عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

بين التقاليد الغائرة والحداثة العالقة

في لحظةٍ فارقة من التاريخ العربي المعاصر، يقف العقل الثقافي العربي كما لو أنه على عتبة بوابة موصدة، يتلفت خلفه إلى إرثٍ طويل وثقيل من التقاليد والرموز والموروثات، وينظر أمامه بتردد إلى عالم متغير، سريع، متحول، تغمره الحداثة وتبتلعه العولمة. لم يكن هذا العقل يومًا عاجزًا عن الفهم أو الاستيعاب، لكنه ظل على مدى عقود حائرًا أمام سؤال جوهري لم يجد له جوابًا نهائيًا، كيف يمكننا أن نكون حديثين دون أن نفقد أنفسنا؟

ليس من المبالغة القول إن الثقافة العربية الحديثة ما زالت عالقة في منطقة رمادية، تتجاذبها قوتان متناقضتان. من جهة، هناك ضغط الهويات التقليدية التي تستمد شرعيتها من الدين، والعُرف، والانتماءات الأولية، والتي ترفض التغيير أو تتوجس منه، ومن جهة أخرى، هناك وعود الحداثة التي تقدم نماذج جاهزة من التقدم، لكنها غالبًا ما تبدو مستوردة وغريبة، لا تنمو من داخل التربة الثقافية نفسها، بل تُفرض فوقها فتسبب الانقسام والتشوش.

لقد بدا واضحًا، منذ بدايات القرن العشرين، أن المجتمعات العربية دخلت زمن التغيير، لكن التغيير ظل في معظمه شكليًا، يطال القشرة لا الجوهر. أُنشئت الجامعات، وتطورت المدن، وتغيرت الأزياء، وتكلم الناس عن الديمقراطية، والحرية، والمجتمع المدني، لكن البنى العميقة للوعي الثقافي، تلك التي تتحكم في النظرة إلى الإنسان، والعالم، والمعرفة، بقيت متماسكة على حالها، لا تهتز إلا لتعود وتتصلب من جديد. وهكذا، تراكمت مظاهر الحداثة فوق أرضٍ لم تُمهّد لها فكريًا وروحيًا، فكان من الطبيعي أن تنشأ فجوة، بل قطيعة، بين ما نعيشه وما نؤمن به.

الثقافة، كما يفهمها المفكرون، ليست مجموعة معارف ومظاهر خارجية، بل هي نمط حياة، رؤية للعالم، بنية إدراكية تنعكس في السلوك والفكر واللغة. وفي هذا السياق، فإن التحديث الحقيقي لا يتم بشراء التكنولوجيا أو تقليد أنماط العيش الغربية، بل بإعادة تشكيل العقل نفسه، وتفكيك الموروث بعين ناقدة، لا تنكر قيمته الرمزية، ولكنها لا تخضع له كسلطة مطلقة. هذا ما لم يحدث بعد في التجربة العربية. فكلما اقتربنا من لحظة التغيير الحقيقي، انسحب العقل إلى منطقة الأمان، وتحصن بالتراث، كأن الماضي وحده هو ما يمنحنا الحق في الوجود.

اللافت أن هذا الصراع لم يعد محصورًا في النخبة المثقفة، بل تسلل إلى حياة الناس اليومية. نشاهد ذلك في النقاشات الحادة بين الأجيال، في صراع القيم داخل الأسرة، في حيرة الشباب بين ما يتلقونه من تعليم حديث وما يفرضه عليهم المجتمع من قوالب تقليدية. لقد أصبحت الحداثة، بالنسبة للكثيرين، شكلاً من التمرد، لا خيارًا واعيًا نابعًا من قناعة داخلية. أما التراث، فبدلاً من أن يكون مرجعًا يُستأنس به، تحول في كثير من الأحيان إلى سجن رمزي يخنق الروح.

لكن هل التراث هو المشكلة حقًا؟ أم أن المشكلة تكمن في طريقة تعاملنا معه؟ التراث لا يُلام لأنه موجود، بل لأننا جعلناه فوق المساءلة. والحداثة لا تُدان لأنها دخيلة، بل لأننا لم نمنحها فرصة للنمو من داخلنا. وما بين طرفي هذا التوتر، ضاعت ملامح مشروع ثقافي عربي قادر على إنتاج حداثته الخاصة، على طريقته، ووفقًا لظروفه وتاريخه وتجربته.

إن المجتمع الذي لا يصوغ حداثته، سيُستدرج حتمًا إلى استهلاك حداثة الآخرين. وهذا ما حدث ويحدث. نستهلك كل شيء: الأفكار، والمنتجات، والنماذج، دون أن نملك أدوات إنتاجها أو حتى معايير نقدها. وهكذا نعيش حالة من "الحداثة المعلّبة"، حيث الحداثة تُختصر في المظهر، وتُختزل في الأدوات، بينما يبقى العمق الثقافي أسيرًا لذهنية تقليدية لم تتغير كثيرًا منذ قرون.

لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح ليس فقط عن الحداثة، بل عمّا بعدها. فنحن نعيش في عالم دخل منذ عقود مرحلة "ما بعد الحداثة"، حيث تساقطت كثير من اليقينيات، وتفتّتت الأنساق الكبرى، وأصبح الإنسان يواجه سيولة غير مسبوقة في القيم والمعاني. في هذا السياق الجديد، لا يكفي أن نسأل: هل نحن حداثيون؟ بل يجب أن نسأل أيضًا: هل نحن مستعدون للعيش في عالم لا مركز له، لا مرجعية واحدة تحكمه، ولا حقيقة ثابتة تحكم سلوكه؟

إن هذا السؤال يمثل جوهر المأزق الثقافي العربي اليوم. فنحن لم نُنجز بعد مشروع الحداثة، ولم نُهضم أسئلتها الكبرى، وها نحن نُدفع إلى مواجهة عالم ما بعد الحداثة، بكل ما فيه من تفكك، وتعدد، وشك، ولامركزية. فكيف لعقل لم يتحرر بعد من سلطة التقليد أن يتعامل مع عالم ينكر السلطة من أساسها؟ وكيف لمجتمع لم يستوعب بعد معنى الفرد أن يواجه عالماً يقدّس الذات ويشكك في الجماعة؟ إنها أسئلة ثقيلة، تتطلب منا أكثر من مجرد ترديد شعارات التغيير، أو الدعوة إلى التجديد.

ربما نحتاج إلى شجاعة فكرية حقيقية، لاختبار القيم التي نحملها، وطرح الأسئلة التي نخشى طرحها، ومغادرة منطقة الراحة النفسية التي تمنحنا إياها التقاليد المطمئنة. وربما علينا أن نكف عن النظر إلى الحداثة كتهديد، وإلى التراث كملاذ، ونبدأ في بناء جسر داخلي بينهما، حيث يمكن للعقل أن يفكر دون خوف، وللروح أن تؤمن دون تعصب.

إذن، لسنا بحاجة إلى حداثة تشبه الآخرين، بل إلى حداثة تُشبهنا. حداثة تنمو من داخل أسئلتنا، من عمق جراحنا، من خصوصيتنا المتعبة، ومن حلمنا القديم بأن نكون كما نريد، لا كما يُراد لنا. وإنّ الطريق إلى تلك الحداثة لن يُرسم إلا إذا جرؤنا على السؤال: من نحن حقًا؟ وماذا نريد أن نكون؟ هذا هو السؤال الذي ستدور حوله هذه السلسلة، في محاولة لتلمّس طريق نحو فهم أعمق لموقعنا الفكري والثقافي، من دون أحكام جاهزة، ولا أجوبة مغلقة، بل بنية فتح أفق جديد للتفكير في ذواتنا ومجتمعنا وتاريخنا.

***

د. عصام البرّام

خلال الأزمات السيبرانية

أصبحت الخوارزميات الإعلامية في العصر الرقمي من أهم الأدوات التي تتحكم في تدفق المعلومات ووصولها إلى الجمهور، حيث تعتمد عليها منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث والمواقع الإخبارية في ترتيب المحتوى وعرضه وفقًا لاهتمامات المستخدمين وسلوكهم الرقمي. وقد أسهم هذا التطور في تسهيل الوصول إلى الأخبار والمعلومات بسرعة غير مسبوقة، إلا أنه في الوقت نفسه خلق تحديات كبيرة، خاصة خلال الأزمات السيبرانية التي تتسم بالغموض وسرعة تطور الأحداث. ففي مثل هذه الأزمات يزداد الطلب على المعلومات الفورية، ويصبح الجمهور أكثر عرضة لتصديق الأخبار غير الدقيقة أو المضللة، مما يمنح الأخبار الكاذبة فرصة واسعة للانتشار. وتلعب الخوارزميات الإعلامية دورًا محوريًا في هذه العملية، إذ قد تؤدي آلياتها المعتمدة على تعزيز التفاعل إلى نشر المحتوى المثير بغض النظر عن مدى صحته، وهو ما يجعلها عاملًا مؤثرًا في تشكيل الرأي العام وإدارة الأزمات الرقمية.

طبيعة الخوارزميات الإعلامية وآليات عملها

تعتمد الخوارزميات الإعلامية على تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة لتحديد المحتوى الأكثر احتمالًا لجذب انتباه المستخدمين. وتقوم هذه الأنظمة بتحليل عدد كبير من المؤشرات مثل عدد الإعجابات والتعليقات والمشاركات ومدة مشاهدة المحتوى، ثم تستخدم هذه البيانات لترتيب الأخبار والمنشورات وفقًا لمستوى التفاعل المتوقع. وتهدف هذه الآلية في الأساس إلى زيادة بقاء المستخدم داخل المنصة وتحسين تجربته الرقمية، إلا أن هذا الهدف التجاري قد يتعارض أحيانًا مع جودة المعلومات ودقتها.

خلال الأزمات السيبرانية، مثل الهجمات الإلكترونية على المؤسسات الحكومية أو البنية التحتية الرقمية أو تسريب البيانات الحساسة، يصبح المحتوى المرتبط بالأزمة أكثر جذبًا للجمهور. وتستجيب الخوارزميات لهذا الاهتمام المتزايد من خلال توسيع انتشار الأخبار التي تحقق معدلات تفاعل مرتفعة، حتى وإن كانت تلك الأخبار غير مؤكدة أو مضللة. ونتيجة لذلك قد تنتشر الشائعات بسرعة تفوق سرعة نشر المعلومات الرسمية، الأمر الذي يخلق حالة من الارتباك والقلق بين الأفراد والمؤسسات.

وتزداد خطورة هذا الأمر بسبب اعتماد الخوارزميات على التخصيص الشخصي للمحتوى، حيث يحصل كل مستخدم على أخبار تختلف عن غيره وفقًا لتفضيلاته السابقة. ويؤدي ذلك إلى تكوين ما يعرف بفقاعات المعلومات، إذ يتعرض المستخدم بشكل متكرر للمحتوى الذي يتفق مع آرائه ومعتقداته، بينما تقل فرص اطلاعه على وجهات النظر الأخرى أو المعلومات التصحيحية. وفي ظل الأزمات السيبرانية يمكن أن تسهم هذه الظاهرة في تعزيز الأخبار الكاذبة وإضعاف قدرة الأفراد على التحقق من المصادر المختلفة.

دور الخوارزميات في تسريع انتشار الأخبار الكاذبة أثناء الأزمات السيبرانية

تتميز الأخبار الكاذبة غالبًا بعناوين مثيرة وصياغة عاطفية تهدف إلى جذب الانتباه وإثارة الخوف أو الغضب أو الدهشة، وهي عناصر تتوافق مع المعايير التي تعتمد عليها الخوارزميات في قياس التفاعل. ولذلك فإن المحتوى المضلل قد يحصل على انتشار واسع خلال فترة زمنية قصيرة، خاصة عندما يتعلق بأحداث طارئة تمس الأمن الرقمي أو الخدمات الأساسية أو البيانات الشخصية.

وتظهر الدراسات أن المستخدمين يميلون إلى مشاركة الأخبار المثيرة قبل التحقق من صحتها، مدفوعين بالرغبة في تحذير الآخرين أو المشاركة في النقاش العام. وعندما تتكرر عمليات المشاركة والتفاعل، تعتبر الخوارزميات هذا المحتوى ذا أهمية عالية، فتقوم بإظهاره لعدد أكبر من المستخدمين، مما يؤدي إلى تضاعف انتشاره بصورة متسارعة. وهكذا تدخل الأخبار الكاذبة في دائرة انتشار يصعب السيطرة عليها، خصوصًا في الساعات الأولى من الأزمة.

كما تستغل الجهات المعادية أو الجماعات المنظمة طبيعة الخوارزميات الإعلامية لنشر حملات تضليل ممنهجة، وذلك باستخدام الحسابات الوهمية أو الروبوتات الإلكترونية التي تعمل على إعادة نشر الأخبار الكاذبة بشكل مكثف. ويؤدي هذا النشاط إلى خلق انطباع زائف بأن الخبر يحظى بتأييد واسع أو أنه صادر عن مصادر متعددة، بينما يكون في الحقيقة جزءًا من حملة تضليل رقمية تستهدف التأثير في الرأي العام أو إضعاف الثقة بالمؤسسات الرسمية.

وتتفاقم هذه المشكلة عندما تتأخر الجهات المختصة في إصدار البيانات الرسمية أو عندما تكون المعلومات الأولية غير مكتملة. ففي غياب المعلومات الموثوقة، يجد الجمهور نفسه أمام كم كبير من الأخبار المتداولة عبر المنصات الرقمية، ويصبح من الصعب التمييز بين الحقيقة والإشاعة. وتقوم الخوارزميات، دون قصد، بتوسيع نطاق هذه الأخبار بسبب اعتمادها على مؤشرات الانتشار والتفاعل بدلاً من التحقق من المصداقية.

ولا يقتصر تأثير الأخبار الكاذبة على الجانب المعلوماتي فقط، بل يمتد إلى الجوانب الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. فقد تؤدي الشائعات المتعلقة بالاختراقات الإلكترونية إلى إثارة الذعر بين المستخدمين، أو دفعهم إلى اتخاذ قرارات خاطئة مثل حذف بيانات مهمة أو الامتناع عن استخدام خدمات إلكترونية آمنة. كما قد تؤثر في سمعة المؤسسات والشركات، وتؤدي إلى خسائر مالية نتيجة انخفاض ثقة العملاء أو المستثمرين.

سبل الحد من تأثير الخوارزميات في نشر المعلومات المضللة

تتطلب مواجهة الأخبار الكاذبة خلال الأزمات السيبرانية تبني مجموعة من الإجراءات التقنية والتنظيمية والتوعوية. فمن الناحية التقنية، ينبغي تطوير الخوارزميات بحيث لا تعتمد فقط على معدلات التفاعل، وإنما تراعي أيضًا مؤشرات الموثوقية وجودة المصادر. ويمكن تحقيق ذلك من خلال دمج أنظمة التحقق الآلي من الأخبار والاستفادة من قواعد البيانات الخاصة بالمؤسسات الإعلامية الموثوقة وهيئات التحقق المستقلة.

كما تتحمل منصات التواصل الاجتماعي مسؤولية كبيرة في الحد من انتشار المعلومات المضللة، وذلك عبر تقليل وصول المحتوى الذي يثبت عدم صحته، وإضافة إشعارات توضح أن الخبر محل تدقيق أو أن المعلومات الواردة فيه غير مؤكدة. ويمكن كذلك تعزيز الشفافية من خلال توضيح أسباب ظهور المحتوى للمستخدمين وكيفية عمل الخوارزميات بصورة مبسطة، بما يساعد على زيادة الوعي الرقمي لدى الجمهور.

ومن جانب آخر، يمثل الإعلام المهني أحد أهم أدوات التصدي للأخبار الكاذبة، إذ يسهم في تقديم معلومات دقيقة وسريعة تعتمد على مصادر رسمية وموثوقة. كما يجب على المؤسسات الحكومية تطوير استراتيجيات اتصال فعالة تضمن سرعة إصدار البيانات أثناء الأزمات، لأن التأخر في نشر المعلومات الصحيحة يترك فراغًا تستغله الشائعات بسهولة.

ويعد رفع مستوى الثقافة الإعلامية والرقمية لدى الأفراد من الركائز الأساسية لمواجهة التضليل الإلكتروني. فالمستخدم الواعي يكون أكثر قدرة على التحقق من مصادر الأخبار، والتمييز بين المحتوى الموثوق والمحتوى المضلل، وعدم الانسياق وراء العناوين المثيرة أو الرسائل مجهولة المصدر. ويمكن تحقيق ذلك من خلال إدراج برامج التربية الإعلامية في المناهج التعليمية، وتنظيم حملات توعوية مستمرة تستهدف مختلف فئات المجتمع.

وفي الوقت نفسه، أصبح التعاون الدولي ضرورة ملحة لمواجهة حملات التضليل المرتبطة بالأزمات السيبرانية، نظرًا لأن الفضاء الرقمي يتجاوز الحدود الجغرافية. ويتطلب ذلك تبادل المعلومات والخبرات بين الدول، وتعزيز التعاون بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والمؤسسات البحثية لتطوير أدوات أكثر كفاءة في كشف الحسابات الوهمية وحملات التلاعب المنسقة.

لذا، تمثل الخوارزميات الإعلامية عنصرًا أساسيًا في البيئة الرقمية الحديثة، حيث أسهمت في تسهيل الوصول إلى المعلومات وتعزيز سرعة تداولها، إلا أن اعتمادها الكبير على مؤشرات التفاعل جعلها أحيانًا وسيلة غير مباشرة لتسريع انتشار الأخبار الكاذبة، خاصة خلال الأزمات السيبرانية التي تتسم بالحساسية والغموض. ويؤدي هذا الانتشار إلى آثار سلبية تمتد إلى الأمن المعلوماتي والاستقرار المجتمعي والثقة بالمؤسسات. ومن ثم فإن الحد من هذه الظاهرة يتطلب توازنًا بين التطور التقني والمسؤولية الأخلاقية، إلى جانب تطوير الخوارزميات، وتعزيز دور الإعلام المهني، ونشر الوعي الرقمي بين المستخدمين، بما يضمن بناء بيئة إعلامية أكثر موثوقية وقدرة على مواجهة التحديات المتزايدة في العصر الرقمي.

***

د. عصام البرّام

على امتداد القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، أصبحت التنظيمات الإسلامية واحدة من أهم الفواعل السياسية في العالم العربي والإسلامي. فمنذ سقوط الخلافة العثمانية عام 1924، وما تبعه من صعود الدولة الوطنية الحديثة، برزت عشرات الحركات الإسلامية التي رفعت شعار الإسلام هو الحل، وقدمت نفسها بوصفها بديلا أخلاقيا وسياسيا للأنظمة القومية والاشتراكية والليبرالية التي فشلت في تحقيق التنمية والعدالة والحرية. واستطاعت هذه التنظيمات أن تحشد ملايين المؤيدين، وأن تنشئ مؤسسات دعوية وتعليمية وخيرية واسعة، وأن تصبح رقما صعبا في المعادلة السياسية في دول عديدة مثل مصر والسودان والجزائر وتونس والمغرب والأردن وتركيا وغيرها.

ورغم هذا الحضور الشعبي والتنظيمي، فإن حصيلة هذه الحركات في الوصول إلى السلطة أو الاحتفاظ بها أو بناء دولة مستقرة تبدو متواضعة مقارنة بحجم طموحاتها. فبعضها تعرض للقمع قبل أن يصل إلى الحكم، وبعضها وصل عبر الانتخابات ثم أطيح به، وبعضها شارك في السلطة لكنه فقد شعبيته، وبعضها تحول إلى تنظيمات مغلقة فقدت قدرتها على التجديد. ويبرز السؤال: لماذا تتكرر هذه النهايات؟ هل لأن هذه التنظيمات لا تمتلك أيديولوجيا سياسية حقيقية؟ أم لأن الدين يتحول في بعض التجارب إلى أداة لإضفاء الشرعية على مشروع سياسي يفتقر إلى رؤية حديثة للدولة؟

الإجابة لا يمكن أن تكون بسيطة أو أحادية. فليس صحيحا أن جميع التنظيمات الإسلامية متشابهة، كما أنه ليس صحيحا أن فشلها يعود إلى عامل واحد. غير أن القراءة النقدية تكشف أن الأزمة أعمق من مجرد الصراع مع الأنظمة أو التدخلات الخارجية، إذ ترتبط أيضا بطبيعة الفكر السياسي الذي تتبناه هذه التنظيمات، وبقدرتها المحدودة على التكيف مع مفهوم الدولة الحديثة. من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن التنظيمات الإسلامية تفتقر إلى الأيديولوجيا. والحقيقة أنها تمتلك أيديولوجيا واضحة، لكنها تختلف عن الأيديولوجيات الحديثة. فهي تقوم على تصور ديني وأخلاقي للمجتمع، وترى أن الإسلام ليس مجرد عقيدة روحية، بل نظام شامل للحياة يشمل السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة. ومن هذا المنطلق تسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع والدولة وفق فهمها للشريعة الإسلامية. غير أن امتلاك الأيديولوجيا لا يعني بالضرورة امتلاك مشروع دولة. فالأيديولوجيا تحدد الغايات والقيم، لكنها لا تقدم وحدها آليات الإدارة أو السياسات الاقتصادية أو النظم الإدارية أو أدوات إدارة التعقيد الذي يميز الدولة الحديثة. ولهذا تظهر الفجوة بين الخطاب العقائدي ومتطلبات الحكم بمجرد انتقال الحركة من المعارضة إلى السلطة.

لقد نشأت أغلب التنظيمات الإسلامية في ظروف استثنائية، حيث الاحتلال الأجنبي أو الأنظمة العسكرية أو الاستبداد السياسي. ولذلك انصب اهتمامها على مقاومة السلطة القائمة، وتربية الأفراد، وبناء التنظيم، والحفاظ على الهوية الإسلامية. ولم يكن لديها الوقت الكافي أو البيئة المناسبة لتطوير نظريات متقدمة في الاقتصاد، والإدارة العامة، والسياسات الاجتماعية، والعلاقات الدولية، وإدارة المؤسسات. وهكذا أصبح التنظيم قويا في التعبئة السياسية، لكنه أقل خبرة في إدارة الدولة. و يمكن فهم سبب تكرار ظاهرة الانتقال الصعب من الدعوة إلى الدولة. فالدعوة تقوم على نشر القيم، بينما تقوم الدولة على إدارة المصالح المتعارضة. والداعية يبحث عن المثال الأخلاقي، أما رجل الدولة فيتعامل مع الممكن السياسي. وبين المجالين مسافة كبيرة لا يمكن تجاوزها بالشعارات وحدها. وتتمثل إحدى أكبر المشكلات في الخلط بين الدين والسياسة. فالإسلام يقدم منظومة قيم عليا كالعدل والشورى والأمانة والرحمة وحفظ الحقوق، لكنه لا يفرض نموذجا دستوريا واحدا صالحا لكل العصور. ولذلك فإن معظم النظم السياسية عبر التاريخ الإسلامي كانت اجتهادات بشرية تأثرت بظروفها التاريخية أكثر مما كانت تطبيقا حرفيا لنصوص دينية. لكن بعض التنظيمات تتعامل مع اجتهاداتها السياسية بوصفها امتدادا مباشرا للدين، فتتحول معارضتها إلى معارضة للدين في نظر أنصارها، ويتحول نقدها إلى نوع من التشكيك في الإسلام نفسه. وهنا تصبح السياسة مجالا مقدسا، بينما الأصل أنها مجال للاجتهاد والخطأ والصواب.

وتزداد المشكلة عندما يتحول الشعار الديني إلى أداة لحشد الجماهير دون أن يصاحبه برنامج سياسي واقتصادي واضح. فالجماهير قد تتأثر بالشعارات الأخلاقية، لكنها في النهاية تحاسب الحكومات على الأسعار، وفرص العمل، والتعليم، والصحة، والأمن، وجودة الخدمات. وعندما تعجز السلطة عن معالجة هذه الملفات، لا تكفي الشعارات للحفاظ على الثقة الشعبية. كما أن التنظيمات الإسلامية غالبا ما تعاني من هيمنة الثقافة التنظيمية على الثقافة المؤسسية. فهي تعتمد على الانضباط الداخلي، والطاعة، والسرية، والتراتبية التنظيمية، وهي خصائص قد تكون مفيدة أثناء العمل السري أو المعارض، لكنها تصبح عبئا عندما تنتقل إلى إدارة دولة تقوم على الشفافية، والمساءلة، وتعدد مراكز القرار، واستقلال القضاء، وحرية الإعلام. ويلاحظ أيضا أن بعض هذه التنظيمات تخلط بين الولاء التنظيمي والكفاءة المهنية، فتمنح المناصب على أساس الانتماء أكثر من الخبرة. وهذه المشكلة ليست حكرا على الإسلاميين، بل تعاني منها أحزاب كثيرة، لكنها تصبح أكثر خطورة عندما تقترن بخطاب ديني يمنح القيادة شرعية أخلاقية تجعل مساءلتها أكثر صعوبة.

ومن الجوانب التي تستحق النقد أن كثيرا من الأدبيات الإسلامية الكلاسيكية اهتمت بمسألة "من يحكم؟" أكثر من اهتمامها بسؤال "كيف يحكم؟". فالصراع انصب على هوية الحاكم ومرجعيته الدينية، بينما أهملت قضايا بناء المؤسسات، واستقلال القضاء، والفصل بين السلطات، والرقابة المالية، والإدارة الحديثة، وهي العناصر التي أثبتت التجارب العالمية أنها أساس نجاح الدول. و التجارب المختلفة تقدم شواهد متعددة على ذلك. ففي السودان، وصل الإسلاميون إلى السلطة عبر انقلاب عسكري عام 1989، ورفعوا شعارات المشروع الحضاري والدولة الإسلامية، لكن التجربة انتهت بأزمات اقتصادية خانقة، وحروب أهلية، وعزلة دولية، وانقسامات داخلية، ثم سقوط النظام بعد ثلاثة عقود. ولم يكن السبب مجرد العقوبات الخارجية، بل أيضا ضعف الإدارة، وتسييس مؤسسات الدولة، وغياب الإصلاح المؤسسي.

وفي مصر، وصل الإسلاميون إلى الحكم عبر انتخابات بعد ثورة 2011، لكن التجربة واجهت استقطابا سياسيا حادا، وصراعا مع مؤسسات الدولة، وأخطاء في بناء التحالفات، وانتهت بالإطاحة بهم بعد عام واحد. وقد لعبت عوامل داخلية وخارجية دورا في ذلك، مما يجعل تفسير التجربة بعامل واحد غير كاف. أما في تونس، فقد قدمت حركة النهضة نموذجا مختلفا، إذ اتجهت تدريجيا إلى الفصل بين النشاط الدعوي والعمل السياسي، وقبلت بالتوافق مع خصومها، لكنها واجهت أيضا تحديات اقتصادية وسياسية أثرت على شعبيتها، وانتهت إلى تراجع نفوذها مع تغير المشهد السياسي. و كثيرا ما يشار إلى التجربة التركية باعتبارها نموذجا ناجحا نسبيا، لكن نجاحها لم يكن نتيجة تطبيق برنامج ديني خالص، بل ارتبط بعوامل اقتصادية ومؤسسية وسياسية معقدة، كما أن الحزب الحاكم قدم نفسه بوصفه حزبا محافظا ديمقراطيا أكثر من كونه حركة إسلامية تقليدية. وتكشف هذه الأمثلة أن النجاح أو الفشل لا تحدده المرجعية الدينية وحدها، بل تحدده القدرة على بناء مؤسسات قوية، وتحقيق التنمية، وإدارة التنوع، واحترام القانون، والتعامل الواقعي مع المجتمع والدولة. ولا يمكن كذلك تجاهل أثر البيئة السياسية. فكثير من التنظيمات الإسلامية واجهت أنظمة استبدادية منعت المنافسة السياسية، أو تدخلات إقليمية ودولية خشيت من وصولها إلى السلطة، أو مؤسسات عسكرية وأمنية احتفظت بنفوذها. ولذلك فإن جزءا من تعثر هذه التنظيمات يعود إلى طبيعة البيئة السياسية، وليس إلى أخطائها وحدها.

لكن في الوقت نفسه، فإن تعليق جميع الإخفاقات على المؤامرات الخارجية يعيق المراجعة الفكرية. فالنقد الذاتي شرط أساسي لأي مشروع سياسي يريد الاستمرار. والتجارب التي لا تعترف بأخطائها محكوم عليها بتكرارها. وتبرز أيضا أزمة العلاقة مع مفهوم الدولة الوطنية. فبعض التنظيمات تنظر إلى الدولة باعتبارها مرحلة مؤقتة في مشروع أوسع يتجاوز الحدود الوطنية، بينما تقوم الدولة الحديثة على المواطنة والسيادة والمؤسسات الوطنية. وهذا التوتر يجعل العلاقة بين المشروع الإسلامي والدولة الوطنية علاقة معقدة في بعض السياقات. كما أن بعض الحركات لم تطور فهما متماسكا للتعددية الدينية والثقافية والسياسية. فهي تقبل بالتعددية عندما تكون في المعارضة، لكنها تجد صعوبة في تحويلها إلى مبدأ دائم عندما تصبح في السلطة. والديمقراطية ليست مجرد انتخابات، بل منظومة كاملة تشمل تداول السلطة، وحماية الحقوق، واحترام المعارضة، واستقلال المؤسسات. وتؤكد التجارب المعاصرة أن الدولة الحديثة لا تبنى بالهوية وحدها، بل تبنى أيضا بالمعرفة والخبرة والمؤسسات. فاليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وغيرها لم تحقق نهضتها لأنها رفعت شعارات أيديولوجية جذابة، وإنما لأنها استثمرت في التعليم والإدارة والبحث العلمي وسيادة القانون.

إن الأزمة الأساسية لبعض التنظيمات الإسلامية ليست في ضعف الإيمان، ولا في نقص الحماس، ولا حتى في غياب الأيديولوجيا، وإنما في الفجوة بين الخطاب الأخلاقي وآليات الحكم الحديثة. فالدولة اليوم منظومة معقدة تشمل الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والأسواق العالمية، والتكنولوجيا، والحوكمة، والإدارة العامة، والسياسات البيئية، والعلاقات الدولية، وهي مجالات تحتاج إلى معرفة متخصصة لا تكفي فيها الشعارات أو النوايا الحسنة. فإن مستقبل أي حركة ذات مرجعية إسلامية لن يتحدد بقدرتها على تكرار الشعارات القديمة، وإنما بقدرتها على مراجعة تراثها السياسي، والتمييز بين المقدس والاجتهاد البشري، وبناء برامج واقعية قابلة للتطبيق، واحترام الدولة الدستورية، والإيمان بأن الشرعية لا تقوم فقط على الدين أو الانتخابات، بل أيضا على الكفاءة والشفافية والعدالة وسيادة القانون.

إن السؤال الحقيقي ليس هل التنظيمات الإسلامية تمتلك أيديولوجيا؟ بل هل تستطيع إنتاج نظرية سياسية حديثة تتعامل مع الدولة باعتبارها مؤسسة مدنية معقدة، لا مجرد امتداد للعمل الدعوي؟ وحتى يتحقق ذلك، ستظل كثير من هذه التنظيمات تدور في الحلقة نفسها؛ تحقق حضورا جماهيريا واسعا، لكنها تجد صعوبة في تحويل هذا الحضور إلى مشروع دولة مستدام، لأن إدارة الدول لا تعتمد على قوة العقيدة وحدها، وإنما على قوة المؤسسات، وعمق المعرفة، وقدرة السياسة على التكيف مع الواقع المتغير.

***

زكريا نمر

 

في حديث مع الصديق الشاعر والإعلامي حسن عبد الحميد بخصوص غيرة المثقفين من بعضهم البعض، قلتُ له أن هذه الظاهرة ليست عراقية أو عربية فحسب، بل هي ظاهرة عالمية، والأمر لا يتعلّق بشعور فردي فقط، وإنما هي جزء من ظاهرة اجتماعية، قسم منها يتعلّق بالحقل الثقافي، والآخر له علاقة بجوانب سياسية وتربوية ونفسية. وتساءلت لماذا يغار المثقفون من بعضهم البعض؟ وهل الثقافة أو المعرفة ميدان حقد أو كراهية أو ضغينة؟ أم أنه يُفترض العكس، بحيث يكون المثقّف مثلما تكون الثقافة فضاءً للمحبّة والصداقة والإبداع.

أدرك أن وضع المثقّف كفرد والثقافة كحقل، هما أكثر تعقيدًا من بقية الأفراد والحقول، لأن المثقّف والمجال الذي يعمل فيه أشد حساسية من غيرهما، إمّا بسبب التقليل من شأنه وإهمال جهده الإبداعي، أو إيلاء الاهتمام بغيره وإعطائه مكانة أكبر ممّا يستحق، أو هكذا يعتقد، فتتولّد عنده مشاعر الغيرة السلبية المدمّرة أحيانًا، وهي الأكثر فداحة وضررًا، خصوصًا حين يُقارن المثقف نفسه بمثقفين آخرين أقل إبداعًا منه، وفقًا لتقييمه، فتكون نقمته شديدة، ليس على أصحاب القرار فحسب، بل على أقرانه من المثقفين، فيحاول الانتقاص منهم أو تجاهل إنجازاتهم أو التشكيك بقيمتها الجمالية.

ومن جهة أخرى ثمة ردود فعل، بعضها يكون إيجابيًا، حيث تتوّلد مشاعر منافسة مشروعة وشريفة، وهذه تكون حافزًا للمزيد من العطاء والبذل على صعيد المعرفة والإبداع. وأضفت: إن هذا الوجه الإيجابي لظاهرة "الغيرة"، هو ما نحتاجه، بل علينا البحث عنه، فنجاح أي مثقّف لا ينبغي أن يُقلّل من مكانة المثقّف الآخر، بل على العكس، يمكن أن يكون مردوده إيجابيًا على الثقافة وعموم المثقفين، الذين هم مختلفون بطبيعة الحال، ولا يمكن أن يتماثلوا، حيث تتعدّد أصواتهم وتختلف ألوانهم وتتنوّع أجناسهم ولغاتهم وانحداراتهم الاجتماعية ومجالات اختصاصاتهم، بعيدًا عن الخصومات الشخصية والتقييمات المبتسرة والآراء السطحية والمغرضة.

المنافسة تكون ضارة حين تتحوّل من البحث عن الحقيقة إلى إلغاء الآخر، فتنشأ عندها خصومة أو عداء يتشخصن على حساب التقييم الموضوعي بسبب الصراع على المكانة الريادية، أو الحصول على المُكافئْ المعنوي للإبداع باعتراف وتقدير الجمهور أو النخب الفكرية والثقافية والسياسية، وأحيانًا تبرز بعض النزعات وردود الأفعال السلبية التي تحجب عن المثقف رؤية الحقيقة وتُبعده عن تلمّس الواقع، خصوصًا بزيادة شحنات الإيكو (الأنا) وارتفاع النرجسية، لدرجة لا يرى المثقّف إلّا نفسه، ولا ينظر إلى العالم إلّا عبر عدسته الأيديولوجية والسايكولوجية، وحينئذٍ يستولي الحسد والضغينة والكراهية على قلبه على حساب الإبداع والجمال والحقيقة.

ثمة فروق كبيرة بين الحسد الذي يعني التمنّي بزوال نعمة الآخرين والانتقاص من شأنهم، وبين الغبطة التي تعني أن تتمنّى لنفسك ما لدى الآخر من نِعَم أو إبداع أو نجاح، وهذه الأخيرة عامل مساعد على المنافسة الشريفة وبذل المزيد من الجهد والعطاء للوصول إلى ما يصبو إليه المثقّف، وبالطبع فالفرق واضح بين التنافس الشريف والمشروع والحسد اللّامشروع والقاتل.

ويُفترض بالمثقّف أن يكون حامل مشروع معرفي وأخلاقي، وأكثر من غيره قدرة على التسامح وقبول الحق في الاختلاف والتنوّع، على الرغم من أن الواقع يكشف أن ثمة أمراضًا تعشعش في رؤوس البعض وتتعتّق مع مرور الأيام للأسباب المذكورة في أعلاه، فتتحوّل المنافسة إلى نوع من الحسد الأسود، حتى وإن تغلّفت الغاية بالعدل والاستقامة، لكن الوسائل الخسيسة تفضح جوهر الممارسة، التي لا يمكنها أن تحجب الحقد، لأن الوسيلة من شرف الغاية، والأخيرة لا تعصم من الخطأ وارتكاب المعاصي، وهكذا تُفسَد العلاقة بين العديد من المثقّفين.

دائمًا ما أكرّر أن الثقافة ليست معرفة فحسب، ومهما بلغ المثقّف من ثقافة وعلم، لكنه في نهاية المطاف محكوم بسلوكه، لأن الثقافة هي طريقة عيش وأسلوب حياة، وعلى المثقّف أن يتغلّب على نفسه قبل أن يتغلّب على الآخرين، خصوصًا باختيار لغته ومفرداتها، فاللغة هي نسق من الرموز والإشارات تُستخدم للتواصل ونقل الأفكار والمشاعر والانفعالات، وهي وسيلة إنسانية للتعبير وأداة معرفية واجتماعية ونفسية للتفاهم بين الأفراد والجماعات والشعوب بتفاعل الحضارات، الأمر الذي يتطلّب حُسن استخدامها لأنها سلاح ذو حدّين، وهي كاشف لمكنونات النفس البشرية، ويُنسب إلى الإمام علي قوله: "ليت لي رقبة كرقبة البعير كي أزن الكلام قبل النطق به". وللأسف فإن بعض من يندرجون في خانة الثقافة ينشغلون بالمنافسة الغيرية على حساب المنافسة على الحقيقة والجمال، وتراهم لا يتورّعون أحيانًا عن استخدام لغة هابطة أو لا تليق بمن نطلق عليه تعبير مثقّف.

التنافس المشروع يدفع المثقّف للمزيد من الاجتهاد والإبداع، وحينها يصبح معيار التفوّق والتقدّم هو المنجز الثقافي، وليس البحث عن المثالب والعيوب والشطحات لدى الآخر لتعييره أو تنغيله أو اتهامه بالجهل وعدم المعرفة. والمثقّف الكبير لا يخشى نجاح مثقفين آخرين إلى جواره ومعه، لأنه يُدرك أن المعرفة والإبداع لا تنحصران به وحده، ولا يمكنه احتكار الجمال لنفسه أو لمن يحب، حيث تتّسع الثروة الثقافية كلّما اتّسع العطاء المعرفي.

وهكذا تصبح المسؤولية الأخلاقية للمثقّف مرتبطة عضويًا بمدى نزاهته وموضوعيته واعترافه بفضل الآخرين وتقديمهم كنماذج مشرقة، في حين أن الحسد والغيرة تولّدان الحقد، وهذا الأخير انعكاس للتعصّب، والتعصّب ينجب التطرّف، وحين يصبح التطرّف سلوكًا يقود إلى العنف تحت مبرّرات امتلاك الحقيقة وادّعاء الأفضليات، سواء كانت أيديولوجية أم قومية أم دينية أم غيرها، وثمة تجارب كثيرة على هذا الصعيد أنتجت ميليشيات ثقافية أو جندرمة ثقافوية استخدمت القمع الفكري لترويض المثقفين، إضافة إلى القمع البوليسي.

وصراعات من هذا النوع، خصوصًا في ظل هيمنة العقائدية والأفكار الشمولية والأنظمة التوتاليتارية، غالبًا ما تترك مفعولها السلبي على الثقافة عمومًا، وعلى المثقف بشكل خاص، لأنها تستهلك الطاقات التي يحرص على عدم هدرها على أمور لا جدوى منها، لا تُسمن ولا تُغني من جوع، فإما أن يضطرّ للرضوخ أو يتعرّض للعقاب ابتداء من مقص الرقيب ليصل أحيانًا إلى الاعتقال أو المنفى أو حتى كاتم الصوت.

لا يمكن النظر إلى الثقافة باعتبارها ساحة لإقصاء الآخرين، بل هي فضاء يشترك فيه المثقفون في البحث عن الحقيقة وقيم الجمال، في مناخ من الحريّة والاحترام والاعتراف بالآخر، وهي ليست وجاهة بقدر ما هي مسؤولية رمزية. وللأسف فإن الغيرة تُعتبر إحدى آفات المثقفين، التي تنخر بجسد الثقافة، وتترك أثرها السيء ليس على المثقف الآخر فحسب، بل على المثقّف الذي يستولي الحقد على قلبه، لأنها تدمّر جزءًا من إنسانيته بإنكار ما هو موضوعي ومحاولة تقزيم الآخر، مقابل أنانيته وتضخيمه للذات.

وليس القرب من هذا الحاكم أو المسؤول السياسي تُعطي أهمية لهذا المبدع عن سواه، وغالبًا ما تلجأ السلطات والجماعات السياسية إلى المثقف والثقافة بهدف تزويق خطابها وحرق البخور لها، خصوصًا حين تمنح الحظوة للمقربين وتحجبها عن سواهم، لاسيّما غير المرضي عنهم، فللأولين تُمنح الأوسمة والدروع والمكافآت والامتيازات، أما الآخرون فليس لهم سوى الإهمال والتهميش والإعراض، خصوصًا حين يُصار إلى تصنيفهم سياسيًا أو اجتماعيًا أو قوميًا أو دينيًا أو طائفيًا، فتتقدّم الولاءات ويتراجع سؤال الإبداع.

صحيح أن كبار المثقّفين ليسوا معصومين عن الأخطاء والشطحات، فمن لا يعمل لا يَخطأ، وهكذا يتمّ التغاضي عن إبداع بعض المثقفين ليكال لهم شتّى أنواع الإساءات بسبب موقف خاطئ أو سوء تقدير أو اجتهاد لم تزكّه الحياة أو لسوء فهم واختلاف في الموقف، علمًا بأن الأخير دليل صحّة وعافية وتطوّر للثقافة، ونحن أشد حاجة إلى ثقافة الاعتراف بفضل مبدعين آخرين نختلف معهم، ولكننا نتقاسم وإياهم القيم الإنسانية التي نتطلّع لسيادتها، من خلال النقد الإيجابي البنّاء، بما يؤدي إلى التكامل الثقافي للتيارات والمدارس والاجتهادات الفكرية والثقافية والفنية، في حوار يجمع الأضداد أحيانًا في جوار متّسق.

إن قيمة المثقّف ليست بحصوله على المغانم واصطفافه في فيلق الزبائنية ونيله المناصب، بل تُقاس بما يتركه من أثر في الوعي والمعرفة، وبما يضيفه من أفكار وآراء جديدة تفتح أفقًا جماليًا وإبداعيًا وإنسانيًا.

ولعلّ من نِعَمْ الحياة أن يعيش الإنسان بقلب صاف يخلو من الغيرة.

***

د. عبد الحسين شعبان

من كهنة المعابد إلى خوارزميات الذكاء الاصطناعي

مع التوسع الهائل في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة، عادت إلى الواجهة ظواهر قديمة بثوب جديد، كان من أبرزها التنجيم وقراءة الأبراج والعرافة وما يتصل بها من ادعاءات معرفة الغيب والتنبؤ بالمستقبل. تحولت هذه الممارسات إلى صناعة إعلامية ضخمة يتابع بعض رموزها الملايين، ويتمتعون بحضور واسع ومكانة اجتماعية مؤثرة ومكاسب مالية كبيرة، بعد ان كانت مقتصرة على الأسواق الشعبية أو المجالس الخاصة.

هذا الانتشار اللافت وما يحيط به من تأثيرات اجتماعية ونفسية وثقافية دفعني إلى التوقف عند هذه الظاهرة ومحاولة فهم أسبابها وخلفياتها. فالعرافة ظاهرة إنسانية رافقت البشرية منذ فجر الحضارات، وتعكس حاجة عميقة لدى الإنسان لمعرفة ما يخبئه له المستقبل ولم تعد مجرد خرافة عابرة أو موروث شعبي محدود الانتشار،

ولدت العرافة من رغبة الإنسان في اختراق حجاب المجهول والاطمئنان إلى ما ينتظره في الأيام القادمة. فمنذ أن بدأ الإنسان يتساءل عن مصيره، لجأ إلى من يدّعي القدرة على تفسير الأحلام والظواهر الطبيعية واستشراف المستقبل. ولهذا نجد أن معظم الحضارات القديمة عرفت أشكالاً مختلفة من العرافة والتنجيم.

ففي مصر القديمة كان الكهنة يتولون تفسير الأحلام والظواهر السماوية، بينما راقب المنجمون في بلاد الرافدين حركة النجوم والكواكب واستنبطوا منها توقعات تتعلق بالحروب والمحاصيل ومصائر الملوك. أما في اليونان القديمة فقد بلغت العرافة منزلة كبيرة، وتجسد ذلك في “وحي دلفي” الشهير، حيث كان معبد أبولو في دلفي يُعد أحد أهم المراكز الدينية في العالم القديم، حتى لُقّب "بسرة العالم”. وكانت الكاهنة “بيثيا” تجلس فوق شق في الأرض يُعتقد أنه يطلق أبخرة مقدسة، فتدخل في حالة من النشوة أو الغيبوبة وتطلق نبوءات غامضة يفسرها الكهنة على أنها رسائل من الإله أبولو. وقد بلغ تأثير هذه النبوءات حداً جعل الملوك والقادة العسكريين يفدون من مختلف أنحاء اليونان لاستشارتها قبل اتخاذ القرارات المصيرية.

وفي الصين والهند تطورت مدارس واسعة للتنجيم وقراءة الطالع استمرت آثارها حتى يومنا هذا. كما لم تختف هذه الظاهرة مع تقدم الحضارة الغربية، بل استمرت بأشكال مختلفة في أوروبا وأمريكا، حيث ما تزال الأبراج والتاروت (سأكتب عن التاروت في مقال منفصل) وقراءة الكف وتحضير الأرواح تحظى بمتابعين بالملايين رغم التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل.

وعند استعراض تاريخ العرافة نجد أن النساء غالباً ما تصدرن هذا المشهد. ويرجع ذلك إلى أسباب اجتماعية وثقافية متعددة، فقد ارتبطت المرأة في كثير من الحضارات القديمة بالكهانة والخصوبة والطقوس الروحية، مما منحها صورة “الوسيط” بين العالم المرئي والعالم الخفي. كما ساهمت الصورة النمطية التي تربط المرأة بالحدس والقدرة على فهم المشاعر الإنسانية في تعزيز حضورها في هذا المجال. إضافة إلى ذلك، فإن طبيعة عمل العرافة تعتمد بدرجة كبيرة على الإصغاء للمشكلات الشخصية والعائلية والعاطفية، وهي مجالات استطاعت كثير من النساء بناء الثقة والتأثير فيها بفاعلية أكبر.

وقد عرف التاريخ شخصيات عديدة ارتبطت بالعرافة والتنبؤ، من أشهرها "كاهنة دلفي" في العالم القديم، ونوستراداموس في القرن السادس عشر، والعرافة البلغارية "بابا فانغا" التي لا تزال تنبؤاتها تتداول حتى اليوم. وفي العالم العربي المعاصر ارتبطت العرافة بصورة خاصة ببرامج الأبراج والتنبؤات السنوية التي تقدمها شخصيات إعلامية تستقطب جمهوراً واسعاً مع بداية كل عام.

غير أن السؤال الأهم يبقى: لماذا مازال الناس يصدقون العرافين رغم كل ما حققه العلم من تقدم؟

حاول الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع الإجابة عن هذا السؤال منذ قرون. فقد رأى الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا أن الخوف من المستقبل هو المحرك الأساسي للإيمان بالعرافة، وأن الإنسان يلجأ إلى المنجمين عندما يشعر بالعجز أمام أحداث لا يستطيع التحكم بها. أما الفيلسوف الإسكتلندي ديفيد هيوم فاعتبر أن الناس يميلون إلى تصديق القصص الخارقة عندما تسيطر عليهم مشاعر الخوف أو الأمل، وأنهم يتذكرون النبوءات التي تحققت وينسون العدد الأكبر من التنبؤات التي أخفقت.

ولم يكن سبينوزا وهيوم وحدهما من تناولا هذه الظاهرة. فقد رأى أفلاطون أن العقل ينبغي أن يكون المرجع الأعلى في حياة الإنسان والدولة، وأن القرارات المصيرية لا يجوز أن تُبنى على الخرافات والانفعالات. أما أرسطو فكان من أوائل من سعوا إلى تفسير الظواهر المنسوبة إلى القوى الغيبية بأسباب طبيعية يمكن دراستها وفهمها. وهكذا أسهمت الفلسفة منذ وقت مبكر في ترسيخ فكرة البحث عن الأسباب الواقعية للأحداث بدلاً من إرجاعها إلى قوى خفية أو مجهولة.

أما علماء الاجتماع فقد نظروا إلى العرافة بوصفها استجابة اجتماعية لحالة عدم اليقين. فكلما ازدادت الأزمات الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية، ازداد الإقبال على العرافين والمنجمين. ففي أوقات الحروب والبطالة وارتفاع الأسعار وعدم الاستقرار يبحث الناس عن أي نافذة تمنحهم أملاً أو تفسيراً لما يجري حولهم.

وقد ذهب بعض علماء الاجتماع إلى أبعد من ذلك في تفسير الظاهرة. فإميل دوركايم، عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي، رأى أن المعتقدات والطقوس، حتى عندما لا تستند إلى أسس علمية، تؤدي وظائف اجتماعية ونفسية مهمة لأنها تمنح الأفراد شعوراً بالانتماء وتخفف من قلقهم تجاه المجهول. أما ماكس فيبر، وهو واحد من أشهر علماء الاجتماع الالمان، فلاحظ أن التقدم العلمي لم يقضِ تماماً على التفكير السحري، لأن حاجة الإنسان إلى المعنى والطمأنينة تظل قائمة حتى في أكثر المجتمعات عقلانية. بينما رأى بيير بورديو وهو. أحد أبرز علماء الاجتماع والمفكرين الفرنسيين، أن العراف يستمد نفوذه من السلطة الرمزية التي يمنحه إياها المجتمع وثقة الناس به، لا من امتلاكه معرفة حقيقية بالمستقبل.

أما علم النفس فيفسر نجاح العرافين بآليات معروفة. فالإنسان يميل بطبيعته إلى تذكر التنبؤات التي تصادف أن تحققت، وينسى التنبؤات الكثيرة التي أخفقت. كما يعتمد كثير من العرافين على ما يُعرف "بتأثير بارنوم” أو “تأثير فورير”، حيث تُستخدم عبارات عامة وفضفاضة يظن كل شخص أنها تنطبق عليه وحده. ويضاف إلى ذلك ما يسمى “القراءة الباردة”، وهي مهارة تقوم على مراقبة لغة الجسد ونبرة الصوت وردود الأفعال واستنتاج معلومات تبدو وكأنها معرفة غيبية.

وفي كثير من المجتمعات الإسلامية وغيرها من المجتمعات الدينية، تتخذ العرافة أشكالاً مختلفة لا تحمل دائماً اسم العرافة أو التنجيم. فبعض الأشخاص يقدمون أنفسهم بوصفهم شيوخاً روحانيين أو أصحاب قدرات خاصة على حل المشكلات الشخصية وكشف أسباب تعثر الزواج، أو جلب الرزق، أو إعادة الحبيب، أو إزالة الحسد والسحر. ورغم اختلاف الرموز والمصطلحات المستخدمة، فإن هذه الممارسات تتشابه في جوهرها مع أنماط العرافة التقليدية في أنحاء العالم كافة، إذ تعتمد على استثمار حاجة الإنسان إلى الأمل واليقين في مواجهة المجهول. ويؤكد علماء النفس أن كثيراً من التأثير الذي يمارسه هؤلاء يعود إلى مهارات الملاحظة الدقيقة وقراءة ردود الأفعال واستخدام عبارات عامة قابلة للتأويل بطرق متعددة، مما يمنح المستمع شعوراً بأن المتحدث يعرف تفاصيل حياته وأسراره.

وقد تحولت قراءة الطالع مع مرور الزمن إلى تجارة مربحة تدر مليارات الدولارات سنوياً. وغالباً ما تبدأ العلاقة بين العراف وزبونه بجلسة بسيطة، ثم تتطور إلى سلسلة من الادعاءات حول وجود سحر أو حسد أو لعنة تستدعي شراء تمائم أو دفع مبالغ إضافية لفك هذه العقد المزعومة. وهكذا يقع كثير من الناس في دائرة من التبعية النفسية والاستنزاف المالي المستمر.

ومن أشهر أشكال العرافة الشعبية قراءة الفنجان، التي ارتبطت تاريخياً بانتشار القهوة في الدولة العثمانية. ويُعتقد أنها بدأت داخل القصور والحرملك كنوع من التسلية وتبادل الأسرار، ثم انتقلت إلى المقاهي والأحياء الشعبية في إسطنبول وبلاد الشام ومصر. وتعتمد هذه الممارسة على تفسير الأشكال التي تتركها بقايا القهوة في قعر الفنجان ومنحها دلالات ومعاني ترتبط بالمستقبل والحظ والعلاقات الإنسانية.

غير أن العلم يفسر هذه الظاهرة بما يعرف "بـالباريدوليا”، وهي ميل العقل البشري إلى رؤية أنماط وصور مألوفة في أشكال عشوائية، كما يحدث عند رؤية وجوه أو حيوانات في الغيوم أو الصخور أو بقع الحبر.

وكان من المتوقع أن يؤدي التقدم العلمي إلى تراجع العرافة، لكن ما حدث كان مختلفاً تماماً. فمع ظهور الإنترنت والهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي انتقلت العرافة من الأسواق والصالونات إلى التطبيقات الرقمية. واليوم تنتشر تطبيقات تقدم قراءات للفنجان والتاروت والأبراج، كما ظهرت مواقع تولد تنبؤات فورية بناءً على أسئلة المستخدم، وروبوتات محادثة تتقمص دور العراف أو قارئ الطالع، وأنظمة تحلل بيانات المستخدم وسلوكه لتقديم توقعات تبدو شديدة الخصوصية.

ويرى بعض الباحثين أن العالم يشهد اليوم انتقالاً من “العرافة السحرية” إلى “العرافة الخوارزمية”. فبدلاً من أوراق التاروت والكرات البلورية أصبحت البيانات والخوارزميات هي الأداة الجديدة لإنتاج التوقعات. إلا أن الفرق الجوهري يبقى قائماً؛ فالعرافة تدّعي معرفة ما لا يمكن معرفته، بينما تعتمد النظم الرقمية على تحليل البيانات السابقة واستخلاص الاحتمالات.

فالذكاء الاصطناعي لا يعرف المستقبل، لكنه قادر على تحليل كميات هائلة من المعلومات واستنتاج أنماط متكررة تسمح بتوقع بعض السلوكيات أو الاتجاهات. فعندما تقترح منصة رقمية كتاباً قد يعجبك أو منتجاً قد تشتريه أو فيلماً قد تشاهده، فهي لا تقرأ الغيب، بل تستند إلى بيانات وسلوكيات مشابهة لملايين المستخدمين الآخرين. ولهذا فإن ما يبدو أحياناً “قدرة تنبؤية” ليس أكثر من استنتاج إحصائي قائم على معلومات متاحة وقابل للصواب والخطأ.

ومن المفارقات أن الإنسان المعاصر يعيش في أكثر العصور تقدماً من الناحية العلمية، لكنه في الوقت نفسه يترك وراءه كماً هائلاً من البيانات الشخصية يجعل الشركات والخوارزميات قادرة أحياناً على توقع بعض قراراته بدقة تفوق توقع أقرب أصدقائه. ولهذا يرى بعض علماء الاجتماع أن الذكاء الاصطناعي أعاد إنتاج العرافة في صورة أكثر حداثة وإقناعاً، لأن السؤال الذي يشغل الإنسان ما زال هو نفسه: ماذا سيحدث لي غداً؟

ومن المستبعد أن تختفي العرافة تماماً في المستقبل. فطالما بقي الإنسان قلقاً بشأن الغد، ويبحث عن الطمأنينة والأمل وسط حالة عدم اليقين، فسيبقى هناك من يعرض عليه إجابات جاهزة، سواء كان عرافاً يجلس في سوق قديم، أو شيخاً يدّعي امتلاك قدرات خاصة، أو تطبيقاً ذكياً يعمل على هاتفه المحمول.

إن ظاهرة العرافة ليست دليلاً على جهل المجتمعات بقدر ما هي انعكاس لحاجة إنسانية عميقة إلى الطمأنينة والمعنى والأمل. فمن كهنة المعابد القديمة إلى قارئات الأبراج الحديثة، ومن شيوخ الدجل إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ظل الإنسان يحاول استراق النظر إلى الغد والبحث عن تفسير لما يجهله.

غير أن التاريخ والعلم والفلسفة تكاد تتفق جميعها على حقيقة واحدة: أن المستقبل لا يُقرأ في الكف، ولا في الفنجان، ولا في الأبراج، ولا في الخوارزميات، بل يُصنع بالعلم والعمل والتخطيط والقدرة على مواجهة الواقع بعقلانية وثقة. فالغد ليس سراً ينتظر من يكشفه، بل مشروعاً يصنعه الإنسان بيده.

***

د. سعد عبد المجيد ابراهيم

من يشكّل الخطاب الديني؟

بين موكب عاشوراء في كوبنهاجن وشبكات التمويل الخارج

يوم الجمعة السادس والعشرين من يونيو 2025، شهدت شوارع ضاحية نوربرو في كوبنهاجن موكبا عاشورائيا ضخما⁽¹⁾ إحياء لذكرى استشهاد الامام الحسين⁽²⁾، اشترك فيه ما يقارب ثمانية عشر الف شخص. اللافت في هذا الموكب ان المنظمين اشترطوا فصلا كاملا بين النساء والرجال⁽³⁾، إذ يسير الرجال والاطفال وذوو الاحتياجات الخاصة في المقدمة، تليهم النساء في صف منفصل.

تمثل هذه الممارسة، من منظور قيم المساواة السائدة في اوروبا الغربية، شكلا من اشكال الفصل بين الجنسين في الفضاء العام. وهي ممارسة تذكر بانماط مماثلة معروفة في انظمة تتعامل مع المراة بصورة دونية وتضع قيودا صارمة على حضورها في الفضاء العام وحقوقها المدنية، كـالنظام الايراني⁽⁴⁾ الذي يفرض على المراة قواعد لباس إلزامية ويحد من حقها في التنقل والعمل والمشاركة العامة، والنظام السعودي⁽⁵⁾ الذي لا يزال يكرّس نظام الولاية الذكورية بصور متعددة رغم الاصلاحات الجزئية المعلنة، فضلا عن مناطق تحت سيطرة حركات دينية متشددة تعامل المراة باعتبارها قاصرا دائما، كـحركة طالبان في افغانستان⁽⁶⁾ التي حرمتها من التعليم والعمل والخروج دون محرم، وجماعة الحوثيين في اليمن⁽⁷⁾ التي تفرض عليها قيودا مختلفة.

والأهم أن مثل هذه الممارسات في الفضاء الأوروبي تطرح تساؤلات جدية حول مسار بناء مجتمعات موازية تعمل خارج المرجعية القانونية والقيمية المشتركة للدول المستضيفة. وقد أثارت هذه الواقعة ردود فعل واسعة في الدنمارك. أحزاب اليمين ربطتها بما تسميه "القيم الوطنية"، وهو نقاش يتكرر في عواصم أوروبية عديدة كلما ظهرت قضية مماثلة، في بلجيكا وفرنسا وألمانيا والسويد على حدٍّ سواء. غير أن هذا اليمين لا يكتفي بنقد ممارسة بعينها. كثيراً ما يستغل هذه المناسبات للدعوة إلى تشريعات تتجاوز حدود المساواة المطلوبة وتصطدم بمواثيق حقوق الإنسان الدولية، كتقييد حرية العبادة بمجملها، أو فرض قيود تمييزية على الهجرة واللجوء استناداً إلى الدين أو الأصل. هذه المطالب تنتهك حرية المعتقد وحق اللجوء كما تكفلهما الاتفاقيات الدولية، ولا تفرّق بين معالجة ممارسة تمييزية محددة ومعاقبة جماعة دينية بأكملها.

غير أن القضية هنا ليست اتفاقاً مع اليمين ولا استعارةً لخطابه، إنما هي مسألة مبدأ مستقلة تماماً. فالفصل بين الجنسين في فضاء عام بدولة أوروبية ديمقراطية حققت فيها النساء درجة متقدمة من المساواة، يتناقض مع قيم اليسار والحركات النسوية ومواثيق حقوق الإنسان ومع مبدأ المساواة الكاملة بين المرأة والرجل، وهي مساواة انتزعتها الحركات اليسارية والتقدمية والنسوية في أوروبا على مدى أجيال من النضال.

ولتوضيح المعادلة: لو أن تياراً يمينياً نظّم مظاهرة وفصل فيها البيض عن السود والملوّنين، أليس ذلك تمييزاً عنصرياً صريحاً يستوجب الإدانة؟ المنطق نفسه ينطبق على الفصل القائم على النوع الاجتماعي في الفضاء العام. حرية التعبير وممارسة الشعائر الدينية مصونة، لكنها تصطدم بحدودها حين تتحول إلى تمييز علني منظم في الشوارع.

والمفارقة ان مثل هذه الممارسات تخدم في النهاية المشروع السياسي لليمين العنصري في اوروبا، الذي يستثمرها لتحويل الصراع الاجتماعي من صراع طبقي حول التوزيع العادل للثروة والمساواة والعدالة الاجتماعية الى صراع هوياتي وقيمي بين "الحضارة الاوروبية" و"الاسلام". وهو تاطير يخدم مصالح اليمين اكثر مما يخدم سكان تلك البلدان من كافة الاديان والمعتقدات او شغيلات وشغيلة اليد والفكر عموما، اذ يصرف الانتباه عن القضايا التي يطرحها اليسار والقوى التقدمية ويحوله الى صراع ثقافي يسهل على اليمين توظيفه انتخابيا.

والاخطر ان هذه الممارسات تلقي بظلالها السلبية على كافة الجاليات القادمة من بلدان ذات اغلبية مسلمة، سواء اكانوا متدينين يمارسون شعائرهم بانتظام، ام غير متدينين، ام علمانيين رافضين لهذا التوجه الديني اصلا. اذ يجد ملايين المهاجرين والمهاجرات الذين اندمجوا في مجتمعاتهم الاوروبية وساهموا في بنائها انفسهم مشمولين في حملات التشكيك والاستهداف التي تطال الجميع دون تمييز.

وهنا يتجلى ما يمكن وصفه بتحالف موضوعي قائم على امر واقع بين اليمين الديني داخل مجتمعات اللاجئين والمهاجرين من جهة، واليمين العنصري الاوروبي من جهة اخرى، اذ يجد الطرفان في اعاقة الاندماج مصلحة مشتركة: الاول يريد الحفاظ على الهوية الدينية المغلقة والتبعية للمرجعيات الخارجية، والثاني يريد ابقاء المهاجرين خارج المنظومة المدنية لتوظيف حضورهم ورقة انتخابية. والضحية في الحالتين هي تلك الاغلبية الصامتة من المهاجرين الذين يريدون الاندماج والمشاركة والحياة المدنية الكاملة.

لكن لا يكفي الوقوف عند هذا الحد. لا بد من الدخول إلى عمق الظاهرة وطرح السؤال الجوهري: من الذي يبني الخطاب والتوجه الديني الإسلامي في أوروبا، والدنمارك هنا نموذج لظاهرة أوسع؟

ومن هذا المنطلق، فإن المطلوب ليس مجرد النقد، إنما تبني سياسات عملية تشمل حظر الفصل بين الجنسين في الفضاء العام، وضمان شفافية التمويل الديني، وتأهيل الأئمة محلياً، وربط أي دعم أو اعتراف رسمي باحترام المساواة والقانون، وهي سياسات يمكن تطبيقها في أي دولة أوروبية وليس في الدنمارك وحدها.

من يشكّل الخطاب الديني الإسلامي في أوروبا؟

في البداية انطلاقاً من موقف يساري، أرى أن الفصل الكامل بين الدين والقومية من جهة، والدولة من جهة أخرى، يمثل شرطاً أساسياً لبناء مجتمع اشتراكي ديمقراطي معاصر، يستند إلى مبدأ المواطنة المتساوية، حيث يكون جميع المواطنين متساوين في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الدين أو القومية أو الجنس أو الخلفية الاجتماعية. وهذا المبدأ قد يشكل أساس العقد الاجتماعي في أغلب الديمقراطيات الأوروبية، وإن بتجليات مختلفة.

تتبنى عدة دول أوروبية، وفي مقدمتها الدنمارك، نموذجاً يقوم على تحييد الأديان عن الدولة إلى حد كبير، أي جعل الدين شأناً فردياً ومجتمعياً منظماً ضمن إطار مدني وقانوني، دون أن يكون له دور مباشر في صياغة السياسات العامة أو مؤسسات الحكم. ولا تعني هذه العلاقة فصلاً كاملاً بين الدين والدولة، إذ لم تبلغ أي دولة أوروبية هذا الحد حتى اليوم، إنما تعني تنظيم هذه العلاقة وفق أطر مدنية وقانونية واضحة.

في هذا السياق، تخضع الكنائس المسيحية التاريخية، سواء اللوثرية في الدول الإسكندنافية أو الكاثوليكية والبروتستانتية في باقي أوروبا، لأطر قانونية رسمية وتنظيم وإشراف مؤسساتي داخل الدولة، بما يضمن انسجامها نسبيا مع القوانين العامة ومنظومة الحقوق المدنية، ويحولها إلى مؤسسات دينية تعمل ضمن المجال العام المدني وليس فوقه. والدنمارك، بكنيستها الوطنية، تمثل في هذا الإطار نموذجاً واضحاً لهذه العلاقة المنظمة بين الدين والدولة.

في المقابل، بقي جزء مهم من المؤسسات الدينية الإسلامية في عدة دول أوروبية أقل اندماجاً في هذا الإطار، مع استمرار اعتماد واسع على التمويل والتأثير القادمين من الخارج، وخاصة من دول مثل تركيا[5] وقطر[6] والسعودية[7] وإيران[8]، عبر مؤسسات وهيئات دينية مختلفة حكومية أو شبه حكومية.

ولعل أبرز مثال في الدنمارك مسجد الإمام علي في كوبنهاجن[9]، الذي كشفت صحيفة برلينسكه الدنماركية عن وثائق سرية تُثبت تحويل ملايين الكرونات إليه من جهات إيرانية عبر السفارة الإيرانية، فيما أكد باحثون من جامعة كوبنهاجن أن النظام الإيراني يقف وراء بنائه وإدارته، وأن رئيس جمعيته يُعيَّن رسمياً من قِبَل المرشد الأعلى الإيراني. وتجدر الإشارة إلى أن هذا النمط لا يقتصر على الدنمارك؛ فقد أغلقت ألمانيا مسجد الإمام علي في هامبورغ عام 2024 لارتباطه بالحرس الثوري الإيراني، وتحقق السلطات السويدية في مساجد مرتبطة بشبكات تركية، فيما رصدت فرنسا وبلجيكا تمويلاً سعودياً وقطرياً لعدد من مؤسساتها الدينية. وهذا يجعل درجة "التحييد" غير متساوية بين مختلف الأديان والمؤسسات الدينية من حيث علاقتها بالدول المستضيفة، مما ينتج تفاوتاً في مستوى الاستقلالية والاندماج داخل المجال الديني العام عبر القارة.

ولا يعني ذلك أن جميع المؤسسات الإسلامية تتلقى تمويلاً خارجياً. المقصود أن هذه الظاهرة موجودة في عدد من المؤسسات وأثارت نقاشاً سياسياً واسعاً في أكثر من بلد أوروبي، والدنمارك من أبرز الأمثلة عليها. كما تجدر الإشارة إلى أن السياسات الأوروبية نفسها، كقوانين الاندماج وأنظمة التمييز والاستثمار في التعليم المدني والتيارات العنصرية، تؤدي هي الأخرى دوراً في تشكيل الخطاب الديني داخل القارة، وإن بطرق أقل مباشرة.

وخلال السنوات الأخيرة، تصاعد النقاش في عدة عواصم أوروبية حول تأثير التمويل الخارجي في تشكيل الخطاب الديني. وفي الدنمارك تحديداً، أقر البرلمان عام 2021 تشريعات تهدف إلى الحد من بعض أشكال التمويل الأجنبي على المؤسسات الدينية[10]، ضمن نقاش أوسع يتعلق بالاندماج والشفافية والتأثير السياسي الخارجي. وسارت فرنسا والنمسا في اتجاهات تشريعية مشابهة. ومع ذلك، فإن التطبيق العملي لهذه التشريعات لا يزال محدوداً في معظم الدول المستقبلة، مما يجعل تأثير شبكات التمويل العابرة للحدود مستمراً بدرجات مختلفة.

أولاً: التمويل الخارجي ليس مسألة محايدة

أي مؤسسة دينية تؤثر في وعي الناس، وتدير موارد مالية، وتشارك في تشكيل الحياة الاجتماعية، لا يمكن التعامل معها باعتبارها مساحة معزولة عن السياسة والمجتمع. لهذا السبب، فإن مسألة التمويل الخارجي ليست قضية تقنية أو إدارية فقط، إنما قضية ترتبط بطبيعة الخطاب الذي يُنتج داخل المجتمعات الأوروبية، وبالقوى التي تساهم في تشكيله.

ساهمت خلال العقود الماضية جهات ومؤسسات مرتبطة بدول خارجية ذات انظمة سلطوية في تمويل عدد من المساجد والمؤسسات الإسلامية داخل القارة الأوروبية، من الدنمارك وألمانيا إلى فرنسا وبلجيكا والمملكة المتحدة وغيرها. بعض هذه الدول يمتلك مشاريع سياسية ودينية واضحة، ويسعى إلى توسيع نفوذه الثقافي والاجتماعي عبر المؤسسات الدينية والجمعيات المرتبطة بها. وفي حالات عديدة، لا يكون التمويل منفصلاً عن التوجيه الفكري والسياسي.

هذا الواقع يخلق توتراً داخل الدول الاوربية المستضيفة. فمن جهة، تقوم هذه الدول على أسس مدنية وديمقراطية ومبادئ مساواة واضحة نسبياً. ومن جهة أخرى، يستمر جزء من المؤسسات الدينية الإسلامية في العمل ضمن تأثيرات فكرية وتنظيمية قادمة من دول وبيئات سياسية شمولية ومحافظة مختلفة جذرياً عن هذه القيم. ولا يقتصر هذا التأثير على التمويل المالي، إذ يمتد إلى المرجعيات الدينية وشبكات تأهيل الأئمة والعلاقات التنظيمية العابرة للحدود التي تربط مساجد في الدنمارك بأخرى في ألمانيا أو فرنسا ضمن الشبكة التنظيمية نفسها.

المشكلة هنا ليست في التدين، وليست في حق المسلمين في التنظيم الديني، إنما في غياب إطار محلي مستقل يضمن شفافية التمويل واستقلالية المؤسسات الدينية عن التأثيرات السياسية الخارجية. كما أن استمرار هذا الوضع يضع المسلمين أنفسهم في موقع التبعية لمرجعيات خارجية، عوضاً عن تطوير مؤسسات دينية تنطلق من واقعهم داخل مجتمعاتهم الأوروبية. والجدير بالذكر أن داخل هذه المجتمعات مبادرات وشخصيات ومؤسسات تعمل على تطوير خطاب ديني مستقل  أكثر انسجاماً مع قيم الديمقراطية والمساواة وتحييد الدين عن الدولة، غير أن حضورها لا يزال محدوداً أمام ثقل المؤسسات التقليدية الممولة خارجياً، مما يجعل دعمها ضرورة وليس خياراً.

لهذا السبب، يصبح من الضروري التعامل مع المؤسسات الدينية وفق معايير مدنية موحدة، تقوم على الشفافية والمساءلة واحترام القانون وحقوق الإنسان.

ثانياً: الدنمارك نموذجاً، كيف تعرف الدولة تنظيم الدين؟

التجربة الدنماركية، رغم الطابع الطبقي للدولة وارتباط الكنيسة المسيحية الوطنية تاريخياً بمنظومة السلطة الرأسمالية، تظهر أن الدولة قادرة على تنظيم علاقتها مع المؤسسات الدينية دون المساس بحرية الدين أو استقلال المعتقد، وهي تجربة يمكن أن تشكل مرجعاً لدول أوروبية أخرى تواجه التحدي نفسه. فالكنيسة الدنماركية تخضع لقوانين واضحة، وتمويلها معلن، وعملها يجري ضمن اطار مدني منسجم مع الحقوق الاساسية. كما انها مرت بعملية تطور طويلة، نتيجة الضغط والنضال الجماهيري، جعلتها اكثر انسجاما مع قيم الديمقراطية وحقوق الانسان والمساواة.

السؤال الذي يفرض نفسه على المستوى الأوروبي: لماذا لا يتم تطوير إطار مشابه للمؤسسات الإسلامية في دول القارة؟

المقصود ليس السيطرة على الدين، إنما بناء إطار مدني شفاف ينظم عمل المؤسسات الدينية باعتبارها جزءاً من المجال العام. أي مؤسسة تدير أموالاً وتؤثر في حياة الناس يجب أن تخضع للشفافية والمساءلة ومنع التحريض على الكراهية أو التمييز، بصرف النظر عن البلد الذي تعمل فيه. هذه المعايير يجب أن تطبَّق على الجميع دون استثناء، لأن القضية تتعلق بطبيعة المجال العام وليس بدين محدد.

وفي هذا السياق تبرز قضية مبدئية لا يمكن تجاوزها: معظم المسلمين في الدول الأوروبية مواطنون كاملو الحقوق يدفعون الضرائب ويسهمون في بناء المجتمع. وبالتالي، فإن الدولة ملزمة بموجب مبدأ المواطنة والمساواة بألا تُقصي مؤسساتهم الدينية من الدعم العام في حال كانت تدعم مؤسسات الأديان الأخرى. فالمعيار ليس الدين، إنما الاستيفاء الكامل لمعايير الشفافية والمساواة والاستقلالية عن أي تمويل سياسي خارجي. مؤسسة إسلامية محلية تستوفي هذه الشروط تستحق الدعم ذاته الذي تحظى به الكنائس الوطنية، لا لأنها إسلامية، إنما لأن مواطنيها يستحقون مؤسسات دينية عصرية راسخة في مجتمعهم ومموّلة من ضرائبهم.

ومن هنا، تتحمل الدول الأوروبية، مسؤولية دعم بناء وتمويل مؤسسات دينية إسلامية محلية مستقلة، وتقليص الاعتماد على التمويل الخارجي، وتشجيع مبادرات إصلاحية تنسجم مع قيم المواطنة الديمقراطية والمساواة. هذا ليس منّةً من الدولة، إنما التزام يفرضه مبدأ المساواة بين المواطنين والمواطنات.

ثالثاً: تأهيل الأئمة في أوروبا ضرورة اجتماعية

دور الإمام لا يقتصر على الصلاة أو الوعظ، إذ يمتد إلى قضايا الأسرة وتربية الأطفال وعلاقة الشباب بالمجتمع والنظرة إلى المرأة والتعامل مع المختلف. لذلك فإن تأهيل الأئمة في أي دولة أوروبية قضية اجتماعية وثقافية وسياسية مرتبطة بالاندماج. والواقع أن كثيراً من المؤسسات الإسلامية في القارة الأوروبية، ومنها الدنمارك، تعتمد أئمة قادمين من الخارج أو درسوا في سياقات دينية وسياسية مختلفة جذرياً عن البيئة الأوروبية، مما يجعل مسألة التأهيل المحلي أكثر إلحاحاً.

هذا التأهيل يجب أن يقوم على فهم المجتمع المضيف واحترام القانون والدستور المحلي، وعلى أن المرجعية في المجال العام هي القانون، وأن الإيمان شأن فردي. كما يجب أن يرتبط بثقافة حقوق الإنسان والمساواة، حيث تمثل المساواة بين النساء والرجال مبدأً أساسياً غير قابل للتفاوض، وأي خطاب يبرر التمييز يتعارض مع هذه القيم. كذلك يجب تعزيز التعددية ورفض التمييز الديني أو القومي، لأن المجتمعات الأوروبية إلى حد كبير تقوم على التعايش بين خلفيات متعددة.

وبهذا يصبح الفرق واضحاً بين إمام مُعدٍّ داخل أوروبا عبر مؤسسات تعليمية معتمدة تنسجم مع قيم المجتمع وقوانينه، وآخر مُعدٍّ في سياقات سياسية ودينية مختلفة. الأول مندمج في الواقع القانوني والثقافي المحلي، والثاني قد ينقل تصورات غير منسجمة مع المجتمع الذي يعيش فيه.

رابعاً: الإصلاح الديني مسار تاريخي أوروبي

الإصلاح الديني ليس استثناءً تاريخياً. التجربة الأوروبية شهدت تحولات عميقة أعادت تشكيل العلاقة بين الدين والدولة[11] في أكثر من بلد، ورسخت تدريجياً قيم المواطنة والمساواة وحقوق الإنسان عبر القارة.

وفي السياق الإسلامي[12] أيضاً، ظهرت تيارات إصلاحية ونقدية حاولت إعادة قراءة النص الديني وربطه بواقع العصر[13]، بما في ذلك داخل أوروبا نفسها، لكنها بقيت محدودة بسبب ضعف الدعم في مواجهة قوة المؤسسات التقليدية الممولة خارجياً.

المسألة هنا ليست صراعاً مع الدين، في المقابل هي رفض لاحتكار تفسيره. فتح المجال أمام قراءات متعددة ودعم مبادرات إصلاحية في أي بلد أوروبي يساهم في بناء خطاب ديني أكثر انسجاماً مع المجتمع الحديث.

وفي المقابل، فإن ترك هذا الملف دون معالجة يعني استمرار تأثير قوى خارجية في تشكيل جزء من الحياة الاجتماعية داخل الدول المستضيفة، واستمرار ضعف استقلال المؤسسات الدينية الإسلامية من الدنمارك إلى فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة.

وفي هذا السياق، يبقى فصل الدين عن الدولة مساراً تدريجياً مرتبطاً بتطور كل مجتمع أوروبي وخيارات سكانه. وإلى أن يتحقق ذلك الفصل الكامل، تبقى معايير الشفافية والمساءلة واحترام حقوق الإنسان الإطارَ الضروري الذي ينبغي أن تعمل ضمنه جميع المؤسسات الدينية دون استثناء، مما يستدعي قواعد واضحة تنظم المجال الديني بما ينسجم مع القيم الديمقراطية والمساواة والحقوق المدنية الحديثة.

خامساً: اليسار الأوروبي والإسلام: ضرورة الموقف العلماني

يقف اليسار الأوروبي، ومنه اليسار الدنماركي، أمام إشكالية حقيقية حين يتعلق الأمر بالإسلام السياسي والمؤسسات الدينية ذات التمويل الخارجي. فمن جهة، ينحدر اليسار من تقليد فكري يرفض التمييز ويدافع عن حقوق الأقليات، ومن جهة أخرى تقتضي المبادئ ذاتها موقفاً صريحاً من كل خطاب يكرّس التراتبية بين الجنسين، أو يروّج لمناهج تربوية تتعارض مع قيم المواطنة، أو يتعامل بازدراء مع التنوع الجنسي، أو يدعو إلى عقوبات تتنافى مع حقوق الإنسان، أو يُبقي المجتمعات تحت وصاية مرجعيات خارجية بعيداً عن مبدأ تحييد الدين عن الدولة.

هذا التوتر يدفع شريحة من اليسار في أكثر من بلد أوروبي إلى تأجيل الموقف أو الاكتفاء بمقاربة حذرة، خشية أن يُتهم بتبني خطاب اليمين العنصري. غير أن التحفظ المفرط هنا لا يخدم مبادئ المساواة والعلمانية التي قام عليها اليسار الأوروبي تاريخياً. فحين يُنظَّم فصل بين النساء والرجال في شوارع كوبنهاجن، أو في أي مدينة أوروبية أخرى، باسم طقوس دينية، لا يكفي اليسار أن يحيل الأمر إلى حرية الشعائر أو حق التعبير، إذ المسألة أعمق من ذلك: إنها تتعلق بمن يملك أدوات بناء الوعي الديني والاجتماعي داخل مجتمعات المهاجرين عبر القارة.

الموقف اليساري المتسق لا يعني اعتناق خطاب اليمين العنصري، وإنما يعني تبني نقد علماني متجذر يرفض التمييز القائم على الجنس والدين والعرق في آنٍ واحد، ويدعم استقلالية المؤسسات الدينية عن تدخل الدول الخارجية، ويطالب بدعم الدول الأوروبية للمؤسسات الدينية الإسلامية وإعادة بنائها وفق قيم مدنية معاصرة، ويقف إلى جانب المسلمين الذين يطالبون داخل مجتمعاتهم بالإصلاح والمساواة. هؤلاء هم الحلفاء الطبيعيون لليسار الأوروبي، لا القوى التي تعيد إنتاج سلطة ذكورية دينية في قلب القارة، سواء في كوبنهاجن أو في أي عاصمة أوروبية أخرى.

سادساً: ماذا يعني هذا عملياً على المستوى الأوروبي؟

اليوم تقف أوروبا أمام خيار واضح، والدنمارك مثال على هذا الخيار: إما الاستمرار في السياسات الحالية وما تنتجه من تناقضات، أو بناء نموذج جديد يقوم على تحييد جميع الأديان عن الدولة وقطع التبعية عن الدول الدينية التي تستخدم المؤسسات الدينية أداةً لتمديد نفوذها السياسي في القارة. وهذا النموذج ليس شعاراً عاماً، إنما حزمة إجراءات محددة يمكن أن تتبناها أي دولة أوروبية.

أولها حظر قانوني صريح للفصل بين الجنسين في أي فعالية عامة أو مرخصة، أسوة بمنع الفصل العرقي. فلا مبرر لاستثناء الفصل الجندري بحجة الشعائر الدينية، سواء في كوبنهاجن أو باريس أو برلين.

ثانيها، تقييد الدعم الأجنبي وإلزام كل مؤسسة دينية تتلقى تمويلاً أجنبياً، حكومياً أو شبه حكومي، بالإفصاح العلني عن مصدره وحجمه، أسوة بآليات الإفصاح في تمويل الأحزاب. فالشفافية شرط أساسي لثقة المجتمع، لا تضييق على حرية الدين.

ثالثها، ربط أي دعم أو ترخيص حكومي بمعايير مدنية واضحة، تشمل القبول الصريح بالمساواة بين الجنسين، ورفض خطاب التمييز، واستقلالية تعيين الأئمة عن أي مرجعية خارجية.

رابعها، دعم وتمويل المؤسسات الدينية وفق قاعدة المساواة واستثمار كل دولة أوروبية في معاهد محلية لتأهيل الأئمة، بدل ترك هذا الفراغ لشبكات خارجية، كما فعلت الكثير من الدول ألاوروبية، تاريخياً مع تأهيل رجال الدين المسيحيين.

أما اليسار الأوروبي، فلا يكفيه الموقف المبدئي. عليه أن يتبنى هذه المطالب بوضوح في كل بلد، ويفرّق بين الدفاع عن حق المسلمين في ممارسة دينهم والسكوت عن ممارسات تكرّس التمييز وتُبقي مجتمعات تحت وصاية مرجعيات خارجية. فالصمت لا يحمي أحداً، إنما يترك الساحة لليمين العنصري من جهة، وللمؤسسات المحافظة الممولة خارجياً من جهة أخرى، من الدنمارك إلى سائر أنحاء أوروبا.

***

رزكار عقراوي

......................

المصادر

تغطيات صحفية

1. موكب عاشوراء في كوبنهاجن - TV2 Kosmopol

https://www.tv2kosmopol.dk/koebenhavn/nu-gar-tusindvis-sorgemarch-pa-norrebro-i-kobenhavn-4ea23

2. الإمام الحسين - ويكيبيديا

https://en.wikipedia.org/wiki/Husayn_ibn_Ali

3. الفصل بين الجنسين في الموكب - TV2 Kosmopol

https://www.tv2kosmopol.dk/koebenhavn/konsopdelt-optog-gennem-kobenhavn-er-forkasteligt-mener-politiker-b7ead

9. مسجد الإمام علي في كوبنهاجن وصلته بإيران - TV2 Kosmopol

https://www.tv2kosmopol.dk/koebenhavn/forbindelse-mellem-koebenhavnsk-moske-og-iran-paavist

تقارير حقوقية

4. منظمة العفو الدولية حول قمع النساء في إيران

https://www.amnesty.org/en/latest/news/2025/03/iran-authorities-target-womens-rights-activists-with-arbitrary-arrest-flogging-and-death-penalty/

تمويل ديني وتغطيات إعلامية متخصصة

5. التمويل التركي للمساجد في الدنمارك - معهد جيتستون

https://www.gatestoneinstitute.org/11400/turkey-denmark-mosques

6. التمويل القطري للمسجد الكبير في الدنمارك

https://middle-east-online.com/en/danish-politicians-slam-qatar%E2%80%99s-control-grand-mosque

7. تقرير البرلمان الأوروبي حول التمويل السعودي

https://www.europarl.europa.eu/doceo/document/B-9-2020-0087_EN.html

8. تغطية إيران إنترناشونال حول التمويل الإيراني

https://www.iranintl.com/en/202508161375

تشريعات ووثائق رسمية

10. قانون حظر التبرعات الأجنبية للمؤسسات الدينية في الدنمارك

https://www.lovguiden.dk/loven/lov-om-forbud-mod-modtagelse-af-donationer-fra-visse-fysiske-og-juridiske-personer/1

مصادر أكاديمية

11. دراسة أكاديمية حول العلاقة بين الدين والدولة في أوروبا - MDPI

https://www.mdpi.com/2077-1444/9/5/144

12. التقليد الإصلاحي في الإسلام - معهد الدراسات الإسماعيلية

https://www.iis.ac.uk/scholarly-contributions/islams-reformist-tradition

13. التيارات الإصلاحية الإسلامية - أكسفورد

https://academic.oup.com/edited-volume/43158/chapter-abstract/362193978?redirectedFrom=fulltext

يطلق على شهر تموز لقب (شهر الثورات) لما وقع فيه من ثورات كبرى مثل الثورة الامريكية التي قامت في ٤ / تموز / ١٧٧٦ م وفي يوم ١٤ / تموز من عام ١٧٨٩م قامت الثورة الفرنسية ضد النظام الملكي واعلنت قيام الجمهورية الفرنسية.

وفي ٢٢ / تموز ١٩٥٢م قامت مجموعة من الضباط الاحرار في مصر بقيادة الفريق محمد نجيب بالاطاحة بالملك فاروق وتولى محمد نجيب رئاسة الجمهورية حتى اطاح به جمال عبد الناصر وتسلم الرئاسة بدلاً منه.

اما في العراق فقد قامت ثورة ١٤ تموز عام ١٩٥٨م بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم وتم اعلان النظام الجمهوري.

الثورة الفرنسية وتأثيرها

لم تشھد اوربا انقلابا عنيفاً كالثورة الفرنسية نظراً لما طرأ على القارة الأوربية من تغيرات سياسة واقتصادية وفكرية لقد هزت الثورة اوربا من اقصاها الى اقصاها ولم يقتصر تأثيرها على اوربا وحدها بل شمل العالم باسره حيث انتقلت مبادئ الثورة الحرية ، الاخاء , المساواة في شرق الأرض وغربها فحتى الدولة العثمانية التي كانت تعاني من الامراض المزمنة انتعشت لفترة معينه حيث تلقف الشباب التركي مبادئ الثورة وقاموا بتأليف الجمعيات والاحزاب السياسية كحزب الاتحاد والترقي الذي قاد الانقلاب العثماني ضد السلطان المستبد عبد الحميد الثاني عام ١٩٠٨ م

لقد تناول مؤرخو الشرق والغرب الثورة الفرنسية بالتحليل ودرسوا الاسباب التي ادت الى قيامها فكانت الحصيلة مجموعة كبيرة من المؤلفات الاوربية والعربية تشهد على عالمية هذه الثورة وتأثيرها على الفكر الانساني وقد اجمع هؤلاء المؤرخين على ان اهم اسباب الثورة هو اسراف الملوك وتبذيرهم وامتيازات النبلاء ورجال الدين فكان النبلاء يملكون 1/5

الاراضي الفرنسية بالاضافة الى انهم معفوين من الضرائب وكان صغار الكهنة يقاسمون الفلاحين فقرهم - غير ان عاملاً هاماً.

يعد من اهم عوائل الثورة الا وهو تاثير الفلاسفة ففي القرن الثامن عشر كانت الفلسفة هي فلسفة الشك. وكان خير من يمثلها (فولتير) (ورسو) وكان فولتير يسخر من رجال الدين والكنيسة وكان لروسو دور فعال في ايقاظ الشعب الفرنسي ودعوته إلى الثورة.

موقف الثورة من الدين والكنيسة

يتسائل (اندريه ناتاف) في كتابة (الفكر الحر) ص (١١٥) هل كانت الثورة الفرنسية لحظة ارتداد مكثف عن المسيحية ام انها ساهمت في تقدم المسيحية بتخليصها من شوائبها..؟ ويجيب الكاتب على سؤاله قائلاً (المشكلة على ما يبدو تتجاوز اطار المسيحية.

ولم يكن (يسوع) هو المستهدف بل فكرة الله ذاتها لقد كانت الثورة. تجديفية في لحظة توهجها بتحطيمها للاوثان وتهديمها للكنائس، (ص115) لم تقف ثورة موقفاً من الدين ذات طابع سلبي كالثورة الفرنسية.

ويرجع السبب إلى معاناة الشعب من رجال الدين والكنيسة الذين كانوا يتمتعون بالترف والبذخ بينما كان الفرنسيون يعانون من الفقر فقد قام قادة الثورة بعدة ممارسات لابعاد شبح الدين منها:

- الغاء التقويم الفرنسي القديم .

- حاولوا الغاء المسيحية حيث قال احد قادة الثورة (ان الثورة لا تنجح الا وقد انزلت ملك السماء عن عرشه كما انزلت لويس السادس عشر عن عرشه)

- اغلقت اماكن الصلاة في باريس واستولى الناس على ما في الكنائس من الذهب والفضة وصنعوا من اجراس الكنائس مدافع.

- اسقطوا تماثيل المسيح ومريم العذراء ووضعوا تماثيل رجال الثورة

- ازالوا الصليب وأقاموا بدل منه المقصلة

محوا من على القبور كل ما يمت إلى الآخره بصلة وكتبوا بدلا منه (الموت نوم ابدي).

- اعلن (هيبر) احد قادة الثورة ديناً جديداً يقوم على عبادة (العقل)

- اقاموا احتفالاً في كنيسة نوتردام وجاءوا بامرأة (مومس) اية في الجمال ووضعوها على منصة الكنيسة للعبادة وطلبوا من سكان باريس عبادتها وقد اقتدت بقية المدن الفرنسية بذلك واصبحت الكنائس مجرد هياكل للعبادة الجديدة.

الغاء عطلة يوم الأحد واصبح زعماء الثورة يفدون الى الكنائس لالقاء الخطب الحماسية.

غير أن هذا الدين الجديد لم يستمر طويلا فقد استبدله (روبسبير) بدين جديد يقوم على عبادة (الكائن الأعظم) الذي هو الله وقال روبسبير مقولته الشهيرة (إذا لم يكن الله موجوداً فأن من الضروري للانسان أن يخترعه).

وهكذا كانت الثورة الفرنسية انقلابا سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وفكرياً وقديماً قيل (اذا عطست فرنسا أصيبت اوربا بالزكام).

***

غريب دوحي

 

بين الاضطهاد الخارج الصهيوامبريالي والإجهاض الداخلي لمشاريع التنمية والاستقلال الذاتي

مقدمة: الأمة العربية الإسلامية، بتاريخها الحضاري العريق ومواردها البشرية والطبيعية الوفيرة، هي واحدة من أبرز الكيانات الثقافية والسياسية في العالم المعاصر. ومع ذلك، تواجه واقعاً معقداً من التحديات الهيكلية يعيق تقدمها ويُولد شعوراً واسعاً بالظلم والاضطهاد. تقترح هذه الدراسة أن هذا الواقع ينبع من عاملين أساسيين: أولهما ضغوط خارجية مرتبطة بتوازنات القوى الدولية والصراعات الإقليمية، وثانيهما فشل داخلي في تحقيق تنمية مستدامة وتعويل على الذات في معظم الأقطار العربية. تعتمد المقاربة على تحليل تكاملي يجمع بين الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية والمؤسساتية والثقافية، دون الاكتفاء بسرد الشكاوى أو البحث عن كبش فداء وحيد. فالاضطهاد الحقيقي، إن وُجد، ليس قدراً محتوماً بل نتاج تفاعل بين عوامل خارجية وداخلية، والخروج منه يتطلب تشخيصاً صادقاً وإرادة إصلاحية جذرية. فما أسباب الاضطهاد الخارجي والافشال الداخلي؟ وما السبيل الى الرد والتصدي؟ وهل يمكن تحقيق التحرر والتنمية؟

أولاً: الضغوط الخارجية والاستعمار الجديد

شهدت المنطقة العربية، بعد مرحلة الاستعمار التقليدي في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، تحولاً نحو أشكال أحدث من التدخل الخارجي. يُعبّر بعض الخطابات عن هذا بـ"المد الصهيوامبريالي"، مشيرة إلى التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل، والدعم العسكري والاقتصادي المستمر لهذه الأخيرة، والتأثير على توازنات المنطقة.

 يُرى هذا التحالف كعامل يُعيق السيادة العربية، خاصة في سياق الصراع العربي-الإسرائيلي الذي استنزف موارد هائلة وأدى إلى حروب متكررة ونزاعات حدودية. أدى الصراع إلى تكاليف اقتصادية باهظة، سواء مباشرة (الإنفاق العسكري) أو غير مباشرة (فقدان فرص التعاون الإقليمي، وتأثير على التجارة والاستثمار). كما ساهمت التدخلات الخارجية في بعض الصراعات (مثل العراق، ليبيا، وسوريا) في تفكيك بنى الدولة وإعادة رسم خرائط النفوذ.

ومع ذلك، يجب التمييز بين التأثير الحقيقي لهذه الضغوط وبين تحميلها مسؤولية كل الإخفاقات. فالقوى الدولية تستغل الضعف الداخلي، لكنها لا تخلقه دائماً. الاعتماد المفرط على نظرية "المؤامرة الخارجية" قد يُعيق القدرة على الإصلاح الذاتي، إذ يحول التركيز من بناء القدرات الداخلية إلى الانتظار أو المقاومة السلبية.

ثانياً: إجهاض تجارب التنمية والتعويل على الذات

العامل الداخلي هو الأكثر أهمية في تفسير الواقع العربي المعاصر. بعد الاستقلال، شهدت معظم الأقطار العربية تجارب تنموية طموحة مستوحاة من الناصرية والبعثية والاشتراكية العربية. ركزت هذه التجارب على التصنيع بالإحلال محل الواردات، التأميم، الإصلاح الزراعي، والدولة المركزية القوية. في مصر الناصرية، والعراق وسوريا البعثية، والجزائر، وليبيا، حققت بعض الإنجازات في التعليم والصحة والبنية التحتية. لكن هذه التجارب غالباً ما أجهضت بسبب:

الطابع الاستبدادي والمركزي: أدى تركيز السلطة إلى فساد، محسوبية، وغياب المساءلة. أصبحت الدولة صاحبة الاقتصاد الأكبر، مما أضعف القطاع الخاص الحر وأنتج اقتصاداً ريعياً غير تنافسي.

الفشل في بناء مؤسسات حديثة: أشارت تقارير التنمية البشرية العربية المتتالية إلى ثلاثة عجوز رئيسية: العجز في المعرفة، تمكين المرأة، والحريات. ظلت أنظمة التعليم تركز على التلقين بدلاً من الابتكار، والاقتصادات تعاني من ضعف الاندماج العالمي والتنويع.

العوامل المؤسساتية التاريخية: يشير الباحثون مثل تيمور كوران إلى أن بعض العناصر في التراث القانوني والمؤسسي (مثل قانون الميراث، غياب مفهوم الشركة الحديثة، والأوقاف) ساهمت في صعوبة تراكم رأس المال وتطوير المجتمع المدني على المدى الطويل.

الصراعات الداخلية والطائفية: أدت الانقسامات إلى حروب أهلية وإهدار موارد (سوريا، اليمن، ليبيا، العراق)، مما حوّل الطاقات من التنمية إلى البقاء.

نتج عن ذلك اقتصادات تعتمد على الريع النفطي في بعض الدول، أو على المساعدات والديون في أخرى، مع بطالة مرتفعة بين الشباب، وهجرة الأدمغة، وفجوة واسعة بين الطبقات. أصبحت المنطقة الأكثر عدم مساواة في بعض المؤشرات، مع استمرار الفقر المدقع في مناطق النزاع.

ثالثاً: التفاعل بين العاملين الخارجي والداخلي

لا يعمل العاملان بشكل منفصل. الضغوط الخارجية (الصراعات، العقوبات، التدخلات) تُفاقم الضعف الداخلي، بينما الاستبداد والفساد الداخلي يدعوان إلى التدخل الخارجي أو يجعلانه ممكناً. على سبيل المثال، أدى الفشل في بناء دول مؤسساتية قوية إلى ظهور جماعات مسلحة غير حكومية، مما أعطى ذريعة للتدخلات الإقليمية والدولية.

كما أن الخطاب الذي يركز حصرياً على "الصهيوامبريالية" قد يُستغل داخلياً لتبرير القمع والفشل في الإصلاح، فيتحول إلى أداة للحفاظ على الوضع القائم بدلاً من تغييره.

رابعاً: آفاق الخروج من دائرة الاضطهاد

لتحقيق الاستقلال الحقيقي والتنمية المستدامة، يجب على الأمة العربية الإسلامية:

إصلاح الحكم: بناء مؤسسات ديمقراطية حقيقية، فصل السلطات، مكافحة الفساد، واحترام الحريات.

ثورة معرفية وتربوية: الاستثمار في التعليم النوعي، البحث العلمي، والابتكار لكسر التبعية الاقتصادية.

تنويع اقتصادي وتعاون إقليمي: تجاوز الريعية نحو اقتصاد منتج، وتعزيز التكامل العربي الحقيقي (سوق مشتركة، تنسيق دفاعي وتنموي).

توازن في السياسة الخارجية: التعامل مع القوى الدولية من موقع قوة داخلية، لا من ضعف يولّد التبعية.

تجديد الفكر الإسلامي: استلهام قيم العدل والاجتهاد والعمل لمواجهة تحديات العصر، بدلاً من الجمود أو الردود العاطفية.

خاتمة

الأمة العربية الإسلامية ليست "مضطهدة" بشكل مطلق بفعل قوى خارجية وحدها، بل هي أمة تواجه تحديات متراكمة من الاستبداد الداخلي والضغوط الخارجية. إجهاض تجارب التنمية السابقة لم يكن نتيجة مؤامرة عالمية فقط، بل أيضاً بسبب أخطاء استراتيجية ومؤسساتية داخلية. الخروج من هذا الواقع يتطلب شجاعة في النقد الذاتي، وإرادة سياسية للإصلاح الجذري، وبناء قدرات ذاتية حقيقية. إن الاستقلال الحقيقي ليس رفضاً للعالم الخارجي، بل قدرة على التفاعل معه من موقع الكرامة والقوة. والأمل يكمن في طاقات الشباب العربي، وفي إمكانية تجديد حضاري يعيد للأمة دورها التاريخي كمساهمة في تقدم البشرية، لا كضحية دائمة للتاريخ. هذا المشروع ممكن، لكنه يبدأ بالصدق مع النفس قبل اتهام الآخرين. فهل يساعد تحويل اقتصاديات الريع العربي الاسلامي على تحقيق بدائل تنموية عادلة مستدامة؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

يرى كثير من علماء الشيعة ان مراسيم وطقوس عاشوراء جزءا اصيلا من الهوية الشيعية، ويؤكدون على ضرورة ممارساتهم تحت كل الظروف، ولو تضرر الشيعي من اقامتها كمن يكون مواطنا في ظل دولة غير شيعية

وأورد هنا فتوى الميرزا النائيني مطلوبية العزاء الحسيني فهو يرى ان لا شبهة في العزاء العلني بل هو راجح شرعا ولا اشكال – عنده – في جواز اللطم والضرب بالسلاسل وان تأذي الضارب لان ذلك من اظهر مصاديق عزاء المظلوم وايسر الوسائل لتبليغ دعوى الحسين (ع)، مع ضرورة التنزيه (1) ولكن المتاخرين اختلفوا هل مراسيم عاشوراء سنه دينية ام فعل اجتماعي؟ فالذي اعتبرها سنه دينية قال ان عاشوراء جزء من هوية الشيعة ووسيلة لترسيخ عقائدهم، مقابل من يراها ممارسة اجتماعية مقبولة لكنها خاضعة للتحديث والتنزيه (2) بيد ان اللافت ان عزاء عاشوراء انطلقت دوافعه من وجهة عاطفية ففي القرن الرابع أدخلت طقوس عاشوراء في السياسة

فالغالب في العزاء العاطفي، كان في حدود التراجيديا لكن بعد دخول العزاء معترك السياسة صارت النظرة الى الامام الحسين (ع) انه رمز للحرية والخلاص وداعية تاريخي للمطالبة بحق الأمم في حكومة عادلة لكن مع بقاء ممارسة البكاء كاحدى مفرداته

ومن المعلوم ان غالبية الشيعة تقيم المراسيم كعمل تطوعي دون اسناد من السلطة بل كانت السلطات تراقب هذه الفعاليات حذرة وقد حدث متغير مهم ان السلطان عباس الصفوي قد أقامها بنفسه وتبعه بعض الحكام كان بعضهم يقيمها واستغلال اقامتها لتضليل الناس، فنبه العلماء جماهيرهم الى ذلك

وقد قدم دارسون افكارا عن دور مجالس العزاء في تعزيز الهوية واعتبروها وسيلة اعلام سياسية، وفعاليات جماهيرية لصناعة القدوة في التضحية، ووسيلة لترسيخ الاعتقادات وقد وصفت ملحمة عاشوراء بانها احدى اكبر الثورات لمقارعة الظلم وانها تلبي الحاجة الى استحضار البعد المعنوي عند الشيعة

وقد خشي منها المتطرفون من غير الشيعة فمنعوها قسرا وتحسبوا انها مقدمة لخلاص الشيعة من محنة الاقصاء والتهميش فادخلوا اجهزتهم الأمنية بالإنذار لمنع ظهورها واذا سمحوا فباقل قدر ممكن مما شجع العاشورائيين على التمرد ودخلوا في صراع مع السلطات المانعة وغابت عن الحكام الحاقدين على عاشوراء انها تقليد حاضر بقوة لدى عموم الناس، وانها تعبئ الناس وتجندهم فاذا منعوا ازدادوا صلابة وعنادا، ولا سيما ان قصة الحسين تلعب دورا مهما في طهرانية التشيع وتركيز هويته .

بيد ان المانعين للشعائر تلك وصفوها بانها محاولة لأدلجه الدين، وانها تحفز اهل العزاء على العمل للاستيلاء على السلطات تأسيا بالحسين (ع) لا سيما وان نداء الصبر ونداء الحرية والمقاومة نداء جذابا للناس وكحقيقة تاريخية لقد ذاق الشيعة عذابات كثيره من جراء التدافع بين اقامتها كواجب ديني، وبين منعها – من السلطات والمتطرفين لانها وسيلة للتحرر من قبضتهم، وقد دخ وكل ذلك في تشكيل عناصر الهوية الشيعية وفي صلب العلاقة بين هوية التشيع وملحمة كربلاء .

ان الملحمة الحسينية لم تكن فقط حدثا تاريخيا وقع قبل ما يقارب (1385سنه) لان الشيعة يستحضروها طول كل تلك السنين سنة بعد اخرى فهي حاضرة في وجدانهم، وقد عمقوا مكانتها في القلوب والنفوس والوجدان فصارت مدرسه إنسانية النطاق وعالمية الافاق تتوهج فيها قيم الدفاع الصلب عن كرامة الانسان وحريته وتدعو الى عدالة الدولة وعدالة القضاء وعدالة الكفالة الأساسية للمواطن وتؤكد في كل مفاصلها على حقوق الانسان حتى جعلت الدساتير في الكثير من الدول ان اهم هدف توثقه في بنودها حماية كرامة الشخص وتحقيق المجتمع الحر المتضامن الذي يعطي أولوية لحقوق الانسان.

لقد وضعت دساتير العالم بعض بنودها من معطيات ملحمة كربلاء ومنها ان جميع المواطنين متساوون امام القانون دون تمييز وان حقهم في الحرية الحياة والمساواة والامن مكفولة دستوريا وهذه القيم هي التي تطرز الهوية الإنسانية أولا وهوية التشيع التي ولدت من رحم معاناة الفجيعة الكربلائية، كما ولدت عندهم قيمة قداسة الصراع ضد الاستبداد و ومكافحة انتهاكات الحقوق الإنسانية لان الناس جميعا يولدون احرارا ومتساوين وان الدولة عبارة عن مؤسسة وظيفتها خدمة المواطن فهي ليست غاية بذاتها بل اداة لرفع نمط الحياة الفاضلة الى الأفضل، فقولة (ع) انه لم يخرج اشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما انما خرج لطلب الإصلاح، مما دل على ان الإصلاح واجب ومقاومة الفساد مسؤولية اخلاقية وشرعية وان شرعية الدولة مرتبطة بالقيم لا بالقوة والبطش واهدار المكانة الاستخلاقية للإنسان وقد وضع الامام الحسين (ع) وضع قاعدة معيارية اذ يقول (من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله فلم يغير ما عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله ان يدخله مدخله) وهذه القاعدة تعد اعلانا أخلاقيا وسياسيا لمقاومة الاستبداد والفساد والظلم لكي لا تتحول سلطه الحكومة الى قوه فوق القانون ووسلطة فوق الاخلاق لذلك رفض الامام الحسين ان يمنح الشرعية لسلطه حكومة فاسدة وهي ترنو ان تكون قوه فوق القانون وفوق الاخلاق فرفض الامام الحسين منح الشرعية لسلطة فقدت شروط الشرعية ومعاييرها فقال (ع) (مثلي لا يبايع مثله)

وفي هوية التشيع تجاوزت كربلاء حدود الدين والجغرافية والثقافات لتصبح رمزا إنسانيا للثبات على القيم النبيلة فكانت نموذجا فريدا للدفاع عن الحقوق والحريات والكرامة الإنسانية من خلال البطولات التاريخية الخالدة، التي انتصرت بها كل الأمم بانتصار المبدأ على القوة المادية فاستذكار كربلاء السنوي يستمد هذه المبادئ والقيم العظيمة مباشرة من واقعة كربلاء ومن تراث التشيع وينشيء سياقات تاريخية وقانونية ولوائح عالمية لحقوق الانسان ونلخص من ذلك الى ان القيم المتلازمة في هوية التشيع.

1- ان السلطة ليست غاية وليست مقدمة على القيم الانسانية وهي بحاجة دائما الى ديمومة الشرعية والمشروعية معا

2- وان الإصلاح واجب ديني واجتماعي واخلاقي على قادة المجتمع وعلى افراده 3- ان مقاومة الفساد - بكل اشكاله - واجب شرعي واخلاقي وقانوني

4- وان شرعية النظم والنظريات والأفكار كلها مرتبطة بالقيم وليست بالقوة

5- وان اداره المجتمع يجب عليها ان تعمل لتحقيق المصلحة العامة له ويجب عليها فعل الافضل

6- ان مواجهة اشكال الاستبداد فعل ضروري لئلا يسحق الانسان وتستبعده السلطة (التي ستعلو على القانون والأخلاق ولكي تبقى السلطة دائما تحت المساءلة)

7- لاحظنا ان الهوية كما تصنعها العقيدة ومنهاج التكليف تصوغها احداث التاريخ واستجابات الناس لمختلف التحديات وأنها ثابته ثبوت بصمة الابهام الجماعية.

8- ان الشيعة في التاريخ وبسبب (اضطهادهم) كان يلزم ان يتوسلوا بالعنف العشوائي انتقاما من صناع تاريخهم لكنهم تمسكوا – خلال 14 قرن – بالحكمة والسلام والحوار والنزعة الإنسانية

9- لقد عوض الشيعة (اقصائهم) عن الحكم والسلطة بان تعمقوا علميا بفلسفة عقيدتهم وبضروب الحكمة والآداب الرفيعة

10- ولابد ان نشير هنا الى احتياجات هذه الهوية لاسيما ما يسد ثغراتها مثل: احتواء الاخر المذهبي والديني فكريا وادارة المجتمع – من قبلهم كاداره عالية الجودة وبقيم مستقرة

***

ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد

.....................

(1) حيدر حب الله: جدل ومواقف في الشعائر الحسينية ص 68

(2) مطهري، فضل الله، شريعتي، نعمة الله صالحي

في كتابه "كشف الشبهات" كفّر زعيم الوهابية جميع المسلمين الغير محسوبين على مذهبه

إن ظاهرة تكفير الآخر تعد من أخطار الظواهر التي يعيشها العصر الحالي، بسبب الصراع بين المجددين والمحافظين (الأصوليين والحداثيين) وهي فكر متطرف يقوم على اتهام المسلمين الذين يطالبون بالتحديث وإعادة قراءة التراث وتجديده وإجراء له قراءة معاصرة بالكفر وإلصاق بهم تهمة الإلحاد والخروج عن ملة الإسلام​

الأصوليون هم جماعة لهم قناعات دينية مطلقة، نظموا أنفسهم في حركات اجتماعية، ويتعاملون مع قضايا معينة لها أهميتها بالنسبة لهم، ويسعون إلى إخضاع الحياة الخاصة والعامة لإملاءات قناعتهم الدينية، وتشكل "الحداثة" بالنسبة لهم المشكلة الأساسية التي وجب محاربتها، وقد ذهب مفكرون في اتجاهات مختلفة لتحديد مفهوم الأصولية وما جاءت به الكتب المقدسة، غير أن الأغلبية تجمع على أن الأصوليون جماعات منغلقة، تريد أن تفرض مفاهيم مطلقة على الرأي العام، وقد تستخدم العنف لتحقيق غرضها، وهو الترويج لمرشح رئاسة ديني، يتميز الأصوليون بآراء جامدة، ويقدم الباحثون أحسن مثال على حركتين دينيتين هما "الحركة الخمسينية" في أمريكا، و"الإسلام الوهابي"، الذي يرى أنه لا يجب انتظار قدوم المهدي، في الوقت الذي كان وهابيون متحمسون احتلوا الحرم المكي عام 1979 وأعلن أحدهم ليكون ببساطة المهدي، وتاريخ الأصولية تجسد في تصعيد الصراعات من خلال التسويق لها على أنها صراعات "هوية"، فيما يذهب البعض إلى الحديث عن "الإسلاموية" وانقسم المحللون إلى فرق

pakistani-islamists-torch-an-effigy-of-us-pastor-terry-jones-during-a-protest-in-lahore-on.jpg

ففيما يذهب الفريق الأول إلى القول أن "مصر" كانت الدولة الأولى التي نشأ فيها التيار الإسلاموي عن طريق أبو الأعلى المودودي الذي أسس الجماعة الإسلامية، وهي تعتبر واحدة من أكبر منظمات الإسلام السياسي، وذلك بهدف إعادة إحياء الإسلام بهدف تحقيق سيادة الشعوب، ورغم محاولات الأفغاني ومحمد عبده إلا أنها باءت بالفشل وعجزت عن مواجهة العلماء التراثيين الذين قاموا بتعطيل الإصلاح الإسلامي، كما فشلت أمام النخب العلمانية التي عملت على تعظيم التكنوقراطية، وظلت حركتهما عبارة عن حركة ثقافية، كما فشل الإخوان المسلمون بقيادة حسن البنا في تحقيق الإشتراكية الإسلامية، والإصلاح الإسلامي رغم أنها تعد أكبر منظمة للإسلام السياسي، أما الفريق الثاني يرى أن الأمر يختلف عند " الوهابية " التي تمثل ثالث حركة نبعت منها الأصولية الحديثة، والوهابية ترجع إلى محمد بن عبد الوهاب، الذي عمل على القضاء على ايّ فهم آخر للإسلام، وقد حددت الوهابية لنفسها عدوا قريبا وسجلت عزمها على محاربته من خلال أعمال عسكرية ضد العثمانيين والشيعة، في ذلك الوقت عقد محمد بن عبد الوهاب اتفاقا مع محمد بن سعود، حسب الكتابات كان الاتفاق أن يقوم محمد بن سعود بالجهاد ويصبح مقابل ذلك قائدا للمسلمين، على أن يكون محمد بن عبد الوهاب المسؤول عن شؤونهم الدينية، والوهابية اليوم هي مذهب الدولة في المملكة العربية السعودية وتعمل من خلال شرطة دينية، حيث تدعو الى اتباع تعاليم القرآن والسنة بصورة ضيقة جدا، ولا تفتح مجالا لي حوار (ثقافي، ديني، سياسي)، أي أنها تمارس ثقافة الإنغلاق، وتعمل على عزل المسلمين عن العالم الخارجي مع الالتزام بزيّ موحد (شوارب مقصوصة ولحى مطلقة وجلاليب تصل إلى الكاحل.

تقول التقارير أن الوهابية استفادت من أموال السعوديين ومن تأسيس رابطة العالم الإسلامي عام 1962، وسعت للسيطرة والتأثير على الحركات الإسلامية والجماعات في باكستان وحماس والجهاد الإسلامي وصولا إلى القاعدة، باستخدام إحدى الوسائل الخاصة بالحداثة فيما يسمى بالتحويل اليوتوبي الثوري، هي حقائق مثيرة كشفها الشيخ عبد القادر الاسكندراني الذي وصف زعيم المذهب الوهابي بالطاغية، وهذا في كتاب له من الحجم الصغير تحت عنوان: "النفحة الزكية في الرد على شبه الفرقة الوهابية" عن المكتبة الفلسفية الصوفية، وحسبما جاء في مخطوطة الإسكندراني، فقد كان شيخ الوهابية يكفر كل من لا يتبعه، حتى وإن كان من أتقى الناس، وكان يبيح دمهم، كما أن محمد بن عبد الوهاب ابتدع دينا جديدا وصنف رسالة سماها " كشف الشبهات" وقدمها لإبن مسعود وكفّر فيها جميع المسلمين، وقد أعانه ابن مسعود على ضلاله لدرجة أن بن عبد الوهاب كان يأمر بحلق رؤوس النساء، يذكر الإسكندراني في كتابه السالف الذكر أن العقيدة الوهابية شملت عشرة أشياء، أهمها تقديم النقل على العقل، إنكار الإجماع، عدم تقليد المجتهدين وغيرذلك، وبداية من 1979 احتل وهابيون متطرفون المسجد الحرام في مكة، وقامت الحكومة السعودية بتحريره، في هذه الفترة ظهر ابن لادن، وقد استفاد هذا الأخير من مساعدات عسكرية قدمتها له الولايات المتحدة الأمريكية، لقد ساهمت الصراعات والانقسامات بين الحركات الإسلامية في تدمير وحدة الأمة، وظهر ما أطلق عليهم اسم "المتأسلمون"، وهو تيار استخدم الإسلام غطاءً أو وسيلة لتحقيق مآرب سياسية، شخصية، أو مادية، دون الالتزام الحقيقي بجوهر الدين وقيمه الأخلاقية، وذلك بغية الوصول إلى الحك.

 فالتيار السلطوي السلبي يؤوّل الدّين تأويلا يضعه في شكل مباشر، في خدمة الدولة لا هي دولة الإسلام، بل هي دولة الطبقات المسيطرة في بلاد الإسلام، أي بالتحديد دولة الإستبداد المطلق الذي سيطرت عليه الطبقات الأرستقراطية على امتداد أربعة عشر قرنا، لأن هذه الطبقات تسيطر باسم الإسلام ولا تعمل به منذ دولة الخلافة حتى الدولة العثمانية حيث ظلت تيارات الإسلام تتصارع فيما بينها ولذا وجبت الثورة عليها، لأن الإسلام انقسم بين إسلام المستبدين وإسلام المسحوقين، و"المتأسلمون" يقول مهدي عامل وهو مفكر لبناني، يتنبى التيار الإشتراكي يرون الدين وسيلة للوصول إلى السلطة، كما يزعمون احتكار الحقيقة الدينية والهيمنة على معاني النص الديني، وهم إمّا أن تكون معه وإلا أنت عدوه لكنه لا يظهر عداوته لك، ولذا ذهب بعض المتكلمين إلى وجوب التوفيق بين العقل والدين، لأن وظيفة الدين اختلفت بسبب الصراعات بين التيارات الإسلامية رغم أن الدين واحد، فما تراه المعتزلة ليس ما تراه الظاهرية ولا ما تراه الباطنية ولا حتى التيار الإشراقي الذي أسسه شهاب الدين السهروردي الملقب بشيخ الإشراق، يقول عامرمهدي (اسمه الحقيقي حسن حمدان) ليس كل فكر عقلاني فكرا تقدميا، وليس كل فكر مناهض للعقل بالضرورة فكرا رجعيا، لكن يمكن أن يكون العقل عقل الإستبداد ونظامه (إسلام الدولة) وهذا هو الذي وجب محاربته، فالفرق بين المسلمون والمتأسلمون هو أن المسلمون هم الذين يمارسون دينهم من أجل التقرب إلى الله ويرون فيه وسيلة للروحانية والاتزان النفسي، ويرون في الدين وسيلة للارتقاء الروحي، أما المتأسلمون يرون في الدين وسيلة للتقرب من السلطة ويرون في الدين سُلَّمًا للارتقاء السياسي، أي أنهم يمارسون سياسة النفاق، أو يعملون بالفكر الباطني، فلا يُظهون حقيقتهم ولا يكشفون عن اسمائهم الحقيقية وأسرارهم.

مساعي الوهابية في "وهبنة" التراث السنّي

إن هذه الصراعات بين المسلمون استفادت منه الدول الغربية بزعامة إسرائيل وأمريكا، خاصة وأن إسرائيل كما تقول التقارير أصبحت تزداد توسعا يوما بعد يوم في ظل قانون العودة الإسرائيلي، في وقت ظل الفكر الوهابي جامدا فكريا ولم ينزع عنه عباءته القديمة، فما تزال السلفية الحالية المنحدرة من التراث الوهابي تدّعي محاولة إحياء العصر الذهبي للنبيّ والخلفاء الراشدين، إلا أنها انقسمت بدورها إلى جناحين، المحافظ مرتبط بالعائلة المالكة في السعودية والجناح الثوري، له تأثير دولي بعدما أعلن الحرب المقدسة على قوى الإلحاد والغطرسة التي تقوم بحملة صليبية ضد الأمة، حيث عادت إلى الساحة نظرية "الولاء والبراء" وهي نظرية ترجع جذورها إلى التراث الوهّابي، تم تطويرها في القرن التاسع عشر، إثر الصراع مع العثمانيين، بحيث يتم التبرؤ من الكفار ليس لغير المسلمين فحسب، بل حتى المسلمين الذين في نظر الوهابية كفار، وكل من يتعامل مع الكفار من غير المسلمين وبشكل متطرف .

كانت النتيجة خروج فرق إسلامية جديدة من سقف السلفية، وتشكيل سلفيات تختلف كلية عن السلفية الأمّ التي تعتبر المنبع، لقد حاولت الوهابية منذ نشأتها "وهبنة" التراث السنّي بطريقة لا تستجيب للتطورات الإجتماعية والسياسية، بحيث تبنت الفكر التكفيري، عكس ما جاء في متن العقيدة الطحاوية، التي تدعوا إلى عدم تكفير أحد من أهل القِبلة (بكسر القاف)، وتؤكد التقارير ان السلفية اليوم تعيش صراعات وهي في حرب فتاوى وأحكام على منابر إعلامية ومواقع إلكترونية، كمسألة التعاون مع السلطة والجهاد ومن تجاهد، كذلك موقفها من قضايا الإرجاء والتكفير، وقضية الإستعانة بالكفار، وهو ما ذهبت إليه "الجامية"، وهي حركة تنسب إلى الشيخ محمد أمان الجامي، فكانت النتيجة أن انقسم الإسلام في دار الإسلام إلى إسلام سني وإسلام شيعي، الذي يقوم على الطقس وليس المعتقد، يقوم فيها الشيعة بنوع من المحاكاة الفردية لمقتل الحسين في موقعة كربلاء، كانت حربا مسلحة بين صدام حسين وإيران بعدما زودته أمريكا بالأسلحة.

ما يلاحظ هنا أن الولايات المتحدة دائما تكون طرفا في النزاعات العربية الإسلامية، رغم الحصار الذي يلقاه الشيعة والعدائية ضد أنصار الحسين ابن علي، ما زال الشيعة يعيشون على أمل عودة الإمام محمد المهدي لينتقم لهزيمة كربلاء ويشيد مملكة العدل، لقد تطرق العديد من الباحثين في كتاباتهم حول الحركات الإسلامية ومنهم الدكتور بومدين بوزيد، حيث أشار إلى أن السلفية الوهابية كانت في الأصل اجتهادا نهضويا عربيا وإسلاميا في الحجاز والجزيرة العربية، ثم انتهت عندنا اليوم إلى تكفير وسفك للدماء، وتحولت إلى سلفيات تنويعية، ومنها السلفية الجهادية التي لها اتباع كثر اليوم في الجزائر، وحتى السلفيات الوهابية المسماة علمية في الجزائر قد تقول بالجهاد مستقبلا مادامت تقول اليوم بالتكفير والتبديع للمجتمع الجزائري، لقد كانت السلفية الجهادية التطور الفكري الجديد الحاصل في تاريخ الإيديولوجية التكفيرية المعاصرة، بفضل الوهابية الجديدة التي تجسدت عسكريا في القاعدة وخلاياها عبر العالم، لأنها مشحونة للعالم ضمن ثنائية "الكفر والإيمان، وبالتالي فهي تعلن الجهاد على الكل، خلاصة القول نرى أن ما يؤسف له هو أنَّ ظاهرة تمزيق الدين إلى فرق ومذاهب تكرَّرت ضمن تاريخ الأمَّة الإسلاميَّة، وما تبعها من تفرقة ومعاداة يمثِّل مخالفة صريحة وخطيرة عبر التاريخ الإسلامي.

***

علجية عيش ​

 

في الثقافة الحزبية والممارسة السياسية العربية، هناك أحزاب سياسية تريد نوعا معينا من المثقفين في صفوفها، وبتعبير أكثر دقة تريد مثقفا تابعا يضفي المشروعية على خطاب السياسي وممارساته، وفي أحسن الأحوال خطباء ومناضلون وادعون يجتهدون بأقصى قدر ممكن من الأمانة والمحافظة على شعرة معاوية التي تشدهم إلى المتكآت الإيديولوجية والإلتزام الإيديولوجي الذي يؤطر خطاب ومسارات بعض التشكيلات السياسية.

الامر الذي يؤدي بطبيعة الحال إلى تحول وتغير في الوظيفة المناط بها المثقف، وفقدان طبيعته كمنتج للقيم الرمزية والفكرية على ضوء ما يسميه المفكر المغربي عبد الكبير الخطيبي "السلم الألسني ".

وشتان بالطبع بين المثقف الحر وبين الخطيب وبين الصوت والصدى وبين المثقف وحارس الإيديولوجيا.

وعندما ينتقد المثقف الحر غير المدجن وضعا أو يعبر عن رأي بكل لباقة يقال له هذا من نتائج انسحابك من الشأن السياسي.

لقد كان الناقد والمفكر إدوارد سعيد يرى أنه على المثقف النقدي أن يكون منهمكا في نزاع مدى الحياة مع كل حراس الرؤية والحياة الذين يدهم الغليظة لا تتحمل عدم التوافق ولا التنوع.

وقبله كان الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر قد بشر بميلاد (المثقف المزعج الذي يدس أنفه).

لكن للأسف الشديد هذا النوع من المثقفين نادرا ما يستمر في الذودعن قناعاته الذاتية والوجودية وسرعان ما يستسلم للإغراء الإجتماعي ولنداء الجماعة ولآليات العقل الوثوقي العربي الممنوع من التفكير خارج ماتراه الجماعة أو الخلية أو الأسرة الإيديولوجية والسياسية إلى درجة الوقوع تحت طائلة ما وصفه المفكرالفرنسي جوليان بندا (خيانة المثقفين).

وهذا مأزق يحد من امكانية البعد الذي وضعه السوسيولوجي المرحوم عمار بلحسن وهو (تثقيف السياسة) بدلا من (تسييس الثقافة) وتدجين المثقف والتعامل مع بوصفه تابعا للسياسي وليس شريكا له في التخطيط للمستقبل المنظور.

ولذلك يختار السياسي نوعا خاصا من " المثقفين " وتحديدا يريد مثقفا و(ديعا) وتابعا يضفي المشروعية على الخطاب السياسي الرسمي وممارساته.

وأن ماينتجه هذا المثقف / التابع ينبغي أيضا أن لا يغرق في الغموض، وأن يتجنب اللغة التي لا تفهمها حتى النخبة المثقفة.

وأن يظل محافظا على شعرة معاوية التي تشده إلى وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية القائمة كي لا يزعج ليس فقط السلطة الفعلية بل أيضا (السلطة المرئية) بتعبير ميشيل فوكو أو (السلطة الرمزية) بمفهوم بيار بورديو التي تتشكل من كتاب ومثقفين تسكنهم "عقيدة " الإلغاء المتجذرة في مخيالات المثقف الشمولي الإبن البار للأب السياسي الذي سيرث عنه أنساق الهيمنة أو " الطغيان الميتافيزيقي " وفقا لأطروحة نيتشة محولا إياها من المجال السياسي إلى المجال الثقافي.

بما يعني الإقتراب من السقوط المذل في وحل (العبودية المختارة) كما وقف عليها ايتيان دي لا بويسيه أو (الزواج النسقي) بتعبيرعبد الله الغذامي.

وفي كل زواج كما هو معروف عقد وهذا العقد كما يقول الغذامي هو " العقد الثقافي القائم على المصلحة المتبادلة بين الطرفين مع تسليم المؤسسة الثقافية بذلك "، إن أراد أن يكون تحت تصرف السلطة أو رهينة لها يجسد في مساره وعي (المثقف المقاول) حسب عبارة السوسيولوجي التونسي الطاهر لبيب يتحدث إلى وسائل الإعلام ويكتب قصائدا عصماء وقصصا موجهة يتقاضى مقابلها جوائزا موسمية في مناسبات معينة وضمن الحدود المرسومة له.

هذا هو (الإبداع العظيم) الذي تكرس له المؤسسات الحزبية مثلما تكرس له أيضا المؤسسات الثقافية الرسمية القائمة ومشتقاتها الجمعوية والمدنية انطلاقا من الدعم المالي والإعلامي القائم على أسس براغماتية تديرها أجهزة بيروقراطية وإدارية هي ثابت من ثوابت استقطاب المثقف وتدجينه والذي هو في الأساس تعبيرعن سلوك هيمني يبرز اسما على آخر ويضاعف من مفعول (الطبقية الثقافية) بنص العبارة التي أوردها الغذامي في أطروحته عن النقد الثقافي من خلال إعادة فرز طبقات المثقفين حسب درجة الولاء والتناغم كمجرد رجع صدى للخطاب السياسي الإيديولوجي السائد لا غير.

الأمر الذي جعل السوسيولوجي الجزائري عمار بلحسن في كتابه الذي نشر بعد رحيله (كشف الغمة في ثقافة الأمة) يتحسر على ضعف الأنتلجانسيا، الضعف الذي يتمظهر في العنوان المثير الذي يضعه لأحد مقالات كتابه المذكور وهو (صعلكة الأنتلجانسيا) على الرغم من أن للسوسيولوجي الجزائري علي الكنز رأي آخر فهو عندما يحلل ظاهرة (الهامشية والذيلية) على حد قوله ذيلية المثقف وتبعيته للسياسي.

فهو يردها لأصولها التاريخية وبالضبط إلى لحظة تشكل الوعي الوطني المقاوم للكولونيالية الفرنسية التي تخلف فيها المثقفون عن الإلتحاق بصفوف الحركة الوطنية أو التحقوا متأخرين جدا.

فيسجل علي الكنز أن الحركة الوطنية "عمليا نشأت وترعرعت بدون مشاركة المثقفين وبعد التحاقهم بها لم يتمكنوا من التأثير فيها لا من حيث المحتوى ولا من حيث التطور فأصبحوا عبارة عن بيادق بين أيدي رجال الحركة الوطنية الرافضين لقواعد اللعبة ".

وهذا لا يعني التقليل من الأدوار النضالية للنخب المثقفة الملتحقة بصفوف الحركة الوطنية الجزائرية ولو متأخرين على غرار فرحات عباس وعبان رمضان ومصطفى الأشرف والدكتور لمين دباغين الذي يخصص له الروائي الجزائري حميد عبد القادر كتابا بعنوان " الدكتور لمين دباغين المثقف والثورة " رابطا فيه علاقة المثقف بالثورة من خلال نموذج لمين دباغين الذي يعتبره المؤرخ الجزائري محفوظ قداش (منظر حزب الشعب) كما جاء ذلك في كتاب حميد عبد القادر السالف الذكر.

ومن الشواهد الدالة على هذا التنازع بين السياسي والثقافي أيضا أن التراث السياسي الإيديولوجي الذي تشكل في أفق النضال الجزائري المحموم للرد على الهيمنة الكولونيالية الفرنسية التي تطلبتها المصلحة الوطنية وآفاق الحرية والإنعتاق من نير العبودية والإستيطان الفرنسي لبلد عربي هو الجزائر يعج بحالات رهيبة من الإقصاء والإلغاء المتعمد بين الأب والإبن وبين السياسي والثقافي وبين المثقف الثوري والسياسي البراغماتي وبين النخب السياسية المدنية أو البرجوازية الثورية وبين النخب العسكرية الريفية.

وهذا بالطبع مأزق آخر يتطلب علاجا وتناولا علميا لهذه الظاهرة التاريخية من منظور الدراسات الثقافية والنقد الثقافي والنقد ما بعد الكولونيالي بالعودة إلى النصوص التأسيسية لأدبيات الحركة الوطنية الجزائرية التي ميزت مسارات النخب السياسية الجزائرية التي انخرطت في معركة التحرير تحرير الأرض والإنسان كل من موقعه الخاص ومنظوره الذاتي لمحاصرة المآخذ التي تنطوي عليها الأنساق الثقافية والإجتماعية وأنظمة الخطاب السياسي الذي يؤطر مسألة البناء النفسي والثقافي للإيديولوجيا الوطنية التي تجد تجذرها وأفقها الأعلى في الوعي بالحرية والقيم الإنسانية والإجتماعية والسياسية كتجل يسكن حاملها بوصفه فرد من مجتمع كان يقع تحت طائلة السيطرة والإستبداد من (ليل الإستعمار) بمفهوم فرحات عباس بكل ما يترتب عن ذلك من محاولات للخروج عن الأنساق الثقافية والمعرفية المضمرة للإستبداد أو المطمورة بين طيات التاريخ، تاريخ الذات العربية المجبولة على التفرد والغطرسة والتضخم النرجسي بأشكالها القديمة والجديدة.

والقطع مع رواسب القهر التي ميزت المجتمعات العربية الهشة أو (القابلة للإستعمار) بتعبير مالك بن نبي للحد من هذه الظاهرة أو الحيلولة بينها وبين من أن تمتد للأجيال الجديدة إن لم تكن قد امتدت إليها فعلا.

وعندئذ لا نملك سوى أن نردد مع عبد الله العروي " هذا خطأ وذاك خطأ وهل كتب علينا أن نعالج خطأ بخطأ... ؟ ".

***

قلولي بن ساعد - كاتب وناقد من الجزائر

لابدّ من الإشارة إلى المفهوم العام للموسم الديني، فهو شمولًا يشير إلى فترة زمنية محددة من العام ترتبط بشعائر، أو عبادات، أو إحياء لمناسبات تاريخية ومحورية في عقيدة أو ثقافة مجتمع. تكتسب هذه الفترات طابعاً جماعياً وتؤثر بشكل مباشر على السلوك الاجتماعي والاقتصادي والثقافي في المناطق التي تحتضنها.

تتوزع المواسم الدينية الكبرى على مدار السنة القمرية وتختلف طقوسها ووظائفها الاجتماعية، مثل موسم الحج (شهر ذي الحجة)، يركز على الطقوس الجغرافية والعبادية في مكة ومحيطها، ويرتبط تاريخياً بالتجارة واِلتقاء الثقافات والتنظيم الإداري السنوي، وينتهي بعيد الأضحى.

أو موسم شهر رمضان وعيد الفطر، ذلك الموسم العباديّ والاجتماعي الذي يقوم على الصيام والامتناع عن الطعام والشراب والفواحش مما ينطلقُ من اللسان، كما له أبعاد اقتصادية ملموسة تتعلق بنمط الاستهلاك، يليه عيد الفطر كإعلان لاِنتهاء هذه الفترة.

كذلك مواسم الزيارات المخصوصة والوفيات، فترات قصيرة ومكثفة ترتبط بوفاة أو ولادة شخصيات محورية في التاريخ الإسلامي (مثل ذكرى المولد النبوي، أو ذكرى وفاة علي بن أبي طالب، أو الزيارة الشعبانية).

ونشهد في هذه الأيام واحدا من أهمّ المواسم الدينيّة وهو شهر محرّم الحرام، يرتبط هذا الموسم بإحياء ذكرى واقعة الطف أو معركة كربلاء، التي قُتل فيها الحسين بن علي وأصحابه في صراع سياسي وعسكري مع جيش الدولة الأموية بطلب من يزيد بن معاوية وأصحابه.

يمتد الزخم الاجتماعي لهذا الموسم طوال الأيام العشرة الأولى من محرم، وصولاً إلى يوم عاشوراء (10 محرم)، ويتجسد في مجالس العزاء، والمواكب، والتمثيليات التاريخية (التشابيه)، وتوزيع الأطعمة ثوابًا. يمتد هذا الموسم رمزياً ليشمل شهر صفر أيضاً، لينتهي بزيارة الأربعين.

وعند تفكيك هذه الظاهرة من منظور بنيوي نجد أن لإحياء هذه الطقوس أبعاداً ووظائف ملموسة.

فعلى المستوى الانثروبولوجي والثقافي، إحياء المواسم الدينيّة هو حفظ للذاكرة الجماعية من الاندثار، وهو الآلية التي تحمي ثقافة الأفراد من الانغماس في الثقافات الأخرى.

كذلك يسهم في إعادة إنتاج الأنشطة الثفافية كالشعر، والخطابة، واللحن القصائديّ، وهو ما يخلق أرشيفاً ثقافياً متجدداً باستمرار يعطي الجماعة بصمة تميزها عن غيرها.

أما على المستوى الاجتماعي فظاهرة إحياء المواسم بالطقوس تسهم في تذويب الفوارق الطبقية، فغالبا يرتدي الجميع زياً موحداً (كالأسود في عاشوراء أو الأبيض في الحج)، ويجلس الغني والفقير على مائدة واحدة (المضائف والطبخ الجماعي). هذا الدمج المؤقت يقلل من حدة الاحتقان الطبقي داخل المجتمع ويوفر شعوراً بالمساواة المطلقة. وكذلك على أصعدة كثيرة لا يسعنا ذكرها لضيق المقام.

لو توغّلنا بين السطور وغادرنا الطبيعة الظاهرية للطقس الجماعي، -والتي ربّما تظهر بأبعاد واضحة وأقرب للمنطق المقبول- لوجدنا أن هناك ما هو أشبه بالنسق المضمر على مستوى الفرد والجماعة لتلك الطقوس، فهذا التأثير الإيجابيّ قد ينقلب لما هو عكس ذلك، بدل أن يحقق أبعاده المتعددة.

في إحياء التراث المقدّس تتداخل عوامل كثيرة جدا، حيث كلّ عامل ينفرد بشاكلته، ومادام عامل القداسة حاضرا صَعُبَ الفصل بين عوامل تعريف التراث المقدّس. فمن بين الغايات الواضحة التي يحقّقها نشاط إحياء التراث قد ينحرف بعضها عن الغاية المجرّدة، لتصبح غاية مقرونة بشكل ظاهري، ثم تتطوّر لتصبح شكلا بلا غاية، وبهذه الحالة فقد عامل إحياء التراث غايته وصار إسقاطا روتينيّا كأنّه فايروس ينتشر من جيل إلى جيل.

تعريفًا لغاية إحياء الموروث بالطقوس يجب الفصل بين مفهومين أساسيّين، أولا غاية إحياء الموروث نفسه، ثانيا الأبعاد الأخلاقيّة التي يقوم عليها هذا الموروث.

أمّا عن غاية إحياء التراث فلا شكّ أنها غاية فرديّة لا جماعية، إضافة للأبعاد الملموسة على مستوى الجماعة والمتأتّية من تطبيق تلك الطقوس إلا أنها تبقى ذات غاية فرديّة فحركة الجماعة نتيجة حركة فرد. وقد تتداخل بعض المفاهيم في طبيعة إحياء التراث بسبب طبيعة الطقوس التي تعتبر وسيلة أساسيّة.

أما عن الأبعاد الأخلاقية فالمشكلة الكبرى هي عدم الأخذ بالغايات الأخلاقية بشكل عام في كلّ زمان ومكان (مع مراعاة تغيّر الطبيعية السوسيولوجيّة).

فإحياء الموروث يجب أن نتخذه وسيلة تذكّرنا بالنظر إلى البعد الأخلاقي المحض، وليس وسيلة لتحقيق الأبعاد الأخلاقية في فترة إحياء الموسم.

بمعنى أننا بتلك النظرة التي تجعل من غاية الموروث الأخلاقية غايةً مقرونة بمدّة زمنيّة، وبهذه المدة نسعى لتطبيق الأبعاد الأخلاقيّة التي جاء بها الموروث وعليه قد اِقترنت الأخلاق بمدّة زمنية والنتيجة = تجزئة الأخلاق، والأخلاق مفهوم عام لا يمكن تجزئته مطلقًا.

بقطع النظر عن المبدأ الذي تقوم عليه طبيعة الأخلاق فهذا ليس موضوعي ولكن تطبيق الأخلاق يجب أن يكون عامّا لا مقرونا بزمان أو مكان!

فالغاية الأخلاقية واحدة سواءً قبل أو بعد أو في فترة المواسم الدينيّة التي من المفترض أن تحمل رسالةً أخلاقيّة للجميع.

وهذا ليس من تهذيب النفس بشيء بل هو تحوّل لإسقاط فرض خاوٍ، فتُرسم صورة نمطيّة في مستوى اللاوعي بأنّ هذه المواسم لها سلوكيّاتها الخاصة وفي سواها يخفّ العقاب. كأنّما المحاسبة مقصورة بمدّة زمنيّة والأخلاق متباينة التطبيق متناسبة مع طبيعة المدّة الزمنية.

يجب أن نتّخذ من تلك المواسم محطّة مراجعة لا سيطرة صارمة بمجرد عبورها نعود كما كنّا. فالأخلاق عامة والمواسم خاصة، ولا يمكن أن يكون العام جزءًا من الخاص، ففهي هذه الحالة لم تعد الأخلاق تمت للأخلاق بأي صلة بل صارت عادةً موروثة نخدع أنفسنا بها وماهي إلا ابتعاد عن الغايات التي قامت عليها حوادث تلك المواسم.

وفي واقع الأمر لا يخفى علينا عدم تطبيق المبدأ الأخلاقي حتى في فترة إحياء المواسم الدينية، فهذه كارثة كبرى، وهو ما جعل الأفراد يركّزون على طبيعة الطقوس ويتفنّنون بتلفيق ما أنزل الله من شكليات لا نعرفها قبل كذا سنة.

فمن جانب سيكولوجي فإن الفرد يشعر بنشوة الاِنتصار بمجرد الاِنغماس بتلك الطقوس فهو يعيشها بكل مايملك من مشاعر، وبقدر ما يركّز على الطقوسيات فهو يصرف نظره عن واقعه المرير، وهو مايخلق ضعف المواجهة واليأس والإحباط بعدما سلّم نفسه لتلك الطقوس.

فإنّ فصل الغاية عن التطبيق يخلق شكلا من أشكال غضّ البصر عن الواقع، وهو ما يزداد يوما بعد يوم، فالحسين صار رمزا للدماء والسواد والبكاء، بدلا من أن يكون بالدرجة الأولى رمزا للقوة والتفاني والعنفوان. وبذلك يمكن أن نراه رمزًا للبياض والحياة والارتقاء، فالبياض هو بياض القلوب والنقاء وروح السلام والمحبّة، والحياة هي العيش بكرامة وتمرّد ولو كان على حساب البقاء، فليس عيش هذا إن كان بلا كرامة، فالأولى أن ننتزع كرامتنا قبل أن نحيي تلك المواسم وقبل أن نتفنّن بالطقوس التي لا تمت للقضيّة الحسينيّة بشيء. أما الارتقاء فهو ارتقاء الذات في سماء الكلمة القوية السامقة.

***

عباس القسام

 

نحيا في عصر السوبر تخلف المعرفي القائم على التسليم بمعارف مُحدَّدة سلفاً بدلاً من إنتاج معارف جديدة ومفيدة نظرياً وعملياً. السوبر تخلف المعرفي = اعتبار المعرفة مُحدَّدة سلفاً ÷   إنتاج كلّ الأفكار والنظريات الممكنة والمنطقية في الميادين الإبداعية كافة والحائزة على قدرات تفسيرية وعملية ناجحة. فكلما اعتبرنا أنَّ المعارف مُحدَّدة مُسبَقاً ولم نشارك في بناء كلّ الأفكار والنظريات المنطقية الممكنة في الميادين الإبداعية كافة (كالميادين العلمية والفلسفية) والحائزة على قدرات تفسيرية وعملية ناجحة، تطوَّر التخلف المعرفي وساد وأصبح بذلك سوبر تخلفاً معرفياً. السوبر تخلف المعرفي هو تطوير التخلف من خلال اعتبار أنَّ المعرفة مُحدَّدة سلفاً وعدم إنتاج معارف جديدة مغايرة للمعارف الماضوية والسائدة.

يسيطر السوبر تخلف المعرفي على الشرق والغرب معاً. يتمثل السوبر تخلف المعرفي في اعتبار أنَّ تراث الفقهاء والفلاسفة والعلماء حاو ٍ على المعارف الحقيقية والحقة بدلاً من اعتبار أنَّ المعرفة مشروع مستقبلي لم يكتمل بل يحتاج إلى إنتاجه بشكل مستمر وجديد ومغاير للمعارف الماضوية والسائدة حالياً. مثل تفصيلي على ذلك هو التأكيد على أنَّ التراث العلمي القائل بوجود أعراق بشرية مختلفة هو الصادق بينما البحث العلمي البيولوجي الأكثر تطوّراً يرينا بأنَّ كلّ البشر يشكِّلون كينونة واحدة غير متجزئة لأنهم يتشاركون في امتلاك الجينات البيولوجية ذاتها. أما مثل آخر فهو الإصرار على أنَّ تراثاً دينياً معيّناً دون سواه هو الصادق أو الأصدق بينما البحث المعرفي الأدق يرينا بأنَّ كلّ الأديان تتشابه إن لم تكن تتطابق كالتشابه في الإيمان بقوى ما ورائية غير منظورة تتحكّم بالكون ومصيره.

بالإضافة إلى ذلك، كلّ تراث ديني تتنوّع مذاهبه كالاعتقاد بحرية الإنسان المطلقة والاعتقاد بعدم امتلاك الإنسان لأيّة حرية (بل الاعتقاد بأنه مجبور بقضاء وقدر) والاعتقاد بأنه في منزلة بين منزلتيْن منزلة الجبر ومنزلة الحرية. وبذلك كلّ تراث ديني حاو ٍ على تنوّع فكري مشابه إن لم يكن مطابقاً للتنوّع الفكري في أيّ تراث ديني آخر. من هنا، يستحيل الاعتماد على التراث الديني للحصول على أيّة معرفة. أيّ تراث يحتوي على معلومات بدلاً من احتوائه على المعرفة. فالمعلومات إما صادقة وإما كاذبة بينما المعرفة مشروع مستقبلي لم يكتمل. كلّ تراث (بما في ذلك التراث الديني والفلسفي والعلمي) غير مُحدَّد من جراء تنوّعه وإمكانية تفسيره وتأويله بتفاسير وتآويل مختلفة. وبما أنَّ التراث غير مُحدَّد، إذن نحن مَن نحدِّده بما ننتج من تآويل وتفاسير جديدة. من هنا، المعرفة الحقة هي مشروع يطالبنا بتحقيقه بشكل مستمر. ولذلك السوبر تخلف المعرفي (المناقض للمعرفة الحقة) كامن في اعتبار أنَّ المعارف مُحدَّدة سلفاً (بدلاً من أن تكون مشاريع مستقبلية) مما يدفعنا إلى عدم إنتاج أيّة معارف جديدة فيحتِّم بذلك انهيار الحضارة الإنسانية لكونها قائمة على تطوير المعارف والارتقاء بها.

السوبر تخلف المعرفي هو اسغلال التراث الديني والفلسفي والعلمي من أجل نشر الجهل والتجهيل والتعصب من خلال اعتبار أنَّ تراثاً معيّناً هو الصادق دون سواه مما يؤدي إلى رفض الآخرين ويقضي على حرية الفرد في إنتاج إبداعه الخاص والفريد. ومثل ذلك الإصرار على أنَّ نظرية علمية واحدة فقط كنظرية النسبية لأينشتاين هي النظرية الصادقة في الفيزياء دون سواها مما يدفع بنا نحو رفض الآراء العلمية المخالفة لها ويؤدي بنا إلى عدم إنتاج أيّة نظريات علمية جديدة بسبب قناعتنا بصدق تلك النظرية المتاحة لنا في التراث العلمي. أما الحقيقة الحقة فهي أنَّ كلّ الميادين المعرفية والإبداعية والتي من ضمنها العلوم الطبيعية كالفيزياء ليست سوى مشاريع فكرية تطالبنا بإنجازها بشكل مستمر. فلا يقينيات في العِلم مما يفسِّر تغيّر المعارف العلمية وتطوّرها. وبما أنه لا توجد يقينيات في العِلم، إذن العِلم مجرد مشروع مستقبلي يُبنَى على ضوء ما نبني ونصوغ من فكر ونماذج معرفية. وبهذا نستنتج بحق بأنَّ العِلم غير مُحدَّد لأنه مشروع مستقبلي ولذا يحتاج إلينا لكي نحدِّده باستمرار مما يفسِّر تغيّر العلوم المستمر واستدامة الإبداع العلمي.

من المنطلق السابق، السوبر تخلف المعرفي = اعتبار المعرفة مُحدَّدة سلفاً ÷   إنتاج كلّ الأفكار والنظريات الممكنة والمنطقية في الميادين الإبداعية كافة والحائزة على قدرات تفسيرية وعملية ناجحة. وبذلك السوبر تخلف المعرفي يقضي على الحرية الفكرية والإبداع من جراء اعتبار أنَّ المعرفة مُحدَّدة سلفاً فيقضي أيضاً على إنسانية الإنسان الكامنة في الحرية والإبداع. على أساس هذه الاعتبارات، السوبر تخلف المعرفي يؤدي لا محالة إلى انهيار الحضارة القائمة على الإنجازات الإبداعية. فعندما نعتبر أنَّ المعارف مُحدَّدة سلفاً، حينئذٍ سوف نُسجَن بتلك المعارف المُحدَّدة مما يقضي على الحرية الفكرية والإبداع فيحتِّم زوال إنسانيتنا القائمة على الإبداع والحرية.

أما إذا اعتبرنا أنَّ المعرفة غير مُحدَّدة سلفاً على النقيض من السوبر تخلف المعرفي، فحينها سوف تطالبنا المعرفة بتحديدها المستمر مما يضمن استمرارية البحث المعرفي. وفي هذا فضيلة معرفية كبرى. وإذا سعينا في إنتاج كلّ الأفكار والنظريات الممكنة في الميادين الإبداعية كافة (كميادين العلوم الطبيعية والاجتماعية والفلسفية) على النقيض من السوبر تخلف المعرفي، وعلماً بأنَّ كلّ الأفكار والنظريات الممكنة تتضمن الأفكار والنظريات التي لم تُكتشَف بعد، فحينئذٍ نضمن إنتاج أفكار ونظريات جديدة مختلفة عن الأفكار والنظريات الماضوية والسائدة. وفي هذا أيضاً فضيلة معرفية كبرى. هكذا التحرّر من السوبر تخلف المعرفي ضمان استمرارية البحوث المعرفية وضمان إبداع نماذج فكرية ومعرفية جديدة مما يضمن بدوره استدامة تطوّر الحضارة الإنسانية.

لا يكتفي السوبر تخلف المعرفي برفض العِلم والمنطق وسجننا بمعتقدات ماضوية بل أيضاً يستغل المعرفة من أجل نشر الجهل والتعصب. مثل ذلك استغلال معرفتنا بوجود ثقافات مختلفة للاستنتاج بأنَّ الصراع قائم لا محالة بين تلك الثقافات بسبب اختلافها مما يبرِّر سيادة الصراع بين المنتمين إلى ثقافات مختلفة. هكذا في عصور السوبر تخلف المعرفي يتم استغلال المعرفة لنشر التعصب والجهل معاً. فالاستنتاج الحق هو أنَّ الاختلاف الثقافي دليل على غنى الحضارة الإنسانية التي ينتمي إليها كلّ البشر من جراء أنهم يتشاركون في امتلاك الجينات البيولوجية والقدرات العقلية والأخلاقية ذاتها رغم إنتاجهم لثقافات متنوّعة. مثل آخر على استغلال المعرفة لنشر الجهل هو استغلال معرفتنا بأنَّ النظريات العلمية متغيّرة وتُستبدَل بنظريات علمية أخرى مختلفة للاستنتاج بأنَّ العِلم باطل وبذلك لا بدّ من رفضه بدلاً من الاستنتاج بأنَّ تغيّر العلوم دليل على أنَّ العِلم عملية تصحيح مستمرة وفي ذلك فضيلة كبرى تشير إلى مصداقية العلوم.

***

حسن عجمي

الطائفيّة لغةً: مشتقة من كلمة "طائفة"، والتي تعني في معاجم اللغة (مثل لسان العرب والمعجم الوسيط)، الجزء أو القطعة من الشيء، وتُطلق أيضاً على الفرقة أو الجماعة من الناس الذين يجمعهم مذهب، أو رأي، أو رابط مشترك. وهي تدل كذلك على الحركة الدائريّة المغلقة إذ يقال: أطاف فلان بالأمر أي أحاط به، وفي التنزيل: (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا) [الإنسان، آية 15]. وتأتي أيضاً: جماعة من الناس أو الحيوان أو الأشياء. وعند الناس تعني كلمة طائفة، جماعة أو فرقة منهم، قال تعالى: (وإنْ طَائِفَتَاِن مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) [الحجرات، آية 9]. والطائفة من الشيء جزء منه، وفي حديث عمران بن حصين وغلامه الآبق: لأقطعنّ منه طائفاً، أي بعض أطرافه. (1).

والطائفيّة اصطلاحاً: هي "كيان اجتماعي قائم بذاته، متماسك بلحمته الداخليّة، عميق الجذور في وجوده". وبناءً عليه تُعتبر الطائفة، هي الوحدة الاجتماعية الأولى (دينيّة كانت، أو مذهبيّة، أو عرقيّة، أو سياسيّة). وهي مدخل الفرد ومعبره باتّجاه المجتمع والدولة. وهذا ما يساهم في تجذير وبلورة التعصب الأعمى والانغلاق الفكري، ورفض الآخر المختلف، والسعي لإقصائه. ففي الطائفيّة يُغلّب الأفراد في الطائفة مصلحة طائفتهم على مصلحة الوطن والمجتمع الأكبر. وقد نجد الطائفة الواحدة قائمة في عدّة مجموعة عرقيّة أو دينيّة في مناطق وبلاد مختلفة في لغاتها وانتماءاتها.

من خلال النظر في العوامل الأساسيّة لتشكل وظهور (الطائفيّة)، نجد أنها ليست من إنتاج (الطائفة) بل العكس. فالطائفية هي التي تستدعي الطائفة من وعي الناس، وتعيد إنتاجها ككيان مشخص له مصالحه المشتركة في شروط تاريخيّة وسياسيّة يفرضها الزمن المعيش، أهمها فشل الدولة الوطنيّة من خلال عجز مؤسساتها السياسيّة والثقافيّة والاقتصاديّة، عن دمج الجماعات أو مكونات المجتمع في هذه الدولة على أساس المواطنة، وغالباً ما نجد  في أي محيط اجتماعي يتسم بالتعدديّة الدينيّة والطائفيّة والمذهبيّة بروز تناقضات وصراعات  سياسيّة أو طبقيّة، تؤدي إلى استثمار الهويّة الطائفيّة في الصراع على الدولة من أجل الوصول إلى السلطة وإثبات الذات أمام الآخر المختلف الذي يتحول إلى عدو ضمناً، ليتطور هذا الاختلاف لاحقًا ويتحول إلى صراع على تاريخ البلاد ومشكلة "نحن" مقابل "هم". وغالباً ما تتدخل أو تستدعى قوى خارجيّة لدعم هذا الطرف أو ذاك في صراعها الداخلي.

إذاً في مثل هذه الدول البعيدة في تكوينها عن أسس الدولة المدنيّة، أي عن دولة المواطنة والمؤسسات... الدولة التي يُحترم فيها الدستور، ويُقاضا أو يُحاكم الحاكم والمحكوم معاً عند الخروج عن قواعدها، نجد في مثل هذه الدولة (الما قبل دولة)، بروز المرجعيات التقليديّة لقيادة الدولة وفق مصالها الأنانيّة الضيقة، وليس وفقاً لمصلحة (مجموع مكونات الدولة) الدينيّة والعرقيّة والقبيليّة والعشائريّة، وتأتي الطائفيّة موضوع بحثنا أنموذجاً لذلك.

نعم.. ففي بنية الدولة الطائفيّة، لا مجال لتكافئ الفرص في قيادة الدولة والمجتمع، فالولاء لسلطة الطائفة الحاكمة يأتي قبل الكفاءة، ومن يوالي هذه السلطة الطائفيّة ويعمل وفق أجندتها، هو بالضرورة شخصيّة مهزوزة ومهزومة في داخلها وانتهازيّة، تبحث عن الجاه والسلطة، وتحقيق مصالحها الماديّة الأنانيّة الضيقة.

وفي الدولة الطائفيّة تغيب سلطة القانون، وتفرض سلطة المسؤول. فالمسؤول هنا هو ومن يحتمي به، هما فوق القانون في الغالب، وهذا ما يؤدي إلى غياب عمليّة فصل السلطات الدستوريّة والتنفيذيّة والقضائيّة عن بعضها، بحيث تصبح كلها تحت أمرة السلطة الحاكمة المتفردة بالسلطة، وعليه تغيب العدالة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة وحتى الثقافيّة.

فعلى المستوى الاجتماعي: يأتي أبناء الطائفة الحاكمة في مقدمة الترتيب الاجتماعي، بل نجد هناك الكثير من مكونات المجتمع الأخرى تبدأ بمحاباتها والتزلف لها، ومحاولة الالتصاق بها طائفيّاً.

وعلى المستوى الاقتصادي، تبدأ الثروات تتراكم عند أبناء الطائفة الحاكمة والموالين لها من أبناء مكونات المجتمع الأخرى، إما بسبب السيطرة على البنية الاقتصاديّة، أو بسبب استغلال مناصب الدولة ونهب ثرواتها بطرق غير قانونيّة، كالرشاوى والطرق المختلفة للفساد.

وعلى المستوى السياسي: تغيب دولة المؤسسات والمواطنة كما بينا في موقع سابق، وتتفرد الطائفة بالسلطة من خلال سيطرتها على المفاصل الحساسة في الدولة وخاصة (الجيش). بحيث تصبح الطائفة الحاكمة فوق القانون والدستور من الناحية العمليّة، ولا يمكن لأي قوى سياسيّة أخرى أن تمارسها حقها الدستوري في قيادة الدولة والمجتمع إلا بعد أخذ رضا السلطة الطائفيّة.

وعلى المستوى الثقافي: تغيب الثقافة العقلانيّة التنويريّة، وتُفلتر الثقافة بشقيها الوضعي والديني وفق ما يخدم طبيعة السلطة الطائفيّة الحاكمة، ويبدأ العمل على الانتقاء من (التراث) ما يخدم تجسيد البنيّة الدينيّة المعبرة عن أصول الطائفة الحاكمة، بشكل مباشر أو غير مباشر، وهذا ما يدفع أبناء الطوائف الأخرى للاشتغال على فكر طوائفهم أيضا، وهنا مع غياب الثقافة الوطنيّة والقوميّة، وثقافة المواطنة ودولة القانون، تتجسد ثقافة الأساطير والخرافات المشبعة بالحقد والكراهية تجاه المختلف، وهذا ما يدخل الدولة والمجتمع في نهاية المطاف في حالات من الصراع المباشر وغير المباشر، بل الدخول بحروب أهليّة تأكل الأخضر واليابس معا.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

....................

الهوامش:

1- الطّائفيّةُ في اللّغة والاصطلاحِ: بحثٌ في الجذور والمرتكزات وآفاق التّجاوز. موقع. مؤمنون بلا حدود  للبحوث والدراسات).

دروس وتحديات بناء إطار يساري واسع

المدخل: كتب هذا النص في شباط 2026 للنشر في دورية يسارية عراقية، غير أن تأخر النشر جاء بسبب الظروف الإقليمية المتقلبة التي تعصف بالمنطقة. وعلى الرغم من أن النص يتخذ من التجربة العراقية مدخلاً تحليلياً، فإن ما يطرحه يتجاوز الحالة العراقية وحدها، إذ تشترك كثير من دول الشرق الأوسط ودول الجنوب العالمي في وقائع متقاربة: حركات احتجاجية جماهيرية واسعة واجهت صعوبات جدية في التحول إلى قوة سياسية منظمة، ويسار أثبت حضوراً ميدانياً لافتاً في الشارع رغم تشتته، في حين تظل التحديات التنظيمية والانتخابية وضعف العمل المشترك قائمة وتستدعي المعالجة. العراق هنا نموذج للتأمل والاستفادة، والسؤال المطروح أوسع بكثير من حدوده الجغرافية.

وفي هذا السياق، تستحق التجربة المغربية الراهنة الإشارة والتأمل، إذ تقدم نموذجاً حياً ومتجدداً في مسار الحوار والعمل المشترك بين القوى اليسارية. فقد جاء تأسيس "تحالف اليسار" بين مجموعة من القوى اليسارية المغربية تتويجاً لمسار طويل من التنسيق والعمل المشترك، معبراً عن إرادة سياسية واضحة لتجاوز حالة التشتت التي عرفها اليسار خلال السنوات الأخيرة، ومستنداً إلى رصيد نضالي وتاريخي مشترك. وقد أكدت الأحزاب المشاركة أن طبيعة المرحلة وما تطرحه من تحديات سياسية وحقوقية واجتماعية تفرض تعزيز العمل الوحدوي، وإطلاق مبادرات مشتركة ونفَس نضالي موحد دفاعاً عن الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وتدرك القوى المشكِلة لهذا التحالف أن المرحلة المقبلة تستوجب التجديد الفكري والسياسي وتطوير أساليب النضال، وصياغة برنامج عملي موحد يجيب عن أسئلة العمل والصحة والتعليم والسكن والعدالة وغيرها من متطلبات الجماهير الكادحة.

هذا النموذج المغربي، رغم خصوصية سياقه، يحمل دلالة رمزية ورفاقية مهمة لكل قوى اليسار في المنطقة: التوحد ممكن حين تتقدم الإرادة السياسية على حسابات الحزبية الضيقة. وفي هذا الإطار تحديداً، تجدر الإشارة إلى أن قوى وشخصيات يسارية عراقية عقدت قبل أيام اجتماعاً موسعاً، في خطوة تسير في الاتجاه ذاته، وتعبر عن إدراك متنامٍ بأن لحظة المراجعة والعمل المشترك والتوحد باتت ضرورة لا تحتمل التأجيل. التجربتان، المغربية والعراقية، وإن اختلفتا في سياقهما وأدواتهما، تلتقيان في جوهر واحد: الوحدة والإرادة الرفاقية المشتركة هي وحدها القادرة على تحويل الغضب الاجتماعي وعدالة القضية إلى قوة سياسية منظمة وفاعلة.

وتتناول هذه المساهمة تجربة اليسار العراقي والكردستاني، انخراطاً في الحوار الرفاقي الجاري حول إمكانيات بناء إطار يساري موحد قادر على استعادة دوره التاريخي وتجديد حضوره الفاعل.

السياق والإشكالية المحورية

ثمة جملة من النقاط التي تستحق النقاش المعمق، وتسهم في فهم الفجوة بين الزخم الجماهيري والتنظيمات اليسارية:

- مسألة الحضور والتأثير: أسهم اليسار بفاعلية ملموسة في الساحات أفراداً وكوادر، وتبقى مسألة تطوير هذا الحضور نحو قوة سياسية موحدة ذات استراتيجية معلنة محوراً جديراً بالبحث والتداول.

- إدارة الاختلاف الداخلي: الخلافات الداخلية بين تيارات اليسار، حين تدار خارج أطر جماعية بناءة واضحة، ويضخَم التركيز عليها في مقابل تقزيم نقاط الالتقاء الكثيرة، تفضي إلى استنزاف الطاقات في لحظات تستوجب التوحد والتنسيق.

- تطوير الخطاب السياسي: واليات التنظيم: ثمة فرصة حقيقية لتطوير اليات التنظيم والخطاب اليساري كي ينطلق من المعاناة اليومية الملموسة للجماهير، بما يجعله أكثر اتصالاً بالواقع وأقدر على الإقناع والتأثير.

- التنسيق الانتخابي: توزع اليسار على قوائم متعددة ببرامج متقاربة لم ينتج في الغالب التنوع الخلاق المأمول، وتعزيز التنسيق بين هذه القوى يظل ضرورة عملية ملحة.

- بناء المنظمات الجماهيرية: النموذج السائد في بناء المنظمات الجماهيرية يستدعي مراجعة هادئة، إذ يبدو أن دعم النقابات والاتحادات المستقلة الحقيقية يوفر قاعدة أوسع وأكثر استدامة من نماذج "منظمات الواجهة" الحزبية.

- تمكين الشباب والنساء: الدور المحوري الذي اضطلع به الشباب والنساء في الحركات الاحتجاجية يستوجب تعزيز تمثيلهم في هيئات القيادة اليسارية بما يعكس هذا الدور الفعلي.

- الاستثمار في الفضاء الرقمي: المرحلة الراهنة تقدم فرصة سانحة لتطوير الأدوات الرقمية وتوظيفها بفاعلية في معارك الوعي والتواصل مع الأجيال الجديدة.

الأفق العملي المقترح

الحوار والعمل من أجل بناء إطار يساري موحد متعدد المنابر، يقوم على برنامج حد أدنى مشترك يخاطب الجماهير بلغتها اليومية، وبنية تنظيمية مرنة ولامركزية تحترم خصوصية كل مكون، وتمثيل فعلي للشباب والنساء في مواقع القرار، وسياسة رقمية فاعلة تواكب العصر، فضلاً عن ربط مستدام بين العمل الاحتجاجي والمشاركة الانتخابية والنضال النقابي والجماهيري اليومي. والاستفادة من تجارب عالمية من أميركا اللاتينية وأوروبا، تثبت أن الجمع الخلاق بين التوحد والشارع والتنظيم والصندوق هو ما أتاح لقوى يسارية في سياقات صعبة أن تحول الغضب الاجتماعي إلى تغيير سياسي فاعل.

يبقى التوحد في إطار يساري واسع الطريق الأجدى نحو استعادة الدور والتأثير، شريطة أن يقترن بتجديد فكري وتنظيمي عميق يستوعب التحولات الاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة، ويستجيب لتطلعات الأجيال الجديدة، ويرسي اليسار فكرياً وتنظيمياً على أسس متجددة قادرة على مخاطبة أسئلة الحاضر وتحديات المستقبل.

مقدمة: الحركات الاحتجاجية والمطلبية وتحدي التحول، من الشارع إلى التنظيم

شهد العراق واقليم كردستان خلال العقدين الأخيرين موجات احتجاجية متعددة عبرت عن غضب جماهيري عميق ضد الفساد والمحاصصة وتدهور الخدمات. لكن انتفاضة تشرين 2019 شكلت اللحظة الأبرز والأكثر تأثيراً، إذ لم تكن مجرد موجة احتجاج عابرة، وانما تحولاً نوعياً في وعي قطاعات واسعة من المجتمع، خاصة الشباب، تجاه طبيعة السلطة وإمكانيات التغيير. لأول مرة منذ عقود، استعادت الشوارع والساحات دورها كفضاء سياسي حقيقي ومركز لإنتاج الخطاب والتنظيم والمبادرة.

خرجت الجماهير في هذه الاحتجاجات من موقع المتلقي السلبي إلى موقع الفاعل المباشر. كانت المطالب واضحة: الخبز، الكرامة، العدالة الاجتماعية، العمل، الخدمات، وإنهاء منظومة المحاصصة والفساد والاستبداد. مطالب نابعة من التجربة اليومية القاسية لجماهير دفعت ثمن عقود من الحروب والحصار والنهب المنظم. في قلب الاحتجاجات والمظاهرات، كان اليسار العراقي بكل تياراته حاضراً بشكل فاعل.

ومع كل هذه الاحتجاجات، وما رافقها من رفض واسع من قطاعات كبيرة من الجماهير للسلطات الحاكمة في بغداد واربيل، ومع نتائج انتخابات نوفمبر 2025 التي لم تحصل فيها القوائم اليسارية على اي مقعد برلماني، يبرز السؤال الجوهري بوصفه ضرورة سياسية لا يمكن تأجيلها: لماذا لم يتمكن اليسار، رغم عدالة خطابه وعمق حضوره في الشارع، من تحويل هذا الزخم الجماهيري الى قوة سياسية منظمة؟ ولماذا بقي عالقاً في الدفاع والانقسام، بدل الانتقال الى موقع المبادرة والتوحد؟

الإجابة لا تختزل بعوامل خارجية فقط، رغم أهميتها. نعم، النظام السياسي معادٍ للتغيير، قائم على المحاصصة الطائفية، محمي بالسلاح والميليشيات والمال السياسي، ومسنود بشبكات إقليمية ودولية. نعم، القمع كان دموياً وممنهج، واستهدف بشكل مباشر النشطاء والناشطات وقوى التغيير واليسار بشكل خاص. لكن هذا، على فداحته، لا يعفي اليسار من مسؤولية مراجعة أدواته وأشكال عمله ومنهجه في قراءة الواقع والتعامل معه.

الحركات الاحتجاجية والمطلبية كشفت إمكانات جماهيرية هائلة للتغيير الاجتماعي، لكنها كشفت أيضاً نقاط الضعف في البنى التنظيمية القائمة، والفجوة بين الخطاب اليساري كما ينتج داخل التنظيمات وبين وعي الجماهير كما يتشكل في الشارع. كشفت أن عدالة القضية وحدها لا تكفي إذا لم تقترن بأدوات تنظيمية مرنة ومعاصرة، وتوحيد للطاقات، وخطاب مفهوم، واستخدام فاعل للأدوات الرقمية، واستراتيجية واضحة تربط بين الاحتجاج والعمل السياسي والنضال اليومي في المجتمع.

هذه الورقة لا تسعى إلى تقديم أجوبة جاهزة أو وصفات سحرية، وإنما تحاول المشاركة في الحوار الجاري حول تجربة اليسار العراقي في تعامله مع آليتي التغيير الأساسيتين: الانتخابات والحركة الاحتجاجية، ومحاولة طرح أفق عمل والمساهمة في بناء استراتيجية يسارية قادرة على التجديد والتوحد واستعادة الثقة والتأثير والدور التاريخي.

أولاً: الحركات الاحتجاجية واليسار، فرصة تاريخية وتحديات تنظيمية

1. اليسار في قلب الحركات الاحتجاجية

لا يمكن قراءة الحركات الاحتجاجية والمطلبية التي شهدها العراق وإقليم كردستان خلال العقدين الأخيرين، بمعزل عن الدور الذي لعبه اليسار العراقي والكردستاني فيها. فبعيداً عن المبالغة أو التقليل، كان اليسار جزءاً فاعلاً من البنية الحقيقية لهذه الاحتجاجات. كان في الساحات منذ الأيام الأولى، شارك في التنظيم، وفي إدارة الفضاء الاحتجاجي، وفي الدفاع عن سلمية الحراك، وفي مواجهة محاولات الاختراق، سواء من قبل السلطة أو من قوى تريد حرف المسار.

في ساحات بغداد، والناصرية، والبصرة، والنجف، والديوانية، وأربيل والسليمانية ومدن أخرى، لعب اليسار دوراً مهماً في بناء أشكال تنظيم أفقي غير هرمية، اعتمدت المبادرة الذاتية والتنسيق اليومي والعمل التطوعي. ظهرت خبرة تراكمت عبر سنوات من النضال السري والعلني، في كيفية إدارة التظاهرات، وتنظيم الصفوف، والتعامل مع القمع، وصياغة الشعارات. كما كان لليسار حضور واضح في اللجان الإعلامية، في نقل صورة ما يجري، وفي كسر احتكار الرواية الرسمية، وفي ربط ما يحدث محلياً بسياقه الإقليمي والدولي.

لكن، ورغم هذا الحضور الكثيف والمؤثر عبر موجات الاحتجاج المتعاقبة، بقي اليسار حاضراً كأفراد وكوادر وناشطين، أكثر مما كان حاضراً كقوة سياسية منظمة موحدة ذات قيادة واضحة واستراتيجية معلنة. هذا التناقض بين الحضور الفعلي والضعف التنظيمي الموحد لم يكن تفصيلاً ثانوياً، وإنما شكل أحد مفاتيح الفهم الأساسية. فاليسار كان في قلب الحدث، لكنه لم يكن في موقع قيادته السياسية الشاملة، ولم يتمكن من تحويل حضوره الميداني إلى مرجعية تنظيمية قادرة على توحيد المسار، أو على الأقل طرح أفق تقدمي واضح له.

برأيي ان هذا الوضع لم يكن نتيجة صدفة، وإنما نتاج تراكم طويل من إشكاليات التنظيم، والتردد في التعامل مع أشكال الحراك الجديدة، والخوف من اتهامات الهيمنة أو الوصاية على الشارع. كثير من قوى اليسار فضلت البقاء في موقع الدعم الخلفي، أو الاندماج الكامل في الفعل الاحتجاجي دون إظهار هوية سياسية واضحة، اعتقاداً منها أن ذلك يحمي الاحتجاجات من التشويه، أو يحافظ على طابعها الجماهيري. لكن هذا الخيار، رغم نواياه الحسنة، قد ساهم عملياً في ترك فراغ سياسي وتنظيمي، سرعان ما ملأته قوى أخرى، أو تحول إلى حالة من التشتت واللاقرار.

2. لماذا لم يتحول زخم الحركات الاحتجاجية إلى قوة سياسية يسارية؟

إن السؤال المركزي الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا لم يتمكن اليسار من تحويل هذا الزخم الهائل وهذه التضحيات الجسيمة عبر موجات الاحتجاج المتعاقبة إلى قوة سياسية منظمة قادرة على الاستمرار والتأثير؟ لماذا ضعفت الحركات الاحتجاجية على مستوى النتائج السياسية دون أن تنتج إطاراً يسارياً أو تقدمياً موحداً، أو حتى قوة انتخابية قادرة على اختراق المشهد؟

دخل اليسار العراقي والكردستاني الحركات الاحتجاجية وهو يحمل في داخله انقسامات عميقة وغير محسومة حول طبيعة الحراك نفسه وآلياته. هذه الانقسامات لم تظهر فجأة، لكنها انفجرت بوضوح في سياق هذه الاحتجاجات. الخلاف لم يكن فقط حول التكتيك، وإنما حول الرؤية الاستراتيجية للحراك ذاته. هل يجب الاستمرار في الاحتجاج حتى إسقاط النظام؟ أم الانتقال تدريجياً نحو أشكال تنظيمية أكثر استقراراً؟ وما هي العلاقة بين الساحات والتنظيمات القائمة؟

من خلال متابعاتي لاحظت ثلاثة اتجاهات داخل اليسار. اتجاه رأى ضرورة تحويل زخم الاحتجاج إلى بنية تنظيمية مستدامة، قادرة على حماية المكتسبات والاستمرار بالنضال والمشاركة من خلالها في الانتخابات. اتجاه آخر دعا إلى البقاء في الشارع حتى تحقيق التغيير الجذري، معتبراً أن أي انتقال مبكر نحو التنظيم قد يفرغ الحراك من مضمونه الثوري. واتجاه ثالث تردد بين الخيارين، دون حسم واضح، ما أدى إلى خطاب ملتبس، ومواقف متغيرة، وفقدان البوصلة.

هذا الانقسام لم يدَر بوصفه اختلافاً صحياً داخل إطار موحد، وإنما تحول إلى صراع علني استنزف طاقات كبيرة، وخلق حالة من الارتباك لدى الجماهير المحتجة.

عدم القدرة على بناء تحالفات اجتماعية واسعة

من أبرز نقاط الضعف في تجربة اليسار خلال الحركات الاحتجاجية، وفي تشرين كمثل مهم وحي، عدم قدرته على بناء تحالفات اجتماعية واسعة ومستقرة. صحيح أن الحراك كان متنوعاً بطبيعته، وضم فئات مختلفة، لكن هذا التنوع لم يتحول إلى تحالف منظم. اليسار لم ينجح في مد جسور دائمة وقوية مع الحركات الجماهيرية والمدنية المستقلة، ولا مع النقابات العمالية و المهنية، ولا مع قطاعات اجتماعية واسعة مثل النساء، والعاطلات والعاطلين عن العمل، وسكان الأحياء الفقيرة، والطلبة.

كان لطبيعة الحراك ذاتها دور في هذه الصعوبة. فقد سادت في ساحات الاحتجاج نظرة "اللاتحزب" بقوة، حيث تحفظ كثير من المحتجين والمحتجات من العمل السياسي الحزبي بأشكاله كافة، نتيجة تجارب سلبية متراكمة مع الأحزاب التقليدية. هذا الموقف، وإن كان مفهوماً في سياقه، خلق حاجزاً نفسياً أمام أي محاولة لبناء أطر تنظيمية، حتى لو كانت مستقلة ومرنة. اليسار لم يتمكن من تقديم نموذج تنظيمي بديل يكسر هذا التحفظ، ويقنع المحتجين بأن التنظيم ليس بالضرورة هيمنة حزبية، وإنما أداة ضرورية لحماية الحراك واستدامته.

جزء من هذه النتائج يعود إلى القمع والقيود المفروضة، لكن جزءاً آخر يعود إلى ضعف العمل القاعدي طويل النفس، وإلى الميل للاكتفاء بالحضور في لحظة الانفجار، دون بناء تنظيم مستدام قبلها وبعدها. على عكس تجارب عالمية عديدة، حيث شكلت النقابات والحركات الاجتماعية العمود الفقري للتحالفات اليسارية، بقيت هذه القوى في العراق إما محاصرة، أو مهمشة وضعيفة، أو خارج الحسابات الفعلية.

النتيجة أن الحركات الاحتجاجية والمطلبية، رغم عظمتها، بقيت إلى حد كبير حركة بلا امتداد تنظيمي موحد على صعيد البلد، وبلا ذراع قادر على حمايتها، واستثمار زخمها، والدفاع عن مكتسباتها. وهذا ما سهل على السلطات، مع مرور الوقت، تفكيكها بالقمع، والاغتيالات، والاختراقات، والارهاق النفسي والاجتماعي، وإعادة ترتيب أوراقها.

3. هل يمكن للحركة الاحتجاجية وحدها أن تحقق التغيير؟

التجارب التاريخية تؤكد أن الاحتجاج شرط ضروري للتغيير، لكنه غير كافٍ. الاحتجاج يفتح النافذة، لكنه لا يضمن عبور الضوء. بدون تنظيم سياسي قادر على استثمار اللحظة، تتحول الاحتجاجات إما إلى انفجارات متكررة بلا نتائج، أو إلى حركات يتم احتواؤها أو قمعها.

في الربيع العربي، سقطت أنظمة واهتزت سلطويات راسخة، لكن غياب البديل المنظم حول لحظة الشارع إلى فراغ سياسي، ففتحت الطريق أمام الفوضى أو عودة الاستبداد بصيغ جديدة. المشكلة لم تكن في الجماهير، بل في ترك الانتفاضات بلا أفق طبقي وتنظيمي. في المغرب، كشفت انتفاضة جيل Z في المغرب 2025 هذا التناقض، جيل احتج على الغلاء والتهميش مستخدماً أدوات رقمية وخطاباً اجتماعياً مباشراً، لكنه اصطدم بحدود الفعل غير المؤطر سياسياً، فتم تفريغ الغضب دون تحول بنيوي. في أميركا اللاتينية، نجحت الحركات حين جمعت بين الشارع وصناديق الاقتراع، وحافظت على الضغط الجماهيري والتنظيم القاعدي. في أوروبا، خرجت أشكال تنظيم جديدة من رحم الاحتجاجات، أعادت تعريف العلاقة بين الشارع والمؤسسات، وخلقت توازنات جديدة داخل النظام القائم. هذه التجارب تؤكد أن الاحتجاج وحده لحظة ناقصة ما لم يتحول إلى قوة منظمة ذات أفق اجتماعي تحرري.

الدرس واضح من التجربة العراقية والتجارب الإقليمية والعالمية: الاحتجاج يخلق الفرصة، لكن التنظيم السياسي هو من يحولها إلى تغيير فاعل ومؤثر وجذري.

ثانياً: الانتخابات كآلية للتغيير، قراءة في التجربة

1.  قراءة نقدية في نتائج انتخابات 2025

لم يكن عدم حصول القوائم اليسارية والتقدمية على أي مقعد برلماني في انتخابات نوفمبر 2025 مجرد نتيجة انتخابية سلبية، وإنما كان تعبيراً مكثفاً عن إشكاليات بنيوية تتطلب المعالجة في العلاقة بين اليسار والمجتمع، وفي أدوات العمل السياسي المستخدمة. هذه النتيجة لا يمكن تفسيرها فقط بالقانون الانتخابي المجحف، ولا بسيادة المال السياسي، ولا بالتزوير والتلاعب، رغم أن كل هذه العوامل حقيقية ومؤثرة جدا. ما حدث هو نتيجة تفاعل هذه العوامل مع إشكاليات تنظيمية داخلية، لم يتمكن اليسار من خلاله تحويل عدالة مشروعه إلى خيار جماهيري مقنع.

إشكاليات الموارد

الاهم كان الفارق الهائل في الموارد والإمكانيات. فمقابل الإمكانيات المحدودة جداً لليسار، كانت القوى المتنفذة تمتلك موارد مالية ضخمة، وماكينات انتخابية متطورة، وشبكات واسعة من المحسوبية والمنافع. ضعف التمويل لدى اليسار، وضعف البنية التحتية الانتخابية من مكاتب محلية ومندوبين وحملات إعلامية وميدانية منظمة، جعل المنافسة غير متكافئة إلى حد بعيد. في مواجهة قوى تمتلك المال السياسي والنفوذ الإداري والإعلامي، بدت الإمكانيات اليسارية المتواضعة عاجزة عن خلق توازن حقيقي في المعركة الانتخابية.

هذا الواقع ساهم في استمرار الحضور الهامشي لليسار مقارنة بالقوى المتنفذة، وأضعف العملية الانتخابية ذاتها، وعزز الشعور بالعجز حتى لدى المؤيدين والمؤيدات أنفسهم.

تحديات الخطاب والتواصل: من النظرية إلى الواقع

كانت تحديات الخطاب والتواصل واضحة وكاشفة. استمر الخطاب الانتخابي لقوى اليسار في معظم الاحيان في استخدام لغة نظرية نخبوية، غير متجذرة في الواقع اليومي الملموس للجماهير. بدت كثير من البرامج الانتخابية أقرب إلى بيانات فكرية مطولة منها إلى خطط عمل سياسية واضحة. لكن المشكلة الأعمق لم تكن في اللغة فحسب، وإنما في المنهج نفسه: الانطلاق من النظريات نحو الواقع، بدلاً من الانطلاق من الواقع الملموس نحو فهمه وتغييره. فبدلاً من الاستماع لمعاناة الناس اليومية وبناء البرنامج انطلاقاً منها، جاءت البرامج محملة بتصورات جاهزة عما "يجب" أن يكون، دون اعتبار كافٍ لما هو ممكن في ظل موازين القوى الطبقية والسياسية القائمة.

لم يتم تبسيط الرسالة، ولم تترجَم الشعارات الكبرى إلى إجابات مباشرة على أسئلة الناس اليومية حول العمل، والراتب، والكهرباء، والصحة، والتعليم، والسكن. والأخطر من ذلك أن اليسار استمر في طرح "الحلول المطلوبة"، دون تقديم "الحلول الممكنة" العملية والتدريجية التي يمكن تحقيقها في المدى القريب. فالجماهير لا تبحث فقط عن رؤية مثالية للمستقبل، وإنما عن خطوات واضحة قابلة للتطبيق تحسن حياتها اليوم، وتمنحها الأمل بأن التغيير ممكن فعلاً. في سوق سياسي يعتمد على الصورة والرسالة السريعة والتواصل المباشر، بدا اليسار وكأنه يخاطب نفسه أو يخاطب تياراً يسارياً آخر يختلف معه، أكثر مما يخاطب شغيلات وشغيلة اليد والفكر بلغتهم البسيطة وبحلول تلامس واقعهم المعاش.

التشتت والارتباك: مظاهر الأزمة في انتخابات 2025

في انتخابات 2025، لم يكن الفشل ناتجاً فقط عن ضعف الأصوات، وإنما عن تشتتها وعن حالة التشوش التي رافقت المشهد اليساري. قاطع جزء من اليسار الانتخابات، وهو خيار مفهوم في ظل فقدان الثقة بالعملية السياسية وحدودها، لكنه عملياً ساهم في زيادة الارتباك الجماهيري بدلاً من أن يتحول إلى موقف تعبوي منظم.

 لكن التشوش لم يأتِ من الخارج فقط؛ فحتى داخل الأحزاب اليسارية المشاركة نفسها، قاطعت نسبة كبيرة من أعضائها وعضواتها الانتخابات، ما عكس عمق الأزمة التنظيمية والسياسية وفجوة الثقة بين القواعد والقيادات. في المقابل، القوى اليسارية المشاركة كانت موزعة على قوائم متعددة، ببرامج متقاربة وخطابات متشابهة. هذا التشتت لم ينتج تنوعاً خلاقاً، وإنما ارباكاً جماهيرياً. فالجماهير لا تبحث عن تعدد صيغ متشابهة للمشروع اليساري، وإنما عن بديل واحد واضح يمكن الوثوق به وفهمه والدفاع عنه. وحين تقدَم لها نسخ متعددة من المشروع نفسه دون إطار جامع أو أفق مشترك، تتحول العدالة ذاتها من وعد تحرري إلى مصدر ارتباك.

فجوة الثقة الجماهيرية

أما فجوة الثقة الجماهيرية، فهي الأكثر خطورة. الجماهير لم تصوت لخصوم اليسار بالضرورة، لكنها في الغالب لم تر في اليسار بديلاً واضحاً ومتماسكاً. كثير من الناس شاركوا في الاحتجاجات الجماهيرية، وقدموا تضحيات جسيمة، لكنهم لم يجدوا في الانتخابات تعبيراً سياسياً عن تلك التجربة. لم يجدوا من يقول لهم بوضوح: نحن امتداد لذلك، وهذه هي خطتنا، وهذه هي أولوياتنا، وهذه هي أدواتنا.

يضاف إلى ذلك أن مشاركة بعض القوى اليسارية في حكومات ما بعد 2003، رغم محدودية تأثيرها الفعلي في صنع القرار، خلقت لدى قطاعات من الجماهير انطباعاً بارتباط جزء من اليسار بالمنظومة السياسية القائمة. هذا الانطباع، وإن كان لا يعكس حقيقة الدور الفعلي أو النوايا، ساهم في إضعاف صورة اليسار كبديل جذري معارض خارج السلطة. الجماهير المحتجة، التي خرجت ضد المنظومة بأكملها، كانت تبحث عن قوة سياسية لا لبس في موقعها من السلطة، قوة لم تتلوث بأي شكل من أشكال المشاركة في نظام المحاصصة والفشل الحكومي المتراكم. هذا الفراغ لم يملأه أحد، فبقيت صناديق الاقتراع شبه خالية من الصوت اليساري.

التحدي الرقمي والضعف في استثمار الثورة التكنولوجية

ربما كانت إحدى أخطر نقاط الضعف في التجربة الانتخابية لليسار في العراق واقليم كردستان هي لم يستثمر في الثورة الرقمية واستخدامها بفعالية. في عصر تدار فيه جزء كبير من المعارك السياسية عبر الفضاءات الرقمية، وتصاغ فيه الرأي العام من خلال المنصات الاجتماعية، بقي اليسار يعمل بأدوات تقليدية تحتاج تطوير. صحيح أن بعض القوى اليسارية امتلكت مواقع الكترونية وحسابات على وسائل التواصل، لكن الحضور الرقمي لم يكن فاعلا بالمستوى المطلوب، ولا منظماً، ولا قادراً على المنافسة. لم تبنَ فرق محتوى متخصصة، ولا أدوات لتحليل التفاعل وقياس الأثر، ولا خطط لمواجهة الحملات المضادة أو التشويه الممنهج. في الوقت الذي كانت فيه القوى المنافسة تستثمر بشكل فاعل في الإعلانات الموجهة، والبيانات الضخمة، وتقنيات التأثير النفسي، كان اليسار يكتفي بمنشورات وبيانات نصية طويلة، لا تصل إلى الجمهور المستهدف. هذا التأخر لم يكن تقنياً فحسب، وقد عكس فجوة في فهم طبيعة الصراع المعاصر، حيث لم يعد كافياً امتلاك الحق، بل يجب امتلاك القدرة على إيصاله بلغة العصر وأدواته.

إشكالية تمثيل النساء في القيادات اليسارية

هنا تبرز إشكالية عميقة في تمثيل النساء ضمن الهيئات القيادية لليسار في كافة التنظيمات، رغم أنهن يشكلن أكثر من نصف المجتمع، ورغم حضورهن الفاعل والمؤثر في القواعد التنظيمية والعمل الميداني. النساء كن جزءاً أساسياً من البنية الاحتجاجية، ودفعن ثمناً باهظاً من التضحيات. وفي التنظيمات اليسارية نفسها، تشكل النساء نسبة لا بأس بها من الكوادر الفاعلة، ومن القيادات الفعلية على مستوى القواعد والمحافظات. لكن هذا الحضور الميداني الكثيف لم ينعكس بشكل عادل على مستوى الهيئات القيادية العليا، حيث يبقى تمثيل النساء محدوداً، وأحياناً رمزياً، دون صلاحيات حقيقية في صنع القرارات المهمة التي تبقى في الغالب بيد الرجال. هذا التناقض بين الدور الفعلي والتمثيل الرسمي لا يضعف اليسار تنظيمياً فحسب، وإنما يفقده جزءاً كبيراً من مصداقيته في الحديث عن العدالة والمساواة. القضية ليست أخلاقية فقط، وإنما سياسية وفكرية: كيف يمكن لليسار أن يطالب بتغيير المجتمع وهو لم يحقق المساواة داخل بناه؟ وكيف يمكنه أن يكسب ثقة النساء في المجتمع وهن يرين أنفسهن مغيبات عن مراكز القرار الفعلي داخل تنظيماته؟

إشكالية تمثيل الشباب وضعف القيادات الشابة عن مراكز القرار

 تعاني قوى اليسار من تحد كبير في تمثيل الشباب داخل بنيتها القيادية. رغم ان معظم الاحتجاجات الجماهيرية هي في جوهرها انتفاضات شبابية، قادها جيل جديد بأدوات جديدة ووعي مختلف، الا ان هذا الواقع لم ينعكس على بنية القيادات اليسارية وصنع القرار فيها. معدل اعمار القيادات المعلنة في معظم التنظيمات اليسارية يتجاوز الستين عاما، وحتى في الحالات التي يشارك فيها الشباب في مواقع تنظيمية، فان حضورهم يبقى غالبا خارج الواجهة السياسية، ودون دور مركزي وحاسم في رسم الاستراتيجيات او اتخاذ القرار.

هذا الخلل لم يكن مسألة اعمار فقط، وانما انفصال في اللغة، والادوات، وفهم التحولات الاجتماعية العميقة. الشباب الذين خاضوا الاحتجاجات والمظاهرات المطلبية بأجسادهم، وصنعوا خطابها بأصواتهم، وجدوا أنفسهم غالباً في ادوار التنفيذ والعمل الميداني، دون مشاركة فعلية في التخطيط وتحديد الاتجاه العام. هذا التهميش البنيوي، حتى عندما لم يكن مقصودا، دفع كثيرين منهم الى العزوف عن الاطر التقليدية، والبحث عن اشكال تنظيم بديلة أكثر افقية ومرونة. النتيجة ان اليسار لم يستثمر جزءا كبيرا ومهما من طاقته التجديدية، وبقي محبوسا في دائرة اعادة انتاج نفس الانماط القيادية، بينما الجيل الذي كان يفترض ان يكون في القلب، ظل على الهامش او خارج اطر اليسار.

2. هل الانتخابات آلية غير صالحة للتغيير؟

يميل جزء من اليسار إلى اعتبار الانتخابات في العراق اداة عقيمة، او مسرحية محسومة النتائج سلفا. هذا التقييم يستند الى وقائع حقيقية، لكنه يصبح اشكاليا عندما يتحول الى موقف مبدئي ثابت، غير قابل للنقاش او المراجعة. الانتخابات، بوصفها الية، ليست تقدمية ولا رجعية بحد ذاتها. هي ساحة صراع، يمكن استخدامها لتعزيز الهيمنة، كما يمكن استخدامها لاختراقها، بدرجات متفاوتة.

التجارب العالمية تثبت ان اليسار نجح في اختراق انظمة انتخابية أكثر قسوة، عندما امتلك استراتيجية واضحة. في اميركا اللاتينية، وفي اماكن اخرى من الجنوب العالمي، لم تكن الانظمة اقل تعقيدا او هيمنة، لكن اليسار تمكن من تحويل الانتخابات الى اداة من بين ادوات اخرى، لا بديلا عن النضال الاجتماعي، ولا نقيضا له. المشكلة في العراق لم تكن في الانتخابات وحدها، وانما في كيفية دخولها، وباي ادوات، وباي خطاب، وباي تحالفات، وعند الحصول على المقاعد كيف تكون اليات العمل داخل البرلمان.

الانتخابات لا تصنع التغيير الجذري بمفردها، لكنها يمكن ان تكون احدى ساحاته. رفضها المطلق قد يكون موقفا اخلاقيا، لكنه سياسيا قد يؤدي الى العزلة. المشاركة غير المدروسة قد تؤدي الى الاحتواء. التحدي الحقيقي هو بناء قدرة على استخدام هذه الالية دون الوقوع في فخها، اي ربطها بحركة جماهيرية اجتماعية حية، وبرنامج واضح، وتنظيم قوي، يحول كل مكسب صغير الى رافعة أكبر.

ثالثاً: تشتت النقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية وضعف الاستقلالية

من اهم الاشكاليات البنيوية العميقة التي اثرت على قدرة اليسار العراقي في بناء قاعدة اجتماعية واسعة ومستقرة، التشتت الحاد في المنظمات الجماهيرية، وخاصة النسوية والطلابية والنقابات والاتحادات العمالية والمهنية. هذا التشتت كان جزء مهم منه نتيجة مباشرة لمنهج عمل سائد لدى معظم قوى اليسار، يقوم على بناء نقابات ومنظمات جماهيرية كواجهات سياسية مباشرة لها، وليس كمنظمات مستقلة حقيقية تعبر عن مصالح قطاعاتها الاجتماعية.

كان من المفترض الحذر من هذا النهج، خاصة في بلد له تجربة مريرة مع النقابات المسيَسة إبان الحقب الدكتاتورية السابقة، حيث تحولت إلى أدوات للسيطرة بدلاً من تمثيل مصالح الجماهير. الموقف السلبي من النقابات المسيَسة ما زال حاضراً في الذاكرة الشعبية، وما زالت السلطة في بغداد والإقليم تتبع النهج نفسه. لكن الحل لم يكن أن يقوم اليسار بالمثل، وإنما أن يكسر هذا النمط ويقدم نموذجاً مختلفاً يقوم على الاستقلالية الحقيقية والديمقراطية والتعددية.

منظمات الواجهة والبديل المستقل

ركزت معظم التنظيمات اليسارية على إنشاء نقاباتها واتحاداتها ومنظماتها الخاصة، وأحياناً أنشأ الحزب الواحد أكثر من منظمة في القطاع نفسه لأسباب تتعلق بالصراعات الداخلية. النتيجة كانت مشهداً مفككاً من عشرات المنظمات الصغيرة، كل منها تدعي تمثيل نفس القطاع، لكن دورها يبقى محدوداً ومرتبطاً بقوة الحزب الذي يقف خلفها. هذا النهج أضعف المنظمات من مضمونها الحقيقي: النقابة التي تبنى لخدمة حزب معين تفقد قدرتها على تمثيل العمال بتنوعهم، والمنظمة النسوية تفقد قدرتها على جذب نساء من خارج دائرة الحزب، والاتحاد الطلابي يصبح ساحة للصراعات الحزبية.

إن بناء نقابة مستقلة واحدة قوية تضم عشرات الآلاف، أفضل ألف مرة من بناء مجموعة نقابات صغيرة تابعة لأحزاب يسارية مختلفة. النقابة المستقلة ستدافع عن الحقوق بفعالية أكبر، وستكسب ثقة أوسع، وستخلق مناخاً أكثر تقدمية، وهذا يصب في صالح المشروع اليساري، حتى لو لم تكن لليسار سيطرة مباشرة على قيادتها وعلى عملها.

الاتفاقيات الدولية كقاعدة عملية لبناء نقابات واتحادات ديمقراطية مستقلة

كان الاجدى توجيه الجهود نحو بناء نقابات واتحادات عمالية ومهنية مستقلة حقيقيا، الى جانب منظمات جماهيرية ونسوية مستقلة، تستند في عملها الى المواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الانسان والعمال والمرأة. من بينها الاعلان العالمي لحقوق الانسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقيات منظمة العمل الدولية الاساسية المتعلقة بالحرية النقابية وحق التنظيم، فضلا عن اتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة، وما يرتبط بها من معايير ملزمة لحماية حقوق النساء وضمان مساواتهن الكاملة. كما تشكل هذه الاتفاقيات مرجعية اساسية لعمل المنظمات النسوية المستقلة، بوصفها اطرا قانونية دولية تعترف بحقوق النساء السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتمنح نضالهن بعدا شرعيا يتجاوز السياقات المحلية الضيقة.

ما يرد في هذه الاتفاقيات والمعايير الدولية يتجاوز في كثير من الاحيان ما تطرحه قوى اليسار نفسها من مطالب متقدمة، سواء على صعيد الحقوق العمالية والجماهيرية وحقوق النساء. الاستناد الى هذه المرجعيات لا يوفر اطارا قانونيا واخلاقيا قويا للنضال النقابي والنسوي فحسب، وانما يساهم ايضا في تقليص حساسية واتهامات التسييس الحزبي داخل النقابات والاتحادات والمنظمات الجماهيرية، لان المطالب تتحول من شعارات ايديولوجية عامة الى حقوق معترف بها دوليا، وقابلة للدفاع عنها امام المجتمع والسلطات على حد سواء.

الوعي الجديد وضرورة إعادة النظر

غياب النقابات والاتحادات والمنظمات القوية والمستقلة أضعف اليسار بشكل كبير. فعندما جاءت اللحظات الحاسمة، وجد نفسه في فراغ تنظيمي: لا نقابات قادرة على تحويل التظاهرات والاحتجاجات إلى إضرابات تشل الاقتصاد، ولا حركة طلابية موحدة، ولا منظمات نسوية واسعة النفوذ. بدلاً من ذلك، عشرات المنظمات الصغيرة المتنافسة.

الجماهير، خاصة الشباب والشابات في ساحات الاحتجاج، لم تعد تثق بنقابات ومنظمات "الواجهة"، وفضلت أشكال التنظيم الأفقية والمبادرات المستقلة. بل أن جزءاً كبيراً بات ينفر من التنظيمات الحزبية عموماً، وهي ظاهرة تستحق الدراسة بدلاً من مواجهتها بالرفض. الزمن تغير، والجماهير اليوم تتجه نحو المنظمات المستقلة المتعددة المنابر والتي تحترم استقلاليتها ولا تفرض خطوطاً حزبية جاهزة. هذا يفرض إعادة نظر جذرية. الخيار لم يعد بين بناء واجهة تابعة أو عدم العمل الجماهيري، بل بين الاستمرار في التشتت أو الانتقال لدعم نقابات واتحادات مستقلة قوية، يعمل فيها اليساريون كأفراد ملتزمين بقضايا قطاعاتهم.

المفارقة المؤلمة هي أن اليسار يدعو لوحدة الجماهير الكادحة، لكن هذه السياسة أدت من غير قصد إلى تشتت الجهود. الطريق إلى الوحدة لا يمر عبر تعدد المنظمات التابعة، بل عبر بناء نقابات واتحادات ومنظمات مستقلة قوية تجمع الجميع، بغض النظر عن انتماءاتهم الفكرية والقومية والدينية، حول مصالحهم المشتركة.

رابعاً: نحو استراتيجية متكاملة، الجمع بين المسارات، وتوحيد اليسار

1. تجاوز الاختزال: الاحتجاج والانتخابات والتنظيم النقابي

من أبرز التحديات التي واجهت اليسار العراقي خلال الحركات الاحتجاجية الأخيرة، التعامل مع سؤال: هل الأولوية للانتخابات أم للاحتجاج؟ هذا السؤال، بصيغته هذه، يمكن أن يعكس قصوراً في التفكير الجدلي، وفي فهم التغيير بوصفه عملية مركبة متعددة المستويات والأدوات. فالتاريخ لا يقدم أمثلة على تغيير اجتماعي عميق تحقق عبر آليات نقية ومعزولة، وإنما عبر تداخل مستمر بين الشارع، والتنظيم، والمؤسسات، والنضال اليومي.

الاحتجاج، مهما بلغ حجمه، يحتاج إلى أدوات أخرى لتفكيك منظومة معقدة تمتلك الدولة، والسلاح، والمال، والإعلام. وفي المقابل، الانتخابات، مهما كانت نوايا المشاركين فيها، تحتاج إلى ضغط اجتماعي منظم ومستمر لتكون أداة تغيير فعلية. السؤال الأهم ليس أيهما نختار، وإنما كيف نبني استراتيجية تستخدم كل أداة في موقعها، وتربط بينها ضمن رؤية واحدة.

الاستراتيجية المتكاملة تعني وجود حركة احتجاجية مستمرة، غير موسمية، ذات مطالب واضحة، وقادرة على التنظيم الذاتي من خلال نقابات واتحادات جماهيرية مستقلة حقيقياً (وهو ما يتطلب تجاوز نهج "منظمات الواجهة" الحزبية، والتوجه نحو بناء تنظيمات نقابية ديمقراطية تمثل قواعدها فعلياً وليس أجندات حزبية)، وفي الوقت نفسه وجود مشروع يساري سياسي انتخابي موحد، لا بوصفه بديلاً عن الشارع، وإنما امتداداً له. وتعني أيضاً العمل داخل المجتمع، في النقابات، والاتحادات، والأحياء، والجامعات، ومواقع العمل، بوصفها ساحات نضال يومي، لا تقل أهمية عن الساحات العامة أو البرلمان. هذا الدرس يحتاج إلى مزيد من الاستيعاب من التجربة العراقية عبر موجات الاحتجاج المتعاقبة، لتجنب تكرار نفس الإشكاليات في كل لحظة احتجاجية جديدة.

2. دروس من التجارب العالمية للعمل المشترك

التجارب العالمية خلال العقود الأخيرة تقدم دروساً واضحة حول جدوى الجمع بين الاحتجاج والتنظيم والعمل الانتخابي، لا كمسارات متناقضة، وإنما كحلقات في مسار واحد.

في أميركا اللاتينية، لم تصل قوى اليسار إلى السلطة أو إلى مواقع مؤثرة إلا بعد مسار طويل من الاحتجاجات الاجتماعية، التي أنتجت وعياً جديداً، ثم جرى تنظيمه سياسياً.

في كولومبيا، واجه اليسار تاريخاً طويلاً من القمع والعنف. ومع ذلك، لم يتراجع إلى عزلة احتجاجية دائمة، وإنما عمل على بناء تحالف واسع ضم قوى يسارية، ونسوية، وبيئية، ونقابات عمالية وحركات اجتماعية. هذا العمل المشترك، القائم على برنامج حد أدنى واضح، سمح بتحويل الغضب الاجتماعي إلى قوة انتخابية، أوصلت اليسار إلى الرئاسة للمرة الأولى في تاريخ البلاد. الدرس هنا أن الوحدة، حتى بين قوى مختلفة أيديولوجياً، تصبح ممكنة عندما يتم الاتفاق على أولويات ملموسة تمس حياة الجماهير.

في البرازيل، لم يكن إسقاط اليمين المتطرف ممكناً دون تحالف واسع تجاوز الحدود التقليدية لليسار. حزب العمال، رغم قوته التاريخية، أدرك أن العودة إلى السلطة لا تمر فقط عبر قاعدته التقليدية، وإنما عبر بناء جبهة تقدمية واسعة، تستند إلى النقابات، والحركات الاجتماعية، وقطاعات من الطبقة الوسطى. هذا الجمع بين العمل الجماهيري والتنظيم الانتخابي أعاد التوازن السياسي، وأثبت أن البراغماتية النضالية لا تعني التخلي عن المبادئ، وإنما حماية جوهر المشروع.

في تشيلي، ومع الفشل في الانتخابات الاخيرة عام 2025، لم يختف اليسار من المشهد، بل ما زال يحتفظ بحضور اجتماعي ملموس، مستندا الى تحالفاته الواسعة، ودور النقابات والاتحادات، وشبكات العمل الاجتماعي. هذا الحضور يجد جذوره في انتفاضة 2019 ضد النيوليبرالية، التي فتحت الطريق امام اعادة تشكيل المشهد السياسي. غير ان ما حسم المسار لم يكن الشارع وحده، بل القدرة على تحويل هذا الزخم الاجتماعي الى تحالف انتخابي منظم، قاد الى فوز بوريك بالرئاسة. ورغم الانتكاسات اللاحقة وحدود التجربة داخل مؤسسات الدولة، بقي التحالف قائما كقوة سياسية، لان الشارع لم يكن معزولا عن التنظيم، ولان الاحتجاج ارتبط بدور النقابات والاتحادات والعمل الاجتماعي المنظم، ما سمح بالحفاظ على حضور اجتماعي فعلي حتى في لحظات التراجع الانتخابي.

في أوروبا، تظهر تجربة القائمة الموحدة في الدنمارك كنموذج دال. ثلاثة أحزاب يسارية صغيرة، عاجزة منفردة عن اختراق البرلمان، قررت الاندماج في إطار واحد. لم تلغِ اختلافاتها، لكنها أدارتها ضمن بنية مرنة، سمحت بتوحيد الجهد الانتخابي، وبناء حضور جماهيري مستدام. النتيجة كانت انتقال اليسار من الهامش إلى موقع مؤثر، دون أن يتخلى عن جذريته الاجتماعية.

ما يجمع هذه التجارب هو إدراكها أن التغيير لا ينتج من أداة واحدة، ولا من لحظة واحدة، وإنما من تراكم وعمل موحد ومنظم، يجمع بين الغضب الاجتماعي، والتنظيم السياسي، والعمل اليومي داخل المجتمع. كما أن جميعها واجهت انتكاسات وإخفاقات، لكنها لم تعد إلى نقطة الصفر، لأنها بنت أطراً تنظيمية قادرة على التعلم والتكيف.

2. ما الذي يعنيه هذا لليسار العراقي؟؟ ضرورة التقييم العلمي والتجديد الشامل

اليسار العراقي ليس استثناءً من قوانين الصراع الاجتماعي. ما لم ينجح هنا نجح في أماكن أخرى، ليس لأن تلك المجتمعات أفضل أو أسهل، وإنما لأن قوى اليسار فيها امتلكت الشجاعة لإجراء تقييم علمي نقدي لتجاربها، واستثمار التطور المعرفي والأدوات الرقمية الحديثة في فهم الواقع وقياس الأثر، وامتلكت المرونة الكافية لتجديد أدواتها وتطوير خطابها وأشكالها التنظيمية بما يتناسب مع التحولات الاجتماعية. العراق يمتلك طاقات هائلة، ووعياً متقدماً، وتجربة احتجاجية عميقة. ما ينقصه ليس الغضب، وإنما التنظيم، وليس الشجاعة، وإنما المنهج العلمي في التقييم والاستعداد للتجديد الجذري.

ما هو مطلوب اليوم هو تقييم علمي شامل لتجربة اليسار العراقي، يستند إلى تحليل معمق للبيانات المتاحة، وإلى استطلاعات حقيقية لآراء الجماهير وتوجهاتها، وإلى دراسة دقيقة لموازين القوى الطبقية والسياسية. التقييم العلمي لا يعني الاكتفاء بالانطباعات أو التفسيرات الجاهزة، وإنما يتطلب استخدام أدوات التحليل الحديثة، من علوم البيانات إلى الدراسات الاجتماعية الميدانية، لفهم لماذا فشلنا أين نجحنا، وأين أخطأنا، وما الذي يمكن تصحيحه. هذا التقييم يجب أن يقود إلى تجديد فكري وسياسي وتنظيمي عميق، لا يخشى من مراجعة المسلمات القديمة، ولا يتردد في اقتراح حلول جديدة تتسم بالمرونة والقدرة على التكيف مع الواقع المتغير.

المطلوب ليس النقل الميكانيكي لتجارب الآخرين، وإنما الاستفادة منها بما يتناسب مع واقعنا الخاص، وموازين القوى الطبقية والسياسية في العراق وإقليم كردستان، وخصوصية التركيبة الاجتماعية والتاريخ النضالي المحلي. كل تجربة لها سياقها، لكن القوانين العامة للنضال الاجتماعي تبقى صالحة: التوحد، التنظيم، الجمع بين أدوات النضال المختلفة، والارتباط العضوي بالجماهير. والأهم من ذلك، القدرة على التعلم المستمر، والتقييم الدوري، والتطوير الذاتي بناءً على الخبرة المتراكمة والمعطيات الجديدة.

إن الجمع بين الاحتجاج والانتخابات، بين الشارع والمؤسسات، هو ضرورة عملية ملحة مستمدة من قراءة الواقع وموازين القوى. بدون هذا الجمع، سيبقى اليسار يدور في حلقة مفرغة: انفجارات احتجاجية قوية في الشارع لكن محدودة الأثر السياسي المستدام، ومشاركات انتخابية ضعيفة لأنها منفصلة عن قاعدة اجتماعية منظمة.

خامساً: بناء إطار يساري موحد، الضرورة والإمكانيات

لم تعد مسألة بناء إطار يساري موحد في العراق مسألة نظرية أو ترف سياسي نخبوي، وإنما تحولت إلى ضرورة تاريخية انية تفرضها موازين القوى، ونتائج التجارب، وحدود الاستمرار بالصيغة الراهنة. فالتشتت لم يعد مجرد ضعف، وقد أصبح عائقاً فعلياً أمام أي إمكانية للتأثير، ومصدراً دائماً لفقدان الثقة الجماهيرية. التجربة أثبتت أن اليسار، وهو يعمل كجزر منفصلة متصارعة، لم يتمكن من تحويل حضوره الاجتماعي والفكري إلى قوة سياسية منظمة، مهما بلغت عدالة خطابه أو عمق تضحياته.

الإطار الموحد لا يعني إلغاء الاختلافات الفكرية والتنظيمية، ولا صهر الجميع في حزب واحد مغلق. التجارب العالمية تثبت أن الأطر الواسعة الناجحة هي تلك التي أدارت التعدد داخلها، لا تلك التي قمعت الاختلاف. المطلوب هو إطار يقوم على برنامج حد أدنى مشترك، يحدد الأولويات العاجلة، ويترك المسائل النظرية الخلافية للنقاش الديمقراطي، دون أن تتحول إلى سبب للشلل.

هذا الإطار يجب أن يكون مفتوحاً أمام الأحزاب والتنظيمات، كما أمام الأفراد من الناشطين والناشطات غير المنتمين تنظيمياً. نسبة كبيرة من اليساريين واليساريات اليوم يعملون خارج الأطر الحزبية التقليدية، إما بسبب سياسات تنظيمية خاطئة، أو بسبب رفضهم للأشكال التنظيمية الموجودة حاليا أو لأسباب اخرى.

خارطة طريق، أسس عملية لإطار يساري موحد

من يضم التحالف؟ الاتحاد على اساس العمل الاجتماعي لا على الهوية الايديولوجية

الإطار الموحد المنشود يجب أن يكون مفتوحاً وجامعاً، يضم كل القوى اليسارية والتقدمية في العراق وإقليم كردستان، دون استثناء أو إقصاء. هذا يعني الأحزاب والتنظيمات اليسارية بمختلف تياراتها، الشيوعية والاشتراكية والتقدمية والمدنية. كما يضم المنظمات الجماهيرية، من نقابات عمالية ومهنية، واتحادات طلابية، ومنظمات نسوية، وجمعيات حقوقية وبيئية ومدنية، التي تشترك في الرؤية التقدمية والنضال من أجل أكبر قدر ممكن من العدالة الاجتماعية والمساواة. والأهم، أن يكون الإطار مفتوحاً أمام المستقلين والمستقلات، الناشطين والناشطات الذين لا ينتمون لأي تنظيم حزبي، لكنهم يؤمنون بالمشروع ويعملون من أجله.

المعيار هنا ليس الانتماء الأيديولوجي، وإنما الممارسة الفعلية: كل من يعمل ويساهم في تغيير حياة الجماهير نحو الأفضل، ويناضل من أجل المساواة والعدالة الاجتماعية والحقوق والكرامة الإنسانية، هو جزء من معسكر اليسار، بغض النظر عن التسمية التي يحملها أو الخلفية الفكرية التي ينطلق منها. اليسار ليس هوية أيديولوجية مغلقة، وإنما موقف عملي من الواقع، وخيار واضح في الانحياز للجماهير الكادحة. ولابد من إدارة هذا التحالف الواسع ضمن بنية ديمقراطية واضحة، تحترم الخصوصيات، وتبني على المشترك، وتوجه الجميع نحو هدف واحد: تغيير موازين القوى لصالح شغيلات وشغيلة اليد والفكر في كل أنحاء العراق وإقليم كردستان.

اسم بسيط وهوية جامعة

الإطار الموحد يحتاج إلى اسم بسيط، مفهوم، يعبر عن جوهر المشروع دون أن يحمل أعباء المسميات التقليدية التي باتت محملة بتاريخ من الانقسامات والتأويلات المتضاربة. اسم بسيط قريب من الجماهير مثل (تحالف الخبز والحرية) أو غيره من الأسماء الجامعة، يحمل مباشرة معنى المشروع، ويخاطب الجماهير بلغتها اليومية. الهدف ليس إخفاء الهوية اليسارية، وإنما تقديمها من خلال مضمونها العملي، لا من خلال تسمياتها التاريخية. تجارب عالمية عديدة أثبتت أن الأسماء البسيطة، التي تنطلق من المطالب الملموسة، تنجح في بناء جسور أوسع مع المجتمع، وتتجاوز الحواجز النفسية التي خلقتها عقود من الاستقطاب والتشويه الممنهج لكل ما يحمل اسم "اليسار" أو "الشيوعية" أو "الاشتراكية".

برنامج حد أدنى واضح ومباشر

برنامج يركز على ما هو ممكن التحقيق في المدى القريب، دون التخلي عن الأفق الاستراتيجي. خدمات أساسية، عمل، ضمان اجتماعي، حقوق النساء كاملة، تحييد الدين عن الدولة، حماية الحريات، وأكبر قدر ممكن من العدالة الاجتماعية. برنامج قصير، مفهوم، قابل للشرح في الشارع، لا وثيقة نظرية مفصلة. برنامج يبنى من الواقع، ويطور ويعدل باستمرار من خلال الحوار المفتوح مع القواعد الجماهيرية والاستماع لتجاربها اليومية.

بنية تنظيمية مرنة

قيادة جماعية تداولية، لا تتركز فيها السلطة بيد أشخاص أو تنظيمات بعينها. أشكال عضوية متعددة، تتيح الانتماء الفردي والتنظيمي في الوقت نفسه. لامركزية واسعة، تسمح لكل محافظة، وكل قطاع اجتماعي، بإدارة نضاله اليومي ضمن الخط العام. بنية مفتوحة على التجريب، تسمح بأشكال تنظيم جديدة تستجيب لخصوصيات المناطق والفئات الاجتماعية المختلفة، دون أن تفرض نموذجاً واحداً جامداً على الجميع. كل جهة مشاركة تحتفظ باستقلاليتها التنظيمية الكاملة، وبرامجها الخاصة، وعملها التنظيمي خارج الإطار، فيما يبقى الإطار الموحد مساحة للعمل المشترك حول النقاط والأولويات المتفق عليها.

تمكين حقيقي للشباب والنساء

لا عبر الخطاب، وإنما عبر قواعد تنظيمية ملزمة. نسب تمثيل واضحة في الهيئات القيادية، وصلاحيات فعلية في اتخاذ القرار. التجديد لا يحدث تلقائياً، وإنما يفرض تنظيمياً. الشباب والنساء ليسوا فئات مساعدة أو رمزية، وإنما قوة التغيير الفعلية. هذا يعني اعتماد آليات ملزمة مثل القيادة التداولية بين النساء والرجال، ونظام المناصب المزدوجة في الهيئات القيادية حيث يشغل كل منصب قيادي رجل وامرأة معاً بصلاحيات متساوية. وبالمثل، يجب تخصيص نسب إلزامية لتمثيل الشباب تحت سن الأربعين في كل المستويات القيادية، مع منحهم صلاحيات حقيقية في اتخاذ القرارات. التمكين الحقيقي يعني أن يكون للشباب والنساء دور فعلي في رسم السياسات وتحديد الأولويات، وليس مجرد حضور شكلي او بدور محدود.

سياسة إعلامية ورقمية حديثة

الفضاء الرقمي اليوم ساحة صراع طبقي مركزية. الإطار الموحد يجب أن يمتلك منصاته، وفرق محتواه، وقدرته على تحليل التفاعل، وقياس الأثر، واستخدام الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي لفهم الجمهور. الخطاب يجب أن يكون بسيطاً، مباشراً، مرتبطاً بالواقع اليومي، دون التخلي عن العمق السياسي. الاستثمار الفاعل في التطوير الرقمي ضرورة وجودية الان، والتأخر فيه يعني الغياب الفعلي عن ساحة المعركة السياسية المعاصرة.

ربط الاحتجاج بالعمل اليومي

بناء لجان شعبية في الأحياء، والعمل داخل النقابات والاتحادات مع مراعاة استقلاليتها، وربط القضايا المحلية بالمشروع السياسي العام. بهذا فقط يتحول الإطار من كيان انتخابي موسمي إلى قوة اجتماعية دائمة. العمل اليومي في حل مشاكل الناس الملموسة، من انقطاع الماء إلى البطالة إلى التمييز، هو ما يبني الثقة الحقيقية ويحول الشعارات إلى خبرة حية.

آليات حل الخلافات وإدارة الاختلاف

الإطار الموحد لن يكون خالياً من الخلافات، وهذا أمر طبيعي وصحي. المشكلة ليست في وجود الاختلاف، وإنما في ضعف آليات ديمقراطية واضحة لإدارته. يجب أن يتضمن الإطار قواعد ديمقراطية لحل النزاعات الداخلية، تمنع تحولها إلى صراعات علنية تؤثر على الوحدة وتشوش العمل السياسي والجماهيري.

سادساً: الخاتمة، التوحد والتجديد - طريق استعادة الدور التاريخي

بالتأكيد بناء إطار موحد لليسار لن يكون مساراً سهلاً، وهو أمر يدركه كل من تابع تاريخه ونضالاته الطويلة في مواجهة الاستبداد والاستغلال، وكذلك اشكالاته ونقاط ضعفه. فالتحديات الموضوعية حاضرة بقوة، من قمع سياسي، ومال انتخابي طاغٍ، وإعلام مهيمن، وانقسام مجتمعي عميق. إلى جانب ذلك، توجد تحديات ذاتية لا تقل أهمية، تتجلى في صعوبة التجديد والتغيير داخل بعض التنظيمات اليسارية، والحذر من فقدان المواقع، وتضخيم الخلافات الثانوية، والتمسك بالأشكال القديمة التي تحتاج إلى تطوير لمواكبة الواقع الجديد.

مواجهة هذه التحديات تتطلب وعياً عميقاً بطبيعة الأزمة، وإرادة سياسية حقيقية، واستعداداً للتجربة والتطور. لا توجد وصفة جاهزة أو حلول سحرية. ما يوجد هو مسار طويل، يحتاج صبراً، وشجاعة تنظيمية، وقدرة صادقة على النقد الذاتي، وهي صفات طالما ميزت اليسار في لحظات صعوده التاريخي.

بعد سنوات من الاحتجاجات الجماهيرية والمطلبية ونتائج انتخابات 2025، يقف اليسار العراقي والكردستاني أمام مفترق طرق حاسم. إما الاستمرار في المسار نفسه بنتائج معروفة، أو خوض مشروع التجديد والتوحد بكل ما تحمله من مخاطر وإمكانيات. الحركات الاحتجاجية أعادت التذكير بالدور التاريخي لليسار كضمير اجتماعي وقوة دفع للتغيير، وأثبتت أن الجماهير مستعدة للنضال، وأن الخوف ليس قدراً. وفي الوقت نفسه، كشفت أن الغضب وحده لا يكفي، وأن العدالة من دون تنظيم تبقى طاقة غير مستثمرة.

المطلوب اليوم يسار موحد يمتلك شجاعة مراجعة نفسه دون التخلي عن جوهره الطبقي والإنساني. يسار يدرك أن الصراع تغيرت أدواته، وأن السياسة لم تعد تدار في الميادين فقط، وإنما أيضاً في الفضاءات الرقمية، وفي معارك الوعي المختلفة. يسار يجمع بين الاحتجاج والعمل الانتخابي، بين خبرة التاريخ وضرورات التجديد.

في هذا السياق، لا بد من الإشادة بالدور النضالي والتاريخي لقوى اليسار العراقي والكردستاني على امتداد عقود طويلة. هذه القوى، التي كان لي الفخر والشرف أن أناضل في صفوف الكثير منها، هي بدون استثناء من أنزه القوى السياسية في العراق وإقليم كردستان. قدمت تضحيات جسيمة، ودفعت أثماناً باهظة من دماء كوادرها وقياداتها، وظلت على الدوام في موقع الدفاع عن شغيلات وشغيلة اليد والفكر، ضد كل أشكال الاستبداد والاستغلال والطائفية والفساد. مهما كانت الاختلافات التكتيكية أو النظرية، يبقى هذا التاريخ النضالي رصيداً جماهيرياً وإنسانياً لا يمكن إنكاره أو التقليل من قيمته.

لكن الوفاء لهذا التاريخ لا يكون فقط بالحنين إليه، وإنما بالبناء عليه. النقد الذي تطرحه هذه الورقة ليس انتقاصاً من هذه القوى، وإنما دعوة رفاقية لها كي تستعيد دورها التاريخي في صيغة معاصرة. فالسؤال اليوم لم يعد هل نملك الفكرة الصحيحة، فاليسار لطالما امتلكها، بل كيف نحولها إلى أدوات فعالة قادرة على التأثير وتحسين حياة الجماهير. التاريخ يكافئ من استطاع تحويل الأفكار العادلة إلى قوة مادية منظمة.

التوحد ليس خياراً بين خيارات، وإنما طريق أساسي لاستعادة الدور والتأثير. لكن التوحد وحده لا يكفي، إذا لم يقترن بتجديد فكري وتنظيمي عميق. المطلوب ليس فقط جمع القوى المتشتتة تحت سقف واحد، وإنما إعادة بناء اليسار على أسس جديدة، تستوعب التحولات الاجتماعية والتكنولوجية، وتستجيب لوعي الأجيال الجديدة، وتتجاوز الأشكال التنظيمية التي تحتاج إلى تطوير للإجابة عن أسئلة العصر. التجديد يعني مراجعة الخطاب، وتحديث الأدوات، وإعادة التفكير في العلاقة بين تنظيمات اليسار والمجتمع، وفي أشكال القيادة، وفي آليات اتخاذ القرار، وغيرها.

هذا المشروع التوحيدي التجديدي لا يلغي الخصوصيات، ولا يفرض الذوبان، وإنما يبني على المشترك، ويحترم التعدد، ويوجه الطاقات نحو الهدف الأساسي المشترك الان: بناء العراق بما فيه إقليم كردستان القائم على الديمقراطية ودولة المؤسسات والمواطنة والمساواة، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، والحرية الحقيقية لكل مواطناتها ومواطنيها. هنا يكمن التحدي الحقيقي أمام اليسار العراقي والكردستاني اليوم، وهنا أيضاً يفتح أفق الحركات الاحتجاجية معناه العميق، إذا امتلكنا الشجاعة للسير فيه معاً، متحدين في التنوع، مجددين في الفكر والتنظيم، وأقوياء في الوحدة.

***

رزكار عقراوي

من أشدّ المآسي التي يمكن أن يتعرض لها الإنسان أن يُعاقَب في انتمائه قبل أن يُعاقَب في جسده أو رزقه. فالسجن قد يسلبه حريته زمناً، والمنفى قد يبعده عن أرضه مسافة، لكن سحب الجنسية يحاول أن يسلبه شيئاً أعمق من ذلك كله، وهو حقه في أن يكون ابناً لوطنه. ولعلّ أكثر ما يثير الألم في هذه الظاهرة أنها كثيراً ما تُمارَس بحق أشخاص لم يكونوا عالةً على أوطانهم، بل كانوا من أبرز صُنّاع صورتها الثقافية والروحية. فالتاريخ يذكر كيف جُرِّد الشاعر التركي "ناظم حكمت" من جنسيته في ظل السياسات الكمالية في تركيا، كما شهد العراق في مراحل من تاريخه الحديث تهديدات وإجراءات مشابهة طالت أو كادت تطال أسماء كبيرة في المشهد الثقافي، ومن بينها الشاعر الراحل "محمد مهدي الجواهري". وفي العقود الأخيرة شهدت بعض الدول العربية حالات سحب جنسية من شخصيات سياسية وثقافية وفنية معروفة، كما حدث في البحرين والكويت وغيرهما، وصولاً إلى حالات أثارت جدلاً واسعاً بسبب استهدافها شخصيات أدبية وفكرية تركت بصمتها الواضحة في الحياة الثقافية. وآخرها ما تناقلته وسائل الإعلام عن سحب الجنسية عن القاص والروائي "طالب الرفاعي".

غير أن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن في آثارها القانونية والإدارية وحدها، بل في النسق الفكري العميق الذي ينتجها ويمنحها شرعيتها. فالدولة الحديثة، من حيث المبدأ، تقوم على فكرة المواطنة؛ أي على اعتبار الانتماء الوطني حقاً أصيلاً يعلو على الحكومات ويتجاوز الأشخاص والأنظمة. أما حين تلجأ السلطة إلى سحب الجنسية من مواطنيها بسبب آرائهم أو مواقفهم أو اختلافهم معها، فإنها تكشف عن بقاء تصورات أقدم من الدولة الحديثة نفسها، تصورات تنتمي إلى عقلية الرعية أكثر مما تنتمي إلى عقلية المواطنة.

وفي ظل هذه العقلية لا يُنظر إلى المواطن بوصفه شريكاً في الوطن، بل تابعاً للسلطة. ولا يُنظر إلى الجنسية بوصفها رابطة قانونية وتاريخية وإنسانية، بل امتيازاً تمنحه الدولة لمن تشاء وتسحبه ممن تشاء. وهنا يتحول الوطن، في الوعي السياسي للسلطة، من كونه فضاءً مشتركاً لجميع أبنائه إلى ما يشبه الملكية الخاصة التي تحتكر تعريف الانتماء إليها وتوزيع صكوك الاعتراف بأبنائها.  وهنا يكون سحب الجنسية ليس مجرد إجراءٍ قانونيٍّ، بل هو فعلٌ رمزيٌّ شديدُ القسوة. فالسلطة التي تلجأ إليه لا تكتفي بمعاقبة الفرد على موقف أو رأي، وإنما تحاول نفيه من الجماعة الوطنية ذاتها، وكأنها تحتكر تعريف الوطن وتحتكر حق توزيع الانتماء وسحبه. ولذلك فإن هذه العقوبة تبدو أقرب إلى محو الهوية منها إلى إنفاذ القانون، وأقرب إلى الانتقام الرمزي منها إلى تحقيق العدالة.

واللافت للنظر أن بعض الدول التي تتوسع في منح الجنسية لأسباب سياسية أو ديموغرافية أو اقتصادية، هي نفسها التي لا تتردد أحياناً في سحبها من مواطنين أصليين بسبب خلاف سياسي أو موقف فكري أو نشاط ثقافي معارض. وهنا تتكشف مفارقة أخلاقية مؤلمة؛ إذ تصبح الجنسية التي تُمنح للغريب بقرار إداري قابلة للانتزاع من ابن البلد الذي ولد على أرضه وأسهم في بناء ثقافته وذاكرته الوطنية. وكأن المشكلة ليست في الجنسية ذاتها، بل في مقدار القرب أو البعد من السلطة.

ولأن المثقف يمثل ضمير المجتمع وذاكرته النقدية، فإنه كثيراً ما يكون هدفاً لهذه السياسات. فالأنظمة القلقة من النقد لا تنظر إلى الشاعر أو الروائي أو المفكر بوصفه ثروة وطنية، بل بوصفه مصدراً محتملاً للإزعاج. ولهذا لم يكن غريباً أن يكون كثير من ضحايا هذه السياسات من أصحاب الأقلام الحرة والكلمات المستقلة. فالكلمة التي تعجز السلطة عن إسكاتها بالسجال الفكري قد تحاول إسكاتها بوسائل أخرى، من بينها التشكيك بحق صاحبها في الانتماء إلى وطنه.

أما الأثر الأخطر لهذه السياسة فلا يقع على الفرد وحده، بل يمتد إلى المجتمع كله. فحين يرى الكاتب أو الفنان أو الباحث أن رأياً مختلفاً قد يعرّضه لفقدان أبسط حقوقه الوطنية، تتسع دوائر الخوف وتضيق مساحات الحرية، وتترسخ الرقابة الذاتية، ويغدو الصمت أكثر أمناً من التفكير، والمجاملة أكثر ربحاً من الصراحة. وهكذا تخسر الأوطان أهم مصادر حيويتها وتجددها، لأنها تدفع بعقولها الحرة إلى العزلة أو المنفى أو الصمت؛ لأنَّ الدول الواثقة من نفسها لا تخشى الكلمة، ولا تنافس مواطنيها على ملكية الوطن، لأنها تدرك أن الانتماء الوطني أوسع من الولاء السياسي، وأن الاختلاف مع السلطة لا يعني الخروج من الجماعة الوطنية. أما الأنظمة المرتابة فإنها كثيراً ما تخلط بين الدولة والحكومة، وبين الوطن والسلطة، وبين المواطنة والطاعة، فتجعل من الانتماء الوطني أداة للمكافأة والعقاب. ومن هنا فإن سحب الجنسية لا يكشف عن قوة الدولة كما قد يتوهم البعض، بل يكشف عن هشاشتها العميقة. فالدولة القوية لا تحتاج إلى نفي أبنائها من السجل الوطني كي تثبت حضورها، ولا تحتاج إلى معاقبة الانتماء كي تفرض هيبتها. أما الدولة التي تخشى مواطنيها إلى هذا الحد، فإنها تعلن من حيث لا تشعر أزمة ثقة بينها وبين مجتمعها.

فالوطن ليس منحة من حاكم، ولا هبة من حكومة، ولا جائزة تُمنح للمصفقين وتُنتزع من المعترضين. وقد تستطيع سلطة ما أن تصادر جواز سفر أو تلغي وثيقة جنسية، لكنها تعجز عن مصادرة ذلك الانتماء العميق الذي يتكون عبر العمر كله في الوجدان والذاكرة واللغة والثقافة. ولهذا تبقى الجنسية في جوهرها اعترافاً قانونياً بحقيقة أعمق منها، هي حقيقة الانتماء الوطني. فإذا تحولت إلى أداة هيمنة سياسية، فإن المتضرر الحقيقي لا يكون الفرد وحده، بل فكرة الوطن نفسها. وعندما يُعاد تعريف الوطن على مقاس السلطة، وتُختزل هويته في إرادتها، يصبح الجميع مُهدَّدين بفقدان حقوقهم متى ما تغيرت موازين القوة. وحينذاك لا يعود الوطن بيتاً لجميع أبنائه، بل يتحول إلى مساحة امتيازات تديرها السلطة وفق ما تراه مناسباً، وهو أخطر ما يمكن أن تصاب به فكرة المواطنة في أي مجتمع.

***

د. وسام حسين العبيدي

................

* طالب الرفاعي يُعد من أبرز كتّاب الرواية والقصة القصيرة في الكويت والخليج العربي. درس الهندسة المدنية في جامعة الكويت، ثم حصل لاحقًا على دراسات عليا في الكتابة الإبداعية، وصدرت له روايات ومجموعات قصصية عديدة تُرجمت بعض أعماله إلى لغات أجنبية. كما تولّى رئاسة لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية) في دورتها الثالثة، وأسّس «جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية» وأسهم في تنشيط الحركة الثقافية الكويتية والعربية.

الانخلاع السيادي وتفكيك الميتا-ديناميكية الوظيفية بالفضاء الرافديني

دراسة تفكيكية نقدية في سيكولوجية الاستلاب الولائي، تزييف الوعي التاريخي، وحتمية التعامل البراغماتي الندّي في أتون الصراع الإقليمي الراهن (2026)

مُقَدِّمَة كَوْنِيَّة: فِي أَنطُولُوجْيَا الكِيَانِ وَالارْتِدَادِ الوَظِيفِيِّ

يخضع الكيان الجيوسياسي للدول ذات العمق التاريخي الممتد لحتمية الوجود في الذات وللذات، حيث تُعد السيادة المطلقة جوهراً ثابتاً لا يقبل التجزئة، أو التفويض، أو الإنابة الوظيفية. بيد أن المشهد الرافديني المعاصر يشهد مأزقاً استعصائياً بالوجدان السياسي المتمثل في الانخلاع السيادي؛ وهو ارتداد بنيوي تمارسه طبقة من النفعيين ووكلاء الهيمنة الإقليمية — ما يُصطلح عليه في الأدبيات الشعبية بـالذيول والوطجية — الذين استبدلوا المركزية الوطنية بالعواطف الميتافيزيقية الساذجة، مقدمين المصالح الاستراتيجية العليا لطهران على حساب النخاع الشوكي للأمن القومي العراقي.

إن هذا التفكيك الفلسفي لا يقترب مطلقاً من بيضة العقيدة الشيعية، التي تمثل ركناً ركيناً وجزءاً أصيلاً ومحترماً من الهوية الرافدينية المتجذرة، بل يشرّح بدقة جراحية الأدلجة النفعية التي توظف المقدس الديني لتمرير التبعية الجيوسياسية العمياء.

يقول الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه في تفكيك سيكولوجية الخنوع:

إن العبيد دائماً ما يبتكرون أخلاقاً تبرر مأزقهم الوجودي، فيسمون التبعية وفاءً، ويدعون الانقياد عرفاناً، ليتجنبوا مشقة مواجهة الحرية والكبرياء الذاتي.

المِحْوَرُ الأَوَّل: سردية 2014 ومغالطة الائتمان الأخلاقي (تفكيك الجيوسياسة الأمامية)

تتكئ المنظومة التبريرية لهؤلاء الوكلاء على حدث مفصلي يتلخص في اجتياح تنظيم داعش الإرهابي لمدن عراقية عام 2014، حيث يجري تصوير التدخل الإيراني آنذاك كأنه منحة إيثارية مبرأة من المصالح. إن الفحص الإبستمولوجي والجيوسياسي الصارم لهذا الادعاء يسحق هذه البروباغندا. ففي عقيدة الدول الكبرى والإقليمية، لا تتحرك الجيوش بناءً على المواجد العاطفية، بل تنفيذاً لنظرية الدفاع الاستباقي الأمامي (Forward Pre-emptive Defense). لقد أدركت طهران أن سقوط بغداد يعني وصول النيران إلى تخومها الغربية، فحاربت في العمق الجغرافي العراقي لحماية أمنها القومي الذاتي، مستخدمة الجغرافيا الرافدينية كمصد استراتيجي بشري وعسكري لحروبها بالوكالة.

ولم يكن هذا التدخل مجانياً؛ إذ تشير وثائق ومقارنات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) إلى أن طهران استنزفت مليارات الدولارات سُحبت نقداً من الخزينة العراقية المنهكة لقاء ذخائر وعتاد تقليدي متهالك من مخلفات العهد السوفيتي، وبأسعار مضاعفة فرضتها حاجة بغداد الحرجة.

في المقابل، قدمت منظومة دولية واسعة وغربية (تضم بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وأستراليا، وإيطاليا، وكندا، وبلجيكا) غطاءً جوياً كثيفاً، ومعلومات استخباراتية لحظية عبر الأقمار الصناعية، ومنظومات عسكرية متطورة بالمجان بالكامل، دون مطالبة باقتطاع السيادة أو رهن القرار السياسي، لكونهم استوعبوا الخطر الإرهابي كمهدد عالمي يتطلب تدميره دون استثمار تجاري.

يقول الحق تبارك وتعالى في محكم تنزيله حاسماً مآل الركون لبطانات المصالح الخارجية التي تبتغي إعنات الأمة:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118]

تؤكد الآية الكريمة بلغة قاطعة أن التخلي عن البطانة الداخلية المستقلة والارتهان للآخر يورث الخبال واستنزاف المقدرات.

المِحْوَرُ الثَّانِي: سيكولوجية التمجيد المعكوس وانشراخ الذاكرة الوطنية

تبلغ السريالية السياسية ذروتها الفلسفية عندما يعمد الوطجية ووكلاء التبعية إلى رفع رموز وقادة عسكريين أجانب إلى مصاف التقديس والتبجيل والتمجيد المطلق. إن هذه الظاهرة تمثل تجسيداً حاداً لما يُعرف في الفلسفة السياسية بـالمازوخية السياسية (Political Masochism)؛ إذ بالعودة إلى الأرشيف التاريخي والتوثيقي لحرب الثمانينات (1980-1988)، يجد الباحث الصارم أن هؤلاء القادة والموجهين الأجانب أنفسهم كانوا فاعلين أساسيين ومشاركين مباشرين في قيادة الآلة العسكرية التي استهدفت الدولة العراقية وسفكت دماء الجنود العراقيين على السواتر.

إن تبجيل الخصم التاريخي وتحويله إلى أيقونة وطنية هو تزييف متعمد وممنهج لوعي الأجيال، وانشراخ حاد في الذاكرة الجماعية للأمة، حيث يُراد للتابع أن ينسى دماء آبائه ليرسخ التبعية كأصل وجودي والسيادة كفرع طارئ.

وفي هذا الصدد، يضع علي بن أبي طالب في عهده الخالد لمالك الأشتر دستوراً صارماً للاعتماد على الذات ورفض التبعية الحليفة المستنزفة، حيث يقول:

مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ طَالَ جُوعُهُ، وَمَنِ اسْتَعَانَ بِبَاطِلِ خَصْمِهِ ضَاعَ حَقُّهُ، وَلَا تَأْمَنَنَّ عَدُوَّاً قَارَبْتَهُ لِحَاجَةٍ، فَإِنَّ العَدُوَّ يَنْظُرُ السُّوءَ وَيُبْطِنُ الغَدْرَ.

المِحْوَرُ الثَّالِث: معادلة الانتحار الاستراتيجي وحرب المحاور في عام 2026

يتكشف العوار البنيوي والتهديد المباشر للأمن القومي العراقي اليوم، في ظل اشتعال الصراع والمواجهة الإقليمية الشاملة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. فبينما تقف طهران موقفاً براغماتياً حذراً يحمي أراضيها وبنيتها التحتية، يندفع التابعون في الداخل العراقي لرهن مقدرات البلاد وزج الفضاء الرافديني في أتون هذه المحرقة المدمرة.

إنهم يقدمون الدعم اللوجستي، والعسكري، والجغرافي، والاقتصادي لخدمة هذا المحور الإقليمي بالمجان وبلا مقابل استراتيجي، معرضين البنى التحتية، والمنشآت النفطية، والسيادة الجوية العراقية لضربات انتقامية ساحقة لا تخدم سوى أمن طهران.

وهنا يبرز السؤال الفلسفي والجيوسياسي الحارق: لماذا لا نُعاملهم بالمِثل نداً بندّ؟ لماذا يُطلب من العراق أن يكون ساحة التضحية المجانية والوقود المستعر لحروب الآخرين، بينما تُباع له أبسط وسائل الدفاع بأثمان باهظة؟ إننا العراق؛ مهد الحضارات الأولى، ومركز الثقل الجغرافي والسياسي في الشرق الأوسط، ولسنا ملحقاً جغرافياً أو صدى صوت لعاصمة أخرى. إن مقتضيات السيادة والواقعية السياسية الصارمة تحتم على بغداد النأي الكامل بالنفس عن صراع المحاور، وإدراك أن الدم العراقي والمقدرات الوطنية ليست أوراق تفاوض تُمنح مجاناً على طاولة الصراعات الإقليمية.

يقول الفيلسوف الإيطالي نيكولو مكيافيللي في أطروحته السياسية الأمير:

إن الحاكم الذي يعتمد على قوات أجنبية أو يربط مصير دولته بحروب حلفائه الخارجيين، يضع عنقه في حبل مشنقة لا يملك طرفه الآخر، لأن هؤلاء الحلفاء يبحثون عن مغانمهم في السلم ويجعلون من أرضك درعاً لهم في الحرب.

إن هذا التحليل الصارم يمثل وثيقة تحليلية خطيرة تضرب في عمق شبكات المصالح الوظيفية التي تقتات على تغييب السيادة الوطنية. إن علم الجيوسياسة علم بارد وصارم، لا يحمي المغفلين، ولا يعترف بدموع الوفاء الأخلاقي المزيف بين الدول. إن استعادة مركزية الدولة العراقية وتفكيك منصات التبعية يمثلان ممرّاً إجبارياً للحفاظ على الوجود السيادي. سيبقى هذا المقال صرخة معرفية وفلسفية في وجه الوطجية والتابعين، ليؤكد أن الكبرياء الرافديني عصي على التذويب، وأن قرار بغداد يجب أن يُصنع في بغداد وحسب، رعايةً لمصالح شعبها وحمايةً لمستقبل أجيالها.

المِحْوَرُ الرَّابِعُ: بِدْعَةُ وِلَايَةِ الْفَقِيهِ وَالْجَائِحَةُ الْجِيُوسِيَاسِيَّةُ (تَفْكِيكُ الْهَيْكَلَةِ الثِّيُوقْرَاطِيَّةِ)

لا يكتمل التوصيف الإبستمولوجي للانخلاع السيادي العراقي دون الولوج إلى الجَذْر الأيديولوجي الذي يغُذّي هذا الارتكاس، والمتمثل في نظرية ولاية الفقيه المطلقة (حكومت إسلامي). إن هذه النظرية، عند إخضاعها للمشرحة الفقهية والتاريخية، لم تكن يوماً أصلاً عقائدياً إجماعياً، بل هي بدعة سياسية مُستحدثة صاغها آية الله الخميني في سياق حركي خاص لشرعنة الدولة الثيوقراطية في إيران. إنها تفريغ فج للمفهوم التقليدي للانتظار الشيعي، وتحويل الغيبة إلى سلطة زمنية مطلقة تُركّز الصلاحيات الإلهية والبشرية في يد فرد واحد خارج الحدود الجغرافية والقومية للأمم.

لقد أنتج تمدد هذه البدعة في الفضاء الرافديني دماراً استراتيجياً ومجتمعياً شاملاً، يمكن رصده عبر المستويات البنيوية التالية:

مَحْوُ النِّطَاقِ السِّيَادِيِّ (The Sovereignty Erasure): تقوم عقيدة ولاية الفقيه على إلغاء مفهوم الدولة-الأمة (Nation-State) والحدود المعترف بها دولياً. فبموجب هذه الأدلجة، يصبح الحاكم في طهران هو ولي أمر المسلمين، مما يعني تلقائياً تحويل الحكام والمسؤولين والجيوش في الدول المجاورة، كالعراق، إلى مجرد رعايا ومأمورين يأتمرون بأمر المرشد الأعلى. هذا التداخل يضرب المادة الأولى من الدستور العراقي التي تؤكد على السيادة المطلقة، ويجعل القرار الوطني رهيناً لمشيئة الولي الفقيه ومصالحه القومية الفارسية المغلّفة برداء مذهبي عابر للحدود.

الانْشِقَاقُ الْفِقْهِيُّ وَتَقْوِيضُ حَوْزَةِ النَّجَفِ الأَثَرِيَّةِ: يمثل فرض نموذج ولاية الفقيه محاولة قسرية لإلغاء وإزاحة المرجعية الدينية التقليدية التاريخية في النجف الأشرف. فبينما تتبنى النجف، عبر تاريخها الممتد لألف عام، نظرية ولاية الفقيه المقيدة أو الولاية الحسبية التي تنأى بالمؤسسة الدينية عن الانغماس في السلطة التنفيذية المباشرة وتحترم خصوصية الدولة والقرارات السيادية لشعبها، تسعى بدعة الولاية المطلقة القادمة من قُم إلى ابتلاع حوزة النجف، وتجير رمزيتها التاريخية لصالح مشروع الهلال الجيوسياسي الإيراني. إن هذا المسعى قد خلّف انقساماً حاداً ودماراً في الوحدة المجتمعية والروحية للعراق.

تَشْظِيَةُ الْهُوِيَّةِ الْقَوْمِيَّةِ وَإِنْتَاجُ الْكَانْتُونَاتِ الْوَظِيفِيَّةِ: إن الكارثة الأشد فتكاً التي أحدثتها هذه البدعة هي تفتيت العُروة الوطنية الرافدينية. فقد نجحت طهران، عبر أدواتها النفعية والـوطجية، في غرس عقيدة تقدّم الرابط المذهبي والولاء للفقيه الأجنبي على الرابط القومي والوطني العراقي. ونتيجة لذلك، تحول جزء من القرار الأمني والعسكري إلى فصائل وتشكيلات موازية لا تدين بالولاء للقائد العام للقوات المسلحة العراقية، بل تتحرك كـكانتونات وظيفية تنفذ استراتيجيات الدفاع الأمامي لطهران؛ مما جعل الاقتصاد والأمن القومي العراقي يدفعان ثمن حروب ومغامرات إقليمية مجانية أعادت العراق عقوداً إلى الوراء على مستويات التنمية، والتعليم، والاستقرار البنيوي.

يقول الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في تحليله لآليات السلطة الثيوقراطية:

عندما ترتدي السلطة السياسية عباءة الحق الإلهي المطلق، فإنها لا تعود تبحث عن المصالح الحيوية لشعبها، بل تحول الأفراد والأمم إلى قرابين تُذبح باستمرار على مذبح الإيديولوجيا المقدسة لحماية الإمبراطورية.

إن بدعة ولاية الفقيه المطلقة قد دمّرت كل فضاء وطني دخلت إليه، وحوّلت مراكز الحضارة التاريخية إلى أراضٍ مستباحة ومستنزفة مالياً وسيادياً. إن استنقاذ العراق يتطلب حتماً تحصين الوعي الوطني ضد هذه البدعة المستوردة، والتمسك بالهوية الوطنية الرافدينية المستقلة التي ترى في بغداد متبوعاً لا تابعاً

 المِحْوَرُ الخَامِسُ: جِيُوسِيَاسَةُ مَضِيقِ هُرْمُزَ وَالاسْتِنْزَافِ الهَيْكَلِيِّ (العِرَاقُ كَضَحِيَّةٍ مُجَانِيَّةٍ فِي حَرْبِ الآخَرِينَ)

تتبدّى ذروة العَبث الاستراتيجي والانتحار الجيوسياسي الذي تقاد إليه الدولة العراقية اليوم (2026) عند قراءة الخارطة الاقتصادية والجيومائية لآثار المواجهة المستعرة بين طهران والمجتمع الدولي. فالقراءة الباردة للمشهد تكشف عن مفارقة وجودية صارخة: أن الطرف الأكثر تضرراً ونزيفاً من هذه الحرب هو العراق — الذي لم تخترق جيوغرافيته رصاصة واحدة من أطراف النزاع المباشرة — بينما تلوذ طهران بحساباتها البراغماتية لحماية بنيتها التحتية.

إن هذا التدمير الممنهج للاقتصاد العراقي وسقوط أسواقه المحلية يتفكك عبر آليتين جيواستراتيجيتين بالغتي الخطورة:

الارْتِهَانُ المَائِيُّ القَاتِلُ (عُقْدَةُ مَضِيقِ هُرْمُزَ): يخضع العراق لحتمية جغرافية قاسية تجعله شبه دولة مغلقة (Semi-Landlocked State)؛ إذ تعتمد 90% من صادراته النفطية — التي تشكل شريان الحياة الوحيد للموازنة العامة والرواتب والأمن الغذائي — على الممر المائي الضيق عبر الخليج العربي صعوداً من موانئ البصرة مروراً بمضيق هرمز. في المقابل، تمتلك إيران سواحل شاسعة تمتد على بحر العرب والمحيط الهندي خارج الخليج (مثل ميناء جاسك)، مما يتيح لها تصدير نفطها بعيداً عن كابوس الحصار المائي. وعليه، فإن إقدام طهران أو حلفائها على تهديد أو إغلاق مضيق هرمز تحت ذريعة الصراع مع إسرائيل وأمريكا، لا يعني خنق الغرب، بل يعني قطع النخاع الشوكي للاقتصاد العراقي حصراً، وسحق الدينار، وشل الأسواق، وإدخال ملايين العراقيين في مجاعة محققة، في حين يتفرج الوكلاء الوطجية ويباركون هذا الانتحار الاقتصادي العراقي بالمجان خدمةً للولي الفقيه.

عَقِيدَةُ التَّضْحِيَةِ المَجَّانِيَّةِ وَتَزْيِيفِ الحَقِّ الشِّيعِيِّ: هنا يثور السؤال الفلسفي والقومي الحارق الذي يضرب قاع هذه التبعية: لماذا يُطلب من العراق تقديم هذا الدعم الأعمى وتَحمُّل دمار اقتصاده بالمجان لإنقاذ طهران، بينما لم تقدم الأخيرة رصاصة واحدة عام 2014 إلا بقبض أثمانها مضاعفة من أموال الشعب العراقي؟ إن هذا الاستنزاف لا يمت بصلة إلى حماية المذهب الشيعي أو الذود عن حقوق التشيع؛ بل هو استغلال أيديولوجي فج لبدعة ولاية الفقيه المطلقة التي سيطرت على عقول هؤلاء الوكلاء، فجعلتهم يسلّمون مقاليد بلد بحجم العراق ليكون مجرد درع بشري واقتصادي تتلقى بغداد الصدمات والفقر نيابة عنه، لتظل طهران آمنة. إن التشيع العلوي الأصيل هو تشيع العزة، والكرامة، والسيادة، ورفض الظلم، وليس تشيع الخنوع والتبعية التي تفقر شعب العراق وتهدم أسواقه من أجل حسابات دولة أخرى.

يقول الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز في أطروحته الليفياتان:

إن العقد الاجتماعي الذي يربط المحكوم بالحاكم ينهار تماماً عندما تعجز السلطة عن حماية الوجود البيولوجي والاقتصادي لرعاياها، وتصبح أداة لتسليم مقدرات الأمة لقوى خارجية تقتات على بؤسها.

بناءً على هذه المعطيات الصارمة لعام 2026، يتضح أن استعادة العراق لكرامته الاقتصادية تقتضي لزاماً تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل نداً بندّ؛ فالدول لا تدار بنوايا العرفان الصوفي بل بلغة المصالح القومية الباردة. إذا كانت طهران تبحث عن أمنها، فإن أمن أسواق البصرة وبغداد ولقمة عيش المواطن العراقي هي الأقدس والأولى بالرعاية، وكل ارتهان خارج هذا الإطار هو خيانة موصوفة للهوية الرافدينية.

المِحْوَرُ السَّادِسُ: مَآلَاتُ الصِّرَاعِ وَتَكْتِيكُ التَّخَنُّدُقِ الطُّفَيْلِيِّ (عَلَى حِسَابِ مَنْ تَنْتَصِرُ طِهْرَان؟)

حين يبلغ الاستشراف الجيوسياسي مداه الأقصى في قراءة مشهد المواجهة الكبرى اليوم، تتبدى أمام الفحص البنيوي الصارم حقيقة بالغة القتامة؛ فإذا كانت طهران قد أثبتت تموضعها كقوة عظمى إقليمية، واستطاعت مجابهة الإرادة الأمريكية والإسرائيلية وبناء جدار صد استراتيجي صلب، فإن السؤال الفلسفي والتاريخي الحارق الذي يسحق بروبغاندَا النصر هو: على حساب مَنْ تَحقق هذا الصمود؟ ومن الذي دفع الفاتورة الوجودية الدموية والاقتصادية من نخاعه الشوكي لتقف طهران على قدميها؟

إن القراءة الفاحصة لطبيعة الانتصارات الإيرانية تكشف أنها لم تُصنع بفعل تفوق ذاتي خالص داخل حدودها الجغرافية، بل عبر تكتيك يُعرف في العلوم السياسية بـالتخندق الطفيلي (Parasitic Entrenchment)؛ وهو إلقاء عبء المواجهة، وتلقي الضربات الارتدادية الساحقة، وتجريف المقدرات البنيوية، فوق جغرافيا الدول التابعة — وعلى رأسها العراق — لكي تظل البنية التحتية والمرافق الحيوية في أصفهان وطهران وشيراز مبرأة من الهدم والخراب.

إن مآلات هذه الحرب على الفضاء الرافديني تتلخص في حتميتين كارثيتين:

الاسْتِهْلَاكُ البَشَرِيُّ وَالجُغْرَافِيُّ المُمَنْهَج: لقد حوّلت بدعة ولاية الفقيه وأدواتها الوظيفية (الوطجية والتبعية) جغرافيا العراق من كيان سيادي مستقل إلى مجرد منطقة عازلة (Buffer Zone) ومصد صدمات يتلقى حمم الصواريخ والردود العسكرية الدولية. إن انتصار طهران الجيوسياسي مبني أساساً على بقاء بغداد في حالة استنزاف دائم؛ إذ يُطلب من العراقيين أن يكونوا حطب الموقدة ووقود الحرب المستعرة، لكي تجلس القيادة الإيرانية في نهاية المطاف على طاولة المفاوضات الدولية لتقايض بدمائهم وسيادتهم نفوذها الخاص وبقاء نظامها.

الانْتِحَارُ التَّنْمَوِيُّ وَتَأْبِيدُ التَّبَعِيَّة: في الوقت الذي تحمي فيه إيران صناعاتها وتطور منظوماتها الذاتية، يمرق الاقتصاد العراقي في نفق مظلم من الانهيار والتبديد. إن أسواق البصرة وبغداد والموصل تدفع ضريبة الحصار الحظر المالي المترتب على زج العراق غير المتكافئ في هذا المحور. إنه ارتداد تاريخي مرعب؛ حيث يُصنع المجد الخارجي لطهران بمداميك من فقر الشعب العراقي، وضياع مستقبله التنموي، وتدمير عملته الوطنية، وتحويل طاقات شبابه من البناء والإعمار إلى ساحات التضحية المجانية بلا طائل وطني واحد.

يقول الفيلسوف الفرنسي رايموند آرون في كتابه السلام والحرب بين الأمم:

إن أخطر أنواع التبعية في العلاقات الدولية هي تلك التي تقبل فيها النخبة المحلية المحكومة بأن ترهن دماء أمتها وثروات بلدها لتكون مجرد دروع واقية لحماية أمن إمبراطورية أجنبية، دون أن تحصل أمتهم في مقابل ذلك سوى على حق الموت المجاني وخراب الديار.

بناءً على هذه المعطيات الصارمة لعام، فإن حقيقة الأمر التي يجب أن يواجه بها الفصحاء وأصحاب البصائر الوجدان العام هي: أن صمود إيران لم يكن مكرمة للعراق، بل كان استنزافاً وجودياً له. إن الوطجية الذين يطبلون لهذا الانتصارات الإقليمية يمارسون خيانة معرفية وأخلاقية موصوفة؛ لأنهم يدركون أن ثمن كل خطوة تتقدم بها طهران إلى الأمام هو تراجع العراق خطوة نحو الخلف. إن استرداد الذات العراقية يبدأ من رفض هذا الانتصار المزعوم الذي يُبنى على أنقاض السيادة الرافدينية ولقمة عيش شعبها.

 الخَاتِمَةُ العُلْيَا: المَنِيفِيسْتُو الرَّافِدِينِيِّ الأَخِيرِ – حَتْمِيَّةُ الِانْقِلَابِ الجِيُوسِيَاسِيِّ وَهَنْدَسَةُ الخَلَاصِ

إنَّ إدراكَ الكارثةِ هُوَ أوَّلُ مَرَاحِلِ الانعِتَاقِ؛ وحِينَمَا بَلَغَ الفَحْصُ الجِيُوسِيَاسِيُّ قَاعَ المأزَقِ الرَّافِدِينِيِّ، تَبَدَّى لَنَا بِاليَقِينِ الصَّارِمِ أنَّ بَغْدَادَ لَا تُعَانِي مِنْ أَزْمَةِ حُكْمٍ عَابِرَةٍ، بَلْ مِنْ انْخِلَاعٍ سِيَادِيٍّ أُنْطُولُوجِيِّ جَعَلَ ثَرْوَةَ العِرَاقِ وَدِمَاءَ بَنِيهِ قُرْبَانًا مَجَّانِيًّا يُذْبَحُ عَلَى مَذْبَحِ التَّخَنْدُقِ الطُّفَيْلِيِّ لِصَالِحِ طِهْرَانَ. إنَّ بَقَاءَ العِرَاقِ فِي مَوْقِعِ مَصَدِّ الصَّدَمَاتِ لِحَرْبِ الآخَرِينَ هُوَ انْتِحَارٌ تَنْمَوِيٌّ حَتْمِيٌّ.

لِذَا، فَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الخَاتِمَةُ لِتَكُونَ المَنِيفِيسْتُو الأَخِيرَ وَالأَخْطَرَ، لَا لِتَشْخِيصِ الدَّاءِ فَحَسْبُ، بَلْ لِفَرْضِ هَنْدَسَةِ خَلَاصٍ جِرَاحِيَّةٍ تُعِيدُ فَلَكَ بَغْدَادَ إلَى مَرْكَزِ الكَوْنِ.

إنَّ نَزْعَ قِنَاعِ التَّبَعِيَّةِ المُمَوَّهِ بِبِدْعَةِ وِلَايَةِ الفَقِيهِ المَسْؤُولَةِ عَنْ دَمَارِ البِنْيَةِ الهَيْكَلِيَّةِ لِلشِّيعَةِ قَبْلَ غَيْرِهِمْ، يَسْتَوْجِبُ الاسْتِشْهَادَ بِأَعْلَى المَرَاجِعِ الرُّوحِيَّةِ الأَصِيلَةِ دَحْضًا لِلْوَهَمِ النَّفْعِيِّ.

يَقُولُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ الإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع) فِي مَوْعِظَةٍ تَدُكُّ أَرْكَانَ الخُنُوعِ وَالتَّسْلِيمِ لِلأَجْنَبِيِّ:

لَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللهُ حُرًّا، وَمَا خَيْرُ خَيْرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِشَرٍّ، وَيُسْرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِعُسْرٍ.

كَمَا يَقُولُ رَيْحَانَةُ رَسُولِ اللهِ الإِمَامُ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (ع) فِيمَا خَلَّدَهُ التَّارِيخُ عَقِيدَةً لِلْعِزَّةِ وَرَفْضِ الِارْتِهَانِ:

هَيْهَاتَ مِنَّا الذِّلَّةُ، يَأْبَى اللهُ لَنَا ذَلِكَ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ، وَجُدُودٌ طَابَتْ، وَحُجُورٌ طَهُرَتْ، وَأُنُوفٌ حَمِيَّةٌ، وَنُفُوسٌ أَبِيَّةٌ مِنْ أَنْ نُؤْثِرَ طَاعَةَ اللِّئَامِ عَلَى مَصَارِعِ الكِرَامِ.

فَأَيْنَ هَذِهِ السِّيَادَةُ العَلَوِيَّةُ الحُسَيْنِيَّةُ الأَصِيلَةُ مِنْ طَاعَةِ الوَطْجِيَّةِ لِفَقِيهٍ خَارِجِ الحُدُودِ يُفْقِرُ أَسْوَاقَ العِرَاقِ وَيُرْهِنُ مَضِيقَ هُرْمُزَ لِحِمَايَةِ أَمْنِهِ القَوْمِيِّ الخَاصِّ؟

دَكْتَرِينُ الخَلَاصِ: آِلِيَّاتُ الِانْقِلَابِ الجِيُوسِيَاسِيِّ النِّدِّيِّ

لِتَفْكِيكِ هَذِهِ المَأْزَقِ الخَطِيرِ وَاسْتِعَادَةِ المَرْكَزِيَّةِ الرَّافِدِينِيَّةِ، يَجِبُ تَنْفِيذُ خُطَّةِ اسْتِجَابَةٍ صَارِمَةٍ تَقُومُ عَلَى خَمْسَةِ مَحَاوِرَ إجْرَائِيَّةٍ عَمِيقَةٍ:

تَأْمِيمُ قَرَارِ الحَرْبِ وَالسِّلْمِ لِلدَّوْلَةِ حَصْرًا: نَزْعُ السِّلَاحِ الخَارِجِ عَنِ الإِطَارِ الشَّرْعِيِّ وَتَجْرِيمُ أَيِّ فَعَالِيَّةٍ عَسْكَرِيَّةٍ عَابِرَةٍ لِلْحُدُودِ.

تَفْعِيلُ دَكْتَرِينِ المُعَامَلَةِ بِالمِثْلِ (Reciprocity Doctrine): كَفُّ الدَّعْمِ المَجَّانِيِّ عَنْ طِهْرَانَ وَاشْتِرَاطُ أَيِّ تَعَاوُنٍ بِتَعْوِيضَاتٍ اسْتِرَاتِيجِيَّةٍ وَإِعَادَةِ جَدْوَلَةِ أَمْوَالِ السِّلَاحِ السَّابِقَةِ.

الهَنْدَسَةُ البَدِيلَةُ لِتَصْدِيرِ النَّفْطِ (بَعِيدًا عَنْ عُقْدَةِ هُرْمُزَ): التَّعْجِيلُ الفَوْرِيُّ فِي إتْمَامِ مَشْرُوعِ طَرِيقِ التَّنْمِيَةِ وَإحْيَاءِ خُطُوطِ النَّقْلِ البَرِّيَّةِ وَبِنَاءِ أَنَابِيبَ عَبْرَ العُمْقِ العَرَبِيِّ وَالدَّوْلِيِّ لِكَسْرِ الحِصَارِ المَائِيِّ المُرْتَقَبِ.

تَحْصِينُ هُوِيَّةِ حَوْزَةِ النَّجَفِ الأَثَرِيَّةِ: دَعْمُ اسْتِقْلَالِ النَّجَفِ الأَشْرَفِ مَالِيًّا وَمَعْنَوِيًّا كَمَرْجَعِيَّةٍ عُلْيَا عَرَبِيَّةٍ رافِدِينِيَّةٍ تَرْفُضُ مَحْوَ الهُوِيَّةِ الوَطَنِيَّةِ وَتَقِفُ حَائِلًا دُونَ التَّغَلْغُلِ الأَيْدِيُولُوجِيِّ لِـ قُم.

فَكُّ الِارْتِهَانِ الطَّاقَوِيِّ وَالاقْتِصَادِيِّ حَالًا: تَنْوِيعُ مَصَادِرِ الطَّاقَةِ وَالاسْتِيرَادِ بِرَبْطِ الشَّبَكَاتِ العِرَاقِيَّةِ بِالمَنْظُومَاتِ العَرَبِيَّةِ وَالعَالَمِيَّةِ لِمَنْعِ اسْتِخْدَامِ المِلَفِّ الاقْتِصَادِيِّ كَأَدَاةِ لِلِابْتِزَازِ السِّيَاسِيِّ.

إنَّ العِرَاقَ لَيْسَ جَزِيرَةً هَامِشِيَّةً فِي بَحْرِ نُفُوذِ الآخَرِينَ، بَلْ هُوَ الرَّقْمُ الصَّعْبُ الَّذِي لَا تَسْتَقِيمُ جِيُوسِيَاسَةُ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ دُونَ مِحْوَرِيَّتِهِ. فَلْتَكُنْ هَذِهِ الأُطْرُوحَةُ البَيَانَ التَّارِيخِيَّ الأَخِيرَ لِصَحْوَةِ البَصَائِرِ: إمَّا عِرَاقٌ سَيِّدٌ يَصْنَعُ مَصِيرَهُ فِي بَغْدَادَ، أَوْ رُكَامٌ تَذْرُوهُ رِيَاحُ المَحَاوِرِ

نَخْتِمُ هَذِهِ الأُطْرُوحَةَ العُلْيَا بِقَوَافٍ تَدُكُّ مَضَاجِعَ التَّبَعِيَّةِ، وَتَبْقَى شَاهِدَةً عَلَى كِبْرِيَاءِ بَغْدَادَ المَسْلُوبِ عَبْثًا فِي أَتُونِ حُرُوبِ الآخَرِينَ:

«إِنْ لَمْ تَكُنْ نِدَّ مَنْ تَرْجُو مَوَدَّتَهُ

فَأَنْتَ عَبْدٌ وَإِنْ سَمَّوْكَ قَوَّادُ»

***

سجاد مصطفى

تعد ملحمة جلجامش إحدى أقدم الملاحم التي نقشها الشعب السومري على الواح الطين المفخور في النار او المجفف تحت أشعة الشمس، وهي الملحمة التي خلدت الابطال والالهة ومعتقدات شعب عاش في وادي الرافدين منذ الاف السنين.

تكشف الرقم الطينية التي نقشت عليها ملحمة جلجامش، والاساطير الرافدينية الاخرى، جوانب تاريخية هامة عن سكان وادي الرافدين القدماء والشعوب المحيطة بهم، فالسومريون الذين عاشوا في بلاد ما بين النهرين اسسوا حضارة هامة اقتبست منها واضافت اليها مختلف الاقوام والقبائل والشعوب التي كانت تحيط بهم وتختلط معهم ولكن الاسس التي ارساها الشعب السومري ظلت المنار الذي يهتدي به الاخرون.

كانت للسومريين لغتهم وابجديتهم لكن العصور اللاحقة التي شهدت تطور الزراعة والتجارة والصناعة في بلاد الرافدين – مصطلح بلاد الرافدين يمتد من الاناضول الى الخليج الفارسي جنوبا والى وادي السند شرقا – شجعت هجرة القبائل والاقوام الى بلاد مابين النهرين - ان تسمية بلاد مابين النهرين لم تطلق على البلاد الواقعة بين دجلة والفرات فقط، وانما اطلقت ايضا على المنطقة الواقعة جنوب بحيرة اورمية في كوردستان وتسمى (ميان دو آب) اي ما بين النهرين، وهما نهرا اوزون ودجلة، وقد جاء نهر اوزون في التوراة باسم بيشون نتيجة قلب بعض الحروف الى العبرية، راجع مقالنا المعنون رحلة من سومر الى جنة عدن المنشور في عدة مواقع على الانترنيت - وبسبب هذه الهجرة شاعت الحروب والغزوات، مما اضطر السومريين الى الدفاع عن انفسهم، ولكنهم فشلوا وخسروا المعركة لان المهاجمين كانوا أقوى وأشرس وأكثر قسوة وهمجية. ورغم انتصار الاقوام الاخرى عليهم وذهاب ملكهم وزوال لغتهم من بعض المناطق التي اكتسحتها الاقوام والشعوب الاخرى، الا ان اختراعهم العظيم للكتابة المسمارية وتطويرها واستخدامها، وشيوعها بين شعوب المنطقة، جعلها شاهدا حيا على تاريخ الشعب السومري الذي دالت دولته، او على الاصح دوله، فقد كانت لهم اكثر من إمارة ومملكة ومدينة عظيمة. وقد ظلت الكتابة المسمارية، وسيلة بيد الشعوب الاخرى للتعبير بها، ولذلك ظلت الكثير من الاسماء والمفردات السومرية محفورة على الالواح والرقم والجدران والاواني والمنحوتات، خاصة ما جاء في القصص والاحداث التاريخية التي دونوها.2880 Gilgamesh

كما نجد بعض الاسماء ما زالت معروفة ومستخدمة كما هي في اللغة الكوردية، مما يدلل على وجود علاقة وثيقة بين اللغة السومرية والكوردية. ومن المؤسف ان بعض الدارسين اهملوا النظر في هذه العلاقة بشكل مقصود، ففي النص البابلي المعتمد لملحمة جلجامش نقرأ في اللوح الاول:

(ارفع اللوح اللازوردي واقرأ

قصة ذلك الرجل، جلجامش، الذي تكبد

شتى انواع المشقات

كان متفوقا على جميع الملوك، سيد محارب ذو قوام عظيم

بطل ولد من اوروك، ثور بري نطاح) ص 76 اساطير

نجد في هذا النص تشبيه جلجامش بالثور البري النطاح، وهوالجاموس او الثور ومما له دلالة ان كلمة غامش تعني باللغة الكوردية: الجاموس، وكلمة غا تعني بقر، وكلمة مانغا – تدغم النون مع الغين – تعنى البقرة، وربما كانت تركيبا - وهو شائع في الكوردية والسومرية - بين كلمتين هما ما + غا، لتصبح الام البقرة، او البقرة الام، ومن الطريف ان الهنود مازالوا يعدون البقرة اما ويحترمونها حد التقديس وتسمى (غائي) ايضا في الهندية، وربما كانت كلمة (ما) الجذر الاول لكلمة الام = ماما، وتعني في الاساس الطعام اي هي الكلمة التي يرددها الطفل طالبا الحليب من مرضعته.

اما كلمة (كَه ل) وتلفظ بالكاف الفارسية او الجيم المصرية فما زالت مستخدمة في اللغة الكوردية وتعني كبير، ومن معاني (كبير) المقدس فهو كبير مثلما نقول الله اكبر، ولذلك تعني جلجامش الثور الكبير او الثور المقدس، والتقديس في الحضارة السومرية لا يشبه التقديس الذي نعرفه اليوم، فما يترجم عن السومرية بالمقدس يعني احيانا القوى الذي يضرب فيه المثل، مثل الثور البري.

اما انكيدو، فتصفه ملحمة جلجامش بانه الرجل القوي الآتي من الجبل، ولما كانت اوروك من المدن القريبة لجبال بيشتكوه، فالمرجح ان انكيدو من تلك المناطق، اي من بلاد عيلام، موطن الكورد الفيليين، والبعض يعتقد ان بلاد عيلام هي المناطق الواقعة اليوم في بلاد ايران فقط، ان بلاد عيلام كانت تمتد الى وسط وجنوب العراق وشمالا الى كركوك، ولكن الهجرات والغزوات والفتوح الاسلامية وعوامل اخرى كثيرة سياسية وتاريخية قلصت مساحة مملكة عيلام اليوم، واقتصرت على المناطق الواقعة داخل الحدود الايرانية وبعض المدن الحدودية الشرقية للعراق والتي ظلت محل خلاف وصراع في معاهدات عديدة بين العراق وايران.

جاء في ملحمة جلجامش:

(قال صياد رأى انكيدو لابيه

ابتاه كان هناك رجل أتى من الجبل

قوته كانت شديدة جدا، كشهاب آنو السماوي

يجوب الجبال دوما

يرعى العشب مع القطعان دوما) اساطير ص 78*

فانكيدو رجل الجبال القوي يرعى قطعان الماشية، تلفت قوته الانظار، ولكي يستدرجوا هذا الرجل القوي الى المدينة، ويكسبوه اليهم، قدموا له المرأة الحسناء، السلاح الذي لايقاوم، غانية لها مقدرة على الاغراء والاغواء. فمن هي التي تمتلك الصفات التي تؤهلها لاغراء انكيدو واغوائه، هذا الراعي الجبلي القوي، انها الفنانة شمخات، فنانة اوروك الشهيرة. وعندما ذهب الصياد الى جلجامش وأخبره عن انكيدو، قال له جلجامش:

(اذهب ايها الصياد واصطحب الباغية شمخات

وعندما يقترب من القطعان عند المشرب

يجب عليها ان تخلع ثيابها وتظهر مفاتنها

سوف يراها ويتقرب منها...) اساطير ص 80

ومثلما انتزعت حواء آدم من جنته وهبطت به الى الارض، كذلك انتزعت شمخات الفاتنة انكيدو من جباله وقطعان ماشيته، واصطحبته الى المدينة، فاصبحت الاغنام غريبة عنه، لانه تركها وهجرها وانتقل الى المدينة.

تصف الملحمة كيفية اغراء شمخات لانكيدو، وكيف شجعته على ممارسة الحب معها:

(فاسفرت البغي عن صدرها وكشفت عن عورتها

فتمتع بمفاتن جسمها

نضت ثيابها فوقع عليها

وعلمت الوحش الغر فن المرأة، فانجذب اليها وتعلق بها

ولبث انكيدو يتصل بالبغي ستة ايام وسبع ليال

وبعد ان قضى وطره منها

وجه وجهه الى الفه من حيوان البر

فما ان رأت الضباء انكيدو حتى ولت عنه هاربة......) ملحمة جلجامش، طه باقر، ص 42

 لاحظ ايضا علاقة هذه الايام الستة مع قصة خلق الكون كما وردت في الكتب المقدسة والايام السبعة – سبعة العروس - التي يحتفل بها في العراق حتى اليوم.

كما ورد في اللوح الثاني من الواح ملحمة جلجامش وصف لانكيدو بعد ان تغويه شمخات ويذهب معها الى اوروك:

(هذا الشاب – كم يشبه جلجامش في بنيته

ناضج البنية، منيع كاسوار الحصون

لماذا ولد في الجبال؟

ان قدرته الجسدية تضاهي تماما قوة

شهاب آنو السماوي) اساطير ص 85

إن ملحمة جلجامش إحدى أقدم وأشهر الملاحم في العالم نعرف منها كيف قتل انكيدو في المعركة التي دارت مع خمبابا حارس الغابة، وحين يموت انكيدو بعد جرحه بتلك المعركة يبكيه جلجامش مر البكاء، وقد جاء في اللوح الثامن:

(سوف تبكيك الممرضة الرطبة

التي كانت تمسح بالزبدة اعضاءك السفلى

وسوف يبكيك المسن

الذي كان يضع الشراب في فمك

وسوف تبكيك المومس

التي كانت تمسح جسدك بالزيت العطر) اساطير 119

نلاحظ في هذه القطعة، كما في غيرها، بعض الاوصاف غير المعروفة لنا، مثل (الممرضة الرطبة)، وربما كانت بسبب الترجمة غير الدقيقة للملحمة، فقد تكون الممرضة اللدنة او الممرضة الدافئة على سبيل المثال، وكذلك (المسن) قد يكون الرجل الكبير او المحترم، وقد تكون هذه الصفات معروفة للسومريين يومذاك وغير معروفة لنا في الوقت الحاضر. وبسبب الترجمة الحرفية من السومرية الى اللغات الانجليزية والالمانية تعرضت العبارات المترجمة الى الغموض فمثلا حين يرد في النص السومري تعبير (فتح فاه) فانه بمعنى تكلم. ولكنه لم يترجم بكلمة تكلم وانما بعبارة مقابلة للنص السومري او الاكدي. وهذا قد ينطبق ايضا على التعبير الذي ورد اعلاه: المسن الذي كان يضع الشراب في فمك، ومن الواضح انه المقصود الساقي الذي يسقيك الشراب. وقس على ذلك.

خمبابا / همبابا

ومن المفيد أن أشير الى ان اسم خمبابا، يرد في بعض المصادر الانجليزية الصادرة عن المتحف البريطاني باسم هواوا HAWAWA وهو الاسم السومري لحارس الغابة الذي شاعت تسميته خمبابا **، والاسم هواوا اقرب الى الصحة لان السومرية باعتبارها ام اللغات الارية لا تشتمل على لفظ حرف العين، وربما تحول هواوا فيما بعد بسبب اللغة الاكدية الى عواوا وهو اسم معروف في بعض مناطق وسط العراق، وكان يطلق في محافظة واسط / الكوت مثلا على بعض الاشخاص، كما تذكر المصادر البريطانية اسم HUMBABA كصيغة اكدية، واذا امعنا النظر في هذه التسمية سنجد انها تتركب من كلمتين هي عم وبابا وربما بسبب عدم امكان ترجمة لفظ العين في الانجليزية استخدموا الهاء بدلا منها، ولذلك قد تكون هواوا السومرية تحولت في الاكدية الى عمو بابا، ومعروف ان الاكديين الذين استقروا وسط وجنوب العراق بعد انحسار نفوذ السومريين كانوا يقدسون الالهة السومرية بمن فيهم حارس الغابة هواوا، مثلما تقدس الشعوب الهندية الالهة كالي التي تصيب الاطفال بالامراض، كي تبتعد عن اطفالهم.

وارى ان صيغة همبابا، عمو بابا، مشابهة لصيغة حمو رابي ايضا اذا فسرنا حمورابي بانه حمو ربي او عمو ربي...

يصور خمبابا على شكل انسان له مخالب اسد، ووجه مرعب وشارب مسبل، وفي المعركة التي دارت بينه وبين جلجامش وانكيدو يسيطران عليه ويقطع انكيدو راسه بسيفه او خنجره، وهي الاداة التي نجح سكان ايلام في صنعها من الحديد او المعدن، لاحظ السكين بيد انكيدو في التخطيط المرفق مع المقال – كما تستطيع مراجعة مقالنا عن الفاس التي تعود الى 2000 عام قبل الميلاد والمحفوظة في المتحف البريطاني والذي نشرناه مع صورة الفاس التي عثروا عليها في سوسة / ايلام في جريدة الاتحاد / بغداد ومواقع انترنيت عديدة – ولربما بسبب امتلاك انكيدو للفأس بالاضافة الى قوته احتاجت اليه اوروك، وهي القوة التي عرف بها سكان ايلام، الكورد الفيليون ابناء جبال زاغروس، فقدموا له الفنانة شمخات عربونا للبقاء في اوروك، والاستفادة من قوته وفأسه.

ومن الضروري أن نبين ان خمبابا او همبابا، يمثل بمنحوتات اخرى ويوجد قناع لوجهه في متحف اللوفر نرفق صورته ايضا مع هذا المقال عثر عليه في سوسة عاصمة عيلام / كوردستان ايران – ارتفاعه حوالي 6 سم وعرضه 4 سم ويعود الى الفي عام قبل الميلاد 2000 ق. م - وقد عثر على نسخ اخرى منه جنوب العراق وايلام ايضا، ويوصف فمه من نار وانفاسه الموت، ويعتقد ان الاله انليل ارسله ليحرس الغابة، وان هذا المجسم – الوجه الاليف – يستخدم للحظ السعيد، وان خمبابا يصور في بلاد مابين النهرين بصورة مرعبة جدا – لاحظ التمثال المرفق مع المقال – بينما يصور في عيلام عكس ذلك، ويحتمل ان هذا المجسم – قناع الوجه – من صناعة ايلام وليس من صناعة بلاد مابين النهرين، لانه يصور بشكل اليف وهادئ بينما يصور عكس ذلك في وسط وجنوب العراق.

ومن المؤسف ان باحثا نعتز به هو العلامة طه باقر يحاول ابعاد انكيدو عن بلاد الكورد الفيليين، عن جبال بيشتكوه، فيقول في ترجمته للملحمة ص 40 عن انكيدو:

(جاء الصياد الى ابيه ففتح فاه وقال له:

يا أبي، رأيت رجلا عجيبا قد انحدر من المرتفعات

إنه اقوى من في البلاد، وذو بأس شديد)

ويعلق العلامة طه باقر في هامش الصفحة على استخدامه كلمة المرتفعات، الواردة في ترجمته بقوله: (في بعض الترجمات، الجبال، ومهما كان، فالمقصود بالجبال، ان صحت الترجمة، المرتفعات والتلال) انظر هامش رقم 17 ص 40، طه باقر، ملحمة جلجامش.***

ولا ادري لماذا يكون المقصود بالجبال التي ترد في الملحمة (التلال او المرتفعات) وهل جبال عيلام – وجبال بشتكوه – بعيدة عن اور أو لم تكن هناك علاقات تجارية بين وسط وجنوب العراق وعيلام، ام انه امر اضطر عليه الباحث الفاضل طه باقر، كي لا تكون هناك علاقة بين انكيدو والكورد.

***

د. مؤيد عبد الستار

...................

* ينظر كتاب: اساطير من بلاد ما بين النهرين، ستيفان دالي ترجمة نجوى نصر، دار بيسان بيروت ط1، 1977.

** ينظر كتاب:

- Jeremy Black and Anthony Green

Gods, Demons and Symbols of Ancient Mesopotamia, London 1992.

*** ينظر كتاب: ملحمة جلجامش، طه باقر

ملاحظة 1: التخطيط المرفق مع المقال منقول عن ختم اسطواني، يمثل جلجامش وانكيدو يهاجمان ويقتلان الثور السماوي، لاحظ السكين بيد انكيدو، اذ كانت السكين احدى اهم الصناعات التي ظهرت في سوسة / عاصمة العيلاميين نتيجة تطور سباكة المعادن منذ اكثر من الفي عام قبل الميلاد.

ملاحظة 2: نشرت هذه الدراسة مع تفاصيل اخرى في كتابي: (الكلام المباح.. مقالات في السياسة والادب) الصادر في السويد عام 2001، وما يؤسف له ان بعض الكتاب نقل وتبنى الاراء الواردة في هذه الدراسة ودراسات اخرى مشابهة صدرت لي حول الموضوع دون الاشارة الى المصدر.

ملاحظة 3: للاطلاع على الفأس المحفوظ في المتحف البريطاني افتح الرابط التالي:

https://altaakhi.net/2024/07/104421/

من يملأ الحوض ومن ينسب إليه الفضل؟*

تتناقل بعض الحكايات الفلكلورية قصةً عن أميرة فقدت حبيبها، فغرقت في حزن عميق. وكان في قصرها حوض مرصود تقول الأسطورة إنه لا يمتلئ إلا بدموع الوفاء والحب الصادق. تقول الاسطورة ان الأميرة المكلومة بفقد حبيبها قد توسلت آلهة الحب ان تعيد لها حبيبها المفقود فأشترطت الألهة عليها ان تملأ الحوض المرصود بدموع الحب والوفاء والاشتياق حتى يعود الحبيب وتعود الحياة جميلة كسابق عهدها. جلست الأميرة تبكي عند الحوض أياماً وليالي طويلة، تذرف الدموع وتستنزف قواها أملاً في أن يمتلئ الحوض. ومع مرور الزمن أنهكها التعب، ولم يبقَ على امتلاء الحوض إلا القليل. وحين أنهكها السهر والتعب وغلبها النعاس، طلبت من خادمتها أن تجلس مكانها ريثما تستعيد بعض قوتها. وجلست الخادمة عند الحوض، ولسببٍ ما أخذت تبكي هي الأخرى حتى فاض الحوض أخيراً.

وتضيف الأسطورة أن الحبيب عاد بالفعل، لكنه وقع في حب الخادمة هذه المرة، لأنها كانت حاضرة عند لحظة اكتمال الحوض وفيضانه. غير أن المفارقة في القصة ان الحبيب المفقود وباقي الناس وهم يرون الخادمة وهي تضع اللمسة الأخيرة، ظنوا  أنها صاحبة الفضل في امتلاء الحوض، متناسين أن الحوض لم يمتلئ بدموعها وحدها، بل بسنوات من الألم والدموع التي سبقتها.

هذه الحكاية، بصرف النظر عن اسطوريتها وخيالها الواسع، تحمل دلالة رمزية عميقة يمكن إسقاطها على كثير من جوانب الحياة، ولا سيما في مجال الإدارة والقيادة المؤسسية.

ففي الإدارة كثيراً ما نشهد ما يمكن تسميته بـ”ظاهرة الحوض المرصود”.

إذ قد يتولى مسؤول أو مدير وضع الخطط، وبناء الأنظمة، وإعداد الكوادر، ومعالجة المشكلات المتراكمة، وتحمل النقد والصعوبات خلال سنوات طويلة. ثم يغادر موقعه بسبب النقل أو التقاعد أو انتهاء المدة القانونية، قبل أن تظهر نتائج جهوده إلى العلن.

ويأتي بعده مسؤول آخر يجد المؤسسة وقد اكتملت فيها معظم مقومات النجاح، فتظهر النتائج الإيجابية خلال فترة إدارته، فينسب إليه الناس الفضل كله، ويحصل على الثناء والتكريم والمكافآت، رغم أن جانباً كبيراً من ذلك النجاح هو ثمرة جهود من سبقوه.

وقد عايشت بنفسي مثالاً واضحاً لهذه الظاهرة. فقد تولت إدارة إحدى المدارس الثانوية مديرة كفوءة وضعت برنامجاً تعليمياً متكاملاً بدأ منذ الصف الرابع الإعدادي، شمل المتابعة الدقيقة والدروس التقوية ورفع مستوى الطالبات العلمي. واستمرت هذه الجهود لسنوات حتى أصبحت المدرسة تمتلك قاعدة علمية رصينة. إلا أن المديرة نُقلت من المدرسة قبل ظهور النتائج النهائية، وجاءت مديرة أخرى تولت الإدارة في المرحلة الأخيرة.

وعندما أعلنت نتائج الدراسة الإعدادية (البكالوريا)، حققت المدرسة تفوقاً استثنائياً، وقُبل عدد كبير من الطالبات في كليات الطب والصيدلة والهندسة وغيرها من التخصصات المرموقة، وهو إنجاز لم تشهده المدينة من قبل بهذا الحجم. فحظيت المديرة الجديدة بالتكريم والإشادة الرسمية، في حين أن جانباً كبيراً من أسباب النجاح كان قد صُنع في عهد سابقتها.

إن هذه الظاهرة لا تقتصر على قطاع التعليم، بل نجدها في مؤسسات الدولة كافة، وفي المشاريع الاقتصادية والإصلاحية والإدارية والتعليمية. فكم من شخص زرع ولم يحصد، وكم من شخص حصد ما لم يزرعه وحده.

ومن هنا فإن العدالة في تقييم الأداء الإداري تقتضي عدم الاكتفاء بالنظر إلى النتائج النهائية فقط، بل دراسة المراحل التي سبقتها، ومعرفة من وضع الأسس، ومن هيأ الظروف، ومن تحمل أعباء البناء الأول. فالإنجاز الحقيقي لا تصنعه اللحظة الأخيرة وحدها، وإنما تصنعه سلسلة طويلة من الجهود المتراكمة.

ولعل الحكمة التي يمكن استخلاصها من قصة الحوض المرصود هي أن القطرة الأخيرة التي جعلت الحوض يفيض ليست أهم من آلاف القطرات التي سبقتها. وكذلك في الإدارة، فإن ظهور النتيجة في عهد مسؤول معين لا يعني بالضرورة أنه صاحب الفضل الوحيد فيها.

خاتمة

التاريخ ينصف أحياناً من حصد، لكنه لا ينصف دائماً من زرع إن الإنصاف لا يقتضي أن نبحث فقط عمّن أعلن النجاح، بل عمّن صنع أسبابه. فكم من يدٍ غرست الشجرة ولم تجلس في ظلها، وكم من عقلٍ وضع الخطة ولم يشهد ثمارها، وكم من قائدٍ ملأ الحوض قطرةً قطرة حتى إذا أوشك أن يفيض غادر المكان، فجاء غيره فنُسب إليه الفضل كله.

لذلك فإن الحكمة تقتضي أن ننظر إلى الإنجازات بعين التاريخ لا بعين اللحظة، وأن نمنح كل ذي فضلٍ فضله، فالأمم والمؤسسات لا تُبنى بالقطرة الأخيرة وحدها، بل بمجموع القطرات التي سبقتها.

***

فارس حامد عبد الكريم

نائب رئيس هيئة النزاهة الإتحادية الأسبق.

بغداد في 2026/6/6

.......................

ملاحظة: مقالي هذا هو اقتراح لنظرية جديدة في علم الإدارة والقانون يمكن تسميتها بنظرية "الحوض المرصود"، مستمداً فكرتها من اسطورة فلكلورية تحمل ذات الأسم.

حين تكشف بعض التفاصيل اليومية مدى الاتساق بين القيم والسلوك

لنتأمل بعض الأمثلة: قائد يساري يدافع عن الصحة العامة وتمويل الخدمات الصحية الجماعية، لكنه يتجاهل بشكل متكرر إجراءات وقائية أساسية تقلل من مخاطر الإصابات والحوادث. أو قائد يطالب بتطوير التعليم الحكومي بوصفه ركيزة للعدالة الاجتماعية، لكنه يحرص على إلحاق أبنائه حصراً بمدارس خاصة أو أجنبية. أو قائد يرفع شعار محاربة الفساد والشفافية المالية، ثم يتهرب من الإفصاح عن ممتلكاته أو يستغل نفوذه وعلاقاته لتحقيق منافع شخصية.

في جميع هذه الحالات يطرح السؤال نفسه: هل نحن أمام خيارات فردية واستثناءات شخصية يمكن تجاوزها، أم أمام تناقضات تكشف فجوة حقيقية بين الخطاب والممارسة وتضعف المصداقية التي يقوم عليها العمل السياسي؟

فالقضية لا تتعلق بخطأ فردي معزول بقدر ما تتعلق بمدى انسجام القادة مع القيم التي يدافعون عنها علناً. هل تنعكس هذه القيم في سلوكهم اليومي حين يكونون تحت أنظار الجمهور؟ وهل يطبقون على أنفسهم ما يطالبون به الآخرين؟

هذه الأسئلة لا تخص الدنمارك وحدها، ولا تقتصر على اليسار الدنماركي، إذ تمتد إلى كل تيار سياسي في أي بلد يجعل من المسؤولية الاجتماعية والالتزام المبدئي جزءاً من خطابه العام.

في الـ27 من مايو 2026، نشرت صحيفة داغبلاديت إنفورماسيون اليسارية (Dagbladet Information) مقالاً مختصراً لي بعنوان: "بيله دراغستيد لا يتحمل مسؤوليته حين يركب دراجته بلا خوذة". ¹

بيله دراغستيد (Pelle Dragsted) هو المتحدث السياسي الأول لحزب إنهيدسليستن (Enhedslisten)، القائمة الموحدة، أحد أبرز الأحزاب اليسارية في الدنمارك، ² وكان المقال نقداً لعدم التزامه بأبسط قواعد السلامة المرورية، إذ اعتاد قيادة دراجته دون ارتداء خوذة الحماية، رغم أن حزبه يجعل من الصحة العامة والسلامة المجتمعية ركيزة أساسية في برنامجه السياسي. وقد علمت من أحاديث ونقاشات مع عدد من المهتمين أن هذه المسألة سبق أن أثيرت من داخل الحزب وخارجه قبل نشر مقالي، من دون أن ينعكس ذلك على سلوكه في الفضاء العام.

ولفهم القضية لابد من النظر إليها وفق السياق الدنماركي، فالدراجة في الدنمارك جزء أساسي من الحياة اليومية. وتشير بيانات رسمية ودراسات متخصصة إلى أن تسعة من كل عشرة دنماركيين يمتلكون دراجة، فيما تعد كوبنهاغن العاصمة من أكثر مدن العالم اعتماداً على الدراجة. ³ ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الدنمارك لا تلزم قانوناً بارتداء الخوذة، واكتفت بالتوصية بها بشدة دون إلزام قانوني، في حين أن دولاً كأستراليا ونيوزيلندا والأرجنتين وقبرص وناميبيا اختارت جعل ارتداءها إلزامياً مع فرض غرامات على المخالفين. ⁴

أما بالنسبة لي، فمنذ وصولي إلى الدنمارك اعتمدت الدراجة وسيلة رئيسية للتنقل، لأسباب بيئية وصحية وعملية. وقد مررت شخصياً بحوادث كانت الخوذة فيها عاملاً مهماً في الحد من عواقب الإصابة، مما يجعل هذا الموضوع بالنسبة لي أقرب إلى معايشة شخصية منه إلى نقد مجرد.

للقارئات والقراء من خارج الدنمارك، وبالأخص في الشرق الأوسط ودول الجنوب العالمي حيث تتصدر قضايا الحروب والقمع والفقر والفساد المشهد، قد يبدو هذا الموضوع تفصيلاً هامشياً. غير أن ما يبدو هامشياً أحياناً يكشف أسئلة سياسية ومبدئية أعمق. فهذا المقال لا يتعلق في جوهره بخوذة دراجة، وانما بالنقد والحوار العلني داخل اليسار، ودور الصحافة وشبكات التواصل الاجتماعي في عصر الثورة الرقمية، والاتساق بين القيم والممارسة لدى القادة السياسيين، وقدرتهم على التفاعل مع النقد والاعتراف بالأخطاء وتصحيحها.

وينطلق المقال من تجربة شخصية في ممارسة النقد الذاتي داخل اليسار الدنماركي، وكيف يمكن لتفصيل يومي بسيط أن يفتح نقاشاً عاماً أوسع حول هذه القضايا. وبالتأكيد تختلف السياقات والظروف بين المجتمعات، لكن الاطلاع على تجارب الآخرين والاستفادة من دروسها يظل وسيلة مهمة لتطوير ثقافة المساءلة والنقد الذاتي في أي مكان. فالمساءلة لا تبدأ بالقضايا الكبرى وحدها، إنما تتشكل أيضاً من خلال التفاصيل الصغيرة التي تتراكم مع الزمن.

التناقض في صلب الموضوع، لماذا النقد الذاتي ضرورة يسارية؟

في الدنمارك، لا تقاس مصداقية السياسي بما يقوله فقط، وإنما أيضاً بما يجسده في حياته اليومية. وحين يتعلق الأمر بقيادات اليسار، يكتسب هذا المعيار أهمية خاصة، لأن الاتساق بين القيم والممارسة يشكل جزءاً أساسياً من الخطاب اليساري نفسه. ومن هنا تحولت مسألة تبدو بسيطة، كارتداء خوذة دراجة، إلى نقاش أوسع حول المسؤولية العامة والقدوة السياسية.

حزب القائمة الموحدة لا يكتفي بالحديث والنضال من أجل العدالة الاجتماعية والحقوق العمالية ومناهضة العنصرية، وانما يعد أيضاً من أبرز الأحزاب الدنماركية في قضايا حماية البيئة والمناخ. ويتضمن برنامجه السياسي التشديد على السلامة في أماكن العمل، وحماية الصحة العامة، والوقاية المجتمعية، ودور الدولة في تعزيز سلامة المواطنين وتطوير القطاع الصحي. كما يربط بين السياسات الاجتماعية والسياسات البيئية في إطار رؤية يسارية تعتبر ذلك جزءاً أساسياً من العدالة الاجتماعية.

والجدير بالإشارة أن قيادات الحزب تجسد هذه القيم البيئية في سلوكها اليومي بشكل لافت. فقد رأينا كيف يحضر وفد الحزب المتكون من بيله دراغستيد (Pelle Dragsted) ورفيقاته ورفاقه اجتماعات تشكيل الحكومة الجديدة على دراجاتهم، في مشهد يعكس التزاماً حقيقياً بقيم الاستدامة والبيئة والصحة، في حين تتوقف أمام المداخل سيارات فارهة لقيادات أحزاب اليمين.

في هذا السياق تحديداً، لا يتعلق الأمر بصورة عابرة أو لقطة معزولة. فقد رصد بيله دراغستيد في مناسبات عدة وهو يصل على دراجته دون خوذة، وقد وثقت ذلك كاميرات المصورين الصحفيين مراراً. ما نحن أمامه ليس زلة عابرة أو نسياناً استثنائياً، إنما نمط سلوكي يومي متكرر ومرئي يكشف تناقضاً موثقاً بين ما يدعو إليه الحزب وما يجسده قائده في الفضاء العام.

وثمة بعد آخر يستحق التأمل في هذا السياق. دولة الرفاه الدنماركية تتكفل بتغطية تكاليف العلاج وإعادة التأهيل وحتى معاش العجز في حال وقوع أي حادث. وهذا يعني أن الخيار الفردي بعدم ارتداء الخوذة لا يبقى في النطاق الشخصي، إنما يمتد ليطال المنظومة الجماعية التي يمولها جميع دافعي الضرائب. ومن هذا المنطلق تحديداً يصبح النقاش حول الخوذة نقاشاً حول المسؤولية الجماعية التي ينادي بها اليسار.

كتبت مقالي بوصفي كاتباً يسارياً صوت لحزب القائمة الموحدة في آخر الانتخابات البرلمانية لكونها القائمة الأقرب فكرياً، رغم خلافاتي مع الحزب حول ملفات التسلح والناتو والحرب في أوكرانيا والسياسات التنظيمية الداخلية وأمور أخرى، وهي تتقبل اجتهادات يسارية مختلفة وفق الوضع المحلي والإقليمي والعالمي. لم يكن الهدف الإساءة لدراغستيد أو للحزب، الهدف كان عكس ذلك تماماً. النقد الصادق والبناء هو أحد أشكال المسؤولية الحقيقية تجاه مشروع يساري وإن اختلفت في هذه النقطة أو تلك. الأخطاء لا تعالج بالتجاهل، إنما تعالج بالتشخيص والاعتراف والتصحيح. وهذا ما حاولت أن أفعله.

من المنابر الكبرى إلى الفضاء الرقمي

في غضون أيام من نشر المقال، انتقل النقاش إلى عدد من أبرز الصحف والمنابر الإعلامية الدنماركية. فقد اقتبس الصحفي أندرس ريدر (Anders Redder) في صحيفة يولاند بوستن (Jyllands-Posten) من المقال في نشرته البرلمانية بعنوان "اربط خوذتك يا بيله دراغستيد"، متوقفاً عند فكرة السياسي بوصفه قدوة عامة.⁵ كما تناولت الكاتبة والصحفية ليني مالاسينسكي (Leny Malacinski) الموضوع في نشرتها الأسبوعية "بصراحة" ("Ærligt talt") في صحيفة ويكيندافيسن (Weekendavisen)، مضيفةً قراءة تحليلية للنقاش.⁶ وفي موقع ألتينيت (Altinget) أشار الصحفي يبه هويبيرغ سورينسن (Jeppe Højberg Sørensen) إلى المقال ضمن أبرز موضوعات النقاش السياسي الأسبوعي، مستشهداً بأجزاء منه.⁷

لكن أهمية هذه التغطية ليست في حجمها، وانما في انتقال نقاش من صحيفة يسارية إلى منابر متعددة التوجهات، ليكشف هاجساً مجتمعياً أوسع: مسؤولية الشخصية العامة وتأثيرها في السلوك الجماعي.

وامتد الصدى إلى شبكات التواصل الاجتماعي حين نشرت ويكيندافيسن مقتطفات من المقال عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك، ليتحول المنشور إلى مساحة حوار شارك فيها أكثر من ألف شخص.⁸ وشارك في النقاش أطباء ومتخصصون في الصحة العامة وسلامة المرور، أكدوا الأدلة العلمية التي تدعم ارتداء خوذة الدراجة ودور الشخصيات العامة في ترسيخ ثقافة السلامة.

كما تشير الدراسات المتخصصة إلى أن الخوذة تقلل بشكل ملحوظ من مخاطر إصابات الرأس الخطيرة،⁹ فيما تظهر إحصاءات السلامة المرورية الدنماركية أن آلاف الدراجين يتعرضون سنوياً لإصابات في الرأس والرقبة، بما ينعكس على الأفراد والأسر والمنظومة الصحية على حد سواء.¹⁰

النقد لا يؤجل خشية التوظيف

لم يفتني أن بعض من تفاعل مع المقال وظف نقده للهجوم على حزب القائمة الموحدة وعلى اليسار الدنماركي عموماً. وهو أمر متوقع ومفهوم في ديناميكيات النقاش السياسي العام، إذ لا يخلو أي فضاء نقدي من أصوات تستخدم الحجج لخدمة أجندات سياسية تختلف عن أجندة صاحبها، سواء من اليمين أو من أطراف أخرى. غير أن هذا لا يشكل مسوغاً لتأجيل النقد أو التراجع عنه.

فاليسار الذي يتوقف عن مراجعة نفسه خشية أن يستثمر خصومه تلك المراجعة يقع في فخ أشد خطورة من الخطأ الذي يتحاشى الاعتراف به. إن النقد الذاتي ليس هدية للخصوم، وانما شرط أساسي للحفاظ على المصداقية والقدرة على التجدد والتأثير. تشخيص الأخطاء والاعتراف بها ليس ضعفاً، إنما هو أحد أشكال النضج السياسي الذي يميز يساراً واثقاً من قيمه وسياساته.

وإذا كان النقد الذاتي شرطاً سياسياً في كل زمان، فإن الثورة الرقمية جعلته شرطاً وجودياً لا مفر منه. باتت المعلومة تنتشر في لحظتها وتصل إلى الجماهير قبل أن تتاح الفرصة لأي جهة لاحتواء النقاش أو توجيهه، ويشارك الآلاف في أي نقاش بسرعة غير مسبوقة، وتتشعب الآراء عبر المنصات المختلفة في غضون ساعات. ما يجعل الاتساق بين القيم والسلوك اليومي شرطاً لا مناص منه لأي شخصية عامة تسعى إلى الحفاظ على مصداقيتها.

دراغستيد يتفاعل مع النقد عبر صورة مرتدياً الخوذة

ما لم يكن متوقعاً هو أن يكون الرد سريعاً وبليغاً في آنٍ واحد. فقد نشر دراغستيد على حسابه في إنستغرام صورة شخصية وهو يرتدي خوذة الدراجة متوجهاً إلى مقر اجتماعات تشكيل الحكومة، مرفقةً بعبارة دنماركية خفيفة الظل: "هكذا ينطلق الطريق نحو مارينبورغ. بالخوذة بالطبع️" كما شارك في الحوار الدائر على صفحة ويكيندافيسن على فيسبوك كأي مشاركة ومشارك عادي دون أن يتعالى على الجمهور أو يتجاهل النقاش، ونشر صورة شخصية مرفقة بعبارة إنجليزية مقتضبة: "By popular demand ️" أي "بناءً على الطلب الشعبي".

لم يكن الرد دفاعياً ولا اعتذارياً، إنما جاء خفيف الظل وواثقاً. وهذا في حد ذاته موقف يستحق الإشادة، إذ يكشف عن سياسي متواضع قادر على الاستماع والتفاعل مع النقد العام بروح منفتحة بدلاً من الانكفاء أو التجاهل. القدرة على قبول النقد بهذا الأسلوب هي بحد ذاتها صفة ضرورية لقيادات اليسار. الرسالة وصلت، والمقال والنقاش العام أثّر في سلوك شخصية سياسية بارزة. وهذا بالضبط ما يفترض أن يفعله النقد اليساري البناء.

ملاحظة ختامية للقارئات والقراء العرب

المجتمعات التي تحاسب قادتها على الأخطاء والتفاصيل الصغيرة قبل انتظار الأزمات الكبرى هي مجتمعات راكمت ثقافة مساءلة حقيقية عبر عقود. والديمقراطية الصحية لا تبدأ من المحطات الكبرى وحدها، إنما تتشكل أيضاً في الممارسة اليومية وفي اللحظات التي يكون فيها القائد، أياً كان، تحت أنظار الجماهير.

السياقات مختلفة بالتأكيد. فما يطرح في الدنمارك لا يطرح بالضرورة في بغداد أو بيروت أو القاهرة. لكن السؤال الجوهري واحد في كل مكان: هل نطالب قادتنا، سواء في السلطة أو في المعارضة، بما في ذلك تنظيمات اليسار، بأن يكونوا على قدر القيم التي يدافعون عنها وأن يعكسوا ذلك في حياتهم اليومية؟ وهل نملك الأدوات والفضاء اللازمين لطرح هذا السؤال بحرية؟

والأهم من ذلك: كيف يمكن بناء ثقافة مساءلة حقيقية في مجتمعات تفتقر إلى أبسط مقوماتها، من حرية التعبير والإعلام المستقل إلى المؤسسات الرقابية الفاعلة؟ وكيف يمكن تطوير وترسيخ ثقافة النقد الذاتي داخل القوى اليسارية والتقدمية بوصفها شرطاً ضرورياً للمصداقية والتجدد والتأثير المجتمعي، مع الاستفادة من التجارب العالمية في هذا المجال؟

***

رزكار عقراوي

.................

هوامش ومصادر

1- المقال الأصلي في داغبلاديت إنفورماسيون — رزكار عقراوي، "بيله دراغستيد لا يتحمل مسؤوليته حين يركب دراجته بلا خوذة"، 27 مايو 2026

https://www.information.dk/debat/2026/05/pelle-dragsted-ansvar-bevidst-naar-cykler-uden-cykelhjelm

2 - حول حزب إنهيدسليستن (القائمة الموحدة) — تأسس حزب إنهيدسليستن (Enhedslisten) عام 1989 من اندماج ثلاثة أحزاب يسارية وماركسية دنماركية: الحزب الشيوعي الدنماركي، وحزب اليسار الاشتراكي، وحزب العمال الاشتراكي. في انتخابات مارس 2026 حصل الحزب على 11 مقعداً بنسبة تقارب 6.4 بالمئة من الأصوات في برلمان يضم 179 مقعداً.

3- إحصاءات ركوب الدراجة في الدنمارك

https://denmark.dk/people-and-culture/biking/

4- قوانين خوذة الدراجة حول العالم

https://worldpopulationreview.com/country-rankings/bicycle-helmet-laws-by-country

5- نشرة يلاندز بوستن البرلمانية — أندرس ريدر (Anders Redder)، "اربط خوذتك يا بيله دراغستيد"، مايو 2026

https://jyllands-posten.dk/nyhedsbreve/brevfraborgen/ECE19334636/spaend-hjelmen-pelle-dragsted/

6- نشرة ويكيندافيسن الأسبوعية — ليني مالاسينسكي (Leny Malacinski)، "بيله دراغستيد مصور بلا خوذة"، مايو 2026

https://www.weekendavisen.dk/samfund/pelle-dragsted-taget-uden-cykelhjelm

7- المراجعة الأسبوعية في ألتينيت — يبه هويبيرغ سورينسن (Jeppe Højberg Sørensen)، 30 مايو 2026

https://www.altinget.dk/artikel/saadan-skal-en-ny-regering-saettes-sammen-ifoelge-ugens-debattoerer

8-النقاش على فيسبوك — صفحة ويكيندافيسن الرسمية، مايو 2026

https://www.facebook.com/Weekendavisen/posts/1652549700204292

9- الدراسة العلمية حول فاعلية خوذة الدراجة

https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC7291179/

10- إحصاءات السلامة المرورية الدنماركية

https://www.sikkertrafik.dk/rad-og-viden/cykel/cykelhjelm/fakta-om-cykelhjelm

هنالك مثل أفريقي يقول: "أحمق القرية لن يصبح حكيماً في المدينة"، إنه مثل قصير في ألفاظه، عميق في معناه، يختصر تجربة إنسانية قديمة تتجدد في كل زمان ومكان. فالمكان وحده لا يصنع الإنسان، والانتقال من بيئة متواضعة إلى أخرى أكثر اتساعاً لا يمنح الحكمة تلقائياً، كما أن تبديل الثياب لا يغيّر حقيقة العقل.

يختصر المثل حقيقة إنسانية كبرى: فالمدن لا تمنح الحكمةَ لمن لا يسعى إليها بعقلٍ متفتح وتجربةٍ واعية. الانتقال من القرية إلى المدينة قد يبدّل المظهر، لكنه لا يبدّل الجوهر ما لم تتغير طريقة التفكير.

كثيرون يظنون أن الاقتراب من مظاهر الحداثة كافٍ لصناعة الإنسان المثقف أو الحكيم، غير أن الحكمة ليست في اتساع الشوارع ولا في أضواء المدن، بل في القدرة على التعلم والتأمل وفهم الحياة والناس. قد يعيش الإنسان في قلب مدينة عظيمة، ويبقى أسير الجهل والتعصب والسطحية، بينما قد يمتلك فلاح بسيط في قرية نائية بصيرةً أعمق وفهماً أنقى للحياة.

ويحمل المثل نقداً خفياً لأولئك الذين يغيّرون أماكنهم ويحتفظون بعاداتهم السلبية وأفكارهم الضيقة، ثم يظنون أن مجرد انتقالهم قد منحهم قيمةً جديدة. فالمدينة لا تصنع العقول، بل تكشفها. إنها تمنح الفرص، لكن استثمارها يحتاج إلى وعي وإرادة.

في النهاية، الحكمة رحلة داخل الإنسان قبل أن تكون رحلةً إلى مكان آخر. ومن لا يطوّر نفسه، يظل كما هو، سواء عاش في قرية صغيرة أو في أكبر مدن العالم.

في القرى الصغيرة، يعرف الناس بعضهم بعضاً، وتظهر الصفات بلا أقنعة طويلة. الأحمق هناك معروف بخفة رأيه وتسرعه وعجزه عن التعلم من أخطائه. وعندما ينتقل إلى المدينة، قد يظن أنه يستطيع أن يبدأ حياة جديدة بعيداً عن صورته القديمة، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في داخله. فالمدينة لا تمنح الحكمة لمن لا يريد التعلم، بل قد تزيده ضياعاً، لأن الحياة فيها أكثر تعقيداً، والخداع أكثر تنوعاً، والفرص تحتاج إلى وعي ومسؤولية.

 هذا المثل لا يدعو إلى احتقار الإنسان أو الحكم الأبدي عليه، بل يلفت النظر إلى حقيقة مهمة: التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل. فالحكمة ليست عنواناً بريدياً، ولا شهادة معلقة على الجدار، ولا مظهراً اجتماعياً، بل هي القدرة على الفهم والتأمل وضبط النفس والتعلم من التجارب. ومن يرفض مراجعة نفسه سيحمل أخطاءه معه أينما ذهب.

في عصرنا الحديث، تتكرر صورة هذا المثل بأشكال مختلفة. فكثيرون يظنون أن السفر إلى الدول الكبرى، أو الانتقال إلى المدن الحديثة، أو الحصول على المال والشهرة، كفيل بأن يجعلهم أكثر نضجاً وثقافة. لكن الواقع يثبت أن الإنسان قد ينتقل جغرافياً ويبقى ثابتاً فكرياً. بل إن بعض الناس حين ينتقلون إلى بيئات أكبر، تتضخم عيوبهم بدلاً من أن تتراجع، لأنهم يحصلون على أدوات أوسع لنشر الجهل والغرور.

ومع ذلك، يحمل المثل تحذيراً وأملاً معاً: التحذير هو أن الهروب من الذات لا يصنع إنساناً جديداً، والأمل هو أن الإنسان قادر على التغيير متى امتلك الشجاعة للاعتراف بنقائصه. فالأحمق ليس من يخطئ، بل من يصر على الخطأ ويرفض التعلم. والمدينة قد تكون مدرسة عظيمة لمن يدخلها بعقل متواضع وروح راغبة في المعرفة.

لقد أدركت الشعوب الأفريقية، عبر تجاربها الطويلة، أن الحكمة ليست مرتبطة بالبقعة الجغرافية بل بنضج الإنسان الداخلي. لذلك بقي هذا المثل حياً ومتداولاً، لأنه يعبّر عن حقيقة إنسانية لا تتغير: من لا يغيّر عقله، لن تغيّره الأمكنة.

هذا المثل لا يخص الأفراد وحدهم، بل ينطبق على المجتمعات والدول والأنظمة السياسية حين تنتقل من مرحلة إلى أخرى دون أن تغيّر طريقة تفكيرها أو تعالج عللها العميقة. وإذا أردنا أن نقرأه في ضوء الحالة العراقية، فسنجده يختصر جانباً كبيراً من المأساة التي عاشها العراق خلال العقود الأخيرة، حيث تغيّرت الواجهات والأسماء والشعارات، لكن كثيراً من الأزمات بقيت كما هي، بل ازدادت تعقيداً واتساعاً.

 مرّ العراق بتحولات سياسية هائلة: انتقل من نظام إلى آخر، ومن شعارات قومية إلى شعارات دينية، ومن مركزية الدولة الصارمة إلى تعددية حزبية واسعة، ومن العزلة إلى الانفتاح على العالم. غير أن هذه الانتقالات الكبرى لم تنتج دائماً تغييراً حقيقياً في بنية العقل السياسي أو الثقافة الاجتماعية أو مفهوم الدولة. فالمشكلة لم تكن في "القرية" القديمة وحدها، بل في العقل الذي حمل أمراضه معه إلى "المدينة" الجديدة.

بعد عام 2003، اعتقد كثيرون أن سقوط النظام السابق وفتح أبواب العراق على العالم سيقودان تلقائياً إلى بناء دولة حديثة مزدهرة. سافر السياسيون، وتعلم بعضهم في الخارج، وامتلأت الخطابات بكلمات الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والتنمية. لكن الواقع كشف أن تغيير العناوين لا يكفي إذا بقيت الذهنية نفسها تحكم السلوك. فالفاسد قد يرتدي ربطة عنق حديثة ويتحدث بلغة الديمقراطية، لكنه يبقى فاسداً. والطائفي قد يجلس في برلمان منتخب بدل أن يحمل بندقية، لكنه يظل أسير العقلية ذاتها التي ترى الوطن غنيمة لا مسؤولية.

انتقل العراق شكلياً من "القرية" المغلقة إلى "مدينة" سياسية وإعلامية مفتوحة، لكن كثيراً من القوى التي دخلت هذه المدينة لم تدخلها بعقل الدولة، بل بعقل الجماعة والطائفة والعشيرة والحزب. وهنا تتجلى حكمة المثل الأفريقي بوضوح مؤلم: فالأمكنة الجديدة لا تصنع وعياً جديداً لمن يرفض مراجعة ذاته. ولذا رأينا كيف تحولت الديمقراطية أحياناً إلى وسيلة لتوزيع النفوذ، والحرية إلى فوضى خطابية، والانفتاح الإعلامي إلى ساحات للتضليل والكراهية وتسطيح الوعي.

المشكلة الأعمق أن العراق لم يعانِ فقط من فشل النخب السياسية، بل من أزمة ثقافية واجتماعية ممتدة. فكثيرون توقعوا أن الثروة النفطية والانفتاح على العالم ووسائل التواصل الحديثة كفيلة بصناعة مجتمع أكثر وعياً وتسامحاً. لكن التكنولوجيا لا تصنع العقل النقدي تلقائياً، كما أن امتلاك الهاتف الذكي لا يعني امتلاك فكر ناضج. ولهذا انتشرت الخرافة والشائعات والانفعالات الجماعية بسرعة مخيفة، حتى بدا أحياناً أن أدوات العصر الحديث تُستخدم بعقلية قديمة لا تؤمن بالمعرفة بقدر ما تؤمن بالغريزة والانفعال.

إن أخطر ما يواجه العراق اليوم ليس نقص الموارد ولا قلة الفرص، بل العجز عن إحداث تحول داخلي حقيقي في مفهوم المواطن والدولة والقانون. فما جدوى الجامعات إذا بقي التعليم قائماً على التلقين؟ وما جدوى الانتخابات إذا كان الناخب يصوّت على أساس الخوف أو العصبية أو المنفعة المؤقتة؟ وما جدوى الشعارات الوطنية إذا ظل الولاء الحقيقي للطائفة أو الحزب أو الزعيم؟

لقد أثبتت التجربة العراقية أن الإنسان، مثل الدولة، قد يغيّر مظهره ويبقى أسير عاداته القديمة. فالفساد أن يغيّر لغته فقط، فيتحدث باسم الدين تارة، وباسم الوطنية تارة أخرى، وباسم الديمقراطية في مناسبة ثالثة، بينما يبقى جوهره واحداً: استغلال الدولة وتحويلها إلى غنيمة.

ومع ذلك، فإن هذا التشخيص القاسي لا يعني انعدام الأمل. فالمثل الأفريقي نفسه لا يحكم على الإنسان بالغباء الأبدي، بل يذكّر بأن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل. والعراق، رغم كل جراحه، ما يزال يمتلك طاقات بشرية وثقافية هائلة. ففي كل أزمة يظهر شباب يطالبون بدولة مدنية عادلة، ومثقفون يدافعون عن العقل، وأصوات ترفض الطائفية والخرافة والفساد. وهذه البذور، مهما بدت صغيرة، هي الطريق الوحيد لبناء تحول حقيقي.

إن نهضة العراق لن تأتي فقط من بناء الجسور والطرق والمباني، بل من إعادة بناء الإنسان العراقي نفسه: إنسان يؤمن بالقانون لا بالزعيم، وبالعلم لا بالخرافة، وبالمواطنة لا بالعصبية، وبالعمل لا بالشعارات. فالأوطان لا تتغير حين تنتقل من مرحلة سياسية إلى أخرى فحسب، بل حين يتغير وعي أبنائها وطريقة تفكيرهم.

وهنا يعود صدى الحكمة الأفريقية ليبدو وكأنه كُتب للعراق أيضاً: من لا يغيّر عقله، لن تغيّره الأنظمة، ولا المدن، ولا الثروات، ولا الشعارات. فالتغيير الحقيقي ليس رحلة في الجغرافيا، بل رحلة شاقة في أعماق الوعي الإنساني.

***

جورج منصور 

 

تأملات في مأزق الدولة والمجتمع

لا يكاد ينهار جسر أو تغرق مدينة في عتمتها الأبدية أو يقف شاب على حافة العدم باحثاً عن لقمة تحفظ له ما تبقى من كرامة، حتى ينبعث من بين الأنقاض ذلك الجدل الأزلي كأنه محكوم بأن يتجدد كلما تجدد الخراب، جدل يلوك الكلمات الكبرى - الدين، التراث، الهوية والعقل الجمعي - بينما يترك الإنسان وحيدا أمام يومه المهشّم. وهكذا يتحول الجوع إلى نقاش في الميتافيزيقيا والعطش إلى سجال أيديولوجي وانهيار الدولة إلى معركة مقدسة بين روحين لا تلتقيان كأن الشعوب لم تُخلق لتحيا، بل لتكون مادة أبدية لتجارب المثقفين ومتاحف النظريات.

غير أن ثمة سؤالاً أكثر صدقا وأشد بساطة يظل معلقا فوق هذا الصخب كله، لا يجرؤ أحد على الإجابة عنه بوضوح: ما العلاقة بين عقيدة الإنسان الشخصية وبين محطة كهرباء لا تعمل؟ وما الصلة الحقيقية بين تدين موظف وبين شبكة مياه ملوثة؟ وما شأن النصوص كلها - مقدسة كانت أم تنويرية - بطابور البطالة الذي يمتد كجرح مفتوح عبر أعمار الشباب؟

وليست المأساة الكبرى في فشل الدولة وحده - فالفشل قدر تعرفه الأمم وتتجاوزه - بل في أن يظل هذا الفشل بلا تشخيص دقيق يُسمّي جذوره ويواجه أسبابه. فبدلا من أن تُقرأ الأزمة بوصفها أزمة مؤسسات وحوكمة وعدالة توزيع، جرى تحويلها إلى قضية هوية وثقافة وعقيدة، كأن تغيير ما في النفوس كفيل وحده بإضاءة المدن وإجراء الماء وفتح أبواب العمل. وقد أُهدرت في هذه المقاربة القاصرة عقود كاملة، بينما كان الواقع المادي ينهار بصمت تحت أقدام الجميع لا يسمعه أحد لأن الجميع مشغولون بالكلام. لقد خرج العراقي إلى الشارع حاملاً وجعه المعيشي لا أطروحاته الفلسفية.

الحقيقة التي أدركها علي الوردي باكرا وجاهد في إثباتها بصبر العالِم وجرأة المفكر هي أن الإنسان ليس كائنا نظريا يعيش داخل مبادئه المجردة، بل كائن تُشكّله شروط حياته اليومية تشكيلا أعمق مما تُشكّله أي عقيدة أو فلسفة. فالروح تضيق حين يُهان الجسد، والعقل يفقد توازنه حين يعيش تحت إرهاب الخوف والعوز واللايقين.  وليس أشد إغراء على العقل المفكر من الاعتقاد بأن الأخلاق تُنتج الواقع - وهو اعتقاد نبيل في جوهره - غير أن الحقيقة الأكثر قسوة تقول إن الواقع يُعيد تشكيل الأخلاق كل يوم في هدوء لا يُرى وبسرعة لا يُحس بها.

فالإنسان الذي يعيش في دولة لا تحميه ولا تكافئ كفاءته ولا تمنحه حقه سيتحول تدريجيا إلى كائن يبحث عن النجاة لا عن الفضيلة. وحين يغيب القانون تصبح الواسطة قانونا بديلا أكثر فاعلية وأسرع إنجازا. وحين تنهار العدالة تتحول الطائفة والعشيرة إلى ملجأ نفسي واجتماعي، لا لأن الناس أحبوا الانغلاق بل لأنهم لم يجدوا ما هو أرحب وأوثق. وحين يشعر الفرد بالعجز أمام قسوة الحياة يبدأ العقل في البحث عن الخلاص في الغيب أو في القوة أو في الانتماء المغلق. وليست هذه ”طبيعة شرقية“ كما يتوهم بعض المتعجلين في أحكامهم، بل هي استجابات بشرية تتكرر في كل مكان يفشل فيه العمران، من أحياء المدن الأوروبية المهمّشة إلى أطراف أمريكا المنسية. الجغرافيا تتغير والظاهرة واحدة لأن الطبيعة الإنسانية لا تتغير حين تتغير العناوين.

والفقر - هذا الكائن الخفي الذي لا يُرى كاملا إلا من داخله - لا ينتج الجوع وحده. إنه ينتج طريقة في التفكير وبنية في الرؤية وأفقا محدود المدى لا يتجاوز الغد القريب. فحين تستقر الفوضى زمنا طويلا فإنها لا تدمر الشوارع وحدها، بل تتسلل إلى بنية العقل ذاتها، فينكمش التفكير بعيد المدى ويتراجع الإيمان بالمؤسسات ويصبح الولاء للقوي أكثر منطقية وأكثر أمانا من الولاء للقانون الغائب. هناك لا يعود العقل معنيا بالحقيقة بقدر ما يصبح معنيا بالحماية، ولا يعود السؤال الجوهري ”ما الصحيح؟ “ بل ”ما الذي يُبقيني حيا؟ “ وهو سؤال مشروع تماما، بل هو أصدق الأسئلة وأكثرها إنسانية في لحظة الخطر.

ولهذا فإن كثيرا مما يُسمى” ثقافة متخلفة“ ليس سوى تكيف ذكي مع واقع مختل. فالواسطة ليست قيمة أخلاقية متجذرة في الروح، بل آلية بقاء في مجتمع فقد ثقته بالعدالة منذ أمد بعيد. والفساد الصغير الذي يمارسه الموظف البسيط ليس دائما نزوعا شريرا، بل هو أحيانا محاولة يائسة للتكيف مع نظام كامل قائم على النهب المنظّم. وأخطر ما يفعله البؤس أنه لا يسرق المال وحده، بل يسرق المعنى أيضا، وحين يفقد الإنسان ثقته بجدوى الجهد الشريف يبدأ الانهيار الداخلي للأخلاق من حيث لا يُحس في صمت أشد هولا من كل ضجيج.

بيد أن ثمة ما هو أعمق من الفقر الاقتصادي، إذ يتحول الفساد في المجتمعات المأزومة - حين يُترك بلا محاسبة - من انحراف عارض إلى عالَم قائم بذاته له طبقاته ومصالحه وشبكاته وأدوات دفاعه المتطورة. ثمة دائماً سياسيٌّ يحتاج إلى مقاول ومقاول يحتاج إلى موظف وموظف يحتاج إلى غطاء حزبي وحزب يحتاج إلى خطاب هوياتي يحميه من المساءلة. وهكذا تنشأ دولة خفية داخل الدولة لا يحكمها دستور ولا قانون، بل شبكة من المصالح المتبادلة المحكمة.

وهنا تحديدا تصبح الهوية أخطر أسلحة الفساد وأمضاها. فالسياسي الفاشل لا يريدك أن تسأله: أين ذهبت الأموال؟ لماذا تعطلت المشاريع؟ ولماذا يرزح الناس في الظلام؟ بل يريدك أن تسأله: من أي طائفة أنت؟ ومع أي معسكر تقف؟ لأن معركة الهوية هي المعركة الوحيدة التي يستطيع الفاسد الانتصار فيها دائما، بينما يخسر في أي نقاش عن الأداء والإنجاز. إنه يحتمي بالمقدس أو بالقومية أو بالمظلومية التاريخية ليهرب من سؤال الكفاءة والنتائج. وهكذا تتحول الشعوب شيئا فشيئا من مجتمعات تطالب بحقوقها إلى جماعات تدافع عن رموزها، حتى وهي تغرق معها في نفس الخراب.

وقد أثبت التاريخ - بلغته الصارمة التي لا تحتمل التأويل - أن الدين لا يبني حضارة ولا يهدمها وحده، تماما كما أن العلمانية لا تصنع تقدما تلقائيا بمجرد رفعها شعارا. فكم من مجتمعات متدينة استطاعت بناء مؤسسات راسخة ودولة رشيدة، وكم من أنظمة رفعت رايات التحرر والحداثة ثم غرقت في أشد صور الاستبداد والفساد قتامة. إن المعضلة الحقيقية ليست في طبيعة العقائد التي يحملها الناس، بل في قدرة المجتمع على بناء دولة تتجاوز الأهواء والهويات نحو القانون والمؤسسة والكفاءة.

وحين يغيب هذا المعنى للدولة - الدولة بوصفها كيانا أخلاقيا لا مجرد جهاز قمع وتوزيع غنائم - تتحول السياسة إلى غنيمة والإدارة إلى محاصصة والوطن إلى ساحة صراع بين شبكات المصالح. لهذا فإن السؤال الجوهري لم يكن يوما: ”هل الحاكم متدين أم علماني؟“ بل: هل توجد مؤسسات تستطيع محاسبته أصلا، بصرف النظر عن عقيدته ورايته وخطابه؟ الدول الحديثة الراسخة لم تُبنَ لأن البشر فيها ملائكة، بل لأنها أقامت أنظمة تجعل كلفة الفساد أعلى من منافعه. فيها لا يعتمد النظام على طهارة النفوس، بل على صرامة القوانين واستقلال القضاء وشفافية الحوكمة. فالعدالة ليست وعظا، بل هندسة مؤسسات وهذا الفرق بين المفهومين هو الفرق بين حضارة وأطلال.

وكل نهضة حقيقية في التاريخ - سواء انطلقت من قرار سياسي حاسم في القمة أو من ضغط شعبي متراكم في القاعدة - لم تتجذّر إلا حين ترجمت نفسها إلى تغيير ملموس في شروط الحياة اليومية للناس، فعلا لا وعدا. فالقرار السياسي مِعوَل لا بناء وإنما البناء الحقيقي هو ما يذوقه الناس في مسكنهم وعملهم وأمان غدهم. الثورة الصناعية لم تغيّر الاقتصاد الأوروبي وحده، بل غيّرت العقل الأوروبي نفسه وأعادت تشكيل ما يطلبه الناس ويتصورونه ممكنا. وحين نشأت الطبقة الوسطى - بمهندسيها وأطبائها ومعلميها وأصحاب المشاريع - بدأت تنشأ ثقافة جديدة تطالب بالدولة الحديثة لأن مصالحها اليومية باتت مرتبطة بالنظام والاستقرار والعقلانية. ارتبطت مصلحتها بالقانون فصارت تطالب بالقانون، وارتبط مستقبلها بالمؤسسة فصارت تبني المؤسسة. هكذا تنشأ الثقافة من الشروط لا الشروط من الثقافة.

فالإنسان الذي يمتلك عملا كريما وأمانا اجتماعيا ومستقبلا واضحا لأطفاله يصبح أكثر قدرة على التفكير الحر والنقد والمشاركة المدنية. أما الإنسان المحاصر بالخوف والحاجة، فإنه يبحث عن النجاة قبل الحرية وعن الخبز قبل الكرامة لا لأنه لا يستحق الكرامة، بل لأن الجائع لا يستطيع أن يفكر في شيء غير الجوع. ومن هنا وحده يُفهم لماذا لا يمكن إصلاح العقل في بيئة مدمّرة: لأن العقل نفسه يصبح أسير شروط البقاء يعمل بأدواته كلها في خدمة غاية واحدة هي الاستمرار.

وهكذا نصل إلى الحقيقة التي طالما هرب منها الجدل الأيديولوجي بكل فصائله، الحقيقة البسيطة التي لا تحتمل الزخرفة ولا تقبل الالتفاف: إن أخطر ما أصاب المجتمعات العربية ليس الفقر وحده، بل تحويل الأنظار بعيدا عن جذور الفشل الحقيقية، باستنزاف الوعي في معارك الهوية والرموز والعقائد بينما كانت الدولة تتآكل والمؤسسات تنهار والفساد يتحول إلى قدر يومي مقبول. وما لم يتحول النقد من مطاردة العقائد إلى مساءلة الأداء ومحاسبة الأنظمة وبناء المؤسسات، فإن هذه الحلقة ستستمر إلى ما لا نهاية جيلا يرث من الجيل الذي قبله نفس الخراب ونفس الجدل ونفس العجز.

معركة النهضة ليست معركة ضد دين أو طائفة أو تراث أو حداثة. إنها معركة ضد كل ما يحول دون قيام الدولة الحقيقية، الفساد الذي ينهب والاستبداد الذي يُعطّل والمحاصصة التي تُفرغ المؤسسات والهوياتية التي تحمي الفاشلين من المساءلة. كلها وجوه لظاهرة واحدة: غياب العمران الذي يصون الإنسان ويُتيح له أن ينمو. والحضارة لا تبدأ حين يتفق المثقفون على عقيدة مشتركة، بل حين تبدأ الأمم في بناء الإنسان عبر بناء شروط حياته الكريمة.  لأن الإنسان لا يزدهر بالشعارات، بل بالعدالة. ولا يتحرر بالخطب، بل بالأمان. ولا يصبح عقلانيا لأن أحدا طلب منه ذلك، بل لأن الحياة الكريمة نفسها - حين تتحقق - تعيد تشكيل عقله وروحه ووعيه من الداخل في صمت لا يُسمع وبعمق لا يُقاس.

***

حميد القحطاني

 

قراءة تاريخية في استمرارية كوردستان الكبرى

كثيرا ما يقع الخلط بين الاسم والهوية عند قراءة التاريخ؛ فالتسمية التي تظهر في مصدر معين لا تعني بالضرورة أن الجماعة أو المجتمع بدأ عند تلك اللحظة، كما أن تغير الاسم لا يعني بالضرورة انقطاع الاستمرارية بين الماضي والحاضر، ومن هنا تأتي أهمية النظر إلى تاريخ كوردستان الكبرى بوصفه تاريخا طويلا من التراكم والتحول، لا مجرد سلسلة من الأسماء السياسية أو الإثنية المتعاقبة.

إذا نظرنا إلى كوردستان الكبرى من زاوية تاريخية واسعة، نجد أنها لم تكن يوما أرضا خالية أو هامشا ساكنا، بل مجالا بشريا استقر فيه الإنسان منذ عصور بعيدة جدا، وتشير دراسات أثرية عديدة إلى أن مناطق واسعة من زاغروس وشمال بلاد الرافدين شهدت استيطانا بشريا متواصلا منذ عصور ما قبل التاريخ؛ فالتنقيبات الأثرية في مواقع مثل قلعة أربيل، التي يعود أقدم مستواها الاستيطاني إلى الألف السادس قبل الميلاد، وتل براك في غرب كوردستان، وتل باقرتا في اربيل، كلها تظهر طبقات سكنية متعاقبة دون انقطاع كامل؛ وقد تعاقبت على هذه الجغرافيا جماعات وقوى متعددة، لكن ما يلفت النظر هو أن السكان المحليين لم يختفوا في كل مرة تتبدل فيها السلطة أو تتغير التسمية؛ بل ظلت هناك نواة سكانية متصلة، تتفاعل مع الوافدين، وتعيد تشكيل نفسها، وتحافظ في الوقت نفسه على قدر من الاستمرار.

وهكذا يصبح السؤال الأهم ليس: متى ظهر الاسم؟ بل: هل انقطعت الحياة السكانية والثقافية تماما أم استمرت عبر التحول؟ وفي حالة كوردستان، تميل كثير من الدراسات الأثرية والأنثروبولوجية الحديثة إلى دعم فكرة الاستمرارية المتحولة، أي بقاء نواة بشرية وثقافية عبر تغير الأزمنة واللغات والسلطات؛ فدراسات أنماط المسكن الجبلي، واستمرار أسماء قرى قديمة أو نسبيا قديمة في جبال زاغروس (مثل بعض القرى في نطاق جنوب وشرق كوردستان)، وتطابق الممارسات الزراعية والرعوية على المدرجات الجبلية عبر قرون طويلة، كلها تشير إلى وجود تراكم تاريخي لا إلى قطيعة كاملة، مع الإشارة إلى أن توثيق استمرار الأسماء القديمة نفسها – خصوصا القديمة من عصر الميدين أو الأكدية – في شكل مباشر يبقى محدودا وغير مكتمل.

ومن الأخطاء الشائعة في دراسة التاريخ الاعتماد على الأسماء التي أطلقتها الإمبراطوريات أو الجوار السياسي باعتبارها الحقيقة الوحيدة؛ فغالبا ما يكون الاسم الوارد في النصوص القديمة تصنيفا خارجيا أكثر من كونه الاسم الذاتي الدقيق للجماعة نفسها؛ وقد عرفت مناطق وجماعات سكان زاغروس وشمال الرافدين عبر عصور مختلفة بأسماء متعددة؛ فالآشوريون تحدثوا عن الكوتيين واللولوبيين، والفرس القدماء أشاروا إلى الكادوسيين، وذكر زينوفون في كتاباته جماعات الكاردوخ، بينما استخدمت بعض المصادر السريانية تسميات أخرى لسكان المناطق الجبلية، ثم جاءت المصادر العربية الإسلامية لاحقا باستخدام مصطلح "الكورد" بوصفه توصيفا لسكان الجبال والمناطق المرتفعة.

ولا يعني هذا التنوع في الأسماء أن كل اسم يشير بالضرورة إلى شعب جديد منفصل تماما، بل قد يعكس اختلاف الزاوية التي ينظر منها المؤرخ أو الدولة إلى السكان؛ فالمركز السياسي كثيرا ما يطلق أسماء على الأطراف تبعا لوظيفتها أو موقعها أو علاقتها به، بينما تبقى هوية السكان الحقيقية أكثر تعقيدا من هذا التصنيف؛ ولهذا يرى عدد من الباحثين في تاريخ الشعوب الجبلية أن التسميات القديمة لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات السياسية واللغوية التي مرت بها المنطقة.

والهوية لا تفهم فقط من خلال الاسم، بل من خلال الاستمرار السكاني، واللغة، والعادات، وأنماط العيش، والذاكرة الجماعية. وفي كوردستان الكبرى، نرى أن الأقاليم الجبلية والسهول المحيطة بها شهدت تراكبا طويلا بين جماعات محلية قديمة، وقوى سياسية جاءت لاحقا، وأديان ولغات جديدة، دون أن يؤدي ذلك إلى محو كامل للسكان الأوائل؛ وخذ مثلا طقوس نوروز، ذلك الاحتفال الربيعي الذي يرى عدد من الباحثين أن جذوره تعود إلى عصور ما قبل الزرادشتية، وربما إلى مراحل أقدم ارتبطت بالدورات الزراعية والاحتفالات الموسمية في مجتمعات الجبال؛ هذا الطقس لا يزال حيا في كوردستان الكبرى حتى اليوم، رغم تعاقب الزرادشتية والمسيحية والإسلام على المنطقة، ورغم محاولات بعض السلطات منعه أو تهميشه في فترات مختلفة؛ واستمرار مثل هذه الطقوس عبر قرون طويلة، رغم تغير الأديان الرسمية واللغات السياسية، يمثل دليلا ثقافيا مهما على وجود نواة حضارية أعمق من التسميات العابرة.

وما يجعل الحديث عن استمرارية سكانية أمرا مقنعا في حالة كوردستان الكبرى هو الحجم السكاني والكثافة الاستيطانية التي يصعب اختزالها أو إنكارها؛ فكوردستان الكبرى لم تكن أبدا منطقة صحراوية أو جرداء يمر عليها الغزاة وكأنها طريق عبور خال؛ لقد كانت وما زالت موطنا لملايين البشر عبر التاريخ، يعيشون في الكثير من القرى والبلدات والمدن، ويمارسون الزراعة على المدرجات الجبلية، ويرعون قطعانهم في المرتفعات صيفا وينزلون بها إلى السهول شتاء؛ وهذا النمط المعيشي، المعروف بالترحال الرعوي العمودي، يعد من أقدم الأنماط الاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات الجبلية، وقد استمر بأشكال مختلفة حتى الزمن المعاصر في أجزاء واسعة من كوردستان؛ ومثل هذه الكتلة البشرية الكبيرة والمستقرة لا يمكن أن تختفي أو تتبدل جذريا بمجرد تغير الاسم الذي يطلقه عليها المؤرخون أو الدول – المسيطرة – المتعاقبة.

وعندما نقول إن الهوية أسبق من التسميات، فنحن لا نزعم أن الأسماء بلا أهمية، بل نقول إن الاسم هو مرحلة في مسار أطول، وليس بداية التاريخ كله؛ فالتسمية قد تتأخر في الظهور، أو تتبدل بتبدل اللغة المسيطرة، أو تختزل في كتابة المؤرخين، بينما تكون الجماعة نفسها قد عاشت قرونا طويلة قبل تثبيت الاسم بصيغته المعروفة.

ومن هنا يمكن فهم أن مصطلحي " كوردوئين" و" كورد"، أو غيرهما من التسميات، ليست سوى محطات في تاريخ هوية أوسع تشكلت في بيئة جغرافية متقاربة، وتغذت من ذاكرة مكانية وسكانية ممتدة؛ فالاسم لا يصنع التاريخ وحده، بل يصفه في مرحلة معينة من مراحله، ولهذا فإن البحث عن " أول اسم" لكوردستان أو لسكانها هو بحث مشروع في سياقه، لكنه لا يكفي وحده لفهم التاريخ، لأنه قد يخفي أكثر مما يكشف.

ومن المهم أيضا ألا نقع في الطرف المقابل، أي أن نتصور الهوية بوصفها شيئا ثابتا لا يتغير؛ فالتاريخ لا يعرف الجمود الكامل؛ لقد حدثت تحولات لغوية ودينية وثقافية وسياسية عميقة في كوردستان الكبرى عبر آلاف السنين، واختلط السكان بجماعات وافدة، وتأثروا بإمبراطوريات متعاقبة فرضت سلطتها على المنطقة، وتبدلت أشكال التنظيم الاجتماعي والقبلي؛ والسكان الذين نعرفهم اليوم لا يطابقون تماما سكان العصر الحجري أو العصر البرونزي، وهذا أمر طبيعي في كل شعوب العالم؛ لكن هذه التغيرات لا تعني بالضرورة انقطاعا؛ فالأصح أن نقول إن الهوية هنا تشبه النهر القديم: يتجدد ماؤه، لكن مجراه العام يبقى ممتدا؛ وبهذا المعنى تكون كوردستان الكبرى قد شهدت تراكما تاريخيا طويلا حافظ على نواة سكانية وثقافية، حتى وإن تبدلت الأسماء واللغات والأنظمة السياسية.

كما تكشف دراسات الأسماء الجغرافية في كوردستان أن العديد من القرى والجبال والأنهار تحمل أسماء لا تعود إلى العربية أو التركية أو الفارسية الحديثة، بل إلى طبقات لغوية أقدم، وهو ما يراه بعض الباحثين مؤشرا على عمق الاستمرارية السكانية والثقافية في المنطقة؛ فالاسم الجغرافي لم يكن دائما انعكاسا محايدا لهوية السكان، بل كان أحيانا جزءا من أدوات السلطة الرمزية؛ إذ عمدت قوى سياسية وإمبراطوريات متعاقبة إلى إعادة تشكيل المجال اللغوي للمكان عبر فرض تسميات جديدة أو تكييف الأسماء القديمة بما ينسجم مع بنيتها الثقافية والإدارية، بينما ظلت الذاكرة المحلية تحتفظ، بدرجات متفاوتة، بطبقات أقدم من الهوية المكانية.

إن قراءة تاريخ كوردستان الكبرى قراءة عادلة تقتضي التحرر من أسر الاسم وحده، ومن وهم القطيعة المطلقة أيضا؛ فالمكان أقدم من التسميات، والسكان أسبق من التصنيفات، والهوية أعمق من اللفظ الذي يظهر في سجل أو نقش؛ لذلك يمكن القول إن الهوية أسبق من التسميات، وإن التسميات ليست سوى طبقات تاريخية لا تلغي الاستمرارية الثقافية والسكانية؛ كما يمكن القول بصياغة أكثر وضوحا: إن المنطقة لم تكن يوما حكرا على اسم واحد، بل كانت فضاء تاريخيا لهويات متداخلة ومتراكمة، وإن الاسم الطارئ أو المفروض لا يلغي الأصل الأعمق.

وهذا ليس نقاشا أكاديميا فقط، بل له انعكاس مباشر على فهم كيفية تشكل الشعوب في التاريخ الطويل، بعيدا عن الاختزالات التي تجعل من النص الواحد أو التسمية الواحدة مفتاحا لكل شيء؛ وهذه القراءة لا تنفي التغير، لكنها ترفض اختزال التاريخ في لحظة اسمية واحدة، وهي بذلك تفتح الباب أمام فهم أكثر إنصافا، يرى في كوردستان الكبرى فضاء تاريخيا حيا تشكل عبر التراكم، لا عبر الانقطاع.

***

د. جوتيار تمر - إقليم كوردستان

25-5-2026

العلاقات بين الممالك والدول التي ظهرت في بلاد الرافدين كانت كالمد والجزر، حروب وسلام، وتعلمت الكثير من هذه العلاقة المتباينة وسادت بينها روابط تاريخية ازدهرت حتى بلغت اوج الذرى وعرفت بحضارة بلاد مابين النهرين، الميسوبوتاميا.

من بين تلك الحضارات الاشورية والعلامية، يذكر هنري ساغس في كتابه جبروت أشور ما يلي (كانت القوة المهيمنة على مجرى الاحداث في اواسط القرن الثاني عشر ليست هي بلاد آشور ولا بلاد بابل، بل قوة ثالثة في منطقة الرافدين، ألا وهي دولة عيلام الواقعة جنوب -غرب ايران..... وكانت على تواصل وثيق مع ثقافة وتاريخ بلاد الرافدين) ص88،.(1)

سبق لي أن ذكرت إن الكورد كانوا يؤلفون فرقة حراسة للملك الاشوري، فسألني قارئ كريمٌ عن المصدر.

جاء في كتاب الاستاذ ابراهيم الداقوقي، أكراد تركيا، ص62، دار المدى، ط 1 سنة 2003 ما يلي: " اتخذ الملوك الاشوريون من شجعان الاكراد ورماة السهم الحاذقين حراسا لهم في فرقة خاصة أسموها (كوردو).

وفي ص 61 من الكتاب نفسه يقول (اقليم كوردا كان مهد الاكراد، اولئك الرجال الاقوياء والمحاربين الاشداء، على وصف المصادر التاريخية المختلفة، الذين قد يكونون - على الارجح - هم الذين استعان بهم الاشوريون في تأسيس تنظيمهم العسكري المسمى كوردو Qurrdu وهي الوحدة العسكرية المؤلفة من المحاربين الاقوياء المسؤولين عن سلامة الملك الاشوري الشخصية، حيث كانوا يسيرون الى جانب الملك عندما كان الجيش الاشوري يتحرك للقتال) 2

وفي ضوء العديد من المصادر التاريخية التي بحثت في تاريخ بلاد الرافدين نجد ان الدولة الاشورية وصلت اوج عظمتها حوالي عام 700 قبل الميلاد. وان ظهورها جاء بعد بلاد سومر بخمسمائة عام، فاول ملك آشوري هو شمشي أدد الاول (1813-1781) وهو الذي عاصر حمورابي.2799 mouayad

إيل لا تعني إله

كان من البديهيات لدينا أن كلمة إيل (اللاحقة بعدة أسماء) تعني إله، مثل بابل – باب ايل - تعني باب الاله، اربيل تعني اربا ايل وهكذا، ولكن المعلومات التي تتوالى نتيجة الابحاث والاكتشافات تدل عل ان لمدينة آشور اسما آخر، هو (بالتيل)

وتعود هذه التسمية للغة قديمة كانت تتكلمها شريحة سكانية كانت تستخدم وصلة إيل في نهاية بعض اسماء الاماكن، وهي أقدم من السومرية (3). لذلك لا ينطبق تفسير كلمة ايل بمعنى الاله بواسطة لغة تالية.

القناة السرية

روما مدينة عريقة عمرها الاف السنوات اشتهرت بقنواتها المائية المدفونة تحت الارض، تصل الى حيث يريدون ويحتاجون الماء. هذه القنوات تسمى القنوات الايرانية أحيانا وأخرى تسمى القنوات الرومانية.

 سندع القنوات الاروائية الإيرانية. فقد نشرت عنها مقالا فيما سبق، بالامكان الرجوع اليه في المواقع الالكترونية وهو بعنوان: القنوات الاروائية تحت الارض من ابتكارات الميديين. أما تسميتها بالقنوات الرومانية فحقيقة الامر انها نقلت عن بلاد آشور، لان الملك الاشوري سرجون الثاني في حربه مع الميديين اكتشف شبكة القنوات الاروائية تحت الارض قرب بحيرة اورمية، وان ابنه سنحاريب حصل على اسرار تشييد القنوات الاروائية فاقام شبكة مشابهة لها حول نينوى ليروي مدينة اربيلا ويعتقد أن احتلال روما لبلاد آشور مكنها من اكتشاف تلك القنوات فنقلوا نظامها الاروائي الى روما*.

استيراد الخيول

بسبب الحروب التي كانت تشنها آشور على الممالك الاخرى، كانت بحاجة الى العربات المتينة والخيول المدربة لجر العربات، فكانت تستورد العربات من بلاد عيلام لمتانتها وتستورد الخيول من بلاد اورارتو (عاصمتها مدينة وان قرب بحيرة اورمية)، كما كانت بلاد آشور معروفة بتجارة القصدير، ولكنها لاتنتجه وانما كانت تحصل عليه من بلاد عيلام (جبال زاغروس).

جاء في كتاب جبروت آشورما يلي: (أما الحصان الذي تم إدخاله الى بلاد آشور من الشمال ثم أو الشمال الشرقي خلال الالف الثالثة فقد كان – كما بقي دائما في العصور اللاحقة – حيوانا رفيع المقام.. كان يجري استيراد دائم لقطعان الخيل من الشمال والشمال الشرقي (4). الشمال هي بلاد الميديين والشمال الشرقي بلاد عيلام.

***

مؤيد عبد الستار

...................

1-  جبروت آشور الذي كان، هنري ساغس، ترجمة د. آحو يوسف، ط1 دمشق 1995، ص88

2 - براهيم الداقوقي، أكراد تركيا، ص62، دار المدى، ط 1 سنة 2003

3- جبروت آشور، ص38

4- جبروت آشور.ص246

* راجع مقالنا الموسوم: القنوات الاروائية تحت الارض من ابتكارات الميديين على الرابط التالي:

https://www.ssrcaw.org/ar/show.art.asp?aid=809218

آفاق تجديد وتوحيد الحركة النقابية والجماهيرية في دول الجنوب العالمي، العراق نموذجاً

 موجز، أبرز ما تطرحه هذه الورقة: بلدان الشرق الأوسط والجنوب العالمي ذات الأنظمة الاستبدادية في أزمة بنيوية واحدة، قوامها ضعف حاد ومزمن يصيب المنظمات الجماهيرية والنقابية والنسوية والطلابية، ويمتد ليطال التنسيق بين قوى اليسار ذاتها. وتتناول هذه الورقة هذه الإشكالية من خلال التجربة العراقية بوصفها تجربة معاشة وحية، مستخلصةً منها دروساً وأسئلة ذات صلة بسياقات مشابهة في المنطقة والجنوب العالمي. وتستند الورقة في جزء منها إلى تجربة ميدانية مباشرة تعود إلى صيف 1992، حين واجه بناء اتحاد للعاطلين في إقليم كردستان سؤالاً جوهرياً لا يزال راهناً حتى اليوم: هل نبني منظمة جماهيرية واسعة تعبر عن مصالح الجميع، أم واجهة أيديولوجية تضيق قاعدتها قبل أن تنطلق؟

فقد أفضى نهج بناء نقابات ومنظمات جماهيرية مرتبطة بالتنظيمات الحزبية ارتباطاً وثيقاً إلى مشهد يتسم بتعدد المنظمات الصغيرة وتشتت الطاقات وتضاؤل الفاعلية الجماهيرية الفعلية. وقد كان هذا النهج مبرراً تاريخياً في مراحل الاستبداد الشديد حين فرض الواقع القمعي المركزيةَ التنظيمية ضرورةً قصوى. غير أن الثورة الرقمية والمتغيرات الجديدة في طريقة تفكير الجماهير وأساليب تنظيمها، ولا سيما الأجيال الشابة التي نشأت على ثقافة التنظيم الأفقي والمشاركة المباشرة، باتت تستدعي مراجعة جوهرية لهذا النهج.

وتضاف إلى ذلك تحديات هيكلية أعمق، أبرزها الطبيعة الريعية للاقتصاد التي تقيد هامش التنظيم النقابي المستقل، ودور بعض الجهات الدولية المانحة في تعزيز نماذج من "المجتمع المدني" تتحاشى المساس بالبنى الاقتصادية الجوهرية وتضعف النقابات ذات التوجه الطبقي الواضح.

وفي مقابل هذا التشخيص، تستند الورقة إلى تجارب نقابية فاعلة من تونس والبرازيل وجنوب أفريقيا والهند والدنمارك، تثبت جميعها أن النقابات والمنظمات الجماهيرية المستقلة حين تتجذر في قواعدها الجماهيرية وتتجاوز الارتباط الحزبي الضيق، تستطيع أن تكون رافعةً حقيقية للتغيير الاجتماعي والسياسي في اللحظات الحاسمة.

وترى هذه الورقة أن تجديد اليسار وبناء قوته الجماهيرية الحقيقية يستلزم مراجعة جوهرية تقوم على ثلاثة مرتكزات متكاملة: أولها بناء نقابات واتحادات ومنظمات جماهيرية تقدمية مستقلة تستند إلى المواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان والعمال والمرأة لا إلى البرامج الحزبية، وثانيها مشاركة اليساريين واليساريات داخل هذه المنظمات كأفراد ملتزمين بقضايا قطاعاتهم لا كممثلين لأحزابهم، وثالثها بناء أطر تنسيق وتحالف واسعة بين قوى اليسار المختلفة تتجاوز الخلافات الأيديولوجية الثانوية نحو مشروع تغييري موحد يضم الأحزاب والتنظيمات اليسارية والتقدمية والنقابات والمنظمات الجماهيرية.

وهذه الورقة ليست وصفة جاهزة ولا خارطة طريق مكتملة، إذ إن تفاصيل التطبيق وآليات البدء تستوجب حواراً جماعياً صريحاً بين قوى اليسار والحركة النقابية والجماهيرية ذاتها. هي في جوهرها دعوة لفتح هذا الحوار وتغذيته بأسئلة جدية.

للاطلاع على النص الكامل والمزيد من التفاصيل، تابع القراءة أدناه.

من الضرورة التاريخية إلى أسئلة المراجعة والتجديد

يعاني يسار معظم بلدان الشرق الأوسط وبلدان الجنوب العالمي ذات الأنظمة الاستبدادية من إشكالية بنيوية مشتركة، تتجلى في الضعف والتشتت الحاد والمزمن الذي يصيب المنظمات الجماهيرية، وخاصةً النقابات والاتحادات العمالية والمهنية والنسوية والطلابية. وقد أفرزت هذه الأنظمة في سياقات متشابهة ظروفاً ضاغطة دفعت قوى اليسار إلى تبني أشكال تنظيمية مركزية محكمة تحت وطأة القمع والملاحقة، بما أنتج نهجاً يقوم على بناء نقابات ومنظمات جماهيرية سرية وأحياناً شبه علنية مرتبطة بالتنظيمات السياسية ارتباطاً وثيقاً، على حساب استقلاليتها وقدرتها على احتضان قطاعات اجتماعية أوسع.

وتكشف التجارب المقارنة في هذه السياقات أن اليسار حين يحكم قبضته على منظماته الجماهيرية ويحولها إلى امتداد لتنظيمه الحزبي، يكسب ربما انسجاماً ونفوذاً أيديولوجياً داخلياً، غير أنه قد يخسر ما هو أثمن: الثقل الاجتماعي الحقيقي القادر على تحريك الجماهير في اللحظات الحاسمة. والإنصاف يقتضي الاعتراف بأن نموذج النقابة والمنظمة الجماهيرية المرتبطة بالحزب لم يكن خاطئاً في مطلق الأحوال، إذ أدى في مراحل تاريخية بعينها دوراً محورياً لا يمكن إنكاره، ولا سيما في حقب تنامي دور اليسار وصعوده الجماهيري، حين كانت المركزية التنظيمية ضرورة فرضها الواقع القمعي وحاجة النضال إلى تماسك صفوفه وحماية كوادره. وقد استطاعت النقابات والاتحادات التابعة في تلك المراحل أن تكون حاضنة فاعلة للعمل النقابي والجماهيري في ظروف بالغة القسوة.

غير أن الزمن تغير تغيراً جوهرياً، وتغيرت معه آليات التفكير والعمل الجماهيري. فالجماهير اليوم، وخاصة الأجيال الجديدة التي نشأت على ثقافة الوصول الفوري إلى المعلومات والتنظيم الأفقي والمشاركة المباشرة في صنع القرار، لم تعد تقبل بأن تكون مادة للتعبئة في خدمة أجندة حزبية محددة مهما كانت صدق نواياها. فالقوة الجماهيرية الفعلية لا تبنى اليوم بالقرار التنظيمي، وإنما بالتجذر في حياة الناس اليومية وتمثيل مصالحهم بصدق وفاعلية بصرف النظر عن انتماءاتهم الفكرية والسياسية.

وتسعى هذه القراءة إلى إثارة نقاش جاد حول ضرورة مراجعة نموذج "النقابة التابعة والمنظمة الجماهيرية الموالية"، والبحث في نموذج مغاير يقوم على ثلاثة مرتكزات متكاملة: أولها بناء نقابات واتحادات ومنظمات جماهيرية تقدمية مستقلة حقيقياً تستند إلى المواثيق الدولية لا إلى البرامج الحزبية، وثانيها المشاركة الفاعلة لليساريين واليساريات داخل هذه المنظمات كأفراد ملتزمين بقضايا قطاعاتهم لا كممثلين لأحزابهم، وثالثها بناء أطر تنسيق وتحالف واسعة بين قوى اليسار المختلفة تتجاوز الخلافات الأيديولوجية الثانوية نحو مشروع تغييري موحد.

سيتناول هذا المقال الحالة العراقية بوصفها تجربة معاشة وحية لا نموذجاً نظرياً مجرداً، مستخلصاً منها دروساً وأسئلة ذات صلة بسياقات مشابهة في المنطقة والجنوب العالمي. ففي العراق تحديداً، تتجلى هذه الإشكالية بصورة حادة، إذ اضطرت قوى اليسار في معظم مراحلها إلى العمل تحت وطأة الأنظمة الدكتاتورية المتعاقبة، أبرزها النظام البعثي الذي حكم البلاد من عام 1968 حتى عام 2003، مما أفرز إرثاً تنظيمياً لا يزال يلقي بظلاله حتى اليوم.

غير أن الظروف الجديدة التي أعقبت التحولات السياسية وسقوط النظام البعثي الدكتاتوري ووجود هامش نسبي للحريات والنشاط العلني رغم سلطة الميليشيات الدينية والقومية الحاكمة، تستدعي إعادة النظر الهادئة والبناءة في هذا النهج، والتفكير الجدي في نماذج تنظيمية أكثر انفتاحاً واستقلالية، تستطيع احتضان قطاعات اجتماعية أوسع وتعبر عن مصالحها بصدق أعمق.

وتكتسب هذه المراجعة أهميتها المضاعفة حين نستحضر التجربة المريرة مع النقابات الصفراء المسيسة، أي النقابات التي أنشأتها الأنظمة الدكتاتورية أو سيطرت عليها لخدمة أغراضها، إبان الحقب الدكتاتورية في العراق وعموم دول المنطقة، حيث تحولت إلى أدوات للسيطرة والإخضاع عوضاً عن تمثيل مصالح الجماهير.  وهذا الإرث ما زال حاضراً في الوعي الجمعي، حيث ما زالت السلطات الحاكمة في بغداد وإقليم كردستان تسير على النهج ذاته في النقابات الرسمية الموالية لها، مما يجعل تقديم نموذج مغاير قائم على الاستقلالية الحقيقية والقيادة الجماعية والديمقراطية الداخلية والتعددية الفكرية ضرورةً ملحة لاستعادة الثقة الشعبية وتوسيع دائرة التأثير.

من الارتباط العضوي إلى الاستقلالية

بعد عام 2003 حرصت معظم التنظيمات اليسارية على إدامة وإنشاء نقاباتها واتحاداتها ومنظماتها الخاصة. وقد أفضى ذلك في أحيان كثيرة إلى تعدد المنظمات والنقابات في القطاع الواحد، وفي بعض الحالات وصل الأمر إلى ازدواجية المنظمات داخل الحزب الواحد نفسه، نتيجة انقسامات داخلية أو تنافس على الأدوار الجماهيرية، مما أفرز مشهداً جماهيرياً يتسم بتشتت الطاقات وتعدد التسميات وتضاؤل الفاعلية الفعلية على ارض الواقع.

وهذا الواقع يدعو إلى تأمل هادئ وبناء في الثمن الذي دفعته المنظمات الجماهيرية من رصيدها التمثيلي جراء هذا الارتباط العضوي. فالنقابة المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتنظيم بعينه تجد صعوبة حقيقية في احتضان العاملات والعمال بكل تنوعهم الفكري والقومي والديني والحزبي، فتضيق دائرة تأثيرها وتنحصر في شريحة محددة. وكذا المنظمات النسوية التي ترتبط عضوياً بحزب معين تجد صعوبة حقيقية في استقطاب النساء من خلفيات سياسية وفكرية مختلفة، مهما كان صدق نوايا قائداتها. والاتحاد الطلابي يتحول تدريجياً إلى ساحة للتجاذبات الحزبية، يخسر فيها الطلاب والطالبات مساحتهم المستقلة، وقد يشعرون بأنهم مادة للتجنيد السياسي لا فاعلون في حركة تمثل مصالحهم الحقيقية.

والمقترح هنا ليس التخلي عن العمل الجماهيري أو الانسحاب منه، وإنما الارتقاء به نحو نماذج أكثر استقلالية وأوسع تمثيلاً. فالمشاركة في بناء نقابة تقدمية مستقلة واحدة وقوية تضم عشرات الآلاف يتفوق في قيمته الاجتماعية والحقوقية على عشرات المنظمات الصغيرة المتفرقة، لأن النقابة المستقلة الكبيرة تملك من الثقل والمصداقية ما يمكنها من الدفاع الفعال عن مصالح منتسبيها ومواجهة الانتهاكات بصوت أعلى وأثر أعمق. واليساريون واليساريات الذين يعملون في هذه النقابات كأفراد ملتزمين بقضايا قطاعاتهم يمكنهم اكتساب نفوذ اجتماعي وسياسي جماهيري أعمق مما يكتسبونه من خلال قيادة منظمات تابعة ذات أثر محدود، وهذا كله يصب في نهاية المطاف في خدمة المشروع اليساري ذاته.

وتكشف تجربة شخصية عشتها في صيف عام 1992 عمق هذه الإشكالية وجذورها. حين اجتمعنا مع عدد من رفيقات ورفاق اليسار والعاطلين عن العمل لبناء اتحاد للعاطلين في اقليم كردستان، كان الخلاف الأول الذي نشأ بيننا ليس حول الهيكل التنظيمي أو آليات العمل، وإنما حول البيان التأسيسي ذاته. اقترح بعض الرفاق بياناً مشبعاً بالعبارات الأيديولوجية اليسارية كالإمبريالية والاشتراكية وما شابهها، فاختلفت معهم في ذلك، ورأيت أن ما نسعى إليه هو بناء اتحاد للعاطلين جميعاً، من كافة الأفكار والتوجهات، لا اتحاداً لعاطلي اليسار وحدهم. كنا أمام خيار جوهري: هل نبني منظمة جماهيرية واسعة تعبر عن مصالح الجميع، أم نبني واجهة أيديولوجية تضيق قاعدتها قبل أن تنطلق؟ ذلك السؤال الذي طرح في صيف 1992 لا يزال في صميم الإشكالية التي نناقشها اليوم.

ضعف التنسيق والتشتت وانعكاسه على النضال الجماهيري والنقابات والاتحادات

لا يمكن معالجة إشكالية تشتت النقابات والمنظمات الجماهيرية بمعزل عن ظاهرة أعمق وأشد تأثيراً، وهي حالة ضعف التنسيق والعمل المشترك التي أثرت على مسيرة قوى اليسار وأثقلت كاهلها في مراحل مفصلية. فالتشتت الجماهيري الذي نراه في المشهد النقابي والمنظماتي يعكس في جانب منه تشتتاً سياسياً وتنظيميا سابقاً، تجلى في تعدد التنظيمات اليسارية وتباين مواقفها إزاء بعض القضايا، وهو تباين طبيعي ومشروع في حد ذاته، غير أنه حين يتحول إلى احتقان وصراع يضعف العمل المشترك فإنه يلقي بظلاله الثقيلة على الفضاء الجماهيري برمته.

ومنذ نهاية القرن المنصرم، واجهت قوى اليسار العراقي تحدي بلوغ حد أدنى من التنسيق المشترك في المحطات الحاسمة، وكان الاختلاف حول المواقف السياسية، من التعامل مع الاحتلال إلى الموقف من العملية السياسية إلى تقييم تجارب اليسار، يتحول أحياناً من نقاش فكري مثمر يتقبل الاختلاف إلى احتقان يصعب التعاون الميداني رغم نقاط الالتقاء الكثيرة. والأثر الجماهيري لهذا الواقع كان ملموساً، إذ كانت حالات التوتر الداخلي تضعف قدرة اليسار على تقديم نفسه بصورة موحدة أمام الجماهير التي تراهن عليه حاملاً لمشروع التغيير.

وقد انعكس هذا الواقع بصورة مباشرة على المنظمات الجماهيرية والنقابية. فحين تتباعد قوى اليسار في مواقفها، لا تسلم النقابات والاتحادات من أثر ذلك التباعد، إذ تجد نفسها أحياناً أمام تجاذبات تشتت طاقتها وتصرفها عن مهمتها الأصلية في الدفاع عن حقوق منتسبيها. وبدلاً من أن توجَه الجهود نحو مواجهة الانتهاكات والمطالبة بالحقوق، تستنزف أحياناً في صراعات داخلية بين القوى اليسارية في ما بينها، وفي خلافات قد لا تخدم العمال ولا تقدم مصالحهم.

كذلك أفرز غياب التنسيق نمطاً يقوم على التنافس داخل الدائرة الجماهيرية ذاتها عوضاً عن التوسع نحو قطاعات اجتماعية جديدة لم تصلها قوى اليسار بعد. والنتيجة أن الخريطة الجماهيرية ظلت محدودة المساحة رغم تعدد التنظيمات، لأن هذا التعدد لم يفضِ دائماً إلى توزيع العمل ومخاطبة شرائح مختلفة، وإنما أفضى إلى التداخل والتكرار في الرقعة ذاتها.

وثمة مفارقة مؤلمة جديرة بالتأمل، إذ يرفع اليسار شعار وحدة الجماهير الكادحة، في حين أن هذا النهج التنظيمي أفضى من غير قصد إلى تشتت النضال والجهود المشتركة وإضعاف الحركة النقابية والجماهيرية على أرض الواقع.

وفي هذا السياق تتضح القيمة الاستراتيجية لبناء منظمات جماهيرية ونقابات مستقلة حقيقياً، لأنها تشكل الفضاء الذي يمكن فيه لليساريين واليساريات المنتمين إلى تنظيمات مختلفة أن يعملوا جنباً إلى جنب حول نقاط التقاء و مصالح مشتركة وواضحة. فالنقابات والاتحادات المستقلة تفرض منطقها الخاص القائم على الدفاع عن الحقوق، وهذا المنطق يتجاوز الخلافات الأيديولوجية حين يتعلق الأمر بمواجهة الفصل التعسفي أو انتزاع حق مكتسب أو زيادة الأجور والمطالبة بالمزيد من الحقوق والمساواة. وتكشف تجارب الحركات النقابية والجماهيرية في سياقات مشابهة أن العمل المشترك داخل نقابات واتحادات مستقلة يرسخ تدريجياً ثقافة التعاون وبناء القوة الجماهيرية الجماعية على الأرض، مما ينعكس إيجاباً على مناخ العلاقة بين قوى اليسار ذاتها.

دروس من تجارب نقابية فاعلة

وتكشف التجارب التاريخية والمعاصرة أن النقابات التقدمية المستقلة الفاعلة كانت في أحيان كثيرة عاملاً محورياً في التغيير الاجتماعي والسياسي، وأن قوتها لم تنبع من ارتباطها بهذا الحزب أو ذاك، بل من تجذرها الحقيقي في قواعدها العمالية والجماهيرية.

ففي تونس، أدى الاتحاد العام التونسي للشغل، رغم التحفظات الموجودة، دوراً محورياً في إسقاط الدكتاتورية عام 2011، و وفر غطاءً مؤسسياً للحوار الوطني بعدها، ونجح إلى حد مناسب في تحويل الاحتجاجات الشعبية إلى مطالب منظمة. وقد كان ثقله الجماهيري المتجذر في قطاعات واسعة من العمال والمهنيين هو ما منحه تلك القدرة التفاوضية التي عجزت عنها الأحزاب السياسية مجتمعةً.

وفي جنوب أفريقيا، شكل الكونغرس الجنوب أفريقي لنقابات العمال ركيزة أساسية في النضال ضد نظام الفصل العنصري، وأثبت أن النقابات المستقلة القوية تستطيع أن تكون في آنٍ واحد جبهةً للدفاع عن الحقوق العمالية ومنصةً للنضال من أجل الكرامة الإنسانية والتحرر والمساواة، دون أن تذوب في أي حزب سياسي بعينه.

وفي البرازيل، نشأت في أواخر سبعينيات القرن الماضي حركة نقابية مستقلة في قطاع صناعة السيارات، قادها عمال مصانع ساو باولو في مواجهة الديكتاتورية العسكرية، وأثبتت أن الإضراب المنظم أداةٌ سياسية بامتياز حين تقف خلفه نقابة تقدمية متجذرة في قواعدها الجماهيرية. وقد تطورت هذه الحركة النقابية لتفرز لاحقاً حزب العمال الذي وصل إلى السلطة، في نموذج نادر على بناء قوة سياسية حقيقية انطلاقاً من العمل النقابي الميداني.

وفي الهند، ربطت نقابات عمال المناجم والنسيج تاريخياً بين النضال العمالي اليومي على الأجور وظروف العمل وبين التغيير الاجتماعي الأشمل، مثبتةً أن النقابة القادرة على احتضان الجماهير الشعبية بتنوعها الديني والإثني والطبقي تستطيع أن تتجاوز حدود المطلب الاقتصادي الضيق وتتحول إلى قوة تغيير اجتماعي عميق.

وعلى صعيد التجارب المعاصرة في الديمقراطيات الغربية، يقدم اليسار الدنماركي نموذجاً جديراً بالتأمل، وإن كان لا يخلو هو الآخر من تحفظات كثيرة. ففي الدنمارك، لم يعد أمام الأحزاب اليسارية والاشتراكية خيار بناء نقابات خاصة بها أو موالية لها، إذ إن الاتحاد النقابي الرئيسي القائم كيان مستقل وقوي، الأمر الذي جعل العمل داخل النقابات المستقلة والمشاركة الفاعلة في هياكلها السبيل العملي لتعزيز التوجهات الجذرية والتقدمية من الداخل، عبر الإقناع والممارسة والنضال الميداني في مختلف القطاعات. وقد أفرز هذا المسار نقابات ذات ثقل شعبي حقيقي، فيما تكتسب قوى اليسار داخلها نفوذاً اجتماعياً وسياسياً أعمق بكثير مما كان يمكن أن تكتسبه لو اكتفت بقيادة منظمات ونقابات صغيرة موالية لأحزابها.

وما تكشفه هذه التجارب مجتمعةً هو أن النقابات والمنظمات الجماهيرية الفاعلة المستقلة لا تكتفي بالدفاع عن الحقوق الآنية، إذ تستطيع أن تبني على مدى السنوات ثقافة تنظيمية وقدرة مؤسسية تجعلها رافعةً للتغيير في اللحظات الحاسمة. وهذا بالضبط ما افتقر إليه اليسار العراقي في لحظات احتجاجات تشرين 2019 وسواها، وما ينبغي أن يشكل بوصلة العمل الجماهيري اليساري في المرحلة القادمة.

الاتفاقيات الدولية كقاعدة عملية لبناء نقابات واتحادات ديمقراطية مستقلة

تبرز هنا فرصة مهمة لم تستثمر بالقدر الكافي، وهي توجيه الجهود نحو بناء نقابات واتحادات عمالية ومهنية مستقلة حقيقياً، إلى جانب منظمات جماهيرية وحقوقية ونسوية تستند في عملها إلى المواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان والعمال والمرأة، عوضاً عن البرامج والتوجهات السياسية لتنظيمات اليسار في هذا المجال. وتكتسب هذه المقاربة أهمية مضاعفة في دول الجنوب العالمي التي تعاني حركتها النقابية والجماهيرية من ضعف بنيوي حاد، إذ توفر هذه الاتفاقيات أرضية صلبة وشرعية أخلاقية وقانونية تتجاوز الحدود المحلية، وتمنح النضال النقابي بعداً كونياً يصعب استهدافه بتهمة التحيز السياسي أو الأيديولوجي.

في مقدمة هذه المرجعيات يأتي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يكفل في مادته الثالثة والعشرين الحق في العمل وفي اختيار العمل بحرية وفي شروط عمل عادلة ومرضية، ويقر صراحةً بحق الجميع في تأسيس النقابات والانتساب إليها. ويكمل هذا الإطار العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي صادق عليه العراق، والذي يلزم الدول صراحةً بضمان الحرية النقابية وحماية العمال من الانتهاكات.

أما اتفاقيات منظمة العمل الدولية الأساسية فتشكل الركيزة العملية الأمتن في هذا السياق. وأبرزها اتفاقية الحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي رقم 87 التي تكفل للعمال دون تمييز الحق في تأسيس المنظمات والانضمام إليها دون ترخيص مسبق من السلطة. وتضاف إليها اتفاقية حق التنظيم والمفاوضة الجماعية رقم 98 التي تحمي العمال من أي تدخل في شؤون نقاباتهم. وتثري هذه المنظومة كذلك اتفاقية العمل الجبري رقم 29 واتفاقية إلغاء العمل الجبري رقم 105 فضلاً عن اتفاقية التمييز في الاستخدام والمهنة رقم 111 التي تحظر كل أشكال التمييز في بيئة العمل.

على صعيد حقوق المرأة تحديداً، تمثل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) المرجعيةَ الأشمل والأكثر إلزاماً، إذ تقر بحقوق النساء السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كاملةً غير منقوصة. وتستكملها إعلان بيجين ومنهاج عمله الذي يعد حتى اليوم من أكثر الوثائق الدولية شمولاً في تناول قضايا المرأة ومتطلبات تمكينها.

وما تجدر الإشارة إليه أن ما يرد في هذه الاتفاقيات يتوافق في جوهره مع ما تطرحه كافة قوى اليسار من مطالب على صعيد الحقوق العمالية والجماهيرية وحقوق النساء، وهي في الوقت ذاته تعمقها ويوفر لها غطاءً قانونياً دولياً. والاستناد إلى هذه المرجعيات لا يوفر إطاراً قانونياً وأخلاقياً قوياً للنضال النقابي والجماهيري والنسوي فحسب، وإنما يسهم أيضاً في تقليص حساسية اتهامات التسييس الحزبي داخل النقابات والاتحادات والمنظمات الجماهيرية، لأن المطالب تتحول من شعارات أيديولوجية عامة إلى حقوق معترف بها دولياً وقابلة للدفاع عنها أمام المجتمع والسلطات على حدٍ سواء.

الاقتصاد الريعي وتعقيدات التنظيم النقابي

يضاف إلى ما سبق التحدي الهيكلي الذي تفرضه الطبيعة الريعية للاقتصاد في العراق وإقليم كردستان، وهي سمة مشتركة تتقاسمها معظم الدول النفطية في الشرق الأوسط، مما يجعل التنظيم النقابي المستقل مسألةً بالغة التعقيد تستدعي التفكير العلمي العميق. فحيث تعتمد نسبة كبيرة من القوى العاملة على رواتب الدولة والقطاع العام، تنشأ علاقة تبعية مباشرة مع السلطة تقيد هامش التنظيم المستقل وتضعف الدوافع الذاتية نحوه. وتكشف الأرقام الرسمية عمق هذه التبعية، إذ بلغت نسبة الإيرادات النفطية من إجمالي موازنة العراق العامة نحو 89% خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2024، فيما أشارت بيانات النصف الأول من عام 2025 إلى أن النفط شكل نحو 92% من إجمالي إيرادات البلاد، مما يجعل العراق من أكثر اقتصادات العالم اعتماداً على مورد واحد، ويضيق هامش أي استقلالية نقابية حقيقية في مواجهة دولة تمتلك أدوات العقاب والمكافأة معاً.

في الاقتصادات الإنتاجية يتحرك العمال نحو التنظيم النقابي لأن قوتهم التفاوضية مع أصحاب العمل الخاصين تستلزم عملاً جماعياً منظماً. في الاقتصاد الريعي يسود منطق مغاير، إذ تصبح العلاقة بين مواطن ودولة توزع الريع، مما يحول المطالب العمالية من نضال على حقوق تعاقدية واضحة إلى مساعٍ تحاط بمخاوف تتعلق بالأمان الوظيفي والاستقرار المعيشي.

ولعل أبلغ مثال على ذلك ما جرى إبان احتجاجات تشرين 2019 في العراق، تلك الانتفاضة الشعبية الواسعة التي هزت المنظومة السياسية برمتها، حين عجزت النقابات القائمة عن تحويل زخم الشارع إلى إضرابات عمالية منظمة توقف العملية الإنتاجية وترغم الحكومة على الاستجابة. ذلك لأن غالبية العمال المحتجين كانوا موظفين حكوميين تربطهم برواتب الدولة علاقة تبعية مباشرة، فوجدوا أنفسهم أمام معادلة مؤلمة: إما الاحتجاج وتحمل تبعاته الوظيفية، أو الصمت والإبقاء على مصدر رزقهم الوحيد.

وفي إقليم كردستان يتجلى هذا النمط بصورة أكثر حدة، إذ شهدنا موجات متكررة من الاحتجاجات بسبب تأخر صرف الرواتب، ومع ذلك ظلت هذه الاحتجاجات عفوية ومتقطعة وعاجزة عن التحول إلى حركة نقابية منظمة ومستدامة. والسبب الجوهري أن العامل-ة الكردستاني الذي يطالب بحقوقه يعرف في الوقت ذاته أنه يعتمد كلياً على الحكومة ذاتها التي يحتج عليها، مما يجعل التنظيم النقابي المستقل مجازفة شخصية يصعب على الفرد تحملها منفرداً.

وقد كشف هذا الواقع عن حاجة ماسة إلى نقابات تبني وعياً تدريجياً بأن الحق النقابي ليس تمرداً على الدولة، وإنما ضماناً لكرامة العامل في مواجهة أي جهة كانت، وتقدم الحماية الجماعية بديلاً عن الهشاشة الفردية.

هذا الواقع يستدعي من اليسار تطوير سياسات نقابية متمايزة تأخذ في اعتبارها خصوصية البيئة الريعية، عوضاً عن استنساخ نماذج ولدت في سياقات اقتصادية مختلفة. وتقتضي هذه السياسات التركيزَ على بناء وعي مجتمعي تدريجي بأن الحقوق النقابية والجماهيرية ليست منحةً تمنحها السلطة وتسترجعها، إذ هي حقٌ أصيل تكفله المواثيق الدولية وتستلزمه المواطنة الكاملة. كما تستوجب توسيع مفهوم التنظيم ليشمل المطالبة بالشفافية في توزيع الثروة الريعية ومساءلة المسؤولين عن إدارتها، وهي مطالب تمس الجميع وتستطيع تجاوز الحواجز السياسية لبناء تضامن اجتماعي أوسع.

الجهات الدولية المانحة وإشكالية الاستقلالية

لا تكتمل قراءة مشهد التشتت النقابي والجماهيري دون الإشارة إلى دور الجهات الدولية المانحة. والإنصاف يقتضي الاعتراف أولاً بأن التمويل الدولي والخبرة العالمية أسهما في دعم نشاط نقابي وحقوقي وجماهيري حقيقي في مراحل مختلفة، وأن كثيراً من المنظمات استفادت من هذا الدعم في بناء قدراتها وتوسيع حضورها. غير أن ثمة جانباً آخر من هذه الصورة يستحق التأمل النقدي الصريح، ولا سيما فيما يخص الجهات المرتبطة بحكومات رأسمالية غربية تعكس في نهاية المطاف سياسات بلدانها ومصالحها الاستراتيجية في المنطقة، وهي مصالح لا تتطابق بالضرورة مع مصالح الطبقات العاملة والجماهير الشعبية التي تدعي هذه الجهات دعمها.

فقد وجهت كثير من هذه الجهات تمويلها بما يخدم أجندة ترويج نموذج بعينه من "المجتمع المدني"، نموذج يركز على الإصلاح ضمن المنظومة الطبقية القائمة ويتحاشى المساس بالبنى الاقتصادية الجوهرية، في حين تهمش النقابات والاتحادات ذات التوجه الطبقي الواضح والمطالب العمالية والجماهيرية الجذرية. وقد أفضى ذلك إلى نشوء منظمات مصممة لخدمة متطلبات التقارير والمشاريع أكثر من خدمة احتياجات قواعدها الجماهيرية، تنتهي بانتهاء دورة التمويل ولا تترك خلفها بنية مؤسسية راسخة.

وعلى صعيد أعمق، أسهم هذا النمط التمويلي في إعادة رسم خريطة الأولويات النضالية، إذ تحولت موارد وطاقات بشرية كان يمكن توجيهها نحو بناء حركة نقابية وجماهيرية مستقلة وقوية نحو أنشطة ومشاريع وقتية. وقد رافق ذلك أحياناً تعزيز ظاهرة الشخصنة في النقابات والمنظمات، حيث باتت العلاقة تقوم بين الممول وأفراد بعينهم لا بين الممول والمنظمة كمؤسسة جماعية، مما أضعف البنى التشاركية وحول قيادة بعض المنظمات إلى امتيازات شخصية مرتبطة بالوصول إلى شبكات التمويل الخارجي، بدلاً من أن تكون تعبيراً عن ثقة القاعدة الجماهيرية.

وهذه ليست دعوةً إلى العداء المطلق لكل تعاون دولي، فثمة تضامن أممي حقيقي مع الحركات العمالية والنقابية والجماهيرية والنسوية تجسده منظمات عمالية وحقوقية دولية مستقلة كالاتحاد الدولي لنقابات العمال ومنظمات حقوقية ونسوية مختلفة. إنها دعوة إلى وعي طبقي نقدي في التعامل مع التمويل الحكومي الغربي، والتمسك بمبدأ أن أولويات الحركة النقابية والجماهيرية يجب أن تنبثق من احتياجات العمال والجماهير لا من اشتراطات الممولين، وأن استقلالية القرار شرط غير قابل للتفاوض مهما كانت قيمة التمويل المعروض.

الوعي الجديد وضرورة إعادة النظر، نحو يسار جماهيري موحد

غياب النقابات والاتحادات والمنظمات القوية والمستقلة أضعف اليسار بصورة تتجاوز ما هو مرئي على السطح. فعندما جاءت اللحظات الحاسمة في تاريخ الاحتجاجات والانتفاضات الشعبية، وجد اليسار نفسه في فراغ تنظيمي مؤلم: لا نقابات قادرة على تحويل التظاهرات إلى إضرابات منظمة ترغم السلطات الحاكمة في بغداد وأربيل على الاستجابة، ولا حركة طلابية موحدة تمتلك قوة مؤسسية حقيقية، ولا منظمات نسوية واسعة النفوذ قادرة على ترجمة الغضب الشعبي إلى مطالب مستدامة. في مكان كل ذلك، عشرات المنظمات الصغيرة المتنافسة بتنسيق محدود وصراعات تنظيمية متكررة.

وقد شهدت العقود الأخيرة تحولات جوهرية في طريقة تفكير الجماهير وأساليب تنظيمها لا يمكن لأي قوة سياسية جادة تجاهلها. فالثورة الرقمية أعادت رسم خريطة القوة والتأثير، وأتاحت للشبكات الأفقية والمبادرات المستقلة تحقيق حضور ميداني واسع في وقت قياسي. وقد كشفت حركات الاحتجاج، من ساحات العراق إلى حركات العدالة الاجتماعية في أنحاء العالم، أن التنظيم الأفقي المرن قادر على توليد طاقة تعبوية هائلة تعجز عنها الهياكل ذات المركزية المفرطة.

يضاف إلى ذلك تحول عميق في منظومة قيم الأجيال الجديدة تجاه التعددية الفكرية والشفافية ونبذ المركزية الكبيرة. فجيل الشباب اليوم نشأ على ثقافة الوصول الفوري إلى المعلومات المتعددة، ويمتلك قدرة نقدية ومقارنة عالية، ويضع الشفافية في صنع القرار والمساءلة في استخدام الموارد شرطاً أساسياً لمنح ثقته لأي تنظيم. كما شهدنا صعوداً واضحاً لنماذج القيادة الجماعية التشاركية، إذ تثبت التجارب الناجحة في الحركات الاجتماعية المعاصرة أن القيادة الموزعة المنبثقة من داخل المجموعات أكثر استدامةً وأقل هشاشةً من نموذج القيادة الفردية المحورية.

وفي ظل هذه التحولات مجتمعةً، باتت الجماهير وخاصة الشباب والشابات في ساحات الاحتجاج لا تثق بنقابات ومنظمات الواجهة التابعة للأحزاب، وتفضل أشكال التنظيم الأفقية والمبادرات المستقلة التي تحترم استقلاليتها الفكرية وتتيح المشاركة الفعلية في صنع القرار وتتعامل مع التنوع بوصفه ثروة لا عبئاً. بل ثمة شرائح متنامية، خاصة بين الشباب، تبدي انزعاجاً متزايداً من العمل الحزبي التقليدي. وهذه الظاهرة تستحق التأمل والدراسة الجادة من اجل فهم جذورها وتحليلها بجدية، بدلاً من مواجهتها بالرفض والإدانة، وهو ما يفرض على اليسار تطوير اشكال تنظيم أكثر ديمقراطية وجماعية ومرونة.

وهذا المنطق الجديد قد يفتح أمام اليسار فرصة حقيقية للتجديد الفكري والتنظيمي وتوسيع قاعدته الاجتماعية. فالخيار لم يعد بين بناء واجهة تابعة أو عدم العمل الجماهيري، وانما بين الاستمرار في التشتت أو الانتقال نحو بناء ودعم نقابات واتحادات تقدمية مستقلة وقوية يعمل فيها اليساريون واليساريات بمختلف توجهاتهم.

والطريق إلى الوحدة الحقيقية على أرض الواقع يمر عبر مسارين متكاملين لا يقوم أحدهما دون الآخر:

المسار الأول - النقابي والجماهيري: المشاركة الجماعية في بناء نقابات واتحادات ومنظمات جماهيرية تقدمية مستقلة وقوية، تجمع الجميع بصرف النظر عن انتماءاتهم الفكرية والقومية والدينية، حول مصالحهم المشتركة ومطالبهم الحيوية. وفي هذه المنظمات المستقلة يستطيع اليساريون واليساريات أن يسهموا بأفضل ما لديهم: قيم العدالة الاجتماعية والتضامن والنضال من أجل الكرامة الإنسانية والمساواة.

المسار الثاني - السياسي والتنظيمي: التنسيق والعمل المشترك على الصعيد الحزبي والسياسي عبر أطر تحالفية متنوعة، على مستوى البلد أو المحافظات أو حول مطالب بعينها، كخطوات تدريجية نحو بناء إطار يساري تقدمي واسع وموحد متعدد المنابر، يضم كافة القوى اليسارية والتقدمية إلى جانب النقابات والمنظمات العمالية والجماهيرية وفق نقاط الالتقاء الآنية. فتغيير الوضع في العراق وإقليم كردستان يتطلب تحشيد كل تلك الطاقات في مشروع واحد متماسك.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الورقة لا تدعي تقديم خارطة طريق جاهزة أو وصفة تنظيمية مكتملة، إذ إن الخطوات العملية وآليات البدء وتفاصيل التطبيق في سياقات مختلفة هي في جوهرها مسائل تستوجب حواراً جماعياً صريحاً بين قوى اليسار والحركة النقابية والجماهيرية ذاتها. والهدف الأساسي من هذه القراءة هو إثارة هذا الحوار وتغذيته بأسئلة جدية، على أمل أن يفضي إلى نقاش فكري وعملي يسهم في تطوير الرؤية وبناء الإجابات المشتركة.

ذلك هو معنى العمل الجماهيري الحقيقي في عصرنا: أن يخدم شغيلات وشغيلة اليد والفكر ويبني قوتهم ويوحدها ويشارك في تغيير حياتهم نحو الأفضل، وأن يجسد قيم اليسار في الممارسة اليومية لا في الخطاب السياسي وحده. فالقوة الحقيقية لليسار لا تكمن فقط في أطروحاته الفكرية ومواقفه السياسية، وإنما في قدرته على بناء مؤسسات تقدمية مستقلة وواسعة التأثير، متجذرة في حياة الناس اليومية وقادرة على الدفاع عن مصالحهم وحقوقهم وتحويل طاقاتهم الاجتماعية إلى قوة تغيير حقيقية تفتح الطريق نحو البديل الاشتراكي.

***

رزكار عقراوي

.........................

المصادر والمراجع

أولاً: مصادر التجارب النقابية

[1] تونس: دور الاتحاد العام التونسي للشغل في ثورة 2011 والانتقال الديمقراطي

https://internationalviewpoint.org/spip.php?article5575

[2] جنوب أفريقيا: تأسيس COSATU ودوره في النضال ضد الفصل العنصري

https://sahistory.org.za/article/congress-south-african-trade-unions-cosatu

[3] البرازيل: نشأة الحركة النقابية المستقلة وتأسيس حزب العمال

https://en.wikipedia.org/wiki/Workers%27_Party_%28Brazil%29

[4] الهند: تاريخ الحركة النقابية وارتباطها بحركة التحرر الوطني

https://thelaw.institute/introduction-to-law/india-labour-movement-historical-overview/

[5] الدنمارك: حول النقابات الدنماركية

https://en.wikipedia.org/wiki/Danish_Trade_Union_Confederation

ثانياً: المواثيق والاتفاقيات الدولية

[6] الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)

https://www.un.org/ar/about-us/universal-declaration-of-human-rights

[7] العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

https://www.ohchr.org/ar/instruments-mechanisms/instruments/international-covenant-economic-social-and-cultural-rights

[8] منظمة العمل الدولية

https://www.ilo.org/ar

[9] اتفاقية الحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي رقم 87 (1948)

https://hrlibrary.umn.edu/arabic/ilo-c087.pdf

[10] اتفاقية حق التنظيم والمفاوضة الجماعية رقم 98 (1949)

https://hrlibrary.umn.edu/arabic/ilo-c098.pdf

[11] اتفاقية العمل الجبري رقم 29 (1930)

https://hrlibrary.umn.edu/arabic/ilo-c029.pdf

[12] اتفاقية إلغاء العمل الجبري رقم 105 (1957)

https://hrlibrary.umn.edu/arabic/ilo-c105.pdf

[13] اتفاقية التمييز في الاستخدام والمهنة رقم 111 (1958)

https://hrlibrary.umn.edu/arabic/ilo-c111.pdf

[14] اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)

https://www.ohchr.org/ar/instruments-mechanisms/instruments/convention-elimination-all-forms-discrimination-against-women

[15] إعلان بيجين ومنهاج عمله (1995)

https://www.unwomen.org/ar/how-we-work/intergovernmental-support/world-conferences-on-women

ثالثاً: مصادر الاقتصاد الريعي العراقي

[16] صندوق النقد الدولي، تقرير المادة الرابعة حول العراق 2025،

https://www.imf.org/en/news/articles/2025/07/08/pr-25243-iraq-imf-executive-board-concludes-2025-article-iv-consultation

[17] صندوق النقد الدولي، تقرير العراق 2024،

https://www.imf.org/en/news/articles/2025/05/15/mcs-iraq-concluding-statement-of-the-2025-imf-article-iv-mission

* نشر المقال بالتزامن باللغة الإنكليزية في الموقع اليساري العالمي ZNetwork، وهو مترجم ومتوفر أيضاً بعشرات اللغات التي يدعمها الموقع.

https://znetwork.org/znetarticle/the-left-trade-unions-and-mass-organizations

لم تعد القضية الكردية مجرد ملف قومي مؤجل في خرائط الشرق الأوسط، بل تحولت إلى عنصر مؤثر في معادلات الأمن والطاقة والحروب وإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي، فبعد عقود من المواجهات المسلحة والقطيعة السياسية، تشهد المنطقة تحولات عميقة قد تفتح الباب أمام مقاربات مختلفة للقضية الكردية، خصوصًا مع التطورات الأخيرة في تركيا وسوريا، مقابل تعقّد المشهد في إيران والعراق، بما يجعل مستقبل الكورد مرتبطًا مباشرة بمآلات الصراعات الكبرى في الإقليم.

في تركيا، يبدو أن العلاقة بين الدولة وحزب العمال الكردستاني تدخل مرحلة مختلفة، ولو بحذر شديد. فالمناخ السياسي التركي، وضغوط الاقتصاد، وتبدل الأولويات الأمنية، دفعت أنقرة إلى إعادة النظر في جدوى الحرب المفتوحة التي استنزفت الجميع لعقود، كما أن الرسائل الأخيرة لعبد الله أوجلان، والحديث المتزايد عن مسارات تهدئة واندماج سياسي وديمقراطي، تعكس إدراكًا متبادلًا بأن الحل العسكري وحده لم يعد كافيًا، وإذا نجحت هذه المقاربة، فإنها قد تمثل أهم تحول في تاريخ القضية الكردية الحديثة، لأنها تنقلها من منطق التمرد المسلح إلى فضاء الشراكة السياسية داخل الدولة.

وفي سوريا، جاءت التفاهمات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية لتؤكد أن الكورد باتوا جزءًا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مستقبلية. فـ"قسد" التي تشكلت بدعم أمريكي لمحاربة تنظيم داعش، تحولت إلى قوة أمر واقع تمتلك نفوذًا عسكريًا وإداريًا واسعًا شرق الفرات، لكن هذه القوة ما تزال تواجه معادلة شديدة التعقيد بين الضغوط التركية، وحسابات دمشق، والموقف الأمريكي المتردد، والمخاوف الإيرانية من أي كيان كردي مستقر قرب حدودها.

أما إيران، فتبدو الساحة الأكثر حساسية واضطرابًا، فطهران تنظر إلى أي حراك كردي بوصفه تهديدًا مباشرًا لوحدة النظام والدولة، خصوصًا بعد احتجاجات مهسا أميني التي كشفت حجم الاحتقان داخل المناطق الكردية، ولهذا كثفت إيران، خلال السنوات الأخيرة، عملياتها الأمنية والعسكرية ضد الأحزاب الكردية الإيرانية الموجودة داخل إقليم كردستان العراق، بالتوازي مع محاولاتها توسيع نفوذها السياسي والعسكري داخل العراق نفسه.

وسط هذه التعقيدات، يبرز إقليم كردستان العراق بوصفه التجربة الكردية الأكثر نضجًا وواقعية في الشرق الأوسط، رغم ما يواجهه من تحديات غير مسبوقة، فالإقليم الذي نجح، منذ 1991، في بناء مؤسسات سياسية وأمنية واقتصادية مستقرة نسبيًا، أصبح اليوم هدفًا لضغوط متشابكة؛ من بغداد اقتصاديًا عبر ملفات النفط والموازنة والرواتب، ومن الفصائل الولائية عسكريًا عبر القصف المتكرر بالطائرات المسيّرة والصواريخ، خاصة خلال الحرب الأمريكية ـ الإيرانية الأخيرة، حيث تعرضت مدن الإقليم ومطاراته ومنشآته الحيوية لمئات الهجمات.

كما واجه الإقليم ضغوطًا أمريكية وإيرانية وعراقية متزامنة لتوريطه في الصراع الإقليمي، سواء عبر الاتهامات المتعلقة بتهريب أو تمرير أسلحة إلى المعارضة الكردية الإيرانية، أو عبر التصريحات الأمريكية المثيرة للجدل بشأن "فقدان" بعض تلك الأسلحة، وهي اتهامات تعكس حجم التشابك الاستخباري والسياسي الذي أصبحت تعيشه المنطقة، أكثر مما تعكس حقائق مثبتة.

ورغم ذلك، ما يزال إقليم كردستان يحتفظ بأهمية استراتيجية لدى الولايات المتحدة وأوروبا، ليس فقط بسبب دوره في الحرب ضد الإرهاب، بل لأنه يمثل نموذجًا أكثر استقرارًا مقارنة بمحيطه العراقي والسوري. فالغرب، وإن كان لا يدعم استقلال الإقليم رسميًا، إلا أنه ينظر إليه بوصفه شريكًا أمنيًا وسياسيًا موثوقًا نسبيًا، ولهذا استمرت أشكال الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي له، بالتوازي مع مواقف خليجية أكثر انفتاحًا، خاصة من الإمارات والسعودية وقطر، التي باتت ترى في استقرار الإقليم عنصر توازن اقتصادي وسياسي مهم في شمال العراق.

لكن التحدي الأكبر أمام القضية الكردية اليوم لا يكمن فقط في الضغوط الخارجية، بل أيضًا في الانقسامات الداخلية الكردية، سواء في العراق أو سوريا أو بين القوى الكردية الإقليمية نفسها، فكلما اقترب الكورد من لحظة تاريخية تسمح بتحقيق مكاسب سياسية حقيقية، عادت الانقسامات لتضعف قدرتهم على تحويل التحولات الإقليمية إلى مشروع استراتيجي مستدام.

ولهذا، فإن مستقبل القضية الكردية سيتحدد بدرجة كبيرة وفق نتائج الصراع الإقليمي الحالي: فإذا اتجه الشرق الأوسط نحو التسويات والتهدئة، قد تتحول القضية الكردية إلى جزء من حلول المنطقة، أما إذا استمرت الحروب المفتوحة وصراعات النفوذ، فقد تبقى القضية الكردية، مرة أخرى، إحدى أكثر قضايا الشرق الأوسط استخدامًا واستنزافًا في لعبة الأمم.

***

كفاح محمود

بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية ظهرت دول تضم جماعات إثنية ودينية متعددة. تأسست "عصبة الأمم" عام 1919 بموجب معاهدة فرساي، بدأت عملها الرسمي في جنيف عام 1920، بهدف تعزيز الترابط بين دول العالم لحفظ السلام. حاولت فرض معاهدات على بعض الدول الجديدة لحماية الأقليات، تضمنت بعض الحقوق التي تتعلق باستخدام اللغة وحرية التعليم الديني والثقافي، وبعض أشكال الحماية من التمييز، ولكن آليات التنفيذ كانت ضعيفة، والكثير من الدول اعتبرتها تدخلاً في السيادة الوطنية، ولذلك فشلت "عصبة الأُمم" في منع نشوب الحرب العالمية الثانية، وبالتالي تم حلها واستبدالها بمنظومة قوية لحماية التنوع الثقافي باسم "منظمة الأُمم المتحدة".

بعد تصاعد وتيرة النزاعات القائمة على الاختلافات الثقافية والدينية والعرقية بمختلف دول العالم، ولم تفلح كل المحاولات في حماية التنوع الثقافي قبل الحرب العالمية الثانية، لأنها كانت محدودة وغير فاعلة. أدرك المجتمع الدولي أهمية التنوع الثقافي بأنه من أعظم السنن الكونية التي قامت عليها الحياة الإنسانية، لأنه ليس مجرد اختلاف في الألوان أو اللغات أو الثقافات، بل كونه ثراء حضاري وفكري وأخلاقي قادر على فتح الكثير من الآفاق أمام البشرية للتفاهم والتكامل. ولهذا بادرت منظمة الأُمم المتحدة في تبني قيم جديدة عززت الحوار والتفاهم بين الشعوب، بعد أن أدركت بأن المجتمعات الغربية التي سمحت بتعدد اللغات والأفكار والعادات واعترفت بمبادىء التعددية الثقافية أصبحت أكثر استقراراً وقدرة على التكيف.

الإجراءات الحقيقية المؤثرة بدأت بعد الحرب الثانية وما رافقها من متغيرات كثيرة، احتل مفهوم التعدد الثقافي الحيز الأكبر، وبدعم من الحركات الاجتماعية الإنسانية التي نشطت في مختلف الدول الغربية بالضد من العلاقات السائدة التي لم تكن متكافئة. وظهرت اتجاهات فكرية وأنثروبولوجية أكدت قيمة الثقافات المتنوعة وتبنت مطالب حقوقية طابعها معولم، جعلت قضايا حقوق الأقليات الثقافية والدينية، التي كانت تخص الشأن الداخلي لكل بلد من اهتمام المؤسسات الدولية. ثمرة نضال تلك الحركات الاجتماعية تُوج بصدور العديد من التشريعات القانونية التي عززت من أهمية التنوع الثقافي ومفاهيم التعددية الثقافية والتعايش، وكان لها الأثر الكبير في استقرار البلدان الغربية بعد الحرب الثانية.

تحتفل اليونسكو والكثير من بلدان العالم باليوم العالمي للتنوع الثقافي في 21 مايو من كل عام منذ 2002، وتدعو الدول إلى احترام التنوع الثقافي في بلدانهم والعمل على إيجاد آليات قانونية ومؤسساتية لحماية التنوع الثقافي باعتباره قوة حقيقية لتعزيز مقومات التعايش السلمي المجتمعي. بدأت فكرة الاحتفال باليوم العالمي للتنوّع الثقافي من أجل الحوار والتنمية، بعد أن أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" اعتماد الإعلان العالمي للتنوع الثقافي في عام 2001، بعد أن نضجت فكرة الحاجة إلى نشر قيم السلام والتسامح والحوار بين مختلف دول العالم.

الهدف من الاحتفال باليوم العالمي للتنوع الثقافي هو للتأكيد على أن التنوع الثقافي تراثاً مشتركاً للإنسانية، والحوار بين الثقافات المتنوعة هو السبيل الأفضل إلى تحقيق قيم السلام والتنمية المستدامة والتقارب بين شعوب العالم. يحمل الاحتفال في جوهره أبعاداً إنسانية وحضارية راقية، لأنه لا يكتفي بإبراز اختلاف الشعوب، بل يؤكد أن هذا الاختلاف مصدر قوة وتكامل. ويُعد مناسبة إنسانية لتذكير الشعوب بأنها أكثر انفتاحاً وترابطاً بفعل الثورة التقنية والتواصل الحضاري بين البشر في أجواء تتقاطع فيها الثقافات والهُوِيات والأفكار، وفي ظل هذا الواقع المعقد، برزت الحاجة الملحّة إلى ترسيخ ثقافة قبول الآخر المختلف واحترام خصوصياته الثقافية والدينية والاجتماعية، وتمايز كل ثقافة عن غيرها.

الاحتفال باليوم العالمي للتنوع لا يقتصر على إقامة الفعاليات والشعارات الرمزية، بل يحمل رسالة عميقة مفادها بأن الإنسانية تتكامل باختلافها، والبشر مهما تباينت أعراقهم ومعتقداتهم يشتركون في قيم إنسانية عليا، أهمها الكرامة والعدل والاحترام المتبادل. فالتنوع ليس تهديداً للهُوِية، وإنما فرصة لإكتشاف الآخر وتبادل الخبرات والمعارف وبناء جسور الثقة بين الثقافات المتنوعة المختلفة. ويمثل دعوة صريحة لمواجهة مظاهر التعصب والعنصرية والكراهية التي تهدد المجتمعات وتزرع الانقسام بين أفرادها. فحين يتعلم الإنسان احترام الاختلاف، يصبح أكثر وعياً بحقوق الآخرين وأكثر استعداداً للتعايش السلمي. ومن هنا فإن المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية تتحمل المسؤولية الكبرى في غرس قيم التسامح والانفتاح، وتوعية الأجيال بأن التنوع الثقافي هو مصدر قوة للتعايش.

حققت البشرية تحولات كانت تبدو مستحيلة، ففكرة عالم أكثر إنسانية وتنوعاً ليست ضرباً من الخيال، بل مشروعاً طويلاً يعتمد على التوجهات السياسية والثقافية العامة لكل دولة. والوصول إلى عالم أفضل يحتضن التنوع الثقافي ويواجه التحديات يحتاج إلى آليات عمل متواصلة على عدة مستويات. العالم الأفضل للعيش المشترك الذي نطمح إليه لا يعني خالياً من الخلافات، بل عالماً يستطيع إدارة الخلافات دون عنف أو إقصاء، وأن يتمكن المختلفون من العيش ضمن قواعد ثابتة تحترم القيم الأخلاقية والمشتركات الإنسانية.

تصاعدت في العقود الأخيرة، في بعض الدول سياسات وخطابات الكراهية التي ترفض تبني مبدأ التعددية الثقافية بوصفه تهديداً للهوية الوطنية، معتبرةً أن التنوع العرقي أو الديني أو اللغوي يؤدي إلى التفكك الاجتماعي. هذا التصور رغم انتشاره، يحمل تناقضات عميقة ويثير أسئلة جدلية أخلاقية وسياسية حول معنى المواطنة. إن رفض التعددية الثقافية لم ينشأ من حرص حقيقي على الوحدة الوطنية، بل ارتبط بالخوف من التغيير أو باستغلال سياسي للهُوِيات الجماعية، لأنه في أوقات الأزمات الاقتصادية أو التوترات الأمنية، يصبح "الآخر المختلف"هدفاً سهلاً لتوجيه الإتهام له، سواء كان مهاجراً أو أقلية دينية أو اثنية، هنا تتحول الهُوِية الوطنية من إطار جامع إلى أداة إقصاء تُستثمر لتقسيم المجتمع والتجاوز على مكانة المواطن الذي يعيش في رحابه منذ عقود.

المشكلة الأساسية في السياسات المناهضة للتعددية الثقافية أنها تفترض وجود ثقافة نقية وثابتة يجب حمايتها من الاختلاط، بينما التاريخ الإنساني كله قائم على التفاعل والتبادل. فمعظم الحضارات الكبرى تشكلت من تداخل الشعوب واللغات والأديان، ولم تزدهر إلا حين احتضنت التعددية الفكرية والثقافية. ولهذا فإن المجتمعات التي تحتفي بالتنوع تملك قدرة أكبر على الإبداع والابتكار والتنمية وتحقيق العدالة الاجتماعية. أما الرسالة الأهم التي يجب أن تصل من خلال اليوم العالمي للتنوع الثقافي هي أن السلام الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالآخر واحترام حقه في الاختلاف، لأن العالم لا يحتاج إلى نسخ متشابهة من البشر، بل يحتاج إلى عقول متعددة وثقافات متنوعة تتكامل من أجل مستقبل أفضل. بهذا ندرك بأن قوة الإنسانية لا تكمن في التماثل، وإنما في قدرتها على تحويل الاختلاف إلى طاقة إيجابية تبني الحضارة وتحفظ الكرامة الإنسانية.

والشعوب عندما ترى أن ثقافاتها تحظى بالاحترام، يزداد شعورها بالفخر بهُوِيتها الوطنية الثقافية الجامعة لكل الأطياف، حينها تدرك بأن مجتمعاتها سوف تكون أكثر عدلاً وإنسانية، وتصبح الاختلافات مهما كانت عميقة جسوراً للمحبة والتواصل، بعيداً عن التمييز والتفرقة والكراهية والتعصب والانغلاق. حقيقة إن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا بالاعتراف بالثقافات المتنوعة ويجري تنظيمها في إطار قانوني عادل يضمن المساواة للجميع، بحيث يجعل الدولة العصرية لا تُقاس بقدرتها على إنتاج التشابه، بل بقدرتها على حماية التنوع الثقافي ضمن عقد اجتماعي رصين يحمي حقوق المواطنة.

الاحتفال باليوم العالمي للتنوع الثقافي ليس مناسبة عابرة، بل هو تأكيد مستمر على أن قيم التعايش والتسامح والاحترام هي الأسس الحقيقية لاستقرار المجتمعات البشرية وتطورها. وبالتالي ترفدنا بمختلف الفنون والآداب والموسيقى والأزياء والعادات، التي تخلق بيئة غنية بالإبداع والابتكار. هذه الفنون تجعل الحضارة الإنسانية أكثر قبولاً، لا سيما عندما يكون هناك نوعاً من التبادل الثقافي الذي يخفف من مشاعر الخوف وسوء الفهم، الذي يزيد من فرص التقارب، التي تصب في توسيع مساحة السلام العالمي وروابط الصداقة بين الثقافات المتنوعة، لا سيما إذا استطاع الناس النظر إلى التنوع الثقافي برؤية إيجابية بوصفه نعمة ولا يشكل تهديداً.

***

د. عبد الحسين الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا

لقد كان هاملتون جِب (1895-1971م) أحد أبرز المستشرقين البريطانيين المعاصرين، والذي ولد في مدينة الإسكندرية في مصر، إذ عمل أبوه آنذاك هناك كمسؤول للزراعة في شركة "أبو القير" لإستصلاح الأراضي، درس بجامعة إدنبرة في إسكتلندا وتخصص فيها باللغات السامية: العربية والعبرية والآرامية، ثم ألتحق خلال الحرب العالمية الأولى بالقوات العسكرية البريطانية كجندي في مدفعية الميدان الملكية.

كان جِب احد الكُتاب والمُشرفين على إصدار الطبعة الثانية من دائرة المعارف الإسلامية، وقدم الكثير من الإسهامات فيما يرتبط بالدراسات الإسلامية التي من أهمها (طريق الإسلام) و(الاتجاهات الحديثة في الإسلام)، و(المجتمع الإسلامي والغرب) المتكون من جزأين كتبه بالاشتراك مع هارولد براون، و(المحمدية- إستقصاء تاريخي) ، وقد سعى جِب في الكتاب الأخير إلى ان يقارب الديانة الإسلامية مقاربة تجعلها متطابقة مع الديانة المسيحية حتى في تجسيد التسميات ودور النبيين في كل منهما، الأمر الذي دفع ناقد الاستشراق الابرز إدوارد سعيد الى ان يرد عليه في كتابه (الاستشراق) بالقول "لن تجد مسلماً يدعو نفسه محمدياً"!،  إذ ان الدور الذي لعبه السيد المسيح (عليه السلام) في المخيال المسيحي لأتباع الديانة يختلف بطبيعة الحال عن الدور الذي قام به النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في عقيدة المسلمين، فقد إمتزجت المسيحية بشخص المسيح الذي إعتقدوا انه ابن الرب، وهذا ما لم يحصل في الإسلام، ولعل السبب الذي دفع جِب الى القيام بمقاربة كهذه هو لأنه كان ينظر الى الإسلام بمنظار سردية بعثات التبشير المسيحي.

ونتيجة لبروز الولايات المتحدة الأمريكية كأكبر قوة دولية بعد  الحرب العالمية الثانية، وإستشعارها بأهمية تكثيف الدراسات الاستشراقية حول الميادين التي رأى صناع القرار فيها أنهم بحاجة الى تحصيل المعرفة اللازمة بخصوصها، تم في منتصف خمسينات القرن الماضي توجيه دعوة الى هاملتون جِب للعمل في أمريكا، ليستجيب جِب لها متولياً رئاسة مركز بحوث الشرق الأوسط بجامعة هارفرد، والذي لعب من خلاله دوراً مهماً في ترسيم السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية فيما يتعلق بمواقفها تجاه الشرق الأوسط عبر الدراسات والاستشارات التي قدمها حول العالم العربي والموقف من الصراع العربي- الإسرائيلي، ساعياً الى ان تقديم الآراء التي تخدم في محصلتها النهائية مصلحة إسرائيل وتأييدها.

لقد إنطلق جِب في دراساته، مثل كثير من المستشرقين، من إفتراض وجود "عقل عربي" او"عقل إسلامي" ثابت ومميز، وغير قادر على مواكبة "العقل الغربي" في التفكير والتخطيط والارتقاء، مما يبرز ان الاختلاف  ينبع من ذات العقلية التي تظهر التفاوت في التفكير المنطقي والعمليات الإدراكية التي تقوم بها، وبالتالي يتوصل جب الى عدم إمكانية التقارب بين العقلين الشرقي والغربي ما دام الفرق بينهما جينياً، ففي إحدى محاضراته في جامعة شيكاغو عام 1945م توصل جب الى ان الدارس الغربي يجد ظاهرة بالغة الصعوبة على الفهم، ألا وهي نفور المسلمين من التفكير العقلاني، وهي تعود الى ما تتسم به مخيلتهم من تقسيم وتفتيت، فالمخيلة الإسلامية مخيلة تميل الى الغيبيات، وكلما تفاقمت مساحة الميل نحو الأخيرة كلما قلت مساحة التعقل والنزوع نحو العقلانية، وهذه نتيجة لا تتسم بالمنطقية، إذ لا مرجح عقلي لوجود تباين عقلي بين سكان الشرق والغرب، إذ ربما تؤثر الظروف المحيطة وطبيعة أحوال المجتمع من حيث درجة التقدم او التأخر في طبيعة المنجز الذي يقدمه كل مجتمع، بيد ان هذا لا يعني ان العقل الذي يعيش في مجتمع متخلف هو اقل ادراكاً من العقل في المجتمع المتقدم.

إعتقد جِب ان  هناك حاجة ماسة الى الشرق في عالم الغرب، تتمثل في انه يشكل موضوعاً للدرس، في خضم حالة الصمت والإسكات التي تفرض على الذات المبحوثة في الاستشراق، ولا تتعدى قيمة الشرق عند جب هذا الحد، أما عن أية فائدة أخرى يمكن ان يقدمها الشرق للغرب  في المجال المعرفي فهو مما لا يعتقد بإمكانية وجوده الآني او المستقبلي، فالنتيجة النهائية التي وصل إليها هي الحكم بان الإسلام ظاهرة تشغل المرتبة الثانية في مجال الفن وعلم الجمال والفلسفة والفكر الديني مادامت هذه مستقاة من الغرب، وأما في مجال العلوم الطبيعية والتكنلوجيا فلم يكُ الإسلام في رأيه سوى قناة توصيل لعناصر لا يتفرد  بها الإسلام، هكذا يتم إيصاد الباب بوجه أية إمكانية لتشخيص علمي يعطي الإسلام والمسلمين حقهم في المنجز الذي قدموه عبر تاريخهم الطويل، كما يتم وبكل بساطة تسطيح ادوار أحد أهم تمظهرات الشرق بطريقة مغرقة في التبسيط والإهمال، لقد  سعى جِب في دراساته الى ان يؤطر الخطاب الاستشراقي بعين الثوابت الغربية حول الشرق، والتي تمركزت داخل الوعي الغربي منذ زمن ليس بالقريب، محاولاً إعادة تنميطها في القرن العشرين حتى تستمر في سهولة تقبلها ويُمتّن من أواصرها بما يجعلها غير قابلة للإزاحة والتغيير.

***

د. محمد هاشم البطاط

منذ فترة زمنية ليست بالبعيدة دعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى ضرورة إعادة هيكلة التعليم العالي وربط الدراسة الجامعية بمستقبل جديد لجمهورية جديدة.

وخلال لقاءاته المستدامة مع طلبة وطالبات الأكاديمية العسكرية شدد على حتمية تطوير نظم الدراسة من ناحية، وعلى ضرورة مطابقة ما يتم تقديمه بالجامعات لسوق العمل والتغيرات والمستحدثات التكنولوجية المعاصرة . ولقد أصاب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي كبد الحقيقة عندما انتقد الأسر المصرية والطلاب الذين يضيعون سنوات من أعمارهم وأرزاقهم في دراسة علوم ومعارف لم تعد صالحة لزماننا المتسارع والمتصارع أيضا معرفيا والذي أصبحت فيه المعلومات بترول هذا العصر.

ولعل الكليات التي بات التطوير بها أمرا حتميا وضروريا كليات التربية التي من كنه طبيعتها إعداد وتأهيل معلم المستقبل، لكن راهن الإعداد التكاملي الذي يقضي ببقاء الطالب أربع سنوات لم يعد مجديا بل يمثل عبئا ثقيلاً على كاهل الدولة، ليست مصر وحدها بل كافة الدول العربية بالمنطقة.

ففكرة إبقاء الدراسة أربع سنوات بالمرحلة الجامعة الأولى بكليات التربية تعد إهدارا لموارد الدولة وميزانية الجامعات وعبئا على الأسر المصرية التي تعاني اقتصاديا ومن ثم يكون العائد والمنتج النفعي لها في المستقبل لا يقابل ما تم الإنفاق عليه.

ومن عبث التقسيم الذي أوجب حتمية التدخل السريع من فخامة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وجود شعب دراسية لم تعد على خارطة طريق وزارة التربية والتعليم وهي جهة المصب الأجدر بالعناية والاهتمام، ويبدو أن شعب الدراسة الوهمية بكليات التربية في واد وتخصصات وزارة التربية والتعليم في واد آخر، أو بالعناية أن ما يتم تطويره واستحداثه من نظم تعليمية بالتعليم قبل الجامعي لا يتوافق مع نظم تعليمية وبرامج دراسية بائدة بكليات التربية حاليا الأمر الذي يستوجب التطوير بسرعة فائقة .

وثمة ملحوظات جديرة بالذكر ومن ثم الاهتمام تعلو المشهد الدراسي بكليات التربية منها ما يتعلق بنظام الدراسة التكاملي البطئ ومنها ما يتعلق بطبيعة المعارف القديمة والتقليدية ذات الصلة بكليات أخرى غير مناظرة . ولعل أبرز هذه المشاهد مزاحمة أقسام علمية بكليات التربية أكثر قوة بكليات العلوم والآداب والخدمة الاجتماعية، ، كذلك إرهاق المدارس بطلاب التدريب الميداني مما ينعكس سلبا على تلاميذها تحصيلها ونفسيا وتعطيل الدراسة بها.

واليوم تقاس جودة مؤسسات التعليم العالي بعدد الطلاب الوافدين بها، الأمر الذي يعكس قوة وأصالة المؤسسة تعليميا ومعرفة، لكن عدد الوافدين بكليات التربية يؤكد أن مسار الدراسة وبرامج التعليم فيها بها خلل كبير وقصور شديد. وهذا يشير إلى ضرورة تعديل مسار كليات التربية إلى الدراسات العليا فقط وهذه ضرورة حتمية مع توثيق الصلة بين طبيعة الدراسات العليا للمتغيرات العصر واهتمام العالم بالتعليم ومساراته.

هذا يجعلنا نؤكد ضرورة اكتفاء كليات التربية بمنح رخصة التدريس لمن يريد أن يصبح معلما من خريجي الكليات الأخرى وفق شروط.

ومن المشاهد المدهشة والمثيرة التي تؤكد صحة حرص الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على ضرورة تعديل مسار الدراسة الجامعية وتطوير الكليات أن كليات التربية عبر تاريخها الضارب في القدم لم تنشئ حتى وقت كتابة هذه السطور مدارس موازية لمدارس وزارة التربية والتعليم وكأنها تحرث في البحر أو مثل الذي يقدم نصائح طبية ومعارف علاجية دون الكشف عن المريض. فضلا عن النقص الحاد وللأسف المزمن أيضا إن لم تكن ندرة لوجود معامل للغات أو العلوم أو التربية الخاصة المطورة بكليات التربية وكأنها مؤسسات صامتة، وأخيرا سمعت وعرفت أن ببعض كليات التربية بالخارج بها معامل للجغرافيا.

ومن أجل تشخيص الداء بقوة ودقة نسير إلى أن رسائل الماجستير والدكتوراه في التربية من وحي خيال المشرف والباحث وليست توجيهات مباشرة من وزارة التربية والتعليم وكأن كليات التربية في عالم افتراضي.

ومما أثار شجوني التعليمية وجود رحلات علمية موسمية لطلاب كليات التربية في تخصصات الجغرافيا والبيولوجية إلى متاحف أو أماكن تحديدا بالإسكندرية منذ أكثر من ربع قرن دون تطوير أو عائد مباشر سوى الفرجة والتنزه.

ومعظم المتابعين للمشهد التربوي الجامعي يدرك أن التطوير بكليات التربية منذ خمس سنوات بائدة أصاب مسمى المقررات التربوية ولم يصب الواقع بدليل تدني استخدام تكنولوجيا الاتصالات بشكل مباشر ووجود نفس المعارف التقليدية التي لا تغني ولا تسمن من جوع أيضا فتحولت كليات تبدو معاصرة معرفيا إلى متاحف أثرية تقدم تاريخ التربية أكثر من حاضرها.

وتظهر مأساة كليات التربية الغائبة عن مشهد التطوير الذي تنادي به القيادة السياسية في مصر بل والمجتمعية أيضا ماذا صنعت كليات التربية ووزارة التربية والتعليم في جديد من أمرها كل صباح وتطوير يتفق مع رؤية مصر المستقبلية .. لا شئ سوى عقد مؤتمرات وندوات وورش عمل ولجان ولوائح وهي في حقيقية الأمر إهدار للحياة برمتها.

فهل من المقنع اليوم أن شباب جيل z يريد أن يدخل كليات التربية ليصبح معلما لعلم النفس أو الجغرافيا أو التربية الخاصة وهي شعب لم تعد تجارية في سوق العمل اليوم.

أين واقع التوجه التعليمي صوب اليابان في كليات التربية وأنظمتها الدراسية؟.

ومن مزايا النظام التعليمي قبل الجامعي وجود كتيبات منظمة بدقة للأداءات المنزلية وتقييمات مستمرة للتلاميذ وقد صيغت بصورة تربوية ومنهجية دقيقة، لكن هل وجدتم كلية واحدة من كليات التربية قامت بتدريب طلابها على استخدام كتيبات التقييمات بوزارة التربية والتعليم المعاصرة.

أتمنى أن تكون كليات التربية قد سمعت منذ سنة من خلال برامج التوك شو عن ما يعرف بالبكالوريا؟.

واستنادا لتوجيهات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية هناك وجوب وطني لاقتصار كليات التربية على تدريب المعلمين أثناء الخدمة هذا أجدى وأكثر صدقا من الإعداد التقليدي.

ما اختبارات القبول الموحدة التي تجريها كليات التربية للمتقدمين من أجل التحاقهم بها؟ هل كتب مقالة، هل رسم خريطة، هل أجرى تجربة علمية واجتازها بنجاح؟ أم أن توزيعهم بناء على معايير غير منضبطة إجرائيا.

وأخيرا طمعا في جهد التبرير، وسعيا لغناء التفسير سأل العبقري ابن خلدون منذ قرون سؤالا مدهشا: "متى ستنهض هذه الأمة؟ وكان الجواب: انهض أنت أولا " .

***

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية

كلية التربية جامعة المنيا

قراءة في مشهد ما بعد نيسان 2026

لم يعد السؤال في العراق: من يشكل الحكومة؟ بل: هل ما تزال الدولة قادرة على إنتاج حكومة تمتلك قرارها الفعلي؟ فمنذ انتخابات تشرين الثاني 2025، لم يعد الانسداد السياسي مجرد تعثر إجرائي في توزيع الحقائب الوزارية، بل بات يعكس أزمة بنيوية عميقة في نموذج الحكم نفسه. لقد كشفت الأحداث أن "الديمقراطية التوافقية" التي طرحت بوصفها صيغة لإدارة التنوع، تحولت تدريجيا إلى آلية لإدارة الفراغ وتعطيل المؤسسات أكثر من كونها وسيلة لبناء الدولة.

إن وصول نزار ئاميدي إلى سدة الرئاسة، وتكليف علي الزيدي في نيسان 2026، لم يكن انتصارا لبرنامج سياسي متكامل بقدر ما كان "تسوية ضرورة" لتجنب انهيار أوسع للمنظومة أمام ضغوط داخلية وخارجية متزايدة؛ وفي ظل هذا المشهد، يبدو العراق، بكل مكوناته ومناطقه، عالقا داخل شبكة معقدة من التوازنات الإقليمية والدولية التي تحد من قدرة أي حكومة على إنتاج قرار مستقل بالكامل.

ويأتي تكليف رجل الأعمال علي الزيدي بوصفه تحولا في شكل السلطة أكثر من كونه تحولا في بنيتها؛ إذ تحاول القوى التقليدية تقديم "وجه اقتصادي" قادر على امتصاص الغضب الشعبي والتعامل مع القيود الدولية المتزايدة على حركة الأموال؛ لكن الثغرة الجوهرية تبقى قائمة: هل تملك الحكومة الجديدة صلاحيات فعلية لفك ارتباط الاقتصاد بشبكات المصالح الحزبية؟؛ فاستمرار الاعتماد على الريع النفطي لتغذية الإنفاق التشغيلي، خصوصا الرواتب، يجعل أي مشروع إصلاحي مهددا بالاصطدام المباشر مع منظومات النفوذ المالي والسياسي التي تشكلت خلال السنوات الماضية؛ كما أن الاقتصاد الموازي، المرتبط بمراكز القوى والسلاح والنفوذ الإداري، بات يشكل عبئا إضافيا على فكرة الدولة نفسها. ولذلك، فإن الأزمة العراقية لم تعد مجرد أزمة حكومة، بل أزمة نموذج اقتصادي وسياسي أنتج طبقة واسعة من المستفيدين من بقاء الدولة في حالة هشاشة دائمة.

إن استقرار "نصاب الثلثين" الذي جاء بـ نزار ئاميدي رئيسا للجمهورية، يعكس تفاهمات سياسية هشة بين بغداد وأربيل – السليمانية -، خصوصا في ما يتعلق بملفات النفط والغاز والرواتب والصلاحيات الإدارية، غير أن هذه التفاهمات تبقى رهينة التوازن الإقليمي بين طهران وواشنطن، حيث تحاول كل جهة الحفاظ على نفوذها داخل بنية النظام العراقي، وفي هذا السياق، لا تبدو أزمة العلاقة بين الحكومة الاتحادية والإقليم مجرد خلاف إداري أو مالي، بل جزءا من أزمة الدولة العراقية بعد 2003، حيث ظل مفهوم الشراكة السياسية خاضعا لمنطق التسويات المؤقتة أكثر من خضوعه لرؤية دستورية مستقرة.

ومع ذلك، فإن استمرار ضعف الدولة لا يهدد بغداد وحدها، بل يهدد مجمل الاستقرار السياسي والاجتماعي في العراق والاقليم، بما في ذلك العلاقة بين مكوناته المختلفة، في بلد ما يزال يبحث عن صيغة متوازنة لإدارة تنوعه التاريخي المعقد.

وتبقى المعضلة الأخطر أمام حكومة الزيدي هي تمدد "الدولة الموازية"؛ فالسلاح لم يعد مجرد قوة أمنية خارج مؤسسات الدولة، بل تحول تدريجيا إلى شبكة مصالح اقتصادية وإدارية وسياسية قادرة على التأثير في القرار العام، وهنا تكمن الأزمة الحقيقية؛ إذ إن أي محاولة لحصر السلاح ستصطدم بحقيقة أن كثيرا من القوى السياسية باتت تنظر إلى هذا السلاح بوصفه ضمانة للاستمرار والنفوذ داخل النظام نفسه؛ لذلك، تبدو المعادلة الحالية أقرب إلى "تأجيل الصدام" منها إلى حل جذري للمشكلة، الأمر الذي يبقي الدولة معلقة في منطقة رمادية بين سلطة القانون ومنطق الأمر الواقع.

كما أن المواطن العراقي، الذي يواجه أزمات الخدمات والبطالة وتراجع الثقة بالمؤسسات، لم يعد معنيا كثيرا بخطابات الانتصار السياسي، بقدر اهتمامه بوجود دولة قادرة على توفير الحد الأدنى من الاستقرار وفرص الحياة، فالعراقي الذي ينتظر ساعات طويلة للحصول على الكهرباء، أو يبحث عن وظيفة خارج شبكات الولاء الحزبي، لم يعد يرى في تبدل الوجوه السياسية ضمانة حقيقية للتغيير ما لم ينعكس ذلك على حياته اليومية بصورة ملموسة.

يقف العراق اليوم أمام اختبار تاريخي يتجاوز حدود تشكيل الحكومات وتوزيع المناصب، فإما أن تنجح حكومة علي الزيدي في الانتقال التدريجي من منطق المحاصصة إلى منطق الإدارة والمؤسسات، عبر إصلاحات اقتصادية وسياسية حقيقية وايجاد حل جذري مع الاقليم، أو أن يستمر التآكل البطيء لهيبة الدولة وثقة المجتمع بها.

إن الاستمرار في سياسة "ترحيل الأزمات" لن ينتج سوى انسدادات أكثر تعقيدا في المستقبل، خصوصا في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية وتراجع ثقة الشارع بالعملية السياسية، ومع ذلك، فإن إمكانية الخروج من هذا المأزق ما تزال قائمة، لكنها تتطلب إرادة سياسية تتجاوز الحسابات الفئوية الضيقة نحو إعادة تعريف فكرة الدولة بوصفها إطارا اتحاديا جامعا لجميع العراقيين، فالعراق اليوم لا يقف فقط عند حافة أزمة سياسية، بل عند حدود اختبار تاريخي بين دولة تتآكل ببطء، ومجتمع لم يفقد بعد رغبته في النجاة.

***

د. جوتيار تمر

اقليم كوردستان 16-5-2026

في المثقف اليوم