آراء
سليم مطر: ما المقصود بـ: "حق تقرير المصير"، و"النظام الاتحادي"؟
توضيحات مهمة جدًا عن مفهومين حساسين، قد أسيء فهمهما في عالمنا العربي؟
للأسف، قامت نخبنا السياسية والثقافية بالتعامل مع مفهومي (حق تقرير المصير والنظام الاتحادي) بسطحية، ما جعلهما عرضة للتوظيف الخارجي من أجل تفكيك مجتمعاتنا ودولنا. هنا إعادة صياغة مركزة للمعلومات الأساسية التي جرى تجاهلها أو التعتيم عليها:
أولًا، (مبدأ حق تقرير المصير): هنالك خطأ كبير سائد عن هذا المبدأ، أنه: (من حق أية جماعة متميزة بلغتها، دينها أو عموم ثقافتها، أن تطالب بحق الانفصال أو كيان خاص بها)!
بالحقيقة أن هذا المبدأ قد تم طرحه من قبل (الرئيس الأمريكي ويلسون) عام 1918 ضمن مبادئه الأربعة عشر، والمقصود به هو التالي: (أنه من حق بلدان اوربا الوسطى والشرقية تكوين دولها المستقلة، وذلك بعد سقوط الإمبراطوريات العثمانية والنمساوية المجرية والروسية). ثم بعدها تم تطبيقه على البلدان المستعمرة من قبل الإمبراطوريات الأوروبية المتحاربة، مثل فرنسا وإنكلترا وغيرها. وهذا الذي حصل باستقلال عشرات المستعمرات، حربًا وسلمًا، ومنها بلداننا العربية.
الجميع يدرك بأنه من المستحيل تطبيق هذا المبدأ على جميع بلدان الأرض، لأنه سيؤدي إلى انفجار عشرات الحروب الداخلية والعالمية بسبب استحالة الاتفاق السلمي بين الجماعات المختلفة. يكفي أن نعرف أنه حاليًا هنالك (195) دولة في الأمم المتحدة، ولكن هنالك (7000) لغة حية، و(5000) مجموعة أقوامية قديمة موزعة في 90 بلدًا. (لمزيد من المعلومات، ابحث عن: لغات وأعراق العالم).
علمًا بأن (الولايات المتحدة) نفسها، رغم وجود عشرات الجماعات العرقية واللغوية والدينية المختلفة، فإنها لم تمنح لها (حق تقرير المصير)، لأن (النظام الاتحادي) لم يقم على أساس هذه الجماعات المختلفة، بل على أساس تقسيمات إدارية بريطانية قديمة. ثم إن (الحرب الأهلية أعوام 1861 - 1865) قد قامت بسبب رفض الدولة المركزية لمحاولة انفصال الولايات الجنوبية. وهنالك أمثلة عالمية كثيرة سوف نذكرها.
ثانيًا، النظام الاتحادي (الحكم الذاتي الفدرالي والكونفدرالي)
وهذا المفهوم، أيضًا قد شاع تفسيره بصورة خاطئة وخطيرة: من حق أي جماعة متميزة لغويًا ودينيًا أن تطالب بتكوين كيانها الخاص شبه المستقل، أي (حكم ذاتي: فدرالي أو كونفدرالي).
ولكن الحقيقة أن هذا التفسير ليس هو المقصود بسبب استحالة تطبيقه، لنفس السبب السابق. بل إن المقصود والمعمول به تقريبًا في عدة دول منها في أوروبا وأمريكا هو التالي:
أنه من حق الجماعات التي كانت مستقلة سابقًا، ولكن قد تم ضمها، سلمًا أو حربًا، إلى الدولة الأكبر. وهذه بعض الأمثلة:
- (مملكة بريطانيا) التي تكونت من اتحاد طوعي عام 1707 بين (مملكة اسكتلندا) و(مملكة إنكلترا). ولهذا كان يحق ل-(اسكتلندا) المطالبة بالاستفتاء عام 2014 على الاستقلال الذي انتهى بالفشل.
- لنا مثل آخر قريب جدًا: (اتحاد سوريا ومصر: 1958 - 1961) الذي انتهى بالانفصال.
- اتحاد مملكتي (الدنمارك والنرويج: 1814 - 1905) الذي انتهى بالانفصال.
- (الاتحاد السويسري 1848) الذي تكون حربًا وسلمًا بين (دويلات) منفصلة.
- الاتحاد الألماني، الذي تكون من ممالك وإمارات ألمانية مختلفة اتحدت بالتدريج سلمًا وحربًا، بين (1815 و1871).
- الاتحاد الهندي: بالحقيقة أن الهند قبل الاستعمار البريطاني (1858 - 1947)، لم تكن دولة واحدة، بل من عدة ممالك وإمارات مختلفة مثل (مملكتي المغول ودلهي)، بل حتى أثناء الاحتلال البريطاني كانت هناك 500 مملكة مستقلة، ولكنها تدفع (الجزية) إلى التاج البريطاني.
(نظام الدولة الواحدة المركزية) هو السائد في العالم
غالبية دول العالم، رغم وجود التنوعات الأقوامية فيها، ومنها بلدان أوروبية مثل: رومانيا، وإيطاليا، وهنغاريا، لم تعمل بالنظام الاتحادي. كذلك إيران وأفغانستان وتركيا وعشرات غيرها في قارات العالم. كلها تتبع (النظام المركزي: الدولة الواحدة بوزارات واحدة)، ولكن مع اختلاف درجة الحقوق الإدارية والثقافية الممنوحة للمحافظات، وهذه بعض الأمثلة:
- فرنسا، رغم التعدد اللغوي التاريخي كالبريتونية والأوكسيتانية والباسكية والكورسية، تأسست الدولة الحديثة منذ ثورة 1789 على مبدأ السيادة الواحدة، والأمة الواحدة، واللغة الواحدة، مع رفض صريح لأي صيغة اتحادية.
- إسبانيا ليست دولة اتحادية بالمعنى الدستوري، بل دولة موحدة تعتمد (لامركزية واسعة) عبر نظام الأقاليم ذات الحكم الذاتي المحدود، منذ دستور 1978، مع بقاء السيادة واحدة وغير قابلة للتجزئة.
- السويد، دولة موحدة مركزية، اعترفت بأقليات لغوية مثل الفنلنديين والساميين بحقوق ثقافية محدودة، دون أي تقاسم للسيادة أو بنية اتحادية.
- الصين، رغم وجود عدة قوميات بلغات مختلفة، تتراوح أعداد بعضها بين 7 ملايين مثل (التبت)، و(20) مليون مثل (الزووانغ)، لكن الدولة مركزية مع بعض الحقوق الإدارية واللغوية المختلفة.
***
سليم مطر - جنيف







