أقلام ثقافية

حاتم السروي: آخر شعراء الصعاليك "عبد الحميد الديب"

لا شك أن عبد الحميد الديب شاعرٌ متمكن من ناصية البيان ولا تعوزه اللغة؛ كما أن لديه القدرة على تركيب المعاني وحسن التصوير؛ إلا أن قصائده عادةً تدور في فلك الهجاء والسخرية المُرَّة، فكانت انعكاسًا لمسيرة حياة لم يشهد فيها إلا الفقر والخيبات.

 لقد عاش "الديب" حياةً حزينة مُلِئَت بأوجه البؤس والحرمان مما قلل كثيرًا من إنتاجه الشعري، فنادرًا ما كان يُدَوِّن أشعاره أو يحتفظ بها؛ بل كان يلقيها بلا اكتراث ثم يعاود نظم الشعر، ويلقي ما نظمه على مسامع الغير ثم لا يحتفظ به! غير أن المتاح بين أيدينا من أشعاره يؤكد لنا أننا أمام شاعر مُجِيد قطع أشواطًا في عالم الشعر.

وُلِدَ "عبد الحميد الديب" في شهر يوليو من عام 1898 بقرية كمشيش في محافظة المنوفية لأسرة فقيرة؛ حيث لم يملك والده الفلَّاح أرضًا يزرعها؛ بل كان أحيانًا يتاجر في المواشي لحساب الغير، وأحيانًا أخرى يستأجره بعض أهالي القرية لذبح الخِرَاف والعجول في المواسم والأعياد، ورغم ذلك لم يهمل طفله "عبد الحميد" بل ألحقه بكُتَّاب القرية ليحفظ القرآن، وحلم بأن يكون الولد "شيخ عمود" بالأزهر الشريف، و"شيخ العمود" هو العالم الذي يجلس عند عمود من أعمدة الجامع الأزهر ويتحَلَّق حوله الطلبة ليشرح لهم العلوم الدينية.

ورغم أن "الديب" قد نشأ في الريف المعروف بطيب هواءه وروعة أنسامه، واللون الأخضر الجميل الذي تزدان به الحقول؛ إلا أنه في صباه لم يستمتع بكل هذا ولم يتأمل في جمال القرية؛ لأن الفقر كان يعتصر قلبه ويشعره بالعجز؛ لذلك هرب من هذا الواقع الأليم إلى القراءة، فكان يقرأ كل ما يقع تحت يده من الأدب والتاريخ والجغرافيا والعلوم، والشعر بما في ذلك أشعار أبي العلاء المَعَرِّي.

ورغم الفقر إلا أن والده أصر على مواصلته الدراسة في الأزهر، فألحقه بمعهد الإسكندرية الديني، لتصبح الإسكندرية من أهم المحطات في حياة الديب؛ فقد أعادت تشكيل وجدانه، بعد أن سحرته بجمالها، وقد لازمه الفقر فيها أيضًا إذ كان يسكن في غرفة على السطوح بلا أثاث في حي شعبي، وكان يمضي يومه سائرًا في الشوارع بغير هدف، ولم يكن هذا حبًا في التسكع، بل هربًا من وطأة الفقر على روحه، وحتى لا يشعر بالجوع، ويظل سائرًا عامَّة يومِه حتى إذا آذنت الشمس بالمغيب وجد نفسه أمام البحر فيناجيه.

ورغم أن والده كان يرسل إليه كل شهر قروشًا قليلة إلا أنه أكمل تعليمه في الأزهر واستطاع الحصول على شهادة المعهد الديني، وبعدها التحق بكلية دار العلوم في القاهرة؛ غير أنه لم يستطع مواصلة تعليمه فيها خاصةً بعد وفاة والديه، وكان السبب في عزوفه عن التعليم أنه شعر بعدم الجدوى وأنه لا قيمة لشيء، واجتاحه الشعور بالخوف المقرون بالشقاء وفقد الطمأنية. وبالجملة فقد كانت طبيعته غير راضية، وزاد من إحساسه بعدم الرضا فقده لوالديه اللذيْن قال عنهما:

الوالدانِ هلكتُ بعدَهُما.. من لي على ردِّ الأسى بهِمَا

أستوحِشُ الدنيا كرَاهِيَةً.. مُذْ ذُقتُ كأسِيَ من فراقِهما

وفي هذه الأثناء تعرف "الديب" على الموسيقار "سيد درويش" وشعر لأول مرة أن الحياة تبتسم له؛ فقد كان "درويش" سَخِيًّا عليه، وكثيرًا ما أخذه معه في سهراته ليأكل ويشرب ويستمع إلى ألحانه، ولأن الحظ كان على غير وفاق مع "الديب" فإن أيام سعادته لم تدم طويلًا؛ حيث مات الموسيقار وبرحيله عادت الدنيا لتظلم في وجه الديب، وعاد هو إلى حبيبه "الشارع" ليتصعلك بعد هدنة من العَوَز.

 ومشي في شوارع القاهرة وحواريها، وكانت المواقف البائسة التي يمر بها تلهمه وتذكي قريحته فيكتب شعرًا، ومن شعره – على سبيل المثال-:

حظي ومصرعُهُ في لين أخلاقي.. وفيضِ عطفي على قومي وإشفاقي

بين النجوم أُناسٌ قد رفعتُهُمُ.. إلى السماء فسَدُّوا باب أرزاقي

وكم وَقَيْتُ الردَى من بِتُّ مضطَّرِبًا.. في أَسْرِهِ المُرِّ لم أَظْفَر بإطلاقي

يا أمةً جَهِلَتْني وهْيَ عالِمةٌ.. أن الكواكبَ من نوري وإشراقي

أعيشُ فيكًم بلا أهلٍ ولا سكنٍ.. كعيش منتجع المعروف أفَّاقِ

وليس لي من حبيبٍ في ربوعِكُمُ.. إلا الحبيبينِ أقلامي وأوراقي

رِيشَت لغدري سِهامٌ من نميمَتِكُم.. فصارعتني ومالي دونها واقي

لمْ أدرِ ماذا طَعِمتُم في موائدِكُم.. لحمَ الذبيحةِ أم لحمي وأخلاقي

وقد حاول أصدقاء "الديب" أن يساعدوه بالسعي له في أروقة المصالح الحكومية لإيجاد وظيفة تنتشله من الضياع إلا أن أشعاره التي كان يسخر فيها من كل شيء تقريبًا حتى من الوظيفة حالت بينه وبين التوظف.

 وبعض من حكى سيرته قال إنه توظف بالفعل إلا أنه كره الوظيفة ورآها قيدًا واستقال منها، ولايبعُد هذا عن الحقيقة لاسيما وأن "الديب" كما قال عنه صديقه الكاتب "فتحي رضوان": "كان كسولًا يكره العمل ويضيق بالنظام والرتابة، ويعشق التجوال، ولم يكن يصبر ليُتِمَّ عملًا حتى على نظم شعره" ومن المعروف عن "الديب" أنه كان قَلِقًا مولَعًا بالتغيير المستمر لا يستقر في الحياة ولا في الوظيفة.

وفي قمة بؤسه تزوج "الديب" من امرأة مُطَلَّقة اسمها "إحسان" وكانت أمًا لطفلين، وانتقلت الزوجة المسكينة بطفليها لتعيش معه في غرفته التي على السطوح، وكان يغيب عنها بالأيام هربًا من دفع قيمة الإيجار ومسئولية الإطعام، ثم يعود إليها خالي الوِفَاض، وضاقت زوجته بهذه الحياة فطلبت الطلاق بعد شهور، وبالفعل طلَّقَها.

وظل الديب هائمًا على وجهه بلا عائلة ولا سكن ولا مال، وكان يبيت لياليه المُفعَمة بالضياع في الحدائق العامة والمساجد ولا يجد ما يسد الرمق، والعجيب أنه رغم هذا كان قادرًا على إنتاج الشعر وإن كانت بعض أشعاره لا تليق، فقد استخدم فيها ألفاظًا لا شك أنها وقحة.

ويرى "فتحي رضوان" في كتابه "عصر ورجال" أن "الديب" شاعر موهوب وكان جديرًا بأن يُثرِي ديوان الشعر العربي فوق ما أثراه بألوان غير مسبوقة، وبمعانٍ جديدة غير مطروقة لو أن الوسط الأدبي كان جادًّا أكثر، ولكن الواقع أن الحياة الأدبية كان يشوبها لونٌ من الهزل يُمارَس على قوارع الطُّرُق وفي المقاهي، وداخل مكاتب رؤساء تحرير الصحف، وهكذا سقط الديب في أيديهم، فتَلَهُّوا بِهِ طويلًا، وأكدوا عنده الميلَ إلى الكسل، وأفقدوه احترامَهُ لنفسه، ولم تمتد منهم يدُ جادٍّ لتقويمه والارتفاع بموهبته في حدود خصائصه النفسية"

وذات يوم وُجِدَ الديب ميتًا في حديقة عامة، وفي رواية أخرى أنه توفي بمستشفى "قصر العيني" ومن الواضح أن بؤسه تسبب في وفاته، وعلى أية حال فقد مات وترك الضيق والعناء بعد خمسةٍ وأربعين عامًا لم يَتهَنَّ فيها يومًا واحِدًا، وجديرٌ بالذكر أن أولى ذكرياته الحزينة جاءت هو في سن مبكرة؛ حيث مات جاره الأعرابي "سالم" وكان شابًا وسيمًا طيبًا يتخذه "الديب" قدوةً له.

وبعد رحيل "الديب" بمدة شكَّل الشيخ "أحمد حسن الباقوري" وزير الأوقاف لجنة لجمع أشعاره ودراستها؛ إلا أن اللجنة انقسمت على نفسها ولم تقم بمهمتها على الوجه الأمثل، ورغم رحيل الديب إلا أن اسمه لم ينقطع ذكره، فقد درَس االباحثون في الأدب أشعاره وأُلِّفَت عنه بعض الكتب، ويمكن القول في الختام أن "الديب" هو بحق "وريث الصعاليك" ونموذج يُلتَفَت إليه للتأمل في الأدب، وفي الحياة أيضًا.

***

حاتم السروي

 

في المثقف اليوم