آراء
سامي عبد العال: خبزٌ بدماء الإنسانيةِ

" خبزٌ مُغموسٌ بالدماء الساخنة".. أبشع مشهد قد تراه على مدار السنوات الأخيرة. هكذا تداول الاعلام صوراً لأرغفةٍ من الخبز ملطخة بدماء الفلسطينيين. هي دماء الأطفال والنساء تحت نيران الإبادة الجماعية في غزة. وقع حاملو الخبز البؤساء ضحايا لقنص صهيوني مباشر، حيث اختلطت الدماء بنسيج الخبز البادي للعيان. مشهد أثار لوناً من الاشمئزاز وضربة صادمة لوعي الأحرار في كل مكان. المشهد عملية تجويع وقتل بيد جنود الاحتلال المجرم. ولكن تمّ اخراجه صمتاً من العالم، وبلغ معناه لكل المتابعين بلا مونتاج. فمن حُسن الطالع أنَّه لا أحد يتحكم في دلالة الأحداث، ولا بإمكانه أنْ يحُول دون آثارها. تداعيات الأحداث تتسرب حيثما شاءَت إلى العقول والمشاعر.
الخبز كأنّه معجون بدماء أُناس من شحمٍ ولحم. صورة زاعقة الاجرام، وهي الأقوى سياسياً واخلاقياً إذا وُجدت ضمائر يقظة. لم تكن الصورة متخيلةً ولا متوقعةً في يومٍ من الأيام. خطت الدماءُ فوق الأرغفة (عبارة من الصراخ الأحمر) أمام العالم: أنَّ الاحتلال تجاوز درجة الوحشية المقيتة. الصورة تُعبر: كم باتت الإنسانية تُداس تحت الأقدام والنعال. ولا أمل في افلات ابناء غزة من الإبادة بعبارات الشجب والاستنكار. لقد امتد التواطؤ مع الاجرام الاسرائيلي إلى القريب والبعيد. ما ذنب أطفال ينتظرون بعض الخبز حتى يتم تفجير أدمغتهم؟! ما مصير أمهات يخطفن أرغفة سوداء ويكون الغموس دماءهن الحيّة؟
لكلِّ صورة عنوان إلاَّ هذه الصورة وحدها جاءت بلا عنوان. لأن التاريخ يوثق الصور ويضعها مباشرة في مقدمة المشاهد. فقط قال (خبز الدماء) تحت عيون كافة الشعوب: إنَّ أوقح وأقذر آلة حربية قاتلة اسمها اسرائيل. دولة أُسست من سراب وتجسدت في ظلام التاريخ الدامس، ولدت قزماً سياسياً تحت المجهر لتتضخم بين ليلة وضحاها إلى كائن عملاق. أرأيتم دولة من عدمٍ جاءت وستؤول إلى العدم كذلك؟! لكن متى..، وكيف..، وبأية وسيلة؟! لا أحد يعلم الإجابة. ثمة سرديات دينية وأخرى سياسية تنسج ( قصص النهاية). وترسم اسكاتولوجيا (أخرويات) السياسة الإجرامية لاسرائبل كذيل للقوى العظمى في المنطقة. ولكنها سرديات تتكيء على الخيال وتطلق أبخرة من محرقة البؤس الذي يعيشه العرب. فكانت سرديات معبرةً عن الفشل لا القوة، وأحدثت لدى الأجيال المتعاقبة ضبابية الرؤية لا وضوح الغاية.
لأول مرةٍ في التاريخ المعاصر أنْ يكون الخبز طُعماً لقتل البشر وإراقة دماء الأبرياء. وهو شطر المعادلة الأصعب في دولة الاحتلال المجرم. سأجوعك حتى النهاية، ولتذهب أنت للاتيان بالطعام حتى أقتلك، ولتكن دماؤك على الملأ نازفة من أحشائك.. ومع ذلك لن تجد من يأخذ بيدك أو من يداوي جراحك، وسنحقق نحن ما نريد من نثر اشلائك وتهجيرك إلى شتات الأرض.
تماماً السيناريو مرسُوم ومخطط له سلفاً ويعرف المجرمون في أورشليم وواشنطن وبعض عواصم العرب كيف تدار الأمور. مثل قتل الحيوانات التي يتم اصطيادها حين تخرج بحثاً عن الطعام هنا أو هناك. استعمال الفخ نفسه الذي تصطاد به الحيوانات المفترسة ضحاياها الجائعة في الغابات والسياسة جنباً إلى جنب. لا فرق كبير بين أحراش امريكا الهنود وأحراش غزة، الصيادون هم أنفسهم يركضون ليل نهار خلف الضحايا. أحياناً تحمل الصور دلالتها النوعية، ولكن بعض الأعمال الوحشية( مثل الإبادة الجماعية) تضم الممارسات المتماثلة إلى بعضها البعض، سواء أكانت الإبادة ضد الإنسان أم الحيوان!!
منذ يومها الأول، زُرعت اسرائيل كدولة شاذة جيوسياسياً في ضوء مصادرها الكولونيالية. دولة مؤلفة من كومة جرائم ضد الإنسانية، لكنها تصدرت- مع الوقت- المنصات والاجتماعات والمؤسسات ذات الصبغة العالمية. أوجدت لها موطىء قدم في حكومات الدول المؤثرة وأقامت لوبيات لدى الاحلاف وأصبحت رقماً بين صانعي القرارات الدولية. حقيقي لم تكن الدولة الصهيونية شيئاً ذا بال في تراث العالم الحضاري ولا السياسي، ولكنها أضحت متواطئةً مع كل القوى الكبرى. تاريخ اسرائيل مُشبع بدماء الشعب الفلسطيني النازف. يستحيل التأريخ لآثار الموت في منطقتنا العربية دون المرور بجرائم أبناء صهيون. يمر خط الموت والدماء المُراقة يومياً من هناك إلى أي مكان آخر مثل مرور أنابيب النفط إلى دول الغرب. اسرائيل أكبر سلة مهملات كولونيالية في خريطة الدول المعاصرة. ورثت كل أساليب الوحشية والتدمير من سابقاتها.
الذهنية الكولونيالية لم تمت بين ركام التغيرات والأحداث العالمية، لكنها تحولت في أشكال من التوحش السياسي المتأخر. ليس العنف الاسرائلي وليد الصدفة ولن يكون، ولكنه ميراث طويل الترويض عبر واقع الحال وعبر أحدث التقنيات والخطط البديلة. وها هي دولة الاحتلال تمارسه طوال الوقت دون رادع من قيم أو اخلاقيات. بل كيف نناشد أخلاقاً أو مواقف إنسانية وهي منعدمة في صلب الكيان الصهيوني؟!! يعرف القاصي والداني: كيف تشكلت عصابات الصهيونية في بداية غرس بذرة الوطن القومي لليهود. البذرة كانت هجينة ومهندسة كولونيالياً ورفضها كامل التراب الفلسطيني، لأنها غريبة عنه ومازالت، ولكن القوى الاستعمارية أصرت وقدمت كل الدعم حتى تضرب بجذورها عبر فلسطين التاريخية. المعادلة أنَّ اسرائيل التاريخية تقوم على انقاض فلسطين التاريخية بالتبعية. معادلة إزاحة واحلال السكان الأصليين لا شيء آخر. المعادلة التي تناهز قرابة المائة عام الماضية للاستيلاء على فلسطين.
من يخبر الاحتلال أن الخبز لدينا نحن البشر هو الحياة؟ يعادل كل العمل الذي يقوم به الإنسان. نقول إزاء بعض الأعمال: الأمر أكل عيش. ولكن من سخرية العيش بين الأوغاد: أنْ بات الخبز لأهل فلسطين الجريحة (ذروة الأمل وعمق الألم). الأمل في أنْ يأخذ بأيدهم أقرب الناس ( العرب ). أن يمدوا إليهم يد الحياة في شكل عبوات طحين و مواد غذائية و معلبات. ولكن كل ذلك لم يحدث على نحو متواصل، نظراً لجرائم الحصار والاحتلال وعدم شعور البعض بالمسألة من الأساس. لعل اهدافاً كبرى وسط الهزائم الحضارية تتقزم في شكل كسرة خبز لا أكثر ولا أقل. وأن يتسول ابناء العرب في أية دولة من دولهم بقايا الموائد وفائض المعونات التي لا تسمن ولا تغنى من جوع. ومع ذلك لم تستطع دولة عربية واحدة اختراق الحصار الجائر على أهل غزة!!
أيقظت أرغفة غزة عيون الجوع مترامي الأطراف في وطننا العربي وإنْ كان الفلسطينيون يحتلون قلبه. ليست هناك اختلافات كبيرة بين عرب وعرب إلاَّ في درجات" الجوع والتُخمة". في مجتمعات العرب، يمرح الجوع ليلاً ونهاراً، ثم يبات على اسرة من تراب البشر داخل فلسطين. في مجتمعات العرب أناس يتسولون على نواصي الأزقة والشوارع والساحات والميادين، بينما آخرون يعانون من السمنة المفرطة والولائم الأسطورية التي تعلوها الجِمال والأبقار والثيران المشوية. وعلى الصعيد السياسي، تحولت خريطة العرب إلى مائدة شهية أمام القوى العظمى. أخذ ملك أخر الزمان ( ترامب أمريكا) يحرك الخطوط يميناً وشمالاً وقد اقتنص اموال الجباية السياسية أضعافاً مضاعفة. وأعلن أن النفظ والثروات لا يجب أن تخرج من بين أنيابه. وأخذ يبتز الجميع ويزاحم أهل المنطقة العربية على مقدرات وحقوق شعوبها.
المشهد يثير أفكاراً بقدر فظاعة الدماء التي أريقت وبقدر التخلف الحضاري الذي نعيشه. لماذا لم نستفق نحن العرب حتى اللحظة؟ هل دورنا فقط في انشاء تكايا وأفران لطهي الطعام في أرض فلسطين التاريخية. اللافت أن يأتي اسم التكية عنواناً للطعام في غزة. التكية اسم استعماري أيضاً مرتبط بحقب الظلام والغزو لوطننا العربي من دولة الباب العالي. لأن استعمال كلمة "تكية" استعمال تركي الأصل. وتدل على مكان استراحة أو مكان يتم الاعتماد عليه طلباً للإعالة والرعاية. وقد اشتُقت من الفعل العربي" اتكأ " بمعنى استند إلى. وقد انتشرت الكلمة في العصر العثماني للإشارة إلى مراكز خيرية واجتماعية لرعاية الفقراء والمحتاجين وعابري السبيل والدراويش والبهاليل.
ما الذي يتكيء عليه الفلسطينيون مقدساً كان أم سياسياً؟ تعلن التكايا - من طرف خفي- أن الفلسطينيين لا حق لهم في الأرض. وأن الغذاء مرحلة مجانية لثمن باهظ فيما بعد. وفي السياسات الكولونيالية لا شيء مجاناً. الطعام يبدأ بالتكايا والهبات والاغاثة وينتهي بالتهجير على ما يبدو. التكايا تجمع في حزمة احدة تاريخ (الاستعمار والتهجير)، بجانب ما بينهما من أعمال قتل وتصفية للقضايا الإنسانية والقيم والقوانين والحقوق. لندقق في الأمر جيداً: أهل الأرض يصبحون ضيوفاً على نواصي التكايا وأفران المساعدات. ماذا ينتظرون سوى الخروج إلى أية دولة أخرى؟
إن العقدة التاريخية لبني اسرائيل نتيجة الخروج من مصر الفرعونية ( أرض الأجداد ) ترسبت في الخلفية السياسية لهذه الدولة. ترسبت لدى كل قيادات الجيش والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية والمستوطنات والشعارات الصهيونية. بات الخروج من الأرض هو الهدف القاتل الذي يرونه مناسباً لأهل فلسطين كل فلسطين. ليست المسألة قضايا الضفة وقضايا القطاع، بل المسألة هي رسم سيناريو الخروج الجماعي للشعب الفلسطيني من أرضه أيا كانت. المقايضة أمست هي الرهان الخبز مقابل الحياة خارج الأرض أو الموت المباشر.
لو تمكنت اسرائل يوماً ما من خريطة اسرائيل الكبرى، فلن تفعل إزاء الشعوب العربية سوى آلية الخروج بالمثل. نقل تاريخ اليهود ذلك منذ نبوخذ نصّر في العراق حتى حروب اسرائيل الأخيرة مع مصر وفلسطين. كانت تأخذ الأرض ولا تقبل القسمة إلاَّ عليها منفردة. لم تعشْ اسرائيل بين جيرانها إلاّ مع تطبيق سياسات الخروج للشعوب الأخرى. إنَّ بني اسرائيل المعاصرين يعيدون كتابة التاريخ الذي سُلط عليهم كالسيف مع الدول التي حاربوها. التاريخ اليهودي يعود إلى الوراء، عوداً على بدءٍ. كلُّ آلة كولونيالية تعيد الماضي المتوّهم بصورةٍ من الصور التي تخدم أهداف أصحابها.
يسري في التكايا نفس صوفي قديم، أي نفس مقدس يحتمي به الإنسان من غوائل الحياة وشظف العيش. ولكن الفلسطينيين يذهبون إلى التكايا للاحتماء من جوع دموي قاتل. وكأنَّ المشهد يقول ليكن الطعام هو الطعام المقدس. ولكن استغلت اسرائيل الوضع لتقتل وتعبر بلغة الاجرام: أنه العشاء الأخير لكل فلسطيني يحاول الاتصال بأسباب الحياة في الأرض والسماء. على طريقة الثقافة المسيحية استعارت النهاية الفاجعة لمسار الحياة. وهذا أمر فاق كل الحدود، لأنَّ القيم الدينية والإنسانية والقوانين الدولية تحمي الاغاثة وسط الحروب والصراعات المسلحة.
الذهنية الصهيونية كالفيرس الذي يضرب أي نظام يعمل بكل عدالة ونزاهة ويحقق الخير والرخاء لشعوب الأرض. ذهنية ضد العدالة أيا كانت العناوين التي تحملها، لا يعرف من يفكر بطريقة صهيونية عما يتكلم إزاء المعايير والحقوق. والموضوع عام لا يتجزأ أمام جميع الشعوب، سواء في فلسطين أم في غيرها من بقاع العالم. لأنَّ الإنسان واحد: لا يقبل أنْ تراق الدماء الحُرة إلاَّ على جثة الاحتلال، وأنّ كسرة الخبز المبللة بالدموع ستكون ناراً تحرق القاتل.
***
د. سامي عبد العال