عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

عندما يسأل طالب تطبيق (ChatGPT) عن موضوع معقد فيجيبه في بضع ثوانٍ، وطبيب يستعين بالنظام الذكي لتشخيص حالة مرضية، إذن أنت لا تستخدم مجرد آلة تقنية متطورة، بل تدخل في شراكة مع عقل ممتد خارج دماغك.

فهل نعيش مجرد ثورة تقنية، أم نحن في مرحلة انقلاب في مفهوم المعرفة ذاتها؟. هذا السؤال يمس عمق معنى التفكير والتعليم وتشكيل المعرفة. قبل أكثر من ثلاثة عقود، كان الباحث يذهب إلى المكتبة باحثًا عن المعلومة والمعرفة، لكن اليوم فهو يسأل نظامًا ذكيًا قادرًا على إنتاج مقاطع كتابية وأفكار خلال ثوانٍ. وبين الماضي والحاضر، لم تتغير وسائل الحصول على المعرفة فقط، بل تغيرت طبيعة المعرفة ذاتها.إذن يشير مفهوم “القطيعة المعرفية” إلى تحول نوعي يجعل بعض المسلمات والسياقات القديمة غير قادرة على تفسير واقع العالم المعاصر، بمعنى أن مصادر الحصول على المعرفة وفهمها غير قادرة على تحليل وتفسير سلوكيات البشر.

وإذا كان باشلار قد استثمر مفهوم القطيعة المعرفية لتمثيل التحولات الكبرى في تاريخ العلم، فإن السؤال الآن هو: هل تقود أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى انقلاب مشابه في وسائل بناء المعرفة؟ العصر الحالي الذي نعيشه عصر أنظمة الذكاء الاصطناعي، وخصوصًا هناك تطوير لنموذج ذكاء اصطناعي عام، وآخر ذكاء اصطناعي فائق السرعة، فالبشرية حتمًا قد تكون أمام تحول في بنية إنتاج المعرفة، لا مجرد تحديث للبيانات والمعلومات السابقة. الجدل المتزايد حول هل نحن أمام قطيعة معرفية وتحول معرفي، أم أننا مجرد أمام تطور تكنولوجي؟ نجد أن الانتقال من الاستهلاك المعرفي إلى الإنتاج المعرفي، حيث كانت المعرفة تُبنى وتنتج في أماكن مخصصة كالمدرسة والجامعة والكتب ومراكز الأبحاث، وكان دور المتعلم ينحصر في نمط الاستهلاك المعرفي التراكمي. أما في الوقت الراهن، وبقوة تقنيات أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، فقد تغير هذا الإنسان إلى منتج للمعرفة بطريقة جديدة نتيجة للتعاون المشترك مع الشبكات العصبية الرقمية، مما أدخلنا في عصر مشترك للإنتاج المعرفي. وهذا العصر المشترك للإنتاج يكشف لنا سؤالًا آخر أكثر أهمية: هل تفكر عقولنا خارج جمجمتنا؟ فإذا كانت بنية التفكير قد تغيرت، فإن ذلك يذهب بنا إلى التساؤل عن أثر هذا التحول في التعليم والبيئة الرقمية. إن أدوات الذكاء الاصطناعي قد تعمل كعقل ممتد، وهنا يظهر بوضوح أن القطيعة المعرفية تتجسد في كيفية تعريف مفهوم العقل والتفكير. يرى جمهور نظرية العقل الممتد أن بعض العمليات المعرفية قد تمتد إلى الأدوات الخارجية، والحجة على هذا الادعاء أن خوارزميات الأنظمة الذكية لم تعد مجرد أدوات مساعدة للتذكر كالورقة والحاسوب، بل أصبحت شريكًا فكريًا ممتدًا خارج أدمغتنا، تساهم في كتابة الأفكار والفرضيات والاختبارات، مما يجعل الذكاء المعاصر لا يقاس بالحفظ والاسترجاع، بل بالقدرة على طرح الأسئلة الصحيحة، والتحقق منها أكثر أهمية ودقة في الكتابة المنتجة. قد يكون هناك تغيير في مفهوم الذكاء نفسه، لأنه لم يعد الذكاء يشير إلى ما يعرفه الإنسان، بل كيف يتحقق، ويتعاون مع النظام الذكي لإنتاج معرفة أصيلة، وهذا بدوره قد أظهر مفهوم الوكالة المعرفية المشتركة، والدليل أن الإنسان لم يعد فاعلًا معرفيًا مستقلًا كفرد، بل أصبح يعمل وينتج ضمن منظومة تتضمن كلًا من الإنسان والذكاء الاصطناعي والفضاء الرقمي.ففي البيئة الرقمية، أصبحت سرعة الانتشار تؤثر أحيانًا على تداول المعرفة أكثر من جودتها، وفي عصر التحول الرقمي قد تتلاشى الفواصل بين التخصصات، وربما تظهر إشكالية معرفية تتجسد في تسطيح الوعي الثقافي وضياع الهوية المعرفية نتيجة اتساع وسرعة عمل الخوارزميات ووسائل التواصل الاجتماعي، لأنها تشكل مفهوم “غرف الصدى”، لأن الخوارزميات تغذي تحيزاتنا السابقة بدل أن تعطينا معرفة حقيقية. فالمعرفة لا بد أن تقاس بدقتها وعمقها لا بنمط الانتشار والسرعة.ولا بد من هجر أسلوب “التعليم الميكانيكي” والتحول إلى نمط التعليم النقدي التفاعلي، فإذا تفحصنا بشكل دقيق في الفلسفة التربوية، نجد قطيعة واضحة مع التعليم الميكانيكي، الذي انتقده كانط في كتابه «في التربية» بوصفه تعليمًا قائمًا على الحفظ والتلقين الصارم، لتحويل الفرد إلى مجرد آلة. فالتحول المعرفي الآن يجبرنا على العودة إلى التساؤل المستمر، والتفكير النقدي، والتحرر المعرفي، مما يؤكد أن الآلة أصبحت تقوم بالجانب الميكانيكي، والنقد والإبداع والتوليف المعرفي جوانب حيوية تبقى مرتبطة بالإنسان وحده.

قد تكون أزمة المناهج الدراسية دليلًا ملموسًا في الوقت الراهن، حيث نجد المنهج التعليمي في المدارس والجامعات غير قادر على مواكبة سرعة السيل المعرفي، والمعرفة تزداد بشكل كبير في أوقات زمنية قد تقاس بالأيام لا بالسنين. فبعض الأدلة العلمية الحديثة تكشف أن الدماغ الإنساني يعيد بناء شبكاته العصبية بالاعتماد على التفاعل النشط مع البيئة الرقمية، وهذا يعني أن جيل الألفية في مجال الأتمتة المعرفية يفكر بطريقة بنيوية مختلفة عن الأجيال الماضية. وبين ديمقراطية المعرفة وفوضى المعرفة تظهر لنا فكرة انتهاء الكاتب والمصدر الأوحد، بسبب أن المعرفة أصبحت في متناول الجميع، لكن سهولة الحصول عليها لا تعني بالضرورة معرفة حقيقية أصيلة. فالأدلة العلمية تشير إلى أن الثورات العلمية تقود إلى تغيير في الأطر والنماذج المعرفية، فهناك من يرى أن ما نلاحظه ليس أكثر من امتداد طبيعي لطفرة تقنية، وأن الذكاء الاصطناعي لا يختلف جوهريًا عن الحاسوب والإنترنت. في حين يعتقد آخرون أن الأمر أكبر من مجرد تطور رقمي، لأن الأنظمة الذكية لا تخزن المعرفة فقط، بل تشارك في بنائها وإعادة تشكيل طريقة التفكير والتعلم. لكن يبقى السؤال الأهم معلقًا: هل هذه القطيعة كاملة؟ ربما لا، لأن الإنسان ما زال يركز على الإدراك والفهم والعقل والخبرة الشخصية والتفكير النقدي والوعي بالعالم المحيط به. ومع هذا كله، ما يحدث هو أن المعرفة لم تعد تُبنى وتتشكل داخل جمجمة الإنسان وحده، بل أصبحت تُبنى وتنتج نتيجة تفاعل الإنسان مع الأدوات الذكية الخارجية. وختامًا، ربما يكون من المبكر الكلام على وجود قطيعة معرفية كاملة، لكن من المؤكد أننا نعيش في عصر انقلاب عميق في وسائل بناء المعرفة. وقد تصبح هذه التحولات بداية إعادة تعريف معنى العقل والتعلم والذكاء في عصر الخوارزميات الرقمية. وبين هذا التفاؤل والمخاوف، يبدو أننا دخلنا عصرًا جديدًا يعيد طرح أسئلة حول: كيفية التفكير والتحقق والتعاون مع الوسائل الذكية لإنتاج معرفة أكثر عمقًا وإنسانية.

***

علاء جواد كاظم

في خضم هذا العالم الذي يغرق في "الاستلاب الرقمي"، وتتآكل فيه الذات ضمن فضاءات الافتراضية، يبرز سؤال وجودي يتجاوز السطحية التي تطرحها أدبيات تطوير الذات الشائعة في وقتنا الراهن: هل السعادة، بوصفها غايةً نهائية، هي مجرد وهمٍ يُباع في أروقة السوق الرأسمالي، أم أنها فعلُ مقاومةٍ ضد "التشييء" الذي تفرضه هياكل السلطة والتقنية؟

إن النقاش حول السعادة حين نختزله بمعادلات المتعة مقابل الألم أو الاستهلاك مقابل الحرمان، ليس أكثر من إعادة تدوير لآليات التكيف مع نظام يعيد إنتاج عبوديته في ثوب الرفاهية. ومن منظور فلسفي يتقاطع مع رؤية حنة أرندت، يمكن القول إن اختزال الإنسان في "حيوان عامل" يبحث عن الإشباع اللحظي، هو ما يجعل السعادة مستحيلة؛ لأن السعادة الحقيقية ليست حالة بيولوجية من الاستقرار، بل هي "الفعل" الذي يمنح الوجود معناه في الحيز العام.

في مجتمعاتنا الراهنة، التي نسميها "مجتمعات البيانات"، لم يعد الإنسان سيداً على رغبته. فالخوارزميات التي تضبط إيقاع يومنا، وتوجه استثماراتنا العقارية، وتحدد حتى توجهاتنا السياسية، ليست أدوات محايدة، بل هي بنية سلطوية هدفها هندسة "الرضا القسري". إن السعادة التي يبحث عنها الفرد في هذا النظام ليست هي السعادة التي طالب بها فلاسفة العصور القديمة، بل هي تخدير منظم يضمن بقاء الفرد داخل الترسانة دون أن يطرح أسئلة حول ماهية النظام أو مشروعيته.

من هنا، يجب علينا أن نقف بصرامة ضد وهم "السعادة الخارجية". إن هوسنا بالمشاريع العقارية، والبحث عن ملاذات آمنة في أسواق الاستثمار الدولية، أو حتى الانغماس في التحليل النقدي للنظم السياسية الكليانية، لا يمكن أن يكون مجرد هروب من الواقع؛ بل يجب أن يكون ممارسة واعية للسيادة الشخصية. نحن لا نبحث عن سعادة مستقرة في عالم مضطرب، نحن نبحث عن "الاستقلالية"؛ أي القدرة على اتخاذ قرار لا تمليه علينا الخوارزمية، ولا يفرضه خطاب النخبة المسيطرة.

إن دعوتي، كما نناقشها دائماً، هي نحو تأسيس نخب معرفية لا تعزل نفسها في أبراج عاجية، بل تقتحم الميادين السياسية والثقافية لتحليل آليات السيطرة. الكتابة والترجمة -مثل مشروعك الحالي في نقل الفكر من العربية إلى الكردية- ليست مجرد نشاط ثقافي؛ بل هي جسر لكسر هيمنة اللغة التي تفرضها القوى المهيمنة، ومحاولة لخلق مساحة للتفكير الحر في وسط صحراء المعنى التي نعيش فيها.

السعادة، إذن، تكمن في القدرة على "الممانعة". هي أن تكون قادراً على قول "لا" للنظام الذي يريدك مجرد رقم في إحصائيات النمو أو مستهلك في قائمة التوقعات العقارية. هي أن تجد لذة في التفكيك النقدي للبنى الفاسدة، وفي بناء جماعات تدرك أن تحرر الفرد مرتبط بتحرر الجماعة.

الرهان على المستقبل لا يكمن في إيجاد وصفة للسعادة الفردية، بل في صياغة مفهوم جديد لـ "الحياة الطيبة" بعيداً عن صخب السوق. حياة تكون فيها السياسة فعلاً أخلاقياً، والقانون أداة للعدالة لا للضبط، والتقنية خادماً لا سيداً. في هذا التوجه، تصبح السعادة عرضاً جانبياً للحياة التي تملؤها الكرامة والوعي، لا هدفاً يسعى إليه المرء عبر استهلاك المزيد من الوعود الزائفة.

ختاماً، إننا مدعوون لإعادة تقييم أدواتنا؛ فالمعركة ليست في العلن فقط، بل في العمق. من خلال مؤسساتنا الصغيرة، ونصوصنا التي نكتبها، وحواراتنا التي لا تنتهي، نؤسس لمقاومة طويلة الأمد ضد كل ما يسلبنا إنسانيتنا. إن السؤال الحقيقي ليس "كيف نكون سعداء؟" بل "كيف نكون أحراراً في عالم مصمم ليجعلنا مجرد أدوات؟". وهنا، تحديداً، تبدأ الحرية، وهنا يكمن المعنى الحقيقي لما نسعى إليه.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

(رواياتٌ سُريانيَّةٌ عن الفتوحات الإسلاميَّة المبكِّرة!)

إذا اجتمع المستلَبُ لُغويًّا مع المتنطِّع لُغويًّا، فقل على اللُّغة السلام! أمسيتَ، يومئذٍ، أمام كارثة العَرَبيَّة بأبنائها، حين تجد كلَّ واحد من (المستلَبين والمتنطِّعين) يهدم العَرَبيَّة على طريقته، ويلعن الآخَر على طريقته، وهو يظنُّ أنَّه يُحسِن صُنعًا ولَعنًا. قلتُ لـ(ذي القُروح)، وهو يحاضرني ويحاصرني، فلا يكاد يعجبه شيء مما يُعجب الناس، فأُجاريه لأستنزف سحائبه:   

ـ على أنَّ الاستلاب اليوم بلا حدود، ليس أوَّله الاستلاب اللُّغوي ولا آخِره الاستلاب التاريخي.

ـ ومن آيات هذا الأخير، أنَّ التأريخ في هذه البلاد ظلَّ في العصر الحديث يسجَّل بتاريخ هذه البلاد، أي بالتاريخ الإسلامي الهِجري. ثمَّ بِتنا منذ سنوات نُغَرِّب عن تاريخنا، لنتبنَّى التاريخ المسيحي- الذي انتهى الأخذ به في الثقافة الإسلاميَّة منذ 1447 سنة- لا التاريخ الإسلامي. حتَّى أصبح تقويمنا لا بالتاريخ الإسلامي بل بالتاريخ المسيحي. وكان المؤرِّخون لدينا منذ سنوات يَجمعون، عند الضرورات التي تباح فيها المحظورات، بين التاريخَين.

ـ وتلك التبعيَّة التاريخيَّة عُقدةٌ عُربانيَّة حديثة، ظلَّت بلادنا غير مصابة بها، حتَّى غَرِق فيها الغارقون مؤخَّرًا، وإلى الأذنين.

ـ وهذا الضرب من التبعيَّة الاستلابيَّة بالغُ الدلالة على جيلٍ سينشأ مغتربًا عن تاريخه جذريًّا، لا بالمعنى الرقمي فحسب، بل بكلِّ ما وراء الأرقام من أرقامٍ وقِيَم.

ـ التاريخ يكتبه الغالب المنتصر، كما يقال!

ـ إذا كان التاريخ يكتبه الغالب المنتصر، كما يقال، فإنَّ من التاريخ ما يكتبه المغلوب المهزوم أيضًا، عن نفسه وعن الآخَر، لا بالحِبر فحسب، بل بالممارسات والمواقف أيضًا. المفارقة الأدلُّ هاهنا أنَّ هذا التاريخ الإسلامي المجيد كان يُستعمَل قديمًا، لا من العَرَب المسلمين فحسب، بل من غير المسلمين أحيانًا، إلى جوار تاريخهم القومي أو الدِّيني.

ـ وتلك الأيَّام نُداوِلها بين الناس!

ـ من الشواهد على ذلك- على سبيل النموذج- بعض الكتابات التاريخيَّة السُّريانيَّة.

ـ يُذكَر أنَّ (السُّريان) شعبٌ متحضِّر، وليس كشعب الله المحتار! يعود إلى (آرام بن سام بن نوح)، يجمعهم والعَرَب الانتماء إلى اللُّغات الساميَّة، حسب تصنيف اللُّغويِّين. استوطنوا بعض بلاد (الشَّام) و(العراق).

ـ نعم. في تلك الكتابات السُّريانيَّة لم يكن يكتفي الكاتب بالإشارة إلى التاريخ الإسلامي العام، بل قد يُؤرَّخ إلى جانبه بالسَّنَة من حُكم الحاكم الإسلامي المعاصر للأحداث. كأنْ تقرأ: «وفي سنة 936 يونانية، وهي السنة الخامسة عشرة لهرقل، والخامسة والثلاثين لكسرَى، والرابعة لمحمَّد... حدثَ كيت وكيت...». ويفعلون مثل ذلك حينما يأتون إلى أحداث وقعت في عهد (أبي بكر)، أو (عُمَر)، أو (عثمان)، وهلمَّ جرًّا، مشيرين إلى ما يوافق التاريخ من سِنيِّ حُكم كلِّ علَمٍ من هؤلاء الحُكَّام.

ـ قد يقول لك قائل: إنَّ السياق كان يقتضي ذلك لدَى المؤرخ السُّرياني؛ إذ يتحدَّث عن الفتوحات الإسلاميَّة، مثلًا، وما يتعلَّق بها.

ـ وليكن ذلك كذلك، فكيف بالعَرَبيِّ أو المسلم عندما يتحدَّث عن أمور داخليَّة، تتعلَّق بالعَرَب والمسلمين، فيؤرِّخها بتاريخ الآخَرين، منسلِخًا من هُويَّته وتاريخه.

ـ بل قل: حتَّى عندما يتحدَّث عن تاريخ ميلاده المجيد!

ـ لسان حاله: أنا لا شأن لي لا بالعَرَب ولا بالمسلمين ولا بتاريخ هذا الهُراء! بل أنا مولًى بن مولًى، من مَوالي الأقوَى في هذا العصر المغضوب عليه، أَدِين بدِين التبعيَّة له أنَّى توجَّهتْ ركابه! أتحدَّث لُغته، حتَّى في عقر دار الذين خلَّفوني، وأؤرِّخ بتاريخ سيِّدي، حفظه الله لي، فأنا منه وإليه، ولا انتماء لي إلى سِواه، ولو كان هذا السِّوَى نفسي وأهلي وقومي وتاريخي.

ـ وكذلك هو تاريخ الأَرِقَّاء دائمًا عبر التاريخ.

ـ وإنَّ من الأَرِقَّاء من هم أرفع نخوةً وكرامةً على نفوسهم من التردِّي في تلك الهُوَّة السحيقة.

ـ أنَّى لك هذه الخَبَريَّات، يا (ذا القُروح)؟

ـ لعلَّ من المفيد أن أحيلك في هذا الإطار إلى كتابٍ مهم، عنوانه «الرواية السُّريانيَّة للفتوحات الإسلاميَّة»، نشره الباحث (تيسير خلف)، (دمشق- بيروت، دار التكوين: 2016). وكان السُّريان، كما يقول المؤلِّف، شهودَ عيان على الأحداث في صدر الإسلام، فوثَّقوها عن كثب، في كُتب التاريخ التي كانوا يضعونها للسُّريان ويتوارثونها. واصفًا تلك المصادر السُّريانيَّة بأنها توفِّر روايةً حياديَّة، بين الرواية الإسلاميَّة والرواية البيزنطيَّة. وتزداد أهميَّتها من كون السُّريان دوَّنوا الأحداث في إبَّانها، من قِبَل مؤرِّخين معاصرين لزمن الفتوحات الأُولى، بعضها من أخبار جنودٍ سُريان، كانوا ضِمن القوَّات البيزنطيَّة، وبعضها من تقارير أو رسائل كان يدوِّنها أساقفةٌ ورجال دِين.

ـ يبدو كتابًا مدهشًا في محتواه عن الفتوحات الإسلاميَّة، لا على لسان مسلم، ولا على لسان عَرَبي، بل على لسان مؤرِّخ سُرياني، يقف على ضِفَّةٍ أخرى من الهويَّة والدِّين.

ـ ممَّا جاء فيه حول الاضطهاد الذي لحق بالمسيحيِّين، إبَّان الصِّراع بين (الرُّوم) و(الفُرس)، سنة 622 ميلاديَّة- أي بعد مولد (محمَّد، عليه الصلاة والسلام)، بنحو إحدى وخمسين سنة- تقرأ للراوي السُّرياني قوله، واصفًا الفتح الإسلامي بأنه جاء تحريرًا من اضطهاد القوَّتين العُظمَيين في ذلك العصر، (الفُرس) و(الرُّوم):

«وجاء [الله] من الجنوب بأبناء إسماعيل؛ لكي يكون لنا الخلاصُ من أيدي الرُّوم بواسطتهم. أمَّا الكنائس التي كُنَّا قد فقدناها باغتصاب الخلقيدونيين إيَّاها، فبقيتْ بيدهم؛ لأنَّ العَرَب، لدَى دخولهم المدينة، أبقوا لكلِّ طائفةٍ ما بحوزتها من الكنائس. وقد فقدنا في هذه الفترة كنيسة (الرها) الكبرى، وكنيسة (حَرَّان). غير أنَّ فائدتنا لم تكن يسيرة؛ حيث إنَّنا تحرَّرنا من خُبث الرُّوم، ومن شَرِّهم، وبطشهم، وحِقدهم المرير علينا، وتمتَّعنا بالطمأنينة».(1)

ويسجِّل المؤرخ السُّرياني عن وفاة الخليفة (أبي بكر، رضي الله عنه):

«وفي عام 946 يونانية، والرابعة والعشرين لهرقل [634م]، والـ13 هِجريَّة، تُوفي أبو بكر، بعد حكمٍ دام سنتين، وخلفَه عُمَر بن الخطاب، فأرسل جيشًا إلى ولاية العَرَبيَّة، واحتلَّ (بُصرَى) وفتحَ عِدَّة مُدن.»(2)

 وكتبَ عن وصول (عُمَر بن الخطاب، رضي الله عنه) إلى (القُدس)، قائلًا:

«في نهاية سنة 948 يونانية، وهي السنة 26 لهرقل، والخامسة عشرة للهِجرة، وصلَ الخليفة عُمَر إلى (فلسطين)، فاستقبله (صفرونيوس)، أسقف القُدس، وتحدَّث إليه عن البلاد، فكتب له عهدًا على أن لا يسكن يهوديٌّ في القُدس. فلمَّا دخل عُمَر القُدس، أَمَرَ ببناء مسجدٍ في موقع الهيكل. وإذْ رأَى صفرونيوس ثيابًا رثَّة على عُمَر، عرضَ عليه ثيابًا، والتمسَ منه قبولَها، فأَبَى؛ لأنه اعتاد على أن لا يأخذ شيئًا من أحد! وكان يقول: «لا ينبغي على المرء أن يأخذ شيئًا من آخَر، لم يُعطه اللهُ إيَّاه؛ لأنَّ الله يُعطي لكلِّ إنسانٍ ما يريده، وإذا طَمِع بما عند رفيقه، يكون قد تصرَّف ضدَّ مشيئة الله.»(3)

وفي مساق الأسبوع المقبل سنعرف بقيَّة ما سجَّله المؤرخ السُّرياني حول (عُمَر)، وأنَّ قرار فتح بيت (المقدس)، ومعه (بلاد الشَّام) برُمَّتها، كان قرارًا نَبَويًّا مبكِّرًا، لا قرارًا عُمَريًّا. وكذا ما وردَ عن الجبهة الفارسيَّة، وأخبار (سعد بن أبي وقَّاص)، و(سعيد بن عثمان بن عفَّان) على تلك الجبهة.

...........

مرفأ

إذا استَغْـنَـيْتَ، لَـمْ تَـنَلِ اللَّيَالي

مِنَ الإِصْـبَاحِ فِـيْكَ لَها الْتِـيَـالا

وإلَّا صِرْتَ رِجْلَـةَ(4) كُـلِّ رِجْـلٍ

ونَـعْـلًا عَـنْـهُ تَـدَّخِـرُ النِّـعَـالا!

**

وخَـيْرُ المـَالِ ما ادَّخَـرَ اليَـتامَـى

وشَـرُّ المـَالِ ما انْـتَـفَشَ اخْتِـيَالا

وما فَـقْـرٌ سِـوَى خَـوْفِ افْـتِـقَارٍ

ولا أَغْـنَى مِنَ الرَّاضِـيْ اتِّـكَـالا

فبَشِّـرْ قابِـضَ الكَفَّـيْنِ فَقْـرًا

وبَـشِّـرْ باسِـطَ الكَـفَّـيْنِ مَـالا!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

..............................

(1)  خلف، تيسير، الرواية السُّريانيَّة للفتوحات الإسلاميَّة، 38.

(2)  م.ن، 44. 

(3)  م.ن، 57. 

(4)  نبتة الرِّجْلَة، المسمَّاة في (فَيْفاء): مِرْجِلَة، وفي (فِلَسطين): فَرْفَحِيْنَة، وفي معجمات العَرَبيَّة: رِجْلَة، وفَرْفَخ، الموصوفة بأنها: «البقلة الحمقاء». قيل: لضَعفها، أو لأنَّها تَنْبُت على الطُّرق، فتُداس. (يُنظَر: ابن دريد، جمهرة اللُّغة، (حقم)؛ الزَّبيدي، تاج العروس، (حمق)).

مدخل: ليس من قبيل المبالغة القول إننا نعيش في زمنٍ تتوارى فيه الكرامة الإنسانية عن الأنظار، لا بالضرورة عبر انتهاكاتٍ ممنهجةٍ تُراقَب وتُسَجَّل، بل عبر تآكلٍ يوميٍّ تغيب في طياته الرحمة واللطف والإحسان والتعاطف والاحترام، ويُصبح التعامل مع الٱخر وكأنه طبيعةٌ ثانية للإنسان, حيث المجتمعات العربية المعاصرة لم تعد مجرد مجتمعاتٍ تعاني من ظواهر الفظاظة أوقسوة الأخلاق، بل هي، وبكل ما يحمل هذا الوصف من دقةٍ وبؤس، مجتمعٌ للغلظة؛ بمعنى أن الغلظة لم تعد سلوكًا فرديًا عابرًا أوطبعًا شاذًا، بل تحولّت إلى بنيةٍ ثقافية واجتماعية تُعيد إنتاج نفسها، وتُشرّع نفسها، وتُكافئ من يُعيد إنتاجها، وفي هذا المسار، تُصبح الكرامة الإنسانية، لا ضحيةً ظاهرةً، بل مفهومًا مُهدَّرًا، يُحتفظ به في خطب المؤسسات الدينية والسياسية والثقافية والاعلامية، بينما يُنهَك في فضاءات الحياة اليومية بلا رقيب ولا حسيب.

 كما أن المشكلة لا تبدأ من فكرة الناس أصبحوا أقلَّ لطفًا، بل من أن اللطف نفسه بات موضعَ ريبةٍ واتهام، حيث في مجتمع الغلظة، يُنظر إلى اللطف على أنه خللٌ في الحساب، أوضعفٌ في الشخصية، أوتزييفٌ في النوايا، وهذا الانقلاب في الأحكام يُفضي إلى حقيقةٍ مُرّة: أننا لم نفقد الأخلاق ببساطة، بل استبدلناها بنظامٍ بديل من التبريرات، يُحوّل القسوة إلى "حزم"، والوقاحة إلى "صراحة"، والاحتقار إلى "خبرة بالحياة".

هذا النظام التبريري يُشكّل، في جوهره، دفاعًا انفعاليا عن الكرامة المُزيّفة، تلك التي يُحاول الفرد المحافظة عليها عبر إذلال غيرها الٱخر، فالكرامة هنا تُفهم بشكلٍ مموه: ليست اعترافًا بالذات من خلال الاعتراف بالآخر، بل تأكيدٌ للذات من خلال إنقاص الآخر، إنها كرامةٌ في حالتها السلبيةٌ، تُبنى على أنقاض كرامة الغير، وهوما يُفسّر معادلة معادلات في ثقافتنا الجماهيرية: أن أكثر الناس حرصًا على "الكرامة" في الخطاب العام هم أنفسُهم الذين يُمارسون إذلالها في الخاص.

تشريح الغلظة وتمويه الكرامة

الغلظة في هذا السياق ليست غيابًا للأحاسيس، بل هي غيابٌ لبنيةٍ معرفية تستطيع أن تُميّز بين القوة والقسوة، بين الثقة والتعالي، بين الكرامة والتعنّت، فما يُسمّيه علم النفس الاجتماعي وعلوم العصبيات "سلوك التعاطف" ليس مجرد فضيلةٍ نبيلة تُضاف إلى السلوك، بل هوبنيةٌ عصبية واجتماعية ضرورية للتماسك الإنساني، كما ان اللطف،  تُظهر الأبحاث، أنه ينشّط مناطق في الدماغ مرتبطة بالأمان والمكافأة، ويُقوّي المسارات العصبية التي تجعل الارتباط الاجتماعي ممكنًا ومُستدامًا، بمعنى أعمق، اللطف ليس رفاهيةً، بل هوآليةٌ بيولوجية واجتماعية تُمكّن الإنسان من الاعتراف بالآخر كموضوعٍ لا كأداة، وهوبالضبط المعنى الجوهري للكرامة الإنسانية، كما أنه من يتخلّى عن هذا النسيج، لا يفقد فقط أدبًا، بل يفقد القدرة على بناء علاقاتٍ إنسانيةٍ تستحق هذا الاسم.

هذا التحول لا يُفهم بمعزلٍ عن طبيعة الحداثة التي خاضتها المجتمعات العربية. فقد دخلنا عصر الاستهلاك والسرعة والمنافسة المطلقة، من دون أن ندخل فعليًا عصر المؤسسات المدنية والتكافل الاجتماعي والتربية العاطفية العميقة، ولعل ما وصفته السوسيولوجية إيفا إيلوز بـ"الرأسمالية العاطفية" يُقدّم لنا مفتاحًا مُفيدًا: فقد حوّل العصر الحديث العلاقات الحميمة إلى سوقٍ تُدار فيه العواطف كسلع، تُقيّم وتُتاجر وتُستهلك وتستنزف. هكذا إذا كانت المجتمعات الغربية قد خاضت هذا التحول ببطء، ومع بنيةٍ مؤسسية توفر نوعًا من التعويض المدني، فإن مجتمعاتنا استوردت هذا المنطق السوقي بأقصى سرعة، دون أن تستورد معه مستلزمات الوقاية والرعاية، فأصبحت الكرامة نفسها بضاعةً تُمنح بالتقسيط، واللطف "استثمارًا فاشلًا" في اقتصادٍ عاطفي يُكافئ المحاسبة ويُعاقب الإنسانية.

لقد اصبح منح الاحترام بلا مقابل في هذا السوق يُعَدّ سذاجة، والكلمة الطيبة بلا ثمن تُثير الشكوك، وكل عاطفةٍ لا تُردّ بالمثل تُعتبر خسارة، هكذا، لم تعد الكرامة حقًا أوليًا للإنسان، بل أصبحت مكافأةً يمنحها القوي للضعيف حين يشاء، ويمنعها حين يشاء.

غير أن التحليل لا يكتمل ببُعدٍ اجتماعيٍّ اقتصاديٍّ فحسب، بل يتطلّب مواجهةً مع البُعد الديني والثقافي الذي يُعمّق الأزمة، حيث هناك في مجتمع الغلظة ما يُمكن تسميته "التدين المغشوش"؛ تدينًا يتجلى في المظهر ويغيب في المضمون، يُحفّظ الأطفال أن الله كرّم بني آدم، لكنه لا يُحفّظهم كيف يُكرّمون الجار، إن هذا التدين يُنشئ في الناس شعورًا بالتفوق الأخلاقي، دون أن يُنشئ فيهم حدًّا أدنى من التأدب اليومي، والنتيجة أننا نرى أقوامًا يُصلّون ويصومون ويحرصون على البعد عن المحرمات، ثم يُطلقون ألسنتهم كالسيوف على مواقع التواصل، ويُذلّون الموظفين في المؤسسات، ويُحتقرون الفقراء في الشوارع، هذا الانفصال بين الشكل والجوهر، بين الورع المؤسسي والرحمة العملية، يُنتج أنيميا أخلاقيةً خطيرة: يعجز فيها الفرد عن التمييز بين الكرامة المجردة التي تُرفع في الخطاب، والكرامة الملموسة التي تُنتهك في الواقع، أي اننا اصبحنا نُدافع عن الكرامة كمبدأ، وننتهكها كممارسة، ونظن أن التديّن يُغطي على هذا التناقض.

نحوتصورٍ واقعي للكرامة

إن ما يُغيب عن هذا المشهد هوفهمٌ عميقٌ لطبيعة الكرامة نفسها، فالكرامة، في التصور الواقعي الحي الذي نحتاج استعادته، ليست درعًا نرتديه لحماية ذواتنا من الآخرين، بل هي علاقةٌ تبدأ من الاعتراف بالآخر، إنها لا تعني أن أُظهر قوتي لكي لا يستطيع أحدٌ المسّ بي، بل تعني أنني أعترف بأن الآخر، مهما كان، هوكائنٌ مكرم بذاته، وأن إهانته ليست مجرد أذى، بل هونسيانٌ لطبيعة الوجود الإنساني ككل.

هذا المعنى هوما يُضيئه مفهوم الإحسان في التراث الإسلامي: أن تعمل كأنك ترى الله، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، هذا الوعي الديني في طياته يجعل اللطف ليس مجرد سلوكٍ مستحب، بل هواعترافٌ عميق بالتكريم الإلهي للإنسان، وهوما يجعل إهانته نوعًا من العقم الوجودي، لا مجرد خطأٍ أخلاقي.

إن مقاومة مجتمع الغلظة لا تكون بالهجوم عليه، بل بالرفض الهادئ للمنطق الذي يُسيّجه، فاللطف في بحرٍ من الغلظة هوأشقّ أنواع المقاومة، لأنه يُصرّ على رؤية الآخر بعينٍ لا تُذلّه، وعلى التعامل معه باعتباره غايةً لا وسيلة. إن استعادة الكرامة الإنسانية لا تعني العودة إلى زمنٍ ماضٍ وهمي، بل تعني إعادة بناء الحس الأخلاقي من جذوره، إنها تتطلّب أن نُدرك أن الكرامة ليست قضيةً كبرى تُحلّ بالسياسة والقانون فحسب، بل هي تفصيلٌ يوميٌّ يبدأ من كيفية نظرك إلى الآخر، وكيفية استماعك إليه، وكيفية احترامك لضعفه قبل قوّته.

فالكلمة الطيبة ليست هديةً بل هي حق، والاحترام ليس مجاملةً بل هوأدنى مستوى من العدالة الاجتماعية، والأدب والأخلاق ليس زينةً بل هوالبنية التي تستقرّ عليها الحضارة.

لذلك المجتمع الفظ ليس مجتمعًا أقوى، بل هو مجتمعٌ يتجمل بالقسوة لأنه يخاف الضعف، كما أن الضعف الحقيقي ليس في اللطف، بل في العجز عن الاعتراف بأن الآخر كائنٌ مكرم.

اما ان نُحافظ على شرفنا في المبادئ الكبرى ونُهدّر كرامة الآخرين في صغائر المعاملات، فهذا هو الداء بعينه، وهوما يستدعي منّا مواجهةً جريئةً مع دفائن الوعي التي صنعت من الغلظة قناعًا للجبن، ومن القسوة ستارًا لفقدان الكرامة. الحضارة لا تُقاس بارتفاع البنايات، بل بقدرة الناس على أن يُحافظوا على كرامة بعضهم البعض في أبسط لحظات التعامل، وأن يقولوا لبعضهم "سلام عليكم"، ويعنون ما يقولون.

 إن تقدمًا حقيقيًا لا يبدأ بإصلاح الأنظمة والقوانين والمؤسسات فقط، بل بإصلاح التصورات والنظرات والاستراتيجيات، بتعليم الألباب والعيون أن ترى الآخر كما هو: كائنًا لا يقل كرامةً عن الذات، ولا يزيد عليها، بل يشاركها فيها..

من التربية إلى المواطنة

 كما لا شك فيه أن الاعتراف بالداء لا يُغني عن البحث عن الدواء، والتخلص من منطق الغلظة يتطلب خارطة طريقٍ ثقافيةٍ تبدأ من التربية ولا تنتهي بالمؤسسات.

لعل أولى خطوات هذه الخارطة هي إعادة بناء التربية العاطفية في الأسرة والمدرسة، لا بالاكتفاء على تلقين الأطفال "أن يكونوا مهذبين" شكليًا، بل بتعليمهم أن التهذيب هولغة الاعتراف بالآخر، وأن إهانة الإنسان ليست مجرد خطأٍ أخلاقي، بل هي انتهاكٌ لقانون الوجود نفسه، ثم يأتي دور المؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية في إعادة صياغة الخطاب بما يُحوّل مفاهيم الإحسان والتعاطف والكرامة والأدب من مفرداتٍ خطابيةٍ إلى ممارساتٍ يوميةٍ ملموسة، فلا يُقبل من خطيبٍ أن يتحدث عن كرامة الإنسان بينما يُمارس في حياته الخاصة إذلالَ من هو أضعف منه، وعلى مستوى الفضاء العام، لا بد من إصلاحٍ إداريٍّ ونفسيٍّ يجعل المؤسسة العمومية، بدءًا من الدرك الأدنى في الإدارات والمؤسسات التربوية والاعلامية والمستشفيات والمصالح الحكومية، فضاءً للتعامل الإنساني لا للذل المُنظّم، فالمواطن الذي يُذلّ في استلام ورقةٍ إداريةٍ لا يُمكن أن يُصدّق أن كرامته مصونةٌ في خطابٍ سياسي، كذلك، يقع على المثقفين والكتاب والمؤثرين في الفضاء الرقمي عبءٌ خاص، فهم مطالبون بأن يُقدّموا نموذجًا للنقد الموضوعي بلا شتم، والاختلاف بلا احتقار، والصراحة بلا إذلال، لأن اللغة العامة تُشكّل في المدى البعيد البنية اللاوعية للمجتمع.

وأخيرًا، لا بد من مبادرةٍ فكريةٍ تُعيد ربط الأدب بالسياسة، والرحمة بالمواطنة، والأخلاق بالحداثة، بما يُنتج تصورًا تنويريًا يعرف أن المجتمع القوي ليس ذلك الذي يُذلّ أفراده، بل الذي يُعلّي من شأن التعامل الإنساني إلى مصافّ القيمة الحضارية الاسلامية الكبرى "التقوى" في معيار الكرامة الإنسانية.

***

أ. مراد غريبي

ليس من السهل أن نتناول شخصية الحسين بن منصور الحلاج بوصفها حدثاً تاريخياً انتهى بموته على خشبة الصلب، لأن الرجل تجاوز حدود زمنه، ليغدو واحداً من أكثر الرموز حضوراً في الوعي الثقافي العربي. فالحلاج لم يكن متصوفاً انعزل عن العالم، بل كان صاحب مشروع روحي وإنساني جعل من الإنسان محوراً لتجربته، ومن الحرية غايتها الكبرى. اختلف المؤرخون في تفسير شخصية الحلاج، فمنهم من رأى فيه متصوفاً غلب عليه الوجد، ومنهم من عدّه مصلحاً اجتماعياً اصطدم بمصالح السلطة، بينما نظر إليه الأدباء بوصفه بطلاً تراجيدياً دفع حياته ثمناً لأفكاره.

وربما تكمن عظمة هذه الشخصية في قدرتها على استيعاب هذه القراءات جميعاً، لأنها كانت أوسع من أن تُختزل في تفسير واحد. لم يكن خطاب الحلاج دعوة إلى التصوف المنغلق، بل كان محاولة لإعادة الاعتبار إلى الإنسان بوصفه قيمة عليا. فالروح عنده لا تنفصل عن معاناة الفقراء، ولا يكتمل الإيمان إذا بقي بعيداً عن آلام الناس. ولهذا اكتسبت كلماته طابعاً اجتماعياً وأخلاقياً، فبدت وكأنها احتجاج على واقع يسوده الظلم والتفاوت، أكثر مما هي جدل في مسائل العقيدة. هنا يكمن سر الصدام. فالسلطة لا تخشى الأفكار المجردة، بقدر ما تخشى الفكرة حين تتحول إلى قوة أخلاقية قادرة على التأثير في الناس. لذلك لم يكن الحلاج يمثل خطراً بسبب عباراته الصوفية وحدها، وإنما لأنه منح الكلمة سلطة تنافس سلطة السيف، وجعل من الضمير الإنساني مرجعاً في مواجهة الخوف والاستبداد.

تنقل لنا المرويات التاريخية أن الحسين بن منصور الحلاج ولد في واسط 236 هجرية، هو صوفي وشاعر ومعلم للتصوف في العصر العباسي، اشتهر بفلسفته الروحيّة، وطاف العديد من البلدان والمدن لنشر طريقته وفلسفته، فاكتسب شهرة واسعة، وزاد عدد اتباعه، ولاسيما في العاصمة العباسية بغداد، والبصرة وخراسان، قبل مواجهته السلطة، ومحاكمته بتهمة الزندقة. لقد انتهت حياة الحلاج بالصلب، في زمن الخليفة العباسي المقتدر بالله في يوم 24 ذي القعدة سنة 309 هجرية، وأحرقت جثته وذر رمادها من أعلى مئذنة في بغداد. غير أن موته لم ينه حضوره. فالتاريخ كثيراً ما يمنح المهزوم في الواقع، نصراً في الذاكرة. ومن هنا تحول الحلاج إلى رمز دائم للمثقف الذي لا يساوم على قناعته، وللمفكر الذي يدرك أن الحقيقة قد تكون باهظة الثمن، لكنها تستحق التضحية. وإذا كان السيف قد حسم المعركة في لحظتها السياسية، فإن الكلمة هي التي ربحت معركة الزمن. فما زالت تجربة الحلاج تستعاد في الأدب والمسرح والشعر والفكر، لأنها تمثل سؤالاً متجدداً عن العلاقة بين السلطة والحرية، وبين الدين بوصفه تجربة روحية، والدين حين يتحول إلى أداة للهيمنة والإقصاء.

نعرف أن الحلاج كان يعيش في عصر بالغ الاضطراب، وعاصر عالماً تتهدده عوامل الانهيار البطيء المؤكد. فقد اشتعلت ثورة الزنج في جنوب العراق والحلاج له من العمر أحد عشر عاماً، وانه رحل في ذلك الحين إلى البصرة، وهو بعد غلام يافع يتلقى أول مبادئ العلم والمعرفة والتصوف. ثم اندلعت ثورة القرامطة بعد رحيله إلى الأحواز. كان الحلاج قد يئس من عصره ومن إمكانية إصلاحه كي يتخلص الانسان من الفقر والقسوة والقهر والاستغلال والعنف، لقد حمل جوهر عصره حين انعكست عليه كل تمزقاته الفكرية والاجتماعية، لم يحمل هذا الجوهر في صورته الجامدة، إنما في صورته الإنسانية الحقيقية. لم يتردد في البحث عن المخرج الصحيح للإنسان من مأزق الإرهاب والفقر، وحين اكتشف استحالة تحقيق هذه الغاية، قرر أن يمدّ رقبته إلى سيف الجلاد ـ سيد عصره الغشوم ـ لكي يروي بدمه أفكاره العاجزة عن النماء في هذا العصر، الملتاث، القاسي، الضنين. إن القيمة الحقيقية للحلاج لا تكمن في تفاصيل محاكمته، بل في المعنى الذي تركه للأجيال اللاحقة. لقد رفض عصره وانطلق لكي يغيره، تمرد على قصور العقل الإنساني، وأن يكتفي بالنجاة لنفسه في الصمت، إنها نجاة الأنذال إذن، أن يصمت على قهره وفقره.

لقد أثبت أن الإنسان يستطيع أن يهزم القهر بمجرد تمسكه بحقه في التعبير عن قناعته، وأن الأفكار الصادقة تمتلك قدرة على البقاء تتجاوز عمر أصحابها. هكذا لجأ الحلاج إلى الكلمة، بدلاً من السيف الهمجي، يحملها أحلامه ومطامحه إلى وضع إنساني أفضل. لعل إصراره على مواجهة القوة بالكلمات وحدها هو الذي أمدّه برغبة الشهادة، حين أيقن أنه مقتول لا محالة، وأيقن من ضياع صوته في برية عصره الموحشة. لعل هذا ما يفسر استمرار حضوره بعد قرون طويلة. فالحلاج لم يعد شخصية تاريخية فحسب، بل أصبح رمزاً لكل صاحب كلمة حرة، ولكل من يعتقد أن المعرفة مسؤولية، وأن الحرية لا تُمنح وإنما تُنتزع بالموقف والشجاعة. ولهذا بقيت صورته حيّة في الوجدان الإنساني، لا بوصفه شهيد التصوف وحده، بل بوصفه شهيد الكلمة أيضاً. قراءة الحلاج اليوم ليست عودة إلى الماضي، بقدر ما هي تأمل في الحاضر. فما تزال الأسئلة التي أثارها قائمة: كيف يمكن للفكر أن يواجه الاستبداد؟ وكيف تستطيع الكلمة أن تبقى حية في مواجهة العنف؟ وكيف يتحول الإنسان إلى قيمة أعلى من السلطة والقوة؟ ولهذا كله يظل الحلاج واحداً من أكثر الشخصيات إشعاعاً في التراث العربي، لأن حياته ومماته يختصران صراعاً أزلياً بين السيف والكلمة، ولأن التاريخ، مهما تأخر، ينحاز في النهاية إلى الكلمة التي تحمل الحقيقة.

***

جمال العتّابي

 

فيما يشبه الوداع الأخير للراحل جوزيبي سكاتولين الذي أهداني ديوان ابن الفارض

ليست كل الندوات العلمية مجرد مناسبة لتبادل الأوراق البحثية، فبعضها يتحول إلى تجربة فكرية حقيقية، يخرج منها المرء وهو يشعر أنه لم يكتسب معرفة جديدة فحسب، بل أعاد ترتيب أسئلته القديمة أيضاً. وهذا ما عشته في الأمسية التي احتضنتها ساقية الصاوي بالقاهرة، وأدارها الأستاذ الدكتور الصاوي الصاوي أحمد، أستاذ الفلسفة بجامعة بنها ورئيس المنتدى الفلسفي، بمشاركة الدكتور أحمد حسن نور، الباحث في الفلسفة والتصوف الإسلامي، وبحضور المستشرق الإيطالي الأب الدكتور جوزيبي سكاتولين، أحد أبرز الباحثين العالميين في التصوف الإسلامي الذي وافته المنية في إيطاليا يوم الاثنين، 27 أبريل 2026م لروحه السلام والطمأنينة.

في تلك الأمسية القاهرية التقينا بدعوة كريمة من الدكتور الصاوي الصاوي أحمد الصاوي، رئيس المنتدى الفلسفي في الساقية وذلك بتاريخ 20 فبراير 2021م زمن جائحة كورونا.كانت الأمسية ثرية بالحوار، لا لأنها دارت حول التصوف فحسب، وإنما لأنها فتحت باباً واسعاً لإعادة التفكير في تاريخ الاستشراق، وحدود العلاقة بين الشرق والغرب، وبين المعرفة والسلطة، وبين النص الديني والتجربة الروحية وبين الثقافة الإنسانية والذكاء الاصطناعي وكان من أجمل لحظات تلك الأمسية أن تشرفت بلقاء الأب جوزيبي سكاتولين، الذي طالما تابعت أعماله العلمية بإعجاب، فأهداني آخر تحقيقاته النفيسة: «ديوان ابن الفارض: قراءات لنصه عبر التاريخ»، مشفوعاً بإهداء شخصي وتوقيعه الكريم. وقد رأيت في تلك الهدية أكثر من كتاب؛ رأيت فيها رمزاً لانتصار المعرفة على الأحكام المسبقة، ودليلاً على أن الحوار الصادق بين الحضارات لا يزال ممكناً، وأن الباحث الحقيقي لا تحده هوية قومية أو دينية بقدر ما تحركه المعرفة والحكمة والحلم.

ولعل أكثر ما أثار النقاش في تلك الندوة ما عرضه الدكتور أحمد حسن نور من قراءة نقدية جريئة لكتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد، حين وصفه بأنه أحدث أزمة معرفية لا تزال آثارها ممتدة في الدراسات الإنسانية، مستعرضاً المراسلات التي دارت بين إدوارد سعيد وصادق جلال العظم حول الكتاب قبل صدوره وبعده، وهي مراسلات تكشف أن النقاش حول الاستشراق كان أكثر تعقيداً مما شاع لاحقاً.

وقد دفعتني تلك المناقشات إلى طرح وجهة نظري التي أرى أنها أصبحت أكثر إلحاحاً في زمن العولمة والثورة الرقمية: نحن اليوم نعيش مرحلة ما بعد الاستشراق. فالعالم الذي كانت تحدده الجغرافيا والاستعمار والقنصليات لم يعد هو العالم الذي تصنعه اليوم الشبكات الرقمية والذكاء الاصطناعي. لم تعد العلاقة بين الشرق والغرب تُختزل في ثنائية الاستشراق والاستغراب بحسب تعبير حسن حنفي بل أصبحت المعرفة نفسها عابرة للحدود، وأصبح الجميع موضوعاً للمراقبة والتحليل وإنتاج المعرفة في آن واحد.

استمعنا وناقشنا واستفدنا وكانت مداخلتي

نحن في مرحلة ما بعد الاستشراق ولم تعد هناك قيمة ومعنى للجهات بعد العولمة والكورونا ويمكن تمييز ثلاث مراحل أساس لتطور الاستشراق التقليدي هي:

أولى هذه المراحل هي الاستشراق اليوناني؛ حين كان الشرق مركز العالم الحضاري، وكانت مصر وبلاد الرافدين والشام والهند مدارس الإنسانية الكبرى، بينما كان اليونانيون يشدون الرحال إليها طلباً للعلم والحكمة. وتروي محاورة «طيماوس» لأفلاطون كيف ذهب صولون إلى مصر يبحث عن تاريخ اليونان، فأجابه الكاهن المصري بقوله الشهير: «يا صولون، إنكم معشر اليونان أطفال دائماً.» كان ذلك استشراقاً معرفياً خالصاً، لا تحركه جيوش ولا قناصل ولا أجهزة استخبارات، بل يحركه شغف الإنسان بالحكمة.

ثم جاءت المرحلة اللاهوتية مع صعود الحضارة الإسلامية، حين تحول الإسلام إلى موضوع للدراسة بوصفه تحدياً دينياً وثقافياً. وفي هذه المرحلة اختلط البحث العلمي بالدفاع اللاهوتي، كما اختلطت الترجمة بالجدل، حتى غدت المعرفة أحياناً أداة من أدوات الصراع الحضاري. ومع ذلك، فإن هذه المرحلة نفسها شهدت انتقال كنوز الفلسفة والطب والرياضيات والعلوم الإسلامية إلى أوروبا، وأسهمت، من حيث لا تريد، في ولادة النهضة الأوروبية.

أما الاستشراق الحديث فقد ارتبط مباشرة بالمشروع الاستعماري، منذ الكشوف الجغرافية الكبرى وحتى الحملة الفرنسية على مصر، حين أصبحت المعرفة بالشرق جزءاً من آليات السيطرة عليه. لقد وصف إدوارد سعيد هذا النمط من الاستشراق بوصفه مؤسسة تنتج المعرفة من أجل السلطة، وكان محقاً في جانب مهم من تشخيصه، لكنه ــ في تقديري ــ لم يستوعب كل تعقيدات الظاهرة، ولم يميز دائماً بين الباحث الذي يخدم السلطة، والباحث الذي يخدم الحقيقة.

وهنا يبرز نموذج الأب جوزيبي سكاتولين بوصفه أحد أهم الأمثلة المعاصرة على المستشرق الذي تجاوز هذا الإرث الثقيل. فقد كرّس أكثر من أربعة عقود لدراسة التجربة الصوفية الإسلامية، وجاب مكتبات العالم بحثاً عن مخطوطات ابن الفارض، حتى عثر في مدينة قونية التركية على أقدم نسخة معروفة من ديوانه، يعود تاريخها إلى ثماني سنوات فقط بعد وفاة الشاعر. ومن خلال هذا الجهد العلمي الدقيق قدّم تحقيقاً يُعد اليوم المرجع الأوثق لديوان سلطان العاشقين.

غير أن أهمية سكاتولين لا تكمن في تحقيق النص وحده، بل في طريقته في قراءته. فقد أدرك أن لغة التصوف ليست لغة تقريرية، بل لغة رمزية، وأن التجربة الصوفية لا تُقرأ بمنطق الفقه وحده، ولا بمناهج النقد الأدبي وحدها، وإنما تحتاج إلى حس فلسفي وروحي معاً. ولهذا رفض اختزال ابن الفارض في شاعر الغزل الإلهي، ورأى فيه شاعراً للإنسان الكوني، الذي يخوض رحلة من التفرقة إلى الوحدة، ومن الذات إلى الحقيقة، ثم يعود إلى العالم وقد تغيرت رؤيته لكل شيء.

ولعل هذه الفكرة أعادتني إلى سؤال طالما شغلني في فلسفة التاريخ: ما الفرق بين المعرفة العقلية والمعرفة الوجودية؟

إن الفلسفة تبحث عن الحقيقة عبر البرهان، أما الصوفية فتبحث عنها عبر الذوق. الأولى تبني الجسور بين العقل والعالم، والثانية تهدم المسافات بين الإنسان والحقيقة. ولهذا تبدو اللغة الصوفية عصية على الترجمة الكاملة، لأنها لا تصف التجربة، بل تلمح إليها، ولا تقدم الحقيقة جاهزة، بل تدعو القارئ إلى أن يعيشها بنفسه.

وفي تلك اللحظة أدركت أن التصوف لا يمثل هروباً من العالم كما يتوهم البعض، بل يمثل نزولاً إلى أعماق الإنسان، حيث تتجاوز الذات حدودها الضيقة لتكتشف أن الحقيقة لا تُفرض من الخارج، بل تُولد من الداخل، من التجربة الحية، ومن الحب، ومن ذلك الشوق الأبدي إلى الوحدة.

غير أن العالم الذي نعيش فيه اليوم يضع هذه التجربة الإنسانية أمام تحديات غير مسبوقة. فمنذ الثورة الرقمية، لم يعد الإنسان يعيش داخل حدود وطنه أو ثقافته، بل داخل فضاء معلوماتي عالمي، أعاد تشكيل علاقتنا بالزمان والمكان، وبالهوية والمعرفة والسلطة. لقد وصف لوتشيانو فلوريدي هذا التحول بأنه «الثورة الرابعة»، بينما رأى ألفين توفلر أننا دخلنا حضارة جديدة بكل معنى الكلمة.

إننا نشهد أكبر تحول في تاريخ الإنسان منذ اكتشاف الكتابة، وربما منذ ظهور اللغة نفسها. فالذكاء الاصطناعي، والإعلام الجديد، والشبكات الرقمية، لم تغير أدواتنا فحسب، بل أعادت تشكيل وعينا بالعالم. ولم تعد الأديان، والهويات، والثقافات، معزولة عن بعضها كما كانت، بل أصبحت تتجاور يومياً داخل الفضاء الرقمي، بكل ما يحمله ذلك من فرص للحوار، ومخاطر للصدام.

ومن هنا فإن سؤال التعايش لم يعد ترفاً فكرياً، بل أصبح سؤال البقاء ذاته.

لقد وحدت العولمة العالم، لكنها وحدت أزماته أيضاً. فالإرهاب، والتطرف، وخطابات الكراهية، والحروب الثقافية، كلها وجدت في الإعلام الرقمي بيئة جديدة للانتشار. وفي المقابل، أوجدت التكنولوجيا إمكانات غير مسبوقة للحوار، والتعلم، والتقارب بين الشعوب.

لهذا أعتقد أن البشرية تحتاج اليوم إلى ما يمكن تسميته لاهوت التعايش؛ لاهوت لا ينطلق من الدفاع عن هوية ضد أخرى، بل من الدفاع عن الإنسان نفسه، وعن حقه في الاختلاف، وفي الكرامة، وفي البحث الحر عن الحقيقة. لاهوت يعيد الدين إلى رسالته الأولى: أن يكون طاقة للرحمة لا وقوداً للصراع، وجسراً بين البشر لا متراساً يفصل بينهم.

ولعل الأب جوزيبي سكاتولين يجسد، بسيرته العلمية، هذا النموذج النادر؛ فقد أثبت أن الباحث يستطيع أن يكون وفياً لعقيدته، ومنصفاً لعقيدة غيره في الوقت نفسه، وأن المعرفة لا تزدهر إلا حين تتحرر من أوهام الهيمنة ومنطق الإقصاء.

خرجت من تلك الأمسية وأنا أحمل كتاباً موقّعاً، لكنني حملت معه ما هو أثمن من الورق والحبر؛ حملت يقيناً متجدداً بأن الحوار بين الحضارات لا يصنعه السياسيون وحدهم، بل يصنعه أيضاً العلماء، والفلاسفة، والمترجمون، والمحققون، وكل من يؤمن أن الحقيقة أكبر من أن يحتكرها أحد.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي، حيث تتغير الحضارة بسرعة غير مسبوقة، ربما يصبح هذا اليقين هو أكثر ما يحتاجه الإنسان: أن يتعلم كيف يعيش مع المختلف، لا لأنه يشبهه، بل لأنه يشاركه المصير ذاته. فإما أن نتقن فن التعايش في هذا العالم المنكمش، وإما أن نتقن فن الفناء معه.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

يخطئ من يظن أن الفكر الإسلامي ـ وليس الإسلام ـ لا يعاني من أزمة معرفية ويصارع معركة تفصله عن الوشائج والعلائق بتراثه المعرفي الأصيل سواء المتصل بحوادث بعينها وهي ما اتفق على توصيفه بفقه الحالة، أو التراث المعرفي الذي يحسب كونه أنموذجاً فريداً في وقته . وفي ظل معركة الفكر الإسلامي الراهن تبدو ملامح أخرى لا يمكن إقصاؤها عن تفاصيل هذا الفكر الذي أصبح مستمرئ حالة الاستقرار رهن التصنيف والتبويب والتلميح والتصريح والاستيفاء ومن ثم استلاب القارئ بعيداً عن واقعه واستقطابه صوب التنظير .

وأبرز تلك الملامح التي تعتري معركة الفكر الإسلامي وليس خطابه هو فرض حالة الإقامة الجبرية على الاجتهاد الصائب والمحمود والذي يستهدف صالح الإسلام والمسلمين، هذه الإقامة التي تجاوزت حدود الاستخدام اللغوي التداولي لتصل بغير اكتراث إلى إصدار فتاوى غير محفزة أو بالأحرى فتاوى من شأنها إحداث فتنة طائفية أو حرب أهلية بين أطياف سياسية قد لا تعي من أمر رشدها شيئاً . واستحالت فتاوى التحريض مرطبات للفكر الإسلامي المعاصر في وقت أصبحت عبارات تجديد الفكر الإسلامي وتطوير الخطاب الديني من الشعارات الباهتة والمكرورة لأنها لا تتصل بواقع مشهود وحقيقة مجتمعية تفيد بفقر الثقافة وضعف القوة المعرفية لدى مجتمعات عربية كثيرة . رغم أن هذه الحالة تتعارض بالكلية مع المنهج الإسلامي في الإصلاح والتجديد، وتبدو أن عملية استنهاض قوى التجديد بدت خائرة واهنة.

وحالة الفكر الديني المعاصر تشبه بقدر المماثلة والمشاكلة ظاهرة الإنتروبيا، وهذا المصطلح Entropy يعني مقياس تحديد غموض الموقف، وهو مقياس عفوي أعده الفيزيائي الألماني رودلف كلاوزيوس عام 1856م حينما كان يدرس ظاهرة استحالة انتقال الحرارة من جسم أكثر برودة إلى جسم أكثر سخونة. والإنتروبيا تعني أيضاً التحول إلى الداخل، أي المنطوي على نفسه أو الموت الداخلي، وعلماء الفيزياء في الغرب ـ طبعاً ـ فسروا قانون الإنتروبيا على أنه حركة عشوائية عبارة عن طاقة مهدرة ومشتتة في أي نظام.

ومن يسع لرصد الحالة التي تعترينا من ناحية الفكر والخطاب الديني المعاصر من حيث إنها صورة من صور ظاهرة الإنتروبيا، من حيث الجمود الفكري الذي يصيب البعض منا، واحترازاً للقول القلة منا فقط، فتراه يقف عند حدود فقه عصر معين ويرفض رفضاً مطلقاً قبول فكرة الاجتهاد، رغم أن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود كان سابقاً لعصره، فقد كان رائد مدرسة الاجتهاد الفقهي.

وهذا العقم في استنهاض القوى المعرفية الدينية هو الذي أودى بحياة الكثير من ضباط الشرطة الذين بالقطع وبغير مبالغة يسهرون من أجل رفاهية آخرين لكننا مصرون أن نقف عند فاصلة الرئيس المصري السابق حسني مبارك التي كرست لثقافة شبه أمنية سقطت فعلا وقت اشتعال انتفاضة يناير، وهذا الفقر المعرفي في الفكر الإسلامي هو الذي أصدر الفتوى بتحريم تهنئة الأقباط بميلاد السيد المسيح الذي جاء ذكره في قرآني الذي لا يقرؤه هؤلاء المتطرفون بوعي أو بدراية كافية (إذ قالت الملائكة يامريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين) .

والتكفير والتحريم في هذه الآونة صارا وجهين لعملة واحدة يمكن أن نطلق عليها عملة (الغلو)، ولعل أبلغ تشبيه للغلو في التكفير هو " الورطة"، ولقد توعد رسول الله (عليه الصلاة والسلام) بهؤلاء الذين يكفرون إخوانهم بقوله: (لا يرمي رجل رجلاً بالفسق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك). أما الآن فأصبح التكفير أسرع حكم يمكن أن يصدره إنسان على أخيه، وإذا كان التكفير قديماً سلاح خفي يستخدمه بعض المتطرفين في مواجهة خصومهم، فاليوم أصبح أداةً هجومية تستخدم قبل وأثناء وبعد الحوار مع الآخر، هذا إن كان هناك حوار من الأساس. 

وإذا سألت أحد رجال الدين المستنيرين عن الغلو في التكفير لذكر لك أن المجازفة بالتكفير شر عظيم وخطر جسيم، وقد ذاقت الأمم كثيراً من ويلاتها ووبيل عواقبها، وليدرك هؤلاء قول الله تعالى في تحذير عباده من الغلو في التكفير (فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة). والمتأمل لهذا الأمر ـ الغلو في التكفير ـ يرى عواقبه التي تتمثل في استحلال الدم ومنع التوارث وفسخ عقد الزواج وتحريم إقامة الفرائض. ويدهشني كثيراً حينما أقرأ لشيخ الإسلام ابن تيمية الذي يتخذه معظم السلفيون إماماً لهم حينما يقول: فليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة ويبين له المحجة وإزالة الشبهة. 

وانظر إلى رأي الشيخ عبد الرحمن السديس إمام وخطيب الحرم المكي سنة 2004م حينما أكد على أنه يجب التفريق بين الفعل والفاعل والإطلاق والتعيين وتنزيل النصوص على الوقائع والأشخاص، وأن نصوص الوعيد في الكتاب والسنة ونصوص الأئمة بالتكفير والفسق ونحو ذلك لا يستلزم ثبوت موجبها في حق المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع. حتى بعض أنصار الفكر الوهابي ربما تناسوا قول إمامهم المجدد محمد بن عبد الوهاب إذ يقول: ولا نكفر إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم.

واستسهال رمي البعض بالكفر والشرك والخروج عن الملة يذكرني بقصة طريفة، فقد جاء رجل إلى ابن عمر، فسأله عن دم البعوضة، وعن حرمة قتل الذباب، فقال له: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق، قال: ها انظروا إلى هذا، يسأل عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن بنت رسول الله. 

 وأجمع المفكرون أن خطورة الفكر التكفيري تتمثل في إحداث حالة من الانفصام والانقسام والتمييز داخل المجتمع الواحد بين أبنائه، وهم بذلك أعداء للتنمية والتطوير والتجديد، وأعتقد أن المجتمع كفاه ما قد يعانيه من تمييز واستبعاد اجتماعي لبعض أفراده. هذا ولا بد من منهج واضح ومحدد الملامح لمواجهة هذا الفكر، وإحداث مناعة حقيقية لدى أفراد المجتمع ضد كل ما يسمعونه من صيحات تكفيرية، ومراجعة بعض كتب التراث التي تغذي الفكر التكفيري وتنقيتها.

وأبرز العلامات التي تلازم أزمة الفكر الإسلامي الراهنة محاربة التأويل، والتأويل في حد ذاته لم يعد حقاً يطلبه الإنسان، بل أصبح فريضة يؤديها ليل نهار على كل ما يمارسه من سلوكيات وقيم وأفكار، هذا إن يفكر من الأساس، وقراءاته هذا إن كان يقرأ في الأصل، وعلى ما يسمعه ويشاهده وأظن أنه لا يفعل ذلك أبداً، أقصد تأويل ما يسمعه. المهم أن التأويل بدلاً من أن يكون حقاً مكتسباً، صار شهوة موروثة بعلة وحجة أن صحة التأويل مرجعها الإجماع المطلق.

وعلماء الدين الأفاضل اتفقوا على ضرورة التأويل في المواضع التي تثير الشبهات فقط، وهذا يجعل الناظر (أي الذي يرى الأشياء بنظرة ثاقبة وروية) لقضية التأويل ملتبساً بعض الشئ، فكيف يقضي رجال الدين بشئ ولم يتفقوا وتجتمع آراؤهم عليه اجتماعاً وإجماعاً مطلقاً. وهذا يذكرني بما صنعه حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في كتابه "تهافت الفلاسفة" حينما كفر الفارابي وابن سينا لأنهما خرقا الإجماع في التأويل، رغم كونهما من أهل الإجماع أي أن رأي الغزالي فيهما لا يعتد به شرعاً، وهما (أي الفارابي وابن سينا) أكدا على توجه التربية إلى الاهتمام بالإنسان من جميع جوانبه، وأبعاده الروحية والعقلية والجسمية وغرس الفضائل والعادات السليمة.

إذن قضية التأويل لم تكن حديثة العهد بواقعنا العربي الراهن، بل هي ضاربة في جذورنا الثقافية وكم من مفكر صارع وصرع من أجل إثبات هذا الحق للمواطن العربي قبل أن يصبح اليوم مشاعاً. وإذا راهنت نفسك بسؤال أحد الأفاضل الذين امتلكوا وحدهم حق التأويل عن شروط التأويل، وشروط القائم بالتأويل ستكسب رهانك لأنه سيسرد لك عبارات عامة عن القراءة والاطلاع والثقافة وامتلاك ناصية اللغة، ولو أن أحداً من هؤلاء بذل جهداً بسيطاً أقل مما يبذله في إعداد ما يقوله إما للصحف أو للفضائيات الفراغية لما وصل بنا الحال وبشبابنا إلى حالة الفكاك المستديمة تلك التي نعانيها منذ أمد.

ولو أنه خرج قليلاً من عباءات الضيق والجمود الفكري التي يعاني بعضهم منه وقرأ كتاباً مهماً للقاضي ابن رشد وهو "مناهج الأدلة في عقائد الملة" لاستطاع أن يعبر بعقله أولاً ثم بعقول أبنائنا وشبابنا إلى المستقبل، وإلى خلق جيل أكثر تفكيراً ووعياً من سابقيه. فلقد حدد القاضي الفقيه ابن رشد شروطاً للقائم بالتأويل أبرزها أن يكون من العلماء أصحاب النظر البرهاني، أي الذي يبني على مقدمات يقينية، وليست فقط أن تكون مشهورة بين الناس. وفرغ ابن رشد من حديثه إلى أن الشريعة الإسلامية تؤيد التأويل وتحث عليه، بحجة أن النظر في الموجودات المصنوعة تدل على صانعها.

ونرى من العلماء الأجلاء كالرازي والآمدي وابن الحاجب وأبي الحسين البصري أنهم أكدوا على أن الأمة إذا اختلفت في تأويل آية كانوا على قولين، وأجازوا لم بعدهم إحداث قول ثالث، هذا بخلاف ما إذا اتفقوا في الأحكام على قولين فجوزوا أن تكون الأمة مجتمعة على الضلال في تفسير القرآن والحديث، وهكذا كانت سماحتهم ووعيهم الديدني بالتأويل وقبول الرأي الآخر ما لم يكن مخالفاً للشرع.

 وخلاصة القول والرأي في هذا أن التأويل والحمد لله لم يعد حقاً يطالب به بنو البشر على السواء، لأنه بالرغم من أنه أصبح مشاعاً، إلا أن فئة من العلماء أصحاب العقول الراجحة الجانحة اغتصبوا هذا الحق لهم وحدهم، وتركونا منفردين على حالات ؛إما نخاف على هيبتنا واحترامنا الثقافي والفكري لأنفسنا فالتزمنا الصمت، وإما أننا أكبر من كل هذا الذي يقولونه ويبثونه بثاً فيصير هباءً منثوراً، أو نقبله كما تورد الإبل نحو الماء، فاللهم لا تجعلنا إبلاً تورد للماء طوعاً وقسراً وكراهية.

***

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية

كلية التربية ـ جامعة المنيا

تتوالى الدعوات إلى تجديد الفكر الديني منذ أكثر من قرن، واتخذت مسارات ومناهج متنوعة. فمنذ انطلاق مشروع الإصلاح الإسلامي الحديث في القرن التاسع عشر، برزت أسماء جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وغيرهم من المصلحين الذين سعوا إلى التوفيق بين الإسلام والحداثة، وإحياء الاجتهاد، وتحرير العقل الإسلامي من الجمود الفقهي والانغلاق المعرفي. غير أن هذه المشاريع لم تكن متجانسة في رؤاها ومناهجها وغاياتها؛ فقد انشغل بعضها بإصلاح التعليم والمؤسسات الدينية، واهتم بعضها بإعادة تفسير النصوص، فيما سعى بعضها الآخر إلى بناء وعي ديني يستجيب لتحولات العصر وأسئلته. ومع تنوع هذه المحاولات، ظل التجديد مهمة مفتوحة، تتطلب مراجعة مناهج فهم الدين، والكشف عن تاريخية المعرفة الدينية، وإعادة النظر في صلتها بالإنسان والعالم المتغير.

ثم شهد النصف الثاني من القرن العشرين مرحلة جديدة اتسمت بالنقد المعرفي والمنهجي، برز فيها مفكرون أمثال محمد أركون، وحسن حنفي، ومحمد عابد الجابري، ونصر حامد أبو زيد، وعبدالمجيد الشرفي، وغيرهم. اتجه هؤلاء، على اختلاف مرجعياتهم ومناهجهم، إلى مساءلة التراث الإسلامي، وتحليل آليات إنتاج المعرفة فيه، وإعادة النظر في مناهج قراءته وتأويل نصوصه، مستعينين بمناهج الفلسفة الحديثة والعلوم الإنسانية. وهكذا انتقل سؤال التجديد من الدعوة إلى الإصلاح وإحياء الاجتهاد إلى نقد بنية العقل التراثي، والكشف عن سياقاته التاريخية والثقافية، وفحص أثرها في تشكيل الوعي الديني.

أما المرحلة المعاصرة، الممتدة من أواخر القرن العشرين إلى اليوم، فقد برز فيها عبد الجبار الرفاعي بوصفه احد المفكرين المنشغلين بإعادة بناء الفكر الديني، عبر استرداد الأبعاد الروحية والأخلاقية والجمالية للدين، وإعادة تعريف مفاهيمه الأساسية في ضوء مركزية الإنسان وكرامته وحاجته الوجودية إلى المعنى. وإلى جانب الرفاعي، يواصل عدد من المفكرين اشتغالهم على فلسفة الدين، والهرمنيوطيقا، ونقد الخطاب الديني، للكشف عن تعدد دلالات النصوص، وتاريخية المعرفة الدينية، وتجديد مناهج فهم الدين وآليات التفكير فيه.

غير أن تجديد الفكر الديني، على أهميته، مشروع شديد القابلية للتشويه والاستغلال؛ إذ غدا كل خروج عن المألوف في قراءة النصوص أو التراث يقدم، لدى بعض القراء والمهتمين، على أنه تجديد، حتى وإن لم يتجاوز إعادة إنتاج البنى الفكرية القديمة بصيغ ومصطلحات جديدة. من هنا تبرز ضرورة التمييز بين نمطين من التجديد: الأول مراجعة جذرية للتراث، ولبنية العقل الإسلامي، ولمناهج فهم النصوص وآليات إنتاج المعرفة الدينية، بما يفضي إلى إعادة بناء المفاهيم وتغيير طرائق التفكير، أما الثاني فلا يتجاوز الإحياء أو الإصلاح الجزئي، وقد يتخفى وراء شعارات التجديد، فيما ينتهي إلى ترميم المنظومة الموروثة وإعادة إنتاجها، أو تضخيم الخطابات الأيديولوجية المفتقرة إلى الحس النقدي والعمق الفلسفي. التجديد الحقيقي لا يقاس بحداثة المصطلحات وجرأة الشعارات، وإنما بقدرته على إحداث تحول عميق في بنية التفكير الديني، وتحرير العقل من أنماطه المغلقة، وفتح آفاق جديدة لفهم الدين ووظيفته في حياة الإنسان.

في ضوء هذا التمييز بين التجديد والإحياء والإصلاح، يمكن النظر في مشروعي حسن حنفي وعبد الجبار الرفاعي، للكشف عن اختلاف منطلقاتهما ومناهجهما وغاياتهما، وتحديد المسافة الفاصلة بين التجديد والإحياء والإصلاح. التجديد في الفكر الديني عملية معرفية خلاقة، تقوم على النقد والابتكار، وتستند إلى رؤية فلسفية عميقة. لا تكتفي بإعادة قراءة التراث أو تحديث لغته، وإنما تسائل المنظومة الدينية ومفاهيمها ومناهجها وآليات إنتاج المعرفة فيها. تبدأ بتحليل التراث وتفكيك بنيته والكشف عن سياقاته التاريخية، ثم تبتكر مناهج جديدة لقراءته، وصولًا إلى بناء فهم للدين يستجيب لهموم الإنسان المعاصر وأسئلته الوجودية والأخلاقية. التجديد الحقيقي لا يبدأ بالتراث لينتهي إليه، وإنما يتخذه نقطة انطلاق، ثم يغادر آفاقه المغلقة نحو فضاءات معرفية جديدة.

يعني التجديد إعادة النظر في المفاهيم الدينية والمناهج والموضوعات والبنى الفكرية والاجتماعية والثقافية، ومساءلة البداهات والمسلمات التي ترسخت عبر التاريخ واكتسبت سلطة تحول دون نقدها. لا يكتفي المجدد باستعادة الأفكار الموروثة أو إعادة صياغتها، وإنما يعيد بناءها ويبتكر طرائق جديدة لتوظيفها في أفق علمي وفلسفي مغاير. ينطلق التجديد من نقطة معرفية، لكنه لا يعود إليها، بل يتجاوزها إلى نتائج جديدة تولدها رؤية مختلفة ومناهج أكثر قدرة على استيعاب تحولات المعرفة وأسئلة الإنسان. ومن ثم فإن كل مشروع يبدأ بالتراث وينتهي إليه، من دون أن يتجاوزه إلى إعادة بناء المعرفة الدينية ومفاهيمها، يظل مشروع إحياء، مهما استعار من لغة التجديد ومصطلحاته.

أما الإحياء في الفكر الديني، فيقوم على استعادة القديم وإعادة إنتاجه؛ تراثًا وفكرًا ورؤية للعالم. لا ينطلق من نقد المنظومة الدينية وتحليل بنيتها وتفكيك آلياتها، ولا يثير الأسئلة القادرة على إحداث تحول عميق في الفكر الديني، وإنما يتلقى القوالب التراثية الجاهزة، بأفكارها ومفاهيمها وشعاراتها، ويعيد توظيفها في الواقع المعاصر حفاظًا على الفكر الديني الموروث واستمرارًا لفاعليته.

 في ضوء هذا التمييز، يبدو مشروع حسن حنفي أقرب إلى الإحياء منه إلى التجديد؛ فهو يبدأ بالتراث ويظل مشدودًا إلى مرجعياته، ولا ينجز تحولًا معرفيًا يتجاوز بنيته العميقة. كما يستمد رؤيته من منبع أيديولوجي تعبوي، يجعل التراث مركزًا تدور حوله حركة الفكر، ويعيد بناء الحاضر بأدوات الماضي ومفاهيمه، حتى حين يعيد تأويلها بلغة ثورية معاصرة.

من أبرز الإشكالات التي وجدتها في كتابات حسن حنفي محاولته الجمع بين الأيديولوجيا والفلسفة، مع أن بنيتيهما ووظيفتيهما متغايرتان. يقول حنفي: "لقد أصبح الإسلام أيديولوجية شاملة تعطي تصورًا فلسفيًا للعالم". غير أن الأيديولوجيا، في صورتها المغلقة، نظام لاحتكار المعنى؛ تقدم تصورات جاهزة وأجوبة نهائية، وتصوغ قوالب فكرية جامدة تنفر من السؤال المعرفي والتعددية الفكرية والدينية والاجتماعية. أما الفلسفة فتمنح الإنسان رؤية للعالم لا تستقر في يقين مغلق، وتفتح أمامه أفق السؤال والنقد والمراجعة المستمرة. الإنسان الذي يفكر فلسفيًا يسأل ويبتكر ويطور، ويمارس النقد المعرفي والفكري والثقافي والاجتماعي، فيما يظل الإنسان الأيديولوجي أسير رؤية دينية وسياسية وعقدية وفقهية مغلقة، تحول دون مراجعة المسلمات وطرح الأسئلة الكبرى المتصلة بالمفاهيم الدينية الأساسية، ولا تتيح له تنقيح أفكاره وإعادة بناء ذاته في أفق تساؤلي مفتوح. من هنا يصعب الجمع بين الأيديولوجيا والفلسفة؛ فالأولى تسعى إلى تثبيت اليقين وحشد الناس حوله، والثانية تخضعه للمساءلة والاختبار. تعمل الأيديولوجيا على حجب الرؤية الفلسفية عن الإنسان، وتمنحه أجوبة عاطفية جاهزة، وتبقيه داخل بنية مغلقة تقاوم النقد والتجديد.

نقد الفكر الديني أحد أبرز ثمار فلسفة الدين؛ ففلسفة الدين ليست منظومة من الأجوبة الجاهزة، وإنما أفق مفتوح للتساؤل لا يعرف الاكتمال. لا تغلق ملفًا من ملفات الفكر الديني، ولا تخضع للتبرير أو التوظيف الأيديولوجي، وتواصل مساءلة المفاهيم والتصورات والمعتقدات الدينية في ضوء العقل النقدي والخبرة الإنسانية، من دون أن تتعامل مع الفهم البشري للدين على أنه حقيقة نهائية أو دلالة جزمية مغلقة.

في هذا السياق، يمثل مشروع عبد الجبار الرفاعي مشروعًا شاملًا لتجديد الفكر الديني؛ فهو يبدأ بإعادة تعريف المفاهيم الدينية الكبرى، مثل: الإنسان، والدين، والوحي، والنبوة، والشريعة، والتكليف. يعتمد الرفاعي على الفلسفة الحديثة وعلوم الإنسان والمجتمع، ويستعين بمناهج بحث تتجاوز المناهج التقليدية، سعيًا إلى بناء أفق جديد للمعنى، يعيد اكتشاف الإنسان كائنًا أخلاقيًا وروحيًا وجماليًا، ويجعل كرامته محورًا لفهم الدين وتأويل نصوصه وتحديد وظيفته في الحياة.

وعلى الرغم من التشابه الظاهري بين المشروعين، لا سيما حين يقرآن قراءة سطحية عابرة، تكتفي بالمصطلحات والشعارات، إلا أن القراءة المتأنية تكشف عن تباين جوهري في منطلقاتهما ومناهجهما وغاياتهما. ينتمي مشروع عبد الجبار الرفاعي إلى التجديد بمعناه المعرفي والفلسفي؛ إذ يتجاوز استعادة التراث إلى إعادة بناء المعرفة الدينية وتعريف مفاهيمها الكبرى في ضوء الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع. أما مشروع حسن حنفي فيظل أقرب إلى الإحياء بصيغته الأيديولوجية، حيث يستعيد التراث ويعيد توظيفه في مشروع تعبوي جماهيري. ومن ثم فإن إدراج المشروعين تحت عنوان واحد هو "التجديد الديني" يحجب الفوارق المنهجية والمعرفية العميقة بينهما، ويساوي بين مشروع يغادر التراث إلى أفق جديد، ومشروع يعيد إنتاجه بلغة حديثة.

***

بهاء سوادي

طالب في المرحلة السادسة بكلية طب جامعة البصرة.

كيف أعدمت الترجمة الفكر الأصيل في العقل العربي؟

الترجمة كفعل تأسيسي ومجازفة معرفية

لم تكن ترجمة الفكر الماركسي إلى العربية في بدايات القرن العشرين مجرد عملية نقل لغوي للنصوص، بل كانت فعل تأسيس أيديولوجي اتسم بالمخاطرة الفكرية. فقد واجه الرعيل الأول من المترجمين، وفي مقدمتهم حسين القاياتي في بدايات الحركة الاشتراكية المصرية، وأحمد خير الدين، وصولاً إلى محاولات فؤاد كامل في الأربعينيات، تحدياً معرفياً مزدوجاً؛ تمثل في عجز الأدوات المصطلحية العربية حينها عن استيعاب التعقيد الفلسفي للأصول الألمانية والروسية، والاعتماد الاضطراري على لغات وسيطة كالفرنسية والإنجليزية.

هذه الوساطة اللغوية لم تكن محايدة، بل أدت إلى فلترة المعنى وتشويه المادة الفلسفية، حيث غُلِّب الهدف التعبوي على الأمانة الفلسفية، وتحول المترجم –بفعل الظرف السياسي– من ناقلٍ أمين للنص إلى مهندسٍ للوعي الأيديولوجي. وبذلك، وُلد الفكر الماركسي العربي مبتوراً عن سياقه الأصلي، ومُلبساً بقالبٍ وظيفي جعل منه عقيدةً سياسية نضالية، بدلاً من أن يكون تحليلاً علمياً رصيناً للواقع. إن استحضار هذه الحقبة اليوم، في ظل توفر أدوات الترجمة الرقمية المباشرة، يضعنا أمام مسؤولية تاريخية لإعادة قراءة هذا الإرث الفكري وفك الاشتباك بين النص الأصلي وبين الترجمة المؤدلجة التي شكلت وعي أجيالٍ كاملة.

جدلية النشأة والعبور الماركسية بين الأصل والاستيراد

لا ينبغي التعامل مع الفكر الماركسي كبناء فكري جامد، فقد وُلد في أحضان الصناعة الألمانية ماركس وتطورت آلياته التنفيذية في التربة الروسية لينين. هذا العبور من ألمانيا إلى روسيا كان أول تحول جذري في أصل الفكرة. أما عند وصولها للواقع العربي، فقد كانت عملية استيراد متعجلة؛ فلم يكن الهدف دراسة رأس المال كبناء فلسفي، بل كان الهدف توظيف الماركسية اللينينية كأداة تحررية ضد الاستعمار. هنا بدأت المجازفة الأولى: هل كنا ننقل فكراً، أم كنا نستعير بوصلة سياسية؟ معضلة الترجمة لوساطة كعامل تشويه بما أن النخب العربية لم تكن تتقن اللغات الأصلية، فقد تم الاعتماد على ترجمات وسيطة إنجليزية وفرنسية. هذا الوسيط لم يكن محايداً؛ فقد نقل رؤية الغرب للماركسية بصبغتها الفلسفية والسياسية الخاصة. المترجم العربي لم ينقل نصاً، بل نقل تأويلاً لمترجم أجنبي. وعندما حاول تعريب المصطلحات، وجد فجوة بين لغة الفلسفة الألمانية الدقيقة واللغة العربية التي كانت حينها مشغولة بمفاهيم النهضة والتحرر، مما أدى إلى نحت مصطلحات فقدت الكثير من حمولتها الفلسفية الأصلية.

التعبوية على حساب الأمانة صناعة الماركسية الوظيفية

في سبيل حشد القواعد الشعبية، تم تبسيط الأفكار إلى مستوى الكراريس التحريضية. هذه العملية لم تكن إخلالاً بالمعنى فحسب، بل كانت هندسة اجتماعية. لقد أُفرغ الفكر الماركسي من تعقيداته الاقتصادية ليتحول إلى خطاب تعبوي مباشر. العامل البسيط لم يكن يملك أدوات النقد ليكتشف أن ما يقرأه هو نسخة مختصرة وموجهة، بل أصبح مستلباً معرفياً أمام القائد الحزبي الذي يمتلك حقيقة النص، مما حول الترجمة من عملية معرفية إلى عملية ضبط أيديولوجي. صراع الترجمات عددية تعكس الانقسام لم يكن تعدد الترجمات في المكتبة العربية دليلاً على ثراء الفكر، بل كان تعبيراً عن شرذمة الولاءات. كل حزب وكل تيار تبنى ترجمة معينة أو قام بنحت مصطلحات تخدم خطه السياسي. هذا التعدد خلق ماركسيات متعددة في الساحة العربية؛ ماركسية سوفيتية رسمية، وماركسية نقدية. هذا التضارب جعل الفكر الماركسي العربي يبدو مشتتاً، وغير قادر على تقديم رؤية اقتصادية موحدة ومستقرة، مما جعله يظل دائماً في إطار العمل السياسي بعيداً عن كونه منهجاً نهضوياً نابعاً من الواقع. المجازفة الكبرى والمسؤولية التاريخية إننا أمام واقع تاريخي يقول: إن الماركسية العربية لم تكن ماركسية ماركس، بل كانت ماركسية المترجمين والقادة. لقد كانت مجازفة فكرية باهظة الثمن، لأنها قامت على أساس نقل فكر دون امتلاك أدواته. وهنا يبرز الفارق الجوهري بين الأمس واليوم؛ فبينما كانت الترجمة قديماً فعل اختيار وتحيز محكوم بضعف الأدوات اللغوية وضغوط الانتماء السياسي، أصبحت الترجمة اليوم في عصرنا الرقمي أداة معرفية باردة. إننا لم نعد نعتمد على وسيط بشري يفلتر النص أو يؤدلجه، بل صرنا أمام قدرة تقنية تت رجم من الأصول مباشرة، مما ينزع عن النص قناع التفسير الحزبي ويعيده إلىجوهره الفلسفي إن مسؤوليتنا اليوم تجاه هذا الإرث ليست في تقديسه أو رفضه، بل في تحريره من قوالب الترجمة القديمة، ومحاولة فهم الفكر في سياقه الأصلي، لعلنا نستخرج منه ما يفيد واقعنا المعاصر بعيداً عن أخطاء النقل التاريخي.

***

ئاريان علي

ليست الإشكالية في أن يدافع المجلس الوطني لحقوق الإنسان عن الحق في الحياة، فهذا يدخل في صميم اختصاصاته الدستورية. وليست أيضًا في أن يرافع من أجل مراجعة السياسة الجنائية للمغرب، أو أن يستحضر المعايير الدولية في مجال حقوق الإنسان.

 الإشكالية تبدأ عندما يتحول هذا الترافع إلى خطاب يوحي بأن إلغاء عقوبة الإعدام أصبح خيارًا مؤسساتيًا محسومًا، بينما الحقيقة أن الملف لا يزال مفتوحًا على مستويات تشريعية ودستورية ومجتمعية متعددة.

 من داخل البرلمان الفرنسي، وعلى هامش المؤتمر الدولي التاسع لإلغاء عقوبة الإعدام، قدمت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان مؤخرا، قراءة لمسار المغرب بدت، في كثير من جوانبها، وكأنها تستبق الإرادة التشريعية والنقاش العمومي، عندما اعتبرت أن التصويت المغربي لصالح القرار الأممي بوقف تنفيذ العقوبة يمثل محطة في طريق إلغاء تشريعي مرتقب.

 هذا الخطاب يثير أكثر من علامة استفهام.  فإذا كان المجلس مؤسسة استشارية مستقلة، فإن البرلمان هو صاحب الاختصاص الأصيل في التشريع، والمجتمع هو الفضاء الطبيعي للنقاش حول القضايا التي تمس المنظومة الجنائية والقيمية للدولة. أما القضايا المرتبطة بعلاقة القانون بالمرجعية الإسلامية، فهي تظل محكومة أيضًا بالإطار الدستوري الذي يجعل من إمارة المؤمنين المرجعية العليا في حماية الدين وصيانة ثوابته.

 ولهذا فإن الحديث عن إلغاء عقوبة الإعدام لا يمكن أن يُقدَّم باعتباره مجرد استحقاق حقوقي مؤجل، أو نتيجة حتمية لمسار دولي، لأن الأمر يتعلق بخيار سيادي تتداخل فيه اعتبارات الأمن والعدالة والسياسة الجنائية والخصوصية الحضارية للمغرب.

 ومن اللافت أن خطاب المجلس يكاد يحصر القضية في بعدها الحقوقي، بينما يتجاوزها الواقع المغربي إلى أسئلة أكثر تعقيدًا: كيف ينظر المجتمع إلى العقوبة في ظل تنامي الجرائم العنيفة؟ وما موقع حقوق الضحايا وأسرهم داخل هذا النقاش؟ وهل يمكن استيراد نماذج قانونية من بيئات اجتماعية وثقافية مختلفة دون مساءلة مدى انسجامها مع السياق الوطني؟ .

 إن الإشارة إلى أن أكثر من ثلاثة أرباع دول العالم لا تنفذ عقوبة الإعدام، أو أن المغرب لم ينفذها منذ عقود، لا تكفي وحدها لبناء حجة تشريعية ملزمة. فالقوانين لا تُعدّل بمنطق الإحصائيات الدولية، وإنما بمنطق التوافق الوطني، ووفق ما تقتضيه المصلحة العامة والثوابت الدستورية.

 كما أن احتضان المغرب لمؤتمر دولي حول إلغاء عقوبة الإعدام لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره إعلانًا عن تغيير رسمي في السياسة الجنائية للدولة. فاستضافة المؤتمرات الدولية تعكس انفتاح المملكة على الحوار وتبادل التجارب، لكنها لا تعني بالضرورة تبني جميع التوجهات التي تدافع عنها تلك المؤتمرات، وإلا لأصبحت الدبلوماسية الحقوقية بديلًا عن المؤسسات الدستورية المختصة.

 ثم إن من واجب المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وهو مؤسسة دستورية تحظى بمكانة اعتبارية، أن يحافظ على مسافة متوازنة بين الترافع والحياد المؤسسي. فالترافع يكتسب قوته عندما يفتح أبواب النقاش، لا عندما يوحي بأن النقاش انتهى وأن المسار التشريعي لم يعد سوى مسألة وقت.

 إن ملفًا بحجم عقوبة الإعدام لا يحتمل الاختزال، ولا يقبل أن يُدار بمنطق الضغط الرمزي الذي تفرضه المؤتمرات الدولية أو شبكات الترافع الحقوقي. إنه ملف يمس فلسفة العقاب، والسيادة التشريعية، والأمن المجتمعي، والمرجعية الدستورية والدينية للدولة المغربية.  ولذلك، فإن الحكمة تقتضي أن يبقى هذا النقاش داخل فضائه الطبيعي، أي المؤسسات الوطنية، وفي إطار حوار عمومي هادئ يشارك فيه الجميع: المشرعون، والفقهاء، والحقوقيون، والجامعيون، والفاعلون السياسيون، ومختلف مكونات المجتمع، تحت سقف الدستور، وفي ظل المرجعية التي يمثلها أمير المؤمنين باعتبارها الضامن لتوازن الدولة بين الانفتاح على المنظومة الكونية لحقوق الإنسان والحفاظ على ثوابتها الدينية والوطنية.  فالقضايا الكبرى لا تُحسم بالرمزية، ولا بالترافع وحده، وإنما بإرادة وطنية جامعة تُوازن بين الحقوق والواجبات، وبين الانفتاح والخصوصية، وبين الالتزامات الدولية والثوابت التي اختارها المغاربة لأنفسهم في دستورهم.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

ثمة تحديات عدة تواجه اللغة العربيَّة وتهددُ استعمالَها وبقاءَها أداةً للتواصل كالازدواجية اللغوية وهيمنة العامياتِ المحكية ومنافستها للفصحى ومدّ العولمة وتأثيره في ديمومة اللغاتِ، ومن بين تلك التحديات التي تواجه العربيّة ــ التيْ يرصدُها هذا المقالُ ــ سعي الفضائيات في الأعمالِ الدراميّة لتكريس صورةٍ نمطيةٍ سلبيةٍ عن العربيّة من خلال ما يُسَمَّى بـ (أفعال الهويّة اللغويّة) بوصف العربيّة الفُصحى أداة تواصل ينحصرُ استعمالُها فيْ أطرٍ ضيقةٍ ويتداولها فاعلون اجتماعيون سلبيون. وتحرص الدراما على جعل الفصحى سمة من سمات هويتهم المفارقة التي تترجم شخصياتِهم وتفصحُ عنْ أطرِهم الفكريّة الضيقة غيرِ المحببة لدى الجمهور، وهذه مشكلة لها آثارٌ خطيرةٌ فيْ سلامة العربيّة وضمان بقائها أداة تواصل حيّة وفاعلة، فلا يخفى على أحدٍ ما للإعلام والفن من أثرٍ كبيرٍ فيْ ترسيخ صورٍ نمطية عن الأشياء لدى الجمهور، وهذا الأمرُ سوف يرسّخ صورةً سلبيةً عن العربية لدى الجمهور وينذرُ بانحسارها عن الاستعمال، فواحدة من أسباب بقاء اللغات حية وفاعلة في التواصل هو تقدير أهلها الناطقين بها للغتهم واعتزازهم بها، ومما يُؤسَفُ لَهُ أنَّ هذا الأمر لا نجده في تحليلنا لأفعال الهويَّة اللغويَّة في الدراما التلفزيونيَّة، ولكن قبل ذلك ما المقصودُ بـ (أفعال الهويَّة اللغويَّة)؟

ثمة شخصية درامية في أداب الكاتب الإنكليزيّ (برنارد شو) تمثل مصداقاً لجدلية(أفعال الهوية اللغوية)،و تدعى (إلزا دوليتل) في مسرحية (بجماليون)، وهي فتاة فقيرة تبيع الزهور وكانت تتحدث بلهجة لندن العامية التي توحي بتواضع طبقتها الفقيرة، فقد مثلت هذه الفتاة مشروعاً للبروفيسور وعالم الأصوات اللغوية السيد (هنري هيغينز) ليثبت فرضيته بأنه قادر على جعلها تنسجم مع الطبقات الراقية في زجها في إحدى حفلات الطبقة المخملية من خلال تدريبها على التمكن من الأداء الصوتي المناسب لهذه الطبقة النبيلة، فإتقان عادات هذه الطبقة (أتكيتها) وقواعدها السلوكية وحدَهُ غيرُ كافٍ لانخراط هذه الفتاة في المجتمع الجديد من دون التمكن من ناصية لهجته في النطق والتخلي عن لكنتها القديمة، فتغييرُ المظهر والسلوك وحدَهُ لا يضمنُ أنْ تتواصلَ بتلقائيةٍ ويتفاعلُ معها الأفرادُ الجددُ من دون أن تتحدثَ بالكيفية اللسانيّة التي يتواصلون من خلالها، فلسان الفرد هو ترجمان صادق لهويته وانتمائه الطبقي. ومن مصاديق (أفعال الهوية اللغوية) ما ترويه الأميرة (بديعة) في مذكراتها عن عمها الملك فيصل الأول ملك العراق ووالدها الأمير علي بن الشَّريف حُسيْن إذ تروى أنهما كاناْ يشددانِ في تربيتهما للأسرة المالكة وأفرادها على ضرورة التحدث باللهجة العراقية والاعتياد عليها لا أنْ تظلَ الأسرةُ ملازمةً فيْ كلامِها للهجتها الحجازيّة واعتيادهم عليها بسبب أصولهم الحجازيّة، وتروي أيضاً فيْ مذكراتِها عنْ تنشئة الملك فيصل الثاني وطفولته وظروف تربيته وأنَّ الأسرة كانت تشدد أنْ يلتزموا الحديث معه باللهجة العراقية حتى ينشأ ملكاً متقناً مجيداً للهجة شعبه، فلاشك أن ذلك يُعزى إلى ما للهجة الوطنية من تأثير وإيحاء بالهوية العراقية وبالانتماء إلى جمهور الشعب العراقي، ويخفف من وطأة الاحساس بأنهم نازحون وطارئون من ديار أخرى، وأن أصولهم حجازية غير عراقية، فوحدة الاستعمال اللهجي من شأنها أن تحقق التضامن وتعزز الشعور بوحدة الهوية الوطنية بين الأسرة الحاكمة وشعبها. ومن السهل على المختصين باللغة أن يعرفوا انحدار العربي من أي بلد هو، ويعرفوا أصوله اللهجية العامية إذا تحدث بالعربية الفصحى، فمن السهل التمييز بين العراقي والمصري والشامي والحجازي إذا تحدثوا بالعربية الفصحى، ومن يستمع إلى الخطابات السياسية المسجلة للملك فيصل الثاني في العربية الفصحى سوف يستنتج أن لهجته العامية هي اللهجة العراقية ؛ فنطقه لمخارج الأصوات تشبه الكيفية التي ينطق بها العراقيون حينما يتحولون للحديث في العربية الفصحى. وثمة مثال آخر ـ يصب في فكرة هذا المقال ـــ ضمن الجاسوسية وفنونها إذ يرتكز زرع العملاء على فكرة إخفاء هويتهم الحقيقية واستبدالها بثانية، ويكون التدريب اللغوي على ناصية التعبير في لغة المحيط الذي زُرِعُوا فيه واحداً من أهم السبل للإيحاء بالهوية المزيفة. فالإيحاء بالهوية ضمن الزي والرداء وفنون التعامل لا يحقق فاعليته من دون استعمال لغوي مناسب لهذه الشخصية ويوحي بانتمائها الطبقي والفكري ومستواها الثقافي، وهذا ما تحرص عليه أيضاً وبشدة السينما والدراما التلفزيونية في رسمها وتقديمها للشخصيات. فالدراما تتمثل اللغات من منطق بناء الشخصية الدرامية من منظور العمل الفني عن الشخصية نفسها ولوازم إكمال هويتها لا من واقع اللغات نفسها وقيمتها الحضارية والثقافية، فتقع هذه الأعمال في فخ الأيديولوجيا وكيفية توظيفها للخطاب لخلق صور نمطية للأشياء من خلال تكريس تمثلات معينة، ومن بينها تمثلاتها السلبية الخطيرة عن العربية الفصحى، أما مفهوم (التمثلات) بنحو عام فيرتبط بمباحث الدلالة اللسانية التصورية والسيمياء وكيفية بناء المدلول، فالتمثلات هي عملية بناء صور ذهنية عن الموجودات الخارجية إذ لا يمكن أن تحضرَ الأعيانُ الخارجية (مراجع العلامات اللسانية) في الأذهان وإنَّما تنوب عنها صورها، وتبقى المشكلة في مدى مطابقة تلك الصور للأعيان الخارجية. والخطابات باختلاف أيديولوجياتها يحاول كل منها بناء صور نمطية عن موضوع ما، وتناسب هذه الصور أيديولوجية هذا الخطاب بعيداً عن مطابقتها لمراجعها الخارجية. لقد ولد مصطلح (أفعال الهوية اللغوية) على يد العالم الأمريكي (وليم لابوف) المختص في اللسانيات الاجتماعية نتيجة دراسته للغة الأطفال ذوي الأحياء الفقيرة، من خلال اختبار طلب منهم تفسير مشاهد صورية والتعليق عليها كتابة، فقد لاحظ أَنَّ تنظيمهم للنص واختيار مفرداتهم يختلف عن اقرانهم من ذوي الطبقة المرفهة بسبب اختلاف البيئة وما يولده من تنوعات لهجية، فداخل اللسان الواحد ثمة تنوعات لهجية ترتبط بالبيئة، وتنوعات لهجية ترتبط بالمهن والمستوى الطبقي والثقافة. والفرد حينما يتحدث لا يقصد في الغالب أنْ يعكس هويته من خلال اللغة، ولكن الدلالة العقلية التأويلية في بعدها الاستدلاليّ في التلقي هي من تحدد انتماء المتحدث وهويته تبعاً لتلك التنوعات. فالشخصية الريفية بأزيائها وبيئتها الريفية البسيطة تحرص الدراما على رسم أدائها اللغوي باللهجة الصعيدية التي تختلف عن لهجة المدن، فهناك من يراقب اللغة في إخراج العمل وهو شخص خبير باللهجة الصعيدية وملم بتنوعاتها الصوتية ؛ لتدريب الممثلين وتقويم أدائهم، والأمر نفسه يحصل في تقديم الآخر العربي اللبناني أو الخليجي أو الشامي أو المغربي غير المصري في الدراما المصرية، فاللهجة الخليجية ترتبط بالترف المبذر اللاهي في النوادي الليلية بينما تظهر اللهجة الشامية بصورة محببة وحميمية مما يعكس شدة الأواصر والألفة بين الثقافتين المصرية والشامية، فشوام مصر من مؤسسي وآباء النهضة والحداثة المصرية بكل أشكالها الأدبية والفنية والسياسية وهناك أواصر متينة بين الشعبين، فالانتماء الاجتماعي الطبقي المتنوع يحتم تقديم الشخصية وتصويرها مراعاة لهويتها، وغالباً ما يكون الحوار كاشفاً لطريقة تفكيرها من خلال لهجة بيئتها، وهذا ما يتم توظيفه في الأعمال الروائية التي تتعدد فيها الشخصيات ضمن ما يُسمى بتعدد الأصوات (البوليفونية)، وهذا المفهوم قد انبثق على يد الناقد الروسي (ميخائيل باختين) في تحليله السَّرديّ لأعمال الروائيّ (دوستويفسكي). والأعمال الدراميَّة ولاسيما المصريَّة في المسلسلات وأفلام السينما تحرص على رسم ملامح الأداء اللغويّ المكمل لرسم الشَّخصية، فيكون الحوارُ في اللغة العربيَّة الفصيحة مقتصراً على مشاهد ضمنية تجسّد شخصياتٍ ومواقفَ تدخلُ فيْ صراعٍ مع قوى الخير، وتمثل تلك الشخصيات رموزاً لقوى الظلام والفكر الإرهابي المتطرف، فتقديم الأداء الفصيح بهذه التمثلات الشخصية يوصل رسالة ضمنية غير صريحة تسيء للغة العربية، مفادُها أَنَّ استعمال الفُصحى هو استعمالٌ غريبٌ ينبو عنْ واقع الحياة مثلما ينبو منطق الحياة المعاصر عن التفكير المتزمت وأشكاله التي تمثل تمرداً على تفكير المجتمع وأزيائه وقيمه، يظهر ذلك من خلال رسم الشَّخصيات بزيها الديني ولحاها الطويلة ولغة جسدها القاسية غير المحببة للمشاهد. ومشهد المأذون الشرعي في عقد الزواج الذي هو من المشاهد المألوفة في السينما المصرية يظهر فيه الأداء الفصيح المنفرد للمأذون، إلى جنب كون الإشارات السيميائية المكملة للمشهد من الزي الدينيّ التقليديّ الذي يرتديه المأذون تمثل إحدى القرائن التي تؤكد أنَّ الرسالة الإعلامية تحاول ضمناً تمرير فكرة مفادها أنَّ الفصحى تقعُ خارج العرف اللغوي العام، فهي أقربُ إلى البعد التاريخيّ والدينيّ، وينحصرُ استعمالها بطقوسٍ محدودةٍ. وفي الكثير من الأعمال الدرامية يكون الحوارُ على لسان المحامينَ في الدفاع عن المتهم في مشهد المحاكمة يشتمل رسالة ضمنية تتضمن برماً من بلاغةٍ صوتيةٍ رنانةٍ وفائضٍ لغويّ إنشائيّ فيْ مشهدٍ قائمٍ على الخطابية يضيقُ بها الحضورُ وتضيقُ به شخصيةُ القاضي إذ يحصلُ التناوبُ الحواريّ بين القاضيّ والمحاميّ في المحكية الدراجة ويجرى التحولُ من الفصحى سريعاً من قبل المحامي فيْ رَدّهِ على القاضي، ونظيرُ ذلك خطبُ المرشحين في الدعاية الانتخابيّة البرلمانية التي غالباً ما تصورها الدراما المصريَّة في إطارٍ انتهازيّ نفعيّ. ويتم تصويرُ مدرسِ اللغة العربيّة بوضعٍ ساخرٍ في مظهره وهندامه الرّث وتعامل الطلبة معه وتهكمهم من تعبيره الفصيح، ويبدو بمظهر المنهك لوضعه الاقتصاديّ وما يكابد من شظف العيش بسبب تواضع مهنته، ولعلَّ الاستثناء الوحيد من ذلك مسلسل (سكة الهلاليّ)، ويظهر فيها النجم (يحيى الفخراني) بطلاً إعلامياً وأستاذاً جامعياً في اللغة العربيّة، ولكن كانت النهاية الصادمة إذ يُكتشف بأنه قد زوّر شهادتَهُ الثّانويّة ويستخدم شهرتَهُ الإعلامية في صفقات فسادٍ ورشى فيُودَع في السجن، على خلاف مدرس التَّاريخ الذي يظهرُ في الغالب في دور المثقف الرسوليّ المضحيّ، ويتم استحضارُهُ بوصفه رمزاً ملهماً ومؤثراً فيْ معالجةِ القضايا الاجتماعية كمسلسل (عباس الأبيض في اليوم الأسود) للفنان يحيى الفخرانيّ. وتمثّل مشاهدُ الخروج على النَّص فيْ مسرحيات عادل أمام مؤشراً واضحاً على الانتقاص من الفصحى في تهكمه ومحاكاته وسخريته من مشاهد حوارية فصيحة لأعمال فنيَّة تاريخيَّة وسرعان ما يستجيب لها الجمهورُ في ضحكاتٍ مرتفعةٍ جداً تجسّد مكبوتاً جمعياً يختزنُ الضيقَ بالفصحى وشخصياتها التاريخيَّة. والأجانبُ حينما يتواصلون مع العرب يتواصلون بمحكيتهم العاميَّة التي يحصل فيها قلبٌ وإبدالٌ صوتيّ لا تجيزه قواعدُ اللغة فيرسم مشهداً ساخراً في الأعمال الدرامية، والأمرُ الأخطرُ الذي يجسد غربة الأداء الفصيح عن الواقع العربيّ هو ما تقدمه جملة من الأفلام السينمائيَّة في تجسيدها للحوارات التي تجري على لسان أجانب غير ناطقين بالعربية، فهي لا تظهرُ الحوارَ الأجنبيّ بالنّص العربيّ المكتوب (في حوار الأجنبيّ للأجنبيّ) وإنَّما تقدمُ حواراتٍ بعربيةٍ فصيحةٍ وبأصوات سليمة النطق في مخارجها لا أنَّ المتحدث لغة غيرَ لغته يلتزم المستوى المعياريّ الأدبيّ الفصيح، بل لأنَّ العملَ يريد للمشاهد أنْ يتصورَ أَنَّ شفرةً تواصلية تخاطبية أجنبية غيرَ شفرة العمل(العربية المحكية الدارجة) يجري التواصلُ بها. والأمرُ بعيدٌ عنْ فكرة الدبلجة إلى العربية ؛ لأنَّ المسلسلَ هو عربيّ يتضمنُ شخصياتٍ عربية تجسّد شخصياتٍ أجنبية، ولضمان فهم كلامهم وللإيحاء بأنهم يتواصلون بلغةٍ ثانيةٍ فانَّ الحواراتِ تجري بشفرةٍ لغويّةٍ تجسّد أفعالَ الهويَّة المختلفة، وهذا الأمرُ ينذر بخطورةٍ كبيرةٍ جداً تتخلصُ بكون المستوى الفصيح بمنزلة الشَّفرة الأجنبية الغربيَّة غير العربية التي لا تحققُ ألفةً في التّلقي، والحقُ أنَّ هذهِ المشاهد الأخيرة هي محدودةٌ ولا تشيعُ فيْ كثيرٍ من الأعمال الدراميَّة ولكن يُخشى ذيوعُها وانتشارُها. ومن الحق أيضاً أن ثمة مشاهد في الدراما جسّدت اعتزازاً بالهويّة اللغويّة الفصحى، ففي مسلسل (مأمون وشركاؤه) ينتفضُ الممثلُ (خالد سرحان) المهاجر إلى إيطاليا بفورة غضب ضدّ حماته وأمّ زوجته الإيطالية التي كانت تكيلُ الإهاناتِ إليه وتضايقه وتصطحبُ ابنَهُ المسلمَ الصغيرَ إلى الكنيسة دونَ علمه على الرغم من احتفاظ الأب بديانته الإسلاميَّة، فهو مصريّ متزوجٌ من إيطالية وصهره أبو زوجته عربيّ لبنانيّ مغتربٌ في إيطاليا أيضاً، وبعد أنْ يكتشفَ أن أباه مأمون (عادل إمام) يمتلك ثروةً طائلةً يقررُ العودةَ إلى بلده مصر كي ينعم بثروة أبيه، ويبدأ بتصفية حساباته مع حماته ويكيلُ لها السبابَ بلهجته المصريَّة على الرغم من اعتياده الحديث معها باللغة الايطالية، ويطلبُ من صهره العربيّ أنْ يترجم كلامَهُ إلى اللغة الإيطالية ويترجم شتائمه تشفياً بها، فهو يختار أنْ يحدثها من خلال وسيط مترجم على الرغم من معرفته الإيطالية انتفاضاً لكرامته، وقبل أنْ يحزمَ حقائبه للعودة يفكّر بتعليم ولده الصَّغير العربية كي يدخل قلبَ جده حينما يرى حفيده ويتمكن من محادثته باللهجة المصريَّة، ولكنه يتفاجأ حينما يشاهد المعلمَ العربيّ المُهاجرَ في إيطاليا الذي كلّفه بتعليم ابنه يتفاجأ حينما يراه يعلّمه الفصحى لا العّامية المصريّة الدارجة. وعلى الرغم من تنبيهه له بانَّ كلَ ما هو مطلوب منه هو تعليمه مفردات العاميَّة المصريَّة فقط كي يتفاعلَ مع الجدّ حين العودة إلا أنَّ المعلمَ يبقى مُصرّاً على تعليمه الفُصحى اعتزازاً بها، فهذه المشاهدُ التي تضمنها العملُ تعكسُ حسَّ الممانعة التي تبديها الشَّخصيةُ العربيةُ المهاجرة ضد الذوبان في هوية الآخر الغربيّ. ولا شك أنَّ هذه مشاهد تجسّد صراع العرب المهاجرين ومحنة العربيّة وتعليمها للأبناء المغتربين وإصرارهم على تعلم العربيّة ؛ لأنها تربط الأبناءَ بجذورهم وأوطانهم الأم.ولكن تبقى مشاهدُ الاعتزاز بالهويَّة اللغويَّة محدودةً. ونخلصُ مما تقدّم إلى أنَّ الدراما أسهمتْ بنحوٍ عامٍ بتكريس صورةٍ سلبيةٍ للفصحى ترتبطُ بالسخرية مرة ومرة أخرى بالخطابة المنبرية المتحذلقة ومرة بحصر استعملها على لسان الجماعات الإرهابية في خطابهم الدينيّ المتشدد، ولا يخفى أنَّ بقاءَ اللغة مرهونٌ باستعمالها وتداولها في الإعلام والتعليم ووسائل التّواصل، واستعمالُها يرتبطُ بتقديرِ أهلها للغتهم، فمادامَ أهلُ العربيةِ لا ينظرون بإكبارٍ واعتزازٍ للغتهم فسوفَ تبقى لغةَ كتابةٍ ولغةً إداريَّةً ولغةً دينيةً فحسب، وهذا أمرٌ ينذرُ بالخطر ويؤشر لانحسارها في الاستعمال وهيمنة اللهجاتِ المحكية.

***

د. كريم عبيد علوي

باحث وتدريسي بجامعة بغداد

 

حين تتحول الحصة إلى رحلة لاكتشاف كنوز الطلبة

لم يعد دور المعلم في القرن الحادي والعشرين مقتصراً على نقل المعرفة أو شرح المحتوى الدراسي، بل أصبح رسالة تربوية وإنسانية عميقة، تقوم على قيادة الطلبة أثناء التعلم، وتمكينهم من اكتشاف قدراتهم، وإطلاق طاقاتهم، وبناء شخصياتهم. فالمعلم الحقيقي هو الذي يتحول من ناقل للمعلومات إلى ميسر للتعلم، ومن مصدر وحيد للمعرفة إلى داعم ومرشد وشريك أصيل في رحلة بناء الإنسان.

إن قيمة المعلم لا تقاس بكمية المعلومات التي يقدمها، وإنما بقدرته على إبراز أفضل ما لدى طلبته، واكتشاف مواطن القوة في كل واحد منهم، وتوجيهها نحو التعلم النافع والعمل المنتج. فهو يؤمن بأن لكل طالب قدرات فريدة ومتنوعة، وأن نجاح العملية التعليمية يبدأ من احترام هذه الفروق الفردية، لا من محاولة صهر الجميع في قالب واحد وبوتفة واحدة.

ومن هنا، فإن العدالة داخل الصف لا تعني معاملة جميع الطلبة بالطريقة نفسها، وإنما تعني منح كل طالب ما يحتاج إليه لينجح وفق إمكاناته وقدراته. الخلاقة التي وهبة الله سبحانه وتعالى بها، وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (سورة البقرة، الآية 286). وهذه الآية تؤسس لمبدأ تربوي عظيم، مفاده أن مراعاة قدرات الأفراد وطاقاتهم هي جوهر العدل والإنصاف.

إن المعلم الذي يقود التعلم لا يفرض أساليبه بصورة قسرية أو تسلطية، ولا يمارس نفوذه من خلال الهيمنة أو استعراض مكانته، بل يخلق بيئة صفية جاذبة ومحفزة يشعر فيها الطلبة بالأمان النفسي، والاحترام، والانتماء، ويمنحهم مساحة للتفكير، والتجريب، والحوار والنقاش، واتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية. فكل طالب حالة إنسانية فريدة ومتفلردة، ولكل واحد طريقته الخاصة في التعلم، والتعبير، والتفكير والإبداع.

وتزداد قيمة المعلم حين ينجح في بناء دافعية الطلبة وتحفيزهم نحو العلم والتعلم، فيجعل المعرفة تجربة ممتعةومرحة وليست عبئاً أو مهمة ثقيلة غير محببة، ويحول الدرس إلى مساحة للاستكشاف، لا إلى جلسة للتلقين أو الحفظ دون فهم أو تجريب. فالطلبة يتعلمون بصورة أعمق عندما يسهمون في أن يشاركون، ويجربون، ويناقشون، ويخطئون، ويعيدون المحاولة لا يكلون أو يملون، أكثر مما يتعلمون عندما يكتفون بالاستماع والحفظ.

ومن أبرز الأدوات التي تحقق هذا التحول توظيف استراتيجيات التعلم النشط، مثل الحوار والمناقشة، والعصف الذهني، والتعلم التعاوني، والاستقصاء، وحل المشكلات، ودراسة الحالة، والتجريب العملي، وربط التعلم بواقع حياة الطلبة واحتياجاتهم ورغباتهم. كما أن للقصة الواقعية أثراً بالغاً في جذب الانتباه، وإثارة الفضول، وترسيخ المعاني، لأنها تخاطب العقل والقلب معاً، فذلك يسهم في تحقيق تكامل عمل شقي الدماغ؛ الأيمن، المسؤول عن الإبداع والخيال والجانب الوجداني والعاطفي، والأيسر، المسؤول عن المنطق والتحليل والاستكشاف، بما يحقق توازنا ًفي التفكير ويعزز جودة التعلم .

ولا يقتصر دور المعلم على إدارة الأنشطة، بل يمتد إلى تنمية الشغف بالعلم، وغرس حب المعرفة، وربط ما يتعلمه الطلبة بحياتهم ومستقبلهم. فعندما يدرك الطالب قيمة ما يتعلمه، ويشعر بأنه قادر على النجاح، تتحول الدافعية من استجابة خارجية إلى رغبة شعورية داخلية تقوده نحو التعلم المستمر والاستدامة في النمو والتطور والبناء.

إن الإيمان الحقيقي بقدرات الأطفال هو نقطة البداية في كل نجاح تربوي. فداخل كل طالب طاقات وإمكانات قد لا تظهر للعيان أو يدركها الجميع، لكنها تنتظر معلماً مؤمناً بها، يمتلكالعقل الواعي والبصيرة المدركة قبل الخبرة والممارسات العلمية والتربوية، ويعرف كيف يستخرج الكنوز الكامنة والدفينة، ويمنحها الفرصة لتتألق وتنجح ويظهر وهجها ولمعانها للواقع المعاش في حياة الطلبة. فالمعلم المتميز لا يصنع طلبة يحفظون المعلومات، بل يصنع إنساناً يفكر، ويبدع، ويقود، ويؤثر ويصنع التغيير المبني على أسس علمية ومعرفية.

وفي النهاية، فإن المدرسة التي تضع الطالب في قلب العملية التعليمية، ويقودها معلم يؤمن بالإنسان قبل المنهاج، هي المدرسة القادرة على صناعة المستقبل. ورفدة بكل الطاقات الكفلية بقيادته والإمساك بعناصر التفوق والتميز، فكل حصة دراسية يمكن أن تكون فرصة لاكتشاف موهبة، أو بناء قيمة أو مهارة، أو إشعال شغف ورغبة في العلم والتعلم، أو تغيير مسار حياة طالب. وهذه هي الرسالة الحقيقية للتعليم؛ أن نبني الإنسان قبل أن نملأ عقله بالمعلومات ونحشو عقله بها، وأن نصنع قادة للحياة، لا مجرد حافظين للمعرفة.

***

د. أكرم عثمان

16-7-2026

لسنا نجد سبباً مباشراً لاختفاء الصدق من على الساحة الثقافيّة والفكريّة والاجتماعية والإعلاميّة سواء إلا أن يكون السبب المباشر هو فقدان القيم وتبديل المعايير والسعي الدائم إلى تخريب الثوابت ومحاولة القضاء عليها بالطرق المشروعة وغير المشروعة؛ فإنّ الدفاع - من ثمّ - عن القيم الثوابت أوجب عندنا من محاولة تبديلها بقيم أخرى تتغير وفق ضرورات المادة.

ثم إنّ الإدراك لها ومحاولة تفسيرها وتأويلها أحرى بالعناية عندنا من إهمالها، وعدم الاكتراث لها حتى إذا كان حظ الكاتب في كل ما كتب هو كشف الغطاء عن تعلق هاته القيم بوجود الإنسان الروحي فحسبه من شرف يسمو إليه قلمه المتواضع.

وإذا كان حظه هو محاولة الإدراك لتلك القيم مع محاولة تفسيرها وتأويلها وردها إلى قضيته الكبرى؛ فذلك ممّا كان يصبو إليه قلمه في كافة الأحوال على وجه الإجمال.

تلك كانت رؤيتنا فيما قدّمناه بالأمس، ولا زلنا نقدَّمه اليوم إلى القارئ العربي: نظرات في الحياة الفكريّة تعودنا أن ننظر إليها أبداً بعين الاعتبار حين ننظر في الوقت نفسه إلى القيم الروحيّة الباقية في حياتنا الثقافية على التعميم.

لقد كانت الفكرة الموجّهة عندي للكتابة في هذا المجال هي الإيمان الصادق القاطع بأهمية أن تكون قيم الوجود الروحي هي القيم الخالدة الثابتة، الدائمة، التي تنطلق منها حياتنا المعرفية في ماذا؟ في الفكر والثقافة، والعلم والأدب، والفنون والدين والأخلاق؛ وسائر الحيوات التي لا غنى لإنسان قط عن تحصيلها إذا هو أراد أن يحصّل من الحياة أمثلتها العليا ... إنّ الإيمان المطلق بأهميّة أن تكون القيم صادرة عن هذا الوجود الروحي هو عينه الإيمان الذي ينضاف إلى كل مؤمن بالله تعالى بالزيادة فيه، ففي الإيمان قوة - لا أي إيمان ولا كل إيمان بل إيمان العارفين، الأصفياء، الخلصاء، الأتقياء، طلاقة روحيّة عارمة لا تقيّدها أغلال الحدود والحواجز الماديّة، بل تفتح أمام الفكر والضمير منافذ الحرية الكاملة؛ لتهدي الإنسان إلى عنصر القيمة من وراء هذا الوجود، وهو عنصر - ولا شك - صادر عن الإيمان بالفكر وحرية الضمير فضلاً عن صدوره أيضاً في البدء والمنتهى عن هاته الطلاقة الروحية المبتعثة داخلياً من معدن الإيمان بالله.

وبما أن تراثنا يحتاج إلى تنقية وتهذيب وإدراك، ويحتاج منا في عين الوقت نفسه إلى وعي أمين لا عوج فيه ولا انحراف؛ فنحن، من ثم، في مسيس الحاجة أيضاً إلى إدراك جوهر القيم الفاعلة فينا والصادقة، والطرْق عليها على الدوام لترسخ فينا رسوخاً بيناً؛ ولتكون باقية في حياتنا الفكرية مع تطبيقها إنّ استطعنا في كل حال في حياتنا العمليّة والسلوكية على وجه العموم. وكلما أطلعنا مخلصين بالعبء الذي تناط به تبعاتنا نحو تراثنا العربي، أدركنا على الفور أهمية أن تكون القيم جزءاً لا ينفصل عن تنقية التراث وتهذيبه، وإدراكه، والوعي به وعياً صادقاً أميناً لا عوج فيه ولا انحراف؛ حتى إذا ما ركزنا (مخلصين) على البعد الروحي في تراثنا العربي، رجونا أن تكون هذه الشريحة وحدها كفيلة بإمداد الثقافة عنصر الحركة والحياة وعنصر البقاء والوحدة والشمول بمعوان من الإيمان بالقيم العلويّة السامقة التي يندر أن تجد مثيلها في تراث الأمم الأخرى بنفس القوة والحيويّة والطلاقة، وبذات المحتوى وبذات المضمون.

ــ فلسفة المثل الأعلى:

مرة أخرى أؤكد: لئن كان حظ الكاتب في كل ما كتبه هو كشف الغطاء عن تعلق تلك القيم بوجود الإنسان الروحي؛ فحسبه من شرف يسمو إليه قلمه المتواضع في كل حين.

لا ينفصل حظ الكاتب عن توخي المثل الأعلى، وقد كان صادقاً في توخّيه لأن اعتقاده كان دوماً أن المثل الأعلى في حياتنا الفكريّة هو من الأهميّة بمكان لا يكاد يغيب عنها إلا وقد غابت على الفور فاعليتها الكبرى وحيوتها الباقية.

أحياناً كثيرة يُنظر إليه، وكأنه الحقيقة الكبرى الصادقة؛ إذ تجسدت فيه، وغيرها من الحيوات الأخرى زيف وبهتان؛ لأنه من الواقع وفي الواقع تجسد فكان، وليس هنالك حقائق في الحياة الإنسانية إلا وللمثل الأعلى دورٌ بارز فيها وفعال.

ثمّة أوراق قديمة مطوية شاء الحظ أن أنفض عنها غبار السنين الطوال رحتُ أقلب فيها ما هو صالح للنشر في كل زمان ومكان لأن ما هو صالح يتصل بالعنصر الباقي في الإنسان: عنصر الوجود الروحي والعمل عليه والاشتغال به على الدوام بغير انقطاع؛ فإذا أمامي إهداء إلى المفكر الخالد العظيم الذي بحث في حقائق الوجود والحياة بنَفَس الشاعر، وحكمة الفيلسوف، وعاطفة الأديب، وذوق المتصوف، ووجاهة الرأي عند هؤلاء جميعاً. إلى روح الأديب الذي لم يقدر في بلاده، ولا في وطنه التقدير اللائق بمعدنه الأصيل.

إلى الرمز الباقي في حياتنا الفكريّة والثقافية تكرع من معينه الذي لا ينضب أجيال بعد أجيال. إلى روح أستاذي الذي لم أره، ولكني مع ذلك تعلمت منه أن للفكر عالماً ودولة، وأن للقلم كرامة وسلطاناً، وأن للقيم خلوداً ودواماً، وأن للإنسان - وهذه كلماته - وجوداً روحيّاًّ ما إن ينساه إلا هبط به النسيان إلى درك البهيمية، واستغرق في هموم مبتذلة لا فرق بينها وبين هموم الحيوان الأعجم، إنْ صح التعبير عن شواغل الحيوان الأعجم بكلمة هموم. وإنّ له ضميراً يقظاً متنبهاً ينبغي أن يشغله على الدوام بمطالب غير مطالبه الجسديّة وغير شهواته الحيوانية..". إلى روح المفكر الحكيم، والمثل الأعلى الذي أفادني، وأرشدني، وقومني، وأصقلني، وهذبني، وأنا لم أزل غضاً طريّاً منذ نعومة أظافري أتعرف عليه، ولا زلت أسيراً لرحابه العلوي وآفاقه المتسعة وتراثه الضخم ونهجه الثري وفيوض قلمه العملاق. إلى روح المفكر الخالد العظيم "عباس محمود العقاد" أهدي كتابي هذا عرفاناً بفضله على الحياة الروحيّة والفكريّة والثقافية على التعميم، وتقديراً لقلمه الجبار وشهوداً للطائف معانيه".

كُتِبَتْ هذه الكلمات في 30/10/1995م، وأهديتُ إذ ذاك إلى الأستاذ عباس محمود العقاد كتابي: "رسالة الفكر في زمن العدوان: رؤية نقديّة مُعاصرة في الأدب والفلسفة والتصوف والسياسة" والذي طبع في طبعته الأولى في العام (2016م).

إنما الذي يجعل المثل الأعلى مذكوراً الآن، وفي كل آن، ليس عَرَضَاً سافراً بل قصداً مباشراً يتصل من قريب بالخشية المؤلمة على الجيل الجديد، وهو الجيل الذي فقد القدوة وسقطت لديه - كما تقدّم - قيم الوطنية والدين واللغة والهويّة؛ لأنه فقد الاكتراث بعطايا الوجود الروحي وقيمه الثابتة من حيث اتصالها بالدين والحضارة والوطنية واللغة والهُويّة.

فإنَّ أخشى ما نخشاه على هذه الأمة، أن يأتي عليها اليوم الذي تنسى فيه رموزها الثقافية والمعرفيّة، تنسى العلماء، والمفكرين، والفلاسفة، وكبار الباحثين المختصين في فروع المعرفة الإنسانية، وأقطاب الرأي ودعاه التهذيب؛ فلا يذكر أبناء هذه الأمة أنَّ لها رجالاً تعبوا في خدمتها من حيث تعبوا في البحث عن القيم والأسس الثوابت التي يترقى فيها الإنسان مرتقى آخر غير ما يرتقيه في حياته من ماديات.

أخشى ما نخشاه أن ينسى الناس يوماً أن هنالك رجالاً عرفوا أن للأدمي قيمة خالدة غير القيمة المادية المظنونة التي تعترك حياته وتستغرق كافة مناشطه واهتماماته، فلا يلتفت إلى ما هو أبقى وأدوم في محيط الحياة. إنّ أخشى ما نخشاه أن ينسى الناس يوماً عناء الفكر وهموم الثقافة ووجود الحياة الروحيّة؛ ليستغرقوا في ظلمة من العدم هى بالضبط أوهام نور المدنية يحيونها بما عساهم يستوردونه من علوم الغرب وكشوفات الغرب واختراعات الغرب؛ حياة التقليد والاتباع لا حياة الفاعليّة والمشاركة الإيجابية وابتكار التجديد. يعيشون في ظلالها على غفلة، وفي كنفها يتعاملون ويحيون ويسيحون بغير يقظة وتنبيه لما في قواهم الباطنة من مصادر الثقة بالغيب. ينسون كيف كان المفكرون يعيشون ويحيون حتى يخرجوا لهم في كتاب أو في دراسة ثمار أفكارهم حيّة وباقية، أو يدونوا لهم رأياً، أو يفكروا في قضة من قضايا الحياة، أو فيما بعد الحياة من مسائل المصير.

أخشى ما نخشاه أن ينسى الناس يوماً أن العلماء كانوا في الزمن القديم يُقَوَّمون بثمرات عقولهم؛ لأن الناس أيضاً في الزمن القديم كانت تنتظر مثل تلك الثمرات. أمّا في هذا الزمن؛ فإن الناس في بلادنا تنتظر ما عساه يرد عليهم من اختراع الغرب، ومن كشوفات الغرب، ومن إمكانيات الغرب، ومن علم علماء الغرب، ومن عولمة الغرب، ومن حداثة الغرب: شعوب تعودت لذاذة الانتظار والصبر عليه ثم الاستهلاك لإنتاج الآخرين، وإبداع الآخرين، وثقافة الآخرين، وثمرات عقول الآخرين بغير مشاركة فعالة وبغير إسهامِ حقيقي فيما ينتجه العالم المتقدم من تقدّم علمي وتكنولوجي. إنّ أخشى ما نخشاه أن ينسى الناس يوماً إن وجودنا في هذه الحياة الدنيا مرهون بفاعلية القيمة، ما لم يكن بإرادتنا، وما لم تكن لنا حياة حقيقية نحياها وفق تلبية مطالب الروح كما تعلمناها من تعاليم العقائد الكتابية الكبرى: اليهودية والمسيحية والإسلام، وأن هذه العقائد مع التطور الفكري البشري شابها شئ من التحريف والجمود، ولا بدَّ فيها من تصحيح ما انحرف وتجديد ما جمدت عليه العقول، ونبضت به القلوب، لا بدَّ من ثورة بإزائها مُغيرة ومُبدّلة ماضية نحو التصحيح.

إذا لم نكن في أنفسنا قادرين على مثل هذا التغيير؛ فحقيقٌ بنا أن نسلب الذات والهُويَّة، وأن تسيطر علينا أطماع الشعوب القويَّة، وأن نكون لقمة سائغة لأنياب الذئاب المفترسة من سياسيات الدول العظمى؛ بل أولى بنا باطن الأرض من ظاهرها.

أي نعم ..! أولى بنا باطن الأرض من ظاهرها. إذا لم نتغيّر؛ فتعتدل - على أقل تقدير - على أسنان أقلامنا منظومة القيم، وعلى أفعالنا ما عساه يوافق عقائدنا ممّا عساه يؤكد وجود تلك القيم؛ فالزمن الذي نعيشه هو بحق زمن القيم الساقطة. إنّ نصيبنا بغير شك من منظومة القيم العليا؛ الباقية، الخالدة، أقل بقليل ممّا كان، وممّا ينبغي أن يكون؛ فما من فضيلة من الفضائل ولا خُلَّة طيبة من الخلال، ولا نزعة من النزعات الشريفة الخيّرة إلا في طريقها إلى الزوال. ولك أن تنظر لترى أن الكل حولك يأكل بعضه بعضاً، والصادق يهتز في صدقه وتصيبه قشعريرة أليمة أشبه ما تكونً بقشعريرة الموت، من حيث لا يجد أحداً يسعفه في صدقه ليعْبُر به شواطئ الأمان. والكاذب المُضلل الأفَّاق هو اليوم السيد وابن الأصول. والحق أضحى فريسة تحت أنياب المرائين. والقيم الرفيعة دهستها أنعال المستبدين. ما من قيمة شريفة - يا صاح - إلا زالت أو كادت في هذا الزمن الأهوج اللعين.

ولن يكون لنا نصيبٌ من القيم إلا إذا رحنا ننبش في أعماقنا الإنسانيّة كيما نتَسَمَّع صوت الله فينا، في ضمائرنا، نناجيه ويناجينا؛ لترتفع - بتلك المناجاة - عقولنا نحو التصحيح؛ ولترتفع أدمغتنا عن غواشي التخطيط المقلوب؛ ولنسمو بضمائرنا وبصائرنا عن حماقة الضلالة وعكارة التضليل.

يومئذِ فقط ندرك أن وجودنا الروحي هو الأبقى والأخلد من كل وجود مادي مصيره الفناء رغماً عن أنف الكبراء والصغراء سواء. لقد فقدنا القيم أو كدنا، وأضحى ترتيب سلمها مقلوباً، وأختل لدينا نظامها، فصار أوَّلها عندنا أدناها، وأعلاها أسفلها وأولاها بالرعاية والاهتمام هو من أشدّها نكاية وإهمالاً، وذلك لأننا فقدنا الاكتراث بغير ما يعتقده مألوف الناس؛ فالناس قد تعودوا سقوط القيم من حياتهم، وتعودوا أن يألفوا المنافع القريبة، حتى إذا ذكرتهم بكيان إنساني، بالوجود الروحي،  ليس ها هنا أعلى ولا أمثل ولا أخلق اكتراثاً منه، جرى على غير ما يألفون، فصادف غصّة في حلوقهم، ومعاناة لم تحصّلها فيهم سوى فضيلة الجهاد الشريف.

الوجود الروحي إنما هو قمّة "القيم" الباقية: علويّة متفاعلة ومتراكمة في باطن الإنسان، وفي داخله، توجِّهه إلى كل ما هو نافع فيما لو استمع صادقاً لنداءاتها، يصقلها صحيح الدين، ويذكيها الأدب الرفيع، ويهذبها الفن الهادف الجميل، وتستمد روافدها من ينابيع التصوف والأخلاق، أو بالأحرى هي مصدر جميع هذه الفنون والعلوم والثقافات في أعمق أعماق الإنسان. وسيجد القارئ عند التأمل في هذا حديثاً مباشراً أو أحياناً غير مباشر عن قيم الوجود الروحي في الدين والتصوف، وفي الفن الرفيع والذوق العالي. غير أنني أنتهز هذه الفرصة لأقول في تلك العجالة: إننا أمام واقع أسود مرير، مشحون بالدعوة إلى "اللا قيم" وبالتحلل من الأخلاق في ميادين ينبغي أن تكون فيها الأخلاق مقدَّمة على سواها، وبالفوضى الفكرية والثقافية، وبالضحالة العلمية والحذلقة بالجهل والادعاء، وبالابتذال والإسفاف فيما عساه يقدّم إلى الجمهور من أقوال وأفكار وأعمال: المكتوب فيه ضعيفٌ مُسِفِّ سخيف. والمشاهد المرئي على شاشات التليفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي على اختلاف أصنافها وأنواعها "مقرف" وتافه ومنفِّر ومُمل. والمسموع عبر شبكات الإذاعة ووسائل الإعلام  مؤذي ومبتذل ورخيص ..

فأية خشية من بعدُ نخشاها على الأجيال الجديدة أخطر وأعظم من خشيتنا على فقدان القيم من حياتنا الفاعلة، وغيبة العناية أو فقدانها بالوجود الروحي للإنسان على التعميم، ثم انتكاس الضمائر واضمحلال الأخلاق، وتقويم قيم الحياة مجتمعة كلها بالمعيار المادي؟!

فأية خشية، وأية بلوى، وأي حزن، وأي هلع على وطن في طريقه إلى فقدان الضمير، وإلى السخرية اللاذعة من نداء الاستقامة ودعوات الصلاح؟ أي مصاب أفظع عندنا من مصاب أمة تحتضر فيها القيم, وتعيش أشباحَاً ضارية بعيدة عن فضائل الإنسانية، وأجيال في العموم تولد لتموت، ومؤسسات توظّف نشاطها توظيفاً خبيثاً لخدمة مآرب صهيونيّة، واستغلال مادي لم يسبق له مثيل لموارد الأوطان وأقوات المواطنين، ويكفي في هذا السياق الإشارة فقط إلى التعليم الخاص: مدراس خاصة وجامعات خاصّة؛ صرفت عنايتها فقط على العوائد المادية، وأصبح ملف التعليم يخلو تماماً من قيم باقية نافعة ... ومع تشجيع الفساد فيه وفي غيره من مرافقنا الحيويّة إلى أين تسير هذه الأجيال؟

أإلى المصير المشئوم أم إلى حتف لها مجهول؟!

وعليه؛ فإنْ لم نكن بإرادتنا مستمسكين بفضائل وجودنا الروحي، قادرين على امتثال مطالبه، منفذين لمعطياته الضروريّة وواجباته الخلقية، واثقين من ثقافتنا الوجوديّة وأعمالنا التهذيبية؛ فلننتظر حتى يكون " التحدي" بادرة تُفْرَض علينا رغماً عن أنوفنا؛ ليعلنها صرخة مدويّة أمام المجموع:

ألا فاستسكوا بما هو أبقى لكم في الدنيا والآخرة، وفتشوا جادين عما في أنفسكم من معدن الهُّويّة العصماء.

***

د. مجدي ابراهيم

 

الجهميّةُ أو المُعَطِّلَةُ هي فرقةٌ كلاميَّة تنتسب إلى الإسلام. وهي إحدى فرق غلاة المُرجئة التي ظهرت ردًا على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب، (فهناك من يرى أنها فرقة تأويليّة تنزع للعقل، بينما ينظر أغلب أئمّة أهل السنة والجماعة إليها على أنها فرقة مارقة وذات أفكار وعقائد فاسدة، بل وينكرون نسبتها إلى الإسلام.) (1).

ظهرت الفرقة الجهميّة في الربع الأول من القرن الهجري الثاني على يد مؤسسها "الجهم بن صفوان" الترمذي، الذي ولد في الكوفة ونشأ فيها، وهناك رافق "الجعد بن درهم" بعد قدومه إلى الكوفة هارباً من دمشق وتأثر بتعاليمه. وهو – أي الجهم - من الجبريّة الخالصة، ولقد وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية للإله.

قتل "الجهم بن صفوان" عام 128 هجري بعد اشتراكه مع "الحارث بن سريج التميمي" في الثورة على الدولة الأمويّة. وبعد مقتل "الجعد بن درهم" على يد "خالد بن عبد الله القسري" عام 105هـ، واصل الجهم نشر أفكاره وصار له أتباع إلى أن تم نفيه إلى (ترمذ) في خراسان حيث نشأت ثورته هناك. (2).  (ويقال لهم مرجئة أهل خراسان، وترمي معتقداتهم إلى إرجاع المسلمين إلى العقائد السائدة فى العصر الجاهلي).(. (3).

وكان هؤلاء الجَهْميَّةُ العَقَبةَ الكَؤودَ في طريقِ العقيدةِ السَّلَفيَّةِ النَّقيَّةِ وانتشارِها كما يقول مشايخ وفقهاء السلفيّة، حيثُ صرَفوا أو أبعدوا عُلَماءَ السَّلَفِ عن نَشرِها بما وضَعوا أمامَهم من عراقيلَ شغلَتْهم، وأخذَت الحيِّزَ الأكبرَ من أوقاتِهم في ردِّ شُبُهاتِ الجَهْميَّةِ، ومجادلاتِهم لهم، وخصامِهم معهم، وقد يظُنُّ بعضُهم أنَّها أمسَت حديثَ الماضي والتاريخِ، إلَّا أنَّ الواقِعَ يشهَدُ تأثُّرَ كثيرٍ من الفِرَقِ بها، كالمُعتزِلةِ والأشاعِرةِ، بل إنَّ لقَبَ الجَهْميَّةِ غلَب على المُعتَزِلة في عهدِ المأمونِ.

هذا وقد أفتى علماء ودعاة السلف آنذاك بمروق "الجهمية" من الدين.

قال ابنُ تيميَّةَ: (أوَّلُ من أنكَر حقيقةَ محبَّةِ اللهِ لعَبدِه والعبدِ لرَبِّه في الإسلامِ هو الجَعدُ بنُ دِرهَمٍ). (4)

وقال أيضًا: (كان الجَعدُ هذا أوَّلَ من ظهَر عنه التَّعطيلُ بإنكارِ صفاتِ اللهِ تعالى، وبإنكارِ محبَّتِه وتكليمِه). (5)

وقال الذَّهبيُّ: (عِدادُه في التَّابعينَ، مُبتدِعٌ ضالٌّ، زعم أنَّ اللهَ لم يتَّخِذْ إبراهيمَ خليلًا، ولم يُكلِّمْ موسى، فقُتِلَ على ذلك بالعِراقِ يومَ النَّحرِ) (6).

وقال أبو حنيفة في "جهم بن صفان": (إنه كافر ضال لما بلغه من مخالفاته الكثيرة لعقيدة أهل السنة والجماعة.

وذكر الفقيه ابن قيم الجوزية في قصيدته المعروفة باسم "النونية"، أن خمسمائة من علماء البلدان المختلفة أفتوا بذلك) (7). وهذا ما أوجد مسوغًا شرعيًّا قويًّا للأمويين فى شن الحرب عليهم بعد انضمامهم لتمردات (الموالي) التي حدثت فى الولايات الشرقيّة من الدولة.(8).

مع بداية القرن الثالث للهجرة بدأت الجهمية بالانحسار، ويرى بعض العلماء والمؤرخون أن الجهمية لم تنته فعلاً، فقد جاء بعدهم من وافقهم في بعض معتقداتهم، كالمعتزلة في نفيهم صفات الله الأزليّة، وتأويلهم للصفات التي تشعر بالتشبيه، وقولهم بأن القرآن مخلوق، ونفيهم رؤية الله في الآخرة. وأما الأشعريّة والماتريديّة فقد وافقوهم في تأويلهم للصفات التي تشعر بالتشبيه، كاليد والوجه، وفي تعطيل صفات الله الأزليّة. (9).

معتقدات الجهمية:

1- تنزيه الله ونفي التشبيه، وتأويل الآيات التي تشعر بالتشبيه، كيد الله ووجهه سبحانه وتعالى.

2- ومن الصفات التي أولوها صفة الكلام، فكانوا يقولون إن كلام الله إنما هو داخل نفسه – سبحانه وتعالى – وترتب على ذلك القول بخلق القرآن.

3- كما نفوا رؤية الله في الآخرة واحتجوا بقوله تعالى: {لا تدركه الأبصار}، وقالوا بأن طبيعة الإله أعلى من أن ترى بالأبصار البشرية.

4- نفي صفات الله الأزلية، كالقدرة والإرادة والعلم، وقالوا بأن هذه الصفات هي عين ذاته، وليست مستقلة عنه، أي أنه ليس قادراً بقدرة غير ذاته، وليس مريداً بإرادة غير ذاته، وليس عالماً بعلم غير ذاته.

5- الإنسان لا يوصف بالاستطاعة على الفعل، بل هو مجبور بما يخلقه الله من الأفعال مثل ما يخلقه في سائر الجمادات، ونسبة الفعل إليه إنما هو بطريق المجاز كما يقال: جرى الماء وطلعت الشمس وتغيَّمت السماء.. إلى غير ذلك، وبسبب هذه النقطة يعدون من الجبرية.

6- الإيمان عقدٌ بالقلب وإن تلفظ الشخص بالكفر، وأن الإيمان لا يضر معه شيء، وبسبب هذه النقطة يعدون من المرجئة.

7- أن الله موجود بالأمكنة كلها، وهو كما يقول ":ابن خزيمة" في "التوحيد": (هذا الهواء مع كل شيء وفي كل شيء ولا يخلو منه شيء.).

8- القول بفناء الجنة والنار، حيث قالو أنه لا يتصور حركات لا تتناهى أولاً، فكذلك لا يتصوَّر حركاتٌ لا تتناهى آخراً، وحملوا قوله تعالى: {خالدين فيها أبداً} على المبالغة، واستدل الجهم بن صفوان على الانقطاع بقوله تعالى: {إلا ما شاء ربك}، وقال: (ولو كان مؤبداً بلا انقطاع لما استثنى) (10).

الرد على الجهميّة:

رد أهل السنة على نفيهم صفات الله الأزلية، وتأويلهم للصفات التي تشعر بالتشبيه، فقالوا: بأنه يجب الإيمان بما جاء في القرآن والسنة وما كان عليه الصحابة ومن بعدهم من الإيمان بالصفات على الحقيقة من غير تحريف ولا تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه.

كما رد أهل السنة على قولهم بأن (الإيمان لا تضر معه معصية) فيما يعرف بقاعدة الإيمان يزيد وينقص، فقالوا: بأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

ورد أهل السنة أيضاً على قولهم بأن (الله موجود في الأمكنة كلها)، بأنه ثبت في القرآن والسنة أن الله فوق السماء واستدلوا بقول الله تعالى (الرحمن على العرش استوى) وقوله (وهو القاهر فوق عباده) وقوله (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض) وقول النبي صلى الله عليه وسلم للجارية (أين الله؟) فقالت في السماء فقال (من أنا؟) فقالت أنت رسول الله فقال (أعتقها فإنها مؤمنة)

وأما قولهم بفناء الجنة والنار، فقد اعتُبر مخالفاً لصريح القرآن والأحاديث. (11).

ملاك القول: إن من ينظر في معتقدات الجهميّة وردود أهل السنة والجماعة عليهم، يجد أن كلا الطرفين قد أدخلا أنفسهما في قضايا لا يعلم بها إلا الله، كقضية الصفات، والقدم، وخلق القرآن، وموقع الايمان والكفر، وفناء الجنة والنار، وهل يرى الله يوم القيام أو لا، وغير ذلك من قضايا لا تتعلق أصلا بوظيفة الدين ومكانته في حياة الناس الاجتماعيّة ومصالحهم ، كونه نزل أصلاً لحل مشكل الناس ورفع الظلم عنهم، وتحقيق العدالة والمساواة بينهم، فأدخلوا أنفسهم في قضايا كما قلت لا يعلم بها إلا الله فاقتتلوا وكفروا بعضهم ولا زالوا على ذلك سائرين.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سوريّة

............................

الهوامش:

1- (موقع اليوم السابع - "الجهمية".. لماذا كفرهم أئمة السنة وهل لهم أتباع حتى الآن؟ - محمد عبد الرحمن).

2- الويكيبيديا. بتصرف.

3- (موقع اليوم السابع - "الجهمية".. لماذا كفرهم أئمة السنة وهل لهم أتباع حتى الآن؟ - محمد عبد الرحمن).

4- (موقع الدرر السنيّة - الفَصلُ الأوَّلُ: التَّعريفُ العامُّ بالجَهْميَّةِ).

5- التعريف بالجهميّة - المرجع نفسه.

6- التعريف بالجهمية - المرجع نفسه.

7- (موقع اليوم السابع - "الجهمية".. لماذا كفرهم أئمة السنة وهل لهم أتباع حتى الآن؟ - محمد عبد الرحمن).

8- موقع الدرر السنيّة - الفَصلُ الأوَّلُ: التَّعريفُ العامُّ بالجَهْميَّةِ.

9– (موقع المعرفة - الجهميّة - عقيدة الجهميّة). كما يراجع في عقائدهم موقع الويكيبيديا.

10- موقع المعرفة – الرد على الجهميّة.

11- لمعرفة أهم شخصيات التيار الجهمي وردود مشايخ وفقهاء السلفية عليهم، يراجع موقع الدرر السنيّة - التَّعريفُ العامُّ بالجَهْميَّةِ -الفَصلين الثاني والثالث.

في عالَم تكتظّ فيه القضايا والمواضيع الساخنة في كل يوم بمختلف الأصعدة وفي شتى الحقول السياسية منها والاجتماعية والثقافية والاجتماعية والدينية وغيرها، نميل لتبنّي مواقف شخصية إزاءَها؛ لاعتبارات عدّة، ليس أقلّها أن نواكب النقاشات اليومية، ولكن السؤال الذي يطفح على السطح: هل من الطبيعي أن يكون لنا رأي شخصي في كل موضوع يُطرح؟ خاصةً مع هذا الكم الهائل الذي تغرقنا به القنوات المعرفية من كل حدب وصوب، ولعل الإجابة البديهية: كلا، ولكن تطبيقاتنا اليومية تعاكس ذلك إلى حد كبير، إنْ بسبب طبيعة أدمغتنا الميّالة إلى محاولة سدّ الفراغات وعدم قبول الفجوات بلا تفسير ولو بشبه إجابة، وإنْ بسبب إكراهات تفاعلاتنا الاجتماعية التي تملي علينا الانخراط في المواضيع المطروحة والمنافَحة عن أحد اتجاهاتها لإثبات الذات أو السعي وراء الاعتراف الاجتماعي أو غيرها من الأسباب النفسية والاجتماعية، هذا أو ذاك أو غيره، ما نلمسه جليًا من الواقع أننا متلبّسون على نحو كبير بالاندفاع إلى تشكيل آراء شخصية متسارعة في مختلف القطاعات.

ليس لدي رأي، لا أدري، لا توجد لدي أدلة كافية تسعفني للانحياز لرأي دون آخر، ليس هذا الموضوع من اهتماماتي، كلها عبارات أصبحت تفتقر إليها أوساطنا بشكل حقيقي اليوم، فصرنا ننبري في كل محفل وفي كل قضية تُتداوَل بالرأي الذي نتبنّاه إزاءَها؛ ربما استحياءً من عدم اتّباع الجموع التي تتباهى برأيها وإن كان آراؤها مجرّد تقليد وتبعيّة ليس إلا، وربما انتفاخا بجانب من معرفة اطّلعنا عليها، أو لِخَلْطنا بين كثرة آرائنا وثقل هُويّتنا، وربما لأسباب أخرى، المشروعة منها وغير المشروعة.

إنّ الرأي الحصيف يتطلب استفراغ الجهد في فحص الأدلة والتفتيش عن الثغرات قبل الاستقرار على رأي شخصي، وهذا ما لا يسعفه وقتنا المتاح وسط التزاماتنا اليومية، ناهيك عن التضخم الهائل لعدد المواضيع التي يتم طرقها يوميا إنْ على الصعيد المحلي وإنْ على الصعيد العالمي، فإذا كان ذلك كذلك، فمن الطبيعي جدا أن نتوقف عن تبنّي أي اتجاه إزاء حزمة واسعة من تلك القضايا المحمومة، وأنّ أي سقوط في فخّ الاصطفاف وراء أيّ اتجاه فهو محتوم بالقصور وعدم الاتزان، لنجد أنفسنا بعد ذلك عبارة عن آراء مشوّشة مشوّهة باهتة الملامح.

لا بأس أن يكون لنا رأي - على تفاوت درجات التبنّي - بين الفينة والأخرى، ولكن أن تكون استجابتنا التلقائية لكل موضوع شائك تلوكُه الألسنة بإظهار رأي شخصي تجاهه فهذا هوسٌ يوقعنا في حرج عقلي كبير، ووعي سطحي مقرف، ثم مَن زرع فينا وجوب تبنّي رأي شخصي في كل قضية يُثار الجدل حولها أو مقاربة يتم تداولها؟ وهل ذلك من متطلبات الشخصية الواعية أو المثقفة أو المواكبة وغيرها من المصطلحات الرنّانة؟

مهما يكن من أمر، أودّ أن أختم بلفتةٍ دقيقة، وهي أنّ تبنّي الآراء حينما نجد في أنفسنا التأهّل لذلك ينبغي أن يكون تبنّيا قابلا للتراجع عنه، وليس حكما نهائيا؛ لأن الآراء تستند إلى المعرفة المتحصلة وفق الأدوات المتاحة والمحددات الموجودة، وسمة المحدودية هذه تفرض عليها ألا تكون مطلقة؛ ولذا من الطبيعي جدا أننا حينما نتبنّى رأيا ما أن نتراجع عنه لاحقا، على أن هذا التراجع لا يشترط أن يكون انزياحا من رأي إلى رأي آخر، بل من الطبيعي جدا أن ننتقل إلى وضعية عدم وجود رأي بالمرّة متى ما تضافرت القرائن المعرفية التي ترجعنا إلى المربع الأول وهو الحيادية، وأنْ نكون خِلوًا من الانحياز لأي اتجاه في بعض المواضيع الجدلية، ونكتفي بممارسة دور المراقب بكل وعي واتزان، ولك أن تتخيل بَهاء طبيعة أوساطنا المعرفية حينما تزدهر فيها ثقافة الاتزان في تبنّي الآراء وعدم الانسياق خلف كل (ترند) محموم.

***

محمـــد سيـــف

قراءة تفكيكية من داخل المشغل الأصولي

​لم تأتِ قناعتي بأن الفتوى اجتهادٌ بشري من موقفٍ عدائي تجاه الحوزة العلمية في النجف الأشرف، بل كانت ثمرة سنوات من الدراسة المعمقة وقراءة كتبها التأسيسية في علم أصول الفقه والاجتهاد.

​لقد كان رفيقي في هذه الرحلة البحثية متون فكرية رصينة؛ من بينها كتاب «النظرة الخاطفة في الاجتهاد» للشيخ محمد إسحاق الفياض، وكتاب «الاجتهاد والفتوى» للسيد محيي الدين الغريفي، و**«الاجتهاد والتقليد»** لزعيم الحوزة العلمية السيد أبي القاسم الخوئي بتقرير الشيخ غلام رضا عرفانيان. كما عكفتُ على دراسة «أجود التقريرات» (تقريرات السيد الخوئي لأبحاث أستاذه المحقق الميرزا محمد حسين النائيني)، وانفتحتُ على مناهج الاستنباط المعاصرة مثل «مباني الاستنباط» للسيد محمد الحيدري، مستنيراً بأبحاث ومحاضرات أساتذة فضلاء كالسيد عدنان البكاء، ومستلهماً من التراث العلمي الغني لمرجع الطائفة السيد عبد الأعلى السبراوي في آثاره الفقهية والأصولية.

​١. ميكانيكية الاستنباط: كيف تصنع الأدوات البشرية نصاً فقهياً؟

​قبل خوض هذه الغمار العلمي، كنت أظن -كغالبية الناس- أن الفتوى تمثل الحكم الإلهي والشرع السماوي بصورة مطابقة ومباشرة. غير أن الولوج إلى كواليس "المشغل الأصولي" يكشف حقيقة مغايرة تماماً؛ فالأصوليون يقررون بوضوح أن الفقيه لا يصنع الحكم الإلهي ولا يتلقاه بالوحي، وإنما يبذل أقصى وسعه العلمي عبر منظومة معقدة من القواعد اللغوية، والعقلية، والشرعية للوصول إلى "الحجة".

​إن هذه المنظومة تقوم على ركائز استدلالية صاغتها وطورتها عقول البشر عبر القرون، وليست نصوصاً توقيفية مقدسة:

​حجية الظهور: وهي قاعدة لغوية عقلائية تعتمد على فهم العرف البشري للألفاظ والسياقات، والظهور بطبيعته احتمالي لا قطعي.

​حجية خبر الواحد: وهي مسألة أصولية شائكة تدور حول مدى وثوقية نقل الرواة لحديث الآحاد، والقبول بها قائم على أدلة ظنية اعتبرها الشارع مرخصة للعمل، لا مفيدة لليقين التاريخي المطلق.

​مباحث التعارض والترجيح: وهي قواعد عقلية وضعها الأصوليون لفك التشابك والتناقض الظاهري بين النصوص (الروايات)، مما يعكس تدخلاً عقلياً بشرياً مباشراً لترتيب الأولويات الاستدلالية.

​٢. مملكة الشك والأصول العملية: هندسة إدارة الحيرة

​تتجلى بشرية الفتوى بأوضح صورها في أبحاث "القطع والظن والشك". عندما ينسد باب العلم (اليقين بالواقع الإلهي)، يجد الفقيه نفسه وجهاً لوجه أمام الشك. هنا لا يتوقف عن الفتوى، بل يلجأ إلى ما يُعرف بـ «الأصول العملية»:

​البراءة: (كل شيء لك حلال حتى تعلم أنه حرام) - وهي رخصة لتسهيل حياة البشر عند عدم وجدان الدليل.

​الاستصحاب: (إبقاء ما كان على ما كان) - وهو حكم ظاهري للمتردد يعتمد على الاستمرارية الزمنية للحالة السابقة.

​الاحتياط والتشاغل: لتأمين المكلف من العقاب الافتراضي.

​إن هذه الأصول لا تكشف عن الحكم الواقعي الذي أراده الله في اللوح المحفوظ، بل هي مجرد "وظائف عملية للمتحيّر" وضعها الشارع لإدارة العجز البشري عن إدراك الحقيقة المطلقة. فكيف يمكن بعد ذلك وصف المنتج النهائي (الفتوى) بأنه يمثل الإرادة السماوية القطعية؟

​٣. صراع المباني: لماذا يختلف المراجع؟

​إن رصد الاختلافات الفقهية بين المراجع ليس رصداً لاختلافٍ طارئ أو شخصي، بل هو نتاج طبيعي وموضوعي لـاختلاف المباني الأصولية.

​قد يتفق فقيهان على نفس النص القرآني ونفس الرواية، ولكنهما يختلفان في النتيجة اختلافا جذرياً:

​أحدهما يرى حجية "الشهرة الفتوائية" كجابر لضعف السند (كما هو مبنى بعض المتقدمين)، بينما يرفضها الآخر تماماً كالسيد الخوئي الذي يصفها بأنها لا تسمن ولا تغني من جوع استدلالي.

​أحدهما يقدم "أصالة الاحتياط" في مسألة معينة بناءً على مسلك "حق الطاعة" (كمبنى السيد الشهيد محمد باقر الصدر)، والآخر يجري "أصالة البراءة" بناءً على مسلك "قبح العقاب بلا بيان" (كمبنى المحقق النائيني).

​هذا التباين الهندسي في تأسيس القواعد يثبت بالدليل القاطع أن الفتوى صياغة فكرية إنسانية، ورأي تخصصي محكوم بالخيارات المنهجية للفقيه، وليس نقلاً حرفياً للإرادة الإلهية.

​٤. الحد الفاصل: بين قدسية الوحي وبشرية الفتوى

​من هنا، يصبح التفريق حتمياً بين قدسية الوحي وبشرية الفتوى:

​الوحي: ثابت، مطلق، معصوم، ولا يتغير بتغير الأزمنة والأمكنة.

​الفتوى: قراءة بشرية نسبية وتاريخية للوحي، تتأثر بالأدوات العلمية للفقيه، وبمستوى تطور العلوم المعاصرة له، وبظروفه وبيئته الاجتماعية والسياسية.

​إن عدم التفريق بين هذين الحقلين يؤدي إلى منزلق خطير؛ وهو إلباس الفهم البشري رداء العصمة الإلهية، وصناعة جدار سميك يمنع نقد الفتاوى وتطويرها بما يلائم حركة الزمن وحاجات المجتمع المتجددة.

​٥. نحو احترام العلم لا تقديس الرأي

​إن نقدي لآلية تقديم الفتوى في الفضاء العام ليس استهدافاً للدين، ولا تقليلاً من شأن الحوزة العلمية وجهود علمائها الإجلاء؛ بل هو دعوة للعودة إلى جوهر ما تقرره كتب الأصول نفسها: المجتهد يخطئ ويصيب.

​إن احترامنا للفقيه ينبع من كونه باحثاً أكاديمياً بذل جهداً مضنياً في دراسة النصوص وفهمها، وتوقيرنا له هو توقير للعلم والتخصص. لكن هذا الاحترام يجب ألا يتحول إلى "تقديس" يعامل الرأي الفقهي (الذي هو ظن معتبر في أحسن أحواله) كعقيدة معصومة لا تقبل النقاش أو المراجعة.

​إن فتح الباب للاعتراف ببشرية الفتوى هو الضمانة الوحيدة لحيوية الفقه الإسلامي، وهو السبيل لرفع القداسة الزائفة عن القراءات البشرية للنصوص، ليبقى الفكر مفتوحاً على التطوير، والتحديث، والنقد العلمي البنّاء.

***

​ستار الزهيري

١٤ تموز ٢٠٢٦ | ١ صفر الخير ١٤٤٨ هـ

الجنس بيولوجياً هو منظومة حيوية متكاملة تتجاوز الفعل الميكانيكي، لتشمل التفاعل الدقيق بين الهرمونات، والأعضاء التناسلية، والجهاز العصبي، بهدف ضمان استمرار النوع من خلال الوظيفة الإنجابية؛ بينما في مرحلة الطفولة، لا يوجد "جنس" بالمعنى الوظيفي، بل يمر الأطفال بما يُعرف بالاستكشاف الحسي البسيط، وهو سلوك طبيعي يعبر عن وعي الطفل بجسده ضمن نموه الإدراكي، ولا يرتبط بأي دافع جنسي أو قدرة إنجابية، حيث تظل الأجهزة التناسلية في حالة سكون تام وتفتقر للوقود الهرموني.

تبدأ جذور التطور الإنساني من المرحلة الجنينية التي تشهد نشاطاً ميكانيكياً للأعضاء التناسلية، مثل الانتصاب الجنيني؛ هذا النشاط هو استجابة فسيولوجية لا إرادية ناتجة عن تدفق الدم ونمو الأنسجة، ولا يمت بصلة لأي غريزة أو رغبة نفسية، إذ يفتقر الجنين في هذه المرحلة إلى الجهاز العصبي المتطور والقشرة المخية المسؤولة عن إدراك اللذة أو توجيه الدافع الجنسي.

بعد الولادة، يدخل الجهاز التناسلي في مرحلة طويلة من "السكون الوظيفي" التي تستمر طوال سنوات الطفولة، حيث تتسم هذه المرحلة بالتركيز على غريزة البقاء وتطور التعلق العاطفي، مع غياب كامل للوقود الهرموني اللازم لإنتاج الحيوانات المنوية، وتظل الخلايا المسؤولة عن النطاف خامدة بيولوجياً لعدم وجود إشارات كيميائية كافية من الدماغ  تحت المهاد والغدة النخامية

. وبناءً على ذلك، لا يمكن بيولوجياً إنتاج المني في سن السابعة أو الثامنة أو التاسعة في الظروف الطبيعية نظراً للبرمجة البيولوجية التي تحكم هذا التوقيت؛ وما يُسجل من حالات زواج مبكر تاريخياً في بعض المجتمعات هو ترتيب اجتماعي لا يغير من الحقيقة الفسيولوجية لعدم قدرة الجسد على الإنجاب قبل البلوغ، فالإنجاب في تلك الحالات هو نتيجة حتمية للبلوغ البيولوجي، حيث يبدأ الجسم حينها فقط في إفراز الهرمونات الجنسية وتفعيل عملية إنتاج النطاف، بينما تعد حالات البلوغ المبكر جداً (قبل سن العاشرة) استثناءات طبية مرتبطة باضطرابات هرمونية، وهي لا تشكل القاعدة الطبيعية لنمو الإنسان.

إن الغريزة الجنسية ليست مجرد فعل ميكانيكي، بل هي منظومة نضج عضوي وهرموني وعقلي لا يمكن لأي إنسان تجاوز مراحلها الزمنية، وتظل الحقيقة العلمية ثابتة في أن القدرة على الإنجاب مرتبطة حصراً بحدوث البلوغ الفسيولوجي الذي يكسر حالة السكون الوظيفي للجهاز التناسلي، وتترابط هذه المراحل لتؤكد أن الإنسان كيان بيولوجي محكوم بنظم زمنية دقيقة، حيث تتجلى حكمة التطور في هذا التدرج الذي يمنح الجسم فرصة كافية للنمو الهيكلي والنضج العقلي قبل تحميله بمسؤوليات الغريزة.

تعد الفجوة الزمنية بين النشاط الجنيني الميكانيكي والقدرة الوظيفية البالغة فترة حماية بيولوجية تضمن توازن الجهاز النفسي والعضوي للفرد، وعندما ينضج الدماغ ويتهيأ الهيكل الهرموني تتحول الغريزة من مجرد استجابة انعكاسية إلى دافع واعٍ؛ ومن هنا، يتضح أن الأطفال ليسوا ضحايا لغريزة داخلية لا يمتلكونها، بل هم ضحايا "إسقاطات خارجية" وتجاهل للطبيعة، حيث يحاول الكبار إقحامهم في ترتيبات اجتماعية تتطلب أدواراً إنجابية لا تسمح بها أجسادهم، ليظل فهمنا لهذه الحقائق العلمية مرجعاً أساسياً يضع حداً للخلط الشائع بين المظاهر السطحية والقدرة الحقيقية في تطور الجسد الإنساني.

***

ئاريان علي

لم يعد ممكناً الاستمرار في رعاية "الأوهام الثقافية" التي شيدتها نخبنا على مدى عقود. إن ما نسميه "تراجع الخطاب الثقافي" ليس مجرد انحسار في الكم، أو حالة عابرة من فقر الإبداع، بل هو انهيارٌ بنيوي في الجوهر، وسقوطٌ مدوٍ للأقنعة التي كانت تخفي خلفها خواءً فكرياً مزمناً. نحن اليوم أمام مشهدٍ ثقافيٍ عارٍ، فقدت فيه الكلمة قدرتها على التأثير، وصار المثقف -الذي كان يوماً "ضميراً للواقع"- مجرد "موظفٍ في شركة علاقات عامة"، يزين القبح، ويبرر الرداءة، ويغلف الانهيار بخطابٍ طنّانٍ لا طائل منه.

إن "سقوط الأقنعة" ليس حدثاً طارئاً، بل هو النتيجة المنطقية لمسارٍ طويلٍ من الخيانة المعرفية. لقد بدأت الحكاية حين تحولت الثقافة من "مشروع للتحرر" إلى "وسيلة للظهور". في البدايات، كان المثقف يمتلك "المسافة النقدية"؛ تلك المسافة التي تسمح له بأن يرى العطب في بنية الدولة والمجتمع، وأن يعبر عن ذلك بجرأةٍ لا تعرف المهادنة. أما اليوم، فقد ذابت هذه المسافة. صار المثقفُ جزءاً من "الآلة"؛ آلة الجوائز التي تُمنح وفق معايير المحاصصة والشللية، وآلة المهرجانات التي تُقام لتجميل وجه السلطة، وآلة الولاءات السياسية. وهكذا، فقدَ الخطابُ الثقافي "استقلاليته"، وتحول إلى "صدى" لأهواء مراكز القوة التي باتت تفرض شروطها على الفكر والإبداع.

التراجع في الخطاب الثقافي العربي ليس غياباً للمواهب بقدر ما هو غيابٌ لـ "المعايير". عندما تغيب المعايير النقدية الموضوعية، يسود "المتنمرون" و"المدّاحون". لقد شهدنا في السنوات الأخيرة صعود ظاهرة "المثقف الانطباعي"، ذلك الذي يمتلك فائضاً من العدوانية ونقصاً فادحاً في المنهج. هذا "المتنمر الثقافي" لا يقرأ النص، بل يقرأ الحسابات. إنه يمارس "الرقابة" على زملائه، ليس انطلاقاً من رؤيةٍ فكرية، بل من غريزةٍ اقصائيةٍ تحاول أن تنفي "الآخر" لتضمن لنفسها مكاناً تحت الضوء. إن سقوط القناع هنا يعني كشف الوجه الحقيقي لهذا الخطاب: خطابٌ يحمي "التفاهة" لأنها تشبهه، ويحارب "العمق" لأنه يفضح بساطته ومحدوديته.

وما يعمق من هذا المأزق هو "ارتهان المثقف للأيديولوجيا". فبدلاً من أن تكون الأيديولوجيا أداة لتحليل الواقع وتفكيك تناقضاته، تحولت إلى "أيقونة" للتقديس. لقد صار المثقف يكتب ليؤكد انحيازه المسبق، لا ليصل إلى الحقيقة. هذا "الإخلاص الأعمى" للأطر الجاهزة هو الذي جمد طاقة التفكير، وجعل الخطاب الثقافي يكرر نفسه في حلقةٍ مفرغة. إننا نكتب اليوم نصوصاً لا تلامس جرح الواقع، بل تنشغل بـ "تنميقِ الجروح" وتغطيتها بكلماتٍ منمقةٍ تليقُ بمنابرِ الاستهلاك الثقافي، لا بمنابر التغيير.

وفي هذا السياق، لابد من الإشارة إلى "سلطة الغوغاء" في الفضاء الرقمي. إن سقوط الأقنعة قد كشف أيضاً عن عجز النخب عن مواجهة "ديماغوجية التواصل". صار الخطاب الثقافي يُصاغ على مقاس "التريند"، حيثُ تُختزلُ القضايا الكبرى في تغريدة، ويُحاكمُ الفكر بناءً على شعبيته لا على عمقه. لقد انحاز المثقف للجمهور على حساب الحقيقة، خوفاً من "النبذ الرقمي"، فأصبح خطاباً باهتاً، يرضي الجميع، ولا يغير شيئاً. إن "سقوط القناع" هنا يعني اعترافنا بأننا صرنا نهتم بـ "عدد المعجبين" أكثر من اهتمامنا بـ "صلابة الفكرة".

أضف إلى ذلك، مأزق "اقتصاد الثقافة"؛ إذ باتت دور النشر والجوائز العربية خاضعة لمنطق الربح السريع. لقد تحولت الثقافة إلى "سلعة"، وأصبح الكاتب "منتجاً" يكتب وفقاً لمتطلبات السوق. إن هذا "التشييء" للمثقف وللنص أدى إلى انحطاط نوعي في الخطاب، حيث أصبحت القيمة تُقاس بالمبيعات، لا بالعمق المعرفي. المؤسسات الثقافية التي كان يُفترض بها أن تكون حاضنة للنقد والجدل الحر، تحولت في كثير من الأحيان إلى "شركات للعلاقات العامة"، تسوق أسماء محددة وتغيب أخرى لأسباب غير ثقافية، مما خلق "تنميطاً" في الذائقة العامة، ومنع بزوغ أصوات جديدة ومختلفة.

إننا أمام استحقاقٍ أخلاقيٍّ وجوديّ: إما أن يعود الخطاب الثقافي إلى "جذوره النقدية"، يمتلك الشجاعة لقول "لا" في وجه الرداءة والفساد الفكري، وإما أن نترك الساحة لمن يظنون أن الصراخ هو بديل عن الفكرة. إننا بحاجة إلى "ثورة في الكتابة"؛ ثورة تعيد الاعتبار للمعرفة كفعلٍ مقاوم، لا كفعلٍ استعراضي. نحتاج إلى مثقفٍ لا يخاف من عزلته، ولا يسعى لإرضاء "الجوقة".

إن سقوط الأقنعة هو في جوهره فرصة؛ فرصة لنرى الواقع كما هو، لنعترف بأننا في أزمة، ولنبدأ -بشجاعةٍ لا تعرف الخوف- في بناء خطابٍ جديد يليق بآلام الناس وطموحاتهم. خطابٌ لا يجمّل الواقع، بل يشرّحه، ولا يبرر الانكسار، بل يفكك أسبابه. إن التاريخ، يا صديقي، لن يحفظ سوى تلك الأصوات التي تجرأت على التعري أمام الحقيقة، ورفضت أن تختبئ خلف أقنعةٍ -مهما كانت جميلة- فإنها لا تحجبُ حقيقةَ العطبِ الذي ينهشُ جسدَ ثقافتنا. إن المسؤولية تقع اليوم على عاتق من لا يزال يؤمن بأن الكلمة يمكن أن تكون فعلاً تغييرياً، لا مجرد زينةٍ في فضاءٍ يمتلئ بالضجيج.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

الثقل المعرفي واستراتيجيات قلب النظرة

تمهيد: عندما يتحدث الصامت

في المخيال السوسيولوجي الكلاسيكي، ظلّت فكرة "المركز" و"الهامش" محكومة بمنطق ثنائي صارم، حيث يُعتبر الأول وعاءً للمعرفة والسلطة والشرعية، بينما يُختزل الثاني في صفة العدمية والفراغ والتلقي السلبي. غير أن هذا التصور، الذي تغذيه نظريات التحديث والمركزية الغربية، قد أهمل حقيقة جوهرية مفادها أن الهامش ليس مجرد مساحة جغرافية أو ثقافية مهمشة، بل هو حيز تاريخي مزدحم بالتفاعلات، ومليء بآثار الصدمات، ومشحون بطاقات المقاومة والتكيف. إن الهامش، بوصفه موقعاً وجودياً ومعرفياً، يمتلك ثقل معرفي ورمزي متراكم، يتشكل عبر قرون من الاحتكاك المباشر بالمركز. هذا المقال يسعى إلى تفكيك مفهوم "الثقل الهامشي" كأداة نقدية، وكشف كيف يمكن للهامش أن يتحول من مجرد موضوع للمعرفة إلى منتج لها، بل وكيف يستطيع أن يعكس النظرة على المركز عبر آليات "استشراق معرفي" معقدة، رغم ما يكتنف هذه العملية من مفارقات وأسر ثنائي.

تفكيك المركزية وتأسيس مفهوم "الثقل الهامشي"

لكي نفهم "الثقل الهامشي"، ينبغي علينا أولاً أن نخلع عن مفهوم "الهامش" رداء السلبية الذي ألبسته إياه الخطابات الاستعمارية وما بعد الكولونيالية المبكرة. فهو ليس صفحة بيضاء انتظرت حتى يخط عليها المركز تاريخه، بل هو أرض خصبة راكمت خبراتها الخاصة في التعامل مع النفوذ والسلطة. إذا تأملنا العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر، نجد أن الأخير اضطر، من أجل البقاء، إلى فك شيفرات المركز: تعلم لغته، وأتقن طقوسه، وتنبأ بردود أفعاله، بل واستبطن تناقضاته الأيديولوجية. هذا التراكم المعرفي، الذي يمتد لأجيال، هو ما نسميه "الثقل الهامشي". إنه يشبه ذلك المخزون الجيولوجي المعرفي الذي تترسب فيه طبقات من التمييز العنصري، والمقاومة المسلحة والسلمية، وأشكال التكيف اليومي، والهجنة الثقافية.

هذا الثقل لا يقاس بعدد الكتب أو الجامعات في الهامش، بل يقاس بعمق التجربة الإنسانية وصلابتها. فالمعرفة التي ينتجها هي "معرفة احتكاكية"، تولد من رحم الممارسة والتجربة الحيَّة، وليس من برج عاجي نظري. حين يعيش الفرد في الهامش، فإنه يختبر المركز كقوة نافذة في تفاصيل حياته: في قوانينه، اقتصاده، تعليمه، وحتى في أحلامه اليومية. هذه المعايشة القسرية للمركز تمنح الهامش قدرة فريدة على رؤية عيوب المركز وفضائحه الأخلاقية والمنطقية، وهي رؤية لا تتاح للمتمركز في داخله، لأن الأول يرى الثاني من الأعلى، بينما يرى الهامش المركز من الأسفل، حيث تنكشف الآليات الخفية للهيمنة دون رتوش بروباغندية.

المعرفة الهامشية ودقتها في تحليل علاقات النفوذ

غالباً ما يُزعم أن المعرفة المركزية هي الأكثر دقة وموضوعية، لأنها تمتلك أدوات منهجية متطورة. لكن هذا الادعاء يسقط حين ننظر إلى طبيعة المعرفة المنتَجة في الموقعين. المعرفة المركزية (الاستشراق نموذجاً) غالباً ما تكون معرفة "تأملية" أو "استنتاجية"، تعتمد على نصوص ووثائق قد تكون مشوهة، وتنظر إلى الآخر باعتباره موضوعاً جامداً يمكن تشريحه. في المقابل، المعرفة الهامشية هي معرفة "تراكمية" و"تفاعلية"، لأنها تنتج من داخل العلاقة نفسها؛ إنها معرفة بالعدو معرفة المصارع الذي يحصي أنفاس خصمه، أو معرفة التابع الذي يحفظ مفاتيح سيده.

إن دقة المعرفة الهامشية تنبع من كونها معرفة اضطرارية؛ فالذي يعيش على الأطراف يدرك أن أي خطأ في فهم نوايا المركز أو آلياته قد يكلفه حياته أو حريته. لذلك، تتطور لديه أدوات تحليلية دقيقة لقراءة النوايا الضمنية، وفك الرموز الأيديولوجية، وتفكيك الخطابات التي تختفي وراءها سياسات العنف. هذه المعرفة تتفوق على المعرفة المركزية في جانب حاسم: قدرتها على كشف التناقض بين المعلن والمضمر. فالمركز يعلن قيم الحرية والديمقراطية، بينما يمارس التمييز في مستعمراته؛ والهامش وحده، من خلال احتكاكه اليومي، يستطيع أن يرصد هذا التباعد بشكل حاد، وأن ينتج خطاباً نقدياً يكشف هذا النفاق، كما فعل فرانتس فانون في "معذبو الأرض"، حيث حلّل الطب النفسي الاستعماري كآلة لقمع الوعي، مستنداً إلى خبرته المباشرة لا إلى نظريات فرويد المجردة.

استشراق المركز: بين الاستشراق التخيلي والاستشراق المعرفي

إذا كانت المعرفة الهامشية بهذه الدرجة من العمق، فمن الطبيعي أن تنتج آلية خاصة للنظر إلى المركز، وهنا نصل إلى جوهر مفهوم "استشراق المركز". في السياق الكلاسيكي، كان الاستشراق الغربي يقوم على "رؤية من بعيد"، حيث يكتب الرحّالة والمستشرقون عن الشرق دون أن يعيشوا فيه حقاً، أو يعيشون فيه بوصفهم سادة غير مندمجين. هذا الاستشراق كان "تخيلياً" بامتياز، لأنه بنى صورته للشرق على النصوص المقدسة، والخرائط القديمة، وأوهام العقل الجمعي الغربي عن "الآخر الغامض". لكن عندما ينقلب السحر على الساحر، ونظر الهامش إلى المركز، فإن العملية تختلف جذرياً.

"استشراق الهامش" للمركز هو استشراق "معرفي"، لأنه لا يقوم على التخمين أو الرؤية من علو، بل على معرفة تراكمية ممتدة بفعل التفاعل التاريخي. فالشرقي أو الجنوبي الذي يعيش في ظل الهيمنة الغربية، يجيد قراءة الغرب أكثر مما يجيد الغرب قراءة نفسه. يمكننا تلمس ذلك في سيرة عبد الرحمن بن خلدون، الذي نظر إلى الشرق (المركز الإسلامي آنذاك) والمغرب (هامشه) من زاويته المغاربية، فقدم نقداً عميقاً للعصبية المركزية وللنماذج الحضارية المستقرة، معتمداً على ملاحظته المباشرة لتفاعل البدو والحضر. بل إن نظرة ابن خلدون إلى الغرب المسيحي كانت نظرة محايدة نسبياً، خالية من الرهبة الأسطورية، لأنه تعامل معه كطرف في صراع سياسي واقتصادي، وليس ككيان ميتافيزيقي غامض.

في كتابات جمال الدين الأفغاني أيضا نموذجاً صارخاً لهذا الاستشراق المعكوس. إذ استخدم الكاتب، في مناظراته ونقده للاستبداد، خطاباً استعارياً يكسر فيه القوالب: فقد نظر إلى أوروبا بعين ناقدة، مادحاً علمها وتقنيتها، لكنه في الوقت نفسه كشف عن وجهها الاستبدادي والإمبريالي، معتمداً على تجربته الطويلة في التنقل بين الشرق والغرب. فهو لم يكتفِ بردة الفعل، بل حاول بناء خطاب مضاد، لكنه ظل، كما سنرى، أسير إطار المركز ذاته إلى حد كبير.

الأدب والفن كساحات للتجسيد البصري للثقل الهامشي

يتجلى هذا الثقل الهامشي بشكل أكثر كثافة وبلاغة في حقلي الأدب المقارن والسينما، حيث تتحول الصور الفنية إلى حوامل معرفية تنقل نظرية الهامش إلى واقع محسوس. إن إعادة قراءة رواية "الغريب" لألبير كامو في السياقات العربية، كما أشار النص المؤسس لهذا المقال، تمثل لحظة استشراقية معرفية مثيرة. ففي قراءتها الغربية الأصلية، تبدو الرواية عملاً وجودياً حول عبثية الحياة واغتراب الإنسان. لكن القارئ العربي، الذي يحمل ثقلاً هامشياً من تجارب الاستعمار، يقرأ "الغريب" بشكل مختلف؛ فهو يرى في بطلها "ميرسو" نموذجاً للغرب المتعالي البارد، وفي جريمته رمزاً لمواجهة الغرب للآخر العربي (الذي يُقتل دون مبرر حقيقي في الرواية). هنا، يستخدم القارئ العربي أدوات المستشرق (التأويل وتحليل الرموز) ولكن من موقع مغاير، حيث يصبح الغرب ذاته هو الموضوع الغامض الذي يحتاج إلى تفكيك.

أما فيلم "الرسالة" للمخرج السوري مصطفى العقاد، فهو مثال أكثر تركيباً على هذه الآلية. العقاد، الذي عاش في الغرب وأتقن لغته السينمائية، يقدم صورة بصرية للإسلام وبدايات الدعوة المحمدية، مستخدماً أدوات هوليوود الإخراجية والمونتاجية. الفيلم، في جوهره، هو محاولة لاستشراق الغرب من الداخل؛ أي تقديم السيرة الذاتية للإسلام بلغة سينمائية يفهمها الغربي، لكن مع الحفاظ على جوهر الرؤية الإسلامية. إنه ليس استشراقاً تخيلياً (كما فعل الراحل يوسف شاهين في بعض أفلامه التي نظرت للغرب برومانسية هوليوودية مبتذلة)، بل هو استشراق معرفي سياسي، يحاول أن يثبت أن الهامش لا يقل جمالاً وتاريخاً عن المركز، بل إنه قادر على توظيف أدوات المركز ذاتها لخدمة مشروعه الثقافي.

ولا يمكننا هنا تجاوز ذكر رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح، والتي تشكل النموذج الأكمل لهذه الدائرة الاستشراقية. فبطلها مصطفى سعيد يجسد "الثقل الهامشي" بكل تناقضاته؛ فهو الذي يذهب إلى لندن (المركز) حاملاً تراكماته الثقافية الشرقية، لكنه يكتسب معرفة غربية معمقة، ليستخدمها لاحقاً في تدمير النساء الغربيات نفسياً وجسدياً. صالح يقلب الطاولة: فمصطفى سعيد يعرف الغرب (بشعرائه، وقوانينه، وعقداته الجنسية) أكثر مما يعرف الغرب نفسه، وهذا يسمح له بأن يكون "مستشرقاً معكوساً" ينتقم من المركز بأدواته الثقافية. غير أن الرواية، بذكائها المفرط، تُنهي هذه اللعبة بمأساة، مشيرة إلى أن الانعكاس المحض ليس تحرراً.

أزمة الدائرة الاستشراقية: حين يكرر الهامش شيفرات المركز

وهنا نصل إلى المفارقة الكبرى التي يحاول النص الأصلي للإشكالية طرحها، وهي أن هذه العلاقة بين المركز والهامش، رغم كونها ليست أحادية الاتجاه، فإنها تشكل في النهاية "دائرة استشراقية" مفرغة. فحين يستخدم الهامش ذات الأدوات التي استخدمها المركز ضده (أدوات التمثيل، الاختزال، التصنيف الثنائي)، فإنه غالباً ما يظل أسيراً لمنطق المركز ذاته. إن إنتاج خطاب مضاد ليس بالضرورة خطاباً محرراً؛ فكثيراً ما يكون مجرد انعكاس مقلوب للمرآة، حيث يتم استبدال "الشرقي البدائي" بـ"الغربي المتوحش"، أو "الاستبداد الشرقي" بـ"استبداد الحداثة". هذا التكرار للشيفرات الثنائية (خير/شر، أصيل/دخيل، متقدم/متخلف) يُبقي مركز الثقل الفكري في دائرة المركز، حتى ولو كان الغرض هو هدمه.

نرى هذا بوضوح في نماذج عديدة من الأدب السياسي العربي المعاصر، حيث أصبح "الغرب" شيطاناً مطلقاً في بعض الخطابات، بينما أصبح "الشرق" مثالية بريئة، وهو نفس النوع من التبسيط الذي مارسه الاستشراق الكلاسيكي حين جعل "الشرق" مهادناً حسياً أو مستبداً شرقياً. هنا يفشل الهامش في تجاوز أسر الثنائية، لأنه يظل يعرّف نفسه انطلاقاً من المركز (ضد المركز)، بدلاً من أن يعرّف نفسه انطلاقاً من كينونته المستقلة. حتى في أعمال مفكرين كبار مثل مالك بن نبي، الذي أسس لفكر الاستعمار القابل للاستعمار، نجد أنه لا يزال يمارس قراءة الغرب عبر مفاهيم الغرب نفسه (العقلانية، التقدم، الصناعة)، مما يوقع مشروعه في مفارقة القبول بمعايير المركز كنقطة مرجعية وحيدة للنجاح أو الفشل.

هذه "دائرة الانعكاس" هي المأزق الأصعب الذي يواجه الفكر الهامشي. فالهامش، لكي يمارس نقده للمركز، يحتاج إلى لغة المركز وفئاته، وهذا الاستعارة المنهجية تجعله عرضة للتناقض. كيف يمكن نقد العقلانية الغربية دون استخدام العقلانية ذاتها؟ كيف يمكن رفض الاستشراق دون الوقوع في فخ اختزال الآخر؟ الإجابة ليست في التخلي عن المعرفة الهامشية، بل في الوعي بهذه المفارقة ذاتها. إن التحرر الحقيقي لا يكمن في أن يصبح الهامش مركزاً جديداً (فهذا يعيد إنتاج الظلم)، ولا في أن يلغي نفسه في المركز (فهذا استسلام)، بل في تجاوز هذه الثنائية تماماً.

خاتمة: نحو أفق ما بعد الثنائي

إن مفهوم "الثقل الهامشي" يمثل إضافة نوعية لفلسفة المعرفة والنقد ما بعد الكولونيالي، لأنه يمنح الهامش فعالية وجودية وإبستمولوجية كانت مغيبة. إنه يعيد الاعتبار للخبرة الحية، وللتجربة اليومية المضطهدة، بوصفها مصدراً للمعرفة لا يقل قيمة عن المعرفة الأكاديمية المؤسسية. لكن هذا المفهوم لا يخلو من المزالق، وأبرزها مخاطر "الدائرة الانعكاسية" التي تبقيه رهيناً بآليات المركز حتى في لحظة تمرده.

ربما يكون الطريق نحو تجاوز هذه الدائرة هو ما نسميه بـ"التفكيك الإيجابي"، أي تفكيك ثنائية المركز/الهامش نفسها، والاعتراف بأن كل موقع هو مركز بالنسبة لذاته وهامش بالنسبة لذوات أخرى في آن واحد. العالم المعاصر، بعولمته وتشابكاته، لم يعد يحتمل تقسيمات جامدة؛ فالثقافات تتداخل، والمعارف تتزاوج، والهويات تتشكل في فضاءات وسطى. الثقل الهامشي، إذن، ليس سلاحاً لإحلال مركز بديل، بل هو أداة لتوليد تنوع معرفي، ومدخل إلى "عالمية متعددة المراكز"، حيث يمتلك كل موقع خبرته الفريدة، لكنه يظل منفتحاً على الآخر دون اختزاله أو أسطرته. بهذه الطريقة فقط، يتحول الهامش من مجرد موقع للاحتجاج على المركز، إلى مصدر لإغناء المعرفة الإنسانية جمعاء، مساهماً في بناء سردية كونية أكثر عدلاً وتعقيداً، تتسع لكل الأثقال المعرفية دون أن تسحق أحداً تحت وطأة ثقل آخر.

***

عبد السلام مسعودي

التعليم الذي نحتاج إليه هو التعليم الذي يدرب الشباب على خلق الفرص، وتحويل الخيال إلى واقع. الفرص التي نريد صناعتها، ليست موجودة فعلاً. والواقع الذي نتحدث عنه ليس موجوداً أيضاً، في العالم المادي، بل في الخيال والتصورات الذهنية. لكن المستقبل في حقيقته هو هذا الشيء: الواقع الذي ما زال في رحم الغيب... الأشياء التي نتخيلها، لكننا لا نستطيع لمسها في هذه اللحظة. التعليم الجيد هو الذي يزرع في أعماق عقل الطالب، أن القيمة الحقيقية تكمن في هذه الأشياء المتخيلة، وأن قيمته كإنسان رهن بانشغال ذهنه كلياً، في البحث عن الطرق التي تمكنه من تحويل ذلك الخيال إلى واقع. بكلمة موجزة: التعليم الذي نحتاج إليه هو الذي يقتلع التلميذ من دائرة الماضي والحاضر، ويلقي به في المستقبل المجهول، ويناديه: إن أردت النجاة فاصنع شيئاً لم تملكه من قبل.

الفارق بين التعليم المتخلف ونظيره المتقدم، بسيط جداً وواضح. في التعليم المتخلف يجري تأسيس الحاضر على صورة الماضي. أما نظيره المتقدم فهو يفكر في مستقبل لا نعرفه ولم نره. إنه يحفر في الحاضر، كي يستنبط شيئاً مختلفاً عنه.

هذه مفارقة جدية يصعب على رواد التعليم التقليدي تخيلها؛ لأن أذهانهم تأسست على فرضية فحواها أن كل جديد، ينبغي أن ينغرس أساسه في الموروث، فيكون امتداداً لشيء سابق. وكلما زادت صلة الجديد بالقديم، تعزز الاقتناع به وتحول من أمر محتمل إلى قطعي. وأريد هنا الاستشهاد برؤية المرحوم محمد عابد الجابري، الذي رأى أن المشكلة الكبرى في الثقافة العربية، هي كون العقل العربي قياسياً. بمعنى أنه يصنع مواقفه ويصوغ معارفه الجديدة، عبر إسقاط الماضي على الحاضر، أو إلحاق الجديد بالقديم. فما تناسب مع القديم فهو محقق، وما خالفه فهو مشكوك. بل يؤكد الجابري أن الهيمنة المطلقة لمنهج القياس، ليست حدثاً عابراً أو سقطة ظرفية، بل هي بنية حاكمة على رؤيتنا للطبيعة والحياة والسياسة والدين.

وفقاً للجابري فإن مفهوم الزمن والتطور في العقل القياسي، تراجعي وليس تقدمياً، فهو يجعل الكمال في الماضي، ويعتبره أصيلاً أو رمزاً للأصالة، ثم يضفي على وصف الأصالة وما يتصف بها، قيماً تبجيلية. ومن هنا يعتبر المجد والرفعة قرينين للتشبه بالأصل (أي الماضي). وكنتيجة لهذه القيمة الغريبة، تميل حركة الفكر إلى اتجاه دائري ملتصق بالمركز، أي الماضي، بدل أن تكون حركة خطية متصاعدة، ومتجهة إلى المستقبل.

- حسناً، كيف نحرر الأذهان من الحاضر والماضي ونطلقها في آفاق الخيال الرحيبة؟

- وكيف نزرع في الأذهان عادة النقد، أي التأمل والمساءلة لكل ما يواجهها من أفكار وأشياء، سواء كانت غريبة أو كانت عادية مألوفة، وسواء كانت مفتوحة للنقد أو كانت محمية بأسوار المنع والتحريم؟

يبدو لي أن السير في الطريق ليس سهلاً مثل الكلام عنه. نحن نروي قصص البطولات، من دون أن نتجرأ على خوض المعارك. كذلك الحال في ممارسة التخيل والتمرد على الواقع. إنني أطرح هذه الفكرة على القراء، وأنا واثق أن بعضهم لديه أفكار، تسد الثغرات التي تشير إليها هذه السطور. إن عرض الأفكار على الناس، هو الطريق السريع لتكميلها وتعميقها وكشف عيوبها ونواقصها. دعنا نفكر مثلاً في جعل البحث العلمي بديلاً عن الامتحانات السنوية في المدارس، أو دعوة الطلاب لكتابة قصص عما يتخيلونه من مشكلات في الواقع أو وراءه، وكيف يحللونها ويبتكرون طرقاً لحلها. وربما نطلب من تلاميذ الابتدائية أن يرسموا كل شيء يستطيعون تخيله كل يوم، لأن الذهن يسترجع المشاهدات والتخيلات من خلال الرسم والتلوين، ثم يعبر عن موقف الطفل من تلك المشاهدات. أو ربما نخصص ساعة يومية للنقاش بين الطلاب، في القضايا المطروحة على ساحة العلم والتقنية والاقتصاد والمجتمع، كي يتعلموا كيف ينظمون أفكارهم، وكيف يستفيد كل منهم من عقول الآخرين، وكيف يكتشفون عيوب آرائهم من دون أن ينفعلوا أو يستاءوا. هذه ستدربهم أيضاً على عدم الانبهار بالأسماء والعناوين البراقة، وعلى التحرر من هيمنة العقل الجمعي، بل وعلى كيفية التأثير فيه وتغيير مساراته.

زبدة القول أن التعليم المتقدم هو الذي يقتلع الشاب من حاضره ويأخذه للمستقبل. وبعكسه فإن التعليم المتخلف هو الذي يشده بكل وسيلة إلى الماضي، حتى يحوله إلى نسخة من أسلافه.

***

د. توفيق السيف

ليست كرة القدم مجرد لعبة تُحسم بنتيجة على لوحة إلكترونية، بل هي واحدة من أكثر الظواهر الإنسانية قدرةً على كشف البنى العميقة للحضارات. ففي الملعب تتعرى الثقافات أكثر مما تتعرى في الخطابات السياسية، لأن ما يجري هناك ليس مجرد صراع بين أحد عشر لاعباً وآخرين، بل مواجهة بين طرائق مختلفة في التفكير والعمل وتنظيم العلاقة بين الفرد والجماعة.

فمن يتابع المنتخب الإسباني لا يشاهد مجموعة من النجوم يسعون إلى صناعة المجد الشخصي، وإنما يشاهد كياناً يتحرك كما لو كان جسداً واحداً يمتلك عقلاً واحداً وإيقاعاً واحداً، حتى ليبدو أن الكرة نفسها تعرف مسبقاً إلى أين ستذهب.

وهنا تكمن المفارقة التي يغفل عنها كثيرون. فالناس عادةً يبحثون عن سر الانتصار في اللاعب الموهوب أو المدرب العبقري أو اللياقة البدنية، بينما تكمن الحقيقة في مستوى أعمق: في الثقافة التي أنتجت ذلك الأداء الجماعي. فقبل أن تكون «التيكي تاكا» خطة تكتيكية، كانت فلسفة في النظر إلى الإنسان والعمل والمعرفة.

لقد تعودنا في ثقافتنا العربية على تمجيد البطل الفرد، حتى أصبح تاريخنا نفسه يُكتب غالباً باعتباره تاريخ أفراد استثنائيين: القائد الملهم، والشاعر الفذ، والفيلسوف العبقري، والمنقذ المنتظر. أما الحضارة الحديثة فقد اكتشفت منذ زمن أن الإنجازات الكبرى لم تعد ثمرة عبقرية فرد واحد، وإنما ثمرة ذكاء جماعي منظم، تتكامل فيه العقول والخبرات والمهارات داخل منظومة واحدة.

وهنا نستعيد إحدى أهم أفكار الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران، الذي يرى أن العالم المعاصر لم يعد قابلاً للفهم بمنطق التجزئة والاختزال، لأن الظواهر الكبرى أصبحت مركبة بطبيعتها. ولذلك دعا إلى ما سماه «المنهج التركيبي»، الذي يقوم على وصل ما اعتدنا فصله، وربط العناصر المختلفة داخل شبكة من العلاقات المتبادلة. فالكل، في نظره، ليس مجرد مجموع أجزائه، بل يولد خصائص جديدة لا يمكن العثور عليها في أي جزء منفرد.

وهذه الفكرة الفلسفية هي بالضبط ما يجسده الفريق الناجح. فاللاعب الممتاز لا يصنع فريقاً ممتازاً بالضرورة، كما أن جمع أفضل الأفراد لا يؤدي تلقائياً إلى أفضل النتائج. إن القيمة الحقيقية تظهر عندما تتحول المهارات الفردية إلى شبكة من العلاقات الحية، فيصبح كل لاعب أفضل لأنه يعمل مع الآخرين، لا رغم وجودهم.

إنها فلسفة التكامل.

ولهذا لا يكون النجم الحقيقي في المنتخب الإسباني هو المهاجم أو صانع الألعاب، بل المنظومة كلها. فالتمريرة هناك ليست مجرد نقل للكرة، بل اعتراف عملي بأن زميلك يستطيع أن يكمل ما بدأتَه أنت. والثقة المتبادلة ليست قيمة أخلاقية مجردة، بل شرط وجودي لاستمرار الفريق. أما الاستحواذ الشهير على الكرة، فلا يهدف فقط إلى الهجوم، وإنما إلى تنظيم الزمن نفسه؛ فالفريق الذي يمتلك الكرة يمتلك إيقاع المباراة، ومن يمتلك الإيقاع يمتلك القدرة على تشكيل المستقبل.

ولعل أجمل ما في فلسفة «التيكي تاكا» أنها نجحت في تحويل الأنانية إلى تعاون، والبطولة الفردية إلى بطولة جماعية. فاللاعب الذي يحتفظ بالكرة طويلاً يُعدُّ نقطة ضعف، أما اللاعب الذي يعرف متى يمررها فهو الذي يخدم الفريق. وهكذا تصبح التمريرة أكثر أهمية من المراوغة، والحركة بلا كرة أكثر قيمة أحياناً من الحركة بالكرة، لأن ما يصنع الانتصار ليس ما يفعله الفرد وحده، بل ما يتيحه للآخرين من إمكانات.

وهنا يلتقي الملعب مع الفلسفة.

لقد كتب موران أن الذكاء الحقيقي لا يقوم على امتلاك أكبر قدر من المعلومات، وإنما على القدرة على تنظيم العلاقات بينها. ويمكن القول إن الفريق الإسباني لا يمتلك لاعبين أكثر مهارة من بقية المنتخبات دائماً، لكنه يمتلك قدرة أعلى على تنظيم العلاقة بين اللاعبين. وهذه هي الثقافة قبل أن تكون الرياضة.

إن الفريق، بهذا المعنى، يشبه العقل البشري نفسه. فالعقل لا يعمل بعضو واحد، بل بشبكة هائلة من الخلايا العصبية، يفقد فاعليته إذا انقطعت الصلات بينها. وكذلك المجتمع، وكذلك الدولة، وكذلك الحضارة.

ومن هنا تبدو كرة القدم مختبراً مصغراً لفهم العالم.

فالنجاح فيها لا يتحقق بتضخم الذات، بل بتقليصها لصالح الكيان الأكبر. وكلما ارتفع منسوب الأنا انخفض مستوى الفريق. ولذلك فإن أكثر الفرق استعراضاً للمهارات الفردية ليست دائماً أكثرها قدرة على الفوز بالبطولات.

وليس غريباً أن تصبح هذه الفلسفة نموذجاً تحتذي به كبرى الشركات العالمية. فإدارة المعرفة اليوم تشبه كثيراً لعبة التمريرات القصيرة؛ إذ لم تعد المعلومات تُحتكر في مكتب المدير، وإنما تتدفق بسرعة بين الأقسام المختلفة، بحيث يصبح كل فرد منتجاً للمعرفة ومستفيداً منها في الوقت نفسه. كما أن القيادة الحديثة لم تعد تعني إصدار الأوامر، بل صناعة البيئة التي تسمح للآخرين بأن يبدعوا.

ولعل هذا هو المعنى الحقيقي لروح الفريق.

فروح الفريق ليست شعاراً أخلاقياً يعلق على الجدران، وإنما ثقافة كاملة تبدأ بطريقة التفكير وتنتهي بطريقة اتخاذ القرار. إنها تقوم على الاعتراف بأن كل إنسان يحمل جزءاً من الحقيقة، وأن الحقيقة الكاملة لا تظهر إلا عندما تتفاعل هذه الأجزاء معاً.

ولذلك فإن المجتمع الذي يقدس الفرد على حساب المؤسسة يظل أسيراً لعبقريات متفرقة، بينما المجتمع الذي يبني مؤسساته على التكامل يصنع حضارة قادرة على الاستمرار.

ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي ينبغي للعرب أن يتأملوه ونحن نعيش أجواء مونديال 2026، الذي يشهد حضوراً عربياً غير مسبوق. فالقضية ليست في عدد المنتخبات المشاركة، ولا في نتائج المباريات وحدها، بل في قدرتنا على قراءة الدرس الحضاري الكامن وراء هذه اللعبة العالمية.

فالمونديال ليس مجرد احتفال رياضي، بل مدرسة كونية لتعلم النظام، والانضباط، واحترام القواعد، وقبول المنافسة، والعمل الجماعي، والاحتكام إلى القانون. إنه صورة مصغرة للعالم الحديث، الذي لم يعد يكافئ الأقوى جسداً بقدر ما يكافئ الأكثر قدرة على التعاون والتنسيق وإدارة التعقيد.

وهذا ما يجعل الرياضة أكثر صدقاً من كثير من الخطابات السياسية؛ لأنها تكشف الواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون. ففي الملعب لا تنجح الشعارات، ولا تنفع الخطب، ولا تصنع الأوهام أهدافاً. وحده الأداء هو الذي يتكلم.

لقد كتب إدغار موران أن مستقبل البشرية يتوقف على قدرتها على تعلم التفكير المركب، أي التفكير الذي يرى العلاقات قبل الأشياء، والأنظمة قبل الأجزاء، والكل قبل التفاصيل. وربما لم يكن يقصد كرة القدم، لكن كرة القدم تقدم أوضح مثال عملي على هذه الفلسفة.

فالمنتخب الإسباني لا ينتصر لأنه يمتلك أفضل اللاعبين دائماً، وإنما لأنه نجح في تحويل أحد عشر لاعباً إلى عقل واحد، وجسد واحد، وروح واحدة.

وهنا يكمن سر الحضارة أيضاً.

فالحضارات لا تنهض عندما يكثر العباقرة، بل عندما تعرف كيف تجعل العباقرة يعملون معاً. ولا تنتصر الأمم لأنها تمتلك موارد أكبر، بل لأنها تحسن تنظيم مواردها البشرية داخل منظومة متكاملة. فالفارق بين المجتمع المتقدم والمجتمع المتأخر ليس دائماً في حجم الثروة أو عدد السكان، وإنما في نوعية العلاقات التي تربط أفراده ومؤسساته.

ولهذا يمكن القول إن روح الفريق ليست مجرد استراتيجية للفوز في مباراة، بل فلسفة للحياة نفسها. إنها انتقال من منطق «أنا» إلى منطق «نحن»، ومن عبادة الفرد إلى بناء المؤسسة، ومن التفكير الخطي البسيط إلى التفكير التركيبي الذي يجعل الكل أكبر من مجموع أجزائه.

ولعل هذا هو الدرس الذي ينبغي أن نتعلمه من إسبانيا، لا لأن نقلدها في أسلوب لعبها، بل لأن نفهم الفلسفة التي أنتجت ذلك الأسلوب. فالثقافات لا تستورد جاهزة، والحضارات لا تُشترى، وإنما تُبنى بالممارسة اليومية، وبالتربية، وبالمؤسسات، وبإيمان عميق بأن الإنسان لا يكتمل إلا بالآخر، وأن الفوز الحقيقي ليس انتصار لاعب على لاعب، بل انتصار العقل الجماعي على الفوضى.

إن المستقبل لن يكون للأكثر صخباً، ولا للأكثر ادعاءً للبطولة، وإنما للأكثر قدرة على العمل المشترك. وهذه هي الرسالة التي تهمس بها الكرة المستديرة في كل مباراة: أن الحضارة، مثل كرة القدم، ليست لعبة أفراد، بل فنُّ بناء الفريق.

***

ا. د. قاسم المحبشي

إن الدين كما الفلسفة كل منهما كان له دور فاعل في حياة الناس بشكلٍ عام، وكان للناس فضول التعلّق بكلا الطرفين لمعرفة تفسير العديد من المظاهر إن كانت طبيعية أو اجتماعية أو كونية.

حيث استطاع الدين أن يجيب على بعض الأسئلة، كما كان للفلسفة باعٌ البحث والإجابة عن أسئلةٍ عديدة، كانت تدور في خلد الإنسان في ذلك الوقت، حيث كانت الفلسفة وعن طريق الوسيلة العقلانية تنجح في إيجاد تفسيرات لظواهر مختلفة قبل ظهور الأديان، مثل الصين والهند واليونان، وبعد ظهور الأديان أيضاً.

ولم يقع الصدام بين الفلسفة والدين، إلآّ حينما تحوّل الدين إلى مجالٍ للسيطرة على الشعوب من خلال الكنيسة والسلطان.

حينها وقع الصدام الحقيقي بين الفلاسفة ورجال الدين، وليس بين الدين والفلسفة.

كانت وستبقى الحقيقة بمعناها الفلسفي هي التي يبتغيها الإنسان وبشكلٍ مطلق، ومنذ نشأته. وهي التي حرّضت العقل البشري لينشد المعرفة.

لذلك معظم المدارس والنظريات الفلسفية المختلفة والمتعارضة تعاطت مع المعرفة كنظرية بمجملها بكامل أبعادها وشروطها بدون أي تحديدٍ مُبهم لها.

ولأن النظريات الفلسفية كثيرة بقيت في حلقةٍ تدور حول نفسها، بسبب الخلاف فيما بينها.

حيث أن النظريات الفلسفية تماماً مثل النظريات الاقتصادية المختلفة، والنظريات التربوية والإعلامية المنتشرة في كل مكان.

إلاّ أن النظريات الفلسفية وخلافاتها جمعها بشكلٍ أو بآخر منعطف مهم في حياة البشرية ألا وهو التطور الحضاري والتاريخي الذي بدا بل بدأ في القرن الخامس عشر.

تلك القفزة صنّفت الوجود البشري إلى أن يتمثّل بالعالم القديم، وآخر يتمثّل بالعالم الحديث. أي بمفهومٍ آخر بين " الكوكبية " و" الكونية " أو بين مفهومي " وحدة المعرفة " وجزئية المعرفة ".

وهذا يعني بمفهومه الواسع والصريح بين " الدين " بمعناه العمومي والشامل، والذي يعني بأن الوجود غير مكتفٍ بذاته، وبين العلمانية أيضاً بمعناها العام والموضوعي، والذي يعني بأن هذا الوجود مُكتفٍ بذاته، وليس هناك أي حاجةٍ للإمتثال لأي مفهومٍ مختلف آخر.

ما حدث من تطورٍ في القرن الخامس عشر نستطيع أن نعبّر عنه بأنه ساهم وبشكلٍ فعلي في صناعة قطيعةٍ فلسفية ومعرفية مع العالم القديم، التي حكمت بشكلٍ فعلي على رؤية الإنسانية على مدى سنواتٍ طوال.

القرن الخامس عشر شهد ثورة الأفلاك السماوية، وثورة الفيزياء، وقانون الحركة وقانون الجاذبية في الكون.

ومنذ ذلك العصر ظهرت عدة مدارس وتيارات فلسفية وفكرية، تمثّلت بين نزعتين، الفلسفة المادية، العلمانية والواقعية والتجريبية من جهة، ومن جهةٍ أخرى الأديان الموروثة، وتُمثّلها مدارس الفلسفة المثالية.

ومن هذا المنطلق انقسمت البشرية بين التيارين، وأصبح الإنسان إمّا مُتشدّداً للدين ومتمسّكاً بالعالم القديم، أو منساقاً وراء العلمانية الموضوعية والعالم الجديد.

وهنا لعبت الفلسفة دوراً كبيراً، وظهر الخلاف الاجتماعي بين العلمانية والدين، في الوقت الذي كان فيه الخلاف فلسفياً فقط.

ومنذ تلك الآونة توسّعت وتركّزت الخلافات بين التناقض الفلسفي حول الثبات الديني " المكاني "، والحركية الزمانية العلمانية.

نعم تستطيع الفلسفة أن تلعب دوراً واضحاً في التغيير الاجتماعي، وذلك من خلال محورين:

إمّا إعتماد المكاني الديني والذي يمثّل أولوية عند بعض علماء الفلسفة والاجتماع أمثال ماكس فيبر وإيميل دوركهايم، أو إعتماد الزماني العلماني، بحيث يحدث التغيير الاجتماعي بحركية ذاتية وداخلية، والذي يُمثّل أولوية عند بعض علماء الاجتماع والفلسفة أمثال كارل ماركس وأوغست كونت.

تيارات الفكر الإسلامي بدأت باثارة الجدل المفتوح حول الاشكالية الدينية والوضع السياسي منذ زمن طويل، وكانت قناعتهم أن كل سلطة سياسية بحاجةٍ إلى غطاء ديني من الكاهن أو السلطان، بهدف ترسيخ وضعها السياسي بين بني البشر، وتثبيت أركان النظام، وهذه الثنائية مرت بعلاقاتٍ يحكمها الصراع تارة هادىء وتارة أشد قساوة.

فالحضارات القديمة مثل البابلية والفرعونية واليونانية والاغريقية وسواها، كانت الفكرة الدينية هي التي تحكمها، حيث كان الدين هو الذي يوجّه كل الأعمال في مختلف المجالات.

ومن خلال هذا الخلاف الفلسفي حول الهيكل الاجتماعي نتوصّل إلى مرحلة أخرى، تتمثّل بالمجتمع المدني، والمجتمع الديني.

طبعاً المجتمع الديني يرتبط بشكلٍ مباشر بالنبي المبعوث لهم، ومن خلاله يتم تنظيم العلاقات الاجتماعية، والضبط الاجتماعي، وفرضها على المجتمع من خلال " الوصايا العشر " المنتشرة في معظم الأديان، عبر كتبهم ومرجعيتهم، حيث دوّنت في كتاب التوراة بواسطة النبي موسى، وكذلك في كتب الأسفار عند المسيحيين، والتي دوّنت في كتاب الانجيل بواسطة المسيح، وأيضاً الرآن الكريم عند المسلمين بواسطة النبي محمد.

من الطبيعي أن نقول أن أهم تعريفات العلمانية بأنها العقلانية، والعلمية، وكل من العقلانية والعلمانية والليبرالية ارتبطت بنظريات التحديث، بهدف ضبط المفاهيم على أرضية الواقع.

أمّا المجتمع المدني فإنّه يعتمد ويقوم على جملة تحوّلات مهمةٍ وعميقة يفرضها التحدي المادي من كافة الجوانب إن كانت معرفية أو ثقافية أو اقتصادية وسياسية، أمام كل المجتمعات البشرية.

الواقع الذي يُشكّل أرضية معطاءة أمام العديد من المفكرين والفلاسفة والمثقفين للوقوف بتحدٍ والتصدي لها.

وهنا تبرز حقيقة أخرى، والخلاف على أو حول " الفضاء القيمي "، لقواعد الأخلاق بين الدين والفرد، وخلاف آخر يعتمد ويرتكز على جوهر علم النفس والفلسفة، وانقسام طبيعة النفس البشرية.

كل نظام اجتماعي حتّى يستقيم ويُشيد نظريته الاجتماعية، لا بُدّ له من الاعتماد وبشكلٍ مباشر على حقيقة وجوهر " الطبيعة البشرية "، آخذين بعين الاعتبار محوري الخير والشر والصراع بينهما، في نظريات علماء النفس والفلسفة، ومن خلال ذلك سنتمكّن من الوقوف عند أساس الخلاف الذي قيّم من يبني المجتمع الديني، أو من يبني المجتمع العلماني أو المدني.

النفس البشرية في المجتمع الديني ترتبط بسلبيات تمسّ تكوينها ونشأتها، حيث أن مجمل الديانات السماوية تتلاقى عبر مفهوم " الخطيئة الأولى " للإنسان، التي حدثت مع هبوط النبي آدم.

ومختلف المدارس الفلسفية والنفسية والاجتماعية تعتقد أن النفس البشرية على الدوام تميل لإشباع الغرائز لديها، ومن هذا المنطلق لا يمكن الوثوق بها، كمؤسّس يحكم القواعد التاريخية والأخلاقية في المجتمعات.

ومن جانب آخر فإن النفس البشرية في المجتمع المدني بإيجابيات نشوئها وتكوينها، ويمكن ضبطها من خلال قواعد البرمجة النفسية، وصولاً إلى القيمة المطلقة للفرد " الإنسان "، حيث مدارس ونظريات الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع، بدءً من " فرويد " إلى " لاكان "، تقدّم أو قدّمت الكثير من الوسائل التي من خلالها يمكننا من تفسير رؤيتها.

الخلاف بين العلمانية والدين له جوانب تدميرية بكل تأكيد.

العلمانية ترفض كل المفاهيم التي من شأنها إعاقة إكتمال الوجود المادي والموضوعي، كحاكمٍ للوجود الإنساني البشري.

كما نشأت تيارات منقسمة عن بعضها في الأساس، مثل:

العدمية المنفعلة التي تميل إلى التأمل والإبتعاد عن الواقع، وتتخذ شكلاً فلسفياً أو دينياً مثل فلسفة " شوبنهور "، أو الديانة البوذية.

والعدمية الفاعلة، والتي تحدّث عنها الفيلسوف " نيتشه "، ووصفها بالقوة المتعاظمة للإرادةِ والفكر، واتّشحت بمفهوم الصراع، الذي ساد المستوى الفلسفي والفكري، كما أوصى له " تشارلز دراون " وتشكّل حامية لرؤية بعض الأنظمة الشمولية، مثل " النازية " أو " الفاشية ".

أمّا الجانب الديني فقد رفض مفهوم " الوجود " لسلطة مهيمنة ومقيّدة للوجود، وهذا ما تسبب بنشوء رؤية " الحاكمية بأمر الله "، الذي حكم بالشرق من خلال الخليفة أو السلطان، وفي الغرب من خلال القدّيس، أو البابا، وانتشر هذا المفهوم في العصور الوسطى من خلال الدولة الدينية، والتي ذهب ضحيتها ملايين البشر إن في الغرب أو في الشرق.

وهذا الخلاف التدميري الذي تناولناه يعتمد على عدة أبعاد:

منها البعد الفلسفي، الذي يعتبر الخلاف الأكثر ثباتاً بينهما، والذي نشأ عنه خلافاً آخراً أو اجتماعياً، والذي تمثّل في الصراع الذي يفرض النظام الاجتماعي، بين رؤية المجتمع المدني، والمجتمع الديني. وبعد ذلك يأتي البعد السياسي، كبعدٍ آخر ويُتوّج الخلاف بين الدولة المدنية، والدولة الدينية.

ومع ذلك استطاعت المجتمعات الغربية بعد الحرب العالمية الثانية أن تتعامل مع مفهوم العلمانية والمجتمع المدني، بينما مجتمعات الشرق استمرت ممزّقة بين مطرقة الدين وسندان العلمانية، ولا تزال.

يرى " دوركهايم " أن أي مجتمعٍ يحتاج إلى شيءٍ من التعبّد " دين "، كما يحتاج بنفس الوقت إلى مُثل عُليا، بهدف الاستمرارية بين " الدين " و" العلمانية "، أو الدين والمجتمع. وبيّن كيف أن الثورة الفرنسية ومن خلال مجتمعها تمكّنت من تحويل نقاط علمانية مثل الوطن والحرية والعقل، إلى أشياء مُقدّسة، وفتح المجال من خلال هكذا طرح إلى التساؤلات حول ماهيّة " الدين العلماني.

ويؤكّد " دوركهايم " بل يرى أن الطقوس الغريبة التي تُمارس تُترجم الحاجة البشرية لممارسة هكذا طقوس، إن كان على مستوى الأفراد أو الجماعة، ويمكن أن تكون هناك أسباب يعتمدها المؤمنون لتبرير تلك الطقوس، لكنها خاطئة.

لكن الحقيقة أو الأسباب الحقيقية تعود إلى علم الاجتماع، حيث لا توجد هناك ديانة خاطئة، وكلها صحيحة بأسلوبها الخاص، وبأساليب مختلفة، لشروطٍ تُمنح للعنصر البشري ووجوده.

دوركهايم من وجهة نظره يهاجم النظرية الحيوية والنظرية الطبيعانية، ويرى أنهما أخطأتا وخاصّة عندما نسبتا أصل المشاعر الدينية في الظواهر السيكولوجية " كا الأحلام " أو " كالعواصف والزلازل " في الخوارق الطبيعية، وقال (أن هذه النزعة السيكولوجية تفسّر إيمان الإنسان بالروح، كما لو أنه يعيش حلماً، وهذا المذهب يعتبر الدين مجرد وهم دون أي أساس واقعي في الحياة الاجتماعية).

ويؤكّد دوركهايم أن للأديان خصائص أساسية رغم تنوّعها، وأن كلّ المعتقدات تقوم على تصوّرات أساسية، وممارسة بعض الطقوس التي لها الدلالة الموضوعية لها.

مجتمعاتنا العربية أو الشرقية تعيش مأساة معرفية وثقافية وفكرية من الجانب الديني، حيث أن العديد من المنظّرين في مجتمعات الغرب يعتبرونها إنموذجاً ما كان له أن يُبنى إلاّ على موروثات الأديان، وآخرون يرونَ بأنه لا مناص لهذه المجتمعات من الانفكاك عن الإرث الديني، على خلاف المجتمع الغربي الذي خرج من هذه الحالة التي كانت تسيطر عليها الكنائس ومفهوم " المقدس "، وانطلق نحو الشخصية الإنسانية، وبناء المؤسسات والإعتماد على الواقع الاجتماعي دون الانفكاك عن الشعائر الدينية.

ويؤكّد الباحثون الشرقيون أن الملهاة المعرفية والثقافية والفكرية العلمانية عند الغرب، أنها تُمثّل خصوصية حضارية ما كان لها أن تستمر إلاّ من خلال تقويضها للعلمانية.

لكننا لو تعمّقنا أكثر نرى أنه في تراثنا الفكري والديني والمعرفي لوجدنا فيضاً من المفاهيم باستطاعتها أن تبنى من خلال وعينا وأفكارنا قصوراً من المعابد والمساجد والكنائس تتجاوز بهيبتها ما تراكم من بقايا حجارة الفكر والتاريخ والحضارات.

على الباحث في العلوم السياسية أن يتساءل بينه وبين نفسه، هل الإنسان هو مادة فقط؟.

وهل أصول الأخلاق والقوانين والعدل والعدالة محدودة أو مختصرة بالمادةِ ليس إلاّ؟.

إن السياسة والفلسفة السياسية وسيلة بهدف تحقيق المساواة والعدالة بين بني البشر، وهؤلاء الناس مبنّيون على زرع الأخلاق والفضيلة والوفاء، إمّا لأنها كذلك أو أنها وسيلة ما للتقرّب من خالقها " الله ".

وبكل تأكيد أن هذا التوجّه تحكمه العديد من المدارس الفلسفية والفكرية والتي تختلف حول النظرة إلى الأخلاق، وهذه القيم أساسها ما " ورائي " غير محدود بالمادة.

ومن بين هذه المدارس الفلسفية، وبشكلٍ دقيق الفلسفية الإلهية، والمدرسة الفلسفية المثالية، والمدرسة الفلسفية الإشراقية، إضافة إلى المدرسة الفلسفية دو النهج الديني، والتي تتفق بشكلٍ عام مع ما يعتقده المثاليون بأن نشأة الدولة يجب أن يكون مُبنيّاً على أفكار أخلاقية.

يقول " بوزانكيت " عن الدو لة، أنها تجسيد للفكرة الأخلاقية، وأن الأسرة والكنيسة تعدان كذلك مؤسسات أخلاقية هامة في المجتمع، ولكن الدولة هي أهم مؤسسة بين هذه المؤسسات، فهي تشمل بمعنى من معانيها على جميع المؤسسات الأخرى، إذا ما فُسّرت الدولة تفسيراً دقيقاً، فإنها تُعتبر منظومة معنوية تتوحّد من الناحية العملية مع المجتمع، وأن العدل بالنسبة للفرد يقوم على اكتشاف مكان المناسب في حياة المجتمع وعمله، وعلى أداء الوظائف المتصلة بذلك المكان، وأن الدولة لا غنى عنها لتحقيق أكمل نمو ورقي للشخصية البشرية، فالإنسان بالطبيعة كائن اجتماعي، ولأن الدولة هي منظمة المجتمع الفعالة لتحقيق غاية معنوية، وليس هناك تناقض حقيقي بين غاية الفرد وغاية الدولة، فغاية كليهما هي كمال الشخصية، وأن الدولة هي وجهة النظر الأخلاقية لا تعد غاية في ذاتها.

وإذا ما نظرنا إلى الدولة على هذا المنحى، نرى أن الدولة تصبح خير صديقٍ للإنسان، لهذا يقول المثاليون أن مفهوم الإنسان مقابل الدولة، هو مفهوم خاطىء تماماً.

وأن الفوضويين يرون في الدولة شرّاً خالصاً، كما الفرديين ينظرون إلى الدولة بأنها شرّ ضروري، وكلاهما يعجزان بالتالي فهم معنى الدولة الحقيقي.

كما أن المذهب الفلسفي الفردي لم يعد موجّهاً للنشاط البشري، فإن المثل العليا التي تقوم على أن يسمح لكل فرد بأن يعيش لذاته، قد أثبتت الأيام أنه مذهب مرفوض ومستحيل ومتناقض.

ويستمر الخلاف بين المدارس الفلسفية حول أصول القوانين والفضيلة التي تضمن العدالة وتحفظها، وعلى الدارس والباحث حول الممارسة السياسية أن يجد المحور الأوضح والأفضل بين كل هذه المدارس والاتجاهات الفلسفية المختلفة بهدف بناء صرحه القيمي والفكري وشخصيته المستقلة، وعلى ضوء ذلك يحدد المعايير الأساسية لأدائه السياسي بعد ذلك، ويحدد مساره بين:

الطريق المثالي، أو طريق الحكمة الإسلامية، أو الطريق الإشراقي الذوقي، أو الطريق الفلسفي الواقعي، أو الطريق الديني.

أمّا الإتجاه البراجماتي فقد أثبت فشله، علماً أنه أي التجربة البراجماتية الجديدة شدّت الأنظار إلى الماضي والحاضر والمستقبل، ونتيجة هذا الاتجاه اعطني من الكلمات ما يهديني إلى سواء السبيل، في الحياة العامة، إن كان ذلك في الصناعة أو الزراعة أو التجارة، هذا الاتجاه يحاول الفرار من قضية المعيار النظري كأمرٍ واقع لأي تصرف سياسي من خلال الهروب من الماهيّات إلى ما يجب أن يكون، فسلّط الضوء على الاستفادة معتبراً أنه المعيار الأصوب للحكم على المصداقية من عدمها، ولقد قال عنها " وليام جيمس ":

" ينأى بعيداً عن التجريد، وعن عدم الكفاية، ويعرض عن الحلول الكلامية وعن التعليلات القبلية الدرئية، وعن المبادئ الثابتة، وعن ضروب المطلق والأصول المزعومة، وهو يولي وجهه شطر الاستنادية والمحسوسة والكفاية، شطر الحقائق والوقائع، شطر العمل والأداء والمزاولة وشطر القوة ".

ومع الأسف صار الاتجاه البراجماتي يُمثّل من لا اتجاه له، أو اتجاه من يحاول أن لا يُثير في داخله النزاع بين الأخلاقية القيمية من ناحية، وبين حصيلة ما يدور من حوله من ممارسات تختلف كثيراً عن مبادئه، ومغايرة تماماً لمبادئه ونظريته، وبنفس الوقت لم يحل المشكلة بين المادي والقيمي، إنها محاولة فاشلة ساقها المادّيون لإنشاء إطارٍ مشترك يضم الجميع دون الاعتبار أو المساس بالنظرية الفكرية أو الهوية الفلسفية والإختلاف الفلسفي، فهو إطار مادّي ليس إلاّ.

إن الاضطراب والتضارب الفلسفي الذي يشمل المسائل الفلسفية للعهد القديم والحديث لا يتوافق مع الاعتماد الكلي للفلاسفة على العقل وتقديسه باعتباره المنقذ الأوحد للإنسانية والبشرية جمعاء.

وهذا يُشكّك في المنطلقات الفلسفية ومصداقيتها، بل وينعكس سلباً، ويؤثّر بشكلٍ مباشر ويؤدي إلى تشظّي النفس وحيرة العقل.

خلال السنوات الأخيرة، بل قبل نصف قرن مضى، تابعنا انبهاراً بالفلسفة يطفو بشكلٍ متسارعٍ في أوساط الشباب ذكوراً وإناثاً، وثقتهم بها، واعتبارها سبباً رئيسياً في التقدم والخروج من بوتقة التخلف الحضاري، ووسيلة أساسيّة لعلاج التعصّب والتحجّر الفكري.

وبعضهم تبنّى الحديث بأن السبب الجوهري لنشوء الفكر التكفيري لدى جماعات العنف هو غياب مادة الفلسفة في مدارسنا وجامعاتنا، لكنهم تناسوا أن معظم البلاد العربية تُدرّس مادة الفلسفة في جامعاتها وفي مدارسها الثانوية، وهناك أقسام متخصصة للفلسفة منذ سنواتٍ طوال، ولم يمنع ذلك من نشوء وتطور الحركات المتطرفة دينياً والتكفيرية في المنطقة.

إن الوضوح يؤكّد بأن الفلسفة لم تختلف أو تتعارض مع الإيمان، فكل منهما يروم إلى الحق والحقيقة، وكلاهما يقصد سعادة النفس البشرية، والإنسانية جمعاء، ولا ننكر بأنه وقع خلاف بين الفلاسفة ورجال الدين، أي ليس بين الفلسفة والدين، وبعض من الفلاسفة كان لهم مفهوماً آخراً للدين وليس كل الفلاسفة.

إن الفلسفة بمفهومها المجمل تُمثّل القدرة العقلية على التفكير النقدي ضد الوهم والخرافة، وهنا تلتقي مع الدين، كما أن الدين يمنحك القدرة على العيش المشترك والتعايش، وكذلك هي الفلسفة في مفهومها، والدين يطلب منك أيضاً أن تُمرّر تعاليمه على عقلك، كي تستقر في قلبك كيقين، وهنا يكون دور الفلسفة عقلياً.

ومع ذلك لا يزال رجال الدين الموازي يضيقون ذرعاً بالفلسفة ورجالها الفلاسفة، لأنها تكشف زيف أباطيلهم.

قال " ديكارت " في كتابه " مبادئ الفلسفة "، " إن الفلسفة وحدها هي التي تُميّزنا عن الأقوام المتوحشين والهمجيين، وإنما تُقاس حضارة الأمّة وثقافتها بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها، ولذلك فإن من أجل نعمة ينعم الله بها على بلدٍ من البلاد هو أن يمنحه فلاسفة حقيقيين. ".

هناك عوامل كثيرة يلتقي فيها الدين مع الفلسفة، بحيث لا نستطيع أن نقول أو نتّهم الفلاسفة بالإلحاد، فهناك طرق كثيرة لمعرفة الخالق، ومنها طريق الفلسفة، وكلا الطرفين أي الدين والفلسفة يقوم بدوره الإيجابي في الأخلاق والمعرفة الإنسانية.

وهذا مع الأسف لا يدركه بعض المتدينين، وفي أمور كثيرة تقوم الفلسفة بالإجابة عن الأسئلة التي لم يتوصّل العلم للإجابة عليها، وهنا تلتقي الفلسفة مع الدين عندما يجيب عن الأسئلة الماورائية.

ومن جانبٍ آخر ولأن الفلسفة تعني الحكمة، وبنفس الوقت كل الأنبياء ملكوا هذه الخاصيّة، والقرآن الكريم لم يتحدث عن نبي إلاّ وذكر الحكمة معه.

والآن الإنسانية بمجملها بحاجةٍ ماسّةٍ إلى الدين والفلسفة.

الفيلسوف المفكّر " محمد أركون يقول:

" إن الإنسان لا يمكن أن يعيش بلا دين، وهذا ما يقوله علم الأنتروبولوجيا، ولكن يجب أن يُدرك المتديّن أن هذا الدين له تجلّياته وتحولاته. والفلسفة أيضاً لها دور تنويري للقلب وللعقل أيضاً، لتنتشلهما وتنقذهما من التديّن المزيف، وتخلّص الإنسان من قيود الدين الموازي الفارغ إنسانياً، والمهزوم أيضاً عقلانياً ".

في عام 1784 طرحت صحيفة ألمانية على الفلاسفة سؤالاً: ما التنوير؟.

فكانت إجابة الفيلسوف كانط:

" التنوير هو خروج الإنسان من القصور الذي ارتكبه في حقّ نفسه، من خلال عدم استعماله لعقله إلاّ بتوجيه إنسانٍ آخر ".

وبذلك يتحرر الإنسان من التبعية للآخرين.

وعندما بدأ التنوير مشواره، تمت مقاومته من المؤسسات الدينية، التي استغلّت المجتمع المكبوت والمقيّد بأباطيل رجال الدين ضد الفلاسفة التنويريين، ولقد أطلق الفيلسوف الإيطالي " جيوردانو برونو " على هذا الفهم إسم " الجهل المقدّس ".

ولم يغضب حينما حكمت عليه الكنيسة آنذاك بالموتِ حرقاً بسبب أفكاره التنويرية، ولكن الشيء الذي أحزنه أن عجوزاً جاءت وألقت بخشبةٍ بالنار، وحينما سُئلت لماذا فعلتِ ذلك، قالت: إنه أمرٌ من الكنيسة.

فقال لها: اللعنة على الجهل المقدّس.

الأمر ذاته تكرر أيضاً في حادثة إغتيال " فرج فودة " بسبب أفكاره التنويرية، حينما قام القاضي بتوجيه سؤالٍ إلى القاتل:

هل قرأت كتب فرج فودة؟.

فجاءه الرد من القاتل:

أنا لا أقرأ ولا أكتب.

أيضاً إنّه الجهل المقدّس ذاته.

لعلّ ابن تيمية شيخ التيار السلفي يتحمّل مسؤولية الخصومة مع الفلسفة، واعتبر الفلسفة علماً ليس بنافع، كما سبقه إلى ذلك أبي حامد الغزالي الذي صمّم الإطار للخصومة بين الدين والفلسفة، وقبل ابن تيمية بثلاث قرون، وهو الذي قسّم الفلسفة إلى ثلاثة أصناف:

الملاحدة، واعتبرهم زنادقة - الطبيعيون، أنكروا البعث والحساب واعترفوا بوجود إله - الإلهيون - مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو.

لكنه كفّرهم كلهم وأتباعهم مثل الفارابي وابن سينا.

وبالتالي قام ابن رشد ودافع عن الفلسفة وردّ على الغزالي في كتابه المعروف " تهافت التهافت " وأكّد على التوفيق بين الدين والفلسفة، وقال:

إن التعارض بين الدين والفلسفة وهم.

وقال أيضاً:

الحق لا يُضاد الحق.

بكل تأكيد إن الفلاسفة ليسوا بمجملهم في سلّة واحدة فيما يخصّ محور الإيمان، وبنفس الوقت لم يكن علماء المسلمين ملمّين بقراءة كافية وواحدة للفلسفة، لذا كانت هناك حملة على الفلسفة والفلاسفة، ولم يتمكّن أيّاً منهم من الاعتماد على نصٍ قرآني يمنع الرؤية العقلانية والفكر الحر.

ابن سينا عرفه العرب بأنه فيلسوف، وحاول التوفيق بين الدين والفلسفة، لكنه فشل، لأن الكهنوت الإسلامي اعتبره زنديقاً، وآخرون اعتبروه " قصير النظر والرؤية ".

في التراث اليوناني نجد فيلسوفاً حكيماً " أبيقور " قال:

إن الفلسفة هي نشاط يوصلنا إلى الحياة السعيدة، عن طريق الأدلّة العقلية والبراهين الاستدلالية ".

أي أنّه أكّد على أهمية الدقّة في الملاحظة لإقامة الدليل العقلي.

وصدق أرسطو حينما قال قولاً حكيماً " إنما الدهشة هي الأم التي أنجبت الفلسفة ".

قال كانط: " إن الإنسان مخلوقٌ ناقص، بالنسبة للكمال الإلهي، ولو كنّا نعرف بالعقل كل شيء وندرك كنه الحقائق الدينية والدنيوية، لما أرسل الله إلينا الرسل بالوحي. وبسبب قصوره وعجزه جاء الوحي ليرشده ويهديه، وإذا قلنا من أودع فينا العقل؟، أليس الله؟، إذاً الإثنين مصدرهما واحد، وهو الله، فكيف لهما أن يكونا متضادين ويتصارعان ! ".

وعلى هذا الأساس نستطيع أن نتأكد بأن السبب الأساسي في الخلاف بين الفلسفة والدين يعود إلى منشأ القضايا الفلسفية من الإنسان.

وبالعودة إلى أساس الدين وصحيح الدين، والعقل الفطري أو سليم العقل، غير المشوّه أو المشوّش، نستطيع أن نتوصّل إلى إجابات كافية وشافية عن كلّ التساؤلات التي نتوقّف عندها من خلال الوحي، وبنفس الوقت من خلال العقل.

إنّ إشكالية العلاقة المتبادلة بين الدين والفلسفة ستبقى محوراُ فاعلاً للجدل والنقاش ما لم يتم تحديد بداية معنى المصطلحات، هذه العلاقة ستبقى مثيرة للحوار، وستبقى الإشكالية بين الطرفين قائمة وتتميّز بالحلول المفتوحة، وكأننا نقول ونتساءل:

أيهما أسبق البيضة أم الدجاجة. !.

إن العلمانية والعولمة السائدة في العالم تشكّل محوراً قد يكون متمثّلاً في تحدي قيم الدين من خلال نشر ثقافات مختلفة تأخذ منحى يمسّ الفكر والثقافة، وهذا أتاح أيضاً للدين أن يُعيد حساباته من خلال توظيف أدواتٍ تقنية، ممّا أتاح أمام الدين إنفتاحاً على الفلسفة والعلوم الأخرى كي يواكب المسيرة الحياتية للبشرية، لأن النظرية الدينية لا يمكنها التواصل مع هكذا واقع دون أن تحتك معه عبر التفاعل الإيجابي، وعلاقة العقلانية بالدين والعلمنة، لذا صارت موضع مراجعات وجعلها أكثر تركيباً وتعقيداً من الرؤية أو النظرة البسيطة لدقائق الأمور التي سادت طويلاً.

إن الرؤى تشهد صعوداً واضحاً لقصور العقل البشري الإنساني، وهذا الواقع يتطلب من الفكر الإسلامي النظر والاجتهاد لإعادة بناء أفكار وآراء وتصورات في غاية الدقة وعميقة حول إشكالية حقيقية تواجه الإنسان ومستقبله على هذا الكوكب الذي يعني البشرية جمعاء، تصورات تنطلق من الربط الجازم بين العقل والوحي والعلمانية والدين.

العلمانية انطلقت من الغرب، وعندما وصلت إلى بلادنا سرعان ما تبنّت النخب الفكرية والسياسية العلمانية وحوّلتها إلى شكلٍ من أشكال الصراع على خلفية الكفاح والنضال ضد الاستعمار، والعمل على تحرير أراضينا المحتلة.

وبعد التحرر من الاستعمار الخارجي، تحالفت أنظمة ما بعد الاستقلال مع هذه القوى، لكنها سرعان ما بدا عليها الوهن بسبب هشاشة دولة ما بعد الاستقلال.

في الوقت الذي كانت فيه المجتمعات متمسكة بقيمها وثوابتها، فنشأ الصراع المباشر بين السلطة الفوقية والمجتمع، أو مع الدين، فنعت الشعب الدولة بأنها ضد الدين أو رافضة للدين، لذلك تمسكت الدول بسلاح العلمنة كعقيدة سياسية وكفاحية ضد الغير، ولتشويه سلطة رجال الدين.

لذلك نرى أنه لا بدّ من المشاركة والتعايش لبناء دولة المواطنة، والدولة المدنية، ودولة الإنسان المسلم وكل مكونات المجتمع، دولة المؤسسات التي تعني دولة الوطن الواحد، دولة القانون والدستور الضامن، دولة الاعتراف بأن الله هو مصدر السلطات، دولة تحرير الإنسان من العبودية والقمع، دولة الإنسان الحر، من خلال:

- هوية الإنسان.

- التعددية المدنية.

- قبول الآخر.

- إحياء ثقافة التسامح.

- الحرية.

- المشاركة السياسية.

- التداول السلمي للسلطة.

كافة القيم لدينا تأتي من خلال العقل المنفتح لقيم إنسانية دائمة، مع مشاركة الأديان بما بالإمكان أن تقدمه في مجال القيم والأخلاق، بهدفٍ وحيدٍ أصيل هو التضامن والتعايش تحت مظلة الإنسانية.

***

د. أنور ساطع أصفري

قراءة أنثروبولوجية في جدلية الانتماء والولاء

في قلب كل مجتمع، تتصارع الهويات بين الانتماء الطائفي والهوية الوطنية، وكأنها خيوط متشابكة في نسيج واحد يصعب فكه. من منظور أنثروبولوجي، لا تُفهم الهوية باعتبارها مجرد بطاقة تعريف أو انتماء شكلي، بل هي منظومة معقدة من الرموز والطقوس والذاكرة الجمعية التي تحدد كيف يرى الفرد نفسه وكيف يراه الآخرون. الطائفة تمنح الإنسان شعورًا بالدفء والانتماء إلى جماعة صغيرة متماسكة، بينما الوطن يفتح أمامه أفقًا أوسع للانتماء إلى جماعة سياسية وثقافية أكبر. لكن هذا التداخل ليس دائمًا متناغمًا؛ ففي كثير من الأحيان يتحول إلى توتر وصراع، حيث يشعر الفرد أنه ممزق بين ولاءاته الطائفية وواجباته الوطنية.

الأنثروبولوجيا، كعلم يدرس الإنسان في سياقاته الثقافية والاجتماعية، تكشف لنا أن الهوية ليست ثابتة، بل هي عملية مستمرة من التفاوض وإعادة البناء. في المجتمعات المتعددة الطوائف، يصبح سؤال الهوية سؤالًا سياسيًا بامتياز: هل يُعرّف الفرد نفسه أولًا كعضو في طائفة أم كمواطن في دولة؟ وكيف تؤثر الدولة في إعادة تشكيل هذا التوازن عبر سياسات الدمج أو الإقصاء؟ إن دراسة هذه العلاقة لا تقتصر على الشرق الأوسط وحده، بل تمتد إلى البلقان، إفريقيا، وحتى أوروبا، حيث لعبت الانقسامات الطائفية دورًا في إعادة رسم الخرائط السياسية والاجتماعية.

في زمن العولمة، تتضاعف التحديات؛ فوسائل الإعلام والهجرة والاقتصاد العالمي تعيد صياغة الانتماءات وتفتح الباب أمام هويات هجينة، لا هي طائفية خالصة ولا وطنية صافية. هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على جذوره الطائفية دون أن يفقد انتماءه الوطني؟ وكيف يمكن للوطن أن يستوعب تعددية الطوائف دون أن يتفتت؟

هذه المقدمة تضعنا أمام إشكالية معقدة، لكنها ضرورية لفهم ديناميات المجتمعات الحديثة: الهوية بين الطائفة والوطن ليست مجرد قضية نظرية، بل هي واقع يومي يحدد شكل العلاقات الاجتماعية والسياسية، ويؤثر في استقرار الدول ومستقبلها.

مفهوم الهوية

حين نتأمل الهوية من منظور أنثروبولوجي، ندرك أنها ليست مجرد بطاقة تعريف أو انتماء شكلي، بل هي عملية معقدة تتشكل باستمرار عبر الثقافة واللغة والدين والانتماء الاجتماعي. الهوية هنا ليست ثابتة، بل هي كيان حي يتغير مع الزمن، يتأثر بالذاكرة الجمعية، ويعيد إنتاج نفسه عبر الطقوس اليومية والرموز التي يتداولها الناس في حياتهم.

الأنثروبولوجيا تكشف أن الهوية هي في جوهرها سردية؛ قصة يرويها الفرد عن نفسه، وقصة ترويها الجماعة عنه، وقصة يفرضها الوطن عليه. الثقافة تمنح هذه السردية إطارها الرمزي: الأغاني الشعبية، الأمثال، العادات، وحتى الطعام، كلها عناصر تُعيد إنتاج الانتماء وتُرسّخ شعورًا بالخصوصية. اللغة بدورها ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي أداة لتحديد من ينتمي ومن لا ينتمي، فهي تحمل في طياتها ذاكرة جماعية وتاريخًا مشتركًا. أما الدين، فيُعيد تشكيل الهوية عبر الطقوس والرموز المقدسة، ويمنح الفرد شعورًا بالانتماء الروحي الذي يتجاوز حدود الجغرافيا.

لكن الهوية لا تُبنى فقط عبر الثقافة والدين، بل أيضًا عبر الانتماء الاجتماعي. الفرد يتعلم منذ طفولته أن يرى نفسه جزءًا من جماعة، سواء كانت طائفة صغيرة أو وطنًا كبيرًا. هذا الانتماء يُحدد موقعه في العالم، ويمنحه شعورًا بالمعنى والهدف. ومع ذلك، فإن هذا الانتماء ليس دائمًا متناغمًا؛ فقد يجد الفرد نفسه ممزقًا بين ولاءاته الطائفية وواجباته الوطنية، بين جذوره الثقافية وأفقه العالمي.

من هنا، يصبح مفهوم الهوية في الأنثروبولوجيا أداة لفهم ديناميات المجتمعات: كيف يُعاد إنتاج الجماعة عبر أفرادها، وكيف يُعاد تشكيل الفرد عبر جماعته. الهوية ليست سؤالًا عن "من نحن؟" فقط، بل أيضًا عن "كيف نصبح ما نحن عليه؟"، وهي في النهاية عملية تفاوض مستمرة بين الماضي والحاضر، بين الطائفة والوطن، وبين الخصوصية والانفتاح.

الهوية الطائفية

حين نتناول الهوية الطائفية من منظور أنثروبولوجي، فإننا ندخل إلى عالم شديد التعقيد، حيث تتداخل الرموز والطقوس والذاكرة الجمعية لتشكيل شعور عميق بالانتماء. الطائفة ليست مجرد جماعة دينية أو اجتماعية، بل هي فضاء رمزي يحدد للفرد من هو، ويمنحه إطارًا يفسر من خلاله العالم من حوله.

الرموز هنا تلعب دورًا محوريًا؛ فهي ليست مجرد علامات بصرية أو لغوية، بل أدوات لإعادة إنتاج الهوية عبر الأجيال. شعار الطائفة، أماكن العبادة، وحتى الألوان والملابس، كلها تتحول إلى علامات فارقة تُرسّخ شعورًا بالخصوصية والتميّز. هذه الرموز تُعيد إنتاج نفسها في الوعي الجمعي، وتصبح جزءًا من ذاكرة مشتركة تُغذي الانتماء وتُرسّخ التضامن الداخلي.

أما الطقوس، فهي المسرح الذي تُعرض فيه الهوية الطائفية بشكل حيّ. الاحتفالات الدينية، المناسبات الاجتماعية، وحتى طقوس العبور مثل الزواج أو الجنائز، كلها لحظات تُعيد فيها الطائفة تأكيد وجودها وتماسكها. الطقوس ليست مجرد ممارسة دينية، بل هي فعل اجتماعي يُعيد إنتاج الجماعة ويُرسّخ شعور الفرد بأنه جزء من كيان أكبر منه.

الذاكرة الجمعية بدورها تُشكّل العمود الفقري للهوية الطائفية. فهي تحفظ قصص الأجداد، لحظات الاضطهاد أو الانتصار، وتُعيد سردها في كل جيل لتُرسّخ شعورًا بالاستمرارية. هذه الذاكرة ليست مجرد تاريخ، بل هي سردية تُستخدم لتفسير الحاضر وتوجيه المستقبل، وتُعطي الطائفة إحساسًا بأنها ليست مجرد جماعة عابرة، بل كيان ممتد عبر الزمن.

من خلال هذا التداخل بين الرموز والطقوس والذاكرة، تُبنى الهوية الطائفية كجدار صلب يعزز التضامن الداخلي. الفرد يجد في الطائفة دفئًا وانتماءً، والجماعة تجد في الفرد استمرارًا لوجودها. لكن هذا التضامن، رغم قوته، قد يتحول إلى انغلاق، حيث يصبح الانتماء الطائفي أحيانًا أقوى من الانتماء الوطني، ويُعيد إنتاج حدود غير مرئية بين "نحن" و"هم".

بهذا المعنى، الهوية الطائفية ليست مجرد شعور داخلي، بل هي منظومة اجتماعية وثقافية وسياسية تُعيد إنتاج نفسها باستمرار، وتُشكّل أحد أهم عناصر التوازن أو التوتر في علاقة الفرد بالوطن.

الهوية الوطنية

الهوية الوطنية، كما يراها علم الأنثروبولوجيا، ليست مجرد شعور بالانتماء إلى أرض أو دولة، بل هي مشروع حديث نشأ مع ظهور الدولة القومية في أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ثم انتقل إلى بقية العالم عبر الاستعمار وحركات التحرر. هذه الهوية لم تكن موجودة بالشكل الذي نعرفه اليوم في المجتمعات التقليدية، حيث كان الانتماء يُعرّف أساسًا عبر القبيلة أو الطائفة أو القرية. لكن مع نشوء الدولة الحديثة، أصبح الوطن هو الإطار الجامع الذي يُعيد تعريف الفرد باعتباره مواطنًا أولًا، قبل أي انتماء آخر.

الهوية الوطنية تُبنى عبر السرديات الكبرى التي تصوغها الدولة: تاريخ مشترك يُدرّس في المدارس، لغة رسمية تُستخدم في الإعلام والإدارة، رموز وطنية مثل العلم والنشيد، وأحداث تأسيسية تُروى كقصص بطولية. هذه العناصر ليست مجرد تفاصيل شكلية، بل أدوات لإنتاج شعور بالوحدة بين مواطنين يختلفون في خلفياتهم الثقافية والدينية والاجتماعية. الدولة القومية هنا تعمل على تحويل التنوع إلى وحدة، وعلى جعل الفرد يرى نفسه جزءًا من جماعة سياسية أكبر من طائفته أو قبيلته.

لكن هذا المشروع ليس دائمًا سلسًا؛ ففي كثير من الحالات، تواجه الهوية الوطنية تحديات حين تكون الطوائف أو الجماعات المحلية أكثر رسوخًا في وجدان الناس من فكرة الوطن. هنا يظهر التوتر بين الانتماء الخاص والانتماء العام: هل يُعرّف الفرد نفسه أولًا كعضو في طائفة، أم كمواطن في دولة؟ الأنثروبولوجيا تكشف أن هذا السؤال ليس نظريًا، بل هو واقع يومي ينعكس في الانتخابات، في السياسات العامة، وحتى في الحياة الاجتماعية.

الهوية الوطنية إذن ليست مجرد شعور داخلي، بل هي بناء اجتماعي وسياسي يُستخدم لتوحيد الجماعة، لكنه قد يُستخدم أيضًا كأداة للسيطرة أو الإقصاء. فهي تمنح الفرد حقوقًا وواجبات، لكنها في الوقت نفسه تُعيد رسم حدود الانتماء وتُحدد من هو "داخل" الجماعة الوطنية ومن هو "خارجها". بهذا المعنى، الهوية الوطنية هي مشروع دائم التفاوض، يتأرجح بين الوحدة والتعددية، بين الشمول والإقصاء، وبين الماضي الذي يُروى كذاكرة مشتركة والمستقبل الذي يُصاغ كحلم جماعي.

التوتر بين الطائفة والوطن

حين نقترب أنثروبولوجيًا من العلاقة بين الطائفة والوطن، نجد أنفسنا أمام أحد أكثر التوترات تعقيدًا في المجتمعات الحديثة. فالانتماء الطائفي يمنح الفرد شعورًا بالدفء والخصوصية، ويُعيد إنتاج ذاكرة جمعية تُرسّخ التضامن الداخلي، لكنه في الوقت نفسه قد يخلق حدودًا غير مرئية تفصل بين "نحن" و"هم". أما الانتماء الوطني، فيسعى إلى تجاوز هذه الحدود عبر بناء هوية جامعة، لكنه كثيرًا ما يصطدم بصلابة الهويات الطائفية التي تسبق الدولة في الوجدان والتاريخ.

هذا التداخل بين الطائفة والوطن يمكن أن يظهر في شكل صراع مباشر، كما في حالات الحروب الأهلية حيث تتحول الطوائف إلى كيانات سياسية تنافس الدولة على الشرعية والسلطة. وقد يظهر أيضًا في شكل توتر صامت، حيث يعيش الفرد ازدواجية الانتماء: فهو مواطن في دولة، لكنه في الوقت نفسه عضو في طائفة تُحدد له أولوياته وقيمه. هذه الازدواجية تُلقي بظلالها على الاستقرار السياسي والاجتماعي، إذ قد تُضعف الولاء الوطني وتُعزز الانقسامات الداخلية.

من منظور أنثروبولوجي، الهوية هنا ليست مجرد شعور داخلي، بل هي أداة تُستخدم في الصراع على السلطة. الطائفة قد تُوظف رموزها وذاكرتها لتأكيد استقلاليتها، بينما الدولة تُعيد إنتاج سردياتها الوطنية لتأكيد وحدتها. هذا الصراع الرمزي يُترجم في الواقع إلى سياسات، انتخابات، وحتى نزاعات مسلحة. وفي المقابل، هناك مجتمعات استطاعت أن تُحوّل هذا التوتر إلى تداخل إيجابي، حيث تُدمج الطوائف داخل الهوية الوطنية كجزء من التعددية، فيصبح الانتماء الطائفي عنصرًا يُغني الهوية الوطنية بدل أن يُقوّضها.

إن التوتر بين الطائفة والوطن ليس مجرد إشكالية نظرية، بل هو واقع يومي يحدد شكل العلاقات الاجتماعية والسياسية. فهو يقرر مدى قدرة الدولة على الاستقرار، ومدى قدرة المجتمع على التعايش. ومن هنا، يصبح فهم هذا التوتر ضرورة لفهم ديناميات الهوية في العالم المعاصر، حيث لا يمكن الفصل بين الطائفة والوطن إلا عبر معالجة عميقة تُوازن بين الخصوصية والانتماء المشترك.

أمثلة أنثروبولوجية مقارنة

حين ننظر إلى تجارب المجتمعات المختلفة، ندرك أن الهوية الطائفية لعبت أدوارًا متباينة في تشكيل أو تقويض الهوية الوطنية. هذه الأمثلة ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي شواهد أنثروبولوجية على كيفية تفاعل الطائفة والوطن في ظروف اجتماعية وسياسية متغيرة.

في الشرق الأوسط، يظهر التوتر بين الطائفة والوطن بشكل صارخ. في لبنان مثلًا، الهوية الوطنية لم تستطع أن تتجاوز الانقسامات الطائفية، حيث تحولت الطوائف إلى كيانات سياسية لها حصصها في السلطة، مما جعل الدولة نفسها انعكاسًا للتوازن الطائفي أكثر من كونها إطارًا جامعًا للمواطنة. في العراق، بعد سقوط النظام المركزي، برزت الطوائف كفاعلين رئيسيين، وأصبح الانتماء الطائفي في كثير من الأحيان أقوى من الانتماء الوطني، وهو ما انعكس في الصراعات الداخلية وأضعف مشروع الدولة الحديثة.

في البلقان، لعبت الهويات الدينية والعرقية دورًا محوريًا في تفكيك يوغوسلافيا. هنا، الهوية الطائفية لم تكن مجرد انتماء ثقافي، بل تحولت إلى أداة سياسية لتبرير الانفصال والحروب الأهلية. السرديات الطائفية أعادت إنتاج ذاكرة جماعية مليئة بالاضطهاد والتمييز، مما جعل من الصعب بناء هوية وطنية جامعة. النتيجة كانت دولًا جديدة، لكن على أنقاض وحدة وطنية لم تستطع الصمود أمام قوة الانتماءات الطائفية.

أما في إفريقيا، فقد واجهت الدول الحديثة تحديًا مختلفًا، حيث تداخلت الهويات القبلية مع الهوية الوطنية. في رواندا مثلًا، الانقسام بين الهوتو والتوتسي لم يكن مجرد اختلاف اجتماعي، بل تحول إلى صراع دموي أودى بحياة مئات الآلاف، وأثبت أن الهوية الوطنية الوليدة لم تستطع أن تحتوي الانتماءات القبلية العميقة. في نيجيريا، التعددية الدينية والعرقية خلقت توترات مستمرة بين الشمال المسلم والجنوب المسيحي، مما جعل الهوية الوطنية دائمًا في حالة تفاوض هش.

هذه الأمثلة تكشف أن الهوية الطائفية ليست مجرد عنصر ثقافي، بل هي قوة اجتماعية وسياسية قادرة على إعادة تشكيل الدول أو تفكيكها. الأنثروبولوجيا هنا تُظهر أن التوازن بين الطائفة والوطن ليس أمرًا بديهيًا، بل هو مشروع دائم التفاوض، يتأرجح بين الوحدة والانقسام، بين التضامن الداخلي والولاء الوطني.

دور الدولة في إدارة الهويات

الدولة الحديثة ليست مجرد جهاز إداري أو إطار قانوني، بل هي فاعل رئيسي في تشكيل الهوية الوطنية وإعادة تعريف علاقة الفرد بجماعته. من منظور أنثروبولوجي، الدولة تُمارس سلطتها عبر أدوات رمزية وسياسية، فهي التي تُقرر من هو المواطن، وما هي حقوقه وواجباته، وكيف يُعاد إنتاج الانتماء الوطني في مواجهة الانتماءات الطائفية أو القبلية.

في كثير من المجتمعات، تعمل الدولة على دمج الطوائف داخل الهوية الوطنية عبر سياسات الاعتراف والتعددية، فتُقرّ بحقوق الجماعات الدينية أو الثقافية، وتُتيح لها التعبير عن خصوصيتها ضمن إطار المواطنة. هذا النموذج يُحوّل الطائفة إلى عنصر يُغني الهوية الوطنية بدل أن يُقوّضها، ويُعيد إنتاج الانتماء الوطني كفسيفساء متعددة الألوان.

لكن في حالات أخرى، تلجأ الدولة إلى الإقصاء أو التهميش، حيث تُحاول فرض هوية وطنية أحادية تُقصي الطوائف أو تُضعف حضورها. هنا تتحول الهوية الوطنية إلى أداة للسيطرة، وتُصبح الطائفة في موقع مقاومة أو رفض، مما يُعمّق التوتر بين الانتماء الطائفي والانتماء الوطني. هذا النموذج كثيرًا ما يؤدي إلى صراعات داخلية، إذ يشعر الأفراد أن الدولة لا تمثلهم، بل تُحاول محو خصوصياتهم.

الأنثروبولوجيا تكشف أن الدولة ليست محايدة في إدارة الهويات، بل هي طرف فاعل يُعيد إنتاجها عبر التعليم، الإعلام، القوانين، وحتى الرموز الوطنية. فهي التي تُقرر أي سردية تُدرّس في المدارس، وأي لغة تُستخدم في الإعلام، وأي طقوس تُعترف بها رسميًا. بهذا المعنى، الدولة تُعيد تشكيل الهوية باستمرار، وتُحدد حدود الانتماء الوطني، وتُقرر من هو "داخل" الجماعة الوطنية ومن هو "خارجها".

إن دور الدولة في إدارة الهويات هو إذن دور مزدوج: فهي قادرة على أن تكون جسرًا للتعددية، أو أداة للإقصاء. نجاحها في هذا التوازن يحدد مدى استقرار المجتمع، ومدى قدرة الهوية الوطنية على الصمود أمام قوة الانتماءات الطائفية. ومن هنا، يصبح فهم سياسات الدولة في التعامل مع الهويات ضرورة لفهم مستقبل العلاقة بين الطائفة والوطن.

الهوية في عصر العولمة

مع دخول العالم عصر العولمة، لم تعد الهوية محصورة في حدود الطائفة أو الوطن، بل أصبحت فضاءً مفتوحًا يتأثر بالهجرة والإعلام والاقتصاد العالمي. الأنثروبولوجيا تكشف أن هذه التحولات لم تُضعف الهويات التقليدية بقدر ما أعادت صياغتها في أشكال جديدة، هجينة ومتداخلة، تجمع بين المحلي والعالمي في آن واحد.

الهجرة، على سبيل المثال، تُعيد تشكيل الانتماءات بشكل جذري. الفرد الذي يغادر طائفته أو وطنه يجد نفسه أمام تحدي مزدوج: الحفاظ على جذوره الثقافية والدينية، وفي الوقت نفسه الاندماج في مجتمع جديد. هنا تظهر هويات مركبة، حيث يصبح الإنسان مواطنًا عالميًا يحمل في داخله ذاكرة طائفية ووطنية، لكنه يعيش واقعًا متعدد الثقافات. هذه التجربة تُعيد تعريف معنى الانتماء، وتجعل الهوية أكثر سيولة وأقل صلابة.

أما الإعلام، فقد لعب دورًا ثوريًا في إعادة إنتاج الهوية. القنوات الفضائية، وسائل التواصل الاجتماعي، والمنصات الرقمية جعلت الطائفة قادرة على التواصل عبر الحدود، والوطن قادرًا على بث سردياته إلى الخارج. لكن الإعلام أيضًا فتح الباب أمام منافسة سردياتية: الطائفة تُعيد إنتاج خطابها الخاص، والوطن يُحاول فرض روايته الجامعة، بينما الفرد يتنقل بينهما في فضاء رقمي لا يعترف بالحدود الجغرافية.

الاقتصاد العالمي بدوره أعاد رسم خريطة الانتماء. الشركات متعددة الجنسيات، الأسواق المفتوحة، وحركة رأس المال جعلت الفرد يشعر أنه جزء من شبكة اقتصادية عالمية تتجاوز الطائفة والوطن. هذا الانتماء الاقتصادي الجديد يُعيد تشكيل الهوية، حيث يصبح الاستهلاك والوظائف العابرة للحدود جزءًا من تعريف الذات، إلى جانب الانتماءات التقليدية.

في زمن العولمة، إذن، لم تعد الهوية مجرد علاقة بين الطائفة والوطن، بل أصبحت علاقة ثلاثية يدخل فيها العالم كفاعل جديد. الفرد اليوم يعيش في فضاء متعدد الانتماءات، حيث الطائفة تمنحه جذورًا، والوطن يمنحه إطارًا سياسيًا، والعالم يمنحه أفقًا اقتصاديًا وثقافيًا. هذا التداخل يُعيد طرح السؤال الأنثروبولوجي الأساسي: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على خصوصيته الطائفية والوطنية، وهو في الوقت نفسه جزء من مجتمع عالمي لا يعترف بالحدود؟

مستقبل الهوية بين الطائفة والوطن

حين ننظر إلى مسار الهوية عبر الطائفة والوطن، ندرك أن هذه العلاقة ليست ثابتة ولا نهائية، بل هي مشروع دائم التفاوض يعكس ديناميات المجتمعات الحديثة. الهوية الطائفية تمنح الإنسان جذورًا ودفئًا وانتماءً إلى جماعة صغيرة متماسكة، بينما الهوية الوطنية تسعى إلى بناء إطار جامع يتجاوز الانقسامات ويُعيد إنتاج الانتماء المشترك. لكن التوتر بينهما ظل حاضرًا، يتجلى أحيانًا في صراعات دامية، وأحيانًا في توازن هش، وأحيانًا أخرى في اندماج إيجابي يُغني الهوية الوطنية بتعددية الطوائف.

الأنثروبولوجيا تكشف أن المستقبل لن يكون حسمًا لصالح أحد الطرفين، بل هو إعادة صياغة مستمرة للعلاقة بينهما. في زمن العولمة، حيث الهجرة والإعلام والاقتصاد العالمي يعيدون تشكيل الانتماءات، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كيف يمكن الحفاظ على الخصوصية الطائفية دون أن تتحول إلى انقسام، وكيف يمكن للوطن أن يستوعب التعددية دون أن يفقد وحدته؟

الاستشراف هنا يقودنا إلى رؤية مزدوجة: من جهة، ضرورة الاعتراف بالتعددية كجزء من الهوية الوطنية، ومن جهة أخرى، ضرورة بناء سرديات وطنية قادرة على احتواء هذه التعددية دون إقصاء. فالمستقبل لن يكون لطائفة منعزلة ولا لوطن أحادي، بل لهوية هجينة، مرنة، قادرة على التكيف مع التحولات العالمية، وفي الوقت نفسه متجذرة في خصوصياتها المحلية.

بهذا المعنى، الهوية بين الطائفة والوطن ليست مجرد قضية نظرية، بل هي سؤال وجودي يحدد شكل المجتمعات واستقرارها. والجواب عليه لن يكون في اختيار أحد الطرفين، بل في القدرة على صياغة توازن جديد يُعيد تعريف معنى الانتماء في عالم يتغير بسرعة.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

من التراجيديا القديمة إلى الخوارزميات الرقمية    

 لم تكن الكراهية يوماً شعوراً عابراً، بل هي جزء من البنية الوجودية للبشر؛ فمنذ فجر التاريخ، تشكلت المجتمعات غالباً على أساس التمييز بين "نحن" و"هم"، ولعل أبرز نماذج الكراهية في التاريخ القديم تظهر في الصراعات بين الممالك والقبائل حيث كانت "كراهية الآخر" تُوظف لتبرير الغزو أو تعزيز الهوية الوطنية، كما حدث في الحروب بين المدن اليونانية المتنافسة، حيث كان الآخر دائماً هو "البربري" الذي يجب إقصاؤه. وفي الأدب العالمي، وجدنا أن الكراهية لم تكن مجرد عاطفة، بل كانت موضوعاً تشريحياً لدى فيودور دوستويفسكي الذي استعرض أبعادها في رواياته رواية "الشياطين" (The Devils / Demons): تُعد هذه الرواية المختبر الأكبر لتشريح الكراهية السياسية والأيديولوجية؛ حيث يصور دوستويفسكي كيف تتحول الكراهية تجاه المجتمع، والقيم، والآخر المختلف إلى أداة تدميرية تغذيها الأفكار العدمية. الشخصيات هنا تكره العالم لدرجة الرغبة في تحطيمه بالكامل، مما يجسد كيف يمكن أن تصبح الكراهية "عقيدة" جماعية   رواية "الإخوة كارامازوف" (The Brothers Karamazov): في هذه الرواية، نجد كراهية من نوع آخر؛ كراهية أسرية وشخصية عميقة. العلاقة بين "فيودور كارامازوف" وأبنائه، وخاصة "ديمتري"، مشحونة بكراهية وجودية متبادلة، حيث تمثل الكراهية هنا صراعاً بين الروح والمادة، وبين الغريزة والضمير. كما أن شخصية "سميردياكوف" تجسد كراهية "العبد" تجاه "السيد"، وهي كراهية باردة ومنظمة تهدف إلى الانتقام  وفي رواية "رسائل من تحت الأرض" (Notes from Underground): يغوص بطل الرواية "الإنسان الصرصار" في تحليل نفسي مذهل لكراهيته للآخرين ولنفسه في آن واحد. كراهيته تنبع من شعور بالدونية الممزوج بالتعالي، وهي حالة من "الاستثمار العاطفي السلبي" حيث يتلذذ البطل بكراهيته للعالم كنوع من التمرد على قوانين الطبيعة والمجتمع التي يراها جائرة. وفي رواية "الجريمة والعقاب" (Crime and Punishment): رغم أن "راسكولنيكوف" يرتكب جريمته بناءً على نظرية فكرية، إلا أن جوهر صراعه النفسي يقوم على كراهية عميقة للطبقية والظلم الاجتماعي، وهي كراهية تبرر له في البداية نفي وجود "الآخر" (المرابية) كخطوة أولى نحو إثبات ذاته "كإنسان متفوق  بينما قدم "ألبير كامو" الكراهية كنوع من العبث والقنوط تجاه العالم، في حين قدم "إلياس كانيتي" في "الكتلة والسلطة" صورة للكراهية كوقود للجماهير يغذيها الطغاة للبقاء في السلطة، مما يجعل الأدب مرآة تعكس كيف تتحول الكراهية إلى حالة وجودية متأصلة  مما يجعل هذه الروايات مدرسة أدبية تتقاطع مع الرؤى الفلسفية. تظل الكراهية، من منظور فلسفي، حالة وجودية ومعرفية معقدة تتجاوز كونها مجرد شعور عابر؛ فهي تمثل محاولة لنفي حرية الآخر ووجوده كذات، كما تعد فشلاً في الاعتراف المتبادل الذي يُعد أساساً للوعي الذاتي، و"استثماراً عاطفياً سلبياً" يستنزف طاقة الفرد ويجعله أسيراً لمن يكره. ورغم أن الكراهية تاريخياً قد تُستخدم كأداة لحشد الجماهير، إلا أن الفلسفة تحذر من كونها "عائقاً أمام الحكمة"؛ إذ تحجب الحقيقة وتستبدلها بأوهام تجعل التغيير مهدداً بالتحول إلى دوامة من العنف والظلم. وفي سياق هذه المناقشة، يمكن تصنيف الكراهية فلسفياً إلى ثلاثة أبعاد أساسية: أولاً، المنظور الوجودي، حيث يرى سارتر أن الكراهية هي رغبة في تحطيم "حرية" الآخر ونفي وجوده. ثانياً، المنظور الاجتماعي، حيث يرى هيغل أنها قطيعة نهائية لـ "الاعتراف المتبادل"، مما يغلق باب التفاهم ويحول الآخر إلى عدو. ثالثاً، المنظور الأخلاقي، حيث يصفها سبينوزا بكونها انفعالاً يقلل من قدرة الإنسان على الوجود ويجعله أسيراً لإرادة خارجية. وفي العصر الرقمي، تطور مفهوم الكراهية ليصبح أكثر تعقيداً وخطورة؛ فقد تحولت من فعل إنساني مباشر إلى "صناعة" خوارزمية تخدم أجندات سياسية واقتصادية، وتفاقم الأمر بفضل "فقاعات الفلتر" التي تعزز الانغلاق الذاتي وتمنع الاعتراف بالآخر المختلف. ومع أن التكنولوجيا ليست "الفاعل" الأساسي في هذا الشعور الإنساني، إلا أنها تعمل "كمضخم" يوفر بيئة خصبة لتضخم النوازع البشرية. من هنا، تبرز ضرورة ملحة للتدخل القانوني؛ حيث يمثل الربط بين اللوائح الصارمة والمواثيق الأخلاقية المسار الأكثر واقعية لضبط هذه المعضلة. إن هدف هذا التنظيم ليس إلغاء شعور الكراهية بحد ذاته، فهو نابع من الذات البشرية، بل منع تحويل هذا الشعور إلى هيكل تقني منظم يهدد الاستقرار الاجتماعي ويحرم الآخر من حقه في الوجود والحوار.

***

ئاريان علي  

يوم توفّي المفكّر المجري جورج لوكاش في العام 1971، لم أكن قد قرأت له أي شيء، سوى بعض النُتف السلبية التي وردت في المطبوعات السوفيتية، لكن ما لفت انتباهي لاحقًا هو كتاب "ثلاث وجوه للثورة" للمؤلف الفرنسي – البرازيلي ميشيل لوي، الذي ترجمه جورج طرابيشي في العام 1980.

استعدت في ذاكرتي ما كُتب عنه باعتباره تحريفيًا، وانحاز إلى الثورة المضادة في العام 1956، وأصبح وزيرًا للثقافة في ظلّ الحركة التي قادها إمري ناج، والتي سحقتها الدبابات السوفيتية، وأُعدم عدد من قادتها. واضطر لوكاش للهرب إلى يوغوسلافيا، وبعد فترة قضاها في المنفى، عاد بصدور عفو عنه مراعاة لمكانته الفكرية، ولكنه التزم الصمت حتى وفاته، واستمرّ خارج دائرة الضوء.

لاقت محاولات تجديد الماركسية وتحديثها وعصرنتها موقفًا معارضًا من التيّار السائد بحجّة الحفاظ على نقاوتها وتقديس نصوصها، وكان ستالين قد أوقفها على تعليماته التي يصدرها باسم الكومنترن "المركز الأممي"، الذي انحلّ في العام 1943، لكن ذلك لم يمنع من وجود إرهاصات أولية ومحاولات أولى للتجديد، ومن تلك المحاولات كانت تنظيرات جورج لوكاش.

حاول لوكاش منذ وقت مبكّر، أن يُقدّم قراءات توليدية تأويلية للماركسية، خارج سياق التيّار الحزبوي؛ وقد ظلّ كتابه "التاريخ والوعي الطبقي" الذي صدر في العام 1923 شبه مفقود أو غير معروف لنا عربيًا، على أقل تقدير، حتى ترجمه د. حنّا الشاعر في العام 1979 بعد ترجمة أولى سبقته.

تناول لوكاش ما أسماه "الماركسية الأصيلة"، أي "زبدة" المنهج الماركسي وقوانينه الأساسية، كما بحث استنادًا إلى ماركس الترابط بين الوعي والواقع، وبين النظرية والممارسة، إذْ لا يكفي أن يتّجه الفكر نحو الحقيقة، بل إن الحقيقة ينبغي أن تتجه إلى الفكر أيضًا.

ومن مساهمات لوكاش الأساسية دراساته النقدية الخاصة ﺑ "علم الجمال الماركسي"، كما قدّم مساهمات جليلة لدراسة الواقعية والواقعية المعاصرة، والعلاقة بين الوجودية والماركسية، مبتعدًا عن تنظيرات جدانوف والجدانوفية الأوامرية البيروقراطية، تلك التي قامت على ما سمّى ﺑ "الواقعية الاشتراكية"، والتي سادت في الفترة الستالينية بشكل خاص والتي ظلّت تُبسط ظلالها على الكثير من النتاجات الفكريّة والثقافية.

وقد ترجم لنا الياس مرقص كتابه "تحطيم العقل" في العام 1980 – 1981، كما ترجم لنا بديع عمر نظمي كتابه "التاريخ والوعي الطبقي" في العام 1984، وقام جورج طرابيشي بترجمة كتابه "ماركسية أم وجودية" في العام 1998، وبذلك اكتملت، إلى حدّ ما، صورة لوكاش المفكّر، بعيدًا عن الأغراض الحزبوي.

وفي كتابه "أنطولوجيا الكائن الاجتماعي" أعاد تركيب المفاهيم الماركسية، حيث مثّل جهدًا لإضفاء نزعة إنسانية وجمالية عليها من خلال الأدب السياسي والفلسفي الكلاسيكي، ولاسيّما في ميدان الثقافة والفن والأدب.

وحاول لوكاش أن ينفض الغبار الذي علق بالفكر الماركسي في روسيا، التي شهدت تخبطات فكرية بعد وفاة لينين، حيث أطلق ستالين على اللينينية، وهي نظرية الثورة الروسية "ماركسية عصرنا" في محاولة لتعميم النموذج، في حين كان لوكاش يُشدّد على الخصوصية والتنوّع وعدم وجود موديل واحد، ففي الاختلاف تنبجس الحقيقة. وانطلاقًا من ذلك ابتدع فكرة "الماركسية الأوروبية"، بتأكيده أن المعرفة لا تنضب، مثلما هو الواقع لا ينتهي، وإنّ الأمر يحتاج إلى ملاءمة.

ويبدو أن مصطلح الماركسية الأوروبية الذي نحته لوكاش وجد صداه لاحقًا، خصوصًا في فترة احتدام الخلافات بين الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي والأحزاب الشيوعية الفرنسية والإيطالية والإسبانية التي برزت في ستينيات القرن المنصرم، تلك التي رفضت البراديغم السوفيتي، وقد سبقها انتفاضة المجر العام 1956، التي تشبّثت بالخصوصية، وانتفاضة تشيكوسلوفاكيا العام 1968، التي عُرفت بربيع براغ، والتي دعت إلى اشتراكية ذات وجه إنساني بقيادة ألكسندر دوبشيك.

لقد طوّرت الأحزاب الشيوعية الأوروبية نظرية التحوّل الاجتماعي الأكثر مناسبة لأوروبا الغربية، والأساس النظري لها كتابات أنطونيو غرامشي، التي انتقدت فئوية اليسار وشجّعته على تشكيل تحالفات اجتماعية لتحقيق إصلاحات من خلال التدرّج والطريق السلمي عبر المؤسسات الديمقراطية القائمة، أي رفض الطريق العُنفي للوصول إلى الاشتراكية، وذلك في نزوع استقلالي عن المركز الأممي السوفيتي، ولم يكن ذلك بعيدًا عن أفكار لوكاش.

كما تأثّرت مدرسة فرانكفورت بلوكاش، ولاسيّما كتابه المهم "التاريخ والوعي الطبقي"، حيث لقيتْ مناظراته مع جان بول سارتر اهتمامًا كبيرًا، خصوصًا إزاء النزعة الإنسانية، وأضفت تلك المناظرات بشأن الوجودية نزعة انفتاحية على آرائه.

ولعلّ من المستحيل حسب جورج لوكاش معالجة معضلة المادية التاريخية دون دراسة مؤسس الديالكتيك، ويعني به هيغل وعلاقة ماركس بفلسفته، وبهذا المعنى لا يمكن  وقف الماركسية على ماركس، فهذا يعني إيقاف نقد التاريخ أو نقده بأدوات تجاوزها الزمن، وهو ما كان ماركس شديد الانتباه له، لاسيّما بتخالقاته التي جعلت الجدل أساسًا للتطوّر، فما بالك اليوم ونحن في الطور الرابع من الثورة الصناعية واقتصادات المعرفة والذكاء الاصطناعي، ذلك أن مهمة التنظير تقتضي نقد الفكر السائد والكشف عن عيوبه ومثالبه في إطار فهم حيوي، فلم يعد الاستشهاد بماركس أو إنجلز وفيما بعد لينين كافيًا، خصوصًا حين يُساق لأهداف أخرى وفي مجال غير مجاله في أحيان ثانية.

تلك هي محنة لوكاش... تلك هي محنة المفكّر

***

عبد الحسين شعبان

مقدمة: يُعدّ الخذلان أحد أكثر التجارب الإنسانية تعقيدًا وإيلامًا، إذ لا يقتصر أثره على لحظة الانكسار الآني، بل يمتد ليُعيد تشكيل وعي الإنسان بذاته وبالعالم من حوله. وفي سياق تتكاثر فيه الأقنعة الاجتماعية وتتآكل القيم العاطفية، يغدو الوجع ذاته مرجعًا وجوديًّا، ويصبح اليقين حالة نادرة يُلجأ إليها لا بوصفها خيارًا، بل ضرورة نفسية ومعرفية. ومن هنا تتبدّى جغرافيا الخذلان بوصفها فضاءً داخليًّا يتشكّل من الانكسارات المتراكمة، ويُعاد رسم حدوده مع كل تجربة فقدٍ أو خيبة.

أولًا: الخذلان كخبرة وجودية

لا يمكن مقاربة الخذلان بوصفه حدثًا عابرًا أو شعورًا مؤقتًا، بل هو تجربة وجودية تُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والآخر. فالخذلان لا ينشأ من العدم، بل من التعلّق، ومن توقّع الحماية أو الاحتواء، وحين ينكسر هذا التوقّع، يتحوّل الألم إلى وعيٍ حادٍّ بالهشاشة الإنسانية. عند هذه النقطة، يصبح الوجع لغة داخلية، ومرجعًا يُقاس به صدق العلاقات وعمقها.

ثانيًا: العزلة بوصفها استجابة نفسية

أمام ضجيج البشر وتكاثر أقنعتهم، يلجأ الفرد إلى العزلة لا بدافع التعالي أو الرفض، بل كآلية دفاعية تحمي ما تبقّى من سلامه الداخلي. هذه العزلة ليست انسحابًا سلبيًّا، بل إعادة تموضع نفسي، حيث يعيد الإنسان ترتيب أولوياته العاطفية، ويُقلّص دوائر الثقة، ويبحث عن معنى أقل ضجيجًا وأكثر صدقًا. وهنا، تتحوّل الوحدة من فراغ مؤلم إلى مساحة تأمّل ونجاة.

ثالثًا: الهروب إلى الآخر بوصفه يقينًا

في خضم هذا الانسحاب غير الإرادي من العالم، قد يجد الإنسان نفسه يهرب إلى شخصٍ بعينه، لا لأنه الأقرب جغرافيًّا، بل لأنه الأكثر طمأنينة. هذا الهروب ليس ضعفًا، بل اختيار فطري لليقين في عالم متقلّب. فحين تُمسك يدٌ ما بضعف الأصابع بدل أن تتركها تسقط، يتشكّل معنى جديد للاحتواء، ويتحوّل الآخر إلى ملاذ نفسي، لا يُطلب منه الكمال، بل الصدق والثبات.

رابعًا: الاصطفاء العاطفي ومعناه

إن اصطفاء القلب لشخصٍ واحد من بين العالمين ليس فعلًا عبثيًّا، بل نتيجة تراكمية لتجارب الخذلان السابقة. فالقلب، بعد أن يرهقه الفقد، لا يعود كريمًا في اختياراته، بل دقيقًا وحذرًا. ومن هنا، يصبح الاصطفاء العاطفي تعبيرًا عن نضج وجداني، لا عن انغلاق؛ إذ يختار الإنسان من يستطيع أن يرى ضعفه دون أن يستغله، وأن يحتوي ألمه دون أن يُنكره.

خاتمة

إن جغرافيا الخذلان ليست خريطة للانكسار بقدر ما هي سجلّ للتحوّل الإنساني. ففيها يتعلّم الفرد أن الوجع قد يكون معلّمًا، وأن اليقين لا يُمنح للجميع، وأن النجاة أحيانًا تكمن في يدٍ واحدة تُمسك بنا حين يفلت العالم. وبهذا المعنى، لا يصبح الخذلان نهاية الطريق، بل بدايته الأكثر صدقًا نحو فهم الذات واختيار الآخر.

***

بقلمي: ربى رباعي/ الاردن

كنتُ سألتُ (ذا القُروح) في المساق السابق:

ـ لماذا ظلَّ العَرَب في تخلُّفٍ مطَّرد، خلال قرنٍ واحدٍ، وغيرهم استمرُّوا في تقدُّم مطَّرد، أو في أسوأ الأحوال في سكونٍ وثباتٍ على ما هم عليه؟!

ـ والَّذِي حَارَتِ البَرِيَّةُ فِيهِ

حَيَوانٌ مُسْتَحْدَثٌ مِنْ جَمَادِ!

تلك مسألة مركَّبة، ذات أدواء بنيويَّة، داخليَّة وخارجيَّة. فيروسها الأوَّل: الاستسلام للتآمر العالمي على العقل، وأوَّل رايات هذا الاستسلام تبعيَّة العقل- الفردي والجماعي- للآخَر، إنْ صحَّ وصف ما في الرأس، وهو بتلك الصِّفة، بـ«العقل»، «وبعضُ العَقْلِ عُقَّالُ»!

ـ ولعلَّ من أسباب نقص المناعة الثقافيَّة الذاتيَّة، بصفةٍ عامَّة، التي تفتح النوافذ والأبواب لذلك الاستسلام، أنَّ ثقافتنا ظلت ثقافة كلاميَّة مِرائيَّة.

ـ هي كذلك. انظر- على سبيل النموذج- إلى معظم فعاليَّاتنا الثقافيَّة، في وطننا العَرَبي، ستجدها نظريَّة غير منتجة حضاريًّا.

ـ وهي مسيَّسة غالبًا.

ـ تمامًا. التنوير، العلمانيَّة، الأصوليَّة، السلفيَّة، الفلسفة، ضد الفلسفة، قصيدة النثر، الشِّعر «العمودي»، الحداثة، التُّراث... وكلُّها خطابات استهلاكيَّة، يتلهَّى بها العُربان منذ مئة عام!

ـ بل قل منذ ألف عام.

ـ منذ مئة عام ازداد السُّعار، وما شهِدنا إلَّا بما علِمنا. يُناكِف أتباع تلك الأحزاب بعضهم بعضًا، مستهلكين الطاقات في ما لا يُسمِن ولا يُغني من جوع، ولا يُغيِّر من الواقع قيد أنملة! على حين أنَّ الثَّورة الصناعيَّة هي التي أنتجت الحضارة الحقيقيَّة في الغرب. وهو ما أدركتْه بعض الأُمم الآسيويَّة، وعلى رأسها (اليابان)، فلم تنشغل بالمؤتمرات التي لا أوَّل لها ولا آخِر حول التنوير، والعلمانيَّة، والأصوليَّة، والسلفيَّة، والفلسفة... إلخ؛ لتعيد صناعة العجلات من جديد. بل بدأت من حيث انتهى الآخرون، مع المحافظة على مكتسبات التُّراث؛ فكانت تلك الأُمم كما أرادت، وأثبتت التحدِّي على مسرح العصر.

ـ بل أكثر من ذلك، لقد بقيت معظم النُّظُم الفكريَّة والاجتماعيَّة هناك على حالها القديم، ومهما بدت بدائيَّة.

ـ على حين يبدو أنَّ العَرَب سيرتعون في اجترار مؤتمراتهم السالف ذكرها إلى أبد الآبدين؛ فلا هُم أنتجوا تنويرًا ولا هم صنعوا صناعة.

ـ أمَّا في شأن اللُّغة والثقافة تحديدًا، فحدِّث ولا حرج!

ـ وفي مقابل الحال الآنف وصفها، وأمام أولئك الممسوخين المستلَبين المستعبَدين للآخَر، لغةً وثقافة، جماعاتٌ أخرى من المتشدِّدين، الذين لا يقلُّون إضرارًا بالعَرَبيَّة؛ بتحويلهم إيَّاها إلى جنادل من الحجارة، أو عجين هجين، لا هو عَرَبي ولا أعجمي. ليس بتجميدها في الماضي فحسب، بل أيضًا بتخريط مولَّدها، ومصطلحها، ودخيلها، في خريطةٍ واحدة، ظاهرها عَرَبي، وباطنها بلا هوية.

ـ مثلًا.

ـ خذ مثالًا من إصرار بعضهم على إلباس الكلمات الأجنبيَّة، بل التي هي من قبيل المصطلحات العلميَّة عباءة (أبي جهل) و(أبي لهب)!

ـ مع أنها عباءة قديمة لا تليق بها!

ـ وليست على مقاساتها، مضحِّين بالكلمة العَرَبيَّة قبل الكلمة الأجنبيَّة. مثال هذا كلمة (خارطة)، التي ليست بكلمة عربيَّة الأرومة، بل أصلها باللَّاتينيَّة (خارتا Charta). وتعني رُقعة وَرَقيَّة أو نحوها، مرسومة عليها صورة الأرض، أو صورة جغرافية ما. جمعها: خارطات.(1) فماذا فعل العُربان المحدَثون، لله دَرُّهم؟ سَمَّوها، لله دَرُّهم: (خريطة). مع أنَّ الخريطة معروفة عند العَرَب، ولها معنى آخَر، لا علاقة له بالموضوع، من قريب ولا بعيد، بل الخريطة كيس، أو وعاءٌ من جلد، أو من قماش. ارتبطَ في المجتمعات العَرَبيَّة إمَّا بالطَّحين، أو بالمتسوِّلين، الذين يحملون خرائطهم لملئها بما يجدون، أو يجود عليهم به الناس. ولن تجد كلمة (خريطة) في الشِّعر الجاهلي ولا في صدر الإسلام. وفي العصر الأموي، قال (الفرزدق)(2)، مشيرًا إلى متسوِّلٍ يتلقَّط في خريطته ما قسمه الله:

أُسَيِّدُ ذُو خُرَيِّطَةٍ نَهَارًا

مِنَ المُتَلَقِّطِي قَرَدَ القُسَامِ

حتَّى إنَّ (أبا بكر محمَّد بن جعفر بن محمَّد بن سهل الخرائطي)، المتوفَّى 327هـ، إنما لُقِّب بـ(الخرائطي)، لا لعلاقته بالجغرافيا ورسم خارطاتها، كما قد يتبادر إلى الذِّهن الملتاث بتعريب المعرِّبين، بل لصناعة الخرائط أو بيعها، وهي الأكياس المعروفة. فخلطَ معرِّبونا، لله دَرُّهم، هذا المعنى العتيق بعِلم الجغرافيا. كلُّ هذا هروبًا من الأحرف اللَّاتينيَّة. ولم يكتفوا بهذا، بل أدانوا، «بأشدِّ العبارات»، من يستعمل كلمة (خارطة) في المعنى الجغرافي، قائلين: قل: خريطة، ولا تقل: خارطة! حتَّى إنَّ (نزار قباني) قمعوه لُغويًّا، فصار يحمل خريطته ويمشي خائفًا، وهو يقول:

أمشـي على ورقِ الخريطةِ خائفًا

فعَـلَـى الخـريطـةِ كُلُّنا أغـرابُ

وخريطةُ الوطنِ الكبيرِ فضيحةٌ

فحَـواجـزٌ ومـخـافـرٌ وكِـلابُ

والصواب العكس، للأسباب الآتية.

1- العَرَب لم يعرفوا قطُّ كلمة (خريطة) بالمعنى الجغرافي.

2- كلمة (خارطة)، بوصفها مصطلحًا جغرافيًّا، ليست عَرَبيَّة أصلًا. بل أصلها لاتيني، كما أوضحنا.

3- ليس من الحكمة الاصطلاحيَّة، في كلِّ حال، مزاحمة كلمةٍ عريقةٍ مستقرَّةٍ بأخرى مولَّدة، وإنْ كانتا عربيَّتين كلتاهما.

ـ ولكن ما أكثر ما يرتكب المعرِّبون من هذه الحماقات، فيخلطون الحابل بالنابل، مخترعين للكلمة معاني شتَّى، ما عرفها العَرَب.

ـ والبركة في مجامع اللُّغة العَرَبيَّة غالبًا، وفحولها من اللُّغويِّين الأخيار! وفي هذا إفساد معجمي، وعبثٌ لُغوي، وتضخيمٌ مرضي في دلالات الألفاظ. فكيف إذا كانت الكلمة المولَّدة مصطلحًا، وقد قيل قديمًا لا مشاحَّة في المصطلح؟! من حيث إنَّ المصطلح تعبيرٌ رمزي أو مجازي، وليس بكلمةٍ موروثة عن العَرَب بالضرورة، لا العاربة ولا المستعربة.

ـ بل كيف إذا كان المصطلح غير عَرَبي أصلًا؟!

ـ وإنَّما الصواب هنا ما قاله الشاعر (عبدالكريم معتوق)، مثلًا:

واعرفْ عَدُوَّكَ من صديقِكَ ربَّما

غيَّرتَ خارطةَ الصداقةِ والعداوةْ

وهذا النموذج من «التخريط»- أي إدخال مصطلحٍ عِلميٍّ أجنبيٍّ في خريطة (الفرزدق) القديمة، وإلزام ألسنة الناس بدخول تلك الخريطة، إنْ تحدَّثوا أو كتبوا، وإلَّا أُقيم عليهم الحَدُّ، تحت مقصلة (قُل ولا تقُل)- ليس بالنموذج الفريد، بل ستجد معجماتٍ كاملةً منه في العصر الحديث، تدلُّ على الجهل المركَّب، بالعَرَبيَّة، وبالمصطلح، فضلًا عن تاريخ الألفاظ وتطوُّر الدلالات، وعلاقة العَرَبيِّ بالمُعَرَّب والدخيل.

 مرفأ:

وإِنَّ الصَّبْرَ، إنْ تَصْبِرْ، فُـوَاقٌ،

وإِنْ تَجْزَعْ، تَـمُتْ جُرَعًا طِوَالا

فلا تَجْزَعْ لِصائـلَـةٍ ضَرُوْسٍ؛

فكُـلُّ ضُرُوْسِها عَجَمَتْ زَوَالا

ولا ظَفَـرٌ مَعَ البَاغِـيْ يُرَجَّـى

ولا رَجُـلٌ إِذا رُمْـتَ الرِّجَـالا

وأَعْـدَى مَنْ تُعادِيْـهِ صَدِيْـقٌ

بِسَيْفِكَ يَمْتَرِيْكَ دَمًا سِـجَالا

وما كُلُّ امْرِئٍ مَارَى يُـعَادَى

ولا كُلُّ امْرِئٍ جَـارَى يُـوَالَـى!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

.......................

(1)  وقد نبه إلى هذا الأصل (بطرس البستاني)، في معجمه (محيط المحيط، (خرط)).

(2)  يُنظَر: (1983)، ديوان الفرزدق، عناية: إيليا الحاوي، (بيروت: دار الكتاب اللبناني- مكتبة المدرسة)، 2: 530/ 6.

في زمن العمل عن بعد: التواصل حين يفقد الجسد حضوره

مقدمة: حين انتقل المكتب إلى الشاشة

لعقودٍ، كانت المهارات الناعمة تُقاس بمعايير حضورية بحتة: نبرة الصوت، ولغة الجسد، والمصافحة، القدرة على "قراءة الغرفة" أثناء اجتماع. لكن التحول المتسارع نحو العمل عن بعد والعمل الهجين غيّر قواعد اللعبة جذريًا: أصبح جزء كبير من التفاعل المهني يمر عبر شاشة، ونص مكتوب، وصوت مضغوط في مكالمة فيديو. والنتيجة أن "التواصل الفعّال" -وهو ركيزة المهارات الناعمة- لم يعد يعني الشيء نفسه الذي كان يعنيه قبل عقد من الزمن، بل صار يتطلب مجموعة كفاءات جديدة لم تكن الجامعات ولا حتى أغلب برامج التكوين المهني قد أدرجتها بعد ضمن مناهجها.

1. مهارات لم تكن مطلوبة من قبل:

تشير عدة أدبيات حديثة حول متطلبات سوق الشغل إلى أن الاحترافية في استخدام منصات الاجتماعات الافتراضية مثل Zoom وMicrosoft Teams وGoogle Meet أصبحت مهارة قائمة بذاتها، لا مجرد إلمام تقني عابر، فهي تشمل معرفة آداب الحضور الرقمي: توقيت الدخول، وإدارة الكاميرا والصوت، والتفاعل من دون مقاطعة في بيئة تفتقر لإشارات لغة الجسد المعتادة. كما برزت الحاجة إلى إتقان التواصل المقتضب والفعّال عبر منصات الدردشة المهنية كـ"سلاك"، حيث يُقاس المهني بقدرته على إيصال فكرته في سطرين واضحين بدل عشر دقائق من الحديث الشفوي.

والأهم من ذلك، برزت مهارة جديدة كليًا لم تكن موجودة بالشكل نفسه في بيئة العمل التقليدية: التواصل غير المتزامن (Asynchronous Communication)، أي القدرة على إيصال الأفكار وتحديثات العمل بشكل مكتوب أو مسجَّل بوضوح تام، بما يُغني عن اجتماعات مطوّلة ويرفع الإنتاجية. هذه المهارة تتطلب مستوى أعلى من التنظيم الذهني والدقة اللغوية، لأن الكاتب لا يملك فرصة التصحيح الفوري لسوء الفهم كما في الحوار المباشر.

2. لماذا يصعب نقل المهارات الناعمة التقليدية إلى الفضاء الرقمي؟

المهارات الناعمة الكلاسيكية -كالذكاء العاطفي والإقناع- بُنيت أصلًا على قراءة إشارات غير لفظية: تعبيرات الوجه، ونبرة الصوت، والصمت الدال، والتواصل البصري. وحين ينتقل التفاعل إلى شاشة صغيرة أو رسالة مكتوبة، تختفي أغلب هذه الإشارات أو تتشوّه، مما يجعل سوء الفهم أكثر ورودًا وأصعب تداركًا. من هنا، فإن الموظف أو الطالب الذي أتقن "القراءة الاجتماعية" في الفضاء الفعلي قد يجد نفسه فجأة أقل كفاءة في بيئة رقمية، ليس لأنه فقد ذكاءه العاطفي، بل لأن أدواته التقليدية لم تعد كافية وحدها.

هذا يفسر لماذا تُلاحظ أدبيات التوظيف الحديثة أن المهارات الشخصية وحدها -مهما كانت قوية- لا تكفي للنجاح في العمل عن بعد، بل يحتاج الفرد إلى مزيج مركّب من المهارات الشخصية والرقمية والتنظيمية معًا، وهو ما يجعل هذا العصر أكثر تطلبًا لا أقل، خلافًا لتصور شائع يرى أن العمل عن بعد "أسهل" لأنه يُعفي الفرد من ضغط الحضور الاجتماعي المباشر.

3. مهارات إضافية يفرضها العمل الموزَّع:

- مع انتشار فرق العمل الموزَّعة عبر قارات ومناطق زمنية مختلفة، برزت حاجات جديدة تتجاوز حسن التواصل إلى:

- إدارة الذات من دون إشراف مباشر: الانضباط الذاتي وتنظيم الوقت أصبحا مهارة حاسمة حين يغيب المشرف عن الأنظار.

- التعاون بين ثقافات متعددة: العمل ضمن فرق دولية يتطلب حساسية ثقافية إضافية، إذ قد تُفسَّر نبرة معينة أو تعليق مباشر بشكل مختلف تمامًا حسب خلفية المحاور.

- حل المشكلات التقنية الأساس بشكل مستقل: العطل التقني أثناء اجتماع مهم يتطلب من الموظف مرونة سريعة لحل المشكلة بنفسه قبل اللجوء للدعم الفني، وهي مهارة تجمع بين الكفاءة التقنية والهدوء النفسي تحت الضغط.

إتقان بيئات العمل التعاونية الرقمية: أدوات كـ"Trello" و"Asana" لم تعد اختيارية، بل جزءًا من "اللغة" التي يتواصل بها الفريق حول تقدّم المهام.

4. الفجوة التكوينية لدى الطلبة العرب:

تكمن المفارقة في أن أغلب برامج التكوين الجامعي في العالم العربي ما تزال تُعِد الطالب لبيئة عمل حضورية تقليدية، بينما يجد نفسه بعد التخرج مباشرة أمام سوق شغل يتوقع منه إتقان آداب الاجتماع الافتراضي والتواصل الكتابي المهني منذ اليوم الأول. وهذا يفسر جزئيًا لماذا تلجأ بعض المؤسسات والمراكز التدريبية المتخصصة إلى إطلاق شهادات وبرامج قصيرة مخصصة حصرًا لمهارات العمل عن بعد وأدواته، لسدّ فجوة لم تعد الجامعة التقليدية تغطيها بالسرعة الكافية.

خاتمة:

لم تعد المهارة الناعمة تقاس فقط بقدرة الفرد على التعامل وجهًا لوجه، بل بقدرته على إعادة بناء الحضور والتعاطف والوضوح داخل فضاء افتراضي مجرّد من كثير من الإشارات الإنسانية المعتادة. والطالب الذي يستثمر اليوم في تعلّم هذه المهارات الرقمية-الناعمة المركّبة -الكتابة المهنية الموجزة، آداب الاجتماع الافتراضي، الانضباط الذاتي عن بعد- لا يواكب مستحدات عابرة، بل يستعد لواقع مهني بات هو القاعدة لا الاستثناء.

تبسيط بعض المفهومات:

1.  سلاك (Slack): هو تطبيق للتواصل والمراسلة داخل فرق العمل والشركات، يُستخدم كبديل حديث للبريد الإلكتروني في التواصل اليومي.

أهم مميزاته:

- القنوات (Channels): مجموعات محادثة منظمة حسب المشروع أو الفريق أو الموضوع (مثلاً تسويق، مبيعات)

- الرسائل المباشرة: محادثات فردية أو جماعية خاصة.

- مشاركة الملفات: رفع ومشاركة المستندات والصور بسهولة.

- التكامل مع أدوات أخرى: يمكن ربطه بتطبيقات مثل جوجل درايف، تريلو، أسانا، وغيرها.

- البحث: يتيح البحث في كل المحادثات والملفات القديمة.

- المكالمات الصوتية والمرئية: مكالمات مباشرة داخل التطبيق.

- الفرق بينه وبين البريد الإلكتروني:

- سلاك مصمم للتواصل السريع وغير الرسمي، بينما البريد الإلكتروني أنسب للمراسلات الرسمية أو الطويلة. كثير من الشركات تستخدم سلاك للنقاشات اليومية السريعة بين الزملاء.

- له نسخة مجانية بميزات محدودة (مثل عدد رسائل محدود يمكن البحث فيها)، ونسخ مدفوعة للفرق الأكبر.

2.  تريلو (Trello) وأسانا (Asana) هما أداتان لإدارة المشاريع والمهام، يُستخدمان لتنظيم العمل الفردي أو الجماعي.

* تريلو (Trello):

- يعتمد على نظام "اللوحات" (Boards) و"البطاقات" (Cards).

- أسلوبه بصري بسيط، يشبه نظام كانبان (Kanban)، حيث تنقل البطاقات بين أعمدة مثل "قيد التنفيذ" و"مكتمل".

- مناسب أكثر للمشاريع الصغيرة والفرق التي تفضل البساطة.

* أسانا (Asana):

- أداة أكثر تفصيلاً وشمولية لإدارة المشاريع

- تدعم قوائم المهام، الجداول الزمنية (Timeline/Gantt)، وتوزيع المهام على أعضاء الفريق مع مواعيد نهائية.

- تحتوي على تقارير وتتبع تقدم أكثر تعقيداً، مناسبة للفرق والمشاريع الأكبر.

- الفرق الأساس بينهما:

- تريلو أبسط وأسهل تعلماً، لكنه أقل تعقيداً في الميزات.

- أسانا توفر مرونة أكبر وميزات متقدمة (مثل تتبع الاعتماديات بين المهام) لكنها قد تحتاج وقتاً أطول لإتقانها.

- كلاهما يقدم إصدارات مجانية بميزات محدودة، وخططاً مدفوعة للفرق الكبيرة.

***

آمال بن الطاهر - باحثة من المغرب

في قصور النسيان وضرورة التجاوز المعرفي

"النسيانُ طورٌ وجوديٌّ خالقٌ للذاتِ الإنسانيةِ وبصمتها إلى جانب الذاكرة" (أحمد عويّز، إرادة الوعي الإنساني)

لكلّ كائن في هذه الحياة بصمة تميّزه بين الموجودات، ويتجلّى هذا التميّز في الأثر المتحقّق في الوجود، كذلك الأزمات الوجوديّة، لها بصمة وأثر في الكائن المنفعل، ويختلف هذا الأثر باختلاف الأزمة والظرف، فبعض الأزمات تشوّه بصمة الكائن في الوجود، فتنحدر به أو تسمو به، وبين هاتين الثنائيتين (الانحدار والسمو) يبرز الأثر الفاعل لثنائية (الذاكرة والنسيان) سواء بكونهما إراديين أو لا إراديين.

الخلق فعلٌ وجوديٌّ مستمر، وهو جوهر الحياة، ونقيضه الموت تمامًا، ويجدر بي أن أبيّن مقصدي من الخلق والحياة والموت هنا، فأنا لا أعني بهذه الكلمات فعلها البايولوجيّ، إنّما الإبستملوجيّ، والحياة بصورتها الكليّة تتجلّى في الحركة، انطلاقًا من حركة الدّم في جوف الإنسان إلى حركة الأفلاك في السماء، والموت هو التوقّف، كذلك لو أخذنا هذه المعاني في جانبها الإبستملوجيّ، فالإنسان كائن منفعل بطبيعته، وهذا الانفعال القائم على الحركة الشعوريّة الداخليّة بغض النظر عن مسببه النفسي أو الحسّي، إنّما يكون باعثًا على الموت أو الحياة، عبر الحركة أو الركود.

الإنسان بصفته كائنًا حيًّا يتردد بين وجوديّته البشريّة ووجوديّته الإنسانيّة، وأعني بالبشريّة هنا الوجود البايولوجيّ، بينما الإنسانيّة تعني الوجود المعرفي، والوجود الأول محدود بالتمدد المادي، والذي ينصهر في الوجود بعد توقف حركة الدم فيه، بينما الوجود الثاني فله الأثر الدائم بحسب حركة أثره، وأعني بحركة الأثر هنا هو التأثير المستمر في البصمات الأخرى، أي يكون سببًا في ولادة بصمات جديدة كما سيتضح لاحقًا.

إنّ الأزمات الوجوديّة تمثّل مرحلة توقف وصدمة للكائن الإنسانيّ، وهذه الصدمة إمّا أن تكون قاتلة أو باعثة، ويتجلى أثرها القاتل – سواء كانت قاتلة أو باعثة - في جانبين، الأوّل: الركود والتوقف عند أثرها السام، وهو عجز الكائن الإنسانيّ على التجاوز، والثّاني: يتمثّل في تجاوزها القهري، فالأثر الباعث على الحياة قد يسبب ركودا في انقضائه، بينما يتجلّى أثرها في الباعث في جانبين كذلك، الأوّل: القدرة على التجاوز السلبيّ (النسيان)، والثّاني: التجاوز الإيجابيّ (الذاكرة)، وهو تقبّل هذا التجاوز ليكون استحضاره لاحقًا باعثًا على الحياة.

إنّ البصمة الإنسانيّة الفريدة للكائن البشري يمكن أن تتلوث تلوثًا خطيرًا بالأزمات الوجوديّة، مما تصيّر الكائن البشري بشريًّا ميتًا، أو متوحشًا، فاقدًا لكلّ معاني الإنسانيّة، وليستعيد هذا الكائن الحياة، لا بدّ له من التجاوز (بالنسيان) سواء كان هذا النسيان بإرادته أو بطبعه، كذلك النقيض لهذه الأزمات، تلك المواقف التي تبعث في الإنسان حياة سامية عند استحضارها (بالذاكرة)، فهذه الثنائية (النسيان، الذاكرة) تخلق بصمة جديدة، أو تسهم في تطويرها، أو استمراريتها في الوجود، بشقيه البشري والإنساني، ولكن قد تبدو هذه النظرة نظرةً مثاليّة للوجود، فالإنسان مهما تناسى لا بدّ أن تمارس الذاكرة عليه فعلًا مضادًّا، فتبعث الأزمة من جديد، بصرف النظر عن السبب وراء هذا البعث، سواء كان إراديًّا أو العكس، فقد تُبعث الأزمات بأزمات لاحقة، وحتّى النسيان ولا سيما ذلك المتحقق بالطبع، قد يُبعث بأزمات لاحقة، فهي كامنة في اللاوعي الإنسانيّ، ولا يمكن قهرها بأيّ شكل من الأشكال.

إنّ النسيان رغم تحقّقه بصوره المتعددة، لا يمكن أن يخلق بصمة مستقرّة في الوجود، وأعني من جهة الكائن الفرد، فالأثر المنسي للأزمات الوجوديّة يجد المنفذ دائمًا ليظهر، بالباعث الوجودي المستمر في الحياة، لذلك لا بد للإنسان أن يتجاوز النسيان نفسه - وربما أعارض أستاذي (أحمد عويّز) في هذه القضيّة – إلى تقبّل هذا الأثر المتجدّد، بضبط انفعالاته الناتجة.

إنّ ضبط الانفعالات الناتجة عن آثار الأزمات يضع الكائن الإنسانيّ أمام خطر وجوديّ، وربّما هو عين التوحّش الذي يشير إليه الأستاذ الدكتور أحمد عويّز، مما أفضى به الحال إلى ضرورة النسيان أو التناسي، ولكنني أرى ثمَّة حلّ أنجع، وهو التجاوز المستمر، فأوّلًا تجاوز الأزمة فأثرها ثمّ ثانيًا: تجاوز التقبّل نفسه، ويكون ذلك بإعادة خلق الأثر للأزمة، فالأزمات الوجوديّة مهما بلغ سمّها في الكائن البشري (أو الإنساني) يمكن بانضباطه المعرفي أن يعيد خلق هذا الأثر ليكون باعثًا للحياة، وفي هذه الحال، تبدو الأزمات الوجودية صورة حقيقية للحياة، على العكس من نقيضتها، فهذه الأزمات لا تخلق وهمًا بل تخلق شعورًا عميقًا بالوجود.

***

حيدر مجيد اليعقوبي - كليّة الآداب / جامعة الكوفة

ما نشهده اليوم في المشهد الثقافي العربي ليس مجرد تراجع عابر، بل هو انقلاب كامل في المعايير، حيث صعد "المتنمر" ليتربع على عرش النقد، مغيبا بذلك دور الناقد الحقيقي. إن هذا التحول ليس وليد الصدفة، بل هو انعكاس لأزمة بنيوية عميقة تعيشها مجتمعاتنا، حيث تركت الأنظمة الشمولية خلفها إرثا من الاستبداد، فتسربت آليات القمع السياسي إلى ذائقة المتلقي وطريقة تفكيره. لقد تحول النقد، الذي كان في جوهره فعلا معرفيا يغوص في أعماق النص، إلى عملية إعدام علنية لكل قيمة فكرية رصينة، وكأننا أمام استنساخ مشوه لأساليب القمع التي خبرناها في السياسة، ولكن هذه المرة بأدوات ثقافية.

في هذا الفضاء الذي تضيق فيه مساحات الحرية وجد المتنمر ضالته في فوضى العالم الرقمي. إنه كائن لا يملك عدته المعرفية ولا يتقن فن المساءلة، بل يتسلح بغريزة التسقيط التي تشربها من سياق سياسي لا يؤمن بالاختلاف، بل يرى في الآخر خصما تجب تصفيته. هنا، صار النقد مجرد تصفية حسابات شخصية، ومسرحا لسيركا والضجيج يفتقر لأدنى مستويات الحوار الواعي. والنتيجة هي غزو مريع للرداءة التي تجد من يرفعها، ويغيب فيها الناقد القادر على قول "لا" في وجه جوقة المصفقين.

إن موت الناقد ككيان اعتباري وولادة الناقد المتنمر هو الذي أفرغ الثقافة من جوهرها. هذا المتنمر لا يقرأ ليفهم، بل يقرأ ليحطم، متخذا من الانطباعية السطحية قناعا يغطي به جهله المطبق بالمنهج. إنه يمارس نوعا من الجبن المعرفي تحت غطاء الحرية، مستغلا صخب المنصات الرقمية لفرض سطوته، حيث بات الصراخ والشتائم هما المعيار للحضور، لا عمق الفكرة أو قوة الحجة. لقد تحولت اللغة من وسيلة للارتقاء بالجمال والحقيقة إلى أداة استئصالية هدفها اغتيال الشخصية بدلا من نقد النص.

نحن عالقون في مأزق تنميط الوعي فالمتنمر يقود القطيع ويحوله إلى سجن مفتوح تسوده قيم الغوغاء. لقد صار المشهد الثقافي حلبة يغيب عنها التنوير، ويحضر فيها تسليع وتسطيح الأدب. الخطر الحقيقي أن هذا السلوك تحول إلى معيار، فحين يسود منطق القوة وتختفي الرصانة خلف ضجيج المدعين، يضيع صوت المثقف الحقيقي في زحمة التشهير. إن الثقافة تحولت إلى مجرد استعراض للعضلات اللغوية، حيث يظن البعض أن مجرد القدرة على الهجوم تعني التفوق الفكري.

استعادة النقد اليوم ليست مجرد دعوة للنظام أو للتنظيم، بل هي ثورة أخلاقية ضرورية. نحن لا ننتظر إصلاحا من سلطة ترفض النقد، بل علينا أن ننتزع فضاءنا المعرفي من براثن أولئك الذين يلوثون ذائقتنا. إن معركتنا ضد "اللاشيء" هي معركة من أجل الحقيقة، ضد عقلية الإلغاء التي تريد مصادرة وجداننا. إننا مدعوون لرفع الحرمة عن النص الأدبي وحمايته من عبث الجاهلين، وإعادة الاعتبار للنقد كفعل تواضع أمام المعرفة، لا كأداة للتسلط.

في نهاية المطاف، نحن أمام خيار لا يحتمل المراوغة: إما أن نسترد النقد كضمير لهذا المجتمع يفكك كل أوهام السلطة والغوغاء، أو أن نترك أدبنا يغرق في وحل التفاهة، حيث لا يتبقى لنا سوى صدى صرخات أولئك الذين يظنون أن التسقيط هو قمة الإبداع. التاريخ لن ينصف أحدا من هؤلاء، بل سيحفظ أسماء أولئك الذين ظلوا أوفياء للفكرة، ورفضوا أن ينحنوا لعاصفة الغوغاء، مفضلين عناء السؤال على راحة الجهل الذي يغلف يومنا.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

في المثقف اليوم