عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

بأقلامهم (حول منجزه)

الحلقة السادسة من حوار الدكتورة شهرزاد حمدي مع الأستاذ ماجد الغرباوي

حول فلسفة الدين

تكامُلية السُؤال والجواب في صِناعة تفلّسُف الألباب

***

المحور الثالث: أزمة العقل الديني

بين التَشْخِيصّ النقدي والبِناء الحُلولِي

س18- شهرزاد حمدي: لديكم مشروع فكري تنويري تَحرّري للدين من سطوة القمع والمنع وللعقل من سُلطة التكبيل والتجميد. ما الغرض الأساسي الذي تُريدون تَحقيقه؟ وما الذي دفعكم إلى الانهمام بهكذا مشروع؟

ج18: ماجد الغرباوي: أنا مُنخرط فِعْلاً بمشروع التنوير والتجديد، وكلاهُمَا شرط أساس لنهضتنا التي تأخرت كثيرًا، لذا كان منهج النقد طاغيًا في أعمالي الفكرية. والحقيقة أن مشروع التجديد هو ثمرة التنوير ومقولاته التأسيسية في وعي الذات.

وأعني بالتنوير، إضافة إلى تعريف "كانط" (خُروج الإنسان من قُصوره الذي اقترفه في حَقّ نفسه من خِلال عدم استخدامه لعقله إلاّ بتوجيه من إنسان آخر). أعني: تحرير وعي الإنسان من سطوة قبلياته التي تُكَرِّس التبعية والانقياد والتخلّف الحضاري، والخُروج من نفق الجهل والخُرافة واللامعقول إلى نور المعرفة والعقل والعِلم. فَلاَ يَصْدُق التنوير إلاّ بعقلانية شاملة وخزين معرفي نقدي، ووعي قادر على تشخيص الواقع ومُلاَبَسَاته، وموقف شجاع من الفكرة الحاكمة لانتزاع قُدسيتها، وتقويض سُلطتها المعرفية من خِلال النقد، والمُلاحقة المُستمرة لكلّ تجلّياتها، لانتشال الوعي ومن ثَمَّ ترشيده باتجاه الحقيقة. من هُنَا يَتَّضِح أن أدوات المُقاومة والتجديد لَدَى التنويريين لمُجابهة الفكرة الحاكمة، هو النقد والموقف الشجاع بالكلمة الصادقة، والكتاب النافع، والمقال النقدي، والفَنّ الهادف، والمُؤسسات الإعلامية والثقافية الفاعِلَة. وأيّ نَشَاط آخر يخدم الهدف التنويري.

وجاء في بداية سيرتي الذاتية المنشورة أن الهدف الأساس وراء المشروع هو: تحرير العقل من بنيته الأسطورية وإعادة فهم الدين على أساس مركزية الإنسان في الحياة. وترشيد الوعي عبر تحرير الخطاب الديني من سطوة التُراث وتداعيات العقل التقليدي، ومن خِلال قِراءة مُتَجَدِّدَة للنصّ تقوم على النقد والمُراجعة المُستمرة، من أجل فهم مُتَجَدِّد للدين، كشرط أساس لأيّ نُهوض حضاري، يُسَاهم في ترسيخ قيم الحُرّية والتسامح والعدالة والعقلانية، في إطار مُجتمع مدني خالٍ من العُنف والتنابُذ والاحتراب. هذه هي معالم مشروعي مُنذ قُرابة أربعين عامًا أو أكثر...  منجزي يرتكز على العقلانية في نقده للتُراث ومَرجعيات التفكير الديني. ويبقى العقل مَرجعيتي في وعي الخطاب الديني في ضوء رؤيتي للعالَم، بمفاهيم مُغايره للنسق العقدي المألوف، وتفسير مُختلف لمصفوفة مفاهيم عقدية.  فأنَا مشْغُول دائِمًا بسُؤال الحقيقة، أطارده من قضية إلى أخرى، ومن نصّ إلى غيره. ويبدو أنها مُهِمَّة لا تنتهي أبدًا. لن أدعي الكمال، وليست لَدَيَ نِهائيات، فكلّ شيء قابل للمُراجعة والنقد بشكلٍ مُستمر. وآرائي هي وُجهات نَظَر، قد أتخلّى عنها مُستقبلاً عندما أكتشف خطأها.

 

س19- د. شهرزاد حمدي: ماهي أهمّ النِقاط التي تُؤكّدون عليها من أجل تأسيس خِطاب ديني مُنفتِح وبَنّاء؟

ج19: ماجد الغرباوي: يَتَوَقّف تأسيس خطاب ديني مُنفتح وبَنَّاء، مُتصالح مع العصر، يتجاوز تَحَدّيات الخطاب الدوغمائي المُنغلق على مجموعة عوامل، منها:

-  التمييز بين الدين والفهم الديني، بين الإلهي والبشري. الدين كنصّ مُقَدَّس ثابت، بيد أن الفهم البشري رأي اجتهادي، نِسبي، مُتغيّر، قابل للنقد والمُراجعة. وهو نتاج سياقات سياسية وثقافية واجتماعية، يتأثّر بقبليات وثقافة المُتلقّي. فَمَا كان مُنَاسِبًا لزمنٍ ما، قد لا يكون كذلك لزمننا. بهذا الشكل نُحَرِّرُ النصّ من القِراءات الجامدة. وهذا يشمُل مُطلق التُراث مادام فهمًا بشريًا نِسبيًا. فَيَصْدُق حينئذٍ أنه خطاب ديني مُنفتح على الرأي الآخر.

- تَبنّي قيم التسامح مع الآخر المُختلف، لا مِنّة وتفضّلاً، بل لأنه شَريك بالحقيقة، مَهمَا كانت نِسبة احتمالها. وقبول التعدّدية والاختلاف، والاعتراف بشرعية المُختلف مَهمَا كان توجهه وحَقّه في الاختلاف. والانتقال إلى البحث عن الحقيقة بَدَلاً من دعوى امتلاكها. بينمَا يرفُض الخطاب المُنغلق التسامُح الحقيقي، ويكتفي بالتسامُح الشكلي. لا يعترف بالآخر، ويَسْعَى إلى تهميشه بل ونبذه.

- الإنسان في الخطاب المُنفتح غاية لا وسيلة. وهو هدف الرسالات السماوية والأرضية، وقد جاءت لخدمته وتعزيز مكانته وكرامته، بينمَا يَعْمَدُ الخطاب المُنغلق إلى تهميشه، وهدر كرامته، واستغلال طاقاته خدمة لمُختلف المصالح الإيديولوجية.

- تَبَنِّي القيم الأخلاقية الرَفيعة كالعدالة والرحمة والحُرّية والكرامة، بهذا الشكل يكون خطابًا مُنفتحًا.

 

 

س20- د. شهرزاد حمدي: كيف تنظُرون إلى المُقاربات الإبستمولوجية في تفعيل دور الدين؟ هل بالإمكان الاشتغال على تحسين هذا النمط من التفكير بُغيّة إحلال ذِهنية نقدية تتفاعَل مع الدين بِمَا يحفظ الضوابِط، وتتعقّله تعقّلاً يُجسّد تكريم الإنسان على سائِر الخلق وتنصيبه خليفة الله في الأرض تَغْييرًا وتَعْميرًا بالأفضل؟

ج20: ماجد الغرباوي: إذا كان الغرض من تحسين المُقاربات الإبستمولوجية تفعيل دور الدين بُغيّة إحلال ذِهنية نقدية تتفاعَل مع الدين بِمَا يحفظ الضوابِط، وتتعقّله تعقّلاً يُجسّد تكريم الإنسان على سائِر الخلق وتنصيبه خليفة الله في الأرض تَغْييرًا وتَعْميرًا بالأفضل؟ كما جاء في السؤال، فأنا مع المُقاربة التكامُلية التي تُوائِمُ بين الظاهر والتأويل، وتُخضعهُمَا لمعيار العقل ومَقَاصد النصّ. وأرجح المقاربة الهيرمنيوطيقا، مادامت تُقَدِمُ فَهْماً للدين في سياق لغوي وثقافي وتاريخي، يمنعُ القِراءة الحرفية الساذجة، ويعترف بدور القارئ في فهم النُّصوص. لكنها ليست الأقدر على فهم الدين بوصفه تجربة شَامِلَة للحياة. وبالفِعل قَدمت نموذجًا لفهم الكتاب الكريم وفقًا لهذا المنهج. لا استهين بالمُقاربات الأخرى، بيد أن هذه المُقاربة أقدر على تحقّق الهدف المنشود، مادامت تهتم بفهم المعنى والسياق، وتتخذ من التأويل أداة لتقصّي الأنساق المُضمَرة في النصّ، واكتشاف ما يُريد قوله وما يستبعده. فالمُقاربة الهرمنيوطيقية أقدر على فهم لُغة الدين التي هي لُغة رمزية، تستدعي منهجًا تأويليًا لفهمها. بينمَا المُقاربة العقلانية: تعتمد على العقل والتحليل المنطقي. المُقاربة التجريبية: تعتمد على التجربة والمُلاحظة. المُقاربة النقدية: تُفكِّكُ المعرفة وتبحث في شُروط إنتاجها. وجميعها مُهِمّ بيد أن المُقاربة التأويلية (الهرمينيوطيقيا): تهتم بفهم المعنى والسياق. وقد قَدمتُ في كتاب تحرير الوعي الديني مُقاربة هرمنيوطيقية لقصّة الخلق، وخرجت بدلالات جَديدة، تمنح النصّ ديناميكية، وفهمًا مُغايرًا لِمَا هو مُتداول. ذلك الفهم المُرتهن لظاهر النصّ في تفسير قصّة الخلق. الهرمينيوطيقا تُمثل أداة إبستمولوجية ضرورية لفهم النصّ الديني، لأنها تكشف عن طبقاته الدلالية وتتجاوز القِراءة الحرفية.

 

س21- د. شهرزاد حمدي: كيف يُمكن ضَمَانة تفلّسُف نقدي بنّاء يقِف عند حُدود ما ليسَ له به عِلم، يُدرِك مواطِن التعقّل وحُدود التوقّف؟.

ج21: ماجد الغرباوي: التواضُع المعرفي هو الضَابِطَة الأساسّ للحَدّ من التفلّسف غير المُنْضَبِط، والتواضُع المعرفي ليسَ عيبًا، مادامت المعرفة البشرية نِسبية وجُزئية. مَهْمَا بَلَغَ الإنسان من العِلم مبلغًا، ففوق كلّ ذِي عِلم عَليم. وثَمَّة مَسَاحات واسِعَة من المعرفة مازالت مجهولة.

الدعوة إلى تفلّسف مُنْضَبِطْ أخلاقيًا ومعرفيًا، نقديًا دون تمادٍ بل يقفُ عند حُدود ما ليسَ له به عِلم، يُدرِك مواطِن التعقّل وحُدود التوقّف، كمَا هو مضمون السُؤال، تنمّ عن وعي مسؤول. يُدرك تداعيات تمادي النقد خارج حُدود موضوعاته. فَمَهْمَا كانت مُستويات الفيلسوف تبقى آراؤه نِسبية، لا مُطلقة، ودعوى الإحاطة بكلّ شيء خُرافة، فَثَمَّة عوالم نجهلها فكيف يجزم الفيلسوف بنفيها، مع إمكانها؟. إنّ أقرب شيء لنا أنفسنا بيد أنَّنَا نجهلُ أسرارها وغوامضها، لا يستطيع الفيلسوف إنكارها.

وقد عَجَزَ العِلم الحديث عن الإحاطة بها، فهل يجبُ على الفيلسوف احترام التخصّصات الأخرى، وعدم استعمال أدوات البُرهان في ما هو رمزي، أو التأويل في ما هو تجريبي؟.

 

س22- د. شهرزاد حمدي: شَخّصيًا "لقد ازددت إيمانًا وتقوى لَمّا درسُت الفلسفة وما كان منها ما أغواني وأبعدني عن ديني"، هل تُوافقُونني القناعة ذاتها؟

ج22: ماجد الغرباوي: نعم، يُمكن للفلسفة أن تُسهم في ترسيخ الإيمان، وتعزيز التقوى. بيد أن ما حَصَلَ مَعَكِ يبقى تجربة شخصية، لا يُمكن تعميمها كقاعدة عامة.

الفلسفة سلاح ذو حدين، قد تُسَاهم في ترسيخ الإيمان وقد تُؤدي إلى الإلحاد، تَبَعًا لطبيعة المُتلقِّي وثقافته وفهمه للفلسفة. يُمكن للفلسفة أن تُعزّز الإيمان مادامت قادرة على تكوين قناعة تُبَرّر إيمانه فلسفيًا، ليكون على بينة من أمره. لا تهزمه الشبهات، ولا تُربكه الأسئلة، بعد أن يُعيد فهم الدين بِعُمق وتأويل واعٍ. بهذه الحالة تكون الفلسفة حصنًا لحماية الإيمان عن قناعة راسِخَة، لا مُجَرّد إيمان تقليدي ساذج. بشكلٍ أدَقّ، يُمكن للفلسفة أن تكون سَبَبًا لقُوّة الإيمان حين تُمَارس بوصفها بحثًا عن الحقيقة، فتُعطي للإيمان بُعدًا عقلانيًا بَدَلاً من الإيمان التقليدي الموروث أو الإيمان الطُقوسي. بل إيمان قائِم على قناعة وفهم واطمئنان، قادر على مُواجهة الشُكوك بَدَلاً من الهُروب. سِيِمَا الأسئلة الكبرى (وجود الله، معنى الحياة، الشر ...)، بِلاَ خوف أو تردّد، بل يجعل الشكّ مرحلة عُبُور نحو يقين أعمق. كمَا أن الفلسفة تمنعُ الإيمان من التحوّل إلى جُمود أو خُرافة، ويمنع الإيمان الفلسفة من السُّقوط في العبث أو العدمية، فالفلسفة تُضفي معنى لإيمان الشخص.

وأمَّا لماذا تكون سَبَبًا لضُعف الإيمان، فلأن بعض الاتجاهات الفلسفية، تتمادى بالشكّ، ترفُض أيّة مُراجعة عقلانية، وتواصل الشكّ دون توقف. وبعضهم يتبنى رؤية مادية صارمة. أو يتمادى في التفكيك دون أن يبني. فتكون الفلسفة في هذه الحالة عاملاً مُزلزلاً للإيمان، مادامت النزعة الشَكّية المُتَطَرِّفَة قد تهدم كلّ يقين بِلاَ بديل.

 

س23- د. شهرزاد حمدي: سَبَقَ وأن تشرفّنا بكتابة مقال حول طرحكم الفكري بعُنوان: "ضِدّ الاستبداد، مشروع الخِطاب الديني المُنفتح: سَمْعٌ مُثمر وعَقْلٌ مُنتج عند ماجد الغرباوي". استخلصنا منها العديد من الأمور المهِمَّة، لكن نودُّ سُؤالكم للفَصلِ في الموقف، هل تشتغلون على إقامة نوع من التوليفة الحَيّة بين الدين والعقل والعِلم؟

ج23: ماجد الغرباوي: شُكرًا لك دكتورة "شهرزاد"، لقد كانت دِراسة أكاديمية قيّمة، شاركت ضِمن أعمال "مؤتمر: المُتغيّر الفكري وأثره على الخطاب الديني" الذي انعقد في كلية التربية الأساسية، جامعة الكوفة العراق آذار 2022م، ثم نُشرت في مجلة الكلية الإسلامية الجامعة المُحَكّمة، في الجزء الثاني من العدد: 71 / 28 آذار 2023م.

حَقيقة أنِّي لا أعمل على "إقامة نوع من التوليفة الحيّة بين الدين والعقل والعِلم" لكلّ واحد منها مجاله الخاصّ. مُهِمَّة الدين ترشيد وعي الإنسان، وإضفاء معنى لحياته، والإجابة عن الأسئلة التي يعجز العقل والعِلم عنها. فمجال الدين مجال روحي، ومصدره خصوص الوحي. وسُؤال الدين سُؤال فلسفي وليسَ عقليًا، فَثَمَّة قضايا دينية مُجَرَّدَة لا يُمكن الاستدلال عليها برهانيًا، ولا دليل على صِدّقيتها سِوى النصّ والفَضَاء المعرفي للمُتلقِّي، فيلعب الإيمان القلبي دورًا أساسًا في تصديقها.

من هُنَا أجد أن الدعوة إلى قِراءة النصّ الديني المُقُدّس من داخله ووفْقًا لمنطقه كلامًا دقيقًا وصائبًا، من أجل فهم يتماهى مع مُحَدِّداته، ولا يكون شَاذًا في نتائجه، لكن لا على حساب العقل وأحكامه. فَثَمَّة مبادئ كُلّية حاكِمَة، ينتسب لها النصّ بشكلٍ وآخر. أو تخرج القِراءة عن فضائها الديني، وتَنْحَى باتجاه آخر، يبدو مُشوّها، ينهار أمامه الإطار الكُلِّي الذي يحكم النُّصوص الدينية. وهذا ما يحصُل عادة مع القِراءات التلفيقية والترقيعية، التي تَطْمَحُ لمُواءَمَة النصّ الديني مع الواقع، مَهْمَا كان حجم المَسَافَة بينهُمَا، كتحدٍ حضاري أمام الكُشوفات العِلمية ومُعطيات العُلوم الإنسانية. وأوضح مِثال جُهود أسلمة العُلوم، التي هي جُهود ترقيعية لم تنتِج لَنَا أيّ عِلم من العُلوم الإنسانية التي نشأت وتطوّرت في بيئة مُغايرة في ثقافتها وطريقة تفكيرها، ومبادئها الفلسفية، ونًظْرَتِها للكون والإنسان والحياة. العُلوم تراكُمية، تعتمد مناهج وأدوات مُجرّدة لقِراءة الواقع وفهمه، لا علاقة لها بالدين. وهذا لا يمنع أن تكون للدين قيم وأطُر أخلاقية تُغَذٍّي الرؤية التربوية والاجتماعية والنفسية. الدين له تخصّصه وحقله، وعندما يُقحم في مجالات غريبة عن منطقه، يرتبك أداء الفهم الديني، ويعود بالضرر على الدين ذاته. لكن المنطق الإيديولوجي يرفُض الاعتراف بالحقائق والكُشوفات العِلمية، ويُصِرُّ على إلغاء العقل، والتأكيد على كمال الدين وشُموله لجَميع مناحي الحياة، وقُدرته على الاستجابة لكلّ مُتطلبات الواقع خارج حُدوده. أو ما يُعبِّر عنه شِعار الحركات الإسلامية: "الإسلام هو الحَلّ". "القُرآن هو الحَلّ". وهذه إحدى عوائق النهضة الحضارية للمُسلمين.

ثَمَّة اختلاف في مصادر المعرفة يَحُول دون التوليف بينهُمَا. وهو أن الوحي مصدر المعرفة لَدَى الأديان، لا يُمكن للعقل مُعارضته، ولا يَحِقُّ له مُسَاءَلَة الوحي، بيد أن العِلم يشترط الدليل والبُرهان المنطقي أو الرياضي أو التجريبي لإثبات صدق القَضَايَا. بمعنى آخر، العِلم يشترط صِحَّة مُقدمات القياس المنطقي بالدليل والبُرهان، فتخرج المُقدمات الظَنِّيَة والمُسَلّمة. فالعِلم يَعْتَبِر "العقل أداة لإدراك الحقيقة وتشخيص الواقع، ومِعيارًا يُمكّن الإنسان من خِلاله التمييز بين: الصواب والخطأ. الخير والشر. الحسن والقبح". وبالتالي، ليسَ المطلوب إخضاع العِلم للدين، ولا إلغاء الدين باسم العِلم، بل إعادة تعريف الدين بحيث يُصبح قَابِلاً للعيش داخل أفُق العقل والعِلم.

***

د. شهرزاد حمدي: وافِر الشُكر لكم أستاذ "ماجد الغرباوي" على منحكُم لنا هذه الفُرصة الرائِعَة وعلى إجابتكم عن الأسئلة وتقديم آرائكم القيّمَة والرَصينَة والعَميقَة، دُمتم بتوفيق وتفوّق من الله تعالى، على أمل بإرادة العَمَل أن يتجدّد اللِقاء ويتولّد الحِوار مرّة ثانية.

***

حاورته: د. شهرزاد حمدي

الحلقة الخامسة من حوار الدكتورة شهرزاد حمدي مع الأستاذ ماجد الغرباوي، حول فلسفة الدين.. تكامُلية السُؤال والجواب في صِناعة تفلّسُف الألباب.

***

المحور الثالث: أزمة العقل الديني

بين التَشْخِيصّ النقدي والبِناء الحُلولِي

حينمَا أدرك المُشتغلون بالفكر والفلسفة والتنوير خَطَرَ الانسداد الذي وَقَعَ فيه التفكير العربي الإسلامي بشأن الدين، وتَحَوُّل العقل الديني إلى مُستبِد وقَامع، تحرّكت العُقول للتفكّر في أسباب ومكامن الأزمة وطَبيعتها بروح نقدية تشخيصيّة لمظاهر الاضطراب مع اقتراح بدائل حُلولية من شأنها إعادة تصحيح المَسَار والدفع بالعقل العربي الإسلامي نحو الإبداع والإنتاج، وتحرير وعيه وخلق فهم صَحيح وعَميق للدين يَتَنَاسَبَ مع  رسالتِهِ الحَقَّة والتفاعُل الحيوي لهذا العقل مع موروثاتِه بالاستفادة من كُشوفات العصر في ضوء العقل والدين والعِلم. 

 

 

س14- شهرزاد حمدي: هل حَقًّا أزمتنا هي أزمة مُرتبِطة بالشأن الديني؟ لدينَا قُرآنٌ كريمٌ وعَظيمٌ وسيرة نبوية حَكيمة، ما الذي ينقُصنا؟

ج14: ماجد الغرباوي: الذي ينقصنا وعي ديني يَقِظْ يُميّز بين الإلهي والبشري.. بين السماوي والأرضي، لتفادي استغلال الإنسان، عندما يلتبس المُقدس بالمُدنس، ويختلط الدين بالفهم الديني... إذ بات فهم نُصوص المُدَوَّنَة الأولى / القرآن، مُرتهن لتفسير المُدَوَّنَة الثانية / السُنّة النبوية، والثالثة / الصحابة والتابعين، ورُبمَا الرابعة / أقوال الفقهاء، حتى بات قول الصحابي والتابعي وربما الفقيه يُضاهي آيات الكتاب في قَدَاسَتِه. وبشكلٍ تدريجي سَادَ منطق الوصاية كثيرًا في فهم وتفسير الكتاب، حداً حَرّموا مُقاربة آيات الكتاب بمعزل عن السُنّة. واعتبروا الفهم المُعارض للقِراءة الرسمية لآياته انحرافًا وتَمَرّدًا على الدين. وفِعلاً، تحوّلت اجتهادات الفُقهاء، وتفسيرات المُفسّرين، وروايات المُحدّثين إلى مرجعيات نِهائية، تكتسب سُلطة معرفية تعلو أحيانًا على النصّ نفسه.

إنَّنَا نُعاني من هيمنة عقل تُراثي يرفُض مُغادرة القُرون الهجرية الأربعة، يحتكر الحقيقية ويحتكر القِراءة الرسمية للدين. عقل لا يفهم معنى القَدَاسَة سوى الجُمود على حرفية النُّصوص، وتقديس التُراث والسلف الصالح. عقل يرفُض إعادة النَظَر بفعلية بعض الأحكام الشرعية لعدم فعلية موضوعاتها، بِفِعل المُتغيّرات الزمانية والمكانية. إنه كان وما يزال وراء فتوى العُنف والإرهاب، التي شوّهت صورة الدين، وأباحت دماء بريئة وأهلكت الحرث والنسل.

نُعاني من مَأْسَسَةْ الدين، واتخاذه أداة لأغراض إيديولوجية. إنّ كل ما ينسب إلى الدين من أزمات هي في الحقيقة ناتجة عن  أنظمة سياسية تُوظّف الدين لمصالحها، وتستغل التديّن الطُقوسي الذي يُكرّس الأهداف الطائفية والسياسية. نُعاني من تشوّهات أخلاقية بِفِعل الفهم الديني المُبتسر.

نُعاني عدم فهم الواقع ومُتطلّبات العصر، وتجاهُل مُعطيات العُلوم الحديثة وأثرها الكبير في فهم النصّ والواقع، وانعكاس ذلك على تشريع الأحكام.

نحنُ بحاجة إلى جُرأة السُؤال، وتحطيم الأوثان، ومُسَاءَلَة التُراث، والتحرش بالموروث، واستنطاق الحقيقة. لقد بات مُستقبل نهضتنا يتوقّف على تحطيم قُدسية التُراث الذي أسَّسَ قيم الاستبداد والعُبودية والتخلّف والرضوخ للنصّ. وعَمَّقَ فينَا روح الكراهية والحقد، وجعلنا أكثر التصاقًا بالخُرافة والطُقوس ومُختلف الأوهام العقدية، وعِشْنَا في ظِلِّهِ حياة البُؤس والحرمان الحضاري. فليست هُناك أزمة مُرتبطة بالشأن الديني كنُصوص مُقدَّسَة، ويكفي ما ورد في المُدَوَّنَة الأولى بِمَعِيَة الصحيح من السيرة. بيد أن المصالح السياسية والطائفية عمدت لاستغلال الدين، وادعت امتلاك الحقيقة المُطلقة، واحتكار طريق النجاة. وقد سَادَ هذا المنطق بعد وفاة النبي، لحظة انقطاع الوحي وانقلاب الإسلام من دين إيماني سماوي إلى ديني سياسي، وسيادة خطاب يُكَرّس الطاعة والتبعية بعناوين ديني وأخرى قبلية.

نحنُ بحاجة ماسة إلى تحرير العقل من أسيجته الدوغمائية، ليستعيد أفُق العقلانية في تفكيره واعتقاده وسلوكه، والكَفّ عن الانقياد الأعمى واستغلال المُؤسسات الدينية ورجال الدين. والكَفّ أيضًا عن اضطهاد الآخر تحت أيّ مُبَرِّر ديني أو غير ديني. ما يُقْلِقُنِي دائِماً استغلال الإنسان، بِفِعل خطابات إيديولوجية.

نتطلّع إلى تحرير المرأة من سطوة المُجتمع، واستعادة وعيها بذاتها وبالآخر، وعدم الشُعور بالدونية، ذلك الخطاب الذكوري الذي كَرَّسَ اضطهادها وسلبها حُقوقها.

 

س15- د. شهرزاد حمدي: فيمَ تتمثّل أبرز مظاهر العقل الديني التُراثي المُستبِد؟ وكيف يتحالف الديني والسّياسي في تجميد حركات الوعي والتحرّر؟

ج15: ماجد الغرباوي: العقل الديني التُراثي، عقل دوغمائي، مُستبد، مُغلق، يحتكر الحقيقة وطريق النجاة. يرفُض الآخر، ويُحَرِّض على نبذه وإقصائه إلا ما ندر. أمَّا أبرز مظاهر العقل الديني التُراثي المُستبِد:

- الاستبداد: الذي يُعد التحدّي الأكبر أمام كلّ حركة تروم النُهوض والتطوّر الحضاري. ويعني الاستبداد التفرد في القرار، وممارسة السلطة بشكل مطلق دون قيود قانونية أو مؤسساتية مع قمع المعارضة واقصاء الشعب عن ممارسة دوره. والمستبد مصطلح (Despot) مشتق عن الكلمة اليونانية ديسبوتيس (despotes)، وتعني رب الأسرة، أو رب المنزل، أو السيد على عبيده. ثم خرجت الكلمة إلى عالم السياسة لكي تطلق على أحد انماط الحكم، بعد أن طور المصطلح أكثر من مرة على يدي رجال الفكر السياسي، كان آخرهم مونتسيكو (1689م-1755م)[1]. "والسلطة المستبدة هي تلك السطلة التي تمارس حكم الناس دون أن تكون هي ذاتها خاضعة للقانون. ومن هنا ففي وسع هذه السلطة أن تتخذ ما تشاء من اجراءات أو مواجهة الافراد لمصادرة حرياتهم أو ممتلكاتهم"[2].

والاستبداد الديني توأم الاستبداد السياسي، بل أخطر منه كما قال الكواكبي والنائيني، لأنه باسم الدين والإله، فيقمع الرأي الآخر، الذي هو أساس تطور المجتمع، ويفرض على الشعب لونا واحدا من التفكير. وطالما شرعن رجل الدين ممارسات رجل السلطة، مهما كانت تعسفية، فيـُظلل وعي الناس، ويتستر على الحقائق عمدا أو جهلا. وهنا مكمن الخطر. لذا يعد الاستبداد الديني علامة فارقة في التخلف الحضاري. وقد انتبه الغرب لذلك فنجح في وضع حد لدوره في المجتمع، وتخلص من سلطته القاهرة. وعلينا كمقدمة من أجل نهوض حضاري حقيقي، علينا تحديد دور رجل الدين، وتحديد سلطته التي تعيق تطور الفرد والمجتمع.

- احتكار الحقيقة: يَتَعَامل "العقل الديني التُراثي المُستبِد" مع فهمه للدين بوصفه حقيقة مُطلقة، لا بوصفه تأويلاً بشريًا. يرفُض الاعتراف بالآخر، ويَسْعَى إلى تهميشه، ومن ثَمَّ رفضه. وتارة يذهب إلى تسفيه آرائه، لتسقيطه عِلميًا ورُبمَا اجتماعيًا أيضًا.

- تقديس التراث: يَتَّصِفْ العقل التُراثي المُستبد بجُموده على حرفية النصّ، واعتماد التُراث مَرجعية نِهائية، لشرعنة سلوكه ومواقفه، لا يجوز نقده أو مُراجعته. لا فرق لديه بين النصّ وفهم النصّ. فتسري قَدَاسَة النصّ إلى فهم النصّ، عَلِم بذلك أم لم يَعْلَم، بهذا الشكل ساهم بتقديس التُراث الذي هو فهم بشري للنصّ، وتَحَوّل التُراث من خبرة تاريخية إلى سُلطة فوق تاريخية تعيق الفعل الحضاري.

 - تعطيل العقل النقدي: واستبداله بعقل أداتي، يُرَوَّضُ على طاعة المُستبد، والانقياد لأوامره، وعدم التَمَرُّد على سُلطته.

أمَّا كيف يتحالَف الديني مع السياسي؟، فهو تحالُف مصالح. السُلطة السياسية تحتاج إلى غطاء رمزي لِشَرْعَنَة وجودها، فَيُلَبّي الخطاب الديني ذلك عبر تبرير الطاعة، تحريم الخُروج عن السُلطة، تصوير الحاكم كظلّ إلهي أو ضرورة دينية. في المُقابل يقوم المُستبد بحِماية المؤسسة الدينية، ومنحها امتيازات خاصّة ... فمُعادلة التحالُف بين الاستبدادين الديني والسياسي، يقوم على تبادُل المَصَالح، الاستفادة من السُلطة الدينية والرأسمال الديني الرمزي لتعزيز سُلطة المُستبد، في مُقابل دعم سلطة الفقيه.  يُعيّن السلطان الفقيه، ويمنحُ الفقيه السلطان الشرعية. وفي ظِلّ السُلطان يُمَارس الفقيه أعماله مُفتيًا دينيًا لِتِلك المنطقة، وفي ظِلّ الفقيه يُمَارس السلطان ما يشاء من الأفعال والمُمَارسات.

 

س16- د. شهرزاد حمدي: هل طُموح التفاعل الحيوي للعقل العربي الإسلامي مع الدين كرافِد جوهري من روافِد بِناء الإنسان والحضارة، تُحقِّقُه فلسفة الدين أم عِلم الكلام؟ وهل نحنُ في حاجة إلى تَجديد عِلم الكلام أم إلى جَديده؟

ج16: ماجد الغرباوي: اتَّسَمَ الدين بقُدرته على إضفاء معنى لوجود الإنسان، يدفع باتجاه بناء الفرد والحضارة، شَريطة فهم الدين في ضوء مركزية الإنسان وأولوياته. دين مَرن، مُنفتح على الآخر، يُكرّس المبادئ والقيم الإنسانية التي تنهض به حضاريًا. لا ريب أن الدين يُؤدي أدوارًا مُتَعَدِّدَة في حياة الإنسان، تتراوح بين المعنى والأخلاق والهُويّة والدعم النفسي والمُسَاهَمَة الحضارية. ورُغم التحوّلات الحديثة، فإن الدين لا يزال عنصرًا أساسًا في تشكيل الوعي الإنساني، بل رُبمَا أصبح أكثر حُضورًا في زمن تتسارع فيه التغيّرات وتزداد فيه الحاجة إلى المعنى. إنّ فهم الدين كقُوّة حضارية وروحية وأخلاقية يفتح آفاقًا جَديدة لإعادة بناء المُجتمعات على أسُسّ مُتوازنة تجمع بين الإيمان والعقل، وبين الثابت والمُتغيّر. لقد كان الدين وما يزال إطارًا مَرجعيًا للهُويّة، ومصدرًا للقيم التي تُنَظّم العلاقات الاجتماعية والسياسية، مِمَّا جعله عُنصرًا أساسًا في تطوّر الحضارات. إذ ساهمت الأديان الكبرى في تشكيل القوانين والأخلاق والفنون والعُلوم في كثيرٍ من الحضارات.

كان ينبغي للعقل العربي أن يفهم الدين فَهْمًا إنسانيًا حضاريًا، لكن للأسف لم يكن العقل العربي الإسلامي طموحًا في تفاعله مع الدين كرافِد جوهري من روافِد بِناء الإنسان والحضارة، قام بتهميشه، سِوى تديّن طُقوسي، مَهَّدَ لهيمنة استبداد ديني – سياسي، فرض وصاياه على فهم وتفسير الدين.

نعود للسُؤال:(هل طُموح التفاعل الحيوي للعقل العربي الإسلامي مع الدين كرافِد جوهري من روافِد بِناء الإنسان والحضارة، تُحقِّقُه فلسفة الدين أم عِلم الكلام؟).

الجواب يتوقّف على معرفة أيُّهُمَا أقدر على تقديم خطاب قادر على استعادة وعي الإنسان بعد تحريره من أسطوريته ودوغمائيته وأغلاله. خطاب نقدي عقلاني يقطع مع العقل الأسطوري القروسطي، يَتّخذ من العقل أداة المعرفة الصواب من الخطأ، والتمييز بين الحسن والقبح. خطاب مُتَفَتِّح على الآخر، يُكَرّس مُعطيات العُلوم الإنسانية الحديثة، لفتح آفاق معرفية واسِعَة، ويُراكم قِراءات نقدية مُحفزة، تَمُدُّ التأمّل الفلسفي بطاقة مُتَجَدِّدَة. خطاب يتمثّل قيم ومبادئ الحضارات الإنسانية، ويستفيد من تجاربها وتَحَدِّياتها. خطاب يُعيد تشكيل العقل العربي على أسُسّ عقلانية، تدفع باتجاه النهضة.  فأيُّهُمَا أقدر على ذلك، هل العقل التُراثي أم العقل الفلسفي؟.

أمّا عِلم الكلام القديم: فهو عقل إيديولوجي إقصائي، نشأ تاريخيًا بوصفه أداة للدفاع عن العقائد. وتثبيت الإيمان داخل أطُر مذهبية. وإفحام الخصم ونقض حُججه. لقد قام عِلم الكلام الإسلامي بإعادة تشكّل العقل المُسلم وفقًا لمقولاته التي هي تجلّيات طائفية بامتياز. فتأسَّسَ الدين تأسيسًا طائفيًا - سياسيًا، شعر المُسلم بهذا أم لم يشعر. بل أن ولادة عِلم الكلام القديم كان إيذانًا بتأسيس الفِرَق وتعميق الخلاف بين المذاهب الإسلامية عامة والشيعة خاصّة. بينمًا يطمحُ العقل العربي بمُجتمع مدني، تعدّدي، مُتسامح، يعترف بالآخر وبحقّه بالاختلاف.

تجدُر الإشارة، أن المُتبادر من عِلم الكلام والمُنَاظرات الكلامية أنه عِلم قائِم على منهج عِلمي، يرتكز على العقل في مُقدماته ومقولاته الأساسية. غير أن الحقيقة شيء آخر. فهو يختلف في طريقة البحث، ويرتكز للمنطق الأرسطي في الاستدلال على آرائه. الكلام القديم لم يَتَحرَّر من النصّ والروايات، ويبقى قابِعًا تحت سُلطة مقولاته المذهبية. فهو جُزء من بنية الخطاب التُراثي، ويخضع لآلياته، فَلاَ تصدق صِفة العِلمية على مُعطياته. فإضافة العِلم إلى علم الكلام القديم ضرب من الخداع، للتستّر على مُهمته الإيديولوجية، التي هي تَمَام حقيقته.

إنّ تفكيك المقولات الكلامية ينزله من علياء التعالي والفوقية. وهُنَا تأتي مُهِمَّة النقد لكشف خداع الاستدلالات الكلامية، وصِدّقية المفاهيم التي قامت عليها مقولاته. وحينئذٍ سنكتشف أن الفكر الديني فكر تُراثي، لا يمتُ للعقل بِصِلَة، بل هو مقولات نِهائية، يتداولها عُلماء المُسلمين، فيُعيدون إنتاجها بمُختلف القوالب اللغوية والاستدلالية. فاللامعقول الديني هو الأساس في عِلم الكلام القديم، وليسَ العقل والفلسفة. وأحد مهامنا في نقد النصّ بيان مساحة اللامعقول، ورصد جُذوره، وطريقته في الاستدلال، وما يستخدمه من أدوات للتلاعب في مُقدمات عِلم الكلام القديم، الذي يفترض أنه عِلم عقلي في استدلالاته ومُناظراته، يتبنى اللامعقول، ويَتَسَتَّر على تبنيه، بل ويُناقض المنطق العقلي – الفلسفي حينمَا ينطلق من مقولات ومفاهيم جاهزة. إنه خطاب إيدولوجي، يكرّس تنزيه الذات ونبذ الآخر، مع دعوى احتكار الحقيقة، وسَبيل النجاة في اليوم الآخر. فلا يصدق عليه مفهوم العلم بالمعنى الاصطلاحي، لكنه يَتَسَتَّر به. نُؤكِّدُ أن المعرفة لا تُبنى بالأوهام، والخُرافات. ولا تستمد حقيقتها من التُراث والروايات، وتحتاج دائِمًا لأدلة عقلية وفلسفية، فإقصاء عِلم الكلام القديم إقصاء لخطابه الإيديولوجي الاقصائي، والجهل المعرفي، وخداع القياس الأرسطي. وكانت أول خُطوة على طريق الحضارة الحديثة القَطيعة مع التُراث والهرطقات الكلامية، واعتماد العقل والدليل العِلمي في بناء المعرفة والتراكُم العِلمي. ومن يرد ارتقاء سِلم الحضارة لا يركن إلى عِلم الكلام القديم.

بينمَا الأمر يختلف مع عِلم الكلام الجديد الذي تَأَسَّسَ ليكون عِلمًا قادرًا على تلبية طُموحات النهضة العربي والإسلامية. يُعيد للدين حيويته وفاعليته، لذا مُهِمّة الكلام الجَديد مُهِمَّة معرفية، للكشف عن مناشئ المقولات الكلامية، وبَيَان تاريخيتها، ومَدَى صِدّقِيتها ومُطابقتها للواقع، وكيفية تطوّرها، ومَا يَتَرَتَّبُ عليها من آثار ونتائج، قد تنعكس سَلْبًا على الدين.  فهو عِلم يرتكز على البُرهان والدليلين العِلمي والفلسفي، ويُوظِّفُ مُعطيات العُلوم الإنسانية الحديثة لمُقاربة الحقيقة، والكشف عن تاريخيتها، وظُروف نشأتها. فالانتقال من الدفاع عن المقولات الدينية، وردّ الشُبهات إلى فلسفة الإيمان والتديّن ومصادر المعرفة يُمَثِّلُ جوهر الاختلاف بينهُمَا. والباحث في عِلم الكلام الجديد يَتَّسِم بالموضوعية والتجرّد، دون موقف مُسّبَق عدا إيمانه بإلوهية الوحي، بمعنى مختلف. بينمَا الموقف (الإيديولوجي سواء كانت دينية أو مذهبية) يَسبق المُتكلّم القديم، فينشغل بالدفاع عنه، والتصدي لخُصومه. لذا المُتكلّم الجَديد يُصغي، لا يتجاهل شيئًا، بينمَا تتلاحَقُ رشقات المُتكلّم، يتغاضَى، يَتَسَتَّر، يُواري. فالمُتكلّم القديم ينطلق من يقينيات ومُسلّمات كإيمانه بوحيانية القُرآن معنًى ولفظًا. أمَّا المُتكلّم الجَديد، فَيُخضع كلّ قضية للنقد والتَحَرِّي والمُسَاءَلَة. فيكون أقدر على تلبية طُموحات العقل العربي، والمُشارك في قيام نهضة عربية شَامِلَة. لكن رُغم حجم الفارق بين الكلام القديم والجَديد، بيد أن الجَديد كالقديم ينطلق من مُقدِّمات إيمانية كالوحي، فهو لا يُنكره، بل يُفَسِّرُهُ، ويُقَدِّمُ فَهْمًا مُغايرًا لحقيقته.

في مُقابل عِلم الكلام تأتي فلسفة الدين، وهي الخيار الثاني كمَا في سُؤال الباحثة القديرة د. "شهرزاد حمدي". وهي تختلف في منهجها وأدواتها عن عِلم الكلام. فلسفة الدين كمَا مَرَّ تعريفها: (فرع من فروع الفلسفة، تدرُس الظاهرة الدينية دِراسة عقلية نقدية مُحايدة من الخارج، لفهم طبيعة المُعتقدات الدينية. لا تهدف لإثبات صِحّة دين مُعَيّن، بل للبحث عن عقلانية المعارف الدينية ومُحاكمتها.مُستعينة بِعِدّة عُلوم كتاريخ الأديان وعِلم الاجتماع والنقد التاريخي، بَعيدًا عن أيّة مُنطلقات إيمانية مُسّبَقَة).

أمّا أيُّهُمَا يُلَبِّي طُموحات العقل العربي فقد تَقَدَّمَ: أيُّهُمَا أقدر على تقديم خطاب يعتمد العقل أداة له، خطاب عقلاني، يرفُض الانغلاق، ينطلق من مركزية الإنسان، فهو الأجدر بذلك. بهذا يخرج عِلم الكلام القديم للأسباب أعلاه. فينحصر الأمر بين عِلم الكلام الجَديد وفلسفة الدين. فكلاهُمَا قادر على تلبية طُموح العقل العربي، بيد أني أرجح فلسفة الدين، مَادَامَ عقلاً نقديًا، يُلاحِقُ مضمرات العقل وأنساقه المعرفية للتأكّد من عقلانيتها، وتَحَرُّرِها من تداعيات الخطابات الإيدولوجية. فهو عقل مُنفتح، موضوعي، لا ينطلق من أيّة مُقدمَة، بل يتولَّى بِنَاء مُقَدِّمَاته على أسُسّ عقلية صَارِمَة. يستفيد من مُعطيات العُلوم الإنسانية الحديثة لتطوير خطابه. تنتشل فلسفة الدين الوعي من غفلته، وتفتح له آفاقًا واسِعَة للتأمُّل بِجَميع القَضَايَا.

وهل نحنُ في حاجة إلى تَجديد عِلم الكلام أم إلى جَديده؟، كمَا جاء في نهاية السُؤال:

نحنُ لسنا بحاجة إلى تجديد الكلام الإسلامي القديم، لأن التجديد في هذا الحقل يعني إعادة صياغة القضايا القديمة بلُغة مُعاصرة. والدفاع عن العقيدة بأدوات حديثة. فيبقى أسير البنية نفسها: يقين مُسبق، غاية دفاعية، مركزية العقيدة. فالتحديث هُنَا يعني تحديث الوسائل، لا تحديث الرؤية. أمَّا بالنِسبة لعِلم الكلام الجَديد فالأمر مُختلف، مادام ينتقل من الدفاع إلى الفهم. ومن العقيدة المُغلقة إلى الدين كخبرة إنسانية. ومن الحقيقة الجاهزة إلى الحقيقة المُتشكّلة تاريخيًا. وأنه عقل نقدي لا تبريري، مُنفتح على العُلوم الإنسانية. فلا يَصْدُق عليه مفهوم التجديد المُتَقَدّم، بل هو تأسيس إبستمولوجي جَديد.

***

حاورته: د. شهرزاد حمدي

الحلقة الربعة من حوار الدكتورة شهرزاد حمدي مع الأستاذ ماجد الغرباوي، حول فلسفة الدين.. تكامُلية السُؤال والجواب في صِناعة تفلّسُف الألباب.

***

المحور الثاني: فلسفة الدين (2)

***

س12- د. شهرزاد حمدي: ما رأيكم في مشاريع بعض المُفكّرين العرب المُعاصرين على سَبيل الذِكر لا الحَصّرِ: "محمد أركون"، "نصر حامد أبو زيد"، "محمد شحرور"؟ هل حمِلت اجتهادًا مأصولاً أم مَسّعًى منقولاً؟

ج12: ماجد الغرباوي: المَشَاريع الثلاثة المُشَار إليها في السُؤال وغيرها من مَشَاريع، تُمثّل مرحلة من مراحل تطوّر الوعي النقدي، في سِياق تأسيس عقل نقدي عربي. هي ليست نقلاً آلياً للغرب، ولا اجتهادًا تُراثيًا تقليديًا. بل هي مَسَارًا ثالثًا، كَرَّسَ المناهج الغربية في نقد النصّ. فَلاَ يصدق أنها استعارة للمناهج الغربية مُطلقًا، ولا قَطيعَة معرفية مع التُراث، بل توظيف مُعطيات العُلوم الإنسانية في فهم النصّ:

محمد أركون: كَرَّس مشروعه لنقد العقل الإسلامي، وهو مشروع شامل، يدرس شُروط صلاحية كلّ المعارف التي أنتجها. وكان سُؤاله المركزي عن: (كيفيّة الانتقال من مرحلة العقل الديني إلى مرحلة العقل العِلمي أو العلماني الفلسفي من دون التضحيّة بجوهر الدين أو مُثله الأخلاقيّة العُليا وروحانيته). وفي هذا السياق اشتغل على كشف اللامُفكر فيه، والممنوع التفكير به، واستدعى المُهَمّش والمتروك في النُّصوص الأولى. وقام بتفكيك العلاقة بين السُلطة والنصّ.  بيد أن "أركون" نقل أدوات نقد اللاهوت المسيحي إلى بنية نصّية مُختلفة، وبيئة مُغايرة، فكان نقده نقدًا عقليًا من خارج الدين. وقد اتخذ عِدّة خُطوات إجرائية لتحقيق هذا الهدف، منها:

- الفصل بين مرحلتي العقل الأسطوري والحداثي.

- الفصل بين مرحلة الخطاب الشفاهي ومرحلة تدوين القرآن.

- تَحَرِّي اللامُفكر فيه.

- تفكيك العقل والتُراث، لتحديد مَدَى صلاحية معارفها.

- مُقاربة النصّ المُقدّس كغيره من النُّصوص الأدبية، بعد أنسنته في سياق تاريخية النصّ القرآني.

- اعتبر الـقـرآن، كالأناجيل، لـيـسَ سوى مـجـازات عالية تتكلّم عن الوضع البشري.

- اعتبر القصص في القرآن نظمًا رمزية.

- يعتقد "أركون"، ثَمَّة حقيقة مُشتركة بين الأديان الكبرى، وصفها بـ (المُعطى المُنَزَّل).

- وَظَّفَ "أركون" مناهج النقد التاريخي والأدبي واللغوي، والهرمينوطيقا، والتفكيك، والإسلاميات التطبيقية. التأويل الذي يُمثّل إضافة للأنسنة جوهر مشروعه، لإثبات تاريخية النصّ القرآني. أعاد بموجبها قراءة النصّ المُنَزَّل / القرآن، وارتكز على حزمة مناهج، كان الغرب قد سبقه في قِراءة النُّصوص المُقَدَّسَة، التوراة والإنجيل.

واضح أن ما تَوَصَّل إليه "أركون" هو نِتاج مُعطيات العُلوم الإنسانية والمناهج الغربية. ولا مانع من ذلك، لولاَ أن الباحث "أركون" جعل من تلك المناهج نِهائيات ومُقَدّسَات، لا يطالُها الخطأ، رُغم نسبيتها، واشتراطاتها التي قد لا تنطبق على نُصوص القرآن بالضرورة. فكلّ من الكتب الثلاثة نزلت في وضع تاريخي ثقافي واجتماعي مُختلف، فينبغي أخذها بِنَظَر الاعتبار في دراسة الظاهرة الدينية.

نصر حامد أبو زيد: قارب النصّ القرآني باعتباره مُنتَجًا ثقافيًا: أيّ كَمَا يُصَرِّح (رسالة إلهية تشكّلت مُفرداتها وتصوّراتها من خِلال لغة وثقافة البيئة التي نزلت فيها). بهذا قَوَّضَ الرأي المُهيّمن على الفكر الإسلامي القائل بأنَّ للنصّ وجودًا ميتافيزيقيًا غيبيًا سابِقًا لوجوده في عالَم الشهادة. ودَعَا إلى قِراءة القُرآن كخطاب لا كـ"نصّ"، لاشتمال القُرآن على آياتٍ تبدو مُتناقضة كآيات التجسيم والتشبيه، وشرط النصّ عدم التناقُض ووجود مركز للمعنى وبؤرة للدلالة، والتناقُض يتنافى معه. ولازمه خُضوع النصّ القرآني بشكلٍ خاصّ والنصّ الديني بشكلٍ عام، للنقد العقلي والتحليل العِلمي، شأنه شأن أيّ خِطاب بشري وأيّ إنتاج معرفي، في مُحاولة للتحرّر من الرؤية القدسية للوحي والتنزيل. وقد أكّدَ في كتاب "مفهوم النصّ" (ص 24). "إنّ الإيمان بالمصدر الإلهي للنصّ ومن ثم لإمكانية أيّ وجود سابق لوجوده العيني في الواقع والثقافة، أمر لا يتعارض مع تحليل النصّ من خِلال فهم الثقافة التي ينتمي إليها". فقدّم "أبو زيد" قِراءة داخلية للنصّ من خِلال عُلوم اللغة. ولم ينطلق من موقف عدمي تجاه الدين، بل من داخل الدين. فمشروعه قِراءة للنصّ الديني من داخل الدين، وليسَ من خارجه، كمَا هو منهج فلسفة الدين، فَيَصْدُق أن بحثه لاهوتيًا وليسَ فلسفيًا. سِيَمَا أنه اعتمد على الفكر المُعتزلي والتراث الصوفي، خاصّة التأويل عند "محي الدين بن عربي". إضافة لمنهج الفكر الحديث. وكان يعتمد على الفكر المُعتزلي – نِسبة إلى المُعتزلة- والذي أعلى من دور العقل في فهم وتحليل النُّصوص وكذلك على التُراث الصوفي وخاصّة التأويل عند "محي الدين بن عربي" وطَبّق هذا المنهج في قِراءته للتُراث الإسلامي بشكلٍ واضح، مُستعينًا بآليات جديدة لم تكن موجودة من قبل فقد استفاد من المناهج الفلسفية واللغوية الحديثة كنظرية التلقِّي وتحليل الخطاب، والهرمنيوطيقا، التي تتناول بالدرس والفحص والتحليل النصّ بشكلٍ عام، سواء كان نَصًّا تاريخيًا أو دينيًا.

وهُنَا أسَجِّلُ مُلاحظة، رُغم قُوّة طُروحاته وقناعتي بكثيرٍ من أفكاره إجمالاً لا تفصيلاً، فليسَ ثَمَّة مشروع فكري ناجز، نِهائي، ويبقى رأيه تحت الاختبار النقد. إنّ تناول النصّ القُرآني كمنتج ثقافي مثله مثل أيّ نصّ رَفيع، واستنطاقه بمُختلف مناهج نقد النصّ، فيه اختزال واضح. إذ ليسَ القُرآن مُجرّد نصّ لُغوي ومنتج ثقافي، وثَمَّة رهانات على سُلطته، واختزاله تفريط بها. وبشكلٍ أوضح ينبغي فهم القُرآن ضِمن إطار واحد، يرتهن لهدف الدين. والقُرآن أساسًا كتاب ديني، له لُغته ودلالاته، وسُلطته، وارتباطه الميتافيزيقي بالله والمُطلق. فيُمكن تناول النصّ بمعزل عن مؤلفه، لاكتشاف إيحاءاته ومضمراته، وما يبدي ويخفي من دلالات، وإحالات مرجعية، مَهْمَا تعالى. لكن لا يُمكن تجاهله عندمَا يتعلّق الأمر بتحديد سُلطة النصّ، لتوقف حَقيقتها وفِعليتها على معرفة مصدره. ولا يُمكن تجاهل مصدر النصّ، حينمَا تترتّب عليه حُقوق وواجبات. كذلك لا يُمكن تجاهله في حالات التنافُس القيمي؛ حيث تكون القيم الأخلاقية نِسبية، غير محسومة نهائيًا. ولا يُمكن إهمال مصدر النصّ، عندمَا يُؤسِّسُ لأيّة سُلطة: سياسية أو دينية أو اجتماعية أو معرفية أو قضائية. كمَا لا يُمكن إهمال مصدره في رهان الضَمير الديني، مَهْمَا كانت قُوّة الضَمير الإنساني. نعم يُمكن ذلك في مجال التشريع عندمَا نقطع بارتهان الأحكام لمبادئ التشريع، فترتهن لتِلك في سُلطتها لتلك المبادئ. وقد كتبتُ كثيرًا عن هذين البُعدين. وعليه يجب انفتاح الباحث على جَميع الكُشوفات المعرفية لاستنطاق النصّ القرآني، وعدم اختزالها ببُعدها اللغوي والثقافي.

محمد شحرور: قَدَّمَ "محمد شحرور" من خِلال مشروعه قِراءة تأويلية عقلانية مُستقلة، للقُرآن باعتباره المُدَوَنَّة الأولى. بيد أن طرحه كان استفزازيًا بالنِسبة للعقل التُراثي؛ حيث فَرَّقَ "محمد شحرور" بين النبي والرسول، فخصّ النبي بالتنبؤ والعلاقة بالغيب، دون حَقّ التشريع، ليبقى الرسول هو المسؤول عن الرسالة، التي تفرض عليهم طاعته في حُدودها. بهذا كمَا يقول المُعارضون سلب السنة النبوية حُجّيتها. وعندي كمَا فَصَلت الكلام في كتبي أن حُجّية السُنّة تقتصر على ما له جذر قرآني، لتكون بيانًا وتفصيلاً، وِفْقاً لِمُهِمّة الرسول قُرآنيًا، كمَا جاء في الكتاب المَجيد.

وفَرّق "محمد شحرور" بين الإسلام والإيمان ... الإسلام بمفهومه يصدُق على مُطلق من أسلم وجهه لله لا فرق بين ديانة وأخرى. بينمَا خَصّ الإيمان بالرسالة الخاتمة، مِمَّا أثار غضب المُتَطرفين والتكفيريين مِمَنّ يدعون احتكار الحقيقة واحتكار النجاة يوم القيامة. كمَا نَفَى "محمد شحرور" الترادُف في اللغة. وقَرَّرَ: ما من لفظ إلاّ وله معنى خاصًّا به. وقد نسب آلية التفريق ونفي الترادُف إلى "ثعــلب" و"ابن فارس". وعندي أن نفي الترادُف مُطلقاً صعب جدًا. وطَالَمَا شَاعَ في خطاباتنا ترادُف، فكيف ينفى مُطلقاً. وبالتالي فقد وَظَّفَ "محمد شحرور" مناهج تُراثية وأخرى غربية في قِراءة النصّ الديني / القرآن، وقد تَوَصَّل إلى نتائج مُغايرة لمشهور المُفسرين. 

وبشكلٍ عام يَصْدق أن "محمد أركون" قد وَظَّفَ المناهج الغربية ومُعطيات العُلوم الإنسانية في مشروعه الفكري – الفلسفي، فهي مناهج مُستعارة وليست أصيلة، بينمَا تَتَّصِف مناهج "نصر حامد أبو زيد" و"محمد شحرور" بالأصالة والاستعارة معًا نَظَرًا لتنوّعها، فقد استخدمَا مناهج تُراثية وأخرى مُستعارة.

مُلاحظة أخيرة، ثَمَّة حساسية فائقَة من توظيف مناهج العُلوم الحديثة رُغم أهميتها، وأنا لست مع هذا الاتجاه، بل أدعو إلى الاستفادة من المناهج التي يُمكن توظيفها ضمن بيئتنا وثقافتنا وتراثنا، مَهْمَا كانت النتائج، مادامت تِلك المناهج تُعزِّز روح التجديد والتنوير وتمنحنا أفُقًا لفهم النصّ، نحنُ بحاجة ماسَّة له في نهضتنا. بيد أني أدعو إلى الحذر في استخدامها، وتجنب الارتقاء بِهَا إلى مُستوى القَدَاسَة التي تَحول دون نقدها ومُراجعتها.

س13- د. شهرزاد حمدي: ما تقييمكُم لاجتهادات "محمد إقبال" خاصّة في كتابه: "تجديد التفكير الديني في الإسلام"، تَقييمًا مُوجزًا رَبّطًا بسياق فلسفة الدين؟ 

ج13: ماجد الغرباوي: "محمد إقبال"، شاعر ومُفكر وفيلسوف ومتصوف، حَظِيَ باهتمام واسع جدًا تَنَاوَلَ أعماله وأبعاد شخصيته وفكره وفلسفته وآراءه، عدد كبير من الباحثين بلُغات مُتَعَدِّدَة. سِيَمَا كتابه "تجديد الفكر الديني في الإسلام" الذي مَثّلَ مُحاولة جادّة وجَريئة لإعادة بناء الفكر الإسلامي وتحديثه بِمَا يتناسب مع مُعطيات العصر دون التَخَلِّي عن الثوابت. ويُعدّ اليوم أحد المَراجع المُهِمَّة في تجديد الفكر الإسلامي وفهم الدين فهمًا مُعاصرًا، ومن الكتب النهضوية التي شهدت حُضورًا واسِعًا، والكتاب يهدف إلى "الارتقاء بالذات الإنسانية، والسُّمو بها إلى قِمَّة الإيمان والمعرفة بالله". وقد اشتمل على مجموعة من آرائه الاجتهادية في سياق تحديث الفكر الديني والمُزاوجة بينه وبين مُعطيات العُلوم الحديثة.

في هذا الكتاب حاول الدكتور "محمد إقبال":

- ردم الفجوة بين التُراث الإسلامي الأصيل ومُتطلبات العصر الحديث، وهي مُحاولة جادّة للمُوازنة بين التُراث والمُعاصرة.

- دعَا بقُوّة إلى إحياء الاجتهاد، ورَفَضَ الجُمود الفكري والتقليد الأعمى، مُعتبرًا أن العقل جُزء لا يتجزّأ من فهم الوحي والواقع.

- طَوَّرَ "إقبال" نظرية "الخودي" (الذات) لتعزيز قيمة الفرد، من خِلال مُشاركته الفاعِلَة في الحياة الاجتماعية والسياسية، بَدَلاً من تجاهل الذات، كمَا في الفناء الصوفي السلبي. وذات الإنسان عنده تساوي حُرّيته وخُلوده. وطالَمَا استغرب "إقبال" من إهمال الذات الإنسانية في تاريخ الفكر الإسلامي، والتضحية بها ضمن معادلات دينية أو سياسية أو اجتماعية.

- دَعَا إلى تخليص الفكر الإسلامي من التأثيرات المُفْرِطَة للمنطق والفلسفة اليونانية التي جمدت الفكر، والعودة إلى المنهج القرآني الذي يُشجع على المُلاحظة والتجربة. وهذا ينطبق على العُلوم الإسلامية التي غالت في توظيف الفلسفة والمنطق.

- يُمثِّلُ الكتاب بنية تحتية لتجديد الفكر الإسلامي، بعد أن أضفى "إقبال" طابعًا ديناميكيًا على مجموعة من المفاهيم: الله، الكون، والزمن ...

- سَاهَمَ الكتاب بشكلٍ كبير في إيقاظ العالَم الإسلامي. وبالفِعل يُعدّ من كتب النهضة من أجل رُقي العالَم الإسلامي.

- يُعتبر الكتاب مرجعًا أساسًا لكلّ باحث في فلسفة الدين وتجديد الفكر الإسلامي.

- طالَمَا انتصر للإيمان والوجدان. ولا ريب، فإن الدكتور "محمد إقبال" عاشَ وترعرع في أحضان الإسلام ونَشَأَ نشأة دينية. وقد تأثَّر بالشاعر الفارسي "جلال الدين الرومي"، خاصّة عمله "المثنوي المعنوي" الذي يُعدّ ثورة وجدانية ضِدّ الموجة العقلية الإغريقية.

يُمكن التنويه هُنَا بأهمّ الآراء التي تضمّنها كتاب تجديد الفكر الديني في الإسلام، وهُمَا التجربة الدينية، وفلسفة الدين.

 

المعرفة والتجربة الدينية

خَصَّصَ "إقبال" أحد فُصول الكتاب للتجربة الدينية، التي منحها أهمية قُصوى جدًا، يَرَى أن "التجربة الدينية" هي السبيل إلى المعرفة الحَقّة، لا تقلّ أهمية عن أيّ مجال من مجالات التجربة الإنسانية". ويُحَدِّدُ "إقبال" مصادر المعرفة الثلاثة التي حَدَّدَهَا الإسلام، وهي: التاريخ والطبيعة والتجربة الجوانية، التي لا يُمكن معرفتها أو الوصول إليها إلاّ عن طريق التصوف التعبّدي. ويُؤَكِّد أن التجربة الدينية مصدر من مصادر العِلم. و"يَرَى أن المعرفة الدينية لا تقتصر على العقل أو الحِسّ فقط، بل تشمُل أيضًا التجربة الروحية والحدس. فالدين يُقَدِم نوعًا من المعرفة يختلف في طريقته عن المعرفة العِلمية، لكنه لا يتعارض معها. ويُؤكِّد أن الوحي يُمثِّل أرقى درجات التجربة الدينية.

والسُؤال هُنَا كيف يُمكن التأكّد من صحّة هذه المعرفة، وهي غبر قابلة للتجربة والبُرهان؟. نعلم أن مصادر المعرفة هي: الحِسّ (المعرفة عبر الحواس الخمسة). التجربة (تكرار التجربة وصدقها في كلّ مرة). العقل والمنطق (عبر التحليل والاستنتاج). أمَّا التجربة الدينية، فهي تجربة روحية بين المخلوق وخالقه، وانفتاح شُعوري على الغيب والمُطلق، يساهم في رقي الفرد روحيًا وأخلاقيًا، وبالتالي هي تجربة فردية، لا تَتَكرَّر. لكلّ شخص تجربته التي يمتاز بها عن غيره. حتى معرفته بالله تعالى، تبقى في حُدود تصوّراته وخلفيته، لا يشاركه فيها أحد إلاّ بحُدود المُشتركات الثقافية. ونحنُ نتكلّم عن مصادر معرفة قابلة للتجربة والبُرهان. بيد أن النُّزوع الصوفي عند "محمد إقبال" كان وراء قوله: "التجربة الدينية هي السبيل إلى المعرفة الحَقَّة". إذ تعتمد المعرفة عند المُتَصَوِّفَة على الكشف، الذوق، والإلهام القلبي، وليسَ فقط على العقل أو النقل. ويسعون للوصول إلى حقيقة الله عبر تصفية النفس ومُجَاهدتها.

بيد أن "إقبال" اقترح ثلاثة معايير للتأكُّد من صِدق التجربة الدينية، وهي: الانسجام مع العقل، والأثر الأخلاقي في حياة الإنسان، والقُدرة على الإسهام في بِناء المُجتمع. لكن تبقى التجربة الدينية تجربة نِسبية والمعرفة هُنَا معرفة نِسبية وليست مُطلقة.

 

إقبال وفلسفة الدين

هل يَصْدُق أن "محمد إقبال" فيلسوف دين بالاصطلاح الحديث للمفهوم؟. تعتمد الإجابة على مفهوم فلسفة الدين بالذات، ومَدَى صِدَق المفهوم على محمد إقبال من خلال مشروعه.

سَبَقَ أن عرفنا فلسفة الدين، بأنها (فرع من فُروع الفلسفة، تدرس الظاهرة الدينية دراسة عقلية نقدية مُحايدة من الخارج، لفهم طبيعة المُعتقدات الدينية، لا تهدف لإثبات صِحّة دين مُعيّن، بل للبحث عن عقلانية المعارف الدينية ومُحاكمتها.مُستعينة بعِدّة عُلوم كتاريخ الأديان وعِلم الاجتماع والنقد التاريخي، بَعيدًا عن أيّة مُنطلقات إيمانية مُسّبَقَة). فالتعريف يشترط الموضوعية والحيادية الكامِلَة في فهم ودراسة الدين، كمَا في الفلسفة الأكاديمية الغربية. و"إقبال" مُنحاز للإيمان والدين، ومشروعه هو تجديد الفكر الديني في الإسلام، ويُؤكِّد أن "التجربة الدينية هي السبيل إلى المعرفة الحَقًّة". فالتعريف يُقصي مشروع "إقبال" عن فلسفة الدين. وهذا لا ينفي أن يكون "إقبال" مُفكرًا إصلاحيًا يستخدم أدوات فلسفية لإعادة تشكيل الوعي الديني. ويَصْدُق أيضًا أنه مُفكر ديني إصلاحي سَعَى إلى إعادة بناء الفكر الإسلامي بأدوات فلسفية حديثة. سِيَمَا أن الرجل سَعَى إلى تجديد طريقة التفكير في الدين، وحاول تغيير منهج التفكير الديني.

يتبع

***

حاورته: د. شهرزاد حمدي

الحلقة الثالثة من حوار الدكتورة شهرزاد حمدي مع الأستاذ ماجد الغرباوي، حول فلسفة الدين.. تكامُلية السُؤال والجواب في صِناعة تفلّسُف الألباب.

***

المحور الثاني: فلسفة الدين (1)

فلسفة الدين أو عقلنة الدين هي تعبير صَريح عن تشابُكيَة الصِلَة بين الفلسفة والدين وعن تَأَسُّس نَظَر عقلي في القَضَايَا الدينية وأن الدين من اهتمامات الفلسفة. 

س7- د. شهرزاد حمدي: حَدثًنا عن فلسفة الدين بِمَا هي دِراسة نقدية لكلّ ما يَتّصِل بالدين من دون تَولِّي مُهِمّة الدِفاع والتبشير، كيف يُمكن تفسير التمزّق الحاصِل بين ماهيتها وواقِع موقِعها في الفكر العربي؟ وإذا كان مُنطلقُها حُرًّا من غير تسليم، هل يُعقَل هذا؟ ألاَ نستطيع القول بأن مبدأ المُنطلق هو ذاته مبدأ وتسليم؟ ثُمّ إنّ العقل لا يُفكِّر من عدم، والأكثر أن العدم بحاجة إلى نَقيضه الوجود!

ج7: ماجد الغرباوي: فلسفة الدين، فرع من فروع الفلسفة. تدرس الظاهرة الدينية دراسة عقلية نقدية، لفهم طبيعة الدين ومعتقداته ومفاهيمه الكبرى، وتحليل أسسها المعرفية والأخلاقية والوجودية، مُستعينة بِعِدّة عُلوم كتاريخ الأديان وعِلم الاجتماع والنقد التاريخي، بَعيدًا عن أية مُنطلقات إيمانية مُسبقة. إذن، فلسفة الدين دراسة الدين من خارجه دراسة نقدية مُحايدة. لا تنحاز لدين مُعيّن، ولا تُدافع عن دين دون غيره. بل تنظُر للدين بِمَا هو ظاهرة إنسانية وجودية. وهُنَا يأتي السُؤال:

أ- كيف يُمكن تفسير التمزّق الحاصِل بين ماهيتها وواقِع موقِعها في الفكر العربي؟

المقصود بالسُؤال: لماذا لم تستقر فلسفة الدين في المجال العربي بوصفها تخصّصًا نقديًا مُحَايدًا، كَمَا في الأكاديميات الغربية مَثَلًا، وبقيت مشدودة إلى ثُنائية الدفاع/ الهُجوم؟ أين يكمُن الخَلَلَ؟ ما هو السبب الحقيقي وراء هذه المُفارقة؟ كما جاء في السؤال؟.

الجواب: أن فلسفة الدين تضعُ مَسَافَة بين الناقد والدين، ليُمَارس نقده على الظاهرة الدينية بِمَا هي ظاهرة دينية، بتجرّد كامل، بِلا تحيّز أو دفاع أو تبشير. فالدين بالنِسبة لفلسفة الدين ظاهرة يُمكن دراستها نقدياً، بيد أن نقد الظاهرة الدينية بتجرّد تام يكاد يكون مُستحيلاً في البيئة العربية، لخُصوصية موقع الدين في حياة الإنسان والمُجتمع، فهو ليسَ علاقة خاصّة بين الإنسان وربه، بل هو هُويّة ومرجعية تشريعية وأخلاقية، وسُلطة رمزية، فينحاز الناقد لا شُعُوريًا، ليغدو مُبشّرًا أو مُلحدًا. بمعنى أدَقّ، كلّ دراسة عن الدين تستقطبُها ساحة الصراع الإيديولوجي. إمّا أن تكون دفاعًا لاهوتيًا أو هُجومًا إلحاديًا. وهذا هو سبب التمزّق الذي تسأل عنه الباحثة الجَلِيلَة.

ب - وإذا كان مُنطلقُها، (أيّ فلسفة الدين)، حُرًّا من غير تسليم، هل يُعقَل هذا؟

الجواب: هذا إشكال مُهِمّ بصيغة سُؤال، يقول: هل التجرّد التام مُمِكن بحد ذاته؟ أم ثَمَّة مُسَلّمَات مُسّبَقَة ينطلق منها الباحث؟.

الحقيقة لا يوجد تفكير بِلاِ مُسَلّمَات تُمَثِّلُ ثقافته وقبلياته، لكن ثَمَّة فرق بين قبليات يتوقّف عليها نظام المعرفة، وقبليات أيديولوجية ينحاز لها المُتلقِّي، عَـِلم أو لم يعلم بذلك. فالنقد المُحايد الذي تشترطه فلسفة الدين، هو عدم الانطلاق من أيّة مُسلّمة أيديولوجية، لا مُطلق القبليات. وهذا هو معنى الحيادية والاستقلالية. فهُناك فرق بين مُسلّمة قابلة للمُراجعة ومُسَلّمة عقائدية مُغلقة. النوع الثاني يُخرِج النقد من صفة الحيادية، ويغدو نقدًا مُنحازًا، مُوجهًا. الفكر العربي يعي شُروط النقد الموضوعي المُحايد في فلسفة الدين، بيد أن ولاءَهُ الديني يسلب استقلاليته.

ج - ألاَ نستطيع القول بأن مبدأ المُنطلق هو ذاته مبدأ وتسليم؟

الجواب: نعم، إن مبدأ المُنطلق هو ذاته مبدأ وتسليم، حتى عندما أقول: أنَا لا أُسلِّم بشيء"، فأنَا أُسلّم، ضِمْناً ولو لا شُعُورياً، بمبدأ مثل حرّية النقد واستقلال التفكير. لكن تقدّم ما هو المقصود من النقد المُحايد: "النقد المُحايد الذي تشترطه فلسفة الدين أن لا ينطلق الباحث من أيّة قبليات إيديولوجية، لا مُطلق القبليات، وهذا هو معنى الحيادية والاستقلالية"

د - ثُمّ إنّ العقل لا يُفكِّر من عدم، والأكثر أن العدم بحاجة إلى نَقيضه الوجود!

اتّضح الجواب مِمَّا سَبَقَ حول معنى النقد الموضوع، الذي يشترط تجرّد الناقد من قبلياته، وأن تكون هناك مَسَافة  بينه وبين الظواهر الدينية حينَ دراستها. ونُؤكِّدُ مع السُؤال أن العقل لا يُفكِّر من عدم، فَثَمَّة قبليات يتوقَّف عليها نظام المعرفة البشرية. والمقطع الأخير أيضًا صَحيح بالمعنى الذي تقدم، فالوجود هي قبليات مُسّبَقَة لكنها ليست قبليات إيديولوجية تسلب الناقد استقلاليته.

 

س8- د. شهرزاد حمدي: هل من الضرورة بِمَكَان أنَّنَا بحاجة إلى فلسفة دين كمَا سَطّرت له مُدوّنات "كانط" و"هيغل" وكمَا مارسه العقل الغربي في عُموم الشأن؟ ألا يأتي هذا كنوع من الإسقاط التعسّفي القاحِط على موضوعات بيئة ثقافية مختلِفة من حيث الدين، اللغة والتاريخ، ونمط تفكير مُغاير، وطبيعة إنسان له مفاهيمه المَخْصُوصَة، ودلالة المُقدّس التي لا تَتّفِق بين المَرجعيتين؟

ج8: ماجد الغرباوي: دَعِينَا أوّلاً، أن نَتَحَرَّى أهميّة النقد بشكلٍ عام:

النقد ليسَ هَدمًا ولا تَشْكيكًا عبثيًا، بل مُساءلة مشروعة لجَميع الظواهر التي تحيط بنا، فيُسَاهم في تحرير الوعي من خِلال نقد المُسلّمات والبديهيات التي يتبناها الإنسان، وتحريرها من سُجون الوصاية والعادات والتقاليد، بعد اكتشاف حقيقتها، ومَدَى صِدّقيتها. كمَا يتولّى النقد فرز المفاهيم عند التباسها، لتفادي كثيرًا من الأزمات الفكرية التي سَبَبُهَا لُبس المفاهيم. ويتولَّى حِماية المُجتمع من الاستبداد الفكري، الذي يظهر عادة عند غياب النقد، وانقلاب الأفكار إلى سُلطات مُغلقة. ويحوّل دون تقديس الفهم البشري، بعد كسر احتكار الحقيقة. بهذا نفهم أن النقد حاجة إنسانية لتقويم مَسَار الفكر والإنسان، وحاجة دينية لحِماية الدين من أيّ تداخُل أو التباس بين الدين والديني، يُؤدي إلى استغلال الإنسان، وسلبه حُرّيته وإرادته. ما دام النقد يُساهم في تفكيك البديهيات، وإعادة النَظَر في ما يبدو كذلك. وبالتالي العقل النقدي ليسَ رفضًا دائِمًا، بل يعني القُدرة على التمييز بين الأدلة، وفرز الفكرة المَبْنِية على دَليل عن غيرها.

أمَّا فلسفة الدين، فَلاَ ريب أنها تفكير نقدي يُلاحِقُ الحقيقة، ويَسْعَى لاكتشافها، بيد أنها تتجنب نقد الدين بوصفه وحيًا إلهيًا، وتُكَرّس جُهودها النقدية لفهم الدين باعتباره فهمًا بشريًا، ووجهات نَظَر شخصية قد تُصيب وقد تُخطئ. بهذا تحول فلسفة الدين دون احتكار الحقيقة، واختزال الدين بقِراءة أو مَرجعية واحدة. وضَمَان عدم انقلاب الإيمان إلى إيديولوجيا، تُستغل سياسيًا. اتضح إذًا، لا إشكال في فلسفة الدين بِمَا هي نَشَاط فكري نقدي، بل لا ريب في وجودها بتجلّيات مَختلفة في جَميع الحضارات. وإن لم تكَن بهذه الصِفَة الحديثة. في الحضارة الإسلامية نجدُ أصداءه في عِلم الكلام وأصول الفقه والفلاسِفَة. فلم ينقطع الجدل الفلسفة والفكري حول مجموعة مفاهيم دينية.

نعود للسُؤال:

الجواب: نحنُ لسنا بحاجة إلى فلسفة دين كمَا سَطّرت له مُدوّنات "كانط" و"هيغل" وكمَا مارسه العقل الغربي. حاجتنا الأساس إلى النقد أوّلاً وليسَ لتِلك النماذج بالذات. التي هي وليدة بيئة ثقافية وسياق تاريخي مُختلف، وبيئة دينية وثقافية مُغايرة في بنيتها العقدية واللغوية والتاريخية. وضِمن سياق صراع العقل مع الكنيسة، فهي إذًا استجابة تاريخية لأزمة لاهوتية أوروبية، فتحويلها إلى نموذج كوني يفرض نفسه على الآخرين، فيه كثير من التعسّف.

 

س9- د. شهرزاد حمدي: هل من وجوب القول والفِعل أن تكون لدينَا فلسفة دين على شاكِلتها الغربية ومِثّلَمَا أسّست له الدِراسات ضِمن هذا المُعترك، حتى نُصرِّح بوجود فلسفة دين على صَعيد شبكة الفكر العربي؟

ج9: ماجد الغرباوي: اتّضَحَ من خِلال جواب السُؤال السابق أن تِلك النماذج وليدة بيئة فكرية وسياسية مُغايرة، ونتاج أسئلة وتَحَدّيات تختلف عن أسئلتنا وتحدياتنا. نحنُ لم نُعانِ صراع العقل والكنيسة، ولم نَعِشْ أزمة تنوير كمَا حَصَلَ لديهم. وليسَ لدينَا شُكوك حول النصّ المُقدّس بِمَا هو مُدوّنَة أولى، ومَرجعية نِهائية للفهم الديني بِمَعية العقل. نحنُ نُساءل الوعي الديني، ونشكو أسْطَرَة الرموز الدينية، وتقديس الفهم البشري، واحتكار الحقيقة، كمَا يُدلي بِهَا حديث الفرقة الناجية، فهُناك أسئلة لا يفهمها الطرف المُقابل، كمَا نحنُ لم نَعِشْ تناقُضات البيئة الغربية في عصر النهضة وما قبلها وما بعدها.

بإمكاننا تأسيس فلسفة دين تنبثق من واقعنا، تستجيب لتحدياتنا، وتردّ على أسئلتنا، وتُعيد للإنسان كرامته وحيثيته والاهتمام بمَصَالحه وأولوياته، وتقديم فهم جَديد للدين والنصّ الديني يُواكب العصر والزمان، لتفادي ما يُحيط بِنَا من تَحَدِّيَات.

 

س10- د. شهرزاد حمدي: إذا كانت ماهية فلسفة الدين لا تهتمّ بإيمان الفيلسوف أو المُفكِّر، ألا تُشكِّل بعض الآراء القائِلة بأن مُبتغى "محمد أركون" هو ضرب القرآن الكريم ونزع صِفة القَدَاسة، ونَسّلاً من هذا الحُكم يأتي حُكم التكفير في حالاتٍ مُتطوِّرة الحِدّة والشَطَط، إخلالٌ واضِح بتِلك الماهية، ومَسّلَك مسدود ينتهي بنَسَفّ المشاريع بمَا تتضمّنه من نِقاط مُشرِقة؟

ج10: ماجد الغرباوي: الفيلسوف والمُفكِّر في فلسفة الدين لا يَعْمَل واعِظًا أو داعية، بل باحثًا نقديًا موضوعيًا بعيدًا عن الدوافع الإيديولوجية. كمَا أن صِدّقية البحث النقدي في فلسفة الدين، لا تُقَاس على أساس إيمان الباحث وتَقْواه، بل تُقُاس على أساس موضوعيته واستقلاليته وعدم انحيازه، ومَدَى قُدرته على تحليل بنية الخطاب الديني: (علاقة النصّ بالتاريخ والسُلطة والتأويل. آليات تُشَكّل المعرفة الدينية حُدود العقل في فهم المُقَدّس). وبالتالي فإن إقحام معيار الإيمان الشخصي في تقييم البحث الفلسفي يُعد بالفِعل إخْلاَلاً بمبادئ هذا الحقل المعرفي.

في هذا السياق يأتي مشروع "نقد العقل الإسلامي" لـ "محمد أركون"، الذي سَعَى من خِلاله، إخضاع التُراث الإسلامي لأدوات العُلوم الإنسانية الحديثة كالأنثروبولوجيا والتاريخ النقدي، والتفكيك، للكشف عن "المسكوت عنه" و"اللامُفكر فيه" و"الممنوع التفكير فيه" في التُراث الإسلام. فارتفعت نِسبة المُشَككين في مشروعه، مِمَن اعتبروا النقد هدمًا للمُقَدّس، لأن الإلهي بنظرهم يبقى إلهيًا، لا يخضع للنقد ومُعطيات العُلوم الإنسانية الحديثة. كمَا يجب بقاء النصّ المُقَدّس خارج دائرة التفكيك النقدي. فَبَدَا مشروع "أركون" وكأنه يستهدف قَدَاسَة النصّ. بينمَا كان "أركون" يعتقد أنه يُمارس نقدًا معرفيًا للخطاب الديني وليسَ إلغاءً للدين نفسه.هُناك فرق بين نقد الفهم البشري للنصّ، وإنكار قَدَاسَة النصّ نفسه.

إن الارتياب والتشكيك بالمشاريع الفكرية والفلسفية يقمع النقاشات العِلمية، ويطمس الجوانب المُضيئة في المشروع. إنّ تحويل الخلاف المعرفي إلى صراع إيديولوجي –عقائدي، تنقلب فيه المُناقشات الفكرية إلى مُحاكمة النوايا، ويسود منطق الوصاية الفكرية، واحتكار فهم النصّ، وهو اتجاه خَطير جدًا يكرّس روح العبودية والانقياد والاستبداد، وقد يُفضي إلى تكفير المُفكرين والفلاسِفَة، كمَا حَصَلَ لـ "نصر حامد أبو زيد" وغيره.

 

س11- د. شهرزاد حمدي: لماذا يَتَردّد بعض الطلبة من بحث موضوعات فلسفة الدين؟ هل الأمر موصول بصُعوبة البحث أم نَتيجة للأفكار التي سيُعالجونها تَحليلاً ونقدًا واستنتاجًا؟ أم أن الحَال مُتَعَلِّق بخلفيات دينية، ثقافية، اجتماعية ونفسية تجعل من الدين مُقَدّسًا في مُطلق التقديس، لا يُمكن مُسَاءَلته، إنّمَا كلّ أقوالنا وأفعالنا مُؤطّرة بتأطير منطق: "الأمر والنهي"؟

ج11: ماجد الغرباوي: إنّ تردّد بعض الطلبة في اختيار موضوعات فلسفة الدين يعود إلى مجموعة عوامل مُتداخلة معرفية وثقافية ونفسية، هي جُزء من مشكلة أوسع تخصّ العُلوم الإنسانية بشكلٍ عام، والفلسفة بشكلٍ خاصّ. فَثَمَّة اعتقاد بأن العُلوم الإنسانية تخصّصات نَظَرية تعتمد على الحفظ والتلقين بَدَلاً من التفكير النقدي. والأمر الثاني، ضُعف ارتباط هذه العُلوم بسوق العَمَل، وقلّة الفُرص الوظيفية ومخاوف البطالة وصُعوبة إيجاد وظائف ذات دخل مُرتفع، مُقارنة بتركيز سوق العَمَل على التخصّصات العِلمية والتقنية. وثالثًا، ضُعف التقدير الاجتماعي لِخِريجي تِلك الكُليات، مُقارنة بالعُلوم التطبيقية. كلّ ذلك وغيره لا يشجع الطلاب على اختيار العُلوم الإنسانية.

وذات الأسباب أعلاه تنطبق على الفلسفة بشكلٍ عام، إضافة إلى صُعوبة الدراسة وتعقيد المادة الفلسفية التي تتطلّب قُدرات عقلية وجُهدًا فكريًا لتحليل المفاهيم المُجَرّدَة. يعتقد الطلاب أنه أمر مُرهق وغير عَمَلي، لا علاقة له بالواقع. فلماذا يقضون سنوات عِدّة في دراسة الفلسفة، ويتركون التخصّصات العِلمية التي تُعالج قَضَايا الواقع، ومطلوبة في أسواق العَمَل؟.

وأمَّا لماذا يَتَردّد بعض الطلبة في مُقاربة موضوعات فلسفة الدين. فقد تضمّن السُؤال مجموعة احتمالات وراء ذلك التردّد، كلّها صَحيحة، بنسب مُتفاوتة، فَثَمَّة علاقة بصُعوبة البحث في هذا التخصّص، وطَبيعة القَضَايا التي على الطالب مُعالجتها تحليلاً ونقدًا واستنتاجًا، تخلق حالة من التردّد لَدَى الطالب. فلسفة الدين حقل مُركّب يجمع بين أكثر من مجال: الفلسفة، عِلم الكلام، عِلم الاجتماع الديني، المنطق، تحليل المفاهيم، تاريخ الأفكار، والقُدرة على قِراءة نُصوص فلسفية مُعَقّدة. يحتاج معها الطالب إلى أدوات مُتَعَدِّدَة، لذا يشعُر بعضهم، بثقل الموضوع معرفيًا مُقارنة بموضوعات أسهل في الفلسفة والدراسات الدينية. فالطالب يحتاج إلى أدوات معرفية تُمكّنه من اقتحام هذا التخصّص، وهُنَا سبب التردّد.

العامل الأهمّ هو حساسية الدين. فهو ليسَ مُجرّد موضوع معرفي، بل هو بنية إيمانية وهُويّة ثقافية، ومَرجعية أخلاقية وتشريعية ومصدر للمعرفة الدينية. وأيّة مُقاربة للدين تسلبه قُدسيته تستفز المُتلقي / الباحث / الطالب. ونحنُ نعلَمُ أن فلسفة الدين تعني: دراسة الدين دراسة عقلية موضوعية من خارج الدين، لا تفرق بين دين وآخر، ولا تنحاز لواحد دون غيره. تختلف أدواتها عن أدوات اللاهوت الديني، الذي يَرَى قُدسية الوحي، وصدق معارفه بل ومُطابقتها للواقع ولنفس الأمر، بينمَا منهج فلسفة الدين يقوم على المُسَاءَلَة والتحليل والمُقارنة ودراسة تاريخ الأفكار. فهو لا يؤمن بوجود معطى نهائي، وصدق القضية عنده يرتهن للبُرهان والدليل العقلي. فالأديان مثلاً تتحدّثُ عن وجود مخلوقات سماوية كالملائكة، والمُؤمنون يصدقون ذلك مادام الوحي مصدره، والرسول قد نقله. بينما منهج فلسفة الدين يقوم على دراسة تاريخ تِلك العقائد، كيف نشأت، وما هي الظُروف التاريخية المُحيطة بها عند نشوئها. فيدرس مثلاً تاريخ الملائكة أو تاريخ الجنة، كيف نشأت الفكرة وكيف تطوّرت عبر مراحلها التاريخية، ومَدَى صِدّقيتها وغير ذلك؟ وهذا المنهج الفلسفي مرفوض لاهوتيًا.  وهُنَا يشعُر بعض الطلبة بأنهم يتورّطون بمنطقة حسّاسة؛ مادام السُؤال الفلسفي قد يبدو وكأنه تشكيك في المُقدسات، حتى لو لم يكن مقصودًا. لذا أحيانًا يتردّد الطلبة ليسَ خوفًا من البحث نفسه، بل من تبعاته الاجتماعية. وبعضهم يلتبس عنده المطلب بين النقد والهدم، فَيَتَحَسًّس من النقد مادام الأمر يرتبط بالدين والمُقدّسات السماوية.

***

حاورته: د. شهرزاد حمدي

 

الحلقة الثانية من حوار الدكتورة شهرزاد حمدي مع الأستاذ ماجد الغرباوي،

حول فلسفة الدين.. تكامُلية السُؤال والجواب في صِناعة تفلّسُف الألباب

***

س3- د. شهرزاد حمدي: ما موقفكم من الآراء التي ترسُم مَسَافة انفصالية بين الفلسفة والدين، على اعتبار أنها مرتع خِصب للإلحاد؟

ج3: ماجد الغرباوي: لا ريبَ في وجود مسافة بينهُمَا، فكلٌّ من الفلسفة والدين ينتمي إلى حقل مُغاير للحقل الآخر، أداةً ومنهجاً، رغم أن كلاً منهما يسعى لفهم الإنسان وتفسير العالم... أداة الفلسفة هي العقل والمنطق لتأكيد صحة القضية أو نفيها. فيما يرتهن الدين صدقَ القضايا الغيبية والميتافيزيقية إلى الوحي ومصدر النص. وبشكلٍ أوضح: الفلسفة نشاط عقلي، نقدي، يتقوّم بالشكّ والسُّؤال. ترفُض التسليم بالبديهيات والأفكار الجاهزة والاعتقاد غير المُبرّر، ما لم يقم الدليل العقلي أو الفلسفي على صحتها. بينمَا صدق القضايا الدينية تتقوّم بالإيمان، والتسليم، والتصديق بالوحي. فثمة مغايرة بين الحقلين الفلسفي والديني. فهناك اختلاف بينهما في المنطلق والمنهج ومصدر الحقيقة وغاية المعرفة.

بيد أن السُّؤال الأهمّ: هل يستحيل الجمع بين حُرية العقل وسُلطة الوحي. أم أن العلاقة التكامُلية الخّلاقة ممكنة بينهما؟ أقصد علاقة منتجة، قوامها رؤية أعمق للإنسان والعالَم؟

الحقيقة، أن العلاقة بينهُمَا علاقة جدلية ومُعقّدة، تمتد من التكامُل عند "ابن رشد" إلى التنافي والتناقُض عند آخرين. فهُناك من يعتقد بوجود تعارُض جوهري بين الفلسفة والدين لا يسمح بأيّة علاقة تكامُلية بينهُمَا، ما دامت الفلسفة تقوم على السُّؤال والنقد والبحث الحُر عن العِلَلْ الأولى. أمّا الدين فيستند إلى الوحي بوصفه مصدرًا مُتعاليًا للمعرفة، ويتقوّم بالإيمان والتسليم. ومن هُنَا نشأت أطروحة "القَطيعة"، التي تعني أن الجمع بينهُمَا يُفضي إلى تناقُض: إمّا أولوية العقل وإمّا أولوية النصّ. لكن الأبواب ليست موصَدَة تَمامًا، وقد سَعَى "ابن رشد" إلى التوفيق بين العقل والدين في كتابه "فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال"، بتقرير: لا تعارُض بين العقل والوحي إذا فُهِمَا فهمًا صَحيحًا. فإن كلاهُمَا يشتركان في غاية واحدة، هي: الوصول إلى الحقيقة. فإن كانت الحقيقة واحدة، فَلا يُمكن أن تتناقض طُرق الوصول إليها من حيث المبدأ. (الحقيقة لا تضاد الحقيقة، بل توافقها وتشهد لها). ثُمّ أن الدين لا يُلغي العقل، بل يدعو إلى استعماله (أفلا تعقلون)، (أفلا يتدبّرون). إذن مُمارسة البُرهان ليست خُروجًا عن الشريعة، بل استجابة لأمرها. وبالتالي: الحقيقة واحدة. الفلسفة تبحث عنها بالعقل. والدين يكشف عنها بالوحي. فإذا كان المصدر واحدًا (الله / الحق)، فلا يُمكن أن تتناقض النتائج النهائية. بيد أن المُشكلة تظهر عندما يتعارض النصّ مع العقل والبُرهان العقلي. وهُنَا يطرح "ابن رشد" مبدأ التأويل. بهذا، يُصبح العقل أداة لفهم أعمق للوحي، لا خصمًا له. ثُمّ يطرحُ تَصوّرًا آخر للعلاقة التكامُلية، مُلخّصها: الإنسان ليسَ عقلاً فقط ولا إيمانًا فقط، بل كائن مُركّب بحاجة إلى يقين وجودي (الدين)، ويحتاج إلى فهم نقدي (الفلسفة). فالتكامُل هُنَا يأتي استجابة لبنية الإنسان نفسه. ثُمّ يُجيب "ابن رشد" على اعتراض مفاده: أن الفلسفة تعتمد العقل، والدين يعتمد الإيمان، فَهُمَا مُتناقضان. يقول: الإيمان الديني الأصيل ليسَ ضِدّ العقل بل يتجاوزه. والعقل نفسه يفترض مُقدّمات غير قابلة للبرهنة المُطلقة (كالبديهيات). إذن ليسَ هُناك تضادّ جوهري، بل اختلاف في المُستوى المعرفي. ويُؤكّد "سورين كيركغارد" أن "الإيمان قفزة وجودية تتجاوز البُرهان العقلي". ويَرَى "بليـز باسكال" أن "للقلب أسبابه التي لا يعرفها العقل البُرهاني".

وهُنَا أؤكِّد إمكانية العلاقة التكامُلية بين العقل والدين بمعنى الإيمان. فرغم تعدّد مناشئ الإيمان وعدم استبعاد دور الوهم والعوامل النفسية والبيئية والخارجية في تشكيله، غير أن تجريد مُطلق مناشئ الإيمان من العقلانية تعسّف. فَثَمَّة قناعات إيمانية قائِمَة على الدليل، حَدّ الاطمئنان القلبي والنفسي. وبالفِعل أعاد "إيمانويل كانط" تأسيس الإيمان على أسُسّ أخلاقية عَمَلية. وسيكون التكامُل أجلى بين العقل والدين بمعنى التجربة الدينية؛ حيث تنطوي تلك المشاعر، وفيض المحبة والانفتاح على المُطلق، تنطوي على نَظَرة فلسفية للوجود والعالَم، تكشف عن فهم مُغاير للدين من خِلال التجارب الروحية، فيكون إيمانًا راسِخًا روحيًا وفلسفيًا.

وأمّا الإلحاد فليسَ نتيجة حتمية للفلسفة، بل نتيجة مُحتملة، قد يُؤدي البحث الفلسفي إلى الإلحاد وقد يؤدي إلى رُسوخ الإيمان. فَثَمّة من يعتقد أن فتح المجال للفلسفة والنقد العقلي يؤديان إلى التشكيك بمبادئ الدين وعقائده ومُسلّماته، ومن ثَمّ إلى الإلحاد.

والحقيقة، أن العقل فَتّاك في نقده، مُرعب في توغله، خَطير في شُكوكه. يتوجس من الإيمان النفسي والموروث (قطع القطّاع كمَا في المصطلح الأصولي)، الذي يرتهن إرادته لأبسط الأدلة، مَهْمَا كان تواضع مُقدّماتها. بينمَا يتوقّف صدق القياس المنطقي على مُقدّمات يقينية. والمسألة تعود لطبيعة العقل. هُناك عقل يقظ، مُتمرّد، لا ينقاد إلاّ للدليل العقلي. في مُقابل عقل عاطفي، متهاود، تتعدّد لديه طُرق الإيمان، له استعداد ذاتي لتصديق الغيبيات، وإن لم يدلّ الدليل القطعي عليها. وهي عقلية إيمانية، تتّسِم بقُوة المشاعر وصدقها. تُنصِتُ للروح ولُغتها. فهُناك اختلاف بنيوي، يُمهّد أو يُنكر الإيمان. وقد تُسَمّى بالعقلية الأسطورية، ولستُ مع هذا الرأي، فيُمكن أن يكون الإيمان عقلائي كمَا بالنِسبة للخالق. كذلك التجارب الدينية، لا يشكّ فيها المُتلقّي بل يتفاعل معها بكلّ مشاعره، فهو مُؤمن من خِلال مُمَارساته الروحية بصدق مشاعره. بيد أنها تبقى تجربة شخصية، لا يُمكن تعميمها.

ليسَ الإلحاد مُستبعدًا، سِيَمَا أن القضايا الدينية قضايا ميتافيزيقية. فيصعب تصديقها على من يتخذ الشكّ طَريقًا لمعرفة الحقيقة. من أين نأتي بأدلة حسّية أو بُرهانية على عالَم الغيب مثلاً، أو قضايا كالجنة والنار والملائكة والجنة، وجميعها مفردات دينية ميتافيزيقية تُؤكّدها الكتب السماوية. بل أقصى ما يدلّ عليه البُرهان العقلي، قانون العلّية، كبديهية عقلية، نستدل به على وجود خالق لهذا الكون فقط وفقط، دون أيّ تفصيلات حول صفاته. ومع الشك بالقانون، لا يُمكننا إثبات الخالق بالدليل العقلي ولو بشكلٍ غير مُباشر. لذا يشترط القرآن أسبقية الإيمان بالغيب لتحقّق الهداية، وهو اعتراف ضمني بعدم كفاية الإيمان العقلي، مادام إيمانًا مُجردًا جَافًا والهداية تستدعي نداوة الروح وشفافيتها: [(ألم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، سورة البقرة: الآية: 2]. وبالتالي ليسَ الإلحاد نتيجة حتمية للفلسفة، بل نتيجة مُحتملة، قد يُؤدي البحث الفلسفي إلى الإلحاد وقد يؤدي إلى رُسوخ الإيمان.

س4- د. شهرزاد حمدي: ماذا عن الفِرق والتيارات الكابِحة لطاقات الاجتهاد؟

ج4: ماجد الغرباوي: إنّ الموقف السلبي من الاجتهاد موقف من العقل ذاته، فَثَمَّة من الأصوليين والفُقهاء اعتبر العقل أحد مصادر التشريع وهُناك من يرفُض العقل كمصدر من مصادر التشريع. الاجتهاد مبدأ أساس لإحياء الشريعة وتكيّفها مع الواقع، وفق شُروط وآليات تختصّ بمَن يَعي مُتطلّبات الزمان والمكان من الفُقهاء. وللاجتهاد مُبرّرات فرضها جدل النصّ والواقع، ثُمَّ راح يتطوّر كعِلم مُختصّ بالشريعة الإسلامية في مُقابل التلمود الذي استفاد منه الفُقهاء بحكم التجاور أو تقارب جُملة من التشريعات. وبالتدريج تشعّب واتسع بفِعل طبيعة الأسئلة وتحدّيات الاتجاهات العقدية، وتعدّد مباني الفقهاء، والانفتاح على المنطق والفلسفة، وتطوّر عِلم أصول الفقه. وما التُراث الفقهي الزاخر إلاّ ثمرة من ثمراته. وهذا لا يمنع من وجود تداعيات وسلبيات، ما دام الاجتهاد وجهات نَظَر شخصية، رغم القواعد العقلية التي تتحكّم بعَمَلية استنباط الأحكام الشرعية. ويُقصد بالاجتهاد: "بذل الجُهد للحُصول على شيء ما". واصطلاحًا: إمّا أن يُراد به الرأي الشخصي للمُجتهد. أو يُراد به: "استفراغ الوسع في استنباط الحُكم الشرعي من أدلته". وبنظرة أعمق: من يؤمن بالاجتهاد، يُؤمن ثَمَّة ثابت ومُتغيّر، يسمح للشريعة بمواكبة الواضع وضروراته. وبالتالي فهو اعتراف بقيمة العقل وقُـدرته على استنباط الأحكام في ضوء ثوابت الشريعة.

كانت الحاجة للاجتهاد مُنتفية في زمن البعثة، وكان النبي يُجيب على أسئلة واستفتاءات الصحابة مُباشرة أو عبر سُّؤال الوحي: (يسألونك، ويسألونك، ويستفتونك). وكان دليلهم من بعده إمّا آية من كتاب الله أو سنة عن رسول الله، الشاملة لقوله وفعله وتقريره، باستثناء اجتهادات محدودة جدًا حينمَا تطرأُ مسألة مُستحدثة، فكان اتفاقهم يكفي، بعد اليأس من وجود دليل من الكتاب والسُنة. غير أن تطوّر الحياة، وتوسّع المجتمع، فرض أسئلة جديدة، راحت تتفاقم بمُرور الأيام، فنشأت حركة اجتهاد، تتقوّم باستنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، وهُمَا القدر المُتفق عليه بين جميع المذاهب الإسلامية (ما عدَا القرآنيين). ثم دخل الإجماع دليلاً ثالثًا، رغم الاختلاف في تفصيلاته. لكنهم اختلفوا أشدّ الاختلاف حول العقل وقُـدرته، كدليل مُستقل على الحُكم الشرعي أو كاشفًا عنه. فهُناك اتجاهان رئيسان، حول الموقف من الفراغ التشريعي ومن العقل:

الأوّل: موقف عُموم المسلمين:

وهم أهل السُنة في مُقابل الشيعة. وقد انقسموا إلى اتجاهين، عنهُمَا تفرّعت أغلب الاتجاهات والمذاهب الفقهية.

أ – مدرسة الرأي والاجتهاد:

يرى فُقهاء هذه المدرسة أن الأحكام في الكتاب والسنة، لا تستوعب جميع المسائل المُستحدثة، مِمَّا يعني نقص التشريعات، فنحن بحاجة إلى أدلة نستعين بها على استنباط الحُكم الشرعي، لملء الفراغ التشريعي، بشكلٍ لا تتقاطع في نتائجها مع ما هو مُشرّع نصًا. فكان هُناك الاجتهاد، والاستحسان، والقياس، وهي أدلة تُمثِّلُ رأيًا شخصيًا للمُجتهد، من خِلال حسّه الفقاهتي / الفقهي، ومُستوى تبحّره في مُختلف الأدلة النقلية والعقلية. وقد قرّرت هذه المدرسة قاعدة فقهية مفادُها: "إذا أراد الفقيه استنباط حُكم شرعي، ولم يجد نَصًّا يدلّ عليه في الكتاب أو السنة، رجع إلى الاجتهاد بَدَلاً عن النصّ". فالاجتهاد بهذا المعنى يُعدّ دليلاً مُستقلاً على الحُكم الشرعي. وهذه المدرسة يتزعمها الفقيه التابعي المعروف "أبو حنيفة النعمان" المتوفي سنة 150 هـ. وله تنسب مدرسة الرأي عادة. وكانت أدلته في استنباط الحُكم الشرعي ستة: "القرآن، السنة، الإجماع، القياس، الاستحسان، العُرف".

ب – مدرسة الحديث:

تمتاز هذه المدرسة بشدّة تمسكها بظواهر النُّصوص، مع شجبها للاجتهاد والقياس والاستحسان والرأي. ولها ينتسب المذهب الظاهري، الذي أسّسه "داود بن علي" المتوفي 270 هـ، ومن بعده "ابن حزم" الأندلسي. وهو مذهب يتمسّك بظواهر الكتاب والسنة، ويرفًض الرأي والقياس والمصالح المُرسلة وسد الذرائع. ويُؤكِّدُ "الشافعي" تمسّكه بمباني هذه المدرسة أيضًا، حينمَا يقول: (لا يجوز لأحد أن يقول بالاستحسان ... ومن استحسن فقد شرّع). كمَا لا يرى المصالح المُرسلة أصلاً شرعيًا. ويقول: (ليسَ لأحد أبدًا أن يقول في شيء حلَّ ولا حُرّم إلاًّ من جهة العِلم، وجهة العِلم الخبر في الكتاب أو السنة، أو الإجماع أو القياس). ويعني الاجتهاد أو القياس عند "محمد بن إدريس الشافعي"، المتوفي 204 هـ: (إلحاق أمر غير منصوص على حكمه، بأمر آخر منصوص على حكمه، لاشتراكه معه في علة الحكم). فأدلة هذه المدرسة تقتصر على الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح، والإجماع والقياس بالمعنى الذي طرحه "الشافعي".

ولم تقتصر ردود الأفعال ضِدّ مدرسة الرأي على الاتجاه السلفي وأهل الحديث والمذهب الظاهري، والموقف الشيعي فقهيًا، بل امتد للجانب الأخلاقي والعقدي؛ حيث ظهر الاتجاه الأشعري الذي أسقط العقل، وصادر استقلاليته في بعض الأحكام، وقد ذهب "الأشعري" صراحة إلى أن الحُسن والقُبح شرعيان لا عقليان. الحسن ما حسّنه الشرع والقبيح ما قبّحه. وليسَ للعقل قُـدرة على التشخيص.

الثاني: موقف خُصوص الشيعة:

لم تُواجه الشيعة مُشكلة فراغ تشريعي بعد وفاة الرسول؛ حيث استمر عصر التشريع عندهم عبر أئمتهم، بدءًا بالإمام "علي"، ومن ثَمّ ولداه "الحسن"، و"الحسين" والتسعة من ولد "الحسين"، آخرهم "محمد بن الحسن المهدي"، الذي غاب، واستمر التواصل معه عبر أربعة سُفراء، كمَا يقولون. وبانتهاء الغيبة الصغرى 329 هـ انتهى عصر النَصّ بالنِسبة لهم، وبدأت مرحلة الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية لكن بمفهوم آخر. إذ أن موقف الأئمة وأصحابهم كان سلبيًا جدًا من مفهوم الاجتهاد وفقًا لمدرسة الرأي التي تعتبره أحد أدلّة الفقيه في استنباط الحُكم الشرعي، وقد حصلت مُواجهات ضارية، تجلّت من خِلال المُناظرات والتأليفات التي كانت تشجب الرأي، حتى بات مفهوم الاجتهاد مُثقلاً بدلالاته السلبية عبر توالي الأيام. وصارَ المتبادر منه تحكيم رأي ومزاج المُجتهد في استنباط الحُكم. وقد استمر الموقف السلبي منه من خِلال مؤلفات وكتابات أصحاب الأئمة ومن جاء بعدهم من العُلماء والمُحدثين. وبقي الاجتهاد مفهومًا سلبيًا عند الشيعة، يُحيل على تحكيم مزاج الفقيه في الحُكم الشرعي، وهو بمنزلة الكفر. أو خُضوع الحُكم الشرعي لرأي الفقيه الشخصي. ولم يتخلصوا من هذا المفهوم حتى مجيء "المحقق الحلي" المتوفي سنة 676 هـ، الذي أعطى الاجتهاد معنًى جديدًا؛ حيث عُرّفه (بذله الجُهد في استخراج الأحكام الشرعية). وبهذا يَتَّضِح هُناك موقفان مُختلفان من مفهوم الاجتهاد لَدَى الشيعة الإمامية، هُمَا: الأخباريون الرافِضُون للاجتهاد جُملة وتفصيلاً. والأصوليون، وهم لا يختلفون في موقفهم الرافِض لمفهوم الاجتهاد بمعنى الرأي. ويرفضون بشِدّة اعتبار القياس والاستحسان من الأدلّة الكاشِفَة عن الحُكم الشرعي. بيد أن "المحقق الحلي" أوّل من قَدَّمَ تعريفًا جديدًا، زعزع به النظرة السلبية لمفهوم الاجتهاد، عندما عرّفه كمَا ذكرنَا أعلاه وبهذا خرج مفهومًا من كونه دليلاً على الحُكم الشرعي إلى كونه منهجًا في استنباط الحُكم الشرعي، يعتمد على قضايا نَظَرية وعقلية، ليست مُستفادة من ظواهر النصوص بالضرورة. فالاجتهاد بهذا المعنى ليس مصدرا للحكم بل عملية استنباط الأحكام من مصادرها. ويراد بالاستنباط: (تحديد الموقف العَمَلي تُجاه الشريعة تحديدًا استدلاليًا).

وأمّا الاجتهاد بمعنى الرأي، فرُغم تحفّظي على التشريع خارج حُدود الشريعة بشكلٍ عام (شَريطة فعلية الحُكم من جميع جوانبه)، لكن الموقف السلبي من القياس بمعنى الرأي أجده صارمًا، يخفي خلفه موقفًا إيديولوجيًا أكثر منه عِلميًا، فليسَ العقل الفقهي كالعقل العادي، بل هو مُشبع بالفقه، ومعرفة مباني الفُقهاء، وخبرة مُتراكمة بالأخبار، مَتْنًا وسَنَدًا، وهذا مُقتضى من يتصدّى للإفتاء من الفُقهاء. فعندما يقول المُجتهد: "هذا رأيي في المسألة"، يُقصد رأيه الفقهي القائم على الأدلّة وتراكُم الخبرة الاجتهادية، وبشكلٍ عام جميعهم يعملون آراءهم في عَمَلية الاستنباط بنسب مُتفاوتة. بل أن بعض المُتأخرين صَريح في ذلك عندما يعتبر (الشمُّ أو الحسُ أو الذوق الفقهي / الفقاهتي)، دليلاً على الحُكم. فليسَ الحِسّ الفقهي سِوى الاجتهاد بمعنى الرأي. وحقيقته ما يظهر للمُجتهد من خِلال عقله الفقهي والأصولي، لكن لا يستطيع التعبير عنه على هيئة دليل، فيقول هذا رأيي. أيّ أن تحليل رأيه الاجتهادي ينتهي إلى أدلة شرعية أو عقلية، ضاربة في أعماقه. فرأي "أبي حنيفة" بالقياس كمَا ينقل عنه: (وهو إلحاق فرع بأصل فيه نَصّ بحُكم مُعين من الوجوب أو الحرمة، لوجود عِلّة الحُكم في الفرع كمَا هي في الأصل. والإمام "أبو حنيفة" يُقدم السنة ولو كان حديثًا مُرسلاً على القياس، كمَا يُقدّم الحديث الضَعيف على القياس).

تاريخياً أغلقت مدرسة السنة الاجتهاد على المذاهب المعروفة: الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، ولم تواصل نشاطها العِلمي والاجتهادي، وتحوّلت إلى مرجعيات، تُكرّس مُهِمَّة شرح وتأويل آرائها من قبل طلاب العُلوم الدينية، دون الخروج كُلّيًا على مبانيها. وقد اختلفوا في أسباب ذلك مع اتفاق بعضهم على ضرورته، وقالوا: أن السبب وراء غلق باب الاجتهاد هو التعصّب للمذاهب الإسلامية، أو لخوف المُجتهدين من الإفتاء، خاصّة في ممالأة السلطان الظالم، أو بسبب الكسل العِلمي. غير أن فُقهاء أهل السنة مازالوا يفتون في المسائل المُستحدثة، وأغلب أدلتهم قياس أو استحسان، أو مصالح مُرسلة، وغير ذلك من مَبَانٍ اجتهادية دون الخُروج على مذاهبهم الفقهية. وقد ساعدت الحُكومات المُتعاقبة على انتشار هذه المذاهب دون غيرها، بينمَا اندثرت مذاهب لا تقلّ أهمية عنها، لم تحظَ برعاية الخُلفاء المُسلمين، أو لم تواصل رعايتها لها. كمذهب "سفيان الثوري" و"الأوزاعي". وأمّا المذاهب التي ما زالت حيّة فهي: (الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي، الشيعي الإمامي، الزيدي، الإسماعلي، الأباضي). ولكلّ مذهب حُضوره المُميّز في العالَم الإسلامي، والجاليات المُسلمة في مُختلف دول العالَم، يُمارس دوره في الإفتاء، وتوسعة خلافات الأحوال الشخصية.

أخيرًا، أجد من الضروري وضع شُروط جديدة للاجتهاد، تستدعي معرفة الفقيه بمُعطيات العُلوم الإنسانية التي تُمكِّنه من فقه النَصّ، ودراسة تاريخ صُدوره، وأسباب نُزول الآيات، وكلّ ما يخصّه، سِيمَا مضمرات الخطاب. لا تكفي عُلوم اللغة والمنطق والبلاغة وأصول الفقه كافية لفهم مُراد المُشرّع، سِيمَا وأن الفاصلة بيننا وبين زمن عصر الوحي قرابة 1450 سنة هجرية.

وفي كتابي: مُقتضيات الحكمة في التشريع نحو منهج جديد لتشريع الأحكام. قدمتُ منهجًا جديدًا للتشريع يختلف كلّيًا لِمَا هو شائع ومعروف لَـدَى المدارس والحوزات الفقهية؛ حيث دعوت إلى الانتقال من النَصّ إلى قيم النَصّ في تشريع الأحكام، بعد أن أثبت بأدلّة كافية المرجعية الأخلاقية لتشريعات الشريعة الإسلامية. إنه كتاب ينتمي لفهم جديد للدين ودور الإنسان في الحياة. يُؤمن بنسق عقدي مُغاير، يضع العقل فوق النَصّ، فيصدق أنه مذهب في التشريع، ينهلَ من مُعطيات العُلوم الحديثة والفُتوحات المعرفية المُتجدِّدَة. يُقدّم الأخلاق على الأدلّة الأوّلية.

كلّ هذا في ضوء فرضية، مفادها: (ليست الأحكام في الشرائع السماوية مُعطى نهائيًا، بل أن تشريعها يجري وفقًا لمُقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفُق الواقع وضروراته).

إن السرد المُتقدّم لتاريخ الاجتهاد كان ضروريًا لمعرفة تطوّر عَمَلية الاجتهاد خِلال أكثر من ألف عام، مِمَّا يُؤكِّدُ البُعد البشري فيها، وعدم قُدسيتها. فالرأي الفقهي / الفتوى إذًا، ليسَ مُعطى نِهائيَا بل وجهة نَظَر قد تُصيب وقد تُخطئ، لهذا تتعدّد آراء الفُقهاء في المسألة الفقيه الواحدة حدّ التعارُض (كالوجوب والحرمة). فَلاَ معنى للارتفاع بالفُقهاء فوق النقد والمُراجعة، مادامت الأحكام الفقهية ليست أحكامًا شرعية، لاقتصار أحكام الشريعة على ما ورد نَصًّا في الكتاب الكريم، وما ورد في السنة يكون شارحًا ومُفَصَّلاً ومُبيّنًا لَهُمَا، وفقًا لِمَا قَرّرته ذات الآيات البينات، وما عداهما هي آراء فقيهة بشرية قد تُصيب وقد تُخطئ.

س5- د. شهرزاد حمدي: إذا كان التديّن هو المُستوى العَمَلِي للدين، والدين الحَنيف من يوصي بإعمال العقل تدبّرًا وتفكّرًا، ألاَ يُمكن الإقرار بأن الفلسفة هي الدعامة الأساسية لتحقّق تديّن الحَقّ؟

ج5: ماجد الغرباوي: يُميَّز السُؤال بين الدين بوصفه خطابًا مُوجّهًا، والتديّن باعتباره مُمَارسَة إنسانية واعية. ثُمّ يسأل عن إمكانية أن تكون الفلسفة هي الدعامة الأساسية لتحقّق التديّن الحَقّ، سِيَمَا أن الدين الحَنيف يوصي بإعمال العقل تدبّرًا وتفكّرًا. فَثَمَّة تديّن حَقّ، بتعبير السُؤال، يَتَّصِف بِمُواصُفَات خاصّة، يفتقر لها مُطلق التديّن. كلّ ذلك في ضوء معيار قد افترضه السُؤال في ضوئه أفرز التديّن الحَقّ عن غيره. لكن كيف لَنَا نحنُ المُتديّنين أن نُميّز بينهُمَا ونضمن التديّن الحَقّ، وأن تديّننا واعيًا لا تقليديًا؟ عقلانيًا لا زائِفًا؟ أخلاقيًا لا شكليًا؟، وهي صفات التديّن الحَقّ. كيف نُميّز بينهُمَا؟ وهُنَا تلعب الفلسفة دورًا مُهِمًّا عندما تُلاحِقُ مناشئ الوعي بأسئلتها وتوغّلها في أعماقه بحثًا عن المبادئ التي قام عليها. فهي تُمارس النقد على تِلك الظواهر لتحرّي حقيقتها كي تقي التديّن هَشَاشَة الوعي، والتفريط بجوهر التديّن لصالح المشاعر الطقوسية. تمنعُ الفلسفة تحوّل التديّن إلى عَمَل تقليدي، شكلي، يفتقر للمعنى والهدف والرسالة، وتحفظ مقاصد الدين من الانحراف وتقوم مَسَارات الوعي الديني. تُشَكِّلُ الفلسفة حماية للدين من التوظيف الإيديولوجي، ومن ثَمّ استغفال التديّن التقليدي البَسيط. من جهة أخرى، التديّن الحَقّ سُلوك أخلاقي قبل أن يكون طقسًا تقليديًا ساذجًا، بيد أنه يستدعي الفلسفة باعتبارها نَشَاطًا عقليًا لتحاشي الطُقوسية والطاعة العمياء من خِلال بيان المفاهيم كالعدالة، معنى الخير والشر، معنى الكرامة الإنسانية، قيمة التديّن كمُمَارسة أخلاقية، لا مُجَرّد طقس يُدمن عليه المُؤمنون.

س6- د. شهرزاد حمدي: ما وجه العلاقة بين مفاهيم: التوحيد، عدم الشِرك والاتّصال الروحي المُباشر، ومفاهيم: نقد الوصاية، تفعيل دور الإنسان بَعيدًا عن سُلطة الوسَاطة؟ وهل في ذلك لونٌ من ألوان تشابُك العلاقة بين الفلسفة والدين؟

ج6: ماجد الغرباوي: قد تبدو العلاقة فيمَا بينها بَسيطة، مفهومة، بيد أن تقديم فهمٍ عقدِيٍّ مُغاير لمألوف المفاهيم المُتداولة، سيكشف عن علاقة ترقى لمُستوى العلاقة بين الدين والفلسفة من حيث الأهداف والمآلات.

التوحيد وِفقًا للتعريف العقدي المُتداول لَدَى جَميع الفِرق والمَذاهب الإسلامية: "هو إفراد الله تعالى بالعبادة، والإيمان بوحدانيته في ذاته وصفاته وأفعاله دون شريك أو ند"، فيشمُل (توحيد الألوهية، توحيد الربوبية، توحيد الأسماء والصفات). وهذا التعريف قاصر عن فهم عُمق العلاقة. التوحيد ليسَ قضية لاهوتية فحسب، بل هو مبدأ أنطولوجي وأخلاقي ومعرفي في آنٍ واحد. فـ"لا إله إلا الله" لا تنفي فقط تعدّد الآلهة، بل تنفي كلّ مرجعية مُطلقة سِوَى الله. وتُؤسِّسُ لتحرير الذات من جَميع أشكال العُبوديات وعدم الامتثال بدون حَقٍ لغيره، لضَمَان كرامة الإنسان وعدم سلبه حُرّيته وإرادته، التي هي جوهر إنسانيته. فالتوحيد بالمعنى الجَديد يعني: "التحرّر من جَميع العبوديات عَدَا الله / المُطلق"، مادام الخضوع لا يكون إلا له. وما فتئت تداعياته خَطيرة على حرية الفرد وكرامته. وبالتالي التوحيد حَصَانَة من عبادة غير الله، مَهْمَا كانت قُدسية تلك الجهات.

ويُقصد بالشرك: إشراك غير الله في الإلوهية، والبراءة التامة من عبادة غيره، سواء كانت آلهة بشرية أو سُلطة أو هوى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ) سورة الجاثية، الآية: 23. ويَتَرتّب عليه نفي مُطلق الوَسَاطة بين الإنسان وخالقه، فيدعوه مُخلصًا، وينفتح عليه دون شفيع. فَلاَ قداسة لغيره، ولا سُلطة فوقيه فوق سُلطته وإرادته الإلهية العادلة.

بهذا نفهم: عندمَا يُقَرّر الدين مبدأ الاتصال المُباشر بالله فسيكون الدُعاء بِلاَ وَسَاطَة كهنوتية. وتوبة بِلاَ احتكار مُؤسسي، أو وَسَاطَة بشرية (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) سورة ق، الآية: 16. وستكون حينئذٍ المسؤولية فردية أمام الله، فهو يُؤسس لكرامة الذات واستقلالها الروحي. وهذا يختلف عن أنماط دينية عرفتها حضارات أخرى ومازالت؛ حيث كان الاتصال بالمُقدّس يَمُرُّ حصرًا عبر مؤسسة كهنوتية، كمَا كان الحال تاريخيًا في الكنيسة الكاثوليكية قبل الإصلاح الديني. وكمَا نُشاهده اليوم، التوسّل بغير الله، وطلب الشفاعة من غيره، رُغم أنها محصورة بالله (قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا) سورة الزمر، الآية: 44. وبالتالي الاتصال المُباشر بالله يستدعي تحمّل المسؤولية من جهة، واتخاذ الموقف الصَحيح في علاقته مع الله تعالى من جهة ثانية، فيكون العقل جُزءًا من التكليف لا نَقيضًا له. وبالفعل العبادة، كمَا يُشير الفُقهاء مشروطة بالعقل والقُدرة أو تكون سَاقِطَة عن المُكلف. وهُنَا يلتقي الدين بالفلسفة. ويكفي تصفّح القرآن للوقوف على عدد الآيات التي تدعو للعقل والتفكّر، وتطالب الإنسان بتحمّل المسؤولية في أفعاله وسُلوكه.

لكن هل يَصْدُق مفهوم التشابُك بهذا القدر من العلاقة بين الدين والفلسفة؟ نعم، بوصفه الاشتراك بهمٍّ واحدٍ: فَكَمَا يدعو الدين إلى تحرير الإنسان من العبودية لغير الله، تدعو الفلسفة لتحرير العقل من أوهام الحقيقة.

يضع الدين المسؤولية على الفرد وحده، وينتقد جَميع أشكال الوصاية تحت أيّ عنوان. وتدعو الفلسفة للاستقلال بالتفكير، وترفُض جَميع أشكال القيود المفروضة على العقل.

تنقد الفلسفة التأليه الرمزي للسُلطة. ويرفُض الدين الشرك مُطلق الشرك. يُطالب الدين الفرد بالاتصال المُباشر بالمُطلق، وتُطالبه الفلسفة بالبحث عن الحقيقة.

إذن التوحيد في أفُقه الحضاري، يُؤسِّس لبنية عقلانية نقدية، ترفُض الوصاية على العقل. فالدين والفلسفة يتشابكان في مشروع تحرير الإنسان.

***

حاورته: د. شهرزاد حمدي

الحلقة الأولى من حوار الدكتورة شهرزاد حمدي* مع الأستاذ ماجد الغرباوي**، حول فلسفة الدين.. تكامُلية السُؤال والجواب في صِناعة تفلّسُف الألباب.

بِدايةً، كلّ الشُكر والتقدير موصول للأستاذ: "ماجد الغرباوي"، على تفضّلكم بقبول إجراء هذا الـحِوار، ونـحنُ نُقرّ بكفاءتكم العِلمية والفلسفية واستحقاقكم الدائِم لـأجل أن تكونوا حاضِريـن في كلّ مـحفل تفكّري مُـثْمِر.

المحور الأوّل: أهميّة الدين وصِلَتِهِ العَميقَة بالفلسفة (1)

تَتَقدّم جدلية الفلسفة والدين كأبرز الجدليات الـمُثيرة لمُختلف المواقف والنَاسِجة لطُروحات كثيرة عبر تاريخ الفكر، منها ما جَعَلَ العلاقة بينهُمَا هي علاقة اتّصال وتداخُل وتكامُل، ومنها ما أحَلّ الفصل والتباعُد. وبمُجمل القول ومع توالي العُصور وانفتاح العُقول ونُضجها لم يعُدّ الطرح الذي يُقِيمُ لنُفور قُطبيّ الفلسفة والدين قائِمًا أو مُشَرّع له، فالفلسفة والدين مُتكامِلان من حيث الغاية أسَاسًا.  

 ***

س1: د. شهرزاد حمدي: ما قيمة الدين في الاتّصال الإنساني الوجودي الفَعّال وفي عَمَلية البِناء الحضاري؟

ج1: ماجد الغرباوي: بَدْءاً أتَقَدَّمُ بِجَزيل الشُكر والاحترام للأستاذة الدكتورة "شهرزاد حمدي" التي أدارت هذا الحوار بِكَفَاءَة عَالِيَة من خِلال أسْئِلَتِهَا القيّمة، التي ألهمتني فِعل الكتابة.

يُقصد بالاتّصال الإنساني الوجودي الفَعّال، تواصُل بين طرفين يقوم على فهم الآخر دون اختزاله إلى مُجرّد وظيفة أو دور اجتماعي أو أداة لتبادُل المعلومات، بل يُنظر إليه بوصفه كائناً مسؤولاً، يبحث عن معنى لوجوده وحياته. فالتواصُل معه يتجاوز التواصُل الظاهري ليُلامس جوهر تجربته الإنسانية، وما رافقها من اغتراب وقَلَقْ وجودي يعصف بالفرد إبَّان الأزمات النفسية وغيرها. فيصدق أن (الاتّصال الإنساني الوجودي الفَعّال) فهم لمشاعر واحتياجات الطرف الآخر والتفاعل معها، مُركّزًا على المعنى والحُرّية والمسؤولية. فهو تواصُل تفاعلي، مشترك لتفادي تداعيات القَلَقْ الوجودي والعدمية والنظرة التشاؤمية، واليأس، وما يترتب عليها من آثار سلبية. إنّ غياب المعنى، كمَا يَرَى "فيكتور فرانكل"، يُؤدي إلى فراغ وجودي، لا يُعالج إلاّ عبر علاقات إنسانية عميقة قائِمة على المعنى والقيم. من هُنَا يصبح الاتصال وسيلة لإنقاذ الإنسان من عزلته الوجودية. بهذا يتضح الفارق بين (الاتّصال الإنساني الوجودي الفَعّال) والاتصال العادي. الأوّل تفاعُل ثُنائي بين طرفي التواصُل، بينمَا التواصُل في (الاتصال العادي) تفاعُل أحادي، يقتصر دور الآخر فيه على التلقّي والإصغاء، فيغدو مُجرّد أداة لتبادل المعلومات. وهذا اللون من التواصُل لا يخلو من اضطهاد واستغلال الآخر، بل وانتهاك إنسانيته. فثمّة فرق إذاً بين تواصُل يُلامس التجربة الإنسانية للآخر بوصفه كائناً مسؤولاً، يبحث عن معنى لوجوده وحياته، وبين تواصُل يختزله إلى مُجرّد أداة لتبادل المعلومات. الأوّل يستدعي فهمَ الآخر، والمُساهمة في إيجاد حُلول تضفي معنى لحياته، وتروي ظمأه الروحي وتُطفئ قَلَقَهُ الوجودي، وهُنَا يأتي دور الدين، باعتباره أنجح الوسائل وأقدرها على بعث الطُمأنينة في النفس البشرية، فهو يُطفئ ظمأ الروح ويملأ فراغات القَلَق الوجود ليشعر بالتوازن السلوكي والاستقرار النفسي. الدين يلعب دور المُنقذ ينتشل الفرد من نوازع قَلَقه الوجودي. ويتفرّد بقُدرته على إضفاء معنى لحياة الإنسان ووجوده، من خِلال منحه إطاراً نظرياً لفهم الوجود، وقُدرته على تفسير بعض الظواهر المحيرة كالموت ووجود الشر في حياة الإنسان، وإجابته على الأسئلة الكبرى التي يعجز العِلم عن معالجتها. كمَا يتّسم الدين بقُدرته على ربط الإنسان بخالقه / بالمُطلق، وربط الدنيا بالآخرة وهكذا يبعث الأمل في حياة الفرد، ويحثّه على العَمَل الصالح، فيشعر حينئذٍ بالتوازن النفسي والسلوكي. بهذا تتّضح قيمة الدين في (الاتّصال الإنساني الوجودي الفَعّال)، كمَا جاء في السُؤال أعلاه. 

وأمّا عن قيمة الدين في عَمَلية البِناء الحضاري، فقد شَكَّل الدين عُنصرًا بنيويًا في نشوء الحضارات. يَرى "ابن خلدون" أن العصبية الدينية تُمثٍّل أقوى أشكال التماسُك الاجتماعي؛ إذ يقول: "الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوّة على قوّة العصبية"(¹). ويُؤكد "أرنولد توينبي" أن الاستجابة الدينية كانت عاملًا حاسمًا في نُشوء الحضارات واستمرارها(²). الدين يتميّز برُؤيته الكونية الشَامِلَة للكون والحياة والإنسان، وبقيمه الأخلاقية التي هي قيم إنسانية مُشتركة.

لا يُعدّ الجانب المادي مُؤشراً على الرقي ما لم تُصاحبه نهضة فكرية – ثقافية. ومَهمَا كان مُستوى التقدّم المادي لكن المُستوى الثقافي والأخلاقي يبقى العنصر الأهمّ. والثقافة كمَا هو معلوم مفهوم شَامِل للدين والفن، والآداب، والطُقوس والعادات والتقاليد والسلوك، وكلّ السِّمات المُميّزة لهُويّة شعب أو مُجتمع ما. من خِلالها يعي الإنسان ذاته ويُحدِّد علاقته بالآخر والحياة والعالَم، فتكون مُقوّماً أساساً لهُويّته الحضارية. كمَا تُعدّ القيمُ الأخلاقيةُ والروحيةُ ركيزةً أساسيةً في بناء الحضارات؛ إذ تُوجّه الفِعل الإنسانيّ وتمنعُ انحرافه عن مقاصده العُليا. بهذا يكون للدين دور في بناء الإنسان والحضارات. ورُبّمَا الحضارة الإسلامية في قُرونها الهجرية الأولى الأربعة خير شاهد على دور الدين في بناء الحضارات؛ حيث كانت تعاليمه تحثّ على طلب العِلم والمعرفة، وكان المُسلمون وراء جملة من العُلوم، نشأت أو تطوّرت. وعُلماء المُسلمين في شتّى الاتجاهات رموز معرفية شاخصة. إضافة إلى العمارة التي اتّسمت بطابعها الإسلامي المُميّز، والتي هي قائِمة إلى اليوم.

 ***

س2: د. شهرزاد حمدي: لماذا برأيكم لا يُمكن للإنسان أن يستغني عن الدين؟ وهل في عدم إمكانه عن فِعل ذلك تأسيس لضرورة الفلسفة في حياته؟

ج2: ماجد الغرباوي: "قُدرة أو عدم قُدرة الإنسان على الاستغناء عن الدين"، لم تكن يومًا قضية بديهية ومفروغ منها، بل موضع خِلاف الفلاسفة والمُفكرين. وقد أثارت جدلاً واسعًا، ثم تلتها أسئلة مُهِمَّة: هل الدين ضرورة وجودية، فيكون مطلوبًا لذاته. أم أنه ظاهرة تاريخية وُجِدت لمُعالجة مُشكلات نفسية واجتماعية مُعيّنة. فيكون مطلوبًا لغيره وليس مطلوبًا لذاته ... وسيلة وليسَ غاية؟: فَثَمَّة عدد من الفلاسفة والمُفكرين يعتقد أن الإنسان يحمل في بنيته الوجودية نُزوعًا نحو المُطلق والمعنى النهائي، وأن الدين يُمثِّلُ استجابة لهذه الحاجة العَميقة. فالإنسان لا يكتفي بتفسير آلي للعالَم، بل يسأل عن الغاية والقيمة والمَصير. من هذا المُنطلق، لا يكون الدين مُجرّد أداة علاجية، بل تَعْبيرًا عن بُعد أصيل في الإنسان يسعى إلى تجاوز حُدود الوجود المادي.

بينمَا يُؤكّد آخرون على إمكانية الاستغناء عن الدين، متى وجد الإنسان وسائل بديلة تُحقِّق الوظائف ذاتها كـ (الفلسفة، الأخلاق، والفن ....) فالدين، وِفقاً لهذا الرأي، ليسَ غاية في ذاته بل وسيلة لوظائف إنسانية أخرى ... حاجة الإنسان الحقيقية للمعنى والانتماء، للطمأنينة والسلام الداخلي وتبدّد الخوف والقَلَقْ الوجودي الذي يُلازمه مُنذ بداية وعيه، بأيّ وسيلة تحقّقت. لكن الدين هو الأجدر بهذه المُهِمَّة. والأوسع والأشمل في رؤيته الكونية. وقُدرته على تهدئة القَلَقْ المَصيري، وتقلّبات النفس البشرية، وظمأ الروح والحنين الذي يستبد به. كمَا أن الدين يُضفي معنى لحياة الإنسان ووجوده قد لا تُوفره الوسائل الأخرى، ويُجيب على أسئلته الوجودية، في وقتٍ تعجز العُلوم عنها. فنحنُ إذًا، أمام اتّجاهين، الأوّل يرى أن الدين مطلوب لذاته، والآخر يُؤكّد أنه وسيلة لا هدفًا بذاته. بيد أن جواب السُؤال يتوقّف على مفهوم الدين. فمَا هو مفهوم الدين الذي لا يُمكن أو يُمكن للإنسان الاستغناء عنه؟

كان الدين وما يزال مُنذ فجر التاريخ أحد أهم العوامل المُوجِّهة للفِعل الإنساني، وقد تعدّى مجاله الروحي إلى تنظيم الاجتماع البشري وتأسيس القيم والشرائع. وكان أبرز الظواهر التي رافقت الإنسان على الأرض، مِمَّا يُؤكِّدُ أهميته الروحية.

الدين في اللغة يدلٌّ على الطاعة والانقياد والجزاء. وأمَّا اصطلاحًا: "الدين: منظومة من المٌعتقدات والطقوس والقيم التي تٌنظم علاقة الإنسان بالخالق وبالمُجتمع". أو (منظومة من العقائد والتشريعات والقيم الأخلاقية والحِكَم والمواعظ).

والدين بهذا المعني؛ أيّ المعنى الاصطلاحي، يُمكن الاستغناء عنه إلى بدائل تؤدّي الوظيفة ذاتها المُتَوَقَّعَة من الدين، فليسَ الجميع يتبنون العقائد الدينية، أو يلتزمون شرائعه، ويتمثلون قيمه. فلا يكون حينئذٍ مطلوبًا لذاته بل لأنه وسيلة لتحقيق أهدافٍ سامية يعتقد بها مُعتنقوه.

لكن الأمر سيختلف مع جوهر الدين وحقيقته لا بالمعنى الاصطلاحي بل بمعنى التجربة الدينية. ذلك القاسم المُشترك بين جَميع الأديان. أو "تلك الحقيقة التي يدور مدارها صدق وعدم صدق مفهوم الدين". وما عداها تمظهرات، وأنحاء من التديّن، كالعبادات والطُقوس والشعائر والتشريعات، لا تسلب جوهر الدين حقيقته مَهْمَا اختلفت أو تغيّرت استجابة لضرورات روحية أو اجتماعية. فجوهر الدين خُصوص التجربة الدينية. ذلك الحُضور المُهيّمن للغيب، وكيفية تمثّل المطلق / الكائن الأسمى، فتكون أخصّ من التجربة الروحية، بينهُمَا عُموم وخُصوص مُطلق، وِفقًا للمنطق الصوري. فكلّ تجربة دينية هي تجربة روحية بالضرورة، لكن ليسَ كلّ تجربة روحية هي تجربة دينية. فيُمكن تعريف الدين: "تجربة روحية شخصية بين المخلوق وخالقه. آثارها النفسية والاجتماعية تُضفي معنى لحياة الإنسان. تَسمو به خُلقيًا، وتشدُّه إلى عالَم الغيب والملكوت". (للتفصيل: مقتضيات الحكمة 16). فمحور التجربة الدينية الله / الخالق، بينمَا محور التجربة الروحية شيئًا ما، ليسَ بالضرورة أن يكون ذات الخالق تعالى. كثير من الشُعوب تعيش تجربتها الروحية الأعمّ من التجربة الدينية. وتتمثّل ما تُؤمن به.

وأكثر توضيحًا: "الدين تجربة روحية تروي ظمأ الإنسان المُتعطش للمُطلق، والمُرتهن للغيب والمُقدس. يغمره قَلَقْ مَصيري لا شُعوري، وتوق جنوني للسمو يستبد به وهو يعيش تجربته، فتنعكس آثارها على سُلوكه ومشاعره ومواقفه. (للتفصيل: الفلسفة النسوية، ص9).

وبشكلٍ أدقّ: أقصد بالتجربة الدينية هُنَا بالذات، تجربة روحانية، يجد فيها الإنسان نفسه فجأة مُتعلقًا بالغيب، بالمُطلق، بالله. مشدودًا لعالَم لا دليل له عليها سِوى قلبه، في لحظة يشعر أنه بحاجة ماسّة للتماهي معه والانفتاح عليه. وهي لحظة نورانية دافئة، قد تتطوّر وتسمو وترتفع به إلى مُستوى الإنسان الأخلاقي تَبَعًا لنقاء سَريرته وكيفية استثماره للحظة النور الرحمانية في أعماقه. وهذا النوع من التجارب الدينية مُشترك إنساني رغم تفاوتها، تُضفي معنى أخلاقيًا على الحياة، وتُساهم في ترسيخ قيم الفضيلة والحق والاعتراف بالآخر، وحقه في الاختلاف. وبالتالي، هي تدفّق وجداني ونقاء روحي، ينعكس على وعيه وعلاقاته الاجتماعية، فتسمو فوق الأنانية والظلم والجور والعنف، وكلّ ما يُعَكّرُ صفو المُجتمع الإنساني. يفيض فيها المُتلقي بالحب عشقها للجمال. والتجربة الدينية ليستَ حكرًا على دين واحد، بل هي مفهوم شامل لكلّ تجربة بشرية تُؤمن بوجود كائن أسمى، يتمتع بسُلطة فوقية، وقُدسية تستغرق مشاعر المُؤمنين، بل حتى مع عدم تحقّق هذا القدر من الاعتقاد سِوى الإيمان بإنسانية الإنسان. وكلّ ما تعمقت التجربة الدينية كُلّمَا اتسعت الرؤية، وانفتحت آفاق جديدة لوعي الذات، ومعرفة حقيقتها. (للتفصيل: المقدس ورهان الأخلاق، ص95).

والسُّؤال، هل الاستغناء عن الدين كتجربة روحية، "لا باعتباره منظومة من العقائد والتشريعات والقيم الأخلاقية والحِكَم والمواعظ"، ممكن للإنسان؟.

الإنسان كائن مُركّب من روح وجسد. فإذا كانت المادة موضوعاً للعُلوم الطبيعية فإن أعماق النفس البشرية موضوعًا للدين. والمقصود بالدين خُصوص التجربة الدينية والروحية القادرة على تهدئة القَلَقْ الوجودي، وطمأنة النفس البشري، مادامت مُكاشفة مع الذات، وانفتاحًا على غيب / الله / المُطلق. فالمقام مقام روحي شفاف، وليسَ مقام عبادات وطُقوس وتشريعات، بل هي تجرّد النفس، في لحظة روحانية، لا يعي فيها سِوى نفسه عارية من كلّ شيء سواها. هي لحطة مُكاشفة ومُصارحة مع الذات بين يدي الله / المُطلق ... فقط وفقط الإنسان ونفسه، حينمَا يشعر بها وهي تتعذّب بفِعل قَلَقِهَا الوجودي، فتنفتح على أعماقها وعينها ترمُق السماء، وترجو ذلك الغيب. تتأمّل المُطلق بكلّ جوارحها، لتستمد منه ما يساعدها على تحرّي حقيقتها. هذه حالة إنسانية؛ حيث يميل الإنسان، في لحظات الأزمة والقَلَقْ الوجودي، إلى اختبار شكل من أشكال الانفتاح الروحي. فيمرّ بهَا كل إنسان مَهْمَا كانت تجربته الروحية مُتواضعة. ولا يُمكنه الاستغناء عنها مادام يخوض تجربته الحياتية والمَعيشية ويواجه ما يستفزه من ظواهر وأسئلة مَصيرية، فلاَ يجد سِوى تجربته الروحية نافذته على الغيب لبث الطمأنينة في نفسه القَلِقَة. هي قضايا موضوعًا للدين بهذا المعنى. (يَرَى "شوبنهاور" أن لَدَى الإنسان حاجة ميتافيزيقية فطرية لفهم لغز الوجود والموت والمُعاناة. وبمَا أن الفلسفة، بصرامتها العقلية وتجريدها القاسي، لا تصلح للجَميع، يأتي الدين ليملأ هذا الفراغ). بمعنى التجربة الروحية المُطمئنة. بالتالي، كمَا يدعو الجسد لمُعالجة عِلَلِهِ بعلاج من جنسه، كذلك الروح تستدعي علاجًا روحانيًا من جنسها، فتكون التجارب الروحية أقدر على مُعالجة النفس، بل تتفرّد بانفتاح المُتلقّي على الغيب والمُطلق للتزوّد من مَعين روحانيته. فتكون تجربة مُلهِمَة ومُقَوِمَة للمُتلقّي، تضمن له الاستقرار النفسي. ولا يختلف الحال بين نفسٍ وأخرى. الإنسان بطبيعته يعتريه القَلَقْ والهلع والخوف، وتُحيط به أسئلة الوجود الكبرى، وتستوقفه ظواهر شتى كالموت والشر والظُلم والألم. وقد شَكّل الدين عبر التاريخ الإطار الأكثر قُدرة على تقديم تفسير شامل للمُعاناة وربطها بخطة كونية أوسع، مِمَّا يَمنحُ الإنسان قُدرة على الصُمود والاستمرار. فيكون الدين هُنَا ضرورة شَريطة قُدرته على مُعالجة الروح وإخفاقاتها.

لكن السُّؤال يعود، هل البحث عن المعنى هو الدافع الحقيقي للفرد أم الدين بِمَا هو دين ولو لم يُضْفِ معنى لوجود الإنسان؟

قالوا: أن الحداثة أوجدت بدائل جُزئية للمعنى، مثل الفلسفة الإنسانية والعِلم والفن، ما أدّى إلى ظُهور نِقاش حول إمكانية وجود معنى للحياة خارج الأطُر الدينية التقليدية. وتُؤكِّدُ الدراسات الوجودية أن الإنسان لا يستطيع العيش طويلًا دون معنى يُفسّر تجربته في العالَم، خُصوصًا أمام الألم والموت والظلم. ويُشير "فيكتور فرانكل" إلى أن البحث عن المعنى هو الدافع الأعمق للإنسان، وأن فُقدان المعنى يُؤدي إلى الفَراغ الوجودي والاضطراب النفسي. في هذا السِّياق يُؤدي الدين دورًا محوريًا في توفير أفُق معنوي للحياة.وعن "ألبرت آينشتاين": (الإنسان الذي يعتبر حياته خالية من المعنى ليسَ تَعيسًا وحسب، بل بالكاد يصلح للحياة).

المُشكلة أساسًا أن القضايا الغيبية قضايا مُجرّدة يتعذّر معها الجزم. لا حقيقة لها خارج النصّ والفَضَاء المعرفي للمُتلقّي. فتختلف من فرد وآخر تَبَعًا لثقافاته وتُوجهه الأيديولوجي، وتسرب العامل الذاتي، والعاطفي والانتماء الثقافي والبيئة الدينية. الحقيقة في هذه القضية دائِمًا نسبية وليست مُطلقة. فالبيئات التي تتصف بخُصوبة المشاعر الروحية والدينية تجد الدين ضرورة وجودية، ومطلوب لذاته. وهي عُموم الشعوب التي ظهرت فيها النبوات. فثمّة استعداد لتقبّل ما يتجاوز الحسّ والعقل التجريبي. ولولا هذا الاستعداد الذاتي لا يكتب لأيّ ديانة أو رسالة سماوية النجاح، مَهْمَا كانت قُدسيتها. النجاح يتوقف على طبيعة الرسالة ووجود ثقافة تُساهم في قبولها. أضف لذلك عُصور مُتمادية من الاستبداد والنظام الأبوي القمعي الذي سلب الفرد قُدرته على التفكير فضلاً عن السُّؤال والنقد والتمرّد. وبالتي الوازع الديني عندنا وليد بيئتنا وثقافاتنا، وليسَ بالضرورة يشاركنا به من ينتمي لبيئات ثقافية مُغايرة. من هُنَا لا يُمكن الجزم بضرس قاطع أن هدف الفرد هو ذات الدين وإن كان بمعنى التجربة الدينية. الإنسان بطبيعته يبحث عن الاطمئنان. حتى الكتب السماوية تُؤكِّدُ على الطُمأنينة التي يبتغيها الإنسان ليستقر قَلَقَهُ، وتهدأ روحه: (وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم). فصَحيح الدين الأجدر بذلك، لكنه الأجدر بَما أنه وسيلة للاطمئنان النفسي.

***

وأمَّا الشق الثاني من السؤال: (وهل في عدم إمكانه عن فِعل ذلك "عدم إمكان الاستغناء عن الدين" تأسيس لضرورة الفلسفة في حياته؟).

نعم، لو ثبت ذلك، فإن احتياج الإنسان للدين يكشف في العمق عن احتياجه للتفلّسف. بمعنى أدقّ: أن سُّؤال المعنى وراء حاجة الإنسان للدين، وسُّؤال المعنى يُفيد أن الإنسان كائن يسأل، ومادام يسأل فهو كائن يتفلّسف. فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يعيش دون إجابة عن أسئلته الوجودية، فهو كائن يتفلّسف. الدين يُقدّم أجوبة كونية ومعنوية. الفلسفة تسأل عن مشروعية هذه الأجوبة، وعن طبيعة الحقيقة والمعنى. وبالتالي الفلسفة ليست ترفًا، بل ضرورة وجودية.

***

حاورته: د. شهرزاد حمدي

.........................

* شهرزاد حمدي: باحثة وأستاذة جامعيـة من مواليد 1997م بولاية عنابة – الـجزائـر. حاصلة على شهادة الدكتوراه تـخصّص: فلسفة عامة من جامعة مـحمد لـمـيـن دباغـيـن سطيف2. لَـهَا العديد من الـمنشورات العِلمية والـمُشاركـات في مُلتقيات وطنية ودولية. كمَا تَشْغَل عُـضو مُـحـكّـم في مـجلات وطنية ودولية تابِعة لـجامعات ولـمراكـِز بـحثية. من كتبـها: تفكّـرات فلسفية مُـتنوّعـة، إشكالات مُـثارة من وحـي الـيومـي والعِـلـمي، دار إيلياء للنشـر والتوزيع، الـجزائـر – الـذكاء الاصطناعـي ومُـستقبل الإنسان (مُـشتـرك مع د. مفتاح سعودي)، دار الـمتنبـي للنشـر والتوزيع، الـجزائـر.

** ماجد الغرباوي: مُفكّر عربي تنويري معروف بإسهاماته النقدية الإبداعية في مجال الفكر العربي في مُختلف تجلّياته الفلسفية والدينية. ويُعدّ "الغرباوي" من أصحاب المشاريع الفكرية النهضوية في العالَم العربي والإسلامي. وقد شيّدَ مؤسسة المُثقف العربي في سيدني - أستراليا، ويرأس حاليًا هيئة تحرير صحيفة المُثقف الشهيرة. يَتَضَمّن مشروع "الغرباوي" قضايا حسّاسة جدًا في الفكر العربي ويتمحور هذا المشروع في العَمَل على تحرير العقل من بنيته الأسطورية وإعادة فهم الدين على أساس مركزية الإنسان في الحياة. ويُركز على أهمية التنوير الديني وتحرير الخطاب الديني من سطوة التراث وتداعيات العقل التقليدي، ويُؤكِّد "الغرباوي" على أهمية القِراءة المُتجدِّدة للنص الديني تقوم على النقد والمُراجعة المُستمرة، من أجل فهم مُتجدِّد للدين، كشرط أساس لأيّ نُهوض حضاري، يُساهم في ترسيخ قيم الحُرية والتسامح والعدالة، في إطار مُجتمع مدني خالٍ من العُنف والتنابُذ والاحتراب. ويتناول "ماجد الغرباوي" ضمن مشروعه موضوعات: فكر النهضة، نقد الفكر الديني، التسامح، العنف، الحركات الإسلامية، المرأة، التنوير، والنهضة الحضارية في المُجتمعات العربية والإسلامية ... وِفقاً لمركز نقد وتنوير.

https://tanwair.com/author/majed

له أكثر من (35) عملاً مطبوعًا. صدرت عنه لحدّ الآن (5) كتب فكرية، و(4) كتب حوارات معه. كمَا تُرجمت بعض أعماله إلى لُغات أجنبية. ونشر عددًا كبيرًا من المقالات والبُحوث في مجلات وصحف ومواقع ألكترونية مُختلفة.

1- ابن خلدون، المقدمة، دار الفكر، بيروت، ص 191.

2. أرنولد توينبي، دراسة التاريخ، ترجمة فؤاد زكريا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ج1، ص 72.

يعدّ استخدام أدوات الاستفهام أمراَ بديهياً في بحوث قضايا الفكر التي يشغل الدين ابرزها في تاريخ المجتمعات البشرية بشكل عام، وفي التاريخ العربي بشكل خاص. في سياق هذا الاستخدام يمكن تصنيف الباحثين الى: باحث تقليدي يوظف أدوات الاستفهام توظيفاً يخدم وصوله الى نتائج كان قد اقرها في نفسه مسبقاً، وليست نتائج تفرض حضورها كمخرجات بحث علمي مجرد. باحث اخر يوظف أدوات الاستفهام في بحثه دون تحديد مسبق للنتائج، فإذا جاءت متوافقة مع ميوله الفكرية واعتقاداته، صادق عليها، وان جاء فيها من الحساسية ما يمكن ان تثيره في المتلقي، داواها بذكاء السؤال ولطف المقال. باحث ثالث يوظف أدوات الاستفهام بجرأة في منطقة بحث حرجة او محظورة في الجو الثقافي الغالب على المجتمع، يحصل هذا عادة مع باحث يتناول ايدولوجيا مختلفة عن التي يتبناها، بهدف تقويض تلك الايدولوجيا، وفي احيان نادرة تأتي تلك الجرأة من داخل منطقة الباحث الايدولوجية بهدف التحديث والتجديد، فيسأل: لماذا واين وكيف ومتى، متجرداً ما أمكنه التجرد، وهي مرحلة يكثر نقّادها على حساب مؤيديها في كل من ثقافة النخبة والثقافة الشعبية أو العامة بسبب ما تثيره من نقاط حساسة جداً.

في كتابه (النص وسؤال الحقيقة) يرسم الباحث (ماجد الغرباوي) منطقة حياد على خارطة التفكير العميق لعقل الباحث المتجرد، ثم لا يُخرج نفسه من كينونته الفطرية فيزعم مثالية هذه المنطقة في تفكيره، لكن محاولته رسم هكذا منطقة تكشف عن ابعاد عالم جديد في عملية التفكير المعاصر يرجو لها (الغرباوي) ان تظهر لتسهم في إخراج العقل الباحث عن الحقيقة من مساحة محددة، الى مساحة مفتوحة متطورة، تفكر بالمستقبل بلغة انسانية تتخطى مساحة البحث التقليدي عبر إضافة بعد ثاني لأداة الاستفهام، غير البعد الاعتيادي لها في سطور وصفحات الكتاب. هو بعد اجتماعي لا أجدني أجامل إذا ما قلت ان الباحث (ماجد الغرباوي) قد أجاد في انتقائه منطقة الاستفهام في بحثه حين تحدث عن النقد وعن الحقيقة حديثاً وجدته ابعد من ان يكون حديثاً تقليدياً، فقد استخدم عبارة (اوهام الحقيقة) استخداماً كشف لي عن قدرة في تكثيف الفكرة أكثر مما قد يبدو تعبيراً فلسفياً، او قراءة نظرية. ففي ص63 يقول: (الوهم وفضاءاته المتنوعة هو مصدر المعرفة الوحيد بالنسبة للمتلقي العادي). الوعي العام هو مصدر معرفة المتلقي العادي كقارئ او مستمع او مشاهد. والوعي العام تشكله في المتلقي طريقة الحياة التي يعيشها في المجتمع، عادة ما يكون الانفعال هو اداة القياس وليس العقل. فالانسان تؤثر فيه العبرة (بفتح العين) اكثر واسرع من تأثير العبرة (بكسر العين)، فهو يتفاعل مع موقف اكثر من تفاعله مع موضوع. لذا لا يجد الكتاب حضوراً في حياة الفرد والمجتمع مثل حضور الأحداث اليومية وطريقة التعامل بين الناس، فهم يفكرون من خلال ادوات تعاملهم فيما بينهم. هنا اجدني مبتهجاً بتوظيف الاستاذ (الغرباوي) الإستفهام ببعدين. بعد ثقافي يخاطب به المتلقي الفطن، وبعد اجتماعي يخاطب به المتلقي العادي. فهو حين يطرح اسئلة في منطقة المحظور في الشأن الثقافي والاجتماعي للدين، فإنه يرسل استفهاماته كبطاقات دعوة للمتلقي لحضور حفل تأمل ثقافي في اجواء موضوعية ترى في حركة النقد المقتصرة على مضمون النص واسانيده غير كافية لتحقيق تطور في تفكير المتلقي، وهي نقطة حيوية مهمة. فمن الصعوبات التي تواجهها ثقافتنا المعاصرة انها لم تصل بعد الى المرحلة التي تصبح فيها شريكة للانسان في حياته، ومعنى ان تصبح الثقافة شريكة الانسان العادي في حياته هو توفير امكانية نقد الحياة من خلال النقد الذاتي للفرد والمجتمع.

مشكلة المتلقي العادي ان ثقافته جاءت نتاج مزيج من موروث شعبي ووعي تلقائي، اضيف اليه رصيد من القراءة. فهو بذلك مثقف موهوم بالحرية، منهوم بطلبها، ولمّا يعرف معناها بعد، حتى يكون قادراً على ممارسة النقد بتجرد شبه تام عن هذا المزيج، فإذا اجاد ذلك كسب وعيه الموضوعي ليصبح منتجاً قادراً على تطوير صناعة وعي الفرد والمجتمع.

اتفق مع الباحث المُجيد في ان النقد المستمر كفيل ببعث الحركة في القوالب الجامدة لنصوص التراث التي اخذت شكل الخطوط الحمراء في مصدرية المعلومة والخبر، فلا تمتد اليها اصابع النقد بقدر ما تركز عليها في نقد النصوص التالية لها تاريخياً، ولعلي أرى ان يتحقق هذا النقد المستمر في بيئة انثروبولوجية حيث البحث في كل ما له علاقة بطبيعة الانسان.

هل الحقيقة مفهوم ام موضوع، ما هو الحقل العلمي الذي نعرّف الحقيقة من خلاله، هل هي حقيقة نسبية ام حقيقة مطلقة، هل هي حقيقة موضوعية ام تلقائية. في تناوله عبارة (اوهام الحقيقة) في ص22 في سياق الحديث عن النص، يُخرج الباحث اصطلاح الحرية من إطار المطلق. انه يميز بين النص وبين قراءة النص، وفي هذا التمييز تحفيز قوي للمتلقي العادي كي يلحق بركب التفكير العملي حين يؤشر الى نقطة مهمة في قوله (النصوص جاءت لمعالجة الواقع) وليس لتبريره أو تكراره على منوال الماضي. فالتراث بما يمثله من مصدرية قد يصبح (خطراً على العقل ما لم يتداركه النقد ويفضح الاعيبه) ولعلي استبدل عبارة (يفضح الاعيبه) بـ يكشف نقاط ضعفه.

ويقف (الغرباوي) عند عقدة كبيرة في مسار تطور النقد البنّاء تتمثل في تقديس المصادر والنصوص التراثية والتاريخية، حتى ان بعض الباحثين المعاصرين يعاير نجاح بحثه بمدى موافقته لتلك المصادر وموآمته لها.

في العالم العربي الاسلامي رعت السلطة الحاكمة الخطاب الايديولوجي وهيأت له اجواء الهيمنة على وعي الناس لما يحققه من تحكم سهل بالجماهير. ولأن السلطة الحاكمة هي القوة المسيطرة على المشهد الحياتي والمتحكمة بموارد البلاد المالية فقد وجد الخطاب الايديولوجي استثماراً كبيراً في الدين لرواج سوقه بين الناس، لأن الناس يسمعون اكثر مما يقرأون، الأمر الذي سهّل على السلطة الحاكمة أن تتلاعب بوعيهم عبر نصوص مفبركة وأحاديث موضوعة. في ص128 يرى الاستاذ الغرباوي ان: الخطاب الايديولوجي خطاب نفي، يقصي الآخر.. بعد ان رأى في ص88 ان الاسلام الديني انتهى بعد وفاة نبي الأمة (وبدأت مرحلة الاسلام السياسي، لحظة توظيف النص الديني لشرعنة الموقف السياسي..)

يبدو لي ان كل من العقل الديني والعقل السياسي حرما المجتمع العربي من فرصة تعلم لغة الحياة عندما استخدم العقل الديني لغة ايديولوجية لا يتعلم الناس منها سوى حرية الحركة بين مفهومي التقييد والتقليد. وعندما استخدم العقل السياسي لغة تسلطية لا يتعلم الناس منها سوى العلاقة بين الرضا بما تعطيه لهم الحكومة، والاذعان لما تريده منهم. والذي يحاول الخروج على هاتين اللغتين فهو مرتد او معارض. وقد ذهب (الغرباوي) في ص41 الى ان الخطاب الديني يعمل على تزييف الوعي ويقمع المعارض، على الضد من الحكم القرآني.

ان الخطاب الديني المتعصب يُخرج المفاهيم الجميلة مثل التسامح والعفو من دائرة تعريفهما الموضوعية ويقحمهما في دائرة الانفعال، فيغدو التسامح عطفاً من منطلق قوة مسك الأرض. ويصبح العفو هدنة مشروطة بعدم المواجهة. اما التسامح والعفو بالفهم الموضوعي فلهما ابعاد انسانية من منطلق قوة الايمان وهذا هو الخطاب القرآني الذي ضاعت معالمه في اجندات السياسة التي البست الخطاب الطائفي ثوب الخطاب الديني حتى تدهور الحال وصار الارهاب رديف الدين والعنف صفة دينية، ودخل الاعلام السلبي على خط الترويج لهذا الانحراف، فظهرت اعراض الحساسية الاجتماعية من الشأن الديني. لذا فمن بين اسباب تخلف مجتمعاتنا العربية المعاصرة انها لم تتوصل لحد الان الى الآلية او التقنية او الطريقة التي تتجاوز بها مرحلة الغفلة، إذ تمر بهم المشكلة وتتكرر فيهم المعاناة وتتجدد فيهم الازمات، فلا ينتبهون الى انهم مروا بها من قبل، فلا يتذكرون الا حين يقعون، وحينها لا ينفعهم نص الناصحين.

في الكتاب جهد جامع، رائع، ماتع، نافع، له ضرورته في المرحلة الحالية التي نعيشها في القرن الواحد والعشرين، حيث يدعو الباحث الى رؤية عملية موضوعية للمستقبل (فلا مستقبل لأمة لا تبني تاريخها بنفسها. وهذا مرتهن بتلاشي روح العبودية القابعة في اعماقنا، وقدرتنا على استعادة ثقتنا بانفسنا..) ص155

لعل الخطأ الثقافي الذي وقع فيه العقل الديني العربي هو إقصار فهم المتلقي على بعد واحد من ابعاد المعاني الأساسية المستخدمة في الحياة كالصبر والقناعة مثلاً. فقد جاء اهتمام العقل الديني بالصبر اهتماماً موقوفاً على معنى التحمل فقط، وليس على معنى التأمل أيضاً. كما جاء اهتمامه بالقناعة قائماً على معنى التبرير وليس على معنى التغيير. فكانت الحصيلة، مجتمعات راكدة، ساكتة، وجدت قوة السلطة الحاكمة في ذلك منفذاً ميسراً للتسلط على الناس، فتمكنت بقوة قانونها الوضعي من الانتقال بالناس من حالة الركود والسكوت التي هيأها لهم العقل الديني، الى مرحلة الخضوع لإرادة الدولة، وكان من السهل على الناس قبول ذلك عندما ربطوه بفكرة رجوع الامر كله لله، وان الخضوع الذي يعيشونه للسلطة حال كونها ظالمة، ما هو الا ابتلاء عليهم تحمله وتمريره بجرعات صبر يقدمها العقل الديني في خطاب يعدهم بتحسين احوالهم بضمانة الفهم التلقائي للنص المقدّس الذي يحث على الصبر وان الله يحب الصابرين. هكذا أصيبت حركة الدين بالخمول في حياة الناس، وقد أثّر ذلك على نمو خلايا التفكير، مما نتج عنه إصابات واضحة في إرادة التغيير. فالناس يرون الظلم يلحق بهم، ويرون الفساد ينهش جسم المجتمع ولسان حالهم يقول لا حول ولا قوة الا بالله !!.. ويخطئون في تفكيرهم وفي تقريرهم وفي علاقاتهم وعندهم تبرير لذلك: (لسنا معصومين)، ولعلي اضيف الى ما ذكره الباحث الفاضل في ص203 تحت عنوان (مفهوم العصمة)، فأقول ان الواقع العملي لطريقة حياة الناس يكشف ان العقل الديني الشيعي لم يكن متمكناً ثقافياً في استخدامه مفهوم العصمة في علاقة الناس بأئمة اهل البيت، لأنه أقصر مناخ العصمة على أئمة اهل البيت، الأمر الذي حرم الناس من الاستئناس بتطور مفهوم العصمة في حياتهم كدرجة من الفضيلة بوسع أي شخص ان يبلغها مقتدياً بأئمة اهل البيت الذين يمثلون قمة هرم هذا المفهوم، فإذا بلغها امتنع من الوقوع في الخطأ مع قدرة فيه على ذلك. ومن بين أسباب تأخر المجتمع ان العقل الديني قدّم للناس أدوات الخوف من الحياة الآخرة، قبل ان يقدّم لهم أدوات العمل في الحياة الدنيا. فمن شأن الخوف انه يهدّد حرية التفكير، ولعل ذلك بدا واضحاً حين وجد المجتمع نفسه أمام تطور علمي متسارع في الغرب في العصر الحديث، فأراد ان يعيد ضبط ساعة تفكيره ثقافياً كي ينجح في مواكبة هذا التطور العلمي الغربي، لكن نتائج تفكيره جاءت قلقة بسبب إدمان الخوف الذي أُرغمت عليه خلايا التفكير لفترات طويلة من الزمن، فظهرت جرّاء ذلك ثقافة تجميلية شكلية اكثر مما هي ثقافة تحليلية موضوعية.

اننا بحاجة الى تجديد ثقافي يعالج واقعنا معالجة جذرية، فلا يقصي الدين، ولا ينغمس فيما قدّمه السلف. بل يعيش الدين من حيث هو رسالة حياة تقدّم أدوات العمل في الحياة الدنيا قبل ادوات الخوف من الحياة الآخرة. هكذا يصبح الموت جزءاً ضرورياً وحافزاً حياتياً لا يتسبب في قلق المتلقي المعاصر بقدر ما يحفزه على العطاء الإيجابي. يقول السير آرثر ثومسن (فالذي نحن على يقين منه اننا بحاجة الى مزيد من العلم ومزيد من الدين). وفي أواخر كتابه (فلسفة العلم الطبيعي) يقول السير آرثر إدنتجون (وفي عصر العقل تظل العقيدة راجحة لأن العقل بعض مادة العقيدة).

يأتي نقد الشأن الديني في القرن الواحد والعشرين من واقع بلوغ التقنية الرقمية مرحلة الذكاء الاصطناعي، وبلوغ النفس البشرية مرحلة وجود العقل البشري في مساحة تكثر فيها الاستفهامات، وتقل فيها الاجابات المقنعة، فاذا اخذنا في نظر الاعتبار ان النقد نقدان: نقد بنّاء، ونقد هدّام، فإن نقد الشأن الديني الرائج اليوم لا يُخشى منه على الدين، قد يتراجع حضور الدين في الحياة الاجتماعية فيعود غريباً كما في الحديث النبوي، لكنه لن ينتهي ابداً. ان ما نحن بصدد بحثه في جو نقد الشأن الديني اليوم هو ما التأثير الذي يمكن ان يتركه نقد الدين ؟ هل يسهم في إظهار ثقافة جديدة قادرة على استيعاب التطور العلمي بحيث لا يبقى للدين سوى مساحة صغيرة في بعض النفوس. ام ان هذا النقد سيؤثر سلباً على ثقافة الواقع ؟ وقبل ذلك من هم اولئك الذين يمارسون نقد الشأن الديني اليوم ؟ هل هم من ثقافة النخبة ام من الثقافة العامة ممن يستخدمون حرية التعبير التي اتاحتها الشبكة العنكبوتية في مواقع التواصل والتطبيقات التقنية، للتعبير عن انفعالاتهم بعيداً عن الوعي العميق الذي يستلزمه النقد البناّء. في كتابه (النص وسؤال الحقيقة) يوضح الباحث المُجيد (ماجد الغرباوي) طريقاً، لا اقول انها سهلة، لكنها مقبولة جداً لمواصلة النقد البنّاء. لا من اجل نصوص صامتة في كتب على رفوف المكتبات، وانما من اجل تدريب المتلقي العادي وتعليمه لغة الحياة (الحلوة الخضرة) بتعبير الحديث الشريف، عبر محطات الاستفهام المرتبطة بالواقع الحياتي للناس. الواقع الذي جعل كثيرين يتكلمون ويشاهدون ويسمعون لأوقات اطول من تلك الاوقات التي يقرأون فيها ويكتبون، فضلاً عن ان القراءة والكتابة هي فعل فردي، ذاتي، وليست فعلاً جماعياً، عكس الكلام والمشاهدة والاستماع التي هي نشاطات جماعية.

من مجمل قراءتي لكتاب (النص وسؤال الحقيقة) اسجل نقطتين: الأولى للباحث، والثانية تمنيتها عليه. فأما التي هي له فقدرته على حظر قوة انفاله النفسي من دخول منطقة العمل الفكري الثقافي النقدي الموضوعي برغم كثرة وحساسية الموضوعات التي تناولها الكتاب، وهي نقطة تحسب له، لأن بعض الباحثين لم يتمكنوا من إخفاء دوافعهم المذهبية وميولهم النفسية وهم يكتبون ويبحثون في الشأن الديني والتاريخي والفلسفي والأدبي. فعلى جميل ومعقولية ما ذكره (طه حسين) مثلاً، عن الإمام علي في كتابه (الفتنة الكبرى – علي وبنوه) كشف عن ضعف في منطقة تفكيره الموضوعي النقدي حين جعل (الإمام علي) جديراً بأن يسير في الناس سيرة عمر ! وكنت قد سألت (طه حسين) في كتابي (دولة الإسلام بين مفهومين محمد النبي ومحمد القائد): لماذا سيرة عمر وليست سيرة محمد ؟. وكذلك بدا لي (سيد قطب) في مثل هكذا موقف حين علل سبب مخالفة بعض الصحابة الأوائل لتعليمات وتوجيهات واوامر النبي، بأنهم خالفوه لما هم اعرف به منه في شؤونهم.

وأما النقطة التي تمنيتها على الباحث العزيز فهي ان يتناول العلاقة بين الثقافة والدين، إذ يبدو لي ان في دراسة هذه العلاقة ما يوصل الى نتائج حيوية مهمة تدعم مشروع البحث، وأرى ان الأستاذ ماجد الغرباوي يملك سبر اغوارها، فقد توصل الى ان ثقافة العربي هي (ثقافة وصفية – بيانية، تهيم بالوصف دون التوغل في أعماق الظواهر الحياتية..) ص95، وهو ما ارجعته في كتابي (قضايا في نقد الواقع الثقافي) الى غياب الكتاب في حياة العربي في تلك الفترة، فتحت عنوان (بين ثقافة الإلمام وثقافة الإلهام) ذهبت الى ان ثقافة العربي هي ثقافة الهام لأنها لا تعتمد الكتب والمصادر، بينما ثقافة الروم والفرس كانت ثقافة المام لاعتمادها على الكتب والمصادر. كما تمنيت على الباحث العزيز لو تطرق الى التمييز بين البشري والإنساني داخل سلطة كل من العقل الديني والعقل السياسي، وقد تطرق في ص91 الى التمييز بين البشري والإلهي في السلطتين. لاعتقادي ان خللاً وخلطاً حصلا في حياة العربي بين مرحلتي البشرية والإنسانية، فالوقوف على ذلك سيسهم في توضيح معالم المشهد الحياتي لعمل العقل الديني والعقل السياسي، وهو ما قد يساعد العقل الثقافي العربي المعاصر على إيجاد المنطقة المشتركة المفقودة بين العقل الديني والعقل السياسي في عالمنا العربي الإسلامي.

من واقع البحث الانثروبولوجي اليوم، اجد في الناس ظمأً شديداً للثقافة، لا بالمعنى العميق لمفهوم الثقافة، ولكن بالمعنى الذي يشعر معه المواطن أنه لا يزال داخل دائرة الحياة، وانه لا يزال على قيد الوجود الانساني، وان بوسعه مواكبة التطور في العالم. فالانفتاح العالمي ووعي المواطن بوجود عالم افتراضي الى جانب واقعه، قد تسبب في ظهور شعور متواصل بالظمأ الثقافي، وبرغبة في الوصول الى حالة من التوازن بين التطور العلمي الغربي والتطلع الثقافي العربي، واجد من موضوعية النقد عندي ان اضم كتاب (النص وسؤال الحقيقة) للباحث المُجيد (ماجد الغرباوي) الى قائمة الكتب التي من شأنها ان تروي الظمأ الثقافي للمتلقي العربي المعاصر.

***

د. عدي عدنان البلداوي

 

يستهلّ الغرباوي كتابه «النص وسؤال الحقيقة» بمجموعةٍ من التساؤلات حول إشكالية العلاقة بين النص والحقيقة، وهذا ما علمتنا إيّاه الفلسفة، في أنّها فنّ طرح الأسئلة، وليس بالضرورة توفير إجابات جاهزة لإرضاء العقل، بل تظلّ التساؤلات الفلسفية الكبرى لصيقةً بعقل المفكّر والفيلسوف طيلة العصور.

ونحن هنا بصدد تجربة فلسفية نقدية بحثية لتحليل وتفسير العلاقة بين النص والحقيقة، ونقد المرجعيات الدينية. لنبدأ جولتنا الفكرية إلى عقل المفكر الديني ماجد الغرباوي، ونستخلص بعض الأفكار التي طرحها في كتابه، ومنها الآتي:

1- كيف أصبح الغيب حقيقة؟

يرى الغرباوي أنّه عبر آيات القرآن الكريم والروايات التي تحدّثت عنه، والتراكمات التاريخية التي أصبحت ثقافة، هي الأخرى تكوّنت بفعل وتأثير عوامل البيئة والتعليم والعادات والتقاليد التي نشأ بها المتلقي. وينتقد الغرباوي القراءة البريئة للنص؛ لأن الثقافة هي المسؤولة عن فهم وتحليل النص ومعرفة دلالاته.

2- ما الفرق بين قراءة النص بعقل متحرر وعقل رجعي؟

يرى الغرباوي أنّ الباحث الديني أو المفسر، عندما يقرأ من داخل النص، فهو بذلك يخضع لا إراديًا لسلطته، وذلك ليس لأنه لا يريد أن يفهم المعنى الباطن، بل لأن قداسة النص هي التي تتولّى تشكيل البنية الفكرية وآلية التفسير والتأويل. وينتقد كاتبنا القراءة التراثية؛ لأنها مثل صحراء لا يتوفر فيها المناخ المناسب لزرع نبتة الإبداع والابتكار، ولا تقدّم فهمًا جديدًا للدين.

أمّا بالنسبة للقراءة المتحررة، فعلى العكس تمامًا، فهي تُخضع النص لمناهج العقل من تفكيك وتحليل ووصف، وبالتالي يكون النص أمام الباحث المتحرر نصًا مفتوحًا على مختلف المناهج والتأويلات.

3- هل تمّ تسليع الدين وتطويعه للأهواء؟

يجيب الغرباوي بأن المذاهب الإسلامية قد بالغت في تشويه معالم الدين وحطّمت بنيته. لماذا؟ لأنها قرأت النص بما يخدم متبنياتها العقائدية وفق مصالحها، واختزلته فيها وبرموزها، وليس بوصفه وجهة نظر اجتهادية. ويرى أن المذاهب الإسلامية تأسست تكريسًا لموقف الصحابة من السلطة، وهو موقف سياسي لم ينشأ على قاعدة فكرية أو عقيدية، بل نزاع قائم على لعبة السياسة.

4- ما أهمية النقد بالنسبة للنص؟

نجد الغرباوي يشيد دائمًا بأهمية النقد، فهو بالنسبة له أساس كشف المراوغات، وبالأخص في الخطاب الديني الذي تقتصر مهمته على تسويق الحقيقة وإقناع المتلقي بها.

ما سبق عيّنة بسيطة من كمّ هائل من الأفكار التي يحتويها كتاب الغرباوي «النص وسؤال الحقيقة». ويمكن أن نستخلص فلسفته في أنها قائمة على النقد والتفكيك والتحليل، وينادي بإعمال العقل دائمًا، مثلما كان ينادي الفيلسوف الفرنسي إيمانويل كانط بأن الإنسان يجب أن يكون جريئًا في إعمال عقله.

***

محمد أبو العباس الدسوقي

 

اللغة، والرغبة، والخيبة

Language, Desire, and Disillusionment

Cultural–Political Reflections in Arabic Prose

Poetic Discourse of Dreams Drifting softly by Majid Al-Gharbawi

***

الإطار النظري والمنطلق النقدي

يفترض النقد السياسي الثقافي أن النص الأدبي ليس مجرد كيان لغوي معزول عن السياق التاريخي والاجتماعي، بل بنية دلالية تتشكل ضمن منظومة الخطاب الجمعي. فالنص الشعري والنثري على حد سواء يعكس الصراعات الداخلية للمجتمع ويشتبك مع السلطة والذاكرة، والهوية. وفي هذا الصدد، يؤكد إدوارد سعيد أن "لا وجود لنص بريء سياسياً، فكل كتابة هي اشتباك ضمني مع السلطة، والذاكرة، والهوية"، ما يجعل قراءة النصوص الشعرية النثرية العربية ضرورة لفهم أبعادها الثقافية والسياسية.

من جهة أخرى، يعتبر تيري إيغلِتون الأدب ممارسة ثقافية تكشف الأيديولوجيا المتخفية في اللغة، حيث يشير إلى أن "الشعر هو الشكل الرمزي الأعلى للمقاومة ضد اللغة التي تصنعها السلطة". وبناءً على هذا المنطلق، ينظر إلى نصوص مثل يتهادى حلماً وهمسات لاهثة بوصفها نصوصاً تمتزج فيها تجربة الذات الفردية مع الوعي الجمعي لتكشف عن جدلية مستمرة بين شهوة الخلاص وحقيقة الخراب في الواقع العربي المعاصر.

إن هذه الدراسة تهدف إلى قراءة النصوص النثرية المختارة كمتن واحد يجمع بين الرغبة الفردية والانكسار الشخصي، وبين الوعي الجمعي للخراب الاجتماعي والسياسي، مستندةً إلى إطار تحليلي يجمع بين النقد السياسي الثقافي والتحليل النفسي الثقافي. من هذا المنطلق، يصبح الخطاب الشعري النثري أداة لفهم آليات المقاومة الرمزية، حيث تتقاطع اللغة مع السلطة والرغبة مع الذاكرة، والإيروس مع الثاناتوس، لتشكل بذلك فضاءً معرفياً يمزج بين الجمالي والسياسي والثقافي.

الذاكرة والقداسة بوصفهما فضاءً للخيبة

يتأسس النص الأول على معجم طقوسي: " تتهجد، ترتل، قداس، صومعتي، آيات "، لكنه يحول القداسة إلى منطقة ملوثة بالزمن السياسي.

القداس هنا ليس شعيرة دينية بل طقس عزاء قومي، فحين يقول الشاعر:

"جاد به تموز فما عاد لنا فرح

والموت ينشر راياته السود

فوق سحابات بلد خانت به

نفوس أدمنت الغدر"

تتحول الأسطورة الزراعية (تموز، رمز الخصوبة والبعث) إلى ميتولوجيا الفقد السياسي.

الخيانة ليست عاطفية بل أخلاقية جماعية إنها خيانة الذاكرة والهوية، حيث يتكشف الوطن بوصفه كائناً خانته نفسه.

بذلك يخلق الشاعر ما يسميه والتر بنيامين "جماليات الحطام": الجمال المتبقي في أنقاض التاريخ.

تسييس الجسد والروح

في القسم الثاني من النص، تمتزج الحسية بالقداسة ("دفؤك لهاث أنفاسي" مقابل "قداسة أنفاسي") ليظهر الجسد كـرمز للروح المقهورة تحت السلطة.

الجسد هنا ليس ترفاً غزلياً بل مساحة مقاومة، إنه يستعيد عبر الحلم والعشق، ما صادره النظام الرمزي العام من حرية وطهر.

وهكذا يصبح " الهمس اللاهث " و" الآهات " خطاباً سياسياً مضمراً عن كبت جمعي لم يعد يفرق بين الخطيئة والعقيدة.

استبداد الضوء وانكسار الحقيقة

في المقطع:

"لم يكن سفاحاً ذلك الضوء

إنها طقوس مخالب الشمس

كادت تعاقر صبابة كأس" .

يعيد النص إنتاج الضوء رمز الحقيقة والعقل كقوة سفاحة.

إنها إشارة رمزية إلى السلطة التي تدعى التنوير بينما تمارس القمع باسم الحقيقة.

حين " تعاقر الشمس الكأس،"، نقرأ استعارة للخطاب السياسي الذي يسكر بسطوته الأخلاقية والإعلامية، فيتدنى من الطهر إلى الإدمان على الزيف.

لعبة الخطيئة والبراءة

تتحول مفردات الخطيئة والبراءة في المقطع " هومت آثام البراءة / تستبيح صومعتي " إلى بنية ثقافية:

فـ" البراءة" هنا هي المثقف أو الوعي الجمعي النقي و" الآثام " هي الأيديولوجيا التي تنتهك صومعته.

إنّ صومعة الشاعر هي الخطاب الثقافي الحر الذي يستباح من قِبل النظام السياسي والإعلامي.

بهذا المعنى، يكتب النص عن موت المثقف العضوي بالمعنى الغرامشي واستحالة وجود صوتٍ خارج المعبد الرخامي للسلطة.

البعد الأسطوري كقناع سياسي

استحضار "الوهم البابلي " في الختام:

" ذلك الوهم البابلي

أسدلتُ دونه غشاوة

ورحت ألهو بسحائب الليل"

ليس مجرد ترف أسطوري، إنه استعارة لهيمنة الإرث الإمبراطوري في الوعي السياسي العربي.

"الوهم البابلي" هو الدولة الشمولية الموعودة، حلم القوة الذي ينقلب خراباً والشاعر يسدل غشاوة أمامه كمن يعلن انسحابه من الوهم الجمعي.

هكذا يغلق النص بدائرة تأملية تعيد تعريف الفعل الشعري كـفعل تمرد ثقافي، لا كحلم غنائي.

التكوين اللغوي كأداة مقاومة

اختيار النثر الشعري الحر يخدم المنظور السياسي-الثقافي:

فرفض الوزن والقافية هو رفض لبنية السلطة اللغوية الموروثة، وبحث عن خطاب مضاد للنظام البلاغي المهيمن.

تبعاً لأدورنو، " الفن الحقيقي يعبر عن الحرية بقدر ما يقاوم الشكل المفروض"، وهو ما يتحقق في هذه البنية المتمردة على الانضباط الوزني والدلالي .

وبالتالي يمثل النصان من خلال منظورهما الرمزي، سجلاً ثقافياً لوعي عربي مأزوم.

تلتقي فيه التجربة الشخصية (الخيبة، الشوق، الذنب) مع الذاكرة السياسية (الخيانة، السلطة، الوهم البابلي).

اللغة الطقسية تغدو قناعاً لمساءلة المقدس السياسي، والعشق يتحول إلى خطاب مضاد لثقافة الموت والاستبداد .

في المحصلة، ينتج الشاعر نصاً يجسد ما وصفه إدوارد سعيد بـ" المنفى الداخلي". حيث تتحوّل الكتابة إلى فعل مقاومة رمزية، والشاعر إلى شاهد على أمة تصلي في معبد مهدي وهي ما تزال " توقاً إلى رعشة اندهاشٍ سرقتها آلهة النار"

مقاربة النصوص (تسمر الضوء، تبتكرني الريح، شظايا)

من منظور نقدي سياسي ثقافي، تمثل النصوص الثلاثة سيرة رمزية لوطن مأزوم وضمير مثقف يكتب في المنفى الداخلي.

إنها نصوص تجمع بين الجرح الشخصي والمأساة التاريخية وبين اللغة الطقسية والتمزق الواقعي وتحول الشعر إلى وثيقة احتجاج ثقافي ضد التواطؤ والخيانة والخراب القيمي.

إنها ليست "قصائد حب" بالمعنى الغنائي، بل مراث حضارية لأمة فقدت طهرها الرمزي.

يكتبها شاعر يستعيد عبر الأسطورة (تموز، كلكامش، فينيقية) ذاكرة الخصب القديم ليواجه بها خواء الحاضر.

ولذلك يمكن وصفها بأنها بلغة إدوارد سعيد " كتابة المنفى الداخلي، حيث يصبح الحنين موقفاً سياسياً والمجاز أداة للمقاومة."

ايضاً من المنطلق السياسي والثقافي، تقارب هذه النصوص النثرية الثلاثة — "تسمر الضوء"، " تبتكرني الريح"، و"شظايا" بوصفها ثلاثيةً رمزية تجسد مأزق الذات المثقفة العربية داخل فضاء ثقافي سياسي مأزوم. فهي نصوص لا تكتب عن الحنين أو الجمال فحسب، بل عن الخراب الجمعي وعن الأمة التي تستعيد قداسها بلغة العزاء، وعن الكاتب الذي يكتب من داخل منفى رمزي في وطنه.

" تسمر الضوء" انهيار المقدس وانكشاف السلطة الرمزية

" آلهة المعابد الرخامية تركوا الباب موارباً "

"في مراياهم المقعّرة ذوت مصابيح الحانة"

"يستبيح مأوى القداسة

ويستعيد مزماراً سرقته نار الوشاية"

في هذا النص، تتحول الرموز (الضوء، الآلهة، المعابد، المرايا) إلى استعارات سياسية للأنظمة السلطوية التي تنتج الوهم وتحتكر الحقيقة.

" الآلهة" هنا ليست دينية بل سلطوية وثقافية تمثل النخبة التي شيدت معابد الرخام ثم تركتها خاوية، أي تركت المجتمع في فراغ قيمي .

أما " تسمر الضوء" فتمثل لحظة الانكشاف السياسي الميتافيزيقي: الضوء الذي يفترض أن يكشف، يتسمر ويعجز .

إن عبارة " يعانق أوهام الحقيقة" تختزل الخطاب الرسمي الذي يدعي امتلاك الحقيقة بينما يحتضن زيفها.

في المقابل، تمارس اللغة ذاتها المقاومة عبر التلعثم والخلل المقصود في البيان:

" تلعثم الحرف يشكو انبهار خيبته"

فاللغة، باضطرابها تفضح فصاحة السلطة. وهنا تتحقق رؤية إيغلِتون:

" الشعر هو المقاومة ضد اللغة التي تصنعها السلطة."

الشاعر إذن يعيد تفكيك المقدس الرمزي ويحول الشعر إلى ممارسة نقدية ضد السلطة الثقافية التي تشرعن القمع باسم الحقيقة.

" تبتكرني الريح" — تشظي الذات وولادة الأمل في الرماد

" وأنا المسجى بين حرفين

تبتكرني الريح شراعاً يراقص ضوء أقبيتي"

"تراود كلكامش في حلمه فيغمرني الحنين"

في هذا النص، تتقدم الذات المبدعة بوصفها ضميراً ثقافياً مأزوماً معلقاً بين الحياة والموت الرمزي.

العبارة " المسجى بين حرفين " تحيل إلى المثقف الذي يكفن بين الصمت والكلمة في وطن يقصي صوته . إنها الذات الفردية للشاعر لكنها تعكس مأزق المثقف العربي ومأساة الأمة.

أما الريح في رمزيتها المتحركة فهي استعارة للتحول والمقاومة، إذ تبتكر الشاعر " شراعاً"، أي تجعله أداة للعبور وسط العدم.

ومع ذلك، يستدعي النص كلكامش، بوصفه رمزاً للخلود والبحث عن المعنى فيتحول الحنين إلى قوة مضادة للنظام السياسي.

وهكذا يواجه الشاعر السياسة بالأسطورة والعنف بالرمز واليأس بالأمل الذي يتسرب من بين الحروف.

" شظايا" انكسار الوعي الجمعي ومأساة الإنسان العربي

' على سفح الكلمات تدحرجت همهمات صدى

حطام دمك... يروي بيادق اللعبة الفينيقية"

بأي مرفأ سترسي موناليزا تمثالك الخشبي؟"

"لن يتفجر الحجر، صم بكم، فهم لا يعقلون..."

يمثّل نص "شظايا" الذروة المأساوية في الثلاثية، إذ تتحول الذات الشاعرة إلى وعي جمعي محطم يحاور رماد الواقع العربي.

الصور الشعرية المبعثرة (سفح الكلمات، همهمات الصدى، شظايا الحروف) تجسد تفكك الخطاب الجمعي العربي بعد تكرار الانكسارات السياسية.

البيت " حطام دمك... يروي بيادق اللعبة الفينيقية" يستعاد هنا ليعبر عن آلية الاستغلال الدائم للدم، أي عن " اقتصاد العنف" الذي تتغذى منه السلطة.

وحين يقول: " اللعبة الفينيقية"، فهو يشير إلى تكرار الصفقات التاريخية التي تعيد إنتاج الخراب السياسي والثقافي.

" دمك يروي بيادق اللعبة" = الشاعر / المواطن هو الوقود الذي تدار به آلة الهيمنة. هنا تظهر العلاقة بين تجربة الفرد والشأن الجمعي، فالدم الفردي يعكس الواقع السياسي والاجتماعي للأمة.

أما سؤال الشاعر: " بأي مرفأ سترسي موناليزا تمثالك الخشبي؟" فهو سؤال ثقافي سياسي مركب:

من جهة، يحيل إلى استيراد الرموز الغربية (موناليزا) في فضاءٍ مفقود الجمال والمعنى ومن جهة أخرى، يرمز " التمثال الخشبي " إلى هشاشة الهوية العربية المعاصرة التي فقدت أصالتها واستعارت وجوهاً مستوردة.

وفي ختام النص، يقول:

" لن يتفجر الحجر، صم بكم، فهم لا يعقلون ."

فهو يعيد توظيف النص القرآني كصرخة احتجاج ضد الخمول الجمعي، حيث يتحول المقدس نفسه إلى أداة إدانة للسكوت والتواطؤ.

هنا يبلغ النص ذروة التسييس الجمالي، إذ يستعمل الدين والثقافة لتعرية السلطة والمجتمع معاً.

" شظايا" إذن هو نص الانكسار بعد الوعي، شهادة ثقافية على موت الفعل الجمعي وبقاء اللغة كملاذ أخير للكرامة.

البنية الثقافية للمقدس والمدنس

يتكرّر في النصوص الثلاثة ثنائي القداسة والمدنس، لا بوصفه بعداً لاهوتياً، بل كآلية تحليل للواقع العربي.

القداسة تمثل الأصل الثقافي الطاهر (الأرض، اللغة، الطفولة، الحلم)،

بينما المدنس هو النظام السياسي والإعلامي الذي شوه هذا الأصل.

"صفير العاديات يستبيح مأوى القداسة"

في هذه الصورة تتجسد الحرب المعاصرة وهي تقتحم الحرم الرمزي للروح.

كل قداسة تنتهك، وكل معبد يتحول إلى مسرح للوشاية، هو مرآة لتحول الثقافة العربية من منظومة قيم إلى منظومة مصالح.

جدلية المثقف والسلطة / الذات والآخر

تقدّم النصوص نموذجاً دقيقاً لما يسميه ميشيل فوكو بـ" خطاب المقاومة داخل النظام" .

فالمثقف لا يثور من الخارج بل يفكك خطاب السلطة بلغتها ذاتها.

الشاعر لا يعلن العصيان، بل يترك اللغة تتلعثم حتى تفضح هيمنتها.

إنّ تسمر الضوء، تلعثم الحرف وانطفاء المعابد ليست صوراً بل إشارات إلى فشل الخطاب السلطوي في إنتاج المعنى.

الغموض بوصفه إستراتيجية مقاومة

الغموض الكثيف في هذه النصوص ليس ضعفاً دلالياً، بل موقفاً جمالياً وسياسياً واعياً.

وفق رؤية ثيودور أدورنو:

"العمل الفني الحقيقي لا يفصح عن معناه إلا بمقدار ما يقاوم الفهم الفوري فالغموض شكل من أشكال الحرية."

إنّ الغموض اللغوي هنا يترجم رفضاً للوضوح الإيديولوجي الذي تمارسه السلطة الإعلامية والسياسية.

كل انقطاع في الإيقاع وكل صورة مبهمة هو رفض للتجانس الخطابي المفروض.

إذن، من منظور نقدي سياسي ثقافي، تقدم هذه النصوص الثلاثة كوثيقة رمزية لوعي عربي منكسر، تحاور فيه الذات الشاعرة جرح الأمة وذاكرتها.

تتجاور القداسة والخيانة وكذلك الطهر والرغبة ثم الأسطورة والسياسة لتنتج كتابةً تتأرجح بين الاعتراف والاحتجاج.

إنها ليست نصوص حب غنائي بل مرات حضارية لأمةٍ فقدت طهرها الرمزي. يكتبها شاعرٌ يواجه الخراب بالحلم، والخذلان بالذاكرة، والسلطة بالكلمة.

وكما يقول إدوارد سعيد: " المنفى ليس جغرافياً فحسب، إنه حالة وعي، حيث يصبح الحنين موقفاً سياسياً والمجاز أداة مقاومة."

بهذا المعنى، تشكل " تسمر الضوء"، "تبتكرني الريح"، و" شظايا" ثلاثية في كتابة المنفى الداخلي.

يصبح فيها الشعر أداة لاستعادة المعنى وسط العدم

ويغدو الغموض شكلاً من أشكال الحقيقة الوحيدة الممكنة في زمن الخراب.

تجمع هذه النصوص بين تجربة الفردية للرغبة والانكسار الشخصي، والوعي الجمعي للخراب الاجتماعي والسياسي.

تحولات الرغبة والوعي: في ثلاثية “مديات حلم”، “ كلمة هي"، و“عناقيد عشق”

تنهض هذه القراءة على فرضية أنّ النصوص الثلاثة لا تعبر عن تجربة عاطفية أو ذاتية معزولة، بل تشكل خطاباً رمزياً متعدد المستويات تتقاطع فيه الرغبة اللاشعورية مع الوعي الجمعي المأزوم .إنها نصوص تقيم جدلية بين الذات المتوحدة والواقع المتشظي .فتستبطن وفق المصطلح الفرويدي صراعاً بين مبدأ اللذة ومبدأ الواقع.

وفي الآن ذاته تعبر بلغة فوكو وغرامشي عن مقاومة ثقافية ضد أنظمة التشيؤ والقهر.

من هنا تتبنى هذه الدراسة مقاربة نفسية ثقافية. تتوسل أدوات التحليل النفسي في الكشف عن البنية العميقة للرغبة. وتستنير بالنقد الثقافي في تتبع تمظهرات السلطة داخل الخطاب الشعري.

الإيروس (Eros) والتاناتوس (Thanatos) – جدلية الرغبة والألم في "مديات حلم"

يفتتح النص بمقطع يحمل طاقة أسطورية:

"عميقاً تهادت أنامل الشمس

تمزق شرنقة الغرور... "

"توغل .. فلذيذ الطعنات آلامها."

يمكن قراءة هذا المقطع من منظور التحليل النفسي الفرويدي بوصفه تجسيداً لجدلية الإيروس والثاناتوس: حيث يمثل الفعل الشعري هنا تفاعلاً بين الرغبة في الحياة/اللذة (Eros) والرغبة في الموت/الألم (Thanatos). على خلاف قراءة فرويد التقليدية التي تعتبر الصراع بين الغريزتين صراعاً داخلياً متعارضاّ، يرى لاكان أن الرغبة تتشكل داخل بنية اللغة، حيث تصبح فعلاً خطابياً يسعى إلى "الآخر الكبير"، أي إلى معنى أوسع يتجاوز الإشباع الغرزي المباشر.

يمثل تعبير "لذيذ الطعنات" في النص مثالاً على ما يسميه فرويد التكرار القهري، أي وسيلة لاشعورية للتحرر من الكبت الداخلي، لكنه في الوقت ذاته يأخذ بعداً ثقافياً أنطولوجياً: فالذات الشاعرة هنا فردية، لكنها تمثل أيضاً وعياً جمعياً مأزوماً، يسعى لاستعادة التوازن الرمزي في مواجهة الخراب السياسي والاجتماعي. إذ تتحول الرغبة إلى فعل مقاومة داخلي ضد ما يفقده الفرد في واقع مأزوم .

الوعي الجريح والمثقف المنفي – قراءة ثقافية في "كلمة هي"

ينتقل هذا النص من البعد النفسي إلى بعد سياسي ثقافي واضح، إذ يلاحظ الشاعر:

"سدنة المحافل الباذخة بطونهم خاوية

إلا من زفرات جروح وقليل من بقايا موبقات..."

" تنزلق بي إلى هاوية الذكريات

إلى وطن مزقته حراب بائسة."

في هذا السياق، تمثل "سدنة المحافل" رموز السلطة الثقافية الزائفة، بينما تعكس "الحراب البائسة" القهر السياسي الذي يمزق المجتمع. يمكن قراءة النص وفق منهج النقد السياسي الثقافي كما يلي: المثقف لا يثور خارجياً، بل يفكك خطاب السلطة من الداخل، وفق منظور فوكو لـ"خطاب المقاومة داخل النظام".

من منظور غرامشي، يمثل الشاعر هنا المثقف العضوي الذي يربط بين تجربة الذات الفردية والوعي الجمعي العربي، ويحول اللغة إلى أداة مساءلة حضارية. إن استعارة "نثر الآهات في دروب الحفاة" تفضح الفجوة بين النخبة والمجتمع، وتحول النص إلى وثيقة احتجاج رمزية على الخيانة والقمع.

بهذا، يظهر التوازن بين التحليل النفسي للذات الفردية في "مديات حلم" والتحليل الثقافي السياسي للوعي الجمعي في "كلمة هي"، مما يعكس جدلية متماسكة بين الرغبة الفردية والانكسار الاجتماعي والسياسي.

"عناقيد عشق" — الإيروس كفعل مقاومة رمزية ضد التلاشي الجمعي

يختتم المشروع الشعري في "عناقيد عشق" بعودة الإيروس إلى مركز المشهد، لا بوصفه غريزة جسدية فحسب، بل بوصفه قوة رمزية لإعادة إنتاج الحياة والمعنى. يقول الشاعر:

"يا أنتِ كم شهقة حب تؤجج نار الشوق

تحرقني... فأَتوق إلى رؤياك سنبلة عطشى

تراودها الأحلام فترتوي ظماً."

في هذا النص تتجسد الرغبة (Eros) كطاقة إبداعية تتجاوز حدود الجسد لتصبح مشروع خلاص رمزي من العدم السياسي والروحي. فـ"الاحتراق بالشوق" و"السنبلة العطشى" يختزلان ما يسميه فرويد بـاقتصاد اللذة، حيث يتحول الألم إلى شرط ضروري للوجود والمعنى. ومع ذلك، يختلف النص عن النموذج الفرويدي الخالص، لأنه يقدم الإيروس هنا بوصفه فعلاً ثقافياً إنقاذياً لا غريزياً، إذ يعيد الشاعر عبر اللغة بناء عالمه المنهار.

من منظور لاكاني، فإن الرغبة في هذا النص ليست رغبة في "المحبوبة" كشخص، بل في الآخر الرمزي الوطن والذاكرة والحلم الجمعي الذي تماهى مع صورة الأنثى. وبهذا المعنى تصبح الأنثى هنا رمزاً للأمل الجمعي، أو كما يمكن وصفها بلغة فوكو، "تمثيلاً جمالياً لمقاومة الانقراض الخطابي".

تتخذ الذات في "عناقيد عشق" موقع "الأنا الناطقة" التي تسعى لاستعادة التوازن بين الإيروس (غريزة الحياة) والثاناتوس (غريزة الفناء). فحين يقول الشاعر:

"في انتظار فجر صادق

ليس فيه سوى أميرة حب تشع بقلبها

وتعيد لي أياماً ضيعتها عواتي السنين."

فهو لا يتحدث عن حب فردي، بل عن استعادة للمعنى الجمعي أي ولادة جديدة لمجتمع فقد دفء رموزه. فـ"أميرة الحب" هنا ليست امرأة محددة، بل استعارة عن الوطن الحلم وعن عن الذات الثقافية التي أُقصيت بفعل الفساد والتشيؤ.

التحليل البنيوي–النفسي العام للثلاثية: الرغبة، اللغة، والمقاومة

تشترك نصوص الثلاثية ("مديات حلم"، "كلمة هي"، و"عناقيد عشق") في صياغة ما يمكن تسميته بالخطاب الإيروسي الثقافي للمثقف العربي المعاصر.

فـ"مديات حلم" تمثل البعد النفسي للفرد الممزق بين اللذة والألم، و"كلمة هي" تجسد وعي المثقف العضوي الذي يواجه سلطة القمع والخراب، أما "عناقيد عشق" فتقدم الإيروس بوصفه فعل مقاومة جمالية ضد التلاشي الجمعي.

إنها نصوص تجمع بين تجربة الفردية للرغبة والانكسار الشخصي، والوعي الجمعي للخراب الاجتماعي والسياسي.

تعمل الرغبة هنا كطاقة لغوية رمزية تتجاوز بعدها الغريزي لتصبح أداة لاستعادة المعنى والذاكرة.

وبينما يرى فرويد في الإيروس والثاناتوس صراعاً بين غريزتين متعارضتين، يعيد لاكان صياغتهما داخل بنية اللغة، حيث تصبح الرغبة فعلاً خطابياً يسعى إلى الآخر الكبير، لا إلى الإشباع الغريزي.

وهكذا تتحول الكتابة إلى شكل من التحليل الجمعي اللاواعي، حيث تتكثف الأنا الفردية لتعبر عن ضمير الأمة الجريح.

جدلية الإيروس والسياسة في الخطاب الشعري النثري العربي

تظهر هذه الثلاثية أن الشعر لم يعد مجرد مساحة وجدانية أو ذاتية، بل غدا حقلاً تتداخل فيه السياسة باللاشعور، والرغبة بالذاكرة، واللغة بالاحتجاج. فالإيروس في هذا السياق، لا يقارب بوصفه انغماساً في الحب، بل يعاد تأويله كإعلان عن حق الحياة في مواجهة عنف الفناء (ثاناتوس) الذي تفرضه الأنظمة القمعية والتشوهات القيمية. وبهذا المعنى، يحقق الشاعر ما يسميه أدورنو "جمالية المقاومة"، إذ يتحول الغموض والتشظي اللغوي إلى استراتيجية دفاعية ضد التبسيط الأيديولوجي وضد سلطة الخطاب المهيمن.

إنّ هذه النصوص، من منظور التحليل الثقافي–النفسي، تمثل محاولة لإعادة كتابة الذات والذاكرة معاً، حيث الرغبة تمارس بوصفها فعلاً للمقاومة، والقصيدة تستعاد بوصفها فضاءً للوجود. فالنصوص تشتغل على تفكيك السلطة عبر لغة تحول الإيروسي إلى فعل تحرري وتعيد تعريف الجسد باعتباره أفقاً للكرامة الإنسانية، لا مجرد موضوع للذة أو الخضوع. وهكذا تتجلى جدلية الإيروس والسياسة كآلية لإنتاج معنى جديد يتجاوز الثنائية التقليدية بين الروح والجسد، وبين العشق والوطن لتغدو القصيدة ساحةً للصراع الرمزي بين الرغبة والسلطة، وبين الحلم والخراب.

تؤسس هذه النصوص لما يمكن تسميته بـ "جماليات المقاومة" وهي جماليات تقوم على تحويل الغموض إلى أداة وعي، واللغة إلى ممارسة للتحرر الرمزي. فالشعر هنا لا يجمل الخراب، بل يعريه ولا يعيد إنتاج الواقع، بل يزعزع منطقه الداخلي. وبهذا المعنى، يغدو الفعل الشعري ممارسة نقدية تتجاوز الغنائية التقليدية نحو وعي ما بعد حداثي بالذات والوجود.

كما أنّ هذه الكتابة، بمستواها الجمالي والمعرفي تندرج ضمن ما يسميه أدورنو "الفن الذي يعبر عن الحرية بقدر ما يقاوم الشكل المفروض" (Adorno, 1970).

تتكثف في هذه التجربة جدلية متشابكة الأبعاد تجمع بين السياسي والنفسي والثقافي:

سياسياً، في تفكيك الخطاب السلطوي ومساءلة المقدس الزائف.

نفسيا، في إعادة تأويل الرغبة كقوة مقاومة ضد العدم.

وثقافيا، في استعادة الذاكرة الجمعية بوصفها فعلاً للتماسك الرمزي.

إنّ هذه الجدلية تمنح النصوص بعداً أنطولوجياً، إذ تغدو اللغة ذاتها أداة لإعادة تشكيل الوجود في مواجهة العدم والقصيدة شكلاً من "الذاكرة المتمردة" التي تكتب ضد النسيان.

من هذا المنظور، يمكن القول إنّ هذه النصوص تمثل نموذجاً متقدماً لما بعد الغنائية العربية الحديثة، حيث تتقاطع السياسة باللاشعور والجسد بالرمز، والخيبة بالأسطورة. إنها كتابة لا تبحث عن الجمال الخالص، بل عن الحقيقة الممكنة في عالم، على حد تعبير أدورنو "غدت فيه الحقيقة آخر أشكال الجمال الممكن" (Adorno, 1970).

في ضوء ما تقدم، يمكن القول إنّ تجربة الأديب ماجد الغرباوي في نصوصه النثرية تمثل نموذجاً دالاً على تحول الحس الشعري العربي من الغنائية الذاتية إلى الوعي الثقافي النقدي. فالشعر هنا لا يصف العاطفة، بل يختبرها بوصفها شكلاً من أشكال الوعي السياسي والجمالي. ومن خلال جدلية الإيروس والسياسة والرغبة والسلطة تتحول القصيدة إلى خطاب مقاومة معرفية يواجه التشيؤ والاغتراب.

وكذلك، مشروع الأديب ماجد الغرباوي النثري يعيد الاعتبار للغة كقيمة تحررية، ويؤسس لما يمكن تسميته بـ "جماليات الوعي المأزوم"، حيث يلتقي الجسد بالرمز والذاكرة بالمنفى، والحلم بالفعل النقدي. ومن ثم، تسهم هذه التجربة في إثراء مسار الشعر العربي المعاصر، بوصفها كتابةً تنتمي إلى زمن ما بعد الخيبة زمن البحث عن أثر للمعنى في قلب العدم.

***

من إنجاز فاطمة عبد الله

قراءة نقدية في تمثلات الوعي والتمرد والحرية

The Existential Structure and the Aesthetics of

Revelation in Dreams Drifting Softly (Yatahadaa Hulman)by Majid Al-Gharbawi:

A Critical Reading of the Representations of Consciousness, Rebellion, and Freedom

***

تأتي مجموعة القصصية يتهادى حلماً بوصفها مشروعا سردياً يتجاوز البنية القصصية التقليدية إلى فضاءٍ تأملي ينشغل بفلسفة الوجود الإنساني وأسئلته الأخلاقية.

فهي ليست مجرد سرد لحوادث أو شخصيات، بل رحلة معرفية في وعي الإنسان المعاصر تطرح إشكالات الكينونة والحرية والحقيقة والزيف، ضمن لغة مشحونة بالشعرية والرمز.

تتوزع القصص بين معاناة الفرد وتمرده وانكساره لتؤلف مجتمعة جدلية دائمة بين الداخل والخارج وبين الواقع والحلم وبين الجسد والروح، حتى تغدو الكتابة ذاتها شكلاً من أشكال الوعي بالوجود.

وحدة الرؤية والبنية

تتآلف قصص تهادى حلماً في نسيج سردي واحد يقوم على التأمل الوجودي في مصير الإنسان بين الفقد والتمرد والانبعاث.

يتحول السرد في هذه المجموعة إلى فضاء معرفي يتجاوز الواقعة إلى الوعي بها، بحيث يغدو الحدث رمزاً والرمز تأملاً والتأمل طريقاً إلى الحقيقة.

من "هاتف الفجر" حتى "قرار ارتجالي" تتجلى رحلة الإنسان في مواجهة ذاته والعالم رحلة تبدأ من جرح القلب وتنتهي عند سؤال المعنى.

فكل قصة تمثل مرحلة في تشكّل الوعي:

هاتف الفجر / التحول الوجودي: بداية الوعي / البعد الدلالي: انبثاق الإدراك من الألم.

ذهول/ التحول الوجودي: اكتشاف الغير / البعد الدلالي: وعي الذات في مرايا الآخر

تمرد/ التحول الوجودي: مواجهة الذات / البعد الدلالي: تفكك الذاكرة وبحثها عن هويتها الممزقة.

حطام المسافات/ التحول الوجودي: سقوط القناع / البعد الدلالي: انكسار الوهم وبدء الانكشاف.

مرايا الحروف/ التحول الوجودي: نقد الرياء الاجتماعي/ البعد الدلالي: سقوط القيم الزائفة وفضح الزيف المقدس.

وانشق القمر/ التحول الوجودي: الفناء والانبعاث/ البعد الدلالي:صراع الإنسان مع القدر.

حافات قلقة/ التحول الوجودي: نقد الزيف الاجتماعي/ البعد الدلالي: انكسار الغرور وسقوط الزيف الاجتماعي.

قرار ارتجالي / التحول الوجودي: التسليم الواعي / البعد الدلالي: وعي الإنسان بعجزه عن الانفلات من ذاته ومصيره.

هكذا ترسم القصص الثمانية جدلية الوعي الإنساني بين الداخل والخارج وبين الحلم والواقع، وبين الرمز والحقيقة عبر سرد مشحون بلغة شعرية تأملية تشتغل على الحافة بين الفلسفة والأسطورة.

الإنسان بين التمرد والانكسار

يظهر الإنسان في نصوص المجموعة ككائن هش مأزوم ممزق بين الرغبة في التمرد والاستسلام لقوى أكبر منه سواء كانت ذاكرة أو سلطة أو مجتمعاً أو موتاً .

في "تمرد" و"وانشق القمر " يتجلى الصراع بين الجسد والروح.

يقول السارد في تمرد:

"دنوتُ حذراً يستبد بي رعب مزلزل… ثم صرخت في عمق الليل: إنها أشلائي!"

إنها لحظة اكتشاف الذات عبر الفقد، حيث يتحول الألم إلى وسيلة للتعرف على الهوية الممزقة. وإعادة بناء الوعي من رماد الانكسار.

أما في "مرايا الحروف" و"حافات قلقة"، فيتخذ الصراع طابعاً اجتماعياً أخلاقياً، إذ تواجه الشخصيات الزيف المقدس والنفاق الاجتماعي ليصبح السؤال الأخلاقي مركز التجربة.

وهنا يلتقي السرد مع الرؤية الوجودية عند جان بول سارتر (سارتر، الوجود والعدم، ص 85) حين يقول:

"الإنسان مشروع لم يكتمل بعد، إنه ما يصنعه بنفسه في لحظات اختياره الحر."

فالأبطال لا يمنحون المعنى جاهزاً، بل يصنعونه بأنينهم وتمردهم وتيههم، ما يجعل الوجود عندهم سيرورة اكتشاف دائم للذات والمعنى.

اللغة بوصفها مرايا الوعي

تتسم لغة المجموعة بخصوصية فنية متميزة، فهي لغة شعرية مكثّفة تمزج الاقتصاد اللغوي بكثافة المجاز، وتحول النص إلى قصيدة فكرية.

اللغة هنا ليست أداة وصف، بل أداة وعي واستبطان تكشف الداخل أكثر مما تصف الخارج.

وبذلك، تتحقق ما يسميه رولان بارت بـ"كتابة الدرجة الصفر" أي الكتابة التي تذيب الحدود بين الأجناس الأدبية لتصبح فعلاً وجودياً في حد ذاته.

بهذا المعنى، فإن القصة في يتهادى حلما تتحول إلى تأمل في ماهية الكتابة ذاتها بوصفها وعياً بالكائن والعالم

البنية الرمزية والفلسفة الجمالية

تنتظم رموز المجموعة في نسق دلالي عميق، لا بوصفها عناصر زخرفية، بل بوصفها بنى فكرية تشي بحركة الوعي الإنساني.

ومن أبرزها:

المرآة: تمثل الوعي الذاتي ومواجهة الحقيقة.

القمر والدوائر: يرمزان إلى الدوران الأبدي بين الفناء والانبعاث.

النصف المحترق في "وانشق القمر”: انقسام الذات بين المادي والروحي.

الحروف والنار: رمزا المعرفة والكشف عبر الألم.

هذه الرموز تضع النصوص ضمن ما يسميه غاستون باشلار بـ"لخيال المادي"، إذ تستخدم المادة (النار، الماء، الضوء) بوصفها تجليات روحية للوعي والصفاء. وإعادة تكوين الذات .

فلسفة الوجود والكتابة

تقوم المجموعة على تصور فلسفي يرى أن الإنسان لا يتحقق إلا عبر ألمه، ولا يتحرر إلا حين يدرك زيف المظاهر الخارجية.

ففي قصة مرايا الحروف مثلاً، تعري القصة الزيف الديني والاجتماعي حين يقول السارد:

"شاح السيد الجليل بوجهه عنه، ثم نظر له بشرر… هل تعلم ماذا يعني نقصانك درهماً منه؟"

هنا يتحول المقدس إلى سلطة تمارس الإذلال بدل الارتقاء بالروح يغدو النص إدانةً رمزيةٌ للرياء الأخلاقي.

وهذا يتقاطع مع رؤية ميلان كونديرا في فن الرواية (كونديرا، فن الرواية، ترجمة معن زيادة، ص 44). حين يقول:

"الرواية ليست اعترافاً، بل بحث عن جوهر الإنسان فيما وراء الأحكام الجاهزة."

إنها كتابة تعيد للإنسان مسؤوليته الوجودية، وتدفعه إلى مواجهة زيف العالم بصدق التجربة الداخلية.

وفي سياق المقاربة الأسلوبية والفكرية، يمكن النظر إلى مجموعة يتهادى حلماً بوصفها امتداداً لتيار سردي تأملي يقارب الرؤية الوجودية كما عبر عنها ألبير كامو وسارتر في الأدب الغربي، ويوازيها في السرد العربي المعاصر ما نجده في أعمال أحلام مستغانمي ومصطفى محمود من مزج بين الشعرية والفلسفة والوعي الأخلاقي.

فكما كشف كامو عبث العالم في مواجهة ضمير الإنسان في رواية (الغريب) وكما جعلت أحلام مستغانمي اللغة فضاءً للذاكرة والجرح والهوية تفعل نصوص يتهادى حلماً الشيء نفسه ولكن في سياق عربي محلي يعيد صياغة الأسئلة الكبرى عن الحرية والتمرد والصدق، والزيف ضمن بنية رمزية مكثفة ولغة تنفتح على الشعر والتأمل.

بذلك تضع المجموعة نفسها في حوار جمالي مع الأدب الوجودي الإنساني مؤكدةً أن التجربة السردية العربية قادرة على إنتاج خطاب فلسفي خاص بها، لا تابع لنماذج الآخر.

ومن هذا الأفق المقارن، يتضح أن مجموعة يتهادى حلماً لا تنتمي إلى تيار وجودي وافد بقدر ما تعيد إنتاجه من داخل التجربة الإنسانية العربية عبر بنية سردية تزاوج بين الحس الفلسفي والوعي الجمالي.

إن ما تفعله هذه المجموعة هو تحويل الأسئلة الكونية الكبرى سؤال الحرية، والصدق، والتمرد، والبحث عن المعنى إلى تجارب سردية محسوسة تتجلى في مواقف الشخصيات وصراعاتها اليومية.

وإذا كانت القصص الثمانية الأولى قد انشغلت بتجليات الوعي الإنساني في أبعاده الوجودية والروحية، فإن القصص الثلاث اللاحقة (اللاعب المخادع، كذبة متوهجة، أمنيات متلاشية) تمثل انتقالاً من التأمل الفردي إلى الوعي الأخلاقي الجمعي، حيث يختبر الإنسان في مسؤوليته تجاه المجتمع والقيم والآخر.

بهذا التحول تتجسد الرؤية الفلسفية للمجموعة على نحو عملي، إذ تتحول الأسئلة الوجودية عن الذات والمعنى إلى أسئلة أخلاقية حول الصدق والزيف والحرية والمسؤولية.

ومن ثمّ، فإن تحليل هذه النصوص لا يعد خروجاً عن محور الوعي، بل استكمالاً له على مستوى الفعل الإنساني والمعياري، حيث يغدو الضمير الفردي مرآةً للوعي الجمعي في مواجهة الزيف والسلطة وفقدان المعنى.

تمثل القصص الثلاث (اللاعب المخادع، كذبة متوهجة، أمنيات متلاشية) وحدة موضوعية متكاملة في مجموعة يتهادى حلماً، تنبني على جدلية الوعي الأخلاقي في مواجهة الزيف والسلطة والنفاق الاجتماعي. فهي نصوص تشتبك مع الواقع، لكنها تتجاوزه إلى تأمل فلسفي عميق في طبيعة الإنسان عندما يبتلى بالاختبار القيمي.

انكشاف الزيف الأخلاقي: “اللاعب المخادع”

في اللاعب المخادع يتجسد الصراع بين المبدأ والمنفعة عبر علاقة التلميذ بمعلمه. تتحول الموسيقى رمز النقاء والصفاء إلى سيركٍ سياسي، حيث يُعاد تعريف الفن كخداع، لا كقيم جمالية.

حين يقول المعلم لتلميذه:

"يا ولدي، السيرك كالسياسة، يعتمد على الخداع، والتشويش على تفكير الناس، وسرقة إعجابهم، واستغلال مشاعرهم" .

يتجلى الموقف بوصفه استعارة أخلاقية لانهيار المعايير في منظومة القيم الحديثة. المعلم الذي كان رمزاً للنبل يتحول إلى نموذج للانتهازية المثقفة، ويصبح التلميذ ضمير النص شاهداً على سقوط المعنى في زمن المساومة.

هنا يتحول الفضاء السردي إلى محكمة ضمير رمزية، حيث

تدان الممارسات التي تبرر الخداع بحجة "المصلحة العامة"، في محاكاة لما سماه المفكر جان بودريار بـ" تسليع القيم وتبادل الأخلاق في سوق الرموز " .

انهيار المثال وتعرية القداسة: “كذبة متوهجة”

في كذبة متوهجة يقدم الكاتب صورة موازية لانهيار النموذج المثالي، ولكن في السياق السياسي والديني. الشاب “رعد” يعيش وهم البطولة، متأثراً بخطاب تعبوي يجعل الموت غايةً مطلقة. غير أن لحظة اللقاء مع “نوري جواد” الرمز الذي تأله في مخيلته تكشف القناع الأخير:

"فغر فاه، وسأل نوري جواد هل يعني أنك لم تلتحق برفاق دربك؟ ... لاحت لرعد لوحة كبيرة فوق البناية كتب عليها قسم الدراسات العليا!!!"

العلامة التعجبية المكررة لا تعبر عن دهشة سردية فحسب، بل عن انفجار الحقيقة الموجعة: البطل الموعود ليس مقاتلاً، بل أكاديمي متنعم. هكذا تنقلب البطولة إلى وهم والإيمان إلى خديعة.

هذه القصة تقف على تخوم الخطاب الوجودي الأخلاقي كما صاغه ألبير كامو حين قال: "أخطر الأكاذيب هي التي تقال باسم الحقيقة".

فالنص يكشف كيف يتحول الخطاب العقائدي أو السياسي إلى أداة لتجميل الكذب وتقديس الخداع وكيف يتهاوى الوعي الفردي عندما يبنى على الأوهام الجماعية.

التمرد الأنثوي وصدام الذات بالمجتمع: “أمنيات متلاشية”

في أمنيات متلاشية تتجلى مواجهة المرأة مع بنية القهر الاجتماعي، حيث “منال” تمثل ذاتاً أنثوية تسعى إلى التحرر من "سجون العادات والتقاليد والخوف من الناس"، كما تقول في لحظة اعتراف داخلي:

"نحن نعيش سجون العادات والتقاليد والخوف من الناس" .

هذا الوعي المتألم يجعل القصة وثيقة تمرد وجودي أنثوي، حيث تتحول الرغبة في التفكير والاختيار إلى جريمة رمزية.

حين تواجه أخاها بقولها:

"لماذا نترك مشاريعنا لرضا الناس، ورضا الناس غاية لا تدرك؟" ..

يضع الكاتب بطلته في قلب مأزق الفلسفة الأخلاقية ذاتها: هل الحرية ممكنة في عالم تحكمه العيون لا الضمائر؟

تتخذ اللغة هنا طابعاً تأملياً داخلياً أقرب إلى المونولوج النفسي وتبنى على ثنائية الرغبة/الحرمان، مما يجعل النص امتداداً لتيار الوعي الذي تستعمله السرديات الحديثة في تفكيك الوعي الجمعي، كما في أعمال فرجينيا وولف أو سيمون دي بوفوار.

البنية التكاملية والرؤية الفلسفية للقصص الثلاثة ( اللاعب المخادع، كذبة متوهجة، أمنيات متلاشية)

تتكامل القصص الثلاث لتشكّل مثلث الوعي الأخلاقي في أزمة العصر:

في اللاعب المخادع / شكل الزيف المنكشف: الخداع الفني والسياسي/ محور الاختبار: يُختبر الإنسان في نزاهته الفكرية.

في كذبة متوهجة / شكل الزيف المنكشف: وهم البطولة المقدسة / محور الاختبار: يُختبر في صدقه الإيماني.

في أمنيات متلاشية / شكل الزيف المنكشف: قيد المجتمع والتقاليد/ محور الاختبار: يُختبر في حريته الوجودية.

إنها ثلاث مراحل لانكشاف الزيف الإنساني: من زيف المعلم وإلى زيف البطل ثم إلى زيف المجتمع.

ويجمعها سؤال محوري واحد: كيف يحيا الإنسان بضميره في عالم يبرر الخداع باسم القيم؟

وكما يقول ميلان كونديرا في فن الرواية:

" الأدب العظيم لا يقدم أجوبة، بل يكشف تعقيد الوجود الإنساني".

وهذا ما تفعله هذه النصوص، إذ لا تقدم يقيناً أخلاقياً، بل تضع القارئ في مواجهة ضميره وتدفعه إلى إعادة النظر في مفاهيم البطولة والفضيلة والحرية والصدق.

إنها كتابة نقدية للضمير الجمعي، تعيد للإنسان مسؤوليته الوجودية في عالم ينهار فيه المعنى.

نحو جمالية الكشف

وهكذا تتكامل قصص يتهادى حلماً لتؤسس ما يمكن تسميته بـ جمالية الكشف، أي السعي الدائم لتعرية الزيف واكتشاف المعنى خلف القشرة الظاهرة.

رحلة تبدأ من الانكسار وتنتهي إليه، لكنها تفتح في كل سقوط نافذةً للانبعاث.

بهذا الوعي، تعيد المجموعة تعريف القصة القصيرة بوصفها فناً تأملياً فلسفياً يتجاوز الحكاية إلى المعرفة والسرد إلى الوعي.

وكما قال ألبير كامو (كامو، أسطورة سيزيف، ص 45):

"في عمق الشتاء، تعلمت أخيراً أن في داخلي صيفاً لا يُقهر."

فمن رماد الألم يولد الوعي، ومن تمرد الحرف تتشكل مرايا الإنسان الباحث عن معنى وجوده.

وبهذا، تمثل القصص الثلاث (اللاعب المخادع، كذبة متوهجة، أمنيات متلاشية) ذروة المشروع السردي في مجموعة (يتهادى حلماً)، إذ تختزل مسار الوعي الأخلاقي والوجودي الذي تتوزع تجلياته في القصص الأخرى. فهي لا تقف بمعزل عن نسيج المجموعة، بل تشكل امتداداً نوعياً للرؤية الكلية التي تشتبك مع أسئلة الحقيقة والزيف، والمعرفة والخداع، والحرية والقدر.

فبعد أن تناولت النصوص الأولى صراع الإنسان مع ذاته ووجوده، تأتي هذه القصص لتضعه في مواجهة مجتمعه وقيمه ومقدساته، لتغدو خاتمةً رمزية للمسار الوجودي الذي بدأ بالوعي الفردي وانتهى بالسؤال الأخلاقي الجمعي.

وبذلك، يمكن النظر إلى هذه القصص بوصفها خلاصة الوعي النقدي والأخلاقي الذي يشد المجموعة كلها إلى مركزها الفلسفي: الإنسان في بحثه الدائم عن معنى حقيقي وسط زيف العالم.

وبذلك، تندرج مجموعة يتهادى حلماً ضمن مسار السرد العربي المعاصر الذي يسعى إلى إعادة تعريف القصة القصيرة كأداة تفكير فلسفي ومرآة للوعي الجمعي، لا كفن للتسلية أو الحكاية فحسب.

إنها كتابة تمارس نقد الوجود بقدر ما تمارس نقد اللغة ذاتها لتغدو القصة فعل مقاومة فكرية ضد الزيف واحتفاءً بالإنسان في هشاشته ووعيه معاً.

***

من إنجاز: فاطمة عبد الله

تجربة غنية أدبيا متماسكة لغويا شفافة وتريق روحها في حضرة المتابع بدون إقحام أو فجاجة كل ذلك وماجد الغرباوي غير مهتم أو مستند على تجارب سواه من الشعراء مع احتفاظه بتلك العلاقة المثمرة مع الإبداع مشغولا بمشاعره الرقيقة، مكتفيا بعوالمه الداخلية..

 وببساطة يمكن لاي متلقي يمتلك حساسية حقيقية تجاه الأمل أن يميز بين ما يكتبه الأديب الغرباوي وبين ما ينتج على مستوى الوسط الأدبي حاليا، بحيث يحافظ على صلته بالأبداع الأدبي والشعري مصطفياً معاناته ومؤنسنا إياها إسقاطا على الشرطين الإنساني العام والشخصي الإبداعي..

وإذا كان المنطق والهم العام والشخصي مندمجين ضمن أي مستوى من المستويات لدى الأديب ماجد الغرباوي فإن ما يطرحه علينا في منجزه الأخير "يتهادى حلما" تم تقديمه بصدق وشفافية صافية بما تحتوي تلك الشفافية من ارتباكات زمانية ومكانية...  فهو ينقلنا مباشرة عبر كلماته إلى عمق أسراره:

(في مراياهم المقعرة

ذوت مصابيح الحانة

فتلعثم الحرف) ص٧٤

حاضرا وملمحا ومتمسكا بمشروعه حتى النهاية...وتتمثل النصية الأدبية لديه في التبسيط المعقد.. نعم هو ذلك التعبير الذي يحتفي بمكوناته وتناقضاته محتكما إلى تجلياته الروحية وقد جعل من الكتابة نافذته إلى الأشياء كما إلى ذاته والآخر.....

يكشف لنا الإمكانات كما تعبر عنها نصوصه (يتهادى حلما)..(همسات لاهثة)..(تسمر الضوء)..(تبتكرني الريح)..(شظايا)..(مديات الحلم)..(كلمة هي)..(عناقيد عشق)  على مدار ٨ نصوص نثرية هي حصة الشعر من المجموعة التي تحتوي  إلى جانب النصوص النثرية تسعة قصص قصيرة أشبه ما نكون بمنولوج حواري روحي داخلي  يكشف عن بواطن تجربة متوقدة ولافتة لها مالها وعليها ما عليها  من تكثيف وترميز وإسقاطات ..وسوف يتم تناول تلك التجربة في مقالة لاحقة قريبا وذلك بهدف الاحتفاء بالمنجز الأدبي ومنح الوقت الكافي لدراسة  هادئة تلم  بكلا الجنسين الأدبيين قصة ونثر،  ضمن المجموعة المعنونة باسم "يتهادى حلما" للكاتب ماجد الغرباوي والتي جاءت بـ ١١٦ صفحة من القطع المتوسط من إصدارات مؤسسة المثقف العربي -أستراليا، نشر وتوزيع شركة العارف للأعمال ش.م.م

إذا قدم لنا الغرباوي باكورة نصوصه بشكل مغاير عن مألوف النثر جامعا بين القصة القصيرة والنص النثري ونحن نركز هنا على مآلات النص النثري الذي قدمه لنا الغرباوي كيقظى دائمة. يسمي الأشياء بأسمائها فلا استعارات فائضة ولا ترميز يعيق الفهم بل وضوح يشبه بركة ماء في صخرة أو شعاع شمس صباحي.

من هنا كان الذكاء الإبداعي في غنائية اللغة المحتفية والمنغمسة في التعبيرية وهو في كل ذلك يعمل في الحيز الإيجابي للكتابة، ويؤكد على السؤال الملح.. ماهي وظيفة الإبداع.؟ وهل لدى الكتابة حدث مسبق يمكن وضعه نصب العينين قبل المشروع الكتابي أم هو فيض الروح ينداح على شكل ضوء واضح وحنون وشفاف معا..

(خاويا بين ضلوعي

يلفني التماهي

صمتا

مطبقا) ص 76

 يسمي الأشياء بأسمائها المجردة

(وذاك المراق بين لهاث الدروب

دمي) ص٧٧

فتراه كلما يستند على الاستعارة التي راجت في نصوص الكثيرين مؤخرا.. داعيا لرفض القوالب الثابتة ومتماهياً مع العمق الإبداعي الرافض للسائد وداعيا للتمرد المبني على المنطق والإلفة والجمال..

بين الوجود والموجود أو المتاح ينسج خيوط مخيلته من شعاع كوني يخضع وحده..

(اسبح باسمك

حين طلوع الشوق) ص٨٨

 نلاحظ في هذا المنجز محورين دائمي التصادي والتواري - الغياب المتورط بالتذكر والحنين النازف شعرا -على مدى الصفحات، يطل الأديب ماجد غرباوي من معاناته الشخصية مهجوسا ومسكونا بالغياب الذي يأخذ لدية صيغة التجدد..

(تستهويك الغواية

طائرا

يستدرجه البحر سرابا) ص٧٩

حوار الذات، حوار الزمن، حوار الغياب، حوار الحنين

(تستهويك الغواية .... طائراً)

وهو هنا يستخدم مفردة طائرا كناية عن تنقل وفوضى الحنين في سماوات غربته عواطفه.. كأنها مساحة مفتوحة على طيوف الرؤيا. بكل تبعاتها التي يعايشها الشاعر في علاقته مع المرأة الحبيبة التي تشف من حروفه ولا تتجسد تنبض بكل جملة وتتبدى، إنما مختلطة بالهم العام وممتزجة مع السراب الممتع، كل ذلك ضمن ترابط إيقاعي هرموني متماسك دافعه المعنى وأدواته المخيلة التي تشتبك مع الضوء لتنتج سطوعها.. (أي ذهول ينتاب شجر الغواية) ص٧٢

التعبير بلغة الإيحاء له مقاماته التي تقارب أو تحاكي مقامات التعبير عبر الصوت. ولكنها بالضرورة تتمايز عنها أحيانا أو تتفوق عليها بالشكل المتخيل لما تقتضيه من حذق وشدة وتركيز في فهم واستنباط المعنى الكامن خلف الإيحاء

(توغل.. توغل

فلذيذ الطعنات

آلامها) ص٨١

 النص يستلزم المتابعة المركزة على المتن أو الحامل الشعري/اللغوي وهو هنا ... (الإمكان في تعميق الجرح)

وفي تلاحق الاستثمار الرشيق للغة قال.. (توغل.. توغل)

 (فلذيذ الطعنات) آلامها أو أوجاعها هي كذلك صرخة صاخبة لكنها للداخل مترادفة مع الصمت لعدم مطاوعة آليات الكلام مع التعبير عن الجرح، لان اللغة قاصرة غالبا حين يتعلق الموضوع بالمشاعر.. من الشغف إلى التوق والهم العام ولا مفر حينئذ من الإشارة أو الإيحاء الصامت لنكمل عبره ما يختلج بالروح...

(تعالي نفجر الصخر

أشرعة ماء

تحتضن آهاتنا

وتطرز الأرض زنابق بيضاء) ص٨١

من قساوة الصخر ينداح الماء طريا شفافا ويروي الروح فتزهر وتزهو الحياة

(تحتضن آهاتنا

وتطرز الأرض زنابق بيضاء)

والصمت في حضرة الروح جمال وإضافة وتشكيل تالي للمشهد .. كذلك يحاول شاعرنا ماجد الغرباوي تبرير صمته بعجز اللغة عن إيصال ما يعتمل بروحه من شتى الأحاسيس.

من المؤكد أن النظرية النقدية المعاصرة لم تعد تقتصر في دراسة النص الأدبي على الارسطية أو النيو كلاسيكية أو البنيوية والكلاسيكية التقليدية.  بل شكلت مسارات موازية للنص الإبداعي الذي قام بمغامرته متمردا على المفاهيم النقدية والتي لم تعد قادرة على مواكبة الأساليب الحديثة التي يطرحها النص، تلك التي فرضتها تطورات الأسلوبية والرؤية المعاصرة لما بعد الواقع العياني.. كما أشار إدوارد سعيد أحد اهم النقاد الاستشرافيين المجددين الذين أتاحوا النص الأدبي للتصورات المنهجية المتناقضة أحيانا.

 استفاد الغرباوي من ذلك دون أن يتقصد أو يعول على أي نظرية بل فضل أن يقدم النص الإبداعي محاذيا ومشرفا على الغرائبي والمألوف دون الانحياز أو الغرق في كلاهما، خارجا من المدارس والاتجاهات التقليدية بما فيها المنهج الاجتماعي أو التكويني البنيوي أو حتى الأسطوري الميثولوجي،

(مذهولا استرد أنفاسا

تراود كلكامش في حلمه

فيغمرني الحنين

ينساب بين أصابعي

وتنسل راية

تصارع المدى).

منحازا للعادي الحياتي مع استخدامه البصيرة المشحونة والميل أحيانا للغرائبي الميثولوجي التاريخي / تراود كلكامش في حلمه/ كأنما توحد بلحظة تركيز تأملي مع جذره التاريخي، مما منحه التعامل مع النص ليس وفق مفهوم مكرس.. بل بصفة إجرائية مجربة وهذا ما يعمل عليه غالبية المبدعين الحقيقين اليوم. وصولا إلى التصالح مع الذات والكون.. (. فيغمرني الحنين)

نستطيع أن نتلمس السبل المنهجية لقصيدة الغرباوي وأساليب الكتابة لديه، من مقدمات ومتون تلامح خارج المألوف من القول (لم يكن سفاحا ذلك الضوء

أنها طقوس مخالب الشمس

كادت تعاقر صبابة كأس) ص٧٠

دون السقوط بالعادي بل يمتلك شرطه الواقعي ويرمم الطرق القديمة غارسا على جنباتها ابتكارات ما يحتاجه النص من المعرفة...

(آلهة المعابد الرخامية

تركوا الباب مواربا) ص٧٣

وقد اغنى أساليب التعامل مع الفكرة والجملة والشاعرية الكامنة داخل وعيه يمحوها ويعيد صياغتها بشكل مغاير لما تتبعنا سابقا من إنتاجه الأدبي وصولا لتركيب شعري سلس ومستساغ....

(ضاحكة عيون المها

تلامس شظايا قلب

يسهو في محرابه) ص٨٨

كل ذلك وهو واثق من موهبته في الدائرة المحاذية للنص وضمن المساحة الخطرة من الإبداع. بتحولاتها الممكنة ما بين النص الأدبي والنثري بفعل السرد وقد اغتنت الذائقة بأحمال العواطف في تلك المنطقة الحذرة مرة أخرى ما بين الغرائبي والواقعي

 (أتحاشى نظراتك المتعبة

تنزلق بي إلى هاوية الذكريات

إلى وطن مزقته حراب

بائسة) ص٨٥

 تمازج لديه الحزن والحب والهم الوطني الذي جعل حزن الحبيبة موازيا لأوجاع البلاد التي جاء منها حاملا إياها في قلبه. ونبضه وهي لفتة تحسب للأديب الغرباوي حيث يأخذنا للتأمل المتأصل بعيدا عن النظريات.. ليقدم نصا متماسكا بكل مفرداته دون أن تهيمن الخلاصة على المحتوى بل يتم كل ذلك بانسيابية عذبة تشبه نهرا يتهدى في الريف الغني بخصوبة تنوعه...

(فتسمر الضوء

 يعانق أوهام الحقيقة

ونبوءة المرمى الأخير

تمزق أكفانه) ص٧٤

 يعمل على الزمن كجزء لا يتفصل عن بنية النص مفسحا له أن يغير موقعه داخل إطار آلية التلقي ويبدل أساليب البداهة الجوهرية..

(راح يتلو سورة الماء

وشيئا من آيات الحطام

يستعيد بقايا موبقات

وثرثرات) ص٧٣

 والتي يمكن رصدها في الخصوصية ومقاربته بين شكلين يخضعان للاشتراطات المتعارف عليها.  (تلاوة سورة الماء) في إشارة للمقدس والماء الذي منه كل شيء حي و(شيئا من آيات الحطام) في إحالة للخراب والدمار والتهميش الذي يحكم عالمنا المعاصر في الكثير من جنباته. مسكونا بهاجس الإجابة عن أسئلة الواقع عبر ضبط التحولات الشرطية داخل النص.. دون تعارض بين الذات والعوالم المحيطة تحكمه المعرفة والإحالات النفسية والشعورية العميقة..

(شاهقا كان المدى

يتوسد ناصية السماء

غارقا في هذيانه

يتصفح جرحا

تقرحت زفراته العاتية) ص ٧٢

تكمن فرادته في محاولته البناء البسيط غير المركب أو المعقد دون الغرق بمتون  اللغة أو مفاهيم التهجين اللغوي والأسلبة والتحليل والاختلاف..

(سرابا ارتدى

حلم المتاهات القصية

) ص ٧٢

 لا يستنسخ تجارب سواه بل يبني على عواطفه ومشاعره، غايات منتجه الكتابي مع الفهم العميق لأدوات الحقول المعرفية. والقدرة على استيعاب العناصر الشكلية المتحكمة في النص. وصولا إلى السؤال الأعمق تشكيكا..

(أي ذهول ينتاب شجرة

الغواية ...؟) ص٧٢

: حسب رو لان بارت "أن على النص أن يكون متصلا بالدهشة، وهذا يعني تواصل المتعة الإبداعية دون انقطاع وهو بذلك يدخل ضمن النسق الاجتماعي للذائقة الجمالية.. فالدهشة لا نغادر النص من حيث انه مولد جمالي.

لكن أيضا حسب بارت "نظرية النص يمكن أن تقترن فقط بممارسة ما للكتابة "

وهنا يشير بارت أن الكتابة شكل من أشكال تدمير البناء اللغوي لانها تقول بتحويل النص إلى مجموعة رموز تبحث عن أصولها في مخيلة المتلقي، وفي هذه الحالة يمكن للنص أن ينفتح على تشكيلات جديدة من التعبير. عبر توزيع اللغة مما يعني خلق أنماط جديدة من التعبير واخص هنا التعبير النثري والذي جعل من فكرة الإبداع قابلة للتطبيق لتصبح تعبيرا دالا بدلا من كونها أداة للتذوق الشعري وإدراك سحره والمفكك لفكرة الإبداع ذاته..

(حطام دمك.. يروي بيادق اللعبة الفينيقية

باي مرفأ سترسي موناليزا تمثالك الخشبي...؟) ص٧٨

هنا المفردة.. (سترسي.. ومرفأ) بتجلياته الافتتاحية. والمكونة للمنحى التعبيري الحر، العودة للجذر، والوصول لقلب المعنى، حيث التخفيف من القواعد الصارمة والصيغ الجامدة / المرفأ/ وهو الذي يستقبل كل جديد وصولا إلى التركيب الإيحائي / موناليزا تمثالك الخشبي/ والذي أكتنز التقنية عبر تماثله لشتى الاتجاهات، تاريخية وفنية وجمالية.

تاركا لنا حرية استنباط الإيحاء ضمن فضاء غير محدد من حيث التواتر الذي يدخل مرحلة الكشف، حيث لا عتمة ولا تناقض مع مناخات الكتابة بل تصالح عميق مع الروح والحب الفقد وسواه. (حطام دمك.. يروي بيادق اللعبة)

متطلعا إلى ارتياد حقول معرفية جديدة وموضوعات تالية لا تعتمد على المعتاد بل تحمل شخصية عفوية بسيطة مغلفة بشفافية الضبابي لابد لها من أن تتغلغل بنسيج الفكرة من اجل التقاط صيغتها التجريبية..

(حنين جناحيك

يشاغل

أوتار الغواية) ص٧٩

يطرح علينا أسئلة محرضة..

(سدنة المحافل الباذخة

بطونهم خاوية

ألا من زفرات جروح

وقليل من بقايا موبقات)

نعم انه عالم ملتبس يتشكل ربما ...ولطالما كان الشعراء سباقين للكشف والرؤيا وصيرورتها التي لا تقف عند حد..

بشكل وعي وتبصر وتحقيق للكامن في التجربة لا يتوقف عند الرصد الأولي بل ينفذ إلى الباطن الخفي المتوقد

(نتبادل نهب أوجاع

أيقظتها طبول فارغة). ص٨٥

 يقدم لنا كشفا مرحليا عن الحاضر وتعقيداته نتيجة لعملية تراكمية لتحولات النضج الإبداعي مع الارتكاز على الحقيقة المتخيلة والموضوع المراد التعبير عنه، وسكبها بالنص حيث عمل على استثمار مصادر التعبير والإدراك محولا الفعل الاجتماعي.. حب قهر وصال غياب... الخ، إلى عمل فني مبدع له معنى واضح وعفوي وثائر وعلى مزاج الطمأنينة التي هي الوجه الأخر للقلق والتناقض، في نفحة تجريبية غنية وهو يمتلك نمطا كتابيا خاصا يجمع الحسي والتأملي باحتفالية خاصة ملخصا رؤيته الكتابية عبر التأمل ما بين الذات والعالم

 (أتقلب بين حنايا أمواج عاتية

مفجوعا

اتهجى

صفحات المرارة) ص ٨٤

يعمل على إتقان مفرداته داخل اللغة بعفوية وفطرة الإبداع هي المسافة الفاصلة بين الحياة بتفاصيلها المعقدة والإمام بأبعادها الملحة، يكتب نصه بخصوصية من امتلك أدواته وصوته الخاص في إطلاق مميزة من الأني إلى الكلي الأزلي يحاول أن يرينا النص من منظور المتذوق العميق ليبقى ممسكا بالاحتمالات المشرفة على الألق والتوازنات، المنضبطة فهو لم يتعامل مع الكتابة على أساس أنها إقحام بل شعرية معلنة عابرة للوقت وصافية ونقيه التفاعل والإبداع.

***

 سمر محفوض – سورية

 

"إخفاقات الوعي الديني" للمفكر ماجد الغرباوي نموذجا

ما فتئت المراجعات الدينية تروم طرح مقاربة تلو الأخرى لتتساوق وما يستسيغه عقل اليوم وفهم اليوم وإنسان اليوم، ولكلٍ من هاته المحاولات إطارها المحدد ومنطلقها الذي تراهن عليه، وخلال العقود الأخيرة لا يمكننا ونحن نتناول هذا السياق إغفال إسهامات المفكر العراقي ماجد الغرباوي، وأن يكتب في مثل هذه القامة السامقة امرؤ مثلي، ولكني أكتب شهادتي للتاريخ، وأنْ يزجّ الإنسان بنفسه في ذكر هؤلاء لهو شرفٌ منيف بحد ذاته، فنتاج الغرباوي يربو على الثلاثين في هذا الحقل، ناهيك عن مجموعة طويل الذيل من المقالات، ومن أبرز وآخر ما كتب حتى الآن في هذا الجانب سلسلة متاهات الحقيقة.

وفيما يقدُم من السطور أحاول تسليط الضوء على كتاب "إخفاقات الوعي الديني" وهو في أصله مادة حوارية في تداعيات النكوص الحضاري، حاوره الأستاذ سلام البهية السماوي، وملحق به عشرات التعليقات ذات الصلة من القراء.

عودا على بدء، يؤكد الغرباوي على أنّ واحدة من أبرز الفروقات بين الحضارتين الغربية والإسلامية هي أن الشرقي يرفض المختلف بما فيه الآخر الداخلي - كما يسميه الغرباوي - ويعني به المختلف مذهبيا، وأن الاعتراف بالآخر لا يعدو أن يكون شعارات جوفاء، كما أن الشرقي يعاني من الكبت، وهذا على خلاف الغربي الذي يرى في الآخر  - إلى حد ما - شريكا في الحقيقة، ويفصح عن آرائه بكل أريحية، وكأني بالغرباوي يلفت نظرنا إلى أن الشرق يعاني الأمرّين في أزمته الثنائية المتراكمة، قمع يخنق الذات، وإقصاءٌ يستبعد به الآخر المختلف من معادلة الحياة؛ ومن هنا يرى الغرباوي أن الحضارة الإسلامية لا تنهض نِدًا؛ لغياب التكافؤ في المكوّنات المعرفية بين الحضارتين، مقترحا إيجاد نموذج حضاري يُظهر الهوية الشرقية بدرجة تنافسية، شريطة أن يكون شموليا وإلا غدا نموذجا يشوبه النقص، لا تقوم له قائمة حتى ينهار، الجدير بالذكر أن الغرباوي يعرّف الحضارة بأنها "منجز بشري شيّدته تفاعلات فكرية - مادية".

وفيما يتصل بانفتاح المسلمين على الحضارات الأخرى، يرى الغرباوي أنّ ذلك تم عبر قناتين: الترجمة وما يُسمى بالفتوحات الإسلامية السلمية منها والحربية، والتي يصرّح الغرباوي في كتبه بتحفظه البالغ عليها، وأنه يمتنع الجهاد بعد تمام الرسالة إلا على سبيل الدفاع عن النفس، منكرا أيَّما إنكار على الدماء الكثيرة التي أُهدرت في ظل تلك الفتوح وبين صفوف المسلمين فيما بينهم من المختلفين، ففي الأولى يدعو الغرباوي إلى الاستفادة من المنجز الغربي تماما كما حدث في ظل الدولة العباسية حينما ترجمت آثار اليونان والفرس والهنود، وفي الثانية يسترعي الانتباه إلى ما قامت به الترسبات الحضارية في الشعوب المختلفة من التفاعل مع الحمولة الإسلامية.

مشيدا بالتجربة الماليزية التي وجدت لنفسها موضعا في مصافّ الدول المتقدمة، يهيب الغرباوي بضرورة النهل من المنجز الغربي في المجال المعرفي والتكنولوجي؛ حتى لا يكون الشرقي على هامش الحضارات، في حالٍ أطلق عليه الغرباوي "نكبة حضارية" وتارة "عصر السبات والتخلّف" حيث تزخر بلداننا بثروات طائلة إلا أنها مع ذلك مُدرجة في قائمة الدول المتخلّفة، ويضع الغرباوي يده على الجرح حول سؤال النهضة: "لماذا تقدم الغرب وتخلّف المسلمون؟" وأنه منذئذٍ وما زالت النهضة مفقودة، ورغم أن الحضارة الغربية بنت حضارتها على أمجاد المسلمين في الأندلس، إلا أنّ الغرباوي يطرح سؤالا محوريا يعرّي الحقيقة كما هي بما فحواه: وما نفع هذا التفاخر والحال أن الغرب في الوقت الراهن يقود دفّة التقدّم؟!

وعلى صعيد الدرس الفلسفي، للغرباوي نظرة مؤدّاها أنّه رغم أن الفلسفة هي من مدخلات الحضارة اليونانية إلا أنه كان لدى المسلمين أرضية من التهيؤ للتعاطي مع الفلسفة اليونانية، وتاليا كان للمسلمين فلسفة ذات خصيصة إسلامية؛ ومن هُنا فالغرباوي لا يتفق مع القول القائل بأن الفلسفة الإسلامية ما هي إلا نسخة طبق الأصل للفلسفة اليونانية، ومع ذلك لا ينكر تأثير الفلسفة اليونانية كتأثّر الفقه الإسلامي بالفكر الأرسطي، واللاهوت بالأطروحات الفلسفية من حيث يشعر المسلمون ومن حيث لا يشعرون.

ولا يخفي الغرباوي تفاؤله في احتمالية اللقاء الحواري بين الغرب والشرق شريطة أن يطوّق المسلمون الحركات التكفيرية، لكنه في الوقت نفسه يعترف بأن الاتجاه السائد لدى الشعوب الغربية يتبنّى النظرة الدونية للشرقي، كما أن ثقافة الشرقي طاردة بالنسبة للآخر - بحدّ وصف الغرباوي - ففتاوى نجاسة الآخر لكفره ما زالت قيد العمل.

يلمس الغرباوي وترا حساسا في المسكوت عنه في التاريخ الإسلامي، من حيث حضور جذور الدم التي تستند إليها الحركات الإسلامية المتطرفة لتبرير ممارساتها، منكرا على فقهاء السلطة الذين حولوا الصراعات السياسية إلى صراعات دينية دامية، ومعلنا بكل صراحة أن حروب الردة علاوة على أنها كانت خطأ محضا، فقد كانت محل خلاف بين كبار الصحابة أنفسهم، وكانت - في تقدير الغرباوي - تأسيسا للعنف الذي تُرفع رايته باسم الدين، عند الأمويين والعباسيين ومن جاء بعدهم.

ويرجع الغرباوي تمزّق الصف الإسلامي لسببين رئيسين: أولهما ما حدث من تنازع على السلطة بعد وفاة النبي في ظل فراغ المرجعية التي تحدد شكل السلطة، وثانيهما أن منظومة القيم القرآنية قد تأثرت بالصراعات السياسية من جانب، والتأويلية من جانب آخر؛ الأمر الذي أرسى دعائم قمع المعارضة تحت راية الدين، كما يضيف الغرباوي أسبابا أخرى كالاستبداد السياسي والديني والعشائري وانعدام الوعي والاستعمار وعدم الاعتراف بالآخر والتقديس والتقليد وقمع المرأة.

وإذْ يؤكّد الغرباوي أنّ "فرص التقدم ما زالت تواجه تحديات معقدة" يستعرض ثلاثة اتجاهات في تشخيص الأزمة الإسلامية وطرائق حَلْحَلَتها: الاتجاه الأول انغمس في حالة الذهول بالحضارة الغربية حَدّ احتقار الذات، وهو في تصوّر الغرباوي "خيار مرفوض"، وعلى النقيض منه تبنّى الاتجاه الثاني الانكفاء على الذات، وتصدّر العنف أبرز سِماته عن طريق خطاب "بات عبئا ثقيلا يتناسل بسرعة فائقة" وقياس " الحاضر على الغائب رغم اختلاف تفصيلاته"، أما الاتجاه الثالث فقد أطلق على متبنّيه بـروّاد الإصلاح.

ويُجمل الغرباوي القول بأنّ حجر الرحى في إشكالية اليوم مرتبطة بالنظام المعرفي لشعوبنا؛ كونها الأرضية التي ترتكز عليها أية حركة نهضوية، ومشدّدا النكير على أن ذلك مشروط بتجفيف منابع التيارات التكفيرية، ومؤكدا على أنّ "اليقين السلبي الذي تتصف به الحركات يعد تحديا خطيرا للنهوض الحضاري" ويعني الغرباوي باليقين السلبي المعوقات الحضارية المتولّدة من القناعات الراسخة، وأخطرها - كما يراه الغرباوي - قناعة امتلاك الحقيقة المطلقة، والتي كان من أكبر أسبابها تقديس سيرة الماضين، وهنا تحديدا يشير إلى ضرورة التفريق بين النص والتراث، ولذلك يدعو إلى "الانفتاح على النص الديني بقراءة نقدية" وهو بذلك ينقل الرؤية التجديدية من الاحتياج الكمالي إلى الضرورة التي تحتّمها حركة الطبيعة، وأنه رغم محاولات الخط الديني التقليدي من محاربة ما تنادي به الحركات التجديدية، إلا أن صوت الإصلاح ما زال يصدح، معرّفا إياه - أي التجديد - بأنه "تحديث أدوات التفكير من خلال توظيف المناهج والنظريات الحديثة" ويرتئي أن البداية يجب أن تكون تحوّلا ثقافية يحرر شعوب المنطقة من الالتفات للخلف الذي يقيّده عن الوعي الحقيقي بالحياة.

***

بقلم: محمـــد سيـــف

....................

* كتاب: إخفاقات الوعي الديني.. حوار في تداعيات النكوص الحضاري، حوار سلام البهية السماوي مع ماجد الغرباوي، مؤسسة المثقف، سيدني – أستراليا، ودار العارف، بيروت - لبنان، 1916م

تأتي نصوص “يتهادى حلما” للكاتب العراقي المغترب ماجد الغرباوي* ضمن المنطقة الرمادية التي قسمت أدباء الجنوب عن الشمال مثلما عزلت الاتجاهات الوطنية والإنسانية العامة عن التوجهات القومية التي تعاني من العزلة والتحسس وذلك لسبب واحد من اثنين. إما لأنها لم تفهم العلاقة الصحيحة بين التحرير والحرية. أو لأنها انتقلت من مبدأ الالتزام وتعبئة الشعب إلى حالة شعبوية غير واعية تقتات على الغرائز السلبية، ومنها بالتأكيد حتمية الموت وما يتلازم معه من خوف وترقب.

ولا تخلو كتابات الغرباوي من القلق الذي يخبئ ضمنا نوعا من التساؤل، ويخجل أو يتردد من اقتراح حلول أو تصور معجزات. ويؤمن الغرباوي ويدرك تماما أن المعجزات هي جزء من خاتم النبوة، والمفروض أن نبحث عن الحل ضمن وسائل يوفرها الواقع. وقد أعلن عن ذلك عدة مرات، وبشكل لا لبس فيه، في معظم أجزاء موسوعته التي حملت عنوانا عريضا وشاملا وهو “متاهات الحقيقة”.

تضم نصوص “يتهادى حلما” مجموعة من القصص والقصائد النثرية، التي كتبها الغرباوي على امتداد عشر سنوات تقريبا، كان يعمل خلالها على موسوعته. ولذلك يجب أن نتوقع أن هذه النصوص تؤكد على هموم الموسوعة وبحديها. وهي داخلية وخارجية. فالقصص تصور شخصيات لا تعرف طريقها بشكل واضح، والقصائد تبحث عن زواريب خلفية في واقع كاسد وعرضة للسقوط في كل لحظة. وبتعبير الناقد يوسف اليوسف إنها تصور واقعا عروبيا جافا كالحطب. ولا يمكن ان ننتظر منه غير الحرائق والرماد. ولا يسعني هنا مقارنته إلا بكتابات إدوار الخراط، مؤلف “أشواق الكائنات الطائرة” و”السكة الحديد”. فمع أن كائناته تحلق – لتدارك السقوط والتمرغ بتراب الهزيمة – ومع أنها حديدية – لتقاوم ضغط الطبيعة واعتداء الإنسان المتسلط والطبقي – لكنها تبقى سلبية، ومحرومة من الخلاص. وما يقرب الغرباوي من الخراط الطبيعة الباطنية للشخصيات. كلاهما يفسر المشاعر بالمشاعر، فالغرباوي يتعايش مع حالات وأحوال، والخراط يضع صور شخصياته وراء أحاسيسها (فهو يعرف الشخص بأشواقه المتطايرة والملتهبة). وهذه العلاقة المعكوسة مرشحة للكشف عن كوابيس المجتمع الحديث الذي تستهلكه حروب ذكرها الخراط علنا، ولكن أشار إليها الغرباوي بالتلميح. وهذا وحده يفسر إسهاب الخراط (كل قصة على الأقل 3500 كلمة) واقتصاد الغرباوي (قصصه تتراوح بين 500-1000 كلمة وقصائده أقل من 250 كلمة).

يضاف لما سلف تبنيه لتقنية الصوت – أو بتعبير جورج سالم تقنية العزف المنفرد – السولو Solo. وهو أسلوب إيماني يعذبه الإحساس الظالم بدنايا الواقع وأخطاء البشرية. ولكنه أسلوب معاكس لتقنية الأصوات التي تبلورت على يد غائب طعمة فرمان، وتابع معها برهان الخطيب وجبرا، ووصلت إلى القارئ في مشروع نجيب محفوظ. فالأصوات مثل جدارية اجتماعية تعكس ما تهضمه معدة المدينة – خباياها وعيوبها الإجبارية. لكن الصوت اليتيم يدل على الشخص الضائع الذي فقد اتجاهه، وغالبا يكون موضعه فوق اللاشعور. (ويمكن تصنيفه في منطقة تأتي تحت الوعي – ويعادلها حركة العين السريعة في الأحلام).

وأعتقد أن ماجد الغرباوي لم يأخذ فكرة الباب الممنوع من التراث العربي، مع أنه مطلع عليه بشكل جيد. ولا من الميثولوجيا الدينية – مع أنه متخصص بتفكيك الخطاب الديني وإعادة تفسيره. وعلى الأرجح تبلورت لديه هذه الفكرة من إخفاقات فكرنا السياسي، وبالأخص فكرة الحداثة (بفرعيها الليبرالي الغربي والاشتراكي الشرقي)، فقد تورطت حداثتنا بقيمة إنكارية ووجدت نفسها داخل القمقم. إما أنها تؤمن بقيمة الكلمة في تحرير التراب الوطني – على طريقة السوفييت. أو أنها تؤمن بدور الكلمة في تحرير العقل والنفس من قيود الرقابة والسلطة – على طريقة الجمعيات والصالونات التي بدأت بالظهور مع نهاية سلطة الباب العالي، ودخلت في السبات بعد الاستقلال، وحتى منتصف الثمانينات وظهور حركات المجتمع المدني.

وفي هذا السياق كانت نصوص الغرباوي تدور حول 3 أو 4 كلمات مفصلية.

الأولى هي الحركة: وأعتقد أنه لا يقصد الحركة المستمرة ولكن الدورانية. ففي قصة “هاتف الفجر” يعلو نبضه ويدور مع دورة الأرض، ولا يصعد وينخفض كما هو مفروض علميا ص9. وفي قصة “قرار ارتجالي” يسأم البطل من الحياة وهو يدور في حلقة مفرغة ص 45، وهذا هو شأن جميع رموز التحديث العربي، وبالأخص أدباء الفجائع والمقابر. أو بلغة ليسلي فيدلر أدباء الموت الأسود macabre. وبلغة جاك لاكان جماعة الأنا الصغيرة. وتدخل في هذا السياق كلمة “يتهادى” فهي تدل أيضا على حركة النواس، وهو رمز يحمل معنى التردد بين قطبين أو اتجاهين.

ثاني كلمة هي الحلم: ويشحنها الغرباوي بقيمة فرويدية وأوديبية. وبطل قصص وقصائد أحلامه يتكلم بلسان خائف ومرعوب من أشياء محسوسة وغير مرئية، يسميها “أحلامي المتعبة” في قصة “تمرد” ص16. ثم يقول عنها إنها تسبب له “الرعب المزلزل” ص16. وتأخذ دائما شكل قضية يلفها ضباب الغموض. ويبدو أنه يفكر بها أكثر مما يتكلم عنها. ولهذا السبب تنمو لديه ميول انتحارية تحببه بالعدم – وليس الموت تحديدا، أو بخلاص الموجود، وكأن الحل يكون في فناء الطاقة وليس المادة. وباعتقادي أنه دائما يقف مع الجوهر على حساب الماهية.

الكلمة الثالثة هي التشظي: وتعبر عن مقته وكرهه للحدود. فالإرغام جزء من المجتمع البورجوازي الحديث، وفشل الدولة الحديثة في استيعاب كل رغبات أبنائها يضعهم في عدة مدارات متناقضة توجه الوعي الاجتماعي نحو عالم أفراد وليس عالم جماعات خطاب. ويترتب على ذلك أن وعي الفرد بنفسه غير متكامل عضويا، ولكنه وصولي ومتبدل، ويضع كل إنسان بمواجهة احتياجاته، مع ضغط متزايد نحو تلبية رغبات الآخر. وبالتأكيد يساهم ذلك في تركيب أوهام عن الذات وعن الغريزة. والتبدل لا يكون شكلا من أشكال التجديد ولكنه تعبير مرضي عن الإغراءات والضغوط. والأمثلة أكثر من أن تحصى، ومنها رواية “فرانكشتاين في بغداد” لأحمد سعداوي. وغني عن الذكر أنها تستند لفكرة الإنسان الميكانيكي أو الآلي، وهو حصيلة تجميع أجزاء بشرية ميتة. وقيامة الميت الجماعي ليست مضمونة ويصعب التنبؤ باتجاهها. وهذا هو مضمون رواية “فرانكشتاين” الأصلية لماري شيللي، وليس كما هو شايع أنها تعبير رومنسي عن صراع نهضة العلم أمام أزمة الروح. ويبني أنتوني بورغس روايته “الإنسان الآلي” A Clockwork Orange على هذا الأساس. فهو يصور مقبرة جماعية يعيش فيها أحياء بحكم الأموات. وهذه المقبرة هي المصنع – مكان العمل، لكن البيت – هو المدفن الذي يتابع فيه أعضاء الأسرة سباتهم.

وربما كانت رابع واخر كلمة متضمنة، وهي عن الوحي: الذي يبدو شريرا في كثير من الأحيان، و لا علاقة له بوحي الأنبياء، وله عدة أسماء ومترادفات ومنها “الهاتف”، وكان يدعو بطل القصة للاستجارة بقوة الظلام وليس النور ص9. وللاستسلام لطائفة من الجن ص9. بل وللتوسل إليها وليس مقاومتها كما يقول حرفيا ص9.

 وتوجد أمثلة كثيرة للوساوس والهمسات التي تتسبب لأصحابها بالجنون السريالي أو الرمزي ومن بينهم المستر كوجيتو في أشعار البولوني زبيجنيف هربرت، والوسواس الخفي في أشعار تلميذه الأمريكي سكوت ماينار.

لكن لا اريد أن يفهم أحد أن نصوص الغرباوي تنتمي لما بعد الحداثة أو أنها تجريبية. بالعكس هي نصوص منضبطة، لا تهتم بالبيئة ولكن بالإنسان البيئي. بمعنى أنها تضع الأشخاص في مركز عالمها الضيق. كما أنها لا تكتب عن أشخاص ولكن عن أحوال. ولهذا السبب تبدو المحددات جزءا لا يتجزأ من مغامرة وعي الأفراد بمشكلتهم مع أنفسهم. وهذا يعني أنهم أنويون – وليس أنانيين، ولديهم وعي مرضي ومضخم بالذات على حساب الموضوع، كما عودنا جيل الحداثة الثاني وعلى رأسهم على سبيل الذكر، لا الحصر، ياسين رفاعية ومحمود الريماوي وعادل أبو شنب إلى آخر هذه السلسلة.

***

د. صالح الرزوق – أديب وناقد ومترجم 

..........................

* صدرت المجموعة عن مؤسسة المثقف العربي بالتعاون مع دار العارف في بيروت عام 2025.

 

للباحث والأديب والمفكر ماجد الغرباوي

ماجد الغرباوي: مواليد – العراق – 1954. يقيم في سيدني - استراليا. كاتب وباحث ومفكر إسلامي عراقي، هاجر إلى استراليا في عهد نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، وحصل على الجنسيّة الأسترالية، وأسس صحيفة ومؤسسة المثقف بمدينة سيدني الأستراليّة - عمل ماجد الغرباوي في مجال التدريس، وترأس تحرير مجلة «التوحيد»، كما ترأس تحرير سلسلة «رواد الإصلاح» قبل أن ينشئ مؤسسة المثقف بمدينة سيدني بأستراليا في السادس من يونيو عام 2006، وهي مؤسسة ثقافيّة مهتمة بنشر الثقافة وقيم التسامح الديني، وتصدر عنها صحيفة المثقف، كما قدمت عدداً من الجوائز من بينها جائزة الإبداع، وجائزة المرأة، وجائزة المثقف.

أعماله ومؤلفاته:

ألف ماجد الغرباوي المتخصص في علوم الشريعة والعلوم الإسلاميّة، العديد من المؤلفات والدراسات، كما شارك في تأليف عدد من الكتب المتخصصة في الدراسات الإسلاميّة، إلى جانب ترجمة عدد من الكتب لمؤلفين آخرين إلى العربية، وفيما يلي بعض من أعماله المؤلفة والمترجمة:

من أهم مؤلفاته الفكريّة:

1- إشكاليات التجديد، 2000،

2- التسامح ومنابع اللاتسامح: فرص التعايش بين الأديان والثقافات، 2006.

3- تحديات العنف، 2009.

4- الضد النوعي للاستبداد: استفهامات حول جدوى المشروع السياسي الديني، 2010

5- الحركات الإسلامية.. قراءة نقديّة في تجليات الوعي: صدر عام 2015

6- المرأة والقرآن.. حوار في إشكاليات التشريع: صدر عام 2015

7- قراءة في تداعيات السلطة والحكم في العراق، 2016

8- نقد مرجعية التفكير الديني، 2018.

9- الهوية والفعل الحضاري، 2019.

10- مواربات النص، 2020.

11- الفقيه والعقل التراثي، 2020.

12- مضمرات العقل الفقهي، 2020.

13- تحرير الوعي الديني، 2021.

14- المرأة وأفاق النسوية، 2021.

15- تراجيديا العقل التراثي، 2021.

16- ومن الأعمال الأدبية التي صدرت له: يتهادى حلماً: نصوص أدبية – وهو مجموعة قصص اخترنا الأولى منها موضوعاً لدراستنا وهي بعنوان: (هاتف الفجر).

ترجم عددا من الكتب منها:

1- الدين والفكر في شراك الاستبداد: صدر عام 2001.

البنية السرديّة أو الحكائيّة للقصة:

(هاتف الفجر، قصة قصيرة، من مجموعة قصصيّة بعنوان (يتهادى حلماً)، للكاتب والباحث والأديب والمفكر الإسلامي التنويري "ماجد الغرباوي"، تحمل بين طياتها روحاً جديدةً من القص الأدبي، تجاوزت المألوف في عالم القصة شكلاً ومضموناً، حيث يترك القاص المتلقي في عالم من الحلم واليقظة معاً، بل يتركه يبحث عن ذاته في عالم أخذت تتلاشى فيه الحقيقة، ولم يبق إلا الحب حلماً لتجاوز مأساة الإنسان. ولكن يظل السؤال الشقي يطرح نفسه في عالم اللامعقول هذا، أي حب هذا الذي سيتجاوز المأساة؟.

تقوم البنية السرديّة في قصة " هاتف الفجر"، على تداعيات فكريّة مشبعة بهمس الروح والعقل المتعبين الباحثين عن الحقيقة، بعد أن حرك سكون هذه الروح وهذا العقل، ذلك اللقاء الذي تم بين بطل القصة، وهو القاص أو الراوي نفسه الذي يتحدث بضمير المتكلم هنا، وبين صديق له تناولا في هذا اللقاء حديثاً وديّاً، وبالرغم من أن القاص لم يحدد طبيعة شخصيّة هذا الصديق، إلا أننا نستشف طبيعة هذه الشخصيّة من خلال بنية السرد التي تشير إلى معاناة الواقع أو الحياة التي لا يراها القاص إلا: (مشهد بؤس، أو حطام ألم، لا يفقه لغتها سوى حكيم اعتزلها، أو عاشق هام في أرجائها.). فشخصيّة (الحكيم) هنا هو إما المتصوف الذي عرف الحياة وعاف شقاءها، وراح يبحت عن خلاصه في عالم الغيب أو المطلق، بينما شخصيّة (العاشق)، فهي شخصيّة المفكر والفيلسوف الذي ارتبط بالواقع، وراح يبحث عن سر شقاء الإنسان وعذابه في هذا الواقع. ويبدو أن الشخصيّة الأقرب إلى صديق الكاتب هي شخصيّة العاشق، وهو المفكر والفيلسوف.

على العموم، لقد فجر ذلك اللقاء مع الصديق، كوامن النفس والروح والعقل عند بطل القصة الذي راح يشعر بعد ذلك اللقاء عندما خطا عدّة خطوات بعد خروجه حيث يقول: (بأن سهام تبارت تقذفني، فلما أخطأتني كدت أفقد صوابي... تشبثت بأذيال الليل أستجير بظلمته، ما هي إلا برهة حتى استقر سهم في قلبي. فتبددت أحلامي، واستسلم دمي، فرحت أتلمس نبضي.).. نعم هي هواجس ومعاناة الباحث عن الحقيقة الذي يسكنه القلق والخوف وحب المعرفة، فتراه يعيش حالات من القلق الذي يصل بصاحبه أحياناً إلى أشبه بالجنون، وهذا هو حال بطل القصة الذي شغله سؤال السهم الذي اخترق قلبه، أي سؤال الحقيقة أو المعرفة، حيث يقول: رحت (أتابعه كيف يعلو يعانق السماء ثم ينحني مع الأرض في دورانها... تارة أرمقه، أتيه برشاقته، وأخرى أهادنه حين يتحدى غروري. فمسني طائف من الجن، لم أستعذ منه إلا به، رحت أتوسل إليه، لم يبال وتمادى يغور في إعماق قلبي.. قلبي الذي لم تخطفه السهام، يترنح الآن تحت وطأته، لم يكن طائشاً فطال سهادي. فكرت أن أنتزعه لحظة. أتفقد جرحي، وأمسح فوق روحي التي ترنحت، تستغيث بخواء عزيمتي، فلم تستجب إرادتي.). ثم يتابع القول عن معاناة روحه وعقله: (ثم أفيق، أستعيد أنفاسي. أيمم وجهي صوب ناصية القدر الأزلي، أرى الحياة مشهد بؤس، أو حطام ألم، لا يفقه لغتها سوى حكيم اعتزلها، أو عاشق هام في أرجائها.).

نعم هي معاناة وهواجس من نذروا أنفسهم لخلاص الإنسان فكراً أو سلوكاً، معاناة الفقراء والمعذبين والمستضعفين في هذه الحياة التي ليست هي عالمه وعالم صديقه حيث يقول: (ليست الحياة أنا وأنت، هي قلبي عندما يصغي لأهات المتعبين. ويواصل رحلته من أجل المعذبين... الحياة عتمة حينما ينطفئ نور قلبي، قاحلة يغزوها المتسولون. كم أرهقنا أنفسنا بحثا عن معنى يشدّنا إليها، كي ندرك أنها وهم مالم تفض قلوبنا حباً. كم أخاف على قلبي، أخاف على نبضه المتدفق حيوية.. كيف يخبو.. ماذا سيفعل به ذاك السهم الذي باغته.؟.).

وأخيراً يعود "القاص" الذي حرك سهم المعرفة عنده ذلك اللقاء الحواري مع صديقه، فشغل عقله وروحه وكل حواسه، حتى قض مضجعه وشغل وأربك وأضعف قواه، ليتساءل:

(كيف أستجمع قواي لاسترد أنفاسي، واستعيد الأمل الذي تبخر مع حرارة السهم؟... كيف أحتفظ بقلبي الذي تسكن إليه نجوم السماء.. أخذني الذهول حيث يشتهي، ولم أعد أعرف سوى الصمت، مذهولا تعصف بي الأوهام، فسمعت هاتفاً يقول: (الصمت أبلغ من أي كلام). عند ذلك (هدأت روحي، غير أن عيني لم تفارق السهم وهو يغور بعيداً في أحشائي، حتى إذا اختفى يئست مستسلماً، لولا بارقة حين شعرت به يتلبسني).

البنية الفكريّة للقصة:

عندما يكون المجتمع مسرحاً للتناقضات والشعارات الزائفة وفريسة للطفيليين، يفقد الإنسان السوي نفسه لاهتزاز قيم المجتمع، وعلى هذا الأساس، فالكاتب العقلاني التنويري يهتم بالإنسان اهتماماً كبيراً.. فهو يد لله أحياناً، وأحياناً يقسو عليه ويوجهه مواجهة قاسية.. وأحياناً يأخذ بيديّه إلى طريق الأمان والسعادة والتلاؤم مع المجتمع.. والقاص (الغرباوي) يرى بأن ذلك لا يتحقق إلا عندما يعم الحب والخير.. وحب الوطن والإنسانية.

يريد القاص "ماجد الغرباوي" الذي يسكنه هاجس المعرفة أن يقول أيضاً: تظل المعرفة سر خلود الإنسان وبارقة الأمل التي تشعره بأنه قادر بصبره وعزيمته وحبه للحياة والإنسان، (أن ينسج من الفجر طيفاً ثملاً، وينثر الروح ياسميناً، ندىً فوق ذاكرة الإنسان لا يشبه العشق، ولا يدانيه الحب.). يقول "ماجد" لقد (عرفت كل ذلك عندما خانني قلبي وأفشى إليه بسري.).

البنية الفنيّة للقصة:

تظل القصة القصيرة تنتمي إلى الأدب القصصي، وتتميز باختصارها وإيحاءاتها العميقة واكتفائها بعدد قليل من الشخصيات، وربما تتعامل مع شخصيّة واحدة لا غير، ومكان واحد وزمان محدود. وتهدف القصة القصيرة إلى إيصال فكرة معينة أو إثارة إحساس معين لدى القارئ في وقت قصير.

هذا ويظل الشكل البسيط في تشكيل القصة، يعتمد على عرض الحكاية من خلال السرد والوصف الداخلي، في أسلوب شاعري رقيق وألفاظ غنيّة.. وهذا الشكل سهل وممتع لا يقدر عليه إلا الكاتب القدير والمتمرس في الكتابة ويمتلك قدرات فنيّة اكتشفها من خلال تجربته العميقة. فالكاتب المبدع ذو الخبرة والثقافة العالية يمتلك القدرة على التصوير الدقيق كفنان قدير يمتلك أدواته الفنيّة والثقافيّة والخبرة الطويلة مع الحياة، تمكنه من فهم النفس الإنسانيّة ومعرفة أسرارها وكوامن قوتها وضعفها. وهذا ما تميز به القاص "ماجد الغرباوي"

تأتي قصة "هاتف الفجر" لتؤكد سمات وخصائص القصة القصيرة، ولكن بلغة وأسلوب وتعابير، وبأفكار هي أقرب إلى روح مفكر وفيلسوف منه إلى أديب متخصص في فن القصة. فالمتلقي يجد نفسه في قصة "هاتف الفجر" أمام نص فكري يصوغه فيلسوف أو متصوف عرفاني وبرهاني في الوقت ذاته، شغلته معاناة الواقع فراح يبحت عن ذاته في هذه المعاناة، التي تأتي في هذا النص معاناة المجتمع أيضاً.

إن القاص " ماجد الغرباوي" يمتاز بحسه الفني الرقيق، وذوقه المثقف، ورهافة ألفاظه، وبراعة تصوير المواقف التي تكشف عن أبعاد الشخصيات التي يرسمها بدقة، مبرزاً أبعادها الاجتماعيّة والنفسيّة والخلقيّة، ويكشف أيضاً عما تعانيه من صراع مع نفسها، أو مع الآخرين، ولأن هذه الشخصيات سويّة وواعية وعندها ضمير يقظ، فهي قادرة أن تخرج من أزماتها منتصرة مع نفسها في لحظات الضعف، وهذا أقوى انتصارا على النفس وعلى الآخرين. أي هو سلوك طبيعي لا افتعال فيه وبالتالي غالباً ما تكون هذه الشخصيّة في حالات تقلب مستمر، تارة تكون ضعيفة وتارة أخرى قوية.. فهي قادر أن تدير الصراع بين الخير والشر حتى يكون للانتصار عبرة للآخرين.. لتؤكد أن الخير هو الأساس في الإنسان، لتستمر الحياة والعلاقات بين الناس. وكل هذه السمات والخصائص تجلت في بطل قصة (هاتف الفجر).

إن الكاتب الذي عاش ظروف القهر والفقد والحرمان والغربة والمرض والفقر.. تجد في أعماله الحديث عن الحب والأمل والحنان وشواطئ الأمان

لغة النص وغموض الفكرة:

وبناءً على الأساس الفكري العالي الذي امتازت به بنية النص، جاءت لغة النص لغة متصوف عرفاني، تائه في فوضى المعرفة التي فقدت وضوحها، بسبب ما يشعر به القاص من ألم وعذاب يعيشه الفقراء والمستضعفون في الأرض. فهذه اللغة غالباً ما تفتقد عباراتها إلى الوضوح والدقة رغم سهولة ألفاظها وبساطتها.

(فلما أخطأتني كدت أفقد صوابي)... (تشبثت بأذيال الليل أستجير بظلمته)، (ما هي إلا برهة حتى استقر سهم في قلبي). فتبددت أحلامي، واستسلم دمي، فرحت أتلمس نبضي).(فمسني طائف من الجن، لم أستعذ منه إلا به)، (قلبي المتيم بالحب كيف تتمزق أنسجته، ويمتلئ سحباً داكنة؟). (أيمم وجهي صوب ناصية القدر الأزلي، أرى الحياة مشهد بؤس، أو حطام ألم، لا يفقه لغتها سوى حكيم اعتزلها، أو عاشق هام في أرجائها). هكذا يتجلى لنا الغموض في عبارات هذا النص.

ولكون القصة قد صيغت بلغة سرديّة ذات طابع فكري، لذلك افتقدت بالضرورة إلى الكثير من المحسنات البديعيّة، كالترادف، وتناقض المفردات، والطباق، والمقابلة، والتورية، و وكثرة الانزياحات اللغويّة، والصور البيانيّة كالتشبيه والاستعارة والكنايّة.. وغير ذلك.

ملامح الشخصيّة:

يظل الحدث فعلاً هلاميّاً ما لم تشكله الشخصيات بحسب حركتها وعلاقاتها ودرجة وعيها وبالتالي مساراتها التي يشكلها الكاتب. وشخصيّة القصة كانت مقنعة تماما كونها تعبر عن شخصيّة ذات توجهات فكريّة حقيقيّة في مواقفها وتفكيرها وحتى سلوكياتها.. بيد أن هذه الشخصية تظل فاقدة إلى حد كبير لإرادتها في صنع أحداثها، بسبب ضغط الواقع ومعاناته، وهذا ما لمسناه في توصيف القاص لحالته النفسيّة والفكريّة القلقة إلى حد كبير بسبب فقده مقومات الانتصار على هذا الواقع الملغم بالقهر والظلم والفقر والاستلاب.. ولكنه يصل في النهاية إلى التمسك بـالصمت لعل الزمن كفيل بتحقيق ما يطمح له القاص أن يتحقق في الواقع.

إن القصة في بنيتها تقوم على شخصيّة واحدة شكلت عالم القصة، ولكنها شخصيّة لها سماتها وخصائصها التي تجعل منها أنموذجاً أو مثالاً. وهذا ما جعل القاص يجعل منها شخصيّة ديناميكية متحركة وإيجابيّة ونامية. تركزت فيها وجهات نظر أو اهتمام القاص لتكون متوافقة مع منطق الواقع الاجتماعي من جهة، وأن تكون صادقة لمنطق العالم القصصي الذي تعيش داخله من جهة ثانية.

إن الحدث القصصي يفترض أن تكون هذه الشخصية المثقفة في حركتها متسقة مع العالم الذي تقدمه. فكل شخصية يجب أن تحافظ على نسق فكري ينسجم مع موقعها الاجتماعي وثقافتها وسلوكياتها لتؤدي دورها المتخيل بإتقان داخل العالم المتخيل الذي تصوره، وهكذا كانت شخصية بطل القصة (ماجد).

طريقة السرد أو الروي في القصة:

يلاحظ المتلقي أن القاص "الغرباوي"، لا يقدم شخصيته من وجهة نظر تسجيليّة، وإنما بطريقة وصفيّة سرديّة، حيث تتخلق الشخصيّة من خلال دورها في بناء الحدث وإدارة الحوار النفسي، أو ما يعرف بالمنولوج الداخلي أو النجوى الذاتيّة. حيث تُحدث الشخصيّة نفسها متأملة ذاتها، فيزول عندئذ ما بين الوعي واللاوعي من حجب وأستار، وينتفي البعد الزمني والمكاني بين الحاضر والماضي والمستقبل، وبذلك تكشف الشخصية عن نفسها لقارئها وتبين له خفاياها وأسرارها. ووسيلة المونولوج هذه لا يستخدمها الكاتب أو القاص إلا مع الشخصيات المؤثرة بقوة في بناء القصة.

إن أسلوب الكاتب (الغرباوي) الخاص في تصوير الحدث أو سرده، اعتمد على الرمز المشبع بالإشارة والإيحاء في دلالته الخصبة وأسلوبه في القص المركز، حيث عمل القاص على تقطيع الحدث وكسر إيقاعه وتداخله، بحيث بدت البنية السردية للقصة كلها كمجموعة من الفقرات الموجزة، غير المسترسلة، قدمها القاص "الغرباوي" لتكشف عن ايحاءات فكريّة وفنيّة قويّة.

ملاك القول:

لقد استطاع المفكر والأديب "ماجد الغرباوي" أن يصنع من قصته (هاتف الفجر) عبر خياله وبصيرته، فضاءً فلسفيّا (صوفيّاً) واخلاقيّاً وفكريّا وتفسيّاً، تتنفس فيه شخصيته من جهة، وشخصيّة المتلقي من جهة ثانيّة، وذلك من خلال ما باح به النص من أسرار وخفايا لما يفكر به الحكيم أو المتصوف عبر علاقات التناسب والتفاعل والتناغم بين حضورهما في عالم القهر والظلم والتشيىء والاستلاب والغربة، وبين فضاء المعرفة وسهامها التي تدفهما دائما لتقصي الحقيقة. إنها علاقة غالباً ما تكون أشبه بعلاقة الكتلة بالفراغ، أو علاقة اللوحة بالمساحة الخلفيّة، أو الأنغام بفترات الصمت.

اسم المجموعة القصصية (يتهادى حلما).

المؤلف ماجد الغرباوي.

إصدار مؤسسة المثقف العربي – استراليا.

نشر وتوزيع - شركة العارف للمطبوعات.

بيروت – لبنان.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا

.....................

قصة: (هاتف الفجر)

بقلم: ماجد الغرباوي

خرجتُ مسرعاً بعد لقاء قصير تداولت فيه مع صديق حديثاً ودياً، حتى إذا خطوت عدة خطوات تبارت سهام تقذفني، فلما أخطأتني كدت أفقد صوابي... تشبثت بأذيال الليل أستجير بظلمته، ما هي إلا برهة حتى استقر سهم في قلبي. فتبددت أحلامي، واستسلم دمي، فرحت أتلمس نبضي.. أتابعه كيف يعلو يعانق السماء ثم ينحني مع الأرض في دورانها... تارة أرمقه، أتيه برشاقته، وأخرى أهادنه حين يتحدى غروري. فمسني طائف من الجن، لم أستعذ منه إلا به، رحت أتوسل إليه، لم يبال وتمادى يغور في إعماق قلبي.. قلبي الذي لم تخطفه السهام، يترنح الآن تحت وطأته، لم يكن طائشاً فطال سهادي. فكرت أن أنتزعه لحظة. أتفقد جرحي، وأمسح فوق روحي التي ترنحت، تستغيث بخواء عزيمتي، فلم تستجب إرادتي.

تحركت أناملي تتلمس موضع السهم، أين استقر؟... هل يتلاشى نبضي، أو يتناثر لحمي؟...هل يبوح بأسراري ومشاعري؟..هل سأفقد صوابي وهو يعبث في أخاديده؟.. قلبي المتيم بالحب كيف تتمزق أنسجته، ويمتلئ سحباً داكنة؟. رحت أطيل النظر، أستعيد حياتي، ما أن طفتُ فوق السحاب، أو اتخذت من البحر مركباً إلا وتدفقت، تتطاير شرراً، تلاحق أنفاسي، وترهق لهاثي، فأتوارى، أتدثر بدثار الخيبة، ثم أفيق، أستعيد أنفاسي. أيمم وجهي صوب ناصية القدر الأزلي، أرى الحياة مشهد بؤس، أو حطام ألم، لا يفقه لغتها سوى حكيم اعتزلها، أو عاشق هام في أرجائها.

ليست الحياة أنا وأنت، هي قلبي عندما يصغي لأهات المتعبين. ويواصل رحلته من أجل المعذبين... الحياة عتمة حينما ينطفئ نور قلبي، قاحلة يغزوها المتسولون. كم أرهقنا أنفسنا بحثا عن معنى يشدنا إليها، كى ندرك أنها وهم مالم تفض قلوبنا حباً. كم أخاف على قلبي، أخاف على نبضه المتدفق حيوية.. كيف يخبو.. ماذا سيفعل به ذاك السهم الذي باغته.؟.

على غير هدى تحرشت به، فشعرت بألم لذيذ، يراقص قلبي، لتنساب نوابته المتعبة فوق أوردتي، تحمل أكداس أهات اللحظة الأخيرة، تلك اللحظة التي تحطم فوقها غروري، فما عاد جميلاً بما يكفي.

كيف أستجمع قواي لاسترد أنفاسي، واستعيد الأمل الذي تبخر مع حرارة السهم؟... كيف أحتفظ بقلبي الذي تسكن إليه نجوم السماء.. أخذني الذهول حيث يشتهي، ولم أعد أعرف سوى الصمت، مذهولا تعصف بي الأوهام، فسمعت هاتفاً يقول: (الصمت أبلغ من أي كلام). فهدأت روحي، غير أن عيني لم تفارقه وهو يغور بعيداً في أحشائي، حتى إذا اختفى يئست مستسلماً، لولا بارقة حين شعرت به يتلبسني، ينسج من الفجر طيفاً ثملاً، وينثر الروح ياسميناً، ندىً فوق ذاكرتي لا يشبه العشق، لا يدانيه الحب، عرفت كل ذلك عندما خانني قلبي وأفشى إليه بسري.

من الكتب التي لفتت انتباهي والتي صدرت حديثا في هذا العام وأعتبرها إبداعاً متنوعا كتاب (يتهادى حلما) للأستاذ/ ماجد الغرباوي، فمن بداية الكتاب يستوقف الباحث أو القارئ ذلك الإهداء الذي به من الغموض ما يدفع القارئ إلى الانسياب إلى الصفحات التالية بدافع من اللاوعي، فالإهداء (إلى من أدمنها دمي ـ آهات تساقطت ـ فراحت تلملم جرحها) يُعد نصًا أدبيا في حد ذاته وكل جملة فيه تصلح لأن تكون عنوانًا أو مُفتتحًا لقصة قصيرة أو عمل أدبي مستقل.

قد يكون ذلك مرتبطا بالعنوان (يتهادى حلمًا) الذي أرى فيه من عناصر الجذب ما يروق لكل من يحمل قلبا قادرا على الإحساس بالجمال.

الكاتب من البداية يصرح بأن ما سيأتي في كتابه عبارة عن نصوص أدبية، وهنا يصر الكاتب على تحديد نوع الجمهور الذي يكتب له، فعاشق الأدب يختلف عن القارئ في أي مجالٍ آخر.

بعد ذلك نجد الكاتب يقسم الكتاب من حيث القالب الأدبي إلى قسمين رئيسين:

 القسم الأول هو قسم (قصص قصيرة) وهو الذي تندرج تحته مجموعة من القصص القصيرة الرائعة المعبرة عن نفس الكاتب وامتزاجها بالحياة والواقع، وهي تسع قصص استوقفتني منها قصة (تمرُّد) والتي تعبر عن حالة خاصة تفوح منها رائحة ذكريات مريرة تتجمع لتكوّن ذلك المخلوق المعذب الذي حاول أن يتناسى عذابات تلك الذكريات، ولكنها تأبى إلا أن تأتيه وهو في البرزخ بين النوم واليقظة – أو قُل- بين الواقع والخيال.

أرى أن الكاتب جعل تلك الأشلاء تدور في صورة دوائر، والدائرة السابعة لها نظام مختلف في حركته عن باقي الدوائر، ويعود ذلك في رأيي إلى أن تلك الدائرة السابعة والأخيرة هي السبب في العذابات التي يعانيها أو على الأقل هي القشة التي قصمت ظهر البعير وتسببت في إحداث ما أسميه بفوضى الأشلاء، والدليل على ذلك الثقل الذي تميزت به حركة تلك الدائرة وإحساسه بثقل جسده حين يقترب منها مما يقوده إلى النهاية الحتمية وهي التعرف على تلك الأشلاء حيث يدرك أنها أشلاؤه، فيصرخ في عمق الليل.

وقد استخدم الكاتب بعض الألفاظ المناسبة للحالة الشعورية التي يمر بها والتي تعبر عن نفس ممزقة منها مثلا (المتعبة – أشلاء – دموية – غاضبا – الذابلة – مجهول – ظلمة – الليل - ....) والتي استطاع ببراعة أدبية أن يوظفها فيما يخدم السياق الأدبي للقصة.

القسم الثاني: وهو (نصوص نثرية) تندرج تحته مجموعة من القصائد النثرية التي تفوح بعبقرية الإحساس المعبر عن حالات شعورية مختلفة .

أعتقد أن الكاتب من البداية قرر أن يسميها (نصوص نثرية) دون أن يستخدم لفظ (قصائد) أو (أشعار) تجنبًا للخلاف النقدي القائم في واقعنا العربي الأدبي حول القصيدة النثرية واختلاف البعض في تسميتها أو حتى الاعتراف بها من قِبَل المحافظين المتعصبين.

لكني من منظور نقدي محايد أرى أن ما تم جمعه من نصوص نثرية بلغ من الاحترافية الإبداعية الراقية ما يستدعي منا التدبر في بعض تلك النصوص.

لقد استوقفني نص (شظايا)، والذي يعبر مدلول عنوانه عن فكرة قريبة من قصة (أشلاء) التي تحدثت عنها سابقًا، ولكن الأمر مختلف بعض الشيء.

نجد الكاتب يجعل الكلمات كالجبل الذي له سفح، نجده أيضا يجعل للشفق أحشاء، وبطبيعة الحال تلك الصور أثرت النص وأظهرت جماله المكنون.

في رأيي أن استخدام الرمز (تمثالك الخشبي) واستخدام الأسطورة في قوله (موناليزا) قد أسهم في جعل النص يميل إلى التوغل في أعماق نفس القارئ وذلك حيث تميل النفس إلى الرموز والأساطير.

أخيرًا استخدم الكاتب ما يسمى بـ (التناص) أو بأسلوب أوضح (التضمين) حين لجأ إلى القرآن الكريم في نهاية النص (صم بكم فهم لا يعقلون) وإن كان التناص غير مكتمل فلم يورد الآية (صم بكم عمي فهم لا يعقلون) إلا أنه عبر عن المدلول الذي يرمي إليه.

وختاما .. الكتاب من اصدار مؤسسة المثقف – استراليا ، نشر وتوزيع شركة العارف للأعمال بيروت لبنان.

ويعد ذلك الكتاب من الكتب الثرية التي تضيف جديدًا إلى المكتبة العربية، وتحرك ببراعة ما ركد من تيار الثقافة العربية المعاصرة .

***

شاعر، عضو نادي أدب سوهاج

....................

* المقالة النقدية منشورة أيضا في صحيفة منبر الحرية المصرية يوم 6/8/2025

لماجد الغرباوي

صدر حديثا عن مؤسسة المثقف العربي ودار العارف النسخة الإنكليزية من "يتهادى حلما" لماجد الغرباوي، بترجمة كل من الدكتور بهجت عباس والأستاذة الدكتورة إنعام الهاشمي.

يضع هذا الكتاب الصغير (27ص) أمامنا مجموعتين مختلفتين من النصوص الأدبية. وكما عودنا الغرباوي عبر خمسة عشر مجلدا ناقش فيها مشاكل تجديد وعصرنة العقل العربي،  يحرص في هذه الزمرة من النصوص (أشعار وقصة واحدة) مخاطبة مسائل حرجة - وبالأساس الخيال وعلاقته بالواقع. على سبيل المثال في قصيدة "همسات لاهثة" يصور وضعية الإنسان المفرد وهو يتخبط داخل إحراجات واقعه. لكنه في "شظايا" يبحث عن السبل التي يؤثر بها الواقع والمجتمع وسياقه بحياته العقلية والنفسية، وهذا أيضا هو موضوع نصه الأخير وهو قصة "تمرد".

وأحد أهم الجوانب في هذه الكتابات أنها جاءت في سياق مشروع تحديث الأنواع. فقد حاولت أن تلغي الحدود بين أسلوب الحكاية المروية والشعر المكتوب، وأن تفهم المشاعر بواسطة المشاعر، وقد برز هذا التيار في الستينات على يد جمعة اللامي في العراق، وتوفيق يوسف عواد في لبنان (انظر كتابه المبكر والنوعي "عذارى" والذي صدر عام 1944 بعد خمس سنوات من روايته "الرغيف". وهي علامة بارزة في تاريخ الواقعية الجديدة -  أو الحرة.

ثانيا سيلاحظ قارئ الغرباوي غياب الشخصيات وسيطرة الأصوات (لا بالمعنى الذي أسس له جبرا ولكن بالمعنى الذي بلوره كل من فرجينيا وولف وفولكنر وعرّبته غادة السمان). فهي غالبا أصوات حزينة ومعزولة، وتعبر موضوعيا عن قنوط الأفراد وهم يكافحون ضد مجموعة من المعوقات والموانع.  ويتضح هذا الاتجاه في كتابات ما نسميه جيل الهزيمة، أو باختصار جيل "البيت Beat " الذي أشعلت شرارته حرب عام 1967 - ابتداء من زكريا تامر وحتى إدوار الخراط.

ثالثا يضع الغرباوي قراءه أمام حالة اغتراب قسري عن الواقع الخارجي، ويتلازم ذلك أيضا مع التزام غير اختياري بالظروف والقانون الوضعي الناجم عنها. وعليه تتبنى معظم كتاباته نبرة إما هي مجزأة وغامضة أو هذائية وشيزوفرانية.

وبالطبع إن كل هذه المواصفات والمعايير لم يكن من المقدر متابعتها إلا من خلال عين وأسلوب المترجمين الأفاضل. واتسمت الترجمات بالإيقاع السريع الذي يتلاءم مع المرحلة الحالية والحديثة من حياتنا. فالجمل قصيرة، ومتتالية، ومع قليل من أسماء الوصل وأدوات التعريف والتنكير. وتقدم الصياغة الإنكليزية إلماعات لافتة للانتباه أو الأدق أن نقول "متحورات"، مثل عبارة " in echo flutter kidnaps" عوضا عن الصيغة المتعارف عليها "in echo flutter kidnapping"  وهو ما قد يتوقعه المتكلم باللسان الإنكليزي. وبنتيجة هذه اللمسات الخفيفة والرشيقة تتبلور التراكيب اللغوية ويتكون المجاز الشعري الموازي كما نلاحظ في أعمال الشاعر الرمز والاس ستيفنز. ولا شك أن هذه الترجمات تبدو مناسبة للمضمون التجريدي الذي اتبعه كاتب ممزق وحائر بين التزاماته الإنسانية والواقع المفروض عليه بالقوة والعنف والإكراه.

***

صالح الرزوق / أبو ظبي

سكوت ماينار / جامعة أوهايو في لانكستر

........................

Notes on “He Waddles Dreamily” by Majed al-Gharabawi

Saleh Razzouk with Scott Minar

***

The Arab Intellectual Foundation and Dar al-Aref recently published " He Waddles Dreamily" by   Majed al-Gharbawi, in translation by   Dr. Bahjat Abbas and Dr. Inaam al-Hashimi.

The chapbook presents a collection of two different literary texts. As al-Gharabawi has accustomed us to in more than fifteen volumes in which he discusses renewal and stagnation in the Arab mind, these poems address critical issues - such as the imagination and its relationship to reality. For example, in “Breathless Whispers,” the poet explains the position of human beings inside their realities, while in “Splinters” he explores the ways in which mental or psychological life are affected by reality and social influences or contexts, which constitute the subjects of his last piece, “Rebellion.”

One of the most interesting and notable aspects of these writings is that they come within the context of a genre-modernizing project. They attempt to erase the boundaries between storytelling and poetry, and to interpret emotions through emotions, a movement that emerged in the 1960s with Jumaa al-Lami in Iraq and Tawfiq Yusif Awad in Lebanon.

Secondly, al-Gharabawi’s readers will notice the absence of characters in favor of the prominence of voices. These are often sad and lonely voices. They objectively express the despair of individuals as they struggle against a set of restrictions and constraints. This trend was apparent in the writings of what we call the Generation of Defeat or, in short, the Beat Generation of the 1960s and beyond — from Zakaria Tamer to Edwar al-Kharrat.

Thirdly, al-Gharabawi presents his readers with a detachment from external reality paired with an adherence to circumstances and the canon they produce. Therefore, much of this writing adopts a tone that is either fragmented and vague or delusional and schizophrenic.

All of these features are, of course, seen through the work of al-Gharabawi’s translators.  The translations are characterized by a rapid pace appropriate to the modern era. The sentences are short, consecutive, with few articles or relative pronouns. The English phrasing presents interesting flares or adaptations, such as "in echo flutter kidnaps" instead of the more conventional "in echo flutter kidnapping” readers might expect.  The result of these gestures is an articulation of language and poetic complexity like the one we might observe in the work of Wallace Stevens. The translations seem well adapted to the figurative language of a writer torn between his obligations and the reality imposed upon him by force, power, and coercion.

الى الاستاذ ماجد الغرباوي بمناسبة صدور كتابه الجديد (يتهادى حلماً)

أمْلت عليَّ طبيعة دراستي العلمية وحياتي العملية اعطاء اعتبارٍ مهم لتطور العلم والمعرفة، وافساح مجال كبير له في طريقة تفكيري. ولما كنت قبل التحاقي بالجامعة، قد نشأت بين مقالات والدي ومؤلفاته الأدبية ودواوين الشعر، وكتب النقد الأدبي، ومعاجم اللغة. فقد صرت اتقبل التطور التقني الذي مر بالكتاب الورقي، الذي لا زلت اعيش شعوراً حياً وانا اتصفحه، فقراءتي له وهو بين يدي، ليست كقراءتي له وهو امام عيني على شاشة حاسوب المكتب. كنت اذا مرّ بي كتاب مهم حفظته في ذاكرة الحاسوب ورحت اعلل النفس بانتظار فرصة حصولي على نسخة ورقية منه كي اقرأه. كانت كتب ومؤلفات الباحث في الفكر الاسلامي الاستاذ ماجد الغرباوي من بين الكتب التي امني نفسي بالحصول على نسخ ورقية منها بعد ان ارسل لي الاستاذ المفكر ماجد الغرباوي مشكوراً، روابط تحميل بعضها. لكن خبر صدور كتابه الجديد (يتهادى حلماً) بمنحاه الأدبي كان ساراً لإختلاف مضمونه عن الإنطباع الذي تكون عندي حين ارسلت عيوني لاستطلاع عنوانات كتبه. موضع سروري هو ملاحظة كانت قد تأتت لي عن العلاقة بين الابداع الأدبي والعمل الفكري في اعمال بعض الكتاب، ولكي لا تقتصر مباركتي للإستاذ ماجد الغرباوي على بضع كلمات، رأيت ان تكون مصحوبة بالحديث عن هذه العلاقة التي لاحظتها من خلال قراءتي لإنتاجات كتاب وادباء تناولوا قضايا مثل الدين في اعمالهم، منهم في العصر الحديث على سبيل المثال الكاتب عباس محمود العقاد في كتابه " ابو الشهداء " والمنفلوطي في كتبه " النظرات" و " العبرات "، ومن العصر العباسي الجاحظ في كتابه " البيان والتبيين" وابن المقفع في كتبه "الادب الصغير" و "الادب الكبير" وغيرهم كثير..138 majed algharbawi

بعض المعنيين بالشأن الثقافي عدّوا هذه العلاقة من قبيل الترف الثقافي، وبعضهم عدّها سياحة او استراحة ضرورية للمفكر، ورأي ثالث عدّ تنوع مباحث الكاتب المثقف ومجالات كتاباته امراً طبيعياً. ولكي لا يفوتني الوقت الملائم للتهنئة وليس بين يدي من كتب الغرباوي الورقية ما اجالسه بحثاً عما يدعم مذهبي، فقد لذت بكتاب كان قد اهدانيه متفضلاً صديقي الرائع الدكتور صالح الطائي عنوانه (الإلهي والبشري والدين التراثي) وهو رؤية نقدية للدكتور صالح الطائي في المشروع الفكري للاستاذ ماجد الغرباوي. ينقل الدكتور الطائي عن الاستاذ الغرباوي قوله (يعتقد الباحث الديني انه حيادي ويمارس كامل حريته في نقد وتفكيك النصوص المقدسة، لكن الحقيقة ان صفته الدينية تفرض عليه التحيز بشكل تقتصر قراءته على التأويل والشرح والبيان دون النقد، فيخضع لا شعورياً لسلطة النص وقدسيته باعتباره مطلقاً).

يقول الدكتور صالح الطائي في تعقيبه على قول الاستاذ الغرباوي (قد تكون هذه اولى نقاط ومحطات خلافي الفكري معه، إذ لو صح ما قاله حرفياً، وانطبق وصفياً على الجميع، فإنه لن يبرئه من اتهام نفسه وحتماً هو أيضاً يعتقد بأنه حيادي ويمارس كامل حريته في نقد وتفكيك المناهج الإسلامية..) ويرى الدكتور الطائي ان (التحيز جزء من التكوين الذاتي للنفس البشرية..). انا اتفق معهما فيما ذهبا اليه وان كانا يختلفان بينهما كما رأى الدكتور الطائي. موضع اتفاقي معهما مصدره انني ارى ان ثمة علاقة بين الابداع الأدبي والمشروع الفكري. علاقة هي اكبر من مجرد اعتبار الابداع الادبي نشاطا ثقافيا يضاف الى اعمال الكاتب الفكرية، من شأنه تعزيز ثقة القارئ بالمحتوى الفكري للكاتب واطمئنانه اليه، أو من شأنه ان يسهم في إذاعة صيت الكاتب. وجدت في تلك العلاقة نقطة ارتكاز لها من الاهمية ما نستطيع من خلالها اكتشاف مقدار درجة اتزان شخصية الكاتب في جوانبها العقلية والنفسية والاخلاقية والسلوكية والعاطفية عبر كتاباته. فمن شأن ملكة الأدب ان تحفظ المفكر من الوقوع في فخ التعصب او الانحياز او التطرف بناءً على مساحة الابداع الأدبي التي يشتغل عليها. إذ يستطيع الابداع الأدبي ان يحفظ حيادية وانتاجية العمل الفكري، لأن الأدب يشتمل على معاني الفن والأخلاق والجمال، ومن ادرك عمق معاني هذه المفاهيم امتنع او حاول جاهداً الامتناع من الوقوع في التعصب والتطرف والغلو مع قدرته على الوقوع فيها.

وفي كتب الدكتور صالح الطائي التي قرأتها في الفكر الإسلامي شاهد على ذلك، فهو شاعر ومفكر. وفي القراءة النقدية التي قدمها الدكتور الطائي عن المشروع الفكري للاستاذ الغرباوي في كتابه الذي اشرت اليه، شاهد على ذلك ايضاً.

***

د. عدي عدنان البلداوي

 

ـ مدخل تمهيدي: من الأبجديات العلمية والأدبية التي درجت عليها المنهجيات الحديثة، التعريف بمنطلقات النص المفاهيمية. وبما أن النص هنا، يتناول "الاشتباك النقدي الديني المعرفي في الفكر الإسلامي" متكئًا على المفكر ماجد الغرباوي نموذجاً، سيحدد هذا المفهوم إجمالا الذي ينطلق منه النص في هذه الورقة ومتعلقاته، لكي نكتشف مدى اشتباك ماجد الغرباوي مع النص الديني، وقبل ذلك لابد من بدء يمهد لتحديده:

ـ بدء:

منذ انطلاق قول الشرح والحاشية على هامش النص الديني الأصلي، انفتح الفكر الإسلامي على مسرح الحوار الفكري والتداول المعرفي، إما بالصمت المفروض أو الرقابة الذاتية أو المؤسساتية القمعية، أو الجدل الفكري بمعنى النقاش والتحاور والمقاربة العقلانية المبنية على الأسس العلمية والمنطقية والنقدية، أو السجال الفكري الذي يحمل راهناً شحنة صراع قد تصل إلى الإلغاء الفكري، أو الائتلاف والمرونة الفكرية التي تستوعب إرادة الاشتراك، أو الاختلاف الذي يقبل بالرأي الآخر واحترامه، أو خلاف تضاد وتباين آراء ومواقف وتأويلات في أفق إقصائي. والخلاف أصلا هو الذهاب في الاتجاه المعاكس من المنطلق.

فشكل هذا الانفتاح ما يسمى في الأدبيات النقدية "الاشتباك النقدي المعرفي"، وهو في المجال الديني ليس اشتباك سجال فقهي أو كلامي، وإنما هو لحظة وعي ديني تأويلي واحتكاك عقلاني نقدي مع النصوص الدينية وتأويلات أصلها. كما هو اشتباك معرفي أو عملي مع السلطة الدينية والسياسية في نفس الوقت. وقد ظهر هذا الاشتباك في مراحل متقدمة من التاريخ الإسلامي ومتعددة، وتمظهر بجهود وعطاءات فكرية جليلة ومقدرة من جملة أعلام المسلمين الفكرية أقبلت على إعادة قراءة الدين نقديا من الداخل، أو تفكيك بنياته العقدية، والشعائرية، والفقهية القانونية أو البنية التشريعية، والقيمية/الأخلاقية/الإنسانية، والرمزية اللغوية، والتاريخية، والاجتماعية، المعرفية التأويلية من منظور نقدي عقلاني. هذه البنيات التي ما فتئت تكون مسرحا دائما للقراءة والصراع المعرفي.

ـ في مفهوم الاشتباك النقدي المعرفي:

يراد بالاشتباك النقدي المعرفي في هذه الورقة تساوقا مع بدئها: ذلك الجهد الفكري الكبير التفكيكي للبنى المعرفية التقليدية، ومساءلة مسلماتها العقدية والفقهية والقيمية والاجتماعية الذي يقدمه مفكر أو تيار فكري أو مدرسة عقائدية داخل الحقل الإسلامي لتوعية العقل المسلم الفردي والجمعي، وتصحيح مغالطاته وأخطائه والاستفادة من إيجابياته، بتوظيف مناهج علمية وأدوات معرفية ممتاحة من العقل والمنطق والتأويل والسياق التاريخي.

ويقع هذا الاشتباك داخل النسق الديني لا خارجه بحكم الضرورة المعرفية والمنهجية ومعطيات النسق المعرفية التي تشكل وحدة متكاملة داخليًّا ومنفتحة على الخارج في إطار نظرية العلاقات بين الأنساق. فيخلخل قواعد النسق باستيعاب واحتواء المفاهيم، والنظريات، والنماذج، والاختلافات أو الرؤى المتعددة توسعة لدوائر التأويل واستيعاباً لمقولاتها، وفي المقابل كشفا لآليات السلطة الكامنة والمتضمنة والمستترة فيه.

ـ في قوام الاشتباك النقدي المعرفي في الفكر الإسلامي:

يقوم قوامه على مرتكزات أساسية منها:

ـ العقل التأويلي: يرتكز الاشتباك النقدي المعرفي على تأويل النصوص بعيدا عن الحرفية أو الظاهرية أو النصوصية، بقراءتها من جديد أو إعادة قراءتها في ضوء السياق التاريخي والاجتماعي المؤسس أو المستمر؛ لكشف المعاني وظلالها المتوارية خلف ظاهر النص.

ـ نقد السلطة التأويلية: ينطلق الاشتباك النقدي المعرفي أصلا من مبدأ الشك في شرعية امتلاك الفقيه، أو المفسر التقليدي للنص الديني وحيدًا الحقيقة المطلقة؛ مطالباً بإعادة توزيع السلطة التأويلية لصالح العقل الفردي الحر والمستقل ذاتا عارفة تمتلك حق القراءة والتأويل.

ـ التحليل التاريخي: قراءة المفاهيم والأفكار الدينية فهما لتطورها، يرتكز فيه الاشتباك النقدي المعرفي على تبني البعد التاريخي، الذي يمنع المعنى الأصلي للنص الديني، ويفتحه على التأويل والواقع باستمرار الخط الزمني للحياة، بما يحرره من الجمود إلى التجدد. فقراءة معنى مفاهيم من قبيل: الخلافة، الشورى، الإمامة، والعصمة ... تتطلب مثلا استحضار المعطى التاريخي في معرفة وفهم إنتاج مقولتها في عصر ما دون آخر، وإمكانيات تجديدها وفق الواقع المعيش في كل عصر ومعطياته ومتطلبات حتى يتم فصلها عن صيغتها المقدسة التي تجمدها في دلالات معجمية واصطلاحية وتطبيقية غير قابلة للنقد أو المراجعة الفكرية. ما يفضي إلى قطيعة الماضي لواقع الحاضر.

ـ تفكيك الخطاب العقدي الموروث: الاشتباك النقدي المعرفي يسائل التصورات الدينية الكبرى كالألوهية، والنبوة، والمعجزة، والغيب، والبعث، والجزاء والعقاب، والخير والشر، والطاعة لا بنيات عقدية فحسب، وإنما بنى رمزية نسقية من المعاني والصور والتأويلات، تعتمد للضبط الاجتماعي والسياسي، ومرجعا أعلى للمعنى والقيم والتوجيه، بتوغلها في الوعي الجمعي معيارا للسلوك والانتماء. وتحويلها إلى نصوص مقدسة وأقوال منسوبة للوحي، ما يضفي عليها القداسة والحصانة من النقد. ويستكشف في مساءلته التصورات الدينية الكبرى ما حملت أو احتوت من تضمينات إبستيمولوجية دينية وسلطوية فقهية وسياسية ترتبط فيما بينها لتشكل قناعات المؤمن في العيش ضمن مجتمعه، وقبوله للواقع بكل معطياته اندماجا وتكيفا. وتحويلها إلى نصوص مقدسة وأقوال منسوبة للوحي، ما يضفي عليها القداسة والحصانة من النقد. فمثلا: تحول الخلافة من مشروع ديني روحي إلى بنية رمزية تبرر وجود أنظمة سياسية تفرض نفسها باسم الدين، وتبرير الاستبداد، والطاعة العمياء بعدم الخروج عن الخليفة ولي الأمر. مقدسات لا أصل لقدسيتها سوى انتمائها للدين!

ـ الجرأة الأدبية المعرفية: بما تعني من قدرة على كسر التقاليد السائدة في المعرفة والبحث والكتابة والقول، من حيث التعبير الحر والمستقل، وغير المألوف عن الأفكار الحساسة، أو عن المسكوت عنه، وطرح ما يخالف الأعراف والتقاليد الدينية والاجتماعية والثقافية ... بجانب تقديم تصورات نقدية متقدمة، بلغة أدبية جمالية راقية تنأى بنفسها عن التهجم والتهكم، لكنها لا تتنازل بالمطلق عن الصراحة والعمق. يتميز بها الاشتباك النقدي المعرفي في مساءلة المقدسات والسلطة، وفك تشبيكها بالنص المقدس الأصلي، وتحرير الإنسان من سطوتها واحتكارها، عبر محاولة تخليص النص من هيمنة التأويل السلطوي الذي يفرض بالانتماء لمقدس الدين، أو يفرض بالسلطة الفقهية والسياسية.

ـ في نماذج من الأعلام في الاشتباك النقدي المعرفي:

يتضمن تاريخ الفكر الإسلامي مجموعة من رواد الاشتباك النقدي المعرفي على مدى عصوره، لا يمكن استيعابهم في لحظة مقالية ضيقة. لذا، سيكون المثال للمثال فقط ببعضهم من خلال حقب تاريخية تعرب عنها الأسماء:

ـ أبو حيان التوحيدي:

أبو حيان التوحيدي قدم نموذج المفكر المشاكس المهمش، الذي خاض معركته مع النفاق الثقافي والديني في زمانه نقدًا واسعا، كاشفا تناقض الخطاب للممارسة، مستمسكا بمواجهة الخطابات السلطوية باسم الدين أو الفلسفة.

ـ ابن رشد:

اشتبك نقدياً بالعقل مع الفقهاء والمتكلمين، مدافعا عن وفاق الفلسفة بالدين، من أساس تأويلي عقلي، باعتبار الشريعة الحقة لا تناهض ولا تناقض العقل البرهاني.

ـ جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده:

معركة اشتباكهما النقدي المعرفي كانت مع الفكر السلفي والجمود الفقهي، بالدعوة إلى الاجتهاد والتجديد وإعمال العقل، وإلى إصلاح ديني ينهض بالأمة في سياق مقاومة الاستعمار والتخلف والجهل.

ـ محمد أركون:

في اشتباكه النقدي المعرفي للفكر الديني قدم مشروعا متكاملا لإعادة قراءة الإسلام وفهمه من منظور أنثروبولوجي وتاريخي ولساني، ساعيا لـ "إزالة الأسطرة" عن النصوص الدينية، في تمييز واضح بين "القول الديني" و"الظاهرة الدينية"، وهو ما ذهب إليه معظم النقاد الدينيين المعاصرين.

ـ عبد الجبار الرفاعي وماجد الغرباوي:

يمثل كلاهما موجة فكرية التنويرية معاصرة في نقد بنية الفكر الديني، عبر محاولة تحرير العقل الديني من القداسة، والعنف، والتسلط، والأسطرة بتفكيك آليات الهيمنة الكامنة في التراث الديني والتأويل الفقهي والتفسيري التقليدي.

ويبقى الاشتباك النقدي المعرفي في الفكر الإسلامي جهد ترميم وتجديد وتطوير، وليس جهدًا أو حركة تدمير! يعيد للدين والديني روحاهما الأخلاقية والقيمية والواقعية، ويحررهما من قيود المذهبية والمؤسسات السلطوية. وهو اشتباك مشروع نهضوي، يقوم على النقد شرطا أساسيا للفهم والانطلاق، ومن العقل صديق سبيل الإيمان، في مسيرة جادة ومسؤولة نحو دين إسلامي حي متقد بروح الواقع والعصر، متجدد بهما يعانق الإنسان وحريته وكرامته.

وبما أن ماجد الغرباوي من أبرز المفكرين المعاصرين المشاكسين للديني، الذي اشتبك نقدياً ومعرفيًّا مع النص الديني من موقع نقدي مستقل تحرري تنويري. ومقولاته الدينية النقدية المتضمنة في مشروعه التنويري، من نفيه فوقية النص الديني ومثاليته المتعالية، واعتباره بناء ثقافياً وتاريخياً، تشابكت فيه الأبعاد العقدية بالتاريخية، والسياسية باللاهوتية قابلا للنقد، بما يؤدي إلى تحرير العقل المسلم من سطوة التأويلات التراثية، التي وطنت الاستبداد بتلويناته المتنوعة تحت عنوان الدين.

انطلاقا من هذه المشاكسة النقدية، ترى إلى أي حد فعلا كان ماجد الغرباوي ناقدا دينيا مشاكسا للديني؟ ومن علامة الاستفهام هذه؛ نقترب من مقاربته عبر محاولة تحديد مفاهيمه، واستكشاف مبادئه النقدية، وتحليل نماذج من اشتغاله على المنتوج الديني الإسلامي، وصولا إلى خاتمة تسائل مشروعه من منظور "نقد النقد الديني". لفتحه على آفاق واعدة، بشكل رمزي دلالي لا تفصيلي.

1 ـ المحددات المفاهيمية لفكر الغرباوي:

من المحددات المفاهيمية نقف على:

ـ النقد الديني: بمفهوم فحص المنتج الفكري تبيانا له، لا بمفهوم رفض للدين كما يعتقد البعض أو يريد اعتقاده لقصدية ما. ومنه فالنقد الديني عنده مساءلة نقدية معرفية لمنتوج العقل المسلم، لفهمه وتفسيره للنصوص الدينية. فالنقد الديني عند مفكرنا التنويري مساءلة للتراث العقدي والفقهي للفكر الإسلامي، بما هو حاملا لبنيات اجتماعية وثقافية وسلطوية.

ـ المقدس: لا يبأر ماجد الغرباوي مجهر نقدي على "قدسية النص المقدس في ذاتها"، وإنما يبأرها على "سلطة المقدس"؛ بمعنى الكيفية التي تم بها تأويل النص وتوظيفه لإنتاج هيمنة رمزية واجتماعية وثقافية

ــ التراث الإسلامي: عند ماجد الغرباوي يتموضع التراث الإسلامي نتاجا ثقافيا تاريخيا قابلا للمقاربة النقدية، وليس حقيقة مطلقة. بما يخضعه للظروف التاريخية والسياسية التي أنتجته. وعليه تقتضي مقاربته تشريحه وتفكيكه لا تمجيده وتقديسه.

ـ السلطة: سواء كانت سياسية أو مذهبية أو أيديولوجية يشتبك ماجد الغرباوي معها لكون المتحكم الرئيس في مسارات التأويل وتوجيه الفهم الديني في الاتجاه والتوجه المطلوب.

2 ـ المبادئ النقدية في مشروع الغرباوي:

ـ منهج التأويل التاريخي: يتبنى ماجد الغرباوي المنهج التأويلي التاريخي في مقاربة النص الديني وفهمه، وينأى عن الحرفية والظاهرية والنصوصية؛ فهو يجد وجوب فهم النصوص في سياقاتها الزمانية والمكانية والحدثية، وإسقاطها على حاضرنا دون وعي تاريخي يخلق إشكالات معرفية وفكرية وفقهية خطيرة. كمسألة المرأة، والمختلف الرديف أو النظير، والإسلام السياسي ...

ـ تحرير العقل من مركزية الفقيه: ينتقد ماجد الغرباوي في مشروعه ما يسمى بـ"الاحتكار الفقهي" للتأويل، مطالبا بإعادة الاعتبار للعقل المسلم مصدرا تأويليا نقديا، يغطي مساحات كبيرة من الفراغ القولي الديني.

ـ فك الارتباط بين الديني والسياسي: من المبادئ الأساسية في مشروع ماجد الغرباوي النقدي التنويري فك هذا الارتباط المحكم البرغماتي. فاختلاط الدين بالسلطة السياسية أدى من وجهة نظره ـ وهو صادق في ذلك ـ إلى تشويه الخطاب الديني، وتحويله إلى أداة تجهيل وتزييف الوعي وتجميد فضلا عن تسلط وقمع وإقصاء.

ـ نقد البنية الميثولوجية للتفسير: التي تخامرها "الأسطرة" بما هي نظام من القصص الرمزية التي تحكي عن الآلهة، والأبطال، وبداية الكون، والموت، والمقدس، وتفسر الظواهر الطبيعية، والقيم الاجتماعية، والطقوس الدينية بطريقة رمزية. مما تحمله تفسيرات وشروح النص المقدس التراثية، كالإسرائيليات والمختلقات والموضوعات. فهو يقوم بتفكيكها وتشريحها بمشرط النقد الديني، وإعادة بناء التراث الديني على حقائق علمية ومنطقية. وبذلك يفكك الخطاب التقليدي ويعاد بناء فهم ديني جديد للنص الديني، ينطلق أساسا من القيم الأخلاقية العليا للدين، لا من منطلقات المؤسسات السلطوية.

3 ـ نماذج من اشتغاله النقدي على التراث الديني:

ـ نقد علم الرجال وأسانيد الحديث:

يذهب ماجد الغرباوي إلى القول إن "علم الرجال" كان أداة إقصاء سياسي طائفي، استخدمت من قبل السلطة الدينية والسياسية في إقصاء معارضي السلطة أو المدرسة المذهبية. مما يقترح معه ضرورة المراجعة المعيارية لهذا العلم على أسس عقلانية ومعرفية وليس مذهبية، لكي يحميه من التحيز، ويخرجه من الذاتية إلى الموضوعية. فالقول "لحوم العلماء مسمومة" يدل على ما في علم الرجال من مقولات ذات، فهي مقولة ذاتية لا موضوعية.

ـ تفكيك النسق الفقهي الذكوري:

ينتقد ماجد الغرباوي الفقه التقليدي لتكريسه دونية المرأة باسم النص الديني والتفسير الأحادي. مؤكدا أن جملة من الأحكام الفقهية شيدت على أعراف وتقاليد قبلية، وتفسيرات سلطوية، لا على جوهر الرسالة الإسلامية وروحها، ونزعتها نحو تحقيق إنسانية الإنسان.

ـ تحليل ظاهرة العصمة والإمامة:

يحلل ماجد الغرباوي نقديا عقيدتي العصمة والإمامة ضمن السياق السياسي والتاريخي الشيعي، موضحا عدم نشأتها معطى دينيا خالصا، بمعنى نشوئها من خارج النص العقدي الديني لا كالصلاة أو الصوم الناشئ بطبيعته الدينية، وإنما هي مفاهيم بنيت وسيلة لتبرير السلطة وإنتاج شرعية دينية للإمام والفقيه.

ـ الدين والمجتمع المدني:

انطلاقا من تاريخية النص الديني التي توافق معطى الواقع في كل عصر ومرحلة، أجد ماجد الغرباوي يؤمن بعدم تناقض الدين والمجتمع المدني، بل الدين لب هذا المجتمع، حيث يفهم المجتمع المدني في إطار الدين تحت ضوء قيمه الإنسانية المحتضنة للاختلاف النوعي. والداعية إلى التعايش والتعارف بين مكوناته. وبذلك وجدته من دعاة علمنة التأويل الديني لا علمنة الدين.

فتنوير العقل البشري وتحريره من القيود بالحوار مع الآخر المختلف أو النظير، وممارسة النقد بأسلوب عقلاني حضاري لأجل تقارب الأفكار بين الرأي والرأي المختلف والمخالف في ظل صراعات متنوعة دائرة حاليا نتيجة الانتكاسة الغربية في القيم التي تجلت مع القضية الفلسطينية وطوفان الأقصى، حتى بتنا نلمس تحيز مفكرين غربيين للقتل والإبادة الجماعية بشتى الوسائل.

4 ـ نحو آفاق جديدة في مشروع ماجد الغرباوي النقدي:

مشروع ماجد الغرباوي النقدي في جوهره مشروع تنويري وتحرري للفكري والروح، ينفتح على آفاق واعدة، تؤطره بعض العلامات الاستفهامية من قبيل:

ـ الاغتراب الديني للمجتمعات الإسلامية، سواء بارتداد للماضي، أو باستمراره في الحاضر، أو بمفارقة الماضي عن الحاضر. أيكفي فيه المنهج التأويلي التاريخي لتجاوزه، أم يتطلب ذلك مشروعا اجتماعيا ثقافيا أوسع؟

ـ هل تشريح وتفكيك السلطة التأويلية التقليدية كاف بدرجة كبيرة، أم يجب بناء سلطة معرفية جديدة تتجاوز الفردية النخبوية والمؤسسة المتعالية والسلطة المتسلطة؟

ـ بناء على واقع الحال وما يؤول إليه كل يوم من تردٍّ، هل يستطيع الفكر النقدي الديني أن يحدث أثرًا عظيماً وكبيرا وعقلانيا في مجتمعاتنا التي مازلت لم تبرح القداسة والأسطرة، وتجرم النقد الديني باسم الدين والأسطورة والقداسة؟

ـ في ظل عقل خرافي، أيمكن للفكر التنويري بأسئلته النقدية أن يؤسس للحداثة، ويعيد أنسنة الإنسان؟ أم يستدعي ذلك العمل على بناء عقل علمي من جديد؟

ـ هل يمكن لمشروع ماجد الغرباوي النقدي تجسير الفكر الديني التقليدي والفكر الديني الحداثي من أجل تخليق إصلاح ديني شامل؟ أم سيظل مشروعه صوتا نقديا مبحوحا على هامش البنية المهيمنة في الفكر الإسلامي، وفي المجتمعات الإسلامية؟

مجرد أسئلة للمستقبل، قد تشق طريقها للتداول أم تنكفئ على نفسها صدى كلمات ...

ـ إلى الختم:

مشروع ماجد الغرباوي لا يمثل مجرد نقد ديني فحسب، وإنما مشروعا تحرريا للوعي الديني، يتعامل مع الدين كخطاب وبنية وسلطة لا كعقيدة فقط. إن مشروعه يطرح سؤال الأنسنة والحرية قبل سؤال الإيمان، ويمركز تحرير الإنسان غاية كبرى في جوهر كل تأويل. وتبقى آفاق المساءلة في مشروعه مفتوحة، وحتمية لاستمرارية دينامية الفكر الديني، بما يجنب الفكر الإسلامي التنويري إعادة إنتاج صيغ جديدة للمركزية التأويلية باسم التنوير نفسه.

وبالتالي تجدني أقف على الاشتباك النقدي المعرفي في مشروع ماجد الغرباوي النقدي من خلال مقاربته النقدية لجملة القضايا والإشكاليات الدينية، حيث خصص لبعضها كتبا مستقلة كتحرير الوعي الديني، والعنف والاستبداد، وإخفاقات الوعي الديني، وقضية المرأة ... وكل قراءة أو نظرة عقلية في منجزه الفكري تقبل إمكانية النقد.

***

عبد العزيز قريش - باحث مغربي

....................

نقلا عن موقع مؤمنون بلا حدود يوم: 21/5/2025م.

https://www.mominoun.com/articles/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B4%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D9%83-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%AF%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A-%D9%85%D8%A7%D8%AC%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D8%A7%D9%88%D9%8A-%D9%86%D9%85%D9%88%D8%B0%D8%AC%D8%A7-9885

قراءة تأملية تحليلية في كتاب "النص وسؤال الحقيقة" للمفكر الأستاذ ماجد الغرباوي

ابتداء: ما إن أتممت قراءتي لمقدمة كتاب "النص وسؤال الحقيقة" للمفكر الأستاذ ماجد الغرباوي، حتى وجدتني أمام مرايا الذاكرة، تُعيد إليّ مشاهد غائرة من سنوات مضت، حيث وقفتُ غير مرة على تخوم الأسئلة الصعبة، وأنا أمارس شرف مهنة التعليم. كانت كلمات المقدمة كالمفاتيح الخفية، فتحت أبوابًا منسية في الوجدان، واستحضرت في ذهني مواقف قاسية وتجارب مؤلمة، لطالما حملتها بين جنبات القلب كتجاعيد صامتة لا تُروى، لكنها ظلّت شاهدة على صراع خفيٍّ بين قدسية الرسالة ومحنة الرأي، بين توق المعرفة وحدود التلقي.

لقد وجدت في هذا الكتاب ما يتجاوز حدود القراءة العابرة إلى مقامات التجربة الوجدانية والفكرية، حيث تتحول الصفحات إلى فضاء متقد بالأسئلة، وحيث النص لا يُقدَّم بوصفه معطًى نهائيًا، بل باعتباره كيانًا ديناميكيًا، يتنفس عبر التأويل، ويتشكّل من خلال جدل الحقيقة والمعنى.

وما زاد من عمق تفاعلي مع هذا العمل، أنني كنت قد وثّقت بعضًا من تلك التجارب التعليمية في قصة نشرتها في صحيفة المثقف بتاريخ الأول من أيار 2020، وكان أن تكرّم الأستاذ الغرباوي، مشكورًا، بإهدائي نسخة من كتابه الذي وجدته يفتح أفقًا جديدًا لفهم النص، لا كحُرمة مغلقة، بل كمجال حيّ للتحليل والمساءلة، حيث لا تكتمل الحقيقة، بل تتجدد عبر السؤال، وتنضج بالمراجعة، وتتسع كلما اقتربنا من جذر المعنى وتعدد التأويل.

في كتاب "النص وسؤال الحقيقة" للمفكر ماجد الغرباوي

تنبثق "الكلمة الأولى" من رحم الحاجة الفكرية الملحّة إلى إعادة النظر في مرجعيات الفكر الديني، لتكون بمنزلة المدخل التأملي والصرخة الأولية التي يطلقها الكاتب في وجه التراث المغلق، والإجابات الجاهزة، واليقينيات المهترئة. إنها نص تأسيسي، لا يكتفي بالتمهيد لموضوع الكتاب، بل يضع القارئ أمام مرآة الذات المتورطة في خيوط المعنى الموروث، ليبدأ رحلة نزع الأقنعة عن النصوص وسؤال حقيقتها.

يختار الكاتب ماجد الغرباوي أن يبدأ بلغة عالية النبرة، موشّاة بشحنات وجدانية وعقلانية متداخلة، فيقول:

"لا أحد فوق النقد.. لا مقدس إلا الحقيقة."

بهذا التصريح القاطع، يفتتح الكاتب خطابه في وجه الثوابت. فاللغة هنا ليست وصفًا، بل مقاومة. البلاغة تتجلّى في التكثيف، وفي التوازي الإيقاعي بين "لا أحد" و "لا مقدس"، حيث تتكسّر السلطات ويُعاد تشكيل المشهد الذهني.

المقدمة لا تكتفي بتقديم أطروحة الكتاب فقط، بل هدم البنى الذهنية التي اعتادت استهلاك النصوص دون مساءلتها. الغرباوي لا يخاطب القارئ العابر، بل يستدعي القارئ المفكّر، المتأهب لخلخلة التصورات الساكنة، ويعلن أن النص ليس نهاية المعنى بل بدايته؛ والنقد ليس عداء، بل استنطاق، ومساءلة جذور المعنى.

وفي حديثه عن النص كحقيقة متحولة، يعمد الكاتب إلى توظيف لغة تجمع بين الصرامة الفكرية والانسياب البياني، حيث يصف العلاقة بين النص والحقيقة بأنها علاقة تأويل لا تقرير. فاللغة عنده ليست وسيلة تواصل فقط، بل أداة تفكيك، وهذا ما يتجلى في قوله:

"لا نص يكتمل إلا بتأويل، ولا تأويل بريء من مؤولاته."

هنا تتداخل الفلسفة بالتأمل الديني، وفي مساءلة كل نص عن سلطته الخفية، وسياقه المنتج، والمرجع الذي يتكئ عليه. ويتلاقى هذا أيضًا مع نزعة نصر حامد أبو زيد في نزع القداسة عن النصوص التاريخية لصالح مقاربتها كبنى دلالية خاضعة لسياقاتها.

الرسائل الضمنية هنا عديدة ومركبة:

أولها، أن النصوص ليست معصومة، بل متورطة في التاريخ والسلطة.

وثانيها، أن القارئ هو منتج المعنى، وأن العلاقة بين النص والقارئ علاقة شد وجذب، لا تبعية وامتثال.

وثالثها، أن تحرير الدين من سلطة النصوص المغلقة يبدأ بتحرير الوعي من عبودية القراءة التقليدية.

تعكس المقدمة براعة الكاتب في فن التضمين والتكرار، حيث يعيد تدوير المفاهيم الكبرى (النص، الحقيقة، التأويل، السلطة) ضمن سياقات متعددة، لتتوالد دلالاتها لا في مضمونها فقط، بل في موسيقى خطابها. هذا الأسلوب يؤسس لحالة من الترنيم الفكري الذي يرسّخ المفاهيم في الذهن دون مباشرة أو إملاء.

ان أهمية هكذا نص في الفكر الديني التنويري تكمن في كونه مفتاحًا لوعي جديد لا يتعامل مع النصوص كأصنام ذهنية، بل ككائنات حيّة، قابلة للتأويل، بل للتمرد أحيانًا. والغرباوي، هنا، يكتب من عمق معاناة فكرية مع نصوص صارت تُستخدم أداة للسيطرة لا للتحرير، للسكون لا للانطلاق.

وفي زمان تتكالب فيه الأصوليات وتتغوّل فيه الخطابات السلفية، تبرز أهمية هذا النوع من الكتابات في إيقاظ العقل الجمعي من سباته الطويل، وتحريره من وطأة القُداسة المُصنّعة. فـ"كلمة أولى" ليست تمهيدًا تقنيًا، بل وثيقة تمرد، ومقدمة فكرية تنويرية تدعو القارئ إلى المشاركة لا التلقي، وإلى النقد لا الخضوع.

إنها افتتاحية لا تقف عند أبواب الكتاب، بل تفتح أبواب الذهن وتحرّض على المراجعة والتجاوز.

الفصل الأول: المفهوم والدلالات

بالنظر في الفصل الأول ـ المفهوم والدلالات ـ من الكتاب، نجد أنفسنا أمام نصّ نقدي تحليلي متين البنية، ثري المفاهيم، يشكّل أحد الأعمدة الأساسية في مشروع الغرباوي الفكري الهادف إلى تفكيك مرجعيات التفكير الديني ونزع هالة القداسة عن النصوص المتوارثة. هذا الفصل لا يُعدّ فقط مدخلًا لموضوع النص والخطاب، بل يمثّل بوابة لفهمٍ جديد قائم على الوعي، والتأمل، والمراجعة العقلانية للمفاهيم المغلّفة بالقداسة.

يبدأ الغرباوي بتحرير مفهوم "النص"، لا بوصفه مجرد وعاء لغوي، بل ككائن دلالي يحمل شبكة علاقات بين اللغة والسياق والمتلقي. يقول: "ما تعددت دلالاته بتعدد قراءاته وتأويلاته المحتملة"، مشيرًا بذلك إلى أن المعنى ليس ساكنًا في النص بل يتشكل بفعل القراءة.

يتوسل الكاتب في تحليله بأسلوب رصين، يجمع بين السلاسة والتكثيف البلاغي، ويستند إلى أدوات النقد المعرفي والمنهجي. يوضح أن "قداسة النص سلطة مصطنعة كرّستها القراءات الأحادية والتقاليد التأويلية المغلقة"، في إشارة صريحة إلى البُعد السلطوي الذي يتغذى من وهم القداسة

في هذا السياق، يكشف الغرباوي عن وعي نقديّ متقدّ، يعري فيه أُطر القداسة المسقطة على النصوص، ويبرز كيف أن النص لا يُولد مكتمل المعنى، بل يُعاد تشكيله بفعل القارئ: "النص لا يكتمل إلا بفعل القراءة، وهو قابل دوماً لإعادة التفسير والتأويل بحسب السياق"

هذا الموقف يتجاوز نقد التفسير التقليدي إلى إعادة توجيه البوصلة المعرفية نحو قراءة تعددية، حيث تصبح إعادة إنتاج المعنى "حقًا إنسانيًا مشروعًا، لا امتيازًا للمؤسسات الدينية". بل يذهب إلى تأكيد أن النص ليس بريئًا، بل محكوم بسياقات إنتاجه وتلقيه، وأن سلطته ليست ذاتية، بل مصطنعة.

ومن بين الرسائل الضمنية المهمة:

* أن سلطة النص هي سلطة تراكمية تأسست عبر التكرار والمرجعية.

* أن فهم النص ليس امتيازًا خاصًا بل ممارسة فكرية متاحة.

الغرباوي هنا لا يعيد قراءة النص فحسب، بل يعيد إنتاج شروط تلقيه، ويفتح الباب أمام تأويلات إنسانية أقرب إلى مقاصد الدين في التحرر لا التقييد. يقول: "القراءة الجديدة تبدأ من تفكيك البُنى العميقة للنص وتأمل خلفياته التاريخية والمعرفية

في زمن طغت فيه الخطابات السطحية والمقولات الجاهزة، يأتي هذا الفصل كمصباح معرفي، يضيء عتمة الخطاب الديني التقليدي، ويمنح القارئ أدوات للمساءلة الحرة. إنه دعوة لأن نقرأ، لا لنؤمن وحسب، بل لنفهم ونُسائل. وكما قال الغرباوي: "ليس ثمة أخطر من فهم مكرّس يعيد إنتاج الاستبداد باسم الدين، دون أن يطرح أسئلته الجوهرية".

الفصل الثاني: النص وحرية النقد

يشكّل هذا الفصل ركيزة معرفية ومنهجية في تفكيك العلاقة بين النص الديني وسلطة النقد. إنه ليس اجتهادًا في القراءة وحسب، بل مشروع تنويري يسعى إلى زحزحة المسلمات وتحطيم جدران القداسة التي حالت دون ممارسة العقل لحريته.

منذ البداية، يُعلن الغرباوي انحيازه للإنسان بوصفه مركز الفهم والتأويل، فيقول: "الإنسان هو مركز الفهم، ولا معنى لتفسير يتجاهل وجوده وتاريخه ووعيه"

يرى أن حرية النقد ليست ترفًا بل ضرورة: "ليس النقد ترفاً فكرياً، بل ضرورة لاستعادة العقل من سطوة القداسة، وتمكينه من ممارسة فهمٍ واعٍ للنص"

. كما يرسّخ فكرة أن "قداسة النص لا تُلغي بشريّة الفهم"، وهو ما يعني أن سلطة الفهم ليست مطلقة بل تاريخية ومشروطة.

في معالجة ثنائية "النص / القارئ"، يوضح أن المعنى لا يُستخرج من النص فقط، بل يُولد في تفاعل جدلي بين النص وسياق القراءة. لذا يؤكد: "النص يبقى نصاً، لكنّ فهمه يظل رهين الإنسان وتاريخه وسياقاته المختلفة"

كما يحذر من خطر احتكار المعنى، فيقول: "لا يوجد فهمٌ نهائيّ للنص، لأن القراءة نفسها هي عملية تأويل متجددة مشروطة بالسياق"

يعتبر هذا الفصل إنتاج قطيعة معرفية مع التقليد، من أجل بناء خطاب ديني جديد يعيد الاعتبار للعقل ويفتح المجال أمام وعي نقدي يرفض الخضوع الأعمى. ويؤكد: "التحرر من سلطة التراث لا يكون إلا بوعي نقدي يعيد للعقل مكانته في فهم النص وتأويله".

إنه فصلٌ يُعيد الاعتبار للنقد بوصفه أداة تحرر، لا خصمًا للدين، ويفتح أفقًا لفهم الدين كمنظومة إنسانية قابلة للنقاش. وحين ترتفع الأصوات التكفيرية وتقمع الحريات باسم الدين، تصبح هذه الكتابات بمثابة مقاومة فكرية، وشعلة تُنير عتمة الاستبداد الرمزي والروحي.1390 majed algharbawi

الفصل الثالث: النص وخطابات النفي

في رحاب الفكر النقدي والاشتغال المعرفي العميق، يقف القارئ أمام الفصل الثالث من الكتاب، الذي جاء تحت عنوان "النص وخطابات النفي"، وكأنه أمام مرآة كاشفة تنقض الغشاوة عن مسلّمات رسختها التقاليد الدينية، وتسلّط الضوء على زيف التقديس المطلق للنصوص، حين تُوظَّف في إطار سلطوي يُقصي ويُخوِّن ويُجهّز على المختلف.

يشير الغرباوي صراحة إلى أن "خطابات النفي تُكرّس نوعاً من القطيعة بين الذات والآخر، وتُنتج وعياً متعالياً يُقصي كل مختلف"، وهو ما يكشفه بقوة في تحليله للمنظومة الفقهية التي احتكرت المعنى وجعلت من النصوص أدوات إدانة وإقصاء

يتناول الكاتب ظاهرة خطابات النفي داخل الفكر الديني بوصفها آليات لفرض الهيمنة، من خلال مفاهيم مثل "الفرقة الناجية" و"الضلالة" و"البدعة" و"حد الردة"، ويكشف أن "النفي لا يقتصر على الإقصاء الرمزي، بل يشرعن الإبادة المعنوية، عندما يتم توصيف الآخر بـ 'البدعة' أو 'الضلالة'"

ويُظهر بجلاء كيف تم تطويع النص لخدمة الرؤية الأحادية، وتحويل التأويل إلى أداة استبعاد: "أُعيد إنتاج مقولة 'الفرقة الناجية' لتكون أداة تفوق ديني تبرر إقصاء المختلف وتشريع العنف باسمه".

بلغة بلاغية وأسلوب فلسفي، يكتب الغرباوي نصه بوصفه فعل مقاومة معرفية لا تكتفي برصد ظواهر الخطاب الإقصائي، بل تسعى لتفكيك بنيته، وإعادة الاعتبار إلى إمكانات التأويل التحرري. "النقد فعل مقاومة عندما يستهدف البُنى المغلقة التي تصادر المعنى باسم المقدّس"، هكذا يُعلن موقعه الصريح في وجه المقولات الجاهزة.

ويشير كذلك إلى أن تفكيك بنية خطاب النفي هو بداية ضرورية لتحرير الدين من قبضة التوظيف السياسي والمذهبي، إذ يكتب: "القداسة لا تعني العصمة، وكل خطاب يزعم امتلاك الحقيقة المطلقة باسم النص يستحق التفكيك والمساءلة".

أما الرسائل العميقة التي تترشح من هذا الفصل، فمن أبرزها:

* أن النصوص ليست مطلقة بل مشروطة بسياقاتها.

* أن التقديس حين يتحول إلى تكميم للفهم يصبح خصمًا للدين لا خادمًا له.

* أن حق الإنسان في التأويل لا يُنتزع باسم الوحدة أو الجماعة أو الفرقة.

ويطرح تساؤلاً وجوديًا ذكيًا: هل نملك النص أم هو يملكنا؟ هل نؤوّل النص أم نُؤوَّل به؟ ليردف قائلاً: "الخطير في النصوص ليس مضمونها، بل كيف تُفهم وتُوظّف. فالنصوص بريئة، لكن التفسير هو الذي يقتل"

الفصل الرابع: الحقيقة والنص

في زمنٍ تتكالب فيه الظنون على يقين النص، يبرز الفصل الرابع من الكتاب "الحقيقة والنص" كصرخة فكرية ضد التلقين، ومحاولة جريئة لتحرير الحقيقة من أسر الحرف. يبين فيه الغرباوي أن "ليس النص سلطة بذاته، بل بما يُحمّل به من دلالات ومقاصد تسوّغ فرض الحقيقة وتكميم الفهم".

يذهب الكاتب إلى أن الحقيقة ليست مُعطىً بل بناءٌ تأويلي يتشكّل ضمن علاقة القارئ بالنص، متأثرًا بثقافته وموقعه المعرفي. يقول: "كلّ تأويل هو إفراز لموقع القارئ ضمن بنية السلطة المعرفية، وليس معزولًا عن خلفياته الأيديولوجية".

يعمد الغرباوي إلى نقد التراث التفسيري الذي أحال النصوص إلى أنظمة مغلقة، ويؤكد أن "المسلمات التراثية ليست معايير نهائية للفهم، بل مقولات تحتاج إلى غربلة وإعادة تأهيل نقدي"، داعيًا إلى تفكيكها بوصفها أدوات سلطة لا أدوات فهم.

في هذا الفصل، اللغة ليست محايدة، بل وسيط مشحون، وهو يوضح أن: "اللغة تُمارس دورًا تأسيسيًا في صياغة المعنى، لكنها ليست محايدة، بل مشروطة بثقافة التأويل وقيمه.

وتتبدّى الرسائل الضمنية في جملة من الأفكار الجوهرية:

ـ أن المعرفة الدينية ليست بريئة، بل مؤدلجة.

ـ أن التقديس للتفاسير هو نتاج سلطة لا نص.

ـ أن مشروع التنوير يبدأ من مساءلة المفاهيم لا تكرار الشعارات.

يكتب الغرباوي أخيرًا، مؤكدًا دور الناقد: "لا حياد في المعرفة الدينية، لأن خلفها دائمًا نوايا سلطوية، حتى عندما تدّعي الموضوعية".

هذا الفصل لا يقدم تأملًا نظريًا مجردًا، بل يشارك في معركة الوعي، ويسعى إلى تفكيك احتكار الحقيقة وفتح أفق جديد لفهم النصوص ضمن سياقها وتاريخها ومسؤوليتها الإنسانية.

الفصل الخامس: المهيمن الرمزي

في قلب الكتاب، يقف الفصل الخامس الموسوم بـ „المهيمن الرمزي" كعتبة فكرية كثيفة، تنبض بقلق معرفي وسعي تأويلي لتفكيك بنية الخطاب الديني وهيمنة رموزه على الذهن الجمعي. بأسلوب أدبي يتماهى مع جرس الفلسفة وحرارة السؤال، يقتحم ماجد الغرباوي منطقة شائكة، تتراءى فيها السلطة بلبوس المقدس، حيث "السلطة الرمزية تستمد فاعليتها من قداستها، التي تفرض التسليم والانقياد، فتغدو مصدراً للشرعية دون الحاجة إلى تبرير عقلاني".

في هذا الفضاء المتشابك، لا يعود الرمز مجرد إشارة لغوية، بل يصبح أداة هيمنة ثقافية. فالغرباوي يرى أن "المهيمن الرمزي فعلية إيديولوجية، ذات طابع مركب، تتجسد عبر سلسلة من الرموز والمفاهيم والمعتقدات، وتكتسب طابعها القدسي من خلال ربطها بالمطلق أو بما هو ميتافيزيقي، فتغدو ذات سلطة فوقية، تفرض قداستها على وعي الفرد والمجتمع". هنا، يتحول النص من خطاب إلى سلطة، ومن معنى إلى توجيه سلوكي وفكري.

يكتب الغرباوي بلغة لا تُشبه مداد السرد المعتاد، بل يغوص في عمق النصوص بوصفها منظومات رمزية تستوطن الوعي وتعيد تشكيله من حيث لا يشعر. وهو إذ يتناول "المهيمن الرمزي"، لا يراه حالة طارئة أو عارضة، بل بنية منتظمة من الهيمنة المعرفية، تتغلغل في التاريخ والفقه والاجتماع الديني، وتُكرّس حضورها بوصفها "حقائق" غير قابلة للمساءلة. لذلك، يحذّر من خطورته قائلاً: "تكمن خطورة المهيمن الرمزي في تحصينه ضد النقد، حيث يُقدّم كحقيقة مطلقة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ويُعامل ككلام مقدّس، رغم بشريته وأيديولوجيته".

ويبلغ التشخيص ذروته حين يتتبع الغرباوي أثر الرموز العليا، كالإمام المعصوم أو المجتهد، بوصفهم وسطاء للقداسة وممثلين عن "النصّ الآخر" غير القابل للتفكيك، إذ يؤكد أن "عندما يتحول الرمز الديني –كالمجتهد أو الإمام المعصوم– إلى ناطق أو وكيل حصري عن الحقيقة، يصبح مرجعية نهائية، ويكتسب سلطة رمزية تتجاوز العقل والتاريخ".

في ضوء هذا كله، يتجلى الغرض الجوهري من كتابة هذا الفصل: كسر الطوق المضروب حول النص الديني، ونقله من دائرة القداسة المغلقة إلى فضاء النقد والتاريخ والتعددية المعرفية. يقول الغرباوي بوضوح: "نقد المهيمن الرمزي هو خطوة أولى لتحرير النص من قبضة الإيديولوجيا، وإعادته إلى فضاء التداول البشري، حيث يمكن مساءلته وفهمه ضمن سياقه الزمني والثقافي"

الرسائل الضمنية التي يحملها هذا الفصل تتعدد، لكنها تلتقي عند هدف واحد: تفكيك "المقدّس المصنّع" واستعادة حق العقل في التفسير. يريد الكاتب أن ينقلنا من عبودية الرمز إلى حرية الفهم، من سطوة "النص-الإله" إلى مسؤولية "القارئ-الإنسان". إن الرمز الديني، حين يتحول إلى أداة هيمنة، يصير خطرًا لا على الدين فحسب، بل على وجود الإنسان بوصفه كائنًا مفكرًا.

ولعل أجمل ما في هذا الفصل أنه لا يكتفي بالنقد، بل يفتح نوافذ الخلاص؛ فهو يؤمن أن التحرر من "المهيمن الرمزي" لا يعني الانفلات من الدين، بل تحرير الدين من أغلال التأويل السلطوي. وهو بذلك يساهم في مشروع إنساني كبير، يعيد للدين بعده الأخلاقي ويُنقذه من كونه "خطاب سيطرة".

في زمن تتكاثر فيه الأصوات الشعبوية، وتتصاعد فيه نداءات الغلو، تأتي مثل هذه الدراسات الجادة كصوت العقل في صحراء الصراخ. إن أهمية هذا الفصل، بل الكتاب كله، تتجلى في سعيه الدؤوب لنشر الوعي، لا بوصفه ترفًا ثقافيًا، بل شرطًا وجوديًا لإنسان جديد، حر، عاقل، ومسؤول.

الفصل السادس: بين الفكر الطقوسي ووعي الذات – قراءة في فلسفة الطقوس

في هذا الفصل الفريد، يعمد المفكر التنويري ماجد الغرباوي إلى اقتفاء أثر الطقوس الدينية لا بوصفها شعائر عابرة أو موروثات محفوظة، بل بوصفها نظامًا دقيقًا من الدلالات والمضمرات، يتجاوز حدود الشكل الظاهري ليغور في عمق البنية المعرفية للعقيدة والمجتمع. الفصل السادس من "النص وسؤال الحقيقة" هو بيان فلسفي، معرفي، وتحليلي يواجه الطقوس الدينية ليس بنية النفي، بل بنية التفكيك، سعياً إلى تحرير الإيمان من سلطة الطقس، وتحرير الطقس من قيد القداسة المتكلسة.

الغاية من الفصل هي مساءلة الطقوس باعتبارها أداةً للضبط الاجتماعي والترويض النفسي، لا مجرد تمظهر تعبّدي. يرى الغرباوي أن الطقوس لا تُنتج بالضرورة إيمانًا عميقًا، بل قد تُستثمر – بل تُخترع – لتكريس مركزية السلطة، سواء كانت سلطة الفقيه أو المرجع أو الجماعة. لذا، فهو يسعى إلى فرز البُعد الروحي الأصيل عن الأطر الشكلية التي تمتص الوعي، وتُحيله إلى مكرورٍ لا يفكر، بل يكرر.

الكاتب يتتبع مفاصل الخضوع الطقوسي بوصفها نمطًا من الاستلاب الموجه، يُبقي الفرد داخل دوائر مغلقة من التأويل المسدود، والارتباط العاطفي المشحون بالخوف والرجاء، دون أن يُتاح له تأمل جوهر العلاقة بينه وبين المقدّس. فالطقوس، كما يحللها، تُنتج "إلهًا" مُقنّنًا، مسجونًا في تكرارات حركية، تُراد لها أن تُصبح "هوية" لا "وسيلة"، و"غاية" لا "سبيلًا".

الرسالة الضمنية هنا هي دعوة لتحرير الإيمان من الوسائط الثقيلة: إلى وعيٍ متجاوز، يتلمّس الله في معناه لا في جسده الرمزي. الغرباوي يُعيد الاعتبار إلى العقل التأويلي المتحرر، ويدعو إلى أنسنة العلاقة مع الدين، لا تأليه العلاقة مع الطقس.

من الناحية الأسلوبية، يغترف الكاتب من معين الفلسفة النقدية الحديثة، وهو متأثر بخطاب التفكيك كما عند دريدا، ومنهجية الشك المعرفي كما عند فويرباخ وماركس، في قراءته للطقوس كتمظهر اجتماعي – سياسي، لا كمجرد واجب تعبّدي. غير أن تأثيره الأبرز يبدو في عمق تأثره بمحمد أركون، في خلخلة المفاهيم المستقرة وهدم ما يسميه "الأنساق الدوغمائية المغلقة". أما لغته فهي مزيج من الوضوح الإجرائي والتحليل التأويلي، لا يخلو من طابع أدبي حين يتناول الطقوس بوصفها "لغة جسد جماعي"، و"ترجمة خوف وجودي".

من حيث البلاغة، ينهل النص من طاقة التكرار الدلالي، والإيقاع الفكري الحجاجي، ليُرسّخ رؤية مناهضة للاعتقاد الساذج بأن الدين طقس، وأن الطقس جوهر. فالعلاقة التي يبتنيها مع القارئ هي علاقة تفاعل وجدلي، لا تلقين أو ترهيب. يُفتح الباب أمام التساؤل: "هل نؤدي الطقوس لنُعبر عن الإيمان، أم أننا نُنتج الإيمان بالطقوس؟".

هذا الفصل يحوي أهمية بالغة في حقل الدراسات الدينية الحديثة، لكونه يُزيح النقاب عن مؤسسة الطقوس بوصفها منظومة رمزية قابلة للتأويل والنقد، لا موضوعًا فوق النقد. كما أنه يُنبه إلى خطورة تحويلها إلى أدوات تطويع وتبرير لسلطة دينية – سياسية، تَمنع المجتمعات من الارتقاء نحو إيمان حر، وفكر مسؤول.

في زمن تتفكك فيه الحدود بين الدين والتديّن، بين الإيمان والعادة، تأتي هذه الرؤية لتؤسس لوعي نقدي، يكون الطقس فيه معبرًا روحيًا لا سجنًا عقليًا. وهنا تتجلى أهمية هذا الطرح في وقتنا الراهن، إذ لا خلاص من التشدد والجمود إلا بالعودة إلى جوهر الدين، لا إلى شكله؛ إلى معناه المتعالي، لا إلى تمثلاته التاريخية المقيدة.

إن الفصل السادس من هذا الكتاب ليس مجرد دراسة لظاهرة دينية، بل هو بيان تحرري، يوقظ الوعي من سباته الطقوسي، ويدعو إلى علاقة صوفية مع الدين، عبر نفي القداسة عن الوسائط الشكلية، وإعادة توجيه العقل إلى سؤال الحقيقة: أين الله من كل هذا التكرار؟

الفصل السابع: أدلجة الخطباء

في الفصل السابع المعنون بـ«أدلجة الخطباء» من كتاب "النص وسؤال الحقيقة" للمفكر ماجد الغرباوي، تمتد الصفحات لتشكّل قراءة جريئة ومعمقة في واحدة من أعقد إشكاليات الخطاب الديني المعاصر: تحوّل المنبر من وسيلة لتبليغ الدين إلى أداة أيديولوجية، لا تكتفي بإيصال المفاهيم بل تصنعها، وتخدم سلطة ما، سواء أكانت سياسية، مذهبية، أو ثقافية.

إن هذا الفصل لا يُقرأ بوصفه دراسة في أداء الخطباء فحسب، بل بوصفه محاولة لتفكيك منظومة خطابية تهيمن على الوعي الجمعي في الفضاء الديني. يفتتح الغرباوي تحليله بتساؤل مفصلي: كيف انتقل الخطيب من ناقل إلى مؤدلِج، ومن واعظ إلى صانع وعي مأزوم، مغلق، يعيد إنتاج نفسه بمنطق التكرار لا بمنطق التجديد؟ وهو لا يكتفي بطرح السؤال، بل يتوغّل في الطبقات العميقة للنصوص والممارسات التي تصنع هذا الخطاب.

يؤكد الغرباوي أن "الخطيب المؤدلَج لا ينقل الحقيقة، بل يُنتجها وفق مقتضيات موقعه المرجعي والسياسي"، وهو ما يؤدي إلى ما يسميه بـ"تدجين الوعي"، حين يُصبح المتلقي مشاركًا غير واعٍ في تزوير وعيه، متلقّيًا الخطاب المؤدلج بوصفه تجليًا للحقيقة المطلقة.

الكاتب في هذا الفصل لا يُهاجم الأشخاص بل البنية، ويكشف أن "المؤسسة المنبرية باتت، في كثير من الأحيان، جهازًا أيديولوجيًا يبرر، يُطوِّع، ويؤدلج باسم النص والدين". فالخطيب الذي يُقدَّم كنموذج ديني، ما هو في الغالب إلا مفسّر مذهبي، يُعيد إنتاج رؤية مذهبية ضيقة باسم الشريعة، وهو بذلك يُحوّل المنبر إلى أداة سلطة، لا وسيلة وعي.

ويكتب الغرباوي بلغة نقدية تأملية، ممزوجة بنَفَس أدبي وفلسفي، تجعل هذا الفصل أقرب إلى النص المقاوم. يقول: "لا يمكن لتحرير العقل أن يتم من دون تحرير الخطاب من أُسسه الأيديولوجية، ولا بدّ من زلزلة المؤسسة المنبرية لكسر طابو القداسة الذي يحيط بها"

أهمية هذا الفصل تنبع من جرأته في طرح الأسئلة التي لطالما اعتُبرت خارج المألوف: ما دور المنبر؟ هل هو مساحة وعي أم جهاز أيديولوجي؟ وهل يمكن أن يكون أداة تحرر لا تقييد؟ في هذه الأسئلة يكمن جوهر النقد، وفيها تتجلّى الرسالة العميقة: أن كل سلطة غير مفككة، حتى ولو لبست ثوب القداسة، هي سلطة قمعية بالضرورة.

الكاتب لا يكتفي بالتشخيص، بل يُقدّم رؤية للخروج: وعي نقدي يمارس التأمل بدل التلقّي، ويخترق ظاهر الخطاب إلى بنيته المضمرة. وهنا تتكثف أهمية هذا الطرح في زمن تتكاثر فيه الأصوات الشعبوية ويُستغل فيه الدين لتكريس الجهل، فيتحول الفصل إلى صرخة فكرية، ومطلب وجودي بتحرير الإنسان من عبودية النصوص المؤدلجة.

"الخطيب لا يُفترض أن يكون ناطقًا باسم المقدّس، بل محاورًا له"، بهذه العبارة يختتم الغرباوي تقريبًا ملامح مشروعه في هذا الفصل: استعادة الإنسان في مواجهة النص، واستعادة الوعي في وجه التلقين.

إن هذا النوع من الكتابات لا يسعى إلى الهدم، بل إلى التأسيس: تأسيس وعي جديد بالخطاب الديني، وفتح نافذة نحو أفق عقلاني، لا يلغي الإيمان، بل يسمو به، ويجعله اختيارًا حرًا لا فرضًا قسريًا.

الفصل الثامن: الفتوى وسلطة الفقيه

في هذا الفصل العميق من كتابه، يغور المفكر ماجد الغرباوي في دهاليز العلاقة الملتبسة بين النص الديني وفتاوى الفقهاء، سابرًا أغوار التأويل وأدلجة الخطاب، كاشفًا عن تشوهات تراكمية لحقت بالخطاب الديني جراء سلطة الفتوى، وسطوة المرجعية، وتغوّل العقل الأيديولوجي على العقل التأويلي الحر.

يشكّل هذا الفصل مقاربة نقدية جريئة وعميقة لمفهوم "الفتوى" وآليات إنتاجها، في سياقاتها السياسية والفقهية. لا يكتفي الغرباوي بتشخيص الأزمة، بل ينفذ إلى الجذر: إلى تواطؤ الفقه مع السلطة، حيث تصبح الفتوى أداة لضبط السلوك الجمعي، لا لفهم النص. ويطرح تساؤلات حارقة: هل الفتوى كاشفة عن حكم الله، أم منتَج ثقافي مشروط بالسياق؟ وهل يجوز لمفاهيم الأمس أن تُسقط على واقع اليوم؟

يعيد الغرباوي الاعتبار للنص بوصفه كينونة حية، لا جامدة، ويكشف عن زيف الادّعاء بأن الفتوى تجسيد لحكم الله، في حين أنها اجتهاد تاريخي نابع من واقع خاص. ينتقد مركزية الفقيه بوصفه المفسر الأوحد، ويقترح إعادة توزيع سلطة التأويل، مؤكداً أن "أنسنة النص" هي السبيل لفك الاشتباك بين المقدس والبشري.

يكتب: "الفتوى تعبير عن وعي فقيه مشروط بزمانه، لا تجلٍّ لحقيقة مطلقة"، وهذه الرسالة تعكس موقفًا نقديًا من الخطاب الفقهي الذي احتكر حق الفهم والإفتاء.

أسلوب الغرباوي في هذا الفصل مشحون بطاقة لغوية، تجمع بين البيان والبرهان، وتستلهم تقنيات التفكيك الفلسفي. تتجلى تأثيرات أركون ونصر أبو زيد في الطرح، كما يحضر نَفَس ميشيل فوكو في تعرية البنى التحتية للخطاب الفقهي، خاصة حين يشير إلى أن السلطة تتجلى عبر الفتوى، لا عبر النص مباشرة.

في عالم إسلامي غارق في استقطابات أيديولوجية، يُعد هذا الفصل صيحة عقلانية تدعو إلى الانتقال من "سلطة الفتوى" إلى "سلطة العقل". الفتوى، كما يكشف الغرباوي، ليست خطابًا معرفيًا فقط، بل أداة لضبط اجتماعي وتكريس للتراتبية الرمزية، وللعنف الرمزي باسم الدين.

يقول: "نقد الفتوى ليس مساسًا بالمقدس، بل تحرير له من قبضة المؤسّسة"، مؤكداً أن تحرير النص هو الخطوة الأولى نحو تحرير الإنسان.

يمثل هذا الفصل محطة فارقة في مشروع الغرباوي الفكري، الذي يسعى إلى "عقلنة النص"، و"تفكيك السلطة"، و"تحرير الإنسان". إنه خطاب ينشد قراءة جديدة للدين، لا تخاف النقد، بل تراه أداة للنهضة.

بلغة جزلة، وأسئلة مؤرّقة، يمضي بنا الغرباوي في مشروعه، ناثرًا بذور الوعي في أرض طال سباتها، مؤمنًا أن لا خلاص دون نقد، ولا نقد دون حرية.

الفصل التاسع: النص وميثولوجيا التراث

في الفصل التاسع من كتاب "النص وسؤال الحقيقة"، والمعنون بـ"النص وميثولوجيا التراث"، تتجلى قدرة الغرباوي على الغوص في أعماق الفكر التقليدي لتفكيك آلياته ونزع القداسة عن الموروث العقائدي الذي نُسج حوله خطاب أسطوري مغلق، أقرب إلى المثيولوجيا منه إلى منهج نقدي عقلاني.

يدور هذا الفصل حول نقد "التأليه الرمزي" للنصوص، حيث يبيّن الكاتب أن التفاعل مع التراث تم بعيدًا عن العقل، وأسرَ خيال الجماعة بأساطير تحوّلت إلى ثوابت مقدسة. لقد أُعيد إنتاج هذا التراث بوصفه معيارًا للحقيقة، لا بوصفه نتاجًا تاريخيًا.

الغرض من الفصل هو زعزعة تلك الأساطير وطرح رؤية معرفية ترى أن النصوص ليست معصومة عن التأويلات البشرية المشروطة بالواقع. يكتب الغرباوي: "ما نراه تراثًا مقدسًا هو، في جوهره، تعبير عن صراعات بشرية صيغت ضمن أطر سلطوية".

اهم رسائل الفصل الضمنية:

ـ قداسة النص لا تعني تعطيل العقل.

ـ الماضي ليس مرجعًا مطلقًا.

ـ التراث قابل للنقد لأنه منتَج بشري.

بلاغيًا، يتداخل الفكر الفلسفي مع النقد التاريخي، وتتشابك اللغة العقلانية مع الإيقاع الأدبي. الكاتب لا يكتفي بتفكيك المثيولوجيا، بل يشحن النص بطاقة رمزية توقظ الوعي، وتحفز القارئ على التحرر من الخطاب التلقيني.

في ظل تصاعد الخطابات الدينية المتطرفة، تبرز أهمية هذا الفصل بوصفه نموذجًا للاهوت نقدي، يُعلي من شأن العقل، ويعيد الاعتبار للإنسان كمفسر فاعل.

إنه فصل لا يُقرأ فقط، بل يُمارس كموقف فكري، ودعوة إلى ثورة عقلية تبدأ من تحرير النص وتنتهي بتحرير الإنسان من عبودية الماضي. كما قال الغرباوي: "لا خلاص إلا بالعقل... ولا عقل في ظل الأسطورة".

الفصل العاشر: النص وشرعية السلطة

في هذا الفصل، يتوغّل ماجد الغرباوي في أعمق مواضع التوتر بين النص الديني وتأسيس السلطة، مشهرًا مشرط النقد في وجه البنية التراثية التي طالما استندت إلى قداسة النص لتبرير أشكال من الهيمنة السياسية والدينية. فليس الحديث هنا عن "نص" في معناه البريء، بل عن نص تحوّل إلى سلطة رمزية متعالية، تمت أسطرته وتثبيته في خدمة السلطة الزمنية.

يكتب الغرباوي، في تحليل يكاد يكون جراحيًا:

"النصوص ليست هي من أسّست السلطة، بل طرائق قراءتها وتأويلها، ومن يقف خلف هذا التأويل".

يطرح المؤلف تساؤلات جوهرية تفكك العلاقة بين النص والمؤوّل والسلطة:

ـ من يملك حق التأويل؟

ـ كيف تتحول القراءة إلى أداة للقهر باسم الحقيقة؟

ـ وأين موقع الإنسان من هذا الصراع الثلاثي بين النص، والسلطة، والعقل؟

تتمركز أطروحته حول تفكيك مقولة "الحاكمية"، التي يعتبرها تمظهرًا لاحتكار التأويل واحتكار تمثيل الإرادة الإلهية في آن. وهي في جوهرها ـ كما يبرهن ـ تعبير عن تسييس النص، لا عن روح النص الأصيلة.

إن الغرض من هذا الفصل لا يتوقف عند حدود النقد النظري بل يتجاوزه إلى بلورة مشروع تحرري. مشروع يعيد الاعتبار للعقل والضمير الإنساني، في مواجهة سلطة المؤسّسة الدينية التي كثيرًا ما نصّبت ذاتها وصية على السماء، عبر تأويل نصوصها. يكتب:

"السلطة لا تستمد شرعيتها من ذات النص، بل من آليات توظيفه وإخضاعه لرؤية المؤوِّل".

ومن الرسائل الضمنية المضمَّنة في ثنايا الفصل، أن:

"النص كما يُقرأ، لا كما هو؛ والتأويل سلطة، ومن يهيمن على التأويل يهيمن على الإنسان".

وهذا ما يجعل هذا الفصل ليس بحثًا أكاديميًا فحسب، بل مرافعة عقلانية ضد الاستبداد المقنَّع بالدين. مرافعة تنحاز للحرية الفكرية، وترفض اختزال النصوص في قراءات سلطوية تعسفية.

الفصل الحادي عشر: النص ومراوغات المفهوم

في فصل "النص ومراوغات المفهوم" ينتقل الغرباوي من تحليل بنية السلطة إلى تشريح أداة السلطة: المفهوم. هنا، لا يُطرح المفهوم كأداة لغوية أو إصطلاحية فحسب، بل كبنية سلطوية قابلة للتوظيف والتلاعب.

يفتتح الفصل بملاحظة صادمة:

"ليس كل مفهوم ديني بريء من التوظيف السياسي أو الأيديولوجي".

يشير إلى أن المفاهيم ليست جاهزة في النصوص، بل تُنتج ضمن سياقات محددة، وغالبًا ما تكون مشروطة بمصالح سلطوية. إنها كائنات دلالية مراوغة، تتسلل عبر الفهم، وتُشكّل الإدراك الديني والاجتماعي. يكتب:

"المفهوم يُختزل ثم يُوظف، ويُعزل عن حواضنه ليكون طيعًا في يد السلطة".

الغرباوي لا يكتفي بتفكيك المفاهيم، بل يسائل الآليات التي جعلتها مقدسة ومحصنة ضد النقد، كاشفًا عن أزمة القراءة في الفكر الديني التراثي، التي تعتمد على "القراءة التقديسية" مقابل ما يسميه بـ"القراءة النقدية التاريخية".

في إحدى مقاطعه الفلسفية العميقة، يقول:

"لا توجد قراءة محايدة، فكل قراءة هي إعادة إنتاج للنص ضمن أفق معرفي معين، يحمل داخله سلطة التأويل وسلطة المُفسِّر".

هذا القول يقلب أطروحات التقليد رأسًا على عقب، إذ يُبرز فعل القراءة لا كعملية سلبية، بل كممارسة سلطوية أو تحررية بحسب نية القارئ وأفقه.

ومن هنا، فإن القيمة الفعلية لهذا الفصل تكمن في كونه ليس نقدًا للمفاهيم فحسب، بل نقدًا للبنية الذهنية التي تنتجها وتعيد إنتاجها. وهي بنية تميل إلى الثبات والتقديس وتخشى التحول والتاريخ.

الفصل ـ كما هو شأن الكتاب كله ـ يمثل التزامًا معرفيًا وأخلاقيًا نحو إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والنص، بين الفهم والتسلّط، بين المعرفة والهيمنة. إنه يقول للقارئ بوضوح:

حرّر نفسك من سطوة المفهوم، تحرر من سطوة النص المؤدلج، وافتح أفق المعنى لما فيه خير الإنسان لا قهره.

النص وخطاب المعارضة: قراءة فلسفية في الفصل الثاني عشر

في الفصل الثاني عشر من الكتاب، نقف أمام معالجة فلسفية تحليلية جريئة لمفهوم "النص وخطاب المعارضة"، حيث لا يتردد الكاتب في اقتحام المناطق المحظورة فكريًا، مفككًا علاقة النص بالسلطة والمعارضة من منظور يتجاوز التلقين التراثي، نحو مساءلة معرفية متجذّرة في سؤال الحقيقة.

يبدأ الغرباوي من سؤالٍ محوري:

"هل أن النصوص الدينية كانت مرجعية مقاومة أم وسيلة لإعادة إنتاج الخطاب السلطوي؟"

ثم يجيب بنَفَس ناقد:

"قد تستعين المعارضة السياسية بنصوص دينية لتبرير موقفها، لكنها في حقيقة الأمر تساهم في تكريس البنية الرمزية التي تقوم عليها شرعية السلطة."

هنا تنكشف الحيل البلاغية التي استعملتها بعض حركات المعارضة عبر تأويل النصوص بما يخدم مشروعها السياسي، متوشحة بـ"الشرعية الإلهية" أو "التمثيل النبوي".

يُظهر الكاتب أن العلاقة بين النص والمعارضة ليست بالضرورة علاقة تحرر، بل قد تكون علاقة إعادة إنتاج للسلطة، لكن من موقع مختلف. يقول الغرباوي:

"ليست كل معارضة بالضرورة تنويرية، كما أن التمرد لا يعني التحرر... فغالبًا ما يعيد المتمرد إنتاج بنية القمع."

كما يعرض نماذج تاريخية حاسمة – مثل خطابات الزبير وابن الزبير، وأهل الكوفة، والخوارج – ليؤكد أن هذه الجماعات لم تُنتج خطابًا بديلًا فعليًا، بل اعتمدت النصوص نفسها التي شرعنت السلطة، مكتفية بتغيير زاوية الرؤية وسياق التوظيف.

من هنا، ينبثق التحليل نحو كشف التواطؤ الضمني بين النص والتأويل، حيث يُصبح النص أداةً أيديولوجية يُعاد تشكيلها بحسب موقع المتحدث:

"إن النصوص صالحة لأن تكون مصدر شرعية لأكثر من طرف، ما لم نضع آليات دقيقة في تأويلها."

أما بلاغة هذا الفصل، فتتجلى في لغته الفخمة، وأسلوبه الذي ينوس بين التوتر المعرفي والتكثيف الرمزي، إذ تنبني الفقرات على جدلية السؤال والشك، لا على التقريرية الجاهزة، ما يُضفي على النص بعدًا فلسفيًا تأمليًا عميقًا.

ولعلّ الرسالة الضمنية الأهم في هذا الفصل، كما يمكن استنتاجها من سياق الطرح، هي دعوة إلى تحرير العقل العربي من ثنائية السلطة والمعارضة كمطلقين. إذ كلا الطرفين – بحسب الغرباوي – يمكن أن يتلبّسا بلبوس النص لتبرير غاياتهما، لكن ما يميز الموقف النقدي الحقيقي هو مساءلة الطرفين، لا التماهي مع أحدهما باسم "النص" أو "الحق".

الفصل الثالث عشر: التنظير والمعارضة

يمضي الفصل الثالث عشر في تتبع الجدل المعرفي العميق بين "التنظير والمعارضة"، حيث يفكك الكاتب البنية المعرفية للخطابات المعارضة. يؤكد أن هذه الخطابات لم تكن دومًا "ردات فعل"، بل كانت غالبًا مشاريع معرفية تحمل منظوماتها التأويلية الخاصة، وإن اتخذت شكل المعارضة السياسية.

يقول الغرباوي:

"إن المعارضة الدينية لم تكن هامشًا على السلطة، بل كانت في كثير من الأحيان صراعًا على تأويل الحقيقة."

ويُبرز بذلك خطورة تحويل النص إلى أداة في الصراع لا في التنوير.

الفصل الرابع عشر: اتجاهات الغلو

أما الفصل الرابع عشر، فيُعد من أكثر الفصول جرأة، إذ يعالج الغرباوي ظاهرة الغلو بوصفها فعلًا تأويليًا مُغرضًا:

"الغلو هو غربة العقل في موطن التقديس."

وفي هذا التشخيص الكثيف، يتضح أن الغلو ليس إفراطًا في الحب أو الاعتقاد فحسب، بل خللٌ في آليات التفكير والتأويل.

يفكك الكاتب أربع آليات أساسية في بنية الغلو:

1.  التأويل المتعسف.

2.  تضخم الرموز وتقديس الأشخاص.

3.  التوظيف السياسي للمقدس.

4.  التحصين ضد النقد والمعارضة.

ويخلص إلى أن الغلو ألغى "مساءلة الرمز" وحوّل الدين إلى أداة أيديولوجية صلبة، تجرّم الشك وتقدّس الانقياد

قراءة ثقافية لفصول 15 و16 من كتاب "النص وسؤال الحقيقة"

في فصوله المتأخرة، وتحديدًا في الفصلين الخامس عشر والسادس عشر من كتابه "النص وسؤال الحقيقة"، يُقدّم المفكر التنويري ماجد الغرباوي أقوى ما يمكن أن يُقال في نقد البُنى التراثية التي أسست لعقائد الغلو والقداسة المطلقة، خصوصًا في الفكر الشيعي.

الغلو والولاية التكوينية: مركزية الإمام أم تهميش للعقل؟

يتناول الغرباوي مفهوم "الغلو" بوصفه انحرافًا تأويليًا تأسّس على ثقافة التقديس غير المشروط. وهو هنا لا يكتفي بالتوصيف، بل ينفذ إلى الجذر، إلى العقيدة القائلة بـ"الولاية التكوينية" للأئمة، والتي تُنسب إليهم قدرات كونية خارقة.

يُسائل الغرباوي الأساس النصي والمعرفي لهذه المعتقدات، فيُظهر أنها ليست نتيجة نصوص قطعية، بل روايات انتقائية جاءت في سياقات سلطوية. إنها مقولات لم تُبنَ على يقين معرفي، بل على إيمان مؤسّس على الاصطفاء والمعجزة، لا على الكفاءة والعقل.

الغلو، كما يراه، ليس عقيدة معزولة، بل آلية لشرعنة سلطة دينية مطلقة، تجعل من الإمام ظلًا لله، وتحوّل طاعته إلى عبادة، وتنزع من العقل حقه في مساءلة المقدّس.

الولاية والغيب السياسي: السلطة باسم المطلق

في هذا الإطار، تتكشف العلاقة العميقة بين الغلو والسلطة. فالغلو لا ينفصل عن السلطة، بل يُستخدم لتكريسها، لإنتاج طاعة عمياء. هو عملية إعادة تشكيل للوعي الديني ضمن قوالب غيبية تستند إلى معجزات لا إلى منطق.

ما يفعله الغرباوي هنا هو ما يمكن تسميته بـ"الجراحة الفكرية"؛ إذ يفتح الجرح التأويلي المزمن في التراث ليكشف كيف حوّل التقديس غير المشروط النصوص إلى أدوات استلاب.

الرواية تحت المجهر: من القداسة إلى النقد

في الفصل السادس عشر والاخير، ينتقل الغرباوي إلى موضوع حساس آخر: "معرفة الروايات". هنا يضرب في صميم مرجعية الرواية في الخطاب الإسلامي، لا ليلغيها، بل ليعيد موضعتها ضمن العقل.

يشدد على أن الرواية لا تُقرأ في فراغ، بل ضمن سياقات إنتاجها. ويُبيّن أن كثيرًا من الروايات نُقلت وتم توظيفها لا لخدمة الحقيقة، بل لخدمة السلطة العقائدية.

"الرواية يمكن أن تتحوّل إلى أداة فاعلة لتكريس سلطة الفقيه، أو لترويج ثقافة الاستسلام والرضوخ، عندما تُحمَّل بمضامين تُعزز التبعية وتُجهض روح النقد والمراجعة."

هذا الاقتباس يكشف عن وظيفة الرواية داخل المنظومة الدينية؛ فهي ليست محايدة، بل حُملت بحمولات سلطوية، وجعلت من بعض المرويات أداة ترويج للاستبداد باسم الإيمان.

مساءلة الرواية: من السند إلى المعقولية

الغرباوي يُقدّم معيارًا مزدوجًا في فحص الرواية: لا يكفي أن تكون صحيحة السند، بل لا بد أن تكون معقولة المتن، منسجمة مع قيم الدين الكبرى.

"يجب مساءلة الرواية، والغوص في دوافعها، ومراجعة أسانيدها، والكشف عن علاقتها بسياقها التاريخي."

بهذا، يُعيد الاعتبار للعقل، ليس كأداة خارجية بل كمعيار تأويلي.

الرواية والوعي الجمعي

"لقد ساهمت الرواية في تشكيل العقل الجمعي، وكان لها أثر حاسم في تثبيت مفاهيم، بعضها لا يمتّ إلى الإسلام بصلة، لكنها رُوّجت بوصفها تمثّلات حقيقية للنبوة."

إنها دعوة لتحرير الإنسان من سلطة الرواية غير المحققة، ومن سطوة المرويات التي تحوّلت إلى حدودٍ للعقل لا أدواتٍ له.

في هذين الفصلين، يطرح ماجد الغرباوي مشروعًا متكاملاً لنقد الغلو الديني والرواية التقليدية، لا بهدف الهدم، بل بهدف التحرير. إنها دعوة لتأسيس وعي جديد، يستند إلى العقل لا إلى الغيب، وإلى التساؤل لا إلى التسليم.

في زمن تتكاثر فيه مظاهر التدين الشكلي والخطابات الطائفية، يمثل هذا الطرح رافعة فكرية نحتاج إليها، لا بوصفه تحليلًا نقديًا فحسب، بل كخارطة طريق لعقل ديني جديد: عقل لا يخاف من النص، بل يُحاوره.

***

سعاد الراعي

في رحاب الفكر التّنويريّ، يبرز كتاب "الفلسفة النّسويّة في مشروع ماجد الغرباوي التّنويريّ"؛ للدّكتور محمود محمّد علي؛ كمرجع يسلّط الضّوء على رؤية ماجد الغرباوي في قضايا المرأة والمجتمع.

صدر هذا الكتاب في استراليا عن مؤسّسة المثقّف العربيّ ودار الوفاء (2020م)، ويقع في مئتين وخمس وخمسين صفحة، يغوص بنا في أعماق فكر الغرباوي، مستكشفا رؤيته للفلسفة النّسويّة وقضايا المرأة ضمن مشروعه التّنويريّ.

تناول المؤلّف بأسلوب تحليليّ مواقف الغرباوي من النّسويّة الغربيّة والعربيّة ومنطلقاتها ما بعد الكولونياليّة، والأسس الفكريّة للنّسويّة ما بعد الاستعمار، مستجليا أبعادها الفكريّة والثّقافيّة ومذاهبها، محلّلا مواقفه من قضايا المساواة والحريّة والحقوق، وعلاقة الحركة الإسلاميّة بالمرأة، والتطرّف الراديكالي، وعناصر الوعي النّسويّ وتكوينها. ولم يكتفِ بذلك، بل تطرّق إلى العلاقات بين الجنسين والدّور البيولوجي للمرأة، قدّم تساؤلات حول عالميّة قهر المرأة واضطهادها، ومفهوم النّظام الأبويّ وأصوله وتأثيره في التّربية، وغيرها من المواضيع الّتي ناقشها باستفاضة.

في هذا المقال، أقدّم لكم خلاصة لأبرز ما احتواه هذا الكتاب الّذي تميّز بمنهجيّة واضحة، مكّنت المؤلّف من كشف النّقاب عن رؤية الغرباوي وتقديمها للقارئ بأسلوب مباشر، مع التّركيز على لبّ الأفكار والمفاهيم الّتي تناولها.1272 mahmod

استهلّ الكاتب رحلته الفكريّة بتتبع نشأة الفلسفة النّسويّة، الّتي ظهرت كردّ فعل طبيعيّ لتحدّيات العصر الحديث وقضايا المرأة، موضّحا أنّه مع التّحوّلات الصناعيّة والحروب العالميّة، برزت الحاجة إلى إعادة صياغة دور المرأة في المجتمع، ممّا أفضى إلى ظهور الفلسفة النّسويّة السّاعيّة إلى فهم العالم من منظور أنثويّ، وقد تبلورت هذه الفلسفة عبر ثلاث موجات متعاقبة، بدءًا من القرن الثّامن عشر، وصولا إلى ذروتها في القرن العشرين، وتنوّعت تياراتها الفكريّة بين الماركسيّة واللّيبراليّة والاشتراكيّة والرّاديكاليّة، الّتي اتّفقت جميعها على تحقيق العدالة والمساواة للمرأة.

يرى المؤلّف أنّ ماجد الغرباوي هو من أبرز المفكّرين الّذين أرسوا دعائم الفلسفة النّسويّة، إذ قدّم رؤىً فريدة تستحقّ الدّراسة المتعمّقة، ويصفه بباحث نهضويّ عميق الفكر، يسعى إلى تجديد الوعيّ من خلال تحرير الخطاب الدّينيّ من أسر التّراث، وتقديم قراءة نقديّة للنّص الدّينيّ، بهدف إرساء قيم الحريّة والتّسامح في مجتمع مدنيّ متقدّم.

يقول: ينطلق ماجد الغرباوي من مشروع تنويريّ يهدف إلى إقامة مجتمع مدنيّ متحضّر، ويرى أنّ جوهر النّسويّة يكمن في تحرير وعي المرأة، ويشدّد على أنّ حقوقها تستمدّ مشروعيتها من إنسانيّتها، وأنّ المساواة الحقيقيّة تتطلّب عدالة تراعي خصائصها.

يرى أيضا أنّ الدّين تجربة روحيّة تعزّز قيم التّسامح، وأنّ الأحكام الشّرعيّة نسبيّة قابلة للتّجديد، ويختم بالإشارة إلى أهمّيّة تحرير العقل الجمعيّ من ذكوريّته، وتمكين المرأة من تأكيد إنسانيّتها بعيدا عن التّكريس اللّاشعوريّ للأنوثة.

يستهلّ الفصل الأوّل، "الأسطورة ومحدّدات الوعي"، باستقصاء علاقة المرأة بالدّين والأساطير والفلسفة، سعيا لفهم مكانتها في المجتمع المعاصر ضمن سياق عالميّ. يناقش موقف الغرباوي من الأسطورة فيقول: إنّ الأسطورة والفلسفة تعكسان تساؤلات الإنسان المصيريّة، فالأسطورة لغة رمزيّة تستدعي وعيا بالواقع الموضوعيّ وفهما للنّسق الثّقافيّ، حيث تتداخل الفنون والدّين والميثولوجيا في علاقة جدليّة، راسمة حدود التابو والمحرّمات.

فيما يتعلّق بمحدّدات الوعي المؤثّرة في علاقة الرّجل بالمرأة، يرى الغرباوي أنّها تتجلّى في خمسة عوامل: دهشة الرّجل أمام طبيعة المرأة الفسيولوجيّة، وقلق المصير الوجوديّ المشترك، والأسئلة الوجوديّة الّتي تلازم الإنسان، والثّقافة الّتي تشكّل وعيهما الجمعيّ، والخطيئة الّتي لازمت المرأة في الوعيّ الذّكوريّ.

يرى أنّ وعي المرأة مرتهن لوعي الرّجل ضمن أطر ثقافيّة وأخلاقيّة ذكوريّة، وأنّ تأليه المرأة قديما، كان مرتبطا بدورها كمصدر للحياة، لا باعترافٍ بإنسانيّتها.

كما يطرح سؤالا محوريّا: أين تتجلّى إنسانيّة المرأة في الأساطير القديمة؟ فتقديس "الأم الإله" لا يعني التّسليم بإنسانيّة المرأة، بل بتجسيدها لمصدر الحياة. ويؤكّد أنّ حريّة المرأة واستقلاليّتها مرهونة بالإقرار بإنسانيّتها، وهو ما سعت إليه المرأة منذ القرن التّاسع عشر.

يشير إلى أنّ المرأة عبّرت عن إنسانيّتها من خلال التّعليم والكتابة، كما تجسّد في أسطورة "إيزيست"، مؤكّدا أنّ الإنسانيّة تتجلّى في النّشاط والحضور الثّقافيّ والاجتماعيّ.

عن قضيّة المرأة والفلسفة يقول: واجهت المرأة عبر تاريخ الفلسفة إقصاءً وتهميشا، حيث رسّخ أفلاطون وأرسطو ونيتشه وغيرهم تبعيّتها للرّجل، وسلبوا وجودها الأنطولوجيّ، ورغم قسوة الخطاب الفلسفيّ، ناضلت المرأة عبر التّاريخ لتأكيد ذاتها، واستثمرت الفرص المتاحة، كما تجسّد في ملكة سبأ ورموز الأساطير، مؤكّدة حضورها وقوّتها في مواجهة الهيمنة الذّكوريّة.

في الفصل الثّاني "تحرير الوعي" يناقش فكرة الغرباوي بأنّ الفلسفة النّسويّة هي تحرير وعي المرأة، وإعادة تشكيله وفق رؤية إنسانيّة عادلة، عبر نقد مكوّنات الوعي وتفكيك منظومة القيم الأخلاقيّة الّتي تبرر اختزال المرأة. ويرفض التّعريفات الأخرى الّتي تركّز على المساواة أو الثّورة ضدّ موازين القوى الجنسيّة، معتبرا أنّها تجلّيات للوعيّ وليست جوهر الفلسفة النّسويّة، داعيا إلى تأسيس فلسفة نسويّة عالميّة، تتجاوز الظّروف الثّقافيّة والاجتماعيّة، مستندا إلى مبادئ إنسانيّة مشتركة، مع التّركيز على تحرير وعي الرّجل والمرأة على حدّ سواء.

أمّا الفصل الثّالث: " النّضال واسترداد الحقوق المنهوبة"، فيتطرّق إلى رفض الغرباوي للنّسويّة اللّيبراليّة والرّاديكاليّة والماركسيّة، معتبرا أنّ مشكلة المرأة تكمن في الوعي، لا في البنى الفوقيّة أو الصّراع الطبقيّ، فهو يرى أنّ المساواة المطلقة ليست عدلا، بل يجب مراعاة خصوصيّة المرأة، ويدعو إلى تحرير الوعي من عقدة المظلوميّة، وتأهيل الرّجل والمرأة إنسانيّا بدلا من الانفصال أو الصّراع الطّبقيّ، دون تجاهل لدور الدّين والأخلاق في تهذيب السّلوك.

في الفصل الرّابع وهو بعنوان " رموز الحركة النّسويّة في العالم"، يثمّن الغرباوي جهود رموز النّسويّة العالميّة والعربيّة، معتبرا أنّ قضيّة المرأة تاريخيّة، ويرى أنّ بعض الكتابات النّسويّة مقيّدة بأيديولوجيّات ممّا يحدّ من تأثيرها، يذكر أسماء بارزة مثل "سيمون دي بوفوار" الّتي ركّزت على استعادة وعي المرأة إنسانيّا، بينما ركّزت الأخريات على المطالب المشروعة كالمساواة، مثل: هدى شعراوي، ونوال السّعداوي وغيرهن.

يقول: إنّ موقفه من الرّموز النّسويّة يتحدّد بأهدافها، وينتقد دعاة التّحرّر المطلق، ويدعو إلى رفع الوصاية عن المرأة، مع مراعاة خصوصيّتها الأنثويّة.

في الفصل الخامس "الحركات الإسلاميّة والمرأة": يناقش نظرة هذه الحركات للنسويّة الّتي يجدها تنبع من مرجعيّات تختزل المرأة وتصادر حقوقها المتراجعة في ظلّ تطبيق الشّريعة من قبل بعض الحركات، ويعتبر أنّ الخلل يكمن في عدم فهم إشكاليّة المرأة، والاقتصار على قضايا شكليّة كالحجاب دون الاعتراف بإنسانيتها، أو تمكينها وتغيير التّصورات الخاطئة عنها.

يشير إلى أنّ النّصوص التّراثيّة كرّست النّظرة الدّونيّة للمرأة، وأنّ القرآن لم ينصّ على دونيّة المرأة.

"المنطلقات الفكريّة لنسويّة ما بعد الكولونياليّة": في هذا الفصل يطرح فكرة نقد الهيمنة الإمبرياليّة وتداعياتها الثّقافيّة والاجتماعيّة، وتحرير الثّقافة النّسويّة من إسقاطات الثّقافة الغازية، وضرورة تأسيس مرجعيّات نقديّة مستقلّة، وتفكيك الخطاب الكولونيالي، وتهشيم الوعي المستلب واستبداله بوعي يستمدّ حقيقته من القيم العقلانيّة، فالحريّة والوعي والعقلانيّة هي منطلقات فكريّة أساسيّة لنسويّة ما بعد الكولونياليّة، ويجب أن تستخدم لنقد الذّات والآخر، وتأصيل منظومة قيم تنسجم مع البيئة الاجتماعيّة والثّقافيّة.

في الفصل السّابع، يعرّف "قهر المرأة" بأنّه حالة نفسيّة سلبيّة تنشأ عن مواقف ظالمة، سواء كانت ذاتيّة أو موضوعيّة، وتتعدّد الأسباب الموضوعيّة لهذا القهر، وتشمل الحروب والأنظمة السّياسيّة القمعيّة، العادات والتّقاليد المجحفة والمنطق الذّكوري المتسلّط، العنف الأسريّ والتّحرش الجنسيّ، واستغلال المرأة في التّطرّف.

أمّا الأسباب الذّاتيّة فتتضمّن اللّامبالاة وضعف المرأة، الثّقافة الجنسيّة والوعي السلبيّ، وتنمّر الأنثى الّذي يشير إلى ردّة فعل المرأة الناّتجة عن انطباع سلبيّ تجاه الرّجل، حيث ترى في سلوكه محاولة للسّيطرة عليها، ممّا يؤدّي إلى سلوكيات استفزازية تصل إلى حد التنمّر والانفعال غير المنضبط، ويخلق حالة من الكآبة والقهر، ما يؤثّر على علاقتها بزوجها بشكل سلبيّ.

يقول: هذا السّلوك هو نتيجة لضبابية الرّؤية واغتيال العاطفة للعقل وتجاهل الأسباب الموضوعيّة المؤثّرة، رافضا تفسير هذه الظّاهرة وفقا لنظريات "فرويد".

يناقش الفصل الثّامن " مكوّنات الوعي النّسويّ وارتهانات تشكيله"، الفلسفة النّسويّة الّتي تسعى لتحرير وعي المرأة وإعادة تشكيله وفق رؤية إنسانيّة عادلة، تستدعي حضور المرأة على مسرح الحياة وتقرير مصيرها بنفسها، واستعادة شخصيّتها ومركزيّتها، ويدعو إلى تفكيك بعض الموروثات التّراثيّة البائسة، والعودة إلى ركائز الكتاب الكريم، القائمة على العدل والإنصاف.

" فلسفة النّظام الأبويّ في تربيّة المرأة"، في هذا الفصل يرى الغرباوي أنّ النّظام الأبويّ هو نظام هيمنة فوقيّة وانقياد طوعيّ، يشمل سلطة الأب والسّلطات الدّينيّة والسّياسيّة والاجتماعيّة، وكلّ ما يرمز له الأب من تعالٍ سلطويّ وفوقيّ، يفسّر كيف يقوم هذا النّظام على قيّم العبوديّة، ويعتقد أنّ النّرجسيّة هي سبب طغيان الذّكر وتماديه في اضطهاد المرأة، وأنّ صورة المرأة في وعيه هي الّتي تحدّد أساليب وطرق تربيتها، وأنّ الحداثة قد حرّرت المرأة من رهاب الفقر والعوز، وأنّ التطوّر الحضاريّ وقيم الحداثة الثّقافيّة فتحت آفاق التطوّر النّسويّ.

في الفصل الّذي يليه يبرز موقف الغرباوي من الفلسفة النّسويّة عند كلّ من رفاعة الطّهطاوي ومحمّد عبده، فيقول: إنّ رفاعة الطهطاوي كان رائدا في حركة تحرير المرأة، حيث دعا إلى تعليمها ومساواتها بالرّجل، وقدّم مشروعا نسويّا يتضمّن فهما مختلفا للدّين، أمّا محمّد عبده فيمثّل مرحلة جديدة في تاريخ النسويّة العربيّة، حيث عمل على إصلاح الفقه والأحكام الشّرعيّة، ودعا إلى فتح باب الاجتهاد، وإعادة فهم النّصوص وفقا للمتغيّرات الزّمانيّة والمكانيّة.

عن موقفه من الفلسفة النسويّة عند كلّ من عبد الوهاب المسيري ويمني الخولي يقول: إنّ المسيري قدّم في كتابه "قضية المرأة بين التّحرير والتمرّكز حول الأنثى" رؤية نقديّة للنّسويّة، حيث رفض ترجمة (feminism) إلى نسويّة، وانتقد اتّجاهات نسويّة ما بعد الحداثة، الّتي يعتقد أنّها قد تحوّلت من حركة تدور حول فكرة الحقوق الاجتماعيّة والإنسانيّة للمرأة، إلى حركة تدور حول فكرة الهويّة. أمّا يمنى طريف الخولي فقدّمت في كتابها "النّسويّة وفلسفة العلم" رؤية أكثر انفتاحا، فهي تعتقد أنّ ما بعد الحداثة أتاحت للنّسويّة أن ترتفع إلى مستوى النّظريّة والفلسفة الصّريحة.

بعد ذلك يناقش عضويّة المرأة الفاعلة في المجتمع، وعدم حصولها على حقوقها المفترضة بسبب النّظام الأبويّ الّذي يهمّش الأنوثة، وسعيها الدّائم لتغيير مظهر سطح الأرض (اللاندسكيب Landscape) بطريقة مختلفة عن الرّجل، فالجغرافيا النّسويّة على حدّ قوله، تسعى لاستعادة المرأة الإنسان إلى جوار الرّجل الإنسان من خلال البراهين والحجج إلى القبول الإنسانيّ بحقوقها، فالنّسويّة نظريّة ذات بعد سياسيّ، والدّولة وسياساتها ومؤسّساتها تؤثّر على العلاقات بين الجنسين، كما أنّ تفرّد الرّجل بمفاصل الدّولة يكرّس الوعي الذّكوريّ، الأمر الّذي ينعكس سلبا على المرأة، لذلك.. فالنّسويّة مدعوة لمواصلة تفكيك الخطاب الذّكوريّ ورصد انحيازاته، فالفارق البيولوجيّ بين الجنسين مردّه لعقدة الذّكر من الأنثى، وقد تمّ تكريس ذلك في التّشريعات والسّياسات المتحيّزة للذّكر.

في الفصل الّذي يليه يتطرّق إلى رأي الغرباوي في المدارس النّسوية الثّلاث (الإصلاحيّة، المقاومة، المتمرّدة) الّتي تعالج قضايا المرأة من زوايا مختلفة، فيقول: إنّها تتقاطع وتتكامل فيما بينها، وأنّ المشكلة النّسويّة هي مشكلة ثقافيّة ووعي، والحلّ يبدأ من وعي المرأة والرّجل.

كما يرى بالوظيفة البيولوجيّة للمرأة أنّها السّبب وراء تصنيفها، فالرّجل ينظر إليها كجسد وطبيعة بيولوجيّة مغايرة. هذا الفارق البيولوجيّ كان وراء ثنائيّة "رجل/امرأة" و"ذكر/أنثى"، لكنّه لم يُفهم على أسس إنسانيّة، بل أرسى ثنائيّة صلبة ولّدت أحكاما قاسية، وهذا الفارق لا يبرّر حصر أدوار المرأة في حدود الأسرة والأمومة، فما هذا الحصر إلّا نتاج للمنطق الذّكوري والنّظام الأبويّ.

يناقش بعد ذلك سوء فهم الخطاب الدّينيّ للمرأة، ويعلن تأييده للثّورة النّسويّة المتوازنة الّتي تدعو إلى المطالبة بحقوق المرأة، كما يرفض النّسويّة الرّاديكاليّة المتطرّفة الّتي تدعو إلى تفكيك المجتمع وإلغاء المرجعيّة الإنسانيّة، ويرى أنّ الثّورة النّسويّة الحقيقيّة هي ثورة فكريّة وثقافيّة تهدف إلى إعادة تشكيل الوعي على أسس إنسانيّة.

يتطرّق بعد ذلك إلى موقف الغرباوي من قضيّة حجاب المرأة، حيث يرى أنّ الحجاب قد تطوّر من مفهوم ديني للاحتشام إلى طقس اجتماعيّ، وأنّ موقف المرأة من الحجاب يتراوح بين التّزمّت والتّهتّك، وأنّ الحجاب ليس بالضرورة دليلا على الالتزام الدّينيّ، ويصنّف دوافع ارتداء الحجاب أو نزعه إلى خمسة أنواع: التّديّن، العادات والتّقاليد، التمرّد الأنثويّ، التّحرّر الراديكالي، والمكانة الاجتماعيّة.

يشير إلى أنّ الحجاب قد يوحي بنظرة أرستقراطيّة، ويجب على الفقيه أن يأخذ بعين الاعتبار دور المرأة في الحياة، ويرى أنّ الحجاب يتنافى مع مبادئ النّسويّة، وأنّه تضحيّة بجزء من الحريّة مقابل سلامة الحياة الاجتماعيّة.

"الغرباوي.. وماذا بعد؟"، في هذا القسم يجيب الغرباوي على سؤال حول مستقبل الفلسفة النّسويّة، فيركّز على النّسويّة العرب-إسلاميّة، ويدعو إلى موقف متوازن من الفكر الغربيّ مع الحفاظ على الهويّة العربيّة، وتبنّي "النّسويّة الفاضلة" كنموذج يجمع بين المبادئ الإنسانيّة والقيم الأخلاقيّة، والانخراط في حركات التّحرّر لتفكيك المجتمع الأبويّ وتحقيق المساواة، وتطوير الوعيّ النّسويّ لتمكين المرأة من ممارسة دورها الحضاريّ، ويؤكّد على أهمّيّة القراءات النّقديّة والبحث المستمرّ في هذا المجال.

وبعد.. يتبيّن أنّ كتاب "الفلسفة النّسويّة في مشروع ماجد الغرباوي التّنويريّ" ليس استعراضا لآراء مفكّر، بل هو دعوة للتّفكير النّقديّ والتّأمّل في قضايا المرأة والمجتمع، حيث يقدّم رؤية لمشروع فكريّ يسعى إلى تحقيق العدالة والمساواة بين الجنسين، ويؤكّد على أهمّيّة تحرير العقل الجمعيّ من ذكوريّته وتمكين المرأة، ويترك للقارئ مساحة للتّفكير في هذه القضايا الّتي تهمّ كلّ فرد في المجتمع.

في الختام.. هذه لمحة عن ماجد الغرباوي، المفكّر العراقيّ الّذي انطلقت رحلته الفكريّة من أستراليا، بعد أن استقرّ فيها وحصل على جنسيتها، بدأ مسيرته المهنيّة في مجال التّدريس، ثمّ تولّى رئاسة تحرير مجلّة "التّوحيد" وسلسلة "روّاد الإصلاح".

في عام 2006، أسّس "مؤسّسة المثقّف" الّتي تُصدِر صحيفة "المثقّف"، وتقدِّم جوائز تقديريّة للمبدعين والمثقّفين والمرأة.

صدر له العديد من الكتب، منها: التّسامح ومنابع اللّاتسامح، النّصّ وسؤال الحقيقة- نقد مرجعيّات التّفكير الدّينيّ، أنسنة التّراث وعقلنة النّصّ الدّينيّ، مقتضيات الحكمة في التّشريع، نحو منهج جديد لتشريع الأحكام، المقدّس ورهان الاخلاق، تراجيديا العقل التّراثيّ، المرأة وآفاق النّسويّة، مدارات عقائديّة ساخنة، تحرير الوعيّ الدّينيّ، مضمرات العقل الفقهيّ، الفقيه والعقل التّراثيّ، مواربات النّصّ، الهويّة والفعل الحضاريّ، جدليّة السّياسة والوعيّ، رهانات السّلطة في العراق، المرأة والقرآن- حوار في إشكاليّات التّشريع، إخفاقات الوعيّ الدّينيّ، الضّدّ النّوعيّ للاستبداد- استفهامات حول جدوى المشروع السّياسيّ الدّينيّ، تحدّيات العنف، إشكاليّات التّجديد، وغيرها من الكتب.

***

صباح بشير – أديبة وناقدة وكاتبة

بقلم د. ستيفان كوكاف*

ترجمة:  د. صالح الرزوق

***

مقدمة: في عام 2006 وأثناء اندلاع العنف الطائفي في العراق صدر كتاب في مدينة بغداد التي مزقتها الحروب، بعنوان "التسامح ومنابع اللاتسامح.. فرص التعايش بين الأديان والثقافات"1. للعالم العراقي المتخصص بلاهوت الشيعة والباحث بالفكر الديني ماجد الغرباوي (1954م)2، جاء فيه، (لم يبق امام الشعوب الاسلامية خيار للحد من ثقافة الموت والاحتراب والعداء والاقصاء المتفشية في كل مكان سوى تبني قيم التسامح والعفو والمغفرة والرحمة والاخوة والسلام)3. وكان يخاطب الشعب العراقي بوجه خاص، والمجتمع الإسلامي بشكل عام، مشيرا إلى نوعين أساسيين من التحديات تواجه العراقيين عند تبني قيم التسامح:

أولاً: يرون أنفسهم وسط مسيرة من التحولات، فهم ينتقلون من نظام سياسي استبدادي إلى آخر ديمقراطي.

ثانياً: العراق بلد يتمتع بدرجة عالية من التنوع الثقافي والديني والعقيدي والعرقي. كما أنه مأهول بــ "المسلمين والمسيحيين والمندائيين واليزيديين والشيعة والسنة، بالإضافة إلى عدد كبير من المكونات المسيحية المختلفة، والعرب والأكراد والتركمان والآشوريين والكلدان"4. في هذا السياق لم يكن الغرباوي يبالغ حينما قال عن التسامح إنه "علاج أساسي" نمنع به المذبحة الطائفية، ونسمح به للشعوب بالحد من الأزمات الدينية والعقيدية المحلية5.

في المقالة الحالية وهي أساسا نسخة معدلة من ورقة ألقيتها في مؤتمر العقلانية في اللاهوت الإسلامي بين التقاليد والحداثة، منشورة في "إرلانغن"، أشرت كيف أن تفسير الغرباوي للمصطلح العربي "التسامح" يعكس مقاربته العقلانية للتسامح كمصطلح ومفهوم. ولهذا الغرض ركزت على ثلاث جوانب من كتابه: تعريف التسامح، الشروط السياسية لتطبيقه، ورفض التطرف الديني. وذكرت أيضا أن مطالبة الغرباوي بالتسامح تعتبر انعكاسا ثقافيا يعبر عن خلفياته الدينية والثقافية. مثل هذه المقاربة تؤكد أن أشكال تفسير التسامح هو نتيجة سياق تاريخي واجتماع سياسي. وتقر هذه المقاربة أنه لا المحور الأورو- مسيحي ولا الشرق الأوسط الإسلامي عالج التفكير بالتسامح في فراغ غير محدد زمنيا - سواء كان "تسامحا بسيطا، أو قبولا أو تفهما". وبالأخص إذا وضعنا في الذهن فكرة انتهى إليها رينر فروست، والذي عرف "المسامحة/ التسامح على أنه "مصطلح تأزيم"Konfliktbegriff 7 حالة أو ممارسة تظهر فقط ضمن ازمات اجتماعية من نوع محدد"8.

1 - وجهان تقليديان للتسامح:

1-1 السياق الأوروبي:

يحلل فروست في دراسته المؤثرة "التسامح في أزمة" كيف تطور المصطلح الرواقي التسامح في التاريخ الأوروبي إلى مفهوم "يتنبأ بتعايش التعارضات"9. ويقسم المسامحة / التسامح إلى أربع مفهومات: القبول permission، التعايش، الاحترام، والثقة esteem وأول تعريف له وضعه شيشرو (توفي 43 ق م) وهو تحمّل الألم، وسوء الحظ والظلم، وبدل المصطلح tolerantia معناه تحت مظلة المسيحية إلى التعامل بصبر مع سلوك الآخرين ليكون بمعنى تحمل إساءاتهم وكفرهم 10. ويصنف فروست هذا الجانب من التسامح ويعده مفهوم قبول11 ويتابع ضمن هذا المفهوم المعنى التراثي المتأخر والمفهوم المسيحي القروسطي للتسامح / المسامحة، وكذلك مرسوم نانت 1598 من عصر الإصلاحات. علاوة على ذلك هو يعتبر أن معاهدة أوغسبورغ 1555 هي مثال لدمج مفهوم القبول والتعايش في المسامحة / التسامح، وأساسها موجود في رؤية "جماعات تتمتع تقريبا بقوة متماثلة وتقر أنه عليها تطبيق التسامح في سبيل السلام الاجتماعي وبما يخدم مصالحها"12. ولم يتطور المسامحة / التسامح أخيرا ليصبح فلسفة مستقلة وموضوعا سياسيا إلا بعد التجارب المريرة لحروب المعتقدات في أوروبا اليافعة الحديثة (حروب فرنسا الدينية، حرب الثلاثين عاما). وقطع هذا الاتجاه بهذا الخصوص رسالة جون لوك (1632-1704) عن التسامح 1689، والتي اعتبرها فروست ذروة التبرير الليبرالي للتسامح 13. حينها علق فروست على مفهوم الاحترام والذي "يبدأ من الدواعي الأخلاقية للاحترام المتبادل" حيث "الجماعات المتسامحة تحترم بعضها بعضا نظرا لأنها جهة ذات سيادة أو لأنها فرد له الحق بالتساوي ليكون عضوا في جماعة سياسية تشكلت برعاية القانون"14.

أخيرا، وخلال التنوير الأوروبي، أضيف لمصطلح التسامح "تعميم علماني" säkulare Generalisierung 15 . كان سابقا يطبق بشكل أساسي على القضايا الدينية، وعليه كان يستعمل بمعنى قبول وجهات النظر الأخلاقية والفلسفية والسياسية. وبعد فترة "عصر التطرف"16 التي ظهرت في القرن العشرين، كان الإعلان عن مبادئ التسامح كما تبنته الدول الأعضاء في اليونسكو عام 1995 بالتأكيد واحدا من أهم المحاولات التي أسست لتفسير دولي موحد بخصوص معنى وتطبيقات التسامح 17. وحسب هذا الإعلان يعرف التسامح بأنه "احترام وتقبل وتفهم التنوع الكبير في ثقافات عالمنا، وأساليب تعبيرنا وطرق تحقيق إنسانيتنا" (1.1) وبأنه "مسؤولية الالتزام بالحقوق الإنسانية، والتعددية (ضمنا تعدد الثقافات)، والديمقراطية ودور القانون" (1.3).

على كل حال وجهة النظر الحديثة عن التسامح باعتبار أنه "مؤشر مبرر للتعدد الثقافي والسلم المدني" 18 تعرضت لإعادة الدراسة النقدية أيضا. وقد ذكرت "ويندي براون" أن الخطاب السياسي والاجتماعي الغربي فيما يتعلق بالتسامح يعمد لإنتاج هوية لها معنى ومحتوى يسيس "التحكم بالنفور" وذلك برسم وإظهار الحدود الدينية والاجتماعية والثقافية والعرقية، وليس بقبول وتفهم الفروقات واعتبارها من خصائص المجتمع الديمقراطي19.

فيما يتعلق بوظيفة التسامح، بكل تأكيد يعكس إعلان اليونسكو التجارب الأوروبية عن المسامحة / التسامح وينظر له على أنه مصطلح أزمة مؤكدا على وظيفته كأداة لبناء السلام (1.1)، وكفضيلة إيجابية يمكنها رفع الأزمات على عدة مستويات اجتماعية مختلفة (دينية وثقافية وعرقية وجنسية). مع ذلك نطاق هذا التعريف جعله مفتوحا أمام الثقافات غير الغربية، وربما لهذا السبب وقع الإعلان جميع الدول المسلمة العضوة في اليونسكو، ومن ضمنها إيران والسعودية العربية.

1.2 التسامح في الأعراف الإسلامية: بعض المصطلحات والمفهومات الكلاسيكية

في الأعراف الإسلامية تحيل، بالعادة، مفهومات التسامح مباشرة إلى القرآن. وهنا ق 2: 148، 5:48، و109:6 تلعب أدوارا هامة فيما يخص سلوك المسلمين تجاه أتباع الديانات الأخرى: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل منكم جعلنا شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون20.

وكذلك ق 10:99 وق2:256 من الآيات الهامة ("لا إكراه في الدين)، وكما قال يوحانان فريدمان: أصبحت "نص إثبات" على الحرية الدينية في الإسلام22. ويبدو أن كلا الآيتين تمنع القسر في أمور الإيمان، وعليه لعبت دورا هاما في خطاب إصلاح التسامح الإسلامي المعاصر23. بالإضافة إلى هذه المقولات التي تعبر عن الاعتراف بالتنوع، توجد آيات أخرى من القرآن تدعو لمحاربة أتباع الوثنية العرب (المشركين). يذكر ق 9:5 أنه عليهم شن الطعان حتى يعتنقوا الإسلام: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم).

باستثناء الموقف من الكفار، هناك "أهل الذمة"24، وهم "أهل الكتاب". (اليهود والمسيحيين، يضاف لهم الصابئة والزرادشتيين). وهؤلاء ومن يشتملهم هذا التصنيف  من غير المسلمين، بمتابعة دينهم واتباع تعاليم شريعتهم، ولكن لا يعاملون بالتساوي مع المسلمين. ويشترط عل جميع الذكور من أهل الذمة أن يدفع الجزية للسلطة الإسلامية. وحسب قول أنفير إيمون إن الذمي "له الحق بحرية التعبير والتي ضمنها الشرع الإسلامي على أساس التنوع وحكم الجماعات المتعددة"25. ولكن قانون الذمي بنفس الوقت يعرض غير المسلمين للتمييز، كما تبين "الشروط العمرية" 26.

بالإضافة إلى هذا المفهوم الإسلامي الكلاسيكي الهام عن التسامح مع غير المسلمين، طور الإسلام أيضا مفهومات لتقبل التنوع في الداخل. وكما بين توماس بوير الإسلام خص نفسه بــ "غموض ثقافي" طويل، وتقبل خطابات متعددة، ومضامين وتفسيرات مختلفة"27. وذكر بوير عدة أمثلة منها القراءات المقبولة للقرآن واختلاف الرأي في الشرع. وأظهر كيف أن الاختلاف مسموح في الشرع الإسلامي، وقد احتكم إلى أحاديث تعزى للنبي محمد، وفيها أعلن أن الاختلاف "رحمة" للمجتمع الاسلامي28. ومن المدهش أن فروست في دراسته المفصلة حلل أيضا اثنين من أهم المفكرين الإسلاميين في عصرهما، وفي تاريخ الإسلام بشكل عام: اللاهوتي الفارسي أبو حامد الغزالي (توفي 505/ 1111) والقاضي والمفكر الأندلسي ابن رشد (أفيروس، توفي 595/1198). كلاهما اشتركا بفكرة التسامح وقبول تفاسير بديلة ما دامت لا تشكك بالحقائق الأساسية للدين ولا تعارضها29. بالنسبة للغزالي، مثل هذه الأفعال تقرب الإنسان من تهمة الكفر، وتتضمن نفي الإيمان بالله، وتنعت النبي بالكذب، وتنكر يوم القيامة 30. وبالنسبة للتأثير بالفكر الأوروبي، ركز فروست على ابن رشد وليس الغزالي. وبين كيف أن ابن رشد يميز بين التفسير الحرفي والمجازي للشرع، ويقبل أن الحقيقة الفلسفية لا تتعارض مع الإيمان. والحقائق الأساسية عند ابن رشد فيما يخص الدين، مثل الاعتراف بالله والنبوة، تمثل "المعنى الظاهر" للشرع ويجب فهمها حرفيا. وأن تشكك أو تنقد هذه الحقائق عمل من أعمال الكفر. ويتوجب عليه العقاب. ولكن في مجال "المعاني المحدودة" من الشرع الديني، يجب فهمها مجازيا، وهي متاحة لعدد قليل من المثقفين المؤهلين، ولذلك الاختلاف والتباعد في الرأي أمر مقبول. ويختم فروست كلامه بأن "أفكارا من هذا القبيل - بخاصة الحقيقة الفلسفية السائدة مع الحقيقة الدينية تشكل تحديا لكل تعصب ديني - ... وتبناها ابن رشد وتحولت إلى ظاهرة تسمى الرشدية Averroism . ولها آثار طويلة الأجل حتى العصر الحديث ولا سيما في عصر النهضة"31.

1.3: التسامح و"التوليرانس"

المصطلح المستخدم بالترجمة العربية لإعلان اليونسكو عن مبادئ التسامح هو نفسه الذي يستعمله الغرباوي في كتابه المنشور عام 2006. وهو "تسامح"tasāmuḥ 32 ويعني حرفيا "أن تكون واسعا أو فائضا" وأن تتصرف "مع الآخرين بطريقة بسيطة أو لطيفة"33. وفي جذره العربي السادس وهو س - م - ح، يعبر التسامح عن عمل مشترك. والمعنى المعجمي الكلاسيكي للتسامح يتضمن كذلك عملا مشروطا بما "يقبله" 34 وذلك على شكل عمل ودي تتكرم به على التابع. وحسب تعريف لسان العرب لابن منظور (توفي 711/1311)، التسامح يساوي كلمة جود (الحميد، الطيبة) والتساهل وتعرف بأنها "التصرف فيما بيننا بطريقة بسيطة وعادلة" 35.

ومنذ النصف الثاني من القرن 19، بدأ المثقفون العرب العلمانيون والمتدينون على حد سواء، بمناقشة معنى ووظيفة التسامح الديني والسياسي باستعمال مصطلحين: التسامح والتساهل. وهذا التفكير المستجد بالتسامح قد تطور في فترة ما يسمى "نهضة" الأدب والفكر العربي كنتيجة لمؤثرات غربية. وكان رواد الحركة من الأدباء المسلمين والمسيحيين مثل المصري محمد عبده (1849- 1905)، واللبناني فرح أنطون (1874 - 1922) وأمين الريحاني (1876- 1940)، والتونسي الطاهر بن عاشور (1879 - 1973) 36. ووظف الأخير مصطلح التسامح للتعبير عن التسامح الديني الإسلامي الأصلي تجاه غير المسلمين، وهذا برأيه ينبع مباشرة من الشريعة (القانون الإلهي)37. بالمقابل عرف فرح أنطون مصطلح التسامح بمعنى التسامح السياسي والديني في الدولة العلمانية، الذي يرتكز على التساوي الكامل بين المسلمين والمسيحيين 38.

منذ هذه اللحظة وما بعد، يمكن المرء أن يجد عموما ترابطات إيجابية متلازمة مع مصطلح التسامح، مثل "التصالح" وهو ملتزم بتنازلات”

esprit de conciliation, porté aux concessions.39.

وعليه مصطلح التسامح، والذي استعمل لعدة عقود على أنه "كرم مشترك" غير متناه اقترن بمواصفات إيجابية. وفي النهاية توصل لاسترساء علاقات سياسية.

2 - الغرباوي والتسامح:

احتفظ الغرباوي بوجهة نظر عن التسامح تجاوزت الفضاء الديني، لتشمل كل جوانب المجتمع المدني. ومن سيرته تعرف أنه درس علوم الدين الإسلامي في حوزة تقليدية شيعية هي الحوزة العلمية في النجف وبعد ذلك درس في مركز شيعي في قم، إيران. وبسبب عدم توفر شروط الأمان اضطر لمغادرة بلده وحاليا يعيش في سيدني. وهناك أسس "مؤسسة المثقف العربي"، رابطة الكتاب والمثقفين العرب. وحسب تعريف شبكة انترنت المثقف يجتهد الغرباوي لإرساء قيم الحرية والتسامح والعدل وترسيخ قيم المجتمع المدني الذي يخلو من العنف والبغضاء والحرب. ولخص أهم الموضوعات التي أخلص لها بكتاباته والتي تمنحه صفة مفكر إصلاحي بما يلي: "نقد الفكر الديني"،"التسامح"، "العنف"، "الحركات الإسلامية"، "النسوية"، و"الإصلاح والتجديد" 40.

2.1: معنيان للتسامح

يضم كتاب التسامح ومنابع اللاتسامح ثلاث فصول. يتعامل الأول مع معان مختلفة للتسامح. والثاني يعالج أسس وشروط التسامح في مجتمع تعددي. ويركز هنا الغرباوي على دور القانون والحقوق المدنية، التي تتضمن مساواة المسلم مع غير المسلم، وتلح على أن مجتمع التسامح يتحقق ضمن إطار دولة ديمقراطية وعلمانية. أما الفصل الثالث والأخير فيقدم عرضا للأدلة على المبادئ الإسلامية المركزية كما وردت في القرآن والحديث، والتي اعتبرها الغرباوي أسسا جوهرية للتسامح: الرفق والحلم والعفو والرحمة. بدأ الغرباوي بملاحظات عامة متسائلا لماذا على الناس التسامح بين بعضهم البعض. ثم يناقش لاهوتيا وفلسفيا مشكلة النقص التي يعاني منها الإنسان. ولأن الكائنات البشرية ضعيفة بتفكيرها وسلوكها، تمتلك القدرة على التسامح مع بقية البشر. هذه القدرة، كما يقول الغرباوي، منحها الله للإنسان بشكل صفات بشرية مثل الحب، والرحمة والرفق، والكرم، والإنسانية، والعطف، والمغفرة. ثم أكد الغرباوي على رأيه بالإشارة إلى المقولة الشهيرة المنقولة عن الفيلسوف الفرنسي فولتير (1694-1778) من معجم الفلسفة (1764). وكما قال فولتير على الكائنات البشرية أن يعفو بعضها عن بعض بعد أي خطأ. "ما هو التسامح؟ هو ميزة تتمتع بها الطبيعة البشرية: كلنا مخلوقون من الضعف والأخطاء، ولذلك نحض الطرفين على أن يغفر الواحد حماقة الآخر. وهذا هو أول قانون في الطبيعة"41. في هذه المداخلة نرى كيف أن الغرباوي يدمج فكرة الهبة الإلهية وهي تطبيق أخلاق التسامح مع حض فولتير على عفو الواحد عن خطأ الآخر. وبتحقيق ذلك يربط الغرباوي التقاليد اللاهوتية مع فكرة مركزية وضعها أحد رواد التنوير الأوروبي 42. أضف لذلك يؤكد الغرباوي، قبل أن يناقش مصطلح التسامح، أنه من الضروري وضع تعريف صحيح له. وإلا سيقود التفسير الخاطئ للمصطلح إلى سوء الاستخدام، ويصبح الاستسلام والذل، بمعنى الرحمة، أو بمعنى أخلاق غير مباشرة تسمح وتقبل بالأفعال الخاطئة43. ولذلك يميز الغرباوي بين المعنى اللغوي والاصطلاحي للتسامح. ويؤكد الغرباوي بالعودة إلى التعريف الفلسفي الكلاسيكي للتسامح كما وضعه ابن منظور في لسان العرب، أن التسامح يتضمن حرفيا السماحة والجود، ويناقش، بعد تتبع جذره الإيتمولوجي، أن التسامح يتضمن المنَّة والكرم. ويلح أن هذا التفسير الألسني للتسامح يتضمن عدم المساواة بين المتسامح والمسموح عنه، وعليه يتضمن علاقة هرمية بين أعلى متسامح وأدنى يتلقى فعل التسامح ويكون موضوعه 44.

ثم يلتفت الغرباوي لمعنى التسامح ويعتبر أنه اصطلاح ويؤكد أن تطور التسامح إلى مفهوم لازم، والذي يضمن تقوية الحريات المدنية ومنها حرية المعتقد الديني والحقوق الإنسانية، كان نتيجة الأزمات المحلية في المعتقدات والحروب وذلك في القرنين 17 و18 في أوروبا. وبتحقيق ذلك يؤكد على تأثير التقاليد الفلسفية للتنوير الأوروبي. ويذكر أن التسامح مع الآخر أصبح منذ هذه اللحظة، ليس فعل رحمة مجرد أو تراجع لمصلحة الآخر، ولكنه فرض اجتماعي يرتكز على الحقوق الشخصية. وأخيرا يقدم الغرباوي تعريفه الشخصي للتسامح: (... موقفا ايجابيا متفهما من العقائد والافكار، يسمح بتعايش الرؤى والاتجاهات المختلفة بعيدا عن الاحتراب والاقصاء، على اساس شرعية الآخر المختلف دينيا وسياسيا وحرية التعبير عن آرائه وعقيدته. وكان المفهوم في بداية تشكله يتضمن قيما اخلاقية اختيارية)45.

وأشار أيضا أن معنى التسامح هذا هو بالأساس نتاج التطور التاريخي في أوروبا، ونجم عن انحطاط سلطة وتأثير الكنيسة في الحياة السياسية 46. هذا الكلام يبين لنا أن الغرباوي أكد على الخلفيات المباشرة التاريخية لمفهوم التسامح في أوروبا، ولا سيما حين يقول إن التسامح بمعناه الاصطلاحي، كمفهوم لقبول وفهم حق الآخر، هو غريب على البيئة الإسلامية والعربية وهو بعيد عن لغتها وطرق تفكيرها. وعليه من الضروري للغرباوي أن نفكر بخطاب إضافي يفسر معنى التسامح، ومدى تطابق مفهوم التسامح مع القيم السائدة في المجتمع الذي وجد نفسه فيه. بنظره يبدو من الواضح أن هذا الفكر الجديد عن التسامح سيساعد الناس على مراجعة قيمهم الدينية وسيبين، على الأقل، ماذا يناسب منها وأيها يحتاج للنقاش. ويفترض أنه بعد ذلك سيفهم الناس أن مفهومات كالتسامح والتعددية ليست غريبة على دينهم، وأن اللاتسامح هو في الحقيقة نتيجة الفهم المتعصب للنصوص المقدسة وللدين بشكل عام 47. ويبدو أن الغرباوي يدرك أن أهدافه طموحة جدا. ويخاطب القارئ ويعترف أن إعادة التفكير بالأعراف والمفهومات التقليدية يتطلب قدرا كبيرا من الانفتاح والرغبة بالتغيير. إلا أن موقفنا من التسامح إما أنه لا يتبدل أبدا، أو يتبدل بالشكل وليس بالمضمون48. وفقط بالخطاب المفتوح سيكون المجتمع مؤهلا لأن يتحول إلى "مجتمع حديث حقيقي" وهو " حديث لكن ليس بالكلام فقط"49.

2.2: الإطار السياسي

بعد أن أشار الغرباوي أن المعنى الحقيقي للتسامح يتحقق بـ"الاعتراف بالآخر" التفت لاحقا إلى كيف نفهم التسامح ضمن مجتمع تعددي مثل العراق. وكما قال: هناك أربع قيم إسلامية تعد جوهرية لشرعنة مفهوم التسامح في المجتمع: (الرفق، الحلم، العفو والرحمة). وهذه القيم قادرة على منع العنف وقد تمكن من بناء جو يساعد على نشر التسامح. ويقول: لكن يوجد فرق في مثل هذا المجتع بين قبول العيش مع الآخر والاعتراف الحقيقي بالآخر. الأول يتضمن جانبا عمليا على طول الخطوط التي وضعها فروست بمعنى التعايش، بينما الثاني قد يعني احترام آخرية الآخر، وهذا إقرار بهويته العرقية والدينية واعتبار أنها ليست أدنى، ولكنها متساوية مع هويته 51. وقاد هذا التمييز الغرباوي إلى أن يفهم أن الشعب لم يتخذ خطوة لتفعيل هذا الشكل من اعتراف الواحد بالآخر. ويجب أن نفهم أن التسامح وقبول الآخر يحتاج لتطبيق الحقوق المدنية. وحقوق المواطنة قد يكفل التساوي لكل أفراد المجتمع، ولا سيما غير المسلمين. والغرباوي يضع بناء على هذا الاقتراح وبوضوح شرطا لا بد من تحقيقه: وحدة البلد وتوفير السلم والأمن، وهما خصيصتان تتحققان فقط في الدولة القوية القادرة على ضمانة حقوق كل مواطنيها.

كيف تبدو دولة من هذا النوع؟. برأي الغرباوي يجب أن تكون ديمقراطية وعلمانية. ويلح على أن قوة الديمقراطية تعتمد على مستوى التسامح ضمن ذلك المجتمع المعني. وإذا لم يتوفر للتسامح هياكل الديمقراطية سيشجع السلطات غير الديمقراطية واللامتسامحة. ويتابع قائلا إن جوهر الدولة المدنية أن لا ترمي بنفسها في الحروب وأن لا تكبت الدين. وعلى العكس يجب أن تكون مؤسسة محايدة تسمح بممارسة الدين بجو حر لا أن تقمعه.

وكما وضح الغرباوي ضمن إطار الدولة الديمقراطية العلمانية فقط نضمن حقوق المسلم وغير المسلم ونوفر له حماية سياسية:

وأما إذا كانت الدولة علمانية (لا بالمفهوم الخاطئ لها، وإنما بمعنى فصل الدين عن الدولة، لا معاداة الدولة للدين. لأن العلمانية، بمفهومها الصحيح لا تستلزم ذلك) فربما يحظى الأخير في ظلها "الدولة" بحرية تمكن المجتمع المسلم من أداء وظائفه الدينية والتعبير عن مشاعره الإسلامية بكل حرية وأمان شريطة أن تكون تلك الحرية مضمونة لجميع الديانات الأخرى 52.

حسب هذه الفقرة يمكننا أن نلاحظ أن الغرباوي لا يبرر "العلمانية" بمصطلحات دينية. ولكنه يؤكد فقط أنه لا يجب أن نفهم "العلمانية" بــ "معناها الخاطئ"53.

يبين لنا الاقتباس السابق كيف أنه يناقش بحذر ضرورة تجنب سوء الفهم، وكيف يمنع قارئه من تحريف "العلمانية". ولذلك يوضح باستعمال مصطلح حساس هو "العلمانية" أنه لا يدعو إلى أشكال معاداة الدين والاستبداد الحكومي، ولكنه يستعمل "العلمانية" بمعنى فصل الدين عن الدولة، وهكذا يصبح كل الجماعات الدينية وكل المواطنين سواسية ومحميين بحق منحته الدولة. ومن المهم أن نشير أن الغرباوي في هذه الحالة يناقش من زاوية دينية الحق الممنوح لغير المسلمين. وبهذا السياق يشير إلى "صحيفة المدينة" "دستور المدينة المنورة" حيث تم اعتبار المسلم وغير المسلم مكونا في المجتمع الإسلامي، مع التساوي بالحقوق، كما يذكر الغرباوي بخجل. وإشارته لهذه المبررات الدينية تبين لنا أنه غير مقتنع أن الفهم "العلماني" المجرد يكفي لإقناع القراء.

2.3: التطرف الديني والحرية الدينية

يعلن الغرباوي في "التسامح ومنابع اللاتسامح" أن التطرف الديني هو عكس التسامح 54. وحسب قوله إنه يمثل أخطر منابع اللاتسامح " لتلبسه ببعد شرعي، وتوظيفه للنص الديني"55. ويقبل الشعب الآراء المتطرفة بسرعة لأنها غالبا تختبئ وبدقة وتتنكر بمفهومات دينية مثل "الجهاد في سبيل الله" و"العمل الصالح" و"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"56.

ويذكر الغرباوي أن التطرف الديني يعتبر شيئا لا يعدو كونه "قراءة متحيزة للدين وقراءة مجتزئة للنصوص "المقدسة".."57.

وفي مقالة نشرت بعد وقت قصير من "تفجيرات لندن" في تموز 2005 يصرح الغرباوي أن الدين غطاء دائم لشرعنة الإرهاب 58. ويحاول المتطرفون الإسلاميون حرف الإسلام، وجعله "معركة مستمرة ضد الآخر" بالإساءة لأولئك الذين لم يدخلوا في الإسلام واعتبارهم غير مؤمنين. ويوظفون القرآن والسنة فقط لتبرير أهدافهم السياسية والاجتماعية، من خلال توظيف بعض الأفعال أو تكفير بعض المسلمين. في "التسامح ومنابع اللاتسامح" يقرر أن التطرف "حول الدين إلى صارم ما زال مشهورا ليقطع وتين كل من سولت له نفسه مخالفة المتطرفين الدينيين بالرأي، أو الاعتراض على سلوكهم وتصرفاتهم"59. ثم يبين أن كتابات سيد قطب (1906 - 1966) على وجه الخصوص مسؤولة عن نشر الفكر المتطرف. وبذلك جعل التطرف ثقافة دينية جديدة هي على النقيض من القيم الإنسانية للقرآن60. وللتغلب على هذه الظاهرة الخطيرة يدعو الغرباوي لتأسيس "ثقافة دينية جديدة" ترتكز على مراجعة المنابع الدينية وطرائق تحويلها:

"ينبغي الإسراع في بلورة ثقافة دينية جديدة، ترسم حدود الأحكام الشرعية في القرآن، وتحدد ما هو مختص بحياة الرسول، وتبين متى وكيف يكون الحكم مطلقا في كل زمان ومكان. وهل جميع ما في القرآن فعلي. ثم يجب تكثيف الحديث عن النسخ، وهل صحيح أن آية السيف نسخت كل رحمة وعفو ومغفرة بالقرآن؟"61.

تلعب ق 2:256 (62) دورا هاما في فكر الغرباوي ومنافحته ضد بلاغة الإقصاء في التطرف الديني. ويجادل أنه لا يوجد دين ولا عقيدة تسمح بالادعاء أنه يمتلك الحقيقة المطلقة. ومعظم البشر، كما يتفضل بالتوضيح، هم ببساطة غير قادرين على اختيار دينهم طواعية. ولكنهم ولدوا في تقاليد دينية محددة، وتوجب عليهم اتباع معتقدات مجتمعهم 63. ويدعم الغرباوي وجهة نظره بنظرية "الصراطات المستقيمة" إلى الحقيقة كما وضعها المفكر الإصلاحي الإيراني عبد الكريم سروش. (مولود 1945):

(لا التشيع ولا التسنن هو إسلام نقي وصحيح على وجه الإطلاق "مع أن أتباع كل طريق يتمسك برأيه عن نفسه". ولا الأشاعرة ولا المعتزلة صواب مطلق. ولا فقه المالكية ولا الجعفرية. ولا تفكير فخر الدين الرازي ولا الطبطبائي. ولا الزيدية ولا الوهابية. ولا يمكن القول أن قواعد الإسلام وعبادة الله متحررة من الصنمية، ولا كل المسيحيين من أتباع الأصنام. فالعالم مشحون بالهويات غير الخالصة. والأمر ليس كأننا من جهة نمتلك الحقيقة الصافية، ومن جهة مقابلة، الخطأ الكامل. وما أن نعترف بذلك يصبح أسهل وأيسر لنا هضم التعددية) 64.

في كلامه يشير الغرباوي إلى تفسير واحد من أهم مراجع الشيعة في القرن العشرين وهو محمد حسين الطبطبائي (1904 - 1981)65.

في تفسيره للقرآن والذي يحمل عنوان "الميزان" يبين الطبطبائي أن ق 2 :256 ليست محصورة بأهل الكتاب، ولكنها تشمل كل أنواع القسر في المعتقدات الدينية:

"لا يوجد إكراه في الدين' ترفض ولا تقبل الإكراه والقسر في الدين. فالدين مجموعة من الحقائق التي نؤمن بها، ونعمل وفق تعليماتها. باختصار الدين اعتقاد وإيمان، وهو مسألة وعي، وشيء من هذا القبيل لا يمكن بناؤه قسرا وبالإجبار. يمكن أن تجبر شخصا على عمل معين ضد مشيئته ولكنك لا تستطيع إرغامه على أن يؤمن ضد إرادته. المعتقدات تتبع العقل والموافقة، ولا شيء سوى العقل والفهم يمكن أن يحققها66.

باتباع كلام الطبطبائي يذكر الغرباوي أن ق 2: 256 تتضمن قداسة كل معتقد ديني. والآية تلغي العبارات المخالفة لها في القرآن مثل ق 9:29، والتي تحض على قتال غير المسلمين حتى دفع الجعالة. أي الجزية. في هذا السياق تبدو مقولة الغرباوي نقدية وتاريخية وترتكز على روح الدين. من جهة يقرر أنه علينا قراءة ق 9:29 على أساس خلفياتها التاريخية، وعليه لم يعد لها مبرر معاصر. ومن جهة مقابلة على القرآن اعتبار مثل هذه الآيات على أنها منسوخة بفعل بقية الأحكام القرآنية التي تشير لرحمة الله، أو بالاستناد للحكم الشامل لمعنى ومبدأ قوله "لا إكراه في الدين". وق 60:8 (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)67.

وعليه الاحترام والاعتراف بالأديان الأخرى لا يعتبر ضعفا في موقفنا الديني، ويجب فهمه على أنه أخلاق مفروضة تجاه غير المسلمين كما بين القرآن. ومعنى ق 2:256 يرتبط بالتعامل مع المرتد. يؤكد الغرباوي أن القرآن أكد أن عقوبة الارتداد والكفر عقوبة اخروية وليست دنيوية. فلا تستوجب العقوبة ولا القتل في هذه الحياة 68. ثم يذكر أن شرط قتل المرتد محدد بعصر النبي ولكنه ليس فعليا بعده 69. والحديث المعروف المنسوب لمحمد "من بدل دينه فاقتلوه"، مشروط بعصر النبي، حينما كان الخروج عن الإسلام يعادل المعارضة السياسية لقيادة محمد، وهو خطر ساحق لاستقرار المجتمع الإسلامي الناشئ.

ويبرر الغرباوي عقوبة المرتد في بواكير الإسلام بوضعها في سياق معناها. ولذلك لا يمكن أن يسمح بها اليوم. وذكر عدة آيات أخرى ومن ضمنها ق 5:54 أن القرآن تعامل بهدوء مع ظاهرة الردة:

(يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم).

وينهي الغرباوي كل آيات القرآن التي تناقش قتل المرتدين بملاحظة تؤكد أنه يجب فهمها على أنها منسوخة وذلك من سياق معنى ق 2:256 والجزء المشهور من ق 10:99 :"ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت <محمد> تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" 71.

ملاحظات ختامية

إن الدعوة المتكررة إلى التسامح سببها  انتشار التطرف الديني. ثم أعلن الباحث العراقي ماجد الغرباوي بعد هذه المقاربة،أن التسامح والعلمانية مفهومان لا غنى عنهما لمحاربة انتشار التعصب في بلده. وعليه من الواضح أن فهمه يحتفظ بضرورة موضعية مباشرة ومحلية. ويجعل الغرباوي في "التسامح ومنابع اللاتسامح" من التسامح "اعترافا بالحقوق الدينية والسياسية للآخر" ويتجاوز معناه الكلاسيكي وغير الواضح. ومن المدهش أنه يستعمل مصطلح "علمانية" كأنه مفهوم مرتبط بالحقوق المدنية (وهذا يتضمن الحقوق الإنسانية الأساسية)، وفصل الدين عن الدولة وعن الديمقراطية. وهكذا يعكس في نقاشه مقاربة المفكرين الإسلاميين الإصلاحيين الآخرين مثل عبدالكريم سروش وعبد الله أحمد النعيم (مولود 1946).

لكن لا يقف الغرباوي وحده في كلامه. مع سروش يوجد باحثون مثل خالد أبو الفضل (مولود 1963)72، والكاتب السوري هيثم مناع (مولود 1951) 73، واللاهوتي والناشط السعودي محمد محفوظ (مولود 1966)74، أو المفكر الإيراني محمد مجتهد شبستري (مولود 1936)75، وكلهم ناقشوا في كتاباتهم وبتركيز شديد مصطلح التسامح. وفي نفس الوقت لم يقدم الغرباوي وصفا مسهبا كيف يمكن وبدقة تعريف الدولة الديمقراطية العلمانية. بالنسبة له يبدو أنه يكفي التأكيد على أن ثقافة التسامح، كما تطرق في إطار عمل من هذا النوع، لا تتعارض مع أساسيات الدين الاسلامي. ويقترب الغرباوي من مصطلح التسامح أساسا من طرف لاهوتي. وفي مجال السياسة غالبا يذكر أمورا عامة ويبتعد عن تحويل أفكاره إلى مصطلحات ملموسة. وحينما نأتي إلى موضوعات لها ارتباط مباشر مع جماهير القراء العراقيين - مثل رفضه للتفكير المتطرف، أو تقديم مقترحات لتوطين التسامح في المجتمع الاسلامي، ومن ضمنه العراق - تتطور مناقشته إلى تفاصيل مسهبة وتستجيب بعمق لموضوعات ملموسة. وأخيرا هذا يشير إلى أن مقاربات الشرق الأوسط للتسامح مشابهة للمقاربات الأوروبية أو "الغربية" وذلك حينما يصورها على أنها نتاج للسياق السياسي والاجتماعي الخاص الذي نجمت عنه.

***

وقد صدرت الدراسة اليوم في العدد (23) مجلّة "نقد وتنوير الفصليّة المحكّمة. يمكن تحميلها بي دي اف على الرابط أدناه

https://tanwair.com/wp-content/uploads/NAQED-WA-TANWAIR-23edth-432-449.pdf

..........................

* ستيفان كوكاف Stephan Kokew باحث وأكاديمي ألماني ( معهد بادربورن للاهوت الإسلامي).

* ترجمة صالح الرزوق / برج الريان / أبو ظبي

* أشكر كينيث غاردين وأندرو وايلدرموث لما قدماه من تصويبات وملاحظات طالت النسخة السابقة من هذه الورقة. الآيات القرآنية الواردة في النص مقتبسة من "معنى القرآن المجيد" مارمادوك بكتال. ترجمة تفسيرية مارمادوك بكتال (لندن: جورج ألين و أونوين، 1948). بقية الترجمات من اللغة العربية هي من ترجمتي.

المصادر:

1- ماجد الغرباوي: التسامح ومنابع اللاتسامح. فرص التعايش بين الأديان والثقافات. بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين. 2006. نشر الكتاب بطبعة ثاني عام 2008. اقتباساتي من الطبعة الأولى. انظر ايضا مقالة "التسامح ومنابع اللاتسامح، مقاربات تمهيدية". التسامح ليس منة أو هبة. تحرير عبدالجبار الرفاعي. بيروت: دار الهادي. 2006: 149-195. في الورقة الراهنة سأركز على الكراس.

2- انظر هنا "ماجد الغرباوي: سيرة ذاتية". صحيفة المثقف.

https://www.almothaqaf.com/foundation/majed-algharbawi-cv

3- الغرباوي: التسامح، 11.

4- السابق 14.

5- السابق 13.

6- الغرباوي: التسامح. 19.

7- راينر فروست:

Toleranz im Konflikt. Geschichte, Gehalt und Gegenwart eines umstrittenen Begriffs. Frankfurt a.M.: Suhrkamp, 2003, 12.

8- راينر فروست: التسامح في أزمة. الماضي والحاضر. übers. v. Ciaran Cronin. كامبريدج. منشورات جامعة كامبريدج. 2013، 1.

9- فروست: التسامح 1.

10- سابق 38.

11- فروست: التسامح 27: "المسامحة تعني هنا ان السلطات (او الغالبية) تضمن للأقلية الحق بالحياة حسب اعرافها ما دامت - وهذا شرط حاسم - لا يتحدى سيادة السلطات (او الغالبية)".

12- السابق28.

13- السابق 208.

14- السابق 29.

15- غيرهارد بيسير، كلاوس شراينر، "التسامح" في

Geschichtliche Grundbegriffe. Historisches Lexikon zur politisch-sozialen Sprache in Deutschland, Bd. 6, hg.v. Otto Brunner, Werner Conze, Reinhart Koselleck. Stuttgart: Klett-Cotta, 1990, 445–605; 495.

16- انظر إريك هوبسباوم: عصر التطرف: تاريخ العالم 1914-1991. نيويورك: فينتاج بوكس، 1996.

17- اليونسكو: الإعلان عن مبادئ التسامح. 16 تشرين الثاني. 1995.

http://portal.unesco.org/en/ev.php-URL_ID=13175&URL_DO=DO_TOPIC&URL_SECTION=201.html

بتاريخ 15,12,2018.

18- ويندي براون: التحكم بالنفور. التسامح في عصر الهوية والإملراطورية. برنستون/ أكسفورد: منشورات جامعة برنستون، 2006،1. انظر أيضا ويندي براون، راينر فروست: سلطة التسامح. حوار. لوقا دي بليسي، كريستوف ف. ي. هولزهي. نيويورك: منشورات جامعة كولومبيا، 2014.

19- براون: التحكم، 4.

20 - ق: 5: 48.

21 - "وإذا شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا. أفأنت (يا محمد) تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟".

22 - يوحانان فريدمان: التسامح والقسر في الإسلام. العلاقات بين الاديان في التقاليد الإسلامية. دراسات كامبريدج في الحضارة الإسلامية. كامبريدج: منشورات جامعة كامبريدج، 2033، 100.

23 - انظر خالد أبو الفضل. "مكانة التسامح في الإسلام". في "مكانة التسامح في الإسلام". جوشوا كوهين، إيان ليغ، بوسطن، منشورات بيكون، 2002، 3-23.

24 - خلال الفتوحات الإسلامية المبكرة كان وضع الذميين يشمل ايضا غير اهل الكتاب، مثل البوذيين والهندوس.

25 - أنفير إيمون: التعددية الدينية والشرع الإسلامي: الذميون والآخرون في إمبراطورية الشرع. كتاب أكسفورد للدراسات الشرعية الإسلامية. أكسفورد: منشورات جامعة أكسفورد، 2012، 4.

26 - "معاهدة عمر" أو العهدة العمرية. انظر ايضا البيريشت نوث. "مشاكل التباين بين المسلمين وغير المسلمين: قراءة جديدة لــ "الشروط العمرية". في: المسلمون والآهرون في بواكير المجتظع الاسلامي. روبيرت هويلاند، تشكل العالم الإسلامي الكلاسيكي 18. الديرشوت/بورلينغتون: أشغيت، 2004، 103-124.

27 - توماس بوير

Die Kultur der Ambiguität. Eine andere Geschichte des Islams. Berlin: Verlag der Weltreligionen, 2011.

28 - بوير:

Die Kultur der Ambiguität, 183–185.

29 - شولز

Der Islam und die Toleranz, 59.

30 - انظر شيرمان أ. جاكسون: على حدود التسامح الثيولوجي في الإسلام. فيصل التفرقة بين الاسلام والزندقة لأبي حامد الغزالي. دراسات في الفلسفة الإسلامية. أكسفورد: منشورات جامعة أكسفورد. 2002. 131. فرانك غريفل.

“Toleranzkonzepte im Islam und ihr Einfluß auf Jean Bodins Colloquium Heptaplomeres”. In Bodinus Polymeres. Neue Studien zu Jean Bodins Spätwerk,

رالف هافنر

Wolfenbütteler Forschungen 87. Wiesbaden: Harrassowitz,

1999, 119–144; 126 ff.

31 - فروست: المسامحة، 88.

32 - منظمة الامم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة. "إعلان المبادئ بشأن التسامح. في سجلات المؤتمر العام. الدورة الثامنة والعشرون، 25/10-16/11/1995. باريس: يونسكو، 1996، 76-84.

33 - إدوارد وليام لاين: المفردات العربية- الإنكليزية، ب د 4. لندن: وليامز ونورغايت، 1872. 1423.

34 - راينهارد شولتز

“Der Islam und die Toleranz”.

في:

Aufgeklärte Zeiten? Religiöse Toleranz und Literatur,

رومانا فيرشوسين، انسا ويلكي، نينا غولشير، برلين: منشورات إريك شميت، 2011، 45-68:64.

35 - ابن منظور: لسان العرب، 3. القاهرة، دار المعارف، 1982. 2088، لاين: المفردات العربية - الإنكليزية. 4. 1453.

36 - انظر سرحان ذؤيب

“Toleranz, Intoleranz und Reformgedanken in der arabischen Moderne”. In Pluralität - Subjektivität – Kritik. Akten des Internationalen Kongresses der Schleier -macher-Gesellschaft.in Halle (Saale), März 2017, Schleiermacher-Archiv 27, hg.v. Jörg v. Dierken, Arnulf v. Scheliha, Sarah Schmidt. Boston: Walter de Gruyter, 2018, 45–58.

37 - محمد الطاهر بن عاشور: أصول النظام الاجتماعي في الإسلام. تونس: الشركة التونسية للتوزيع، 1985، 226-233.

38 - ألبيرت حوراني: الفكر العربي في العصر الليبرالي 1789- 1939. كامبريدج: منشورات جامعة كامبريدج، 1083، 255.

39- Albert de Biberstein-Kazimirski: Dictionnaire Arabe-Français, Bd. 1. Paris: Maisonneuve, 1860, 1135.

40 - ماجد الغرباوي. سيرة ذاتية.

41 - الغرباوي: التسامح 13-14. الاقتباس في فولتير: القاموس الفلسفي. لندن: وين و شولي، 1802، 338.

42 - لمناقشة مماثلة، انظر عبدالكريم سروش: رسالة عن التسامح، سلسلة بريميوم أراسميانوم إسي. أمستردام: مؤسسة بريميوم أراسميانوم. 2004، 13-14.

43 - الغرباوي: التسامح، 16.

44 - السابق 16.

45 - السابق 17

46 - السابق

47 - السابق.

48 - السابق 19.

49 - السابق.

50 - السابق 169.

51 - السابق 83.

52 - السابق 90.

53 - السابق.

54 - السابق 12.

55 - السابق 56.

56 - السابق.

57 - السابق.

58 - الغرباوي "الحركات الإسلامية والإرهاب" إيلاف 8,6,2005.

https://elaph.com/We/ElaphWriter/2005/7/74661.html (accessed 20/09/2018).

59 - الغرباوي: التسامح 68.

60 - الغرباوي: الحركات الإسلامية والإرهاب.

61 - الغرباوي: الحركات الإسلامية والإرهاب.

62- "لا أكراه في الدين. قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم".

63 - الغرباوي: التسامح 96.

64- السابق 20. بالنسبة للاقتباس انظر عبد الكريم سروش: بسط التجربة النبوية. مقالات في التاريخ. الاحتمال والتعددية في الدين.

übers. v. Nilou Mobasser. Leiden/Boston: Brill, 2009, 143.

65 - السابق 141.

66 - محمد حسين الطبطبائي: الميزان في تفسير القرآن.

http://www.almizan.org/ (accessed 10/10/2018).

الغرباوي: التسامح، 141.

67 - السابق 97.

68 - السابق 133.

69 - السابق 139.

70 - الغرباوي: التسامح، 133-134. يذكر الغرباوي ق 47:25، ق 5:5، ق 4:137، ق 2:217، ق 3:86-90 و ق 3:85.

71 - الغرباوي: التسامح، 41.

72 - خالد أبو الفضل. "مكانة التسامح في الإسلام" 3-23.

73 - هيثم مناع: سفر التسامح. بيروت: بيسان، 2019.

74 - محمد محفوظ. "في معنى التسامح: التسامح وآفاق السلم الأهلي". في: التسامح ليس منة أو هبة. عبد الجبار الرفاعي. بيروت: دار الهادي، 2006 197-16.

75 - محمد مجتهد شابستري "إشكاليات التسامح". في : التسامح ليس منة أو هبة. عبد الجبار الرفاعي. بيروت: دار الهادي، 2006، 57-80.

المراجع

Abou El Fadl, Khaled. “The Place of Tolerance in Islam.” In The Place of Tolerance in Islam,ed. Joshua Cohen, Ian Lague, 3–23. Boston: Beacon Press, 2002.

Bauer, Thomas. Die Kultur der Ambiguität. Eine andere Geschichte des Islams. Berlin: Verlag der Weltreligionen, 2011.

Besier, Gerhard and Klaus Schreiner. “Toleranz.” In Geschichtliche Grundbegriffe.

Historisches Lexikon zur politisch-sozialen Sprache in Deutschland, Bd. 6, hg. v. Otto Brunner, Werner Conze, Reinhart Koselleck, 445–605. Stuttgart: Klett-Cotta, 1990.

Brown, Wendy: Regulating Aversion. Tolerance in the Age of Identity and Empire. Princeton, Oxford: Princeton University Press, 2006.

Brown, Wendy and Rainer Forst: The Power of Tolerance. A Debate, hg. v. Luca Di Blasi, Christoph F. E. Holzhey. New York: Columbia University Press, 2014.

De Biberstein-Kazimirski, Albert: Dictionnaire Arabe-Français, 2 Bde. Paris: Maisonneuve,1860.

Dhouib, Sarhan. “Toleranz, Intoleranz und Reformgedanken in der arabischen Moderne.” In

Pluralität – Subjektivität – Kritik. Akten des Internationalen Kongresses der Schleiermacher-Gesellschaft in Halle (Saale), März 2017, Schleiermacher-Archiv 27, hg. v. Jörg v. Dierken, Arnulf v. Scheliha, Sarah Schmidt, 45–58. Berlin, Boston: Walter de Gruyter, 2018.

Emon, Anver: Religious Pluralism and Islamic Law: Dhimmis and Others in the Empire of Law. Oxford Islamic Legal Studies. Oxford: Oxford University Press, 2012.

Forst, Rainer: Toleranz im Konflikt. Geschichte, Gehalt und Gegenwart eines umstrittenen Begriffs. Frankfurt a.M.: Suhrkamp, 2003.

Forst, Rainer: Toleration in Conflict. Past and Present, übers. v. Ciaran Cronin. Cambridge: Cambridge University Press, 2013.

Friedmann, Yohanan: Tolerance and Coercion in Islam. Interfaith Relations in the Muslim Tradition. Cambridge Studies in Islamic Civilization. Cambridge: Cambridge University Press, 2003.

al-Gharbāwī, Mājid. “al-Ḥarakāt al-islāmiyya wa-l-irhāb.” ʾĪlāf, 08/06/2005. https://elaph.

com/Web/ElaphWriter/2005/7/74661.html (accessed 20/09/2018).

al-Gharbāwī, Mājid: at-Tasāmuḥ wa-manābiʿ al-lā-tasāmuḥ. Furaṣ at-taʿāyush bayna l-adyān wa-th-thaqāfāt, Bagdad: Markaz Dirāsāt Falsafat ad-Dīn, 2006.

al-Gharbāwī, Mājid. “at-Tasāmuḥ wa-manābiʿ al-lā-tasāmuḥ. Muqārabāt tamhīdiyya.” In at-Tasāmuḥ laysa minna aw hiba, hg. v. ʿAbd al-Jabbār ar-Rifāʿī, 149–195. Beirut: Dār al-Hādī, 2006.

Griffel, Frank. “Toleranzkonzepte im Islam und ihr Einfluß auf Jean Bodins Colloquium Heptaplomeres.” In Bodinus Polymeres. Neue Studien zu Jean Bodins Spätwerk, hg. v. Ralph Häfner, 119–144. Wolfenbütteler Forschungen 87. Wiesbaden: Harrassowitz, 1999.

Hobsbawm, Eric: The Age of Extremes: A History of the World, 1914–1991. New York: Vintage Books, 1996.

Hourani, Albert: Arabic Thought in the Liberal Age 1789–1939. Cambridge: Cambridge University Press, 1983.

Ibn ʿĀshūr, Muḥammad aṭ-Ṭāhir: Uṣūl an-niẓām al-ijtimāʿī fī l-islām, 226–233. Tunis: ash-Sharika at-Tūnisiyya li-t-Tawzīʿ, 1985.

Ibn Manẓūr, Muḥammad ibn Mukarram: Lisān al-ʿarab, 6 Bde. Kairo: Dār al-Maʿārif, ca. 1982.

Jackson, Sherman A: On the Boundaries of Theological Tolerance in Islam. Abū Ḥāmid al-Ghazālī’s Fayṣal al-Tafriqa Bayna al-Islām wa al-Zandaqa. Studies in Islamic Philosophy I. Oxford: Oxford University Press, 2002.

Lane, Edward William: An Arabic-English Lexicon,8Bde. London: Williams and Norgate, 1863–893.

Maḥfūẓ, Muḥammad. “Fī maʿna at-tasāmuḥ: at-tasāmuḥ wa-āfāq as-silm al-ahlī.” In at-Tasāmuḥ laysa minna aw hiba, hg. v. ʿAbd al-Jabbār ar-Rifāʿī, 197–216. Beirut: Dār al-Hādī, 2006.

Mannāʿ, Haytham: Sifr at-tasāmuḥ. Beirut: Baysān, 2019.

Munaẓẓamat al-umam al-muttaḥida li-t-tarbiyya wa-l-ʿilm wa-th-thaqāfa. “Iʿlān al-mabādiʾ bi-shaʾn at-tasāmuḥ.” In Sijillāt al-Muʾtamar al-ʿĀmm, ad-Dawra ath-Thāmina wa-l-ʿIshrūn, 25/10–16/11/1995, 76–84. Paris: UNESCO, 1996.

Noth, Albrecht. “Problems of Differentiation between Muslims and Non-Muslims: Re-reading the “Ordinances of ʿUmar” (Al-Shurūṭ al-ʿUmariyya).” In Muslims and Others in Early Islamic Society, ed. Robert Hoyland. The Formation of the Classical Islamic World 1, 103–124. Aldershot: Ashgate, 2004.

Pickthall, Marmaduke: The Meaning of the Glorious Koran. An Explanatory Translation by Marmaduke Pickthall. London: George Allen and Unwin, 1948.

Ṣaḥīfat al-Muthaqqaf. “Mājid al-Gharbāwī: Sīra dhātiyya.” http://www.almothaqaf.com/k/majedalgharbawi/885900 (accessed 15/06/2018).

Schulze, Reinhard. “Der Islam und die Toleranz.” In Aufgeklärte Zeiten? Religiöse Toleranz und Literatur, hg. v. Romana Weiershausen, Insa Wilke, Nina Gülcher, 45–68. Berlin:

Erich Schmidt Verlag, 2011.

Shabestarī, Moḥammad Mojtahed. “Ishkāliyyat at-tasāmuḥ.” In at-Tasāmuḥ laysa minna aw hiba, hg. v. ʿAbd al-Jabbār ar-Rifāʿī, 57–80. Beirut: Dār al-Hādī, 2006.

Soroush, Abdolkarim: The Expansion of Prophetic Experience. Essays on Historicity, Contingency and Plurality in Religion, übers. v. Nilou Mobasser. Leiden/Boston: Brill. 2009.

Soroush, Abdolkarim: Treatise on Tolerance. Series Praemium Erasmianum Essay. Amsterdam: Praemium Erasmianum Foundation, 2004.

Ṭabāṭabāʾī, Muḥammad Ḥusayn: al-Mīzān fī tafsīr al-qurʾān, http://www.almizan.org/

accessed 10/10/2018

UNESCO. “Declaration of Principles on Tolerance, 16 November 1995,” http://portal.unesco.org/en/ev.phpURL_ID=13175&URL_DO=DO_TOPIC&URL_SECTION=201.html .accessed

15/12/2018

Voltaire: The Philosophical Dictionary. London: Wynne and Scholey, 1802.

خاص بمؤسسة مؤمنون بلاحدود

***

ماجد الغرباوي

مفكر عربي تنويري معروف بإسهاماته النقدية الإبداعية في مجال الفكر العربي في مختلف تجلياته الفلسفية والدينية. ويعد الغرباوي من أصحاب المشاريع الفكرية النهضوية في العالم العربي والإسلامي. وقد شيد مؤسسة المثقف العربي في سيدني بأستراليا، وهو يرأس حاليا هيئة تحرير صحيفة المثقف الشهيرة. يتضمن مشروع الغرباوي قضايا حساسة جدًّا في الفكر العربي، ويتمحور هذا المشروع في العمل على تحرير العقل من بنيته الأسطورية وإعادة فهم الدين على أساس مركزية الإنسان في الحياة. ويركز على أهمية التنوير الديني وتحرير الخطاب الديني من سطوة التراث وتداعيات العقل التقليدي، ويؤكد الغرباوي على أهمية قراءة متجددة للنص الديني تقوم على النقد والمراجعة المستمرة، من أجل فهم متجدد للدين، كشرط أساس لأيّ نهوض حضاري، ساهم في ترسيخ قيم الحرية والتسامح والعدالة، في إطار مجتمع مدني خالٍ من العنف والتنابذ والاحتراب. ويتناول ماجد الغرباوي ضمن مشروعه على موضوعات: فكر النهضة، نقد الفكر الديني، التسامح، العنف، الحركات الإسلامية، المرأة، التنوير، والنهضة الحضارية في المجتمعات العربية والإسلامية.

***

صابر مولاي أحمد: الأستاذ ماجد الغرباوي القارئ لمختلف كتاباتكم ومؤلفاتكم، والتي يهتم جزء منها بسؤال التجديد والتغيير الثقافي في العالم العربي والإسلامي، يتضح لديه نوع من التمييز المنهجي الواضح بين النص أي القرآن، وما تشكل حوله من مفاهيم وتصورات. وهذا يعني أننا أمام نص مؤسس ومركزي (القرآن)، ونصوص كثيرة أخرى تشكلت حوله. وهناك نصوص أخرى كثيرة كذلك تشكلت حول ما تشكل حول النص وهكذا، نشأت مساحة واسعة من النصوص المتفرع بعضها عن بعض، عبر الزمن حجبت النص المؤسس (القرآن) وجعلت النظر إليه وقراءته مباشرة مسألة صعبة.

في نظرك ما هي الخطوات المنهجية للتحرر من سلطة مختلف التصورات والأفهام التي نسجت حول النص (القرآن)؟

ماجد الغرباوي: بدءاً أشكر الأستاذ الدكتور أحمد صابر على إتاحة هذه الفرصة الطيبة، للحوار حول مجموعة قضايا راهنة. إن حجب النصوص الثانية والثالثة للنص الأول تسبب في انشطار الوعي الديني، والتباس الإلهي بالبشري، فثمة اليوم وعي ديني قرآني، يستمد مفاهيمه وتصوراته من الكتاب الكريم مباشرة، وفقا لمنطق الكتاب: (هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ)، (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) وقد يستضيء بالسُنّة أحياناً، بيد أنه وعي نخبوي مهمّش، مُتهم بوضع العقل مقابل النص أو فوق النص. وآخر، وعي ديني تراثي (روايات وأقوال السلف) يضع الرواية في عَرض الآية، كلاهما وحي، وعلى مستوى واحد من الحجية، وقد تتقدم الرواية على الآية في نظر الأصوليين تخصيصاً أو تقييداً، رغم أن وظيفة السُنّة قرآنياً هي البيان والشرح والتفصيل دون التشريع: (وأنزلنا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)، فتحوّلت السُنّة من نص شارح للقرآن إلى نص مشرّع! فحجبت بهذا الإجراء النص التأسيسي، وتولت نيابة عنه رسم حدود العقيدة وتشريع الأحكام. حداً اشترطت نصاً روائياً لتفسير المدونة الأولى. هكذا فرضوا ولاية السُنَّة ورأي السلف على القرآن. ومبرر ذلك، كما يقولون: إنَّها أي السُنّة وحيٌ، كالكتاب الكريم، فتكون مخصّصِة ومقيّدة لأحكامه، والنبي الكريم هو أعلم بمفاد الكتاب، فُتقدم الرواية على الآية. والأدهى أنَّ السُنّة لم تقف عند حدود قول الرسول وفعله وتقريره، بل تعدته إلى أقوال الصحابة والأئمة، لتفادي نقص التشريع. بهذا الشكل تفاقم دور الرواية على حساب الآية، على جميع الأصعدة. والكلام عن جذر المشكلة وكيف حجبت النصوص الثانية النص التأسيسي، وسرت قدسية الأولى إلى الثانية. حدّاً بات الفرد لا يميّز بين الشريعة الإسلامية التي تقتصر على ما ورد في الكتاب الكريم من آيات الأحكام وما له جذر قرآني من السُنّة النبوية، بياناً أو تفصيلاً، وبين مطلق الروايات. فغدت الرواية مرجعية أولى للفقيه. مرجعية مطلقة لفهم الآيات من جهة، وتشريع الأحكام في منطقة الفراغ التشريعي من جهة ثانية، رغم أن بيان وتفصيل السُنّة كان في أفق الواقع وضروراته، فهي مشروطة به.

ثم ظهرت اتجاهات سلفية تذم التفسير بالرأي والعقل، وتحرّم الرجوع للكتاب بمعزل عن الصحابة أو الأئمة، فانقلب الكتاب من بيان للناس كافة إلى بيان للصحابة خاصة، وبات فهم الصحابي هو الفهم الرسمي للقرآن، يقاس عليه أي رأي جديد، حتى تحول قول الصحابي إلى سلطة معرفية، فكانت نتيجته إسلام في مقابل إسلام. إسلام القرآن في مقابل إسلام الحديث. وبالتالي، فنحن أمام قضية معقدة جدّاً، التبس فيها البشري بالإلهي، فالخطوات المنهجية الأولى للتحرر من سلطة مختلف التصورات والأفهام التي نسجت من حول النص (القرآن) تبدأ بكشف بشرية النصوص الثانوية وتميّزها عن النص المؤسس. فثمة فارق نوعي وجوهري، يفرض شروطه على فهم نصوصه.

وتعني بشرية النصوص الثانوية نسبيتها وتاريخيتها. نصوص تعكس وجهة نظر تتأثر بالواقع وثقافته وتتضح هذه الحقيقية كلما ابتعدنا عن تاريخ النزول، حيث يتجلى البعد البشري الاجتهادي. وكان أبو حنيفة قد انتبه مبكرًا لخطورة الارتقاء بآراء الصحابة إلى مستوى القداسة بالمعنى الدوغمائي، حيث رُوي عنه أنه قال: (آخذ بكتاب الله تعالى، فإن لم أجد فبسنة رسول الله ﷺ، فإن لم أجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ أخذت بقول الصحابة، آخذ بقول من شئت منهم وأدع قول من شئت منهم، ولا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وسعيد بن المسيب - وعدَّد رجالاً- فقوم اجتهدوا، فأجتهد كما اجتهدوا).. فإذا كان لبعض الصحابة خصوصيتهم، فإن حجية مطلق الصحابة ومن تلاهم مسألة فيها نظر، (فأجتهد كما اجتهدوا).

نشير هنا إلى الخطوات المنهجية بهذا السياق، لتفتيت قدسية النصوص الثانوية بوصفها نصوصاً بشرية، لا تُخصِص ولا تُقيّد آيات الكتاب، فربما ثمة ملاكات وراء الإطلاق لا يدركها الفقيه:

أولاً: شرعنة النقد وإثبات عدم تعارضه مع مفهوم القداسة

نؤكد بدءاً أنَّ تعالي التشريع فوق النقد، يقف عند حدود فعلية أحكام الشريعة المنصوص عليها قرآنيّاً، دون الرواية والفقه، فإنه رأي اجتهادي، قد يُصيب وقد يُخطئ، وقد يعجز عن إدراك مقاصد الجعل بخاصة ومقاصد التشريع بعامة، وقد يفضي رأيه الفقهي إلى التعارض بينه وبين الأخلاق. فهو رأي بشري، يخضع للنقد والمراجعة والتقويم، بدءا بفهم الدين ودور الإنسان في الحياة، حتى منهج استنباط الحكم الشرعي، مرورا بمقدماته الكلامية والأصولية، قبلياته، قوة تأثير العامل الذاتي، الإسقاطات الأيديولوجية والطائفية. لا فرق بين الصحابة وغيرهم من الفقهاء. فليس ثمة ما يرقى بالرأي الفقهي إلى مستوى القداسة والتعالي فوق النقد والمراجعة.

ثانياً: تقديم فهم جديد لمفهوم القداسة ينأى به عن الدوغمائية والجمود

القداسة بشكل عام سلطة مهيمنة، تفرض محدداتها على منهج الفهم وطرائق التفكير. تستمد شرعيتها من بنية اللاشعور، بعد أن ترسو ضمن مقولات البنية المعرفية. فيتعذر زحزحتها إلا بوعي مغاير لمفهومها، كما أنها سلطة معرفية موجّهة، تحد من حرية الباحث الديني. تسلبه خيار القراءة المفتوحة للنص، ويخضع لا شعوريا لسلطته وقدسيته، بوصفه مطلقا، بل تارة رهاب القداسة يحول دون التعرف على تاريخ النص وفلسفته وشروط فعليته، مخافة المساس بقدسيته، فتغدو القداسة حجاباً يحول دون رؤية المتواري والمضمر في متاهات النص، حينما ينحاز للتبرير دون النقد والتفكيك. ويعود ثراء النص إلى ثراء دلالته، وإمكانيات تأويله، فيما يضمره ويستبعده، من خلال تقنيات اللغة وقدرتها على توظيف المجاز والتورية. كما تلعب قداسته دورًا كبيرًا في توجيه فهم النص، بحكم سلطتها وهيمنتها، حدّاً يستبعد المتلقي كل ما يتقاطع معها، ويتغافل عن دلالات كثيرة يمكن استدعاؤها لولا قداسة النص. ولعل في النصوص الغرائبية مثالاً واضحاً للفرق بين القراءتين، حيث يبالغ الباحث الديني في قداسة النص ومصدره، هروبا من جحيم أسئلة العقل واستفهاماته. وقد عمدت إلى طرح مفهوم جديد لمعنى القداسة في كتابَي: "المقدس ورهان الأخلاق"، وكتاب "مقتضيات الحكمة في التشريع" مفاده: (إن مفهوم قداسة النص تعني خصوبته وثرائه وعمقه وإمكانية كبيرة للتأويل للبحث في أعماقه، والكشف عن مضمراته، وما يريد قوله أو يستبعده، مادام النص وليس الوحي منتجا ثقافيا، موجها لنا ولعقولنا لمعرفة دلالاته والالتزام بتعاليمه. وأما التعبّد المحض فيلغي إرادة الفرد، ويتنافى مع الاختيار الذي هو شرط مسؤولية المكلف عن أعماله. أما معنى القداسة في الرأي المتداول فتعني دوغمائية مطلقة، وجمود على حرفية النص. فالفارق في فهم معنى القداسة هو ذات الفارق بين الفقه التقليدي السائد ومنهج مقتضيات الحكمة). فعندما نرفض الفهم السائد لمفهوم القداسة نطرح بديلا معرفيا جديدا. فمهما كانت قدسية الصحابي يمكن نقد نصه باعتباره نصاً بشرياً، لا ميز له، سوى أسبقيته، يمكن من خلاله اكتشاف تاريخ النص وملابساته.

ثالثاً: التمييز بين النص وفهم النص

إذا كان النص نصّاً إلهياً مقدساً، فإن فهم النص فهم بشري، يتأثر بقبليات وثقافة وأيديولجية المتلقي، وتؤثر فيه البيئة الثقافية ومختلف الظروف الاجتماعية والسياسية، فلا قداسة لأي فهم مادام فهماً بشرياً، يختلف من شخص إلى آخر، ومن بيئة إلى غيرها. تؤثر فيه العوامل الذاتية. بهذا، تتضح صفة النصوص الثانوية؛ لأنها ليست مستثناة من النقد، بما فيها السنّة بوصفها بياناً وشرحاً وتوضيحاً في أفق الواقع وضروراته. ونقدها يعني تحري أسباب وظروف صدورها، للتأكد من فعليتها. وهذا ينطبق على آيات الأحكام أيضاً، لتوقف فعلية الحكم الشرعي على فعلية موضوعه المتوقف بدوره على فعلية جميع قيوده وشروطه المأخوذة في فعليته. فربما حكم شرعي كان فعلياً في عصر النص، ولم يعد كذلك الآن مع وجود واقع مختلف، وحاجات مغايرة. فتنتفي فعليته بانتفاء فعلية موضوعه.

رابعاً: كسر رتابة التقليد

التهيب من النص بفعل قداسته بالمعنى التقليدي، هو أحد تداعيات مخيال العقل التراثي الذي إدمان التراث والروايات في فهم القرآن. فينبغي تدبّر آيات الكتاب مباشرة مادام بعضه يفسر بعضه، والكف عن رتابة تقليد التراث. فيكون للعقل حضور مميز، من خلاله تكتشف حجم التزوير في تفسير الكتاب، خاصة تأويلات الاتجاهات الكلامية. فكم يحتجون بهذه الآية أو تلك لهذا الطرف أو ذاك، لكنك لا تجد أي دلالة صريحة على المطلوب، لولا الروايات التي تقدم تفسيرات منحازة تخدم الاتجاهات الكلامية في صراعها المرير على احتكار الحقيقة، ومرونة النص القرآني الذي يسمح بتأويله.

بهذه الخطوات الرئيسة، يمكن تحييد النصوص الثانوية وسلبها قدسيتها وسلطتها، وبذلك نمهّد لعودة النص التأسيسي. فالخطوة الأساس بهذا الاتجاه: تحرير النص من قيود التجربة التاريخية. فجميع التراكمات التي وضعت حاجزا بين نصوص الكتاب والمتلقي هي اسقاطات للواقع ولحاجات أيديولوجية واتجاهات كلامية، يمكن التحرر منها من خلال النقد والمراجعة بتجرد وموضوعية لمن يمتلك أدوات النقد والبحث الموضوعي.

***

صابر مولاي أحمد: نحن هنا أمام اتجاهين؛ اتجاه يقول بالقطيعة مع كل ما تشكل حول النص والتعويل على جلب تأويلات جديدة في فهمنا للنص المؤسس (القرآن). واتجاه آخر يرى استثمار جل ما نسج حول النص من أفهام وتوظيفها في جلب وبسط تأويلات جديدة. مع العلم أن الاتجاهين يتفقان في مطلب التأويل (فهم الفهم) في تقديرك أي الاتجاهين أقرب إلى الصواب؟

ماجد الغرباوي: ليس المطلوب مقاطعة التراث مطلقاً، بقدر فهمه وفقاً لسياقه التاريخي، والتحرر من سلطته وهيمنته المعرفية، فلا قدسية للتراث مطلقا. ولا داعي للقطيعة مع كل ما تشكل حول النص ما لم تكن هناك مبررات كافية لذلك. فثمة قيم تعزز المشاعر الإنسانية، وتكسبها مَنَعَةً وقوة. وثمة تجارب تُغني تجاربنا، ومنجز بشري يستحق الاشادة والاهتمام، قد سجل حضوره وساهم في تطور الحضارة الإنسانية في إحدى مراحلها. المطلوب إحداث قطيعة أبستيمولوجية مع البنية الخرافية أو القروسطية للتراث، في ظل تطور معرفي أقصى المعرفة الماضية، وأبطل بريقها السحري. ولا يختلف الأمر بالنسبة إلى الروايات التاريخية والدينية، فهناك نصوص تقاوم تحديات الحاضر، وتفرض حضورها، بما تكتنزه من قيم إنسانية وروحية يمكن استثمارها لتعزيز القيم الأخلاقية والروحية. وإنما الكلام عن روايات وأحكام فقهية فرضتها شروط مغايرة، غدت مع مرور الأيام مرجعيات تشريعية يرتكز لها الفقيه رغم نسبيتها وعدم إطلاقها، بفعل القداسة وتقديم النص على العقل، كروايات الصحابة عند السُنة والأئمة عند الشيعة، أو كما اشترط الشافعي: "القياس على مثال"، مهما كانت قيمته المعرفية، حتى لو كان أثراً فيقّدم على العقل. الشافعي الذي أسس لسلطة النصوص، ومأسَسَة الدين، وأغرق حياتنا بالفقه، وفق قاعدة لا أصل لها تقول: (ما من واقعة إلا ولله فيها حكم)، وأضفى مشروعية النصوص الثانوية (التفسيرية والفقهية). كان وراء تراجع العقل النقدي، أمام العقل التراثي، الذي اقتصرت مهمته على التلقي، والتبرير والتفسير. وبالتالي فهناك ما يدعو لتفادي تداعيات النص، كمرجعية مطلقة، بعيداً عن النقد والمراجعة. وبعيداً عن معطيات العلوم الإنسانية الحديثة، التي ساعدت على فهمٍ جديد للنص ودلالاته. ومكّنت الناقد من اكتشاف مضمراته، وما يريد قوله وما يستبعده ويهمّشه. ليس الدليل والبرهان رهان النص على صدقيته كما لدى لاتجاه العقلاني، بل قدسيته، وعقول تم ترويضها لتقبلها بالمعنى الدوغمائي لمفهوم القداسة. لذا، ليس ثمة ما يبرر قدسية التراث، وتعاليه فوق النقد والمراجعة، مادامت جميع نصوصه، بما فيها النصوص الدينية، تاريخية. كانت ناظرة للواقع، تعالج قضايا كانت مرتهنة لظرفها، وقد مرَّت عليها قرون. نصوص بشرية وعقول مفكّرة مثلنا، لها غاياتها ومقاصدها. تتأثر بقبلياتها وثقافتها وأيديولوجيتها، فهي غريبة عن واقعنا وإشكالياتنا ومعاناتنا وتحدياتنا. ينبغي الاستفادة من التجربة التاريخية وتوظيف قيمها الإنسانية، والبحث عن مرجعيات تنجح في تسويات الواقع وحاجاته. لكن لا إطلاق لها خارج ظرفها الزمكاني. إن أسطرة النصوص والرموز التاريخية والدينية لا يغير من الحقيقة شيئاً. كل ما صدر بعد وفاة الرسول نصوص ثانوية بشرية تشتغل على المدونة الأولى فهماً وتفسيراً، ومن الخطأ الاستسلام لها بدعوى القداسة عندما تحجب النص الأول وتحل محله. وهذا ما يفعله العقل التراثي، فإنه يتخذ من النصوص الثانوية / الروايات مرجعية أولى في فهم النص الأول / القرآن. وكانوا يدينون أي مقاربة للنص القرآني بعيداً عن الروايات. وهذا النوع من التفسير يتمسك به السلفيون، ويسمى: التفسير بالأثر، حيث يغادر العقل، ويحرّم الاجتهاد في التفسير بلا دليل روائي. لا فرق في ذلك بين مذهب وآخر. نحن نعاني قداسة الرموز التاريخية وسلطتهم المفروضة على فهم النصوص. يضعون حلولاً لواقعنا، وهم في قبورهم. يتعذر النهوض مع وجود عقول مرتهنة للماضي بكل حمولته، ويرفضون الاجتهاد مقابل النص مطلقاً، بدعوة قدسيته وعجز العقل عن إدراك ملاكاته. الأمر برمته مرتبط بالحداثة ومناهج التفكير من أجل نهضة تمهّد لمجتمعات آمنة مستقرة، تتبنى القيم الأخلاقية، وتسعى لضمان حياة حرة كريمة للإنسان. أو بعبارة أخرى: "هدف التنوير استعادة مركزية الإنسان وتحقيق التوازن الروحي والمادي"، مما يستدعي تجديد مناهج التفكير، بعيداً عن البنية الأسطورية أو القروسطية. لا قدسية ولا سلطة مطلقة للتراث، ويجب وضع مسافة كافية لنقده ومراجعته باستمرار، ليأخذ العقل دوره في فهم النص التأسيس، تفسيراً أو تأويلاً أو كليهما.

***

صابر مولاي أحمد: القارئ لمؤلفاتكم يفهم منها التمييز ما بين الدين والتدين، الدين بكونه مطلقا ومتعاليا، والتدين بكونه متصلا بالثقافة والزمن وتجربة الإنسان الفرد منه والجماعة. هل هذا يعني أن القرآن يمثِّل الدين في مجمله؟ أم إن هناك مساحات من داخل القرآن متصلة بالمحيط التاريخي الذي نزل فيه (التدين/ الثقافة)؟

ماجد الغرباوي: السؤال عن مفهوم تعالي الدين، ودور الواقع فيه، سؤال مهم لتحديد معنى الإطلاق والتعالي من أجل تقديم فهم جديد للدين يأخذ بنظر الاعتبار دور الإنسان في الحياة ومسؤولياته تجاه نفسه والآخر والعالم. هل القرآن نصوص وتشريعات (أوامر ونواهٍ) متعالية، لا علاقة لها بالواقع أم لا؟ هل تشريع أحكام الجهاد مثلاً مطلقة أزماناً وأحوالاً بغض النظر عن التحديات التي فرضت على المسلمين واقع الحرب والقتال، وستبقى هكذا مطلقة. أم إن فعليتها مرتهنة لفعلية موضوعها؟ ومثال آخر تجربة الأنبياء والرسل عبر التاريخ هل هي تجربة الدين في تعاليه أم هي تجربة بشرية تاريخية تمثّلت القيم الدينية والإنسانية، فتكون أحكامها وتشريعاتها مرتبطة بتلك المراحل بالذات؟

القارئ للكتاب الكريم بتدبّرٍ يُدرك مدى اتصاله بمحيطه التاريخي وبيئته الثقافية. القرآن كان ناظرا لواقع يروم معالجته، فيتناوله إجمالا أو تفصيلا ضمن إطاره التاريخي ومؤثراته الموضوعية، فترتهن فعلية الحكم الشرعي لفعلية موضوعه. أو بشكل مكثف: (النص القرآني مرآة، يعكس ثقافة المجتمع، ومعالم بيئته، لا مجرد نسيج لغوي له دلالاته وسلطته. نص تتردد في أرجائه أصداء الوعي الجمعي، وما يعانيه المجتمع من أزمات نفسية وأخلاقية واقتصادية). وهذا لا يسلبه صفة الوحي أو التعالي بمعنى الثراء. بل هي أحكام تشريعية موضوعية تأخذ بنظر الاعتبار المتغيرات الزمانية والمكانية. فإذا كان ثمة إطلاق للشريعة، فيقتصر على مبادئها وقيمها، دون نصوصها، التي شُرعت أساساً وفقاً لتلك المبادئ، في إطار واقع تاريخي متغير؛ فهي تواكب الواقع من خلال مبادئها وقيمها.

القرآن وحي، له لغته ورمزيته ومرونته وبلاغته وسعة آفاقه، يدور حول وجود الخالق ووحدانيته ونفي الشرك عنه: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) (الزخرف: 84). استعرض في تضاعيفه قضايا غيبية، هي امتداد لموضوع عقيدة التوحيد، لكنها قضايا تجريدية لا حقيقة لها خارج النص والفضاء المعرفي للمتلقي فتكون نسبية لنسبية قبلياته وثقافته، تختلف من فرد إلى آخر. لعدم قدرة الإنسان على إدراك القضايا المجردة والغيبية، فيتمثّلها ضمن صور الواقع أو المتخيل الذي يستمد وجوده من الواقع أيضاً، وهذا ارتباط غير مباشر بالواقع. هذا على مستوى العقيدة. وفي الآن ذاته الدين مشروع يقوم على مركزية الإنسان (الإنسان الخليفة). يأخذ بنظر الاعتبار مصالحه ودوره المحوري في الحياة الدنيا. فالقرآن يمثل الدين في مجمله بهذا المعنى، وما عداه تفصيلات متصلة بالثقافة والزمن وتجربة الانسان الفرد منه والجماعة. مرجعيتها قيم الدين ومبادئه والاستفادة من تجاره.

وعلى صعيد التشريع تجد الشريعة تواكب تطلعات الإنسان في أفق الواقع وضروراته: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا). وتشرّع في ضوء الواقع ومتطلباته، فالموقف من أهل الكتاب، كان محكوماً بالواقع. والآيات التي كانت بصدد تحديد الموقف من الآخر، كآيات الجهاد والقتال، قد أُخذ موضوعها على نحو القضية الخارجية بتعبير الأصوليين، ناظرة إلى واقع محدد أو مجموعة أفراد مشخّصين. وهذا النوع من الأحكام لا إطلاق له، بل ترتهن فعلية أحكام الجهاد مثلاً على فعلية موضوعها المتوقف بدوره على جميع قيوده وقرائنه. فلا تعود الأحكام فعلية ما لم تستوفِ جميع شروط فعليتا، وهذا يبدو مستحيلاً مع تقادم الأيام. فالذين كانوا يتشبثون بالقوة، ويعلنونها حربا شعواء، يتربصون بالدعوة وقائدها في وقت كانت الدعوة الإسلامية فتية، هذه الأسباب قد تلاشت اليوم. ونحن الآن نعيش واقعاً مغايرا، فموضوع الأحكام قد تغيّر، حتى مع وجود من يتربص بالدين، فثمة أساليب رادعة حديثاً تغني عن الحروب والقتال. ويجب العودة إلى أسلوب الحوار والإقناع بالكلمة الطيبة وبالدليل والبرهان: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)، (النحل: 125). وهكذا باقي الأحكام، لكن للأسف يتشبث الفقهاء بإطلاقاتها أزماناً وأحوالاً. وأمامنا ما فعلته (داعش) بأهل الكتاب، وهي تنفّذ أحكاماً لا إطلاق لها، وهناك من أمضى تصرفاتهم من الفقهاء للأسف الشديد، فأساؤوا للدين من حيث يعلمون أو لا يعلمون!

ثمة قضية مهمة جدّاً، أنَّ الأحكام القرآنية التشريعية تتقاسمها ثلاثة مصادر: أولاً: العقل: كالأحكام الأخلاقية التي هي أحكام إرشادية لحكم العقل. حتى في تفصيلاتها. ثانياً: الحكمة: وهي غير الوحي وغير الشريعة. كمجموعة أحكام مهمة جدا، صرّح الكتاب (الوصايا العشرة) أنها من الحكمة وليست من الشريعة. (سورة الإسراء: 23-38). ثالثا: الشريعة: وهي ما تبقى من أحكام، أغلبها إجابات على أسئلة مطروحة. أو تصحيح لأحكام سابقة، فهو يلاحظ الواقع ومقتضياته، وفقاً لمبادئ التشريع. وأدل دليل على دور الواقع في التشريع الآية الكريمة: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا). حينما يتغيّر الحكم تبعاً لتغير الواقع، الذي هو في تطور مستمر، نموذجها الآية: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) [الأنعام:146]. وبالتالي تعدد مصادر التشريع قرآنيا يسمح بمواكبة الواقع من خلال قيم الدين ومبادئ التشريع.

فالأحكام تستجيب للواقع وتتغير بتغيره؛ فلا ثبات ولا إطلاق لأي حكم مادام هناك احتمال عدم فعلية موضوعه في آفق الواقع وضروراته. وهنا يأتي دور العقل في تحري فعلية أحكام الشريعة، بل يمكن الاستغناء عن جملة أحكام دون أن يضر ذلك بمصداقية الشريعة، فلو قدر للرسالة الإسلامية مواصلة طريقها دون تحديات، لَما صدرت أحكام الجهاد! وهذا مجرد مثال. كل هذا يؤكد أن هناك مساحات من داخل القرآن متصلة بالمحيط التاريخي الذي نزل فيه. فالقرآن يمثِّل الدين في مجمله كونه وحياً، وهذا لا يمنع اتصاله بالواقع.

***

صابر مولاي أحمد: تبعا للسؤال السابق كيف تنظر لمساحة التشريع في القرآن؟ هل هي تطبيقات تاريخية متصلة بالمحيط التاريخي للقرآن الكريم، أم هي فوق التاريخ؟ نأخذ مثلا على ذلك فقه المرأة ولكم كتاب بعنوان المرأة والقرآن.

ماجد الغرباوي: لا ريب أن الأحكام الشرعية ناظرة للواقع ومرتهنة له في فعليتها، إثباتاً ونفياً. فهي ليست مطلقة، ولا فوق التاريخ، كما أتضح في جواب السؤال المتقدم. وفي هذا السياق يقع فقه المرأة، بشكل أدق: طرحتُ في كتاب مقتضيات الحكمة في التشريع الصادر هذا العام 2024م فرضية مفادها: (ليست الأحكام في الشرائع السماوية معطى نهائياً، بل إن تشريعها يجري وفقاً لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته). مع الأخذ بنظر الاعتبار عدم وجود بُعدٍ غيبي أو ميتافيزيقي في الأحكام سوى مبادئ التشريع، وهي: ("العدل وعدم الظلم". "السعة والرحمة". "المساواة")، يأخذ فيها العقل دوره، "معيارا للتمييز بين الصواب والخطأ، والحسن والقبح". وتكون خصوص القيم الأخلاقية الأصيلة أساساً لتحديد مستوى الإلزام في الحكم. وذكرت ما يكفي من الأدلة العقلية والقرآنية لإثبات صحة هذه الفرضية، وبالتالي، فالواقع المتحرك مأخوذ في الحكم الشرعي دائما. ومرتهن له في فعليته. وقد نبهتُ بعد استعراض الأدلة والبراهين في ذات الكتاب، أنَّ مهمة الدين إرشادية، وأنَّ أحكام الشريعة كانت مجرد أمثلة للتشريع (لا أنها قوالب سرمدية)، ليستقل العقل فيما بعد بتشريع ما يراه مناسبا، وفقاً لشروط التشريع بما يحقق مبادئه. الدين ينأى بالإنسان عن العبودية، ويحملّه مسؤولية عمله، مادام عاقلاً، يعي دوره. الدين لا يريد للعقل أنْ يكون كسولاً. هذا تصور عبودي استبدادي موروث. يطالب الدين بتقديم تفسيرٍ لكل شيء، وبيان كل صغيرة وكبيرة، ويقتصر دوره على الطاعة والاتباع، لذا اعتمد هذا الاتجاه الأحاديث الضعيف لتكريس سكونية العقل وكسله. وعليه، يجب العدول المرجعي من الفقه إلى الأخلاق... من التعبـّد إلى التعقّـل. والانتقال من ضيق الفقه وسجون النص إلى رحاب القيم الأخلاقية. وفق مقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع. ويعني العدول المرجعي من الفقه إلى الأخلاق: الانتقال من النقل إلى العقل في فهم الدين والتشريع... من التعبّد إلى الاجتهاد... من الجمود على ظاهر النص إلى التأمّل والتأويل... من التلقي إلى النظر... من التقليد إلى التعقّل... من الانقياد إلى الحرية... من أولوية التشريع إلى أولوية الإنسان... من الانغلاق على الماضي إلى التفكير بالحاضر والتخطيط للمستقبل...من الإملاء الفقهي إلى الامتثال الأخلاقي...من الأيديولوجيا إلى المبدئية والالتزام الأخلاقي. وبشكل أدق ستكون مهمة التشريع في منطقة الفراغ التشريع، و(هو كل حكم لم يرد فيه نص قرآني)، من اختصاص العقل، شريطة موافقة أحكامه لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته؛ أي ينبغي الانتقال في عملية ملء الفراغ التشريعي من النص إلى مبادئ وقيم النص. يؤكده أنَّ انقطاع الوحي إيذان بالعودة إلى العقل لملء الفراغ التشريعي وإدارة شؤون الحياة، ولو كانت هناك حاجة أبدية إلى الوحي لاستمرت بعثة الأنبياء. فيجب الانتقال من مرجعية النص إلى مرجعية مبادئ وقيم النص. فثمة مسائل مستحدثة أفرزها الواقع ليس لها مرجعية تشريعية. ينبغي الإجابة عنها وفق مقتضيات الحكمة، وهو منهج عقلي – أخلاقي، كالاستنساخ وحمل الأنابيب وزراعة الأعضاء والذكاء الاصطناعي وغير ذلك كثير.

في ضوء ما تقدم، يمكننا فهم جميع الأحكام الشرعية المنصوص عليها قرآنيا المرتبطة بالمرأة. فهي أحكام تاريخية، كان للواقع دور في تشريعها. لا إطلاق لها إلا ما دل الدليل اللفظي. فثمة أحكام سبقت الإسلام قامت الشريعة بإمضاء بعضها، وتقويم الآخر، مع رفض كل حكم يتعارض مع القيم الدينية والإنسانية. فكانت الأحكام ناظرة للمرأة ضمن واقع محدد في شروطه الثقافية والاجتماعية.

الكتاب الكريم لم يتعامل مع المرأة جسدا مجردا من شرطه الثقافي، فتكون أحكامها مطلقة أزماناً وأحوالاً كما يفهم ذلك الفقه التقليدي، بل تعامل معها إنساناً كاملاً: (عقل وثقافة ووعي) ضمن واقع اجتماعي وسياسي محدد. فموضوع الحكم كان يأخذ بنظر الاعتبار جميع الحيثيات (المرأة بما هي إنسان عاقل ضمن شروط ثقافية واجتماعية محددة)، فيرتهن الحكم لفعليتها وعدم فعليتها. يؤكد هذا (أي معاملة المرأة ضمن شروطها الثقافية والاجتماعية ومستوى وعيها وتفكيرها) اختلاف الأحكام بين المرأة الحُرة والأَمَة في جملة موارد، فلو كانت الشريعة ناظرة للمرأة بما هي جسد أنثوي، مهما اختلفت الظروف التاريخية وشروطها الثقافية، فلماذا اختلف الحكم الشرعي بين المرأة الحرّة والأَمَة المملوكة في بعض المسائل القضائية كحكم الحدود والتعزيرات؟ إذن، فثمة أبعاد ثقافية كرّست تفاوت الحكم. وهكذا الفرق بين المرأة المُسلمة والكافرة. الحكم الشرعي لم ينظر للمرأة بما هي جسد أنثوي، بل بما هي إنسان في إطار واقع ثقافي. والمرأة اليوم إنسان مختلف في ثقافتها ووعيها وقدراتها ووضعها الاجتماعي والسياسي والعلمي. فهي امرأة أخرى تختلف عن امرأة القرون الهجرية الأولى، فتختلف أحكامها تبعا لاختلاف الموضوع. لا ريب أن لائحة تشريعات المرأة في زمن الرسالة يُعد طفرة حضارية من حيث الحقوق والواجبات، بينما ذات الأحكام اليوم تُعد نكسة مقارنة بلوائح حقوق الإنسان! لا أتحدث عن الخطاب التراثي والخطاب الفقهي الذي يُعد فجيعة إنسانية، لا همَّ له سوى تأكيد دونية المرأة ونقصان عقلها. وحاجتها التكوينية لقيمومة الذكر عليها.

لا يخفي أنَّ بعض تشريعات الكتاب، خصوصاً أحكام المرأة، جاءت في سياق الأعرف والتقاليد آنذاك، فعندما يشرّع للعلاقة بين الرجل والمرأة يستخدم ذات المفاهيم الاختزالية المتداولة آنذاك. فيعبّر عن العلاقة الشرعية بينهما بـ"النكاح" بدلاً من "الزواج"، الثاني مفهوم إنساني يوحي بالتفاهم والتشارك في الحياة الدنيا، بينما الأول ذكوري اختزالي يختزل المرأة إلى إناء لإفراغ شهوة الذكر: (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ)(النساء: 3). فهي مسلوبة الرأي والإرادة، سكتت الآية عن بيان مشاعرها. وواصلت تفصيل امتيازات ذكوريته وشرهه الجنسي. لذا يعرف الفقهاء عقد النكاح بصيغ تكرس ذات المعنى: (عقدٌ متعلقٌ بشكل مباشر بحرمة الفرج واستحلالها)، كما في بعض التعريفات الفقهية. فالعقد يشرعن امتلاك الرجل لفرج المرأة، فهي ليست سوى ذلك العضو الذي يتم التعاقد عليه، أو (عقد يفيد شرعاً استمتاع كلّ من الزّوجين بالآخر على الوجه المشروع)، وهذا ربما أفضل تعريف من سابقه، لكن لا يخرج عن حدود الجنس. وواجب المرأة شرعا كما ينص الفقهاء تمكين الزوج من نفسها متى شاء وإلا فيصدق عليها مفهوم النشوز الذي يبيح للرجل ضربها، لعدم تمكينها منها لأي سبب كان، سواء كان تمردا أو حالة نفسية أو مرضية وغير ذلك. وهذه الصيغ يرفضها الذوق العام والذوق الأخلاقي وترفضها المرأة لذا تدارك الفقهاء الموقف فعددوا صيغ العقد ليشمل مفهوم الزواج فتقول هي أو وكيلها: "زوجتك نفسي"، "أنكحتك نفسي"، وبعض يضيف: "متعتك نفسي". فالخاطب القرآني التشريعي بصيغة النكاح كان منسجماً مع السياقات المتدوالة آنذاك، مما يؤكد أن النص القرآني وليس الوحي منجز ثقافي. وهذا شاهد على دور الوقع في التشريع. الوضع اليوم يختلف تماما، يجب حذف كلمة نكاح الاختزالية مادام متضمنا في مفهوم الزواج، والاكتفاء بمفهوم الزواج. وهذا مجرد مثال. وبالتالي، الواقع هو الذي تولى صياغة العلاقة بين الرجل والمرأة، فاختزلها بفرجها، ووضعها تحت ولاية وقيمومة الرجل، ليس لها حق الرفض والتمرد، فتمردها تمرد على الله. هكذا جرت الأمور، فكانت أحكام النشوز قاسية، منحازة لذكورية الرجل دونها.

***

صابر مولاي أحمد: يبدو من خلال كتابكم، النص وسؤال الحقيقة، أن النص تم توظيفه، في صراع حول الحقيقة بين مختلف الاتجاهات الأيدلوجية قديما وحديثا، وبين اتجاهات شرعية السلطة، وبين الاتجاهات المعارضة للسلطة، وبين أطراف اتصفت بالغلوِّ والتشدُّد. ألا تتفق معي بكون المشكلة هنا تعود في أصلها المنهجي لفهم مغلق واحد للحقيقة. وكل يتلبَّس بلبوسها ويوظف النص لدعم ما تلبس به، وقد أظهرت مختلف العلوم الإنسانية اليوم بأن الحقيقة غير مطلقة وغير مكتملة وهي نسبية، وكما هو معروف بأن الله واحد لكن الطريق إليه متعدِّد. السؤال هنا كيف نتجاوز سؤال النص والحقيقة إلى سؤال النص والمعنى والدلالة؟ مع العلم أن مطلب المعنى يقبل بتعدد الفهم والمعنى والقراءة.

ماجد الغرباوي: كان النص ملاذ الجميع لشرعنة سلوكهم ومواقفهم الأيديولوجية، مهما كان مستوى ضعفه، بل تم توظيف روايات موضوعة لا فقط ضعيفة سنداً! لتوقف فعل الأدلجة وتوظيفه لاحتكار الحقيقة عليه. فأحيانا تجد ذات النص يستدل به كلا الاتجاهين لإثبات صحة معتقده. النص وليس العقل، يمثل تمام الحقيقة، يقتصر الموقف تجاهه على التسليم دون النقد والمراجعة. ومازال النص يمارس دوره كسلطة معرفية عليا. وبالتالي لا وجود للحقيقة خارجه، بيد أن العلوم الإنسانية المختلفة أكدت نسبية الحقيقة ونسبية الطرق إليها؛ أي لا توجد حقيقة، بل هي مخلوق آني. لا حقيقة له خارج النص والفضاء المعرفي للمتلقي. وثمة اتجاه يرى وحدة الحقيقة وتعدد الطرق إليها، على أساس نسبية المعرفة الدينية. ويستدل هؤلاء بالقرآن بما يشعر بنسبية الحقيقة، مهما كان قدرها، وعدم احتكار النجاة في الآخرة: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)، بل إن قوله: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)، (سورة الرحمن: 29)، يقوض مفهوم الثبات.

وكان أحد مشاغلي في كتاب التسامح ومنابع اللا تسامح نقد دعوى احتكار الحقيقة، واحتكار طرق الوصول لها، التي هي أساس التباغض والاقتتال الطائفي. إنَّ للحقيقة وجودا نسبيا لدى جميع الافراد، ولا مبرر حينئذٍ لدعوى احتكارها والتفرد بها. التسامح الحقيقي ينفي احتكار الحقيقة والاستئثار بالنجاة لطرف دون آخر. على الضد من المذاهب والفِرق الكلامية التي تحتكر الحقيقة، وتحكم بردة الآخر وكفره وحرمانه من النجاة. فقبول الآخر، وفقا لهذا الرأي حينئذٍ، ليس منَّة، وإنَّما واجب تفرضه الحرية الشخصية، وهو حق يرتكز أساسا إلى القول بنسبية الحقيقة، التي ترى أنَّ للحقيقة وجودا نسبيا لدى جميع الأفراد، ولا مبرر حينئذٍ لدعوى احتكارها والتفرد بها، ولا مبرر، أيضا، لاعتبار قبول الآخر والتعايش معه منَّة وتكرّما؛ أي اعتبار قبوله قيمة أخلاقية، بعد تبدد مفهوم الحقيقة المطلقة وتلاشي دعاوى احتكارها والاستئثار بها. وإنَّما سيكون قبول الآخر على أساس اشتراكه في وجود الحقيقة. فتبقى محتملة في جميع الأطراف، مهما بلغت نسبة الاحتمال. وبالتالي فمن الواجب قبولك للآخر والتعايش معه وفق هذا المبدأ؛ إذْ مقتضى كون الحقيقية نسبية تفرض على كل فرد وجوب الاعتراف بحق الآخر في اختيار عقيدته وحريته في التعبير والدفاع عنها؛ أي ما يقع ضمن دائرة حريته الشخصية.

عودة للسؤال: نعم، يمكن تجاوز سؤال النص والحقيقة إلى سؤال النص والمعنى والدلالة، بعد نقد مرجعيات التفكير الديني أولاً، وهذه كانت مشاغل كتاب (النص وسؤال الحقيقة.. نقد مرجعيات التفكير الديني)، الذي صدرت طبعته الثانية هذا العام. فنزع قداسة النص وتقديم فهم جديد لمفهومها خطوة أولى على طريق تجاوز سؤال النص والحقيقة. فسؤال النص والحقيقة يمهد لسؤال المعنى. بمعنى أدق بعد نقد مرجعيات التفكير الديني، يطرح سؤال المعنى والدلالة نفسه تلقائيا، ويغدو التعدد مقبولا مرحّباً به. ومن ثم، يصدق الانتقال من سؤال النص والحقيقة إلى سؤال النص والمعنى والدلالة؟ لكن مادام الراسخ في العقل التراثي أنَّ النص يمثل تمام الحقيقة، (وحدة الحقيقة ووحدة الطرق إليها)، يتعذر الانتقال إلى سؤال المعنى.

***

صابر مولاي أحمد: يكتنز القرآن منظومة من القيم العلياً، على رأسها قيمة الرحمة والعدل والحرية... في نظرك، ما هو الأفق الأخلاقي معرفياً في نظرة القرآن إلى الإنسان والعالم، الذي بإمكاننا أن نعول عليه في قراءتنا للقرآن، قراءة يحضر فيها ما هو كوني وإنساني، بهدف تقويم رؤيتنا لذواتنا في الماضي والحاضر وتقويم رؤيتنا إلى الآخر المختلف علينا؟

ماجد الغرباوي: إن الأفق الأخلاقي معرفيّاً في نظرة القرآن إلى الإنسان والعالم هو أفق إنساني، يكرّس الإنسان قيمة عليا. لا يسمح بهدر كرامته وسلبه حريته أو اضطهاده وحرمانه من حقوقه المشروعة، تحت أي دافع كان. وهو أفق رحب متعالٍ، قادر على تقويم رؤيتنا لذواتنا في الماضي والحاضر وتقويم رؤيتنا إلى الآخر المختلف. فعلى صعيد الذات يؤكد الأفق الأخلاقي على استقلالية وجود الإنسان، وكرامته وحريته التي تُعد مقوماً أساسا لإنسانيته، يرتهن لها تحققه خارجاً، وهي حقوق يجب احترامها والذب عنها. لذا ينبغي عليه، كما له حقوق يرفض انتهاكها، احترام الآخر لا من باب المنّة والتكرّم بل حقا وجودياً مدام شريكا بالحقيقة، مهما كانت نسبتها. فالآخر بالتالي، إنسان له كافة حقوق الإنسان بلا استثناء، ما لم يهتك حرمة تلك القيم الإنسانية. وهناك مصفوفة آيات تؤكد هذا المعنى، ويكفي أنَّ نظام القيم الأخلاقية الأصيلة من مدركات العقل العملي، فتكون مشتركاً إنسانياً يمكن الاحتكام له. وعندما تكون القيم الأخلاقية الأصيلة هي الحاكمة يتحقق التوازن الأخلاقي ويسمو الفرد في نظرته لنفسه والآخر إلى مستوى إنساني رفيع. تجدر الإشارة أن قيم العقل العملي هي خصوص القيم الأصيلة دون المكتسبة، ما فتئت الثانية توافقات، يجري تقيمها وفقا لضوابطها. يقتصر دور العقل العملي على استحسان ما ينسجم مع القيم الأصيلة وإنكار قيم الظلم والعدوان. وباستثناء القيم الأصيلة فإن جميع القيم الأخلاقية مكتسبة، نسبية، تاريخية، وتوافقات اجتماعية، تختلف مكانا وزمانا، تكتسب شرعيتها من توافق الناس عليها، تحت أي دافع كان. ظهرت مع بوادر أول تجمع بشري لتنظيم شؤون العائلة أولاً ثم تدرجت، حيث اقتضت ضرورات الانتماء البشري، وتحقيق مصالحهم المشتركة اللجوء لقيم أخلاقية تنظّم علاقاتهم وتحمي مصالحهم، لتفادي تداعيات الصراع تحت ضغط التحديات الخارجية، ثم أخذت تتنوع وتتعدد مع تطور المجتمعات، واتسعت بظهور الأساطير ومن ثم الأديان، التي أفرزت طبقة رجال الدين. كما أنَّ مجتمعات العبيد فرضت هي الأخرى قيمها، لتستبد طبقة الأسياد بقيم النبالة والاحترام، وتكرّس قيم العبودية لضمان عبودية طبقة العبيد. (انظر كتابي: المقدس ورهان الأخلاق). في ضوء ما تقدم تقع كرامة الإنسان في أعلى سلّم القيم، فللإنسان بما هو إنسان كرامة، لا يحق لأحد سلبها إيها أو الحط من قيمتها، فضلا عن التجاوز عليها: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)، (الإسراء: 70). الإنسان هو رهان الله مع ملائكته حينما قال: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، (البقرة: 30). فينبغي لنا تكريس القيم الإنسانية والمُثل العليا، والترفع عن منطق الكراهية والحقد والتنابذ لمجرد اختلاف الرأي. هذا أولاً، وثانياً على صعيد الكوني فإن الكتاب الكريم يؤكد: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، (الجاثية: 13). فالكون بكل ما فيه مسخّر للإنسان، وهذا بدوره يؤكد سمو مكانته. ومن يراجع منظومة القيم الأخلاقية في الكتاب يتأكد له أنها قيم تكرّس إنسانية الإنسان، فعندما يتحدث عن الكرامة يجعلها لكل إنسان، وعندما تستعرض آيات العطاء تكرس الإنسان قيمة عليا، دون أي شرط مسبق كالإيمان مثلا: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ..)، (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) (الإنسان: 8). مطلق الفقراء والمساكين. وغيرهما من الآيات. بيد أنَّ الفقهاء والعقل التراثي اشترط الإيمان في العطاء، وليس كل مؤمن بل خصوص المؤمن من فرقته الناجية. فهي فتوى إقصائية لا تنتمي لإسلام القرآن، فيجب قراءة القرآن بمعزل عن إملاءات الفقهاء والمفسرين. وبهذا نفهم عدم شرعية كل قيم أخلاقية تتعارض مع القيم الإنسانية، ونفهم في ذات السياق أن ما جاء في الكتاب خاصة الموقف من الآخر، كان استثناءات مؤقتة أملتها ظروف المعركة، وأيضا لم تتركها مطلقة، بل وضعت الآيات حدودا. نعود لنؤكد أن الأفق الإنساني في قراءة القرآن، يحقق مرامي الدين وأهداف الرسالة السماوية التي هي أهداف إنسانية. وليس غرضي الدفاع من منطلقات أيديولوجية أو إيمانية، بل أفهم الكتاب ضمن سياقه التاريخي، واعتبر القيم الإنسانية والمُثل العليا في الكتاب من الآيات المحكمات التي تُرد لها الآيات المتشابهات. إنَّ قراءة القرآن بأفق إنساني تمنح المتلقي شعورا بالطمأنينة والسلام الداخلي، ونقاء القلب في تعامله مع الآخر، بل حتى علاقة الإنسان بخالقه تأتي في سياق كرامة الإنسان ودوره في الحياة الدنيا. نخلص إلى أنَّ الأفق القرآني أفق إنساني، يمنح الإنسان بما هو إنسان بغض النظر عن تشظيات الهوية، يمحنه قيمة عليا، وفقها ننظر للذات والآخر والعالم.

***

صابر مولاي أحمد: كيف ينظر ماجد الغرباوي إلى طبيعة مستقبل العالم، وما سيكون عليه، ونحن مقبلين على ثورة علمية تتعلق بالذكاء الاصطناعي، وقد تجرأ البعض بحديثه عن الإنسان الآلي، هل يمكن للتقنية وذكاؤها أن يحل محل الإنسان مستقبلا في اتخاذ مختلف القرارات المصيرية التي تتعلق بالإنسان؟

ماجد الغرباوي: إذا كان عصر الإنترنيت قد أحداث منعطفاً تاريخياً، فإن عصر الذكاء الاصطناعي أحدث انعطافة أدهى، حيث زحفت الآلة لتحل محل الإنسان، تصادر أعماله وتقوم مقامه في مجالات واسعة، وبات الحديث عن الإنسان الآلي مألوفاً، ونحن نشاهد الروبوتات تقوم بجميع الأعمال المناطة بها. وقرأت مؤخرا (أن الذكاء الاصطناعي متعدد التخصصات ليس أكثر ذكاءً من البشر في مجال واحد فحسب، ولكنه سيتقن ويجيد في الوقت نفسه الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا وعلوم المواد والرياضيات والطب وعلم الفلك وشكسبير وتاريخ الفن ومجموعة من المجالات الأخرى أفضل من أي إنسان على الإطلاق، وسيستطيع رؤية الأنماط التي تتقاطع مع كل هذه المجالات بطرق لم يجد الإنسان إليها سبيلاً - ولهذا، فإنه يستطيع طرح أسئلة، وتقديم إجابات لم يستطع أي إنسان تقديمها. ويمكن القول إننا أصبحنا كجنس بشري نمتلك قوى شبه خارقة بطريقتين: ذلك أننا أول جيل يصنع بشكل مقصود حاسوباً يتمتع بذكاء يفوق الذكاء الذي حبانا به الله. كما أننا أول جيل يغيّر المناخ بيديه عن غير قصد). ولكن المشكلة هي أننا أصبحنا نمتلك قوى شبه خارقة دون أي اتفاق بيننا حول منظومة قيم مشتركة يفترض أن توجّه استخدام قوانا المكتشَفة حديثاً، أو يبقى الخطر محتملاً، لعدم قدرة الإنسان على التنبؤ بكل شيء. وقد يتسبب إجراء خاطئ في دمار الإنسان. المطلوب تفادي أية أزمة أخلاقية يخرج بسببها الإنسان الآلي عن السيطرة، والاتفاق حول أخلاقيات التقنيات الحديثة، لضبط أدائه.

وهل يمكن للتقنية وذكاؤها أن يحل محل الإنسان مستقبلا في اتخاذ مختلف القرارات المصيرية التي تتعلق بالإنسان كما جاء في السؤال؟ الذكاء الاصطناعي مستقبل البشرية كما تقدم، يتمتع بسلطة، يهيمن من خلالها على إدارة الحياة، باستثناء برمجته التي ترتهن للإنسان وإرادته ومشاعره، تلك المشاعر الإنسانية الفطرية التي هي أساس ديمومة الحياة في بعدها الاجتماعي، فقد يتخذ الفرد أو المؤسسة أو الحكومة قرارا استجابة لمشاعر إنسانية، لا يعي قدرها الذكاء الاصطناعي. الإنسان يدرك أبعادا أخلاقية وروحية لا يتسنى للإنسان الآلي إدراكها. لكن علينا تثقيف شعوبنا على أدوات وآليات الذكاء الاصطناعي، من أجل مستقبل أفضل لصالح الإنسان. والمهمة الثانية مهمة أخلاقية تحول دون استخدام التطور الحديث لقتل الشعوب ومستقبلها أو حرمان الإنسان من الحياة. والأهم مهمة تفادي التداعيات الاجتماعية السلبية لاستخدام الأنترنيت بشكل عام والذكاء الاصطناعي بشكل خاص. فثمة قيم أخلاقية جديدة باعدت بين الفرد وقيمه المجتمعية، كتفكك العلاقات الأسرية والاجتماعية، وبات الفرد يتخلى عن واجباته الاجتماعية ليكتفي بوسائل الاتصال الحديث للتعبير عن مشاعره في المناسبات كالتهاني والمواساة، بل حتى المعاملات بات ينجزها أونلاين دون الحاجة إلى مراجعة الدوائر المختصة. كل هذا وغيره، يؤكد حاجتنا لنظام قيم يواكب التطور الحديث ويحافظ على القيم الأخلاقية والإنسانية، وبالتالي فالذكاء الاصطناعي تحد جديد، يتطلب سياسة وثقافة لتدارك تداعياته.

***

الكلمة الأخيرة لكم

ماجد الغرباوي: يبقى الأمل منعقدا على الوعي لإحداث نهضة حقيقية على صعيدي العلم والأخلاق، نتجاوز بها حالة التخلف، وأول خطوة على الطريق تقديم العقل على النقل من أجل فهم جديد للدين يقوم على مركزية الإنسان ومصالحه. فهم متصالح مع العصر، يواكب تطوراته وضروراته، وهذا يؤكد مسؤوليتنا تجاه الجيل الجديد الذي فتح عينيه على وعي مختلف، وعي تلعب فيه وسائل الاتصال الحديثة دورا في تكوينه. شكرا لكم مجددا.

***

حاوره: د. صابر مولاي أحمد 

خاصة بمؤسسة مؤمنون بلا حدود، والحوار نقلا عن موقعها.

20/12/2024م

يقول الإمام علي بن أبي طالب رضي لله عنه وارضاه: "لَوْلاَ أنَّ الْكَلاَمَ يعُادُ لَنَفِدَ"1.

***

- المقدمة:

قد اتخذ منَ أدب التصوف كأحدى وسائل التشكيل في القصائد الحديثة ومن عناصربنيتها الفنية خاصة في نصوص الأدب المعاصر بحداثة الفكر وفتح آفاق العلوم الإنسانية، ولأن الشعر الصوفي ينبع من بتلات الروح بوجدان نقاء، وليس عن طريق الإقتباس والتقليد والتناص فقط وإنما نتيجة رهافة العاطفة وعمق الإحساس الذاتي، فانبثق أثر تجربة ترسبت في باطن الروح بمخاض روحاني التعلق يتجاوز كل حدود مشاعر العشق، واضحى بمطاف الغزل العذري في التعبير الشعوري، ما استدرجنا في هذا البحث الإقتباس التراثي الصوفي والتناص القرآني الموحي بالرموز الدلالية في لغة الشاعرماجد الغرباوي ببنية شعرية وتراكمها في اللاوعي الشعوري وكباحث في العقائد الدينية وأديب واسع المعرفة في العلوم الإنسانية، والعلمية.. الأدبية.. الإجتماعية بما تتطلبه بحوثه الإنسانية.

Introduction:

It has been taken from Sufi literature as one of the means of formation in modern poems and as elements of their artistic structure، especially in contemporary literary texts، with the modernity of thought and the opening up of human sciences. Sufi poetry springs from the devotions of the soul with a pure conscience، not merely through imitation and quotation but as a result of refined emotion and deep personal feeling. The impact of an experience that has settled in the depths of the soul emerges through a spiritual labor that transcends all boundaries of passionate feelings. It has become، in the course of pure love poetry، an expression of emotion، which led us in this research to quote from Sufi heritage and the Quranic allusions that suggest symbolic meanings in the poet's language of majed al gharbawi، with a poetic structure that accumulates in the subconscious as a researcher in religious beliefs and a widely knowledgeable literary scholar in human، scientific، literary، and social sciences، as required by his humanistic research.

- تمهيد:

يتجلى في الرؤية الشعرية للباحث ماجد الغرباوي، والتي من وحي مسارات افكاره الفلسفية وتأملاته العقلية في دروب الذات الواعية باستشعارات الفكر الصوفي، تعكسها سيميائية النص عبر مصطلح اسلوبي في النصوص الحديثة، ألا وهو عنصر التناص القرآني، ورغم تضارب الآراء حول تعريف محدد للتناص في الأدب الغربي وما أثار جدال واسع، لكن لا اعتراض عليه كعنصر من عناصر النص الحديث لإثراء القصيد، لما يختزنه من بعد دلالي لفكرة النص، يغني تأويل القارئ، وما أن نذكر التناص حتى يمر بأذهاننا الباحثة البلغارية جوليا كريستيفيا والتي أول من اقترح تسمية التناص كمصطلح بمفهومه النقدي في النص الحديث، وعبر عنه كمصطلح من نقاد عرب ومنهم الناقد عبد الملك مرتاض بقوله (هو تبادل التأثر والعلاقات بين نص أدنى ما ونصوص أدبية أخرى) 2، و في الموروث العربي يطلقون عليه مسميات كثيرة منها التضمين، التلميح، الأستعانة، الإقتباس، التبادل النص، التنصيص، السرقة وغيرها.

وإن النزوح لبنية التناص الصوفي تعتمد على خبرة الأديب وقدرته اللغوية والثقافية وتأتي من مخزونه المعرفي في اللاوعي أولرفد الشكل والمضمون بما يدعم الموضوع أو يفيد الفكرة، واستخدام آليات التناص صيغة أسلوبية مستحدثة لسيميائية النص المعاصر، إذ يستعين الشاعر ببعض المعجميات الصوفية، أو يقتبس بعض المصطلحات، أو يستخدم رموز من التراث الصوفي ويوظف غيرها، يضمنها فضاء رؤاه بخصوصية لغة رامزة الدلالة، أحيانا ليعبر بالمحسوس عن ألامحسوس لتضمين الفكرة، وللتناص عدة تعاريف عربية وأجنبية، وقد أشار جينيت لهذا النوع من العلاقات بتعريفه:" علاقة حضور مشترك بين نصين أو عدة نصوص "وهو اقتباس أو تلميح أو انتحال"3، وليس بالضرورة أن يكون الشاعر ذو نزعة صوفية أو تجربة صوفية، بل يستمدها من الهام معرفته بميتافيزيقيا التراث وتاريخ عقائد، فيروض لغته الشعرية لفلسفة صوفية التناص، وباستعارات تقنية فنية مغايرة التشكيل، تتناسب مع واقعنا الفكري والأدبي بصيغة حداثة عصرية الإبتكار، وذلك استدعاء رؤيوي بغموض أو تصريح، وخوض روحانية الذات بقدرة إبداعية، غير مقيد التأويل بابعاد الظاهر والباطن، فيكون الموضوع أكثر أثرا لتجلي البعد الدلالي في ذهن القارئ لفك شفرات النص.

نستخلص برؤانا أن التناص الاستعاري حصيلة حوار ضمني متبادل بين النصوص وما تشَرَب في فكر الشاعر من مشاعر وجدانية وأفكار فلسفية تختلط باصداء معرفته وتترسب في اللاوعي باعماق ذاته، فتتراسل رؤى لا تخلو من الطابع الحسي بإيحاء دلالي يذرالمعنى مثلا من توظيف من تراث أو من أسطورة، وكذا تتمنهج ذهنيا باحداثيات التأثر الفردي أو التفاعل العام، من روافد واعية، وللاواعية بكينونة أفق التأمل من ذات الشاعر، فكيف أن كان الأديب باحثا في علوم الأديان والعقائد، وملما بأيات القرآن الكريم وتراثه التاريخي والزمني، وله مؤلفات كثيرة بنقاشات وقراءات معاصرة تزيح ضبابية المعنى، وتتوافق ذات الوعي برؤى تحليلية للنصوص التراثية، تطرح بُعد القصد لتغييرات الأجيال وتغيرات الزمن، بحداثة تناسب زمنية العصر، والتي لها دعائم اجتماعية وميول نفسية واتجاهات أدبية وعلمية لفنون معرفية كثيرة بتراكمات سببية تتقصاها شفافية الذات لتقطف ما يثري المعنى وتُنضج روح الفكرة بتقنية اسلوبية عبر توظيف التناص الصوفي بإشارة أو علامة أو رمز وغيرها.

لنستقرئ مكنونات يتهادى حُلما

- العنوان:

العنوان ثريا النص وأول ما يلفت ذهنية التلقي، فهو العتبة الموازية لهوية النص ومرآة الفكرة، يستبصره القارئ ليقطف منه لُب الرؤى جزئيا أو كليا، هو النسق الأول الذي يحفز بصيرة القارئ لاكتشاف جوهر النص فيرسو للبحث والتمحيص والاستمرار، ومنه نتطرق لعدة مستويات اجرائية في اللغة الشعرية، وقد يكون أحد مفردات النص، أو بعيدا كل البعد عن أي جملة للنص، لكن الإبداع أن يحمل كينونة النص بتكثيفٍ دلالي عميق يضئ ذهن المتلقي بشغف الرؤى.

توهجَ عنوان النص (يتهادى حلما) جملة شعرية مختزلة التعبير، أنيقة التركيب، شفيفة القوام، يتجلى عبر تركيبها الدلالي تموج إيحائي من العنوان بالفعل المضارع (يتهادى)، ليوحي بحسية دينامية مستمرة الحركة، وقد أردفها برمز(الحُلم) بما يتوارى خلفه من سيميائية غائرة يتماهى بمرونة دلالات عدة بين (الحقيقة والخيال، والممكن والمستحيل)، محفزة رؤى القارئ لاكتشاف فحوى النص، ويفتح شهية التأمل الصوفي بمديات رؤيوية تتدفق تداولية متنوعة الحواس، منسجمة مع مستويات مفاصل النص.

استهل الشاعر أولى العتبات جملة فعلية بتركيبة فنية رقيقة النسجة، وتشكيل بنيوي فني رائع التماهي، تتجلى من الفعل المضارع (يتهادى) بمعنى التراخي.. التأني.. الدلال.. والتمهل، توحي بدلالة التقدم والمسير في مكان ما، ربما تشي لدلالة التمرد على صيغة الوصول لحلم الواقع الفكري.. الحسي.. والنفسي، نستشعرها مادية حواس ومعنوية شعور، تتراءى لنا تكرار الحركة ببطئ مقصود، وغير مقصود بتأثيرعوامل أخرى، وما ضمر من غائر دلالي يوحي بانتظار أمنية عصية الحضور، برغبة إنسانية ملحة من آنٍ لآن بوجدان الأنا المتلهفة، فاستعان بتشبيه استعاري الدلالة، لفيزيائية أهتزاز متباطئ الحركة مُتأرجح بين (التقدم والتأخر)أوتموج بين (مد وجزر) يشي لعدم توازن طبيعة الوجود، نستدل منها عدة دلائل ذهنية من عمق رؤاه الفلسفية.

وحين نعرج لطوبوغرافية الحُلم نستلهم منه روحانية رؤى تنبثق بؤرة دلالات لرحلة مبهمة عبر متاهات زمن غير معلوم في اللاوعي، ، مما خلق اقتران زمني بتضاد الحواس بين الاستمرار والتوقف على مستوى دلالي بين الحركة والسكون، بتداخل متآلف بين الماضي و الآني، والماضي والمستمر، ما يؤول في ذهن المتلقي سيرورة زمن لحدث معين برؤى التأمل، كي يمنح مشهدا شعوريا بانفعال حيوي.

وظف الشاعر رمزية الحلم برؤى صوفية مستوحاة من لغز فضائه الواسع، ومرجعيته المعجمية الملهمة الإيحاء من دلالات انثروبولوجيا عقائدية ممتدة عبر تفسير الحُلم، والمستمدة بدورها من سوسيولوجيا التراث الديني والحكايات الملهمة التناص بروحانية الإشارة، تلك المتجذرة عرفانيا بالشعور واللاشعور من تلقائية التأمل، وما تستحوذ ثيمة الحُلم من سيميائية خصبة الخيال غامضة التفسير محببة للنفس البشرية، وأهوائه المكبوتة، مما يطلق عنان التفكر للتأويل من غياهب الذات المتسائلة عن عمقه الفلسفي.

ولنغوص بتفاصيل دلالية أدق في الفعل (يتهادى)، فعل متعدي له نبرة صوتية لينة بحروفه الألف.. الياء.. والهاء، وبما يتضمن تكوينه من تآلف صوتي، ينساب على مسامع القارئ بإيقاع لفظي مموسق مع مفردة الحُلم، وما لها من لحن شفيف الخيال يشحن سمات التذوق بدلالات عامة وخاصة حين التلقي، تتشظى بجمالية إيقاع محبب على مسامع الذات، ما أعطى بعدا دلاليا أوسع للتأويل من لحظات حُلم بتردد متداخل، متماوج المعنى، بواقع متآلف الروعة، فتجانست موسيقى تناغم بلسانية تواصل معبرة عن تراسل حسي مفعم بعنفوان مشاعر، يثري تأويل المتلقي بما تشي معاناة الانتظار.

ومن الإدراك الحضوري للمجهول بالفعل (يتهادى)، والذي يعود على الضمير (هو) مرتبط بعالم الذات الشاعرة، المرتبطة روحيا بمعجمية (الحُلم)، مما يجعل العلاقة بين الحقيقة والوهم واقعاً إدراكياً نفسيا لمحنة المعاناة، وهو الترابط الروحي والمادي بتخيل ابداعي وقطفة شعورية رائعة لتحيين الآني باستمرارية تحيل القارئ لتحديد نقطة التوقف في نقطة ذهنية الاختيار على مهل تدفق رؤياها.

نستنتج أن عتبة العنوان بينية الإيحاء مستترة خلف رحلة متآلفة الاختلاف، متداخلة ما بين زمن مجهول بفعل (يتهادى) دلالة غير منتهية الوقت (غير معلوم)، وزمن معلوم (الحُلم) لأنه ينتهي بزمن اليقظة، فنستقرئ مما يبدو مستوى مقاربة بتوازن مذهل، مما يحث المتلقي للتساؤل بشغف أدبي من هو الذي يتهادى حُلما؟، وهل سيبقى يتمايل ما بين القبول والرفض؟، ليبقى الحلم بين دفتي التهادي بدلالة التشويق؟، أو يبقى التهادي حُلم متصوف بايمان متجذر، أوشكَ الوصول الى صورة الواقع؟ ربما!!، لكن من حيثية التساؤل لماذا، و متى؟، نلتقط من بعدهِ الغائر مدارك فلسفية أُخرى تسترعي الاستمرار، أو التغاضي عنه بتطويع ثقافة رؤى التلقي.

نلاحظ البنية الثنائية التضاد من العنوان بالفعل يتهادى دلالة إداء بارادة النفس لغرض معين، أما الحُلم غيبة روحية معنويا لا إرادية، فنستبصر تمازج العناصر رغم تغاير الصفات للمفردتين، فنقرأ من خصائصهم المنصهرة سويا بتوازن كُلي، بعض التناقضات الحياتية الخفية عن ميتافيزيقية الوجود، تتجسد دلائل صوفية مثل (الموت والحياة، الجسد والروح، العقل والقلب، الوعي اللاوعي، حسي وغير حسي) وغيرها.

- النص: كيان النص عبارة عن ثلاث فقرات لاتنفصل عن ذات الفكرة ومجمع العنوان

تحيلنا فضاءات النص الى عدة مستويات إجرائية لقراءة فقرات النص واختراق أبعاده الدلالية من خلال طبيعة رموزه المتعددة وتوظيفها كعناصر أساسية لجمالية النص وتشكيله الشعري في المبنى والمعنى للفكرة والمضمون، بعد تحليلها وتفكيكها لإرساء فلسفة رؤانا، وما يشدنا تعدد رموز التناص لإنثروبولوجيا، التراث، الإقتباس الصوفي، وغيرها، فنعتمد قراءات عدة للصور الشعرية وانزياحاتها والتطرق للإيقاع الداخلي واستنباط ما نؤؤله حسيا ونفسيا من علوم إنسانية أخرى.

أن لجمالية التناص الصوفي في اللغة الشعرية أثر على شهية التلقي في الشعر والنثر على حد سواء، وفي جميع الأجناس الأدبية، وهذه تقنية الشاعر إذ يطوع لغته الشعرية بفلسفة حداثة رؤاه، وينتقي من ذاكرة التراث ما يغني مضمون الفكرة، ويضفي على تشكيلاته اللفظية فنية تنسيق ليفتح للقارئ بابا للتذوق من تاريخية التراث، ويستدرجه لكثير من المفاهيم الصوفية بشعورية حسية تُثري التأويل الدلالي بإيحاء فسيح التأمل،

لنقتطف بعض من عتبات الفقرة الأولى وقراءة بعض من الصور الشعرية، والصوفية التناص من الأنساق التالي

نافرةً هوتْ زنابقُ البحر

توقاً إلى رَعشةِ اندهاشٍ

سَرَقَتها آلهةُ النارِ

فَطافَتْ بها سبعةً..

مشدودٍ لذلك الفجر

لأولَ يومٍ تَمايلتْ فيه الريحُ

تُشاكسُ دَمدَمات المَطر

لا تُداعبُ زَغبَ العَصافير

نلاحظ استعارات رقيقة تهفو بعذوبة البوح نستمتع بجمال التضاد الغائر من العتبة الأولى (نافرةً هوتْ زنابقُ البحر)، ومن بلاغة التعبير في الصورة الشعرية ما بين النفور، وهو الهروب والابتعاد بصدمة وذهول، طبيعة حركة باتجاه تصاعدي، ومن معجمية (هوت)، دلالة الهبوط التنازلي أو السقوط المفاجئ، يتجلى التشكيل الصوري من اختلاف الاتجاهين بين (صعود ونزول.. بُعد وقُرب)، مقترنا بسيميائية تضاد رائع التوازي يشي للتوتر والتأثر النفسي من حدث ما، تشي لوتيرة الصدمات القاسية المواربة لقسرية الهجرة الفجائية والتشتت الجمعي.

ومع محاكاة استعارية من رموز الطبيعة في (زنابقُ البحر)، تتجلى من رمزية الزنابق سيميائية تشبيه استعاري لأنوثة المرأة تَنُم عن إشارة صوفية الدلائل لجمال ورِقة المرأة، وكذلك رمزية البحر أحد الرموز الصوفية لأن الماء دال على الحياة والنقاء (وخلقنا من الماء كل شئ حي)4، وأسرار ربانية أخرى عن كنه حيوية الماء، فالبحرعالم يلفه الكثير من الغموض المفعم بغرابة كائنات حية، وبهذا رسم الشاعر تعبيراً مجازي الصورة، ببنية فنية يتجلى من انزياح تركيبي دلالي التأويل، نستنتج منه إحالة استعارية لمعادل موضوعي عام عن دورة الحياة وتناقضاتها بعموم الوجود وعدم الاستقرار لكلا الجنسين (الرجل والمرأة).

عمد الشاعر لتقنية الإقتباس الصوفي بستراتيجية نصية من رمز ميثولوجي ديني ينتمي لأسطورة يونانية من أساطير حضارات قديمة هي رمزية (آلهة النار)، كما ذكر البعض أنها اسطورة هندية بحكاية تراثية معروفة عند الهندوس لها جذور دينية باعتقاداتهم وفي كلتا الحكايتين لها بعد فلكلوري صوفي ومسحة روحانية لتزكية أعماق النفس بمظهرها الشعوري، وكيانها الإنساني بقوة مكابدة فكرية.. عقائدية، تغري الفضول الأدبي للقارئ وتجذبه للمتابعة الشيقة.

ضمنَ الشاعر مشهدا حسيا جميلا بحُلة فنية ذات شعورية عقائدية مستوحى من أسطورة برومثيوس سارق النار كما في النسق التالي (سَرَقَتها آلهةُ النارِ)، صياغة تناصية بتكثيف دلائل صوفية.. روحانية بحتة، باقتباس نصي من الأسطورة، تتعالق بين الذات الشاعرة والشعور الحسي، منها يتبادر لذهن القارئ تساؤلات عقائدية متعددة، هل يحق للآلهة أن تسرق وهى رمز للعبادة بخلاصة النقاء؟، وبأي شرعية يحق لها أن تسرق؟، أي مبررات توحي سلوك وتصرف إنساني، يستدعي السرقة؟، إحالة دلالية التأويل لازدواجية الأنا بسيكولوجية الصراع المادي والنفسي في واقع ميول البشر، تتجلى التستر خلف ستار الدين عن تهتك المبادئ، وهذا ما يسترعي انتباهنا الى أن الشاعر الغرباوي تنبع لغته من أعماق اللاوعي بهوية باحث عقائدي، فيختار اقتباساته لغرض دلالي عن التباس المفاهيم وتزوير الوعي خاصة التباس المقدس بالمدنس، وقد أشار لهذا السلوك في منجزه الفكري (النص وسؤال الحقيقة نقد مرجعيات التفكير الديني5)، فنرى انعكاس فلسفته الفكرية وبصمته البحثية في معظم نصوصه الأدبية.

نلاحظ سيميائية التناص الصوفي المعتق بالتراث العقائدي من الصورة الشعرية (فَطافَتْ بها سبعةً)، فرمز الطواف دلالة لتاريخ أديان ومعتقدات منذ القدم لتطهير الجسد من الذنوب، لكن مكنوناتها العميقة الدلالات متزاوجة التناقض للنفس الأمارة بالسوء، فنستنير بمدى دلالي عن زيف الطواف وغرضه الشخصي بسلطة الأطماع، نظرا لاستكمال طقوس العبادة لإثبات شرعية السرقة باتمام الطواف!!، ، فتداهم التلقي تواصلية دهشة لاستكشاف إيحاءه الفكري باستذكار مقولة (كلمة حق أُريدَ بها باطلٌ)6، إحالة سيكولوجية التأويل غائرة الإشارة عن روحانية الشعور المزيفة، منها نغوص بعدة دلالات تضاد منها، (الإثم.. البراءة، النزاهة.. الفساد، الكذب.. الصدق، الشك.. اليقين، وغيرها).

تبدو دلالة التأكيد لإتمام طقوس الدوران المغلق بالرقم سبعة عقيدة تراثية، وهو رقم صوفي بتأثير طبوغرافية التصوف، لتكتمل كينونة الانعتاق الروحي بخلع رداء الأنا، وارتداء معنى النقاء باصرار الذات المتعبدة، ثم التوحد المطلق مع الخالق عرفانية مناجاة باشتغال كافة الحواس، وعلى ما يبدو يترك لنا الشاعر أفق تأويلي مفتوح الدلالات بمغزى مبطن يستنتجه شغف التلقي ليستشف المعنى الدلالي القريب من تفسيره المتذوق.

أعتمد الشاعرعلى توظيف رمز العدد (سبعة) بما له من إشارات توحي بتناص ديني في كثير من الآيات القرآنية بتعدد دلالاته الكونية ومنها على سبيل المثال لا الحصر لتعددها (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)7، ورمز متكرر في العديد من التقاليد الاجتماعية التراثية، ودلالات ميتافيزيقا الكون، فالتيمن باليوم السابع عقائدية وجود، كما في تضادات مختلفة في اليوم السابع للولادة والموت.

وهناك الكثير من فيزيائية ظواهر كونية للرقم سبعة كالطيف الضوئي وغيرها، فليكن للقارئ الشغوف وجهة نظر تنبثق من ذهنيته المتأملة ومنطق صوفيته ليغني إحالات التأويل بإدراك عوالم صوفية، تتحفز بفلسفة رؤياه ونطاق تذوقه، أو فيما يتشظى لديه من روحانية تفوح من عمق الباطن من الدلالات حين تنغمس النفس البشرية في رحاب تجليات العبادة تغرق في الانعتاق الروحي بحرم قدسي التعبد، والاعتراف بشتى العبودية للتحرر من دنس الذنوب والخطايا، تتشكل في طواف الانتماء للآلهة، وبجرس صوفي الإيقاع تهتز له المشاعر، كما يبدو من العتبات التالية:

تَتَهجد...

تُرتّـلُ قداساً مكتومةً أنفاسهُ

وتَطوفُ حولَ مَدارٍ

نلاحظ المستوى النفسي بمفارقة حسية مكثفة الإيقاع بكيان شعوري متنوع منفصل عن حصانة الذات، وبتشكيل صوتي لحركة الأداء من الأفعال المضارعة المبتدئة بحرف التاء في (تَتَهجد، تُرتّـلُ، تَطوفُ)، التاء حرف لين هنا يدل على الهمس والخوف بانعتاقه للذات الإلهية، وبتكرار حرف التاء أعطى استمرارية متخمة بالشعور الصوفي تنبع من اللاوعي للشاعر، ويتجلى التغاير الحسي في تكثيف الجمال الذي أبدعه الأديب باستعارة تضاد لدلالة رمزية مضمرة في الصورة الشعورية (مكتومةً أنفاسهُ) تتباين بين دينامية التردد الحسي وقسرية السكون الروحاني، إحالة تأويلية دلالية عن هوية صوتية بحسية عميقة صوفية التناص بهاجس نفسي متجذر الخوف من المعبود.

-نلاحظ تنوع المستوى الزمني في العتبات التالية

مشدودٍ لذلك الفجر

لأولَ يومٍ تَمايلتْ فيه الريحُ

تُشاكسُ دَمدَمات المَطر

وتُدندنُ أغنياتٍ مهمَلةً

لا تُداعبُ زَغبَ العَصافير

استخدم الشاعر سيميائيات نسبية الدلالات مبهمة التاريخ (مشدودٍ لذلك الفجر)، (لأولَ يومٍ تَمايلتْ فيه الريحُ) توحي لفترات بينية غير مرتبطة بكينونة زمنية محددة، تشي لزمن ماضٍ، وباستخدام الشاعر معامل موضوعي لمشاعره الوجدانية من جمالية رموز الطبيعة (فجر، مطر، عصافير) معبرا خلالها عن عاطفة شعورية تتوسد لاوعيه بصيغة صوفية الأحاسيس، لها إيقاع صوتي من الذكريات وطاقة حركية بفاعلية الواقع من الأفعال الحسية التالية: (تمايلت، تشاكس، تدندن، تداعب) ومن روح التكرار لحرف التاء موسيقى داخلية حركية الإيقاع، نستقرئ زمنية أحاسيس مؤثرة بذات الشاعر مكثفة التأويل الدلالي تنُم عن تناص صوفي بتماهي الصورة الجمالية والصوتية والحسية.

كما نستقرئ دلالة الإحباط النفسي من تشكيل الصوري من عتبات خاتمة الفقرة الآولى (أغنيات مهملة، لا تُداعبُ زَغبَ العَصافير) تشبيه رائع بايقاع صوتي لمشاعر الوجع عبر إيحاء الرموز الصوتية، بعمق حسي وفكري التأمل، عما يجول بحياة لا قيمة للإنسان فيها بتواتر الزمن ومن أبسط متطلباته، إحالة تأويلية للإحباط النفسي.

- الفقرة الثانية من النص: نستبصر مناورة صوفية شفيفة المناجاة

- نلاحظ من الصورة الشعرية المركبة الانزياح (أَغدو وأنا المُتَيمُ... شفقاً)، نرى دلالة صوت الأنا العاشقة برؤى صوفية رقيقة، بسيميائية زمن مستمر المعاناة، ثم يترك الشاعر لنا فسحة توقف بعدة نقاط لتصورات تستفز تذوق القارئ، لنسميه بياض تأملي، فدعانا لتشبيه جميل للزمن متمثلة بهذا الهيام كحالة وسطية بين انتهاء بقايا ملامح الليل، وبداية شروق نور لفجر جديد تمهلنا التفكر في رمز من الطبيعة شفيف المعنى صوفي التأمل، ورغم أن الشفق علامة زمنية لوقت قصير المكوث، إلا أنه وقت جميل المنظر بانبثاقه في السماء كما نعرف في اختيار المفردة ليس عبثا من أديب مبدع بفرضية التشكيل الفني لنصه بتناص شعوري، وكمفكر إسلامي وباحث عقائدي دقيق الإختيار لتوظيف رمزية معجمية الشفق، يوحي لسيميائية دلالة إحياء طقوس الدعاء بانجذاب روحي شفيف بالتوحد مع طيف العاشق المدلل التهادي بتضاد غائر، إحالة دلالية التأويل صوفية.. روحانية لتحقيق أمنية مضنية لحلم الشعور.

ونتابع صدى ترددات التهادي في نسجهِ الأنساق المتوالية من الصور الشعرية البارقة بجمال رومانسي المناجاة، (حينما يُغازلُ دفؤكِ لهاثَ أنفاسي)، وصف وجداني أنيق التعبير بمشاعر حميمية التوله بسيمائية دلالة زمنية عامة، إذ وظف مجمل الحواس بتكثيف منطقي ملتهب بغزارة حسية، في صورة شعرية رائعة بليغة التعبير تفوح بطاقة شعور صوتي الترنم لمناجاة الأنا، وتتجسد بروعة صياغة تركيب الإنزياح الدلالي وتقنية التشكيل، أجادها الشاعر الغرباوي للتعبير عن تهادي الحُلم بظرفية ذكرى، فأراق الزمن برغبة صوفية تحث التلقي عن كشف المعادل الموضوعي لعاطفة تجتاح هنيهات روحه.

ونقطف روحانية أحاسيس من الصورة الشعرية التالية (فَتُراودُ أَحلامي جَمراتُ شَوقٍ)، نرى رمزية الحُلم دلالة صوفية التناص بقوة الإنفعال من هذا التعبير البسيط والعميق الإيحاء يتدفق زخم عاطفي للأنا المغرمة من خلال ضمير التملك، وسيمائية دلالة توحي من يوتوبيا تكرار الحُلم لإصرار ما نبت في اللاوعي، ومنها نسترجع ملامح العنوان بقوة انسيابه مع كل نسق، إحالة دلالية شعورية التجلي عن تهادي ذلك الحُلم بانتظار اللقاء بلا زمنية ممكنة.

وبتأكيد استمرار الحلم وتكراره، من واو العطف للصورة الشعرية التالية، (وحَفنةُ آهاتٍ تُطاردُ ظِلاً)، نستمتع بنغمات حسية الإيقاع وصدى سيكولوجية المشاعر بلهاث اشواق الحبيب وزفرات الوله خلف الحُلم، نستنتج من استعارة رمز الظل صوفية دلالة للشعور المعنوي لخيال عاشق، ويبقى اشراق طيف الحبيب متواريا خلف تمني المحب وحلماً يتهادى رقة وعذوبة مفعمة الاشواق بتأكيد ذلك الحُلم.

ونلاحظ بلاغة الصورة الشفيفة الرومانسية من وحي الطبيعة، بسيمائية تشبيه يشي بالتكثيف الدلالي لرمز البنفسج وعطره عن المرأة الحبيبة في بلاغة صوفية غائرة الإيحاء من التعبير الآتي (يُسابقُ البَنَفسَجَ عطرُهُ)، فنتقصى الشعور النفسي في اللاوعي يحتل كل مدارات التذوق الحسي، ويشغل كيان الأحاسيس للشاعر بخصوصية روحانية التناص تندمج بذاكرة أدبية تأخذنا لأغنية ليل البنفسج بصوت(ياس خضر8 وشعر مظفر النواب*9)، معبرا عن سباق لهفته للحبيب بنعومة التشكيل، إحالة تأويلية تجسد حنين العاشق لكيان حبيبته الغائبة بصوفية تعلق، بدلالة نفسية تشي باستنشاق العطر عن اختراق حسية ذكرى راسخة التأثير في روح الذات، فللمرأة خاصية صوفية الرمز، تدل التعلق الراقي في مصافي الحب كالتعلق الروحي عند الصوفيين بتشبيه استعاري بليغ بعذرية التوله.

وبعتبة غزلية فنية التشكيل لصور شعورية رومانسية التعبير، رقيقة الوصف، لا تخلو من سيميائية تصوف

- الفقرة الثالثة: استمرار الحلم بمطاف صوفي رائع، كما في النسق التالي:

ضاحكةً عيونُ المَها

تُلامسُ شغافَ قلبٍ

يَسهو في مِحرابهِ

ما زال الشاعر برحلته الروحسية (الروح والحسية) وذاتية الحلم يتهادى ليلامس شغاف حواسه السارية في محراب عشقه معتكف بمناجاة مشاعره الطليقة المتيمة، فيتغزل بصفات حبيبته باستعارة رمز أنثوي التشبيه هو رمز عيون المها بمقاربة بجمال الوصف للمرأة، ومن سيميائية الأنساق استخدام يوتوبيا الحواس بحسية التعبد والدعاء في محراب الحب تشبيه استعاري عميق يستفز فكر القارئ ورؤاه التأويلية الدلائل بتساؤل:هل يسهو العابد في محراب عشقه.. ومتى؟، سيميائية سمو عرفاني عبر المحسوس بعمق التأمل، فهو في حضرة انسجام شعوري مع أنا الحواس لربما الغياب عن العالم الحقيقي بخيال سارح يغيبه عن محيط الواقع فيعانقه الحُلم.

ونتابع مستوى إجرائي آخر بتكثيف صوفي:

يتبتلُ ساعةً وأخرى

يَعكفُ

يُرتّلُ آياتٍ

نلاحظ الإقتباس الصوفي من الأفعال الموحية الإستمرارية بحضور روحاني فاعل من (يتبتل، يعكف، يرتل)، سيميائية صوفية الإيقاع نستبصرمنه مجاهدة النفس بجرس وجداني الأحاسيس، فيبدو من دلالة الاعتكاف تشبيه رائع للاتصال الروحي بالمحبوب آسر التنسك بخلوة عاشق، وهي درجة من مقامات العبادة الخالصة في الإنعتاق لهوى المعشوق، كمقام الورع، ومنهان أن يتعدد تأويل القارئ ورؤاه بمنتهى التذوق الأدبي وتخمينه الرؤيوي.

لنتذوق جمال مناجاة لِطَيف ذكرى الحبيبة بنزعة صوفية عرفانية من العتبات التالية:

مرَ بِها طيفُكِ ساعةَ سحرٍ

فظلّتْ مَركونَةً في زوايا ذكرياتٍ

يبدو قدرة التخيل الصوفي للغرباوي في تجلي الذكريات، رغم ما تشير الدلالة لبينية قصيرة برمز (ساعة السحر) زمن محدد ببعده الماضي، إلا أن من باطن الإيحاء تبدو سيميائية رمز السهرمستمرة في خاطر الشاعر بدلالة شدة التوق، ونرى الشاعر يستخدم إقتباس زمني من تراث الأدب والقريب لإحساس المتلقي بتذوق المفردة، اذ استعار بتمكين تقني فاستجلب الزمن من قصيدة الشاعر السياب نستذكر منها (عيناك غابتا نخيل ساعة السحر)، نقرأها سيميائية إقتباس أدبي معشق بصوفية الفكر.

نستكمل الوجد الروحي في الصور الشعرية البسيطة التالية

وبقايا أُمنياتٍ تَسربلتْ

حُزناً سَرمدياً

يتراءى منولوج الهيام الروحي الذي سكن النفس فتداخل الشعور بين الروح والجسد وانحدر دواخل اللاوعي فتشرب فلسفة ميتافيزيقية الوجود وتسامى في رؤى العاشق وتوق ناسك، بلمحات من سيميائية الوجع الأبدي في تعبيره الصوفي، ونلاحظ منها مفردات التناص من التراث الديني (تسربل، سرمد).

ولِنعود لمستوى آخر من التناص التراثي لأسطورة تاريخية تمهد لنا فكرة الشاعر وغرض التناص، ولأن من تقنيات النص الحديث الاستعانة بالرمز الأسطوري لحضارة ما، يستمد منه مقاربات لدلالاته الضمنية باختزال جوهر الفكرة، فيسعى الشاعر للغة الرمز لربط دلالاته الحسية بملامح واقع تأثره النفسي، نابعا من محيط معاناته الإنسانية بأبعاد اجتماعية وتاريخية، متعالقة بذات الموضوع تُستمد من اللاوعي، ليستمد من رمز الأسطورة طاقة إيحاءات لإيفاء المعنى وتكثيف الدلالة بإحالة جديدة من الخيال بما يلائم أتساقه ضمن النسق يضفي طابعا غير مألوف يثير شهية الشك الرؤيوي، ويحرر يقين تأمله بفتح أبواب الإلهام في ذهن المتلقي بحيويات دلالية عدة، منها تسترسل ملامح من قصدية الفكرة لإعادة خلقه برؤية ما في ذهن القارئ ليحيى ببعده الأسطوري نوافذ تأويل دلالي تستسقى من معرفة القارئ وتذوقه.

ولنستبصر القراءة في الأنساق التالية:

جادَ به تَموز

فما عادَ لنا فرحٌ

وهنا ما يشفع للقارئ أن يستمد طاقة رؤى من سيميائية رمز أسطورة (تموز) ومن موروثه الشعبي يُغني مرونة الإيحاء، ورمز(تموز)هو أحد ملوك سومر والذي يدعى ب (ديموزي)، وما ينضوي من استدعاءه الرمزي المفعم بخيال عميق الأثر بمدار دلالي رحب لامتداده الزمني من التراث الأسطوري لماضي الإنسان (تموز)، ومازال ملتصقا بحاضره المؤثر، وقد برع الشاعر بتوليفهما معا لحدث مرادف لأزمنة الحياة المعاصرة، ليشحذ التفكر والإيحاء بتكثيف دلالي وبإشارات متباينة الاعتقاد والتصور عن سيرة حقبة زمنية يستذكرها الشاعر بمشاعر الحزن، تحز الوجع في اعماق نفسيته، نستنتج منها مقاربة دلالية التشابه مع حزن تموز حين سرقته الآلهة الى العالم السفلي وسلبته حريته قسرا، بذلك أوحى دليلا غائرا، مرمز الإستعارة والتشبيه عن اغتصاب الحريات من الشعوب العربية على وجه الخصوص، وأثرى المضمون ببعده الدلالي عبر توحده مع ذاتية الرمز، وكذلك منحه تواصلية تاريخية التناص بتداولية التأويل لإلهام المتلقي فيتزود من معرفة التراث، ويبحث عن تفاصيل أسطورة أو حقيقة من حضارات قديمة، بدلائل حزن مستشري بأعماق الأنا الحسية والنفسية، وبذكراها تتعتم سمات الشعور بأوان الفرح.

ونستنتج من التشبيه الإستعاري لأسطورة (تموز) بحياة الشاعر من الأنساق التالية:

والموتُ يَنشرُ راياتَهُ السود

فوقَ سحابات بلدٍ خانتْ به

نفوسٌ أدمنتْ الغدر

ولمستوى موحي بصوفية منولوج نفسي عن سيميائية رمزية الموت بما تحمل من دلائل رهبة وسوداوية مؤثرة بذات الشاعر وعمومية مرافق الحياة، ومتجذرة الخوف لصعوبة فهم ميتافيزيقية* الوجود، أشار لها الشاعر بتكثيف انزياحي وتشكيل جمعي للدلالة عن انتشار أشكال الموت، وتعدد اساليبه، وتنوع طرقه، بأسبابه الواهية (وأن تعددت الأسباب فالموت واحد)10، فاوحى للتلقي سبب وجع التشتت بازدياد العنف والقتل والغدر غير المبرر من عناصر مغتصبة البلاد والعباد، وشبهها برمز من الطبيعة (سحابات) مظلمة ظللت أرض الوطن، واشار بوضوح التعبير وبساطة لغة لمن اتقن لعبة الخيانة، إحالة دلالية التأويل عن فكر التطرف بالاعتداء على حقوق الإنسان ومحاربة حريته الشخصية بسلبه حياته واستباح أفكاره وآراءه بتدميره فكريا وعقائديا.

نستخلص بما تشي هذه الأنساق المتوائمة مع عتبة العنوان بنسق مترابط كلما أوغلنا في تلابيب النص، ووفقا لما استحدث من هذا التناظر الأدبي المتداول لمنطوق سيمائية التناص الصوفي، أن خلق العلاقات مع وحدات النص بتشكيلة التركيبي تُحمله قيمة دلالية تتناسب مع مضمون سياقات النص وبناءه التعبيري الفني، وتضيف سينمائية المعنى الدلالي بخصائص الإقتباس تتضمن ضوء الفكرة برؤى شعرية تنسجها لغة الشاعر، (وهذا ما يؤكّده محمد مفتاح لأهمية التناص للشاعر وعدم استغنائه عنه فهو بمثابة الهواء والماء والزمان والمكان للإنسان فلا حياة له بدونهما ولا عيشة له خارجهما)11، فالتناص أحد العناصر المهمة لقصيدة النثر الحديثة باستعارته اللغوية وتوظيفاته الرمزية لتكثيف الاثر الخفي للنص لاستباحة الحركة الذهنية للقارئ.

نلاحظ عتبة الانتقال الفجائي والتي تطير بالمتلقي على شغف ستغرابه بما يصدمه من خاتمة تمتشق حزنأ معتقأ عن معاناة وجع الوطن، وهي تورية عن حب مؤرخ بعمر يسترجعه الشاعر بكيان حُلم يؤرقه دوما ألا وهو حب الوطن، وما يشي لأي حبيب بعيد غائب، فتتراكم من رواسب الغربه آهات الألم لشتات أحبة ما لبثوا ان تباعدوا، يستعيدها الشاعر طواف عمر بفضاء الأسى، فاستبدال الحبيب بالوطن لا يلغي أي دلالة من السياق بل يوقرها جمالا، وبهذا سنرى أن ثيمة الحُلم تستحوذ على صياغة دلالات سطوع الخاتمة بانفعال شعوري مقترن بالإنتظار، وأن فعل التهادى يفترش وجع المسافات المطعونة بالفراق توحي بتجربة الشاعر المعمرة بالوجع.

- خلاصة:

أن الثيمة الأُسية المحركة لفقرات النص هي مفردة الحُلم والتي تتراسل مع البؤر الدلالية في أنساق النص، وتنهض بالعامل الزمني من مهد الذكرى وتاريخ الأماكن على مستوى التخييل، والتي ترتبط بها الأنا ومنها تنطلق لتبادل الرؤى مع حيز الواقع، يستثمرها الغرباوي ببناء خطابه الشعري بجمالية الصور وحركة الأفعال وتعبير الجمل ونسيج اللغة، فيبث سيرة ذات هيمن عليها مناخ الغربة وقلق معاناة بدلالات ايحائية متقاربة في محطات شعرية تتجاذب وتتنافر صورها الشعورية، في كيان وجداني ساحر تتوغل في البنية النصية بمكنونات الشاعر النفسية والفلسفية والحسية.

نص يثير ذهن القارئ ليعاود القراءة بتفقد الألم من بداية العتبات للخاتمة، بصوفية الرموز والتنقيب عن دلالات التناص المتنوعة الآفاق، ليرتع من دلالات الرموز بتأويلها ويستمد الرؤى من تراث الماضي ويغور بأزمنة استكشافه، وما يؤول على مدى مستحدث من تقنية العنونة ليُغني تساؤلهُ، فيبحث عما هو مستتر من علامة، إشارة ، ورموز وعناصر تسري به لدفقات الخاتمة، يسترجع وظيفته التفسيرية ووجهته التحليلية وما يتوالد منه من تأويلات اخرى، وبهذا خلق الأديب ماجد الغرباوي تداولية رائعة بالتفاعل والتواصل الموضوعي من الخصوصية للتعميم بترابط متين، ينتقيها القارئ بلذة استكشافه المكنون بما توحى له بصيرة تأمله، كما ويتقصاها الناقد بمنهجية إضاءات على مستوى إجرائي بما تتيحه دلالات رؤاه وانطباعاته الفكرية.

أن الأبحار في أي نتاج للباحث القدير والإطلاع على رؤاه الفلسفية يتيح لنا سعة التماهي بعدة دلالات فكرية التأويل ويفتح لنا آفاق معرفية أخرى للتذوق الأدبي، ونرى في نصوصه بصمة بحثية لا تخلو من توجهه الفكري التنويري وانعكاسه على خياله الأدبي فانزاح من تأمله الثقافي، اضافة ما نتوجسه من صوفية تلامس بين الفكرة والموضوع، تجانس المعاناة بين الفرد والمجتمع، ووتتطابق بين الخاص والعام، فيعطي بعدا آخر لتنفس القارئ، بما يفيض تصوره وأختيار نقطة أنطلاقته الذهنية بتفكر مجزي، وتلك ميزة حاذقة في مضمون الجنس الأدبي تطرب المتعة للقارئ \الناقد والباحث عن التجديد بفكر معاصر.

***

إنعام كمونة – أديبة وناقدة

...................

هوامش

1- كتاب العمدة في محاسن الشعر وآدابه -ابن رشيق القيرواني ص 91 -الجزء الأول

2- عن كتاب نور الهدى لوشن: التناص بين التراث والمعاصرة، مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج 15، ع 26، صفر 1434 ه / ص 1023

3- علم النص ترجمة زيد الزاهي21 ط1991م، دار توبقال

4- سورة الأنبياء آية رقم 30

5- الباحث ماجد الغرباوي مؤسسة صحيفة المثقف – سدني استراليا-مل الجديدة –دمشق-سوريا-2020م

6- تنسب للأمام علي المصدر صحيح مسلم ص 1066

7- سورة الطلاق آية12

8- مطرب عراقي معروف بصوته العذب ولد في محافظة النجف

9-شاعر عراقي معروف بقصائده الجريئة والمغناة

10- الشاعر أبن نباتة السعدي القائل(ومن لم يمت بالسيف مات بغيره / تعددت الأسباب والموت واحد)

11- محمد مفتاح الخطاب الشعري، إستراتيجية التناص، صفحة 125

 

كتب الأستاذ د. مجدي إبراهيم، أستاذ الفلسفة، لمحة نقدية مكثفة لكتاب إشكاليات التجديد في موقع: المَجمَع الفلسفي العربي، تعقيبا على مقال الأستاذ د. طه جزع، المنشور هناك، بعنوان: شعاع من أوقيانوسيا، جاء فيها:

الأستاذ ماجد الغرباوي مفكر من طراز ممتاز، صادق مع نفسه وأمين في كتاباته، يطرح رؤيته بقناعة تامة، ولا يخجل من المراجعة النقدية لآراء سابقة تبين له فيها القصور، ثم التراجع عما بدا له إذ ذاك، وتعديل ما يحتاج إلى تعديل وإضافة ما يقضي الأمر إضافته.. عشت مع كتابه (اشكاليات التجديد) في الأيام السابقة، فوجدته يسبح في عوالم من التفكير منوعة بين التقيد بالاصطلاح الدقيق، وتناول المعنى اللغوي والتعريفات الإجرائية، وإلقاء الضوء على البعد الحضاري للتجديد من حيث كونه قاعدة الإصلاح؛ فحيثما كان التجديد وجب هنالك الإصلاح، ثم يستقي من تراثنا الفكري شخصيات لها أثرها المباشر في الاسهام في درء جرثومة التخلف العربي، وهو في ذلك كله يناقش ويحلل ويقارن ويوازن، ويعطي المبررات لقناعاته ويضغط عليها ثم لا يترك للقارئ فجوة لملاحقته نقدياً من جهة البناء.

يسبح الغرباوي في هذه العوالم بدقة وحرفية يحوطهما الصدق ليتقطر القلم بمداد الإخلاص، فلا تملك إلا التقدير لهذا القلم النبيل. وإذا شئت أن تختلف معه فاختلف ولكنك في النهاية تخرج بمادة موظفة منهجياً تقتضي الإعجاب.

***

د. مجدي ابراهيم - أستاذ فلسفة

 

لم تمنع المسافات البعيدة، ولا الغربة المقيتة، ولا دورة الزمان وتقلبات الأيام، باحثاً نقدياً، وكاتباً جدلياً، مثل ماجد الغرباوي عن مواصلة مشروعه الفكري النقدي الذي يحفر عميقاً في الموروث التراثي والأخلاقي والفقهي بهدف عقلنة المقدس الديني على الرغم من الاختلافات الظاهرة بين العقل والنقل، والمنطق والنص المقدس، لكنه يجتهد في تعزيز الروابط بينهما تأسياً بفصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال بحسب تعبير ابن رشد فيلسوف قرطبة. ومنذ بواكير شبابه، وفي وقت مبكر دشن مشروعه هذا، وهو مشروع محفوف بالعقبات والمزالق والقنابل الموقوتة التي قد تؤدي إلى سوء الفهم والتأويل مما يعرض صاحبه لاتهامات خطيرة قد تؤدي به إلى نتائج لا يتحمل عواقبها إلًّا قلة من الرجال.

ما يقرب من نصف قرن، وفي السنوات اللاحقة، بحث الغرباوي في إشكاليات التجديد، وفرص التعايش بين الأديان والثقافات، وفي أنسنة التراث، وتحديات العنف، مخاطراً بالولوج إلى نقد التفكير الديني، ونقد الحركات الإسلامية في حدود تجليات الوعي، وحين وجد نفسه منذ البداية مكبلاً وربما محاصراً ومطارداً أفرد جناحيه للريح وحلق بعيداً من بلد إلى آخر حتى وصل جزر أوقيانوسيا وحط رحاله في سيدني بين بحر تسمان المتفرع من المحيط الهادىء والجبال الزرقاء ليواصل بث اشعاعه ويقدم اجتهاده في الكثير من التحديات التي تواجه الفكر العربي المعاصر ومرجعياته النَّصية. وفي بلاده الجديدة التي منحته الحرية والأمان والهدوء، والبعد عن عَسَس السلطان وتسلط الغلمان، لم يتقاعس أو يركن إلى الكسل والدعة والخمول، فأنشأ مؤسسة وصحيفة "المثقف" لنشر المقالات والحوارات والتقارير والنصوص الأدبية والفكرية التي تخدم مشروعه النهضوي التنويري، فضلاً عن سلسلة كتبه التي جمعها تحت عنوان "متاهات الحقيقة".قبل أشهر، فوجئ الغرباوي ببعض كتَّاب واسرة تحرير الصحيفة وهم يعدون العَّدة لتكريمه بكتابٍ لمناسبة بلوغه السبعين عاماً، وكنتُ عازماً على المشاركة فيه بمقال وافٍ لولا أنني سهوت عن ذلك. وهذا العمود القصير تهنئة له، ولو جاءت متأخرة .
***
د. طه جزّاع – كاتب أكاديمي

عن شركة العارف للمطبوعات صدر للاستاذ الصديق ماجد الغرباوي الطبعة الثالثة من كتابه (التسامح ومنابع اللاتسامح / فرص التعايش بين الاديان والثقافات) لعام 2024.

ومن الجدير بالذكر تأتي أهمية مشاريع الاستاذ ماجد الغرباوي التنويرية كونه خريج الحوزة العلمية في النجف وعمل مدرسا للحوزة العلمية في قم لذا فهو ملم كثيرا بكل ما يتناوله لما يحمل في جعبته الكثير من التراث الاسلامي، فصدرت له العديد من الكتب من بينها (الضد النوعي للاستبداد، اخفاقات الوعي الديني، اشكاليات التجديد، تحديات العنف، الحركات الاسلامية، موسوعة متاهات الحقيقة وكتب أخرى)

كل هذا لدليل الى ما يربو اليه الاستاذ ماجد للتخلص من الأفكار السلبية والتي تحملها الايديولجيات الدينية والتي من نتائجها هذا الكم من التخلف والدمار في عالمنا المشرقي.

منذ العتبة الاولى للكتاب تجد نفسك أمام نقيضين، الاول يؤدي بك الى العيش المشترك بمحبة والثاني بالعنف. حيث تُمثل كلّ من المفردة (التسامح) و(اللاتسامح) طرفي التناقض التي يتكئ عليها الكاتب ليقدم لنا صورتين تُفضي إلى تأويل افتراضي لعوالمها الغامرة ولافتة دلاليّة ذات طاقة مكتنزة تدفعك باشتياق للتواصل معه لفكّ شفرته.

في كتابه التسامح ومنابع اللاتسامح يقول الكاتب في المقدمة للطبعة الثالثة:

(سبع عشرة سنة، اتصفت بتسارع وتيرة الاحداث، وتفشي ثقافة الكراهية والموت وازدراء الانسان. وكان منطق العنف يبعث الرعب تحت مسميات دينية ومذهبية وقومية.. كل هذا دفع بالبعض لاستبدال القيم الانسانية بقيم العشيرة والحزب والطائفة والدين.

ويزيد قائلا: (يتوقف استتبات الأمن الأهلي وقيام مجتمع مدني على وجود تسامح حقيقي لا شكلي الذي سينهار في أول احتكاك ديني او..) وفي ضوء ذلك يرى الاستاذ ماجد أن عمليات التلفيق لا تنجح في تطويع مفاهيم الحضارة الغربية، لذا فشلت مشاريع الأسلمة في العالم الاسلامي. فما لم يُعد النظر في فهم الدين والعادات والتقاليد والثقافة والفكر لا يمكن تطبيق مفاهيم حضارية وليدة بيئة أخرى... فعندما يكون التسامح حقيقيا، فاعلا، كما في الغرب، (وكما يقول) يمكنه استيعاب حاجة الآخر لممارسة طقوسه وعاداته وتقاليده، وديانته، وعبادته. فالجميع مواطنون يتمتعون بكامل حقوقهم ويؤدون جميع واجباتهم... أما في مجتمعاتنا فلا يصدق سوى التسامح الشكلي، تسامح المنة والتكرم والتفضل، يتسامح معك ظاهراً، ويضمر في أعماقه نفيك وكراهيتك.

لذا يرى الكاتب علينا التعامل مع الآخر باعتبار لا يوجد مذهب حق مطلقاً وآخر باطل مطلقاً، ويبقى الانسان رهن عمله وسلوكه وإيمانه... وينهي مقدمته هذه والتي يفوح منها خصوبة أفكاره وحسن تربيته وتوسع ثقافته ورؤيته بقوله (ما تعرضت اليه عام 1975 من اضطهاد وتعذيب وما حدث في العراق بعد سقوط الطاغية جعلتني أقتنع أكثر بضرورة التسامح بين الأحزاب والجهات السياسية وأدعو للتصالح، من أجل حقن الدماء وأستتباب الأمن.

ومن ثم يتناول في فصول كتابه هذا رؤيته للتعايش والعمل المشترك من خلال (مقاربات تمهيدية للتسامح، منابع اللاتسامح، تأصيل الأسس، نصوص خالدة).

ففي موضوع المقاربات التمهيدية للتسامح يقول (لم يبق أمام الشعوب الاسلامية خيار للحد من ثقافة الموت سوى تبني قيم التسامح والعفو والمغفرة والسلام لنزع فتيل التوتر والشروع بالحوار كل هذا يتطلب منا تضافر جهود الخطاب الاعلامي مع الخطاب الثقافي والديني والسياسي والتربوي والعودة الى الذات لمراجعتها ونقدها لبث قيم التسامح في المجتمع من خلال القيام بسلسلة عمليات فكرية وثقافية لاستئصال القيم الخاطئة لتحل محلها قيم جديدة لتكون الارضية الخصبة للتسامح. ويزيد قائلاً:

لما كان التعصب الضد النوعي للتسامح، يجري باسم الدين والشريعة والاسلام والاله لذا سأركز في دراستي هذه على الدين الاسلامي مرجعاً في صياغة أنساق التسامح..

وإذا كان التسامح ضرورة للمجتمعات المتطورة فانه بالنسبة للمجتمعات المتعددة كالعراق، علاج أساسي لتفادي تداعيات أزمة التناحر والاقتتال، وهذا يعني على الشعب العراقي (وكما يقول) اعادة ترتيب اولياته والبحث عن صيغ تستوعب التناقضات الدينية والقومية وتستجيب لطموحات الجميع بشكل متساو. كل هذا يعنى حاجتنا الماسة لحكومة مدنية والى مؤسسات المجتمع المدني الفاعلة والقادرة على الاستجابة للضرورات الاجتماعية والسياسية والدينية مع الحفاظ على خصوصية كل فئة.

وفي موضوع دلالات التسامح وقبول الاخر يرى الكاتب أن قبول الآخر لا بد أن يكون على أساس اشتراك الآخر في وجود الحقيقة أي كونها (الحقيقة) نسبية لدى كل طرف من أطراف المجتمع الواحد، لذا من الواجب على كلٍ منا قبول الآخر والتعايش معه وفسح المجال له في اختيار عقيدته وحريته في التعبير والدفاع عنها.

ومفهوم التسامح عند الاستاذ ماجد يعني الاعتراف بالآخر والتعايش معه على أساس حرية العقيدة وحرية التعبير لا تكرماً ولا منة وانما حق من حقوقه. بمعنى آخر الاستاذ ماجد (كما أرى) لا يعني بالتسامح قبول اعتذار الآخر الضعيف بل الشجاعة للاعتراف بأننا أخطأنا بسلب حقوق الآخر الأضعف منا لذا يتوجب علينا اعادتها له كونها حق من حقوقه مثلما لنا.

وقد استند الاستاذ ماجد على جملة آيات قرآنية تدعو للتسامح والعيش المشترك والتساوي من بينها:

(إنَّ الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئينَ من آمنَ بالله واليوم الآخر وعملَ صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ص16

وفي موضوع ثقافة اللاتسامح – الصورة النقيضة للاولى، يرى الاستاذ ماجد وجود منابع عدة لها، تبعاً لطبيعة المجتمع ثقافيا وفكريا وعقيديا فضلا عن مستوى تمسك المجتمع بالقيم الدينية والاجتماعية هذه المنابع تفضي الى التعصب الديني والقبلي والسياسي لذا من أجل بتر منابع اللاتسامح يتطلب تفكيكها واعادة تشكيلها بما يخدم قيم التسامح. وقد حدد الكاتب أهم هذه المنابع وهي:

1- منطق العنف: يدعو الاستاذ ماجد الى ضرورة الارتكاز الى العقل والتعقل بدلا من اللجوء الى العنف والقوة ويكون التفكير بديلا عن التكفير والتسامح بدلا عن اللاتسامح.

2- الولاء القبلي: ويكمن خطورته في انشطار الولاء بين العشيرة والدولة فعندما تتقاطع الولاءات سيكون الولاء الاول للفرد الى العشيرة. لذا يترتب على الدولة مساعدة الفرد كي يتحرر من المارد الرابض في وعيه وهو العشيرة ليكون ولاءه للدولة لا العشيرة.

3- سلطة القيم: يسعى التسامح في نظر الاستاذ ماجد لتأسيس مرجعية قيمية تلغي فيها الفوارق والخصوصيات كي يتم التعامل مع الناس على أساس انسانيتهم. ومن افرازات هذه القيم هو حساسية الرجل تجاه المرأة على اعتبار قيم الشرف التي اعتمدها المجتمع بشكل سحق المرأة لصالح الرجل. وكذلك تكريس سلطة الاب والحاكم بجعل العلاقة عمودية بين الاب وابنائه والحاكم وشعبه والشيخ وعشيرته.

وفي مجال الاستبداد السياسي ينظر الاستاذ ماجد اليه كونه خصما حقيقيا للتسامح كونه يعمل على الضد من خلال رفض الآخر وتهميشه، فلا مجال لاشاعة قيم التسامح في ظل أجواء التفرد والاستبداد بالسلطة وكما الحال في الاستبداد العشائري والديني. وهذا ما عانت منه الشعوب الاسلامية من تداعيات الدكتاتورية وحكم الطاغية والتفرد بالسلطة منذ بداية الدولة الاموية وما زالت كما يقول، وهذا يتطلب منا تفكيك القيم الرابضة في اللاوعي.

وهكذا الحال في التطرف الديني والذي يعتبر أحد أخطر منابع اللاتسامح من خلال توظيفه للنص الديني جاعلا منه وسيلة للتخفي والتستر تحت غطاء الشرعية وقد أفضى منهج الجمود الى ظهور سلسلة من الفتاوى التكفيرية في مسألة محاربة الكفار أو المشركين من أهل الكتاب والمخالفين مذهبيا في الاسلام وقد كلف هذا المنهج كما يقول الكاتب الاسلام والمسلمين الكثير من طاقاتهم وجهودهم وسالت بسببه دماء غزيرة من المسلمين وأتباع الدياتات الأخرى.

من هذا المنطلق يدعو الاستاذ ماجد الى ضرورة العمل على تفكيك الخطاب الديني المتطرف وتفتيت بناه المعرفية واشاعة وعي ديني قادر على فهم الحقيقة ليحل محل الخطاب المتطرف، خطاب متزن يمهد لاستنبات قيم التسامح و.. ويعزز دعوته بالعديد من الأمثلة من الايات القرآنية من بينها:

(ادعُ الى سبيلِ ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) ص17.

فهذه الآية وكما يقول تعترف بحرية العقيدة في الاختيار، لان قوة العقيدة (كما يقول) هي في الاختيار لا بالتلقين والاملاء.

وفي موضوع تأصيل أسس التسامح يرى الكاتب ضرورة ايقاف نزيف الحقد والكراهية وتجفيف منابع اللاتسامح المار ذكرها واجتثاثها كثقافة وعقل ومنهج من خلال ضخ سيل من الثقافة النقدية القادرة على النفوذ الى أعماق اللاوعي لتفكيك البنى المعرفية القديمة لتحل محلها نمط فكري وثقافي جديد يعمل في اطار التسامح.

 وحدد الكاتب في كتابه هذا الاسس التي يقوم عليها التسامح من أجل تأهيل المجتمع ليكون مؤهلا للعمل بموجبها وهي:

1- حقوق المواطنة: والتي تعني جميع الافراد متساوون بالحقوق والواجبات على أساس التساوي في انتمائهم للوطن الواحد.

2- سيادة القانون: حيث يقول مثلما هي حقوق المواطنة هي الاساس الأول لارساء قيم التسامح في المجتمع، كذلك القانون وسيادته هو الأساس الثاني لها.

فلا يمكن للتسامح الاستمرار في تأثيره الاجتماعي ما لم يكن هناك قانون يستند اليه. وبما أن النوازع النفسية للفرد وطموحاته السياسية تساعد على زعزت الاوضاع لذا سنكون بحاجة (وكما يقول) الى قانون مرتكز الى حرص السلطات التنفيذية والقضائية على تطبيقه وهذا يعني نحن بحاجة الى حكومات منتخبة تتوقف شرعيتها على أصوات الشعب.

وقد يصاب القانون (كما يقول) بالخواء والشلل اذا نافسته مرجعيات أخرى تتمتع بنفس التأثير أو أكثر مثل (المرجعية الدينية، الحزب، العشيرة).

وفي هذا الصدد نقول هذا يعني ان يكون السلاح حصرا بيد الدولة، فكيف للقانون ان يسيطر اذا كان السلاح المنفلت يملأ البيوت. وتمتلك بعض الأحزاب من ميليشيات مسلحة تستطيع أن تتحدى الدولة وكما في العراق.

3- اعادة تشكيل قيم التفاضل: كون الفرد يخضع الى جملة قيم تتحكم بسلوكه وتفكيره، تتوزع مرجعياتها بين الدين والآخلاق والأعراف والعادات والتقاليد. حيث يساهم الدين في تشكيل منظومته القيمية كما تساهم قوميته وتقاليده.

4- اطلاق الحريات العامة: حيث يرى الاستاذ ماجد تلعب اطلاق الحريات دورا كبيرا وفاعلا في ترسيخ قيم التسامح بين أبناء الوطن الواحد من خلال تحول المعارضة الى رقيب صارم لمحاسبة الحكومة على تطبيق الانظمة والقوانين. وفي الوقت ذاته سيخشى رجل الدين من حرية الفكر والعقيدة والرأي لأنها تعري الاوهام الايديولوجية وتكشف زيف الانظمة العقيدية الواهية خلال النقد والتحقيق والبحث العلمي الذي تسمح به قيم الحرية، فلو اتيح (كما يقول) هامش من الحرية يسمح بتناول المفردات العقيدية والتاريخية المنتجة للتعصب بشكل حر لتبين ان كثيرا منها اوهام أو أكاذيب وفبركات اقتضتها المصالح الايديولوجية.

ويذكر الأستاذ ماجد العديد من الآيات والتي تبين عكس ما يذهب اليه المشرعون الاسلاميون من بينها ص190:

(فأعفوا وأصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شئ قدير)

والحديث عن حرية الرأي والعقيدة يضعنا الكاتب امام مجموعة اشكاليات على السلطة الحاكمة دراستها من بينها:

- موضوع الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي هي عند البعض صفة ملازمة للايمان، حيث يُعرِف الاستاذ ماجد المقصود بـ (الامر بالمعروف والنهي عن المنكر) بمعنى الامر بما تأمر به الشريعة والنهي عما تنهي عنه.

وأقول بهذا الصدد ان موضوع كهذا يفسح المجال على مصراعيه لقمع كل الحريات والتطلعات المخالفة لرأي الفقهاء كونها ستخالف الشريعة حسب رأي المجتهد فيستطيع أن يحشر بها الكثير من الظواهر والتي هي ضمن حقوق الفرد كما الحال فيما تقوم به المرأة من ممارسة بعض الاعمال والتبرج والاختلاط وكذلك بعض تصرفات الرجل كاحتسائه للخمر وشكل شعره ولبسه و... فيحكم عليهم لينالوا جزاءهم وهذا ما نلاحظه في الدول التي تعد الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع، فيكون تطبيقها خرقا للحرية الشخصية التي ينادي بها القانون رغم أن الاستاذ ماجد حدد شروط ممارستها على ضوء ما ذهب اليه الفقهاء للاتفاق على المحرم المنهي عنه في الشريعة كأن لا يجوز تطبيقها على غير المسلم ونهيه عن عمل حلال في شريعته إلا أنه عاد وقال: يجوز النهي من أجل سلامة المجتمع، وهذا يعني فتح المجال للاجتهاد والتطبيق.

فعلى سبيل المثال، تطبيق ظاهرة فرض الحجاب على غير المسلمات ومعاقبة من يتناول الخمر في الدول التي تطبق الشريعة هي نوع من سلب حرية الاخر. ولا تزال صورة ما حدث في أقليم كوردستان ماثلة أمام أعيننا فبمجرد فتوى من الامام خرجت جمهور المصلين الى الشارع فحرقت صالونات الحلاقة النسائية ومراكز المساج ومخازن المشروبات الكحولية و... ولولا بعض الخيرين كانت ستطال الكنائس فتدخلت قوات البيشمركة وأخمدت نارها قبل أن تتطور.

وقد أورد الاستاذ ماجد العديد من الايات بيّنَ من خلالها أن القرآن يسمح للشخص ممارسة حريته والله وحده له الحق من معاقبة السيئ من بينها:

(أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) وكذلك:

(وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنَّا أعتدنا للظالمين ناراً) ص84

- ومن الامثلة الاخرى على موضوع الحرية في ظل الشريعة، اشكالية المرتد في الفكر الاسلامي الذي نوه عنه الاستاذ ماجد في كتابه هذا وحيث يحكم الفقهاء على المرتد بالقتل. هذا يعني الانتقاص من مفهوم الحرية لذا يدعو الاستاذ ماجد لمنهج التمييز بين أيات القتال والحرب، التي هي أحكام استثنائية والآيات التي تمثل أساس الاسلام وقوام نظريته. فاشهار السيف (كما يقول) بوجه المشككين والملحدين والمستهزئين بات عملا ارهابيا ضعيفا، فالفكر لا يجابه الا بالفكر والحوار يقابله الحوار، والدليل يطالب بدليل...

وقد أورد في كتابه هذا العديد من الايات التي تنفي ما يذهب اليه المشرعون من قتل المرتد من بينها ص84:

(لا إكراه في الدين) وكذلك

(ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم أفأنت تَكرِهُ الناس حتى يكونوا مؤمنين)

لذا تراه يتساءل لماذا تلغى جميع الايات التي تدعوا الى المحبة وحرية الفرد لاختيار طريقة العبادة والتمسك بالآيات الأخرى والتي كانت محصورة في زمن الحرب.

- وبصدد الحقوق الاسلامية لغير المسلمين نرى لا يزال الغير المسلمون ينظرون الى بعض من هذه الظواهر السلبية كالجزية وجواز زواج المسلم من المرأة الغير المسلمة (من أهل الكتاب) وعدم جواز العكس، وعدم أكل الذبائح المذبوحة من قبلهم ظواهر تدفع الأخر المختلف للنظر كونه شخصا من الدرجة الثانية.

وبهذا الصدد يطرح الاستاذ ماجد العديد من الآيات تؤكد الحقوق الدينية لغير المسلمين من أهل الكتاب من بينها:

(فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين) ص124

فجميع الأديان الكتابية تقول (باسم الله..) قبل الذبح

وكذلك ص193:

(فمن اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضلَ فانما يضلّ عليها وما أنا بوكيل)

كل هذا يدعوننا للقول:

لا يمكن بناء المواطنة إلا من خلال حكومة مدنية تحتكم لشرائع مدنية خارج شرائع الدين وهذا ما يطالب بها الكاتب كون الاعتماد على القرآن في نظري سيمهد الطريق للمشرع للبحث عن آيات قابلة للتأويل كل حسب نظره في التفسير تمكنه الاستناد اليها للنظر الى الآخر كونه مواطن من الدرجة الثانية، لذا كانت حقوق الغير المسلمين في الخلافة الاسلامية متباينة وحسب ثقافة الخليفة وسلطته، فتارة تتعامل الخلافة معهم بالرقة والتسامح وفسح المجال لهم بتولي مناصب كبيرة، وفي الأخرى تطال كرامتهم وتسلب أموالهم بحجج وهمية.

وهذا ما نوه اليه الاستاذ ماجد ودعوته على اعتبار البعض من هذه القوانين (الآيات) كانت في حالة الحرب ولا يجوز الاخذ بها الان.

ولكن أقول: سيبقى هذا الطلب في رفوف منسية ما لم يصاغ قوانين تستند الى حقوق الانسان ومنع رجال الدين من ممارسة سلطة القانون.

ويزيد الاستاذ ماجد قائلاً: يجب الاعتراف أن الآخر شخص له عقيدته وفكره ودينه ووجهة نظره له الحق في تبنيها والدفاع عنها وهذا ما ترفضه الايديولوجيات الدينية.

وفي خاتمة كتابه هذا يورد الاستاذ ماجد النصوص القرآنية (60) آية التي تدعوا الى التسامح والاعتراف بالآخر... وهي نصوص قرآنية تجاهلتها القراءات الايديولوجية وطوقتها بسياج دلالي يرتكز الى نصوص مشروطة لتتمسك بآيات القتال التي تمسكت باطلاقاتها التيارات الدينية المتطرفة بعد شل آيات الرحمة والعفو.

 لذا يدعوا في كتابه هذا بكل شجاعة وانفتاح للتخلي عن التقليد والكف عن مناشدة الموتى واستنطاق الماضين، وإلا (كما يقول) ستنقلب حياتنا جحيما في ظل عقول استاتيكية متحجرة لا تفهم من الدين سوى ما قاله السلف.... هذا يعني علينا أن نفقه النصوص في ظل عصرنا وسياقات ثقافتنا ومتطلبات زماننا... كي نتخلص من الحياة الغارقة بالتبعية والمرتهنة للماضي على حساب الحاضر.

وفي الختام أهنئ الاستاذ ماجد لما يملكه من رؤية ثاقبة ومعلومات قيمة فأظهر براعته في تقديم رؤية شفافة لما يحل في بلداننا مدافعاً عن الفئة الأضعف لممارسة حقوقها من خلال تشريع قوانين مدنية تتفق مع القوانين المشرعة والتي تحفظ حقوق الانسان، فأبدع في بلورة وتكثيف الصورة للقارئ وهذا لا يتأتى إلا من خلال توليد المشاهد من بعضها البعض ليصبح سلوك الشخصيات فيها منطقياً وحتمياً، وهذا دليل وعيه وتمكنه من الخوض في مواضيع شائكة كهذه فلو أخذت بها حكوماتنا لما كانت الهجرة وسيلتنا للبحث عن العيش الكريم ولتطورت بلداننا من خلال الاستفادة من العقول النيرة التي تركت بلدانها لتعيش وتبدع في الغرب.

***

نزار حنا الديراني

عن مؤسسة المثقف العربي في سدني – استراليا صدر للاستاذ ماجد الغرباوي الطبعة الثالثة من كتابه أشكاليات التجديد بحلته الجديدة. والجدير بالذكر أن الغرباوي هو من خريجي الحوزة العلمية في النجف وعمل مدرساً في الحوزة العلمية في قم.

بدءا من العتبة الأولى تجد نفسك أمام ارهاصات الكاتب وهو يحاول فك الشفرة المركزية لفكرة التجديدكونها تُحيل القارئ إلى ما يمكن أنْ يتوافر عليه الكاتب من طاقة وجرأة في الغوص في بحر كهذا. فجاء كتابه كاشفاً ضوئياً معبراً عن صدى تجلِّياته التعبيرية والمؤثِّرة باستنطاقه الفكري والحركي لما يحمله طرحه هذا من مغامرة في عالم التجديدبتأويلاتها المتشعبة وما تحمله من طاقاتٍ إيجابيةٍ تعبيريةٍ أثيرةٍ على نفسية المتلقِّي الذي يرى نفسه أمام هذا النوع من الاشكالية والجدلية.

يفتتح كتابه بطبعته الجديدة بموضوع التجديد والفعل الحضاري الذي أضافه على الطبعات السابقة، فسرعان ما يقفز الى الأذهان تساؤله المشروع وهو (لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون ؟ بمعنى آخر (لماذا توقف المد الحضاري عند المسلمين بعد أربعة قرون من العطاء؟.

هذه التساؤلات والبحث عن الأجوبة أفرزت ثلاث تيارات ولكل منها اتجاهها الخاص بها:

1- التيار المنبهر بالغرب وحضارته والذي يدعوا الى التخلي عن كل ما يمت الى الامة من صلة ليحل محله النموذج الغربي. إلا أن أصحاب هذا الاتجاه وجدوا أنفسهم أمام مشكلة رفض الآخر له (كما يقول المؤلف) فعاش الاغتراب لعجزه الاندماج الكلي أو التراجع الفعلي. 

2- الاتجاه الثاني السلفي الذي يرفض كل معطيات الحضارة الحديثة ويصر على كون النموذج الحضاري الاسلامي هو الحل في كل الازمان. فاندفع نحو استخدام العنف والارهاب من أجل ردم هوة التخلف والتفوق الحضاري على الغرب الذي اعتبروه عدواً يجب تحطيمه الى درجة قدموا صورة مسيئة للاسلام كون صورة المسلم أصبحت ملازمة للارهاب في نظر أصحاب الديانات الأخرى.

هذا التيار اتكئ على ظواهر نصوص مقدسة بعد تجريدها من تاريخيتها فقاسوا الحاضر على الغائب رغم اختلاف تفصيلاته.

3- الاتجاه الثالث الذي يتقدمه تيار الاصلاح الذي واكب دراسة حقبتي الازدهار والانحطاط في العالم الاسلامي فتوصل الى ضرورة التشبث بالحانب المعنوي مع الأخذ بكل أسباب التطور العلمي والتكنلوجي من خلال الدعوة الى استنطاق التراث والتركيز على مصادر قوته ليؤسس من عناصره القادرة على البقاء قاعدة تستوعب معطيات الحضارة الحديثة.

وفيما يخص مظاهر وتجليات التخلف الحضاري يرى الاستاذ ماجد أن السبب يكمن في :

1- التبعية للغرب بكل ما نحتاجه وحتى ما نقوم بانتاجه وتصنيعه. ومن أجل التخلص من هذه التبعبة لا بد من تحقيق استقلال يؤهلنا للتفاوض مع الغرب بقوة.

2- الاستبداد السياسي الذي تعاني منه أغلب الدول العربية والاسلامية مما يحرم على شعوبها المشاركة الحقيقية في تقرير المصير واختيار ما تراه الأصلح لادارة دفة الحكم عكس ما عليه في الدول الغربية حيث ينعم الفرد بحريات تتيح له المطالبه بحقوقه ومحاسبة المسؤولين والمساواة أمام القانون.

3- الاستبداد الديني الذي يفرض على الشعب لونا واحداً من التفكير، فمن أجل نهوض حضاري حقيقي علينا تحديد دور رجل الدين وسلطته.

4- استبداد قيم العشيرة كون ولاء الفرد هو دائماً لقبيلته فمن أجل نهوض حضاري ناجح لا بد من تحرير عقل الفرد من سلطة العشيرة وقيمها حينما تتعارض مع القيم الانسانية.

5- انتشار الفكر التكفيري الذي يدعو لقتل الآخر المختلف دينيا ومذهبيا لذا يعد القضاء عليه شرطا أساسياً لقيام نهضة حضارية.

6- اليقين السلبي المبني على القناعات الراسخة بقوى خارقة يستعين بها لتحقيق مآربه وأيمانه بقدرة الاولياء والصالحين على معالحة المرضى و...

7- قمع المرأة وهو أحد علامات التخلف في مجتمعاتنا فتفرض على المرأة قيم بائسة تحرمها من أبسط حقوقها عكس ما عليه في الغرب حيث تعيش المرأة إنسانا كاملا في كل مرافئ الحياة.

وغير ذلك من الأسباب...

لذا ينظر الاستاذ ماجد الى عملية التجديد ضرورة حضارية وقد انبرى العديد من المثقفين الى اعتبار الخطاب الديني هو المسؤول الأول عن تخلف المسلمين مما أضر  بالتنمية وأعاق التطور العلمي إلا أن هذا التيار أخطأ في طريقة معالجة المشكلة كما يقول المؤلف كونه يثير حفيظة رجال الدين من خلال دعوته الاستفزازية.

لذا يرى المؤلف ضرورة الانفتاح على النص الديني بقراءة نقدية للتعرف على مقومات النهوض وتقديم رؤية جديدة للنصوص.

كما يرى الاستاذ ماجد ضرورة ان يبدأ التجديد من خلال مراجعة ثوابتنا ومقولاتنا وتراثنا وفكرنا بحثا عن مصادر قوتها وتشخيص نقاط ضعفها وتحكيم العقل في قراءة التراث ومصادره، فلم يعد التمسك بالعادات والتقاليد والتشبث بالماضي خياراً مقبولا، لذا يرى الاستاذ ماجد ما لم تختف مظاهر التخلف بمعالجات جذرية حقيقية لا يكتب النجاح لتهضتنا.

بعد ذلك يتناول المؤلف في كتابه هذا وكما في الطبعتين السابقتين في فصله الاول الوعي الراهن مسلطا الضوء على (اخفاقات الوعي ومفهوم الثقافة والتجديد واشكالية الحوار مع الاخر المختلف ودور المثقف والخطوط الحمراء في تفسير القرآن و...) وفي الفصل الثاني يتحدث عن احياء الفكر الديني من خلال تقديمه للسيد جمال الدين الافغاني والامام الشهيد محمد باقر الصدر والامام الخميني نموذجا... وفي الفصل الثالث تناول الموقف من الاستبداد ووضع المنهج في محارية الاستبداد وتبني مبدأ الشورى والديموقراطية وسيادة القانون وولاية الفقيه و...

وقد كان الاستاذ ماجد موفقاً في طروحاته من خلال قراءة المشهد باتجاهاته الفكرية الثلاث في العالم الاسلامي والتي نوهنا عنها في بداية الدراسة وحيث أختار لنفسه العمل ضمن الاتجاه الثالث ومسكه للعصا من وسطها ليخلق توازنا بين طرفيها كونه أدرك أن المعالجة لا بد أن تكون من خلال التوغل في أعماق الوعي، بحثاً عن فضائه الذي تشكل فيه وهو يقول أن الحاجة الى التجديد منشأه التطور الحضاري المتصاعد والذي راح يلقي بظلاله منذ عصر النهضة. ولكي تكتمل العلاقة بين الثقافة والتجديد حدد المؤلف في كتابه هذا، أهم العناصر الثقافية التي يجب أن يرتكز عليها الاصلاح وهي (المعرفة، الوعي، الموقف).

وفي مجال علم الكلام الجديد يرى الاستاذ ماجد لا بد من اتباع الخطوات السليمة لدراسة العقيدة ونقد الفكر الديني لتقويمه وانتزاعه من بعض الأفكار التي تشرنق بها فأعاقت حيويته وفاعليته من خلال العودة الى القراءة المتقدمة لتحديد نقاط الضعف ووضع خطة لانتشال نقاط القوة ان وجدت. 

وبين المؤلف ما استجد في الوقت الحاضر من اهتمام المسلمين بعلم الكلام ومن خلاله تبين لهم مفاهيم ومفردات العقيدة الاسلامية للدفاع عنها. وقد لخص الخطوات المهمة للشروع في مهمته وعلى ضوء علم الكلام الجديد بـ :

1- اعادة النظر بالمفردات المطروحة للمناقشة للفصل بين ما هو ممكن وما هو ممتنع في نفسه.

2- الاعتماد على المنهج القرآني في دراسة العقيدة.

3- التخلي عن الجدل والتراشق بالالفاظ ومنهج التكفير لكل من لا يتفق معي في العقيدة.

4- ادخال الانسان طرفا في المعادلة وعدم اهمال تطلعاته.

5- ابقاء العقيدة حية وفاعلة في النفوس من خلال استشعار الانسان بوجود الله.

6- تقديم أجوبة كافية للتحديات التي تواجه العقيدة والفكر.

7- عدم الجمود على فهم السلف للعقيدة الاسلامية.

8- السماح بالاجتهاد وتبادل وجهات النظر في مفردات العقيدة.

وفي مجال اشكالية الحوار مع الآخر المختلف والذي يعتبر من الركائز المهمة في التجديد، يشدد الاستاذ ماجد على ضرورة الانفتاح على الآخر من أجل تخصيب العلاقة وتطويرها ومن ثم استثمار العناصر الايجابية في الحضارات الاخرى.

وقد لعبت الترجمة بنظر المؤلف من اليونانية والفارسية والهندية والرومانية دورا مهما في رفد الساحة الاسلامية بالجديد من العلوم، وأضيف على ما ذكره الاستاذ ماجد الدور المهم الذي قام به السريان في ترجمة العلوم والفلسفة اليونانية والرومانية والفارسية والهندية والارمنية والسريانية الى العربية في زمن الدولة الاموية والعباسية حيث قدم المترجم السرياني الكبير حنين بن أسحق وحده أكثر من مئة مجلد من اليونانية الى السريانية اولا ومن ثم بالتعاون مع ابنه اسحق الى العربية والتي تخص علوم الاغريق ومن بينها الفلسفة والمنطق في القرن التاسع الميلادي.

وكان سبب نجاح هذه المهمة (الترجمة) برأي الاستاذ ماجد يكمن في الاعتراف بالآخر المختلف وعدم الغائه أو تهميشه والقدرة على الانفتاح والتفاعل الثقافي معه. وأزيد على ما يؤيد كلامه، فسح المجال للسريان في مهمة التعريب في زمن الدولة الأموية وتقلد البعض منهم مناصب مهمة في الجامعات وكذلك تولي العديد من الكتبة والاطباء السريان مناصب رفيعة في  الدولة العباسية وهذا دليل على انفتاح الدولة الاسلامية في الحقبتين.

والحوار في نظر الاستاذ ماجد يعتبر الارضية الخصبة والتي وفرت مناخاً صالحاً لتطوير الفكر وتوالد المعرفة. 

مقابل هذا الانفتاح يرى الاستاذ ماجد في الانغلاق على الذات اشكالية عمت الحضارتين الشرقية والغربية ويوجه أصبع انتقاده للعالم الغربي بسبب تعاليه ونظرته الفوقية تجاه الشرق مما يعرقل الحوار والانفتاح على الاخر ما لم يبد الغرب بعض المرونة من خلال الانفتاح على كنوز الحضارات الاخرى. مقابل ذلك ينصح العالم الاسلامي بعدم الانغلاق على الذات الى حد نرفض فيه كل ما لدى الغرب من ثقافة والتي من شأنها أن تطور ثقافتنا.

وفي هذا المجال أنا أرى بأن الغرب انفتح على حضارتنا وتحاور معنا ولكن كوننا لا زلنا متقمطين بالماضي لا يجد الغرب في طروحاتنا شيئاً جديدا كي ينفتح علينا وخصوصا العالم العربي والاسلامي فكل خطاباتنا تتمحور في (كان أجدادنا... كل ما للغرب قد سرقه منا...و...)  فضلا عن انغلاق شريحة كبيرة من المسلمين على ما لديها (وكما نوه اليه المؤلف) وخصوصا لدى الاحزاب الاصولية التي بدأت تسيطر في عالمنا الشرقي.

وفي مفهوم المجتمع المدني يرى المؤلف الى ضرورة تأسيس مجتمع منظم لضبط ممارسة السلطة والفصل في النزاعات وسيادة القانون وتأمين الحماية لحرية الفرد في الاختيار. وفي هذا المجال أقول لا تزال مجتمعاتنا الشرقية وبالاخص العربية في أكثرها بعيدة عن التطبيق الفعلي للمفهوم فغالبية مؤسساتنا المدنية تعمل تحت أمرة السلطة الحاكمة مما شلّ عملها... وحتى في أيران وحيث يشير الكاتب الى ما ذهب اليه السيد الخاتمي في كلمته في مؤتمر القمة الاسلامية المنعقد في طهران 1997  بمفهوم تأسيس المجتمع المدني، إلا أن المؤتمرات الثلاثة التي انعقدت هناك لم تستطع من ايجاد مناخا ملائما لقيام مجتمع مدني يتمتع بحرية الرأي ويتعارض طروحاته مع القوانين وكما في الغرب. فبكل سهولة يفسر الطرح بأنه يتعارض مع الشريعة وتتهم الجهة بالزندقة والعمالة و... وهذا ما نلاحظه في الدول التي تكون الشريعة المصدر الرئيسي في تشريع القوانين واحتواء الدستور على المادة (أن لا يتعارض مع ثوابت الشريعة...).

 فالمجتمع المدني في الغرب لم يتحقق الا بعد أن أزيحت الكنيسة من المشهد السياسي وصيغت قوانين مدنية لا علاقة لها بالشريعة الكنسية.

وقد حدد الاستاذ ماجد أهم الخصائص الواجب توفرها لقيام المجتمع المدني على ضوء خطاب السيد خاتمي.

وفي مفهوم المثقف في الدولة الاسلامية والذي يتحتم عليه حمل هموم امته ويكون لسان حال مجتمعه من خلال تبني قضاياها والدفاع عنها.

فإن كان الاستاذ ماجد يرى فشل المثقف الغير الاسلامي للصمود على اتخاذ مواقف حاسمة عكس ما لدى المثقف الاسلامي والذي لا يعاني من اشكالية شرعية للسلطة ولا يشعر بالتناقض لأن ولاءه ليس للسلطان وانما للمجتمع...

وهنا نقول: المثقف في الدول الاسلامية لم يجد لنفسه فسحة الحرية والامل للعمل من أجل تغيير الواقع المزري الذي يعيشه فلم يجد من طريق إلا أن يهاجر الى عالم الغرب ليتنفس هناك او الانزواء في إحدى زاويا وطنه، وان كان ما طرحه الاستاذ ماجد صحيحا فنقول لماذا يهاجر المثقف الاسلامي المدني الى الغرب بدلا من دول اسلامية أخرى ليمارس طرح آرائه بالحرية؟ وكذلك لماذا لم نشهد هجرة المثقف الغربي الى الدول الاسلامية ليمارس نشاطه من هناك لتغيير واقعه كما الحال في هجرة المثقف المسلم الى الغرب؟.

وان كان المثقف الغير الاسلامي (العلماني ومن اتباع الديانات الأخرى) في الدول الاسلامية في نظر المؤلف قد عجز في تشكيل مرجعيته الثقافية كي تنصهر أناه في الآخر مكونة الأنا الجمعية  مما أدى بالعديد منهم أي ممن لهم نظرة مدنية إن كان مسلما أو غير ذلك  للهجرة والالتحاق بالاخر (في الغرب).

 نقول ألا يعني ذلك بعدم توفر المساحة الحقيقية للمثقف في دولنا الاسلامية للعمل من أجل وصول البلاد الى ما يعزز من كرامة الانسان بدلا من أن يعيش الغربة الحقيقية وانتاج اسلاما مشوها كما يقول الاستاذ ماجد.

وكيف له ان يكون نشطا ان كان يتوجب عليه كما يقول الاستاذ ماجد أن يكون أكثر التزاما بالقيم التي حددتها له السلطة الدينية ولا يجوز له التجاوز في سلوكه الحدود الشرعية ولا يحجّم دور المفكر الاسلامي أو الفقيه...

طروحاته التجديدية في كتابه هذا وغيره من الكتب، وكمدرس في الحوزة دفع بالعديد من قرائه ان يعتبروه مجددا وآرائه ضرورية في التجديد وأنا منهم من خلال اتكائه على أسس مهمة في الشروع بالتجديد.

ففي صدد الانفتاح على الاخر الذي يطالب به الزميل ماجد الغرباوي في كتابه اشكالية التجديد أقول :

أنا أتفق مع الزميل ماجد كان هناك حوار مع الآخر المختلف في الاسلام كما حصل في الحوارات الدائرة بين البطريرك طيمثاوس الكبير والمهدي ومن بعده المأمون والفيلسوف المسيحي يعقوب الكندي وفيلسوف مسلم كان قد دعى الكندي لاعتناق الاسلام وكذلك في الحوار الدائر بين الفيلسوف السرياني أبو بشير متى الذي كان يقرأ عليه الناس المنطق فكان يجتمع في حلقته كل يوم، المنشغلون بهذا العلم ومن جملتهم الفارابي وقويري، وقد جرت بينه وبين أبي سعد السيرافي مناظرة كبرى في المفاضلة بين النحو والمنطق.

إلا أن الاعلام الاسلامي لم يسلط عليها الضوء وربما سوف لا تجدها الا في المخطوطات السريانية وكذلك الصداقة المتينة بين الخليفة هارون الرشيد والبطريرك طيمثاوس حيث تشير المصادر السريانية الى تلك الصداقة  بحيث حين كان الخليفة يذهب الى الصيد كان يرافقه البطريك في الكثير منها وتجري حوارات بينهما ربما لا نستطيع اجراءها اليوم في العديد من الدول الاسلامية...

ومن أجل ان يكون هناك حواراً بناءً والانفتاح على الاخر وكما في الغرب، يجب أن يسبقه خطوات أخرى في فتح قنوات حوار دائم في الداخل (العالم الاسلامي) كأن يكون حوار بين المذاهب الاسلامية والانفتاح بعضها على الاخر وكذلك الحوار مع الاخر المختلف في الدين كأن يكون بين الاسلام والمسيحية والايزيدية والصابئة والدروز و... وكذلك أن يكون هناك حوارات مماثلة بين الاثنيات التي يتكون منها المجتمع ليكون المسلم متسلحا وأكثر تقبلا للحوار والانفتاح...

لا زلت أتذكر ما قاله لنا المرجع الديني في النجف محمد سعيد الحكيم حين زرناه في نهاية عام 2003 كيف استطاعوا ان يجدوا المساحة المشتركة بينهم وبين الشيوعيين في الحوار حين كانوا معتقلين في سجن مشترك في ابو غريب.

وفيما يخص موضوع تفسير القرآن يرى المؤلف أن العقل قادرا على فقه القرآن واستنطاقه ومحاورته بغية التوصل الى حلول تلامس أزمات المجتمع من خلال الاتكاء على مجموعة من الاسس من بينها تمكنه من اللغة التي تمكنه من قراءة وفهم نصوصه وأن يرقى المفسر الى مستوى وعي الأمة من خلال الاستعانة بالدراسات الحديثة، وهذا ما يدعوا اليه الاستاذ ماجد فيما يخص التفسير والذي هو أحد مفردات الفكر الاسلامي حيث يرى أن التفسير هو قراءة وفهم بشري للنص القرآني قد يصيب وقد يخطأ لذا لا يجوز درجه في برج القداسة واعتبار رأي المفسر هو الصواب وهو الحقيقة وهو القرآن...

ما ذهب اليه الاستاذ ماجد هو الصواب فلكي تكون عملية  التجديد أكثر فاعلية وسريعة أن يقبل المسلم مثلما فعل المسيحي دراسة كتبه المقدسة بدءً من القرآن من خلال دراسة المراحل التي مر بها من مرحلة جمعه في زمن ابو بكر ومن ثم في زمن الخليفة عثمان انتهاءً بفترة العباسيين حين أعادوا كتابته على ضوء تنقيطه ووضع الحركات وهذا يتطلب جهدا كبيرا حيث يتطلب اعادة كتابة الكلمة قبل التنقيط ودراستها وعلاقتها مع الجملة ومن ثم اعادة تنقيطها وتحريكها وكذلك اعادة دراسة الكتب التي تعتبر هي الاخرى مقدسة كالتفاسير والسير و... ورفع ما لا يتفق مع القرآن.

ومن أجل أن تكون قراءتنا صحيحة أرى أن يسبقها قراءة الواقع الاجتماعي والديني والسياسي والمدارس الفكرية التي كانت منتشرة في الجزيرة أبان ظهور الاسلام ولدى المجتمعات الاخرى التي انتشر فيها الاسلام سواء الجزيرة العربية او العراق او سوريا او.... لنعرف المقصود من الآية.

أتذكر مرة كنت أسمع لحوار أجراه الاعلامي ابراهيم عيسى مع استاذة تونسية (لا أتذكر اسمها) متخصصة في الفقه الاسلامي وهي تقول هناك الكثير مما دون في السيرة النبوية وكتاب صحاح البخاري وكتب أخرى.. فيها الكثير بما يسيئ للاسلام ورسوله لذا حسب رأيها يجب اعادة النظر فيها إلا أن الأزهر تصر على اعتبارهم كتبا تقترب في قدسيتها الى قدسية القرآن فلا يجوز المساس بها، وهذا ما دعا اليه العديد من علماء المسلمين من بينهم المفكر السوداني محمود محمد طه – والذي كان أحد أساتذة الأزهر حيث كان قد بنى فكرته في إصلاح المجتمع الإسلامي وإخراجه من جدل تقسيم القرآن إلى قسم مكي وقسم مدني، مطالبًا بالرجوع لقرآن وإسلام مكة المسالم وترك قرآن وإسلام المدينة العنيف الذي يخالف حقوق الإنسان كما في كتابه الشهير (الرسالة الثانية من الإسلام). إلا ان دعوته هذه لاقت رفضًا تامًا من قِبَل الأزهر والهيئات الدينية الإسلامية الأخرى فحكمت عليه السلطات القضائية السودانية بشنقه في 1985.

وفي باب التعديية الدينية يدعو الكاتب في كتابه هذا كل طرف حينما يشعر هو على حق وغيره على باطل، الى تحمل الآخر، وعدم رشقه بوابل من الكلمات الهجينة والتي ستولد لديه ردة فعل أقوى.

وقوله هذا يدل على رؤيته الثاقبة في الحوار والتعايش السلمي.

وفي موضوع الولاء يرى المؤلف أن الولاء القبلي والسياسي على مستوى العلاقات الاجتماعية أفرز تولي أشخاص غير كفوئين وظائف مهمة في الدولة فكان وقعها سلبيا في مسار التقدم، من هنا يأتي دور المثقف ومؤسسات المجتمع المدني ضرورة تفكيك إشكالية الولاء واعادة تركيبها ليكون للولاء تأثيراته الايجابية.

وفي موضوع الموقف من الاستبداد بين الكاتب المنهج الذي اعتمده رجال الاصلاح في محاربتهم للاستبداد من خلال مواقفهم المبنية على الاسس التالية:

1- فضح الممارسات الاستبدادية

2- تبني مبدأ الشورى والديموقراطية

3- سيادة القانون

ومن الجدير بالذكر نقول مثلما حصلت انتهاكات بحق المجتهدين في العالم الغربي المسيحي حصلت ايضا في العالم الاسلامي وخصوصا في الجدال الذي حصل بين المدارس الاسلامية الفقهية إن كان القرآن مخلوق أو منزل، حيث ذهب البعض منهم كونه مخلوق ويقال ذهب ضحية هذا الفكر ما لا يقل عن الف مجتهد تم قتلهم من بينهم الحلاج وآخرون...

وفيما يخص تأكيده على كون الانجيل والتورات محرفان كونهما يخالفان منطق التوحيد عكس القرآن الذي هو منزل، أقول أن عبارة منزل بحد ذاتها تطرح تساؤلات عدة من بينها إن كان منزل من السماء نتساءل من كتبه إذن؟ هل هو الله وإن كان كذلك فهل هو من البشر؟ أي له يد يكتب وفم ينطق؟ وان كان كذلك فاذن ما الفرق بينه وبين الانبياء وعلماء اليوم؟

وفي الختام أقول:

كان محقا من يعتبر الاستاذ ماجد عنصرا مهما في التجديد كونه يدعوا جميع الاديان الى عدم الغاء كتاب الاخر وانما التواصل مع بعضها والتركيز على القواسم المشتركة للرسالات وهذا هو الارضية المشتركة للتعايش، وكذلك يدعو الى قراءة متجددة تعالج مشاكل المجتمع وحاجات الفرد من خلال عملية الحوار مع القرآن بدلا من استجابة سلبية. مستندا في قوله هذا الى ما ذهب اليه السيد الشهيد محمد باقر الصدر  (المدرسة القرآنية – بيروت دار المعارف) أي أن يتحرك المفسر من الواقع الى القرآن ومن ثم الى الواقع حاملا معه تصورا قرآنيا عن الازمة التي تعصف بواقعه الراهن على خلاف من يحبس نفسه داخل النص بعيدا عن الواقع فيضطر النظر الى الواقع من برج أوهامه وتصوراته الخاطئة... إلا أنه يرى العملية غير ممكنة كونها ستدخل في دائرة الممنوع عنوة وفق مقاييس تذهب الى اختزال الشخصية الاسلامية لتكون شخصية مصغية والانقياد للغير بداعي الجهل والعجز عن اكتشاف مضامين الآيات.

طروحاته هذه ستمهد الطريق للحوار والانفتاح مع الغرب اولا ومن ثم مع الشرق (الصين والهند).

ملاحظة أخيرة: كتابة مقالات هذا الكتاب تعود إلى ما قبل سنة 2000 م، كان الكاتب يعيش خلالها ظروفاً خاصة تحدث عنها في مقدمة الطبعة الثالثة، وقد تخلى عن بعضها فيما بعد سيما الرهان على الدولة الاسلامية والمثقف الإسلامي، وانفتح على آفاق معرفية جديدة في مؤلفاته الحديثة.

***

نزار حنا الديراني – كاتب وناقد / ملبورن - أستراليا

 

أولا: الغرباوي الإنسان والصديق

هكذا استطيع أن أصفه باختصار، وصفا مكثفا.. (المقاتل بالكلمة). عرفت الغرباوي مقاتلا على جبهتين في الآن نفسه، جبهة المعاناة الشخصية مع الأمراض التي رافقته في عنفوان شبابه، وجبهة الثقافة التقليدية التي استعبدت مجتمعه، وعلى كلا الجبهتين كانت الكلمة سلاحه.

ما ألمّ به في صحته كان كفيلا بأن يهوي بالعملاق ويطوي قامته. لكنه لم يخضع يوما ولم يستسلم، ففي ذروة المعاناة كان عقله يكافح ويبحث عن سبل تنبيه عامة الناس من غفوتهم على سطوة التعاليم المتخلفة، وهيمنة المعارف المستمدة من الأساطير، ومن التاريخ المتخيّل. مترويا، هادئا، مطمئنا، كما تملي سجيته، وكما يتجلى حياؤه ونقاؤه. بعيدا عن الصدامات والمقارعات المباشرة، موقنا بأن الناس، شيئا فشيئا، سوف تستسيغ الهواء النقي، وتنفض غبار الغطاء السميك الذي ألقاه على كواهلها أصحاب النهج التقليدي ودعاة التجهيل وتسطيح الوعي.

نائيا بنفسه عن الأضواء البراقة، والألقاب المخادعة، ليشق طريقه بهدوء وروية، حتى يصبح مضيئا بذاته، بعطائه الذي جمع بين سلاسة الأسلوب وبين سعة الآفاق وعمق الأفكار.

ابتدأت علاقتي المعرفية بالغرباوي حين دعاني الى مكتب مجلة التوحيد، قبل ان يتولى هو رئاسة تحريرها، ثم تعمقت معرفتنا ببعضنا حين ترأس تحرير المجلة، ونشر لي بحثا جريئا يتحدى المعارف السائدة في فهم الطقوس والشعائر الدينية، وتحمل معي سهما وافرا من اللوم على نشره. تلك المعركة كانت سببا جديرا في بناء صداقة واعية بيننا.

لكن ثمة معركة ثانية تشاركنا فيها، واختار الغرباوي الانسحاب من فضائها المباشر. ذاك حين أسسنا (رابطة الكتّاب والمثقفين العراقيين في المهجر)، في سنة 1999، وكان الغرباوي واحدا من خمسة عشر تم انتخابهم لعضوية الأمانة العامة للرابطة، وحيث تم انتخابي من قِبل أعضاء الامانة العامة أمينا عاما للرابطة في دورتها الاولى، آثر الغرباوي الانسحاب من الأمانة العامة مع الإبقاء على عضويته في الرابطة، تحت ضغط ظرف خاص به. لكن هذا الحدث لم يخلق شرخا في علاقتنا بعد معرفتنا بطبيعة الغرباوي وعذره المقبول. لاسيما وأننا كنا نعيش فضاء معرفيا مشتركا، نلتقي في معظم مفاصله. وحين أذكر هذا الفضاء لا يفوتني ذكر بعض الأصدقاء الآخرين من رواده، والذين كانت لي وللغرباوي صداقة مشتركة معهم، في مقدمتهم عبد الجبار الرفاعي، الذي ناطح اسمه السحاب لاحقا، وهو الأقرب الى الغرباوي، كونهما يشتركان ايضا بمسقط الرأس (الناصرية). وطاهر الحمود/ أبو رضوان، وطاهر آل عكلة/ أبو آلاء، مع أنهما كانا أقل حضورا ورغبة في السجال المعرفي، مستمتعان بتوفقهما اللغوي والأدبي، مع أن أبو آلاء كان يمضغ الفلسفة الاسلامية كما يمضغ العلك الطري، وينسجها شعرا وأهازيج لا أدري لم لا يبادر بنشرها، مع مزايا أخرى لا يضاهيه فيها أحد. في مثل هذا الفضاء تكون الصداقة أعمق من أن يخدشها حدث عابر، فالمشتركات كثيرة، والتحديات واحدة. كنا ندرك ببصيرة تامة أن الثقافة الدينية الشعبية والتي يعززها الخطاب الديني السائد، هي ثقافة تراكمية تأسست على تاريخ متخيّل، صار مصدرا لعديد المعتقدات الوليدة، والمقدسات المصطنعة، التي غلّفت المعتقدات والمقدسات الحقيقية وتفوقت عليها في ميادين الاهتمام والاشتغال الشعبي والديني بشكل عام. وكنا في عزلتنا شبه التامة عن هذا الوسط، ندرك أن الكلمة هي سبيلنا الوحيد في السعي الى نشر الوعي وإيقاظ العقول. وتنوعت اهتماماتنا بعد ذلك، فاشتغل الدكتور عبد الجبار الرفاعي على التنوير الديني وفق مناهج البحث والهرمنيوطيقا المعاصرة، وانصرفت أنا من التاريخ الى الفكر التاريخي وفلسفة التاريخ لما لازمني من شعور بعدم الجدوى في محاولات إصلاح وتجديد الخطاب والفكر الدينيين، حيث تنفجر العصبيات الدينية والطائفية بين الحين والآخر، إما أمام ما تراه تحديا، وإما أمام تحديات مفتلعة تقوم هي باختلاقها والنفخ فيها لتصبح قضايا تشغل الرأي العام، عاميا وثقافيا، ووفق أساليبها المعتادة في صناعة الضجيج، وتغليف مواقفها بالفتاوى الجزمية.

ويقفز الزمان، ويقفز معه المكان، فيغترب الغرباوي موغلا في غابات استراليا، لأشاهد بعد حين (صحيفة المثقف العراقي) التي أسسها في سدني، ويشرف عليها ماجد الغرباوي، وهو يعيد نشر مقال قديم لي تحت عنوان (الوحدة الإسلامية والمسار الأحدب). ما حفزني لكتابة مقال أنقد فيه رؤيتي السابقة نقدا قلبها رأسا على عقب، فنال ذاك إعجاب ماجد الغرباوي فكتب مبرزا إعجابه بأن ينقد الكاتب رؤيته السابقة بناء على تطوره الفكري وقناعاته المتجددة.

ويتجدد التواصل بيننا، فأستقبل كتابا مهما من مؤلفاته، لأتولى نشره والتقديم المتواضع له، ضمن إصدارات (معهد الأبحاث والتنمية الحضارية). ثم كتابا آخر من مؤلفاته ضمن إصدارات (المركز العلمي العراقي)، لتمنحني تلك المقالة وهاذان الكتابان أجمل فرص التلاقي الحميم بعد افتراق الزمان والمكان.

لكن ثمة لقاء حقيقي حصل بعد ذلك، في زيارة الغرباوي لبغداد، على وليمة عشاء في منزل الصديق طاهر الحمود/ أبو رضوان، الذي أصبح وكيلا لوزارة الثقافة لنحو عقد من السنين.

ثانيا: الغرباوي الباحث والمفكر

تعمق الغرباوي في دراسة التراث الاسلامي، لا سيما في بعدي العقائد والأحكام الفقهية، واشتغل مفككا وناقدا، متنوع المباحث، غزير الانتاج.

كتب في الفكر السياسي عدة مؤلفات، منها: (الحركات الإسلامية .. قراءة نقدية في تجليات الوعي)، و(الضد النوعي للاستبداد.. استفهامات حول جدوى المشروع السياسي الديني)، و (تحديات العنف).

كتب في الحركات الإسلامية المعاصرة، وقد عايشها، واطلع على أدبياتها، وعاصر تجاربها في ممارسة السلطة. أدرك الضعف في منهاجها العام، والتناقض بين مبادئها المعلنة، وبين أساليبها العملية، بين المدّعى وبين الفعل والممارسة.

وكتب في التراث والفكر الديني كتبا منوعة، حتى نهض بمشروع كبير، أصدر منه حتى الآن / آذار 2024، تسعة مؤلفات كبيرة، اختار لمشروعه هذا عنوانا لافتا: (متاهات الحقيقة). وكأنه يرى ان (الحقيقة) دائما مزعومة، مدّعاة، كل يدعيها لنفسه، ما ينتج في النهاية متاهات لا حصر لها. هذه هي قراءتي أنا لهذا العنوان.

في هذا المشروع، وتحت هذا العنوان الرئيسي، أبحر الغرباوي في متاهات عدة، متاهات العقيدة، ومتاهات الفقه، ومتاهات التراث، ومن الصعب ملاحقة كل ذلك في ورقة واحدة او أوراق معدودة، لكني أستأذن الصديق المفكر الغرباوي في اقتناص قضايا متفرقة مثلت نقاطا محورية في فكره.

* فمع الأخلاق مثلا، يأخذ الغرباوي بمذهب كانط القائل بأصالة الأخلاق، فالأخلاق ليست معطى دينيا صرفا، كما انها ليست معطى اجتماعيا يتميز بالنسبية، إنما هي (قيم أصيلة، بها تصدق إنسانية الإنسان). لكن الغرباوي يستشهد على هذا البعد أحيانا بنصوص دينية، كقول الإمام علي لولده الحسن: «أحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تَظلم كما لا تحب أن تُظلم...». مع ان هذا النص هو نص تربوي، إرشادي، وإن جاء بصيغة الأمر والنهي «أحبب، واكره، ولا تَظلم». فهو كسائر النصوص الإرشادية الدينية؛ القرآنية والنبوية، لا يثبت أصالة الأخلاق بقدر ما يؤكد دور الدين في تعزيزها والحث عليها. وليس فيه دلالة على ما أراده الغرباوي مسبقا من أن الأخلاق هي من نتاج العقل العملي. لذا يعود الغرباوي ليؤكد مبدأه، مجادلا في (أن الإنسان يبادر لعمل الخير بدافع ذاتي مجرد، محض، فيأتي بالفعل لذاته لا لغيره). وقد يجد الغرباوي ردا في أن هذا النص العَلَوي ليس نصا دينيا محضا، بل هو نص عقلي مصدره العقل وحده. إذن هو يستعير عليا بصفته الحكمية لا بصفته الدينية. وهذا توجيه مقبول بلا شك. لأن الغرباوي يكمل فيقول: (ان اعتبار الأخلاق قائمة على الشريعة هو اتجاه خطير جدا، يمكن من خلاله توظيف الدين لتعزيز مصالح سياسية أو طائفية، قد تطيح حتى بقيم الدين ذاته).

وبعد معالجة مستوفية لتأثير المقدّس على الأخلاق، يخلص الى (أن المقدس يرتهن صدقية موضوع الفعل الأخلاقي، دون قيمه وأحكامه. الأولى (القيم) قيم إنسانية بعيدا عن المقدسات والأديان. وأحكامها صادرة وفق معايير العقل العملي. وبهذا نحدد سلطة المقدس، ونحول دون استغلاله وتكريسه لمصالح سياسية وطائفية، طالما أضرت بمصداقية المسلمين في خضم صراع مرير على السلطة، وحاجتهم لتوظيف الرموز المقدسة). ليؤكد (أن القداسة رهان خاسر ما لم تكن صفة ذاتية للمقدس).

 * ومع الفقه والفقهاء: يتوقف الغرباوي عند مفاصل غاية في الدقة والاهمية، لعل في مقدمتها قضية التحيزات المسبقة للفقيه، والتي غالبا ما يكون مصدرها عقديا، فالفقيه ليس متجردا من التحيز العقدي، وقد كتبت سابقا: الفقهاء تمذهبوا قبل أن يتفقهوا، والمفسرون تمذهبوا قبل ان يفسروا القرآن، وعلماء الكلام تمذهبوا قبل أن يتكلموا.. وهذه حقيقة يغفلها أكثرنا وهو يقرأ للفقهاء والمفسرين وعلماء الكلام والمؤرخين وأصحاب الحديث، وغيرهم. وهكذا رأى الغرباوي: (أن كل فقيه ينحاز لا شعوريا لقبلياته وقناعاته العقدية، ويدافع عن نسق يقينياته وأحكامه المسبقة كمبنى عقدي ينعكس على فهم النص، فينحاز لنتائجه لا شعوريا، بل ويوجه النص بذات الاتجاه). وعندي أنه ينحاز شعوريا، وليس لا شعوريا، وهذا يتفق مع قول الغرباوي: (بل يوجه النص بذات الاتجاه). وهذه مسألة دقيقة حين ندركها نفهم الكثير من أسباب اختلاف الفقهاء. وبالتالي يقول الغرباوي: (لا يمكن تبرئة الفقيه وإلقاء اللوم على الأدلة الشرعية فقط، مادام الفقيه يمارس عملية استنباط الأحكام الشرعية وفقا لمبانيه، ويستبطن نهجا عقديا يوجه وعيه).

وأيضا يتابع الغرباوي سؤال خضوع الفقيه لسلطة النص ومحدداته، فالفقيه او المفسر او المفكر، لا يفكر بالتحرر من أسر النص، لأن قداسة النص هي التي تتولى هندسة قبلياته وبنيته الفكرية والمعرفية، وتحدد هامش الحرية وفضاء التفكير داخلها. وهي التي تسمح أو لا تسمح له بتجاوز النص. فالحرية لا تعني بالنسبة له التحرر من قيود النص، بل هي عنده حركة مغلقة داخل فضاء النص. فالاجتهاد لديه هو اجتهاد في دائرة النص ومدياته، فهي حرية محدودة، غير منتجة، تطاردها إكراهات النص. وبخلاف ذلك تأتي القراءة المقاصدية التي تحاول تقديم فهم جديد للدين، والبحث عن مقاصد تشريعاته، دون التفريط  بقداسة النص.

وهكذا يسير في ما أسماه (متاهات الحقيقة) ليغطي مساحات واسعة في التعاطي مع التراث الاسلامي في معظم ميادينه.

* لكن ثمة سؤال منهجي يمكن أن يثار:

لماذا جعل الغرباوي كتابه عن المرأة: (المرأة وآفاق النسوية) ضمن سلسلة (متاهات الحقيقة)، ولم يجعله كتابا مفردا، مستقلا في موضوعه؟

لعله رأى أن التشريع الفقهي يوقعنا في متاهة حقيقية في فهم الفهم الفقهي للمرأة، فهل هي إنسان قائم بذاته، له مقوماته الإنسانية الكاملة، وحقوقه وامتيازاته وواجباته كإنسان فرد؟ أم هي كيان تابع ومملوك للرجل؟ فمازال الفقه مترددا في هذه المفارقة، يركب المتناقضات، ويروغ عنها، بين مبادئ قرآنية ونبوية كلية تمنح المرأة مكانتها، وبين أحكام تغتصب شيئا من إنسانيتها لتكون خاضعة لسلطان الرجل.

وأخيرا، وهو يختصر توصيف المعاناة في نضاله الفكري، في مقاربته لتوصيف الوعي الجمعي الديني، يرى الغرباوي رأيا سديدا: (إن مشكلتنا اليوم ليست في عجز الأدلة عن بيان الحقائق، بل مشكلتنا الأساس مع رثاثة الوعي، والجمود، والمصالح الأيديولوجية، ووجود حواضن للغلو تشكل درعا يصعب زعزعته بسهولة. وهي معاناة حقيقية لمن يروم ترشيد الوعي، وفضح تزوير الحقائق لغايات طائفية وسياسية).

لعلي بهذه الكلمات المقتضبة أتيت على بعض أهم المحاور التي يدور حولها فكر الغرباوي، منذ بداياته، وحتى أواخر مؤلفاته في سلسلة (متاهات الحقيقة). عساني كنت موفقا في عرضها، لتكون هدية متواضعة من زميل وصديق يكن له المحبة ويرجو له التوفيق.

***

د. صائب عبد الحميد

 

حاول المفكر العراقي ماجد الغرباوي، مدفوعا من حبّه لوطنه العراق، الحفر في البنى الفكرية والمعرفية لعدوانية المرء تجاه الآخر، أيا كان الآخر داخليا أم خارجيا، فشعور الكاتب بالمسؤولية تطلّب منه قدرا كبيرا من الصراحة والمكاشفة والتعرية الحقيقية للقيم السائدة والمفاهيم الحاكمة، متجنبا الحلول الترقيعية التي تعتمد على التستر والمدارة والخوف من المواجهة فلا تنتهي إلى نتيجة جذرية، فالعراق كدولة يحتاج للنهوض إلى نسق فكري يقبل حالة التعدد التي لابد منها، إذ أنّ المجتمع العراقي متعدد الأديان والمذاهب والقوميات: فهناك المسيحي والصابئي واليزيدي، والشيعي والسني والعربي والكردي والتركماني بالإضافة إلى اختلاف الثقافات والأفكار والاتجاهات السياسية..

وسواء أكان الإنسانُ عدوانيًا بطبعه كما يرى هوبز، أو مدنيا بطبعه كما يرى غيرُه، فلا يُمكنه أنْ يعيشَ بعيدا عن تكوين اجتماعي يعترف أفراده بحقوق متبادلة، لا يمنّ فيها طرف على آخر، فلا يُوجد استحقاقية لدى الأكثرية تتفوق بها على الأقليات في الحقوق الأساسية.. غير أن المجتمع يُدير حركته، ويُحدد اتجاهاته، نسقٌ قيمي وأخلاقي يرتكز على مجموعة من القيم السلبية الموروثة من عصبية ورفض وإقصاء للآخر، وتُشرّع للعنف، ولا بديل لمواجتها إلا بنسق قيمي وأخلافي يرتكز على إحلال "التسامح" في ثقافة وعقل وسلوك المجتمع وتجفيف منابع اللا تسامح من التعصب والعنف والولاء المحدود للجماعة والقبيلة على حساب المجتمع والدولة، لا بديل عن اجتثاث القمع والتّطرف من أجل بناء مجتمع يُمكنه استيعاب التّناقضات والتّقاطعات الحادّة بين الأديان والمذاهب والقوميات..

وعندما نتحدث عن التّسامح فنحن أمام مدلولين: مدلول لغوي اجترّ عبر تاريخنا مشتق من السماحة بمعني الجُود، وفي "الجُود" يُوجد طرفان: يدٌ عليا واهبة، ويدٌ سفلى متلقية، فالتسامح بالمدلول اللغوي يُشير إلى وجود فارق اجتماعي بين متسامِح (بالكسر) ومتسامَح معه (بالفتح)، فليس هناك مساواة بين الطرفين، فالتسامح لا ينفك عن المنّة والكرم في المدلول اللغوي، ولم نُطوّر مفهوما ثانيا للتسامح؛ لأننا نستدعي تُراثا تراكميا يُعبر عن فكر واحد نتوحد معه، ولا نتنقل بين أنماط متنوعة من التراث على نحو يُمكنه أن يُطوّر من أفكارنا..

في المقابل طوّر الدّرس الفلسفيّ مدلولا ثانيا للتسامح تقوم عليه المجتمعات المدنية المعاصرة، فلم يعد التّسامح مقصورا على مدلوله اللغوي في العربية أو الإنجليزية "Toleration"، فليس موقفا فرديا اختياريا يتنازلُ فيه شخص عن حقٍّ من حقوقه تكرما ومِنّة على الآخرين، وإنما أصبح واجبا تفرضه الحرية الشخصية التي يُراد لها أن تكون متساوية بين الجميع، فالتسامح الذي نُريد له أن يسود في مجتمعاتنا العربية هو موقف إيجابي متفهم لتعدد وتنوع الأفكار والعقائد والمذاهب والثقافات، فيسمح بالتعايش مع المختلف بعيدا عن العنف الإقصاء..

التسامح بهذا المفهوم أحد قيم المجتمع المدني، فلا يُمكننا أن نتصوّر مجتمعا مدنيا دون تسامح، ولا تسامح دون مجتمع مدني كصيغة استيعابية للتنوع الديني والمذهبي والعِرقي للمجتمع في الدولة المعاصرة، وكصيغة يُمكنها تحقيق طموحات الجميع في حقوق متساوية، ونزع فتيل التوتر والصراع.

فدوما مقابل "الذات" أو "الأنا" الدينية، أو العِرقية أو العُرفية، أو الثقافية، يأتي الآخر، فإذا كانت "ذات الشيء دلالته على نفسه وعلى عينه، والذاتيّ لكل شيء ما يخصّه، وما يُميّزه عن جميع ما عداه".(1) ففي الجانب المُقابل يُوجَد دوما "الآخَر" بما يحمله من غيرية مختلفة عمّا عليه الذات/الأنا، ولا يُمكننا تجلية الأنا/الذات، والتعرف عليها إلا بوجود آخر مختلف ومغاير لها؛ لذا قيل على لسان أحدهم: "حدد ذاتك يتحدد الآخر".

فالقيم التي تحمي الآخر، وفي مقدمتها التسامح نحتاجها جميعا بما أنّه كل منا هو الآخر لغيره، فكلّ منّا يُمثل الأنا والآخر في الوقت نفسه، فهو بالنسبة لذاته "الأنا"، وبالنسبة لغيره "الآخر"، ويمكننا القول إنّ الآخر يتعدد، ويتنوع بتعدد، وتنوع دوائر مستويات الأنا والذات، فينجم عن ذلك وجود آخر ديني، ومذهبي، وقومي وعُرفي، وجغرافي، واجتماعي، وسياسي، فيختلف الآخر من دائرة إلى أخرى، فالموقع الذي يحدده الفرد أو المجتمع لنفسه هو بدوره الذي يحدد الآخر القريب أو البعيد،(2) فلا بديل عن قبول التعددية على مختلف المستويات..

وإذا كان لا يُمكن  لنباتٍ أن يعيش منفصلا معلقا في الهواء بلا جذور، فكذلك التسامح لا يُتصور أن يُوجد في ثقافتنا منفصلا عن شجرة أخلاقية وقيمية، فالتسامح حتّى يعيش يحتاج إلى نسق أخلاقي وفكري واجتماعي، "فالتسامح ليس مجرد مفهوم يُراد استنباته ضمن النسق القيمي للمجتمع، وإنما هو نسق ثقافي وفكري وعقيدي مغاير، له آليته في العمل وأسلوبه في التأثير، ومنهجه في التفكير، وطريقته في الاشتغال. فلا يمكن سيادة قيم التسامح ما لم تكتمل جميع مقدماته أي أن التسامح يقوم على سلسلة عمليات فكرية وثقافية يخضع لها الفرد والمجتمع كي يعمل بشكل صحيح ومؤثر".(3)

التسامح لا ينفصل عن نسق كلي من مفاهيم التعددية وحقوق الإنسان والمواطنة والحرية الدينية والفكرية.. والتسامح هنا ليس هو التسامح الديني فحسب رغم مركزيته، وإنما التسامح بمفهومه العام الذي يشمل التسامح السياسي والاجتماعي والديني.

ويؤكد الغرباوي أنه لا يتعارض النسق الأخلاقي القيمي الذي يضم التسامح مع الدين، وإنما يتعارض مع قراءات للدين، فالإشكالية ليست في المقدس لكن في فكر ديني ادّعى أنّه المقدس، فعلى الرغم من أن التسامح مفهوم إسلامي غني في دلالاته غير أن القراءات المبتسرة للدين ونصوص الذكر الحكيم صوّرت التسامح مخلوقا لا إسلاميا، أو مفهوما مستوردا للإطاحة بقيم الدين الحنيف، وهي  قراءات تشبث بها دعاة العنف والاحتراب، ممن اختزلوا القرآن في بضع آيات نزلت في ظلّ ظرف خاص، بينما أهملوا مصفوفات قرآنية كثيرة تدعو إلى المحبة والوئام، ونبذ العنف والدعوة إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة..

التسامح والتعددية ليست غريبة في روحها عن الدين، فالذي يحول دون التسامح ليس الدين وإنما قراءات أحادية تستدعي موروث ثقافي وتاريخي واجتهادات شخصية أُدمجت في بنية المقدس، فتوارث جيل بعد جيل تقاليد وأعراف لم ينجحوا في التخلص منها؛ لتسللها تحت جلد المقدس، ولسلطان التقليد المسيطر على العقل الجمعي الذي لا يُميز بين التقليد الديني والتقليد الدخيل على الدين، وهذا يتطلب منّا أن نُعيد هذا الدخيل إلى سياقاته كنتاج إنساني حول النصوص المقدسة، من خلال عملية معرفية انتقالية نستفيد فيها من المناهج العلمية في الاجتماع واللغة والنفس وسائر الدراسات الإنسانية، حينها سنجد أنفسنا أمام آفاق رحبة لتقبّل القيم الإنسانية.

وفي محاولة منه لتفكيك النسق الفكري المسيطر على العقل العربي للكشف عن منابع العنف والتعصب في ثقافتنا التي تجعل التسامح غير فاعل ولا مُؤثر في مجتمعاتنا العربية نُلخص أبرز العقبات والتحديات فيما يلي:

أولها: منطق الغلبة والاستحواذ التي عرفتها تجمعات الإنسان الأول، فحيث تندر الموارد يكثر السطو والنهب والسلب والغدر والاعتداء، فالارتداد للبدائية مرتهن بالاحتكام إلى منطق العنف، وعلى النقيض يعكس التسامح تمدن وتحضر المجتمعات القائم على الاحتكام للقانون.. فلا يُِمكن أن يصير المجتمع متحضرا يحترم القانون ويعترف بالآخر بينما العنف متفشٍ فيه.

ثانيها: تجميل التاريخ، وتقديمه في صورة مثالية، والتوحد معه والاحتماء به، وجعل العنف الذي انطوى عليه ليس مجالا للدراسة النقدية التي من شأنها أن تُساعدنا في اتخاذ مواقف أكثر نضجا في الحاضر..

ثالثها: الاستبداد السياسي، فكما تُعاني مجتمعاتنا من دعاة امتلاك الصوابية الدينية التي تكفر المخالف فإن مجتمعاتنا تُعاني كذلك من ساسة يدعون امتلاك الصوابية السياسية التي تُخوّن المعارض، فالاستبداد السياسي الرافض للآخر خصم حقيقي للتسامح، الذي يعتبر الاعتراف بحقوق الآخر جوهر التسامح الديني والسياسي والاجتماعي، وهذا النّبذ للمغاير ليس قاصرا على الآخر السياسي، لكن له وجود داخل الأسرة والعائلة والحي، داخل قاعة الدّرس، يظهر الرفض في احتكار المختلف وإرهابه وعزله وتهميشه انتهاء بقهره وسحقه.

رابعها: الاحتكار المزعوم للحقيقة وطرق الوصول إليها يُوسس للمواقف العدائية والخصومات الطائفية.. فمن المقاربات التي تدفع نحو التسامح إعادة النظر في علاقتنا بالحقيقة، والأقرب للتجربة الإيمانية القائمة على اليقين ألا ننظر لها من زاوية تحويل المطلق إلى نسبي محتمل في جميع الأطراف، وإنما القول بأنّ الحقيقة المطلقة واحدة وتجارب الإنسان في السعي إليها متعددة، فتتعدد التجارب الدينية الساعية للوصول إلى الحقيقة المطلقة، "فالحق في ذاته واحد، ولكن القدرة البشرية على بُلوغه متنوعة، وبالتالي مقاربة الحق متنوعة، مما يعني تعددية الرؤى والمذاهب ضمن الدين نفسه" فمثل هذا الطرح يسلب جميع الأطراف احتكارهم للحقيقة، الذي على أساسه تتشكل المواقف العدائية والخصومات الطائفية.

خامسها: الولاء للجماعة الدينية أو العِرقية، وما يصحبها من حِدّة المشاعر، وتطرفها حبا وكرها، فبدافع من الانحياز عاطفي يُشيطن المخالف، ويُرفع المماثل إلى مستوى الملائكة، فيصعب من مجتمع يغلب عليه هذا النوع من المشاعر الحادة أن يكون مجتمعا متسامحا، يعترف بالخطأ، ويُعيد ترتيب أفكاره من جديد، يتقبل التنوع والاختلاف بلا قلق ولا هجوم، فالعاطفة متوهجة من الحب أو الكراهية تحول دون العقلانية، فالتسامح ألّا نقمع الآراء التي لا نُوافق عليها، ونحن في الوقت نفسه لا نُحب أو نُؤيد أو نُشجع هذا الآراء..

سادسها: منظومة القيم السائدة التي تتقاسمها العشيرة والدين والموروثات الشعبية، ولا يستند بعضها إلى مبدأ عقلي أو شرعي أو قانوني، فأكثر القيم الاجتماعية وليدة تراكمات اجتماعية واقتصادية وسياسية، تجذرت بسبب التخلف وبدائية الوعي، فالاجتماع صنع القيم السائدة ثم تناسى أنّه من صنعها، فصيّر الإنسان أسيرا لها لا يستطيع التّحرر منها.

فعندما ترتكز قيم المجتمع على العنف في تسوية الخلافات وانتزاع الحقوق، فإن الاحتكام إلى العقل والتسامح من قبل بعض الأفراد يصبح جبنا وعارا، وعندما يسود حالة من التمييز بين الرجل والمرأة يكون من المقبول اجتماعيا أن تسود نظرة دونية مثقلة بالشكوك وعدم الثقة تجاه المرأة؛ لذا يُفترض تفكيك أنساق المنظومة القيمية القديمة السائدة بشكل يجعلها تستجيب لنسق قيمي جديد يقوم على التسامح.

فليس العنف فعلا خارجيا فحسب، وإنما عقل وخطاب وثقافة، فالتحول إلى اللاعنف يحتاج إلى تحول في مفاهيم القيم بحيث يرتكز الشعب على العقل والتفكير بدلا من اللجوء إلى العنف والقوة، فالتفكير في مقابل التكفير، والتسامح في مقابل التعصب، وقبول الآخر دون رفضه، وتحلّ التضحية بدلا من الأنانية، وهنا تترسخ تترسّخ قيمة الإنسان بوصفها أهم القيم الاجتماعية، فالفرد قيمته مستمدة من كونه إنسانا، وليس من انتمائه لقبيلة، أو جماعة، فمناط التّكريم أنّه إنسان قبل كل شيء "ولقد كرّمنا بني آدم"، وعلى حد تعبير كارل روجرز: "لا يُوجد وحش في الإنسان، الإنسان به إنسان" إطلاقه سيُقود بالضرورة إلى النسق التسامحي مستفيدا من تراكم خبرته بالصراعات والحروب وما تُخلّفه من ويلات.

سابعها: التعصب فهو تارة نتيجة عن العنف وتارة سبب في العنف إذ يُغْرِي الإنسان بممارسة العنف في فرض آرائه، وإذا كان التعصب حاضرا في تكويننا الاجتماعي لامحالة فنحن في حاجة إلى تفريغه من الشحنات السلبية؛ ليُصبح حاملا لقيم جديدة يتعصب فيها الفرد لصالح القانون واحترام النظام وتبني قيم التسامح والمحبة والوئام.

ثامنها: التطرف الديني "أحد أخطر منابع اللاتسامح، لتلبسه ببعد شرعي، وتوظيفه للنص الديني، وسرعة تصديقه من قبل الناس، وقدرته على التخفي والتستر تحت غطاء الشريعة والواجب والجهاد والعمل الصالح والامر بالمعروف والنهي عن المنكر.. فالوعي الديني يُعاني من التباس الإلهي بالبشري عبر فتاوى وأحكام اجتهادية نسبية تسوّق على أنها تشريعات إلهية، تسلب الفرد حريته وإرادته عندما تفرض عليه قبليات المجتهد، سواء كانت عقدية أم أخلاقية، وتفرض عليه مواقف يلتزم بها بدوافع دينية، مهما تعارضت مع قيمه الإنسانية. ولعل الموقف من الآخر المختلف، بما فيه المختلف الداخلي أوضح المصاديق. يعيش معها الفرد حالة اغتراب عن طبيعته الإنسانية، فيحسب تصرفه تكليفا شرعيا قربة لله لتفادي تأنيب الضمير وقمع شكوك الحقيقة، وهي تُدوي في أرجائه. فنقد آليات وأدوات ومرجعيات ومباني الفقيه، مهمة أخلاقية لاستعادة الوعي، كخطوة أولى للنهوض الحضاري. والاجتهاد أحد المصطلحات الفقهية الخطيرة ارتفع به الخطاب الديني حد الاصطفاء الإلهي بعيدا عن حقيقته وأساليبه في تزوير الوعي بل وتشويه القيم الدينية الأصيلة عندما يُقحم الناس في صراعات عقدية وسياسية تحت عناوين طائفية وأيديولوجية، ويعتبر فتاواه وأحكامه ملزمة لأتباعه، ومبرئة للذمة".(4)

أخيرا، إذا لم تَسُدْ قيم التسامح وتُصبح فاعلة على المستوى الفردي والاجتماعي، ستبقى أسباب الانفجار كامنة، تتحين الفرص لتطفو على شكل موجات عنف متلاحقة تُطيح بكل ما هو جميل في الحياة، وليس الحلّ في المواجهات الأمنية فحسب التي ينتج عنها اختفاء العنف كفعل خارجي لكنه يبقى يُمارس سُلطته على الصعيدين الفكري والثقافي ويتجلى سلوكا وأخلاقا ومنهجا، وهو أشد خطورة رغم تستره.. الحلّ في ثقافة نقدية قادرة على النفوذ إلى أعماق اللاوعي لتفكيك البنى المعرفية القديمة وتأهيلها لاستقبال نمط فكري وثقافي جديد يعمل في إطار قيم التسامح.. كي نُواجه خطابا متطرفا منحازا لذاته، لا يرى إلا نفسه، يتعين علينا أن نُعزّز من سُبل التعريف بالآخر في برامجنا التعليمية والثقافية، فمن المؤسف أن الثقافة الإسلامية المعاصرة تعرّضت لاختطاف من جماعات التمايز بالإسلام عن المسلمين، فأمسينا في حاجة إلى التأكيد على المسلمات، وترديدها؛ حتّى يتمّ إدماجها في الوعي الجمعي مرة أخرى، ومنها: مقومات التسامح من حقوق المواطنة وسيادة القانون وإطلاق الحريات العامة وحمايتها أهمية التعرّف على الآخر، وقبوله، والاعتراف به.. فلسنا أمام اختيار، بل ضرورة لا غنى عنها لمنع التباعد، والاحتراب، وتحقيق التنمية المستدامة التي يحلم بها الجميع، وهذا يتطلب تذليل العقبات التي تعترض طريق التعايش، واستمزاج الآراء؛ لتكوين تصوّر عام يساعد على التقارب وتجسير الفجوة بين أصحاب.

***

أ. د. عبد الباسط سلامه هيكل

أستاذ علوم العربية والإسلامية جامعة الأزهر بالقاهرة

....................

(1) التعريفات، ص٥٧.

(2) ينظر: محمد محفوظ، الآخر وحقوق المواطنة، الرياض، مركز الراية للتنمية الفكرية، يناير ٢٠٠٦م، ص١٥.

(3) ماجد الغرباوي، التسامح ومنابع اللاتسامح، ص١٦.

(4) ماجد الغرباوي، التسامح ومنابع اللاتسامح، ص٧٦.

 

إنّ المنجزات الفكرية لعدد كبير من المفكرين والمجددين لم تنل الاهتمام والرعاية الكافية عبر تاريخ الفكر العربي والإسلامي إلا القليل، لتصنيف تلك المنجزات ضمن الآراء المحرّمة، التي تشكل تهديدا بعيد المدى للموروث الثقافي، المكبِّل للإبداع والتجديد والتنوير. لا ريب أن دراسة منجزات ومشاريع المبدعين في قضايا التجديد والتنوير والإصلاح مثلت ظاهرة استراتيجية في حياة الشعوب والأمم، ففي أوروبا وتحديدا ألمانيا هناك مؤسسات ثقافية غير حكومية لا تزال تركز على دراسة آراء جوته ونيتشه وكانط وهيغل ومارتن لوثر وهايدغر وغيرهم من الفلاسفة والمصلحين والشعراء، وكذلك  في الولايات المتحدة الأمريكية اتسع نطاق الفعل الثقافي الخاص بالشخصيات الفكرية الإصلاحية والتنويرية المؤثرة في الثقافة الأمريكية الحديثة والمعاصرة  وتوسعت مؤسساته الفاعلة عبر العالم، لقد برزت تيارات فكرية اتخذت من الاستنارة بأفكار المفكرين والفلاسفة والفنانين ميداناً لاشتغالها خصوصا بجامعات بريطانيا وكندا وروسيا والهند واليابان، حيث يتم دراسة المنجزات الفكرية، وحركة تطورها ومدى حضورها في مقررات الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية، خاصة منها  تلك التي تم تجاهلها وتمّ تجديد النظر والفحص والنقد لها، ويعتبر هذا الحدث حركة متجددة في مجال المعرفة التاريخية للأفكار والمفكرين وعلاقتها بالتحديات الراهنة، كون  مكانة المثقفين في المجتمعات المعاصرة ذات سلطة ومصداقية، ناهيك عن انخراط المثقف في الحياة العامة وتأثيراته الجوهرية في التصورات والمواقف والآفاق، ليس مثقف العصر وإنما كل المثقف كشاهد على أسس ومقتضيات ورهانات التنمية والتجديد والإصلاح والتغيير...

بينما نحن في العالم العربي، لانزال نحاول أن نقترب من المشاريع الإصلاحية والتجديدية في الفكر والثقافة والاجتماع والدين التي عرفها تاريخنا العربي والإسلامي سواء الحديث والمعاصر منه، فمنذ الموجة الأولى للإصلاح والتجديد نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ولغاية الموجة الثالثة التي كانت ما بعد الاستعمار الجديد نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين، كان التصور العام للمشاريع يتراوح بين اليسار واليمين وأحيانا  استغراق في الجدالات التاريخية بين الثنائيات والقطبيات وتكريس للعشوائيات الثقافية، لكن  رغم كل المؤاخذات حول التصور والرؤية والمنظورات لهذه التجارب الفكرية والمشاريع التجديدية وما أنتجته من تعدد لوجهات النظر حول القضايا والمسائل التي يجب تكثيف النظر إليها  في منجزات المفكرين التنويريين والتجديديين، أصبح النقاش والمقاربة لمنجزات المفكرين والمجددين ضرورة ملحة في هندسة الوعي ورسم معالم الإصلاح الثقافي وما هنالك من آفاق نهضوية..

ضمن هذا السياق، تسنى لي منذ سنة 2019م ولغاية يونيو 2024، أن أعيش فترات هامة ترتبط برعاية  وتعريف واستكشاف منجز فكري معاصر، ألخصه في علاقة الإبداع الفكري بالالتزام الإنساني، حيث يختزل الأمر بمفكر عربي بارز هو الأستاذ ماجد الغرباوي؛ وتلك العلاقة عاينت أهميتها الكبرى في نقاش العديد من المفكرين والأدباء والباحثين والأكاديميين من أغلب دول المشرق والمغرب العربيين وبلاد المهجر، خلال إعدادي لكتاب تكريمه في سبعينيته.

في هذه السطور وددت بداية أن أستعرض بشكل عام منجز فكري وأدبي  سيكون له دوره في إثارة ورفد الوعي بشتى صوره الفكري والثقافي والاجتماعي والديني، حيث تزينت به المكتبة العربية مؤخرا كإصدار تكريمي خاص تحت عنوان: "ماجد الغرباوي: أنسنة التراث وعقلنة النص الديني (عن دار العارف في بيروت سنة 2024م، في مجلدين (1250) صفحة)، والذي ضم 130 مشاركة من مقالات وشهادات ودراسات، وقام بالتقديم له قامتان في الفكر والفلسفة والتربية والاجتماع في  جغرافية الثقافة العربية المعاصرة، الدكتور عبد الجبار الرفاعي والبروفسور علي أسعد وطفة.

هاذان المجلدان هما ثمرة إتصال ونقاش وتشاور وحوار مع العديد من المفكرين العرب من طنجة إلى مسقط، ومن سيدني إلى أوتاوا، إنه منجز  يختصر منجزات شاهدة على مدى الأثر الذي خلفه ماجد الغرباوي في المشهد الفكري والثقافي التجديدي العربي والإسلامي، إذ كان الشخص الذي سلك بالعديد من رواد الفكر والتجديد والتنوير في الوطن العربي إلى التجربة النقدية وإثارة الوعي من خلال جهوده التي بذلها لإحياء الوعي الفكري عموما والديني خصوصا، حيث التأثير الكبير الذي أحدثه الغرباوي يبرز  من خلال موهبته النقدية التي  تفتقت في مرحلة مبكرة ( كما عبر عنها بــــ(ص 11 المجلد1 من الكتاب)، واستمر المخاض والنقاش والتفكر  إلى غاية مطلع القرن الراهن، حيث برز  ماجد الغرباوي المثقف المستنير بصورة كبيرة خلال السنوات العشرة الأخيرة التي قضاها في صياغة الرؤية وتحديد المنظورات، فكانت نموذجية  الغرباوي في هذا الكتاب ترتبط بقوة أفكاره الفلسفية، والموضوعات الجديدة التي اشتغل عليها وهي: الوعي والتسامح والأنسنة، والمنهج، والمستقبل، والنهضة والأخلاق.. فمضامين المجلدين من هذا الكتاب تتناول ماجد الغرباوي من خلال أفكاره المبثوثة في مؤلفاته ومن خلال قراءاته النقدية ورؤاه التجديدية المتطورة بحسب المقتضيات ويبدو البحث في منجزه هو أعمق لأنه تفاعل فكري حول القضايا والإشكاليات التي يطرحها ويناقشها، بل إنه فهم للبنية الثقافية والفلسفية للمفكر الغرباوي؛ كونها  كتاباته تسلط الضوء على بعض الجوانب الخفية من حياته، حيث حاولت الدراسات طرح تقييم نقدي لأفكاره، والمقالات كانت مصابيح على طول خريطة فكره ومؤلفاته ومطارحاته، والشهادات جاءت لتعكس مكانة المفكر ماجد الغرباوي الفكرية والأدبية وتعدد مجالات اهتمامه واشتغاله، حيث استهلت بشهادة وتقديم الدكتور عبد الجبار الرفاعي التي يعبر فيها بالقول: ماجد الغرباوي صديق صدوق نادر، انا محظوظ بهذه الأخوة الإيمانية والأخلاقية والمعرفية الأصيلة بيننا، لا شك أن هذه الأخوة استثناء من الصداقات الشائعة، أنا وماجد أصدقاء عمر، يقترب عمر صداقتنا من عمرنا الزمني، صداقة تناهز الستين عاماُ، إلتقينا بتوفيق إلهي في متوسطة قلعة سكر سنة 1968م، ولم ينقطع حبل المودة بيننا. (ص20 المجلد 1 من الكتاب)، ومونولوج الأستاذة بشرى البستاني والشجاعة والمثابرة الفكرية  عند الدكتور سامي عبد العال والدكتور صائب عبد الحميد والدكتور عبد الجبار العبيدي، والدكتور صالح الطائي والدكتور صلاح حزام، ناهيك عن الأسئلة التي خاض غمارها الأستاذ الغرباوي كسؤال الدين والأخلاق كما تناولها في شهادته الدكتور نابي بوعلي وقراءات لمشروعه لدى  الدكتور عدنان عويد وثامر عباس واياد الزهيري، وشهادات حول الفكر والرسالة والهدف والتنوير وسحر ذلك كله، حيث قاربت لب المنجز  كما حررها    الدكتور صادق السامرائي و الدكتور علي محمد اليوسف وطاهر أبو ألاء ودكتور سعد ياسين يوسف والدكتور جودت العاني والدكتورة شهرزاد حمدي والأستاذ أحمد راضي الشمري والدكتور قصي الشيخ عسكر والأستاذ شاكر عبد موسى، وعن شمولية الوعي كما وصفها الدكتور عبد الأمير المؤمن، وأثر المتاهات كما سلط الضوء عليها الدكتور صالح الزروق والأستاذ حسين علاوي،  دون أن نغفل تلك المقاربات حول شخصيته الفكرية والأخلاقية كما صاغها الأستاذ زيد الحلي والاستاذة صفاء الهندي، وقراءات للمفاهيم من قبيل رؤى الأستاذ عبد الستار نورعلي والأستاذ عقيل عبود.. والعديد من الشهادات التي عكست جمال شخصية الأستاذ الغرباوي وأناقتها وسماحتها.. ثم جاءت المقالات لتخوض غمار النقاش والنقد وتثير ما يرفع الستار على قصة الابداع وإثارة الوعي وفتق النباهة من خلال معاينة الدكتور علي المرهج لآفاق الفكرة عند الغرباوي والأستاذ علاء هاشم الحكيم والأستاذة آية محي الدين ويستنطق الدكتور عبد الباسط سلامة هيكل والدكتور حسنين جابر الحلو والدكتورة عفاف المحضي والأستاذة خولة خمري والأستاذ عباس أعموري والدكتورة رانيا عاطف والأستاذ سهام الجزار والأستاذ عاشور البدري والأستاذ شوقي مسلماني والأستاذ قيس العذاري والأستاذ نادر المتروك والأستاذة هيام الفرشيشي والأستاذ صباح محسن كاظم والأستاذ جمعة عبد الله والأستاذ محمد هروان، أسئلة التسامح واللاعنف، كما يفتح أسئلة نقد الذات والحقيقة والمنهج والمعرفة والتجديد والحوار وفلسفته وقضايا التراث والاعتقاد والنهضة، كل من الأستاذ بدر العبري والدكتور رائد جبار كاظم والأستاذ سلام كاظم فرج والدكتور أسعد عبد الرزاق الأسدي والدكتور محمد يونس محمد والدكتور محمد سعيد الأمجد والأستاذ إبراهيم جلال القصاب والأستاذة علجية عيش والدكتورة بثينة بوقرة والدكتور حفيظ أسليماني والأستاذة خيرة مباركي والدكتور عصمت نصار والأستاذ حسين بوخرطة...

هذه المقالات النقدية اتسمت أغلبها بقراءات لمؤلفات المفكر ماجد الغرباوي وكانت مواضيع الوعي وخاصة الديني منه والتسامح وتحديات العنف والتجديد أكثر حضورا واشتغالا ورعاية نقدية وتوصيفية وتحليلية بينما المجلد الثاني الذي قدم له البروفسور علي أسعد وطفة، المفكر العربي السوري الذي يصف المفكر ماجد الغرباوي بالقول :" وإذا كان لي أن أصف الغرباوي فإنني أراه اليوم وهو يكافح ويناضل أشبه ما يكون ببروميثيوس الذي نزع الشعلة من أيدي الآلهة ليضيء بها أرجاء الأرض فلا يترك منها ركنا خافيا في عتمة الظلام، وها هو يومض بقبس من النور ليبدد ظلام التخلف الثقافي والفكري في عالمنا العربي.". ( ص13 المجلد الثاني من الكتاب)، هذا المجلد الثاني نال القسط الوافر من التعريف بمنجز المفكر ماجد الغرباوي حيث تضمن دراسات وبحوث حفرت أعماق هذا المنجز الكبير وكشفت عن أغواره وقربته أكثر من القراء الكرام رافدة بذلك ما لم تتوسع فيه المقالات والقراءات، حيث رسم الدكتور قادة جليد المعالم العامة والعميقة لموقعية فكر الأستاذ ماجد الغرباوي في خريطة الفكر العربي المعاصر، و تناول الأستاذ عبد العزيز قريش بالتوصيف و التحليل، البعد النقدي في فكر الأستاذ ماجد الغرباوي، كما كشف ملامح الحوار النقدي العقدي الدكتور مجدي إبراهيم عند المفكر الغرباوي، في حين ركزت دراسات الدكتور عدنان عويد والدكتور محمود محمد علي على قضايا التجديد والآفاق النهضوية في فكر الأستاذ الغرباوي، وجاءت دراسة الدكتورة ابتسام مشقق مساءلة ومقارنة لفكر ماجد الغرباوي مع فكر نصر حامد أبوزيد ونال نصيبه سؤال التسامح من الدراسة والبحث في دراسة كل من الدكتورة إيمان عامر والدكتورة دنيا مسعود مخلوف،  بينما البعد الأدبي في منجز الأستاذ الغرباوي نال حظه في المقالات النقدية عبر ملاحقة تجليات نصوصه وتحديدا منها القصصية ومقاربة المدى الصوفي في البعض منها، وملاحقة لمديات الجمال فمذ تسمر الضوء وانشق القمر تمرّد المفكر ورفع القلم ورسم لوحات تملأ القلب ولعا وتحرق ذكريات الجهالة في عقل قد استبصر وسار على حطام المسافات مع هاتف الفجر على حافات القلق، ليقطف من عناقيد العشق ويعلن عن قراره الارتجالي بين مديات الحلم والكذبة المتوهجة، شظايا فكر وأدب وفلسفة وثقافة ...

كانت هذه سياحة خاطفة بين ثنايا فصول أربعة توجت كتابا بعد خمس سنين من التواصل والتشاور وعبر دعوات للعديد من أهل الفكر والثقافة والفلسفة والأدب والتربية والاجتماع والاقتصاد، هذا الكتاب في مجلدين كان في البدء فكرة احتضنتها كل الأسماء المشاركة في الكتاب وتفاعلت معها لا لشيء إلا كونها تحترم هذا المثقف المستنير الذي لا يعرفه نزيه إلا انشد إليه، هذا الإنسان الذي يعيش إنسانية الإسلام في تفاصيل يومياته مع أقرب المقربين إليه إلى أبعد أصدقائه ومعارفه، شخصيا لو كتبت عن ماجد الغرباوي فقلمي لا يتوقف ككل الذين حدثوني عنه وأكدوا لي ذلك كله، ليس عن شخصه فحسب ولكن عما أعرفه جيدا في هذا الشخص الفريد والثمين في زماننا، سواء في فكره وأسلوب حياته وسمو أخلاقه...

لقد كتبت هذه السطور لأتقدم بجزيل الشكر والتقدير والعرفان إلى كل الذين ساهموا وشاركوا في هذا المشروع التكريمي لمفكر نوعي وخاص ومميز وكذلك أشكر أولئك الذين اعتذروا لأسباب صحية قاهرة نسأل الله لهم الشفاء العاجل ولا أنسى هنا التنويه والتبجيل لفرقة الإعداد التي اتسعت مع الوقت لتضم أسرة  مؤسسة المثقف وأكاديميين من مصر والعراق وسوريا وتونس والجزائر والمغرب وبلاد الغرب وكذا المشاركات والمشاركين الذين وعدوا فأوفوا وإلتزموا بوعدهم بالمشاركة منذ كان المشروع فكرة مسطورة في دعوة، إنها كانت تجربة ثرية حيث إلتقت عقول وقلوب وأفكار ورؤى في رحاب حديقة غناء من الوعي والأخلاق والإنسانية والتسامح والحوار والمعرفة، وصدقت الحكمة التي تقول: من شاور الرجال شاركهم في عقولهم، يبقى العمل بكل التوصيات الهامة التي وردت بالمقالات والشهادات والبحوث والدراسات، لأن المفكر الغرباوي الكريم والمكرم بين أحبابه يأبى النكوص الفكري بل إنه دوما يدعو للتجديد والابداع والتطوير والتنمية والمنطق العملي، أملي أن يكون هذا الكتاب قد وفى ولو جزءا يسيرا من دّين المفكر الغرباوي علينا، حيث يكون مرجعا ببليوجرافيا للباحثين والأكاديميين والمهتمين بمشاريع التجديد والإصلاح والتنوير وإشكاليات الوعي والعنف وماهنالك من مسائل حيوية في مجال التنمية والنهضة في الأمة العربية والإسلامية..

أما بعد:

نحن في حاجة على الدوام إلى التكريم اللائق لمبدعينا ومفكرينا. لأنه استنارة مستمرة بمعالم الوعي في مشوار النهضة، مع ضرورة فتح مجالات النقاش والنقد العلميين لبناء عقلنة رصينة قادرة على التجديد والتنوير...  

وكل عام والمفكر الحر ماجد الغرباوي بألف صحة وسلامة وتألق وإبداع ...

***

ا. مراد غريبي

مُعد كتاب تكريم ماجد الغرباوي بعنوان: ماجد الغرباوي أنسنة التراث وعقلنة النص الديني

https://almothaqaf.org/k2/976967

الصفحة 1 من 7