عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

فلسفة الهوية والوجدان بين الأصالة والاستهلاك

يبدو الإنسان مذعناً منذ لحظة وعيه الأولى لثنائية أزلية تحرك خطاه وتؤطر صراعاته الداخلية: أهي الرغبة في الاستمتاع أم الحاجة إلى الاستماع والتأمل؟  فمنذ أن تأمل الفلاسفة الأوائل طبيعة الوجود والفن، نظروا إلى الفنون باعتبارها انعكاساً لجوهري النفس الإنسانية؛ فالاستمتاع غريزة بنيوية تدفع الإنسان للبحث عن البهجة والارتواء، بينما الاستماع والإنصات هما مرآة الوعي وقدرة الإنسان على استيعاب العالم وترويض فوضاه. وليست هاتان الغريزتان مجرد خيارين عابرين، بل هما انعكاس لـ نزاع داخلي عميق بين لجم الغريزة والتلذذ بالحياة، وبين قيود الواقع ومسؤولياته الثقيلة.

من هنا يبرز التساؤل الوجودي الأعمق: هل هذا التشابك المعقد بين السعي للذة والإنصات لمتطلبات الوعي هو غريزة أصيلة فُطِر عليها الإنسان ليدير بها سفينة وجوده، أم أنه قدرٌ مفروض عليه يخوضه محكوماً بشقاء البحث المستمر عن المعنى؟ وحين يتجسد هذا الصراع في مرآة الفن -بين ما هو أصيل يرتقي بالروح وما هو هابط يستجيب لغرائز اللحظة-يتحول الصوت والكلمة من مجرد أداتين للترفيه، إلى ساحة معركة كبرى يتحدد فيها مصير الهوية الإنسانية بين السمو والانحسار.

ثنائية الاستمتاع والإنصات. الجذور النفسية والفسيولوجية للموسيقى والفن

حين نغوص في كنه النفس البشرية، نجد أن التفاعل مع الصوت والموسيقى ليس مجرد نشاط ترفيهي عابر، بل هو استجابة عميقة لبنية الإنسان الفسيولوجية والنفسية، تتوزع على قطبين رئيسيين. فالاستمتاع يُعد حاجة غريزية أثبتت الدراسات النفسية والعصبية أن الألحان والنغمات تحفز من خلالها مناطق الدماغ المسؤولة عن المكافأة والمتعة، مما يطلق هرمونات مثل الدوبامين لتقليل التوتر وخلق حالة من الارتواء النفسي والهروب المؤقت من ضغوط الواقع.

وفي المقابل، تمثل قدرة الإنسان على الاستماع الواعي صوته الداخلي للتأمل في المعنى وترويض فوضى الوجود، وهو ما شغل فلاسفة الفن الأوائل في بحثهم عن مدى تأثير الفنون في تهذيب الروح والنفس. من هنا، يبرز النزاع الداخلي الذي يضع الإنسان دائماً في صراع مستمر بين رغبته في بلوغ أقصى درجات اللذة الحسية وبين حاجته إلى الارتقاء بالذوق والوعي؛ فإما أن ينقاد الصوت لإشباع غرائز لحظية عابرة، أو يرتقي ليلامس أبعاداً وجودية ووجدانية أعمق.

الحدود والخطوط الحمراء. مقارنة فلسفية وثقافية بين الفن الشرقي والغربي

يتجلى الاختلاف الجذري بين الفن الشرقي والفن الغربي في طبيعة الحدود الممسوحة لكل منهما، حيث يرتكز الفن الشرقي -تاريخياً- على الرمزية والمجاز والارتباط الوثيق بالتقاليد والأخلاق العامة، محافظاً دائماً على خط رجعة يسمح للعمل الفني بالبقاء ضمن إطار الذوق العام الذي تقبله العائلة والمجتمع المحافظ، بغض النظر عن سعة الغزل أو عمق العاطفة. وفي المقابل، انطلق الفن الغربي من فلسفة الفردانية المطلقة وحرية التعبير التي تحررت تدريجياً من القيود التقليدية، مما جعل الحدود منذ نشأته الأولى قابلة للتجاوز والتوسيع، ليُعامل الجسد والرغبة كجزء طبيعي من التجربة الفنية والمجتمعية دون بال بالضرورة لردود الفعل الجمعية.

حقبة السبعينات والثمانينات. مفترق طرق بين ثورة التحرر الغربي ورصانة الشرق

مثلت فترة السبعينات والثمانينات حقبة ذهبية وفارقة في تاريخ الموسيقى العالمية والعربية على حد سواء، وتشهد بوضوح على الفارق الجذري في طريقة معالجة المضامين بين الشرق والغرب

في الغرب

 شهدت السبعينات والثمانينات انفجاراً ثقافياً وفنياً غير مسبوق، حيث تحولت الموسيقى إلى أداة صريحة للتعبير عن التحرر الفردي والجسدي؛ فظهرت أسماء وفرق غنت للرغبة بوضوح دون مواربة (مثل فرقة ABBA، ودونا سامر بأغنيتها الجريئة Love to Love You Baby في منتصف السبعينات، ومادونا في أوائل الثمانينات التي جعلت كسر المحرمات جزءاً من هويتها). ومع انطلاق قناة MTV عام 1981، أصبح البصري موازياً للصوتي، لتتحول الجرأة واستعراض الجسد إلى عنصر تسويقي تنافسي بحت.

في الشرق

عاش العالم العربي مرحلة انتقالية حساسة؛ فبينما ظل عمالقة الطرب (مثل أم كلثوم حتى رحيلها عام 1975، ومحمد عبد الوهاب، وعبد الحليم حافظ) يمثلون القمة التي تكرس الحب العذري واللغة الشعرية الرفيعة التي تخاطب وجدان العائلة، ظهر في الثمانينات جيل جديد (مثل عمرو دياب وراغب علامة) أخذت أغلبه الأغنيات نحو إيقاعات أسرع وغزل بالعيون والقد والقوام. ورغم ذلك، ظلت هذه التحولات مغلفة بالرومانسية البريئة واللمسات العاطفية التي لا تصل أبداً إلى حدود الجنس الصريح، محكومةً بسياق أخلاقي ورقابة صارمة ترفض أي خروج عن المألوف لكي تبث الأغاني في البيوت العربية دون حرج.

الواقع المعاصر.. ذوبان الهوية وسؤال هل بقي الفن الشرقي شرقياً؟

شهد العصر الحديث تحولات جذرية ومفصلية مع ثورة التكنولوجيا الرقمية، وانتشار منصات التواصل الاجتماعي، وتسارع وتيرة الإنتاج الفني؛ وهو ما أدى إلى تذويب الفوارق التقليدية بين الثقافات، ليقفز إلى الواجهة التساؤل الوجودي والجمالي الأملس: هل بقي الفن الشرقي شرقياً كما عهدناه؟

إن الإجابة الصادقة والواقعية تؤكد أن الفن الشرقي قد فقد الكثير من ملامحه الجوهرية وروحه العميقة. فلم يعد الشرق ينتج فناً نابعاً من خصوصيته الحضارية ومقاماته وشجنه الأصيل، بل تحول في أغلبه إلى قالب مستورد وهجين. ولم تعد الشرقية اليوم تعكس هوية فنية أو مضامين راقية ترتقي بالوجدان وتخاطب الروح، بل انحسرت لتصبح مجرد لهجة محلية أو إيقاع صاخب تُؤدى به تلك الأغاني الاستهلاكية الخاوية، بينما تهرأت الروح والكلمة والذوق العام تحت وطأة الاستهلاك الرقمي السريع. ويظهر هذا الجفاء بوضوح مؤلم حين نتأمل واقع الفن الشعبي في البيئتين المصرية والعراقية -اللتين عُرفتا تاريخياً بعمقهما الحضاري وإرثهما الطربي الرفيع-حيث انحرفت بعض الأنماط بصورة جذرية نحو الإسفاف، والكلمات الهابطة، وتحول الفن من رسالة سامية للارتقاء بالبشر إلى مجرد سلعة استهلاكية تلهث خلف التريند والأرباح المادية الرخيصة، مما أحدث قطيعة تامة بين إرث الماضي العريق وبين واقع السوق المعاصر.  إن هذا الانهيار الفني والذوقي لم يأتِ من فراغ، بل هو حصيلة منظومة متكاملة تضافرت فيها أطراف عدة؛ أولها سلطة خوارزميات المنصات الرقمية التي تقدّس لغة الأرقام والمشاهدات على حساب القيمة، وثانيها غياب الدور الرقابي والتوجيهي الحقيقي للمؤسسات الرسمية والنقابات الفنية في مصر والعراق والتي فتحت الباب على مصراعيه دون فلترة أو معايير حقيقية تحمي الذوق العام. ويضاف إلى ذلك انكفاء النخبة المثقفة واكتفاؤها بالتذمر الصامت بعيداً عن الاشتباك مع الشارع، فضلاً عن ضغط الحياة المعصرية وإيقاعها السريع الذي جعل المتلقي يميل نحو المحتوى الخفيف الاستهلاكي الذي لا يتطلب تأملاً أو تفكيراً.

إن الأمل يظل قائماً للاحتفاظ بما بقي من أصالة الفن الشرقي ما دامت الجذور التاريخية والروائع الفنية راسخة في الذاكرة الجمعية. وللحفاظ على ما تبقى من هذه الهوية العريقة، تبرز الحاجة الملحة إلى استراتيجيات واعية وجادة تتجسد في إحياء الأرشيف وربطه بالأجيال الجديدة عبر تقديم التراث الخالد، كالمقامات العراقية والطرب المصري الأصيل، بقوالب حديثة ومقاومة للنسيان لتبقي نافذة الجمال الحقيقي مفتوحة. كما يتطلب الأمر دعم الأصوات والمشاريع الفنية الجادة وتمكين الفنانين الشباب الذين يحملون مشروعاً حقيقياً يحترم الكلمة واللحن من الوصول والمنافسة، إلى جانب بناء الوعي النقدي والمجتمعي من خلال ترسيخ ثقافة النقد الفني الرافض للاستسفاف والابتذال باعتباره خطراً داهماً على الهوية والوجدان، وليس مجرد حرية تعبير عابرة.

***

ئاريان علي

أثناء ممارستي عملي التطوعي في متحف التاريخ الطبيعي ناتورا دوسيت (Natura Docet) في مدينة دينيكامب الهولندية، وجدت نفسي أمام سؤال يتجاوز المتحف ومقتنياته وحدوده الجغرافية: كيف يتعلم الإنسان أن يميز بين ما هو موجود واقعيا وما هو مختلق خيالياً؟ وكيف تتحول هذه القدرة البسيطة في ظاهرها إلى أساس للعلم، ثم إلى أساس للتقدم الحضاري؟

ربما كنت أبحث عن جواب لسؤال آخر أكبر: لماذا استطاعت هولندا، وهي بلد صغير المساحة والسكان والموارد الطبيعية مقارنة بكثير من دول العالم، أن تكون في مقدمة البلدان المنتجة للمعرفة والتكنولوجيا والابتكار، وأن تصبح من البيئات المهمة في تطور الذكاء الاصطناعي والعلوم الحديثة؟

شيئاً فشيئاً بدأت أرى أن الإجابة لا توجد فقط في المختبرات والجامعات والشركات التكنولوجية، وإنما تبدأ في مكان أعمق بكثير: في الطريقة التي يتعلم بها الطفل منذ سنواته الأولى كيف يرى العالم.

في ناتورا دوسيت لاحظت الفرق المدهش بين الكائنات الطبيعية الحقيقية والكائنات الخرافية التي أنتجتها المخيلة البشرية. في داخل المتحف الصغير هياكل عظمية لكائنات عاشت فعلاً على هذه الأرض، ومنها هيكل الماموث، وبيض الديناصورات، وطيور وحيوانات نادرة من مناطق مختلفة من العالم، وصولاً إلى التمساح البحري. هنا لا يحتاج العلم إلى أن يخترع الكائن؛ فالكائن نفسه، أو أثره، أو هيكله، أو حفريته، هو الذي يتكلم؛ الجماجم والعظام والأجنحة والجلود والريش والقرون والأسنان ليست مجرد أشياء ميتة محفوظة خلف الزجاج، وإنما هي وثائق صامتة لتاريخ الحياة التي تصرمت. إنها تقول للإنسان: كان هذا موجوداً، عاش هنا، وتحرك وتغذى وتكاثر ثم مات، وبقيت منه آثار تستطيع أنت أن تقرأها.

وهنا تكمن إحدى أعظم فضائل المتحف العلمي: أنه يعلمنا احترام الدليل.فالخيال يستطيع أن يصنع تنيناً، وأن يمنحه أجنحة ومخالب وناراً، لكن العلم يسأل: أين الدليل؟ هل عاش هذا الكائن بالفعل؟ أين عظامه؟ أين حفرياته؟ ما طبقته الجيولوجية؟ ما علاقته بالكائنات الأخرى؟

وهذا السؤال الصغير: أين الدليل؟ ربما كان أحد أهم الأسئلة التي صنعت الحضارة العلمية الحديثة.

لكن المفارقة الأجمل في متحف التاريخ الطبيعي ( ناتورا دوسيت) أن المكان لا يعزل الحقيقة عن الخيال، وإنما يعلم الطفل كيف يضع كل واحد منهما في موضعه الصحيح ففي الحديقة الخارجية رأيت مجسمات لكائنات أسطورية من ثقافات مختلفة: البراق الطائر، وأبو الهول، وعروس البحر، والعنقاء وغيرها، إلى جانب كائنات أسطورية أخرى من اليونان والهند والصين ومصر وبلاد الرافدين وغيرها. وفي المعرض الصيفي للكائنات الخرافية Fabelwezens توزعت كائنات أسطورية مجسمة بين الأشجار والعشب والمياه، بعضها متحرك ويصدر أصواتاً واقعية، فيتحول المكان إلى عالم ساحر يجمع بين الدهشة واللعب والمعرفة.

لكن المهم ليس أن الطفل يرى التنين أو حورية البحر، وإنما أن يعرف أنهما ينتميان إلى عالم الأسطورة، لا إلى عالم الحيوان الطبيعي.

وهذه نقطة تربوية وفلسفية بالغة الأهمية.

فالمشكلة ليست في الخيال. بالعكس، لا حضارة عظيمة بلا خيال. الإنسان الذي لا يستطيع أن يتخيل ما ليس موجوداً الآن لن يستطيع أن يبني ما سيكون موجوداً غداً. فالطائرة بدأت حلماً، والمدينة بدأت مخططاً، والروبوت بدأ فكرة، والذكاء الاصطناعي نفسه كان زمناً طويلاً أقرب إلى الخيال العلمي منه إلى الواقع.

لكن الفرق بين الخيال العلمي والخرافة هو أن الأول يعرف أنه خيال، ويسعى إلى تحويل الإمكان إلى واقع بالدليل والتجربة والهندسة، بينما الثانية قد تتحول إلى حقيقة زائفة حين يفقد الإنسان القدرة على التمييز بين ما يتخيله وما يعرفه.

خرجت من ناتورا دوسيت وأنا أشعر أن عملي التطوعي في هذا المتحف لم يكن مجرد ممارسة عملية أو مشاركة في نشاط ثقافي، بل كان فرصة نادرة للتأمل وإعادة قراءة كثير مما سبق أن درسته في فلسفة التاريخ والحضارة، وكأنني انتقلت من صفحات الكتب إلى مختبر حيّ للتاريخ الطبيعي والإنساني. فقد وجدت أمامي، في هياكل الماموث وبيض الديناصورات والطيور والحيوانات والنباتات، شواهد مادية على تاريخ الحياة، وفي الكائنات الأسطورية التي احتضنتها الحديقة رأيت الوجه الآخر للتاريخ: تاريخ المخيلة والرموز والأساطير التي صنعتها الجماعات لتفسير المجهول وبناء هوياتها وصور قوتها. وبين الحقيقة والأسطورة، وبين الأثر والخيال، أدركت من جديد أن الحضارة لا تتقدم بمجرد تراكم المعلومات، وإنما بقدرة الإنسان على التمييز والنقد والاختبار وتحويل المعرفة إلى تجربة. ثم جاء متحف كوربوس ليكمل هذا الدرس من جهة أخرى؛ فالإنسان لم يعد موضوعاً نراه من الخارج، بل أصبح عالماً ندخله ونكتشفه من الداخل، فتحولت العمارة إلى تشريح، والتشريح إلى تجربة، والتجربة إلى سؤال، والسؤال إلى معرفة. عندها بدا لي أن الصلة بين الفلسفة والهندسة والتربية والعلم ليست عرضية؛ فالفلسفة تسأل عن الغاية والمعنى، والهندسة تمنح الفكرة شكلاً قابلاً للاختبار، والتربية تبني الإنسان القادر على تحويلها إلى واقع، والعلم يضع الجميع أمام امتحان الدليل. ومن هنا فهمت أن الذكاء الاصطناعي، مهما بدا قمة التكنولوجيا الحديثة، يبدأ في الحقيقة من عقل تربى على السؤال: كيف عرفت؟ وما دليلك؟ وهل يمكن اختبار ما تقول؟ ولعل هذا هو الدرس الأعمق الذي منحني إياه العمل التطوعي في المتحف: أن التفوق العلمي ليس امتلاكاً للأجهزة والمختبرات بقدر ما هو ثقافة في النظر إلى العالم؛ ثقافة تسأل قبل أن تصدق، وتلاحظ قبل أن تحكم، وتجرب قبل أن تعمم، وتعترف بالخطأ قبل أن تدافع عنه. فالخيال يفتح أبواب الممكن، والعلم يختبره، والهندسة تجسده، والتربية تصنع الإنسان القادر على استخدامه. وبين الخيال والحقيقة، وبين الأسطورة والمعرفة، وبين الحلم والبناء، تتشكل الحضارة. وهنا، ربما، يبدأ العلم؛ وهنا يبدأ الذكاء؛ وربما من هنا أيضاً يبدأ سر تفوق الشعوب والدول.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

برفقة صديقي الدكتور المهندس حسين جعفر السقاف، كانت لنا زيارة إلى متحف كوربوس (CORPUS) في أوستخيست بالقرب من مدينة لايدن الهولندية؛ ذلك المتحف العلمي الفريد الذي لم أرَ مثله في حياتي، والذي ما زلت، بعد مغادرته، واقعاً تحت تأثير الدهشة التي تركها في نفسي. دخلناه وكأننا ندخل مبنى من مباني المتاحف، لكننا سرعان ما اكتشفنا أننا لا ندخل متحفاً بالمعنى التقليدي للكلمة، وإنما ندخل الإنسان نفسه؛ ندخل إلى جسده، ونسافر بين أعضائه، ونرى بأعيننا ما يحدث في ذلك العالم الخفي الذي نحمله معنا أينما ذهبنا دون أن نراه.

يعد كوربوس متحفا مجسما للجسد الإنساني الحي يقف هنا كأنه كائن بشري عملاق خرج من الأرض ليقول للعابرين: انظروا إلى الإنسان! مجسم ضخم لرجل جالس يبلغ ارتفاعه نحو خمسة وثلاثين متراً، يتحول فيه الإنسان من موضوع للعرض إلى بناء معماري، ومن صورة بيولوجية إلى فضاء يمكن الدخول إليه واكتشافه. وهذه، في تقديري، هي أولى مفاجآت المكان: أن تتحول العمارة إلى تشريح، وأن يتحول التشريح إلى تجربة، وأن يتحول المتحف من مكان ننظر فيه إلى الأشياء إلى مكان ننظر فيه إلى أنفسنا ونتجول في دهاليزها.

بدأت رحلتنا من الركبة، ثم صعدنا عبر الجسد، وتجولنا في أول منازل الكينونة ومواطن النبض الأول (الرحم) وشاهدنا البيوضة وصراع ملايين الحيوانات المنوية للوصول اليه تموت كلها ويصل الأقوى. شاهدنا الكرموسومات وكيف تتشكل الجينات وفي المعدة والأمعاء شاهدنا العجب العجاب ثم تجولنا في القلب والكبد، والرئتين وصعدنا إلى الرأس وتجولنا في الدماغ. لم يكن الأمر مجرد انتقال من طابق إلى طابق، وإنما رحلة من عضو إلى عضو، ومن وظيفة حيوية إلى أخرى، ومن المعرفة الخارجية بالجسد إلى الإحساس بأننا جزء من هذا الجسد الذي نحاول فهمه وهكذا صار القلب الذي كنا نقرأ عنه في كتب الطب فضاءً ندخله، والرئة التي نعرف وظيفتها في التنفس تجربة حسية، والدماغ الذي نتصوره مركزاً للوعي والمعرفة مكاناً تنتهي عنده الرحلة.

وأنا في غرفة العقل تحديداً، تذكرت العبارة الشهيرة التي كانت مكتوبة على بوابة أكاديمية أفلاطون: «من لم يكن مهندساً لا يدخل علينا» بما تحمله دلالة فلسفية عميقة تستحق التأمل؛ لأن المعرفة لا تقوم على التأمل المجرد وحده، كما لا تقوم على التقنية الهندسية وحدها. ثمة علاقة قديمة بين التفكير في العالم ومحاولة قياسه وبنائه وتنظيمه. وفي تلك اللحظة شعرت أن كوربوس نفسه يقدم لنا، بطريقة معاصرة ومذهلة، درساً في هذه العلاقة القديمة بين العقل الذي يفكر واليد التي تبني بين الفيلسوف والمهندس. وهنا فهمت معنى عبارة إسبينوزا عن حاجة الفلسفة إلى الهندسة وحين يكون رفيقك في السفر مهندساً معمارياً واسع الاطلاع على التاريخ والجغرافيا والأدب والفلسفة، فإن الرحلة تتحول من نزهة عابرة إلى درس مفتوح في فئ الجغرافيا والتاريخ والحضارة. فالأماكن لا تُرى بالعين وحدها، وإنما تُقرأ بالعقل، ويُصغى إليها بالقلب، ويُعاد اكتشافها بالحوار. وهذا هو تماماً ما عشته مع صديقي الدكتور المهندس حسين جعفر السقاف في تلك الزيارة الرائعة.

كان المتحف بالنسبة إلينا موضوعاً للمشاهدة، لكنه كان أيضاً موضوعاً للحوار. كنت أنظر إلى المكان بعين الفيلسوف، وكان حسين ينظر إليه بعين المهندس المعماري؛ ومن خلال تداخل النظرتين بدأ المبنى يكشف لنا عن معنى أوسع من وظيفته التعليمية. فالهندسة هنا لم تكن مجرد بناء جدران وأرضيات وسلالم وأجهزة، والفلسفة لم تكن مجرد أسئلة معلقة في الهواء؛ بل رأينا كيف يمكن للفكرة أن تتحول إلى فضاء، وكيف يمكن للفضاء أن يولد فكرة.

وهنا تذكرت أن الهندسة والفلسفة، رغم اختلاف أدواتهما، تنتميان في عمقهما إلى سؤال واحد: كيف يمكن أن نفهم العالم ونمنحه شكلاً قابلاً للحياة والبناء والسكن والفهم فالفلسفة تبحث عن المعنى، والهندسة تبحث عن الإمكان؛ الفلسفة تضع السؤال، والهندسة تختبر قدرة الواقع على الإجابة عنه. ولهذا فإن العلاقة بينهما ليست علاقة ترف فكري، وإنما علاقة ضرورية في بناء الحضارة.

فالهندسة من دون فلسفة يمكن أن تتحول إلى علم تقني جامد، قادر على بناء الأبراج والجسور والمدن والأنفاق والمصانع، لكنه قد ينسى السؤال الأهم: لماذا نبني؟ ولمن نبني؟ وما أثر ما نبنيه في الإنسان والبيئة والمجتمع؟ يمكن للمهندس أن يبني بيتاً بالغ القوة، لكنه إذا غابت عنه الرؤية الإنسانية قد يصبح البيت مجرد كتلة من الخرسانة لا تستشعر حاجات سكانها الروحية والنفسية والجمالية. ويمكنه أن يبني جسراً متيناً من الناحية الإنشائية، لكنه إذا تجاهل البعد الإنساني والاجتماعي قد يكون جسراً يربط نقطتين في الخريطة ولا يربط إنساناً بإنسان.

ويصور الدكتور (سعيد إسماعيل علي) العلاقة بين الفلسفة والتربية بقولة: "أن المربي أشبه بمقاول البناء هذا يبني حجرا وذلك يبني بشرا والمقاول رجل تنفيذي لا يستطيع أن يعمل إلا وفق تصميم نظري هندسي معين وواضح يقوم برسمه ومهندس التصميمات وفقا لطلب العميل وما يريد، عمارة، أم قصرا، فيلا أم فندقا، مدرسة أم جسرا، وفيلسوف التربية هو ذلك المهندس التصميمي الذي يرسم ويخطط بناء على حاجة المجتمع وتوجهاته وثقافته وإمكانياته وأهدافه وما على المربي "المعلم" إلا الالتزام بهذا المخطط العام وهو يقوم بعمل اليومي. فالعملية التربوية ليست مجرد تعليم معلومات للتلاميذ وإنما هي أولا وأخيرا عملية تنمية بشرية، بناء مجتمع، وكيف يمكن لنا أن نطمئن إلى تنمية بشرية سليمة إذا افتقدنا الشراع الموجه، إذا افتقدنا القدرة على رؤية الهدف والطريق إليه. " وما لم تكن متأكدا من تحديد المكان الذي تذهب إليه، فأنت معرض لان ينتهي بك إلى مكان آخر" على حد قوله روبرت ف. ميكر، في كتابة الأهداف التربوية، وربما هذا ما كان يقصده الفيلسوف الروماني سينكان (60م)،

بقوله "(لا رياح طيبة لمن لا يعرف طريقه، ولا لمن تحطم مقوده)

ومن هنا تصبح الهندسة نوعاً من اختبار الفلسفة في الواقع. إنها تمنح الفكرة شكلاً، وتقيس قدرتها على الصمود، وتضعها أمام مقاومة المادة والفضاء والزمن والقوانين. الفيلسوف يستطيع أن يتخيل المدينة المثالية، لكن المهندس يعرف أن المدينة لا تقوم على الأحلام وحدها؛ إنها تحتاج إلى طرق ومياه وطاقة ومساكن ومؤسسات ومساحات عامة، والأهم من ذلك كله تحتاج إلى إنسان يعيش فيها.

وهنا بالذات يصبح كوربوس مثالاً بالغ الدلالة للمعنى الذي يهم كل إنسان عاقل. لقد أخذ مصمموه شيئاً لا نستطيع الدخول إليه في حياتنا اليومية ــ جسم الإنسان ــ وحولوه إلى فضاء معماري يمكن للإنسان أن يسير داخله. لقد جعلوا التشريح مكاناً، والمعلومة تجربة، والجسد عمارة، والتعليم رحلة.

والتجربة التعليمية في كوربوس لا تعتمد على أن يقف الزائر أمام لوحة ويقرأ أسماء الأعضاء، وإنما على أن يعيش التجربة ويتجول في اعضاء الجسم كلها مع الاستماع إلى شرح تفاعلي ذكي. إذ يستخدم المتحف الصوت والصورة والإضاءة والمؤثرات البصرية والتقنيات التفاعلية ليجعل العمليات الحيوية أقرب إلى التجربة الحسية. وهكذا يتحول التعليم من عملية تلقين إلى عملية اكتشاف.

وهكذا تكون فلسفة التعليم للمستقبل فالإنسان لا يتعلم فقط عندما يسمع المعلومة، وإنما عندما يراها ويختبرها ويربطها بتجربته الخاصة. ولذلك فإن كوربوس لا يقول للزائر فقط: «هذا هو قلبك»، بل يجعله يشعر بأن القلب الذي يتحدث عنه ليس شيئاً بعيداً عنه، وإنما هو ذلك العضو الذي يعمل الآن في داخله، بصمت، من دون أن يطلب منه إذناً.

والأمر نفسه ينطبق على الدماغ. أن تنتهي الرحلة في العقل ليس مجرد ترتيب مكاني؛ إن فيه دلالة رمزية عميقة. فنحن نبدأ بالجسد، ونصعد خلال أعضائه ووظائفه، ثم نصل إلى الدماغ؛ أي إلى ذلك العضو الذي يجعل الإنسان قادراً على أن يعرف جسده، وأن يسأل عن وجوده، وأن يبني المتاحف التي تشرح له كيف يعمل.

هنا تكتمل الدائرة: الإنسان يدخل إلى جسده لكي يفهم عقله، والعقل يبني متحفاً لكي يفهم الإنسان جسده.

ولعل أجمل مفارقات تجربة كوربوس أننا، نحن الذين نعيش داخل أجسادنا منذ لحظة الميلاد، نكتشف فجأة كم نجهل ذلك العالم الهائل الذي يسكننا. القلب ينبض بلا استئذان، والرئتان تعملان في صمت، والدم يجري في شبكة لا نراها، والخلايا تتجدد، والدماغ يستقبل ويحلل ويتذكر، فيما ننشغل نحن غالباً بالعالم الذي يقع خارجنا. هنا أدركت أن الإنسان ليس مجرد كائن يعيش في العالم، بل عالم قائم بذاته؛ كوناً حياً بالغ التعقيد، له خرائطه وشبكاته ومراكزه وطاقته ووسائل دفاعه واتصاله.

زيارة جسم الإنسان في كوربوس كانت رحلة فلسفية من الجسد إلى العقل، ومن العقل إلى الوعي، ومن الوعي إلى السؤال القديم المتجدد: ما الإنسان؟

خرجنا من كوربوس، لكن كوربوس لم يخرج منا. فقد ترك في الذاكرة دهشة لا تنتهي، وأيقظ في العقل رغبة في السؤال. ولذلك أرى أن من يريد أن يزور هولندا لا ينبغي أن يكتفي برؤية مدنها وقنواتها وطواحينها؛ عليه أن يدخل أيضاً إلى الإنسان نفسه. ففي كوربوس لا تشاهد متحفاً عن الإنسان، بل تكتشف أن الإنسان هو المتحف الأكثر إدهاشاً على الإطلاق.

***

ا. د. قاسم المحبشي

لاريب أن المذكرات ليست مجرد استرجاعٍ لما مضى، ولا هي أرشيفٌ شخصي للأحداث والذكريات، بل هي—حين تكتب بوعيٍ فلسفي—شكلٌ من أشكال بناء الذات وهي تفكر في نفسها، والفيلسوف حين يقترب من المذكرات لا يطلب منها أن تحكي حياته فحسب، بل أن تكشف كيف تتكوّن الحياة حين تُفهم وتُعاد صياغتها وتدخل في نظامٍ من المعنى..

من هنا تكتسب المذكرات قيمتها الأدبية والفكرية معًا، حيث لا تسجّل التجربة بوصفها وقائعاً خامةً، بل تمنحها مسافةً تجعلها قابلةً للتأمل، وتحوّل الزمن إلى مادةٍ للوعي، واللغة إلى أداةٍ لإعادة تركيب الوجود.

عند القراءة الفلسفية للمذكرات، السؤال الأول ليس، ماذا وقع؟ و إنما، كيف يصير ما وقع قابلًا لأن يُفهم ويُروى ويُعاد تأليفه في الذاكرة؟ لأن المذكرات، كما تقترح الدراسات الحديثة، تقوم على “الحقيقة السردية” لا على النقل الحرفي وحده؛ أي أن ما فيها من صدق لا ينفصل عن طريقة التشكيل، وعن موقع الراوي من ذاته ومن عصره، وعن مقدار المسافة بين التجربة لحظة وقوعها والتجربة لحظة تدوينها، لذلك يلتقي الفيلسوف بالمذكرات عند منطقة دقيقة، منطقة الفعل الذي يصبح معنى، والحدث الذي يتحول إلى دلالة، والذات التي لا تُدرك إلا وهي تعيد رواية نفسها.

أولاً الحقيقة:

في المذكرات، لا تُفهم الحقيقة بوصفها تطابقًا بسيطًا مع الواقع، بل بوصفها صدقًا سرديًا، أي الكيفية التي يعيد بها الكاتب ترتيب خبرته بحيث تصبح قابلة للفهم والتأمل، حيث المذكرات لا تقدم وقائع مجردة، بل وقائع بعد أن دخلت في أفق الذاكرة والاختيار والإعادة، فيكون ما يهم الفيلسوف ليس “الحدث” وحده، بل المسافة التي تفصل الحدث عن صياغته، لأن هذه المسافة هي التي تكشف ماذا أراد الكاتب أن يقول عن نفسه وعن عصره..

ثانياً اللغة

اللغة في المذكرات ليست أداة نقلٍ شفافة، بل وسيلة لتشكيل الذات وهي تفكر، ثم إن المذكرات الجيدة لا تقول كل شيء، بل تعرف ما الذي يجب أن يظهر وما الذي يجب أن يبقى في الهامش، وما الذي يمكن أن يُلمح إليه بدل التصريح به. ومن هنا تأتي القيمة الفلسفية للغة المذكرات، أنها لا تصف الحياة فقط، بل تُنظّمها، وتمنحها إيقاعًا، وتحوّل الشذرات إلى بنية، والخبرات المتفرقة إلى قصة قابلة للإدراك. عبر هذا المعنى، تتقاطع اللغة مع الفلسفة لأنها تُظهر أن الذات لا تملك نفسها قبل أن تتكلم عنها..

ثالثاً الخيال

الخيال في المذكرات لا يعني اختلاقًا مضادًا للحقيقة، بل يعني القدرة على إعادة تخليق التجربة في صورة سردية تمنحها معنىً أوسع. فكل كتابة ذاتية، حتى حين تدّعي الصدق الكامل، تنتقي وتقصي وتوازن بين ما يُقال وما يُترك، وبين ما يظهر وما يُخفى؛ وهذا الاختيار نفسه جزء من الحقيقة لا نقيض لها. ومن ثم فإن الخيال هنا يعمل بوصفه قوة تنظيمٍ للذاكرة، لا بوصفه هروبًا من الواقع. إنه يربط بين الشظايا، ويمنح التجربة شكلًا يسمح لها بأن تُفهم بعد أن كانت مجرد تتابعٍ للأيام..

رابعاً الزمن

الزمن هو العنصر الأعمق في المذكرات، لأنه يحدد موقع الذات وهي تعود إلى نفسها. فالمذكرات تُكتب من نقطة لاحقة، من حاضرٍ ينظر إلى ماضٍ لم يعد حاضرًا إلا في أثره، ولذلك فهي كتابةٌ تُحوّل الزمن إلى وعي.

 فالإنسان لا يكتب ماضيه لأنه انتهى، بل لأنه لم ينتهِ في داخله؛ والمذكرات تحاول أن تصوغ هذا الامتداد بين ما مضى وما بقي مؤثرًا في الحاضر، وبالتالي تصبح المذكرات فلسفية لأنها لا تتعامل مع الزمن كتعاقبٍ ميكانيكي، بل كتجربة تتكثف فيها الذاكرة والندم والتحول وإعادة الفهم..

خامساً الذات

أما الذات، فهي في المذكرات ليست جوهرًا ثابتًا، بل كائنًا يتكوّن داخل الحكي، حيث المذكرات لا تقول، "هذه أنا"، بمعنى الاكتمال، بل تقول: "هذا ما صرت إليه حين رويت ما عشته"..

هنا تتجلى فكرة أساسية، أن الإنسان يعرف نفسه حين يضعها في السرد، وأن الوعي لا ينكشف دفعةً واحدة، بل عبر العودة المتكررة إلى الماضي وتفسيره وإعادة تأليفه، لذلك يرى الفيلسوف في المذكرات مختبرًا للهوية، "كيف نروي أنفسنا؟" وكيف يتحول الاعتراف أو التلميح أو حتى الصمت إلى أداةٍ لبناء صورة الذات؟

هكذا عندما تتجمع هذه الأسئلة الخمسة داخل المذكرات، يتبين أن هذا الجنس الأدبي ليس هامشًا على الفلسفة، بل أحد أكثر الأماكن التي تتفحص فيها الفلسفة علاقتها بالإنسان، فالحقيقة فيه غير منفصلة عن المنظور، واللغة جزء من التكوين، والخيال رافعة للمعنى، والزمن مادة للوعي، والذات مشروعٌ سرديٌّ لا يكتمل إلا بالكتابة، بهذه العناصر تصير المذكرات كتابةً عن الحياة وكتابةً في الحياة في آنٍ واحد؛ فهي لا تحكي ما جرى فقط، بل تكشف كيف يصير ما جرى قابلًا للفهم، وكيف تتشكل من التجربة مادةٌ للتفكير..

رحلتي الفكرية أنموذجا

لدى المفكر عبد الوهاب المسيري في رحلتي الفكرية: في البذور والجذور والثمر،  المذكرات تبلغ ذروتها بوصفها كتابةً تكشف أن السيرة ليست مجرد حكاية حياة، بل طريقة في التفكير بها، و الدكتور المسيري لا يقدّم حياته كوقائع متتابعة، وإنما يجعلها مسارًا يتكشف فيه تشكّل الوعي وتحولات المنهج وتغير الأفق المعرفي؛ ولذلك يصرّ منذ البداية على أنها ليست “سيرة ذاتية” بالمعنى التقليدي، بل “سيرة غير ذاتية وغير موضوعية”، وحين يعلن أنه يستبعد ما لا علاقة له بـ“تطوري الفكري”، فإن قيمة الحدث لا تعود إلى وقوعه، بل إلى قدرته على إضاءة التحول الداخلي، أي إن الحقيقة هنا لا تُقاس بما جرى، بل بما كشفه الجريء عن مسار الوعي. ومن ثمّ فإن الزمن في هذا النص ليس تعاقب سنوات، بل تاريخ تكوّن: من البذور إلى الجذور إلى الثمر، أي من الإمكان إلى الترسخ إلى النضج..

وعلى المستوى اللغوي، تتخذ العبارة وظيفة فلسفية دقيقة؛ حيث المفكر المسيري لا يكدّس الوقائع، بل يصوغها بحيث تظلّ دالة على ما وراءها، حتى تبلغ الجملة حدًّا من الكثافة يلخصه قوله: “إذا اتسعت الرؤية ضاقت العبارة”. وهذه الكثافة ليست أسلوبًا فقط، بل موقفًا معرفيًا، فكل اتساع في الرؤية يستلزم اقتصادًا في القول، لأن المعنى العميق لا يُستعرض بل يُلمَّح. أما الخيال، فيعمل هنا بوصفه أداة تنظيم للذاكرة، لا بوصفه تزيينًا لها؛ إذ تتحول الوقائع الشخصية إلى بنية سردية تكشف علاقات الفكر بالخبرة، وتُظهر كيف يتكون المنهج من الاحتكاك بالحياة لا من التأمل المجرد وحده.

وبالتالي تنكشف الذات عند المفكر المسيري لا كهوية ناجزة، بل كوعي في صيرورة، يتعلم من أخطائه، ويعيد ترتيب نفسه داخل السيرة كما يعيد المفكر ترتيب أدواته داخل النظرية. لذلك يكتب عبارةً يمكن عدّها مفتاحًا أخلاقيًا وفلسفيًا لنصه “المثقف الذي لا يترجم فكره إلى فعل لا يستحق لقب المثقف”..

المذكرات هنا لا تروي حياة مفكر فحسب، بل تعرض الفلسفة وهي تُصاغ في الداخل، وتُختبر في الواقع، وتتحول إلى موقف..

مستخلص

إن المذكرات، حين تكتب بهذا العمق، لا تعود مجرد نوعٍ أدبيٍّ يجاور السيرة والاعتراف، بل تصبح وسيلةً لفهم كيف يبني الإنسان وعيه بنفسه وبالعالم، حيث تمنحه مسافةً من ماضيه، وتردّ له حياته بوصفها معنىً لا مجرد وقائع، وتكشف أن الفيلسوف لا يعيش تجربته ثم يكتبها فقط، بل يكتبها لكي يعرفها، ويعيد ترتيبها لكي يصير قادرًا على التفكير فيها. ومن هنا تكمن قيمة المذكرات الفلسفية، أنها لا تقول لنا من كان صاحبها فحسب، بل كيف صار ما صار إليه، وكيف تحولت الحياة عنده إلى سؤال، والسؤال إلى معرفة، والمعرفة إلى شكلٍ من أشكال التكوين المستمر..

وعند المسيري، تبلغ هذه الفكرة ذروتها؛ لأن حياته المكتوبة لا تشرح فكره فقط، بل تُظهر أن الفكر نفسه لا ينفصل عن سيرةٍ تتخلق ببطء، وأن الوعي لا يُبنى إلا حين يجرؤ صاحبه على أن يرى ذاته كرحلة، لا كجوهرٍ منتهٍ..

(انتهى)

***

مراد غريبي

 

لم تعد القراءة في عصرنا مجرد وسيلة لاكتساب المعلومات أو تحصيل الشهادات، بل أصبحت تجربة إنسانية وثقافية واسعة، تجمع بين المعرفة والمتعة، وتمنح الإنسان فرصة للتأمل، واكتشاف ذاته والعالم من حوله. وإذا كانت القراءة التعليمية تهدف إلى تنمية الفهم والتحليل والتفكير النقدي والإبداعي، فإن القراءة من أجل المتعة تتجاوز ذلك إلى المجال العاطفي والنفسي، فتسهم في بناء الشخصية، وصقل الذوق، وتكوين المواقف والقيم.

فالإنسان لا يقرأ دائماً لأنه مطالب بقراءة كتاب أو تلخيصه أو اجتياز اختبار، وإنما يقرأ أحياناً لأنه يريد أن يعيش حكاية، أو يهرب مؤقتاً من ضجيج الحياة، أو يتأمل فكرة، أو يستمتع بجمال اللغة. وفي هذه اللحظة تحديداً تتحول القراءة من واجب إلى اختيار، ومن مهمة ينبغي إنجازها إلى تجربة يريد القارئ أن يعيشها.

وقد أدرك التربويون منذ وقت طويل أهمية هذا النوع من القراءة؛ لأن القارئ الذي يختار ما يقرأه بدافع شخصي يكون أكثر استعداداً للتفاعل مع النص والتأثر بأفكاره وقيمه. فالكتاب الديني قد يعمق الجانب الروحي، والكتاب السياسي قد يوسع الوعي بالشأن العام، والأدب قد يغير نظرة الإنسان إلى الحياة، والفن قد يهذب إحساسه بالجمال. وهكذا لا تبقى القراءة مجرد معلومات في الذاكرة، بل تتحول إلى خبرة داخلية تؤثر في السلوك والذوق والشخصية.

ومن هنا يمكن فهم العلاقة العميقة بين القراءة والحاجة النفسية. فمع انتشار التلفزيون والراديو والسينما والوسائط الرقمية، توقع البعض أن تنتهي مكانة الكتاب، لكن الواقع أثبت العكس. فالإنسان ما زال يحتاج إلى الكلمة المكتوبة، لأن القراءة تمنحه نوعاً من الاتصال الهادئ والعميق لا توفره دائماً الوسائط الأخرى. وقد تكون هذه الحاجة أكثر إلحاحاً في زمننا الحالي، حيث يعيش الإنسان وسط سيل متواصل من الأخبار والصور والمقاطع والإشعارات.

لقد تغير إيقاع الحياة، وتغير معه إيقاع القراءة. ففي الماضي كانت القراءة تحتاج إلى وقت طويل وهدوء ومساحة من العزلة، وكانت المكتبة المنزلية جزءاً مألوفاً من حياة كثير من الأسر. أما اليوم، فقد أصبح الهاتف الذكي حاضراً في معظم تفاصيل الحياة، وأصبح القارئ معرضاً للمقاطعة في كل لحظة. وبينما يحتاج الكتاب إلى تركيز ممتد، تدفعنا المنصات الرقمية إلى الانتقال السريع من معلومة إلى أخرى ومن صورة إلى مقطع، الأمر الذي جعل المشكلة الحقيقية ليست في اختفاء الكتاب، وإنما في صعوبة منح الكتاب الوقت والانتباه اللذين يحتاج إليهما.

ومع ذلك، فإن الحديث عن موت القراءة يبدو مبالغاً فيه. فمعارض الكتب لا تزال تستقطب أعداداً كبيرة من الزوار، والروايات والكتب الفكرية تحقق انتشاراً واسعاً، والكتب الإلكترونية جعلت الوصول إلى المعرفة أسهل من أي وقت مضى. لقد أتاحت الرقمنة للقارئ أن يحمل مكتبة كاملة في هاتفه أو جهازه اللوحي، وأن يحصل على كتاب في لحظات، لكنها في الوقت نفسه وضعت الكتاب داخل الجهاز ذاته الذي يحتوي على الرسائل والأخبار ومواقع التواصل. وهنا تظهر المفارقة: التقنية وسعت فرص القراءة، لكنها جعلت التركيز عليها أكثر صعوبة.

وفي هذا السياق تبرز أفكار الكاتب الفرنسي دانيال بناك في كتابه «متعة القراءة»، الذي يدافع عن حرية القارئ ويرفض تحويل القراءة إلى فعل قسري. ومن أشهر أفكاره «حقوق القارئ»، ومنها حقه في ألا يقرأ، وأن يقفز عن بعض الصفحات، وألا يكمل كتاباً لم يعد يستمتع به، وأن يقرأ ما يشاء، وأن يصمت بعد القراءة دون أن يكون ملزماً بتحليل ما قرأه. وقد تبدو هذه الحقوق غريبة في بيئة تعليمية اعتادت إلزام الطالب بقراءة نصوص محددة، لكنها في جوهرها تؤكد حقيقة بسيطة: لا يمكن إجبار الإنسان على الاستمتاع.

وتلتقي هذه الفكرة مع تجارب قرائية أخرى تؤكد أن الكتاب قد يصبح جزءاً من هوية الإنسان. فالقراءة لا تعني اختيار كتاب فحسب، بل تعني أحياناً اختيار صورة للحياة، وتكوين علاقة خاصة مع الكلمات والشخصيات والأفكار. وقد يرتبط القارئ بكتاب معين لأنه جاء في مرحلة خاصة من حياته، أو يجد في رواية ما شيئاً من ذاته، أو يعود إلى كتاب قديم في فترة الركود القرائي ليستعيد شغفه.

كما أن القراءة تختصر الزمن بطريقة لا توفرها التجربة الشخصية وحدها. فالإنسان لا يستطيع أن يعيش كل التجارب بنفسه، لكنه يستطيع أن يقترب منها عبر الكتب. يستطيع الشاب المقبل على الزواج، مثلاً، أن يقرأ عن الأسرة وتربية الأبناء والعلاقات الزوجية، فيتعرف مسبقاً إلى خبرات وتجارب مر بها آخرون. وبذلك تمنحه القراءة فرصة لخوض التجربة ذهنياً قبل أن يعيشها واقعياً. فالكتاب يتيح للإنسان أن «يتصفح عقول الرجال»، وأن يستفيد من تجارب أجيال وأشخاص قد لا يلتقي بهم في حياته.

ولعل هذا هو سر بقاء القراءة رغم تغير الأزمنة والوسائط. فالإنسان لا يبحث في الكتاب عن المعلومات وحدها، بل عن معنى، وعن تجربة، وعن لحظة هدوء، وعن نافذة يرى منها نفسه والعالم بصورة مختلفة. صحيح أن أشكال القراءة تغيرت؛ فنحن نقرأ اليوم المقالات والمنشورات والرسائل والمحتوى الرقمي، لكن القراءة العميقة للكتاب تظل تجربة مختلفة، لأنها تمنح العقل وقتاً للتأمل والترابط وبناء الأفكار.

إن السؤال الحقيقي إذن ليس: هل اختفت القراءة؟ بل: هل ما زلنا نعرف كيف نستمتع بها؟ وربما لم نفقد متعة القراءة تماماً، وإنما فقدنا جزءاً من طقوسها القديمة. ولذلك فإن استعادتها لا تحتاج إلى حرب ضد التكنولوجيا، بل إلى قرار واعٍ بإيجاد مساحة للكتاب وسط هذا الزحام. نحتاج إلى أسرة تقدم نموذجاً محباً للقراءة، ومدرسة تتيح للطالب حرية الاختيار، وقارئ يمنح نفسه وقتاً بعيداً عن الإشعارات.

فالقراءة في النهاية ليست مجرد وسيلة للنجاح الدراسي أو المهني، وإنما علاقة إنسانية مع الزمن والفكرة والخيال. وهي متعة لا تُفرض، بل تُكتشف، وكلما تحررت من الإكراه أصبحت أكثر قدرة على تغيير الإنسان. ولذلك سيبقى الكتاب، رغم كل التحولات، واحداً من أجمل الأماكن التي يستطيع الإنسان أن يجد فيها المعرفة والسكينة والخيال، وأن يعيش حياة أوسع من حدود عمره وتجربته.

***

رمزي ميركاني

لا يبدأ الدين، في أعمق دلالاته الفلسفية والكلامية، من السلوك بوصفه مجموعة من الأفعال المفروضة، ولا من الطقس بوصفه ممارسة خارجية، ولا من الانتماء بوصفه هوية اجتماعية جاهزة، وإنما يبدأ من لحظة أكثر تأسيسًا، هي لحظة انفتاح الإنسان على سؤال الأصل الذي منه يستمد الوجود معناه، وعليه يتوقف إمكان الاعتقاد، ومنه تتحدد قيمة الفعل واتجاه الإرادة. ولذلك فإن المعرفة الإلهية لا تظهر في البناء الإسلامي الإمامي بوصفها مسألة نظرية تقع على هامش التدين، وإنما بوصفها الشرط الذي تتأسس عليه حقيقة الدين نفسه؛ إذ إن الاعتقاد بالله لا يمكن أن يكون اعتقادًا بالمعنى الفلسفي إذا لم يكن مسبوقًا بنوع من المعرفة، كما أن التوحيد لا يمكن أن يتحول إلى وعي ديني ما لم ينتقل من مجرد اللفظ إلى إدراك ما يدل عليه اللفظ من حقيقة وجودية. ومن هنا يكتسب القول المروي عن الإمام علي: «أول الدين معرفته» دلالة تتجاوز العبارة الوعظية إلى تأسيس ترتيب معرفي للدين يجعل المعرفة أصلًا، ويجعل التوحيد نتيجة أولى لها، ثم يجعل سائر مراتب الاعتقاد والعمل امتدادًا لهذا الأصل وتحققًا له في الوجود الإنساني. [1]

إن أهمية هذه الصياغة تكمن في أنها تقلب الترتيب المعتاد الذي قد يجعل الدين مجموعة من الأوامر والنواهي ثم يطلب من الإنسان أن يؤمن بها، في حين تجعل المعرفة سابقة على الامتثال، وتجعل الوعي بحقيقة المبدأ سابقًا على الحركة نحوه، وتجعل الدين في بدايته فعلًا من أفعال انكشاف الوجود قبل أن يكون نسقًا من أنساق التنظيم السلوكي. وهذا لا يعني أن المعرفة المقصودة هي الإحاطة بحقيقة الذات الإلهية، فالإحاطة بالمطلق تناقض معنى الإطلاق، وإنما المقصود معرفة تفتح للإنسان أفق الدلالة على الله، وتخرجه من العيش في عالم الأشياء إلى الوعي بأن الموجودات، على اختلاف مراتبها، لا تستنفد تفسير وجودها في ذاتها. ولهذا يربط التراث الإمامي بين معرفة الله وبين نفي الحدود عنه، وبين إثباته وبين تنزيهه عن التشبيه والتجسيم؛ فالمعرفة الصحيحة ليست إضافة صورة ذهنية إلى مجموعة الصور التي يمتلكها الإنسان، بل هي أيضًا تحرير للعقل من الصور التي تحول دون إدراك معنى الإطلاق. [2]

أول الدين معرفته

حين يجعل الإمام علي عليه السلام المعرفة أول الدين، فإنه يؤسس ضمنيًا لنظرية في التدين تجعل الإنسان كائنًا معرفيًا قبل أن يكون كائنًا طقوسيًا، لأن الدين لا يدخل عالم الإنسان من خارج وعيه، بل لا بد أن يمر عبر سؤال العقل والقلب معًا، وأن يتحول من خطاب مسموع إلى حقيقة معقولة ومصدَّقة. وفي الخطبة الأولى من نهج البلاغة تتجاور المعرفة والتوحيد والتنزيه في بناء متدرج يكشف أن التوحيد ليس مجرد إثبات أن الله واحد، بل هو مسار معرفي يبدأ بالاعتراف بالمبدأ وينتهي إلى إدراك عجز المعرفة الإنسانية عن الإحاطة بكنه الذات الإلهية. فالمعرفة هنا تحمل مفارقة تأسيسية: كلما تعمقت معرفة الإنسان بالله، ازداد وعيه بحدود أدواته المعرفية تجاه حقيقة الله. ومن ثم فإن المعرفة الإلهية لا تنتهي إلى امتلاك موضوعها، وإنما تقود إلى تنزيهه عن أن يكون موضوعًا عاديًا من موضوعات المعرفة البشرية. [3]

وهذه المفارقة ذات أهمية فلسفية بالغة؛ لأن معرفة المحدود تختلف عن معرفة اللامحدود. ففي معرفة الأشياء يمكن للعقل أن يتجه نحو موضوعه بوصفه شيئًا قائمًا أمامه، له حدود وخصائص يمكن ضبطها، أما الله فلا يمكن أن يكون «شيئًا» من الأشياء التي يقف العقل إزاءها من الخارج. ولذلك تصبح المعرفة الإلهية معرفة تتضمن نقدًا لأداة المعرفة نفسها، إذ يتعين على العقل، وهو يبحث عن المطلق، أن يكتشف أن بعض طرائق معرفته التي تصلح للموجودات المحدودة لا تصلح للحديث عن الله. ومن هنا كان التنزيه جزءًا من المعرفة لا نقيضًا لها؛ فأن تعرف الله يعني، في أحد أبعاده، أن تعرف أنه لا يشبه ما تعرفه من الموجودات.

وقد جعل الشيخ الصدوق في كتاب التوحيد قضية المعرفة والتوحيد متصلة بقضايا النفي والإثبات، وبإبطال التشبيه والوهم الذي يحول الذات الإلهية إلى صورة متخيلة، بما يكشف عن حضور مبكر لنقد التصور الحسي والتشبيهي في الفكر الإمامي. [4] وهذا يعني أن المعرفة الإلهية لا تبدأ بملء الذهن بصورة عن الله، بل تبدأ بتطهير الذهن من الصور التي تمنح المحدود صفات المطلق، ومن ثم يصبح التوحيد فعل تحرير للعقل بقدر ما هو فعل إثبات للعقيدة.

المعرفة والتصديق والتوحيد

غير أن المعرفة وحدها لا تكفي لتفسير البنية الكاملة للإيمان؛ لأن المعرفة قد تكون مجرد إدراك ذهني، في حين أن التصديق يمثل انتقال المعرفة من مستوى الإدراك إلى مستوى الاعتقاد، ثم يأتي التوحيد ليمنح هذا الاعتقاد بنيته المعيارية والوجودية. ولذلك ينبغي التمييز بين أن يعرف الإنسان قضية ما، وبين أن يصدق بها، وبين أن يعيد بناء وجوده على أساسها. فالمعرفة يمكن أن تظل موضوعًا ذهنيًا، أما التصديق فيتضمن موقفًا من الحقيقة، والتوحيد يتجاوز الموقف الذهني إلى إعادة ترتيب علاقة الإنسان بنفسه وبالعالم وبالمطلق.

ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين المعرفة والتصديق والتوحيد بوصفها علاقة انتقال لا علاقة ترادف: المعرفة تكشف، والتصديق يثبت، والتوحيد يوحّد جهة الوجود والقصد. فالإنسان قد يعرف مفهوم التوحيد دون أن يكون موحدًا بالمعنى الوجودي؛ وقد يستطيع أن يكرر عبارة «لا إله إلا الله» دون أن تتحول هذه العبارة إلى مركز من مراكز وعيه. أما التوحيد في معناه الأعمق فهو أن ينتقل الاعتقاد من كونه قضية في الذهن إلى كونه مبدأ يعيد تنظيم رؤية الإنسان للعالم. ولذلك لا يكون التوحيد مجرد إجابة عن سؤال «كم إلهًا يوجد؟»، وإنما يصبح جوابًا عن سؤال أعمق: ما الذي يستحق أن يكون مصدرًا نهائيًا للمعنى والطاعة والرجاء والخوف؟

وهنا تلتقي البنية الكلامية بالبنية الفلسفية؛ إذ إن إثبات التوحيد لا يستقيم دون تحرير مفهوم الألوهية من تعدد المعبودات، ولكنه لا يستنفد دلالته في هذا النفي. فالتوحيد يقتضي كذلك ألا يتحول شيء من العالم إلى مطلق بديل، سواء كان سلطة أو مالًا أو جماعة أو إنسانًا أو فكرة. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة التوحيد بوصفه تحريرًا للإنسان من عبودية الوسائط التي تتضخم حتى تتحول إلى غايات نهائية. وقد أشار الإمام علي عليه السلام في نهج البلاغة إلى أن كمال الإخلاص لله هو نفي الصفات التي تجعل الذات الإلهية قابلة للتجزئة والتحديد، بما يكشف عن أن التوحيد ليس مجرد وحدة عددية، وإنما هو وحدة في مقام الألوهية ونفي الشريك والحد والمماثل. [5]

وأن الروايات الإمامية التي تربط العبادة بالمعرفة تكشف أن العبادة نفسها تفقد معناها إذا انفصلت عن الوعي بالمعبود. فليست قيمة الفعل الديني في صورته الخارجية وحدها، بل في نوع العلاقة التي يؤسسها بين الإنسان والحقيقة التي يتوجه إليها. ومن ثم تصبح المعرفة شرطًا لإخراج العبادة من العادة، والإيمان من الانتماء، والتوحيد من الشعار.

المعرفة الإلهية بين الفطرة والعقل

إذا كانت المعرفة بداية الدين، فإن السؤال التالي يتعلق بمصدر إمكانها: كيف يستطيع الإنسان أن يعرف الله؟ وهل المعرفة الإلهية وليدة العقل وحده، أم أنها مغروسة في بنية الإنسان قبل كل استدلال؟ هنا يظهر في الفكر الإسلامي تداخل الفطرة والعقل بوصفهما مستويين متكاملين، لا بديلين متعارضين. فالقرآن يربط الإنسان بالفطرة التي فطره الله عليها، ويجعل التوجه إلى الله متصلًا ببنية أصلية في الإنسان، ويربط النظر في الآفاق والأنفس بعملية عقلية تؤدي إلى اكتشاف الدلالة الإلهية. [6]

ولا ينبغي فهم الفطرة بوصفها معرفة تفصيلية جاهزة بمفهوم الله وصفاته وأفعاله، وإنما بوصفها قابلية أصلية للتوجه نحو المطلق، واستعدادًا للبحث عن العلة والمعنى والغاية، ونفورًا من أن يكون الوجود مجرد واقعة صماء لا تتجاوز ذاتها. ولذلك لا تتعارض الفطرة مع العقل، لأن العقل لا يأتي ليزرع في الإنسان سؤال الله من الخارج، وإنما ليكشف إمكانات السؤال التي تحملها بنيته الوجودية. فالفطرة تمنح السؤال جذره، والعقل يمنحه طريق البرهنة، والوحي يمنحه أفق الهداية والتصحيح.

وقد احتل العقل في المدرسة الإمامية موقعًا مركزيًا في بناء الاعتقاد، لا بوصفه سلطة مستقلة عن الوحي، وإنما ب بوصفه أداة لا غنى عنها في فهم أصول الدين وتمييز التوحيد الصحيح من التصورات المنحرفة. وتظهر هذه المكانة بوضوح في التراث الكلامي الإمامي، وتتجلى في أبواب العقل والجهل في الكافي، حيث لا يُقدَّم العقل مجرد قدرة حسابية أو ملكة نظرية، بل ب بوصفه عنصرًا في بنية التكليف والهداية والتمييز. [7] وبهذا المعنى فإن العقل لا ينافس الوحي على مصدرية الهداية، وإنما يهيئ الإنسان لفهم الوحي، ويمنحه القدرة على التمييز بين الدلالة الحقيقية والوهم، وبين التوحيد والتنزيه من جهة، والتشبيه والتجسيم من جهة أخرى.

إن الجمع بين الفطرة والعقل يتيح تجاوز ثنائية شائعة تجعل المعرفة الدينية إما حدسًا باطنيًا خالصًا أو برهانًا عقليًا مجردًا. فالفطرة من دون عقل قد تتحول إلى شعور غير محدد، والعقل من دون الفطرة قد يتحول إلى بناء تجريدي لا يمس الوجود الإنساني في أعماقه. أما المعرفة الإلهية في صورتها الدينية الكاملة فتقوم على تفاعل المستويين: قابلية داخلية تستجيب للمعنى، وعقل يفحص ويبرهن وينقد، ووحي يوجّه ويكشف ويصحح.

من المعرفة إلى اليقين

لكن المعرفة، حتى بعد تأسيسها بالعقل والفطرة والوحي، لا تبلغ غايتها بمجرد حصول التصور أو قيام الدليل؛ إذ إن الدين يريد للمعرفة أن تتحول إلى يقين، واليقين ليس كمية إضافية من المعلومات، وإنما تحول في علاقة الإنسان بالحقيقة. فالمعرفة قد تكون عرضة للتردد، أما اليقين فيمثل استقرارًا وجوديًا تصبح فيه الحقيقة مركزًا تنتظم حوله الإرادة والموقف والسلوك. ولهذا ارتبط اليقين في التراث الإسلامي بدرجات المعرفة والعمل، ولم يكن مجرد حكم منطقي معزول عن حياة الإنسان.

وفي هذا السياق يمكن قراءة الانتقال من «المعرفة» إلى «اليقين» بوصفه انتقالًا من معرفة الله بوصفه قضية إلى معرفة الله بوصفه حضورًا دالًا في الوجود. فكلما انتقلت المعرفة من مستوى المفهوم إلى مستوى الوعي الوجودي، أصبحت أكثر قدرة على إعادة تمثيل الإنسان. ولا يعني ذلك حلول الإله في التجربة الإنسانية أو إمكان امتلاك الحقيقة المطلقة، وإنما يعني أن معرفة المبدأ تتغير آثارها في الإنسان بحسب عمق تحققها فيه. ولهذا تكتسب المعرفة الأخلاقية والروحية أهميتها؛ إذ لا يكون اليقين كامل الأثر ما لم ينتج عنه تحول في طريقة رؤية الإنسان لنفسه والعالم والآخر.

ومن هنا يمكن فهم التأكيد القرآني على النظر والتفكر والتذكر والتدبر؛ فهذه الأفعال كلها تشير إلى أن الإيمان ليس قفزة تلغي العقل، بل مسار معرفي يعيد الإنسان فيه قراءة ذاته والعالم ب بوصفهما مجالًا للآيات والدلالات. [8] وإذا كان البرهان يحرر العقل من التناقض، فإن اليقين يحرر الوجود من التشتت؛ إذ تصبح الحقيقة التي توصل إليها العقل قادرة على أن تمنح الفعل اتجاهه، وأن تمنح الحرية معيارها، وأن تجعل الإنسان أقل قابلية للتعبد للأشياء المتغيرة.

وهنا تظهر القيمة الفلسفية لعبارة «أول الدين معرفته»: إنها لا تجعل المعرفة مرحلة عابرة تسبق الدين ثم تنتهي وظيفتها، وإنما تجعلها الأصل الذي ينبغي أن يعود إليه الدين باستمرار. فكلما انفصلت العبادة عن المعرفة تحولت إلى عادة، وكلما انفصل التوحيد عن المعرفة تحول إلى شعار، وكلما انفصل التصديق عن المعرفة تحول إلى تقليد، وكلما انفصل اليقين عن العقل والفطرة والوحي تحول إلى وهم ذاتي. أما حين تتكامل هذه المستويات، فإن الدين يصبح حركة صاعدة من المعرفة إلى التصديق، ومن التصديق إلى التوحيد، ومن التوحيد إلى اليقين، ومن اليقين إلى إعادة تشكيل الوجود الإنساني.

وعليه، فإن المعرفة الإلهية في المنظور الإمامي ليست مجرد مدخل إلى علم التوحيد، بل هي الأساس الذي يتحدد من خلاله معنى الدين ذاته. إنها معرفة تبدأ بالسؤال، وتتقوى بالعقل، وتتجذر في الفطرة، وتستنير بالوحي، وتتطهر بالتنزيه، وتتحول عبر التصديق إلى موقف وجودي، ثم تبلغ في اليقين صورة يصبح فيها التوحيد أكثر من قضية ميتافيزيقية، ليغدو طريقة في الوجود. ومن هذه النقطة تحديدًا يبدأ التوحيد بوصفه أصل المعرفة الإلهية، لا ب بوصفه إجابة عددية عن تعدد الآلهة، وإنما ب بوصفه إعادة بناء للعلاقة بين الإنسان والمطلق والعالم، بحيث لا يعود الإنسان أسيرًا لمطلقات زائفة يصنعها داخل العالم، بل يتجه من العالم عبر العقل والفطرة والوحي إلى الحقيقة التي تمنح العالم إمكان معناه.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

........................

الهوامش

1. الشريف الرضي، نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح، دار الكتاب المصري ودار الكتاب اللبناني، بيروت، الخطبة الأولى.

2. محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، كتاب التوحيد.

3. الشريف الرضي، نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح، دار الكتاب المصري ودار الكتاب اللبناني، بيروت، الخطبة الأولى.

4. محمد بن علي بن بابويه الصدوق، التوحيد، تحقيق حسين حسيني، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم.

5. الشريف الرضي، نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح، دار الكتاب المصري ودار الكتاب اللبناني، بيروت، الخطبة الأولى.

6. القرآن الكريم، سورة الروم، الآية 30؛ وسورة فصلت، الآيات 53-54.

7. محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، ج1، كتاب العقل والجهل.

8. القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 190؛ وسورة محمد، الآية 24؛ وسورة الحشر، الآية 21.

تشريح الجهل وتأميم الكرامة في مسلخ الشرق

من الفلسفة الأخلاقية إلى أسئلة الوجود السياسي

تتأسس فلسفة الكرامة في الفكر الأخلاقي والسياسي الحديث على التمييز الجوهري الذي وضعه الفيلسوف إيمانويل كانط بين ما يمتلك "ثمناً" وما يحوز "كرامة". فكل ما له ثمن يمكن الاستعاضة عنه ببديل مكافئ له؛ في حين أن ما يعلو فوق سائر الأثمان ولا يقبل أي بديل هو ما يمتلك كرامة متأصلة، تجعل من الكائن البشري غاية مطلقة في ذاته، لا مجرد وسيلة أو أداة نفعية تُسخَّر لخدمة مصالح المتسلطين.

وقد وسَّع تشارلز تايلور هذا المفهوم بنقله من التجريد الأخلاقي إلى الحقلين الاجتماعي والسياسي، من خلال تفكيكه لمسألة "سياسة الاعتراف" وولادة "سياسة الكرامة المتكافئة". يرى تايلور أن الانتقال من المجتمعات التقليدية القائمة على تراتبيات "الشرف" والطبقية إلى الفضاءات الديمقراطية الحديثة فرض الاعتراف بالقيمة المتساوية لجميع البشر دون استثناء. وحذّر تايلور من أن إنكار الاعتراف أو تشويهه لا يمثلان فحسب تقصيراً في اللياقة الاجتماعية؛ بل يجسدان قمعاً معنوياً وأذى مجتمعياً بنيوياً يشوه إنسانية الفرد، ويحبسه في أطر نمطية تحقيرية تستلب وعيه وهويته الحرة.

في سياق التحليل النفسي والسياسي المعاصر، استعاد فرانسيس فوكوياما مفهوم الكرامة بوصفه المحرك التفسيري الأكثر مركزية في موجات الاحتجاج الإنساني والتحولات الهوياتية الكبرى؛ مستنداً إلى فكرة "الأنفة الإنسانية"، وتحديداً نزوع النفس الفطري نحو "الندّية والمساواة"، حيث يتطلع الإنسان بغريزته إلى نيل الاعتراف بقيمته ككائن مساوٍ للآخرين.

يجادل فوكوياما بأن الانفجارات الشعبية الكبرى لم تكن مجرد ردود فعل عفوية على العوز المادي أو الضائقة المعيشية؛ بل كانت في جوهرها انتفاضة ضد الإذلال الممنهج والاحتقار اليومي الذي مارسته التوليتاريات بحق مجتمعاتها، وسعياً حثيثاً لاسترداد الاعتبار الإنساني المغتصب. غير أن هذا المسار يظل عرضة للانتكاس؛ إذ سرعان ما تعمد النظم القمعية والخطابات الشعبوية إلى استثارة "نزعة الاستعلاء والتفوق"، واللعب على أوتار المظلوميات الضيقة، لتحويل سياسة الكرامة الجامعة إلى سياسات هوية إقصائية تعيد إنتاج الانقسام والصراع الداخلي.

 الهندسة التسلطية: مصادرة الإنسان

تعتمد بنية الاستبداد في الفضاء الإقليمي على مناورة خطابية مركبة، تقوم على تفريغ مفهوم الكرامة من أصله الفردي والمجتمعي، وإعادة توطينه قسراً داخل المؤسسات العسكرية والأمنية. ففي ظل عجز النظم الشمولية عن توليد شرعية شعبية تداولية حقيقية، تبتكر السلطة ترسانة بلاغية تجعل من "هيبة الدولة" الكيان الأسمى والمطلق الذي تسحق دونه كرامات الأفراد.

تغدو "هيبة الدولة" في هذا الإطار معادلاً رمزياً لحصانة الحاكم وأجهزته القمعية من أي رقابة مجتمعية أو ملاحقة قانونية؛ بحيث يُصنَّف أي نقد مستقل لسياسات السلطة، أو فضح للفساد وانتهاكات حقوق الإنسان، بوصفه اعتداءً متعمداً على استقرار الوطن وتهديداً لتماسكه.

تنتج هذه الهندسة الخطابية قلباً جذرياً لغايات الحكم والوجود السياسي؛ فبينما تقر الفلسفة السياسية بأن السلطة وُجدت لحماية حقوق الإنسان وضمان كرامته، يُعاد ترتيب الأولويات ليُجبر المواطن على التنازل الطوعي أو القسري عن حقوقه وكرامته قرباناً لديمومة الهيكل الحاكم. ويجري ترسيخ هذا التزييف عبر إقناع الجماهير بأن إهانة الفرد والتنكيل بالمعارضين في أقبية السجون والمعتقلات ليسا إلا ضرورة حتمية لحماية النظام العام، مما ينزع عن الضحية صفتها الإنسانية، ويشرعن إذلالها بوصفه ضريبةً حتمية لبقاء الكيان الجمعي.

هندسة التعمية وبث الشك الممنهج

لا يقتصر التجهيل السلطوي على آليات الرقابة البوليسية، بل يتجاوز ذلك إلى ممارسة مدروسة تُعرف بـ "صناعة الجهل الممنهج"؛ وهي دراسة الإنتاج المتعمد للتعمية وتوظيفها كمخرج ثقافي وسياسي لخدمة أطراف الهيمنة. فالجهل هنا ليس فراغاً معرفياً تملؤه برامج التعليم التقليدي، بل هو بنية مُحكمة الصنع، تُدار سياسياً واقتصادياً لضمان استسلام المحكومين.

تشريح التدليس الدولي والتدجين المحلي

يقوم الخطاب الإعلامي الغربي والدولي السائد بوظيفة محورية في ترسيخ الرؤية الاستعمارية المستمرة لقضايا المنطقة؛ إذ يفترض حتمية العنف ويجرد المجتمعات من الرشد السياسي، محولاً صراعاتها التحررية إلى مجرد نزاعات طائفية وعرقية متخلفة. وتكشف السياسات التحريرية لكبرى الشبكات العالمية عن بنية مؤسسية قائمة على ازدواجية المعايير، وتبني سرديات استعلائية تسحق الحقيقة وكرامة الإنسان معاً.

تتجلى هذه الهندسة عبر تكتيكات لغوية شديدة المكر، في طليعتها ما يمكن تسميته بـ "لغة المقابر المجهولة"؛ حيث تلجأ التغطيات الإخبارية الدولية إلى صيغة المبني للمجهول عند الحديث عن ضحايا شعوبنا المقهورة ،بينما يحضر الفاعل واضحاً وبصيغة الجزم في الأحداث المتعلقة بالطرف المعتدي، مما يعفي المجرم الحقيقي من وزره الأخلاقي والجنائي. يترافق ذلك مع استراتيجية "المساواة الزائفة" التي تضع المعتدي والضحية على قدم المساواة، فضلاً عن "نزع الطابع الإنساني" عبر تقليص الضحايا إلى أرقام صماء، والتشكيك المسبق في رواياتهم، واعتبار ادعاءات القوة الغاشمة حقيقة بديهية لا تحتاج إلى برهان.

معالم شراكة خبيثة تتقاسم الأدوار بدقة متناهية

من حيث المنطلقات الفكرية الكبرى، ينطلق الإعلام الدولي من استعلاء استعماري حديث يهدف إلى حراسة مصالح الهيمنة وتأطير أزماتنا كقضايا أمنية طارئة أو صراعات عرقية أزلية؛ بينما ينطلق الإعلام المحلي التابع من تقديس صنم "هيبة الدولة" وتبرير الاستبداد وشل قدرة المجتمع على الفعل الحر.

أما على صعيد التأطير البلاغي واللغوي، فبينما يعمد الإعلام الغربي إلى استخدام صيغ المبني للمجهول لنزع السياق التاريخي ومساواة القاتل بالقتيل؛ ينشط الإعلام المحلي في إنتاج معجم التخوين، وشيطنة الأصوات الحرة، وتضخيم نظريات المؤامرة لامتصاص الغضب وتوجيهه نحو أعداء وهميين.

وفي مجال استراتيجيات صناعة الجهل وتزييف الوعي، يتولى الإعلام الدولي مهمة نزع الآدمية عن الضحايا والطعن المسبق في شهاداتهم الميدانية لتطبيع الفظائع؛ في حين يتفرغ الإعلام المحلي لممارسة الإلهاء والتشتيت عبر برامج الاستعراض الاستهلاكي، وإغراق الفضاء الجماهيري بالترفيه المبتذل، ونبش النزاعات المذهبية والشعبوية التي تعمي الأبصار عن الفساد والخراب المعيشي.

تصل هذه الشراكة ذروتها في الفضاء التقني المعاصر؛ حيث تسخّر المنظومة الدولية خوارزميات المنصات العالمية لتقييد المحتوى المقاوم وكتم الأصوات التحررية؛ وفي المقابل، تحشد الأجهزة المحلية كتائب الجيوش الإلكترونية والحسابات الآلية الموجهة لخنق الرأي العام ومحاصرة أي وعي مدني مستقل.

وبالتالي تفضي هذه المنظومة المركبة إلى محصلة سياسية كارثية تمنح قوى الاحتلال والهيمنة الدولية حصانة أخلاقية تعفيها من المساءلة وتشل التضامن الإنساني مع قضايانا، وتورث في الوقت ذاته مجتمعاتنا الداخلية شللاً سياسياً وتبعث في نفوسها اليأس والقبول بتأبيد الاستبداد.

تفكيك السرديات في بؤر الصراع المفتوحة

شكّلت انتفاضات الشعوب في مطلع العقد الماضي لحظة تاريخية استثنائية انبلجت فيها كرامة السياسة من قلب الميادين العمومية؛ إذ التقت الإرادات الشعبية على شعار محوري جسدته هتافات العدالة والحرية والكرامة الإنسانية. كانت الكرامة في تلك اللحظة تعبيراً عن استعادة الإنسان حقَّه في صناعة واقعه ومواجهة منظومات التحقير الأمني التي كممت صوته طويلاً؛ فتأسست المساواة التامة في الفعل والمصير داخل الساحات المشتركة.

غير أن قوى الردة ومشاريع العسكرة شنت هجوماً معاكساً تمثل في "تأميم" مفردة الكرامة ذاتها، وانتزاعها من فضائها التحرري لتصبح عنواناً للحروب الداخلية والانقلابات العسكرية والمجازر المنظمة. تحولت الكرامة في الخطاب التسلطي الجديد من حق للمجتمع في وجه الظلم إلى امتياز حصري للأجهزة الأمنية وحصانة لقادتها، مع اتهام كل من يطالب بالحقوق المدنية بالخيانة والعمالة، في ذروة بشعة للتزوير الدلالي الذي يوظف مفردات التحرر لسحق شروط الحرية وإخراس المجتمع.

مسارات التحرر وإعادة تأسيس المواطنة العادلة

تُظهر المقاربة التفكيكية أن استلاب الكرامة وصناعة الجهل ليسا عَرَضين عابرين، بل هما الدعامة المركزية التي تقوم عليها نظم السيطرة والتسلط؛ إذ يتطلب بقاء هذه النظم تفريغ الفعل السياسي من روحه النقدية الحرة، وتحويل المجتمعات إلى جماهير عاجزة مستسلمة لأوهام الاستقرار الكاذب. إن التحالف القائم بين عصا الاستبداد وعدسات الإعلام المضلل هو حلف وجودي يهدف إلى شل قدرة الإنسان على الفعل وصنع التاريخ.

إن الخروج من هذه التبعية يتطلب تدشين مسار تحرري يقوم على مرتكزين متكاملين:

المقاومة المعرفية وتفكيك الجهل: من خلال تأسيس وعي مضاد يوثق الجرائم، ويسترد حجية شهادات الضحايا خارج إملاءات المنظومات التابعة، ويعيد للمفاهيم كرامتها ودلالاتها الأصلية الرافضة للظلم والتضليل.

استعادة كرامة السياسة كفعل مشترك: بالعودة الواعية إلى الفضاء العام، وتجاوز مجتمع الاستعراض والتفاهة، والترفع عن الانقسامات الطائفية والجهوية؛ وصولاً إلى بناء دولة القانون والمواطنة المتكافئة، حيث يكون الإنسان هو القيمة العليا والغاية الوحيدة لكل ممارسة سياسية، رافضين بحزم مقايضة الكرامة الإنسانية بأوهام الاستقرار الزائف.

الإعلام الانتهازي وسماسرة الدماء

إن الكاميرا التي تداري جرائم الطواغيت شريكة في القتل، والصحفي الذي يبيع قلمه لتخدير الشعوب ليس إلا مقاولاً لإنتاج الجهل والموت.تقتضي المسؤولية الأخلاقية والفكرية أن نختم هذا التفكيك بإدانة صريحة وناجزة للمنظومات الإعلامية الانتهازية بشتى واجهاتها.لإن معركة استرداد الكرامة هي معركة الحقيقة في المقام الأول؛ ولن تسترد السياسة عدالتها في الواقع ما لم تُحطَّم أصنام التزييف على الشاشات.

***

غالب المسعودي

من ترويض الطفل إلى تحرير الإنسان

من أخطر ما يمكن أن نفعله بعقل طفل أن نجعل الخوف لغته الأولى، وأن نضع الموت والعذاب والنار في قلب أسئلته قبل أن نعلمه كيف يحب الحياة.

الطفل لا يحتاج في بدايات وعيه إلى عالم يطارده بالتهديد، بقدر ما يحتاج إلى عالم يفتح له نوافذه.

حدثوه عن جمال الشجرة، وعن دهشة السماء، وعن الموسيقى حين تتحول الأصوات إلى معنى، وعن الرسم حين يصبح اللون لغة، وعن الكتاب حين يصير نافذة إلى عوالم لم نعرفها بعد.

حدثوه عن الحب، لا بوصفه امتلاكا، وإنما باعتباره قدرة على أن يرى الإنسان إنسانا آخر دون أن يحاول ابتلاعه أو إلغاءه.

حدثوه عن التسامح والعفو، لأن الإنسان لا يصبح عظيما بعدد الذين يخافونه، وإنما بعدد الذين يستطيع أن يسامحهم دون أن يفقد كرامته.

حدثوه عن الصدق، لا لأن الكذب يجلب العقاب، بل لأن الحقيقة هي الطريق الأقصر إلى إنسان يستطيع أن يحترم نفسه.

حدثوه عن العدل، لأن العدل ليس مجرد قاعدة اجتماعية، بل هو الاعتراف بأن للآخر حقا في الوجود والكرامة مثلما لنا.

علموه كيف يرسم لوحة.. لا ليحفظ شكل الاشياء كما يراها الآخرون، بل ليكتشف كيف يراها هو. اتركوا يده حرة أمام الورقة، ودعوه يختار اللون الذي يشبه شعوره، والخط الذي يشبه خياله، والشكل الذي لم يوجد بعد إلا في ذهنه. لا تسألوه لماذا جعل السماء بنفسجية، أو لماذا رسم الشمس بلون غريب؛ فالفن يبدأ في اللحظة التي نكف فيها عن إجبار الخيال على تقليد الواقع. علموه أن اللوحة ليست اختبارا له إجابة صحيحة وأخرى خاطئة، وإنما مساحة حرة يمكن أن يخطئ فيها، ويمحو، ويعيد، ويجرب، ويكتشف

وعلموه أن الاختلاف ليس خطرا.

فأن يكون الآخر مختلفا في أفكاره أو ثقافته أو معتقده أو طريقته في الحياة، لا يعني أنه عدو، بل يعني أن العالم أوسع من زاوية نظر واحدة. الطفل الذي يتعلم منذ صغره احترام الاختلاف، يكبر بعقل أكثر رحابة وأقل قابلية للتعصب.

أما حين يتحول الخطاب الموجه إليه إلى قائمة طويلة من الموت والعذاب والجحيم والنار الأبدية، فإننا لا نبني بالضرورة إنسانا أخلاقيا، وإنما قد نبني إنسانا يراقب خطواته خوفا من العقوبة، ويبحث عن النجاة أكثر مما يبحث عن الحقيقة.

والأخلاق التي تقوم على الخوف تظل أخلاقا هشة؛ لأن الإنسان قد يفعل الخير خشية العقاب، لكنه لا يصبح إنسانا أخلاقيا بالمعنى العميق إلا حين يحب الخير لذاته، ويرى في الرحمة قيمة، وفي العدل ضرورة، وفي الحرية مسؤولية.

ليس المقصود أن نخفي عن الطفل حقيقة الموت، فالموت جزء من الوجود، ولا يمكن بناء وعي ناضج على إنكار الحقيقة. لكن ثمة فرقا هائلا بين أن نعلم الطفل أن الموت حقيقة من حقائق الحياة، وأن نجعل الموت شبحا يطارده في كل لحظة.

فالطفل الذي يعيش محاصرا بالخوف قد يتعلم الطاعة لكنه قد يفقد السؤال.

وقد يتجنب الخطأ، لكنه قد يخاف التجربة.

وقد يبحث عن رضا الآخرين، لكنه لا يتعلم كيف يصنع ذاته.

والإبداع في جوهره يحتاج إلى مساحة آمنة للخطأ والتجريب والدهشة. ولا يمكن لعقل يرتجف باستمرار أمام العقوبة أن يحلق بعيدا في سماء الخيال.

لا تجعلوا الجحيم أول صورة يرسمها الطفل عن العالم، ولا تجعلوا الموت أول درس يتعلمه عن الحياة.

ازرعوا في روحه سؤالا، وفي قلبه محبة، وفي عقله حرية، وفي وجدانه جمالا.

علموه أن الحياة ليست امتحانا للرعب، وإنما فرصة للمعرفة والحب والإبداع؛ وأن قيمة الإنسان لا تقاس بحجم خوفه، بل بقدرته على أن يعيش بضمير حي، وأن يمنح العالم شيئا من النور الذي وجده في داخله.

لا تقتلوا في الطفل الإنسان باسم تربيته، ولا تطفئوا دهشة العالم في عينيه باسم الخوف من الآخرة.

لا نريد جيلا يرتجف أمام الحياة، بل جيلا يجرؤ على أن يسألها. لا نريد إنسانا تحركه السياط الخفية، بل إنسانا يقوده ضميره. لا نريد عقولا مغلقة أمام المختلف، بل أرواحا تتسع للإنسان أيا كان اختلافه.

لا تجعلوا الطفل يكبر وهو يظن أن الله يراقبه ليعاقبه، أو أن الحياة فخ، أو أن الآخر خطر، أو أن جسده عورة، أو أن عقله عدو يجب إسكات صوته. علموه بدلا من ذلك أن الضمير أعمق من الخوف، وأن الرحمة أسمى من العقوبة، وأن الإنسان أكبر من انتمائه، وأن قيمة الفكرة لا تأتي من قِدمها، وأن الحقيقة لا تخشى السؤال.

فإذا أردتم أن تبنوا إنسانا صالحا، فلا تبدأوا معه بالجحيم... ابدأوا معه بالحب. لا تعلموه كيف يخاف من النار، بل علموه كيف يكون نورا.

***

ابتهال عبد الوهاب

فلسفة الوجدان والشوق عند الإمام الغزالي

أزمة اليقين ومنعطف التصوف

عاش الإمام أبو حامد الغزالي في القرن الخامس الهجري، وهو عصر لم يكن مجرد حقبة زمنية عابرة في التاريخ الإسلامي، بل كان مخاضاً فكرياً وسياسياً بالغ التعقيد. تميز ذلك الزمن بصراعات حادة على السلطة، وتنافس محموم بين المدارس الكلامية، وتشرذم سياسي جعل العالم الإسلامي يعيش على وقع الاضطرابات والحروب الصليبية وتمدد الحركات الباطنية. وسط هذا الصخب، لم يكن الفكر الإسلامي يعاني فقط من أزمات الحكم، بل كان يترنح تحت وطأة أزمة أعمق تمثلت في تآكل اليقين واختناق الروح تحت ركام الجدل الفقهي الجاف والتعصب المذهبي المقيت. في خضم هذه البيئة المضطربة، وُلدت أزمة الغزالي الكبرى؛ تلك الرحلة الوجودية الشهيرة التي قادته للشك المنهجي هرباً من تقليد المعارف، فاعتزل التدريس والجاه في بغداد ليبدأ سياحة روحية طويلة. هذا المخاض القاسي هو الذي مهّد الطريق أمام الغزالي ليعيد صياغة المشهد الروحي بأكمله، منتقلاً من رحاب الفلسفة والجدل الكلامي إلى رحاب التصوف الصافي، ليجد في تجربة الوجدان والذوق الإلهي الملاذ الآمن الذي ينقذ العقل من الحيرة والروح من الجفاف، مؤسساً بذلك لمنعطف تاريخي جعل من الإنسان وتأمله الداخلي محوراً لكل معرفة حقيقية.

الحب الإنساني كقنطرة نحو المطلق

 من هذا المخاض الروحي والفكري، لم يقف الغزالي عند حدود النقد العقلي أو التصوف النظري، بل غاص بعيداً في تفكك أبعاد النفس البشرية ليصيغ فلسفة متكاملة للحب الإنساني بمعزل عن السرديات التقليدية. رأى الغزالي أن الإنسان مفطور بطبيعته على الانجذاب نحو الجمال والكمال، وأن الحب ليس مجرد عارضة طارئة بل هو طاقة وجودية كبرى تحرك الكائنات. فقد فكّك أسباب الجذب البشري مرجعاً إياها إلى معانٍ دقيقة كالاحسان والامتنان، أو الإعجاب بجمال الصورة والصفات، وصولاً إلى الانسجام الخفي والتشاكل الروحي بين النفوس. غير أن عبقرية الغزالي تتجلى في تجاوز هذا الحب المادي البحت ليجعله قنطرة رمزية وجسراً يُعبر من خلاله نحو المطلق؛ فكل جمال بشري أو إحسان أرضي ما هو إلا مرآة عابرة تنعكس عليها أنوار الأصل الإلهي. وبهذا التحليل العميق، حوّل الغزالي العاطفة البشرية من مجرد غريزة استهلاكية زائلة أو رغبة ضيقة إلى مدرسة تربوية يتعلم فيها القلب لغة التعلق والوفاء والشوق، لتصبح التجربة العاطفية الإنسانية هي العتبة الأولى التي يهتدي بها الإنسان نحو إدراك معاني الحب الخالص الذي لا يحده زمان ولا مكان.

تشريح الوجدان: من إحياء علوم الدين إلى مدارج القلوب

لإدراك العمق الحقيقي لفلسفة الحب لدى الإمام الغزالي، لا بد من العودة إلى نصوصه ومصنفاته الكبرى التي خصصها للحديث عن أشواق النفس ومنازل القلوب. لم يكن الغزالي كاتباً رومانسياً بالمعنى الحديث، بل كان طبيباً روحياً وفيلسوفاً يحاكم العواطف بمعايير المعرفة واليقين. ويأتي في صدارة الكتب التي اهتمت بهذا المبحث العظيم سفره الخالد إحياء علوم الدين وتحديداً كتاب   المحبة والشوق والأنس والرضا إلى جانب رسائله الصوفية مثل المقنعة في الرد على من أهان العشق وكتاب   منهاج العابدين ورسالته   أيها الولد

في كتابه الإحياء، يضع الغزالي يده على العلة الجوهرية للحب فيؤكد بيقين ناصع قوله: إن المحبة ثمرة من ثمرات المعرفة، فمن عرف الله أحبه لا محالة، وكل من كان بالله أعرف كان له أحب. هنا يربط الغزالي بين العلم والعاطفة؛ فالحب ليس مجرد نزوة قلبية أو انفعال عابر، بل هو نتيجة حتمية لإدراك كمال المحبوب. وحين يحلل أسباب الانجذاب الإنساني والإلهي، يقرر بوضوح أن القلب جُبل على حب أربعة أمور: حب الإنسان لنفسه وبقائه، حب المحسن إليه والمفضِل عليه، حب الجميل لذاته بغض النظر عن النفع، وحب التشاكل الخفي والانسجام الروحي بين الأرواح المتجانسة.

وحين ينتقل الغزالي إلى تفصيل بنية الحب ومراتبه المتصاعدة، فإنه يصف الشوق بأنه حركة قلبية متأججة لا تكتمل إلا بغياب الحجب؛ فهو يقول في وصف هذه الحال: الشوق هو اشتياق القلب إلى لقاء المحبوب إذا غاب عنه شخصه، وهو يتبع المعرفة، فمن عرف محبوبه ولم يره تمكن الشوق في قلبه، وكلما كانت المعرفة أتم كان الشوق أشد. فالعاشق بحسب رؤية الغزالي يظل في أتون الاحتراق والاشتياق حتى ترفع حجب المادة ويتحقق اللقاء.

ثم يرتقي الغزالي بالخطاب ليتجاوز الشوق إلى مرتبة الأنس   فيصفه بأنه ثمرة حضور المحبوب في القلب وطمأنينته به، حيث يستروح المحب بذكر حبيبه وينسئ به عن وحشة الخلق، حتى يصل في نهاية المراتب إلى   الرضا   وهو الحالة التي يصفها بقوله إنها استواء الحالتين: البلاء والنعمة، لأن المحب لا يختار مع حبيبه شيئاً، بل يكون مراد الحبيب هو عين مراده. وبهذا الخطاب المنسوج بين برهان الفلسفة وذوق التصوف، يخرجنا الغزالي من ضيق العبارات الفقهية الجافة إلى فضاءات الوجدان الواسع، ليصبح الحب لديه هو مفتاح الوجود وميزان الخلاص الإنساني

سيكولوجية العشق الإلهي ومعراج الروح

تتوج هذه الرحلة الوجدانيّة في مشروع الغزالي بالانتقال من أفق الحب الإنساني الواسع إلى رحاب التصوف الخالص وسيكولوجية العشق الأسمى، حيث لم يعد التصوف لديه مجرد ممارسات زاهدة أو طقوس شكلية، بل تحول إلى رياضة روحية عميقة تصفّي القلب من شوائب التعلق المادي وتحرره من أغلال النفعية الضيقة. من خلال هذا المعراج الروحي، استطاع الغزالي أن يفكك خبايا النفس ومقاماتها العليا، صائغاً بدقة متناهية تفاصيل الشوق والأنس والرضا، وهي حالات شعورية تعكس ذوبان العاشق في محبوبه المطلق وتجاوزه لكل دوافع الخوف أو الطمع. لقد أثبت الغزالي من خلال هذا النسق أن القلب الإنساني لا يبلغ كماله ولا يحقق طمأنينته الحقيقية إلا حين يتحرر من أسر المادة ليتصل بالمصدر الأول لكل جمال ووجود. وبهذا، نجح في تأسيس فلسفة متكاملة للحب والوجدان، أعادت للإنسان توازنه المفقود، وجعلت من الحب بأبعاده الإنسانية والإلهية الجوهر الأصفى للوجود وقاطرة الخلاص الروحي التي تضيء دروب الحيارى حتى يومنا هذا.

***

ئاريان علي

المقدمة: يشهد الاقتصاد العالمي تحولاً بنيوياً عميقاً منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، يتمثل في انتقال مركز الثقل من إنتاج السلع المادية إلى إنتاج وتداول المعلومات والبيانات. وفي قلب هذا التحول، برز مفهوم "اقتصاد الانتباه" (Attention Economy) كإطار تحليلي يلتقط جوهر التحولات الرأسمالية المعاصرة. ففي ظل الوفرة غير المسبوقة للمعلومات، لم يعد الانتباه البشري مجرد عملية نفسية فردية، بل أصبح مورداً اقتصادياً نادراً، وسلعة قابلة للتداول، وميداناً للصراع الاجتماعي.

تهدف هذه الدراسة إلى تقديم تحليل نقدي موسع لاقتصاد الانتباه من منظور المادية التاريخية، باعتبارها منهجاً تحليلياً يربط بين البنى الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية والوعي الفردي والجماعي. وتنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن اقتصاد الانتباه ليس مجرد تطور تقني محايد، بل هو تجسيد معاصر لمنطق رأس المال في استيعاب مجالات جديدة من الحياة البشرية وتحويلها إلى مصادر للقيمة والربح.

وتتوزع الدراسة على ستة محاور رئيسية: أولاً، تعريف اقتصاد الانتباه وتحديد أهميته في سياق الاقتصاد الرقمي الحديث؛ ثانياً، تحليل تأثير وسائل الإعلام الاجتماعية والرقمية على سلوك المستهلكين؛ ثالثاً، دراسة العلاقة بين الانتباه والموارد الاقتصادية؛ رابعاً، استعراض النظريات الاجتماعية المرتبطة، مع التركيز على المادية التاريخية؛ خامساً، تقديم أمثلة من الدراسات السابقة؛ وأخيراً، مناقشة التحديات الأخلاقية والاجتماعية.

1. الفصل الأول: تعريف اقتصاد الانتباه وأهميته في الاقتصاد الرقمي

النشأة التاريخية للمفهوم

يُعد هربرت أ. سايمون من أبرز المؤسسين الأوائل للإطار النظري الذي أصبح يُعرف لاحقًا باقتصاد الانتباه وهو عالم في السايكولوجيا وفي الاقتصاد وحائز على جائزة نوبل، و طرحه في أواخر الستينيات من القرن العشرين [1]. وقد لاحظ سيمون أن الانتباه يمثل "عنق الزجاجة في الفكر البشري" (the bottleneck of human thought)، إذ يحد من قدرتنا على إدراك البيئات المحفزة وما يمكننا القيام به. وقد صاغ سيمون مقولته الشهيرة: "ثروة من المعلومات تخلق فقراً في الانتباه" (a wealth of information creates a poverty of attention)، وهي المقولة التي لخصت الإشكالية المركزية لعصر المعلومات.

وفي عام 1997، حذر الفيزيائي النظري مايكل غولدهابر (Michael Goldhaber) من أن الاقتصاد الدولي يتحول من اقتصاد قائم على المواد إلى اقتصاد قائم على الانتباه، مشيراً إلى الخدمات العديدة التي تُقدم مجاناً عبر الإنترنت. وقد تطور هذا المفهوم لاحقاً على يد باحثين مثل دافينبرت وبيك (Davenport & Beck) في كتابهما "اقتصاد الانتباه: فهم القيمة الجديدة للأعمال" (2001)، حيث تم تعريفه بأنه "نهج لإدارة المعلومات يتعامل مع الانتباه البشري باعتباره سلعة نادرة، ويطبق النظرية الاقتصادية لحل مشكلات إدارة المعلومات".

التعريف الاصطلاحي والخصائص

يمكن تعريف اقتصاد الانتباه بأنه "نموذج اقتصادي يهدف إلى كسب انتباه متلقي الرسالة الإعلامية والاتصالية لتحقيق مكاسب استراتيجية". ويقوم هذا النموذج على افتراض أساسي مفاده أن الانتباه البشري مورد محدود وشحيح في بيئة تتسم بالوفرة اللانهائية من المحتوى والمعلومات.

ويتميز اقتصاد الانتباه بالخصائص التالية:

الانتباه كسلعة شحيحة. في اقتصاد الانتباه، يُنظر إلى التركيز الذهني البشري باعتباره "سلعة شحيحة وغاية تسعى الممارسات الرقمية للاستحواذ عليها". وخلافاً للموارد المادية التي يمكن زيادتها، فإن الانتباه البشري محدود بطبيعته البيولوجية.

الانتباه كعملة. في هذا الاقتصاد، لا يُقاس الانتباه كمورد فحسب، بل يُعد "عملة" يتم تداولها. عندما يستهلك المستخدم محتوى "مجانياً"، فإنه في الواقع "يدفع" بانتباهه، ويصبح هو نفسه "المنتج".

المنافسة على الوقت والتركيز. لم تعد المنافسة الاقتصادية تدور حول المال فقط، بل "حول الوقت والتركيز الذهني". وكل ثانية يقضيها المستخدم على منصة ما تمثل قيمة اقتصادية للشركة المالكة لها.

القياس والتنبؤ بالانتباه. مع تطور الذكاء الاصطناعي، لم يعد الأمر يقتصر على شراء الانتباه، بل أصبحت الشركات قادرة على "قياسه، والتنبؤ به، وتوجيهه، ثم إنتاج المحتوى المصمم خصيصاً" لجذبه.

الأهمية في الاقتصاد الرقمي

تتجلى أهمية اقتصاد الانتباه في كونه يقدم إطاراً تفسيرياً لفهم العديد من الظواهر الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة. ففي عصر الوفرة المعلوماتية، لم يعد السؤال الأهم "من يملك المعلومات؟"، بل أصبح السؤال المُلح: "من يستطيع أن يقرر أي جزء من هذه المعلومات سيصل إلى الإنسان، وفي أي لحظة، وبأي ترتيب، وبأي صيغة؟".

وتظهر الأهمية الاقتصادية لاقتصاد الانتباه في حجم الاستثمارات الضخمة التي تخصصها كبرى الشركات الرقمية لتطوير خوارزميات التوصية وتصميم واجهات المستخدم. فقد طورت شركة "ميتا" نموذجاً أساسياً ضخماً لتوصية الإعلانات يعمل على نطاق يقترب من النماذج اللغوية الكبيرة، مستفيداً من تاريخ التفاعل وخصائص المحتوى لتحسين التوصية.

2. الفصل الثاني: تأثير وسائل الإعلام الاجتماعية والرقمية على سلوك المستهلكين

آليات التأثير الخوارزمي

تعتمد منصات الإعلام الاجتماعي على خوارزميات متطورة تُعطي الأولوية للمحتوى الذي يحقق أعلى معدلات التفاعل. ونتيجة لذلك، "تمنح هذه الخوارزميات المحتوى المثير للجدل أو الصادم فرصاً أكبر للانتشار". وهذا يدفع صناع المحتوى إلى البحث عن أساليب تجذب أكبر عدد ممكن من المشاهدات، بهدف تحقيق عوائد مالية من الإعلانات والبث المباشر والهدايا الرقمية.

وقد أظهرت الدراسات أن الإفراط في استخدام الشاشات وتعدد المهام المستمر يرتبط بانخفاض دقة الانتباه وبطء الاستجابات الذهنية، خاصة بين الشباب. كما أن المنصات مثل تيك توك تُعرف بتقصير مدى الانتباه وتعزيز أعراض الإدمان مثل الخوف من فوات الشيء (FOMO) والتصفح القهري للأخبار السلبية (doomscrolling).

إعادة تشكيل أنماط الاستهلاك

يعمل اقتصاد الانتباه على إعادة تشكيل أنماط الاستهلاك بطرق متعددة. فكلما أطال المستخدم بقاءه على تطبيق ما، زادت فرصة الشركة لتحقيق الأرباح من الإعلانات، وبيع بيانات الاستخدام، والتأثير على القرارات الشرائية. ويشير المختصون إلى أن "التحكم في الانتباه يمثل الحد الفاصل بين النيات والسلوك الفعلي؛ حيث أن ما يشكل فكر الفرد وتوجهاته ليس ما يقول إنه يهتم به، بل ما يمنحه تركيزه ووقته الذهني بانتظام".

وقد أدى التدفق المعرفي المتواصل وسيكولوجية التواصل الاجتماعي إلى تقليص مساحة التركيز الذهني العميق، مما جعل هذا الأخير "ميزة تنافسية نادرة في سوق العمل والاقتصاد الحديث". وتشير الدراسات إلى أن متوسط مدة انتباه الفرد انخفضت إلى ما بين 19 و47 ثانية فقط.

التصميم المُدمن والاقتصاد السلوكي

يستند اقتصاد الانتباه إلى مبادئ الاقتصاد السلوكي وعلم النفس المعرفي. فقد طورت شركات التكنولوجيا استراتيجيات "لتشغيل أنظمة المكافآت في الدماغ بغرض التلاعب بالناس لقضاء أكبر وقت ممكن على منصاتها". وتستند هذه الاستراتيجيات إلى حد كبير إلى علم النفس الخاص بالتحيزات المعرفية البشرية.

وتشير شوشانا زوبوف (Shoshana Zuboff) في مفهومها لـ"الرأسمالية السرطانية" (surveillance capitalism) إلى أن "التجارب الإنسانية أصبحت مادة خام مجانية للممارسات التجارية الخفية للاستخراج والتنبؤ والبيع". وهذا يعني أن المنصات لا تكتفي بجذب الانتباه، بل تحوله إلى بيانات تُستخدم للتنبؤ بالسلوك وتوجيهه.

3. الفصل الثالث: العلاقة بين الانتباه والموارد الاقتصادية

الانتباه كمورد نادر

في النظرية الاقتصادية التقليدية، يُعرَّف الاقتصاد بأنه "دراسة كيفية تخصيص الموارد الشحيحة". وفي عصر الوفرة المعلوماتية، يبرز السؤال: ما هو المورد النادر حقاً؟ والجواب الذي يقدمه اقتصاد الانتباه هو أن "المورد الأكثر ندرة قد يكون القدرة البشرية على الانتباه والاختيار وسط وفرة لا نهائية من المحتوى والقرارات".

وهنا يظهر تمييز جوهري: ففي الاقتصاد التقليدي، كانت الندرة تتعلق بالموارد المادية؛ أما في اقتصاد الانتباه، فالندرة تتعلق بالقدرة الإدراكية البشرية. وهذا التحول له implications عميقة على فهمنا للقيمة والتبادل والاستغلال.

تكلفة الفرصة البديلة للانتباه

من المفاهيم الاقتصادية المركزية التي تنطبق على الانتباه مفهوم "تكلفة الفرصة البديلة" (Opportunity Cost). فإذا كانت تكلفة الفرصة البديلة في النظرية الاقتصادية تمثل "قيمة البديل الضائع عند اتخاذ قرار معين"، فإنها في اقتصاد الانتباه "تتمثل في الأنشطة الأخرى التي كان يمكن للمستخدم القيام بها مثل العمل، أو التفاعل الاجتماعي الحقيقي، أو القراءة، أو ممارسة الرياضة".

وقد أظهرت دراسة حديثة نُشرت في The Economic Journal أن الأفراد يواجهون "مقايضة أساسية بين الاستمتاع بالاستهلاك الحاضر ومعالجة المعلومات"، وكلاهما يتطلب انتباهاً محدوداً. ووجدت الدراسة أن الاستهلاك الحاضر المرتفع يقلل الطلب على المعلومات حول النتائج المستقبلية المحتملة، ويزيد الاستعداد للدفع مقابل تخفيف المخاطر. وهذه النتائج لها دلالات مهمة لفهم "اقتصاد السياسة للتشتيت"، إذ قد يلجأ الفاعلون السياسيون إلى "الخبز والملاهي" لكبت الطلب على المعلومات.

التأثير على القرارات الاقتصادية

يؤثر اقتصاد الانتباه على القرارات الاقتصادية على مستويين: المستوى الفردي والمستوى المؤسسي.

على المستوى الفردي، يعمل التصميم المُدمن للمنصات على تقويض القدرة على اتخاذ قرارات واعية ومستنيرة. ويشير جيمس ويليامز في كتابه Stand Out of Our Light إلى أن "القصف المستمر للمحفزات والتلاعب يقلل من قدرة المستخدمين على الاستقلالية".

على المستوى المؤسسي، أصبح الانتباه مورداً استراتيجياً للشركات. ففي بيئة العمل الحديثة، لم يعد الحصول على المعلومة يمثل نقطة تفاضل، بل أصبحت "القدرة على التعمق في المعرفة، وطرح الأسئلة الجوهرية، وتحليل التناقضات" هي المقياس الحقيقي للإنتاجية. وقد أظهرت الدراسات أن "التنقل المستمر بين المهام يترك جزءاً من التركيز معلقاً في المهمة السابقة"، وهو ما يُعرف بـ"أثر الانتباه المتبقي"، مما يؤدي إلى تراجع الأداء الذهني.

4. الفصل الرابع: النظريات الاجتماعية واقتصاد الانتباه: منظور المادية التاريخية

أسس المادية التاريخية

تُعد المادية التاريخية (Historical Materialism) المنهج التحليلي الذي طوره كارل ماركس وفريدريك إنجلز لفهم حركة التاريخ البشري. ويقوم هذا المنهج على فرضية أساسية مفادها أن "الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي"، وأن البنية الاقتصادية (القاعدة) هي التي تحدد إلى حد كبير البنية الفوقية من مؤسسات وقوانين وأفكار.

وينطلق التحليل المادي التاريخي من أن التناقضات الاجتماعية والصراعات الطبقية تنبع من علاقات الإنتاج السائدة. وفي كل مرحلة تاريخية، تظهر قوى إنتاجية جديدة تتصادم مع علاقات الإنتاج القائمة، مما يؤدي إلى تحولات اجتماعية جذرية. ويُعد رأس المال، في هذا التحليل، ليس مجرد كمية من المال، بل "علاقة اجتماعية" تقوم على استغلال العمل المأجور.

قراءة اقتصاد الانتباه من منظور المادية التاريخية

من منظور المادية التاريخية، يمكن فهم اقتصاد الانتباه باعتباره امتداداً لمنطق رأس المال في مرحلته الرقمية. ففي "الرأسمالية الرقمية" (digital capitalism)، اندمج المنطق الرأسمالي القائم على الملكية الخاصة مع التقنيات الرقمية بسرعة، وتحولت وسائل مضاعفة رأس المال من "العمل" الذي يُشترى في السوق المادي إلى "الانتباه" الذي يُجنَّد على المنصات الافتراضية.

وهذا التحول له دلالات عميقة. ففي التحليل الماركسي التقليدي، يبيع العامل قوة عمله مقابل أجر، ويستخرج الرأسمالي فائض القيمة من فرق قيمة العمل المنتَج وقيمة الأجر المدفوع. أما في اقتصاد الانتباه، فإن "العمل" الذي يُستَخرج منه فائض القيمة ليس الجهد العضلي أو الذهني في الإنتاج، بل هو الانتباه ذاته الذي يمنحه المستخدم "مجاناً" مقابل خدمات المنصة. وتحوّل المنصات هذا الانتباه إلى قيمة اقتصادية عبر الإعلانات والبيانات.

الانتباه كمجال للاستغلال الرأسمالي

يطرح الفكر الماركسي المعاصر تحليلاً نقدياً لاقتصاد الانتباه يركز على مفهوم "الاستغلال". ففي ظل الرأسمالية الرقمية، أصبح الانتباه "عنصراً رئيسياً في نظام مضاعفة رأس المال"، وظهر ما يُسمى بـ"الاستغلال الإنتاجي" (Productive Exploitation) للانتباه. ويشير هذا المفهوم إلى أن "نشاط الانتباه هو شكل من أشكال العمل الرقمي الذي يخلق قيمة"، وأن رأس المال الرقمي يستخرج فائض القيمة من هذا "العمل الانتباهي".

وقد طور باحثون ماركسيون مثل كريستيان فوكس (Christian Fuchs) نظريات حول "العمل الاستهلاكي الرقمي" (digital presumption labor)، حيث يُنظر إلى "المشاهدة" أو "النقر" باعتبارها شكلاً من أشكال العمل. ويقول فوكس إنه "إذا كانت السلعة في منصات الإنترنت هي بيانات المستخدم، فإن عملية إنتاج هذه السلعة هي العمل الاستهلاكي الرقمي".

ومن منظور المادية التاريخية، يمكن القول إن اقتصاد الانتباه يُنتج نوعاً جديداً من "البروليتاريا الرقمية" (digital proletariat) — جماهير من المستخدمين الذين يبيعون انتباههم دون وعي، ويعملون بشكل غير مدفوع لصالح المنصات الرأسمالية. وهذه الجماهير، وفقاً للتحليل الماركسي، تشكل قوة اجتماعية قابلة للتنظيم والتحرر من خلال الوعي بموقعها الطبقي.

من المنافسة إلى الاحتكار

يُظهر التحليل المادي التاريخي أن اقتصاد الانتباه يمر بمرحلة انتقالية من "المنافسة على الانتباه" إلى "احتكار الانتباه". فبفعل "منطق رأس المال"، يتحول التنافس بين المنصات تدريجياً إلى تركيز واحتكاري، حيث تُراكم المنصات المهيمنة رأس المال الرمزي والبيانات وتحقق "آثار الشبكة" (network effects) التي تعزز هيمنتها.

وتشير الدراسات إلى أن "تراكم الانتباه لدى الشركات القائمة يعزز هيمنتها من خلال تأثيرات الشبكة والاحتجاز الخوارزمي" (algorithmic lock-in)، مما يثير تساؤلات جوهرية حول مستوى الحوكمة والمساءلة في توزيع الانتباه.

5. الفصل الخامس: أمثلة من الدراسات السابقة

دراسة الأسمري وبكير (2025)

قدم الأسمري وبكير (2025) دراسة بعنوان "اقتصاد الانتباه وعلاقته بصناعة المحتوى المرئي عبر منصات الإعلام الرقمي"، نشرت في مجلة البحوث والدراسات الإعلامية المصرية. سعت الدراسة إلى "رصد وتحديد طبيعة العلاقة بين اقتصاد الانتباه وصناعة المحتوى المرئي في منصات الإعلام الرقمي وعلاقتها بالعبء الزائد للمعلومات"، مع التركيز بشكل خاص على منصة يوتيوب.

واعتمدت الدراسة على المنهج التأصيلي النظري والمنهج التاريخي النقدي، واستعانت بأداة التحليل من المستوى الثاني (Meta-Analysis). وخلصت إلى أن من أهم التدابير الهادفة لتقليل العبء الزائد للمعلومات هي "إدارة المعلومات عبر الإنترنت، واتباع استراتيجيات المواجهة للتخفيف من الآثار السلبية"، والتي تشمل "التربية الرقمية، والتربية المعلوماتية، والكفاءة الإعلامية والمعلوماتية، وإدارة الذات والوقت".

دراسة كاستيلو وزملائه (2026)

نشرت كاستيلو وزملاؤه (2026) دراسة في Journal of Management Studies بعنوان "من تصميم المنصة إلى حوكمة الانتباه: إعادة التفكير في الآثار الخارجية لوسائل الإعلام الاجتماعية". وتقدم الدراسة تحليلاً متعدد الأبعاد لكيفية عمل المنصات الاجتماعية كبنية تحتية للانتباه، "تشكل الظهور والخطاب والسلطة، وبالتالي تحدد من يتحكم في الانتباه ومن تُضخَّم أصواتهم".

وتشير الدراسة إلى أن "الفشل في تخصيص الانتباه وهندسته وتراكمه يقع في قلب العواقب المجتمعية لمنصات وسائل الإعلام الاجتماعية". كما تحذر من "تحويل قواعد القرار المجتمعية إلى خوارزميات المنصة"، مما يعني نقل سلطة صنع القواعد من المؤسسات العامة إلى الأنظمة الخوارزمية الخاصة.

دراسة روغير براونزورد وديماتيو (2025)

في فصل بعنوان "مشكلات الإدارة التكنولوجية: حول الاستخراج الآلي للسلع الذهنية" من Cambridge Handbook of the Governance of Technology، يقدم براونزورد وديماتيو (2025) تحليلاً نقدياً لكيفية "مقايضة مستخدمي المنصات الاجتماعية لانتباههم وعواطفهم ومواردهم المعرفية" — وهي "سلع ذهنية تستغلها الشركات من خلال أنظمة إدارة تكنولوجية مثل الإعلانات المستهدفة والتصميم المُدمن".

وتؤكد الدراسة أن هذه المعاملات لا تسهلها عقود قانونية، بل "الكود" البرمجي، مما يسمح لشركات الإعلام الاجتماعي باستخراج القيمة بطرق لا تستطيع الأطر القانونية التقليدية التقاطها. وتُصنف الدراسة "الآثار السلبية لهذه المعاملات، مثل الاضطرابات المعرفية ومشكلات الصحة النفسية، باعتبارها نفايات تلوثية لاقتصاد الانتباه".

دراسة زوبوف (2019)

يُعد كتاب شوشانا زوبوف The Age of Surveillance Capitalism (2019) من أهم الأعمال التي ربطت بين اقتصاد الانتباه والرأسمالية السرطانية. وتقدم زوبوف تحليلاً معمقاً لكيفية تحويل التجارب الإنسانية إلى "مادة خام مجانية للممارسات التجارية الخفية للاستخراج والتنبؤ والبيع".

وتشرح زوبوف كيف أن "الرأسمالية السرطانية لا تحتاج إلى أسلحة أو سلاسل — إنها تحتاج فقط إلى وقتك، ونقراتك، وانتباهك". وتُقدم تحليلاً للآليات التي تستخدمها الشركات لمراقبة سلوك المستخدمين وأرشفته وتحليله وتسويقه، بهدف استخراج القيمة منه.

6. الفصل السادس: التحديات الأخلاقية والاجتماعية

التحديات الأخلاقية

انتهاك الاستقلالية الفردية. يعمل التصميم المُدمن للمنصات على تقويض القدرة على اتخاذ قرارات حرة ومستنيرة. ويشير النقاد إلى أن فلسفات اقتصاد الانتباه "تصور مستخدمي التكنولوجيا كضحايا — انتباههم مختطف، وإرادتهم مستنزفة، واستقلاليتهم مُلغاة".

التلاعب بالسلوك. تستخدم المنصات تقنيات الإقناع الخفي والتحفيز المستمر لتشكيل أنماط السلوك. وتثير هذه الممارسات تساؤلات أخلاقية حول حدود التلاعب التجاري المشروع، خاصة عندما يستهدف الفئات الأكثر ضعفاً مثل الأطفال والمراهقين.

انتهاك الخصوصية. تقوم الرأسمالية السرطانية على جمع كميات هائلة من البيانات الشخصية دون موافقة مستنيرة، وتحويلها إلى "مادة خام" للتنبؤ والتحكم.

تآكل الديمقراطية. يشير الباحثون إلى أن "اقتصاد الانتباه يقوض القيم الديمقراطية الأساسية، ويقوض الاستقلالية المعرفية، والتفكير التأملي، والمواطنة المستنيرة الضرورية لمجتمعات ديمقراطية سليمة".

التحديات الاجتماعية

الأضرار الصحية النفسية. يرتبط الاستخدام المفرط للمنصات الرقمية بزيادة معدلات القلق، ونقص الانتباه، والإرهاق الذهني (burnout). وتشير الدراسات إلى ارتفاع تشخيصات الصحة النفسية بين الشباب منذ عام 2010، بالتزامن مع انتشار اقتصاد الانتباه.

تآكل القدرة على التفكير العميق. يؤدي التدفق المستمر للمعلومات السريعة والمقتضبة إلى تآكل القدرة على القراءة الطويلة والتفكير النقدي والتركيز العميق. وقد أشارت دراسة صوفي ليروي إلى أن التنقل المستمر بين المهام يترك "جزءاً من التركيز معلقاً في المهمة السابقة".

تفاقم عدم المساواة المعرفية. يُنشئ اقتصاد الانتباه نوعاً جديداً من عدم المساواة: "عدم المساواة المعرفية" (Cognitive Inequality). فبينما يتمكن بعض الأفراد من حماية انتباههم واستخدامه بفعالية، يجد آخرون أنفسهم عرضة للاستغلال المستمر لانتباههم دون وعي أو قدرة على المقاومة.

تدمير الصحافة الجادة. يفضل اقتصاد الانتباه "المحتوى المثير أو العاطفي، مما قد يزاحم التقارير الاستقصائية الجادة في خلاصات الجمهور". وهذا يهدد دور الصحافة كرقيب على السلطة ومصدر للمعلومات الموثوقة.

استراتيجيات المواجهة

التنظيم القانوني. يجادل الباحثون بضرورة "تنظيم شفافية الخوارزميات، وتقرير المصير المعلوماتي، والحماية من التلاعب السلوكي"، إلى جانب "تعزيز السيادة الرقمية كدفاع ضد تركيز السلطة المعلوماتية في أيدي قلة من الشركات".

التعليم الرقمي النقدي. يُعد "التربية الرقمية والتربية المعلوماتية والكفاءة الإعلامية والمعلوماتية" من الأدوات الأساسية لتمكين المستخدمين من إدارة انتباههم بفعالية. ويتضمن ذلك "تنظيم نطاق المعلومات المطلوبة، والتقدير النقدي لقيمة المعلومات ومصداقية المصادر".

لتصميم الأخلاقي. يدعو الباحثون إلى "التصميم الأخلاقي" للمنصات، بحيث لا تستند واجهات المستخدم إلى مبادئ الإدمان والاستغلال، بل إلى احترام الاستقلالية وتعزيز الرفاهية.

البدائل الاقتصادية. يطرح بعض النقاد ضرورة تجاوز اقتصاد الانتباه نحو "بيئة انتباه" (ecology of attending)، تقوم على قيم مختلفة: "الاحترام المتبادل، والحدود المعرفية، والاستدامة الذهنية".

الضرائب والتحويلات. يطرح بعض الاقتصاديين فكرة "ضريبة بيغوفية على احتجاز الانتباه" (Pigouvian Tax on Attention Capture)، بحيث تُفرض على المنصات التي تستخرج الانتباه المفرط ضرائب تعكس التكاليف الاجتماعية الخارجية لهذه الممارسات.

الخاتمة

قدمت هذه الدراسة تحليلاً موسعاً لاقتصاد الانتباه من منظور المادية التاريخية، ساعية إلى تجاوز الوصف الظاهري للظاهرة نحو فهم جذورها البنيوية في منطق رأس المال المعاصر. وخلصت الدراسة إلى أن اقتصاد الانتباه ليس مجرد تطور تقني محايد، بل هو تجسيد لمرحلة جديدة من مراحل استيعاب رأس المال لمجالات الحياة البشرية، حيث يتحول الانتباه ذاته إلى سلعة ومورداً للاستغلال.

ومن منظور المادية التاريخية، يمكن القول إن اقتصاد الانتباه يمثل تكثيفاً للتناقض الأساسي في الرأسمالية: بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والطابع الخاص للملكية. فالمستخدمون، بأدمغة انتباههم، ينتجون القيمة بشكل جماعي، بينما يستحوذ عدد محدود من الشركات على هذه القيمة. وهذا التناقض، وفقاً للتحليل الماركسي، يحمل في طياته بذور تحوله.

وتواجه مجتمعاتنا تحديات أخلاقية واجتماعية جسيمة في مواجهة اقتصاد الانتباه، تتطلب مقاربة متعددة الأبعاد تجمع بين التنظيم القانوني، والتعليم النقدي، والتصميم الأخلاقي، والبحث عن بدائل اقتصادية. وتبقى الحاجة ملحة إلى تطوير وعي جماعي بموقعنا كفاعلين في هذا الاقتصاد، لا كمجرد ضحايا له، وقادرين على استعادة السيطرة على انتباهنا — وهو أثمن ما نملك في عصر الوفرة المعلوماتية.

***

خليل إبراهيم كاظم الحمداني - باحث

.....................

المراجع

1. الأسمري، محمد بن عوض & بكير، محمد محمد عبده. (2025). اقتصاد الانتباه وعلاقته بصناعة المحتوى المرئي عبر منصات الإعلام الرقمي. مجلة البحوث والدراسات الإعلامية، مج. 2025.

2. Capra, M., Tasoff, J., & Xu, J. (2025). To Savour Consumption or To Confront Dread: The Hedonic Opportunity Cost of Attention. The Economic Journal, ueaf091.

3. Castelló et al. (2026). From Platform Design to Attention Governance: Rethinking Social Media Externalities. Journal of Management Studies.

4. Davenport, T. H., & Beck, J. C. (2001). The Attention Economy: Understanding the New Currency of Business. Harvard Business School Press.

5. Fuchs, C. (2023). Digital Labor and the Attention Economy. Chinese Social Sciences Net.

6. Goldhaber, M. H. (1997). The Attention Economy and the Net. First Monday, 2(4).

7. Liu, Y., & Ge, T. (2024). A Critique of the Attention Crisis from Historical Materialism and its Implications. Teaching and Research, 58(11), 34.

8. Simon, H. A. (1971). Designing Organizations for an Information-Rich World. In M. Greenberger (Ed.), Computers, Communication, and the Public Interest. Johns Hopkins University Press.

9. Williams, J. (2018). Stand Out of Our Light: Freedom and Resistance in the Attention Economy. Cambridge University Press.

10. Zuboff, S. (2019). The Age of Surveillance Capitalism. Public Affairs.

11. Brownsword, R., & DiMatteo, L. A. (2025). Problems of Technological Management: On Automated Extraction of Mental Goods. In Cambridge Handbook of the Governance of Technology. Cambridge University Press.

12. Webster, J. G. (2014). The Marketplace of Attention: How Audiences Take Shape in a Digital Age. MIT Press.

[1] Simon, Herbert A. “Designing Organizations for an Information-Rich World.” In Computers, Communications, and the Public Interest, edited by Martin Greenberger, 37–72. Baltimore: Johns Hopkins Press, 1971.

كلما تقدم الزمن، توهمنا أننا نبتعد بالضرورة عن الجاهلية، وكأن عقارب الساعة تحمل معها وعدا تلقائيا بأن يصبح الإنسان أكثر عقلا، وأكثر حرية، وأكثر إنسانية. لكن التاريخ لا يمنحنا هذا الوعد. فالزمن يتقدم، أما الإنسان فقد يتقدم معه أو يتخلف عنه

الجاهلية ليست زمنا انتهى، حتى نطمئن إلى أننا خرجنا منه، ولا حقبة تاريخية يمكن أن نضعها خلف ظهورنا ثم نمضي مطمئنين إلى المستقبل. الجاهلية أعمق من ذلك.. إنها مفهوم، وحالة ذهنية، وطريقة في النظر إلى الإنسان والعالم. ولهذا قد تتغير الأزمنة، وتتبدل المدن، وتتقدم العلوم، بينما تظل الجاهلية جالسة في مكانها، تتخفى كل مرة في ثوب جديد.

ولعل أبلغ ما يختصر هذه المفارقة ذلك البيت من إبداع الشاعر نزار قباني:

«لبسنا ثوب الحضارة والروح جاهلية»

فما أكثر ما يتقدم الإنسان في مظهره، بينما يتراجع في جوهره

قد يحمل أحدث هاتف، ويستخدم أكثر التقنيات تطورا، ويسكن مدينة ذكية، ثم يظل عقله أسير التعصب، والخرافة، والوصاية، وكراهية المختلف. وقد يصل العلم إلى أقصى تخوم الكون، بينما يعجز الإنسان عن عبور المسافة القصيرة بينه وبين إنسان آخر يختلف عنه في الدين أو الفكر أو الجنس أو الموقف.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: ليست الحضارة ما نمتلكه، وإنما ما نصبحه.

فالجاهلية لا تعني انعدام المعرفة، وإنما تعني أن المعرفة لم تتحول إلى وعي، وأن العقل لم يتحول إلى حرية، وأن الإنسان لم يتعلم بعد أن يرى في الآخر إنسانا قبل أن يراه مختلفا.

ولهذا لا يمكن أن نضع الجاهلية في الماضي ونغلق عليها أبواب التاريخ. قد يأتي زمن في المستقبل تجتمع فيه كل عصور الجاهلية تحت سقف واحد؛ تكنولوجيا فائقة، ومعلومات بلا حدود، ومدن أكثر ذكاء، وفي المقابل عقول أكثر انغلاقا، وتعصب أكثر شراسة، وكراهية أكثر قدرة على الانتشار.

قد يصبح المستقبل أكثر حداثة في أدواته وأكثر جاهلية في وعيه.

وفي رأيي ان أخطر الجاهليات ليست تلك التي تعلن عن نفسها، وإنما تلك التي ترتدي ثياب الحضارة، وتتحدث بلغة العلم، وتستخدم مفردات الأخلاق، بينما تمارس الإقصاء والقمع واحتقار المختلف

 فالجاهلية حين تكون فقيرة في أدواتها يسهل اكتشافها، أما حين تتسلح بالتكنولوجيا والمعرفة الشكلية فإنها تصبح أكثر خطرا، لأنها تستطيع أن تمنح جهلها قوة لم تكن تملكها من قبل.

ومن هنا تأتي قيمة الأخلاق العقلية؛ فهي ليست ابنة عصر محدد، ولا ملكا لدين أو ثقافة أو حضارة بعينها. العدل لا يشيخ، والحرية لا تنتهي صلاحيتها، والكرامة الإنسانية لا تتغير بتغير التقويم، واحترام الإنسان واحب وفرض في كل زمان ومكان

الأخلاق العقلية عابرة للزمان لأنها تنطلق من سؤال بسيط وعميق: ماذا لو كنت أنا الآخر؟

عندما يستطيع الإنسان أن يرى نفسه في موضع المختلف، تبدأ الأخلاق. وعندما يعجز عن ذلك، تبدأ الجاهلية، مهما كان عدد الشهادات المعلقة على الجدران، ومهما بلغت مظاهر التحضر

لذلك فإن معركة التنوير الحقيقية ليست مع الماضي، بل مع كل ما في حاضرنا من قابلية للعودة إلى الماضي. وليست المشكلة أن نغير شكل العالم من حولنا، وإنما أن نغير الطريقة التي ننظر بها إليه.

فالإنسان قد يخرج من الكهف، ويبني ناطحات السحاب، ويصل إلى الفضاء، ثم يحمل الكهف معه داخل رأسه

وحينها لا يكون قد غادر الجاهلية، بل يكون قد منحها فقط أدوات أكثر حداثة

لهذا ستظل الجاهلية ممكنة في كل عصر، وسيظل التنوير مشروعا مفتوحا لا يكتمل. وبينهما يقف الإنسان، حرا في أن يختار: أن يجعل من عقله نافذة على العالم، أو أن يحوله إلى جدار يحجب عنه العالم

والخروج من هذا المأزق لا يكون بتغيير الثياب، ولا باستيراد مظاهر الحداثة، ولا بتكديس الشهادات فوق جدران تعيش خلفها عقول مغلقة. الخروج يبدأ من اللحظة التي نمتلك فيها شجاعة مراجعة ما ورثناه، ونضع كل فكرة أمام العقل، لا أمام قداسة الموروث، وأن ندرك أن الإنسان أكبر من الجماعة، وأن كرامته تسبق كل تصنيف، وأن الاختلاف ليس خطرا ينبغي إسكاته، بل شرطا ضروريا لكي يتسع وعينا

نخرج من الجاهلية حين يصبح السؤال فضيلة لا جريمة، والشك طريقا إلى المعرفة لا تهمة، والنقد ممارسة للعقل ، وحين نتعلم أن الأخلاق لا تحتاج إلى سوط يراقبها من الخارج، لأن الضمير الذي يفكر أرقى من الخوف الذي يطيع

نخرج من الجاهلية بتجفيف منابعها: الجهل، والخوف، والتعصب، واحتقار المختلف، وتحويل الموروث إلى سلطة فوق السؤال

وحينها فقط لن نكون قد لبسنا ثوب الحضارة فوق روح جاهلية، بل سنكون قد صنعنا إنسانا يستحق الحضارة

***

ابتهال عبد الوهاب

 

قراءة في خطاب عبد الراضي رضوان في مواجهة حسن حماد

بادئ ذي بدأ نقول: ليس كل خلاف حول الفلسفة خلافا فلسفيا بالضرورة، فقد يبدأ الخلاف من فكرة ثم ينتهي إلى شيء آخر تماما: إلى بناء صورة سلبية عن صاحبها، وتحويله من طرف في حوار فكري إلى متهم يقف أمام سلسلة من المحاكم الرمزية والسياسية والأخلاقية والمؤسسية. وعند هذه النقطة لا يعود السؤال: هل أصاب حسن حماد أم أخطأ؟ بل يصبح السؤال الأهم: ماذا يفعل الخطاب بصاحب الرأي، وإلى أي غاية يدفع القارئ في النظر إليه؟

ومن هذه الزاوية تحديدا تبدو مقالة الدكتور/عبد الراضي رضوان "كربلائيات التباكي على الفلسفة" والمنشورة في موقع فيتو الإلكتروني  (https://www.vetogate.com/5727797 )، والتي جاءت للرد على مقالة الدكتور/ حسن حماد، والتي نشرها كبوست على صفحته الشخصية على الفيس بوك (https://www.facebook.com/share/p/1QWBkpc2qz/)، جديرة بقراءة تتجاوز ظاهرها المباشر؛ لأن القضية التي يطرحها المقال أكبر من مجرد اختلاف في الرأي حول الفلسفة، وأعمق من مجرد سجال قراءة سجال بين أستاذين حول وضع الفلسفة أو حول بعض المشتغلين بها. فنحن أمام خطاب لا يكتفي بمناقشة فكرة أو تفنيد رأي، وإنما يتوسع تدريجيا في إعادة بناء صورة حسن حماد أمام القارئ، بحيث يصبح الخلاف الفكري مدخلا إلى أسئلة أخرى تتصل بالانتماء والهوية والنوايا والوطن والاستقرار، ثم تنتهي إلى مفردات ذات حمولة قانونية وأخلاقية بالغة الخطورة.

وهنا ينبغي أن نكون منصفين في قراءة كلام حسن حماد نفسه، فإذا كان حماد قد تحدث عن "بعض" المشتغلين بالفلسفة أو عن عدد غير قليل منهم، فلا يصح أن ننسب إليه أنه حكم على جميع أساتذة الفلسفة، ثم نبني النقد كله على تعميم لم يقول به. أما مضمون ملاحظته في ذاتها، فهو قابل للنقاش بطبيعة الحال؛ يمكن البحث في مدى دقة توصيفه هذا، وحدود الظاهرة التي يشير إليها، وحجمها، ودلالاتها، والأدلة التي يستند إليها. وهذا هو المسار الطبيعي لأي نقد علمي. فإذا كانت العبارة مبالغة، فلتحدد مواضع المبالغة؛ وإذا كان التوصيف غير دقيق، فلتناقش أسبابه؛ وإذا كانت الظاهرة موجودة ولكن جرى توسيع نطاقها، فليبين ذلك بالحجة. أما الانتقال من مناقشة العبارة إلى صناعة ملف حول قائلها، فذلك انتقال من مجال النقد إلى مجال آخر.

والفلسفة نفسها لا تمنح أصحابها حصانة من النقد، كما أنها لا تمنح خصومها حق تجاوز قواعد النقد. فوجود اتجاهات فكرية محافظة أو ذات مرجعيات دينية داخل بعض أوساط المشتغلين بالفلسفة أمر يمكن بحثه ونقده كما يمكن نقد أي اتجاه آخر، خصوصا إذا ترتب على بعض هذه التصورات تضييق على التعدد أو تحفظ على حرية الاختلاف أو تقليص لدور العقل في المجال العام. لكن الفارق كبير بين نقد اتجاه فكري داخل الوسط الفلسفي وبين إصدار حكم على الوسط كله. الأول قضية معرفية قابلة للبحث، والثاني يحتاج إلى تعميم لا يصح إلا بالدليل. ولذلك فإن الدفاع عن الفلسفة لا يكون بإنكار التعدد داخلها، وإنما بإخضاع جميع الاتجاهات، المحافظة منها والتقدمية والعلمانية وغيرها، لمعيار واحد؛ وهو الحجة والنقد وحرية العقل.

ولو كان مقصد عبد الراضي رضوان هو تفنيد رأي حسن حماد فحسب، لكان الطريق واضحا في مقاله: يحدد العبارة، ويناقش مضمونها، ويبين مواضع عدم الدقة فيها، ثم يقدم الأدلة المضادة، لكن المقال لا يقف عند هذا الحد. إنه يبدأ من قضية تخص الفلسفة، ثم ينتقل إلى "تجار الحداثة وثكالى العلمانية"، وإلى "الإرضاع التضليلي"، ثم إلى "التوجيهات الخارجية"، و"زعزعة الاستقرار"، و"الفتنة الطائفية"، و"تصفية الحسابات الشخصية"، إلى أن يصل الخطاب في نهايته إلى مفردات تستدعي النيابة العامة ومحكمة الجنايات.

وهنا يصبح من الصعب على القارئ أن يتعامل مع النص باعتباره مجرد رد علمي على رأي في الفلسفة وبعض المشتغلين بها. فالرجل الذي بدأ بوصفه صاحب رأي مختلف يوضع بالتدريج داخل دوائر متتابعة من الاشتباه؛ دائرة فلسفية، ثم أخلاقية، ثم وطنية، ثم سياسية، ثم قانونية. وكأن المقال لا يريد من القارئ أن يختلف مع حسن حماد فحسب، وإنما يريد أن يغير موقعه في وعي القارئ، من أستاذ يناقش قضية إلى شخصية ينبغي أن ينظر إليها بريبة وحذر.

وهنا تكمن المسألة الأكثر دلالة في بنية الخطاب، ألا وهي بناء الخصم قبل بناء الحجة. فحين يسبق وصف الشخص مناقشة فكرته، يصبح القارئ مهيأ نفسيا للحكم عليه قبل أن يبدأ في فحص حجته. والعنوان نفسه، "كربلائيات التباكي على الفلسفة"، ليس عنوانا محايدا يفتح مجالا للنقاش، وإنما يتضمن حكما مسبقا على الطرف الآخر، إذ يضعه في موقع من يتباكى ويتقمص دور الضحية. وبذلك لا يبدأ النص من السؤال: ماذا قال الرجل؟ وإنما يبدأ من إيحاء سابق بما ينبغي أن يعتقده القارئ عنه.

ثم يتسع هذا البناء ليشمل جماعات وتيارات ومفاهيم كاملة، بحيث لا يعود الأمر متعلقا بجملة قالها حسن حماد، بل بما يمكن أن تمثله هذه الجملة في ذهن الكاتب من حداثة وعلمانية وتوجيه خارجي وتهديد للاستقرار. وهذه طريقة شديدة الخطورة في الجدل؛ لأنها تنقل النقاش من العبارة المحددة إلى شبكة من الإيحاءات التي يصبح معها الرد على فكرة واحدة ذريعة لمحاكمة صاحبها داخل سياقات لا علاقة مباشرة لها بالفكرة الأصلية.

والأشد دلالة في هذا السياق هو ما يحدث في الثلث الأخير من المقال، حيث ينتقل عبد الراضي من مناقشة موقف حسن حماد إلى استخراج عبارات بعينها من كلامه، مثل الحديث عن "تعفن عقل النخبة"، و"انحطاط وعي شباب الباحثين"، ووصف بعض المشتغلين بالفلسفة بأنهم "عبيد"، وغير ذلك من العبارات التي وردت في سياق خطاب حسن حماد نفسه. والمشكلة هنا ليست في مجرد نقل هذه العبارات أو الاعتراض عليها؛ فمن حق أي ناقد أن يتوقف عند عبارة يراها جارحة أو متجاوزة أو غير دقيقة. وإنما تكمن المشكلة في الطريقة التي اقتطعت بها هذه العبارات من سياقها، ثم أعيد تقديمها داخل خطاب عبد الراضي بوصفها مادة لإدانة صاحبها، قبل أن يتوسع الخطاب في ربطها بدلالات تتجاوز الخلاف الفكري إلى النخبة والمجتمع والاستقرار والجهات المعنية، وصولا إلى استدعاء النيابة العامة ومحكمة الجنايات.

وهنا يتغير السؤال الذي يفرضه النص على القارئ. فلم يعد الأمر مجرد هل كانت عبارات حسن حماد موفقة؟ وهل كان ينبغي أن يستخدم هذه اللغة؟ وإنما أصبح ماذا يريد هذا التوظيف المتتابع لهذه العبارات أن يصنع في صورة الرجل أمام القارئ والجهات التي يستحضرها الخطاب؟ إن اقتطاع العبارة من سياقها لا يبطل إمكان نقدها، لكنه قد يغير وظيفتها الدلالية؛ فالعبارة التي كانت جزءا من سياق جدلي محدد تتحول، بعد عزلها وإعادة ترتيبها، إلى قرينة اتهام مستقلة عن السياق الذي ولدت فيه.

وهذه نقطة منهجية لا يجوز تجاوزها، إذ لا يمكن أن نحاكم عبارة قبل أن نقرأ السياق الذي وردت فيه، ولا أن نحول لغة حادة في مقال إلى دليل على موقف أخلاقي أو وطني أو قانوني لصاحبها من غير أن نثبت الصلة بين الأمرين. فإذا كان في كلام حسن حماد تجاوز، فليحدد التجاوز في موضعه، وليناقش في سياقه، وليترك للقارئ أن يحكم عليه. أما جمع العبارات المتفرقة، ثم شحنها بإيحاءات سياسية ووطنية وقانونية، فذلك لا يعود مجرد نقد للعبارة، وإنما يصبح إعادة بناء لصورة صاحبها أمام جمهور أوسع من الجمهور الذي كان موجها إليه كلامه أصلا.

ومن هنا تبدو خطورة الانتقال من "نقد القول" إلى "توظيف القول ضد قائله". فالأول ممارسة مشروعة من صميم الاختلاف الفكري، أما الثاني فيحتاج إلى قدر أعلى من الحذر والإنصاف؛ لأن القارئ قد لا يعود يرى العبارة داخل سياقها الأصلي، وإنما يراها كما أعاد الخصم تركيبها. وعندئذ يصبح الاقتباس نفسه جزءا من صناعة الاتهام، لا مجرد وسيلة لفهم النص ونقده.

والأخطر أن النص لا يكتفي بهذا المستوى من التوصيف، بل يفتح الباب أمام السلطة القانونية حين يقرر أن مثل هذه المضامين لا مكان لمحاسبتها إلا أمام "مكتب النائب العام" أو "محكمة الجنايات". وهنا ينبغي للقارئ أن يتوقف طويلا، ما علاقة محكمة الجنايات بخلاف فكري حول الفلسفة وبعض المشتغلين بها؟ وكيف انتقلنا من مناقشة رأي أستاذ في قضية فكرية إلى استدعاء مؤسسات الدولة والقانون في مواجهة أستاذ آخر؟

هذه ليست ملاحظة شكلية، لأن استدعاء الدولة إلى قلب خلاف أكاديمي يغير طبيعة الخلاف نفسه. فعندما يبدأ الخطاب بالاختلاف مع فكرة، ثم يستدعي "الجهات المعنية"، ويتحدث عن التوجيهات الخارجية وزعزعة الاستقرار والفتنة، وينتهي باستدعاء النيابة ومحكمة الجنايات، فإننا أمام استدعاء متدرج للسلطة داخل نزاع كان يفترض أن يبقى في الأصل داخل فضاء الحجة والمناقشة العلمية.

ومن هنا يصبح من المشروع أن يسأل القارئ، هل الغاية من هذا التوسع أن يثبت أن حسن حماد أخطأ في توصيف بعض المشتغلين بالفلسفة؟ أم أن ثمة غاية أخرى تتصل بصورة الرجل ومكانته داخل الوسط الأكاديمي؟ فحين يتكرر استهداف شخص بعينه، ولا يعود النقاش منصبا على فكرة محددة، وإنما يتحول إلى سلسلة متتابعة من الأوصاف والاتهامات والإيحاءات، يصبح من حق القارئ أن يتساءل عن الوظيفة التي يؤديها هذا الخطاب داخل المجال الأكاديمي، وعن النتائج التي يمكن أن تترتب عليه في صورة الرجل وموقعه وثقة الآخرين به.

وهنا تحديدا ينبغي الانتباه إلى البعد المؤسسي الذي لا يجوز تجاهله. فالأستاذ الجامعي لا يعيش في فراغ؛ فسمعته العلمية جزء من موقعه الأكاديمي، وموقعه الأكاديمي يرتبط بلجان ومؤسسات ودوائر علمية وقرارات تتصل بمسيرته ومسيرة غيره. ومن ثم فإن تحويل الخلاف الفكري إلى خطاب يمس السمعة والمكانة لا يبقى مجرد كلام عابر، بل يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط مؤسسي، لتنحية الرجل من مهامه بالجان والمؤسسات والدوائر العلمية التي يرتبط بها؛ حتى لو لم يصرح النص بذلك صراحة.

ولا أقول إن هذا وحده يثبت نية محددة لدى كاتب المقال، فالنوايا لا تثبت بالتخمين، ولا يصح أن ننسب إلى أحد قصدا خفيا من غير بينة. لكن النقد الجاد لا يقف عند النيات، بل ينظر أيضا في وظيفة الخطاب وأثره المحتمل. والسؤال هنا ليس ماذا كان في داخل الكاتب؟ وإنما ماذا يفعل النص إذا أخذناه كما هو؟ إنه لا يكتفي بتفنيد رأي حسن حماد، بل يضعه أمام سلسلة من الأحكام التي يمكن أن تؤثر في صورته العلمية والمؤسسية. وهذه نتيجة موضوعية يمكن للقارئ أن يراها في بنية النص نفسه، دون حاجة إلى ادعاء معرفة ما تخفيه النيات.

وتزداد المسألة دلالة حين يستدعي المقال عنوان "تصفية الحسابات الشخصية". فالمفارقة أن الكاتب يحذر من تصفية الحسابات، بينما يبني في الوقت نفسه خطابا شديد التركيز على شخص بعينه، محاطا بسلسلة من الاتهامات والتوصيفات. وهنا لا يكون السؤال اتهاما مضادا، وإنما سؤالا منهجيا وهو؛ متى يكون الحديث عن تصفية الحسابات كشفا لمنهج الخصم، ومتى يمكن أن يتحول هو نفسه إلى جزء من معركة تصنع للخصم صورة معينة في وعي الجمهور؟

والأمر نفسه ينطبق على أسلوب الإشارة غير المباشرة إلى الشخص، فعدم ذكر الاسم بصورة صريحة لا يعني بالضرورة أن الشخص خرج من دائرة الاستهداف؛ بل قد يكون التلميح، حين تتراكم حوله الأوصاف والاتهامات، أكثر تأثيرا من التصريح، لأن القارئ يصبح شريكا في استكمال الصورة، وهنا يتحول الخطاب من مجرد إخبار إلى توجيه لطريقة القراءة.

أما الاعتذار الذي يأتي في نهاية هذا النوع من الخطاب، فإنه يحتاج بدوره إلى قراءة دقيقة. فالاعتذار الحقيقي يعيد الأمور إلى أصلها، يحدد الخطأ، ويتراجع عن العبارة محل الاعتراض، ويغلق الباب أمام استمرار الاتهام. أما إذا بقيت الصورة الأساسية للشخص كما هي، وبقيت الاتهامات حاضرة في ذاكرة القارئ، ثم جاء الاعتذار في صيغة لا تسحب جوهر ما قيل، فإن الاعتذار قد يتحول من إغلاق للملف إلى صورة أكثر تهذيبا من استمرار الملف. وهنا يحق للقارئ أن يسأل، عما كان الاعتذار تحديدا؟ وما الذي سحب؟ وما الذي بقي قائما بعده؟

إن المشكلة الحقيقية في هذا الخطاب ليست أنه شديد اللهجة؛ فالفكر لا يخاف من الحدة، والفلسفة لا تزدهر بالمجاملات. وإنما المشكلة حين تتحول الحدة من قوة في الحجة إلى قوة على الشخص، وحين تصبح الأوصاف بديلا عن البرهان، والإيحاءات بديلا عن الأدلة، واستدعاء السلطة بديلا عن الحجاج.

ولا ندافع هنا عن حسن حماد لأنه لا يخطئ، ولا لأن كل ما قاله ينبغي أن يقبل بلا مناقشة، بل ندافع عن قاعدة أعمق من الأشخاص جميعا، إذا أخطأ الأستاذ، فليكشف خطؤه بالدليل؛ وإذا بالغ، فلتحدد مواضع المبالغة؛ وإذا أخطأ في توصيف ظاهرة، فلتدرس الظاهرة ويصحح توصيفها؛ وإذا اختلف في موقف فكري، فليواجه بموقف فكري أقوى. أما أن يتحول اختلافه إلى مدخل لبناء صورة سلبية عنه، وربط هذه الصورة بسياقات أخلاقية ووطنية وقانونية ومؤسسية، فهنا نكون قد غادرنا ميدان الفلسفة إلى ميدان آخر.

والأمر يستحق وقفة أعمق لأن تكرار الهجوم على الشخص نفسه لا يمكن التعامل معه دائما باعتباره مجرد تكرار عابر. فقد تتحول كثرة التكرار إلى صناعة تدريجية لصورة ذهنية مستقرة، كل مرة تضاف تهمة، وكل مقال يضيف وصفا، وكل إشارة تربط الاسم بسياق أكثر خطورة من سابقه، حتى يصبح القارئ في النهاية أمام صورة مكتملة لا يتذكر معها ربما أين بدأت القضية الأصلية. وهذه آلية معروفة في الخطاب العام، وهي أن التكرار لا يثبت الاتهام، لكنه قد يثبت صورته في الوعي.

ومن هنا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في الوسط الأكاديمي ليس أن يختلف أستاذان، بل أن تتحول الخلافات العلمية إلى حملات تستبدل نقد الفكرة بإضعاف صورة صاحبها. فالجامعة لا تحميها المجاملة، وإنما يحميها معيار واحد يسري على الجميع، فمن حق كل أستاذ أن ينتقد زميله، ومن حقه أيضا أن يختلف معه في الفلسفة والعلمانية والحداثة وكل ما شاء، لكن ليس من حق أحد أن يجعل من الخلاف الفكري سلما إلى إدانة أخلاقية أو سياسية أو قانونية ما لم يقدم لكل مستوى من مستويات الإدانة دليله المستقل.

فالفلسفة، قبل أن تكون مقررات ومناهج وأسماء ومواقع، هي امتحان دائم لحرية العقل، ولذلك فإن من يدافع عن الفلسفة مطالب بأن يقبل أول اختباراتها، بأن يخضع هو نفسه للنقد، وأن يحتمل الاختلاف، وأن يميز بين نقد الفكرة وإدانة صاحبها. فليس في الفلسفة رأي مقدس، وليس فيها شخص فوق المساءلة، لكن ليس فيها أيضا شخص يتحول إلى متهم لمجرد أن رأيه لم يعجب خصمه.

ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا المقال- في نظري- ليس هو هل حسن حماد على صواب في كل ما قال؟ فهذا سؤال جزئي يمكن أن يجيب عنه الدليل. وإنما السؤال الأعمق هو: هل كان موضوع المقال هو بالفعل الدفاع عن الفلسفة، أم أن الفلسفة أصبحت في بعض لحظات الخطاب ستارا لمعركة تتجاوز حدود الفكرة إلى الشخص والمكانة والموقع؟

إن هذا السؤال لا يتهم أحدا بنية خفية، لكنه يقرأ النص في وظيفته وآثاره. وحين يكون شخص بعينه هو محور سلسلة متكررة من الاتهامات، وحين تنتقل اللغة من نقد رأيه إلى التشكيك في وعيه وانتمائه ووطنيته وأخلاقه، ثم تقترب من استدعاء مؤسسات الدولة والقانون، فمن الطبيعي أن يتساءل القارئ عما إذا كان الهدف قد انتقل من إقناع الناس بخطأ فكرة إلى التأثير في نظرتهم إلى صاحبها ومكانته.

وهنا تصبح الإشارة إلى الموقع الأكاديمي أكثر من مجرد تفصيل عابر. فإذا كان الصراع يجري في فضاء تتداخل فيه لجان علمية ومواقع أكاديمية ومراكز تأثير، فإن السؤال عن المستفيد من إضعاف صورة شخص بعينه ليس اتهاما، وإنما جزء من القراءة النقدية للسياق. لا سيما إذا كان هناك، في الخلفية الأكاديمية، تنافس أو تداول محتمل على مواقع المسؤولية العلمية. وحينها لا يعود كافيا أن نسأل: من قال ماذا؟ بل يصبح من المشروع أيضا أن نسأل: ماذا يمكن أن يترتب على هذا الخطاب؟ ومن الذي يمكن أن تتعزز مكانته إذا تراجعت مكانة الطرف الآخر؟

ومرة أخرى، لا يعني طرح هذه الأسئلة الجزم بأن الكاتب قصد الإقصاء أو سعى إليه، فذلك أمر يحتاج إلى بينة مستقلة عن النص. لكن تجاهل هذا البعد تماما قد يكون سذاجة نقدية أيضا، لأن الخطاب الأكاديمي لا يعيش خارج مؤسسات القوة والمكانة. والناقد الذي يريد أن يكون عادلا لا يقرأ الكلمات فقط، بل يقرأ السياق، ويقرأ تكرار الاستهداف، ويقرأ اتجاه الخطاب، ويترك للقارئ أن يربط بين العناصر دون أن يفرض عليه نتيجة مسبقة.

وهنا تتضح المسافة بين النقد الذي يحرر العقل والخطاب الذي يحشد العقل. الأول يضع الأدلة أمام القارئ ثم يترك له الحكم، أما الثاني فيبني للخصم صورة مسبقة ثم يدعو القارئ إلى إصدار الحكم عليها. الأول يجعل الحجة في المقدمة والشخص في الخلفية، والثاني يجعل الشخص في المقدمة ثم يبحث عن الحجج التي تؤكد صورته.

ولهذا فإن الرد الحقيقي على هذا النوع من الخطاب لا يكون بشتم صاحبه ولا بإنتاج خطاب مضاد من النوع نفسه، وإنما بإعادة النقاش إلى موضعه الطبيعي، فكرة أمام فكرة، ودليل أمام دليل، وموقف أمام موقف. فإذا كان هناك خلل في رؤية حسن حماد للفلسفة، فليكشف الخلل. وإذا كان هناك قصور في حديثه عن بعض المشتغلين بها، فليبين القصور. وإذا كان ثمة اتجاه فكري داخل الوسط الفلسفي يستحق النقد، فليكن النقد صريحا ومنهجيا. أما تحويل الأستاذ إلى قضية، والقضية إلى ملف، والملف إلى صورة تهدد مكانته، فليس ذلك من الفلسفة في شيء.

الفلسفة لا تحتاج إلى محاكمات شخصية كي تنتصر، ولا تحتاج إلى تأليب سلطة على خصم فكري كي تثبت قوتها. إنها تحتاج فقط إلى عقل حر، وحجة واضحة، ونقد يقبل أن يوجه إليه ما يوجهه إلى غيره. ومن لا يستطيع أن ينتصر لفكرته إلا بعد أن يهزم صورة خصمه، قد يكون قد ربح معركة الخطاب، لكنه لم يربح معركة الفكر.

وربما يكون أكثر ما يحتاجه هذا المشهد كله هو أن نتذكر قاعدة بسيطة كثيرا ما ننساها حين تتحول الاختلافات إلى خصومات، ليس المطلوب أن نحب أفكار بعضنا، وإنما المطلوب أن نحترم حقها في أن تواجه بالحجة، وحق أصحابها في ألا تتحول أخطاؤهم إلى ذريعة لمحاكمتهم خارج ميدان الفكر. فحين يصبح نقد الفكرة طريقا إلى إقصاء صاحبها، لا تكون الفلسفة قد خسرت خصما فحسب، بل تكون قد خسرت شيئا من معناها.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

بين فعلي التدرب والتعلم، مقاربة ديداكتيكية

مقدمة: يحتل التمييز بين فعلي التدرب والتعلم موقعاً مركزياً في التفكير الديداكتيكي المعاصر، لأنه يمس جوهر العملية التعليمية-التعلمية ويحدد طبيعة الأهداف والممارسات وأدوار الفاعلين داخل الوضعية البيداغوجية. كثيراً ما يُستعمل المصطلحان بطريقة متداخلة أو تبادلية في الخطاب التربوي اليومي، غير أن التدقيق المفهومي والإجرائي يكشف عن اختلافات جوهرية في البنية والوظيفة والمسار. فالتعلم يشير إلى عملية أوسع وأعمق تهم بناء المعنى وإعادة تنظيم البنى المعرفية والوجدانية للمتعلم، بينما ينحو التدرب نحو صقل أداء محدد وتطوير مهارات جزئية عبر التكرار المنظم والتوجيه المتدرج. تنطلق هذه الدراسة من مقاربة ديداكتيكية تسعى إلى إبراز هذا التمييز لا بوصفه فصلاً قاطعاً، بل بوصفه أداة تحليلية تسمح بفهم أفضل لتكامل العمليتين داخل الفعل التعليمي، وبتصميم وضعيات أكثر نجاعة ووعياً بطبيعة الاشتغال الذهني والمهاري للمتعلمين. فما معنى التدرب؟ وكيف يفهم التعلم؟ وبأي شكل نميز مفهوميا بينهما؟

التعلم بوصفه بناءً والتدرب بوصفه صقلاً

يُفهم التعلم ديداكتيكياً على أنه سيرورة نشطة وبناءة يُعيد المتعلم من خلالها تنظيم معارفه وخبراته السابقة في ضوء وضعيات جديدة. إنه ليس مجرد استقبال لمعلومات أو اكتساب لسلوكات جاهزة، بل هو عملية تحويلية تمس البنى المعرفية الداخلية، وتتضمن الفهم والربط والتعميم ونقل التعلم إلى سياقات مغايرة. يتميز التعلم بطابعه الشمولي؛ فهو يدمج الأبعاد المعرفية والمهارية والوجدانية والاجتماعية، ويقتضي مشاركة واعية من المتعلم الذي يصبح فاعلاً في إنتاج المعنى لا مستهلكاً له. من هنا يرتبط التعلم بمفاهيم مثل الصراع المعرفي، والمنطقة القريبة من النمو، والوعي الميتامعرفي، والقدرة على المراقبة الذاتية للمسار الذهني. أما التدرب فيُقارب ديداكتيكياً بوصفه نشاطاً موجهاً يهدف إلى تثبيت مهارة أو إجراء أو أداء محدد وجعله أكثر دقة وسرعة وتلقائية. يقوم التدرب على مبدأ التكرار المنظم والتغذية الراجعة المستمرة والتصحيح المتدرج، وغالباً ما يركز على الجانب الأدائي المرئي أو القابل للملاحظة والقياس. إنه أقرب إلى منطق الصقل والإتقان منه إلى منطق البناء الجذري. فالمتدرب يعمل على تحسين ما هو موجود أصلاً أو ما تم اكتسابه جزئياً، عبر سلسلة من التمارين المتدرجة التي تقلل من الأخطاء وتزيد من درجة التحكم. لذلك يغلب على التدرب الطابع الإجرائي والتطبيقي، ويكون هدفه المباشر هو الوصول إلى مستوى من الآلية الوظيفية يسمح بأداء المهمة دون استهلاك مفرط للموارد المعرفية الواعية.

يتضح من هذا التمييز أن التعلم يشتغل على مستوى البنية العميقة للمعرفة والكفاية، بينما يشتغل التدرب على مستوى السطح الأدائي والمهاري. التعلم يطرح سؤال «ماذا أفهم؟» و«كيف أبني المعنى؟»، في حين يطرح التدرب سؤال «كيف أنفذ بشكل أفضل؟» و«كيف أقلل من الجهد الواعي في الأداء؟». هذا الاختلاف الجوهري ينعكس مباشرة على طبيعة الوضعيات الديداكتيكية وعلى أدوار المدرس والمتعلم.

التمييز الإجرائي: من تصميم الوضعية إلى أنماط التدخل

على المستوى الإجرائي، يظهر التمييز بوضوح في طريقة بناء الأنشطة وفي طبيعة التفاعلات داخل القسم. ففي وضعيات التعلم، يميل المدرس إلى تقديم مهمات مفتوحة أو شبه مفتوحة تثير الحيرة المعرفية وتدفع المتعلم إلى تعبئة موارده السابقة وإلى البحث عن حلول أصيلة. تكون التعليمات هنا أقل توجيهية، وتسمح بتعدد المسارات وبطرح الفرضيات وبمواجهة العوائق. يلعب المدرس دور الوسيط الذي يراقب مسار التفكير ويطرح أسئلة تعميق ويفتح فضاءات للنقاش والمقارنة بين الاستراتيجيات، دون أن يقدم الحل الجاهز مبكراً. التقييم في هذه الحالة يهتم بعمق الفهم وبطبيعة السيرورة الذهنية وبقدرة المتعلم على تبرير اختياراته ونقل تعلماته.

في المقابل، تُبنى وضعيات التدرب حول مهمات أكثر تحديداً وتدرجاً، حيث تكون معايير النجاح واضحة والأداء المطلوب قابلاً للملاحظة المباشرة. يعتمد المدرس هنا على سلسلة من التمارين المتكررة والمتنوعة في الشكل والمتدرجة في الصعوبة، مع تقديم نماذج للأداء الصحيح وتغذية راجعة فورية أو شبه فورية. يكون التدخل أكثر توجيهية في البداية، ثم يتناقص تدريجياً مع ارتفاع درجة التحكم. يركز التقييم على دقة الأداء وسرعته واستقراره، وعلى انخفاض معدل الأخطاء مع مرور الوقت. المتدرب في هذه الوضعية يمارس ويكرر ويصحح، بينما يراقب المدرس الجودة ويعدل مستوى الصعوبة ويوفر الدعم المناسب في اللحظة المناسبة. كما يظهر الفرق الإجرائي أيضاً في تدبير الزمن وفي توزيع الأدوار. فوضعيات التعلم تحتاج إلى زمن أطول نسبياً وإلى فضاء للتردد والخطأ المنتج، في حين أن وضعيات التدرب تستفيد من الكثافة والتكرار المنظم داخل وحدات زمنية أقصر. كما أن التعلم يفتح الباب أمام العمل التشاركي والحوار السوسيومعرفي بشكل أوسع، بينما قد يميل التدرب في مراحله الأولى إلى الاشتغال الفردي أو الثنائي الموجه لضمان التركيز على تصحيح الأداء الشخصي.

التكامل الوظيفي داخل السيرورة الديداكتيكية

رغم أهمية التمييز، فإن الفصل التام بين التعلم والتدرب يُعد خطأ ديداكتيكياً فادحاً. فهما ليسا مرحلتين منفصلتين أو عمليتين متعارضتين، بل لحظتان متكاملتان داخل سيرورة بناء الكفاية. التعلم بدون تدرب يظل هشاً وغير مستقر، لأن الفهم النظري أو البناء المعرفي الأولي يحتاج إلى تثبيت أدائي حتى يتحول إلى مورد قابل للتعبئة السريعة. والتدرب بدون تعلم سابق أو موازٍ يتحول إلى آلية عمياء تفتقر إلى المرونة والقدرة على التكيف مع الوضعيات الجديدة.

ديداكتيكياً، يمكن تصور العلاقة بينهما وفق منطق التعاقب والتداخل. غالباً ما تبدأ السيرورة بلحظة تعلم تبني الفهم أو تُرسي القاعدة المفاهيمية أو الإجرائية الأساسية، ثم تليها لحظات تدرب تُصقل الأداء وتُؤتمت بعض جوانبه. غير أن هذا التعاقب ليس خطياً صارماً؛ فخلال التدرب نفسه قد تظهر عوائق جديدة تستدعي عودة إلى التعلم، أي إلى إعادة بناء الفهم أو تصحيح التمثلات. كما أن بعض الوضعيات المعقدة تدمج اللحظتين في الآن ذاته، حيث يمارس المتعلم أداءً معيناً وهو يعيد التفكير في أسسه.

على هذا النحو يقتضي هذا التكامل من المدرس قدرة على التشخيص الدقيق لحاجة المتعلمين: متى يحتاجون إلى مساحة للبناء والاكتشاف؟ ومتى يحتاجون إلى كثافة التمرين والتكرار الموجه؟ كما يقتضي تنويعاً في أنماط الأنشطة وفي طبيعة التغذية الراجعة، بحيث لا تتحول الحصة إلى سلسلة تمارين آلية ولا إلى نقاشات مفتوحة بلا تثبيت.

الرهانات الديداكتيكية للتمييز الواعي

يحمل التمييز المفهومي والإجرائي بين التدرب والتعلم رهانات عميقة على مستوى تخطيط التعلمات وتقويمها وتدبير الاختلاف بين المتعلمين. فعلى مستوى التخطيط، يسمح هذا التمييز بصياغة أهداف أكثر دقة: أهداف تعلم تهم البناء والفهم والنقل، وأهداف تدرب تهم الإتقان والآلية والسرعة. وعلى مستوى التقويم، يساعد على تجنب الخلط بين اختبار الفهم واختبار الأداء الآلي، وعلى بناء أدوات تقيس كلا البعدين بشكل مناسب. أما على مستوى تدبير القسم، فيمكن المدرس من تنويع الإيقاعات ومنح بعض المتعلمين زمناً إضافياً للبناء المعرفي، بينما يوفر لآخرين فرصاً مكثفة للصقل المهاري.

كما يساهم هذا التمييز في مقاومة بعض الانحرافات الشائعة في الممارسة التعليمية، مثل الإفراط في التمارين المتكررة على حساب الفهم، أو الاكتفاء بمناقشات عامة دون تثبيت أدائي، أو التعامل مع كل نشاط وكأنه تعلم عميق بينما هو في حقيقته مجرد تطبيق آلي. الوعي بالفرق يجعل الممارسة أكثر قصدية وأكثر احتراماً لطبيعة الاشتغال الذهني للمتعلم.

خاتمة

يتبين من خلال المقاربة الديداكتيكية أن التمييز بين فعلي التدرب والتعلم ليس ترفاً نظرياً، بل ضرورة مهنية تمس جودة الفعل التعليمي برمته. فالتعلم بما هو بناء للمعنى وتنظيم للبنى الداخلية يختلف جذرياً عن التدرب بما هو صقل للأداء وتثبيت للإجراءات، سواء على المستوى المفهومي أو على مستوى تصميم الوضعيات وأنماط التدخل والتقييم. غير أن قوة هذا التمييز تكمن في الاعتراف بتكاملهما الضروري داخل سيرورة واحدة تهدف إلى بناء كفايات مستدامة ومرنة. المدرس الذي يدرك حدود كل منهما ومجال اشتغاله يصبح قادراً على تدبير أدق للزمن الديداكتيكي، وعلى الاستجابة لحاجات المتعلمين المتباينة، وعلى تحويل القسم إلى فضاء يفرق بين عمق الفهم ودقة الأداء. وبذلك يتحول التمييز من مجرد أداة تحليلية إلى ممارسة واعية تُعلي من شأن التعلم الحقيقي دون أن تُهمل ضرورات التمرين المنظم والإتقان الأدائي. فماهي المهارات والأهداف التي يجب أن نحرص على تعلمها؟ وعلى ماذا ندرب محبي الحكمة؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

الجُذُورُ التَّارِيخِيَّةُ وَالأَنْطُولُوجِيَّةُ لِلْحُبِّ وَالمُوسِيقَى فِي الوَعْيِ البَشَرِيِّ

(الموسيقى هي وحدها القادرة على فتح باب لعالم معرفي جديد، عالم يدركه الإنسان ولكنه لا يدركه بالعقل)... الموسيقار الألماني - لودفيغ فان بيتهوفن

بهذه الكلمات الخالدة لودفيغ فان بيتهوفن، ندرك أن المتأمل في جذور الوجود البشري يجد أن الموسيقى لم تكن يوماً مجرد ترف صوتي عابر، بل وُلدت من رحم الحاجة العميقة للتواصل والتعبير. وإذا كانت الجماعات البدائية قد وجدت في الإيقاع المنتظم وتكرار الأصوات أداتها الأولى لتنظيم الوعي والبقاء، فإن هذا التوق البدائي نحو التناغم قد وجد تعبيره الأصفى والأكثر إثارة في أسمى العواطف الإنسانية: الحب.

فمثلما تقرع الطبيعة إيقاعاتها السرمدية في نبضات القلب والكون، جاءت الموسيقى لتكون المرآة الحية التي تعكس تقلبات الوجدان البشري من شوق، ولوعة، ونشوة، وشجن. وبينما تقف الكلمات عاجزة أحياناً عن احتواء سعة المشاعر، تتكفل الألحان بردم الهوة بين العقل والروح، محولةً النبض والإيقاع إلى لغة عالمية تخاطب دواخلنا. من هنا، تتشابك خيوط الإثنوموسيقولوجيا وعلم النفس والجماليات، لنرى كيف ارتبطت الموسيقى بالحب ارتباط العلة بمعلولها، وكيف استحال النغم سفيراً أميناً لترجمة أعمق خفقات القلب البشري عبر التاريخ.

الإيقاع والنشأة الأولى: كيف تنفس الإنسان صوته الأول؟

تشير أبحاث الإثنوموسيقولوجيا التي تطوّع الأدوات الأنثروبولوجية إلى أن نشأة الموسيقى بوصفها نشاطًا إنسانيًا لدى الجماعات البدائية كانت تعتمد أساسًا على الإيقاع. فلم تكن الموسيقى في بداياتها وليدة آلات معقدة أو قواعد نغمية صارمة، بل وُلدت من رحم الحاجة العضوية للتنظيم والتعبير عن الوعي البشري الأول.

اعتمد الإنسان البدائي على التكرار بصفة أساسية؛ أي تكرار صوت أو نغمة واحدة أو نغمتين بشكل دوري منتظم. وبهذه الطريقة نفسها تأسست اللغة في جذورها الأولى عبر تكرار صوت واحد للدلالة على المرجع نفسه. ويمكن تلمس هذه الحقيقة بوضوح لدى الأطفال في سن مبكرة جداً، إذ يبدي الطفل تعلقًا فريدًا بالأصوات البسيطة المتكررة، كما يعتمد غناء الأم لتهدئة رضيعها على نغمة واحدة أو نغمتين لتوفير الأمان والسكينة.

تفسر الفونولوجيا وعلم نفس الأصوات هذه الظاهرة من خلال دراسة اكتساب الأطفال للكلمات؛ فالسهولة والسرعة التي يكتسب بها الطفل الكلمة التي أطلقت عليها اللغات اسم "الأم" تعود إلى عوامل فيزيولوجية ونطقية بحتة. إن تشابه نطق هذا اللفظ في لغات العالم القديمة والحديثة، الميتة والحية (مثل اللغات الرومانسية، والجرمانية، والسلافية، والعبرية، والصينية، واليابانية)، في مقطع صوتي يتكون من فونيمين فقط مثل "ما-ما"، يعود إلى أن هذا المقطع يُنطق مع فتح الفم كعلامة تلقائية يوحي بها الطفل للمؤوِل (الأم) بالحاجة الملحة إلى الطعام والرعاية والاحتواء.

من هنا، يتبين أن الإيقاع الصوتي الأول لم يكن ترفاً فنياً، بل كان لغة البقاء والنداء الأولى التي تداخل فيها الإيقاع الموسيقي مع الدلالة اللغوية، ليشكل الاثنين معاً الشفرة التعبيرية الأولى للإنسان.

الكلمة والنغمة: الجذر الصوتي المشترك للغة والموسيقى

إن الناظر في تاريخ التعبير البشري يدرك أن الانفصال الحاد بين الكلمة والموسيقى هو ثمرة متأخرة لتطور الوعي البشري، لم يكن موجوداً في فجر الإنسانية. في الغالب، كان ينظر إلى العلاقة المفترضة التي تجمع الموسيقى باللغة استنادًا إلى جانبٍ واضحٍ كل الوضوح في علاقة الموسيقى باللغة: أن الموسيقى واللغة ظاهرتان صوتيتان.

ويؤكد المؤرخ والجغرافيّ اليونانيّ سترابون (حوالي 63 ق.م) على أن الكلام والغناء كانا الشيء نفسه في الأزمنة القديمة. ولمّا لم يكن في البدء من موسيقى إلا النغم، ولا من النغم غير ما يحدثه الكلام من تنوع الصوت، كانت الموسيقى واللغة مرتبطتين بشكل وثيق. فالتنغيم البشري حمل في بداياته دلالة شعورية ومفاهيمية في آن واحد؛ حيث استخدم الإنسان القديم طبقات الصوت للتعبير عن الخوف، والبهجة، والنداء، والانتماء.

هذا التلاحم الأصيل يفسر لنا لماذا ظل الشعر محكوماً بالإيقاع والغناء، وكيف احتفظت الذاكرة البشرية بالأساطير والتاريخ عبر النغمة أسرع بكثير من بقائها مجرد حروف صامتة. لقد كانت اللغة في منبتها الأول محمولة على أجنحة النغم، والموسيقى محملة ببذور الدلالة، ليكونا معاً الوجهين لعملة واحدة هي الوعي البشري الخلاق.

الموسيقى والطبيعة: إيقاع الكون وسكونه

تتجاوز الموسيقى في جوهرها حدود العزف على الآلات المادية أو الصناعة البشرية المحضة، لتكون نظاماً شاملاً لتنظيم الأصوات والسكوت في زمن معين. لم يبدأ الإنسان من فراغ، بل وُجد في محيط طبيعي غني بالإيقاعات المنتظمة؛ كدقات القلب، وتنفس الكائنات، وتدفق المياه، وحفيف الأشجار، وهبوب الرياح، وتتارُع الفصول. هذه الأنماط المتكررة في قلب الطبيعة هي التي زرعت في الوعي البشري الحس الإيقاعي الأول، وجعلته يدرك فكرة الانتظام والتناغم.

ولا يقتصر هذا الارتباط على الأصوات المسموعة فحسب، بل يمتد إلى "سكون الطبيعة". فكما أن للحركة صخباً ونغماً، فإن للسكون قيمة جوهرية بالغة الأهمية. في البناء الموسيقي، يمثل الصمت أو السكون المدروس (Rest) المساحة التي تمنح النغمات معناها وتعلي من شأنها، تماماً كما يخلق سكون الليل وهدوء الطبيعة حالة من التأمل العميق وتناغم الروح. لقد استعار الإنسان هذه الإيقاعات والسكوت من محيطه، وأعاد صياغتها بوعيه الخلاق ليحولها من مجرد ظواهر كونية صماء إلى لغة تعبيرية تنفذ مباشرة إلى أعماق الوجدان الإنساني.

أوبرا العاطفة وسيمفونيات الوجدان: الموسيقى والترجمان الخفي للحب

إذا كان الإيقاع قد أسس لبقاء الإنسان، وكانت الطبيعة قد ألهمته نغماته الأولى، فإن ذروة التعبير الموسيقي تتجلى بوضوح عندما تلتقي الألحان بأعظم عاطفة بشرية: الحب. لقد أدرك كبار الموسيقيين عبر التاريخ أن الموسيقى تتجاوز ترجمة الكلمات الحرفية لتصبح نحتاً خالصاً للمشاعر الإنسانية الكبرى. وفي هذا السياق العبقري، تجلت رؤى هؤلاء المؤلفين في التعبير عن الوجدان الإنساني وأعماق العاطفة:

يوهان سباستيان باخ (التجلي الروحي والرياضي) - في عصر الباروك، لم يكن باخ يكتب عن "الحب الرومانسي" بالشفهية العاطفية الحديثة، بل كان يعبر عن العشق الإلهي والتناغم الكوني. كانت مقطوعاته مبنية على دقة رياضية محكمة وهارموني مهيب، لكنها متخمَة بفيض وجداني وعاطفة داخلية عميقة تخاطب الروح وتصفيها.

لودفيغ فان بيتهوفن (ثورة العاطفة والدراما) -حوّل بيتهوفن الموسيقى من سيمفونيات أرستقراطية منضبطة إلى دراما إنسانية حارقة. عندما عبر عن الحب (كما في رسائله الشهيرة للحبيبة الخالدة أو في الحركات البطولية الرقيقة لسيمفونياته)، كان يسخر التناقضات الحادة بين القوة والضعف، والتوتر والحل النغمي، ليعكس لوعة الشوق وعنفوان التعلق الإنساني.

بيتر إيليتش تشايكوفسكي (قمة الرومانسية المأساوي) -يُعد تشايكوفسكي النموذج الأصفى لمن حول الحب العاطفي والوجع الذاتي إلى سيمفونيات خالدة. لم يكن يترجم كلمات، بل كان يترجم "نبض القلب المحب"؛ فمقطوعاته مثل "روميو وجولييت" و"بحيرة البجع" هي تجسيد صوتي مباشر لاشتعال العاطفة، واليأس، والنشوة العريمة، مستخدماً الألحان الحالمة لتردد على أوتار النفس بدقة مذهلة.

أرام خاشاتوريان (النبض الفلكلوري والعاطفة الجياشة) - عبر الموسيقار الأرمني ببراعة عن العواطف الإنسانية المتأججة الممتزجة بروح التراث والقومية. في أعماله مثل "غابات سبارتاك وفريجيا" أو "رقصة السيف"، نجد أن الحب لا يُحكى بالكلمات، بل يُرقص ويُعاش عبر إيقاعات شرقية وغربية متباينة تعكس العاطفة الجارفة والارتباط العضوي بالأرض والإنسان. بهذا المعنى، تتجاوز الموسيقى حدود الفن الجميل لتصبح هي اللغة الحقيقية التي تبدأ حيث تنتهي الكلمات، مترجمةً خفقات الروح في أطهر تجليات العشق والشجن.

صدى النغم في خلود الوجدان

إن رحلة الموسيقى عبر التاريخ البشري تكشف عن كونها أعمق بكثير من مجرد تسلية صوتية أو مهارة أدائية؛ فهي الجسر الخفي الذي يربط بين الوعي البدائي للإنسان الأول وبين أسمى ذرى التأمل الروحي والعاطفي في العصر الحديث. لقد انطلقت الموسيقى من ومضة إيقاعية بسيطة على شفاه الجماعات البدائية، متخذة من تكرار الصوت ولغة الطفل الأولى (الماما) وسيلة للبقاء والتواصل، ثم تداخلت مع الكلمة في مهدها المشترك (الموسيلانغويج) كما أقرّ سترابون وغيره من المؤرخين. واستمدت من نبض الطبيعة وسكونها أسرار التناغم والانتظام، قبل أن تبلغ ذروتها الكبرى في أعمال العباقرة مثل باخ، وبيتهوفن، وتشايکوفسكي، وخاشاتوريان الذين صاغوا من الهارموني والتمبو مرايا صادقة لأعظم العواطف الإنسانية، وعلى رأسها الحب والشوق واللوعة.فهم الحب عن طريق الموسيقى: هكذا تمكن العشاق عبر العصور من تجاوز حدود العجز اللفظي ليدركوا كنه الحب واختراق حجب مجهوله عبر الألحان؛ فلم تكن الموسيقى مجرد ترف شعوري، بل مرآة أنطولوجية يرى فيها العاشق نبض قلبه المجسد، لتتحقق المعرفة الأصفى للوجدان حين ينطق النغم بما تعجز عنه كل لغات الأرض. في النهاية، تظل الموسيقى هي الشاهد الأبدي على أن الإنسان لم يكن يوماً كائناً ماديّاً فحسب، بل هو كائن حالم ينظم دقات قلبه وإيقاعات روحه في سيمفونية كبرى لا تنتهي، لتبقى النغمات دائماً هي اللغة الأصفى التي تروي ما تعجز عنه كل الكلمات

***

ئاريان علي

في أفق الفلسفة، لا تبدو القصيدة مجرد شكلٍ جمالي يجاور الفكر من الخارج، بل تبدو أقرب إلى موضعٍ تتعرض فيه اللغة نفسها للاختبار.. عندما يدخل الفيلسوف إلى القصيدة، لا يدخل بوصفه مؤولًا يبحث عن فكرةٍ مستقلةٍ جاهزة، بل بوصفه قارئًا يطلب من الشعر أن يكشف له كيف تتكون الحقيقة حين لا تعود حقيقةً تقريرية، وكيف يتشكل المعنى حين يتخلى عن صلابته المفهومية، القصيدة، بهذا المعنى، ليست ظلًا للوعي، بل أحد المعابر التي يعبر فيها الوعي إلى معرفةٍ أكثر التباسًا وأشدّ كثافة.. وبالتالي تبدأ الأسئلة الخمسة التي تضبط هذا المسار: الحقيقة، اللغة، الخيال، الزمن، الذات..

الحقيقة واللغة

 فالقصيدة لا تتعامل مع الحقيقة باعتبارها مطابقةً بين القول والواقع، بل باعتبارها انكشافًا؛ كشفًا لما كان مختفيًا خلف العادة، أو مألوفًا إلى حدّ الحجب. وحين يتأمل الفيلسوف القصيدة، فإنه لا يسأل إن كانت “صحيحة” بالمعنى المنطقي، بل يسأل كيف تجعلنا نرى الوجود من زاوية لم تكن متاحةً من قبل..

أما اللغة، فهي ليست مجرد وسيطٍ محايد، بل موضع التوتر ذاته، إذ يعيد الشعر ترتيب الكلمات، ويكثف الإيقاع، ويزحزح الدلالة، حتى يصبح القول الشعري طريقةً في التفكير لا منفذًا إلى معنى سابق عليه..

الخيال والزمن

بينما الخيال، فهو في القصيدة ليس هروبًا من العالم، بل وسيلةً لإعادة تكوينه. فالقصيدة لا تنقل الواقع كما هو، بل تكشف طاقاته الممكنة، وتمنح الأشياء العادية كثافةً رمزية تجعلها أكثر قدرةً على حمل المعنى. وهنا يلتقي الفيلسوف بالشاعر عند فكرة جوهرية: أن الخيال ليس نقيض الحقيقة، بل أداةٌ من أدواتها.

ثم يأتي الزمن بوصفه البعد الأكثر خفاءً في التجربة الشعرية؛ فالقصيدة لا تمشي في الزمن خطيًا، بل تصنع زمنها الخاص، زمن اللمحة، والاسترجاع، والانتظار، والرجوع، والانقطاع. ولهذا تتبدى القصيدة ككيانٍ زمنـيٍّ مكثف، يحول اللحظة إلى دلالة، والدلالة إلى إيقاع.

المعرفة بالذات

وأما الذات، فهي في القصيدة لا تظهر بوصفها جوهرًا مكتملًا، بل بوصفها وعيًا يتشكل وهو يتكلم، حيث الشاعر لا يعلن عن نفسه فقط، بل يعيد صياغة صورته في اللغة، ويختبر حدودها، ويجعل من القصيدة مكانًا لتشكّل الأنا لا لتثبيتها. ولذلك تبدو القصيدة في نظر الفيلسوف نوعًا من المعرفة بالذات عبر الانفعال والصورة والإيقاع، لا عبر المفهوم وحده، نكون أمام وعيٍ لا يملك العالم دفعة واحدة، بل يقترب منه من خلال اللغة وهو يتفتح على احتمالاته، ويتصالح مع نقصه، ويعيد ترتيب تجربته في هيئة شعرية..

من هذا المنظور، التفكير الفلسفي داخل القصيدة لا يتمثل في استخراج “أفكار” منها، بل في الإنصات إلى الكيفية التي تُنتج بها القصيدة أسئلتها الخاصة، فهي لا تُجاور الفلسفة من موقع التزيين، ولا تنافسها من موقع النسق، لكنها تضعها أمام ما هو أكثر بداهةً وأقلّ خضوعًا للتجريد: كيف تُرى الأشياء حين تنشد؟ وكيف تُدرك الذات نفسها حين تُكثّف لغتها إلى حدّ الاشتعال؟ وكيف يصبح المعنى، لا المفهوم، هو مركز التجربة؟ هنا تغدو القصيدة شكلًا من أشكال المعرفة، لكنها معرفة لا تتكلم بلسانٍ هادئ، بل بلسانٍ يقظٍ ومتوتر، يستبقي في اللغة قلقها الخلّاق..

الجواهري نموذجًا

 قصيدة «يا دجلة الخير» للجواهري تبدو مثالًا بالغ الدلالة، فهي ليست مجرد قصيدة حنين إلى النهر أو المكان، بل بناءٌ شعري يربط الحقيقة باللغة، والخيال بالذاكرة، والزمن بالمنفى، والذات بالانتماء المتشظي.

فالحقيقة فيها لا تُعرض بوصفها تقريرًا مباشرًا، بل تنكشف من خلال توتر الذات مع المكان، واللغة لا تعمل كوسيط محايد، بل كقوة تستعيد الوجود وتعيد رسمه، ويكفي أن نستحضر افتتاحها الشهير:

حييتُ سفحكِ عن بُعدٍ فحييني

يا دجلةَ الخيرِ يا أمَّ البساتينِ

حييتُ سفحَك ظمآناً ألوذُ به

لوذَ الحمائِمِ بين الماءِ والطينِ

يا دجلةَ الخيرِ يا نبعاً أفارقُهُ

على الكراهةِ بين الحينِ والحينِ

إنّي وردْتُ عيونَ الماءِ صافيةً

نبعاً فنبعاً فما كانت لترويني

ففي هذه الأبيات تتجلى الحقيقة بوصفها انكشافًا للانتماء والاغتراب معًا، وتنهض اللغة بوصفها نداءً وإيقاعًا وصورةً لا تكتفي بالوصف، بل تصنع حضور المكان في الوعي، بينما الخيال فيحوّل دجلة إلى كائن رمزي حيّ، فيما يصوغ الزمن تجربة منفى واستعادة، ويكشف الذات وهي تتكلم من موضع الحنين والانكسار لا من موضع الامتلاك، حتى تغدو القصيدة كلها شكلًا من أشكال الوعي الخلاق الذي لا يكتفي بمشاهدة العالم، بل يعيد ترتيبه داخل اللغة ليصبح أكثر كثافةً وعمقًا ودلالة.

في هذه القصيدة لا يكون دجلة موضوعًا خارجيًا، بل يتحول إلى كائنٍ يخاطَبه الشاعر ويعاد اكتشافه داخل النداء؛ وهنا يصبح المكان ذاته جزءًا من وعي الشاعر، لا مجرد إطارٍ له..

لعلي لا ابالغ اذا قلت أن الحقيقة في القصيدة ليست تقريرًا عن دجلة، بل انكشافٌ لعمق الارتباط بين الذات وفضائها؛ واللغة ليست وعاءً محايدًا بل آلة كشفٍ وإعادة خلق، عبر النداء والإيقاع والتشخيص؛ والخيال يحول النهر إلى معادلٍ وجودي، يجعل الماء ذاكرةً والضفافَ مصيرًا؛ والزمن يظهر بوصفه منفىً مفتوحًا على الاستعادة، لا مجرد تعاقبٍ للأيام؛ ثم الذات تتجلى كأنا منقسمة بين الحنين والغربة، بين الرغبة في العودة وإدراك استحالة العودة الكاملة. هكذا تصبح القصيدة كلها نموذجًا للوعي الخلاق، وعيٌ لا يكتفي باستقبال العالم، بل يعيد ترتيبه داخل اللغة حتى يكتسب معنى جديدًا..

الفيلسوف داخل القصيدة لا يبحث عن معنى جاهز، بل عن طريقة القصيدة في إنتاج المعنى نفسه، إنه يسألها عن الحقيقة التي تكشفها، وعن اللغة التي تصنعها، وعن الخيال الذي يوسّعها، وعن الزمن الذي تخلقه، وعن الذات التي تعيد تشكيلها، عبر هذا الأفق لا يعود الشعر مجرد فنٍّ جميل، بل يصير شكلًا من أشكال المعرفة يحرر الفكر من صلابته، ويذكّره بأن الوجود لا يُفهم كاملًا إلا حين يُصغى إليه وهو يتكلم شعراً، بل تظل القصيدة، في أعمق مستوياتها، أحد أكثر الأماكن التي يستطيع فيها الفياسوف أن يرى نفسه وهو يتجاوز نفسه..

(يتبع)

***

أ. مراد غريبي

 

استمعت مساء الأربعاء 9 – 9 - 2026 في "منتدى حوار التنوير" بألمانيا، إلى محاضرة مثيرة للدكتور عبد الجبار الرفاعي، حملت عنوان: "الولادة الثانية للدين في المتخيل"، ضمن منتدى حوار التنوير. تناول الرفاعي موضوعًا جديدًا في الدراسات الدينية العربية، لا يحضر كثيرًا في خطابنا الديني، على الرغم من امتداد أثره إلى مساحة واسعة من حياتنا. فنحن نناقش الدين عادة من خلال النص والعقيدة والفقه والتفسير والتاريخ، ونادرًا ما نتوقف عند السؤال الذي جعله الرفاعي محور محاضرته: كيف يعيش الدين في مخيلة الإنسان، وكيف تعيد الجماعات إنتاجه عبر الصور والرموز والحكايات والطقوس والذاكرة والهوية، وكيف يمكن لهذه الولادة الثانية أن تصبح أشد تأثيرًا في حياة المؤمن من الولادة الأولى للدين؟

وفي حدود اطلاعي، كان الرفاعي أول مفكر منحدر من الحوزة ومعاهد التعليم الديني الإسلامي يتناول "المتخيل الديني" بوصفه حقلًا مستقلًا وضروريًا للدراسة، ويكشف دوره في إعادة إنتاج الدين وتوسيع فضاء المقدس، وتحويل الصور المتخيلة إلى حقائق راسخة في وعي الجماعة وذاكرتها. وتنبع أهمية طرحه من انتقاله بدراسة الدين من الاقتصار على النصوص والعقائد إلى استكشاف الصور العميقة التي يصنعها المتخيل، وتغدو أكثر حضورًا وتأثيرًا وسلطانًا من النص المؤسس نفسه. كانت المحاضرة شيقة بالنسبة لي؛ لأنها تجاوزت الحديث عن مفهوم فلسفي، وكانت دعوة إلى النظر في منطقة خفية من الوعي الديني، لا تكفي أدوات الفقه أو علم الكلام التقليدي للوصول إليها؛ إذ تتشكل في الوعي واللاوعي، وتسهم في تكوينها الذاكرة والتاريخ والمجتمع والعاطفة والخوف والأمل والحاجة إلى المعنى.

 بدأ الرفاعي من الخيال، ورآه إحدى القوى الأساسية في تكوين الإنسان. فالإنسان ليس كائنًا عاقلًا فقط، وإنما هو كائن يتخيل أيضًا، فما يضيق به الواقع يتسع له الخيال. ومن دون هذه القدرة ما كان الإنسان قادرًا على تجاوز شروط وجوده المباشر، ولا على إنتاج الشعر والفن والأدب، وكثير من الفرضيات العلمية والاختراعات التي بدأت صورة في المخيلة قبل أن تتحول إلى شيء في العالم.

 وظهرت أهمية المحاضرة بوضوح عندما انتقل الرفاعي من الخيال الفردي إلى المتخيل الجمعي، ثم إلى "المتخيل الديني". هنا يصبح الأمر معقدًا؛ لأن المخيلة لا تنتج الجمال والإبداع وحدهما، فقد تنتج الأسطورة، والصورة المضخمة للزعيم والشيخ والمؤسس، وتمنح أشخاصًا ومؤسسات وأحداثًا تاريخية حصانة رمزية تجعل إخضاعها للنقد بالغ الصعوبة.

 ومن الأفكار التي وجدتها جديرة بالتوقف عندها قول الرفاعي إن لكل دين ولادتين: ولادة أولى في عصر المؤسس، ثم ولادة ثانية بعد غيابه، حين تبدأ الجماعة بإعادة إنتاج صورته، وتأويل النص المؤسس، وتراكم الحكايات والرموز والتصورات والتفسيرات حول الدين. ومع مرور الزمن، قد تصبح هذه الطبقات جزءًا من صورة الدين في الوعي الجمعي، إلى الحد الذي يصعب معه الفصل بين الأصل وما صنعه التاريخ حوله. تفتح هذه الفكرة بابًا مهمًا لفهم كثير من مشكلات الإصلاح والتجديد الديني؛ فقد انشغلت مشاريع الإصلاح والتجديد الحديثة بالنص والتفسير والفقه والعقل والاجتهاد، غير أنها لم تمنح المتخيل الديني ما يستحقه من اهتمام. وكان إهمال المتخيل، كما أشار الرفاعي، أحد الأسباب الخفية لتعثر كثير من محاولات الإصلاح والتجديد؛ فالإنسان لا يعيش معتقداته من خلال الأفكار المجردة وحدها، وإنما يعيشها أيضًا من خلال الصور الراسخة في الذاكرة، والطقوس والرموز والحكايات والمخاوف والآمال التي ورثها عن الجماعة. لا يكفي تقديم تفسير عقلاني جديد للنص، ما دام المتخيل القديم فاعلًا في الأعماق؛ فقد تتغير الأفكار، فيما تلبث الصور الموروثة راسخة. يبدأ التجديد الحقيقي حين يبلغ البنية المنتجة للمعنى الديني.

وكان من أجمل ما طرحه الرفاعي تمييزه بين الخيال والوهم؛ فالخيال ليس وهمًا، وليس خصمًا للعقل، وإنما هو قدرة خلاقة تشارك العقل في إنتاج المعرفة. أما الوهم فينشأ حين تتحول الصورة التي صنعتها المخيلة إلى اعتقاد زائف يتعامل معه المتوهم كأنه حقيقة. وهنا تظهر الحاجة إلى عقل نقدي لا يقتل الخيال، وإنما يمنعه من التحول إلى سلطة مغلقة تستعبد الإنسان. وتوقفت أيضًا عند حديثه عن المقدس والتقديس. أشار الرفاعي، من خلال استقراء الاستعمال القرآني، إلى أن القرآن لم يصف الأنبياء بأنهم أشخاص مقدسون، وإنما تحدث عن الإنسان بلغة التكريم والاصطفاء والاجتباء والنبوة والرسالة. أما القداسة فوردت في سياقات تتصل بالله وما ينسب إليه، كروح القدس والأرض المقدسة والوادي المقدس. ومن هنا يبرز سؤال تاريخي بالغ الأهمية: كيف اتسعت دوائر التقديس بعد عصر الرسالة حتى شملت أشخاصًا ومؤسسات وتفسيرات وموروثات؟ لا يستهدف هذا السؤال إلغاء الاحترام أو إنكار المكانة الدينية، وإنما يرسم فاصلًا ضروريًا بين التكريم والتقديس. فحين يتحول الإنسان إلى كائن فوق النقد، ويتحول التفسير البشري إلى حقيقة لا تقبل المراجعة، نكون أمام صورة صنعها المتخيل التاريخي أكثر مما فرضها النص المؤسس.

 ما أعجبني في حديث عبد الجبار الرفاعي أنه لم يتعامل مع الدين من خارجه، ولم يتحدث عنه بلغة الخصومة أو الدفاع التقليدي. كان يتحدث من داخل تجربة إيمانية، بعقل نقدي لا يخشى الأسئلة. وهذه منطقة فكرية دقيقة؛ لأن النقد من داخل الإيمان أصعب بكثير من النقد الذي يبدأ من خارجه. غاية الرفاعي ليست التخلص من الدين، وإنما تحريره مما تراكم حوله من صور تحجب قدرته على منح الإنسان المعنى والكرامة والأخلاق والحياة الروحية.

 خرجت من المحاضرة وأنا أفكر أن مفهوم "الولادة الثانية للدين" الذي تحدث عنه الرفاعي بمداخل محورية، وهو يستحق أن نتوقف عنده طويلًا؛ فالأديان لا تعيش في النصوص وحدها، وإنما تولد مرة أخرى في عقول الناس وذاكرتهم ومخيلتهم، وفي الحكايات التي يروونها، والصور التي يصنعونها، والشخصيات التي يرفعونها فوق منزلتها البشرية، والأماكن التي يضفون عليها المعنى، والطقوس التي يعيدون من خلالها بناء علاقتهم بالمقدس.

 السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل مشروع جاد لتجديد الفكر الديني لا يقتصر على: كيف نقرأ النص من جديد؟ بل يمتد إلى سؤال أعمق: كيف نقرأ المخيلة التي قرأت النص طوال قرون؟ في تقديري، كانت محاضرة الدكتور عبد الجبار الرفاعي هذا المساء من تلك المحاضرات التي لا تنتهي بانتهاء وقتها؛ لأنها لا تقدم إجابات جاهزة بقدر ما تترك في ذهن المستمع أسئلة جديدة. وهنا تتجلى قيمة الفكر الحقيقية حين نغادر المحاضرة ونحن نحمل أسئلة أكثر مما حملنا عند دخولها، وأن نعيد النظر في أشياء اعتدنا رؤيتها حتى حسبناها حقائق نهائية، فيما يكون بعضها نتاج تلك القوة العجيبة والخفية التي تحدث عنها الرفاعي طويلًا: قوة المتخيل وإنتاجه نسخة ثانية للدين غير ما ولد في عصر المؤسس.

***

د. تحسين الشخيلي

مقدمة: لا يظهر الجسد العراقي في الوشم بوصفه جسدًا واحدًا، ولا يمكن قراءة علاماته خارج الأمكنة التي نشأت فيها والبيئات التي احتضنتها والذاكرات التي منحتها معناها؛ فالجنوب ليس الوسط، والبادية ليست المدينة، والجبل ليس السهل، وأن العلامة التي تبدو متشابهة في شكلها قد تحمل في كل بيئة تاريخًا مختلفًا من الدلالة والاستعمال. غير أن الاختلاف الجغرافي لا ينبغي أن يحول الجسد العراقي إلى خريطة ثابتة لتوزيع الرموز، لأن الجغرافيا نفسها ليست ثابتة، والثقافة لا تقيم داخل حدود المكان إقامةً نهائية، بل تتحرك معه وعبره، فتنتقل العلامات بين الجماعات، وتغادر سياقاتها الأولى، وتدخل في سياقات جديدة تعيد تشكيل معناها.

من هنا يقترح هذا المقال الانتقال من أطلس الوشم إلى أطلس لعبور المعنى؛ أي من سؤال: أين يظهر هذا الرمز؟ إلى سؤال: كيف يتحرك هذا الرمز داخل الجغرافيا العراقية؟ وكيف تنتقل العلامة من بيئة إلى أخرى، ومن جماعة إلى أخرى، ومن الذاكرة المحلية إلى الذاكرة الفردية؟ فالجنوب، بما يحمله من علاقة كثيفة بالماء والخصوبة والأنوثة والذاكرة المحلية، لا يقدم مجرد مجموعة من الزخارف، بل يكشف عن نمط خاص في تكثيف المعنى؛ في حين تكشف مناطق الشمال والوسط والبادية عن علاقات أخرى تتصل بالجبل والقبيلة والانتماء والحركة والاختزال. وفي الحالتين لا تكون الجغرافيا خلفية للوشم، وإنما تدخل في إنتاج معناه.

وسيتحرك هذا المقال في بيئة الجنوب حصرا؛ للكشف عن الكثافة الرمزية التي تتمثل عند تقاطع الماء والخصوبة والذاكرة المحلية، فان البحث في الجنوب من العراق لا بوصفه مجرد إقليم جغرافي، بل بوصفه بنية حسية ورمزية تمثلت فيها علاقة الإنسان بالماء والجسد والإنجاب والأرض والمقدس، وهي علاقة ستتيح لنا لاحقًا الانتقال من جغرافيا الجنوب إلى رموزه، ومن الرمز إلى الجسد، ومن الجسد إلى الوشم، من غير أن نفترض استمرارية خطية بين القديم والمعاصر، بل نبحث عن قابلية الرمز للعبور والتحول.

1. الماء والأنوثة والخصوبة

إذا أردنا أن نبدأ من الجنوب، فلا ينبغي أن نبدأ من المدن وحدها، ولا من المعابد والقصور والنصوص التي حفظتها الكتابة، وإنما من ذلك العنصر الذي كان يسبق المدينة ويحيط بها ويمنحها إمكان وجودها: الماء. فالجنوب الرافديني لم يكن أرضًا مستقرة تنتظر الإنسان لكي يسكنها، وإنما كان فضاءً مائيًا متحركًا، تتداخل فيه الأنهار والفروع والمستنقعات والقصب والطين والفيضانات، وتتغير فيه الحدود بين اليابسة والماء بحسب المواسم وحركة النهر وتبدلات المناخ ومستوى البحر، ولذلك فإن الإنسان الذي نشأ في هذا المجال لم يكن يواجه الطبيعة بوصفها خلفية صامتة لحياته، بل كان يعيش داخل وسط متحرك يفرض عليه أن يفهم الماء بوصفه شرطًا للحياة، ومصدرًا للخطر، ومجالًا للرزق، ووسيطًا بين الأرض والخصوبة والمقدس.

وهنا تكتسب منطقة الأهوار الجنوبية أهمية تتجاوز الجغرافيا؛ فقد كانت أجزاء واسعة من السهل الرسوبي الجنوبي، منذ عصور مبكرة، بيئة مائية ومستنقعية ارتبطت بها مدن أور وأوروك وإريدو وغيرها، وتشير المعطيات الأثرية والبيئية إلى الأهوار وهي ليست «مكانًا» بالمعنى الساكن، وإنما نتيجة علاقات. النهر يدخل فيها، والريح تدخل فيها، والصحراء تدخل فيها، والكائنات الحية تدخل فيها، والمواد الكيميائية تدخل فيها، ثم تعيد الأهوار نفسها إنتاج مواد جديدة. ومن ثم فأن الأهوار لم تكن هامشًا بالنسبة إلى نشوء المجتمعات الجنوبية، بل كانت جزءًا من المجال الذي تمثلت فيه أنماط اقتصادية واجتماعية ودينية أساسية، حتى إن اليونسكو تؤكد أن الأهوار كانت مركزًا أساسيًا للاقتصاد والتصورات الدينية والرؤية الكونية لدى الثقافات المتعاقبة في جنوب بلاد الرافدين. ومن هنا يصبح الماء أكثر من مورد طبيعي؛ إنه وسط وجودي تمثلت داخله علاقة الإنسان بالأرض وبالجسد وبالخصوبة.

إن الجنوب، بهذا المعنى، لا يُفهم من خلال ثنائية اليابسة والماء، لأن الماء لم يكن نقيضًا للأرض بقدر ما كان أحد الشروط التي تجعل الأرض قابلة للحياة. فالفيضان لا يعني الماء وحده، وإنما يعني الرواسب والتربة وتجدد المجال الزراعي، والمستنقع لا يعني الماء الراكد فقط، وإنما يعني القصب والأسماك والطيور والحيوان وطرق الحركة والسكن والعمل، والنهر لا يعني مجرى مائيًا فحسب، وإنما يعني شبكة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والرمزية. وقد أظهرت الدراسات البيئية للأهوار الجنوبية أن دور الفيضانات الموسمية كان يتجاوز إمداد المنطقة بالماء إلى تجديد خصوبة التربة وترسيب الرواسب والتقليل من تراكم الأملاح، أي أن الماء كان يدخل مباشرة في دورة إنتاج الحياة.

ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين الماء والخصوبة بوصفها علاقة بنيوية قبل أن تكون علاقة رمزية؛ فالخصوبة لا تظهر في المخيال الرافديني من فراغ، وإنما تنبني فوق خبرة بيئية طويلة أدرك فيها الإنسان أن الحياة في الجنوب مرتبطة بحركة الماء، وأن الأرض لا تكون خصبة في ذاتها بصورة مطلقة، بل تصبح كذلك من خلال علاقتها بالماء. ولهذا فإن انتقال الماء من النهر إلى الحقل، ومن الحقل إلى النبات، ومن النبات إلى الحيوان والإنسان، كان يمكن أن يتحول في المخيال الديني إلى شبكة رمزية تجعل الماء جزءًا من قصة الخلق والتجدد والإنجاب.

وهنا تظهر الأنوثة داخل هذه البنية لا باعدها مجرد وصف بيولوجي للمرأة، وإنما بوصفها إحدى الصور الرمزية التي جرى من خلالها التفكير في القدرة على الإنبات والولادة والتجدد. غير أن الحذر المنهجي ضروري هنا؛ فلا ينبغي أن نختزل الأنوثة الرافدينية في صورة «الأم الكبرى» وحدها، ولا أن نفترض أن كل تصور للخصوبة كان مؤنثًا بصورة مطلقة، لأن النظام الديني الرافديني كان أكثر تعقيدًا، وكانت قوى الماء والنبات والخصوبة موزعة بين آلهة متعددة ووظائف متداخلة، كما أن إنانا، على سبيل المثال، لم تكن إلهة للخصوبة وحدها، بل ارتبطت أيضًا بالحب والسلطة والحرب والنجمة والكثير من الوظائف المتحولة داخل المخيال الرافديني.

ومع ذلك فإن العلاقة بين الأنوثة والخصوبة تظهر بقوة في عدد من التقاليد الرافدينية، خصوصًا عندما تصبح العلاقة بين إنانا ودوموزي جزءًا من تمثيل دورة الحياة والنبات والإنجاب والتجدد. وقد أظهرت الدراسات الأثرية للنقوش واللقى في مقبرة أور الملكية أن رموز الوفرة والخصوبة كانت حاضرة في الثقافة المادية، وأن بعض العناصر النباتية، مثل التمر وتجمعات الثمار والنخيل، ارتبطت رمزيًا بإنانا والوفرة والخصوبة. وهنا لا يكون الرمز مجرد صورة للطبيعة، بل يصبح طريقة ثقافية لإعادة صياغة العلاقة بين الطبيعة والحياة والجسد.

إن ما يهمنا في هذا السياق ليس أن نقول إن «الماء أنثى» أو إن «المرأة هي رمز الماء»، فهذه الصياغة ستكون تبسيطًا مفرطًا لتاريخ رمزي معقد، وإنما أن نبحث عن كيفية انتقال التجربة البيئية إلى اللغة الرمزية. فالإنسان الذي يعيش في بيئة يكون فيها الماء شرطًا للزرع والحياة، ويرى الأرض تستجيب للماء بالنبات، ويرى الحيوان والإنسان داخل الدورة نفسها، يمكن أن يعيد بناء هذه الخبرة في صور رمزية تجعل الخصوبة شبكة من العلاقات بين الماء والأرض والنبات والمرأة والآلهة. وهنا يبدأ العبور من الطبيعي إلى الثقافي.

فالماء في الطبيعة ليس رمزًا في ذاته؛ إنه ماء، لكنه يصبح رمزًا عندما يدخل في شبكة من المعاني التي يصنعها الإنسان. وكذلك المرأة ليست «رمزًا للخصوبة» بصورة طبيعية؛ إنما تصبح الأنوثة مرتبطة بالخصوبة عندما تقوم الثقافة بإدخال الجسد الأنثوي في منظومة رمزية أوسع تجعل الحمل والولادة والتجدد عناصر لفهم العالم نفسه. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: لماذا رمز الماء بالأنوثة؟ وإنما: كيف عبرت خبرة الماء والإنبات والولادة إلى بنية رمزية جعلت الخصوبة لغة لفهم العالم؟

هذه النقلة مهمة جدًا بالنسبة إلى فلسفة العبور، لأنها تكشف أن الرمز لا يولد جاهزًا في الطبيعة، وإنما يتشكل عند الحد الفاصل بين الإنسان والعالم. فالطبيعة تقدم المادة الحسية، والإنسان يمنحها القدرة على الدخول في شبكة من الدلالات، ثم تعود هذه الدلالات لتعيد تمثيل فهم الإنسان للطبيعة. إنها حركة ذهاب وإياب، الماء يؤثر في الإنسان، والإنسان يؤول الماء، والتأويل يعيد تشكيل صورة الماء في الثقافة.

ومن هنا يمكن فهم مكانة إريدو في تاريخ الجنوب الرافديني؛ فقد ارتبطت المدينة بإِنكي، إله المياه العذبة والحكمة والنظام، وكان الـ«أبسو» في التصورات الرافدينية مجالًا للمياه العذبة البدئية. وتشير المادة المتعلقة بتراث الأهوار إلى أن إنكي ارتبط بالمياه العذبة والأهوار والكائنات الحية التي تسكنها، بما يجعل الماء هنا جزءًا من تصور كوني وليس مجرد عنصر اقتصادي. وفي هذه النقطة يصبح الجنوب فضاءً تتداخل فيه البيئة والميتافيزيقا: فالماء الذي يشربه الإنسان ويسقي به أرضه يمكن أن يتحول في المخيال إلى أصل كوني للحياة.

ولا ينبغي أن نفهم هذا التحول باعده انتقالًا بسيطًا من «الطبيعة» إلى «الدين»، لأن الدين نفسه كان جزءًا من الطريقة التي كان بها المجتمع ينظم علاقته بالطبيعة. فالطقس، والأسطورة، والاحتفال، والزراعة، والسلطة، والمدينة، كلها كانت تتفاعل داخل منظومة واحدة، ولذلك فإن الماء يمكن أن يظهر في آن واحد بوصفه موردًا اقتصاديًا، وعنصرًا طقوسيًا، ورمزًا كونيًا، ومادة أساسية في الحياة اليومية.

ومن هنا أيضًا يمكن فهم الأنوثة بوصفها وسيطًا رمزيًا بين الماء والأرض والخصوبة. فالمرأة، في التجربة الإنسانية المباشرة، ترتبط بالولادة، لكن الثقافة تستطيع أن توسع هذه التجربة لتجعلها نموذجًا لفهم ولادة النبات، وتجدد الأرض، وعودة الحياة بعد الجفاف، ولذلك تصبح الأنوثة في بعض السياقات الدينية صورة للقدرة على الإنبات وإعادة إنتاج الحياة. غير أن هذه الصورة لا تظل ثابتة، بل تدخل في شبكة من علاقات السلطة والقرابة والمدينة والملك والطقس.

وهنا تظهر أهمية إنانا؛ فهي لا تمثل «المرأة الخصبة» في صورة أحادية، بل تكشف أن الأنوثة الرافدينية نفسها كانت فضاءً للقدرة والتحول. إنانا تجمع بين الحب والحرب والسلطة والخصوبة، وبين الرغبة والعنف، وبين الحياة والموت، ولذلك فإن حضورها يحررنا من القراءة الساذجة التي تجعل الأنوثة مرادفًا للولادة فقط. إن الأنوثة هنا قدرة على التحول، والخصوبة ليست مجرد إنتاج بيولوجي، وإنما قدرة على نقل العالم من حالة إلى حالة.

ولهذا فإن علاقتها بدوموزي تصبح ذات أهمية خاصة؛ فالثنائية ليست مجرد قصة حب إلهية، بل تدخل في تمثيل العلاقة بين النبات والموت والتجدد، وبين دورة الطبيعة ودورة المجتمع والطقس. وفي سياقات من «الزواج المقدس» ارتبط اتحاد إنانا ودوموزي بتجدد الخصوبة والنبات، بما يجعل الجسد والعلاقة الجنسية والإنبات الزراعي والشرعية الملكية أجزاء من بنية رمزية واحدة.

لكن الأهم بالنسبة إلى فلسفة العبور أن هذه البنية لا تعمل باتجاه واحد؛ فالطبيعة لا تتحول فقط إلى رمز، بل الرمز نفسه يعيد تنظيم رؤية الإنسان للطبيعة. عندما تصبح دورة الماء والنبات والولادة جزءًا من قصة كونية، فإن الإنسان لم يعد يرى الماء مجرد ماء، ولا الأرض مجرد تربة، ولا الجسد مجرد جسد؛ لقد أصبحت الأشياء محمولة على طبقات من المعنى. وهنا يظهر الجسد للمرة الأولى داخل هذا المسار بوصفه نقطة التقاء بين الماء والخصوبة والرمز.

فالجسد الإنساني نفسه مائي في تكوينه، وهو جسد يحتاج إلى الماء، وينمو من الغذاء، ويتغير مع الزمن، ويتكاثر، ويمرض ويشفى ويموت، ولذلك فإن التجربة الجسدية كانت من أقرب المجالات التي يمكن للإنسان من خلالها أن يفهم دورة الحياة. وإذا كان الجسد الأنثوي يحمل تجربة الحمل والولادة، فإن الثقافة تستطيع أن تنقل هذه التجربة إلى مستوى كوني، فتصبح الأرض «تلد»، والمياه «تحيي»، والنبات «يولد»، والخصوبة دورة تتجاوز الإنسان لتشمل العالم.

غير أن فلسفة العبور لا تتوقف عند التشابه بين الجسد والأرض، بل تسأل عن الحركة التي صنعت هذا التشابه. كيف انتقل معنى الولادة من الجسد إلى الأرض؟ كيف انتقل معنى الخصوبة من النبات إلى الجسد؟ كيف انتقل معنى الماء من مورد طبيعي إلى صورة كونية؟ وكيف عاد هذا كله ليظهر في الطقس والرمز والصورة والجسد؟ إنها سلسلة من العبور المتبادل، لا يمكن فيها تحديد نقطة بداية نهائية ونقطة نهاية نهائية.

ولهذا فإن الجنوب الرافديني يمكن قراءته بوصفه مختبرًا مبكرًا للرمزية البيئية؛ ليس بمعنى أن سكان الجنوب امتلكوا «فلسفة بيئية» بالمفهوم الحديث، وإنما بمعنى أن حياتهم كانت شديدة الارتباط بالوسط المائي بحيث أصبح هذا الوسط جزءًا من الاقتصاد والدين والخيال والذاكرة. فالطبيعة لم تكن خارج الثقافة، والثقافة لم تكن منفصلة عن الطبيعة، بل كانتا تدخلان في علاقات متبادلة أعادت تمثيل كل منهما؛ لكن هذا الاستمرار لا ينبغي أن يُفهم باعده دليلًا على أن كل ممارسة معاصرة هي بقايا مباشرة لممارسة سومرية؛ فمثل هذه الدعوى تحتاج إلى إثبات تاريخي مستقل، لكن ما يمكن قوله بثقة أكبر هو أن الوسط البيئي نفسه كان قادرًا على إعادة إنتاج أنماط من العلاقة بين الماء والعمل والجسد والذاكرة. وهنا نصل إلى مفهوم مهم في مشروعنا: الجنوب بوصفه وسطًا عابرًا.

فالجنوب ليس مكانًا ثابتًا تنتقل داخله الرموز فحسب، بل هو وسط تتحرك فيه المياه والطمي والقصب والأسماك والناس والسلع والأفكار والآلهة والطقوس. إنه مجال تكون فيه الحدود نفسها متحركة؛ فاليابسة تتغير، والماء يتراجع ويتقدم، والجزيرة تظهر وتختفي، والقناة تتغير، والمستنقع يتسع وينكمش، ولذلك فإن الثقافة التي تتمثل داخله تكون أكثر قابلية لتصور العالم بوصفه دورة وحركة وتجددًا. ومن ثم يمكن أن نفهم الخصوبة لا بوصفها «كثرة الإنتاج» فقط، بل باعدها قدرة العالم على الانتقال من حالة إلى حالة. الماء يعبر. والبذرة تعبر إلى نبات. والنبات يعبر إلى غذاء. والغذاء يعبر إلى جسد. والجسد يعبر إلى نسل. والنسل يعبر إلى جماعة. والجماعة تعبر إلى ذاكرة. ثم تتحول الذاكرة إلى رمز. وبذلك تصبح الخصوبة، في أعمق مستوياتها، شكلًا من أشكال العبور.

ومن هذه الزاوية يمكن إعادة قراءة العلاقة بين الماء والأنوثة والخصوبة بعيدًا عن التفسير الرمزي؛ فالماء ليس مجرد «رمز للحياة»، والأنوثة ليست مجرد «رمز للولادة»، والخصوبة ليست مجرد «كثرة النسل»، وإنما تتمثل هذه العناصر داخل منظومة أوسع يكون فيها الوجود نفسه عملية انتقال وتجدد.

وهذا يقربنا من جوهر فلسفة العبور: فالحياة لا تكون حية؛ لأنها تحافظ على صورتها، وإنما لأنها تستمر عبر التحول. والماء هو المثال الأكثر وضوحًا؛ فهو لا يبقى ماءً بالطريقة نفسها، بل يتبخر ويتكاثف وينزل ويتحرك ويدخل الأرض والنبات والجسد ثم يعود إلى الدورة من جديد. ولذلك فإن الماء يقدم، قبل أن يصبح رمزًا، نموذجًا طبيعيًا للوجود بوصفه حركة.

وإذا كان الجسد في يظهر بوصفه حاملًا للأثر ووسيطًا للعبور، فإن الجنوب يتيح لنا أن نعيده إلى بيئته الأولى: الجسد الذي يعيش من الماء، ويتمثل داخل دورة الخصوبة، ويتحول إلى رمز كما يتحول الماء إلى حياة.

ومن هنا يصبح الوشم، جزءًا من سلسلة أطول بكثير من مجرد تاريخ الزخرفة الجسدية؛ إذ إن الرمز الذي يصل إلى الجلد لا يصل إليه مباشرة من الماضي، وإنما يمر عبر طبقات من الطبيعة والثقافة والدين والذاكرة والهوية. وما يهمنا ليس إثبات أن وشمًا معاصرًا هو «وشم سومري» أو أن رمزًا حديثًا هو نسخة من رمز قديم، بل اكتشاف الكيفية التي يستطيع بها الرمز أن يعبر من عالم إلى آخر، ومن بيئة إلى جسد، ومن ذاكرة جماعية إلى هوية فردية. وهنا يمكن تثبيت النتيجة الأولى:

الماء في الجنوب لم يكن مجرد مادة للحياة، بل كان وسطًا تمثلت داخله تصورات الخصوبة والتجدد؛ والأنوثة لم تكن مجرد صورة بيولوجية للولادة، بل أصبحت في بعض البنى الرمزية وسيطًا للتفكير في قدرة العالم على إنتاج الحياة؛ أما الخصوبة فلم تكن مجرد كثرة، بل كانت صورة مبكرة للصيرورة، أي لقدرة الموجود على أن يعبر من حالة إلى حالة. وبذلك يصبح الجنوب؛ إنه أصل جغرافي لفكرة العبور نفسها.

فالماء يعبر الأرض، والأرض تستجيب للماء، والخصوبة تنشأ من العلاقة، والجسد يدخل في الدورة، والرمز يمنح هذه الدورة قابلية للذاكرة.

ومن الماء تبدأ الحكاية، لا لأن الماء هو «الأصل الوحيد» لكل شيء، وإنما لأنه يكشف لنا أن الجنوب الذي ستظهر فيه المدينة والكتابة والمعبد والأسطورة لم يكن فضاءً ثابتًا، بل عالمًا متحركًا، وأن الإنسان الجنوبي لم يبنِ رموزه فوق أرض صامتة، وإنما داخل بيئة كان عليه أن يتعلم فيها، منذ البداية، كيف يعيش مع ما يعبر.

2. الذاكرة المحلية

في هذه النقطة ينبغي ألا نتعامل مع «الذاكرة المحلية» بوصفها مجرد بقايا من الماضي أو مخزونًا من الرموز الشعبية، بل بوصفها ذاكرة حية يعاد إنتاجها داخل المكان والجسد والممارسة، ومن ثم نرى من الضروري ان لا تُفهم الذاكرة المحلية بوصفها صورة محفوظة لماضٍ انتهى، ولا بوصفها مستودعًا مغلقًا للرموز والعادات التي تنتظر من يستعيدها، وإنما بوصفها شكلًا من أشكال الحضور المتجدد للماضي داخل الحياة اليومية، حيث تستمر الأشياء لا لأنها بقيت على صورتها الأولى، وإنما لأنها وجدت طرقًا جديدة للظهور والتداول وإعادة المعنى. وفي هذا السياق يكتسب الوشم أهميته بوصفه واحدًا من المواضع التي يمكن أن تتجسد فيها الذاكرة المحلية، لأن العلامة التي تستقر على الجسد لا تحمل الماضي خارج سياقه، بل تدخل به في علاقة جديدة مع الحاضر، فيصبح الجسد نفسه وسيطًا بين ما كان وما هو كائن، وبين الذاكرة التي جاءت من الجماعة والمعنى الذي يعيد الفرد إنتاجه داخل تجربته الخاصة.

فالذاكرة المحلية لا تسكن الأمكنة وحدها، وإن كانت مرتبطة بها ارتباطًا عميقًا، وإنما تسكن أيضًا الأجساد واللغات والطقوس والأسماء والأشكال والعلامات. والمكان، في هذا المعنى، ليس مجرد مساحة جغرافية تستضيف الذاكرة، بل هو أحد الشروط التي تمنحها شكلها ودلالتها. فالعلامة التي تظهر في بيئة معينة لا تنفصل عن تاريخ تلك البيئة، ولا عن طبيعة علاقاتها الاجتماعية، ولا عن صور الحياة التي تمثلت فيها، ولذلك فإن قراءة الوشم المحلي لا تبدأ من السؤال عن شكله فقط، وإنما من السؤال عن الذاكرة التي جعلت هذا الشكل ممكنًا، وعن التجارب التي منحته قابليته لأن يصبح علامة قابلة للحفظ والتداول.

وفي السياق العراقي، تكتسب الذاكرة المحلية تعقيدًا خاصًا بسبب تعدد البيئات التاريخية والاجتماعية التي تمثلت داخلها التجربة الثقافية؛ فذاكرة الجنوب ليست نسخة من ذاكرة الشمال، وذاكرة الريف لا تتطابق مع ذاكرة المدينة، كما أن الذاكرة العشائرية أو النسوية أو المهنية أو العائلية يمكن أن تنتج لكل منها طرائق مختلفة في تمثيل الماضي واستحضاره. وهذا لا يعني وجود ذواكر منفصلة بصورة تامة، وإنما يعني أن الذاكرة الواحدة يمكن أن تتخذ أشكالًا متعددة بحسب المكان والجماعة والتجربة. ومن هنا فإن الوشم المحلي ينبغي أن يُقرأ ضمن شبكة من العلاقات التي تجعل العلامة جزءًا من ذاكرة مكانية واجتماعية، لا بوصفها رمزًا معزولًا يمكن تفسيره خارج البيئة التي أنتجته.

ولذلك يمكن النظر إلى الوشم في بعض سياقاته التقليدية بوصفه ذاكرة مجسدة؛ فهو قد يحمل أثر الانتماء، أو يستعيد رمزًا ارتبط بالجماعة، أو يعبّر عن علاقة بالمكان، أو يخلّد تجربة شخصية، أو يمنح الجسد قدرة على الاحتفاظ بشيء تخشى الذاكرة الشفوية أن تفقده. غير أن هذه الوظيفة لا تعني أن الوشم يحفظ الذاكرة بصورة كاملة، لأن العلامة نفسها تختار وتختزل وتعيد ترتيب ما تريد أن تحتفظ به. وما يُكتب على الجسد ليس الماضي كله، وإنما جزء منه جرى تحويله إلى صورة قابلة للحمل. ومن هنا يصبح الوشم فعلًا من أفعال انتقاء الذاكرة بقدر ما هو فعل من أفعال حفظها.

وهذا الانتقاء يكشف البعد العابر للذاكرة المحلية؛ فما ينتقل من الجماعة إلى الجسد لا يعبر دون تغيير، لأن الفرد الذي يحمل العلامة يمنحها تجربته الخاصة، وقد يكون الرمز الذي كان يدل على معنى جماعي في سياقه الأول قد اكتسب عند الفرد دلالة عاطفية أو جمالية أو شخصية جديدة. وهنا لا تختفي الذاكرة المحلية، وإنما تتغير طريقة وجودها. إنها تنتقل من الذاكرة المشتركة إلى الذاكرة الفردية، ومن المجال الاجتماعي إلى الجسد، ومن العلامة المتداولة داخل الجماعة إلى علامة تحمل سيرة صاحبها.

ولهذا فإن استمرارية الذاكرة المحلية لا ينبغي أن تُقاس بمدى تطابق العلامة الحديثة مع صورتها القديمة، لأن هذا النوع من القياس يفترض أن الذاكرة لا تستمر إلا إذا بقيت ثابتة، في حين تكشف تجربة الوشم عكس ذلك. فقد تستمر الذاكرة حتى عندما يتغير شكل الرمز، وقد يبقى أثرها حتى عندما تتغير وظيفته، وقد تنتقل دلالتها من الطقس إلى الجمال، ومن الجماعة إلى الفرد، ومن الموروث إلى الاختيار. إن ما يستمر ليس بالضرورة الشكل، وإنما القدرة على إنتاج المعنى داخل سياق جديد.

ومن هنا يمكن القول إن الذاكرة المحلية ليست شيئًا يقع خلف الحاضر، وإنما قوة تعمل داخله. إنها تظهر كلما استعاد الإنسان رمزًا من بيئته، أو أعاد استعمال شكل موروث، أو منح علامة قديمة معنى جديدًا، أو حمل على جسده أثرًا يتصل بمكان أو جماعة أو تجربة. وبذلك يصبح الجسد واحدًا من أهم مواقع الذاكرة المحلية، لا لأنه يحفظها كما تحفظ الوثيقة حدثًا تاريخيًا، وإنما لأنه يسمح لها بأن تعيش في صورة متحولة. فالوشم حين يعبر من الذاكرة الجماعية إلى الجسد الفردي لا يفقد محليته بالضرورة، بل يعيد تعريف المحلي نفسه بوصفه شيئًا يمكن أن ينتقل ويتحول.

وهنا تلتقي الذاكرة المحلية مع مفهوم الهوية العابرة، فالهوية لا تتمثل من ذاكرة واحدة مغلقة، وإنما من مسارات متعددة تعبر فيها الذات بين المكان والجماعة والتاريخ والتجربة الشخصية. والوشم يكشف هذه الحركة بوضوح، لأنه يجعل الذاكرة المحلية قابلة للحمل، ويجعل المكان حاضرًا في جسد قد يغادر المكان، ويجعل الرمز قادرًا على الانتقال من بيئته الأولى إلى بيئات جديدة دون أن يفقد بالضرورة كل علاقته بأصله.

وبذلك لا تكون الذاكرة المحلية نقيضًا للعبور، بل تكون إحدى صوره؛ فالذاكرة التي لا تستطيع العبور تتحول إلى أثر مغلق، أما الذاكرة التي تستطيع أن تنتقل من المكان إلى الجسد، ومن الجماعة إلى الفرد، ومن الماضي إلى الحاضر، فإنها تظل حية لأنها تظل قابلة لإعادة التمثيل. ومن هنا يمكن أن نفهم الوشم بوصفه إحدى تقنيات الذاكرة المحلية، لا لأنه يحفظ الماضي على الجلد، وإنما لأنه يمنح الماضي إمكانية أن يعبر إلى الحاضر في صورة جديدة.

فالعلامة المحلية لا تستمر لأنها بقيت في مكانها، وإنما لأنها استطاعت أن تتحرك دون أن تفقد قدرتها على إنتاج المعنى؛ والجسد لا يحفظ المكان كما هو، وإنما يحمل أثره إلى مكان آخر؛ والذاكرة لا تبقى حية لأنها ترفض التغيير، وإنما لأنها تجد في التغيير وسيلة جديدة للاستمرار. وهنا بالضبط تبدأ الذاكرة المحلية في التحول من مجرد ماضٍ مشترك إلى ذاكرة عابرة، أي ذاكرة تستطيع أن تنتقل بين المكان والجسد، وبين الجماعة والفرد، وبين ما ورثناه وما نعيد اختياره.

3. الرمز الكثيف

ينبغي أن تأتي هذه النقطة بوصفه ذروة مقالنا هذا؛ فإذا كانت الذاكرة المحلية هي المجال الذي يحفظ علاقة العلامة بالمكان، فإن الرمز الكثيف هو اللحظة التي تتكثف فيها طبقات متعددة من المكان والتاريخ والانتماء والتجربة داخل علامة واحدة، من دون افتراض أن لها معنى واحدًا نهائيًا.

إذا كانت الذاكرة المحلية تمنح العلامة سياقها، فإن الرمز هو الذي يمنح هذه الذاكرة قابلية الظهور والانتقال، غير أن بعض الرموز لا تؤدي وظيفة الإشارة إلى معنى واحد بقدر ما تختزن في داخلها طبقات متعددة من المعاني والتجارب والذكريات، حتى تبدو العلامة الصغيرة وكأنها تحمل وراءها عالمًا ثقافيًا كاملًا. ومن هنا يمكن الحديث عن الرمز الكثيف، لا بمعنى الرمز الذي يصعب فهمه، وإنما بمعنى الرمز الذي تتراكم داخله دلالات متعددة، بحيث لا يمكن اختزاله في تفسير واحد، لأن كل قراءة له تكشف طبقة من طبقاته دون أن تستنفد إمكاناته.

والوشم، في بعض سياقاته المحلية، يقدم مثالًا واضحًا على هذه الكثافة الرمزية؛ فالعلامة التي تبدو بسيطة في شكلها قد ترتبط بالمكان والذاكرة والانتماء والجمال والأنوثة والطقس والتجربة الشخصية، وقد تتغير دلالتها بحسب من يحملها، والبيئة التي تظهر فيها، واللحظة التاريخية التي تُقرأ من خلالها. ولذلك فإن محاولة اختزال الوشم في معنى قاموسي ثابت تفقده الجزء الأكبر من قوته الثقافية، لأن الرمز لا يعمل منفردًا، وإنما داخل شبكة من العلاقات التي تمنحه دلالته وتسمح له في الوقت نفسه بأن يتجاوزها.

إن كثافة الرمز تبدأ من علاقته بالجسد. فالرمز حين يكون على ورق أو حجر أو جدار يمكن أن يُقرأ بوصفه علامة منفصلة نسبيًا عن الشخص الذي يراه، أما حين يستقر على الجلد فإنه يدخل في علاقة مباشرة مع صاحب الجسد، ويصبح جزءًا من سيرته ومن حضوره الاجتماعي. وهنا تتداخل دلالة الرمز مع دلالة الجسد نفسه؛ فلا تعود العلامة تشير إلى شيء خارجها فقط، وإنما تصبح جزءًا من تعريف صاحبها وموقعه داخل جماعته. ولهذا فإن الوشم يمكن أن يجمع في مساحة صغيرة ما لا يمكن للنص الطويل أن يجمعه بالضرورة: علامة على الانتماء، وأثرًا للذاكرة، وإشارة إلى الجمال، وتعبيرًا عن التجربة، وربما أثرًا لطقس أو معتقد.

وهذه الكثافة لا تعني أن كل من يحمل الرمز يقرأه بالطريقة نفسها. فالرمز يعيش من خلال تعدد القراءات، وما يمنحه قوته ليس امتلاكه معنى واحدًا، وإنما قابليته لأن يدخل في علاقات جديدة. قد يكون الرمز في سياقه الأول مرتبطًا بجماعة أو ممارسة معينة، ثم ينتقل إلى فرد فيكتسب دلالة شخصية، وقد يعبر إلى بيئة أخرى فيصبح علامة على الاختلاف أو الغرابة، ثم يعاد اكتشافه في سياق فني أو جمالي، فيظهر بوصفه عنصرًا من عناصر الزينة. وفي كل مرة لا يختفي المعنى السابق بالضرورة، وإنما تضاف إليه طبقة جديدة. وهنا تتكون الكثافة: المعنى لا يُستبدل دائمًا، بل يتراكم.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم الرمز المحلي باعتباره نقطة التقاء بين أزمنة متعددة. فالعلامة قد تحمل أثرًا من الماضي، لكنها تظهر في الحاضر، وقد يقرأها جيل جديد بطريقة تختلف عن قراءة الجيل السابق لها، ومع ذلك تظل هناك صلة ما بين الطبقات. إن الرمز لا يعمل كوثيقة تعيد الماضي كاملًا، وإنما كأثر يتيح للماضي أن يدخل الحاضر بصورة مجتزأة ومتحولة. ولذلك فإن ما نراه على الجلد ليس الماضي نفسه، وإنما حضورًا معاصرًا لشيء ينتمي جزئيًا إلى ماضٍ سابق. وهذه المسافة بين الأصل والحضور هي التي تجعل الرمز مجالًا للتأويل.

وإذا كان الرمز الكثيف يجمع بين المكان والتاريخ والجسد، فإنه يجمع أيضًا بين الجماعة والفرد. ففي الوشم التقليدي يمكن أن تكون العلامة جزءًا من نظام رمزي مشترك، بحيث يعرف أفراد الجماعة ما تشير إليه، وتفهم داخل منظومة من العادات والتقاليد والانتماءات. لكن حين يحملها الفرد، فإنها لا تبقى ملكًا للجماعة وحدها، لأن الجسد الفردي يعيد امتلاكها وتأويلها. وبذلك يتحول الرمز من علامة جماعية إلى علامة شخصية دون أن يفقد بالضرورة أثره الجماعي. وهذا أحد أهم أشكال العبور التي يكشفها الوشم: انتقال الرمز من الذاكرة المشتركة إلى السيرة الفردية.

وتزداد كثافة الرمز عندما تتغير علاقته بالمكان. فالعلامة المحلية تكون في بدايتها شديدة الارتباط بالبيئة التي أنتجتها، لكن الإنسان يستطيع أن يحملها معه عندما يغادر تلك البيئة، فيتحول الجسد إلى مكان جديد للذاكرة. وهنا يحدث أمر بالغ الأهمية فلسفيًا: المكان لا يعود شرطًا وحيدًا لبقاء الرمز، لأن الجسد يستطيع أن يصبح حاملًا للمكان. فالذي يغادر القرية أو الريف أو الجماعة لا يغادر بالضرورة كل ما كان يربطه بها؛ يمكن أن يحمل بعض آثارها معه، فتنتقل الذاكرة من جغرافيا المكان إلى جغرافيا الجسد. وبذلك يصبح الوشم وسيلة لنقل المحلي خارج محليته الأولى.

وهذه الحركة تكشف أن كثافة الرمز ليست كثافة في المعنى فقط، وإنما كثافة في مسارات العبور. فالعلامة يمكن أن تعبر من المكان إلى الجسد، ومن الجسد إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الهوية، ومن الجماعة إلى الفرد. وكل عبور يضيف إليها إمكانًا جديدًا، ولذلك لا ينبغي البحث عن «المعنى الحقيقي» للرمز كما لو كان موجودًا في نقطة أصلية ثابتة، بل ينبغي تتبع ما يحدث له في رحلته بين السياقات. إن الرمز لا يكتسب قوته من كونه مغلقًا، وإنما من قدرته على أن يحمل طبقات مختلفة دون أن يفقد قابليته لأن يُقرأ من جديد.

ومن هنا أيضًا ينبغي الحذر من إسقاط معانٍ معاصرة على رموز قديمة أو افتراض استمرارية تاريخية مباشرة لمجرد التشابه في الشكل. فالتشابه قد يكون نقطة بداية للسؤال، لكنه ليس دليلًا كافيًا على وحدة المعنى أو استمرارية الرمز. إن المنظور العابر لا يسأل فقط: هل هذا الرمز هو نفسه؟ وإنما يسأل: ما الذي حدث للرمز أثناء عبوره؟ وما الذي فقده؟ وما الذي اكتسبه؟ وأي سياق جديد منحه معنى مختلفًا؟ بهذه الطريقة يصبح التحليل أكثر قدرة على التمييز بين الاستمرار الحقيقي وبين مجرد التشابه البصري، وبين الذاكرة الثقافية وبين اختراع الذاكرة بأثر رجعي.

والرمز الكثيف، بهذا المعنى، ليس رمزًا ساكنًا تتراكم حوله المعاني من الخارج، وإنما هو بنية حية يعاد إنتاجها كلما دخلت في علاقة جديدة. إنه أشبه بنقطة تتقاطع فيها خطوط متعددة: خط المكان، وخط التاريخ، وخط الجسد، وخط الجماعة، وخط الفرد. وكلما عبر الرمز من خط إلى آخر تغيرت زاوية ظهوره، لكن ذلك التغير لا يعني بالضرورة فقدان هويته، بل يمكن أن يكون هو نفسه شرط استمرارها.

وهنا يمكن القول إن كثافة الرمز هي إحدى صور التعدد السيال للهوية الجسدية؛ فالهوية التي يحملها الجسد لا تأتي من مصدر واحد، وإنما تتكون من طبقات متداخلة من الانتماءات والذكريات والتجارب والاختيارات. والوشم يكثف هذه الطبقات في علامة واحدة، ولذلك فإن الجسد الموشوم لا يقدم لنا هوية جاهزة، بل يقدم نصًا متعدد الطبقات يحتاج إلى القراءة والتأويل. ومن ثم يصبح الرمز الكثيف مدخلًا لفهم الجسد لا بوصفه سطحًا مكتوبًا فقط، وإنما بوصفه فضاءً تتجاور داخله أزمنة وثقافات وانتماءات مختلفة.

وعليه، فإن الرمز لا يستمد قدرته على البقاء من ثبات معناه، بل من قدرته على حمل التحول. وكلما استطاع أن ينتقل من سياق إلى آخر دون أن ينغلق على قراءة واحدة، أصبح أكثر قابلية للاستمرار. ومن هنا تتأكد فلسفة العبور في صورتها الأولى داخل تجربة الوشم: العلامة المحلية لا تعيش لأنها بقيت في مكانها، والرمز لا يستمر لأنه احتفظ بمعناه الأول، وإنما لأن كليهما استطاع أن يعبر من سياق إلى سياق، وأن يحمل بعض ماضيه إلى حاضر مختلف، وأن يفتح لنفسه إمكانًا جديدًا للظهور.

فالرمز الكثيف هو في النهاية ذاكرة مضغوطة في علامة، وتاريخ متجسد في صورة، وانتماء قابل للحركة، ومعنى لا يكتمل إلا بعبوره. ومن هذه النقطة يمكن الانتقال من الجنوب بوصفه مجالًا لتكثيف الذاكرة والرمز إلى البيئات العراقية الأخرى، حيث لا تختفي العلامة، وإنما تتغير طرائق تكثيفها للهوية والانتماء والمكان، لتكشف أن الجسد العراقي لا يحمل رموزًا متعددة فحسب، بل يحمل مسارات متعددة لعبور المعنى.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

يبدو أن استشهادي بآراء ميشيل فوكو في مقال الأسبوع الماضي، قد أخذ الفكرة نحو منحى النقد الموجَّه لهذا الفيلسوف، لا سيما القول إن تنظيره يؤول في نهاية المطاف إلى رؤية عدمية، وفي أحسن الأحوال نسبية مغالية.

والرؤيتان كلتاهما موضع نقد عند الأخلاقيين. أما العدمية فهي -بتبسيط شديد- تنفي كل الثوابت. فليس ثمة معرفة يقينية، ولا معنى مطابقاً لموضوعه، ولا حقيقة قائمة بذاتها، ولا قيمة يمكن الاستناد إليها كمعيار قطعي. ومن هنا فما نظنه غاية أو فضيلة أخلاقية، هي مجرد اعتبارات صنعناها. فإذا تخلينا عنها انتهت وزالت قيمتها، كأنها موضات الملابس وموديلات السيارات التي لها قيمة ما دام الناس مقبلين عليها، فإذا تركوها بعد زمن ذهبت للهامش.

وعليه، فلا يوجد فعل صائب وفعل خطأ؛ لأنه لا يوجد معيار قطعي نعتمده في التمييز بين هذا وذاك.

خلاصة الرؤية العدمية إذن: أنه لا شيء يستحق الاهتمام، ولا شيء يستحق الغضب.

أما النسبية فهي لا تنفي الثوابت ولا القيم العليا؛ بل تعاملها كثوابت محلية. أي أنه لا توجد قيمة كونية اسمها العدل ولا الحرية ولا الأخوة ولا الإحسان ولا النظام؛ بل لكل جماعة وبلد وزمن ودين مفهوم خاص للعدل، قد يشبه مفهومه عند الجماعات الأخرى والأزمنة الأخرى أو يخالفها. وكذا معاني الأفعال والصواب والخطأ... إلخ.

وهذا يخالف ما تعارفت عليه مختلف الثقافات، من وجود مجموعة محددة من القيم المجردة، متعالية على كل الثقافات وعابرة للأزمان، وهي علامة ضرورية لتعريف الوجود الإنساني وتمييزه عن بقية المخلوقات. إن قيماً مثل العدل والإحسان والكرم والتكافل والحرية والنظام ليست مشروطة بزمن بعينه، ولا دين ولا جماعة ولا حضارة بعينها؛ بل هي صحيحة دائماً وضرورية دائماً، ولولاها لفقدت الحياة الإنسانية أبرز معانيها.

ويقول دارسو فلسفة ميشيل فوكو إنه لم ينكر عالمية القيم، ولا يصح وصفه بالنسبية فضلاً عن العدمية، ولكنه أراد توجيه الأنظار إلى الأهمية الكبرى لتاريخ المعرفة، وخيوط التجربة التاريخية التي تسهم في تشكيل الواقع، حتى لو لم نلتفت لتأثيرها في الوقت المناسب. كما أراد توجيه الباحثين للتحول الجوهري في طبيعة السلطة الحديثة التي ما عادت تمارس العنف العاري على طريقة الدولة القديمة؛ بل استبدلت به تنظيم المجتمع وتوزيع الأدوار وتقسيم العمل، على نحو يرضي الغالبية، ولكنه في الوقت نفسه يقلص استقلاليتهم، ويحوِّل المجتمع إلى ما يشبه ماكينة إنتاج كبيرة، يعمل كل جزء فيها بطريقة ميكانيكية أو شبه ميكانيكية، من دون أن يتوقف أحدنا يوماً ليسأل: هل هذه هي الحياة التي أردت أن أعيشها حقاً؟

وأرى أن فوكو قد أصاب في رؤيته لتاريخ المعرفة، وتحوُّل المفاهيم وانتقالها من حقل دلالي إلى آخر، وتأثير الظروف الحياتية على فهم المجتمعات لذاتها، والمعاني المرتبطة بأفعالها. ولكن لعله بالغ في التقليل من دور «العقل المنشئ» وفق تعبير أندريه لالاند (1876- 1963) أو العقل النظري بتسمية الفلسفة القديمة.

وفقاً لرؤية لالاند، الفيلسوف الفرنسي المعاصر، يقوم «العقل المنشئ» بدور المراقب والناقد لمحتويات الذاكرة، أي ما استقر في ذهن الإنسان وبات قاعدة للتفكير.

في كل عقل إنساني ثمة جانب «منشئ» يبتكر الحلول الإبداعية، ويحرر الإنسان من أسر القناعات القديمة والمسَلَّمات الاجتماعية. لولا هذا العقل المتمرد، لما وُجدت فكرة جديدة، وما وُجد إبداع يخالف السائد. ويشهد تاريخ البشرية بأن الإنسان لم يتوقف يوماً عن التغيير والإبداع. وهذا بذاته دليل على أن العقل الذي صنعته التجربة التاريخية والمحيط الاجتماعي -وفق تصوير فوكو- ليس قدَراً ولا هو صورة نهائية. فهو -رغم قوته ورسوخه- لا يستطيع مجابهة العقل الآخر (المنشئ).

السؤال إذن ليس ما إذا كانت رؤية فوكو صائبة أم خاطئة؛ بل ما إذا كان الإنسان يسمح لعقله المنشئ بالقيام بدوره المفترض أم لا.

***

د. توفيق السيف

 

اعتادت البشرية على إسقاط المعاني على مفردات الطبيعة من حولها، وهي إذْ تستنطِقُها تحاول الولوج إلى ما وراء الأشياء؛ لعل ذلك لقناعة خفيّة متراكمة فينا مفادُها: أنه لا تنفكُّ الطبيعة تخفي شيئا وراء ما تُظهره لنا منها! فيُهَيَّأ لنا أنها ألِسنةٌ تخاطبنا بأعمق المعاني عن الوجود، متجاوزةً بذلك كيانها المادي وأبعاد مظهرها البادي.

واحدة من بُنيّات الطبيعة، مما أخذ بمجامعي، ولم أستطع تخطّيها بدون أن أخطّ فيها، شجرة البانيان (Banyan)، هذه الشجرة تستوطن أصالةً شبه القارة الهندية، وما يميّز هذه الشجرة الأعجوبة أنّها تنزل من أغصانها على  الدوام جذورٌ هوائية تتوغّل في الأرض، لتصبح جذوعا تسند امتداد الأغصان من جهة، وجذورا تمتص الغذاء والماء من التربة من جهة أخرى! فيمتد الانتشار الأفقي للشجرة الواحدة أغصانًا وجذوعًا وجذورا هوائية وجذورا أرضية، على رقعة شاسعة من الأرض، إذ يمكن لشجرة واحدة أن تشكّل لوحدها غابة متكاملة! فمثلا في شجرة البانيان العظيمة في كولكاتا بالهند، وصل عدد الجذور النازلة من الأغصان ما يربو على ثلاثة آلاف جذر، وبارتفاع يصل إلى ثمانية عشر مترا.

هذه الظاهرة البيئية الفريدة استوقفتني جدا، وجعلتني أستخلص منها فلسفاتٍ عدّة كعادتنا حين نلصق المعاني على جبين الأشياء عنوةً وربما استجابة! فلسفات تُلهمنا منظورا نعيش حياتنا بمقتضاها، وفي ذلك امتدادٌ للإنسان لنَسَق الطبيعة.

من هذه الفلسفات أنّ التوسّع يستلزم دعامة موارد، فكما أن شجرة البانيان تمد أغصانها لمسافات شاسعة، فهي ترسل جذورها من هذه التفرعات الغصنية إلى الأرض دعامةً فيزيائية؛ ليتحمّل ثقل التمدد، وقناةً للتموين؛ لتضمن حاجة الأغصان الممتدة من الغذاء، موارد تواكب المَدى، وهكذا يحيلنا على أهمية تهيئة الموارد عند إرادة التوسع سواءً أكان فردا أو مؤسسة أو دولة، أو أكانت مهام شخصية أو علاقات اجتماعية أو مشاريع مادية، إذْ لا بدّ من فحص مواردنا من وقت وطاقة وجهد وانتباه وميزانية، أما من يقفز على هذه القاعدة ويتوسع بدون حساب دقيق لموارده التي تضمن له استدامة توسّعه، فهذا التمدّد حتميّ التبدّد.

ومنها - أي الفلسفات المُستلهَمة - هذا الفرع الذي مدّ جذره الهوائي نحو الأرض، والذي أصبح جذعا متينا فيما بعد، ليس بغصن هامشي؛ لأنه عرف اتجاهه، واتخذ خيارا موفّقًا، وهكذا نحن  - بني البشر - مهما كنا فروعا لا تكاد يُؤْبَه لها، غير أننا حين نتبنّى خيارا مدروسا بعناية يمكن أن نكتب فصلا عظيما في روايتنا، تتجاوز كوننا فرعا من شجرة إلى غابة بأسرها، ففِعلُ النموّ في وسع الجميع، ولكن وجهة النمو ووظيفته ومنتهاه، يحدد مصير هذا النمو، فما هي مصائرنا من دون اختياراتنا في الحياة؟

ومنها، أن ظاهرة شجرة البانيان تعيد تذكيرنا بأنّنا ننطوي على إمكانياتٍ داخلية للنموّ، بل وننضَوي على حظ وافر منها، لكننا ما نفتأ ننظر بعيدا في الخارج، ورغم أنّ تكافلنا مع بني جنسنا ضروري، إلا أنّ ذلك يجب ألّا يحيد بنا عن التفتيش عن إمكاناتنا الذاتية وتوظيفها نحو أعلى كفاية ذاتية يتأتّى الوصول إليها، فمن المؤسف حقا أن يبحث نجّار عمّن يصلح مندوسَه، لا لشيء سوى أنه لا يعرف أنه نجّار في قرارة نفسه، إننا ممتلئون بإمكانيات مطمورة بفعل البيئة وضحالة الوعي والانجرار خلف التبعية وضعف التقدير الذاتي، وهي تنتظر منّا أن ننبُشَنا بأيدٍ من يقين وجِدّ، نعم من العبث أن يسري إلينا الوهم بأنّنا مُكْتفون، إلا أنّ فينا الكثير جدا مما لم نلتف إليه أصلا، ولم نعتقد أنه بحوزتنا يوما، ونتّكئ على غيرنا فيه، كمتسوّل يلبس نعلين من ذهب ظانا أنهما خردة طول عمره، ولك أنْ تتخيّل كم من الوقت والجهد ستدخّر حينما تُفعّل إمكانيّاتك الذاتية كليّةً؟ وكم من المنافع التي ستنُولها إذَّاك؟

وعلى غِرار ما أصَّله الفيلسوف الإيراني الفرنسي داريوش شايْغان تَبَعًا للكاتبَين الفرنسيين دولوز وغاتاري من وصف الهُوية بالريزويمة(1) نسبة للنباتات الجذمورية التي تتفرّع سيقانها أفقيا تحت الأرض مرسلة جذورها التي تمتد لاحقا براعمَ تنمو نباتات جديدة فوق سطح الأرض، ورغم أني متيّمٌ بتأصيل شايْغان عن الهُوية، إلا أنّ شجرة البانيان أراها الوصف الألصق بماهية الهُوية؛ إذْ إن تشابكاتها ليست تلاقيًا عند الأصول تحت الأرض فحسب، بل حتى الفروع في السماء تتشعّب وتتعقّد هي الأخرى كذلك، فلا تعرف السابق منها من اللاحق، فهذه الخُلطة الهُويّاتية التي نعيشها اليوم، خُلطة أصولٍ، وتمثله الجذور الأرضية، وخُلطة فروع، وتمثّله الجذور الهوائية، وهذا ينطبق تماما على ما تمثّله شجرة البانيان؛ ولذا أفضّل وصف الهُويّة الإنسانية بالهُوية البانيانية، ولا أعتقد أنّ أحدًا سبقني إلى ذلك، وهذا الوصف يحمل في تضاعيفه مفهوما صادما وهو أنّ الهُويّة جذرها الأول هو الإنسان تماما كجذر شجرة البانيان الأول، وعليه؛ فالهُويّة بما حُمِّلَت من دلالات جماعية تنحو نحو الانفصال، مجرد وهم يُجلَب لحماية قناعات جماعية معيّنة، أما الحقيقة الصاخبة فهي أنّ هُويتنا هي بمثابة أعراقنا، لا يوجد عرق نقي، بل خليطٌ من أعراق شتّى، كل ما في الأمر، أنّ بعض الأعراق مكثت فيما بينها مدة متطاولة، على أنّ عالَم اليوم لا يُعاش بهُوية موروثة تؤطر حركتنا بقدر ما يُعاش بمنظور ينطلق من الإنسانية ويمتد إلى أبعد مَدى من رحاب الكون الفسيح، متبنّيًا أيًا من الخيارات المتاحة، بل ومولّدًا خياراتٍ أخرى، ومتجاوزًا مما يراه من خياراته الأولى.

وأختم بهذه الفلسفة المدهشة، من أنّ مراحلنا اللاحقة يجب ألّا تكون مجرد نسخة كبيرة من مراحلنا المبكرة، تماما كشجرة البانيان فالشجرة المعمّرة منها ليست مجرد نسخة كبرى منها حينما كانت في سنينها الأولى، خلافا لبقية الأشجار، بل نسخةٌ معادٌ تشكيلُها على نحو لم تكن لتتعرّف على نسختها الأولية بادئ ذي بدء، وهكذا ينبغي لنا أن نكون بني البشر، أفرادًا نعيد تشكيلَنا بتجاربنا في الحياة إلى أقصى حدود ما نستطيع، ويالِعِظَم ما نستطيع! إنك لا تندهش من زميل جمعتكما مقاعد الدراسة، ثم لقيته بعد عقدين، لم يتغير منه إلا الجسم والشيب هنا وهناك، وبالكاد قد تغيّر نمط استجابته في الحياة، مثلما يدهشك ذاك الذي أصبح شخصية جامحة خلعت من ربقتها إسار نسختها البالية، واستقبلت الحياة بأقصى تجلّياتها، عمقا وتشعُّبا ودَهْشة، حتى بالكاد عرفت أنه هو هو!

وأني لَأجزم أنك حين تُنْعم النظر وتُمْعنه أكثر فأكثر في شجرة البانيان، فسَتَعْتَمِلُ فيك إشراقاتُ فلسفاتٍ أُخَر بحسب استعدادك الذهني في تَمَثُّل المعاني في الأشياء، فلسفات تتجسّد رِفادةً لكتابة قصة حياتك بأفضل حبكة ممكنة، إنّ ما حولنا لا يكفّ عن توجيهنا، غير أنّ هذا التوجيه بحاجة إلى بصيرة تجيد الاستقبال، وأما صُمّ الحجر فلا تنفعه غزارة الغيث ولو هبطت عليه السماء، هذا ما يحاول أن يقوله لنا هذا الجذر الهابط من السماء!

***

محمـــد سيـــف

........................

الهوامش:

داريوش شايْغان - الأصنام الذهنية، الفوات التاريخي، النفس المبتورة، د. خديجة زتيلي، ص61 ،62، دار فضاءات للنشر والتوزيع، الأردن، ط:1، 2021.

صراعٌ ما بين أعمق عُقد البشرية

(نحن لا نكون قط أضعف عرضة للمعاناة مما حين نحب، ولا قط أشد عجزاً عن السعادة مما حين نفقد موضوع حبنا أو نفقد من نحب)... سيغموند فرويد- كتاب قلق في الحضارة (Civilization and Its Discontents) نُشر عام 1930.

مقدمة لفهم البنية الفكرية لمدرّسة التحليل النفسي تتطلب تفكيك الافتراض المركزي الذي بنيت عليه؛ فـ سيغموند فرويد لم ينظر للإنسان باعتباره كائناً عقلانياً خالصاً يحركهُ الوعي والإرادة الحرة، بل بوصفه ميداناً لصراع خفي بين قوى غريزية عملاقة ورغبات مكبوتة تسكن "اللاوعي". الفلسفة الفرويدية تتأرجح بين الحتمية البيولوجية والاقتصاد النفسي، حيث تُدار الحياة البشرية بدوافع غير قابلة للمحو تُعرف بـ "الغرائز" (Trieb)، وأبرزها دافع الحياة ودافع الموت. من هنا، لا يُدرس أي سلوك بشري أو شعور إنساني بمعزل عن جذوره الغريزية ومساراته المعقدة داخل الجهاز النفسي، مما يجعل فهم مفاهيم كـ "الحب" و"العقد" مدخلاً أساسياً لكشف البناء الخفي للشخصية الإنسانية

الإطار المفاهيمي للحب عند فرويد (الاقتصاد الليبيدي)

يغوص التحليل النفسي الفرويدي في أعماق الاقتصاد الليبيدي للحب رافضاً أي تصور ميتافيزيقي أو مثالي للعاطفة الرومانسية، ليختزلها في حركة ديناميكية لطاقة غريزية حية تُعرف بـ الليبيدو، والتي تتحرك باستمرار صعوداً وهبوطاً بين الداخل والخارج في محاولة مستمرة من الجهاز النفسي لتحقيق التوازن وسط عالم مليء بالإحباطات والتوترات. في بداية المسار الوجودي للإنسان، تتمركز هذه الطاقة حصراً في الذات ضمن ما يُعرف بـ النرجسية الأولية، حيث يكون الفرد هو موضوعه العاطفي الوحيد، ولا وجود لاعتبار حقيقي للآخر إلا كصورة باهتة أو امتداد تكميلي لإشباع الحاجات البيولوجية البحتة. ومع التقدم في النمو والنضج، تفرض الواقعية الاقتصادية للنفس وطأة ضغوطها، فتضطر الأنا إلى تحرير جزء من هذا المخزون الليبيدي الضخم وتوجيهه نحو الخارج، لتستقر هذه الطاقة على موضوع خارجي محدد؛ سواء كان شريكاً عاطفياً، أو فكرة، أو حتى منظومة قيمية. هنا، يتحول الحب بمعناه الفرويدي إلى عملية استثمار طاقي وإزاحة دقيقة لمسار الرغبة، بحيث يضحى الشريك عبارة عن محطة خارجية تركد فيها طاقة الليبيدو المركزة. وهذا يفسر لِمَ يكون الارتباط العاطفي العميق محفوفاً دائماً بخطر الانهيار أو الألم؛ إذ إن سحب هذه الطاقة أو فقدان موضوعها الخارجي يعيد توجيهها بعنف نحو الداخل، مهدداً الأنا بانهيار نرجسي مدمر أو باكتئاب عميق ينتج عن عودة الليبيدو المتضخمة لتتمركز حول ذات عاجزة عن استيعاب حجم الفقدان أو التحرر من أسر الاستثمار القديم. وبذلك، يصبح الحب في جوهره الفرويدي صراعاً اقتصادياً مستمراً بين الرغبة في حماية الذات من خلال تقليص التعلق بالخارج، وبين الضرورة الغريزية الجامحة للاندماج مع الآخر عبر تضحية جزئية بالطاقة الليبيدية المتمركزة حول الأن

الجذور اللاواعية وعقد الطفولة (أوديب نموذجاً)

تنتقل البنية الفكرية للتحليل النفسي في تفكيكها لظاهرة الحب من التجريد الاقتصادي للطاقة إلى مسرح الحياة النفسية العميقة، حيث يُفكك الارتباط الرومانسي ليكشف عن كونه محاولة مستمرة لإعادة إنتاج دراما الطفولة المبكرة بعيداً عن أي تصور ساذج للصدفة أو التوافق العقلاني البحت. يرسخ هذا الاتجاه القناعة بأن الوعي العاطفي للإنسان محكوم بشبكة معقدة من الرغبات المكبوتة والمخاوف المتأصلة في "عقدة أوديب" للذكور أو "عقدة إلكترا" للإناث، حيث لا يختبر الطفل العاطفة بوصفها بريئة ونقية، بل بوصفها رغبة تملكية وإقصائية تستهدف الوالد المفضل في مواجهة الوالد الآخر الذي يمثل منافساً حقيقياً وتهديداً وجودياً. يترك هذا الصراع المبكر بصمة أبدية على الجهاز النفسي تدفع الإنسان في مرحلة البلوغ للبحث بلا وعي عن شخص يمثل "البديل الرمزي" لموضوع الحب الأول، لتصبح العلاقة العاطفية في الكبر مجرد محاولة لإعادة تمثيل ذلك السيناريو القديم أملاً في الحصول على القبول والإشباع المفقود. غير أن هذا البحث يظل محفوفاً بالتوتر الداخلي، والخوف من الفقد، والشعور الدفين بالذنب المرتبط بـ "عقدة الخصاء" والتهديدات الرمزية للاوعي، الأمر الذي يجعل الغيرة، والتملك، والخوف من الهجر مكونات خفية تتداخل بلا فصل مع مشاعر المودة عند الوقوع في الحب. وعليه، يتحول الحب الرومانسي الناضج في مدرسة فرويد إلى ساحة معركة خفية تتأرجح بين رغبة التحرر واستعادة فردية الذات وبين الحنين الدفين للعودة إلى دفء الطفولة وحماية الوالدين، مما يفسر الطبيعة المعقدة للعلاقات البشرية التي غالباً ما تتأرجح بين النشوة العارمة والانهيار النفسي العمي

ثنائية الحب ونقيضه في التحليل النفسي

تتجاوز المقاربة الفرويدية للبنية العاطفية الثنائيات البسيطة التي تحصر نقيض الحب في الكراهية المطلقة وحدها، لتقدم فهماً هيكلياً معقداً يتوزع عبر ثلاثة أبعاد متمايزة تعكس تطور الجهاز النفسي واستجاباته المتتالية للواقع. يبرز في البعد الأول اللامبالاة أو الحياد (Indifference) بوصفه النقيض التاريخي والأنطولوجي الأقدم للحب، حيث لا يشعر الكائن في بدايات الوجود النفسي ومرحلة النرجسية الأولية بأي ارتباط تجاه العالم الخارجي، لتتمركز الذات حصراً بوصفها مركز الكون وغايته بينما تقع البيئة والآخرون في منطقة من الفراغ النفسي والتجاهل المطلق. ومع نمو الأنا وإدراكها لصدمات الواقع الخارجي ومصادر الإزعاج، يظهر النقيض الثاني متمثلاً في الكراهية (Hate) ارتباطاً بجدلية اللذة واللاذة، لتتجه الأنا نحو كل ما يحقق لها الإشباع وتتجنب أو تقصي كل ما يهدد استقرارها. أما البعد الثالث فيتمثل في وضعية التبادل بين "أن يحب الإنسان" في مقابل "أن يكون محبوباً"، وهي ثنائية تعكس سعي الأنا المستمر لتلقي الطاقة الليبيدية وتغذية نرجسيتها بقدر ما تسعى لمنحها. وتتوج هذه الأبعاد بظاهرة "ازدواجية المشاعر" (Ambivalence) التي تؤكد التواجد المتزامن للحب والكراهية تجاه نفس الموضوع، مما يفسر التحولات الدراماتيكية والانقلابات الحادة في العلاقات البشرية حين يتحول التعلق العنيف إلى خصومة عميقة بفعل آليات الدفاع النفسي

حتمية الحب واستحالة الانسلاخ البشري

تتوج المنظومة الميتاپسيكولوجية الفرويدية بتأكيدها الحاسم على أن الحب ليس مجرد خيار عاطفي عابر أو رفاهية اجتماعية قابلة للاستغناء، بل هو قيد بيولوجي ونفسي أصيل في بنية الكائن البشري يستحيل الانسلاخ منه كلياً. يتأسس هذا الاستنتاج على الصراع الأبدي بين الغرائز الكبرى، وتحديداً التوتر المستمر بين دافع الحياة إيروس (Eros) المتمثل في النزع نحو التجمع، والتوحد، وبناء الروابط عبر استثمار الطاقة الليبيدية في الآخرين، وبين دافع الموت ثاناتوس (Thanatos) الذي يعمل صامتاً على تفكيك الكيان النفسي والجسدي وإعادته إلى حالته الأولى غير العضوية. في خضم هذا الصراع، يبرز الحب باعتباره أعظم أسلحة إيروس وأكثرها كفاءة في صد قوى الفناء والعدوان ومقاومة شعور الإنسان بالوحدة الوجودية المطلقة. من هذا المنطلق، تصبح محاولة الانسلاخ التام عن شباك التعلق واهية ومستحيلة، فلو اختار الفرد العزلة ورفض الانخراط في العلاقات حمايةً لذاته، فإن طاقة الليبيدو لا تفنى بل ترتد بوحشية نحو الداخل لتتجسد في أعراض عصابية واضطرابات مدمرة. وعليه، يظل الحب الثمن الباهظ الذي يدفعه الإنسان نظير بقائه النفسي واكتماله العضوي؛ إنه التوتر الأبدي المحرك للوجود البشري بين ألم التعلق وخطر الفقد في مهب توازنات دقيقة تحكمها الرغبة في الحياة والنزوع الخفي نحو الموت.

***

ئاريان علي

 

يُمثّل التمييز المعرفي بين فقه الأمس وفقه العصر أحد أدق المحاور الفكرية في مسيرة التجديد الحضاري الإسلامي، وهي إشكالية تتجاوز في جوهرها مجرد البحث في الفروع والجزئيات التعبدية المحدودة لتلامس عمق المنهج المعرفي وآليات تفعيله في سياقات تاريخية واجتماعية متبدلة. إنّ القضية الجوهرية هنا لا تكمن في المفاضلة المفاهيمية بين زمنين، ولا في الدعوة إلى قطع إبستيمولوجي مع التراث، كما أنّها لا تعني التماهي المطلق مع معطيات الحداثة؛ بل تتلخص في رصد الفجوة المنهجية الحاصلة بين أدوات فكرية فُصّلت تاريخياً لاستيعاب واقع اجتماعي معين، وبين واقع معاصر يتسم بالتركيب والسيولة والشبكية المعقدة.

وحين نعود بالنظر إلى المنجز الفقهي والتراثي العريض الذي صاغه الأئمة الأعلام عبر العصور المتقدمة، نكتشف أننا لسنا أمام مجرد مدونات جامدة، بل أمام نموذج معرفي حيوي تميز بقدرة فائقة على مواكبة حركة المجتمع والدولة في تلك الحِقب. وتتجلى عبقرية فقه الأمس في ارتباط أحكامه وفروعه ببيئتها الحاضنة؛ فلم يكن الفقه القديم فقهًا نظريًا معلقًا في الفضاء أو مجرداً عن شروط الواقع، بل كان وليد الأسئلة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لعصره، حيث اختلفت النوازل باختلاف الجغرافيا والأعراف المحلية، ممّا يؤكد أنّ الفقيه التراثي كان مدركاً تماماً للصلة الوثيقة بين النص والواقع. إنّ الإرث الحقيقي الذي تركه فقه الأمس ليس الأحكام الجزئية في المعاملات التاريخية التي قد يتغير مناطها كلياً اليوم، بل هو علم أصول الفقه، وتلك الآلة المنهجية الصارمة التي قعّدت لنظرية المصالح، ومقاصد الشريعة، وسد الذرائع، ومراعاة المآلات، ممّا يعني أنّ الأقدمين تركوا لنا دليلاً منهجياً للتفكير وصناعة الأحكام، ولم يتركوها كقوالب جامدة صالحة لكل زمان ومكان، حيث نجحوا في إحداث توازن ذكي بين القطعيات المحكمة التي تشكل الهوية الأخلاقية للأمة، وبين الظنيات المتغيرة التي تركها الوحي مرنة لتتسع لتبدل الأحوال والبيئات.

وتكمن الأزمة الفكرية المعاصرة في تحول هذا المنجز التاريخي المتميز من منهج مرن للتفكير والاستنباط إلى مخزن مكتنز بالإجابات الجاهزة، حيث أحدثت محاولات إسقاط إجابات الأمس التاريخية على أسئلة الحاضر المركبة فجوة معرفية وتطبيقية حادة في الواقع الحديث الذي لا يشبه في بنيته الهيكلية الواقع الذي تحرك فيه فقه الأمس. لقد انتقل العالم اليوم من نمط المجتمعات التقليدية البسيطة ذات العلاقات المباشرة والأبعاد الأحادية، إلى عصر المنظومات المعقدة، فلم تعد القضايا الفردية المنعزلة هي المحرك الأساسي للمجتمع، بل النظم الشاملة والشبكات المعقدة التي تحكم الدولة الحديثة بآلياتها التشريعية والرقابية، والنظام الفكري القائم على المركزية الغربية، والاقتصاد الرقمي الشبكي العابر للحدود، والثورة التكنولوجية المتسارعة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى الأزمات الكونية الكبرى مثل التغير المناخي والإنهاك البيئي الشامل الذي يهدد الوجود البشري نتيجة لغياب البُعد الأخلاقي والقيمي في نماذج التنمية والإنتاج المعاصرة. وأمام هذا التعقيد الهيكلي، يغدو الاجتهاد الفردي الجزئي القائم على قياس فرع حديث على فرع قديم قاصراً عن إدراك كنه الظواهر وسياقاتها الحقيقية ومآلاتها المجتمعية.

من هنا، فإنّ التأسيس لفقه العصر المأمول لا يعني بالضرورة تبسيط الأحكام أو التحلل من ثوابت الدين وقيمه الإنسانية الكبرى إرضاءً لثقافة العولمة الاستهلاكية، بل هو عملية تجديد بنيوية تعيد قراءة النصوص وتنزيلها في ضوء الكليات والمقاصد العامة، ممّا يتطلب تحولاً حاسماً نحو الرؤية المنظومية الكلية بدلاً من النظر إلى الوقائع كنوازل فردية معزولة، ويتعين على فقه العصر التعامل مع الظواهر كبنيات متكاملة يربط بعضها بعضاً. وفي هذا السياق، لم يعد مفهوم حفظ النفس أو المال أو العقل مقتصراً على الحماية الفردية المباشرة في حدودها الدنيا، بل يجب أن يتسع في فقه العصر ليشمل كليات حديثة ملحة مثل حفظ الكرامة الإنسانية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان الأمن البيئي، وحماية الهويات الثقافية من التذويب القسري. ولمّا كان الفقيه المعاصر غير قادر بمفرده على الإحاطة بمشكلات العصر الاقتصادية والعلمية، يصبح الفقه البيني المشترك الذي يزاوج بين علم النص الشرعي وعلوم الواقع، كعلم الاجتماع والفلسفة والاقتصاد والعلوم البيئية والطبيعية، ضرورة لازبة تتكامل فيها خبرة الفقيه مع عالم الاجتماع والمهندس والخبير الاقتصادي لصياغة حكم يستوعب الواقع ويحقق المصلحة الحقيقية للبشرية.

وفي المحصلة، فإنّ العلاقة المثلى والمثمرة بين فقه الأمس وفقه العصر ليست علاقة صراع إلغائي أو نفي متبادل، بل هي علاقة تكاملية تبادلية محكومة بقاعدة الاتصال في المنهج وقواعد التفكير، والانفصال الفكري في السياق والشروط التاريخية. نحن اليوم بحاجة ماسة إلى استلهام الروح الاجتهادية الحية لأدوات الأمس وقواعدها الكلية الأصيلة، بالتوازي مع امتلاك الشجاعة الفكرية التامة لترك الإجابات التاريخية التي انتهت صلاحيتها الوظيفية بانتهاء سياقها المجتمعي القديم، ومن ثم العمل الجاد على صياغة بدائل فقهية وفكرية معاصرة قادرة على الاستجابة للتحديات الراهنة، حيث يظل فقه العصر المتجدد هو السبيل الوحيد لإعادة الفكر الإسلامي إلى قلب الدورة الحضارية العالمية، ليكون شريكاً حقيقياً في تقديم حلول أخلاقية وإنسانية منقذة للأزمات الحادة التي يمر بها عالمنا المعاصر

***

د. مولاي أحمد صابر

 

الفيلسوف الذي جعل من التمرد سؤالا ومن الإنسان قضية

في زمن كثرت فيه الأسماء حتى كادت الأسماء تطمس أصحابها، وكثر المتحدثون حتى أصبح ممكنا أن يصنع المرء حضورا صاخبا دون أن يترك وراءه فكرة واحدة جديرة بالبقاء، تصبح العودة إلى معنى المثقف الحقيقي ضرورة وليست ترفا.

فليس الفيلسوف من يحفظ تاريخ الفلسفة، وإنما من يستطيع أن يجعل هذا التاريخ سؤالا حيا في وجه عصره. وليس المفكر من يملأ رفوف المكتبات بالكتب، وإنما من يترك في عقل قارئه شقوقا صغيرة يتسلل منها ضوء جديد.

في المشهد الثقافي، ثمة فرق بين من يحتل مساحة ومن يصنع مساحة، وبين من يضيف اسمه إلى المشهد ومن يضيف إلى المشهد معنى. الأول تصنعه المنابر، أما الثاني فتصنعه الأسئلة.

ومن هذه الزاوية تبدو تجربة حسن حماد جديرة بأن تقرأ لا باعتبارها تجربة أستاذ جامعي أو صاحب مؤلفات متعددة فحسب، وإنما باعتبارها مشروعا فكريا ظل، عبر عقود، منشغلا بسؤال الإنسان: اغترابه، وحريته، وتمرده، وبحثه عن المعنى والخلاص.

وتكشف مسيرته الأكاديمية عن تكوين فلسفي عميق بدأ باهتمامه بإريك فروم، ثم اتجه في أطروحته للدكتوراه إلى النظرية النقدية عند هربرت ماركيوز. وهذا الاختيار المبكر لم يكن تفصيلا أكاديميا عابرا، فقد ترك أثره الواضح في مساره الفلسفي اللاحق.

وربما يكون سؤال الإنسان هو المفتاح الأهم لفهم عالم حسن حماد.

فالإنسان عنده ليس مفهوما مجردا يسكن الكتب، وإنما كائن مأزوم يبحث عن ذاته، ويصطدم بالسلطة، ويخاف الحرية أحيانا، ويبحث عن معنى لوجوده، ويحاول أن يفلت من كل البنى التي تحوله إلى مجرد تابع أو رقم داخل منظومة أكبر منه.

ومن هنا يمكن فهم انتقاله من الاغتراب عند إريك فروم إلى النظرية النقدية عند ماركيوز، ثم إلى الاغتراب الوجودي واليوتوبيا والأمل والسعادة والمعنى. فهذه الموضوعات، على اختلاف عناوينها، ليست جزرًا منفصلة في مشروعه، وإنما محطات على طريق سؤال واحد: كيف يستطيع الإنسان أن يستعيد ذاته في عالم يعمل باستمرار على انتزاعها منه؟

في كتاباته عن الاغتراب، يصبح الإنسان كائنا مهددا بفقدان ذاته. وفي حديثه عن اليوتوبيا والأمل، يبدأ البحث عن إمكانية تجاوز هذا الاغتراب. وهنا تتضح إحدى أهم سمات مشروعه: أنه لا يكتفي بتشخيص مأزق الإنسان، وإنما يبحث عن إمكانات الخروج منه.

وهذا هو المعنى الذي يأخذ عنده فكرة التمرد إلى مستوى فلسفي.

فالتمرد ليس مجرد رفض غاضب للواقع، وليس رغبة في الهدم من أجل الهدم، وإنما هو القدرة على إدراك أن الواقع القائم ليس بالضرورة هو الواقع الممكن، وأن ما اعتدناه ليس بالضرورة ما يجب أن يبقى.

ولهذا جاءت قراءته لهربرت ماركيوز في كتابه «هربرت ماركيوز.. فيلسوف النفي والتحرر» امتدادا طبيعيا لهذا المنظور، حيث يتناول علاقة النفي والتحرر والتمرد والثورة في فلسفة ماركيوز. فالنفي هنا لا يعني إنكار العالم، وإنما فتح إمكانية عالم آخر.

وهنا تكمن إحدى الوظائف الكبرى للفلسفة: أن تمنح الإنسان القدرة على تخيل ما لم يوجد بعد.

أن تقول له إن التاريخ ليس سجنا، وإن السلطة ليست قدرا، وإن الموروث ليس فوق السؤال، وإن الحقيقة لا تتحول إلى حقيقة لأنها تملك القوة، وإن الإنسان لا ينبغي أن يفقد حقه في التفكير لمجرد أن الآخرين سبقوه إلى الإجابة.

ومن هذه الأرضية نفهم لماذا أصبحت فكرة التمرد مركزية في تجربة حسن حماد.

إن الفلسفة، في قراءته، ليست مخزنا للأجوبة، وإنما ممارسة نقدية مستمرة؛ إنها تلك القدرة على مساءلة ما يبدو بديهيا، وكشف ما تختبئ خلفه السلطة، والبحث عما يغيب خلف الكلمات الكبيرة: الدين، والأخلاق، والتقاليد، والسياسة، والجمال، والحرية.

لكن مشروع حسن حماد لا يقف عند حدود الرفض.

وهذه نقطة مهمة في فهم تجربته.

فبعد أن يسأل: لماذا يغترب الإنسان؟ ينتقل إلى السؤال الأصعب: كيف يمكن أن يستعيد ذاته؟

ومن هنا جاءت أعماله حول «الخيال اليوتوبي»، و«آفاق الأمل»، و«بحثا عن المعنى والسعادة واليوتوبيا». فاليوتوبيا عنده ليست حلما ساذجا، وإنما فعل مقاومة لفكرة أن الواقع القائم هو نهاية الممكن، والأمل ليس مجرد حالة وجدانية، وإنما قدرة الإنسان على تصور مستقبل مختلف.

ومن هنا أيضا جاء اهتمامه بالفن وعلم الجمال.

فالفن عند حسن حماد ليس منفصلا عن أسئلة الحياة، وإنما إحدى إمكانات مقاومة الاغتراب والعبث. وفي «الخلاص بالفن.. التراجيديا نموذجا»، و«النقد الفني وعلم الجمال»، ودراساته للفن التشكيلي المصري، يواصل السؤال الفلسفي نفسه بلغة الجمال: هل يستطيع الفن أن يمنح الإنسان لحظة تحرر من عالم يثقل وجوده؟ وهل يمكن للجمال أن يقاوم القبح؟ وهل تستطيع التراجيديا أن تحول الألم من مجرد معاناة إلى معرفة؟

وهنا تتصل فلسفة الفن عنده بفلسفة الإنسان اتصالا عميقا؛ فالفن ليس موضوعا خارج الإنسان، وإنما إحدى الطرق التي يحاول بها الإنسان أن يفهم وجوده وأن يمنح الفوضى معنى.

ويبلغ هذا المسار ذروة لافتة في كتابه «محنة العبث ورحلة البحث عن خلاص.. قراءة وجودية في أدب نجيب محفوظ»، الذي حصل على جائزة الدولة التشجيعية عام 2014. وفي هذا العمل لا يصبح نجيب محفوظ مجرد روائي كبير، وإنما فضاء فلسفيا لقراءة مأزق الإنسان، والعبث، والبحث عن المعنى والخلاص.

ثم يخرج حسن حماد من سؤال الإنسان الفرد إلى سؤال الإنسان داخل المجتمع، حيث السلطة والمقدس والأيديولوجيا.

وهنا تصبح كتاباته عن التكفير والأصوليات والعنف المقدس امتدادا منطقيا لمشروعه، لا قطيعة معه.

في «ذهنية التكفير.. الأصوليات الإسلامية والعنف المقدس» يشتبك مع واحدة من أخطر صور إغلاق العقل: حين تتحول القناعة إلى يقين مطلق، ويتحول امتلاك الحقيقة إلى حق في إلغاء المختلف.

المسألة عنده، إذن، ليست خلافا في الأفكار فحسب، وإنما سؤال عن البنية التي تسمح للإنسان بأن يمنح نفسه سلطة الحكم على الآخرين، وأن يحول الاختلاف من حق إنساني إلى جريمة.

ثم يأتي «دوائر التحريم.. السلطة والجسد والمقدس» ليقترب من منطقة أكثر تعقيدا: العلاقة بين السلطة والجسد والمقدس، وكيف يمكن للتحريم حين يتحول إلى منظومة اجتماعية مغلقة أن يصبح أداة للسيطرة على الإنسان، لا مجرد تعبير عن اختيار أخلاقي أو ديني.

وفي «المقدس والسياسة» يواصل هذا الاشتباك مع واحدة من أكثر القضايا التباسا في الاجتماع العربي: أين ينتهي المقدس وتبدأ السياسة؟ وكيف يتحول المقدس، حين يدخل مجال الصراع على السلطة، من قيمة روحية إلى أداة سياسية؟

وهكذا تتسع خريطة مشروعه شيئا فشيئا.

من فروم إلى ماركيوز، ومن الاغتراب إلى الأمل، ومن اليوتوبيا إلى الفن، ومن الفن إلى العبث، ومن نجيب محفوظ إلى سؤال الخلاص، ومن التكفير إلى المقدس، ومن المقدس إلى السياسة والسلطة.

وعند هذه النقطة تحديدا يصبح من الخطأ قراءة حسن حماد باعتباره كاتبا في موضوعات متعددة.

إننا أمام مشروع له خيط داخلي واضح: الدفاع عن الإنسان في مواجهة كل ما ينتقص من حريته، ويصادر عقله، ويغلق أمامه إمكانات السؤال.

وهذا ما يفسر أيضا حضوره في المشهد الثقافي المصري؛ فالفلسفة عنده لم تكن نشاطا أكاديميا محصورا داخل الجامعة، وإنما معرفة ينبغي أن تعود إلى المجال العام، إلى المجتمع، إلى الأسئلة التي تؤرق الإنسان خارج قاعات الدرس ومصطلحات الكتب.

وقد تنوعت مؤلفاته بين الفلسفة الوجودية والنظرية النقدية وفلسفة الفن والجمال وقضايا الاغتراب واليوتوبيا، وصولا إلى قضايا السلطة والتكفير والمقدس والسياسة، بما يكشف عن مشروع واسع لا يجمعه عنوان واحد بقدر ما تجمعه رؤية واحدة للإنسان.

ولذلك فإن قيمة حسن حماد لا تكمن في عدد كتبه وحده، ولا في المناصب الأكاديمية التي شغلها، وإنما في قدرته على تحويل الفلسفة من معرفة مغلقة إلى سؤال مفتوح، ومن تاريخ للأفكار إلى أداة لفهم الحاضر.

إنه ينتمي إلى ذلك النوع النادر من المثقفين الذين لا يكتفون بأن يعرفوا ماذا قال الفلاسفة، وإنما يسألون: ماذا يمكن أن تفعل الفلسفة بنا الآن؟

وهنا تحديدا تكمن أهمية تجربته.

فهو لا يكتب عن الإنسان من الخارج، وإنما يبحث عن الإنسان داخل المفاهيم: الإنسان خلف السلطة، وخلف المقدس، وخلف الأيديولوجيا، وخلف الاغتراب، وخلف الخوف، وحتى خلف الفن والجمال.

ومن ثم فإن مشروعه كله يمكن أن يقرأ باعتباره رحلة طويلة لاستعادة الإنسان من الأشياء التي صادرته.

الاغتراب كان سؤالا عن فقدان الذات.

واليوتوبيا كانت بحثا عن الممكن.

والأمل كان مقاومة لليأس.

والفن كان محاولة للخلاص من العبث.

ونقد التكفير كان دفاعا عن حق الاختلاف.

ونقد السلطة كان دفاعا عن الحرية.

أما التمرد، فكان الخيط الذي يصل كل ذلك بعضه ببعض.

ولهذا أرى أن حسن حماد واحد من أهم فلاسفة العصر الحديث الذين حملوا هم الإنسان، ولم يتعاملوا مع الفلسفة بوصفها ترفا ذهنيا أو زينة أكاديمية، وإنما بوصفها مسؤولية تجاه العقل والحرية والإنسان.

لقد حاول أن يعيد للفلسفة وظيفتها الأولى: أن تسأل حين يصمت الجميع، وأن تشكك حين يتحول الشك إلى جريمة، وأن تفتح النوافذ حين تتحول الأفكار إلى جدران، وأن تخرج من أسوار الجامعة إلى فضاء المجتمع، حيث تبدأ الأسئلة الحقيقية وحيث يصبح التفكير ضرورة لا ترفا.

وحين نقرأ تجربته كاملة، ندرك أن التمرد عند حسن حماد ليس موقفا عابرا، وإنما هو طريقة في النظر إلى العالم؛ أن ترفض أن تكون عبدا لفكرة لم تختبرها، أو أسيرا ليقين لم تختره، أو تابعا لسلطة تخاف من السؤال.

وهنا يصبح الفيلسوف، في أعمق معانيه، ليس ذلك الذي يمتلك الإجابة، وإنما ذلك الذي يمنع الإجابة من أن تتحول إلى سجن.

لقد ظل مشروعه وفيا للإنسان: يبحث عنه حين يغترب، ويدافع عنه حين تقهره السلطة، ويستعيد حريته حين يحاصره المقدس، ويمنحه الأمل حين يثقل عليه العبث، ويمنحه الفن حين يعجز الواقع عن منحه الخلاص.

وربما لهذا تحديدا كان التمرد في فلسفته ليس خروجًا على العالم، بل محاولة لإنقاذ الإنسان من أن يتحول إلى نسخة مما يريد العالم أن يكونه.

ربما حسن حماد هو ذلك الفيلسوف الذي لم يجعل من الفلسفة مقبرة للأفكار، وإنما جعل منها مساحة حية للقلق والسؤال والحرية.

لهذا سيبقى حسن حماد، في المشهد الفلسفي والثقافي المصري، أكثر من أستاذ للفلسفة وأكثر من صاحب مؤلفات؛ سيبقى واحدا من أولئك الذين جعلوا من السؤال فعلا للمقاومة، ومن العقل مساحة للحرية، ومن الفلسفة طريقا لاسترداد الإنسان.

وهنا تكمن فرادة حسن حماد؛ فقد ظل وفيا للفلسفة بوصفها قوة نفي ومقاومة وتجاوز، ووفيا للإنسان بوصفه مشروعا مفتوحا لم يكتمل بعد.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في التعامل مع المستجدات في مجالات الاقتصاد السياسي والبيئة المستدامة والصحة الوقائية والهجرة القسرية والأعمال الحيوية والخدمات الأساسية، مقاربة إستراتيجية

مقدمة: تفرض التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر ضرورة إعادة النظر في نماذج الإدارة والتخطيط التقليدية التي اعتمدت طويلاً على ردود الفعل المتأخرة. لم تعد الأزمات تقتصر على أحداث منفصلة يمكن احتواؤها بعد وقوعها، بل أصبحت مترابطة ومتراكمة، تتفاعل فيها الأبعاد الاقتصادية والسياسية والبيئية والصحية والاجتماعية. في هذا السياق، تبرز التدابير الاستباقية بوصفها ضرورة إستراتيجية لا ترفاً تنظيمياً، إذ تسمح باستشراف المخاطر قبل تحولها إلى تهديدات وجودية، وبناء قدرات مرنة قادرة على التكيف والاستمرار. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل ضرورة تطوير هذه التدابير في ستة مجالات مترابطة، وتقديم مقاربة إستراتيجية متكاملة تتجاوز الحلول الجزئية إلى بناء منظومة متماسكة للتعامل مع المستجدات. فماهي التدابير الاستباقية في التعامل مع المستجدات في مجالات الاقتصاد السياسي والبيئة المستدامة والصحة الوقائية والهجرة القسرية والأعمال الحيوية والخدمات الأساسية؟ وكيف تساعد المقاربة الإستراتيجية على توفير هذه التدابير الاستباقية بالشكل الكافي وضمان نجاعتها؟

من رد الفعل إلى الاستباق

تقوم التدابير الاستباقية على ثلاث ركائز متكاملة: الاستشراف المنهجي للمستقبل المحتمل، وبناء القدرات الوقائية قبل وقوع الحدث، وتصميم آليات مرنة تسمح بالتعديل السريع عند تغير المعطيات. بخلاف الإدارة التقليدية التي تنتظر الأزمة ثم تستجيب، تعتمد الاستباقية على قراءة الإشارات الضعيفة، وتحليل السيناريوهات المتعددة، ودمج البعد الوقائي في السياسات اليومية. في عالم يتسم بالتعقيد واللايقين، يصبح الاستباق شرطاً للاستقرار وليس مجرد خيار. وتتطلب هذه المقاربة تحولاً في الثقافة المؤسسية من ثقافة "إدارة الأزمة" إلى ثقافة "منع الأزمة أو التخفيف من أثرها قبل أن تتفاقم".

الاقتصاد السياسي: استباق التحولات البنيوية والتقلبات الجيوسياسية

يشهد الاقتصاد السياسي تحولات عميقة ناتجة عن إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، وصعود القوى الاقتصادية الجديدة، وتزايد استخدام الأدوات الاقتصادية كأدوات ضغط جيوسياسي. تؤدي هذه التحولات إلى تقلبات حادة في أسعار السلع الأساسية، واضطرابات في تدفقات رؤوس الأموال، وتغيرات في أنماط التجارة والاستثمار. التدابير الاستباقية هنا تعني بناء منظومات رصد مبكر للتوترات الجيوسياسية والاقتصادية، وتطوير سياسات تنويع اقتصادي حقيقية تقلل الاعتماد على مصادر محدودة للدخل أو للواردات، وتعزيز الاحتياطيات الاستراتيجية والقدرات الإنتاجية المحلية في القطاعات الحساسة. كما تشمل بناء شراكات إقليمية مرنة تسمح بتبادل الموارد والمعلومات بسرعة، وتصميم آليات حماية اجتماعية مرنة تستجيب لتقلبات الدخول قبل أن تتحول إلى اضطرابات اجتماعية. بدون هذه الاستباقية، تتحول الصدمات الاقتصادية إلى أزمات سياسية واجتماعية ممتدة.

البيئة المستدامة: استباق التغيرات المناخية والضغط على الموارد

لم يعد تغير المناخ مجرد قضية بيئية بعيدة المدى، بل أصبح محركاً مباشراً لعدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. تؤدي موجات الحر الشديدة والجفاف والفيضانات وارتفاع مستوى سطح البحر إلى تهديد الأمن الغذائي والمائي، وتدمير البنى التحتية، وإجبار السكان على النزوح. التدابير الاستباقية تتطلب دمج سيناريوهات المناخ في كل عمليات التخطيط العمراني والزراعي والصناعي، وتطوير أنظمة إنذار مبكر دقيقة تعتمد على البيانات المناخية المحلية، والاستثمار المبكر في البنية التحتية المقاومة للتغير المناخي، وتحويل الأنظمة الزراعية نحو أنماط أكثر مرونة واستهلاكاً أقل للمياه. كما تشمل إدارة استباقية للموارد الطبيعية تمنع الاستنزاف قبل الوصول إلى نقاط اللاّعودة، وبناء اقتصادات دائرية تقلل من الاعتماد على الاستخراج المستمر. الاستباقية البيئية هنا ليست حماية للطبيعة فحسب، بل حماية لاستقرار المجتمعات والاقتصادات التي تعتمد عليها.

الصحة الوقائية: بناء المناعة المجتمعية قبل تفشي التهديدات

كشفت الجوائح والأوبئة المتكررة عن هشاشة الأنظمة الصحية التي تعتمد على العلاج بعد الإصابة بدلاً من الوقاية. تتفاقم المخاطر الصحية بفعل تغير المناخ، والتنقل العالمي السريع، ومقاومة المضادات الحيوية، وتغير أنماط الحياة. التدابير الاستباقية في الصحة الوقائية تعني الاستثمار المبكر في أنظمة الرصد الوبائي المتكاملة، وتعزيز قدرات المختبرات والتشخيص السريع، وبناء مخزونات استراتيجية من اللقاحات والأدوية والمستلزمات، وتطوير برامج توعية وتثقيف صحي مستمرة تغير السلوكيات قبل ظهور الأزمة. كما تشمل تقوية النظم الصحية الأولية لتكون قادرة على اكتشاف الحالات المبكرة، وتنسيق الجهود بين القطاعات الصحية وغير الصحية، ودمج الصحة في كل السياسات العامة. الصحة الوقائية الاستباقية تحول المجتمع من كيان قابل للانهيار أمام الوباء إلى كيان يمتلك مناعة جماعية وقدرة على الاحتواء السريع.

الهجرة القسرية: إدارة التدفقات قبل أن تصبح أزمات إنسانية وسياسية

تزداد الهجرة القسرية بفعل النزاعات والكوارث المناخية والفقر المدقع والاضطهاد. تتحول هذه التدفقات، إذا لم تُدار بشكل استباقي، إلى أعباء هائلة على الدول المستقبلة، وتوترات اجتماعية، واستغلال بشري، وفراغات أمنية. التدابير الاستباقية تتطلب فهم الجذور البنيوية للهجرة ومعالجتها في بلدان المنشأ من خلال دعم التنمية والاستقرار وبناء القدرة على الصمود، وتطوير آليات رصد مبكر لموجات النزوح المحتملة، وتصميم مسارات هجرة آمنة ومنظمة تقلل من اللجوء إلى الطرق غير النظامية. كما تشمل بناء قدرات استقبال مرنة في الدول المضيفة، وتنسيق إقليمي ودولي لتوزيع الأعباء، ودمج البعد الإنساني مع الاعتبارات الأمنية والاقتصادية. الاستباقية هنا تحول الهجرة من مصدر تهديد إلى فرصة يمكن إدارتها بطريقة تحفظ الكرامة الإنسانية وتحمي استقرار المجتمعات المضيفة.

الأعمال الحيوية والخدمات الأساسية: ضمان استمرارية الوظائف الحرجة

تشكل الأعمال الحيوية والخدمات الأساسية العمود الفقري لاستمرار المجتمعات: الطاقة، والمياه، والغذاء، والاتصالات، والنقل، والرعاية الصحية، والأمن. أي انقطاع في هذه المجالات ينعكس فوراً على الحياة اليومية والاستقرار العام. التدابير الاستباقية تتطلب تحديد دقيق للقطاعات الحيوية وسلسلة التبعيات بينها، وبناء خطط استمرارية أعمال مرنة، وتنويع مصادر التوريد والطاقة، وتعزيز الأمن السيبراني والمادي للبنى التحتية الحرجة، وتطوير قدرات الإصلاح السريع والتعافي. كما تشمل تدريب الكوادر على سيناريوهات متعددة، وبناء مخزونات استراتيجية، وتصميم أنظمة احتياطية تعمل تلقائياً عند تعطل الأنظمة الرئيسية. في عالم يزداد فيه الاعتماد على التكنولوجيا المترابطة، يصبح الاستباق في حماية هذه القطاعات شرطاً للسيادة والاستقرار.

آليات التمويل المرنة للاستباقية

تُعد آليات التمويل المرنة العمود الفقري لأي منظومة استباقية ناجحة، إذ تحول الاستشراف والتخطيط الوقائي من أفكار نظرية إلى قدرات عملية قابلة للتنفيذ. ففي ظل طبيعة المستجدات المعاصرة التي تتميز بالسرعة وعدم اليقين والترابط بين المجالات، تفشل الآليات التمويلية التقليدية القائمة على الميزانيات السنوية الجامدة والإجراءات البيروقراطية الطويلة في توفير الموارد في الوقت المناسب. لذلك تصبح المرونة التمويلية شرطاً أساسياً لضمان قدرة الدول والمؤسسات على التحرك المبكر، سواء في رصد المخاطر أو بناء القدرات أو التدخل قبل تفاقم الأزمات في مجالات الاقتصاد السياسي والبيئة المستدامة والصحة الوقائية والهجرة القسرية والأعمال الحيوية والخدمات الأساسية. كما تقوم فكرة التمويل المرن على عدة مبادئ مترابطة: السرعة في التعبئة والتحويل، والقدرة على التكيف مع تغير الأولويات، والتنويع في مصادر التمويل، وربط الصرف بنتائج استباقية قابلة للقياس، وضمان الاستدامة دون الاعتماد المفرط على مصدر واحد. وفيما يلي تحليل معمق لأبرز هذه الآليات وكيفية تفعيلها في السياق الاستباقي. لذلك تُنشأ صناديق احتياطية مخصصة للاستباق، تُمول من نسب محددة من الإيرادات العامة أو من فوائض الموازنات في سنوات الرخاء، وتكون محمية قانونياً من الاستخدام في النفقات الجارية. تتميز هذه الصناديق بإمكانية الصرف السريع بناءً على مؤشرات إنذار مبكر محددة مسبقاً، دون الحاجة إلى موافقات برلمانية أو وزارية مطولة في كل مرة. أما الصناديق الدوارة فتُغذى باستمرار من عوائد الاستثمارات أو من رسوم معينة، وتُعاد تغذية رصيدها بعد استخدامه، مما يضمن استدامتها. يمكن تخصيص أجزاء من هذه الصناديق لقطاعات محددة مثل الاستعداد الصحي أو التكيف المناخي أو تعزيز سلاسل الإمداد الحيوية، مع السماح بنقل الموارد بين البنود وفق تطور المخاطر. كما تجمع هذه الآليات بين الموارد الحكومية ورؤوس الأموال الخاصة والمؤسسات المالية الدولية، مما يوزع المخاطر ويوسع قاعدة التمويل. في الإطار الاستباقي، يمكن تصميم أدوات تمويل مختلطة تدعم مشاريع الوقاية طويلة الأمد، مثل البنية التحتية المقاومة للمناخ أو أنظمة الرصد الوبائي أو تطوير القدرات الإنتاجية المحلية في السلع الأساسية. تشمل هذه الآليات ضمانات حكومية جزئية، وتمويلاً ميسراً مرتبطاً بتحقيق مؤشرات استباقية، وصناديق استثمار مشتركة تركز على العائد الاجتماعي والاقتصادي إلى جانب العائد المالي. تتيح هذه الشراكات تجاوز القيود المفروضة على الإنفاق العام، وتسرع تنفيذ المشاريع التي تتطلب استثمارات كبيرة مسبقة. هكذا تربط هذه الآليات صرف الأموال بتحقيق نتائج محددة مسبقاً مرتبطة بالاستباق، مثل انخفاض معدلات الإصابة بأمراض معينة بفضل برامج وقائية، أو تحسن مؤشرات الأمن المائي والغذائي، أو تقليص زمن الاستجابة للإنذارات المبكرة. يمكن تصميم سندات اجتماعية أو سندات تأثير تنموي تُسدد عوائدها للمستثمرين فقط عند تحقق النتائج المتفق عليها. كما يمكن استخدام عقود أداء مرنة مع الجهات المنفذة، حيث يُربط جزء من التمويل بمدى جاهزية الأنظمة قبل وقوع الأزمة. هذا النهج يحفز الكفاءة ويوجه الموارد نحو ما يحقق أثراً وقائياً حقيقياً بدلاً من الإنفاق الشكلي.

تتطلب الاستباقية قدرة على نقل الاعتمادات بين البنود والقطاعات بسرعة عند ظهور إشارات خطر. يمكن تحقيق ذلك عبر تفويضات قانونية محددة تسمح للجهات المختصة بإعادة توجيه نسب معينة من الميزانيات في حالات الطوارئ المحتملة، مع آليات رقابة لاحقة تضمن الشفافية. كما تشمل هذه الآليات إنشاء بنود مرنة داخل الموازنة العامة تُخصص للاستعداد والوقاية، قابلة للزيادة أو النقصان وفق تطور السيناريوهات. في المجالات المترابطة، يتيح هذا النقل السريع توجيه الموارد من قطاع إلى آخر عند ظهور تهديد مشترك، مثل تحويل موارد من التنمية التقليدية إلى دعم المناطق المعرضة للجفاف أو إلى تعزيز الأنظمة الصحية عند رصد مؤشرات وبائية.  كما تشمل السندات الخضراء والسندات الاجتماعية وسندات الاستدامة التي تُخصص عائداتها حصرياً لمشاريع استباقية في البيئة والصحة والتنمية المستدامة. كما يمكن إصدار أدوات دين مرتبطة بمؤشرات مناخية أو صحية، حيث تنخفض تكلفة الاقتراض عند تحقيق أهداف وقائية معينة. تتيح هذه الأدوات جذب مستثمرين يبحثون عن أثر إيجابي إلى جانب العائد المالي، وتوفر تمويلاً طويل الأمد يتناسب مع طبيعة الاستثمارات الاستباقية التي قد لا تظهر عوائدها فوراً. في سياق الهجرة القسرية والأعمال الحيوية، يمكن تصميم أدوات مماثلة تدعم مشاريع الاستقرار في بلدان المنشأ أو تعزيز مرونة البنى التحتية الحرجة. من هذا المنطلق تشمل برامج التأمين السيادي ضد الكوارث، وآليات التأمين البارامتري التي تصرف التعويضات تلقائياً عند تحقق مؤشرات محددة (مثل مستوى معين من الجفاف أو شدة زلزال أو معدل انتشار مرض). تُمول هذه الآليات مسبقاً عبر أقساط منتظمة، مما يحول التكلفة من عبء مفاجئ بعد الأزمة إلى تكلفة متوقعة يمكن إدارتها. كما يمكن توسيع نطاقها لتشمل مخاطر اقتصادية وجيوسياسية وصحية، وبناء مجمعات تأمين إقليمية توزع المخاطر بين الدول. هذا النوع من التمويل يعزز القدرة على التدخل السريع دون استنزاف الميزانيات العامة فجأة.

لا تقتصر المرونة على المستوى الوطني. يمكن تفعيل آليات تمويل مجتمعي وصناديق محلية تُدار على مستوى المناطق أو البلديات، تُمول من موارد محلية ورسوم خدمات ومساهمات مجتمعية، وتكون مخصصة للاستعداد المحلي للمخاطر الأكثر احتمالاً في كل منطقة. كما تشمل منصات تمويل جماعي موجهة نحو مشاريع وقائية محددة، وآليات تمويل لامركزية تمنح الجهات المحلية صلاحيات أوسع في تعبئة الموارد واستخدامها. هذا البعد يعزز الملكية المحلية ويزيد من سرعة الاستجابة للتحديات الميدانية. لا تعمل هذه الآليات بفعالية إذا بقيت منفصلة. تتطلب المقاربة الاستراتيجية بناء منظومة تمويل استباقي متكاملة تربط بين الصناديق الاحتياطية والأدوات المختلطة والتمويل القائم على النتائج والتأمين، مع نظام حوكمة واضح يحدد قواعد الصرف والرقابة والمساءلة. يجب أن تتضمن هذه المنظومة مؤشرات أداء مرتبطة بالاستباق، وآليات مراجعة دورية للسيناريوهات، وشفافية عالية في الإفصاح عن استخدام الموارد، ومشاركة الجهات المعنية في تحديد الأولويات. كما ينبغي ربط التمويل ببناء القدرات المؤسسية والبشرية، حتى لا تتحول الموارد إلى إنفاق دون أثر مستدام. في المجمل، تمثل آليات التمويل المرنة الجسر الذي يعبر من خلاله الطموح الاستباقي إلى واقع ملموس. فبدون قدرة على تعبئة الموارد بسرعة وتوجيهها بمرونة نحو الوقاية والاستعداد، تبقى خطط الاستشراف حبراً على ورق. إن بناء هذه الآليات وتطويرها باستمرار ليس مجرد إجراء مالي، بل استثمار إستراتيجي في استقرار المجتمعات وقدرتها على مواجهة مستقبل يتسم بقدر عالٍ من اللايقين والتغير. الدول التي تنجح في تصميم منظومات تمويل مرنة ومتنوعة ومستدامة ستمتلك هامشاً أوسع للمناورة، وستحول الاستباق من شعار إلى ممارسة يومية تحمي حاضرها وتبني مستقبلها.

تطبيق الصناديق الدوارة في الصحة

تُعد الصناديق الدوارة إحدى أبرز آليات التمويل المرن القادرة على دعم الاستدامة المالية للخدمات الصحية، وتحويل التمويل من مصدر ناضب إلى دورة مستمرة تعيد تغذية نفسها. في القطاع الصحي، خاصة في سياقات السعي إلى تعزيز الصحة الوقائية والاستعداد الاستباقي، توفر هذه الصناديق أداة عملية تضمن تدفق الموارد بشكل منتظم، وتقلل الاعتماد على الاعتمادات السنوية المتقلبة أو المساعدات الخارجية المتقطعة، وتسمح بالتوسع التدريجي في التغطية وجودة الخدمات. يقوم جوهر الصندوق الدوار على مبدأ بسيط وعميق في آن واحد: استخدام رأس مال أولي لتقديم خدمة أو سلعة صحية مقابل رسوم معقولة، ثم إعادة استخدام العائدات المتحققة في تجديد المخزون أو توسيع الخدمة أو تحسينها، بحيث يستمر الصندوق في الدوران دون الحاجة إلى تمويل إضافي كبير ومتكرر من الخزينة العامة.

كما يتكون الصندوق الدوار الصحي عادة من رأس مال تأسيسي يُخصص لشراء أدوية أو مستلزمات طبية أو تمويل خدمات معينة، ثم تُباع هذه السلع أو تُقدم الخدمات بأسعار تغطي التكلفة مضافاً إليها هامش بسيط يضمن الاستمرارية ويسمح بالتوسع. تُعاد العائدات إلى الصندوق فوراً أو دورياً لتمويل دورة جديدة من الشراء أو التشغيل. يمكن أن يعمل الصندوق على مستوى منشأة صحية واحدة، أو شبكة من المنشآت، أو مستوى مديرية أو إقليم، أو حتى على المستوى الوطني في برامج محددة. كما يمكن تخصيصه لأغراض دقيقة مثل الأدوية الأساسية، أو اللقاحات، أو وسائل تنظيم الأسرة، أو مستلزمات الطوارئ، أو خدمات الصحة الإنجابية، أو برامج الأمراض المزمنة، أو التجهيزات الوقائية.

تتميز الآلية بالمرونة في التصميم. فقد يكون الصندوق موجهاً بالكامل لاسترداد التكلفة، أو مدعوماً جزئياً بحيث تتحمل الموازنة العامة جزءاً من التكلفة للفئات الهشة، أو مرتبطاً بنظام إعفاءات وتسعير تصاعدي يحمي محدودي الدخل. كما يمكن ربطه بمؤشرات أداء أو نتائج صحية، بحيث يُستخدم جزء من العائدات في تحسين الجودة أو التوسع في الخدمات الوقائية. في النسخ الأكثر تطوراً، يُدار الصندوق ضمن منظومة معلومات تسمح بتتبع المخزون والمبيعات والمالية في الوقت شبه الحقيقي، مما يقلل الهدر والتسرب ويعزز الشفافية. على هذا النحو يكتسب تطبيق الصناديق الدوارة في الصحة بعداً استباقياً واضحاً عندما يُوجَّه نحو الوقاية والاستعداد بدلاً من الاقتصار على العلاج التدفقي. ففي مجال الأدوية واللقاحات، يضمن الصندوق توفر المخزون بشكل مستمر، ويحول دون نفاد المواد الأساسية في اللحظات الحرجة، ويدعم برامج التطعيم الروتيني والحملات الوقائية. وفي مجال الأمراض المزمنة، يسمح بتوفير أدوية الضغط والسكري وأمراض القلب بأسعار ميسورة ومستدامة، مما يقلل المضاعفات المكلفة ويخفض الضغط على المستشفيات. أما في الصحة الإنجابية وصحة الأم والطفل، فيدعم توفر وسائل منع الحمل ومستلزمات الولادة الآمنة والرعاية قبل وبعد الولادة. وعلى مستوى الاستعداد للطوارئ، يمكن بناء مخزونات دوارة من المستلزمات الأساسية التي تُجدد باستمرار وتكون جاهزة للتوسع السريع عند ظهور مؤشرات خطر وبائي أو مناخي. بهذا المعنى، تساهم الصناديق الدوارة في بناء مرونة النظام الصحي، لأنها تقلل من الاعتماد على التمويل الخارجي المتقطع، وتحسن كفاءة استخدام الموارد المتاحة، وتخلق حوافز محلية للحفاظ على الخدمة وتطويرها. كما تدعم العدالة الصحية عندما تُصمم بعناية لتشمل آليات حماية اجتماعية تمنع إقصاء الفقراء، وتربط التسعير بالقدرة على الدفع مع الحفاظ على استدامة الصندوق.

يمكن تطبيق الصناديق الدوارة على مستويات متعددة. على مستوى الرعاية الصحية الأولية، تُستخدم لتأمين الأدوية الأساسية والمستلزمات الوقائية في المراكز والعيادات، مما يعزز ثقة المجتمع في الخدمة ويشجع على الاستخدام المبكر لها. وعلى مستوى المستشفيات، تدعم توفير الأدوية التخصصية أو المستلزمات الجراحية أو خدمات معينة مثل غسيل الكلى أو العلاج الكيميائي الجزئي. وفي برامج الصحة العامة، تمول حملات التطعيم أو توزيع الناموسيات أو مستلزمات مكافحة ناقلات الأمراض. كما يمكن تخصيص صناديق دوارة للخدمات المخبرية أو التصوير الطبي أو صيانة المعدات، بحيث تُستخدم العائدات في تجديد الكواشف أو قطع الغيار أو عقود الصيانة. وفي البعد المجتمعي، تُنشأ صناديق دوارة صغيرة تديرها لجان صحية محلية لتوفير خدمات أو سلع وقائية أساسية، مما يعزز الملكية المجتمعية والمساءلة الأفقية.عند ربط هذه الصناديق بمنظومة قياس الأثر الاجتماعي المستدام، يصبح بالإمكان رصد تأثيرها على مؤشرات مثل انتظام توفر الأدوية، وانخفاض نفاد المخزون، وتحسن الالتزام العلاجي، وانخفاض الإحالات غير الضرورية، ورضا المستفيدين، واستمرارية الخدمة بعد انتهاء الدعم الخارجي. هذا الربط يحول الصندوق من مجرد آلية مالية إلى أداة تحسين جودة وأثر.

لا ينجح تطبيق الصناديق الدوارة تلقائياً، بل يتطلب توافر شروط أساسية. أولها رأس مال تأسيسي كافٍ ومدروس، يُحسب بناءً على حجم الطلب المتوقع ودورة المخزون والتضخم المحتمل. وثانيها نظام تسعير عادل وشفاف يوازن بين الاسترداد المالي والقدرة على الوصول، مع آليات إعفاء أو دعم موجه للفئات الأشد هشاشة. وثالثها منظومة إدارة مالية ومخزنية رصينة، تشمل محاسبة منفصلة للصندوق، ومراقبة دورية، وفصلاً واضحاً بين أموال الصندوق والموازنات الأخرى لمنع التسرب. ورابعها بناء قدرات الكوادر في إدارة المخزون والمالية وخدمة العملاء، وتعزيز ثقافة المساءلة. وخامسها الربط مع نظام المعلومات الصحية وسلاسل التوريد الوطنية، حتى لا يعمل الصندوق بمعزل عن التخطيط الأوسع. وسادسها إطار قانوني وتنظيمي واضح يحدد ملكية الصندوق وصلاحيات الصرف والرقابة وآليات المراجعة. كما يلزم دمج الصندوق ضمن السياسة الصحية الوطنية، حتى لا يتحول إلى جزر منعزلة، وربطه باستراتيجيات التغطية الصحية الشاملة والصحة الوقائية. وفي السياقات التي تعاني من تضخم مرتفع أو اضطرابات في سلاسل الإمداد، تحتاج الآلية إلى مرونة إضافية في التسعير وإعادة التقييم الدوري لرأس المال. في إطار المقاربة الاستباقية الأشمل، لا تُعامل الصناديق الدوارة كأداة تمويل معزولة، بل كعنصر ضمن مزيج تمويلي يضم الموازنة العامة والتأمين الصحي والصناديق الاحتياطية وآليات التمويل القائم على النتائج. فهي توفر استدامة تشغيلية للخدمات الروتينية والوقائية، بينما تتولى الآليات الأخرى تمويل الاستثمارات الكبرى والطوارئ والتغطية للفئات غير القادرة. وعند ربطها بقياس الأثر الاجتماعي المستدام، وبمؤشرات الاستعداد والوقاية، وبمنظومات الإنذار المبكر، تتحول إلى رافعة لتعزيز مرونة النظام الصحي وقدرته على الاستجابة المبكرة دون انهيار مالي. كما يمكن توسيع مفهوم الصندوق الدوار ليشمل تمويل خدمات الصحة الرقمية أو التوعية المجتمعية أو صيانة البنية التحتية الصغيرة، أو حتى دعم سلاسل الإمداد المحلية للأدوية الأساسية، مما يخلق آثاراً مضاعفة على الاقتصاد المحلي والقدرة الإنتاجية الصحية. في المجمل، يمثل تطبيق الصناديق الدوارة في الصحة خياراً استراتيجياً عملياً لتعزيز الاستدامة المالية والكفاءة والجاهزية الوقائية. عندما يُصمم بعناية، ويُدار بشفافية، ويُحمى بإطار مؤسسي واضح، ويُربط بأهداف العدالة الصحية وقياس الأثر، فإنه يتحول من مجرد وسيلة لاسترداد التكلفة إلى أداة لبناء نظام صحي أكثر مرونة وقدرة على الاستمرار والتوسع. في عالم تتزايد فيه الضغوط على الموازنات الصحية وتتفاقم المخاطر الوبائية والمناخية، تصبح مثل هذه الآليات جزءاً أصيلاً من منظومة التمويل المرن التي تجعل الاستباق الصحي ممكناً ومستداماً، وتحمي حق الأفراد في الوصول إلى خدمات أساسية دون أن تُفلس المنظومة التي تقدمها.

سندات التأثير الاجتماعي المستدامة

تُعد سندات التأثير الاجتماعي المستدامة إحدى أبرز الأدوات التمويلية المبتكرة التي تجمع بين منطق السوق ومنطق الأثر الاجتماعي والبيئي طويل الأمد. وهي تمثل تطوراً نوعياً في مجال التمويل القائم على النتائج، إذ لا تقتصر على تحقيق عائد مالي للمستثمرين، بل تربط هذا العائد بتحقق نتائج اجتماعية وبيئية محددة مسبقاً وقابلة للقياس، مع الحرص على استدامة الأثر عبر الزمن. في سياق التدابير الاستباقية، تتحول هذه السندات إلى آلية فعالة لتمويل الوقاية وبناء القدرات قبل وقوع الأزمات، بدلاً من الاقتصار على معالجة آثارها بعد حدوثها. لذلك تقوم سندات التأثير الاجتماعي المستدامة على عقد متعدد الأطراف يجمع بين جهة حكومية أو مؤسسة عامة (الجهة الدافعة للنتائج)، ومستثمرين خاصين أو مؤسساتيين يوفرون رأس المال مقدماً، وجهات منفذة (غالباً من منظمات المجتمع المدني أو القطاع الخاص أو الشراكات المختلطة) تتولى تنفيذ البرامج، وجهة مستقلة تتولى قياس النتائج والتحقق منها. يُسدد رأس المال والعائد للمستثمرين فقط عند تحقيق النتائج المتفق عليها، وغالباً ما يكون العائد مرتبطاً بمستوى الإنجاز. أما صفة «الاستدامة» فتضيف بعداً إضافياً يتمثل في الحرص على أن تكون النتائج المحققة قابلة للاستمرار بعد انتهاء فترة السند، وأن تراعي الأبعاد البيئية والاجتماعية والاقتصادية معاً، وأن تساهم في بناء قدرات مؤسسية ومجتمعية لا تنتهي بانتهاء التمويل. تتميز هذه السندات بعدة خصائص تجعلها ملائمة للاستباق: فهي تحول المخاطر المالية من الجهة العامة إلى المستثمرين في مرحلة التنفيذ، وتشجع على الابتكار والكفاءة لأن الجهات المنفذة تحصل على التمويل المرتبط بالأداء، وتوفر تمويلاً مقدماً يسمح بالتحرك المبكر دون انتظار الاعتمادات السنوية، وتربط الإنفاق العام بنتائج حقيقية بدلاً من مجرد صرف الموازنات. على هذا الأساس تبدأ العملية بتحديد مشكلة اجتماعية أو بيئية ذات أولوية يمكن التدخل فيها بشكل وقائي، مثل الحد من تفاقم الأمراض المزمنة عبر برامج وقائية مبكرة، أو تقليل مخاطر النزوح الناتج عن التدهور البيئي عبر مشاريع تكيف مجتمعي، أو تعزيز مرونة سلاسل الإمداد الغذائية المحلية. ثم تُصمم مؤشرات نتائج واضحة وقابلة للقياس والتحقق، مع تحديد خط أساس ومستويات مستهدفة. بعد ذلك يُصدر السند ويجمع رأس المال من المستثمرين، ويُحوَّل إلى الجهات المنفذة لبدء البرامج. طوال فترة التنفيذ يجري رصد مستمر، وفي نهايتها تقوم جهة مستقلة بقياس النتائج. إذا تحققت المستويات المتفق عليها، تسدد الجهة العامة رأس المال مضافاً إليه العائد المتفق عليه، والذي غالباً ما يكون أقل من التكلفة التي كانت ستتحملها الحكومة لو انتظرت تفاقم المشكلة. أما إذا لم تتحقق النتائج، فيتحمل المستثمرون الخسارة جزئياً أو كلياً حسب هيكل السند. في النسخ المستدامة، يُضاف إلى هذه الآلية اشتراطات تتعلق باستمرارية الأثر، مثل بناء قدرات محلية، أو نقل المعرفة، أو دمج الحلول في السياسات العامة، أو ضمان عدم الإضرار بالجوانب البيئية. كما يمكن ربط جزء من العائد بمؤشرات استدامة طويلة الأمد تتجاوز مدة السند نفسها. في مجال الصحة الوقائية، يمكن استخدام هذه السندات لتمويل برامج الكشف المبكر والتوعية وتغيير السلوكيات قبل تفشي الأمراض، بحيث يرتبط العائد بانخفاض معدلات الإصابة أو دخول المستشفيات. في البيئة المستدامة، تمول مشاريع التكيف المناخي المجتمعي أو استعادة النظم البيئية أو تحسين كفاءة استخدام المياه، مع ربط السداد بتحسن مؤشرات المرونة البيئية. أما في ملف الهجرة القسرية، فتصلح لتمويل برامج استقرار في مناطق المنشأ أو الاندماج المبكر في الدول المضيفة، بما يقلل من التكاليف الإنسانية والاجتماعية اللاحقة. وفي الأعمال الحيوية والخدمات الأساسية، يمكن توجيهها نحو تعزيز مرونة البنى التحتية المحلية أو تطوير سلاسل إمداد مجتمعية قادرة على الصمود. هذه التطبيقات تحول التمويل من استجابة متأخرة إلى استثمار وقائي يحقق وفراً مالياً واجتماعياً على المدى المتوسط والطويل. تتيح سندات التأثير الاجتماعي المستدامة فرصاً مهمة، أبرزها جذب رؤوس أموال جديدة إلى المجالات الاجتماعية والبيئية، وتحفيز الابتكار في أساليب التنفيذ، وتحسين كفاءة الإنفاق العام عبر ربطه بالنتائج، وتعزيز الشفافية والمساءلة بفضل آليات القياس المستقلة. كما تساهم في بناء ثقافة تقييم الأثر داخل المؤسسات العامة والخاصة. غير أن تطبيقها يواجه تحديات جوهرية. أولها صعوبة تصميم مؤشرات دقيقة تعكس الأثر الحقيقي وتتجنب النتائج السطحية أو القابلة للتلاعب. وثانيها ارتفاع تكاليف التصميم والقياس والتحقق، خاصة في المراحل الأولى. وثالثها حاجة السوق إلى مستثمرين مستعدين لتحمل مخاطر النتائج مقابل عائد معقول، وهو ما يتطلب بيئة تنظيمية ومؤسسية ناضجة. ورابعها خطر التركيز على النتائج قصيرة الأمد القابلة للقياس على حساب التحولات البنيوية العميقة. أما في البعد المستدام، فيكمن التحدي في ضمان أن لا ينتهي الأثر بانتهاء السند، وأن تُدمج الحلول في النظم القائمة. لكي تؤدي هذه السندات دورها بفعالية ضمن منظومة التمويل المرن للاستباق، يلزم توافر عدة شروط. أولها وجود إطار قانوني ومؤسسي واضح ينظم إصدارها ويحدد مسؤوليات الأطراف ويحمي المال العام. وثانيها بناء قدرات وطنية في تصميم المؤشرات وقياس الأثر والتحقق المستقل. وثالثها اختيار القضايا بعناية، بحيث تكون قابلة للتدخل الوقائي وذات عائد اجتماعي واضح يبرر السداد. ورابعها دمج هذه الأداة ضمن مزيج تمويلي أوسع يشمل الصناديق الاحتياطية والتمويل المختلط والتأمين ضد المخاطر، حتى لا تُحمَّل أكثر مما تحتمل. وخامسها الحرص على الشفافية ومشاركة المجتمعات المستفيدة في تصميم البرامج، لضمان الملاءمة والاستدامة. وسادسها التدرج في التطبيق عبر مشاريع تجريبية محدودة تسمح بالتعلم قبل التوسع. في المحصلة، تمثل سندات التأثير الاجتماعي المستدامة أداة تمويلية واعدة قادرة على دعم التحول نحو الاستباق، بشرط أن تُصمم وتُدار ضمن رؤية إستراتيجية متكاملة تضع الأثر المستدام في صميمها. فهي ليست حلاً سحرياً يغني عن السياسات العامة الراسخة أو التمويل الحكومي الأساسي، لكنها آلية ذكية تسمح بتحريك رؤوس الأموال الخاصة نحو الوقاية، وتربط العائد المالي بتحسن حقيقي في حياة الناس وقدرة مجتمعاتهم على الصمود. عند توظيفها بحكمة، تساهم في بناء منظومة تمويل مرنة تجعل الاستباق ممكناً وقابلاً للاستمرار، وتحول جزءاً من مخاطر المستقبل إلى استثمارات ذات عائد مزدوج: مالي واجتماعي–بيئي.

المقاربة الإستراتيجية المتكاملة

لا يمكن التعامل مع هذه المجالات بمعزل عن بعضها. فالمناخ يؤثر في الهجرة والصحة والاقتصاد، والأزمات الاقتصادية تغذي الهجرة والتوترات السياسية، وضعف الخدمات الأساسية يفاقم كل الأزمات الأخرى. لذلك تتطلب المقاربة الإستراتيجية عدة عناصر مترابطة:

أولاً، بناء منظومة استشراف وطنية وإقليمية متكاملة تجمع البيانات من المصادر الاقتصادية والبيئية والصحية والاجتماعية، وتحولها إلى سيناريوهات عملية قابلة للاستخدام في صنع القرار.

ثانياً، إدماج البعد الاستباقي في كل السياسات العامة والميزانيات، بحيث يصبح الوقاية والاستعداد بنداً أساسياً وليس بنداً ثانوياً.

ثالثاً، تعزيز التنسيق بين القطاعات والمستويات الحكومية والمجتمع المدني والقطاع الخاص، لأن التهديدات الحديثة عابرة للحدود المؤسسية.

رابعاً، الاستثمار في رأس المال البشري والثقافة المؤسسية التي تقدر الاستباق وتكافئ التفكير بعيد المدى. خامساً، بناء شراكات دولية وإقليمية تسمح بتبادل المعلومات والموارد والخبرات بسرعة.

سادساً، تطوير آليات تمويل مرنة تسمح بالتحرك السريع دون انتظار الإجراءات البيروقراطية التقليدية. تتطلب هذه المقاربة أيضاً تحولاً في مؤشرات النجاح. بدلاً من قياس الأداء بمدى سرعة الاستجابة بعد وقوع الأزمة، يصبح المعيار هو مدى نجاح السياسات في منع الأزمة أو تقليل أثرها إلى الحد الأدنى. كما يتطلب الأمر شفافية ومشاركة مجتمعية، لأن الثقة العامة شرط أساسي لنجاح أي تدابير استباقية، خاصة تلك التي قد تتطلب تضحيات قصيرة الأمد مقابل مكاسب طويلة الأمد.

خاتمة

إن تطوير التدابير الاستباقية في مجالات الاقتصاد السياسي والبيئة المستدامة والصحة الوقائية والهجرة القسرية والأعمال الحيوية والخدمات الأساسية لم يعد خياراً يمكن تأجيله، بل أصبح شرطاً للبقاء والاستقرار في عالم سريع التغير. المقاربة الإستراتيجية القائمة على الاستشراف والتنسيق والمرونة والتكامل القطاعي توفر الإطار اللازم لتحويل المخاطر إلى فرص للتعزيز المؤسسي والاجتماعي. الدول والمجتمعات التي تستثمر اليوم في بناء هذه القدرات ستمتلك غداً هامشاً أكبر للمناورة والتكيف، بينما ستجد تلك التي تستمر في الاعتماد على ردود الفعل المتأخرة نفسها في دوامة أزمات متلاحقة تستنزف مواردها وتهدد تماسكها. الاستباق ليس مجرد تقنية إدارية، بل رؤية إستراتيجية للمستقبل تضع الإنسان واستقراره في صميم كل قرار. فكيف تساعدنا الحكمة الفلسفية ضمن مقاربة تقاطعية تكاملية على توقي المخاطر المتأتية من الكوارث الطبيعية والتغيرات المناخية والأزمات الصحية والاستعداد الحذر للآتي؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

تناولْنا، في الجزءِ الأولِ من هذه المقالةِ، المعالِمَ العامة للانهزام والاستبداد وأثرهما في صناعةِ الخرافةِ والتَّبَعِيَّة، وضَرَبْنا على ذلك مثالًا بعقيدة المهدي، وسنتناولُ في هذه المقالةِ مثالًا آخَرَ يتعلقُ بهذه القضية، ولكن قبل أن ننتقلَ إلى المثال، ينبغي علينا أن نتذكر ما أشرتُ إليه في الجزء الأول، وهو أنه ليس بالضرورة عند كلامنا في ظُلْمٍ وقعَ لأحدهم أن يكون بالفعل قد وقعَ؛ فكما قلنا إن ذلك قد يكون على سبيل الادِّعاء أو المبالغة؛ لغَرَضٍ كامنٍ خلف ذلك، ولْننتقل الآن إلى المثال الذي نود تقديمه في هذه المقالة.

 أحمد بن حنبل وقضية خَلْقِ القرآن

لقد أخذتْ قضيةُ خلْقِ القرآن مساحةً كبيرةً في تاريخنا الفكري؛ خاصةً عند تعلقها بـ أحمد بن حنبل وما حدثَ بينه وبين السُّلْطَةِ القائمة آنذاك، ممثلةً في الخليفة المأمون والمعتصم والواثق.

وتتلخَّصُ قضيةُ ما يُطلَق عليه «المحنة»(١) في أن المأمون دعا إلى القول بخلْق القرآن، واختبرَ بعضَ العلماء في ذلك، ومَن امتنع؛ كان جزاؤه الحبس والتنكيل، وعلى رأس هؤلاء الممتَحَنين الرافضين للاستجابة لدعوة المأمون في القول بخلْق القرآن، كان: أحمد بن حنبل، ولقد تعرض ابن حنبل في هذه القضية للحبس وبعض التعذيب، وضُربَ بالسَّوْطِ حتى أُغْشي عليه(٢).

لقد رأى أتباع ابن حنبل أن هذا نوع من الاضطهاد ضد إمامهم، ولكن ليتهم قدَّروا الأمر قدْره، وتكلموا فيما حدثَ فقط دون مبالغات وأسطرة، ولكن، ومن المنظور النفسي، فإن ابن حنبل خرجَ من قضية الامتحان هذه مختلفًا عمَّا كان قبلها، ولو أن المأمون ومَن تَبِعَهُ من الخلفاء لم يمتحنوا ابنَ حنبل؛ لَمَا حاز ابنُ حنبل نصفَ هذه المكانة والقداسة التي أُضْفِيَت عليه؛ ولكن يبدو أن بعض الحُكَّام يساهمون في تلميع بعض الناس مِن حيث أرادوا التنكيل بهم، ولنا على ذلك مثال في الحقبة المعاصرة، يتمثل في إعدام سيد قطب، وفي رأيي أيضًا، أنه لو تُرِكَ دون إعدام؛ لَمَا رُفِعَ إلى مصاف الأبطال عند أتباعه، ولكن إعدامه أعطى فرصةً على طبقٍ من ذهبٍ لأتباعه كي يستثمروا هذا الأمر في تلميعه والترويج لأفكاره، ولأن بعض الناسِ كانوا يمقتون جمال عبد الناصر؛ ومِن ثَمَّ رأوا في شخصية سيد قطب، الذي عارضَ عبد الناصر وتصدى له، بطلًا يعبر عن أفكارهم، وازدادت هذه الحالةُ اشتعالًا بعد إعدامه، وإعدامه هذا كان العامل الأبرز في تلميعه والتفات كثيرين لأفكاره أكثر من غيره.

وهكذا في القديم، فما تعرَّضَ له ابن حنبل، تم استثماره على يد أتباعه أشد الاستثمار، وتم وضْع ابن حنبل في مقام لا يضاهيه فيه أحد، وقد ذهبتْ بعضُ المبالغات في حقه إلى القول بأنه أثناء ضرْبه بالسوط في المحنة، سقطَ سرواله، فحركَ ابنُ حنبل شفتيْه؛ فعادَ السروالُ إلى مكانه(٣).

ومما يدل على تعامل أتباعه معه بمنطق التقديس، واستثمارهم لِمَا يقال عنه «المحنة»: ما أورده ابنُ الجوزي في كتابه: «مناقب الإمام أحمد بن حنبل»، والذي أوردَ فيه عددًا مِن المنامات، التي رأى فيها كثيرٌ من أتباع ابن حنبل أنها مناقب وفضائل لشيخهم، ومن هذه المنامات، على سبيل المثال: أن الإمام الشافعي أرسل الربيع بن سليمان برسالة مكتوبة إلى أحمد بن حنبل، فَحْوى هذه الرسالة يدور حول: أن الشافعي رأى النبي، صلى الله عليه وآله وسلَّمَ، في المنام، فأخبر النبيُّ الشافعيَّ بأنْ يكتب رسالة إلى أحمد بن حنبل، وأن يبلغه سلام النبي له، ويقول له: إنك ستُمتحن وتُدعى إلى خلْقِ القرآن؛ فلا تُجبْهم؛ يرفع اللهُ لك علمًا إلى يوم القيامة(٤).

أرأينا هذه الإيحاءات؟ النبي -طبقًا للرواية السابقة- يدعو ابن حنبل إلى عدم القول بخلْق القرآن، وهذا إسقاط شنيع للأيديولوجيا الحنبلية وتحميلها للنبي، أي أنهم يحاولون استنطاق النبي بمذهبهم رؤيتهم، وهذه النقطة لها حمولة ضمنية غير واضحة بشكل كافٍ، وهي: أنه طالما تم استنطاق النبي بمذهب أحمد بن حنبل ورؤيته؛ فبالتالي، مَن يعترِض على أحمد بن حنبل بعد ذلك؛ يكون قد اعترضَ على النبي، هذه نتيجة متوقَّعَة طالما أن هناك محاولة لتحميل النبي مذاهب وأيديولوجيات ظهرتْ بعد وفاته.

إننا هنا أمام حالة مظلومية يدَّعيها الحنابلة لإمامهم، أو يبالغون فيها، وقد أحسنوا استغلالَ هذه القضية، وارتفعوا بإمامهم إلى درجة القداسة، بل والخرافة، التي قمتُ بالإشارة إليها في العنوان، خرافات ينسبونها إلى إمامهم، سواء أكانت رؤى منامية أو تعظيم وتبجيل مُلفِت، هذه الحال بدورها أفرَزَتْ نوعًا من التبعيةِ العمياء في هذه القضية عند المنجرفين خلف إمامهم، ولقد يَصْدُقُ قولنا هنا: إنه لولا الاحتكاك الذي حدثَ بين أحمد بن حنبل وبين بعض خلفاء الدولة آنذاك؛ لَمَا وصلَ ابن حنبل إلى هذه المكانة من التقديس ولا اقتربَ منها.

ويزيد مِن دعْم رؤيتنا لهذه القضية: أن هناك مَن امتُحِنَ غير ابن حنبل في القول بخلْقِ القرآن، مثل: أحمد بن نصر الخزاعي، والذي لم يُمتحَن مثل ابن حنبل فقط؛ وإنما امتُحن أشد منه، إلى درجة أنه تُوفي في السجن على إثْر امتحانه وتعذيبه(٥)، وهنا لا يمكن أن تمر مثل هذه اللمحة مرور الكرام، إذ لو كان من ضمن معايير مكانة أحمد التي يُمتَدَح بها أنه ثبتَ في المحنة وتعرض للأذى وتحمل ذلك في سبيل الله -كما يُقال عنه-، فما الأمر إذًا بالنسبة لمَن تم إيذاؤهم أكثر منه إلى درجة الوفاة لا الضرب فقط، كما في مثال أحمد بن نصر الخزاعي؟ هنا تترجح كفة ما نذهب إليه، من أن الحنابلة قد تلقفوا الواقعة واستثمروها غاية الاستثمار، ومما مكَّنهم من ذلك: الانقلابُ الذي قام به المتوكل العباسي، وتقريبه لابن حنبل وأتباعه، واضطهاد المعتزلة؛ وبالتالي تكون الساحة قد خَلَتْ للحنابلة وأساطيرهم عن المحنة، ونحن نعلم أن التاريخَ يكتبُه المنتصر، وعلى هذا الأساس؛ تم تلميع ابن حنبل مِن قِبَلِ أتباعه، خاصة بعد وجود هذه الأرض الخصبة المُعَدَّة لهم.

***

بِقَلَم: محمد خليفة أحمد ـ باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم

...........................

هوامشُ المقالةِ:

(١) مصطلح «المِحنة» خير دليل على ما نذهبُ إليه من أن أتباع ابن حنبل حاولوا استثمار ما حدث من مواقف له في امتحان قضية خلق القرآن، للمبالغة في ادعاء المظلومية، ومِن ثَمَّ رسْم صورة ملائكية عن إمامهم ومواقفه.

(٢) الذهبي، «سِيَر أعلام النبلاء»، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، (ط١، بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٩٨٣م)، ج ١١، ص ٢٣٧: ٢٤١، ٢٥١.

(٣) الذهبي، «سِيَر أعلام النبلاء»، ج ١١، ص ٢٥٥.

(٤) يُنظر: ابن الجوزي، «مناقب الإمام أحمد بن حنبل»، تحقيق: محمد أمين الخانجي، (ط١، القاهرة، مكتبة الخانجي، د.ن)، ص ٤٥٥: ٤٥٦.

(٥) الذهبي، «سِيَر أعلام النبلاء»، ج ١١، ص ١٦٦: ١٦٨.

 من الهوية المأزومة إلى الهوية الجامعة

تبرز الهوية في عصرنا الحالي كأكثر القضايا إلحاحًا وإرباكًا في آن واحد. لم تعد الهوية مجرد تعريف بسيط للانتماء أو إطار ثقافي يحدد ملامح الجماعة، بل تحولت إلى معضلة حضارية تهدد استقرار الدول وتضع المجتمعات أمام امتحان وجودي. فحين تتنازع الهويات الدينية والعرقية والطائفية على المجال العام، وحين تُستخدم الهوية كأداة سياسية لإقصاء الآخر أو فرض نموذج أحادي، يصبح الوطن نفسه ساحة تفخيخ قابلة للانفجار في أي لحظة.

لقد انتهى زمن الصراعات الطبقية التي كانت تُعرّف المجتمعات في القرن الماضي، وحلّت محلها حروب الهويات، حيث لم يعد السؤال "من يملك السلطة الاقتصادية؟" بل "من يملك الحق في تعريف الانتماء؟". هذا التحول جعل الهوية الوطنية في مواجهة مباشرة مع قوى داخلية وخارجية، من جماعات فرعية تبحث عن التمايز، إلى إمبراطوريات عالمية تعيد رسم الخرائط وتذيب الحدود. ومع صعود التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، باتت الهوية مهددة بفقدان معناها التقليدي، إذ أصبح المستقبل يُبنى على برمجة رقمية لا على إرث تاريخي.

إن الهوية اليوم ليست مجرد قضية ثقافية أو اجتماعية، بل هي معركة حضارية تحدد مصير الشعوب في القرن الحادي والعشرين. فهي إما أن تتحول إلى عامل توحيد يفتح المجال أمام مشاركة حرة وتعددية، أو أن تبقى مأزومة، أسيرة الانقسامات والولاءات الضيقة، لتقود المجتمعات نحو التفكك والانهيار. الهوية، بهذا المعنى، ليست سؤالًا عن الماضي فقط، بل عن المستقبل: كيف يمكن أن نكون جماعة واحدة في عالم يتغير بسرعة، دون أن نفقد خصوصيتنا أو نذوب في هيمنة الآخر؟

هذه المقدمة تضع الهوية في قلب النقاش الأكاديمي، باعتبارها ليست مجرد تعريف للذات، بل معضلة حضارية كبرى، تُعيد صياغة العلاقة بين الفرد والجماعة، بين الوطن والعالم، بين التاريخ والتكنولوجيا.

الهوية كمعضلة حضارية

يُطرح مفهوم الهوية في ثقافتنا كإشكالية لم تُحسم بعد، إذ لم يتبلور بوصفه إطارًا معرفيًا قادرًا على تجسيد الانتماء الوطني وإنتاج اندماج اجتماعي متماسك. فالهوية، بدلًا من أن تكون عامل توحيد، كثيرًا ما تتحول إلى أداة انقسام نتيجة انسياقها وراء منظومات مؤدلجة تُعيد إنتاج كتل اجتماعية متعارضة، حتى وإن بدت في ظاهرها مرتبطة بقضايا وطنية أو اجتماعية عامة.

في عالم يتغير بوتيرة متسارعة، لم تعد الهوية مجرد سؤال ثقافي أو اجتماعي، بل تحولت إلى معضلة حضارية تمس جوهر وجود المجتمعات والدول. فالهوية، التي يُفترض أن تكون إطارًا جامعًا للانتماء الوطني، أصبحت في كثير من الأحيان ساحة صراع بين قوى داخلية وخارجية، بين هويات فرعية تبحث عن التمايز والهيمنة، وتحولات عالمية تعيد صياغة مفهوم الدولة والمواطنة. هذا التوتر المستمر يجعل الهوية الوطنية عرضة للتفكك، ويضع المجتمعات أمام تحدٍ وجودي: هل يمكن أن تُبنى هوية جامعة في ظل الانقسامات الطائفية والدينية والعرقية، وفي ظل ضغوط العولمة والهيمنة الثقافية؟

المواطنة، التي يُفترض أن تكون المجال الأوسع لتجليات الهوية، تكشف عن تناقض داخلي؛ فهي تفترض وجود اختلافات أساسية بين هويات متعددة داخل الوطن الواحد. ومع اتساع الجماعات، تميل الهوية إلى رسم حدود فاصلة أو الانعزال، وكلما ازدادت ثوابتها تحولت إلى وسيلة للتجزئة. وهنا يبرز سؤال جوهري: أي الهويات تُعتبر أصلًا وأيها تُصنّف كفروع؟ ومن يملك سلطة تحديد الهوية التي يجب إقصاؤها لصالح أهداف سياسية أو دينية أو طائفية؟ وما المرجعية التي تُستند إليها هذه السلطة؟

الهوية الوطنية كثيرًا ما تتعرض لضغوط من الهويات القومية والدينية والعرقية، حيث تسعى هذه الجماعات إلى إبراز خصوصيتها على حساب الانتماء الوطني. وعندما تسيطر هذه المكونات على مفهوم الهوية، ينشأ ميل إلى عزل الآخر أو اختزاله، حتى لو كان يحمل الهوية القومية ذاتها، وقد يتطور الأمر إلى نزعات تطهيرية. المثال الأبرز على ذلك ما حدث في سراييفو عام 1994، حين رفع مواطنون أعلامًا أجنبية كالسعودي والتركي، في محاولة لإعادة اكتشاف هويتهم الدينية كوسيلة للتمايز الثقافي وسط صراع الهويات.

لا يمكن لأي مجتمع أن يمتلك هوية واحدة نقية، وإلا تحوّل إلى كيان مغلق وسلفي ومريض بالعصاب. وهذا ما سعت بعض الجماعات الإسلامية إلى فرضه عبر ما سُمي بالربيع العربي. المشكلة الجوهرية تكمن في غياب سيادة الهوية الوطنية، حيث يتناوب الواقع بين هوية دينية ذات طابع سياسي فاشي، وهوية سياسية ذات طابع ديني ديكتاتوري، مما يجعل الأوطان في حالة تفخيخ دائم، قابلة للانفجار وتدمير ذاتها، ومعها تتهاوى الهويات الأخرى.

الكارثة الحقيقية تظهر حين تحاول إحدى هذه الهويات فرض نفسها على الجميع، لتتصرف وكأنها ألغت باقي الهويات وأجبرت المجتمع على هوية واحدة. الهوية الوطنية لا تُبنى بالإكراه، بل عبر مشاركة حرة واختيارية من مختلف المكونات في تقرير مصير الوطن ومستقبله، لتصبح الانتماءات الخاصة – الدينية أو الطائفية أو الحزبية – جزءًا من هوية وطنية جامعة.

كما أشار هنري كيسنجر، فإن الصراعات في العالم الجديد لن تكون بين الطبقات الاجتماعية أو بين الغني والفقير، بل بين شعوب تنتمي إلى كيانات ثقافية مختلفة. الحروب القبلية والصراعات العرقية ستظل داخل الحضارات، لكن العنف بين الدول والجماعات ذات الحضارات المختلفة يحمل إمكانية التصعيد، حيث تتجمع القوى لدعم "دول القربى".

لقد انتهت مرحلة النضال الوطني والطبقي، ومع نهاية القرن الماضي تراجعت الحركات الوطنية والثورية، لتحل محلها الحروب الدينية والعرقية. قضية فلسطين مثلًا تحولت من قضية وطنية إلى قضية دينية، وهو ما يعكس بداية تاريخ جديد قائم على الانقسام الثقافي. وبما أن الهوية الثقافية ترتبط غالبًا بالانتماء الديني أو القبلي أو العرقي، فإن غياب الانتماء الوطني يجعل من الضروري إعادة النظر في البُنى التاريخية التي فُرضت قسرًا.

في ظل انهيار التوازن العالمي بعد سقوط المعسكر الاشتراكي، تصرفت الولايات المتحدة كإمبراطورية رومانية جديدة، متجاهلة مفهوم الدولة الوطنية، وجاعلة جغرافيا الشعوب مفتوحة أمام الهيمنة. ومع صعود الذكاء الاصطناعي، يبدو أن البحث عن الهوية يفقد جدواه، إذ إن العالم يتجه نحو تاريخ جديد قائم على التكنولوجيا، حيث تُبنى الثقافة على برمجة المستقبل لا على إرث الماضي.

في هذا السياق، تبدو مجتمعاتنا المتأخرة معرفيًا عاجزة عن إنتاج هوية جامعة، وتكتفي بإعادة طرح مقومات سقوطها كلما واجهت الهزيمة. فكيف يمكن أن نبحث اليوم عن هوية لم نستطع تاريخيًا امتلاكها؟

الهوية والمواطنة – جدلية الانتماء

تُطرح العلاقة بين الهوية والمواطنة في السياق المعاصر كواحدة من أكثر الإشكاليات تعقيدًا وإثارة للجدل. فالمواطنة، التي يُفترض أن تكون الإطار الجامع لكل مكونات المجتمع، تتحول في كثير من الأحيان إلى ساحة صراع بين هويات متباينة، حيث يتبدى التناقض بين ما هو مشترك وما هو خاص، بين ما يوحّد وما يجزّئ. إن الهوية الوطنية لا تُبنى فقط على الانتماء الجغرافي أو القانوني، بل على شعور جماعي بالانتماء إلى مشروع سياسي وثقافي مشترك، وهو ما يجعلها عرضة للتحديات كلما ضعفت قدرة الدولة على إنتاج هذا المشروع أو ترسيخه.

في هذا السياق، يصبح مفهوم المواطنة اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الهوية على تجاوز الانقسامات الداخلية. فالمواطنة ليست مجرد بطاقة تعريف أو حقوق قانونية، بل هي ممارسة يومية للانتماء، تتجلى في قبول الآخر المختلف ضمن حدود الوطن الواحد. غير أن الواقع يكشف أن المواطنة كثيرًا ما تُختزل إلى مجرد إطار قانوني هش، بينما تُترك الهوية لتتأرجح بين الولاءات الدينية والطائفية والقومية، فتتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام بدلًا من أن تكون جسرًا للتوحيد.

إن جدلية الهوية والمواطنة تكشف عن مفارقة أساسية: كلما حاولت الهوية أن ترسخ نفسها عبر ثوابت صارمة، كلما ابتعدت عن جوهر المواطنة الذي يقوم على التنوع والاختلاف. فالمواطنة تفترض وجود تعددية داخل المجتمع، بينما الهوية المؤدلجة تسعى إلى إقصاء هذه التعددية لصالح نموذج واحد يُفرض بالقوة أو بالهيمنة الثقافية. وهنا يظهر السؤال الجوهري: هل يمكن أن توجد مواطنة حقيقية في ظل هوية مغلقة؟ أم أن المواطنة لا تتحقق إلا حين تُفتح الهوية على احتمالات التعدد والاختلاف؟

من الناحية التاريخية، ارتبطت المواطنة بالقدرة على بناء عقد اجتماعي يضمن مشاركة جميع المكونات في تقرير مصير الوطن. لكن في كثير من المجتمعات، خصوصًا تلك التي تعاني من ضعف مؤسسات الدولة أو من صراعات داخلية، تتحول الهوية إلى أداة سياسية تُستخدم لتقسيم المجتمع وإعادة إنتاج الولاءات الضيقة. وهكذا، بدل أن تكون المواطنة إطارًا جامعًا، تصبح مجرد شعار فارغ، بينما تُترك الهوية لتحدد من هو الداخل ومن هو الخارج، من هو المواطن الكامل ومن هو المواطن الناقص.

أالمواطنة لا يمكن أن تُفهم بمعزل عن الهوية، والعكس صحيح. فالمواطنة هي المجال الذي تُختبر فيه الهوية، والهوية هي البنية التي تُعطي المواطنة معناها. غير أن التوتر بينهما يظل قائمًا: فالمواطنة تسعى إلى الشمول، بينما الهوية تميل إلى التخصيص؛ المواطنة تبحث عن المساواة، بينما الهوية تبحث عن التمايز. هذا التوتر هو ما يجعل العلاقة بينهما جدلية مفتوحة، لا تُحسم بسهولة، بل تُعاد صياغتها باستمرار وفقًا للتحولات السياسية والاجتماعية والثقافية.

وبذلك، يمكن القول إن إدراك العلاقة بين – الهوية والمواطنة – يمثل المدخل الأساسي لفهم أزمة الانتماء في المجتمعات المعاصرة. فهو يكشف عن التناقض بين الرغبة في بناء وطن جامع وبين واقع الانقسامات التي تُعيد إنتاج نفسها عبر الهوية. إن المواطنة الحقيقية لا تتحقق إلا حين تُبنى الهوية الوطنية على أساس المشاركة الحرة والتعددية، لا على الإقصاء والفرض، لتصبح الهوية عامل توحيد لا عامل تفكيك.

ضغوط الهويات الفرعية على الهوية الوطنية

حين نتأمل في البنية الاجتماعية والسياسية للمجتمعات المعاصرة، نجد أن الهوية الوطنية لا تعيش في فراغ، بل تتعرض باستمرار لضغوط من هويات فرعية متشابكة: دينية، قومية، طائفية، وعرقية. هذه الهويات، التي يُفترض أن تكون جزءًا من النسيج الوطني، تتحول في كثير من الأحيان إلى قوى موازية تسعى إلى فرض خصوصيتها على حساب الانتماء الجامع. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: الهوية الوطنية التي يُفترض أن تكون مظلة شاملة، تصبح ساحة تنازع بين هويات فرعية تبحث عن التمايز والهيمنة.

إن هذه الضغوط لا تقتصر على المجال الثقافي أو الرمزي، بل تمتد إلى المجال السياسي والاجتماعي، حيث تُستخدم الهويات الفرعية كأدوات تعبئة جماهيرية أو كوسائل لإعادة إنتاج السلطة. فالجماعات الدينية مثلًا قد تسعى إلى فرض رؤيتها على المجال العام، معتبرة أن الهوية الوطنية لا تكتمل إلا عبر الانصياع لمعاييرها العقائدية. والجماعات القومية أو العرقية قد ترفع شعارات الخصوصية الثقافية لتبرير الانعزال أو الانفصال، وهو ما يؤدي إلى تفكيك الوحدة الوطنية من الداخل.

الأمثلة التاريخية تكشف خطورة هذه الظاهرة. ففي سراييفو عام 1994، رفع مواطنون أعلامًا أجنبية كالسعودي والتركي في محاولة لإعادة اكتشاف هويتهم الدينية وسط صراع دموي، وكأن الهوية الوطنية لم تعد قادرة على احتوائهم. وفي العالم العربي، برزت هذه الضغوط بشكل أوضح خلال أحداث ما سُمي بالربيع العربي، حيث تحولت الهوية الدينية إلى أداة سياسية فاشية، والهوية السياسية إلى أداة دينية ديكتاتورية، مما جعل الأوطان في حالة تفخيخ دائم، قابلة للانفجار في أي لحظة.

التحليل الأكاديمي لهذه الظاهرة يقودنا إلى إدراك أن الهوية الوطنية، إذا لم تُبنَ على أساس المشاركة الحرة والتعددية، تصبح عرضة للاختطاف من قبل الهويات الفرعية. فكلما ضعفت مؤسسات الدولة أو غابت المرجعية الوطنية الجامعة، ازدادت قدرة هذه الهويات على فرض نفسها كبديل، لتتحول إلى قوى إقصائية تسعى إلى إلغاء الآخر أو اختزاله. وهنا يظهر الخطر الأكبر: حين تتصرف إحدى هذه الهويات وكأنها ألغت باقي الهويات، فإنها لا تفرض فقط نموذجًا أحاديًا، بل تفتح الباب أمام نزعات تطهيرية تهدد وجود المجتمع نفسه.

إن الهوية الوطنية لا يمكن أن تُبنى بالإكراه أو عبر إقصاء المكونات الأخرى، بل عبر إدماجها في مشروع جامع يضمن لكل جماعة خصوصيتها دون أن تتحول هذه الخصوصية إلى أداة تقسيم. فالمجتمع الذي يسمح لهوياته الفرعية بأن تهيمن على المجال العام يفقد تدريجيًا قدرته على إنتاج هوية وطنية متماسكة، ويتحول إلى كيان هش، تتنازعه الولاءات الضيقة وتضعفه أمام التحديات الخارجية.

وبذلك، فإن ضغوط الهويات الفرعية تكشف عن هشاشة البنية الوطنية في كثير من المجتمعات، وتطرح سؤالًا جوهريًا حول كيفية إعادة بناء الهوية الوطنية على أسس جديدة، قادرة على استيعاب التعددية دون أن تتحول إلى تجزئة. الهوية الوطنية، إذا أرادت أن تصمد أمام هذه الضغوط، يجب أن تُعاد صياغتها كهوية جامعة، لا كهوية إقصائية، لتصبح عامل قوة لا عامل ضعف.

التحولات العالمية وأثرها على الهوية الوطنية

عندما ننظر إلى المشهد العالمي منذ نهاية الحرب الباردة وحتى صعود الذكاء الاصطناعي، ندرك أن الهوية الوطنية لم تعد مجرد قضية داخلية تخص كل دولة على حدة، بل أصبحت جزءًا من شبكة معقدة من التحولات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية التي تعيد صياغة مفهوم الانتماء. انهيار المعسكر الاشتراكي في بداية التسعينيات فتح الباب أمام الولايات المتحدة لتتصرف كقوة إمبراطورية جديدة، متجاهلة الحدود التقليدية للدول الوطنية، وجاعلة الجغرافيا السياسية للشعوب مفتوحة أمام الهيمنة. هذا التحول لم يقتصر على إعادة توزيع النفوذ، بل انعكس مباشرة على قدرة المجتمعات على إنتاج هوية وطنية متماسكة، إذ باتت الهوية معرضة للتفكك تحت ضغط العولمة والهيمنة الثقافية الغربية.

في هذا السياق، لم تعد الهوية الوطنية مجرد مشروع داخلي، بل أصبحت في مواجهة مباشرة مع قوى خارجية تسعى إلى إعادة تشكيلها أو تذويبها. فالعولمة الاقتصادية مثلًا فرضت أنماطًا جديدة من الاستهلاك والثقافة، جعلت الفرد أكثر ارتباطًا بالمنظومات العالمية من ارتباطه بالمنظومة الوطنية. ومع صعود التكنولوجيا الرقمية، أصبح الانتماء يتحدد عبر شبكات التواصل والفضاءات الافتراضية أكثر مما يتحدد عبر الانتماء الجغرافي أو السياسي. وهنا يظهر التحدي الأكبر: كيف يمكن للهوية الوطنية أن تصمد أمام عالم يتجه نحو تاريخ جديد قائم على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، حيث تُبنى الثقافة على برمجة المستقبل لا على إرث الماضي؟

التحولات العالمية أيضًا أعادت تعريف طبيعة الصراعات. فكما أشار هنري كيسنجر، لم تعد الحروب الكبرى تُخاض بين الطبقات الاجتماعية أو بين الغني والفقير، بل بين كيانات ثقافية مختلفة. هذا التحول يعني أن الهوية الوطنية لم تعد تواجه فقط تحديات داخلية، بل أصبحت جزءًا من صراع حضاري عالمي، حيث تُستخدم الهويات كأدوات تعبئة سياسية وعسكرية. الحروب القبلية والعرقية تستمر داخل الحضارات، لكن العنف بين الدول والجماعات ذات الحضارات المختلفة يحمل إمكانية التصعيد إلى مستويات غير مسبوقة، وهو ما يضع الهوية الوطنية في قلب معادلة الأمن العالمي.

يمكن القول إن التحولات العالمية فرضت على الهوية الوطنية أن تعيد تعريف نفسها باستمرار. فالدولة الوطنية التي كانت في الماضي الإطار الأساسي للهوية، أصبحت اليوم مهددة بالتفكك أمام قوى العولمة والتكنولوجيا. ومع ذلك، فإن هذه التحولات تفتح أيضًا إمكانات جديدة: الهوية الوطنية يمكن أن تُعاد صياغتها لتصبح أكثر انفتاحًا وتعددية، قادرة على التفاعل مع العالم دون أن تفقد خصوصيتها. لكن هذا يتطلب مشروعًا سياسيًا وثقافيًا واعيًا، قادرًا على مواجهة الضغوط الخارجية دون أن ينزلق إلى الانغلاق أو الانعزال.

إن التحولات العالمية وأثرها على الهوية الوطنية تكشف عن حقيقة أساسية: الهوية لم تعد مجرد مسألة داخلية، بل أصبحت جزءًا من شبكة معقدة من القوى العالمية التي تعيد تشكيل العالم. وهذا يفرض على المجتمعات أن تعيد التفكير في كيفية بناء هوية وطنية قادرة على الصمود أمام هذه التحولات، دون أن تتحول إلى كيان مغلق أو إلى مجرد انعكاس للهيمنة الخارجية. الهوية الوطنية، إذا أرادت أن تبقى فاعلة، يجب أن تُبنى على أساس المشاركة الحرة والتعددية، وأن تُعاد صياغتها بما يتناسب مع عالم جديد يتشكل على وقع التكنولوجيا والعولمة.

الهوية والرهانات المستقبلية

حين نتأمل في مسار الهوية داخل المجتمعات المعاصرة، ندرك أن التحدي الأكبر لم يعد فقط في مواجهة الضغوط الداخلية أو التحولات العالمية، بل في القدرة على صياغة رهانات مستقبلية تجعل الهوية عاملًا للتجديد لا للتفكك. فالمجتمعات التي تفتقد إلى هوية وطنية جامعة تجد نفسها أمام فراغ خطير، حيث تتحول الانتماءات الدينية أو الطائفية أو العرقية إلى بدائل قسرية، وتُستخدم كأدوات سياسية لإعادة إنتاج الانقسام. هذا ما نراه في قضايا مثل فلسطين، التي تحولت من قضية وطنية إلى قضية دينية، مما يعكس انتقالًا من مشروع جامع إلى مشروع انقسامي، ويكشف عن هشاشة البنية الوطنية حين تُختزل الهوية في بعد واحد.

إن جدلية الهوية في السياق المعاصر تكشف عن عمق الأزمة التي تواجه المجتمعات في سعيها لبناء انتماء جامع ومستقر. فالهوية لم تعد مجرد انعكاس للانتماء الوطني أو الثقافي، بل تحولت إلى ساحة صراع بين قوى داخلية وخارجية، بين هويات فرعية تبحث عن التمايز والهيمنة، وتحولات عالمية تعيد صياغة مفهوم الدولة والمواطنة. هذا التوتر المستمر يجعل الهوية الوطنية عرضة للتفكك، ويضع المجتمعات أمام تحدٍ وجودي: إما أن تُعيد صياغة هويتها على أساس المشاركة الحرة والتعددية، أو أن تنزلق نحو الانغلاق والتجزئة.

الرهان المستقبلي للهوية يكمن في تجاوز هذا الاختزال، عبر بناء مشروع وطني قادر على استيعاب التعددية دون أن يتحول إلى تجزئة. الهوية الوطنية لا تُبنى بالإكراه، بل عبر مشاركة حرة واختيارية من مختلف المكونات، بحيث تصبح الانتماءات الخاصة – الدينية أو الطائفية أو الحزبية – جزءًا من هوية وطنية جامعة، لا منافسًا لها. إن أي محاولة لفرض هوية واحدة بالقوة تؤدي إلى نتائج كارثية، لأنها تخلق مقاومة داخلية وتفتح الباب أمام نزعات تطهيرية تهدد وجود المجتمع نفسه.

لكن الرهانات المستقبلية لا تتوقف عند البعد السياسي والاجتماعي، بل تمتد إلى البعد التكنولوجي والثقافي. فمع صعود الذكاء الاصطناعي وتحوّل العالم إلى فضاء رقمي، يبدو أن البحث عن هوية تقليدية يفقد الكثير من جدواه. الثقافة لم تعد تُبنى فقط على إرث الماضي، بل على برمجة المستقبل، حيث تصبح الهوية مرتبطة بالقدرة على التفاعل مع التكنولوجيا وإعادة تعريف الذات في فضاءات جديدة. هذا التحول يفرض على المجتمعات أن تعيد التفكير في مفهوم الهوية، ليس كإطار مغلق، بل كعملية ديناميكية تتجدد باستمرار وفقًا للتغيرات العالمية.

إن الرهان الأكبر هو أن تتحول الهوية من عامل تفخيخ إلى عامل بناء، من أداة انقسام إلى أداة توحيد، من إرث جامد إلى مشروع متجدد. وهذا يتطلب إرادة سياسية وثقافية واعية، قادرة على مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية، وعلى صياغة هوية وطنية جامعة تستوعب الماضي وتستشرف المستقبل.

إن المستقبل يضع الهوية أمام اختبار غير مسبوق: كيف يمكن أن تبقى فاعلة في عالم يتجه نحو العولمة الرقمية والذكاء الاصطناعي، حيث تُبنى الثقافة على برمجة المستقبل لا على إرث الماضي؟ الإجابة تكمن في إعادة تعريف الهوية الوطنية كعملية مفتوحة، تستوعب التعددية وتستشرف المستقبل، لتصبح عامل قوة لا عامل ضعف. فالمجتمعات التي تنجح في هذا التحول ستكون قادرة على الصمود أمام التحديات، بينما تلك التي تفشل ستظل أسيرة انقساماتها، عاجزة عن إنتاج مشروع وطني جامع.

بهذا المعنى، الهوية ليست مجرد سؤال عن "من نحن"، بل عن "كيف نريد أن نكون" في عالم يتغير بسرعة، حيث يصبح المستقبل هو المرجعية الأساسية لإعادة تعريف الانتماء.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي مختص بالأنثروبولوجيا

 

لا يريد هذا المقال استعراض تاريخ الملحمة العربية كشكل كتابة او مشافهة. او الخوض في السّيرة الشعبية كسيرة عنترة او السيرة الهلالية او سيرة سيف بن ذي يزن او ذات الهمة فهذا مبحث يتجنب المقال خوضه لأنه منزلق يخرجها مما ارادت ان تقوله. السّؤال هنا راهن وربما يستجيب الى شغف العالم بالملاحم وهو ما بدا واضحا مع إعادة انتاج الاوديسة سينمائيا.  هل يمكن للراهن السياسي والحضاري والادبي والفني عموما خلق القدرة على انجاز ملحمة.

 أعاد دخول الوسائط البصرية الحديثة تشكيل الذاكرة الجمعية برمتها. فإذا كانت الملحمة القديمة تخشى المحو وتعتمد على الرّاوي لحفظ الحدث، فإن العصر الرقمي بات يمتلك أرشيفا بصريا هائلا ونشطا. حيث تحولت الصّورة الوثائقية البصرية إلى شريك حي يتغلغل في عمق النص. ممارسا وظيفة الجوقة الإغريقية المعاصرة التي تجعل المشهد المأساوي بَثّا حيا يتابعه الضمير الجمعي الإنساني في اللحظة ذاتها. فالتلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي، اليوم، تنقل الحروب والثورات والكوارث وهي تحدث، مما يجعل المتلقي شاهدا مباشرا، ليس مجرد قارئ لاحق. غير هذا طبيعة العلاقة بين السرد والجمهور، وجعل وظيفة الملحمة أقرب إلى التعليق الحي على الأحداث منها إلى سرد ماض مغلق.

يمتلك الواقع العربي المعاصر مادة خاما تفيض بالتراجيديا والدراما القومية. ممثلة في معارك التحرر الوطني، الثورات الكبرى، زلازل الانكسارات والتحولات الجيوسياسية المتلاحقة. تتجلى هذه المادة أيضا في ظهور أبطال وأيقونات تاريخية اختزلت في مساراتها الفردية صراع أمة بأكملها. مثل التحول العميق للقدس والأرض المحتلة مركز ثقل روحي تؤدي الوظيفة الرمزية التي كانت تؤديها الأماكن المقدس في الملاحم القديمة. غير أن توفر هذا الرصيد التاريخي الهائل يثبت أن أزمة الملحمة العربية المعاصرة ليست أزمة مادة ولا شح شهادات. هي أزمة تركيب وتأليف. إذ يظل التحدّي الجمالي رهين القدرة على تحويل المباشرة الصحفية والوثيقة الخام إلى صياغة رمزية تتسامى عن اللحظة السياسية العابرة دون أن تفقد حرارتها الواقعية.

 يملك المبدع العربي كذلك من الأحداث والسير الشعبية ما يكفي لعشرات الملاحم، لكنه يفتقر في الغالب إلى المسافة التي تمكنه من صياغتها فنيا. فالحدث الملحمي يحتاج إلى زمن كاف ليهدأ. وإلى رؤية تركيبية قادرة على استخلاص المعنى من الزخم، وليس مجرد توثيق الوقائع بأمانة. والمعنى هنا هو ابراز أهمية التخييل في إعادة بناء الواقع. وقدرة المبدع على تنظيم الشذرات المتضاربة دون أن يخون حقيقة التجربة التاريخية.

 تحول في بنية الراوي

عاش الفكر العربي الحديث زمنا طويلا أسير نموذج "الراوي العليم" - الصوت الواحد الذي يملك الحقيقة الكاملة ويوزعها على الجماعة، سواء كان هذا الصوت دينيا أو أيديولوجيا أو قوميا خالصا. هذا النموذج، بطبيعته الأحادية، عاجز عن استيعاب الملحمة الحديثة التي تقوم على تعدد الأصوات وتقاطع الشهادات المتنافرة.  كان التحول الجوهري انكسار سلطة الرّاوي الأوحد لصالح وعي تعددي يقبل التناقض بوصفه شرط المعنى لا نقيضه - وهو انكسار غذّته هزائم سياسية كبرى فتّتت اليقين الجمعي. وغذته أيضا موجة نقدية جعلت "الحقيقة الواحدة" فرضية مرفوضة..

ارتبطت المحاولات العربية لكتابة الملحمة ارتباطا وثيقا بالتأسيس لجنس المسرح الشعري، إذ مثلت التجربة سعيا طموحا لتطويع ديوان العرب ا ليتسع لفن وافد يقوم على الصراع الدرامي والموضوعية. لم تكن مشكلة هذه التجربة مجرد عجز عروضي أو هيمنة لصوت الشاعر على شخصياته. كانت تعبيراً عن توتر بنيوي وفلسفي عميق بين غنائية اللغة الشعرية ومتطلبات الحركة الدرامية، وبين كثافة العبارة وسرعة الفعل المسرحي. برز هذا التوتر في مسرحيات أحمد شوقي وعزيز أباظة في صيغة حوارات تميل إلى التجريد الجمالي على حساب اندفاع الصراع. حاول شعراء الحداثة مثل صلاح عبد الصبور وعبد الرحمن الشرقاوي تخفيف هذا الشد البنيوي عبر شعر التفعيلة لتقريب الإيقاع الشعري من نبض الدراما اليومية، غير أن التجربة أثبتت أن الشدّ القائم بين حصرية الصوت الشعري وتعددية الفعل المسرحي يجعل المسرح الشعري قنطرة عبور تاريخية ربما سلّمت التحدي الملحمي لوسائط سردية أكثر حرية وطواعية. كان المسرح الشعري محاولة نبيلة لكنها غير مكتملة، كشفت عن حدود القالب الشعري في استيعاب تعقيدات الواقع العربي الحديث، وأشارت إلى أن الملحمة القادمة قد تجد موطنها في الرواية أو في أشكال هجينة أخرى.

فلسطين والملحمة المفتوحة

تُشكل التجربة الفلسطينية أكثر التجارب العربية المعاصرة اقترابا من تجسيد الوظيفة الملحمية، متجاوزة أبعادها السياسية المباشرة لتغدو صياغة إنسانية لرحلة التيه والفقد والتغريب المقترنة بالإصرار على التحرر والعودة.

 تكمن قوة هذه التجربة في كونها نمط الملحمة المفتوحة أو الملحمة أثناء الحدوث كما وقع في غزة. خلافا للملاحم التقليدية التي كانت تُكتب عادة بعد انغلاق قوس التاريخ وبرود رماد المعارك. في الملحمة المفتوحة، تندمج الصورة اليومية للهدم والمفتاح القديم والوثيقة الرقمية مع النص الأدبي في لحظة الاشتعال ذاتها لمقاومة المحو. انعكس هذا التشكيل الملحمي في الشعر مع شعراء القضية الفلسطسنية خاصة محمود درويش عبر الارتقاء بالقصيدة من الغنائية الفردية إلى صياغة الصوت الجمعي، حيث أصبحت قصائده بمثابة أرضية مشتركة للوعي الفلسطيني، تؤرخ للجرح وتحلم بالعودة بأسلوب يجمع بين الأسطوري واليومي. بينما امتدت البنية السردية مع غسان كنفاني وصولاً إلى مشروع إبراهيم نصر الله الروائي الذي يسعى لبناء عمارة سردية تتشابك فيها الأجيال مع الأرشيف والذاكرة الحية. هذه التجارب تشير إلى أن الملحمة العربية المعاصرة، في غياب الدولة الموحدة والراوي الأوحد، قد تولد من رحم التجربة الاستثنائية، حيث يصبح التيه نفسه بطلا، وتصبح العودة المنشودة هي الغاية التي تمنح الرحلة معناها الملحمي.

محاولات

شهد النصف الأول من القرن العشرين محاولات لنظم الملحمة الكلاسيكية كما في ملحمة "أحسن القصص" لخالد الفرج أو ديوان "مجد الإسلام" لأحمد محرم، لكن التحول التاريخي الكبير تمثل في انتقال مركز الثقل الملحمي من البيت الشعري إلى العمارة الروائية، حيث قدمت أعمال مثل "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ و"مدن الملح" لعبد الرحمن منيف وإبراهيم الكوني في ملاحمه الصحراوية. نماذج رفيعة لاتساع الزمن والطبقات الاجتماعية والصراع الفلسفي. ومع ذلك، فإن الوسيط الملحمي المعاصر لم يعد محصورا في الرواية وحدها لأنه يتجه نحو تشكيل منظومة سردية هجينة عابرة للأجناس. فالملحمة القادمة قد لا تكون رواية مغلقة ولا قصيدة مطولة. انه نسيج يتقاطع فيه السرد الروائي مع كثافة الشعر، وحركية السينما، وحرارة الوثيقة الرقمية، ليصبح النص عبارة عن أرشيف متفاعل يمنح الفوضى التاريخية شكلا دالا.

يتطلب بعث الوظيفة الملحمية تجاوز العقبات التي يفرضها إيقاع العصر الرقمي، وفي مقدمتها التشتت وطغيان المباشرة على حساب عمق التأمل. لم تعد الملحمة المعاصرة تبحث عن الخلود في العالم الغيبي كما في الماضي. هي تخوض مواجهة حاسمة ضد النسيان والمحو الفكري وضد التواطئ والإبادة والشر. أصبح المبدع المهندس الجمالي الذي يستقبل فائض الصور والشهادات والأصوات المتضاربة ليقيم منها بناء كليا يمنح الواقع معناه الفلسفي. فالملحمة الحديثة لن تولد من التكرار الآلي للقوالب القديمة أو استنساخ البحور الممتدة. ستتشكل عندما تنصهر المنظومة السردية الهجينة مع عمق الرمز وفاعلية الأرشيف البصري. لم تعد حكاية الآلهة التي تصنع أقدار البشر. هي تجسيد لإصرار الإنسان على منح فوضى تاريخه شكلا دالا يحميه من المحو الحضاري.

***

سعيف علي

 

ليس من السهل أن يسأل الكاتبُ: إلى أين أنتمي؟. السؤالُ في الظاهر بسيطٌ، لكنَّه حين يخرج من فم كاتب أفريقي عاشَ الاستعمارَ، وورث لغته، وغادرَ بلدَه، ثم وجد نفسه يكتب من فضاء آخَر، يتحوَّل إلى سؤال ثقيل، يكاد يكون سؤالًا عن الحق في أن يكون الإنسانُ نَفْسَه.

الكاتبُ الذي وُلد في أفريقيا، وتعلَّمَ في مدارس تركتْ فيها فرنسا لغتها وثقافتها، ثم غادرَ إلى أوروبا، وعاش فيها، وكتبَ بلغة المُستعمِر، لا يستطيع أن يتعامل معَ الهُوية بوصفها بطاقة تعريف إدارية. لا يكفي أن يقول: أنا جيبوتي، أو أنا كونغولي، أو أنا فرنسي، وكأن المسألة انتهت. فالهُويةُ في هذه الحالة ليست خانة في جواز سفر، وإنما ذاكرة تتجاذبها أمكنة متعددة، ولغات متعددة، وتواريخ لا تزال آثارُها حاضرةً في الجسدِ واللغة والخيال.

مِن هُنا تبدو تجربة الكاتب الجيبوتي عبد الرحمن وابيري (وُلد 1965)، وتجربة الكاتب الكونغولي آلان مابانكو (وُلد 1966) جديرتين بالقراءة معًا. كلاهما كاتب أفريقي يكتب بالفرنسية، وغادرَ فضاءه الأفريقي إلى الغرب، ووجدَ نفسه أمام سؤال الانتماء، لكنَّهما لا يُقَدِّمان الجوابَ نفسه. إنهما يكشفان وجهين مختلفين للمأزق نفسه: كيف يمكن للكاتب أن ينتمي إلى مكان وُلد فيه، وإلى مكان آخَر أعادَ تشكيلَ وعيه، من دون أن يتحوَّل إلى سجين لأحدهما؟.

هناك وهمٌ شائع يقول إنَّ المهاجر يغادر وطنه كما يغادر المرءُ بيتًا قديمًا، يغلق البابَ وراءه، ويمضي إلى مكان جديد، ويبدأ حياته من الصفر. لكن الكاتب لا يستطيع أن يفعل ذلك، إنَّه يحمل البيت معه، يحمل رائحة الشوارع، وأصوات الأمهات، وأسماء الأماكن، والخوف القديم، واللغة الأُولَى، وصور الطفولة، وحكايات الجدات، وتفاصيل الجغرافيا، وحتى الأشياء التي كان يظنُّ أنه نسيها، لهذا لَم تكن الكتابة عند وابيري مُجرَّد نشاط أدبي بعيد عن الوطن، وإنما كانت مُحاولة لاستعادة بلده أو استملاكه من جديد عبر الكتابة. وهُنا تظهر المفارقةُ الجميلة والمؤلمة معًا: قد يغادر الإنسانُ وطنه لكي يعيش، لكنَّه قد يكتب لكي يعود.

يعود وابيري إلى جيبوتي، ليس بوصفها بطاقة بريدية أفريقية جاهزة للاستهلاك الغربي، وإنما بوصفها مكانًا حيًّا، ومتناقضًا، وقاسيًا وحميمًا في آنٍ واحد. وكتابته عن جيبوتي تَجمع بين الأفريقي والعربي والإسلامي والفرنسي والإنجليزي، أي إنَّها تنطلق من جغرافيا هجينة أصلًا قبل أن يصبح الكاتبُ مهاجرًا.وابيري لم يولد في هُوية " صافية " ثم جاء إلى المنفى ليخلطها، الهُوية كانت مختلطة منذ البداية.

جيبوتي تقع في منطقة تلتقي فيها أفريقيا بالعالَم العربي والبحر الأحمر، وتحمل آثار الاستعمار الفرنسي، وتعيش داخل شبكة من اللغات والثقافات والتاريخ البحري والتجاري والديني، لذلك فإنَّ فكرة " الانتماء الواحد " تبدو منذ البداية أضيق من الواقع الذي خرج منه الكاتب. رُبَّما لهذا يبدو الرحيلُ عند وابيري امتدادًا للأفكار التي تسكن ذاكرةَ المكان. إنَّه لا يخرج من وطن مستقر إلى عالَم غريب تمامًا، بل يخرج من فضاء كان يَحمل في داخله منذ زمن طويل معنى العبور.

أمَّا عند مابانكو، فإنَّ المسألة تأخذ شكلًا آخَر. الكونغو ليست مُجرَّد مكان طفولة بعيد، إنَّها تتحوَّل في أعماله إلى ذاكرة سردية، يعود إليها، ويستعيدها من خلال الشخصيات واللغة والسخرية والحكايات الشعبية والمدينة والأصدقاء والأهل، لذلك فإن الهجرة عنده لا تعني قطعَ الحبل، بلْ تعني تغييرَ المسافة بينه وبين الحبل.

في أعماله التي تستعيد الكونغو أو أفريقيا من موقع المهاجر، نجد كاتبًا لا يريد أن يكتب عن وطنه بالطريقة التي يتوقعها منه الآخرون. لا يريد أن يكون " صوت أفريقيا " بالمعنى النمطي، ولا يريد أن يصبح موظفًا لدى صورة جاهزة عن القارَّة، إنَّه يريد أن يكون كاتبًا أوَّلًا. وهذا التفصيل يبدو بسيطًا، لكنه ثَوري، لأن الكاتب الأفريقي كثيرًا ما يجد نفسه مُطَالَبًا بأن يشرح أفريقيا، ويُمثِّلها، ويدافع عنها، ويروي مآسيها، ويثبت أصالته، وكأن الأدب لا يسمح له بأن يكون حُرًّا مثل أي كاتب آخَر.

مابانكو يقاوم هذا القيد بالسخرية. يسخر من السياسيين، والنُّخبِ، والمثقفين، والمهاجرين، والأوروبيين، والأفارقة، وأحيانًا من نفسه. وهذه السخرية ليست هروبًا من الهُوية، وإنما طريقة لتحرير الهُوية من التحنيط. وعندما يسخر مِن هُويته، لا يتخلى عنها بالضرورة، رُبَّما يكون فقط قد رفض أن يُحوِّلها الآخرون إلى تمثال.

اللغة الفرنسية بالنسبة إلى وابيري ومابانكو ليست مُجرَّد لغة أجنبية دخلت حياتهما من الخارج. إنها لغة التعليم، والثقافة، والجامعة، والنشر، والفضاء الأدبي الذي صارا جزءًا منه. بلْ إنَّ مابانكو أوضح أن الفرنسية لم يكتشفها في فرنسا، لقد وجدها في الكونغو، أي إن اللغة الاستعمارية كانت قد أصبحت جزءًا من واقعه قبل رحيله. كما أكَّد أنه يكتب بها محاولًا أن يجعلها قادرةً على العيش إلى جوار اللغات المحلية. وهُنا تكمن المفارقة الكبرى، المُستعمِر رحل، لكن لغته بقيتْ، كيف يرفض لغةً أصبحت جزءًا من تعليمه وذاكرته؟، وكيف يقبل لغةً تحمل تاريخَ الهيمنة من دون أن يعيد تشكيلها؟.

الجوابُ الذي تُقَدِّمه تجربة وابيري وتجربة مابانكو ليس في الهرب من اللغة الفرنسية، بل في امتلاكها. فاللغة حين تدخل قلمَ الكاتب لا تبقى مِلْكًا للتاريخ وحده، يمكن للكاتب أن ينتزعها من سياقها القديم، ويضع فيها إيقاعَ مدينته، ونَفَسَ أهله، وسخريته، وأحلامه، وأسماءه، وذاكرته. وهكذا يصبح السؤالُ أقل تعلُّقًا بـ " مَن يملك اللغة؟"، وأكثر تعلُّقًا بـ " ماذا أفعل أنا باللغة؟".

وإذا كان مابانكو يميل إلى تحويل المنفى إلى مادة للسخرية واستعادةِ الذاكرة، فإنَّ وابيري يبدو أكثر اقترابًا من صورة الكاتب الرَّحَّال. وليس غريبًا أن تتكرر في دراسة تجربته مفردات مثل: الرحيل، والمنفى، والترحال، والبدوي، والمهاجر الكوزموبوليتاني. لكن الترحال عنده ليس انتقالًا جغرافيًّا فَحَسْب، إنَّه طريقة في النظر.

والكاتبُ الذي يعيش في أكثر من مكان، لا يرى العالَمَ من نافذة واحدة. تتعدَّد النوافذ داخله، وتتنازع الصور، ويصبح الوطنُ بعيدًا وقريبًا في الوقت نفسه، والغربُ لا يعود مُجرَّد " آخَر"، وإنما يصبح جزءًا من التجربة الشخصية، بما له من جمال وعُنصرية، وفُرص واستلاب، وحرية وذاكرة استعمارية. وشخصية الكاتب عند وابيري ليست شخصية رَجل يقف على ضفة، ويشير إلى ضفة أُخرى، إنَّه يقف بين الضفتين. وهذا " البَيْن" هو المكان الحقيقي الذي يكتب منه. إنَّه ليس فرنسيًّا تمامًا، وليس خارج فرنسا تمامًا، ليس مُجرَّد جيبوتي يعيش في المنفى، ولا مُجرَّد أفريقي يكتب للغرب، إنَّه كاتبٌ تشكلت هُويته من الحركة بين هذه الأمكنة.

مابانكو لا يخجل من أن يَكون كونغوليًّا وفرنسيًّا، ولا يتعامل مع الأمر باعتباه خطأ ينبغي إصلاحه. وفي حديثه عن الهُوية، يرفض النظرَ إلى المهاجر بوصفه شخصًا جاء من الخارج بصورة مُبسَّطة، ويشير إلى أنَّ العلاقة بين فرنسا وأفريقيا لا يمكن فصلها عن التاريخ الاستعماري واللغة والتعليم. والإنسانُ في النهاية ليس صندوقًا يمكن وضعه في رَف واحد. يمكن أن تحب الكونغو، وتنتقدها، ويمكن أن تعيش في فرنسا، وتنتقدها، ويمكن أن تكتب بالفرنسية، وتحمل داخلها إيقاعًا أفريقيًّا. وهُنا تُصبح الهُوية فِعلًا يوميًّا لا حُكمًا نهائيًّا.

ثمَّة فرق دقيق بين الكاتبين في علاقتهما بالوطن. عند وابيري يبدو الوطن أحيانًا كأنَّه شيء تجب استعادته عبر الكتابة، وهذا مفهوم تمامًا في تجربة كاتب غادرَ جيبوتي شابًّا، ثُمَّ ظلَّ يكتب عنها مِن الخارج.

أمَّا عند مابانكو، فإنَّ العودة إلى الكونغو تظهر في صور متعددة، جسدية وذاكرية وسردية. تصبح العودة إلى الوطن بعد غياب طويل مادَّةً لاستعادة المدينةِ والأهل والذاكرة، وليست رحلةً سياحية إلى الماضي.

كلاهما يصل في النهاية إلى الحقيقة نفسها: لا توجد عَودة كاملة، فالذي يعود بعد سنوات لا يجد المكانَ الذي تركه، والأهم: لا يجد نَفْسَه القديمة أيضًا. لقد تغيَّرَ المكانُ، وتغيَّرَ هو، لهذا لا تكون العَودة رجوعًا إلى نقطة البداية، وإنما لقاء بين شخصين: الشخص الذي غادر، والشخص الذي عاد. وفي هذه المسافة بالذات يولد الأدب.

اهتمَّ وابيري نظريًّا بمسألة الأدب الأفريقي العابر للحدود، وكتبَ عن الأجيال الجديدة من الكُتَّاب الأفارقة الفرنكوفونيين، فيما ارتبطت تجربته النقدية والأدبية بمسائل ما بعد الاستعمار والهجرة والتعدد الثقافي.

أمَّا مابانكو، فمشروعه الأدبي والنقدي يتحرَّك في فضاء الأدب الأفريقي والفرنكوفوني والعالمي، وهو ما يُفَسِّر لماذا لا يمكن اختزاله بسهولة في " كاتب كونغولي" بالمعنى الجغرافي الضَّيق.

كلاهما أصبحَ، بطريقة أو بأُخرى، جزءًا من أدب لا يعترف كثيرًا بالحدود التي رسمتها الخرائط. إنَّهما يَعرفان أنَّ اللغة يمكن أن تَحمل تاريخًا من القهر، لكنَّها تستطيع في الوقت نفسه أن تصبح أداةً للتحرر، والوطن يمكن أن يكون محبوبًا ومؤلمًا، والمنفى ليس جَنَّة، والعَودة ليست خلاصًا، والآخَر ليس شيطانًا، والذات ليست بريئة دائمًا. وهذه المعرفة المُركَّبة هي بالضبط ما يحتاجه الأدب. فالأدبُ لا يعيش في اليقين الكامل، وإنما يعيش في المسافة بين الأشياء.

وابيري يحمل إلى الأدب جغرافيا البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بتداخلاته العربية والأفريقية والإسلامية والاستعمارية، أمَّا مابانكو فيحمل معه الكونغو، والذاكرة الوجودية، واللغة الشعبية، وتجربة الهجرة الأفريقية في فرنسا وأوروبا. والكاتبُ الذي لَم يجد نَفْسَه كاملًا في الوطن، ولا كاملًا في المهجر، يستطيع أن يبني بيتًا ثالثًا، وهو الكتابة. في الكتابة لا يحتاج إلى جواز سفر، ولا أن يثبت أنَّه أفريقي بما يكفي، ولا أن يثبت أنَّه فرنسي بما يكفي، ولا أن يُقَرِّر أين ينتهي الوطن، وأين يبدأ المنفى. في الكتابة يستطيع أن يكون الاثنين معًا، وأكثر مِن الاثنين.

يستطيع وابيري أن يحمل معه جيبوتي إلى الغرب، ويعيد تشكيلها في النص. ويستطيع مابانكو أن يحمل الكونغو معه إلى الغرب، ثم يعود إليها أدبيًّا كلما شاء. وكلاهما، بهذا المعنى، لا يهرب من الوطن حين يكتب من الخارج، بلْ يعيد اختراعَه. وهذا رُبَّما هو سِر الأدب، فنحن لا نكتب فقط عن الأماكن التي نعيش فيها، بلْ أيضًا عن الأماكن التي تعيش فينا. وهل الوطن هو المكان الذي وُلِدْتُ فيه، أم المكان الذي صَنَعْتُ فيه وَعْيي، أم المكان الذي أحنُّ إليه، أم المكان الذي أخشاه، أم المكان الذي أعود إليه في الخيال؟.

***

إبراهيم أبو عواد

 

مفتتح: في ضوء الفلسفة، لا تبدو الرواية مجرد جنسٍ أدبيٍّ واسعٍ ومفتوح، بل هي المختبر الذي تجرّب فيه الفكرة قدرتها على أن تعيش داخل العالم، حيث في مسرح الشخصيات والوقائع والظلال، لا تظهر الحقيقة بوصفها صيغةً نهائية، بل بوصفها أثرًا متحركًا، يتشكل كلما تقدّم السرد خطوةً نحو كشفٍ جديد أو التباسٍ أعمق ، ثمّ الرواية لا تروي العالم فقط، بل تعيد ترتيبه داخل وعيٍ يتعلّم أن الحقيقة ليست ما يُقال مرة واحدة، بل ما يُروى ويُعاد روايته تحت ضغط الزمن والذاكرة واللغة..

إذ السؤال الفلسفي داخل الرواية لا يطل علينا من باب الخطابة أو التقرير، بل ينشطر داخل البنية السردية نفسها، عبر توزيع الأصوات، بناء الشخصية، هندسة الزمن، وكذا التوتر بين ما يُقال وما يُخفى.. فتبدو الرواية، في أفضل حالاتها، شكلًا من أشكال التفكير لا يقل كثافةً عن الفلسفة، لكنه أكثر التصاقًا بالحياة وهي تتعرّض للتجربة والخسارة والالتباس، كونها لا تشرح الأفكار فقط، بل تختبرها داخل مصائر بشرية، ولا يعود المفهوم مجرد تعريف، بل يصبح جرحًا أو اختيارًا أو ذاكرةً أو شكًا أو اعترافًا..

ما يهمّنا هنا، ليس أن الرواية تضمّ أفكارًا فلسفية، فذلك أمر شائع في كثير من النصوص، بل أن تتحول الفكرة إلى نسيج سردي، بحيث يختفي التعارض الموروث بين “التحليل” و“الحكاية”، فالرواية الحديثة، كما تشير دراسات كثيرة (كتاب جيسي ماتز (Jesse Matz) "تطوّر الرواية الحديثة" [The Modern Novel: A Short Introduction] ترجمة لطفية 413 صفحة الدليمي، دار المدى 2016م)، لم تعد تقيّم على محاكاة الواقع وحدها، بل على مساءلته: كيف يُصنع؟ ومن يرويه؟ وأيّ لغة تمنحه شكله النهائي؟ بهذا المعنى، تصبح الرواية أكثر من قصة؛ بل تصبح أفقًا معرفيًا تُعاد فيه كتابة الحقيقة من داخل التشظي، لا من فوقه...

الحقيقة واللغة

إذا كان هناك محوران يبدوان أساسيين في التفكير الفلسفي داخل الرواية، فهما الحقيقة واللغة، لأن الرواية الحديثة لا تتعامل مع الحقيقة بوصفها معطىً نهائيًا، بل بوصفها شيئًا يتكشف ويتوارى في آن واحد؛ أي حقيقةٌ لا تنفصل عن المنظور، ولا تتجلى خارج السرد الذي يمنحها وجودها القابل للفهم.. وفق هذا المعنى، لا يعود السؤال: هل الرواية صادقة أم متخيلة؟  وإنما: كيف تصنع الرواية شكل صدقها الخاص؟ وكيف تكشف أن ما نعتبره “الواقع” لا يدخل الوعي إلا عبر لغة تؤطره وتعيد ترتيبه؟

لذلك يكتسب تحليل الرواية بعدًا فلسفيًا دقيقًا، حيث اللغة ليست مجرد وسيلة لنقل المعنى، بل هي نفسها موضع المعنى ومادته وحدوده، والرواية تكشف أن الكلمات لا تعكس العالم بشكل بريء، بل تبنيه داخل منظور خاص، وأن كل صوت سردي يحمل في داخله موقفًا من الحقيقة، على هذا الأساس تبدو الأعمال الروائية الكبرى مختبرات مركزية لسؤال الحقيقة، لأنها لا تعرض المعنى كشيء مستقيم، بل كشيء مضطرب، قابل للانكسار والتعدد والانزياح..

الخيال والزمن والذات

أما الخيال، فهو ليس في الرواية مجرد ديكور، بل قوةٌ معرفية تسمح للفكر بأن يلامس الممكن، لا الواقعي فقط، الخيال هنا لا يهرب من العالم، بل يعيد ترتيبه، ويمنح الحدث أفقًا أوسع من وقائعه المباشرة، وعليه تلتقي الرواية مع الفلسفة في تلك المنطقة التي لا تكتفي بما هو قائم، بل تسأل عمّا كان يمكن أن يكون، وما الذي يخفيه الواقع من وجوهه المحتملة.. أما الزمن، فليس في الرواية مجرد خلفية للأحداث، بل هو إحدى لبناتها الكبرى، حيث الرواية تفكر في الزمن بوصفه خبرةً داخلية، لا مجرد تعاقبٍ كرونولوجي، فالاسترجاع، والانتظار، والانقطاع، والبطء، والتكرار، والتعليق؛ كلها صيغ تجعل الزمن في الرواية تجربة معيشة، وتحوّل السرد إلى طريقة في فهم الوجود، وهذا ما جعل دراسات “السرد والزمن” ترى أن الرواية لا تصف الزمن فقط، بل تُعيد تشكيل الوعي به، وتحوّل الماضي والحاضر والمستقبل إلى طبقات متداخلة في بناء الذات..

أما جهة الذات، تُظهر الرواية أن الأنا ليست جوهرًا ثابتًا، بل بناءٌ سردي يتشكّل عبر الذاكرة والمراجعة والاعتراف والتصادم مع الآخر. فالشخصية الروائية الكبرى ليست مجرد فرد داخل أحداث، بل شكلٌ من أشكال الوعي وهو يختبر نفسه في العالم، لذلك ترتبط الرواية الفلسفية عادةً بأسئلة الهوية: من أنا؟ كيف أروي نفسي؟ وما الذي يبقى من الذات حين تتفكك صورتها الأولى؟ الرواية هنا لا تصف الأنا، بل تكشف أنها كائن يتكون في اللغة، وفي الذاكرة، وفي العلاقة بالآخر..

مصابيح أورشليم

لو أردنا نموذجًا عربيًا معاصرًا تتكثف فيه هذه الأسئلة الخمسة، فإن مصابيح أورشليم لعلي بدر تبدو مثالًا بالغ الدلالة، لأن الحقيقة فيها لا تُقدَّم كجوهر ثابت، بل كصراع سردي بين روايات متنازعة عن القدس، واللغة لا تعمل بوصفها وصفًا محايدًا، بل باعتبارها أداةً لإعادة كتابة المكان ومراجعة صورته في الوعي، بينما الخيال، يتحول إلى قوة تأويلية لا تهرب من التاريخ بل تعيد ترتيبه، فيما يغدو الزمن طبقاتٍ متراكبة من الذاكرة والمحو والاسترجاع، وتظهر الذات—في صورتها الفلسطينية واليهودية ومدينة القدس أو اورشليم معًا—بوصفها بناءًا متحركًا لا يُفهم إلا داخل شبكة العلاقة بالآخر وبالمدينة وبالسرد المضاد..

عندئذ لا تكون الرواية مجرد حكاية عن الدكتور إدوارد سعيد والقدس المحتلة، بل مختبرًا فلسفيًا يضع الأسئلة الخمسة في قلب التجربة السردية نفسها، بل في هذه الرواية، لا تكون القدس مكانًا فقط، بل نصًّا مفتوحًا على طبقات من المحو والاستعادة، والهوية لا تأتي كجوهر متين، بل كتركيب هشّ يتبدل وفق من يكتب ومن يُروى عنه، هنا تتجلى قوة الرواية فلسفيًا: إنها لا تفسّر العالم، بل تكشف أن العالم نفسه لا يظهر إلا من خلال سردياته المتنازعة، فتغدو مصابيح أورشليم أكثر من رواية عن مدينة؛ إنها رواية عن المدينة حين تصبح مرآة للصراع بين الرواية الرسمية والرواية المزورة، بين الذاكرة المتطفلة والذاكرة المستعادة، وبين المكان كما يُفرض والمكان كما يُعاد تخيّله..

عندما تتجدد العلاقة بين الفلسفة والأدب، الرواية لا تقف في مواجهة الفلسفة، ولا تقف تحت ظلها؛ إنها، على العكس، تفرض على الفلسفة أن تعيد النظر في طريقة سؤالهـا عن الإنسان..

لقد علّمتنا الرواية أن الحقيقة لا تسكن العبارة النهائية، وأن اللغة ليست مرآة شفافة، وأن الخيال ليس نقيض المعرفة، وأن الزمن لا يُختزل في خط مستقيم، وأن الذات ليست شيئًا يُعثر عليه مرة واحدة ثم يحنط ويوضع بإقامة جبرية.. هذه المعاني لا تُقال في الرواية بوصفها نتائج، بل تُعاش بوصفها تجارب، ولعل أعظم ما تقدمه الرواية للفلسفة ليس “مادة” جديدة، بل حساسية جديدة، أقصد حساسية ترى الإنسان كائنًا يُكتب، ويُعاد كتابته، ويظلّ أكثر اتساعًا من أي تعريف وحيد.

عبر هذا المعنى، ليست الرواية مجرد محطة في علاقة الفيلسوف بالأدب، بل هي الصيغة التي أعادت لهذه العلاقة عمقها وحداثتها، عبر منح الفكر جسدًا، واللغة قلقها الخلّاق، والسؤال الفلسفي قدرةً على أن يسكن التجربة بدل أن يطل عليها من عليائه..

حين نقرأ الرواية بهذا الوعي، لا نكون أمام نص يجاور الفلسفة، بل أمام شكل من أشكال الفلسفة وقد تعلم أن يتكلم بلغة الحياة نفسها..

(يتبع)

***

أ‌. مراد غريبي

 

في يثرب/المدينة استطاع محمد بن عبد الله (ص) تشكيل وبناء الجماعة الإسلامية كخطوة أولى في طريق تحقيق الأمة الكبرى، وذلك عندما كتب الرسول الكريم عقد المؤاخاة أو الصحيفة، التي هي بمثابة الدستور بين المهاجرين والأنصار واليهود، المبني على قاعدة المواطنة أي الإنتماء للوطن وليس المعتقد الديني في محاولة لتجاوز الإطار القبلي والتوافق على العيش المشترك، أي عيش الجماعات المتعددة قبليا ودينيا على نفس الأرض وفي إطار سياسي واحد.

والحقيقة التي لا نقاش فيها أن ما يميز الرسول هو أنه نظر للأمور نظرة واسعة وكان يمتلك رؤية سياسية شاملة تتجاوز حدود القبيلة والعشيرة وتتجاوز حتى حدود العواطف والمنافع الشخصية، كما كانت قراراته السياسية مبنية على دراسة لطبيعة المشكلات وعواملها الأساسية، وليس هذا فحسب، بل وتصدر عن قراة واعية واستشرافية لتداعياتها وأسسها البعيدة والقديمة، كما كانت رؤيته السياسية مقرونة بعزم وإرادة ونظرة مستقبلية متبصرة، تنظر إلى القبائل والعشائر التي عيش في الجزيرة العربية، على أنهم أمة واحدة، تجمعهم رابطة الجنس والوطن واللغة، كما يجمعهم التاريخ المشترك والمصير المشترك.

ولهذا كان تأثير الدعوة المحمدية تأثير يتيز بميزتين أساسيتين هما الديمومة والعالمية، وهذا هو النجاح الكبير الذي حققه الرسول الكريم، وجسَّدته الفتوحات التي تواصلت بعد وفاة النبي وبلغت الذروة في عهد الدولة الأموية، إذ كانت حدود الأمبراطوية الإسلامية تمتد من جبال البرييني في غربا أوروربا حتى حدود الصين شرقا.

وثمة ملاحظة في هذا الصدد، وهي أن الجماعة المؤمنة برسالة محمد بن عبد الله (ص) العدد، وقد كانت جماعة صغيرة من حيث العدد، لأن الدعوة لم تنتشر الانتشار الواسع بين الناس في المرحلة المكية بسبب الحصار المحكم الذي فرضه سادة قريش على الدعوة المحمدية، وهناك سبب أخر في عدم الانتشار هو الإضطهاد والتعذيب الذي تعرض له المسلمون الأوائل، وخاصة المستضعفين من أتباع الرسالة المحمدية، من عبيد وفقراء ونساء (السيد، الأمة والجماعة والسلطة، 2011، صفحة 23).

من البديهي القول، أن الرسول كان قد أسّس الأمة الإسلامية كجماعة دينية، الأمة التي تضم المهاجرين والأنصار وعدد كبير من قبائل الجزيرة العربية، وأساس الرابطة في هذه الجماعة التي تحولت أمة هو الدين الجديد، والعنصر الأساسي للإنتماء هو العقيدة الإسلامية. فأفراد هذه الأمة في البداية كان ضئيلاً ومحدوداً، إذ لم يتعد عدد من دخل في الإسلام، مائة وأربعة وخمسون(154) شخص، في المرحلة المكية أي في سنوات البعثة، والتي دامت، كما هو معروف، ثلاثة عشر سنة، ثم وصل عدد المؤمنين إلى عشرات الألاف في المرحلة المدينة والتي إستغرقت عشر سنوات، وانتهت سنوات الهجرة ومفهوم الهجرة بعد فتح مكة.

و من نافلة القول، أن هؤلاء الأفراد في مكة وهذه الجماعات في المدينة، إلتفوا حول رجل ذو كاريزما وتبعوا رسول صاحب رسالة وآمنوا بنبي نزل عليه الوحي عن طريق جبريل، وهذا ما يسمى في علوم القرآن بالتنزيل، وهو النص القرآني، ومن المتفق عليه بين المفسرين أن القرآن الكريم يتضمن أوامر ونواهي إلهية، يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويحدد شكل المعاملات، كافة أشكال المعاملات الإجتماعية والتجارية، نص إلهي ينطق بلغة الحرام والحلال، ويعبر عن عقيدة دينية، أساسها الإيمان بالله، وبرسله وملائكته وباليوم الأخر (السيد، الأمة والجماعة والسلطة، 2011، صفحة 140).

ما نسعى إلى بيانه، أن الدعوة المحمدية تكونت حولها جماعة مِلّية/دينية بالأساس وتسمى هذه الجماعة بالمسلمين. ولكن مع تطور الأحداث والتحولات السياسية والإقتصادية والتغيرات الاجتماعية، وكذلك مع انفجار الصراعات السياسية وتغير الخريطة الطبقية، تحولت هذه الجماعة الدينية إلى أمة تنطوي تحت لوائها عدة جماعات، وتخضع لسلطة سياسية مركزية في المدينة، ثم انقسمت الأمة إلى جماعات سياسية متناحرة في مرحلة الخلفاء الراشدين وخاصة في النصف الثاني من خلافة عثمان بن عفان واستمرت الصراعات بحدة في عهد الخليفة الرابع علي بن أبي طالب، وبقي الأمر كذلك حتى مع قيام الدولة الأموية، إذ هدأت الأمور بعض الشيء. (غليون، نقد السياسة.. الدولة والدين، 2007، صفحة 55).

وغني عن البيان القول، أن محمد بن عبد الله (ص) كان يتصرف كقائد روحي من ناحية وكزعيم سياسي من ناحية أخرى، فهو بإعتباره نبي وقائد لجماعة دينية، كان يرشد على العمل الصالح ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحذر من فعل الشر ويقرر ما ينفع الناس ويدعو إلى مكارم الأخلاق.  أما كقائد سياسي، فقد كان يحث المؤمنين على القتال في سبيل الدعوة وذلك بدعوته إلى الجهاد كما كان يجهز الكتائب ويعد السريات للقتال، وفي نفس الوقت كان يفاوض القبائل ويعقد الصفقات مثل صلح الحديبية الذي يقدم مثالا أعلى على المسلك السياسي النبوي النازع نحو الواقعية والمرحلية والبراغماتية، وهو صلح جاء في أعقاب مفاوضات شاقة خاضها الرسول مع سادة قريش، وقد وفرت له هذه المفاوضات هدنة كان يحتاجها المسملون لإلتقاط الانفاس ولإعادة بناء الجيش ورص صفوف المسلمين وتمتين الجبهة الداخلية، كما كان الرسول وبحنكته السياسية الفذة، يناور الأعداء ويعقد التحالفات مع الأصدقاء ويخطط للغزوات ويبرم الاتفاقيات... الخ (الجابري، العقل السياسي العربي، 1992، صفحة 111)

ما نريد التأكيد عليه، أن النبي كان يجمع في شخصه بين الزعامة الروحية والقيادة السياسية، بين الدعوة والدولة، ومن البديهي القول، أن تلك الحقبة الممتدة من سنة 610 م حتى سنة 632م هي حالة إستثنائية، وُجدت فقط في تلك الحقبة عند الرسول محمد بن عبد الله والرسول(ص). ولفهم ملابسات تلك التحولات من الجماعة إلى الأمة والصراع على السلطة، لا بد لأي باحث أو مؤرخ من تتبع الدعوة المحمدية من البداية حتى النهاية. أي من المرحلة المكية حتى الفترة المدينية، وبعبارة أخرى لا بد من قراءة السيرة النبوية في سياقها التاريخي والأخذ بعين الإعتبار الظرفية الاجتماعية /الإقتصادية.

النبوة والسلطة السياسية

ففي المرحلة المكية كان النبي زعيمًا روحيًا ورمزًا دينيًا، ولا أحد يجادل في ذلك، والأفراد الذين آمنوا به شكلوا جماعة روحية /دينية بمعنى الكلمة، وبعبارة أخرى فإن الشيء الوحيد الذي كان يربط أفرادها بعضهم ببعض هو الإيمان بالله وبرسوله وبما يوحى إليه، لم يكن ما يجمع بين أفراد الجماعة الإسلامية التي كانت أخذةً في التكوين غير العقيدة (جعيط، الفتنة.. جدلية الدين والسياسة، 2012، صفحة 35)

و حتى الدعوة في هذه المرحلة- وكثير من الآيات تشهد على ذلك- كان يغلب عليها طابع المُوادعة ونحت منحى المُسالمة واتسمت بروح التسامح. لأن التركيز في هذه المرحلة كان على الدعوة إلى الدين الجديد، والتأكيد على وحدانية الله" قل هو الله احد الله صمد لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوءا احد" (سورة الإخلاص) والإشارة إلى الحياة الأخرى والتذكير بيوم الحساب.. الخ.

و بالتالي لم يكن من مصلحة هذه الجماعة قليلة العدد، ضعيفة الإمكانيات، الدخول في مواجهة إنتحارية مع القوة الضاربة لقبيلة قريش، التي كنت تفوق المسلمين عددا وعدة (الجابري، العقل السياسي العربي، 1992، صفحة 75).

ففي هذه الحقبة كذلك، كان محمد بن عبد الله يتصرف كنبي ورسول، حامل لرسالة وصاحب دعوة دينية مع المؤمنين برسالته في مكة أي " أمة الإجابة " وإلى الناس كافة وإلى العالم أجمع أي " أمة الدعوة "، ولم يكن يتصرف كقائد سياسي أو رئيس دولة، ومع مقاومة قريش الشرسة للدعوة، واﻹضطهاد الذي مارسته على أتباع محمد، وخاصة على الضعفاء منهم، كان لابد من إتباع تكتيك السرية والمقاومة السلمية والصبر والمسالمة.

و الحقيقة التي لا مرية فيها، أن النبي في هذه المرحلة، كان أعزل ومحاصر من كل الجهات، فعدد الجماعة الإسلامية قليل بل وقليل جدا، لا يسمح بالمواجهة المباشرة مع خصم عنيد، شديد المِراس تحت قيادة " الملآ "، يفوق جماعة محمد بن عبد الله، عددا وعدة. لكن ميزان القوة سرعان ما سيتغير رأسا على عقب، في الحقبة المدينية. إذ سيصبح الرسول " النبي المسلح " (أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، 1998، صفحة 167) والقائد السياسي الذي له أتباع كثيرون، وهؤلاء الأتباع قد يتحولون في آية لحظة وبإشارة فقط من الرسول، إلى جيش يقاتل بضراوة وعن عقيدة دينية راسخة. و هو ما حصل بالتمام والكمال، مع غزوات الرسول العديدة والتي بلغت سبعة عشر غزوة في السنوات العشر للهجرة في المدينة/يثرب.

ما نريد التنبيه إليه، أن هناك اختلاف واضح بين المرحلتين، مرحلة ما قبل التمكين ومرحلة ما بعد التمكين، المرحلة الأولى كانت سِمتّها الأساسية هي الضعف وقلة الحيلة في مواجهة قوة قريش الضاربة وبأس سادة قبيلة قريش الذي لا يرحم والمرحلة الثانية كان يميزها القوة ممثلة في جيش مسلح قوامه عشرة آلاف مقاتل، جيس مستعد للقتال وقادر على خوض الحروب وشن الغزوات، ويمتلك عقيدة قتالية تقوم على التضحية في سبيل الله وعلى السعي نحو اكتساب صفة الشهيد، فالنبي في المرحلة المكية كان أعزل، أما النبي في المرحلة المدينية فكان نبي مسلح عددًا وعدة وهناك فرق، بطبيعة الحال بين قائد أعزل وقائد مسلح.

و لهذا إختلفت لهجة الخطاب وارتفعت نبرة الصوت وتبدل أسلوب المعاملة ليس فقط مع قبيلة قريش في مكة بل مع عدة قبائل في نجد والحجاز، وعن الإختلاف بين المرحلتين، يشير باحث معاصر إلى ذلك بقولهʺ.. مع الهجرة إلى المدينة تنتهي مرحلة وتبتدئ أخرى. كانت المرحلة المكية مرحلة الدعوة والصبر، أما المرحلة المدينية، فستكون مرحلة تأسيس الدولة والحرب. أن هذا لا يعني أن الدعوة السلمية قد انتهت، كلا، إن النهج التبشيري السلمي سيبقى قائما دائما، ولكنه لن يكون هو النهج الوحيد. إن الصراع مع قريش الذين حاربوا الدعوة المحمدية دفاعا عن مصالح معينة سينتقل هذه المرة إلى مرحلة أرقى، مرحلة ضرب تلك المصالح نفسها.. وهكذا ستشق الدعوة المحمدية طريقها إلى بناء الدولة عاملة في واجهتين، البناء الداخلي من جهة، وممارسة السياسية مع قريش بوسائل أخرى، وفي مقدمتها الحرب النفسية وضرب تلك المصالح، من جهة ثانية،.. " (الجابري، العقل السياسي العربي، 1992، صفحة 91)

و بالفعل، كان من الضروري في هذه الحقبة، من تنظيم المجتمع الجديد وفق هندسة اجتماعية جديدة. والعمل شيئا فشيئا، على تحقيق ما يسمى اليوم بالاندماج الوطني بين المهاجرين والأنصار، من خلال الأخوة التي تحقق التضامن والتكافل الاجتماعي وكذلك كان يجب عقد معاهدة بين المسلمين واليهود، وهي المعاهدة المعروفة باسم الصحيفة التي حددت النظام الداخلي للتعايش بين جميع الأطراف التي تسكن المدينة. وخاصة التعايش في إطار عدم الاعتداء وإحترام كل طرف لمعتقد الأخر طبقا لمبدأ " لا إكراه في الدين" (الجابري، العقل السياسي العربي، 1992، صفحة 93) نستنتج من هذا الكلام، أن تنظيم الجماعة الإسلامية والتركيز على البناء الداخلي، أي تمتين الجبهة الداخلية، وعقد معاهدات مع أطراف قد تشكل خطرا محتملا في المستقبل، كل ذلك وأكثر، هو ممارسة سياسية بامتياز (الجابري، العقل السياسي العربي، 1992، صفحة 94).

فالدين الجديد، كان يُحَارب بضراوة من طرف قريش التي استخدمت كل الوسائل المتاحة لديها للقضاء على هذه الدعوة في المهد، من التعذيب المادي والاعتداء الجسدي على المستضعفين من المسلمين، إلى الحصار الاقتصادي، إلى الإغراء المادي.

هذه الحرب الشاملة جعلت الرسول وأنصاره في المدينة يمارسون السياسية في الدين ومن أجل الدين. إنه عمل سياسي بامتياز، يراعي الواقع ويقدر الظروف ويأخذ بعين الاعتبار موازين القوى.  ما نخلص إليه ها هنا، أن الجماعة الدينية في مكة تحولت بالتدريج إلى جماعة سياسية في المدينة / يثرب، والجماعة السياسية هي الأخرى تحولت وبالتدريج وعلى مراحل إلى أمة لها دولة ونستطيع أن نطلق عليها وبتحفظ شديد مصطلح الدولة - الأمة.

نهاية مرحلة.. وبداية مرحلة

وفي سياق تاريخي محدد هو مرحلة النبوة، أي مع وجود نبي مع الصحابة والجماعة المؤمنة، شكَّل الرسول الكريم حالة استثنائية، إذ جمع بين الزعامة الروحية والقيادة السياسية، وهو صاحب الدعوة وحامل الرسالة. و لكن انتفت هذه الحالة بمجرد وفاة الرسول وانتهت الدعوة بنهاية صاحب الدعوة وانقضى بذلك زمن النبوة وبدأ زمن الخلافة. وبعبارة أفصح نقول، مع وفاة النبي محمد(ص) أُستدل الستار على المرحلة " المشاعية ".. كانت فيها العلاقات الاجتماعية فوق قبلية تحكمها الرابطة الدينية / كما كنت مرحلة مثالية بحكم وجود الأباء المؤسسين المتجسمة في النبي وأصحابه، وبالتالي هي حقبة زمنية غير قابلة للتكرار، مرحلة شهدت ميلاد أمة إسلامية، العنصر الأساسي في وجودها وتوحيدها هو الدين، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى العنصر الأساسي في تفرقها وتمزقها، هو السياسية، والمفارقة الكبرى أن الأمة هي التي أبدعت حضارة والسلطة هي أسقطت هذه الحضارة.

ففي هذه الحالة، الطرق السلمية وحدها لا تكفي، بل لا بد من طرق ووسائل وآليات أخرى سواء كانت أو غير سلمية. وقد تكون الوسائل السياسية ومنها الطرق الحربية. وهنا كان ضروريا إختلاط السياسية بالدين، في هذا السياق التاريخي، ومن أجل التمكين لهذه الجماعة الدينية وضمان إنتشار الدعوة، ومن هذا المنطلق مارس النبي كل الوسائل التي تحقق له هذا الهدف، الوسائل السياسية حينا من خلال عقد الإتفاقيات والصفقات، والوسائل اﻹقتصادية عن طريق إعتراض القوافل التجارية أحيانا أخرى، في إطار مواجهة الخصوم والأعداء من جهة وزيادة الأتباع من جهة أخرى (الجابري، العقل السياسي العربي، 1992، صفحة 113).

وفي هذا السياق نجد أن الرسول مارس السياسية بأتم معنى الكلمة، حيث قام بعقد عدد من التحالفات مع قبائل عربية مختلفة مثل بيعة العقبة، الأولى والثانية، التي أفضت إلى دخول قبيلتي الأوس والخزرج في الإسلام، وبالتالي مهدت الطريق للهجرة إلى يثرب. (الجابري، العقل السياسي العربي، 1992، صفحة 89)

ومما يلفت الانتباه، أن النبي طبق فن التفاوض والصلح وعقد الإتفاقيات بقدر كبير من الذكاء السياسي، من إبرام معاهدة الصحيفة، وهي الاتفاقية/ الدستور التي جمعت ثلاثة أطراف، الطرف الأول يمثله المهاجرون والطرف الثاني هم الأنصار والطرف الثالث يتمثل في اليهود، من أجل العيش المشترك والتعايش في الوطن الواحد.

وكذلك من الأحداث البارزة، في السيرة النبوية والدعوة الإسلامية صلح الحديبية الذي تجلى فيه التكتيك السياسي والحنكة الدبلوماسية ومراعاة المصالح الاقتصادية.

ولهذا هناك فرق بين الأمة والدولة، في التاريخ الإسلامي منذ مشكلة الخلافة إلى غاية اليوم، فالأمة الإسلامية هي شعور عاطفي يجمع بين أفرادها رغم اختلافاتهم العرقية واللغوية والمذهبية، يجمعهم شعورهم الديني والروحي، بالانتماء إلى نفس العقيدة وكذلك ممارسة نفس العبادات وأداء نفس المناسك والطقوس وإحياء نفس المناسبات والاحتفال بنفس الأعياد الدينية.. كل ذلك شعور عاطفي وإحساس روحي لا يغير من الواقع شيئا، أم الدولة فهي علاقة قانونية بين الفرد والدولة الذي يحمل جنسية nationalité-- وشعور وطني وانتماء مادي وممارسة سياسية.

وعلى هذا الأساس، يمكن أن نتصور أمة إسلامية تجمع بين إفرادها روابط عاطفية روحية عقائدية لأن الدين بطبيعته يوحد ولا يفرق، يجمع الناس حول عقيدة واحدة، والدليل على ذلك، الدور التاريخي الذي لعبه الدين الإسلامي في تحديد مهام الدولة وهي الكفاية والشوكة، الكفاية بمعنى منع الفتنة الداخلية والشوكة بمعنى صد العدوان الخارجي.

و لا نجانب الصواب، إذا قلنا أن الإسلام هو دين توحيد بإطلاق، ودين أخلاق بإطلاق، هو رسالة للناس كافة، ومجاله الدائرة الروحية/ الدينية. أما الدولة فمجالها الشؤون الدنيوية وهي تنطبق على عدد معين من الناس يحملون الجنسية ويحوزون على صفة مواطن- citoyen-، تجمعهم رابطة الوطن، أي الإرتباط بالوطن والموطن له علاقة بالأرض والتي تقام عليها دولة، وهكذا فالمواطان هو الفرد الذي ينتمي إلى دولة.

ولا جدال، في أن الدعوة كانت دعوة موجهة إلى الناس كافة، ومن المعقول أن يعتنق سكان العالم ديانة واحدة، ولكن أن يعيش كل سكان العالم في دولة واحدة فهذا أمر غير معقول.

وواضح أن مفهوم الأمة في التراث العربي وحسب التجربة التاريخية الإسلامية يختلف تماما عن مفهوم الدولة، الأمة تحكمها عقيدة دينية واضحة ومحددة. بينما الدولة تحكمها سياسيات وقوانين وضعية والدستور والإرادة العامة ومصلحة الدولة، أما الأمة فيغلب عليها الطابع، العاطفي/ الروحي، والدولة يغلب عليها الطابع العقلاني/ الواقعي.

ما نخلص إليه أن الإسلام هو في الأساس وفي الأصل هو رسالة إلهية ودعوة دينية ولم يكن دعوة ولا كان يحمل مشروع سياسي هدفه إقامة دولة وتأسيس ملك، والنبي محمد بن عبد الله (ص) هو أخر الأنبياء وخاتم الرسالات والدعوة المحمدية انتهت بوفاة صاحب وبعد وفاة الرسول الكريم، هي أراء وأفكار وإجتهادات وإيديولوجيات، ما يسمى قديما وحديثا بالدعاة، هم دعاة لمذهب أو لفرقة عقدية ودعاة لطائفة ولإيديولوجيا معينة، فعندما انقسم المسلمون بعد وقوع مشكلة الخلافة وأحداث الفتنة الكبرى الدامية، لم يعد هناك من يحمل صفة المسلم وكفى، بل أصبح هناك المسلم الشيعي والمسلم السُّني والمسلم الإباضي والمسلم السلفي الوهابي.

والنتيجة.. أن الجماعة قليلة العدد تحولت إلى جماعة كثيرة العدد، أي إلى أمة، كان لا بد لها من سلطة سياسية حاكمة، وعندما تشكلت السلطة، بدأت ارهاصات بناء الدولة، ومع وفاة الرسول الكريم، انتهت حقبة النبوة، ومن ثمة طفت على السطح مشكلة الخلافة /السلطة والتي أفضت إلى انقسام الأمة إلى جماعة متناحرة على السلطة وعلى الدولة.

***

مصطفى دحماني

باحث في الفكر السياسي الإسلامي /الجزائر

 

لم تكن المعرفة في الحضارة الإسلامية الأولى مدينةً مقسمةً إلى أحياء معرفية مغلقة، لكل علم سور لا يعبره إلا أهله، ولكل سؤال بطاقة هوية تحدد الجهة التي ينتمي إليها، وإنما كانت، في مراحل تشكلها الكبرى، فضاءً متداخلًا تتقاطع فيه اللغة والعقيدة والفقه والفلسفة والتفسير والتصوف والطب والفلك والمنطق، ويتحرك فيه العالم بين أكثر من مجال بحسب طبيعة المشكلة التي يواجهها وبحسب الأدوات التي يحتاج إليها.

ومع ذلك، فإن تاريخ الفكر الإسلامي اللاحق استقر على خريطة أكثر صلابة، فصلت بين «الفلسفة» و«علم الكلام»، وبين «الفقه» و«التصوف»، وبين «التفسير» و«العقل»، حتى بدا لكل علم موضوعه الخالص ومنهجه الخاص وحدوده التي لا يجوز تجاوزها. ولا شك أن لهذه التقسيمات قيمة تنظيمية وتاريخية، لكنها تصبح موضع مساءلة عندما نعاملها كما لو كانت حقائق أنطولوجية ثابتة، لا تصنيفات تشكلت في سياقات معرفية ومؤسساتية وصراعية معينة.

إن صناعة الحدود بين العلوم ليست مجرد مسألة تتعلق بتقسيم الكتب أو ترتيب المناهج، وإنما تتصل بسؤال أعمق: من يملك حق إنتاج الحقيقة؟ فعندما يقال إن هذا السؤال فلسفي، وذاك كلامي، وهذا فقهي، وذلك صوفي أو تفسيري، فإننا لا نصف السؤال فحسب، بل نحدد له الجهة التي يحق لها أن تجيب عنه، والأدوات التي يُسمح باستخدامها، ونوع البرهان الذي يمكن الاعتراف به، بل ونحدد أحيانًا حدود المقبول والمرفوض. ومن هنا فإن الحدود المعرفية ليست بريئة تمامًا؛ لأنها قد تتحول إلى حدود للشرعية، والسلطة العلمية، والاعتراف الاجتماعي. ولذلك فإن إعادة النظر في علاقة الفلسفة بالعلوم الإسلامية الأخرى لا تعني إلغاء التخصص، وإنما تعني الكشف عن المناطق التي أخفاها التخصص.

أولًا: الفلسفة والكلام: السؤال المشترك واختلاف الطريق

تبدو العلاقة بين الفلسفة وعلم الكلام، في السردية التقليدية، علاقة مواجهة واضحة: الفلاسفة يبحثون في الوجود بالعقل والبرهان، والمتكلمون يدافعون عن العقيدة بالجدل؛ الفلاسفة يستمدون كثيرًا من أدواتهم من التراث اليوناني، والمتكلمون يتحركون داخل فضاء الوحي؛ الفلاسفة يبحثون عن الحقيقة لذاتها، والمتكلمون يوظفون العقل لحماية حقيقة دينية سابقة. غير أن هذا التقابل، على الرغم من احتوائه على قدر من الحقيقة التاريخية، لا يكفي لتفسير التشابك الفعلي بين المجالين، لأن كليهما وجد نفسه أمام مجموعة من الأسئلة التي لا يمكن احتكارها باسم علم واحد: ما الوجود؟ هل العالم قديم أم حادث؟ ما طبيعة الزمان والمكان؟ هل الأشياء قائمة بذواتها أم بأعراضها؟ هل الإنسان حر؟ ما معنى السببية؟ كيف نعرف؟ وما حدود العقل؟

إن المتكلمين، منذ المعتزلة وما تلاهم، لم يكونوا مجرد حراس للعقيدة بالمعنى الضيق، بل مارسوا عمليات عقلية معقدة في تعريف الموجود والمعدوم، والجوهر والعرض، والسبب والشرط، والإرادة والقدرة، والعلم والجهل، والحسن والقبح. وقد دخلوا في سجالات عميقة مع الفلاسفة، وتأثروا ببعض أدوات المنطق، وطوّروا بدورهم أنماطًا من البرهنة الكلامية. ومع الأشعري والجويني والغزالي وفخر الدين الرازي، أخذ علم الكلام يزداد احتكاكًا بالمفاهيم الفلسفية، حتى أصبح من الصعب أحيانًا رسم خط فاصل واضح بين «السؤال الفلسفي» و«السؤال الكلامي» إذا كان المعيار هو الموضوع وحده.

لكن الاختلاف الحقيقي بين الفلسفة والكلام لا ينبغي إنكاره، بل ينبغي نقله من مستوى الموضوع إلى البنية والمنهج والغاية. فالمتكلم غالبًا ما ينطلق من مقدمات عقدية يريد الدفاع عنها أو تفسيرها، بينما يسعى الفيلسوف إلى بناء نسق برهاني أوسع، وإن كانت هذه الصورة نفسها قابلة للتعديل بحسب الفيلسوف والمتكلم. ومن هنا فإن الفرق بينهما ليس أن أحدهما «يعقل» والآخر «ينقل»، ولا أن أحدهما فلسفة والآخر خالٍ منها، وإنما يتعلق بالسؤال عن موقع الحقيقة الدينية من عملية البرهنة، وبالحدود التي يضعها كل خطاب للعقل.

ولهذا يصبح الغزالي شخصية كاشفة لهذا التداخل؛ فهو متكلم وفقيه وصوفي ومشتغل بالمنطق، وقد دخل عالم الفلاسفة من داخله قبل أن ينتقده، ولم يكن نقده ممكنًا دون معرفة عميقة بالبنية التي ينقدها. إن «تهافت الفلاسفة» نفسه يكشف أن الحدود بين الفلسفة والكلام كانت منطقة صراع معرفي، لا جدارًا قائمًا منذ البداية. فحين يستخدم المتكلم أدوات فلسفية لنقد الفلسفة، وحين يستعير الفيلسوف أسئلة كلامية لإعادة بناء مذهبه، فإننا لا نكون أمام علمين متجاورين فقط، بل أمام تاريخ مشترك للسؤال.

ثانيًا: الفلسفة والفقه: من الحكم إلى شروط الحكم

قد تبدو العلاقة بين الفلسفة والفقه أكثر بعدًا من العلاقة بين الفلسفة والكلام، لأن الفقه ينشغل بالأحكام العملية، في حين تنشغل الفلسفة بالوجود والمعرفة والحقيقة. لكن هذا الفصل ينهار بمجرد أن ننتقل من «الحكم» إلى السؤال عن كيف يصبح الحكم ممكنًا. فالفقه لا يتعامل مع النص باعده مادة شفافة تصل مباشرة إلى الحكم، وإنما يواجه قضايا اللغة والدلالة والعموم والخصوص والمطلق والمقيد والحقيقة والمجاز والتعارض والترجيح، ويحتاج إلى قواعد عقلية ومنهجية لتحديد معنى النص وتنزيله على الواقع.

وهنا يظهر علم أصول الفقه بوصفه منطقة فلسفية شديدة الأهمية، ليس لأنه «فلسفة» بالمعنى الاصطلاحي، وإنما لأنه طور أسئلة تتعلق باللغة والمعرفة والاستدلال والسببية والمصلحة والعلاقة بين الكلي والجزئي. وعندما يبحث الأصولي في دلالة الأمر والنهي، أو في القياس، أو في الاستصحاب، أو في الاستحسان، أو في المصلحة، فإنه لا يشتغل على الحكم وحده، وإنما يشتغل على الشروط التي تسمح للعقل بالانتقال من النص إلى الحكم.

ولهذا فإن الفقه، من منظور فلسفة العبور، يمثل نموذجًا واضحًا للمعرفة العابرة: النص ثابت في صورته، لكن الواقعة متحركة، والحكم لا ينتقل من النص إلى الواقع انتقالًا آليًا، بل يحتاج إلى عمليات من الفهم والتأويل والتعليل والقياس. وهذه المسافة بين النص والواقعة هي التي تجعل الاجتهاد ممكنًا، وهي أيضًا التي تجعل الأصولي يواجه بصورة غير مباشرة سؤالًا فلسفيًا عميقًا: كيف يمكن للمعنى أن ينتقل من عالم اللغة إلى عالم الحدث؟

إن الفقه لا يتحول بذلك إلى فلسفة، ولا ينبغي أن نسلبه خصوصيته الدينية والعملية، لكننا نكتشف أن العقل الذي يعمل داخله ليس عقلًا خاليًا من الأسئلة الفلسفية. بل إن بعض أعقد قضايا الفقه لا يمكن فهمها دون النظر إلى تصورات عن اللغة والعقل والإنسان والزمن والمصلحة والواقع. ومن هنا يصبح الفصل الصارم بين «الفلسفي» و«الفقهي» أقل قدرة على تفسير حركة المفاهيم داخل التراث.

ثالثًا: الفلسفة والتصوف: حين ينتقل السؤال من البرهان إلى التجربة

أما العلاقة بين الفلسفة والتصوف فتبدو أكثر حساسية؛ لأن التصوف أسس شرعيته المعرفية، في جانب مهم منه، على التجربة الروحية والذوق والكشف، بينما جعلت الفلسفة البرهان العقلي أداة أساسية في إنتاج المعرفة. ومع ذلك فإن اختلاف طريق المعرفة لا يعني اختلاف موضوع السؤال دائمًا. فالصوفي يسأل عن الله والإنسان والنفس والعالم والحقيقة والوجود، وهي أسئلة تقع في قلب التفكير الفلسفي، لكنه يدخل إليها من طريق مختلف، فيجعل تغير الذات جزءًا من إنتاج المعرفة.

وهنا تكمن أهمية قراءة التصوف بعيدًا عن الثنائية بين «العقل» و«الروح». فالتصوف لم يكن مجرد حالة وجدانية بلا مفاهيم؛ لقد أنتج معجمًا معقدًا في المعرفة والوجود والإنسان، واشتغل على مفاهيم مثل الفناء والبقاء والحضور والغيبة والتجلي والمحبة والمعرفة والإنسان الكامل. ومع ابن عربي خصوصًا، أصبحت هذه المفاهيم جزءًا من بناء نظري شديد الاتساع، لا يمكن اختزاله في التجربة الصوفية الفردية وحدها.

ولا يعني ذلك أن ابن عربي أو غيره من الصوفية «فلاسفة» بالمعنى نفسه الذي كان عليه ابن سينا أو الفارابي؛ فالفرق في مصادر المعرفة وفي مفهوم البرهان وفي طبيعة الحقيقة يظل جوهريًا. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: هل يمكن أن يكون هناك تفكير فلسفي خارج النموذج البرهاني المشائي؟ وإذا كان الجواب نعم، فإن التصوف يصبح مجالًا لاكتشاف صورة أخرى من صور التفلسف، حيث لا تكون المعرفة مجرد امتلاك لمعلومة عن الوجود، وإنما تحولًا في علاقة الذات بالوجود.

ومن منظور العبور، تصبح هذه النقطة حاسمة؛ لأن الصوفي لا يقيم بين الذات والحقيقة جدارًا نهائيًا، بل يعيش المعرفة بوصفها انتقالًا وتحولًا. الذات التي تعرف ليست هي الذات نفسها قبل المعرفة، والحقيقة لا تظهر بوصفها موضوعًا خارجيًا ثابتًا فحسب، بل بوصفها تجربة تغير من يعرفها. وهنا يلتقي التصوف مع أحد أهم أسئلة فلسفة العبور: المعرفة ليست وصولًا نهائيًا، وإنما عبور يعيد تشكيل العابر نفسه.

رابعًا: الفلسفة والتفسير: النص بوصفه مجالًا للتأويل

قد يبدو التفسير بعيدًا عن الفلسفة أكثر من المجالات السابقة، لأنه يرتبط بتفسير النص القرآني وبيان معانيه، لكن التأويل، بمجرد أن يصبح سؤالًا، يفتح مجموعة من القضايا التي تقع في قلب الفلسفة: ما معنى النص؟ هل المعنى ثابت أم متجدد؟ ما العلاقة بين اللفظ والقصد؟ هل يمكن للغة أن تحيط بالحقيقة؟ ما دور السياق؟ ما حدود العقل في فهم النص؟ ومتى يصبح المجاز مشروعًا؟ ومن يحدد الانتقال من الظاهر إلى الباطن؟

هذه الأسئلة لا تعني أن كل تفسير فلسفة، وإنما تكشف أن فعل التفسير نفسه يتضمن افتراضات حول اللغة والمعنى والحقيقة والقارئ. وقد كان الاختلاف بين المفسرين في كثير من المواضع اختلافًا حول نظرية القراءة قبل أن يكون اختلافًا حول النتيجة التفسيرية. فالذي يرفض التأويل غير الذي يجيزه، والذي يقدم اللغة على العقل غير الذي يمنح العقل مجالًا أوسع، والذي يربط الآية بسياقها التاريخي غير الذي يجعلها مفتوحة على دلالات تتجاوز لحظة النزول؛ كل واحد منهم يتحرك داخل تصور مختلف عن طبيعة النص والمعنى.

ومن هنا يمكن أن نرى في التفسير مجالًا آخر للعقل الفلسفي، لا لأن المفسر يمارس الفلسفة عمدًا، وإنما لأن التعامل مع النص يفرض عليه أسئلة لا يستطيع التخلص منها. وعندما يدخل التأويل، يصبح النص حدًا لا يغلق المعنى، بل ينظم حركة العبور بين اللفظ والفهم، وبين الماضي والحاضر، وبين النص والقارئ.

وهنا أيضًا تظهر أهمية المنظور العابر: الحد لا يمنع الحركة دائمًا؛ قد يكون هو الذي يجعلها ممكنة. فالنص ليس مفتوحًا بلا حدود، وليس مغلقًا بلا تأويل؛ إنه مجال تتفاوض فيه الحدود مع إمكانات الفهم. ومن هذه المسافة يتشكل العقل التأويلي.

خامسًا: هل كانت الحدود بين هذه العلوم صلبة فعلًا؟

بعد النظر في هذه العلاقات، يمكن القول إن الحدود بين الفلسفة والكلام والفقه والتصوف والتفسير كانت حقيقية من جهة، وسيالة من جهة أخرى. كانت حقيقية لأن لكل مجال مصطلحاته ومؤسساته وغاياته وتقاليده وسلطاته، وكانت سيالة لأن الأسئلة والمفاهيم والأدوات كانت تعبر بينها باستمرار. ومن الخطأ أن نختار أحد طرفي المعادلة: إما أن نذيب العلوم كلها في «فلسفة» واحدة، أو أن نحولها إلى جزر معرفية لا صلة بينها.

المطلوب هو مفهوم ثالث: الحدود بوصفها مناطق عبور. فالفاصل بين الفلسفة والكلام لم يكن مجرد جدار، بل كان أيضًا موقعًا لتبادل الحجج. والفاصل بين الفقه والتفسير لم يمنع الأسئلة اللغوية والتأويلية من الانتقال بينهما. والفاصل بين التصوف والفلسفة لم يمنع تشكل مفاهيم مشتركة حول النفس والوجود والمعرفة. وحتى الصراع بين هذه العلوم كان في ذاته وسيلة من وسائل إنتاج المعرفة؛ إذ كثيرًا ما كان الفكر يتقدم عندما يحاول خطاب أن يحدد نفسه في مواجهة خطاب آخر.

وهذا يعني أن تاريخ العلوم الإسلامية ينبغي ألا يُقرأ فقط بوصفه تاريخ التخصص والتمايز، وإنما أيضًا بوصفه تاريخ التداخل والعبور. فكل علم كان يبني هويته عبر التمييز عن غيره، لكنه كان في الوقت نفسه يستعير من غيره بعض أدواته ومفاهيمه، أو يرد على أسئلته، أو يعيد صياغة مشكلاته داخل جهازه الخاص. ولذلك فإن الحدود لم تكن ثابتة، وإنما كانت تُنتج وتُعاد صياغتها باستمرار.

ومن هنا تتخذ عبارة «صناعة الحدود» معناها الدقيق؛ فالحدود بين العلوم لم تكن مجرد انعكاس طبيعي لاختلاف الموضوعات، بل كانت نتيجة لعمليات تصنيف وتأسيس وترتيب للمعرفة. وقد ارتبطت هذه العمليات أحيانًا بالصراع على السلطة العلمية: من يحق له الكلام في العقل؟ من يحق له تفسير النص؟ من يملك تحديد الصحيح من الباطل؟ من يحدد ما هو برهان وما هو جدل؟ ومن يملك حق تسمية معرفة ما بأنها «فلسفة» أو «بدعة» أو «علم» أو «حكمة»؟

إن هذه الأسئلة تنقلنا من تاريخ العلوم إلى أركيولوجيا السلطة المعرفية. فحين نكتشف أن تسمية علم ما «فلسفة» واسم علم آخر «كلامًا» ليست مجرد مسألة لغوية، نبدأ في فهم أن التصنيف ذاته جزء من تاريخ الصراع على تعريف المعرفة. ومن هنا لا تعود مهمة الباحث أن يهدم التصنيفات، وإنما أن يجعلها مرئية، وأن يسأل عن شروط ظهورها، وعن المصالح المعرفية التي خدمتْها، وعن الإمكانات التي فتحتها أو أغلقتها.

وهذا هو المدخل الذي يسمح بإعادة التفكير في «الفلسفة في الإسلام» من دون الوقوع في فخين متقابلين: فخ التبعية الذي يجعل الفلسفة الإسلامية مجرد امتداد للفلسفة اليونانية، وفخ التوسيع الاعتباطي الذي يجعل كل فكر إسلامي فلسفة. فالطريق الثالث هو البحث عن العقل الفلسفي بوصفه حركة تعبر الحقول دون أن تلغي اختلافها.

وبذلك لا يصبح السؤال: هل كان الغزالي فيلسوفًا أم متكلمًا؟ ولا: هل ابن عربي فيلسوف أم صوفي؟ ولا: هل أصول الفقه فلسفة أم فقه؟ وإنما يصبح السؤال الأكثر إنتاجًا: ما الأسئلة الفلسفية التي ظهرت داخل هذه الحقول، وكيف تغيرت عندما عبرت من حقل إلى آخر؟

وهنا نقترب من التحول المنهجي الأكبر في هذه البحوث: إذا كان تاريخ الفلسفة قد كُتب طويلًا بوصفه تاريخًا للفلاسفة، فإن تاريخ العقل الفلسفي يحتاج إلى أن يُكتب بوصفه تاريخًا للأسئلة التي عبرت الحدود. فالاسم قد يبقى في مكانه، أما السؤال فلا يبقى؛ إنه يتحرك، ويتحول، ويغير اللغة التي يستعملها، ويعيد تشكيل المجال الذي يدخل إليه.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

في المثقف اليوم