليوم حيث تتشابك الحياة الواقعية بالفضاء الرقمي، نجد أنفسنا أمام ظاهرة جديدة تتحدى كل المفاهيم التقليدية للموت والخلود والذكرى. لقد صار الموت الرقمي أكثر من مجرد استعارة: هو حقيقة وجودية متغلغلة في نسيج حياتنا، في حيثيات علاقاتنا الاجتماعية، وفي طرقنا التي نحتفظ بها بما خلفناه من صور وكلمات وذكريات على الشبكات الاجتماعية. لم يعد الموت محدودا بالغياب الجسدي أو الحنين إلى الماضي في الذاكرة الجماعية، بل أصبح امتدادا رقميا يتجاوز حدود الزمن، متصلاً بشكل دائم بكل شبكة تربطنا بالآخرين، كما لو أن الخلود نفسه قد وُضع في حزمة بيانات لا تنتهي.

لقد تأمل الفلاسفة منذ القدم في مفهوم الخلود، ولكن هذا التأمل كان دائما محصورا في بعدين: الأول هو البعد الروحي أو الديني، حيث يرى الإنسان أن النفس تخلد بعد الموت؛ والثاني هو البعد الاجتماعي أو الثقافي، الذي يخص بقاء الإنسان في ذاكرة الآخرين، أو في إنجازاته وأعماله. أفلاطون في كتابه فيدون، جعل الخلود مرتبطا بالأفكار والروح التي تنجو من الجسد بعد الموت، بينما أرسطو ركّز على الإرث والذكرى كوسيلة لامتداد حياة الإنسان بعد فناء جسده. في العصر الحديث، ومع الفكر الوجودي لهيجل وسارتر، نلمس قلقا متزايدا حول الموت كفناء حقيقي، وحول غياب معنى للذكرى إذا لم يكن هناك تفاعل مستمر معها.

لكن الشبكات الاجتماعية قلبت هذه المفاهيم رأسا على عقب. فقد جعلت من الذكرى ليس مجرد أثر يتركه الإنسان في محيطه الاجتماعي أو الثقافي، بل أصبحت كيانا حيا يتفاعل ويتراكم بشكل شبه مستقل. فعندما يموت شخص تستمر حساباته على فيسبوك، إنستغرام، تويتر، تيك توك، وغيرها، في الظهور ككيان رقمي يتلقى الرسائل ويشارك الذكريات، ويصبح جزءا من ذاكرة الآخرين بطريقة لم يعرفها التاريخ من قبل. هكذا، صار الإنسان ميتا جسديا، لكنه حيّ رقميا، حضورا لا يمكن تجاهله في فضاء افتراضي دائم، يشبه إلى حد ما الخلود الذي تحدث عنه نيتشه حين وصف الإنسان الذي يترك أثره في التاريخ كجزء من إرادة القوة، لكن هنا الإرادة لم تعد قوة مجردة، بل قوة تقنية تضمن استمرار الصوت الرقمي بعد الصمت المادي.

إن هذا الوجود الرقمي بعد الموت يطرح سؤالا جوهريا: هل ما يظل من الإنسان في الشبكات الاجتماعية هو امتداد حقيقي للذات، أم مجرد نسخة مطابقة تُدار من قبل الخوارزميات؟ هل تظل الذكرى كما كانت نابضة بالحياة، أم أنها تتحول إلى صدى رقمي بارد، يكرر الأحداث بلا وعي؟ هانز جورج غادامير، في فلسفته التأويلية، يشدد على أن فهمنا للآخرين وللزمن يعتمد على التأويل المستمر للمعنى، وهذا التأويل يضع الموت الرقمي في منطقة غامضة: فالذكريات الرقمية ليست مجرد نصوص محفوظة، بل نصوص يتم قراءتها وتفسيرها باستمرار من طرف الأحياء، الذين قد يحرفون المعنى، أو يضيفون عليه أبعادا جديدة، بحيث تصبح الذكرى الرقمية كائنا مستقلا يتعايش مع الزمن بشكل مختلف عن الذكرى التقليدية.

تتعدد مظاهر الموت الرقمي، لكن أكثرها وضوحا يكمن في الطريقة التي تُدار بها الحسابات بعد وفاة صاحبها. ففيسبوك على سبيل المثال، يتيح تفعيل وضع "الحساب التذكاري" الذي يحافظ على بقاء الملف الشخصي، ويتيح للأصدقاء كتابة منشورات تكريمية، بينما تُمنع التعديلات على المحتوى الأساسي. يبدو هذا كإشارة إلى محاولة إعادة إنتاج معنى الخلود في الفضاء الرقمي، لكن مع قيود صارمة تجعل الإنسان ميتا جسديا، وحاضرا جزئيا رقميا. هو حضور محدود لكنه مستمر، وكأنه يُقال لنا: "أنت غير موجود، لكن صدى حضورك سيستمر"، وهو ما يذكّرنا برؤية هيجل للموت والحياة، حيث يظل الإنسان حاضرا في التاريخ والروح الجمعية، لكن هنا الفضاء التاريخي أصبح رقميا مفتوحا على الزمن بلا حدود.

الفلاسفة المعاصرون بدأوا يلحظون هذا التحول العميق. جورجيو أغامبين، في تحليله لمفهوم "الحياة العارية"، أشار إلى أن الإنسان في العصر الحديث صار معرضا لأن يكون موضوعا للبيانات أكثر من كونه كيانا حيا. الموت الرقمي هو نسخة من هذا الواقع، الإنسان يفقد جسده لكنه يستمر كبيانات، كصور، كتعليقات، كحسابات، وكأن الحياة أصبحت مرتبطة أكثر بما يُسجل عنها، وليس بما يعيشه الشخص بالفعل. هذه الظاهرة تعيد صياغة علاقة الفرد بالمجتمع، وتجعل من الذكرى الرقميّة نوعا من "الخلود التقني" الذي يختلف جوهريا عن الخلود الروحي أو الثقافي التقليدي.

في المقابل، يبرز الجانب النفسي والاجتماعي للموت الرقمي. فالذكريات الرقمية تمنح الأحياء شعورا بالاتصال المستمر بالراحلين، وهو شعور يختلف عن الفقدان التقليدي. وهنا يلتقي الإنسان بالآخرين في فضاء افتراضي، حيث تتفاعل الذكريات وتتجدد باستمرار، كما لو أن الموت لم يحدث فعليا. هذه الظاهرة ليست بريئة، فهي تغير طريقة الحزن، وطريقة التعامل مع الموت، وطريقة تكوين الذاكرة الجمعية. من جهة أخرى، قد يؤدي هذا الوجود الرقمي بعد الموت إلى نوع من السكون النفسي القسري، حيث يُصبح الحزن مرتبطا بوجود "ظل رقمي" للراحل، وقد يتحول إلى عبء نفسي لمن يظل مرتبطا بالكيان الرقمي، إذ يذكّره دائما بغياب الجسد، ويجعل الانفصال النهائي مستحيلا تقريبا.

هنا يظهر التوتر بين الحضور والغياب والواقع الافتراضي والواقع المادي، وبين الخلود الرقمي والموت الجسدي. جان بودريار، في نظريته عن المحاكاة والواقع الافتراضي، يوضح أن الصور والتمثيلات قد تصبح أكثر "واقعية" من الواقع نفسه، بحيث تتحول الذكرى الرقمية إلى كيان قائم بذاته، يتجاوز الحاجة إلى وجود الشخص في الحياة الفعلية. في هذا الإطار، قد نكون أمام حالة "موت افتراضي حي"، حيث يبقى الإنسان حاضرا، لكنه بلا جسد، وحيث يتحول الحزن إلى احتفال بالرمز الرقمي، وليس بالوجود الحقيقي.

يمكن الربط بين الموت الرقمي ومفهوم هيراقليطس عن الزمن والتغير المستمر. فالبيانات الرقمية، المنشورات، التعليقات، وحتى الصور والفيديوهات، تتحرك باستمرار ضمن شبكات مترابطة، وتتغير بحسب تفاعل الأحياء معها. الذكرى هنا ليست ثابتة كما كانت في الماضي، بل تتحول وتتطور، وكأنها كائن حي يعيش في فضاء الشبكة الاجتماعية. هذا يطرح أسئلة وجودية عميقة حول الهوية: هل الإنسان هو مجموع البيانات التي تركها، أم أنه شيء آخر يظل غير قابل للحصر الرقمي؟

بالعودة إلى الفكر الإسلامي التقليدي، نجد أن مفهوم البقاء بعد الموت كان مرتبطا بالذكر الطيب والأعمال الصالحة، كما ورد في القرآن الكريم: "فَمَن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره". هذه الرؤية تقوم على فكرة أن البقاء الحقيقي هو بقاء الأثر الأخلاقي والروحي، وليس مجرد بقاء الاسم أو الصور. لكن الموت الرقمي يقدم نموذجا جديدا: البقاء هنا ليس مرتبطا بالمعنى الأخلاقي أو الروحي، بل بالاستمرارية الرقمية، بما يشبه "خلودا صناعيا" يمكن إدارته وإعادة إنتاجه بشكل مستمر.

ثمة بعد آخر يجب الانتباه إليه: اللغة الرقمية تختلف عن اللغة التقليدية في تواصلها مع الموت والذكرى. الكلمات في الشبكات الاجتماعية، سواء كانت تعليقات، منشورات، أو رسائل، تخضع لخوارزميات الترتيب والتصنيف والتذكير. الذكرى هنا تُحذف أو تُعرض بناءً على تفضيلات الآخرين، أو على آليات التفاعل، وبالتالي تتأثر بالزمن والقراءة البشرية والآلية في آن واحد. هكذا تصبح اللغة الرقمية أداة مزدوجة: هي وسيلة للتواصل مع الراحل، لكنها في الوقت نفسه تحدد وتقيّد كيفية تذكره، وكأن الموت الرقمي يُعيد تعريف الذاكرة، ليس كأداة للوفاء أو الحنين، بل كإطار ديناميكي يتفاعل مع الأحياء بشكل مستمر.

لقد جعل هذا التحول الرقمي مفهوم الخلود أقرب إلى تجربة افتراضية، حيث يختلط الفعل بالتمثيل والحياة بالموت، والذاكرة بالبيانات. الإنسان لم يعد فقط كائنا حيا أو متوفى، بل أصبح كيانا متعدد الطبقات: جسدي، نفسي، واجتماعي، ورقمي. وهذا يعيد إلى الأذهان فكرة ديكارت عن الشك الميتافيزيقي: إذا كان الإنسان قادرا على التفكير، فهل يستطيع أيضا أن يعيش بعد موته، وإن كان في صورة رقمية؟ الخلود الرقمي يبدو هنا كإجابة غير مكتملة، غير متجانسة، لكنها موجودة وفعالة، تحمل أبعادا جديدة للموت والذكرى والوجود.

ولعل الشبكات الاجتماعية لم تغير فقط طريقة تواصلنا مع الأحياء، بل أعادت تعريف علاقتنا بالموت وبالخلود وبالذكرى. الذكرى لم تعد مجرد أثر في ذاكرة الآخرين، بل أصبحت كائنا حيا يتحرك ويؤثر، ويتفاعل مع الزمن والتكنولوجيا والمجتمع. الموت الرقمي هو اختبار جديد لفهمنا لماهية الحياة وماهية الإنسان، وللكيفية التي نحتفظ بها بما نحن عليه بعد رحيلنا الجسدي. إنه الخلود الممزق، الخلود الذي صار معلقا بين الحضور والغياب، بين الواقعي والافتراضي والذكرى والبيانات، وبين النفس والتقنية، وهو تجربة فلسفية جديدة تتطلب منا إعادة التفكير في كل ما اعتقدناه عن الموت والخلود والذاكرة.

إذا انتقلنا من النظرية الفلسفية إلى الممارسة العملية، نجد أن الموت الرقمي لم يعد مجرد حالة نظرية، بل أصبح واقعا ملموسا في حياة ملايين البشر. كل يوم يختفي أشخاص جسديا، بينما تستمر حساباتهم على الشبكات الاجتماعية ككيانات رقمية مستقلة، تتلقى التفاعل من الأحياء، وتسهم في إعادة إنتاج حضورهم بطريقة لم يعرفها التاريخ من قبل. فقد سجلت الدراسات الاجتماعية أن 60% من مستخدمي فيسبوك يزورون حسابات المتوفين بشكل دوري، كوسيلة للحزن أو لتخليد الذكرى، وهو سلوك لم يكن موجودا قبل الثورة الرقمية. هذا التحول يشير إلى أننا بصدد ظاهرة جديدة تماما: موت لم يعد مجرد غياب، بل حضور مستمر بوساطة الرموز الرقمية.

الوجود الرقمي بعد الموت يخلق نوعا من "المجتمع الهجين"، حيث يختلط الأحياء بالراحلين، والواقعي بالافتراضي، في شبكة من العلاقات لا تنقطع. إيمانويل كانط يرى أن العقل البشري لا يستطيع تصور الزمن بلا تتابع، لكن الشبكات الاجتماعية تخلق نوعا من الزمن المتعدد الطبقات: لحظة الموت الجسدي، والزمن الرقمي المستمر للبيانات، والزمن التأويلي للأحياء الذين يقرأون الذكرى ويعيدون تفسيرها. بهذه الطريقة، تصبح الشبكة الاجتماعية متحفا حيا أو فضاءً عامًّا يضم الأحياء والراحلين على حد سواء، بحيث يصعب التمييز بين ما هو حاضر وما هو غائب، بين ما هو فاعل وما هو مجرد أثر.

الأبعاد الأخلاقية للموت الرقمي تمثل تحديا آخر. هل يحق للشبكات الاجتماعية أن تحتفظ بحسابات الأموات، وأن تجعل منها كيانات رقمية تتفاعل مع الأحياء؟ الفلاسفة الأخلاقيون مثل بيتر سينغر قد يسألون: ما هي مسؤوليتنا تجاه هؤلاء الذين لم يعودوا موجودين جسديا، لكنهم موجودون رقميا؟ هل نحن ملتزمون بالحفاظ على ذكراهم، أو بإعادة إنتاج حضورهم الرقمي بطريقة تعكس شخصيتهم وقيمهم، أم أن هذا مجرد استغلال للبيانات؟ الواقع أن الكثير من الحسابات الرقمية بعد الموت تُدار بطريقة آلية، من قبل خوارزميات لا تفهم المعنى الحقيقي للإنسان، ولا تأخذ بعين الاعتبار إرادته أو شخصيته. هذه الظاهرة توحي بأن الموت الرقمي يمكن أن يتحول إلى نوع من "الخلود القسري"، حيث يبقى الشخص حاضرا رغم عدم موافقته، ما يثير أسئلة فلسفية عميقة حول الحرية والهوية والسيادة على الذات بعد الموت.

أحد الأمثلة الأكثر وضوحا على هذه الظاهرة هو ما يحدث على منصة فيسبوك بعد الوفاة. فالحسابات التذكارية تتيح للأصدقاء كتابة منشورات على حائط الشخص المتوفى، مشاركة الصور والفيديوهات، وحتى تفعيل الذكريات السنوية التي تذكّر الأحياء بالراحل. هنا نجد أن الذكرى تتحول إلى حدث دوري، وكأن الزمن أصبح دائرة متكررة، حيث يعيش الأحياء تجربة الحزن والوفاء ضمن إطار افتراضي، بعيدا عن الواقع الفعلي للرحيل. لكن هذا النوع من الوجود الرقمي يحمل خطرا ضمنيا، فقد يؤدي إلى تثبيت الشخص في صورة محددة مجمّدة، لا تعكس ديناميكية حياته، ولا تسمح للذكريات بالتطور الطبيعي مع مرور الزمن، كما يحدث عادة في الذاكرة الجماعية التقليدية.

إذا عدنا إلى التحليل الفلسفي، نجد أن هذه الظاهرة تلتقي مع أفكار ميشيل فوكو حول السلطة والمعرفة. فالخوارزميات التي تدير الحسابات الرقمية للمتوفين تتحكم في طريقة ظهورهم، في كيفية قراءتهم، وفي إعادة إنتاج ذكراهم بشكل متكرر. هنا تصبح الشبكة الاجتماعية ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل فضاءً للسلطة الرقمية على الموت والذكرى، حيث تتحكم الشركات التقنية في إعادة إنتاج الوجود بعد الرحيل الجسدي. الموت الرقمي إذا ليس حرية للخلود، بل شكل من أشكال السلطة الرقمية، يتداخل فيه التكنولوجي مع الاجتماعي والأخلاقي، ويخلق علاقات جديدة بين الأحياء والأموات.

الأبعاد النفسية والاجتماعية لهذه الظاهرة عميقة أيضا. فالأحياء يتعاملون مع الموت الرقمي كوسيلة للحفاظ على الاتصال بالراحلين، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يطيل عملية الحزن، أو يحولها إلى شعور دائم بعدم الانفصال الكامل عن الفقد. ويشير علماء النفس مثل إليزابيث كوبلر-روس إلى أن الموت الرقمي قد يغير مراحل الحزن التقليدية، ويخلق تجربة جديدة تتسم بالخلط بين الوجود الفعلي والرمزي. فالحديث مع الحسابات التذكارية أو إعادة نشر صور الراحل أو حتى انتظار التذكيرات السنوية، يصبح جزءًا من ممارسة الحزن، وكأن الحزن نفسه تحول إلى فعل رقمي.

إن الموت الرقمي أعاد تشكيل مفهوم الهوية بعد الموت. فهويتنا لم تعد مرتبطة فقط بالجسد أو بالأثر الاجتماعي المباشر، بل أصبحت مرتبطة بالبيانات التي نتركها، وبطريقة تفاعل الآخرين معها. هذه الهويات الرقمية التي أطلق عليها بعض الباحثين "الأنا الافتراضية"، تتطور بعد الموت، تتغير بتغير التفاعلات الاجتماعية، وتصبح أكثر ديناميكية من الهوية التقليدية. ولكن السؤال المركزي يظل، هل هذه الهوية تمثل الشخص ذاته، أم أنها مجرد صورة افتراضية تُدار بواسطة الآخرين والخوارزميات؟.

ويمكننا ملاحظة أن اللغة الرقمية تُعيد تشكيل العلاقة بين الذكرى والموت. النصوص الرقمية سواء كانت منشورات، تعليقات، أو رسائل، تخضع لآليات مختلفة عن اللغة التقليدية: فهي قابلة للتكرار، للتعديل، للحذف، وللتأويل المتعدد من قبل الأحياء. هكذا تتحول اللغة إلى أداة مزدوجة: وسيلة لتواصل الذاكرة، وأداة للتحكم في كيفية تذكر الأموات. اللغة الرقمية تصبح إذا كيانا حيا يؤثر ويتأثر ويعيد تعريف العلاقة بين الموتى والأحياء، بين الواقع الافتراضي والوجود الفعلي.

لا يمكن تجاهل البعد الثقافي للموت الرقمي. ففي بعض الثقافات مثل الثقافة اليابانية، هناك اهتمام كبير بالحفاظ على ذكرى الأموات من خلال الوسائل الرقمية، بينما في ثقافات أخرى، قد ينظر إلى هذه الظاهرة بريبة، باعتبارها شكلا من أشكال الاستمرارية الصناعية للوجود البشري. هذا الاختلاف الثقافي يعكس طبيعة العلاقة بين الإنسان والموت وبين الذكرى والهوية، وكيف أن التكنولوجيا تُعيد إنتاج هذه العلاقة بشكل مختلف عن الماضي.

في الوقت ذاته، تطرح الشبكات الاجتماعية إمكانيات جديدة للخلود الرمزي. فالصور، الفيديوهات، المنشورات، والرسائل، جميعها تتحول إلى أشكال من الوجود المستمر، تُعيد إنتاج حضور الإنسان بعد رحيله. هذا النوع من الخلود الرقمي يختلف عن الخلود التقليدي، الذي كان يعتمد على الإرث، الأعمال، أو الذاكرة الجمعية، لأنه قائم على البيانات، وهو دائما معرض للتغيير، للتعديل، وللتفاعل المباشر مع الأحياء. هنا يظهر نوع جديد من الخلود، يجمع بين الاستمرارية والتغير وبين الثبات والمرونة والحضور الرقمي والغياب الجسدي.

إن هذا الخلود الرقمي له تداعيات أخلاقية كبيرة على المجتمعات. ففي بعض الحالات، يمكن أن يُستخدم وجود الحسابات الرقمية بعد الموت لأغراض تجارية، سياسية، أو إعلامية، وهو ما يثير أسئلة حول الاستغلال والخصوصية والسيادة على الذات بعد الرحيل. الفلاسفة مثل هابرماس يشددون على أن التواصل الإنساني يجب أن يكون قائما على الفهم المتبادل والحرية، ولكن في حالة الموت الرقمي، تصبح هذه المبادئ معرضة للتشويه، حيث يُدار تواصل الشخص بعد الموت بطريقة قد لا تعكس إرادته أو شخصيته الحقيقية.

يمكن أيضا ملاحظة تأثير الموت الرقمي على الذاكرة الجمعية. فالمجتمعات التي تحتفظ بالذكريات الرقمية قد ترى التاريخ بطريقة مختلفة، حيث تتحول الأحداث إلى سلاسل من البيانات، ويصبح التفاعل مع الماضي متاحا بشكل مستمر، لكنه مُحدد ومقيد بخوارزميات الشبكات الاجتماعية. هذا التحول يطرح تساؤلات حول مدى دقة التاريخ الرقمي، وعن كيفية تأثيره على الهوية الثقافية وعلى فهمنا للزمن والموت.

ويمكن أيضا الربط بين الموت الرقمي وفكرة مارشال ماكلوهان عن "الوسيط هو الرسالة". فالوسائط الرقمية لا تنقل فقط الذكرى، بل تُعيد إنتاجها بطريقة جديدة، وتُحدد شكل الوجود بعد الموت. الموت الرقمي ليس مجرد استمرار للحياة، بل هو شكل جديد من الحياة نفسها، شكل قائم على التفاعل الرقمي، وعلى إعادة إنتاج الحضور والذكرى باستمرار.

إن الموت الرقمي يمثل تجربة فلسفية واجتماعية معقدة، تغير طريقة فهمنا للموت، للذكرى وللهوية. فهو يخلق أبعادا جديدة للخلود، ليس كإرث ثقافي أو روحي، بل كوجود رقمي مستمر، يتفاعل مع الزمن والتكنولوجيا والمجتمع. الشبكات الاجتماعية أعادت تعريف العلاقة بين الأحياء والأموات والواقع والافتراضي، وبين الذاكرة والبيانات، لتصبح الذكرى تجربة ديناميكية مستمرة ومعقدة، تحمل في طياتها قلقا فلسفيا أخلاقيا واجتماعيا جديدا.

وتبعا لما أفضى إليه هذا الاستقصاء النظري ولما بدأناه من استكشاف الموت الرقمي وهي إعادة النظر في مفهوم الإنسان ذاته وفي علاقته بالزمن وبالذاكرة وبالحياة بعد الرحيل الجسدي. ولقد حاولنا أن نكشف في هذه الأسطر المتواضعة عن أن الشبكات الاجتماعية لم تقتصر على كونها أدوات للتواصل، بل أصبحت فضاءات وجودية جديدة، تعيد تعريف حضور الإنسان بعد الموت، وتغير طريقة فهمنا للخلود والذكرى. ففي الماضي كان الخلود يرتبط إما بالبعد الروحي، كما رآه الفلاسفة الكلاسيكيون، أو بالذكرى الاجتماعية والأثر الثقافي كما أشار أرسطو وهيجل، أما اليوم، فإن الخلود الرقمي يضيف بعدا جديدا، حضور دائم قائم على البيانات، قابل للتفاعل، متغير، ومتشابك مع حياة الأحياء.

هذا الحضور الرقمي بعد الموت يطرح أسئلة عميقة حول الهوية، هل الإنسان بعد وفاته الرقمية هو ذاته، أم مجرد نسخة رمزية، تُدار وفق خوارزميات وتعاد إنتاجها بواسطة الآخرين؟ وهل هذا الوجود الرقمي يمكن اعتباره امتدادا حقيقيا للذات، أم أنه مجرد صدى فارغ، يعكس رغبة الأحياء في الاحتفاظ بالراحل دون أن يحمل جوهره الحقيقي؟.

إن الموت الرقمي يمثل تحديا لمفهوم الذات كما عرفه الفلاسفة عبر التاريخ، ويضع الإنسان أمام تجربة وجودية جديدة، تجربة تتعلق بالاستمرارية في الفضاء الرقمي والحضور رغم الغياب، والخلود بصيغة افتراضية قابلة للتغيير والتحكم.

على المستوى النفسي والاجتماعي، يخلق الموت الرقمي نوعا من الحضور المزدوج، فالأحياء يجدون في الحسابات التذكارية وسيلة للتواصل مع الراحلين، وتجربة الحزن بطريقة رقمية، لكنها أيضا تجربة تحددها الخوارزميات والبيانات، ما يخلق علاقة جديدة بين الحنين والفقد، بين الواقع الافتراضي والغياب الجسدي. لقد تحول الحزن من عملية فردية وجماعية إلى فعل رقمي يتكرر ويتفاعل، وكأن الموت أصبح حدثا مستمرا، لا يمكن أن يكتمل بفعل الرحيل الجسدي وحده.

من الناحية الثقافية، يؤكد الموت الرقمي كيف أن التكنولوجيا تعيد إنتاج الهوية والذاكرة الجمعية. فالمجتمعات التي تعتمد على الشبكات الرقمية في تخليد الذكريات تواجه تحديات جديدة في تفسير التاريخ وفهم الماضي وبناء الهوية الجماعية. فالذكريات الرقمية رغم استمرارها معرضة للتعديل والتفسير، وليست ثابتة كما كانت الذكرى التقليدية. وهنا يظهر بعد آخر للخلود الرقمي، الخلود الذي ليس مجرد استمرار للحياة، بل حياة قائمة على إعادة التفسير والتفاعل المستمر، حياة لا تنفصل عن الأحياء الذين يقرأون ويعيدون إنتاجها.

الفلاسفة المعاصرون من بودريار إلى أغامبين، يشيرون إلى أن هذه الظاهرة تمثل تحولا جوهريا في فهم الإنسان والوجود والموت. فالوجود الرقمي بعد الموت يخلق نوعا من "الحياة بعد الفناء"، حيث تتحول البيانات إلى كيانات قائمة بذاتها، تتفاعل، تؤثر، وتُعيد إنتاج الحضور. هذه الظاهرة ليست مجرد تقنية، بل تجربة فلسفية وجودية، تتحدى المفاهيم التقليدية للموت والخلود والذاكرة، وتفرض علينا إعادة التفكير في العلاقة بين الذات والآخرين، بين الجسد والرمز وبين الحياة والموت.

إن الموت الرقمي يمثل تحديا للوجود الإنساني بقدر ما يمثل فرصة لإعادة تأمل العلاقة بين الحياة والموت والخلود والذكرى. الشبكات الاجتماعية جعلت من الذكرى تجربة ديناميكية مستمرة ومعقدة، تحمل في طياتها أبعادا أخلاقية فلسفية ونفسية لم يكن التاريخ البشري يعرفها من قبل. الإنسان المعاصر إذ يتعامل مع هذه الظاهرة، مدعو إلى التفاعل الواعي مع الوجود الرقمي بعد الموت، إلى إدراك أن الخلود لم يعد مجرد إرث روحي أو ثقافي، بل أصبح تجربة رقمية، تحمل في طياتها إمكانيات جديدة للوجود، لكنها أيضا تتطلب تأملا عميقا ومسؤولية أخلاقية تجاه الذات والآخرين.

في ضوء ما سبق، يمكن اعتبار الموت الرقمي دعوة للتفكر في معنى الحياة نفسها، في حدود الزمن المادي وفي حدود الجسد، وفي حدود الذاكرة التي يمكن أن تتحول إلى بيانات قابلة للتكرار والتحكم. إنه اختبار لفلسفة الهوية وللخلود وللعلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، وعلامة على أن الحضور بعد الموت لم يعد مسألة غيبية أو رمزية فحسب، بل أصبح قضية تقنية اجتماعية وفلسفية في آن واحد.

الخلود الرقمي إذن ليس مجرد استمرار في الذاكرة، بل إعادة تعريف للحياة بعد الموت، وإعادة إنتاج للوجود في فضاء افتراضي متغير، يحاكي الحضور، لكنه لا يعكس الواقع الكامل. إنه الخلود في زمن البيانات، والذكرى في زمن الخوارزميات، والحياة بعد الرحيل الجسدي في فضاء افتراضي دائم التغير. وهكذا، يصبح الموت الرقمي أكثر من ظاهرة تقنية، إنه تجربة إنسانية جديدة، تُعيد تشكيل فهمنا للزمن وللهوية وللحياة وللموت نفسه، وتضعنا أمام مسؤولية فلسفية وأخلاقية تجاه كيفية تذكرنا وكيفية تفاعلنا مع الوجود الرقمي للراحلين، وكيفية المحافظة على جوهر الإنسانية وسط عالم رقمي دائم التطور والتغير.

***

د. حمزة مولخنيف

أضحى التنافس المحموم حول الكيانات الإعلامية جزءاً عضويا من الاستراتيجيات العميقة التي تعتمدها القوى الكبرى، انطلاقا من إدراكها أن إخضاع الوعي يشكل المدخل الأنجع لإعادة تشكيل المجال السياسي والرمزي. فالإعلام المعاصر يتموضع داخل منظومات اشتغال معقدة، تُصمَّم فيها خوارزميات دقيقة تستهدف إعادة هندسة البنيات الفكرية والانفعالية للجماعات، بما يجعلها أكثر قابلية للتطويع وأسرع استجابة لمنطق السلطة.

وتشتغل هذه المنظومات على إحداث تحولات صامتة في الإدراك الجمعي، حيث يُعاد إنتاج الخضوع في صورة قبول، والانقياد في هيئة اختيار، فتتآكل مناعة النقد تدريجيا، ويغدو الانحياز نتيجة تلقائية لمسارات مبرمجة سلفاً. وبهذا المعنى، تتحول السيطرة إلى فعل غير مرئي، يُمارَس من داخل الذهن، ويستمد فعاليته من اعتياده اليومي وتغلغله البطيء.

 في هذا السياق، يتخذ جيوبوليتيك الإعلام أبعادا سوسيولوجية مركبة، تتجاوز حدود التواصل والتأثير المباشر، ليغدو مجالا تتقاطع فيه السلطة والمعرفة والرمز، حيث تُدار الصراعات الكبرى عبر التحكم في أنساق المعنى، وصياغة السرديات، وتوجيه الأفق الإدراكي للجماعات، بما يجعل الهيمنة فعلا ذهنيا يسبق كل تجلٍ مادي لها.

أضحى لزاماً على خبراء الإعلام أن ينخرطوا في تفكير استراتيجي عميق يروم تجاوز مأزق التبعية الاتصالية والإعلامية، عبر استنهاض القابليات المواطِنة، وتوسيع أفق الوعي الجماعي نحو بناء إطار نسقي قادر على إنتاج شروط الاستقلالية. ويتم ذلك في سياق بالغ التعقيد، يتسم بتسارع التحولات، وتكثف تدفقات المعطيات، وتنامي التضليل، وتبدل أنماط التلقي والقراءة، بالتوازي مع صعود أدوات الذكاء الاصطناعي واتساع النقاشات المرتبطة بالحياد والمصداقية.

 ضمن هذا المشهد المتشابك، تنكشف وظيفة الإعلام بوصفها فعلا تأسيسيا يتجاوز الأداء التقني إلى أفقه القيمي، حيث تتجلى أبعاده الأخلاقية والمهنية باعتبارها مرتكزا بنيويا في تشييد الخصوصية الإعلامية. فامتلاك البرامج والخطابات ذات المحتوى المنهجي لا يتحقق إلا من خلال إعادة وصل الإعلام بسياقه المحلي والثقافي، بما يجعله تعبيرا صادقا عن الهوية العميقة، لا مجرد صدى لنماذج مستوردة أو استنساخٍ لخطابات مهيمنة.

 في هذا الإطار، لا يعود الإعلام مجرد وسيط بين الحدث والمتلقي، بل يتحول إلى بنية إنتاج للواقع ذاته، حيث لا تُنقل الوقائع بقدر ما يُعاد تركيبها داخل أنساق دلالية محكومة بموازين القوة. فالسرديات الإعلامية لا تنشأ في فراغ، وإنما تتغذى من منظومات مصالح، وتشتغل ضمن حقول تنازع رمزي، يُعاد من خلالها ترتيب ما يُرى وما يُحجب، وما يُقدَّم باعتباره مركزيا وما يُدفع إلى هامش اللامرئي.

وهكذا، يغدو التحكم في تدفق المعنى شرطا لازما لإعادة إنتاج الهيمنة، لا باعتبارها قهرا مباشرا، بل بوصفها انتظاما طبيعيا للواقع في وعي الأفراد. ومن زاوية أعمق، يندرج هذا التحول ضمن ما يمكن تسميته بـ"عقلنة السيطرة"، حيث تُستبدل أشكال الضبط الخشنة بأنماط أكثر نعومة وفعالية، قوامها التوجيه غير المباشر، والتكييف الإدراكي، وصناعة الإجماع الصامت. ففي ظل اقتصاد الانتباه، تصبح السيطرة رهينة بالقدرة على احتلال الزمن الذهني للفرد، وتوجيه انتباهه، واستنزاف طاقته التأملية، بما يقلص إمكانات المساءلة والتفكير النقدي. وبهذا المعنى، يتقاطع الإعلام مع آليات السوق، ويتحول المعنى نفسه إلى سلعة تخضع لمنطق العرض والطلب. ويتضاعف هذا التعقيد مع صعود الذكاء الاصطناعي، الذي لا يكتفي بتسريع إنتاج المحتوى، بل يشارك في إعادة تشكيل شروط المعرفة ذاتها. فالخوارزميات، بما تحمله من افتراضات مضمَرة ومعايير غير محايدة، تسهم في إعادة ترتيب الأولويات، وتصنيف الأفراد وتوجيه أذواقهم، بما يجعل الحياد الإعلامي مفهوماً إشكاليا أكثر من كونه حقيقة قابلة للتحقق.

 وهنا تتجلى خطورة التحول من إعلام يصنع المعنى إلى أنظمة تصنع أنماط التفكير ذاتها، وتحدد مسبقا مسارات التلقي والاستجابة. أمام هذا الوضع، يكتسب سؤال الاستقلالية الإعلامية بعدا معرفيا وسياسيا في آن واحد، إذ لا يمكن اختزاله في امتلاك الوسائل أو التحكم في الأدوات، بل يتأسس على القدرة على إنتاج رؤية للعالم تنبع من السياق التاريخي والثقافي للمجتمع. فالتحرر من التبعية الاتصالية يفترض بناء ذات إعلامية واعية بذاتها، قادرة على تفكيك الخطابات المهيمنة، وإعادة مساءلة المسلمات، واستعادة الفعل التواصلي بوصفه ممارسة مواطِنة لا مجرد استهلاك رمزي.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف الوظيفة الاجتماعية للإعلام، باعتباره فضاءً عموميا للنقاش العقلاني، ومجالا لتداول المعنى، لا مجرد منصة للتأثير أو التوجيه. فالإعلام الذي يستمد شرعيته من المجتمع، ويغتني بتعدديته الثقافية واللغوية، يصبح قادرا على إنتاج سرديات بديلة، توازن بين الكوني والمحلي، وتؤسس لخصوصية لا تنغلق على ذاتها، ولا تذوب في نماذج وافدة. في المحصلة، يتحدد الرهان الحقيقي لجيوبوليتيك الإعلام في الانتقال من منطق التبعية إلى أفق السيادة الرمزية، حيث تُستعاد الكلمة من قبضة الخوارزمية، ويُعاد الاعتبار للمعنى بوصفه فعلا إنسانيا حرا، مرتبطا بالمسؤولية الأخلاقية، وبقدرة المجتمع على أن يروي ذاته بذاته، لا أن يُروى نيابة عنه.

***

د مصطفى غَلــــمَــان

 

بل مجتمعاً بلا حدود داخلية

مقدمة: في عصرنا الحالي، الذي يشهد تزايداً في التنوع الثقافي والعرقي والفكري داخل المجتمعات، يبرز مفهوم "المجتمع الموحد" كأحد أبرز التحديات الاجتماعية والسياسية. غالباً ما يُفهم هذا المفهوم بشكل خاطئ، حيث يُعتقد أنه يعني القضاء على كل أشكال الاختلافات لصالح توحيد قسري. ومع ذلك، فإن المجتمع الموحد الحقيقي ليس مجتمعاً خالياً من الاختلافات، بل هو مجتمع يتجاوز الحدود الداخلية التي تفصل بين أفراده، مما يسمح بتعايش التنوع ضمن إطار مشترك. هذا المفهوم يعكس تحولاً في النظرية الاجتماعية من التركيز على التماثل إلى التركيز على التكامل، حيث تُصبح الاختلافات مصدر قوة لا ضعف. في هذا المقال، سنستعرض هذا المفهوم بشكل موسع، لنكشف كيف يمكن للمجتمعات أن تحقق الوحدة دون التخلي عن تنوعها.

تعريف المجتمع الموحد وأهمية التمييز بين الاختلافات والحدود الداخلية

يُعرف المجتمع الموحد بأنه نظام اجتماعي يجمع بين أفراد متنوعين تحت مظلة مشتركة من القيم والأهداف، دون أن يفرض عليهم تماثلاً كاملاً. الاختلافات هنا تشمل التنوع الثقافي، العرقي، الديني، والفكري، والتي تعتبر ضرورية للابتكار والتطور الاجتماعي. أما الحدود الداخلية، فهي الحواجز النفسية والمؤسسية التي تحول دون التفاعل الحر بين هذه المجموعات، مثل التمييز العنصري أو التقسيمات الطبقية. في هذا السياق، يمكن القول إن الوحدة لا تتحقق بالقضاء على الاختلافات، بل بإزالة هذه الحدود ليصبح التنوع جزءاً من النسيج الاجتماعي المشترك. من الناحية النظرية، يعتمد هذا التمييز على أفكار الفلاسفة الاجتماعيين مثل جورج سيميل، الذي رأى في الحدود مؤسسات داخلية لبناء الهوية، لكنها يمكن أن تتحول إلى أدوات للفرز البيولوجي إذا لم تُدار بشكل صحيح.  كما أن القومية، كما يوضحها بعض الدارسين، يمكن أن تكون قوة توحيدية للمجتمعات المتنوعة، لكنها تصبح مدمرة عندما تؤدي إلى عنف أو انقسام.  هنا، يبرز الفرق الجوهري: الاختلافات تبني الثراء الثقافي، بينما الحدود الداخلية تعيق الانسجام.

المجتمع الموحد في الحالة العربية

في السياق العربي، يُعد مفهوم "المجتمع الموحد" تحدياً تاريخياً واجتماعياً يعكس التوتر بين التنوع الغني والسعي نحو الانسجام الجماعي. غالباً ما يُفهم هذا المفهوم بشكل خاطئ كمحاولة للقضاء على الاختلافات الثقافية، العرقية، الدينية، والقبلية، لصالح توحيد قسري يمحو الهويات الفرعية. ومع ذلك، فإن المجتمع الموحد الحقيقي في الحالة العربية ليس خالياً من الاختلافات، بل هو مجتمع يتجاوز الحدود الداخلية التي تفصل بين مكوناته، مما يسمح للتنوع بأن يصبح مصدر قوة لا ضعف. هذا النهج يعتمد على تحول في النظرية الاجتماعية من التماثل إلى التكامل، حيث تُدار الاختلافات ضمن إطار مشترك يعزز السلام والتطور. في هذا المقال، سنستعرض هذا المفهوم بشكل موسع، مستندين إلى أمثلة تاريخية عربية ونظرية، لنكشف كيف يمكن للمجتمعات العربية تحقيق الوحدة دون التخلي عن تنوعها، مع التركيز على التحديات مثل الطائفية والقبلية التي تشكل حدوداً داخلية. كما يُعرف المجتمع الموحد في الحالة العربية بأنه نظام اجتماعي يجمع بين شعوب متنوعة تحت مظلة مشتركة من القيم العربية والإسلامية، دون فرض تماثل كامل. الاختلافات تشمل التنوع العرقي (عرب، أكراد، أمازيغ)، الديني (مسلمون سنة وشيعة، مسيحيون، إلخ)، والقبلي، والتي تعتبر ضرورية للابتكار والحيوية الثقافية. أما الحدود الداخلية، فهي الحواجز النفسية، السياسية، والمؤسسية التي تحول دون التفاعل الحر، مثل الطائفية أو التقسيمات القبلية التي تؤدي إلى صراعات داخلية.  في هذا السياق، تتحقق الوحدة بإزالة هذه الحدود ليصبح التنوع جزءاً من النسيج العربي المشترك. من الناحية النظرية، يعتمد هذا التمييز على أفكار مفكرين عرب مثل ساتع الحصري، الذي رأى في الوحدة العربية قوة تجمع التنوع دون إلغائه، لكنها تواجه عقبات مثل الطائفية التي تعيق الانسجام.  كما أن القومية العربية، كما يوضحها بعض الدارسين، يمكن أن تكون توحيدية للمجتمعات المتنوعة، لكنها تصبح مدمرة عندما تؤدي إلى عنف طائفي أو قبلي.  هنا، يبرز الفرق الجوهري: الاختلافات تبني الثراء الثقافي، بينما الحدود الداخلية تعيق الوحدة، كما في حالات الطائفية في العراق أو السورية، حيث تحول التنوع إلى صراع بسبب السياسات التقسيمية. لنأخذ الجمهورية العربية المتحدة (1958-1961) بين مصر وسوريا كمثال. كانت محاولة للوحدة العربية تحت قيادة جمال عبد الناصر، لم تقضِ على الاختلافات الثقافية أو الاقتصادية بين البلدين، بل سعت إلى إزالة الحدود الداخلية لتعزيز التعاون. ومع ذلك، فشلت بسبب التنافسات الداخلية والطائفية، مما أدى إلى انفصال سوريا، لكنها أظهرت إمكانية الوحدة إذا تم إدارة التنوع بشكل صحيح.  كذلك، الجامعة العربية (تأسست 1945) تمثل نموذجاً لمجتمع موحد يحتفظ بالتنوع، حيث تجمع 22 دولة عربية دون إلغاء سيادتها، لكنها تواجه تحديات في إزالة الحدود الداخلية. هذه الأمثلة تظهر أن الوحدة العربية لا تتطلب التماثل، بل القدرة على التعايش دون حواجز، كما في الاتحاد المغاربي الذي يسعى لتوحيد الدول المغاربية مع الحفاظ على تنوعها الثقافي. من جانب آخر، في لبنان، يُعتبر النظام الطائفي نموذجاً لمجتمع متنوع، لكنه يعاني من حدود داخلية طائفية تحول دون الوحدة الحقيقية، كما في النزاعات بين السنة والشيعة.  ومع ذلك، يمكن للثقافة أن تلعب دوراً في إزالة هذه الحدود، كما في مشاريع التراث المشترك التي تعزز التعاون عبر الطوائف.

التحديات والآفاق المستقبلية

رغم الفوائد، يواجه مفهوم المجتمع الموحد تحديات، مثل انتشار الكراهية والتمييز الذي يعيد بناء الحدود الداخلية. في هذا السياق، يُؤكد بعض الدارسين على ضرورة إعادة صياغة التفكير الحدودي ليصبح أداة للتبادل لا للانفصال.  كما أن القومية المفرطة قد تحول التنوع إلى مصدر صراع، لكنها يمكن أن تكون بناءة إذا ركزت على التوحيد الداخلي دون استبعاد الآخرين. في المستقبل، يمكن للتكنولوجيا والعولمة أن تساعد في إزالة هذه الحدود، كما في رؤية عالم موحد تحت حكومة واحدة، حيث يصبح الجميع مواطنين عالميين دون فقدان هوياتهم الخاصة. هذا يتطلب سياسات تعليمية وثقافية تعزز الاحترام المتبادل.

رغم الفوائد، يواجه مفهوم المجتمع الموحد في العالم العربي تحديات كبيرة، مثل الطائفية التي تعيد بناء الحدود الداخلية، كما في العراق وسوريا حيث أدت إلى نزاعات مدمرة.  كذلك، القبلية تمثل حاجزاً، حيث تحول الولاءات القبلية دون الوحدة الوطنية، كما في اليمن أو السعودية.  بالإضافة إلى ذلك، التدخلات الخارجية، مثل اتفاقية سايكس-بيكو، رسمت حدوداً مصطنعة أدت إلى تقسيمات داخلية مستمرة.  يُؤكد بعض الدارسين على ضرورة إعادة صياغة التفكير الحدودي ليصبح أداة للتبادل لا للانفصال. في المستقبل، يمكن للعولمة والتعليم أن تساعد في إزالة هذه الحدود، كما في رؤية مجتمع عربي موحد يعتمد على التنوع كقوة، مستلهماً من الإسلام الذي يرى في الاختلافات آية إلهية.  هذا يتطلب سياسات تعزز الاحترام المتبادل والتكامل الاقتصادي، مثل تعزيز الجامعة العربية لتصبح أكثر فعالية في حل النزاعات.

خاتمة

المجتمع الموحد ليس حلماً مثالياً يقضي على الاختلافات، بل واقعاً عملياً يزيل الحدود الداخلية ليسمح بتعايش التنوع. هذا النهج يعزز السلام والابتكار، كما رأينا في أمثلة تاريخية مثل ألمانيا والأوروبا. ومع ذلك، يتطلب ذلك جهوداً مستمرة لمواجهة التحديات، مستلهمين من النظريات الاجتماعية التي ترى في الثقافة جسر الوحدة. بهذا، يصبح المجتمع الموحد نموذجاً لعالم أفضل، حيث تكون الاختلافات مصدر إثراء لا انقسام. وبالتالي المجتمع الموحد في الحالة العربية ليس حلماً مثالياً يقضي على الاختلافات، بل واقعاً عملياً يزيل الحدود الداخلية ليسمح بتعايش التنوع. هذا المنهج يعزز السلام والابتكار، كما رأينا في محاولات تاريخية مثل الجمهورية العربية المتحدة والثورات العربية. ومع ذلك، يتطلب جهوداً مستمرة لمواجهة التحديات مثل الطائفية والقبلية، مستلهمين من النظريات العربية التي ترى في الثقافة جسر الوحدة. بهذا، يصبح المجتمع الموحد نموذجاً لعالم عربي أفضل، حيث تكون الاختلافات مصدر إثراء لا انقسام. فكيف يعيد المجتمع في الحالة العربية ترميم ذاته ورأب تصدعاته؟

***

زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

لقد أدرك معظم متكلمي وفلاسفة الحضارة الإسلامية أهمية المنهج سواء في جمع المعلومات، أو تصنيف المعارف، أو نقد وغربلة الأفكار، وذلك لتجنب الخطأ الذي يوقعهم في دائرة الباطل أو نقل الحقائق على غير وجهها الصحيح، أي الكذب والتزوير الذي لا يليق بمقامهم.

ومن ثمّ حرص المؤدبون والحكماء على توخي الحذر في انتقاء ما يرددونه في مشروعاتهم الإصلاحيّة والتربويّة والتقويمية سواء للرأي العام القائد في صورة نصائح، أو للرأي العام التابع في صورة توجيهات ومواعظ، أو في صورة توعية وتلقين وتعليم وتدريب للرأي العام الناشئ (الصغار والصبية)، وقد مكنهم ذلك من بناء آرائهم على نسقية منطقية يتعذر نقضها سواء في تأليف الكتب والأبحاث وإجراء التجارب أو في التساجل أو التناظر أو صنع الغرابيل التي تفصل بين الصدق والكذب بكل أشكالهما، ويبدو ذلك واضحًا في كتاباتهم عن تصنيف العلوم في التربية الخُلقية والسياسية، وفي الأخلاق العامة وتهذيب النفس والآداب الاجتماعية، ذلك فضلًا عن نقودهم العلميّة للموروثات التراثية ولا سيما في ميدان العلوم التجريبية.

فها هو ابن المقفع (ت759 م) يؤكد على القائمين على التوجيه من المربيين والمعلمين والواعظين والمقومين توخي الحذر من الوقوع فيما عساه يكون مخالفاً للحقيقة التي ينبغي تحصيلها بدقة الفحص ونفعية المقصد وخيرية المآل، وهو يتفق في ذلك تمام الاتفاق مع أوائل المربيين وأكابر المعلمين في صدر الحضارة الإسلامية نذكر منهم (محمد بن سحنون (ت 256 م) وعبد الله بن حارث (ت 705 م) والضحاك بن مزاحم (ت 725 م) والكميت الشاعر (ت 744 م) وأبي بكر بن العربي (ت 1148 م) وأبو سعيد المؤدب!! وأبو بكر صالح الكلبي !!)

ويُلزم ابن المقفع المعلمين بوجه عام بضرورة صياغة المعارف التي يذكرونها في خطاباتهم بأسلوب يتناسب مع قدرات المتلقي؛ ليحسن تطبيقها والعمل بمقتضاها كما يوجب على المصنفين من الكُتاب والرواة توخي الصدق والانتصار للحق - حتى لو كان مخالف لوجهتهم -  ويجمعون الأدلة والبراهين لكل صغيرة وكبيرة ثم يراجعون كل ما ازمعوا البوح به وإذاعته بين الجمهور، وذلك كله تجنبًا للكذب بكل أشكاله التي تبدأ بالتهوين أو التهويل وتنتهي بالإضلال والتجهيل.

ويقول في ذلك (إنّ الكذب ليس له أصل ولا هيئة ثابتة شأنه شأن ظل الغمام، وخلة الأشرار، وعشق النساء، والنبأ الكاذب، والمال الكثير). ويضيف أن أسوأ أشكال الكذب هو الكذب على النفس وإقناعها بما يتوهم من فضائل في ذاته وقدرات لا يمتلكها فيصاب بالغرور والحمق والكبر. ويقول (من أشد عيوب الانسان خفاء عيوبه عليه. فإن من خفي عليه عيبه خفيت عليه محاسن غيره، ومن خفي عليه عيب نفسه ومحاسن غيره فلن يقلع عن عيبه الذي لا يعرف، ولن ينال محاسن غيره التي لا يبصرها ابدًا).

ويمضي ابن المقفع في ارشاداته مبينًا أن الكذوب المخادع يعرف بمجافاته للفضائل وعزوفه عن مجالسة الأخيار وإقباله على الشهوات والرذائل والخوض فيما لا يعلم من سيرة العلماء والأكابر.

ويقول (من علامات اللئيم المخادع أن يكون حسن القول، سيء الفعل، بعيد الغضب، قريب الحسد، حمولًا للفحش، مجازيًا بالحقد، متكلفًا للجود، صغير الخطر، متوسعًا فيما ليس له، ضيقًا فيما يملك)....( ليكن المرء سؤولًا، وليكن فصولًا بين الحق والباطل، وليكن صدوقًا ليُؤمن على ما قال، وليكن ذا عهد ليُوفي له بعهده).

ولم تقتصر كتابات ابن المقفع على النصح والإرشاد سواء للأطفال أو الصبيان أو توجيه العوام بل ذهب إلى أبعد من ذلك فراح يذكر أولي الأمر من السلاطين والقادة بأن السلطة والقيادة تحتاج إلى حزم بلا تجبر أو جور وحسم بلا استبداد، وصحبة من المستشارين العلماء وليس المتعالمين ولا الأدعياء.

ويقول في ذلك (إياك إن كنت واليًا أن يكون من شأنك حب المدح والتزكية ... واعلم أن قابل المدح كمادح نفسه ... واعلم أن ليس للملك أن يكذب؛ لأنه لا يقدر أحد على استكراهه على غير ما يريد).

أما محمد بن إسحاق الكندي (ت 873 م) فيري أن الكذب هو نقيض الحقيقة التي يمكن التحقق منها أو إدراكها بالحواس، وهو ضد الحكمة العقليّة التي توازن بين طبائع الأشياء والمتفق عليه من الأخبار والسلوك والطبائع الصحيحة، ويقابل الكندي بين اليقين العقلي والوحي الإلهي، ويربط بينهما باعتبارهما الصدق المطلق وضدهما هو الكذب بكل أشكاله وهو خلاف الفضيلة.

وإذا كان الصدق هو الذي ينبأ بخيريّة النفس وسلامتها من الشر، فإنّ الكذب يكشف عن فساد تلك النفس وميلها إلى ارتكاب الرذائل.

والجدير بالإشارة أن حديث الكندي لم يكن موجه للتربويين أو الوعاظ فحسب، بل كان موجهًا إلى أهل الرأي الذين يغلبون أهوائهم ومصالحهم الشخصية على دونها،  فيكذبون ويزورون الحقائق ويقدحون في الأمور المخالفة لأهوائهم ووجهتهم، ولعل أشهر ما ذكره الكندي في هذا المضمار يبدو في رسالته إلى المعتصم في سياق دفاعه عن الحكمة العقلية التي شكك في صحتها بعض المشاهير من الفقهاء في عصره، فوصفهم بالتزوير والكذب على السلطان ليصرفوه عن طريق الحق وترغيب الرأي العام في أقوالهم الجاهلة، ومعتقداتهم الفاسدة، فبين أن أعداء الحكمة العقلية لا يتبعون الحق وأنهم ضيقوا الفهم وأن الحسد يأكل قلوبهم، ويجعلون من أكاذيبهم سبيلًا للدفاع عن كراسيهم المزورة عند أصحاب السلطان، وأنهم بذلك يتاجرون بالدين للحفاظ على منافعهم ومكانتهم بين الناس. فيقول (إنّه ينبغي لنا ألا نستحي من الاستحسان الحق، واقتناء الحق من أين أتى، وإن أتى من الاجناس القاصية عنا، والأمم المباينة لنا؛ فإنه لا شيء أولى بطلب الحق من الحق، وليس يبخس الحق ولا يصغر بقائله ولا بالآتي به إلا أهل الباطل).

وتبدو أهمية حديث الكندي - عن أكاذيب المدلسين الطاعنة في حكمة الفلاسفة للدفاع عن كراسيهم المزورة - في أثارته واحدة من أكبر القضايا التي عجلت بأفول شمس الحضارة الإسلامية المتمثلة في  الادعاءات الكاذبة  التي ذاعها الجامدون من قادة الرأي، واتهموا فيها الفلاسفة بالكفر والمروق، فقد عانت الحضارة الإسلامية من هذه الأكاذيب التي حرضت العوام والحكام على  حرق كتب الكثير من الفلاسفة المسلمين، إمّا على يد العوام الذين غرر بهم فثاروا مدافعين عن دينهم، أو بأمر من السلطان اتقاءًا لغضبة الجمهور، أو يأسًا من قبل المؤلفين أنفسهم مثل (أبو سليمان الداراني (ت 830 م) الصوفي الذي قام بحرق مؤلفاته وهو يبكي على ما فيها قائلًا : ما حرقتك حتى كدت أحترق بك). (وابن الراوندي (ت 911 م) الذي حرقت كتبه في أواخر القرن الثالث الهجري عقب حكم معظم فقهاء عصره ومتكلميه عليه بالزندقة وانكار النبوة والتجديف، وذلك من جراء بوحه بارتيابه وشكوكه وتصريحه بذلك للعوام).

(وقد أحرق أبو حيان التوحيدي كتبه يأسًا وإحباطًا لجحد معاصريه لعلمه وإنكارهم لمكانته الأدبية والفلسفية، وخوفًا من كيد حساده عليه فيأولون كتاباته على وجه مكذوب فيحرضون العوام والحكام على قتله).

(وابن سينا الذي حرقت بعض كتبه في أوائل القرن الخامس الهجري لمسايرته فلاسفة اليونان في القول بقدم العالم وإنكاره البعث الجسماني؛ الأمر الذي أثار العوام بتحريض من أدعياء العلم والفقهاء). (وقد حرقت كتب ابن حزم الأندلسي لاجتهاداته العقلية وآرائه السياسية، وذلك بتحريض من الجامدين من فقهاء المالكية وقادة الرأي في حكم المرابطين).

(وحرقت كتب أبي حامد الغزالي أيضًا لآرائه الصوفية ولاسيما في كتابه إحياء علوم الدين الذي لم يرق ما فيه من آراء لفقهاء المرابطين). (وقد حرقت كذلك كتب ابن رشد (عام 1194 م) لتبحره في الفلسفة واتهامه فقهاء عصره بالجمود والجهل). (ولم يسلم ابن تيمية من كيد معاصريه وجور حكامه ودس مخالفيه من المتعالمين، وذلك من جراء اجتهاداته الشاذة واجترائه في التفسير وجرأة آرائه في السياسة).

وليس هناك أفضل من حديث جالينوس العرب عن تلك القضية التي حرّمت حرية التفكير، وجرّمت حق الحكماء في الشك والارتياب والنقد والمراجعة، بل وفي الاجتراء أحيانًا في رحلة بحثهم عن الحقيقة، وأغلقت باب الاجتهاد أيضًا بحجة الدفاع عن الموروث. وأباحت في الوقت نفسه كذب الادعياء من الفقهاء، وتلفيق المنتفعين، واستبداد السلاطين والخلفاء.

فها هو أبو بكر الرازي (ت 925م) مدافعًا عن الصدق والحق، موضحًا ضرورة الإخلاص في طلب العلم والوصول للحقيقة والتحلي بالفضائل في كل عمل يوكل به الإنسان وكره الكذب والغش والخداع، ولا سيما مع المرضى وطلاب العلم والمربيين والموجهين والمشتغلين بالتعليم  فيقول: (إن صناعة الفلسفة لا تحتمل التسليم للرؤساء والقبول منهم ولا مساهلتهم، وترك الاستقصاء عليهم، ولا الفيلسوف يحب ذلك من تلاميذه والمتعلمين منه، وأمّا من لامني على ذلك لا أعده فيلسوفًا، إذ أنه قد نبذ بهذا الصنيع سنة الفلاسفة وتمسك بسنة الرعاع من تقليد الرؤساء وترك الاعتراض عليهم).

فقد رفض بقوله هذا المداهنة والرياء والمداراة، وحجب العلم النافع عن طالبيه وشدد كذلك على وجوب البوح بالحقيقة في وجه كل باطل وكذوب مؤمنًا بأن النقد هو أصدق السبل للتحري وطلب الصدق والابداع.

وإلى مثل ذلك ذهب أبو العلاء المعري (ت 1057 م) فقابل بين الشيطان وأحفاده وعشيرته التي لمعوا نجمها وعلا صوتها وساد وضيعها وهم معشر الكذابين الذين صورت لهم أنفسهم المنحطة أن الكذب والغش والخديعة والخيانة والتلفيق والدس والفتن وغير ذلك من دركات الانحطاط هو السلم الخفي الذي صنعه الأبالسة العظام للقضاء على الفضائل لتبيت الأنفس الذكية لا ساتر لعوراتها سوى الفحش وذم الحياء ووصف البغايا بالعفة وتمكين الأراذل من اعتلاء المنابر وإغواء الحكماء وإفساد ذمم العلماء والفضلاء والنبلاء وقطع ألسنة الصدق واتهام زويه من الصرحاء بالعته والجنون وجعل الفحش مأوى للمحبين، وأجلسوا الخصي على كرسي المؤدبين والساسة والمصلحين؛ ليملي امرأته اللعوب آيات الكتاب المدنس الذي ينبغي على مجتمعاتهم اقتفاء تعاليمه وبالدهاء يزينوه.

وعلى هذا الدرب يمضي أبو حامد الغزالي فيقول :(إن الكذب يقود إلى الفجور، والفجور يقود إلى النار، وكيف لا وهو من أمهات الكبائر؛ فإن الإنسان إذا عرف بالكذب سقطت عدالته وثقته في نفسه، فتحتقره الأعين ولا يجوز للحاكم مع الرعية ولا للمعلم مع تلاميذه ولا للمربي مع أولاده ولا مع مروجي الشائعات والفضائح، ولا يستحل إلا إذا كان مقصده في خير يرضي الله والناس).

وينظر ابن باجة (ت 1138 م) للكذب من ثلاثة ضروب أولها: في طلب المعرفة لأنه لا يأتي إلا على لسان جاهل، فلا يرجى منه نفعًا ويحسن اتقاء شره بالإعراض عنه. وثانيها: أمام سلم الفضائل الذي لا يرفعك لأن الصدق هو باب الزورة والكذب لا يقوى على صعود الدرج بل يأخذك إلى أسفل الدرك.

وثالثها: يحشرك مع عصبة الجهلاء والعبيد والدهماء لأن الصدق لا يصاحب إلا العلماء والحكماء وأرباب الدربة والدراية، ومن أقواله (إنّ المدن الفاضلة هي التي تغلق أبوابها أمام الكذابين، وتخرج منها الجهلاء الذين استملحوا الحمق وكرهوا العلم، فعشق الصدق وطلب الحق هو سبيل النفس للوصول إلى الكمال، أمّا الكذب فهو مستنقع الرذائل ولا جمال فيه إلا في الفحش ووسوسة الشيطان).

أمّا ابن النفيس (ت 1288 م) فيرى أن الاقتداء بالعلم والسعي في طلب الحق وجعل كليهما معولًا لهدم الباطل، وإزالة الإفك ومحو الجهل هو السبيل الأوحد للجنة التي وعد الله بها الأخيار والأبرار لنفع مخلوقاته وإصلاحهم فيقول في ذلك (أن العلم الحقيقي هو غنى النفس وسعادتها العقلية والروحانيّة، وأن العالم يدعو الناس إلى الله بعلمه وحاله، بخلاف جامع المال الذي يدعوا للدنيا، وأن العالم يزداد تقديرًا كلما تقدّم به العمر، بينما زوال مال الغني يزيل إكرامه.

وأكد على أن العلم هو الطريق للسعادة الحقيقية والتقرب من الله، وأن اللذة الحقيقية هي لذة العلم العقلية، مشيرًا إلى أن المال زائل، ومتاع الدنيا فاني، بينما العلم باقي ونفعه دائم للناس حتى بعد موت العالم).

وللحديث بقيّة عن موقف حكماء الحضارة الإسلامية من الكذب وآثاره في قضايا الفلسفة العمليّة.

***

بقلم: د. عصمت نصّار

 

قال تعالى في كتابه الحكيم " وقُولُوا للنَّاسِ حُسْناً " وهذه الآية تحضّ على التعامل بالحسن واللين، واللطف مع الناسِ عموماً، وفي المقام الأول في مجالِ الأسرةِ واحتواء أبنائها.

تبقى ثقافة الاحتواء بمثابةِ حجر الأساس لأيةِ علاقةٍ كانت، قد تكون علاقة بين زوجين، أو علاقة عائلية، أو في دور العلم، أو في مجالِ الاقتصاد والتجارة والسياسة، ويبقى الاحتواء جوهر الأمان والاستمرار.

إنّ احتواء الطفل، يعني منحه كلّ أشكال الدعم العاطفي والنفسي، وكذلك بين الزوجين، حيثُ أنّ ثقافة الاحتواء وتوفير مساحةٍ آمنة بين طرفين تدعم مسيرة الاستقرار والاستمرار بالمفهوم الإنساني.

ونرى في كثيرٍ من الأحيان أنّ هذه الثقافة غير متوفّرة بين زوجين ما، وأنّ الدعم العاطفي بين الطرفين شبه مفقود، لذلك نرى هكذا علاقة تنتهي بالتفكك.

إنّ ثقافة الاحتواء ضرورية حتّى في المجال التجاري والصناعي، فحينما نُطبّق هذه الثقافة في هذه المجالات على سبيل المثال وليس الحصر، نرى أنّ الموظفين والعمال يعملون بكلِّ وفاء ورضا في وظيفتهم، وقد يشعرون بأن الشركة هي شركتهم، ويتفانون في عملهم، وبالتالي تُحقّق الشركة معدّلات نمو مُتسارعة.

ثقافة الاحتواء تُترجم بشكلٍ مُباشر معنى الدعم العاطفي، والقوة والاستدامة، والحوار والاستماع، وتحويل المفاهيم النظرية إلى مُمارسةٍ يومية، بهدفِ تعزيز جسور الثقة والتفاهم بشكلٍ دائم بيننا وبين الآخرين، أو بين طرفٍ وآخر، وحجب النزاعات بأكبرِ درجةٍ أو نسبةٍ مُمكنة، من خلالِ المساحات الآمنة التي تمّ تحقيقها، عبر المشاركة الفعلية في حلّ كلّ المشكلات التي تواجهنا.

فحينما تتوفّر عند الإنسان المساحة الآمنة للتعبير عن وجهةِ نظره أو مشاعره، بكلّ تأكيد ستتحسّن أموره بشكلٍ ملحوظ، وستكون أكثر جودة وأماناً.

إن الاحتواء ينبثق عن الإدراك العقلي والعاطفي عند الإنسان بنسبٍ متفاوتة، فعند شعور أحد الطرفين بالضيق، قد يلجأ إلى الطرف الآخر، وعندما يشعر بالسعادة أيضاً يُشارك الآخر بهذه السعادة.

ومن جانبٍ آخر حتّى حينما نُمارسُ ثقافة الاحتواء مع نزلاء السجون، من خلالِ برامج إعادةِ التأهيل، فإنّ هذا السجين سيكون أكثر إتزاناً، وسيخرج من السجن مواطناً عاديّاً وصالحاً، من خلال الثقافة والمعاملة التي تلقّاها عندما كان نزيلاً في أحد السجون.

حتّى في مجالِ المرضى نفسيّاً، يجب منحهم العاطفة وإشعارهم بالاحتواء من قِبلِ الآخرين، فلقد أثبتت الدراسات بأن هذه المعاملة حقّقت تحسّناً كبيراً مع المرضى بنسبةِ 40%.

كما أنّ سنغافورة خصّصت 20% من ميزانية التطوير، بهدفِ دعم مفهوم الاحتواء في مختلف المجالات في المجتمع.

إنّ العمل بثقافةِ الاحتواء، والعمل وفق نهجٍ يعتمد تقديم الدعم مع مفهوم الاستماع والفهم، يُساعد كلّ الأفراد على الشعور بالأمانِ والقبول، بهدفِ تحقيق الثقة والاستقرار والاستمرار، وبالتالي يُساهم هذا المنحى في تحقيق إنتاجيةٍ أفضل، ورضا مُبرمج في العمل الوظيفي، الذي يُحسّن الأداء والولاء للمكان، من خلالِ إستقرارٍ نفسي عبر التفاهم المُتبادل، الذي بكلِّ يبني جسوراً قوية في كُلّ العلاقات، إن كانت على مستوى الأسرة، أو المدرسةِ أو المجتمع أو العمل الوظيفي، حتّى في المجال الوطني والسياسي.

إنّ الاحتواء هو الطريقة المُثلى التي يستوعب فيها الشخص الطرف الآخر، هكذا عرّفه علم النفس التحليلي.

إنّ الاحتواء هو فنٌّ حقيقي، الفن الذي يُبدع في تأمين بيئةٍ داعمةٍ وشاملة، تضمن تعزيز الفرص، كما تُعزز تقبّل الاختلافات.

ثقافة الاحتواء هي حياة، وهي موقف، وبنفس الوقت هي الأساس بهدفِ بناء أي علاقة صحيّة، تنطلق من ذاتنا، قبل أن يتلقّاها الطرف الآخر أو الآخرين، وهي الأساس أيضاً لبناءِ أي مجتمع متساوٍ، ويُوفّر الفرص للجميع دون أي استثناء.

إنّ فنّ الاحتواء هو الذي يُرسّخ قيم الاحترام المُتبادل والتعاون المثّمر، وهو الذي يُوفّر المناخ التعليمي الآمن، والذي يُعزّز الشعور بالانتماء، وبنفس الوقت إنّ توفّر الاحتواء في مجالِ العمل يُؤمّن المناخ المستقر، ويُوفّر الدعم النفسي والمعنوي لكل العاملين والموظفين.

من خلالِ ذلك نُدرك أنّ الاحتواء بكلّ ما تعني الكلمة هو توفير بيئةٍ داعمةٍ وشاملة تضمن قبول الاختلافات، ويُركّز على التفاعل الإيجابي، والمشاركة الفعّالة، وهو فلسفةٌ ترتبط بماهيّة استيعاب الفرد لمشاعره، وكيفية التعامل مع أي أمورٍ أو مشاعر نفسية أو داخلية، حتّى ولو كان مصدرها من البيئة الخارجية.

كما يُعتبر الاحتواء بمثابة الخط الدفاعي الأول ضدّ كلّ أشكال الأمراض النفسية، بما فيها القلق والاضطرابات الشخصية والسلوكية.

لذا في حال فقدان ثقافة الاحتواء سيكون وضعنا مختلفاً تماماً، سنشعر بالعزلة، وتضعف الثقة بالنفس، وسيتقزّم النمو العاطفي والاجتماعي، ,وبالتالي تواجهنا صعوبات في تكوين علاقاتٍ أو صداقات وتفاعلٌ مع الآخرين، وقد تتلاشى مشاركتنا في العمل الجماعي على كل المستويات، أو الأنشطة الجماعية، وقد نفقد فرص التطور والرقي في المجال الشخصي أو المهني أو الحياتي، كما قد نتعرّض للتهميش أو التنمّر.

آخذين بعين الاعتبار أن الأطفال الذين يفتقرون إلى فنّ الاحتواء في الصغر يميلون غالباً إلى الانطواء أو العدوانية وفقدان الثقة بالنفس.

إنّ فن الاحتواء هو اللبنة الأساسية لبناء مجتمعٍ يُقدّرُ قيم العدالةِ والاحترام، ويُؤسّس لمجتمعٍ مزدهر، يمنح لأفراده فرصة تحقيق ذاتهم والمساهمة والمشاركة في بناء المستقبل.

إنّ ثقافة الاحتواء ليست مزاجاً، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية أولاً، تضمن سلامة المجتمع واستقراره.

وعلينا أن نجعل من فن الاحتواء سلوكاً نعيشه، لتستمر الأجيال من بعدنا على هذا النهج، بهدف بناء مجتمعٍ عادل يبدأ باحتضان كلّ فردٍ فيه، والحفاظ على هذا المجتمع الذي تبنّى ثقافة الاحتواء بقيمه وثوابته، وإنسانية وأخلاق أبنائه.

إنّ الاحتواء المثالي هو مهارة وثقافة وفن، بهدفِ عطاءٍ مثمر، وحياةٍ كريمة.

***

د. أنور ساطع أصفري

في زمن تتسارع فيه التحولات التقنية وتعاد فيه صياغة مفاهيم المعرفة، تبرز اسئلة تربوية لا يمكن تجاهلها: كيف نحفز الابداع لدى المتعلمين؟ وهل ما زال للابداع مكان في عصر الذكاء الاصطناعي؟ وهل يمكن للمعلم ان يعلم الابداع في بيئة باتت فيها الالة قادرة على التفكير، بل على انتاج ما يشبه الابداع ذاته؟

في عصر الذكاء الاصطناعي، لم تعد الاجابات حكرا على العقل البشري، بل باتت الخوارزميات قادرة على تقديم حلول جاهزة حتى للاسئلة التي تتطلب تفكيرا نقديا وتحليليا. هذه التحولات تضعنا امام مفارقة تربوية وفلسفية عميقة: اذا كانت الالة تفكر بالنيابة عنا، فهل ما زلنا بحاجة الى تعليم التفكير؟ واذا كانت قادرة على توليد نصوص ابداعية، فهل ما زال للخيال البشري قيمة تذكر؟

هذه الاسئلة لا تعكس قلقا وجوديا فحسب، بل تفتح الباب لاعادة النظر في جوهر العملية التعليمية ومفهوم الابداع ذاته. فالاكاديمي تحسين الشيخلي يرى في الذكاء الاصطناعي "اداة ستعيد تشكيل العالم نحو مزيد من الابداع والكفاءة والتقدم العلمي" (1)، ويصفه بانه "شريك معرفي يعيد تعريف طريقة صياغتنا للاسئلة نفسها"، لا مجرد وسيلة تقنية. من هذا المنظور، يصبح الذكاء الاصطناعي محفزا لابداع من نوع جديد، يتجاوز التلقين الى اعادة تشكيل ادوات التفكير.

وتتماهى هذه الرؤية مع التوجهات التربوية الحديثة التي تتبناها منظمات دولية كاليونسكو، والتي ترى أن الإبداع لن يُلغى في عصر التحولات الرقمية، بل سيُعاد تعريفه ضمن سياقات جديدة. فالثورة التربوية المرتقبة لا تقتصر على أدوات التعلم، بل تمتد إلى طرائق التفكير وسبل الانتفاع بالمعرفة. فالإبداع، في جوهره، لا يكمن في تقديم الإجابات الجاهزة، بل في القدرة على طرح الأسئلة العميقة، والربط بين الأفكار، وتجاوز المألوف، وتوظيف المعرفة توظيفا أخلاقيا يخدم المجتمع والإنسانية.

لكن هذا التفاؤل لا يخلو من تحذيرات. اذ يرى الباحث التربوي علي اسعد وطفة ان الذكاء الاصطناعي "يستحوذ على التعليم ويستولي على عقول الاطفال والناشئة" (2)، محذرا من ان الانظمة التعليمية التقليدية تواجه تحديات وجودية قد تهدد بنيتها ومضامينها. فالتكنولوجيا، رغم امكاناتها، قد تدفع المتعلمين خارج طبيعتهم الانسانية اذا لم تُضبط تربويا واخلاقيا.

وفي السياق ذاته، يذهب الاكاديميان خوسيه انطونيو بوين وادوارد واتسون في كتابهما ( Teaching with AI ) الى ان الذكاء الاصطناعي "لم يعد مجرد اداة مساعدة، بل اصبح قادرا على توليد افكار وتحليلات معقدة" (3)، مما يستدعي اعادة تعريف مفهوم الابداع الاكاديمي ووضع معايير جديدة لتقييم الاعمال الفكرية. ومع ذلك، يشددان على ان الذكاء الاصطناعي لا يمكن ان يكون بديلا للقدرة البشرية على الابتكار والتفكير النقدي، بل يجب اعتباره شريكا يعزز امكانيات الانسان ويوفر له ادوات غير مسبوقة للتطوير والانتاج المعرفي.

من "ماذا" الى "لماذا" و"ماذا لو"

لم يعد الابداع البشري ينافس الذكاء الاصطناعي في سرعة انتاج المحتوى او تنظيم البيانات، بل يجب ان يتحول الى مستوى اعلى من الابداع الوجودي والسياقي. بينما ينتج الذكاء الاصطناعي لوحة فنية بناء على مليون صورة، ياتي الابداع البشري من رغبة الفنان في التعبير عن المه، فرحه، او رؤيته للعالم. الابداع البشري هو القدرة على طرح اسئلة غير متوقعة: "ماذا لو جمعنا بين الفلسفة القديمة وازمة المناخ؟" او "كيف يمكن للشعر ان يصف شعورا لم يوصف من قبل؟". هنا، يصبح دور المعلم هو قيادة الطلاب الى مناطق التفكير "غير الماهولة" التي تفتقر اليها قواعد بيانات الالة.

الذكاء الاصطناعي كـ"خصم تدريبي" وليس كعدو

في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مساعدة، بل اصبح جزءا من البيئة التعليمية ذاتها. وبينما يخشى البعض ان يحل محل التفكير البشري، يرى تربويون ومختصون انه يمكن توظيفه كـ"خصم تدريبي" لا كعدو. فبدلا من ان ينظر اليه كمنافس للابداع، يمكن للمعلمين استخدامه لتحفيز الطلاب على التفكير النقدي والتمييز بين الانتاج الالي والبشري.

تخيل ان يطلب من الطلاب كتابة مقال حول قضية معينة، ثم ينتج الذكاء الاصطناعي مقالا اخر في الموضوع ذاته. يطلب من الطلاب بعدها مقارنة العملين وتحليل الفروق: اين كانت لمسة الانسان؟ اين تجلى العمق العاطفي؟ واين ظهر الربط غير المتوقع؟ هذه العملية لا تعلم الطلاب النقد فحسب، بل تظهر لهم قيمة ابداعهم الفريدة بشكل ملموس، وتحول الالة الى محفز ذهني يعيد شحن العقل البشري.

وتتقاطع هذه الفكرة مع رؤية المستشارة التربوية تهاني ياسين، التي تؤكد ان دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم يتطلب استراتيجية تربوية واضحة، تبدا من بناء الوعي الرقمي وتنتهي بأشراك الطالب والمعلم في استكشاف الاداة ومناقشة نتائجها (4). فحين يستخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد محتوى يحلل ويناقش، يتحول من تقنية صامتة الى شريك في التعلم، يعزز التفاعل ويعيد تعريف الابداع بوصفه قدرة بشرية على التمييز والتاويل.

ابداع "ما بعد الذكاء الاصطناعي".. التركيز على المهارات الانسانية الفائقة (Hyper-Human Skills)

اذا كان الذكاء الاصطناعي قد اتقن المهارات التقنية واصبح قادرا على تنفيذ مهام معقدة بكفاءة عالية، فان مستقبل التعليم لا بد ان يوجه تركيزه نحو المهارات الانسانية الفائقة التي تظل حكرا على العقول البشرية. من بين هذه المهارات، يتصدر التعاطف العميق القائمة، وهو القدرة على فهم المشاعر المعقدة والسياقات الثقافية والاجتماعية التي تنتجها، وهو جانب يختص به الانسان دون الالة. الى جانب ذلك، تأتي الحكمة التي تتمثل في توظيف المعرفة برؤية اخلاقية وبافاق طويلة الامد، وليس فقط لتحقيق نتائج فورية او حلول مؤقتة. كما ان القيادة الوجدانية تمثل مهارة جوهرية، اذ تنطوي على قدرة الانسان على تحفيز الاخرين والهامهم، لا سيما في ظروف غامضة وغير مؤكدة يصعب فيها الاعتماد على البيانات وحدها. واخيرا، يبرز الفضول الوجودي، وهو السعي المستمر لفهم الاسئلة الكبرى المتعلقة بالحياة والهدف والمعنى، وهي تلك الاسئلة التي تظل خارجة عن نطاق قدرة خوارزميات الذكاء الاصطناعي، مما يؤكد اهمية هذه المهارات في تشكيل مستقبل التعليم والانسانية نفسها.

ولتوضيح هذه المهارات في سياق تطبيقي مدرسي، يمكن تصور مشروع تعليمي ثانوي بعنوان "رحلة إلى الذات والآخر" يهدف الى تنمية المهارات الانسانية الفائقة عبر مراحل متعددة. يبدأ المشروع بمقابلات مع أفراد من خلفيات متنوعة لتعزيز التعاطف، ثم مناقشة قضايا أخلاقية معقدة لتفعيل الحكمة، يليه تكليف طالب بقيادة الفريق لتجسيد القيادة الوجدانية، واخيراً كتابة مقالات تأملية لتعزيز الفضول الوجودي. يهدف هذا النموذج الى اعادة تعريف المدرسة كمكان لتشكيل الانسان، واعداد جيل قادر على مواجهة تحديات المستقبل متجاوزاً حدود التقنية، مستنداً إلى عمق انساني وأخلاقي وفلسفي لا يمكن تقليده رقمياً.

التقييم في عصر الذكاء الاصطناعي

اصبح تقييم الابداع بناء على المنتج النهائي مثل مقال او لوحة فنية او تصميم امرا بالغ الصعوبة في ظل قدرة الالة على انتاج هذه الاعمال ذاتها. لذلك، من الضروري ان تتحول انظمة التقييم الى التركيز على عملية الابداع ذاتها وليس فقط على النتيجة النهائية. يمكن تحقيق ذلك عبر اعتماد مقابلات المنطق التي تتيح مناقشة الطالب حول رحلته الابداعية، مستفسرين عن اسباب اختياره لطرق معينة، والبدائل التي فكر فيها، وكيف توصل الى الفكرة الاساسية. اضافة الى ذلك، يصبح حفظ المسودات وعمليات التفكير جزءا لا يتجزا من التقييم، مما يعكس تطور الفكرة وتعمق الطالب في تجربته. كما ينبغي تبني التقييم القائم على المشاريع طويلة الامد التي توثق تطور الفكرة من مجرد بذرة الى ثمرة متكاملة، فتبرز بذلك مسار التفكير والابتكار المستمر بدلا من التركيز فقط على المنتج النهائي. على سبيل المثال، في درس الفنون، يطلب من الطالب تطوير مشروع بصري طويل الأمد، يبدأ بمسودة أولية ويخضع لتعديلات متعددة. يجرى معه حوار حول اختياراته الفنية، البدائل التي فكر فيها، وكيفية تطور الفكرة. يقيّم بناءً على عمق تفكيره ومسار تطوره، لا على اللوحة النهائية وحدها، مما يعكس فهمه الحقيقي لعملية الإبداع.

تحدي الاخلاقيات

يطرح الذكاء الاصطناعي اسئلة اخلاقية يجب ان تكون في صلب العملية التعليمية الابداعية: من يملك ابداعا ساهم في انتاجه الذكاء الاصطناعي؟ ما هي التحيزات الخفية في البيانات التي دربها عليها الذكاء الاصطناعي والتي قد تكرسها اعماله "الابداعية"؟ كيف نضمن ان ابداعنا البشري يظل في خدمة الانسانية ولا يتم توظيفه لاغراض ضارة بمساعدة ادوات اكثر كفاءة؟ تعليم الابداع اليوم يعني ايضا تعليم (المسؤولية الإبداعية) والوعي النقدي بتقنياتنا.

الابداع جوهر التعلم

في الختام احب ان ابين ان تحفيز الابداع لدى المتعلمين لا يتم عبر التلقين، بل عبر اثارة الفضول، والاحتفاء بالخطا كجزء من التعلم، ودمج النظرية بالتطبيق، والعقل بالوجدان. الطالب لا يجب ان يكون مستهلكا للمعرفة، بل منتجا لها، مشاركا في صياغتها، ناقدا لها، ومؤثرا من خلالها.

اما تعليم المعلمين كيف يعلمون الابداع، فهو ممكن، لكنه يتطلب اعادة تعريف جذرية لدور المعلم. لم يعد المعلم ناقلا للمعلومة، بل صار ميسرا للتفكير، وشريكا في البحث، وحارسا للقيم. وهذا يستدعي تغييرا في المناهج التي تدرس للمعلمين انفسهم، وتوفير مساحة للتجريب والتامل، لا مجرد تطبيق تعليمات جاهزة.

المناهج التي تحترم الزمن وتبتعد عن التلقين هي تلك التي تطرح اسئلة بدلا من تقديم اجابات، وتربط التعلم بالحياة لا بالامتحان، وتدمج بين المهارات المعرفية والوجدانية والاجتماعية، وتبنى على مشاريع لا على حفظ نصوص. وكما تشير دراسة منشورة في موقع "منهجيات"، فان "الذكاء الاصطناعي لا يجب ان ينظر اليه كبديل للمعلم، بل كاداة تكاملية تدفعنا لاعادة النظر في اسئلتنا التعليمية، والتامل في اي نوع من المعلمين نطمح ان نكون" (5).

الذكاء الاصطناعي قد غير قواعد اللعبة، لكنه لم يلغ الحاجة الى الانسان المفكر، المتامل، المبدع. ربما لم نعد بحاجة الى تعليم "كيف نحل المسالة"، لكننا ما زلنا بحاجة الى تعليم "لماذا نحلها"، وما الذي تعنيه لنا، وما الذي يمكن ان نفعله بها في عالم يتغير اسرع مما نتصور.

اننا لا نقف اليوم امام تحد تقني فحسب، بل امام اختبار حقيقي لانسانيتنا التربوية: هل نكتفي بمراقبة الذكاء الاصطناعي وهو يعيد تشكيل المعرفة؟ ام ننهض بدورنا لنعيد تشكيل التعليم ذاته؟ ان الابداع ليس رفاهية تربوية، بل هو جوهر وجودنا كمعلمين ومتعلمين. واذا كان الذكاء الاصطناعي قد علمنا كيف نسرع الاجابة، فان مسؤوليتنا الاخلاقية والتربوية هي ان نبطئ قليلا لنعيد طرح السؤال، ونعلم الجيل القادم كيف يفكر، لا فقط كيف يجيب.

فلنعلم ابناءنا ان الابداع لا يستعار من الة، بل يولد من شغف، من شك، من تجربة، ومن حلم. ولنعلم معلمينا ان دورهم لم ينته، بل بدا من جديد، اكثر عمقا، واكثر مسؤولية. فالمستقبل لا يكتب بالخوارزميات وحدها، بل يصاغ بالعقول التي تجرؤ على السؤال، وبالقلوب التي تؤمن ان التعليم ما زال اداة للتغيير، لا مجرد وسيلة للتكيف.

***

محمد الربيعي

بروفسور متمرس ومستشار دولي في جامعة دبلن

........................

المصادر:

1.  https://www.rudawarabia.net/arabic/interview/060820251

2.  https://www.almothaqaf.com/qadaya/979430-%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%91-%D8%A3%D8%B3%D8%B9%D8%AF-%D9%88%D8%B7%D9%81%D8%A9-%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%B5%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D8%B2%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%B7%D9%86%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D9%91

3.  https://www.press.jhu.edu/books/title/53869/teaching-ai

4.  https://www.annahar.com/technology/artificial-intelligence/241995/%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%B7%D9%86%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D9%83%D9%8A%D9%81-%D9%8A%D8%B5%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%84%D9%85-%D9%81%D9%8A-2025

5.  https://www.manhajiyat.com/ar/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%B7%D9%86%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D9%91-%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D9%83%D8%A9%D9%8C-%D9%85%D8%A8%D8%AA%D9%83%D8%B1%D8%A9%D9%8C%D8%8C-%D8%A3%D9%85-%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D9%91%D9%8D-%D9%84%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D9%91%D8%9F/%D9%85%D9%84%D9%81%D9%91-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AF%D8%AF

السلطة في سياقها العام، هي القدرة المشروعة على فرض رأي ما أو سلوك ما واتخاذ القرار في التنفيذ من قبلنا، سواء بشكل فردي أو جماعي. أو هي قوة شرعيّة لظاهرة ما يتقبلها الناس ويستخدمونها لتحقيق أهداف معينة ماديّة كانت أو معنويّة،

أما السلطة في المنظور الفلسفي فهي برأيي ظاهرة ماديّة أو فكريّة، تفرض علينا أن نتعامل ونتفاعل معها إيجابا أو سلبا ضمن ظروف تاريخيّة تفرضها علينا الطبيعة والمجتمع معاً.

والسلطة من حيث المعطى الوجودي أو الطبيعي لها، تظل خارج إرادة الإنسان، كسلطة قوانين الطبيعة، أو ما يسمى القوانين الموضوعيّة التي تتحكم بأليّة سير الطبيعة وتشكلها، وبالتالي مدى تأثيرها علينا.

وهناك السلطة المعنويّة بكل تجلياتها العاطفيّة والغريزيّة والفكريّة، وهي سلطة يقوم الفرد والمجتمع بإنتاجها من خلال نشاطهم المادي والروحي الذي يمارسونه داخل المحيط الاجتماعي الذي يتواجدون فيه، وما يولده هذا النشاط من علاقات اجتماعيّة أو سياسيّة أو ثقافيّة أو اقتصاديّة أو عاطفيّة أو جدانيّة بشكل عام.

وبناء على ذلك فالطبيعة تفرض سلطتها عبر قوانينها التي ستجري علينا خارج إرادتنا كما بينا أعلاه.. كسلطة الدورات المناخيّةّ ممثلة في فصول السنة، أو توالي الليل والنهار في اليوم الواحد، وكذلك سلطة الزلازل والبراكين والانزياحات الطبيعية، والتصحر، والفيضانات، وغير ذلك.

أما في المجتمع فنحن كما قلت من يقوم بصناعة هذه السلطات، وبعد صناعتها تفرض علينا هيمنتها. فنحن مثلاً من الناحية الاقتصاديّة من أوجد النقود للتداول بيننا بعد تطور قوى وعلاقات الإنتاج، ولكنها راحت تمارس سلطتها علينا داخل هذه العلاقات، حتى أننا رحنا نشرى ونباع بها بهذا الشكل أو ذاك.. وهناك سلطة السوق التي تفرض علينا اختيار ما ننتجه من سلع، أي ما قمنا نحن بإنتاجه للاستهلاك وعرضه في هذه السوق وفقاً لحاجاتنا.. فالسوق الاقتصادي ومن يتحكم به من قوى بشريّة، يتحكم في اختياراتنا من حيث طبيعة المنتج وجودته، (الايزو) أو من حيث الانبلاج الذي يتمتع به، وبالتالي راح يفرض علينا سلطته في ما يقدمه لنا من منتجات وعلى كافة المستويات من الخضار والفواكه إلى الأحذية والملابس وحاجاتنا الماديّة والروحيّة بشكل عام.

أما من الناحية السياسيّة، فهناك سلطة الدولة وقوانينها التي نوجدها بأنفسنا لنخضع لها فيما بعد ونعاقب عندما نخالفها.

ومن الناحية الفنيّة والأدبيّة هناك سلطة الأدب والفن.. فنحن من نرسم ونمارس النحت، ونغني ونخلق الموسيقا ونكتب الشعر والقصة والرواية والمسرحيّة، وبالتالي تبدأ هذه المنتجات الفنيّة تفرض علينا سلطتها فرحا أو حزنا أو قوة أو ضعفا.. كم أبكتنا الأغاني عندما لامست حزننا وقهرنا وغربتنا.. وكم أفرحتنا عندما لامست مسراتنا وجعلتنا نرقص ونضحك.. وكم أدهشتنا الرسوم الجميلة في الفن التشكيلي بسبب جماليتها، وكم حققت عند النظر إليها أو التمعن في دلاتها وألوانها ومنحنيات خطوطها أو استقامتها، وحتى في قدرتها على ملامسة مكامن ذواتنا وأحاسيسنا من الدهشة والانبهار والاحساس بماهية الجمال.

وفي النحت نحن من صنع تماثيل لآلهة اخترعناها نحن في عصور ما قبل التاريخ لتعبر عن موتنا وحياتنا وما يتعلق في هذه الحياة من علاقات.. كآلهة المطر والحرب والحب والجمال والصيد والخصب.. فكانت عشتار وتموز وبعل وباخوس وديانا.. الخ.. وحتى بعد دخولنا عتبة التاريخ كان هبل واللات والعزى..

أما في اللغة والأدب، فكانت السلطة تكمن منذ البداية في الحرف الذي أوجدناه، ورحنا نتفنن في رسمه وتركيب المفردات اللغويّة منه وصياغة جمل وتعابير وصور حسيّة وتخيليّة.. ثم استطعنا من الحرف أن نصوغ معرفة، وكيف تحكمت المعرفة فيما بعد في تصرفاتنا وتشكيل مناخات روحيّة وشعوريّة ووجدانيّة، تجلت في عالمنا الروحي والوجداني والعاطفي وحتى السلوكي، لقد تجلت قدرات الحرف في كل جماليات صياغاته ودلالاتها في شعرنا وقصصنا ورواياتنا ومسرحياتنا وكل سردياتنا، وكان حضور الحرف الأكثر فاعليّة وتسلطاً وتأثيراً علينا ليس على فكرنا فحسب، بل وعلى سلوكياتنا عندما صيغت الحروف برؤى أيديولجيّة، فراحت الأيديولوجا تتحكم بنا وتدفعنا للانغلاق حول مفاهيمها المغلقة، والادعاء بأننا نحن من يمتلك الحقيقة المطلقة، وبالتالي محاربة أو اقصاء أو قتل المختلف...

وها هي السلطة قد تجلت مجتمعياً في عاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا وقيمنا الروحيّة، (هكذا وجدنا أباءنا يفعلون كما تجلت في السلطة الأبويّة ممثلة في سلطة رب الأسرة وفي مفردات العشيرة والقبيلة والدين والطائفة.. وما أنا إلا من غزيّة إن غوت.. غويت وإن ترشد غزيّة أرشد.

عموما نحن نعيش عالما من السلطات التي تدخل في كل مسامات حياتنا. منها ما يفرض علينا الخضوع والطاعة لها قسراً، أو بالقوة، وهذه تتجلى في سلطة الدولة، ممثلة في قوانين القضاء، وقوانين دوائر الدولة ومؤسساتها الوزاريّة والإداريّة، فكل وزارة أو دائرة لها قوانينها التي تلزم موظفيها ومراجعيها ضرورة الالتزام بها وتطبيقها على الجميع.

وهناك سلطة الغريزة التي تفرض علينا الخضوع لها بالضرورة حتى ولو قمنا بأنسنتها وتخليصها من فوضويتها وروح الحيونة فيها. وهناك سلطة العشيرة والقبيلة والطائفة والمذهب، وهي سلطات لا زال لها حضورها وفاعليتها في بنية المجتمعات وآليّة سير هذه المجتمعات والدول معاً، بل هي تصل في العديد من دول العالم الثالث إلى التحكم في آليّة البنية السياسيّة والثقافيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، والويل كل الويل في هذه الدول أو المجتمعات إن تفجرت هذه السلطات حروباً أهليّة، فهي ستحرق الحجر والبشر معا.

وهناك السلطة الناعمة أو اللطيفة التي يحققها الجمال الذي تقدمه لنا الطبيعة في مناظر تشكيلاتها الخلابة، إن كان في أنهارها أو بحارها أو وديانها أو شلالاتها، أو ما تضمه بحارها من عوالم غريبة في تشكيلتها السمكيّة أو كنوزها من لؤلؤ وأصداف.. أو ما تضمه غاباتها من أشجار جميلة وحيوانات وطيور خلابه في تشكيلاتها والوانها وطبيعة حياته.

أما بالنسبة للحياة الاجتماعيّة، فكم مارس المبدعون علينا سلطتهم في الفن التشكيلي من خلال رسوماتهم الجميلة التي تجلت فيها إبداعاتهم في اختيار الألوان ومزجها، وفي هندسة خطوط لوحاتهم وخلق عوالم عبرها تحقق الدهشة والمتعة وتطوير الحس الجمالي لدى المتلقي، وهذا ينطبق على فن النحت والموسيقى والغناء والأدب إن كان في القصة أو الرواية أو المسرح، فكل هذه الفنون مارست علينا سلطاتها الجماليّة وخلقت لنا عوالم من الفرح والمتعة.

ملاك القول:

نعم نحن نعيش عالماً مليئاً بالسلطات، منها ما يمارس علينا حصار الروح والجسد، ومن خلالها يأتي حصار الإنسان وغربته وتشيئه واستلابه..بل وضياعه في السلطات التي ينتجها هو ماديا ومعنويا... ومنها ما ستطاع أن يعيد تشكيل وعينا وأحاسيسنا ليرتقي بها إلى عالم الأسنة وفرح الحياة.

***

د. عدنان عويد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا

 

في مصير القرار الأخلاقي داخل عصر الذكاء الاصطناعي

في عصر تحكمه السرعة المعلوماتية، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لحساب أو معالجة البيانات، بل صار شريكا فاعلا يتدخل تدريجيا في مجالات لم تعد حكراً على العقل البشري وحده. القرارات التي كان الإنسان يتخذها بناءً على خبرة وحدس ووعي أخلاقي، بدأت تتقاسم مجالها مع خوارزميات قادرة على التعلم والتنبؤ وضبط السلوك. وهنا يظهر الإشكال الأكثر جوهرية: الذكاء الاصطناعي ليس مجرد وسيلة للحساب، بل أداة قد تُعيد تشكيل الفضاء الرمادي الذي قد نسميه تاريخيا بالضمير، فتطرح مسألة جوهرية: هل ستصبح القرارات الأخلاقية تلقائية، أم ستظل خاضعة للإنسان؟ .

يُفتتح سؤال الذكاء الاصطناعي اليوم لا بوصفه سؤالا تقنيا، بل بوصفه سؤالا أنطولوجيا وأخلاقيا في آن، لأنه لا يطرق أبواب الأدوات فقط، بل أبواب الذات. حين تُسلَّم بعض دوائر القرار إلى خوارزميات متعلّمة، فإن ما يُستدعى ضمنيا ليس مجرد القدرة على الحساب، بل قدرة هذه الآلات على محاكاة ما كان يُعتبر فضاءً أخلاقيا للبشر وهو الضمير. وقد أشار كانط إلى أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يجب أن يُعامَل دائما كغاية لا كوسيلة، بينما منطق الخوارزميات لا يعرف الغايات إلا بوصفها نواتج محسوبة لمتغيرات، ولا يرى في الإنسان إلا مدخلاً ضمن مصفوفة احتمالات. وهنا بالضبط يولد التوتر العميق: هل يمكن أن تُستبدل تلك الهشاشة الأخلاقية، التي تجعل الإنسان يتردّد ويتألّم ويشعر بالذنب، بنظام صوري لا يعرف سوى الترجيح والحساب؟.

الوعي الإنساني في جوهره ليس جهازا لاتخاذ القرار فقط، بل تجربة للوجود. ما يجعل قرارا أخلاقيا هو ليس نتيجته الخارجية فحسب، بل الطريقة التي يمرّ بها عبر الذات، عبر ما سمّاه هايدغر “الانشغال القَلِق بالوجود”، حيث يكون الفعل محمّلاً بقلق الإمكان والخطأ والمسؤولية. أما الخوارزمية مهما بلغت من التعقيد، فهي بلا قلق وبلا شعور بالخسارة وبلا خوف من أن تكون قد خانت ذاتها. إنها تحسب لكن لا “تتعرّض” للنتيجة. وقد أدرك فيتغنشتاين في عبارته الشهيرة، أن “حدود لغتي هي حدود عالمي”، فإذا كانت لغة الخوارزمية هي الرياضيات والاحتمالات، فإن عالمها الأخلاقي لا يمكن أن يتجاوز ما يُشفَّر في هذه اللغة، أي ما يمكن قياسه وترجيحه أو تحسينه. أما ما لا يُقاس — الألم، الإهانة، الكرامة، الذنب — فهو خارج أفقها البنيوي.

يُشاع كثيرا أن الخوارزميات يمكن تزويدها بقيم أخلاقية، غير أن هذا الادعاء يقوم على افتراض مضمر مفاده أن الأخلاق ليست سوى مجموعة من القواعد. والحال أن أرسطو منذ قرون بيّن أن الفضيلة ليست قانونا يُطبَّق، بل هيئة راسخة في النفس تتكوّن عبر الممارسة والتجربة والاختيار. فالمرء لا يصير عادلا لأنه يحفظ تعريف العدالة، بل لأنه يمارسها في أوضاع ملتبسة ومتعارضة، حيث تحتاج إلى ما سماه أرسطو الحكمة العملية (phronēsis): قدرة على تقدير ما ينبغي فعله في وضع خاص لا يتكرر. وهذه الحكمة هي بالضبط ما يستعصي على الآلة، لأنها ليست تطبيق قاعدة على حالة، بل موازنة حيّة بين قيم متعارضة داخل سياق إنساني فريد. فعندما تقف طبيبة أمام مريض يحتضر، لا يكون قرارها مجرد تنفيذ بروتوكول، بل قراءة عميقة لوضع لا يُختزل في بيانات، نظرة في العين ورجفة في الصوت وتاريخ حياة كامل. الخوارزمية ترى مؤشرات؛ الإنسان يرى معنى، ويرى قصة.

غير أن العالم في انبهاره بالقوة التنبؤية للذكاء الاصطناعي، يميل إلى تحويل هذه القصص إلى سلاسل من المتغيرات. وهنا يظهر خطر أخلاقي جديد، ليس أن الآلة ستتخذ قرارات سيئة بالضرورة، بل أن معيار “الجيد” نفسه سيُعاد تعريفه وفق منطق التحسين والكفاءة. ما هو القرار الأخلاقي الأمثل؟ في لغة الخوارزميات، هو ذلك الذي يقلل الخسائر أو يزيد المنافع وفق نموذج مُسبق. لكن جون ستيوارت ميل حين دافع عن المنفعة، كان يفعل ذلك داخل أفق إنساني يعترف بالكيفيات لا بالكميات فقط. أما الخوارزمية فتميل إلى تسطيح الكيف إلى كمّ وإلى تحويل الكرامة إلى وزن رقمي. يصبح الخطر وجوديا، أن نعتاد نحن البشر على النظر إلى أنفسنا كما تنظر إلينا الآلات.

أشارت حنة أرندت، في تأملها حول “تفاهة الشر”، إلى إن أخطر ما في الأنظمة الشمولية ليس الكراهية، بل غياب التفكير. الشر يمكن أن يصبح تلقائيا حين يُختزل الفعل إلى إجراء. وفي هذا المعنى لا يختلف نظام بيروقراطي صلد عن خوارزمية ذكية؛ كلاهما ينفّذ دون أن “يسأل”. الفرق أن البيروقراطي يمكن أن يشعر بالذنب ويمكن أن ينهار وأن يعصي. أما الخوارزمية فلا تعصي لأنها لا تستطيع أن تقول “لا” بمعنى أخلاقي. إن تلقائية القرار هي بالضبط ما يجعل الخطر أخلاقيا، حين يتحول الفعل إلى ناتج، والمسؤولية إلى أثر جانبي.

ومع ذلك، لا يمكن الاكتفاء بنقد رومانسي للتكنولوجيا. فالذكاء الاصطناعي يكشف شيئا حقيقيا عن هشاشتنا نحن. إذا كنا نخشى أن تُسلَب منا قراراتنا الأخلاقية، فذلك لأن كثيرا منها كان في العمق آليا حتى قبل الآلة. لقد أشار فوكو إلى أن السلطة الحديثة لا تعمل عبر القمع فقط، بل عبر “تطبيع” السلوك، وعبر جعل ما هو تاريخي يبدو طبيعيا. الخوارزميات اليوم هي ذروة هذا التطبيع، إنها تجعل أنماط السلوك المتكررة تبدو كأنها “أفضل” الخيارات الممكنة. وحين نوافق عليها، فإننا لا نخضع لقوة خارجية، بل ننسجم مع صورة إحصائية عن أنفسنا. وهنا يتحول السؤال من: هل ستتخذ الآلة قرارات أخلاقية؟ إلى: هل ما نعتبره نحن قرارات أخلاقية ليس في كثير من الأحيان سوى استجابات مبرمجة اجتماعيا؟.

الوعي الإنساني إذاً، ليس ضمانة تلقائية للأخلاق. هو ساحة صراع بين العادة والحرية. لكن ما يجعل هذا الوعي أخلاقيا، في عمقه هو قدرته على الانقطاع عن نفسه، على أن يقول: “كان يمكنني أن أفعل غير ما فعلت”. هذا الندم ;هذا الشرخ في الهوية، هو ما يعطي للفعل وزنه الأخلاقي. الآلة لا تندم ولا تحمل ذاكرة ذنب. كل قرار لها هو في لحظة تنفيذه يكون الأمثل حسابيا. أما الإنسان فيعيش مع قراراته ويراجعها ويعيد تأويلها، وربما يغيّر حياته بسببها. وهذه الزمنية الأخلاقية — أن يكون القرار حدثا لا عملية — هي ما لا يمكن أتمتته.

لقد حلم ديكارت بآلة تفكر، لكن حتى هو اعترف بأن ما يميّز الفكر ليس الحساب بل الوعي بالذات. وفي هذا الوعي تكمن الأخلاق. حين أقول “أنا”، فإنني أتحمل. وحين تتحمل، فإنك تكون معرضا للخطأ وللذنب وللمساءلة. الخوارزمية لا تقول “أنا”، بل “المدخلات أعطت هذه المخرجات”. إنها بلا وجه وبلا صوت وبلا قابلية لأن تُلام. ولذلك فإن إسناد قرارات أخلاقية إليها ليس فقط خطرا عمليا، بل تفريغ لفكرة المسؤولية من معناها.

غير أن العالم يتجه ببطء ولكن بثبات، نحو مناطق رمادية حيث يصبح القرار موزعا بين إنسان وآلة. في هذه المناطق سيغدو السؤال الأخلاقي أكثر تعقيدا: من المسؤول عن خطأ سيارة ذاتية القيادة؟ المبرمج؟ الشركة؟ المستخدم؟ الخوارزمية؟ هذا التشظي في المسؤولية قد يؤدي إلى ما حذّر منه ليفيناس حين قال إن الأخلاق تبدأ من “وجه الآخر” الذي يطالبني. حين يختفي الوجه خلف شاشة وخوارزمية، يتلاشى هذا النداء المباشر. لا أحد يشعر بأنه هو المعني. وهنا يصبح الشر مرة أخرى ممكنا بلا فاعل واضح.

ليست المشكلة أن الآلة ستصبح “أخلاقية”، بل أن الإنسان قد يتنازل عن أخلاقيته بحجة الكفاءة. كل مرة نقبل فيها قرارا آليا لأنه “أدق” أو “أسرع”، نتخلى قليلا عن حقنا في الخطأ، وفي هذا الحق تكمن إنسانيتنا. فالحرية كما قال سارتر، ليست أن نختار دائما الصواب، بل أن نكون مسؤولين عن اختياراتنا حتى حين تكون خاطئة. الخوارزمية حين تصيب لا تستحق المدح، وحين تخطئ لا تشعر بالعار. إنها خارج مجال الفضيلة والرذيلة.

وهكذا يتكشف أن الصراع الحقيقي ليس بين الإنسان والآلة، بل بين نمطين من العقل: عقل يحسب، وعقل يتحمّل. الأول يسعى إلى الأمثلية، الثاني يعيش التراجيديا. وبينهما يتحدد مستقبل الأخلاق في عصر الذكاء الاصطناعي. هل سنعيد تعريف الخير بوصفه ما تحسنه الخوارزميات؟ أم سنحافظ على ذلك الفائض غير القابل للاختزال الذي يجعل من كل قرار أخلاقي مخاطرة وجودية؟ هذا السؤال في جوهره ليس تقنيا، بل هو سؤال عن أي نوع من الكائنات نريد أن نكونه ونحن نشارك العالم مع آلات لا تعرف ماذا يعني أن تشعر بثقل الاختيار.

يتواصل هذا التأمل حين ندرك أن المسألة لا تنحصر في ما إذا كانت الآلة “تفهم” الأخلاق، بل في الكيفية التي سيُعاد بها تشكيل وعينا نحن بالأخلاق تحت ضغط وجودها. فالتكنولوجيا كما نبّه مارشال ماكلوهان، ليست مجرد أدوات نستخدمها، بل هي بيئات تُعيد تشكيل حواسنا ولغتنا وصورنا عن أنفسنا. حين نعيش داخل بيئة خوارزمية تقترح علينا ما نقرأ، من نحب وكيف نتحرك، بل وحتى ما نعتبره خطرا أو أمانا، إن وعينا الأخلاقي نفسه يُعاد ضبطه. ما كان في الماضي ثمرة تردّد وتأمل يتحول شيئا فشيئا إلى استجابة لاقتراح آليّ مُقنع إحصائيا. وهنا يتسلل أخطر تحول: أن نستبدل السؤال “ماذا ينبغي أن أفعل؟” بالسؤال “ما هو الخيار الذي يُوصى به؟”.

في هذا الانتقال من “الينبغي” إلى “الموصى به” يضيع البعد المعياري للأخلاق. كانط لم يبنِ فلسفته على ما يفعله الناس عادة، بل على ما يجب أن يفعلوه حتى لو خالف ذلك ميولهم ومصالحهم. الواجب في هذا المعنى هو فعل مقاومة داخلية، تمرّد على ما هو سهل ومتاح. أما الخوارزمية فمهمتها الأساسية هي جعل ما هو “أنسب” هو ما يُختار دون توتر ودون مقاومة. إنها اقتصاد للرغبة، وليست تربية للإرادة. ومع الزمن قد نجد أنفسنا نخلط بين الاثنين، فنعتبر أن ما يُعرض علينا بوصفه الأمثل هو ما يجب علينا أخلاقيا.

لكن الأخلاق في جوهرها، ليست تحسينا للاختيارات، بل انفتاحا على إمكان التضحية. حين يتخلى شخص عن مصلحة واضحة من أجل آخر، فإن هذا الفعل لا يمكن تبريره خوارزميا إلا بوصفه “خسارة”. غير أن هذه الخسارة هي ما يعطي للإنسان قيمته. ليفيناس رأى في الاستجابة لنداء الآخر نوعا من “اللامعقولية” الأخلاقية: أنا مسؤول عنك حتى لو لم يكن ذلك مفيدا لي. هذا اللا-نفع هو قلب الأخلاق. أما الخوارزمية فلا تعرف إلا النفع الموزون، حتى حين تُبرمج على “الإيثار”، فهي تحوله إلى معادلة. إنها تحاكي التضحية دون أن تعيشها.

ومع ذلك فإن السؤال لا يمكن أن يُختزل في رفض التكنولوجيا، لأننا نعيش داخلها كما تعيش السمكة في الماء. ما يتطلبه الأمر هو إعادة تأسيس لفكرة المسؤولية في زمن الذكاء الاصطناعي. إذا كانت القرارات تُتخذ اليوم عبر شبكات معقدة من البشر والآلات، فإن الأخلاق يجب أن تنتقل من نموذج الفاعل الفرد إلى نموذج البنية المشتركة. لكن هذا الانتقال يحمل خطرا مزدوجا، إما أن نضيع المسؤولية في ضباب التوزيع، أو أن نُسقطها على الآلة بوصفها “الفاعل” الجديد. كلاهما تهرّب من الحقيقة الأساسية وهي أن البشر هم من يصممون ويضبطون، ويطلقون هذه الأنظمة.

نبه هايدغر إلى أن جوهر التقنية ليس تقنيا، بل هو نمط من الكشف، طريقة يظهر بها العالم لنا. ففي عصر الذكاء الاصطناعي، يظهر العالم بوصفه مخزونا من البيانات القابلة للاستخراج والتحسين. يظهر الإنسان نفسه بوصفه نمطا سلوكيا يمكن التنبؤ به. هذا الانكشاف حين يُترك بلا مقاومة فلسفية، قد يقود إلى تآكل فكرة الحرية. فإذا كان ما سأفعله غدا يمكن توقعه اليوم بنسبة عالية، فما معنى أن أكون مسؤولا عنه؟ هنا يتقاطع التنبؤ مع القدر، وتتحول الإحصاءات إلى نبوءات ذاتية التحقق. الأخلاق هنا تصير محاولة مستمرة لكسر ما يبدو محتوما.

ولعل ما يجعل الإنسان غير قابل للاختزال هو تلك القدرة على خيانة توقعات نفسه. أن يفعل ما لم يكن في “بياناته السابقة”. هذه القدرة على الانحراف وعلى المفاجأة، هي جوهر الحرية. الخوارزمية مهما تعلمت، تبقى أسيرة ماضيها المرمز. إنها تتوقع المستقبل انطلاقا من الأمس. أما الإنسان فيستطيع في لحظة قرار أن يقطع مع تاريخه. أن يتوب وأن يغيّر وأن يختار على نحو لا يمكن استنتاجه إحصائيا. هذه القطيعة هي ما يجعل الأخلاق ممكنة، لأنها تجعل الشر والخير ليسا استمرارا آليا، بل انبثاقا جديدا.

غير أن هذه الحرية مهددة حين نتعود على تسليم قراراتنا الدقيقة للأنظمة الذكية. ليس لأن هذه الأنظمة شريرة، بل لأنها مريحة. إنها تعفينا من عناء التفكير ومن ثقل الشك. لكن كما لاحظ نيتشه، فإن أعظم خطر على الإنسان ليس الألم، بل الراحة. الراحة التي تجعلنا نرضى بما هو معطى وبما هو مقترح، وبما هو “أفضل حسب الخوارزمية”. وفي هذا الرضا الهادئ، قد نفقد تدريجيا القدرة على الاحتجاج الأخلاقي، وعلى القول، هذا ناجع لكنه غير عادل، هذا مربح لكنه مهين.

ولا يعود السؤال: هل ستتخذ الآلات قرارات أخلاقية؟ بل: هل سنبقى نحن قادرين على اتخاذ قرارات غير قابلة للاختزال إلى حساب؟ هذا هو الامتحان الحقيقي للوعي الإنساني في عصر الذكاء الاصطناعي. فإذا كان الوعي هو كما قال هيغل وعيا بالحرية، فإن أي نظام يُضعف هذه الحرية يُضعف الوعي ذاته. قد تصبح الآلات أذكى وأسرع وأدق، لكن ما لا تستطيع امتلاكه هو تلك اللحظة التي يقف فيها الإنسان أمام نفسه ويقول: كان يمكنني أن أفعل غير هذا، وأنا مسؤول عما فعلت.

إن الأخلاق ليست خاصية يمكن إضافتها إلى نظام، بل علاقة متوترة بين ذات وعالم. إنها ما يحدث حين يلتقي الداخل بالخارج في لحظة مخاطرة. ولهذا لا يمكن أن تكون تلقائية حقا، لأن التلقائية نفي للمخاطرة. كلما صارت القرارات أكثر تلقائية، صارت أقل أخلاقية، ومهما كانت نتائجها “جيدة”. فالخير الذي لا يمر عبر الحرية هو مجرد نجاح وظيفي، لا فضيلة.

وفي أفق عالم تحكمه الخوارزميات، تصبح مهمة الفلسفة ليست مقاومة الآلة، بل حماية تلك المسافة الهشة التي تفصل بين ما هو محسوب وما هو مسؤول. أن نُبقي على مكان للارتباك، للشك، للندم وللجرأة على الخطأ. لأن في هذه المنطقة غير المريحة يسكن ما يجعلنا بشرا. وربما يكون أعظم تحدٍّ أخلاقي في زمن الذكاء الاصطناعي هو أن نجرؤ على أن نظل غير قابلين للتحسين الكامل.

ولا يبدو المستقبل صراعا بين إنسان وآلة، بل اختبارا للقدرة على العيش مع آلات دون التحول إلى آلات. أن نستخدم الخوارزميات دون أن نستعير منها صورتها عن العالم. أن نحتفظ بذلك الفائض الغامض الذي لا يُشفَّر ولا يُقاس ولا يُتوقع، الضمير وهو يرتعش أمام قرار يعلم أنه سيترك أثرا لا يمكن محوه.

هنا في هذا الارتعاش يتجدد معنى الأخلاق، لا بوصفها نظاما من القواعد، بل بوصفها شجاعة الوجود في عالم لم يعد يضمن لنا أن نكون أكثر من بيانات، إلا إذا أصررنا نحن على أن نكون أكثر.

***

د. حمزة مولخنيف

ما زال الاسلام السياسي حيا لا بوصفه تنظيما يرفع شعارا بل بوصفه طريقة تفكير وبنية ذهنية رسخت عميقا في الوعي الجمعي. لم يعد في حاجة الى رايات ولا الى منصات لانه استقر في اللغة التي نتكلم بها وفي الاسئلة التي نخشى طرحها وفي تلك المساحات الرمادية بين المقدس والبشرية. بين الايمان بوصفه تجربة روحية والسلطة بوصفها اداة للهيمنة.

سقط التنظيم حين اصطدم بجدار الدولة وتهاوى المشروع حين عجز عن ادارة الواقع لكن الفكرة لم تهزم لانها لم تحاكم معرفيا ولم تفكك فلسفيا بل ازيحت ازاحة امنية كأنها خطر عابر لا بنية ثقافية ممتدة. وحين يؤجل النقد تنمو الجذور في الظل وتعيد الافكار انتاج نفسها باقنعة اكثر دهاء واقل صخبا.

الاسلام السياسي ليس حدثا طارئا في التاريخ بل هو تعبير عن التباس مزمن بين الدين والدولة بين المطلق والنسبي بين ما يعتقد وما يدار انه تلك اللحظة التي يتحول فيها الايمان من معنى وجودي الى برنامج حكم ومن سؤال اخلاقي الى اداة ضبط ومن علاقة حرة بين الانسان وربه الى وصاية دائمة على الضمير والعقل.

ما زال رجل الدين يتصدر المشهد لا لانه الاجدر بالقيادة بل لان السلطة لم تتح بعد ان يفك الارتباط بين المعرفة والقداسة بين الراي والفتوى.

وما زال المثقف والمفكر الحقيقي متواريا عمدا مسلوبا من الادوات والامكانيات.  مازالت الأسئلة تمع وتشيطن ويستبدل التفكير بالجاهز والمعلب. ما زال الجهل يتقدم الصفوف لا باعتباره نقصا في المعلومات بل باعتباره موقفا معاديا للعقل.  جهل يلبس ثوب اليقين ويخاف من الشك ويعتبر السؤال خيانة والاختلاف تهديدا والتعدد لعنة وفي هذا المناخ مازالت العلمانية كلمة سيئة السمعة. شوهت واختزلت في الالحاد بينما هي في جوهرها تحرير للدين من التوظيف وحماية للايمان من الابتذال السياسي.

نحن في حاجة الى مواجهة من نوع اخر لا تدار بالعصا ولا تختزل في الامن بل تخاض في ميدان المعرفة مواجهة تعيد طرح الاسئلة المؤجلة:  ما معنى الدولة؟ ما حدود الدين واين ينتهي المقدس ويبدأ الانساني؟  وما الحق الذي لا يملكه احد في مصادرة اختلاف الاخر.

نحن في حاجة الى ثورة هادئة في الوعي الى تعليم يعلم التفكير لا الحفظ الى خطاب ديني يعترف بتاريخيته والى اعلام لا يوارب ولا يناور في حاجة الى ان يعود العقل الى مركز المشهد لا بوصفه خصما للايمان بل بوصفه شرطا لنضجه

 فالدولة الحديثة ليست تجليا للعقيدة ولا امتدادا للجماعة بل اطار قانوني يدير الاختلاف ويحمي التعدد ويضمن الحقوق بغض النظر عن المعتقد وحين تغيب هذه الفكرة يصبح الدين بديلا عن القانون وتصبح الهوية بديلا عن المواطنة ويغدو العنف مبررا باسم الدفاع عن المقدس

ان ازمة الاسلام السياسي هي في حقيقتها ازمة وعي ازمة تعليم يلقن ولا يحرر ازمة اعلام يلمح ولا يصرح ازمة ثقافة تفضل الطمأنينة الزائفة على القلق الخلاق ولذلك تظل الاسئلة الكبرى مؤجلة.

 ما معنى ان نكون مواطنين لا اتباعا؟؟

 ما حدود السلطة الدينية واين يقف حقها واين يبدأ حق الفرد في الاختيار والاختلاف؟؟

نحن في حاجة الى مواجهة معرفية شاملة لا تستهدف الاشخاص ولا تعادي التدين بل تعيد ترتيب المفاهيم وتفصل بين ما هو روحي وما هو سياسي وتعيد للعقل مكانته بوصفه اداة للفهم لا خصما للايمان نحن في حاجة الى فلسفة تنزل من ابراجها وتدخل المجال العام وتعيد الاعتبار للسؤال وتحرر اللغة من خوفها

ولنعلم ان الافكار لا تهزم بالقوة بل تهزم حين تفهم وتفكك وتستبدل بافكار اعمق منها اكثر انسانية واكثر قدرة على ان تجعل هذا المجتمع يعيش لا على هامش التاريخ بل في قلبه

فالمعركة الحقيقية ليست بين دولة وتنظيم ولا بين سلطة ومعارضة بل بين عقل يريد ان يرى وعقل يخشى الرؤية بين وعي يقبل التاريخ ووعي يريد ان يعيش خارجه

 واما ان ننجح في بناء انسان حر قادر على التفكير والاختيار واما ان نظل نعيد انتاج الازمة نفسها باسماء مختلفة وشعارات متبدلة بينما يبقى الجوهر اسيرا للخوف والوصاية والوهم.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

يعتبر سؤال العلاقة بين الفكر والمادة من أعمق الأسئلة في الفلسفة والعلوم، وقد شكّل محورًا لصراعات فكرية تمتد من اليونان القديمة إلى الفلسفة الحديثة والعلوم المعاصرة.

سنبدأ ب ”الموقف المادي“ الذي يرى أن المادة هي الأصل، والفكر مجرد نتاج ثانوي لعمليات مادية في المخ. يمكن تفسير كل الأفكار والمشاعر عبر نشاط الخلايا العصبية التي تمثل عمليات كيميائية حيويه تخضعي لقوانين الفيزياء الكموميه. وقد اوضح تصوير المخ المغناطيسي (Functional MRI) أن كل فكرة أو قرار يقترن بنشاط عصبي محدد في المخ . كما أظهرت دراسات أجراها عالم الأعصاب الأمريكي بنيامين ليبت في ثمانينيات القرن الماضي وجود نشاط كهربائي في الدماغ يسبق الشعور الواعي بالرغبة في الحركة. وهذا يُشكك في المفهوم التقليدي للإرادة الحرة، ويشير إلى أن الإرادة الواعية لا تبدأ الأفعال، بل تدركها فقط.

 يري ”الموقف المثالي“ ان الفكر أو الوعي هو الأصل، والمادة مجرد مظهر من مظاهره. كان افلاطون من رواد الفكر المثالي ويري ان العالم الحقيقي هو عالم المثل، وان الأفكار خالدة. اتفق الفيلسوف واللاهوتي الأنجلو-إيرلندي ”جورج بيركلي“، الذي عاش في القرن الثامن عشر، مع مبادئ المثالية واللامادية. ازداد الاهتمام بجورج بيركلي في الولايات المتحدة في أوائل القرن التاسع عشر، مما أدى إلى تسمية جامعة ومدينة في كاليفورنيا باسمه.

يمكن تلخيص العلاقة بين الفكر والمادة في ثلاثة نماذج رئيسية: ”النموذج المادي“، الذي يقر بان الفكر نتاج المخ؛ و ”النموذج المثالي“ يطرح ان الفكر هو الأصل والمادة مظهرًا من مظاهر الوعي؛ و ”النموذج الثنائي“، الذي يري ان الفكر والمادة تفاعلًا بين جوهرين.

هناك المدارس الروحية والفلسفات الشرقية مثل التصوف والبوذية التي تقدم رؤية مختلفة:

”التصوف" يعتبر الفكر والوعي والعقل أصل الوجود والحقيقة الأولى، والمادة هي مظهر من مظاهر وجود واحد، ولا يفصل التصوف بين العقل والعالم والوجود، ويرى أن كل شيء مترابطاً، وان المعرفة ليست فقط عقلية فحسب، بل تتضمن الحدس والشهادة والوجودية، وان الوعي يشارك في خلق المعنى، الذي يتجلى من خلال التجربة الداخلية.

اما "البوذية" فهي تعتبر العقل والمادة عمليتين مترابطتين، لا يمتلك أي منهما وجودًا مستقلاً.

تعرض الفلاسفه والمفكرين العرب والإسلاميين في العصور القديمه للعلاقة بين الفكر والمادة. اعتقد الفارابي وابن سينا ​​أن الفكر يتجاوز المادة؛ في المقابل، اعتقد ابن رشد أن العقل قادر على إدراك الكليات، وأن المادة أساس المعرفة. ويتفق هذا مع موقف المعتزلة، الذين يرفعون العقل إلى درجة جعله معيارًا للخير والشر، وأن العقل مستقل ولا تحكمه المادة. علي النقيض يعتقد الأشاعرة ان العقل محدود، وان الفكر ليس مستقلًا عن الإرادة الإلهية.

بالنسبه للفلاسفة والمفكرين العرب في العصر الحديث، مثل زكي نجيب محمود، وحسن حنفي، ومراد وهبة، فإنهم يميلون إلى المادية العلمية، ويعتقدون أن الفكر هو نتاج العقل وانعكاس منظم للمادة، ويرفضون الحتميات الميتافيزيقية.

ناقش العلاقة بين الفكر والمادة الفيلسوف برتراند راسل وعالم الفيزياء ستيفن هوكينج، وهما من أبرز مفكري القرن العشرين الذين لا يزال تأثيرهم مستمرًا حتى يومنا هذا.

تبنى راسل الوحدة المحايدة، وهو موقف يتجاوز كلاً من المادية والمثالية. فهو يعتقد أن تقسيم العالم إلى عقل ومادة هو تقسيم قديم موروث من أفلاطون والفكر الديني، وأنه يتعارض مع التقدم العلمي، لا سيما في الفيزياء وعلم النفس.

أوضح راسل أن الفكر والمادة ليسا جوهرين مختلفتين، ولا أحدهما أصل الآخر؛ بل هما مظهران للمادة المحايدة، وأن العقل والمادة هما جانبان لشيء محايد واحد.

قدم ستيفن هوكينج، رؤية واضحة حول العقل والوعي والمادة من منظور فيزيائي، ويمكن تلخيص موقفه في ثلاث نقاط رئيسية: الوعي هو نتاج عمليات فيزيائية في خلايا المخ؛ العقل ليس كيانًا مستقلاً عن المادة، بل هو نتيجة مباشرة لها؛ لا يوجد فكر أو وعي خارج المادة؛ والروح مفهوم ميتافيزيقي، وليس مفهومًا علميًا.

رفض هوكينج اي تفسير غير مادي، واعتبر الفكر الانساني هو نتاج درجة عالية من التعقيد في الماده التي تكون مخ الانسان، وليس هناك اي دليل علمي على وجود عقل مستقل عن البنية الفيزيائية.

تنظر فلسفة العلم الحديثة الي ان العقل لا يعكس الواقع كما هو، بل يبني نماذج تفسره، وهذه النماذج تتغير مع الزمن. وهناك أنطولوجيا جديدة للفكر والمادة توضح ان الوعي ليس ماديًا بحتًا، ولا روحانيًا محضا، بل هي علاقة تشاركية، وان الوجود هو شبكة من العمليات المعلوماتية، تتخذ شكلًا ماديًا عندما تُرى من الخارج، وشكلًا فكريًا عندما تُرى من الداخل، وان الفكر والمادة ليسا جوهرين، بل وجهان لعملية واحدة. (معني انطولوجي لغير المتخصصين؛ هو علم الوجود، وكيف يمكن تصنيف الأشياء وربطها ببعضها البعض).

في الختام، قدم العلم الحديث رؤية علمية شاملة للعمليات المعقدة في المخ البشري، حيث تتفاعل مليارات الخلايا العصبية من خلال شبكات واسعة من الاتصالات عبر عمليات تحكمها قوانين فيزياء الماده، لإنتاج الفكر البشري. اما المقاربات الأخرى للعلاقة بين الفكر والمادة فهي تفسيرات ميتافيزيقية تشكّلت قبل الفهم العلمي العميق للمادة، مع تصور سطحي وساذج لوظائف المخ، مما ادي الي انتشار معرفة زائفة لا تخضع للإثبات والدحض مثل المعرفه العلميه.

***

بقلم استاذ دكتور سامح مرقس

تعلمت منذ زمن بعيد أن نقد الأفكار هو الذي يهذّبها وينضجها. إني أتبع مذهب الفيلسوف المعاصر كارل بوبر، الذي رأى أن أي فكرة أو نظرية علمية، في أحسن أحوالها، احتمال راجح بالقياس إلى غيره. إعلان الفكرة تمهيد لكشف نواقصها، وصولاً إلى استبدالها بما هو أكمل وأفضل. المعارف القديمة التي تركناها لم تكن خطأ، بل كانت الخيار المتاح يوم ظهورها. ولولا إعلانها لما كشفنا نواقصها، وتوصلنا إلى بدائلها.

أردت بهذا التمهيد الإشادة بنقد أخي الأستاذ هاشم الشملة لمقالة الأسبوع الماضي، الذي كان – للحق – دقيقاً ومنهجياً، ومفيداً لي. وقد عرض نقاطاً عدّة تستحق التوقف. لكني مهتم أولاً باستشكاله على الدعوة لاعتماد العقل في تشخيص معاني الأفعال وما تنطوي عليه من مصالح وقيم. هذه الدعوة عنصر جوهري في المقال المذكور، سيما في فرضية أن علاقات الناس ليست مسألة دينية، وأن مرجعها حكم العقل وليس النص.

يشكك الأستاذ الشملة في قدرة العقل على تشخيص المصلحة من دون تحيز، مع علمنا بأنه يتأثر بميول صاحبه المادية وانتماءاته الاجتماعية وخلفيته الثقافية وإطاره الآيديولوجي وانشغالاته الآنية.

كما يخشى أن تنقلب التعددية القيمية إلى نسبوية، حيث لا يبقى فارق بين الحق والباطل إلا بالاستحسان الظرفي. سأترك هذه النقطة لمناسبة أخرى، وأركز في هذه السطور على النقطة الأولى، أي سلامة الاعتماد على حكم العقل. وهو اعتراض صحيح ومشروع. وللمناسبة، فإن جميع الذين عارضوا دخالة العقل في التشريع أو في الحياة الدينية بشكل عام، ذكروا هذا الاعتراض. وهو أبرز الأدلة التي رفعها الإخباريون في وجه المدرسة التي تقول بالاجتهاد في الشريعة. وقال أهل العرفان إن القيم الدينية غرضها توجيه الإنسان في طريق الكمال؛ لذا ينبغي أن تصدر عن كامل، لا أن تصدر عن ناقص يسعى لتكميل نفسه.

وفي الجهة المقابلة، فإن كافة الذين دعوا إلى إعلاء مكانة العقل ومحورية دوره في حياة الإنسان، أقرُّوا بتلك النواقص والحدود، وقالوا بوضوح، إنهم لا يرون العقل كاملاً ولا معصوماً من تأثير الانحيازات والشواغل الظرفية.

واضح إذن أن الجميع متفق على نقص العقل الإنساني. فكيف نجعله حكماً وحاكماً ومرجعاً؟

سبق أن أجبت عن هذا السؤال. وسأوجز هنا ما قلت سابقاً. سؤال العلاقة بين العقل والقيم/أحكام الشريعة ينحل إلى ثلاثة أسئلة ضمنية، أولها: هل نتحدث عن عقل كامل، بمعنى أنه معصوم عن الخطأ، ونعلم أن العصمة قصر على الرسول، فهل هذا موضوع نقاشنا، أم نتحدث عن عقل البشر العادي الذي يتجه إليه التكليف والاختبار في الحياة؟

السؤال الثاني: هل نرى أن طلب الخير هو الطبع الأولي للإنسان (الفطرة)، أم أن فطرته فاسدة ونزوعه الأولي نحو الشر؟ فإذا قلنا بأنه أميل إلى الشر، فلا حاجة أصلاً إلى النقاش؛ لأنه حتى لو أثبتنا قدرة العقل على إنشاء القيم، فسوف ينصرف إلى ما هو طبع أولي فيه، أي الشر والفساد. أما لو قلنا بأن الإنسان مفطور على الخير، فإنه لا خوف من اعتماد حكم العقل، حتى لو أخطأ.

السؤال الثالث: القول بأن العقل قادر على إنشاء القيم والأحكام، هل يعني أن هذه عملية ميكانيكية: يطلبها الإنسان من عقله فيستجيب هذا وينشئها، أم أنها تتبع تطور المعرفة، فكلما ازدادت معرفة البشر بعالمهم، ازدادت معها قدرتهم على إنشاء الأحكام والقيم؟ هذه العلاقة تشير أيضاً إلى تفاعل جدلي بين الإنسان والطبيعة، يقود لتطور في حياته المادية، فتتولد أسئلة جديدة، تثير العقل كي يولد معاني جديدة ومعارف جديدة، وبالتالي قيماً جديدة. هنا يتضح دور الزمن الذي يثير الأسئلة فيحرك مسيرة المعرفة، فيكشف قابلية متصاعدة للتعلم، تمكن الخلف مما عجز عنه السلف. وفي النقاش بقية، سأعود إليها في قادم الأيام.

***

توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

يُعد الإحباط الإنساني إحدى العلامات البارزة التي تكشف عن عمق الأزمة التي تعيشها المجتمعات المعاصرة في ظل انهيار منظوماتها القيمية واختلال مرجعياتها الأخلاقية، إذ لا يمكن النظر إلى الإحباط بوصفه حالة نفسية فردية معزولة عن سياقها الاجتماعي والثقافي، بل هو نتاج تفاعل معقّد بين الذات الإنسانية وواقع مأزوم يتسم بتراجع المعنى واهتزاز الثوابت التي كانت تؤطر علاقة الإنسان بالعالم وتمنحه الشعور بالاستقرار والجدوى. وفي هذا الإطار، يغدو الإحباط تعبيراً عن انكسار الأفق الوجودي للفرد، وعن عجزه المتنامي عن التوفيق بين طموحاته المشروعة وواقع لم يعد يتيح شروط التحقق أو الفعل المؤثر.

ينشأ الإحباط في سياقات الانهيار القيمي حين تفقد القيم قدرتها على أداء وظائفها التوجيهية والتنظيمية، فلا تعود الأخلاق مرجعية ناظمة للسلوك الفردي والجماعي، ولا يغدو الالتزام القيمي ضمانة لتحقيق العدالة أو الاعتراف الاجتماعي. ومع سيادة أنماط من السلوك النفعي والانتهازي، يشعر الإنسان بأن جهده لا يكافأ، وأن نزاهته تتحول إلى عبء بدل أن تكون مصدر قوة، وصدقه في التعامل يجعله ضعيفاً مستغلاً، الأمر الذي يولد شعوراً عميقاً بالخذلان واللاجدوى، ويقود إلى تآكل الثقة بالذات وبالآخرين على حد سواء.

وتتجلى تمثلات الإحباط الإنساني في هذه السياقات في أنماط متعددة من الاستجابة النفسية والثقافية، تتراوح بين الانكفاء على الذات والانسحاب من المجال العام، وبين التمرد والرفض بوصفهما محاولة أخيرة لاستعادة الفاعلية المفقودة. كما تظهر السخرية بوصفها آلية دفاعية يلجأ إليها الفرد لمواجهة عبث الواقع وتناقضاته، حين يعجز عن تغييره فعلياً، فيحول إحباطه إلى خطاب رمزي يخفف من وطأة القهر، وإن لم يفضِ إلى تجاوزه. وتكشف هذه التمثلات عن عمق الأزمة التي يعيشها الإنسان في زمن فقدت فيه الأفعال معناها، وأضحى فيه الصمت أو اللامبالاة بديلاً عن المشاركة الفاعلة.

ولا يقتصر الإحباط في سياقات الانهيار القيمي على بعده الفردي، بل يتخذ طابعاً جمعياً يعكس حالة من التوتر العام داخل المجتمع، حيث تتقاسم الذوات الإحساس ذاته بالفقد والخيبة، فتتشكل حالة من الوعي الجمعي المأزوم الذي يتغذى على سرديات الفشل وانكسار الأمل. وينعكس هذا الإحباط في الخطابات اليومية، وفي الإنتاج الثقافي والأدبي، الذي يغدو فضاءً لتمثيل الانكسار الإنساني وتفكيك أسبابه، كما يصبح وسيلة لفضح البنى القيمية المتهالكة التي أسهمت في إنتاج هذا الشعور الجماعي بالعجز والاغتراب.

كما يسهم تراجع الثقة بالمؤسسات الاجتماعية وغيرها من المؤسسات في تعميق الإحباط الإنساني، حين تفقد هذه المؤسسات مشروعيتها الأخلاقية، وتتحول من فضاءات للحماية والعدالة إلى أدوات للإقصاء أو الهيمنة. في مثل هذه السياقات، يشعر الإنسان بأنه كائن هامشي داخل نظام لا يعترف بإنسانيته ولا يصون كرامته، فيزداد اغترابه عن المجال العام، ويبحث عن بدائل رمزية أو فردية تمنحه الإحساس بالانتماء والمعنى، حتى وإن كانت هذه البدائل مؤقتة أو وهمية.

ويكشف الإحباط الإنساني، في ضوء ذلك، عن كونه مؤشراً ثقافياً عميق الدلالة على أزمة المعنى في المجتمعات المعاصرة، لا مجرد عرض نفسي عابر. فهو يعكس فجوة متسعة بين القيم المعلنة والممارسات الفعلية، وبين الخطاب الأخلاقي السائد والواقع اليومي الذي يناقضه. ومن هنا، فإن مقاربة هذه الظاهرة تقتضي تجاوز التفسير النفسي الضيق، والانفتاح على تحليل اجتماعي وثقافي شامل، يربط الإحباط بسياقاته البنيوية والتاريخية، ويكشف عن علاقته بتحولات السلطة والاقتصاد والخطاب.

وفي الختام، يمكن القول إن تمثلات الإحباط الإنساني في سياقات الانهيار القيمي تعبر عن مأزق الإنسان المعاصر في بحثه الدائم عن معنى ثابت في عالم متغير، وعن قيم قادرة على ترميم علاقته بذاته وبالآخرين. ولا يمكن تجاوز هذا الإحباط إلا عبر إعادة بناء المنظومة القيمية على أسس أخلاقية وإنسانية أكثر عدلاً وشمولاً، وإنتاج خطاب ثقافي يعيد الاعتبار للفعل الإنساني بوصفه إمكانية للتغيير، لا مجرد استجابة سلبية لزمن البؤس والانكسار.

***

أسمهان عبد القدوس القره غولي

هناك تشابه مدهش بين برج بابل والاساطير اليونانية. قصة برج بابل(1) هي احدى اشهر القصص في الانجيل. معظم الناس لا يعلمون ان هناك قصة مشابهة لها في الميثولوجيا اليونانية، تماما مثلما للميثولوجيا اليونانية نسختها الخاصة لقصة طوفان نوح الواردة في الانجيل. هذه القصة هي اسطورة اوتوس وافيالتس Otus and Ephialtes ومحاولتهما الوصول الى آلهة الاولمب.

منْ هما اوتوس وافيالتس؟

اوتوس وافيالتس كانا اميران من ثيساليا عاشا في وقت مبكر من التاريخ اليوناني. في بعض الروايات، هما كانا ابناء الملك الويوس Aloeus . لهذا السبب، هما كانا يُعرفان عادة بـ الالوادي او الالوادز. في نسخ أخرى ورد ان ابيهما الحقيقي هو بوسيدون poseidon. امهما كانت ايفيميديا Iphimedeia اميرة من ثيساليا. طبقا للميثولوجيا اليونانية، هذه الاميرة تذهب بانتظام الى الشاطئ وتشرب الماء الذي تغرفه من البحر، وهو ما قاد بالنهاية الى حملها من إله البحر بوسيدون. ان قصة اوتوس وافيالتس تحمل تشابها ملفتا مع قصة برج بابل. طبقا لهوميروس، كان اوتوس وافيالتس أقوياء جدا لدرجة هددا آلهة الاولمب ذاتهم.

لكي يشنا الحرب على الآلهة، حاول الالوادوز الوصول الى المقر السماوي للآلهة ومهاجمته. وبشكل مشابه لقصة برج بابل، حاول هذان العملاقان بناء هيكل شاهق جدا. هدفهما هو ان يستحوذا على زوجات الآلهة. اوتوس اراد ان يأخذ ارتميس بينما افيالتيس أراد هيرا. لهذا السبب، هما رصفا الجبال فوق بعضهما للتسلق الى مكان الآلهة. طبقا لهيموروس، ومصادر أخرى، وضع اوتوس وافيالتس جبل اوسا على قمة جبل اولمبس، بعدها وضعا جبل بيلون على قمة جبل اوسا. لكن قبل ان ينجحا في أخذ هيرا وارتميس لأنفسهما، تمكنت الآلهة من احباط الخطة.

في احدى القصص، اتخذت ارتيمس شكل غزالة وركضت بينهما، وعندما حاول الاخوان طعنها، انتهى الامر بإصابة كل منهما بجروح قاتلة. رواية أخرى توضح ان الإله ابولو قتلهما. كيف تتشابه اسطورة اوتوس وافيالتس مع قصة برج بابل؟ هناك عدة وجوه تبدو فيها اسطورة اوتوس وافيالتس مشابهة لقصة برج بابل في الانجيل. هذا يتضح في الاحداث التي حدثت والتوقيت والافراد المشاركين.

بالنسبة لما حدث، كلا القصتين تستلزمان افرادا يحاولون بناء هيكل كبير يصل الى السماء. لا توجد إشارة في قصة الانجيل بان النية كانت مهاجمة السماء. مع ذلك، الانجيل يصف البنّائين بانهم يرغبون ببناء برج "تصل قمته الى السماء".

متى حدث هذا؟ في قصة الانجيل حدث هذا بوقت قصير بعد الطوفان. بما ان نوح وعائلته فقط نجوا من الطوفان، لابد ان يكون قد مر وقت كاف لكي يتزايد السكان مرة أخرى. مع ذلك، يمكن القول انه حدث في وقت مبكر نسبيا من تاريخ البشرية.

الميثولوجيا اليونانية تصف اوتوس وافيالتيس كأحفاد لأيوس، جد احدى القبائل اليونانية الكبيرة. لاحظ الرحالة اليوناني بوسانياس انهما كانا في فترة مبكرة من تاريخ البشرية وهما اول من اطاعا الربات التسعة (آلهات ملهمات في الادب والعلوم والفنون). في جميع النسخ، تجدر الإشارة ان اوتوس وافيالتيس جرى التصدي لهما ومنعهما من جانب كائن الهي. وهذا مشابه للطريقة التي يصور بها الانجيل الله حين أوقف بناء برج بابل .

***

حاتم حميد محسن

.......................

Greek Mythology’s version of the Biblical Tower of Babel, GreekReporter, Jan8,2026

الهوامش

(1) يمثل برج بابل (2242 ق.م) تمردا ضد الله لما بعد الطوفان من جانب ذرية نوح. الله حكم عليهم بتجزئة لغة واحدة الى عدة لغات. ومع انتشار هذه الجماعات وانعزالها، سادت سمات معينة مثل لون الجلد او شكل العينين في جماعات محددة. المؤرخ ورئيس الأساقفة جيمس اوشيل 1 حدد تاريخ البرج بـ 106 سنة بعد الطوفان. يرى البعض ان برج بابل هو قصة انجيلية وليس بناءً اثريا مؤرخا بشكل موثوق. قصة البرج وردت في سفر التكوين 11:1-9 وهي جزء من الكتاب المقدس العبري/العهد القديم وفيما بعد لدى اليهود المتأخرين والمسيحيين والمسلمين. ان تحديد تاريخ القصة او تحديد مبنى تاريخي معين يعتمد على ما اذا كان المرء يتعامل مع النص كتاريخ او اسطورة او كذكرى لبناء الزقورة في بلاد ما بين النهرين.

لعلنا لا نضيف شيئا حين القول: أن الدين الإسلامي بكل تشريعاته ونظمه، وبالرغم من تقريره للغيب، فإنه ذو سمة عقلانية، أي أنه جاء ليوافق منطق العقل الإنساني وأحكامه. لذلك لا نجد أن هناك حكم في الدائرة التشريعية للإسلام، لا ينسجم وحقائق العقل الإنساني. وعالم الغيب في المنظور الإسلامي، ليس نفيا أو تغييبا لعالم الشهود والعقل. وإنما بالنظر العقلي المستند على حقائق الوحي يتم اكتشاف بعض جوانب وأبعاد عالم الغيب.

وإن الحرية الإنسانية لا تنجز على الصعيد العملي، إلا على قاعدة توفير المصالح التي يسعد بها الإنسان ويحيا حياة كريمة، ودفع الأضرار التي تجلب إليه الشقاء والبعد على الجادة والحياة الكريمة. (لذا لا يمكن تصور الإنسان حرا في المفهوم الإسلامي، إلا منذ أن أصبح يعتقد أنه مكلف ومسؤول. ذلك لأن معنى الحرية الذي نهض به التكليف قد غدا في أغوار النفس الإنسانية معتقدا، يمارسه على الوجه المرسوم له شرعا، امتثالا لأمر الله، وعن طواعية وكامل رضا، أو بعبارة أخرى، إن المسلم الحق لا يصدر عنه تصرف أو نشاط حيوي مادي أو فكري أو وجداني بمقتضى ما رسم له الشارع فيما خوطب به من تكاليف، إلا إذا كان يعتقد ابتداء، وفي قرارة نفسه، أنه مكلف به شرعا، لا بعامل الاستهواء أو بتسليط الغرائز الدنيا الأولية السليقية التي تغري بالتصرف المطلق، طمعا في تحصيل الثمرات القريبة العاجلة، أو استجابة للعصبية، والهوى، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم، وحذر منه، لفساد مآلاته على المجتمع البشري كله. بقوله تعالى [ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض].

وهذه الحرية ليست منفصلة في حقائقها وتجلياتها المتعددة عن نظام الحقوق، سواء كانت هذه الحقوق خاصة أم عامة. وإنما هي متداخلة مع نظام الحقوق ولا يمكن أن يتم إنجاز الحرية في الواقع الاجتماعي إلا بصيانة الحقوق فحماية الحقوق وصيانتها هي بوابة إنجاز الحرية في الواقع الاجتماعي. وبدون ذلك تبقى الحرية شعارات مجردة بعيدة عن حركة الإنسان الفرد والمجتمع .

" لذا ترى الإسلام قد أقام فلسفته التشريعية على أساس تضمين المعنى الإنساني والاجتماعي مفهوم الحرية، ضمانا كافيا للحيلولة دون الاعتساف في ممارستها، وناط بهذا المعنى مفهوم العدل، بأن جعل بينه وبين المشروعية تلازما، بحيث إذا انتفى المعنى الاجتماعي في التصرف الفردي، انتفت المشروعية وسقطت، ولاسيما عند تعارض الحرية الفردية مع المصلحة العامة، كما بينا، وهذا أصل مقطوع به، ومجمع عليه، تحقيقا للتوازن عملا وواقعا، ثم أقام الحق والحرية على أساس التكليف المؤيد بالعقيدة، ضمانا للتقيد بالمعنى الإنساني، لأنه يستند إلى أصل اعتقادي قبل أن يكون تدبيرا تشريعيا أو سياسيا محضا. ومن هنا نشأت الوظيفة الاجتماعية للحق والحرية وهذه الوظيفة هي أساس التكافل الاجتماعي الملزم أو جهة التعاون واستخلص العلماء من هذا المبدأ العام الذي هو قوام الحريات والحقوق ومؤداه أن حق الغير محافظ عليه شرعاً وهو حق الله تعالى في كل حق فردي، بما يحقق من معنى الحق الاجتماعي في الإسلام. " (راجع الدكتور فتحي الدريني، دراسات وبحوث ف الفكر الإسلامي المعاصر ، ص 47 ).

وبما أن المصلحة العامة من الشروط التي تتوقف عليها قدرة الفرد وإمكانيته من تحقيق مصالحه الذاتية المباشرة. لذلك فإن صيانة المصالح العامة بكل مقتضياتها ومتطلباتها من صميم صيانة الإنسان لمصالحه الخاصة والذاتية. وبهذا تتضح العلاقة العميقة والوثيقة في آن، بين رعاية المصالح الذاتية ورعاية المصالح العامة. وإنه لا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نصون مصالحنا الخاصة إلا بصيانة مصالحنا العامة. لأنه وببساطة شديدة لا تبقى مصالح خاصة على الصعيد الواقعي معتبرة، إذا تم التهاون والتضحية بالمصالح العامة.

و لعل هذا هو مؤدى المأثور التاريخي القائل ( إن قوما ركبوا سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها، إذا أرادوا أن يستقوا، مروا على من فوقهم، فقال أحدهم: لو إنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن أخذوا على يديه نجا ونجوا، وإن تركوه، هلك وهلكوا جميعا).

من هنا نستطيع القول: أن حياة الإنسان وفق الرؤية الإسلامية ليست حقا أو ملكا خالصا له، بل هي مسيجة بحق الله تعالى وحق المجتمع، تنفيذا لأمانة التكليف، وتفسيرا لمعنى استخلافه في الأرض. ويقول تبارك وتعالى [ولا تقتلوا أنفسكم].

ولقد صاغ الفقهاء مجموعة من القواعد الفقهية التي تنظم وتحدد وتوازن العلاقة وأولوياتها بين المصالح الخاصة والعامة. ومن هذه القواعد، لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ويتحمل الضرر الخاص في سبيل دفع ضرر عام، والضرر الأشد يزال بالأخف.

وكل هذه الحقوق والحريات العامة، التي هي ضرورية لأمن واستقرار المجتمعات، بحاجة إلى ركائز وسياج مجتمعي وقيمي، يحمي الحقوق، ويعزز فرص الاستقرار في المجتمع.

وهذه الركائز هي:

1.  الوفاء بالعهود والمواثيق، لأن ذلك هو الذي يؤكد الثقة بين أفراد المجتمع ويحفظ لهم تماسكهم الاجتماعي.

2.  المحافظة على الروابط الروحية والاجتماعية، فإنها تشد أواصر المجتمع وتجعله وحدة متماسكة بعيدة عن أي انقطاع وانفصام.

3.  النزعة الإصلاحية التي تعمل على إصلاح ما فسد من حياة الناس، ومحاربة تجدد الفساد وانطلاقه ف المجتمع سواء ف ذلك فساد العقيدة، أو فساد السلوك والوجدان، وهذا هو سر الإيمان في حياة المؤمنين عندما ينطلق الإيمان في حياتهم ليقوي هذه الركائز. فهم يحفظون عهد الله في كل التزاماتهم ومواثيقهم في العقيدة والحياة، ويصلون ما أمر الله به أن يوصل في علاقة الإيمان والقرابة والجوار وغيرها. ويصلحون الفساد في الأرض).

وتتضح هذه الركائز من قول الباري عز وجل [الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون].

فالعلاقات الاجتماعية الداخلية القائمة على الوفاء بالعهود والمواثيق، والمزيد من أشكال التضامن وأطر التعاون، والحيوية والدينامية في ملاحقة الانحرافات وكل أشكال الفساد. هذه العلاقات هي القادرة على احتضان واستيعاب كل أسس الحرية وآفاق المشاركة في الحياة العامة. فالمجتمعات لا تصون حقوقها، ولا تنجز حريتها، إلا إذا كانت حية وحيوية، وتمتاز بعلاقات حسنة وإيجابية بين مختلف مكوناتها وتعبيراتها. 

أما المجتمعات المفككة والمبعثرة في جهودها وطاقاتها، والخاملة تجاه حقوقها وحرياتها، فإنها مهما رفعت من شعارات لن تتمكن من القبض على كل أسباب عزتها وحريتها. لهذا فإننا مع كل المبادرات والخطوات التي تعزز وحدة المجتمع وتضامنه الداخلي، وضد كل نزعات التشظي والفرقة التي قد تصيب المجتمعات، وتضيع عليها فرص حقيقية ونوعية في مضمار التقدم والتطور. فالحقوق مهما كانت صريحة وواضحة، فإننا لن نحصل عليها إلا إذا وفرنا كل الأسباب الذاتية والموضوعية المؤدية إلى نيل الحقوق وكسب الحريات. وتوفير هذه الأسباب بكل مستوياتها، لا يمكن أن يتحقق دفعة واحدة، وإنما عبر عمليات التراكم والبناء المتواصل. ولعل من أهم المداخل لهذه المسألة، هي بناء قدرات المجتمع الذاتية في مختلف المجالات.

لهذا فقد جاء في الحديث الشريف عن رسول الله (ص) [هلاك أمتي في ترك العلم]. فالمجتمعات لا تبني قدراتها إلا بالعلم والمعرفة، لذلك وكما قال رسول الله (ص) [من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أرادهما فعليه بالعلم ]. ومن الضروري في إطار بناء المجتمع وتطوير قواه الذاتية، الاهتمام بالتخطيط والابتعاد عن كل أشكال العشوائية وردود الأفعال الغير محسوبة التي قد تضر باستراتيجية بناء قدرات المجتمع الذاتية.

ولا يمكننا أن نحدد معطيات الانطلاق وممكناته المعاصرة، بدون التعريف العميق على العالم والعصر الذي نعيش فيه. وذلك لأن تغييب الذات عن العصر، لا يفضي إلا إلى الغربة والانزواء في كهوف الهامشية. في معرفة العصر شرط لممارسة الشهود [لتكونوا شهداء على الناس]، ونصاب بالدهشة والاستغراب من أولئك النفر الذين يوجدون لأنفسهم حواجز وهواجس تحول دون تواصلهم الفكري والمع رفي مع مستجدات الحياة وتطوراتها المتعددة.

بطبيعة الحال كثيرة هي العوامل والأسباب، التي تحول دون إحداث قفزة نوعية - تجديدية في الواقعين العربي والإسلامي. ولكن يبقى الجمود والحرفية واليباس المعرفي والفكري والمجتمعي، هي العائق الأساسي الذي يمنع التجديد ويحارب إرهاصاته ويقمع نواته الأولى، ويحتقر كل القوى التي تنادي به. فالجمود هو العائق الصلب، الذي يمنع كل تجديد، ويحول دون تواصل نوعي مع تطورات الحياة. وأي تجاوز لهذا العائق بمقداره يتحقق التجديد والتواصل. وإن المشروعات الفكرية والثقافية، التي لا تعطي لهذا العائق أهمية، ولا تبلور لذاتها إستراتيجية مقاومته وطرده من النسيج المجتمعي العربي، هي في حقيقة الأمر تدق إسفينا في كل جهودها ومنا شطها التجديدية والتواصلية. وذلك لأن مكونات الجمود، ستطل برأسها لمحاربة هذه الجهود، وفي أحسن الفروض سينقسم المجتمع إلى مجتمعين، مجتمع يدار بالمؤسسات التقليدية والعقلية المنطوية والجامدة والتي لا تفكر إلا في بقاء الأمور على حالها، والقسم الآخر يدار بالمؤسسات الحديثة وبالعقلية المعاصرة دون أن يكون هناك تفاعل خلاق بين هاتين العقليتين أو هاتين المؤسستين. واليباس والجمود في المحصلة الأخيرة، هما المسؤولان عن الحط من إمكانيات هذين النمطين. وبهذا الحط تتسع دوائر الانفصام والفجوة في داخل المجتمع بين هاتين العقليتين.           

ولابد من القول هنا أن الجمود حينما يصيب مجتمعا، لا يبقى حبيس حقل أو مجال، وإنما يتسرب ويتمدد ويصبغ بصبغته كل المؤسسات والمجالات. وحتى المؤسسات الثقافية والعلمية تصاب بهذا الداء، ويبدأ ينخر في بنيانها وأدائها العلمي والثقافي فتنمو روح التقديس للآراء والأفهام البشرية التي دوّنها السابقون، وتسود العناية بالمجالات اللفظية العقيمة على حساب الروح العلمية والموضوعية، وتتغلب نزعة الاشتغال بالفروض والاحتمالات البعيدة عن الواقع، ويتم الإعراض عن تنمية الفقه العملي الذي يحتاجه الناس في حياتهم الخاصة والعامة. وبهذا تتحول هذه المؤسسات من مركز إشعاع ومصدر للعلم والمعرفة المبدعة، إلى مؤسسة تغذي واقع اليباس والجمود، وتبرر أشكالهما، وتنزع إلى التقليد والإتباع في كل شيء.

وهذا يساهم في المحصلة النهائية في تصدع البنية الاجتماعية بين حديث وقديم، وما أشبه من العناوين التي تصنف البشر، وتوجد بينهم شروخا وانقسامات دائمة. وثمة ضرورة في هذا الإطار، لبيان حقيقة أساسية واجهت العديد من المجتمعات وهي: أن ضيقها من اليباس والجمود وآثارهما العميقة، قد أغراها بالانفلات من الذات الحضارية، والانطلاق في مشروع إدماج وتبعية مع الدول أو الحضارة الغالبة.       

فالحرية لا يمكن أن تنجز وتتجسد في الواقع السياسي والثقافي والاجتماعي، بدون إزالة العقبات النفسية والثقافية والسياسية التي تكرس كل القيم المضادة للحرية. ومصلحتنا الجوهرية والإستراتيجية كعرب ومسلمين، هو في انخراطنا في مشروع الديمقراطية ومأسسة حياتنا الثقافية والسياسية على مقتضيات الشورى والديمقراطية والتداول. 

***

محمد محفوظ

نحو فهم بنيوي وإرادة تجاوز

مفتتح: تعيش المجتمعات العربية اليوم واقعًا حضاريًا متناقضًا؛ فبينما تشهد الثورة التكنولوجية والمعلوماتية تحولات هائلة في أنماط الحياة والفكر، تبقى الثقافة العربية حبيسة نمط إعادة الإنتاج للأفكار القديمة، وتعطيل الجدل الخلاق الذي يُفترض أن يكون محركًا للحضارة. إن الجمود الثقافي ليس حالةً عارضة تمرّ مع الزمن، بل هو بنية متجددة تستعيد نفسها كلما أعادت المؤسسات والذهنيات الجماعية إنتاج آليات التقليد، وتعطيل النقد، وتقديس الموروث خارج سياقاته التاريخية. والسؤال المركزي الذي يستحق التأمل العميق: لماذا يستمر هذا الجمود رغم تعاقب مشاريع الإصلاح والنهضة، ورغم ضغط العولمة والتحولات الرقمية التي تفرض منطقًا جديدًا على الفكر والسلوك؟1 وهل يمكن تفسير المفارقة الصارخة بين كثافة الخطاب النهضوي العربي وبين ضعف أثره الفعلي في تحويل الثقافة إلى قوة إنتاج للمعنى والحرية والتنمية المستدامة؟

الأزمة هنا ليست سوء فهم أو تراجع مؤقت، بل استمرار نسقي في تعطيل آليات التفكير النقدي، الذي يُعتبر العصب الأساسي لأي حضارة حية ومتطورة. فالجمود الثقافي لا ينبثق من "نقص المعرفة" وحسب، بل من نمط عميق في إنتاج المعرفة وتداولها: نمط يفضّل النقل على النقد، والامتثال على الابتكار، ويستبدل الأسئلة المؤسِّسة بإجابات جاهزة تُستعمل لضبط المجال الاجتماعي والرمزي.2 كما يفترض أن مواجهة الجمود تتطلب تفكيك شروطه: المؤسسية، والتربوية، والقيمية، والاقتصادية، لا الاكتفاء بوعظه أخلاقيًا أو نقده على المستوى النظري المجرد.

الإشكالية وتحديد المفاهيم

ينبغي أن نبدأ بتوضيح الإطار المفهومي: الجمود الثقافي لا يساوي المحافظة أو التمسك بالتراث، بل هو تعطيل نسقي لمنطق المراجعة والنقد. فحين تتحول الثقافة إلى "سلطة تفسير" مغلقة بدلاً من أن تبقى "مادة فهم" قابلة للتجدد، حين يصير التراث نصًا مقدسًا لا يخضع للتساؤل، لا حوار، يحدث الجمود.3 والفرق جوهري: المحافظ الحكيم يُعيد قراءة الموروث في ضوء الحاضر ويستخلص دروسه للمستقبل؛ بينما المتجمد يكرّر الصيغ بآلية، يستقيمها من منطق "كان هكذا، إذن يجب أن يبقى هكذا".

الجمود الثقافي تطبيقياً: هو حالة بنيوية تتسم بضعف القدرة على إنتاج أفكار جديدة وتحديث الأدوات المعرفية والمنهجية، مع الميل الثابت إلى تكرار صيغ تفسيرية قديمة بوصفها حلولاً نهائية لمشاكل حاضرة ومختلفة4 . وهو ليس مرادفًا للتقليد البريء بقدر ما هو إغلاق مقصود—أو غير مقصود لكنّه منتظم—لمسار السؤال والفحص النقدي. إنه يعني أن المثقفين والمؤسسات والقيادات تُفضّل نقل الأجوبة على إعادة صياغة الأسئلة، وتختار الراحة الفكرية على المشقة المنتجة للمعرفة.

مقاربة الأزمة:

يتجدد الجمود الثقافي عبر أربع آليات رئيسية متداخلة:

أولاً: تعطيل العقل النقدي في مؤسسات التربية

حين تُبنى المناهج التعليمية على الحفظ والتلقين، لاعلى الاستقصاء والتفكير، يتراجع التفكير التحليلي لصالح إعادة إنتاج المألوف المعروف5 . يتشكل المتعلم داخل منطق "الإجابة النموذجية" التي لا تناقش ولا تُسائل، بل تُستقبل وتُحفظ وتُكرر. وعبر سنوات الدراسة الطويلة (من التعليم الابتدائي حتى الجامعي) يتعود الطالب على أن الحقيقة موجودة في الكتاب أو المعلم، لا في الفضول الفكري والبحث المستقل. وهكذا ينشأ جيل "يحترم المعلومة" لكنه يخاف التفكير بها، يكرر الحكمة القديمة لكنه عاجز عن تكييفها مع واقع جديد. العقل الذي لم يتدرب على السؤال والنقاش في مراحل تكوينه الأولى، سيجد صعوبة بالغة لاحقًا في التحرر من السلطة (سلطة النص، النص الديني، الرأي الجماعي، الزعيم، الأيديولوجية).

ثانيًا: جدليات الخطاب والممارسة

كثير من الخطابات الثقافية والسياسية الرسمية تتحدث بلغة الحداثة والتقدم (الدولة، الحقوق، العلم، المساواة، العدالة)، لكنها تعمل ذهنيًا وسلوكيًا بمنطق ما قبل الحداثة (العصبية، المحسوبية، القبلية، تقديس الأب/الزعيم، الولاء الأعمى للرموز)6، هذه القطيعة الحادة بين المفاهيم والممارسة تُنتج شخصيات مشتتة، تقول شيئًا وتفعل الضد، وتُعلّم أطفالها الديمقراطية في الفصل بينما تمارس الاستبداد في البيت والمؤسسات. وهكذا، يبقى التراث الحي (السلوك الفعلي، المؤسسات، الممارسات اليومية) محافظًا جدًا، قاسيًا جدًا، غير متسامح، بينما الخطاب (الكلمات، الشعارات، الوعود) يبدو حداثويًا منفتحًا. هذه الازدواجية تُعطّل أي تراكم فكري حقيقي و تخلق جدلاً ينمي الأزمة.

ثالثًا: أدلجة الثقافة

حين تصبح الثقافة تابعة لمنازعات السلطة والاستقطاب الأيديولوجي والصراع السياسي، تتحول من ساحة معرفة وإنتاج معنى إلى ساحة تعبئة وصراع هوياتي.7 يُستبدل الحوار الحر بالتخوين الرمزي، والنقاش بالمواقف المسبقة. يصير المثقف ليس باحثًا بل "جندي" في معركة إيديولوجية. والفكرة التي لا تخدم "قضية" معينة أو "صف" معين تُعتبر خائنة، بلا قيمة. هكذا تفقد الثقافة استقلاليتها، وتفقد معها القدرة على الإنتاج الحر والمستقل للمعاني والأفكار.

رابعًا: هواجس ضغط العولمة

بدلاً من تحويل الانفتاح على العالم إلى فرصة للتثاقف الخلاق (الحوار مع الآخر دون فقدان الذات)، قد يحدث رد فعل دفاعي يخلط بين حماية الهوية ورفض النقد كليًا.8 يشتد الجمود بصفته "حصنًا" ضد الغزو الثقافي الخارجي، فتُقدّس القوالب الجاهزة، تُرفع أسوار ضد التأثيرات الخارجية، وبدلاً من أن تتعلم الثقافة الدفاع الذكي (قوة فكرية أصيلة) تختار الدفاع الأعمى (الرفض الشامل). وهنا تفقد الثقافة أيضًا قوتها، لأن الثقافة الحية لا تخاف التحدي، بل تستقطبه.

مالك بن نبي وسؤال القابلية للاستعمار

من المهم هنا أن نستحضر أطروحة الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي حول "القابلية للاستعمار"9 (Colonizability) لم يركز بن نبي على العامل الخارجي وحده (الاستعمار كقوة عسكرية واقتصادية)، بل انصبّ تركيزه على البنية الداخلية للمجتمع التي تجعله "قابلاً للاستعمار". وفي هذا السياق الفكري، يمكن القول إن الجمود الثقافي ليس نتيجة "الحصار الخارجي" وحده، بل هو نتاج ضعف "الوعي الذاتي" الذي يمنح المجتمع مناعة ثقافية ويمنع الانصهار التابع داخل الآخر.10

الثقافة المتجمدة هي ثقافة فقدت ثقتها بقدرتها على الإنتاج والتطوير، فاستسلمت للتقليد الأعمى. وفي هذا السياق، تصبح الثقافة العربية "قابلة للتبعية الرمزية والفكرية" (soft colonialism)؛ إذ تستورد أفكارًا دون فحص، تتقبل مفاهيم دون مراجعة، تُقلّد نماذج دون تكييف. وهنا يكمن الخطر الفعلي: ليس في الغزو العسكري أو الاقتصادي الذي يمكن مقاومته بالقوة، بل في الغزو الثقافي الذي ينفذ عبر استسلام الذات لمنطق الآخر.

من ثقافة الجمود إلى ثقافة الفعل

تجاوز الجمود لا يتحقق بشعار "التجديد" الحماسي وحده، بل بترتيبات معرفية ومؤسسية وقيمية عميقة وتدريجية:

إعادة بناء التعليم على أساس مهارات التفكير النقدي

لا بد من ثورة تربوية حقيقية تنقل المناهج من الحفظ إلى الفهم، من التلقي السلبي إلى البحث النشط. يجب تعليم الشباب الأسئلة قبل الأجوبة، تعليمهم أن لا سؤال سخيف، وأن أفضل الإجابات هي التي تنبثق من فضول حقيقي وبحث عميق. مهارات التفكير التحليلي والنقدي والكتابة الحجاجية وأخلاقيات الاستدلال يجب أن تكون محور العملية التعليمية، لا ملحقات هامشية11

فتح المجال العمومي للحوار والاختلاف

على المستوى المؤسسي والسياسي، يجب تقليل منسوب الاستقطاب الهوياتي والأيديولوجي الذي يُحول الثقافة إلى ساحة صراع. لا يعني هذا التنازل عن الآراء أو المواقف، بل السماح بتعددية حقيقية وحماية النقد والاختلاف. المؤسسات الثقافية والإعلامية والأكاديمية يجب أن تُؤمّن فضاءً آمنًا للحوار، حيث الفكرة تُناقش وتُفحص على أساس قوتها المنطقية والعلمية، لا على أساس الموالاة أو المعاداة السياسية.

تجديد المناعة الثقافية

الأمن الثقافي (Cultural Security)—الذي أصبح مفهومًا حاسمًا في ظل العولمة—لا يعني الانغلاق والرفض، بل بناء وعي أصيل قوي بالذات، باللغة، بالمرجعيات.12 أعني ثقافة حية تعرف من هي، تفهم جذورها، لكنها لا تخاف الحوار مع الآخر. هي التي تستقطب التأثيرات الخارجية وتُحولها إلى أسمدة لنموها، لا إلى سموم تُذيبها. إن بناء المناعة الثقافية يتطلب تعزيز الوعي الذاتي التاريخي والحضاري، والتعليم الراقي بأهمية اللغة الأم ودورها في بناء الهوية والتفكير، والحوار الجاد مع التراث الحي للتعلم منه دون الانسجام الأعمى به.

مستخلص: نحو مشروع نهضة ثقافية حقيقية

الجمود الثقافي العربي ليس "قدرًا" محتومًا، بل هو حالة يمكن تجاوزها بإرادة منظمة ومشاريع معرفية جادة. لكن هذا التجاوز لن يأتي من الخطابات الحماسية أو الشعارات النبيلة، بل من تفكيك واقعي لشروط الجمود وإعادة بناء نسق ثقافي جديد على أساس:

أولاً: ثقافة تُولّد أسئلة بدلاً من أن تكرر أجوبة جاهزة. ثقافة تُعلّم الناس أن يفكروا معها، لا أن يفكروا كما تريد.

ثانيًا: ثقافة لا تخاف من النقد الداخلي، بل تستقطبه كوسيلة تنقية ونمو. ثقافة تفصل بين الفكرة والشخص، بين الموقف والولاء.

ثالثًا: ثقافة تُرسّخ الحوار الحقيقي مع الآخر، لا الحوار الشكلي. حوار ينطلق من قوة فكرية أصيلة، لا من موقف دفاعي منهزم.

رابعًا: مؤسسات تُنتج المعرفة وليس التكرار. جامعات حقيقية، مجلات فكرية جادة، قنوات إعلامية تحترم الذكاء والتفكير، كل هذا يحتاج إلى موارد وحماية حقيقية من التدخل الإيديولوجي والسياسي.

وعليه الأزمة الثقافية العربية ليست أزمة أفراد بل أزمة نظام فكري وتربوي وإعلامي بات عقيمًا. والحل لا يأتي بين ليلة وضحاها، بل يتطلب تراكم جهود على مدى أجيال. لكن البدء يجب أن يكون الآن، من غرفة الدراسة، من الجامعة، من المؤسسة الثقافية، من كل مكان يُمكن أن ينجب فكرًا نقديًا جديدًا. فقط هكذا، من خلال حوار حقيقي مع التراث ومع الحاضر، يمكن للثقافة العربية أن تتحرر من الجمود وتستعيد دورها الحقيقي كمُحرّك للحضارة والإنسانية.

***

مراد غريبي

.......................

الهوامش

1- علي أسعد وطفة، الجمود والتجديد في العقلية العربية: مكاشفات نقدية، (دمشق: دار الفكر، 2010)، ص 127.

2- محمد عابد الجابري، نقد العقل العربي (الجزء الأول: تكوين العقل العربي)، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1986)، ص 156.

3- فتحي المسكيني، الفلسفة والنوستالجيا: بحث في البنية الفلسفية للحنين الحضاري، (تونس: الدار التونسية للنشر، 2009)، ص 89.

4- محمد عابد الجابري، نقد العقل العربي (الجزء الأول: تكوين العقل العربي)، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1986)، ص 176.

5- علي أسعد وطفة، الجمود والتجديد في العقلية العربية: مكاشفات نقدية، (دمشق: دار الفكر، 2010)، ص 134.

6- عبد الله العروي، الأيديولوجية العربية المعاصرة، (بيروت: دار الحقيقة، 1979)، ص 98.

7- فؤاد زكريا، الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة، (القاهرة: دار الفكر، 1987)، ص 156.

8- محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة: هاشم صالح، (بيروت: مركز الإنماء القومي، 1996)، ص 203.

9- مالك بن نبي، قضايا الحضارة مالك بن نبي، شروط النهضة، (القاهرة: دار الفكر، 1986)، ص 71.

10- مالك بن نبي، قضايا الحضارة، (الجزائر: المكتبة العربية، 1978)، ص 156.

11- حسام كصاي، أزمة الفكر العربي المعاصر، (دجلة ناشرون، 2016)، ص 178.

12- علي أسعد وطفة، الأمن الثقافي والتربية، (الكويت: دار القلم، 2005)، ص 89.

قائمة المصادر:

العروي، عبد الله. الأيديولوجية العربية المعاصرة. بيروت: دار الحقيقة، 1979.

الجابري، محمد عابد. تكوين العقل العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1989.

نقد العقل العربي (الجزء الأول: تكوين العقل العربي). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1986.

كصاي، حسام. أزمة الفكر العربي المعاصر. بغداد: دار دجلة ناشرون، 2016.

أركون، محمد. تاريخية الفكر العربي الإسلامي. ترجمة: هاشم صالح. بيروت: مركز الإنماء القومي، 1996.

العالم، محمود أمين. في الثقافة والاستقلال الوطني. القاهرة: دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، 1974.

المسكيني، فتحي. الفلسفة والنوستالجيا: بحث في البنية الفلسفية للحنين الحضاري. تونس: الدار التونسية للنشر، 2009.

بن نبي، مالك. شروط النهضة. القاهرة: دار الفكر، 1986.

بن نبي، مالك. قضايا الحضارة. الجزائر: المكتبة العربية، 1978.

وطفة، علي أسعد. الجمود والتجديد في العقلية العربية: مكاشفات نقدية. دمشق: دار الفكر، 2010.

وطفة، علي أسعد. الأمن الثقافي والتربية. الكويت: دار القلم، 2005.

زكريا، فؤاد. الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة. القاهرة: دار الفكر، 1987.

 

هناك تصوّر واسع وقناعة شبه كاملة عند البعض من أفراد المجتمع العربي بأن الدين يلعب دوراً أساسياً ومحورياً في تخلّف الشعوب والأمم. ويكاد يجزم الكثير من المفكرين والمثقفين العرب بهذا المبدأ، مبدأ أن الدين هو سبب تخلّفنا، وإن رجال الدين يتلاعبون بعقول الناس فيلقّنوهم بما يتناسب مع مصالحهم الخاصة، وينشرون الدجل والشعوذة والسحر والخرافات. وعلى الرغم من أن الذين يتهمون الدين بالتخلّف يَعرفون ويدركون الفرق بين الدين والتديّن، والفرق بين الدين ورجال الدين، وبين الدين والمقدس والنص، إلاّ أنّ عنوانهم الكبير والأساس يبقى هو الدين. وهذا ما يُحدث الخلط في المفاهيم عند عامة الناس، ويثير الحساسية عند البعض الآخر. وهم بذلك يكونون "كالذي لا يدري ما يقول ولا يدري أنه لا يدري ما يقول".

يجب أن يكون واضحاً للجميع أن الغربيين يعارضون الكنيسة ولا يعارضون الدين. ويعارضون سلطة الكنيسة ولا يعارضون سلطة الدين، ويعارضون رجال الدين وليس الدين ذاته. إن الإصلاح الديني في عصر النهضة حارب فساد الكنيسة ورجالها، وحارب سلطة الكنيسة، لكنه لم يحارب الديانة المسيحية. فعندما أعلن مارتن لوثر رائد الإصلاح الديني في عام 1517م عصيانه على الكنيسة الكاثوليكية وفضح فسادها، لم يعلن الحرب على الدين ولم يلحد بل هو اتخذ مذهباً جديداً (البروتستانتية) وأنشأ كنيسة جديدة تختلف عن الكنيسة الكاثوليكية وبقي راهباً مؤمناً بالديانة المسيحية.

كذلك يجب أن يكون معلوماً عند الجميع؛ إن الدين مقدس عند المسلمين عامة، وعند العرب خاصة. وسواء شئنا أم أبينا فإن الدين عندنا مقدس ومحترم، وهذا بحد ذاته ليس خطأ أو عيباً بل هو إيمان واعتقاد يجب أن يُحترم. إن هذا هو ما تربينا عليه وتعلمناه في مجتمعنا. ومن يتجاهل هذه الحقيقة ويتغاضى عنها فقد يواجه متاعب جمّة قد لا تحمد عقباها. وهناك أمثلة على ذلك حدثت في مجتمعاتنا، نذكر منها على سبيل المثال ما حدث لفرج فودة ونصر حامد أبو زيد، عندما تعدّو حدود التقديس وأساءوا للمقدس من وجهة نظر المتشددين. لكن هذا لا يعني الدعوة إلى عدم إبداء الرأي وتكميم الأفواه، بل هي دعوة إلى إبداء الرأي المخالف بكل ود واحترام بدلاً عن التشهير والازدراء.

دور الدين في تطوّر أو تدهوّر الحضارات

في تاريخ البشرية العام، هناك ما يزيد عن عشر حضارات نشأت ثم بادت أو أفِلَت، ولم يُعرف للدين دور في تدهور أيٍ من هذه الحضارات. فابتداءً من حضارات بلاد الرافدين والحضارة الفرعونية مروراً بكل الحضارات التي أتت بعدها في التاريخ ولغاية الحضارة الأوروبية، لم تُعرف حضارة انهارت بسبب تأثير العامل الديني.  قد يتساءل البعض "ماذا عن الحضارة الأوروبية، ألم يلعب الدين دوراً مهماً في انحطاطها؟" ولكي نكون دقيقين في هذا التوصيف فإن الدين لم يكن له دور واضح ومحدد في انهيار الحضارة الرومانية، التي يفترض أنها سبقت الحضارة الأوروبية، بل إن الحضارة الرومانية سقطت وانهارت بسبب غزو واحتلال أوروبا من قبل القبائل الجرمانية (الإسكندنافية) المتخلّفة والمتوحشة. ولم تنهار الإمبراطورية الرومانية بسبب انتشار الديانة المسيحية فيها، وذلك لأن الغزو الجرماني لأوروبا كان قد بدأ في القرن الأول الميلادي واستمر حتى سقوط الإمبراطورية الرومانية في منتصف القرن الخامس الميلادي. وفي ذلك الوقت، كان الرومانيون وثنيون وقد منعوا التديّن بالديانة المسيحية، وهذا يعني أنها بدأت بالانهيار وهي وثنية. ثم سمح الإمبراطور قسطنطين للرومان بممارسة شعائر المسيحية في القرن الرابع الميلادي. ثم فرض الإمبراطور جستنيان في القرن السادس الميلادي اعتناق المسيحية إجباراً على كل الرومانيين. وعلى الرغم من ذلك، يمكن القول بأنه؛ كان للكنيسة الكاثوليكية ورجالها (وليس الدين) دور في تأخر النهضة الأوروبية وتخلّف شعبها.

من جانب آخر، لم يُعرف للدين دور مهم في تطوّر أيٍ حضارة من حضارات العالم المعروفة سوى الحضارة الإسلامية. وفي كلتا الحالتين (انهيار أو تطوّر الحضارات)، ومن دراسة المعلومات التاريخية، يتوضح لنا أن الدين لا يلعب دوراً مهماً في تطوّر أو تأخّر الحضارات. فالدين يدعو إلى مكارم الأخلاق وأداء العبادات والالتزام بالتشريعات الدينية.

ولو كان للدين دور في تخلّف المجتمعات كما يدّعي البعض، لفشلت الحضارة الإسلامية في تطوّرها أثناء نهضتها الأولى، ولما نهضت الحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي وسادت على العالم في كل المجالات الثقافية والعلمية والقتالية والفلسفية وغيرها. ومن المعلوم أنّ للدين الإسلامي دور حيوي وأساسي في شحذ همم المسلمين للتطوّر والتمدن والتحضّر مما جعل المسلمون ينهضون بحضارتهم ويَعلون بها. لقد كان المسلمون في عصرهم الذهبي يسعون جاهدين بجد وبدون كلل للسمو والرقيّ، مدفوعين بالوازع الديني للحصول على الثواب الموعود. وهذا دليل على إن الدين يمكن أن يكون عاملاً محفزاً لتفوّق وتقدم المجتمع وليس العكس.

وعلى الرغم من أن المسلمين في العصر الذهبي كانوا ملتزمين جداً بالدين الإسلامي، ومواظبون على أداء الشعائر الدينية والعبادات وبقناعة كاملة وبدون تردد، مع ذلك ظهر فيهم الحكماء والفقهاء والعلماء والمقاتلون ومن كل الفئات الأخرى، ولم تحبط هممهم ولم يتأخروا أو يتخلّفوا في نهضتهم. فلماذا لم يكن للدين دور في إحباط المسلمين وإفشال نهضتهم؟ إذ لو كان الدين عامل تأخر وإحباط للتقدم والنهضة لفشلت الحضارة الإسلامية في الارتقاء والتمدن مما كانوا عليه من جهل وتخلّف.

في مفهوم الدين والتديّن

يقول البعض من أفراد المجتمع، أنهم لا يحاربون الدين وإنما يحاربون التديّن، وأنهم يحترمون الدين ويعظّموه. ويبدو أنهم يقصدون أن التديّن هو السبب في التخلّف وإشاعة الجهل وليس الدين. لكنهم مع ذلك ينادون بفصل الدين عن الدولة (كما هو مبدأ العلمانية) ولا ينادون بفصل التديّن عن الدولة. وهذه دعوة صريحة لإبعاد الدين عن دوره في المجتمع. فهل هناك لبس وخلط في المفاهيم؟

يمكن تعريف الدين بأنه: إيمان واعتقاد الإنسان بوجود قوة عليا خالقة لكل ما في الكون ومسيطرة عليها. والدين هو مجموعة الأحكام الشرعية والعبادات واصول العقيدة التي يعتقد بها المؤمنون، ويعتبرونها ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان. 

أمّا التديّن فهو التزام الشخص بأحكام الدين الشرعية وأداء العبادات كما نصّ عليها الدين. ويشمل أيضاً الممارسة الفعلية للدين وسلوكياته. وقد يكون التديّن ظاهري أو باطني حسب فهم وإدراك الفرد أو المجتمع للدين وأحكامه. وقد يختلف التديّن من شخص لآخر أو من مجتمع لآخر بحسب التفسيرات المختلفة والمتداولة، فقد يقال تديّن معتدل أو متشدد أو سلفي أو تديّن متعصب مذهبي طائفي أو تديّن منافق أو غيرها من المسميات حسب ما يرتئيه البعض من الناس. 

وبذلك يكون الفرق الأساسي بين الدين والتديّن "أن الدين هو المنهج الإلهي الثابت والمنزّل من عند الله"، بينما "التديّن هو التطبيق والفهم البشري للمنهج الديني". وقد يكون ممارسة التديّن مختلفاً بين الأفراد أو المجتمعات كما هو واضح، لكن الدين واضح وثابت عند الذين يؤمنون به. فالمشكلة إذن تبدو فعلاً في التديًن وليست في الدين. فالتديّن بذلك يكون تصرفاً شخصياً يمارسه الأشخاص وليس المجتمع ولا دخل للدين به. وعليه، فقد يكون من المنطقي الاعتراض على بعض من صور التديّن التي يتخذها الفرد، والتي هي في الواقع تعكس سلوك وتصرفات الأشخاص بحسب ما يتصورونها صحيحة. ويجب ألّا يكون الاعتراض عن طريق الازدراء والذم أو التشهير بالرأي الآخر، لأن القول السيء الخشن يولد العداوة والشقاق بينما يولّد القول الحسن الثقة والتفاهم. من كل هذا يتبين لنا أن التديّن هو السبب في المشاكل التي تحدث في مجتمعاتنا ويلام بها الدين.

هل للتديّن دور في تخلّف الشعوب

أما فيما يخص دور التديّن في تخلّف الشعوب فلا توجد علاقة مباشرة بين التديّن والتخلّف، لأن التديّن يختص بالتزام الفرد بالسلوك التشريعي والعبادات ويحث على حسن الأخلاق وطلب العلم والتمدّن. وليس من التديّن على اختلاف أنواعه ما يتعمّد الدعوة إلى الجهل والأمية أو محاربة العلم والعلوم والتطور، بل فيه ما يحثّ على طلب العلم والتطور. فعلى سبيل المثال، يَتهم العلمانيون الإسلاميون المتشددون بأنهم يرفضون الحداثة ويعرقلونها وبذلك فإنهم يدعون إلى التخلّف. بينما يرفض الإسلاميون هذه التهم ويقولون بأنهم لا يرفضون الحداثة إنما يرفضون الأفكار الغربية المستوردة باسم الحداثة والتي لا تتناسب مع تقاليد وعادات مجتمعنا فينتج عنها اضرار وتفتت المجتمع. وإذا كان هناك من يمارس سلوك التديّن المسيء والضّار بالمجتمع فهؤلاء ليسوا حكراً على المجتمع الإسلامي بل هم موجودين في كل الأديان وفي كل المجتمعات، وهم القلّة في المجتمع وليسوا الكثرة، وغالباً ما تكون عقولهم خاوية من الأفكار المؤثرة في عقول الناس. وعموماً فهم موجودون دائماً في الساحة وفي كل زمان ومكان، ولو بحثت في المجتمع الأوروبي المعاصر لعلمت أنهم موجودون ويحاولون اثبات وجودهم، لكنهم مهمشون في مجتمعهم. ولأن من المهم أن تمضي مسيرة التطور في طريقها الفكري والعلمي والاجتماعي فيتعيّن على ذلك اهمالهم، لأن الاهتمام بهم لا يؤدي إلى نتيجة مُرضية بل يُحيد مسيرة التطوّر عن طريقها ويؤخّرها ويضّر بالمجتمع ويخلق انشقاق فيه.

دور رجل الدين في تخلّف المجتمع

يعتقد الكثير من أفراد المجتمع العربي بأن رجل الدين ينشر الأساطير والخرافات والخزعبلات، وهو بذلك يساهم في تخلًف المجتمع مما يستوجب محاربته والحدّ من تأثيره. ولمناقشة هذه الفكرة ينبغي أن نعرف مصدرها وكيف دخلت في ثقافتنا المعاصرة.

من المعروف إن فكرة شيطنة الكنيسة ورجال الدين هي فكرة أوروبية، ظهرت في عصر الإصلاح الديني الأوروبي، في القرن السادس عشر، عندما تبيّن للأوروبيين أن الكنيسة وعلى رأسها البابا وكبار رجال الدين قد احتكروا العلم والتعليم لمنتسبي الكنيسة فقط، ومنعوا وحرّموا التعليم والعلم للناس، ممن لم ينتسبوا إلى الكنيسة. فمثلاً لا يسمح لأحد غير منتسبي الكنيسة بتملك الكتاب المقدس ولا قراءته وكان ذلك حكراً على القساوسة فقط. كما إنها حاربت العلم والتعليم خارج نطاق الكنيسة وحاكمت مرتكبيها، كما حدث لكوبرنيكوس وغاليليو وبرونو الذي أحرق حياً بسبب أفكاره التي اعتبرتها الكنيسة مناقضة لعقائدها. أمام هذه الحقائق التاريخية اقتنع الناس بدور الكنيسة التسلطي وقبلوا محاربتها.

أمّا في الحضارة العربية والإسلامية وعلى مدى تاريخها، فلم يُعرف (ولم يُذكر) وجود مؤسسة دينية لها سلطة فعلية سياسية تعلو على سلطة الحاكم كما كانت سلطة الكنيسة في أوروبا العصور الوسطى. بل كان المسلمون جميعاً والعرب خاصة، خاضعون لأوامر الحاكم (الخليفة) ويمتثلون لها ويهابونه. ومن المهم أن نذكّر أيضاً بأنه؛ لا يُعرف ولم يُذكر في التاريخ العربي أو الإسلامي رجل دين وقف ضد العلم والتطور وأشاع التخلّف. فلماذا، إذن، يُتهم رجال الدين بإشاعة التخلّف؟ ومن أين جاءت هذه الفكرة وكيف دخلت في ثقافتنا المعاصرة؟

يعتقد بعض الناس أنّ ما يتحدث به رجال الدين يرقى إلى كونه من الخرافات والأساطير والخزعبلات التي تعمل على تخلّف المجتمع. لكن رجال الدين لا يبتدعون هذه القصص والأساطير ولم يخترعونها بل هم يقولون ما تعلّموه ودرسوه من الموروث الديني، واقتبسوه مما هو مذكور في الكتب المقدسة مثل معجزات الأنبياء والقصص التوراتية والقرآنية وما شابهها في الموروث والمرويات الدينية، وهي بالنسبة لهم صحيحة ومقدسة، وكذلك يعتقد بها المؤمنون من الناس ويصدقونها. وعلى ذلك يمكن القول إن رجال الدين لم يبتدعون الأساطير والخرافات، ولم يكذبوا على الناس وإنما تحدثوا بما نشأوا عليه وتربوا عليه. 

وقد يثير البعض تساءل آخر مفاده " ولكن، لماذا يكذب رجال الدين أو لماذا يبتدعون الخرافات والأساطير والخزعبلات إن كان ذلك صحيحاً؟" هل لأنهم أعداء للمجتمع أو لأنهم أشرار يتعمدون السيطرة على المجتمع بهدف تخلّفه؟ إنّ من المنطقي والمقبول أن يُقال أنّ رجال الدين هم من أبناء هذا المجتمع ويشكلون جزءً منه، فلماذا يستخفون بعقول أفراد المجتمع ويبغون إخضاعهم والسيطرة عليهم بدلاً من يكونوا راغبين بتثقيف المجتمع بثقافة دينية كما درسوها وتعلموها. فعلى سبيل المثال هل يمكن اتهام رجال دين فاضلين أمثال الطهطاوي ومحمد عبدة والكواكبي وباقر الصدر (وغيرهم كثيرين) بإشاعة التخلّف ونشر الأساطير والشعوذة!! الجواب بالتأكيد كلا، فهؤلاء هم نخبة من رجال الدين العلماء ومفكري المجتمع وقادته. وإذا كان هناك صنف آخر من رجال الدين غير هؤلاء الأفاضل يكونون هم المقصودين بنشر الضلالة، كما يقول البعض، فعندئذ يجب عدم التعميم في اتهام رجال الدين بتخلّف المجتمع، ويجب أيضاً أن يُذكر توصيف دقيق لهؤلاء الفئة السيئة من رجال الدين ليتسنى لنا معرفتهم والتعامل معهم. ولا أجد توصيفاً دقيقاً ينطبق عليهم ويؤهلهم لمنصب رجل الدين، إذ لا توجد جهة سياسية أو مؤسسة دينية مؤهلة ومخوّلة لمنحهم هذا المنصب أو هذه الصفة، فهم قد جعلوا أنفسهم رجال دين من دون تزكية من جهة معيّنة، ونحن صدقناهم واعتبرناهم فئة مؤثرة وهم لا يملكون أي صفة أو ميزة تؤهلهم لهذا الدور المزعوم.

الخلاصة

بما إن الدين هو رسالة سماوية تدعو إلى التوحيد والحثّ على أداء العبادات والعمل بشريعة الإله، ولأن التديّن ينحصر في الأداء والسلوك الشخصي للفرد للقيام بالشعائر الدينية والعبادات، حسب ما يفهمه الفرد من تأويلات الفقه والحديث والتفسير، لذلك فلا يوجد تناغم سلبي للدين والتديّن في التعامل مع تطور المجتمع بل على العكس يعمل الدين على تشجيع الناس باستعمال العقل والبحث عن العلم والمعرفة والتطوّر. ولذلك، ليس من المنطقي أن نُضيّع الوقت والجهد في محاربة الدين والتديّن أو محاولة إثبات دورهما في تخلّف المجتمع. بل من الأفضل أن نجتهد ونركّز ونتجه إلى العمل على تفعيل عوامل النهضة المعروفة مثل محاربة الظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي وتحديد سلطة الحاكم والفساد لتحقيق العدالة والمساواة بين أفراد المجتمع للوصول إلى ما يسمى بالأمن السياسي والحريات بأنواعها، وكذلك تشجيع الناس على الثقافة القراءة وحب العلم والمعرفة لتحقيق التقدم العلمي والصناعي والتكنولوجي لخلق اقتصاد فعّال يوفر الرفاهية للمجتمع، أي ما يسمى بالأمن الاقتصادي الذي يقضي على الفقر والعَوَز وبالتالي التخلص من الجهل.

***

د. صائب المختار

هندسة البقاء في مسرح الوجود:  يتموضع الإنسان داخل "مسرح الوجود" بوصفه بطلاً لدراما معقدة تتجاذبها حتميات الطبيعة وإكراهات الثقافة. ففي صميم كينونته، لا يعدو الإنسان كونه كائناً استراتيجياً يسعى لغاية حيوية قصوى: البقاء وضمان امتداد النسل. ورغم مركزية هذا البعد، فإن اختزال الإنسان في "الحتمية الجسدية" يُعد تبسيطاً مخلاً لظاهرة شديدة التركيب؛ فالإنسان هو الكائن المتفرد بنجاحه في تسامي غرائزه الأولية وتحويلها إلى منظومات رمزية وثقافية معقدة، مشكلاً ما يمكن تسميته بـ "حضارة الغريزة". تقتضي الدراسة الرصينة تفكيك "المثلث الحيوي" الذي يحكم جدلية الفرد في التاريخ:

 (الغذاء) كمصدر للطاقة الحيوية، و(الجنس) كآلية للاستمرار في النسل، وثنائية (الدين والسلطة) كتقنية اجتماعية عليا لإدارة العنف وضمان التماسك الجماعي.

أولاً: سطوة الجسد: من حكمة الغريزة إلى "الشرخ التطوري" قبل انبثاق الفلسفة أو العقائد كأنساق معرفية، واجه الإنسان الإشكالية الأكثر إلحاحاً، تأمين الطاقة اللازمة لتلبية متطلبات الدماغ البشري الباهظة التكلفة. يؤكد علم النفس التطوري أن تفضيلاتنا الغذائية المعاصرة ليست نتاج ذائقة ثقافية عابرة، بل هي "أحافير حيوية" نُحتت عبر ملايين السنين من ضغوط البيئة القاسية، حيث مثّلت الأغذية المكثفة (كالسكريات والدهون) عملة نادرة وضرورية للبقاء. بيد أن هذه الآلية، التي حفظت النوع البشري لآلاف السنين، تحولت في زمن الحداثة والوفرة المفرطة إلى ما يُعرف بـ "الشرخ التطوري"؛ إذ لا تزال أدمغتنا تعمل وفق "برمجة العصور البدائية"، دافعةً إيانا لتكديس الطاقة تحسباً لمجاعة لن تأتي. ويتجاوز أثر الغذاء البعد العضوي ليشكل البنى النفسية والاجتماعية؛ فقد أثبتت تجارب "الحرمان الغذائي" (كتجربة مينيسوتا الشهيرة) أن الجوع يعيد صياغة الوعي البشري، فتضمر الرغبات العاطفية وتتآكل الروابط الاجتماعية. وتدرك السلطة هذه الحقيقة، فتوظف الغذاء كأداة للضبط والسيطرة؛ فسياسات التجويع ليست مجرد تكتيكات اقتصادية، بل هي هيمنة مباشرة على كيمياء العقول والأعصاب.

ثانياً: اقتصاديات الغريزة: الجنس والسلطة والتحالف المقدس على المنوال ذاته، تخضع غريزة "التكاثر" لمنطق المنفعة الحيوية. فالسلوك الجنسي، وفقاً لنظريات التطور، محكوم بتباين "الاستثمار الوالدي" (الجهد المبذول في الرعاية)، مما يخلق ديناميات تنافسية معقدة بين البشر. ولضبط هذه النزعات الفطرية (الجنس والعدوان) وضمان الأمن الجماعي، تأسست الحضارة على مبدأ "كبح الغرائز". وهنا برزت الحاجة إلى تحالف استراتيجي بين "السلطة الزمنية" و"السلطة الروحية". من خلال:

شرعنة الطبقية، يصف المؤرخون الثورة الزراعية بأنها نقطة تحول أسست لمفهوم الملكية وتراكم الثروات. احتاجت هذه التراتبية الجديدة إلى غطاء "متعالٍ"؛ فعمل الدين التقليدي كظهير للمؤسسة السياسية، محولاً الفوارق الطبقية من ظلم بشري قابل للرد، إلى "قدر سماوي" وجب التسليم به.

الاستبداد والنسل، تجادل دراسات التاريخ الحيوي بأن السلطة السياسية لم تكن غاية في ذاتها فحسب، بل وسيلة لتعظيم "النجاح التناسلي" للحكام عبر احتكار النساء، مستخدمة "الحق الإلهي" لتبرير هذا الاستئثار المفرط.

 ثالثاً: أفول الغيبيات وصعود "لاهوت السوق": نقف اليوم أمام تحول جذري في بنية "المقدس". مع تراجع السرديات الكبرى التي تستند إلى عالم الغيب (ما وراء الطبيعة)، لم يتخلص الإنسان من حاجته الفطرية للتدين والتقديس، بل أعاد توجيه هذه الحاجة نحو موضوعات أرضية، مشكلاً ما يمكن تسميته "العقائد الوضعية" أو "ديانات الزمن الأرضي". وتبرز الرأسمالية هنا، لا كنظام اقتصادي فحسب، بل كأشرس ديانة وضعية في التاريخ الحديث.

 لاهوت السوق والرأسمالية كدين:

 خلافاً للأديان القديمة التي وعدت بالخلاص في العالم الآخر، تقدم الرأسمالية وعودها في "الآن وهنا". إنها ديانة شعائرية بامتياز، تعتمد على منظومة عقائدية متكاملة:

الإله الخفي (السوق)، حلّت "اليد الخفية" للسوق محل "العناية الإلهية". فالسوق، في العرف الرأسمالي، كيان كلي القدرة، عليم وحكيم، يوزع الأرزاق (الثروات) وفق منطق غامض لا يجوز التشكيك فيه. وأي تدخل لضبطه يُعتبر "كفراً" بقوانينه المقدسة.

طقوس العبادة (الاستهلاك)، تحولت مراكز التسوق الكبرى إلى "كاتدرائيات" العصر الجديد، حيث يمارس المؤمنون طقوس "الشراء" ليس لتلبية حاجة، بل لشراء "المعنى" و"المكانة". أصبح الاستهلاك هو فعل التعبد اليومي الذي يمنح الفرد شعوراً زائفاً بالامتلاء والوجود.

الخطيئة والخلاص في هذا الدين الجديد، "الفقر" هو الخطيئة الكبرى والدليل على غضب "آلهة السوق"، بينما "الثراء" هو علامة الرضا ودليل الاصطفاء. لم يعد الزهد فضيلة، بل أصبح "الفشل المالي" وصمة عار أخلاقية تلاحق الفرد.

سلعنة الإنسان، أخطر ما في هذه العقيدة هو تحويل الإنسان نفسه من "غاية" إلى "وسيلة" أو "سلعة". لقد تآكلت الروحانية لصالح المادية الصرفة، حيث تُقاس قيمة الإنسان بمدى إنتاجيته وقدرته الشرائية، لا بجوهره الإنساني أو الأخلاقي.

 الوعي في مواجهة الأصنام الجديدة:

إن الكائن الاستراتيجي اليوم لا يواجه فقط تحديات الجسد واحتياجاته، بل يواجه تحدياً وجودياً يتمثل في "عبودية الأصنام الجديدة". لقد نجحت البشرية في حل معضلة "الغذاء" (مخلفةً وباء التخمة)، وفصلت "الجنس" عن الإنجاب، لكنها سقطت في فخ الفراغ الروحي الذي ملأته بضائع السوق. إن الوعي بهذه الديناميات – كيف يتحول الجوع إلى سياسة، والجنس إلى سلعة، والسوق إلى معبد – هو خط الدفاع الأول لاستعادة إنسانيتنا. نحن لسنا تروساً في آلة ربحية، ولا وقوداً لمحرقة الاستهلاك، بل كائنات تملك القدرة على مساءلة هذه "الآلهة الأرضية" قبل الخضوع لها، والسعي لابتكار أنظمة حياة تعيد الاعتبار للإنسان كقيمة عليا، لا كمستهلك عابر.

***

غالب المسعودي

.....................

المراجع

أرون، ريمون. (1955). أفيون المثقفين. (ترجمة عربية).

باس، ديفيد. (2016). علم النفس التطوري: العلم الجديد للعقل.

بنيامين، فالتر. (1921). الرأسمالية كدين. (شذرات فلسفية).

بيتزيغ، لورا. (1986). الاستبداد والتكاثر التفاضلي.

جنتيل، إميليو. (2006). السياسة كدين.

فرويد، سيغموند. (1930). قلق في الحضارة.

كيز، أنسيل وآخرون. (1950). بيولوجيا التجويع البشري.

هراري، يوفال نوح. (2011). العاقل: تاريخ مختصر للجنس البشري.

في مصائر التجربة الدينية داخل العالم العلماني

لم تعد التجربة الدينية في عالمنا الحديث حدثا يقع داخل جدران المؤسسات، ولا ممارسة تُختزل في طقوس مُقنّنة أو عقائد مصوغة في قوالب لاهوتية مغلقة، بل غدت على نحو متزايد، تجربة ذاتية قَلِقة متشظية، تبحث عن معناها في فضاء كوني لم يعد يعترف بمرجعية واحدة للحقيقة ولا بمركز ثابت للقداسة. فالعلمانية في معناها العميق، لم تكن يوما مجرد فصلٍ قانوني بين الدين والدولة، بل كانت قبل ذلك كله تحوّلا أنطولوجيا في بنية الوجود الإنساني ذاته، انتقالا من عالم مشبع بالمعنى المتعالي إلى عالم يُطلب فيه المعنى من داخل التجربة البشرية نفسها. وكما عبّر ماكس فيبر في تشخيصه الشهير عن “نزع السحر عن العالم”، فإن الإنسان الحديث يعيش في كونٍ لم تعد تحكمه القوى الغيبية ولا الرموز المقدسة، بل تحكمه العقلنة والوظيفة والحساب.

غير أن هذا النزع للسحر لم يؤدِّ إلى اختفاء الدين، كما توهّم رواد التنوير الكلاسيكي بل إلى تحوّله. فالإيمان لم يمت، بل غيّر موضعه. انتقل من المجال العام إلى الحيّز الباطني، ومن العقيدة المؤسسية إلى التجربة الوجودية، ومن اللاهوت إلى الروحانية، ومن الكنيسة والمسجد إلى الضمير الفردي. هنا تتجلى المفارقة الكبرى للحداثة، لقد أزاحت الأديان عن مركز الفضاء العمومي، لكنها فتحت أمام التجربة الدينية فضاءً أوسع في الداخل الإنساني. فكما يقول شارل تايلور في كتابه عن العصر العلماني، لم نعد نعيش في عالم يستحيل فيه عدم الإيمان، بل في عالم صار فيه الإيمان خيارا من بين خيارات متعددة، ما جعله في الوقت نفسه أكثر هشاشة وأكثر كثافة.

إن تحوّل الإيمان إلى خيار لا يعني ضعفه بالضرورة، بل يعني تغيّر بنيته. فالإيمان حين يكون مفروضا اجتماعيا يفقد الكثير من عمقه الوجودي، وحين يصبح قرارا فرديا يُعاد اكتشافه بوصفه علاقة حميمية مع المعنى والمطل ومع السرّ الذي لا يُختزل في مفاهيم. وهنا يلتقي التحليل الفلسفي بالتحليل الظاهراتي: فالتجربة الدينية لم تعد قبل كل شيء انتماءً إلى جماعة عقدية، بل انخراطا ذاتيا في سؤال المعنى، في مواجهة القلق والموت والعدم. وقد كان كيركغارد أول من أدرك هذا التحوّل حين أعلن أن “الذاتية هي الحقيقة”، وأن الإيمان ليس تصديقا لقضية، بل مخاطرة وجودية، قفزة في المجهول وفعل شجاعة أمام عبث العالم.

تغدو العلمانية لا نقيضا للتجربة الدينية، بل شرطا جديدا لإمكانها. فحين تسقط السلطات الرمزية الكبرى لا يبقى أمام الإنسان سوى أن يخترع طريقه الخاص نحو المعنى. وحين تتفكك الميتافيزيقا التقليدية، يُدعى الإيمان إلى أن يعيد تعريف نفسه خارج أنظمة العقائد الصلبة. وهنا بالضبط تولد ما يسميه بعض المفكرين “الروحانية ما بعد الدينية”، حيث لا تعود العلاقة بالمقدس محكومة بالانضباط المؤسسي، بل بالحساسية الوجودية. فالإنسان المعاصر قد يرفض الكنيسة أو الفقهاء، لكنه لا يكفّ عن البحث عن ما يتجاوز ذاته. وقد يتشكك في اللاهوت، لكنه لا يتخلى عن التوق إلى المطلق.

لقد عبّر بول تيليش عن هذا الوضع بدقة حين عرّف الدين بأنه “الانشغال الأقصى”، أي ذلك الشيء الذي يمنح للوجود وحدته النهائية ومعناه الأخير. فإذا كان الله في اللاهوت التقليدي قد تراجع في الوعي الحديث، فإن وظيفة الإله لم تختفِ. ما زال الإنسان يحتاج إلى أفق يمنح حياته دلالة تتجاوز الاستهلاك والنجاح واللذة. ولذلك فإن الكثير من أشكال الإيمان المعاصر تتخفى في قوالب غير دينية، في الالتزام الأخلاقي وفي البحث الروحي والدفاع عن القيم والتجارب التأملية والفنون والسياسة حتى. هنا تغدو التجربة الدينية تجربة معنى قبل أن تكون تجربة عقيدة.

غير أن هذا التحول لا يخلو من توترات عميقة. فحين ينفصل الإيمان عن المؤسسات، يفقد في الوقت نفسه الضمانات التي كانت تمنحه الاستقرار والاستمرارية. فالمؤسسة مهما كانت سلطوية، كانت توفر إطارا رمزيا يحمي التجربة من الذوبان في الذاتية المطلقة. أما الإيمان الفردي فهو معرّض دائما للتشظي وللارتياب وللضياع في سوق المعاني. ولهذا يعيش المؤمن المعاصر في وضع مفارق، يكون أكثر حرية في إيمانه، لكنه أيضا أكثر وحدة وهشاشة. وكما لاحظ زيغمونت باومان في معرض حديثه عن “الحداثة السائلة”، فإن الروابط التي كانت تمنح الهوية صلابة قد ذابت، وأصبح الفرد مضطرا إلى إعادة اختراع ذاته باستمرار، بما في ذلك ذاته الدينية.

ولا يصير السؤال: هل ما زال الإنسان يؤمن؟ بل كيف يؤمن؟ وبأي لغة؟ وبأي خيال؟ فالإيمان في العالم العلماني لا يُقال بلغة اليقينيات الكبرى، بل بلغة القلق والبحث والاختبار. ولم يعد المؤمن الحديث يقول “أنا أعرف”، بل “أنا أرجو”، “أنا أبحث”، “أنا أختبر”. وهذا ما يجعل التجربة الدينية أقرب إلى الشعر منها إلى العلم وأقرب إلى التأمل منها إلى العقيدة. وقد كان بول ريكور محقا حين رأى أن الرموز الدينية لا تُقدّم معاني جاهزة، بل تفتح أفقا للتأويل، وأن الإيمان الحقيقي لا يعيش إلا في منطقة التوتر بين الفهم والغموض.

هكذا تتراجع صورة الإله بوصفه سيّدا كونيا يفرض قوانينه من الخارج، لتحل محلها صورة الإله بوصفه عمقا للوجود، أو نداءً داخليا أو سرا يسكن التجربة. وهذا التحول ليس مجرد انحراف حديث، بل يجد جذوره في تقاليد روحية عميقة، من التصوف الإسلامي إلى اللاهوت السلبي المسيحي، حيث الله لا يُدرك بالتصورات بل يُعاش في الصمت. إن ما يحدث اليوم هو تعميم حداثي لهذا الحدس القديم، أن المقدس لا يُختزل في النظام، بل يتجلّى في الهشاشة.

لكن هذه الهشاشة ليست ضعفا بالضرورة، بل قد تكون شكلا جديدا من الصدق الوجودي. فالإيمان الذي يعرف أنه بلا ضمانات وبلا يقينيات نهائية، قد يكون أكثر تواضعا وأكثر عمقا. وهو إيمان لا يدّعي امتلاك الحقيقة، بل يسكنها كسؤال مفتوح. وهنا يلتقي الإيمان المعاصر مع الفلسفة الوجودية، التي رأت في الإنسان كائنا مُلقى في عالم بلا أسس، مدعوا إلى أن يمنح حياته معنى رغم ذلك. وكما كتب ألبير كامو فإن مواجهة العبث لا تقود بالضرورة إلى اليأس، بل قد تفتح بابا لنوع جديد من الوفاء للوجود.

إن التجربة الدينية في عالم علماني لا يمكن فهمها إذن بمنطق الانحطاط أو الانبعاث، بل بمنطق التحوّل. نحن لسنا أمام موت الدين، ولا أمام عودته البسيطة، بل أمام تحوّله من نظام إلى تجربة، من سلطة إلى مسار، ومن يقين إلى بحث. وهذا التحوّل يعيد صياغة علاقتنا بالمقدس وبالذات وبالعالم. فالإيمان لم يعد ملجئا من الحداثة، بل أحد أشكال عيشها من الداخل، بكل ما تحمله من قلق وحرية ومخاطرة.

وهنا بالضبط يكمن رهانه الفلسفي الأعمق، أن الإيمان في زمن العلمانية لم يعد ضد العقل، بل يتشكل في حواره الدائم معه. ولم يعد يقيم في يقينيات مغلقة، بل في أسئلة مفتوحة. لم يعد يطلب حماية المؤسسات، بل يواجه العالم عاريا متسلحا فقط برغبته في المعنى. وهذا ما يجعل التجربة الدينية اليوم على الرغم من كل هشاشتها، واحدة من أعمق تجارب الإنسان المعاصر، لأنها تختبر في صمتها وارتباكها، ذلك التوتر الأصلي بين المحدود واللامحدود والزمن والأبد، وبين الإنسان وما يتجاوزه.

تتواصل هذه التحوّلات في أشكال الإيمان المعاصر على نحو أكثر تعقيدا حين ننظر إلى الفضاء الرمزي الذي يعيش فيه الفرد العلماني اليوم. فالعالم الذي سحبت منه المرجعيات الكبرى لم يُترك فارغا، بل امتلأ بأصناف من الخطابات التي تدّعي كلٌّ بطريقتها منح المعنى والهوية والطمأنينة. في هذا الفضاء المتعدد، لم يعد الدين وحده من ينافس على الروح، بل صارت السوق والإيديولوجيا والعلم والفن وحتى التقنية، تعرض نفسها بوصفها مصادر للمعنى. وهذا ما يجعل التجربة الدينية المعاصرة تجربة مقاومة بقدر ما هي تجربة بحث، مقاومة للابتذال وللاختزال ولتحويل الوجود إلى وظيفة أو سلعة، وبحث عن ما يعيد للإنسان عمقه الداخلي.

لقد أدرك يورغن هابرماس رغم دفاعه العميق عن العقلانية التواصلية، أن الحداثة لا تستطيع الاستغناء كليا عن المخزون الديني، لأن هذا المخزون يحتوي على طاقات معنوية ورمزية لا يعوّضها الخطاب الأداتي. فالأديان حتى حين تفقد سلطتها التشريعية تظل قادرة على تسمية المعاناة، وعلى التعبير عن الضعف الإنساني بلغة لا تختزله في أرقام أو وظائف. ولهذا يتحدث هابرماس عن “الترجمة” بدل الإقصاء، أي عن ضرورة أن تُترجم الحدوس الدينية إلى لغة عمومية، من دون أن تُفقد كثافتها الوجودية. ولا يعود الدين خصما للعلمانية، بل شريكا نقديا لها، يذكّرها بما لا تستطيع أن تقوله عن الألم والشر والموت والرجاء.

غير أن هذا الحوار لا يتم في فراغ، بل في عالم تتنازع فيه القوى الاقتصادية والتقنية على تشكيل وعي الإنسان. فالرأسمالية المتأخرة لا تبيع السلع فقط، بل تبيع أنماط العيش وصور السعادة ووعود الاكتمال. وهنا تتعرض التجربة الدينية لخطر مزدوج، خطر الانكماش في خصوصية معزولة لا تأثير لها، وخطر الذوبان في سوق الروحانيات حيث يتحول المقدس إلى منتج، والتأمل إلى تقنية للرفاه، والصلاة إلى أداة للتوازن النفسي. وقد نبّه ثيودور أدورنو منذ زمن إلى أن الصناعة الثقافية قادرة على ابتلاع حتى ما هو نقدي وروحي، وإعادة تدويره في شكل ترفيه مفرغ من عمقه.

إن هذا الخطر لا يلغي إمكانات التجدد. فالتجربة الدينية التي تنجو من التشييء هي تلك التي تحتفظ ببعدها السلبي، أي بقدرتها على قول “لا” للعالم كما هو. إن الإيمان حين يكون حيا لا يبارك الواقع، بل يضعه موضع سؤال. وهنا يلتقي الدين بالفلسفة النقدية، كلاهما ينطلق من شعور بأن ما هو قائم ليس ما ينبغي أن يكون. إن نداء العدالة والكرامة والمعنى الذي يسكن قلب التجربة الدينية، يظل عنصر توتر داخل العالم العلماني، يزعج منطقه النفعي ويفضح محدوديته. ولهذا لا يمكن اختزال الدين في وظيفة نفسية أو اجتماعية، لأنه يحمل دوما بُعدا احتجاجيا حتى حين يصمت.

تبرز أشكال جديدة من التدين لا تنتمي بسهولة إلى التقسيمات الكلاسيكية. فهناك مؤمنون بلا معابد، ومتدينون بلا عقائد صلبة، وروحانيون بلا طقوس محددة. هؤلاء لا يرفضون المقدس بل يرفضون احتكاره. إنهم يعيشون إيمانهم كمسار شخصي وكرحلة مفتوحة، لا كهوية مغلقة. وقد يكون في هذا شيء من النزعة الفردانية، لكنه يحمل أيضا توقا أصيلا إلى الصدق، وإلى أن يكون الإيمان متطابقا مع التجربة لا مع الامتثال. وكما كتب ميشيل دو سيرتو فإن الإيمان حين يتحرر من المؤسسات، يعود إلى كونه ممارسة أسلوب عيش وفنا في الوجود.

غير أن هذا الفن ليس بلا مخاطر. فحين يفقد الإيمان لغته المشتركة، يصبح عرضة للذوبان في تجارب ذاتية لا يمكن التواصل بشأنها. ولهذا تظل الحاجة قائمة إلى أشكال من الوساطة الرمزية وإلى سرديات وطقوس وتقاليد ولو أعيد تأويلها. فالتجربة الدينية مهما كانت فردية تحتاج إلى ذاكرة وتاريخ ولغة. وإلا فإنها تخاطر بأن تتحول إلى انطباع عابر. وهنا تظهر إحدى مفارقات الإيمان المعاصر، هو يريد أن يتحرر من السلطة، لكنه لا يستطيع أن يعيش بلا شكل. ويشك في المؤسسات، لكنه لا يستغني عن الرموز.

وهذا ما يجعل السؤال اللاهوتي اليوم مختلفا جذريا عن صيغته الكلاسيكية. ولم يعد السؤال هو: ما هي الحقيقة التي يجب أن أؤمن بها؟ بل: كيف أعيش علاقتي بما أراه ذا قيمة قصوى؟ ولم يعد اللاهوت بناءً لنظام مفاهيمي مغلق، بل تأملا في التجربة واللغة والصمت. وقد عبّر إيمانويل ليفيناس عن هذا التحول حين رأى أن الإله لا يُلتقى في المعرفة، بل في العلاقة الأخلاقية مع الآخر، في الوجه الذي يطالبني بالمسؤولية. هنا يصبح الإيمان حدثا بين الذوات لا عقيدة فوقها.

وهكذا، فإن التجربة الدينية في عالم علماني لا تنفصل عن الأخلاق. بل ربما يكون هذا هو مجالها الأكثر خصوبة اليوم. ففي عالم تفككت فيه المعايير وصارت القيم قابلة للتفاوض، يعود السؤال الأخلاقي بوصفه سؤالا عن المطلق داخل النسبي. لماذا يجب أن أكون عادلاً؟ لماذا يجب أن أحترم الآخر؟ لماذا يجب أن أقاوم الظلم؟ هذه الأسئلة لا تجد جوابها النهائي في الحساب العقلاني وحده، بل تحتاج إلى نوع من الإيمان بمعنى الكرامة الإنسانية. وهنا حتى في أكثر الصيغ علمانية، يظل هناك أثر لما يمكن تسميته بالمتعالِي الأخلاقي.

كما أن السياسة هي الأخرى لا تنفصل عن هذه التحولات. فالعلمانية حين تُفهم بوصفها إقصاءً كاملاً للدين، تخاطر بأن تفرغ الفضاء العمومي من كل طاقة رمزية قادرة على تعبئة الناس حول قيم غير نفعية. ولهذا نرى في كثير من السياقات، عودة الدين في أشكال متطرفة أو هوياتية، كرد فعل على فراغ المعنى. غير أن البديل عن هذا ليس عودة الثيوقراطية، بل انخراط التجربة الدينية في النقاش العمومي بوصفها صوتا للضعف وللضحايا، وللذين لا تمثلهم لغة السوق أو السلطة. هنا يمكن للدين أن يكون كما كان عند فالتر بنيامين ذاكرة للمقهورين، ووعدا لم يتحقق بعد.

إن التجربة الدينية في عالم علماني ليست إذن بقايا ماضٍ، بل مختبرا للمستقبل. إنها المكان الذي تُختبر فيه إمكانات جديدة للعلاقة بين الإنسان والمعنى والحرية والانتماء، وبين الذات والآخر. هي تجربة تعيش في الهامش، لكنها تضيء المركز. تعيش في الصمت، لكنها تفضح الضجيج. تعيش في الشك، لكنها لا تتخلى عن الرجاء. وكما كتب غابرييل مارسيل، فإن الإيمان ليس امتلاكا بل مشاركة في سرّ وليس يقينا بل أمانة.

ويتضح أن التجربة الدينية في العالم العلماني لا يمكن فهمها بمنطق التراجع أو الانقراض، بل بمنطق التحوّل العميق. لقد خرج الإيمان من حضن المؤسسات ليقيم في هشاشة الذوات، ومن يقينيات اللاهوت ليعيش في أسئلة الوجود، ومن أنظمة العقائد ليختبر نفسه في أخلاقيات المسؤولية والرجاء. وفي هذا الخروج، خسر كثيرا من سلطته، لكنه ربح شيئا من صدقه. صار أقل قدرة على فرض نفسه، وأكثر قدرة على أن يكون تجربة حرّة للمعنى.

إن الإيمان في سياقنا هذا لم يعد ملاذا من الحداثة، بل أحد أكثر أشكال مواجهتها راديكالية. فهو يقيم داخل عالم بلا أسس، لكنه يرفض أن يقبل بلا معنى. يعيش داخل زمن بلا يقينيات، لكنه لا يتخلى عن التوق إلى المطلق. ولهذا يظل رغم كل شيء، أحد أكثر أبعاد الوجود الإنساني كثافة وعمقا، لأنه يحفظ في قلب عالم مفكك، ذلك السؤال الذي لا يستطيع أي نظام أن يلغيه: كيف يمكن للحياة أن تكون جديرة بأن تُعاش؟.

***

د. حمزة مولخنيف

احب قراءه رسائل كافكا الي ميلينا.. قرأته عشرات المرات. في رسائل كافكا إلى ميلينا لا نقرأ قصة حب بالمعنى المألوف، بل نلج مختبرا داخليا للروح، حيث تتحول اللغة إلى اعتراف، والكتابة إلى نجاة مؤقتة من ثقل الوجود.

كان كافكا يكتب لا ليخبر ميلينا بما حدث، بل ليطمئن إلى أنه ما زال موجودا، وأن صوته، رغم ارتعاشه، يجد صدى في قلب آخر. هذه الرسائل ليست مراسلات بين عاشقين، بل حوارا بين ذات منكسرة ونفس تحاول أن تفهم نفسها عبر الآخر.

كافكا، الذي ضاقت به الحياة حتى صارت أشبه بقفص، وجد في ميلينا نافذة يتنفس منها، لا لأنها وعدته بالخلاص، بل لأنها قبلت أن تسمع هشاشته كاملة دون أن تطلب منه أن يكون أقوى أو أكثر اتزانا. أمامها فقط تخلّى عن أقنعته، وسقطت عنه صرامة الكاتب، ليظهر الإنسان العاري من أي بطولة.

كان يخاطبها كما لو كان يخاطب أعماقه. يكتب عن يومه، عن أرقه، عن خوفه من المرض، عن ضيقه من العالم، كأن التفاصيل الصغيرة هي آخر ما يربطه بالحياة. وفي هذا البوح اليومي تتجلى مفارقة كافكا الكبرى: الرجل الذي شيد في أدبه عوالم كابوسية مغلقة، كان في رسائله كائنا شفافا، شديد الرقة، يتألم من تأخر رسالة، ويغار، ويعاتب، ويحتاج إلى طمأنة بسيطة كي يستعيد توازنه. ثورته حين تتأخر ميلينا في الرد ليست نزقا عاطفيا، بل خوفا وجوديا من الانقطاع.

 الصمت بالنسبة لكافكا لم يكن فراغا، بل تهديدا. لذلك كان عتابه رقيقا، طفوليا أحيانا، كأنما يقول لها: لا تتركيني وحيدا في هذا العالم الذي لا أفهمه. وحين يصف نفسه بتلميذ ميلينا، فهو لا يمارس تواضعا عاطفيا، بل يعترف بأن الحب عنده معرفة، وأنها كانت معلمته في كيفية الاقتراب من الحياة دون أن يفترسه رعبها.

قراءة هذه الرسائل تكشف امتدادا خفيا لشخصية كافكا، امتدادا لا تمنحه لنا نصوصه الإبداعية وحدها. ففي الروايات والقصص نرى القلق وقد تحول إلى بناء فني محكم، أما في الرسائل فنرى القلق وهو ما يزال خاما، نابضا، يتنفس بين السطور. نرى إنسانا يحاول أن يحتمي بالكتابة من نفسه، وأن يجعل من الحب شكلا من أشكال المقاومة.

ميلينا لم تكن خلاص كافكا، ولم يكن هو خلاصها. كانا يعرفان، في العمق، أن هذا الحب محكوم بالاستحالة: المسافات، المرض، الزواج، هشاشة كافكا الوجودية نفسها. ومع ذلك استمرا في الكتابة، كأن الحب لا يقاس بما يتحقق، بل بما يمنحنا من قدرة على الاحتمال. كانت ميلينا القلب الحنون الذي يمنع العالم من الانهيار دفعة واحدة، وكانت الرسائل هي الخيط الرفيع الذي أبقى كافكا متماسكا أمام هاوية العدم.

كافكا وميلينا… حب لم يكتب له أن يكتمل في الواقع، لكنه اكتمل في اللغة. حب لم يعاش بالجسد، بل عاش بالكلمات، وربما لهذا السبب كان أكثر صدقا، وأكثر إيلاما، وأكثر خلودا. ففي هذه الرسائل لا نقرأ فقط حكاية رجل أحب امرأة، بل نقرأ إنسانا وجد في الحب لحظة صفاء نادرة، سمحت له أن يقول: أنا خائف، أنا ضعيف، وأنا حي… ما دمت أكتب إليك.

وفي النهاية، لا تبقى رسائل كافكا إلى ميلينا مجرد أثر عاطفي في تاريخ الأدب، بل شهادة إنسانية نادرة على أن الحب قد يكون أعمق أشكال المعرفة، وأن الكتابة ليست ترفا جماليا بل ضرورة وجودية. لقد كتب كافكا لأنه كان يخاف، ولأنه كان يحب، ولأن العالم من حوله لم يمنحه سببا كافيا للبقاء سوى هذه الرسائل.

إن هذا الحب، الذي لم يكتمل، يعلمنا أن القيمة لا تكمن في النهاية السعيدة، بل في الصدق الذي نعيشه ونحن نكتب ونحب. وأن بعض العلاقات لا خلقت لتستمر، بل لتنقذنا مؤقتا من السقوط الكامل.

هكذا بقيت ميلينا مركز عالم كافكا، وبقي كافكا شاهدا على أن الإنسان، حين يحاصر بالعدم، قد يجد خلاصه الوحيد في رسالة… وفي امرأة جعلت الوجود محتملا، ولو بالكلمات

***

ابتهال عبد الوهاب

 

العقل العربي غالبا هو عقل وثوقي، أي عقل مستسلم وخاضع ومقدس للإجابات المسبقة واليقينيات الموروثة، لذا فهو يعيش في صراع طويل وعنيف مع التحولات والتغيرات العالمية لرفضه الاندماج وخوفه من التغيير. وهو ما أنتج بالتالي تناقضات وانفصامات في تعاطيه مع الأخلاق والدين والدولة والآخر المختلف

ما يحدث في مجتمعاتنا اليوم هو نتاج غياب العلمانية وليس بسبب عدم تمسكنا بالدين، فنحن أكثر الشعوب في العالم تدينا لكننا اقلها في الأخلاق والعلم والحريات، مما يضعنا امام مطالبات ثقافية وتنويرية تؤسس لمفاهيم فصل الدين عن الدولة وحقوق الإنسان والمساواة وقبول الآخر المختلف

من السذاجة أن تعتقد وتؤمن وتصدق بأن المكان الذي ولدت فيه هو أفضل مكان وأن اللغة التي يتكلمها والداك هي أفضل لغة وأن عقيدتك ومذهبك هي الأفضل.. كل ذلك صدفة آمنت بها بلا سؤال ولا تشكيك ولا مراجعة ولا إعادة تفكير.

العقل ‏العربي غالبا لا يرى رأيا سوى رأيه ولا فكرا غير فكره ولا دينا ما عدا الدين الذي يدين به، فهو يعتقد بأنه يمتلك الرأي الصائب الذي لا يوجد غيره والحقيقة المطلقة التي لا تحتمل الخطأ، كما أنه يؤمن بإلزامية تعميم قناعاته وتطبيقها على الآخرين حتى لو إستلزم ذلك الجبر أو الإكراه

أكبر عائق أمام العقل هو الإرتكاز على أفكار مدونة لا تقبل الشك ولا النقد ولا تسمح بطرح تساؤلات حولها، تحيط بهذه الأفكار أسلاك شائكة ويمنع على الجميع الإقتراب منها ومحاولة تفكيكها

لذلك مثل هذه الأفكار تحد من نشاط الشخص في إطلاق تفكيره وتساؤلاته لفضاء أوسع، خوفا من الوقوعِ في المحظور.. فيسلم بما  سمع وبما نشأ وتربى عليه

وأصبحت عقولنا مجرد مخازن للكتب الصفراء دون إدراك لما فيها من عوار.. وفقدت بعدها الأجيال جيلا بعد جيل ملكات النقد والتفكير والتدبر والتأمل والتحليل

يكون الوطن بخير حين يبتعد الدين عن السياسه، وحين يكون الإنسان حرا دون قيود، وحين تكون الأخلاق والحريات والديمقراطية أساس التعليم

يكون الوطن بخير حينما لا يستخدم الدين لاغراض سياسية ويعيش جميع ابناءه في ظله دون تمييز ديني او طائفي او عرقي او حزبي او اي تمييز عنصري ويكون القانون هو المرجع الأول والاخير

الإنسان العربي هو ذلك الكائن الذي أهملنا عقلنته ووضعه في المسار الصحيح ليواجه تحديات وجوده ومستقبله، فالعالم اليوم يتميز بالتطور والأنسنة والنقد، وهذه كلها تم منعها ووضع القيود عليها، فأنتج ذلك إنسانا مقيدا ومحبطا وعدوانيا منزوع الأخلاق ومستقيل العقل يعيش هاجس الموروث وخوف السؤال

علينا أن نرى الاختلاف والتنوع والتعددية والاقليات في المجتمع كإثراء وغنى، وليس كانتقاص للأديان والمعتقدات

علينا أن نبدأ من جديد في كل شئ، علينا أن نبني الانسان المواطن الحر، وليس الفرد التابع الخائف المتطرف، علينا أن نتناقش ونفكر دون حدود حتى نستلهم أفضل الافكار والرؤى لقيام مجتمعات علمانية. علينا أن نفهم أولا أننا لسنا على هذا الكوكب الصغير وحدنا ولسنا مركز الكون ولسنا أفضل أمة.

‏كل منجزات العلم والفلسفة والفنون والحريات بدأت حين رفض الإنسان ما تم تلقينه، وفكر خارج العادات والتقاليد والتراث.. ‏الأمل والسعادة والإبداع والمستقبل، للشعوب التي تفكر وتعمل وتبدع، وليس للشعوب التي تنتظر المعجزات والدعاء والسكون في الماضي.

‏المجتمع البعيد عن الحريات والعلمانية والتفكير النقدي، لا ينتج مبدعين ومواطنين، بل مرضى ومنافقين ومتخلفين.

و‏الأوطان التي تخنق الأحلام، وتقيد الأفكار، وتحارب الحريات، وتفرض القيود، تصاب الشعوب فيها بالبلادة والجمود، بالخوف والخنوع، بالجهل والإندثار.

للاسف ‏ثقافة مجتمعاتنا العربية، هي ثقافة دينيه طائفية، ثقافة تقوم على الهوية قبل الانسان، ثقافة تقف مع المجرم لأنه من نفس المذهب أو القبيلة، ثقافة تدعم الوصاية، وترى المرأة عورة، والتفكير جريمة والحريات عهرا.

ثقافة خافت من إصلاح ذاتها فخلقت الإرهاب والتطرف والجهل..‏‏تواطئ الدولة مع الرغبات الدينية، لأي طرف في المجتمع، يجعلها دولة ظالمة ومخلة بالعدل، لأنها ستغدو شريكة في محاولة فرض توجه أحادي الهوية بالإكراه، بينما دور الدولة والحكومة الحقيقي، ليس في الدفاع عن أي دين وإنما في الحفاظ على السلم المجتمعي، وحماية حريات المواطنين في حق الإعتقاد.

مجتمعاتنا العربية، لا يزال ينتظرها أشواط من النضال والمعارك من أجل تجاوز أشكال الماضي.

‏لأن لوطن هو استمرارية وتاريخ وتطور وبناء، هو أنت وأنا. وطن لا يجمعنا داخله تعصب لأي دين، أو محاباة لأي مذهب أو عرق بل ما يجعلنا مواطنون فقط هو قيم المواطنة والمساواة والديمقراطية والاندماج الحضاري.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في تشظّي العقل العمومي وانهيار شروط الحوار

لم يعد السؤال اليوم هو لماذا يختلف الناس، بل لماذا صار الاختلاف ذاته مستحيلاً أن يُدار؟. فأن يختلف البشر هو علامة الحياة، أما أن يعجزوا عن تحويل اختلافهم إلى كلام قابل للفهم المتبادل فذلك علامة على تصدّع عميق في بنية العقل العمومي. لقد كان يورغن هابرماس يرى أن الحداثة لا تقوم على التقنية أو السوق، بل على «الفعل التواصلي» بوصفه الفضاء الذي تتكوّن فيه الإرادة العامة عبر الحجاج العقلاني، غير أن هذا الفضاء نفسه بات اليوم ملوّثاً مخترقاً ومختزلاً إلى تبادلات انفعالية لا تتوخّى الحقيقة ولا تسعى إلى التفاهم بل إلى الغلبة الرمزية.

العقل العمومي كما تشكّل تاريخياً في الفلسفة السياسية الحديثة، لم يكن مجرد مجموع آراء الأفراد، بل نمطاً مخصوصاً من التعقّل المشترك، حيث تتلاقى الذوات في أفق افتراضي من القابلية للتبرير. كان كانط يقول إن التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه، وهذا الخروج لا يتم إلا عبر الاستعمال العمومي للعقل، أي حين يتكلّم المرء لا بصفته فرداً خاصاً بل بوصفه عضواً في جمهور افتراضي يخضع فيه القول لمعيار الكونية. غير أن هذا الأفق الكوني تآكل اليوم، لأن اللغة نفسها فقدت قدرتها على إنتاج معنى مشترك، وصارت الكلمات تُستهلك كما تُستهلك السلع: سريعة آنية بلا ذاكرة ولا مسؤولية.

ما نعيشه ليس مجرد تراجع في آداب الحوار، بل انكسار في البنية الرمزية التي تجعل الحوار ممكناً. حين يقول فيتغنشتاين إن «حدود لغتي هي حدود عالمي»، فإنه لا يقصد مجرد المفردات، بل أشكال الحياة التي تمنح الكلمات معناها. فإذا تشظّت أشكال الحياة، وتفكّكت المرجعيات، وصار كل فرد يعيش في فقاعة دلالية خاصة، فإن الكلمات نفسها تتحوّل إلى أشباح تتجاور دون أن تتلامس. حيث يبدو الحوار وكأنه قائم، بينما هو في الحقيقة مجرد تصادم مونولوجات.

العقل العمومي كان يفترض وجود حد أدنى من العالم المشترك، من الوقائع المتقاسمة، ومن القيم القابلة للتداول. اليوم في زمن ما بعد الحقيقة، لم يعد الواقع نفسه متفقاً عليه. فكما تقول حنة أرندت، «حين ينهار التمييز بين الحقيقة والرأي، يصبح كل شيء ممكناً سياسياً». في هذا المناخ، لا يعود النقاش بحثاً عن الصواب، بل صراعاً على فرض رواية. تختفي الحجة لتحل محلها الهوية، ويُستبدل البرهان بالانتماء، وتتحوّل اللغة إلى أداة تعبئة لا إلى وسيط فهم.

تتجذّر هذه الأزمة في تحوّل عميق أصاب الفضاء العمومي نفسه. كان هذا الفضاء، كما تصوّره هابرماس، مجالاً وسطاً بين الدولة والمجتمع تُتداول فيه القضايا العامة بحرية نسبية، خارج منطق السلطة والمال. غير أن هذا الفضاء أُفرغ اليوم من مضمونه النقدي، وأُعيد تشكيله وفق منطق الخوارزميات التي تكافئ الإثارة لا العمق، والحدّة لا التعقّل. ما ينتشر ليس ما هو أكثر صدقاً بل ما هو أكثر قابلية للتداول، وما يُرى ليس ما هو أكثر وجاهة بل ما هو أكثر قابلية للاستفزاز.

ولم يعد العقل العمومي يُنتَج من خلال النقاش، بل من خلال التكرار. الرأي الذي يتكرّر أكثر يكتسب سلطة، لا لأنه أُخضع للنقد، بل لأنه خضع للخوارزمية. في هذا الأفق يغدو الحوار وهماً إجرائياً، لأن الأطراف لا تلتقي في ساحة مشتركة، بل في أسواق متجاورة، لكلٍّ منها منطقها ولغتها ومعاييرها. لا أحد يسمع الآخر حقاً، لأن كل واحد يتكلّم داخل نظام صدى يعيد إليه صوته مضخَّماً.

تفقد المفاهيم الكبرى معناها التداولي. الحرية، العدالة، الحقيقة، الديمقراطية، كلها كلمات تُستعمل بكثافة، لكنها نادراً ما تُفهم بنفس الطريقة. وكما لاحظ جورج أورويل، فإن «أخطر ما يمكن أن يصيب اللغة هو أن تتحوّل إلى أداة لإخفاء الفكر لا للتعبير عنه». حين تُستعمل الكلمات لتعبئة المشاعر لا لتوضيح المعاني، يصبح الحوار مستحيلاً، لأن المتحاورين لا يتنازعون حول نفس الأشياء.

تزداد الأزمة تعقيداً حين يدخل عامل الهوية على خط النقاش. فبدل أن يكون الرأي موقفاً قابلاً للنقد، يصير امتداداً للذات، وأي اعتراض عليه يُستقبل كاعتداء وجودي. في هذه اللحظة، تنهار المسافة التي تجعل النقاش ممكناً، تلك المسافة التي تسمح لي أن أقول «قد أكون مخطئاً». وقد عبّر كارل بوبر عن جوهر العقلانية بقوله إننا لا نبحث عن إثبات أننا على حق، بل عن اكتشاف أين نكون على خطأ. لكن هذه الروح النقدية تفترض ذاتاً قادرة على الانفصال عن آرائها، وهو ما تآكل في زمن تتماهى فيه الهوية مع الموقف.

لا يمكن فهم استحالة الحوار اليوم دون ربطها بتحوّل الذات الحديثة نفسها. فالذات التي كانت في مشروع الأنوار ذاتاً نقدية، قابلة للمراجعة، صارت اليوم ذاتاً تعبيرية، تسعى إلى تأكيد نفسها عبر الكلام لا إلى اختبار صدقه. كما أشار إلى  شارل تايلور، نحن نعيش في عصر «أخلاق الأصالة»، حيث يُقاس القول بمدى تعبيره عن الذات لا بمدى مطابقته للواقع. ضمن ترتيب كهذا، يصبح كل حوار صراعاً بين ذوات تطلب الاعتراف، لا بين عقول تطلب الحقيقة.

يتحوّل النقاش العمومي بذلك إلى مسرح للعواطف الجريحة، لا إلى مختبر للأفكار. ويكفي أن تُمسّ هوية ما حتى ينفجر الخطاب في شكل اتهامات وشيطنة وتخوين. لا أحد يصغي، لأن الإصغاء يفترض استعداداً للتغيّر، وهذا ما يتعارض مع منطق الهوية الذي يقوم على الثبات. هنا يفقد العقل العمومي وظيفته التوفيقية، ويغدو مجرد حقل ألغام رمزية.

ثمّة أيضاً بعد تقني لا يمكن إغفاله. فالوسائط الرقمية لم تغيّر فقط سرعة التواصل، بل غيّرت بنيته. النصوص القصيرة والصور والمقاطع السريعة، كلها تفرض نمطاً من الإدراك يقوم على الومضة لا على الحجاج. وقد حذّر نيتشه منذ القرن التاسع عشر من أن «الأدوات التي نكتب بها تشارك في تشكيل أفكارنا». فإذا كانت أدواتنا اليوم مصمّمة للاختصار والانتباه السريع، فإن أفكارنا نفسها تصبح مجتزأة، غير قادرة على بناء مسارات استدلالية طويلة. كيف يمكن لحوار فلسفي أن ينشأ في فضاء لا يصبر على جملة مركّبة؟.

تتجسّد أزمة العقل العمومي أيضاً في انهيار الثقة. فالحوار لا يقوم فقط على تبادل الأقوال، بل على افتراض حسن النية. حين يتكلم الآخر، أفترض أنه يسعى مثلي إلى شيء من الصواب. لكن في زمن الاستقطاب، يُفترض في الآخر مسبقاً أنه خادع ومتواطئ أو أيديولوجي. في ضوء ذلك، يصبح كل قول مشبوهاً قبل أن يُفهم. وكما كتب بول ريكور، «الريبة حين تتحوّل إلى موقف دائم، تقتل إمكان المعنى».

هذا المناخ من الشك الشامل يحوّل الحوار إلى معركة تأويل. لا نناقش ما قيل، بل ما نعتقد أنه قُصد. لا نرد على الحجة، بل على النية المفترضة وراءها. وهكذا تُستبدل السجالات الفكرية بمحاكمات أخلاقية. وضمن وضع كهذا، لا يعود الخطأ مسألة معرفية، بل خطيئة سياسية أو أخلاقية، ما يجعل التراجع مستحيلاً، لأن الاعتراف بالخطأ يعني فقدان المكانة داخل الجماعة.

العقل العمومي في جوهره، كان وعداً بأن الحقيقة يمكن أن تكون نتيجة لتفاعل الذوات لا لسلطة مفروضة. هذا الوعد يتآكل اليوم لأن شروطه الرمزية والمؤسساتية تآكلت. لم يعد هناك وقت كافٍ للتفكير، ولا ثقة كافية بالآخر، ولا لغة مشتركة بما يكفي. ما بقي هو ضجيج دائم، يملأ الفراغ الذي تركه المعنى.

ومع ذلك، فإن تشخيص الأزمة لا يعني التسليم بها. فكما يقول غرامشي، «تشاؤم العقل يجب أن يقترن بتفاؤل الإرادة». إدراك أن الحوار صار مستحيلاً في صورته الراهنة هو الخطوة الأولى نحو التفكير في شروط إمكانه من جديد. لكن هذا يقتضي أولاً أن نعترف بأن العقل العمومي ليس معطى طبيعياً، بل بناء هشّ يحتاج إلى رعاية لغوية تربوية ومؤسساتية. بدون ذلك، سيظل الكلام يتكاثر فيما المعنى يتضاءل، وسيبقى كل واحد يتكلم لا مع الآخرين بل ضدهم.

يمتدّ هذا التفكك في العقل العمومي إلى مستويات أعمق من مجرد ضعف التواصل، ليطال البنية الأخلاقية التي تجعل الخطاب ممكناً من حيث هو تعاقد ضمني على الاعتراف المتبادل. فكما نبّه إيمانويل ليفيناس، فإن العلاقة مع الآخر ليست علاقة معرفة فقط بل علاقة مسؤولية، وحين يُختزل الآخر في صورة نمطية أو في تمثيل أيديولوجي، يُلغى بوصفه ذاتاً ويُستبدل بوظيفة في خطاب صراعي. في هذه الحالة لا يعود الحوار لقاءً بين وجوه، بل احتكاكاً بين أقنعة، كل واحد منها مصمم لردّ الضربات لا لتلقي المعنى.

يشتغل هذا التحوّل على مستوى اللغة نفسها، إذ تصبح الكلمات حوامل لمواقف جاهزة بدل أن تكون وسائط لاستكشاف المعنى. حين أقول «حرية» أو «هوية» أو «تقدّم»، لا أفتح أفقاً للتداول بل أطلق إشارة انتماء. وهنا يتحقق ما كان ميشيل فوكو يسميه «أنظمة الخطاب»، حيث لا يُقاس القول بصدقه بل بموقعه داخل شبكة من القوى. العقل العمومي في هذه الحالة لا يُدار بالحجج بل بالاستقطابات، ولا يُنتج معرفة بل يعيد إنتاج مواقع سلطوية في شكل رمزي.

وإذا كان كانط قد ربط العقل العمومي بالقدرة على التفكير من موقع الآخر، فإن هذه القدرة نفسها تبدو اليوم معطوبة. التفكير من موقع الآخر يفترض خيالاً أخلاقياً يسمح لي بتعليق مركزيتي، لكن هذا الخيال يتآكل في بيئة رقمية تشجّع على التمركز حول الذات. كل واحد محاط بصورته وبآرائه وبتفاعلات تؤكد ما يعتقده، فلا يعود مضطراً لعبور المسافة التي تفصل بينه وبين المختلف. وبدون هذه المسافة لا يوجد حوار بل تكرار.

تُفاقم الثقافة السياسية المعاصرة هذا الوضع حين تحوّل كل نقاش إلى ساحة استقطاب. فبدل أن تكون السياسة مجالاً لتدبير الاختلاف، صارت مجالاً لتضخيمه. كما لاحظ كلود لوفور، الديمقراطية تقوم على فراغ في مركز السلطة، أي على غياب حقيقة نهائية تُفرض على الجميع، لكن هذا الفراغ صار اليوم يُملأ بهويات صلبة تدّعي امتلاك الحقيقة، فتغلق أفق النقاش باسم اليقين. وهكذا يتحوّل العقل العمومي من فضاء مفتوح إلى ميدان مغلق تُرسم فيه الحدود بين «نحن» و«هم».

تلعب العاطفة دوراً مركزياً في توجيه الخطاب. ليس لأن العاطفة نقيض العقل، بل لأنها صارت بديلاً عنه. تُستثمر المخاوف والإهانات ومشاعر الظلم لتعبئة الجماعات، فتغدو الحجج زوائد غير ضرورية. وقد أدرك سبينوزا منذ قرون أن الإنسان يُقاد بعواطفه أكثر مما يُقاد بعقله، لكن مشروع التنوير كان محاولة لبناء مؤسسات تخفف من هذا القيد. اليوم تُهدم هذه المؤسسات الرمزية، وتُترك العواطف لتدير الفضاء العمومي مباشرة بلا وساطة.

تظهر هنا مفارقة عميقة: كلما تضاعفت وسائل التعبير، تقلّصت إمكانات الفهم. ليس لأن الناس صاروا أقل ذكاءً، بل لأن شروط الانتباه والتفكير المشترك تدهورت. وكما كتبت حنة أرندت، التفكير يحتاج إلى عزلة مؤقتة وإلى توقف عن الضجيج، لكن ثقافة الاتصال الدائم لا تتيح هذه العزلة. نحن نتكلم باستمرار، لكننا نفكّر أقل، ومن لا يفكّر لا يمكنه أن يحاور.

ومع تراجع التفكير، يتراجع أيضاً الإحساس بالزمن. الحوار يفترض صبراً وتراكم حجج، وإمكانية للعودة والتصحيح. لكن الزمن الرقمي زمن لحظي، يقيس القيمة بالسرعة لا بالعمق. في هذا الزمن، يبدو من يتأنّى ضعيفاً ومن يتردد مهزوماً. حيث هنا تُكافأ القطيعة لا المراجعة، وتُستبدل الاستدلالات الطويلة بعبارات حاسمة قصيرة، وتُغلق النقاش بدل أن تفتحه.

إن استحالة الحوار اليوم ليست إذن فشلاً أخلاقياً فردياً بقدر ما هي أزمة بنيوية في نمط إنتاج المعنى. فالعقل العمومي لا يعيش في الفراغ، بل داخل منظومات تعليمية إعلامية وتقنية. حين تُربّى الأجيال على الامتحان لا على السؤال، وعلى الرأي لا على الحجة، فإنها تدخل الفضاء العمومي وهي تفتقر إلى أدوات الحوار. وكما قال سقراط، الحياة التي لا تُفحص لا تستحق أن تُعاش، لكن ثقافة اليوم تدرّب الناس على الاستهلاك لا على الفحص.

ولا يمكن استعادة إمكان الحوار دون استعادة قيمة التفلسف بالمعنى الواسع، أي بوصفه ممارسة للشك المنهجي، وللسؤال الذي لا يطمئن إلى أول جواب. التفلسف ليس ترفاً أكاديمياً، بل شرطاً لوجود عقل عمومي حي. حين يسأل المواطن لا كخبير بل كذات راغبة في الفهم، يُعاد فتح أفق التداول. لكن هذا يتطلب شجاعة الاعتراف بالجهل، وهي فضيلة نادرة في زمن تُكافأ فيه اليقينيات الجاهزة.

ثمّة بعد آخر لا يقل أهمية وهو البعد السردي. فالمجتمعات لا تتحاور فقط عبر الحجج، بل عبر القصص التي ترويها عن نفسها. حين تتفكك هذه السرديات المشتركة، يصير كل فرد حاملاً لرواية لا يجد من يشاركها. وكما أشار بول ريكور، الهوية السردية هي ما يجعل الذوات قادرة على أن ترى نفسها في حكاية أوسع. بدون هذه الحكاية، يتحول النقاش إلى تنازع بين ذاكرات متنافرة.

إن أزمة العقل العمومي هي في العمق أزمة معنى. ما الذي يعني أن نعيش معاً؟ ما الذي يجعلنا شركاء في عالم واحد؟ هذه الأسئلة لا تُطرح اليوم، لأن الضجيج يغطي عليها. لكن بدونها لا يمكن لأي حوار أن يتأسس. الحوار ليس تبادلاً للمعلومات، بل محاولة لبناء عالم مشترك بالكلمات. وحين تفقد الكلمات قدرتها على البناء، يتحول العالم إلى شظايا.

ومع ذلك، لا ينبغي السقوط في نوستالجيا مثالية عن زمن كان فيه الحوار نقياً. لم يكن كذلك أبداً. الصراع جزء من السياسة، واللغة كانت دائماً ساحة قوة. الجديد اليوم هو أن هذا الصراع فقد وسائطه العقلانية. لم نعد نختلف داخل أطر مشتركة بل خارجها. وهذا ما يجعل كل خلاف يبدو وجودياً.

استعادة إمكان الحوار تقتضي إعادة بناء هذه الأطر، لا فرض توافقات مصطنعة. تقتضي تعليم الحجاج، وإحياء الفضاءات التي تسمح بالكلام الطويل وبالخطأ وبالتراجع. تقتضي أيضاً مقاومة منطق الخوارزمية الذي يحوّل كل شيء إلى محتوى، وكل رأي إلى سلعة. فكما قال أدورنو، حين تُستعمر الثقافة بمنطق السوق، يفقد العقل قدرته على السلب، أي على قول «لا» لما هو قائم.

إن العقل العمومي ليس كياناً مجرداً بل ممارسة يومية. هو يتكوّن حين يختار الناس أن يصغوا بدل أن يصرخوا، أن يسألوا بدل أن يتهموا، أن يفكروا بدل أن يكرروا. قد يبدو هذا مثالياً، لكنه في الحقيقة واقعي أكثر من وهم التواصل الذي نعيشه. فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات، بل إلى مزيد من المعنى.

إن استحالة الحوار ليست قدراً بل نتيجة. نتيجة تاريخ طويل من تآكل المؤسسات الرمزية ومن تسليع اللغة ومن تحويل السياسة إلى هوية، ومن اختزال الذات في صورتها. إدراك هذا المسار هو الخطوة الأولى نحو قطعه. فكما كان يقول فالتر بنيامين، كل وثيقة حضارة هي في الوقت نفسه وثيقة بربرية، وكذلك كل أزمة تحمل في طياتها إمكان تجاوزها.

هذا التأمل ليست دعوة إلى توافق ساذج، بل إلى شجاعة الاختلاف العقلاني. أن نختلف لا بوصفنا أعداء، بل بوصفنا شركاء في عالم لم يُحسم بعد. أن نستعيد الثقة في اللغة بوصفها بيت الوجود كما قال هايدغر، لا بوصفها سلاحاً. أن نعيد للعقل العمومي معناه بوصفه أفقاً مفتوحاً للتبرير، لا ساحة مغلقة للتعبئة. عندها فقط يمكن أن يعود الحوار ممكناً لا لأنه سهل، بل لأنه ضروري.

***

د. حمزة مولخنيف

يُعدّ الحديث عن الثقافة الجنسية في المجتمعات الإنسانية من أكثر الموضوعات حساسية وتعقيدًا، نظرًا لتداخله العميق مع البُنى القيمية والدينية والاجتماعية والنفسية، فضلًا عن ارتباطه المباشر بتشكيل السلوك الفردي واستقرار الأسرة وتماسك المجتمع، الأمر الذي يجعل أي تناول غير منضبط منهجيًا عرضة للانزلاق نحو التشويه بدل التصحيح. نعم، إنّ الإشكالية لا تكمن في أصل هذا الحديث، إذ إنّ الإنسان منذ أقدم العصور لم ينفكّ يتساءل عن جسده وغرائزه وعلاقته بالآخر، وإنما تكمن في طبيعة الخطاب المُنتِج لهذه الثقافة، وفي المرجعية التي تستمدّ منها معاييرها وضوابطها، وفي النسق المعرفي الذي يُؤطرها ويضبط اتجاهها.

ومن هنا برز في العصر الحديث ما يمكن تسميته بالتطرف الأخلاقي في الثقافة الجنسية، وهو تطرف لا يعني بالضرورة الانحلال المطلق فحسب، بل يشمل أيضًا الانزياح الحاد عن الفطرة الإنسانية المتوازنة، سواء باتجاه الإفراط أو التشويه أو العنف أو الوهم، الأمر الذي يقودنا إلى واقع اجتماعي مضطرب أفرز أجيالًا تعيش حيرة وزيغًا عميقًا في فهم العلاقة بين الرجل والمرأة، وبين الجسد والروح، وبين الرغبة والمسؤولية.

 وإذا ما حاولنا قراءة هذا الواقع قراءة تحليلية، نجد أنّ هذا التطرف تغذّيه خطابات متباينة، من بينها خطابات المجترئين، وخطابات بعض المتشككين والمشككين، بل وقراءات المجتزئين الذين يتعاملون مع الظاهرة بمعزل عن سياقها القيمي والإنساني.

وعلى خلاف ما يروّجه بعض الخطابات المعاصرة التي تحاول تصوير الدين، وبخاصة الإسلام، بوصفه منظومة كابحة أو صامتة تجاه المسائل الجنسية، فإنّ القراءة العلمية المتأنية للتراث الإسلامي تكشف بجلاء أنّ الإسلام لم يُهمل هذا الجانب، ولم يتعامل معه بوصفه مجالًا مسكوتًا عنه أو منطقة محرّمة، بل أولاه اهتمامًا عظيمًا، ووضع له أسسًا وقواعد ومبادئ دقيقة، تراعي طبيعة الإنسان، وتحفظ كرامته، وتوازن بين حاجاته الغريزية وقيمه الأخلاقية، ضمن نسقية معرفية متكاملة.

فالقرآن الكريم تناول العلاقة بين الذكر والأنثى بواقعية أخلاقية عالية، مستخدمًا لغة تجمع بين الحياء والوضوح، كما في قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾، وهي آية كثيرًا ما استشهد بها الفقهاء لإثبات مشروعية العلاقة الزوجية وإباحتها ضمن إطارها الشرعي، مع مراعاة المقاصد والآداب. كما أن السنة النبوية زاخرة بالأحاديث التي تنظّم هذا الجانب، سواء من حيث الحقوق المتبادلة، أو آداب المعاشرة، أو التحذير من الإضرار الجسدي أو النفسي، حتى إن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يتردد في الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالحيض والجماع والاحتلام، بل جعل من البيان في هذه المسائل جزءًا من التعليم الديني العام، مما يدل على وعيٍ عميق بخطورة الجهل في هذا الباب.

وقد أدرك علماء الإسلام قديمًا وحديثًا أنّ الثقافة الجنسية ليست ترفًا معرفيًا، بل ضرورة تربوية وأخلاقية، ولذلك أفردوا لها أبوابًا مستقلة في مصنفاتهم الفقهية، فكانت كتب الطهارة تعالج مسائل البلوغ والاحتلام وأحكام الجنابة، وكانت كتب النكاح وفقه الأسرة تتناول تفاصيل العلاقة الزوجية، وحقوق كل طرف، وحدود المباح والممنوع. ولم يترك هؤلاء العلماء مسألة إلا وأشاروا إليها، بل نجد في بعض كتب الفقه إشارات دقيقة إلى مراعاة الفروق النفسية بين الزوجين، وإلى ضرورة الرفق بالمرأة، وإلى أن العلاقة الحميمية ليست مجرد إشباع غريزي، بل ميثاق سكن ومودة ورحمة، كما عبّر القرآن الكريم.

ولم يكن هذا الاهتمام مقتصرًا على الفقهاء وحدهم، بل شارك فيه الأطباء المسلمون والفلاسفة وعلماء النفس الأوائل، مثل ابن سينا وابن القيم، الذين ربطوا بين الصحة الجسدية والتوازن الجنسي والاستقرار النفسي، وهو ما يكشف عن رؤية شمولية متقدمة قياسًا بسياقهم التاريخي، قائمة على فهم الإنسان بوصفه وحدة متكاملة لا مجرد جسد منفصل عن روحه.غير أنّ هاتيك المنظومة المتكاملة بدأت تتعرض لتآكلٍ تدريجي مع التحولات الكبرى التي شهدها العالم في العصر الحالي، حيث فرضت التكنولوجيا الرقمية والخوارزميات واقعًا جديدًا أعاد تشكيل أنماط المعرفة والسلوك.

وإذا ما انتقلنا إلى تحليل هذا التحول، نجد أنّ الانتقال من المجتمعات التقليدية إلى المجتمعات الرقمية أدى إلى تفكيك كثير من الأطر الضابطة للوعي، وأصبحت الثقافة الجنسية تُنتَج اليوم في الغالب عبر منصات رقمية لا تخضع لمنطق القيم بقدر ما تخضع لمنطق السوق والربح وجذب الانتباه. وتشير دراسات حديثة في علم الاجتماع الرقمي إلى أنّ خوارزميات المنصات الكبرى تعمل على تضخيم المحتوى المثير للغرائز، لأنّه يحقق معدلات تفاعل أعلى، مجرد أن يظهر الشاب أو الفتاة ما اهتمامًا عابرًا بموضوعٍ ما حتى يُغرق في سيلٍ متتابع من الفيديوهات والصور والإعلانات ذات الطابع الجنسي، دون أي سياق تربوي أو أخلاقي، ودون المرور عبر غرابيل النقد والتمحيص.

وتكمن خطورة هذا الواقع في أنّه لا يقدّم ثقافة جنسية واقعية أو علمية، بل يصنع نموذجًا زائفًا ومشوّهًا للعلاقة الحميمية، قائمًا على الأداء الاستعراضي، والمقارنات غير الواقعية، وتسليع الجسد، وتحويل العلاقة الحميمية إلى مشهد استهلاكي. وتشير إحصاءات منشورة في تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أنّ متوسط العمر الذي يتعرض فيه المراهقون لمحتوى إباحي صريح أصبح أقل من 13 عامًا في كثير من الدول، وأنّ هذا التعرض المبكر يرتبط بارتفاع معدلات القلق الجنسي، واضطرابات الصورة الجسدية، وتدنّي الرضا عن العلاقات الواقعية.

كما أظهرت دراسات نفسية أنّ الاستهلاك المكثف للمحتوى الإباحي يؤدي إلى إعادة تشكيل التوقعات الجنسية لدى شبيبة المجتمعات، بحيث يصبح الواقع الطبيعي مخيبًا للآمال مقارنة بالصور المصطنعة التي تعرضها الشاشات. وفي هذا السياق، تُروَّج تصورات مغلوطة عن العلاقة الحميمية، وعن الأعضاء التناسلية، وعن التوقيت المثالي والأداء النموذجي، وكأنّ العلاقة الزوجية اختبار تقني يجب اجتيازه بنجاح، لا تجربة إنسانية تقوم على التفاعل العاطفي والانسجام الروحي والنفسي.

ويُضاف إلى ذلك سيل الإعلانات التي تروّج لعقاقير ومنشطات جنسية غير مصرح بها طبيًا، والتي يُقبل عليها بعض الشباب بدافع القلق أو المقارنة أو الخوف من الفشل، ناهِيك عن المخدرات التي تُسوّق بوصفها وسائل لتعزيز المتعة، رغم ما تحمله من أضرار جسيمة، وهو ما يحوّل الشاب من إنسان يسعى إلى بناء علاقة سوية إلى مستهلك قلق يطارد وهمًا صُنع له بعناية عبر الخوارزميات.

ولا تقف آثار هذا التشويه عند حدود الرجل وحده، بل تمتد بعمق إلى المرأة، إذ تُفتح أعين الفتيات قبل الزواج على صورة خيالية لشريك الحياة، صورة مصنوعة وفق معايير لا تمثل الإنسان الطبيعي، بل تمثل نموذجًا تجاريًا معدًّا للتسويق. وحين تصطدم هذه الفتاة بالواقع، يبدوا لها الزوج أنه ضعيف فقير مخيب لآمالها، وليس هذا خلل فيه، بل لأنّ التوقعات بُنيت على أساس وهمي. حيث تشير دراسات أسرية حديثة إلى أنّ فجوة التوقعات تُعدّ من العوامل المؤثرة في ارتفاع نسب الطلاق في السنوات الأولى من الزواج.

ومع تراكم هذه الصور المشوهة، قد تلجأ بعض النساء إلى البحث عن إشباع بديل، سواء عبر المقارنات المستمرة، أو التعلّق العاطفي خارج إطار الزواج، أو متابعة المحتوى الإباحي بدافع الفضول أو التعويض، وهو ما يخلق دائرة مغلقة من الاغتراب عن الذات وعن الفطرة السليمة. وقد بيّنت أبحاث في علم النفس الأسري أيضا أنّ هذا النمط من السلوك لا يؤدي إلى الإشباع الحقيقي، بل يزيد من الشعور بالوحدة والفراغ.

ومن أخطر ما يفرزه هذا الواقع الرقمي المشوّه هو تطبيع العنف الجسدي في العلاقة الحميمية، إذ يتعلم بعض الشباب أنماطًا قسرية من السلوك، ويُسقِطونها على الواقع عند الزواج دون إدراك منهم للفارق بين التمثيل والاستغلال، مما يعمّق الأزمة بدل حلها. وإذا نظرنا إلى هذه الظواهر مجتمعة، أدركنا أنّ ما نعيشه اليوم ليس تحررًا جنسيًا بالمعنى الإنساني، بل تطرفًا أخلاقيًا يُخرج الإنسان عن فطرته، ويحوّل الجسد إلى ساحة صراع بين الرغبة والقلق، وبين الصورة والواقع.

وهذا التطرف لا يعالج بإلغاء الحديث عن الجنس، ولا بإطلاقه بلا ضوابط، بل بإعادة بناء ثقافة جنسية متوازنة، تقوم على نهج علمي وأخلاقية رشيدة. فالإسلام حين نظّم هذا الباب لم يفعل ذلك بدافع القمع، بل بدافع الحماية، حماية الإنسان من أن يُختزل في جسده أو تُستباح إنسانيته باسم اللذة. وحري بنا اليوم أن نستعيد الخطاب القائم على العلم الرصين في هذا المجال، خطابًا قائمًا على النقد الواعي، يواجه الخوارزميات بالمعرفة، ويعيد بناء الوعي الجمعي بعيدًا عن أوهام السوق وخطابات المتأولين من المجدفين والمجترئين، وكذلك بعيدًا عن تشدد بعض المتأسلمين.

وصفوة القول، إنّ أزمة الثقافة الجنسية المعاصرة ليست أزمة نقص معلومات، بل أزمة تشويه مرجعية، حيث انتقلت سلطة التشكيل من العلماء والمربين إلى الخوارزميات والشركات، ومن القيم إلى السوق. ولا يمكن مواجهة هذا الواقع إلا بإحياء التراث العلمي الإسلامي بروح معاصرة، وبإنتاج خطاب أكاديمي نقدي يعيد الإنسان إلى توازنه، لا بوصفه سلعة في سوق الإثارة، ولا ضحية في عالمٍ بلا وجهة أخلاقية.

***

بقلم: د. بدر الفيومي

 

أي أقدار مرة هذه التي تحملنا علي استعارة ذواتنا من متاحف الغرباء؟ وأية مهانة معرفية تجعلنا نقتفي أثر هويتنا في مرايا الآخرين؟!

إنها أقدار عجيبة غريبة.. أن نجد ذواتنا مطمورة تحت ركام ذاكرة الآخرين؟! وأن نستعيد هويتنا الحضارية من خلال عيون الغرباء!

المستشرق الفرنسي "لويس ماسينيون" يعود إلينا من الماضي، محملاً برسالة استشراقية مزدوجة الوجه، تعكس تلك الازدواجية العميقة التي طبعت كيانه: بين انجذاب روحي صوفي إلى التراث الإسلامي، وولاء كولونيالي استعماري لا يتزعزع لبلاده.

يعود في هذا السفر المعرفي "مهمة في بلاد الرافدين"، الذي نقله إلى العربية بمنهجية دقيقة المترجم نزار هليل، نجدنا إزاء ظاهرة فكرية تستحق التأمل العميق: إنه المستشرق الذي يبحث عنا، ويغوص في أعماقنا، أكثر مما نبحث نحن عن أنفسنا! إنها مفارقة وجودية تطرح سؤالاً جوهرياً يخترق الأعماق: لماذا نستعير ذاكرتنا الجماعية من سجلات الآخر ومحفوظاته؟

لقد كان ماسينيون - بحق - عالماً موسوعياً نادر المثال، جمع بين عمق المؤرخ المدقق ودهشة الرحالة المغامر وحساسية الصوفي المتأمل. لكنه مع ذلك، ظل أسيراً لإشكالية الاستشراق الجوهرية، وهي النظرة الاستعلائية التي تتعامل مع تراثنا الحضاري وكأنه موضوع للدراسة والتحليل، لا كـ "ذات" حية تنبض بالحكمة والتاريخ والإرث الإنساني العميق.

يذهب البعض إلى أن هذا الكتاب يكشف عن المهمة العلمية والثقافية التي قام بها ماسينيون في العراق. أما أنا فأقول: إن كل مستشرق يحمل في حقائبه مهمتين متمايزتين، واحدة ظاهرة للعيان، وأخرى خفية في اللاشعور الجمعي للغرب. فالمهمة الظاهرة هي البحث والتنقيب والجمع، أما المهمة الخفية فهي إعادة تشكيل صورة الشرق وفق رؤية غربية، حتى عندما تبدو هذه الرؤية متعاطفة ومحبة!

الخرائط التي تحدث عنها ماسينيون، والنقوش التي فك طلاسمها، والسطور التي حللها وفسرها، كلها تحمل في طياتها إشكالية التمثيل الثقافي. فالشرق الذي يرسمه هذا المستشرق، حتى في أصدق لحظاته وأكثرها تعاطفاً، هو شرق متخيل، معاد تركيبه في مختبر العقل الأوروبي ومنظوره الحضاري.

وهنا أصل إلى لب الإشكال الخطير العميق، لماذا نقبل نحن العرب أن تكون ذاكرتنا منسية مدفونة في رمال التاريخ، حتى يأتي من ينقب ويفتش عنها ويكتشفها؟ لماذا نرضى بأن نكون مجرد موضوعاً للدراسة والتحليل، لا فاعلين أصليين في إنتاج المعرفة بأنفسنا ولأنفسنا؟ وترجمة مثل هذه الأعمال، على أهميتها المعرفية البالغة، تظل خطوة في اتجاه واحد. فالأهم من ذلك كله أن ننتج نحن قراءتنا الخاصة لتراثنا، أن نكتب تاريخنا بأيدينا وأقلامنا، أن نستعيد الذاكرة الحضارية من أقبية الاستشراق وأروقة المتاحف الغربية.

العراق العظيم، بلاد الرافدين، مهد الحضارة والإبداع الإنساني، يستحق أكثر من أن يكون مجرد "موضوعاً" لمهمة علمية أجنبية. إنه ذات حاضرة، تنبض تحت الرماد، تنتظر من أبنائها أن ينهضوا ويقرأوا تراثهم قراءةً وجودية أصيلة، لا استهلاكية مستوردة.

لقد قدم لويس ماسينيون عملاً أكاديمياً رصيناً، بلا أدنى شك. لكن الحقيقة التي لا بد أن نعيها تمام الوعي والإدراك، أن كل قراءة للتراث هي في النهاية إعادة إنتاج له. والخطر كل الخطر أن نستمر في استهلاك صورة أنفسنا كما ينتجها ويرسمها غيرنا. فإلى متى نظل نستعير هويتنا من عيون الآخرين؟ وإلى متى تبقى ذاكرتنا رهينة مهمات المستشرقين، وإن كانت مغلفة بإعجابهم وحبهم الظاهري لتراثنا؟

بالتأكيد إن طريقنا إلى الذات الحقيقية يبدأ عندما نكف عن كوننا هوامش على نصوص الآخرين، عندما نتحول من موضوع للدراسة إلى فاعلين في المعرفة والإبداع. وإذا أردنا أن نعمق النظر، فلنسأل: أي عراق كان يبحث عنه ماسينيون؟ وأي عراق نبحث عنه نحن اليوم؟

كان ماسينيون - في حقيقته العميقة - يبحث عن العراق الصوفي الذي يتوافق مع رؤيته الخاصة للتراث الإسلامي. العراق الحامل لسر الغربة والانتماء، العراق الذي يتجاوز الجغرافيا إلى الميتافيزيقا. لكن هذه الرؤية، على جمالها الأخاذ، تظل قاصرة عن إدراك كينونة العراق الحضارية الشاملة المتكاملة.

فالمستشرقون الكبار مثل ماسينيون، غالباً ما يأتون إلى تراثنا محملين بإشكالياتهم وقضاياهم الغربية الخاصة. فهم يدرسون ويبحثون تراثنا من خلال مرايا فلسفتهم، ويحملون أسئلة قد لا تكون أسئلتنا. وإن بدت إجاباتهم عميقة، فإنها تظل إجابات عن أسئلتهم هم، لا عن أسئلتنا نحن! والأخطر من ذلك، أننا نتلقى هذه الإجابات وكأنها حقائق مطلقة، فنصبح تلامذة في مدرسة الغرب نتعلم عن أنفسنا! أليس هذا ضرباً من الاستلاب المعرفي والثقافي؟

وفي هذا السياق، يذهب البعض إلى أن الترجمة جسر مهم وضروي بين الحضارات. أما أنا فأقول: نعم، لكن بشرط أن لا نبقى واقفين على الجسر! لأن الترجمة يجب أن تكون محفزاً للإبداع الذاتي، لا بديلاً عنه. كم من مترجم نقل إلينا كنوز الغرب، فأنسانا كنوزنا نحن!

بالتالي فإن تحقيق المترجم نزار هليل لهذا العمل - وهو جهد مشكور دون أدنى ريب - يظل خطوة في طريق طويل. فالمطلوب ليس مجرد نقل النصوص، بل تفكيكها وإعادة تركيبها في وعينا الجمعي. وبلاد الرافدين، بكل طبقاتها الحضارية المتعاقبة، تشبه نهراً جارياً يحمل في تياراته أسرار الأمس وأحلام الغد. لكننا للأسف نقف على شاطئ النهر ننتظر من يأتينا بعبارة لنجتازه!

لقد آن الأوان أن نصنع سفننا المعرفية الخاصة، أن نغوص في أعماق هذا النهر بأنفسنا، أن نستعيد ثقتنا بقدرتنا على فهم تراثنا دون وساطة.

ولا أريد أن أظلم ماسينيون، فهو دون شك من المستشرقين القلائل الذين حاولوا فهم روح الحضارة الإسلامية من داخلها. لكن تظل هناك هوة شاسعة بين الفهم من الخارج، والإحساس من الداخل. الفرق بين دراستنا لتراثنا ودراسة المستشرقين له، كالفرق بين من يدرس المحبة بكتب العلم، ومن يعيشها بكل كيانه ووجوده!

فليكن هذا الكتاب مناسبة لنهضة معرفية جديدة، لا نكرر فيها أخطاء الماضي. لنقرأ المستشرقين، ولكن بعين ناقدة. لنأخذ منهم ما يفيد، ولكن لننسج على منوالهم رؤيتنا الخاصة. إن ذاكرة العراق المدفونة لن يستخرجها إلا أبناء العراق أنفسهم، بحفرهم المعرفي الصادق، وبعزمهم الأكيد على استعادة هويتهم من براثن النسيان والاستلاب.

العراق ليس مجرد أرض، العراق فكرة متجددة. وبلاد الرافدين ليست آثاراً وتراثا، هي روح حية تنتظر من يوقظها من سباتها العميق.

***

د. عبد السلام فاروق

 

عرفت بأنها أكبر عملية إحياء لغة ميتة في التاريخ. ويرجع الفضل في ذلك لجهود (اليعازر بن يهودا)، الذي يعتبر رائد حركة إحياء اللغة العبرية الحديثة. تأثر اليعازر بن يهودا بالحركة التنويرية اليهودية، والافكار الاشتراكية والقومية التي كانت سائدة في أوروبا حينها. حملت تلك الافكار مفاهيم غلب على بعضها العصبية القومية مثل (الشعب العضوي)، الذي لا يمكن أن يتحقق إلا في أرض خاصة به، وهوية وثقافة مستقلة تجمعه، وينبذ كل من غير ذلك. نشر بن يهودا أولى مقالاته باللغة العبرية في عام 1879، طارحا فكرة العودة لصهيون، وإحياء اللغة العبرية القديمة. آمن بن يهودا أن إحياء اللغة العبرية وإيجاد وطن لليهود مرتبطان بشكل وثيق ببعضهما البعض؛ فتحقيق أحدهما شرط أساسي للآخر. ووجدود اليهود في دول الشتات يعني إندماجهم لغويا وثقافيا مع مجتمعاتها؛ أما هجرتهم لفلسطين فستسمح بظهور ثقافة ولغة مستقلة. إستقر بن يهودا في فلسطين عام 1881 مع زوجته، وحصل على تصريح بإستخدام اللغة العبرية في تدريس الموضوعات اليهودية. شارك بعدها في العام نفسه في تأسيس جمعية صهيونية تنشر فكرة القومية، وإحياء اللغة العبرية لغةً يومية، والادب العبري الحديث.

كرس بن يهودا عمله خلال سنوات عديدة متواصلة لإقناع المتشككين بإمكانية إعادة إحياء العبرية مرة أخرى. لكنه على الوجه الآخر لم يسلم من معارضة الطوائف اليهودية لإستخدام اللغة العبرية في غير الاغراض الدينية بإعتبارها لغة مقدسة. أدى إقتصار اللغة العبرية قديما على العبادة، وكلغة يمارسها رجال الدين وحسب إلى جعلها عاجزة عن التعبير عن جوانب الحياة الانسانية المختلفة. لذا عكف بن يهودا على تطوير اللغة العبرية القديمة بإشتقاق ألفاظ وعبارات جديدة والاستعانة باللغة العربية، وأسس جمعية اللغة العبرية عام 1889. وألزم أبناءه بالحديث باللغة العبرية؛ فكانوا أول من تحدث العبرية الحديثة كلغتهم الأم.

حث بن يهودا في عام 1919، هربرت صمويل، المندوب السامي البريطاني على إعلان العبرية إحدى اللغات الثلاث الاساسية في فلسطين. وذلك بعد إندلاع الحرب العالمية الاولى، والاحتلال البريطاني لفلسطين، وبعد ثلاث سنوات أقر الأنتداب البريطاني اللغة العبرية بإعتبارها إحدى اللغات الرسمية في البلاد.

تعد أبرز أعمال بن يهودا على الاطلاق هو المعجم العبري القديم والجديد، الذي جاء في تسعة مجلدات وأستغرقت كتابته 40 عاما من العمل. أكملت جمعية بن يهودا بعد تحولها لأكاديمية اللغة العبرية مشروعه اللغوي الكبير، فأكملت المعجم في سبعة عشر جزءاً كاملاً عام 1959.

قد يتساءل البعض عن سبب إختيار اللغة العبرية مع إن الجماعات اليهودية آنذاك كانت تتحدث أكثر من لغة منها: اليديشية و اللادينو. إلا انه من جانب، تمثل اللغة العبرية في الفكر الصهيوني قيمة من الماضي يتوجب الحفاظ عليها، لذا وقع الاختيار على هذه اللغة دون غيرها لتكون اللغة القومية المنتظرة. وعلى الجانب الآخر،كان للحركة الصهيونية منذ بدايتها أبلغ الاثر في القضاء على اليديشية، فصدرتها بإعتبارها لغة المنفى. وصار التخلص من اللغة اليديشية لليهود في دول الشتات حتميا، وتكوين الفكر العبري المعاصر القائم على أرض فلسطين متخذاً من اللغة العبرية وعاء لهذه الثقافة والتراث. فأختفت اللغة اليديشية ولم تعد تستخدم.

كرست العقيدة الصهيونية جهودها لإحياء العبرية عبر الاهتمام بالادب العبري والترجمة والبحث اللغوي، وممارستها اللغة في الحياة اليومية، بجانب التعليم والمسارح، نلاحظ أن الادب العبري هو الادب الذي إستطاع إنشاء دولة، وتعود أولى الاعمال الادبية لعام 1856 وهي رواية (محبة صهيون) للاديب اليهودي إبراهام مابو، رائد القصة العبرية، ونشرت في روسيا، كان للرواية دور محوري في شيوع الحركة الصهيونية، وتأجيج الشعور بالحنين لوطن على أرض فلسطين. تبعتها عدد من الاعمال الادبية الاخرى من روايات وقصص وأشعار كرست لخدمة الحركة الصهيونية، والتي بدورها عملت على تشجيع المفكرين والمشتغلين بالادب في الخارج على الاستقرار بفلسطين، والمساهمة في تحويل اللغة العبرية من لغة قديمة ميتة إقتصر إستخدامها على العبادة إلى لغة للادب والحوار، فأنطلقت الاعمال من خارج فلسطين قبل بدء هجرة اليهود إليها وبعدها وفقا للمخطط الصهيوني لإنشاء وطن قومي يجمع اليهود على أرض فلسطين، والذي وضعه هرتزل. وبعد إعلان قيام دولة لإسرائيل عام 1948، تطور الادب ليصبح الادب العبري المعاصر خاصة مع إنشاء المطابع والصحف والمجلات العبرية.

رسخت الشخصية الصهيونية اللغة لا الدين بإعتبارها هوية وثقافة قومية، فعملت تحت شعار (آخر يهودي وأول عبري)، وحول بن يهودا المفهوم اليهودي للخلاص بإنتظار الماشيح لتخليص الشعب اليهودي من معاناته إلى العودة لفلسطين وإستيطانها؛ فمن يلبي لها النداء هم من النخبة الذين يرفضون الشتات والانتظارالسلبي، ويجتمعون في وطن يهودي وثقافة مشتركة، فأصبحت اللغة العبرية مرادفا للهوية اليهودية تستمر بإستمرارها، لذلك تفرض إسرائيل شرط إجادة العبرية للهجرة إليها.

جدير بالذكر أنه رغم دعوات بن يهودا لليهود من أجل الهجرة لتكوين أمة يهودية على أرض فلسطين؛ إلا إنه كان على رأس الداعين لقبول بقاء اليهود في الخارج بشرط أن تجمعهم ثقافة مشتركة مع الوطن الأم. ومع أن بن يهودا عانى من المرض والجوع والاضطهاد لكنه نجح في أن يشهد نجاح مساعيه، فأصبحت اللغة العبرية اللغة القومية التي تجمع اليهود من جميع الانحاء.

***

رنا فخري جاسم

كلية اللغات/ جامعة بغداد

في المثقف اليوم