آراء
بقلم: زويب ماتين
ترجمة: صالح الرزوق
***
أحيانا، يبدو الأمر غريبا عندما ندرك مدى عدم استعدادنا، كأطفال في المدرسة، للكدح المتواصل والعمل وأداء الواجبات التي ستقيدنا في مرحلة البلوغ. في قصيدة لويليام هنري ديفيز، توجد مرثية لأحوالنا، والقصيدة جزء أساسي من منهج اللغة الإنكليزية لدينا، وقد ورد فيها: "ما هذه الحياة المليئة بالهموم؟. ليس لدينا وقت للوقوف والتأمل".
لا شك أننا نفهم من هذه القصيدة أن "الحياة المليئة بالهموم" تشير إلى يوم دراسي حافل بالواجبات المنزلية. لم نكن ندرك حينها أننا على الأقل نستطيع التمتع بوقت الفراغ الذي يحق لنا الحصول عليه، ولم نكن نعي بعد الهموم والشكوك وخيبات الأمل التي ستطارد ساعات راحتنا وأوقات تأملنا التي نكتسبها بشق الأنفس في مرحلة البلوغ.
للهروب من هذه "الحياة المليئة بالهموم"، ومن القلق حيال الخط الأحمر الذي سيكلفنا بعض الدرجات في أوراق امتحاناتنا، انغمسنا، أو أقله انغمس بعضنا، في الكتب التي أخذتنا بعيدا عن رتابة الدروس والامتحانات اللامتناهية. عندما كنا نقرأها، سواء في ساعة الغداء، أو إذا استعرناها من المكتبة، أو حتى سرا تحت المكتب أثناء نسخ الملاحظات من السبورة، كانت تمنحنا متعة تدوم طويلا، بل وجرعة من تعليم قادم من عالم آخر، كنا نرتشفه بشغف يفوق بكثير ما نستطيع تقديمه لدروسنا. في تلك الكتب، كنا نسافر إلى أراض بعيدة، أو حتى إلى مركز الأرض، ونقرأ قصصا عن فتيان لم يتلقوا تعليما صحيحا، ومع ذلك انطلقوا في مغامرات مليئة بالمخاطر، حيث استطاعوا الصمود أمام البشر. كنا نلتقي بالمغامرين والقراصنة والقتلة واللصوص؛ كما كنا نواجه رجالا غير مرئيين، وغزاة من المريخ، ومصاصي دماء، ووحوشا بشعة. لقد تابع المرء هذه الشخصيات ومؤامراتها بشغف خيالي كبير لدرجة أن الشخصيات الأسطورية مثل فاجين وبيل سايكس، في حالتها البائسة، كانت تبدو حقيقية بشكل غير متوقع - لقد ذكرت المرء ببعض القسوة والمكر البغيض الذي وجده المرء داخل جدران المدرسة والذي سيجده مرة أخرى في مرحلة البلوغ أيضا.
وبعد الكتب، وخاصة تلك التي تتناول قصصا مثل "القباطنة الشجعان" أو رواية بلاي عن تمرد سفينة باونتي، كانت الأفلام التي يشاهدها المرء في ذلك العمر، والتي تصور ضباطا ورجالا يرسلون في مهمات جريئة خلف خطوط العدو، وعملاء سريين يرسلون إلى أراض خلابة لإنقاذ الموقف، هي التي تترك للانطباع ااأولي عن عمل الرجال في المكاتب. وبطبيعة الحال، الأفلام التي وثقت هذا الجانب الأخير هي بواكير أفلام جيمس بوند، لأن كل تلك "المهمات السرية للغاية"، وتلك المغامرات الممتعة في الجزر الاستوائية والمدن الصاخبة في الجانب الآخر من العالم، وداخل غرف في الأهرامات أو في أوكار الأشرار الكائنة في البراكين، هي عادة ما تأتي بعد اجتماع أو "إحاطة “مع رئيس بوند المدعو ببساطة "إم". في تلك الغرفة الرسمية المريحة ذات الباب الجلدي، كان يأمره بوضوح وتهذيب قائلا - "اجلس، 007" - تمهيدا لشيء مثير قادم. لطالما راودتني ذكرى هذا المشهد المتكرر خلال تلك الساعات الكئيبة في الفصل الدراسي المضاء بالنيون؛ فإذا كان الأولاد الآخرون يتوقون إلى مباراة كرة قدم مثيرة على أرض الملعب الرملية، كنت أتوق إلى أمر، أكثر تعقيدا، له إيحاءات ساخرة، وينتهي بعقاب على ذنب جسيم. كنت أتخيل أنهم يستدعونني إلى غرفة المدير - غرفة مكيفة فاخرة وواسعة كقاعة تدريس، ومزودة بمقاعد ذات ذراعين ومبطنة ومريحة بالمقارنة مع مقاعدنا الخشبية الصلبة. كانت ملامح مديرنا سمراء، ونادرا ما تكون ودودة، وتبدو مشدودة للغاية وهو مكفن في ثوبه الأبيض الناصع ولا سيما في المناسبات الرسمية، لكن في بقية الأوقات يرتدي قميصا أبيض وسروالا قطنيا أكثر سوادا من وجهه. وهذه الملامح لا تضاهي وقار "إم" الهادئ، بل والمذهول، كما يجسده الممثل المبهر دائما، السيد برنارد لي.
لعل سبب هذا الخيال الذي لا يزال يرافقني هو أن والدي كان دائم الترحال في أرجاء البلاد بحكم عمله، وكان عند عودته، إلى جانب الألعاب والحلوى وغيرها من التذكارات التي يحملها من رحلاته (ناهيك عن النسخ المقرصنة من أفلام الحرب والتجسس القديمة التي يشتريها من الباعة المتجولين الماليزيين)، يسليني بقصصه عما مر به من تجارب - مثل قصص رجال الأعمال الأجانب الذين التقاهم، ومشاهد وأصوات من تلك البلدان الأجنبية، والوجبات الفاخرة التي تقدم في أطباق رويال دولتون حين يكون على متن الدرجة الأولى. على النقيض من ذلك، لم يكن ينسيني رتابة المكان، في مكتبه، سوى "سحر" آلات التصوير، بصوتها المميز ونقراتها، والأختام المطاطية وأحبارها. ومع ذلك يأخذ المكان بالتضاؤل أمام رحابة حكايات سفرياته.
بعد أكثر من خمسة عشر عاما على أول زيارة إلى المكتب الحقيقي، وجدت نفسي أعمل في شركة وساطة، ومثل ذلك الطفل، كنت مفتونا بالآلات أكثر من الرجال أو النساء. كنت أجد متعة كبيرة في آلات توزيع المشروبات التي تصب الشاي الساخن والقهوة والشوكولا، وحتى حساء البندورة، بصوت صاخب، في أقل من دقيقة. لكن ربما كان هذا القدر الضئيل من التسلية هو كل ما يمكن للمرء أن يتطلع إليه. فالعمل، حتى في أكثر الأيام ازدحاما، لا يمثل أي شيء له قيمة أو جدير بالتقدير، وكان المرء يعد الدقائق، كما يعد الصبي الأسابيع والأيام المتبقية لعطلته المدرسية، حتى ساعة المغادرة، و وحينها تكون منهكا للغاية، بل وربما محبطا.
في عامي الرابع كعامل، بدأت أقرأ لغراهام غرين، الكاتب الذي أصبحت أعماله مصدر عزاء لي كلما اشتدت وطأة الحياة. في رواياته الأولى، وجدت صدى عميقا ليأسي وإحباطي في عالم لا يترجم فيه العمل إلى نجاح، ولا تكسب فيه من العزم والإصرار أية كرامة. لقد تركت جيمس بوند، ببدلاته الأنيقة وحقيبته الخطيرة، في عالم الخيال. بدلا من ذلك، وجدت صورة معاكسة ومقلقة لكنها مريحة في شخصية رايفن الطريد، بياقة معطفه الرث الذي يخفي شفة الأرنب، وكان محكوما عليه بحياة لا تنتهي من الكراهية والعداء، وهو يطارد رب عمله عديم الضمير في أرجاء البلاد - وهذا هدف قاس وصريح، لكنه يحتوي على قدر من الإنسانية، لأنه يريد أن ينتقم من عالم واسع جدا وقوي للغاية. «عالم واسع جدا وقوي للغاية»... بينما كنت أجلس كل صباح على درجات الرخام الضخمة للمبنى الذي يضم مكتب الشركة التي عملت بها، أقرأ بضع صفحات أخرى عن رايفن الذي يحاول أن يتهرب من مطارديه الذين يلاحقونه بلا هوادة رغم العلامة المشوهة التي تدينه، لم يسعني إلا أن أشعر بضرورة إخفاء احتمال وقوعي بالخطأ وأن أثبت أنني شخص يتحلى بالصدق والنبالة. وهذا الشعور يشبه الإصابة بطاعون قاتل وميؤوس منه. لكن اليوم الذي انقضى كان حالكا كشوارع نوتيج Nottwich حيث اختبأ رايفن وتجول بسرية تامة، تحت أضواء النيون التي تسطع عليه. كل يوم، كنت أخشى احتمال أن أتعرض للتفتيش ثم يقبض علي في النهاية بسبب خطأ تافه، وبالتالي يحكم علي بالإذلال مرة أخرى. لا عجب إذا، أنه عندما قرأت «جوهر القضية»، رأيت سكوبي متحسسا من نظرات ويلسون المريبة والقاسية، وهي تسبر كل حركة يقوم بها، وفي نفس الوقت شاركته شعوره وتفهمته، فقد كنت مثل السوريين أنفسهم.
تقول الرواية: "ويلسون يكتب تقارير عنا جميعا يا سكوبي. عن فريزر، وتود، وثيمبليريج، وعني أيضا. وهو يعتقد أنني متساهل للغاية. لكن هذا لا يهم. رأيته يمزق تقاريره، وبالطبع ويلسون يكتب تقارير عنه".
قبل عام من بدء عملي في شركة أخرى، قرأت رواية "العامل البشري"، تلك الرواية الرائعة والقاتمة التي تصور رجالا ضائعين ويعملون في جهاز المخابرات، ثم يجدون أنفسهم في حالة شك بأخلاقهم ودوافعهم عند اكتشاف أي تسريب. لعل هذه الرواية كانت الترياق الفعال ضد غواية العمل مع الاستخبارات والتجسس كما صوره لنا فليمنغ في أفلامه، ومن المثير للاهتمام أن ندرك أن غرين نفسه كان ينوي أن تكون روايته تفكيكا للعنف والشهرة اللذين ارتبطا دائما بجيمس بوند. قبل أن تنتهي الرواية المحكمة، ذات الطابع الرثائي تقريبا، نشعر بأول مرارة حيال هذا الإحساس بخيبة الأمل والغدر، وتندحر الاحتمالات الرومانسية وما يرافقها من إثارة، ويأتي ذلك في هذا الحوار الذي لا ينسى بين كاسل وديفيس.
يقول: "ماذا عن مسدس لوغر؟ أظن أنك كنت تملك مسدس لوغر. أو قلم حبر متفجر؟".
"لا. لم نكن يوما من محبي أفلام جيمس بوند هنا. لم يسمح لي بحمل مسدس، وكانت سيارتي الوحيدة مستعملة ومن ماركة موريس".
"ربما كان من الممكن على الأقل أن نحصل على مسدس لوغر واحد نتقاسمه. عصرنا عصر الإرهاب."
قال كاسل على أمل تهدئة ديفيس: "لكن لدينا جهاز تشويش".
هذا مصير ديفيس المسكين المحكوم بالموت، بل وحتى، كما لاحظ كاسل بمرارة، المكتوب عليه "الهروب" ليس فقط من الشبهات بل ومن رتابة حياته التي لا تنتهي، والذي يحمل في طياته عنصر السخرية المألوف في روايات غرين. حين يدلي ألفريد جونز، بطل رواية " دكتور فيشر من جنيف"، بتعليق طائش عن أرباب عمله - وهو صانع شوكولاتة في فيفي - قائلا: "أن الشركات الكبرى، مثل أجهزة المخابرات، تطالب موظفيها بالولاء أكثر من الأمانة"، يلقى ديفيس الشريف دائما والمخلص، حتفه على يد منظمته بدلا من كاسل المؤمن ولكن الخائن.
وحينما كنت أقرأ رواية "تحت الحديقة"، أولا في المنزل عندما كنا جميعا محبوسين خلال فترة الوباء، ثم أكثر من مرة في شرفة المكتب المتربة، وكلما حاولت الهروب من ضرورة إظهار ولائي الفاتر للشركة، فاجأتني تعليمات جافيت الصادمة والموجهة لويليام وايلديتش قائلا له: "كن غير مخلص. إنه واجبك تجاه الجنس البشري. الجنس البشري بحاجة إلى البقاء، والرجل المخلص هو الذي يموت أولا بسبب القلق أو الرصاص أو الإرهاق".
حاولت طوال هذه السنوات أن أكون خائنا قدر الإمكان، لكن شعورا متأصلا بالواجب والمسؤولية كان دائما يحبط خططي المعقدة. كان هذا الشعور نابعا إلى حد ما من إحساسي بأنني مراقب باستمرار، مثل "دي" في رواية "العميل السري" - جنون ارتياب لا يلين وتجد جذوره في انعدام الثقة.
تقول الرواية: "لم يكن متأكدا من أنه غير مراقب في هذه اللحظة؛ لم يكن متأكدا أنه ليس من الصواب أن يكون مراقبا... والمراقب (بكسر القاف) - هل كان مراقبا (بفتح القاف)؟. لقد طارده للحظة شعور لا نهاية له بعدم الثقة".
إخشر أن تبدو هذه الأفكار والتأملات، قاتمة للغاية، ولذا ينبغي لي أن أتطرق إلى الجانب الساخر من تصوير غرين لهذا الهوس المرضي الذي يسود كل مهنة، ولا سيما في أجهزة المخابرات، حيث تكون المصلحة الذاتية الخبيثة، كما هو الحال في أي مكتب يتكون من قاعات للاجتماعات ومن صفوف ومكاتب، هي السبيل الوحيد للبقاء. كم مرة، حين نسمع عن مصير مروع وعشوائي نتيجة قرار تتخذه سلطات اجتمعت في غرفة معزولة، شعرنا بأننا مهمشون تقريبا عن مجريات الأمور؟. من منا لا يتعاطف مع توسل وورمولد المضطرب في رواية "رجلنا في هافانا" حين يكشف هوثورن، ببرود يكاد يكون تاما، عن المصير الذي ينتظره؟.
يقول: "هل تمانع في إخباري كيف سيقتلونني؟. كما ترى، الأمر يهمني شخصياً...". وبالطبع، من البديهي أنه لم يكن هناك، طيلة هذه السنوات العشر، أي مفر من تلك الحقيقة الأكثر وضوحا وتأثيرا على الإطلاق، ألا وهي الفشل الحتمي الذي يبدو وكأنه قدر محتوم، في سبيل الحصول على ترقية. حقيقة أدركها بيرترام جيدا في روايته "الخاسر يكسب كل شيء" .
كنت مساعد محاسب (مساعد محاسب متقدم في السن)، وقد جعل اتساع المكان الترقية تبدو كأنها شبه مستحيلة. لأرتقي من الطابق الأرضي، كان علي أن أكون تمثالا بحد ذاتي.
***
................
* الترجمة عن المجلة الفصلية (كوارتيرلي ماغازين). عدد 5 آذار 2025. تمت الاستعانة ببرامج الذكاء الصناعي.
* زويب ماتين ZOEB MATIN كاتب محتوى هندي.
تمهيد: أزمة المناهج التقليدية في زمن الخوارزميات
من الصعب خوض معركة التحرر الاشتراكي في القرن الحادي والعشرين بأدوات القرن الماضي. ففي زمن تهيمن فيه الخوارزميات، ويتسع فيه تأثير الرقمنة والذكاء الاصطناعي على الإعلام والثقافة والتعليم والعمل والحياة اليومية، وتصاغ السياسات والاستراتيجيات الاقتصادية عبر تحليل البيانات الضخمة وحوسبة القرار السياسي والاقتصادي، يجد اليسار نفسه أمام تساؤل وجودي: كيف يمكن لحركات ما زالت تعمل وتنظم نفسها بمنطق تقليدي أن تصمد أمام رأسمالية رقمية بلغت من التقدم التكنولوجي حداً غير مسبوق؟
إن استمرار التنظيمات اليسارية في الاعتماد على أساليب تقليدية في الخطاب والتنظيم والعمل يضعها أمام تحدٍ كبير في مواجهتها مع الرأسمالية. فنحن نواجه خصماً يمتلك ترسانة متطورة من الأدوات الرقمية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والإعلامية، ويتطور على مدار الدقيقة في كافة المجالات، ويتكيف مع أزماته رغم عمقها، ويتحالف طبقياً مع بعضه رغم الصراعات بين كتله، في حين لا يزال جزء غير قليل من اليسار يعتمد على منهجيات ووسائل قديمة لم تعد تواكب متطلبات هذه المواجهة المتجددة. وهذا ما نشهده اليوم على أرض الواقع، وهو ما يجعل الحاجة إلى تطويرها وتجديدها أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
وفي مقالات سابقة، عبرت عن هذه الفجوة الرقمية الكبيرة بتشبيه الفيل والنملة. غير أنه بعد هذا التطور المتسارع والهائل الذي بلغته الرأسمالية الرقمية، وفي ظل محدودية البدائل الرقمية اليسارية والتقدمية المؤثرة، وبحكم عملي المهني في مجالات الخوارزميات والحوكمة الرقمية، أرى أن هذه الفجوة قد اتسعت الآن لتصبح بين النملة والديناصور. إنه واقع صعب ومر لا بد أن نقر به بصراحة، لكي نبدأ من هذا الإقرار في التفكير الجاد بالبدائل الممكنة.
ماركس وإنجلز: العلم والتكنولوجيا كسلاح ذي حدين
شكل العلم والتكنولوجيا محوراً أساسياً في فكر كارل ماركس وفريدريك إنجلز، إذ رأيا فيهما أدوات قابلة للاستخدام في التحرر أو في تعزيز الهيمنة الطبقية. ففي ظل الرأسمالية، يسخر التقدم العلمي والتكنولوجي لتعظيم أرباح البرجوازية واستغلال شغيلات وشغيلة اليد والفكر، مما يفاقم الاغتراب والتفاوت الطبقي. غير أن ماركس وإنجلز أدركا أن هذه التناقضات تحمل إمكانيات ثورية قد تسهم في بناء نظام اشتراكي أكثر عدلاً. واليوم تبدو رؤيتهما أكثر إلحاحاً في عصر الرأسمالية الرقمية، حيث تحولت التكنولوجيا إلى وسيلة جديدة للسيطرة، مع أنها تحمل أيضاً فرصاً لتحرير البشرية.
فإدراكهما العميق للطبيعة الجدلية للتاريخ والمجتمع جعلهما ينظران إلى التقدم العلمي باعتباره قوة مادية واجتماعية تعكس علاقات القوة الطبقية، وسلاحاً ذا حدين يحمل إمكانيات تحريرية هائلة، ويستخدم في الوقت ذاته لتعميق الاستغلال وترسيخ الهيمنة الرأسمالية. وقد كان فكرهما شاهداً على قدرة التحليل المادي على دمج العلم مع النضال الطبقي، حيث تصبح المعرفة قوة دافعة لتغيير العالم، لا مجرد وسيلة لفهمه. إن مشروعهما الفكري يدعو بوضوح إلى تجاوز حدود النظام الرأسمالي نحو مستقبل أكثر إنسانية، مستنداً إلى الإمكانيات التحررية التي يتيحها التقدم التقني.
في تحليل ماركس للرأسمالية، احتلت التكنولوجيا موقعاً مركزياً في كشف التناقضات الجوهرية للنظام. فرأى أن الماكينات، التي مثلت قمة التقدم العلمي في عصره، لم تكن أدوات لتحسين حياة البشر أو تحريرهم من أعباء العمل الشاق، وإنما غدت وسائل فعالة لمراكمة أرباح الرأسماليين وزيادة استغلال شغيلات وشغيلة اليد والفكر. وأدى هذا التوظيف للتكنولوجيا إلى إنتاج فائض القيمة عبر تقليل الحاجة إلى العمل البشري، تاركاً البروليتاريا في حالة اغتراب، حيث يفصل العامل عن عملية الإنتاج ونتائج عمله. ولم يكن هذا التناقض عرضياً عند ماركس، إنما كان جزءاً جوهرياً من آليات الرأسمالية التي تجعل من العلم والتكنولوجيا أدوات للسيطرة الطبقية.
أما إنجلز، فقد نظر إلى العلم كأداة لفهم الصراع الاجتماعي بعمق أكبر. وقد جعله تأثره بالاكتشافات العلمية يرى أن الصراع لا ينحصر في المجتمع الإنساني، إذ يمتد أيضاً إلى الطبيعة. غير أنه رفض الحتمية البيولوجية، مؤكداً أن القوانين الحاكمة للطبيعة تختلف عن القوانين الاجتماعية التي تتأثر بالعمل الإنساني الواعي. وأضاف إنجلز بعداً علمياً للمادية الجدلية، حيث أظهر أن قوانين الديالكتيك تنطبق على الطبيعة والمجتمع، مما يعزز فهم التحولات التاريخية كجزء من حركة تطورية شاملة.
وهذا النهج في مراجعة النظرية على ضوء التحولات التاريخية لم يكن غريباً عن ماركس نفسه، فقد أقر هو وإنجلز صراحة، في مقدمتهما المشتركة للطبعة الألمانية من البيان الشيوعي الصادرة في لندن عام 1872، أي بعد أربعة وعشرين عاماً من صدور البيان الأصلي، بأن مبادئه العامة ما زالت صحيحة في مجملها، غير أن بعض تفاصيله العملية، وتحديداً البرنامج الثوري المطروح في ختام الفصل الثاني، قد شاخ وبات يحتاج صياغة مختلفة تماماً، وذلك في ضوء التطور الصناعي الهائل الذي شهده العالم منذ 1848، وتوسع التنظيم السياسي للطبقة العاملة، والدروس المستخلصة من كومونة باريس عام 1871. لو كان ماركس حاضراً اليوم، لأشار بالمنطق نفسه إلى أن الرأسمالية الرقمية تمثل مرحلة متقدمة من الديناميكيات الاستغلالية ذاتها التي تحدث عنها في القرن التاسع عشر، وإن كانت بأساليب أكثر ذكاءً وخفاءً وتحكماً وعمقاً. فسيطرتها لم تعد مقتصرة على امتلاك المصانع والمواد الخام، إذ امتدت إلى التحكم في تدفق البيانات، وتوجيه السلوك والوعي البشري والسيطرة عليهما، وصولاً إلى ممارسة العنف والقمع الرقمي والعسكرة عبر الخوارزميات، حتى غدت في حالات كثيرة، بفعل تحالفها مع اليمين المتطرف، فاشية رقمية بامتياز. والتحولات التي أحدثها العصر الرقمي قد تفتح المجال لإمكانيات جديدة للنضال والتنظيم الاشتراكي، شرط أن نستفيد منها ونتعامل معها بشكل علمي دقيق.
إنه استحقاق مباشر تفرضه وقائع يعيشها شغيلات وشغيلة اليد والفكر في مختلف بقاع العالم. فالرأسمالية الرقمية، إضافة إلى طابعها الاستغلالي التقليدي، تمارس سطوتها من خلال الخوارزميات التي لا تكتفي اليوم بتنظيم تدفق المعلومات، إذ باتت تتحكم في معظم مفاصل الحياة اليومية، وكذلك تقرر أي الأفكار تصل إلى وعي الجمهور وأيها يطمس أو يهمش. وهذا التحول العميق في بنية السلطة الطبقية يفرض على اليسار إعادة النظر جذرياً في أدواته التحليلية وأشكال تنظيمه الميدانية معاً.
التكنولوجيا وسيلة الرأسمالية لتجاوز أزماتها، والمرونة العلمية كصراع طبقي حديث
إن الصراع على التكنولوجيا ليس موجهاً ضد العلم بذاته، إنما هو موجه ضد احتكار القوى المسيطرة له. فلا ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي وعموم التكنولوجيا كتهديد بذاته، وإنما كساحة تتحدد ملامحها بناءً على ميزان القوى الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وقد شهدت السنوات الأخيرة تسارعاً غير مسبوق في تركيز القوة الرقمية داخل عدد محدود من الدول الرأسمالية الكبرى والشركات الاحتكارية العملاقة التي تسيطر على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والبيانات العالمية، مما منحها نفوذاً اقتصادياً وسياسياً وثقافياً هائلاً في تحديد مستقبل البشرية.
تلجأ الرأسمالية دوماً في أوقات الأزمات إلى إعادة إنتاج نفسها عبر أدوات علمية متطورة تمكنها من تجاوز التحديات دون المساس بجوهرها الاستغلالي، ويتجلى ذلك في محطات متعددة: ففي أزمة 2008 استخدمت التكنولوجيا والأساليب العلمية لإنقاذ النظام المالي مع تحميل الطبقات العاملة كلفة الخسائر، وخلال جائحة كورونا تجاوزت الرأسمالية الأزمة عبر تعزيز الأتمتة والذكاء الاصطناعي والعمل عن بعد، بما ضمن استمرار الإنتاج بآليات جديدة قلصت الاعتماد على العمالة البشرية وزادت أرباح الشركات مقابل ظروف عمل غير مستقرة للملايين، ثم جاءت الطفرة الواسعة للذكاء الاصطناعي منذ عام 2023 لتفتح مرحلة جديدة من إعادة هيكلة سوق العمل، إذ توسع الاعتماد على الأتمتة والأنظمة الذكية في قطاعات عديدة، وتصاعدت المخاوف بشأن مستقبل ملايين الوظائف، بالتزامن مع أرباح هائلة حققتها شركات التكنولوجيا نتيجة احتكارها للبنية التحتية الرقمية والمعرفية الجديدة.
وتظهر هذه المحطات مجتمعة كيف تستفيد الرأسمالية من العلم كأداة لهيكلة النظام واستمراريته، وكيف تستعير أحياناً بعض الأفكار الاشتراكية، مثل تدخل الدولة، كإجراءات مؤقتة لضمان الاستقرار، لتتراجع عنها عند انتهاء الأزمة وتعيد إنتاج الاستغلال بآليات أكثر تطوراً.
وفي ضوء هذه التحديات، يتوجب على اليسار الاستفادة من التقدم العلمي عبر إعادة صياغة خطابه وأدواته بأسلوب منهجي دقيق. ويتطلب ذلك استخدام الوسائل الحديثة لتحليل القضايا الاجتماعية وتطوير خطاب علمي واقعي وفق ما هو ممكن وليس ما هو مطلوب، وآليات تنظيمية وقيادية مرنة تجذب الشباب الذين نشأوا في عالم تهيمن عليه التكنولوجيا. وإن استثمار الأدوات العلمية لا يعني التماهي مع قيم الرأسمالية، إنما هو استراتيجية لاستغلالها في خدمة العدالة الاجتماعية وتقليص التفاوت الطبقي كخطوة نحو البديل الاشتراكي.
إذا كانت الثورات الصناعية السابقة قد غيرت معادلات الإنتاج عبر الآلة والبخار ثم الكهرباء ثم الحوسبة، فإن المرحلة الحالية القائمة على الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والمنصات الرقمية تعيد تشكيل الإنتاج والعمل والمعرفة والتواصل الإنساني بصورة أكثر عمقاً واتساعاً. وفي هذا العصر، أصبحت البيانات والخوارزميات وأنظمة الذكاء الاصطناعي أدوات مركزية لإعادة إنتاج الهيمنة بطرق غير مرئية نسبياً، عبر التأثير على الرأي العام وتوجيه السلوك الفردي والجماعي والتحكم في الوصول إلى المعرفة والمعلومات.
اختراق القلعة وتحرير الأدوات: نحو بدائل يسارية رقمية
وبينما يتراجع حضور اليسار في إحدى المعارك الراهنة نتيجة تعامله مع التكنولوجيا كأداة ثانوية، فإن المعركة لم تحسم بعد. فالانتصار يتطلب تحويل الرؤية إلى برامج عمل ملموسة تعتمد على الاستخدام الواعي للتكنولوجيا. فلا يمكن لليسار أن يظل في موقع الدفاع، إذ عليه أن يكون طرفاً فاعلاً في إعادة تشكيل مستقبل التكنولوجيا ودمجها في مشروعه التحرري.
غير أن التكنولوجيا ليست بديلاً عن التنظيم البشري الواعي. فالقوة الحقيقية تكمن في الإنسان المنظم القادر على تسخير هذه الوسائل لخدمة أهدافه. والذكاء الاصطناعي وعموم التكنولوجيا وسيلة فعالة للتحشيد والتنظيم والتحليل، لكنها لن تغني عن التضامن والعمل الميداني الذي يظل المحرك الأساسي للتغيير.
كيسار، نجحنا تاريخياً في تقديم بدائل في مجالات الاقتصاد والعدالة والسياسة والحقوق وغيرها، ودأبنا دوماً على طرح الاستقلالية الفكرية والسياسية والتنظيمية والإعلامية. غير أننا نواجه اليوم تحدياً مصيرياً يمس هذا المبدأ ذاته: فما زلنا نفتقر إلى رؤية رقمية شاملة ومستقلة وبديلة قادرة على كسر القيد التكنولوجي الرأسمالي، إذ ما زلنا رهن تطبيقاته ذاتها، وهو ما يجعل اليسار وجماهيره عرضة للتضييق والتهميش والقمع والاختراق. وكما أسلفنا، فإن الدرس الجدلي الأهم الذي يجب أن نستوعبه هو أن التكنولوجيا ليست حيادية، إنما ساحة صراع طبقي بامتياز، وأن المشكلة الجوهرية لا تكمن في جوهر الذكاء الاصطناعي أو الأتمتة، إنما تكمن في علاقات الملكية التي تحكمها، أي في احتكارها من قبل قلة من الشركات العملاقة والدول الرأسمالية الكبرى بما يعمق الهوة الطبقية ويوسع مراقبة الجماهير وتنميط الوعي الإنساني خدمة لمراكمة الأرباح والهيمنة الفكرية والسياسية.
وبناءً على ذلك، لم يعد يكفي لليسار أن يكتفي بموقف الناقد أو المتفرج، واقفاً عند أسوار هذه التكنولوجيا مكتفياً بانتقاد استغلالها من الخارج، فذلك وحده لن يحدث التغيير المنشود، وقد يبقيه في دوائر فكرية وجماهيرية ضيقة بعيدة عن مجريات الصراع الفعلي. إن المطلوب هو الدخول في صلب العملية التقنية وفهم منطق الخوارزميات لتفكيكها وإعادة بنائها بصبغة تحررية، عبر طرح آليات جديدة وجريئة لاستخدام التكنولوجيا وفق منظومات ديمقراطية تشاركية وشفافة.
إننا بحاجة إلى "ذكاء اصطناعي وخوارزميات جماهيرية" تعمل برقابة مجتمعية وقوانين وتشريعات عالمية ومحلية، وتتطور عبر تعاونيات رقمية ذات توجه اشتراكي، وتكون شفافة وقابلة للتدقيق من قبل الجميع، وتهدف إلى توزيع الثروة وتنظيم الإنتاج وعلاج الأمراض والفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية، بما يخدم الحاجات الإنسانية الحقيقية لا نزوات السوق وتعزيز الهيمنة والعسكرتارية. كما نحتاج إلى نماذج مفتوحة المصدر، ومنصات رقمية تقدمية مفتوحة المصدر، سواء منصات تواصل أو محركات بحث أو غيرها، ومبادرات تكنولوجية تعاونية لا تخضع لمنطق الاحتكار التجاري، وتسمح للمجتمعات والجماهير بالمشاركة في إدارة المعرفة والبيانات وتطوير التقنيات الجديدة.
إننا مطالبون بامتلاك أدوات العصر، فكما حول ماركس وإنجلز العلوم الاقتصادية والفلسفية والتطور العلمي والمعرفي في عصرهما من أدوات لتبرير الوضع القائم إلى سلاح نظري وعملي بيد شغيلات وشغيلة اليد والفكر، فإن اليسار اليوم مطالب بأن يكون فاعلاً في هذه الساحة، ينتقل من خانة "المستخدم المتلقي" الخاضع لشروط المنصات الرأسمالية، إلى خانة "المنتج البديل" الذي يطرح بدائل تكنولوجية مشاعية منفتحة ومحررة.
إن الصراع حول سلطة الخوارزميات لم يعد يتعلق فقط بمستقبل التكنولوجيا، إذ يتعلق أيضاً بمستقبل العمل والديمقراطية والثقافة والعدالة الاجتماعية.
الخاتمة
إن هذه الملاحظات النقدية لا تعني انتقاصاً من اليسار وتاريخه المشهود في بلداننا، إنما هي محاولة لتعزيز نقاش لا يزال خافتاً في أوساطنا حول البديل الرقمي المنشود. صحيح أن الأمر ليس سهلاً وأن الفجوة كبيرة والرأسمالية الرقمية مسيطرة بشكل كبير، غير أن التاريخ يعلمنا أن لا شيء يبقى مستحيلاً أمام نضال متواصل: فكما كانت ساعات العمل تتجاوز السبعين ساعة أسبوعياً في الماضي، باتت اليوم في بعض البلدان لا تتجاوز 37 ساعة أو أقل، بفعل نضالات متراكمة بدت يوماً أحلاماً بعيدة المنال. وكما كانت المرأة قبل قرن بلا حق في التصويت أو التعليم أو العمل خارج البيت، باتت اليوم في بلدان عديدة تتصدر الحكومات والبرلمانات والجامعات، بفضل نضال نسوي ويساري متواصل لم يهادن يوماً رغم اختلال وقسوة موازين القوى في بداياته.
وفق هذه التغيرات الهائلة، والمرحلة المتطورة جداً التي بلغتها الرأسمالية، لا بد أن نواجهها بأسلحتها الفتاكة ذاتها، عبر الاستفادة من العلوم الحديثة والثورة الرقمية والتجديد المستمر في كافة المجالات، وصولاً إلى التفوق عليها. وفي هذا السياق، يأتي التوجه نحو اليسار الإلكتروني -الرقمي كتيار فكري وتنظيمي يعكس استجابة مباشرة لهذه التحولات الكبرى والنمو في الوعي الحقوقي والمعرفي، ساعياً إلى توجيه هذا الوعي نحو تغيير اشتراكي جذري وشامل في البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، مع الحفاظ على القيم الأساسية التي شكلت جوهر الفكر الماركسي واليساري عبر التاريخ.
وقد أثبت الواقع أن التنظيمات اليسارية التي تجدد وتطور خطابها وأدواتها وعملها وتنظيمها باستمرار وتتوحد وتواكب التحديات المتجددة والتطور العلمي والمعرفي هي الأقدر على الحفاظ على دورها وتأثيرها، في حين أن التيارات التي تتمسك بمنهجياتها القديمة، على غرار ما ناقشناه في مطلع هذا المقال، تفقد تدريجياً أعضاءها ودعمها الجماهيري وتتراجع أدوارها بشكل ملحوظ. وهذا واقع صعب نلاحظه في أغلب بلدان العالم، غير أنه لا ينفي وجود تجارب يسارية وتقدمية تبعث الأمل وتقدم نماذج يمكن البناء عليها.
ومن دون حضور يساري فاعل وعمل مشترك بتنسيق أممي في هذا المجال، ستستمر الرأسمالية الرقمية في تحديد اتجاه التطور التكنولوجي بما يخدم مصالحها الخاصة، وتتحكم بمستقبل البشرية. وفي نهاية المطاف، تكمن قوة اليسار الفعلية في قدرته على دمج التنظيم البشري الميداني مع التفوق الرقمي، ليكون الفضاء الرقمي ساحة داعمة وفعالة، لا بديلاً عن النضال، وإنما جناحاً يحلق به نحو مستقبل اشتراكي إنساني وأكثر عدلاً.
إن هذا البعد الأممي في المواجهة سيكون موضوع مقال قادم حول: الأممية اليسارية الرقمية. وهذا المقال ليس إلا بداية لحوار مفتوح، أدعو فيه الرفاق والرفيقات محلياً وعالمياً إلى تشكيل ورش عمل رقمية مشتركة، تدرس إمكانيات بناء البدائل التكنولوجية اليسارية والتقدمية، وتضع الأسس العملية لتلك الأممية الرقمية التي تحتاجها معركتنا القادمة.
***
رزكار عقراوي
.......................
ملاحظة: نشرت نسخة أولى مختصرة من هذا المقال بالإنكليزية أولاً، ثم ترجمت إلى لغات عدة ونشرت في عشرات المواقع، ومن أهمها: Globetrotter (إنكليزي وإسباني وبرتغالي، عالمي)، Znetwork (عشرات اللغات، عالمي)، CounterPunch (إنكليزي، عالمي)، MROnline (إنكليزي، عالمي)، Countercurrents (إنكليزي، الهند)، NewsClick (إنكليزي، الهند)، Aliran (إنكليزي، ماليزيا)، The Left Chapter (إنكليزي، كندا)، Sinistra in Rete (إيطالي، إيطاليا)، Contropiano (إيطالي، إيطاليا)، Jornal GGN (برتغالي، البرازيل)، Diário Carioca (برتغالي، البرازيل)، Revue Supernova (فرنسي، فرنسا)، elviejotopo (إسباني، إسبانيا)، El Maipo (إسباني، تشيلي)، Insurgencia Magisterial (إسباني، المكسيك)، Amiidonk (هنغاري، المجر)، Perjamuan Buku (إندونيسي، إندونيسيا)، Slguardian (إنكليزي، سريلانكا).
يشهد السجل التاريخي حالات لا حصر لها في التعصب الوطني والقومي، وعرف التاريخ ألواناً من التعصب الطائفي والديني، وواجهت المجتمعات البشرية، - على وجه الخصوص في عصرنا الحديث - ضروباً متعددة من التعصب العنصري والعرقي والعشائري. في الحالات جميعها، كان التعصب يمثل انتماءً يصل إلى حد العبودية للجماعة، وكراهية الآخر والتعالي عليه. مما شكل أساساً للصراع بين الأمم والجماعات، ويحفظ لنا الشعر العربي أمثلة عديدة في التعصب والعصبية.
ليس التعصب انفعالاً عابراً، ولا دفاعاً مشروعاً عن فكرة أو عقيدة أو هوية، بل هو حالة عقلية تنشأ عندما يتوقف الإنسان عن مساءلة ما يؤمن به، ويغلق باب الحوار مع الآخرين، فيغدو اليقين سداً يحول بينه وبين الحقيقة. ومن هذه الزاوية ينظر أصحاب الفكر إلى التعصب بوصفه نقيضاً للعقل النقدي، وعدواً للتقدم الحضاري، لأنه يستبدل البرهان بالإيمان الأعمى، والحجة بالصوت المرتفع، والإنسان بالفكرة المجردة.
الواقع أن التعصب، بوصفه ظاهرة بشرية خالصة تنتمي إلى العلاقات الإنسانية، يمكن معالجته بمناهج وأساليب متعددة، في استطاعة علم النفس، وعلم الاجتماع، ومبادئ التربية، والعلوم البيولوجية، أن تساعد الإنسان على تجاوز هذا السلوك الذي عانى منه ردحاً من الزمن.
بينما تستطيع المعالجة الفلسفية أن تكشف الجوانب الخفية في السلوك المتعصب، وأن تزيح النقاب عن تلك البناءات التي تقوم عليها المشكلة، فهناك أبعاد عميقة تكمن وراءها، وربما كان المنهج الجدلي هو الأصلح في معالجة الموضوعات الإنسانية.
تكمن المشكلة في امتلاك الإنسان لعقيدة أو موقف فكري، تتحول تلك العقيدة إلى حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش، ويصبح الاختلاف معها خروجاً على الصواب أو خيانة أو كفراً. هنا يفقد العقل وظيفته، ويتحول إلى أداة لتبرير ما يؤمن به صاحبه، لا إلى وسيلة للبحث عن الحقيقة.
المتعصب لا يفكر لكي يعرف، بل يعرف مسبقاً ثم يبحث عما يؤكد معرفته. ولذلك لا يقرأ إلا ما يوافقه، ولا يسمع إلا من يشبهه، ولا يفسر الوقائع إلا بما يخدم قناعته. وهكذا تتحول المعرفة إلى دائرة مغلقة، ويغدو الحوار مستحيلاً، لأن أحد طرفيه لا يعترف بإمكان أن يكون مخطئاً.
من أخطر أشكال التعصب حين لا يقتصر على الدين أو السياسة، بل يمتد إلى كل مجالات الحياة. التعصب لحزب، أو لقومية، أو لنظرية فلسفية، أو لنادٍ رياضي، أو حتى لشخصية عامة. فجوهر التعصب واحد، مهما اختلف موضوعه، وهو الاعتقاد بامتلاك الحقيقة كاملة، وتجريد الآخرين من حقهم في الاختلاف.
تصدى علماء النفس إلى هذه الظاهرة في الكشف عن جذورها العميقة في النفس البشرية، البعض منهم مؤمن بأن التعصب ينشأ بطريقة غريزية ضد الانسان "المختلف". وأن بعض الأجناس البشرية أكثر تفوقاً بطبيعتها من الأجناس الأخرى.
بينما فسّر البعض التعصب على أساس مادي بوصفه مظهراً من مظاهر استغلال الإنسان. وليس في وسعنا أن نجزم أن هذا التفسير صالحاً في كل حالات التعصب. لكن المؤكد أن مواجهته تقوم على صراع أيديولوجي واجتماعي وسياسي، من أجل التحرر من كافة أشكال الاستغلال.
لهذا فإن المجتمعات التي يسودها التعصب تصبح عاجزة عن إنتاج المعرفة. فالعلم لا ينمو إلا في بيئة تسمح بالشك والسؤال والنقد. أما حين يصبح السؤال جريمة، والنقد إساءة، والاختلاف عداءً، فإن الإبداع يذبل، ويحل التقليد محل الابتكار. ولعل هذا ما يفسر ازدهار الحضارات عبر التاريخ، تلك التي فسحت المجال لتعدد الآراء، بينما تراجعت الحضارات التي أغلقت أبواب الاجتهاد وحاصرت حرية التفكير.
إن من الشائع، عند تحليل بنية التعصب، أن يقال عنه أنه ينشأ عند الأغلبية ضد الأقلية أولاً، غير أن حالات قليلة تخرج عن هذا النمط المألوف. أعني حالات تعصب الأقلية ضد الأغلبية، تضطر هذه إلى ردود أفعال دفاعية ضدها، أو ممارسة تعصب مضاد أشد عنفاً من التعصب الأصلي.
شهد عصرنا الحالي نموذجاً فريداً من هذا اللون من التعصب في روديسيا، وجنوب أفريقيا. الأقلية البيضاء من أصل أوربي تمارس اضطهاداً جماعياً شاملاً ضد أغلبية أفريقية، من سكان البلد الأصليين، هذا اللون من التعصب يعد أشد ألوان التعصب شراسة.
على أن تاريخ اليهودية يمكن أن يعدّ مثلاً صارخاً، امتد عبر مئات السنين، لهذا اللون الفريد من تعصب الأقلية ضد الأغلبية، تعد الأقلية اليهودية من الوجهة السياسية، أقلية ضعيفة، ومع ذلك وهي في حضيض الضعف تمارس شتى أنواع الاستفزاز في المجتمعات التي تعيش فيها، ما يدفع المجتمع إلى اضطهادها رغماً عنه. ذلك أن اسطورة شعب الله المختار، مهما قيل عنها، قائمة في التراث الديني اليهودي، مع أن بعض المستنيرين يحاولون تفسيرها بمعانٍ غير عنصرية، لكن الشواهد تؤكد أن هذه الأسطورة يرتكز عليها التكوين العقلي اليهودي، تدفعه إلى التصادم مع مجتمعه.
وينقلب إلى وحشية مخيفة حين تتحول الأقلية إلى مركز القوة، كما يفعل الكيان الصهيوني اليوم.
يعتقد البعض بأن التعصب دليل قوة. وهو وهم شائع. فالواقع أن المتعصب يخشى الحوار لأنه يخاف اهتزاز يقينه، وأخطر نتائج التعصب أن يتحول الإنسان إلى أسير لهويته الضيقة، فلا يرى في الآخرين شركاء في الوطن أو في الرأي، بل خصوم ينبغي إقصاءهم. وعندما تسود هذه الروح، تصبح الكراهية لغة يومية، ويحل الانقسام محل التعايش. من هنا يبدأ التراجع الحضاري، فالأمم لا تنهض بالصراخ المتبادل، والتعصب ليس قدراً محتوماً، بل هو مرض ثقافي يمكن مقاومته إذا انتصرت قيمة العقل على سلطة الانفعال، وقيمة الحوار على منطق الإقصاء، وقيمة الإنسان على العصبيات الضيقة.
حين يتعلم الإنسان أن يشك بعقله قبل أن يدين غيره، وأن يراجع أفكاره قبل أن يهاجم أفكار الآخرين، يكون قد خطا الخطوة الأولى نحو مجتمع أكثر حرية، وأكثر عدلاً، وأكثر إنسانية.
***
جمال العتابي
مقولة "المال مجهول المالك" في الفقهين السني والشيعي وأحكامها: ماذا تعني مقولة "المال مجهول المالك" في الفقهين السني الشيعي، وهل لها دور ما في تفاقم الفساد المالي والإداري ونهب المال العام وثروات الشعب العراقي في عراق اليوم؟ مناسبة هذا النص، هي أنني كنت قد أعدت نشر رابط فيديو للمرجع الشيعي السيد كمال الحيدري الممنوع حاليا من النشاط التدريسي والإفتائي والتصريح بآرائه وتحت الإقامة الجبرية في منزلة بمدينة قم منذ سنة 2021 بسبب آرائه الجريئة في السردية الفقهية القديمة والمعاصرة.
ومع رابط مقتطع فيديو السيد الحيدري حررت بالكلمات بعض ما قاله في فقرة تقول: "هذه السرقات التي تُسرق من المال العام كلها بسبب وجود فتاوى فقهية تجيز ذلك، بل أن 99 بالمئة من الفتاوى الفقهية ترى أن الأموال الموجودة في البنوك كلها أموال مجهولة المالك ومن يستطيع أن يأخذها فليأخذها كما يريد. وهذه فتاوى فقهية موجودة في أكثر الرسائل العملية"! وعلقت على كلامه بما معناها أن هؤلاء الفقهاء الذين يفتون بفتاوى كهذه إنْ وجدوا فهم شركاء للفاسدين في الحكم العراقي.
لم أذكر اسم أحد الفقهاء في المنشور، ولا السيد الحيدري ذكرهم بالأسماء في هذا المقتطع القصير من الفيديو بالرغم من أنه كان قد وثَّق كلامه بأسماء ومؤلفات الفقهاء المذكورين في المقابلة الكاملة.
وقد علق بعض الأصدقاء والصديقات على منشوري وطالبني بعضهم بنشر فتاوى المرجع السيستاني الخاصة بالموضوع. وركزوا دفاعهم على المرجع السيد السيستاني الذي لم يذكر اسمه قط لا في كلام الحيدري ولا في تعليقي. ورددت على بعضهم ووضحت لهم المنشور الواضح برغم أن القول السائر يؤكد (توضيح الواضحات من المعضلات الفاضحات) بأن الكلام ليس لي بل للسيد الحيدري، وإذا كانوا يحتجون بوجود فتاوى تنفي هذا المعنى فلينشروا مالديهم من فتاوى للاطلاع عليها ولكنهم لم ينشروا شيئاً. لذلك أخذت الأمر على عاتقي وقررت - بالرغم من مشاغلي الكتابية المبرمجة أن أكتب مقالة استقصائية قصيرة حول مقولة المال مجهول المالك في الفقهين السني والشيعي والحكم الواجب فيه مع التوثيق المتاح:
1- سأبدأ أولا بمقولة المال مجهول المالك ومتعلقاتها في الفقه السني لأنها مبسطة هنا وتخلو من التعقيد. فحكم المال مجهول المالك في المذاهب السنية الأربعة يندرج غالباً تحت العناوين التالية: "اللقطة " أو "المال الضائع" أو "القصاص والودائع المنسية". والحكم فيه هو وجوب الاحتفاظ بهذا المال من قبل مَن يعثر عليه مع الإعلان عنه والتعريف ببعض صفاته لمدة معينة هي بحدود العام، فإن لم يأتِ صاحبه ليستعيده ومعه البينة والدليل وجبَ صرفه في مصالح المسلمين، أو التصدق به عن صاحبه عند اليأس من معرفة هذا الصاحب. وبعض الفقهاء السنة وهم قلة يقول: توقف هذه الأموال أبدا (إلى الأبد) حتى يتبين أصحابها، والصواب الأول (صرفها على عامة فقراء المسلمين بعد عام)، لأن (حبس المال دائماً لمن لا يرجى لا فائدة فيه؛ بل هو تعرض لهلاك المال واستيلاء الظلمة عليه). ونلاحظ هنا أن التصدق بهذا المال وفق الفقه السني يكون على عامة فقراء المسلمين وليس على المتدينين الفقراء منهم مثلما يشترط الفقه الشيعي كما سيأتي بيانه.
كما يرى الفقه السني وجوب التفريق بين اللقطة أي المال الضائع في الطريق وتم التقاطه، الذي يعامل كما سبق ذكره، وبين المال المنسي في مكان مخصوص محروز أو وديعة لمن توفي مورثه، وهذا المال يُسمى مالاً ضائعاً يكون أمره متروكاً إلى ولي الأمر - الحكومة - أو القاضي الإسلامي (بيت المال). ويجوز في المال المنسي والوديعة لمتوفى، الحفظ للأمانة حيث يبقى المال في يد الشخص الذي وجده كأمانة شرعية، ولا يجوز له تملكه لنفسه مباشرة، إذا كان له قيمـة أو علامة يعرفها صاحبه. ويجوز التصرف به للمصالح العامة ووجوه البر والإحسان عند اليأس التام من الوصول إلى المالك الأصلي.
هذا هو الحكم العام وفق المذاهب السنية الأربعة مع بعض الفروق الجزئية في التفاصيل بينها وهي كما يلي:
- المذهب الحنفي: يرى أصحابه أن اللقطة والمال مجهول المالك يُحفظ أو يُتصدق به عن صاحبه، ولا يملكها الواجد تملكاً مطلقاً إن كان غنياً، وإذا ظهر صاحبها بعد التصدق ضمنها له.
- المذهب المالكي: يذهب إلى أن للواجد الحق في تملكها بعد تعريفها سنة، أو التصدق بها، وإذا جاء المالك ضمنها له.
- الشافعية والحنابلة: يذهب الجمهور منهم إلى أن لواجد المال الحق في تملكه بعد تمام السنة والتعريف، وتدخل في ماله تلقائياً بشرط الضمان للمالك إن ظهر لاحقاً.
وعبارة "بشرط الضمان للمالك" تعني أن على من تصدق بالمال أو تملكه وتصرف به أن يرده إلى المالك الأصلي إذا ظهر في أي وقت، لأن حق المالك الأصلي باقٍ ولا يسقط بمرور الزمن.
2- أما في الفقه الشيعي الاثني عشري فالموضوع أكثر تعقيداً. لنبدأ أولا بتعريف المقصود بمقولة "المال مجهول المالك" الذي يدور حول الجدل وهل يشمل أموال الدولة أي المال العام ورواتب الموظفين والأموال في البنوك؟ ثم ننتقل إلى الفتاوى الفقهية حوله وكيف يجب التعامل معه والتصرف به؟
وجدت على موقع المرجع السيد علي السيستاني السؤال التالي الذي يوجهه أحد المستفتين إلى المرجع. يقول السؤال: يرد التعبير بـ (مجهول المالك) عن أموال البنوك الحكومية والمشتركة مع الأهالي، ومطلق ما في أيدي الحكومة من أموال في الدول الإسلامية، فلماذا يعبّر عنها بالمال مجهول المالك؟ أليست هي أموال الشعب، وقد أكّدتم مراراً على عدم جواز التصرف فيها بغير الطرق القانونية؟
ويأتي الجواب من المرجع معرفاً المقولة فيقول: (مجهول المالك) مصطلح فقهي يعبّر به عن الأموال الخارجية التي يكون لها مالك، ولكن لا سبيل الى تشخيصه. والأموال التي هي تحت تصرف الحكومة في الدول الإسلامية على أقسام.
وبكلمات أخرى فالمال مجهول المالك عند المرجع السيستاني له مالك، ولكن لا سبيل إلى تشخيصه، ولم يقل إلى معرفته، فقد يكون معروفاً بكونه مالاً حكومياً أو مال الشعب، ولكن الشعب والحكومة والأمة شخصيات اعتبارية وليس حقيقية. ثم يعدد المرجع أنواع "المال مجهول المالك" مع حكمها:
1- "ما يكون ثمناً لما تبيعه الحكومة من المعادن المستخرجة من الأرض كالنفط والغاز والكبريت وغيرها، وما تشتريه به من المصانع والبضائع والأدوية وما تشيده به من المستشفيات والمدارس والجامعات وسائر مؤسسات الدولة، وغير ذلك مما تقتضيه مصلحة الشعب. وهذا القسم ليس مجهول المالك، ويجب صرفه واستخدامه وفقاً للقانون، الذي يفترض أن يكون مبنياً على رعاية العدالة بين أبناء الشعب".
2- "المال الذي تحصلّه الحكومة من معونات ومساعدات وقروض خارجية أو داخلية لموارد وأبواب معينة لمصلحة الشعب وهو ليس من مجهول المالك، ويجب صرفه فيما خصص له حصراً".
3- "المال الذي تأخذه الحكومة من أموال المواطنين بعناوين مختلفة من مصادرات وضرائب ورسوم وغيرها وفقاً للقانون ولكن لا يطابق الشرع الحنيف. وهذا المال مجهول المالك في غالب الحالات، ولكن حيث يختلط بالأموال من القسمين الأولين في المصارف والدوائر الحكومية وغيرها ولا سبيل الى تمييز بعضها عن بعض يطلق على الجميع (مجهول المالك)".
بكلمات أخرى فإن المرجع السيستاني يعد هذا النوع إذا اختلط بالنوعين الأولين شاملا لهما ويكونان مثله من قبيل المال مجهول المالك.
4- "ما تستورده الحكومة أو تصنّعه من أسلحة غير دفاعية أو الأدوات التي تستخدم في قمع المواطنين وسلبهم حقوقهم، وكل ما لا ينفعهم بل يضرّ بهم".
ونلاحظ هنا غموض الحكم الخاص بهذا النوع وهل هي من المال مجهول المالك ام لا والأرجح أنها منه. ويضيف الشارح أو محرر الفتوى في الصفحة نفسها التعليق التالي:
"وفتوى سماحة السيد السيستاني (دام ظله) واضحة صريحة بعدم جواز التصرف في شيء مما هو من أموال الدولة خارج نطاق القوانين النافذة في حال من الأحوال". وهذه العبارة تعني في ما تعني استنباطاً "جواز التصرف في شيء مما هو من أموال الدولة وفق نطاق القوانين النافذة".
والأمر هنا بحاجة إلى توضيح كما أعتقد لأن الناس ستختلف في قضية هل هذا التصرف وفق القوانين النافذة أم لا، وهل هذه القوانين متوافقة مع الشريعة كما يراها المرجع فلان الفلاني أم لا...إلخ؟ ومن هذه الخلافات قد يتسرب الفاسدون بسهولة ويخلطون الأوراق ويحولون المال معلوم المالك إلى مالك مجهول المالك ويجيزون الاستيلاء عليه.
وهناك سؤال مفيد يقول: ما الفرق بين مظالم العباد ومجهول المالك، وهل يختلفان في الحكم؟
الجواب: "مظالم العباد يعبر بها عما تشتغل به الذمة من حقوق ناس مجهولين، ومجهول المالك هو المال الخارجي الذي يعود لشخص مجهول وحكمها واحد من حيث وجوب التصدق بعد الياس من التعرف على صاحب الحق".
وهذا التعريف والحكم قريبان جدا من مفهوم اللقطة والحكم بالتصرف بها وفق المذاهب السنية الأربعة ولكن الخلافات تبرز من تعدد أقسام المال مجهول المالك في المذهب الشيعي.
لنقرأ السؤال شديد الأهمية التالي على صفحة المرجع السيستاني أيضا: "هل صدر من سماحتكم اذناً عاماً لجميع من قلدكم في قبض مجهول المالك او الاذن خاص لمن يطلب ذلك"؟
الجواب: "قد أذنا لإخواننا المؤمنين وفقهم الله تعالى لمراضيه فيما يستلمونه من المؤسسات الحكومية او المشتركة بالطرق القانونية ان يقبضوه من قبل موكلينا من الفقراء بنية التصدق عليهم ثم يتملكوه لأنفسهم، هذا في الرواتب ونحوها وأما في الفوائد المصرفية وشبهها فقد اذنا لهم في تملك النصف منها بالطريقة المذكورة بشرط التصدق بالنصف الاخر على الفقراء المتدينين".
نفهم من هذا السؤال والجواب عليه أن رواتب موظفي الدولة وأموال الدولة عموما كما سيأتي تفصيله في الشرح، تعتبر من الأموال مجهولة المالك، ولكن المرجع أفتى في رخصة عامة لجميع مقلديه (المقتدين به) بإباحة تملك هذا المال "هذه الرواتب"، أما الفوائد المصرفية فيجب عليهم تملك نصفها فقط والتصدق بنصفها الآخر على الفقراء، والفقراء المتدينين تحديدا أما إذا كانوا فقراء مسلمين وغير متدينين فلا يجوز التصدق عليهم!
ويكتب الشارح أو محرر الصفحة الخاصة بالمرجع التوضيح التالي: "نعم، تقع أموال الدولة والرواتب الحكومية من الناحية الفقهية ضمن حكم المال مجهول المالك؛ ولكن سماحة السيد السيستاني قد أمضى (أنفذ) جميع عقود التوظيف الرسمية. بناءً على ذلك، أصدر سماحته إذنًا عامًا لجميع الموظفين بقبض هذه الرواتب وتملكها قانونيا وشرعيا دون الحاجة لإذن خاص".
ومادمنا نتكلم عن الرواتب فثمة سؤال مهم يتعلق بالموظف المُعَين بشهادة مزورة وحكمه الفقهي نجده على موقع شبكة آل البيت موجه إلى المرجع السيستاني يقول السؤال: "أعرف شخصاً يعمل في تزوير شهادة جامعية، فهل الأموال التي يحصل عليها حرام"؟
الجواب ": التزوير وإن لم يجز إلا أن العمل والراتب محللان إذا لم يظهر نفسه خبيراً في ما لا خبرة له".
ويحق للمواطن العراقي البسيط ان يتساءل أليس في هذا الكلام تشجيع على تزوير الشهادات العلمية وحماية فقهية لمن يتعينون بها أو ينتخبون أعضاء في مجلس النواب؟!
*أما المرجع اليعقوبي والذي يوصف بأنه المرشد الروحي لحزب الفضيلة الإسلامي فله رأي خاص في المال مجهول المالك فهو يقول: "لا نوافق على تسمية الأموال العامة بمجهول المالك لأنها ملك للشعب، ولا يجوز لأي أحد التصرف فيها حتى للحكومة إلا وفق القوانين المقررّة لحفظ مصالح المواطنين وازدهار البلد وأي قانون يسمح بصرف مال لشخص أو جهة خارج إطار هذه المصالح العليا فإنه باطل.
ولكن بعض المهتمين بالشأن الفقهي مثل د. جعفر تقي القزويني فهم موقف اليعقوبي في فتاوى أخرى بأنه "يبيح الاستيلاء على المال العام تحت عباءة وعمامة الدين والفتوى" تجد رابطا / 2، يحيل إلى مقالة في الهوامش:
*أما الشيخ باقر الإيرواني فيرى أن أموال التعويض التي تعطيها الحكومة لأصحاب الدور والأراضي المهدومة وما شابه ذلك أموالا مجهولة المالك أي إنها ليست من حق أصحاب الدور المهدمة والأراضي المستولى عليها كتعويض وهذا مالا سبيل إلى فهمه وتبرره عقليا/ رابط الفيديو 3.
*نأتي الآن إلى موقف المرجع إسحاق الفيّاض الذي طرح رأيا يقضي بحلية أموال مصارف الدّولة الاتية من الخارج والتي قد تكون قروضا أو عائدات من بيع النفط وسواه بالاستيلاء والحيازة بعد التصدق بقسم منها ويقول: حرفيا إذا أخذ المؤمن الموالي المال من البنوك؛ فإن علم أنّها من الأموال الّتي أرسلت من الخارج، ولم تقع في يد المسلمين بعد، فهي ملك طلق له، يملكه بالاستيلاء والحيازة. وأمّا إذا علم أنّها أموال غيره أمّا بالنّصف أو الثّلث أو الرّبع أو الخمس أو السّدس، فعليه أن يتصدّق بهذا المقدار إلى الفقراء بعنوان مجهول المالك بإذنه طبعاً، والزائد عليه يتصرف به! /الرابط 4.
أعتقد أن رأيي الشخصي يهمني أنا فقط كمواطن، فإنا لست مرجعا ولا حتى متديناً. ومع ذلك فمن حقي أن أعبر عنه كرأي شخصي أمام أصدقائي وخطه العريض هو أن الدولة العراقية اليوم دولة مأزومة تقودها حكومة رجعية لصوصية تابعة للأجنبي في كل شيء، وضعيفة وقائمة على أساس الهويات الفرعية الطائفية والعرقية.
هذه الحكومة ليست فاسدة بطبيعتها المكوناتية فحسب بل هي مفسدة ومشجعة على الفساد والنهب والسرقة ولا بد بالتالي من معالجة الأصل والجذر في هذا الوضع بإعادة بناء الدولة وحكومتها على أسس الهوية الوطنية العراقية المستقلة وإعادة كتابة دستورها وفق هذا المبدأ. وبعد ذلك لن يكون لدعاة الاستيلاء على أموال الدولة بحجة انه مجهول المالك أي تأثير وسيعاقَب هؤلاء لأنهم يشجعون ويحرضون على سرقة ونهب المال العام وثروات الشعب ومن يحرض ويبرر دينياً أو سياسياً السرقة والنهب أخطر من السارق والناهب. يمكن لرجال الدين أن يشتغلوا على هذه الأمور والمقولات من باب البحث الفقهي النظري في حوزاتهم ومدارسهم وتكياتهم ولكن يحظر عليهم الترويج لها والدعوة لتطبيقها إذا كانت تدعو إلى الاستيلاء غير المشروع على أموال الدولة وثروات الشعب في المصارف وغيرها على الشارع العراقي لأنه شارع تعددي لا يقبل القسر والفرض والإجبار إلا من قبل دولة تقوم على عقد اجتماعي يرتضيه الجميع.
كما ينبغي أن يمنع رجال الدين والمراجع من التدخل في الشأن العام والسياسي كجهات دينية لها جمهورها مع ضمان حقهم في النشاط السياسي كمواطنين أفراد لا كواجهات وزعامات سياسية دينية يستعمل الولاء الديني الطائفي الممزِّق لوحدة الدولة والمجتمع.
أما بخصوص اشتراط الفقه السني أن تذهب أموال الصدقة إلى فقراء المسلمين وزاد الفقه الشيعي فاشترط أن تذهب الى فقراء المسلمين المتدينين فأعتقد أن التصوف القطباني غير المتمذهب أقرب إلى الجوهر الإنساني للأديان حين جعل الصدقة تذهب إلى الفقراء دون تمييز ديني أو شروط. وقد وردت المروية التالية في سيرتهم بقصد المثلنة (ضرب المثال للاعتبار والتأسي) وخلاصتها؛ أن أحدهم وأظنه القطب بشير الحافي إن لم تخني الذاكرة أحضر إلى بيته شيخا فقيرا جائعا طلب منه أن يطعمه فأطعمه وسقاه ثم وهو يجاذبه أطراف الحديث سأله عن دينه. وحين ذهب بشر إلى النوم تجلى له الحق في الرؤيا وقال له: يا بشر نحن نرزق هذا الشيخ سبعين عاما ونطعمه ونسقيه ولم نسأله عن دينه وأنت أطعمته مرة واحدة وسألته عن دينه أ فهذه هي فتوة الفقراء (الصوفية)؟
خلاصات من مقالتي حول مجهول المالك لأن بعض أصحاب التعليقات يريدون قلب جوهر توجه المقالة لتأكيد أحكامهم المسبقة دفاعا عن رموزهم ومراجعهم:
1- المال مجهول المالك حين يختلط بالأموال غير مجهول المالك من القسمين الأولين في المصارف والدوائر الحكومية وغيرها يتحول إلى مال مجهول المالك، ولا سبيل الى تمييز بعضها عن بعض يطلق على الجميع (مجهول المالك)". بكلمات أخرى فإن المرجع السيستاني يعد هذا النوع إذا اختلط بالنوعين الأولين شاملا لهما ويكونان مثله من قبيل المال مجهول المالك. ومعروف أن المال مجهول المالك يمكن الاستيلاء عليه بعد التصدق بقسم منه.
2- حول موضوع التصرف بالمال مجهول المالك بموجب القوانين النافذة، الأمر هنا بحاجة إلى توضيح كما أعتقد لأن الناس ستختلف في قضية هل هذا التصرف وفق القوانين النافذة أم لا، وهل هذه القوانين متوافقة مع الشريعة كما يراها المرجع فلان الفلاني أم لا...إلخ؟ ومن هذه الخلافات قد يتسرب الفاسدون بسهولة ويخلطون الأوراق ويحولون المال معلوم المالك إلى مالك مجهول المالك ويجيزون الاستيلاء عليه.
3- قال المرجع السيستاني "قد أذنا لإخواننا المؤمنين وفقهم الله تعالى لمراضيه فيما يستلمونه من المؤسسات الحكومية او المشتركة بالطرق القانونية ان يقبضوه من قبل موكلينا من الفقراء بنية التصدق عليهم ثم يتملكوه لأنفسهم، هذا في الرواتب ونحوها وأما في الفوائد المصرفية وشبهها فقد اذنا لهم في تملك النصف منها بالطريقة المذكورة بشرط التصدق بالنصف الاخر على الفقراء المتدينين".
4- نفهم من قول المرجع السيستاني " - "قد أذنا لإخواننا المؤمنين وفقهم الله تعالى لمراضيه فيما يستلمونه من المؤسسات الحكومية او المشتركة بالطرق القانونية ان يقبضوه من قبل موكلينا من الفقراء بنية التصدق عليهم ثم يتملكوه لأنفسهم"، أن رواتب موظفي الدولة وأموال الدولة عموما، تعتبر من الأموال مجهولة المالك، ولكن المرجع أفتى في رخصة عامة لجميع مقلديه (المقتدين به) بإباحة تملك هذا المال "هذه الرواتب".
5- جواب المرجع السيستاني على سؤال حول عمل الموظف بشهادة مزورة يقول: "التزوير وإن لم يجز إلا أن العمل والراتب محللان إذا لم يظهر نفسه خبيراً في ما لا خبرة له". ومعنى هذا الكلام بوضوح شديد أن العمل وقبض الراتب بشهادة مزورة جائز ولكن التزوير بحد ذاته غير جائز!
6- الشيخ باقر الإيرواني فيرى أن أموال التعويض التي تعطيها الحكومة لأصحاب الدور والأراضي المهدومة وما شابه ذلك أموالا مجهولة المالك أي إنها ليست من حق أصحاب الدور المهدمة والأراضي المستولى، كلامه واضح وهو يبيح الاستيلاء على أموال التعويضات من قبل الاخرين ولا يعتبر هذا الاستيلاء سرقة وهذا تشجيع وشرعنة لجريمة السرقة.
7- موقف المرجع إسحاق الفيّاض واضح ويجيز الاستيلاء "سرقة" على أموال المصارف الدولة الاتية من الخارج والتي قد تكون قروضا أو عائدات من بيع النفط وسواه بالاستيلاء والحيازة بعد التصدق بقسم منها ويقول: حرفيا إذا أخذ المؤمن الموالي المال من البنوك؛ فإن علم أنّها من الأموال الّتي أرسلت من الخارج، ولم تقع في يد المسلمين بعد، فهي ملك طلق له، يملكه بالاستيلاء والحيازة. وأمّا إذا علم أنّها أموال غيره أمّا بالنّصف أو الثّلث أو الرّبع أو الخمس أو السّدس، فعليه أن يتصدّق بهذا المقدار إلى الفقراء بعنوان مجهول المالك بإذنه طبعاً، والزائد عليه يتصرف به!
***
علاء اللامي
...................
هوامش:
1- رابط يحيل إلى موقع المرجع السيستاني: انسخ الرابط ثم ألصقه على محرك البحث إن لم ينفتح بالنقر عليه.
https://www.sistani.org/arabic/qa/0714/
2- الشيخ اليعقوبي يبيح الاستيلاء على المال العام تحت عباءة وعمامة الدين والفتوى
https://akhbaar.org/home/2022/2/291763.html
3- الشيخ باقر الإيرواني: أموال التعويض التي تعطيها الحكومة لأصحاب الدور والأراضي المهدومة تكون مجهولة المالك
https://www.facebook.com/reel/27823532587232636
4- الشّيخ الفيّاض: أموال مصارف الدّولة تُملك بالاستيلاء والحيازة!
https://www.facebook.com/reel/1336895848544313
بين محمد حسنين هيكل وعبد الباري عطوان
ليست السياسة مُجرَّد وقائع تتوالى على صفحات التاريخ، ولا هي أخبار تتناقلها وسائل الإعلام ثُمَّ تنقضي بانقضاء يومها، بلْ هي صناعة للمعنى، وبناء للوعي، وتشكيل للذاكرة الجماعية.
ومِن أهم أدوات هذه الصناعة " المصطلح السياسي "، فهو الكلمة التي تختزل مرحلةً، والعبارة التي تُلخِّص مشروعًا، والتسمية التي تعيد ترتيب العلاقات بين القوى والأحداث. وكثيرًا ما كانت المصطلحات أكثر بقاءً من الوقائع نفسها، إذْ تمضي الأحداث، ويبقى اللفظُ شاهدًا عليها، يُوجِّه فهمها، ويُؤَثِّر في تأويلها.
وفي التاريخ الصحفي العربي الحديث، يبرز اسمان تركا أثرًا واضحًا في تشكيل اللغة السياسية والإعلامية، هُما الكاتب المِصري محمد حسنين هيكل ( 1923 - 2016) والكاتب الفِلَسطيني عبد الباري عطوان (وُلد 1950). ولكل واحد منهما منهج خاص في صياغة المصطلحات وتوظفيها، يعكس تكوينه الثقافي، ومدرسته الصحفية، ورؤيته للعالَم، وأسلوبه في قراءة التحولات الدولية والإقليمية.
أدركَ هيكل أنَّ اللغة ليست مُجرَّد وسيلة لنقل الخبر، وإنما هي أداة لفهم التاريخ وصناعته. لذلك جاءت كتاباته مشبعة بالمفاهيم المُركَّبة، التي تمزج بين التحليل السياسي والرؤيةِ التاريخية.وكان يميل إلى صياغة تعبيرات ذات طابع إستراتيجي، لا تستهدف الإثارةَ العابرة، وإنما تسعى إلى تفسير الظواهر الكبرى، وربطها بسياقاتها العميقة. ففي مقالاته وكتبه تبدو المصطلحات جُزءًا من بناء فكري متكامل، لا مُجرَّد زخارف لغوية، أو عناوين صحفية.
وكان هيكل شديد العناية بدقة اللفظ، لأن الكلمة عنده مسؤولية معرفية قبل أن تكون وسيلة إعلامية. لذلك كثيرًا ما كان يشرح المصطلحَ، ويُبَيِّن ظروفَ نشأته، ويُوضِّح حدوده الدلالية، حتى لا يتحوَّل إلى شعار فارغ أو أداة للتضليل. ومِن هُنا اكتسبت مصطلحاته قدرة على الاستمرار، لأنها وُلدت من قراءة واسعة للتاريخ والسياسة والعلاقات الدولية، لا مِن انفعال لحظة، أو تأثير حدث عابر.
أمَّا عطوان فقد جاء من مدرسة صحفية مختلفة، تقوم على القرب من الحدث، والاحتكاكِ المباشر بتفاصيل الصراع، ومخاطبة جمهور واسع بلغة تَجمع بين الفصاحة والوضوح. لهذا اتَّجه إلى إنتاج مصطلحات أكثر التصاقًا بالإعلام اليومي، وأكثر قدرة على الانتشار في الفضاء العام، مستفيدًا من قوة الصورة البلاغية، وسرعةِ الإيقاع، وحيويةِ الأسلوب.
وفي كتابات عطوان نجد المصطلحَ يولد غالبًا من رحم الحدث الساخن، ثم يتوسع استعماله حتى يصبح جزءًا من الخطاب السياسي والإعلامي. وهو يميل إلى التعبيرات التي تستفز الذهنَ، وتثير النقاش، وتختزل موازين القوى في صورة لغوية مكثفة. لهذا استطاعت كثير من عباراته أن تجد طريقها إلى المقالات والبرامج الحوارية ومِنصات التواصل الاجتماعي، لأنها تخاطب المتلقي بلغة مباشرة دون أن تتخلى عن بُعدها السياسي.
غَير أنَّ الفرق بين الكاتبَيْن لا يكمن في القدرة على ابتكار المصطلحات، وإنما في الفلسفة الكامنة وراء هذا الابتكار. هيكل ينطلق من رؤية المؤرخ الذي يفسر حركة التاريخ، لذلك تأتي مصطلحاته أشبه بالمفاتيح الفكرية لفهم التحولات الكبرى. أمَّا عطوان فينطلق من رؤية الصحفي المتابع للصراع اليومي، فتأتي مصطلحاته أكثر ارتباطًا بإيقاع الأحداث، وتقلباتِ الواقع السياسي.
وليس من الإنصاف أن تُقَاس تجربة أحدهما بمعايير الآخر، لأن لكل مدرسة غايتها وأدواتها. مدرسة هيكل تسعى إلى تأسيس الوعي التاريخي والسياسي عبر لغة دقيقة ذات نَفَس تحليلي طويل، بينما تسعى مدرسة عطوان إلى مرافقة الحدث، وقراءته لحظة بلحظة، وصياغة خطاب إعلامي قادر على الوصول إلى جمهور واسع في زمن السرعة وتدفقِ المعلومات.
ومعَ ذلك، فإن العنصر الجامع بينهما هو الإيمان بأن المصطلح ليس كلمة عابرة، بلْ قوة مؤثرة في تشكيل الرأي العام. وحين ينجح الكاتبُ في تسمية ظاهرة سياسية تسميةً دقيقة، فإنه يمنح القارئ إطارًا ذهنيًّا لفهمها، ورُبَّما يُوجِّه النقاشَ العام نحو زاوية مُعيَّنة دون غيرها. لهذا كانت معركة المصطلحات دائمًا جزءًا من معركة السياسة نفسها، إذْ تتنافس الدول والمؤسسات ووسائل الإعلام والمفكرون على فرض اللغة التي يُقْرأ بها الواقع.
إنَّ المقارنة بين هيكل وعطوان ليست منافسة بين صَحَفِيَّيْن، بلْ هي مقارنة بين مدرستَيْن في التفكير السياسي والإعلامي، مدرسة تؤمن بأن المصطلح ثمرة للتاريخ، ومدرسة ترى أنَّه ابن اللحظة السياسية المتحركة. وكلتاهما أسهمتْ، بطريقتها الخاصة، في إثراء المعجم السياسي العربي، وتوسيعِ قدرة اللغة العربية على التعبير عن قضايا العصر، وتعقيداتِ العلاقات الدولية.
وتبقى الكلمة هي أول أدوات السياسة وآخرها. ومن يملك القدرةَ على تسمية الأشياء يملك القدرةَ على توجيه الوعي بها. لهذا سيظل صانع المصطلحات حاضرًا في ذاكرة الأمم، لأن التاريخ لا يُكتَب بالأحداث وحدها، وإنما يُكتَب أيضًا بالأسماء التي تُطلَق عليها، وبالمفاهيم التي تُفَسَّر بها حركتها، وباللغة التي تمنحها معناها الباقي عبر الزمن.
***
إبراهيم أبو عواد - كاتب من الأردن
مشكلة الثقافة العربية اليوم في عصر التقنية الرقمية وتكنلوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي، اكبر من قدرات الكتابة والنشر والطبع والتوزيع، انها مشكلة متعلقة بالتفاعل إذ لم يعد جيل اليوم - بسبب ظروفه الحياتية غير المستقرة - يحظى بدرجات عالية من التفاعل مع المصادر الموثوقة وان كان يدري ويعرف جيداً مدى موثوقيتها، ذلك ان أدوات العصر الجديد لم تعد قادرة على التعامل مع الأفكار العميقة والأهداف البعيدة، لكن هذا لم يكن ليعني ان جيل اليوم يتعالى على عطاءات المفكرين والكتاب من جيل الآباء، بل هو يتفاعل معهم على أساس التقدير فقط، لا أساس التقدير والتقرير. هذا ما يجعل وجود المفكرين والفلاسفة غير فاعل في واقع حياة الناس برغم كثرتهم في زماننا، خلا تلك المناسبات التي تعدّ متنفساً لا يبعث على التغيير كالملتقيات والمنتديات والمؤتمرات والمحاضرات والمهرجانات.
فالكتّاب والمفكرون في زماننا لا يزالون يكتبون، ولا تزال كتاباتهم تشكّل صرخات واضحة، لكنها غير مسموعة، ليس لخلل في آذان المجتمع، بل لأنها لم تعد آذاناً واعية. لذا هناك فجوة بين قيمة الفكر العميق في الكتب، وبين الفهم التلقائي في الثقافة الشعبية، وهو ما يحمل المثقف النخبوي على الانزواء او التقاعد بالمفهوم الوظيفي للخدمة، وربما يقتصر دوره على الدعوة للعودة الى طبيعة الثقافة في مجالس ثقافية ومنتديات تجمعه بأقرانه، يبدد فيها شعوره بالغربة أو الوحشة جرّاء التغييرات التي طالت كل مفاصل الحياة الجديدة في القرن الواحد والعشرين، فهناك عدد غير قليل من الكتّاب والمفكرين لا يجدون من أبنائهم من يشاركهم همومهم الثقافية. لأن هناك مشكلة جديدة تكمن في ان كثيراً من المؤسسات التربوية والتعليمية التي يتدرج فيها أبناء المجتمع، لن يكتب لها الإستمرار في مستقبل عصر العولمة والحوسبة والأتمتة والذكاء الإصطناعي، ما لم تقم بتخريب الهدف الذي قامت لأجله وهو التعليم التثقيفي. إذ لم تعد المدرسة في القرن الواحد والعشرين معنية بتربية الأولاد قدر انغماسها في فرض مناهج دراسية هدفها اجتياز الطالب الامتحان من اجل المرور الى مرحلة دراسية لاحقة تكرّس ابتعاد الطالب عن التفكير وعن قيم التربية العلمية والثقافية، ليصل الى الجامعة حيث عليه ان يتخصص في مجال يضمن له وظيفة حكومية او فرصة عمل مناسبة في القطاع الخاص، هكذا تدرّج وتخرّج كثيرون، حيث رسالة التعليم لم تصل الى الطالب خلال سنوات دراسته في المدرسة والجامعة، وحيث اصبح الهدف من الدراسة هو المؤهل العلمي فقط، أما ما يحصل عليه الطالب في البيت من توجيه وتقويم وتقييم، فهو يسهم في اعداد طبيب مؤدب، ومهندس مهذب، لكنه ليس مثقفاً. خطورة ذلك تكمن في ان قوة تأثير ظروف التغيير الإجتماعي ستكون كبيرة على الذين لم يحظوا بقدر كافٍ من الرعاية الثقافية الأسرية يعوّضون به النقص في المؤسسة التعليمية الرسمية، بحيث يخرج من بين حملة الشهادات طبيباً بلا أخلاق، ومعلّماً بلا مبادئ ومهندساً بلا ضمير، وقد كثرت نوعاً ما هكذا نماذج في أيامنا هذه. هكذا يصبح التعليم المجّاني تكليفاً مادياً بالنسبة للحكومة وليس ثقافياً، لذا كثرت المدارس والكليات الأهلية وفاقت بخدماتها الترفيهية مدارس وكليات الحكومة، مما دفع بالمعلّم والمدرّس الى الإنتقال من العمل على رسالة المعرفة الى العمل في تجارة المعرفة، فظهر التقصير في الأداء التعليمي والإداري في مدارس الدولة ونشطت معاهد الدروس الخصوصية ودورات التقوية لتشمل حتى الأطفال الصغار في مراحل الدراسة الأولية.
وحدة الثقافة
دعم هذا التراجع في البلاد وجود سلطات سياسية وقيادية لا تفهم معنى وحدة الثقافة ولا ترى في تقطيع أجزاء الثقافة ضرراً بقدر ما تراه مقتضى حال واقع البلاد التي أصبحت بشكل وبآخر خاضعة لقوة النظام العالمي التي تدير مشاريع استثمار اقتصادية وسياسية هدفها دفع المجتمعات بعيداً عن مراكزها الطبيعية، اعتماداً على تسويق الحرية كمفهوم شخصي غير مرتبط بالمجتمع بقدر ارتباطه بالفردانية الثقافية عبر تقنية رقمية متطورة تتيح للشباب الانتقال والتنقل بين الثقافات طلباً لمزيد من النمو الاقتصادي والترفيه والتسوق، خصوصاً بعد تراجع في قدرات المجتمعات على دعم البيئة المحلية لإعداد جيل قادر على فهم الواقع فهماً يعبر بالجميع الى الجانب الآمن ـ ويوفر حلولاً صحيحة لا حلولاً ترقيعية . هذا الحال يسمح بظهور بيئات جديدة داخل البيئة الطبيعية للمجتمع. تسمح هذه البيئات الجديدة للشاب بأن يستنسخ مشهداً من ثقافة جيل آخر في مجتمع آخر ويلصقه في شريط ثقافته الشخصية دون الحاجة الى تقييم مدى مطابقة مكونات ذلك المشهد مع طبيعة ثقافة المجتمع، يساعد هذا الحال على إزاحة الثقافة العامة للمجتمع بعيداً عن نقطة ارتكازها، فيصبح مقبولاً ممارسة سلوك جديد وان بدا غريباً أو شاذاً مثل قصّات الشعر وازياء الملابس وانماط السلوك وطرق التفكير وأساليب التعبير.
هدم التراث الثقافي
تواجه الثقافة العربية المعاصرة من بين ما تواجهه من مشاكل وهموم، مشروع هدم التراث الثقافي بإسلوب ثقافي يتمثل بملئ الفراغ الثقافي للمجتمع بنقد يثير طبقة الثقافة الشعبية، فيؤتى بأشخاص لا يتمتعون بأرصدة كافية من الثقافة تؤهلهم لممارسة النقد، بقدر ما يتمتعون برصيد وافر من ممارسة حرية التعبير، تلك الحرية التي تعمل مشاريع التطور التقني اليوم على منحها ظروفاً عابرة للمألوف، فبدل ان نفتقد في أيامنا هذه وجود باحث اجتماعي مثل الدكتور علي الوردي، ننتقد اعمال علي الوردي فنصف بحوثه وكتبه التي شغلت الناس وملأت المكتبات، بانها حكايات مقاهي وبحوث عامية غير علمية ..
وبدل ان نفتقد وجود خطيب بمستوى الدكتور احمد الوائلي، ننتقد الوائلي ونصف محاضراته التي لا تزال حاضرة مؤثرة في الثقافة الشعبية والنخبوية، بأن الجزء الأكبر منها لم يكن من بنات أفكار الدكتور الوائلي بل كان مستعاراً من كتب أخرى..
قيل في الشيخ محمد متولي الشعراوي انه لم يكن يحمل شهادة دكتوراه، وقيل في نزار قبّاني انه ليس شاعراً، وقيل في عبد الرزاق عبد الواحد انه ليس شاعراً كبيراً بل هو مجرد شاعر.. هذا ما جاء على السنة شباب هيأ لهم الفراغ الثقافي وغياب النقد الموضوعي، كما هيأت لهم قاعات التصوير والكاميرات والمونتاج والإضاءة، أجواء الجرأة الأدبية..
تشترك الشخصيات التي نالت منها ثقافة بعض شباب الجيل الجديد بعاملين : العامل الأول انها كانت شخصيات لها شعبية واسعة، والعامل الثاني ان شعبية تلك الشخصيات لم تقف عند حدود الفترة الزمنية التي عاشوا فيها، بل امتدت الى عصر اللهاث وراء الشهرة (الطشّة)، عصر الظمأ الثقافي للابداع الطبيعي، ولعل هذا يكشف لنا الدافع وراء نقد أي شخصية من تلك الشخصيات، ذلك النقد الذي لم يكن يستهدف شخصية بعينها، بل هو يستهدف الوصول الى اكبر عدد من القرّاء والمشاهدين للفت انتباههم من اجل مزيد من المتابعات والاعجابات التي أصبحت معياراً لتبيان ثقافة الشخص، فكلما كانت اعداد المتابعين كبيرة دلّ ذلك على أهمية ثقافته، ودلّت أهمية ثقافته على اهليته لدخول كتاب الأرقام القياسية للشخصيات المؤثرة في المجتمع، وان لم يحقق أدنى المتطلبات الموضوعية للشخصية المؤثرة.
***
عدي عدنان البلداوي
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، وظهور الأسباب المباشرة المتمثلة في فكرة الإرهاب وربطه بدول معينة، سبق ذلك عملية وصول الولايات المتحدة الأمريكية إلى سواحل الخليج العربي من خلال التدخل العراقي في الكويت، والسيطرة المباشرة على مقدرات الشعوب في هذه المنطقة. هذا التدخل جعل من أمريكا الفاعل الأول في منطقة الشرق الأوسط وما حولها، من خلال فرض سطوتها بشكل مباشر على المنطقة، مما أوجد مفهومًا مكملاً للكولونيالية القديمة، المتمثلة في الاستعمار القديم (فرنسا وبريطانيا)، وتوزيعهما لمنطقة الشرق الأوسط حسب اتفاقية سايكس بيكو.
لكن الولايات المتحدة الأمريكية، برؤيتها الجديدة التي أزاحت حلفاءها من المنافسة على هذه الرقعة الجغرافية، أوجدت واقعًا جديدًا في المنطقة، وقد بدأت بتنفيذ أهم مخططاتها، وهو السيطرة على المجال السياسي والموارد الاقتصادية، بما في ذلك منابع النفط. وترافق هذا التخطيط مع تشكيل مرجعيات فكرية صمّمها عدد من الساسة الأمريكيين، إلى جانب مجموعة من المفكرين الذين رسموا خارطة الشرق الأوسط الجديد. وقد اعتمد هذا المشروع على إحداث تحول جذري في طبيعة الصراع في المنطقة، حيث انتقل —بعد اتفاقية سايكس بيكو— من صراعٍ حول الحدود إلى صراعٍ داخل الحدود، وفق الأفكار الأمريكية الجديدة.
ماذا نعني بالتحول في الصراع من الخارج إلى الداخل؟ وكيف يتم بلورة هذه الأفكار الأمريكية الجديدة في عملية التغييرات الجيوسياسية في المنطقة العربية خاصةً، والعالم بصورة عامة؟
إنَّ تحول الصراع من الخارج إلى الداخل هو، في الأصل، لعبة أمريكية وعملية مكملة لما حدث في القرن الماضي؛ فقد كان الماضي قائمًا على التقسيم وزرع بذور الخلافات على الحدود بين الدول. هذه السياسة البريطانية القديمة، التي اعتمدت مبدأ (فرّق تسُد)، توالدت من جديد في الفكر الأمريكي، ولكن وفق رؤية مكملة للكولونيالية القديمة. وقد اعتنقت أمريكا هذه الرؤية وجعلت الصراع يتحول ويتشكل المشهد بشكل آخر؛ فشعار (فرّق تسُد) لم يعد كافياً لإنتاج حلول تتماشى مع التطبيقات الأمريكية في المنطقة العربية، بل إنّ التحول يجب أن يكون في مراحل أخرى من الصراع، أكثر تدميراً للوعي في المنطقة العربية.
فقد عملت الإدارة الأمريكية على التصدي لأي تغيير في وعي أبناء منطقة الشرق الأوسط، وهو ما ظهر من خلال رفضهم للعديد من الأحاديث والتصورات السابقة التي كانت تهدف إلى جعل الصراع خارج الحدود، وبعيدًا عن جوهر القضايا، من أجل الحفاظ على كراسي تابعة للنظام العالمي. كما برز الاحتجاج ضد مبدأ استغلال السلطة من قِبَل الحكّام للبقاء في الحكم، حتى لو كان على حساب بقاء أنظمتهم الفاشلة في هذه المنطقة.
لذلك، بدأت الأفكار الأمريكية الجديدة تدخل حيّز التنفيذ، ومعها بدأت عملية التغيير في الفكر الشرق أوسطي، مستهدفةً إسقاط الكراسي الرئاسية والتبعيات الخاصة لبعض الدول المجاورة المتدخلة بشكل مباشر في هذه السيطرة، وذلك من خلال الكيانات الموالية لها، التي تتحكم في المال والجاه في المنطقة العربية.
وعليه، كان لابد للإدارة الأمريكية من إعادة توجيه أساليبها وطريقة تدخلها الجديدة، عبر إيجاد وسائل جديدة تُشعل شكل الصراع الجديد، الذي ينبغي أن يقع ضمن تصور أمريكي محدد يتضمن جانبين رئيسيين، هما:
الأول: تطبيق خططها الجديدة دون أن تكون هي المبادِرة بهذا التطبيق بشكل مباشر، كما حدث في العراق وأفغانستان. بمعنى آخر، جعل الدول المستهدفة نفسها تقدّم المبررات للتدخل والتحشيد الأممي لذلك، من خلال مؤسسات مثل مجلس الأمن الدولي.
الثاني: التحول في الصراع من الخارج إلى الداخل، بهدف شرعنة خططها في المنطقة، وجعل كل كيان قائم على صفة فئوية أو جهوية أو عرقية يأخذ دوره في هذا الصراع. والقصد هنا هو منح هذه الكيانات الدينية والعرقية والعنصرية مبررات لإظهار وجودها في هذه المنطقة.
هذا هو الإطار الكولونيالي الجديد، وهذه هي السلطة الكولونيالية الحديثة التي تمهد لها أمريكا، من أجل ممارسة سياستها وتطبيق أفكارها في المنطقة. وفي هذا السياق، سيكون لديها العديد من الوسائل لتحقيق هذا الإطار الكولونيالي الجديد، إذ تمتلك أمريكا نظريات جاهزة للتنفيذ وفق رؤيتها، مدعومة بمنظّرين قادرين على إنتاج رؤى كولونيالية جديدة تناسب أهدافها.
في مجال النظريات الكولونيالية الجديدة، تتحرك أمريكا عبر ثلاث خطوات مرحلية تهدف إلى تشكيل وعي كولونيالي جديد في المنطقة العربية، ومن هذه النظريات:
النظرية الكولونيالية الأولى: (نظرية النخب الثقافية)
هذه النظرية ليست جديدة، فقد طُبقت سابقاً في الهند على يد الاستعمار البريطاني، وذلك من خلال اختيار حكّام للهند يساهمون في إنتاج صورة جديدة للهند تتماشى مع التصورات البريطانية. بدورها، عملت أمريكا على تطبيق هذه النظرية في العراق، حيث أسقطت نظامًا دكتاتوريّاً دعمته في العديد من المواقف السابقة، وبعد إسقاطه شرعت في تأسيس نظام حكم جديد من خلال عرّابها في مجلس الحكم، بول بريمر.
لقد قام بول بريمر بإنتاج نظام حكم في العراق قائم على مجلس قسّم البلاد إلى أجزاء، وصوّر للعالم أن أمريكا جاءت لجعل كل الطوائف العراقية تشارك في الحكم، وهكذا، ظهرت أمريكا أمام العالم بمظهر راعية الديمقراطية في العراق. إلا أن ما كان يجري فعليّاً هو تطبيق خطة خبيثة تهدف إلى تقسيم العراق مستقبلاً.
وفي هذا السياق، نجحت أمريكا في تصوير الصراعات الداخلية التي اندلعت لاحقًا في العراق وكأنها ليست مسؤولة عنها بشكل مباشر، بينما في الحقيقة هي التي زرعت بذور التفرقة عبر هذا المجلس. هذه التفرقة، مع مرور الوقت، تضخمت مثل كرة الثلج حتى كبرت وأصبحت عائقاً كبيراً أمام نهوض العراق وشعبه. إضافة إلى ذلك، استُغلت هذه الطريقة كذريعة لنهب ثروات العراق تحت شعار "توزيع الثروات"، الذي هو غطاء لنهب هذه الثروات عبر رجالاتها المتنفذين والمخفيين الذين ساهموا في إدارة العملية الانتقالية في العراق.
ورغم مقاومة الوطنيين المخلصين لهذه السياسة الأمريكية، إلا أن العراق كان ليصبح أكثر تشرذماً لولا جهودهم. وعلى أساس هذه النظرية الأولى، بدأت أمريكا بالفعل بتنفيذ مخططها الكولونيالي الجديد الذي يهدف إلى تحويل الصراع من الخارج (بين العراق وجيرانه)، إلى الداخل (بين أبناء الوطن الواحد).
النظرية الكولونيالية الثانية: (نظرية أحجار الدومينو)
تعد هذه النظرية المرحلة الثانية التي مهدت لتعميم فكرة الصراع من الخارج إلى الداخل، والتي دعمتها أمريكا أيضاً تحت شعار الديمقراطية ونفذتها بطرق متعددة:
1. من خلال التدخل العسكري المباشر: كما حدث في العراق وأفغانستان.
2. التدخل العسكري غير المباشر: كما في ليبيا.
3. من خلال الدعم بوسائل أخرى وضغوطات: مورسَت على الحكّام المنصّبين من قِبَلها، وليس بإرادة شعوبهم، كما حدث في تونس ومصر.
هذه الاستراتيجيات جعلت الواقع العربي يواجه صوراً جديدة من الصراع، وهو الصراع الداخلي بين أبناء الوطن الواحد. وقد بدأت ملامح هذا التحول من الصراع الخارجي إلى الصراع الداخلي تظهر أولاً في لبنان، ثم في العراق، وبعد ذلك في ليبيا، واليمن، وسوريا. هذا الصراع الداخلي أدى إلى جعل تلك الدول قابلة للتجزئة، حيث تحولت من دول ذات تنوع جغرافي وسكاني، ومن طوائف وقوميات وأعراق وديانات متعايشة، إلى فئات متصارعة تحت عناوين مختلفة.
وبعد ذلك لم يعد الصراع خارجياً (بين الدول)، أو على الحدود (كما كان في الكولونيالية القديمة)، مثل الصراع بين المغرب والجزائر على الصحراء الغربية، والصراع بين العراق والكويت، والصراع بين سوريا ولبنان؛ بل أصبح الصراع في الكولونيالية الجديدة داخل هذه البلدان، أو بين أبناء البلد الواحد. وهذه النظرية الثانية مهدت للنظرية الثالثة في إطار التطبيقات الكولونيالية الجديدة.
النظرية الكولونيالية الثالثة: (نظرية الفوضى الخلاقة والشرق الأوسط الجديد)
يرى بعض الباحثين أنّ مصطلحي (الفوضى الخلاقة) و(الشرق الأوسط الجديد) يعبران عن توجهين مختلفين، لكنهما في الحقيقة يمثلان مرحلة واحدة متقدمة في الفكر الكولونيالي الجديد؛ فهما وجهان لعملة واحدة، وجزءان متكاملان للمرحلة الثالثة من الفكر الأمريكي الكولونيالي الجديد، الذي بدأ بعد تراجع الكولونيالية القديمة.
وهذه النظرية الثالثة قائمة على ما يلي:
1. الصراع الداخلي من خلال خلق فوضى خلاقة في داخل الدول ذاتها لإضعاف ما تبقى منها.
2. ومن ثم تكوين صيغ جديدة في حكم هذه الدول تكون قابلة للهدم المستمر وفق رؤية (الفوضى الخلاقة).
3. ترسيم خارطة جديدة وفق أساليب معدة مسبقاً تحت مبادئ غربية متعددة مغلفة بإطار يحمل مسميات مختلفة، مثل حقوق الأقليات، وحقوق الإنسان، وحريات التعبير، وغيرها من الأمور التي لا تُطبَّق في البلدان الغربية إلا وفق قوانين صارمة تمنح السلطات حق التعذيب والنفي والتخوين، وكل ذلك لمن يخالف عقائدها السياسية والأخلاقية.
وهذه النظرية الثالثة نشهد تطبيقاتها في أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الجديد، وسوف تتوج هذه التوجهات الكولونيالية الجديدة في العقد الثالث من هذا القرن للوصول إلى الخارطة الكولونيالية الجديدة للرؤى الأمريكية في المنطقة العربية، وخاصة في الشرق الأوسط منها.
أما فيما يخص أبرز من كتب في مجال التطبيقات الأمريكية وفق الرؤية الكولونيالية الأمريكية الجديدة، فقد صدرت هذه الرؤية في كتابين مهمين هما: (صدام الحضارات) لـ(صموئيل هنتنغتون)، وكتاب (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) لـ(فرانسيس فوكوياما).
في الكتاب الأول، يناقش (هنتنغتون) الرؤية الأمريكية للعالم الآخر بحضاراته المختلفة، ويحدد من هي الحضارات الصديقة ومن هي الحضارات العدوة؛ إذ يجعل من الحضارات اليابانية والهندية والأفريقية والدول الغربية غير الأمريكية حضارات صديقة للمشروع الكولونيالي الأمريكي، بينما تكون الحضارة الإسلامية ومن بعدها الحضارة الصينية معادية للكولونيالية الأمريكية.
ما يعنينا في هذا الكتاب هو الحضارة الإسلامية التي ينتمي إليها أغلب سكان الشرق الأوسط؛ فالسائد في الفكر الكولونيالي الغربي الجديد هو جعل الشرق الأوسط يسير وفق النظريات الثلاث السابقة، منتقلًا من حالة إلى أخرى، أي من طبيعة الصراع خارج الحدود إلى طبيعة الصراع داخل حدود كل دولة.
هذا الفكر الذي يدعمه عدد من المفكّرين مثل (صموئيل هنتنغتون)، يجعل من الحضارة الإسلامية مركز الصراع مع هذه الرؤية الكولونيالية. ويبرر (هنتنغتون) أن أغلب الصراعات التي تحدث مع الجانب الإسلامي هي حروب حضارية؛ كما في حرب (الشيشان)، وحروب أوروبا الشرقية في (البوسنة والهرسك وكوسوفو)، وكذلك ما يحدث مع الجماعات الإسلامية في (شرق آسيا)، و(أفغانستان)، و(أفريقيا) مع جماعة (بوكو حرام)، و(جماعة الشباب) في (الصومال). وأيضاً كما في الصراع العربي الإسلامي مع الكيان الغاصب لفلسطين المحتلة، وغيرها من الصراعات بين الجماعات التي تنتمي للإسلام والديانات والقوميات الأخرى، معتبراً ذلك صراعاً وصداماً حضارياً مستمراً عبر التاريخ بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية، ابتداءً من العصور التي سبقت الحروب الصليبية ومروراً بهذه الحروب التي استمرت إلى ما يقارب خمسة قرون، واستمراراً في الوقت الحاضر المتمثل بصراعات الشرق الأوسط.
ويدعو هنتنغتون إلى قضية مهمة جداً في نظره، ألا وهي السيطرة على المعرفة التكنولوجية المتمثلة بوسائل الاتصال والتواصل، ويطرح مجموعة من العوامل التي يجب على الغرب السيطرة عليها، من ضمنها السيطرة على وسائل الاتصال العالمية، بالإضافة إلى السيطرة على الأسواق العالمية في شتى المجالات، ومنها التواصل التقني والتصنيع العسكري المصاحب لهذه التقنيات الجديدة التي أصبحت سمة من سمات العصر الحديث. كما يدعو إلى جعل الشرق الأوسط خاضعاً لهذه السيطرة وفق الكولونيالية الأمريكية ومتطلباتها لإخضاع الآخر.
أما الكتاب الثاني، للمفكّر (فرنسيس فوكوياما) الذي كتب أطروحته في مجال الكولونيالية الأمريكية، إذ يرى فيها بأن العقل الأمريكي يمتلك السيادة على العالم الآخر الذي يقع خارج الحضارة الأمريكية، ومن ضمنه العالم الإسلامي، وبالأخص العالم العربي الواقع ضمن منطقة الشرق الأوسط. ويرى فوكوياما أن هذه السيادة الأمريكية يجب أن تبسط نفوذها على العالم، ومن ضمنه مواطنو الشرق الأوسط، من خلال مفاهيم طرحها في كتابه وهي نهاية التاريخ، والإنسان الأخير.
إذ يرى (فوكوياما) أن العرب يقعون في دائرة التخلف، وخاصة في القضيتين الآتيتين:
الأولى: تخلفهم عن التفوق المعرفي الذي يمتلكه الغرب بقيادة أمريكا، والذي من شأنه أن يسود العالم، لكن بشرط أن يكون الإنسان في العالم الذي يقع خارج أمريكا قادراً على النهوض بهذه المعرفة والتواصل معها من خلال الوصول إلى ما يؤهله لذلك. ومن ثم فإن العربي بحاجة إلى تحريك الركود في منطقته والخروج من دائرة السبات الثقافي الراكد. ويشير (فوكوياما) إلى أن أهم ملامح الخروج من هذا الركود الثقافي هو ما جاء به زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن من فكر مغاير، إذ اعتقد فوكوياما أن هذا الفكر هو الأصلح لتنشيط المنطقة وإخراجها من مجال الركود.
وعلى الرغم من وجود مفارقة في هذه الرؤية —رؤية فوكوياما لأسامة بن لادن— تقع في تصورين مختلفين ظاهرياً في أمريكا، وهما:
1. إيجاد مشروع عصابة القاعدة التي كانت الغاية منها مواجهة الاجتياح السوفيتي لأفغانستان، كما هو معلن آنذاك.
2. ما أُعلن بشكل رسمي في أمريكا بعد ذلك بأن القاعدة منظمة إرهابية، ولابد من القضاء عليها بأي طريقة كانت، والقضاء على حلفائها من جماعة طالبان.
وعلى هذين التصورين المختلفين، نرى الفرق والاختلاف بين المعلن والمخفي في أمريكا؛ لذا رحب فوكوياما بهذه المنظمة من خلال أفكار زعيمها ابن لادن، كونها تأتي ضمن أفكار تفعيل الركود في الشرق الأوسط والوصول إلى المعرفة الأمريكية. لكن هذا الاستغراب الذي أبديناه سابقاً بدأ يتكشف لمخططات الكولونيالية الأمريكية الجديدة في المواجهات المزعومة والخادعة مع الإرهاب، من خلال تسليم المناطق التي خططت لها أمريكا لإنشاء هذه الجماعات المتطرفة المشوهة لصورة الإسلام. ويتضح ذلك في تسليم زمام الأمور لهذه الجماعات، كما في تسليم أفغانستان للقاعدة وحركة طالبان، وكما في المخطط الثاني الذي يحدث في منطقة الشرق الأوسط في الحركات التي خرجت من عباءة داعش، الذي نشأ في العراق وتحت أنظار وإشراف أمريكي، وفق المبدأ الكولونيالي الجديد المخطط له، والذي يتضح في الفكر الفوكويامي أن التطرف الإسلامي هو خير من يُفعّل الراكد في الشرق الأوسط.
ثانياً: أن مبدأ تفعيل الآخر من أجل الوصول إلى تصور الإنسان الأخير ونهاية التاريخ قائم على مسألة العلاقة التي تبناها فوكوياما من أفكار سابقة لفيلسوفين غربيين، هما: هيجل وهوبز. هذه العلاقة التي تُعرف بعلاقة السيد بالعبد تم ترسيخها من قِبَل الكولونيالية القديمة وتبنتها الكولونيالية الجديدة. ويذكر فوكوياما هذه الرؤية في كتابه نهاية التاريخ حيث يقول: "السيد هو إلى حد ما أكثر إنسانية من العبد، لأنه تطوع إرادياً لتجاوز طبيعته البيولوجية نحو غائية غير بيولوجية، وهي أن يكون معتَرفاً به. فلدى مخاطرته بحياته، يبرهن أنه حُر. أما العبد فهو على العكس، بحسب رأي هوبز، يتخلى عن هذه الإنسانية خوفاً من الموت العنيف. ولهذا السبب يبقى حيواناً ضحية الحاجة والخوف، غير قادر على تجاوز تحديده البيولوجي أو الطبيعي. لكن فقدان حرية العبد، أي إنسانيته الناقصة، تضع السيد أمام إحراج: فهذا الأخير يرغب بأن يُعترف به من قِبَل كائن آخر يملك مثله قيمة وكرامة خاصتين به. فهو بدلاً من ذلك، يُعترف به من قِبَل العبد الذي بقيت إنسانيته غير مكتملة لأنه تخلى عنها لخوفه الطبيعي من الموت. فقيمة السيد هي إذاً معترف بها من قِبَل شخص ليس إنساناً بالكامل"(1). ومن هذه المعادلة قدمنا في كتابنا السابق الذي يحمل عنوان "الجدلية الأنطولوجية وتشكيل المعنى/الواقع المعاش، الأفكار، رقمنة الوعي" تبياناً من ست نقاط لتوضيح ما أراده فوكوياما من هذه العلاقة وهذه المعادلة بين السيد والعبد، وهي كما يأتي:
1. إنَّ السيد هو الإنسان الأخير، وما عداه لا يصل إلى هذه الصيغة أبداً، بل يبقى إنساناً آخر، وبالتالي نحن أبناء منطقة الشرق الأوسط لا نصل إلى هذه المكانة مهما قدّمنا من طرائق جديدة ووسائل معرفية نظرية وعملية للتأقلم مع هذا التصور الجديد، بل نبقى في مرتبة العبيد، وهذه القاعدة الأولى في الفكر الكولونيالي الجديد الذي يمثله فوكوياما.
2. في النقطة الثانية من الفكر الكولونيالي الأمريكي، نجد أن ما يقوم به السيد تجاه الآخرين هو تطوع إرادي يتجاوز فيه طبيعته البيولوجية نحو غائية بيولوجية قائمة على مخاطرته بحياته ليبرهن أنه حر. مثال على ذلك هو الادعّاء الذي تصوره أمريكا في حروبها، مدّعية بأنها تقاتل من أجل حرية الشعوب المظلومة؛ فحرية السيد تُعتبر نعمة على العبد، وهذه المخاطرة قائمة على التضحية من أجل بقاء العبد حياً. فبفضل السيد/أمريكا نحن نبقى أحياء، وبفضله نعيش، وبفضله ننعم باستنشاق الهواء. فهو السيد الذي يحمينا ويغامر بكل قوته العسكرية وغير العسكرية حتى نبقى أحياء من عدو مفترض لا نعلم من يكون وفي أي لحظة يظهر، المهم أن نبقى في سياق الامتنان للسيد الحامي المضحي من أجل بقائنا، ولكن ليس في حياة كريمة كما نتصورها، فالكرامة والعزة له وحده، ونحن لنا البقاء فقط على سطح هذا الكوكب، حيث يكون هو السيد، وهو الحاكم، وهو القوي، وهو المسيطر على كل شيء، بما في ذلك وجودنا نحن في المنطقة العربية عامة، والشرق الأوسط خاصة.
3. وفقاً لهذه المعادلة الكولونيالية الأمريكية، نحن مطالبون بالتخلي عن إنسانيتنا، وعن مطالبنا بحياة كريمة، وعن قدرتنا على صناعة حياة جديدة لنا. والسبب في هذا التخلّي عن أهم خاصية وجدت على هذا الكوكب —وهي الإنسانية التي تميزنا عن الكائنات الأخرى— هو بقاء السيد حاكماً، بينما نبقى نحن أحياء بفضل السيد الأمريكي. فالخوف من الموت، الذي هو أيضاً بيد السيد الأمريكي، يجعلنا نستمر بالوجود وندين له بالفضل. وهذا الفضل هو نعمة ومنّة وعطاء من إنسان حر، قائد لهذا العالم، وإنسانه الأخير، الذي يرى أن التاريخ وصل إلى نهايته فيما يتعلق بالتطور المعرفي والعلمي والتقني. فالخوف من الموت هو السر في بقاء السيد الأمريكي ومدى سيطرته علينا. وما دام هناك عبيد غيرنا، يمكنه التخلي عنا وتقديمنا للموت كضحايا في حروبه ومغامراته، وعندما يفقد عبيده في مناطق العالم الأخرى الخارجة عن سيطرته، يعود إلينا ليدجننا مرة أخرى؛ لذا، البقاء على قيد الحياة يتطلب الخضوع للسيد وأفكاره العظيمة في نهاية التاريخ وإنسانه الأمثل والأوحد، وهو السيد الأبيض الأمريكي.
4. تكمن فكرة الكولونيالية الأمريكية الجديدة في التخلي عن الإنسانية من أجل البقاء على قيد الحياة، مما يحولنا وفق تصورها إلى الاقتراب من الحيوانية —وحسب وصف العبد كما في الاقتباس المأخوذ من كتاب نهاية التاريخ— هذه الحيوانية التي هي صفة العبد، ناتجة عن الخوف الذي يجعلنا ضحايا الحاجة للسيد الأمريكي، غير قادرين على تجاوز تحديدنا البيولوجي أو الطبيعي كما يراه هوبز، وهو التصور الذي يستند إليه فوكوياما في تصوّره لمن هم خارج تاريخه وإنسانه المفضل.
5. إنَّ مفهوم إنسانية العبد في الكولونيالية الأمريكية يقوم على فكرة أن العبيد هم من تكون إنسانيتهم ناقصة، وهذا النقص يقربهم من الحيوانية، والسبب في ذلك هو فقدان حرية العبد. وبفقدان الحرية تبقى إنسانيته ناقصة، وهنا يتمكن السيد الأمريكي من السيطرة؛ فهذا الأخير يرغب بأن يُعترف به من قِبَل كائن آخر يملك مثله قيمة وكرامة خاصتين به، لكن هذا الكائن، الذي يمتلك الخواص ذاتها، غير موجود، فبدلاً من ذلك يُعترف به من قِبَل العبد، الذي بقيت إنسانيته غير مكتملة لأنه تخلى عنها لخوفه الطبيعي من الموت. فقيمة السيد مُعترف بها إذًا من قِبَل شخص ليس إنساناً بالكامل. ومن ثم ستستمر هذه المعادلة طالما أن الطرف الأقوى مستمر بسيطرته وقوته وتفوقه، ولا يمكن للعبد أن يجد له سبيلاً إلى الحرية أبداً.
6. هذه المعادلة الكولونيالية الجديدة قائمة وفق تصور وجود طرف منتج وطرف مستهلك، ولكن متى ما أراد هذا العبد —وهو الطرف الأضعف— أن يغير المعادلة تُسلب منه الحياة؛ فكل ما يملكه العبد من أشياء وثروات وغيرها، هي ملك لسيده الأمريكي، بما في ذلك حياته ووجوده وإنسانيته. فلابد أن يكون في هذه المعادلة سيد قادر على توزيع طريقة العيش والحياة والكرامة وفق ما يريده هو، وبما أن العبد يقبل بهذه المكانة ويرضى بها، فإنه سيبقى في خانة الأضعف والمستعبد والمستعَمر (2).
***
أ.د. محمد كريم الساعدي
.....................
الهوامش
1. فوكوياما، فرانسيس: نهاية التاريخ والإنسان الأخير، ترجمة: د. فؤاد شاهين وآخرون، بيروت: مركز النماء القومي، 1993، ص189، ص190.
2. يُنظر: أ. د. محمد كريم الساعدي: الجدلية الأنطولوجية وتشكيل المعنى، الواقع المعاش، الأفكار، رقمنة الوعي، عمان: دار صفاء للنشر والتوزيع، 2023، ص125، ص128.
لماذا تبدأ معركة الإصلاح في العراق من الإنسان؟
منذ أكثر من عقدين، والعراق يخوض معركة مفتوحة ضد الفساد الإداري والمالي، وضعف مؤسسات الدولة، وتراجع كفاءة الإدارة العامة. وخلال هذه السنوات، صدرت تشريعات، وأُنشئت هيئات رقابية، وتعاقبت حكومات ومسؤولون، ألا أن النتائج بقيت دون مستوى تطلعات المواطنين. وهذه الحقيقة تفرض سؤالاً يتجاوز القوانين والإجراءات: هل تكمن الأزمة في نقص التشريعات، أم في الثقافة المجتمعية التي تسمح للفساد بأن يستمر ويتجدد؟
لقد أثبتت تجارب الأمم أن بناء الدولة لا يبدأ بالمؤسسات وحدها، بل يبدأ ببناء الإنسان. فالمؤسسات، مهما بلغت درجة تنظيمها، ليست سوى انعكاس لمنظومة القيم السائدة في المجتمع. وإذا كانت هذه المنظومة تتسامح مع المحسوبية، أو تبرر الرشوة، أو تمنح النفوذ قيمة أعلى من الكفاءة، فإن الإصلاح سيظل هشّاً مهما بلغت دقة التشريعات وكفاءة الأجهزة الرقابية.
وفي هذا السياق، يبرز مفهوم الوعي الجمعي الذي صاغه عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم، بوصفه منظومة القيم والمعتقدات المشتركة التي تشكل الضمير الأخلاقي للمجتمع وتوجّه سلوك أفراده. فالقانون لا يستمد قوته من نصوصه وحدها، بل من اقتناع الناس بعدالته والتزامهم الطوعي به. ولهذا لا تعتمد كثير من الدول على العقوبات وحدها، لأن المجتمع نفسه يمارس رقابة أخلاقية تجعل مخالفة القانون أمراً مستهجناً قبل أن تكون جريمة يعاقب عليها القضاء.
ومن زاوية أخرى، يبين المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي أن السيطرة على المجتمع لا تتحقق بالقوة وحدها، بل عبر الهيمنة الثقافية التي تحدد ما يراه الناس طبيعياً أو مقبولاً. فإذا تحول الفساد إلى سلوك مألوف، أو أصبح التزلف للمسؤولين طريقاً مشروعاً لتحقيق المصالح، فإن الخلل يكون قد تجاوز المؤسسات ليصل إلى البنية الثقافية ذاتها.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية في العراق. فالمشكلة ليست في وجود أفراد فاسدين، بل تمتد إلى وجود بيئة اجتماعية قد تتسامح مع الفساد، أو تبرره، أو تمنح أصحابه مكانة واحتراماً بسبب المال أو النفوذ، من دون مساءلة عن مصدرهما. وعندما يصبح الفساد مقبولاً اجتماعياً، يفقد القانون جانباً كبيراً من قدرته على الردع.
وتؤكد التجارب الدولية أن الإصلاح المستدام يبدأ بتغيير الثقافة العامة. فقد استطاعت سنغافورة أن تتحول من دولة تعاني الفساد إلى واحدة من أكثر دول العالم نزاهة، ليس بفضل العقوبات الصارمة وحدها، وإنما أيضاً عبر ترسيخ ثقافة تعتبر المال العام أمانة، والوظيفة العامة مسؤولية وطنية. كما نجحت جورجيا في الحد من الرشوة بإصلاح الإدارة العامة، وإغلاق منافذ الفساد، بالتوازي مع بناء ثقة جديدة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
وفي كوريا الجنوبية، أصبح التعليم ركيزة لترسيخ الانضباط واحترام العمل العام، بينما تمكنت رواندا، بعد مأساة الإبادة الجماعية، من إعادة بناء الدولة على أساس الهوية الوطنية والمساءلة وسيادة القانون. أما اليابان، فقد رسخت مفهوم المسؤولية العامة إلى درجة أن الاعتذار أو الاستقالة عند التقصير يُعدان جزءاً من أخلاقيات المنصب. وفي دول الشمال الأوروبي، لم تُبنَ النزاهة على كثرة القوانين وحدها، بل على عقود طويلة من التربية والشفافية، حتى أصبح المجتمع نفسه يرفض أي اعتداء على المال العام أو إساءة لاستخدام السلطة.
ولا يعني استحضار هذه التجارب الدعوة إلى استنساخها، فلكل دولة ظروفها وتاريخها، غير أن المبادئ الكبرى التي قامت عليها تبقى صالحة لكل المجتمعات: سيادة القانون، والمساواة أمامه، وربط المكانة الاجتماعية بالنزاهة والكفاءة والإنجاز، لا بالنفوذ أو الثروة.
ويمتلك العراق جميع المقومات التي تؤهله لبناء دولة قوية؛ فهو غني بموارده الطبيعية، وموقعه الجغرافي، وإرثه الحضاري، وكفاءاته العلمية والبشرية. غير أن هذه الإمكانات لن تتحول إلى قوة حقيقية ما لم يتغير الوعي الجمعي، بحيث يصبح الفساد سلوكاً مرفوضاً اجتماعياً قبل أن يكون مخالفة قانونية، ويغدو المنصب العام تكليفاً لخدمة المواطنين، لا وسيلة لتحقيق المصالح الخاصة.
إن أخطر آثار الفساد ليست سرقة المال العام فحسب، بل تشويه منظومة القيم. فعندما يرى الشباب أن النجاح يتحقق بالعلاقات الشخصية أكثر مما يتحقق بالكفاءة، وأن الولاء يتقدم على الاستحقاق، وأن الثراء غير المشروع لا يمنع صاحبه من نيل الاحترام، فإن الثقة بالعدالة تتآكل، ويصبح تقليد السلوك الفاسد خياراً يبدو منطقياً لدى البعض.
ولهذا، فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ من المؤسسات التي تصنع الإنسان: الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والإعلام، والمؤسسات الدينية والثقافية. فهذه المؤسسات تغرس قيم الأمانة والانضباط والمسؤولية، وهي القادرة على تكوين مواطن يرى في احترام القانون قيمة أخلاقية، لا مجرد التزام تفرضه العقوبة.
كما أن المجتمع بحاجة إلى إعادة النظر في معاييره لتقدير الأشخاص. فليس كل صاحب سلطة ناجحاً، وليس كل صاحب ثروة قدوة. إن المجتمعات المتقدمة تمنح الاحترام لمن يخدم وطنه بعلمه ونزاهته وإنتاجه، لا لمن يملك النفوذ أو يحقق المكاسب بوسائل مشبوهة. وحين تصبح الكفاءة معياراً للتقدير، يتغير سلوك الأفراد تلقائياً، لأن المجتمع يكافئ القيم الصحيحة بدلاً من مكافأة النفوذ.
ولا يقل أهمية عن ذلك ترسيخ العلاقة السليمة بين المواطن والمسؤول. فالمسؤول في الدولة الحديثة موظف عام يستمد سلطته من القانون، ويخضع للمساءلة شأنه شأن أي مواطن. واحترام المنصب لا يعني تقديس شاغله، كما أن النقد الموضوعي لا يمثل إساءة إلى الدولة، بل يسهم في تصحيح مسارها وحماية مؤسساتها من الانحراف.
وفي المقابل، لا يتحقق التغيير بالشعارات، بل بالممارسات اليومية. يبدأ عندما يرفض المواطن دفع الرشوة أو قبولها، وعندما يمتنع عن تبرير الفساد لأنه صادر عن قريب أو حزب أو جماعة، وعندما يمنح صوته الانتخابي لمن يستحقه على أساس الكفاءة والنزاهة. فالإصلاح ليس قراراً إدارياً يصدر من أعلى، بل عملية تراكمية تشارك فيها ملايين السلوكيات الفردية التي تصنع في مجموعها، ثقافة جديدة.
إن بناء وعي جمعي جديد يتطلب مشروعاً وطنياً طويل النفس، تتكامل فيه جهود الدولة والمجتمع، ويهدف إلى إعادة الاعتبار لقيم المواطنة، وسيادة القانون، والشفافية، والمساءلة، واحترام العمل العام. فالإصلاح الحقيقي لا يقتصر على تغيير الأشخاص، وإنما يبدأ بتغيير الثقافة التي تنتجهم وتوجّه طريقة تفكيرهم وسلوكهم.
إن معركة العراق في السنوات المقبلة ليست معركة ضد الفساد الإداري أو المالي فحسب، بل هي معركة لاستعادة المنظومة الأخلاقية التي يقوم عليها المجتمع. وعندما يصبح احترام القانون جزءاً من الهوية الوطنية، والنزاهة مصدراً للفخر، والكفاءة أساساً لتولي المسؤولية، والمساءلة حقاً لا يقبل المساومة، فإن الإصلاح لن يكون مشروعاً مؤقتاً، بل مساراً دائماً يقود إلى بناء دولة المؤسسات والعدالة.
فالوعي الجمعي ليس شعاراً ثقافياً أو مفهوماً أكاديمياً مجرداً، بل هو القوة الصامتة التي تصنع سلوك الأفراد، وتوجّه أداء المؤسسات، وترسم مستقبل الأمم. وإذا نجح العراق في إعادة بناء هذا الوعي، فإنه لن ينجح في مكافحة الفساد فحسب، بل سيضع الأساس المتين لدولة حديثة يكون فيها الولاء للوطن والقانون فوق كل ولاء، وتغدو النزاهة ثقافة مجتمعية راسخة، لا مجرد نصوص في القوانين.
***
جورج منصور
بين التقاليد الغائرة والحداثة العالقة
في لحظةٍ فارقة من التاريخ العربي المعاصر، يقف العقل الثقافي العربي كما لو أنه على عتبة بوابة موصدة، يتلفت خلفه إلى إرثٍ طويل وثقيل من التقاليد والرموز والموروثات، وينظر أمامه بتردد إلى عالم متغير، سريع، متحول، تغمره الحداثة وتبتلعه العولمة. لم يكن هذا العقل يومًا عاجزًا عن الفهم أو الاستيعاب، لكنه ظل على مدى عقود حائرًا أمام سؤال جوهري لم يجد له جوابًا نهائيًا، كيف يمكننا أن نكون حديثين دون أن نفقد أنفسنا؟
ليس من المبالغة القول إن الثقافة العربية الحديثة ما زالت عالقة في منطقة رمادية، تتجاذبها قوتان متناقضتان. من جهة، هناك ضغط الهويات التقليدية التي تستمد شرعيتها من الدين، والعُرف، والانتماءات الأولية، والتي ترفض التغيير أو تتوجس منه، ومن جهة أخرى، هناك وعود الحداثة التي تقدم نماذج جاهزة من التقدم، لكنها غالبًا ما تبدو مستوردة وغريبة، لا تنمو من داخل التربة الثقافية نفسها، بل تُفرض فوقها فتسبب الانقسام والتشوش.
لقد بدا واضحًا، منذ بدايات القرن العشرين، أن المجتمعات العربية دخلت زمن التغيير، لكن التغيير ظل في معظمه شكليًا، يطال القشرة لا الجوهر. أُنشئت الجامعات، وتطورت المدن، وتغيرت الأزياء، وتكلم الناس عن الديمقراطية، والحرية، والمجتمع المدني، لكن البنى العميقة للوعي الثقافي، تلك التي تتحكم في النظرة إلى الإنسان، والعالم، والمعرفة، بقيت متماسكة على حالها، لا تهتز إلا لتعود وتتصلب من جديد. وهكذا، تراكمت مظاهر الحداثة فوق أرضٍ لم تُمهّد لها فكريًا وروحيًا، فكان من الطبيعي أن تنشأ فجوة، بل قطيعة، بين ما نعيشه وما نؤمن به.
الثقافة، كما يفهمها المفكرون، ليست مجموعة معارف ومظاهر خارجية، بل هي نمط حياة، رؤية للعالم، بنية إدراكية تنعكس في السلوك والفكر واللغة. وفي هذا السياق، فإن التحديث الحقيقي لا يتم بشراء التكنولوجيا أو تقليد أنماط العيش الغربية، بل بإعادة تشكيل العقل نفسه، وتفكيك الموروث بعين ناقدة، لا تنكر قيمته الرمزية، ولكنها لا تخضع له كسلطة مطلقة. هذا ما لم يحدث بعد في التجربة العربية. فكلما اقتربنا من لحظة التغيير الحقيقي، انسحب العقل إلى منطقة الأمان، وتحصن بالتراث، كأن الماضي وحده هو ما يمنحنا الحق في الوجود.
اللافت أن هذا الصراع لم يعد محصورًا في النخبة المثقفة، بل تسلل إلى حياة الناس اليومية. نشاهد ذلك في النقاشات الحادة بين الأجيال، في صراع القيم داخل الأسرة، في حيرة الشباب بين ما يتلقونه من تعليم حديث وما يفرضه عليهم المجتمع من قوالب تقليدية. لقد أصبحت الحداثة، بالنسبة للكثيرين، شكلاً من التمرد، لا خيارًا واعيًا نابعًا من قناعة داخلية. أما التراث، فبدلاً من أن يكون مرجعًا يُستأنس به، تحول في كثير من الأحيان إلى سجن رمزي يخنق الروح.
لكن هل التراث هو المشكلة حقًا؟ أم أن المشكلة تكمن في طريقة تعاملنا معه؟ التراث لا يُلام لأنه موجود، بل لأننا جعلناه فوق المساءلة. والحداثة لا تُدان لأنها دخيلة، بل لأننا لم نمنحها فرصة للنمو من داخلنا. وما بين طرفي هذا التوتر، ضاعت ملامح مشروع ثقافي عربي قادر على إنتاج حداثته الخاصة، على طريقته، ووفقًا لظروفه وتاريخه وتجربته.
إن المجتمع الذي لا يصوغ حداثته، سيُستدرج حتمًا إلى استهلاك حداثة الآخرين. وهذا ما حدث ويحدث. نستهلك كل شيء: الأفكار، والمنتجات، والنماذج، دون أن نملك أدوات إنتاجها أو حتى معايير نقدها. وهكذا نعيش حالة من "الحداثة المعلّبة"، حيث الحداثة تُختصر في المظهر، وتُختزل في الأدوات، بينما يبقى العمق الثقافي أسيرًا لذهنية تقليدية لم تتغير كثيرًا منذ قرون.
لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح ليس فقط عن الحداثة، بل عمّا بعدها. فنحن نعيش في عالم دخل منذ عقود مرحلة "ما بعد الحداثة"، حيث تساقطت كثير من اليقينيات، وتفتّتت الأنساق الكبرى، وأصبح الإنسان يواجه سيولة غير مسبوقة في القيم والمعاني. في هذا السياق الجديد، لا يكفي أن نسأل: هل نحن حداثيون؟ بل يجب أن نسأل أيضًا: هل نحن مستعدون للعيش في عالم لا مركز له، لا مرجعية واحدة تحكمه، ولا حقيقة ثابتة تحكم سلوكه؟
إن هذا السؤال يمثل جوهر المأزق الثقافي العربي اليوم. فنحن لم نُنجز بعد مشروع الحداثة، ولم نُهضم أسئلتها الكبرى، وها نحن نُدفع إلى مواجهة عالم ما بعد الحداثة، بكل ما فيه من تفكك، وتعدد، وشك، ولامركزية. فكيف لعقل لم يتحرر بعد من سلطة التقليد أن يتعامل مع عالم ينكر السلطة من أساسها؟ وكيف لمجتمع لم يستوعب بعد معنى الفرد أن يواجه عالماً يقدّس الذات ويشكك في الجماعة؟ إنها أسئلة ثقيلة، تتطلب منا أكثر من مجرد ترديد شعارات التغيير، أو الدعوة إلى التجديد.
ربما نحتاج إلى شجاعة فكرية حقيقية، لاختبار القيم التي نحملها، وطرح الأسئلة التي نخشى طرحها، ومغادرة منطقة الراحة النفسية التي تمنحنا إياها التقاليد المطمئنة. وربما علينا أن نكف عن النظر إلى الحداثة كتهديد، وإلى التراث كملاذ، ونبدأ في بناء جسر داخلي بينهما، حيث يمكن للعقل أن يفكر دون خوف، وللروح أن تؤمن دون تعصب.
إذن، لسنا بحاجة إلى حداثة تشبه الآخرين، بل إلى حداثة تُشبهنا. حداثة تنمو من داخل أسئلتنا، من عمق جراحنا، من خصوصيتنا المتعبة، ومن حلمنا القديم بأن نكون كما نريد، لا كما يُراد لنا. وإنّ الطريق إلى تلك الحداثة لن يُرسم إلا إذا جرؤنا على السؤال: من نحن حقًا؟ وماذا نريد أن نكون؟ هذا هو السؤال الذي ستدور حوله هذه السلسلة، في محاولة لتلمّس طريق نحو فهم أعمق لموقعنا الفكري والثقافي، من دون أحكام جاهزة، ولا أجوبة مغلقة، بل بنية فتح أفق جديد للتفكير في ذواتنا ومجتمعنا وتاريخنا.
***
د. عصام البرّام
خلال الأزمات السيبرانية
أصبحت الخوارزميات الإعلامية في العصر الرقمي من أهم الأدوات التي تتحكم في تدفق المعلومات ووصولها إلى الجمهور، حيث تعتمد عليها منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث والمواقع الإخبارية في ترتيب المحتوى وعرضه وفقًا لاهتمامات المستخدمين وسلوكهم الرقمي. وقد أسهم هذا التطور في تسهيل الوصول إلى الأخبار والمعلومات بسرعة غير مسبوقة، إلا أنه في الوقت نفسه خلق تحديات كبيرة، خاصة خلال الأزمات السيبرانية التي تتسم بالغموض وسرعة تطور الأحداث. ففي مثل هذه الأزمات يزداد الطلب على المعلومات الفورية، ويصبح الجمهور أكثر عرضة لتصديق الأخبار غير الدقيقة أو المضللة، مما يمنح الأخبار الكاذبة فرصة واسعة للانتشار. وتلعب الخوارزميات الإعلامية دورًا محوريًا في هذه العملية، إذ قد تؤدي آلياتها المعتمدة على تعزيز التفاعل إلى نشر المحتوى المثير بغض النظر عن مدى صحته، وهو ما يجعلها عاملًا مؤثرًا في تشكيل الرأي العام وإدارة الأزمات الرقمية.
طبيعة الخوارزميات الإعلامية وآليات عملها
تعتمد الخوارزميات الإعلامية على تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة لتحديد المحتوى الأكثر احتمالًا لجذب انتباه المستخدمين. وتقوم هذه الأنظمة بتحليل عدد كبير من المؤشرات مثل عدد الإعجابات والتعليقات والمشاركات ومدة مشاهدة المحتوى، ثم تستخدم هذه البيانات لترتيب الأخبار والمنشورات وفقًا لمستوى التفاعل المتوقع. وتهدف هذه الآلية في الأساس إلى زيادة بقاء المستخدم داخل المنصة وتحسين تجربته الرقمية، إلا أن هذا الهدف التجاري قد يتعارض أحيانًا مع جودة المعلومات ودقتها.
خلال الأزمات السيبرانية، مثل الهجمات الإلكترونية على المؤسسات الحكومية أو البنية التحتية الرقمية أو تسريب البيانات الحساسة، يصبح المحتوى المرتبط بالأزمة أكثر جذبًا للجمهور. وتستجيب الخوارزميات لهذا الاهتمام المتزايد من خلال توسيع انتشار الأخبار التي تحقق معدلات تفاعل مرتفعة، حتى وإن كانت تلك الأخبار غير مؤكدة أو مضللة. ونتيجة لذلك قد تنتشر الشائعات بسرعة تفوق سرعة نشر المعلومات الرسمية، الأمر الذي يخلق حالة من الارتباك والقلق بين الأفراد والمؤسسات.
وتزداد خطورة هذا الأمر بسبب اعتماد الخوارزميات على التخصيص الشخصي للمحتوى، حيث يحصل كل مستخدم على أخبار تختلف عن غيره وفقًا لتفضيلاته السابقة. ويؤدي ذلك إلى تكوين ما يعرف بفقاعات المعلومات، إذ يتعرض المستخدم بشكل متكرر للمحتوى الذي يتفق مع آرائه ومعتقداته، بينما تقل فرص اطلاعه على وجهات النظر الأخرى أو المعلومات التصحيحية. وفي ظل الأزمات السيبرانية يمكن أن تسهم هذه الظاهرة في تعزيز الأخبار الكاذبة وإضعاف قدرة الأفراد على التحقق من المصادر المختلفة.
دور الخوارزميات في تسريع انتشار الأخبار الكاذبة أثناء الأزمات السيبرانية
تتميز الأخبار الكاذبة غالبًا بعناوين مثيرة وصياغة عاطفية تهدف إلى جذب الانتباه وإثارة الخوف أو الغضب أو الدهشة، وهي عناصر تتوافق مع المعايير التي تعتمد عليها الخوارزميات في قياس التفاعل. ولذلك فإن المحتوى المضلل قد يحصل على انتشار واسع خلال فترة زمنية قصيرة، خاصة عندما يتعلق بأحداث طارئة تمس الأمن الرقمي أو الخدمات الأساسية أو البيانات الشخصية.
وتظهر الدراسات أن المستخدمين يميلون إلى مشاركة الأخبار المثيرة قبل التحقق من صحتها، مدفوعين بالرغبة في تحذير الآخرين أو المشاركة في النقاش العام. وعندما تتكرر عمليات المشاركة والتفاعل، تعتبر الخوارزميات هذا المحتوى ذا أهمية عالية، فتقوم بإظهاره لعدد أكبر من المستخدمين، مما يؤدي إلى تضاعف انتشاره بصورة متسارعة. وهكذا تدخل الأخبار الكاذبة في دائرة انتشار يصعب السيطرة عليها، خصوصًا في الساعات الأولى من الأزمة.
كما تستغل الجهات المعادية أو الجماعات المنظمة طبيعة الخوارزميات الإعلامية لنشر حملات تضليل ممنهجة، وذلك باستخدام الحسابات الوهمية أو الروبوتات الإلكترونية التي تعمل على إعادة نشر الأخبار الكاذبة بشكل مكثف. ويؤدي هذا النشاط إلى خلق انطباع زائف بأن الخبر يحظى بتأييد واسع أو أنه صادر عن مصادر متعددة، بينما يكون في الحقيقة جزءًا من حملة تضليل رقمية تستهدف التأثير في الرأي العام أو إضعاف الثقة بالمؤسسات الرسمية.
وتتفاقم هذه المشكلة عندما تتأخر الجهات المختصة في إصدار البيانات الرسمية أو عندما تكون المعلومات الأولية غير مكتملة. ففي غياب المعلومات الموثوقة، يجد الجمهور نفسه أمام كم كبير من الأخبار المتداولة عبر المنصات الرقمية، ويصبح من الصعب التمييز بين الحقيقة والإشاعة. وتقوم الخوارزميات، دون قصد، بتوسيع نطاق هذه الأخبار بسبب اعتمادها على مؤشرات الانتشار والتفاعل بدلاً من التحقق من المصداقية.
ولا يقتصر تأثير الأخبار الكاذبة على الجانب المعلوماتي فقط، بل يمتد إلى الجوانب الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. فقد تؤدي الشائعات المتعلقة بالاختراقات الإلكترونية إلى إثارة الذعر بين المستخدمين، أو دفعهم إلى اتخاذ قرارات خاطئة مثل حذف بيانات مهمة أو الامتناع عن استخدام خدمات إلكترونية آمنة. كما قد تؤثر في سمعة المؤسسات والشركات، وتؤدي إلى خسائر مالية نتيجة انخفاض ثقة العملاء أو المستثمرين.
سبل الحد من تأثير الخوارزميات في نشر المعلومات المضللة
تتطلب مواجهة الأخبار الكاذبة خلال الأزمات السيبرانية تبني مجموعة من الإجراءات التقنية والتنظيمية والتوعوية. فمن الناحية التقنية، ينبغي تطوير الخوارزميات بحيث لا تعتمد فقط على معدلات التفاعل، وإنما تراعي أيضًا مؤشرات الموثوقية وجودة المصادر. ويمكن تحقيق ذلك من خلال دمج أنظمة التحقق الآلي من الأخبار والاستفادة من قواعد البيانات الخاصة بالمؤسسات الإعلامية الموثوقة وهيئات التحقق المستقلة.
كما تتحمل منصات التواصل الاجتماعي مسؤولية كبيرة في الحد من انتشار المعلومات المضللة، وذلك عبر تقليل وصول المحتوى الذي يثبت عدم صحته، وإضافة إشعارات توضح أن الخبر محل تدقيق أو أن المعلومات الواردة فيه غير مؤكدة. ويمكن كذلك تعزيز الشفافية من خلال توضيح أسباب ظهور المحتوى للمستخدمين وكيفية عمل الخوارزميات بصورة مبسطة، بما يساعد على زيادة الوعي الرقمي لدى الجمهور.
ومن جانب آخر، يمثل الإعلام المهني أحد أهم أدوات التصدي للأخبار الكاذبة، إذ يسهم في تقديم معلومات دقيقة وسريعة تعتمد على مصادر رسمية وموثوقة. كما يجب على المؤسسات الحكومية تطوير استراتيجيات اتصال فعالة تضمن سرعة إصدار البيانات أثناء الأزمات، لأن التأخر في نشر المعلومات الصحيحة يترك فراغًا تستغله الشائعات بسهولة.
ويعد رفع مستوى الثقافة الإعلامية والرقمية لدى الأفراد من الركائز الأساسية لمواجهة التضليل الإلكتروني. فالمستخدم الواعي يكون أكثر قدرة على التحقق من مصادر الأخبار، والتمييز بين المحتوى الموثوق والمحتوى المضلل، وعدم الانسياق وراء العناوين المثيرة أو الرسائل مجهولة المصدر. ويمكن تحقيق ذلك من خلال إدراج برامج التربية الإعلامية في المناهج التعليمية، وتنظيم حملات توعوية مستمرة تستهدف مختلف فئات المجتمع.
وفي الوقت نفسه، أصبح التعاون الدولي ضرورة ملحة لمواجهة حملات التضليل المرتبطة بالأزمات السيبرانية، نظرًا لأن الفضاء الرقمي يتجاوز الحدود الجغرافية. ويتطلب ذلك تبادل المعلومات والخبرات بين الدول، وتعزيز التعاون بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والمؤسسات البحثية لتطوير أدوات أكثر كفاءة في كشف الحسابات الوهمية وحملات التلاعب المنسقة.
لذا، تمثل الخوارزميات الإعلامية عنصرًا أساسيًا في البيئة الرقمية الحديثة، حيث أسهمت في تسهيل الوصول إلى المعلومات وتعزيز سرعة تداولها، إلا أن اعتمادها الكبير على مؤشرات التفاعل جعلها أحيانًا وسيلة غير مباشرة لتسريع انتشار الأخبار الكاذبة، خاصة خلال الأزمات السيبرانية التي تتسم بالحساسية والغموض. ويؤدي هذا الانتشار إلى آثار سلبية تمتد إلى الأمن المعلوماتي والاستقرار المجتمعي والثقة بالمؤسسات. ومن ثم فإن الحد من هذه الظاهرة يتطلب توازنًا بين التطور التقني والمسؤولية الأخلاقية، إلى جانب تطوير الخوارزميات، وتعزيز دور الإعلام المهني، ونشر الوعي الرقمي بين المستخدمين، بما يضمن بناء بيئة إعلامية أكثر موثوقية وقدرة على مواجهة التحديات المتزايدة في العصر الرقمي.
***
د. عصام البرّام
على امتداد القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، أصبحت التنظيمات الإسلامية واحدة من أهم الفواعل السياسية في العالم العربي والإسلامي. فمنذ سقوط الخلافة العثمانية عام 1924، وما تبعه من صعود الدولة الوطنية الحديثة، برزت عشرات الحركات الإسلامية التي رفعت شعار الإسلام هو الحل، وقدمت نفسها بوصفها بديلا أخلاقيا وسياسيا للأنظمة القومية والاشتراكية والليبرالية التي فشلت في تحقيق التنمية والعدالة والحرية. واستطاعت هذه التنظيمات أن تحشد ملايين المؤيدين، وأن تنشئ مؤسسات دعوية وتعليمية وخيرية واسعة، وأن تصبح رقما صعبا في المعادلة السياسية في دول عديدة مثل مصر والسودان والجزائر وتونس والمغرب والأردن وتركيا وغيرها.
ورغم هذا الحضور الشعبي والتنظيمي، فإن حصيلة هذه الحركات في الوصول إلى السلطة أو الاحتفاظ بها أو بناء دولة مستقرة تبدو متواضعة مقارنة بحجم طموحاتها. فبعضها تعرض للقمع قبل أن يصل إلى الحكم، وبعضها وصل عبر الانتخابات ثم أطيح به، وبعضها شارك في السلطة لكنه فقد شعبيته، وبعضها تحول إلى تنظيمات مغلقة فقدت قدرتها على التجديد. ويبرز السؤال: لماذا تتكرر هذه النهايات؟ هل لأن هذه التنظيمات لا تمتلك أيديولوجيا سياسية حقيقية؟ أم لأن الدين يتحول في بعض التجارب إلى أداة لإضفاء الشرعية على مشروع سياسي يفتقر إلى رؤية حديثة للدولة؟
الإجابة لا يمكن أن تكون بسيطة أو أحادية. فليس صحيحا أن جميع التنظيمات الإسلامية متشابهة، كما أنه ليس صحيحا أن فشلها يعود إلى عامل واحد. غير أن القراءة النقدية تكشف أن الأزمة أعمق من مجرد الصراع مع الأنظمة أو التدخلات الخارجية، إذ ترتبط أيضا بطبيعة الفكر السياسي الذي تتبناه هذه التنظيمات، وبقدرتها المحدودة على التكيف مع مفهوم الدولة الحديثة. من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن التنظيمات الإسلامية تفتقر إلى الأيديولوجيا. والحقيقة أنها تمتلك أيديولوجيا واضحة، لكنها تختلف عن الأيديولوجيات الحديثة. فهي تقوم على تصور ديني وأخلاقي للمجتمع، وترى أن الإسلام ليس مجرد عقيدة روحية، بل نظام شامل للحياة يشمل السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة. ومن هذا المنطلق تسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع والدولة وفق فهمها للشريعة الإسلامية. غير أن امتلاك الأيديولوجيا لا يعني بالضرورة امتلاك مشروع دولة. فالأيديولوجيا تحدد الغايات والقيم، لكنها لا تقدم وحدها آليات الإدارة أو السياسات الاقتصادية أو النظم الإدارية أو أدوات إدارة التعقيد الذي يميز الدولة الحديثة. ولهذا تظهر الفجوة بين الخطاب العقائدي ومتطلبات الحكم بمجرد انتقال الحركة من المعارضة إلى السلطة.
لقد نشأت أغلب التنظيمات الإسلامية في ظروف استثنائية، حيث الاحتلال الأجنبي أو الأنظمة العسكرية أو الاستبداد السياسي. ولذلك انصب اهتمامها على مقاومة السلطة القائمة، وتربية الأفراد، وبناء التنظيم، والحفاظ على الهوية الإسلامية. ولم يكن لديها الوقت الكافي أو البيئة المناسبة لتطوير نظريات متقدمة في الاقتصاد، والإدارة العامة، والسياسات الاجتماعية، والعلاقات الدولية، وإدارة المؤسسات. وهكذا أصبح التنظيم قويا في التعبئة السياسية، لكنه أقل خبرة في إدارة الدولة. و يمكن فهم سبب تكرار ظاهرة الانتقال الصعب من الدعوة إلى الدولة. فالدعوة تقوم على نشر القيم، بينما تقوم الدولة على إدارة المصالح المتعارضة. والداعية يبحث عن المثال الأخلاقي، أما رجل الدولة فيتعامل مع الممكن السياسي. وبين المجالين مسافة كبيرة لا يمكن تجاوزها بالشعارات وحدها. وتتمثل إحدى أكبر المشكلات في الخلط بين الدين والسياسة. فالإسلام يقدم منظومة قيم عليا كالعدل والشورى والأمانة والرحمة وحفظ الحقوق، لكنه لا يفرض نموذجا دستوريا واحدا صالحا لكل العصور. ولذلك فإن معظم النظم السياسية عبر التاريخ الإسلامي كانت اجتهادات بشرية تأثرت بظروفها التاريخية أكثر مما كانت تطبيقا حرفيا لنصوص دينية. لكن بعض التنظيمات تتعامل مع اجتهاداتها السياسية بوصفها امتدادا مباشرا للدين، فتتحول معارضتها إلى معارضة للدين في نظر أنصارها، ويتحول نقدها إلى نوع من التشكيك في الإسلام نفسه. وهنا تصبح السياسة مجالا مقدسا، بينما الأصل أنها مجال للاجتهاد والخطأ والصواب.
وتزداد المشكلة عندما يتحول الشعار الديني إلى أداة لحشد الجماهير دون أن يصاحبه برنامج سياسي واقتصادي واضح. فالجماهير قد تتأثر بالشعارات الأخلاقية، لكنها في النهاية تحاسب الحكومات على الأسعار، وفرص العمل، والتعليم، والصحة، والأمن، وجودة الخدمات. وعندما تعجز السلطة عن معالجة هذه الملفات، لا تكفي الشعارات للحفاظ على الثقة الشعبية. كما أن التنظيمات الإسلامية غالبا ما تعاني من هيمنة الثقافة التنظيمية على الثقافة المؤسسية. فهي تعتمد على الانضباط الداخلي، والطاعة، والسرية، والتراتبية التنظيمية، وهي خصائص قد تكون مفيدة أثناء العمل السري أو المعارض، لكنها تصبح عبئا عندما تنتقل إلى إدارة دولة تقوم على الشفافية، والمساءلة، وتعدد مراكز القرار، واستقلال القضاء، وحرية الإعلام. ويلاحظ أيضا أن بعض هذه التنظيمات تخلط بين الولاء التنظيمي والكفاءة المهنية، فتمنح المناصب على أساس الانتماء أكثر من الخبرة. وهذه المشكلة ليست حكرا على الإسلاميين، بل تعاني منها أحزاب كثيرة، لكنها تصبح أكثر خطورة عندما تقترن بخطاب ديني يمنح القيادة شرعية أخلاقية تجعل مساءلتها أكثر صعوبة.
ومن الجوانب التي تستحق النقد أن كثيرا من الأدبيات الإسلامية الكلاسيكية اهتمت بمسألة "من يحكم؟" أكثر من اهتمامها بسؤال "كيف يحكم؟". فالصراع انصب على هوية الحاكم ومرجعيته الدينية، بينما أهملت قضايا بناء المؤسسات، واستقلال القضاء، والفصل بين السلطات، والرقابة المالية، والإدارة الحديثة، وهي العناصر التي أثبتت التجارب العالمية أنها أساس نجاح الدول. و التجارب المختلفة تقدم شواهد متعددة على ذلك. ففي السودان، وصل الإسلاميون إلى السلطة عبر انقلاب عسكري عام 1989، ورفعوا شعارات المشروع الحضاري والدولة الإسلامية، لكن التجربة انتهت بأزمات اقتصادية خانقة، وحروب أهلية، وعزلة دولية، وانقسامات داخلية، ثم سقوط النظام بعد ثلاثة عقود. ولم يكن السبب مجرد العقوبات الخارجية، بل أيضا ضعف الإدارة، وتسييس مؤسسات الدولة، وغياب الإصلاح المؤسسي.
وفي مصر، وصل الإسلاميون إلى الحكم عبر انتخابات بعد ثورة 2011، لكن التجربة واجهت استقطابا سياسيا حادا، وصراعا مع مؤسسات الدولة، وأخطاء في بناء التحالفات، وانتهت بالإطاحة بهم بعد عام واحد. وقد لعبت عوامل داخلية وخارجية دورا في ذلك، مما يجعل تفسير التجربة بعامل واحد غير كاف. أما في تونس، فقد قدمت حركة النهضة نموذجا مختلفا، إذ اتجهت تدريجيا إلى الفصل بين النشاط الدعوي والعمل السياسي، وقبلت بالتوافق مع خصومها، لكنها واجهت أيضا تحديات اقتصادية وسياسية أثرت على شعبيتها، وانتهت إلى تراجع نفوذها مع تغير المشهد السياسي. و كثيرا ما يشار إلى التجربة التركية باعتبارها نموذجا ناجحا نسبيا، لكن نجاحها لم يكن نتيجة تطبيق برنامج ديني خالص، بل ارتبط بعوامل اقتصادية ومؤسسية وسياسية معقدة، كما أن الحزب الحاكم قدم نفسه بوصفه حزبا محافظا ديمقراطيا أكثر من كونه حركة إسلامية تقليدية. وتكشف هذه الأمثلة أن النجاح أو الفشل لا تحدده المرجعية الدينية وحدها، بل تحدده القدرة على بناء مؤسسات قوية، وتحقيق التنمية، وإدارة التنوع، واحترام القانون، والتعامل الواقعي مع المجتمع والدولة. ولا يمكن كذلك تجاهل أثر البيئة السياسية. فكثير من التنظيمات الإسلامية واجهت أنظمة استبدادية منعت المنافسة السياسية، أو تدخلات إقليمية ودولية خشيت من وصولها إلى السلطة، أو مؤسسات عسكرية وأمنية احتفظت بنفوذها. ولذلك فإن جزءا من تعثر هذه التنظيمات يعود إلى طبيعة البيئة السياسية، وليس إلى أخطائها وحدها.
لكن في الوقت نفسه، فإن تعليق جميع الإخفاقات على المؤامرات الخارجية يعيق المراجعة الفكرية. فالنقد الذاتي شرط أساسي لأي مشروع سياسي يريد الاستمرار. والتجارب التي لا تعترف بأخطائها محكوم عليها بتكرارها. وتبرز أيضا أزمة العلاقة مع مفهوم الدولة الوطنية. فبعض التنظيمات تنظر إلى الدولة باعتبارها مرحلة مؤقتة في مشروع أوسع يتجاوز الحدود الوطنية، بينما تقوم الدولة الحديثة على المواطنة والسيادة والمؤسسات الوطنية. وهذا التوتر يجعل العلاقة بين المشروع الإسلامي والدولة الوطنية علاقة معقدة في بعض السياقات. كما أن بعض الحركات لم تطور فهما متماسكا للتعددية الدينية والثقافية والسياسية. فهي تقبل بالتعددية عندما تكون في المعارضة، لكنها تجد صعوبة في تحويلها إلى مبدأ دائم عندما تصبح في السلطة. والديمقراطية ليست مجرد انتخابات، بل منظومة كاملة تشمل تداول السلطة، وحماية الحقوق، واحترام المعارضة، واستقلال المؤسسات. وتؤكد التجارب المعاصرة أن الدولة الحديثة لا تبنى بالهوية وحدها، بل تبنى أيضا بالمعرفة والخبرة والمؤسسات. فاليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وغيرها لم تحقق نهضتها لأنها رفعت شعارات أيديولوجية جذابة، وإنما لأنها استثمرت في التعليم والإدارة والبحث العلمي وسيادة القانون.
إن الأزمة الأساسية لبعض التنظيمات الإسلامية ليست في ضعف الإيمان، ولا في نقص الحماس، ولا حتى في غياب الأيديولوجيا، وإنما في الفجوة بين الخطاب الأخلاقي وآليات الحكم الحديثة. فالدولة اليوم منظومة معقدة تشمل الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والأسواق العالمية، والتكنولوجيا، والحوكمة، والإدارة العامة، والسياسات البيئية، والعلاقات الدولية، وهي مجالات تحتاج إلى معرفة متخصصة لا تكفي فيها الشعارات أو النوايا الحسنة. فإن مستقبل أي حركة ذات مرجعية إسلامية لن يتحدد بقدرتها على تكرار الشعارات القديمة، وإنما بقدرتها على مراجعة تراثها السياسي، والتمييز بين المقدس والاجتهاد البشري، وبناء برامج واقعية قابلة للتطبيق، واحترام الدولة الدستورية، والإيمان بأن الشرعية لا تقوم فقط على الدين أو الانتخابات، بل أيضا على الكفاءة والشفافية والعدالة وسيادة القانون.
إن السؤال الحقيقي ليس هل التنظيمات الإسلامية تمتلك أيديولوجيا؟ بل هل تستطيع إنتاج نظرية سياسية حديثة تتعامل مع الدولة باعتبارها مؤسسة مدنية معقدة، لا مجرد امتداد للعمل الدعوي؟ وحتى يتحقق ذلك، ستظل كثير من هذه التنظيمات تدور في الحلقة نفسها؛ تحقق حضورا جماهيريا واسعا، لكنها تجد صعوبة في تحويل هذا الحضور إلى مشروع دولة مستدام، لأن إدارة الدول لا تعتمد على قوة العقيدة وحدها، وإنما على قوة المؤسسات، وعمق المعرفة، وقدرة السياسة على التكيف مع الواقع المتغير.
***
زكريا نمر
في حديث مع الصديق الشاعر والإعلامي حسن عبد الحميد بخصوص غيرة المثقفين من بعضهم البعض، قلتُ له أن هذه الظاهرة ليست عراقية أو عربية فحسب، بل هي ظاهرة عالمية، والأمر لا يتعلّق بشعور فردي فقط، وإنما هي جزء من ظاهرة اجتماعية، قسم منها يتعلّق بالحقل الثقافي، والآخر له علاقة بجوانب سياسية وتربوية ونفسية. وتساءلت لماذا يغار المثقفون من بعضهم البعض؟ وهل الثقافة أو المعرفة ميدان حقد أو كراهية أو ضغينة؟ أم أنه يُفترض العكس، بحيث يكون المثقّف مثلما تكون الثقافة فضاءً للمحبّة والصداقة والإبداع.
أدرك أن وضع المثقّف كفرد والثقافة كحقل، هما أكثر تعقيدًا من بقية الأفراد والحقول، لأن المثقّف والمجال الذي يعمل فيه أشد حساسية من غيرهما، إمّا بسبب التقليل من شأنه وإهمال جهده الإبداعي، أو إيلاء الاهتمام بغيره وإعطائه مكانة أكبر ممّا يستحق، أو هكذا يعتقد، فتتولّد عنده مشاعر الغيرة السلبية المدمّرة أحيانًا، وهي الأكثر فداحة وضررًا، خصوصًا حين يُقارن المثقف نفسه بمثقفين آخرين أقل إبداعًا منه، وفقًا لتقييمه، فتكون نقمته شديدة، ليس على أصحاب القرار فحسب، بل على أقرانه من المثقفين، فيحاول الانتقاص منهم أو تجاهل إنجازاتهم أو التشكيك بقيمتها الجمالية.
ومن جهة أخرى ثمة ردود فعل، بعضها يكون إيجابيًا، حيث تتوّلد مشاعر منافسة مشروعة وشريفة، وهذه تكون حافزًا للمزيد من العطاء والبذل على صعيد المعرفة والإبداع. وأضفت: إن هذا الوجه الإيجابي لظاهرة "الغيرة"، هو ما نحتاجه، بل علينا البحث عنه، فنجاح أي مثقّف لا ينبغي أن يُقلّل من مكانة المثقّف الآخر، بل على العكس، يمكن أن يكون مردوده إيجابيًا على الثقافة وعموم المثقفين، الذين هم مختلفون بطبيعة الحال، ولا يمكن أن يتماثلوا، حيث تتعدّد أصواتهم وتختلف ألوانهم وتتنوّع أجناسهم ولغاتهم وانحداراتهم الاجتماعية ومجالات اختصاصاتهم، بعيدًا عن الخصومات الشخصية والتقييمات المبتسرة والآراء السطحية والمغرضة.
المنافسة تكون ضارة حين تتحوّل من البحث عن الحقيقة إلى إلغاء الآخر، فتنشأ عندها خصومة أو عداء يتشخصن على حساب التقييم الموضوعي بسبب الصراع على المكانة الريادية، أو الحصول على المُكافئْ المعنوي للإبداع باعتراف وتقدير الجمهور أو النخب الفكرية والثقافية والسياسية، وأحيانًا تبرز بعض النزعات وردود الأفعال السلبية التي تحجب عن المثقف رؤية الحقيقة وتُبعده عن تلمّس الواقع، خصوصًا بزيادة شحنات الإيكو (الأنا) وارتفاع النرجسية، لدرجة لا يرى المثقّف إلّا نفسه، ولا ينظر إلى العالم إلّا عبر عدسته الأيديولوجية والسايكولوجية، وحينئذٍ يستولي الحسد والضغينة والكراهية على قلبه على حساب الإبداع والجمال والحقيقة.
ثمة فروق كبيرة بين الحسد الذي يعني التمنّي بزوال نعمة الآخرين والانتقاص من شأنهم، وبين الغبطة التي تعني أن تتمنّى لنفسك ما لدى الآخر من نِعَم أو إبداع أو نجاح، وهذه الأخيرة عامل مساعد على المنافسة الشريفة وبذل المزيد من الجهد والعطاء للوصول إلى ما يصبو إليه المثقّف، وبالطبع فالفرق واضح بين التنافس الشريف والمشروع والحسد اللّامشروع والقاتل.
ويُفترض بالمثقّف أن يكون حامل مشروع معرفي وأخلاقي، وأكثر من غيره قدرة على التسامح وقبول الحق في الاختلاف والتنوّع، على الرغم من أن الواقع يكشف أن ثمة أمراضًا تعشعش في رؤوس البعض وتتعتّق مع مرور الأيام للأسباب المذكورة في أعلاه، فتتحوّل المنافسة إلى نوع من الحسد الأسود، حتى وإن تغلّفت الغاية بالعدل والاستقامة، لكن الوسائل الخسيسة تفضح جوهر الممارسة، التي لا يمكنها أن تحجب الحقد، لأن الوسيلة من شرف الغاية، والأخيرة لا تعصم من الخطأ وارتكاب المعاصي، وهكذا تُفسَد العلاقة بين العديد من المثقّفين.
دائمًا ما أكرّر أن الثقافة ليست معرفة فحسب، ومهما بلغ المثقّف من ثقافة وعلم، لكنه في نهاية المطاف محكوم بسلوكه، لأن الثقافة هي طريقة عيش وأسلوب حياة، وعلى المثقّف أن يتغلّب على نفسه قبل أن يتغلّب على الآخرين، خصوصًا باختيار لغته ومفرداتها، فاللغة هي نسق من الرموز والإشارات تُستخدم للتواصل ونقل الأفكار والمشاعر والانفعالات، وهي وسيلة إنسانية للتعبير وأداة معرفية واجتماعية ونفسية للتفاهم بين الأفراد والجماعات والشعوب بتفاعل الحضارات، الأمر الذي يتطلّب حُسن استخدامها لأنها سلاح ذو حدّين، وهي كاشف لمكنونات النفس البشرية، ويُنسب إلى الإمام علي قوله: "ليت لي رقبة كرقبة البعير كي أزن الكلام قبل النطق به". وللأسف فإن بعض من يندرجون في خانة الثقافة ينشغلون بالمنافسة الغيرية على حساب المنافسة على الحقيقة والجمال، وتراهم لا يتورّعون أحيانًا عن استخدام لغة هابطة أو لا تليق بمن نطلق عليه تعبير مثقّف.
التنافس المشروع يدفع المثقّف للمزيد من الاجتهاد والإبداع، وحينها يصبح معيار التفوّق والتقدّم هو المنجز الثقافي، وليس البحث عن المثالب والعيوب والشطحات لدى الآخر لتعييره أو تنغيله أو اتهامه بالجهل وعدم المعرفة. والمثقّف الكبير لا يخشى نجاح مثقفين آخرين إلى جواره ومعه، لأنه يُدرك أن المعرفة والإبداع لا تنحصران به وحده، ولا يمكنه احتكار الجمال لنفسه أو لمن يحب، حيث تتّسع الثروة الثقافية كلّما اتّسع العطاء المعرفي.
وهكذا تصبح المسؤولية الأخلاقية للمثقّف مرتبطة عضويًا بمدى نزاهته وموضوعيته واعترافه بفضل الآخرين وتقديمهم كنماذج مشرقة، في حين أن الحسد والغيرة تولّدان الحقد، وهذا الأخير انعكاس للتعصّب، والتعصّب ينجب التطرّف، وحين يصبح التطرّف سلوكًا يقود إلى العنف تحت مبرّرات امتلاك الحقيقة وادّعاء الأفضليات، سواء كانت أيديولوجية أم قومية أم دينية أم غيرها، وثمة تجارب كثيرة على هذا الصعيد أنتجت ميليشيات ثقافية أو جندرمة ثقافوية استخدمت القمع الفكري لترويض المثقفين، إضافة إلى القمع البوليسي.
وصراعات من هذا النوع، خصوصًا في ظل هيمنة العقائدية والأفكار الشمولية والأنظمة التوتاليتارية، غالبًا ما تترك مفعولها السلبي على الثقافة عمومًا، وعلى المثقف بشكل خاص، لأنها تستهلك الطاقات التي يحرص على عدم هدرها على أمور لا جدوى منها، لا تُسمن ولا تُغني من جوع، فإما أن يضطرّ للرضوخ أو يتعرّض للعقاب ابتداء من مقص الرقيب ليصل أحيانًا إلى الاعتقال أو المنفى أو حتى كاتم الصوت.
لا يمكن النظر إلى الثقافة باعتبارها ساحة لإقصاء الآخرين، بل هي فضاء يشترك فيه المثقفون في البحث عن الحقيقة وقيم الجمال، في مناخ من الحريّة والاحترام والاعتراف بالآخر، وهي ليست وجاهة بقدر ما هي مسؤولية رمزية. وللأسف فإن الغيرة تُعتبر إحدى آفات المثقفين، التي تنخر بجسد الثقافة، وتترك أثرها السيء ليس على المثقف الآخر فحسب، بل على المثقّف الذي يستولي الحقد على قلبه، لأنها تدمّر جزءًا من إنسانيته بإنكار ما هو موضوعي ومحاولة تقزيم الآخر، مقابل أنانيته وتضخيمه للذات.
وليس القرب من هذا الحاكم أو المسؤول السياسي تُعطي أهمية لهذا المبدع عن سواه، وغالبًا ما تلجأ السلطات والجماعات السياسية إلى المثقف والثقافة بهدف تزويق خطابها وحرق البخور لها، خصوصًا حين تمنح الحظوة للمقربين وتحجبها عن سواهم، لاسيّما غير المرضي عنهم، فللأولين تُمنح الأوسمة والدروع والمكافآت والامتيازات، أما الآخرون فليس لهم سوى الإهمال والتهميش والإعراض، خصوصًا حين يُصار إلى تصنيفهم سياسيًا أو اجتماعيًا أو قوميًا أو دينيًا أو طائفيًا، فتتقدّم الولاءات ويتراجع سؤال الإبداع.
صحيح أن كبار المثقّفين ليسوا معصومين عن الأخطاء والشطحات، فمن لا يعمل لا يَخطأ، وهكذا يتمّ التغاضي عن إبداع بعض المثقفين ليكال لهم شتّى أنواع الإساءات بسبب موقف خاطئ أو سوء تقدير أو اجتهاد لم تزكّه الحياة أو لسوء فهم واختلاف في الموقف، علمًا بأن الأخير دليل صحّة وعافية وتطوّر للثقافة، ونحن أشد حاجة إلى ثقافة الاعتراف بفضل مبدعين آخرين نختلف معهم، ولكننا نتقاسم وإياهم القيم الإنسانية التي نتطلّع لسيادتها، من خلال النقد الإيجابي البنّاء، بما يؤدي إلى التكامل الثقافي للتيارات والمدارس والاجتهادات الفكرية والثقافية والفنية، في حوار يجمع الأضداد أحيانًا في جوار متّسق.
إن قيمة المثقّف ليست بحصوله على المغانم واصطفافه في فيلق الزبائنية ونيله المناصب، بل تُقاس بما يتركه من أثر في الوعي والمعرفة، وبما يضيفه من أفكار وآراء جديدة تفتح أفقًا جماليًا وإبداعيًا وإنسانيًا.
ولعلّ من نِعَمْ الحياة أن يعيش الإنسان بقلب صاف يخلو من الغيرة.
***
د. عبد الحسين شعبان
من كهنة المعابد إلى خوارزميات الذكاء الاصطناعي
مع التوسع الهائل في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة، عادت إلى الواجهة ظواهر قديمة بثوب جديد، كان من أبرزها التنجيم وقراءة الأبراج والعرافة وما يتصل بها من ادعاءات معرفة الغيب والتنبؤ بالمستقبل. تحولت هذه الممارسات إلى صناعة إعلامية ضخمة يتابع بعض رموزها الملايين، ويتمتعون بحضور واسع ومكانة اجتماعية مؤثرة ومكاسب مالية كبيرة، بعد ان كانت مقتصرة على الأسواق الشعبية أو المجالس الخاصة.
هذا الانتشار اللافت وما يحيط به من تأثيرات اجتماعية ونفسية وثقافية دفعني إلى التوقف عند هذه الظاهرة ومحاولة فهم أسبابها وخلفياتها. فالعرافة ظاهرة إنسانية رافقت البشرية منذ فجر الحضارات، وتعكس حاجة عميقة لدى الإنسان لمعرفة ما يخبئه له المستقبل ولم تعد مجرد خرافة عابرة أو موروث شعبي محدود الانتشار،
ولدت العرافة من رغبة الإنسان في اختراق حجاب المجهول والاطمئنان إلى ما ينتظره في الأيام القادمة. فمنذ أن بدأ الإنسان يتساءل عن مصيره، لجأ إلى من يدّعي القدرة على تفسير الأحلام والظواهر الطبيعية واستشراف المستقبل. ولهذا نجد أن معظم الحضارات القديمة عرفت أشكالاً مختلفة من العرافة والتنجيم.
ففي مصر القديمة كان الكهنة يتولون تفسير الأحلام والظواهر السماوية، بينما راقب المنجمون في بلاد الرافدين حركة النجوم والكواكب واستنبطوا منها توقعات تتعلق بالحروب والمحاصيل ومصائر الملوك. أما في اليونان القديمة فقد بلغت العرافة منزلة كبيرة، وتجسد ذلك في “وحي دلفي” الشهير، حيث كان معبد أبولو في دلفي يُعد أحد أهم المراكز الدينية في العالم القديم، حتى لُقّب "بسرة العالم”. وكانت الكاهنة “بيثيا” تجلس فوق شق في الأرض يُعتقد أنه يطلق أبخرة مقدسة، فتدخل في حالة من النشوة أو الغيبوبة وتطلق نبوءات غامضة يفسرها الكهنة على أنها رسائل من الإله أبولو. وقد بلغ تأثير هذه النبوءات حداً جعل الملوك والقادة العسكريين يفدون من مختلف أنحاء اليونان لاستشارتها قبل اتخاذ القرارات المصيرية.
وفي الصين والهند تطورت مدارس واسعة للتنجيم وقراءة الطالع استمرت آثارها حتى يومنا هذا. كما لم تختف هذه الظاهرة مع تقدم الحضارة الغربية، بل استمرت بأشكال مختلفة في أوروبا وأمريكا، حيث ما تزال الأبراج والتاروت (سأكتب عن التاروت في مقال منفصل) وقراءة الكف وتحضير الأرواح تحظى بمتابعين بالملايين رغم التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل.
وعند استعراض تاريخ العرافة نجد أن النساء غالباً ما تصدرن هذا المشهد. ويرجع ذلك إلى أسباب اجتماعية وثقافية متعددة، فقد ارتبطت المرأة في كثير من الحضارات القديمة بالكهانة والخصوبة والطقوس الروحية، مما منحها صورة “الوسيط” بين العالم المرئي والعالم الخفي. كما ساهمت الصورة النمطية التي تربط المرأة بالحدس والقدرة على فهم المشاعر الإنسانية في تعزيز حضورها في هذا المجال. إضافة إلى ذلك، فإن طبيعة عمل العرافة تعتمد بدرجة كبيرة على الإصغاء للمشكلات الشخصية والعائلية والعاطفية، وهي مجالات استطاعت كثير من النساء بناء الثقة والتأثير فيها بفاعلية أكبر.
وقد عرف التاريخ شخصيات عديدة ارتبطت بالعرافة والتنبؤ، من أشهرها "كاهنة دلفي" في العالم القديم، ونوستراداموس في القرن السادس عشر، والعرافة البلغارية "بابا فانغا" التي لا تزال تنبؤاتها تتداول حتى اليوم. وفي العالم العربي المعاصر ارتبطت العرافة بصورة خاصة ببرامج الأبراج والتنبؤات السنوية التي تقدمها شخصيات إعلامية تستقطب جمهوراً واسعاً مع بداية كل عام.
غير أن السؤال الأهم يبقى: لماذا مازال الناس يصدقون العرافين رغم كل ما حققه العلم من تقدم؟
حاول الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع الإجابة عن هذا السؤال منذ قرون. فقد رأى الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا أن الخوف من المستقبل هو المحرك الأساسي للإيمان بالعرافة، وأن الإنسان يلجأ إلى المنجمين عندما يشعر بالعجز أمام أحداث لا يستطيع التحكم بها. أما الفيلسوف الإسكتلندي ديفيد هيوم فاعتبر أن الناس يميلون إلى تصديق القصص الخارقة عندما تسيطر عليهم مشاعر الخوف أو الأمل، وأنهم يتذكرون النبوءات التي تحققت وينسون العدد الأكبر من التنبؤات التي أخفقت.
ولم يكن سبينوزا وهيوم وحدهما من تناولا هذه الظاهرة. فقد رأى أفلاطون أن العقل ينبغي أن يكون المرجع الأعلى في حياة الإنسان والدولة، وأن القرارات المصيرية لا يجوز أن تُبنى على الخرافات والانفعالات. أما أرسطو فكان من أوائل من سعوا إلى تفسير الظواهر المنسوبة إلى القوى الغيبية بأسباب طبيعية يمكن دراستها وفهمها. وهكذا أسهمت الفلسفة منذ وقت مبكر في ترسيخ فكرة البحث عن الأسباب الواقعية للأحداث بدلاً من إرجاعها إلى قوى خفية أو مجهولة.
أما علماء الاجتماع فقد نظروا إلى العرافة بوصفها استجابة اجتماعية لحالة عدم اليقين. فكلما ازدادت الأزمات الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية، ازداد الإقبال على العرافين والمنجمين. ففي أوقات الحروب والبطالة وارتفاع الأسعار وعدم الاستقرار يبحث الناس عن أي نافذة تمنحهم أملاً أو تفسيراً لما يجري حولهم.
وقد ذهب بعض علماء الاجتماع إلى أبعد من ذلك في تفسير الظاهرة. فإميل دوركايم، عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي، رأى أن المعتقدات والطقوس، حتى عندما لا تستند إلى أسس علمية، تؤدي وظائف اجتماعية ونفسية مهمة لأنها تمنح الأفراد شعوراً بالانتماء وتخفف من قلقهم تجاه المجهول. أما ماكس فيبر، وهو واحد من أشهر علماء الاجتماع الالمان، فلاحظ أن التقدم العلمي لم يقضِ تماماً على التفكير السحري، لأن حاجة الإنسان إلى المعنى والطمأنينة تظل قائمة حتى في أكثر المجتمعات عقلانية. بينما رأى بيير بورديو وهو. أحد أبرز علماء الاجتماع والمفكرين الفرنسيين، أن العراف يستمد نفوذه من السلطة الرمزية التي يمنحه إياها المجتمع وثقة الناس به، لا من امتلاكه معرفة حقيقية بالمستقبل.
أما علم النفس فيفسر نجاح العرافين بآليات معروفة. فالإنسان يميل بطبيعته إلى تذكر التنبؤات التي تصادف أن تحققت، وينسى التنبؤات الكثيرة التي أخفقت. كما يعتمد كثير من العرافين على ما يُعرف "بتأثير بارنوم” أو “تأثير فورير”، حيث تُستخدم عبارات عامة وفضفاضة يظن كل شخص أنها تنطبق عليه وحده. ويضاف إلى ذلك ما يسمى “القراءة الباردة”، وهي مهارة تقوم على مراقبة لغة الجسد ونبرة الصوت وردود الأفعال واستنتاج معلومات تبدو وكأنها معرفة غيبية.
وفي كثير من المجتمعات الإسلامية وغيرها من المجتمعات الدينية، تتخذ العرافة أشكالاً مختلفة لا تحمل دائماً اسم العرافة أو التنجيم. فبعض الأشخاص يقدمون أنفسهم بوصفهم شيوخاً روحانيين أو أصحاب قدرات خاصة على حل المشكلات الشخصية وكشف أسباب تعثر الزواج، أو جلب الرزق، أو إعادة الحبيب، أو إزالة الحسد والسحر. ورغم اختلاف الرموز والمصطلحات المستخدمة، فإن هذه الممارسات تتشابه في جوهرها مع أنماط العرافة التقليدية في أنحاء العالم كافة، إذ تعتمد على استثمار حاجة الإنسان إلى الأمل واليقين في مواجهة المجهول. ويؤكد علماء النفس أن كثيراً من التأثير الذي يمارسه هؤلاء يعود إلى مهارات الملاحظة الدقيقة وقراءة ردود الأفعال واستخدام عبارات عامة قابلة للتأويل بطرق متعددة، مما يمنح المستمع شعوراً بأن المتحدث يعرف تفاصيل حياته وأسراره.
وقد تحولت قراءة الطالع مع مرور الزمن إلى تجارة مربحة تدر مليارات الدولارات سنوياً. وغالباً ما تبدأ العلاقة بين العراف وزبونه بجلسة بسيطة، ثم تتطور إلى سلسلة من الادعاءات حول وجود سحر أو حسد أو لعنة تستدعي شراء تمائم أو دفع مبالغ إضافية لفك هذه العقد المزعومة. وهكذا يقع كثير من الناس في دائرة من التبعية النفسية والاستنزاف المالي المستمر.
ومن أشهر أشكال العرافة الشعبية قراءة الفنجان، التي ارتبطت تاريخياً بانتشار القهوة في الدولة العثمانية. ويُعتقد أنها بدأت داخل القصور والحرملك كنوع من التسلية وتبادل الأسرار، ثم انتقلت إلى المقاهي والأحياء الشعبية في إسطنبول وبلاد الشام ومصر. وتعتمد هذه الممارسة على تفسير الأشكال التي تتركها بقايا القهوة في قعر الفنجان ومنحها دلالات ومعاني ترتبط بالمستقبل والحظ والعلاقات الإنسانية.
غير أن العلم يفسر هذه الظاهرة بما يعرف "بـالباريدوليا”، وهي ميل العقل البشري إلى رؤية أنماط وصور مألوفة في أشكال عشوائية، كما يحدث عند رؤية وجوه أو حيوانات في الغيوم أو الصخور أو بقع الحبر.
وكان من المتوقع أن يؤدي التقدم العلمي إلى تراجع العرافة، لكن ما حدث كان مختلفاً تماماً. فمع ظهور الإنترنت والهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي انتقلت العرافة من الأسواق والصالونات إلى التطبيقات الرقمية. واليوم تنتشر تطبيقات تقدم قراءات للفنجان والتاروت والأبراج، كما ظهرت مواقع تولد تنبؤات فورية بناءً على أسئلة المستخدم، وروبوتات محادثة تتقمص دور العراف أو قارئ الطالع، وأنظمة تحلل بيانات المستخدم وسلوكه لتقديم توقعات تبدو شديدة الخصوصية.
ويرى بعض الباحثين أن العالم يشهد اليوم انتقالاً من “العرافة السحرية” إلى “العرافة الخوارزمية”. فبدلاً من أوراق التاروت والكرات البلورية أصبحت البيانات والخوارزميات هي الأداة الجديدة لإنتاج التوقعات. إلا أن الفرق الجوهري يبقى قائماً؛ فالعرافة تدّعي معرفة ما لا يمكن معرفته، بينما تعتمد النظم الرقمية على تحليل البيانات السابقة واستخلاص الاحتمالات.
فالذكاء الاصطناعي لا يعرف المستقبل، لكنه قادر على تحليل كميات هائلة من المعلومات واستنتاج أنماط متكررة تسمح بتوقع بعض السلوكيات أو الاتجاهات. فعندما تقترح منصة رقمية كتاباً قد يعجبك أو منتجاً قد تشتريه أو فيلماً قد تشاهده، فهي لا تقرأ الغيب، بل تستند إلى بيانات وسلوكيات مشابهة لملايين المستخدمين الآخرين. ولهذا فإن ما يبدو أحياناً “قدرة تنبؤية” ليس أكثر من استنتاج إحصائي قائم على معلومات متاحة وقابل للصواب والخطأ.
ومن المفارقات أن الإنسان المعاصر يعيش في أكثر العصور تقدماً من الناحية العلمية، لكنه في الوقت نفسه يترك وراءه كماً هائلاً من البيانات الشخصية يجعل الشركات والخوارزميات قادرة أحياناً على توقع بعض قراراته بدقة تفوق توقع أقرب أصدقائه. ولهذا يرى بعض علماء الاجتماع أن الذكاء الاصطناعي أعاد إنتاج العرافة في صورة أكثر حداثة وإقناعاً، لأن السؤال الذي يشغل الإنسان ما زال هو نفسه: ماذا سيحدث لي غداً؟
ومن المستبعد أن تختفي العرافة تماماً في المستقبل. فطالما بقي الإنسان قلقاً بشأن الغد، ويبحث عن الطمأنينة والأمل وسط حالة عدم اليقين، فسيبقى هناك من يعرض عليه إجابات جاهزة، سواء كان عرافاً يجلس في سوق قديم، أو شيخاً يدّعي امتلاك قدرات خاصة، أو تطبيقاً ذكياً يعمل على هاتفه المحمول.
إن ظاهرة العرافة ليست دليلاً على جهل المجتمعات بقدر ما هي انعكاس لحاجة إنسانية عميقة إلى الطمأنينة والمعنى والأمل. فمن كهنة المعابد القديمة إلى قارئات الأبراج الحديثة، ومن شيوخ الدجل إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ظل الإنسان يحاول استراق النظر إلى الغد والبحث عن تفسير لما يجهله.
غير أن التاريخ والعلم والفلسفة تكاد تتفق جميعها على حقيقة واحدة: أن المستقبل لا يُقرأ في الكف، ولا في الفنجان، ولا في الأبراج، ولا في الخوارزميات، بل يُصنع بالعلم والعمل والتخطيط والقدرة على مواجهة الواقع بعقلانية وثقة. فالغد ليس سراً ينتظر من يكشفه، بل مشروعاً يصنعه الإنسان بيده.
***
د. سعد عبد المجيد ابراهيم
من يشكّل الخطاب الديني؟
بين موكب عاشوراء في كوبنهاجن وشبكات التمويل الخارج
يوم الجمعة السادس والعشرين من يونيو 2025، شهدت شوارع ضاحية نوربرو في كوبنهاجن موكبا عاشورائيا ضخما⁽¹⁾ إحياء لذكرى استشهاد الامام الحسين⁽²⁾، اشترك فيه ما يقارب ثمانية عشر الف شخص. اللافت في هذا الموكب ان المنظمين اشترطوا فصلا كاملا بين النساء والرجال⁽³⁾، إذ يسير الرجال والاطفال وذوو الاحتياجات الخاصة في المقدمة، تليهم النساء في صف منفصل.
تمثل هذه الممارسة، من منظور قيم المساواة السائدة في اوروبا الغربية، شكلا من اشكال الفصل بين الجنسين في الفضاء العام. وهي ممارسة تذكر بانماط مماثلة معروفة في انظمة تتعامل مع المراة بصورة دونية وتضع قيودا صارمة على حضورها في الفضاء العام وحقوقها المدنية، كـالنظام الايراني⁽⁴⁾ الذي يفرض على المراة قواعد لباس إلزامية ويحد من حقها في التنقل والعمل والمشاركة العامة، والنظام السعودي⁽⁵⁾ الذي لا يزال يكرّس نظام الولاية الذكورية بصور متعددة رغم الاصلاحات الجزئية المعلنة، فضلا عن مناطق تحت سيطرة حركات دينية متشددة تعامل المراة باعتبارها قاصرا دائما، كـحركة طالبان في افغانستان⁽⁶⁾ التي حرمتها من التعليم والعمل والخروج دون محرم، وجماعة الحوثيين في اليمن⁽⁷⁾ التي تفرض عليها قيودا مختلفة.
والأهم أن مثل هذه الممارسات في الفضاء الأوروبي تطرح تساؤلات جدية حول مسار بناء مجتمعات موازية تعمل خارج المرجعية القانونية والقيمية المشتركة للدول المستضيفة. وقد أثارت هذه الواقعة ردود فعل واسعة في الدنمارك. أحزاب اليمين ربطتها بما تسميه "القيم الوطنية"، وهو نقاش يتكرر في عواصم أوروبية عديدة كلما ظهرت قضية مماثلة، في بلجيكا وفرنسا وألمانيا والسويد على حدٍّ سواء. غير أن هذا اليمين لا يكتفي بنقد ممارسة بعينها. كثيراً ما يستغل هذه المناسبات للدعوة إلى تشريعات تتجاوز حدود المساواة المطلوبة وتصطدم بمواثيق حقوق الإنسان الدولية، كتقييد حرية العبادة بمجملها، أو فرض قيود تمييزية على الهجرة واللجوء استناداً إلى الدين أو الأصل. هذه المطالب تنتهك حرية المعتقد وحق اللجوء كما تكفلهما الاتفاقيات الدولية، ولا تفرّق بين معالجة ممارسة تمييزية محددة ومعاقبة جماعة دينية بأكملها.
غير أن القضية هنا ليست اتفاقاً مع اليمين ولا استعارةً لخطابه، إنما هي مسألة مبدأ مستقلة تماماً. فالفصل بين الجنسين في فضاء عام بدولة أوروبية ديمقراطية حققت فيها النساء درجة متقدمة من المساواة، يتناقض مع قيم اليسار والحركات النسوية ومواثيق حقوق الإنسان ومع مبدأ المساواة الكاملة بين المرأة والرجل، وهي مساواة انتزعتها الحركات اليسارية والتقدمية والنسوية في أوروبا على مدى أجيال من النضال.
ولتوضيح المعادلة: لو أن تياراً يمينياً نظّم مظاهرة وفصل فيها البيض عن السود والملوّنين، أليس ذلك تمييزاً عنصرياً صريحاً يستوجب الإدانة؟ المنطق نفسه ينطبق على الفصل القائم على النوع الاجتماعي في الفضاء العام. حرية التعبير وممارسة الشعائر الدينية مصونة، لكنها تصطدم بحدودها حين تتحول إلى تمييز علني منظم في الشوارع.
والمفارقة ان مثل هذه الممارسات تخدم في النهاية المشروع السياسي لليمين العنصري في اوروبا، الذي يستثمرها لتحويل الصراع الاجتماعي من صراع طبقي حول التوزيع العادل للثروة والمساواة والعدالة الاجتماعية الى صراع هوياتي وقيمي بين "الحضارة الاوروبية" و"الاسلام". وهو تاطير يخدم مصالح اليمين اكثر مما يخدم سكان تلك البلدان من كافة الاديان والمعتقدات او شغيلات وشغيلة اليد والفكر عموما، اذ يصرف الانتباه عن القضايا التي يطرحها اليسار والقوى التقدمية ويحوله الى صراع ثقافي يسهل على اليمين توظيفه انتخابيا.
والاخطر ان هذه الممارسات تلقي بظلالها السلبية على كافة الجاليات القادمة من بلدان ذات اغلبية مسلمة، سواء اكانوا متدينين يمارسون شعائرهم بانتظام، ام غير متدينين، ام علمانيين رافضين لهذا التوجه الديني اصلا. اذ يجد ملايين المهاجرين والمهاجرات الذين اندمجوا في مجتمعاتهم الاوروبية وساهموا في بنائها انفسهم مشمولين في حملات التشكيك والاستهداف التي تطال الجميع دون تمييز.
وهنا يتجلى ما يمكن وصفه بتحالف موضوعي قائم على امر واقع بين اليمين الديني داخل مجتمعات اللاجئين والمهاجرين من جهة، واليمين العنصري الاوروبي من جهة اخرى، اذ يجد الطرفان في اعاقة الاندماج مصلحة مشتركة: الاول يريد الحفاظ على الهوية الدينية المغلقة والتبعية للمرجعيات الخارجية، والثاني يريد ابقاء المهاجرين خارج المنظومة المدنية لتوظيف حضورهم ورقة انتخابية. والضحية في الحالتين هي تلك الاغلبية الصامتة من المهاجرين الذين يريدون الاندماج والمشاركة والحياة المدنية الكاملة.
لكن لا يكفي الوقوف عند هذا الحد. لا بد من الدخول إلى عمق الظاهرة وطرح السؤال الجوهري: من الذي يبني الخطاب والتوجه الديني الإسلامي في أوروبا، والدنمارك هنا نموذج لظاهرة أوسع؟
ومن هذا المنطلق، فإن المطلوب ليس مجرد النقد، إنما تبني سياسات عملية تشمل حظر الفصل بين الجنسين في الفضاء العام، وضمان شفافية التمويل الديني، وتأهيل الأئمة محلياً، وربط أي دعم أو اعتراف رسمي باحترام المساواة والقانون، وهي سياسات يمكن تطبيقها في أي دولة أوروبية وليس في الدنمارك وحدها.
من يشكّل الخطاب الديني الإسلامي في أوروبا؟
في البداية انطلاقاً من موقف يساري، أرى أن الفصل الكامل بين الدين والقومية من جهة، والدولة من جهة أخرى، يمثل شرطاً أساسياً لبناء مجتمع اشتراكي ديمقراطي معاصر، يستند إلى مبدأ المواطنة المتساوية، حيث يكون جميع المواطنين متساوين في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الدين أو القومية أو الجنس أو الخلفية الاجتماعية. وهذا المبدأ قد يشكل أساس العقد الاجتماعي في أغلب الديمقراطيات الأوروبية، وإن بتجليات مختلفة.
تتبنى عدة دول أوروبية، وفي مقدمتها الدنمارك، نموذجاً يقوم على تحييد الأديان عن الدولة إلى حد كبير، أي جعل الدين شأناً فردياً ومجتمعياً منظماً ضمن إطار مدني وقانوني، دون أن يكون له دور مباشر في صياغة السياسات العامة أو مؤسسات الحكم. ولا تعني هذه العلاقة فصلاً كاملاً بين الدين والدولة، إذ لم تبلغ أي دولة أوروبية هذا الحد حتى اليوم، إنما تعني تنظيم هذه العلاقة وفق أطر مدنية وقانونية واضحة.
في هذا السياق، تخضع الكنائس المسيحية التاريخية، سواء اللوثرية في الدول الإسكندنافية أو الكاثوليكية والبروتستانتية في باقي أوروبا، لأطر قانونية رسمية وتنظيم وإشراف مؤسساتي داخل الدولة، بما يضمن انسجامها نسبيا مع القوانين العامة ومنظومة الحقوق المدنية، ويحولها إلى مؤسسات دينية تعمل ضمن المجال العام المدني وليس فوقه. والدنمارك، بكنيستها الوطنية، تمثل في هذا الإطار نموذجاً واضحاً لهذه العلاقة المنظمة بين الدين والدولة.
في المقابل، بقي جزء مهم من المؤسسات الدينية الإسلامية في عدة دول أوروبية أقل اندماجاً في هذا الإطار، مع استمرار اعتماد واسع على التمويل والتأثير القادمين من الخارج، وخاصة من دول مثل تركيا[5] وقطر[6] والسعودية[7] وإيران[8]، عبر مؤسسات وهيئات دينية مختلفة حكومية أو شبه حكومية.
ولعل أبرز مثال في الدنمارك مسجد الإمام علي في كوبنهاجن[9]، الذي كشفت صحيفة برلينسكه الدنماركية عن وثائق سرية تُثبت تحويل ملايين الكرونات إليه من جهات إيرانية عبر السفارة الإيرانية، فيما أكد باحثون من جامعة كوبنهاجن أن النظام الإيراني يقف وراء بنائه وإدارته، وأن رئيس جمعيته يُعيَّن رسمياً من قِبَل المرشد الأعلى الإيراني. وتجدر الإشارة إلى أن هذا النمط لا يقتصر على الدنمارك؛ فقد أغلقت ألمانيا مسجد الإمام علي في هامبورغ عام 2024 لارتباطه بالحرس الثوري الإيراني، وتحقق السلطات السويدية في مساجد مرتبطة بشبكات تركية، فيما رصدت فرنسا وبلجيكا تمويلاً سعودياً وقطرياً لعدد من مؤسساتها الدينية. وهذا يجعل درجة "التحييد" غير متساوية بين مختلف الأديان والمؤسسات الدينية من حيث علاقتها بالدول المستضيفة، مما ينتج تفاوتاً في مستوى الاستقلالية والاندماج داخل المجال الديني العام عبر القارة.
ولا يعني ذلك أن جميع المؤسسات الإسلامية تتلقى تمويلاً خارجياً. المقصود أن هذه الظاهرة موجودة في عدد من المؤسسات وأثارت نقاشاً سياسياً واسعاً في أكثر من بلد أوروبي، والدنمارك من أبرز الأمثلة عليها. كما تجدر الإشارة إلى أن السياسات الأوروبية نفسها، كقوانين الاندماج وأنظمة التمييز والاستثمار في التعليم المدني والتيارات العنصرية، تؤدي هي الأخرى دوراً في تشكيل الخطاب الديني داخل القارة، وإن بطرق أقل مباشرة.
وخلال السنوات الأخيرة، تصاعد النقاش في عدة عواصم أوروبية حول تأثير التمويل الخارجي في تشكيل الخطاب الديني. وفي الدنمارك تحديداً، أقر البرلمان عام 2021 تشريعات تهدف إلى الحد من بعض أشكال التمويل الأجنبي على المؤسسات الدينية[10]، ضمن نقاش أوسع يتعلق بالاندماج والشفافية والتأثير السياسي الخارجي. وسارت فرنسا والنمسا في اتجاهات تشريعية مشابهة. ومع ذلك، فإن التطبيق العملي لهذه التشريعات لا يزال محدوداً في معظم الدول المستقبلة، مما يجعل تأثير شبكات التمويل العابرة للحدود مستمراً بدرجات مختلفة.
أولاً: التمويل الخارجي ليس مسألة محايدة
أي مؤسسة دينية تؤثر في وعي الناس، وتدير موارد مالية، وتشارك في تشكيل الحياة الاجتماعية، لا يمكن التعامل معها باعتبارها مساحة معزولة عن السياسة والمجتمع. لهذا السبب، فإن مسألة التمويل الخارجي ليست قضية تقنية أو إدارية فقط، إنما قضية ترتبط بطبيعة الخطاب الذي يُنتج داخل المجتمعات الأوروبية، وبالقوى التي تساهم في تشكيله.
ساهمت خلال العقود الماضية جهات ومؤسسات مرتبطة بدول خارجية ذات انظمة سلطوية في تمويل عدد من المساجد والمؤسسات الإسلامية داخل القارة الأوروبية، من الدنمارك وألمانيا إلى فرنسا وبلجيكا والمملكة المتحدة وغيرها. بعض هذه الدول يمتلك مشاريع سياسية ودينية واضحة، ويسعى إلى توسيع نفوذه الثقافي والاجتماعي عبر المؤسسات الدينية والجمعيات المرتبطة بها. وفي حالات عديدة، لا يكون التمويل منفصلاً عن التوجيه الفكري والسياسي.
هذا الواقع يخلق توتراً داخل الدول الاوربية المستضيفة. فمن جهة، تقوم هذه الدول على أسس مدنية وديمقراطية ومبادئ مساواة واضحة نسبياً. ومن جهة أخرى، يستمر جزء من المؤسسات الدينية الإسلامية في العمل ضمن تأثيرات فكرية وتنظيمية قادمة من دول وبيئات سياسية شمولية ومحافظة مختلفة جذرياً عن هذه القيم. ولا يقتصر هذا التأثير على التمويل المالي، إذ يمتد إلى المرجعيات الدينية وشبكات تأهيل الأئمة والعلاقات التنظيمية العابرة للحدود التي تربط مساجد في الدنمارك بأخرى في ألمانيا أو فرنسا ضمن الشبكة التنظيمية نفسها.
المشكلة هنا ليست في التدين، وليست في حق المسلمين في التنظيم الديني، إنما في غياب إطار محلي مستقل يضمن شفافية التمويل واستقلالية المؤسسات الدينية عن التأثيرات السياسية الخارجية. كما أن استمرار هذا الوضع يضع المسلمين أنفسهم في موقع التبعية لمرجعيات خارجية، عوضاً عن تطوير مؤسسات دينية تنطلق من واقعهم داخل مجتمعاتهم الأوروبية. والجدير بالذكر أن داخل هذه المجتمعات مبادرات وشخصيات ومؤسسات تعمل على تطوير خطاب ديني مستقل أكثر انسجاماً مع قيم الديمقراطية والمساواة وتحييد الدين عن الدولة، غير أن حضورها لا يزال محدوداً أمام ثقل المؤسسات التقليدية الممولة خارجياً، مما يجعل دعمها ضرورة وليس خياراً.
لهذا السبب، يصبح من الضروري التعامل مع المؤسسات الدينية وفق معايير مدنية موحدة، تقوم على الشفافية والمساءلة واحترام القانون وحقوق الإنسان.
ثانياً: الدنمارك نموذجاً، كيف تعرف الدولة تنظيم الدين؟
التجربة الدنماركية، رغم الطابع الطبقي للدولة وارتباط الكنيسة المسيحية الوطنية تاريخياً بمنظومة السلطة الرأسمالية، تظهر أن الدولة قادرة على تنظيم علاقتها مع المؤسسات الدينية دون المساس بحرية الدين أو استقلال المعتقد، وهي تجربة يمكن أن تشكل مرجعاً لدول أوروبية أخرى تواجه التحدي نفسه. فالكنيسة الدنماركية تخضع لقوانين واضحة، وتمويلها معلن، وعملها يجري ضمن اطار مدني منسجم مع الحقوق الاساسية. كما انها مرت بعملية تطور طويلة، نتيجة الضغط والنضال الجماهيري، جعلتها اكثر انسجاما مع قيم الديمقراطية وحقوق الانسان والمساواة.
السؤال الذي يفرض نفسه على المستوى الأوروبي: لماذا لا يتم تطوير إطار مشابه للمؤسسات الإسلامية في دول القارة؟
المقصود ليس السيطرة على الدين، إنما بناء إطار مدني شفاف ينظم عمل المؤسسات الدينية باعتبارها جزءاً من المجال العام. أي مؤسسة تدير أموالاً وتؤثر في حياة الناس يجب أن تخضع للشفافية والمساءلة ومنع التحريض على الكراهية أو التمييز، بصرف النظر عن البلد الذي تعمل فيه. هذه المعايير يجب أن تطبَّق على الجميع دون استثناء، لأن القضية تتعلق بطبيعة المجال العام وليس بدين محدد.
وفي هذا السياق تبرز قضية مبدئية لا يمكن تجاوزها: معظم المسلمين في الدول الأوروبية مواطنون كاملو الحقوق يدفعون الضرائب ويسهمون في بناء المجتمع. وبالتالي، فإن الدولة ملزمة بموجب مبدأ المواطنة والمساواة بألا تُقصي مؤسساتهم الدينية من الدعم العام في حال كانت تدعم مؤسسات الأديان الأخرى. فالمعيار ليس الدين، إنما الاستيفاء الكامل لمعايير الشفافية والمساواة والاستقلالية عن أي تمويل سياسي خارجي. مؤسسة إسلامية محلية تستوفي هذه الشروط تستحق الدعم ذاته الذي تحظى به الكنائس الوطنية، لا لأنها إسلامية، إنما لأن مواطنيها يستحقون مؤسسات دينية عصرية راسخة في مجتمعهم ومموّلة من ضرائبهم.
ومن هنا، تتحمل الدول الأوروبية، مسؤولية دعم بناء وتمويل مؤسسات دينية إسلامية محلية مستقلة، وتقليص الاعتماد على التمويل الخارجي، وتشجيع مبادرات إصلاحية تنسجم مع قيم المواطنة الديمقراطية والمساواة. هذا ليس منّةً من الدولة، إنما التزام يفرضه مبدأ المساواة بين المواطنين والمواطنات.
ثالثاً: تأهيل الأئمة في أوروبا ضرورة اجتماعية
دور الإمام لا يقتصر على الصلاة أو الوعظ، إذ يمتد إلى قضايا الأسرة وتربية الأطفال وعلاقة الشباب بالمجتمع والنظرة إلى المرأة والتعامل مع المختلف. لذلك فإن تأهيل الأئمة في أي دولة أوروبية قضية اجتماعية وثقافية وسياسية مرتبطة بالاندماج. والواقع أن كثيراً من المؤسسات الإسلامية في القارة الأوروبية، ومنها الدنمارك، تعتمد أئمة قادمين من الخارج أو درسوا في سياقات دينية وسياسية مختلفة جذرياً عن البيئة الأوروبية، مما يجعل مسألة التأهيل المحلي أكثر إلحاحاً.
هذا التأهيل يجب أن يقوم على فهم المجتمع المضيف واحترام القانون والدستور المحلي، وعلى أن المرجعية في المجال العام هي القانون، وأن الإيمان شأن فردي. كما يجب أن يرتبط بثقافة حقوق الإنسان والمساواة، حيث تمثل المساواة بين النساء والرجال مبدأً أساسياً غير قابل للتفاوض، وأي خطاب يبرر التمييز يتعارض مع هذه القيم. كذلك يجب تعزيز التعددية ورفض التمييز الديني أو القومي، لأن المجتمعات الأوروبية إلى حد كبير تقوم على التعايش بين خلفيات متعددة.
وبهذا يصبح الفرق واضحاً بين إمام مُعدٍّ داخل أوروبا عبر مؤسسات تعليمية معتمدة تنسجم مع قيم المجتمع وقوانينه، وآخر مُعدٍّ في سياقات سياسية ودينية مختلفة. الأول مندمج في الواقع القانوني والثقافي المحلي، والثاني قد ينقل تصورات غير منسجمة مع المجتمع الذي يعيش فيه.
رابعاً: الإصلاح الديني مسار تاريخي أوروبي
الإصلاح الديني ليس استثناءً تاريخياً. التجربة الأوروبية شهدت تحولات عميقة أعادت تشكيل العلاقة بين الدين والدولة[11] في أكثر من بلد، ورسخت تدريجياً قيم المواطنة والمساواة وحقوق الإنسان عبر القارة.
وفي السياق الإسلامي[12] أيضاً، ظهرت تيارات إصلاحية ونقدية حاولت إعادة قراءة النص الديني وربطه بواقع العصر[13]، بما في ذلك داخل أوروبا نفسها، لكنها بقيت محدودة بسبب ضعف الدعم في مواجهة قوة المؤسسات التقليدية الممولة خارجياً.
المسألة هنا ليست صراعاً مع الدين، في المقابل هي رفض لاحتكار تفسيره. فتح المجال أمام قراءات متعددة ودعم مبادرات إصلاحية في أي بلد أوروبي يساهم في بناء خطاب ديني أكثر انسجاماً مع المجتمع الحديث.
وفي المقابل، فإن ترك هذا الملف دون معالجة يعني استمرار تأثير قوى خارجية في تشكيل جزء من الحياة الاجتماعية داخل الدول المستضيفة، واستمرار ضعف استقلال المؤسسات الدينية الإسلامية من الدنمارك إلى فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة.
وفي هذا السياق، يبقى فصل الدين عن الدولة مساراً تدريجياً مرتبطاً بتطور كل مجتمع أوروبي وخيارات سكانه. وإلى أن يتحقق ذلك الفصل الكامل، تبقى معايير الشفافية والمساءلة واحترام حقوق الإنسان الإطارَ الضروري الذي ينبغي أن تعمل ضمنه جميع المؤسسات الدينية دون استثناء، مما يستدعي قواعد واضحة تنظم المجال الديني بما ينسجم مع القيم الديمقراطية والمساواة والحقوق المدنية الحديثة.
خامساً: اليسار الأوروبي والإسلام: ضرورة الموقف العلماني
يقف اليسار الأوروبي، ومنه اليسار الدنماركي، أمام إشكالية حقيقية حين يتعلق الأمر بالإسلام السياسي والمؤسسات الدينية ذات التمويل الخارجي. فمن جهة، ينحدر اليسار من تقليد فكري يرفض التمييز ويدافع عن حقوق الأقليات، ومن جهة أخرى تقتضي المبادئ ذاتها موقفاً صريحاً من كل خطاب يكرّس التراتبية بين الجنسين، أو يروّج لمناهج تربوية تتعارض مع قيم المواطنة، أو يتعامل بازدراء مع التنوع الجنسي، أو يدعو إلى عقوبات تتنافى مع حقوق الإنسان، أو يُبقي المجتمعات تحت وصاية مرجعيات خارجية بعيداً عن مبدأ تحييد الدين عن الدولة.
هذا التوتر يدفع شريحة من اليسار في أكثر من بلد أوروبي إلى تأجيل الموقف أو الاكتفاء بمقاربة حذرة، خشية أن يُتهم بتبني خطاب اليمين العنصري. غير أن التحفظ المفرط هنا لا يخدم مبادئ المساواة والعلمانية التي قام عليها اليسار الأوروبي تاريخياً. فحين يُنظَّم فصل بين النساء والرجال في شوارع كوبنهاجن، أو في أي مدينة أوروبية أخرى، باسم طقوس دينية، لا يكفي اليسار أن يحيل الأمر إلى حرية الشعائر أو حق التعبير، إذ المسألة أعمق من ذلك: إنها تتعلق بمن يملك أدوات بناء الوعي الديني والاجتماعي داخل مجتمعات المهاجرين عبر القارة.
الموقف اليساري المتسق لا يعني اعتناق خطاب اليمين العنصري، وإنما يعني تبني نقد علماني متجذر يرفض التمييز القائم على الجنس والدين والعرق في آنٍ واحد، ويدعم استقلالية المؤسسات الدينية عن تدخل الدول الخارجية، ويطالب بدعم الدول الأوروبية للمؤسسات الدينية الإسلامية وإعادة بنائها وفق قيم مدنية معاصرة، ويقف إلى جانب المسلمين الذين يطالبون داخل مجتمعاتهم بالإصلاح والمساواة. هؤلاء هم الحلفاء الطبيعيون لليسار الأوروبي، لا القوى التي تعيد إنتاج سلطة ذكورية دينية في قلب القارة، سواء في كوبنهاجن أو في أي عاصمة أوروبية أخرى.
سادساً: ماذا يعني هذا عملياً على المستوى الأوروبي؟
اليوم تقف أوروبا أمام خيار واضح، والدنمارك مثال على هذا الخيار: إما الاستمرار في السياسات الحالية وما تنتجه من تناقضات، أو بناء نموذج جديد يقوم على تحييد جميع الأديان عن الدولة وقطع التبعية عن الدول الدينية التي تستخدم المؤسسات الدينية أداةً لتمديد نفوذها السياسي في القارة. وهذا النموذج ليس شعاراً عاماً، إنما حزمة إجراءات محددة يمكن أن تتبناها أي دولة أوروبية.
أولها حظر قانوني صريح للفصل بين الجنسين في أي فعالية عامة أو مرخصة، أسوة بمنع الفصل العرقي. فلا مبرر لاستثناء الفصل الجندري بحجة الشعائر الدينية، سواء في كوبنهاجن أو باريس أو برلين.
ثانيها، تقييد الدعم الأجنبي وإلزام كل مؤسسة دينية تتلقى تمويلاً أجنبياً، حكومياً أو شبه حكومي، بالإفصاح العلني عن مصدره وحجمه، أسوة بآليات الإفصاح في تمويل الأحزاب. فالشفافية شرط أساسي لثقة المجتمع، لا تضييق على حرية الدين.
ثالثها، ربط أي دعم أو ترخيص حكومي بمعايير مدنية واضحة، تشمل القبول الصريح بالمساواة بين الجنسين، ورفض خطاب التمييز، واستقلالية تعيين الأئمة عن أي مرجعية خارجية.
رابعها، دعم وتمويل المؤسسات الدينية وفق قاعدة المساواة واستثمار كل دولة أوروبية في معاهد محلية لتأهيل الأئمة، بدل ترك هذا الفراغ لشبكات خارجية، كما فعلت الكثير من الدول ألاوروبية، تاريخياً مع تأهيل رجال الدين المسيحيين.
أما اليسار الأوروبي، فلا يكفيه الموقف المبدئي. عليه أن يتبنى هذه المطالب بوضوح في كل بلد، ويفرّق بين الدفاع عن حق المسلمين في ممارسة دينهم والسكوت عن ممارسات تكرّس التمييز وتُبقي مجتمعات تحت وصاية مرجعيات خارجية. فالصمت لا يحمي أحداً، إنما يترك الساحة لليمين العنصري من جهة، وللمؤسسات المحافظة الممولة خارجياً من جهة أخرى، من الدنمارك إلى سائر أنحاء أوروبا.
***
رزكار عقراوي
......................
المصادر
تغطيات صحفية
1. موكب عاشوراء في كوبنهاجن - TV2 Kosmopol
https://www.tv2kosmopol.dk/koebenhavn/nu-gar-tusindvis-sorgemarch-pa-norrebro-i-kobenhavn-4ea23
2. الإمام الحسين - ويكيبيديا
https://en.wikipedia.org/wiki/Husayn_ibn_Ali
3. الفصل بين الجنسين في الموكب - TV2 Kosmopol
9. مسجد الإمام علي في كوبنهاجن وصلته بإيران - TV2 Kosmopol
https://www.tv2kosmopol.dk/koebenhavn/forbindelse-mellem-koebenhavnsk-moske-og-iran-paavist
تقارير حقوقية
4. منظمة العفو الدولية حول قمع النساء في إيران
تمويل ديني وتغطيات إعلامية متخصصة
5. التمويل التركي للمساجد في الدنمارك - معهد جيتستون
https://www.gatestoneinstitute.org/11400/turkey-denmark-mosques
6. التمويل القطري للمسجد الكبير في الدنمارك
https://middle-east-online.com/en/danish-politicians-slam-qatar%E2%80%99s-control-grand-mosque
7. تقرير البرلمان الأوروبي حول التمويل السعودي
https://www.europarl.europa.eu/doceo/document/B-9-2020-0087_EN.html
8. تغطية إيران إنترناشونال حول التمويل الإيراني
https://www.iranintl.com/en/202508161375
تشريعات ووثائق رسمية
10. قانون حظر التبرعات الأجنبية للمؤسسات الدينية في الدنمارك
مصادر أكاديمية
11. دراسة أكاديمية حول العلاقة بين الدين والدولة في أوروبا - MDPI
https://www.mdpi.com/2077-1444/9/5/144
12. التقليد الإصلاحي في الإسلام - معهد الدراسات الإسماعيلية
https://www.iis.ac.uk/scholarly-contributions/islams-reformist-tradition
13. التيارات الإصلاحية الإسلامية - أكسفورد
https://academic.oup.com/edited-volume/43158/chapter-abstract/362193978?redirectedFrom=fulltext
يطلق على شهر تموز لقب (شهر الثورات) لما وقع فيه من ثورات كبرى مثل الثورة الامريكية التي قامت في ٤ / تموز / ١٧٧٦ م وفي يوم ١٤ / تموز من عام ١٧٨٩م قامت الثورة الفرنسية ضد النظام الملكي واعلنت قيام الجمهورية الفرنسية.
وفي ٢٢ / تموز ١٩٥٢م قامت مجموعة من الضباط الاحرار في مصر بقيادة الفريق محمد نجيب بالاطاحة بالملك فاروق وتولى محمد نجيب رئاسة الجمهورية حتى اطاح به جمال عبد الناصر وتسلم الرئاسة بدلاً منه.
اما في العراق فقد قامت ثورة ١٤ تموز عام ١٩٥٨م بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم وتم اعلان النظام الجمهوري.
الثورة الفرنسية وتأثيرها
لم تشھد اوربا انقلابا عنيفاً كالثورة الفرنسية نظراً لما طرأ على القارة الأوربية من تغيرات سياسة واقتصادية وفكرية لقد هزت الثورة اوربا من اقصاها الى اقصاها ولم يقتصر تأثيرها على اوربا وحدها بل شمل العالم باسره حيث انتقلت مبادئ الثورة الحرية ، الاخاء , المساواة في شرق الأرض وغربها فحتى الدولة العثمانية التي كانت تعاني من الامراض المزمنة انتعشت لفترة معينه حيث تلقف الشباب التركي مبادئ الثورة وقاموا بتأليف الجمعيات والاحزاب السياسية كحزب الاتحاد والترقي الذي قاد الانقلاب العثماني ضد السلطان المستبد عبد الحميد الثاني عام ١٩٠٨ م
لقد تناول مؤرخو الشرق والغرب الثورة الفرنسية بالتحليل ودرسوا الاسباب التي ادت الى قيامها فكانت الحصيلة مجموعة كبيرة من المؤلفات الاوربية والعربية تشهد على عالمية هذه الثورة وتأثيرها على الفكر الانساني وقد اجمع هؤلاء المؤرخين على ان اهم اسباب الثورة هو اسراف الملوك وتبذيرهم وامتيازات النبلاء ورجال الدين فكان النبلاء يملكون 1/5
الاراضي الفرنسية بالاضافة الى انهم معفوين من الضرائب وكان صغار الكهنة يقاسمون الفلاحين فقرهم - غير ان عاملاً هاماً.
يعد من اهم عوائل الثورة الا وهو تاثير الفلاسفة ففي القرن الثامن عشر كانت الفلسفة هي فلسفة الشك. وكان خير من يمثلها (فولتير) (ورسو) وكان فولتير يسخر من رجال الدين والكنيسة وكان لروسو دور فعال في ايقاظ الشعب الفرنسي ودعوته إلى الثورة.
موقف الثورة من الدين والكنيسة
يتسائل (اندريه ناتاف) في كتابة (الفكر الحر) ص (١١٥) هل كانت الثورة الفرنسية لحظة ارتداد مكثف عن المسيحية ام انها ساهمت في تقدم المسيحية بتخليصها من شوائبها..؟ ويجيب الكاتب على سؤاله قائلاً (المشكلة على ما يبدو تتجاوز اطار المسيحية.
ولم يكن (يسوع) هو المستهدف بل فكرة الله ذاتها لقد كانت الثورة. تجديفية في لحظة توهجها بتحطيمها للاوثان وتهديمها للكنائس، (ص115) لم تقف ثورة موقفاً من الدين ذات طابع سلبي كالثورة الفرنسية.
ويرجع السبب إلى معاناة الشعب من رجال الدين والكنيسة الذين كانوا يتمتعون بالترف والبذخ بينما كان الفرنسيون يعانون من الفقر فقد قام قادة الثورة بعدة ممارسات لابعاد شبح الدين منها:
- الغاء التقويم الفرنسي القديم .
- حاولوا الغاء المسيحية حيث قال احد قادة الثورة (ان الثورة لا تنجح الا وقد انزلت ملك السماء عن عرشه كما انزلت لويس السادس عشر عن عرشه)
- اغلقت اماكن الصلاة في باريس واستولى الناس على ما في الكنائس من الذهب والفضة وصنعوا من اجراس الكنائس مدافع.
- اسقطوا تماثيل المسيح ومريم العذراء ووضعوا تماثيل رجال الثورة
- ازالوا الصليب وأقاموا بدل منه المقصلة
محوا من على القبور كل ما يمت إلى الآخره بصلة وكتبوا بدلا منه (الموت نوم ابدي).
- اعلن (هيبر) احد قادة الثورة ديناً جديداً يقوم على عبادة (العقل)
- اقاموا احتفالاً في كنيسة نوتردام وجاءوا بامرأة (مومس) اية في الجمال ووضعوها على منصة الكنيسة للعبادة وطلبوا من سكان باريس عبادتها وقد اقتدت بقية المدن الفرنسية بذلك واصبحت الكنائس مجرد هياكل للعبادة الجديدة.
الغاء عطلة يوم الأحد واصبح زعماء الثورة يفدون الى الكنائس لالقاء الخطب الحماسية.
غير أن هذا الدين الجديد لم يستمر طويلا فقد استبدله (روبسبير) بدين جديد يقوم على عبادة (الكائن الأعظم) الذي هو الله وقال روبسبير مقولته الشهيرة (إذا لم يكن الله موجوداً فأن من الضروري للانسان أن يخترعه).
وهكذا كانت الثورة الفرنسية انقلابا سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وفكرياً وقديماً قيل (اذا عطست فرنسا أصيبت اوربا بالزكام).
***
غريب دوحي
بين الاضطهاد الخارج الصهيوامبريالي والإجهاض الداخلي لمشاريع التنمية والاستقلال الذاتي
مقدمة: الأمة العربية الإسلامية، بتاريخها الحضاري العريق ومواردها البشرية والطبيعية الوفيرة، هي واحدة من أبرز الكيانات الثقافية والسياسية في العالم المعاصر. ومع ذلك، تواجه واقعاً معقداً من التحديات الهيكلية يعيق تقدمها ويُولد شعوراً واسعاً بالظلم والاضطهاد. تقترح هذه الدراسة أن هذا الواقع ينبع من عاملين أساسيين: أولهما ضغوط خارجية مرتبطة بتوازنات القوى الدولية والصراعات الإقليمية، وثانيهما فشل داخلي في تحقيق تنمية مستدامة وتعويل على الذات في معظم الأقطار العربية. تعتمد المقاربة على تحليل تكاملي يجمع بين الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية والمؤسساتية والثقافية، دون الاكتفاء بسرد الشكاوى أو البحث عن كبش فداء وحيد. فالاضطهاد الحقيقي، إن وُجد، ليس قدراً محتوماً بل نتاج تفاعل بين عوامل خارجية وداخلية، والخروج منه يتطلب تشخيصاً صادقاً وإرادة إصلاحية جذرية. فما أسباب الاضطهاد الخارجي والافشال الداخلي؟ وما السبيل الى الرد والتصدي؟ وهل يمكن تحقيق التحرر والتنمية؟
أولاً: الضغوط الخارجية والاستعمار الجديد
شهدت المنطقة العربية، بعد مرحلة الاستعمار التقليدي في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، تحولاً نحو أشكال أحدث من التدخل الخارجي. يُعبّر بعض الخطابات عن هذا بـ"المد الصهيوامبريالي"، مشيرة إلى التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل، والدعم العسكري والاقتصادي المستمر لهذه الأخيرة، والتأثير على توازنات المنطقة.
يُرى هذا التحالف كعامل يُعيق السيادة العربية، خاصة في سياق الصراع العربي-الإسرائيلي الذي استنزف موارد هائلة وأدى إلى حروب متكررة ونزاعات حدودية. أدى الصراع إلى تكاليف اقتصادية باهظة، سواء مباشرة (الإنفاق العسكري) أو غير مباشرة (فقدان فرص التعاون الإقليمي، وتأثير على التجارة والاستثمار). كما ساهمت التدخلات الخارجية في بعض الصراعات (مثل العراق، ليبيا، وسوريا) في تفكيك بنى الدولة وإعادة رسم خرائط النفوذ.
ومع ذلك، يجب التمييز بين التأثير الحقيقي لهذه الضغوط وبين تحميلها مسؤولية كل الإخفاقات. فالقوى الدولية تستغل الضعف الداخلي، لكنها لا تخلقه دائماً. الاعتماد المفرط على نظرية "المؤامرة الخارجية" قد يُعيق القدرة على الإصلاح الذاتي، إذ يحول التركيز من بناء القدرات الداخلية إلى الانتظار أو المقاومة السلبية.
ثانياً: إجهاض تجارب التنمية والتعويل على الذات
العامل الداخلي هو الأكثر أهمية في تفسير الواقع العربي المعاصر. بعد الاستقلال، شهدت معظم الأقطار العربية تجارب تنموية طموحة مستوحاة من الناصرية والبعثية والاشتراكية العربية. ركزت هذه التجارب على التصنيع بالإحلال محل الواردات، التأميم، الإصلاح الزراعي، والدولة المركزية القوية. في مصر الناصرية، والعراق وسوريا البعثية، والجزائر، وليبيا، حققت بعض الإنجازات في التعليم والصحة والبنية التحتية. لكن هذه التجارب غالباً ما أجهضت بسبب:
الطابع الاستبدادي والمركزي: أدى تركيز السلطة إلى فساد، محسوبية، وغياب المساءلة. أصبحت الدولة صاحبة الاقتصاد الأكبر، مما أضعف القطاع الخاص الحر وأنتج اقتصاداً ريعياً غير تنافسي.
الفشل في بناء مؤسسات حديثة: أشارت تقارير التنمية البشرية العربية المتتالية إلى ثلاثة عجوز رئيسية: العجز في المعرفة، تمكين المرأة، والحريات. ظلت أنظمة التعليم تركز على التلقين بدلاً من الابتكار، والاقتصادات تعاني من ضعف الاندماج العالمي والتنويع.
العوامل المؤسساتية التاريخية: يشير الباحثون مثل تيمور كوران إلى أن بعض العناصر في التراث القانوني والمؤسسي (مثل قانون الميراث، غياب مفهوم الشركة الحديثة، والأوقاف) ساهمت في صعوبة تراكم رأس المال وتطوير المجتمع المدني على المدى الطويل.
الصراعات الداخلية والطائفية: أدت الانقسامات إلى حروب أهلية وإهدار موارد (سوريا، اليمن، ليبيا، العراق)، مما حوّل الطاقات من التنمية إلى البقاء.
نتج عن ذلك اقتصادات تعتمد على الريع النفطي في بعض الدول، أو على المساعدات والديون في أخرى، مع بطالة مرتفعة بين الشباب، وهجرة الأدمغة، وفجوة واسعة بين الطبقات. أصبحت المنطقة الأكثر عدم مساواة في بعض المؤشرات، مع استمرار الفقر المدقع في مناطق النزاع.
ثالثاً: التفاعل بين العاملين الخارجي والداخلي
لا يعمل العاملان بشكل منفصل. الضغوط الخارجية (الصراعات، العقوبات، التدخلات) تُفاقم الضعف الداخلي، بينما الاستبداد والفساد الداخلي يدعوان إلى التدخل الخارجي أو يجعلانه ممكناً. على سبيل المثال، أدى الفشل في بناء دول مؤسساتية قوية إلى ظهور جماعات مسلحة غير حكومية، مما أعطى ذريعة للتدخلات الإقليمية والدولية.
كما أن الخطاب الذي يركز حصرياً على "الصهيوامبريالية" قد يُستغل داخلياً لتبرير القمع والفشل في الإصلاح، فيتحول إلى أداة للحفاظ على الوضع القائم بدلاً من تغييره.
رابعاً: آفاق الخروج من دائرة الاضطهاد
لتحقيق الاستقلال الحقيقي والتنمية المستدامة، يجب على الأمة العربية الإسلامية:
إصلاح الحكم: بناء مؤسسات ديمقراطية حقيقية، فصل السلطات، مكافحة الفساد، واحترام الحريات.
ثورة معرفية وتربوية: الاستثمار في التعليم النوعي، البحث العلمي، والابتكار لكسر التبعية الاقتصادية.
تنويع اقتصادي وتعاون إقليمي: تجاوز الريعية نحو اقتصاد منتج، وتعزيز التكامل العربي الحقيقي (سوق مشتركة، تنسيق دفاعي وتنموي).
توازن في السياسة الخارجية: التعامل مع القوى الدولية من موقع قوة داخلية، لا من ضعف يولّد التبعية.
تجديد الفكر الإسلامي: استلهام قيم العدل والاجتهاد والعمل لمواجهة تحديات العصر، بدلاً من الجمود أو الردود العاطفية.
خاتمة
الأمة العربية الإسلامية ليست "مضطهدة" بشكل مطلق بفعل قوى خارجية وحدها، بل هي أمة تواجه تحديات متراكمة من الاستبداد الداخلي والضغوط الخارجية. إجهاض تجارب التنمية السابقة لم يكن نتيجة مؤامرة عالمية فقط، بل أيضاً بسبب أخطاء استراتيجية ومؤسساتية داخلية. الخروج من هذا الواقع يتطلب شجاعة في النقد الذاتي، وإرادة سياسية للإصلاح الجذري، وبناء قدرات ذاتية حقيقية. إن الاستقلال الحقيقي ليس رفضاً للعالم الخارجي، بل قدرة على التفاعل معه من موقع الكرامة والقوة. والأمل يكمن في طاقات الشباب العربي، وفي إمكانية تجديد حضاري يعيد للأمة دورها التاريخي كمساهمة في تقدم البشرية، لا كضحية دائمة للتاريخ. هذا المشروع ممكن، لكنه يبدأ بالصدق مع النفس قبل اتهام الآخرين. فهل يساعد تحويل اقتصاديات الريع العربي الاسلامي على تحقيق بدائل تنموية عادلة مستدامة؟
***
د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي
يرى كثير من علماء الشيعة ان مراسيم وطقوس عاشوراء جزءا اصيلا من الهوية الشيعية، ويؤكدون على ضرورة ممارساتهم تحت كل الظروف، ولو تضرر الشيعي من اقامتها كمن يكون مواطنا في ظل دولة غير شيعية
وأورد هنا فتوى الميرزا النائيني مطلوبية العزاء الحسيني فهو يرى ان لا شبهة في العزاء العلني بل هو راجح شرعا ولا اشكال – عنده – في جواز اللطم والضرب بالسلاسل وان تأذي الضارب لان ذلك من اظهر مصاديق عزاء المظلوم وايسر الوسائل لتبليغ دعوى الحسين (ع)، مع ضرورة التنزيه (1) ولكن المتاخرين اختلفوا هل مراسيم عاشوراء سنه دينية ام فعل اجتماعي؟ فالذي اعتبرها سنه دينية قال ان عاشوراء جزء من هوية الشيعة ووسيلة لترسيخ عقائدهم، مقابل من يراها ممارسة اجتماعية مقبولة لكنها خاضعة للتحديث والتنزيه (2) بيد ان اللافت ان عزاء عاشوراء انطلقت دوافعه من وجهة عاطفية ففي القرن الرابع أدخلت طقوس عاشوراء في السياسة
فالغالب في العزاء العاطفي، كان في حدود التراجيديا لكن بعد دخول العزاء معترك السياسة صارت النظرة الى الامام الحسين (ع) انه رمز للحرية والخلاص وداعية تاريخي للمطالبة بحق الأمم في حكومة عادلة لكن مع بقاء ممارسة البكاء كاحدى مفرداته
ومن المعلوم ان غالبية الشيعة تقيم المراسيم كعمل تطوعي دون اسناد من السلطة بل كانت السلطات تراقب هذه الفعاليات حذرة وقد حدث متغير مهم ان السلطان عباس الصفوي قد أقامها بنفسه وتبعه بعض الحكام كان بعضهم يقيمها واستغلال اقامتها لتضليل الناس، فنبه العلماء جماهيرهم الى ذلك
وقد قدم دارسون افكارا عن دور مجالس العزاء في تعزيز الهوية واعتبروها وسيلة اعلام سياسية، وفعاليات جماهيرية لصناعة القدوة في التضحية، ووسيلة لترسيخ الاعتقادات وقد وصفت ملحمة عاشوراء بانها احدى اكبر الثورات لمقارعة الظلم وانها تلبي الحاجة الى استحضار البعد المعنوي عند الشيعة
وقد خشي منها المتطرفون من غير الشيعة فمنعوها قسرا وتحسبوا انها مقدمة لخلاص الشيعة من محنة الاقصاء والتهميش فادخلوا اجهزتهم الأمنية بالإنذار لمنع ظهورها واذا سمحوا فباقل قدر ممكن مما شجع العاشورائيين على التمرد ودخلوا في صراع مع السلطات المانعة وغابت عن الحكام الحاقدين على عاشوراء انها تقليد حاضر بقوة لدى عموم الناس، وانها تعبئ الناس وتجندهم فاذا منعوا ازدادوا صلابة وعنادا، ولا سيما ان قصة الحسين تلعب دورا مهما في طهرانية التشيع وتركيز هويته .
بيد ان المانعين للشعائر تلك وصفوها بانها محاولة لأدلجه الدين، وانها تحفز اهل العزاء على العمل للاستيلاء على السلطات تأسيا بالحسين (ع) لا سيما وان نداء الصبر ونداء الحرية والمقاومة نداء جذابا للناس وكحقيقة تاريخية لقد ذاق الشيعة عذابات كثيره من جراء التدافع بين اقامتها كواجب ديني، وبين منعها – من السلطات والمتطرفين لانها وسيلة للتحرر من قبضتهم، وقد دخ وكل ذلك في تشكيل عناصر الهوية الشيعية وفي صلب العلاقة بين هوية التشيع وملحمة كربلاء .
ان الملحمة الحسينية لم تكن فقط حدثا تاريخيا وقع قبل ما يقارب (1385سنه) لان الشيعة يستحضروها طول كل تلك السنين سنة بعد اخرى فهي حاضرة في وجدانهم، وقد عمقوا مكانتها في القلوب والنفوس والوجدان فصارت مدرسه إنسانية النطاق وعالمية الافاق تتوهج فيها قيم الدفاع الصلب عن كرامة الانسان وحريته وتدعو الى عدالة الدولة وعدالة القضاء وعدالة الكفالة الأساسية للمواطن وتؤكد في كل مفاصلها على حقوق الانسان حتى جعلت الدساتير في الكثير من الدول ان اهم هدف توثقه في بنودها حماية كرامة الشخص وتحقيق المجتمع الحر المتضامن الذي يعطي أولوية لحقوق الانسان.
لقد وضعت دساتير العالم بعض بنودها من معطيات ملحمة كربلاء ومنها ان جميع المواطنين متساوون امام القانون دون تمييز وان حقهم في الحرية الحياة والمساواة والامن مكفولة دستوريا وهذه القيم هي التي تطرز الهوية الإنسانية أولا وهوية التشيع التي ولدت من رحم معاناة الفجيعة الكربلائية، كما ولدت عندهم قيمة قداسة الصراع ضد الاستبداد و ومكافحة انتهاكات الحقوق الإنسانية لان الناس جميعا يولدون احرارا ومتساوين وان الدولة عبارة عن مؤسسة وظيفتها خدمة المواطن فهي ليست غاية بذاتها بل اداة لرفع نمط الحياة الفاضلة الى الأفضل، فقولة (ع) انه لم يخرج اشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما انما خرج لطلب الإصلاح، مما دل على ان الإصلاح واجب ومقاومة الفساد مسؤولية اخلاقية وشرعية وان شرعية الدولة مرتبطة بالقيم لا بالقوة والبطش واهدار المكانة الاستخلاقية للإنسان وقد وضع الامام الحسين (ع) وضع قاعدة معيارية اذ يقول (من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله فلم يغير ما عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله ان يدخله مدخله) وهذه القاعدة تعد اعلانا أخلاقيا وسياسيا لمقاومة الاستبداد والفساد والظلم لكي لا تتحول سلطه الحكومة الى قوه فوق القانون ووسلطة فوق الاخلاق لذلك رفض الامام الحسين ان يمنح الشرعية لسلطه حكومة فاسدة وهي ترنو ان تكون قوه فوق القانون وفوق الاخلاق فرفض الامام الحسين منح الشرعية لسلطة فقدت شروط الشرعية ومعاييرها فقال (ع) (مثلي لا يبايع مثله)
وفي هوية التشيع تجاوزت كربلاء حدود الدين والجغرافية والثقافات لتصبح رمزا إنسانيا للثبات على القيم النبيلة فكانت نموذجا فريدا للدفاع عن الحقوق والحريات والكرامة الإنسانية من خلال البطولات التاريخية الخالدة، التي انتصرت بها كل الأمم بانتصار المبدأ على القوة المادية فاستذكار كربلاء السنوي يستمد هذه المبادئ والقيم العظيمة مباشرة من واقعة كربلاء ومن تراث التشيع وينشيء سياقات تاريخية وقانونية ولوائح عالمية لحقوق الانسان ونلخص من ذلك الى ان القيم المتلازمة في هوية التشيع.
1- ان السلطة ليست غاية وليست مقدمة على القيم الانسانية وهي بحاجة دائما الى ديمومة الشرعية والمشروعية معا
2- وان الإصلاح واجب ديني واجتماعي واخلاقي على قادة المجتمع وعلى افراده 3- ان مقاومة الفساد - بكل اشكاله - واجب شرعي واخلاقي وقانوني
4- وان شرعية النظم والنظريات والأفكار كلها مرتبطة بالقيم وليست بالقوة
5- وان اداره المجتمع يجب عليها ان تعمل لتحقيق المصلحة العامة له ويجب عليها فعل الافضل
6- ان مواجهة اشكال الاستبداد فعل ضروري لئلا يسحق الانسان وتستبعده السلطة (التي ستعلو على القانون والأخلاق ولكي تبقى السلطة دائما تحت المساءلة)
7- لاحظنا ان الهوية كما تصنعها العقيدة ومنهاج التكليف تصوغها احداث التاريخ واستجابات الناس لمختلف التحديات وأنها ثابته ثبوت بصمة الابهام الجماعية.
8- ان الشيعة في التاريخ وبسبب (اضطهادهم) كان يلزم ان يتوسلوا بالعنف العشوائي انتقاما من صناع تاريخهم لكنهم تمسكوا – خلال 14 قرن – بالحكمة والسلام والحوار والنزعة الإنسانية
9- لقد عوض الشيعة (اقصائهم) عن الحكم والسلطة بان تعمقوا علميا بفلسفة عقيدتهم وبضروب الحكمة والآداب الرفيعة
10- ولابد ان نشير هنا الى احتياجات هذه الهوية لاسيما ما يسد ثغراتها مثل: احتواء الاخر المذهبي والديني فكريا وادارة المجتمع – من قبلهم كاداره عالية الجودة وبقيم مستقرة
***
ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد
.....................
(1) حيدر حب الله: جدل ومواقف في الشعائر الحسينية ص 68
(2) مطهري، فضل الله، شريعتي، نعمة الله صالحي
في كتابه "كشف الشبهات" كفّر زعيم الوهابية جميع المسلمين الغير محسوبين على مذهبه
إن ظاهرة تكفير الآخر تعد من أخطار الظواهر التي يعيشها العصر الحالي، بسبب الصراع بين المجددين والمحافظين (الأصوليين والحداثيين) وهي فكر متطرف يقوم على اتهام المسلمين الذين يطالبون بالتحديث وإعادة قراءة التراث وتجديده وإجراء له قراءة معاصرة بالكفر وإلصاق بهم تهمة الإلحاد والخروج عن ملة الإسلام
الأصوليون هم جماعة لهم قناعات دينية مطلقة، نظموا أنفسهم في حركات اجتماعية، ويتعاملون مع قضايا معينة لها أهميتها بالنسبة لهم، ويسعون إلى إخضاع الحياة الخاصة والعامة لإملاءات قناعتهم الدينية، وتشكل "الحداثة" بالنسبة لهم المشكلة الأساسية التي وجب محاربتها، وقد ذهب مفكرون في اتجاهات مختلفة لتحديد مفهوم الأصولية وما جاءت به الكتب المقدسة، غير أن الأغلبية تجمع على أن الأصوليون جماعات منغلقة، تريد أن تفرض مفاهيم مطلقة على الرأي العام، وقد تستخدم العنف لتحقيق غرضها، وهو الترويج لمرشح رئاسة ديني، يتميز الأصوليون بآراء جامدة، ويقدم الباحثون أحسن مثال على حركتين دينيتين هما "الحركة الخمسينية" في أمريكا، و"الإسلام الوهابي"، الذي يرى أنه لا يجب انتظار قدوم المهدي، في الوقت الذي كان وهابيون متحمسون احتلوا الحرم المكي عام 1979 وأعلن أحدهم ليكون ببساطة المهدي، وتاريخ الأصولية تجسد في تصعيد الصراعات من خلال التسويق لها على أنها صراعات "هوية"، فيما يذهب البعض إلى الحديث عن "الإسلاموية" وانقسم المحللون إلى فرق
pakistani-islamists-torch-an-effigy-of-us-pastor-terry-jones-during-a-protest-in-lahore-on.jpg
ففيما يذهب الفريق الأول إلى القول أن "مصر" كانت الدولة الأولى التي نشأ فيها التيار الإسلاموي عن طريق أبو الأعلى المودودي الذي أسس الجماعة الإسلامية، وهي تعتبر واحدة من أكبر منظمات الإسلام السياسي، وذلك بهدف إعادة إحياء الإسلام بهدف تحقيق سيادة الشعوب، ورغم محاولات الأفغاني ومحمد عبده إلا أنها باءت بالفشل وعجزت عن مواجهة العلماء التراثيين الذين قاموا بتعطيل الإصلاح الإسلامي، كما فشلت أمام النخب العلمانية التي عملت على تعظيم التكنوقراطية، وظلت حركتهما عبارة عن حركة ثقافية، كما فشل الإخوان المسلمون بقيادة حسن البنا في تحقيق الإشتراكية الإسلامية، والإصلاح الإسلامي رغم أنها تعد أكبر منظمة للإسلام السياسي، أما الفريق الثاني يرى أن الأمر يختلف عند " الوهابية " التي تمثل ثالث حركة نبعت منها الأصولية الحديثة، والوهابية ترجع إلى محمد بن عبد الوهاب، الذي عمل على القضاء على ايّ فهم آخر للإسلام، وقد حددت الوهابية لنفسها عدوا قريبا وسجلت عزمها على محاربته من خلال أعمال عسكرية ضد العثمانيين والشيعة، في ذلك الوقت عقد محمد بن عبد الوهاب اتفاقا مع محمد بن سعود، حسب الكتابات كان الاتفاق أن يقوم محمد بن سعود بالجهاد ويصبح مقابل ذلك قائدا للمسلمين، على أن يكون محمد بن عبد الوهاب المسؤول عن شؤونهم الدينية، والوهابية اليوم هي مذهب الدولة في المملكة العربية السعودية وتعمل من خلال شرطة دينية، حيث تدعو الى اتباع تعاليم القرآن والسنة بصورة ضيقة جدا، ولا تفتح مجالا لي حوار (ثقافي، ديني، سياسي)، أي أنها تمارس ثقافة الإنغلاق، وتعمل على عزل المسلمين عن العالم الخارجي مع الالتزام بزيّ موحد (شوارب مقصوصة ولحى مطلقة وجلاليب تصل إلى الكاحل.
تقول التقارير أن الوهابية استفادت من أموال السعوديين ومن تأسيس رابطة العالم الإسلامي عام 1962، وسعت للسيطرة والتأثير على الحركات الإسلامية والجماعات في باكستان وحماس والجهاد الإسلامي وصولا إلى القاعدة، باستخدام إحدى الوسائل الخاصة بالحداثة فيما يسمى بالتحويل اليوتوبي الثوري، هي حقائق مثيرة كشفها الشيخ عبد القادر الاسكندراني الذي وصف زعيم المذهب الوهابي بالطاغية، وهذا في كتاب له من الحجم الصغير تحت عنوان: "النفحة الزكية في الرد على شبه الفرقة الوهابية" عن المكتبة الفلسفية الصوفية، وحسبما جاء في مخطوطة الإسكندراني، فقد كان شيخ الوهابية يكفر كل من لا يتبعه، حتى وإن كان من أتقى الناس، وكان يبيح دمهم، كما أن محمد بن عبد الوهاب ابتدع دينا جديدا وصنف رسالة سماها " كشف الشبهات" وقدمها لإبن مسعود وكفّر فيها جميع المسلمين، وقد أعانه ابن مسعود على ضلاله لدرجة أن بن عبد الوهاب كان يأمر بحلق رؤوس النساء، يذكر الإسكندراني في كتابه السالف الذكر أن العقيدة الوهابية شملت عشرة أشياء، أهمها تقديم النقل على العقل، إنكار الإجماع، عدم تقليد المجتهدين وغيرذلك، وبداية من 1979 احتل وهابيون متطرفون المسجد الحرام في مكة، وقامت الحكومة السعودية بتحريره، في هذه الفترة ظهر ابن لادن، وقد استفاد هذا الأخير من مساعدات عسكرية قدمتها له الولايات المتحدة الأمريكية، لقد ساهمت الصراعات والانقسامات بين الحركات الإسلامية في تدمير وحدة الأمة، وظهر ما أطلق عليهم اسم "المتأسلمون"، وهو تيار استخدم الإسلام غطاءً أو وسيلة لتحقيق مآرب سياسية، شخصية، أو مادية، دون الالتزام الحقيقي بجوهر الدين وقيمه الأخلاقية، وذلك بغية الوصول إلى الحك.
فالتيار السلطوي السلبي يؤوّل الدّين تأويلا يضعه في شكل مباشر، في خدمة الدولة لا هي دولة الإسلام، بل هي دولة الطبقات المسيطرة في بلاد الإسلام، أي بالتحديد دولة الإستبداد المطلق الذي سيطرت عليه الطبقات الأرستقراطية على امتداد أربعة عشر قرنا، لأن هذه الطبقات تسيطر باسم الإسلام ولا تعمل به منذ دولة الخلافة حتى الدولة العثمانية حيث ظلت تيارات الإسلام تتصارع فيما بينها ولذا وجبت الثورة عليها، لأن الإسلام انقسم بين إسلام المستبدين وإسلام المسحوقين، و"المتأسلمون" يقول مهدي عامل وهو مفكر لبناني، يتنبى التيار الإشتراكي يرون الدين وسيلة للوصول إلى السلطة، كما يزعمون احتكار الحقيقة الدينية والهيمنة على معاني النص الديني، وهم إمّا أن تكون معه وإلا أنت عدوه لكنه لا يظهر عداوته لك، ولذا ذهب بعض المتكلمين إلى وجوب التوفيق بين العقل والدين، لأن وظيفة الدين اختلفت بسبب الصراعات بين التيارات الإسلامية رغم أن الدين واحد، فما تراه المعتزلة ليس ما تراه الظاهرية ولا ما تراه الباطنية ولا حتى التيار الإشراقي الذي أسسه شهاب الدين السهروردي الملقب بشيخ الإشراق، يقول عامرمهدي (اسمه الحقيقي حسن حمدان) ليس كل فكر عقلاني فكرا تقدميا، وليس كل فكر مناهض للعقل بالضرورة فكرا رجعيا، لكن يمكن أن يكون العقل عقل الإستبداد ونظامه (إسلام الدولة) وهذا هو الذي وجب محاربته، فالفرق بين المسلمون والمتأسلمون هو أن المسلمون هم الذين يمارسون دينهم من أجل التقرب إلى الله ويرون فيه وسيلة للروحانية والاتزان النفسي، ويرون في الدين وسيلة للارتقاء الروحي، أما المتأسلمون يرون في الدين وسيلة للتقرب من السلطة ويرون في الدين سُلَّمًا للارتقاء السياسي، أي أنهم يمارسون سياسة النفاق، أو يعملون بالفكر الباطني، فلا يُظهون حقيقتهم ولا يكشفون عن اسمائهم الحقيقية وأسرارهم.
مساعي الوهابية في "وهبنة" التراث السنّي
إن هذه الصراعات بين المسلمون استفادت منه الدول الغربية بزعامة إسرائيل وأمريكا، خاصة وأن إسرائيل كما تقول التقارير أصبحت تزداد توسعا يوما بعد يوم في ظل قانون العودة الإسرائيلي، في وقت ظل الفكر الوهابي جامدا فكريا ولم ينزع عنه عباءته القديمة، فما تزال السلفية الحالية المنحدرة من التراث الوهابي تدّعي محاولة إحياء العصر الذهبي للنبيّ والخلفاء الراشدين، إلا أنها انقسمت بدورها إلى جناحين، المحافظ مرتبط بالعائلة المالكة في السعودية والجناح الثوري، له تأثير دولي بعدما أعلن الحرب المقدسة على قوى الإلحاد والغطرسة التي تقوم بحملة صليبية ضد الأمة، حيث عادت إلى الساحة نظرية "الولاء والبراء" وهي نظرية ترجع جذورها إلى التراث الوهّابي، تم تطويرها في القرن التاسع عشر، إثر الصراع مع العثمانيين، بحيث يتم التبرؤ من الكفار ليس لغير المسلمين فحسب، بل حتى المسلمين الذين في نظر الوهابية كفار، وكل من يتعامل مع الكفار من غير المسلمين وبشكل متطرف .
كانت النتيجة خروج فرق إسلامية جديدة من سقف السلفية، وتشكيل سلفيات تختلف كلية عن السلفية الأمّ التي تعتبر المنبع، لقد حاولت الوهابية منذ نشأتها "وهبنة" التراث السنّي بطريقة لا تستجيب للتطورات الإجتماعية والسياسية، بحيث تبنت الفكر التكفيري، عكس ما جاء في متن العقيدة الطحاوية، التي تدعوا إلى عدم تكفير أحد من أهل القِبلة (بكسر القاف)، وتؤكد التقارير ان السلفية اليوم تعيش صراعات وهي في حرب فتاوى وأحكام على منابر إعلامية ومواقع إلكترونية، كمسألة التعاون مع السلطة والجهاد ومن تجاهد، كذلك موقفها من قضايا الإرجاء والتكفير، وقضية الإستعانة بالكفار، وهو ما ذهبت إليه "الجامية"، وهي حركة تنسب إلى الشيخ محمد أمان الجامي، فكانت النتيجة أن انقسم الإسلام في دار الإسلام إلى إسلام سني وإسلام شيعي، الذي يقوم على الطقس وليس المعتقد، يقوم فيها الشيعة بنوع من المحاكاة الفردية لمقتل الحسين في موقعة كربلاء، كانت حربا مسلحة بين صدام حسين وإيران بعدما زودته أمريكا بالأسلحة.
ما يلاحظ هنا أن الولايات المتحدة دائما تكون طرفا في النزاعات العربية الإسلامية، رغم الحصار الذي يلقاه الشيعة والعدائية ضد أنصار الحسين ابن علي، ما زال الشيعة يعيشون على أمل عودة الإمام محمد المهدي لينتقم لهزيمة كربلاء ويشيد مملكة العدل، لقد تطرق العديد من الباحثين في كتاباتهم حول الحركات الإسلامية ومنهم الدكتور بومدين بوزيد، حيث أشار إلى أن السلفية الوهابية كانت في الأصل اجتهادا نهضويا عربيا وإسلاميا في الحجاز والجزيرة العربية، ثم انتهت عندنا اليوم إلى تكفير وسفك للدماء، وتحولت إلى سلفيات تنويعية، ومنها السلفية الجهادية التي لها اتباع كثر اليوم في الجزائر، وحتى السلفيات الوهابية المسماة علمية في الجزائر قد تقول بالجهاد مستقبلا مادامت تقول اليوم بالتكفير والتبديع للمجتمع الجزائري، لقد كانت السلفية الجهادية التطور الفكري الجديد الحاصل في تاريخ الإيديولوجية التكفيرية المعاصرة، بفضل الوهابية الجديدة التي تجسدت عسكريا في القاعدة وخلاياها عبر العالم، لأنها مشحونة للعالم ضمن ثنائية "الكفر والإيمان، وبالتالي فهي تعلن الجهاد على الكل، خلاصة القول نرى أن ما يؤسف له هو أنَّ ظاهرة تمزيق الدين إلى فرق ومذاهب تكرَّرت ضمن تاريخ الأمَّة الإسلاميَّة، وما تبعها من تفرقة ومعاداة يمثِّل مخالفة صريحة وخطيرة عبر التاريخ الإسلامي.
***
علجية عيش
في الثقافة الحزبية والممارسة السياسية العربية، هناك أحزاب سياسية تريد نوعا معينا من المثقفين في صفوفها، وبتعبير أكثر دقة تريد مثقفا تابعا يضفي المشروعية على خطاب السياسي وممارساته، وفي أحسن الأحوال خطباء ومناضلون وادعون يجتهدون بأقصى قدر ممكن من الأمانة والمحافظة على شعرة معاوية التي تشدهم إلى المتكآت الإيديولوجية والإلتزام الإيديولوجي الذي يؤطر خطاب ومسارات بعض التشكيلات السياسية.
الامر الذي يؤدي بطبيعة الحال إلى تحول وتغير في الوظيفة المناط بها المثقف، وفقدان طبيعته كمنتج للقيم الرمزية والفكرية على ضوء ما يسميه المفكر المغربي عبد الكبير الخطيبي "السلم الألسني ".
وشتان بالطبع بين المثقف الحر وبين الخطيب وبين الصوت والصدى وبين المثقف وحارس الإيديولوجيا.
وعندما ينتقد المثقف الحر غير المدجن وضعا أو يعبر عن رأي بكل لباقة يقال له هذا من نتائج انسحابك من الشأن السياسي.
لقد كان الناقد والمفكر إدوارد سعيد يرى أنه على المثقف النقدي أن يكون منهمكا في نزاع مدى الحياة مع كل حراس الرؤية والحياة الذين يدهم الغليظة لا تتحمل عدم التوافق ولا التنوع.
وقبله كان الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر قد بشر بميلاد (المثقف المزعج الذي يدس أنفه).
لكن للأسف الشديد هذا النوع من المثقفين نادرا ما يستمر في الذودعن قناعاته الذاتية والوجودية وسرعان ما يستسلم للإغراء الإجتماعي ولنداء الجماعة ولآليات العقل الوثوقي العربي الممنوع من التفكير خارج ماتراه الجماعة أو الخلية أو الأسرة الإيديولوجية والسياسية إلى درجة الوقوع تحت طائلة ما وصفه المفكرالفرنسي جوليان بندا (خيانة المثقفين).
وهذا مأزق يحد من امكانية البعد الذي وضعه السوسيولوجي المرحوم عمار بلحسن وهو (تثقيف السياسة) بدلا من (تسييس الثقافة) وتدجين المثقف والتعامل مع بوصفه تابعا للسياسي وليس شريكا له في التخطيط للمستقبل المنظور.
ولذلك يختار السياسي نوعا خاصا من " المثقفين " وتحديدا يريد مثقفا و(ديعا) وتابعا يضفي المشروعية على الخطاب السياسي الرسمي وممارساته.
وأن ماينتجه هذا المثقف / التابع ينبغي أيضا أن لا يغرق في الغموض، وأن يتجنب اللغة التي لا تفهمها حتى النخبة المثقفة.
وأن يظل محافظا على شعرة معاوية التي تشده إلى وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية القائمة كي لا يزعج ليس فقط السلطة الفعلية بل أيضا (السلطة المرئية) بتعبير ميشيل فوكو أو (السلطة الرمزية) بمفهوم بيار بورديو التي تتشكل من كتاب ومثقفين تسكنهم "عقيدة " الإلغاء المتجذرة في مخيالات المثقف الشمولي الإبن البار للأب السياسي الذي سيرث عنه أنساق الهيمنة أو " الطغيان الميتافيزيقي " وفقا لأطروحة نيتشة محولا إياها من المجال السياسي إلى المجال الثقافي.
بما يعني الإقتراب من السقوط المذل في وحل (العبودية المختارة) كما وقف عليها ايتيان دي لا بويسيه أو (الزواج النسقي) بتعبيرعبد الله الغذامي.
وفي كل زواج كما هو معروف عقد وهذا العقد كما يقول الغذامي هو " العقد الثقافي القائم على المصلحة المتبادلة بين الطرفين مع تسليم المؤسسة الثقافية بذلك "، إن أراد أن يكون تحت تصرف السلطة أو رهينة لها يجسد في مساره وعي (المثقف المقاول) حسب عبارة السوسيولوجي التونسي الطاهر لبيب يتحدث إلى وسائل الإعلام ويكتب قصائدا عصماء وقصصا موجهة يتقاضى مقابلها جوائزا موسمية في مناسبات معينة وضمن الحدود المرسومة له.
هذا هو (الإبداع العظيم) الذي تكرس له المؤسسات الحزبية مثلما تكرس له أيضا المؤسسات الثقافية الرسمية القائمة ومشتقاتها الجمعوية والمدنية انطلاقا من الدعم المالي والإعلامي القائم على أسس براغماتية تديرها أجهزة بيروقراطية وإدارية هي ثابت من ثوابت استقطاب المثقف وتدجينه والذي هو في الأساس تعبيرعن سلوك هيمني يبرز اسما على آخر ويضاعف من مفعول (الطبقية الثقافية) بنص العبارة التي أوردها الغذامي في أطروحته عن النقد الثقافي من خلال إعادة فرز طبقات المثقفين حسب درجة الولاء والتناغم كمجرد رجع صدى للخطاب السياسي الإيديولوجي السائد لا غير.
الأمر الذي جعل السوسيولوجي الجزائري عمار بلحسن في كتابه الذي نشر بعد رحيله (كشف الغمة في ثقافة الأمة) يتحسر على ضعف الأنتلجانسيا، الضعف الذي يتمظهر في العنوان المثير الذي يضعه لأحد مقالات كتابه المذكور وهو (صعلكة الأنتلجانسيا) على الرغم من أن للسوسيولوجي الجزائري علي الكنز رأي آخر فهو عندما يحلل ظاهرة (الهامشية والذيلية) على حد قوله ذيلية المثقف وتبعيته للسياسي.
فهو يردها لأصولها التاريخية وبالضبط إلى لحظة تشكل الوعي الوطني المقاوم للكولونيالية الفرنسية التي تخلف فيها المثقفون عن الإلتحاق بصفوف الحركة الوطنية أو التحقوا متأخرين جدا.
فيسجل علي الكنز أن الحركة الوطنية "عمليا نشأت وترعرعت بدون مشاركة المثقفين وبعد التحاقهم بها لم يتمكنوا من التأثير فيها لا من حيث المحتوى ولا من حيث التطور فأصبحوا عبارة عن بيادق بين أيدي رجال الحركة الوطنية الرافضين لقواعد اللعبة ".
وهذا لا يعني التقليل من الأدوار النضالية للنخب المثقفة الملتحقة بصفوف الحركة الوطنية الجزائرية ولو متأخرين على غرار فرحات عباس وعبان رمضان ومصطفى الأشرف والدكتور لمين دباغين الذي يخصص له الروائي الجزائري حميد عبد القادر كتابا بعنوان " الدكتور لمين دباغين المثقف والثورة " رابطا فيه علاقة المثقف بالثورة من خلال نموذج لمين دباغين الذي يعتبره المؤرخ الجزائري محفوظ قداش (منظر حزب الشعب) كما جاء ذلك في كتاب حميد عبد القادر السالف الذكر.
ومن الشواهد الدالة على هذا التنازع بين السياسي والثقافي أيضا أن التراث السياسي الإيديولوجي الذي تشكل في أفق النضال الجزائري المحموم للرد على الهيمنة الكولونيالية الفرنسية التي تطلبتها المصلحة الوطنية وآفاق الحرية والإنعتاق من نير العبودية والإستيطان الفرنسي لبلد عربي هو الجزائر يعج بحالات رهيبة من الإقصاء والإلغاء المتعمد بين الأب والإبن وبين السياسي والثقافي وبين المثقف الثوري والسياسي البراغماتي وبين النخب السياسية المدنية أو البرجوازية الثورية وبين النخب العسكرية الريفية.
وهذا بالطبع مأزق آخر يتطلب علاجا وتناولا علميا لهذه الظاهرة التاريخية من منظور الدراسات الثقافية والنقد الثقافي والنقد ما بعد الكولونيالي بالعودة إلى النصوص التأسيسية لأدبيات الحركة الوطنية الجزائرية التي ميزت مسارات النخب السياسية الجزائرية التي انخرطت في معركة التحرير تحرير الأرض والإنسان كل من موقعه الخاص ومنظوره الذاتي لمحاصرة المآخذ التي تنطوي عليها الأنساق الثقافية والإجتماعية وأنظمة الخطاب السياسي الذي يؤطر مسألة البناء النفسي والثقافي للإيديولوجيا الوطنية التي تجد تجذرها وأفقها الأعلى في الوعي بالحرية والقيم الإنسانية والإجتماعية والسياسية كتجل يسكن حاملها بوصفه فرد من مجتمع كان يقع تحت طائلة السيطرة والإستبداد من (ليل الإستعمار) بمفهوم فرحات عباس بكل ما يترتب عن ذلك من محاولات للخروج عن الأنساق الثقافية والمعرفية المضمرة للإستبداد أو المطمورة بين طيات التاريخ، تاريخ الذات العربية المجبولة على التفرد والغطرسة والتضخم النرجسي بأشكالها القديمة والجديدة.
والقطع مع رواسب القهر التي ميزت المجتمعات العربية الهشة أو (القابلة للإستعمار) بتعبير مالك بن نبي للحد من هذه الظاهرة أو الحيلولة بينها وبين من أن تمتد للأجيال الجديدة إن لم تكن قد امتدت إليها فعلا.
وعندئذ لا نملك سوى أن نردد مع عبد الله العروي " هذا خطأ وذاك خطأ وهل كتب علينا أن نعالج خطأ بخطأ... ؟ ".
***
قلولي بن ساعد - كاتب وناقد من الجزائر
لابدّ من الإشارة إلى المفهوم العام للموسم الديني، فهو شمولًا يشير إلى فترة زمنية محددة من العام ترتبط بشعائر، أو عبادات، أو إحياء لمناسبات تاريخية ومحورية في عقيدة أو ثقافة مجتمع. تكتسب هذه الفترات طابعاً جماعياً وتؤثر بشكل مباشر على السلوك الاجتماعي والاقتصادي والثقافي في المناطق التي تحتضنها.
تتوزع المواسم الدينية الكبرى على مدار السنة القمرية وتختلف طقوسها ووظائفها الاجتماعية، مثل موسم الحج (شهر ذي الحجة)، يركز على الطقوس الجغرافية والعبادية في مكة ومحيطها، ويرتبط تاريخياً بالتجارة واِلتقاء الثقافات والتنظيم الإداري السنوي، وينتهي بعيد الأضحى.
أو موسم شهر رمضان وعيد الفطر، ذلك الموسم العباديّ والاجتماعي الذي يقوم على الصيام والامتناع عن الطعام والشراب والفواحش مما ينطلقُ من اللسان، كما له أبعاد اقتصادية ملموسة تتعلق بنمط الاستهلاك، يليه عيد الفطر كإعلان لاِنتهاء هذه الفترة.
كذلك مواسم الزيارات المخصوصة والوفيات، فترات قصيرة ومكثفة ترتبط بوفاة أو ولادة شخصيات محورية في التاريخ الإسلامي (مثل ذكرى المولد النبوي، أو ذكرى وفاة علي بن أبي طالب، أو الزيارة الشعبانية).
ونشهد في هذه الأيام واحدا من أهمّ المواسم الدينيّة وهو شهر محرّم الحرام، يرتبط هذا الموسم بإحياء ذكرى واقعة الطف أو معركة كربلاء، التي قُتل فيها الحسين بن علي وأصحابه في صراع سياسي وعسكري مع جيش الدولة الأموية بطلب من يزيد بن معاوية وأصحابه.
يمتد الزخم الاجتماعي لهذا الموسم طوال الأيام العشرة الأولى من محرم، وصولاً إلى يوم عاشوراء (10 محرم)، ويتجسد في مجالس العزاء، والمواكب، والتمثيليات التاريخية (التشابيه)، وتوزيع الأطعمة ثوابًا. يمتد هذا الموسم رمزياً ليشمل شهر صفر أيضاً، لينتهي بزيارة الأربعين.
وعند تفكيك هذه الظاهرة من منظور بنيوي نجد أن لإحياء هذه الطقوس أبعاداً ووظائف ملموسة.
فعلى المستوى الانثروبولوجي والثقافي، إحياء المواسم الدينيّة هو حفظ للذاكرة الجماعية من الاندثار، وهو الآلية التي تحمي ثقافة الأفراد من الانغماس في الثقافات الأخرى.
كذلك يسهم في إعادة إنتاج الأنشطة الثفافية كالشعر، والخطابة، واللحن القصائديّ، وهو ما يخلق أرشيفاً ثقافياً متجدداً باستمرار يعطي الجماعة بصمة تميزها عن غيرها.
أما على المستوى الاجتماعي فظاهرة إحياء المواسم بالطقوس تسهم في تذويب الفوارق الطبقية، فغالبا يرتدي الجميع زياً موحداً (كالأسود في عاشوراء أو الأبيض في الحج)، ويجلس الغني والفقير على مائدة واحدة (المضائف والطبخ الجماعي). هذا الدمج المؤقت يقلل من حدة الاحتقان الطبقي داخل المجتمع ويوفر شعوراً بالمساواة المطلقة. وكذلك على أصعدة كثيرة لا يسعنا ذكرها لضيق المقام.
لو توغّلنا بين السطور وغادرنا الطبيعة الظاهرية للطقس الجماعي، -والتي ربّما تظهر بأبعاد واضحة وأقرب للمنطق المقبول- لوجدنا أن هناك ما هو أشبه بالنسق المضمر على مستوى الفرد والجماعة لتلك الطقوس، فهذا التأثير الإيجابيّ قد ينقلب لما هو عكس ذلك، بدل أن يحقق أبعاده المتعددة.
في إحياء التراث المقدّس تتداخل عوامل كثيرة جدا، حيث كلّ عامل ينفرد بشاكلته، ومادام عامل القداسة حاضرا صَعُبَ الفصل بين عوامل تعريف التراث المقدّس. فمن بين الغايات الواضحة التي يحقّقها نشاط إحياء التراث قد ينحرف بعضها عن الغاية المجرّدة، لتصبح غاية مقرونة بشكل ظاهري، ثم تتطوّر لتصبح شكلا بلا غاية، وبهذه الحالة فقد عامل إحياء التراث غايته وصار إسقاطا روتينيّا كأنّه فايروس ينتشر من جيل إلى جيل.
تعريفًا لغاية إحياء الموروث بالطقوس يجب الفصل بين مفهومين أساسيّين، أولا غاية إحياء الموروث نفسه، ثانيا الأبعاد الأخلاقيّة التي يقوم عليها هذا الموروث.
أمّا عن غاية إحياء التراث فلا شكّ أنها غاية فرديّة لا جماعية، إضافة للأبعاد الملموسة على مستوى الجماعة والمتأتّية من تطبيق تلك الطقوس إلا أنها تبقى ذات غاية فرديّة فحركة الجماعة نتيجة حركة فرد. وقد تتداخل بعض المفاهيم في طبيعة إحياء التراث بسبب طبيعة الطقوس التي تعتبر وسيلة أساسيّة.
أما عن الأبعاد الأخلاقية فالمشكلة الكبرى هي عدم الأخذ بالغايات الأخلاقية بشكل عام في كلّ زمان ومكان (مع مراعاة تغيّر الطبيعية السوسيولوجيّة).
فإحياء الموروث يجب أن نتخذه وسيلة تذكّرنا بالنظر إلى البعد الأخلاقي المحض، وليس وسيلة لتحقيق الأبعاد الأخلاقية في فترة إحياء الموسم.
بمعنى أننا بتلك النظرة التي تجعل من غاية الموروث الأخلاقية غايةً مقرونة بمدّة زمنيّة، وبهذه المدة نسعى لتطبيق الأبعاد الأخلاقيّة التي جاء بها الموروث وعليه قد اِقترنت الأخلاق بمدّة زمنية والنتيجة = تجزئة الأخلاق، والأخلاق مفهوم عام لا يمكن تجزئته مطلقًا.
بقطع النظر عن المبدأ الذي تقوم عليه طبيعة الأخلاق فهذا ليس موضوعي ولكن تطبيق الأخلاق يجب أن يكون عامّا لا مقرونا بزمان أو مكان!
فالغاية الأخلاقية واحدة سواءً قبل أو بعد أو في فترة المواسم الدينيّة التي من المفترض أن تحمل رسالةً أخلاقيّة للجميع.
وهذا ليس من تهذيب النفس بشيء بل هو تحوّل لإسقاط فرض خاوٍ، فتُرسم صورة نمطيّة في مستوى اللاوعي بأنّ هذه المواسم لها سلوكيّاتها الخاصة وفي سواها يخفّ العقاب. كأنّما المحاسبة مقصورة بمدّة زمنيّة والأخلاق متباينة التطبيق متناسبة مع طبيعة المدّة الزمنية.
يجب أن نتّخذ من تلك المواسم محطّة مراجعة لا سيطرة صارمة بمجرد عبورها نعود كما كنّا. فالأخلاق عامة والمواسم خاصة، ولا يمكن أن يكون العام جزءًا من الخاص، ففهي هذه الحالة لم تعد الأخلاق تمت للأخلاق بأي صلة بل صارت عادةً موروثة نخدع أنفسنا بها وماهي إلا ابتعاد عن الغايات التي قامت عليها حوادث تلك المواسم.
وفي واقع الأمر لا يخفى علينا عدم تطبيق المبدأ الأخلاقي حتى في فترة إحياء المواسم الدينية، فهذه كارثة كبرى، وهو ما جعل الأفراد يركّزون على طبيعة الطقوس ويتفنّنون بتلفيق ما أنزل الله من شكليات لا نعرفها قبل كذا سنة.
فمن جانب سيكولوجي فإن الفرد يشعر بنشوة الاِنتصار بمجرد الاِنغماس بتلك الطقوس فهو يعيشها بكل مايملك من مشاعر، وبقدر ما يركّز على الطقوسيات فهو يصرف نظره عن واقعه المرير، وهو مايخلق ضعف المواجهة واليأس والإحباط بعدما سلّم نفسه لتلك الطقوس.
فإنّ فصل الغاية عن التطبيق يخلق شكلا من أشكال غضّ البصر عن الواقع، وهو ما يزداد يوما بعد يوم، فالحسين صار رمزا للدماء والسواد والبكاء، بدلا من أن يكون بالدرجة الأولى رمزا للقوة والتفاني والعنفوان. وبذلك يمكن أن نراه رمزًا للبياض والحياة والارتقاء، فالبياض هو بياض القلوب والنقاء وروح السلام والمحبّة، والحياة هي العيش بكرامة وتمرّد ولو كان على حساب البقاء، فليس عيش هذا إن كان بلا كرامة، فالأولى أن ننتزع كرامتنا قبل أن نحيي تلك المواسم وقبل أن نتفنّن بالطقوس التي لا تمت للقضيّة الحسينيّة بشيء. أما الارتقاء فهو ارتقاء الذات في سماء الكلمة القوية السامقة.
***
عباس القسام
نحيا في عصر السوبر تخلف المعرفي القائم على التسليم بمعارف مُحدَّدة سلفاً بدلاً من إنتاج معارف جديدة ومفيدة نظرياً وعملياً. السوبر تخلف المعرفي = اعتبار المعرفة مُحدَّدة سلفاً ÷ إنتاج كلّ الأفكار والنظريات الممكنة والمنطقية في الميادين الإبداعية كافة والحائزة على قدرات تفسيرية وعملية ناجحة. فكلما اعتبرنا أنَّ المعارف مُحدَّدة مُسبَقاً ولم نشارك في بناء كلّ الأفكار والنظريات المنطقية الممكنة في الميادين الإبداعية كافة (كالميادين العلمية والفلسفية) والحائزة على قدرات تفسيرية وعملية ناجحة، تطوَّر التخلف المعرفي وساد وأصبح بذلك سوبر تخلفاً معرفياً. السوبر تخلف المعرفي هو تطوير التخلف من خلال اعتبار أنَّ المعرفة مُحدَّدة سلفاً وعدم إنتاج معارف جديدة مغايرة للمعارف الماضوية والسائدة.
يسيطر السوبر تخلف المعرفي على الشرق والغرب معاً. يتمثل السوبر تخلف المعرفي في اعتبار أنَّ تراث الفقهاء والفلاسفة والعلماء حاو ٍ على المعارف الحقيقية والحقة بدلاً من اعتبار أنَّ المعرفة مشروع مستقبلي لم يكتمل بل يحتاج إلى إنتاجه بشكل مستمر وجديد ومغاير للمعارف الماضوية والسائدة حالياً. مثل تفصيلي على ذلك هو التأكيد على أنَّ التراث العلمي القائل بوجود أعراق بشرية مختلفة هو الصادق بينما البحث العلمي البيولوجي الأكثر تطوّراً يرينا بأنَّ كلّ البشر يشكِّلون كينونة واحدة غير متجزئة لأنهم يتشاركون في امتلاك الجينات البيولوجية ذاتها. أما مثل آخر فهو الإصرار على أنَّ تراثاً دينياً معيّناً دون سواه هو الصادق أو الأصدق بينما البحث المعرفي الأدق يرينا بأنَّ كلّ الأديان تتشابه إن لم تكن تتطابق كالتشابه في الإيمان بقوى ما ورائية غير منظورة تتحكّم بالكون ومصيره.
بالإضافة إلى ذلك، كلّ تراث ديني تتنوّع مذاهبه كالاعتقاد بحرية الإنسان المطلقة والاعتقاد بعدم امتلاك الإنسان لأيّة حرية (بل الاعتقاد بأنه مجبور بقضاء وقدر) والاعتقاد بأنه في منزلة بين منزلتيْن منزلة الجبر ومنزلة الحرية. وبذلك كلّ تراث ديني حاو ٍ على تنوّع فكري مشابه إن لم يكن مطابقاً للتنوّع الفكري في أيّ تراث ديني آخر. من هنا، يستحيل الاعتماد على التراث الديني للحصول على أيّة معرفة. أيّ تراث يحتوي على معلومات بدلاً من احتوائه على المعرفة. فالمعلومات إما صادقة وإما كاذبة بينما المعرفة مشروع مستقبلي لم يكتمل. كلّ تراث (بما في ذلك التراث الديني والفلسفي والعلمي) غير مُحدَّد من جراء تنوّعه وإمكانية تفسيره وتأويله بتفاسير وتآويل مختلفة. وبما أنَّ التراث غير مُحدَّد، إذن نحن مَن نحدِّده بما ننتج من تآويل وتفاسير جديدة. من هنا، المعرفة الحقة هي مشروع يطالبنا بتحقيقه بشكل مستمر. ولذلك السوبر تخلف المعرفي (المناقض للمعرفة الحقة) كامن في اعتبار أنَّ المعارف مُحدَّدة سلفاً (بدلاً من أن تكون مشاريع مستقبلية) مما يدفعنا إلى عدم إنتاج أيّة معارف جديدة فيحتِّم بذلك انهيار الحضارة الإنسانية لكونها قائمة على تطوير المعارف والارتقاء بها.
السوبر تخلف المعرفي هو اسغلال التراث الديني والفلسفي والعلمي من أجل نشر الجهل والتجهيل والتعصب من خلال اعتبار أنَّ تراثاً معيّناً هو الصادق دون سواه مما يؤدي إلى رفض الآخرين ويقضي على حرية الفرد في إنتاج إبداعه الخاص والفريد. ومثل ذلك الإصرار على أنَّ نظرية علمية واحدة فقط كنظرية النسبية لأينشتاين هي النظرية الصادقة في الفيزياء دون سواها مما يدفع بنا نحو رفض الآراء العلمية المخالفة لها ويؤدي بنا إلى عدم إنتاج أيّة نظريات علمية جديدة بسبب قناعتنا بصدق تلك النظرية المتاحة لنا في التراث العلمي. أما الحقيقة الحقة فهي أنَّ كلّ الميادين المعرفية والإبداعية والتي من ضمنها العلوم الطبيعية كالفيزياء ليست سوى مشاريع فكرية تطالبنا بإنجازها بشكل مستمر. فلا يقينيات في العِلم مما يفسِّر تغيّر المعارف العلمية وتطوّرها. وبما أنه لا توجد يقينيات في العِلم، إذن العِلم مجرد مشروع مستقبلي يُبنَى على ضوء ما نبني ونصوغ من فكر ونماذج معرفية. وبهذا نستنتج بحق بأنَّ العِلم غير مُحدَّد لأنه مشروع مستقبلي ولذا يحتاج إلينا لكي نحدِّده باستمرار مما يفسِّر تغيّر العلوم المستمر واستدامة الإبداع العلمي.
من المنطلق السابق، السوبر تخلف المعرفي = اعتبار المعرفة مُحدَّدة سلفاً ÷ إنتاج كلّ الأفكار والنظريات الممكنة والمنطقية في الميادين الإبداعية كافة والحائزة على قدرات تفسيرية وعملية ناجحة. وبذلك السوبر تخلف المعرفي يقضي على الحرية الفكرية والإبداع من جراء اعتبار أنَّ المعرفة مُحدَّدة سلفاً فيقضي أيضاً على إنسانية الإنسان الكامنة في الحرية والإبداع. على أساس هذه الاعتبارات، السوبر تخلف المعرفي يؤدي لا محالة إلى انهيار الحضارة القائمة على الإنجازات الإبداعية. فعندما نعتبر أنَّ المعارف مُحدَّدة سلفاً، حينئذٍ سوف نُسجَن بتلك المعارف المُحدَّدة مما يقضي على الحرية الفكرية والإبداع فيحتِّم زوال إنسانيتنا القائمة على الإبداع والحرية.
أما إذا اعتبرنا أنَّ المعرفة غير مُحدَّدة سلفاً على النقيض من السوبر تخلف المعرفي، فحينها سوف تطالبنا المعرفة بتحديدها المستمر مما يضمن استمرارية البحث المعرفي. وفي هذا فضيلة معرفية كبرى. وإذا سعينا في إنتاج كلّ الأفكار والنظريات الممكنة في الميادين الإبداعية كافة (كميادين العلوم الطبيعية والاجتماعية والفلسفية) على النقيض من السوبر تخلف المعرفي، وعلماً بأنَّ كلّ الأفكار والنظريات الممكنة تتضمن الأفكار والنظريات التي لم تُكتشَف بعد، فحينئذٍ نضمن إنتاج أفكار ونظريات جديدة مختلفة عن الأفكار والنظريات الماضوية والسائدة. وفي هذا أيضاً فضيلة معرفية كبرى. هكذا التحرّر من السوبر تخلف المعرفي ضمان استمرارية البحوث المعرفية وضمان إبداع نماذج فكرية ومعرفية جديدة مما يضمن بدوره استدامة تطوّر الحضارة الإنسانية.
لا يكتفي السوبر تخلف المعرفي برفض العِلم والمنطق وسجننا بمعتقدات ماضوية بل أيضاً يستغل المعرفة من أجل نشر الجهل والتعصب. مثل ذلك استغلال معرفتنا بوجود ثقافات مختلفة للاستنتاج بأنَّ الصراع قائم لا محالة بين تلك الثقافات بسبب اختلافها مما يبرِّر سيادة الصراع بين المنتمين إلى ثقافات مختلفة. هكذا في عصور السوبر تخلف المعرفي يتم استغلال المعرفة لنشر التعصب والجهل معاً. فالاستنتاج الحق هو أنَّ الاختلاف الثقافي دليل على غنى الحضارة الإنسانية التي ينتمي إليها كلّ البشر من جراء أنهم يتشاركون في امتلاك الجينات البيولوجية والقدرات العقلية والأخلاقية ذاتها رغم إنتاجهم لثقافات متنوّعة. مثل آخر على استغلال المعرفة لنشر الجهل هو استغلال معرفتنا بأنَّ النظريات العلمية متغيّرة وتُستبدَل بنظريات علمية أخرى مختلفة للاستنتاج بأنَّ العِلم باطل وبذلك لا بدّ من رفضه بدلاً من الاستنتاج بأنَّ تغيّر العلوم دليل على أنَّ العِلم عملية تصحيح مستمرة وفي ذلك فضيلة كبرى تشير إلى مصداقية العلوم.
***
حسن عجمي
الطائفيّة لغةً: مشتقة من كلمة "طائفة"، والتي تعني في معاجم اللغة (مثل لسان العرب والمعجم الوسيط)، الجزء أو القطعة من الشيء، وتُطلق أيضاً على الفرقة أو الجماعة من الناس الذين يجمعهم مذهب، أو رأي، أو رابط مشترك. وهي تدل كذلك على الحركة الدائريّة المغلقة إذ يقال: أطاف فلان بالأمر أي أحاط به، وفي التنزيل: (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا) [الإنسان، آية 15]. وتأتي أيضاً: جماعة من الناس أو الحيوان أو الأشياء. وعند الناس تعني كلمة طائفة، جماعة أو فرقة منهم، قال تعالى: (وإنْ طَائِفَتَاِن مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) [الحجرات، آية 9]. والطائفة من الشيء جزء منه، وفي حديث عمران بن حصين وغلامه الآبق: لأقطعنّ منه طائفاً، أي بعض أطرافه. (1).
والطائفيّة اصطلاحاً: هي "كيان اجتماعي قائم بذاته، متماسك بلحمته الداخليّة، عميق الجذور في وجوده". وبناءً عليه تُعتبر الطائفة، هي الوحدة الاجتماعية الأولى (دينيّة كانت، أو مذهبيّة، أو عرقيّة، أو سياسيّة). وهي مدخل الفرد ومعبره باتّجاه المجتمع والدولة. وهذا ما يساهم في تجذير وبلورة التعصب الأعمى والانغلاق الفكري، ورفض الآخر المختلف، والسعي لإقصائه. ففي الطائفيّة يُغلّب الأفراد في الطائفة مصلحة طائفتهم على مصلحة الوطن والمجتمع الأكبر. وقد نجد الطائفة الواحدة قائمة في عدّة مجموعة عرقيّة أو دينيّة في مناطق وبلاد مختلفة في لغاتها وانتماءاتها.
من خلال النظر في العوامل الأساسيّة لتشكل وظهور (الطائفيّة)، نجد أنها ليست من إنتاج (الطائفة) بل العكس. فالطائفية هي التي تستدعي الطائفة من وعي الناس، وتعيد إنتاجها ككيان مشخص له مصالحه المشتركة في شروط تاريخيّة وسياسيّة يفرضها الزمن المعيش، أهمها فشل الدولة الوطنيّة من خلال عجز مؤسساتها السياسيّة والثقافيّة والاقتصاديّة، عن دمج الجماعات أو مكونات المجتمع في هذه الدولة على أساس المواطنة، وغالباً ما نجد في أي محيط اجتماعي يتسم بالتعدديّة الدينيّة والطائفيّة والمذهبيّة بروز تناقضات وصراعات سياسيّة أو طبقيّة، تؤدي إلى استثمار الهويّة الطائفيّة في الصراع على الدولة من أجل الوصول إلى السلطة وإثبات الذات أمام الآخر المختلف الذي يتحول إلى عدو ضمناً، ليتطور هذا الاختلاف لاحقًا ويتحول إلى صراع على تاريخ البلاد ومشكلة "نحن" مقابل "هم". وغالباً ما تتدخل أو تستدعى قوى خارجيّة لدعم هذا الطرف أو ذاك في صراعها الداخلي.
إذاً في مثل هذه الدول البعيدة في تكوينها عن أسس الدولة المدنيّة، أي عن دولة المواطنة والمؤسسات... الدولة التي يُحترم فيها الدستور، ويُقاضا أو يُحاكم الحاكم والمحكوم معاً عند الخروج عن قواعدها، نجد في مثل هذه الدولة (الما قبل دولة)، بروز المرجعيات التقليديّة لقيادة الدولة وفق مصالها الأنانيّة الضيقة، وليس وفقاً لمصلحة (مجموع مكونات الدولة) الدينيّة والعرقيّة والقبيليّة والعشائريّة، وتأتي الطائفيّة موضوع بحثنا أنموذجاً لذلك.
نعم.. ففي بنية الدولة الطائفيّة، لا مجال لتكافئ الفرص في قيادة الدولة والمجتمع، فالولاء لسلطة الطائفة الحاكمة يأتي قبل الكفاءة، ومن يوالي هذه السلطة الطائفيّة ويعمل وفق أجندتها، هو بالضرورة شخصيّة مهزوزة ومهزومة في داخلها وانتهازيّة، تبحث عن الجاه والسلطة، وتحقيق مصالحها الماديّة الأنانيّة الضيقة.
وفي الدولة الطائفيّة تغيب سلطة القانون، وتفرض سلطة المسؤول. فالمسؤول هنا هو ومن يحتمي به، هما فوق القانون في الغالب، وهذا ما يؤدي إلى غياب عمليّة فصل السلطات الدستوريّة والتنفيذيّة والقضائيّة عن بعضها، بحيث تصبح كلها تحت أمرة السلطة الحاكمة المتفردة بالسلطة، وعليه تغيب العدالة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة وحتى الثقافيّة.
فعلى المستوى الاجتماعي: يأتي أبناء الطائفة الحاكمة في مقدمة الترتيب الاجتماعي، بل نجد هناك الكثير من مكونات المجتمع الأخرى تبدأ بمحاباتها والتزلف لها، ومحاولة الالتصاق بها طائفيّاً.
وعلى المستوى الاقتصادي، تبدأ الثروات تتراكم عند أبناء الطائفة الحاكمة والموالين لها من أبناء مكونات المجتمع الأخرى، إما بسبب السيطرة على البنية الاقتصاديّة، أو بسبب استغلال مناصب الدولة ونهب ثرواتها بطرق غير قانونيّة، كالرشاوى والطرق المختلفة للفساد.
وعلى المستوى السياسي: تغيب دولة المؤسسات والمواطنة كما بينا في موقع سابق، وتتفرد الطائفة بالسلطة من خلال سيطرتها على المفاصل الحساسة في الدولة وخاصة (الجيش). بحيث تصبح الطائفة الحاكمة فوق القانون والدستور من الناحية العمليّة، ولا يمكن لأي قوى سياسيّة أخرى أن تمارسها حقها الدستوري في قيادة الدولة والمجتمع إلا بعد أخذ رضا السلطة الطائفيّة.
وعلى المستوى الثقافي: تغيب الثقافة العقلانيّة التنويريّة، وتُفلتر الثقافة بشقيها الوضعي والديني وفق ما يخدم طبيعة السلطة الطائفيّة الحاكمة، ويبدأ العمل على الانتقاء من (التراث) ما يخدم تجسيد البنيّة الدينيّة المعبرة عن أصول الطائفة الحاكمة، بشكل مباشر أو غير مباشر، وهذا ما يدفع أبناء الطوائف الأخرى للاشتغال على فكر طوائفهم أيضا، وهنا مع غياب الثقافة الوطنيّة والقوميّة، وثقافة المواطنة ودولة القانون، تتجسد ثقافة الأساطير والخرافات المشبعة بالحقد والكراهية تجاه المختلف، وهذا ما يدخل الدولة والمجتمع في نهاية المطاف في حالات من الصراع المباشر وغير المباشر، بل الدخول بحروب أهليّة تأكل الأخضر واليابس معا.
***
د. عدنان عويّد
كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.
....................
الهوامش:
1- الطّائفيّةُ في اللّغة والاصطلاحِ: بحثٌ في الجذور والمرتكزات وآفاق التّجاوز. موقع. مؤمنون بلا حدود للبحوث والدراسات).
دروس وتحديات بناء إطار يساري واسع
المدخل: كتب هذا النص في شباط 2026 للنشر في دورية يسارية عراقية، غير أن تأخر النشر جاء بسبب الظروف الإقليمية المتقلبة التي تعصف بالمنطقة. وعلى الرغم من أن النص يتخذ من التجربة العراقية مدخلاً تحليلياً، فإن ما يطرحه يتجاوز الحالة العراقية وحدها، إذ تشترك كثير من دول الشرق الأوسط ودول الجنوب العالمي في وقائع متقاربة: حركات احتجاجية جماهيرية واسعة واجهت صعوبات جدية في التحول إلى قوة سياسية منظمة، ويسار أثبت حضوراً ميدانياً لافتاً في الشارع رغم تشتته، في حين تظل التحديات التنظيمية والانتخابية وضعف العمل المشترك قائمة وتستدعي المعالجة. العراق هنا نموذج للتأمل والاستفادة، والسؤال المطروح أوسع بكثير من حدوده الجغرافية.
وفي هذا السياق، تستحق التجربة المغربية الراهنة الإشارة والتأمل، إذ تقدم نموذجاً حياً ومتجدداً في مسار الحوار والعمل المشترك بين القوى اليسارية. فقد جاء تأسيس "تحالف اليسار" بين مجموعة من القوى اليسارية المغربية تتويجاً لمسار طويل من التنسيق والعمل المشترك، معبراً عن إرادة سياسية واضحة لتجاوز حالة التشتت التي عرفها اليسار خلال السنوات الأخيرة، ومستنداً إلى رصيد نضالي وتاريخي مشترك. وقد أكدت الأحزاب المشاركة أن طبيعة المرحلة وما تطرحه من تحديات سياسية وحقوقية واجتماعية تفرض تعزيز العمل الوحدوي، وإطلاق مبادرات مشتركة ونفَس نضالي موحد دفاعاً عن الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وتدرك القوى المشكِلة لهذا التحالف أن المرحلة المقبلة تستوجب التجديد الفكري والسياسي وتطوير أساليب النضال، وصياغة برنامج عملي موحد يجيب عن أسئلة العمل والصحة والتعليم والسكن والعدالة وغيرها من متطلبات الجماهير الكادحة.
هذا النموذج المغربي، رغم خصوصية سياقه، يحمل دلالة رمزية ورفاقية مهمة لكل قوى اليسار في المنطقة: التوحد ممكن حين تتقدم الإرادة السياسية على حسابات الحزبية الضيقة. وفي هذا الإطار تحديداً، تجدر الإشارة إلى أن قوى وشخصيات يسارية عراقية عقدت قبل أيام اجتماعاً موسعاً، في خطوة تسير في الاتجاه ذاته، وتعبر عن إدراك متنامٍ بأن لحظة المراجعة والعمل المشترك والتوحد باتت ضرورة لا تحتمل التأجيل. التجربتان، المغربية والعراقية، وإن اختلفتا في سياقهما وأدواتهما، تلتقيان في جوهر واحد: الوحدة والإرادة الرفاقية المشتركة هي وحدها القادرة على تحويل الغضب الاجتماعي وعدالة القضية إلى قوة سياسية منظمة وفاعلة.
وتتناول هذه المساهمة تجربة اليسار العراقي والكردستاني، انخراطاً في الحوار الرفاقي الجاري حول إمكانيات بناء إطار يساري موحد قادر على استعادة دوره التاريخي وتجديد حضوره الفاعل.
السياق والإشكالية المحورية
ثمة جملة من النقاط التي تستحق النقاش المعمق، وتسهم في فهم الفجوة بين الزخم الجماهيري والتنظيمات اليسارية:
- مسألة الحضور والتأثير: أسهم اليسار بفاعلية ملموسة في الساحات أفراداً وكوادر، وتبقى مسألة تطوير هذا الحضور نحو قوة سياسية موحدة ذات استراتيجية معلنة محوراً جديراً بالبحث والتداول.
- إدارة الاختلاف الداخلي: الخلافات الداخلية بين تيارات اليسار، حين تدار خارج أطر جماعية بناءة واضحة، ويضخَم التركيز عليها في مقابل تقزيم نقاط الالتقاء الكثيرة، تفضي إلى استنزاف الطاقات في لحظات تستوجب التوحد والتنسيق.
- تطوير الخطاب السياسي: واليات التنظيم: ثمة فرصة حقيقية لتطوير اليات التنظيم والخطاب اليساري كي ينطلق من المعاناة اليومية الملموسة للجماهير، بما يجعله أكثر اتصالاً بالواقع وأقدر على الإقناع والتأثير.
- التنسيق الانتخابي: توزع اليسار على قوائم متعددة ببرامج متقاربة لم ينتج في الغالب التنوع الخلاق المأمول، وتعزيز التنسيق بين هذه القوى يظل ضرورة عملية ملحة.
- بناء المنظمات الجماهيرية: النموذج السائد في بناء المنظمات الجماهيرية يستدعي مراجعة هادئة، إذ يبدو أن دعم النقابات والاتحادات المستقلة الحقيقية يوفر قاعدة أوسع وأكثر استدامة من نماذج "منظمات الواجهة" الحزبية.
- تمكين الشباب والنساء: الدور المحوري الذي اضطلع به الشباب والنساء في الحركات الاحتجاجية يستوجب تعزيز تمثيلهم في هيئات القيادة اليسارية بما يعكس هذا الدور الفعلي.
- الاستثمار في الفضاء الرقمي: المرحلة الراهنة تقدم فرصة سانحة لتطوير الأدوات الرقمية وتوظيفها بفاعلية في معارك الوعي والتواصل مع الأجيال الجديدة.
الأفق العملي المقترح
الحوار والعمل من أجل بناء إطار يساري موحد متعدد المنابر، يقوم على برنامج حد أدنى مشترك يخاطب الجماهير بلغتها اليومية، وبنية تنظيمية مرنة ولامركزية تحترم خصوصية كل مكون، وتمثيل فعلي للشباب والنساء في مواقع القرار، وسياسة رقمية فاعلة تواكب العصر، فضلاً عن ربط مستدام بين العمل الاحتجاجي والمشاركة الانتخابية والنضال النقابي والجماهيري اليومي. والاستفادة من تجارب عالمية من أميركا اللاتينية وأوروبا، تثبت أن الجمع الخلاق بين التوحد والشارع والتنظيم والصندوق هو ما أتاح لقوى يسارية في سياقات صعبة أن تحول الغضب الاجتماعي إلى تغيير سياسي فاعل.
يبقى التوحد في إطار يساري واسع الطريق الأجدى نحو استعادة الدور والتأثير، شريطة أن يقترن بتجديد فكري وتنظيمي عميق يستوعب التحولات الاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة، ويستجيب لتطلعات الأجيال الجديدة، ويرسي اليسار فكرياً وتنظيمياً على أسس متجددة قادرة على مخاطبة أسئلة الحاضر وتحديات المستقبل.
مقدمة: الحركات الاحتجاجية والمطلبية وتحدي التحول، من الشارع إلى التنظيم
شهد العراق واقليم كردستان خلال العقدين الأخيرين موجات احتجاجية متعددة عبرت عن غضب جماهيري عميق ضد الفساد والمحاصصة وتدهور الخدمات. لكن انتفاضة تشرين 2019 شكلت اللحظة الأبرز والأكثر تأثيراً، إذ لم تكن مجرد موجة احتجاج عابرة، وانما تحولاً نوعياً في وعي قطاعات واسعة من المجتمع، خاصة الشباب، تجاه طبيعة السلطة وإمكانيات التغيير. لأول مرة منذ عقود، استعادت الشوارع والساحات دورها كفضاء سياسي حقيقي ومركز لإنتاج الخطاب والتنظيم والمبادرة.
خرجت الجماهير في هذه الاحتجاجات من موقع المتلقي السلبي إلى موقع الفاعل المباشر. كانت المطالب واضحة: الخبز، الكرامة، العدالة الاجتماعية، العمل، الخدمات، وإنهاء منظومة المحاصصة والفساد والاستبداد. مطالب نابعة من التجربة اليومية القاسية لجماهير دفعت ثمن عقود من الحروب والحصار والنهب المنظم. في قلب الاحتجاجات والمظاهرات، كان اليسار العراقي بكل تياراته حاضراً بشكل فاعل.
ومع كل هذه الاحتجاجات، وما رافقها من رفض واسع من قطاعات كبيرة من الجماهير للسلطات الحاكمة في بغداد واربيل، ومع نتائج انتخابات نوفمبر 2025 التي لم تحصل فيها القوائم اليسارية على اي مقعد برلماني، يبرز السؤال الجوهري بوصفه ضرورة سياسية لا يمكن تأجيلها: لماذا لم يتمكن اليسار، رغم عدالة خطابه وعمق حضوره في الشارع، من تحويل هذا الزخم الجماهيري الى قوة سياسية منظمة؟ ولماذا بقي عالقاً في الدفاع والانقسام، بدل الانتقال الى موقع المبادرة والتوحد؟
الإجابة لا تختزل بعوامل خارجية فقط، رغم أهميتها. نعم، النظام السياسي معادٍ للتغيير، قائم على المحاصصة الطائفية، محمي بالسلاح والميليشيات والمال السياسي، ومسنود بشبكات إقليمية ودولية. نعم، القمع كان دموياً وممنهج، واستهدف بشكل مباشر النشطاء والناشطات وقوى التغيير واليسار بشكل خاص. لكن هذا، على فداحته، لا يعفي اليسار من مسؤولية مراجعة أدواته وأشكال عمله ومنهجه في قراءة الواقع والتعامل معه.
الحركات الاحتجاجية والمطلبية كشفت إمكانات جماهيرية هائلة للتغيير الاجتماعي، لكنها كشفت أيضاً نقاط الضعف في البنى التنظيمية القائمة، والفجوة بين الخطاب اليساري كما ينتج داخل التنظيمات وبين وعي الجماهير كما يتشكل في الشارع. كشفت أن عدالة القضية وحدها لا تكفي إذا لم تقترن بأدوات تنظيمية مرنة ومعاصرة، وتوحيد للطاقات، وخطاب مفهوم، واستخدام فاعل للأدوات الرقمية، واستراتيجية واضحة تربط بين الاحتجاج والعمل السياسي والنضال اليومي في المجتمع.
هذه الورقة لا تسعى إلى تقديم أجوبة جاهزة أو وصفات سحرية، وإنما تحاول المشاركة في الحوار الجاري حول تجربة اليسار العراقي في تعامله مع آليتي التغيير الأساسيتين: الانتخابات والحركة الاحتجاجية، ومحاولة طرح أفق عمل والمساهمة في بناء استراتيجية يسارية قادرة على التجديد والتوحد واستعادة الثقة والتأثير والدور التاريخي.
أولاً: الحركات الاحتجاجية واليسار، فرصة تاريخية وتحديات تنظيمية
1. اليسار في قلب الحركات الاحتجاجية
لا يمكن قراءة الحركات الاحتجاجية والمطلبية التي شهدها العراق وإقليم كردستان خلال العقدين الأخيرين، بمعزل عن الدور الذي لعبه اليسار العراقي والكردستاني فيها. فبعيداً عن المبالغة أو التقليل، كان اليسار جزءاً فاعلاً من البنية الحقيقية لهذه الاحتجاجات. كان في الساحات منذ الأيام الأولى، شارك في التنظيم، وفي إدارة الفضاء الاحتجاجي، وفي الدفاع عن سلمية الحراك، وفي مواجهة محاولات الاختراق، سواء من قبل السلطة أو من قوى تريد حرف المسار.
في ساحات بغداد، والناصرية، والبصرة، والنجف، والديوانية، وأربيل والسليمانية ومدن أخرى، لعب اليسار دوراً مهماً في بناء أشكال تنظيم أفقي غير هرمية، اعتمدت المبادرة الذاتية والتنسيق اليومي والعمل التطوعي. ظهرت خبرة تراكمت عبر سنوات من النضال السري والعلني، في كيفية إدارة التظاهرات، وتنظيم الصفوف، والتعامل مع القمع، وصياغة الشعارات. كما كان لليسار حضور واضح في اللجان الإعلامية، في نقل صورة ما يجري، وفي كسر احتكار الرواية الرسمية، وفي ربط ما يحدث محلياً بسياقه الإقليمي والدولي.
لكن، ورغم هذا الحضور الكثيف والمؤثر عبر موجات الاحتجاج المتعاقبة، بقي اليسار حاضراً كأفراد وكوادر وناشطين، أكثر مما كان حاضراً كقوة سياسية منظمة موحدة ذات قيادة واضحة واستراتيجية معلنة. هذا التناقض بين الحضور الفعلي والضعف التنظيمي الموحد لم يكن تفصيلاً ثانوياً، وإنما شكل أحد مفاتيح الفهم الأساسية. فاليسار كان في قلب الحدث، لكنه لم يكن في موقع قيادته السياسية الشاملة، ولم يتمكن من تحويل حضوره الميداني إلى مرجعية تنظيمية قادرة على توحيد المسار، أو على الأقل طرح أفق تقدمي واضح له.
برأيي ان هذا الوضع لم يكن نتيجة صدفة، وإنما نتاج تراكم طويل من إشكاليات التنظيم، والتردد في التعامل مع أشكال الحراك الجديدة، والخوف من اتهامات الهيمنة أو الوصاية على الشارع. كثير من قوى اليسار فضلت البقاء في موقع الدعم الخلفي، أو الاندماج الكامل في الفعل الاحتجاجي دون إظهار هوية سياسية واضحة، اعتقاداً منها أن ذلك يحمي الاحتجاجات من التشويه، أو يحافظ على طابعها الجماهيري. لكن هذا الخيار، رغم نواياه الحسنة، قد ساهم عملياً في ترك فراغ سياسي وتنظيمي، سرعان ما ملأته قوى أخرى، أو تحول إلى حالة من التشتت واللاقرار.
2. لماذا لم يتحول زخم الحركات الاحتجاجية إلى قوة سياسية يسارية؟
إن السؤال المركزي الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا لم يتمكن اليسار من تحويل هذا الزخم الهائل وهذه التضحيات الجسيمة عبر موجات الاحتجاج المتعاقبة إلى قوة سياسية منظمة قادرة على الاستمرار والتأثير؟ لماذا ضعفت الحركات الاحتجاجية على مستوى النتائج السياسية دون أن تنتج إطاراً يسارياً أو تقدمياً موحداً، أو حتى قوة انتخابية قادرة على اختراق المشهد؟
دخل اليسار العراقي والكردستاني الحركات الاحتجاجية وهو يحمل في داخله انقسامات عميقة وغير محسومة حول طبيعة الحراك نفسه وآلياته. هذه الانقسامات لم تظهر فجأة، لكنها انفجرت بوضوح في سياق هذه الاحتجاجات. الخلاف لم يكن فقط حول التكتيك، وإنما حول الرؤية الاستراتيجية للحراك ذاته. هل يجب الاستمرار في الاحتجاج حتى إسقاط النظام؟ أم الانتقال تدريجياً نحو أشكال تنظيمية أكثر استقراراً؟ وما هي العلاقة بين الساحات والتنظيمات القائمة؟
من خلال متابعاتي لاحظت ثلاثة اتجاهات داخل اليسار. اتجاه رأى ضرورة تحويل زخم الاحتجاج إلى بنية تنظيمية مستدامة، قادرة على حماية المكتسبات والاستمرار بالنضال والمشاركة من خلالها في الانتخابات. اتجاه آخر دعا إلى البقاء في الشارع حتى تحقيق التغيير الجذري، معتبراً أن أي انتقال مبكر نحو التنظيم قد يفرغ الحراك من مضمونه الثوري. واتجاه ثالث تردد بين الخيارين، دون حسم واضح، ما أدى إلى خطاب ملتبس، ومواقف متغيرة، وفقدان البوصلة.
هذا الانقسام لم يدَر بوصفه اختلافاً صحياً داخل إطار موحد، وإنما تحول إلى صراع علني استنزف طاقات كبيرة، وخلق حالة من الارتباك لدى الجماهير المحتجة.
عدم القدرة على بناء تحالفات اجتماعية واسعة
من أبرز نقاط الضعف في تجربة اليسار خلال الحركات الاحتجاجية، وفي تشرين كمثل مهم وحي، عدم قدرته على بناء تحالفات اجتماعية واسعة ومستقرة. صحيح أن الحراك كان متنوعاً بطبيعته، وضم فئات مختلفة، لكن هذا التنوع لم يتحول إلى تحالف منظم. اليسار لم ينجح في مد جسور دائمة وقوية مع الحركات الجماهيرية والمدنية المستقلة، ولا مع النقابات العمالية و المهنية، ولا مع قطاعات اجتماعية واسعة مثل النساء، والعاطلات والعاطلين عن العمل، وسكان الأحياء الفقيرة، والطلبة.
كان لطبيعة الحراك ذاتها دور في هذه الصعوبة. فقد سادت في ساحات الاحتجاج نظرة "اللاتحزب" بقوة، حيث تحفظ كثير من المحتجين والمحتجات من العمل السياسي الحزبي بأشكاله كافة، نتيجة تجارب سلبية متراكمة مع الأحزاب التقليدية. هذا الموقف، وإن كان مفهوماً في سياقه، خلق حاجزاً نفسياً أمام أي محاولة لبناء أطر تنظيمية، حتى لو كانت مستقلة ومرنة. اليسار لم يتمكن من تقديم نموذج تنظيمي بديل يكسر هذا التحفظ، ويقنع المحتجين بأن التنظيم ليس بالضرورة هيمنة حزبية، وإنما أداة ضرورية لحماية الحراك واستدامته.
جزء من هذه النتائج يعود إلى القمع والقيود المفروضة، لكن جزءاً آخر يعود إلى ضعف العمل القاعدي طويل النفس، وإلى الميل للاكتفاء بالحضور في لحظة الانفجار، دون بناء تنظيم مستدام قبلها وبعدها. على عكس تجارب عالمية عديدة، حيث شكلت النقابات والحركات الاجتماعية العمود الفقري للتحالفات اليسارية، بقيت هذه القوى في العراق إما محاصرة، أو مهمشة وضعيفة، أو خارج الحسابات الفعلية.
النتيجة أن الحركات الاحتجاجية والمطلبية، رغم عظمتها، بقيت إلى حد كبير حركة بلا امتداد تنظيمي موحد على صعيد البلد، وبلا ذراع قادر على حمايتها، واستثمار زخمها، والدفاع عن مكتسباتها. وهذا ما سهل على السلطات، مع مرور الوقت، تفكيكها بالقمع، والاغتيالات، والاختراقات، والارهاق النفسي والاجتماعي، وإعادة ترتيب أوراقها.
3. هل يمكن للحركة الاحتجاجية وحدها أن تحقق التغيير؟
التجارب التاريخية تؤكد أن الاحتجاج شرط ضروري للتغيير، لكنه غير كافٍ. الاحتجاج يفتح النافذة، لكنه لا يضمن عبور الضوء. بدون تنظيم سياسي قادر على استثمار اللحظة، تتحول الاحتجاجات إما إلى انفجارات متكررة بلا نتائج، أو إلى حركات يتم احتواؤها أو قمعها.
في الربيع العربي، سقطت أنظمة واهتزت سلطويات راسخة، لكن غياب البديل المنظم حول لحظة الشارع إلى فراغ سياسي، ففتحت الطريق أمام الفوضى أو عودة الاستبداد بصيغ جديدة. المشكلة لم تكن في الجماهير، بل في ترك الانتفاضات بلا أفق طبقي وتنظيمي. في المغرب، كشفت انتفاضة جيل Z في المغرب 2025 هذا التناقض، جيل احتج على الغلاء والتهميش مستخدماً أدوات رقمية وخطاباً اجتماعياً مباشراً، لكنه اصطدم بحدود الفعل غير المؤطر سياسياً، فتم تفريغ الغضب دون تحول بنيوي. في أميركا اللاتينية، نجحت الحركات حين جمعت بين الشارع وصناديق الاقتراع، وحافظت على الضغط الجماهيري والتنظيم القاعدي. في أوروبا، خرجت أشكال تنظيم جديدة من رحم الاحتجاجات، أعادت تعريف العلاقة بين الشارع والمؤسسات، وخلقت توازنات جديدة داخل النظام القائم. هذه التجارب تؤكد أن الاحتجاج وحده لحظة ناقصة ما لم يتحول إلى قوة منظمة ذات أفق اجتماعي تحرري.
الدرس واضح من التجربة العراقية والتجارب الإقليمية والعالمية: الاحتجاج يخلق الفرصة، لكن التنظيم السياسي هو من يحولها إلى تغيير فاعل ومؤثر وجذري.
ثانياً: الانتخابات كآلية للتغيير، قراءة في التجربة
1. قراءة نقدية في نتائج انتخابات 2025
لم يكن عدم حصول القوائم اليسارية والتقدمية على أي مقعد برلماني في انتخابات نوفمبر 2025 مجرد نتيجة انتخابية سلبية، وإنما كان تعبيراً مكثفاً عن إشكاليات بنيوية تتطلب المعالجة في العلاقة بين اليسار والمجتمع، وفي أدوات العمل السياسي المستخدمة. هذه النتيجة لا يمكن تفسيرها فقط بالقانون الانتخابي المجحف، ولا بسيادة المال السياسي، ولا بالتزوير والتلاعب، رغم أن كل هذه العوامل حقيقية ومؤثرة جدا. ما حدث هو نتيجة تفاعل هذه العوامل مع إشكاليات تنظيمية داخلية، لم يتمكن اليسار من خلاله تحويل عدالة مشروعه إلى خيار جماهيري مقنع.
إشكاليات الموارد
الاهم كان الفارق الهائل في الموارد والإمكانيات. فمقابل الإمكانيات المحدودة جداً لليسار، كانت القوى المتنفذة تمتلك موارد مالية ضخمة، وماكينات انتخابية متطورة، وشبكات واسعة من المحسوبية والمنافع. ضعف التمويل لدى اليسار، وضعف البنية التحتية الانتخابية من مكاتب محلية ومندوبين وحملات إعلامية وميدانية منظمة، جعل المنافسة غير متكافئة إلى حد بعيد. في مواجهة قوى تمتلك المال السياسي والنفوذ الإداري والإعلامي، بدت الإمكانيات اليسارية المتواضعة عاجزة عن خلق توازن حقيقي في المعركة الانتخابية.
هذا الواقع ساهم في استمرار الحضور الهامشي لليسار مقارنة بالقوى المتنفذة، وأضعف العملية الانتخابية ذاتها، وعزز الشعور بالعجز حتى لدى المؤيدين والمؤيدات أنفسهم.
تحديات الخطاب والتواصل: من النظرية إلى الواقع
كانت تحديات الخطاب والتواصل واضحة وكاشفة. استمر الخطاب الانتخابي لقوى اليسار في معظم الاحيان في استخدام لغة نظرية نخبوية، غير متجذرة في الواقع اليومي الملموس للجماهير. بدت كثير من البرامج الانتخابية أقرب إلى بيانات فكرية مطولة منها إلى خطط عمل سياسية واضحة. لكن المشكلة الأعمق لم تكن في اللغة فحسب، وإنما في المنهج نفسه: الانطلاق من النظريات نحو الواقع، بدلاً من الانطلاق من الواقع الملموس نحو فهمه وتغييره. فبدلاً من الاستماع لمعاناة الناس اليومية وبناء البرنامج انطلاقاً منها، جاءت البرامج محملة بتصورات جاهزة عما "يجب" أن يكون، دون اعتبار كافٍ لما هو ممكن في ظل موازين القوى الطبقية والسياسية القائمة.
لم يتم تبسيط الرسالة، ولم تترجَم الشعارات الكبرى إلى إجابات مباشرة على أسئلة الناس اليومية حول العمل، والراتب، والكهرباء، والصحة، والتعليم، والسكن. والأخطر من ذلك أن اليسار استمر في طرح "الحلول المطلوبة"، دون تقديم "الحلول الممكنة" العملية والتدريجية التي يمكن تحقيقها في المدى القريب. فالجماهير لا تبحث فقط عن رؤية مثالية للمستقبل، وإنما عن خطوات واضحة قابلة للتطبيق تحسن حياتها اليوم، وتمنحها الأمل بأن التغيير ممكن فعلاً. في سوق سياسي يعتمد على الصورة والرسالة السريعة والتواصل المباشر، بدا اليسار وكأنه يخاطب نفسه أو يخاطب تياراً يسارياً آخر يختلف معه، أكثر مما يخاطب شغيلات وشغيلة اليد والفكر بلغتهم البسيطة وبحلول تلامس واقعهم المعاش.
التشتت والارتباك: مظاهر الأزمة في انتخابات 2025
في انتخابات 2025، لم يكن الفشل ناتجاً فقط عن ضعف الأصوات، وإنما عن تشتتها وعن حالة التشوش التي رافقت المشهد اليساري. قاطع جزء من اليسار الانتخابات، وهو خيار مفهوم في ظل فقدان الثقة بالعملية السياسية وحدودها، لكنه عملياً ساهم في زيادة الارتباك الجماهيري بدلاً من أن يتحول إلى موقف تعبوي منظم.
لكن التشوش لم يأتِ من الخارج فقط؛ فحتى داخل الأحزاب اليسارية المشاركة نفسها، قاطعت نسبة كبيرة من أعضائها وعضواتها الانتخابات، ما عكس عمق الأزمة التنظيمية والسياسية وفجوة الثقة بين القواعد والقيادات. في المقابل، القوى اليسارية المشاركة كانت موزعة على قوائم متعددة، ببرامج متقاربة وخطابات متشابهة. هذا التشتت لم ينتج تنوعاً خلاقاً، وإنما ارباكاً جماهيرياً. فالجماهير لا تبحث عن تعدد صيغ متشابهة للمشروع اليساري، وإنما عن بديل واحد واضح يمكن الوثوق به وفهمه والدفاع عنه. وحين تقدَم لها نسخ متعددة من المشروع نفسه دون إطار جامع أو أفق مشترك، تتحول العدالة ذاتها من وعد تحرري إلى مصدر ارتباك.
فجوة الثقة الجماهيرية
أما فجوة الثقة الجماهيرية، فهي الأكثر خطورة. الجماهير لم تصوت لخصوم اليسار بالضرورة، لكنها في الغالب لم تر في اليسار بديلاً واضحاً ومتماسكاً. كثير من الناس شاركوا في الاحتجاجات الجماهيرية، وقدموا تضحيات جسيمة، لكنهم لم يجدوا في الانتخابات تعبيراً سياسياً عن تلك التجربة. لم يجدوا من يقول لهم بوضوح: نحن امتداد لذلك، وهذه هي خطتنا، وهذه هي أولوياتنا، وهذه هي أدواتنا.
يضاف إلى ذلك أن مشاركة بعض القوى اليسارية في حكومات ما بعد 2003، رغم محدودية تأثيرها الفعلي في صنع القرار، خلقت لدى قطاعات من الجماهير انطباعاً بارتباط جزء من اليسار بالمنظومة السياسية القائمة. هذا الانطباع، وإن كان لا يعكس حقيقة الدور الفعلي أو النوايا، ساهم في إضعاف صورة اليسار كبديل جذري معارض خارج السلطة. الجماهير المحتجة، التي خرجت ضد المنظومة بأكملها، كانت تبحث عن قوة سياسية لا لبس في موقعها من السلطة، قوة لم تتلوث بأي شكل من أشكال المشاركة في نظام المحاصصة والفشل الحكومي المتراكم. هذا الفراغ لم يملأه أحد، فبقيت صناديق الاقتراع شبه خالية من الصوت اليساري.
التحدي الرقمي والضعف في استثمار الثورة التكنولوجية
ربما كانت إحدى أخطر نقاط الضعف في التجربة الانتخابية لليسار في العراق واقليم كردستان هي لم يستثمر في الثورة الرقمية واستخدامها بفعالية. في عصر تدار فيه جزء كبير من المعارك السياسية عبر الفضاءات الرقمية، وتصاغ فيه الرأي العام من خلال المنصات الاجتماعية، بقي اليسار يعمل بأدوات تقليدية تحتاج تطوير. صحيح أن بعض القوى اليسارية امتلكت مواقع الكترونية وحسابات على وسائل التواصل، لكن الحضور الرقمي لم يكن فاعلا بالمستوى المطلوب، ولا منظماً، ولا قادراً على المنافسة. لم تبنَ فرق محتوى متخصصة، ولا أدوات لتحليل التفاعل وقياس الأثر، ولا خطط لمواجهة الحملات المضادة أو التشويه الممنهج. في الوقت الذي كانت فيه القوى المنافسة تستثمر بشكل فاعل في الإعلانات الموجهة، والبيانات الضخمة، وتقنيات التأثير النفسي، كان اليسار يكتفي بمنشورات وبيانات نصية طويلة، لا تصل إلى الجمهور المستهدف. هذا التأخر لم يكن تقنياً فحسب، وقد عكس فجوة في فهم طبيعة الصراع المعاصر، حيث لم يعد كافياً امتلاك الحق، بل يجب امتلاك القدرة على إيصاله بلغة العصر وأدواته.
إشكالية تمثيل النساء في القيادات اليسارية
هنا تبرز إشكالية عميقة في تمثيل النساء ضمن الهيئات القيادية لليسار في كافة التنظيمات، رغم أنهن يشكلن أكثر من نصف المجتمع، ورغم حضورهن الفاعل والمؤثر في القواعد التنظيمية والعمل الميداني. النساء كن جزءاً أساسياً من البنية الاحتجاجية، ودفعن ثمناً باهظاً من التضحيات. وفي التنظيمات اليسارية نفسها، تشكل النساء نسبة لا بأس بها من الكوادر الفاعلة، ومن القيادات الفعلية على مستوى القواعد والمحافظات. لكن هذا الحضور الميداني الكثيف لم ينعكس بشكل عادل على مستوى الهيئات القيادية العليا، حيث يبقى تمثيل النساء محدوداً، وأحياناً رمزياً، دون صلاحيات حقيقية في صنع القرارات المهمة التي تبقى في الغالب بيد الرجال. هذا التناقض بين الدور الفعلي والتمثيل الرسمي لا يضعف اليسار تنظيمياً فحسب، وإنما يفقده جزءاً كبيراً من مصداقيته في الحديث عن العدالة والمساواة. القضية ليست أخلاقية فقط، وإنما سياسية وفكرية: كيف يمكن لليسار أن يطالب بتغيير المجتمع وهو لم يحقق المساواة داخل بناه؟ وكيف يمكنه أن يكسب ثقة النساء في المجتمع وهن يرين أنفسهن مغيبات عن مراكز القرار الفعلي داخل تنظيماته؟
إشكالية تمثيل الشباب وضعف القيادات الشابة عن مراكز القرار
تعاني قوى اليسار من تحد كبير في تمثيل الشباب داخل بنيتها القيادية. رغم ان معظم الاحتجاجات الجماهيرية هي في جوهرها انتفاضات شبابية، قادها جيل جديد بأدوات جديدة ووعي مختلف، الا ان هذا الواقع لم ينعكس على بنية القيادات اليسارية وصنع القرار فيها. معدل اعمار القيادات المعلنة في معظم التنظيمات اليسارية يتجاوز الستين عاما، وحتى في الحالات التي يشارك فيها الشباب في مواقع تنظيمية، فان حضورهم يبقى غالبا خارج الواجهة السياسية، ودون دور مركزي وحاسم في رسم الاستراتيجيات او اتخاذ القرار.
هذا الخلل لم يكن مسألة اعمار فقط، وانما انفصال في اللغة، والادوات، وفهم التحولات الاجتماعية العميقة. الشباب الذين خاضوا الاحتجاجات والمظاهرات المطلبية بأجسادهم، وصنعوا خطابها بأصواتهم، وجدوا أنفسهم غالباً في ادوار التنفيذ والعمل الميداني، دون مشاركة فعلية في التخطيط وتحديد الاتجاه العام. هذا التهميش البنيوي، حتى عندما لم يكن مقصودا، دفع كثيرين منهم الى العزوف عن الاطر التقليدية، والبحث عن اشكال تنظيم بديلة أكثر افقية ومرونة. النتيجة ان اليسار لم يستثمر جزءا كبيرا ومهما من طاقته التجديدية، وبقي محبوسا في دائرة اعادة انتاج نفس الانماط القيادية، بينما الجيل الذي كان يفترض ان يكون في القلب، ظل على الهامش او خارج اطر اليسار.
2. هل الانتخابات آلية غير صالحة للتغيير؟
يميل جزء من اليسار إلى اعتبار الانتخابات في العراق اداة عقيمة، او مسرحية محسومة النتائج سلفا. هذا التقييم يستند الى وقائع حقيقية، لكنه يصبح اشكاليا عندما يتحول الى موقف مبدئي ثابت، غير قابل للنقاش او المراجعة. الانتخابات، بوصفها الية، ليست تقدمية ولا رجعية بحد ذاتها. هي ساحة صراع، يمكن استخدامها لتعزيز الهيمنة، كما يمكن استخدامها لاختراقها، بدرجات متفاوتة.
التجارب العالمية تثبت ان اليسار نجح في اختراق انظمة انتخابية أكثر قسوة، عندما امتلك استراتيجية واضحة. في اميركا اللاتينية، وفي اماكن اخرى من الجنوب العالمي، لم تكن الانظمة اقل تعقيدا او هيمنة، لكن اليسار تمكن من تحويل الانتخابات الى اداة من بين ادوات اخرى، لا بديلا عن النضال الاجتماعي، ولا نقيضا له. المشكلة في العراق لم تكن في الانتخابات وحدها، وانما في كيفية دخولها، وباي ادوات، وباي خطاب، وباي تحالفات، وعند الحصول على المقاعد كيف تكون اليات العمل داخل البرلمان.
الانتخابات لا تصنع التغيير الجذري بمفردها، لكنها يمكن ان تكون احدى ساحاته. رفضها المطلق قد يكون موقفا اخلاقيا، لكنه سياسيا قد يؤدي الى العزلة. المشاركة غير المدروسة قد تؤدي الى الاحتواء. التحدي الحقيقي هو بناء قدرة على استخدام هذه الالية دون الوقوع في فخها، اي ربطها بحركة جماهيرية اجتماعية حية، وبرنامج واضح، وتنظيم قوي، يحول كل مكسب صغير الى رافعة أكبر.
ثالثاً: تشتت النقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية وضعف الاستقلالية
من اهم الاشكاليات البنيوية العميقة التي اثرت على قدرة اليسار العراقي في بناء قاعدة اجتماعية واسعة ومستقرة، التشتت الحاد في المنظمات الجماهيرية، وخاصة النسوية والطلابية والنقابات والاتحادات العمالية والمهنية. هذا التشتت كان جزء مهم منه نتيجة مباشرة لمنهج عمل سائد لدى معظم قوى اليسار، يقوم على بناء نقابات ومنظمات جماهيرية كواجهات سياسية مباشرة لها، وليس كمنظمات مستقلة حقيقية تعبر عن مصالح قطاعاتها الاجتماعية.
كان من المفترض الحذر من هذا النهج، خاصة في بلد له تجربة مريرة مع النقابات المسيَسة إبان الحقب الدكتاتورية السابقة، حيث تحولت إلى أدوات للسيطرة بدلاً من تمثيل مصالح الجماهير. الموقف السلبي من النقابات المسيَسة ما زال حاضراً في الذاكرة الشعبية، وما زالت السلطة في بغداد والإقليم تتبع النهج نفسه. لكن الحل لم يكن أن يقوم اليسار بالمثل، وإنما أن يكسر هذا النمط ويقدم نموذجاً مختلفاً يقوم على الاستقلالية الحقيقية والديمقراطية والتعددية.
منظمات الواجهة والبديل المستقل
ركزت معظم التنظيمات اليسارية على إنشاء نقاباتها واتحاداتها ومنظماتها الخاصة، وأحياناً أنشأ الحزب الواحد أكثر من منظمة في القطاع نفسه لأسباب تتعلق بالصراعات الداخلية. النتيجة كانت مشهداً مفككاً من عشرات المنظمات الصغيرة، كل منها تدعي تمثيل نفس القطاع، لكن دورها يبقى محدوداً ومرتبطاً بقوة الحزب الذي يقف خلفها. هذا النهج أضعف المنظمات من مضمونها الحقيقي: النقابة التي تبنى لخدمة حزب معين تفقد قدرتها على تمثيل العمال بتنوعهم، والمنظمة النسوية تفقد قدرتها على جذب نساء من خارج دائرة الحزب، والاتحاد الطلابي يصبح ساحة للصراعات الحزبية.
إن بناء نقابة مستقلة واحدة قوية تضم عشرات الآلاف، أفضل ألف مرة من بناء مجموعة نقابات صغيرة تابعة لأحزاب يسارية مختلفة. النقابة المستقلة ستدافع عن الحقوق بفعالية أكبر، وستكسب ثقة أوسع، وستخلق مناخاً أكثر تقدمية، وهذا يصب في صالح المشروع اليساري، حتى لو لم تكن لليسار سيطرة مباشرة على قيادتها وعلى عملها.
الاتفاقيات الدولية كقاعدة عملية لبناء نقابات واتحادات ديمقراطية مستقلة
كان الاجدى توجيه الجهود نحو بناء نقابات واتحادات عمالية ومهنية مستقلة حقيقيا، الى جانب منظمات جماهيرية ونسوية مستقلة، تستند في عملها الى المواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الانسان والعمال والمرأة. من بينها الاعلان العالمي لحقوق الانسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقيات منظمة العمل الدولية الاساسية المتعلقة بالحرية النقابية وحق التنظيم، فضلا عن اتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة، وما يرتبط بها من معايير ملزمة لحماية حقوق النساء وضمان مساواتهن الكاملة. كما تشكل هذه الاتفاقيات مرجعية اساسية لعمل المنظمات النسوية المستقلة، بوصفها اطرا قانونية دولية تعترف بحقوق النساء السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتمنح نضالهن بعدا شرعيا يتجاوز السياقات المحلية الضيقة.
ما يرد في هذه الاتفاقيات والمعايير الدولية يتجاوز في كثير من الاحيان ما تطرحه قوى اليسار نفسها من مطالب متقدمة، سواء على صعيد الحقوق العمالية والجماهيرية وحقوق النساء. الاستناد الى هذه المرجعيات لا يوفر اطارا قانونيا واخلاقيا قويا للنضال النقابي والنسوي فحسب، وانما يساهم ايضا في تقليص حساسية واتهامات التسييس الحزبي داخل النقابات والاتحادات والمنظمات الجماهيرية، لان المطالب تتحول من شعارات ايديولوجية عامة الى حقوق معترف بها دوليا، وقابلة للدفاع عنها امام المجتمع والسلطات على حد سواء.
الوعي الجديد وضرورة إعادة النظر
غياب النقابات والاتحادات والمنظمات القوية والمستقلة أضعف اليسار بشكل كبير. فعندما جاءت اللحظات الحاسمة، وجد نفسه في فراغ تنظيمي: لا نقابات قادرة على تحويل التظاهرات والاحتجاجات إلى إضرابات تشل الاقتصاد، ولا حركة طلابية موحدة، ولا منظمات نسوية واسعة النفوذ. بدلاً من ذلك، عشرات المنظمات الصغيرة المتنافسة.
الجماهير، خاصة الشباب والشابات في ساحات الاحتجاج، لم تعد تثق بنقابات ومنظمات "الواجهة"، وفضلت أشكال التنظيم الأفقية والمبادرات المستقلة. بل أن جزءاً كبيراً بات ينفر من التنظيمات الحزبية عموماً، وهي ظاهرة تستحق الدراسة بدلاً من مواجهتها بالرفض. الزمن تغير، والجماهير اليوم تتجه نحو المنظمات المستقلة المتعددة المنابر والتي تحترم استقلاليتها ولا تفرض خطوطاً حزبية جاهزة. هذا يفرض إعادة نظر جذرية. الخيار لم يعد بين بناء واجهة تابعة أو عدم العمل الجماهيري، بل بين الاستمرار في التشتت أو الانتقال لدعم نقابات واتحادات مستقلة قوية، يعمل فيها اليساريون كأفراد ملتزمين بقضايا قطاعاتهم.
المفارقة المؤلمة هي أن اليسار يدعو لوحدة الجماهير الكادحة، لكن هذه السياسة أدت من غير قصد إلى تشتت الجهود. الطريق إلى الوحدة لا يمر عبر تعدد المنظمات التابعة، بل عبر بناء نقابات واتحادات ومنظمات مستقلة قوية تجمع الجميع، بغض النظر عن انتماءاتهم الفكرية والقومية والدينية، حول مصالحهم المشتركة.
رابعاً: نحو استراتيجية متكاملة، الجمع بين المسارات، وتوحيد اليسار
1. تجاوز الاختزال: الاحتجاج والانتخابات والتنظيم النقابي
من أبرز التحديات التي واجهت اليسار العراقي خلال الحركات الاحتجاجية الأخيرة، التعامل مع سؤال: هل الأولوية للانتخابات أم للاحتجاج؟ هذا السؤال، بصيغته هذه، يمكن أن يعكس قصوراً في التفكير الجدلي، وفي فهم التغيير بوصفه عملية مركبة متعددة المستويات والأدوات. فالتاريخ لا يقدم أمثلة على تغيير اجتماعي عميق تحقق عبر آليات نقية ومعزولة، وإنما عبر تداخل مستمر بين الشارع، والتنظيم، والمؤسسات، والنضال اليومي.
الاحتجاج، مهما بلغ حجمه، يحتاج إلى أدوات أخرى لتفكيك منظومة معقدة تمتلك الدولة، والسلاح، والمال، والإعلام. وفي المقابل، الانتخابات، مهما كانت نوايا المشاركين فيها، تحتاج إلى ضغط اجتماعي منظم ومستمر لتكون أداة تغيير فعلية. السؤال الأهم ليس أيهما نختار، وإنما كيف نبني استراتيجية تستخدم كل أداة في موقعها، وتربط بينها ضمن رؤية واحدة.
الاستراتيجية المتكاملة تعني وجود حركة احتجاجية مستمرة، غير موسمية، ذات مطالب واضحة، وقادرة على التنظيم الذاتي من خلال نقابات واتحادات جماهيرية مستقلة حقيقياً (وهو ما يتطلب تجاوز نهج "منظمات الواجهة" الحزبية، والتوجه نحو بناء تنظيمات نقابية ديمقراطية تمثل قواعدها فعلياً وليس أجندات حزبية)، وفي الوقت نفسه وجود مشروع يساري سياسي انتخابي موحد، لا بوصفه بديلاً عن الشارع، وإنما امتداداً له. وتعني أيضاً العمل داخل المجتمع، في النقابات، والاتحادات، والأحياء، والجامعات، ومواقع العمل، بوصفها ساحات نضال يومي، لا تقل أهمية عن الساحات العامة أو البرلمان. هذا الدرس يحتاج إلى مزيد من الاستيعاب من التجربة العراقية عبر موجات الاحتجاج المتعاقبة، لتجنب تكرار نفس الإشكاليات في كل لحظة احتجاجية جديدة.
2. دروس من التجارب العالمية للعمل المشترك
التجارب العالمية خلال العقود الأخيرة تقدم دروساً واضحة حول جدوى الجمع بين الاحتجاج والتنظيم والعمل الانتخابي، لا كمسارات متناقضة، وإنما كحلقات في مسار واحد.
في أميركا اللاتينية، لم تصل قوى اليسار إلى السلطة أو إلى مواقع مؤثرة إلا بعد مسار طويل من الاحتجاجات الاجتماعية، التي أنتجت وعياً جديداً، ثم جرى تنظيمه سياسياً.
في كولومبيا، واجه اليسار تاريخاً طويلاً من القمع والعنف. ومع ذلك، لم يتراجع إلى عزلة احتجاجية دائمة، وإنما عمل على بناء تحالف واسع ضم قوى يسارية، ونسوية، وبيئية، ونقابات عمالية وحركات اجتماعية. هذا العمل المشترك، القائم على برنامج حد أدنى واضح، سمح بتحويل الغضب الاجتماعي إلى قوة انتخابية، أوصلت اليسار إلى الرئاسة للمرة الأولى في تاريخ البلاد. الدرس هنا أن الوحدة، حتى بين قوى مختلفة أيديولوجياً، تصبح ممكنة عندما يتم الاتفاق على أولويات ملموسة تمس حياة الجماهير.
في البرازيل، لم يكن إسقاط اليمين المتطرف ممكناً دون تحالف واسع تجاوز الحدود التقليدية لليسار. حزب العمال، رغم قوته التاريخية، أدرك أن العودة إلى السلطة لا تمر فقط عبر قاعدته التقليدية، وإنما عبر بناء جبهة تقدمية واسعة، تستند إلى النقابات، والحركات الاجتماعية، وقطاعات من الطبقة الوسطى. هذا الجمع بين العمل الجماهيري والتنظيم الانتخابي أعاد التوازن السياسي، وأثبت أن البراغماتية النضالية لا تعني التخلي عن المبادئ، وإنما حماية جوهر المشروع.
في تشيلي، ومع الفشل في الانتخابات الاخيرة عام 2025، لم يختف اليسار من المشهد، بل ما زال يحتفظ بحضور اجتماعي ملموس، مستندا الى تحالفاته الواسعة، ودور النقابات والاتحادات، وشبكات العمل الاجتماعي. هذا الحضور يجد جذوره في انتفاضة 2019 ضد النيوليبرالية، التي فتحت الطريق امام اعادة تشكيل المشهد السياسي. غير ان ما حسم المسار لم يكن الشارع وحده، بل القدرة على تحويل هذا الزخم الاجتماعي الى تحالف انتخابي منظم، قاد الى فوز بوريك بالرئاسة. ورغم الانتكاسات اللاحقة وحدود التجربة داخل مؤسسات الدولة، بقي التحالف قائما كقوة سياسية، لان الشارع لم يكن معزولا عن التنظيم، ولان الاحتجاج ارتبط بدور النقابات والاتحادات والعمل الاجتماعي المنظم، ما سمح بالحفاظ على حضور اجتماعي فعلي حتى في لحظات التراجع الانتخابي.
في أوروبا، تظهر تجربة القائمة الموحدة في الدنمارك كنموذج دال. ثلاثة أحزاب يسارية صغيرة، عاجزة منفردة عن اختراق البرلمان، قررت الاندماج في إطار واحد. لم تلغِ اختلافاتها، لكنها أدارتها ضمن بنية مرنة، سمحت بتوحيد الجهد الانتخابي، وبناء حضور جماهيري مستدام. النتيجة كانت انتقال اليسار من الهامش إلى موقع مؤثر، دون أن يتخلى عن جذريته الاجتماعية.
ما يجمع هذه التجارب هو إدراكها أن التغيير لا ينتج من أداة واحدة، ولا من لحظة واحدة، وإنما من تراكم وعمل موحد ومنظم، يجمع بين الغضب الاجتماعي، والتنظيم السياسي، والعمل اليومي داخل المجتمع. كما أن جميعها واجهت انتكاسات وإخفاقات، لكنها لم تعد إلى نقطة الصفر، لأنها بنت أطراً تنظيمية قادرة على التعلم والتكيف.
2. ما الذي يعنيه هذا لليسار العراقي؟؟ ضرورة التقييم العلمي والتجديد الشامل
اليسار العراقي ليس استثناءً من قوانين الصراع الاجتماعي. ما لم ينجح هنا نجح في أماكن أخرى، ليس لأن تلك المجتمعات أفضل أو أسهل، وإنما لأن قوى اليسار فيها امتلكت الشجاعة لإجراء تقييم علمي نقدي لتجاربها، واستثمار التطور المعرفي والأدوات الرقمية الحديثة في فهم الواقع وقياس الأثر، وامتلكت المرونة الكافية لتجديد أدواتها وتطوير خطابها وأشكالها التنظيمية بما يتناسب مع التحولات الاجتماعية. العراق يمتلك طاقات هائلة، ووعياً متقدماً، وتجربة احتجاجية عميقة. ما ينقصه ليس الغضب، وإنما التنظيم، وليس الشجاعة، وإنما المنهج العلمي في التقييم والاستعداد للتجديد الجذري.
ما هو مطلوب اليوم هو تقييم علمي شامل لتجربة اليسار العراقي، يستند إلى تحليل معمق للبيانات المتاحة، وإلى استطلاعات حقيقية لآراء الجماهير وتوجهاتها، وإلى دراسة دقيقة لموازين القوى الطبقية والسياسية. التقييم العلمي لا يعني الاكتفاء بالانطباعات أو التفسيرات الجاهزة، وإنما يتطلب استخدام أدوات التحليل الحديثة، من علوم البيانات إلى الدراسات الاجتماعية الميدانية، لفهم لماذا فشلنا أين نجحنا، وأين أخطأنا، وما الذي يمكن تصحيحه. هذا التقييم يجب أن يقود إلى تجديد فكري وسياسي وتنظيمي عميق، لا يخشى من مراجعة المسلمات القديمة، ولا يتردد في اقتراح حلول جديدة تتسم بالمرونة والقدرة على التكيف مع الواقع المتغير.
المطلوب ليس النقل الميكانيكي لتجارب الآخرين، وإنما الاستفادة منها بما يتناسب مع واقعنا الخاص، وموازين القوى الطبقية والسياسية في العراق وإقليم كردستان، وخصوصية التركيبة الاجتماعية والتاريخ النضالي المحلي. كل تجربة لها سياقها، لكن القوانين العامة للنضال الاجتماعي تبقى صالحة: التوحد، التنظيم، الجمع بين أدوات النضال المختلفة، والارتباط العضوي بالجماهير. والأهم من ذلك، القدرة على التعلم المستمر، والتقييم الدوري، والتطوير الذاتي بناءً على الخبرة المتراكمة والمعطيات الجديدة.
إن الجمع بين الاحتجاج والانتخابات، بين الشارع والمؤسسات، هو ضرورة عملية ملحة مستمدة من قراءة الواقع وموازين القوى. بدون هذا الجمع، سيبقى اليسار يدور في حلقة مفرغة: انفجارات احتجاجية قوية في الشارع لكن محدودة الأثر السياسي المستدام، ومشاركات انتخابية ضعيفة لأنها منفصلة عن قاعدة اجتماعية منظمة.
خامساً: بناء إطار يساري موحد، الضرورة والإمكانيات
لم تعد مسألة بناء إطار يساري موحد في العراق مسألة نظرية أو ترف سياسي نخبوي، وإنما تحولت إلى ضرورة تاريخية انية تفرضها موازين القوى، ونتائج التجارب، وحدود الاستمرار بالصيغة الراهنة. فالتشتت لم يعد مجرد ضعف، وقد أصبح عائقاً فعلياً أمام أي إمكانية للتأثير، ومصدراً دائماً لفقدان الثقة الجماهيرية. التجربة أثبتت أن اليسار، وهو يعمل كجزر منفصلة متصارعة، لم يتمكن من تحويل حضوره الاجتماعي والفكري إلى قوة سياسية منظمة، مهما بلغت عدالة خطابه أو عمق تضحياته.
الإطار الموحد لا يعني إلغاء الاختلافات الفكرية والتنظيمية، ولا صهر الجميع في حزب واحد مغلق. التجارب العالمية تثبت أن الأطر الواسعة الناجحة هي تلك التي أدارت التعدد داخلها، لا تلك التي قمعت الاختلاف. المطلوب هو إطار يقوم على برنامج حد أدنى مشترك، يحدد الأولويات العاجلة، ويترك المسائل النظرية الخلافية للنقاش الديمقراطي، دون أن تتحول إلى سبب للشلل.
هذا الإطار يجب أن يكون مفتوحاً أمام الأحزاب والتنظيمات، كما أمام الأفراد من الناشطين والناشطات غير المنتمين تنظيمياً. نسبة كبيرة من اليساريين واليساريات اليوم يعملون خارج الأطر الحزبية التقليدية، إما بسبب سياسات تنظيمية خاطئة، أو بسبب رفضهم للأشكال التنظيمية الموجودة حاليا أو لأسباب اخرى.
خارطة طريق، أسس عملية لإطار يساري موحد
من يضم التحالف؟ الاتحاد على اساس العمل الاجتماعي لا على الهوية الايديولوجية
الإطار الموحد المنشود يجب أن يكون مفتوحاً وجامعاً، يضم كل القوى اليسارية والتقدمية في العراق وإقليم كردستان، دون استثناء أو إقصاء. هذا يعني الأحزاب والتنظيمات اليسارية بمختلف تياراتها، الشيوعية والاشتراكية والتقدمية والمدنية. كما يضم المنظمات الجماهيرية، من نقابات عمالية ومهنية، واتحادات طلابية، ومنظمات نسوية، وجمعيات حقوقية وبيئية ومدنية، التي تشترك في الرؤية التقدمية والنضال من أجل أكبر قدر ممكن من العدالة الاجتماعية والمساواة. والأهم، أن يكون الإطار مفتوحاً أمام المستقلين والمستقلات، الناشطين والناشطات الذين لا ينتمون لأي تنظيم حزبي، لكنهم يؤمنون بالمشروع ويعملون من أجله.
المعيار هنا ليس الانتماء الأيديولوجي، وإنما الممارسة الفعلية: كل من يعمل ويساهم في تغيير حياة الجماهير نحو الأفضل، ويناضل من أجل المساواة والعدالة الاجتماعية والحقوق والكرامة الإنسانية، هو جزء من معسكر اليسار، بغض النظر عن التسمية التي يحملها أو الخلفية الفكرية التي ينطلق منها. اليسار ليس هوية أيديولوجية مغلقة، وإنما موقف عملي من الواقع، وخيار واضح في الانحياز للجماهير الكادحة. ولابد من إدارة هذا التحالف الواسع ضمن بنية ديمقراطية واضحة، تحترم الخصوصيات، وتبني على المشترك، وتوجه الجميع نحو هدف واحد: تغيير موازين القوى لصالح شغيلات وشغيلة اليد والفكر في كل أنحاء العراق وإقليم كردستان.
اسم بسيط وهوية جامعة
الإطار الموحد يحتاج إلى اسم بسيط، مفهوم، يعبر عن جوهر المشروع دون أن يحمل أعباء المسميات التقليدية التي باتت محملة بتاريخ من الانقسامات والتأويلات المتضاربة. اسم بسيط قريب من الجماهير مثل (تحالف الخبز والحرية) أو غيره من الأسماء الجامعة، يحمل مباشرة معنى المشروع، ويخاطب الجماهير بلغتها اليومية. الهدف ليس إخفاء الهوية اليسارية، وإنما تقديمها من خلال مضمونها العملي، لا من خلال تسمياتها التاريخية. تجارب عالمية عديدة أثبتت أن الأسماء البسيطة، التي تنطلق من المطالب الملموسة، تنجح في بناء جسور أوسع مع المجتمع، وتتجاوز الحواجز النفسية التي خلقتها عقود من الاستقطاب والتشويه الممنهج لكل ما يحمل اسم "اليسار" أو "الشيوعية" أو "الاشتراكية".
برنامج حد أدنى واضح ومباشر
برنامج يركز على ما هو ممكن التحقيق في المدى القريب، دون التخلي عن الأفق الاستراتيجي. خدمات أساسية، عمل، ضمان اجتماعي، حقوق النساء كاملة، تحييد الدين عن الدولة، حماية الحريات، وأكبر قدر ممكن من العدالة الاجتماعية. برنامج قصير، مفهوم، قابل للشرح في الشارع، لا وثيقة نظرية مفصلة. برنامج يبنى من الواقع، ويطور ويعدل باستمرار من خلال الحوار المفتوح مع القواعد الجماهيرية والاستماع لتجاربها اليومية.
بنية تنظيمية مرنة
قيادة جماعية تداولية، لا تتركز فيها السلطة بيد أشخاص أو تنظيمات بعينها. أشكال عضوية متعددة، تتيح الانتماء الفردي والتنظيمي في الوقت نفسه. لامركزية واسعة، تسمح لكل محافظة، وكل قطاع اجتماعي، بإدارة نضاله اليومي ضمن الخط العام. بنية مفتوحة على التجريب، تسمح بأشكال تنظيم جديدة تستجيب لخصوصيات المناطق والفئات الاجتماعية المختلفة، دون أن تفرض نموذجاً واحداً جامداً على الجميع. كل جهة مشاركة تحتفظ باستقلاليتها التنظيمية الكاملة، وبرامجها الخاصة، وعملها التنظيمي خارج الإطار، فيما يبقى الإطار الموحد مساحة للعمل المشترك حول النقاط والأولويات المتفق عليها.
تمكين حقيقي للشباب والنساء
لا عبر الخطاب، وإنما عبر قواعد تنظيمية ملزمة. نسب تمثيل واضحة في الهيئات القيادية، وصلاحيات فعلية في اتخاذ القرار. التجديد لا يحدث تلقائياً، وإنما يفرض تنظيمياً. الشباب والنساء ليسوا فئات مساعدة أو رمزية، وإنما قوة التغيير الفعلية. هذا يعني اعتماد آليات ملزمة مثل القيادة التداولية بين النساء والرجال، ونظام المناصب المزدوجة في الهيئات القيادية حيث يشغل كل منصب قيادي رجل وامرأة معاً بصلاحيات متساوية. وبالمثل، يجب تخصيص نسب إلزامية لتمثيل الشباب تحت سن الأربعين في كل المستويات القيادية، مع منحهم صلاحيات حقيقية في اتخاذ القرارات. التمكين الحقيقي يعني أن يكون للشباب والنساء دور فعلي في رسم السياسات وتحديد الأولويات، وليس مجرد حضور شكلي او بدور محدود.
سياسة إعلامية ورقمية حديثة
الفضاء الرقمي اليوم ساحة صراع طبقي مركزية. الإطار الموحد يجب أن يمتلك منصاته، وفرق محتواه، وقدرته على تحليل التفاعل، وقياس الأثر، واستخدام الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي لفهم الجمهور. الخطاب يجب أن يكون بسيطاً، مباشراً، مرتبطاً بالواقع اليومي، دون التخلي عن العمق السياسي. الاستثمار الفاعل في التطوير الرقمي ضرورة وجودية الان، والتأخر فيه يعني الغياب الفعلي عن ساحة المعركة السياسية المعاصرة.
ربط الاحتجاج بالعمل اليومي
بناء لجان شعبية في الأحياء، والعمل داخل النقابات والاتحادات مع مراعاة استقلاليتها، وربط القضايا المحلية بالمشروع السياسي العام. بهذا فقط يتحول الإطار من كيان انتخابي موسمي إلى قوة اجتماعية دائمة. العمل اليومي في حل مشاكل الناس الملموسة، من انقطاع الماء إلى البطالة إلى التمييز، هو ما يبني الثقة الحقيقية ويحول الشعارات إلى خبرة حية.
آليات حل الخلافات وإدارة الاختلاف
الإطار الموحد لن يكون خالياً من الخلافات، وهذا أمر طبيعي وصحي. المشكلة ليست في وجود الاختلاف، وإنما في ضعف آليات ديمقراطية واضحة لإدارته. يجب أن يتضمن الإطار قواعد ديمقراطية لحل النزاعات الداخلية، تمنع تحولها إلى صراعات علنية تؤثر على الوحدة وتشوش العمل السياسي والجماهيري.
سادساً: الخاتمة، التوحد والتجديد - طريق استعادة الدور التاريخي
بالتأكيد بناء إطار موحد لليسار لن يكون مساراً سهلاً، وهو أمر يدركه كل من تابع تاريخه ونضالاته الطويلة في مواجهة الاستبداد والاستغلال، وكذلك اشكالاته ونقاط ضعفه. فالتحديات الموضوعية حاضرة بقوة، من قمع سياسي، ومال انتخابي طاغٍ، وإعلام مهيمن، وانقسام مجتمعي عميق. إلى جانب ذلك، توجد تحديات ذاتية لا تقل أهمية، تتجلى في صعوبة التجديد والتغيير داخل بعض التنظيمات اليسارية، والحذر من فقدان المواقع، وتضخيم الخلافات الثانوية، والتمسك بالأشكال القديمة التي تحتاج إلى تطوير لمواكبة الواقع الجديد.
مواجهة هذه التحديات تتطلب وعياً عميقاً بطبيعة الأزمة، وإرادة سياسية حقيقية، واستعداداً للتجربة والتطور. لا توجد وصفة جاهزة أو حلول سحرية. ما يوجد هو مسار طويل، يحتاج صبراً، وشجاعة تنظيمية، وقدرة صادقة على النقد الذاتي، وهي صفات طالما ميزت اليسار في لحظات صعوده التاريخي.
بعد سنوات من الاحتجاجات الجماهيرية والمطلبية ونتائج انتخابات 2025، يقف اليسار العراقي والكردستاني أمام مفترق طرق حاسم. إما الاستمرار في المسار نفسه بنتائج معروفة، أو خوض مشروع التجديد والتوحد بكل ما تحمله من مخاطر وإمكانيات. الحركات الاحتجاجية أعادت التذكير بالدور التاريخي لليسار كضمير اجتماعي وقوة دفع للتغيير، وأثبتت أن الجماهير مستعدة للنضال، وأن الخوف ليس قدراً. وفي الوقت نفسه، كشفت أن الغضب وحده لا يكفي، وأن العدالة من دون تنظيم تبقى طاقة غير مستثمرة.
المطلوب اليوم يسار موحد يمتلك شجاعة مراجعة نفسه دون التخلي عن جوهره الطبقي والإنساني. يسار يدرك أن الصراع تغيرت أدواته، وأن السياسة لم تعد تدار في الميادين فقط، وإنما أيضاً في الفضاءات الرقمية، وفي معارك الوعي المختلفة. يسار يجمع بين الاحتجاج والعمل الانتخابي، بين خبرة التاريخ وضرورات التجديد.
في هذا السياق، لا بد من الإشادة بالدور النضالي والتاريخي لقوى اليسار العراقي والكردستاني على امتداد عقود طويلة. هذه القوى، التي كان لي الفخر والشرف أن أناضل في صفوف الكثير منها، هي بدون استثناء من أنزه القوى السياسية في العراق وإقليم كردستان. قدمت تضحيات جسيمة، ودفعت أثماناً باهظة من دماء كوادرها وقياداتها، وظلت على الدوام في موقع الدفاع عن شغيلات وشغيلة اليد والفكر، ضد كل أشكال الاستبداد والاستغلال والطائفية والفساد. مهما كانت الاختلافات التكتيكية أو النظرية، يبقى هذا التاريخ النضالي رصيداً جماهيرياً وإنسانياً لا يمكن إنكاره أو التقليل من قيمته.
لكن الوفاء لهذا التاريخ لا يكون فقط بالحنين إليه، وإنما بالبناء عليه. النقد الذي تطرحه هذه الورقة ليس انتقاصاً من هذه القوى، وإنما دعوة رفاقية لها كي تستعيد دورها التاريخي في صيغة معاصرة. فالسؤال اليوم لم يعد هل نملك الفكرة الصحيحة، فاليسار لطالما امتلكها، بل كيف نحولها إلى أدوات فعالة قادرة على التأثير وتحسين حياة الجماهير. التاريخ يكافئ من استطاع تحويل الأفكار العادلة إلى قوة مادية منظمة.
التوحد ليس خياراً بين خيارات، وإنما طريق أساسي لاستعادة الدور والتأثير. لكن التوحد وحده لا يكفي، إذا لم يقترن بتجديد فكري وتنظيمي عميق. المطلوب ليس فقط جمع القوى المتشتتة تحت سقف واحد، وإنما إعادة بناء اليسار على أسس جديدة، تستوعب التحولات الاجتماعية والتكنولوجية، وتستجيب لوعي الأجيال الجديدة، وتتجاوز الأشكال التنظيمية التي تحتاج إلى تطوير للإجابة عن أسئلة العصر. التجديد يعني مراجعة الخطاب، وتحديث الأدوات، وإعادة التفكير في العلاقة بين تنظيمات اليسار والمجتمع، وفي أشكال القيادة، وفي آليات اتخاذ القرار، وغيرها.
هذا المشروع التوحيدي التجديدي لا يلغي الخصوصيات، ولا يفرض الذوبان، وإنما يبني على المشترك، ويحترم التعدد، ويوجه الطاقات نحو الهدف الأساسي المشترك الان: بناء العراق بما فيه إقليم كردستان القائم على الديمقراطية ودولة المؤسسات والمواطنة والمساواة، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، والحرية الحقيقية لكل مواطناتها ومواطنيها. هنا يكمن التحدي الحقيقي أمام اليسار العراقي والكردستاني اليوم، وهنا أيضاً يفتح أفق الحركات الاحتجاجية معناه العميق، إذا امتلكنا الشجاعة للسير فيه معاً، متحدين في التنوع، مجددين في الفكر والتنظيم، وأقوياء في الوحدة.
***
رزكار عقراوي
من أشدّ المآسي التي يمكن أن يتعرض لها الإنسان أن يُعاقَب في انتمائه قبل أن يُعاقَب في جسده أو رزقه. فالسجن قد يسلبه حريته زمناً، والمنفى قد يبعده عن أرضه مسافة، لكن سحب الجنسية يحاول أن يسلبه شيئاً أعمق من ذلك كله، وهو حقه في أن يكون ابناً لوطنه. ولعلّ أكثر ما يثير الألم في هذه الظاهرة أنها كثيراً ما تُمارَس بحق أشخاص لم يكونوا عالةً على أوطانهم، بل كانوا من أبرز صُنّاع صورتها الثقافية والروحية. فالتاريخ يذكر كيف جُرِّد الشاعر التركي "ناظم حكمت" من جنسيته في ظل السياسات الكمالية في تركيا، كما شهد العراق في مراحل من تاريخه الحديث تهديدات وإجراءات مشابهة طالت أو كادت تطال أسماء كبيرة في المشهد الثقافي، ومن بينها الشاعر الراحل "محمد مهدي الجواهري". وفي العقود الأخيرة شهدت بعض الدول العربية حالات سحب جنسية من شخصيات سياسية وثقافية وفنية معروفة، كما حدث في البحرين والكويت وغيرهما، وصولاً إلى حالات أثارت جدلاً واسعاً بسبب استهدافها شخصيات أدبية وفكرية تركت بصمتها الواضحة في الحياة الثقافية. وآخرها ما تناقلته وسائل الإعلام عن سحب الجنسية عن القاص والروائي "طالب الرفاعي".
غير أن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن في آثارها القانونية والإدارية وحدها، بل في النسق الفكري العميق الذي ينتجها ويمنحها شرعيتها. فالدولة الحديثة، من حيث المبدأ، تقوم على فكرة المواطنة؛ أي على اعتبار الانتماء الوطني حقاً أصيلاً يعلو على الحكومات ويتجاوز الأشخاص والأنظمة. أما حين تلجأ السلطة إلى سحب الجنسية من مواطنيها بسبب آرائهم أو مواقفهم أو اختلافهم معها، فإنها تكشف عن بقاء تصورات أقدم من الدولة الحديثة نفسها، تصورات تنتمي إلى عقلية الرعية أكثر مما تنتمي إلى عقلية المواطنة.
وفي ظل هذه العقلية لا يُنظر إلى المواطن بوصفه شريكاً في الوطن، بل تابعاً للسلطة. ولا يُنظر إلى الجنسية بوصفها رابطة قانونية وتاريخية وإنسانية، بل امتيازاً تمنحه الدولة لمن تشاء وتسحبه ممن تشاء. وهنا يتحول الوطن، في الوعي السياسي للسلطة، من كونه فضاءً مشتركاً لجميع أبنائه إلى ما يشبه الملكية الخاصة التي تحتكر تعريف الانتماء إليها وتوزيع صكوك الاعتراف بأبنائها. وهنا يكون سحب الجنسية ليس مجرد إجراءٍ قانونيٍّ، بل هو فعلٌ رمزيٌّ شديدُ القسوة. فالسلطة التي تلجأ إليه لا تكتفي بمعاقبة الفرد على موقف أو رأي، وإنما تحاول نفيه من الجماعة الوطنية ذاتها، وكأنها تحتكر تعريف الوطن وتحتكر حق توزيع الانتماء وسحبه. ولذلك فإن هذه العقوبة تبدو أقرب إلى محو الهوية منها إلى إنفاذ القانون، وأقرب إلى الانتقام الرمزي منها إلى تحقيق العدالة.
واللافت للنظر أن بعض الدول التي تتوسع في منح الجنسية لأسباب سياسية أو ديموغرافية أو اقتصادية، هي نفسها التي لا تتردد أحياناً في سحبها من مواطنين أصليين بسبب خلاف سياسي أو موقف فكري أو نشاط ثقافي معارض. وهنا تتكشف مفارقة أخلاقية مؤلمة؛ إذ تصبح الجنسية التي تُمنح للغريب بقرار إداري قابلة للانتزاع من ابن البلد الذي ولد على أرضه وأسهم في بناء ثقافته وذاكرته الوطنية. وكأن المشكلة ليست في الجنسية ذاتها، بل في مقدار القرب أو البعد من السلطة.
ولأن المثقف يمثل ضمير المجتمع وذاكرته النقدية، فإنه كثيراً ما يكون هدفاً لهذه السياسات. فالأنظمة القلقة من النقد لا تنظر إلى الشاعر أو الروائي أو المفكر بوصفه ثروة وطنية، بل بوصفه مصدراً محتملاً للإزعاج. ولهذا لم يكن غريباً أن يكون كثير من ضحايا هذه السياسات من أصحاب الأقلام الحرة والكلمات المستقلة. فالكلمة التي تعجز السلطة عن إسكاتها بالسجال الفكري قد تحاول إسكاتها بوسائل أخرى، من بينها التشكيك بحق صاحبها في الانتماء إلى وطنه.
أما الأثر الأخطر لهذه السياسة فلا يقع على الفرد وحده، بل يمتد إلى المجتمع كله. فحين يرى الكاتب أو الفنان أو الباحث أن رأياً مختلفاً قد يعرّضه لفقدان أبسط حقوقه الوطنية، تتسع دوائر الخوف وتضيق مساحات الحرية، وتترسخ الرقابة الذاتية، ويغدو الصمت أكثر أمناً من التفكير، والمجاملة أكثر ربحاً من الصراحة. وهكذا تخسر الأوطان أهم مصادر حيويتها وتجددها، لأنها تدفع بعقولها الحرة إلى العزلة أو المنفى أو الصمت؛ لأنَّ الدول الواثقة من نفسها لا تخشى الكلمة، ولا تنافس مواطنيها على ملكية الوطن، لأنها تدرك أن الانتماء الوطني أوسع من الولاء السياسي، وأن الاختلاف مع السلطة لا يعني الخروج من الجماعة الوطنية. أما الأنظمة المرتابة فإنها كثيراً ما تخلط بين الدولة والحكومة، وبين الوطن والسلطة، وبين المواطنة والطاعة، فتجعل من الانتماء الوطني أداة للمكافأة والعقاب. ومن هنا فإن سحب الجنسية لا يكشف عن قوة الدولة كما قد يتوهم البعض، بل يكشف عن هشاشتها العميقة. فالدولة القوية لا تحتاج إلى نفي أبنائها من السجل الوطني كي تثبت حضورها، ولا تحتاج إلى معاقبة الانتماء كي تفرض هيبتها. أما الدولة التي تخشى مواطنيها إلى هذا الحد، فإنها تعلن من حيث لا تشعر أزمة ثقة بينها وبين مجتمعها.
فالوطن ليس منحة من حاكم، ولا هبة من حكومة، ولا جائزة تُمنح للمصفقين وتُنتزع من المعترضين. وقد تستطيع سلطة ما أن تصادر جواز سفر أو تلغي وثيقة جنسية، لكنها تعجز عن مصادرة ذلك الانتماء العميق الذي يتكون عبر العمر كله في الوجدان والذاكرة واللغة والثقافة. ولهذا تبقى الجنسية في جوهرها اعترافاً قانونياً بحقيقة أعمق منها، هي حقيقة الانتماء الوطني. فإذا تحولت إلى أداة هيمنة سياسية، فإن المتضرر الحقيقي لا يكون الفرد وحده، بل فكرة الوطن نفسها. وعندما يُعاد تعريف الوطن على مقاس السلطة، وتُختزل هويته في إرادتها، يصبح الجميع مُهدَّدين بفقدان حقوقهم متى ما تغيرت موازين القوة. وحينذاك لا يعود الوطن بيتاً لجميع أبنائه، بل يتحول إلى مساحة امتيازات تديرها السلطة وفق ما تراه مناسباً، وهو أخطر ما يمكن أن تصاب به فكرة المواطنة في أي مجتمع.
***
د. وسام حسين العبيدي
................
* طالب الرفاعي يُعد من أبرز كتّاب الرواية والقصة القصيرة في الكويت والخليج العربي. درس الهندسة المدنية في جامعة الكويت، ثم حصل لاحقًا على دراسات عليا في الكتابة الإبداعية، وصدرت له روايات ومجموعات قصصية عديدة تُرجمت بعض أعماله إلى لغات أجنبية. كما تولّى رئاسة لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية) في دورتها الثالثة، وأسّس «جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية» وأسهم في تنشيط الحركة الثقافية الكويتية والعربية.
الانخلاع السيادي وتفكيك الميتا-ديناميكية الوظيفية بالفضاء الرافديني
دراسة تفكيكية نقدية في سيكولوجية الاستلاب الولائي، تزييف الوعي التاريخي، وحتمية التعامل البراغماتي الندّي في أتون الصراع الإقليمي الراهن (2026)
مُقَدِّمَة كَوْنِيَّة: فِي أَنطُولُوجْيَا الكِيَانِ وَالارْتِدَادِ الوَظِيفِيِّ
يخضع الكيان الجيوسياسي للدول ذات العمق التاريخي الممتد لحتمية الوجود في الذات وللذات، حيث تُعد السيادة المطلقة جوهراً ثابتاً لا يقبل التجزئة، أو التفويض، أو الإنابة الوظيفية. بيد أن المشهد الرافديني المعاصر يشهد مأزقاً استعصائياً بالوجدان السياسي المتمثل في الانخلاع السيادي؛ وهو ارتداد بنيوي تمارسه طبقة من النفعيين ووكلاء الهيمنة الإقليمية — ما يُصطلح عليه في الأدبيات الشعبية بـالذيول والوطجية — الذين استبدلوا المركزية الوطنية بالعواطف الميتافيزيقية الساذجة، مقدمين المصالح الاستراتيجية العليا لطهران على حساب النخاع الشوكي للأمن القومي العراقي.
إن هذا التفكيك الفلسفي لا يقترب مطلقاً من بيضة العقيدة الشيعية، التي تمثل ركناً ركيناً وجزءاً أصيلاً ومحترماً من الهوية الرافدينية المتجذرة، بل يشرّح بدقة جراحية الأدلجة النفعية التي توظف المقدس الديني لتمرير التبعية الجيوسياسية العمياء.
يقول الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه في تفكيك سيكولوجية الخنوع:
إن العبيد دائماً ما يبتكرون أخلاقاً تبرر مأزقهم الوجودي، فيسمون التبعية وفاءً، ويدعون الانقياد عرفاناً، ليتجنبوا مشقة مواجهة الحرية والكبرياء الذاتي.
المِحْوَرُ الأَوَّل: سردية 2014 ومغالطة الائتمان الأخلاقي (تفكيك الجيوسياسة الأمامية)
تتكئ المنظومة التبريرية لهؤلاء الوكلاء على حدث مفصلي يتلخص في اجتياح تنظيم داعش الإرهابي لمدن عراقية عام 2014، حيث يجري تصوير التدخل الإيراني آنذاك كأنه منحة إيثارية مبرأة من المصالح. إن الفحص الإبستمولوجي والجيوسياسي الصارم لهذا الادعاء يسحق هذه البروباغندا. ففي عقيدة الدول الكبرى والإقليمية، لا تتحرك الجيوش بناءً على المواجد العاطفية، بل تنفيذاً لنظرية الدفاع الاستباقي الأمامي (Forward Pre-emptive Defense). لقد أدركت طهران أن سقوط بغداد يعني وصول النيران إلى تخومها الغربية، فحاربت في العمق الجغرافي العراقي لحماية أمنها القومي الذاتي، مستخدمة الجغرافيا الرافدينية كمصد استراتيجي بشري وعسكري لحروبها بالوكالة.
ولم يكن هذا التدخل مجانياً؛ إذ تشير وثائق ومقارنات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) إلى أن طهران استنزفت مليارات الدولارات سُحبت نقداً من الخزينة العراقية المنهكة لقاء ذخائر وعتاد تقليدي متهالك من مخلفات العهد السوفيتي، وبأسعار مضاعفة فرضتها حاجة بغداد الحرجة.
في المقابل، قدمت منظومة دولية واسعة وغربية (تضم بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وأستراليا، وإيطاليا، وكندا، وبلجيكا) غطاءً جوياً كثيفاً، ومعلومات استخباراتية لحظية عبر الأقمار الصناعية، ومنظومات عسكرية متطورة بالمجان بالكامل، دون مطالبة باقتطاع السيادة أو رهن القرار السياسي، لكونهم استوعبوا الخطر الإرهابي كمهدد عالمي يتطلب تدميره دون استثمار تجاري.
يقول الحق تبارك وتعالى في محكم تنزيله حاسماً مآل الركون لبطانات المصالح الخارجية التي تبتغي إعنات الأمة:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118]
تؤكد الآية الكريمة بلغة قاطعة أن التخلي عن البطانة الداخلية المستقلة والارتهان للآخر يورث الخبال واستنزاف المقدرات.
المِحْوَرُ الثَّانِي: سيكولوجية التمجيد المعكوس وانشراخ الذاكرة الوطنية
تبلغ السريالية السياسية ذروتها الفلسفية عندما يعمد الوطجية ووكلاء التبعية إلى رفع رموز وقادة عسكريين أجانب إلى مصاف التقديس والتبجيل والتمجيد المطلق. إن هذه الظاهرة تمثل تجسيداً حاداً لما يُعرف في الفلسفة السياسية بـالمازوخية السياسية (Political Masochism)؛ إذ بالعودة إلى الأرشيف التاريخي والتوثيقي لحرب الثمانينات (1980-1988)، يجد الباحث الصارم أن هؤلاء القادة والموجهين الأجانب أنفسهم كانوا فاعلين أساسيين ومشاركين مباشرين في قيادة الآلة العسكرية التي استهدفت الدولة العراقية وسفكت دماء الجنود العراقيين على السواتر.
إن تبجيل الخصم التاريخي وتحويله إلى أيقونة وطنية هو تزييف متعمد وممنهج لوعي الأجيال، وانشراخ حاد في الذاكرة الجماعية للأمة، حيث يُراد للتابع أن ينسى دماء آبائه ليرسخ التبعية كأصل وجودي والسيادة كفرع طارئ.
وفي هذا الصدد، يضع علي بن أبي طالب في عهده الخالد لمالك الأشتر دستوراً صارماً للاعتماد على الذات ورفض التبعية الحليفة المستنزفة، حيث يقول:
مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ طَالَ جُوعُهُ، وَمَنِ اسْتَعَانَ بِبَاطِلِ خَصْمِهِ ضَاعَ حَقُّهُ، وَلَا تَأْمَنَنَّ عَدُوَّاً قَارَبْتَهُ لِحَاجَةٍ، فَإِنَّ العَدُوَّ يَنْظُرُ السُّوءَ وَيُبْطِنُ الغَدْرَ.
المِحْوَرُ الثَّالِث: معادلة الانتحار الاستراتيجي وحرب المحاور في عام 2026
يتكشف العوار البنيوي والتهديد المباشر للأمن القومي العراقي اليوم، في ظل اشتعال الصراع والمواجهة الإقليمية الشاملة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. فبينما تقف طهران موقفاً براغماتياً حذراً يحمي أراضيها وبنيتها التحتية، يندفع التابعون في الداخل العراقي لرهن مقدرات البلاد وزج الفضاء الرافديني في أتون هذه المحرقة المدمرة.
إنهم يقدمون الدعم اللوجستي، والعسكري، والجغرافي، والاقتصادي لخدمة هذا المحور الإقليمي بالمجان وبلا مقابل استراتيجي، معرضين البنى التحتية، والمنشآت النفطية، والسيادة الجوية العراقية لضربات انتقامية ساحقة لا تخدم سوى أمن طهران.
وهنا يبرز السؤال الفلسفي والجيوسياسي الحارق: لماذا لا نُعاملهم بالمِثل نداً بندّ؟ لماذا يُطلب من العراق أن يكون ساحة التضحية المجانية والوقود المستعر لحروب الآخرين، بينما تُباع له أبسط وسائل الدفاع بأثمان باهظة؟ إننا العراق؛ مهد الحضارات الأولى، ومركز الثقل الجغرافي والسياسي في الشرق الأوسط، ولسنا ملحقاً جغرافياً أو صدى صوت لعاصمة أخرى. إن مقتضيات السيادة والواقعية السياسية الصارمة تحتم على بغداد النأي الكامل بالنفس عن صراع المحاور، وإدراك أن الدم العراقي والمقدرات الوطنية ليست أوراق تفاوض تُمنح مجاناً على طاولة الصراعات الإقليمية.
يقول الفيلسوف الإيطالي نيكولو مكيافيللي في أطروحته السياسية الأمير:
إن الحاكم الذي يعتمد على قوات أجنبية أو يربط مصير دولته بحروب حلفائه الخارجيين، يضع عنقه في حبل مشنقة لا يملك طرفه الآخر، لأن هؤلاء الحلفاء يبحثون عن مغانمهم في السلم ويجعلون من أرضك درعاً لهم في الحرب.
إن هذا التحليل الصارم يمثل وثيقة تحليلية خطيرة تضرب في عمق شبكات المصالح الوظيفية التي تقتات على تغييب السيادة الوطنية. إن علم الجيوسياسة علم بارد وصارم، لا يحمي المغفلين، ولا يعترف بدموع الوفاء الأخلاقي المزيف بين الدول. إن استعادة مركزية الدولة العراقية وتفكيك منصات التبعية يمثلان ممرّاً إجبارياً للحفاظ على الوجود السيادي. سيبقى هذا المقال صرخة معرفية وفلسفية في وجه الوطجية والتابعين، ليؤكد أن الكبرياء الرافديني عصي على التذويب، وأن قرار بغداد يجب أن يُصنع في بغداد وحسب، رعايةً لمصالح شعبها وحمايةً لمستقبل أجيالها.
المِحْوَرُ الرَّابِعُ: بِدْعَةُ وِلَايَةِ الْفَقِيهِ وَالْجَائِحَةُ الْجِيُوسِيَاسِيَّةُ (تَفْكِيكُ الْهَيْكَلَةِ الثِّيُوقْرَاطِيَّةِ)
لا يكتمل التوصيف الإبستمولوجي للانخلاع السيادي العراقي دون الولوج إلى الجَذْر الأيديولوجي الذي يغُذّي هذا الارتكاس، والمتمثل في نظرية ولاية الفقيه المطلقة (حكومت إسلامي). إن هذه النظرية، عند إخضاعها للمشرحة الفقهية والتاريخية، لم تكن يوماً أصلاً عقائدياً إجماعياً، بل هي بدعة سياسية مُستحدثة صاغها آية الله الخميني في سياق حركي خاص لشرعنة الدولة الثيوقراطية في إيران. إنها تفريغ فج للمفهوم التقليدي للانتظار الشيعي، وتحويل الغيبة إلى سلطة زمنية مطلقة تُركّز الصلاحيات الإلهية والبشرية في يد فرد واحد خارج الحدود الجغرافية والقومية للأمم.
لقد أنتج تمدد هذه البدعة في الفضاء الرافديني دماراً استراتيجياً ومجتمعياً شاملاً، يمكن رصده عبر المستويات البنيوية التالية:
مَحْوُ النِّطَاقِ السِّيَادِيِّ (The Sovereignty Erasure): تقوم عقيدة ولاية الفقيه على إلغاء مفهوم الدولة-الأمة (Nation-State) والحدود المعترف بها دولياً. فبموجب هذه الأدلجة، يصبح الحاكم في طهران هو ولي أمر المسلمين، مما يعني تلقائياً تحويل الحكام والمسؤولين والجيوش في الدول المجاورة، كالعراق، إلى مجرد رعايا ومأمورين يأتمرون بأمر المرشد الأعلى. هذا التداخل يضرب المادة الأولى من الدستور العراقي التي تؤكد على السيادة المطلقة، ويجعل القرار الوطني رهيناً لمشيئة الولي الفقيه ومصالحه القومية الفارسية المغلّفة برداء مذهبي عابر للحدود.
الانْشِقَاقُ الْفِقْهِيُّ وَتَقْوِيضُ حَوْزَةِ النَّجَفِ الأَثَرِيَّةِ: يمثل فرض نموذج ولاية الفقيه محاولة قسرية لإلغاء وإزاحة المرجعية الدينية التقليدية التاريخية في النجف الأشرف. فبينما تتبنى النجف، عبر تاريخها الممتد لألف عام، نظرية ولاية الفقيه المقيدة أو الولاية الحسبية التي تنأى بالمؤسسة الدينية عن الانغماس في السلطة التنفيذية المباشرة وتحترم خصوصية الدولة والقرارات السيادية لشعبها، تسعى بدعة الولاية المطلقة القادمة من قُم إلى ابتلاع حوزة النجف، وتجير رمزيتها التاريخية لصالح مشروع الهلال الجيوسياسي الإيراني. إن هذا المسعى قد خلّف انقساماً حاداً ودماراً في الوحدة المجتمعية والروحية للعراق.
تَشْظِيَةُ الْهُوِيَّةِ الْقَوْمِيَّةِ وَإِنْتَاجُ الْكَانْتُونَاتِ الْوَظِيفِيَّةِ: إن الكارثة الأشد فتكاً التي أحدثتها هذه البدعة هي تفتيت العُروة الوطنية الرافدينية. فقد نجحت طهران، عبر أدواتها النفعية والـوطجية، في غرس عقيدة تقدّم الرابط المذهبي والولاء للفقيه الأجنبي على الرابط القومي والوطني العراقي. ونتيجة لذلك، تحول جزء من القرار الأمني والعسكري إلى فصائل وتشكيلات موازية لا تدين بالولاء للقائد العام للقوات المسلحة العراقية، بل تتحرك كـكانتونات وظيفية تنفذ استراتيجيات الدفاع الأمامي لطهران؛ مما جعل الاقتصاد والأمن القومي العراقي يدفعان ثمن حروب ومغامرات إقليمية مجانية أعادت العراق عقوداً إلى الوراء على مستويات التنمية، والتعليم، والاستقرار البنيوي.
يقول الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في تحليله لآليات السلطة الثيوقراطية:
عندما ترتدي السلطة السياسية عباءة الحق الإلهي المطلق، فإنها لا تعود تبحث عن المصالح الحيوية لشعبها، بل تحول الأفراد والأمم إلى قرابين تُذبح باستمرار على مذبح الإيديولوجيا المقدسة لحماية الإمبراطورية.
إن بدعة ولاية الفقيه المطلقة قد دمّرت كل فضاء وطني دخلت إليه، وحوّلت مراكز الحضارة التاريخية إلى أراضٍ مستباحة ومستنزفة مالياً وسيادياً. إن استنقاذ العراق يتطلب حتماً تحصين الوعي الوطني ضد هذه البدعة المستوردة، والتمسك بالهوية الوطنية الرافدينية المستقلة التي ترى في بغداد متبوعاً لا تابعاً
المِحْوَرُ الخَامِسُ: جِيُوسِيَاسَةُ مَضِيقِ هُرْمُزَ وَالاسْتِنْزَافِ الهَيْكَلِيِّ (العِرَاقُ كَضَحِيَّةٍ مُجَانِيَّةٍ فِي حَرْبِ الآخَرِينَ)
تتبدّى ذروة العَبث الاستراتيجي والانتحار الجيوسياسي الذي تقاد إليه الدولة العراقية اليوم (2026) عند قراءة الخارطة الاقتصادية والجيومائية لآثار المواجهة المستعرة بين طهران والمجتمع الدولي. فالقراءة الباردة للمشهد تكشف عن مفارقة وجودية صارخة: أن الطرف الأكثر تضرراً ونزيفاً من هذه الحرب هو العراق — الذي لم تخترق جيوغرافيته رصاصة واحدة من أطراف النزاع المباشرة — بينما تلوذ طهران بحساباتها البراغماتية لحماية بنيتها التحتية.
إن هذا التدمير الممنهج للاقتصاد العراقي وسقوط أسواقه المحلية يتفكك عبر آليتين جيواستراتيجيتين بالغتي الخطورة:
الارْتِهَانُ المَائِيُّ القَاتِلُ (عُقْدَةُ مَضِيقِ هُرْمُزَ): يخضع العراق لحتمية جغرافية قاسية تجعله شبه دولة مغلقة (Semi-Landlocked State)؛ إذ تعتمد 90% من صادراته النفطية — التي تشكل شريان الحياة الوحيد للموازنة العامة والرواتب والأمن الغذائي — على الممر المائي الضيق عبر الخليج العربي صعوداً من موانئ البصرة مروراً بمضيق هرمز. في المقابل، تمتلك إيران سواحل شاسعة تمتد على بحر العرب والمحيط الهندي خارج الخليج (مثل ميناء جاسك)، مما يتيح لها تصدير نفطها بعيداً عن كابوس الحصار المائي. وعليه، فإن إقدام طهران أو حلفائها على تهديد أو إغلاق مضيق هرمز تحت ذريعة الصراع مع إسرائيل وأمريكا، لا يعني خنق الغرب، بل يعني قطع النخاع الشوكي للاقتصاد العراقي حصراً، وسحق الدينار، وشل الأسواق، وإدخال ملايين العراقيين في مجاعة محققة، في حين يتفرج الوكلاء الوطجية ويباركون هذا الانتحار الاقتصادي العراقي بالمجان خدمةً للولي الفقيه.
عَقِيدَةُ التَّضْحِيَةِ المَجَّانِيَّةِ وَتَزْيِيفِ الحَقِّ الشِّيعِيِّ: هنا يثور السؤال الفلسفي والقومي الحارق الذي يضرب قاع هذه التبعية: لماذا يُطلب من العراق تقديم هذا الدعم الأعمى وتَحمُّل دمار اقتصاده بالمجان لإنقاذ طهران، بينما لم تقدم الأخيرة رصاصة واحدة عام 2014 إلا بقبض أثمانها مضاعفة من أموال الشعب العراقي؟ إن هذا الاستنزاف لا يمت بصلة إلى حماية المذهب الشيعي أو الذود عن حقوق التشيع؛ بل هو استغلال أيديولوجي فج لبدعة ولاية الفقيه المطلقة التي سيطرت على عقول هؤلاء الوكلاء، فجعلتهم يسلّمون مقاليد بلد بحجم العراق ليكون مجرد درع بشري واقتصادي تتلقى بغداد الصدمات والفقر نيابة عنه، لتظل طهران آمنة. إن التشيع العلوي الأصيل هو تشيع العزة، والكرامة، والسيادة، ورفض الظلم، وليس تشيع الخنوع والتبعية التي تفقر شعب العراق وتهدم أسواقه من أجل حسابات دولة أخرى.
يقول الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز في أطروحته الليفياتان:
إن العقد الاجتماعي الذي يربط المحكوم بالحاكم ينهار تماماً عندما تعجز السلطة عن حماية الوجود البيولوجي والاقتصادي لرعاياها، وتصبح أداة لتسليم مقدرات الأمة لقوى خارجية تقتات على بؤسها.
بناءً على هذه المعطيات الصارمة لعام 2026، يتضح أن استعادة العراق لكرامته الاقتصادية تقتضي لزاماً تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل نداً بندّ؛ فالدول لا تدار بنوايا العرفان الصوفي بل بلغة المصالح القومية الباردة. إذا كانت طهران تبحث عن أمنها، فإن أمن أسواق البصرة وبغداد ولقمة عيش المواطن العراقي هي الأقدس والأولى بالرعاية، وكل ارتهان خارج هذا الإطار هو خيانة موصوفة للهوية الرافدينية.
المِحْوَرُ السَّادِسُ: مَآلَاتُ الصِّرَاعِ وَتَكْتِيكُ التَّخَنُّدُقِ الطُّفَيْلِيِّ (عَلَى حِسَابِ مَنْ تَنْتَصِرُ طِهْرَان؟)
حين يبلغ الاستشراف الجيوسياسي مداه الأقصى في قراءة مشهد المواجهة الكبرى اليوم، تتبدى أمام الفحص البنيوي الصارم حقيقة بالغة القتامة؛ فإذا كانت طهران قد أثبتت تموضعها كقوة عظمى إقليمية، واستطاعت مجابهة الإرادة الأمريكية والإسرائيلية وبناء جدار صد استراتيجي صلب، فإن السؤال الفلسفي والتاريخي الحارق الذي يسحق بروبغاندَا النصر هو: على حساب مَنْ تَحقق هذا الصمود؟ ومن الذي دفع الفاتورة الوجودية الدموية والاقتصادية من نخاعه الشوكي لتقف طهران على قدميها؟
إن القراءة الفاحصة لطبيعة الانتصارات الإيرانية تكشف أنها لم تُصنع بفعل تفوق ذاتي خالص داخل حدودها الجغرافية، بل عبر تكتيك يُعرف في العلوم السياسية بـالتخندق الطفيلي (Parasitic Entrenchment)؛ وهو إلقاء عبء المواجهة، وتلقي الضربات الارتدادية الساحقة، وتجريف المقدرات البنيوية، فوق جغرافيا الدول التابعة — وعلى رأسها العراق — لكي تظل البنية التحتية والمرافق الحيوية في أصفهان وطهران وشيراز مبرأة من الهدم والخراب.
إن مآلات هذه الحرب على الفضاء الرافديني تتلخص في حتميتين كارثيتين:
الاسْتِهْلَاكُ البَشَرِيُّ وَالجُغْرَافِيُّ المُمَنْهَج: لقد حوّلت بدعة ولاية الفقيه وأدواتها الوظيفية (الوطجية والتبعية) جغرافيا العراق من كيان سيادي مستقل إلى مجرد منطقة عازلة (Buffer Zone) ومصد صدمات يتلقى حمم الصواريخ والردود العسكرية الدولية. إن انتصار طهران الجيوسياسي مبني أساساً على بقاء بغداد في حالة استنزاف دائم؛ إذ يُطلب من العراقيين أن يكونوا حطب الموقدة ووقود الحرب المستعرة، لكي تجلس القيادة الإيرانية في نهاية المطاف على طاولة المفاوضات الدولية لتقايض بدمائهم وسيادتهم نفوذها الخاص وبقاء نظامها.
الانْتِحَارُ التَّنْمَوِيُّ وَتَأْبِيدُ التَّبَعِيَّة: في الوقت الذي تحمي فيه إيران صناعاتها وتطور منظوماتها الذاتية، يمرق الاقتصاد العراقي في نفق مظلم من الانهيار والتبديد. إن أسواق البصرة وبغداد والموصل تدفع ضريبة الحصار الحظر المالي المترتب على زج العراق غير المتكافئ في هذا المحور. إنه ارتداد تاريخي مرعب؛ حيث يُصنع المجد الخارجي لطهران بمداميك من فقر الشعب العراقي، وضياع مستقبله التنموي، وتدمير عملته الوطنية، وتحويل طاقات شبابه من البناء والإعمار إلى ساحات التضحية المجانية بلا طائل وطني واحد.
يقول الفيلسوف الفرنسي رايموند آرون في كتابه السلام والحرب بين الأمم:
إن أخطر أنواع التبعية في العلاقات الدولية هي تلك التي تقبل فيها النخبة المحلية المحكومة بأن ترهن دماء أمتها وثروات بلدها لتكون مجرد دروع واقية لحماية أمن إمبراطورية أجنبية، دون أن تحصل أمتهم في مقابل ذلك سوى على حق الموت المجاني وخراب الديار.
بناءً على هذه المعطيات الصارمة لعام، فإن حقيقة الأمر التي يجب أن يواجه بها الفصحاء وأصحاب البصائر الوجدان العام هي: أن صمود إيران لم يكن مكرمة للعراق، بل كان استنزافاً وجودياً له. إن الوطجية الذين يطبلون لهذا الانتصارات الإقليمية يمارسون خيانة معرفية وأخلاقية موصوفة؛ لأنهم يدركون أن ثمن كل خطوة تتقدم بها طهران إلى الأمام هو تراجع العراق خطوة نحو الخلف. إن استرداد الذات العراقية يبدأ من رفض هذا الانتصار المزعوم الذي يُبنى على أنقاض السيادة الرافدينية ولقمة عيش شعبها.
الخَاتِمَةُ العُلْيَا: المَنِيفِيسْتُو الرَّافِدِينِيِّ الأَخِيرِ – حَتْمِيَّةُ الِانْقِلَابِ الجِيُوسِيَاسِيِّ وَهَنْدَسَةُ الخَلَاصِ
إنَّ إدراكَ الكارثةِ هُوَ أوَّلُ مَرَاحِلِ الانعِتَاقِ؛ وحِينَمَا بَلَغَ الفَحْصُ الجِيُوسِيَاسِيُّ قَاعَ المأزَقِ الرَّافِدِينِيِّ، تَبَدَّى لَنَا بِاليَقِينِ الصَّارِمِ أنَّ بَغْدَادَ لَا تُعَانِي مِنْ أَزْمَةِ حُكْمٍ عَابِرَةٍ، بَلْ مِنْ انْخِلَاعٍ سِيَادِيٍّ أُنْطُولُوجِيِّ جَعَلَ ثَرْوَةَ العِرَاقِ وَدِمَاءَ بَنِيهِ قُرْبَانًا مَجَّانِيًّا يُذْبَحُ عَلَى مَذْبَحِ التَّخَنْدُقِ الطُّفَيْلِيِّ لِصَالِحِ طِهْرَانَ. إنَّ بَقَاءَ العِرَاقِ فِي مَوْقِعِ مَصَدِّ الصَّدَمَاتِ لِحَرْبِ الآخَرِينَ هُوَ انْتِحَارٌ تَنْمَوِيٌّ حَتْمِيٌّ.
لِذَا، فَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الخَاتِمَةُ لِتَكُونَ المَنِيفِيسْتُو الأَخِيرَ وَالأَخْطَرَ، لَا لِتَشْخِيصِ الدَّاءِ فَحَسْبُ، بَلْ لِفَرْضِ هَنْدَسَةِ خَلَاصٍ جِرَاحِيَّةٍ تُعِيدُ فَلَكَ بَغْدَادَ إلَى مَرْكَزِ الكَوْنِ.
إنَّ نَزْعَ قِنَاعِ التَّبَعِيَّةِ المُمَوَّهِ بِبِدْعَةِ وِلَايَةِ الفَقِيهِ المَسْؤُولَةِ عَنْ دَمَارِ البِنْيَةِ الهَيْكَلِيَّةِ لِلشِّيعَةِ قَبْلَ غَيْرِهِمْ، يَسْتَوْجِبُ الاسْتِشْهَادَ بِأَعْلَى المَرَاجِعِ الرُّوحِيَّةِ الأَصِيلَةِ دَحْضًا لِلْوَهَمِ النَّفْعِيِّ.
يَقُولُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ الإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع) فِي مَوْعِظَةٍ تَدُكُّ أَرْكَانَ الخُنُوعِ وَالتَّسْلِيمِ لِلأَجْنَبِيِّ:
لَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللهُ حُرًّا، وَمَا خَيْرُ خَيْرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِشَرٍّ، وَيُسْرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِعُسْرٍ.
كَمَا يَقُولُ رَيْحَانَةُ رَسُولِ اللهِ الإِمَامُ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (ع) فِيمَا خَلَّدَهُ التَّارِيخُ عَقِيدَةً لِلْعِزَّةِ وَرَفْضِ الِارْتِهَانِ:
هَيْهَاتَ مِنَّا الذِّلَّةُ، يَأْبَى اللهُ لَنَا ذَلِكَ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ، وَجُدُودٌ طَابَتْ، وَحُجُورٌ طَهُرَتْ، وَأُنُوفٌ حَمِيَّةٌ، وَنُفُوسٌ أَبِيَّةٌ مِنْ أَنْ نُؤْثِرَ طَاعَةَ اللِّئَامِ عَلَى مَصَارِعِ الكِرَامِ.
فَأَيْنَ هَذِهِ السِّيَادَةُ العَلَوِيَّةُ الحُسَيْنِيَّةُ الأَصِيلَةُ مِنْ طَاعَةِ الوَطْجِيَّةِ لِفَقِيهٍ خَارِجِ الحُدُودِ يُفْقِرُ أَسْوَاقَ العِرَاقِ وَيُرْهِنُ مَضِيقَ هُرْمُزَ لِحِمَايَةِ أَمْنِهِ القَوْمِيِّ الخَاصِّ؟
دَكْتَرِينُ الخَلَاصِ: آِلِيَّاتُ الِانْقِلَابِ الجِيُوسِيَاسِيِّ النِّدِّيِّ
لِتَفْكِيكِ هَذِهِ المَأْزَقِ الخَطِيرِ وَاسْتِعَادَةِ المَرْكَزِيَّةِ الرَّافِدِينِيَّةِ، يَجِبُ تَنْفِيذُ خُطَّةِ اسْتِجَابَةٍ صَارِمَةٍ تَقُومُ عَلَى خَمْسَةِ مَحَاوِرَ إجْرَائِيَّةٍ عَمِيقَةٍ:
تَأْمِيمُ قَرَارِ الحَرْبِ وَالسِّلْمِ لِلدَّوْلَةِ حَصْرًا: نَزْعُ السِّلَاحِ الخَارِجِ عَنِ الإِطَارِ الشَّرْعِيِّ وَتَجْرِيمُ أَيِّ فَعَالِيَّةٍ عَسْكَرِيَّةٍ عَابِرَةٍ لِلْحُدُودِ.
تَفْعِيلُ دَكْتَرِينِ المُعَامَلَةِ بِالمِثْلِ (Reciprocity Doctrine): كَفُّ الدَّعْمِ المَجَّانِيِّ عَنْ طِهْرَانَ وَاشْتِرَاطُ أَيِّ تَعَاوُنٍ بِتَعْوِيضَاتٍ اسْتِرَاتِيجِيَّةٍ وَإِعَادَةِ جَدْوَلَةِ أَمْوَالِ السِّلَاحِ السَّابِقَةِ.
الهَنْدَسَةُ البَدِيلَةُ لِتَصْدِيرِ النَّفْطِ (بَعِيدًا عَنْ عُقْدَةِ هُرْمُزَ): التَّعْجِيلُ الفَوْرِيُّ فِي إتْمَامِ مَشْرُوعِ طَرِيقِ التَّنْمِيَةِ وَإحْيَاءِ خُطُوطِ النَّقْلِ البَرِّيَّةِ وَبِنَاءِ أَنَابِيبَ عَبْرَ العُمْقِ العَرَبِيِّ وَالدَّوْلِيِّ لِكَسْرِ الحِصَارِ المَائِيِّ المُرْتَقَبِ.
تَحْصِينُ هُوِيَّةِ حَوْزَةِ النَّجَفِ الأَثَرِيَّةِ: دَعْمُ اسْتِقْلَالِ النَّجَفِ الأَشْرَفِ مَالِيًّا وَمَعْنَوِيًّا كَمَرْجَعِيَّةٍ عُلْيَا عَرَبِيَّةٍ رافِدِينِيَّةٍ تَرْفُضُ مَحْوَ الهُوِيَّةِ الوَطَنِيَّةِ وَتَقِفُ حَائِلًا دُونَ التَّغَلْغُلِ الأَيْدِيُولُوجِيِّ لِـ قُم.
فَكُّ الِارْتِهَانِ الطَّاقَوِيِّ وَالاقْتِصَادِيِّ حَالًا: تَنْوِيعُ مَصَادِرِ الطَّاقَةِ وَالاسْتِيرَادِ بِرَبْطِ الشَّبَكَاتِ العِرَاقِيَّةِ بِالمَنْظُومَاتِ العَرَبِيَّةِ وَالعَالَمِيَّةِ لِمَنْعِ اسْتِخْدَامِ المِلَفِّ الاقْتِصَادِيِّ كَأَدَاةِ لِلِابْتِزَازِ السِّيَاسِيِّ.
إنَّ العِرَاقَ لَيْسَ جَزِيرَةً هَامِشِيَّةً فِي بَحْرِ نُفُوذِ الآخَرِينَ، بَلْ هُوَ الرَّقْمُ الصَّعْبُ الَّذِي لَا تَسْتَقِيمُ جِيُوسِيَاسَةُ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ دُونَ مِحْوَرِيَّتِهِ. فَلْتَكُنْ هَذِهِ الأُطْرُوحَةُ البَيَانَ التَّارِيخِيَّ الأَخِيرَ لِصَحْوَةِ البَصَائِرِ: إمَّا عِرَاقٌ سَيِّدٌ يَصْنَعُ مَصِيرَهُ فِي بَغْدَادَ، أَوْ رُكَامٌ تَذْرُوهُ رِيَاحُ المَحَاوِرِ
نَخْتِمُ هَذِهِ الأُطْرُوحَةَ العُلْيَا بِقَوَافٍ تَدُكُّ مَضَاجِعَ التَّبَعِيَّةِ، وَتَبْقَى شَاهِدَةً عَلَى كِبْرِيَاءِ بَغْدَادَ المَسْلُوبِ عَبْثًا فِي أَتُونِ حُرُوبِ الآخَرِينَ:
«إِنْ لَمْ تَكُنْ نِدَّ مَنْ تَرْجُو مَوَدَّتَهُ
فَأَنْتَ عَبْدٌ وَإِنْ سَمَّوْكَ قَوَّادُ»
***
سجاد مصطفى
تعد ملحمة جلجامش إحدى أقدم الملاحم التي نقشها الشعب السومري على الواح الطين المفخور في النار او المجفف تحت أشعة الشمس، وهي الملحمة التي خلدت الابطال والالهة ومعتقدات شعب عاش في وادي الرافدين منذ الاف السنين.
تكشف الرقم الطينية التي نقشت عليها ملحمة جلجامش، والاساطير الرافدينية الاخرى، جوانب تاريخية هامة عن سكان وادي الرافدين القدماء والشعوب المحيطة بهم، فالسومريون الذين عاشوا في بلاد ما بين النهرين اسسوا حضارة هامة اقتبست منها واضافت اليها مختلف الاقوام والقبائل والشعوب التي كانت تحيط بهم وتختلط معهم ولكن الاسس التي ارساها الشعب السومري ظلت المنار الذي يهتدي به الاخرون.
كانت للسومريين لغتهم وابجديتهم لكن العصور اللاحقة التي شهدت تطور الزراعة والتجارة والصناعة في بلاد الرافدين – مصطلح بلاد الرافدين يمتد من الاناضول الى الخليج الفارسي جنوبا والى وادي السند شرقا – شجعت هجرة القبائل والاقوام الى بلاد مابين النهرين - ان تسمية بلاد مابين النهرين لم تطلق على البلاد الواقعة بين دجلة والفرات فقط، وانما اطلقت ايضا على المنطقة الواقعة جنوب بحيرة اورمية في كوردستان وتسمى (ميان دو آب) اي ما بين النهرين، وهما نهرا اوزون ودجلة، وقد جاء نهر اوزون في التوراة باسم بيشون نتيجة قلب بعض الحروف الى العبرية، راجع مقالنا المعنون رحلة من سومر الى جنة عدن المنشور في عدة مواقع على الانترنيت - وبسبب هذه الهجرة شاعت الحروب والغزوات، مما اضطر السومريين الى الدفاع عن انفسهم، ولكنهم فشلوا وخسروا المعركة لان المهاجمين كانوا أقوى وأشرس وأكثر قسوة وهمجية. ورغم انتصار الاقوام الاخرى عليهم وذهاب ملكهم وزوال لغتهم من بعض المناطق التي اكتسحتها الاقوام والشعوب الاخرى، الا ان اختراعهم العظيم للكتابة المسمارية وتطويرها واستخدامها، وشيوعها بين شعوب المنطقة، جعلها شاهدا حيا على تاريخ الشعب السومري الذي دالت دولته، او على الاصح دوله، فقد كانت لهم اكثر من إمارة ومملكة ومدينة عظيمة. وقد ظلت الكتابة المسمارية، وسيلة بيد الشعوب الاخرى للتعبير بها، ولذلك ظلت الكثير من الاسماء والمفردات السومرية محفورة على الالواح والرقم والجدران والاواني والمنحوتات، خاصة ما جاء في القصص والاحداث التاريخية التي دونوها.
كما نجد بعض الاسماء ما زالت معروفة ومستخدمة كما هي في اللغة الكوردية، مما يدلل على وجود علاقة وثيقة بين اللغة السومرية والكوردية. ومن المؤسف ان بعض الدارسين اهملوا النظر في هذه العلاقة بشكل مقصود، ففي النص البابلي المعتمد لملحمة جلجامش نقرأ في اللوح الاول:
(ارفع اللوح اللازوردي واقرأ
قصة ذلك الرجل، جلجامش، الذي تكبد
شتى انواع المشقات
كان متفوقا على جميع الملوك، سيد محارب ذو قوام عظيم
بطل ولد من اوروك، ثور بري نطاح) ص 76 اساطير
نجد في هذا النص تشبيه جلجامش بالثور البري النطاح، وهوالجاموس او الثور ومما له دلالة ان كلمة غامش تعني باللغة الكوردية: الجاموس، وكلمة غا تعني بقر، وكلمة مانغا – تدغم النون مع الغين – تعنى البقرة، وربما كانت تركيبا - وهو شائع في الكوردية والسومرية - بين كلمتين هما ما + غا، لتصبح الام البقرة، او البقرة الام، ومن الطريف ان الهنود مازالوا يعدون البقرة اما ويحترمونها حد التقديس وتسمى (غائي) ايضا في الهندية، وربما كانت كلمة (ما) الجذر الاول لكلمة الام = ماما، وتعني في الاساس الطعام اي هي الكلمة التي يرددها الطفل طالبا الحليب من مرضعته.
اما كلمة (كَه ل) وتلفظ بالكاف الفارسية او الجيم المصرية فما زالت مستخدمة في اللغة الكوردية وتعني كبير، ومن معاني (كبير) المقدس فهو كبير مثلما نقول الله اكبر، ولذلك تعني جلجامش الثور الكبير او الثور المقدس، والتقديس في الحضارة السومرية لا يشبه التقديس الذي نعرفه اليوم، فما يترجم عن السومرية بالمقدس يعني احيانا القوى الذي يضرب فيه المثل، مثل الثور البري.
اما انكيدو، فتصفه ملحمة جلجامش بانه الرجل القوي الآتي من الجبل، ولما كانت اوروك من المدن القريبة لجبال بيشتكوه، فالمرجح ان انكيدو من تلك المناطق، اي من بلاد عيلام، موطن الكورد الفيليين، والبعض يعتقد ان بلاد عيلام هي المناطق الواقعة اليوم في بلاد ايران فقط، ان بلاد عيلام كانت تمتد الى وسط وجنوب العراق وشمالا الى كركوك، ولكن الهجرات والغزوات والفتوح الاسلامية وعوامل اخرى كثيرة سياسية وتاريخية قلصت مساحة مملكة عيلام اليوم، واقتصرت على المناطق الواقعة داخل الحدود الايرانية وبعض المدن الحدودية الشرقية للعراق والتي ظلت محل خلاف وصراع في معاهدات عديدة بين العراق وايران.
جاء في ملحمة جلجامش:
(قال صياد رأى انكيدو لابيه
ابتاه كان هناك رجل أتى من الجبل
قوته كانت شديدة جدا، كشهاب آنو السماوي
يجوب الجبال دوما
يرعى العشب مع القطعان دوما) اساطير ص 78*
فانكيدو رجل الجبال القوي يرعى قطعان الماشية، تلفت قوته الانظار، ولكي يستدرجوا هذا الرجل القوي الى المدينة، ويكسبوه اليهم، قدموا له المرأة الحسناء، السلاح الذي لايقاوم، غانية لها مقدرة على الاغراء والاغواء. فمن هي التي تمتلك الصفات التي تؤهلها لاغراء انكيدو واغوائه، هذا الراعي الجبلي القوي، انها الفنانة شمخات، فنانة اوروك الشهيرة. وعندما ذهب الصياد الى جلجامش وأخبره عن انكيدو، قال له جلجامش:
(اذهب ايها الصياد واصطحب الباغية شمخات
وعندما يقترب من القطعان عند المشرب
يجب عليها ان تخلع ثيابها وتظهر مفاتنها
سوف يراها ويتقرب منها...) اساطير ص 80
ومثلما انتزعت حواء آدم من جنته وهبطت به الى الارض، كذلك انتزعت شمخات الفاتنة انكيدو من جباله وقطعان ماشيته، واصطحبته الى المدينة، فاصبحت الاغنام غريبة عنه، لانه تركها وهجرها وانتقل الى المدينة.
تصف الملحمة كيفية اغراء شمخات لانكيدو، وكيف شجعته على ممارسة الحب معها:
(فاسفرت البغي عن صدرها وكشفت عن عورتها
فتمتع بمفاتن جسمها
نضت ثيابها فوقع عليها
وعلمت الوحش الغر فن المرأة، فانجذب اليها وتعلق بها
ولبث انكيدو يتصل بالبغي ستة ايام وسبع ليال
وبعد ان قضى وطره منها
وجه وجهه الى الفه من حيوان البر
فما ان رأت الضباء انكيدو حتى ولت عنه هاربة......) ملحمة جلجامش، طه باقر، ص 42
لاحظ ايضا علاقة هذه الايام الستة مع قصة خلق الكون كما وردت في الكتب المقدسة والايام السبعة – سبعة العروس - التي يحتفل بها في العراق حتى اليوم.
كما ورد في اللوح الثاني من الواح ملحمة جلجامش وصف لانكيدو بعد ان تغويه شمخات ويذهب معها الى اوروك:
(هذا الشاب – كم يشبه جلجامش في بنيته
ناضج البنية، منيع كاسوار الحصون
لماذا ولد في الجبال؟
ان قدرته الجسدية تضاهي تماما قوة
شهاب آنو السماوي) اساطير ص 85
إن ملحمة جلجامش إحدى أقدم وأشهر الملاحم في العالم نعرف منها كيف قتل انكيدو في المعركة التي دارت مع خمبابا حارس الغابة، وحين يموت انكيدو بعد جرحه بتلك المعركة يبكيه جلجامش مر البكاء، وقد جاء في اللوح الثامن:
(سوف تبكيك الممرضة الرطبة
التي كانت تمسح بالزبدة اعضاءك السفلى
وسوف يبكيك المسن
الذي كان يضع الشراب في فمك
وسوف تبكيك المومس
التي كانت تمسح جسدك بالزيت العطر) اساطير 119
نلاحظ في هذه القطعة، كما في غيرها، بعض الاوصاف غير المعروفة لنا، مثل (الممرضة الرطبة)، وربما كانت بسبب الترجمة غير الدقيقة للملحمة، فقد تكون الممرضة اللدنة او الممرضة الدافئة على سبيل المثال، وكذلك (المسن) قد يكون الرجل الكبير او المحترم، وقد تكون هذه الصفات معروفة للسومريين يومذاك وغير معروفة لنا في الوقت الحاضر. وبسبب الترجمة الحرفية من السومرية الى اللغات الانجليزية والالمانية تعرضت العبارات المترجمة الى الغموض فمثلا حين يرد في النص السومري تعبير (فتح فاه) فانه بمعنى تكلم. ولكنه لم يترجم بكلمة تكلم وانما بعبارة مقابلة للنص السومري او الاكدي. وهذا قد ينطبق ايضا على التعبير الذي ورد اعلاه: المسن الذي كان يضع الشراب في فمك، ومن الواضح انه المقصود الساقي الذي يسقيك الشراب. وقس على ذلك.
خمبابا / همبابا
ومن المفيد أن أشير الى ان اسم خمبابا، يرد في بعض المصادر الانجليزية الصادرة عن المتحف البريطاني باسم هواوا HAWAWA وهو الاسم السومري لحارس الغابة الذي شاعت تسميته خمبابا **، والاسم هواوا اقرب الى الصحة لان السومرية باعتبارها ام اللغات الارية لا تشتمل على لفظ حرف العين، وربما تحول هواوا فيما بعد بسبب اللغة الاكدية الى عواوا وهو اسم معروف في بعض مناطق وسط العراق، وكان يطلق في محافظة واسط / الكوت مثلا على بعض الاشخاص، كما تذكر المصادر البريطانية اسم HUMBABA كصيغة اكدية، واذا امعنا النظر في هذه التسمية سنجد انها تتركب من كلمتين هي عم وبابا وربما بسبب عدم امكان ترجمة لفظ العين في الانجليزية استخدموا الهاء بدلا منها، ولذلك قد تكون هواوا السومرية تحولت في الاكدية الى عمو بابا، ومعروف ان الاكديين الذين استقروا وسط وجنوب العراق بعد انحسار نفوذ السومريين كانوا يقدسون الالهة السومرية بمن فيهم حارس الغابة هواوا، مثلما تقدس الشعوب الهندية الالهة كالي التي تصيب الاطفال بالامراض، كي تبتعد عن اطفالهم.
وارى ان صيغة همبابا، عمو بابا، مشابهة لصيغة حمو رابي ايضا اذا فسرنا حمورابي بانه حمو ربي او عمو ربي...
يصور خمبابا على شكل انسان له مخالب اسد، ووجه مرعب وشارب مسبل، وفي المعركة التي دارت بينه وبين جلجامش وانكيدو يسيطران عليه ويقطع انكيدو راسه بسيفه او خنجره، وهي الاداة التي نجح سكان ايلام في صنعها من الحديد او المعدن، لاحظ السكين بيد انكيدو في التخطيط المرفق مع المقال – كما تستطيع مراجعة مقالنا عن الفاس التي تعود الى 2000 عام قبل الميلاد والمحفوظة في المتحف البريطاني والذي نشرناه مع صورة الفاس التي عثروا عليها في سوسة / ايلام في جريدة الاتحاد / بغداد ومواقع انترنيت عديدة – ولربما بسبب امتلاك انكيدو للفأس بالاضافة الى قوته احتاجت اليه اوروك، وهي القوة التي عرف بها سكان ايلام، الكورد الفيليون ابناء جبال زاغروس، فقدموا له الفنانة شمخات عربونا للبقاء في اوروك، والاستفادة من قوته وفأسه.
ومن الضروري أن نبين ان خمبابا او همبابا، يمثل بمنحوتات اخرى ويوجد قناع لوجهه في متحف اللوفر نرفق صورته ايضا مع هذا المقال عثر عليه في سوسة عاصمة عيلام / كوردستان ايران – ارتفاعه حوالي 6 سم وعرضه 4 سم ويعود الى الفي عام قبل الميلاد 2000 ق. م - وقد عثر على نسخ اخرى منه جنوب العراق وايلام ايضا، ويوصف فمه من نار وانفاسه الموت، ويعتقد ان الاله انليل ارسله ليحرس الغابة، وان هذا المجسم – الوجه الاليف – يستخدم للحظ السعيد، وان خمبابا يصور في بلاد مابين النهرين بصورة مرعبة جدا – لاحظ التمثال المرفق مع المقال – بينما يصور في عيلام عكس ذلك، ويحتمل ان هذا المجسم – قناع الوجه – من صناعة ايلام وليس من صناعة بلاد مابين النهرين، لانه يصور بشكل اليف وهادئ بينما يصور عكس ذلك في وسط وجنوب العراق.
ومن المؤسف ان باحثا نعتز به هو العلامة طه باقر يحاول ابعاد انكيدو عن بلاد الكورد الفيليين، عن جبال بيشتكوه، فيقول في ترجمته للملحمة ص 40 عن انكيدو:
(جاء الصياد الى ابيه ففتح فاه وقال له:
يا أبي، رأيت رجلا عجيبا قد انحدر من المرتفعات
إنه اقوى من في البلاد، وذو بأس شديد)
ويعلق العلامة طه باقر في هامش الصفحة على استخدامه كلمة المرتفعات، الواردة في ترجمته بقوله: (في بعض الترجمات، الجبال، ومهما كان، فالمقصود بالجبال، ان صحت الترجمة، المرتفعات والتلال) انظر هامش رقم 17 ص 40، طه باقر، ملحمة جلجامش.***
ولا ادري لماذا يكون المقصود بالجبال التي ترد في الملحمة (التلال او المرتفعات) وهل جبال عيلام – وجبال بشتكوه – بعيدة عن اور أو لم تكن هناك علاقات تجارية بين وسط وجنوب العراق وعيلام، ام انه امر اضطر عليه الباحث الفاضل طه باقر، كي لا تكون هناك علاقة بين انكيدو والكورد.
***
د. مؤيد عبد الستار
...................
* ينظر كتاب: اساطير من بلاد ما بين النهرين، ستيفان دالي ترجمة نجوى نصر، دار بيسان بيروت ط1، 1977.
** ينظر كتاب:
- Jeremy Black and Anthony Green
Gods, Demons and Symbols of Ancient Mesopotamia, London 1992.
*** ينظر كتاب: ملحمة جلجامش، طه باقر
ملاحظة 1: التخطيط المرفق مع المقال منقول عن ختم اسطواني، يمثل جلجامش وانكيدو يهاجمان ويقتلان الثور السماوي، لاحظ السكين بيد انكيدو، اذ كانت السكين احدى اهم الصناعات التي ظهرت في سوسة / عاصمة العيلاميين نتيجة تطور سباكة المعادن منذ اكثر من الفي عام قبل الميلاد.
ملاحظة 2: نشرت هذه الدراسة مع تفاصيل اخرى في كتابي: (الكلام المباح.. مقالات في السياسة والادب) الصادر في السويد عام 2001، وما يؤسف له ان بعض الكتاب نقل وتبنى الاراء الواردة في هذه الدراسة ودراسات اخرى مشابهة صدرت لي حول الموضوع دون الاشارة الى المصدر.
ملاحظة 3: للاطلاع على الفأس المحفوظ في المتحف البريطاني افتح الرابط التالي:
https://altaakhi.net/2024/07/104421/
من يملأ الحوض ومن ينسب إليه الفضل؟*
تتناقل بعض الحكايات الفلكلورية قصةً عن أميرة فقدت حبيبها، فغرقت في حزن عميق. وكان في قصرها حوض مرصود تقول الأسطورة إنه لا يمتلئ إلا بدموع الوفاء والحب الصادق. تقول الاسطورة ان الأميرة المكلومة بفقد حبيبها قد توسلت آلهة الحب ان تعيد لها حبيبها المفقود فأشترطت الألهة عليها ان تملأ الحوض المرصود بدموع الحب والوفاء والاشتياق حتى يعود الحبيب وتعود الحياة جميلة كسابق عهدها. جلست الأميرة تبكي عند الحوض أياماً وليالي طويلة، تذرف الدموع وتستنزف قواها أملاً في أن يمتلئ الحوض. ومع مرور الزمن أنهكها التعب، ولم يبقَ على امتلاء الحوض إلا القليل. وحين أنهكها السهر والتعب وغلبها النعاس، طلبت من خادمتها أن تجلس مكانها ريثما تستعيد بعض قوتها. وجلست الخادمة عند الحوض، ولسببٍ ما أخذت تبكي هي الأخرى حتى فاض الحوض أخيراً.
وتضيف الأسطورة أن الحبيب عاد بالفعل، لكنه وقع في حب الخادمة هذه المرة، لأنها كانت حاضرة عند لحظة اكتمال الحوض وفيضانه. غير أن المفارقة في القصة ان الحبيب المفقود وباقي الناس وهم يرون الخادمة وهي تضع اللمسة الأخيرة، ظنوا أنها صاحبة الفضل في امتلاء الحوض، متناسين أن الحوض لم يمتلئ بدموعها وحدها، بل بسنوات من الألم والدموع التي سبقتها.
هذه الحكاية، بصرف النظر عن اسطوريتها وخيالها الواسع، تحمل دلالة رمزية عميقة يمكن إسقاطها على كثير من جوانب الحياة، ولا سيما في مجال الإدارة والقيادة المؤسسية.
ففي الإدارة كثيراً ما نشهد ما يمكن تسميته بـ”ظاهرة الحوض المرصود”.
إذ قد يتولى مسؤول أو مدير وضع الخطط، وبناء الأنظمة، وإعداد الكوادر، ومعالجة المشكلات المتراكمة، وتحمل النقد والصعوبات خلال سنوات طويلة. ثم يغادر موقعه بسبب النقل أو التقاعد أو انتهاء المدة القانونية، قبل أن تظهر نتائج جهوده إلى العلن.
ويأتي بعده مسؤول آخر يجد المؤسسة وقد اكتملت فيها معظم مقومات النجاح، فتظهر النتائج الإيجابية خلال فترة إدارته، فينسب إليه الناس الفضل كله، ويحصل على الثناء والتكريم والمكافآت، رغم أن جانباً كبيراً من ذلك النجاح هو ثمرة جهود من سبقوه.
وقد عايشت بنفسي مثالاً واضحاً لهذه الظاهرة. فقد تولت إدارة إحدى المدارس الثانوية مديرة كفوءة وضعت برنامجاً تعليمياً متكاملاً بدأ منذ الصف الرابع الإعدادي، شمل المتابعة الدقيقة والدروس التقوية ورفع مستوى الطالبات العلمي. واستمرت هذه الجهود لسنوات حتى أصبحت المدرسة تمتلك قاعدة علمية رصينة. إلا أن المديرة نُقلت من المدرسة قبل ظهور النتائج النهائية، وجاءت مديرة أخرى تولت الإدارة في المرحلة الأخيرة.
وعندما أعلنت نتائج الدراسة الإعدادية (البكالوريا)، حققت المدرسة تفوقاً استثنائياً، وقُبل عدد كبير من الطالبات في كليات الطب والصيدلة والهندسة وغيرها من التخصصات المرموقة، وهو إنجاز لم تشهده المدينة من قبل بهذا الحجم. فحظيت المديرة الجديدة بالتكريم والإشادة الرسمية، في حين أن جانباً كبيراً من أسباب النجاح كان قد صُنع في عهد سابقتها.
إن هذه الظاهرة لا تقتصر على قطاع التعليم، بل نجدها في مؤسسات الدولة كافة، وفي المشاريع الاقتصادية والإصلاحية والإدارية والتعليمية. فكم من شخص زرع ولم يحصد، وكم من شخص حصد ما لم يزرعه وحده.
ومن هنا فإن العدالة في تقييم الأداء الإداري تقتضي عدم الاكتفاء بالنظر إلى النتائج النهائية فقط، بل دراسة المراحل التي سبقتها، ومعرفة من وضع الأسس، ومن هيأ الظروف، ومن تحمل أعباء البناء الأول. فالإنجاز الحقيقي لا تصنعه اللحظة الأخيرة وحدها، وإنما تصنعه سلسلة طويلة من الجهود المتراكمة.
ولعل الحكمة التي يمكن استخلاصها من قصة الحوض المرصود هي أن القطرة الأخيرة التي جعلت الحوض يفيض ليست أهم من آلاف القطرات التي سبقتها. وكذلك في الإدارة، فإن ظهور النتيجة في عهد مسؤول معين لا يعني بالضرورة أنه صاحب الفضل الوحيد فيها.
خاتمة
التاريخ ينصف أحياناً من حصد، لكنه لا ينصف دائماً من زرع إن الإنصاف لا يقتضي أن نبحث فقط عمّن أعلن النجاح، بل عمّن صنع أسبابه. فكم من يدٍ غرست الشجرة ولم تجلس في ظلها، وكم من عقلٍ وضع الخطة ولم يشهد ثمارها، وكم من قائدٍ ملأ الحوض قطرةً قطرة حتى إذا أوشك أن يفيض غادر المكان، فجاء غيره فنُسب إليه الفضل كله.
لذلك فإن الحكمة تقتضي أن ننظر إلى الإنجازات بعين التاريخ لا بعين اللحظة، وأن نمنح كل ذي فضلٍ فضله، فالأمم والمؤسسات لا تُبنى بالقطرة الأخيرة وحدها، بل بمجموع القطرات التي سبقتها.
***
فارس حامد عبد الكريم
نائب رئيس هيئة النزاهة الإتحادية الأسبق.
بغداد في 2026/6/6
.......................
ملاحظة: مقالي هذا هو اقتراح لنظرية جديدة في علم الإدارة والقانون يمكن تسميتها بنظرية "الحوض المرصود"، مستمداً فكرتها من اسطورة فلكلورية تحمل ذات الأسم.
حين تكشف بعض التفاصيل اليومية مدى الاتساق بين القيم والسلوك
لنتأمل بعض الأمثلة: قائد يساري يدافع عن الصحة العامة وتمويل الخدمات الصحية الجماعية، لكنه يتجاهل بشكل متكرر إجراءات وقائية أساسية تقلل من مخاطر الإصابات والحوادث. أو قائد يطالب بتطوير التعليم الحكومي بوصفه ركيزة للعدالة الاجتماعية، لكنه يحرص على إلحاق أبنائه حصراً بمدارس خاصة أو أجنبية. أو قائد يرفع شعار محاربة الفساد والشفافية المالية، ثم يتهرب من الإفصاح عن ممتلكاته أو يستغل نفوذه وعلاقاته لتحقيق منافع شخصية.
في جميع هذه الحالات يطرح السؤال نفسه: هل نحن أمام خيارات فردية واستثناءات شخصية يمكن تجاوزها، أم أمام تناقضات تكشف فجوة حقيقية بين الخطاب والممارسة وتضعف المصداقية التي يقوم عليها العمل السياسي؟
فالقضية لا تتعلق بخطأ فردي معزول بقدر ما تتعلق بمدى انسجام القادة مع القيم التي يدافعون عنها علناً. هل تنعكس هذه القيم في سلوكهم اليومي حين يكونون تحت أنظار الجمهور؟ وهل يطبقون على أنفسهم ما يطالبون به الآخرين؟
هذه الأسئلة لا تخص الدنمارك وحدها، ولا تقتصر على اليسار الدنماركي، إذ تمتد إلى كل تيار سياسي في أي بلد يجعل من المسؤولية الاجتماعية والالتزام المبدئي جزءاً من خطابه العام.
في الـ27 من مايو 2026، نشرت صحيفة داغبلاديت إنفورماسيون اليسارية (Dagbladet Information) مقالاً مختصراً لي بعنوان: "بيله دراغستيد لا يتحمل مسؤوليته حين يركب دراجته بلا خوذة". ¹
بيله دراغستيد (Pelle Dragsted) هو المتحدث السياسي الأول لحزب إنهيدسليستن (Enhedslisten)، القائمة الموحدة، أحد أبرز الأحزاب اليسارية في الدنمارك، ² وكان المقال نقداً لعدم التزامه بأبسط قواعد السلامة المرورية، إذ اعتاد قيادة دراجته دون ارتداء خوذة الحماية، رغم أن حزبه يجعل من الصحة العامة والسلامة المجتمعية ركيزة أساسية في برنامجه السياسي. وقد علمت من أحاديث ونقاشات مع عدد من المهتمين أن هذه المسألة سبق أن أثيرت من داخل الحزب وخارجه قبل نشر مقالي، من دون أن ينعكس ذلك على سلوكه في الفضاء العام.
ولفهم القضية لابد من النظر إليها وفق السياق الدنماركي، فالدراجة في الدنمارك جزء أساسي من الحياة اليومية. وتشير بيانات رسمية ودراسات متخصصة إلى أن تسعة من كل عشرة دنماركيين يمتلكون دراجة، فيما تعد كوبنهاغن العاصمة من أكثر مدن العالم اعتماداً على الدراجة. ³ ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الدنمارك لا تلزم قانوناً بارتداء الخوذة، واكتفت بالتوصية بها بشدة دون إلزام قانوني، في حين أن دولاً كأستراليا ونيوزيلندا والأرجنتين وقبرص وناميبيا اختارت جعل ارتداءها إلزامياً مع فرض غرامات على المخالفين. ⁴
أما بالنسبة لي، فمنذ وصولي إلى الدنمارك اعتمدت الدراجة وسيلة رئيسية للتنقل، لأسباب بيئية وصحية وعملية. وقد مررت شخصياً بحوادث كانت الخوذة فيها عاملاً مهماً في الحد من عواقب الإصابة، مما يجعل هذا الموضوع بالنسبة لي أقرب إلى معايشة شخصية منه إلى نقد مجرد.
للقارئات والقراء من خارج الدنمارك، وبالأخص في الشرق الأوسط ودول الجنوب العالمي حيث تتصدر قضايا الحروب والقمع والفقر والفساد المشهد، قد يبدو هذا الموضوع تفصيلاً هامشياً. غير أن ما يبدو هامشياً أحياناً يكشف أسئلة سياسية ومبدئية أعمق. فهذا المقال لا يتعلق في جوهره بخوذة دراجة، وانما بالنقد والحوار العلني داخل اليسار، ودور الصحافة وشبكات التواصل الاجتماعي في عصر الثورة الرقمية، والاتساق بين القيم والممارسة لدى القادة السياسيين، وقدرتهم على التفاعل مع النقد والاعتراف بالأخطاء وتصحيحها.
وينطلق المقال من تجربة شخصية في ممارسة النقد الذاتي داخل اليسار الدنماركي، وكيف يمكن لتفصيل يومي بسيط أن يفتح نقاشاً عاماً أوسع حول هذه القضايا. وبالتأكيد تختلف السياقات والظروف بين المجتمعات، لكن الاطلاع على تجارب الآخرين والاستفادة من دروسها يظل وسيلة مهمة لتطوير ثقافة المساءلة والنقد الذاتي في أي مكان. فالمساءلة لا تبدأ بالقضايا الكبرى وحدها، إنما تتشكل أيضاً من خلال التفاصيل الصغيرة التي تتراكم مع الزمن.
التناقض في صلب الموضوع، لماذا النقد الذاتي ضرورة يسارية؟
في الدنمارك، لا تقاس مصداقية السياسي بما يقوله فقط، وإنما أيضاً بما يجسده في حياته اليومية. وحين يتعلق الأمر بقيادات اليسار، يكتسب هذا المعيار أهمية خاصة، لأن الاتساق بين القيم والممارسة يشكل جزءاً أساسياً من الخطاب اليساري نفسه. ومن هنا تحولت مسألة تبدو بسيطة، كارتداء خوذة دراجة، إلى نقاش أوسع حول المسؤولية العامة والقدوة السياسية.
حزب القائمة الموحدة لا يكتفي بالحديث والنضال من أجل العدالة الاجتماعية والحقوق العمالية ومناهضة العنصرية، وانما يعد أيضاً من أبرز الأحزاب الدنماركية في قضايا حماية البيئة والمناخ. ويتضمن برنامجه السياسي التشديد على السلامة في أماكن العمل، وحماية الصحة العامة، والوقاية المجتمعية، ودور الدولة في تعزيز سلامة المواطنين وتطوير القطاع الصحي. كما يربط بين السياسات الاجتماعية والسياسات البيئية في إطار رؤية يسارية تعتبر ذلك جزءاً أساسياً من العدالة الاجتماعية.
والجدير بالإشارة أن قيادات الحزب تجسد هذه القيم البيئية في سلوكها اليومي بشكل لافت. فقد رأينا كيف يحضر وفد الحزب المتكون من بيله دراغستيد (Pelle Dragsted) ورفيقاته ورفاقه اجتماعات تشكيل الحكومة الجديدة على دراجاتهم، في مشهد يعكس التزاماً حقيقياً بقيم الاستدامة والبيئة والصحة، في حين تتوقف أمام المداخل سيارات فارهة لقيادات أحزاب اليمين.
في هذا السياق تحديداً، لا يتعلق الأمر بصورة عابرة أو لقطة معزولة. فقد رصد بيله دراغستيد في مناسبات عدة وهو يصل على دراجته دون خوذة، وقد وثقت ذلك كاميرات المصورين الصحفيين مراراً. ما نحن أمامه ليس زلة عابرة أو نسياناً استثنائياً، إنما نمط سلوكي يومي متكرر ومرئي يكشف تناقضاً موثقاً بين ما يدعو إليه الحزب وما يجسده قائده في الفضاء العام.
وثمة بعد آخر يستحق التأمل في هذا السياق. دولة الرفاه الدنماركية تتكفل بتغطية تكاليف العلاج وإعادة التأهيل وحتى معاش العجز في حال وقوع أي حادث. وهذا يعني أن الخيار الفردي بعدم ارتداء الخوذة لا يبقى في النطاق الشخصي، إنما يمتد ليطال المنظومة الجماعية التي يمولها جميع دافعي الضرائب. ومن هذا المنطلق تحديداً يصبح النقاش حول الخوذة نقاشاً حول المسؤولية الجماعية التي ينادي بها اليسار.
كتبت مقالي بوصفي كاتباً يسارياً صوت لحزب القائمة الموحدة في آخر الانتخابات البرلمانية لكونها القائمة الأقرب فكرياً، رغم خلافاتي مع الحزب حول ملفات التسلح والناتو والحرب في أوكرانيا والسياسات التنظيمية الداخلية وأمور أخرى، وهي تتقبل اجتهادات يسارية مختلفة وفق الوضع المحلي والإقليمي والعالمي. لم يكن الهدف الإساءة لدراغستيد أو للحزب، الهدف كان عكس ذلك تماماً. النقد الصادق والبناء هو أحد أشكال المسؤولية الحقيقية تجاه مشروع يساري وإن اختلفت في هذه النقطة أو تلك. الأخطاء لا تعالج بالتجاهل، إنما تعالج بالتشخيص والاعتراف والتصحيح. وهذا ما حاولت أن أفعله.
من المنابر الكبرى إلى الفضاء الرقمي
في غضون أيام من نشر المقال، انتقل النقاش إلى عدد من أبرز الصحف والمنابر الإعلامية الدنماركية. فقد اقتبس الصحفي أندرس ريدر (Anders Redder) في صحيفة يولاند بوستن (Jyllands-Posten) من المقال في نشرته البرلمانية بعنوان "اربط خوذتك يا بيله دراغستيد"، متوقفاً عند فكرة السياسي بوصفه قدوة عامة.⁵ كما تناولت الكاتبة والصحفية ليني مالاسينسكي (Leny Malacinski) الموضوع في نشرتها الأسبوعية "بصراحة" ("Ærligt talt") في صحيفة ويكيندافيسن (Weekendavisen)، مضيفةً قراءة تحليلية للنقاش.⁶ وفي موقع ألتينيت (Altinget) أشار الصحفي يبه هويبيرغ سورينسن (Jeppe Højberg Sørensen) إلى المقال ضمن أبرز موضوعات النقاش السياسي الأسبوعي، مستشهداً بأجزاء منه.⁷
لكن أهمية هذه التغطية ليست في حجمها، وانما في انتقال نقاش من صحيفة يسارية إلى منابر متعددة التوجهات، ليكشف هاجساً مجتمعياً أوسع: مسؤولية الشخصية العامة وتأثيرها في السلوك الجماعي.
وامتد الصدى إلى شبكات التواصل الاجتماعي حين نشرت ويكيندافيسن مقتطفات من المقال عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك، ليتحول المنشور إلى مساحة حوار شارك فيها أكثر من ألف شخص.⁸ وشارك في النقاش أطباء ومتخصصون في الصحة العامة وسلامة المرور، أكدوا الأدلة العلمية التي تدعم ارتداء خوذة الدراجة ودور الشخصيات العامة في ترسيخ ثقافة السلامة.
كما تشير الدراسات المتخصصة إلى أن الخوذة تقلل بشكل ملحوظ من مخاطر إصابات الرأس الخطيرة،⁹ فيما تظهر إحصاءات السلامة المرورية الدنماركية أن آلاف الدراجين يتعرضون سنوياً لإصابات في الرأس والرقبة، بما ينعكس على الأفراد والأسر والمنظومة الصحية على حد سواء.¹⁰
النقد لا يؤجل خشية التوظيف
لم يفتني أن بعض من تفاعل مع المقال وظف نقده للهجوم على حزب القائمة الموحدة وعلى اليسار الدنماركي عموماً. وهو أمر متوقع ومفهوم في ديناميكيات النقاش السياسي العام، إذ لا يخلو أي فضاء نقدي من أصوات تستخدم الحجج لخدمة أجندات سياسية تختلف عن أجندة صاحبها، سواء من اليمين أو من أطراف أخرى. غير أن هذا لا يشكل مسوغاً لتأجيل النقد أو التراجع عنه.
فاليسار الذي يتوقف عن مراجعة نفسه خشية أن يستثمر خصومه تلك المراجعة يقع في فخ أشد خطورة من الخطأ الذي يتحاشى الاعتراف به. إن النقد الذاتي ليس هدية للخصوم، وانما شرط أساسي للحفاظ على المصداقية والقدرة على التجدد والتأثير. تشخيص الأخطاء والاعتراف بها ليس ضعفاً، إنما هو أحد أشكال النضج السياسي الذي يميز يساراً واثقاً من قيمه وسياساته.
وإذا كان النقد الذاتي شرطاً سياسياً في كل زمان، فإن الثورة الرقمية جعلته شرطاً وجودياً لا مفر منه. باتت المعلومة تنتشر في لحظتها وتصل إلى الجماهير قبل أن تتاح الفرصة لأي جهة لاحتواء النقاش أو توجيهه، ويشارك الآلاف في أي نقاش بسرعة غير مسبوقة، وتتشعب الآراء عبر المنصات المختلفة في غضون ساعات. ما يجعل الاتساق بين القيم والسلوك اليومي شرطاً لا مناص منه لأي شخصية عامة تسعى إلى الحفاظ على مصداقيتها.
دراغستيد يتفاعل مع النقد عبر صورة مرتدياً الخوذة
ما لم يكن متوقعاً هو أن يكون الرد سريعاً وبليغاً في آنٍ واحد. فقد نشر دراغستيد على حسابه في إنستغرام صورة شخصية وهو يرتدي خوذة الدراجة متوجهاً إلى مقر اجتماعات تشكيل الحكومة، مرفقةً بعبارة دنماركية خفيفة الظل: "هكذا ينطلق الطريق نحو مارينبورغ. بالخوذة بالطبع️" كما شارك في الحوار الدائر على صفحة ويكيندافيسن على فيسبوك كأي مشاركة ومشارك عادي دون أن يتعالى على الجمهور أو يتجاهل النقاش، ونشر صورة شخصية مرفقة بعبارة إنجليزية مقتضبة: "By popular demand ️" أي "بناءً على الطلب الشعبي".
لم يكن الرد دفاعياً ولا اعتذارياً، إنما جاء خفيف الظل وواثقاً. وهذا في حد ذاته موقف يستحق الإشادة، إذ يكشف عن سياسي متواضع قادر على الاستماع والتفاعل مع النقد العام بروح منفتحة بدلاً من الانكفاء أو التجاهل. القدرة على قبول النقد بهذا الأسلوب هي بحد ذاتها صفة ضرورية لقيادات اليسار. الرسالة وصلت، والمقال والنقاش العام أثّر في سلوك شخصية سياسية بارزة. وهذا بالضبط ما يفترض أن يفعله النقد اليساري البناء.
ملاحظة ختامية للقارئات والقراء العرب
المجتمعات التي تحاسب قادتها على الأخطاء والتفاصيل الصغيرة قبل انتظار الأزمات الكبرى هي مجتمعات راكمت ثقافة مساءلة حقيقية عبر عقود. والديمقراطية الصحية لا تبدأ من المحطات الكبرى وحدها، إنما تتشكل أيضاً في الممارسة اليومية وفي اللحظات التي يكون فيها القائد، أياً كان، تحت أنظار الجماهير.
السياقات مختلفة بالتأكيد. فما يطرح في الدنمارك لا يطرح بالضرورة في بغداد أو بيروت أو القاهرة. لكن السؤال الجوهري واحد في كل مكان: هل نطالب قادتنا، سواء في السلطة أو في المعارضة، بما في ذلك تنظيمات اليسار، بأن يكونوا على قدر القيم التي يدافعون عنها وأن يعكسوا ذلك في حياتهم اليومية؟ وهل نملك الأدوات والفضاء اللازمين لطرح هذا السؤال بحرية؟
والأهم من ذلك: كيف يمكن بناء ثقافة مساءلة حقيقية في مجتمعات تفتقر إلى أبسط مقوماتها، من حرية التعبير والإعلام المستقل إلى المؤسسات الرقابية الفاعلة؟ وكيف يمكن تطوير وترسيخ ثقافة النقد الذاتي داخل القوى اليسارية والتقدمية بوصفها شرطاً ضرورياً للمصداقية والتجدد والتأثير المجتمعي، مع الاستفادة من التجارب العالمية في هذا المجال؟
***
رزكار عقراوي
.................
هوامش ومصادر
1- المقال الأصلي في داغبلاديت إنفورماسيون — رزكار عقراوي، "بيله دراغستيد لا يتحمل مسؤوليته حين يركب دراجته بلا خوذة"، 27 مايو 2026
https://www.information.dk/debat/2026/05/pelle-dragsted-ansvar-bevidst-naar-cykler-uden-cykelhjelm
2 - حول حزب إنهيدسليستن (القائمة الموحدة) — تأسس حزب إنهيدسليستن (Enhedslisten) عام 1989 من اندماج ثلاثة أحزاب يسارية وماركسية دنماركية: الحزب الشيوعي الدنماركي، وحزب اليسار الاشتراكي، وحزب العمال الاشتراكي. في انتخابات مارس 2026 حصل الحزب على 11 مقعداً بنسبة تقارب 6.4 بالمئة من الأصوات في برلمان يضم 179 مقعداً.
3- إحصاءات ركوب الدراجة في الدنمارك
https://denmark.dk/people-and-culture/biking/
4- قوانين خوذة الدراجة حول العالم
https://worldpopulationreview.com/country-rankings/bicycle-helmet-laws-by-country
5- نشرة يلاندز بوستن البرلمانية — أندرس ريدر (Anders Redder)، "اربط خوذتك يا بيله دراغستيد"، مايو 2026
https://jyllands-posten.dk/nyhedsbreve/brevfraborgen/ECE19334636/spaend-hjelmen-pelle-dragsted/
6- نشرة ويكيندافيسن الأسبوعية — ليني مالاسينسكي (Leny Malacinski)، "بيله دراغستيد مصور بلا خوذة"، مايو 2026
https://www.weekendavisen.dk/samfund/pelle-dragsted-taget-uden-cykelhjelm
7- المراجعة الأسبوعية في ألتينيت — يبه هويبيرغ سورينسن (Jeppe Højberg Sørensen)، 30 مايو 2026
https://www.altinget.dk/artikel/saadan-skal-en-ny-regering-saettes-sammen-ifoelge-ugens-debattoerer
8-النقاش على فيسبوك — صفحة ويكيندافيسن الرسمية، مايو 2026
https://www.facebook.com/Weekendavisen/posts/1652549700204292
9- الدراسة العلمية حول فاعلية خوذة الدراجة
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC7291179/
10- إحصاءات السلامة المرورية الدنماركية
https://www.sikkertrafik.dk/rad-og-viden/cykel/cykelhjelm/fakta-om-cykelhjelm
هنالك مثل أفريقي يقول: "أحمق القرية لن يصبح حكيماً في المدينة"، إنه مثل قصير في ألفاظه، عميق في معناه، يختصر تجربة إنسانية قديمة تتجدد في كل زمان ومكان. فالمكان وحده لا يصنع الإنسان، والانتقال من بيئة متواضعة إلى أخرى أكثر اتساعاً لا يمنح الحكمة تلقائياً، كما أن تبديل الثياب لا يغيّر حقيقة العقل.
يختصر المثل حقيقة إنسانية كبرى: فالمدن لا تمنح الحكمةَ لمن لا يسعى إليها بعقلٍ متفتح وتجربةٍ واعية. الانتقال من القرية إلى المدينة قد يبدّل المظهر، لكنه لا يبدّل الجوهر ما لم تتغير طريقة التفكير.
كثيرون يظنون أن الاقتراب من مظاهر الحداثة كافٍ لصناعة الإنسان المثقف أو الحكيم، غير أن الحكمة ليست في اتساع الشوارع ولا في أضواء المدن، بل في القدرة على التعلم والتأمل وفهم الحياة والناس. قد يعيش الإنسان في قلب مدينة عظيمة، ويبقى أسير الجهل والتعصب والسطحية، بينما قد يمتلك فلاح بسيط في قرية نائية بصيرةً أعمق وفهماً أنقى للحياة.
ويحمل المثل نقداً خفياً لأولئك الذين يغيّرون أماكنهم ويحتفظون بعاداتهم السلبية وأفكارهم الضيقة، ثم يظنون أن مجرد انتقالهم قد منحهم قيمةً جديدة. فالمدينة لا تصنع العقول، بل تكشفها. إنها تمنح الفرص، لكن استثمارها يحتاج إلى وعي وإرادة.
في النهاية، الحكمة رحلة داخل الإنسان قبل أن تكون رحلةً إلى مكان آخر. ومن لا يطوّر نفسه، يظل كما هو، سواء عاش في قرية صغيرة أو في أكبر مدن العالم.
في القرى الصغيرة، يعرف الناس بعضهم بعضاً، وتظهر الصفات بلا أقنعة طويلة. الأحمق هناك معروف بخفة رأيه وتسرعه وعجزه عن التعلم من أخطائه. وعندما ينتقل إلى المدينة، قد يظن أنه يستطيع أن يبدأ حياة جديدة بعيداً عن صورته القديمة، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في داخله. فالمدينة لا تمنح الحكمة لمن لا يريد التعلم، بل قد تزيده ضياعاً، لأن الحياة فيها أكثر تعقيداً، والخداع أكثر تنوعاً، والفرص تحتاج إلى وعي ومسؤولية.
هذا المثل لا يدعو إلى احتقار الإنسان أو الحكم الأبدي عليه، بل يلفت النظر إلى حقيقة مهمة: التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل. فالحكمة ليست عنواناً بريدياً، ولا شهادة معلقة على الجدار، ولا مظهراً اجتماعياً، بل هي القدرة على الفهم والتأمل وضبط النفس والتعلم من التجارب. ومن يرفض مراجعة نفسه سيحمل أخطاءه معه أينما ذهب.
في عصرنا الحديث، تتكرر صورة هذا المثل بأشكال مختلفة. فكثيرون يظنون أن السفر إلى الدول الكبرى، أو الانتقال إلى المدن الحديثة، أو الحصول على المال والشهرة، كفيل بأن يجعلهم أكثر نضجاً وثقافة. لكن الواقع يثبت أن الإنسان قد ينتقل جغرافياً ويبقى ثابتاً فكرياً. بل إن بعض الناس حين ينتقلون إلى بيئات أكبر، تتضخم عيوبهم بدلاً من أن تتراجع، لأنهم يحصلون على أدوات أوسع لنشر الجهل والغرور.
ومع ذلك، يحمل المثل تحذيراً وأملاً معاً: التحذير هو أن الهروب من الذات لا يصنع إنساناً جديداً، والأمل هو أن الإنسان قادر على التغيير متى امتلك الشجاعة للاعتراف بنقائصه. فالأحمق ليس من يخطئ، بل من يصر على الخطأ ويرفض التعلم. والمدينة قد تكون مدرسة عظيمة لمن يدخلها بعقل متواضع وروح راغبة في المعرفة.
لقد أدركت الشعوب الأفريقية، عبر تجاربها الطويلة، أن الحكمة ليست مرتبطة بالبقعة الجغرافية بل بنضج الإنسان الداخلي. لذلك بقي هذا المثل حياً ومتداولاً، لأنه يعبّر عن حقيقة إنسانية لا تتغير: من لا يغيّر عقله، لن تغيّره الأمكنة.
هذا المثل لا يخص الأفراد وحدهم، بل ينطبق على المجتمعات والدول والأنظمة السياسية حين تنتقل من مرحلة إلى أخرى دون أن تغيّر طريقة تفكيرها أو تعالج عللها العميقة. وإذا أردنا أن نقرأه في ضوء الحالة العراقية، فسنجده يختصر جانباً كبيراً من المأساة التي عاشها العراق خلال العقود الأخيرة، حيث تغيّرت الواجهات والأسماء والشعارات، لكن كثيراً من الأزمات بقيت كما هي، بل ازدادت تعقيداً واتساعاً.
مرّ العراق بتحولات سياسية هائلة: انتقل من نظام إلى آخر، ومن شعارات قومية إلى شعارات دينية، ومن مركزية الدولة الصارمة إلى تعددية حزبية واسعة، ومن العزلة إلى الانفتاح على العالم. غير أن هذه الانتقالات الكبرى لم تنتج دائماً تغييراً حقيقياً في بنية العقل السياسي أو الثقافة الاجتماعية أو مفهوم الدولة. فالمشكلة لم تكن في "القرية" القديمة وحدها، بل في العقل الذي حمل أمراضه معه إلى "المدينة" الجديدة.
بعد عام 2003، اعتقد كثيرون أن سقوط النظام السابق وفتح أبواب العراق على العالم سيقودان تلقائياً إلى بناء دولة حديثة مزدهرة. سافر السياسيون، وتعلم بعضهم في الخارج، وامتلأت الخطابات بكلمات الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والتنمية. لكن الواقع كشف أن تغيير العناوين لا يكفي إذا بقيت الذهنية نفسها تحكم السلوك. فالفاسد قد يرتدي ربطة عنق حديثة ويتحدث بلغة الديمقراطية، لكنه يبقى فاسداً. والطائفي قد يجلس في برلمان منتخب بدل أن يحمل بندقية، لكنه يظل أسير العقلية ذاتها التي ترى الوطن غنيمة لا مسؤولية.
انتقل العراق شكلياً من "القرية" المغلقة إلى "مدينة" سياسية وإعلامية مفتوحة، لكن كثيراً من القوى التي دخلت هذه المدينة لم تدخلها بعقل الدولة، بل بعقل الجماعة والطائفة والعشيرة والحزب. وهنا تتجلى حكمة المثل الأفريقي بوضوح مؤلم: فالأمكنة الجديدة لا تصنع وعياً جديداً لمن يرفض مراجعة ذاته. ولذا رأينا كيف تحولت الديمقراطية أحياناً إلى وسيلة لتوزيع النفوذ، والحرية إلى فوضى خطابية، والانفتاح الإعلامي إلى ساحات للتضليل والكراهية وتسطيح الوعي.
المشكلة الأعمق أن العراق لم يعانِ فقط من فشل النخب السياسية، بل من أزمة ثقافية واجتماعية ممتدة. فكثيرون توقعوا أن الثروة النفطية والانفتاح على العالم ووسائل التواصل الحديثة كفيلة بصناعة مجتمع أكثر وعياً وتسامحاً. لكن التكنولوجيا لا تصنع العقل النقدي تلقائياً، كما أن امتلاك الهاتف الذكي لا يعني امتلاك فكر ناضج. ولهذا انتشرت الخرافة والشائعات والانفعالات الجماعية بسرعة مخيفة، حتى بدا أحياناً أن أدوات العصر الحديث تُستخدم بعقلية قديمة لا تؤمن بالمعرفة بقدر ما تؤمن بالغريزة والانفعال.
إن أخطر ما يواجه العراق اليوم ليس نقص الموارد ولا قلة الفرص، بل العجز عن إحداث تحول داخلي حقيقي في مفهوم المواطن والدولة والقانون. فما جدوى الجامعات إذا بقي التعليم قائماً على التلقين؟ وما جدوى الانتخابات إذا كان الناخب يصوّت على أساس الخوف أو العصبية أو المنفعة المؤقتة؟ وما جدوى الشعارات الوطنية إذا ظل الولاء الحقيقي للطائفة أو الحزب أو الزعيم؟
لقد أثبتت التجربة العراقية أن الإنسان، مثل الدولة، قد يغيّر مظهره ويبقى أسير عاداته القديمة. فالفساد أن يغيّر لغته فقط، فيتحدث باسم الدين تارة، وباسم الوطنية تارة أخرى، وباسم الديمقراطية في مناسبة ثالثة، بينما يبقى جوهره واحداً: استغلال الدولة وتحويلها إلى غنيمة.
ومع ذلك، فإن هذا التشخيص القاسي لا يعني انعدام الأمل. فالمثل الأفريقي نفسه لا يحكم على الإنسان بالغباء الأبدي، بل يذكّر بأن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل. والعراق، رغم كل جراحه، ما يزال يمتلك طاقات بشرية وثقافية هائلة. ففي كل أزمة يظهر شباب يطالبون بدولة مدنية عادلة، ومثقفون يدافعون عن العقل، وأصوات ترفض الطائفية والخرافة والفساد. وهذه البذور، مهما بدت صغيرة، هي الطريق الوحيد لبناء تحول حقيقي.
إن نهضة العراق لن تأتي فقط من بناء الجسور والطرق والمباني، بل من إعادة بناء الإنسان العراقي نفسه: إنسان يؤمن بالقانون لا بالزعيم، وبالعلم لا بالخرافة، وبالمواطنة لا بالعصبية، وبالعمل لا بالشعارات. فالأوطان لا تتغير حين تنتقل من مرحلة سياسية إلى أخرى فحسب، بل حين يتغير وعي أبنائها وطريقة تفكيرهم.
وهنا يعود صدى الحكمة الأفريقية ليبدو وكأنه كُتب للعراق أيضاً: من لا يغيّر عقله، لن تغيّره الأنظمة، ولا المدن، ولا الثروات، ولا الشعارات. فالتغيير الحقيقي ليس رحلة في الجغرافيا، بل رحلة شاقة في أعماق الوعي الإنساني.
***
جورج منصور
الصفحة 1 من 19






