آراء

آراء

في اعلانه عن النتائج الاولية للتعداد العام للسكان ذكر السيد رئيس الوزراء ان (النتائج تكشف عن دخول العراق مرحلة الهبة الديموغرافية بوصول نسبة السكان في سن العمل الى 60%). ما الذي تخبئه لنا هذه النتيجة؟ هل ستكون نقطة تحول نحو مستقبل مزدهر، ام انها ستزيد من تعقيد المشاكل التي يواجهها العراق؟

الهبة الديموغرافية هي فترة زمنية يمر بها مجتمع ما، تتميز بارتفاع حاد في نسبة السكان القادرين على العمل مقارنة بنسبة الاطفال والمسنين. تعتبر هذه الفترة فرصة ذهبية للنمو الاقتصادي والاجتماعي، وذلك لزيادة القوى العاملة المتاحة للانتاج، وانخفاض الاعتماد على المعالين، مما يزيد من الموارد المتاحة للاستثمار والتنمية. ويحمل بلوغ 60% من افراد المجتمع سن العمل اهمية بالغة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. فزيادة عدد الافراد القادرين على العمل والانتاج تدفع عجلة الاقتصاد الى الامام من خلال رفع الانتاجية. كما ان ارتفاع الدخول الناتج عن زيادة القوى العاملة يزيد من الطلب على السلع والخدمات، مما يخلق فرصا اكبر للاستثمار. بالاضافة الى ذلك، تمثل هذه الفترة فرصة ذهبية لتحقيق اهداف التنمية المستدامة، حيث يمكن استغلال الطاقة الانتاجية المتزايدة للقضاء على الفقر وتحسين مستوى التعليم والصحة.

لكن ماذا يعني ذلك للعراق؟ هل هذه الزيادة السكانية في سن العمل نعمة ام نقمة؟ تحمل الهبة الديموغرافية للعراق تحديات جسام وفرصا ضائعة، فبينما يمثل تدفق الشباب الى سوق العمل قوة عاملة ضخمة في دول الرفاهية، الا انه في العراق بغياب التخطيط الاستراتيجي والفرص الحقيقية وانتشار الفساد يحوله الى قنبلة موقوتة. فبدلا من ان يكونوا محركا للنمو الاقتصادي، يصبحون عبئا على الدولة اذا لم يتم توفير فرص عمل حقيقية تلائم قدراتهم.

فهل سيستغل العراق هذه الفرصة التاريخية لبناء اقتصاد مزدهر، ام سيدخل في دوامة من البطالة والفقر واستمرار الازمات الاقتصادية؟ الاجابة تكمن في مدى قدرة الحكومة على توفير البنية التحتية اللازمة، والاستثمار في التعليم والتدريب للشباب والقوى العاملة، وخلق بيئة جاذبة للاستثمار. فاذا استمرت الدولة في الاعتماد على الوظائف الحكومية كحل وحيد، فان الهبة الديموغرافية لن تؤدي الا الى تفاقم المشكلات الاقتصادية وزيادة الاعتماد على الدولة وتأجيج السخط الاجتماعي.

ان العراق اليوم يقف عند مفترق طرق، اما ان يستثمر في شبابه ويحولهم الى قوة انتاجية، او ان يدفعهم الى الهامش ويضيع طاقاتهم. واما ان يتم القضاء على الفساد والمفسدين، او تظل الهبة الديموغرافية فرصة ضائعة الخيار، يعود ذلك الى صناع القرار، فهل سيختارون بناء مستقبل مشرق لشعبهم، ام سيتركونهم يعانون من الخدمات السيئة والبنية التحتية المتردية، وتستمر البلاد في التدهور الاقتصادي والاجتماعي؟

***

ا. د. محمد الربيعي

بروفسور ومستشار علمي

الدين ليس سياسةً.. والسياسة ليست ديناً. القرآن الكريم أول من اشار الى هذا التوجه في المجتمع باعتبار اعتماد نص الشورى في الحكم بين الناس، لكنهم هم أول من أهمل تطبيق النص حين اعتبر المعترضين من أهل الشورى زنادقة مرتدين عن الدين، من واجب المسلمين اجتثاثهم باسم حركة الردة في بداية الخلافة ونهايتها باسم الخوارج المطالبين بالتحكيم. من وجهة نظري كباحث تاريخي أعتقد ان هذا مخالف للنص القرآني جملة وتفصيلاً. كل هذا حدث من اجل السلطة لا الدين.

ومن هنا بدأ النقض لقوانين الاسلام.

حمورابي البابلي اول من دون القوانين.. في قانونه المكون من 282 مادة قانونية ملزمة.. والبابليون أول من ألتزم بتطبيق القوانين. ومن خالف التطبيق تعرض لمحاكمة القانون وليس لقتله. هنا البابليون طبقوا النص افضل من المسلمين.

الاسلام لم يكن بدعة عربية، بل جاء بنص واضح متين لضمان حقوق الناس في العدالة بينهم.. نص لم يذكر حتى في القوانين الحضارية السابقة.. وهو "أعدلوا ولو كان ذا قربى" "وهذا صراطي مستقيما فلا تتبعوا السبل فتفرق بكم.. الانعام 151-153. لكنهم اول من اهملوه دون التزام وتطبيق.

لذا من مسودات كتابة القيم وتطبيقها الناقص عند الخلافة الاولى بدأ أصول الضعف عند المسلمين.. الذي أدى بهم الى تحويل مسار الحقوق للخطأ باختراع كلمة الردة في الاسلام والتي لا وجود لها في القران.. "حين قالوا من أرتد عن دينه فاقتتلوه".. بينما القرآن يقول: "من شاء منكم فليؤمن، ومن شاء فليكفر، انا أعتدنا للظالمين نارا ولم يقل للكافرين. الكهف آية 29.

من هنا نشأت عوامل تقهقر الأمة وسر ضعفها، من قادتها وو عاظهم الذين برروا لها الاستسلام للطغيان والتفتيت، مستندين الى نظرية الجبر وسلب الاختيار، والقبول برأي الفاسد في تفسير فقه الأحكام الملزمة للتطبيق. هنا بنيت شخصية الامة على الضعف بالقوة.. فامراضنا الحالية هي وليدة الماضي الخاطىء المغلف بالمقدس من اجل حقوق السلطة لا المواطن ولا حتى الدين.. علما ان لا مقدس سوى الله.

وحين تركزت هذه المبادىء الجائرة، والأصول المصطنعة في وجدان الأمة أصبح من السهل مقاومة الفئات الاخرى الخارجة على السلطان وتصفيتها باالقوة، والمعارضة للخروج على النص كمافي تصفية ثوار تشرين.. لذا من هنا بدأت تنهزم ثورات العدالة المدعوم بالفقه الزائف امام قوة الدولة. حتى الفكر الجائر القديم اصبح اليوم لا يلائم منهج البحث المعاصر لضمان موضوعية النص في التطبيق.

ليس لأمة ان تتحرك وتنهض بدون قضية محركة، وقيم معينة لتنتقل من الخرافة الى العقل.. نحن نحتاج الى اساتذة جامعيين من ذوي الكفاءة والمقدرة والوطنية المتوغلة في قراءة وتطبيق النصوص لدراسة ظاهرة الانتقال.. هؤلاء الافذاذ هم الذين عليهم واجب معرفة سر الازمة والضعف والتردد لوضع الحلول. فهل يشكل العامل التاريخي احد عوامل الضعف والقوة اعتقد... نعم.

 لذا لابد من دراسة المعتقدات والرموز الدينية واقامة الشعائر وفق نظريات الافكار(الآيدلوجيا) العلم الذي يعالج تقويم الافكار وما يتصل بالقيم الانسانية والمعتقدات الفكرية والتقدم.. لا اراء مشايخ الدين الميتة وغيرها لتدارك الخطأ. وخاصة الخلافات المجتمعية والدينية والمذهبية المبتكرة خطئاً من الفقهاء لتفادي الصراعات الدموية المستمرة لاتفه الاسباب.

ولمعالجة تزوير الحقائق بدعوى وحدة الكلمة التي فرضوها علينا في غفلة الزمن. لذا فالقضية ليست تقليدا للجديد.. بل ابداع وخلق ثقة جديدة في النفوس لمجابهة المستحيل في حل المشكلات. بعيدا عن المداهنة واللين وشعرة معاوية لابعاد نظرية سلوكية الحاكم في التطبيق والغاء خطوط التبرير والارجاء وضياع الحق بالتقادم.

من هنا لابد من التعامل مع الواقع والوقائع والخضوع لها بدافع الدين لان بانتهاء عهد الخلافة الاسلامية الفاشلة اصبح النص الديني لا يشكل المعيار الوحيد للسسلوك السياسي بل، القدوة والعلم والصلاح هي التي تؤدي الى قيام القانون والغاء الشرعية التي انتهى دورها اليوم ليحل محلها القانون في حقوق المرآة والمواريث. فلامدينة مقدسة ولا امام مقدس ولامقدس في الدين سوى الله ولاغير.

بعد ان ركزت مؤسسة الدين الفاشلة باذهان الناس ان الحاكم الظالم افضل من انعدامه.. سقطت شرعية الحقوق للمواطنين. وبدأ عصر جديد هو عصر السلطة لا الدين. فكان ظهور تيار الارجاء الانتهازي نموذجا لتأسيس خط الضعف وضياع الحق بالتقادم متناسين ان طريق العدل والمبادىء هو وحده يضمن للمجتمع أستعادة التوازن والثقة حتى لو ادى الى تضحيات جسام وهذا ما رأيناه في ثورة تشرين19 التي نادت( نريد وطناً)..

والخطوة التي تلتها هي ظهور الكتلة الساكتة لاستقرار الحكم العضوض الذي اعلنته الدولة الاموية فتوقف الاجتهاد واصبح الفكر والتجديد في دائرة الانغلاق. مستندين الى آيات قرآنية فسروها على هواهم مثل: وما تشاؤون الا ان يشاء اللهم متناسين قول الحق: وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.. ولا أكراه في الدين.. واخرى كثيرة.

الذي زاد من تفاقم الحالة الباطلة وفقدان الحقوق والتوجه الديني الصحيح عند المسلمين، هو ظهور نماذج من فكر الطاعة للحاكم من امثال الماوردي (ت450 للهجرة) باختراع جماعة اهل الحل والعقد دون معايير ويجري اختيارهم بطريقة غامضة على طريقة مجالس النواب العربية اليوم.

وظهور الفقيه الغزالي (المولود في 450 للهجرة) في قوله ان على الفقيه ان يعترف بالسلطة، لأن البديل هو الفوضى (الضرورات تبيح المحضورات ) وكأن اراد ان يقول ان الغاية تبرر الوسيلة). فأستقر الظلم والباطل دون اعتراض ولازال. خوفا من ان الديمقراطية الحقة تهدد عروش الطغيان.

وقد أكد الفقيه ابن تيمية (ت728 للهجرة) في كتابه السياسة الشرعية ان فصل الدين عن الدولة سيعني الفوضى وهذا يعني اتباع الحاكم حتى لو كان فاسقاً. ثم جاء الطرطوشي وابن الازرق وكاظم اليزدي النجفي الذي برر الاحتلال البريطاني للعراق كلهم على هذه الشاكلة التي ثبتت حكم الباطل في الدولة وحولت الاسلام الى خادم للسلطة لا هم خدمة للإسلام.

ومهما يكن الانطباع الذي يحاول ان يتركه الاخر ان الضعف اصبح هو الغالب في عقول الناس بالمقدس الذي لا يخترق. فكيف لأمة ان تخترق الصعاب والسيف مسلط على الرؤوس حتى اصبح المذهب مخالف للأخر، والسيف جزءً من رايتها الرسمية اليوم.

فعن اي دين يتحدثون.. ؟

***

د. عبد الجبار العبيدي

تواجه تركيا الواقعة على مفترق الشرق والغرب، عند تقاطع جنوب آسيا والشرق الأوسط وأوروبا، معدلات مرتفعة باستمرار للهجرة غير النظامية على مدى خمسة عشر عاماً الماضية. ومع تقدم طالبي اللجوء والمهاجرين الآخرين عادةً من الشرق إلى الغرب، فقد يقتربون من تركيا إما كدولة عبور أو وجهة. وسواء كان الأفراد يعتزمون في النهاية طلب اللجوء أو يبحثون عن فرص اقتصادية أو فرص أخرى، فإن الهجرة غير النظامية تشكل تحدياً لتركيا والدول الإقليمية الأخرى لرصدها والسيطرة عليها. يمكن أن تتخذ الحركة أشكالاً عديدة، بما في ذلك الدخول أو الإقامة أو العمل في بلد ما دون تصريح.

يأتي معظم المهاجرين غير النظاميين من أفغانستان أو سوريا. ويستخدم العديد من المهاجرين المهربين في مراحل مختلفة من رحلاتهم، مما قد يثري الجماعات الإجرامية أو المسلحة. مع زيادة إنفاذ القانون في شرق البحر الأبيض المتوسط، تطورت طرق الهجرة. يُنظر الآن إلى السيطرة على الهجرة غير النظامية باعتبارها مصدر قلق إقليمي يتطلب التعاون من كلا الصفتين.

 يفر معظم المهاجرين الذين يسافرون بشكل غير نظامي من مناطق الصراع في أفغانستان وسوريا إلى تركيا. وغالباً ما يفعل المهاجرون الذين يسافرون بدون تصريح ذلك بمساعدة المهربين، بما في ذلك الجماعات الإجرامية والمتمردين المرتبطين بأنشطة مثل الإتجار بالبشر والعمل القسري والإرهاب. ومن المعروف أن المهربين يساعدون المقاتلين الأجانب الذين دعموا المتطرفين وسعوا إلى العودة إلى بلدانهم الأصلية بعد الهزيمة الإقليمية لتنظيم الدولة الإسلامية في عام 2019. وقد أعربت السلطات التركية عن قلقها بشكل خاص بشأن كيفية تمكين التهريب لجماعات مثل حزب العمال الكردستاني (PKK)، الذي انخرط في هجمات واشتباكات مع الحكومة أسفرت عن مقتل الآلاف. إن حزب العمال الكردستاني وجماعات أخرى تحصل على مبالغ كبيرة من خلال تسهيل تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، فضلاً عن تهريب المخدرات والأسلحة، والابتزاز، والجرائم الأخرى. إن تجارة تهريب المهاجرين إلى تركيا ومنها إلى الاتحاد الأوروبي مربحة وخطيرة.

لقد ركزت الحكومة التركية بشكل كبير على مكافحة هذا النشاط. ومع زيادة إنفاذ القانون على طرق مختلفة، غالباً ما يحول المهربون عملياتهم ويستكشفون مسارات جديدة، مما يفرض تحديات جديدة على السلطات. في السنوات الأخيرة، سعت الحكومة إلى بناء حواجز حدودية ووقف الهجرة غير النظامية. وفي حين تم ذلك في بعض الأحيان بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي، إلا أن إدارة قضية الهجرة كانت في لحظات مختلفة أيضاً نقطة خلاف بين القادة الأتراك وقادة الاتحاد الأوروبي.

اتجاهات واستجابات الهجرة غير النظامية

تستضيف تركيا أكبر عدد من اللاجئين في العالم، بما في ذلك حوالي 3.2 مليون سوري يستفيدون من الحماية المؤقتة. في الوقت نفسه، تباينت الهجرة غير النظامية في السنوات الأخيرة ووصلت إلى أعلى مستوى لها عند نحو 455 ألف حالة اعتقال من قبل السلطات التركية في عام 2019، قبل أن تنخفض مؤقتاً أثناء جائحة كوفيد-19. وعلى مدى العقد ونصف الماضي، كان أكثر من نصف حالات الاعتقال من المهاجرين من أفغانستان (ما يقرب من 732 ألفاً، أو 35% من إجمالي 2.1 مليون حالة اعتقال خلال الفترة 2014-2023) أو سوريا (453 ألفاً، أو 22%). وتشمل مجموعات المهاجرين الأخرى العراقيين، والفلسطينيين، والتركمان، والأوزباكستانيين، والمغاربة. (المصدر: وزارة الداخلية التركية، رئاسة إدارة الهجرة، تم التحديث في 1 أغسطس 2024، متاح على الإنترنت)

تقع مسؤولية إنفاذ قوانين الهجرة ومراقبة الحدود في تركيا على عاتق وزارة الداخلية. وتشمل الواجبات الرسمية لرئاسة إدارة الهجرة التابعة للوزارة إنشاء سياسة استباقية لإدارة الهجرة تأخذ في الاعتبار حقوق الإنسان والحريات، والامتثال للمعايير الدولية، ومراجعة جهود إدارة الهجرة. وفي إطار رئاسة إدارة الهجرة، تكون المديرية العامة لمكافحة الهجرة غير النظامية وشؤون الإبعاد مسؤولة عن إجراء العمل المتعلق بالهجرة غير النظامية، وضمان التنسيق بين وحدات إنفاذ القانون والمؤسسات الأخرى المشاركة في مكافحة الهجرة غير النظامية، ومراقبة التنفيذ، وتنفيذ اتفاقيات إعادة القبول التي تعد تركيا طرفاً فيها، بما في ذلك اتفاقية رئيسية مع الاتحاد الأوروبي تهدف إلى منع الهجرة غير النظامية. وكجزء من الاتفاقية، التي تم توقيعها لأول مرة في عام 2016، يتم تسليم المهاجرين الذين يتم القبض عليهم وهم يدخلون بشكل غير نظامي أراضي الاتحاد الأوروبي من تركيا إلى السلطات التركية، وفي المقابل، تقبل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي معاملة مماثلة.

وقد وافقت تركيا على استقبال عدد كبير من اللاجئين السوريين، مقابل توفير مليارات اليورو من الاتحاد الأوروبي في شكل دعم إنساني كجزء من مبدأ "تقاسم الأعباء"، واتفقت على العمل نحو نظام دخول بدون تأشيرة للمواطنين الأتراك المسافرين لفترات قصيرة (ولم يتم سن هذا الإعفاء من التأشيرة بعد).

وقد قامت السلطات التركية بتثبيت مجموعة من التدابير الأمنية المادية والتكنولوجية على طول الحدود. ويشمل ذلك جدار بارتفاع ثلاثة أمتار على طول معظم حدود البلاد مع سوريا وإيران، فضلاً عن الأبراج والألواح عالية الأمان والأسوار السلكية والكاميرات الإلكترونية وأجهزة الاستشعار. (كما أقامت بلغاريا واليونان حواجز على طول حدودهما مع تركيا). وتهدف هذه الجهود، التي تستهدف الحدود البرية والبحرية، إلى الكشف عن الأنشطة الإرهابية المحتملة، ومكافحة التهريب من جميع الأنواع، ومنع العبور غير المصرح به.

الجماعات الإجرامية وتهريب المهاجرين

يهرب العديد من المهاجرين الذين يسافرون بشكل غير قانوني إلى تركيا من مناطق الحرب ويحاولون إنقاذ حياتهم. في طريقهم، قد يواجه المهاجرون منظمات إجرامية ومهربي مهاجرين ويصبحون عرضة للاختطاف أو أشكال أخرى من الإساءة. وفقاً لـ "يوروبول" Europol (وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في مجال إنفاذ القانون) فإن 90% من المهاجرين غير النظاميين الذين يصلون إلى الاتحاد الأوروبي عبر أي طريق يفعلون ذلك بمساعدة المهربين. تقدم هذه الجماعات الإجرامية للمهاجرين مجموعة واسعة من الخدمات، بما في ذلك النقل والإقامة والوثائق المزيفة. ويمكن أن تكون الممارسة مربحة للغاية، حيث تصل الأرباح السنوية المقدرة عالمياً إلى 6 مليارات يورو في السنوات الأخيرة. يشتبه اليوروبول في أن أرباح التهريب قد تتضاعف حتى ثلاث مرات في المستقبل. يجد العديد من المهاجرين المهربين ويتواصلون معهم عبر تطبيقات الهواتف الذكية وخدمات الرسائل، مما يوضح الجانب المظلم لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وقدرتها على تمكين الجرائم ووضع المهاجرين في مواقف هشة.

تتنوع طرق تهريب المهاجرين وتتنوع باستمرار وتتغير استجابة لحملات إنفاذ القانون. من بين أولويات اليوروبول للفترة 2022-2025 مكافحة الشبكات الإجرامية المتورطة في تسهيل المهاجرين غير النظاميين عبر طرق الهجرة الرئيسية التي تعبر الحدود الخارجية للكتلة وكذلك الحركات الثانوية داخل الاتحاد الأوروبي.

إن تهريب المهاجرين يشكل مصدر قلق خاص في تركيا، نظراً لموقعها الجغرافي على طول الطريق من آسيا إلى الاتحاد الأوروبي. وهذا يخلق احتمال تحقيق عائدات كبيرة للجماعات والمنظمات الإجرامية مثل حزب العمال الكردستاني، الذي صنفته الحكومة التركية والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على أنه إرهابي. ويقال إن حزب العمال الكردستاني حصل على مئات الملايين من الدولارات سنوياً من أنشطة تهريب البشر في السنوات الأخيرة. ونظراً للأرباح المتاحة من خلال هذه الأنشطة غير القانونية، تتجه المنظمات بشكل متزايد إليها لدعم أنشطتها. وعلاوة على ذلك، يمكن أن يصبح المهاجرون القسريون الذين يسافرون بشكل غير منتظم عرضة للاستغلال أثناء مرورهم عبر مناطق غير خاضعة للرقابة حيث لا توجد سلطات أو حيث لا يتم تنفيذ الأطر القانونية بشكل كامل، كما هو الحال في شمال العراق وشمال سوريا.

وقد يواجه العديد منهم - أو حتى يتم إقناعهم أو إرغامهم على المشاركة - في أنشطة غير قانونية مثل الاتجار بالمخدرات أو الأسلحة التي تقوم بها نفس الجماعات الإجرامية والإرهابية. ولهذه الأسباب، يمكن أن يكون تهريب المهاجرين بمثابة بوابة لسلسلة من الأنشطة غير القانونية الأخرى. وكثيراً ما توظف شبكات تهريب البشر أفراداً يعملون في مراحل مختلفة لتقديم خدمات مختلفة للمهاجرين. على سبيل المثال، قد يكون أحد المهربين مسؤولاً عن العمل مع المهاجرين لعبور الحدود بشكل غير قانوني، وآخر لنقلهم داخل البلاد دون اكتشافهم، وآخر لتأمين سكن محلي، وآخر لنقلهم خارج البلاد وما بعدها.

تعد مناطق الحدود الشرقية والجنوبية الشرقية في الأناضول طرق عبور رئيسية لتهريب المهاجرين بسبب الظروف الجغرافية التي يصعب السيطرة عليها والتي تشمل سلاسل الجبال والمساحات الريفية الطويلة. وتزداد التضاريس الصعبة والمناخ القاسي - مع الصيف الحار والجاف والشتاء البارد والثلجي - تعقيداً بسبب وجود مجموعات مثل حزب العمال الكردستاني والشركات التابعة له. وتتحد هذه العوامل لتجعل مكافحة تهريب المهاجرين في هذه المنطقة صعبة للغاية. بالإضافة إلى ذلك، فإن نقاط الضعف في أمن الحدود والاضطرابات الداخلية والصراع في البلدان المجاورة مثل سوريا والعراق هي عوامل مهمة أخرى تعقد جهود أمن الحدود التركية. في العام الماضي، ألقت السلطات التركية القبض على ما يقرب من 10500 مهرب مهاجرين، وهو رقم قياسي. (المصدر: وزارة الداخلية التركية، رئاسة إدارة الهجرة).

أدوار المهربين

توضح المقابلات التي أجرتها السلطات التركية مع المهاجرين غير النظاميين الدور الذي يمكن أن يلعبه المهربون في كل خطوة تقريباً من خطوات هجرة الفرد غير النظامية إلى تركيا، وإذا نجحوا، إلى أوروبا. على سبيل المثال، رجل أفغاني يبلغ من العمر 24 عاماً يعيش في إيران قرر الرجل التوجه إلى اليونان مع زوجته نظرا للصعوبات المالية المستمرة التي يواجهانها. وفي أبريل/نيسان 2017، التقى الزوجان بمهرب قال له إنه يستطيع أن يأخذهما إلى مدينة "ماكو"Maku في شمال غرب إيران مقابل 1300 تومان (حوالي 275 يورو) للشخص الواحد. وفي وقت لاحق، نُقِل الزوجان الأفغانيان إلى الحدود التركية، حيث التقت بهما مجموعة جديدة من المهربين. وسار الزوجان لمدة إحدى عشر ساعة طوال الليل عبر الجبال المغطاة بالثلوج والمنحدرات الشديدة. ثم نُقِل الزوجان إلى مقاطعة "فان" Van الحدودية التركية واستقلا حافلة إلى أنقرة Ankara. وبمجرد وصولهما إلى العاصمة، وجدا مهرباً آخر من الجنسية الأفغانية، ليأخذهما إلى اليونان مقابل 1500 دولار أمريكي (حوالي 1350 يورو) للشخص الواحد. واشترى المهرب الجديد تذاكر حافلة من أنقرة إلى مدينة "إزمير" Izmir الساحلية الغربية، حيث ألقت قوات إنفاذ القانون القبض على الزوجين.

رجل آخر، سوري، طلب من زوجة عمه الترتيب مع مهرب لعبور الحدود إلى تركيا مقابل 2000 دولار أميركي (حوالي 1800 يورو) للشخص الواحد من أجل الهروب من الصراع في سوريا. عبر الرجل وعائلته كجزء من مجموعة مكونة من خمسة عشر شخصاً، عند قسم من السياج الحدودي الذي قطعه المهرب في وقت سابق. وبمجرد وصولهم إلى تركيا، تم نقلهم إلى قرية في مركبات رتبها المهرب، حيث تم إنزالهم في منزل عائلة تركية. ابتز صاحب المنزل المهاجرين، ولوح بعصاه وصرخ، "أولئك الذين يدفعون يمكنهم المغادرة من هنا؛ ولا يمكن للبقية أن يخطوا خطوة واحدة خارج المنزل". اتصل الرجل السوري بشقيقه المقيم في تركيا، وأخبره أن العائلة قد تم أخذها كرهائن، وطلب الإنقاذ.

ديناميكيات متغيرة على طول طريق شرق البحر الأبيض المتوسط

يعد شرق البحر الأبيض المتوسط طريق هجرة قديم جداً يُستخدم للعبور من تركيا إلى أوروبا. يتضمن هذا الطريق بشكل أساسي الهجرة البحرية إلى اليونان، على الرغم من أن بعض المهاجرين يعبرون براً إلى بلغاريا. خلال أزمة الهجرة واللاجئين الأوروبية في عامي 2015 و2016، كان هذا هو الطريق البحري الأساسي، الذي وصل من خلاله حوالي مليون طالب لجوء ومهاجرين آخرين إلى أوروبا. ويستخدم هذا الطريق إلى حد كبير الأشخاص الفارين من الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وخاصة الأفغان، والعراقيين، والسوريين، على الرغم من أن عدداً ملحوظاً من الأفارقة استخدموه مؤخراً. وحتى الآن في عام 2024، كان المصريون، والإريتريون من بين أكثر خمس مجموعات جنسية مهاجرة شيوعاً، وفقاً للمفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. قد ينتقل المهاجرون غير النظاميين الذين يصلون إلى اليونان لاحقاً إلى عمق أوروبا، نحو دول مثل ألمانيا، وإيطاليا، وهولندا، والمملكة المتحدة. وبمساعدة المهربين، يمكن للمهاجرين الذين يستخدمون القوارب السريعة عبور "بحر إيجه" Aegean إلى الجزر اليونانية - بما في ذلك "ليسفوس" Lesvos و"إيفروس" Evros و"ساموس" Evros- في حوالي نصف ساعة.

مع اتهام خفر السواحل اليوناني بدفع قوارب مليئة بالمهاجرين خارج المياه الإقليمية اليونانية وإعادتها إلى المياه التركية، غير العديد من المهاجرين غير النظاميين مسارهم لتجاوز اليونان والتوجه مباشرة إلى البر الرئيسي في إيطاليا عبر قوارب كبيرة من الساحل التركي. يستغرق هذا الطريق الخطير حوالي ثلاثة أيام، ومن ثم يستخدم المهربون قوارب شراعية أو سفن صيد أكبر.

يتضمن مسار آخر السفر من لبنان، وسوريا، والساحل الجنوبي لتركيا إلى نقاط مختلفة في قبرص في قوارب مطاطية على شكل "زودياك" Zodiac يمكنها حمل 15-20 شخصاً. من قبرص، قد يسافر المهاجرون في مجموعات من 100-200 في قوارب أكبر نحو إيطاليا. إن المهربين يتقاضون عادة ما بين 2500 و3000 يورو مقابل رحلة من تركيا إلى جزيرة قبرص. وإذا كان الطريق أطول، مثل الرحلة المباشرة إلى إيطاليا، أو إذا كان يشمل خدمة كبار الشخصيات مع ثلاثة إلى خمسة أشخاص في قارب شراعي حديث، فقد يزيد السعر. وتختلف الرسوم حسب الطريق والموقف وظروف الطقس وخطورة مسار الهجرة.

التعاون في قلب السيطرة على الهجرة

لقد تطورت السيطرة على الهجرة غير النظامية ومكافحة تهريب المهاجرين إلى ما هو أبعد من القضايا التي تؤثر على بلد واحد أو بلدين فقط وأصبحت الآن مسائل خطيرة تعترف الحكومات بضرورة معالجتها دوليا وجماعيا. إن العلاقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي هي دليل على هذه الشبكة المعقدة من الاعتماد، والتي يمكن أن تكون مثيرة للجدال في بعض الأحيان. وفي حين أن مكاسب الاتحاد الأوروبي واضحة - الحد من حركة المهاجرين العفويين - فإن دعم الاتحاد الأوروبي يمكن أن يساعد في تعزيز قدرات السلطات التركية وتخفيف بعض العبء الكبير الذي وقع عليها، وردع المهاجرين عن المرور عبر تركيا بشكل غير نظامي، وبالتالي حرمان المنظمات الإرهابية من مصدر للإيرادات. ومن بين الوسائل التي يمكن من خلالها تقديم هذا الدعم خطة عمل الاتحاد الأوروبي لطريق شرق البحر الأبيض المتوسط، والتي تشكل جزءاً من نهج أوسع نطاقاً للمساعدة في تخفيف الضغوط على الدول الأعضاء. وتركز الخطة على منع المغادرات غير النظامية، ومكافحة التهريب، وتعزيز التعاون بين بلدان الاتحاد الأوروبي.

إن تعزيز إدارة الحدود، وزيادة التعاون بشأن العودة وإعادة القبول، وضمان إدارة الهجرة الفعّالة، وتحسين إجراءات اللجوء، وتوفير قدرات الاستقبال الكافية، وضمان مسارات الهجرة القانونية. وكجزء من هذا الجهد، ركز الاتحاد الأوروبي على الحفاظ على التعاون مع تركيا لمكافحة تهريب المهاجرين ودعم مشروع الشراكة العملياتية المشتركة الجديد (SCOPE II) الذي يهدف إلى التعاون العملي في إنفاذ القانون والتعاون القضائي مع السلطات التركية. كما يساعد الاتحاد الأوروبي في تنفيذ استراتيجية إدارة الحدود المتكاملة في تركيا، والتي تهدف إلى إنشاء نظام يتميز بالتعاون بين المؤسسات والدول لتسهيل التجارة والمرور عبر حدودها.

هل يمكن السيطرة على الهجرة؟

قطعاً لا. ستظل الهجرة غير النظامية إلى تركيا ومنها إلى الاتحاد الأوروبي تشكل تحدياً. وكان ما يقرب من 41600 مهاجر وصلوا بشكل غير نظامي إلى اليونان العام الماضي ثاني أكبر عدد منذ عام 2016، مما يشير إلى أن أي انخفاض مؤقت في العبور خلال جائحة كوفيد-19 قد انتهى. وفي السنوات القادمة، من المرجح أن يستمر الأفغان والسوريون في تشكيل أكبر مجموعات من طالبي اللجوء وغيرهم من المهاجرين غير النظاميين الذين يسافرون عبر طريق شرق البحر الأبيض المتوسط. إن المهاجرين غير النظاميين في شرق البحر الأبيض المتوسط يواجهون ضغوطاً اقتصادية وأمنية مختلفة، سواء في بلدانهم أو في بلدان ثالثة حيث استقر العديد من النازحين مؤقتاً، بما في ذلك إيران، ولبنان، وباكستان. كما ستظل الهجرة غير النظامية في شرق البحر الأبيض المتوسط تتأثر بالعوامل الجيوسياسية بما في ذلك التوترات والصراعات المستمرة في المناطق المجاورة، فضلاً عن الركود الاقتصادي. إن العواقب المتصاعدة للحرب في غزة، وتكثيف الحرب الخفية بين إسرائيل وإيران، والتحديات الاقتصادية الإقليمية وعدم اليقين في أعقاب الوباء، والضغوط المتزايدة من إيران وباكستان لطرد الأفغان، كلها عوامل رئيسية يمكن أن تزيد من حركة العبور في شرق البحر الأبيض المتوسط. إن وجود المزيد من المهاجرين الذين يمرون عبر هذا الطريق يمكن أن يزيد من المخاوف بشأن الأفراد المرتبطين بالمنظمات الإرهابية وقد يشجع المجرمين والشبكات الأخرى التي تعمل في الخفاء.

وستظل الشراكات المستمرة حاسمة للحد من الهجرة غير النظامية. ومع تزايد عمليات مراقبة الحدود في غرب البلقان وشرق البحر الأبيض المتوسط ــ مثل من خلال الميثاق الجديد للهجرة واللجوء الذي وضعه الاتحاد الأوروبي، والذي يهدف إلى تسريع عودة الأفراد الذين رُفِضت طلبات لجوئهم ــ سيواصل المهاجرون غير النظاميين البحث عن طرق سفر بديلة، بما في ذلك عبر قبرص أو إلى البر الرئيسي في إيطاليا. وقد يستغل المهربون هذا الوضع، بما في ذلك من خلال عرض المرور عبر طرق جديدة، ووثائق سفر مزورة، ووسائل نقل، وبالتالي المساهمة في الاختلافات في الهجرة الإقليمية غير النظامية.

إن السيطرة على الهجرة غير النظامية ووقف تهريب المهاجرين من بين أهم أولويات السياسة بالنسبة لتركيا والاتحاد الأوروبي. ويشير الدور المتزايد الذي تلعبه الاتصالات الرقمية في الهجرة غير المشروعة إلى وجود حاجة إلى إجراء بحث مكثف حول الكيفية التي يمكن بها لهذه التقنيات الرقمية تسهيل دخول المهاجرين والمهربين وخروجهم. وقد تحولت الهجرة الدولية بسرعة إلى رقمية مع تقدم التكنولوجيا، وأصبحت المنصات الرقمية الجديدة أدوات أساسية للمهاجرين. وكان المهاجرون يستخدمون تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لجمع المعلومات والمشورة في الوقت الحقيقي أثناء رحلاتهم ــ وهو تطور مثير للاهتمام ومثير للقلق. وبالإضافة إلى تسهيل السفر غير النظامي، يمكن استخدام هذه التقنيات أيضًا لنشر معلومات مضللة وشائعات خطيرة يمكن أن تترك المهاجرين عالقين أو يعتمدون على المهربين المبتزين. تشير التطورات الجديدة إلى الحاجة إلى مكافحة الهجرة غير النظامية ليس فقط شخصياً، ولكن في المجال الرقمي أيضاً. وباعتبارها دولة على الخطوط الأمامية للهجرة غير النظامية، ستواصل تركيا تطوير جهودها لمكافحة هذه الحركة غير النظامية.

تجارة مزدهرة

رصدت دراسة جديدة أجراها مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة ثلاثين مساراً رئيسياً وفرعياً لتهريب المهاجرين غير النظاميين في مختلف أرجاء المعمور. وتشير الدراسة الأممية إلى أنه في العام 2023 جرى تهريب 2.3 مليون مهاجر، وجنى المهربون من وراء ذلك ما بين 5.5 و7 مليارات دولار.

رسوم التهريب عبر المسارات

1ـ من النيبال والهند إلى الولايات المتحدة (جوا): يدفع المهاجر ما بين 27 و47 ألف دولار.

2ـ من الهند إلى أوروبا (جوا): ما بين 15 و30 ألف دولار.

3ـ من أفغانستان إلى أوروبا الغربية (جوا): ما بين 10 و15 ألف دولار.

4ـ من أفغانستان إلى أوروبا الغربية (برا): نحو 10 آلاف دولار.

5ـ من باكستان إلى أوروبا الغربية (جوا): ما بين 12 و18 ألف دولار.

6ـ من فيتنام إلى أوروبا الغربية (جوا وبرا): ما بين 7 و15 ألف دولار.

7ـ من أميركا الوسطى إلى الولايات المتحدة مرورا بالمكسيك (برا): ما بين 4 و15 ألف دولار.

 8ـ من باكستان إلى أوروبا الغربية (برا): ما بين 3000 و8000 دولار.

9ـ من السواحل التركية إلى الجزر اليونانية (بحرا): ما بين 1000 و8000 دولار.

 10ـ من فرنسا إلى المملكة المتحدة (بحرا أو برا عبر نفق المانش): ما بين 5000 و7500 دولار.

11ـ من المكسيك إلى الولايات المتحدة (برا): نحو 5000 دولار.

12ـ من إرتيريا والسودان وإثيوبيا إلى ليبيا (برا): نحو 4000 دولار.

13ـ من دول القرن الأفريقي إلى جنوب أفريقيا (برا وأحيانا بحرا): ما بين 3000 و3500 دولار.

14ـ  من الصومال والسودان عبر مصر وليبيا (برا): ما بين 2000 و3500 دولار.

15ـ  من مدينة أغاديس غربي النيجر إلى سواحل ليبيا (برا): ما بين 2000 و3000 دولار.

16ـ  من ليبيا إلى إيطاليا (بحرا): ما بين 500 و2500 دولار.

17ـ  من مالطا إلى إيطاليا (مسار ثانوي للتهريب بحرا): نحو 1100 دولار.

18ـ  من إثيوبيا إلى السعودية عبر مدينة بوصاصو بالصومال (برا ثم بحرا ثم برا): 900 دولار.

19 - من إثيوبيا إلى السعودية عبر منطقة أبوك بجيبوتي (برا ثم بحرا ثم برا): 850 دولارا.

20ـ  من أغاديس إلى منطقة سبها في أقصى الجنوب الليبي (برا): بين 100 و300 دولار.

21ـ من بوصاصو الصومالية إلى اليمن (بحرا): ما بين 120 و150 دولارا.

 22ـ من أبوك بجيبوتي إلى اليمن (بحرا): ما بين 60 و200 دولار.

الجدير بالذكر أن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة استقى الأرقام المرتبطة بما يدفعه المهاجرون للمهربين من دراسات متعددة أجراها المكتب نفسه، أو من مراكز دولية متخصصة في أبحاث الهجرة، أو المفوضية الأوروبية، أو المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، أو صندوق الأمم المتحدة للطفولة، ومؤسسات أخرى.

المسارات الكبرى

تتحدث دراسة المنظمة الأممية عن ثماني مسارات كبرى لتهريب المهاجرين في العالم، وهي:

1ـ  من أميركا الوسطى إلى أميركا الشمالية: جنى المهربون في هذا المسار ما بين 3.7 و4.2 مليارات دولار في كل من عامي 2014 و2015، وجرى نقل ما بين 735 و820 ألف مهاجر سنويا.

2 ـ  من غرب أفريقيا إلى شمالها وصولا إلى أوروبا: جنى المهربون ما بين 760 مليونا وأكثر من مليار دولار في 2016، وتم تهريب 380 ألف مهاجر.

3ـ عبر البحر المتوسط من أفريقيا إلى أوروبا: جنى المهربون ما بين 320 و550 مليون دولار في 2016، وجرى تهريب نحو 375 ألف مهاجر.

4 ـ  من القرن الأفريقي عبر شمال القارة إلى أوروبا: حققت شبكات التهريب ما بين 300 و500 مليون دولار بين عامي 2013 و2015، وجرى فيها تهريب 100 ألف شخص.

 5ـ  من غرب وجنوب آسيا إلى أوروبا (العراق وسوريا أساسا): جنى المهربون نحو 300 مليون دولار عام 2016 بعدما نقلوا 162 ألف مهاجر.

6ـ من ميكونغ في جنوب شرقي آسيا إلى أوروبا وأميركا الشمالية: حقق المهربون عام 2009 نحو 192 مليون دولار وهربوا 550 ألف مهاجر.

7ـ إلى دولة جنوب أفريقيا: حقق المهربون بين عامي 2013 و2016 أكثر من 45 مليون دولار سنويا، ونقلوا 25 ألف مهاجر كل عام.

8ـ من القرن الأفريقي إلى اليمن (بحرا): جنى المهربون عام 2016 ما بين 9 و22 مليون دولار، ونقلوا 117 ألف مهاجر.

***

د. حسن العاصي

أكاديمي وباحث في الأنثروبولوجيا

تعلن الوطن كونيه العراقية عن اقتراب "يوم القيامه" ونهاية الزمن الارضوي من التاريخ البشري، انما بالصيغة النهائية المكتمله بعد تلك الاولى  التي اعلنت في حينه مقررة نهاية الحياة على كوكب الارض،  مع الاختلاف الجوهري في المقصد والوسائل والدلالات، اليوم ياتي النداء متزامنا  مع الاعلان عن نهاية المجتمعية الارضوية، تلك التي  ظلت سائدة وغالبة على مدى التاريخ اليدوي، الى ان حلت لحظة الانتقال الكبرى الاليه،  ومعها انتهى تاريخ  وضرورة الوجود البشري على كوكب الارض، ما يعني التلازم بين الوسيلتين الانتاجيتين تتابعا، من الجسدوية الحاجاتيه، الى العقلية، فالانتقال الالي ليس كما ظل يقال ويفهم كانتقال من محطة الى محطة، ومن مرحله الى اخرى تشبهها مع اختلاف الوسائل، بل كانقلاب في النوع المجتمعي يحاكي الازدواج التكويني البشري، وسيرورة تشكله وترقيه عقليا.

 انتهى الجزء الارضي من التاريخ البشري باعتباره ضرورة انتقالية لازمه لاجل ترقي العقل  ووثوبه الوثبة الكبرى الثانيه، بعد تلك الاولى التي عرفها ابان تغير بنيته مع الانتصاب على قائمتين وتوفر اسباب النطقية واستعمال اليدين، وقد حضر شاخصا بعد ملايين السنين من الاختفاء تحت طائلة الغلبة الحيوانيه شبه المطلقة، ليذهب من يومها نحو ما يكرس استقلاليته بتخلصه من متبقيات الحامل الحيواني الجسدي وقد انتهت مهمته الطويلة،  وانقضى دوره مع وفي غمرة المحطة الاخيرة المجتمعية وتفاعليتها عبر  وقفتين، اولى يدويه، وثانيه اخيرة آليه/ تكنولوجيه عليا.

  هنا تدخل البشرية مالا عهد لها به مطلقا، ولم يسبق ان قاربته حتى تخيلا حين يتجسد ذلك بالاخص ممارسة وكموقف، هو من دون شك حضور لعالمين بينهما فاصل لايكاد بالامكان اختراقه، وحتى بالمقارنه بالتضاد السماوي الارضوي التعبيري الاول، فان الوضع الراهن يتعدى ما سبق من تباين واختلاف ارضوي غالب،  مقابل السماوي بصيغته النبوية الابراهيمية  الحدسية الاولى، ففي الماضي كانت السماوية تقول بالذهاب الى "العالم الاخر" بعد الموت ونهاية الجسد،  وهو ما يمكن افتراضه كاحتمالية غير وارد التثبت منها، في حين صار الانتقال اليوم حياة وحالا معاشا، يغدو اكثر فاكثر اجباريا، دونه الاختفاء من الوجود والفناء، هذا والوسيلة المتاحة القابلة للاستعمال لاثبات ماهو وشيك، " كتابيه" مفهومية من جنس ونوع النمطية الكونية اللاكيانوية واللاارضوية الموشكه على الحلول محل الارضوية، بمقابل كل عدتها ومتبقياتها المادية المنظوريه، مضافا لها  جملة ما قد تحقق للارضوية مع الالة من اسباب  القوة الفائقة، والشعور بالصوابيه المطلقه، ارتكاز للمتحقق من منجز متاخر.

"انتقال الى العالم الاخر  بلاموت" ياله من نداء افتراقي عن كل مامعتبر وجودا حيا كما تفترض النظرة البداهية الجسدوية، تلك التي تاخذ الجسد البشري على انه حقيقة نهائية غير مطروح ولا وارد تصور ذاتية بشرية من دونها، ما يجعل تخيل الاحتمالية التحولية مستحيلا، علما بان المطروح اليوم ومن هنا فصاعدا ليس بالقدر الجاهز، بقدر ماهو قناعة وفعل، فلا انتقال الى الاكوان  الاخرى اللامرئيية من دون تركيز للفعل والمجهود البشري خارج الجسدية، وبمنحى التخلي من هيمنتها الطويلة،  ذهابا الى تعزيز سلطة العقل على اعتباره اداة انتقالية غير  مدركة، ولا مقدر بعدها واثرها الاستثنائي المختلف كليا، ف  "العقل العقلي " هو غير "العقل الجسدي" الحالي المتعارف عليه، والمحكوم لممكنات الجسدية وشروطها، وعقل الخر وج من حكم الجسدية، هو قطعا وكليا غير العقل الحالي من حيث نوعية الادراكية الاعقالية، ولدينا هنا ما يمكن مقارنته مثلا بين العقل الذي كان موجودا ابان الطور الحيواني وطغيانه، مقارنه بالعقل بعد الانتصاب واستعمال اليدين والنطقية.

  انقلاب هائل لا يمكن للعقل الحالي تخيله، صارت متوفره أسباب انبثاقه ماديا وادراكيا ، هو بالاحرى المسار الطبيعي للانقلاب الالي بخلاف مايشاع عنه من توهمية قصورية تضعه بموقع التعاقبية الوراثية التبسيطيه مع الطور اليدوي، ومع الجمود الاولي الابتدائي من دون تحر عن احتمالية مختلفة لتلك المعروفه يدويا، مع ما ينطوي عليه اجمالي الموقف من الانقلابيه المستجده من نظر جاهز ومسبق، بلا انتظار للاحتمالية الواجبة الافتراض منطقا، بالاخص بناء لدخول عنصر اساس ضمن كينونة وديناميات الظاهرة المجتمعية، ومايتولد عن ذلك من اصطراعية بنيوية مجتمعية غير مسبوقة، مع نتائجها غير القابله للاستكناه ابتداء، علما بانها لحظة انقلابيه وبداية طور اخر مختلف.

 وكل طور بحسب نوعه له مقتضيات موافقه لطبيعته حتما، واذ تزول ممكنات الجسدية والاحتكام لها ولمتطلباتها وحدودها، فان محركات وموجبات الوجود والاستمرار تتغير بجملتها منقلبة هي الاخرى، الامر الذي يتكفل به مسار الاشياء وماينتظمها من قانون تفاعلي تاريخي، حري بان يتجاوز لحظة الالية اليدوية الاولى الاوربيه  منظورا ونموذجا، مع مايعتورها وتتسبب به من تهيئة للاسباب اللازمة والضرورية لبدء تغلب الانقلابيه الوجودية الثانيه، العقلية مكان الجسدية.

  تسود ابان الانقلابيه الاليه حالة تواز بين مسارين،  الارضوي الاوربي الالي التوهمي، يقابله اللاارضوي غيرالناطق  المابين نهريني، وبينما تمر اوربا بفترات التفاعلية الالية ابتداء من القرن السابع عشر،  تعرف ارض الرافدين بموازاتها ومقابلها الانبعاث الثالث الراهن الحالي المستمر من القرن السادس عشر في ذات ارض سومر الاولى، بعد الدورتين الاولى السومرية البابلية الابراهيمية، والثانيه العباسية القرمطية الانتظارية، وما فصل بينهما من انقطاع هو حكم القانون الناظم لتاريخ هذا الموضع الازدواجي من العالم ما بين الدورات، وبمقابل المتغيرات الاوربية الانقلابيه تظل منطقة الازدواج بلا نطقية، تمر بفترات تتعاقب بين  القبليّة بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، ثم الانتظارية النجفية بين القرن الثامن عشر والعشرين، وصولا الى الالية التوهمية الافنائية الاستعمارية، وقت يدخل الموضع اللاارضوي ساعة الاصطراع الافنائي بين طبيعته ونوعه النمطي الكوني المتعدي للكيانيه، والالية اليدوية الكيانوية التسلطية الاوربية نموذجا، حين يسود من وقته مفهوم "الوطنيه الايهامية"  العراقية الايديلوجية الويرلندية الاتباعية / التحررية بالمنظور المستعار الغربي الايهامي/ على مدى يفوق القرن، تظل النطقية الذاتيه "الوطن كونيه العراقية" ابانه غائبة، بينما النموذجية الغالبة التوهمية الاوربية تتجاوز مدى استمرارها، وتقارب  انتهاء الصلاحية بعد بدء افول النموذج الثاني المتغلب النهائي الاكبر بينها،  وممثلهاالامريكي المفقس خارج رحم التاريخ، عند محطة العولمه وتجاوز وسيله الانتاج للنموذج الكياني والانتاجية الارضوية.

  ـ يتبع ـ ملحق: ديناميات الانقلاب الالي اللاارضوي.

***

عبد الأمير الركابي

مَن لم يعرف حزب «الدَّعوة الإسلاميَّة»، قبل (2003) عرفه بعدها، كان ضمن مجلس آل الحكيم، ثم توزع على البلدان، أَّما فقيهه فظل بقّمّ، وهو صاحب (213) فتوى قتل أطفال وحوامل، وسطو على البنوك، حواها «دليل المجاهد»، لم يعط الحزب رأياً في لائحة فقيهه الإفتائيَّة، صاحب (12) مكتب بالعِراق.

ما زال اللَّغط في تاريخ الحزب، جماعة تعد التَّأسيس (1957)، وربطته بالمولد النّبويّ، بينما المؤسسون حددوه بـ(1959)؛ لذا تَمرُّ الذكرى باهتة، خالية مِن حقيقة المناسبة، فالحزب حتى الثمانينيات، وإعلانه الذوبان في قائد أجنبيّ، لم يصدر بياناً واحداً.

ظهر حزب «الدّعوة»، بالخارج، متشظياً إلى جماعات، بل بدأت الانشقاقات في الداخل بعد التأسيس بفترة وجيزة واستمرت، ويُحسب للدعوة، أنه كان ضد الحصار على العراق (1990-2003)؛ وكان هو والحزب الشيوعي العراقي مِن قوى المعارضة آنذاك، على خلاف «المؤتمر الوطني» (أحمد الجلبيّ)، كان متشدداً تجاه الحصار، بذريعة أنَّ النّظام يستفيد مِن رفعه.

كذلك جماعة مِن الدَّعوة، لم تر نظرية ولاية الفقيه على هذا الموقف، خالفت هذه الجماعة الآخرين، مِن الإسلاميين الشّيعة. بعدها جاءته رئاسة الوزراء، ولم يُقدم مَن يُشار إليه برجل دولة، بقدر ما أجادوا الاستحواذ على الوظائف بالنفوذ والمال العام، فقد يُجيد المعارضة أيَّ أحد، أما السُّلطة فهي الاختبار الأكبر.

كان المفروض، بعد التَّجربة، يبرز الدَّعوة عراقياً، لا طائفيَّاً، لكنه صار قطب الرَّحى للطائفيَّة. عاد أمينه ينادي بثنائية يزيد والحُسين، وعندما عُزل شبّه نفسه بعليَّ بن أبي طالب (اغتيل:40هج)، السُّلطة عنده، كما اعتبرها عليّ: «عفطة عنز» (نهج البلاغة)، بينما تأبط، مِن أجلها، اسم المختار الثقفيّ (قُتل: 67 هج)، لقبه: «مختار العصر»، والمختار لم يتردد مِن قتل أحد أبناء عليّ (الطَّبري، تاريخ الأُمم والملوك)، عندما خالفه.

لم يستفد «الدّعوة» مِن دروس المعارضة، ليخلع ثوب الطّائفيَّة المسموم، وهو في السُّلطة، فصار مسؤولاً عن كبائر، ومازال منتشياً ببناء سواتر طائفيّة جديدة، داعماً لقرار «الغدير» عيداً، لغرض كسب الجمهور الشّيعيّ، ببيان فاقدٍ للحكمة: «الغدير هو مناسبة للوحدة والمحبة، في ظل الرسالة الإلهية، وتحت خيمة الوطن الواحد» (مكتبه الإعلامي 22/5/ 2024).

كيف اعتبر «الدّعوة» احتفال الدَّولة بالغدير «خيمة الوطن»، بينما ملايين العراقيين، عرب وكُرد وتركمان، لا يقرون «الغدير» سياسياً! كيف يخص عموم المسلمين، وعندما رسموا المناسبة، علت الهتافات الوضيعة ضد رموز الآخرين؛ مع علمنا أنَّ مِن فقهاء الشِّيعة لم يحسموا اعتقادهم بالإمامة، لكن «الدَّعوة» يرقص بنغمة الطائفيّة عليها؛ وهذا نعتبره ذوباناً لا وطنياً آخر، بعد ذوبانه المشهور.

بعد «الغدير» تحرك «الدَّعوة» لفرض أحوال شّخصيّة كارثية على العراقيات؛ بإلغاء السن القانوي للزواج (18) عاماً، ويجوز لمن بلغت التاسعة، بل يجوز تملكها قبل ذلك، وإنقاص حضانة الأمّ، وربط النَّفقة بالاستمتاع، حسب الرَّسائل الفقهية المراد تطبيقها، فارتفعت أصوات العراقيات، ضد هذا التَّدبير.

جاء بيانه: «الحرية هي سمة أساسية مِن سمات العهد السياسي الجديد، حيث لم يشهد لها تاريخ العراق الحديث مثيلاً، وهي وليدة التَّضحيات السَّخية للعراقيين الأحرار من المكونات كافة، وقد جاء تعديل قانون الأحوال الشَّخصية ليرسخ حرية الإنسان العراقي»(30/7/2024).

لا ندري كيف يُنشأ حزب «الدعوة» بياناته، ما العلاقة بين إلغاء قانون وطني موحد، والحرية والتجديد؟ أمن أجل الظَّلاميَّة المعتمة كانت التَّضحيات؟!

قال الشّاعر الأمويّ حمزة بن بِيْض، متحدثاً إلى الوليد بن يزيد (قُتل: 126هج)، وقد وعد بإزالة ما تركه عمّه هشام بن عبد الملك(تـ: 125هجرية): «وصلتَ سماءَ الضّرِ بعدما/ زَعمتَ سماءَ الضّرِ عنَّا ستقلعُ/فليت هشاماً كان حياً يسوسنا/ وكنا كما كُنا نُرجِّي ونطمعُ(الأصفهانيّ، الأغاني). أقول: لو تُرك العراقيون يرجّونَ نظاماً جديداً، أفضل، ألف مرة، مِن العودة بهم إلى الوراء، بأكاذيب الحرية والوطنيَّة، مثلما هي بيانات الدَّعوة الدعائيَّة.

***

رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

عزيزي القارئ في ظلّ الظروف التي يعيشها العالم والحرب القائمة بين فلسطين والكيان المحتل، أريد أن أحدثك قليلاً عن تاريخ فلسطين، لا ليس التاريخ الذي يجول بخاطرك الآن بينما تقرأ هذه السطور، بل التاريخ المخفي والذي لا يعلمه إلا القلّة، وأكاد أجزم أنك لم تعر اهتماماً بالغاً للقضية إلا بعد أحداث حي الشيخ جرّاح سنة 2021 أو أحداث السابع من أكتوبر 2024.

حسناً قبل كل شي أريدك أن تتجرد من كل الماديات المعيقة لسفرنا، فأنت ستذهب معي في رحلة زمنية روحية لمعرفة التاريخ الحقيقي، دع روحك تحلق معي في رحلة تاريخية فريدة من نوعها.

نحن الآن في إحدى دول أوروبا الشرقية في ثمانينات القرن التاسع عشر، لا ليست أوروبا التي يتم الترويج بأنها بلاد حقوق الإنسان والحريات، البلاد المتحضرة التي أخرجت دول إفريقيا من البربرية والهمجية وأدخلتهم طور الإنسانية كما تدعي، بل أوروبا المتوحشة الظالمة والعنصرية أوروبا كما لم تعهدها من قبل، انظر هناك هل ترى أولئك الرجال الذين يتم الاعتداء عليهم دون شفقة أو رحمة؟ يُضرَبُون بالنِّعال على وجوههم وبطونهم من قبل الروس؟ أظن أنه يجول ببالك أنهم قد فعلوا أمراً شنيعاً كي يُضربوا ويُعاقبوا بتلك الطريقة؟ أريد أن أخبرك أنه تم الاعتداء عليهم فقط لأنهم يهود، هؤلاء هم يهود أوروبا!

نعم نعم اليهود الذين أصبحوا الأطفال المدللين لأوروبا والولايات المتحدة في عصرنا كانوا قديماً يُقتلون ويتم التنكيل بهم بأبشع الطُرق بل أُقيمت العديد من المجازر في روسيا وغيرها من الدول، قُتل فيها عدد كبير من اليهود، لكن الكراهية ضد اليهود تعود لأقدم من ذلك بكثير، تقريباً منذ ظهور محاكم التفتيش في إسبانيا والبرتغال مروراً بعزل اليهود في أحياء منزوية في القرون الوسطى في أوروبا المسيحية، إلى حين ظهور السامية وهي حركة معادية لليهود، ومع تزايد التنكيل باليهود وبقائهم مشردين في العالم، تأسست الصهيونية كفكر إيديولوجي على يد الصحفي النمساوي اليهودي "ثيودور هرتزل" وتدعو إلى إنشاء وطن قومي لليهود، هذا موجز لتاريخ اليهود في أوروبا.

نحن الآن في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى، فترة تشكل الأحلاف العسكرية حسب المصالح التي تجمع بين الدول، فظهر حلف الوفاق والحلف الثلاثي، وبعد مدة من بداية الحرب انضمت الإمبراطورية العثمانية لساحة المعركة وكانت في صف ألمانيا ولكن لسوء حظها انضمت للطرف الخاطئ فمع خسارة ألمانيا الساحقة في الحرب وميل الكفة لحلف الوفاق بدأت الإمبراطورية العثمانية في خسارة أراضيها الواحدة تلو الأخرى، ولم يكن في وسع الخليفة فعل أي شيء وبالتالي بدأت الدول العربية الموالية للإمبراطورية في التخلي عنه.

ها نحن الآن نحلق عبر القارات كما حلقنا قبل قليل عبر الزمن، فكانت وجهتنا القارة الإفريقيّة وتحديداً مصر، قصر السفير البريطاني في فترة الحرب الأولى السِّير "هنري مكماهون" ها هو يروح ويجيء أمام ناظريك ضاماً يداه إلى الخلف يبدو عليه أنه متوتر بعض الشيء وينتظر أمراً هاماّ، أُريدك أن تغوص في أفكاره وتعرف ما يجولُ بخاطره، هل وجدت صعوبة في ذلك؟ حسناً لا عليك إنها تجربتك الأولى، دعني أخبرك ما يجول بخاطره وما يخطط له هذا الرجل، إنه ينتظر شخصاً يدعى "رونالد ستروس " السكرتير الشرقي للبعثة البريطانية المكلف بنقل المراسلات بين "مكماهون" السفير البريطاني والشريف "حسين بن علي "ملك الحجاز، حيث قام السكرتير بأربع رحلات إلى الحجاز كما قام بترجمة رسائل الشريف "حسين" للسفير، والآن "مكماهون" ينتظر الرسالة التي ستحسم كل شيء. أرى أنك تتساءل عن موضوع المراسلات وعن العلاقة الغريبة التي تجمع بين سفير بريطاني وملك الحجاز، تمهل لحظة وستفهم كل شيء.

أخيرا وصل "رونالد" إلى قصر السفير، قدّم له الرسالة المترجمة وطلب الإنصراف، فتحها "مكماهون" وقلبه يرتجف من الردّ، فجأة اتسعت عيناه وفغر فاه مبتسماً، أخيراً وافق "الشريف حسين" على الطلب، فمنذ مدة طلب السفير مساندة العرب في الحرب ضد الدولة العثمانية مقابل وعد منهم باستقلال الجزء العربي الأسيوي عن الإمبراطورية العثمانية والاعتراف به كدولة عربية تحت قيادة" الشريف حسين"

.منذ البداية كان يدرك السفير البريطاني أن ملك الحجاز لن يفّوت على نفسه فرصة كهذه، فهو يحلم بإنشاء دولة عربية كبرى مستقلة عن العثمانيين، حيث أن علاقته بهم كانت سيئة، فالإمبراطوريّة العثمانية كانت منحازة بعض الشيء للأتراك بالإضافة لمصادرتها الأملاك والأراضي علاوة على فرضها التجنيد الإجباري خلال فترة الحرب العالمية الأولى مما أدّى إلى توتر العلاقة بين العرب والأتراك، لذلك حرصت بريطانيا على استغلال الوضع وجذب العرب إليها؛ وفي عام 1916 اندلعت الثورة العربية الكبرى بعد أن أطلق "الشريف حسين "رصاصة من شرفة قصره و شارك معه ضابط الاستخبارات البريطاني "لورانس "الذي اشتهر" بلورانس العرب " وحققت انتصارات وأنهت بذلك الوجود العثماني في الحجاز والشام وصولاً إلى تأسيس الدولة العربية في سوريا أولاً ثم في العراق والأردن، وبالرغم من وعود بريطانيا للعرب بتكوين الدولة العربية إلا أنها قد نقضت وعدها بعد أن أَجرت اتفاقيات سريّة مع فرنسا وروسيا تم بمقتضاها اقتسام أراضي الدولة العثمانية بما فيها البلاد العربية، ثم بعد ذلك انفردت بريطانيا وفرنسا في اتفاقية سرية سميت باتفاقية سايكس بيكو (1916) نسبة إلى كل من المندوب البريطاني" مارك سايكس" والمندوب الفرنسي "فرانسوا نزلجورج بيكو"، وبموجب هذه الاتفاقية تقاسمت فرنسا وبريطانيا البلدان العربية وأُخضعت كل مناطقها للاستعمار تحت اسم الانتداب، وفي نفس السنة أعلنت بريطانيا وعد بلفور المشؤوم الذي دعى إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين الصادر في الثاني من شهر نوفمبر سنة 1917.

و قد أرسل هذا الوعد وزير خارجية المملكة المتحدة "أرثر جيمس بلفور "إلى اللورد "ليونيل والتر دي روتشيلد " وهو أحد أبرز الوجوه في المجتمع اليهودي البريطاني.

و بعد نهاية الحرب الأولى وانتصار حلف الوفاق وانهيار دول الحلف الثلاثي تم توقيع اتفاقيات قاسية ضده، وكانت أيضاً بداية نهاية الدولة العثمانية نتيجة تهور حاكمها بانضمامه للحرب فإنه وضع المشرق العربي في براثن بريطانيا وفرنسا.

وفي مؤتمر فرساي للسلام مُثّل الشريف" حسين" ابنه " فيصل "الذي رفض المصادقة على معاهدة فرساي رافضاً بذلك الانتداب على سوريا وفلسطين والعراق من قبل فرنسا وبريطانيا.

و لكن في الأخير وضعت منطقة المشرق العربي تحت الانتداب الفرنسي والبريطاني.

***

آمنة المسلمي

 

تشرين الثاني عام 1632

كتب سبينوزا غي كتابه رسالة في اللاهوت والسياسة: " (ليس هناك وسيلة أكثر فعالية لحكم الجماهير من الخرافات. السبب الذي يؤدي إلى الخرافات ويحافظ عليها ويشجعها هو الخوف.. إن حرية الفكر لا تمثل خطرا على الإيمان، إن العقل هو أساس الإيمان فإن غاب ظهرت الخرافة وإذا سادت الخرافة ضاع العقل)

يكتب الفيلسوف الفرنسي إدغار موران في كتابه لحظة أخرى أيضاً : " إن سبينوزا هو رائد الفهم " لا تضحك، لا تبك، لا تكره، عليك أن تفهم ". يؤكد سبينوزا ان الدين يجب أن يخضع للقوانين العامة، فحرية التفكير والرأي أمر مفيد، انها شرط لإنهاء النزعات الدينية " لا أحد بامكانه التخلي عن حرية التفكير، فكل سيد على افكاره ".

وترى ريبيكا غولدشتاين في كتابها خيانة سبينوزا: " يقول سبينوزا " إن الافتراءات الخادعة للذات تنبع من نقطتي الضعف هاتين في طبيعتنا البشرية - وهما التعظيم الذاتي ورهاب الموت، وكلاهما جوانب من عقلنا المخيف وغير القابل للشفاء - التي تفسر القوة المخيفة لأشكال الدين الخرافية ". كما يلاحظ سبينوزا في مقدمة كتابه (رسالة في اللاهوت والسياسة): ".. إنه الخوف، إذن، فهو الذي يلد الخرافة ويحفظها ويعززها ".

ويكتب جاستن شتاينبيرغ في كتابه سبينوزا: "يريد سبينوزا أن يثبت أن الإيمان والعقل ليسا في صراع، فإن ما يظهره في الواقع هو أن الكتاب المقدس هو مستودع للحكايات والمبادئ الأخلاقية. وبما ان الحقائق الأخلاقية للكتاب المقدس واضحة مباشرة لجميع القراء، فلا يوجد حاجة لطائفة كهنوتية ضليعة في فنون التأويل لتفسير مزاعم النص للجماهير ".

وفي كتابه سبينوزا كيف نحيا وكيف نموت يؤكد ستيفن نادلر ان سبينوزا يصر على ان " الذين يقودهم العقل، لا يرغبون في شيء لانفسهم إلا ويرغبونه لغيرهم، ولذلك فهم عادلون وحسنو النية ونزهاء ". الانسان الحر ايضا مبتهج، ولطيف، ومتسامح. وهو، في مزاجه، ليس عرضة للعديد من احوال النفس التي تشكل مصدرا للصراع بين الاشخاص: الكراهية، والحسد، والاستهزاء، والإزدراء، والغضب، والانتقام، وغير ذلك من الانفعالات الضارة.

في روايته مشكلة سبينوزا يكتب عالم النفس الشهير إرفين د. يالوم هذا الحوار: قال سبيتوزا: لو بحثت في العالم كله فلن تجد قوماً أو ديناً لا يؤمن بالخرافات، فما دام هناك جهل، فإن البعض سيتمسكون بالخرافات، إن التخلص من الجهل هو الحل الوحيد.

فاجاب بنتو " أشعر انّها معركة خاسرة، فالجهل والإيمان بالخرافات ينتشران كالنار في الهشيم، وأعتقد أنّ رجال الدين يغذون هذه النار ليضمنوا مراكزهم. ولهذا أصبحت على قناعة بأنني يجب أن أكون حراً. وإذا لم تكن تلك الطائفة موجودة، فعليّ أن أعيش دون طائفة "

يطرح الفيلسوف الفرنسي المعاصر فريدريك لونوار في كتابه المعجزة السبيونزية سؤالا: " كيف يمكن للفرد العادي، أن يكون سبينوزيا، حتى لو لم يكن مختصا في الدراسات الفلسفية؟ أو كيف يستطيع الإنسان أن يتسلح برؤية سبينوزا وفلسفته في الحياة، ويرى في كتابه " المعجزة السبينوزية "، ان فيلسوفنا يحاول من خلال كتبه أن يقدم لنا " أفضلَ طريق ممكن إلى الخلاص، لكل أفراد المجتمع في هذا العالم الذي يقف على حافة الانهيار، إذ تهتز الديمقراطيات العريقة، وتنتشر النزاعات الطائفية ونزاعات الهوية والحزبية في كل أرجاء العالم". يخبرنا لونوار أن رسالة سبينوزا الفلسفية تبرز من خلال رحلته الحياتية: " فإذا أردنا أن نعرف معنى المعجزة السبينوزية، يكفي أن ندرك أننا أمام شخص له سمات خاصة، شخص ظل وفيا لحب الحقيقة، مفضلا حرية التفكيرِ على طمأنينةِ العائلة والطائفة، وعلى الاِنسياق للفكرِ السائدِ. لقد كانَ ضحية أبشعِ الانتهاكات، تم التنكر له من قبل أَهله وعاشَ تحْت التهديد المتواصل، ولكنه بقي وفيا دائما للخط الموجه لمسيرته. كان عُرضة للكراهية ولكنه لم يكره أبدا. تعرضَ للغدرِ ولكنه لم يغدر أَدا. تَعرضَ للسخريَة ولكنه لم يستخف بأحد قط. تم شتمه، ولكن رده كان دائما هو الاحترام. عاش دائما باعتدال وكرامة وفي انسجام مع أفكاره".

وختامنا مع المفكر العربي فؤاد زكريا وكتابه الشهير إسبينوزا حيث يكتب: " الرأي الحقيقي الذي يؤمن به اسپينوزا في هذا الصدد هو الرأي القائل إننا إذا شئنا أن نهتدي إلى دليل على القدرة الإلهية، وأن نكون متسقين مع أنفسنا في الوقت ذاته، فلدينا في عقلنا البشري نفسه أعظم دليل. فليس ثمة داعٍ لافتراض معرفة غير مألوفة، خارجة على قوانين الطبيعة، لتكون هي مظهر هذه القدرة الإلهية. بل إن عقلنا ذاته معجزة، وكفاحنا من أجل فهم الطبيعة والسيطرة عليها معجزة، ولا معنى — في نظره — لافتراض معجزات ونبوءات تتحدى العقل وتخرج عن نطاق الطبيعة من أجل إثبات هذه القدرة "

***

علي حسين – رئيس تحرير جريدة المدى اللبغدادية

وقعت واقعةٌ، تهز الضَّمائر وتثير السّرائر، غير مسبوقةٍ في السّياسة، قديمها وحديثها، مهما كانت القرابة والمواءمة بين الأنظمة، يتجنب ممارستها أو الفخر بها الرَّاهنون بلدانها لأنظمة أجنبية علانية، لكنَّ أغرب الغرائب ما يحدث بعِراق اليوم؛ أنّ تُهتك الوطنيَّة بهذا الرّخص والسَّذاجة، باسم المذهب، والتَّقليد الفقهيّ المرجعيّ الحزبيّ.

 هذا ما مارسه نائب رئيس جمهورية العراق خضير الخزاعيّ؛ أحد أعيان حزب الدَّعوة الإسلاميَّة؛ عندما طلب الاستفتاء والحُكم، بشأنٍ عراقيّ صِرف، مِن رئيس السُّلطة القضائيَّة الإيرانيَّة محمود الشَّاهروديّ (تـ: 2018)، بدعوى أنه كان، في يوم ما، مِن تلاميذ محمد باقر الصَّدر(اعدم: 1980)، وله صلة بحزب الدَّعوة، لكنَّ الرّجل مسؤولٌ في دولة أجنبية، بغض النَّظر، عن أنَّها صديقةٌ أو عدوةٌ، شقيقة في المذهب والدِّين والقبيلة والقوميَّة أو غريبة أجنبيَّة، فللأوطان حرماتها.

ما أخبرنا به الخزاعيّ نفسه، كان خيانةً لا تقبل تأويل ولا تبرير، لو سمعناها مِن لسان غير لسانه، لشككنا بصدق روايتها، جملة وتفصيلاً، على أنَّها كبيرةٌ مِن الكبائر، لأنَّ لا السَّمع ولا النَّظر يستوعبان ما حصل، لكنها جاءت بصوت وصورة صاحب صلاحيات رئيس الجمهوريَّة خضير الخزاعيّ؛ وقبل نقل ما قصه الخزاعيّ نفسه، لنعرف منّ المفتي العراقي ومَن المستفتي الإيرانيّ! وكان الموضوع في العدالة والدّماء، بغض النّظر عمن كان الاستفتاء، عن عدو أو صديق.

أصبح محمود الشّاهروديّ- ولابعاد نسبه الإيرانيّ لُقب بالهاشميّ داخل العراق- بعد انتصار الثّورة الإيرانيّة، ولثقة أحمد خمينيّ(تـ: 1995)، نجل آية الله خمينيّ، به رُشح رئيساً للمجلس الأعلى للثورة الإسلاميَّة بالعراق(1982-1983) بإيران، بقرار مِن مرشد الثورة الإسلاميَّة بإيران آية الله الخمينيّ، مع أنه إيرانيّ الأصل والانتماء والجنسية، وظل في هذه المسؤولية نحو عام، ثم تفرغ للتدريس الحوزويّ بقمّ، بعدها تسلم المناصب العليا الآتية في النّظام الإيرانيّ: عضو مجلس صيانة الدُّستور، وعضو في تشخيص مصلحة النّظام، ورئيس السُّلطة القضائيَّة، وبمصطلحات الأقدمين قاضي قضاة الجمهورية الإسلاميَّة، وهو منصب سيادي كبير، فالسلطات، بعد الولي الفقيه: رئاسة الجمهوريّة، ورئاسة القضاء، ورئاسة البرلمان، ولكم حساب أهمية هذا الرّجل في الدَّولة الإيرانيَّة.

أصيب الشَّاهروديّ بمرض عضال، وسافر للعلاج بألمانيا، لكنه عاد مسرعاً، بسبب احتجاجات الإيرانيين المعارضين المقيمين هناك، ضده على عقوبات الإعدام التي صدرت من القضاء الذي يترأسه.

أمَّا خضير موسى الخزاعيّ، كان ومازال أحد منتسبي حزب الدَّعوة الإسلاميَّة، مع انشقاقه عنه ليكون في تكتل "الدّعوة تنظيم العراق"، عاش بإيران، وكان مِن محشدي الشّباب العراقيين بإيران، للحرب مع الجيش الإيراني ضد العراق، ثم هاجر إلى كندا، وعاد بعد (2003)، ليكون رئيس لجنة الحريات في البرلمان العراقيّ، فوزير تربية وتعليم، وحينها أطلق عبارته المدويّة "يكفيني فخراً أني كُلفتُ بمهمة إعادة صياغة العقل العراقيّ"، ومقولته الأكثر رنةً: "اليد التي تتوظأ لا تسرق"! حسب سيرة حياته، في موقع وزارة التربية والتعليم: حصل على دكتوراه في علوم القرآن، وأخرى في الفلسفة، مِن الهند، ولم يذكر مِن أي جامعة، وقال ممن يعرفه أخذها بالمراسلة، ولا نعلم بأيّ لغة.

أخذ اسم خضير الخزاعي يتداول بنائب رئيس الجمهوريّة للاعدامات، فقد أتت الفرصة، أن يبقى الوحيد في رئاسة الجمهورية، بعد مرض الرئيس جلال الطَّالبانيّ، ثم وفاته(2017)، وخروج نائب الرئيس الآخر طارق الهاشميّ، فاُسندت إليه مهام رئاسة الجمهوريّة، في تلك الفترة.

عُرض على نائب الرَّئيس الخزاعيّ ملف عبد حمود(اعدم: 2012)، سكرتير رئيس الجمهوريّة صدام حسين (اعدام: 2006)، ليصادق على إعدامه، فبعد الاِطّلاع على الملف، وجد الخزاعيّ أنه لا يستحق عقوبة الإعدام، فناقش الموضوع مع القضاة، الذين أصدروا الحُكم، ولم يقتنع بتبريرهم، فذهب يستفتي قاضي قضاة إيران محمود الشّاهرودي، ليأخذ منه الحُكم، كي يطمئن شرعيّاً، وهنا ننقل نص ما صرح به الخزاعيّ شخصياً للقناة العِراقيَّة الإخباريّة، ضمن مقابلة أجراها معه علاء الحطاب، ننقلها حسب ما جاءت على لسانه.

قال الخزاعيّ: "شفته(رأيته) ما يستحق الإعدام، بيني وبين الله، قلتُ لهم (القضاة): شلون (كيف) وقعتوه (أصدرتم الحكم)؟ قالوا: لجنة خماسية، مقررة من الدستور. مَن القاضي؟ قلتُ: أعطونياه( نادوه)، جابو لي(احضروه). جلس في هذا المكان. قلت له: شلون (كيف) حكمت على هذا بالإعدام؟ قال: ليش (لماذا)؟ قلتُ: ولا جريمة تدينه بالإعدام! قلتُ: سجن مؤبد، عشر سنين؛ أما الإعدام، هذا فد(فرد) شرف، شنهو (ماهو) الشّرف... قال (القاضي): نحن خمسة قضاة، ومِن قرأنا النَّص، لم نجد ما ندينه، فقلنا: خل نوقع (لنوقع) على إعدامه، ونخلص منه، مشيناه (وقعنا على إعدامه). قلتُ: ما يجوز لكم، والله العظيم. فأرسلتُ لمَن أثق بأنه يمثل المدرسة الصّدريّة في الإسلام، محمد باقر الصَّدر، وكان السّيد نفسه محمود الهاشميّ (الشّاهروديّ) رئيس القضاء في إيران".

ثم قال: "فوديت(أرسلت) واحد مِن الإخوان، ممَن أثق بنقله وعقله، كلتله(قلتُ له): خل يقرأها(ليقرأها) السيد هذه، وشوف (ابصر) شنهي (ماذا) حُكم هذا؟ حكمه الإعدام وأني معارض. فشافها (قرأها الشَّاهروديّ) فقال: سلمني عليه (سلم علي الخزاعي)، قل له: خل يوقع (ليوقع الإعدام) لا يخاف، الخوف الشَّرعيّ. هم كلبي لعب (لم اطمأن والكلام للخزاعيّ). فقلتُ: هذوله (هؤلاء يقصد القضاة) ماخذتهم العزة بالنفس. فرحت (ذهبتُ إلى إيران) بنفسي بوفد رسميّ برئاستيّ، وأعضاء الوزراء وأعضاء البرلمان".

أكمل الخزاعيّ القصة قائلاً: "فقلتُ له (للشاهروديّ): سيدنا عندي قضية وياك. قال: كلي فلان(قال لي مبعوث الخزاعيّ)، وقلتُ له: مِن حقك(توقيع الإعدام)، قلتُ: أريد اسمع منك. قلتُ: هذا (عبد حمود) كل الذي أمسويه(عمله)، هو سكرتير رئيس الجمهوريَّة، فوجد الجماعة القضاة ورقة مكتوب فيها: تكريم المحققين فلان وفلان، لأن ساهموا في كشف أعداء الثّورة. فقلتُ له: أعداء الثّورة نحن، وهذوله(هؤلاء) طلعوا أبناء الثّورة. قال: لا، أنا ليس على هذه الورقة، فهي لا تصلح أن تكون للإعدام، فهو (عبد حمود) جزء مِن المحاربة (الآية): إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله أن يقتلوا، للحرابة يُقتل. قال: اقتله وأنا المسؤول، بالله وقعتُ عليه"(برنامج خطى، الجزء الثالث، العراقيَّة الإخبارية).

نحن أمام قضية خطيرة للغاية؛ وما قصة استفتاء رئاسة الجمهوريَّة العراقيَّة؛ مِن قاضي قضاة دولة أجنبيّة، في شأن يخص العدالة العراقيّ، إلا نموذجٌ، وبرهان واحد، مِن مئات البراهين، على هتك الوطنيَّة العراقيَّة، مِن قِبل الجماعات الدّينيَّة. صحيح ظهر معممٌ سياسي وقال علانية: إذا نشبت حرب بين العراق وإيران، سأقاتل مع إيران، لأنها تمثل الإسلام، والتمهيد للإمام المهدي المنتظر.

 كذلك، صرح أكثر من قائد ميليشيا بكلام شبيهٍ بذلك؛ أو يظهر رئيس وزراء العراق، ويقول: وجهني قاسم سليماني (قُتل: 2020) بحمل رسالة إلى الدّولة الفلانيّة، وسليماني مجرد ضابط إيراني، وهو رئيس وزراء العِراق والقائد العام للقوات المسلحة! هذا أيضاً قد نأخذه مِن باب التبعية الشَّخصية؛ أو خشية من الاغتيال إن أعلن العصيان على سليمانيّ؛ أو يظهر أحد زعماء الأحزاب الدينيّة ويقول: يجب تسديد العراق خسائر الحرب لإيران، وهذا لا يبرر، ولكنه قد يؤخذ مِن باب فضل إيران عليه وعلى حزبه، في زمن المعارضة؛ لكن خزية الخزاعي شيء آخر.

 هذا، ولو أردنا تدوين كلّ ما قاله رؤساء الأحزاب الدِّينية، وقادة الميليشيات، مِن تفضيل إيران على العراق، ومصالح إيران أولاً، واعتبار ولاية الفقيه الإيرانيَّة محرابهم وقبلتهم، ما يكفي المقال، ولا الكتاب، ولكن أن يخرج القائم بصلاحيات رئيس الجمهورية العراقيَّة، وهو نائب الرئيس، وفي الوظيفة، ويطلب الحُكم مِن قاضي قضاة إيران، على مواطن عراقيّ، وينفذه، فتلك مصيبة كبرى، ليس قبلها ولا بعدها فضيحة وخيانة، وسقوط مدوي، وذلك للأمور الآتية:

1- أظهر الخزاعيّ بهذه الممارسة العراق تابعاً لولاية الفقيه رسمياً؛ فالشَّاهرودي أحد أوتاد تلك الولاية، وللعلم أنَّ اسمه طُرح مرشحاً لخلافة علي خامنئي.

2- أظهر الخزاعي بهذه الممارسة، أنَّ الحُكم بالعراق حكماً دينياً، يُطبق ولاية الفقيه الأجنبية، مع أنَّ المعلن دولة مدنية برلمانيّة وطنيَّة.

3- ظل نائب رئيس الجمهورية يتصرف حزبياً وليس عراقيَّاً؛ فذهب لتطبيق الشَّرع، الذي يعتقد أنه على مدرسة محمد باقر الصَّدر، وهذا لا يقره الدّستور، الذي من المفروض أنّ رئيس الجمهوريَّة هو الأحرص على صيانته.

4-   إنَّ الشّاهرودي رجل دين إيرانيّ، يتناسب وضعه مع نظام ولاية الفقيهة بإيران؛ ولم يدرس القانون العراقيّ، ولا صِلة له بالقضاء العراقيّ المدنيّ، مثله مثل صادق خلخالي(تـ: 2004)، الذي عينه الخميني رئيسا للقضاء الإيرانيّ، وهو ليس حقوقيَّاً، وأعدم باسم الشَّريعة وعلى الشُّبهة.

5-   لم يكن الشَّاهروديّ نفسه نزيهاً بالدِّماء، فله مسؤولية باعدامات ذات شأن سياسيّ، فكيف يكون حاكماً في القرار السِّيادي العراقيّ؟

6-   ظل خضير الخزاعيّ، من خلال ما صرح به، يعمل بالتكليف الشّرعيّ الحزبيّ الدّيني، وليس التكليف الدستوري، الذي مِن المفروض أن يكون عبر البرلمان العّراقيّ؛ لا أنه يستمر يمارس وظيفته تكليفاً شرعيّاً، تابعاً لرجل دين، ومِن مسؤول حكوميّ في دولة أجنبية، حاله حال مأذون الزّواج أو الطَّلاق، أو ممثل مرجع مِن المراجع، بينما كان منزلة رئيس جمهوريَّة.

7-   النقطة الأخطر، يُعد تصرف خضير الخزاعيّ، كنائب رئيس الجمهوريّة، والقائم بصلاحيات رئيس الجمهوريَّة كاملةً، خيانةً عظمى، يُحاكم عليها القانون العراقيّ النَّافذ، فالأمر يتعلق بكشف سر مِن أسرار الدَّولة، ووضع صلاحيات رئاسة الجمهورية بيد قاضي قضاة دولة أجنبيّة، ولا نعتقد أنَّ دولة مِن دول العالم مارسته، وتهتك نفسها بهذا الأسلوب الرَّخيص.

8-  وقع حكم الإعدام بفتوى مسؤول أجنبي، مع أنَّ الخزاعيّ كان غير مقتنع بالحُكم، ولا بالقضاة، وهو والشّاهرودي نفسه، لعتبرا الذَّنب لا يستحق حكم الإعدام، وهنا العقوبة لم تكن قانونيَّة، ووفقاً لذلك كان الإعدام جريمة قتل، يتحملها الخزاعيّ، ويجب أن يُحاكم عليها وعلى الخيانة، هذا إذا تحدثنا بمنطق القانون، لا منطق الاستهتار بالقانون، وبالوطن.

9-   تلاعب الشّاهروديّ وقلده الخزاعيَّ، بآية قرآنيَّة (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)، فما بين المعارضة والسُّلطة، وكل معارضة وسلطة، نزاع سياسيّ، لا علاقة له بمحاربة الله ورسوله، فلا الخزاعيُّ رسول الله، ولا حزبه يمثل الله، فتكفير شخص أو نظام صار على مزاج الشّاهروديّ، فهو إذا كان في المعارضة يعتبر السلطة محاربة لله ورسوله، وإذا كان في السلطة يعتبر المعارضة محاربة لله ورسوله، فأين الحقَّ؟

معلوم أنَّ المرجع الكبير محمَّد كاظم شريعتمداريّ (حُبس في داره 1985)، اُعتبر محارباً لله ورسوله، لذا أظهره نظام خميني تائباً على شاشة التلفزيون، ذليلاً مكسوراً يتلي توبته، ومِن يريد المزيد عن مظلومية شريعتمداري فله مراجعة كتاب تلميذه رضا الصَّدر(تـ: 1994) "في سجن ولاية الفقيه"(شقيق موسى الصَّدر)، الذي اعتقل، ومنع من الصّلاة على جنازة أستاذه، الذي أوصى بذلك.

مِن هنا، إذا كان هناك قطرة من الحياء عند القضاء العراقيّ، أن يستدعى خضير الخزاعيّ، للتحقيق، فقضيته تدخل ضمن الخيانات الكبرى بحق العراق. أقول: فلو طلب منه وليه الشَّاهرودي تفجير العراق سيفعلها، لأنها حسب منطقه، تكليف شرعي مِن قبل مرجعه،و إذا لم ينفذه يُعد محارباً لله ورسوله، وصاحب الزَّمان.

يقول مجد الدّين النَّشابي (تـ: 657هـ)، وكان المغول على الأبواب: "يا ضيعة المُلكِ والدِّينِ الحنيفِ/ وما تلقاه مِن حادثاتِ الدَّهرِ بغدادُ/ أين المنيةُ مني كي تساورني/ وللمنيةِ إصدارٌ وإيرادُ/ مِن قبلُ واقعةٍ شنعاءَ مظلمةٍ/ يشيبُ مِن هولها طفلٌ وأكبادُ"(كتاب الحوادث).

***

د. رشيد الخيُّون

ما يفعله ترامب الآن أثار دهشة البعض، وأثار مخاوف كثيرين.. تلك الحكومة التي تتشكل وعلى رأسها إيلون ماسك وزيراً لوزراة غير موجودة إلا في عقل ترامب! تلك الحكومة ليس فيها واحد محسوب لا على الديمقراطيين ولا على الجمهوريين. وهي حكومة مرسومة على مقاس إسرائيل! فهل تَسرَّع ترامب عندما أعلن هذا الأمر مبكراً، رغم أن حكماً ينتظره في السادس والعشرين من هذا الشهر قد يقلب عليه الطاولة أو يحرجه ويضطره لتغيير كل خططه..

 ترامب صريح، وهو لا يخفي ما سيفعله في أوروبا أو الشرق الأوسط، والجولات المكوكية بين إسرائيل وبين منزل ترامب مستمرة، وهناك قنوات اتصال بينه وبين بوتين. ويبدو أن أوروبا هي أكثر الخائفين مما ينتظرها في العام القادم.

2025. عام القلق

 أقل من شهرين على مجيء ترامب رئيساً وعودته للبيت الأبيض. تلك العودة التي ستضع في يديه كل شيء: الكونجرس ومجلس الشيوخ والحكومة، وسوف يكون بمقدوره أن ينفذ وعده، فيحاكم بايدن الذي حاكمه سابقاً ووضع الحديد في يديه!

 المدهش أن ساكن البيت الأبيض الآن، ورغم أنه لم يترك السلطة بعد، يبدو أضعف وأقل نفوذاً من ترامب الذي لم يجلس على كرسي الرئاسة لكنه يدير الأمور بقوة، والوفود تأتي إليه هو، من الداخل والخارج، يريدون أن يعرفوا كيف يفكر وماذا ينوي؟! ولا شك أن في جعبته الكثير، لاسيما وقد علم الجميع كيف أنه يفاجئ الآخرين دائماً بقرارات ومواقف وأعمال غير متوقعة. هو ليس سياسياً مقروءاً، بل هو أقرب للاعب قمار مجازف يحب أن يفاجئ خصومه دائماً بخطوات لا يتوقعون حدوثها. ولهذا تقف أوروبا موقف الخائف منه، المترقب لما ينوي فعله.

 لقد بدأت حرب أوكرانيا في عهد بايدن. ذلك الرئيس السياسي القديم المخضرم، والذي لن يجازف بخسران علاقته القوية مع حلفائه الأوربيين تحت أي ظرف. بينما ترامب البزنس مان، لا يهمه إن خسر حليفه الأوروبي في مقابل أن يكسب محبة شعبه؛ فكيف يلقي بملياراته في جوف زيلينسكي بينما الشعب الأمريكي يعاني البطالة والتشرد ويشكو من غلاء الأسعار؟

 لقد أكد ترامب أن الحرب الأوكرانية الروسية سوف تتوقف بعد يوم من حلف اليمين. ولا توجد طريقة لفعل هذا إلا أن يرفع يد أمريكا من تمويل الحرب، وأن يغادر ساحة القتال ويتركها لباقي دول الناتو الأوروبية تدير معركتها بنفسها. وهذا معناه أن تسيطر روسيا على مقاليد الأمور. حتى لو حدث ما يخطط له ترامب: أن يتم التفاوض على أساس وقف القتال، ووضع قوات دولية محايدة على آخر حدود بين الطرفين المتنازعين، وأن يتم تأجيل انضمام أوكرانيا لحلف الناتو لأجل غير مسمي ترضيةً لروسيا. حتى لو حدث هذا فإن أوروبا ستظل في حالة استنفار مستمرة أمام الدب الروسي الذي سيجدها فرصة لاستعادة قوته، والاحتشاد ضد الناتو، ولن تنام أوروبا ملء جفنيها كما كان سابقاً، بل ستنام كالقطط، بعين مغلقة وأخرى تترقب الحدود الروسية..

 ثمة أشياء كثيرة في العالم ستتغير في العام القادم. ترامب سيكون أحد أيقونات هذا التغيير. الوضع في أوكرانيا سيتغير، ومعه ستتغير أوروبا. والحرب في غزة ولبنان لن تبقي كما هي الآن. الأدهى أن أمريكا نفسها ستلحق بقطار التغيير. وسوف تذوق طعم القلق!

أمريكا الجديدة!

 الشعار الذي يتشبث به ترامب طوال الوقت: "أن تعود أمريكا عظيمة من جديد". إنه يريد أن يُحدث بها تغييراً حقيقياً يستمر أثره بعد رحيله. وها هي الفرصة قد جاءت له سانحة، أن يفعل ما يشاء. خصوصاً وأن خسارة الحزب الديمقراطي الفادحة، جعلت الساحة كلها مرتعاً لترامب وللحزب الجمهوري، وربما يصبح من الصعب على الديمقراطيين أن يضمنوا استعادة مقعد الرئاسة لسنوات كثيرة قادمة. ما يعني أن نجاح ترامب الكاسح هذه المرة قد يضمن بقاء الحزب الجمهوري لسنوات طويلة، وربما لعقود! تلك مخاوف ناقشتها الصحف الأمريكية بعد الخسارة الفادحة التي مني به الديمقراطيين أمام ترامب. غير أني أري الأمر من زاوية مختلفة..

 فالحق أن الحزب الجمهوري نفسه قلق من تصرفات ترامب، لأنه لم يشكل منهم حكومته كما كان متوقعاً، ثم إنه تصرَّف بانتهازية مع الجالية المسلمة، الجالية التي منحته أصواتها في الوقت الذي تخلي عنه اليهود، فإذا هو يأتي بحكومة صهيونية الهوى بالكامل! لقد جعل ترامب الجميع في حالة تحفز، وسوف تستمر حالة الانقسام المجتمعي في الداخل الأمريكي مع استمرار تلك الموجة الترامبية الشعبوية، التي لا تري في الديمقراطيين والجمهوريين إلا جسراً لتمرير خطط ترامب الغامضة، هي خطط تريد أن تبني الاقتصاد لكن على حساب السياسة وعلى حساب الاستقرار المجتمعي.

 ستظل الولايات المتحدة الأمريكية في ظل حكم ترامب على الحافة. وسوف يستغل خلو الساحة أمامه ليزيد نفوذه على حساب الديمقراطيين. وهناك مؤسسات أمنية كبري سوف تتأثر بهذا التغيير الذي سيحرص ترامب على إحداثه من أجل ترسيخ أقدام الحزب الجمهوري بعد انقضاء الأعوام الأربعة التي سيقضيها في الحكم. والخوف أن تأتي ردود الأفعال ضد محاولات ترامب لفرض سيطرته بنتائج عكسية تزيد من الانقسامات الحادثة في الداخل الأمريكي. في الوقت الذي ستواجه فيه أمريكا قضايا خارجية كبري: كصعود الصين، وابتعاد الحليف الأوروبي، وحرب البريكس على الدولار، وهجمات الحوثيين، والتهديد الوجودي القائم ضد إسرائيل.

 إن ترامب يري أن أمريكا يجب عليها أن تنصرف للتفكير في ذاتها وفى تقوية اقتصادها، ولهذا لا يري حرباً ينبغي خوضها إلا حربه الاقتصادية ضد الصين، وهو لن يكسب هذه الحرب.

نهاية الغرب

 هذا عنوان مقال في مجلة "دير شبيجل" الألمانية منذ نحو أسبوع مضي. بقلم "ديرك كوربجويت" يري فيه الكاتب أننا مقبلون على عصر جديد، وتغييرات حادة قادمة لمجرد أن ترامب عاد لتولي السلطة! فمم يخاف الألمان، وما الذي تخشاه أوروبا؟!

 الكاتب ينظر حوله فيري كيف أن اليمين يصعد في إيطاليا وفرنسا وألمانيا، ثم أتي ترامب ليغلق الدائرة. في الوقت الذي ينهار فيه النموذجان: الليبرالي والديمقراطي بمفهومهما الكلاسيكي المعهود وهو ما سيؤدى في النهاية لتفكك الأحلاف، كنتيجة لغياب المشتركات بين هذه القوي. وبالتالي سيزداد الانقسام بين قوي الغرب. وسيكون مجيء ترامب بمثابة العامل السحري الذي سيسرِّع من حدوث الانقسام والتفكك. وبهذا يفقد الغرب قوته القيادية.

 يقول الكاتب:(بعد عصر الأيديولوجيات الشمولية، التي كانت بمثابة "أديان سياسية" جاء عصر العقلانية المرتكزة على المعرفة العلمية. كانت السياسة تدار بجدية كبيرة؛ حيث كان الهدف هو منع عودة الفاشية والتصدي للاتحاد السوفيتي. اقتربت الدول من بعضها البعض تحت مظلة الناتو، وزالت الحدود بين دول الغرب، الأهمية الكبرى كانت للتحالفات. كان هذا عصر العولمة والمواطنة العالمية. كان عصراً جيداً رغم عيوبه. ولكنه انتهي للأسف!!).

 إن الكاتب يري عدة متغيرات تحدث أمامه: دول تنسحب من الناتو، وهجرة متزايدة أدت لتغيرات ديموجرافية هائلة، ويمين يصعد في أكبر دول أوروبا، وبوتين ينتظر عودة ترامب ليضع يده على الحدود الأوروبية ويعلن انتصاره ولو جزئياً. وترامب سوف يأتي ليكمل المشهد ويغلق الستار، وبهذا ينتهي عهد قديم ويأتي عهد جديد بمفاهيم مختلفة، ونظم سياسية مغايرة. لن يكون فيها ما يسمي بالاتحاد الأوروبي، لأن الناتو نفسه مهدد بالتفكك على يد أمريكا التي صنعته! وربما ينجح البريكس في مسعاه، ويُسقط الدولار من عرشه، فتتغير المفاهيم الاقتصادية تزامناً مع التغيرات السياسية الحادة القادمة حتماً!

 في نهاية مقاله ينصح الكاتب بالعودة للإنسانية كمفهوم مشترك إذا أراد الغرب أن يظل قوياً كما كان، إنه ينادي بمفهوم أهدرته الحروب والانقاسامات. وبالتالي فإن الغرب نفسه مهدد بالسقوط والتداعي. وسوف تظل أوروبا في السنوات القادمة خائفة تترقب. وخوفها الأكبر من حلفائها أن يتركوها، ومن اتحادها أن يتفكك.

***

د. عبد السلام فاروق

أجرت وكالة الأنباء الوطنية الجزائرية لقاءً معي حول الأساليب والطرق التي يلجأ لها النشطاء الفلسطينيين لنشر السردية الفلسطينية، وفضح الرواية الصهيونية التي تعتمد التزوير والتضليل لكسب الراي العام العالمي.

طالما كان للسردية موقعاً مفصلياً بتاريخ الصراع الفلسطيني الصهيوني، في تشكيل الراي العام الإقليمي والدولي، وتوجيه السياسات الحكومية. يزداد هذا الدور تأثيراً خاصة مع سعي إسرائيل لإقامة علاقات مع محيطها، وتمكنها من تحقيق اختراقات تطبيعية مع بعض الدول العربية. ثم حدث العدوان الأخير على قطاع غزة فانقلبت بعض الموازين لصالح السردية الفلسطينية في أماكن متعددة من العالم. وكشف العدوان زيف السردية الإسرائيلية القائمة على فكرة ترويج المظلومية والدفاع عن النفس في وجه التهديد الخارجي.

تمكنت السردية الفلسطينية من كسب التضامن والتأييد الشعبي والرسمي بفضل جهود المثقفين والنشطاء الفلسطينيين في مختلف بقاع العالم، وبفضل المتضامنين العرب، وحركة التضامن الدولي، الذين نقلوا معاناة الشعب الفلسطيني جواء سياسات الاحتلال إلى العالم. وبالرغم من السيطرة الصهيونية على الإعلام الغربي، والديبلوماسية الإسرائيلية الناعمة، تمكنت السردية الفلسطينية من الوصول والتأثير على الكثير من الشعوب في العالم، بفضل المصداقية والأدلة المنطقية، والمشاهدات المباشرة لعذابات الفلسطينيين. ولم تتمكن الرواية الصهيونية من إخفاء وتبرير قتل الأطفال وحرق النساء، وتدمير المباني واقتلاع الأشجار، وتجويع شعب كامل آمن يعيش تحت إرهاب دولة إسرائيل.

لقد أصبحت وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي خلال العقدين الماضيين، أدوات قوية وفعالة في تشكيل ونشر السرديات. حيث تمكن الفلسطينيون من الاستفادة المثلى منها لإخبار العالم عم معاناتهم اليومية، ومن نقل الاعتداءات الصهيونية بشكل لحظي، تدعمها شهادات حية للناس مما عزز السردية الفلسطينية وأثبت مصداقيتها.

فيما يلي نص الأسئلة والأجوبة:

1. كيف يستخدم النشطاء الفلسطينيون منصات الإعلام الاجتماعي في نشر قضيتهم والتوعية بانتهاكات الاحتلال؟

منذ ظهور وسائل التواصل الاجتماعي المتعددة، بدأت معركة جديدة من نوع مختلف، معركة رقمية لا تقل أهمية وشراسة عن معركة الصواريخ والبنادق، بين الفلسطينيين والأشقاء والأصدقاء الأمميين الداعمين من جهة، وبين الكيان الصهيوني ومن يدعمه من جهة أخرى. معركة مهمة تدور رحاها على الشبكة العنكبوتية، وتتواصل بصوت عال وواضح، ونتائجها سوف تؤثر بشكل عميق على مستقبل الصراع والمواجهة. معركة بين الحق الفلسطيني في التحرر من الاحتلال البغيض، وإقامة دولته المستقلة، وبين العدوان والغطرسة الصهيونية. بين العدالة والإنسانية والتضامن الأممي، وبين التوحش والعجرفة الإسرائيلية.

يهدف النشطاء الفلسطينيون إلى الاستيلاء على السيطرة على السرد من المنافذ الإعلامية التي تقمع وجهة نظرهم وتقارن بشكل خاطئ بين معاناة إسرائيل ومعاناة الفلسطينيين في الأراضي المحتلة. ويحاولون فضح السياسات الإسرائيلية القائمة على نظام الفصل العنصري، الذي يسعى إلى حملة تطهير عرقي وإبادة جماعية للشعب الفلسطيني.

منذ بدء الحرب الهمجية التي تشنها قوات الاحتلال الصهيوني على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة منذ ما يقارب العام، نقلت وسائل التواصل الاجتماعي أصوت الاحتجاج الجماهيري المتضامن مع الفلسطينيين وقضيتهم العادلة. أصوات تنمو على الشبكة العنكبوتية، وتتواصل بصوت عال وواضح. في غضون أيام - بينما قصفت إسرائيل الأراضي مناطق سكنية في غزة، انتشرت على منصات وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع من أفلام فيديو مصورة بالهاتف المحمول من الشباب الفلسطينيين إلى الشتات العربي وإلى مختلف بقاع الأرض، تُظهر وحشية الاحتلال، أشعلت الانترنت وأثارت الغضب في جميع أنحاء العالم. ساعدت هذه الأصوات المؤيدة للفلسطينيين والميمات ومقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي في إنجاز ما لم تنجح فيه عقود من الاحتجاجات العربية ومقاطعة إسرائيل إنجازه للقضية الفلسطينية التي تُركت للموت قبل بضعة أشهر من طوفان الأقصى.

تحول التضامن مع الفلسطينيين إلى الإنترنت وأصبح عالمياً، وهو شارع عربي افتراضي لديه القدرة على إحداث تأثير أوسع من تلك الموجودة في مدن الشرق الأوسط. لقد ربط المتظاهرون عبر الإنترنت ذراعيهم بحركات شعبية لحقوق الأقليات مثل Black Lives Matter، سعياً لاستعادة السرد من وسائل الإعلام السائدة والحصول على الدعم في الدول الغربية التي دعمت إسرائيل بشكل انعكاسي.

فمنذ حرب الإبادة الأخيرة على قطاع غزة قبل عام، أصبح العالم عرضة لتدفقات هائلة من المعلومات والبيانات والصور حول ما يحدث في غزة. ظهرت تطورات الحرب كما لو أنها اختباراً لقوة الإعلام الجديد، أو ما يعرف بوسائل التواصل الاجتماعي، في مقابل مؤسسات إعلامية ضخمة وعريقة، اتخذت جانب "إسرائيل" وروجت روايتها.

وبينما اتهم الفلسطينيون وأنصارهم وسائل الإعلام الغربية السائدة في أوروبا والولايات المتحدة بالتحيز لصالح الرواية الإسرائيلية للحرب، فقد تم استخدام منصات الإنترنت بما في ذلك مواقع التواصل الاجتماعي على نطاق واسع من قبل الناشطين المؤيدين لفلسطين في جميع أنحاء العالم لمواجهة هذا التحيز وتزويد جمهور الإنترنت بالجانب الفلسطيني من القصة.

2. ما هي أبرز أشكال التضليل الإعلامي التي تواجهها القضية الفلسطينية في الفضاء الرقمي؟ وكيف يرد النشطاء الفلسطينيون على هذه التحديات؟

يعتمد الملايين في جميع أنحاء العالم على مصادر وسائل التواصل الاجتماعي لفهم ومتابعة أسباب الصراع العربي الإسرائيلي، ومن ثم تشكيل الراي والموقف من هذا الصراع. ولكن لا يكون كل المحتوى - بما في ذلك المحتوى الذي يقدمه المسؤولين – دقيقاً وصادقاً وحقيقياً.

على سبيل المثال تم إخفاء هاشتاج "الأقصى" منصة إنستغرام مؤقتاً، لأنه كانت هناك تقارير عن "بعض المحتوى الذي قد لا يتوافق مع إرشادات مجتمع إنستغرام"، وفقاً للإشعار الذي تلقاه المستخدمون. وألقت شركة فيسبوك، التي تملك إنستغرام، باللوم في عمليات إزالة المحتوى على "مشكلة تقنية عالمية واسعة النطاق لا تتعلق بأي موضوع معين". ومع ذلك، يبدو أن الوسوم تم حظرها لأن محتوى المنصة يقدم دعماً للفلسطينيين. لقد ربط نظام إدارة المحتوى في فيسبوك عن طريق الخطأ المسجد الأقصى - ثالث أقدس موقع في الإسلام - بمنظمة إرهابية، وفقاً لاتصالات داخلية للموظفين اطلع عليها موقع Buzzfeed.

في حالة ربما كانت الأكثر شهرة لنشر معلومات مضللة بشأن المشاهد في غزة، شارك المتحدث الرسمي باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي باللغة العربية، أوفير جندلمان، مقطع فيديو زعم أنه يظهر حماس وهي تطلق الصواريخ على إسرائيل. كان المقطع في الواقع من عام 2018، وأظهر إطلاق الصواريخ في محافظة درعا السورية. تم تصنيف التغريدة في البداية على أنها "إعلام مُتلاعب به" بواسطة تويتر، قبل أن يحذفها جندلمان نفسه.

كما نشر الحساب الرسمي للجيش الإسرائيلي على تويتر معلومات مضللة. شارك حساب قوات الدفاع الإسرائيلية (@IDF) مقطع فيديو يزعم أنه يُظهر حماس وهي تدمج قاذفات الصواريخ في الأحياء المدنية. ومع ذلك، أظهرت اللقطات في الواقع سلاحاً وهمياً استخدمته إسرائيل خلال مناورة تدريبية في شمال غرب البلاد. تمت إعادة مشاركة الفيديو بواسطة حساب تويتر الموثق "Stop Antisemites"، والذي اعتذر لاحقاً عن المعلومات المضللة. وفي الاعتذار، أصرت بشكل استفزازي على وصف اللقطات الفعلية بأنها جاءت من "حي أغلبية مسلمة"، فيما بدا أنه محاولة واضحة لربط سلاح إسرائيلي بالفلسطينيين.

وقال شتايا: "عادة ما تستخدم السلطات الإسرائيلية المعلومات المضللة والأخبار المزيفة كجزء أساسي من دعايتها. هذا النوع من المعلومات يؤثر بشكل كبير على وعي الناس والحركات السياسية الفلسطينية". وفقاً لمنظمة "حملة"، حدد 54٪ من المشاركين في الاستطلاع في تقريرها "الأخبار المزيفة في فلسطين" السلطات الإسرائيلية كمصدر رئيسي للأخبار المزيفة. ووجد البحث أيضاً أن هناك ارتفاعًا بنسبة 58٪ في الأخبار المزيفة أثناء الهجمات الإسرائيلية على الفلسطينيين.

ومن بين حالات أخرى من انتشار المعلومات المضللة عبر الإنترنت تقارير كاذبة تفيد بأن الفلسطينيين قاموا بتزوير مراسم جنازة في غزة في محاولة لجذب التعاطف العالمي. أظهر الفيديو المزيف، الذي شاركه مستشار وزارة الخارجية الإسرائيلية، دان بوراز، مجموعة من المراهقين يحملون "جثة". وعندما سمعت صفارات الإنذار بصوت عالٍ فجأة، هرع المراهقون - بمن فيهم "النعش" - يتفرق الجميع ويهربون. تم التقاط اللقطات في الواقع العام الماضي في الأردن من قبل مجموعة من الشباب الذين يحاولون تجنب قيود كوفيد-19 من خلال التظاهر بإقامة جنازة وهمية. شارك بوراز الفيديو مع هاشتاج "Pallywood"، وهو مفهوم مشوه للغاية صاغه دعاة اليمين المؤيد لإسرائيل في محاولة ساخرة لاتهام الفلسطينيين بتصوير معاناتهم بشكل درامي لكسب الود الدولي.

مثال آخر لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الذين يروجون لأخبار كاذبة لربط الناس في غزة بـ "Pallywood" يتضمن مشاركة مقطع فيديو يزعم أنه يظهر فلسطينيين يضعون المكياج على إصابات مزيفة ناجمة عن هجمات إسرائيلية. يمكن إرجاع المقطع، الذي تمت مشاركته الأسبوع الماضي، في الواقع إلى عام 2018، وكان جزءًا من تقرير إخباري عن فناني المكياج الفلسطينيين.

3. ما هو تأثير حملات الهاشتاغ (مثل #FreePalestine) على الرأي العام الدولي وحشد التضامن مع الفلسطينيين؟

لقد أحدث العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني تحولاً كبيراً في الرأي العام العالمي، عبر التواصل عبر الإنترنت والتعبئة والتأثير على السياسة وتغيير التصورات الدولية وتشكيل الحركات الناشطة. وأصبحت الوسوم أداة مهمة في نسج السرديات المعقدة على الإنترنت. مثل هاشتاغ #FreePalestine الذي أثبتت الدراسات أنه لا يُحدِث تغييرات في الرأي العام على الإنترنت فحسب، بل إنه يحشد أيضاً العمل الحقيقي ويشكل السرديات العالمية التي تؤثر على السياسة والأعمال. يشمل تحول الرأي العام تغييرات في مواقف الناس ووجهات نظرهم بشأن قضايا معينة. يقدم هاشتاغ #FreePalestine مثالاً ملموساً لكيفية أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي عاملاً في تحويل الرأي العام. في تطوير هذه الحملة، يمكن ملاحظة أن وسائل التواصل الاجتماعي ليست مجرد وسيلة لنقل الرسائل، ولكنها أيضاً أداة لحشد الدعم الجماهيري. تُظهر الأنشطة على وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة تلك المتعلقة بهاشتاغ #FreePalestine، التأثير الكبير للجهات الفاعلة والمؤثرة. يمكن للرسائل التي تنقلها الشخصيات المؤثرة أن تكتسب بسرعة انتباه الجمهور وتشكل آرائهم.

لا يعكس الهاشتاج رد فعل على الأحداث الجارية فحسب، بل يرمز أيضاً إلى المقاومة والنضال طويل الأمد. إن استخدام مثل هذه الوسوم كوسيلة للتضامن يخلق بُعداً تاريخياً يربط الماضي والحاضر والمستقبل. وتضيف مساهمة وانخراط الفاعلين المتضامنين الأفراد والمنظمات غير الحكومية في حملة الهاشتاغ بُعداً سياسياً وإنسانياُ وسعاً. ومن خلال هذا الدعم السياسي والإنساني، تساهم الحكومات والمنظمات غير الحكومية في إنشاء سرد أكثر إنصافاً للقضية الفلسطينية.

على سبيل المثال، يوجد في منصة التواصل الاجتماعي تويتر، هناك موضوع بارز ومهيمن في الغرفة X، ألا وهو الحوار السياسي، والذي يشمل هاشتاجين رئيسيين:

 #IsraelVsPalestine مع 20000 تغريدة و#BusinessPalestine مع 5000 تغريدة. وغالباً ما يعمل الحوار السياسي على تويتر كمساحة للتعبير والنقاش المتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني. يشير الهاشتاج #IsraelVsPalestine إلى الاهتمام والمشاركة العاليين، مما يعكس التوتر السياسي واستقطاب الآراء بين مستخدمي تويتر. بالإضافة إلى ذلك، يوفر #BusinessPalestine منظوراً أكثر تحديداً يتعلق بالجوانب الاقتصادية للصراع، مما يعكس الاهتمام والمخاوف بشأن التأثير الاقتصادي للصراع. على منصة فيسبوك، الموضوع المهيمن هو التضامن الفلسطيني، ويمثله هاشتاغان رئيسيان: #FreePalestine مع 10000 تغريدة و#SupportPalestine مع 8000 تغريدة. يعكس هذا التضامن دعماً واسع النطاق من مستخدمي فيسبوك لحرية فلسطين وقد يشمل حملات أو مبادرات مختلفة تؤكد على الجوانب الإنسانية والعدالة الاجتماعية. يشير العدد الكبير من التغريدات تحت كلا الهاشتاغين إلى قوة حركة التضامن هذه بين مستخدمي فيسبوك، مما يسلط الضوء على الدور الحاسم لوسائل التواصل الاجتماعي في تبني وتوحيد وجهات النظر بشأن الموقف من العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني.

4. كيف تؤثر الرقابة الرقمية على المحتوى الفلسطيني؟ وما هي التحديات التي يواجهها النشطاء في إيصال صوتهم للعالم؟

القيود والرقابة لها تأثير بعيد المدى على قدرة الناس على التواصل والتنظيم وتبادل المعلومات، وتحد من نقل الصورة والمعلومة الحقيقية للآخرين. عندما يتم حظر حسابك أو إزالة المحتوى الخاص بك، فمن الواضح أن هذا ينتهك قدرتك على ممارسة حقك في حرية التعبير عبر الإنترنت. وهذا ما تعتمده إسرائيل في محاولتها خنق ووأد الحقائق ومنع انتشار صور الظلم والقتل والدمار والتنكيل وهدم البيوت الذي يمارسه جيشها.

خلال أزمة حي الشيخ جراح في القدس حول عمليات الطرد الوشيكة في أوائل مايو/ 2021 على خلفية قرارات قضائية إسرائيلية تقضي بإخلاء منازل في الحي من سكانها الفلسطينيين لصالح جمعيات استيطانية صهيونية.

حيث أطلق الناشطون الفلسطينيون وأنصارهم في الخارج ناقوس الخطر بشأن حالات عديدة من إزالة منشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي والوسوم وحساباتهم أو إغلاقها أو تقييدها بطريقة أخرى. أثارت هذه السلسلة تساؤلات حول دور شركات التكنولوجيا الكبرى مثل فيسبوك وتيك توك وإنستغرام وتويتر في تعميق اختلال التوازن في القوة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، والطرق التي تساهم بها الرقابة على الفلسطينيين والناشطين من أجل حقوق الفلسطينيين في التخلص من الاحتلال والتشريد والظلم المستمر.

تم تعليق حساب الصحافية الفلسطينية منى الكرد على منصة إنستغرام لفترة لأنها وثّقت الانتهاكات الصهيونية اليومية التي تحدث في القدس. كما تم إزالة محتوى شقيقها محمد الكرد بسبب "خطاب الكراهية"، على الرغم من أنه قال إنه كان يصور عنف الشرطة الإسرائيلية ببساطة دون تعليق نصي.

والعديد من الفلسطينيين يشتكون أن قصصهم على وسائل التواصل الاجتماعي وخاصة إنستغرام وفيسبوك تتلقى مشاركة أقل ومشاهدات أقل لأسباب غير مفسرة. وفي الوقت نفسه تتم تعطيل حسابات مجموعات تضامنية مع الفلسطينيين والتي تضم مئات الآلاف من الأعضاء بصورة مؤقتة أو بصفة نهائية بسبب "مخالفة معايير المجتمع". أثيرت أسئلة أيضاً على تويتر عندما تم تعليق حساب الصحافية الفلسطينية مريم البرغوثي أثناء تقديمها تقريراً من مظاهرة تضامنية في الضفة الغربية المحتلة. أخبر تويتر لاحقاً موقع Vice أن القرار اتخذ عن طريق الخطأ - على الرغم من أنه فشل في توضيح الجزء المحدد من شروط الخدمة الذي اعتقد في البداية أن البرغوثي انتهكته.

علقت العديد من جماعات حقوق الإنسان على أن أي رقابة من عمالقة وسائل التواصل الاجتماعي قد ترقى إلى تدمير الأدلة في وثائق جرائم الحرب، والتي تراقبها المحكمة الجنائية الدولية حالياً فيما يتعلق بالعدوان الصهيوني الأخير.

في الوقت الذي يقوم فيه الفلسطينيون والمؤيدون لهم بتوثيق العنف الوحشي الصهيوني وجرائم الاحتلال من خلال الصور ومقاطع الفيديو، مع استخدام هاشتاغات باللغتين الإنجليزية والعربية. فإن النشطاء والمدافعين عن الحقوق الرقمية والمستخدمين انتقدوا منصات التواصل الاجتماعي بسبب الأدلة المتزايدة على الإزالة غير المبررة للمحتوى المؤيد للفلسطينيين. اعترف فيسبوك الأسبوع الماضي بأنه وصف بشكل غير دقيق بعض الكلمات التي يستخدمها الفلسطينيون عادة عبر الإنترنت (بما في ذلك "الشهيد" و"المقاومة") على أنها تحريض على العنف.

بين أكتوبر ونوفمبر 2023، وثقت هيومن رايتس ووتش أكثر من 1050 عملية إزالة وقمع أخرى للمحتوى على إنستغرام وفيسبوك نشره فلسطينيون وأنصارهم، بما في ذلك عن انتهاكات حقوق الإنسان.

5. كيف يمكن تعزيز المقاومة الإلكترونية في المستقبل؟

لقد حولت سهولة وسرعة المشاركة وإعادة التغريد وإعادة النشر وسائل التواصل الاجتماعي إلى أداة حاسمة في هذا التحول الناجح في السرد. جدير بالأهمية أن يستمر ويتواصل ويتطور عمل ودور وفاعلية المواطنين الفلسطينيين العاديين الذين يغطون بكاميرا الهاتف الأحدث التي تقع في فلسطين، من اعتداءات وقتل يقوم بها جنود جيش الاحتلال الصهيوني، الأمر الذي يؤدي إلى مضاعفة التضامن الدولي مع القضية الفلسطينية، ونزاهة الجمهور المتلقي.

ومن المهم تعزيز استقطاب الرأي من خلال استخدام الناشطون والمجموعات المهتمة بالقضية الفلسطينية فيسبوك كأداة لحشد الدعم ونشر الرسائل. حيث تكتسب الحملات عبر الإنترنت والعرائض والدعوات للتضامن زخماً من خلال كثافة التفاعلات على المنصات، مما يخلق تأثيراً كبيراً على الرأي العام.

أيضاً تشجيع عدد أكبر من المشاهير الإعلان عن مواقفهم من الغطرسة والتوحش الصهيوني علانية في مواقع التواصل الاجتماعي بدلاً من التحدث بها في غرف مغلقة، كما فعلت المغنية البريطانية من أصل ألباني "دوّا ليبا" التي أعلنت صراحة تضامنها مع فلسطين ومع غزة، وطالبت إسرائيل بوقف حملة التطهير العرقي والإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين. كلك دعا الممثل والمخرج والمنتج الأمريكي الشهير "مارك روفالو" إلى فرض عقوبات على إسرائيل، وطالب بوقف الدعم الأمريكي لإسرائيل الذي اعتبره أنه يغذي العنف ويعيق وقف إطلاق النار. وكتب تغريدة على موقع تويتر يدعم فيها سكان قطاع غزة، وحصدت أكثر من 15 مليون مشاهدة، وعشرات آلاف الإعجابات، وآلاف التعليقات خلال 24 ساعة فقط.

كما استخدمت العارضتان جيجي وبيلا حديد، ووالدهما فلسطيني، حساباتهما على وسائل التواصل الاجتماعي - التي تضم أكثر من 108 ملايين متابع مجتمعين - للتعبير عن دعمهما لفلسطين. وتصل منصاتهما الضخمة إلى الملايين في غضون ثوانٍ.

كل هذا يساعد في دفع التغيير في السرد الصهيوني المهيمن والسائد. حيث لا يمكن اعتبار وسائل الإعلام التقليدية مصدراً موثوقاً للحقائق. وهنا يبرز دور الإعلام الرقمي كأحد سلاح مقاومة العدوان الصهيوني، خاصة في الوقت الذي يتعذر فيه وصول الصحفيين والمحققين إلى أماكن كثيرة في فلسطين محدود للغاية لأسباب متعددة، فتصبح المسؤولية على عاتق المواطنين الذين يتحولون إلى صحفيين ينقلون جرائم الجيش الصهيوني إلى العالم خلال ثوان معدودة، وبوسائل بسيطة.

ومن المهم زيادة وتعميق التواصل ما بين النشطاء والفاعلين فيما بينهم، وفيما بينهم وبين شعوب العالم لزيادة الوعي بالقضية الفلسطينية وتعقيداتها، ولنقل صورة حقيقية عن حياة الناس ومعاناتهم اليومية نتيجة الاحتلال العسكري الإسرائيلي. وكذلك القيام بالعديد من الحملات والعرائض، أو حملات هاشتاغ، أو جمع الأموال للمشاريع على الإنترنت لدعم صمود الشعب الفلسطيني.

هذه الحملات المستمرة المنتظمة يجب أن تركز على أولاً: الدعوة إلى مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS)؛ وثانياً: زيادة الوعي بقضية فلسطين من خلال الأنشطة على الإنترنت وعلى الأرض. فيما يتعلق بمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها. مع وجوب أن تشمل الأنشطة تشجيع المتسوقين على مقاطعة المنتجات من المستوطنات الإسرائيلية. ووقف التعاون العلمي والأكاديمي مع الجامعات ومراكز الأبحاث الإسرائيلية، وممارسة الضغط رقمياً على الممثلين والفرق الموسيقية والمغنين الدعوة والتوقف عن القدوم إلى إسرائيل. ولزيادة الوعي بقضية فلسطين مهم تزويد الجماهير عبر الإنترنت على مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع المجموعات بقصص ذات طبيعة حقوقية، وإنسانية، تتضمن مثل هذه القصص معلومات عن الظروف المعيشية للشعب الفلسطيني في ظل الحكم العسكري الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة.

من المهم تغيير الطريقة التي كان يرى بها العالم الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على الشعب الفلسطيني. فالفلسطينيين وخاصة الذين يعيشون في غزة الآن ليس لديهم خيار سوى أن يكونوا صحفيين حرب.

***

د. حسن العاصي

أكاديمي وباحث فلسطيني

ملاحظات أولية

تتواصل أزمة تلوث الهواء في أجواء العراق، وخاصة في العاصمة بغداد وأطرافها، بالملوثات الغازية السامة والضارة، في ظل عجز الحكومة عن معالجتها وحتى عن التخفيف من وطأتها على المواطنين.

قبل نحو، سبوعين عاش المواطنون في بغداد والأطراف المحيطة بها فترة هدوء قصيرة، خالية نسبياً من الملوثات والروائح الكريهة. يعود الفضل فيها للأمطار التي هطلت ونظفت الأجواء من الملوثات العالقة..

بيد ان فترة الهدوء لم تدم طويلا. فبينما كان العراقيون ينتظرون على مضض، مع أمل لدى البعض منهم، أن تنفذ الجهات الحكومية المعنية بحماية وتحسين البيئة، وعد رئيس الحكومة السيد السوداني، الذي أطلقه في 15/10/2024، بـ " إجراءات شاملة لمواجهة التلوث وتحسين البيئة في العاصمة بغداد ".. فجأة شهدت سماء العاصمة ليلة وفجر ونهار يوم الأحد الماضي، من جديد، سحابة دخان كثيف خانق، وروائح كبريتية كريهة، بلون اختناقها الأصفر، دخل المستشفيات على أثرها نحو 200.مواطن، أغلبهم من مرضى الربو وعجز القلب.

وشكلت عودة الدخان الخانق قلقاً واسعاً بين المواطنين من تفاقم التلوث بالغازات السامة، ضاعفت من تصاعد مخاوفهم من تأثيراتها الصحية عليهم وعلى أطفالهم.. وقد رصدت " شفق نيوز"، في فبديو لها، في 17/11/2024، غيوم الكبريت التي غزت سماء بغداد ولوثت أجوائها، معلقة بان هذه الغيوم: " ما تزال تعاند قرارات وإجراءات الحكومة العراقية، وتعود مرة أخرى لتطلي صباح العاصمة ومساءها بلونها الأصفر ورائحتها الكبريتية الخانقة ". وجالت كاميرا الوكالة، محلقة في سماء بغداد، توثق انتشار الدخان الأصفر الذي يتسبب بالكثير من حالات الاختناق والأعراض المرضية الأخرى عند أهالي العاصمة، الذين ينتظرون حلاً حكومياً جدياً، أو أن تحن عليهم السماء ببعض المطر ليغسل الهواء الملوث"..

والمعروف ان أجواء العاصمة بغداد وأطرافها تُعاني منذ أشهر من انتشار رائحة الكبريت، إلا أنها ازدادت بشكل ملحوظ خلال الشهرين الأخيرين، مما أثار شكاوى السكان مجدداً من تأثيره على جودة الهواء وعلى صحتهم وحياتهم، مصعدين من مطالباتهم المتكررة للجهات الحكومية، بالتدخل العاجل لإيجاد حلول جدية تحدُ من الانبعاثات الملوثة وتحسن جودة الهواء.

وقد كشف "المؤشر العالمي لجودة الحياة المرتبطة بتلوث الهواء" لعام 2024، ان اكثر المناطق تلوثا في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا تقع في العراق، حيث بلغت نسبتها 78%-كما أسلفنا في حلقة سابقة

وأشار الخبير في الهيئة العامة للأنواء الجوية والرصد الزلزالي في العراق صادق عطية، إلى تسجيل "ارتفاع كبير وخطير" في مستويات التلوث بالعراق، وقال في منشور عبر حسابه بفيسبوك في 18/10/2024،، إن "خارطة مستويات التلوث AQI في العراق، ومنها العاصمة بغداد، تشير إلى قيم عالية تتجاوز 150-225 مليغرام/ متر مكعب "

وقبل ذلك بيومين، نشرت أستاذة الهندسة البيئية د. سعاد ناجي العزاوي مؤشر تلوث الهواء في العراق ليوم 16/10/ 2024، وقد بلغ 203، اي 10 مرات أعلى من الحدود المقبولة للتلوث التي حددتها منظمة الصحة العالمية " Independent" )عربية"، 26/10/ 2024).

والطامة، أن يخرج المتحدث باسم وزارة البيئة على المواطنين الذين يعانون منذ شهرين وأكثر من الهواء الملوث بأوكسيد الكبريت والأبخرة والغازات السامة الاخرى والروائح الكريهة، المخيمة كثيفا على بغداد، وتلحق الضرر بصحتهم وتهدد حياتهم، زاعماً: "لا داعي للقلق"! وان " الوزارة تراقب الوضع عن كثب".

ولم يوضح سيادته ما فائدة " المراقبة عن كثب" للمواطنين، خاصة الذين يعانون من مشاكل صحية، وأدى التلوث الى تفاقم حالتهم، والأطباء يواصلون تحذيراتهم من ان السحابة الكبريتية تزيد من خطر التعرض للسكتة الدماغية، وامراض القلب، والربو القصبي، وسرطان الرئة، وحتى الوفاة المبكرة.

وبما ان حبل الكذب قصير-كما يقول المثل الشائع، فقد ردت لجنة الصحة والبيئة البرلمانية، في الأثناء، على مزاعم وزارة البيئة بـ"مراقبتها عن كثب"، وهو رد يُعتبر بمثابة تكذيب لها، بكشفها بان محطات الوزارة لقياس نقاوة الهواء معطلة منذ اعوام طويلة، وان تأهيلها يتطلب 2،5 مليار دينار، بينما ميزانية الوزارة للعام الحالي لا تصل الى مليار واحد" ("المدى"، 18 /11/2024)..

ولم ترد وزارة البيئة على اللجنة البرلمانية لحد اليوم.. وسكوتها يعني انها كانت تضلل المواطنين ولا تقول الحقيقة، وبالتالي فهي لا تبالي بالمخاطر الصحية لتلوث الهواء على المواطنين. وبذلك فهي لا تلتزم بواجباتها ومسؤولياتها جاههم وتجاه المجتمع العراقي برمته.

والمفارقة الأخرى، هي ان وزارة البيئة كانت قد حددت في 13/10/2024، أماكن بؤر التلوث في العاصمة، وأكدت أنها تتمثل بمحطات توليد الطاقة الكهرباء التي تستخدم الوقود الثقيل ( النفط الأسود)، مثل: محطة توليد الكهرباء في الدورة، ومعامل الاسفلت المؤكسد وغير المؤكسد، ومعامل الطابوق المنتشرة في حزام وضواحي بغداد، بالاضافة الى مواقع تراكم النفايات، والمطامر غير الصحية، خصوصا مواقع معسكر الرشيد، والنهروان، والنباعي، والتاجي، بالإضافة الى الحرق العشوائي، خاصة أثناء الليل، وكذلك كور الصهر غير القانونية التي تنتشر بين الأحياء السكنية، والتي يصاحبها انبعاثات غازية ضارة” (المصدر السابق).

وقد حملَّ رئيس الحكومة السيد السوداني، في 15/10/2024، المسؤولية على الممارسات الحكومية الخاطئة في التعامل مع التلوث البيئي، وكشف عن إتخاذ إجراءات شاملة لمواجهة التلوث وتحسين البيئة في العاصمة بغداد. ووجه، بتشكيل لجنة متخصصة لدراسة حالة التلوث وتكرار انبعاث رائحة الكبريت المنتشرة في بغداد والمحافظات المجاورة، وبيان أسبابها ومعالجتها، مشدداً على ضرورة وضع حلول جذرية للمشكلة، ودراسة الأمر من جميع جوانبه، بحيث تُقدم اللجنة تقريرها الخاص بالموضوع خلال يومين (" الشرق. نت"، 18/10/ 2024..

هنا لابد من ملاحظة.. السيد رئيس مجلس الوزراء مهندس زراعي قديم، وكان إدارياً ناجحاً في وظائفه السابقة- كما وُصِفَ.. فهل من المعقول ان يطلب سيادته تحقيق جملة قضايا مهمة جداً (تشكيل لجنة من ذوي الكفاءة والخبرة، وتجتمع اللجنة، وتقترح معالجات مدروسة وفاعلة وقابلة للتطبيق) خلال يومين فقط ؟ّ!!.

بصراحة يا حضرة رئيس الحكومة، نقولها، مع تقديرنا لحرصك وطموحاتك الخدمية، أنك أوقعت نفسك بنفسك، مرة أخرى، في مطب التخبط والعشوائية وسوء الإدارة، الى جانب التهكمات..

ثم، ان هذا الحدث وما رافقه من تلكؤ وتقصير ولا أبالية، أليست كافية لمحاسبة المسؤولين المتنفذين المقصرين الذين أوصلوا البيئة العراقية الى هذه الحال ؟

أم ان القيود المفروضة عليك تمنعك من القيام بذلك ؟.

وبالعودة الى ما ذكرناه في المقدمة بان المواطنين ينتظرون على مضض تنفيذ الوعود، لأنهم شبعوا حد التخمة منها ومن تشكيل اللجان، معتبرين "تشكيل لجنة" يعني موت القضية المطروحة، وستكون في خبر كان، ذلك لأنه تم طيلة العقدين المنصرمين. تشكيل مئات اللجان، ولم تعُلن نتائج ولا لجنة واحدة رغم مرور أعوام، أو على الأقل أشهر عديدة، على تشكيلها.. ولم يسأل أحد من المسؤولين أو الجهات المعنية عنها..

وبشأن اللجنة التي أمر رئيس الحكومة بتشكيلها، فلا نعلم هل تشكلت فعلآ وضمن مواصفات المهنية والكفاءة العلمية والخبرة الإدارية.. وإذا تشكلت، فهل قدمت، في هذا الوقت القصير جداً، معالجاتها الجادة والفاعلة للمشكلة المطروحة؟ وهل المعالجات التي قدمتها مدروسة وقابلة للتنفيذ؟

حبذا لو تنشر مقترحات اللجنة ليساهم الخبراء البيئيون من خارج وزارة البيئة، في العراق وخارجه، في إغنائها..

وبالرجوع لما شهدته أجواء بغداد من عودة جديدة للدخان الكثيف والخانق والروائح الكريهة، ما يزال المسؤولون المعنيون يتحدثون ويبحثون عن الأسباب، بينما المواطنون ينتظرون من فترة طويلة وضع حد عاحل لهذا النوع من التلوث الذي أضر بصحتهم كثيرا.

أما ما. أما متى يشرعون بالعمل لمعالجة المشكلة جذرياً.. فعيش وشوف!!!

في يوم الاحد 17/11/2024 تحدثت لجنة الصحة والبيئة النيابية عن أسباب عودة الدخان الكثيف والروائح الكريهة. وقال عضو اللجنة، النائب باسم الغرابي ان "أحد أبرز أسباب انتشار الروائح الغريبة الشبيهة بالكبريت، هو حرق النفايات، ومخلفاتها غير المسيطر عليه ".

وأضاف " أن الحكومة شرعت بحملة من قوى الامن وبالتالي أوقفت الحرق نوعا ما، واختفت السحب الدخانية"، مستدركا "عندما توقفت الحملة الحكومية عادت الناس تحرق في نفس الأماكن".

ومن الاسباب الاخرى، وفق الغرابي، هو "انتشار معامل الطابوق ومعامل الاسفلت قرب المناطق السكنية، واستخدام النفط الاسود واستخدام مولدات كهرباء تعمل بالنفط الثقيل او الوقود الثقيل والنفط الاسود، فضلا عن تأثيرات المصافي، مثل الدورة ومخلفاته، التي تنبعث منها نتيجة التكرير، ومكانات الصهر الموجودة في داخل الاحياء غير مسيطر عليها" ("المدى"، 18/11/2024)..

لم توضح اللجنة البرلمانية المتخصصة ما الجديد فيما أعلنته، وهو معروف للقاصي والداني. وقد شخصت مصادر بيئية عديدة ان السبب الرئيسي وراء هذه الظاهرة يعود إلى استمرار بعض المعامل الصناعية في استخدام الوقود الثقيل، المعروف بتسببه في انبعاثات ملوثة عالية، على الرغم من الدعوات السابقة لإغلاق هذه المنشآت أو التحول إلى بدائل طاقة أنظف.

وثمة مصادر كانت أكثر جرأة من غيرها، عندما قالت بأنه رغم الجهود الحكومية المعلنة لمكافحة التلوث البيئي، إلا أن العديد من تلك المعامل لم تخضع للإجراءات العقابية أو الإغلاقات المطلوبة، مما يعكس وجود فجوة في تطبيق القوانين البيئية. ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه شكاوى المواطنين من تردي نوعية الهواء، حيث تتسبب الانبعاثات السامة في ارتفاع معدلات الأمراض التنفسية، لا سيما بين الأطفال وكبار السن. وإن غياب الرقابة الصارمة واستمرار السماح باستخدام الوقود الثقيل يشكلان عقبة رئيسية أمام تحسين جودة الهواء في بغداد. وطالب ناشطون بيئيون باتخاذ إجراءات حازمة تشمل إغلاق المعامل المخالفة وتحفيز الانتقال إلى مصادر طاقة مستدامة.

وأكد المختص البيئي، مرتضى حاتم بإن "استمرار استخدام الوقود الثقيل في المعامل الصناعية دون اتخاذ حلول جذرية يشكل تهديدًا كبيرًا للصحة العامة في بغداد، حيث أشار إلى أن الانبعاثات الناتجة عن حرق هذا النوع من الوقود تحتوي على جسيمات دقيقة ومواد سامة ترتبط مباشرة بزيادة معدلات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والقلب، إضافة إلى مضاعفات خطيرة على الفئات الأكثر ضعفًا، مثل الأطفال وكبار السن".

ونبه حاتم الى أن "تراكم الملوثات في الهواء لا يقتصر تأثيره على الصحة الفردية، بل يمتد ليؤثر على النظام الصحي العام من خلال ارتفاع حالات الاستشفاء والتكاليف الطبية".وتابع أن "الأزمة لن تُحل بإجراءات شكلية، داعيًا الجهات المعنية إلى تبني سياسات صارمة تشمل إغلاق المصانع المخالفة، ودعم التحول إلى بدائل طاقة نظيفة تقلل من آثار التلوث على البيئة وسكان العاصمة" ("المدى"، 17/11/2024)

ثم، ان وزارة البيئة ذاتها أعلنت بأن “عودة الروائح وارتفاع تراكيز الملوثات في سماء بغداد سببها إصرار بعض الأنشطة الصناعية والبلدية المخالفة على مزاولة عملها في ساعات الليل”، مبينة أن “إدارتها العليا وفرقها الرقابية تعمل ميدانيا على مدار الساعة على متابعة مصادر تلوث الهواء في بغداد”.

وقال الوكيل الفني لوزارة البيئة د. جاسم الفلاحي، إنه "رغم ان الحالة الطقسية تسهم في وضوح تلك الروائح الا ان هنالك مشكلة كبيرة في إصرار عدد من الأنشطة الصناعية وغيرها بعدم الامتثال لقرارات الغلق واعتماد وسائل حرق مخالفة لأبسط المحددات البيئة". وأشار إلى أن "تقارير مديرية بيئة بغداد الموثقة استعرضت ابرز أسباب تفاقم التلوث يعود إلى استمرار الحرق السلبي في معامل الطابوق وكور الصهر غير القانونية والأسفلت في النهروان وبعض مناطق بغداد إضافة إلى حرق النفايات المستمر في معسكر الرشيد والنهروان وبعض مواقع جمع النفايات رغم وجود مراكز بلدية وبلديات تابعة إلى امانة بغداد والجهات الامنية الماسكة للأرض تتولى تلك المسؤولية".

كما حذر الوكيل الفني من أن "التقرير الشهري الذي ستعرضه الوزارة على مجلس الوزراء الموقر سيتضمن أسماء وعناوين الأنشطة المستمرة بالمخالفات والجهات القطاعية المعنية بإيقاف تلك الأنشطة" ("المدى"، 17/11/2024)..

والتساؤل الذي يطرح نفسه هنا: هل سيعقب التحذير المذكور إجراءات رادعة ومعالجات فاعلة عاجلة ؟ أم ان المشكلة ستبقى موضع تصريحات وتوضيحات وتفسيرات بين المسؤولين المعنيين، بينما الوضع البيئي المتردي يتفاقم يوماً بعد اَخر، ويفتك تلوث الهواء بملوثات اوكسيد الكبريت والأبخرة والغازات السامة الاخرى، بالمواطنين ويلحق اشد الضرر بصحتهم، ويرهقهم بروائحه الكريهة، بينما يواصل الأطباء التنبيه والتحذير من خطورة هذا التلوث، الذي يزيد خطر التعرض للسكتة الدماغية وامراض القلب والربو وسرطان الرئة وغيرها..

هل ثمة أمل في انتظار المواطنين لحلول عاجلة، أم سيكتفون بـ"تطمين" المتحدث باسم وزارة البيئة لهم: "لا داعي للقلق"! لان وزارته "تراقب الوضع عن كثب"، وأمرهم لله لأن المراقبة واهية- محطات وزارة البيئة لقياس نقاوة الهواء معطلة منذ اعوام طويلة..

الى هذا، كتب راصد الطريق:" كانت جهات معنية مختلفة، بينها وزارة البيئة، قد ذكرت سابقا ان التخلص من التلوث الخطير ممكن عن طريق اغلاق المعامل التي ترفض استخدام وقود نظيف، وفرض هذا الوقود على محطات الكهرباء والانشطة الصناعية الاخرى بضمنها معامل الطابوق، ومنع احراق النفايات في المطامر العشوائية، وغير ذلك.. لكن شيئا من هذا لم يتحقق حتى الساعة، ولم يتم اغلاق او معاقبة أي معمل او جهة اخرى مخالفة."..

وتساءل بحق: "فهل ان هذا الحال، واستمرار اختناق بغداد والبغداديين، مما يروق للوزارة وللحكومة.. ام ماذا ؟ " ("طريق الشعب"، 19/11/2024)..

فهل من مجيب؟

***

الأستاذ الدكتور كاظم المقدادي أكاديمي متقاعد، متخصص بالصحة والبيئة، عراقي مقيم في السويد

 

.. جنوب لبنان جزء من "إسرائيل" أم العكس؟

كلام رغبوي خارج السياق

في آخر مقالة لي نُشرت في الأخبار (16 تشرين الثاني 2024)، كتبتُ أنَّ إقليم فينيقيا مجاور لشمال فلسطين ويتداخل مع الجليل الفلسطيني الأعلى. مالم أقله حينها لانعدام الحاجة والسياق هو أنَّ من حق اللبنانيين أن يقولوا إنَّ الجليل كان جزءاً جنوبياً من فينيقيا، مثلما أن من حق الفلسطينيين القول إن فينيقيا كلها كانت جزءاً شمالياً من أرض كنعان.

الجديد، هو أن موظفاً إعلامياً في مكتب نتنياهو يدعى مايكل فرويند كتب مقالة في صحيفة "جيروزاليم بوست - عدد 17 تشرين الثاني- نوفمبر 2024" عنوانها: "جنوب لبنان هو في الواقع شمال إسرائيل". فما علاقة الكيان الصهيوني المصطنع "إسرائيل" بالعلاقة بين فينيقيا وأرض كنعان القديمتين، بل وما علاقة الكيان القديم "مملكة إسرائيل" الوثنية والتي لعنتها ولعنت ملوكها التوراةُ بهذه السياقات؟

كتب فرويند: "الحقيقة هي أن الحدود الحالية بين إسرائيل ولبنان لا يزيد عمرها على قرن من الزمان وهي حدود مصطنعة بالكامل"، وكأن حدود كيانه ليست مصطنعة، وهو يعلم أنه لولا الأموال والسلاح الأميركي الإبادي لما استمر قائماً بضعة أشهر لا بضع سنوات! ويضيف أن هذه الحدود "هي من بقايا زمن كان فيه المستعمرون الأوروبيون يرسمون خطوطاً على الخرائط على زجاجة البراندي في غرف مليئة بالدخان. من الناحية التاريخية، فإن جنوب لبنان هو في الواقع شمال إسرائيل، وجذور الشعب اليهودي في المنطقة عميقة". إنَّ فرويند يتناسى أن كيانه "إسرائيل" قد رسم خريطته أحد أولئك المستعمرين الأوروبيين ويدعى بلفور في غرفة لا تقل دخاناً ودماء.

وإذا كان من حق فرويند ومشغله ميليكوفسكي نتياهو أن يعودا إلى قصة إسرائيل الوثنية على أرض كنعان أو إلى أرض مملكة يهوذا التوحيدية، فإنَّ من حق اللبنانيين والفلسطينيين اليوم أن يعودوا أيضاً الى تلك هذه الحقب التاريخية السحيقة ويطالبوا بطرد محتلي أرض كنعان. والحقيقة فلا علاقة لغزاة اليوم، لا بأرض كنعان ولا حتى بالعبرانيين أو ببني إسرائيل القدماء. فهؤلاء الذي يزعمون أنهم يهود إنما هم متهودون من شعوب وأعراق أخرى، وقصة صعود وانهيار مملكة "خانية" الخزر (650 -1048 م) وملكها المتهوِّد إيبوزير جاليفان (688–711م) جنوب روسيا موثقة ومعروفة.

عشرون مدينة فينيقية في الجليل

إنَّ أدلة فرويند وحججه ليست إلا اقتباسات انتقائية من التوراة: فمن سفر التكوين (10:19) يقتبس "حدود كنعان تمتد من صيدا نحو جِرار إلى غزة". ثم يقفز من هذا الواقع الجغراسياسي لما قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام ليتحدث عن صيدا، المعاصرة ثم يقتبس من سفر التكوين (49: 13) دليلاً توراتياً آخر هو البركة التي منحها "بطريركنا التوراتي يعقوب أبناءه الإثني عشر، وكانت البركة التي أعطاها لابنه زبولون تنص على "ويسكن زبولون عند شاطئ البحر ويكون ميناء سفن، ويكون تخومه إلى صيدا". ومن سفر يشوع (13: 6) يقتبس ورود اسم صيدا صراحةً "باعتبارها المدينة الموعودة للشعب اليهودي، أن حدود سبط آشير كانت تمتد إلى صيدا".

من السهل أن نرد على فرويند وزملائه باقتباسات مضادة من التوراة نفسها، ونطالبهم بإعادة عشرين مدينة في الجليل منحها الملك سليمان للملك الفينيقي حيرام كمقابل لما بعثه له هذا الأخير من ذهب وأخشاب أرز كما ورد في الإصحاح التاسع من سفر الملوك الأول لنقرأ (9 :11) من هذا السفر: "وكان حيرام ملك صور قد ساعف (أسعف – زوَّد) سليمان بخشب أرز وخشب سرو وذهب حسب كل مسرته، أعطى حينئذ الملك سليمان حيرام عشرين مدينة في أرض الجليل ويعيد إلى أحفاد حيرام في صيدا تلك المدن العشرين في الجليل". وكلام التوراة واضح في أن هذه المدن ستعاد إلى أحفاد حيرام أي إنها فينيقية في الأصل! فهل سيعيد فرويند وحكومته هذه المدن العشرين لأحفاد حيرام في صيدا المعاصرة أم أنه سيأخذ من التوراة ما يعجبه فقط؟

ولكننا لن نلجأ إلى النصوص الدينية لأن مدارها وجوهرها دينيان، غيبيان، وأخلاقيان ولا علاقة لهما بمناهج البحث العلمي الحديث في ميادين الإناسة والآثار والحضارات القديمة بل سنلجأ إلى سجلات العلم لنلاحظ:

-إن الدول في عصرنا الحاضر لا تقوم وتحدد حدودها بناء على ما يرد في الكتب الدينية كالتوراة وغيرها، فالتوراة تُلْزِمُ المؤمنين بحرفيتها وصدقيتها فحسب، ولكنها غير مُلْزِمَةٍ لغير المؤمنين بها أو المتضررين منها!

بكلمات أخرى؛ إذا كانت التوراة مُلْزِمة لفرويند فما حجيتها وإلزامها على المسلمين الذين يعتبرون التوراة والأناجيل الحالية محرفة ومختلفة عن تلك التي أنزلت على الأنبياء؟ ولنفترض أن فرويند وجد لبنانيين يتفقون معه على مرجعية التوراة التي تقول إنَّ صيدا هي المدينة الموعودة للشعب اليهودي، فهل سيتفق معهم على تنفيذ ما قاله الإصحاح العاشر من سفر الملوك عن فينيقية عشرين مدينة في الجليل ويعيدها إليهم؟

إن الاحتكام إلى النصوص الدينية لم يعد من عوامل تأسيس الدول ورسم حدودها ولا دور لها في تأصيل وتكريس المعاهدات الدولية في عصرنا، وإنَّ علوما أخرى بدأت تتخصص في دراسة التاريخ القديم وفروعه المختلفة كتاريخ الإنسان واللغات المنقرضة والحية والحضارات، تعتمد الأدلة الآثارية الملموسة والمؤكدة مختبريا بنظائر الكاربون المشع 14 وعلم المورثات والهندسة الجينية وعلوم الألسنيات واللغات القديمة والصوتيات...إلخ.

لن نغوص كثيرا في موضوع التفريق بين الكنعانيين والفينيقيين والعلاقة بينهما، وهل هما شعبان أم شعب واحد سكن إقليمين فصار لاحقا شعبين (كنعانيو الداخل وكنعانيو الساحل). ولكننا نعلم من التأريخ أن النشاط البحري التجاري الفينيقي كان قوياً في عهد الدولة المصرية الوسطى (2050 - 1710 ق.م) فصاعدا، وثمة صورة منحوتة لسفينة فينيقية رسمت على جدران أحد المعابد المصرية تعود إلى عام 1400 ق.م. أما الحدود التخمينية بين الجليل الفلسطيني وفينيقيا الجنوبية فهي متداخلة كما قلنا منذ أقدم العصور.

فينيقيا وفلسطين القديمتين

 ولكننا، نضع اليد على واحدة من تجليات الظاهرة الحدودية الجنينية بين الإقليمين فقد تحول جبل الكرمل في الجليل إلى "فاصلة تحجز بين الفينيقيين والقادمين الجدد "الفلسطة". ولهذا ما عاد الساحل الفلسطيني إلى جنوب الكرمل يدخل ضمن فينيقيا بعد ذلك التاريخ (القرن الثاني عشر ق.م) وصار اسمه (ساحل بلستيا). كما يكتب يوسف سامي اليوسف في "تاريخ فلسطين عبر العصور - ص 58".

لقد كانت حدود فينيقيا الشرقية "الآسيوية" في أقصى اتساع لها، تمتد من كوراسيزيوم جنوب تركيا الحالية وحتى ربيحو "رفح" جنوب فلسطين (خريطة الأبرشية المشرقية)، ثم تقلصت وأمست تمتد من جنوب أوغاريت الكنعانية وحتى شمال مدينة مجيدو (تل المستلم) شمالي فلسطين الكنعانية. ثم انكمشت أكثر ولم تعد تتجاوز حدود مدينتي صور وصيدا وريفهما. أما فينيقيا الغربية الأفريقية وعاصمتها قرطاجنة "قرت حدشت/ قرية حديثة" فلها شأن آخر. فعن أي فينيقيا يريدنا فرويند أنْ نتحدث؟

كلمة إسرائيل ليست عبرية ولا يهودية

إذا كان الموظف في مكتب نتنياهو يحشد أدلته وبراهينه من كتابه المقدس فهذا شأنه، أما نحن فسوف نستقرئ ما تقوله العلوم والأبحاث التأريخية والأنثروبولوجية وعلوم مقارنة الأديان والحضارات:

- تقول الإيتمولوجيا (علم التأثيل اللغوي) إن كلمة "إسرائيل" نفسها لا علاقة لها باللغة العبرية في طورها التوحيدي فهي تتألف من (إسرا) التي تفسرها التوراة نفسها بـ "صرع" في عبارة "صرع الله" التي صارت لقبا ليعقوب بعد أن صرع يعقوب الإله فجرا (تك 32:28). كما وردت لكلمة عدة معانٍ أخرى منها "جندي ئيل، عبد ئيل، وأسير ئيل" مع ثبات اسم (ئيل) كبير الألهة الوثنية في بلاد الرافدين وأرض كنعان القديمة كلها. ومن تركيباتها بابل = باب ئيل، العاصمة الرافدانية المعروفة، وكربلاء "كرب ئيل = قرب ئيل. ومن أسماء الملوك الآراميين الوثنيين القدماء لدينا قائمة طويلة تنتهي باسم الإله ئيل ومنهم ملك دمشق حزائيل الذي قاد تحالف ممالك المدن الآرامية ضد الغزو الآشوري في (853 ق.م). وعلى هذا فكل اسم ينتهي بـ (ئيل) هو وثني تعددي ولا علاقة له بالعبرانيين واليهود الموحدين وإلههم "يهوه".

-تقول الفيلولوجيا (فقه اللغة ودراسة النصوص القديمة) إنَّ هناك إلهاً فينيقياً وثنياً يدعى "إسرائيل". تكلم عنه مؤرخ وكاهن فينيقي يدعى سنخوناثان (سَنْكُنْيَتُنْ) في كتابه عن تاريخ الفينيقيين، وترجمه إلى اليونانية الكاتب الفينيقي فيلون الجبيلي. وقد كتب الراحل زكريا محمد في مقالة مهمة له (الأخبار- 1 كانون الأول 2018) أن هذا الكتاب لم يصلنا "لكن فقرات منه وردت في كتابات الكتاب المسيحيين الفلسطينيين. وهناك على الأخص فقرة مهمة جداً من يوسيبيوس تعلمنا بوجود هذا الإله: "أما كرونوس (ساتيرن) الذي يدعوه الفينيقيون إسرائيل، والذي ألّه بعد موته، وجُعل في النجم الذي يحمل اسمه، فإنه عندما كان ملكاً، كان له ابن وحيد من حورية تدعى أنوبرت، ولهذا ما زال الفينيقيون يسمونه بالوحيد. وحين أحاقت بأرضه مصائب الحرب، فقد زيّن المذبح، وألبس ابنه الرموز الملوكية وضحى به - (Richmond, (1876، Cory’s Ancient Fragments, Page21-22".

- وإنَّ صهيون كلمة كنعانية وهي وصف طوبوغرافي باللغة الكنعانية لجبل في ضواحي القدس، كما يقول الباحث المقدسي إيهاب الجلاد، الذي يرى أن "الجبل حين ذُكر باسمه هذا في التوراة فهذا يعني أنه موجود قبل ظهور بني إسرائيل، وما جاء كان وصفاً لمكان قائم أصلا". مضيفاً أن "صهيون" أحد أسماء مدينة القدس قديماً. وعدا عن جبل صهيون بالقدس، يحمل جبلٌ في ريف اللاذقية بسوريا، وآخر في اليمن اسم "صهيون" كناية عن علوهما ومنعتهما".

الإله إسرائيل الفينيقي

بالعودة إلى ما كتبه الراحل محمد زكريا نجد أنه ربطه بين هذا الإله ومملكة إسرائيل القديمة الشمالية، والتي وصفناها بالوثنية التعددية، بما يؤكد ديانتها وهويتها الوثنية الكنعانية وربما كان هذا الربط متسرعا ويحتاج إلى مزيد من التقصي والتمحيص. ويلفت محمد نظر قارئه إلى أنَّ المؤرخين الغربيين كلهم، شطبوا اسم هذا الإله من الوجود. لقد رفضوا تصديق وجود إله باسم إسرائيل، مفترضين أن وجوده خطأ من الناسخين لا غير، وأن الاسم يجب أن يكون في الأصل «ئيل/ الوثني» وليس «إسرائيل». مع أن الأحرى بهم كان أن يرفضوا اسم إسرائيل نفسه كاسم توحيدي عبراني وهو ليس كذلك! ويضيف الراحل: "إن الغالبية العظمى - من المؤرخين والباحثين الغربيين - تضع، تقتبس النص أعلاه، «ئيل» مكان «إسرائيل» من دون أن تشير إلى ذلك أبداً، أي من دون أن تخبر القارئ أن الاسم في نسخة يوسيبيوس هو «إسرائيل». وقد أذهلني هذا تماماً حين اكتشفته. وهكذا مُحي اسم هذا الإله الفينيقي. وقد محي لأن وجود إله باسم "إسرائيل" يثير اضطراباً، قد يؤدي إلى تغيير الصورة السائدة للديانة اليهودية جذرياً. فبناء على وجوده، يكون بنو إسرائيل عباد هذا الإله -الوثني -في الأصل". إن وثنية دولة إسرائيل الشمالية تعترف بها حتى التوراة فهي تصب لعناتها عليها وعلى ملوكها لهذا السبب بالذات ولأنهم عبدوا البعل – الإله الوثني المقابل لئيل -وهو ليس أمرا جديدا إنما الجديد في الاسم ومنشئه الفينيقي.

وأخيرا فإن الأدلة المادية التي يوردها فرويند كدليل على قِدم الوجود اليهودي في جنوب لبنان كقبر زفلون في صيدا وقبر أهليآب بن أخيساماخ في بلدة سُجد وقبر النبي التوراتي صفنيا في قرية جبل صافي، إنْ صحت يهوديتها لا تعني إلا أمرين حاسمين ومهمين؛ الأول، وقد اعترف به المؤرخون يهود منصفون وهو سماحة وإنسانية الحضارات العربية والمشرقية القديمة مع الأقليات الدينية وخاصة مع اليهود الذين عاشوا قرونا طويلة في بلاد الرافدين (حيث لاتزال قائمة أضرحة ومقامات أنبياء يهود منهم النبي القرآني ذو الكفل (حزقيال التوراتي) في بابل وعزرا في أقصى الجنوب العراقي) وبلاد الشام ومصر وشمال أفريقيا واليمن وتركوا وراءهم العديد من الآثار التراثية بعد أن اقتلعتهم الحركة الصهيونية العنصرية ودولتها من جذورهم بوسائل إرهابية استخبارية.

الأمر الثاني الذي تؤكده هذه الأدلة وغيرها هو أصالة وقِدم الوجود اليهودي الحقيقي في العالم العربي ولكنه وجود وتراث لا علاقة له بالوجود الإشكنازي الخزري المتهود والذي جاءت الحركة الصهيونية بغالبيته من شتى بقاع العالم وحولته الى جيش مسلح استيطاني، في كيان وصفه أرئيل شارون بأنه عبارة عن "حاملة طائرات أميركية ثابتة" كما اقتبس وزير استخباراته يوفال شتاينتس، قبل أن يتحول من حاملة طائرات ثابتة إلى عصابات دموية متحركة بزعامة التيار الصهيوديني لتمارس الإبادة الجماعية والتطهير العرقي علناً ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني!

***

علاء اللامي - *كاتب عراقي

لم يعد التعداد السكاني يقتصر على معرفة عدد نفوس الدولة وبيانات عن عدد المواطنين من حيث النوع الاجتماعي (ذكور، اناث) والعمر والمهنة و.. ، بل انتقل الآن الى توفير قاعدة بيانات تساعد في اتخاذ قرارات لتحسين كافة قطاعات الدولة : التعليم، الصحة، الدراسات العلمية، الخدمات.... وكل ما يمكّن وزارة التخطيط بأجراء دراسات أكاديمية تساعد على تطوير الوطن.

 وعلى صعيد المواطن، فان أهم أجراء يحققه هو (العدالة الاجتماعية) وتعني.. تحقيق المواطنة المتساوية وتوزيع الثروة والفرص والامتيازات بشكل عادل بما يحقق الأمن الاقتصادي ( غذاء، سكن، ملابس، رعاية صحية، تعليم...) لكل مواطن، ولهذا فان الدول المتقدمة تجري التعداد السكاني كل خمس او عشر سنوات، فيما تعداد السكان الحالي (2024) في العراق يأتي بعد (27) سنة من آخر تعداد.

 وما حصل في العراق خلال العشرين سنة الماضية، ان الذين استلموا السلطة بعد 2003، استفردوا بها وبالثروة ايضا، وانتهكوا مبدأ العدالة الاجتماعية بشكل صارخ.. فبرغم أن العراق يعدّ اغنى بلد في المنطقة و أحد أغنى عشرة بلدان في العالم، فان من استفردوا بثروة العراق افقروا 13 مليون عراقي باعتراف وزارة التخطيط. والسبب في ذلك شخّصه مركز بحوث فرنسي بأن 36 سياسيا من احزاب السلطة صار كل واحد منهم ملياردير دولار! بينهم من كانوا فقراء. يؤيد ذلك وصف المرجعية الدينية لهم بـ( حيتان الفساد).. الذي شاع زمن الحكومتين (2006 الى 2014) واصبح الفساد في المفهوم العام شطارة وانتهاز فرصة بعد ان كان في القيم العراقية خزيا وعارا.. وانشغلوا بانتاج الأزمات ولم يقدموا انجازا وطنيا واحدا على مدى عشرين سنة!

 ليس هذا فقط بل انهم انتهكوا مبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب، وتقاسموا مؤسسات الدولة بين عوائلهم!، نجم عنها هجرة الألاف من ذوي الكفاءات من مختلف الاختصاصات. ومع ان النظام ديمقراطي يبيح التظاهر السلمي، فأنه في يوم واحد فقط من ايام انتفاضة اكتوبر/ تشرين (الخميس الثالث من الأيام الخمسة الأولى للأنتفاضة) سقط (36) قتيلا في بغداد و (21) في ذي قار تليهما: الديوانية، النجف، كربلاء، وديالى.. برصاص حكومة عادل عبد المهدي.

 اننا اذ نبارك خطوة التعداد السكاني التي جاءت بعد آخر تعداد (1997!) ونحيي السيد محمد شياع السوداني وندرك حسن نيته.. لكننا نرى ان وعده بأن احد اهم اهداف التعداد السكاني هو تحقيق العدالة الأجتماعية.. لن يتحقق. فالذين اصبحوا ملياردريه.. معظمهم قيادات في احزاب اسلامية، استبدلوا عقيدتهم الاسلامية بتطبيق العدالة الأجتماعية بعقيدة حب المال وصاروا في كنزه كجهنم.. يسألونها هل امتلأت تقول هل من مزيد. وما اقتدوا بالأمام علي الذي قال يوم اصبح خليفة: جئتكم بجلبابي وثوبي هذا فان خرجت بغيرهما فأنا خائن. ولأنهم ما خافوا حتى من ربّهم يوم الحساب، فأنهم لن يخافوا من رئيس وزراء هم اتوا به، وسيكون حاله حال سلفه السيد حيدر العبادي الذي اقسم بأنه سيقضي الفساد (حتى لو يقتلوني) ثم اعتذر مبررا ان الفاسدين.. مافيا تمتلك المال والقوة والفضائيات، غير انهم سيخافون فعلا ان أعلن السيد السوداني بأن أحد اهم شروط تحقيق العدالة الاجتماعية التي يدعو اليها الاسلام والنظام الديمقراطي.. هو تطبيق مبدأ: من اين لك هذا؟.. حين يدفعه يقينه بأنه فاعلها بقوة اربعين مليون عراقي نصفهم جياع، في ثورة جياع سلمية، يكون بها العراق انموذجا في تطبيق المفهوم الحديث للتعداد السكاني بالمنطقة.

***

ا. د. قاسم حسين صالح

 

الخلط بين حدثين مختلفين

بعد انتهائي من كتابة الجزء الثاني من مقالتي حول بعض مظاهر العدوان الصهيوني على جبهة الآثار والتراث الفلسطيني ونشر هذا الجزء (الأخبار - 16 تشرين الثاني 2024)، وخلال تفحصي لمراجع المقالة، تنبهت إلى وجود خلط محتمل - تأكدت من وجوده لاحقا - بين موضوعين وحدثين مختلفين بينهما أربع سنوات تقريبا، سببه وجود صورة نشرت مع الخبر الخاص باكتشاف ما سماها الإعلام الإسرائيلي "بوابة إسرائيل الأولى" في موقع أثري قرب تل عيراني الواقع على مسافة 43 كم شمالي بئر السبع. وقد تبين لي أن تلك الصورة التي علقتُ عليها في مقالتي الثانية نشرت أيضا مع خبر آخر باللغة الفرنسية يخص اكتشافا مزعوما لمدينة توراتية مفقودة هي صقلغ (Ziklag).

وبالعودة إلى أوليات وتفاصيل الخبر الثاني وجدتُ أن صحيفة هآرتس كانت قد نشرته بتاريخ 09 تموز - يوليو 2019، أي قبل نشر خبر البوابة بأربع سنوات أو أكثر قليلا.

ومن الواضح أن الخبر الثاني، الأقدم، والذي لم أتوقف عنده تحليليا في الجزأين المنشورين، لا يقل تلفيقية واضطراباً عن الآخر؛ فخلاصته الحرفية تقول: "إن فريقاً من علماء الآثار الإسرائيليين والأستراليين أعلنوا أنهم عثروا على أنقاض مدينة صقلغ التوراتية والتي كانت تقع في منطقة النقب في الجنوب بالقرب من بلدة كريات جات مما كان يعرف بمملكة يهوذا. ويرجع تاريخ صقلغ إلى أوائل القرن العاشر قبل الميلاد وهو الوقت المرتبط بالملك داود. وإذا كانوا على صواب فإن ذلك سيعزز النظرية القائلة بأن الملك داود كان أكثر من مجرد زعيم محلي على قمة التلال، ويدعم النظرية القائلة بأنه حكم بالفعل مملكة موحدة في منطقة يهوذا. لكن يبدو أن المملكة لم تكن ذلك الكيان العظيم في العصور القديمة التي يتصورها البعض" وتضيف هآرتس: "وأوضح العلماء أن اسم صقلغ، يبرز في السجل التوراتي على أنه ليس ساميا أو كنعانيا، ولكن يبدو أنه فلسطيني "فلسطي"، وقد أثبتت الدراسات الوراثية الأخيرة التي أجريت على الهياكل العظمية المكتشفة في مقبرة الفلسطينيين في عسقلان، أن الفلسطيين الغامضين نشأوا في أوروبا". وتختم هآرتس تقريرها الإخباري بالقول "وبحسب الكتاب المقدس العبري، فإن ملك فلسطين حشيش جات (لاحظ الاسم السامي للملك)، سمح لداود بالانتقال إلى صقلغ، عندما فر من يهوذا بسبب عدم رضاه على الملك شاوول، وأصبحت المدينة قاعدة له لبناء قواته". لنتفحص هذه الكًوْمة من الأخطاء والتلفيقات:

لن نتوقف طويلا عند فرية "هآرتس" المفضوحة حول "المنشأ الأوروبي للفلسطينيين" والتي كررها بمتعة حتى الجاهل في العلوم نتنياهو، وكنا قد فندنا هذه الفرية في حينها (الأخبار عدد 18 تموز 2019) وفندها غيرنا حين نُشرتْ نتائج التحليل الجيني لرفات عسقلان 2019. فالمتفق عليه بإجماع العلماء هو الأصل الكنعاني السامي "الجزيري" للشعب في أرض كنعان قبل وبعد هجرة قبائل الفلسطة "فلشتيم" من جزر شرقي المتوسط وذوبانهم مع الكنعانيين خلال خمسة قرون، وحتى قبل تسجيل أول إشارة إلى أي وجود عبراني أو شبه عبراني في رسائل تل العمارنة في مصر وباللغة الأكدية الرافدانية سنة 1360 ق.م.

بوابة تل عيراني وأنقاض صقلغ

إن الخلط الذي وقع بين الخبرين؛ خبر بوابة تل عيراني وخبر أنقاض صقلغ لا ينفي أو يضعف من حيث الجوهر تفنيدنا لخبر البوابة إذْ تبقى الأسئلة التي أثرناها صحيحة، خصوصا وأن صورة الموقع الجديد للبوابة لا تختلف في تفاصيلها كثيرا عن صورة أنقاض صقلغ رغم أنها أكثر تنظيما ووضوحا ولا لكنها لا تعطي الانطباع بوجود البوابة الحجرية "العظيمة والرائعة" التي تحدث عنها الفريق المُكتشِف.

وحتى ضمن نص خبر هآرتس، يفهم القارئ أن الأمر يتعلق بقرية صغيرة تدعى صقلغ ورد ذكرها في التوراة، وبهذا اعتبرت القريةُ توراتيةً. وهذا صحيح جزئيا وشكليا ولكن لا يترتب عليه أن المدينة توراتية أي يهودية أو عبرانية، بل قد تكون كنعانية أو فلسطية مثلما أن قولنا إن نبوخذ نصر هو "شخصية توراتية" بمعنى أن اسمه ورد ذكره في التوراة، وليس بمعنى أنه يهودي أو عبراني فهو الذي دمر مملكة يهوذا. ولكن نبوخذ نصر ليس توراتياً فقط كسليمان أو داود (والدليل الذي قُدم بخصوص داود أي نقش تل القاضي أكد ورولستون، الخبير الإسرائيلي في النقوش السامية القديمة كونه مزيفا وملفقا) بل ورد ذكره في العديد من السجلات والأثار المادية من نصب وتماثيل في بلاد الرافدين بما يؤكد كونه شخصية تأريخية حقيقية. أما ما ورد في التوراة فقط من أسماء شخصيات ومدن فلا يعني تماما ومئة بالمئة أنه تأريخي وحقيقي على الأرض وفي التأريخ. ونجد تفاصيل دحض الكثير مما ورد في التوراة في كتب خبراء الإناسة والآثار ومنهم مثلا توماس تومسن في كتابة "التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي" وشلومو ساند في كتبه ومنها "اختراع الشعب اليهودي" و"اختراع أرض إسرائيل"، وإسرائيل فنكلستين "التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها". ولكن الخبر نفسه يؤكد أن قرية أو بلدة صقلغ لم تكن سامية أو كنعانية بل هي فلسطينية والأدق أن نسميها "فلسطية". وإن حاكمها الملك حشيش جات، سمح لداود بالانتقال إليها كلاجئ. أما في التوراة فنقرأ أن الملك الفلسطي حاشيش أعطى هذه البلدة لداود، وأن العماليق هاجموها وأحرقوها حين كان داود بعيدا عنها، وأن هذا الأخير طاردهم واسترد الغنائم منهم ...إلخ" وهذه كلها قصص توراتية لا يوجد ما يؤكد شيئا منها، بل إن صقلغ نفسها بقيت مدينة مجهولة الموقع طوال قرون وقرون. فهل وجد الآثاريون اليوم ما يؤكد أن هذه الأنقاض قرب كريات جات هي لصقلغ؟ هل تم العثور على ما يؤكد علاقتها بشخصية تدعى الملك داود؟

الباحثة الفرنسية فيلنوف تجيب

لنستمع لما تقوله الباحثة الفرنسية إستل فيلنوف، المتخصصة في علم آثار الكتاب المقدس (في حوار معها أجرته صحيفة (Tribune Juive) الناطقة بالفرنسية عدد 11 تموز- يوليو 2019، حول ما تم العثور عليه من أدلة أركيولوجية في صقلغ، حيث قالت إن ما تم العثور عليه لا يتعدى وجود "مواد تعود إلى القرنين 11 و12، والتي تعتبر فلسطينية نموذجية، تحت طبقة من بداية القرن العاشر". إذن لا شيء يؤكد اسم المدينة "صقلغ" أو علاقتها بداود بل هناك مواد قد تكون بقايا عضوية حللت باستعمال نظائر الكاربون المشع لمعرفة عمرها وبالتالي عمر الموقع لا أكثر ولا أقل وهذا أمر يمكن أن يحدث في أي مكان وزمان دون ان تترتب عليه أيه نتائج واستنتاجات حاسمة.

وتضيف فيلنوف: "إنَّ من الصعب التعليق على بيانات الحفريات الإسرائيلية حتى يتم نشر النتائج. ومن ناحية أخرى، لا يمكننا أن نقول مثل البروفيسور جارفينكل، أحد مديري البعثة الآثارية، أن هذه الاكتشافات تثبت تاريخية الحلقة التوراتية ووجود داود نفسه". ثم تسأل فيلنوف سؤالا لاذعا: "هل ستثبت كاتدرائية نوتردام في باريس وجود كوازيمودو بطل رواية أحدب نوتردام"؟

وحين تواجَه الباحثة الفرنسية فيلنوف بسؤال مباشر وصريح يقول: "هل تم إجراء هذه الحفريات لغرض أيديولوجي"؟ تحاول أن تتملص من الإجابة بالقول "سأحرص على عدم تجربة أي شيء، ومن المرجح أن يسلط الموقع الضوء على الفترة الانتقالية بين العصر الحديدي الأول (القرنين الثاني عشر والحادي عشر) والحديد الثاني (القرنين العاشر والسادس عشر)". ثم تطلق حكما شرطياً معلقاً يقول "إذا جلبت هذه الحفريات بيانات جديدة، فهذا أمر جيد جداً". بمعنى أنها لم تجد ما أعلن عن وجوده الباحث الإسرائيلي جارفينكل من أدلة واستنتاجات شيئا ذا قيمة وبيانات علمية مؤكدة.

إن الباحثة فيلنوف تعي جيدا مسؤولية الباحث الآثاري المنضبط بشروطه العلمية والموضوعية في البحث، ولكنها لا تريد أن يضعها المختلفون معها في خانة "أعداء إسرائيل". ومع ذلك فهي تحافظ على السوية العلمية وخصوصا عندما سئلت سؤالا مباشرا يقول: "لماذا يريد علم الآثار أن يؤكد ما يقوله الكتاب المقدس"؟ فأجابت: "لأن الكتاب المقدس هو أحد أسس الرواية القومية لإسرائيل الحديثة، والتي يعتبرها البعض امتداداً لإسرائيل التوراتية "الكتابية" التي أسسها داود. بالنسبة لجزء من السكان، هذه القصة لا يمكن المساس بها. لكن علماء الآثار هم هؤلاء المواطنون مثل أي شخص آخر، وحتى لو كانوا علماء ممتازين، فإنهم يجرون أبحاثهم كما هي" أي يجرون أبحاثهم بشروط العلم والأدلة الملموسة.

ليس ثمة ما يمكن أن يضاف لكل ما قالته هذه الباحثة الفرنسية بلغة هادئة لكشف حقيقة هذا التلفيق والمبالغات التوراصهيونية حول هذا الاكتشاف؛ فكل ما قيل يفي بالغرض، ويضع الأمور في نصابها العلمي بعيدا عن التشويش الأيديولوجي وعما سماه الباحثان بولان وغويازدا "تسيس التراث وعلم الآثار".

مناقشات آثارية صهيونية داخلية

لقد أثار الخبر، ومن ثم الحوار حوله مع الباحثة الفرنسية الكثير من اللغط والنقاش بين قراء الصحيفة المذكورة. وربما كان من المفيد أن نأخذ فكرة حول هذا النوع من النقاشات في المعسكر الصهيوني أو المنحاز له.  هنا، سنتطرق للنقاشات الحامية على الصفحة التي أجرت الحوار مع الباحثة الفرنسية فيلنوف بين قرائها:

تطلق سيدة تدعى باتريشيا كامباي المناقشة من خلال سؤال مذعور توجهه إلى القراء ومحرري الصحيفة يقول: "أ مدينة فلسطينية في وسط إسرائيل؟! أنا في حيرة. أليس الفلسطينيون غرباء جاءوا عن طريق البحر؟ ألم يستوطنوا على شريط من الأرض على حافة البحر الأبيض المتوسط، يسمى اليوم قطاع غزة" وتختم كلامها بسؤال يقول: "ألم تؤدي كلمة فلسطيني إلى ظهور كلمة فلسطين التي أطلقها الرومان على هذه البلاد؟ هذه الشبكة من الأسئلة تحتوي على أجزاء من الحقيقة مزجت بسوء الفهم والأكاذيب التلفيقات التي نسجتها القراءات التوراتية الآثارية غير العلمية في الوقت عينه وأدت إلى عملية غسيل أدمغة شاملة للجمهور. فإذا كان المقصود بالفلسطينيين في الخبر هم "الفلسطة" فما الذي جاء بهؤلاء إلى وسط إسرائيل شمال أورشليم القدس وهم الذين استقروا في الجنوب؟

ففي حين يصر التوراتيون الصهاينة على وجود إمبراطورية يهودية في زمن داود وسليمان يؤكد العلماء - الباحث الدنماركي نيلز لمكة على سبيل المثال - إنَّ ما سُميَّ إمبراطورية داود وسليمان كانت دويلة صغيرة اتسعت قليلا ولم تستمر أكثر من أربعين عاما، ثم عادت مملكتا إسرائيل ويهوذا إلى مساحتهما الطبيعية والتي تقارب مساحة جزيرة (غوتلاند) السويدية الصغيرة أي ثلاثة آلاف كم² تقريبا، من مجموع مساحة فلسطين البالغة 27 ألف كم²!

وهنا يحاول كاتب آخر هو اندريه مالمو توضيح الموضوع فيزيد الطين بلَّة حين يقول محاولاً الإجابة على سؤال كامباي: "لا، كان الفلسطينيون في جميع أنحاء المنطقة. أنت على حق بشأن اسم فلسطين الذي فرضه الرومان على سكان يهودا والسامرة والجليل لجعل الدول اليهودية تختفي". وهذا غير صحيح فالفلسطينيون بالمعنى القديم لكلمة "الفلسطة" - كما قلنا - لم يكونوا موجودين في جميع أنحاء المنطقة بل في خمس مدن هي غزة، عسقلان، أسدود، جت، وعقرون، في الساحل الجنوبي الفلسطيني ما بين يافا ووادي العريش. أما الموجودون في كل أرجاء المنطقة فهم الكنعانيون سكان البلاد الأصليون قبل أن يتغير اسم البلاد من أرض كنعان إلى فلسطين بالتدريج بدءا من العصر الإغريقي فالروماني. والخطأ الذي تقع فيه باتريشيا كامباي وغيرها هو إنها تخلط بين الفلسطة القدماء وهم مجموعة من المهاجرين البحريين وبين الكنعانيين أو سكان بلاد كنعان الأصليين والذين صار اسمهم "فلسطينيين" في عهود لاحقة. ولا تريد أن تصدق أن هناك فلسطينيين في قلب ما يسمونه أرض إسرائيل التوراتية الوهمية.

ورغم أن بعض المشاركين في النقاش يقرون بأن "مدينة (صقلغ) هي في الأصل مدينة كنعانية وليست مدينة فلسطينية"، ولكنهم يعودون ويكررون ما غرسته التوراة في أذهانهم فيقولون "ولكنها في الواقع مدينة إسرائيلية، لأنها كانت تابعة لملكية يهودية" وأحدهم ذكر القراء بأن كلمة كنعانيين تأتي معنى تحقيري "توراتيا طبعا" لأنهم السكان الأصليون!

والحقيقة فإن بعض التوراتيين الصهاينة صريحون جدا في ما يتعلق بالتوحيد والمماهاة بين اعتقاداتهم الدينية وثقافتهم الآثارية، فهم يعتبرون الرواية التوراتية الدينية حقيقة مطلقة وغير قابلة للمناقشة كما قال المتدخل صامويلي في رده على كومباي حين ذكَّرها: "بالنسبة لليهود المؤمنين، فإن الكتاب المقدس العبري المعروف باسم "العهد القديم" هو وثيقة ذات طبيعة إلهية، وحقيقة لا جدال فيها، ومناقشتها محظورة، وقد أُعطيَ جوهرها لموسى على جبل سيناء؛ منذ حوالي 33 قرنا"، معنى ذلك أن الخطاب الاستبدادي الأيديولوجي القمعي والمعادي للعلوم الحديثة ليس حكرا على قومية أو دين معين فرجال الكهنوت وعبيد النصوص من طينة واحدة وهم موجودون في كل زمان ومكان.

إن هذه الآراء المتطرفة التي تصدر عن جمهور صهيوني توراتي واسع تعرض لعملية غسيل أدمغة مديدة هي التي تمنح الخطاب الصهيوني التوراتي صفته النهائية كخطاب تلفيقي خرافي لا يصمد أبدا أمام الأدلة الملموسة التي تقدمها يقدمها علم الآثار أحيانا أو يسجل انعدام وجود ما يؤكد الرواية التوراتية أحياناً أخرى. ولكن الحقيقة هي اللغة التي تبقى ولا تزول ويحاول مقاربتها علماء التأريخ والآثار والإناسة وبعض من الإسرائيليين المهنيين الذين يحترمون أنفسهم وصفتهم.

***

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

ركزت السياسة الخارجية غير الرّسميَّة الإيرانيَّة، إزاء العراق، على كردستان وشط العرب، الذي يُسمّيه الإيرانيون «أروندرود». بهذا الخصوص استخدم آراش رايزنجاد مؤلف «شيعة إيران والأكراد العراق وشيعة لبنان»، الأسماء الفارسية للمواقع، دون حقّ، فالشط اسمه «شط العرب»، قال ناصر خسرو (ت: 453هج): «وَهَذَا النَّهر هُوَ شط الْعَرَب، ويلتقي دجلة والفرات عِنْد حدود مَدِينَة البَصْرَة» (سفر نامة).

وفق معاهدة (1937) في عهدي الملك غازي (1933-1939) وشاه رضا (1925-1941)، ثبت شط العرب بشاطئيه عراقيّاً. ظلت المعاهدة عقدة تؤرق محمَّد رضا (1941-1979)، ولم يثرها خلال العهد الملكي العراقيّ، بعدها أخذ الشَّاه يبتز العراق عبر أكراده، كي يكون شط العرب مِن حقّ إيران، بما يعرف بـ «التالوك» أعمق نقطة فيه.

توافرت فرص لحل القضية الكُرديَّة، وأجودها حلّ رئيس الوزراء عبد الرّحمن البزاز (1966)، إلا أنَّ إيران أفشلتها، فالشّاه يردد «ما لهم لو تنازلوا عن أروند»، ويغري الأكراد بمواصلة القتال، كلما نضج الحلُّ، وكان الجيش الإيرانيّ يُقاتل العِراق مموهاً بالزَّي الكردي.

أشتد التّدخل بعد (1968)، وكادت الحرب الشَّاملة تندلع، صاحب ذلك حبك المؤامرات بين البلدين، حتّى معاهدة الجزائر (1975)، تنازل بها العراق عن «شط العرب»، حينها لم يكن التّنازل يرضي سواد شيعة العراق، يوم لم يكن للأحزاب الدِّينية وجود، فكانت مواكب حسينية بالنَّجف تشدوا: «شط العرب إنا(لنا) مية بالمية، يا حسين شوف (انظر) الخريطة» (شاهد عيان).

تخلص شاه إيران من معاهدة (1937)، لينقلها عقدةً إلى صدام حسين (أعدم: 2006) مقابل الكف عن دعم الأكراد ضد بغداد، وإذا كان شاه إيران ألغى معاهدة 1937 من طرف واحد، فأول فرصة كانت لصدام إلغاء معاهدة (1975)، ثم أعادها في حرب (1991)، وهكذا ظل شط العرب مقايضة، الكف عن دعم الأكراد مقابل التَّنازل عن الشَّط.

صحيح أنَّ جوهر النزاع، بين إيران والعراق، كان شط العرب، لكنَّ هناك مبررات أخرى لدى الشاه، يضغط بها على الأميركان والإسرائيليين، وهو النُّفوذ السُّوفييتي عبر العراق، بعد عقد معاهدة كبرى بين بغداد وموسكو، وقبلها كان يضغط بالتخويف مِن المد النَّاصريّ، لهذا دفع الأميركان والإسرائيليين إلى التعاون ضد بغداد، في دعم الأكراد بالسَّلاح والمال، وما أقنع الأميركان هو تأميم النفط العراقيّ (1972).

نعم اعترف الشَّاه مبكراً بإسرائيل (1955)، لكنه مع قيام دولة فلسطينية، إلا أنّ أيَّ قضيةٍ، كبرت أو صغرت، لا تتعدى أهمية شط العرب عنده، وفي لحظة تنازل العراق انتهت الحركة الكردية، بالانسحاب فرادى إلى إيران، فمهما كان دافع الشّاه في دعم الأكراد ضد بغداد، فلم يتوهم أنه سيكون في مأمن مِن ثورة كردية ببلاده، وهذا ما منعه مِن دعم الأكراد إلى مستوى قيام كيان مستقل بالعراق.

كانت المنطقة تضطرب، كم سُفكت دماء، وبذرت ثروات، لتبقى كردستان العراق ملغومةً، والتآمر بين العواصم مستمراً، والمطلوب شط العرب مقابل رأس الحركة الكُرديَّة، وقد حصل هذا، ولم يُغرَ الشّاه بعرض قادة الأكراد العراقيين، في أنْ تكون مناطقهم تحت تاجهِ، لأنْه سيفتح جبهة تزيد حدوده لهيباً.

ذهب آلاف الأكراد ضحايا السياسة غير الرسمية الإيرانية، فكانوا يعتقدون أنهم يقاتلون لتحقيق الحقوق القوميّة، في قتالهم مع بغداد، وبينهم البين أيضاً (برازانيون وطلبانيون)، لكنَّ كلَّ قطرة دمٍ سُفحت كانت لتحقيق حلم شاه إيران، في التخلص مِن عقدة «أرنودروود»، وبهذا خمدت الثورة الكردية قبل جفاف حبر توقيع معاهدة (1975). إنَّه أحد الدُّروس، التي يجب مراعاتها، في حساب الخسائر والأرباح.

أحسن البزاز بإخلاصه لحلِّ القضية الكردية حلاً عادلاً، كان شريكَ صاحب البيت في شعوره: «قلبي لكردستان يُهدى والفمُ ولقد يجودُ بأصغريه المُعدمُ» (الجواهريّ، كردستان يا موطن الأبطال). لكنَّ الأوهامَ بإخلاص الشَّاه، دفعت الأكراد حتّى خذلهم، وفي القصيدة ما يعبر: «أنا صورةُ الألمِ الذَّبيحِ أصوغه/ كَلماً عن القلبِ الجريح يُتَرجمُ».

***

د. رشيد الخيّون - كاتب عراقي

تمهيد: تشهد الشواطئ العربية والأفريقية والحدود الإقليمية والدولية موجات غير مسبوقة من الهجرة واللّجوء، بعضها اقترب من رحلات الموت، فلا يكاد يمرّ أسبوعٌ أو شهرٌ إلّا ونسمع عن بواخر وحافلات ومهربين وسماسرة وغرق وسجون، ويزداد عدد الضحايا والمعذبين الذين يقطعون بلدانًا وحدودًا ودولًا وقارات للوصول إلى بلد يؤمن لهم "حق اللجوء"، وكلّ ذلك مصحوب برعب وجوع وخوف وهدر للكرامة واختراق للقوانين والأنظمة الوطنية والدولية.

تيار شعبوي جديد

وحتّى وإن بدا موضوع الهجرة واللجوء اليوم ساخنًا، فإنه قديم قِدم البشرية، وأسبابه مختلفة، اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية ودينية ونفسية وغيرها؛ لكن ما هو جديد هي حالة الهجرة واللجوء الكثيفة التي شهدها العالم منذ انهيار الكتلة الاشتراكية في أواخر الثمانينيات وإلى اليوم، لاسيّما بانتهاء عهد الحرب الباردة بطورها القديم، وبداية أشكال جديدة منها، حيث اتّخذ الصراع الأيديولوجي مناح أخرى.

وترافقت الموجات الجديدة مع صعود تيار يميني عنصري شعبوي في الغرب، وخصوصًا في البلدان الاشتراكية السابقة، التي تشكّل ممرًا للهجرة غير الشرعية مثل المجر وسلوفينيا وسلوفاكيا والتشيك وبولونيا، والتي ارتقت إلى موجة كره الأجانب في بلدان أوروبية أخرى مثل النمسا وإيطاليا وهولندا وفرنسا، وإلى حدود معيّنة في بريطانيا، فضلًا عن ارتفاع رصيدها في بعض البلدان الاسكندنافية.

الإسلامفوبيا والويستفوبيا

وبالمقابل فثمة تيارات إسلامية أو إسلاموية متعصّبة ومتطرّفة انتعشت في عدد من البلدان الإسلامية والعربية، وقاد ذلك إلى صراع معلن ومستتر، قديم وجديد، خصوصًا بعد أحداث 11 أيلول / سبتمبر العام 2001، حين تم تفجير برجي التجارة العالمية في نيويورك، الأمر الذي عزّز من نزعات الغرب في فرض الهيمنة وإملاء الإرادة، لاسيّما وأن الولايات المتحدة أصبحت القوّة الأولى في العالم دون منازع، وهو ما قاد إلى احتلال أفغانستان في العام 2001، ثم احتلال العراق في العام 2003، تحت عنوان محاربة الإرهاب الدولي والقضاء على تنظيم القاعدة، والأكثر من ذلك تم تصنيف عدد من البلدان باعتبارها بلدان الشر.

وهكذا سادت موجة مرافقة لموجة اللجوء ومضادة له من جانب الأوساط الغربية المتنفذة، قوامها الرهاب من الإسلام "الإسلامفوبيا"، مثلما تقابلها "الويستفوبيا"، أي الرهاب من الغرب باعتبار كل ما يصدر عنه "شر مطلق"، ونسيان أن ما أنجبه اليوم من حضارة وعمران وفنون وآداب وعلوم وتكنولوجيا وجمال ليس ملكه وحده بقدر ما هو ملك البشرية، إلّا أنه المستودع والخازن والمنتج والمصدّر لها.

ولعلّ الأزمة الاقتصادية والمالية التي شهدها العالم في العام 2008 وما بعدها لا تزال آثارها مستمرة، وهي التي كانت أيضاً وراء توجّه بعض البلدان الغربية لوقف الهجرة أو تخفيضها إلى أقل حدٍّ ممكن، بما فيها الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب (2016 – 2020)، الذي قرّر بناء سياج يفصل الولايات المتحدة عن المكسيك، ناهيك عن تقليص معدّلات الهجرة القانونية، ثمّ قراره العنصري بمنع مواطني عدد من البلدان من دخول الولايات المتحدة، وهو قرار ينمُّ عن صعود موجة عنصريّة تتّسم بروح الكراهية.

الهجرة والحق الإنساني

يمكنني القول أن الهجرة هي حق للإنسان لا يمكن وقفه أو منعه، لكنه يمكن تنظيمه وتقنينه بشكل عام، والحيلولة دون استثماره عبر تجار وسماسرة الموت الذين لا يهمهم شيء سوى الحصول على الأرباح على حساب أرواح الضحايا، خصوصًا وأن المهاجرين واللاجئين لأسباب سياسية تمنحهم قواعد القانون الدولي المعاصر والقانون الإنساني الدولي والشُّرعة الدولية لحقوق الإنسان والعديد من المعاهدات والاتفاقات الدوليّة التي وقّعت عليها البلدان الأوروبيّة، ولا سيّما اتفاقية حقوق اللاجئين الدولية العام 1951 وملحقها العام 1967، إضافةً إلى عدد من الاتفاقيات الأوروبية، حقوقاً لا يمكن تجاهلها أو التنكّر لها.

إخفاق سياسات الهجرة

إنّ عدم التنسيق والتعاون واختلاف التوجّهات بين البلدان الأوروبية وصعود التيّار الشعبوي اليميني العنصري، وعدم احترام قواعد القانون الدولي والمعاهدات والاتفاقيات الدولية، هو الذي كان سبباً في إخفاقها من استيعاب الهجرة من البلدان الفقيرة إلى البلدان الغنية ومن دول العالم الثالث إلى الدول الصناعية المتقدّمة، ناهيك عن مسؤوليات الدول الغنية إزاء الدول الفقيرة، سواء بسبب سياسات الاستعمار القديمة أم السياسات الامبريالية الجديدة ونهب ثروات الشعوب، بحيث ساهمت في نشر بذور التعصّب في تُربة صالحة لولادة ابنه التطرّف، وهذا الأخير إذا ما انتقل من التفكير إلى التنفيذ يصبح عنفاً، وإذا ضرب عشوائيًّا يصير إرهاباً، وإرهاباً دوليًّا إذا كان عابراً للحدود، وهدفه خلق الرعب والفزع وعدم الثقة بالدولة من جانب المجتمع والفرد، إضافة إلى عدم ثقة الدولة بنفسها، في حين أنّ العنف يستهدف الضحيّة بذاتها ولذاتها. ولعلّ الفقر والأُميّة والتخلّف، إضافةً إلى أسباب اقتصادية واجتماعية وعنصرية وإثنية وفكرية وثقافية ودينيّة وطائفيّة ولُغويّة وسُلاليّة وغيرها من الأسباب التي كانت وراء اختلال التوازن وغياب العدالة، سواء على المستوى المحلّي أم على مستوى العلاقات الدولية.

ولأن اللجوء حق للإنسان وواجب على الدول، ينبغي الالتزام به، ولاسيّما من جانب الدول الموقّعة على الاتفاقية الدولية بخصوص اللاجئين لعام 1951 وملحقها لعام 1967، فإنه في الوقت نفسه واجب على المجتمع الدولي، وخصوصًا الدول الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي لحماية السلم والأمن الدوليين، وبالأخص حين تندلع حروبٌ أو نزاعات مسلّحة وتنهار سلطة القانون وفي ظروف الاحتلال، الأمر الذي يستوجب تدخله الإنساني إيجابيًا، سواء لحماية اللاجئين والمهاجرين الذين اضطّروا إلى مغادرة بلادهم، بالإضافة إلى مسؤوليته في إطفاء بؤر التوتّر وحل النزاعات بالطرق السلمية، وحماية حقوق الإنسان طبقًا للشرعة الدولية وانسجامًا مع اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وملحقيها، البروتوكول الأول – الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة؛ والبروتوكول الثاني – الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية.

للضرورة أحكام

خاطب وزير العدل والشرطة السويسري الأسبق أرنولد كولر لاجئي كوسوفو الألبان، وهو يستمع إلى المعاناة الإنسانية الفائقة، قائلًا لهم: لو كنا مكانكم، لكنا فررنا نحن أيضًا، ومثل هذه العبارة المسؤولة والواقعية تفسّر التدفّق المفاجئ لملايين اللاجئين على أوروبا خلال العقود الأربعة المنصرمة، والذي تعاظم خلال العقد ونيّف الماضي.

وإذا كانت الهجرة واللجوء حقًا إنسانيًا، فإن الهجرة غير الشرعية ما تزال تسبب أرقًا للدول المستقبِلة، إذْ أن عدم التنسيق والتعاون بيد الدول المصدّرة للجوء والهجرة لأسباب مختلفة وبين الدول المستقبِلة، يؤدي إلى الفوضى في هذا المجال يرافقه أعمال عنف وإرهاب، فضلًا عن تعصّب وتتطرّف، الأمر الذي يقتضي تعاونًا فيما بينها وبين المنظمات الدولية ذات العلاقة، ولعلّ ذلك كان سبب إخفاق استيعات الهجرة من البلدان الفقيرة إلى بلدان الشمال الغنية.

فرانسيس فوكوياما وصموئيل هنتنغتون

وكان فرانسيس فوكوياما عشية نهاية القرن المنصرم قد حذّر من تعاظم مشكلة المهاجرين واللاجئين في عالم ما بعد "نهاية التاريخ" الذي ابتدعه في أواخر الثمانينيات، معلنًا ظفر الليبرالية كنظام سياسي واقتصادي على المستوى العالمي، معتبراً مشكلة تدفق اللاجئين من بلدان الجنوب الفقير إلى بلدان الشمال الغنيّ إحدى التحديّات التي تواجه العالم المعاصر.

واستكمل هذه الرؤية صموئيل هنتنغتون الذي اعتبر أن العدو المحتمل والتحدي الأساسي لعالم ما بعد انهيار الأنظمة الشيوعية هو "الإسلام" الذي يشكل خطراً لسيادة الليبرالية على المستوى الكوني، وفقاً لنظريّته "صدام الحضارات وصراع الثقافات" مع تعاظم مشكلة اللاجئين والمهاجرين، لا سيّما موضوع الهُويّة والاندماج وتفرّعاتهما بمعنى الخصوصية الثقافية والقومية والدينية، مقابل الشمولية العالمية التي تمثّل الليبرالية الجديدة على المستوى الكوني.

قد يثير موضوع الهجرة واللجوء إشكاليات حقيقية ومعاناة فعلية، ثقافية واجتماعية ونفسية بالنسبة للمنفي أو اللاجئ أو بالنسبة لمجتمعه الجديد، وخصوصاً للشباب، وإذا دخل الدين عنصراً في الموضوع فإن هناك الكثير من عوامل عدم الاندماج الموضوعية والذاتية قد تدخل على الخط، ويزداد الأمر تعقيداً بالنسبة للمرأة في ظل العقلية الشرقية والأبوية الدينيّة التقليدية التي تظل تفعل فعلها في حياة المهاجرين والمنفيين لوقت طويل، وربّما تتجدد بأشكال وأساليب تزيد من التمسك بها على نحو يبدو كثير الغرابة والتعقيد.

لقد تضخّم ملف الهجرة واللجوء، وأخذ يشمل عشرات الملايين من البشر غالبيتهم الساحقة حسب إحصاءات الأمم المتحدة من البلدان النامية، بما فيها البلدان العربية والإسلامية، لكن الكثير من الإشكاليات والمشاكل ما تزال تعترضه، حيث تتملّص بلدان الجنوب والشمال على حدّ سواء من استحقاقاتها ومسؤولياتها، الأولى فيما يتعلّق بتحقيق التنمية المستدامة التي من شأنها الحدّ من ظاهرة الهجرة واللجوء، لاسيّما باستيعاب الشباب في العمل وتقليص معدّلات البطالة، والقضاء على الأميّة والتخلّف، وتحسين الأوضاع الصحيّة والتعليمية، وتوفير الحدّ الأدنى من العيش الكريم، والثانية تدير الظهر لبلدان الجنوب، متخليّة عن التزاماتها في تحقيق حدّ أدنى من العدالة، ناهيك عن مساعدتها في تحقيق التنمية المنشودة، على الرغم من العديد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، التي تلزمها بذلك.

***

د. عبد الحسين شعبان - أكاديمي ومفكّر

منذ سنين طويلة يعيش العراقيون في بيئة ملوثة بشتى صنوف الملوثات البيئية، بما فيها الخطيرة. ويشهد أهل بغداد بان البيئة المتدهورة في العاصمة وأطرافها تفاقمت في العقدين الأخيرين، بدلآ من تحسنها، كما يُفترض. وان ظاهرة إختناق المواطنين بالغازات الضارة والروائح الكريهة، ليست جديدة، ولا هي وليدة اليوم، لكنها بلغت ذروتها في التأزم مع إنتشار وإتساع الرائحة الكبريتية، التي يعزوها خبراء بيئيون إلى أسباب عديدة،وفي مقدمتها انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكبريت الناتجة عن احتراق الوقود الأحفوري في المصافي والمعامل. بيد ان خبراء وزارة البيئة لم  يتفقوا على أسباب محددة. ومما فاقم من الظاهرة أكثر هو عجز الحكومات المتعاقبة عن معالجتها.

الى هذا، أكد تحقيق استقصائي نشره موقع (DARAG) زيادة إجمالي حجم حرق الغاز في العراق بنسبة 50 في المائة خلال الفترة 2012-2022 ليصل 15.8 مليار متر مكعب في السنة، مما سبب في انبعاث 40.8 مليون طن من ثاني أوكسيد الكربون، وأكد بأن الشركات الأجنبية، لا سيما الأوروبية منها، تمارس الحرق في العراق، على رغم أن هذه الشركات ملتزمة بقوانين صارمة في بلادها وتلتزم باللوائح والإجراءات المتعلقة بالاستدامة وفق مبادرة البنك الدولي (ترجمة وإعداد: "طريق الشعب"،3/10/2024).

وكان الناشط البيئي والإعلامي عادل فاخر قد أوضح في تقرير ميداني ان " العراق يعاني منذ سنوات من ارتفاع معدلات التلوث البيئي، ومن تفاقم تبعاته، وتُعدُ العاصمة بغداد من أكثر المحافظات العراقية تسجيلا لنسب التلوث، بعد أن قارب عدد سكانها 9 ملايين نسمة، وهو ما يعزوه مراقبون لغياب التخطيط والعشوائيات، وعدم بناء مدينة إدارية جديدة للتخلص من التلوث الذي بلغ مستويات خطيرة أثرت على صحة الإنسان."..وأضاف :" تشهد مدينة بغداد تلوثا متعدد الأبعاد في التربة والمياه والهواء، مما يؤثر على حياة السكان بشكل عام، ويزيد من معدلات التلوث وانتشار الأمراض كالربو والأمراض السرطانية وغيرها" ("الجزيرة.نت "، 16/12/2022).

وأكد رئيس المركز الستراتيجي لحقوق الانسان فاضل الغراوي ان اهم مصادر لارتفاع انبعاثات ثاني اوكسيد الكاربون في العراق هي قطاعات النفط والكهرباء والنقل حيث تحتل الغازات المصاحبة لحقول النفط المرتبة الاولى بنسبة 450% ("المدى":،28/7/2024).

وأعاد الباحث في الشأن البيئي عبد الجبار الملا التذكير بتقرير دولي، أعده باحثون أمريكيون في "مركز دراسات الحرب في نيويورك" كشف أن الغبار في العراق يحتوي على37 نوعاً من المعادن ذات التأثير الخطير على الحياة والبيئة "" ( "صوت العراق"،19/9/2024).

وأشرنا في حلقة سابقة الى ما أورده الباحث والأعلامي د. صباح ناهي  عن دراسة جديدة أنجزتها مؤخراً أستاذة الهندسة البيئية د. سعاد ناجي العزاوي من إن "العراق من الدول التي تضاعف فيها انبعاث ثاني أكسيد الكربون خلال العقد الماضي بشكل كبير، إذ يحرق 1.7 مليار قدم مكعبة يومياً من الغاز الطبيعي المصاحب للاستخراج النفطي. وشكل انبعاث ثاني أكسيد الكربون في العراق للفترة (2013-2020) ملايين الأطنان" (" Indepemdentعربية"،26/10/ 2024).

الى هذا، إحتل العراق المرتبة الثالثة كأسوأ بلد في العالم في الحفاظ على الطبيعة، بعد حصوله على 43.3 نقطة فقط على مؤشر الحفاظ على الطبيعة لعام 2024. ويأتي ذلك بسبب فشل "أولياء الأمر" في معالجة ظاهرة التغير المناخي، والتصحر، والعوامل الملوثة للبيئة، وحرق الغاز المصاحب لإنتاج النفط، وانتشار النفايات ورميها في الأنهار، وعدم تنمية الغطاء الخضري، أو تطوير الإنتاج الزراعي، وحماية الحياة البرية والثروة الحيوانية. هذا واعترفت الحكومة بتعرض 7 ملايين عراقي لآثار التدهور البيئي، لكنها أخلفت بوعدها بمعالجة هذه المشكلة التي باتت تهدّد الأمن الغذائي والصحي والمجتمعي ("طريق الشعب"، 31/10/2024).

وحل العراق ضمن الدول الاعلى تعرضا لمخاطر الكوارث الطبيعية في 2024، فمن أصل 193 دولة حل بالمرتبة 63 وبعدد نقاط بلغ 9.24 نقطة مخاطر، ما يجعله ضمن نطاق المخاطر العالية، وهي ثاني مرتبة بعد المخاطر العالية جدا. وعلى الصعيد العربي، جاء العراق بالمرتبة العاشرة بعد كل من اليمن، مصر، ليبيا، سوريا، المغرب، السودان، تونس، الجزائر والسعودي.

ويجمع المؤشر بين عوامل التعرض للكوارث التي تحدث والكثافة السكانية في المناطق المتضررة، بالإضافة إلى قياس مدى الضعف والافتقار إلى القدرة على التكيف، فيما تشمل الكوارث الطبيعية الأعاصير والفيضانات والجفاف والزلازل ("السومرية نيوز"، 11/9/2024).

أما "مؤشر جودة الحياة المرتبطة بتلوث الهواء" لعام 2024، فقد كشف ان اكثر المناطق تلوثا في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا تقع في العراق، حيث بلغت نسبتها 78% من هذه المناطق. وبحسب تقرير نُشر عن هذا المؤشر، سيبلغ المتوسط السنوي لمستويات التلوث الجزيئي في العراق 32.4 ميكروغرام/ م3، مما يجعله ثاني أكثر البلدان تلوثا في هذه المنطقة.

وحذر المؤشر من ان  السكان في بغداد، عاصمة العراق الأكثر سكاناً في البلاد، سيخسرون 3.5 سنة من متوسط العمر المتوقع. والوضع أسوأ في المناطق الأكثر تلوثا، مثل قضاء المحاويل في محافظة بابل، حيث سيفقد نحو 1.3 مليون نسمة نحو 4.1 سنة من متوسط العمر المتوقع بسبب لتلوث الجزيئي.

وأكد التقرير الخاص بالمؤشر ان " من أسباب تلوث الهواء في العراق هي عوادم المركبات، والمولدات الكهربائية، وحرائق مصافي النفط والغاز، والصراع العسكري المستمر في المنطق".

حيال خطورة الوضع البيئي الراهن في العراق، كرست له صحيفة الحزب الشيوعي العراقي، إفتتاحيتها في اليوم العالمي للبيئة (الخامس من حزيران) للعام 2024، تضمنت معلومات وافية عن واقع الحال السائد، مبينة ان  "بلادنا في حالة يرثى لها على الصعيد البيئي.  فعناصر الحياة ومصادرها الاساسية من هواء وماء وتربة وغيرها، يسمّمها التلوث واسع النطاق وغير المسبوق ، ويحوّلها الى مصادر للامراض والاوبئة الفتاكة والتشوهات الولادية، والى عوامل اساسية في تردي جودة الحياة وتدهور ظروف العي"..

وأضافت:" تُظهر المعلومات المتداولة ان التلوث ناجم عن انبعاثات عوادم السيارات ومولدات الكهرباء ومحطات الطاقة الكبرى والمنشآت النفطية والمعامل وسواها.وبينت أيضاً عدم معالجة مياه الصرف الصحي والمجاري  ومياه المبازل، والمصانع، والمستشفيات، وعدم طمر او تدوير ومعالجة عشرات آلاف الاطنان من النفايات يوميا، وعدم الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، والذي يسببه التجريف المتزايد للاراضي الخضراء وازالة الغطاء النباتي .. ا".

ونبهت الإفتتاحية: " ان التلوث الناجم عن هذه وغيرها من العوامل يتفاقم باضطراد، وان تأثيره يتضاعف بفعل التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة وانخفاض مستويات هطول الامطار وشح المياه، وما يؤدي اليه هذا كله من جفاف وتصحر. لكن الاخطر هنا هو ان هذه التطورات المثيرة لأشد القلق، لا تقابلها اجراءات حكومية مناسبة، توقفها وتبدد مخاطرها"("طريق الشعب"،6/6/2024)..

وتحت عنوان "واقع بيئي متدهور" تضمن التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي (4-5 تموز 2024): ان العراق يواجه تحديات بيئية كبرى، فعناصر الحياة ومصادرها الأساسية من هواء وماء وتربة وغيرها، يسمّمها التلوث واسع النطاق وغير المسبوق، ويحوّلها الى مصادر للامراض والاوبئة الفتاكة والتشوهات الولادية، والى عوامل أساسية في تردي جودة الحياة وتدهور ظروف العيش.

وتظهر المعلومات المتداولة ان التلوث الناجم عن انبعاثات عوادم السيارات ومولدات الكهرباء ومحطات الطاقة الكبرى والمنشآت النفطية والمعامل وسواها، وعن عدم معالجة مياه الصرف الصحي والمجاري ومياه المبازل والمصانع والمستشفيات، وعدم طمر او تدوير ومعالجة عشرات آلاف الاطنان من النفايات يوميا، وعدم الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، والذي يضاعفه التجريف المتزايد للاراضي الخضراء وازالة الغطاء النباتي. ان التلوث الناجم عن هذه وغيرها من العوامل يتفاقم باضطراد، وان تأثيره يتضاعف بفعل التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة وانخفاض معدلات هطول الامطار وشح المياه وتدمير الغطاء النباتي والتقليل المتواصل للمساحات الخضراء، وما يؤدي اليه هذا كله من جفاف وتصحر، واجواء متربة ومغبرة.

ومن القضايا المفصلية والأساسية في وقف هذا التدهور البيئي هو تأمين المياه للأغراض المختلفة، خصوصا بعد تمادي الجارتين تركيا وايران في حرمان العراق من حصته العادلة في مياه نهري دجلة والفرات".

وإختتم ان " حزبنا يتابع باهتمام كبير تدهور الواقع البيئي في العراق، ويعتبره من أكبر وأخطر التحديات التي تواجه حاضر بلدنا ومستقبله، وينبغي أن تكون البيئة في صدارة القضايا التي تستدعي اهتمام القوى والأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني والأهلي، والحكومة الإتحادية والحكومات المحلية، ولكن ما يثير القلق ان هذا كله لا تقابله اجراءات حكومية مناسبة، تحد منه وتوقف مخاطره.

كما ان وزارة البيئة مهمَلة، فهي وزارة رقابة وبحوث لا وزارة قرار وتنفيذ، مجردة من الصلاحيات عمليا، وتعيش على فتات من التخصيصات المالية لميزانيات الدولة السنوية.

وان الحكومة ومؤسسات الدولة المختلفة مسؤولة عن إيلاء الموضوع البيئي ما يستحقه من اهتمام ودعم عمل مختلف الجهات ذات العلاقة، وان تعطي مؤسسات الدولة على اختلافها مثالا محفزا في هذا السياق. كما انه يتطلب زيادة التخصيصات لوزارة البيئة كي تنهض بدورها ("طريق الشعب"، 20/7 / 2024).

من جهته، أكد رئيس تحرير صحيفة "الصباح"، في افتتاحيتها ليوم 16/10/2024، بعنوان: "نفايات سامة": " لا يوجد في العراق حتى الآن قانونٌ يُعنى بالنفايات وكيفيَّة التعامل معها والحدِّ منها وتقليل أضرارها. وطوال السنوات الماضية كانتْ مدن العراق وضفاف أنهاره وهواؤه عرضةً لما تُلقيه المعامل ـ وأغلبها لا يُقيم وزناً لسلامة البيئةـ من نفايات، فتمتلئ الأنهار بالمخلّفات السامّة والهواء بأبخرةٍ لها مفعول قاتل.

وخلال تلك السنوات كانت المسألة تُثار في الإعلام من دون أنْ تُعطى الاهتمام الواجب، وكانت تتكرَّر في وسائل التواصل الاجتماعي شكاوى المواطنين من رائحة كبريت تملأ هواء بغداد وتسبِّب اختناقات خصوصاً للذين يعانون مشكلات في جهازهم التنفسيّ. إلّا أنَّ الأيام الماضية شهدتْ بلوغ هذه الظاهرة حدّاً لا يمكن السكوت عنه، فقد بلغ تلوّث هواء العاصمة حدوداً قياسيَّة، بدلالة التقارير التي تحدّثتْ عن أنَّ بغداد من خمس مدن هي الأكثر تلوّثاً بالهواء في العالم".

واختتم:" اتخذتْ الحكومة إجراءاتٍ عاجلة في محاولة للحدِّ من هذه الأزمة البيئيَّة التي تهدِّد حياة الملايين من العراقيين، غير أنَّ أيَّ إجراء آنيّ يُتَّخذ هو أقلّ من أنْ يكون حلاً جذرياً ما لم يسنده قانون يُشرّع خصيصاً لهذا الغرض. المدن العراقيَّة تختنق وهي بانتظار قانون وإجراءات حاسمة لتتنفس من جديد ".

وما تزال الجهات الحكومية المعنية بحماية وتحسين البيئة العراقية تطلق الوعود، التي شبع منها العراقيون حد التخمة، والحصيلة لم يُنفذ ولا وعد واحد يخص البيئة طيلة العقدين المنصرمين.

***

*الأستاذ الدكتور كاظم المقدادي أكاديمي متقاعد،

متخصص بالصحة والبيئة، عراقي مقيم في السويد

 

نواصل عرضنا التحليلي لدحض باقة من الاكتشافات الآثارية المزيفة أو المبالَغ بأهميتها لسلطة الآثار الإسرائيلية والتي تصاعدت أخيراً متساوقةً مع تصاعد حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الكيان على الشعبين الفلسطيني واللبناني وكنا قد استعرضنا جانباً منها في مناسبة سابقة "الأخبار- 8 تشرين الثاني 2024 "وسنتوقف بشكل خاص عند مشروع قانون جديد سيقدم الى الكنيست بهدف إلى الاستيلاء على آثار الضفة الغربية وقبل ذلك نتوقف عند هذين الاكتشافين:
فينيقيون في أورشليم القدس
يخبرنا موقع (geo.fr) الناطق باللغة الإنكليزية باكتشاف قطعة أثرية ذهبية صغيرة، بحجم زر القميص (4 × 4 × 2 مم). وقد رُبط هذا الاكتشاف بعصر الهيكل الأول، فعنوان الخبر يقول: "أقدم قطعة أثرية ذهبية يعود تاريخها إلى عصر الهيكل الأول".
ويضيف المحرر "اليوم، وبفضل اكتشاف جوهرة فينيقية نموذجية في تل أوفل، لدينا أدلة أثرية مقنعة على وجود فينيقي في القدس في القرن العاشر قبل الميلاد". ويوضح ناجتيجال: "لدينا الآن أقوى دليل أثري حتى الآن يؤكد أن الخدم الفينيقيين قد أُرسلوا بالفعل إلى القدس."
أما على صفحة (ARMSTROG) الناطقة باسم (معهد الآثار التوراتية)، فثمة تقرير مصور ومفصل بقلم برنت ناجتيجال. يُفهم منه أن هذا الاكتشاف يتعلق بـ "قلادة ذهبية صغيرة" ويسميها أحيانا "قرطا" وأحيانا أخرى سلَّة أوفل المسبوكة (Ophel Electrum Basket)، وهي حلية صغيرة لا تتجاوز مساحة قاعدتها أربعة مليمترات. يستعيد ناجتيجال في ثلث تقريره ما ورد في التوراة عن العلاقات بين ملك صور حيرام وملك يهوذا داود، وكيف أرسل له خشب الأرز والنجارين وصاغة الذهب...إلخ، وكيف تعلم صُناع داود الصياغة من الفينيقيين، ثم يربط هذه القصص التوراتية بالاكتشاف الجديد من دون أن يقدم لنا دليلاً ملموساً واحداً على صحة وتأريخية هذا الربط أو على فينيقية الحُلية الذهبية الخالية من أية كتابة.
وفي غمرة حماسته للقصة التوراتية يخبرنا المحرر - في زلة لسان - أنه سبق وأن شاهد صورا لنماذج من هذه الحلية الذهبية الفينيقية في كتاب، حيث عُثر على اثنتين منها بمستعمرة فينيقية بقبرص، وكانتا مؤرختين في الفترة الزمنية نفسها، وعلى أخرى في قادس بإسبانيا، وعلى نموذجين منها في المعابد الكنعانية في بيت شان "بيسان" شمال شرقي القدس سنة 1940. وعلى سادسة اكتشفت في حفريات تل الفرح جنوب فلسطين في ثلاثينات القرن الماضي. وهكذا نسف ناجتيجال قصته التوراتية بتقديمه أدلة على وجود هذا النوع من الحُلي الذهبية الفينيقية في عدة أماكن وصلها التجار الكنعانيون الفينيقيون في حوض البحر المتوسط وفي جنوب فلسطين بما يضعف أي علاقة متخَيَّلة لها بالهيكل الأول والملكين حيروم وداود! الأمر، إذن، لا يتعلق باكتشاف تحفة فينيقية فريدة من نوعها بل بحلية شائعة صغيرة عثر على عدة نماذج منها في فلسطين وخارجها، وهذا يعني أن حُلية أوفل ليست دليلا على صحة أو تأريخية أي جزء من أجزاء القصة التوراتية التي يتسلى بسردها محرر التقرير.
إن ناجتيجال ذو خيال خصب بشكل مفرط، لذلك توصل إلى أن هذا الزر الذهبي الصغير كان يحمله خادم فينيقي -أيام كان الخدم لا يجدون ما يأكلونه بسهولة - وأنه أُرْسِلَ ضمن مجموعة من الخدم من "فينيقيا"، إلى بلاط الملك داود في أورشليم القدس وكأن الفينيقيين مخلوقات فضائية قَدِمت من كوكب آخر لا من إقليم مجاور شمالي فلسطين ويتداخل مع الجليل الفلسطيني الأعلى! من الواضح أن ناجتيجال يريد ان يُفهِم قارئه - وبشكل يخلو من خفة لدم - أن هؤلاء الخدم الفينيقيين أرسلوا من قبل الملك حيرام ليعملوا في القصور إمبراطورية عاصمة داود "ذات الألفي نسمة" في القرن الحادي عشر ق.م!
لقد فاق ناجتيجال في تلفيقاته زميله داني دانون، مندوب "إسرائيل" لدى الأمم المتحدة، مطلق الكذبة الآثارية المدوية سنة 2017. حيث عرض الأخير عملة صغيرة من سنة 76 م، كتب عليها "حرية صهيون" كدليل لا يدحض على أن "القدس جزء لا يتجزأ من تاريخ إسرائيل ومن عقيدتها". وقد أيده في مزاعمه جندلمان المتحدث باسم مكتب رئيس حكومته. ولكن الباحث الفلسطيني أحمد الدبش دحض هذه المزاعم دحضا رصيناً حين أكد "إنَّ نسب العملة المعدنية [التي تم سكها في عام 67 بعد الميلاد] إلى اليهود، هو كذب تاريخي، فلم يسجل على العملة اسم السلطة التي قامت بإصدارها، فكيف تسنى لهم نسبتها لليهود؟! ومن المؤكد أن النقود في هذه الفترة كانت رومانية برموز فلسطينية، ولم يكن لليهود أي كيان سياسي أو اقتصادي مستقل في فلسطين آنذاك".
بوابة إسرائيل الأولى عمرها 5500عام
في شهر آب - أغسطس 2023 أعلن في الكيان وعبر عدة مواقع منها (geo.fr) و(i24news)، عن اكشاف خارق جديد لـ "بوابة حجرية عمرها 5500 عام في جنوب إسرائيل في منطقة تسمى تل عيراني "كريات جت" شمال شرقي قطاع غزة. وهي كما يقول الخبر "أقدم بوابة معروفة حتى الآن في المنطقة". لنلقِ نظرة على خلاصة الخبر ثم نعود لتفكيكه وإظهار مدى استخفافه بعقول الناس: "أثناء التنقيب في مدينة تل عراني القديمة، اكتشف الفريق البحثي ممراً عمره 5500 عام، مبنياً من الحجارة والطوب الِّلبن، ما يشير إلى أن التحضر في المنطقة بدأ قبل قرون مما كان يعتقد سابقاً. وقالت إميلي بيشوف، مديرة التنقيب في سلطة الآثار الإسرائيلية: هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها اكتشاف مثل هذه البوابة الكبيرة التي تعود إلى أوائل العصر البرونزي".
هل لاحظتم كيف تحولت البوابة الحجرية الكبيرة إلى ممر، ثم إلى سور، أو حصن؟ والغريب أنها شيء آخر تماما كما يتبين لنا بنظرة واحدة إلى صورة الموقع الآثاري المعني وكما سنوضح.
ويضيف التقرير "اشتهرت منطقة تل عراني بالتوسع الحضري المبكر في إسرائيل، حيث عرفت استقرارا سكانيا تجاوز 37 فدانا في العصر البرونزي المبكر، بدءاً من حوالي 3300 قبل الميلاد، وربما يرجع إلى وقت مبكر أكثر حتى 3500 قبل الميلاد".
في الأسطر الأربعة الأخيرة ثمة سلسلة من الأكاذيب والتلفيقات والأخطاء الفادحة ومن ذلك:
-يتحدث التقرير عن "بوابة إسرائيل" علما أن المتفق عليه بين المتخصصين أنه لا وجود لشيء اسمه "إسرائيل" أو العبرانيين أو بني إسرائيل في العصر البرونزي المبكر (3400 -2900 ق.م) ولا في تلك المنطقة الكنعانية التي استقر فيها "الفلسطة" المهاجرون بعدها، والتي لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالمملكتين التوراتيتين المزعومتين يهوذا وإسرائيل الشمالية. وإذا كان محرر الخبر يقصد مملكة إسرائيل الشمالية، فتلك كانت رقعة صغيرة حول مدينة السامرة شمال غربي شكيم الكنعانية "نابلس العربية"، ولم تمتد حتى إلى أورشليم -القدس.
-ووفق التحديد الزمني التوراتي فقد عمَّرت المملكة الشمالية لقرنين تقريباً، بين 928 ق.م. وحتى 722 ق.م، فعن أي إسرائيل يجري الحديث إذن؟ أعن إسرائيل الحالية أم القديمة التوراتية؟ وما علاقة إسرائيل الحالية أو حتى القديمة بالعصر البرونزي المبكر، إذا كان أول ذكر للعبرانيين أو من يحملون اسما قريبا منهم (الخابيرو - العابيرو) ظهر بعد هذا التأريخ بأكثر من ألفي عام وباتفاق علماء الاناسة والآثار استناداً إلى رسائل تل العمارنة التي أفادت أن قبائل الخابيرو قد احتلت مدينة شكيم سنة 1360 ق م وليس قبل 3500 ق.م؟
وتضيف بيشوف: "ما يثير الاهتمام في هذه البوابة هو أنها بنيت جزئياً من طوب اللبن وجزئيا من أحجار متجانسة، وهذه الأحجار أكبر مني وأن العملية تطلبت جلب المواد من مسافة بعيدة، فضلاً عن تصنيع مئات أو آلاف الطوب اللبن. وإن نظام التحصين دليل على التنظيم الاجتماعي الذي يمثل بداية التحضر.
إنَّ مَن يشاهد صورة الموقع المرفقة بالتقرير لا يرى بوابة حجرية ضخمة ولا أسوارا ولا مدينة أو مستوطنة متحضرة؛ ثمة ركام فوضوي من أحجار بعضها ضخم وأخرى صغيرة ومبعثرة. ربما باستثناء بقايا حائط من أحجار مرتبة بشكل بدائي قد لا يزيد طوله على مترين أو ثلاثة. أما كلام الباحث في سلطة الآثار الإسرائيلية باسترناك، وهو يتغزل بهذه الأحجار قائلا: "من المحتمل أن جميع المارة، سواء كانوا تجاراً أو أعداء، الذين أرادوا دخول المدينة، كان عليهم المرور عبر هذه البوابة الرائعة". ويضيف: "لم تدافع البوابة عن المستعمرة فحسب، بل نقلت أيضا رسالة مفادها أن المرء يدخل إلى مستعمرة قوية ومهمة، وكانت منظمة تنظيماً جيداً سياسياً واجتماعياً واقتصاديا"، أما هذا الكلام "السياحي" فمثير للضحك حقا. والأكيد إننا لو سألنا باسترناك عن أية مدينة أو مستعمرة يتحدث، وهل يعرف اسمها وهل لديه دليل على وجودها غير هذه الأحجار لحارَ جوابا!
قانون هليفي للاستيلاء على آثار الضفة
تأريخياً، شعر مؤسسو الكيان والحركة الصهيونية المعاصرة والتي بدأت كحركة مسيحانية "بروتستاندية" عارضتها غالبية يهودية، شعروا بأن مشروعهم يفتقد إلى التوازن والعمق التأريخي المطلوب حتى بعد أن نجحوا بدعم غربي واسع النطاق وأقاموا كيانهم طالما بقيت منطقة الضفة الغربية، والتي ما يزالون يسمونها في خرائطهم ووثائقهم "يهوذا والسامرة"، تحت السيطرة السكانية والإدارية منزوعة السيادة للفلسطينيين. ويبدو أن الصهاينة الدينيين المتشددين المشاركين في التحالف الحاكم يحاولون حسم هذا الأمر عبر مفاقمة الاستيطان في الضفة وشن حملة تهجير، وأخيراً عبر الاستيلاء على القاعدة المادية والعلمية للتراث الحضاري الفلسطيني القديم في الضفة من خلال تشريع قانون جديد.
ففي شهر تموز- يوليو الماضي أعلن عضو الكنيست عن الليكود عميت هليفي أنه حصل على دعم الحكومة لتقديم مشروع قانون يحمل اسمه ويقضي بضم الآثار القديمة في الضفة الغربية قانونياً وفعلياً لسلطة الآثار الإسرائيلية. وبموجب مشروع القانون الجديد فإنَّ السلطات الآثارية الإسرائيلية الرسمية ستعمل في الضفة الغربية مثلما تعمل في أراضي الكيان، وستطبق القانون الاسرائيلي في الضفة الغربية. وهذا يعني أن وزير التراث الإسرائيلي المتطرف -الذي دعا علنا إلى إبادة الفلسطينيين بإلقاء قبلة نووية على غزة - عميحاي إلياهو سيتمكن من ممارسة صلاحياته كوزير في ما يسمونها "إسرائيل الكبرى" أي على جميع الأراضي الفلسطينية!
سيعتبر مشروع القانون المزمع إقراره انجازاً للحملة الكبيرة التي تطلقها جمعيات اليمين في السنوات الاخيرة حول المواقع الأثرية في الضفة الغربية. ولكن صاحب المشروع هليفي لم يتشاور مع الوزير إلياهو، ولا مع سلطة الآثار ولا مع أكاديمية العلوم أو مع مجلس الآثار.
ينطلق رفض أكاديمية العلوم لمشروع القانون من اعتبارات علمية منها "أن الآثار وتراث فلسطين ليست محصورة بالآثار اليهودية إنْ وجدت بل تمتد عميقاً في التاريخ قبل ظهور العبرانيين أو اليهود بآلاف السنوات، وهذه الآثار ليست ملكاً لعرق أو دين معين بل هي ملك للإنسانية جمعاء كسائر الآثار في العالم".
كما عارض مدير عام سلطة الآثار، إيلي ايسكوزيدو المشروع لأسباب إدارية ولأن أحداً لم يتشاور معه، وربما لأنه لا يريد لليكودي هليفي أن ينفرد بهذا "الإنجاز".
أما رئيس مجلس الآثار د. غاي شتيفل، كما كتب نير حسون في هآرتس، فقد كان أكثر وضوحاً وانسجاماً مع رأي بعض العلماء والباحثين الإسرائيليين المهنيين والمنصفين فكتب في رسالته إلى الوزير إلياهو: "بصفتي ممثل اسرائيل في مجلس الآثار الاوروبي فانه يمكنني القول بأن مجرد طرح مشروع القانون، وليس أقل من ذلك إذا تمت المصادقة عليه، سيكون له موجات ارتداد وسيتسبب بأضرار دولية لا يمكن تقديرها".
وأضاف شتيفل "وبدلا من التفاخر بأننا نحافظ على الماضي المجيد لتاريخ هذه البلاد الرائعة، بدءا من فترة ما قبل التاريخ وحتى الآن، فان مشروع القانون الذي يوجد أمامنا يسعى الى تقويض أسس الآثار والتراث التي من المهم التأكيد على أنها لنا جميعنا. الحديث هنا لا يدور فقط عن الآثار اليهودية، كما تم الادعاء، بل يدور عن الجشع لحيازة أشياء تمثل تراث عالمي، متعدد الثقافات، وهي للبشرية كلها".
حسب أقوال شتيفل فإن القانون، سيؤدي إلى إبعاد إسرائيل عن الأبحاث وصناديق الأبحاث الأوروبية وعن العضوية في منظمات مهنية وهيئات تحرير ومجلات وما شابه. وأضاف "إن مشروع القانون سيقوض أسس الآثار والتراث التي من المهم التأكيد على أنها لنا جميعنا. الحديث هنا لا يدور فقط عن الآثار اليهودية، كما تم الادعاء في اقتراح تعديل القانون، بل يدور عن الجشع لأشياء تمثل تراث عالمي، متعدد الثقافات، وهي للبشرية كلها".
أما رد "الوزير النووي" إلياهو على رسالة شتيفل فقد جاء متعجرفا وعنيفا خلاصته أنَّ الرسالة مليئة بالأكاذيب وأن "أرض اسرائيل تعود للشعب اليهودي ولا توجد أي حقوق قومية لأي شعب آخر".
***
علاء اللامي -كاتب عراقي

 

الشعب المصري يشبه "اللافا والحمم البركانية" التي صهرها الزمن وتعاقبت عليها المحن، فصار كالأحجار الكريمة الصلبة الجميلة في جوهرها مهما تراكمت على سطحها أتربة ليست من معدنه الأصيل..
أزمنة هي من عمر هذه الأرض تعاقبت على مصر. وظلت هي وشعبها ونيلها في اتحاد وانسجام وصبر كصبر هذه الأرض نفسها وصلابتها وحنوها. جينات موروثة من قديم الزمن امتصها الإنسان المصري فصارت شخصيته من خارجها صلدة شفافة كالزجاج تبدو للناظرين هشة سريعة الكسر، بينما هي في حقيقتها وباطنها في صلابة الماس وقوته ولمعانه وأصالته تحتمل في ثبات، وتنزع عنها قشرتها الهشة كلما مرَّ بها خطب أو غزاها غازٍ غاشم، وتظل كامنة كمون اللآلئ في محارها تنتظر انفراج الأزمة وانقشاع الغمة، وهنا يظهر المعدن الحقيقي لشعب قهر الزمن، وتحدي الصعاب عهداً بعد عهد، وجيلاً بعد جيل.
شخصية المصري أثارت ذهن هيرودوت فتحدث عنها بانبهار، ورأي أن المصريين أشد تديناً من سائر أهل الأرض! وأنهم أول من حفر الصور والرسوم على الأحجار، وتغزل في نيلها وأدهشته طبيعتها ونسائم جوها المعتدل، ورأي أن ملابس المصريين هي الأنظف والأجمل. وعندما وفد على مصر كل وافد رحالة سرد عنها أعاجيب لا ينفك التاريخ يذكرها ذاهلاً مدهوشاً. فكتب عنها ابن خلدون فصولاً يصفها وصف العاشق المحب، وذكرها المقريزي في خططه وكشف حقيقة صلابة المصري، وأن مداهنته للحكام جاءت نتيجة لقهر قديم، وأنها ممالأة سطحية لا تنم عن طبيعة أصيلة، وأن المصريين في حقيقتهم لهم هِمم وعزائم تطاول الجبال.
تمعَّن جمال حمدان الجغرافي المصري في حقيقة شخصية مصر، ونظر إليها نظرة المتعمق في أصولها وجذورها الباحث في طبقات تكوينها العريق، فلاحظ كيف أنها تجمع بين الأضداد وتوحد بين المتناقضات، ثم تختار الاعتدال. والوسطية فيها أصيلة؛ فهي تتوسط العالَم القديم كأنها رمانة ميزان ثلاث قارات التحمت في هذه البقعة المضمومة بين كفيّ بحرين من أجمل بحار العالم وأعرقها، ويشقها من منتصفها نهر هو الأطول والأجمل والأحلى مذاقاً. ذلك التكوين الجغرافي العبقري الفريد، جعلها لا تشبه أي بلد من بلدان العالَم. واستطاعت جغرافية مصر هزيمة تاريخها، فبقيت مصر، وذهب غزاتها. وابتلعت بطنها هذا التاريخ، لتكشفه بعد آلاف السنين كأنها تحتفظ داخل أرضها بسجلّ الأرض والتاريخ.
هذا التاريخ التليد أبهر كل دارسيه المعاصرين، المصريين منهم والمستشرقين، وحاول كل منهم تفسير حقيقة مصر وجوهرها من دراسته لتاريخها فأعجزته الحيلة، واحتار في أمرها. وراح كل باحث يراها على ضوء دراساته العميقة من زاوية. فكتب ميلاد حنا عما أسماه: "الأعمدة السبعة للشخصية المصرية". وبحث الدكتور محمد عودة عن جذور هذه الشخصية ووصفها في كتابه " التكيف والمقاومة الجذور الاجتماعية والسياسية للشخصية المصرية", . وراح الدكتور عاطف غيث يدرس القرية المصرية العريقة وصفات الفلاح المصري الذي ورث عن أجداده الثبات والرسوخ.
جلد المصري كأنه رقائق بردي، كل طبقة منها تكشف عن حقبة تاريخية عايشها أجداده.. فالحقبة الفرعونية تداخلت مع عهد البطالمة فالرومانيين. ثم انسلخت حقبة قبطية عانت الاضطهاد فجاء الإسلام منقذاً ودرعاً ضرب قبته الشفافة حول ربوع مصر يحميها من الغادرين.
تشكلت الشخصية المصرية من عناصر، أولها العقيدة. واجتمع الباحثون أن المصري مفطور على الإيمان الراسخ، وأنه آمن منذ القدم بالبعث والحياة الآخرة، فبني الأهرامات ومراكب الشمس تكريساً لاهتمامه بالحياة الآخرة. وعندما لاحظ اليونانيون ارتباط المصريين بعقيدتهم، حاولوا النفاذ إليهم من هذا الباب؛ واحترموا عقائدهم. والمصريون الذين احتضنت أرضهم ألواح موسي وإنجيل عيسى باتوا في عقيدتهم المسيحية كأنهم الفنار الذي أضاء ما حوله؛ فبمجرد وصول رسالة السيد المسيح للإسكندرية أصبحت أحد أهم مراكز انتشار الدين الجديد، ورغم الاضطهاد صبر المصريون وطووا صدورهم على عقيدتهم حتى باتت المسيحية هي الدين الرسمي للبلاد، ثم انتقم المسيحيون لأنفسهم من الوثنيين ورفضوا كل ما ينتمي لليونانيين. ثم ظهرت الرهبانية، وبُنيت الأديرة، واحتفي المسيحيون بقدِّيسيهم وأقاموا الموالد التي باتت طقساً مشتركاً بين المسلمين والمسيحيين كعادة اكتسبوها منذ القدم. ومع الإسلام بدأت فترة جديدة مشرقة من الحرية الدينية. وأما عملية التحول للدين الإسلامي استمرت إلى ما يقرب من ثلاثة قرون لتصبح الغالبية إسلامية ومَن بقي على المسيحية عرف فيما بعد باسم قبطي .
العنصر الثاني للشخصية المصرية مستمد من صلابة أرضها وخلودها، وهو عنصر الرسوخ والثبات والاستمرارية. فالمصري لا ينبذ ماضيه، بل هو يجمع تاريخه بين جوانحه وفى ذاكرته ويعيش به دون انقطاع عن حاضره، القديم والجديد مجتمعان في شخصيته دون تنافر أو تعارض.
عنصر ثالث استمده المصري من هذا النيل الجاري منذ آلاف السنين كأنه نابع من علياء السماء. هو عنصر الحكمة والاعتدال. إن أهم سمة لهذا الشعب أنه وسطي معتدل هادئ ثابت الجنان لا يثور ولا يتمرد، كما لا تفزعه النوائب. وهو لا يحب العنف، ولا يمارسه. إن الطبيعة الزراعية لوادي مصر الخصيب أثمرت عند الفلاح المصري ثباتاً وصبراً وارتباطاً بالماء والأرض، الفلاح الذي واجه الفيضان السنوي وآفات المواسم الفتاكة بصبر، لم يهتم بتعاقب الحكام، لأنهم يذهبون ويبقي هو، وتبقي أرضه وثمارها تحدب على هذا النيل العجوز حدب الوليد على أمه.
الحكم الروماني عندما جاء في أعقاب هزيمة أنطونيو وكليوباترا في معركة إكتيوم عام 31 ق. م. بدأ وثنياً مع " أوكتافيوس أغسطس " وانتهي مسيحياً مع قسطنطين الذي اعتنق المسيحية وأنشأ مدينة القسطنطينية. ومنذ أيام البطالمة كان هناك نظام لإدراج أسماء السكان في قوائم فأدخل الرومان نظام التعداد المنظم الذي كان يجري كل أربعة عشر عاماً واحتفظ الرومان بتقسيم البلاد القديمة إلى أقاليم على رأس كل منها مدير ولو أنهم جردوه من جميع اختصاصاته العسكرية وكان يعاونه كاتب ملكي. واقتطع الرومان للقادة منهم ضِياعاً وأراضي هي الأجود والأكبر، لكنهم ذهبوا وعادت الأرض للمصريين. لقد أقام الرومان حكومة مركزية قوية ذات جهاز إداري واضح المعالم تسندها قوة عسكرية كافية لحفظ الأمن الداخلي ونظام بيروقراطي محكم حافل بالسجلات والأجهزة الرقابية. ومجتمع هرمي الشكل منقسم إلى طبقات ممتازة وطبقات أدني.
خضع المصريون في القرن الأول الميلادي لمبدأ الإلزام الذي أجبرهم على شغل وظائف إدارية لصالح الدولة الرومانية؛ كشيخ القرية ومحصل ضرائبها، وباتت القرية ككل ملزمة بدفع ضرائب أفرادها من الفلاحين. وبدأت الأمية تنتشر بين المصريين وبخاصة النساء، بعد أن كان المصريون على عهد الفراعنة رواداً في مجالات عديدة كالهندسة والطب والقضاء والعمارة والفنون والأدب.
***
د. عبد السلام فاروق

مزاد العملة في البنك المركزي العراقي هو عملية مصرفية يقوم بها البنك الحكومي لبيع الدولار الأمريكي للمصارف وشركات الصيرفة المحلية، الهدف المعلن من هذا المزاد هو تلبية أحتياجات السوق المحلية من العملة الأجنبية والتي تستخدم عادة لتغطية الواردات والمشتريات الأجنبية ودعم الأستقرا ر الأقتصادي.
في هذا المزاد يقوم البنك المركزي ببيع الدولار للبنوك التجارية وشركات الصيرفة التي تشتري الدولار بهدف توزيعهِ على الشركات والأفراد الذين يحتاجون إلى العملة الصعبة لأستيراد البضائع أو تغطية نفقات تجارية.
أن ظاهرة غسيل الأموال Mony Laudering الشائعة اليوم هي رديفة حميمة لظاهرة مزاد بيع العملة في البنك المركزي العراقي والذي هو مؤسسة أقتصادية ومصرفية مهمة للتنمية المستدامة، إن الأصطلاح عصري بديل للأقتصاد الخفي أو الأقتصاديات السوداء أو أقتصاديات الظل والتي تستثمروتشتغل بالأموال (الغير مشروعة) وتخلط حينها بأموال مشروعة لأخفاء مصدرها الممنوع للخروج من المسائلة القانونية بعد تظليل الجهات الأمنية.
علاقة مزاد العملة بغسيل الأموال؟!
تثارحول مزاد العملة أتهامات مرتبطة بغسيل الأموال بسبب بعض المخالفات والتجاوزات التي يمكن أن تحدث في هذه العملية كمثل: أحتمالية أساءة أستخدام الدولار المخصص للأستيراد حيث يتم تقديم وثائق أستيراد وهمية أو تضخيم أسعار السلع المستوردة للحصول على كميات كبيرة من الدولار الأمريكي من المزاد.
من طرق التلاعب المحتملة
- فواتير أستيراد مزورة تقديم وثائق غير صحيحة تدعي أستيراد سلع وهمية بأسعار مبالغ فيها هذا يسمح لبعض الجهات بشراء الدولار من المزاد بسعر مدعوم وتحويله إلى الخارج بدون أن يستخدم لأغراض تجارية حقيقية.
- تهريب العملة بعد شراء الدولار من المزاد يتم تهريبه إلى الخارج بطرق غير شرعية بهدف التربح من فرق السعر أو لدعم عمليات مالية غير قانونية.
- التلاعب بسعر الصرف الرسمي بعض الأطراف قد تستغل الفارق بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق لتحقيق منافع مالية كبيرة عن طريق أعادة بيع الدولار بسعر أعلى بعد الحصول عليه من المزاد بسعر أقل.
تداعيات مزاد بيع العملة وغسيل الأموال على ألأقتصاد العراقي
- يمكن أن تؤدي هذه الممارسات الغير سوية إلى أستنزاف أحتياطي العملة الصعبة في البنك المركزي وبالتالي إلى أضعاف قيمة الدينار العراقي وزيادة التضخم مما يؤثر على الأقتصاد الوطني بشكلٍ سلبي، كما إن غسيل الأموال يؤدي إلى زيادة تدفق الأموال الغير شرعية في النظام المصرفي ما يخلق تحديات إضافية أمام الأجهزة الرقابية.
- يتصدرالعراق لائحة الفساد العالمية، وحسب المؤشر الدولي للدول الأكثر فساداً هي : العراق وفنزويلا وكوريا الشمالية وليبيا والسودان واليمن وأفغانستان وسوريا، وأن هذه المعطيات نُشرتْ من قبل المنظمة الدولية Tronsparency International
- ويعتبر "مزاد العملة الأجنبية" هو تلك الفرية الأمريكية البريمرية للمحتلين طُبقتْ بالتحديد عام 2004 من قبل البنك المركزي العراقي، والذي يعتبر شكلاً جديداً من أشكال الفساد الأقتصادي المرتبط بحبلهِ السري مع عملية غسيل الأموال في العراق، فمزاد العملة في العراق أصبح وسيلة لتهريب الأموال من العراق فقد تمّ هدر 312 مليار دولار من 2004 لحد 2014 وهي من عائدات النفط العراقي الآيل للنفاذ في 2040.
- والذي ضخهُ البنك المركزي العراقي إلى الأسواق وتمّ تحويلهُ ألى الخارج وهو رقم لا يستهان به حين يعاني الأقتصاد العراقي شللا بسبب أستنزاف الحرب الداعشية وأنخفاض سعرالبرميل من النفط الخام والألتجاء إلى الأستدانة من البنوك الدولية ورهن مستقبل الأجيال القادمة بالضمانات السيادية والرضوخ للشروط التعسفية للصندوق الأسود !؟ وهذه واحدة من التداعيات السلبية التي ظهرت على الحياة السياسية والأقتصادية والأجتماعية والثقافية.
- ومما يزيد في الأحباط : أن البنك المركزي يعلن أن (التدقيق) ليس من أختصاصه إنما من أختصاص دائرة الجريمة الأقتصادية التابعة لوزارة الداخلية العراقية.
- التذبذب في سعر الصرف.
- خضوع الأقتصاد العراقي الأحادي لتقلبات ومضاربات الأسوأق المحلية.
- أستنزاف أحتياطي البنك المركزي من العملات الصعبة وسبائك الذهب الذي يؤثر بدوره في صرف العملة المحلية.
- تراجع أحتياطي البنك المركزي في سنة 2009 ألى 35%.
- فقدان أستقلالية البنك المركزي العراقي.
- نوسع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق.
- البطالة بنسبة 39 % والفقر بنسبة 40%.
- العجز بميزان المدفوعات وثم ألى أنخفاض القدرة الأنتاجية.
- تنامي وأنتشار الفساد والسرقة للمال العام وضعف الروابط الأجتماعية.
- تنامي ظاهرة غسيل الأموال.
ما الحل؟؟؟!!!
للحد من هذه الظاهرة يسعى البنك المركزي العراقي إلى تعزيز الرقابة على مزاد العملة من خلال فرض شروط وضوابط صارمة على عمليات البيع وتدقيق فواتير الأستيراد وأيضاً تعزيز التعاون مع الجهات الأمنية والرقابية للحد من ظاهرة غسيل الأموال والتلاعب بسوق العملة مع هذا وذاك طفت على سطح الأقتصاد العراقي في السنوات الماضية تحديات تكتيكية وأستراتيجية في تدهو (أستدامة) المصادر المالية في العراق منذ سنة 2014 وهي مستمرة حاليا التي تلت الأزمة المالية العالمية وتأثر بها العراق في 2008، وأستمر ظهور العجز في الميزانية العراقية حتى وصل ألى رقم كارثي يتجاوز 111 مليار دولار وخفف الرقم ألى 37 مليار دولار بعد شطب المانحين في نادي باريس لتلك الديون بنسبة 80%، من الضرورة الوطنية في أختيار الجهات الرقابية والتي هي (هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية ومكاتب المفتشين العموميين) لكي تقف بوجه الفساد بيد أنها تحتاج إلى توفيرالأمن والدعم السياسي لهم.
***
عبد الجبار نوري
كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد
في تشرين ثاني 2024
...........................
الهوامش والمصادر/
- د-علي مرزا – أستخدام الأحتياطي في غير وظيفته /
- سمير شعبان – جريمة تبييض الأموال 2016 /
- أيمان محمود –الأزمات المالية العالمية.

 

محمد العباسيكافة أشكال الثورات والانقلابات والاحتجاجات الشعبية والمظاهرات والاعتصامات حول العالم وعبر التاريخ، متى نراها محقة وأهدافها سامية؟  فعبر تاريخ الأمم شهدنا ثورات قامت بها جهات مختلفة ولأسباب متفاوتة وبنتائج كثير منها انتهت بسلبيات وتداعيات كارثية.  بل يمكننا في الكثير من تلك الحالات أن نشهد حجم التدخلات الخارجية سواء لدعمها أو لإجهاضها.. لنعود بعدها نبكي على الزعامات والحكومات المعزولة في ظل التداعيات الكارثية والدمار الاقتصادي والمجتمعي نتيجة الفوضى العارمة التي كثيراً ما تتبع تلك الحركات في ظل افتقار البدائل الانقلابية، بالذات العسكرية منها، لأبجديات السياسة وإدارة الدول.. بل ويشهد لنا التاريخ كيف تنقلب الأمور بعد أن كانت راسخة رغم بعض المظالم إلى حالات من الفوضى والصدامات والحروب الأهلية.

ففي الثمانينات وما قبلها وبعدها شهدت دول قارة أمريكا الجنوبية الكثير من الثورات والانقلابات الكارثية، وكانت الولايات الأمريكية تلعب لعبتها القذرة بين أضلاع هذه الدول، تارة تساند الثوار هنا وتارة تحاربهم هناك، كيفما كانت مصلحتها تستدعي، دون أدنى اهتمام بالشعوب المطحونة.. وطبعا في ظلال الحرب الباردة، كان الإتحاد السوفيتي أيضاً يلعب من خلف الكواليس في دعم هؤلاء أو ردع أولئك، لتستمر الصراعات وتنهك كافة الجوانب دون أدنى مراعاة لعذابات تلك الشعوب وخسائرها البشرية والاقتصادية.. مجرد لعبة مصالح على طاولة "الشطرنج" بين الدول الكبرى.

ناهيك عما فعلته الدول التي تدّعي اليوم نصرتها لحقوق الإنسان والديموقراطية لقرون من الزمان في القارة السوداء، من أقصى شمالها حتى أخمص جنوبها، من استعباد للبشر ونهب للخيرات ومجازر تقشعر لها الأبدان.. وكذلك فعلت بريطانيا العظمى واسبانيا وفرنسا وغيرها في كافة أرجاء الكرة الأرضية حيث أدت سياساتها الاستعمارية للقضاء على شعوب وحضارات بأكملها بدءاً من القارتين الأمريكيتين حتى أستراليا، والمئات من الجزر المنتشرة حول العالم.. وحتى اليابانيين كان لهم تاريخ مظلم في السيطرة على كثير من دول شرق آسيا والتحكم بشعوبها وممارسة أقسى أشكال التفرقة العنصرية والاستعباد والاستغلال.. ولن ننسى أفعال الأمة الروسية في السيطرة التامة بالحديد والنار ضد أغلب الأمم المحيطة بها ضمن ما أصبحت فيما بعد تُعرف بالاتحاد السوفيتي.

فهل يمكننا القول بأن الحركات المناهضة لتلك القوى الاستعمارية كانت خاطئة وقادتها من الوطنيين كانوا خونة فقط لأنهم رفضوا الخنوع والخضوع وتقبل الذل والظلم الواقع عليهم؟   وهل كان قادة الثورات المناهضة للشخوص الديكتاتورية المنصوبة على رؤوسهم من قِبل بعض الدول الكبرى لتسيير مصالحهم مخطئين في اشعال الحركات الشعبية ضد زعمائهم المفروضين عليهم بدعم من القوى الخارجية؟   يبدو لنا جلياً بأنه من منطلق المبدأ العام بأن مثل تلك الثورات كانت محقة في أهدافها.. فالخيانة صفة تنطبق بكل جلاء على تلك الزعامات "المطايا" ممن قد نصبتهم دول وقوى خارجية رغماً عن رغبة الشعوب لتكون خناجر في خاصرة الأوطان.. بل مثل أولئك الزعماء هم وحدهم ومن خلفهم أعضاء حكوماتهم الخانعة يمثلون قمة هرم الخيانة والعمالة وهما صفتان متلازمتان في المدلول السياسي.. وإلى يومنا هذا لم تتخلص الكثير من أمم العالم من هكذا رموز، سواء على مستوى الحكام أو المسئولين المؤتمنين على شعوب بأكملها.. بينما تنزلق الشعوب من قاع إلى قاع.

فمن ليس له عهد ولا امان فهو بطبيعة الحال خائن، وكل من لم يرع عهدهُ فهو خائن.. فالخائن هو من يضر بمصالح وطنه وشعبه وأهله من أجل مال أو نزوة أو سلطة أو مصلحة شخصية أو لإرضاء أطراف أخرى أجنبية على حساب وطنه.  الخيانة لها آثار مدمرة على كافة المستويات، على الفرد ومن ثم على المجتمع.. وهنا أقول المجتمع، فحين تأتي الخيانة من شخص ذو موقع ومسؤولية فالشخص المبدع بالكذب والكثير الغموض والذي يلعب على حبال المجاملات بشكل كبير والذي يبالغ في المدح في غير محله فهذا شخص يحمل صفات الخائن بكل جدارة.. فالخائن هو شخص تتعارض مجمل أفعاله مع القيم السوية وبالتالي يكون أثر ممارساته مدمراً ويتسبب بالضرر لكافة أصحاب الحقوق المستحقة.

لكن، متى تكون الثورات والاحتجاجات عادلة؟ فمثلاً ما تشهده السودان هذه الأيام بالذات، بعد أن قامت الحركات الوطنية بثورتها البيضاء ضد ديكتاتورية حكم "عمر البشير" وتخلصت بعد سنوات من الضياع والعزلة الدولية، بل وفقدت نصفها الجنوبي لتنقسم السودان إلى دولتين، وتكاد بسبب ذلك العهد الغابر أن تنفصل عنها غربها المتمثلة في إقليم دارفور، وشرقها المتأزم المتمثل في تحركات قبائل "البجا"، لتتحول من دولة غنية بالخيرات إلى أربع دول مأزومة بالويلات وتنحرها الصراعات.. وها قد عادت الممارسات للواجهة من جديد لتواجه شفير الهاوية بحركات احتجاجية شاهدة على الانقسامات بشأن إدارة المرحلة الانتقالية، حيث تنظم أطراف متناحرة تظاهرات واعتصامات في خضم أزمة سياسية تشهدها السودان بعد محاولة انقلابية، في وقت لا يزال يعاني فيه السودانيون من تضخم يقترب من الـ400 في المئة.

تشير كافة الأصابع نحو جماعة الإخوان في السودان بعد عزلهم في نخر البلاد عبر حصار العاصمة الخرطوم عبر الولايات الطرفية وذات التأثير الكبير ومن ثم جر البلاد إلى دوامة العنف والوصول إلى مخططهم الفوضوي بعد ضربات متلاحقة لقياداتهم.. وجاءت الاحتجاجات بعد أيام من تلقي الإخوان ضربات موجعة من "لجنة التفكيك" التي صادرت أملاك رموز بارزين واقتحمت فساد الأمن الشعبي، الجهاز السري للحركة الإخوانية السياسية، وطردت المئات من منسوبي الجماعة الإرهابية من مؤسسات الدولة.. ففي 17 سبتمبر الماضي، أعلن سودانيون موالون لـ"محمد الأمين ترك"، زعيم قبائل "البجا"؛ وهي إحدى أكبر المكونات السكانية في شرق السودان؛ إغلاق الميناء الرئيسي للبلاد ووضعوا متاريس و"حواجز" في العديد من المدن والنقاط الواقعة على الطريق الرئيسي الذي تمر به صادرات وواردات البلاد، وكذلك إغلاق خطّي تصدير واستيراد النفط.. وتتصدر مطالب المحتجين لعودة الحياة إلى طبيعتها حل لجنة تفكيك تنظيم الإخوان وهو ما يدعم فرضية تورط فلول الإخوان في تحريك عجلة التصعيد بالمنطقة تحقيقاً لمصالحهم التنظيمية، وخشية أن يقعوا تحت مقصلة اللجنة التي تحظى بدعم شعبي كبير.. كما يطالبون بحل الحكومة الحالية وتشكيل مجلس عسكري جديد يدير البلاد لفترة انتقالية أخرى تعقبها انتخابات، وكذلك إلغاء مسار شرق السودان باتفاقية جوبا.

الوضع في السودان يبدو كأحدث حلقة من حلقات تداعيات الربيع العربي الذي عصف في العشر سنوات الماضية باليمن وسوريا وليبيا ومصر وتونس.. ربما تمكنت جمهورية مصر من الخروج من عنق الزجاجة ولعقت جراحها وتحظى اليوم ببعض الاستقرار.. وربما تفادت تونس أسوأ التوقعات ولم تزل تحاول لملمة الأوضاع.. لكن الصراعات والانقسامات لم تزل تعصف باليمن وسوريا وليبيا ولبنان بلا هوادة.. ومن جانب آخر، لم يزل العراق يعاني من سيطرة الميليشيات المدعومة من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي هي الأخرى خاضت تجربة الانقلاب قبل أربعة عقود ضد حكم الشاه لتقع فريسة لحكم الملالي والسيطرة التامة لعقول لم تزل تؤمن بتصدير الثورات وتفكيك العالم العربي.

وتنقل لنا المحطات الإخبارية صور الاحتجاجات بالصوت والصورة، ونسمع بين ثناياها أصوات المحتجين الذين يرددون مصطلح "السلمية" وينددون بقمع قوات الأمن لهم، بينما هم يلجئون إلى ممارسات أبعد ما تكون عن السلمية.. فالمحتجون يقومون بسد الطرقات وحرق الإطارات ورمي الحجارة وحرق المركبات وتدمير المحلات التجارية وتخريب المقار الحكومية والشرطية.. ورغم كل أفعالهم التخريبية يتوقعون من الأجهزة الأمنية أن تبقى صامتة ولا تتحرك تجاههم بأي شكل من أشكال التدخل للسيطرة على الأوضاع.. ربما تكون المطالب أحياناً محقة ومنصفة، غير أن أغلب تلك الممارسات تشوبها الكثير من التهور والعنف والغوغائية، ويقع بسببها ضحايا من كافة الأطراف، بل ويطال الضرر أهالي المناطق المشتعلة ممن لا ناقة لهم ولا جمل في تلك الأحداث.. بل وربما تحتاج بعض الحركات الاحتجاجية لأن تكون صاخبة بشكل ما حتى تستدعى لفت انتباه وشغف المحطات الإخبارية لتنال مرادها من الضغط على الحكومات بسبب الأضرار الاقتصادية لتتحول تلك الممارسات إلى صورة من صور الابتزاز بالذات حين تتحرك الجماعات الحقوقية الأجنبية "المشبوهة" في تدويل تلك التحركات وبالتالي تضغط هي الأخرى على حكوماتها لممارسة ضغوط دولية تقف مع المحتجين تحت مسميات واهية.. بينما نرى في كثير من الأحيان أن تلك الدول المنادية بحقوق حرية التعبير لا تتهاون مع المحتجين "المخربين" في بلدانها!!

 

بقلم: د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

 

 

محمد المحسنلم لا نستجيب للمتغيرات العالمية وتنخرط في التاريخ، ليس بغرض الاستسلام لتراكماته ودراميته البسيطة، لكن لاعادة بلورته وصياغته والفعل فيه! لم ندرك بعد أن الإعلام سلاح متعدد الاغراض ولعل من أخطرها: الاختراق والهيمنة، وهذا ما يستخدمه الغرب ضدنا بدهاء متفاديا الحروب وإراقة دماء جنوده؟! أليس وطننا سوقا للاستهلاك: تجريبا وتخريبا، انطلاقا من إشباعنا بالمواد الاعلامية الهابطة مرورا بسياسة التمييع والتهميش! أليس بامكاننا الارتقاء بالخطاب الاعلامي العربي الى مرتبة التحديات التي يمليها ـ الراهن الاعلامي الكوني طالما ان لأثر يائنا المال والنفط وبريق الذهب، ولمثقفينا الكفاءة الفكرية والأدبية ما يؤهلنا ـ للتموقع ـ في الألفية الثالثة بإرادة فذة وعقول مستنيرة!

إن الحديث عن دور وسائل الاعلام ووظائفها في الوطن العربي لا يزال يريق الحبر الكثير لا سيما وأننا نمر بمرحلة متخمة بالتحديات، حيث يحتدم الصراع بين العرب في ـ الجنوب ـ وبين الغرب ـ في شمال العالم الصناعي المتقدّم بما من شأنه أن يدعونا الى ضرورة تأكيد الذات وإثبات الهوية عبر المحافظة على الأصالة وإنتاج الصورة الحقيقية والفاعلة لحضارتنا ففي ضوء الرؤية العالمية الجديدة للإعلام والتي حوّلته الى مكسب مادي يخضع لقواعد اقتصاد السوق تجد وسائل الاعلام نفسها مدعوة الى مزيد التحرر من قيود السيطرة والبيروقراطية كي يزداد دورها الإيجابي في خدمة الأهداف الوطنية والقومية والإنسانية وحتى تواكب وتعايش قضايا الشعوب واحتياجاتها بصورة أعمق وأقوى. ولعل من خلال طرحنا للتساؤلات التالية نستسيغ مدى أهمية وسائل الاعلام في تفعيل الواقع العربي الراهن محليا واقليميا ودوليا، ومدى قدرتها على مواكبة الراهن الاعلامي الكوني:

ـ الى أي حد يمكن تخصيص قسط من الموارد المتاحة للدولة قصد استثماره في بناء ودعم النظام الاعلامي ؟

ـ ما هو مدى الحرية التي يمكن تقريرها لوسائل الاعلام أو ما هي حدود الرقابة على هذه الوسائل ؟

ـ هل للقطاع العام كما للقطاع الخاص دور فعال في التنمية الاقتصادية لوسائل الإعلام ؟

ـ ما هو مدى التماثل والتوافق المطلوب ؟

-وما هو مدى التغاير والتنوع المسموح به ؟

إن طرح هذه الأسئلة قطريا وعربيا أمر مؤكد، فالإعلام وفي عالم ما فتئت تزداد فيه الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية حيث يختل التوازن في تبادل الأنباء والأفكار فيما بينها، يحتاج الى أن يرتفع الى المستوى الاقليمي لمواجهة التسلط المفزع لوسائل الاتصال في الدول المتقدمة، مما يستوجب رؤية مغايرة لما عليه نظامنا الاعلامي اليوم، إذ لا بد من ايجاد معادلة حتى ولئن كانت عسيرة بين إتاحة المجال لاختلاف الآراء وتنوعها وإتاحة تلقي أفكار الثقافات المتعددة وتداولها، وبين ضرورة المحافظة على القيم الأصيلة للشعب وذاتيته القومية، فالتجربة أثبتت أن التناقضات سافرة، بين ما تمنحه دساتير معظم البلدان العربية من حريات: حرية التعبير وحرية الصحافة، وبين ما يشهده الواقع من ممارسات للتضييق على الصحافة وللحد من مقدار الحرية التي تتنفس من خلالها، وظلّت تبعا لذلك الشكوك تحوم حول إمكانية أداء الإعلام العربي لوظيفته المطلوبة وهي إشاعة الحرية والديمقراطية في الحياة العربية. إن الحاجة تدعو الى ترابط المواطنين وتجانس أفكارهم حول الأهداف الوطنية المطروحة، والإعلام له دور بالغ الأهمية في تشكيل الذاتية الوطنية وتقوية وحدتها والتصاقها حول أمهات القضايا، مثل الموقف الاعلامي من الصراع العربي ـ الاسرائيلي في كل أقطار الوطن العربي، كما أن له دورا فعالا في صياغة العلاقات بين الأقطار، فتوتر الأوضاع بين الدول العربية مردّه سوء استخدام وسائل الإعلام، وكذا ـ ايغال ـ بعض المؤسسات الاعلامية العربية في ـ النرجسية وجنون العظمة ـ الى درجة تجعلها تلفق التهم، تسوق الأوهام والأراجيف و ـ تسيء ـ بالتالي ـ دون وعي منها ـ لدولة عربية تصاغ قراراتها السياسية وتنجز مشاريعها التنموية تحت شعاع الشمس ـ وذلك تحت شعار ـ مخاتل ـ: الرأي والرأي الآخر!

ان عجزنا على اقتحام قنوات الاعلام العالمي التي ـ تصهينت ـ لا يبرّر تقصيرنا في الاهتمام بذاكرتنا والتأسيس لهويتنا ودعم ثقافتنا والتنبيه لمخاطر المد الاعلامي المعولم الذي يهدف الى تخريب القيم الأصيلة للمجتمع وتهميش سلوكيات الأطفال وأخلاقيات الشباب بسبب ما يعرضه من برامج تهدف الى خدمة الغرب وتكريس صورته في عيوننا وهي التي نستوردها من أوروبا وأمريكا لدرجة ثبت معها أن تلك البرامج أكثر تدميرا من أي عامل مؤذ آخر ولعل في قولة ـ غسان كنفاني ـ خير دلالة لما نروم الاشارة إليه: إن الفن الذي ينظر إليه بعض الشباب الآن تحت أي شعار كان لا يقل خطورة عن السلاح الرديء…

ومن هنا يجوز القول إن الإعلام العربي بوسعه أن يرتفع الى مستوى مسؤوليته، إذا ما استخدم على نحو رشيد في تكريس رسالته لخدمة الأهداف الاجتماعية والاقتصادية والإنمائية وهو بالتالي قادر على أداء مسؤولياته في مختلف المجالات وأن يكون أفضل أداة لتحقيق الديمقراطية وأبلغ لسان في التعبير عنها، بدلا من نشر الأكاذيب وانصاف الحقائق… ومن ثم المزايدة على ـ بلد عربي ـ ينحت دربه الحضاري بإرادة سياسية فذة، وتفاؤل خلاّق، ويؤسس بالتالي للارتقاء بحقوق مواطنيه ـ فكرا وممارسة ـ الى منصة الاحترام الدولي.

 

محمد المحسن - كاتب صحفي تونسي 

 

 

سليم مطريتوجب اولا التوضيح والتأكيد على اننا لا نتكلم عن (الدولة العباسية والسلالة العباسية)، بل عن دور العراق والعراقييـن في تلك الحقبة في صنع الحضارة، في بغداد والكوفة والبصرة والموصل. تماما كما نتكلم عن الابداع العراقي في زمن البعثيين، فلا نخلط البعث مع الكتاب والشعراء والمغنين والرسامين في تلك الحقبة، امثال: الجواهري والتكرلي وفاضل عواد والعطار.. الخ. كذلك مثلا عند الحديث عن السعوديين كشعب، وليس كعائلة حاكمة. وهذا ينطبق على كل تاريخ البشرية: هنالك الدولة الحاكمة، وهنالك الشعب بثقافته وهويته.

يلاحظ في السنوات الاخيرة سيادة الاهتمام بالمرحلة الحضارية النهرينية (السومرية ـ الاكدية) وهذا امر جيد. ولكن المشكلة ان هذا يتم من خلال التغييب شبه الكامل للمرحلة العباسية التي تعتبر أزهى واقرب حقبة حضارية في تاريخنا، وقد دامت خمسة قرون من نهضة ابداعية حضارية، احيا خلالها العراقيون ميراث اسلافهم في (سومر وبابل ونينوى)، لكن في معاقل حضارية جديدة: (بغداد والكوفة والبصرة والموصل).

علما بأن الجزء الاعظم من هويتنا الحالية: تراثنا ومذاهبنا ولهجاتنا وعاداتنا وطراز بيوتنا ومعالمنا وحتى اكلاتنا وثيابنا، مرتبطة بهذه الحقبة، ومع ذلك نصر بعناد على تجاهلها؟!

طبعا هنالك اسباب عديدة لديمومة هذا التجاهل منذ سنوات طويلة، منها:

1ـ بما ان هذه الحقبة الحضارية العراقية مرتبطة بالاسلام، فتم ربطها بسذاجة وسطحية باجتياح جماعات الاسلام السياسي والتعصب والتطرف والعنف في وقتنا الحالي. وهذا خلط خبيث بين الدولة العباسية الحاكمة(بمحاسنها وعيوبها مثل كل دولة) والعراق كشعب وحواضر ابداعية عظمى.

2ـ اما السبب الاهم والاخطر فيتمثل بـ(الفيتو) الذي يفرضه الاسلاميون الشيعة والسنّة ضد هذه الحقبة الحضارية. فالشيعة اختصروا القرون الحضارية العظيمة فقط بمقاتل العلويين والبكائيات واللطميات؟؟! رغم ان الشخصيات الشيعية قد ساهمت بدرجة كبيرة بصنع هذه الحضارة، بل ان كبار مبدعي هذه الحضارة هم من الشيعة، ثم ان التشيع فقها ومذهبا ومدارسا ومراجعا نشأ بفضل المثقفين العراقيين في تلك الحقبة. فهل من المعقول احتساب كل هذا على (العباسيين)؟؟!!

اما الـ(السنّة السلفية) فأنهم يرفضون كل شيء حضاري وابداعي فني وادبي وفلسفي، لانه يشجع على المروق ويسيء الى طهارة ونقاء الاسلام وميراث السلف الصالح؟؟!!

3ـ هنالك ايضا (القوى الحداثية الداخلية) المدعومة غربيا، التي تصر على استمرار ضعفنا وتناحرنا من خلال قطعنا عن تراثنا الحضاري الاقرب والحي، وربطنا فقط بـ(تاريخ نهريني) بعيد وبعيد رغم عظمته، الا انه لا يمس مباشرة حياتنا الروحية وهويتنا الحالية.

إذن كي لا يُفسر كلامنا بغير معناه، نختصر القول:

ـ نعم ثم نعم، لنعتز ولنثقف بتاريخنا النهريني، وانا من بين اوائل من طالب بذلك.

ـ ولكن ايضا ثم ايضا ثم ايضا، لنعتز ونثقف بتاريخنا العباسي وحضارتنا العراقية التي رغم صبغتها العربية الاسلامية الا انها كانت مرحلة حضارة وطنية بامتياز، ليس فقط لانها نشات وازدهرت في حواضر العراق: (بغداد والكوفة والبصرة والموصل)، بل ايضا لأن جميع اهل العراق قد شاركوا فيها وانتموا اليها: سريان مسيحيون، ويهود وصابئة وحتى الارمن، بالاضافة الى العرب والاكراد والتركمان..

ملاحظة: هنالك العشرات من مجموعات الفيسبوك المتخصصة بتاريخ العراق النهريني.. ولكن ليست هنالك مجموعة واحدة عن هذه الحقبة الحضارية العراقية العباسية!؟

صحيح هنالك مجموعات عن الحقبة العربية الاسىلامية، لكنها جميعها لا تتحدث الا عن الحروب والغزوات ومحاربة الكفار.. الخ..

نحن بحاجة الى  تكوين مجموعات متخصصة بـــ: نوابغ العراق ودورهم في صنع الحضارة العربية الاسلامية. أي مجموعات متخصصة فقط بالموضوع الحضاري، وليس بالقيل والقال عن مقتل فلان وغزوة فلانة وفتوحات علان .. فقط فقط فقط النشاط الحضاري الذي يحتاج الى مئات الكتب للحديث عنه.

لمن يرغب بمعرفة جوهر حضارتنا العراقية العباسية، وقائمة باسماء مبدعينا العراقيين الكبار في هذه الحقبة العباسية، ليطالع كتابنا الحالي(تاريخ العراق)، او دراستنا في موقعنا:

الدور العظيم والمنسي للعراقيين في صنع الحضارة العربية الإسلامية

https://urlz.fr/h14t

 

سليم مطر ـ جنيف

 

  

عبده حقييشير مصطلح "دولة الرفاهية" إلى شكل من التدبير الحكومي تلعب فيه الدولة الوطنية دورًا رئيسيًا في حماية وتعزيز الرفاه الاقتصادي والاجتماعي لمواطنيها. تقوم "دولة الرفاهية" على مبادئ تكافؤ الفرص والتوزيع العادل للثروة على جميع المواطنين غير القادرين على الاستفادة من الحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة وتوفير الضمان الاجتماعي، وبرامج التأمين ضد البطالة، ومساعدات الرعاية الاجتماعية للمواطنين غير القادرين على العمل، وهذه كلها أمثلة تجسد ركائز دولة الرفاهية.

تمارس معظم الدول الحديثة بعض هذه العناصر فيما ما يعتبر دولة الرفاهية. وبالتالي يتم استخدام هذا المصطلح في كثير من الأحيان بمعنى ازدرائي لوصف الحالة حيث تخلق الحكومة المعنية حوافز ليس لها معنى، مما يجعل الشخص العاطل عن العمل يستفيد من مساعدات الرعاية الاجتماعية ويكسب أكثر من الشخص الكادح . أيضا يتم أحيانًا انتقاد دولة الرفاهية باعتبارها "دولة مربية" يتم فيها تدليل المواطنين المسنين ومعاملتهم مثل الأطفال.

لقد أصبحت دولة الرفاهية هدفا للسخرية حيث في ظل هذا النظام، فإن رفاهية مواطنيها هي مسؤوليتها بالدرجة الأولى. بعض البلدان تقدم مفهوم "دولة الرفاهية" هذا على أنه يعني تقديم تعويضات مالية على البطالة وفقدان الشغل ومساعدات الرعاية الاجتماعية على المستوى الأساسي، بينما تأخذها دول أخرى إلى أبعد من ذلك بكثير من خلال الرعاية الصحية الشاملة، والدراسة الجامعية المجانية، وما إلى ذلك. وعلى الرغم من أن معظم الدول تقع ضمن طيف أنشطة "دولة الرفاهية" مع وجود عدد قليل من الرافضين لهذا المصطلح بين الدول الأكثر تقدمًا، إلا أن هناك الكثير من الخطابات المشحونة عندما يثار هذا المصطلح في الحوارات .

وعلى الرغم من أن المساواة العادلة بين المواطنين ومستوى المعيشة الذي توفره الدولة للفقراء يعود تاريخه إلى ما هو أبعد من الإمبراطورية الرومانية، فإن دول الرفاهية الحديثة والتي تجسد أفضل مثال على الصعود والانهيار التاريخي لهذا المصطلح هما دولتا بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية . حيث منذ الأربعينيات إلى السبعينيات من القرن الماضي، ترسخت دولة الرفاهية في المملكة المتحدة استنادًا إلى تقرير بيفيردج مما أدى إلى تطور في العمل الحكومي ليحل محل الخدمات التي كانت تقدمها الجمعيات الخيرية والنقابات والكنيسة في السابق . في الولايات المتحدة الأمريكية، وضع الأساس الذي قامت عليه دولة الرفاهية من خلال الكساد الكبير والثمن الباهض الذي دفعه الفقراء والعمال خلال هذه الفترة.

من جهته فقد تطور نظام دولة الرفاهية في بريطانيا على الرغم من بعض المعارضة الحماسية من قبل مارجريت تاتشر في الثمانينيات، واستمر حتى اليوم على الرغم من أنه يحتاج في كثير من الأحيان إلى إعادة الهيكلة والتعديلات لمنعه من التعثر بشكل كبير. من جانبها لم تذهب الولايات المتحدة الأمريكية أبدًا إلى حدود المملكة المتحدة، ناهيك عن دول أخرى مثل ألمانيا أو الدنمارك، وقد حقق رونالد ريغان نجاحًا أكبر بكثير من مارغاريت تاتشر في تقليص دور الحكومة. الكثير من الناس ينظرون إلى معدلات النمو الاقتصادي المختلفة للولايات المتحدة والمملكة المتحدة خلال الفترات التي ازدهرت فيها دولة الرفاهية وتعثرت للتوصل إلى استنتاجات حول ما إذا كانت جيدة أو سيئة على الأمة ككل.

إذا كان من المؤكد أن الدولة نادرًا ما تكون الوكيل الأكثر فعالية من حيث التكلفة لتقديم البرنامج، فمن المؤكد أيضًا أنها هي المؤسسة الوحيدة التي يمكن أن تعتني بجميع مواطنيها دون أن تدفع للقيام بذلك كجزء من أجندة أخرى . إن إدارة دولة الرفاهية محفوفة بالصعوبات، ولكن من الصعب أيضًا إدارة أمة تكافح فيها قطاعات كبيرة من السكان للحصول على الغذاء والتعليم والرعاية اللازمة لتحسين أوضاعهم الشخصية.

 

عبده حقي

ترجمة بتصرف

 

(انتم لديكم دبابات.. وانا لدي أغاني، ومن سوء حظكم أن الامريكان لم يخترعوا دبابة تستطيع قتل الأغاني، أنا أقوى منكم، الان الزمن بستهلك الدبابة، ويزيد الأغاني قوة).. ميكس تيودواركس المناضل الشيوعي اليوناني

أصبحت كلمتا الديمقراطية وحقوق الانسان تستخدما في الوقت الحاضر، للمزايدة والمتاجرة السياسية من قبل الامريكان والدول الغربية السائرة في فلك الامبريالية الأمريكية والصهيونية العالمية، ففي الثامن من ديسمبر كانو الأول لعام 2021، نظم الرئيس الأمريكي جو بايدن (قمة من أجل الديمقراطية ) عبر لقاء منلفز، وذلك بسبب من جائحة كرونا، التي لازالت مخيم وتجول على العالم، ضم هذا اللقاء ممثلين عن مايقرب مائة دولة ومنظمات غير حكومية، وهذا المؤتمر أخذ منحى آخر هو الهجوم على جمهوريتي الصين الشعبية وروسيا الاتحادية، وكما تدعي الولايات المتحدة الأمريكية هو الكشف عن الصراع بين الديمقراطيات والانظمة الدكتاتورية والاستبدادية، حقا ان هذه القمة مدعاة للسخرية من قبل الشعوب التي تعرف جيدا عن الديمقراطية ومدى التزام الولايات المتحدة الأمريكية بحقوق الانسان، وبحق الشعوب بأختيار أنظمتها، لا أريد الخوض في التاريخ لكي أتحدث عن ما قامت به الامبريالية الأمريكية ايام سيطرتها على أصحاب الأرض فيها وأسمتهم بالهنود الحمر بعد ان قدموا المستوطنين من اوربا ليسكنوا هذه الارض المكتشفة حديثا، لقد أقاموا المجازر ضد السكان الاصلين، مستخدمين شتى الاساليب التي تمس حقوق الانسان من أجل القضاء عليهم ومنها اساليب الحرب الجرثومية لقتل الهنود الحمر، ولنرجع الى التاريخ الحديث في اواسط القرن العشرين المنصرم، لنتذكرالحرب العالمية الثانية عندما استخدموا الامريكان سلاحهم الجديد في ضرب مدينتي هيروشيما وناكازاكي بالقنبلة الذرية مما أدىالى قتل الملاين من السكان المدنين، والتي لازالت اليابان تعاني من الامراض السرطانية والامراض الوراثية وبعد ذلك شنت الحروب على كوريا بعد ان أستقلت كوريا الديمقراطية بقيادة مؤسسها كيم ال سونغ , هذه الحروب شنت من قبل المستعمر الفرنسي والامريكي واستخدمت فيها كل الأسلحة المصنعة حديثا، وكان للشعبين السوفيتي والصيني الفضل الكبيرفي مساعدة الشعوب كما جرى في الحرب ضد فيتنام في معارك تحرير فيتنام وتوحيدها بقيادة الزعيم الشيوعي هو شي منه وهزيمة الولايات المتحدة الأمريكية بجيشها وعملائها من خونة الوطن والشعب الفيتنامي، وانا التدخلات في شؤون البلدان في مناطق متعددة من العالم، على سبيل المثال اقدمت على اسقاط حكومات وطنية كما جرى في أيران مع حكومة محمد مصدق والعراق مع حكومة عبد الكريم قاسم واندنوسيا مع حكومة أحمد سوكارنوا، ومع حكومات في أمريكا الاتينية في زعزة الاستقرار وفرض الحصار والنامر بقتل القادة كما في كوبا والبرازيل ونيكاراغوا وفي تشيلي ومقتل الدكتور الليندي واليوم يعود اليسار الى السلطة بعد فوزهم في الانتخابات وانتخاب الشاب القائد الطلابي السابق غبريل بوريك، وعودة اليسار الى الكثير من البلدان الاتينية، واليوم يدعون نصرة الشعوب، من دفع السعودية الى دفع الاموال لشراء الاسلحة وارسالها الى القاعدة وكذلك ما يسمى بالمجاهدين في افغانستان لمحاربة السوفيت والذين دخلوا الى كابول يطلب من الشرعية انذاك حكومة الدكتور نجيب الله، دمرتم المجتمع الافغاني وجاء المتخلفين الطالبان الى دفة الحكم وبرعايتكم، وبالامس خرجتم بعد حرب طالت عشرون عاما، وتركتم البلد في فوضى، واما الشرق الاوسط فلعبتم اقذر الادوار بتوجبه تهم كاذبة الى العراق بحجة وجود سلاح دمار شامل وكذلك صلة النظام بالقاعدة في أفغانستان وخرجتم على العالم بهذه الاكاذيب لتدمير دولة العراق وانهاك شعبه في فوضتكم الخلاقة كما ادعت كوندليزا رايس .و بعدها خرج كولن باول ليعتذر عن أكذبوبة جئتم بها، ولاينسى شعبنا العراقي ما قام به مرتزقتكم في ما يسمى ب قوات بلاك وتر وما رتكبت من مجازر بحق العراقيين في ساحة النسور والبصرة وغيرها من مدن العراق، والان تسمى هذه المنظمة العسكرية اليوم ب اكاديمي ومؤسسها هو الأمريكي اريك برينس . امامجازر سجن ابو غريب شاهدها العالم على شاشات التلفزة وما فيها من اعمال يندى لها جبين الانسانية، وما تشكيلكم للدواعش بما يسمى ب دولة العراق والشام الاسلامية وهي صنعتكم كما صرح بذلك الرئيس السابق ترامب بأن السيدة هنري كلنتن هي من غذتها وجهزتها لتدمير سوريا والعراق . ان الدينار والخراب الذي اصاب بلدي العراق والمعانات المستمرة احد اليوم على يد الحكومات التي نصبتموها ومليشياتها تقع المسؤولية عليكم، وما تقدم لايحق السيد جو بايدن ولغيره من القيادة الأمريكية ان تدعي الديمقراطية وحقوق الانسان، أين انتم مما يقع اليوم في فلسطين المحتلة من قبل دولة الكيان العنصري الصهيوني من قتل للشعب وتهجبره وتدمير بيوتهم على ساكنيها واعتقال الاطفال والنساء، الستم من وقعتم على الحق للشعب المحتل بالمقاومة . يكفي كذبا ومتاجرتا بالديمقراطية وحقوق الانسان .

 

محمد جواد فارس - طبيب وكاتب

‎2021-‎12-‎22

 

عدنان ابوزيدهل يعمل جميع خريجي المعاهد والجامعات، في مجالات اختصاصهم، في الدول المتقدمة؟، وهل الحكومة هي التي تتكفّل بتعيينهم، ام انهم يكافحون، ويتنافسون بندّية من أجل الظفر بوظيفة؟.

سؤال سيكون مهما، لو رصدنا ان الخريجين في العراق يعتقدون ان خريجي دول أوربا المتقدمة والولايات المتحدة، واليابان، والصين وروسيا، يمارسون اختصاصاتهم التي درسوها ويتدفقون الى سوق العمل، لمجرد انهم حاملو شهادات.

دراسة للبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك حول سوق العمل لخريجي الجامعات، تفيد بأن 27 بالمائة فقط من حاملي درجة البكالوريوس يعملون في وظائف "مرتبطة بشكل مباشر" بتخصصهم فيما 62 بالمائة فقط منهم لديهم وظيفة تتطلب شهاداتهم، ما يعني أن عددًا كبيرًا جدًا من الأمريكيين من ذوي التعليم المتقدم، تضيع امتيازاتهم الدراسية ومواهبهم العلمية في سوق العمل.

لعل أكبر كذبة متداولة، ان الدول المتقدمة تقدّم الاغراءات والعروض المغرية لأصحاب الشهادات من الأجانب، لكي تسحبهم من بلدانهم، فيما الواقع ان هؤلاء الخريجين وأصحاب الخبرات والمواهب هم الذين يهاجرون الى تلك الدول بحثا عن فرص العمل.

الذي يعيش في تلك المجتمعات، يعرف جيدا، وبعيدا عن التنظير، والتلفيقات الزائفة، ان هناك أطباء يبحثون عن فرص عمل، وان خريجي اقتصاد يعملون في مجال الرياضة، وان طلاب جامعات يعملون في المطاعم.

يشير بحث أجرته جامعات المملكة المتحدة إلى أن واحدًا من كل ثلاثة خريجين ينتهي بهم الأمر إلى "عدم التطابق" مع الوظائف التي يجدونها بعد ترك الجامعة، لهذا السبب تكثر الاعمال والوظائف الطوعية، لاكتساب المهارات وتجارب العمل، والدورات التدريبية، لكن الفرق ان العاطلين في الدول المذكورة انفا، لهم رواتب مجزية من الضمان الاجتماعي، تنتهي حال الحصول على وظيفة.

والجامعات في الغرب، لا تخرّج فقط، بل هي مشارك فعال في إيجاد الوظائف، عبر الدورات التدريبة لسد "فجوة الخبرة"، بمساعدة التمويل الحكومي لدعم تطوير المهارات، حيث يفضّل العديد من أرباب العمل توظيف الشباب الذين أمضوا أعواما في العمل.

لا تبدو ثمة علاقة بين جامعات العراق وسوق العمل، فمهمتها هي تفريخ الآلاف من الخريجين سنويا، الذين لا فرصة لهم في التوظيف غير المسار الحكومي، وفي حين ان الجامعات في العالم المتقدم تقود الصناعة والبحوث والوظائف، فان جامعات العراق لا تتجاوز دور "التفقيس" لخريجين بمستويات علمية لا تبعث على الفخر في الكثير من الحالات.

لكي نستفاد من التجارب الناجحة، ينبغي دراستها وتطبيقها، ومن ذلك ان تصنيفات التوظيف في تايمز البريطانية للتعليم العالي، والتي تقيس آفاق الخريجين لكل جامعة رئيسية حول العالم، تفيد بهيمنة جامعات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وهولندا و فرنسا وألمانيا وأستراليا والصين وكندا على المراكز الأولى في قدرتها على إقامة علاقات موثوقة مع ارباع العمل، والشركات الكبرى، ما جعلها لا تمنح الشهادة فقط، بل والوظيفة ايضا. 

 

عدنان أبوزيد

 

حسن الحضريتسعى الأنظمة السياسية إلى فرض وجودها، والتأسيس لبقائها قدر ما تستطيع؛ وفي سبيل ذلك يعمل كل نظامٍ منها في عددٍ من المحاور التي يُوليها اهتمامه، بحسب طبيعته وطبيعة الدولة التي يحكمها، والوسائل المتاحة له، والوسائل الأخرى التي يمكنه إيجادها والعمل من خلالها؛ والنظام القوي الناجح هو الذي يطوِّر منظومته من أجل العمل في ظل ما هو متاح من إمكاناتٍ ومقدَّرات، وغالبًا يُكتَب له النجاح في هذه الحال.

أما الأنظمة الضعيفة الفاشلة فإنها تحاول أن تُخفي ضعفها وفشلها، وتظهر في صورة مزيفة، لذلك يكون منهجها غير متوافقٍ أبدًا مع الإمكانات والمقدَّرات المتاحة على أرض الواقع؛ فهي لا تريد سوى فرض سيطرتها، والظهور بمظهر القوي الناجح، ومن أجل ذلك تخوض في عدد من المشروعات الوهمية أو غير ذات الجدوى، التي لا طائل من ورائها سوى إهدار المال العام، وإغراق الدولة في بحرٍ من الدُّيون الخارجية، التي تجعلها فريسة سهلة للدول الدَّائنة، إضافة إلى إرهاق الناس وإنهاكهم بضرائب كبيرة غير مناسبة وغير مبرَّرة بشيء سوى تلك الأسباب العبثية، التي تجهر بها الأنظمة الحاكمة أو تخفيها أو تدَّعي ما يبدو لها من ادِّعاءات كاذبة تستخفُّ بها الناس.

ومما تفعله بعض تلك الأنظمة الحاكمة في الدول النامية، ويدل على قصور رؤيتها الاستراتيجية؛ أنها تهدر ميزانياتٍ ضخمةً في تنفيذ مشروعات غير مدروسةٍ دراسةً علمية صحيحة، تقوم بتنفيذها في غير موضِعها الصحيح؛ مثل إحاطة المدن والقرى بعددٍ ضخمٍ من الكباري والطرق العلوية الداخلية والخارجية، التي لا جدوى لكثيرٍ منها؛ وإنما أُنشِئت لأغراضٍ سياسية محضة، وكذلك إهدار المال العام في بناء منشآت لا يستخدمها أحد سوى النظام الحاكم؛ الذي هو غنيٌّ عنها ولديه البدائل الموجودة والمتاحة، لكن النظام الحاكم حين يكون ضعيفًا أو فاشلًا؛ لا يجد شيئًا يتستَّر خلفه سوى مثل تلك المشروعات العبثية، التي يحاول أن يصنع لنفسه بها شيئًا من الهيبة، أو يضع بها حاجزًا بينه وبين الناس؛ حتى ينظروا إليه بعينِ الضعيف المستضعف إلى القوي الشجاع.

ومن ذلك أيضًا رصف الطرق في شوارع ومناطق مكتظة بالسكان، دون وضع إشارات للمرور، أو العمل على تنظيم سير السيارات والمَركبات في تلك الطرق والشوارع التي لا يفرِّق قائدو المركبات بينها وبين الطرق السريعة؛ بعد أن اعتادوا العشوائية حتى أصبحت جزءًا من نظام حياتهم غير المنظمة؛ إضافة إلى سوء تخطيط المدن الجديدة التي يتم إنشاؤها، وغير ذلك من مشروعات يتم فيها إهدار ميزانيات ضخمة من المال العام، ثم تكون نهايتها الفشل.

ولا يخفى أن بعض تلك الأنظمة السياسية الحاكمة تهدف من وراء مشروعاتها الاستراتيجية هذه؛ إلى الظهور أمام العالم بمظهر غير حقيقي، كالمتشبِّع بما لم يُعطَ، فهي تحاول تقليد الدول المتقدمة من حيث المظهر، دون أن تتوافر لديها قدرات تلك الدول؛ وتلك المشروعات التي تستنزف المال العام؛ لا تَتَناسب أبدًا مع المستوى المعيشي للسكان، وكان الأَولى لتلك الأنظمة أن تسعى إلى تنفيذ مشروعات حيويَّة يرتفع بها متوسط الدَّخل، ويتحسن مستوى المعيشة.

وفي الأغلب الأعم تكون رؤوس هذه الأنظمة الضعيفة الفاشلة؛ عسكرية الطابع، والعسكريون في الأغلب لا يصلحون للسياسة؛ والصفات القيادية لا علاقة لها أبدًا بالجانب العسكري؛ فما هو إلا جانب من جوانب كثيرة تتطلَّبها القدرات السياسية والإدارية، وقد يكون الإنسان عسكريًّا كفؤًا لكنه ضعيف إداريًّا، قاصر الرأي، وهؤلاء العسكريون الذين أثبت الواقع فشلهم السياسي؛ لم ينتبهوا إلى قول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وهو يتشاور مع المسلمين في من يلي الأمر مِن بعده، فذكروا له سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- وسعدٌ أحد العشرة المبشَّرين بالجنة، وكان النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- يُفَدِّيه بأبيه وأمه؛ «عن عليٍّ رضي الله عنه، قال: ما سمعتُ النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- جمع أبويه لأحدٍ إلا لسعد بن مالك؛ فإنِّي سمعتُه يقول يوم أُحُد: «يا سعدُ؛ ارمِ، فِداكَ أبي وأمِّي» [متفق عليه]، فلمَّا ذكروه لعمر -رضي الله عنه- قال: «ذلك يكون في مِقْنَبٍ من مَقانبكم» [«فصل المقال» لأبي عبيدٍ البكري (ص 112)]؛ والمِقنب هو جماعة الخيل والفرسان؛ أي: إنه رجُل حربٍ وقتالٍ وليس رجُل سياسة.

فالرؤية الاستراتيجية الصحيحة واجبة وضرورية في الحياة السياسية؛ حتى يستطيع الحاكم أن يؤدي دوره نحو بلده، والتوجيه الاستراتيجي موجود في القرآن الكريم؛ من ذلك قول الله تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) [الأنبياء: 78- 79]؛ فقد رُوِيَ أن «الغنم نفشت في الكَرْمِ ليلًا، فلم يصبح فيه ورقة ولا عُود إلا أكلته الغنم، فاختصموا إلى داود -عليه السلام- فقضى بالغنم لأصحاب الكرم، فقال له سليمان عليه السلام: أوَغيرَ ذلك يا نبي الله؟ تُعطي لأصحاب الكرم الغنم فيصيبون من ألبانها ومنفعتها، ويعالج أصحاب الغنم الكرم، حتى إذا عاد إلى هيئته؛ دفعت إلى هؤلاء غنمهم، وإلى هؤلاء كرمهم» [انظر «تفسير مجاهد» (ص 473)]، فهذه الآية الكريمة فيها توجيه إلى التعامل الاستراتيجي الصحيح في وضع حلول ناجحة للمشكلات والمعضلات.

وقد كان النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- يتشاور مع أصحابه -رضي الله عنهم- في الأمور الاستراتيجية كغيرها من سائر أمور الأمَّة؛ رُوِيَ أنه «لمَّا كان غزوة تبوك؛ أصاب النَّاسَ مجاعةٌ، قالوا: يا رسول الله؛ لو أذنتَ لنا فنَحَرنا نَواضِحَنا، فأكلنا وادَّهَنَّا؛ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «افعلوا»، فجاء عمر، فقال: يا رسول الله؛ إن فعلتَ؛ قلَّ الظَّهر، ولكن ادعُهُم بِفَضلِ أزوادهم، ثم ادعُ الله لهم عليها بالبركة؛ لعلَّ الله أن يجعل في ذلك؛ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «نعم»، فدعا بنطعٍ، فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجيء بكفِّ ذُرةٍ، ويجيء الآخر بكفِّ تمرٍ، ويجيء الآخر بكِسرةٍ، حتى اجتمع على النِّطع من ذلك شيء يسيرٌ، فدعا رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- عليه بالبركة، ثم قال: «خُذوا في أوعِيَتِكم»، فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملؤوه، فأكلوا حتى شبعوا، وفضلتْ فَضلةٌ» [أخرجه مسلم في صحيحه (1/ 56 برقم 27)]، وهذا الحديث فيه المشورة الاستراتيجية التي أشار بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقَبِلَها النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

إن التخطيط الصحيح يقتضي الاهتمام بالأمور التي هي أولى وأهم، ثم الأمور الأقل أهمية؛ والنظام السياسي الذي يعمل على تنفيذ مشروعات تدرُّ عائدًا ماديًّا على المواطنين، ثم يتَّجه إلى الرفاهيات والكماليات بعد ذلك؛ هو أفضل وأقوى من النظام الذي يسلب المواطنين أموالهم وقُوتَ يومهم في صورة ضرائب ونحوها، من أجل تنفيذ مشروع ترفيهي يجمِّل به المظهر الخارجي للدولة.

وكم من حاكمٍ عادلٍ أو سياسيٍّ ناجحٍ؛ وَلِيَ دولة فقيرة من المال والثروة، واستطاع أن ينهض بها إلى ويضعها في مصافِّ الدول الغنيَّة المتقدمة؛ فالفقر الحقيقي ليس فقر الثروة؛ وإنما هو الفقر الفكري والخُلُقي؛ فإذا عمل النظام الحاكم من خلال منهج فكري صحيح، وتمسَّك بأخلاق العدل والشورى؛ فلا شك أن النجاح حليفه حينئذ مهما كانت صعوبة الحال التي يمرُّ بها.

والسُّنَّة النبوية الشريفة ملأى بالتوجيهات الاستراتيجية، التي لو استمدَّت منها الأنظمة الحاكمة؛ لعبرت بشعوبها إلى طريق الرخاء والازدهار؛ ومن ذلك ما رُوِيَ «أنَّ رجلًا من الأنصار، جاء إلى النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يسأله، فقال: لكَ في بيتِكَ شيءٌ؟؛ قال: بلى؛ حِلسٌ نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقدح نشرب فيه الماء؛ قال: ائتني بهما؛ فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- بيده، ثم قال: مَن يَشتري هذين؟؛ فقال رجل: أنا آخذهما بدرهم؛ قال: مَن يزيدُ على درهمٍ؟؛ قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين؛ فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين، فأعطاهما الأنصاري، وقال: اشتَرِ بأحدهما طعامًا فانبذه إلى أهلك، واشترِ بالآخرِ قَدومًا فأْتِني به؛ ففعل، فأخذه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فشَدَّ فيه عُودًا بيده، وقال: اذهَبْ فاحتَطِبْ، ولا أراكَ خمسةَ عَشَرَ يومًا؛ فجعل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فقال: اشترِ بِبَعضِها طعامًا، وبِبَعضِها ثوبًا» [أخرجه ابن ماجه في سننه (2/ 740 برقم 2198)].

فهذا الحديث الشريف فيه أفضل توجيه استراتيجي للتعامل مع الفقر والحاجة، ولو عملت به الأنظمة الحاكمة في الدول الفقيرة؛ لأغناها الله من فضله، واستطاعت أن تفيق من كبواتها المادية التي تسيطر على أبنائها.

 

حسن الحضري

عضو اتحاد كتاب مصر

 

 

كريم المظفربسبب التطورات السياسية والعسكرية المتوترة بين روسيا من جهة، وحلف شمال الأطلسي (الناتو) والولايات المتحدة من جهة أخرى، فقد عقد الإجتماع السنوي لهيئة وزارة الدفاع الروسية هذه المرة بظروف استثنائية متوترة، ويشوبها القلق الكبير من أحتمال تصاعد هذه التوترات، وإمكانية الوصول بها إلى مرتبة الصدام المباشر، ولم يكن الحضور مقتصرا على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ووزير الدفاع سيرغي شايغو، وقيادة الأركان فحسب، بل أيضا قيادة القوات المسلحة، وممثلي سلطات الدولة والمؤسسات العامة، ولأول مرة، شارك مسئولون من قيادة المناطق العسكرية، والأساطيل، والتشكيلات والوحدات العسكرية، وكذلك طلاب وطلاب التعليم العسكري العالي .

وكعادته، فقد تضمن حديث الرئيس بوتين في الاجتماع، رسائل عديدة، في المقدمة منها، هي أن موسكو لا تطلب لنفسها أي ظروف استثنائية في مجال الأمن، لكنها لن تترك تحركات الغرب العدائية ضدها بلا رد، والتشديد على إن روسيا تدعو إلى ضمان أمن متساو وغير منقسم في كل الفضاء والأوراسي، مع التذكير انه في حال استمرار النهج العدواني السافر من قبل " زملائنا " الغربيين فان روسيا سترد عليه باتخاذ إجراءات مناسبة في المجال العسكري التقني، والرد بشكل صارم على أي خطوات غير ودية ضدها، وأن من حق موسكو أن تتخذ "الخطوات الضرورية لضمان أمن روسيا وسيادتها".

الرئيس الروسي حمل الولايات المتحدة المسؤولية عن تدهور العلاقات بين موسكو وواشنطن، مشيرا إلى أن روسيا كانت في كل مرة مضطرة للرد على خطوة أمريكية غير ودية إزاءها، مذكرا أن السبب المحتمل لتمسك الولايات المتحدة بنهجها هذا هو "شعورها بالنشوة من الانتصار - أو الانتصار المزعوم - في الحرب الباردة، أو سوء تقدير الوضع والتحليل الخطأ لسيناريوهات تطوره المحتملة"، كذلك ذكر بوتين أن حشد الولايات المتحدة والناتو قوات عسكرية قرب حدود روسيا يثير قلق موسكو الشديد، والإشارة بهذا الصدد إلى نشر عناصر الدرع الصاروخية الأمريكية في رومانيا والخطط لنشر منصات "إم كا - 41" المكيفة لإطلاق صواريخ "توماهوك" في بولندا.

ولدى تطرقه إلى موضوع ضمانات الأمن التي تنتظرها روسيا من الغرب فان الرئيس بوتين أشار إلى أن روسيا بحاجة إلى "ضمانات طويلة الأمد وملزمة قانونيا"، لكنه شددت بالقول "لكننا نعرف جيدا أن حتى هذا لا نستطيع الثقة به "، لأن الولايات المتحدة تنسحب بسهولة من كل الاتفاقات الدولية التي فقدت أهميتها في نظرها، وأشار بهذا الصدد إلى انسحاب واشنطن من الاتفاق حول الدرع الصاروخية والاتفاقية حول السماء المفتوحة، لكنه ذكر أن مثل هذه الوثائق أفضل من تعهدات شفوية، مضيفا: "نحن نعلم قيمة هذه الأقوال والوعود".

لقد أظهرت الأحداث في يوغوسلافيا السابقة والعراق وسوريا أن الولايات المتحدة "تفعل ما تشاء"، لكن ما يحدث في أوكرانيا، حيث تدعم واشنطن السلطات في كييف بقوة، يختلف عن تلك الأحداث بشكل جذري، وقال بوتين "إنهم يفعلون ما يشاؤون "، لكن ما يفعلونه الآن على أراضي أوكرانيا، أو يحاولون فعله ويخططون للقيام به ليس على بعد ألف كيلومتر من حدود روسيا الوطنية، فهو يحدث على عتبة البيت الروسي، " ويجب أن يفهموا أنه لم يعد لدينا ببساطة مكان للتراجع " بحسب قول الرئيس بوتين .

الرسالة الأخرى التي حرص الرئيس الروسي إلى إيصالها إلى المشككين في النوايا الروسية، هي نفى روسيا صحة ادعاءات تصور المقترحات الروسية الموجهة إلى واشنطن والناتو بخصوص ضمان أمن روسيا على أنها "إنذار" للغرب، مع ذلك فقد ذكّر الرئيس الروسي بأن الأمريكيين، "ينشطون " على مسافة تقدر بآلاف الكيلومترات من أراضيهم الوطنية، وذلك بذرائع مختلفة، بما في ذلك بذريعة ضمان أمنهم، أما عندما يرون عائقا متمثلا بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة فهم يقولون إنه شيء عفا عليه الزمن ولم تعد له فائدة، أما إذا وجدوا أن شيئا من هذا يتماشى مع مصالحهم فسرعان ما يتحدثون عن أحكام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والقوانين الإنسانية الدولية، وقال بوتين "لقد سئمنا من هذا التلاعب"، وهاجم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشدة سياسات الولايات المتحدة التي تعتمد التدخل عسكريا في دول أخرى في تجاهل سافر للقانون الدولي.

وتساءل الرئيس بوتين: "من أعطى (الولايات المتحدة) الحق في توجيه ضربة لعاصمة أوروبية، مدينة بلغراد؟ لا أحد!، لقد قررت ذلك بنفسها بكل بساطة، فيما تراكض من يدورون في فلكها من خلفها وهم ينبحون بصوت خافت، وهذا كل ما في القانون الدولي!"، وكذلك تساءل "وبأي حجة دخلوا العراق؟ (تحدثوا عن) تطوير أسلحة الدمار الشامل، ودخلوا ودمروا البلاد وأوجدوا بؤرة للإرهاب الدولي ثم تبين أنهم أخطئوا، قالوا "المخابرات خذلتنا". رائع! وهذا هو كل التبرير! اتضح أنه لم يكن هناك أي أسلحة، والسؤال أيضا يف دخلوا سوريا؟ هل بموافقة مجلس الأمن الدولي؟ (كلا،) " إنهم يتصرفون على هواهم"!، وحمل بوتين الولايات المتحدة مسؤولية تدهور الوضع في أوروبا في الفترة الأخيرة، مشيرا إلى انسحاب واشنطن من مختلف المعاهدات الدولية الخاصة بالاستقرار الاستراتيجي وسعيها لتوسيع حلف الناتو.

التطورات في القضية الأوكرانية وتطوراتها وقيام الولايات المتحدة بتسليح أوكرانيا وحثها على مواجهة روسيا يخلق تهديدات خطيرة للأمن القومي الروسي، كما عبر عنها الرئيس الروسي، والسؤال اليوم الأكثر إلحاحا ماذا تفعل الولايات المتحدة الآن على الأراضي الأوكرانية ؟، الواقعة ليس على بعد آلاف الكيلومترات من الحدود الروسية، ولكن على عتبة دارها بحسب توصيف الرئيس الروسي، لذلك شدد على ضرورة "أن يفهموا أنه ليس لدينا مكان لمزيد من التراجع "، مشيرا في الوقت نفسه لا توجد أسلحة فرط صوتية لدى الولايات المتحدة حتى الآن، "لكننا نعرف متى سيمتلكونها "، هو ذا أمر لا يمكن إخفاؤه، و(يوما ما) سيسلمونها إلى أوكرانيا، هذا لا يعني أنهم سيستخدمونها غدا، لأنه يوجد لدى روسيا "تسيركون"، وليس لهم مثله بعد، لكن تحت هذا الغطاء سيسلحونهم وسيدفعون متطرفين من الدولة المجاورة باتجاه روسيا، بما في ذلك إلى شبه جزيرة القرم، على سبيل المثال، وذلك في ظل ظروف مواتية لهم، كما يبدو لهم " .

روسيا تشدد على إن توسيع البنية التحتية العسكرية للناتو في أوكرانيا خط أحمر بالنسبة لروسيا، وأنه إذا ظهرت بأوكرانيا منظومات صواريخ يمكنها الوصول إلى موسكو في بضع دقائق فإن روسيا ستضطر للرد بتهديدات مماثلة، وتشير إلى أن العلاقات بين روسيا والغرب جميعا، كانت في التسعينيات وحتى بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين صافية، فلماذا الحاجة إلى توسع الناتو قرب حدودها وتساءل الرئيس الروسي: "هل يعتقدون أننا لا نرى هذه التهديدات؟ أم يعتقدون أننا سنتفرج عليها مكتوفي الأيدي؟ لم يعد لدينا مكان للتراجع"!.

وزير الدفاع الروسي سيرغي شايغو، هو الآخر حمل الرسالة العسكرية ( للناتو ) في تقريره المقدم في الإجتماع الموسع لوزارة الدفاع بحضور الرئيس فلاديمير بوتين، وأشار إلى أنه تم وضع 21 قاذفة صواريخ باليستية عابرة للقارات "يارس" و "أفانغارد" و "سارمات" في حالة تأهب في قوات الصواريخ الإستراتيجية، لتزويد القوات النووية للطيران الاستراتيجي بحاملتي صواريخ استراتيجيتين من طراز Tu-160M، استخدم غواصة Borei-A التي تعمل بالطاقة النووية Generalissimo Suvorov في الأسطول، تزويد القوات البرية والقوات المحمولة جواً والقوات الساحلية للبحرية بأكثر من 1000 قطعة من الأسلحة المدرعة والمدفعية الحديثة، و لتزويد القوات الجوية والبحرية بـ 257 طائرة جديدة وحديثة، خمس مجموعات من نظام الصواريخ المضادة للطائرات S-400 Triumph، استخدم خمس غواصات وإحدى عشرة سفينة سطحية وثلاثة زوارق قتالية في البحرية، وتوريد نظامي صاروخ ساحلي للقوات، وكذلك الإشارة إلى القوات المسلحة نفذت كافة التدريبات القتالية المخطط لها، بما في ذلك 45 تمرينا دوليا على مختلف المستويات هذا العام، وفي سياق عمليات فحص مفاجئة للجاهزية القتالية للقوات، قامت التشكيلات والتشكيلات بإعادة تجميع صفوفها على مسافة تزيد عن 3.5 ألف كيلومتر، ونفذت مهمات تدريب وقتالية على مسافات خارج مناطق مسؤوليتها، ولأول مرة في التاريخ الحديث، تم إجراء تمرين عملياتي مع مجموعة من قوات أسطول المحيط الهادئ في منطقة البحر البعيد

وفي القوات الجوية، تم تشكيل فوج صاروخي للطيران والصواريخ المضادة للطائرات، تم تسليم 151 عينة من معدات الطيران الجديدة والحديثة، وتلقت قوات الدفاع الجوي والدفاع المضاد للصواريخ أكثر من 30 نوعًا من الأسلحة، بما في ذلك أنظمة الصواريخ المضادة للطائرات S-400 Triumph و S-، 50 Vityaz، وتم تشكيل فوج طيران منفصل، مسلح بطائرة MiG-31IK بصاروخ Dagger الفرط صوتي، وتلقت البحرية ثلاث غواصات حديثة وأربع سفن سطحية وعشرة قوارب قتالية وسبعة عشر سفينة وقوارب دعم وثلاثة أنظمة صواريخ ساحلية. هذا العام، شكلت البحرية أربع وحدات عسكرية جديدة، بما في ذلك فوج هندسة المدفعية والبحرية، في حين أوشكت اختبارات الدولة لصاروخ كروز زيركون الأسرع من الصوت على البحر على الانتهاء. سيبدأ تسليم المسلسل العام المقبل.

وتتزايد القدرات القتالية وتقنيات التحكم في نظام الفضاء الموحد تم إطلاق المركبة الفضائية الخامسة كوبول، اكتمل بناء مركز القيادة الغربي الحديث لنظام الفضاء الموحد بنقله إلى التشغيل التجريبي، اكتملت اختبارات المركبة الجوية طويلة المدى غير المأهولة "Altius-RU"، بدأت عمليات تسليم أنظمة الاستطلاع والإضراب "Inokhodets" و "Forpost".

الرسائل الروسية السياسية والعسكرية تأتي هذه المرة في ظل جو الخلافات الذي يسود بين أعضاء الحلف والذين لم يتوصلوا إلى توافق حول المحادثات مع روسيا بخصوص الضمانات الأمنية التي تطالب بها روسيا وشكلها، ووفقا لصحيفة "فاينانشيال تايمز"، نقلا عن مصدر في الناتو، رضخت بلدان الناتو لضرورة التفاوض مع روسيا، حيث يريد العسكريون في دول الغرب "تجنب الرفض المباشر" لاقتراح موسكو، وبالتالي يحاولون إيجاد مجالات التوافق المتبادل وتهدئة الوضع"، ورغم أن المسئولين الغربيين يرفضون جميع مقترحات روسيا تقريبا، ويعتبرونها "مستحيلة وغير قابلة للتصديق وتتعارض مع المعاهدات المبرمة بعد نهاية الحرب الباردة"، إلا أنهم يعترفون بأن "إغلاق الباب" أمام عرض موسكو الدبلوماسي يمكن أن يفاقم الوضع.

وبحسب المصادر الغربية التي قالت لصحيفة فاينانشيال تايمز، إنه لا يوجد إجماع حول كيفية سير المفاوضات أو من سيشارك فيها، لذلك سيكون من الصعب العثور على المجالات التي يمكن فيها إجراء "مفاوضات مفصلة"، لأن الحلف يرفض أي تنازلات، يمكن أن "تؤثر على أمن أعضائه أو سيادة أوكرانيا"، في وقت تصر موسكو على تطوير الضمانات الأمنية في فترة زمنية محددة، وقدمت بهذا الصدد مقترحا شاملا بشأن الضمانات الأمنية القانونية استعدادا لجولة جديدة من الحوار حول الاستقرار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، و إذا لم يستجب الناتو والولايات المتحدة لمطلب روسيا بضمانات أمنية، فقد يؤدي ذلك إلى مرحلة جديدة من المواجهة، وردا على اتهامات الغرب، أكدت روسيا مرارا وتكرارا أنها لا تهدد أي جهة ولن تهاجم أحدا، لكنها لن تتجاهل الإجراءات التي قد تكون خطرة على مصالحها.

 

بقلم : كريم المظفر

 

 

علاء اللاميدروس تشيلي الليندي وعراق قاسم وفنزويلا تشافيز تؤكد: من يتسلح بالشعب الكادح لن يُسقطه الغرب الإمبريالي بانقلاب عسكري

* الدرس الأول: سقط حكم عبد الكريم قاسم، ذو التوجهات اليسارية الشعبوية في العراق لأسباب عديدة، ولعل أهمها هو أنه رفض تسليح الشعب، وجرَّد مليشيات المقاومة الشعبية التي شكلها الشيوعيون من سلاحها وحلَّها، ورفض تسليح حتى المجموعات الشعبية التي هرعت من المناطق القريبة على مقره في وزارة الدفاع في باب المعظم للدفاع عنه يوم الانقلاب ضده، ولهذا كله أُسقط بسهولة واقتيد أسيرا مغدورا وقُتل هو وعدد من رفاقه رميا بالرصاص في غرفة العازفين الموسيقيين في دار الإذاعة العراقية ببغداد من قبل مليشيات وعساكر اليمين القومي في  شباط 1963.

* الدرس الثاني: الرئيس الاشتراكي التشيلي سلفادور الليندي أقدم هو الآخر بعد فوزه في انتخابات 1970 وتنصيبه رئيسا، على حلِّ مليشيات الدفاع الشعبية فواجه طيران الانقلابيين عملاء المخابرات الأميركية ودباباتهم وحيدا فأجهزوا عليه وعلى تجربته الاشتراكية! عن هذه التجربة كتب الروائي الكولومبي الشهير غارسيا ماركيز الآتي (ففوز حزب الوحدة الشعبية - بزعامة الليندي - لم يحدث ذعرا مجتمعيا كما كان توقع البنتاغون الأميركي، إنما العكس هو الصحيح، إذ حازت سياسات الحكومة الجديدة ولا سيما في مجالي العلاقات الخارجية والاقتصاد رضى شعبيا كبيرا. فخلال العام الأول وحده تمّ تأميم ست وأربعين مصنعا وأكثر من نصف القطاع المصرفي، كما تمت إعادة أكثر من 24 مليون هكتار الى الفلاحين، وتمت السيطرة على التضخم وحلت مشكلة البطالة وزاد دخل الفرد بنسبة 40% تقريبا ... ونجحت في اتخاذ إجراء قانوني حاسم مكنها من اعادة السيطرة على كل مناجم النحاس التي كانت تستغلها فروع الشركتين الأميركيتين “أناكوندا” و”كنيكوط” دونما الاضطرار إلى منحهما أية تعويضات انطلاقا من حقيقة تمكن الشركتين،على مدى خمسة عشر عاما،من تحقيق أرباح خيالية).

كان الليندي يكره العنف بعمق، ولكنه كان ثوريا عنيدا أيضا - كما كتب ماركيز - فقاتل بشراسة ببندقية رشاشة أهداها له كاسترو. وكان يعلم أن الانقلاب ضده سيكون دمويا فقد سبق له وأن توقع المذبحة القادمة قال "واهم من يظن أن انقلابا عسكريا في تشيلي بوسعه أن يكون على غرار ما نراه في بقية دول أميركا اللاتينية، أي أن يقتصر على تغيير الحرس في قصر الرئاسة، وذلك لأنه اذا خرج الجيش على الشرعية في بلد كهذه فسوف تنهمر حتما حمامات الدماء على غرار ما حصل في أندونيسيا"! وفعلا فقد قُتل في تشيلي "حوالى عشرين ألف شخص، وتم تعذيب ثلاثة آلاف مسجون سياسي بصور وحشية، وتم فصل 25 ألف طالب، وتسريح أكثر من مئتي ألف عامل".

* الدرس الثالث: في فنزويلا تشافيز تأسست مليشيات شعبية في الأحياء العشوائية "الباريوزا"، فتضايق الرئيس منها، وقال له مستشاروه أنها ستستفز اليمين، وكاد يأمر بمنعها وحلِّها ولكن الانقلاب الذي قام به العسكر الموالي لواشنطن قلب كل الحسابات: فقد اعتُقِلَ الرئيس وسيطر الانقلابيون على الحكم، وهنا حدث ما لم يكن في الحسبان فقد (رد أهالي الباريوز وانتفضوا دفاعاً عن تشافيز الذي انتخبوه، ونزل أبطال حرب الشوارع واصطدموا مع قوى الأمن وظهر السلاح الشعبي، ووضعت خطط لاحتلال ومحاصرة مواقع حكومية. هذه الهبة الشعبية شبه المسلحة قسمت المؤسسة العسكرية. وأقنعتها بأن البلاد متجهة صوب حرب أهلية إن لم يعد تشافيز، وهكذا عاد! ويعتقد أن تشافيز أدرك خطأه بأن أليندي سقط بعد أن حل الميليشيات الشعبية، وأن هذه القوى حماية للحركة البوليفارية، أكثر من حلقات المثقفين ومظاهرات الشباب السلمية/ حسن الخلف - رابط لمقالة في نهاية المنشور).

* والسؤال الحارق والأهم: هل سيستخلص الفائز الاشتراكي التشيلي الجديد العبرة من دروس التاريخ البعيد والقريب ويختط طريقا ثوريا حقيقيا فيتسلح بالشعب الكادح دفاعا عن انتصاره الانتخابي ويطبق مشروعه الاشتراكي ويعمقه أم أنه سيكرر أخطاء الماضي؟

حول بوريك: غابريال بوريك نفسه يصف نفسه باليساري المستقل، وكان نائبا في البرلمان عن حزب يسمى "التقارب الاجتماعي"، وكان بوريك من قادة الاحتجاجات والتظاهرات والانتفاضة الشعبية في 2019، وهو من أب كرواتي مهاجر وأم أسبانية مهاجرة ولكن الإعلام الغربي يسمي تحالفه "أقصى اليسار" لمشاركة الحزب الشيوعي التشيلي ذي الثقل الجماهيري الكبير فيه ومنظمات يسارية مختلفة وشخصيات يسارية مستقلة ونقابات فيه وأحيانا يسمونه "من اليسار الجذري"، وهو كان مترددا في ترؤس وقيادة التحالف اليساري ثم استجاب لرغبة رفاقه في الانتخابات الداخلية للتحالف "جبهة التحالف الواسعة" كما يمكن ترجمة اسمها، حيث فاز فيها على مرشح الحزب الشيوعي دانيال جادو بسبب وسطيته - وسطية بوريك -ضمن اليسار ، وقبل الشيوعيون النتيجة وترشح بوريك.

 

علاء اللامي

...........................

1-رابط يحيل إلى ترجمة مقالة "لماذا قتلوا الليندي (احداث 11 أيلول 1973)... بقلم غابرييل غارسيا ماركيز":

https://manateq.net/%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D9%82%D8%AA%D9%84%D9%88%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%8A%D9%86%D8%AF%D9%8A-%D8%A7%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB-11-%D8%A3%D9%8A%D9%84%D9%88%D9%84-1973-%D8%A8%D9%82/

2- رابط مقالة " «ثورة الباريوز» في فنزويلا" بقلم حسن الخلف:

https://al-akhbar.com/Opinion/62727/%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D8%B2-%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%86%D8%B2%D9%88%D9%8A%D9%84

3- رابط تقرير إخباري/ تشيلي: مرشح اليسار الشاب بوريك يحقق فوزا كبيرا على منافسه اليميني المتطرف ويصبح رئيسا جديدا للبلاد... أعلنت اللجنة الانتخابية في تشيلي فوز مرشح أقصى اليسار غابريال بوريك البالغ من العمر 35 عاما فقط في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية على مرشح اليمين المتطرف خوسيه أنطونيو كاست بعد أن حصد 56% من الأصوات مقابل 44% لمنافسه:

https://www.france24.com/ar/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7/20211220-%D8%AA%D8%B4%D9%8A%D9%84%D9%8A-%D9%85%D8%B1%D8%B4%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%B3%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D8%A8-%D8%A8%D9%88%D8%B1%D9%8A%D9%83-%D9%8A%D8%AD%D9%82%D9%82-%D9%81%D9%88%D8%B2%D8%A7-%D9%83%D8%A8%D9%8A%D8%B1%D8%A7-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%85%D8%B1%D8%B4%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%B7%D8%B1%D9%81-%D9%88%D9%8A%D8%B5%D8%A8%D8%AD-%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D8%A7-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A7-%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%84%D8%A7%D8%AF

 

صلاح حزاميقال الكثير عن كون العراق واحد من اغنى بلدان العالم، وغالباً مايصدر هذا الكلام من اشخاص غير متخصصين وليست لديهم فكرة عن اوضاع باقي دول العالم.

لاحظت ان كلاماً من هذا النوع ازداد بعد العام ٢٠٠٣، عندما وصل الى الاعلام والمنابر المختلفة عدد من الاشخاص الأميين والجهلة والجياع الذين لايستطيعون المقارنة بين العراق والعالم.

الآن لنتعرف على معنى ان يكون البلد غنياً او فقيراً.

هنالك غنى بالثروات الدفينة في باطن الارض والتي قد تساوي مبالغ ضخمة، لكن ذلك لايجعل من البلد غنياً على ارض الواقع.

جمهورية الكونغو الديمقراطية، من اغنى بلد العالم بالمعادن النفيسة التي تستخدم في صنع الطائرات ومركبات الفضاء وبطاريات السيارات الكهربائية، اضافة الى مناجم الماس الكبيرة. لكن شعب الكونغو واحد من افقر الشعوب واكثرها بؤساً

حيث تسيطر عصابات ومليشيات مدعومة من دول وشركات اجنبية على اقاليم البلاد الشاسعة فيما يشبه الدول المتعددة داخل الدولة، والتي لاتستطيع عمل شيء لايقاف هذه السرقات.

اليابان ليست فيها موارد، تقريباً، لكنها دولة غنية وفي مقدمة دول العالم.

فنلندا، دولة اسكندنافية صغيرة ليس فيها سوى الاخشاب، لكنها في طليعة دول العالم في التعليم . 

سنغافورة، جزيرة صغيرة ليست لديها حتى مياه كافية للشرب ومساحتها ٥٠٠ كم مربع لكنها من ارقى الدول في كثير من المجالات.

القائمة طويلة،  التي تُثبت ان الغنى ليس امتلاك موارد طبيعية يتم بيعها وتوزيع عائداتها بما يشبه اسلوب الغنائم والأسلاب بين جيوش من الموظفين العاطلين واللصوص الفاسدين والمؤسسات الديكورية التي لاداعي لها والتي تستنزف عوائد النفط، مثل حالة العراق.

الغنى يحتاج الى وجود سلطة مخلصة مؤمنة بالتنمية والبناء وبتعليم وتدريب القوى العاملة واستثمار موارد البلد على النحو الامثل  وتثقيف الناس على اهمية العمل المنتج الشريف.

انها تحتاج الى بناء سلطة القانون وعدم حماية من يقصّر في واجباته .

الغنى، هو وجود شعب منتج وجاد يعتمد على نفسه ويحترم اصول العمل ويخلق الفائض الذي يأخذ منه اجوره.

اذا حصل ذلك وتصاعد النمو الاقتصادي بمعدلات عالية تفوق معدل نمو السكان، واذا اقترن ذلك بقدر مناسب من العدالة في توزيع ثمار التنمية، يتحسن مستوى دخل ومعيشة الافراد.

وعندما يصل مستوى الدخل الى مايغطّي الحاجات الاساسية ويبلغ مستوى تغطية سلع وخدمات الرفاه وتمكين الناس من السكن في بيوت لائقة وارسال أبنائهم الى مدارس راقية والحصول على خدمات صحية لائقة والتمتع ببنية تحتية سليمة وعصرية والعيش في بيئة نظيفة،وان يتمتع الناس بنظام للنقل والاتصالات ملائم ومريح،  واذا ساد القانون وشعر الناس بالأمان، حينذاك يقال ان البلد غني.

الغنى ليس ان يحصل ٢٧ ألف شخص على شهادات مزورة من دولة معينة، ثم يتظاهرون قاطعين الشوارع للمطالبة بتعيينهم في التعليم العالي كاساتذة ( لكي يكتمل الانهيار) !!

الغنى لايعني ان يتظاهر المئات من خريجي الهندسة قاطعين الطريق امام مصفى صغير لايتّسع لهم مطالبين بالتعيين في ذلك المصفى !!

بموجب ماتقدم، فأن العراق بلد فقير من الناحية الواقعية وبموجب حقائق الحياة المؤلمة التي يعاني منها الناس.

ان يحصل شخص على مبلغ كبير سواء من خلال الفساد والرشوة او العمل التجاري او راتب او تقاعد لايستحقه، ويعود الى بيته عديم الكهرباء وعديم الماء الصالح للشرب وبدون صرف صحي وبدون شوارع نظيفة ومعبّدة وبدون تعليم مناسب لابنائه ( كأن لايحصلون على كتب ويجلسون على الارض في المدرسة)، ويقضي ساعات في الزحام للعودة الى بيته وسط دخان خانق وضجيج قاتل وفوضى تبعث على السأم، اذا كان يعيش هكذا فهو فقير جداً حتى لو سرق كل اموال العالم.

تثقيف الناس من قبل بعض الأدعياء مثل بعض السياسيين الحمقى والخبراء المنافقين الجهلة، بثقافة الغنى المزعوم،فان ذلك يخلق لدى المجتمع وهم الغنى المجاني والرفاه الخرافي.

سوف يستمر الناس بالمطالبة والاستجداء والبحث عن نصيب من الغنيمة بدون جهد حقيقي.

وسوف يستمر بعض السياسيين بتوزيع المناصب والوظائف بالآلاف على من هب ودب لغرض كسب القواعد والانصار، دون اكتراث بمالية الدولة وحاجات التنمية.

حالياً يأتي معظم الموازنة من ايرادات النفط، وحتى الجزء الذي يأتي من مصادر غير نفطية، هو يعتمد على انفاق الدولة للموارد النفطية .

ايرادات منافذ الاستيراد سوف تتوقف معظمها عندما لاتنفق الدولة، اذ لاتوجد قوة شرائية لدى المجتمع تخلق طلباً على الاستيرادات..

كذلك، بدون دولارات النفط لايستطيع العراق استيراد شيء اصلاً، وبالتالي لاتوجد ايرادات جمركية.

كما أن الكثير من النشاطات في كل القطاعات سوف تتوقف او تصاب بالضعف بدون استيراد مستلزماتها من خلال دولارات النفط.

اين هو الغنى؟

هل هو قطاع صناعي ناجح وكفوء،وديناميكي يوفر فرص عمل وفائض اقتصادي؟

أم قطاع زراعي منتج ويستخدم الاساليب الحديثة مع شبكات ري عصرية تقتصد بالمياه وتحمي التربة من التغدّق وتحمي المخزون المائي؟

أم انه قطاع خدمات نشيط يخدم باقي القطاعات ويخلق فرص عمل؟

الآن نحتاج الى الواقعية وليس المبالغة والكذب الذي يمارسه اشخاص طارئون لامصلحة لهم في تطور العراق،

يحتاج الناس الى ادراك حقيقة الأمور دون تزوير وخداع ووعود مستحيلة التحقق.

 

د. صلاح حزام

 

 

في المثقف اليوم