عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مقاربات فنية وحضارية

مقاربات فنية وحضارية

لوحة تنفتح على أسئلة الوجود والديمومة والتجدد

ضمن المعرض الذي أقامته جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين في الثالث عشر من حزيران2026، الذي ضم أكثر من مئة وعشرين عملاً فنياً لفنانين من مختلف محافظات العراق باتجاهات وأساليب تشكيلية متنوعة، كانت لوحة الفنانة نسرين الملا "مندالة" من بين الأعمال الفنية التي توقفت عندها متأملاً عنوانها، ودلالته أولاً، ولأنها من بين الأعمال المتميزة في المعرض، إذ استطاعت أن تقدّم خطاباً بصرياً تداخلت فيه الذاكرة الشخصية مع الموروث الحضاري والبعد الروحي في بنية تشكيلية جديدة.

في حوار مع الفنانة يتبين لنا أن "مندالة"، تشير إلى فن المندالة أو الرسم بالرمال، وهو أحد الفنون التي تتميز بها منطقة التبت، وهي كلمة ذات أصل سنسكريتي تعني "الدائرة". أو القرص، وفي الثقافات الهندو ـ أوربية تمثل "المندالة" رمزاً للكون والانسجام والاتحاد الروحي، والتعبير عن المشاعر عبر الألوان والأشكال ، وتُستخدم في الطقوس التأملية بوصفها صورة رمزية للعالم ولحركة الوجود. غير أن الفنانة لا تستعير المفهوم بمعناه الشرقي المجرد، بل تعيد توطينه داخل البيئة العراقية، لتمنحه أبعاداً حضارية رافدينية، وبغدادية معاً.

تكتسب هذه اللوحة أهميتها من كونها تنبع من تجربة حياتية عميقة عاشتها الفنانة في منطقة الشوّاكة، إحدى أقدم محلات بغداد في جانب الكرخ، بمحاذاة نهر دجلة. هناك، وسط الأزقة المتعرجة، والأقواس البغدادية، والشبابيك الخشبية، والانحناءات المعمارية التي تشكل جزءاً من الذاكرة البصرية للمدينة، تشكل وعي الفنانة الجمالي. ومن هنا يمكن فهم الحضور الكثيف للمنحنيات والأهلّة والأشكال الدائرية التي تتكرر في العمل بوصفها استدعاءً جمالياً لذاكرة المكان.

الدائرة هنا ليست شكلاً هندسياً محايداً، بل رمز ثقافي عابر للعصور. فمنذ الأختام الأسطوانية السومرية، مروراً بالرموز المرتبطة بالآلهة عشتار، وصولاً إلى العمارة الإسلامية في القباب والأقواس والزخارف والرقش، ظل الشكل الدائري أحد أكثر الأشكال حضوراً في المخيال العراقي. كما نجده في الأواني الفخارية، والزخارف الشعبية، والحروفية العربية التي تحوّل الحرف نفسه إلى حركة دوران مستمرة حول مركز معنوي وروحي.2950 jamal

في قلب اللوحة تتجسد هذه الفكرة عبر دائرة مركزية كبيرة تشكل المحور البصري والروحي للعمل. إنها ليست مجرد عنصر زخرفي، بل مركز جذب تدور حوله العلاقات التكوينية كافة. ومن خلال هذه الدائرة تنتظم حركة الشخصيات النسوية التي تبدو وكأنها تمارس طقساً جماعياً قديماً، حيث تتحرك الأجساد في دوران إيقاعي حول إناء أو صحن دائري يتوسط المشهد.

تبدو النساء هنا وكأنهن يستعدن إحدى طقوس الخصب الأولى التي عرفتها الحضارات الزراعية القديمة. فالجسد الأنثوي لا يُقدَّم بوصفه موضوعاً جمالياً أو وصفياً، وإنما بوصفه رمزاً لاستمرار الحياة وتجددها. ولهذا اختارت الفنانة المرأة محوراً للعمل، لأنها تمثل الولادة والمخاض والتجدد، أي الدورة الأزلية التي لا تنقطع. ومن هذا المنظور يصبح الهلال المتكرر في اللوحة امتداداً للدلالة نفسها، فهو رمز للتجدد الدوري، ولحركة الزمن التي تبدأ لتعود إلى بدايتها من جديد.

الإيحاء الحركي في العمل بالغ الأهمية، فالشخصيات لا تبدو ساكنة رغم ثباتها التشكيلي. ثمة حركة كامنة تتولد من اتجاهات الأجساد ومن علاقة الكتل بالدائرة المركزية، وكأننا أمام رقصة دائرية بطيئة تستعيد طقوس الطواف الإنساني الأولى. ولعل هذا ما يقرّب العمل من مفاهيم الدوران الصوفي، حيث يتحول الدوران إلى وسيلة للاتحاد مع الكون، وإلى تعبير عن الحركة الكونية المستمرة التي لا تعرف بداية أو نهاية.

أما العمود الرأسي الذي يشطر اللوحة إلى قسمين، والمثقل بالعلامات والرموز والزخارف، فيبدو وكأنه سجل حضاري يمتد من الأرض إلى السماء. إنه العمود الذي يحمل ذاكرة الحضارات المتعاقبة، ويمنح الحركة الدائرية مركزها الثابت. وبهذا المعنى تنشأ علاقة جدلية بين الثبات والحركة، بين العمود بوصفه محوراً، والدائرة بوصفها طاقة دوران لا تتوقف.

اختارت الفنانة خلفية داكنة عميقة سمحت للعناصر المضيئة بأن تتوهج من الداخل. فاللون هنا لا يؤدي وظيفة وصفية، بل يساهم في بناء المناخ التأملي للعمل. وتكتسب درجات الفيروزي والذهبي أهمية خاصة لأنها تستدعي ذاكرة العمارة البغدادية والقباب الإسلامية ونقوشها، فيما تمنح الألوان الأخرى للأجساد إحساساً بأنها خارجة من عمق الأرض أو من طبقات التاريخ.

إن القيمة الحقيقية لهذا العمل تكمن في نجاحه في الجمع بين ثلاثة مستويات متداخلة: الذاكرة الشخصية للفنانة، والموروث الحضاري العراقي، والبعد الإنساني الكوني الذي تمثله فكرة "المندالة". لهذا لا تبدو اللوحة أسيرة مكان أو زمان محددين، بل تنفتح على أسئلة الوجود والديمومة والتجدد.

استطاعت نسرين الملا أن تبني عالماً رمزياً خاصاً بها، يستند إلى خبرة المكان، ويستثمر التراث من دون الوقوع في النقل أو التكرار، لتصير "المندالة" تأملاً بصرياً في فكرة الاستمرار، واحتفاءً بالمرأة، خصوصاً في قدرتها على تجديد العالم عبر دورة لا تنتهي من الولادة والتحول والعودة إلى نقطة البدء، تماماً كما تدور الحياة حول مركزها الأبدي.

***

د. جمال العتّابي

استطاع الفنان التشكيلي مكي عمران أن يلفت انتباه الجمهور لعمله الفني المشارك في المعرض السنوي للرسم الذي أقامته جمعية الفنانين التشكيليين في بغداد 13 حزيران 2026. بعنوان "فضاء لوني" وبمشاركة واسعة من رسامي العراق. تقدر بـ "120" رساماً، بمختلف الأساليب والمواد والرؤى.

لا أستطيع أن أعمم هذا الانتباه بوصفه رأياً يجمع عليه النقاد والمتلقون، فمن الطبيعي أن تتعدد الآراء وتختلف الذائقة لهذا العمل الفني أو ذاك، بما يعني أن المعرض ضم أعمالاً فنية أخرى رائعة ومتميزة تستحق العودة إلى قراءاتها في مناسبة أخرى. لكن ثمة لوحة تأسرني، أتوقف عندها متأملاً، بوصفها موضوعاً بصرياً، وأخرى أقرؤها بوصفها نظاماً فكرياً يتخفّى خلف اللغة التشكيلية. ولوحة مكي عمران تنتمي إلى الصنف الثاني، فهي لا تعرض مشهداً بقدر ما تعيد بناء العالم عبر مفرداته، وتحوّل الذاكرة العراقية إلى بنية تشكيلية تتجاوز الوصف المباشر نحو فضاء تأويلي مفتوح.

يفرض اللون الأزرق هيمنته على السطح التصويري، ليس بوصفه مناخاً نفسياً وحاملاً دلالياً. يخلق توازناً لونيّاً بالغ الحساسية. تجعل منه عنصراً بنائياً لا وصفياً.2945 jamal

تقوم اللوحة على نظام تفكيكي يعيد تركيب الواقع عبر وحدات هندسية متجاورة ومتداخلة. فلا وجود لمنظور تقليدي أو مركز بصري واحد، بل شبكة من الكتل والمستويات التي تتجاور وتتقاطع، بحيث ينتقل المتلقي بين فضاءات متعددة داخل العمل نفسه. وهذه البنية تستدعي، من بعيد، بعض منجزات التكعيبية، غير أن الفنان لا يقع في أسرها، بل يوظفها وسيلة لإعادة صياغة المكان العراقي بصرياً.

تتوزع في اللوحة مفردات مألوفة: جرار فخارية، أقواس معمارية، إشارات إلى الآلات الموسيقية، عناصر نباتية، أجزاء من العمارة الشعبية، وأشكال آدمية شبه غائبة. لكنها لا تظهر بوصفها موضوعات مستقلة، وإنما كعلامات ثقافية تتداخل داخل نسيج واحد، لتغدو الذاكرة نفسها هي موضوع اللوحة الحقيقي.

إن المتلقي لا يعثر على سرد حكائي مباشر، بل يواجه ما يمكن تسميته بـ" أركيولوجيا بصرية"، حيث تتراكم الأزمنة فوق بعضها، وتتجاور الرموز دون أن تلغي استقلالها. فالجرّة ليست مجرد وعاء، وإنما استعارة للذاكرة، والقوس ليس عنصراً معمارياً فحسب، بل علامة على الامتداد الحضاري، فيما تتحول الكتل اللونية إلى طبقات زمنية أكثر منها عناصر شكلية.

ومن أبرز ما يلفت النظر قدرة الفنان على ضبط الإيقاع الداخلي، فعلى الرغم من كثافة العناصر وتعددها، لا يشعر المتلقي بالفوضى، لأن العلاقات بين الكتل محكومة بإيقاع مدروس يقوم على التكرار والتنويع والتوازن. فكل كتلة تستدعي أخرى، وكل فراغ يقابله امتلاء، لتتشكل حركة بصرية مستمرة تمنع العين من الاستقرار في نقطة واحدة.

يكشف العمل عن معرفة أكاديمية راسخة بالبناء التشكيلي، غير أن هذه المعرفة لا تتحول إلى استعراض تقني، بل تذوب داخل التجربة. فالفنان عمران، بحكم تكوينه الأكاديمي، واشتغاله البحثي والنقدي، يمتلك أدواته النظرية، لكنه ينجح في تحويلها إلى لغة شخصية بعيدة عن المباشرة أو التنظير البصري.

وتبدو تجربته هنا امتداداً لتيار من الفن العراقي الحديث الذي انشغل بالهوية البصرية دون الوقوع في النقل الفولكلوري. فهو لا يستعير التراث ليزين به سطح اللوحة، وإنما يعيد إنتاجه داخل بنية معاصرة، تجعل الماضي مادة لإبداع جديد لا موضوعاً للحنين وحده. ولهذا فإن مفرداته التراثية لا تستقر في معناها الأصلي، بل تتحول إلى علامات مفتوحة قابلة للتأويل.

وفي سياق التجربة العراقية المعاصرة، يمكن النظر إلى هذا العمل بوصفه محاولة واعية تمنح اللوحة خصوصيتها، فلا هي تنزلق إلى التجريد الخالص، ولا تبقى رهينة التمثيل الواقعي.

إن القيمة الجمالية للعمل لا تكمن في مهارة التنفيذ وحدها، وإنما في قدرته على تحويل المكان إلى ذاكرة، واللون إلى إحساس، والشكل إلى فكرة. وهنا يبلغ الفنان إحدى أهم غايات الفن المعاصر: أن يجعل اللوحة فضاءً للتفكير بقدر ما هي فضاء للرؤية.

لقد استطاع الفنان مكي عمران أن يشيّد عالماً بصرياً متماسكاً، يستند إلى ثقافة تشكيلية عميقة، وإدراك دقيق للعلاقة بين التراث والحداثة، وبين النظام والفوضى، وبين البناء الهندسي والانفعال الشعري

ومن ثم فإن هذه اللوحة لا تُختزل في موضوعها، بل في طاقتها على استدعاء الذاكرة الجمعية وصياغتها ضمن خطاب بصري معاصر، يؤكد حضور صاحبها بوصفه واحداً من الأصوات التشكيلية العراقية التي نجحت في بناء مشروعها الخاص، القائم على تحويل مفردات البيئة والثقافة إلى بنية تشكيلية ذات أفق إنساني وجمالي رحب.

***

د. جمال العتّابي

 

يبدو الإطار للوهلة الأولى عنصراً ثانوياً في اللوحة التشكيلية، وكأنه مجرد إضافة مادية خارجية تحيط بالعمل الفني وتفصله عن محيطه. غير أن النظر المتأني في تاريخ الفن يكشف أن الإطار لم يكن دائماً مجرد عنصر زخرفي أو عملي، بل كان في كثير من الأحيان جزءاً من بنية العمل نفسه، وعنصراً من عناصر لغته البصرية.

ارتبطت اللوحة، منذ نشأتها في سياقها الجدارّي أو المعماري، بحدود مادية تفصلها عن الفضاء المحيط بها. هذه الحدود قد تكون الجدار نفسه، أو مساحة محددة ضمن عمارة أو قصر. ومع تطور اللوحة المحمولة على القماش أو الخشب، أصبح الإطار الوسيط الذي يحدد هذا المجال البصري ويعزله عن العالم الخارجي.

غير أن هذا التحديد لا يخلو من إشكالية فنية وفلسفية. فالإطار، من جهة، يمنح اللوحة استقلالها ويؤكد هويتها بوصفها عالماً بصرياً قائماً بذاته. لكنه من جهة أخرى قد يتحول إلى قيد يحدّ من حرية العمل ويحبسه داخل حدود صارمة.

في الفن الكلاسيكي، كان الإطار جزءاً من تقاليد العرض الجمالي، وغالباً ما كان يتخذ طابعاً زخرفياً متناسقاً مع موضوع اللوحة. أما في الفن الحديث، فقد بدأ الفنانون يعيدون النظر في وظيفة الإطار ومكانته. بعضهم رفضه تماماً، معتبراً أن العمل الفني ينبغي أن يتصل مباشرة بالفضاء المحيط دون وسيط.

كانت البيئة الزاهية في القصور الملكية الأوربية قد لعبت دوراً أساسياً في نشوء ما يسمى بـ " فن الحامل" وهو الفن التقليدي للوحة الأوربية، هذه اللوحة التي لا يمكن تخيلها منذ عصر النهضة إلا مؤطرة ومعلقة على جدار احتفائي. لذا يسميها البعض بفن "الأروقة". كانت اللوحات عبر هذه القرون تؤطر بعناية وتعلّق ضمن صفّ متطاول أفقياً على جدران صالات ممتدة في القصور تمكّن الملوك وحاشيتهم المرور من أمامها. وفي كثير من الأحيان كان الإطار يمثل درجة الحفاوة بهذه الطبقة، ما يستلزم دقّة الاختيار وحسن الحفر والتوريق الفخم بما يناسب مقام المشاهدين. تزداد هذه الحفاوة إذا كانت اللوحة تمثّل رسماً شخصياً (بورتريه) لأحد المسؤولين.

بالغ البعض في العناية في الإطار أكثر من الاهتمام باللوحة، ضمن المزاج العام في ذوق المتلقي الغربي، والدليل هو أن تقاليد صناعة الإطارات ما تزال قائمة كحرفة، بتلوينات وطرز متعددة لم يصبها التراجع مع أفول الاتجاه الذي أدّى إلى ظهورها. وأصبحت مع الاستمرار جزءاً من التقاليد المهنية والحرفية الشعبية المرتبطة على الأغلب بالحفر على الخشب والموبيليا بشكل عام.

لقد أدت التجارب الحديثة في الرسم، ولا سيما منذ بدايات القرن العشرين، إلى زعزعة الحدود التقليدية بين اللوحة والإطار. ففي بعض الاتجاهات التجريدية، لم يعد الإطار ضرورياً، بل أصبح وجوده أحياناً عائقاً أمام التفاعل الحر بين اللوحة والجدار الذي تعلق عليه.

ومع ذلك، فإن حذف الإطار لا يعني بالضرورة إلغاء فكرة الحدود. فاللوحة نفسها، حتى في أكثر أشكالها تحرراً، تظلّ محكومة بإطارها الداخلي، أي بالبنية التكوينية التي تحدد مجالها البصري. إن الحدود هنا تنتقل من عنصر مادي خارجي إلى عنصر بنائي داخل العمل نفسه. إنه ليس مجرد قطعة خشبية تحيط باللوحة، بل هو مفهوم جمالي يرتبط بفكرة الفصل بين عالمين: عالم الفن وعالم الواقع. فعندما ننظر إلى لوحة مؤطّرَة، فإننا ندرك تلقائياً أننا أمام فضاء مختلف، فضاء يخضع لقوانين التكوين والإيقاع واللون.

وقد حاول بعض الفنانين المعاصرين تجاوز هذه الثنائية، فدمجوا الإطار في اللوحة نفسها، أو جعلوه امتداداً لسطحها، أو حتى عنصراً تشكيلياً داخل التكوين. وفي هذه الحالات لم يعد الإطار حدوداً فاصلة، بل تحوّل إلى جزء من التجربة البصرية.

إن السؤال الذي يطرحه الإطار اليوم لا يتعلق بوظيفته المادية فحسب، بل بمكانته الرمزية أيضاً. هل هو ضرورة تقنية لتنظيم العرض البصري؟ أم أنه بقايا تقليد تاريخي لم يعد ملائماً للفن الحديث يمكن الاستغناء عنه؟

الإجابة عن هذه الأسئلة لا تدعو إلى التسرّع، خاصة وأن كثيراً ما تواجهنا أعمال الرسامين على جدران صالات الفن التشكيلي وهي خالية من إطاراتها. لأن الإطار في النتيجة ما هو إلا حدود للفراغ. فهو أداة يمكن أن تضيف إلى العمل الفني عمقاً وتنظيماً، كما يمكن أن تتحول إلى قيد يحد من طاقته التعبيرية. والفيصل في ذلك هو كيفية توظيفه داخل الرؤية الجمالية للفنان.

إن اللوحة، في نهاية الأمر، ليست مجرد سطح ملون، بل هي فضاء رمزي يخلق عالماً خاصاً. والإطار، سواء كان مادياً أو ضمنياً، هو العتبة التي نعبرها للدخول إلى هذا العالم.

***

د. جمال العتّابي

(احتقار العوام في جناب الخواص بتعيين فلان وفلان كفضل الحسن البصري على الحسن بن هانئ "أبو نواس" لا يعوَّل عليه).. ابن عربي

هكذا يفتتح ابن عربي إحدى حكمه في رسالة ما لا يعوَّل عليه. وما من شيء أجدر بعدم الاعتماد عليه من حكم الجمهور.. ذلك الحكم الذي لا يصدر عن فهم نافذ ومعمق لبواطن الأمور بل عن انبهار عابر، بما يلمع في الحاضر وعن رغبة خفية في التخلص من ثقل الماضي الذي لا يمنحهم متعة الدهشة.

فالمكانة التي تمنح من قبل الجمهور ليست سوى رأي زمني يتغير بتغير الأهواء والموجات الثقافية. ويضرب ابن عربي المثل بالحسن البصري وأبي نواس.. لا ليقارن بين منزلتيهما الأدبية والإنسانية بل ليبين أن حكم الجمهور ليس ميزانا للحقيقة وأن التفاضل بين الناس لا يجب أن يخضع لمزاج متقلب.. فكم من عظيم طواه النسيان، وكم من آخر رفع إلى ذروة الشهرة.

في لوحة (أكاليل الغار الذابلة) التي رسمها الإنجليزي إدموند بلير لايتون والتي أنجزت عام ١٨٨٩ يتجسد هذا المعنى في تكوين بصري يحمل أكثر مما تراه العين. شاب يعزف على قيثارته وسط حشد من النبلاء والمستمعين بينما يجلس في مقدمة المشهد على درجات حجرية باردة.. ذلك المسن مطرق الرأس ممسكا بقيثارته وعلى رأسه أكليل غار ذابل ربما يرمز الى زمن ولى.2930 ahmad

لم يضع الفنان الرجل المسن في المقدمة عبثا، بل جعله حاجزا بصريا بيننا وبين الجمهور وكأنه يريدنا أن نخترق بهذا الحاجز لنرى ما يغفل عنه الحشد.

خط البصر في اللوحة يبدأ من الشيخ المعزول ثم ينطلق نحو الشاب المتألق ثم يعود بنا محملا بالأسئلة إلى الشيخ مرة أخرى وكأن الرسم نفسه يدور في حلقة وجودية لا تنفك. الضوء ينساب على الشاب وقيثارته بينما يغمر الظل جزءا من وجه الشيخ، والماء الجاري بجانبه لا يرمز فقط إلى مرور الزمن بل ربما إلى النسيان المتدفق الذي يغسل آثار الأمس، تاركا العجوز خلفه وحيدا. جسد العجوز المنحني مقابل قامة الشاب المنتصبة، يعيد إنتاج ذلك التوتر الأزلي بين القديم والحديث. وهنا يتقاطع المشهد مع قول آخر لابن عربي "كل حال يدوم زمانين لا يُعوَّل عليه".

فالشهرة في جوهرها عارضة متقلبة لا تستقر كالومضة التي تنطفئ بمجرد أن تدركها العين. والحال يهبه الله ويزول بخلاف المقام الثابت المكتسب الذي يستقر في النفس استقرار المعرفة لا استقرار الصدى. فلو كان المجد الذي ناله الشيخ مقاما راسخا في جوهره لما استطاع الجمهور أن ينزعه عنه بتحويل وجوههم، ولما كان لتغير الزمن أن يمحو أثره.. لكنه كان حالا عابرا..

الرجل المسن الذي كان يوما في موقع الشاب يدرك الآن أن ما ناله لم يكن مقاما ثابتا بل نفحة انصرفت تاركة إياه على الدرج وحيدا مع قيثارة..

ثم يأتي قول آخر لابن عربي لنحاول فهم ما يدور في صمت الرجل المسن وربما ما يدور في فضاء اللوحة برمته.

يقول ابن عربي: كل تنهُّد يكون عن فقد في عين وجد لا يعوَّل عليه.

فاللوحة لا تظهر لنا تنهدا مرئيا لكن هيئة الشيخ ونظره الثابت في الأرض وتلك المسافة السكونية التي تفصله عن صخب الخلفية، تكاد تدعو المشاهد إلى تخيل تنهد مكتوم وشوق إلى أيام ولت. هذا التنهد حسب ابن عربي إيضا حال لا يعوَّل عليها لأنه يربط بما زال ويجعل الانسان أسيرا لما انقضى. مركز الألم في تنهيد الشيخ لا يخرج من ألم الحاضر بقدر ما يخرج من ألم المقارنة، من ذلك الوعي الموجع بأن المجد كان.. وأنه رحل. واللوحة من هذه الزاوية ليست مجرد تأبين للشهرة الزائلة بل هي تأمل في عبثية التعلق بكل ما هو عارض بما في ذلك من شهرة ووضع نفسي وحضور وحتى حنين إلى الماضي.

ذلك الحنين الذي قد يكون أشد فتكا من النسيان نفسه، لأنه يضاعف الفقدان بإعادة إنتاجه لحظة بلحظة.

لو عدنا قليلا لنتأمل اللوحة كما هي.. فهل يحق لنا ان نكون على يقين أن الجمهور يخطئ، وأن الأحوال تزول، وأن التنهد على الفائت عبث، فما الذي يبقى لنا؟

ماذا لو كان صمت الشيخ الذي ظننا حاله حكمة وتأمل.. هو صورة مجردة لعجز عن مجاراة النغمة الجديدة؟ وإذا كان الجمهور مخطئا في احتفائه بالشاب، فهل يكون الشيخ مصيبا في انعزاله؟

أم أن كليهما غارقان في وهمين متقابلين.. الأول وهم الحضور.. والثاني وهم الأثر.. وكلاهما وجهان لعملة واحدة تسك في دار الفناء؟

انظر إلى الضوء مجددا.. لماذا يسلطه الرسام على الشاب ويلقي بالشيخ في الظل؟

هل لأن الظل هو موطن الحقيقة الروحية أم لأن الضوء نفسه خائن لا يعرف كيف ينير إلا ما يتحرك ويصخب، تاركا الساكنين في عتمة لا تفرق بين الحكمة والعجز، بين الرضا والهزيمة؟

إذا كان ابن عربي يحذرنا من احتقار العوام للخواص أفلا يكون احتقار الجمهور في اللوحة واعتبار أنفسنا وحدنا المبصرين للحقيقة هو بعينه ذلك الاحتقار الذي لا يعوَّل عليه؟

ألست بينما أردد عبارة لا يعوَّل عليه بثقة أضع نفسي في مقام (المعوَّل عليه) فأقع في شرك التصنع الذي أراه في غيري ولا أبصره في نفسي؟

والسؤال الأكثر قسوة الذي تتركه اللوحة معلقا في فراغها ليس عن الرجل المسن ولا عن الشاب، بل عنا نحن. حين تنصرف هذه النظرات كلها، وتذبل تلك الأكاليل، ويسكت الجميع، ونتلاشى نحن أيضا.. هل تبقى النغمة وحدها في الفراغ؟

أم أن الفراغ يلتهمها كما التهم الحاضر الماضي وكما سيلتهم المستقبل هذا الحاضر الذي نعيشه الآن؟

***

د. احمد عابر

 

في تجارب الفنّانين، ثمّة محطّات لا تُقرأ بوصفها منعطفات تقنية فحسب، بل بوصفها أسئلة وجودية عن المصير والاختيار. من هذا القبيل تأتي حكاية النحات العراقي علوان العلوان حكايةٌ تبدو في ظاهرها مصادفةً طبية، لكنها في جوهرها امتحان عميق لمعنى الإبداع وحدوده

في الفنّ، ليست الهزيمة دائماً نهاية الطريق، بل قد تكون بدايته الحقيقية. هناك فنانون يصلون إلى أساليبهم عبر التدريب والدراسة الأكاديمية، وآخرون تقودهم المصادفات القاسية إلى قدرهم الجمالي. وتجربة النحّات العراقي علوان العلوان تنتمي إلى النمط النادر من التجارب الفنية التي تبدو كأنها مكتوبة بيد خفية، لا تولد في المشاغل الهادئة المريحة، يد تجمع بين الحرمان والمكاشفة، بين الخسارة والنجاة.

كأن الفن نفسه ينتشلهم من هاوية لا تخصّهم وحدهم، بل تخص زمناً كاملاً. ومن بين هذه التجارب تقف تجربة النحات العراقي علوان العلوان بوصفها واحدة من أكثر الحكايات التشكيلية العراقية إثارةً وتأملاً، لأنها لا تتحدث عن فنانٍ اختار النحت، بل عن "نحت" اختار صاحبه بعد سلسلة من الانكسارات والمفارقات.2911 alwan

ينتمي علوان إلى عائلة فلاحية مهتّمة بالزراعة، لم يسبق لأحد أفرادها دخول المدرسة، أو تعلّم القراءة والكتابة. كان أول من خرج من عتمة الأمية إلى ضوء المعرفة، وأول من حمل حلماً شخصياً داخل بيئة منشغلة بقسوة العيش اليومي. غير أن الفن بالنسبة إليه لم يكن ترفاً، بل تمرّد مبكر على المصير الاجتماعي المغلق.

في سنوات دراسته الأولى، كان الرسم شغفه العنيف. يرسم كما لو أنه يطارد شيئاً ينفلت منه. لم يكن معنياً بالشروط الأكاديمية، بقدر ما كان مأخوذاً بطاقة الشكل الحر وانفلات اللون. قرأ عن المدارس الحديثة، قبل أن يدرس الفن في معهد أو أكاديمية. تأثر مبكراً بالدادائية، تلك الحركة التي جاءت من قلب الخراب الأوروبي لتعلن الشك في كل يقين جمالي جاهز. ولعل علوان وجد فيها ما يشبه حياته الداخلية: احتجاجاً على النظام، وعلى القوالب، وعلى المعنى الواحد.

تقدّم إلى معهد الفنون الجميلة، ولم ينجح في الاختبار، يومها، لم يتعامل مع الرفض بوصفه نهاية، بل بوصفه تحدياً شخصياً: أن يكون فناناً رغم كل شيء.

كان يحمل رسوماته إلى الفنان الكبير رافع الناصري، يرسم بشراهةٍ داخلية، كما لو أن الرسم وسيلته الوحيدة لفهم العالم. متمرداً على الأنماط المستقرة، صار ينجز رسوماً خارجة عن المألوف، أقرب إلى تداعيات حلمٍ لا يعترف بالقواعد الأكاديمية. كان يقف الناصري أمامها مذهولاً. لم يكن يرى رساماً عادياً، بل طاقةً فنية مضطربة ومتفجرة في آن.

أمام تلك الأوراق المفعمة بالفوضى اللونية، وقف الناصري مذهولاً. أمام موهبة تتصارع مع شيءٍ غامض. خاطبه مرةً بدهشة: " أنت رجل مجنون ...ماذا ترسم؟"

لكن تلك "الجنونية" كانت تخفي "مرضاً عضوياً" لم يكن علوان نفسه يعرفه. نصحه الناصري بمراجعة طبيب عيون، وهناك اكتشف إصابته بعمى الألوان.2912 alwan

كانت لحظةً صادمة لرسام عاشق للألوان. كأن أحدهم أخبر عازف بيانو بأن أذنه تخونه. غير أن الناصري، بحسّه الإنساني العميق، لم يترك العلوان يسقط في اليأس، بل اقترح عليه أن يتّجه إلى النحت. وهكذا حدث التحول الكبير: من اللون إلى الكتلة، من العين إلى اليد، من الرسم إلى النحت.

في الظاهر، بدا الأمر تعويضاً ناقصاً، لكن الحقيقة أن النحت منح علوان ما لم يكن الرسم قادراً على منحه: لغةً وجودية أكثر التصاقاً بجسده وذاكرته. لم يعد اللون مركز التعبير، بل الإيقاع، والملمس، والفراغ، والعلاقة الحسيّة المباشرة مع المادة.

ثمة صدمة ثانية في حياة العلوان واجهها بجزع، هي عدم قبوله في أكاديمية الفنون الجميلة بسبب الاشتراطات الحزبية السائدة آنذاك، فأمضى خدمته العسكرية ـ بعد أن تخرج من كلية الإدارة ـ بين الخنادق والموت اليومي في جبهات الحرب العراقية ـ الإيرانية، لغاية تسريحه عام 1988، فسنحت له الفرصة في الالتحاق بالأكاديمية ـ القسم المسائي ـ كما لو أنه يعود متأخراً إلى قدره.

هذه الخلفية تفسّر الكثير من ملامح أعماله النحتية. ثمة نزوع واضح نحو الاختزال والتجريد التعبيري. فيها لا نعثر على الجسد بوصفه كياناً مكتمل التكوين، بل كائناً هشّاً، مستنزفاً، متطاولاً كصرخةٍ صامتة. الشخصيات تبدو معلّقة بين الأرض والغياب، بين الرغبة في الطيران وثقل الخراب الداخلي. إنّها أجساد خرجت من الحرب، ومن الريف، ومن ذاكرة الحرمان، لذلك تبدو خفيفة ومثقَلة في آن.

في إحدى منحوتاته، يقف الجسد فاتحاً ذراعيه كجناحين فوق كتلتين منفصلتين. العمل لا يقدّم صورةً عن طيران فعلي، بل عن توقٍ إنساني للتحرر. الكتلتان السفليتان تبدوان مثل هاويتين، بينما الجسد يحاول أن يتوازن فوقهما بعناد هشّ. هنا تتحول الكتلة إلى استعارة نفسية عن الإنسان العراقي الذي عاش معلقاً بين الفقد والأمل.

في عمل آخر، يظهر إنسان نحيل يمتطي حيواناً، في تذكيرٍ خفي بجذوره الأولى. ثمة حنين ريفي متخفٍ داخل العمل، لكنه حنين مشوب بالتعب لا بالبراءة.

الطيور التي تتكرر في أعماله تكشف عن اقتصاد شديد في الكتلة، تحمل معنى الحرية المؤجلة أكثر من كونها عناصر زخرفية..

خطوطها ملساء ومختزلة، الطائر عند علوان لا يطير بقدر ما يحلم بالطيران، وكأن الفنان يسقط رغباته الشخصية في هذه الكائنات النحيلة التي تبحث عن فضاء أرحب من العالم.2913 alwan

تبدو بعض أعماله شديدة التأثر بأعمال النحات العالمي "البرتو جياكوميتي"، لكن من دون استنساخ أو تأثر مباشر. فالأجساد المتطاولة الهشّة عند علوان، بدت كأنها خارجة من سنوات الحرب والجوع. تشبه الناجين من كارثة حقيقية، هي ليست نتاج فلسفة أوروبية خالصة، بل نتاج ذاكرة عراقية مثقلة بالعزلة والانكسارات.

لهذا تبدو منحوتاته اليوم كما لو أنها تمشي على حافة الهاوية، لكنها لا تسقط. كائنات نحيلة، متعبة، قليلة الكلام، لكنها تحمل في صمتها تاريخاً كاملاً من الألم العراقي… ومن النجاة أيضاً. الحرب لم تكسر الفنان، بل جعلت أشكاله أكثر إنسانية.

أشخاصه متجاورون لكنهم منفصلون داخلياً. الأجساد متقشفة، والرؤوس صغيرة، والأقدام طويلة كجذور متعبة. هنا لا ينحت علوان الشكل، بل ينحت الإحساس بالضعف الإنساني.

العلوان.. اسم مهم في مشهد النحت العراقي، شارك في معارض عديدة ونال جوائز مختلفة. غير أن الجائزة الأقرب إلى قلبه ليست ميداليةً أو شهادةً تقديرية، بل لحظة شخصية حميمة: أن يختار رافع الناصري إحدى منحوتاته لتزيّن مكتبه الخاص. وربما أجمل ما في هذه التجربة أن الفنان ما زال يحتفظ بامتنانٍ عميق لأستاذه رافع الناصري. على الرغم من الجوائز التي نالها، والمعارض والمشاركات المهمة التي حققها.

هنا تكتمل الدائرة، الأستاذ الذي دهشته "فوضى الألوان" عند تلميذه، صار يحتفظ بثمرة التحوّل النهائي لذلك الجنون.

***

د. جمال العتابي

كن رفيقا لأهل الله ففي سفينة نوح

تراب لا يساويه الطوفان بكل مياهه

حافظ الشيرازي - غزليات. الغزل رقم ٩

***

يختصر حافظ الشيرازي في هذين البيتين معنى النجاة الذي لا يتحقق بالقوة ولا بالمال ولا بالمكانة بل بالقرب من أهل الصدق والإيمان. فالسفينة هنا ليست مجرد خشب يطفو فوق الماء بل رمز للطريق الذي يحفظ الإنسان حين تضطرب الدنيا من حوله. حتى التراب العالق بسفينة نوح حسب حافظ يكتسب قيمة لا يملكها الطوفان نفسه. لأن النجاة ليست فيما يغمر الأرض من قوة عاتية بل فيما يحمل الإنسان إلى بر الأمان من هداية وثبات. ومن هذا المعنى الروحي تنطلق اللوحة؛ فهي لا تصور حدثا تاريخيا فحسب بل تجسد لحظة انتصار الرجاء على الخوف والإيمان على الفناء... على الخصوص في مشهد دقيق يصوره الرسام حيث تعود الحمامة بغصن الزيتون لتعلن أن زمن الغرق يوشك أن ينقضي.

في قلب المشهد يقف نوح شيخا وقورا تغمره هالة من الضوء كأنه محور السكينة وسط عالم ما زال يخرج من ظلمة الكارثة. تمتد يده نحو المرأة التي تستقبل بشارة النجاة بينما تتجمع حوله الناس في أوضاع مختلفة توحي بالإرهاق والترقب والامتنان. لكن ما يشد العين قبل المعنى هو كيفية بنائه. يعتمد ريابوشكين توزيعا هرميا للشخصيات. هذا التوزيع قاعدته نوح ومن حوله وقمته الحمامة العائدة في الأعلى فيخلق صعودا بصريا من الثقل البشري نحو الخفة والوعد. ينساب الضوء من أعلى اللوحة فيخترق عتمة السفينة ويقود نظر المشاهد من غصن الزيتون المضيء إلى يد نوح الممتدة ثم إلى وجوه الناس المصفوفة في نصف دائرة تحيط به. هذا المسار البصري المرسوم بعناية يحول الضوء من عنصر جوي إلى بنية سردية. نحن لا نرى النجاة فحسب بل نتتبع وصولها عبر النظرات والأيدي. وفي الخلفية تظهر الطيور محلقة داخل الفضاء الخافت فيما تنتشر الحيوانات في أركان السفينة لتذكر بالمهمة الكونية التي حملتها هذه الرحلة. ويمنح التباين بين الظلال الكثيفة في أسفل اللوحة والبقع المضيئة في أعلاها إحساسا دراميا متدرجا ينقلهما الحوار الصامت بين الكتلة البشرية الهابطة والنور الصاعد.2903 nooh

أنجز هذه اللوحة الفنان الروسي أندريه ريابوشكين سنة ١٨٨٢ وهو من الرسامين الذين اهتموا بالمشاهد التاريخية والدينية وبالحياة الروسية التقليدية. ورغم ارتباط اسمه بالواقعية الروسية فإن هذه اللوحة تحمل أيضا حسب فهمي ملامح رومانسية واضحة في معالجتها للضوء والعاطفة والجو النفسي العام. كان القرن التاسع عشر زمنا انشغل فيه الفنانون الروس بالبحث عن الجذور الروحية والقومية ولذلك وجد ريابوشكين في قصة نوح موضوعا يجمع بين الدلالة الدينية والبعد الإنساني الشامل. وربما رسمها لأنها تقدم صورة مكثفة عن الصبر في مواجهة المحنة وعن الأمل الذي يولد من قلب الكوارث. فالحمامة العائدة بغصن الزيتون ليست مجرد تفصيل من رواية مقدسة بل رمز خالد يؤكد أن الرحمة تأتي بعد الشدة وأن الإنسان مهما أحاطت به مياه الطوفان يظل قادرا على انتظار فجر جديد.

هنا، تضيء جملة من رواية الأخوة كارامازوف لكاتبها ديستويفسكي بعدا آخر في اللوحة. يقول الأب زوسيما متأملا...

كل شيء كالمحيط، كل شيء يتدفق ويتماس؛ تضطرب في موضع فتحدث ارتجاجا في الطرف الآخر من العالم.

الاقتباس لا يصف سفينة ولا طوفانا لكنه يرسم صورة العالم بوصفه نسيجا واحدا تتصل فيه الأطراف البعيدة. وهذا ما تفعله اللوحة بصريا. نوح لا يتحرك من مركزه لكن يده الممتدة باتجاه اليمين تحدث ارتجاجا في كامل البنية فتتكسر الحلقة البشرية وتتحول الأنظار صوب الحمامة. الأب زوسيما يتحدث عن قانون روحي خفي عن فكرة أن الخلاص الفردي وهم وأن النجاة لا تكتمل إلا حين يلتفت المرء إلى الآخر. اللوحة تترجم ذلك بالتشكيل... يد نوح لا تشير إلى السماء وحدها بل تمتد بالضبط نحو امرأة تستقبل الغصن وكأن فعل التسليم والإصغاء هو لحظة الخلاص الحقيقية.

أما بول أوستر فيكتب في روايته اختراع العزلة جملة تصلح مفتاحا لقراءة الشخصيات المحيطة بنوح.

 كان يعرف أن ثمة ما ينبغي قوله لكنه لم يكن يعرف كيف ينطق به. فظل صامتا ينتظر آملا أن تأتي الكلمات إليه بدلا من أن يضطر للذهاب إليها.

 نقرأ هذه الجملة فتلتفت العين فورا إلى الأفواه المطبقة في اللوحة إلى النظرات المعلقة، إلى الأيدي التي تشير وتنتظر دون أن تمسك شيئا. شخصيات ريابوشكين لا تصرخ فرحا، لا تركض نحو الحمامة، بل تتجمد في وضع الترقب الذي يصفه أوستر تماما. إنهم ينتظرون أن تأتي إليهم كلمة النجاة بدلا من أن يذهبوا إليها. هذا الصمت الجمعي هو الثقل الذي يجعل بصرخة صغيرة واحدة قادرة على كسر اللوحة؛ لكن شيئا من هذا لا يحدث، فتبقى اللوحة كلها معلقة في ذلك الفراغ بين الوعد ووقوعه بين غصن الزيتون واليد التي لم تمسكه بعد.

وهكذا نعود إلى حافظ الشيرازي. تراب السفينة في هذين البيتين لا يشترى بمياه الطوفان كلها. لم يقل حافظ خشب السفينة، ولا شراعها، ولا وجهتها. قال.. ترابها.

التراب هو ما يعلق بالشيء عرضا... ما لا يحسب له حساب... ما ليس جزءا من البناء ولا من أدوات الإبحار. ومع ذلك هو الشيء الذي يكتسب قداسة لا تنالها عناصر السفينة نفسها. اللوحة من جانبها لا ترسم التراب. ترسم النور، ترسم الأيدي، ترسم الانتظار. لكن لعلها ترسم أثر التراب: ذلك الصمت الثقيل... ذلك الترقب... ذلك الشيء الذي لا يرى لكنه يجعل كل ما يرى ممكنا. وهنا ينفتح سؤال يخص اللوحة بقدر ما يخص النجاة نفسها...

حين ينقشع الطوفان وترسو السفينة ويخرج الركاب إلى الأرض الجافة حاملين ذكرياتهم ومواشيهم وأغصان زيتونهم... هل يبقى من السفينة شيء؟ أم أن السفينة لا تخلد إلا بما علق بها من تراب... أي بما ترك فيها لا مما صنعت منه؟

***

د احمد عابر

 

ماري ستيفنسون كاسات (22 مايو 1844 – 14 يونيو 1926)، كانت رسامة وحفارة أمريكية. وعلى الرغم من ولادتها في ولاية بنسلفانيا، فقد أمضت معظم حياتها في فرنسا، حيث أقامت صداقة مع إدغار ديغا وانضمت إلى الحركة الانطباعية. ركزت كاسات في أعمالها الفنية بشكل أساسي على تصوير الحياة الاجتماعية وخاصة النساء، مع اهتمام خاص بالعلاقات بين الأمهات وأطفالهن. وقد وصفها غوستاف جيفروي بأنها واحدة من «السيدات الثلاث العظيمات» في الحركة الانطباعية إلى جانب ماري براكيمون وبيرث موريسو.2847 Cassat

وُلدت كاسات في مدينة أليغيني بولاية بنسلفانيا، والتي أصبحت اليوم جزءًا من مدينة بيتسبرغ. نشأت في عائلة ميسورة من الطبقة المتوسطة العليا. كان والدها، روبرت سيمبسون كاسات، سمسار بورصة ناجحًا من أصول فرنسية. أما والدتها، كانت امرأة مثقفة ومحبة للقراءة، وقد أثرت كثيرًا في ابنتها. وكتبت صديقة ماري، لويزين هافماير، في مذكراتها: «كل من حظي بمعرفة والدة ماري كاسات كان يدرك فورًا أن ماري وحدها هي التي ورثت موهبتها».

نشأت كاسات في بيئة تعتبر السفر جزءًا أساسيًا من التعليم؛ فقد أمضت خمس سنوات في أوروبا وزارت عواصم مهمة مثل لندن وباريس وبرلين. وخلال إقامتها هناك تعلمت الألمانية والفرنسية وتلقت أول دروسها في الرسم والموسيقى. ومن المرجح أن أول احتكاك لها بالفن الفرنسي كان خلال المعرض العالمي في باريس عام 1855، حيث شاهدت أعمال إنغر وديلاكروا وكورو وكوربيه، كما التقت هناك بديغا وبيسارو اللذين أصبحا لاحقًا من زملائها ومرشديها.

ورغم معارضة عائلتها لفكرة أن تصبح فنانة محترفة، التحقت كاسات في سن الخامسة عشرة بأكاديمية بنسلفانيا للفنون الجميلة. وكان جزء من قلق والديها نابعًا من تعرضها للأفكار النسوية والسلوك البوهيمي الذي كان سائدًا بين بعض الطلاب الذكور آنذاك. ورغم أن النساء كن يشكلن حوالي 20٪ من الطلاب، فإن أغلبهن كن يعتبرن الفن مجرد مهارة اجتماعية، بينما كانت كاسات من القليلات اللواتي أردنه مهنة حقيقية.

واصلت دراستها بين عامي 1861 و1865 أثناء الحرب الأهلية الأمريكية، وبسبب استيائها من بطء التعليم ومن النظرة المتعالية تجاه النساء، قررت الدراسة بنفسها لاحقًا، وصرحت بأن «التعليم لم يكن موجودًا» في الأكاديمية. وكانت الطالبات ممنوعات من استخدام النماذج الحية، لذلك اعتمد تعليمهن أساسًا على نسخ القوالب الجصية.2848 Cassat

في عام 1866 انتقلت إلى باريس برفقة والدتها وبعض أصدقاء العائلة. ولأن النساء لم يكن مسموحًا لهن بالدراسة في مدرسة الفنون الجميلة، طلبت ماري دروسًا خاصة لدى بعض أساتذتها، وقُبلت للدراسة عند الرسام جان ليون جيروم المعروف بأسلوبه الواقعي ومعالجته للمواضيع الشرقية والغريبة.

كما كانت تقضي وقتًا طويلًا في متحف اللوفر، حيث كانت تنسخ اللوحات الفنية لتطوير مهاراتها، وقد حصلت على تصريح رسمي لذلك. وكان المتحف أيضًا مكانًا يلتقي فيه الفنانون والطلاب الأمريكيون، لأن النساء لم يكن مسموحًا لهن بدخول المقاهي التي كانت تجتمع فيها النخبة الفنية الطليعية.

في عام 1868 قُبلت لوحتها «عازفة الماندولين» في صالون باريس، لتصبح مع إليزابيث جين غاردنر من أوائل الأمريكيات اللواتي عرضن أعمالهن هناك. وكانت اللوحة متأثرة بأسلوب كورو وكوتور الرومانسي.

في تلك الفترة كانت الساحة الفنية الفرنسية تشهد تحولات كبيرة؛ ففنانون مثل كوربيه ومانيه كانوا يحاولون كسر التقاليد الأكاديمية، بينما كانت الحركة الانطباعية في بداياتها. ومع ذلك استمرت كاسات في عرض أعمالها في الصالون لسنوات، رغم تزايد شعورها بالإحباط.

عادت إلى الولايات المتحدة عام 1870 مع اندلاع الحرب الفرنسية البروسية. ورغم أن والدها تكفل بنفقاتها الأساسية، فإنه رفض تمويل مستلزماتها الفنية. عرضت لوحتين في معرض بنيويورك ولاقتا إعجابًا، لكن دون أي مبيعات. وبدأت تفكر في التخلي عن الفن والعمل لكسب استقلالها المالي.

بعد عودتها إلى أوروبا تغير وضعها الفني سريعًا؛ فقد لاقت لوحتها «امرأتان ترميان الزهور أثناء الكرنفال» نجاحًا كبيرًا في صالون 1872. ثم سافرت إلى مدريد وإشبيلية ورسمت أعمالًا مستوحاة من الحياة الإسبانية، منها لوحة «راقصة إسبانية ترتدي شال دانتيل».2849 Cassat

وفي عام 1874 قررت الاستقرار نهائيًا في فرنسا، وعاشت مع شقيقتها ليديا في باريس وافتتحت مرسمًا خاصًا بها. وفي تلك الفترة بدأت تنتقد بشدة سياسة الصالون والأسلوب التقليدي السائد فيه، كما كانت ترى أن أعمال الفنانات تُعامل غالبًا بازدراء ما لم تحظ الفنانة بحماية أحد أعضاء لجنة التحكيم.

في عام 1877 رفض الصالون اللوحتين اللتين قدمتهما، وكانت تلك نقطة تحول في حياتها المهنية. عندها دعاها إدغار ديغا للانضمام إلى جماعة الانطباعيين، وهم الفنانون الذين بدأوا إقامة معارض مستقلة منذ عام 1874.

أعجبت كاسات كثيرًا بأعمال ديغا، خاصة لوحاته بالباستيل، وقالت لاحقًا: «لقد غيّر حياتي، رأيت الفن كما كنت أريد أن أراه». قبلت دعوته بحماس، وشاركت في المعرض الانطباعي عام 1879.

أصبح أسلوبها أكثر عفوية وحيوية، وكانت تحمل معها دائمًا دفتر رسم لتدوين المشاهد اليومية. كما بدأت تتبنى أساليب الانطباعيين في استخدام الألوان النقية والضربات الحرة للفرشاة.

كان لديغا تأثير كبير عليها، فقد علّمها تقنيات الحفر والطباعة والرسم بالباستيل، بينما ساعدته هي في بيع أعماله والترويج له في الولايات المتحدة. وكانا يتشاركان الاهتمام برسم الشخصيات البشرية والحياة الحديثة.

عاشت ماري مع والديها وشقيقتها ليديا في باريس، وكانت ليديا تظهر كثيرًا في لوحاتها، لكنها عانت من مرض كلوي خطير وتوفيت عام 1882، الأمر الذي أثر بشدة في كاسات وأوقف عملها لفترة.

شاركت كاسات في معارض الانطباعيين خلال أعوام 1880 و1881 وظلت عضوًا نشطًا في الحركة حتى عام 1886. كما ساعدت عددًا من جامعي الأعمال الفنية الأمريكيين على اقتناء اللوحات الانطباعية، مما ساهم في انتشار هذا الفن في الولايات المتحدة.

ومع مرور الوقت بدأت تبتعد تدريجيًا عن الانطباعية التقليدية، وراحت تجرب أساليب وتقنيات جديدة، لكنها ظلت وفية لموضوعاتها المفضلة المرتبطة بالمرأة والأمومة والحياة الأسرية.

استمرت علاقتها بديغا لسنوات طويلة، رغم الخلافات الفكرية بينهما، خاصة بشأن قضية دريفوس وحقوق المرأة. وبعد تسعينيات القرن التاسع عشر أصبحت علاقتهما أكثر مهنية وتجارية، لكنهما واصلا تبادل الزيارات حتى وفاة ديغا عام 1917.. وفي عام 1926 توفت كاسات في فرنسا وتركت ارثا فنيا كبيرا .

***

د. كاظم شمهود

 

فسجد وقال: يا رب المحبة والود،

ما كنت لأدرك ما وراء أقدارك من حكمة.

فكل بلاء يأتي من عندك هو في حقيقته رحمة،

وكل فقر تقضي يكون عين الغنى والنعمة.

الشاعرة بروين اعتصامي - الشعر مترجم من الفارسية

***

هكذا تضع الشاعرة على لسان بطل قصيدتها اعترافا روحيا عميقا يرى في البلاء وجها خفيا للعطاء وفي المحنة ستارا يخفي وراءه وعدا بالنور.

لكننا حين نرفع أعيننا من هذه الأبيات لنحدق في لوحة الفنان الهولندي كورنيليس سافتليفن (أيوب تعذبه الأرواح الشريرة) والمرسومة عام ١٦٣١... نجد أنفسنا أمام مشهد يكاد يقف على الضد من هذا الابيات. فما تقوله الكلمات بلغة يبدو أن الرسام يتحداه بلغة الجسد المنهك والعالم المحترق. هنا لا نرى أيوب الساجد المطمأن بل نرى جسدا بشريا مطحونا تحت وطأة كائنات لا ترحم. لكن هل الأمر حقا بهذه البساطة؟

هل اللوحة هي نفي للشعر أم أن ثمة حوارا أعمق وأكثر توترا يجري بينهما؟ هذا هو السؤال الذي يفتح لنا باب فهم اللوحة و ربما ما قالته بروين.

في قلب اللوحة يستلقي أيوب جسدا شبه عار لا يغطيه سوى مئزر أبيض بسيط. يترنح جسده المنهك على كومة من القش في وضعية التواء مؤلمة توحي بالضعف الشديد والاستسلام لقوى الطبيعة و ما وراءها...يبدو ضعفه ان لا قبل له بكل هذه المحن. هذا الجسد ليس مجرد جسد مريض بل يتحول إلى ما يشبه ميدان معركة. تحيط به وتتكوم فوقه جحافل من الكائنات الشيطانية التي تزحف وتطير وتتكالب عليه في مشهد من الفوضى العارمة. شيطان ضخم بوجهه البشع وأجنحته الجلدية يسيطر على المشهد حاملا أداة حادة فوق رأس أيوب بينما يشد كائن زاحف أخضر شعره من الخلف.2840 ahmad

الأرض جرداء قاحلة تتناثر عليها شظايا فخار محطمة وأشواك حادة وفي أقصى اليمين تتقد مدينة بأكملها بألسنة لهب برتقالية متوهجة تحت سماء معتمة قاتمة. يمكن النظر إلى هذه الخلفية الملتهبة بوصفها امتدادا بصريا لانهيار عالم أيوب المادي وكأن المأساة الشخصية تنعكس في فضاء كوني يحترق.

ينتمي سافتليفن إلى المدرسة الباروكية الهولندية لكنه يقف على هامش تيارها الرئيسي الذي انشغل برسم اللحظات اليومية الهادئة. لقد اختار السير في درب معتم متأثراً بإرث بعض اسلافه في خلق عوالم جهنمية مكتظة بالمخلوقات الهجينة. لكن هذه اللوحة ليست مجرد استمرار لتقليد فني بل هي ابنة سياقها الفكري والتاريخي. إنها نتاج تقليد بروتستانتي في القرن السابع عشر كان مشغولا بإشكالية الشر والابتلاء واختبار الإيمان. هنا قد لا يكون أيوب مجرد أيقونة للصبر بل قد يكون تجسيدا لسؤال إنساني مؤرق.

 كيف نحافظ على إنسانيتنا وإيماننا في مواجهة معاناة تبدو بلا معنى؟ وهنا بالضبط يكمن التوتر الذي قد لا تحسمه اللوحة بل تتركه معلقا. فقصة أيوب تزخر بالصراخ والحيرة والاحتجاج.

وسط هذا المشهد القاتم يمكننا أن نستدعي صوتا من عالمنا المعاصر هو عبد الجبار الرفاعي الذي يقول في كتابه دروب المعنى...

 الوجع يوقظ الروح من سباتها ويخرج الذات من دائرة الغفلة.

 إنها رؤية تمنح الألم معنى وتقترح أن في المعاناة إمكانية للتحول لا للعدم. ولكن هل هذا هو التفسير الوحيد الممكن لما نراه؟ تأمل تلك الشظايا الفخارية تحت جسد أيوب إنها ربما تجسيد للانهيار الكامل... الجسد والعائلة والثروة لم تعد سوى حفنة من الخزف المكسور. من منظور الرفاعي قد يكون هذا التعري المطلق لحظة إيقاظ دعوة لرؤية الذات مجردة من كل أوهامها.

لكن وبقدر ما تحمله هذه القراءة من عمق تظل مجرد إمكانية تأويلية واحدة. يمكن لقارئ آخر أن يرى في الشظايا ذاتها لا معنى ولا حكمة بل العبث المطلق. اللوحة لا تؤكد أيا من التأويلين بل تحتضنهما معا. إن قوة الصورة الفنية هنا أنها تتسع للاحتمالين... الوجع الذي يوقظ والوجع الذي يسحق.

وكما يستدعي ظلام اللوحة نور المعنى عند البعض فقد يستدعي أيضا سؤال النور ذاته. يكتب أبو حامد الغزالي في إحياء علوم الدين:

وكما أنه لا يستبين نور النهار إلا مع الظلمة فكذلك لا يستبين نور المعرفة إلا مع الفقر.

إنها فكرة آسرة وجميلة وبالنظر إلى مشهد اللوحة كاملا قد يجد المرء صدى بصريا لها... ففي الخلفية تشتعل بيوت بالكامل بدخانها المتصاعد وفي المقدمة جسد أيوب المنهك. ثمة ظلمة مادية وروحية تخيم على المشهد كله. تمنحنا كلمات الغزالي ربما مفتاحا لقراءة هذه الظلمة بوصفها خلفية ضرورية لظهور ما يصفه بنور المعرفة. لكن مرة أخرى تمنحنا اللوحة نفسها مساحة للمقاومة. قد يسأل مشاهد آخر... أليس هذا المخلوق ذا الأجنحة الجلدية الذي يهم بضرب جمجمة أيوب هو وجه الشر العبثي الذي يرفض أن يتحول إلى نور؟ ألا توحي هذه الشياطين المتكاثرة بأن ثمة قوى لا يمكن استيعابها في معادلة البلاء-الرحمة؟

تكمن عبقرية سافتليفن في أنه لا يقدم إجابة. إنه يخلق مسرحا تتصارع عليه هذه الرؤى ويتركنا في قلب العاصفة.

عند العودة لبروين فنجد انها منحتنا وعدا بأن الله يدخل عبده في ظلمات المحنة ليشهد بعد ذلك إشراق وجه الهداية والنور. ومنحتنا لوحة سافتليفن صورة لا تشرق بسهولة بل تبقى غارقة في تلك الظلمات. هنا وفي هذا التقاطع بين الشعر الفارسي و الفكر الاسلامي والرسم الهولندي ربما لا نجد جوابا واحدا بل نكتشف أن اللوحة هي سؤال مفتوح يطرح عليك أيها القارئ حين تتأمل اللوحة. إنها تدعوك لا لاعتناق فكرةثنائية البلاء-الرحمة أو رفضها بل للبقاء في قلب التوتر الوجودي بينهما. تبقى اللوحة معلقة و قابلة للتأويل...ربما لأن وظيفتها أن تجبرنا على أن نسكن هذا الفراغ بين الاحتمالين أن نسأل ولا نجد إجابة سهلة وأن نواجه في النهاية فقط ذواتنا.

***

د احمد عابر

 

ما تخفيه العتمة من الحكاية

ثمّة صور تُشبه المرايا، تُعيد إلى الإنسان ملامحه كما يعرفها، وتُطمئنه إلى أنّ هُويّته ما زالت مستقرة داخل الحدود التي رسمها لنفسه عبر السنوات. وثمّة صور أخرى تُمارس فعلًا مختلفًا تمامًا؛ لا تعكس الوجه، بل تُفكّكه. لا تُقدّم الإنسان إلى نفسه، بل تُباعد بينه وبين صورته المألوفة، حتى يغدو غريبًا عمّن كان يظنّه أقرب الكائنات إليه. هذه الصورة تنتمي إلى النوع الثاني. إنّها لا تُظهر رجلًا جالسًا في زاوية معتمة فحسب، بل تُقدّم مشهدًا كاملًا عن العلاقة الملتبسة بين الإنسان وزمنه. فما نراه هنا ليس وجهًا مضاءً بنصف ضوء، بل سيرة طويلة تتقدّم من العتمة نحو العتمة، وتتوقّف لحظةً قصيرة أمام العدسة لكي تترك أثرًا عابرًا على سطح الزمن.

حوار طويل مع النفس

يبدو الرجل في الصورة وكأنّه خرج لتوّه من حوار طويل مع نفسه. لا شيء يوحي بأنّه ينتظر أحدًا، ولا شيء يدلّ على أنّه يحاول إقناع المتلقّي بأيّ معنى جاهز. إنّه جالس في منطقة بين الإفصاح والكتمان؛ منطقة لا تُنتجها الوضعيات المقصودة، وإنّما تُنتجها التجارب المتراكمة التي تتحوّل مع الوقت إلى هيئة جسديّة. فالوجه ليس عضوًا تشريحيًّا هنا، بل أرشيف. وكلّ تجعيدة فيه تبدو كأنّها سطر نجا من المحو.

لقد عرف فنّ البورتريه، منذ نشأته، وظيفة أساسيّة تمثّلت في تثبيت الحضور الإنساني وإعلانه. كانت الصور تُنجز نوعًا من الانتصار الرمزي على الفناء؛ فالإنسان يرحل، أمّا صورته فتبقى.

غير أنّ هذه الصورة لا تبدو معنيّة بهذا الانتصار. إنّها لا تُقيم احتفالًا بالحضور، بل تُقيم تأمّلًا في هشاشته. ولهذا السبب تحديدًا تبدو أكثر صدقًا من كثير من الصور التي تسعى إلى تخليد أصحابها.

الضوء بوصفه لغة

الضوء الذي اختاره المصوّر لا يعمل بوصفه عنصرًا تقنيًّا، بل بوصفه لغة. إنّه ضوء انتقائي، لا يكشف كلّ شيء، ولا يُخفي كلّ شيء. يمرّ على الجبين كما لو أنّه يقرأ تضاريس عمر كامل، ثمّ يتوقّف عند العينين طويلًا، قبل أن يترك أجزاءً واسعة من الوجه تغيب داخل الظلال. وهنا تتحوّل العتمة إلى عنصر بنائيّ لا يقلّ أهميّة عن النور نفسه.

فالعتمة في هذه الصورة ليست فراغًا بصريًّا، وإنّما حضور موازٍ. إنّها الجزء الذي لا يُقال من الحكاية. الجزء الذي لا تستطيع اللغة الوصول إليه بسهولة. لذلك يبدو النصف الغارق في الظلّ أكثر كثافة أحيانًا من النصف المضاء. وكأنّ الإنسان لا يُعرَّف بما يظهر منه فقط، بل بما يظلّ مخبّأً في المناطق التي لا يصلها الضوء.

هذا التوتّر بين الكشف والإخفاء هو ما يمنح الصورة طاقتها التأويليّة. فالمتلقّي لا يكتفي بالنظر، بل يجد نفسه مدفوعًا إلى البحث عمّا لم يُظهره المصوّر عمدًا. وهنا يتحوّل المشهد من صورة شخصيّة إلى سؤال فلسفيّ عن ماهيّة الإنسان نفسه.

ماذا يبقى من الفرد حين تتراجع الكلمات؟

ماذا يبقى منه حين يتوقّف عن أداء أدواره الاجتماعيّة المعتادة؟

وماذا نرى حين لا يبقى أمامنا سوى الوجه وقد تخلّى عن دفاعاته اليوميّة؟2856 maewan

استدعاء كثيف للماضي

العينان في هذه الصورة لا تنظران مباشرة إلى الكاميرا. وهذا التفصيل البسيط يغيّر طبيعة العلاقة كلّها. فالنظرة المباشرة غالبًا ما تُنتج نوعًا من المواجهة أو التحدّي أو الرغبة في التواصل. أمّا هنا فإنّ النظرة تبدو منشغلة بشيء آخر، شيء يقع خارج إطار الصورة. كأنّ الرجل لا يفكّر في المصوّر ولا في المتلقّي، بل في مسافة زمنيّة لا تُرى.

ولعلّ هذا ما يجعل الصورة تبدو أقرب إلى لحظة استذكار منها إلى لحظة تصوير. إنّها ليست تسجيلًا للحاضر، بل استدعاء كثيف للماضي. فكلّ شيء فيها يوحي بأنّ الزمن هو الموضوع الحقيقيّ للصورة، وأنّ الوجه ليس سوى الوسيط الذي اختاره الزمن لكي يُظهر أثره.

اليدان، المستقرّتان فوق الطاولة، تؤدّيان دورًا بالغ الأهمّيّة في هذا البناء البصريّ. إنّهما لا تتحرّكان، لكنّ سكونهما ليس سكون راحة. هناك انقباض خفيف، وتردّد يكاد يكون غير مرئيّ، يجعل اليدين تبدوان كما لو أنّهما تحرسان سرًّا قديمًا. ومن المدهش كيف تستطيع اليدان أن تُخبرانا أحيانًا بما يعجز الوجه عن قوله.

فالوجه تعلّم، عبر السنوات، كيف يُخفي. أمّا اليدان فتبقيان أقلّ مهارة في التمثيل. إنّهما تحتفظان بذاكرة العمل، وذاكرة الانتظار، وذاكرة الخسارات الصغيرة التي لا تُكتب في السِيَر الذاتيّة. ولهذا تبدوان هنا وكأنّهما تحملان تاريخًا موازيًا لتاريخ الوجه.

تحرير الصورة من الواقع

الأبيض والأسود يساهمان بدورهما في تحرير الصورة من إغراءات الواقع المباشر. فالألوان غالبًا ما تُشتّت الانتباه نحو التفاصيل السطحيّة، بينما يُعيد الأبيض والأسود الأشياء إلى جوهرها البنائيّ. هنا لا يعود المهمّ لون القميص أو لون البشرة، بل الإيقاع الخفي بين النور والظلّ، بين الحضور والغياب، بين ما يُرى وما يُفلت من الرؤية.

المكان بوصف أثرا نفسيا

ولأنّ الصورة التُقطت في الموصل، فإنّ المكان، رغم غيابه الظاهري، يظلّ حاضرًا فيها. ليس بوصفه خلفيّة جغرافيّة، بل بوصفه أثرًا نفسيًّا. فالمدن لا تسكن شوارعها فقط؛ إنّها تسكن وجوه سكّانها أيضًا. والموصل، التي عاشت ما عاشت من تحوّلات وانكسارات ومحاولات نهوض، تبدو وكأنّها تركت جزءًا من ذاكرتها على ملامح أبنائها.

لهذا يمكن النظر إلى الصورة باعتبارها صورة فرد، ولكن يمكن النظر إليها أيضًا باعتبارها صورة مدينة. فالوجه هنا لا يحمل تاريخه الشخصيّ وحده، بل يحمل شيئًا من تاريخ المكان الذي عاش فيه. إنّه وجه نجا، كما نجت المدينة. لكنّ النجاة لا تعني الخلاص الكامل. إنّها تعني فقط الاستمرار في حمل الذاكرة.

من هنا تكتسب الصورة بعدًا إنسانيًّا يتجاوز حدود صاحبها. فالمتلقّي لا يحتاج إلى معرفة اسم الرجل لكي يتأثّر بها. ذلك أنّها تتحدّث عن خبرة مشتركة بين البشر جميعًا: خبرة التقدّم في العمر، واكتشاف أنّ الحياة لا تترك آثارها في الداخل فقط، بل تكتب نفسها بصمت على الجبين، وحوافّ العينين، وطريقة الجلوس، ونبرة الصمت.

تحويل الفردي إلى كوني

القيمة الجماليّة لهذه الصورة لا تكمن في مهارة الإضاءة وحدها، ولا في حسن التكوين وحده، وإنّما في قدرتها على تحويل الفرديّ إلى كونيّ. فالرجل الجالس أمام العدسة هو شخص بعينه، لكنّه يصبح، في الوقت نفسه، صورة لكلّ إنسان وجد نفسه يومًا في مواجهة حصيلة سنواته.

ولعلّ أعظم ما حقّقه المصوّر أنّه لم يُحاول تجميل هذه المواجهة. لم يبحث عن زوايا تمنح الوجه شبابًا إضافيًّا، ولم يلجأ إلى الحِيَل البصريّة التي تُخفي آثار الزمن. لقد اختار طريقًا أكثر صعوبة: أن يثق بالحقيقة الجماليّة الكامنة في الصدق نفسه.

وهذا الصدق لا يظهر بوصفه قسوة، بل بوصفه نوعًا من الاحترام العميق للإنسان. فالصورة لا تُدين العمر، ولا تحتفي به. إنّها تكتفي بالإنصات إليه. إنّها تنظر إلى الزمن كما ينظر عالم آثار إلى طبقات الأرض؛ لا ليحكم عليها، بل ليقرأ ما تركته من إشارات.

تأمل في المصير الإنساني

وعندما نطيل النظر إلى هذا الوجه، يتبدّد السؤال التقليديّ: "مَن هذا الرجل؟" ويحلّ محلّه سؤال آخر أكثر تعقيدًا: "ما الذي فعله الزمن بهذا الإنسان؟". ثمّ لا يلبث السؤال أن يتّسع أكثر ليصبح: "ما الذي يفعله الزمن بنا جميعًا؟ " .

عند هذه النقطة تتجاوز الصورة حدود البورتريه التقليديّ. إنّها لا تعود تمثيلًا لشخص، بل تصبح تأمّلًا بصريًّا في المصير الإنسانيّ نفسه. ولهذا فإنّها لا تعترف بصاحبها بالمعنى المباشر. إنّها تسلبه خصوصيّته لكي تمنحه معنى أوسع. تُخرجه من حدود اسمه وسيرته الشخصيّة، وتُدخله في فضاء التجربة الإنسانيّة المشتركة.

وهنا تكمن مفارقتها الأجمل. فكلّما ابتعدت الصورة عن التعريف بصاحبها، اقتربت أكثر من حقيقته. وكلّما تخلّت عن وصفه بوصفه فردًا، كشفت ما هو أعمق في وجوده. إنّها لا تقول لنا من يكون، بل تُرينا ما تبقّى منه بعد أن مرّت عليه الأعوام، وبعد أن هدأت الضوضاء، وبعد أن انطفأت كثير من الأوهام الصغيرة التي ترافق الإنسان في بدايات حياته.

اعتراف صامت بالزمن

تبدو الصورة، في نهاية المطاف، أشبه باعتراف صامت. لا اعترافًا بخطيئة أو سرّ، بل اعترافًا بالزمن نفسه. اعترافًا بأنّ الإنسان ليس الكائن الذي كانه بالأمس، ولا الكائن الذي تخيّل أنّه سيكون غدًا، بل ذلك الكائن المعلّق دائمًا بين الضوء والظلّ، بين الذاكرة والنسيان، بين ما عاشه وما لم يعشه.

وفي هذه المسافة تحديدًا، بين نصف الوجه المضيء ونصفه الغارق في العتمة، تنجح الصورة في أن تقول ما تعجز عنه صفحات طويلة من الكلام. إنها لا تُعرّفنا بصاحبها، بل تُعرّفنا بشيءٍ أعمق: هشاشة الإنسان النبيلة وهو يجلس، وحيدًا، أمام عمره.

***

مروان ياسين الدليمي

(ينبغي أن يكون الكتاب فأسا للبحر المتجمد في داخلنا).. فرانز كافكا في رسالة لصديقه اوسكار بولاك

حين ننقل استعارة كافكا من الكتاب إلى الرسم تبدو لوحة (طريق أسرى الحرب) أقرب إلى ذلك الفأس البارد الذي لا يهاجم المشاهد بالصراخ بل بالصمت. ليست قوة اللوحة في مشهدية الحرب بل ربما في امتناعها عن تقديم الحرب وتبعاتها بواقعية. لا معركة هنا... ولا حماس ولا بطولات. ما نراه هو طريق طويل، جثث متناثرة، وسماء لا تبدي أي اكتراث.

البحر المتجمد في داخلنا حسب ما وصفه كافكا ليس مجرد غياب للعاطفة بل هذا البحر هو تلك القشرة السميكة من الاعتياد التي تجعلنا نمر على الموت الجماعي دون أن نرتطم به. واللوحة تمارس فعلها بهدوء انها تصدّع السطح لا بالسكين بل بالحقيقة العارية.

لكن هذا الطريق ليس منعزلا إنه يقود إلى مكان ما. وإذا كان ثمة من وقف أمام (مرقد السجناء) في آخر مقال لي ورأى المصب حيث تموت القطرات في نهر الثلج فإن هذه اللوحة هي النهر نفسه. هي المسافة التي قطعها اولئك السجناء قبل ان يتحولوا الى كتل بشرية يبتلعها البياض. الطريق والمرقد معا يرسمان خريطة متكاملة للفناء، لوحة ترينا اين ينتهي السير والاخرى ترينا كيف بدأ.

اللوحة التي رسمها فاسيلي فيريشاغين بعد الحرب الروسية العثمانية تنتمي إلى تقاليد الواقعية الروسية وجماعة الهائمين لكنها تتجاوز مجرد التوثيق التاريخي. فهي لا تسجل حدثا بقدر ما تكشف الأثر الإنساني البارد للحرب.2807 ahmad

ما ميز فيريشاغين عن معاصريه أنه لم يرسم من خيمة القائد ولا من مكان دافئ بل تطوع كمراسل ومقاتل ورأى الموت بعينيه. واختار أن يرسم الجنود بعد سقوطهم لا اثتاء القتال وكأنه ينزع عن الحرب آخر أوهامها الجمالية. هذا الاختيار ليس حياديا؛ إنه موقف وجودي وأخلاقي. أن تقف إلى جانب الجثة لا المنتصر وأن تحوّل الفرشاة إلى شاهد لا إلى مبخرة تمجد الأوطان والأفكار والقادة.

على المستوى التشكيلي يعتمد العمل على اقتصاد بصري صارم. الطريق يمتد عميقا داخل اللوحة حتى يتلاشى في الأفق مانحا المشهد شعورا باللانهاية والفراغ.

هذا الامتداد ليس مجرد عنصر منظور بل بنية نفسية أيضا؛ فالعين تجبر على متابعة الطريق كما لو انها تسير داخل مقبرة مفتوحة لا تنتهي. الأعمدة الممتدة على جانبي الطريق تؤدي دورا بالغ الأهمية في التكوين.

 إنها تقسم الفضاء بإيقاع غير مكترث وتمنح المشهد انتظاما قاسيا يتناقض مع الفوضى البشرية الملقاة على الارض. تبدو هذه الأعمدة كأنها استمرار للحرب بوسائل أخرى: حضارة قادرة على تنظيم الاتصال وشق الطرقات لكنها عاجزة عن حماية الإنسان من التحول إلى جثة مجهولة على قارعة الثلج.

اما الغربان المنتشرة فوق الأجساد وعلى الطريق فهي العنصر الحي الوحيد تقريبا في اللوحة. وجودها لا يعمل كرمز تقليدي للموت فقط بل كحركة سوداء صغيرة داخل عالم متجمد. الغربان تمنح المشهد توترا وتؤكد أن الطبيعة تواصل دورتها غير مبالية بالمأساة البشرية. لونيا يهيمن الأبيض والرمادي والأزرق البارد على اللوحة، وهذا التقشف لا يخفف القسوة بل يزيدها. الثلج لا يطهر الموتى ولا يمنحهم سلاما؛ إنه يغطيهم تدريجيا، كما لو ان الطبيعة نفسها تشارك في محوهم. بعض الجثث يكاد يختفي داخل البياض، في إشارة موجعة إلى هشاشة الإنسان امام الزمن والقساوة والنسيان واللامبالاة.

البير كامو في كتابه اسطورة سيزيف يقول:

ينبثق العبث من هذه المواجهة بين حاجة الإنسان والصمت غير المعقول للعالم.

في هذه اللوحة يبلغ الصمت غير المعقول ذروته. كل جندي سقط هنا كان يحمل حاجة إنسانية اصيلة.. حاجة إلى الدفء، إلى العودة إلى معنى يبرر موته الباكر لنفسه واهله واحبته. لكن الطريق لا يرد والسماء لا تقدم عزاء والطبيعة بعناصرها تأكله بلا اكتراث. كثير من هؤلاء الجنود الأسرى لم يموتوا بالرصاص بل ماتوا بالاهمال. هذا موت بلا عدو مباشر، موت اداري بارد.

هنا يصبح الصمت الذي يتحدث عنه كامو اكثر كثافة. ليس غياب الصوت فحسب بل هو حضور ثقيل للامعنى. الطبيعة ليست معادية ولا رحيمة بل حاضرة بعدم اكتراثها للبطولات والتوحش وهذا اقسى ما في العبث. لكن اللوحة في فعل رسمها ذاته تحمل مقاومة ضمنية لهذا الصمت.

ربما مجرد اعادة هؤلاء المضرجين المطروحين والممزقين على قارعة الطريق... إلى مجال الرؤية هو موقف أخلاقي. فيريشاغين لا يمنحهم بطولة لكنه يمنحهم حضورا في وجدان من يشاهد اللوحة، ويجبر المشاهد على التوقف امام ما تحاول الحروب عادة إخفاءه، ذلك الجسد البشري حين يفقد اسمه ووظيفته ويعود مادة هامدة في العراء. الرسم هنا أقرب إلى ما سماه كامو الإنسان المتمرد الذي يرفض المعنى المعلب لكنه لا يستسلم للصمت بل يخلق معنى بفعله الحر، بضربة الفرشاة التي تقول هذا حدث... ولن ننسى.

اللوحة نفسها هاوية... الطريق الذي لا نهاية له والجثث التي تمتد معه، والأعمدة التي تؤطر المشهد كما لو كانت قضبانا تحبس المشاهد... تدعو العيون إلى التحديق طويلا. يقول مظفر النواب في قصيدته عروس السفائن...

من مضغة القلب أبق الجروح

مفتحة في رياح الممالح

لا يحلم الجرح

ما لم يحدق بسكينه عابسا

 وحين نحدق باللوحة فإن الهاوية ليست الجثث وحدها تحت المراقبة بل ضمائرنا نحن المشاهدين. فيريشاغين الذي صارع وحش الحرب بفرشاته، كان يدرك هذا الخطر...

 أن تتحول إلى مجرد عين باردة توثق الفناء دون وجع. لكنه حول الخطر إلى أخلاقية بصرية... جعل من الرسم مرآة نرى فيها هشاشتنا الأخلاقية. غير ان ثمة ظلا آخر يطيل النظر الينا من خلف اللوحة فيريشاغين نفسه مات لاحقا عام ١٩٠٤، على متن سفينة حربية اثناء الحرب الروسية اليابانية وكأن الذي حدق فيها طويلا ابتلعه جسديا في النهاية. كأنه صار بدوره جثة من جثث طريق آخر في حرب اخرى تحت سماء لا تختلف كثيرا.

نحن الواقفين امام اللوحة نشارك في التحديق. السؤال ليس فقط كيف مات هؤلاء بل كيف ننظر نحن اليهم الآن؟

هل نراهم ارقاما في خبر منسي، ام بشرا يطرحون سؤالا أخلاقيا على بقائنا الهادئ؟

 الهاوية تنظر الينا من خلال كل غراب اسود ومن خلال كل جسد فيها.

لكن اللوحة تفتح ايضا سؤالا يتجاوز الفرد إلى الجماعة البشرية. هذا الطريق لم ينبت من العدم لقد شق بقرارات رجال ومد بأجساد جنود لم يصنعوا الحرب. من الذي حول هؤلاء الرجال إلى جثث على قارعة الثلج؟ من بنى هذه الآلة التي تنتج الموت ثم تغطيه بالصمت؟ المشاهد ليس مجرد متلق سلبي بل هو جزء من حضارة لا تزال تنتج "طرق الموتى" في كل حرب جديدة. السؤال الأخلاقي الأعمق ليس فقط كيف نتعاطف مع الضحايا بل كيف نتحمل مسؤوليتنا عن وجود هذا الطريق اصلا وعن صمتنا ونحن نعرف ان طرقا مشابهة تعبد الآن في مكان ما من العالم.

وهكذا نعود إلى استعارة كافكا التي بدأنا بها. هل احدثت اللوحة فعلها...هل البحر المتجمد في داخلنا تصدع؟

 لكن ماذا بعد أن نرى؟

السؤال الذي يبقى بعد الخروج من قاعة العرض في متحف بروكلين ما هو...

هل نجرؤ على كسر الجليد في قلوبنا تماما ام سنصفق لبطولات ونترك الطريق يمتد بضحايا جدد؟

هل سنظل نمشي على الحافة تاركين الجثث خلفنا إلى ان نصير نحن الجثث التي يراها غيرنا على جانب الطريق؟

***

د. احمد عابر

 

  يعتبر هنري ماتيس 1869- 1954 الى جانب بيكاسو من اعظم فناني القرن العشرين وكان ماتيس مشرقيا في اسلوبه الفني منذ عام 1903 حيث حل في بلاد المغرب وبقى فترة طويلة ينهل من فنونه الساطعة حتى اخر عمره. بينما بيكاسو هو في الواقع اصله اندلسي كما نعته بعض النقاد (المورو). وقد شعر ماتيس ان الفن الغربي قد استنفد اغراضه كلها فاصيب بنوع من فقدان الامل ولا يستطيع مراكبة التطور والتجديد منذ حركة احتجاج الشباب في باريس في نهاية القرن التاسع عشر الذين اطلق عليهم اسم (المنحدرين). وهكذا تخلى عن اكاديميته واهمل لوحاته الانطباعية والتنقيطية فالتجا الى فصل جديد من وجوده الفني.. وقد وجد ماتيس في الفن الاسلامي ضالته ووجد هناك الغذاء الروحي الصحيح لفنه.97 mates

ففي عام 1903 اقيم في باريس معرض للفنون الاسلامية في احد اجنحة متحف اللوفر وقد زاره ماتيس وصرح (لقد كان هذا المعرض درسا عميقا لي علمني النقاوة والانسجام) ومن ذلك الوقت اخذ ماتيس يبحث عن الفن الشرقي فقام باول رحلة الى بلاد المغرب عام 1906 حيث اطلع على سحر الفن الشرقي مباشرة ومكث هناك فترة طويلة يدرس ويرسم لوحات من وحي الفن الاسلامي ، وبالتالي تغير ماتيس وتشبع بروح الشرق تماما حيث لقاءه مع الشمس والجمال والالوان المضيئة. فقال (لقد عثرت على تاكيد جديد لبحثي لقد ابان لي فن المنمنمات الاسلامية كل امكانيات احساسي).. وبقت هذه المؤثرات الحضارية والفنية الى اخر حياته.. ولحد الان لم تقدم دراسة مستفيضة عن جذور وعلاقة فن ماتيس بالفن العربي.. ؟؟. وقد زار ماتيس مرة ثانية المغرب عام 1911 – 1912. حيث الهمه الضوء لرسم لوحات متورقة زاهية الالوان مثل لوحة - المغاربة - والغرفة التي اقام فيها بفندق فيلا دو فرانس في طنجه ما تزال تزار حتى اليوم.98 mates

في عام 1910 استقر ماتيس في اسبانيا وزار متحف البرادو ثم عرج الى الاندلس وزار غرناطة واشبيلية حيث اسهمت هذه الرحلات في التقريب من جماليات الفن الشرقي وتعميق حسه ومشاعره نحو ذلك. كما فعل من قبل مواطنه ديلاكروا عام 1832 حيث زار هذه البلاد وكانت نقطة تحول جذري في مسيرته الفنية والفن الاستشراقي. ويبدو ان الشرق كان قبلة للفنانين الغربيين في ذلك العصر والذين ساموا من التقاليد الكلاسيكية القديمة. فقد زاره كاندنسكي ومونيه وبول كلي وروبيرت وجماعة الانبياء وغيرهم.حيث كانو يبحثوا عن الجمال المطلق.

وقد بدات شهرة ماتيس عام 1905 عندما اشترك هو وعدد من اصدقاءه في عرض اعمالهم في صالون الخريف في باريس وكانت اعمالهم تعبر عن الوان جامحة ومتضادة. وعندما راى الناقد الفني لويس فوكسيل المعرض قال عبارته الشهيرة (دوناتيلو بين الوحوش الضارية) ويشير الى تمثال من عصر النهضة كان موجودا في القاعة.99 mates

و في بداية العشرينات من القرن الماضي اصبح ماتيس معروفا ببراعته في اللغة التعبيرية للالوان والرسم وهي البراعة التي تجلت في انتاجه الفني الضخم الذي امتد لاكثر من نصف قرن مما رسخ مكانته كاحد الشخصيات المحورية في الفن الحديث. وامتازت اعماله بالبعدين الطول والعرض واهتم باللون المضئ الذي تحارقه اشعة الشمس كما امتازت الوانه بالكثافة والجمالية الاسلامية من خلال التكرار والتوازن. وبهذا فقد خلق ماتيس مدرسة شرقية في بيئة اوربية تعج بالتيارات الحديثة. ؟؟. وامتازت الاشكال بالمساحات اللونية والضياء محاطين بتلك الخطوط السوداء الواضحة مما ادى الى عدم نفور الالون عن بعضها وهي ميزة نجدها في الرقش العربي – الارابسك –

ولد ماتيس في بلدة صغيرة شمال فرنسا وسط عائلة تعمل بالتجارة ووالدته فنانة هاوية. وفي عام 1887 انتقل الى باريس لدراسة القانون بينما كان يعمل كموظف اداري في لوكاتوكامبريزي وفي هذا الوقت مرض ماتيس فاشترت له والدته كتابا عن الفن ليقراه في وقت نقاهته. وكان ذلك بداية رغبته في الرسم. وفي عام 1889 التحق بدورات اكاديمة جوليان ثم في مدرسة الفنون الجميلة حيث درس على يد اساتذة كبار.. وفي البداية كان يرسم الطبيعة كما اخذ يستنسخ اعمال فناني عصر النهضة في متحف اللوفر. وتاثر بكوكان وفان كوخ وسيزان والمدرسة الانطباعية خاصة التنقيطية.

وكان ماتيس يدعو الى المواضيع الهاديئة وفن متوازن نقي هادي خالي من الموضوعات القلقة والمثيرة للاعصاب. ثم اصبحت اعماله ذات مساحات لونية جميلة كما هو في اسلوب مدرسة بغداد واستطاع التعبير عن شكل الاشياء والفراغ. وقد ادخل الزخارف الاسلامية مثل لوحة السجاد الاحمر حيث استخدم الوان حارة تتسم بحسية عالية كما رسم لوحة -بهجة الحياة – والتي عرضت في صالون المستقلين عام 1906 حيث كرست مكانته كقائد لا جدال فيه للحركة الوحشية..100 mates

واتذكر قصة طريفة وهي عندما حطيت في اسبانيا عام 1977 اخذت بعض اعمالي الى احد الكالريات في مدريد وعرضتها عليه للبيع وكانت اعمال تتصف بالمعاني والمفاهيم الاجتماعية وباسلوب اكاديمي. فرفضها وقال لي حتى اسوق اعمالك عليك ان تعمل اولا لوحات ليس لها موضوع وهاديئة (الفن اللاشكلي). ثانيا اريد اعمال تجريدية خالية من اي شكل يثير القلق ، بل تتمتع بالجمال والبهجة.. ومنذ ذلك الوقت غيرت دفة السفية وقبلت اعمالي..

وفي عام 1917 استقر في مدينة نيس وتعرف على رينوار واصبحت اعماله اكثر رقة ونعومة ورسم عدد من اللوحات منها- نافذة في نيس – وسلسة الجواري التي يظهر فيها نساء من بلاد المغرب بملابسهن الجميلة المزركشة الفضفاضة وظهرت الزخارف الاسلامية على الستائر والسجاد وملابس الجواري والزينة بالاسوار والخلاخيل.. وفي اخر عمره اصبحت الوانه اكثر جرئة. كما التجئ الى عملية قص الاوراق الملونة ولصقها. وايضا عمل سلسلة من الحفريات على الحجر والمعادن بلغ عددها حوالي 300 قطعة. وكتب عدة مقالات لعدد من المجلات المتخصصة في الفن... وفي عام 1963 افتتح متحف ماتيس في مدينة نيس حيث يضم جزءا مهما من اعماله معضمها ذات تاثيرات اسلامية.

***

د. كاظم شمهود

يذكر المؤرخون ان المذاهب القائمة على نظرية الفن للفن والذي شق طريقه الاباحي منذ عهد بودلير وغوتيه حيث تاثر به عدد غير قليل من الشعراء والفنانين وكان يضم تحت لوائه كل الشعارات الانحدارية والرمزية والدادائية وفن المفاجئة والابهار والمفاهيمية والدانديزم (فن اناقة التعبير المنحرف). تلك التيارات الاباحية التي قضت على معظم القيم الاخلاقية والجمالية ورفضوا كل ماهو كلاسيكي وقديم ولكنهم احتفظوا بالقيم الميتافيزيقيةو ذلك في سبيال اعطاء العمل الفني بعدا لا يوجد في غيره من الاعمال الفنية الكلاسيكية والاكاديمية وذلك هو البعد الروحي الذي يعبر عن مضامين الاشياء.

 في اواخر القرن التاسع عشر كانت هناك نهضة تمرد وثورة وتشتت في الاراء وتباين في الافكار وكان هؤلاء المتمردين عندهم  عزم واصرار على الوصول الى عالم افضل وتحول اسمى. وكانت التطورات السابقة التي تشكل فيها صور الفن الاتباعي الذي يطلق عليه فن المطابقة قد وجد امامه الطريق مسدودا عند حدود الحركة الانطباعية.2771 shamhod

و قد ظهرت هذه الموجة الثورية في بنية الفكر الاجتماعي من التحطيم والهدم في العشرة الاخيرة من القرن التاسع عشر حيث ادت الى ولادة نهضة اصلاحية جديدة عامة من فكرية وعلمية وفنية. وقد اشار نيتشة بان كل تجديد لا بد ان يسبقه هدم وتحطيم وحالة من التشويش والقلق. وقد اكد بعض المؤرخين ان هذه الانحرافات والتمردات على القيم السائدة تحمل في عمقها بذرات منافع للمجتمع. ويذكر الدكتور عفيف بهنسي 1928 بان ظاهرة التمرد والانحراف الاخلاقي بين الشباب في نهاية القرن التاسع عشر في باريس ادت الى ظهورهم في الحانات والمقاهي وهم يتجاهرون بالمخدرات والانحراف ويلعنون التقاليد والعادات. وقد بدأت هذه الحركة على يد الاديب الفرنسي تيوفيل غوتيه 1811 وشارل بودلير 1821 وكان تحركهم هذا تحولا من الرومانسية التي قادها فكتور هيجو 1802 الى رومانسية المنحدرين.2772 shamhod

وقد اقام بعض هؤلاء الفتانين المتمردين معرضا فنيا يتكون من مجموعة من اللوحات البيضاء الفارغة (كانفاس) ذات طابع مفاهيمي واطلقوا عليه اسم – لمن لا يعرف الرسم – وقد رفعوا في نفس الوقت شعار الصدام مع الطبقة البرجوازية واول من رفع هذا الشعار الكاتب الفرنسي جوستاف فلوبير 1821 واشتهر في روايته المشهورة – مدام بوفاري – وفيها كان يسخر من الطبقة البرجوازية. وقد يبدو لنا بوضوح ذلك التناقض القائم بين ما تقوم به هذه الفئة من الادباء والفنانين من حيث مهاجمتهم للطبقة البرجوازية من جانب وبين ما ينطوي عليه سلوكهم الاخلاقي من جانب اخر. واذ يعد هذا التصادم مع هذه الطبقة عمل اصلاحي الا ان سلوكهم المنحرف نحو الاباحية والجنس والاثارة والاغراء يتنافى مع هذا الاصلاخ الذي يهدفون اليه.2773 shamhod

و رغم هذا الانحدار الاخلاقي وتلك المئالب الي وقعت فيها هذه الجماعات الفنية والادبية فان الانتاج كان يحمل بذور التجديد والابتكار التي اينعت ونضجت ثمارها فيما بعد. حيث امتزجت العناصر الابداعية مع العناصر المنحدرة. ولهذا لم تكن هذه الجماعات انحدارية بشكل مطلق ورغم سلوكها المرفوض اجتماعيا. الا انها قد ساهمت في استيقاض العقل الاجتماعي بعد قرون من الجمود كما اسهمت في الحركة التقدمية وظهور المذاهب الفنية الحديثة في كل من الادب والفن.

في هذا الوقت ظهر الكاتب الانكليزي برناردشو 1856 ونظريته الفن للمجتمع حيث شق لافكاره واراءه وتصوراته اتجاها مضادا لمذهب الفن للفن وقد اوضح وظائف الفن الاجتماعية في صورتها الاشتراكية وتحدى التيارات المنحرفة (بيد انهم مع ذلك يرون الحياة من جوانبها الصارمة العنيفة ومن اتجاهاتها الفردية بينما يعني الفن في سبيل الحياة شمول الغاية التي تكتنف الانسانية في اتساعها الرحيب).

***

د. كاظم شمهود

خمسة عقود من الغربة!

يا لها من مفاجأة! وجدتُ في دفتر ملاحظاتي في الموبايل مقطعًا من انطباعاتي كتبتها بمناسبة اختيار الدكتور هادي الصكر كأفضل فنان تشكيلي في مدينة سفينبورج الدنمركية عام 2005 وعن معرضه قبل عقدين من السنين، أقدّمه إلى القارئ الآن!

وفكّرتُ أن أرفق معه بعضَ لوحاته الفنيّة، لنشرها بعد إجراء بعض التعديلات و"التدقيقات"، وصورة شخصية له!

الفنّان هادي الصكر شديد التواضع، لا يتحمس كثيراً لمثل هذه "المبادرات"، فلا بدّ من إعداد المقال ونشره دون إحاطته بالأمر، لتكون مبادرتنا مفاجئةً له!

إليكم ما كتبته عنه آنئذ:

هادي اسم على مسمى، يعمل بهدوء لساعات عديدة في الليل، ويتأمل أعماله في النهار، صموت، لا يتكلم كثيراً، لكن أغلب لوحاته تنطق أفكاراً عديدةً، متنوعةَ الموضوعات، وأخرى تشبه القصص، ومنها تتميز بسرديات قد تذكّرنا أحياناً بأحلامٍ متناثرة المقاطع!92 hadi alsagher

لا يبدو ذلك في لوحاته بوضوحٍ، إذ إن كلّ تفصيل من تفاصيلها مُصاغ بتقنية فنيّةٍ عاليةٍ، بعيدةٍ عن البساطةِ أو "المباشرة والتقليدية" رغم تلقائيّتها أحياناً! يمكن النظر إلى أغلب لوحاته من مختلف الجوانب والاتجاهات، وغير مهم أن يشاهدها المتلقي من فوق أو من تحت، ويمكن تعليقها أفقياً أو عموديّاً!

ولهذا، قد يغرق المتلقي الحاذق في بحورها إذا غاصَ متمعّناً فيها، ويقع في عشقها وشغفها وأسرِها الساحر، ولن ينفكَّ منها إلّا بعد أن يُشبعَ خياله بتأويلاتها. قد يبدو في اللوحة وجه مختفٍ، وقد يتصور بعضهم أنه لشهريار، وعينان تطلّان من خلال الألوان يُحار المرء في وصفها!  

أو كبوة جواد، وحوافر فرس، وعينان لفارسٍ بدوي يتسم وجهه باعتداد النفس والفخر والكرامة، أو بالقساوة والتعب!

يقول الفنان هادي عن طريقة عمله، بمناسبة افتتاح معرضه الشخصي عام 2006 في مدينة روسكيلده، بأنه يبثُّ أفكاره ومشاعره في لوحاته!

وأتذكّر أني علّقتُ بين نفسي قائلاً: "يا له من خيال واسع كبير يحلّق هادي في سمائه: أحلام وتلميحات وإلهام وأفكار متنوعة تنطبق عليها فكرة النقد الرائعة: "أكذبُه أصدقُه"!، هل هي حقّاً "أكاذيب" تتجسّد في خيال إبداعي؟93 hadi alsagher

 افتتح هادي الصكر عدة معارض في الدنمرك، كان أهمّها معرضان نظمتهما جمعية الفن الحديث في مدينة روسكيلدة الدنمركية بالتعاون مع جمعية "أصدقاء عبر الحدود" التي كنتُ نائباً لرئيستها

الدكتورة آلمَه راسموسين، الأول: جنباً إلى جنب مع أكثر من عشرين فناناً وفنان تشكيلي من مختلف الخلفيات الإثنية والثقافية من المقيمين في الدنمرك وإسكندنافيا، والثاني: شخصي لوحده.

وقد كُتبتْ عدة أخبار عن أعماله الفنية في الصحافة المحلية.

ولا بدّ من الإشارة أيضاً مرةً أخرى إلى معرضه الشخصي الأخر في عام ٢٠١٨ الذي ضمَّ عددا كبيرا من لوحاته الزيتية ذات الأحجام المختلفة.94 hadi alsagher

يتميز أسلوب هادي الصكر في العمل التشكيلي بطول البال والصبر والتأنّي، ولهذا فإنَّ أعماله ذات صبغةًٍِ احترافيةٍ عالية ٍ تجسّد موهبتَه الفنية وخلفيته الأكاديمية، بحسب رأي الدكتورة آلمه راسموسِن، التي قالت لي عنه مبتسمةً: "سألني هادي مرّةً متحرّجاً: "ألا ترين سهولةَ أن يصير المرء رسّاماً في الدَنمرك؟"! ثم أردفت قائلةً: هو يطرحُ مثلَ هذا التساؤل كونه أكاديمياً درسَ الفن لعدة سنوات، وليس مجرّد هاوٍ!"، ويدرك مدى صعوبة الفن الحقيقي.

ولهذا وليس صدفةً تم اختياره فنّان سفينبورج لعام 2006

هادي يرسم لوحاتِه كما يقول، دون مخططاتٍ مسبقةٍ وبتلقائيةٍ، لكنه قد يمسحها ويطليها كلّها بلون آخر ويعيد صياغة أفكارِه الجديدة، ويشذبها فيما بعد، ويعمل عليها، لأنه كما لاحظتُ شخصيّاً، يغيّر في لوحاته عدة مصائر، وقد تبقى الخطوط وبقايا الوجوه الأصليّة في اللوحة، بحيث تعطي فرصة أيضا للتأويل التي يستمتع بها المتلقّون من مختلف المستويات.

وهو بذلك لا يختلف عن السارد الذي ينقّح سرديّتَه ويصحّحها عدّة مرات قبل نشرها! إذن، اللوحة عند الفنان هادي الصكر كائن حي ينمو ويتطور في مشغله ويظهرها للمتلقي بعد أن يعتقد انها وصلت الى درجة الفنية العالية.

وبعد العمل النهائي تصبح اللوحة عنده مرآةً لروح الفنان، الذي يبث "أفكارَه" الإبداعية في لوحاته، كما يبدو في تأويلات المتلقي المتأمل العميق.

 قد يعتقد بعضُهم بأنّ الوجوهَ مثلاً، او الملامح المتقاطعة والمتناثرة هنا وهناك منفصلة بعضها عن بعض ولا علاقة فنية لها، لكني اعتقد انها مترابطة وتكوّن مغزى عمله كله، فهي تشكل لوحةً فنية كبرى مؤطرة تذكرنا بالقصص الإطارية التي يقف وراءها راوٍ واحد.95 hadi alsagher

مفاجأة لهادي الصكر!

في معرضه الأخير عام ٢٠١٨ في كوبنهاجن فاجأ أحدُ الحضورِ الفنانَ هادي بأنه تعرّفَ إليه منذ أكثر من خمسين سنة عندما كان نزيلاً سياسياً معه في سجن "نقرة السلمان"، وهذه اول مرة يلتقي به الآن بعد خمسة عقود ونيّف.

وهذا أمر مهم في حياة الفنان المرتبط بشعبه، ويبقى وفيّاً له وتراثه وأساليب فنونه التشكيلية، وليس غريباً انه يحاول ان يعكس الحس الشعبي، فاختار "الواسطي" موضوعاً لأطروحة الدكتوراة التي دافع عنها في موسكو.

لا يتكلم هادي الصكر كثيراً عن نفسه ولوحاته، لكنه يعاني من الألم والفرح والشغف والحب لها، تموج موضوعاته في أعماله مختلطةً بألوانه المتنوعة يضخّها فيها ليُحييها من معاناة "الحنين إلى الوطن"! صموت كما يبدو عليه، لكنّ مَن يعرفه عن قرب يرى الأمر عكس ذلك تماماً: فهو يتكلّم بصمت، ينطق بهدوء بعيداً عن الأضواء، قد يبدو الأمر لبعضهم صعبَ الفهم، لكن، مع ذلك، كل شيء هنا رائع جدّاً، أنا أعرف ذلك وآخرون كُثر يدركون الأمر ذاته، فهو غارق في النظرات العميقة للوحاته متأملاً خطوطها وألوانها   واشخاصها!

لا يرسم هادي الصكر لغرض الشهرة ولا التكسب، بل للمتعة الذاتية وشعوراً منه بالواجب في تحسين الذوق الفني العام وهو في غربته الطويلة داخل الوطن وخارجه!

ومع ذلك، لا يحب هادي الحديث عن نفسه وأعماله، أو الكتابة عنه، ولهذا "تحايلتُ" لأمسك العصا من وسطها في عمل ذلك قبل أن أتم هذه السطور عنه!

ومن المؤسف أنّ أغلب مجايليه من الفنانين والمبدعين العراقيين المنتجين، وحتى من أجيال "الشباب" الذين دخلوا السبعينات وهم في غربتهم وصاروا أجداداً ولهم أحفاد، مبعثرون في الشتات منذ نصف قرن أو أكثر، يعانون من مختلف الضغوط!

لكن، ربّ ضارة نافعة، فها هم الفنانون السومريون منتشرون في مختلف أصقاع العالم، ينتجون منها، ويتقنون لغات الكون ويطّلعون على ثقافاته ويكتبون ويرسمون ويغنّون من منطلقات هجينها، لتبرز الثقافةُ العراقيةُ من خلال نتاجاتِهم وبفضلها ناصعة ً عريقةً تلمع بألوان الماضي الميسوبوتامي على أمل أن يكون الحاضر أكثر ازدهاراً وإبهاراً ولمعاناً بإنجازات العراقيين الشباب وإنتاجاتهم.

عزاء هادي الصكر في غربته الطويلة بشريكة حياته ورفيقة دربه وأفراد عائلته ودفئها: أبناؤه وأحفاده وأصدقاؤه، ترى وجوههم في لوحاتٍ منتشرةٍ هنا وهناك في مسكنه الدافىء والمشرق دوماً رغم برد الشمال الإسكندنافي وسمائهِ الغائمةِ!

***

د. زهير ياسين شليبه

في غرفة يغمرها الضوء الخافت وبين لوحات لم تكتمل بعد...يجلس الموت حاملا ألحانه كأنه جاء ليعزف لا ليقبض الأرواح.

المشهد ليس تهويدة أخيرة بالمعنى المألوف بل هو لقاء صامت بين فنان أنهكه البحث عن الجمال ورفيق ظل يرافقه منذ النفس الاول وصرخة الولادة الاولى.

في هذا المرسم الضيق حيث تتناثر الأوراق والألوان على الأرض وحيث السقف المائل يضغط على الغرفة بوطأة الاختناق، تتحول النهاية إلى طقس من طقوس العبور.

"الفن هو نشاط إنساني، يقوم على أن ينقل رجل بوعي عن طريق إشارات خارجية معينة المشاعر التي عاشها للآخرين."

هكذا كتب الروائي الروسي ليو تولستوي في مقالته "ما هو الفن؟"، مقدما تعريفا يختزل جوهر العملية الإبداعية في فعل المشاركة الوجدانية.

الفن عند تولستوي ليس استعراضا للتقنية ولا زخرفة سطحية بل هو جسر من الإحساس يمده الفنان بين روحه وأرواح الآخرين.. محاولا أن يجعلهم يعيشون ولو للحظة ما اختبره هو من فرح أو ألم أو دهشة.

هذا المعنى يجد تجسيدا بصريا استثنائيا في واحدة من أكثر اللوحات تأثيرا في مطلع القرن العشرين حيث لا ينقلنا الرسام إلى تأمل موت الفنان فحسب بل يشركنا في المشاعر التي عاشها ذلك الفنان وهو يواجه نهايته.2736 Death of the artist

تعد لوحة "موت الفنان" واحدة من أعمق أعمال الفنان البولندي سيغموند أندريخيفيتش، وقد رسمها عام ١٩٠١. تصور اللوحة مشهدا داخليا يغلب عليه السكون وربما الكآبة وان شئت الخلوة لفنان شاب يرقد على فراش الموت داخل مرسمه البسيط.

تتوزع عناصر العمل بعناية لخلق جو من الحزن والتأمل لكن ما يستحق الوقوف عنده هو البنية التكوينية ذاتها. السقف المائل يضغط على الفضاء من الأعلى، مانحا المشهد إحساسا بالانغلاق والاختناق وكأن الغرفة نفسها تحتضر. المساحة الفارغة في مقدمة اللوحة تبتلع الجسد الممدد فتبدو قامة الفنان ضئيلة أمام مصيره في مقابل حضور الموت المتضخم إلى جواره.

أما الضوء المنبعث من المصباح الخافت فليس ضوء حياة بقدر ما هو ضوء احتضار...وهج أخير ينسحب ببطء. وتظل اللوحات غير المكتملة المبعثرة على الأرض الشاهد الأبلغ على حياة توقفت في ذروة عطائها.

ينتمي سيغموند أندريخيفيتش إلى جيل من الفنانين الذين جمعوا بين الواقعية والرمزية وهي مدرسة فنية سعت إلى تجاوز النقل الحرفي للواقع نحو التعبير عن المعاني النفسية والفلسفية والروحية. درس الفن في وارسو وكراكوف ثم في باريس وهناك تأثر بالاتجاهات الرمزية التي كانت منتشرة في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر. تميزت أعماله بالاهتمام بالمشاعر الإنسانية العميقة واستخدام الرموز البصرية للتعبير عن قضايا الوجود والموت والعزلة. وفي هذه اللوحة تحديدا يظهر تأثره الواضح بالفن الرمزي من خلال تجسيد الموت. تذكرنا هذه المعالجة ولو من طرف خفي بتقليد "رقصة الموت" في الفن الأوروبي الوسيط غير أن أندريخيفيتش يستبدل رقصة الجمع المخيفة بثنائية حميمية بين الموت والفنان، كما لو أنه يعيد كتابة الإرث البصري بروح حداثية شاعرة.

ولهذا تعد "موت الفنان" عملا فنيا يتجاوز حدود التجربة الشخصية ليصبح تأملا إنسانيا عاما في العلاقة بين الفن والحياة والموت.

يقدم مارتن هايدغر في كتابه "الكينونة والزمان" تصورا يضيء هذا المشهد بطريقة لافتة، إذ يقول:

"الموت هو الإمكانية الأكثر ذاتية ولا يمكن تجاوزها. الموت بوصفه نهاية الكينونة في العالم هو الإمكانية الأخص للوجود."

بالنسبة لهايدغر الموت ليس مجرد حادثة بيولوجية تقع في نهاية الحياة بل هو إمكانية وجودية تصاحب الكائن البشري في كل لحظة من لحظاته وتشكل علاقته بوجوده ذاته.

الوعي بهذه الإمكانية هو ما يحرر الإنسان من التشتت في التفاهة اليومية ويدفعه إلى أن يعيش حياته بـ"أصالة"، أي أن يختار إمكانياته بنفسه ويحقق ذاته من خلالها.

في سياق اللوحة يصبح الفنان الذي يرقد على فراش الموت هو الإنسان الذي عاش هذه الأصالة عبر فنه. قراره بأن يكون فنانا وأن يخلق الجمال هو استجابة لإمكانية الموت. العزف الأخير للهيكل العظمي هو التجسيد البصري لهذه الإمكانية القصوى إنه صوت النهاية الذي لم يباغت الفنان وكل انسان بل يرافقنا جميعا طوال الحياة.

حضور الموت يمنح كل لحظة وكل عمل الثقل الوجودي والاستحقاق للمعنى لمن يدرك ما استطاع حضور الموت.

إذا كان هايدغر يرى في الموت طريقا نحو الأصالة... فإن بإمكاننا الاستعانة برجل آخر هو الفيلسوف البريطاني  برتراند راسل لفهم ما هو الفن. زاوية فهمه أقل قلقا وأكثر احتفاء بالحياة.

قبيل وفاته بعامين كتب راسل في آخر مقالاته:

"هناك فنان مسجون في كل واحد منا. أطلقوا سراحه لينشر الفرح في كل مكان."

هذا التصور يحمل تفاؤلا عميقا إذ يرى راسل الإبداع لا كنشاط نخبوي بل كجوهر إنساني كامن في كل فرد ينتظر لحظة الإطلاق.

قيمة الفن هنا لا تكمن فقط في مواجهة العدم أو في خلود الأثر بل في قدرته على خلق البهجة. عند تطبيق هذا المعنى على لوحة أندريخيفيتش يتحول الهيكل العظمي الذي يعزف على الكمان من رسول نهاية إلى رسول تحرر. حياة الفنان كلها كانت محاولة لإطلاق سراح ذلك السجين الداخلي وهذا ما ترمز إليه اللوحات والأوراق المتناثرة في أرجاء المرسم؛ إنها آثار عملية تحرير استمرت طويلا. الموت هنا هو المفتاح الأخير الذي يحرر الفنان المسجون في الجسد من قفصه ليصبح قادرا على نشر فرحه في كل مكان متحررا من حدود الزمان والمكان وحتى من جسده ليبقى أثره.

في هذا السياق لا يمكن إغفال بعد آخر خفي في اللوحة وهو حسب فهمي الإيحاء بأن الموت ليس فناء محضا بل عبور. الموسيقى التي تعزف تحمل شيئا.... كأنها تراتيل مرافقة لروح تستعد للانتقال. الفن هنا بتعريف تولستوي...هو تلك الإشارة الخارجية التي تنقل إلينا المشاعر رغم العبور فتتحول اللوحة إلى وثيقة صامتة. الجسد يخبو لكن الأثر يمتد والكمان يظل مشرعا على صمت من نوع آخر... صمت لا يعني النهاية.

وهكذا نعود لى تعريف تولستوي للفن كفعل إنساني ينقل المشاعر التي عاشها الفنان إلى الآخرين. لوحة أندريخيفيتش، بهذا المعنى، هي فعل نقل مزدوج فهي تنقل إلينا أولا مشاعر الفنان المحتضر بهدوئه وتسليمه. ثم تنقل إلينا من خلال رمزية الهيكل العظمي العازف مشاعر ذلك "الصديق الأخير" ذاته الذي لم يكن يوما عدوا بل رفيقا دائما يعزف اللحن الأخير. نغادر اللوحة ويبقى الكمان معلقا في صمت الغرفة وكأن اللحن لم ينته بعد.

وهل اللحن الذي سيحمله موتنا المؤكد يوما ما... حين يجلس إلى جوارنا سيكون صدى لحياة عشناها بأصالة أم صمتا لم نملأه بعد؟

***

د احمد عابر

 

عندما نقارن الفن الحديث بالفن القديم نجد هناك امتدادات واستمرارية بشكل متطور ومتدرج في فاعلية الفن في المجتمع. ومنذ ان خلق الله الانسان جعله متكاملا عقليا وفكريا ومنطقيا. ولكن الوسائل الحضارية كانت بدائية بحيث بقت الافكار تتدفق في تفسير الكون والحياة وخلق المجتمعات العقلانية والمنظمة وانشاء المدن والاسوار والجيوش المحاربة. وهنا ظهر الفن كوسيلة للتعبير والجمال وعكس المدلولات المفاهيمية والمعتقدات والشعائر الدينية حيث تتجاوز الرؤية الشكلية الى توع من التضايف بين المادي والروحي من جهة وبين الطبيعي والرمزي من جهة اخرى.

البرتو جياكوميتي نحات ورسام من اصل سويسري عاش في فرنسا 1901- 1966 اشتهر بمنحوتاته الرشيقة والطويلة وهي تعبر عن هشاشة الانسان امام الحروب والمجاعات خاصة بعد الحرب العالمية الثانية وينحو في اعماله نحو السريالية والتجريدية بالمفهوم المعاصر. هذه الظاهرة في الاشكال المستطيلة نجدها سابقا قد ظهرت في اعمال الفنان اليوناني الجريكو 1541 حيث الاشكال المستطيلة والضعيفة والشاحبة. ويذكر انه كان له راي سلبي في اعمال مايكل انجلو حيث قال ان مايكل انجلو ضعيفا في الرسم. وادى ذلك الى غضب الايطاليين عليه والى طرده من ايطاليا فذهب الى اسبانيا واستقر في طليطلة..2755 shamhod

ويذكر احد المؤرخين لو ان جياكوميتي بعث من جديد لاهاله تشابه بعض تماثيله مع تماثيل من حضارة السومريين حيث التعبيرية في رشاقة الشكل واسطوريتها (السريالية) والتجريدية ودلالاتها الرمزية والجمالية التي تجاوزت الشكل الواقعي. خاصة تماثيل حضارة دور العبيد. وكانت هذه التماثيل ليست محض تظاهر عام في التناسق والانسجام الشكلي لعناصر العمل الفني بل هي تجسيد محدد بمجموعة من المهيمنات الفكرية الشائعة في الوسط الحضاري للتمثيل الشكلي. في ذلك الوقت. تماثيل جياكوميتي هي تمثل نتاج العصر الحديث مستمدة قيمها الجمالية والشكلية من عمق التاريخ. وفي نفس الوقت هي نتاج تفاعل الفنان مع محيطه بابعاده الفكرية والاجتماعية وفقا لرؤية فكرية معاصرة. فرضتها ظروف اجتماعية معينة.

ان مسالة التشبيهات المادية المتطورة في نظام الصور قد امكن الاستعاضة عنها بصلة روحية هي صلة الرمز والاسطورة.. فتسامت المدلولات في بنية التماثيل فوق التمظهرات الطبيعية بمعنى ان هناك تشابه في الرمزية رغم الاختلاف في الشكل وقد اخذت احيانا شكل الاسطورة. وقد يتخلى الفنان بشكل واضح عن خاصية المراقبة البصرية الدقيقة في التمثيل لصالح الافكار الرمزية المرتبطة بها للايحاء بمغزاها الرئسي .. وهذه المدلولات الرمزية هي بمثابة تكثيف للافكار بخطاب التشكيل . ان الاشكال الرمزية تكمن في وجود توافق بين المدلول ونمط التمثيل. فلم يكن القصد تمثل هذه الاشكال ذاتها بل كانت اشارة الماورائي وتلميحا اليه (عالم الميتافيزيقي).

في الحقل الرمزي يمكن ان نحصل على شئ شبيه بفن شاجال وهو الفن الذي ياتي التناغم فيه من الالوان المتالقة كالوان قوس قزح وهي الالوان التي تؤثر في وجداننا بطريقة لا تفسير لها. الوان لا تنتمي الى اي مشهد من مشاهد الطبيعة ولكنها تنتمي الى عالم من الخيالات اللاواعية عالم من الصور قادر على ان يرمز الى خصوبة رؤية الفنان وثرائها وبهجته الخلاقة. ويعتبر الرمز عنصرا مهما في التشكيل يلجئ اليه الفنان في حالات معينة لما له من مخارج متنوعة ومدلولات فكرية مرتبطة بالمجتمع.. عندما كلفوا النحات جواد سليم بعمل نصب الحرية طلب منه بعض العسكريين ان يضع صورة عبد الكريم في النصب ضمن العناصر الشكلية الاخرى. لكن جواد بذكائه الكبير التجئ الى الرمز. وبما ان الثورة كانت عسكرية فقد نحت جواد جنديا عسكريا وسط النصب بمشهد ثوري يكسر القضبان. ويعتقد ان هذا الجندي هو يرمز الى عبد الكريم قاسم.

***

د. كاظم شمهود

(أنت مستعد أن تموت أيها الجبان، لكنك لست مستعدا أن تعيش).. هرمان هسه من روايته ذئب البوادي

حين تتأمل اللوحة، تجد امرأة تقف على حافة جرف صخري، وقدماها العاريتان تلامسان آخر ما يربطها بالأرض. إنها صافو الشاعرة الاغريقية أو هكذا يريدها الخيال القديم. في هذه الوقفة المتأرجحة بين التوازن والسقوط يتجسد قول هسه بأقصى كثافته: ليست البطولة في أن تنهي كل شيء في لحظة يأس، بل في أن تستمر. الموت بهذا المعنى ليس شجاعة استثنائية بل انسحاب من امتحان أطول وأشق هو العيش ذاته.

تختزل اللوحة هذه المفارقة في تكوين بصري واحد: جسد يميل إلى الأمام نحو الهاوية بينما الريح تشد ثوبها الأبيض إلى الخلف كأن الطبيعة نفسها تتردد بين الدفع إلى النهاية والإمساك بالحياة.2711 ahmad aber

هذا الثوب الأبيض يمنحها حضورا نقيا ويكشف هشاشتها في آن. البحر في الأسفل مضطرب وداكن، أمواجه تتكسر بعنف، لكن الأشد دلالة ليس اضطراب الماء بل يدا صافو الممدودتان قليلا إلى الأمام وقد انفتحت أصابعها في إيماءة لا هي متشبثة ولا هي مستسلمة تماما. في هذه الإيماءة العابرة يتجسد التردد كله: جسد لم يحسم أمره بعد يختبر الإحساس بالفراغ قبل أن يرمي نفسه فيه.

السماء ملبدة بالغيوم لا تمنح المشهد ضوءا واضحا ولا ظلاما كاملا بل تبقيه في تلك المنطقة الرمادية التي تسبق القرار. حتى الطائر البعيد لا يحلق مبتعدا ولا يقترب كأنه شاهد صامت ينتظر. الطبيعة هنا ليست خلفية تزينية بل مرآة للنفس الممزقة بين رغبتين.

تستند هذه الصورة إلى أسطورة قديمة تروي أن صافو الشاعرة الإغريقية ألقت بنفسها من منحدرات ليوكاديا بسبب حب غير متبادل لرجل يدعى فاون.

غير أن هذه الرواية تبقى موضع شك تاريخي كبير ويرى كثير من الباحثين أنها صيغت لاحقا لتقديم نهاية تراجيدية تليق بشخصية شعرية ارتبطت بالحب والعاطفة في المخيال الكلاسيكي. وهنا يطرح السؤال النقدي نفسه: لماذا احتاج الخيال القديم إلى هذه النهاية تحديدا؟ ولماذا تحولت شاعرة معقدة ومتعددة الأصوات إلى امرأة تلقي بنفسها في البحر بسبب رجل لم يبادلها الحب؟

في الإجابة عن هذا السؤال تتكشف رغبة ثقافية دفينة في اختزال المرأة الشاعرة إلى عاشقة وجعل الشعر نفسه امتدادا لجسد ينتحب على حافة الهاوية. صافو الحقيقية كانت صوتا شعريا فريدا عبر عن التجربة الإنسانية بلغة مكثفة وعميقة دون حاجة إلى نهاية أسطورية تمنح حياتها معنى إضافيا من خارج شعرها.

لكن الأسطورة بقيت، لأنها تلامس شيئا أعمق من الحقيقة التاريخية. هذه الحقيقة هي حاجة الإنسان إلى تصور اللحظة التي يبلغ فيها اليأس ذروته ويتحول إلى فعل.

أنجز هذه اللوحة الفنان الكتالوني ميغيل كاربونيل سيلفا في أواخر القرن التاسع عشر في سياق فني لا يزال متشبعا بالنزعة الرومانسية. يظهر ذلك في اختياره لموضوع أسطوري وفي تركيزه على اللحظة النفسية الحادة التي يعيشها الفرد.

تتجلى سمات هذا الاتجاه في جعل الطبيعة مرآة للروح وفي الاهتمام بالعاطفة القوية وفي استخدام الضوء واللون لخلق جو مشحون بالتوتر.

لم يكن الفنان يسعى إلى توثيق حدث تاريخي بل إلى التقاط تجربة إنسانية خالدة....تلك اللحظة التي يقف فيها الإنسان على الحافة بين أن يواصل العيش رغم ثقل ما يحمله أو أن يستسلم.

هنا تحديدا تلتقي اللوحة بحكمة عميقة تضيء جانبا خفيا من لحظة صافو القاتلة. يقول ابن عطاء الله السكندري في حكمه:

"لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبا ليأسك؛ فهو ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك لا فيما تختار لنفسك، وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد."

إذا تأملنا اللوحة من خلال هذا القول، صارت وقفة صافو على الحافة تجسيدا لأزمة ثقة أعمق من مجرد خيبة عاطفية. إنها أزمة استعجال وجودي. الجرف الذي تقف عليه ليس حافة الأرض فحسب بل هو حافة الإرادة البشرية حين تصر على توقيتها الخاص وترفض ذلك المدد الخفي. البحر المظلم تحت قدميها ليس مجرد فضاء للفناء بل هو صورة الإجابة الغائبة التي لم تصل بعد.

والسماء الملبدة ليست مجرد غيوم بل هي الحكمة المتوارية خلف حجاب القدر تلك التي لا تكشف عن نفسها للعجولين. الريح التي تنازع جسدها كأنها الصوت الذي يحاول أن يقول انتظر. انتظر لعل هناك وقتا آخر غير هذا الوقت. لكن صافو، كما تصورها الأسطورة تختار توقيتها الخاص وترجح كفة الهاوية على كفة الانتظار. وهكذا تتحول الأسطورة اليونانية، عبر عيون السكندري إلى مثال على مهلكة التعجيل.

أما أبو حامد الغزالي فيختزل المأساة الإنسانية في جملة نادرة الكثافة حين يقول في إحياء علوم الدين:

"الهلاك في اثنتين: القنوط والعجب."

وفي هذه اللوحة تقف صافو متلبسة بالوجهين معا في آن واحد. القنوط هو ذلك الفراغ الأسفل... الهاوية التي تبتلع كل رجاء والماء الذي لا يعد بشيء إلا بالفناء. إنه انقطاع النفس عن تصور إمكان الخلاص وتلك العتمة الرمادية التي تسكن تفاصيل المشهد كله.

أما العجب فيتجسد في الثوب الأبيض الذي يرفع شخصها إلى مقام الأيقونة وفي وقفتها التي تشبه طقسا أخيرا يقام على مسرح الطبيعة.

إنها لا تهم بالسقوط فحسب بل تكاد تستعرض سقوطها في تلك المسافة الرفيعة بين الحافة والهاوية حيث يلتقي اليأس بإعجاب خفي بالذات الموشكة على الانتهاء. هكذا تخط اللوحة بصريا ثنائية "الهلاك" الغزالية. يأس يدفع من الخلف نحو الهاوية وعجب يسحب من الأمام نحو التماهي مع صورة البطلة المأساوية. وبين الدفع والسحب يتمزق إنسان يظن أنه يختار بينما هو في الحقيقة يحتار بين القنوط و العجب ليهلك.

نعود الآن إلى قولة هرمان هسه التي بدأنا بها. لقد اختارت صافو كما تروي الأسطورة الطرف الأسهل.. أن تموت بدل أن تعيش شجاعة الأيام المتعاقبة. لكن التحليل يضيف إلى هذه المفارقة بعدا أعمق إذ يصبح الجبن ليس في القفز وحده بل في العجز عن تصديق أن ثمة توقيتا آخر للحياة غير التوقيت الذي تريده النفس في ذروة انفعالها.

الموت من منظور السكندري إخفاق في فن الانتظار، ومن منظور الغزالي، تتويج لازدواج القنوط والعجب. وهكذا يتحول الجرف في اللوحة إلى صورة للحد الفاصل ليس بين الحياة والموت وحدهما، بل بين الثقة والاستعجال بين الصبر على غياب المعنى والاستسلام لفكرة أن الغياب أبدي.

وهنا ينهض السؤال الأخير الذي تتركنا أمامه اللوحة، بعد أن تآلفت فيها رومانسية القرن التاسع عشر ومقولات السكندري والغزالي.. ألسنا حين نرفض الحياة لأنها لم تمنحنا ما نريد في الوقت الذي نريد.. نمارس شكلا دقيقا من الانتحار اليومي لا يحتاج إلى جرف ولا إلى بحر.. بل يكتفي بقلب لم يعد يثق في أمد لا يراه؟

***

د احمد عابر

 

(يقول بعضهم إن فرسانا او مشاة او اسطولا من السفن، هو اجمل ما على وجه الارض السوداء

اما انا فاقول: انما الاجمل هو ما يحبه المرء)... صافو

هذه الكلمات خرجت من شاعرة عاشت في جزيرة ليسبوس الاغريقية حوالي عام ٦٠٠ قبل الميلاد، اسمها صافو.

لم تكن صافو فيلسوفة ولا قائدة عسكرية، بل كانت صوتا غنائيا فريدا يصدح بالحب في زمن احتفت فيه الثقافة اليونانية بالملاحم والمعارك والبطولات.

حين كان المجتمع ينظر الى الاساطيل والجيوش باعتبارها ذروة المجد والجمال، جاءت صافو لتعلن ان المعيار مختلف تماما.

 ان الجمال لا يقيم في مظاهر الهيبة ولا في ادوات السيطرة، بل في ذلك الشيء الخفي الذي ينجذب اليه القلب دون حساب.

ما نحبه هو ما نراه جميلا، لا لانه كذلك في ذاته، بل لان ارواحنا قد اختارته. ومن هنا يصبح الحب معيارا للحقيقة بقدر ما هو معيار للجمال و تغدو الخيارات الكبرى في حياة الانسان انعكاسا لما يسكن اعماقه لا لما يفرضه عليه العالم.

بعد ما يقرب من قرنين، وفي مدينة اثينا، وجد سقراط نفسه امام اختبار لا يقل جذرية عن رؤية صافو.

كان سقراط رجلا يسير في الاسواق ويسأل الناس اسئلة بسيطة عن الشجاعة والعدالة فيكشف بهدوء ان اكثرهم لا يعرفون شيئا عما يظنون انهم يعرفونه.

احبه الشباب وتبعه التلاميذ لكن هذه الطريقة اثارت غضب ذوي النفوذ في المدينة.

بعد هزيمة اثينا امام اسبرطة في الحرب البيلوبونيسية وجدت المدينة نفسها تبحث عن سبب لانهيار هيبتها، فتحول سقراط الى كبش فداء.

اتهم رسميا باهمال الهة الدولة وادخال الهة جديدة وبافساد عقول الشباب.

حوكم امام محكمة مكونة من مئات المواطنين وبدلا من ان يتوسل اليهم او يستدر عطفهم تحدث اليهم كما لو كان هو الذي يحاكمهم. قال لهم بهدوء كلمته الشهيرة

 "الحياة التي لا تخضع للفحص لا تستحق ان تعاش"

ثم اضاف انه لو عرضوا عليه ان يطلقوا سراحه شرط ان يتوقف عن الفلسفة لاجابهم

"ايها الاثينيون، انا احبكم واعزكم، لكنني ساطيع الاله اكثر مما اطيعكم، وطالما بي نفس وقدرة فلن اتوقف عن ممارسة الفلسفة".

حكم عليه بتهمة هزيلة، لكن الطريقة التي واجه بها الحكم هي التي حولت القصة من مجرد ظلم تاريخي الى اسطورة اخلاقية.

في لوحة موت سقراط التي رسمها جاك لوي دافيد عام ١٧٨٧ لا نجد موتا بقدر ما نجد لحظة مكثفة من الوعي. المكان زنزانة حجرية باردة جدرانها عارية يتسلل منها ضوء خافت يتركز في قلب المشهد.... حيث يجلس سقراط على سرير بسيط، جسده منتصب، وملامحه هادئة على نحو يكاد يكون مفارقا لما يحيط به.

بيده اليسرى يمتد نحو كاس السم، بينما ترتفع يده اليمنى في اشارة تعليمية كأن لحظة الموت لم تقطع خيط الفكر بل زادته وضوحا.

حوله تتوزع الشخصيات في تكوين مدروس: اجساد تنحني....وجوه تختبئ خلف الايدي... وحركة مضطربة توحي بان الزمن نفسه يتعثر.

الرجل الذي يقدم الكاس يدير وجهه بعيدا، عاجزا عن مواجهة ما يفعل.

كريتو، التلميذ الاقرب يتمسك بركبة معلمه في حركة تجمع بين الحب واليأس.

وفي طرف السرير يجلس افلاطون شيخا، غارقا في صمته، كأنه يستعيد المشهد من ذاكرة بعيدة لا من حاضر مباشر.

وخلف القوس الحجري، تنسحب زانثيبي زوجة سقراط في صمت تنظر نظرة اخيرة قبل ان تختفي، وكأن العالم الخارجي يغادر المكان تاركا الفيلسوف وحده مع قراره.

الضوء في اللوحة ليس مجرد عنصر بصري بل موقف. فهو ينساب على جسد سقراط فيمنحه صفاء باردا، يميزه عن بقية المشهد، بينما تغرق الاطراف في ظلال كثيفة. الالوان الحمراء تتجمع حول مركز الحدث وتبلغ ذروتها في ثوب الرجل الذي يحمل الكاس وكأنها تشير الى لحظة الاختيار لا الى العنف ذاته. كل شيء في التكوين يقود العين الى سقراط لا بوصفه ضحية بل بوصفه مركزا للمعنى، نقطة توازن وسط عالم ينهار عاطفيا.

في هذه اللوحة اخفى دافيد توقيعه مرتين وكأنه اراد ان يهمس للمشاهد برسالة لا تقال بصوت عال.

وقع توقيعه الكامل تحت قدمي كريتو، الشاب الذي يتشبث بركبة معلمه في ياس، وفي كريتو وجد دافيد انعكاسا لنفسه، ذلك التلميذ المتعلق العنيد بقيم استاذه والمتشبث بها في وجه الانهيار. اما التوقيع الثاني حرفا اسمه الأولان، فقد اخفاهما على المقعد الحجري حيث يجلس افلاطون وكأنما يشير باصبعه الى المصدر الحقيقي للقصة ذلك الرجل الصامت في طرف السرير الذي نقل لنا كل ما نعرفه عن هذه اللحظة. هكذا صار التوقيع اعترافا مزدوجا: انتماء روحي لتعاليم سقراط، وامتنان فكري لافلاطون.

ولكن اكثر ما يلفت في هذه اللوحة هو ان دافيد اختار ان يستند في رؤيته على نص فيدون لافلاطون، حيث المشهد لا يوصف كنهاية بل كانطلاق. يقول افلاطون على لسان فيدون واصفا لحظة احتساء السم:

"شرب السم بكل سهولة وهدوء، من دون اي خوف، ولم يتغير لونه ولا ملامحه".

ويضيف في موضع اخر:

"وبينما كنا نحن في حال من البكاء والعويل، كان هو الشخص الوحيد الذي حافظ على هدوئه وقال: ايها القوم، لقد ابعدت النساء تحديدا لكي لا يحدث مثل هذا، فقد سمعت ان على المرء ان يموت في سلام. اهدأوا اذن واصبروا".

ثم ياتي الوصف الاكثر تجسيدا للموت حين يتابع الراوي:

 وفي لحظته الاخيرة، يكشف افلاطون عن كلمات سقراط الاخيرة:

"يا كريتو، انا مدين بديك لاسكليبيوس، فهل تتذكر ان تسدد الدين؟".

في هذا المشهد الافلاطوني، لا يبدو الموت عدوا ولا قدرا اعمى بل خاتمة يتحكم بها الفيلسوف تحكما غريبا. جسد يبرد تدريجيا من القدمين نحو القلب، بينما يظل العقل متقدا حتى اللحظة الاخيرة.

يقترح سقراط على اتباعه تفسيرا بسيطا للموت:

 "اما ان يكون الموت نوما بلا احلام، وهذا مكسب لا يوصف، واما ان يكون رحلة الى عالم اخر حيث يمكن للمرء ان يتحدث مع اورفيوس وهوميروس".

بهذه الكلمات، حول سقراط كأس السم الى تمرين فلسفي.

كان سقراط قد رفض النفي بشكل قاطع. عرض عليه تلاميذه وفي مقدمتهم كريتو ان يهربوه من السجن لقاء رشوة صغيرة وكان الطريق الى المنفى مفتوحا.

لكنه رفض. في حوار كريتو، يشرح سقراط قراره بدقة باردة:

الدولة هي التي رعته وحمته منذ طفولته وهو الذي اختار ان يعيش في اثينا طوال حياته وقد قبل قوانينها بمحض ارادته فهل يليق به الان ان ينقض هذا العقد لان حكما واحدا لم يعجبه؟

كان يرى ان الفرار سيكون خيانة لكل ما دافع عنه طوال حياته. الفلسفة علمته ان الظلم شر مطلق، وان رد الظلم بالظلم لا يقل سوءا عن الظلم نفسه. لو هرب لبدا وكأنه يثبت لمحاكميه انهم كانوا على حق وان تعاليمه ما كانت سوى كلمات فارغة. اما بقبوله الموت، فقد حول الحكم عليه الى حكم على اثينا نفسها وحول هزيمته الظاهرية الى انتصار للفكرة على القوة.

ولعل سقراط لم يكتشف الحق مع الموت وحده بل كان يعرفه من قبل.

هناك جانب اخر من شخصيته لا يقل اهمية عن الفيلسوف، وهو صلته الخفية بالشعر. في محاورة فيدون، يذكر افلاطون ان سقراط خلال ايامه الأخيرة في السجن قضى وقتا طويلا في نظم الشعر.

كان حلما يتكرر عليه منذ شبابه، يراه في صور مختلفة لكن الرسالة واحدة: "يا سقراط، مارس الموسيقى واعمل بها". طوال حياته كان يظن ان الفلسفة هي اعلى انواع الموسيقى، فلم يفعل شيئا سوى ان واصل التفلسف.

لكنه في السجن قرر ان يطيع الحلم حرفيا. نظم ترنيمة للاله ابولو، الاله الذي يرتبط بالفلسفة والشعر معا، وحول بعض اساطير ايسوب الى قصائد شعرية. يروي لهذا التغيير تفسيرا بسيطا:

"اردت ان اختبر معنى بعض الاحلام وان أطهر نفسي في حال كانت تامرني حقا بممارسة هذا النوع من الفن".

وهنا تبرز صلة سقراط بصافو. يذكر كزينوفون تلميذه الاخر ان سقراط كان معجبا بشعرها وكان يسميها في مجالسه "صافو الجميلة".

وفي حوار اخر حين سمع احد تلامذته يقرا شيئا من اشعارها توقف سقراط طويلا ثم قال: "هذه المرأة عرفت كيف تسمي الاشياء باسمائها الحقيقية". لقد وجد سقراط في شعر صافو شيئا قريبا من منهجه: تلك الشجاعة النادرة في تسمية ما يحبه المرء دون مواربة ولا خوف. فصافو لم تكن تعرف سوى قانون واحد: ان الاجمل هو ما يحبه المرء وهو القانون الذي سيطبقه سقراط نفسه بعد عقود.

كان سقراط قد فهم ان الجمال ليس في النجاة بل في ان يموت المرء على ما يؤمن به. وهكذا تحول موته من فاجعة خاصة الى مثال عام ومن موت جسد الى انتصار دائم للفكرة.

نحن الان امام مرايا متقابلة: صافو تقول ان الاجمل هو ما يحبه المرء وسقراط يثبت انه حتى الموت يمكن ان يكون جميلا اذا كان تجسيدا لهذا الحب الحقيقي ودافيد يرسم هذا كله في لوحة لا تقدم الموت بل تقدم سقراط يموت من اجل الحق.

لعل السؤال الذي تركته صافو لم يكن عن الجمال بل عن الشجاعة.. ماذا نحب وهل نملك الجرأة ان ندفع ثمنه؟

***

د احمد عابر

 

أنا امرأة من جنوب العراق

فبين عيوني تنام حضارات بابل

وفوق جبيني تمر شعوب وتمضي قبائل

فحينا أنا لوحة سومرية

وحينا أنا كرمة بابلية

سعاد الصباح

***

في هذه الأبيات، تختزل الشاعرة هوية ممتدة عبر الزمن، حيث لا يكون الإنسان فردا معزولا بل امتدادا لذاكرة حضارية عميقة. الجنوب العراقي هنا ليس مجرد مكان، بل طبقات من التاريخ. بابل وسومر ليستا أطلالا بل تسكنان في الملامح والوعي والإحساس. المرأة في النص تتحول إلى وعاء حي للحضارات، تتبدل صورها كما تتبدل الأزمنة، مرة نقش سومري صامت، ومرة كرمة بابلية نابضة بالحياة. هذا التداخل بين الجسد والتاريخ يخلق شعورا بأن الماضي لا يمضي، بل يعيد تشكيل الحاضر باستمرار.

لوحة حلم ساردانابالوس (The Dream of Sardanapalus) للفنان الإنجليزي فورد مادوكس براون (Ford Madox Brown)، التي رسمها عام ۱۸٦٩، تقدم رؤية بصرية لهذا الثقل التاريخي الذي يسكن الروح. في قلب اللوحة، يستلقي ملك آشوري منهك على أريكته داخل قصره، وقد بدا جسده مثقلا بالتعب وغائصا في نوم مضطرب. إلى جواره، تجلس جاريته ورفيقته ميرا (Myrrha) في حضور صامت لكنه مشحون بالقلق، تراقبه بنظرة تجمع بين الوفاء والوجوم. الضوء في اللوحة خافت ومنبعث من نافذة جانبية، ينساب برقة ليكشف التعب الذي يعلو وجه الملك والغمزات التي تجتاح جسده، دون أن يبدد الغموض الذي يلف المشهد. جدران القصر مزينة بنقوش آشورية استقاها براون من نقوش أثرية اكتشفها عالم الآثار أوستن هنري لايارد في بلاد الرافدين، مما يضيف طبقة رمزية تذكر بالماضي العريق وتحوله إلى حضور ثقيل يخيم على الفضاء الداخلي.

براون، الذي ارتبط اسمه بحركة ما قبل الرافائيليين (Pre-Raphaelite Brotherhood) دون أن يكون عضوا رسميا فيها، سعى في هذه اللوحة إلى استحضار الماضي ليس كحنين سطحي، بل كوسيلة لفهم الحالة النفسية للإنسان. على عكس المعالجة الصاخبة والعنيفة التي قدمها الفنان الفرنسي أوجين ديلاكروا في لوحته الشهيرة وفاة ساردانابالوس، اختار براون التركيز على اللحظة الصامتة التي تسبق النهاية، لحظة الكابوس الداخلي الذي يعصف بالملك بينما تدور المعركة في الخارج. هدفه كان التقاط لحظة الوعي الهش، حين يدرك الإنسان مصيره دون صخب، وحين يتحول التاريخ من مجد خارجي إلى عبء داخلي يسكن الأحلام.

تستند هذه اللوحة إلى المشهد الرابع من الفصل الرابع لمسرحية ساردانابالوس (Sardanapalus) التي كتبها الشاعر الإنجليزي لورد بايرون (Lord Byron) عام ١٨٢١. في هذا المشهد، يرقد الملك على أريكته نائما بينما تراقبه ميرا في صمت. يتقلب في نومه وترتسم على ملامحه تعابير الألم، فتحتار ميرا بين إيقاظه أو تركه لطبيعته التي قد تكون أشفق عليه. وعندما يستيقظ مذعورا من كابوسه الذي رأى فيه أسلافه الموتى يجلسون حول مائدة ويتأملونه بصمت، يجد نفسه في حاجة ماسة إلى لمسة إنسانية تعيده إلى الواقع، فيطلب يدها قائلا: "يدك- هكذا- إنها يدك؛ إنه لحم؛ أمسكي- ضمي- أشد، حتى أشعر أنني ما كنت عليه". في هذا المشهد، تصبح ميرا أكثر من مجرد خادمة أو رفيقة؛ إنها الجسر الذي يعبر به الملك من عالم الكوابيس والأسلاف الموتى إلى عالم الأحياء، من عالم أثقلته فيه ذاكرة أجداده الملوك إلى واقع لا يجد فيه سوى لمستها.

هذا الحضور الصامت والمواسي الذي تؤديه ميرا في اللحظة الحرجة يعيد إلى الذاكرة قصيدة الشاعرة العراقية نازك الملائكة "مرثية امرأة لا قيمة لها".

فكما تقف ميرا على هامش الحدث التاريخي الكبير - سقوط إمبراطورية ومقتل ملك - تظل المرأة في قصيدة نازك على هامش الحياة نفسها، لا يراها أحد ولا يحس بوجودها. تقول نازك في قصيدتها:

ذهبت ولم يشحب لها خد ولم ترجف شفاه

لم تسمع الأبواب قصة موتها تروى وتروى

لم ترتفع أستار نافذة تسيل أسى وشجوا

لتتابع التابوت بالتحديق حتى لا تراه

إلا بقية هيكل في الدرب ترعشه الذكر

نبأ تعثر في الدروب فلم يجد مأوى صداه

فأوى إلى النسيان في بعض الحفر

يرثي كآبته القمر

هذه الأبيات تقدم لنا الجانب الآخر من قصة ميرا. فميرا في المسرحية، وهي الشخصية التي ابتدعها بايرون ولم ترد في أي مصدر تاريخي قديم عن ساردانابالوس، هي مجرد جارية أيونية، امرأة هامشية في بلاط الإمبراطورية الآشورية، لا يذكرها التاريخ إلا في سياق موت سيدها. لكن بايرون جعل منها الشخصية الوحيدة التي ترافق الملك في ساعاته الأخيرة. في الفصل الخامس من المسرحية، حين يأمر ساردانابالوس بإشعال المحرقة التي سيموت فيها، تختار ميرا بإرادتها أن تدخل النار مرافقة له.

إنها، تماما مثل امرأة نازك الملائكة، امرأة لا قيمة لها في سجلات التاريخ الرسمية، لكنها في فضاء الفن تصبح شاهدة على النهاية، بل شريكة فيها. حضورها الصامت في لوحة براون - وهي تراقب الملك النائم وتعاني صراعه الداخلي - هو تجسيد لهذا الدور المزدوج: فهي من جهة ضحية لانهيار عالم بأكمله، ومن جهة أخرى شاهد حي على سقوطه، تماما كما كانت المرأة العراقية شاهدة على انهيار عوالمها المتتالية.

غير أن هذه اللحظة - لحظة التعاطف والمواساة التي تقدمها المرأة للملك المنكسر - تحمل في طياتها مفارقة عميقة تكشف عنها الروائية العراقية إنعام كجه جي في مقطع من روايتها "طشاري":

نتجادل ونتشبث بالآراء ونفلسف الأوضاع ونوزع شهادات الوطنية والخيانة ونتفق ثم نختلف ثم نتعب ويصيبنا اليأس. اتفقنا عليه- اليأس- كهدف لنا طالما أن لا أمل يأتي من تلك البلاد.

ميرا في لوحة براون وفي مسرحية بايرون هي الوحيدة التي تقدم للملك لحظة عزاء حقيقية. بينما يتصارع الرجال من حوله على السلطة، ويخونه قادته، ويتخلى عنه حلفاؤه، تبقى هي - المرأة الهامشية - الوحيدة القادرة على منحه لحظة دفء إنساني.

الجو العام للوحة، بتلك النقوش الآشورية المهيبة التي تزين الجدران والضوء الخافت الذي يغمر المشهد، لا يوحي بالأمل أو المجد، بل يفيض بإحساس بالعبثية واليأس الوجودي. وكأن ميرا في النهاية قد "اتفقت معه على اليأس" كهدف مشترك، فاختارت أن تدخل المحرقة معه بدلا من أن تبحث عن أمل في حياة بدونه.

هذا الموقف يتجاوز كونه مجرد وفاء رومانسي؛ إنه تعبير عن إدراك عميق بأن عالمهما المشترك قد انتهى، وأن "لا أمل يأتي من تلك البلاد" - بلاد تتهاوى إمبراطوريتها وتحرق نفسها بنفسها.

غير أن هذا الحضور النسائي، رغم أهميته القصوى في لحظة النهاية، يظل محاصرا بإشكالية الذاكرة والتاريخ كما تكشف الروائية العراقية هيفاء زنكنة في مقطع من روايتها "الحلم ببغداد":

الكتابة عن الذكريات عملية مراوغة. غالبا ما تبدأ بنية حسنة: لنقل الحقيقة. لكن ما يحدث في الواقع هو أننا لا نكتب سوى ما يمر عبر أعين الرقباء. والرقباء هنا هم الزمان والمكان المحيطان، والظروف الاجتماعية والسياسية، والمتغيرات النفسية للكاتبة نفسها. ما يكتبه المرء الآن ليس بالتأكيد ما حدث فعلا. إنه ليس سوى مؤشر غامض لما كان يمكن أن يحدث، خليط من الصور الوهمية والمنقبضة، حلم، أو فعل مشروط إما بإنكار أو برغبة في رؤية أحداث الماضي تتشكل وفقا لما يتم التوق إليه في الحاضر.

في هذا المقطع، تضع زنكنة إصبعها على جرح أساسي: الذاكرة ليست محايدة، بل يمر عبرها "رقباء" الزمان والمكان والظروف. في مسرحية بايرون، نحن لا نقرأ قصة ميرا كما عاشتها، بل كما تخيلها شاعر إنجليزي في القرن التاسع عشر يستوحي شخصيته من كتابات المؤرخ الإغريقي ديودور الصقلي. وحتى في لوحة براون، لا نرى ميرا كما كانت، بل كما رآها فنان رجل ينتمي إلى تيار فني يبحث في الماضي عن معنى للحاضر.

ميرا ليست سوى "مؤشر غامض لما كان يمكن أن يحدث"، ظل لامرأة حقيقية ربما عاشت وماتت دون أن يذكرها أحد. وفي التاريخ العراقي المعاصر، كم من امرأة عراقية عاشت وماتت في حروب أنهكت الوطن، دون أن تترك سوى أثر غامض في ذاكرة مشوهة بالحروب والحصارات والمنافي؟

بالعودة إلى أبيات سعاد الصباح، نجد أن المرأة تتحول من شاهد على معاناتها إلى تجسيد حي لذاكرة الحضارة. هي لا ترثي نفسها، بل تعلن هويتها الممتدة عبر آلاف السنين:

"فحينا أنا لوحة سومرية،

وحينا أنا كرمة بابلية".

هذا التحول من الضحية إلى الحاضنة للتاريخ هو ما يمنح الأبيات قوتها. ميرا في لوحة براون هي أيضا "لوحة سومرية" و"كرمة بابلية" - ليست فقط لأنها تعيش في نينوى الآشورية، بل لأن جسدها وروحها أصبحا وعاء لحضارة تنهار، وشاهدا على سقوطها. وكذلك المرأة العراقية في قصيدة نازك الملائكة وفي مقاطع إنعام كجه جي وهيفاء زنكنة، هي شاهدة على انهيار أوطان متعاقبة، من بابل إلى سومر إلى العراق الحديث.

لكن بعد هذا التطواف بين كابوس ملك آشوري وأحلام امرأة عراقية، يبقى السؤال معلقا: إن كانت ميرا، باختيارها دخول المحرقة قبل ساردانابالوس، قد كتبت الفصل الأخير في قصته، فمتى تكتب المرأة العراقية قصتها هي؟

متى تتحرر من كونها شاهدة على انهيار الممالك، لتصبح راوية لنهوضها الخاص، بعيدا عن كوابيس الملوك ورقباء الذاكرة؟

***

د احمد عابر

........................

المصادر

١. سعاد الصباح، "أنا امرأة قررت أن تحب العراق"، موقع الديوان، تاريخ الوصول: أبريل ٢٠٢٦ ميلادي.

https://www.aldiwan.net/poem105853.html.

٢. فورد مادوكس براون (Ford Madox Brown)، لوحة حلم ساردانابالوس (The Dream of Sardanapalus)، ١٨٦٩، .متحف الفنون الجميلة، هيوستن (The Museum of Fine Arts, Houston)

 هيوستن، تكساس، الولايات المتحدة الأمريكية.

٣. أوستن هنري لايارد (Austen Henry Layard)، اكتشافات في أنقاض نينوى وبابل (Discoveries in the Ruins of Nineveh and Babylon)، لندن: جون موراي، ١٨٥٣ م.

٤. لورد بايرون (Lord Byron)، مسرحية ساردانابالوس: مأساة (Sardanapalus: A Tragedy)، لندن: جون موراي، ١٨٢١ م.

٥. المصدر نفسه - الفصل الرابع، المشهد الأول، الأسطر الافتتاحية: وصف ميرا وهي تراقب الملك النائم.

٦. المصدر نفسه - الفصل الرابع، المشهد الأول، حوار استيقاظ الملك وطلبه يد ميرا.

٧. المصدر نفسه - الفصل الرابع، المشهد الأول، وصف الكابوس الذي رآه ساردانابالوس.

٨. ديودور الصقلي (Diodorus Siculus)، المكتبة التاريخية (Bibliotheca Historica)، الكتاب الثاني، الفصول ٢٣-٢٧، ترجمة C.H. Oldfather، مكتبة لوب الكلاسيكية، مطبعة جامعة هارفارد، ١٩٣٣ م.

٩. لورد بايرون (Lord Byron)، ساردانابالوس، الفصل الخامس، المشهد الأول، الأسطر ٤٤٠-٤٥٥: مشهد دخول ميرا المحرقة.

١٠. نازك الملائكة، قصيدة "مرثية امرأة لا قيمة لها" (١٩٥٢ م)، من ديوان نازك الملائكة، المجلد الثاني، ص ٢٧٣-٢٧٥، بيروت: دار العودة، ١٩٨٦ م.

١١. إنعام كجه جي، رواية طشاري، ص ٤٧، بيروت: دار الجديد، ٢٠١٣ م.

١٢. هيفاء زنكنة، رواية الحلم ببغداد، ترجمة بثينة الناصري، ص ٨٣-٨٤، لندن: دار السياب، ٢٠٠٩ م. النص الأصلي بالإنجليزية: Dreaming of Baghdad، دار The Feminist Press، نيويورك، ٢٠٠٩ م.

 

(اطفئوا المشاعل.. اخبئوا القمر.. اخبئوا النجوم.. لنختبئ نحن في قصرنا يا هيروديا. لقد بدأت أخاف)... مسرحية سالومي- اوسكار وايلد

هذا النداء المرتعب لا يصدر عن سالومي الراقصة معشوقة الملك، بل عن الملك هيرودوس نفسه، في لحظة الذروة من مسرحية اوسكار وايلد.

هيرودوس هو الذي امر بقطع راس يحيى بن زكريا تحت ضغط قسم قطعه على نفسه امام ضيوفه، والان ها هو ذا يرى بعينيه راس النبي المقتول يطفو في الهواء، محاطا بهالة من نور ابيض بارد، ويشعر فجاة ان كل الاضواء حوله تكشف جريمته لا تنير قصره.

ربما ليس خوفه من سيف او جيش، بل رعب وجودي محتمل، هو رعب الضمير الذي قد يتجسد امامه فجاة. يمكن ان نقرا صرخته باطفاء المشاعل واخفاء القمر والنجوم على انها رغبة يائسة في محو كل مصدر للضوء، لان الضوء بات عدوا يكشف حقيقة قد يكون يحاول الهرب منها.

وعندما يقول لزوجته هيروديا "لنختبئ في قصرنا"، فهو ربما يعترف ضمنيا بعجز السلطة المطلقة امام ما هو خارق، وامام الدم المراق الذي يصرخ بصمت.

هذا الاقتباس من مسرحية اوسكار وايلد ليس مجرد تعبير عن خوف عابر. بل هو مدخل ممكن لفهم اللوحة التي رسمها غوستاف مورو، لانها قد تلتقط تلك اللحظة التي يختلط فيها الجمال بالرعب، وتصبح الرؤية ربما عقابا او ربما وعيا.2627 ahmadعند الوقوف امام لوحة "الظهور" التي رسمها مورو بين عامي ١٨٧٤ و ١٨٧٦، لن ترى بالضرورة قصة جامدة، تتوسط اللوحة سالومي، وهي شبه عارية، تتزين بالحلي والاحجار الكريمة، وتنتهي اصابع قدميها ويديها بحركات تشبه الرقص، لكن جسدها متوقف للحظة، واصبعها ممدود نحو الاعلى برهبة او بانبهار.

هناك، في فراغ القاعة، يطفو رأس يحيى بن زكريا وحده، بلا جسد، محاطا بهالة دائرية من الضوء الابيض، وعيناه مفتوحتان تنظران الى سالومي بنظرة حزينة ثاقبة.

من عنقه المقطوع تسيل قطرات دم، تتساقط على الارضية المزخرفة.

خلف سالومي على عرش مظلم، يجلس هيرودوس وهيروديا كطيفين خائفين بالكاد نرى ملامحهما.

القصة التي قد تحكيها اللوحة ليست بالضرورة لحظة رقص او قطع الراس، بل لحظة "الظهور" نفسها: اللحظة التي ربما يعود فيها الضحية ليطارد الجلاد، والتي يصبح فيها الموت مشهدا حيا.

مورو ربما لا يريد ان يخبرنا ما حدث، بل يريد ان يجعلنا نشعر بالرعب الذي شعر به هيرودوس.

من زاوية بصرية، يمكن ان نتوقف طويلا امام سالومي. هل هي هنا منتصرة ام ضحية؟ هذا سؤال مفتوح. فاللوحة تظهرها بجسد شبه عاري وحلي، وكأنها في لحظة ذروة طلبها، لكن اصبعها الممدود والذهول على وجههما يوحي بشيء اخر.

ربما الرعب الذي نراه في عينيها ليس خوفا من عقاب الهي قادم، بل لحظة وعي مفاجئ: انها ادركت فجاة ان ما طلبته ليس جائزة بل كارثة.

واذا كان هيرودوس يخاف من الضوء، فربما سالومي تخاف من الظل الذي يلقيه راس يحيى على جسدها. لعلها ليست شريرة بالمعنى التقليدي، بل فتاة استخدمت جمالها كسلاح، ثم فوجئت ان السلاح قتل اكثر مما تمنت. من هذا المنظور، تصبح سالومي ضحية ثانية: ضحية رغبتها، ضحية القسم الملكي، وضحية الدنيا التي وعدتها بكل شيء ثم تركتها وحدها امام القتيل. اما هيرودوس، فرعبه ربما ليس مجرد ندم، بل هلع الرجل الذي اكتشف انه كان مجرد اداة في مشهد اكبر منه، وان عرشه وجنوده  لا يحمونه من هذا الظهور.

غوستاف مورو، الذي عاش في فرنسا بين ١٨٢٦ و ١٨٩٨، لم يكن رساما عاديا، بل ربما كان فنانا عنيدا في زمن الواقعية والانطباعية. بينما كان مونيه يرسم انعكاسات الضوء على الماء، ورينوار يرسم حفلات البوسطجية، ظل مورو وفيا لعالمه الخاص: عالم الاساطير والدين والخيال المحض.

هو احد أعمدة المدرسة الرمزية، وهي حركة فنية رأت ان الحقيقة العميقة لا تكمن بالضرورة في المظهر الخارجي للاشياء، بل في الأفكار والأحلام والمشاعر الكامنة خلفها. كان مورو يؤمن بان الفن الحقيقي يجب ان يوحي ولا يصرح، وان اللوحة الجيدة هي تلك التي تظل غامضة حتى بعد النظر اليها الف مرة.

استخدم في لوحاته الوانا غنية ونادرة: الذهبي القاني، الاحمر القرميدي، الازرق الليلي، والاخضر الزمردي، وزينها بتفاصيل دقيقة تشبه المجوهرات المنصهرة. تاثر برسامي عصر النهضة مثل بيترو بيروجينو وليوناردو دافنشي، لكنه اضاف اليهم نكهة شرقية وحسا سحريا جعله فريدا. لم يرد مورو ان يقدم وعظا اخلاقيا مباشرا، بل اراد ان يترك المشاهد يتيه داخل اللوحة.

لوحة "الظهور" تبقى اليوم معلقة في متحف اورسيه بباريس، شاهدة على فنان فضل الحلم على اليقظة، والغموض على الوضوح، والجمال المرعب على السكون العادي.

احد التفسيرات الممكنة لهذه اللوحة، يمكن ان نستمدها من ابن عربي في كتابه فصوص الحكم. فابن عربي يخصص للنبي زكريا حكمة مالكية، ويعلل ذلك بان: "الغالب على حاله حكم الاسم المالك، لان الملك الشدة والمليك الشديد".

 في اشارة الى شدة المحنة التي واجهها زكريا، والتي بلغت ذروتها باستشهاد ابنه يحيى. في هذا السياق، يمكن قراءة راس يحيى الطافي في الهالة الضوئية بلوحة مورو على انه تجسيد بصري محتمل لهذه "الشدة" المالكية، حيث يتحول رأس يحيى ابن زكريا الى علامة على قهر الموت.

فان اللوحة قد تلتقط تلك اللحظة الخارقة للعادة حيث يعود الموتى ليظهروا كرسل من عالم القدس، حاملين معهم "الحكمة المالكية" التي تذكر الانسان بهوان الدنيا وسلطان الحقيقة.

وهكذا يمكن ان تتحول سالومي من مجرد بغي الى اداة لاظهار هذه الارادة المالكية، بينما يصبح هيرودوس رمزا للسلطة الارضية العاجزة امام "شدة" المشهد الالهي.

من منظور اخر، يمكن ان نقرا اللوحة في ضوء ما كتبه ابو حامد الغزالي عن هوان الدنيا على الله.

فالغزالي في احياء علوم الدين يقول:  "من هوان الدنيا على الله انه لا يعصى الا فيها ولا ينال ما عنده الا بتركها".

وهو بذلك يضعنا امام مفارقة كبرى: الدنيا التي يرتكب فيها الانسان اعظم الخطايا هي نفسها الوسيلة الوحيدة التي تمكنه من الوصول الى الله، لكن عبر التخلي عنها لا الانهماك فيها.

ان راس يحيى بن زكريا يهدى الى بغي. هذه الصورة المفزعة التي رسمها مورو قد تختزل هذه المفارقة. فسالومي، التي تمثل ذروة زينة الدنيا وفتنتها، تتسلم راس نبي كجائزة.... اعلى ما تقدمه الدنيا في زمانها هو رأس يحيى بن زكريا.

بهذا المعنى، يمكن اعتبار لوحة "الظهور" نصا بصريا محتملا على هوان الدنيا عند الله: فمن هوانها أن اشرف رأس يقدم هدية لعاهرة.

والغزالي يضيف بعدا اخر في تحليله للدنيا حين يصفها بانها "في صورة امراة مليحة تستميل الناس بجمالها".

 وهذه العبارة تشبه تماما سالومي التي تقف في مركز اللوحة بزينتها وحليها، لكن وجهها لا يخلو من الرهبة والذهول. فالدنيا التي تبدو جميلة وخادعة في المقدمة قد تكشف في العمق عن وجهها القبيح، عن  الموت الذي يطفو خلفها.

ربما سالومي هي تجسيد لهذه الدنيا التي يستميل جمالها الناس، ثم تخذلهم وتفاجئهم بالفناء. والنور الذي ينبعث من راس يحيى قد لا يكون نور انتصار، بل نور حقيقة يفضح زيف كل ما حوله.

نعود الان الى صرخة هيرودوس التي افتتحنا بها المقال: "اطفئوا المشاعل! اخبئوا القمر! اخبئوا النجوم! لنختبئ نحن في قصرنا يا هيروديا. لقد بدأت اخاف". هذه الصرخة التي بدت في البداية مجرد تعبير عن خوف عابر.

قد نكتشف بعد قراءة اللوحة من منظور نفسي ومن خلال ابن عربي والغزالي انها قد تكون اعترافا صريحا بحقيقة كبرى: ان الدنيا التي ظنها ملكا وسلطانا ربما لا تساوي عند الله شيئا، و ان كل ما كان يظنه نورا حوله - المشاعل، القمر، النجوم - ربما لم يكن سوى اوهاما تخفي عنه وجها اخر للوجود.

هيرودوس يريد ان يختبئ ليس بالضرورة من انتقام بسيوف لمقتل يحيى، بل من احتمال انه هو نفسه كان اداة في هذه الجريمة. حيث قدم راس نبي هدية لراقصة، وحيث تحولت قاعة ملكه الى مسرح لظهور يفضح هوان الدنيا على الله.

اللوحة برمتها، بهالة راس يحيى، وبجسد سالومي العاري المرصع بالجواهر، وبوجوه الحاشية الخائفة في الخلفية، يمكن ان تكون ايقونة بصرية لهذا الهوان بعينه: فاقدس ما في الدنيا (راس نبي) يقدم لاسوأ ما فيها (هدية لبغي)، واجمل ما فيها (سالومي الراقصة) تقف مذعورة امام ما طلبت، واعظم سلطان ارضي (هيرودوس) يصرخ طالبا الظلام هربا من الحقيقة.

تامل اللوحة مرة اخرى، وانت امام راس يحيى المضيء وسالومي المذهولة وهيرودوس الخائف، ربما تجد نفسك تتساءل بهدوء: كم مرة في حياتنا نلهث وراء شيء نعتقد اننا نريده، ثم نتفاجا ان ما حصلنا عليه ليس جائزة بل فخ؟ وكم مرة نعتقد اننا نملك القصر والمشاعل والنجوم، ثم نكتشف فجاة اننا لا نملك حتى نورا نخبئ به خوفنا؟

***

د احمد عابر

 

ان التحالف مع قوى كبرى لهزيمة جار لك هو فخ استراتيجي، فان انتصرت اصبحت عبدا للقوة الاكبر، وان هزمت القوة الحليفة بقيت وحدك بلا دفاع في مواجهة جار غاضب فتكون نهايتك الدمار. هذا القول يحذر من فخ التحالفات غير المتكافئة حيث تتحول الدول الصغيرة الى اداة في صراع القوى العظمى، ويكشف ان الركون الى حليف اكبر ليس حلا بقدر ما هو بداية لتبعية جديدة.... ملخص للفصل الثالث عشر من كتاب الامير لمكافيللي2609 ahmad

 تمثل لوحة نابليون الاول المصاب في قدمه امام راتيسبون لحظة دقيقة من سياق الحروب النابليونية وتحديدا حرب التحالف الخامس عام ١٨٠٩ حين حاولت النمسا استعادة توازن القوى في اوروبا بعد سلسلة من الهزائم.

في الثالث والعشرين من ابريل من ذلك العام دارت معركة راتيسبون التي انتهت بانتصار فرنسي مهم اعاد تثبيت نفوذ نابليون في وسط اوروبا.

غير ان الحدث الذي منح هذه المعركة بعدها الرمزي لم يكن الانتصار العسكري بحد ذاته بل اصابة نابليون في قدمه نتيجة قذيفة فقدت معظم طاقتها فلم تخترق الجسد بل احدثت رضوضا مؤلمة استدعت تدخلا طبيا فوريا.

هذه اللحظة التي كان يمكن ان تسجل كحادث عرضي بسيط تحولت في الذاكرة البصرية الى مشهد يعاد فيه بناء صورة القائد الذي يبقى حاضرا في ساحة المعركة رغم الجرح.

تتجلى قوة اللوحة في بنائها البصري المعقد حيث يحتل نابليون مركز التكوين بشكل واضح وتتحرك بقية العناصر حوله في مسار دائري يجعل العين تعود اليه باستمرار. الخطوط القطرية الناتجة عن حركة الجنود والخيول تخلق احساسا بالحركة والتوتر فيما تتوزع الكتل البشرية بطريقة توحي بالفوضى المنظمة.

الاضاءة تتركز على جسد نابليون ووجهه بينما تتراجع الخلفية الى ضبابية خفيفة تعكس اجواء المعركة.

اللون الاحمر في وشاحه يبرز كعلامة سلطة وسط الوان ترابية داكنة. الحصان الابيض خلفه لا يؤدي وظيفة سردية فحسب بل يخلق تباينا بصريا قويا ويرمز الى النبل والسيطرة.

في اسفل اللوحة يظهر جندي ساقط يزيد من درامية المشهد ويعزز التوتر بين الحياة والموت. يظهر نابليون في وضعية تجمع بين السيطرة والالم فهو لا يكرب فقط حصانه بل يمد ساقه نحو الجراح بثبات وكأنه يفرض استمرار القيادة رغم الاصابة.

ملامحه لا تعكس انهيارا بل نوعا من التركيز الهادئ الذي يحول الجرح الى تفصيل ثانوي في حضرة السلطة. هذه الصورة لا تهدف الى توثيق الحالة الطبية بقدر ما تسعى الى تثبيت فكرة ان القائد يبقى قائدا حتى في لحظات ضعفه. الجسد هنا يصبح اداة رمزية يعاد من خلالها انتاج صورة القوة.

يقف الجراح ايفان منحنيا عند قدم نابليون في وضعية تعكس التركيز الكامل والانخراط في المهمة. نظره متجه نحو موضع الاصابة وليس نحو الامبراطور ما يضعه في موقع الخدمة المطلقة.

حضوره يمثل العلم الطبي لكنه علم مسخر لخدمة الجماعة المقاتلة وليس مستقلا عنها. العلاقة بين الجراح ونابليون ليست علاقة طبيب بمريض بقدر ما هي علاقة وظيفة بجسد سياسي يجب الحفاظ عليه ليستمر النظام الذي يمثله.

اما رستم رضا المملوكي، الحارس الشخصي لنابليون الذي رافقه من مصر، فيظهر بلباسه الشرقي المميز وسط المشهد العسكري الاوروبي.

وجوده يتجاوز كونه مرافقا شخصيا ليحمل دلالات ثقافية وسياسية اوسع، فهو يرمز الى الامتداد الامبراطوري لنابليون والى حضور الشرق داخل المشهد الغربي.

مظهره المختلف يخلق تباينا بصريا لكنه في الوقت ذاته يندمج في بنية السلطة حول نابليون. بذلك يتحول الى علامة على عالم متعدد يخضع لمركز واحد.

ينتمي الرسام كلود غوتيرو الى تقليد الرسم التاريخي الفرنسي في اواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر وهو تقليد يرتبط بالمدرسة الكلاسيكية الجديدة. هذه المدرسة سعت الى استلهام القيم الجمالية والاخلاقية من الفن اليوناني والروماني مع التركيز على الوضوح والانضباط وتمجيد البطولة.

في هذا السياق تصبح اللوحة وسيلة لتجسيد القيم السياسية والاجتماعية وليس مجرد تمثيل بصري لحدث. يحتل غوتيرو موقعا ضمن جيل من الفنانين الذين عملوا في ظل صعود نابليون حيث كان الفنان اداة لصياغة الشرعية.

ورغم ان اللوحة تصور لحظة اصابة الا انها لا تقدمها كضعف بل تعيد تشكيلها كدليل على الصلابة. بهذا المعنى تقف اللوحة بين التوثيق والدعاية وتكشف كيف يمكن للفن ان يعيد كتابة الواقع بحيث تتحول لحظة الالم الى عنصر في بناء الاسطورة.

من جهة اخرى لفهم هذه اللوحة الملحمية، يقول ابن خلدون في مقدمته: ان الملك والدولة العامة انما يحصلان بالقبيل والعصبية. ويقول ايضا: الشوكة والعصبية هي الجند.

من خلال مفهوم العصبية يمكننا تحليل لوحة غوتيرو على انها تعبير بصري عن فكرة ابن خلدون حول قيام السلطة على الروابط الجماعية والولاء. فالجند المحيطون بنابليون ووجود الجراح والمرافق الشخصي كلهم يعبرون عن عصبية تحيط بالقائد وتضفي الشرعية على سلطته.

وحتى في لحظة الضعف الجسدي لا تنفصل هذه العصبية عنه بل تظهر كقوة متماسكة تحافظ على هيكل الدولة. من هذا المنظور لا تمثل اللوحة مجرد حدث تاريخي بل مشهدا تأسيسيا للسلطة حيث يظل القائد محور هذه العصبية التي هي اساس الملك والدولة.

اما من زاوية مختلفة ومعاصرة، يمكن تحليل اللوحة عبر عدسة ميشيل فوكو ومفهومه عن البيوباور. حيث يرى فوكو ان السلطة الحديثة لا تعمل فقط بالقمع بل من خلال ادارة الاجساد والحياة.

في اللوحة يتحول جسد نابليون الجريح الى مسرح للسلطة حيث يعالج ليس فقط لشفائه بل لاستمرار وظيفته السياسية. الطاقم الطبي المحيط به يمثل المؤسسات العلمية التي تخدم السلطة والاضاءة المركزة على وجهه تحول جسده الى ايقونة.

هذا المشهد يعكس اللحظة التي تبدأ فيها الدولة الحديثة بالعناية باجساد قادتها كجزء من ادارة السلطة.

وفي هذا الاطار، يظهر رستم رضا المملوكي ذو الاصول الارمنية والذي ربما وجد في قيم الثورة الفرنسية ما جعله متمسكا بنابليون من مصر وحتى لحظة اللوحة الخالدة حيث نراه ممسكا بلجام فرس الامبراطور بثبات. وكأنه واثق رغم اصابة القائد ان النصر اقرب من صبر ساعة.

حضوره هنا لا يقتصر على كونه حارسا شخصيا، بل يصبح رمزا لولاء يمتد عبر الحدود والثقافات، ولإيمان راسخ بان المشروع رغم جراح قائده، سيظل صامدا.

هنا لنعود مرة اخرى الى اقول ميكافيلي، لكن هذه المرة لنقرأ اللوحة في ضوء مصير التحالفات التي هزمت على يد نابليون.

النمسا التي حاولت استعادة توازن القوى في اوروبا جلبت معها حلفاءها لانهاء نابليون وقيم الثورة الفرنسية، لكنها في معركة راتيسبون وغيرها من معارك التحالف الخامس تكبدت هزيمة قاسية.

تلك القوى التي راهنت على تحالفاتها ضد نابليون وجدت نفسها، كما حذر ميكافيلي، اما مهزومة او خاضعة.

اللوحة التي تظهر نابليون واثقا رغم الجرح تخبرنا ان التحالف الذي هزم لم يكن قادرا على الصمود امام قائد يحول جرحه الى قوة، وامام جيش تقوم عصبيته على الولاء لفكرة تتعدى المعتاد وهي شعارات الثورة الفرنسية......"حرية، مساواة، إخاء.

 فالنمسا وحلفاؤها، الذين ظنوا ان اصابة نابليون قد تكون بداية النهاية، اكتشفوا ان القائد الجريح في اللوحة هو نفسه من سيواصل الحاق الهزيمة بهم.

و هنا ميكافيلي حذر قبل قرون....

حتى ولو نابليون هزم في تلك المعركة، لكان حال حلفائه الذين تركهم كحال من يحالف قوة كبرى ويهزم، فيصبحون وحدهم بلا دفاع.

غير ان التاريخ في هذه اللحظة كتب انتصار نابليون، فتحولت اللوحة الى شهادة بصرية على فشل التحالفات التي قامت ضد قيم الثورة الفرنسية.

انها تجسيد لحظة انتصار القائد الذي يرفض ان يكون الجرح جرحا، والذي يثبت ان القوة الحقيقية لا تأتي من التحالفات بل من العصبية المتماسكة حول فكرة وقائد اسوة يتحول الى ايقونة.

واخيرا نطرح سؤال: هل نجحت اللوحة في تحويل اصابة عابرة الى اسطورة بطولة ام انها تكشف عن هشاشة القائد التي لا يمكن اخفاؤها بالكامل؟

***

د احمد عابر

ولد الفنان الأستاذ عبد الرحيم الوكيل في العام 1936 وانتقل الر رحمة الله تعالى في 6 حزيران 2017 عن عمر 81 سنة. ونعته الهيئة الادارية في جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين ببالغ الحزن والأسى. حيث كتبت في موقعها الرسمي ما يلي:

ببالغ الحزن والاسى تنعى الهيئة الادارية في جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين الوسط الثقافي والفني برحيل الاستاذ والمربي الفاضل الفنان القدير (عبد الرحيم الوكيل) تغمده الله بواسع رحمته وادخله فسيح جنانه والهم اهله الصبر والسلوان، وانا لله وانا اليه راجعون .2602 alwakili

التقيت بالفنان عبد الرحيم الوكيل في شهر تموز سنة 2002 حينما كنت في زيارة الى لندن من أجل اجراء مقابلات مع الفنانين التشكيليين العراقيين المقيمين في المهجر حينما بدأت وزوجتي ألا بوغدانوفا بكتابة كتاب عن: تطور الفنون التشكيلية في العراق في القرن العشرين. التقيت بعدة فنانين تشكيليين في لندن، منهم على سبيل المثال لا الحصر: ضياء العزاوي وفيصل لعيبي صاحي والدكتور محمد صادق رحيم. كان لقائي بالأستاذ عبد الرحيم في بيته الذي يقع في ضواحي مدينة لندن. وبعد الترحيب وأصول الضيافة العراقية، دعاني الى ورشته التي تقع في حديقة داره وقد احتلت جزءا كبيرا منها.

عاش عبد الرحيم الوكيل، النحات العراقي الشهير في المنفى في لندن حيث يوجد مشغله هناك. ويمكن تلخيص أساليبه في الفن التشكيلي بالشكل التالي: وهي النظر في كيفية التعبير عن أفكار الفرد من خلال الوصول إلى جوهر الظاهرة. حيث يروي عبد الرحيم الوكيل من خلال منحوتاته البلاستيكية شيئا عن أصل الحياة وأهم الأحداث في كل وأية حياة بشرية. تذكر عبد الرحيم قائلا: "كل المواضيع تندمج في عدة أشكال، وهي الأم والمرأة والأرض، بالإضافة إلى الطبيعة والحياة. والقوة الدافعة في العالم الديناميكي هي الحب. " يخلق أعماله النحتية كأجزاء منقوشة على شكل أجزاء جسدية فردية – وجه أو يد. الأشكال التخطيطية للقلب أو الصدر والأرداف والوجه واليد أو القضيب والحلمات هي الزخارف التي يحافظ عليها الفنان. وهو منفتح جدا في تعبيراته، ويؤمن أننا جميعا جئنا إلى العالم بمساعدة أعضاء من المحرمات للحديث عنها ويسعى لكسر المحظورات. لذا من الطبيعي أن يضيف الفنون أيضا مزاجا إيروتيكيا إلى أعماله النحتية. بالنسبة له، القضيب رمز للدافع الإبداعي لجميع التجسيدات. "العشاق" يصور جهازا يبدأ في الانقسام إلى نصفين. الذكورة والأنثوية لا تزالان تقريبا كما هما. يتم دمج الشكلين المختلفين في شكل أصلي واحد. كما هو الحال مع أي فنان، هناك رغبة قوية في التعبير عن الذات الداخلية حتى يدرك المشاهد الرسالة. "أضع في أعمالي بقدر ما أضع في الأطفال، أولئك الذين يدركونها، يحبونهم"، قال لي الفنان. المادة المستخدمة في الغالب من الرخام من جبال الهيمالايا. يقول عبد الرحيم الوكيل: "جودة الرخام وعمره يلعبان دورا مهما في إنتاجه". "لهذا السبب رخام الهيمالايا هو الأفضل ". يحب عبد الرحیم الوكيل اختيار الرخام الأبيض الذي يتناسب مع جمال بشرة الجسم. وهو يستخدم هذه المادة لتشكيل أشكال دائرية مهمة في عمله النحتي "امرأة خجولة". هنا، يعبر النحات عن طبيعة أنثوية وكرم. "المرأة المعذبة" هو مصطلح نحتي بلاستيكي لحالة البكاء. على العكس، "ويل" تخلق بإيقاعات أخرى. الشكل العمودي الواقف يجسد الإرادة. تحدث الإرادة عند التحدث والتعبير عن مواقف معينة بمساعدة إيماءة اليد. يخلق أعماله بحيث لا تعتمد على موقعها. المشكلة التي يفضل الفنان أخذها في الاعتبار هي وجهة النظر. يجب ألا ينظر إلى الأعمال البلاستيكية على أنها متطفلة أو مملة بشكل مفرط. أهم شيء بالنسبة للوكيل هو تحقيق التوازن بين الجماهير. كما يختار الفنان الخشب كأفضل مادة للعمل بها. غالبا ما يعمل على سطح الأعمال باستخدام المثقاب والمنشار ويستخدم مواد أخرى لتحقيق التوازن. من خلال فنه، فتح رؤى لأصل الحياة للمشاهدين وأدى رموزا للعاطفة بشكل مختصر. كانت أعماله محفوظة في متحف الفن المعاصر في بغداد، لكنها اختفت مثل جميع الأعمال الأخرى بعد النهب خلال الاحتلال عام 2003.2603 alwakili

رحيل النحات العراقي “عبد الرحيم الوكيل

كتبت الصحافة العراقية وجمعية الفنانين التشكيليين عن رحيل الأستاذ عبد الرحيم الوكيل، نقتطف قسم منها:

بغداد – حذام يوسف: غادرنا النحات عبد الرحيم الوكيل قبل أيام، تاركاً إرثاً عظيماً من الاعمال الفنية النحتية، رحل الوكيل عن عمر ناهز الـ 80 عاماً، في لندن، بعد صراع مع المرض بسبب اصابته بالجلطة الدماغية. الراحل يعد من أبرز الأسماء في الساحة التشكيلية العراقية، وكان أحد طلاب الفنانين الكبيرين جواد سليم، وخالد الرحال، كما درس النحت والتصميم في كلية جلسي في لندن، وحاز على الدبلوم الوطنية البريطانية، درس طرق صب البرونز في المدرسة المركزية للفنون الجميلة في لندن، وتأثر بأعمال هنري مور، وباربارا هيبورث، في المتاحف والساحات العامة، لذا ترك هنري مور الاثر الكبير على اعماله، ولكن شخصيته المتميزة وتقنيته العالية والابداع الفني الأصيل، كونت ملامح فنه. ولد عبد الرحيم الوكيل في بابل سنة 1936، وحصل على الدبلوم من معهد الفنون الجميلة /بغداد عام 1960 بدرجة امتياز، أقام سلسلة من المعارض الشخصية داخل العراق وخارجه، كما شارك في المعارض الجماعية، عضو جماعة بغداد للفن الحديث، وعضو جمعية التشكيليين العراقيين، وعضو جمعية النحاتين.

أما في جامعة بابل فكان الحدث التالي:

افتتح في كلية الفنون الجميلة متحف لأعمال الفنان العراقي الراحل عبد الرحيم الوكيل، بحضور شخصيات أكاديمية وفنية في محافظة بابل . وبين رئيس جامعة بابل الدكتور عادل هادي البغدادي أن المتحف يعد تكريما لتاريخ الفنان الفني .

وأشار عميد الكلية الدكتور فاخر محمد إلى أن الفنان الراحل أوصى بأعماله الفنية بمنحها إلى الكلية، وبدورنا نعتز بهذه المنحة الكريمة التي ناهزت السبعين عملا مع بعض المقتنيات الفنية .2604 alwakili

يذكر أن الراحل قرر التبرع بأعماله النحتية وهو ما وفر فرصة لإقامة متحف في كلية الفنون الجميلة بجامعة بابل، وهي فكرة راودت عميدها الفنان والأكاديمي فاخر محمد، حيث تبرع الراحل بأكثر من سبعين قطعة نحتية منفذة بالرخام، الحجر، والبرونز، وكان بعضها بارتفاع كبير يزيد عن المتر أحيانا، ويغطي تاريخ تنفيذها مرحلة تمتد إلى أربعة عقود من القرن الماضي، وفضلا عن منحوتاته الشخصية، تبرع الوكيل أيضا ببعض مقتنياته الشخصية من أعمال فنانين عراقيين مثل جواد سليم، محمد علي شاكر، علاء حسين بشير وغيرهم .

رئيس تحرير مجلة تشكيل الناقد صلاح عباس الذي تابع الاتصالات مع فنان مدينته المغترب يقول عن مبادرة الوكيل أنها (مدهشة وسابقة غير معهودة على مدى تاريخ الفن العراقي المعاصر منذ عبد القادر الرسام وحتى الآن، وأنها ثروة هائلة لا تقدر بثمن، إذ أن أحد مقتني الأعمال الفنية العراقية، عرض على الفنان عبد الرحيم الوكيل أربعين ألف باون إسترليني مقابل أربعة أعمال متوسطة الحجوم، فما هي القيمة التقديرية لأكثر من سبعين قطعة نحتية كبيرة الحجم تعود لتواريخ ريادية).ويضيف عباس (اعتقد أن القيمة الإجمالية لمنحوتات الوكيل مع مقتنياته الشخصية تزيد عن مليون دولار أميركي بلا مبالغة) .

الناقد التشكيلي صلاح عباس كان قد أجرى اتصالا هاتفيا بين الفنان الوكيل وعميد كلية الفنون الجميلة في بابل الرسام والأكاديمي فاخر محمد، قائلا (أمنت له اتصالا هاتفيا مع الفنان عبد الرحيم الوكيل الذي أبدى استعداده للتبرع بهذا العدد الكبير من المنحوتات)، كما أبدى محمد سعادة مؤسسته التربوية الفنية أن تكون تلك المجموعة ميلادا ناضجا لفكرة متحف فني معاصر بين جنبات الكلية.2605 alwakili

الراحل في سطور

ـ ولد الفنان عبد الرحيم الوكيل في بابل عام 1936.

ـ دبلوم معهد الفنون الجميلة ـ بغداد ـ درجة امتياز1954 ـ 1959

ـ درس النحت والتصميم في كلية جلسي في لندن وحاز على الدبلوم الوطنية اختصاصN.D.D كما حاز على شهادة دبلوم جلسي. درس طرق صب البرونز في المدرسة المركزية للفنون الجميلة ـ لندن.

ـ عمل كمساعد فني في معمل مورس سنكر فاوندري لصب البرونز ثم رئيسا لقسم النحت والصب في مديرية الاثار العامة والقيام بالاعمال الفنية والعرض والصيانة للآثار عام 1966

ـ أوفد من قبل وزارة الثقافة والإعلام والمتحف العراقي إلى البرتغال لدراسة المتاحف والنصب في البرتغال مع مؤسسة كولبنكيان ـ 1967

ـ شغل منصب أستاذ مادة النحت ورئيس قسم الفنون التشكيلية 1968 -1969

ـ حصل على M.F.A جامعة بنسلفانياـ الولايات المتحدة الأمريكية.

ـ أقام سلـــــــــسلة من المعــارض الشخــــــــصية داخل العراق وخارجه كما شارك في المعــــارض الجماعية.

ـ عضو جماعة بغداد للفن الحديث

ـ عضو جمعية التشكيليين العراقيين.

عضو جمعية النحاتين الأمريكية.

بعض الأعمال التي صورتها بعدستي اثناء زياتي للراحل الأستاذ عبد الرحيم الوكيل في ورشة عمله الكائنة في بيته في ضواحي مدينة لندن في شهر تموز سنة 2002.

أدناه بعض من أعمال فقيد الفن التشكيلي العراقي عبد الرحيم الوكيل التي صورتها بعدستي الخاصة حينما عملت معه لقاءا صحفيا في بيته في ضواحي لندن 2002.

***

د. سناء مصطفى

بدأ الفنان التشكيلي صلاح جياد حياته الفنية بعد دخوله معهد الفنون الجميلة في بغداد قادماُ من مدينته البصرة التي ولد فيها عام 1947، مع رفيق دربه الفنان فيصل لعيبي. لم يواجه التلميذان صعوبة تذكر في القبول، بعد أن أظهرا مهارتهما في الرسم أمام لجنة القبول المكوّنة من أساتذة المعهد من الروّاد. وكشفا عن موهبتهما منذ اللحظة الأولى أثناء اللقاء مع أعضاء اللجنة.

ليس من المبالغة القول إنهما كانا يمثّلان نموذجاً متقدماً بين زملائهم الطلبة، أكدت تجاربهما الأولى على صحّة هذا القول في سياق إمكاناتهما الاستثنائية التي نمت في البصرة، وازدهرت في بغداد.

كان صلاح چياد من أولئك الفنانين الذين يولدون وفي أيديهم يقين الرسم، لا بوصفه مهنة، بل قدراً وجودياً. بدا مختلفاً: رساماً يمتلك عيناً مدرَّبة، ويداً واثقة، وفهماً صارماً لبنية الجسد وإحساسا عالياً في اللون. تتلمذ على يد الأستاذ فائق حسن، وكبار الأساتذة في المعهد والأكاديمية، لكنه لم يكتفِ بدور التلميذ، بل تفوّق في الرسم تفوّقاً جعل اسمه متداولاً في المشهد التشكيلي العراقي بوصفه حالة استثنائية، وطاقة فذّة تعرف طريقها نحو امتلاك لغة الفن بإحساس عميق بقدراته التعبيرية، وخياله الواسع.

أثناء ذلك انهمك صلاح بالعمل في مجلة "ألف باء" مع زميله لعيبي، ومن خلال تخطيطاتهما للوجوه بديلاً عن الصورة، حققت المجلة السبق في تاريخ الصحافة العراقية في اعتمادها هذا النهج في التحقيقات والتقارير الصحفية. ثم انصرف للعمل في رسم سيناريوهات قصص الأطفال في "مجلتي" منذ عددها الأول الصادر أوائل سبعينات القرن الماضي. لم تكن المجلّة استراحة عابرة، بل مختبراً إنسانياً مهماً. هناك تعلّم كيف يختصر الفكرة من دون أن يفرّغها من مضمونها الطفولي، وكيف يمنح الخط واللون وظيفة تربوية وجمالية في مخاطبة الطفل العراقي. في الوقت ذاته، كان صلاح رساماً ملتزماً، يسارياً، يرى في الفن موقفاً أخلاقياً من العالم، لا زينةً معلّقة على جدار. ومع اشتداد القمع والديكتاتورية، غادر بلده مكرهاً، لا بحثاً عن حلم صعب التحقيق، بل هرب من حالة اختناق قادمة.

فهو ينتمي إلى ذلك الجيل العراقي الذي لم تكن الغربة عنده خياراً جمالياً بحتاً، بل قدر تاريخي محتوم، ترك ظلاله هائمة، يوم تصاعد صهيل الحرب، كان إذا أزف الشر يسرع غير وانٍ ولا خائف، يجمع أحزانه في سلال الندى، والبلاد " قاب قوسين أدنى من الموت". فمن يعين فتى مثقلاً بالهموم، غير سارية على الحدود.

اختار فرنسا وروحه الفنية ظلّت مشدودة إلى العراق بوصفه خزّان الذاكرة الأولى ومختبر الأسطورة. من هنا لا يمكن قراءة تجربته بوصفها تجربة "منفى" تقليدية، بل بوصفها مسار تحوّل عميق في اللغة التشكيلية، أعادت صياغة العلاقة بين الذات، والمكان، والصورة.

في الغربة توسّع الأفق وتعمّق السؤال: من أنا خارج مكاني؟ كيف أرسم بعد أن فقدتُ المشهد اليومي الذي كان يغذّي اللوحة؟

في بداياته، كان صلاح جياد مشغولاً بالإنسان العراقي، واقعياً جداً، ينقل الواقع بملامح جمالية للغاية، إلا أنه تجرّأ وقدم خلاصة تجاربه في معرض مشترك مع زملائه فيصل لعيبي، ونعمان هادي، أوائل سبعينات القرن الماضي في بغداد. انطلاقاً من هدف جوهري هو جعل الفن، أكثر من مجرد عمل تزييني او غاية مبسّطة لفكرة من الأفكار، فالأعمال التي قدّمها عبّرت عن خصائص معقّدة بوعي دقيق للأشياء والمكان.2573 salah gyad

كانت أعماله مزيجاً من أجزاء الجسد البشري، متراصة ومشبعة بحركة دائمة، لكائن مثقل بالتاريخ والعنف، أجساد مشدودة، وجوه قلقة، متلاصقة، بلا ملامح، عناصر تنتمي إلى مخزون قديم، يُعاد إنتاجه بلغة حديثة، قريبة من التعبيرية الرمزية. اللون لديه طاقة ليس لها حدود، تكمن في عنف الصورة، وخشونتها، تبدو اللوحة من خلالها صالحة للمواجهة بتركيزها الرمزي العالي.

التحق صلاح لإكمال دراسته الفنية في أكاديمية الفن العليا (البوزار) في باريس، فرنسا، وكان طالباً لامعاً، متفوقاً. غير أن الحياة هناك لم تمنحه ما تمنحه الأكاديميات على الورق. قساوة العيش دفعته إلى ساحة "مونمارت"، حيث اضطر إلى رسم العابرين بأجور بسيطة. كانت تجربة شاقة، نفسياً قبل أن تكون جسدياً:

أن يضع الفنان موهبته، تاريخه، تعليمه، أمام مارّة، يتفاوضون، يختصرون زمنه الإبداعي بثمن لوحة سريعة.

سبق صلاح چياد فنانون عالميون كبار في هذه الساحة، لكن الفارق أن كثيرين منهم اتخذوها تجربة عابرة، فيما كانت عنده قدراً يومياً. هنا يتعمّق الإحساس بالاغتراب، لا عن الوطن فحسب، بل في الوجود برمّته.

هذه القسوة لم تُحطّم صلاح، بل أعادت تشكيل لغته. شيئاً فشيئاً، بدأ يبتعد عن الواقعية الصافية، ويتجه نحو التعبيرية الرمزية. صار الجسد مشوّهاً عن قصد، لم يعد للوجه ملامح واضحة. لذلك تبدو لوحاته الأخيرة أكثر كثافة، أكثر ظلمة، وأكثر صدقاً، كأن الفنان كان يرسم ليؤجّل الانطفاء، لا ليحتفي بالنجاح.

هنا بدأ التحوّل العميق في تجربته. الواقعية الأكاديمية، التي أتقنها حدّ التفوّق، لم تعد قادرة على احتواء ما تراكم داخله من خيبات. شيئاً فشيئاً، انفتح عمله على التعبيرية الرمزية، والتجريدية، لكن ليس بوصفهما خياراً أسلوبياً جاهزاً، بل بوصفهما نتيجة لضغط نفسي طويل. يعيد تركيب الأشياء وفق منطق انفعالي، لوحته مكتظّة، محتشدة بالتفاصيل، يضيق فيها الحيز لإحساس الفنان بالاختناق.

في هذه الكثافة، كان يرسم الكائن الإنساني المستنزف، لا البطل، ولهذا تحتاج أعماله إلى زمن تأمّل، لا تُعطي نفسها سريعاً، لكنها تكافئ من يصبر عليها.

أُنهكه المرض ورحل في غير أوانه، وكأن الجسد لم يحتمل ما تراكم فيه من قسوة المنافي وضنك العيش وخيبات الالتزام. رحل بصمت، كما عاش، تاركاً إرثاً تشكيلياً لم يُقرأ بعد القراءة التي يستحقها. لم ينفصل صلاح عن قضايا شعبه، وهموم الإنسان فيه، ظل ملتزماً بانتمائه ونهجه بوصفهما رؤية جمالية للعالم، لم يتراجع ولم يهادن، ظل في فنّه مقاوماً للديكتاتورية والقهر، إنساناً لا يتكرر، وإرثاً إبداعياً لا يمحى.

صلاح چياد ليس فنان غربة، بل فنان محنة. امتحنته الحياة فحوّلها إلى لغة بصرية دامية وشفافة في آن. إنه أحد أهم الرسامين العراقيين الذين ينبغي إعادة وضعهم في مكانهم الصحيح، بما يليق بتجربته الإبداعية الإستثنائية.

***

جمال العتّابي

لا يُفاضل الخفاجي بين اختصاصاته الثلاثة (الرسم والخزف والنحت) ورغم أن الخزف يحتاج إلى فرن كهربائي والنحت يحتاج إلى قوالب وقوة عضلية قد لا يتوفر عليها الفنان حينما يعانق عقود الشيخوخة الأولى ويحتاج إلى نحّاتين شباب يعملون بالنيابة عنه في تنفيذ الأعمال الصعبة لذلك نلمس عند الخفاجي نشاطًا ملحوظًا في إنتاج اللوحات ذات الأسطح الكانڤاسية التي ينفِّذها على مهل من دون الحاجة إلى اللهات والسرعة القصوى لإنتاج العمل الفني.2569 thamer

يشتمل هذا المعرض على أكثر من خمسين عملًا خزفيًا نُفِّذت كلها على صحون مفخورة وبعضها مزجج؛ وهذا النوع يحتاج إلى درجة حرارة عالية قد تصل إلى 1100 أو أكثر قليلًا. وقبل أن نخوض في هذه الأعمال الخزفية لفت نظري عملان خزفيان حسبتهما الوحيدان في المعرض؛ الأول منفّذ على شكل لوحة عادية تحمل عنوان (ذكريات مدينتي) والثاني كعمل خزفي مُنفّذ على صحن يحمل العنوان ذاته بحيث يتيح للمُشاهد أن يتملّى العملين بالطريقة التي يراها مناسبة مع الأخذ بنظر الاعتبار أن العمل الخزفي مكثف ومحصور في إطار هذا الصحن المدوّر الذي تتكثف فيه التفاصيل بينما تنفتح على السطح التصويري للوحة المرسومة بالطريقة التقليدية. سيتكرر الأمر نفسه في الصحن الخزفي الذي يحمل عنوان (الحرف ن)، فتارة نراه كعمل خزفي مركّز وتاره أخرى نتملّاه كلوحة مُجسّدة على سطح تصويري منفتح على مساحة كبيرة. وحين أمعنت النظر في لوحات أخرى وجدت أنّ هناك العديد من الأعمال الخزفية مرسومة كلوحات فنية تعمّق الإحساس بأن الفنان ثامر الخفاجي يريد أن يعزز هذا الاتجاه في نتاجاته الفنية الثلاثة. فاللوحة يمكن أن تتكثّف وتصبح عملًا خزفيًا لا تعوزه البراعة ولا ينقصه الإبداع الفني على الإطلاق.2570 thamer

الاستمرارية الزمكانية

على الرغم من محدودية السطوح الخزفية إلّا أنَّ الفنان ثامر الخفاجي استدعى الكثير من الرموز والإشارات ووظّفها في أعماله الفنية التي لم تتخلَ عن المنحى الحروفي الذي يمكن ملاحظته في العديد من الأعمال الخزفية. تقول الباحثة سجى محمد علي في هذا الصدد: (امتازت الأعمال الخزفية للخزّاف ثامر الخفاجي بحركات الأشكال والكتل والخطوط على السطح الخزفي الواحد وبذلك أشار الخزّاف إلى استمرارية الزمان والمكان على الأسطح الخزفية)(1) وهذه الاستمرارية الزمكانية نلمسها في الرموز والإشارات والأعمال الفنية والمنجزات العمرانية منذ الحضارات القديمة التي أشرنا إليها سلفًا وحتى الوقت الحاضر.

وفي هذا السياق توصلت الباحثة رنا عامر مخلص الغانم في أطروحتها الموسومة (الرمز في تكوينات الخزف المعاصر في العراق) لنيل شهادة الماجستير في الفنون التشكيلية إلى خمسة نتائج مهمة وهي على التوالي: استعمال شكل الإنسان؛ الرجل والمرأة كرمزين مهمّين حيث اعتبرت الرجل رمزًا للقوة والخصوبة والبناء، فيما أُستعمِل شكل المرأة كرمز للأنوثة والخصوبة والجمال. أمّا الطفل فقد أخذ رمز الدِّعّة والأمل والمستقبل والمزهر. في حين أخذت الطيور والحيونات رموزًا أخرى، فالحمامة أخذت رمز المحبّة والسلام، بينما أصبح السمك رمزًا للأهوار خاصة والبيئة الجنوبية بشكل عام. فيما انضوت الأشكال الهندسية تحت رموز متعددة، فالمستطيل يرمز إلى العطاء والرفعة والرُقيّ، أمّا الدائرة فترمز إلى الأبدية والاستمرارية واللانهائية وهكذا دواليك.2571 thamer

ترجيح الثيمة العراقية

مع أنّ هذا المعرض لا يشتمل على أعمال نحتية كبيرة إلّا أنّ تجربته في هذا المضمار واضحة المعالم من حيث الأشكال والمضامين الفنية حيث أنجز اثنتا عشرة منحوتة توزعت على ثيمات شتّى أبرزها سلسلة (الأجساد) و(الجداريات السيراميكية) الأربع، ومنحوتة (الوشم) و(مزهرية الحروف)، والمنحوتة (الهندسية) وسلسلة (المنحوتات التجريدية) الست وما سواها من الأعمال النحتية التي تكشف عن دواخل الفنان ثامر الخفاجي الذي يقدِّم خلاصة المنجزات الفنية والعمرانية والحضارية لبلاد ما بين النهرين. وقد وظّف الخط الكوفي في منحوتاته التي تستحضر التاريخ العراقي القديم وتستدعي الحقب الزمنية التي مرّ بها العراق منذ الحضارة السومرية وحتى الوقت الراهن. كما تلعب الألوان الحارة والباردة دورًا مهمًا في الكشف عن أعماق هذا الفنان الدؤوب الذي انهمك بإنجاز الأعمال الفنية منذ أواخر ستينات القرن الماضي إلى يوم الناس هذا، وقدّم لنا عُصارة أفكاره الفنية التي صاغها بأساليب وتيارات متنوعة ولكنه ظل يرجِّح الثيمة العراقية على الموضوعات الأوروپية والعالمية.

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الفنان ثامر عباس الخفاجي قد تخرّج في معهد الفنون الجميلة ييغداد سنة 1971. كما تخرج في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد أيضًا سنة 1975. عمل مُصممًا في (مجلتي) و(المزمار) بين عامي 1970 - 1975. نظّم حتى الآن أربعة معارض شخصية بين الأعوام 1993 و2026 كما شارك في العديد من المعارض الجماعية في العراق والأردن والمملكة المتحدة.

***

عدنان حسين احمد – لندن

...................................

1- الغانم، رنا عامر مخلص، الرمز في تكوينات الخزف العراقي المعاصر في العراق، رسالة تقدّمت بها الباحثة لنيل درجة الماجستير في الفنون الجميلة / اختصاص الخزف، بغداد 2006.

 

تأملات في المعرض التشكيلي الأخير للفنان المغربي محمد بديع البوسوني "علامات الحب"

لا ينفك الفنان التشكيلي المغربي والباحث محمد بديع البوسوني عن زحزحة يقينيات النظر، وإقلاق استقرار السؤال الجمالي في زمن يطلب الإجابات السريعة ويخشى بطء التأمل. إن تجربته لا تُقارب بوصفها إنتاجًا بصريًا خالصًا، بل كحدث فكري يتولد عند تخوم الرؤية، حيث تتقاطع الحساسية التشكيلية مع حدوس الفلسفة ونفَس التصوف وإيقاع الموسيقى. في هذا الأفق، يبدو البوسوني وكأنه يستعيد ما لمح إليه فاسيلي كاندينسكي حين جعل من اللون قوة روحية، لا مجرد أثر بصري، بل اهتزازًا داخليًا يوقظ ما يسكن الأعماق من إمكانات الإدراك.

إن اللوحة عند البوسوني لا يمكن اعتبارها سطحًا يُرى فقط، بل مجالًا يُعاش، تتخلله طبقات من المعنى تتخفى خلف البنية الظاهرة. إن عمله يتجاوب في اعتقادي مع ما بلوره موريس ميرلو بونتي في تأمله للعلاقة بين الجسد والعالم، حيث الرؤية ليست فعلًا بصريًا معزولًا، بل انخراط وجودي في نسيج الكينونة. إن فناننا العظيم لا يرسم العالم، بل يعيد اختباره، كأنه يضعنا داخل التجربة ذاتها، في تماس مباشر مع هشاشة الوجود وامتلائه في آن واحد.

إن زمننا الذي تتكاثر فيه الصور حتى تفقد كثافتها، يجد فناننا البوسوني محشورا في استعادة رهانات المعنى عبر اختراق السطح، مقتربًا من تخوم ما يسميه جاك دريدا "الاختلاف"، حيث لا تستقر الدلالة في مركز، بل تتشظى في تعدد لا نهائي من الإحالات، تصبح أعماله مساحات مفتوحة على القراءة، تقاوم الإغلاق، وتدعو المتلقي إلى أن يكون شريكًا في إنتاج المعنى، لا مجرد متلقٍ سلبي.

وفي خلفية هذا المسار، يتردد صدى تجربة مارك روثكو Mark Rothko الذي جعل من اللون مجالًا للغوص في المأساة الإنسانية، حيث يتحول البعد التجريدي إلى تجربة وجودية مشحونة بالقلق والرجاء. غير أن البوسوني لا يستسلم لثقل العدم، بل يفتح في قلب العتًمة منفذًا نحو أفق آخر، حيث الحب ليس موضوعًا زخرفيًا، بل ضرورة أنطولوجية، تتيح للإنسان أن يعيد بناء علاقته بذاته وبالآخرين.

في معرضه الأخير الذي نحتفي به اليوم بفضائنا الأبهى دار الشريفة وفي ضيافة صديقنا المثقف التراثي الأستاذ عبد اللطيف ايت بنعد الله، يتقدم البوسوني بخطاب بصري مغاير يشتبك مع إرهاق العالم، مع حروبه المعلنة والمضمرة، مع انكساراته الأخلاقية وتيهه الوجودي. غير أن هذا الاشتباك لا ينتهي إلى العدم، بل يفضي إلى إعادة طرح السؤال الجوهري: كيف يمكن للإنسان أن يستعيد إنسانيته في عالم يتآكل من الداخل؟ ، تتقاطع تجربته مع أفق إيمانويل كانط الذي جعل من الكرامة الإنسانية مبدأ لا يُقايض، ومع رؤية مارتن هايدغر الذي رأى في القلق بابًا لانكشاف الكينونة.

إن علامات الحب التي يبثها البوسوني في لوحاته الجديدة لا تستقبل العاطفة كنظر محايد، بل كمقاومة صامتة ضد انحدار المعنى. إنه نوع من إعادة ترميم العالم من الداخل. فاللوحة، في تجربته الحاضرة الناظرة، تتحول إلى فضاء يلتقي فيه الإنسان بذاته، ويختبر إمكانية العيش المشترك خارج منطق العنف والإقصاء. إنها دعوة إلى إعادة قياس وجودنا، لا بمقاييس القوة والهيمنة، بل بقدرتنا على الاحتمال، على التشارك، وعلى الانفتاح على الآخر.

إن العمل التشكيلي عند محمد بديع البوسوني، في مشروعه الرؤيوي الشامل، ظل يؤمن بارتهاناته كعنوان لتجربة تتجاوز حدود الفن، لتلامس تخوم الحكمة، حيث يتعانق الحس الجمالي مع السؤال الوجودي، ويصبح اللون لغة للبحث عن المعنى، وعن ذلك الموطن الخفي في القلب، حيث تتجدد إمكانية الحياة، ويستعيد الإنسان قدرته على أن يكون إنسانًا

. يمضي مشروع البوسوني في توسيع مجاله الحسي والمعرفي، حيث لا يعود الإيقاع البصري منفصلاً عن نبض الموسيقى، بل يتكثفان معًا في بنية واحدة تُرى وتُسمع في آن، كأن الخط نفسه يتحول إلى نغمة، واللون إلى زمن داخلي متحرّك. في هذا التواشج، تستعيد اللوحة شيئًا مما أشار إليه بول كلي حين اعتبر أن الفن لا يعيد إنتاج المرئي، بل يجعل المرئي ممكنًا، وأن الخط ليس أثرًا جامدًا، بل مسارٌ يتقدم في الزمن كما تتقدم الجملة الموسيقية في نسيجها. وهو ما يجعل الأشكال عند البوسوني تنبثق من داخل حركتها، لا كزخرفة، بل ككائنات رمزية تنحت حضورها في فضاء يتقاطع فيه الحس الجمالي مع حدس الوجود.

إن اشتغاله على التشكيل الخطي العربي، بما يحمله من امتدادات شرقية ومغربية، لا ينحصر في استعادة تراث بصري، بل ينفتح على ما يمكن تسميته بطاقة الحرف، تلك التي تجعل العلامة تتجاوز دلالتها اللغوية إلى أفق تأويلي خصب. ويتجاوب عمله في نظري، مع أطروحات جاك دريدا حول الكتابة بوصفها أثراً لا يُستنفد في معنى واحد، حيث يتشظى الدال ويؤجل المعنى، فيغدو الحرف فضاءً لاحتمالات لا نهائية. كما تلتقي هذه الرؤية مع ما ذهب إليه بول ريكور في تأكيده أن الرمز يمنح الفكر إمكانية أن يفكر أكثر، وأن العلامة لا تنغلق، بل تدعو إلى إعادة قراءة مستمرة.

إن أيقونة "علامات الحب" عند البوسوني في معرضه الجديد هي في العمق أكثر من موضوع تشكيلي؛ إنها تجربة أنطولوجية تستدعي تراثًا روحيًا كثيفًا، يمتد من رسائل ابن حزم الأندلسي في العشق بوصفه معرفة، إلى إشراقات الجنيد البغدادي حيث يرتجف القلب على تخوم الفناء، وصولًا إلى أفق ابن عربي الذي جعل الحب مبدأ كونيًا يربط الوجود بعضه ببعض. غير أن البوسوني لا يستعيد هذه المرجعيات على نحو تكراري، بل يعيد تركيبها داخل لغة بصرية معاصرة، حيث يتحول الرمز إلى طاقة، والحرف إلى مسار تأملي، واللون إلى تجربة وجدانية تتجاوز حدود الإدراك المباشر.

إن هذه الانتقالات التاريخية والمعرفية التي تعبر أعماله هي بالإضافة إلى كونها إحالات ثقافية، هي توترات خلاقة، تنفتح على ما يسميه جيل دولوز بالاختلاف المنتج، حيث لا يُعاد الماضي كما هو، بل يُعاد توليده في سياق جديد، يمنحه معنى آخر. حيث تتحول اللوحة إلى فضاء للعبور، تتقاطع فيه الأزمنة، وتُستدعى فيه الذاكرة لا كحنين، بل كقوة إبداعية قادرة على إعادة تشكيل الحاضر.

وفوق هذا الخيط الرفيع، يقف البوسوني عند تخوم نصوص لا تُرى بالعين المجردة، ولا تُدرك عبر استهلاك بصري سريع، بل تتطلب يقظة فكرية وانخراطًا تأويليًا عميقًا. إن العمل التشكيلي لديه يرفض أن يُختزل في أثر جمالي عابر، ويقترح بدل ذلك تجربة تستنهض العقل العربي في بعده المستنير، مستعيدًا قدرته على إنتاج المعنى، وعلى مقاومة الانزلاق نحو التفاهة أو التلف الرمزي. إن هذه الفاعلية لا تنبع من كثافة الشكل فحسب، بل من قدرته على فتح أفق للتفكير، حيث يصبح الفن فعل مقاومة معرفية، وجسرًا بين الحس والتأمل، بين الذاكرة والابتكار، وبين الإنسان وإمكاناته التي لا تنفد.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

.......................

* ألقيت الكلمة بمناسبة الحفل الرسمي لافتتاح المعرض الكاليجرافي والتشكيلي "علامات الحب" للفنان والبحث محمد بديع البوسوني، يوم الأربعاء 25 مارس 2026 بفضاء دار الشريفة المواسين مراكش.

 

تكمن أهمية المعرض الشخصي الذي نظّمه المركز الثقافي الپولوني بلندن للفنان ثامر الخفاجي الذي   يحمل عنوان (حيث تلتقي الأساليب) للمدة من 15 إلى 20 آذار 2026 في جَمْعِه بين اختصاصاته الثلاثة وهي الرسم والنحت والخزف. وعلى الرغم من شهرته المتأتية من كونه واحدًا من أبرز خزّافي الجيل الثاني الذي يضم ماهر السامرائي وشنيار عبدالله ومحمد عريبي وما سواهم من المبدعين العراقيين الذين أثْروا المشهد الفني العراقي مع مَن سبقهم من جيل الروّاد وأبرزهم سعد شاكر ومقبل ظافر الزهاوي ونُهى الراوي وطارق ابراهيم ولا ننسى الإشارة إلى الفنانَين المعروفَين اللذَين درّسا فن الخزف في العراق وهما البريطاني إيان أولد والقبرصي ڤالينتينوس كارالامبوس.84 thamer

لا يقتصر اهتمام ثامر عبّاس الخفاجي على الخزف الذي درسه في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد بين عاميّ 1971 - 1975م وتخصّص فيه وترك أثرًا ملحوظًا في المشهد الفني العراقي ولعل جدارياته المبثوثة ببغداد والبصرة والموصل تتحدث عن موهبته الفنية في هذا المضمار التي استدعت الجهات المعنية لأن تضع جدارياته في مطار البصرة الدولي، وساحة الاحتفالات ببغداد، وفي أحد القصور الرئاسية بمدينة الموصل. إذ درس قبل ذلك مادتيّ الرسم والنحت في معهد الفنون الجميلة بين عاميّ 1967- 1971، فلا غرابة في أن يكون رسامًا ونحاتًا وخزّافًا في الوقت ذاته. وبما أنَّ هذا المعرض المميز يجمع بين الفنون التشكيلية الثلاثة وهي الرسم والخزف والأعمال النحتية فقد ارتأينا أن نتوقف عندها تباعًا لنرصد العناصر المشتركة التي تجمع بين هذه الفنون على الرغم من اختلاف التقنيات والأساليب التي اعتمدها الفنان المثابر والمُجدِّد ثامر الخفاجي الذي خلق بصمة خاصة تقترن به ولا تُحيل إلى أقرانه أو الذين سبقوه سواء من الفنانين العراقيين أو العرب أو الأجانب.85 thamer

والمتتبع لنتاجات الخفاجي الفنية سيجد من دون صعوبة تُذكر هيمنة الحروفية بلغات متعددة كالسومرية والأكدية والبابلية والآشورية والعربية والإنگليزية وما سواها من اللغات العالمية الحيّة التي يمكن أن تجد طريقها بسهولة ويُسُر إلى أعماله الفنية. كما يستدعي الخفاجي في هذه الفنون الثلاثة الكثير من أعمال الفنانين العراقيين؛ القدماء منهم والمُحدثين على حدٍ سواء، ويرّصعها في لوحاته وخزفياته ومنحوتاته؛ فالحاضر هو امتداد للماضي، واستشراف للمستقبل. لا يصنع الخفاجي عمله الفني اعتباطًا وإنما يعتمد على بنية فنية تنتظم العمل الفني برمته؛ فالرموز العميقة، والإشارات الجمالية، والدلالات التعبيرية تتشابك ضمن الأنساق الداخلية للعمل الفني الذي يجمع، في كثير من الأحيان، بين عنصريّ الواقع والخيال، كما يراهن على الربط بين الجوانب الوظيفية والجمالية للعمل الفني. ولا بد من الإشارة إلى البنية الحركية للعمل الفني الذي ينجزه الخفاجي، كما يعوِّل في الوقت ذاته على البنية اللونية، إن صحّ التعبير، فهو يعشق اللون الفيروزي والأزرق بكل تدرجاته ويراهن عليه منذ سنوات التلمذة وحتى الآن.86 thamer

تداخل المذاهب والتيارت الفنية

لا يعوّل الخفاجي على مدرسة فنية بحد ذاتها وإنما يستعمل غالبية المذاهب والتيارات الفنية في عمله الفني الذي يمكن أن تجد فيه الواقعية، والانطباعية، والرمزية، والتعبيرية، والتجريد، والسوريالية، والوحوشية، والتكعيبية وما إلى ذلك.

لا بد من الإشارة إلى أنني قد شاهدت بعض اللوحات الفنية لثامر الخفاجي في المعارض المشتركة للفنانين العراقيين بلندن وقد لفتت انتباهي بصمته الخاصة التي لم أجدها عند فنانين عراقيين آخرين يعيشون في المَهاجِر الأوروپية. ومع أنه لا يميل إلى رسم الموضوعات والثيمات الأوروپية إلّا في حالات استثنائية ونادرة جدًا كما هو الحال في معرض (حيث تلتقي الأساليب) أو في بعض اللوحات المتفردة التي نشرها على صفحته الخاصة في الفيسبوك خلال السنوات الخمس الأخيرة.

لو تأملنا اللوحات الـ (44) التي احتضنها هذا المعرض لوجدنا الحروفية تهيمن على الغالبية العظمى منها، أمّا اللغات المستعملة منها فهي السومرية والعربية والإنگليزية وكنت أتمنى عليه أن يستعمل الحروف الألمانية في لوحة (شيطان العائلة) والحروف الإسپانية في لوحة (سيدة الفلامنغو والغيتار) وهكذا دواليك لكي يتيح لنا السياحة والاستمتاع بمرونة الحروف الأجنبية ومطواعيتها. لقد استهل الخفاجي كتالوجه بلوحة تحمل عنوان (الحُب جميل)، والثانية (الحُب للأبد) ثم أردفها بلوحتيّ (الحُب) 1 و 2 وختمها بلوحة (حُبي) أو (حبيبتي نادية) التي نرى حروفها في أكثر من عمل فني.

لا بدّ من الإشارة إلى شغف الخفاجي بالخط الكوفي منذ نعومة أظفاره فلا غرابة في أن نراه في غالبية أعماله الفنية، إن لم أقل كلها. ونظر لولعه بالرموز والإشارات التاريخية فمن الطبيعي أن يزاوج بين الجدران السومرية أو البابلية التي يتخذ منها خلفية لخطوطه الكوفية الجميلة المطواعة كما في لوحات (حروف كوفية على جدار سومري) و (حروف كوفية على جدار بابلي) و (تكوينات حروفية) على أسطح عادية تنتمي إلى الوقت الراهن الذي نعيشه. وإذا ما اشتطّ به الخيال وهرب من الواقع الأسيان قليلًا فإنه يرسم لوحة خيالية تستجير يعنوان رومانسي جميل ومعبِّر مثل (جزيرة الحروف) بخلفيتها الزرقاء الآسرة. وثمة لوحات تُركِّز على حرف معين كأن يكون (النون) الذي يفلت من عُقاله ليتوسع إلى اسم (نادية)، المرأة التي تحتل مكانة كبيرة في حياته الشخصية أو في أعماله الفنية على حدٍ سواء. وحينما يتوسّع كثيرًا في حروفيته فإنه يرسم الجانب الأبرز من مدينة قديمة مثل (بوّابة بابل) التي يهيمن عليها الجانب الحروفي الكوفي من دون بقية الخطوط العربية المعروفة.87 thamer

البنية الحركيّة في العمل الفنيّ

كُنّا قد أشرنا سلفًا إلى البنية الحركية في الأعمال الفنية للخفاجي وهذا الملمح البارز يمكن أن نجده في لوحتيّ (المنحوتة الراقصة 1 و 2) كما نجده في خلفيتيّ هذين العملين المميزَين اللذين ينتميان إلى أكثر من مذهب ومدرسة فنية أبرزها التجريدية والتكعيبية والتعبيرية التجريدية القائمة على الإيقاع والتوازن وقوة (التصميم الجديد) Neoplasticism.

تلعب ثنائية المرأة والرجل دورًا مهمًا في أعمال الفنان ثامر الخفاجي وقد اشتمل هذا المعرض أو معارضه الجماعية السابقة على هذه الثنائية التي يجسِّد من خلالها ثنائية العاشق والمعشوق أو يكتفي بالإشارة إلى أحدهما لكنه لا يُغيّب الطرف الآخر وإنما يستدعيه إلى ذاكرة المُشاهد حتى وإن كان غائبًا عن العمل الفني الذي يرسمهُ على السطح التصويري. وهناك لوحات أخرى تجسّد هذه الثنائية كما في لوحات (القُبلة) و (الوردة الحمراء) و (همسات) وحتى لوحة (انتظار) التي تظهر فيها سيدة تنتظر قدوم الحبيب الغائب.

على الرغم من أنَّ الخفاجي لا يرسم الثيمات الأوروپية لأنه منغمس بالأفكار والموضوعات العراقية تحديدًا لكن هذا الإحجام لا يمنعه من تجسيد حادثة مُفجعة تهزّ الضمير الإنساني في كل مكان كما هو الحال في قضية (إليزابيث فيرتزيل) التي سجنها والدها النمساوي جوزيف فيرتزل في الطابق السفلي لمنزله طوال 23 عامًا (وفي رواية أخرى 24 عامًا) واعتدى عليها مرارًا وتكرارًا فأنجبت له سبعة أطفال خلال سنوات الاحتجاز وسوف تتحرر الابنة من سجنها، وتبلّغ الشرطة بما حدث لها، فيُعاقب الأب بالسجن مدى الحياة. ترصد هذه اللوحة التي أسماها الفنان بـ (شيطان العائلة) التي تبدو فيها الضحية عارية في القسم الأعلى الأيمن من اللوحة، ثم وهي تهبط السلّم إلى الطابق السفلي لتستقر فيه في نهاية المطاف. وثمة رقم 23 يشير إلى عدد سنوات السجن. أمّا الصورة الرابعة والأخيرة فهي للأب الذي ارتأى الفنان أن يسمّيه (شيطان العائلة).

يتضمن هذا المعرض صورًا لحيوانات سومرية وبابلية أبرزها الأسد والثور والتنّين إضافة إلى زهرة البابونغ التي تمثّل رمزًا للربيع وعلامة للانتصار وقد جسّد الفنان هذه الحيوانات وهي تسير على شارع الموكب وينبغي ألّا ننسى الرموز والعلامات التي تحيط بهذه الحيوانات وتطوّقها من الجهات الأربع.90 thamer

أعمال فنية تصل الماضي بالحاضر

يزدان هذا المعرض المُميز بسلسلة لوحات تحمل عنوان (رموز من بلاد ما بين النهرين) وقد اكتظّت هذه اللوحات بأعمال فنية للعديد من الفنانين العراقيين القدماء والمُحدَثين مثل الثيران المُجنّحة والأسود والتنانين البابلية، وزقّوة أور، وبوابة بابل، وملوية سامراء، وزقّورة عگرگوف، و(الصرخة) للفنان علاء بشير، وتمثال (المتنبي) لسعد الربيعي، ومقطع (المرأة الباكية) لجواد سليم، ومنحوتة (أبو جعفر المنصور) لمحمد غني حكمت، وتمثال (الأم) لخالد الرحّال، و (نُصب الشهيد) لاسماعيل فتّاح التُرك. كما تتضمن هذه اللوحة نماذج لـ (بيت القصب) و (الشناشيل) البصرية والبغدادية وأنواع مختلفة من الحيوانات والنباتات والأزهار والطيور وخاصة البلبل العراقي الغرّيد إضافة إلى (الحروفية) التي تتواجد في غالبية أعماله الفنية إن لم أقل كلها على الإطلاق.

لم يترك الفنان ثامر الخفاجي رمزًا عراقيًا إلّا وأدخله في هذه السلسلة التي توثِّق للطيور والأسماك والأشجار والأزهار والطواويس والإوز والفراشات؛ إضافة إلى التعاويذ مثل (أم سبع عيون) و (كف فاطمة) والأبواب العراقية القديمة إلّا وجسّدها في لوحاته ومنحوتاته وأعماله الخزفية.

لا يميل الخفاجي إلى تسمية أعماله الفنية لأنه يريد دائمًا أن يترك فضاءً أوسع للمتلقي لكي يتأمل لوحته ويحاورها بالطريقة التي يراها مناسبة ولا تفرض عليه التأويلات القسرية المرسومة سلفًا في ذهن الفنان بوصفه خالق النص البصري ومُبدعه. فلا غرابة أن يلتجئ إلى تسميات عامة من قبيل (تكوينات حروفية) وما جاورها من عناوين بسيطة، مرنه تأخذ المُشاهد إلى فضاءات مفتوحة للتأويل الذي يُغلِّب الجانب البصَري على اللغة المُقعّرة التي لا تُفصح عن نفسها إلّا بشقّ الأنفس.

***

لندن: عدنان حسين أحمد

(ان تدفع انتباهك لما حولك.. هذا هو عملنا الذي لا ينتهي وهو واجبنا الحقيقي)...  ماري اوليفر- شاعرة امريكية

تضعنا ماري اوليفر امام فكرة عميقة وبسيطة في آن واحد، وهي ان جوهر وجودنا يكمن في القدرة على الانتباه. ليس الانتباه مجرد نظرة عابرة، بل هو حضور كامل وتامل هادئ واستعداد داخلي لاكتشاف ما يختبئ خلف الظاهر.  كأن الشاعرة تشير الى ان الجمال والحقيقة لا ينكشفان لمن يمر مسرعا، بل لمن يتأنى ويصغي ويمنح العالم فرصة لان يتكلم. ومن هذا المدخل يمكن الاقتراب من لوحة انعكاس للفنانة عائشة السليطي، فهي لا تقدم معناها مباشرة، بل تدعو المتلقي الى التمهل والتأمل، والى رؤية ما وراء الشكل، حيث يتحول الصمت الى لغة، والغياب الى حضور، والانكماش الى تساؤل وجودي مفتوح.83 alsolayti

بصريا تعتمد اللوحة على بساطة في التكوين تقابلها كثافة في الشعور. تظهر هيئة بشرية منكمشة داخل كتلة من القماش الابيض، حتى يكاد الجسد يذوب فيها ويصعب التمييز بين الانسان وغطائه. الخلفية الداكنة والمساحة الرمادية تضاعف الاحساس بالعزلة، بينما يبرز البياض بتفاصيله الدقيقة كأنه مركز الضوء والمعنى معا. غياب ملامح الوجه يدفع النظر نحو الداخل، نحو الحالة النفسية بدلا من الهوية الظاهرة. ويأتي الشريط الازرق في اسفل اللوحة ليكسر هذا السكون باشارة لونية واضحة، كأنه حد فاصل بين عالمين، بين الثقل والخفة، او بين الواقع وانعكاسه الداخلي.

ومن حيث الاسلوب يمكن ان تنتمي هذه اللوحة الى التعبيرية المعاصرة ذات الطابع التأملي، مع حضور لملامح من الواقعية الرمزية التي تستخدم الشكل الظاهر للتعبير عن عمق داخلي اكثر مما تنقل مشهدا مباشرا.

هذا الانكماش الذي تظهره اللوحة يمكن ان نقرأه من زوايا متعددة تتقاطع كلها عند نقطة الانتباه العميق الذي تحدثت عنه ماري اوليفر.

فمن زاوية محيي الدين بن عربي نجد ان هيئة الانكماش ليست سوى صورة من صور التجلي الالهي الذي لا ينحصر في شكل دون شكل، اذ يقول في فصوص الحكم "فسبحان من أظهر الأشياء وهو عينها"

ويقول في موضع آخر

"الوجود كله ظاهر وباطن فمن شاهده من حيث الظاهر سمي عالما ومن شاهده من حيث الباطن سمي عارفا".

فالبياض هنا ليس حجابا يحجب الجسد بل هو عين ما يظهر الجسد، كما ان الخلفية الداكنة ليست نفيا للضوء بل هي حضوره بصيغة الغيب. غياب الوجه يصبح في هذا المنظور اعلى درجات الحضور، لان المعرفة عند ابن عربي لا تنال بالنظر الى الصورة الظاهرة بل بالبصيرة التي تدرك ان كل شيء يبقى سرا الهيا لا ينكشف الا لمن انكشف له الحق في كل شيء.

اما من زاوية ابي حامد الغزالي فان هذا الانكماش يقرأ صورة الانسان الذي عاد الى نفسه بعد ان كشفت له الاغراض حقيقة التشتت.

يقول الغزالي في احياء علوم الدين: "اعلم ان القلب مرآة مجلوة والهوى صدأ متراكم والخواطر اعداء والجهل ظلمة فبالعلم يجلى وبالعمل يزال الصدأ وبمحاربة الهوى تنكسر الاعداء وبالتقوى تزول الظلمة".

فالبياض الذي يحيط بالجسد ليس قماشا عاديا بل هو تجسيد لمقام التجريد الذي يتحدث عنه الغزالي حين يدعو الى تجريد القلب عما سوى الله.

الخلفية الداكنة هي ظلمة الجهل والهوى التي لا تتبدد الا بذكر الله، وغياب الملامح دلالة على ان الوجه الحقيقي ليس ما نراه في المرآة الحسية بل ما يظهر في مرآة القلب بعد تصفيتها من الصدأ.

عبد الجبار الرفاعي في دروب المعنى يقدم زاوية مختلفة تقترب من روح اللوحة بطريقة معاصرة، اذ يقول: "المعنى لا يقتحم علينا دفعة واحدة بل يتفتح في زمن التأمل حين نمنح الاشياء وقتها الكافي لتفصح عن نفسها بعيدا عن تسرعنا المعرفي".

انكماش الجسد في كتلة القماش الابيض ليس هروبا بل هو شرط اولي لامكان التامل، فالانسان عندما ينكمش على نفسه يخلق مسافة بينه وبين ضجيج المباشر فيفتح امامه مجال الرؤية المختلفة.

غياب الملامح هنا لا يعني غياب الهوية بل يعني ان الهوية في طور التكون وليست شيئا نهائيا جاهزا للاستهلاك البصري. اللوحة ببساطتها التكوينية ترفض ان تكون معطى سريعا وتصر على ان تكون سؤالا بطيئا، تماما كما يقول الرفاعي ان المعنى يتفتح في الزمن لا في اللحظة.

والشريط الازرق يذكرنا ان التأمل ليس انغلاقا على الذات بل هو حركة بين الداخل والخارج، بين عالم الانسان وعالم الاشياء، وهذه الحركة هي جوهر الانتباه الذي يمنحنا القدرة على رؤية ما لا تراه العين العاجلة.

ثم نعود في النهاية الى ماري اوليفر التي لم تكن تتحدث عن نظرية في الانتباه بل كانت تختبره في تفاصيل يومها العادي، فالعمل الذي لا ينتهي هو هذا الحضور الذي يتحول الى طقس يومي. اللوحة تنهض على نفس الفكرة، فالانكماش والبياض والظلمة والضوء ليست عناصر شكلية بقدر ما هي ادوات لاستدعاء حالة الانتباه التي لا تستعجل المعنى بل تتركه ينمو في زمن التامل.

 غياب الوجه لم يعد نقصا بل صار فرصة امام المتلقي ليملأ اللوحة بوجهه الداخلي، بوجوده المتامل، بقلبه الذي انتبه. والشريط الازرق في الاسفل كأنه ايقونة صغيرة لهذا العمل الذي لا ينتهي، نافذة تذكر ان هناك ما وراء هذا الصمت وهناك ما يستحق ان ندفع انتباهنا اليه.

وبهذا تلتقي عائشة السليطي مع ماري اوليفر ومع ابن عربي والغزالي والرفاعي في نقطة واحدة:

ان الوجود لا ينكشف لمن يمر سريعا بل لمن يتوقف ويمنح العالم فرصة ان يتكلم بلغته التي لا تسمعها الا اذن منتبهة وقلب حاضر.

***

د. احمد عابر

 

(كسوف نور السماء لا يعني ان الشمس قد انطفأت).. مارتن بوبر، من كتاب خسوف الله

تبدو هذه العبارة القصيرة كأنها مفتاح لفهم كثير من لحظات التاريخ الانساني حين يظن الناس ان النور قد غاب عن العالم. فالفيلسوف مارتن بوبر يرى ان اختفاء النور لا يعني بالضرورة انطفاءه، بل قد يكون كسوفا يحجب الضوء عن اعين البشر دون ان يطفئه. وكما يحدث في ظاهرة الكسوف حين تظل الشمس في مكانها بينما يمر بينها وبين الارض ظل عابر، كذلك قد يعيش الانسان لحظات يظن فيها ان المعنى قد اختفى من الوجود، بينما يكون النور ما زال كامنا خلف حجاب لا نراه.2515 danyal

هذا المعنى يخطر في البال حين نقف امام لوحة تصور النبي دانيال في جب الاسود. في هذا المشهد يجلس الرجل وحيدا في كهف تحيط به مجموعة من الاسود القوية. بعضها مستلق في هدوء ثقيل، وبعضها يراقب بعين يقظة، وبعضها يفتح فمه كأنه على وشك الزئير. وفي اسفل المشهد تظهر عظام وجمجمة انسان، كأنها تذكير صامت بما يمكن ان يكون مصير من يقع في هذا المكان.

ومع ذلك يجلس دانيال في وسط هذا المشهد في حالة مختلفة تماما. جسده متوتر قليلا لكنه مرفوع نحو السماء، ويداه مضمومتان في دعاء، ووجهه متجه الى الاعلى كأنه يبحث عن معنى ابعد من الظلام الذي يحيط به. الضوء ينزل من اعلى الكهف ويلامس جسده، بينما تبقى الاسود في ظل كثيف. وكأن اللوحة كلها تقوم على هذا التباين بين نور ينزل من الاعلى، وظلام يحيط بالمشهد من كل جانب.

اللوحة لا تصور لحظة صراع، بل لحظة انتظار. الاسود حاضرة بكل قوتها، لكنها لا تنقض. الزمن في المشهد يبدو متوقفا بين الخطر والنجاة. في هذا التوقف يتجسد سؤال قديم في التجربة الانسانية: ماذا يحدث للانسان حين يجد نفسه محاطا بالقوة والخوف بينما يظل قلبه متعلقا بشيء لا يراه؟

صاحب هذه اللوحة هو الرسام الفلمنكي الكبير بيتر بول روبنز، الذي رسم هذا العمل تقريبا بين عامي ١٦١٤ و ١٦١٦. كان روبنز احد اعظم فناني المدرسة الباروكية في اوروبا في القرن السابع عشر، وهي مدرسة فنية عرفت بالحركة القوية والدراما البصرية واستخدام الضوء لإبراز الجسد الانساني وقوة العاطفة. وقد درس روبنز الاسود الحقيقية في حدائق الحيوانات ليرسم حركتها وعضلاتها بدقة لافتة، ولذلك تبدو الحيوانات في اللوحة حية ومهيبة وكأنها تتحرك داخل المشهد.

لكن ما يلفت الانتباه في العمل ليس قوة الاسود فقط، بل التباين بينها وبين سكون دانيال. فالرسام لا يقدم بطلا اسطوريا يقاتل الوحوش، بل انسانا يقف في قلب الخطر وهو يتجه بنظره الى ما وراءه. وكأن اللوحة كلها تدور حول التوتر بين عالمين: عالم القوة الظاهرة حول الانسان، وعالم الطمأنينة الخفية داخل قلبه.

هنا يمكن ان نتأمل اللوحة من زاوية اخرى من خلال كلمات النفري في كتاب المواقف. يقول في موقف المطلع:

"اليقين طريقي الذي لا يصل سالك الا منه

ومن علامات اليقين الثبات

ومن علامات الثبات الامن في الروع"

اذا نظرنا الى اللوحة بهذا المعنى يصبح المشهد مختلفا. فالاسود تمثل الروع والخطر واضطراب العالم، اما الرجل الجالس بينها فيمثل الثبات. ليس ثبات الجسد بل ثبات القلب. فاليقين عند النفري ليس فكرة عقلية بل حالة وجودية تجعل الانسان قادرا على البقاء هادئا حتى في قلب الخوف.

ويضيف النفري ايضا عبارة ذات دلالة عميقة: "العلم بابي والمعرفة بوابي". وكأن الطريق الى الطمأنينة لا يقف عند حدود المعرفة الظاهرة، بل يتجاوزها الى معرفة اخرى اعمق. وربما كان دانيال في هذه اللحظة قد تجاوز لحظة الخوف المعروفة الى لحظة معرفة لا تظهر للعين.

ومن زاوية اخرى يمكن النظر الى المشهد عبر كلمات ابن عطاء الله السكندري حيث يقول:

"انار الظواهر بانوار اثاره

وانار السرائر بانوار اوصافه

لأجل ذلك افلت انوار الظواهر

ولم تأفل انوار القلوب والسرائر"

ويقول ايضا في الحكمة التالية:

"ان شمس النهار تغرب بالليل

وشمس القلوب ليست تغيب"

بهذه الرؤية يبدو المشهد في اللوحة وكأنه لقاء بين نورين. نور الظاهر الذي قد يغيب حين يشتد الظلام، ونور القلب الذي لا يغيب. فالعالم الخارجي قد يمتلئ بالخطر والعتمة، لكن النور الداخلي قد يبقى مشتعلا في قلب الانسان.

ومن زاوية ثالثة يمكن النظر إلى المشهد، وهي زاوية ابن عربي في الفتوحات المكية حيث يميز بين نور الذات ونور الصفات. يقول في الباب الثامن والخمسين بعد المائة:

"فانوار الذات لا تقبل الكسوف ولا الاحتجاب لانها ذاتية وما كان ذاتيا لا يفارق الذات وانوار الصفات تقبل الكسوف والاحتجاب لانها عارضة للذات والعارض يقبل الزوال"

بهذه الرؤية يصبح المشهد اكثر عمقا. فالاسود التي تحيط بدانيال تمثل عالم الظواهر الذي يقبل الكسوف والزوال. اما النور الذي يتجه نحوه دانيال بنظره فهو نور الذات الذي لا يقبل الاحتجاب. الفرق عند ابن عربي ان الكسوف ليس في النور نفسه بل في عين الرائي. كما يقول في موضع اخر:

"الحجاب لا يكون في الحق وانما يكون في المحجوب"

وهذا يفسر العلاقة بين كل هذه القراءات. فالنور الذي يراه دانيال في جب الاسود ليس نورا عابرا قد يخفت او يختفي، بل هو نور الذات الثابت الذي لا يحجبه شيء. اما الظلام الذي يحيط به فهو ظروف الصفات والظواهر التي تقبل التغير والزوال.

عند هذه النقطة يعود الذهن مرة اخرى الى عبارة مارتن بوبر التي بدأنا بها. اذا كان كسوف نور السماء لا يعني ان الشمس قد انطفأت، فربما كانت لحظة دانيال في جب الاسود صورة رمزية لهذا الكسوف. لحظة يبدو فيها العالم مظلما، بينما يبقى النور كامنا خلف حجاب لا يراه الجميع.

لكن عبارة بوبر تكتسب الان عمقا اضافيا بضوء كلمات ابن عربي. فاذا كان النور الذي لا يقبل الكسوف هو نور الذات، فمعنى ذلك ان الكسوف الحقيقي لا يحدث في مصدر النور، بل يحدث في عيون من ينظرون. وما يسميه بوبر "خسوف الله" ليس خسوفا في الاله بل خسوفا في الرؤية البشرية.

وهنا نصل الى الاجابة عن سؤال المقال الاخير: هل كان دانيال في تلك اللحظة يعيش كسوفا للنور ام انه كان يرى نورا لم يكن الآخرون قادرين على رؤيته؟

الجواب عند ابن عربي واضح: دانيال لم يكن يعيش كسوفا، بل كان يرى النور كما هو. لان النور الذي في قلبه هو نور الذات الذي لا يحجبه حجاب. اما الآخرون الذين يرون الظلام حوله فهم المحجوبون، لا لان النور قد غاب، بل لان ابصارهم لا تصل اليه. وكما قال ابن عربي: الحجاب في المحجوب لا في الحق.

***

د احمد عابر

 

وإذا الفتى عرف الرشاد لنفسه

 هانت عليه ملامة الجهال

ابن سينا- من كتاب نزهة الألباء في طبقات الأدباء" لأبي البركات الأنباري.2469 Luke Fields

بهذا البيت المكثف يضع ابن سينا يده على جوهر الحكمة العملية: أن يبلغ الإنسان رشدا داخليا يجعله ثابتا في موقفه، غير معلق على تصفيق الناس أو لومهم. ليس الرشاد هنا معرفة نظرية فحسب، بل طمأنينة أخلاقية تمكن صاحبها من الوقوف في لحظة حرجة دون اضطراب. هذا المعنى، على نحو لافت، يتجسد في لوحة الفنان الإنجليزي لوك فيلدس «الطبيب» (١٨٩١)، التي تجاوزت كونها مشهدا طبيا لتصبح أيقونة إنسانية عن الوقوف الصامت على تخوم الحياة والموت.

في غرفة فقيرة، تكاد تخلو من أي مظهر للتقنية، يجلس الطبيب منحنيا إلى الأمام قرب سرير طفلة صغيرة ترقد بين الحياة وافولها. عيناها معلقتان بوجهها، جسدها ساكن، لا يباشر علاجا ولا يمسك أداة. لا أجهزة، لا ضجيج، لا بطولات استعراضية. الحضور نفسه هو الفعل. هذا الطبيب لا "يعالج" بقدر ما "يشهد"؛ يشهد هشاشة الجسد، وانتظار المصير، وحدود العلم حين يبلغ منتهاه. وهو بهذا يجسد "الرشاد" الذي تحدث عنه ابن سينا: رشاد من عرف قدر نفسه، فعلم متى يتحرك ومتى يسكت، ومتى يكون الفعل الأكبر هو التأمل الأعمق.

خلفه، في ظل الغرفة، يقف الاب واضعا يده على كتف زوجته الجالسة. ملامحه شاردة، لا لانه جاهل، بل لان المعرفة هنا لم تعد ذات نفع. إن كان ثمة "جهل" في هذا المشهد، فهو جهل المآل، لا جهل القيمة. الاب لا يعترض، لا يطالب، لا يلوم الطبيب، بل يسلم في صمت. لعل هذا الصمت نفسه صورة أخرى من صور الرشاد: رشد العجز حين يعترف الإنسان بان بعض اللحظات لا تدار بالقوة ولا بالعقل وحده. وهكذا يوزع المشهد "الرشاد" بين أبطاله: الطبيب رشيد في ثباته، الاب رشيد في تسليمه، وحتى المكان رشيد في تواضعه، إذ لا يدعي أكثر مما يحتمل. واللوحة، في هذا المعنى، لا تدين أحدا ولا تمجد أحدا، بل تنصت.

ومن زاوية أخرى، يمكن للوحة أن تقرأ بعين ابن عربي، حيث الوجود ليس مجرد وقائع، بل تجليات. يرى ابن عربي في الانوثة مظهرا أكمل لتجلي الحق، لا بوصفها جنسا اجتماعيا، بل بوصفها قابلية الوجود للاحتواء والظهور. حين يقول في فصوص الحكم:

ولذلك أحب النساء: لكمال النظر إلى الحق فيهن، فإن الحق لا يرى مجردا من المواد

 فإنه يشير إلى أن الجمال الإلهي لا يتجلى إلا في الضعف، في القابلية، في الانكسار. فالأنثى ليست جسدا فقط، بل هي مظهر من مظاهر الحق، وفي التأمل فيها تأمل في أسرار الوجود.

الطفلة الراقدة هنا ليست مجرد مريضة؛ هي صورة الوجود في أنقى حالاته: هش، عار من الحيلة، معلق بين الفناء والبقاء. جسدها النحيل، أنفاسها المتقطعة، عيناها المغلقتان، كلها ليست علامات نقص، بل شروط ظهور المعنى. إنها تجسيد للضعف الذي يتسع للحق، للهشاشة التي تصير مرآة للجمال الإلهي.

وفي الظل تجلس الأم، مغطية وجهها بيدها، حضور أنثوي آخر: ليس تجليا للبراءة، بل للمنبع. الأمومة هنا لا تنتج الحياة فقط، بل تجسد ألم احتمال فقدها. إنها الأنثى كأصل، كمصدر، كرحم يعرف ثقل الفراغ حين يخلو.

ولعل أدق تفصيل في اللوحة هو يد الأب الموضوعة على كتف الأم. هذه اللمسة البسيطة ليست مجرد تعزية، بل اعتراف ضمني بالمركز: مركز الاحتواء. الرجال في المشهد يدورون حول هذا المحور الأنثوي: الطبيب يحرس الجسد، الأب يحرس الانكسار، وكلاهما يعترف، بصمته، بأن سر الحياة لا يدار بالقوة بل بالاحتواء. هكذا تصبح اللوحة مشهدا للأنوثة في مستوياتها المتعددة: الأنوثة الوليدة المحتضرة (الطفلة)، والأنوثة المنتجة الحزينة (الأم)، والأنوثة الغائبة الحاضرة في لمسة يد الأب التي تبحث عن دفء الأنثى في لحظة العجز الكوني.

أما إذا انتقلنا شرقا، إلى الحكمة الصينية، فإن المشهد يكتسب بعدا آخر. في التقاليد الطاوية، ثمة تقدير عميق للقوة الهادئة، للفعل غير المباشر، للماء الذي يهزم الصخر بالصبر لا بالقوة. ومن هذا المنطلق، يقال في مدح الطبيب الماهر تعبير صيني تقليدي: (الأيادي الماهرة تعيد الربيع).

والربيع هنا ليس علاجا فوريا، بل وعد. هو زمن العودة، لا فعل الاقتحام. في الفلسفة الطبية الصينية المتأثرة بالطاوية، الشفاء لا يكون دائما بالتدخل العنيف، بل أحيانا بتهيئة الشروط، بترك الجسد يستعيد توازنه حين يمنح الثقة والوقت.

الطبيب في لوحة فيلدس يجسد هذا المعنى بدقة. يده لا تعمل، لكنها حاضرة. نظرته لا تتشتت، لكنها لا تتعدى. كأن وظيفته ليست أن يخلق الربيع، بل أن يمنع اليأس من إفساد إمكانية عودته. والطفلة، في ضعفها، تشبه أرضا في قلب الشتاء: ساكنة، باردة، لكنها لم تمت بعد. وجود الطبيب وحده هو ما يحفظ لها الدفء الكافي كي تنتظر.

غير أن سؤالا يظل معلقا: ماذا لو لم يأت الربيع؟ هل يبقى الطبيب حكيما إن انتهت المراقبة بالفشل؟ هل الرشاد في النتيجة، أم في الموقف؟

هنا تكتسب اللوحة عمقها الحقيقي. فهي لا تقدم عزاء سهلا، ولا وعدا أخلاقيا جاهزا. إنها تجمد لحظة لا نعرف خاتمتها، وتتركنا أمام السؤال ذاته الذي تتركه الحياة دائما: ما الذي يجعل الوقوف بجانب الضعف فعلا ذا معنى، حتى حين لا ينتصر؟

لعل الجواب يعود بنا إلى ابن سينا نفسه. فالرشاد الذي تحدث عنه لم يكن رهين النجاح، بل رهين الثبات على القيمة.

هانت عليه ملامة الجهال.. تعني أنه صار في منأى عن أحكام الآخرين، سواء كانت باللوم أو بالمدح. الطبيب الحكيم ليس من يضمن النتيجة، بل من لا يخون اللحظة التي أوكلت إليه. إنه من يبقى حاضرا، يقظا، غير مدع، شاهدا على الضعف الإنساني دون أن يتخلى عنه.

والطفلة الراقدة هناك، بأنفاسها المترددة، تذكرنا بأن الرشاد قد يكون أحيانا في مجرد الانتظار بشجاعة. والأم التي تغطي وجهها تعلمنا أن الرشاد قد يكون في البكاء الصامت. والأب الذي يضع يده على كتفها يقول لنا إن الرشاد قد يكون في لمسة لا تشفي لكنها تواسي.

في هذا الالتقاء الصامت بين العلم والإيمان، بين الرجولة والأنوثة، بين الشرق والغرب، تلمع الحكمة لا كإجابة، بل كبوصلة. واللوحة، مثل الحياة، ترفض أن تغلق السؤال.

***

د احمد عابر

 ..........................

المصادر

١. بيت ابن سينا: من قصيدته التي مطلعها "عجبا لقوم يحسدون فضائلي"، وهو الشطر الثاني من البيت الرابع. القصيدة مثبتة في كتب التراث ومنها "نزهة الألباء في طبقات الأدباء" لأبي البركات الأنباري.

٢. قول ابن عربي: من "فصوص الحكم"، فصل في كلمة محمدية، تحقيق أبو العلا عفيفي، دار الكتاب العربي، بيروت، ص ٢١٧.

٣. المثل الصيني: وهو تعبير تقليدي يستخدم في المدح للأطباء ، ويرد في قاموس "سي يو" للأمثال الصينية.

٤. معلومات عن اللوحة: اللوحة من أعمال السير لوك فيلدس (Sir Luke Fildes) ، رسمت عام ١٨٩١، وهي معروضة في معرض تيت بريطانيا (Tate Britain) في لندن.

في واحدة من رسائله إلى صديقه، ترك لنا ليو تولستوي جملة قصيرة، لكنها تشبه مفتاحا يدخلنا إلى غرفة مظلمة فيها كل الأسئلة المعلقة: "علل البشرية تنشأ ليس لأن الناس يهملون فعل ما هو ضروري، بل لأنهم يفعلون ما هو غير ضروري."

العبارة ليست موجهة ضد الكسل، بل ضد التوهان. ليست دفاعا عن البطالة، بل هجوما على الانشغال بما لا يجدي. في سياق نقده العميق للحضارة التي ترهق الإنسان وتشتته، يكشف تولستوي عن المفارقة: الناس يكدحون كثيرا، لكنهم يكدحون في الاتجاه الخطأ. يملأون أيامهم بأفعال لا تصمد أمام الزمن، ولا تغير شيئا في جوهر وجودهم. المشكلة ليست في غياب الفعل، بل في تبديده. الضروري هنا ليس ما يثمر سريعا، بل ما يظل صحيحًا حتى لو لم يثمر أبدا. فعل لا تستمد قيمته من نتائجه، بل من كونه الفعل الذي كان ينبغي القيام به، بغض النظر عما يترتب عليه.2427 Van Gogh

هذا المعنى يتجسد بجلاء في لوحة "الزارع" (۱۸۸۸) لفينسنت فان غوخ. على القماش، نرى رجلا يسير في حقل لا حدود له تقريبا. خطواته ثقيلة، لكنها تحمل إصرارا غامضا. ذراعه ممدودة بنعومة، تنثر البذور في الأرض. لا يلتفت إلى الخلف، ولا يتطلع إلى الأمام. لا يبحث عن علامة تطمين. يسير وكأنه يؤدي طقسا كونيا. في الأعلى، تتربع شمس ضخمة متوهجة، تهيمن على المشهد كله بحضورها الصامت المهيب. شمس لا تفاوض ولا تعد. هي هناك كالحقيقة المطلقة: لا تفسر نفسها، ولا تبرر وجودها، لكنها تشرق على الجميع بلا تمييز. اللافت في اللوحة أن الزارع صغير بالنسبة لهذه الشمس، وبالنسبة للحقل الممتد. إنه فرد في مواجهة كون لا يكترث. لكنه لا يتوقف. في هذا الحجم المصغر، يكشف فان غوخ عن شرطنا الإنساني: أن نكون صغارا أمام قوى لا نتحكم بها، ومع ذلك نمضي. الألوان المتضاربة في اللوحة، الأصفر المتوهج للشمس مقابل البنفسجي الداكن للحقل، تخلق توترا بصريا ينقل هذا الصراع الداخلي. وضربات الفرشاة المتوترة، السريعة، الحادة، تحيلنا إلى حالة نفسية لا تعرف الهدوء، لكنها تعرف الاستمرار.

حياة فان غوخ نفسها كانت امتدادا لهذا المعنى، بل تجسيدا حيا له. عاش الرسام الهولندي على هامش الاعتراف طوال سنوات عمله. رسم مئات اللوحات، لكنه لم يبع في حياته سوى القليل. كان معتمدا على ما يرسله إليه أخوه ثيو من نقود قليلة، في علاقة فريدة جمعت بين الدعم المادي والايمان الفني. ورغم كل شيء، استمر.

 في إحدى رسائله إلى ثيو، نقرأ جملة صارت نافذة على روحه:

"تحترق في داخلي نار عظيمة، لكن لا أحد يتوقف ليدفئ نفسه بها، والمارة لا يرون سوى خيط من الدخان."

هذه النار هي ما جعله يرسم بلا توقف. لم يكن يرسم لأن العالم ينتظر أعماله، ولا لأنه يضمن شهرة أو رزقا، بل لأنه لا يستطيع إلا أن يرسم. الفعل عنده تحول إلى ضرورة وجودية، إلى طريقة وحيدة ليكون حيا. كما لو أن التوقف عن الرسم يعني انطفاء الوجود نفسه. وهو بهذا يشبه الزارع الذي لا يستطيع أن يتوقف عن البذار، لأن البذار هو ما يبرر وجوده تحت الشمس.

هنا يلتقي هذا الموقف مع حكمة مركزية في أحد أقدم النصوص التي تأملت في معنى الفعل: البهاغافاد غيتا. في سياق حوارها الشهير بين الإله كريشنا والمحارب أرجونا، تقدم الغيتا وصية خالدة:

"أد العمل متحررا من التعلق به ومن الرغبة في نتائجه. هذه قناعتي الثابتة والناهية."

هذه العبارة كثيرا ما أسيء فهمها على أنها دعوة إلى اللامبالاة، أو إلى الانسحاب من العالم. لكن الحقيقة أكثر عمقا. الغيتا لا تطلب من الإنسان أن يتخلى عن العمل، بل أن يتخلى عن استعباد نفسه للنتائج. حين يرتبط الفعل بالنتيجة، يصير الإنسان عبدا لما لا يملك: ينتظر الاعتراف، يخاف الفشل، يتوقف حين لا يرى ثمرة. أما حين يؤدي الفعل لأنه ضروري بذاته، فإنه يستعيد حريته. في تصور الغيتا، الفعل واجب وجودي، والنتيجة جزء من نظام أوسع لا يخضع لإرادة الفرد وحده. الأرض تنبت أو لا تنبت. المطر يأتي أو يتأخر. الزمن يتدخل، والآخرون يتدخلون. لذلك يكون التعلق بالنتائج وهما، بينما يكون الالتزام بالفعل شكلا من أشكال الانسجام مع نظام الكون.

الزارع في لوحة فان غوخ يجسد هذه الحكمة دون أن ينطق بها. لكنه لا يجسدها بصورة مثالية خالية من التوتر. ملامحه لا تظهر بوضوح، لكن وضعيته تحمل شيئا من الجهد، وربما من القهر. الشمس ليست مجرد حضور مطلق، بل هي سلطة قد تكون قاسية. هناك توتر خفي بين استسلام الزارع لدورة الطبيعة وبين كدحه العنيد. إنه ليس متحررًا بالضرورة من التعب، حتى لو كان متحررًا من التعلق بالحصاد. هذا الفرق دقيق، لكنه يعيد إلى الفلسفة بعدها الإنساني: الحكمة لا تعني فقدان الشعور بالمشقة، بل القدرة على الاستمرار رغمها.

في كتاب "دروب المعنى"، يقترب عبد الجبار الرفاعي من هذا البعد من زاوية أخرى، حين يكتب: "لا تبدأ الحياة الإنسانية الحقيقية إلا عندما تتحقق الذات وتوجد، وهذه الذات لا تتحقق من دون الفعل. الوجود الإنساني لا يبلغ الامتلاء إلا بالفعل وحده."

هنا لا يكون الفعل طريقا إلى المعنى، بل هو المعنى نفسه. تولستوي والغيتا يحرران الإنسان من الانشغال بغير الضروري، الرفاعي يملأ الفراغ الذي يتبقى: الفعل الضروري ليس مجرد واجب أخلاقي، بل هو مادة بناء الذات. الزارع لا يمشي ليصل إلى مكان، يمشي لأن المشي هو الطريقة الوحيدة ليكون. كل بذرة يلقيها في الأرض هي خطوة في بناء وجوده. الفعل عنده ليس وسيلة لغاية، بل هو الغاية المتجسدة في كل لحظة.

ومع ذلك، يبقى السؤال معلقا: هل يستطيع الإنسان أن يحتمل طويلا فعلا بلا نتيجة؟ هل يمكن الاستمرار في البذار حين يتأخر الحصاد، أو لا يأتي أبدا؟ فان غوخ نفسه عاش هذا التوتر إلى أقصى حد. كان يؤمن بضرورة ما يفعل، لكنه كان يتألم من غياب الصدى. كان يعرف أن النار في داخله حقيقية، لكنه كان يشعر بوحدتها. وربما هنا تكمن المأساة العميقة للزارع: أن يؤدي الفعل الصحيح في عالم لا يلتفت. عندما ننظر إلى اللوحة اليوم، نراها صورة مكثفة للشرط الإنساني: شمس تمثل سلطات لا نتحكم بها، أرض تمثل الإمكان والدورة والاستمرار، وبينهما إنسان يمشي. لا ليضمن شيئا، بل ليفعل ما ينبغي فعله.

وهنا يعود سؤال تولستوي، لا كحكمة مغلقة، بل كسؤال مفتوح يحتضن كل الاحتمالات: إذا كان الشقاء ناتجا عن الانشغال بغير الضروري، فهل يكفي أن نتمسك بالفعل الضروري وحده؟ وماذا يبقى من الإنسان حين يطول البذار ولا يأتي الحصاد؟ ربما يكون الجواب أن الفعل الضروري لا يحتاج إلى حصاد. هو نفسه الحصاد. هو نفسه ما يبقى حين يغيب كل شيء. الزارع في اللوحة لا ينتظر. يمشي. والبذور تتساقط خلفه كأنها خطواته التي تتحول إلى بدايات. والشمس تشرق عليه كما تشرق على كل شيء، بلا تمييز، بلا وعد. وهكذا يتجلى المعنى: ليس في نهاية الطريق، بل في كل خطوة تثبت أن الإنسان، رغم كل شيء، اختار أن يبذر.

***

د. احمد عابر

تحظى تجربة الخزّاف رعد الدليمي بحضور تقني ولوني لافت، إذ استطاع أن يطوّر في حسّه الإبداعي في الوصول إلى تكوينات وأشكال معبّرة حسياً وجمالياً عبر استلهام الحرف العربي في تلك التكوينات، مع مزج التجريدي والشكل التعبيري الواقعي، ما أعطى أعماله الخزفية طابعاً فنياً اسلامياً، معتمداً العناصر البنائية لجماليات التكوين الكروي. يؤدي رمز الدائرة والتكوين الكروي دوراً مثيرا في العمل الفني، فضلاً عن وظيفته الجمالية التي استثمرها الفنان بشكل إيجابي للدلالة على خصب الحياة واستمرارها.2518 raed

لم يدرس الفنان الخزاف رعد الدليمي في معهد فني متخصص بالتشكيل أو في الخزف تحديداً، إنما أكمل رعد دراسته الجامعية في الهندسة المدنية، وهو يزاول مهنته تدريسياّ في إحدى المعاهد التقنيّة لتدريس اختصاصه، إنما دخل رعد الوسط الفني بقوّة بعد أن تعلّم الخط العربي على يد أستاذه الخطاط الشهير عباس بغدادي، فأجاد فيه، وتمكن من ضبط قواعده وأصوله بقدر كبير من أحكام الموازين السلفية في الخط والتجويد الإنشائي البليغ.

يعالج الفنّان الدليمي أمراً جديداً في غاية الدّقة والتعقيد، حين يُخضع تقنيات فن (الخزف) لموجبات فن (الخط)، وهو في ذلك، إنما يزاوج بين إيقاعين مختلفين، ويداني ما بين عرضين بصريين متباعدين، ولكنه على الرغم من ذلك، يستطيع أن يبدع منهما عملاً تشكيلياً خزفياً جديداً يحمل أكبر قدر من المجاز التناغمي، كما يتّسم بقدر من التوازن الإيقاعي، وهو بهذا إنما يقف في الخط المقابل لمحاولات الخزّافين الذين أغفلوا رمزية الحرف وجعلوا منه مجرد إيماءات تشكيلية تستوي على السطح أو تغور في الملامس الصقيلة للخزف.2519 raed

لا يغادر الدليمي منطقة اختصاصه الهندسي، لذلك هو يسعى دائماً إلى البناء الهندسي في تكويناته الخطية، يرسمها بخصوصية انشائية ودقة معمارية، يضيف إليها اللون الذهبي لتطوير أدائها التعبيري، وهو يجمع بين خصائص الخط الكوفي القيرواني، والتصاميم الهندسية للحروف محكمة الأشكال .

جاءت اشتغالاته رهناً لخطاب تبنّاه، يرتكن عمقه إلى الإبحار في المساحات الروحية، الغيبية، التصوف.. فضاءً ورؤيا، خلاصتها قطع فنية خزفية تتجلّى فيها هذه الفضاءات. وتتخذ أشكالاً هندسية في تشكلها النهائي ليدخل الحرف عنواناً يؤكد جمالياته الباذخة في القول والتعبير، ولا سيما إذا كان مستلاً من آيات قرآنيّة، يؤكد حضور الحرف العربي وخطوطه وتشكّلاته ومدارسه عنواناً جمالياً وتربوياً في الوقت ذاته .

رعد الدليمي المتعدد الاختصاصات يوظّف في نصوصه الخزفية خبرته التصميمية إلى ما هو جمالي، خلاصة لموروث بنائي بين الخزف والكتابة في خلق نماذجه التركيبية باندامجها وتداخلها أجزاءّ تشكل بنية مستقلة تسمح لكل عنصر أن يكمل الآخر. الشكل الخزفي معمار مصغّر يؤكد هويته بما يتضمنه من تحدٍ لمظاهر الاغتراب مستمدة من الطبيعة والموروث، إنّه يذكّرنا بفن (الأرابسك) في أشكاله المتوارثة، يتفاعل ويندفع ويتوحد مع الكتابة لغاية جمالية وروحية (صوفية) يدمج فيها الخط بالنحت بمعالجة معمارية تحت تأثير التحديث.2520 raed

استلهم الدليمي الخط العربي أساساً للتشكيل الخزفي، عبر (النقطة) ليمنح أعماله خصوصية وهيمنة لحروفه المجسّمة، ونقاطه المذّهبة بشكلها المنفرد، أو المتراكب، وهي تعلو أعماله بشموخ معماري تعطي الإحساس بخصوصية الخزف من دون أن تفقد روح المغامرة والحداثة.

تُعدّ النقطة المجسّمة البصمة الفنيّة في اغلب أعمال الدليمي، إذ يرى فيها أسرار الحروف، ومصدر التكوين اللفظي والبصري، وكل الحروف في صراع من أجل الحصول على نقطة أو نقطتين أو ثلاث، لذلك تعد حروف (الثاء والشين) أمراء الحروف، أما الحرف المجرد من النقطة فحركته مبهمة، النقطة على وفق رؤاه: شموخ وتألق للشكل النحتي، وهي مصدر التوازن  فيه.

النقطة بما تحمله من مضامين جمالية وفلسفية متعددة، إحدى عناصر العمل الفني بعامّة، والتصميم بخاصّة، ولها أهمية في بناء الشكل أو دلالة اللون أو المعنى والمفهوم، كما للنقطة بوصفها أحد عناصر التشكيل دور كبير في بيان الجمالية، إذ لا يخلو أي تصميم من وجود النقطة وعلاقتها مع المحيط بها من عناصر التصميم البنائية الأخرى.2521 raed

تحضر النقطة في القطع الخزفية وجوداً مركزياً لسرّة الأشياء، هي تكوين مبهم تعددت فيه الآراء، هي السرّ المكنون بالمعرفة الخفية باطناً، وهي إضفاء عنوان جمالي للتكوين النحتي الخزفي. جعل منها أسلوباً وبُعداً رؤيوياً لتجربة رعد الدليمي الخزفية. تذكًرنا دائماً أنها لازمة موسيقية خفية تصدر من لا مكان، ولكننا نسمعها في كل مكان، لأنها صوت الزمان، وصورة الوجود أنّا حللنا فيه، أو هي النقطة التي عناها (الحسين بن منصور الحلاج) حينما وصف بها ذاته المعلّقة في حمى الوصال. وأكد رعد الدليمي على حرفي "الألف واللام" في لفظ الجلالة، لدلالتهما الوحدانية، وأصبحت الكلمة صورة تكشف عن المفاهيم الكامنة فيها، والصورة مصعداً يرقى بالحدس إلى هذه المفاهيم مباشرة، للرابطة القوية بين صورة الكلمة وبوادر الشعور بالطبيعة. فالمدّ الذي يرافق اللام الأولى يمنحها هذا المعنى المتعالي .

من هنا يؤكد الفنان رعد الدليمي بأن تجربته انطوت على تقديم رؤية معاصرة للفن الإسلامي يمتزج فيها الوضوح الكامل والتجريد من دون إبهام يلغي خصوصية العمل الفني وجذوره.

***

جمال العتّابي

يتحول الضوء في أعمال الفنان حسن عبود المقيم في هولندا من عنصر إنارة خارجي إلى فاعل جوهري في معرضه الأخير "سيرة ضوء" الذي أقامه في بغداد (قاعة أكد 8 ديسمبر 2025) بعد فترة انقطاع عن الوطن لعقود من الزمن.

في أعماله المعروضة، نرى كيف تشعّ المساحات اللونية من أعماقها، وكأن الضوء محبوس في طبقات اللون، يفلت منها تدريجياً. هذه الأعمال، لا تعبّر عن امتلاك الحلم وحده، ولا أدوات الفن وحدها، بل هي تؤلّف إيقاعا ينسجم مع ذات مبدعها حين يواجه زمناً متسارعاً لابدّ له أن يتخطاه حين اكتشف وجوده خلال مشتبكات الأحداث.78 hasan abod

لقد أدرك الفنان حسن عبود منذ بداياته الأولى أنه يجب أن يبدع صوته الحقيقي، وهكذا نظر إلى ما وراء الأفق، واستعار كثيراً من مفردات الأساليب الفنية الحديثة في أوربا. حيث لم يجد ضالّته المنشودة فيما هو مطروح في الساحة الفنية، ولا ضير في ذلك، لأنه يعرف في أي أرض يقف، وأي من قضايا الإنسان والفن هي التي تجذبه إلى أحضانها. لذا تعددت مشاركاته واهتماماته الفنية ـ كان حسن ضمن جماعة الأربعة ـ التي تشكلت في ثمانينات القرن الماضي، كانت الجماعة من بين التجارب التشكيلية العراقية المهمة التي يشار إليها بوضوح أنها كانت تبحث عن لغة تعبير جديدة وأساليب حديثة متنوعة، نحو الأفق الإنساني الأشمل. ولعل ما يقال عن اغترافات الجماعة من محيط الفن العالمي الحديث، فإن حقيقة وجود حالات تعبيرية مختلفة  تؤكد مشروعيتها الذاتية، أمر على جانب كبير من الأهمية، ما دامت لم تستعر فرادتها إلا من حرية الفنان ذاته.79 hasan abod

من هذا الحاضن الجمعي، انطلق عبود في رحلة فردية صارمة نحو الداخل، مع انتقاله إلى هولندا. هنا حدث الانزياح الحاسم: من فنان يحمل هموم جماعة ومكان محدد، إلى رائي بصري منفرد، يختبر أسئلة الوجود والمادة والضوء في مختبره الشخصي. لقد تحرر من عبء "التمثيل" ليستغرق في "التجلي". وهذا ما جعل معرضه "سيرة ضوء" تجسيداً لتجربتة الشخصية كمتنفس لمغادرة أحضان " النستولوجيا" وضغوطها التي عاشها في الغربة.

على هامش معرضه الأخير كنت أحاور الفنان حسن عبود، وكان من بين الأسئلة التي تشغلني دائماً في البحث عن إجابات عند العديد من مبدعي العراق الذين غادروا الوطن نفياً وقسراً، واختاروا الغربة مقاماً، والأسئلة هي: ماذا اضافت الغربة للفنان أو المبدع؟ هل أسهمت في تطوير تجربته وتعميقها، أم تراجعت وتوقفت؟ وهل أن الوطن بوصفه اختياراً صعباً، يمنح الفنان تنوعاً أدائياً أوسع في تطوير مهاراته وأسلوبه في إنضاج تجربته الفنية؟80 hasan abod

لم يتردد عبود في الإجابة حين يقول: حملت معي إلى البلاد البعيدة القيم الجمالية، وموروث بلادي الحضاري والشعبي، والتذكارات والأحلام والوجوه الأنثوية، وسحر الرافدين بكل أمجاده وإخفاقاته، ولوعاته ومسرّاته. كل هذه الأشياء لم تنتج قطيعة مع الغربة، بل تحولت هناك إلى ضوء مُضمر. وصارت طريقة رؤية.

كانت الغربة بالنسبة له مصدر استقرار، فتحت له آفاق التعرف على التجارب التشكيلية الحديثة في أوربا، لم يتأثر بها ولم تضف شيئاً لتجربته، بل أن أعماله الفنية كانت تثير دهشة وإعجاب المتابع هناك والفنان على حدٍ سواء. لكنها منحته هدوءاً سمح له بتنقية الذاكرة من انفعالاتها الخام، كانت اندماجاً معرفياً وبصرياً أعاد فيه ترتيب أدواته الفنية.

تحضر المرأة في أعمال حسن عبود، وهو يعالج موضوع علاقتها بالرجل بعاطفة لا حدود لها. المرأة في لوحاته طاقة إشراق .. ليست جسداً استعراضياً، إنها امتداد للضوء، وعنصر توازن عاطفي وأمومي، وحوار بصري مع الحب والحنان والذاكرة، تتكثف صورة المرأة لديه، يستعيد من خلالها مدينته "النجف" التي ولد فيها أواسط الخمسينيات، تذكّره بضوء الأمكنة المقدسة، وطقوسها بإيقاعاتها الحزينة، لتمنحه القدرة على تحويل المكان إلى طاقة داخلية تضيء اللوحة من الداخل. بين الظل والضوء، مسافة تستطيع أن تخفي كل الوجوه، إلا وجه من تحب، هي كائن مختلف يعيش بيننا، أمنية أن تعاودنا بزهرة حب كفراشة أمل ملونة.81 hasan abod

قدّم الفنان حسن عبود نفسه في هذا المعرض، بوصفه حصيلة تأمل طويل في علاقة اللون والضوء والمادة، عناصر تتكون معاً داخل نسيج اللوحة، هناك فيض ضوئي داخلي، يلمّح، لا يصرّح. تتخلى فيه المساحات عن صخبها لصالح توهج هادئ شفيف، يتحرر حسن بشكل أكبر من الحكاية المباشرة، في ميل إلى التجريد المشبّع بالرمز. متجهًا صوب تأسيس عالم بصري كوني، يمنح المتلقي فرصة التوغّل والتأمل، غير منقطع عن جذوره .

***

د. جمال العتّابي

 

قراءة تأملية في لوحة ووترهاوس

رسم الفنان البريطاني جون ويليام ووترهاوس لوحة النجاة عام ١٩٠٦، في مرحلة متأخرة من مسيرته، حين لم يعد معنياً بالأسطورة بوصفها حكاية مكتملة، ولا بالبطولة بوصفها فعلاً صاخباً، بل باللحظة الإنسانية الهشة التي تسبق النتيجة. في هذه المرحلة، لم يعد الحدث هو ما يشغله، بل ما يكشفه الحدث عن الإنسان حين يجد نفسه على الحافة.

ينتمي ووترهاوس إلى التيار المتأخر من الحركة ما قبل الرافائيلية، لكنه هنا يتجاوز اهتمامها بالأسطورة والرمز، ليتوقف عند ما قبل الحسم: عند النقطة التي لم يعد فيها الفعل فكرة مجردة، ولم يصبح بعد نتيجة مؤكدة.

المشهد بسيط في تكوينه، غني في دلالاته. رجل منحنٍ على صخرة، يمد يده لامرأة توشك أن تغرق في مياه هادئة كئيبة، وامرأة أخرى تقف على الشاطئ، تراقب بقلق صامت. غير أن ما يمنح اللوحة ثقلها ليس موضوع الإنقاذ، بل الطريقة التي تعالج بها فكرة النجاة ذاتها.

75 watarhuse

١. النجاة ليست خلاصاً

ليست كل نجاة خلاصاً. فبعض النجاة امتحان. هكذا يمكن قراءة هذه اللوحة، لا بوصفها مشهداً لإنقاذ جسدي من خطر، بل بوصفها لحظة كاشفة لحدود الإنسان، ولمسؤوليته حين يواجه ضعف الآخر.

لا نرى الغرق، بل إمكانيته. لا نرى النهاية، بل المسافة التي لم تحسم بعد. في هذه المسافة يتجلى جوهر النجاة. جسد الرجل منحنٍ، لا ليحكم قبضته على اليابس، بل ليخاطر بثقله خارج منطقة الأمان. الانحناء هنا ليس تقنية للإنقاذ، بل موقف وجودي. فلكي تنقذ، عليك أن تقبل بعدم الاستقرار، وبالخروج من حصن السلامة.

حتى الماء يشارك في هذا المعنى. فهو ليس هائجاً ولا عنيفاً، بل هادئ على نحو لا مبالٍ. كأن الخطر الأكبر ليس في الصخب الذي يحذر، بل في الصمت الذي لا يطلق إنذاراً. أكثر ما يربك الإنسان ليس الخطر الصاخب، بل الخطر الصامت.

٢. حضور الآخر: المسؤولية المشتركة

المرأة الواقفة على الشاطئ لا تشارك بالفعل الجسدي، لكنها ليست محايدة. حضورها صامت، لكنه مشحون بالانتباه والقلق. وجودها يوسع المشهد من فعل فردي إلى تجربة مشتركة. فالنجاة لا تحدث في عزلة. بعضها يمارس باليد، وبعضها يمارس بالحضور، وبالترقب، وبالاستعداد لتحمل ما قد يحدث.

هنا، لا يكون الخطر في السقوط وحده، بل في الانفصال. السقوط يعني أن ينقطع الإنسان عن العالم الذي كان ينتمي إليه. والنجاة ليست رفع الجسد فقط، بل إعادة وصل الإنسان بالعالم. ليست حركة في المكان، بل استعادة علاقة.

٣. القرب ليس مسافة

في هذا المعنى، لا يصبح القرب مسافة تُقطع، بل حالة تُستعاد. فالمنقذ لا يقترب خطوة إلى الأمام فحسب، بل يتحول في موضعه. وقد عبر محيي الدين بن عربي عن هذا المعنى حين قال:

"فهو أقرب إلينا منا، لأن حبل الوريد منا، والحبل الوصل، فما كان الوصل إلا به."

النجاة لا تخلق الصلة، بل تكشفها. لا تصنع القرب، بل ترفع الحجاب عنه. المنقذ لا يمنح النجاة من خارجه، بل يوقظ إمكانية كانت قائمة، لكنها معطلة بالخوف أو الغفلة. المسافة التي نقطعها نحو الآخر ليست سوى اكتشاف لقرب كنا نجهله أو نتجاهله.

٤. النية: ما الذي يحرك اليد؟

غير أن القرب وحده لا يكفي. فالفعل لا يقاس بصورته، بل بباعثه. اليد قد تمتد، لكن معناها يختلف باختلاف القصد الذي حركها. وقد صاغ أبو حامد الغزالي هذا المعنى بدقة حين قال:

"فالعمل بغير نية عناء، والنية بغير إخلاص رياء، وهو للنفاق كفاء، ومع العصيان سواء، والإخلاص من غير صدق وتحقيق هباء."

بهذا، لا تعود النجاة مسألة نجاح أو فشل، بل مسألة صدق. فالمنقذ في اللوحة لا يعلم إن كان سينجح، لكنه يعلم أن الامتناع لم يعد ممكناً. الفعل هنا ليس اختياراً مريحاً، بل ضرورة داخلية. لحظة يصبح فيها عدم الفعل خسارة أخلاقية أفدح من المخاطرة بالفعل.

٥. من اللوحة إلى الحياة

هذا المعنى لا يخص اللوحة وحدها. في حياتنا اليومية نمر بلحظات مشابهة. نرى ضعفاً، أو حاجة، أو ظلماً، وندرك أن التدخل قد يكلفنا شيئاً من راحتنا أو توازننا. هنا يتكرر السؤال نفسه: هل نبقى في أماننا، أم نميل؟

اللوحة لا تقدم إجابة جاهزة، ولا تمنح عزاء سريعاً. لا تعد بنجاة مؤكدة، ولا تحتفي بالبطولة. كل ما تفعله أنها تكشف اللحظة التي يتحول فيها الإنسان من مراقب إلى مسؤول. من كائن يحسب النتائج، إلى كائن يقبل أن يتحمل تبعات حضوره.

لهذا تبدو النجاة معاصرة. فنحن نعيش زمناً لا تنقصه الأفعال، بل تنقصه المسؤولية عن نتائجها. نميل أحياناً إلى الاعتقاد بأن النية الحسنة تكفي، أو بأن الحضور الرمزي يعفينا من الفعل الحقيقي. غير أن التجربة تعلمنا أن بعض اللحظات لا تقبل الحياد، وأن بعض الانحناءات لا يمكن تفويضها.

٦. الخاتمة: النجاة كوعي

هذه ليست لوحة عن إنقاذ جسد من ماء، بل عن إنقاذ الإنسان من وهم المسافة. من الاعتقاد بأن الآخر بعيد، وأن ضعفه لا يخصنا. هنا، في هذا المشهد الصامت، تتجلى النجاة بوصفها لحظة وعي: أن تدرك أن القرب ليس خياراً، بل حقيقة، وأن الانحناء ليس ضعفاً، بل شكلاً من أشكال المسؤولية الصادقة.

لهذا تبقى اللوحة حية. لأنها لا تعلمنا كيف ننجح، بل كيف نكون صادقين حين تصبح النجاة امتحاناً، لا نتيجة.

***

د. احمد عابر

 

تعود الكتابة على الورق والنقش على الجدران والبردي بالألوان إلى آلاف السنين من تاريخ الإنسان، كما استخدمها الرهبان في مخطوطاتهم الخاصة، الفنان التشكيلي عامر حسن عرف أسرار "الصنعة" فكان في مقدمة الفنانين المتميزين في الرسم بالألوان المائية، قدّم عشرات الأعمال الفنية التي أعطت انطباعاً على موهبته في هذ الميدان، ومهارته العالية في رسم كل الموضوعات، مما أهّلته أن يتصدر قائمة الفنانين في رسم الطبيعة في الألوان المائية.

لعلّ ما ظل منظوراً من ذلك التاريخ الشخصي والتجربة الفنية الطويلة، ينبؤنا اليوم بأن الفنان عاش صادقاً مع نفسه، ومع الناس أجمعين. وصدق الفنان هذا ينبع من قناعة كاملة بأن الوحدة القائمة بين الرؤيا والعمل الفني راسخة أبداً ما دام اللون يحمل دفق عواطفه المستجيبة لكل منظور جميل يثير فيه هوى الفن، وهو لذلك يؤلف ـ بذاته وبفنه ـ وثيقة المرحلة التي اجتازها، وكأن لسان حاله يقول: أنا ما ضيعت شيئاً، بل ذهبت إلى الطبيعة لا بوصفها مشهداً جمالياً بل بوصفها هوية متجذّرة. في نخلة باسقة أرسمها، أو في ظلّ نخيل يغمر ضفاف الأنهار، أو في المشاهد اليومية العابرة. ويواصل القول: رأيت الدنيا بعين زمني، وما زلت أميناً لهذه النظرة حفيّاً بها حتى اليوم.2375 amer hasan

ولد عامر حسن في مدينة الكاظمية، المدينة التي تفيض بقدسية المكان، ودرامية الذاكرة، تأثّر بأجوائها ومواكبها ومشاهدها الحزينة، وبناياتها القديمة، وأزقّتها الضيقة، وشناشيلها التي تتنفس عبق التاريخ، كانت هذه الأجواء قد خلقت هوى لديه في اختيار دراسة الهندسة المعمارية بعد تخرجه من الدراسة الإعدادية بمعدل كان يؤهله القبول في كلية الطب. وجاءت نتائج القبول متطابقة لرغبته، بيد أنه رضخ أخيراً لرغبة الأهل في دراسة الطب، فانصرف إليها كلياً. باشر عمله الوظيفي في قرية، اختارها بعيدة على حافات أهوار الجنوب بعد تخرجه من الكلية، ربما بدافع من الحنين إلى الصفاء الأول للطبيعة، أو بحثاً عن العزلة التي تتيح له التأمل والرسم. تلك التجربة لم تستمر طويلاً لصعوبة العيش وقسوة الحياة في المنطقة، لكنها شكّلت المنبع الأعمق لأسلوبه في الرسم المائي لاحقاً، إذ لم تكن الطبيعة بالنسبة له موضوعاً للرسم فحسب، بل معلّماً ومعشوقاً ومختبراً يومياً للجمال.

بدأت حكاية الفنان عامر حسن مبكراً، في الصف الثاني الابتدائي حين لفتَ الصبي الصغير انتباه مُعلّمه جعفر الوردي، فطلب منه المشاركة في معرض المدرسة للرسم. فرسم عامر جنازة يصلي عليها المشيعون، في مشهد يفيض بالحزن. كانت حساسيته البصرية قد تولّدت هنا، في مشهد الموت والبكاء والجموع. تلك اللوحة الأولى التي نال عليها جائزة إدارة المرسة (علبة باستيل) كانت بمثابة الإعلان عن ولادة موهبة ستنمو بثبات مدهش.

كان والده نجاراً ماهراً، منه تعلم الصنعة، واكتسب دقة الحرفة وصرامة التكوين، أفادته لاحقاً في التعامل مع مادة الخشب كوسيلة للتعبير في نحت أعمال فنية كشفت عن ادراكه العميق للعناصر الجمالية في المادة والتكوين. في الإعدادية صقل موهبته أستاذ الرسم الفنان خليل الورد، فوجهه نحو الرؤية البنّاءة في التكوين والمنظور واللون.

اختار عامر الزيت في محاولاته الأولى في الرسم، لكنه وجد في الألوان المائية ما ينسجم مع روحه الحساسة، وما منحه قدراً كبيراً من العاطفة المشبوبة، يضيف إليها بصريات ريشة دقيقة ذات سحبات جريئة واثقة، ما يمكن أن يؤلف غنائياً، نسيج اللون التعبيري، وهو بهذا القدر من الحرية التقنية، وبجهده الصابر المتأني، يتيح لنفسه قدراً من المساحة الكافية بين أسماء فناني الطبيعة والألوان المائية، ويبتعد مسافات زمنية عن مادة (الزيت) التي كانت ترهقه كثيراً في الرسم على حد قوله. وجد في الألوان المائية وسيطاً أكثر صدقاً مع مزاجه ورهافة حسّه.2376 amer hasan

اللون لدى الفنان عامر يتحوّل إلى لغة بحد ذاته، ألوان الطين المضمّخة بضوء الشمس، الزرقة العميقة لسماء الصيف، والخضرة المائلة إلى صفرة تعبّر عن صيف طويل، كلها تشكّل معجمه البصري الخاص. وحديقة ألوانه البعيدة عن ضجّة المدن.

الألوان المائية لا تسامح، فهي لا تقبل التصحيح أو الإعادة، أي خطأ لوني يُفقد اللوحة عذوبتها وشفافيتها، ومع ذلك حقق عامر حسن توازنه مع هذا الأسلوب الصعب، لأنه يمتلك قدرات تقنية عالية، ومهارات لونية متقنة فكانت لمساته على السطح تحمل نقاء الضوء وصفاء المزاج. وهو مغرم بالتفاصيل، يهوى رسم سعفة نخل، أو رذاذ مطر على سطح الماء، هذه العناية الصبورة بالتفاصيل لا تأتي من ولعٍ بالمحاكاة، بل من رغبة في الإمساك باللحظة الخفية التي يتكامل فيها الضوء مع الملمس. مثلما يتعامل الطبيب الجراح مع الأنسجة والشعيرات الدموية بدقة وانتباه عال، كذلك يتعامل عامر مع اللون والماء كأنها جسد حي يتطلب العناية القصوى.

تعتمد قوة لوحاته على ذلك التوازن الحساس بين الواقعي والرمزي. فهو يرسم الطبيعة بوفاء لتفاصيلها، لكنه يضخ فيها ما يجعلها تفيض بالمعنى. الغيوم عنده ليست مجرّد تكوين فيزيائي، بل سحابة من الذاكرة؛ والنهر ليس مجرى ماء، بل سيرة حياة تتدفق بهدوء وأناة. بهذا التوظيف، يمنح المشهد الطبيعي بعداً إنسانياً، ويحوّل اللوحة إلى شهادة على الوجود.

في تجربته، يمكن أن نجد صدىً لتجارب رواد من الرسامين العراقيين، ملامح من شاعرية أكرم شكري التي كانت تحمل دوماً طابع التجريب، وخصيصة البحث عن الجديد، كان شكري قد تميز بغزارة نسيج اللون الدافئ، وتوازن كثافة اللوحة وملامسها التي توحد فضاء اللوحة وتحييها. وروح الفنان خالد الجادر في ايقاعاته اللونية، بل نلمح أثر عطا صبري في استيعاب المشهد المحلي بوصفه ذاكرة جمعية.

غير أن عامر حسن يختلف عن هؤلاء في أنه لم يتلقَّ تعليماً أكاديمياً فنياً، بل علّمَ نفسه بنفسه، معتمداً على موهبته الشخصية، وثقافته البصرية التي مرّنها بالتأمل والممارسة الطويلة. ما منح تجربته صدقاً حقيقياً في المضي بالتجربة حتى نهايتها.

إن فرادة تجربة عامر حسن تكمن في إخلاصه للمكان العراقي في زمن عزف فيه الكثيرون عن استلهامه، إما انسياقاً وراء مدارس غربية، أو انكفاءً إلى تجريد لا يمسّ الروح. أما هو فآثر أن يجعل الطبيعة العراقية موضوعه الأبدي، ناسجاً عبرها معادلاً بصرياً للهوية، ومؤسساً لحوار عميق بين المتلقي وأرضه. الطبيعة لديه ليست نموذجاً جمالياً فحسب، بل كائن حي يتنفس في أغلب أعماله: الأهوار، البساتين، القرى، الأنهار، شوارع بغداد بشناشيلها، كأنها تتناغم في نسق لون شفيف، يذكر أحياناً بتجارب الانطباعيين العالميين في الرسم.

نحن إزاء تجربة تشكيلية تعيد إلى المخيلة معنى الانتماء للمكان، وكأن الريشة هنا لا تكتفي بتمثيل الطبيعة بل تستحضر روحها. فلوحاته ليست مشاهد صامتة تُلتقط بعين باردة، بل هي مساحات نابضة بالحنين، بالضوء، وبالزمن العراقي وهو يتسرّب في حواف الألوان.. (العراق)، يطالعنا دائماً في أعمال عامر مستأثراً بالنظرة الصافية للمشهد الطبيعي وللإنسان معاً، استعادة الروح العراقية عبر الطبيعة. ظل متوازناً مع ذاته من دون مفارقات ولا مواقف دراماتيكية مفتعلة، ولا حتى محاولات فنية تهدم عالماً منظوراً ليشيد نقيضاً له.

تجاوزت تجربة عامر الحدود المحلية، إذ شارك في معارض شخصية وجماعية، داخل العراق، وخارجه، في الهند، وإيطاليا، وماليزيا، والصين، وجيكيا، وكوريا، في الأردن وتركيا، ونال جوائز تقديرية عديدة على تفرّده في الرسم المائي. ونظراً لما حققه من إنجازات فنية متميزة، أُختير رئيساً للجمعية العالمية للألوان المائية في العراق، وهي مسؤولية تؤكد مكانته في هذا الحقل الصعب، ومقدرته في تمثيل التجربة العراقية في المحافل الدولية .

***

د. جمال العتابي

 

ظهر فن الباروك والروكوكو بعد عصر النهضة حيث حدث تحول في القرن السادس عشر من الكلاسيكية التي كانت سائدة في عصر النهضة الى فن الباروك. وقد رافق هذا التحول حركة كاثوليكية واسعة من الفكر الديني عمت جميع انحاء العالم الاوربي. وقد كنب عن هذه المرحلة الكثير من المؤرخين والمحللين ووصف بعضهم بانها فترة انحطاط وتخبط وتخلف. ولكن البعض الاخر يرى انها مرحلة ظرورية للتخلص من قيود الكلاسيكية وقوانينها الصارمة وان كانت نتائجها ومفاهيمها غير مرضية.2362 shamhod

- الباروك

يذكر ان فن الباروك فن ديني انتشر في جميع انحاء اوربا. وقد سمح للروح الانسانية التحرر من قيود الكلاسيكية وان تمرح في خيالات روحية ساحرة. والباروك يشير الى الاشكال الثقيلة والمنتفخة المثقلة التي لا بد من تحريكها لكي تنتج تأثيرها. وعادة ما تزين واجهات الكنائس بالمنحوتات والزخارف المكثفة وهي اعمال معقدة ومتناقضة الثراء الحسي. واعتمد على التفاصيل الدقيقة والحكايات الدينية المبالغ فيها. كما اعتمد على عنصر الاضاءة حيث يستخدم التفاعل بين الظلام والضوء كما هو ظاهر في اعمال كارافاجيو ورمبرانت. ومنهم من يعرفه بانه الفن الغريب والفصيح المحشو بالمضامين. وانه لا يتبع قانون النسب ويصور كل شئ حسب هوى الفنان. ولكن بعض المؤرخين يعد عصر الباروك هو انحطاط لعصر النهضة مثل المؤرخ جاكوب بريكهاردت في كتابه – عصر النهضة والعصر الباروكي – 1888.

و خير ما يمثل فن الباروك هو كارافاجيو 1571 - 1610-حيث كان تاثيره على فناني عصر القرن السابع عشر كبيرا حتى سمي عصره – بعصر كارافاجيو – فكانت نزعته الطبيعية الجريئة المباشرة المتينة لم تكن من المدى الطويل من ارضاء اذواق سادته من ذوي المناصب العليا في الكنيسة الذين افتقدوا في اعماله الجلال والسمو حيث كانوا يرونها اساسيتين للصور الدينية. وهكذا اعترضوا على صوره التي لم يكن هناك ما يفوقه في ايطاليا في ذلك الوقت، ورفضوها مرارا؟. وكان كارافاجيو ياخذ موديلاته من الشارع المسحوق ليرسم القسيسين والرهبان حتى انه اتى بمومسة وجعلها موديل لرسم مريم العذارء. مما اغاض الكنيسة. وكان شقاوة يعلق سيفه على صدرة متجولا في الشوارع مع عصابته متحديا كل شيئ، وقد ارتكب كثير من جرائم القتل وفر من مدينة الى اخرى... ولكن الكنيسة رات فيه من خيرة فناني عصره فغضت الطرف عن ذلك. واستخدمته في تنفيذ قصصها الدينية. وهنا يجب ان نقف ونلقي نظرة على التناقض في التعامل مع المذنبين وكيف ان المصالح الدينية والشخصية تلعب دورا كبيرا في العفو عن المجرمين وتبراتهم. وهو ما يحصل في بلداننا اليوم حيث يعفون عن المجرمين. ثم يصبحون ابطالا ثوريين ويستلموا السلطة.؟؟.

كما ظهر اسلوب الباروك في العمارة الضخمة ذات البروزات المكثة كما هي عند النحات الايطالي برنيني وكذلك في اعمال كارلو ما ديرنو. كما ظهرت الباروك في الموسيقى مثل ولادة السنفونيا والاوبرا في ايطاليا في القرن السادس عشر. ويتميز الباروك كما ذكرنا بالضخامة ويمتلئ بالتفاعل المثير. وفي القرن الثامن عشر تطور فن الباروك الى اسلوب اكثر سلاسة وخصوصية يسمى بفن الروكوكو.2363 shamhod

- الروكوكو

ظهر فن الروكوكو في اوائل القرن الثامن عشر. وقد ولد في فرنسا وبلغ اقصى تطوره في المانيا وكان فن متعة وجمال. ويذكر بعض المحللين ان الاسلوب الباروكي وصل الى نقطة يكون فيها الجانب الداخلي صورة منقولة عن الجانب الخارجي بمعنى انتقال الزخارف وكل ما يغطي الواجهه الباروكية الى داخل البناء. وهو فن البلاط والملوك امتاز بالزخرفة الداخلية ضد فن الباروكية ذو المظهر الخارجي في زمن لويس الرابع عشر ملك فرنسا. وامتاز هذا الفن باعتناق مذهب اللذة والشهوانية وتفضيل الموضوعات العاطفية. كما تميز بالبهجة والاحتفال بالحياة واعطاء مساحة للفكاهه والاثارة الجنسية الخفيفة. ويفسره البعض بفن النخبة التي تتمتع بالمرح. ويحتوي على جرعة كبيرة من الفكاهه. ولم يكن في خدمة الكنيسة ابدا. كما اصبح فن الروكوكو في المانيا نوع من الثورة واصبح اكثر محلية وقومية. وقد وجدنا ان اكثر مظاهره نقاءا في الاشياء الدقيقة. واشتهر بهذا الاسلوب الفنان الايطالي فرانز انتون باستيللي. وكذلك من امثال هذا العصر انطون وتو 1684-1721 وسيمون شاردان 1699- 1779. وو ليم هوغار – 197- 1764. وغيرهم.2364 shamhod

د. كاظم شمهود

يرتبط اسم الفنان التشكيلي أديب مكي بعائلة تنتمي للفن والثقافة، أغلب أفرادها فنانون تشكيليون، يكفي أن نقول ان الفنان النحات طالب مكي بمنجزه الفني الخالد أحد أفراد هذه العائلة شقيق الرسام أديب. ومعلّمه الذي درس على يديه الفن.

في سبعينات القرن الماضي، بدأ اهتمامه برسوم الأطفال، وكانت بداية مهمة ورائعة في " مجلتي" مع طالب مكي وفيصل لعيبي وصلاح جياد ووليد شيت ومؤيد نعمة وضياء الحجّار ورحيم ياسر وآخرين، واستطاع أن يثبّت أقدامه بينهم بشخصيته المميزة وأسلوبه في الرسم. واتّخذ هذا الاهتمام حيزاً واسعاً في تجربة أديب الفنية. فاشترك مع عدد من زملائة عام 1972 في تقديم أول فيلم عراقي لرسوم متحركة، لكن الأهداف والرؤى تغيّرت فاتّجه أديب لرسم وجوه النساء بأساليب وتقنيات مختلفة بهدف إثارة الرغبة في اكتشاف الغموض. واستخدم ألواناً مشرقة تعكس الروح الشرقيّة التي حدّدت معالم شخصيته وفنّه الإبداعي. ثم بدأ برحلة البحث عن معانٍ جديدة في التعبير عن تجربته في خامات مختلفة، وتطلّب الأمر استخدام مواد عديدة تحمل نبض البيئة المحلية، كالأخشاب والمعادن الصدئة والأقمشة، وأنواع أخرى من الأنسجة راح يعالجها بطرق مختلفة، وبفعل مهاراته التقنية تمكّن أديب من إدراك عناصر الجمال في هذه المواد متبنياً المزج بين الواقعية والتجريدية للتعبير عن نفسه.

غادر أديب مكي وطنه عام 1997 إلى عمّان ومنها إلى الولايات المتحدة ليقيم هناك، أقام في عمّان معرضه الشخصي عام 1999 ليشارك بعده في العديد من المعارض في الرياض وبيروت ثم الولايات المتحدة.2354 drama

في تجربة أديب الفنية عدّة مستويات تشكيلية تتضافر وتشكّل بين مظاهرها جدلاً خاصاً وحميماً، وهي مستويات وأنساق لا تتقاطع بعضها ببعض، إنما تقوى وتنمو باتجاه حلم دائب للإمساك بـ (الشيئ الغائب) في العناصر والمفردات والأشياء، هاجسه الفني لا يقف عند الأطر الخارجية لها، إنما يسعى نحو المعرفة الأبعد والأعمق، نحو ما هو جوهري.

لا تخطئ العين بصمة الفنان اديب مكي، لأنها بصمة متحركة حيّة متطوّرة تحمل روح البحث والاستلهام والانطلاق نحو آفاق بلا ضفاف أو حدود فهي لا تقف عند مرحلة، ولا تتهيب التجريب ولا تعترف بالسكون الذي يؤدي إلى المحورية فالجمود.

ولكن هذه التجارب أفادته أعظم فائدة في تعلّم البناء وهندسة اللوحة وتماسك الشكل، والتكوين المحكم في العمل الفني، وقد كانت رحلته إلى الولايات المتحدة نقطة تحول في الاطّلاع على التجارب العالمية، ولاسيما طغيان الاتجاه التجريدي وانتشاره، وكان من العسير عليه أن يحقق تفرّده من دون إضافة شيء جديد إلى تجربته في الرسم عبر اشتغالات ورموز وتداعيات وأحلام ومشاهدات وهجرات.

يحاول أديب أن يقدّم مناخاً لونياً يثير السعادة في نفس المتلقي، وفي الوقت ذاته يكشف عن متناقض الحزن في داخله، يحاول أن يناكف حزنه الخاص بالفرح المتحقق في اللوحة، أو أن يقدّم جرعة متفائلة عبر منظومة تحيزت للألوان، تلك الجرعة التي أخذت مسارات متنوعة في الأداء وتنوّع طبيعة المادة. لوحاته تميزت بقدرتها على استحضار اللون بوصفها قيمة مستقلّة تضيء الأشياء من الداخل، وتعيد تركيب الحالات المرئية وغير المرئية.

في أعماله التجريدية الأخيرة تبسيط للخطوط يعطي إحساساً بالقوّة، اتّجه للتخلي عن الألوان المعتمة والقاتمة لتبتهج اللوحة بالخطوط الأفقية المستقيمة في وسط اللوحة، كثافة الخطوط ورهافتها تستجيب لامتزاج الألوان المنجزة بعناية تدلّ على أن الرسّام يحتفل كثيراً بميتافيزيقيا اللون، بحثاً عن دلالة ما فوق اللونيّة.

تلك المحاولة كانت بمثابة فترة تكوين ضرورية للفنان، فهو لم يبدأ التجريد كما يحصل لدى بعض الفنانين، إنما ظلّ يمارس الفن بأساليبه المتعددة، وفي الوقت ذاته لم تنقطع صلته بالتيارات الفنية المعاصرة، جرّب مدارس عدّة في أعمال متفرقة، مارس الانطباعية، والواقعية، وهو لم يتوصل من خلالها الى التعبير الفني المستقل والمتميز الذي ينشده، فهو ما يزال يواصل التجريب والبحث عن هويته الشخصية بمزاجية قلقة غير مستقرة.

ومنذ اختار أديب التجريد في ساحاته الفسيحة وتجاوز رسوماته الأكاديمية، فكأنما قد اختار الموسيقى معادلاً موضوعياً لألوانه وتشكيلاته التجريدية، فأعماله تحمل الإيقاع النغمي، وألوان تلك اللوحات فيها هارمونية تعلو وتهبط، تماماً كحركة الأمواج التي اكتنفت بَصَرَه وبصِيرته، وفي متتاليات مستمرة لا تهدأ.

التجريدية هنا في هذه الأعمال جذبته الى تلك الحرية المطلقة، إلى تلك المتعة الحسية وهو يعبّر عن ذاته والاحساس بالرضا. انها الوسيلة للتعبير عن الانفعالات والسعادة، انه معني بالقيم الجمالية والايقاعات الموسيقية التي تتضمنها، والأسرار الكامنة في اللون والخطوط، غايته أن يشاركه المتلقي في انفعالاته وخيالاته، إنه يخلق من أبسط الأشكال تكوينات وعلاقات تنفذ إلى أعماق المشاهد، فلا ينساها أبداً لأنها برغم بساطتها وهدوئها الظاهري مشحونة بعناصر القلق والصراع، توحي بالأعماق والأبعاد البعيدة. وفي تشكيلاته المختلفة تحليل تتجلّى فيه قوة البناء ورسوخه بإحساس الرسّام المتمكن، مما يشيع في أجواء لوحاته جواً من الطقوس والتعبّد.

لقد تخلّى الفنان إلى حدٍ ما عن الجانب الغنائي في أعماله، في سبيل التركيز على العنصر البنائي، بمعنى أنه لا يستخدم الألوان المتعددة المتراقصة في إيقاعات سريعة تشيع الإحساس بالطرب في عين المتلقي، إنما فضّل النفاذ إلى أعماقه من نفس مداخل التراجيديا التي تترك أثراً لا يمحى، لأن البنائيّة ترتكز على الكتلة وعلى الديناميكية النابعة من داخلها في غير إسراف لوني، فهو يحتاج إلى ألوان تغنّي.

هذا التحوّل في تجربة أديب، من الأكاديمي إلى التجريدي، ورسم الأشكال التي لا موضوع لها سوى الألوان والخطوط، لم يكن مجرد موقف فرضته اللحظة، إنما هو سعي نحو تحقيق الهوية، وكان من العسير أن يتحقق التفرد من دون إضافة شيء جديد.

أديب مكي لا يحاول أن يصل بالمشاهد إلى الإيهام، إنما يأخذ به الى الإبهار، وهكذا يتأكد التصميم الهندسي عبر الخطوط الأفقية ولا يخفت الإحساس بالديناميكية والحركة والحيوية في الأشكال، حريص على تنويعات لونية متضادّة ومتداخلة ثريّة الملمس، أشكاله كأنها سكك ممتدة نحو اللّانهائي، تشّع بالأضواء بشاعرية رقيقة.

بين هذه الخطوط المستقيمة وفضاءات اللون نوع من الحوار الموسيقي المتنوع كما في الأعمال السمفونية. لعلّ هذا الإيقاع في أعمال أديب هو سرّ جماليتها وجاذبيتها.

فحين تتجمع الطاقة الإبداعية في داخل الفنان تخرج الشحنة متدفقة، يتداخل فيها الوعي مع اللاوعي، إلى حد أنه بمجرد أن يفرغ من أدائه الإبداعي يتحوّل إلى متفرج يستقبل عمله بما يشبه الدّهشة وكأن شيطانه هو المبدع أو شاركه الإبداع.

أعماله الجديدة تمرّدت على المساحات الصغيرة، فاتّسعت لتستوعب شحنة التعبير. ويصبح اللون أكثر تماساً بفضاء اللوحة، وأكثر حيوية وتدفقا، تختصر في الوقت ذاته مساحات الظل النور، وتتحوّل إلى شظايا لونية، وومضات شفيفة، تجسّ جدل الحلم والذاكرة. لقد انجذب الفنان إلى تلك الحرية المطلقة والمتعة وهو يعبّر عن ذاته، من دون أن يتجاوز إحساس المتلقي بالرضا، كي يشاركه الدهشة.

***

د. جمال العتّابي

شهدت مدينة مالقا الإسبانية، وبالضبط سنة1881 ولادة بابلو بيكاسو Pablo Picasso، والذي اعتبر بحق واحدا من أعظم الفنانين الذين عرفهم تاريخ الفن، إذ أن تأثيره كان كبيرا ونوعيا في الفن الحديث، إذ يستحيل على كل دارسي وعشاق الفن تجاوزه، ذلك أنه ليس هناك أحد من هؤلاء لم يسمع أو يقرأ أو يرى أعمال بابلو بيكاسو.

أحدث بيكاسو بالفعل ثورة في الفن، والتي تجسدت في التكعيبية Cubisme، وقد لا يكون ذلك مستغربا بالنسبة لبابلو الصبي، والذي ترعرع في وسط عائلي، عرف عنه عشقه للفنون عموما وللرسم على وجه الخصوص، الأمر الذي كان له بالغ الأثر على حياته ومسيرته الفنية، إذ بدأ الرسم في وقت مبكر من طفولته، وصقل ذلك بتكوين أكاديمي متخصص، شمل معظم المدارس الفنية، حيث تلقى تكوينه بمدرسة الفنون بمدينة لاكورونيا La Corogne إلى حدود الحادية عشر من عمره، وعندما بلغ الرابعة عشر، رحل إلى برشلونة، حيث مدرسة الفنون الجميلة، ثم بعدها انتقل إلى أكاديمية مدريد، غير أنه لم يكمل تكوينه، وذلك بسبب استيائه من نمط التعليم الذي كان سائد فيها وقتئذ، فعاد إلى برشلونة، والتي كانت ملتقى الفنانين والمثقفين و بالخصوص ذوي النزعات التقدمية واليسارية، وخلال هذه الفترة تردد كثيرا على فرنسا، إلى أن استقر به المقام بباريس سنة 1904.

بيد أن أهم ما ميز مسيرة هذا الفنان هو التزامه السياسي، إذ اتخذ موقفا حاسما من الأنظمة الدكتاتورية والشمولية، فانتقد نظام فرانكو الفاشي، وندد بفظاعة الحرب، وجسد ذلك في لوحته الشهيرة غرينيكا Guernica، وغرينيكا ليست سوى تلك القرية التي ينتسب إليها بيكاسو، والتي تعرضت لقصف شديد من طرف الألمان، بحيث انمحت من الوجود.

وتجسد - أيضا - التزامه السياسي بانخراطه في الحزب الشيوعي الفرنسي، فاعتبر نفسه مناضلا ثوريا، كما اعتبر أن مهمة الفن تكمن -في المقام الأول – في الدفاع عن الإنسان وحقوقه أينما وجد.

التكعيبية بوصفها ثورة في الفن الأوروبي:

يجمع كل دارسي الفن على اعتبار بابلو بيكاسو أول فنان استطاع أن يحدث نقلة نوعية في الفن الأوربي الحديث، ذلك أن بيكاسو هو أول من دشن الثورة التكعيبية، والتي لا يمكن أن نقول عنها سوى أنها بالفعل ثورة بالمعنى الدقيق للكلمة، ذلك لأنها شكلت قطيعة مع كل التقاليد التي سادت في الرسم وفي الفن عموما منذ النهضة الأوروبية.

بدأت التكعيبية في الربع الأول من القرن العشرين، واعتبرت لوحة فتيات أفنيون les mesdemoiselles d’Avignon les أول عمل تكعيبي، كما مثلت اللوحة الأولى في التاريخ والتي أسست لبدايات الفن الحديث، وكان اكتمالها كعمل فني عند نهاية صيف 2007.

تمثل التكعيبية في العمق تيارا ثقافيا شاملا، لا يقترن بالرسم فقط، وإنما يمتد ليشمل حقولا إبداعية متنوعة ومتعددة، والتي تندرج في إطارها العديد من الفنون الجميلة، فالتكعيبية مارست تأثيرا قويا في الكثير من المجالات وعلى أكثر من صعيد، إذ نلمس تأثيرها في الأدب، كما في الموسيقى، والهندسة كما في الجماليات.

كان الرسم قبل ظهور التكعيبية يقوم على المحاكاة التي تنبع من الإحساس والشعور، بيد أن التكعيبية قلبت كل شيء رأسا على عقب، وانتصرت للشكل على حساب المحتوى، فأصبح المبدأ الأساس هو توليف الأشكال ودمج التشخصي واللاتشخصي.

فتيات أفنيون أول لوحة مؤسسة للتكعيبية:

كلفت لوحة "فتيات أفنيون" بابلو بيكاسو تسعة أشهر من العمل المتواصل، كان خلالها يحاول بيكاسو تحرير الفن من القواعد الموروثة منذ النهضة الأوروبية، إذ سبق اكتمالها كعمل فني انجاز العديد من الأعمال الأولية والإعدادية، لذلك يمكن اعتبارها بمثابة البيان الأول الذي أسس للاتجاه التكعيبي.

أحدث بيكاسو من خلال هذه اللوحة ثورة في مجال الرسم، إذ شكلت بداية ولادة الفن الحديث، بحيث أنهت كل ما سبق من تقاليد وقواعد، فاختفى المنظور الكلاسيكي، وأصبحنا إزاء لغة جديدة في مجال بناء اللوحة، لغة تنبني على تحطيم الشكل المعتاد، والذي لا يقترن برسم الطبيعة ومحاكاتها، بل أصبح الفن يتضمن تصورا ومضمونا يتجاوز مجرد الوصف والتسجيل. وهذا ما عبر عنه جورج باراك Georges Braque بدقة كبيرة، والذي ساهم إلى جانب بيكاسو في تأسيس التكعيبية، عندما قال:

" لا يمكنني أن أجسد (أو أرسم) امرأة في منتهى جمالها الطبيعي، إني لا أملك القدرة على ذلك، ولا أحد يمكنه ادعاء ذلك، وبالتالي ينبغي أن أخلق جمالا من نوع جديد، جمال يتجلى من خلال الحجم والخط والكتلة والوزن، ومن خلال هذا الجمال أترجم انطباعاتي الذاتية ".

هذا، ومن جانب أخر، لا ينبغي أن نتجاهل الـتأثير الذي مارسته افكار وتوجيهات سيزان 

Paul Cézanne في تشكل واكتمال رؤية بيكاسو الفنية، ذلك أن بيكاسو وجد فيه الأب والأستاذ. حيث أن سيزان اعتمد في رسمه للطبيعة على بعض الأشكال، وبالخصوص الشكل الأسطواني والكروي والمخروطي، كما مارس الرسم البدائي نفس التأثير على بيكاسو، سواء كان فنا شرقيا أو إفريقيا، الأمر الذي بدا بالوضوح الكافي في لوحة "فتيات أفنيون".2294 pablo picasso les demoiselles d avignon 1907

تبدو لوحة "فتيات أفنيون"صادمة من حيث الموضوع، ذلك لأنها جسدت مجموعة من العاهرات، والقاطنات بشارع أفنيون Avignon إحدى شوارع مدينة برشلونة، غير أنها من حيث الشكل، مثلت علامة فارقة في تاريخ الفن الحديث، إذ اعتمدت لغة جديدة في بناء اللوحة، بحيث أصبحنا إزاء لغة هندسية بامتياز، بحيث اختفى الشكل والمنظور الكلاسيكيين.

لم يعد الرسم يقوم على استحضار الظل والنور كما كان في السابق، فبيكاسو أسبغ على موضوع لوحته رؤيته الخاصة، إذ رسم أجساد فتيات عاريات على هيئة أشكال هندسية، استوحى في ذلك بعضا من العناصر التي تزخر بها الكثير من الفنون البدائية سواء الأفريقية أو الشرقية، وبذلك أحدث قطيعة نهائيا مع الأشكال المعروفة والخطاطات السابقة.

تجسد هذه اللوحة خمس فتيات، يبدو وجهي الفتاتين الواقفتين على اليمين مستوحى من الفن الإفريقي، أما الفتيات الأخريات، فنلمس فيهما تأثير الفن الأيبيري L'art ibérique. وتكشف الفتاة الجالسة وجهها وظهرها معا وفي نفس الوقت، وبذلك اختفى المنظور الكلاسيكي، وتعددت زوايا النظر، ولم يعد للسطح الواحد من وجود.

جمع بيكاسو في "فتيات أفنيون" بين الألوان الباردة والألوان الحارة، إذ نلاحظ هيمنة اللون الوردي الباهت والأحمر الغامق على أجساد الفتيات، بينما يكتسح اللون الرمادي والأزرق ما تبقى من مساحات اللوحة.

تفرض اللوحة نفسها كموضوع للنظر والرؤية، وذلك نتيجة طبيعتها التبسيطية من خلال استنادها على الأشكال الهندسية، فتبدو أجساد فتيات أفنيون مشوهة بالشكل الذي قد تكون صادمة ومؤلمة. يكشف العري نوعا من استيهامات الفنان، والتي قذ توحي بها الأشكال الهندسية، إذ أن ثمة احتمالات لوجود أكثر من علاقة بينهما، كما قد نجد فيها نوعا من الإيحاءات البليغة، فالطبيعة الميتة الموجودة أسفل اللوحة، والتي تتشكل من فاكهة الفودكا، والتي قد تستدعي ما هو جنسي، وتوحي بالطابع الذكوري.

غرينيكا صرخة ضد الحرب

تعتبر لوحة غرينيكا من أكثر الأعمال الفنية شهرة خلال القرن العشرين، فهي من جهة تجسد الالتزام السياسي لبيكاسو، ومن جهة ثانية، فهي تختزل بشاعة الحرب وفظاعتها. بحيث أنها مثلت موقفا صارما من الأنظمة الشمولية، وعلى وجهة الدقة نظام فرانكو بإسبانيا ونظام هتلر النازي بألمانيا، وهي بهذا المعنى عبرت من انخراط بيكاسو السياسي الملتزم بقضايا مجتمعه وبمصير الانسان في كل مكان.

اعتبر بيكاسو نفسه على الدوام مناضلا ثوريا، ونظر إلى الفن بوصفه سلاحا من أجل المقاومة والكفاح، يقول بيكاسو:

'' إن الفن لم يخلق لتزيين الصالونات، بل إنه وسيلة من وسائل القتال ومواجهة الأعداء، وقد ظهر لنا، ومن خلال المعارك التي وقعت، أن الإنسان يقاتل ويحارب ما يهدد حرية التعبير".

ويضيف : " كنت دائما على اقتناع، ومازلت أن الفنان الذي يعيش، ويعمل وفق قيم روحية لا يمكنه، ولا ينبغي له أن يبقى غير مهتم بالصراعات التي تضع القيم العليا للإنسانية في خطر".

خلدت لوحة غرينيكا بلدة صغيرة بإقليم إلباسك، والتي كانت تحمل نفس الاسم (أي غرينيكا). تعرضت غرينيكا في 26 من أبريل سنة 1937 لقصف شديد ومكثف من طرف الجيش النازي، واستمر القصف لأربع ساعات متوالية، فكانت الحصيلة إبادة وتدمير للبلدة الصغيرة، إذ قتل أكثر من 1600 من سكانها، ناهيك عن ألاف المشردين والجرحى، حيث دمر بالكامل وسط البلدة، والذي كان يضم معالم تاريخية. وهكذا تم اعتبار الهجوم على غرينيكا أول جريمة في التاريخ تندرج ضمن إرهاب المدنيين، ذلك أن الجيش النازي تعمد الهجوم، وخطط له بعناية فائقة، كان الغاية منها إبادة المدينة وسكانها.

وإزاء هذه المأساة الإنسانية، أبدع بيكاسو هذه اللوحة، فكانت إدانة صارخة ضد الحرب، ورمزا للسلام، والذي ينبغي أن يسود العالم، وأن تتضافر كل الجهود لإحلاله لتنعم به الإنسانية.

إن أول ما يسترعي الانتباه بصدد لوحة "غرينيكا" هو حجمها الكبير، ذلك أن طولها يبلغ حوالي ثمانية أمتار، وارتفاعها يصل أكثر من ثلاثة أمتار ونصف، وهي بذلك تفرض ذاتها على المتلقي أو الناظر، بحيث تتحقق الرؤية الكاملة، وبالتالي تتحقق الرسالة التي من أجلها أنجزت والكامنة في إدانة الحرب.

يؤدي غياب الألوان نفس الدلالة، (أي إدانة الحرب)، حيث يهيمن اللونين الأبيض والأسود على معظم مساحة اللوحة، ولا يسمحان إلا بانفلاتات محكمة للون الرمادي، الشيء الذي يكثف كل المعاني الدالة على الحزن والحداد، والتي تستدعي ما يوحي بالموت والدمار.

وظف بيكاسو في تشكيل لوحته جملة من العناصر الرمزية، والتي ازدادت تكثيفا من خلال الأشكال التي اتخذتها، بحيث نجد وعيا قويا وراء توظيف تلك العناصر، وهو الوعي الذي أنضجته تجربة الحرب وبشاعتها.

تتضمن لوحة غرينيكا - من حيث الشكل- عناصر بسيطة، توحي برسومات الأطفال، غير أنها تزخر بكم هائل من الدلالات العميقة، والتي تذكرنا بعفوية وبراءة الأطفال في التعبير والإحساس، لذلك تتداخل هذه العناصر فيما بينها، وتتوزع على فضاء اللوحة، فتبدو مشوهة ومختزلة، وهي بذلك تكتسي معان جديدة، تتجاوز المعنى المتداول، وإن كانت تستند عليه لتعكسه برؤية أخرى، ليست بالضرورة تلك التي ألفناها، بل إنها تحرره من كل ما هو جاهز، سواء من حيث الشكل أو المعنى.

تضم لوحة غرينيكا مجموعة من العناصر، بعضها يبدو أكثر وضوحا، ويحتل مساحة كبيرة، والبعض الأخر يطل من بين ثنايا العناصر البارزة.

يبدو الحصان الجريح والثور والأم الحاملة لوليدها الميت من العناصر الأكثر وضوحا، والتي تختزل صرخة بيكاسو ضد الحرب، فالحصان الجريح يحتل وسط اللوحة، وهذه الوضعية تعطيه بعدا رمزيا في كل محاولة لفهم وقراءة اللوحة، فالحصان يحيل على الشعب الجريح، ويقترن بالحرية، وبهذا التعدد الدلالي تأخذ رمزية الحصان مساحة أكبر، تكمن فيها انتصار الشعب وقوته، وإن كانت ثمة انتكاسات وانكسارات قد تلوح هنا أو هناك. إن الحصان الجريح هو ذاته الذي يمكن أن نتصوره راكضا في الفيافي ومنطلقا بكامل حريته.

نشعر بنفس المعنى ونفس الاحساس عندما نتأمل الأم الحاملة لوليدها الميت، حيث نشعر بفداحة الفقدان وحسرة الأم على فقدانها لولدها، لكن، وفي نفس الوقت، تبدو الأم حاملة لكل المعاني الدالة على الخصوبة والاستمرارية والانتصار.

يقترن الثور بكل ما يدل على الوحشية والعنف والقسوة، لكنه قد يحيل على الشجاعة والبطولة، وفي هذا السياق ينبغي أن نستحضر مصارعة الثيران la corrida، الرياضة الأشهر في المجتمع الإسباني.

يكثف حضور النساء داخل لوحة بيكاسو حالة من الرعب والدمار، حيث نجد أنفسنا أمام حالة من الصراخ البائس المعمم على كل الوجوه، وهي تنظر إلى السماء، ذلك أن المأساة أتت من السماء، فالطائرات هي التي أمطرت بقنابلها الحارقة المواطنين العزل، وهي بذلك تختزل حالة من الضياع ونوعا من الاحتجاج. تأخذ العيون شكل الدموع، واللسان يبدو على شكل سكين، وهكذا فكل التفاصيل الكامنة في وجوه النساء تكشف عن كل التعابير الدالة على الرعب الشديد والألم العميق.

نجح بيكاسو في تكثيف مأساة غرينيكا، بالشكل الذي أصبحت لوحة غرينيكا تعبيرا عن وحشية الحرب وفظاعتها، و في نفس الوقت صرخة احتجاج ضدها، فهي قد تكون بمثابة بيان ضد الحرب، إذ أن كل شيء في اللوحة –مهما كان صغيرا وهامشيا- كان يستهدف إيصال رسالة معينة، فلوحة غرينيكا زاخرة بالرموز الموحية والدالة، تشعرنا بالدمار، وتقربنا من الموت، ولكن نجد في ثناياها ما يبعث فينا بريق على الأمل والحلم، كما قد نلمس ذلك في الوردة والمصباح ...، فثمة وحدة بين الشكل والمضمون، وهذه الوحدة بقدر ما تثري اللوحة، وتجعلها منفتحة على أكثر من قراءة، فعمق الإيحاءات والدلالات، والرسومات والتي يذكر برسومات الأطفال العفوية، تختزل كل المسافات والأزمنة لتجعل منها إدانة لكل الحروب وصرخة من أجل السلام والحب.

قد تكون الإنسانية أو تاريخ الإنسانية بعد الإبادة التي تعرضت لها غرينيكا، عرفت حروبا، أبادت شعوبا، وأزالت من الوجود مدنا وقرى، لكن غرنيكا بقيت رمزا كونيا وإنسانيا، يحمل كل المعاني والدلالات التي جسدت وتجسد فظاعة الحرب ووحشيتها، ذلك أن بيكاسو امتلك وعيا عميقا وحسا مرهفا، إذ حرر لوحته من أي تحديد تاريخي، بل لم يضع حتى توقيعه عليها، وبالتالي أعطاها نوعا من الامتداد التاريخي، والذي يعني الإنسانية في أي مكان وزمان، فأصبحت ملكا للإنسانية ورمزا لإدانة الحرب، فكم بعد غرنيكا الاسبانية، عرف العالم من مثيلات لها، والتي امتدت على جغرافية العالم، قد نجد لها مثيلا أو أكثر في فلسطين، أو في سوريا أو في اليمن أو في العراق..... لكن كم من فنان استطاع أن يسمو فوق كل الجراح والألم والمعاناة، ليعطي للإنسانية رمزا يجسد فظاعة الحروب التي ما تعرض لها الإنسان العربي في هذا الزمن.

***

أ.د. عبد القادر بوطالب

عمل فني في عصر قابليته للاستنساخ التقني*

ثلاث دراسات حول علم اجتماع الفن

اعداد وترجمة: قاسم طلاع

***

بعد نحو ستين عامًا من اختراع داجير (Daguerre) عام 1937 لأول جهاز لإنتاج الصور الضوئية آلياً، بدأت الصور تتعلّم المشي، ثم بعد ذلك بقليل حتى الكلام. لقد غيّرت الفوتوغرافي والسينما، والبث الإذاعي وتسجيلات الأسطوانات الصوتية، إدراك العالم. فالأحداث والأشياء التي كان لا يمكن بطبيعتها من قبل أن تُختبَر مباشرة في حضور حسي إلا من قِبل عدد قليل من الناس، أصبح من الممكن الآن، ظاهريًا، تثبيتها تمامًا كما وقعت، وجعلها متاحة عبر حدود المكان والزمان لعدد من الناس غير محدود من حيث المبدأ. إن السهولة التي بات يمكن بها إنتاج الصور المرئية والسمعية واستنساخها، أتاحت فجأة لملايين البشر أن يشاركوا في الحدث نفسه، أو على الأقل أن يمتلكوا وهم المشاركة فيه.

كيف أثّرت التقنيات الجديدة في الفن وفي فهمه، درس فالتر بنيامين (1892–1940) في مقال كتب عام 1936 في المنفى الفرنسي، وأصبح لاحقًا مشهورًا، بعنوان العمل الفني في عصر قابليته للاستنساخ التقني. يفهم بنيامين الفوتوغرافي (Photographie) والسينما بوصفهما أشكالًا فنية مبتكرة تحلّ محل الأشكال الأقدم، مثل اللوحة التشكيلية والمسرح. وتختلف هذه الفنون الجديدة اختلافًا جوهريًا عن تلك القديمة، ولا سيما في أن شيئًا ما ينقصها للمرة الأولى، شيء كان يميّز العمل الفني دائمًا حتى ذلك الحين، ألا وهو هالته (Aura) الخاصة. يعرّف بنيامين الهالة بأنها "الظهور الفريد لبُعدٍ ما، مهما كان قريبًا"، ويشرح هذا التحديد من خلال مثال من تجربة الطبيعة: "أن يتتبع المرء، مستلقيًا في ظهيرة صيفية، سلسلة جبال في الأفق أو غصنًا يُلقي بظله على المستلقي – فهذا يعني أن يتنفّس هالة تلك الجبال، هالة ذلك الغصن"

تنشأ الهالة (Aura) من فرادة التجربة وعدم قابليتها للتكرار، من واقع لا يمكن اختباره إلا في هذا المكان، وفي هذا الوقت، ولا يمكن تثبيته أو حمله معه، ويبقى بهذا المعنى، حتى في القرب، بعيدًا إلى الأبد، لأنه غير قابل للإمساك. مثل العرض الأول لحفل موسيقي سيمفوني أو لدراما (Drama)، وكذلك مثل لوحة لرامبرانت (Rembrandt) لا توجد إلا مرة واحدة، وتتميّز بوصفها أصلًا عن جميع النسخ لا بتاريخها فحسب، بل بالآثار التي تحملها، وبمسار نشأتها الفريدة الذي قادها من مرسم الرسام، حيث نشأت في عملية إبداعية طويلة ومعقّدة، إلى هذه اللحظة هنا، إلى هذا المكان الذي أستطيع الآن أن أراها وأتأملها فيه. في هالة التفرد لا تزال تتردّد الدلالة المقدّسة التي كان العمل الفني يمتلكها سابقًا من خلال اندماجه في ممارسات طقسية. وإدراكًا لعدم قابليته للمنال، أقف أمامه بخشية، كما لو كنت وحيدا أقف أمام إلهي.

غير أن هذا التفرد بالذات يضيع، بحسب بنيامين، بفعل إمكانية الاستنساخ التقني الجماعي. "حتى في النسخ المكتملة بعناية، يبقى هناك شيء واحد مفقود: "هنا والآن" الخاص بالعمل الفني – وجوده الفريد في المكان الذي يوجد فيه. لذا يصبح الفرق بين الأصل والنسخة بلا معنى. فالطبعة الواحدة لا تقل قيمة عن الأخرى، وإذا دُمّرت إحداها، أمكن استبدالها من دون خسارة. ما أراه هنا اليوم، يمكن شخص آخر أن يراه في الوقت نفسه في مكان آخر. لذا، فإن العمل، الذي يمكن إعادة إنتاجه بأي كمية عددية، يميل لأن يكون متاحا للجميع في أي وقت كان. فمنذ البداية، كان قد صمم خصيصا للاستخدام الجماهيري وبالتالي يسلب نفسه من عزلته ألأصلية. نحن نقرّبه إلينا، حتى إلى داخل بيوتنا، آنذاك عبر التسجيل الصوتي، ثم لاحقًا عبر التلفزيون، واليوم عبر الإنترنت. وبهذه الطريقة، يرضي الإحساس المتنامي بالتشابه في العالم. ومن القيمة الطقسية السابقة للعمل الفني (القيمة الثقافية)، ومن السلطة المرتبطة بها، لا يبقى بالكاد شيء منها، حيث تم استبدالها بقيمة عرضية. تختفي الهالة، لأنها تظل دائمًا مرتبطة بالهُنا والآن، ولذلك لا يمكن أن يكون لها هناك أي تمثيل (أو صورة). إن عبادة النجوم المُشيّدة بعناية ليست سوى بديل، تتغذى من الملاذ الوحيد الذي بقي للهالة، وهو الوجه الإنساني: «في التعبير العابر للوجه البشري، تؤثّر الهالة للمرة الأخيرة في الصور الفوتوغرافية المبكرة. وهذا ما يشكّل كآبتها، جمالها الكامل الذي لا يُقارن بشيء."

غير أن مقالة بنيامين تبدو أيضًا ساحرة ومربِكة بسبب التقييم الشديد الازدواجية لهذا التحوّل المشخَّص. فمن جهة، يبدو أنه يرثي فقدان الهالة، ومن جهة أخرى، يبدو أنه يرحب بها من وجهة نظر سياسية. إن تجربة بنيامين المباشرة في تحويل مفاهيم مثل الإبداع والعبقرية والقيمة الأبدية والغموض إلى أدوات فاشية، والتي كانت دائما مرتبطة بتفرد وهالة العمل الفني، وتحول العملية الإبداعية من الإنسان إلى الأجهزة أصبح غير ضروري، إلى الإشارة إلى الأهمية السياسية لفن مضاد "للهالة". نجحت الفاشية في متابعة تجميل وتأهيل الحياة السياسية وإضفاء الهالة عليها. وهكذا حتى الحرب يمكن اعتبارها عملًا فنيًا (وبالتالي مهمة مقدسة)، وأن يُعلَن الدمار، بما في ذلك دمار الذات، متعة جمالية من الدرجة الأولى. «ليكن الفن – ولتفنَ الدنيا»، كان الشعار: عاش الفن، حتى ولو هلك العالم – الفن للفن في أقصى درجات الاكتمال. إذ تمنح الفاشية الجماهير تعبيرًا جماليًا، فإنها تحجب حقيقة أنها لا تنوي تغيير أدنى شيء في علاقات الملكية القائمة، "ولو قليلاً"، أي في الظلم وعدم المساواة الفعليين. إن الفنّ الهالي (Aura-Kunst) يخدم ترسيخ القائم، تحديدًا لأنه ليس سياسياً. فهو يمتصّ المُشاهد، ويطالبه بأن يغمر نفسه فيه، ويترك العالم كما هو "قائم بذاته". يطالب بانتباهه الكامل، ويمنحه بالمقابل نعمة أن يكون موجودًا من أجله وحده. ولهذا السبب فهو معاد اجتماعي للغاية.

بدلًا من تَجْمِيل السياسة، هناك حاجة، بحسب بنيامين، إلى تسيس الفن، وهو ما يفترض بدوره تدمير الهالة. إن الفن المحرَّر من هالته لا يعود يدعو المُشاهد إلى التأمل الخاشع، بل يصرفه عنه عمدًا. إنه يشتته. فالجماهير المشتتة وحدها هي القادرة، كما يكتب بنيامين، بدلًا من أن الانغماس في العمل الفني، أن تُدخِل العمل الفني في داخلها، وأن تتحرر بذلك من سحره. لا يسمح العمل بنشوء موقف توقيري من الأساس، مما يضع المُشاهد منذ البداية في موقع نقدي تقويمي. يلتقي المتعة والنقد. ومن دون أن يتأثر بأي اتصال شخصي، ينظر المُشاهد، على نحو ما، عبر العمل إلى العالم الواقعي، الذي يُقرَّب إليه بطريقة لم تُعرف من قبل. تفقد الصور مظهر الاستقلالية، وتصبح "قطعًا إثباتية (أدلة) في العملية التاريخية."

تسمح تقنية الكاميرا بتوغّل أعمق وأكثر دقة في الواقع المرئي. فهي تُجزِّئه، وتقتطع مقاطع فردية، ثم تعيد تركيبها من جديد، لكي تُخرج إلى النور ما يبقى إلى الأبد غير مرئي للعين المجرّدة: "يراقب الرسام في عمله مسافة طبيعية تجاه المعطى، أما المصوّر السينمائي فيتوغل عميقًا في نسيج الوقائع". تُخرج الكاميرا اللاوعي البصري إلى السطح: "إذا كان من المألوف أن يُدرك المرء، ولو بصورة تقريبية، طريقة مشي الناس، فإنه لا يعرف بالتأكيد شيئًا عن وضعيتهم في جزء الثانية أثناء الخطو. وإذا كان مألوفًا لنا على نحو عام القبض الذي نقوم به عندما نمدّ أيدينا إلى الولاعة أو الملعقة، فإننا بالكاد نعرف ما الذي يحدث فعليًا بين اليد والمعدن أثناء ذلك، فضلًا عن كيفية تغيّره تبعًا للحالات المختلفة التي نكون فيها. هنا تتدخل الكاميرا بأدواتها، بسقوطها وصعودها، بقطعها وعزلها، بتمديدها وتسريعها لسير الحدث، بتكبيرها وتصغيرها". وهكذا تُرينا الكاميرا، بمعنى ما، صورة أكثر صدقًا، أو على الأقل أكثر دقة، للواقع مما اعتدنا عليه عادة.

يتكيّف الفن التقدّمي أيضا مع الطريقة التحليلية للكاميرا حيث يستخدم الأشكال التقليدية. فالدادائيون، مثلًا، يمارسون تدميرًا مشابهًا للهالة (Aura) كما تحققه الوسائط الجديدة. إنهم يعرضون أكثر الأشياء العادية والمتداولة يوميا، أشياء تافهة من العالم الواقعي، كزرّ البنطال وتذكرة الحافلة، ويدمجونها في أعمالهم، ويحولون بذلك دون الانغماس (التأمل) الطقسي للمشاهد. "من المستحيل أن يقف المرء أمام لوحة لآرب (Arp) أو قصيدة لأوغست شترام (August Stramm)، كما يقف أمام لوحة لدارين (Darain) أو قصيدة لريلكه (Rilke)، ليمنح نفسه وقتًا للتجمع واتخاذ موقف". يصبح العمل الفني هنا، على نحو ما، "مقذوفًا" يصدم المشاهد، الذي لا يعود قادرًا على ترك تدفق تداعياته يجري بهدوء، لأنه يُواجَه على الدوام بالجديد، وبالواقع مرارًا وتكرارًا وبطريقة جديدة دائمًا. إن الفن الجديد، كما يفهمه بنيامين، يراهن بوعي على تأثيرات الصدمة الجسدية، من أجل بلوغ عصره، ومن أجل إيقاظ المشاهد من سباته.

إن كون ذلك لا ينجح دائمًا بأي حال، وأن الأشكال الجديدة للفن، وفي مقدمتها السينما، التي علّق عليها بنيامين على ما يبدو آمال الخلاص من التفريغ الفاشي للواقع في الحياة العامة، تصلح على الأقل بالقدر نفسه، إن لم يكن أكثر، لتهدئة المشاهد (وكذلك، بطبيعة الحال، لتلقينه أيديولوجيًا، والفاشية ليست استثناء)، هو تجربة كان بإمكان بنيامين نفسه أن يعيشها. لماذا لم يحدث ذلك، يبقى أمرًا مثيرًا للاستغراب.

***

.................................

المقال أعلاه مستل من كتاب:

" Was ist Kunst? (Positionen der Ästhetik von Platon bis Danto

" ما هو الفن؟ (مفهوم علم الجمال من أفلاطون حتى دانتو"

من تأليف ميخائيل هاوسكلر Michael Hauskeller أستاذ الفلسفة في جامعة ليفربول في إنكلترا.

* Das Kunstwerk im Zeitalter seiner technischen Reproduzierbarkeit.

Drei Studien zur Kunstsoziologie, Frankfurt am Main 1963.

* فالتر بنيامين (1892-1940) فيلسوف ألماني، ناقد ثقافي (Kulturkritiker) ومترجم. وبسبب صداقته الوثيقة مع تيودور أدورنو اعتبر من النشطاء في مدرسة فرانكفورت.

*لويس جاك ماندي داجير (Louis Daguerr) 1787-1851: فنان وكيميائي فرنسي. من أبرز أعماله كانت، بالتعاون مع جوزيف نيس على تطوير التصوير الفوتوغرافي. اخترع طريق قديمة في التصوير عرفت ب (داجير وتايب). وكان قد بدأ حياته رساما، وفي الثلاثين من عمره اخترع طريقة لعرض اللوحات الفنية مستخدما أسلوبا معينا في الإضاءة، وعندما كان مشغولا بهذا الفن حاول ان يجد طريقة لنقل المناظر الطبيعية بصورة آلية، أي تصويرها وليس رسمها. فشل في البداية الأولى من اختراع كاميرا. ولكن في عام 1827 والتعرف على جوزيف نيس، الذي كان مهتما بصاعة هذه الآلة، قرر الاثنان العمل سوية. في عام 1837 توفى نيس وبقي داجير ماضيا بمحاولاته حتى جاء عام 1837 حيث نجح في ابتداع نظام عملي للتصوير الفوتوغرافي. أطلق عليه اسم "نظام داجير" وقد نال هذا الاختراع اهتمام عالمي واسع.

*هانز بيتر فيلهم آرب (1886-1966) هو رسام، نحاتا، وشاعرا ألماني-فرنسي. شارك في تأسيس الدادائية كحركة أدبية وفنية في زيورخ كرد فعل على الحرب العالمية الأولى، إلى جانب نشاطه في الحركة السريالية في باريس.

*أوغست سترام (1874-1915) ألماني، كان كاتب قصصي وشاعر إلى جانب كتابته النصوص المسرحية (Dramatiker).

* أندريه ديران (Andre Derain) 1880-1954 رسام فرنسي. مع ماتيس، يعتبر واحد من المؤسسين المشاركين لحركة (Fauvismus)، وهو أسلوب يتميز بالألوان المكثفة، والأشكال المبسطة. بعدها اتجه الى الكلاسيكية، بعد دراسة مكثفة لأساتذتها القدماء "وطور أسلوبا أكثر صرامة وبخطوط واضحة وألوان أكثر خفتا، حيث أعتبر من أوائل رسامي الحداثة الكلاسيكية. وعلى الرغم من أسلوبه المتغير، ظل مبتكرا مهما في الرسم وشخصية رئيسية في الطليعة الفرنسية طوال حياته. تنتقل أعماله بين انفجار ثوري في الألوان والتوازن الكلاسيكي – وهو نطاق فني يجعله واحد من أكثر الرسامين تنوعا في عصره.".

جماليات مستترة في نصوصه الوجودية والأدبية

لم يخصص جان بول سارتر للفن التشكيلي دراسة مستقلة، ولم يترك كتاباً عن الجمال أو فلسفة الفن يتضمن موقفاً واضحاً من التعبير الفني والجمالي، لكننا نجد في ثنايا كتاباته ودراساته الأدبية والفلسفية ما يمكن أن نعتبره نظرة فنية، أو موقفاً جمالياً له تطبيقاته في الفن التشكيلي.

في دراسته المهمة عن المتخيل التي حلل فيها التخيل، توصل إلى أن الوعي يمارس التخيل على شكل إبداعي، ولهذا يختلف عن "المدرك"، وربط بين التخيل والجمال أو الموضوع الجمالي، ووازى بينهما، اعتمد سارتر في هذه الدراسة على المنهج الظواهري في التحليل، لتأثره بهذه الفلسفة في بداية حياته.2229 art

وفي دراسة أخرى مهمة له عنوانها "ما الأدب"، فيها يتوصل إلى أن الفن التشكيلي والشعر والموسيقى يتقاربون ويتلاقون في مهماتهم الإبداعية، ذلك أن الفنان والموسيقار والشاعر يتعاملون مع الأشياء لا المعاني أو الدلالات، والأشياء تبدو مستقلة، تفيض بغناها وتدعونا لتذوقها بحرية تامة، ولهذا لا يمكن للفنان التشكيلي أن يلتزم، كالشاعر والموسيقى، النثر وحده هو الملتزم لأنه مرتبط بالمعاني.

هاتان الدراستان تمثلان التجارب الأولى للكتابة عن الفن التشكيلي، فيهما، يبدو سارتر منظراً، بعيداً عن الدراسات التطبيقية الوصفية، هما محاولة لتطبيق نظرته في الجمال والفن على تجارب فنية محددة.

يبدو أن سارتر يربط بين مفهومه للالتزام في الفن التشكيلي والابتعاد عن التمثيل والمشابهة، لذلك يقول: حين يفلح الرسام في رمي التشابه والتمثيل فان المعنى المتحرر يتجلى. هذا يعني أن الفنان إذا استطاع أن يحقق شكلاً من التعبير لا مجال فيه للمحاكاة فان الالتزام في الفن التشكيلي ممكن، بل يصبح ضرورة بالنسبة لفنان اختار أن يعبّر عن عصره، شرط أن يتمتع الفنان بحسّ سليم. لا ينفر الجمهور من عمل يقدمه له حضوره الذي يعتمد توفر العناصر المرئية والخفية. وهذا ما حققه بيكاسو في لوحته الخالدة "الجورنيكا"، التي يقول عنها سارتر أنها العمل الفني الوحيد الذي يقدم لنا مجزرة رهيبة، فيها من الجمال لا مجال للشك فيه.2230 art

كان لسارتر تأثير مباشر على الفن التشكيلي المعاصر، وذلك لعدة أسباب، لعل أهمها الأزمة النفسية في المرحلة القلقة التي عاشتها أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، والشعور بالخوف الذي رافقها، يضاف إلى ذلك رغبة سارتر في نشر الأفكار على نطاق الحياة ليوسّع دائرة تأثيره، وربطها بالواقع، وهكذا تأثر عدد من الفنانين بأفكاره، وعاش عدد آخر منهم حالة من التشابه مع الأزمة، عبروا عنها على نحو آخر.

ولعل أهم هذه الدراسات التي ارتبطت بمعاصريه من الفنانين ما كتبه عن الفنان النحات جياكوميتي، لأنهما ينطلقان من أرضية مشتركة، عايش فيها سارتر تجارب صديقه، وعرفها عن قرب، وتأثر جياكوميتي بالوجودية بل عاينها.

يقول سارتر: ليس هدف جياكوميتي تقديم صورة لنا، إنما يقدم أخيلة تثيرنا، وتهبنا ذاتها، تماثيل جياكوميتي لا تقدم لنا نسخاً من الواقع، بل تقدم خيالاً، هذه الخيالات هي الموضوعات الجمالية التي تتمتع بوجودها الخاص، وتستقل بنفسها عنا.

ارتبط جياكوميتي بسارتر فكرياً وسلوكياً منطلقاً من فكرة أساسية تقول: إن كل إنسان يعيش في العالم في جزيرة مغلقة. وبهذا لا وجود لتماس حقيقي بين الأشياء، لذلك نحت تماثيله متباعدة يحيط بها الفراغ، من مادة هشّة، تتعرض للفناء، وجعل الفضاء المحيط بالإنسان أكثر أهمية منه. لهذا قال عنه سارتر: إنه الفنان الأول الذي خطر له أن ينحت الإنسان عن بُعد، أي عن مسافة ما.

إن الفراغ برأي سارتر هو مسافة محددة تفصل بين انسان وآخر غير قابلة للنقصان مهما حاول الإنسان الاقتراب من أخيه الإنسان.

تمكن جياكوميتي من ربط فنه بالوجودبة عبر محاولة تجسيد أهم أفكار سارتر حول الوجود والعدم، وعلاقة الإنسان بالآخر، وهي منطلق أساسي لمشكلة عاشها، بكل جوارحه.

لم يكن جياكوميتي مجرد فنان يطبّق آراء سارتر بل يعيشها، ولذا كان يعيش بوضع بوهيمي، يقضي سنوات في عمل فني ما، ثم يحطّمه، ويعود منصرفاً لعمل آخر، كان مخلصاً إخلاصاً غريباً للحظة التي يعيشها، يكره الأبدية، ويركّز على الإبداع، يحب الإنسان وينقّب عن نفسه في مغامرة تبدو الإبداعية كلها فيها.2231 art

هكذا نرى بوضوح كيف انتقلت الأفكار الوجودية إلى الفن التشكيلي وكيف عبّر الفنان عنها بأعمال، وكيف ارتبطت أفكار عدد من الفنانين بالتجربة الوجودية على مستوى التنظيم والأفكار، وعلى مستوى الممارسة. وهناك عدد من الفنانين في الغرب وفي بلداننا العربية تأثروا بتلك الأفكار، لشعورهم بالوحدة والقلق، لم يكن التأثير مباشراً في بعض الأحيان، بل تعبير حر عن شعور الإنسان بالعبث واللا جدوى في العالم الرأسمالي المسؤول عن الفجوات والأزمات الإنسانية والاقتصادية.

قدم سارتر للفن التشكيلي رؤية فلسفية عميقة، جعلت من النقد الفني وسيلة للتعمّق في فهم الوجود الإنساني والعلاقات الاجتماعية. ولم تكن كتاباته مجرد تحليلات شكلية للأعمال الفنية، بل كانت غوصاً في أعماق التجربة الإبداعية وربطاً عضوياً بين الفن والحرية والوجود.

لقد نجح سارتر في تقديم وجهة نظر وجودية للفن، جعلت من العمل الفني وسيلة للتحرر والتعبير عن الذات في عالم مليء بالقلق والغربة. وتظل آراؤه النقدية مرجعاً هاماً لكل من يريد فهم العلاقة العميقة بين الفلسفة والفن في القرن العشرين.

***

جمال العتّابي

رغم ان هذا المصطلح كان قد ظهر لأول مرة في الأدبيات المنشورة عام 1870 حيث ذكره الرسام الإنكليزي جون واتكنز چابمن (1832-1903) John Watkins Chapman في معرض تقديمه لنوع من الرسوم تجاوزت نمط الانطباعية الفرنسية المعروف آنذاك، الا ان اول قاموس الذي أدرج معنى هذا المصطلح هو قاموس أوكسفورد عام 1916.، لكن المصطلح لم يتخذ معناه الذي نعرفه اليوم إلا بعد عدة عقود، وبعد تغيرات بنيوية نوعية شملت حقولا ثقافية مختلفة. وبالتحديد فقد تبلور هذا المصطلح ليمثل مفهوما فلسفيا بدأ في الظهور ثانية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، بل أصبح منهجا عمليا وجد له تطبيقات واضحة، ليس فقط في الفن، انما في حقول أخرى كالأدب والاجتماع وحتى في الدين.

 قوام هذه الفلسفة هو ردة الفعل التحليلية التشكيكية للحداثة وما قبلها، والتي تجلت بالرغبة في زعزعة الأسس المعرفية ومساءلة المفاهيم السائدة والتقاليد المتبعة في الفن والحقول الأخرى. ومن هذه الزاوية فقد اتفق اغلب المنتقدين لهذا الاتجاه على انه يحاول ان يقتلع جذور ماعرفناه من الأسس الجمالية والأخلاقية ويستبدلها بمظاهر الاثارة والبهرجة والادعاء.

وليس بخافٍ فان فلسفة ما بعد الحداثة أحرزت بعض الشعبية في العقد الأخير من القرن العشرين من خلال اصطفاف مريديها، اجتماعيا وسياسيا، مع الطبقات المخذولة في المجتمع كالنساء والأقليات العرقية والدينية، فكانت عاملا أساسيا في تصاعد دعوات التعددية وتفعيل نشاط الأقليات المهمشة كما في صعود الحركات النسوية (الفمنست).71 Post mod.Approperiation

الأعلام البارزون لفلسفة ما بعد الحداثة:

- الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا (1930-2004) Jacques Derrida

لمع نجم دريدا في سبعينيات القرن الماضي لما اشتهر بمنهجه الفكري التفكيكي في تحليل النصوص المكتوبة والمنطوقة ومحاولة الوصول الى معانيها الحقيقية المضمرة. وكان الهدف الأساسي من ذلك التحليل هو رفض المسلمات ومقابلة اليقين بالشك وتبيان ان ليس هناك حقيقة ثابتة وحيدة الجانب، وكشف مكامن التناقض واللاتوازن في معاني النصوص وما تؤول اليه. على انه ركز في هدفه على نقد المفاهيم التقليدية في الفلسفة الغربية حول اللغة والمعرفة مستثمرا مفاهيم فعالة كمفهوم ميتافيزيقيا الحضور الذي استعاره من الفيلسوف الألماني مارتن هايدكر (1889-1976) Marten Heidegger

- أما في ثمانينات القرن الماضي فقد برز تأثير الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (1926-1984) Michel Foucault الذي عُرف بنقده لنظام المعرفة والخطاب الثقافي الناتج عنه عبر ارتباطهما بطبيعة السلطة ومراكز القوى في أي مجتمع. كما انه انتقد المفاهيم التنويرية الأولى كالحقيقة الموضوعية والتبريرات العامة الشاملة التي تنطبق على كل الحالات دون النظر الى الخصوصيات السوسيولوجية والثقافية. وهنا أكد على ان السلطة ومراكز القوى المنضوية تحت لوائها هي التي تسهم بدرجة أولى، ولو بشكل غير مباشر، في صياغة المحتوى المعرفي والثقافي في أي مجتمع، وهي التي تقرر ماهو مقبول وماهو مرفوض ثقافيا، وتُعرّف ماهو طبيعي وما هو شاذ، وتُعلي أو تحط من شأن شغيلة الثقافة.

- جون فرانسوا لايوتارد (1924-1998) Jean Francois Lyotard

وهو فيلسوف فرنسي أيضا كتب عن الهدف الجوهري لفلسفة ما بعد الحداثة بانه التشكيك العميق بالخطاب الفلسفي والثقافي التقليدي المشتمل على الخطاب الديني والايديولوجي كالخطاب الماركسي وحتى فلسفة وثقافة عصر التنوير. يلوم لايوتارد تلك النظم المعرفية في شرعنة ما تعلمناه باعتباره غير مناسب بالضرورة لكل الظروف والازمان. وقد اعتبرالمعرفة بمثابة السلعة التجارية التي تختلف محليا باختلاف منتجها ومستهلكها. ولذلك فهو يشيد بدور ما بعد الحداثة في رفض نمطية وثبات الطروحات المعرفية ويعوّل على تعددية سياقاتها الزمكانية.72 Post mod.Bricolage

- جون بودريلارد (1929-2007) Jean Baudrillard

وهو فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي آخر اعتقد ان المعرفة بشكل عام انتقلت من المفاهيم التقليدية والثوابت الى ما يحاكيها ويعوّض عنها للحد الذي تحول الواقع الذي نعرفه الى ما يقلده ويحاكي مظاهره فينتج الواقع البديل. وهكذا فقد تضاءل واختفى الحد الفاصل بين ما هو حقيقي أصيل وبين ما هو مصطنع بديل، مما آل بمرور الزمن ان يكون المصطنع اكثر اعتبارا من الحقيقي، وان يكون الخيالي ابلغ واقوى حضورا من الواقعي. وطبيعي ان يكون للاعلام والنزعة الاستهلاكية وتقدم التكنولوجيا دورا حاسما في ذلك التحول.

- فردرك جيمسن (1934-2024) Fredric Jameson

هو فيلسوف ومنظّر ماركسي أمريكي كسر الطوق الفرنسي في صياغة فلسفة ما بعد الحداثة. يرى جيمسن ان ما بعد الحداثة تعكس الخطاب الثقافي للرأسمالية في أفولها والمتميز بصعود شعبية الاعمال الفنية والأدبية التي تفتقر للاصالة والهوية المعروفة وتقدم نفسها بطريقة تجميعية غير متناغمة. وهي حالة يصفها بانها وليدة العولمة وتغوّل رأس المال واتساع عالم المضاربات وازدياد النشاطات المالية الزائفة التي لاتستند على أصول مالية حقيقية ورصينة. وكل ذلك ساهم بتحويل كل شيء في الحياة الى سلعة لا ترتكز الا على قيمتها التجارية في السوق. وواضح ان جيمسن لا يرى أي صفة إيجابية في عالم ما بعد الحداثة. ومما تجدر الإشارة اليه ان جيمسن ليس الوحيد الذي عارض هذه الفلسفة ووضعها في الجانب السلبي لما يفترض ان تقدمه الفلسفة للإنسانية، فان ما بعد الحداثة كانت وما تزال مثيرة للجدل بل والاعتراض والرفض من قبل شخصيات ثقافية واوساط فكرية عديدة. وقد وصفت بانها فكرة فلسفية غير رصينة وغير متوازنة خاصة بعد ان تحولت اغلب تطبيقاتها ولاسيما في الفن والادب الى مظاهر منفلتة غير مسؤولة.

في كتابه الشهير الموسوم "فكرة وتاريخ ما بعد الحداثة" المنشور عام 1995، يقول هانز بيرتنز Hans Bertens الأستاذ المتميز في الادب المقارن والانسانيات في جامعة أوترخت الهولندية ومؤلف كتاب نظرية الأدب:

" ان فلسفة وتطبيقات مابعد الحداثة تعكس أزمة عميقة في التشخيص وشعورأصيل بفقدان قدرتنا على معرفة ماهو حقيقي وما هو زائف في مختلف الأصعدة المعرفية والجمالية والأخلاقية والسياسية. وهي بذالك خسارة فادحة لما كنا ندركه ونعوّل عليه في حياة متناغمة ومتوازنة"

ولئن تركيزنا هنا على حقل الفنون، يمكننا صياغة الهدف الجوهري الحاسم لفلسفة ما بعد الحداثة في الفن بأنه تحدي مفهوم اللوحة الفنية التي عرفتها الأجيال منذ قرون بشكلها ومحتواها وباعتبارها رسما على ورق او كانفس، وكذلك تجاوز اصولها وقيمها الجمالية. ويصح نفس الهدف اذا تكلمنا عن النحت بشكله المتمثل بتجسيد الاجسام عن طريق تطويع المواد المعروفة كالطين والخشب والصخر وما شاكل. هذا التحدي وهذه الرغبة المحمومة في التجاوز والاستبدال قادت الى ظهور أساليب وطرق وتكنيكات مختلفة بديلة تعوض عن شكل ومحتوى لوحة الرسم وقطعة النحت. فيما يلي بعض من تلك الأساليب والتقنيات التي قدمتها فلسفة ما بعد الحداثة في حقل الفن.73 Post mod.Conceptual

البُدع الفنية التي تمثل تطبيقات فلسفة ما بعد الحداثة في الفن:

- Collage, Bricolage, and Pastiche

أصل مصطلح الكولاج هو الكلمة الفرنسية Coller ومعناها "يلصق" ولذا يراد بالكولاج هو تقنية قص ولصق المواد المختلفة كالورق والقماش والمعدن بعد تنظيمها بشكل معين على سطح مستوي. أما البريكولاج فيراد به نفس عملية الكولاج ولكن بدلا من المواد الثنائية الابعاد يصار الى استخدام المواد ثلاثية الابعاد، أي المواد المجسمة. وأخيرا الپاستيش الذي يشبه الكولاج والبريكولاج بكونه عملية تجميعية ولكن برؤى متعددة بدلا من رؤيا واحد منسجمة. يتحقق ذلك بمزج مواد مستعارة من أعمال فنية موجودة وبأساليب فنية مختلفة وعصور مختلفة. وفي اغلب الأحيان يدور العمل المنجز في فلك تقليد الأعمال الاصلية المتوفرة ولكن بطريقة تجميعية غير متناغمة تفتقر للعمق التاريخي والروحي.

- Installation art

يتمثل هذا الاسلوب بنصب هياكل من مواد مختلفة كالورق والخشب والبلاستك والحديد والحبال ومواد مستعارة من الحياة اليومية وتقديمها بشكل تجميعي كعمل فني. وقد يدخل فيه الصوت كعنصر من عناصرالعمل الفني. لكن الأهم من ذلك هو الحجم الكبير لتلك الهياكل واستثمار فضاء قاعة العرض وجعله عنصرا آخر من عناصرالعمل الفني بدعوى خلق جو عام يكون فيه المتلقي حاضرا داخل العمل ومتفاعلا معه، وليس فقط كزائر لاتجمعه مع العمل الفني الا المشاهدة العامة المتمثلة بالنظر الى اللوحات كسطوح منفردة متفرقة.

- Performance art

بدلا من ان يقدم الفنان لوحة رسم او قطعة نحت، يصبح هو ذاته العمل الفني أما بأداء دور بالطريقة المسرحية أو باستخدام جسمه ككانفس للرسم والكتابة ووضع العلامات والرموز والشعارات. قد تكون هذه الطريقة مقبولة في الفنون المسرحية الا انها ليس فنا تشكيليا مما يثيرالاستهجان والسخرية من قبل الجمهور.

- Appropriation

ينطوي هذا الأسلوب على استعارة واستنساخ او تصوير مشاهد واشكال من صور واعلانات وكتابات موجودة أصلا في مصادر معروفة ولكن إعادة انتاجها بطرق مختلفة وتقديمها كأعمال فنية جديدة. اشتهر بهذا الأسلوب الفنان الأمريكي أندي وارهول (1928-1987) Andy Warhol الذي اصبح نارا على علم.

- Juxtaposition and Fragmentation

لا يأتي هذا الأسلوب بأي جديد لأنه يعيد تدوير صور ونصوص يتم استنساخها وتقطيعها وإعادة ترتيبها مع مواد أخرى لتقديم عمل جديد. الفرق هنا هو التركيز على وضع تلك المواد مجزءة وبشكل يعارض بعضها بعضا مع ادعاء ان في ذلك معانٍ معينة.

- Conceptual Art

البدعة الكبرى هنا هي الأدعاء بأن الفن التشكيلي هو مفهوم وفكرة وفلسفة ومعنى قبل كل شيء! أما الشكل والتنفيذ فهما عناصر ثانوية أما ان تكون مختزلة او مهملة.

- Image and Text Interaction

الفكرة الأساسية هنا هو تفاعل الصورة والصوت والنص المكتوب كعناصر أولية في العمل الفني الذي قد يحتوي على صور مرسومة او مطبوعة ونصوص مكتوبة على هذه الصور او ترافقها وقد يختصر كل ذلك بعرض فديو اوفلم مع التعليق حوله.

- Irony and Parody

هنا يكون هدف العمل التشكيلي هو السخرية والطرافة والاستهزاء والتصنيف ولا يهم كيف يقدم الفنان عمله من ناحية الشكل، فقد يحقق هدفه باتباع أي من الأساليب المذكورة أعلاه.

بعد هذا العرض السريع لتاريخ وطبيعة وتطبيقات فلسفة ما بعد الحداثة، يثار السؤال التالي: هل في تلك الفلسفة وتلك الأفكار والأساليب المبتكرة أي فائدة لمسيرة وتطورالفن التشكيلي؟ يجيب مريدو ومؤيدو هذه الفلسفة بما يلي:

- توفر هذه الفلسفة الفرصة والامكانية لتحدي ونقد السلطة والثقافة الفنية التقليدية التي هيمنت على العقول لقرون.

- توفر الفرصة والامكانية للاحتفاء بالتعددية واحترام الاختلافات وإعطاء صوت لمن لا صوت له في حقول الفن والادب.

يبدو لي وكأن هذه الفوائد هي نصوص مستلة من خطاب سياسي في الوقت الذي يفترض ان تكون ترجمة للفائدة الفنية. فاذا كانت مثل هذه الأهداف سامية من الناحية الاجتماعية فان من الصعوبة إيجاد أي معنى لها على الصعيد الفني العملي. فمثلا يمكننا التساؤل: من هو الفنان المهمش فنيا(وليس اجتماعيا او سياسيا)؟ هل من المحتمل ان يكون هذا الفنان هو الشخص الذي لايجيد الرسم او النحت؟ ولهذا فان ما بعد الحداثة توفر له العديد من الأساليب والتقنيات التي تنقذه وتبقيه فنانا دون ان يحتاج المهارة والخبرة الفنية!

حسناً، فما هي سلبيات أو مضار ادخال هذه الفلسفة في حقل الفن؟74 Post mod.juxtapositon

يورد معارضو هذه الفلسفة ثلاث نقاط:

- Nihilism and Moral Relativism

أي انها تفتح الباب على مصراعيه لشرعنة الفوضى والعدمية واللاجدوى عن طريق نكران الحقائق الموضوعية والقيم الجمالية، وتساعد على تبني النزعات التشاؤمية والمواقف السوداوية وإشاعة أفكار الاستهزاء بمعاني الجديّة والاجتهاد والرصانة، وكذلك معاني الحياة والحب والصداقة، وتدفع الفنانين للتعبيرعن ذلك كيفما شاءت لهم رغباتهم وتشجعهم على تقديم منتجاتهم كأعمال فنية ودحض كل من لا يراها كذلك، بل اقناعه بقصور معرفته بالفن وضيق ادراكه وضآلة حسه الفني. كما تعوّل هذه الفلسفة على تنسيب الاحكام الفنية والأخلاقية والادعاء بان هذه الفلسفة هي ما تتطلبه روح العصر حيث ان التشبث بالماضي اصبح شيئا مشينا.

- Elitism and Inaccessibility

أي ادعاء ثقافة النخبة التي لايتمكن من حيازتها وفهمها أي احد. نرى ذلك جليا في إضفاء التعقيد المتعمد في لغة النقد الفني، وذلك من اجل جعلها غير مفهومة لتعضيد فكرة الثقافتين العليا والدنيا اللتين تنتجان الفن الراقي والفن الواطيء.

- Erosion of Standards

أي رفض السرديات التقليدية التي درجت على فرز الحقيقة من الوهم وتشخيص القيم الجمالية التي عرفتها البشرية منذ قرون واستبدالها بأفكار دخيلة، مما يقود الى ضياع أسس التقييس وتخفيض المعايير الفنية والاجتماعية والأخلاقية الى درجاتها الدنيا.

ختاماً، أقول: ان أفكار ما بعد الحداثة قد تكون مقبولة في حقل الفلسفة النظري، وقد تكون مقبولة كتطبيقات في حقول أخرى، إلا انها في الفن لم تجلب سوى الاسفاف والتردي والانحطاط. ومن المؤسف انها لم تواجه بالمعارضة والرفض من قبل اكاديميات الفنون واساتذتها.

***

ا. د. مصدق الحبيب

باديء ذي بدء، أقول ان من الأنسب ان نصف الوحشية بأنها حركة movement أكثر من كونها مدرسة فنية، خاصة وان زمنها لم يطُل وتأثيرها لم يدُم أكثر من ثلاثة أو أربعة أعوام، من 1904 الى 1908، على الأكثر. كما ان نشاط أعضائها الفعلي لم يتجسد بأكثر من ثلاثة معارض.

مع انفجار ثورة الحداثة في الفن والأدب، كانت "الوحشية" أولى الحركات الطليعية Avant-garde التي انبثقت في فرنسا في مطلع القرن العشرين. وقد اطلق على فنانيها هذا الاسم Les Faves الذي يعني بالفرنسية "الوحشيين". وللاسم حكاية طريفة. فقد روي ان الصحفي والناقد الفرنسي لوي فوكسيلز Louis Vauxcelles كان قد زار المعرض الذي اقامته المجموعة الأولى لفناني هذه الحركة في صالون d’Automne عام 1905، إلا انه خرج من صالة العرض صارخا:

 " لقد رأيت دانتيللو يقف بين الوحوش"!68 Fauv2. Andre Derain The Trees

كان هذا الناقد يشير الى قطعة نحتية فيها روح عصر النهضة للفنان ألبرت ماركي Albert Marquet وهي تقف يتيمة وسط لوحات بأشكال غريبة تستغيث سطوحها من تقنياتها الشاذة وألوانها الصارخة. وسرعان ما قامت الجريدة اليومية Gil Blas بوصف هذا المشهد ونشر ما تفوه به ذلك الناقد عن المعرض في عددها الصادر يوم 17 أكتوبر عام 1905. ومنها تلقفته صحف أخرى فشاع بين الناس ان هناك بعض التشكيليين الذين بدأوا يرسمون كما ترسم الوحوش، مما أساء للحركة وهي في باكورة تكوينها فاثار استهجان قسم كبير من الجمهور حتى قبل ان يزورا المعرض.

قاد هذه الحركة الفنان أندريه ديرينAndre Derain والفنان هنري ماتيس Henri Matisse. ومن أبرز أقطابها روبرت ديبورن Robert Deborne وألبرت ماركيAlbert Marquet وجين پوي Jean Puy وچارلس كموين Charles Camoin وجين متزنگر Jean Metzinger وموريس فلامنك Maurice Vlaminck وهنري مانگون Henry Manguin وروبرت پنچن Robert Pinchon. كما انظم اليها جورج براك Georges Braque وراؤول دفي Raoul Dufy وجورج رو Georges Rouault .

استمر عدم قبول هذه الحركة من قبل الجمهور حتى بعد إقامة المعرضين الثاني والثالث لعدد اکبر من الفنانن الذين انضووا تحت لواء هذه الحركة الجديدة. أقيم المعرض الثاني في صالون des Independents في عام 1906. في هذا المعرض أثير الكثير من اللغط حول الأساليب الفنية غير المألوفة التي واجهت الجمهور لأول مرة. وبشكل خاص أثارت لوحة هنري ماتيس المعنونة "متعة الحياة" Le Bonheur de vivre موجة من القرف والاستهجان عند قسم لا يستهان به من جمهور المعارض، وحتى عند بعض النقاد. كان احد النقاد قد وصفها بأنها عمل سطحي استخدم فيه الفنان الأسلوب التجميعي والمواد المختلفة ذات التقنية الساذجة والألوان البراقة المغالية في توناتها، مما لم يكن مألوفا في عالم التشكيل آنذاك.

أما المعرض الثالث والأخير فقد أقيم مرة أخرى في صالة d’ Automne وفي نفس العام، 1906. كانت الثيمة العامة في هذا المعرض هي الپورتريه وبأسلوب المجموعة الجديد. فقد رسم بعض الفنانين انفسهم في بورتريهات ذاتية، أو رسموا زميلا آخر لهم. رسم روبرت ديلونيه Robert Delaunay وجه جين متزنگر ورسم ماتيس وجه زوجته فيما رسم أندريه ديرين نفسه. كما اشترك في هذا المعرض پول سيزان Paul Cezzane كضيف شرف بعشر لوحات باسلوبه المعروف، ولكن للأسف فقد توفى في 22 اكتوبر 1906، وما زال المعرض قائما.69 Fauv3. Maurice Vlaminck

لقد زعم هؤلاء الفنانون بأن حركتهم هذه لم تأت عن فراغ أو ترف، انما كانت استجابة تلقائية وذاتية لتغير ادراك وذائقة تلك المجموعة التي شعرت بضرورة الثورة على التقاليد التشخيصية والتمثيل الواقعي في المحتوى والشكل والتكنيك والتلوين، الصفات التي تميزت بها الفنون قبل ذلك الوقت، بما في ذلك الانطباعية، ولذا فقد اعتقد اغلب ما في هذه المجموعة من فنانين بأن تغير الزمن وما يحمل من معالجات فنية هو تغير حتمي يعني ان ما كان سائدا من معالجات فنية قد انتهى، ومن الضروري أن يبدأ بعده زمن جديد يحمل معه معالجات وتقنيات فنية جديدة.

يقال ان البروفسور گُستاف موريه Gustav Moreau الذي درّس ماتيس وماركي في مدرسة الفنون في باريس كان المؤثر الروحي والفلسفي الذي ألهم أغلب أعضاء هذه الحركة، خاصة فيما يتعلق بتشديده على الحكمة من وراء الخروج عن المألوف في الفن والتي تعدت الى التشجيع والحث على ضرورة التجريب في تجاوزالقواعد المدرسية والأصول الاسلوبية في التشكيل. عملياً، قام ماتيس بحمل هذه الراية فاضطلع بالدور الذي كان بروفسور موريه يأمل ان يراه عند الفنانين الشباب.

ينحو معظم مؤرخي الفن الى تحديد المؤثرات التي أثرت على تلك المجموعة من الشباب في تشكيلهم لهذه الحركة بثلاثة تأثرات أساسية:

- التأثر بأسلوب ما بعد الانطباعية post-impressionism الذي تجسد باعمال الفنان الهولندي ڤان گو Van Gogh والفنانين الفرنسيين پول سيزان Paul Cezanne وپول گوگن Paul Gaguin ، وخاصة الانبهار بالاعمال التي رسمت في جزر تاهيتي وما تضمنته من ألوان نقية ذات درجة عالية من التشبع وحركات الفرشاة غير المنضبطة. ومن المعروف ان هذه الاعمال كانت قد اشعلت فتيل الحداثة ليس فقط عند الوحشيين انما عند غيرهم من الفنانين الذين كانوا يطمحون بخوض تجارب جديدة في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

- التأثر بأسلوب الانطباعية الجديدة Neo-impressionism وخاصة اعمال الفنانين الفرنسيين جورج بيير سورا Georges Pierre Seurat وهنري أدمند كروس Henry Edmond Cross خاصة فيما يتعلق باهمال تجسيد البعد الثالث واللجوء الى التسطيح اللوني الفاقع.

- التأثر بأسلوب التعبيرية الألمانية German Expressionism خاصة فيما يتعلق بضربات الفرشاة العريضة والسريعة واستخدام الألوان الخام البراقة.

أما ما يتعلق باستخدام الوحشيين لألوانهم المتميزة بتوناتها الفاقعة البراقة، فيزعم بعض النقاد ان فناني الوحشية اعتمدوا في تنظيم ألوان باليتاتهم على نظرية اللون التي صاغها العالم الألماني يوهان ولفگانگ ڤون گوث Johann Wolfgang von Goethe في القرن التاسع عشر والتي تفيد بأن الألوان ليست فقط وليدة النور انما هي حصيلة التفاعل بين النور والعتمة وان الألوان التي تكمّل بعضها complementary colors هي التي تبدو متناقضة مع بعضها، لكنها اصطفافها جنبا لجنب يعمل على زيادة بريق ونصاعة بعضها لبعض. ومن هنا اختار الوحشيون ألوانهم التي بدت تصرخ بوجه من ينظر اليها.

مما تقدم، نستطيع تحديد الميزات الأساسية للاسلوب الوحشي بما يلي:

- الابتعاد عن الموضوعات السردية الثقيلة والمعقدة والاكتفاء بالمعالجة البسيطة والمجردة مما آل الى التركيز على المناظر الطبيعية والحياة الجامدة والبورتريهات.

- الاعتماد على الألوان النقية وتجنب مزج الألوان أوتخفيفها. وغالبا ما يقوم الفنان بعصر علب الألوان مباشرة على الكانفس.

- تفضيل الألوان المشبعة والتونات الصارخة والبراقة.

- تجنب العناية برسم الخطوط وتجسيد الاشكال وبدلا من ذلك اعتماد ضربات الفرشاة العريضة والسريعة والعنيفة والمنفلتة أحيانا.

ختاما، يمكن القول ان قصر عمر هذه الحركة كان انعكاسا لافتقارها الى الاتجاه الواضح والمتوازن مما حدا بأغلب أعضائها ان يعتبرها مجرد مرحلة تجريبية انتقالية أخذت اغلبهم فيما بعد الى مدارس أخرى كالتكعيبية والسريالية والتجريدية.

***

ا. د. مصدق الحبيب

الصفحة 1 من 6

في المثقف اليوم