عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

آراء

إيران " عُقدة سردية " ليست بالمألوفة في تراث الحروب الشرقية. وهذا ما لا يفهمه "الغرب الكولونيالي " العنيف، ولكن يدركه " الغرب الثقافي " جيداً في مجالات العقائد والسياسة. وبالنسبة للعرب، تمثل إيران" كوكتيل سرديات" تحيط بأرض الاسلام الأول وتتوغل عبر العالم العربي. احاطةٌ جيو سياسية ناظرةً من الفضاء الاستراتيجي المواجه لمنطقة الصراع. وهذ ما رسخته إيران طوال العقود الماضية منذ تأسيس النظام الثوري عام تسع وسبعين وتسعمائة وألف حتى اللحظة. وفي كلتا الزاويتين، لا أتصور أنْ يختلف الشأن القادم كثيراً إلاَّ بقدر ما تتخلق قوى جيوسياسية. ولكن لن تذوب التُربة الصلدة من الثقافات التي تؤسس لسرديات (الشرق الأوسط).

نظرت إيران إلى الفضاء السياسي للشعوب الاسلامية نظرةً جذريةً. أي تحصنت داخل " رؤية صفرية " - إذا صح التعبير- تشترط البدء من وجودها الخاص. لا تعترف بتراكم سياسي ولا أيديولوجي لمناطق الصراع، فهي تمتلك تراكمها الموروث ضارباً في التاريخ والحضارة. إيران تسبقها في أي مكان جيوش من الأفكار قبل الأسلحة والصراعات. ليس ذلك بسبب كونّها حالة معقُودةً على" شيء جديدٍ"، بل لأنَّ هناك " جانباً مختلفاً " تتكلم من خلاله. إنَّ أخطر أنماط الرؤى، تلك التي تعيد ترتيب العالم وفقاً لأيديولوجيتها، لا تبعاً لخريطة العالم كما هو. تمتلك ايران – فارس هذه البوصة التي ترى ما تراه الشعوب والقوى الأخرى.

الفرق هنا شاسع جداً بين الجديد والمختلف. الجديد هو موقف اتصال وانفصال في الوقت عينه للموروثات والثقافة والجغرافيا. في حين أنَّ المختلف قد يأخذ الشاطئ النقيض تماماً مع تباين المواقف. ويُشعرك بثقل وجوده الذي يلامس أنْفَكَ متجهاً إلى نقطة اللانهاية. كوكتيل تجسّد في النظام السياسي المتشيّع الذي شق تاريخ الاسلام إزاء السنة حتى اللحظة. بجانب رواسب حضارية وسياسية مع تحولات العصور والامبراطوريات منذ أزمنة بعيدة.

أمام العرب

لعلّ هذا ما كان حاضراً في الحالة الايرانية بصورة معقدة أمام العرب، كل دولة عربية تأخذ جانباً خاصاً منها دون الجوانب الأخرى. أغلب ما نتصوره من أمور غريبة نجده ممتداً إلى دولة فارس. من الدين إلى الاقتصاد إلى السياسة وصولاً إلى الأزياء وتكوين المجتمع، ومن حركة الشارع إلى العلاقات الدولية إلى المناسبات والطقوس إلى الثقافة العامة. وكأنَّ إيران تعبر عن الاسلام النقيض لا الشكل الآخر – وما أكثر تنوع الآخر – في تاريخ الأديان.

تبلور ذلك الاختلاف في آفاق الحرب الأمريكية الاسرائيلية. لتعلن حالة إيران عن دخول كلمة" كوكتيل Cocktail " الدالة على" ذيل الديك " إلى السرديات تحت عنوان: خليط من أنواع مختلفة تابعةٍ لجنسٍ واحد، مثل كُوكتيل من الأزياء أو كُوكتيل من الألوان. إنه توغل ثقافي للكلمات في شكل أساليب ومفاهيم عصرية قابلة للممارسة. وتبدو حبكة السردية الايرانية متشابكةً إزاء العالم أجمع. وظلت لسنوات وسنوات في محاولة للاعلان عنها وايجاد فراغ ايديولوجي لإمكانية نشرها والبحث لها عن تاريخ.

1-  إيران – الدولة (التواجد الجيو سياسي) على ضفاف العرب ثقافياً ومادياً.

2-  إيران – الايديولوجيا اللاهوتية التي تتقاطع مع معتقدات المنطقة العربية.

3-  إيران – الاتجاهات الروحية والأساطير والديانات والمذاهب والأديان القديمة .

4-  إيران – الصراع مع بعض الأنظمة العربية، دولة لا يُفضْ الاشتباك السياسي معها.

5-  إيران – الرمز الذي تشتبك نتاجاته الفكري مع أعماق الحضارة العربية الاسلامية.

6-  إيران – الفارسية الحاضرة في الآداب والقصص واللغة والمذاهب والسرديات العربية.

7-  إيران – الآخر المتخيل العائد بالصورة إلى الحدود القصوى لأي آخر وجوداً وتفاعلاً.

8-  إيران – النافذة عبر التراث الديني كطرف ضمن قطبي القوة القديمة : الفرس- الروم.

9-  إيران – ضباب الجوار الثقافي والحضاري حيث تتماس شبحياً مع كيانات المنطقة.

10-        إيران – المتربصة بالداخل من العالم العربي، هي سردية لمؤامرةٍ لم تتراجع قط.

11-        إيران – الدولة التي ترفع الاحراج عن السياسات العربية، فالتُهم جاهزة طوال الوقت.

12-        إيران – الشفرات والأسرار التي تشغل الصنايق السوداء لعقول الأنظمة العربية.

13-        إيران – الشيء ونقيضة، تقبل مواقف بعض الدولة وتبدل القبول إلى رفض.

14-        إيران – المناخ الغامض الذي تهب منه رياح الثورات وحركات التمرد والانحراف.

15-        إيران – الامبراطورية الآتية من تضاريس المجهول رغم معرفتنا بوجودها التاريخي.

تخصيب السرديات

أخطر من تخصيب اليورانيوم هو تخصيب السرديات بمجموعة من العلاقات والأفكار اللاهوتية المسيّسة. لتصبح سرديات قابلة للتوسُع والانفجار وحصد المزيد من المآرب. تمسك مركز يةُ السلطة الحاكمة فتيلَها القصصي. ولكنها لا تتم خبط عشواء، ثمة موروثات عالية التخصيب قابلة للظهور والنمو مرة أخرى. مثل البذور التوسعية للسياسة وعقائد الموت وهياكل الامبراطوريات القديمة القابلة للانبعاث والتجدد.. وهذا كله توافر بشكل لافت في سردية إيران.

النظام الإيراني لا يختلف عن أنظمة الحكم في العالم وحسب، بل تأسيسه وآلية عمله ممعنان في الغرابة. لا هو نظام سياسي كما نعرف السياسة شرقاً أو غرباً، ولا هو نظام معهود قبل التاريخ أو بعده. ايران دولة غير قابلة للمقايسة بفضل المعتقدات والأطر التاريخية. جميع ذلك يشكل سردية خاصةً وغامضة الاركان. لأننا عندما نخلط بين الاطراف المتناقضة، فلا مكان إلاَّ أن نسرد الحكايا والقصص فقط. نحاول اخراج ما في الذاكرة حتى نواجه الآخرين بشكل بارز.

كل ما ينتمي إلى ايران أو تنتمي إليه ايران غارق في السرديات. مرجعيات النظام سردية، أدبيات النظام سردية، المرشد الأعلى سردية، التشيع سياسياً سردية، ولاية الفقيه سردية، طقوس السياسة سردية، العلاقات الاجتماعية ومظاهر الثقافة سردية، الأزياء سردية، تاريخ الدولة سردية، الأسماء راقدة على سرديات وتواريخ. ليس ذلك مصادفة، ولكنه جزء من التكوين الايديولوجي اللاهوتي للنظام الحاكم. السرديات تحتاج دائماً إلى ماضٍ لكي تُحكى، شرط الحكاية وجود ذاكرة، تحتاج إلى موروثات وسلاسل من الحيوات الإنسانية، حتى تصح عمليات التأصيل والمراجعة. إنّ حفظ النظام لذاته يفتح كتاب السرديات طوال الوقت. كأنّه يقرأ على الاجيال المتعاقبة ما حدث لأسلافهم. حتى لو جاءت أجيال المستقبل الآن، ستكون أجيالاً قابلةً للسرد القريب.

" التكوين المتناقض" هو عنوان لنظام الحكم في إيران كجمهورية ثيوقراطية (سياسة دينية) وسط مظاهر الحداثة. تأسست نهاية السبعينات، وتعتمد على مبدأ "ولاية الفقيه"، المرشد الأعلى هو رأس الدولة وصاحب السلطة العليا في السياسة والمجتمع والحياة، يليه رئيس الجمهورية المنتخب. وتخضع مؤسسات الدولة (التنفيذية، التشريعية، القضائية) لإشراف هيئات دينية نافذة، ولكنها غير منتخبةٍ، أبرزها "مجلس صيانة الدستور". كل ذلك يشكل سلطة روحية سياسية، ظلالها كثيفة التشكيل والتأثير في الوقت نفسه.

عناصر النظام كالتالي:

- المرشد الأعلى: أعلى سلطة في البلاد، يتحكم في الجيش، الحرس الثوري، القضاء، الاعلام.

- رئيس الجمهورية: ثاني أعلى سلطة، يُنتخب شعبياً لفترتين كحد أقصى، ويدير الحكومة.

- مجلس صيانة الدستور: إثنا عشرة عضواً (ستة أعضاء يعينهم المرشد)، يقوم بفلترة المرشحين للانتخابات وضمان مطابقة القوانين للشريعة.

- مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان): يتألف من مائتي وتسعين مقعداً، مسؤول عن التشريع.

- مجلس خبراء القيادة: ثمانية وثمانين عضواً منتخبين، يتولى تعيين المرشد الأعلى ومراقبة أدائه.

- مجلس تشخيص مصلحة النظام: هيئة استشارية لحل النزاعات بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور.

السؤال المهم: كيف تمَّ هذا التهجين السياسي اللاهوتي؟ بالفعل ثمة: مصطلحات سياسية بحشو اسلامي، عناصر سياسية مؤدلجة مع أبنية حداثية، توصيفات سياسية فُرغت من مضمونها وأخذت إطاراً دينياً. الدين والسياسة والسرد أمور غير منفصلة. من هنا تاريخ ايران يضع نفسه في سياق سرديات لا تنتهي إحداها إلاَّ وتبدأ الأخرى.

منذ الأزمنة السحيقة وإيران موطن لواحدةٍ من أقدم السرديات الحضارية في العالم. أول سلالة حاكمة شُكلّت في إيران كانت المملكة العيلامية في 2800 قبل الميلاد. حيث حكم ملوك عيلام حضارة بارزة بجنوب غرب إيران (خوزستان حالياً) منذ الألف الثالث قبل الميلاد، سُرد تاريخهم من خلال الصراع الطويل والتبادل الحضاري مع بلاد الرافدين. لتغطي السردية فضاء المنطقة التي وطأتها جحافل أمريكا وأسرائيل وتعالت فيها أصوات العرب بالمخاوف والبحث عن أدوار منتظرة. وورواسب الصراع لا تموت بين يوم وليلةٍ، ولكنها تخرج مع الأجيال وتشكل رؤى الحياة.

اختلط السرد بالنصوص الدينية المؤسسة للمعتقدات الجارية، فقد جاء بعض الذكر لتاريخهم ورموزهم في سفر التكوين. أشهرهم كدر لعومر Kudur-Lagamar وهو ملك عيلامي تاريخي بارز في الألف الثاني قبل الميلاد (حوالي القرن 19-18 ق.م)، اشتهر بكونه قائداً للتحالف العسكري في معركة سديم المذكورة بسفر التكوين. اسمه بالكلمات العيلامية يتكون من مقطعين: كدر .. أي عبد ولعومر .. يعني الإله: عبد الإله/ لاجا مار ذات الأصول الدينية العيلامية. وعُرف كدر لعومر ببطشه وسطوته، إذ اكتسح كل ممالك الجنوب، وأخضع لسلطانه كل بلاد وادي الأردن، وبسط قوته على الطريق الرئيسي بين دمشق ومصر.

ورد التحالف العسكري ومشاركة كدر لعومر في سفر التكوين: " وحدث في أيام امرافل ملك شنعار، واريوك ملك الأسار، وكدر لعومر ملك عيلام، وتدعال ملك جوييم، إن هؤلاء صنعوا حرباً مع بارع ملك سدوم، وبرشاع ملك عمورة، وشناب ملك أدمة، وشمئيبر ملك صبوييم، وملك بالع التي هي صوغر. جميع هؤلاء إجتمعوا متعاهدين إلى عمق السديم الذي هو بحر الملح. اثنتي عشرة سنة استعبدوا لكدرلعومر، والسنة الثالثة عشرة عصوا عليه. وفي السنة الرابعة عشرة أتى كدرلعومر والملوك الذين معه وضربوا الرفائيين في عشتاروث قرنايم، والزوزيين في هام، والايميين في شوى قريتايم، والحوريين في جبلهم سعير إلى بطمة فاران التي عند البرية. ثم رجعوا وجاءوا إلى عين مشفاط التي هي قادش. وضربوا كل بلاد العمالقة، وأيضاً الأموريين الساكنين في حصون تاما" (سفر التكوين/ 14: 1-7).

وتباعاً جمع الميديون " القبائل الإيرانية " في سردية حضارية على خلفية إمبراطورية واسعة القوة عام 625 قبل الميلاد، أخذ الميديون الكثير من روح الشعوب الإيرانية القديمة التي استوطنت المناطق الغربية والشمالية الغربية من إيران، وشكلوا كتلة حرجة صعبة المراس للتخلص من التبعية الآشورية. كوّن الميديون كيانًا سياسياً حقيقياً في الشرق الأدنى القديم. واتسعت سرديتهم في التاريخ حوالي القرن التاسع قبل الميلاد، في المناطق الاستراتيجية بين جبال زاغروس غربًا وهمدان (أكباتانا القديمة) مركزًا لهم، وهي منطقة تقابل تقريبًا شمال غرب إيران الحالي وغربها، قرب كردستان المعاصرة. وقد تطلعوا إلى تأسيس إمبراطورية مستقلة في الشرق الأدنى القديم. كانت سرديتهم الثقافية تجوب المنطقة شرقاً وغرباً بقيادة الملك " سياخريس Cyaxares " الذي أرسى قواعد أول دولة ميدية في الهضبة الإيرانية، لتصبح عاصمتهم «إكباتانا» (همدان الحديثة) مركزاً ثقافياً وسياسياً رئيسياً وسط جغرافيا السردية.

ولكن السردية الميدية لم تدُم طويلًا. ففي منتصف القرن السادس قبل الميلاد، صعد نجمُ الفرس بقيادة كورش الكبير الذي كان تابعاً للميديين، فتمرّد عليهم وأسقطهم حوالي سنة 550 ق.م، مؤسسًا الإمبراطورية الأخمينية الفارسية التي ورثت أراضي الميديين بالكامل. ورغم زوال دولتهم، ظلت آثار السردية الميدية حاضرًا في اللغة، والعادات، والتنظيم الإداري الذي تبناه الفرس من بعدهم. وعليه فإن الميديين مثّلوا جسر اً بشرياً حمل الحضارة الإيرانية إلى شكلها الإمبراطوري الواسع.

تعد الإمبراطورية الأخمينية(550-330ق.م)، المعروفة بــ"الإمبراطورية الفارسية الأولى"، أول دولة قومية مركزية وأضخم إمبراطورية في العالم القديم، حيث امتدت من الهند شرقاً إلى مصر واليونان غرباً تحت حكم ملوك مثل كورش الكبير وداريوس الأول. أسسها كورش الكبير، وتميزت بنظام إدارة الولايات ("الساترابيات")، ونظام بريد متطور، وبرسبوليس كعاصمة احتفلت بالتنوع الثقافي. سقطت على يد الإسكندر الأكبر.

دخل الدين الاسلامي بمنظوره الكوني سردية فارس كمادة عالية التخصيب. نحى أي نظام سياسي إلى نسج السردية بهذا المنظور. وهذا التخصيب أخطر من تخصيب اليورانيوم وهي ما استوعبته الايديولوجيا اللاهوتية الشيعية. أصبحت ايران – فارس مركزًا رئيساً لسردية حضارية إسلامية ورثت الجينات الامبراطورية وغدت ديناصوراً أيديولوجيا مختلفاً. وطالبت من فورها بالأدوار السياسية على مستوى الصراعات الاقليمية. وقد استشعرت أمريكا عن طريق كيانها الاسرائيلي كم هي خطيرة هذه الدولة بتلك الخلفيات. وكانت حاضرة في كلمات ترامب ونتنياهو بصدد الحضارة التي ستُباد وإزاء أن فارس دولة متغولة.

حيث انتشرت العقائد الفارسية والآداب والأساطير وعلوم الطب والفلك والتنجيم والرياضيات والفنون ونمط العمارة في جميع أنحاء العالم الاسلامي وما بعده خلال العهد الذهبي الاسلامي. وتأصلت الهوية الإيرانية المؤدلجة على الرغم من الحكم الأجنبي في القرون التي تلت ذلك. واعتمد الغزنويون الثقافة الفارسية كغلاف حضاري قديم حديث، وصولاً إلى حكم السلالة الصفوية عام 1501، والتي عملت بتخصيب أيديولوجي في صورة "المذهب الشيعي الجعفري " المذهب الرسمي لإمبراطوريتهم. لتضع بذلك نقطة تحول مهمة في سرديات التاريخ الإيراني والإسلام.

في إطار السيولة السياسية الفارسية، أنشئ أول برلمان في عام 1906، كركن رئيس من النظام الملكي الدستوري. وبعد الانقلاب عام 1953 (الذي جرى بتحريض من بريطانيا والولايات المتحدة)، أمست سياسات الدولة الإيرانية بلدا أكثر استبدادية وتجمع الخيط السردي الامبراطزوري مع بذور الايديولوجيا المغلقة. وبلغت المعارضة المتنامية للنفوذ الأجنبي ذروتها خلال الثورة الاسلامية الايرانية التي أدت إلى إنشاء جمهورية إسلامية في الأول من أبريل عام 1979.

هكذا تشكل النظام الايراني عبر صور من التخصيب الايديولوجي السردي، فغدت حكومة ايران - غير المفهومة للعالم العربي- حكومة لاهوتية إسلامية تضم خيوطاً من ديمقراطية رئاسية أحياناً. بيد أن السلطة النهائية منوطة بـ" المرشد الأعلى للثورة الاسلامية " الأوتوقراطي. منصب كان يشغله على خامنئي منذ وفاة روح الله الخميني في عام 1989لتبرز الحكومة الإيرانية على نطاق واسع حكومة سلطوية، لأنَّ كل تخصيب أيديولوجي سردي يمتد وينتشر في جسد المجتمع طالباً المزيد وأن يتخطى حدود دولته.

ولذلك اجتذبت الحالة الايرانية انتقادات عنيفة بسبب قيودها البارزة تجاه حقوق الإنسان والحريات الاجتماعية والسياسية. الأمر الذي ظهر مع موجات القمع العنيفة للاحتجاجات الشعبية والانتخابات غير الديمقراطية وتضييق الخناق على حقوق النساء والأطفال. وهي نقطة رائجة اعلامياً عن الاسلام الشيعي في الشرق الأوسط ضمن سردية أمريكا اسرائيل. وكفائض أيديولوحي فادح لم تقف سردية ايران عند هذا الوضع، بل ظهرت سياسات مؤدلجة لمواجهة الهيمنة العربية السنية المتواجدة تاريخياً داخل المنطقة، مرة بأساليب الاحتواء والمشاركة ومرة أخرى بواسطة إثارة الثورات الاسلامية. ونتيجة هذا الدور الامبراطوري المخصب ايديولوجيا، ينظر إلى ايران - فارس على نطاق واسع بوصفها أكبر خصم لاسرائيل. وجعلها أيضًا واحدة من أكبر المتورطين في شؤون الشرق الأوسط سلباً وايجاباً، حيث تماهت حكومتها بوضوح أو بشكل خفي في الصراعات الشرق أوسطية الراهنة.

لا أقبلك ولن أترككَ

وضْع ايران إزاء وضْع العرب متشابهان، بل هما وضعان متطابقان. يسيران بدلالة العنوان "لا أقبلك ولن أتركك" وبلهجة شعبية دارجة: " لا بحبك ولا أقدر على بعدك". فإيران لا تقبل كثيراً العالم العربي إلاَّ بصورة انتقائية وفقاً لسرديتها. وتضع بعض العرب ضمن خطط الموالاة لأمريكا واسرائيل. ولكنها لا ترفض التعامل مع هذا البعض. أي تلجأ إلى اسلوب التقية تظهر ما يعبر عن المواقف المقبولة، ولا تطرح المواقف المرفوضة.

في المقابل لا يقبل العرب إيران الشيعية ويتوجسون خيفةً من وجودها. ومع ذلك لا يستطيعون الاستغناء عنها بحكم الجغرافيا والثقافة. إن الموروثات الجيوثقافية تشكل ضرورة تاريخاً ومكاناً دون انفصال. ولكن هذا الموقف المزدوج هو ما يجعل السرديتين (الايرانية والعربية) متداخلتين ومتنافرتين.

في الصراع الحربي الراهن، ضربت ايران مواقع عربية في منطقة الخليج تحت عنوان استهداف المصالح الامريكية. وهو الأمر الذي جعل العالم العربي يشتعل غضباً بين موقفين. كراهية اسرائيل وأمريكا بحكم الوجود الكولونيالي المستنزف لثروات العرب. وكراهية الخناق الإيراني الايديولوجي العسكري حول دول العرب. والمفارقة أن دول الخليج وقعت بين طرفي الكماشة الحاصلة. دول تتلقى الضربات من إيران بالانابة عن أمريكا واسرائيل، وفي الوقت عينه تتحمل الفشل الأمريكي الاسرائيلي في حمايتها.

ولم يسمع العالم صوت السردية العربية دفاعاً عن وجود العرب. لماذا لم تلتفت القوى العالمية إلى ذلك؟ لأنَّ العالم مرة يصنف العرب بكونهم يدافعوا عن سيادتهم مادام يدين الهجمات الايرانية. ومرة أخرى يصنف العرب بكونهم يفتحوا الأجواء الوطنية لدولتي أمريكا واسرائيل. أي أن الموقف العالمي تشعب هو الأخر بحسب رؤيته لخلفيات الصراع. مما يزيد تعقد السرديات أمام الفهم العام. والعالم العربي أخذ يزوي دون مبرر خلف تبادل السرديات الساخنة بين أمريكا وايران.

لم يكن العرب مستعدين لنشوب الحرب سردياً. ولذلك اكتفوا بالشجب وإثارة الاعلام الذي كشف حجم الأضرار ، ولكن ما قدرات السرد العربي؟ لا شيء تقريباً هناك بإمكانه أنْ يحرك المشهد ولو قليلاً. ولكن يوجد من عقد اتفاقاً ضمنياً مع السردية الايرانية بكونه سيمنع انطلاق صواريخ امريكية في مقابل امتناع ايران عن ضرب أراضيه. صفقة متبادلة لمنع العدوان من وإلى أرضي ايران والدول العربية. وهذه هي أقل المواقف التي تدافع عن وجود أصحابها من غير أن تؤثر. وهناك من العرب من أسرع للتواصل مع ايران لتنسيق العلاقات والتعرف على الاحداث عن قرب. والخطان مهمان بحكم استمرارية الحوار ولو بشكل مقتضب.

في حين سارعت ايران - عقب ضرب المناطق العربية - بنفي العداء تجاه الجيران العرب. وزعمت كونها لا تحمل أية نوايا غير سلمية. ولكنها فيما تقول دولة تدافع عن نفسها في مواجهة الضربات الامريكية الاسرائيلية العدائية. وجود هذا الخط في السردية الايرانية مع خطوط القوى التي تدعمها إيران في العالم العربي غير مستساغ عربياً. وبالطبع كون العرب رأياً شعبياً عاماً للتنديد بإيران واحياء المواقف الحدية إزاء ما تفعل. ثم أخذ بعض العرب القصف الايراني كأنه نهاية المطاف في العلاقة معها، ولا يرون انتهاك أمريكا للمناطق العربية في المقابل.

رغم أن ما فعلته ايران لايصح في حق الشعوب العربية، غير أن اتساع الخريطة السردية يحتم النظرة المستقبلية. فالعرب لم يستطيعوا إدارة السردية الخاصة بهم. فهم يتحدثون عن المظلومية في جانب، مع ارتفاع الاصوات بتواجدهم في مشهد القصف على ايران ودفع هجماتها دون تردد.

مشكلة العالم العربي مع ايران أنه لم يستطع فهم تكوينها الثقافي والسياسي. وهذا هو ما جعل ايران سردية لا تتعايش مع السرديات العربية. شرط التعامل مع السرديات: أن تفك شفراتها لا أن تنغلق على أصحابها. السردية تتحدى المتابعين بكيفية المعرفة في فضاء المعنى والتلقي. ولذلك يجب أن تكون هناك سردية أخرى أكثر انفتاحاً للعالم العربي، لا تطلق العنان إلى اهداف تخدم الكيان المتربص في أرض فلسطين. لأن خطورة السردية الأمريكية الاسرائيلية بالغة التأثير لدرجة أنها تحدد ماذا علينا أن نفهم وماذا علينا ألا ندرك؟ وتحدد كذلك.. كيف تتكون رؤى العرب ليس للعالم الخارجي فقط، بل لأنفسهم؟! ليس صحيحاً اعتبار العدو عدواً لمجرد أنه يناوئ السردية الأمريكية الأخرى، لكن يجب أن تكون استقلالية السردية العربية هي الأساس في التعامل مع العالم الخارجي. لأنه .. لا السردية الايرانية ستنقذ العرب، ولا السردية الامريكية ستفعل الشيء نفسه. السرديات تنبني على صناعة الحياة للأجيال المتعاقبة.

على السردية العربية ألّا تطلق العنان لعداء إيران، لأن الجغرافيا السياسية تقتضي تعايش العرب مع هذه الدولة عبر التاريخ. ايران قريبة من سيادة الدول الخليجية قرباً يجعلها شيئاً مهماً بالجوار الاستراتيجي. ولا ينبغي اعتبارها " سردية موت " باسم الشيعة. فإحياء النعرات الدينية المذهبية نهايته الدمار للطرفين. وكذلك لا ينبغي للسردية الايرانية أن تدفع بأفكار الثورة والتمرد وأحداث القلاقل في المحيط العربي. لأن الثقافات مختلطة إلى حد التماهي في هذه المساحة من الحضارة. إن تزامن " ايران – فارس" القوية كان تزامناً تاريخياً مع حضارة" عربية قوية" بالمثل. الفرس أقوياء لأن العرب أقوياء وكثيراً ما كان يحدث انصهار حضاري بين الطرفين. وتكون مناطق العبور الثقافي مناطق زخم وتلاقح.

هذا هو المعنى الدال في تاريخ المنطقة العربية: أن العرب لا يكونون على علاقة قوية واستراتيجية مع ايران إلاَّ عندما يكون الاثنان على الدرجة نفسها من القوة. علاقة صحية حضارياً وسياسياً ولم يكن لدى العرب ما يسمى بالكيان الاسرائيلي المسرطِّن الذي ينخر في عظام العرب وتراثهم. في وجود اسرائيل لن يستطيع العرب إقامة علاقات حضارية سليمة مع كيانات العالم. لأن اسرائيل سترى نفسها (مضروبة أو مطروحة أو مجموعة حسابياً) في هذه العلاقة. أي ستحسب الربح والخسارة لوجودها ناهيكم عن بحثها اللاهث عن موطء قدم فيها. وهنا يتمثل وجود اسرائيل الخطير في تشويه العلاقات العربية العالمية دون أنْ تترك الساحة للنمو الحضاري الطبيعي للعرب. بلغت اسرائيل حافة الجنون لمتابعة أحوال الدول العربية والنخر في أساسها سواء رفض بعض العرب أم وافقوا تحت مطرقة الكولونيالية.

في التوقيت الحضاري الراهن، حرصت السردية الأمريكية الاسرائيلية- قبل التغلغل في المنطقة- أن تفشل التزامن بين العرب والفرس. سواء بإخافة العرب من ايران وشيطنة الأخيرة أو بإدعاء حماية العرب واهدار الثروات. أي أنّ جزءاً من سردية أمريكا هو تباعد المسافة بين العرب وايران رغم قرابة الجغرافيا. بل أن يظل العرب بلا سردية، بلا عنوان، بلا كلام حر كشرطٍ من شروط الحماية المنتظرة. إن أبرز نتائج الحرب الايرانية الامريكية أن أثارت سؤالاً ضخماً: كيف يتم بناء قدرات عربية حقيقيةً؟ إلى متى سننتظر الآخر ليحمي الأوطان؟! أليست السيادةُ كلاً لا يتجزأ ؟!

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة   

 

من اجل نظام عالمي جديد للإنسانية

"يا إله المعركة يجب ان تصل التعزيزات فأرسل قوتك وحضورك ليلمسا هذا الرئيس"... بهذه الكلمات نطق القس الأمريكي "جينتزن" في مكانٍ جمعه وآخرين حول الرئيس الأمريكي "ترامب". وقالت المستشارة الروحية للرئيس " باولا وايت " " كما كان يسوع مفضلاً لدى الله والناس فليكن ذلك مع الرئيس ترامب".

حين رفض بابا الفاتيكان " لاون الرابع عشر" الحرب التي تشنها أمريكا وإسرائيل  في الشرق الأوسط، قائلاً ان (واجباً أخلاقياً) يملي عليه ان يعبّر عن دعمه للسلام. وصفه " ترامب" بأنه (ضعيف في ملف الجريمة وسيئ جداً في السياسة الخارجية)، وبعد رفضه الاعتذار عن إساءته هذه بحق البابا، نشر على منصة "تروث سوشيال" في وقت متأخر من مساء يوم الأحد 12/4/2026م، صورة له معدّلة بالذكاء الاصطناعي يظهر فيها وكأنه المسيح. فهل تخوض أمريكا حرباً دينية؟ أم هي السياسة المبرقعة بالدين لخداع الجماهير؟

لماذا لم يؤثر حراك الشارع الأمريكي الرافض للحرب التي تشنها الإدارة الأمريكية على إيران في قرارات السياسة الخارجية الامريكية؟

كيف تقرأ السياسة الخارجية الأمريكية الحضور الجماهيري اللافت في ايران خلال الأربعين يوماً من الحرب؟

إذا كانت هناك كاميرات معدّة سلفاً لإظهار الرئيس الأمريكي في جو طقوسي ديني، وفي مشهد بطولي عالمي، فإن مقاطع فديو عفوية نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، سجّلها مسافرون عراقيون على غير موعد مع الشارع الإيراني الذي أبدى تفاعله مع أحداث البلاد كل من موقعه، فكان مشهد الطفل والشيخ والمرأة وهم يحملون علم البلاد في تنقلاتهم، ومجموعات تتوزع يومياً على الطرقات والمجسّرات، بعد ان تطاولت القوة العسكرية الأمريكية على تفجير احد المجسرات الحيوية في البلاد. إذا فرضنا ان الجمهور الرافض في كل من أمريكا وايران يمثلون جانباً من المشهد الحياتي لطبيعة كل مجتمع، فإن هذا المشهد يكشف بوضوح عن وعي الجمهور الأمريكي بالخطأ الذي ترتكبه حكومته بحق إيران، ويكشف أيضاً عن وعي الجمهور الإيراني بالخطر الذي ينتظر وجودهم. وأريد في هذا المشهد أن أثبّت وجود رؤية إنسانية جماهيرية مشتركة، فالجمهور الأمريكي الرافض للحرب، لم ينظر اليها على انها شأن سياسي عسكري فقط، بل وضعها في إطار أخلاقي إنساني حضاري. وكذلك الشعب الإيراني، لم ينظر الى الحرب على انها سعي امريكي إسرائيلي لإسقاط النظام الإيراني، ومنع إيران من تخصيب اليورانيوم، بل وضعها في إطار أخلاقي إنساني حضاري بدأ مع أول مشهد دموي مروّع ارتكبته أمريكا بحق 170 طفلة كنّ يتلقين تعليمهن في مدرسة ابتدائية في ايران، وحين سُئل " ترامب" عن ذلك، نفى ان تكون قواته قد ارتكبته، وقال ان القوات الإيرانية هي من اسقطت الصاروخ على المدرسة، متجاهلاً ومكذّباً ما نقلته قنوات إعلام اوربية عن دقة إستهداف الصواريخ الإيرانية لمواقع إسرائيلية، كما حصل حين اعتدى جنود امريكان على مواطن امريكي سبعيني خلال تظاهرات ضد حكومة ترامب الأولى، فأسقطوه أرضاً وأخذ ينزف أمام تجاهل القوة العسكرية الامريكية، وهو ما كشفته كاميرات مواطنين كانوا موجودين قرب مكان وقوع الحادث، حينها علّق " ترامب" قائلاً ان ما تم تداوله كان عبارة عن فديو مفبرك وليس حقيقياً !!

منذ بداية القرن الواحد والعشرين شاعت ظاهرة استبدال الورق بالشاشات الرقمية، وغطت الكتابة الالكترونية على الكتاب المطبوع، وتولّى الإعلام توجيه ثقافة الأجيال الجديدة. إننا نشهد ولأول مرّة في تاريخ البشرية مشاريع عالمية ضخمة تعمل على تفريغ الإنسان من انسانيته وإعادة حقنه بجرعات مصطنعة منها، يتم تصنيعها في شركات الإنتاج الخالي من أي نسبة ضمير، والمدعم بهرمونات التضخم المالي على حساب نشاط هرمونات الوعي العميق، بحيث نكون منفعلين متحمسين مجتمعين لمتابعة مباراة كرة قدم، نخرج الى الشوارع فرحين مبتهجين بفوز فريقنا الرياضي، في الوقت ذاته الذي يموت فيه أطفال في غزة ولبنان وايران بسبب الهجمات العدوانية الاسرائيلية الامريكية في حرب تهدّد كامل منطقتنا. اننا ندرك تماماً ما يقوم به هذا الإعلام من تسييس للقضية وحصر كل تفاصيلها في حدث واحد كما في مضيق هرمز الذي عدّت بعض وسائل الاعلام اغلاقه من قبل ايران تصرفاً سيئاً.

من هذه الأحداث المتواصلة يبدو لي ان إنسانية الإنسان، وكرامة الانسان مغيبة بشكل ملحوظ حين هدّد "ترامب" بإبادة حضارة ايران بليلة واحدة، وهدّد الشعب الإيراني لمّا وجده مؤمناً بوطنه، بعد ان كان يتمنى له في تصريح سابق، "حياة افضل" بزوال ولاية الفقيه. من هذا يبدو لي ان السياسة الامريكية الداخلية والخارجية تشتغل بمعزل عن فهم حقيقي عميق لطبيعة المجتمعات وبمعزل عن حق تلك المجتمعات في تقرير مصائرها، فهي تمنح شعبها الأمريكي حق التعبير عن مواقفه وعواطفه، وهذا بادٍ في التظاهرات والتعبيرات وغيرها، لكنها لا تكترث لإرادة هذا الشعب امام إرادة الحكومة، وهي كذلك في سياستها الخارجية. والاعلام برغم رسالته الموجهة سياسياً، قد تجري الرياح فيه "بما لا تشتهي السفن" وقد بدا ذلك في برنامج لقناة الجزيرة استضافت فيه استاذ جامعي إيراني هو دكتور "حسن احمديان" يقابله مجموعة من الطرف الآخر، تناقلته مواقع التواصل الاجتماعي بكثرة في المجتمعات العربية اعجاباً بهذا الشاب الإيراني وهو يتكلم بلغة عربية صحيحة وكفاءة علمية واضحة وقدرة دفاعية سليمة.

بين مثالية السلام، وواقعية الألم، وضرورة الأمل، علينا ان ننهض بالواقع الإنساني عالمياً عبر نظام عالمي جديد، يعيد صياغة إدارة العالم على وفق رؤى صالحة تمضي بالحياة في اتجاه آمن.

مرّ العالم بأزمات كثيرة، حملت أصحاب العقول على التفكير بنظام آمن يحكم العالم، يجنب الناس شرّ الحروب وويلاتها، حصل هذا اول مرة عام 1815م بعد انتهاء حروب نابليون، حيث ظهر " مجتمع الأمم"، تلاه في عام 1920م ظهور "عصبة الأمم"، ثم ظهور " منظمة الأمم المتحدة" في عام 1945م. لم يكتب لهذه الجهود النجاح المرجو من تأسيسها، بسبب افتقار هذه التشكيلات والتنظيمات الى القدرة الكافية التي تفرض بها قراراتها وتلزمها جميع دول العالم، فقد نجد اليوم كيف ان " منظمة الأمم المتحدة" لم تتمكن من ردع إسرائيل وهي ترتكب مجازرها بحق أطفال  "غزّة " في فلسطين، ورأينا كيف ان المحكمة الجنائية الدولية قد ادانت رئيس الكيان الصهيوني كمجرم حرب، وكيف ان أمريكا على لسان رئيسها " ترامب" لم تلتزم بهذا القرار. ورأينا كيف ان " منظمة الأمم المتحدة" لم تتمكن من ادانة ومعاقبة أمريكا على المجزرة التي ارتكبتها بحق أطفال صغار يتلقون تعليمهم في مدرسة ابتدائية.

ان ما يقع من حروب هنا وهناك في مناطق متفرقة في العالم يدعونا اليوم وبشدّة الى التفكير بحكومة عالمية إنسانية تنتخبها شعوب العالم بضغطها المتواصل على حكوماتها من أجل إصدار قرارات ملزمة تمنح حكومة شعوب العالم الإنسانية مشروعية حماية حقوق جميع البشر وعدم السماح، بل ومعاقبة أي دولة تنتهك هذا الميثاق مهما كانت إمكاناتها الاقتصادية والعسكرية والتقنية، ومهما كانت مبررات اعلان الحرب.

انه امر صعب جداً، ويحتاج الى وقفة تضامنية عالمية لكل شعوب الأرض، تدعو لها النخب الثقافية ومنظمات العمل الإنساني لتأسيس قاعدة عمل جماعي عابرة للجغرافيا والدين واللغة، تقوم على أساس من إنسانية الانسان كمشترك عالمي لا تختلف عليه شعوب العالم، واظنه الوقت الأنسب لاعلان هذا المشروع. ليس بسبب الحرب المشتعلة في المنطقة والعالم وحسْب، بل للكوارث الطبيعية والبيئية وتهديدات المناخ والإرهاب، التي فرضت القلق لوناً على لوحة المستقبل في حياة الناس.

في عام 1918م اقترح الفيلسوف والرياضي " برتراند رسل" تشكيل حكومة عالمية حقيقية. ووقع " البرت اينشتين" بياناً دعا فيه الى سلام عالمي يسمح بظهور "حضارة كونية على مستوى العالم"، واطلق الكاتب السويسري " رومال رولان" نداءً لـ " تدويل الذهن" في العام نفسه 198م.

في النظام العالمي الجديد الذي نصبو اليه، نحتاج الى تأسيس اتحاد عالمي للثقافة، يدخل كجزء من مكون " منظمة الأمم المتحدة" كمعيار للنوايا الحسنة في القرارات التي تتخذها الدول الأعضاء في القضايا السياسية العالمية، ويكون للفيتو الثقافي حضوراً ملزماً للجميع.

ولكي يكون للاتحاد العالمي للثقافة استقلاله الاقتصادي وجب الإقرار بصرف التخصيصات المالية بالتساوي لكل بلدان العالم في مجالات التعليم والصحة والثقافة. وإطلاق الإعلام الثقافي كقوة يتمكن من خلالها هذا الاتحاد تطبيق قراراته.

لقد اصبح السلاح النووي خطراً يتهدد عالمنا بوجود أنظمة سياسية ومشاريع اقتصادية مؤجندة لصالح جهة او جهات محددة ولصالح اشخاص او عوائل بعينها، تسعى الى الهيمنة على العالم، فقد بات من الضروري جداً العمل المتواصل على وضع دستور عالمي جديد يتحكم بذلك بعيداً عن أي أذى او ضرر يلحق بأي انسان مدني مسالم حول العالم. يكون ذلك بالتنسيق والتعاون المشترك مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية وهيئة الأمم.

لمواجهة " امركة العالم ثقافياً" وجب التحرك على مستوى العالم من أجل ثقافة عالمية مؤنسنة غير خاضعة للتأثير السياسي وللاستثمار الاقتصادي وللعمل التجاري وللعمل الدبلوماسي المبطن بالمصالح المادية والفئوية والعنصرية، ومن ذلك ان يدخل في عضوية محكمة العدل الدولية قضاة من كل دول العالم، وان يصار الى التنسيق مع الشرطة الدولية لتكون على ارتباط بالاتحاد العالمي للثقافة وبمحكمة العدل الدولية وبمنظمة الطاقة الدولية للأخذ بعين الاعتبار مصالح الإنسانية العالمية في كل مكان وزمان بعيداً عن خصوصيات كل بلد، لحماية الطفولة من الموت في غير اوقاته، وحماية المرأة من العنف، وحماية الضعفاء من الاستغلال، وحماية المال العام والخاص من الابتزاز والسرقة والتلاعب، وحماية الحقوق والحريات في أطر أخلاقية إنسانية هادفة.

لا شك ان كل شعوب العالم ترغب بالسلام، لكن الشك في من يقدر على تلبية هذه الرغبة العالمية. لقد كشفت مجريات أحداث العالم حتى اليوم ان لا جهة جديرة بتلبية رغبة شعوب العالم بالسلام الحقيقي، لذا علينا ان نؤسس لنظام عالمي جديد، لأن الدول المهيمنة على القرار العالمي اليوم لا تزال تطرح الحرب خياراً مقبولاً وهي تدعو الى السلام. ولا تزال هذه الأنظمة تمارس ضغوطاً اقتصادية لا إنسانية على دول هنا وهناك باسم تحقيق الاستقرار والأمن في العالم، وفي هذا تناقض علينا ان نمنعه، وان نرفع شعار (الانسان بنيان الله ملعون من هدمه)، وان نرفع علماً تلتف حوله وتحيّيه كل شعوب العالم، لا يرمز لغير الإنسانية، فكل فرد في هذا العالم انسان بالضرورة ومواطن بالمصادفة، وعلى هذا الأساس علينا ان نتجاوز هذه المصادفة التي تجعل هذا الانسان امريكياً، وذاك عربياً وثالث افريقياً، وهكذا.. انها "العائلة الإنسانية" التي جاء ذكرها في المشروع النهائي لاعلان حقوق الانسان في 1948م، الذي صاغه " رينيه كاسان" والذي نصّ على :(الاعتراف بالكرامة اللصيقة بكل أعضاء العائلة الإنسانية وبحقوقهم المتساوية وغير القابلة للتنازل...).

في تاريخ منجزات العقل الإنساني حول العالم جهود كبيرة وكثيرة في هذا المجال، وقد آن الأوان لأن يصبح المثقف المفكر قطباً من أقطاب النظام العالمي الجديد للإنسانية، لا طرفاً من أطرافها، او أداة من ادواتها. إننا بحاجة الى نظام فوق – قومي للثقافة الإنسانية، والى قمة عالمية للثقافة الإنسانية شأنها شأن القمم السياسية العالمية.

الفكرة هي مادة أولية ضرورية تحتاجها صناعة الوعي العالمي من اجل انتاج ثقافة تزود الانسان بمزايا نفعية مريحة تصب في صالح كرامته وانسانيته بعيداً عن العنف والقلق وقلة المعرفة. هذه الفكرة موجودة في العقل الإنساني المدرك، وهذا العقل الإنساني فعلٌ بشريٌ مشتركٌ لا تؤثر البيئة المحلية التي يعمل فيها على خصائصه الطبيعية في خط إظهار العمل الإنساني الهادف، فالكتاب هو ثمرة تفكير انسان، تسهم تقنية الطباعة الحديثة في نشره، وتؤدي الترجمة دورها الأخلاقي ومسؤوليتها في إيصال امانة الفكرة الى لغات العالم، وتتكفل محافل الثقافة في كل مكان بالترويج لهذه الفكرة في حلقات تواصل تستفيد من سرعة وسهولة التبادل المعلوماتي في العالم الافتراضي الذي جعل الشعوب بحاجة الى بعضها البعض، حاجة عابرة للجغرافية وللبيئة المحلية، لقد صار في العالم أجهزة موبايل بعدد سكان الأرض أ واكثر، وصار الاتصال بالشبكة العنكبوتية ضرورة حياتية، وبالاستفادة من هذه المشتركات علينا اعلان نظام عالمي جديد للإنسانية لا يسمح للجهل، ولا للتطرف، ولا للارهاب، ولا للطائفية، ولا للانانية، ولا للأوهام الخاصة، ان تكون اداوات تتحكم بالناس، وتقرر نيابة عنهم، وتحدد مصائرهم بعيداً عن اراداتهم، وتهدد سلامتهم وامنهم.

***

عدي عدنان البلداوي

 

إنجيل سكوفيلد والتطرف الصهيوني.. لماذا يُقرأ من الأسفل إلى الأعلى؟

 دخل السجن بتهمة التزوير والاحتيال، ولم يضع قدمه في جامعة أو معهد ديني قط، لكنه خرج من خلف القضبان ليصبح فجأة الواعظ الأهم في أمريكا، والدكتور الذي يعلّم المسيحيين نبوءات نهاية العالم. هكذا يصف القس الأمريكي المعاصر ريك وايلز صاحب إنجيل سكوفيلد، سايروس سكوفيلد. 

تفتح هذه الشهادة الباب واسعًا لفهم كيف تم توجيه الوعي الديني والسياسي في الولايات المتحدة لصالح المشروع الصهيوني، وكيف تحولت حواشي وشروحات إنجيل إلى دستور غير مكتوب يحرّك بوارج واشنطن ويغذي أطماع إسرائيل التوسعية في المنطقة العربية. إن ما نشهده اليوم من تصريحات متطرفة حول التمدد الجغرافي وتغيير خارطة الشرق الأوسط هو ثمرة استثمار طويل الأمد في عقول الملايين من الأمريكيين الذين تم توجيه إيمانهم لخدمة غايات استعمارية. 

في خضمّ العدوان الأميركي-الصهيوني على إيران، برز خطاب متشدد داخل بعض الأوساط السياسية الأميركية يكشف البعد الأيديولوجي الديني للحرب. فقد أشار تقرير نشره موقع "ذا كرادل" إلى مواقف وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، الذي استخدم في كتابه "الحملة الصليبية الأمريكية" لغة ذات طابع ديني، متحدثًا عن صراع حضاري مع الإسلاميين، وكتب أن صليبيي اليوم سيحتاجون إلى الشجاعة نفسها. كما دعا في خطاب أمام قادة عسكريين إلى التخلي عما سماه قواعد اشتباك غبية لصالح أقصى درجات الفتك. ويتقاطع هذا الخطاب مع تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، الذي تحدث في مقابلة إعلامية عن حق توراتي لإسرائيل في أرض تمتد من النيل إلى الفرات. والخطأ هو التعامل مع هذه التصريحات كأنها مجرد مبالغات سياسية؛ فهي تعكس رؤية أيديولوجية ترى صراعات الشرق الأوسط من خلال سرديات دينية تمنح المشروع التوسعي الإسرائيلي غطاءً عقائدياً في الوعي الغربي وتبرر جميع أفعاله.

لكي نفهم كيف وصل العقل الأمريكي إلى دعم هذه الأطماع، يجب أن نغوص في تفاصيل العملية اللاهوتية التي بدأت في نهاية القرن التاسع عشر. كان هناك قس بروتستانتي إيرلندي مغمور، قام بكتابة شروحات على الكتاب المقدس ذهب في تأويلاته إلى أقصى درجات التطرف، وروّج لشروحات للكتاب المقدس لم تكن معروفة من قبل ذلك التاريخ ولم يهتم بها أحد، كان اسمه جون نيلسون داربي. توفي عام 1882، وهو الرجل الذي وضع بذور فكرة التدبيرية القائمة على فصل مصير اليهود عن الكنيسة، وكانت أفكاره توصف بالهرطقة في أوروبا آنذاك.

لكن الدوائر الصهيونية الناشئة أدركت أن هذه الأفكار تمثل كنزًا يمكن أن يفتح لها أبواب أمريكا. فوجدت في رجل اسمه سايروس سكوفيلد بعد خروجه من السجن الشخص المناسب، وجرى العمل على إعادة صياغة لشخصيته، بتحويله من محتال مُدان بالتزوير إلى “دكتور في اللاهوت” ومرجع في تفسير النبوءات.

المثير في قصة سكوفيلد هو الدعم المالي الكبير الذي تلقاه؛ وهو ما ذكره جوزيف كانفيلد في كتابه (The Incredible Scofield and His Book (1988 (سكوفيلد العجائبي وكتابه )  إذ تم تنسيبه إلى نادي لوتس للنخبة في نيويورك، وهو نادٍ كانت رسوم الاشتراك فيه تتجاوز دخله الإجمالي، ما يثير تساؤلات جدية حول الجهات التي موّلت صعوده وصنعت منه صوتًا لاهوتيًا مؤثرًا. كما تم ترتيب رحلاته إلى أوروبا، وحصل على عقد نشر مع دار نشر جامعة أكسفورد، وهي جهة أكاديمية أضفت على شروحاته مسحة من الوقار العلمي.

وقد طُبعت من هذه الشروح ملايين النسخ، وجرى توزيعها مجانًا على نطاق واسع، ما ساهم في ترسيخها داخل الوعي الديني الأمريكي. وهنا يبرز سؤال التمويل والدعم: من الذي موّل هذا الانتشار الواسع؟ وكيف تحوّلت حواشٍ تفسيرية إلى مرجعية لاهوتية أثّرت في مسار السياسة الأمريكية لعقود؟ 

لشرح كيف تحولت تلك الشروحات إلى دستور غير مكتوب عند معظم الشعب الأمريكي، نستلهم ما قاله القس ريك وايلز. لقد وصف هذه الخديعة ببراعة حين قال إن الإنجيل في أمريكا أصبح يُقرأ من الأسفل إلى الأعلى. ويقصد بذلك أن القارئ الأمريكي، وتحت تأثير التصميم البصري لإنجيل سكوفيلد، بات يلتقط التفسيرات والأيديولوجيا الموجودة في الهوامش أسفل الصفحة قبل أن يقرأ النص الإلهي في الأعلى. بهذه الطريقة العكسية، تم تطويع النص الإلهي ليخدم الشروحات البشرية المسيسة، التي دُست بعناية. أصبح الهامش هو الحاكم والموجّه، مما جعل القارئ يرى النبوءات بعيون صهيونية صاغها سكوفيلد لشرعنة التوسع الإسرائيلي. 

هذه الثقافة اللاهوتية هي التي تمنح القادة الصهاينة اليوم الجرأة على استخدام مصطلحات مثل عماليق لتبرير إبادة المدنيين في غزة. فالمسؤول الصهيوني حين يتحدث في واشنطن عن التوسع، فإنه يخاطب جمهورًا مسيحيًا صهيونيًا تم تحضيره مسبقًا عبر إنجيل سكوفيلد لقبول فكرة أن أعداء إسرائيل هم أعداء الله، وأن قتلهم واحتلال أراضيهم هو تنفيذ لمشيئة عليا. هذا الربط بين النص والواقع السياسي هو ما يجعل تصريحات السفير حول احتلال سوريا والعراق والكويت والجزيرة العربية تمر دون هجوم حقيقي في الأوساط اليمينية الأمريكية، بل يُنظر إليها كتحقيق لنبوءات توراتية تم زرعها في وعيهم قسرًا. 

أمام هذا التغوّل، تبرز ضرورة قصوى لإعادة النظر في أدوات المواجهة العربية. وهنا نصل إلى النقطة الجوهرية: دور رجال الدين المسيحيين العرب كركيزة أساسية في هذه المعركة. إن عبء التصدي لهذه الطروحات يقع على عاتقهم، لأنهم يمتلكون الشرعية اللاهوتية والتاريخية التي تفتقر إليها الصهيونية المسيحية الغربية. إن المواجهة عبر المفكرين السياسيين قد تنجح في السجال المنطقي، لكنها غالبًا ما تفشل أمام المسألة الدينية.

يجب على الكنائس العربية بمختلف طوائفها القيام بدور ريادي من خلال كشف تطرف إنجيل سكوفيلد، وتوضيح أن المسيحية المشرقية، التي ولدت في مهد المسيح، ترفض تسييس النصوص المقدسة. وكذلك تشكيل جبهة موحدة مع الحكومات العربية في المؤتمرات الدولية، والجامعات، والندوات التلفزيونية العالمية لشرح أن ما تروج له الصهيونية المسيحية هو أيديولوجيا استعمارية صُبغت بصبغة دينية، هو السبيل الوحيد لكسر احتكار الصهاينة لتفسير الإيمان في الغرب.

إن رجل الدين المسيحي العربي يستطيع أن يقول للعالم بلسان الواثق إن هؤلاء المحتلين يضطهدون مسيحيي القدس وبيت لحم، وهو ما ينسف فكرة الحلف الحضاري التي تروج لها الصهيونية. 

الصهيونية المسيحية تعدّ الركن الأقوى للصهيونية اليهودية، فهي مصدر تمويلها الأساسي ودرعها السياسي الصلب في الكونغرس الأمريكي. وإذا استطعنا هدم هذا الركن عبر كشف حقيقة سايروس سكوفيلد فإن البنيان الصهيوني سيهتز من الداخل.

الفرصة الآن مواتية أكثر من أي وقت مضى، فالجيل الجديد في الغرب لم يعد يكتفي بقراءة حواشي سكوفيلد، لقد فتح بابًا للحقيقة عبر المنصات الجديدة. إقناع هذا الجيل بأن معتقدات آبائهم بُنيت على تفسير لاهوتي قاده نصابون بتمويل مشبوه، سيوجه ضربة قاضية للشرعية الأخلاقية للكيان الصهيوني.

يجب الانتقال من موقف الدفاع إلى موقف الهجوم الفكري، عبر إنتاج محتوى بلغات عالمية يفضح قصة إنجيل سكوفيلد، ويربطها مباشرة بالجرائم التي تُرتكب اليوم في فلسطين والتهديدات التي تطال عواصم العرب.

*** 

نبيل عيدو

في عام 1832، صاغ المنظِّر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز واحدةً من أكثر المقولات رسوخاً في فلسفة الحروب، إذ أكد أن الحرب ليست سوى امتداد للسياسة بوسائل أخرى (الحرب ظاهرة مستمرة من التفاعل السياسي، وهي ممارسة لهذا التفاعل بوسائل أخرى:

Der Krieg ist eine fortgesetzte Erscheinung des politischen Verkehrs, eine Durchführung desselben mit anderen Mittel.

فالحرب، من هذا المنظور، ليست غايةً في حد ذاتها، بل هي أداةٌ - امتدادٌ محسوب للإرادة السياسية حين تُستنفَد سبل الدبلوماسية، مع التأكيد أن ليس كل الحروب كذلك. وقد رسّخ هذا التصوّر طوال ما يقارب قرنين من الزمن الطريقة التي يفهم بها المفكرون والقادة العسكريون ورجال الدولة العلاقةَ بين السياسة والحرب.

غير أن العالَم الذي عاش فيه كلاوزفيتز - عالَم البنادق وصهوات الخيول والوطأة المتثاقلة للحملات النابليونية - بات شبه غريب حين يُقارن بميادين حرب القرن الحادي والعشرين. فالذكاء الاصطناعي يضغط دورات اتخاذ القرار إلى أجزاء من الثانية. والطائرات المسيّرة المستقلة تستطلع وتضرب دون أن تلمس يدٌ بشرية زناد السلاح. والعمليات السيبرانية تُعطِّل البنى التحتية دون إطلاق رصاصة واحدة. وقد باتت الأقمار الاصطناعية والخوارزميات حاسمةً ربما بما يفوق الجنود أنفسهم. في هذا المشهد الهوليوودي المتحوّل جذرياً، يفرض سؤالٌ استفزازيٌّ نفسه بقوة: هل كفّت الحرب عن كونها امتداداً للسياسة بوسائل أخرى، لتصبح بدلاً من ذلك امتداداً للتكنولوجيا بوسائلها أو بوسائلٍ أخرى؟

إن طرح هذا السؤال لا يعني مجرد الإشارة إلى أن الجيوش باتت تستخدم أجهزةً متطورة. بل يعني أن المحرّك الحقيقي للصراع قد تبدّل. فحين رأى كلاوزفيتز في الإرادة السياسية القوةَ السيادية التي تُحشِد الحرب وتُوجّهها، ينبغي لنا أن نتساءل: هل باتت المنافسة التكنولوجية هي القوة السيادية ذاتها، فيما تُمثِّل الحرب أقصى أدواتها وأشدها وطأةً؟ والحروب، وفق هذه القراءة، ليست في جوهرها صراعاً على الأرض أو الأيديولوجيا أو المصلحة الوطنية؛ بل هي الساحات التي تختبر فيها الدول التكنولوجية قدراتِها وتُعلن عنها.

لقد كانت الحربان العالميتان، في جملة ما كانتا عليه، مختبرَين عملاقين. فالحرب العالمية الأولى صنّعت القتل على نطاق لم يسبق له مثيل، وأفرزت طفرات في الطيران والاتصالات والهندسة الكيميائية شكّلت ملامح القرن العشرين بأسره. أما الحرب العالمية الثانية فقد أنتجت الرادار والدفع النفاث وبحوث العمليات، وفوق ذلك كله وبأشد تداعياً: الأسلحة النووية. ولم تكن تلك مجرد نتائج عَرَضية؛ بل صبّت الدول موارد هائلة في التطوير التكنولوجي لأنها أدركت أن التفوق التكنولوجي يُترجَم مباشرةً إلى هيمنة عسكرية. لم تكتفِ الحرب باستخدام التكنولوجيا، بل أنتجتها واستدعتها وانتظمت في مساعيها حولها.

وقد دفع المنظّرون المعاصرون هذه الفكرة إلى أبعد من ذلك. فبول شار، في دراسته الرائدة حول الأسلحة ذاتية التشغيل، يصف ما يسميه نموذج "القنطور" في الحرب: شراكةً بين الحكم البشري وسرعة الآلة، تتولى فيها نظمُ الذكاء الاصطناعي وتيرةَ المعارك التي يعجز الإدراك البشري عن مجاراتها. تحدّث آخرون عن "الحرب الفائقة"؛ نمطٌ من الصراع تُضيّق فيه الآلاتُ الذكية الدورة بين المعلومة واتخاذ القرار إلى حد يتحوّل معه العامل البشري من قائد إلى عائق. وفي الحالتين، لا يقوم المنطق على أن التكنولوجيا تخدم الاستراتيجية العسكرية، بل على أن الاستراتيجية العسكرية ينبغي أن تُعيد تنظيم نفسها حول القدرات التكنولوجية. والذيل، إن جاز القول هنا، بات اليوم هو من يُحرِّك إرادة الثعلب وشهيته.

كان مارتن هايدغر، الذي أكد أن التكنولوجيا الحديثة ليست أداةً محايدة، بل هي طريقة في "الحَجْب والتأطير" (Ge-Stell /Enframing) أي في رؤية كل ما في الواقع وفي الطبيعة باعتباره رصيداً احتياطياً من الموارد القابلة للتعبئة. والحرب، في ضوء هذه القراءة، تغدو التعبيرَ الأقصى عن هذا التأطير التكنولوجي: إذ يُعيد ترتيب البشر والدول بأسرها، ويُقيَّمون ويُستنزَفون وفق إمكاناتهم التكنولوجية. وما يُطرح لم يعد: أيّ غاية سياسية تخدمها الحرب، بل: أيّ عتبة تكنولوجية تستطيع الحرب اختراقها.

وإذا كانت التكنولوجيا قد أضحت المنطقَ الأوّل للحرب، فإن الضوابط الأخلاقية والسياسية التي أدرجها كلاوزفيتز في إطار اطروحته - وهي فكرة أن الحرب يجب أن تخدم غايةً سياسية، وبهذا المعنى يعني أن تبقى تحت توجيه عقلاني - تبدأ في التآكل. فلم تعد التكنولوجيا تُضخّم الإرادة السياسية فحسب؛ بل باتت تُفرز حتمياتها الخاصة، وإغراءاتها الخاصة، وزخمها الخاص، إلى درجة أن الآلة هي من باتت ترسم في الواقع جداول الأعمال. وفي هذا السياق، تكتسب ملاحظة حنة أرنت المبكرة أهمية استثنائية أثناء مناقشتها لأطروحة كلاوزفيتز في كتابها "في العنف": "فالعنف، في تمايزه الجوهري عن السلطة والقدرة، بحاجة دائمة إلى أدوات. ومن هنا كانت كل ثورة تكنولوجية، بوصفها ثورة في صناعة الأدوات، ذات أثر مضاعف في الميدان العسكري. ذلك أن منطق العنف ذاته إنما تحكمه علاقة الغاية بالوسيلة، وهي علاقة تنطوي على مفارقة خطيرة: فالوسيلة التي تُبرِّر الغاية كثيراً ما تتجاوزها وتطغى عليها". ووفق أرنت، فإنه بمجرد أن تُوضع الأدوات في خدمة أهداف سياسية، حتى تَفلُت من قبضة من صنعوها، لتُعيد رسم عالَم الغد بصورة قد لا تشبه في شيء ما أرادوه ابتداءً. فالوسائل، لا الغايات، هي التي تُشكّل في نهاية المطاف البنية التي يتشكّل فيها العالم.

في المحصلة، لا يمكن الإجابة عن سؤال ما إذا كانت الحرب قد أصبحت امتداداً للتكنولوجيا بوسائلها أو بوسائل أخرى بصورة قاطعة؛ إذ يمسّ هذا السؤال واحداً من أعتق التوترات في التجربة الإنسانية: التوتر بين الأدوات وصانعيها. التكنولوجيا لا تشنّ الحروب، بطبيعة الحال، البشر هم من زالوا يشنّونها، وبكل ما ينطوي عليه ذلك من تنافس وطموح وخوف وأخطاء في الحساب. غير أن الأدوات التي نبنيها تُعيد تشكيل الخيارات المتاحة لنا، والأثمان التي نرتضي بدفعها، والغايات التي نسعى إليها. كان كلاوزفيتز محقاً في أن الحرب لا تدور قط حول ذاتها تماماً. غير أنه لم يكن يستطيع أن يتنبّأ بأن "الوسائل الأخرى" التي تتواصل من خلالها الحرب في عصرنا ليست السياسة وحدها، بل المنطق الصارم المتوالد ذاتياً للسيادة التكنولوجية.

***

أمين اليافعي

٧ أبريل ٢٠٢٦

الحرب على إيران ومخاطر الانزلاق نحو التدمير الشامل

لم تزل الأزمة الحالية في المنطقة تؤشر إلى مصيرين اثنين حاسمين بشأن مستقبل الجمهورية الإسلامية وتبعات ذلك على دول الجوار من حولها؛ الأول أن تبقى الأهداف في حدود إضعاف النظام بتدمير ما أمكن من مرتكزات وجوده السياسي، والأهمّ من ذلك شلّ بُنى قوته العسكرية والأمنية، والتهميش المتزايد للقاعدة الشعبية المناصرة له في الشارع. والثاني أن يتحوّل المسار المعادي من إضعاف النظام (وحتى احتمال القضاء عليه) إلى تدمير إيران كبلد في مرتكزات وجوده الاقتصادية ومؤسّساته المدنية والحيوية، وطرقه وجسوره، وطاقته وصناعاته وجميع ما يمثّل حيوية الإنسان والعمران، في أنموذج تشبيهي أقرب ما يكون لما حصل مع العراق في حرب 1991م؛ تلك الحرب التي انطلقت تحت عنوان مضلّل هو «تحرير الكويت» في ما انتهت فعلاً إلى تدمير العراق على المستويين العمراني، ثمّ الإنساني عبر نتائج حرب التدمير نفسها، وما تلاها بعد ذلك من حصار، أفرغ طاقته الحيوية بشكلٍ مفزع لم يتعافَ منه حتى اللحظة.

بين التغيير والتدمير

ثمّ فارق كبير بين المصيرين ومسافة شاسعة بين مساريهما. فالخسائر مهما كانت باهظة مع الخيار الأوّل، إلا أنها تبقى محدودة في نطاق تصفية المرتكزات الوجودية للنظام مؤسّساتياً وإنسانياً، بغية إضعافه واحتوائه والسيطرة عليه وإعادة تنظيم سلوكه، أو حتى مع إسقاطه وتغييره واستبداله بنظامٍ آخر؛ يتخلّق من داخل أحشائه، أو ينبثق من بيئة مختلفة تماماً. إذ في كلّ هذه الحالات تبقى الخسائر محدودة يمكن تحملّها وتجاوزها، خاصةً وأن من سنن السياسة وأعظم ثوابتها، هو التغيير الدائم في الأنظمة، وأن هذه الأنظمة لم توجَد للدوام بل للتغيير والزوال، وإلا فما صحّ الحديث عنها بصيغة الجمع (أنظمة) بل لكنا في كلّ بلد أمام نظام واحد، دائم أبدي لا يتغيّر؛ وهذا من المحال.

برأيي أن تدمير البلدان هو أمر آخر مختلف تماماً عن إضعاف الأنظمة السياسية وتغييرها. إضعاف النظام أو تغييره في الجمهورية الإسلامية قد يضع البلد في حالة ضعف تستمر سنوات أو عقداً كحدٍ أكثر، لكن التدمير يدفع إيران برمتها كوجود وبلد، صوب آماد من التخلف والهشاشة قد يستمران عقوداً مديدة، وقد تجرّ تبعاته البلد إلى شراك التخلف التأريخي، وهو التخلف الذي تبقى نتائجه المدمّرة متقدّمة على أي جهد بنائي وتشييدي مهما عظُم.

في التخلف التأريخي تبقى متوالية الدمار أسرع دائماً من الإصلاح والبناء والإعمار، فتكون الهيمنة لصور التخلف ومظاهره على مدار عقود، تماماً كالجسم المحتضر الذي يستعصي على العلاج، إذ كلما وضعت يدك على جزء منه لعلاجه، تتداعى بقية الأجزاء بالتراجع والانهيار.

قسوة الغرب السياسي

تجربتنا مع الغرب السياسي (لا أتحدّث عن الغرب الثقافي والإنساني فضلاً عن التكنولوجي) تعلمنا بمنهج الاستقراء التام، حقيقة واحدة، مفادها أنه يدفعنا دفعاً صوب التخلف التأريخي عبر التدمير الشامل، حين ندخل معه في معركة أو نعيش معه محنة التحدّي المصيري. هذه حقيقة ناصعة لا غبار عليها شهدناها مع مصائر تجارب أُخر في مصر والعراق وليبيا وسوريا والآن مع إيران، بصرف النظر عن طبيعة هذه النظم وخصائصها، ومتبنياتها الأيديولوجية.

لذلك أعتقد أن واحدة من نقاط الخلل ليس في التجربة الإيرانية وحدها، بل مجمل الخبرة النظرية في العالم الإسلامي، هو افتقار الفكر السياسي الحاكم إلى الوعي الصحيح بقسوة الغرب السياسي، ونواياه التدميرية إزاء أي تجربة يعتقد أن فيها تحدّياً لوجوده ومصالحه.

على أن للانهيار تبعاته المفاجئة التي قد لا تظهر في المعادلة الآن، بل تعمل كمجهول مضمر يتربّص بواقع البلد المنهار، وينتهز الفرص المؤاتية للتعبير عن نفسه. وفي حالة إيران لو انجرّت إلى خيار التدمير وتعدّت المسألة تخوم المعركة مع النظام السياسي؛ مجهولات غاية في الخطورة قد تصيب وحدتها الجغرافية بالصميم، وتهدّدها بالتفكّك والتجزئة، خاصةً مع وجود معدّات تُسهّل ذلك، من قبيل التنوّع المذهبي والأخطر منه الاختلاف السلالي والإثني؛ والتربّص الأجنبي ومخاطر الصراع المناطقي ومكائده.

ومن ثمّ هناك إمكان لانفراط عقد وحدة إيران الجغرافية والإنسانية الحالية، المحفوظة حتى الآن بعامل سياسي متمثل بالحكم المركزي، وآخر ثقافي متمثل باللغة الفارسية، ومستوى ثالث خليط من العوامل التأريخية والنفسية والثقافية، ورابع له جذوره المخيالية الممتدّة في اللاشعور الجمعي، وما تموج داخله من أخيلة وأساطير وخرافات، تعزّز ضرباً من الهوية الواحدة جنباً إلى جنب بقية العناصر.

الأضرار المدنية

كنتُ أتابع المواقع الإيرانية المؤيدة للنظام عندما استوقفتني إحصاءات تتحدّث عن تضرّر في المنشآت المدنية، من أبنية ومدارس ومصحات وطرق وجسور ومواصلات، وطائرات وسفن مدنية، وموانئ ومطارات وغيرها. هالتني الأرقام للوهلة الأولى وهي تؤكد صراحة تضرّر أكثر من (4,600) منشأة مدنية. لكن مع التدقيق انتبهتُ إلى أن الرقم هو (42,600) فشعرتُ بالصدمة الهائلة، مع أنني أدرك تماماً من خلال تجربة بلدي العراق، أن هذا هو منطق الحروب، وأن هذه الأخيرة لا تجامل ولا تحابي، مهما رفعنا من شعارات، وبلغ ما بلغ كلامنا عن «الحروب العادلة» أو «المشروعة».

الحرب هي الحرب ومنطقها واحد، هو الدمار الذي يحلّ بالإنسان والعمران، ومهما قيل عن الحروب النظيفة، فالحرب تبقى قذرة في تبعاتها على الحياة والبلدان، ينبغي دفعها ما أمكن ذلك، وإن وقعت فلابدّ من إيقافها بأسرع وقت، لتحاشي منزلقاتها وهي تتحوّل من شرر إلى حرائق، ثمّ تمتدّ ولا تبالي بالتمييز بين ما هو عسكري ومدني، لاسيّما في البلدان التي تشهد صعوداً للعسكر وهيمنة للعسكرة كإيران.

في حروب إضعاف النظام قد تبقى البُنى التحتية للطاقة من نفط وغاز وكهرباء بمعزل عن التدمير. لكن عندما يتحوّل مسار المعركة إلى تخريب البلد فالنتائج كارثية، لا فرق في طبيعة هذا التحوّل ومن المسؤول عنه، وفيما إذا كان خاضعاً لخطة قبلية وتدبير مسبق، كما هو الحال في السلوك الأمريكي ـ الإسرائيلي ضدّ إيران الآن، أو ناشئاً عن منزلقات وتداعيات من مجريات الحرب نفسها، كما تفعل إيران الآن مع دول الخليج فيما تتعرّض لها منشآتها النفطية والغازية ومرافق الطاقة بشكلٍ عام.

مثال الكهرباء

أكتب من بلدٍ عاش أزمة عميقة مع الكهرباء منذ حرب تدمير العراق عام 1991م، ولم تزل مظاهرها تجثم على صدورنا حتى الآن رغم مرور نحو ربع قرن على نهاية عمر النظام البائد، وقد تدوم لسنوات أُخر. لقد عرفنا من خلال المحنة والمعايشة المباشرة، أن طاقة الكهرباء هي قلب الحياة النابض، ليس للمعيشة الإنسانية بحدّها الأدنى، وإنما أيضاً للبلد ومستشفياته وصناعاته وطرقه ومواصلاته، إذا ما رام أن يحيا ضمن أدنى مواصفات الحياة الحضرية الرافهة.

بهذه المقدّمة انتقل إلى إيران إذ يسجّل خبراء الطاقة فيها أن القابلية الإنتاجية تمتدّ إلى ما يزيد على (100) ألف ميكا واط موزّعة على مئات المعامل ونقاط الإنتاج، وأن الفعلي منها يتراوح بين (65) إلى (85) ألف ميكا واط بحسب الحاجة واختلاف الطلب. بديهي تمرّ دورة الكهرباء في إيران كما غيرها، بين محطات الإنتاج، وخطوط النقل، ثمّ شبكات التوزيع.

لنتخيّل بعناوين سريعة ما يحلّ بالملايين التسعين الذين يعيشون في إيران لو ضُربت الطاقة الكهربائية، حتى على طريقة «قنابل الغرانيت» التي تطلق مادّة الكربون أو ألياف دقيقة فوق خطوط النقل، فتعطّل الكهرباء عبر إحداث تماس كهربائي، لكن من دون إلحاق أضرار بمحطات الإنتاج ومعامله، ما يؤدّي إلى إمكان إصلاحها في غضون عدّة أسابيع.

على الفور، سيقود ذلك لو حصل إلى إثارة حالة من الخوف بل الهلع بين صفوف الناس. فالتبعات الحالية للحرب أدّت في العاصمة طهران وحدها إلى هروب (5ـ 6) مليون إنسان، وقد سجّلت الإحصاءات الرسمية وصول عدد المسافرين لشمال إيران إلى (10) مليون إنسان، كلّ ذلك هرباً من تبعات الحرب، فكيف إذا أضيفت إلى ذلك أزمة الكهرباء؟!

أزمة الكهرباء تعني أزمة في محطات الغاز والبنزين، وأزمة في المياه الصالحة للشرب، وأزمة في المستشفيات، وفساد كبير يلحق المواد الغذائية وآلاف الأطنان المحفوظة من اللحوم والدواجن على مستوى البيوت، والأخطر من ذلك على مستوى الذخيرة الوطنية لهذه المواد. كما تؤدّي إلى تعثّر الخدمات الصحية وأجهزة الإنعاش وغرف العمليات والطوارئ، وشلل في النظام المصرفي في بلد يعزّ فيه النقد ويتعامل بالبطاقات على نطاق واسع شبه مطلق.

وبضرب الكهرباء تتعطّل المواصلات والاتصالات وتتوقف شبكات النت والهواتف النقالة ومحطات الراديو والتلفزة، وتدخل إيران في عزلة مضاعفة تُضاف إلى عزلتها الحالية بفعل الحرب. كذلك يتعطّل الاقتصاد وتُشل مرافقه الفاعلة، وينهار النظام العام، وتتحوّل هذه التداعيات إلى أرضية خطيرة للفوضى والجريمة، إلى غير ذلك من التبعات الضارّة، وهي بالعشرات إن لم تكن بالمئات، وتجعل لو حصلت أمداً كبيراً بين الإنسان الإيراني، وحقه في الحياة الحضرية المدنية الرافهة.

القرار التأريخي

من المؤكد أن ضرب إيران لمحطات الطاقة في دول المنطقة ودفعها إلى الظلام الدامس بظرف مدّة نصف ساعة فقط (على حدّ تهديد الراحل علي لاريجاني بذلك أول أيام الحرب) ليس حلاً، كما تهدّد بذلك إيران. أولاً، لأن هذا على وجه التحديد، ربما هو ما تريده واشنطن وتل أبيب وتسعى إلى تحقيقه، في سيناريو من مراحل عديدة ينتهي إلى إشعال حرب شاملة، وتدمير بلدان المنطقة وثرواتها، لكي تتحوّل إلى ساحة لعمل الشركات الأمريكية وسوق لها، على مدار عقود ممتدّة.

وثانياً، لأن الحلّ لا يتمثل بمقابلة التدمير بالتدمير (تدمير مرافق الطاقة والكهرباء والمياه في بلدان المنطقة مقابل تدمير الكهرباء في إيران) بل بالحؤول دون حصول ذلك، وإيقاف مقدّمات انتقال المعركة من إضعاف النظام وضرب مرتكزاته الوجودية في السياسة والأمن والدفاع، إلى تدمير إيران.

الشجاعة كلّ الشجاعة، والالتفاف الحقيقي على الاستراتيجية الأمريكية ـ الإسرائيلية، يتمثل إيرانياً بتعطيل جسور انتقال الأزمة من إضعاف النظام إلى تدمير إيران، بإزالة مبرّرات ذلك ومقدّماته. أعرف أنها عملية صعبة وشاقة أشبه ما تكون بالممتنعة وقوعياً، لكنها هي المطلوبة من الوجهة المنطقية والواقعية.

السؤال: كيف يحصل ذلك؟ مرّة أخرى إيران أمام اختبار جبار ومهمّة شاقة جداً، لكن لابدّ من التحرّك بهذا الاتجاه. هذا هو وقت التسويات، ومهارة الردع، وذكاء الدبلوماسية، وسلامة أي بلد من بلدان المنطقة (إيران وغيرها) هي أكبر من جميع الاعتبارات، وإذا لم تفلح مهارة الردع العسكري، بمعاضدة ذكاء الدبلوماسية، واستنفار الخبرة التأريخية في الحفاظ على إيران من التدمير والتخلف التأريخي؛ فما قيمتها إذن؟ بل ما قيمة الصمود إذا تحوّل واقعياً، إلى ذريعة للتدمير وواجهة للانتقال من إضعاف النظام إلى تدمير إيران؟ وماذا يبقى للنظام إذا دمّرت إيران؟

لقد لاحت فرصة قد تكون مؤاتية بعد إعلان ترامب عن تمديد مهلة الـ(48) ساعة، إلى (5) أيام أُخر، ولم تتضح الصورة بعد بين التأكيد الأمريكي والنفي الإيراني، على الأقل حتى كتابة المقال (غروب يوم الاثنين). لكن ننتظر القرار التأريخي.

دائرة القرار

على عهد المرشد الراحل كان كلّ شيء واضحاً، وهو يمسك بأزمة القرار وحده. أما بعد غيابه فقد تلاشت هذه المركزية لاسيّما بشأن كبرى القرارات السياسية والاستراتيجية، وتضاءلت إلى حدّ بعيد أهمية بقية المؤسّسات في صناعة القرار، أمام تمركز أصحاب الشأن العسكري ولاسيّما الحرس الثوري.

مع ذلك تبلور في أيام الحرب الأولى فريق من مجموعة سداسية، كان يمكن أن تكون بمنزلة قيادة الظل، هي أحمد وحيدي (قائد الحرس) وغلام رضا سليماني (قائد قوات التعبئة) ومحمد رضا رادان (قائد الشرطة) ومحمد باقر قاليباف (رئيس البرلمان) وعلي لاريجاني (أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي) ومجتبى نجل المرشد الراحل (على فرض سلامته وأهليته للقيام بدوره).

أضف إلى ذلك الحلقة الثلاثية التي شغلت في الأيام الأولى عنوان القيادة المؤقتة (بحسب المادّة 111 من الدستور) ريثما يُصار لانتخاب المرشد الجديد. أعني بها الرئيس مسعود پزشكيان ورئيس القضاء محسن إيجئي ومحمد رضا أعرافي من فقهاء حماية الدستور، ونائب رئيس مجلس خبراء القيادة.

أعتقد أن قدراً من التوازن كان محفوظاً بين خلية الظلّ السداسية وبين القيادة العلنية المؤقتة، كان يمكن لو دام أن يحقق لإيران مكاسب سياسية ودبلوماسية كبيرة، ويمنحها قدراً من المناورة والمرونة، ويفتح أمامها باباً من الحلول والتسويات، ولو ضيقاً.

بيدَ أن متغيّرين اجتمعا فأطاحا معاً بقوّة التوازن هذه، وصعّبا كثيراً من دائرة اتخاذ القرارات المصيرية الحاسمة. الأول هو تعيين نجل المرشد الراحل مرشداً جديداً، ما أدّى للإطاحة بالقيادة الثلاثية وإنهاء دورها مبكراً، مع أنها كانت في أيامها الأولى، وكان بمقدورها أن تستمرّ وتقدّم منافع لإيران. أما المتغيّر الآخر فهو القضاء على علي لاريجاني واغتيال قائد قوات التعبئة، لتتجمّع دائرة القرار بيد الثلاثي أحمد وحيدي ومحمد باقر قاليباف وإيجئي، مع تهميش واضح للرئيس پزشكيان.

هؤلاء الثلاثة

من المؤكد أن رئيس القضاء إيجئي ليس بقوّة وحيدي وقاليباف في دائرة القرار، لكن له وجوده على أي حال.

لقد قيل الكثير في الإعلام العربي عن الراحل علي لاريجاني، وأغلب ما قيل صحيح فيما يتعلق بشخصه وخصائصه ومواصفاته، لكن يتسم بمبالغات خطيرة عن دوره وعلاقاته بالنظام ومؤسّساته الراكزة، وجهل فاضح برؤيته عن النظام وواقعه ومشكلاته، هي بنفسها واحدة من المقدّمات الأساسية التي أدّت بالجمهورية الإسلامية إلى هذا المآل (لنا عودة إلى هذه النقطة).

بشأن وحيدي لم أعثر في الإعلام العربي عن كلام مهم يمنحنا صورة عن قوّته ودوره، خلا إشارات سريعة لبعض المختصين المحترمين. كذلك الحال مع قاليباف.

لستُ أدري كيف ستتطوّر الأمور مع مهلة الأيام الخمسة وملابساتها من اتصالات بين الطرفين، يؤكدها ترامب وينفيها الإيرانيون، وإلى ما ستؤول الأمور بشأن سلامة أحمد وحيدي ومحمد باقر قاليباف، وفيما إذا ستصلهم يد الاغتيال أم يمكن أن يحميهما الحذر والإجراءات الأمنية. لكن الشيء المؤكد أن إيران دخلت الآن في مرحلة انتقالية دقيقة وحساسة، ربما يصعد فيهما دور أحد الرجلين، أو تعود أزمّة الأمور إلى پزشكيان، أو هيئة جديدة قد تفرزها التطوّرات.

***

جواد علي كسار

السرديات لا تتوقف عن الحركة، بل تتطور مع وقائع الحروب هادفةً إلى نبرةِ التعميمِ. فبالرغم من كونّها في مقدمةِ الصراع، إلا أنها تتحوّر (مثل التحوّرات الجينية للفيروسات). أي ستُغير "جلدّها البرّاق" مع حرق المراحل التي تقطعها، ولاسيما أنَّ صائغ السردية يقبعُ في حالةٍ من الغموض المرغُوب. الغموض مادة دسمة من تداعيات الحروب، حتى ولو كانت الأخيرةُ واضحةً. الأمر الذي قد يدفع (مُنتج السردية) لأنْ يُوسّع نطاق السرد، وما إذا كان عليه - أثناء الحرب - التقهقر أو الخداع أو محو الآثار أو التسلل خلف خطوط السياسة. ولكن الفعل الأهم عقب انتاج السردية هو: كيفية إدارتها لا انتظار آثارها فقط. لا تقل " إدارة السرديات " عن عملية جراحية دقيقة ضمن آفاق المتابعين والامساك بتلابيب الأفكار والعبارات وإنتاج المشاهد. وأنْ يتم تعقب الآثار فيما يجري من أعمالٍ وعلاقاتٍ.

وبالوقت ذاته، سيحتاج الوضع إلى توليد سرديات صغرى Micro-narratives(قصص وروايات محددة كما يحكي دونالد ترامب حول زعماء ورؤساء العالم)، وذلك لكي يتابع ملاحقة عباراته الكبرى Macro phrasesعلىى مداها البعيد. الأمر ليس معركة عابرة، بل حرباً ضروساً. السرد سيبررُ السرد دون توقف، والكلمات تجر الكلمات كعربة حربية منطلقة من جوف التاريخ. ثم هناك برجماتية استعمال العبارات كرأس حربة تجاه الآخرين. مما يجعل سيولة الكلام إطاراً يغرق فضاء الحرب كلما جفت حركته.

تضفير وترقيع

أبرز الأشياء في الحرب (الامريكية الايرانية) هو تضفير الحكي والتعليقات مع جسم الوقائع وداخل حمأة الاحداث. جنباً إلى جنب، يمشي الخيط السردي مع عمليات القصف بتدخل من أعلى المستويات في الأنظمة السياسية!! كأنَّ التضفير لون من الترقيع وحياكة النسيج السردي. هناك وقائع بسيطة مثل سقوط طائرة مسيرة أو خبر فيك fake new حيث يتدخل ترامب للتعليق عليه أو إضعاف آثاره. وقد يردد شيئاً عابر اً مثل (كون المضادات الكويتية أسقطت لأمريكا ثلاثة صواريخ باتريوت بالخطأ). في محاولة ضمنية إلىى القاء بعض التبعات هنا وهناك تاركاً إساءة استعمال قرار الحرب قيد الريح.

وذلك تمهيداً لجولات جديدة من السردية طالما تتلون وتجد لها رواجاً. في الحرب الامريكية الايرانية، تحورت حبكة السردية على التوالي: بداية " لن نترك إيران تمتلك أسلحة نوويةً" وتم العزف على هذا النغم السياسي، ثم أصبحت: " ايران امبراطورية الشر" كتمثيل هوليوودي مدبلج. ثم أضحت: " نحن نحارب مجموعةً من المختلين عقلياً"، لتغدو: " لن نترك ايران تُدمر منطقة الخليج" إلى أنْ أمست: " لقد دمرنا كلَّ شيء ولم تبق هناك أهداف"، حتى باتت: "يمكننا التفاوض شريطة فتح مضيق هرمز" في لحظات الذروة السردية.... والعنوان الأخير مفتاحٌ عولمي للطاقة والاقتصاد الدولي. هكذا تنزلق السردية بوعي المتابعين مع الكلمات من مرحلةٍ إلى غيرها. لا تقف عند حدود مؤجلة. الحدود هي خطوط الادعاء والضربات الخطابية المتتابعة.

"التضفير والترقيع " يظهران أكثر ما يظهران في خطاب اسرائيل، إذ تحاول رفع الروح المعنوية للمجتمع الصهيوني. لم تخلو إحداثية سواء نتيجة هجمات اسرائيل على إيران أو تلقيها ضربات ايرانية إلاّ وتلون الجو العام بــ" جُمل وظيفية Functional". خرجت المتحدثة باسم الجيش الصهيوني لتقول : "..يالها من وحشية ضد الانسانية !!!" على إثر الضربات الايرانية لمدينة ديمونة. وكأن ما فعلته اسرائيل بإبادة غزة كانت دفاعاً عن النفس، ولم تكن تدميراً لكل كائن حي. وكأنَّ تاريخ الخراب الحاصل منذ تأسيس اسرائل هو حدائق غناء وجنات النعيم في منطقة الشرق الأوسط. ويرقع نتنياهو السردية متسائلاً: " أنه لا يعرف لماذا يكرهنا الايرانيون وبعض دول العالم دون أسباب؟". بجرة استفهام يمحو كل ما فعله الكيان الصهيوني. مع كونه يردد طوال الحرب أنه يوجه ضربات ماحقة للدولة الايرانية، وأنه سيجعلها دولةً بلا معالم فوق الأرض.

انفجار السياسة

بقدر ما تمس الحرب المصالح الحيوية، سيكون انفجارُها غير متوقع. تقفز السردية إلى فضاء الحرب تحت مبررات أبرزها: أنه فضاء مفتوح لمن يستطيع الهيمنة. فهي تصطاد العقول بين مخالب السيطرة، وتعطي أصحابها قدرةً في وضح النهار لمراوغة الأطراف الاخرى. كلام دونالد ترامب " كلام دائري " لا بسبب تعذر الفهم، بل لأنه المرجعية الوحيدة لأقواله، يرى الأحداث ويحدد الأعداء وفقاً لرؤية القوة الأمريكية. فانطلاقاً منها ابتداءً وعودةً إليها حتماً، لا تُوجد مسافة لتقييم مزاعم أمريكا. هناك ضغوط تمارسها على الأطراف الأخرى طوال الوقت. بجانب كون المزاعم منطوية على كم وافر من الانحراف. وهذا من شأنه أتاحة الفرصة أمامها لتُلقي ما تزعم كأنها قنابل متفجرة. فمع أن أمريكا بمعايير القانون الدولى استباحت سيادة المنطقة العربية، إلاَّ أنها لا تُقابل بأية معارضةٍ كبيرةٍ.

أمريكا هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا تقف خارج ذاتها. هي تتحصن داخل وجودها الخاص، دائماً ترى في الخارج شيئاً غير ذات قيمة، تقول بلسان الوجود: أنا في الخارج والداخل في الآن نفسه. أمريكا هي المقولة السياسية المعبرة عن" امبراطورية الحضور " في التاريخ السائل. أي تجيد صناعة التاريخ الحي في المكان والزمان الآن. تحتل فكرة " الآن now " كل موروثات أمريكا السياسية من فرانكلين رزفلت إلى دونالد ترامب مروراً بجورج بوش الأب والابن. وهي التدخل الفوري الذي يعطي القوة حيوتها السياسية. لا يغرب عنا قول باراك أوباما مخاطباً الرئيس المصري حسني مبارك إزاء أحداث 25 يناير ألفين وأحد عشر. حين أراد الأخير اجراء ترتيبات سياسية: الآن.. يعني الآن Now.. means now ، يجب أن تبدأ عملية انتقال سلمي للسلطة.

ومن ثمَّ يتمثل ترامب" دور رجل الآن القوي powerful now "، من اليوم الأول وهو يستدرج الدول العربية ويستنطق القوى الاقليمية لصالح ما يدّعي. لئن كانت إيران عدواً، فلا مانع أنْ يقول: كانت عقبةً تأخرنا كثيراً عن محاربتها. ليأخذ مسئول أمريكي(بحجم وزير الخارجية) طرف الخيط: " كان على أمريكا أنْ تستأصل الارهاب الايراني قبل بلوغه هذه المرحلة". أي يجب مواصلة الحرب حتى آخر نفس، وأن المستقبل ينتظر أمريكا نصراً ظافر اً بالثروات الايرانية!!

الحرب الراهنة هي لحظة انفجار اللاوعي السياسي، لحظة الحقيقة. لا مكان فيها للمداراة. أي شيء سيكون على الملأ أمام عيون العالم. كل طرف إمّا أنْ ينتصر أو ينهزم. لا أحد ينتصر وينهزم في الوقت عينه. المزيف والمخادع سيخسر إلى حدٍ بعيد، لحظة الحقيقة ستجر مواقفه إلى الفشل. اللاوعي السياسي يقول: أفشى ترامب كل الأسرار والخفايا. حزمة واحدة من تصريحاته كانت كفيلة بإظهارها. فالحرب مواجهة عنيفة للنفس وللشعوب وللوقائع أمام تاريخها. ماذا سيفعل ترامب مع كل هذا التداعي السردي؟!

أغلب تصريحات ترامب عن الحرب نتيجة انهيار السياسة سلباً وايجاباً. لحظة الانهيار كيوم القيامة لا تُبقي ولا تذر مع قدرات العنف. أمام الانكشاف لا يوجد خيار ، هناك ثنائية: الحياة أو الموت. وحتى التبادل بين الجانبين، لم يعد ذا بال للسردية الامريكية. لأنَّ هناك تجاوزاً للحدود غدا من صميمها الحي. إن عبارات ترامب تمثل حالة من اللاوعي السياسي المفرط، لأنها تشكل أفعالاً في حالة انكشاف وتعري. ليست متماسكة ولا قادرة على التريث، بل تضرب في كل الاتجاهات. هي شكل من أشكال " الاستربتيز السياسي الشبقي " دون وجل ولا تراجع. أي لون من الافتضاح على الملأ. الحروب هي شبق القوى المنحرفة مثلما أن السرديات هي شبق الرغبة في التجلي واثبات الحضور الحي.

في حين تشكل عبارات نتنياهو اللاوعي المقموع طوال تاريخ بني اسرائيل. نوع من البلاغة المسلحة لمخزون من السيناريوهات تجاه المنطقة. هناك " الوعود التوراتية " في كل ممارسات اسرائيل، وهناك" الأطماع الجيوسياسية" التي تتكشف سردياً، وهناك "التحالفات الاقليمية" لتطويق المصالح الاستراتيجية، وهناك" التدخلات غير البريئة " في مشكلات الدول المجاورة لخنق قدراتها الحيوية. يتكلم نتنياهو بصيغة ماضوية دائماً، ويظن أنها تشكل صيغ الحاضر.

ضمن الثقافة اليهودية، يعد هذا انجازاً للأفكار بأثر رجعي. ثقافة اليهود تحفر في الماضي لترى المستقبل. يعيش الشعب اليهودي الزمن الآتي في قالب ماضٍ انتهى أمره. وهذا سبب الدجما اليهودية التي تحكم اغلاق الصهيونية. لأن اسرائيل الحالية أو القادمة ليس بمكانها أن تقدم جديداً. ستكرر سرديات الاسلاف دون تفاوض على شيءٍ مختلف. التفاوض يظل عشرات العقود مع الشعوب المناوئة لبني اسرائيل. ولن ينال هؤلاء أيَّ شيءٍ من قبضتهم. اطلقت اسرائيل على الحوارات مع الفلسطينيين عملية المفاوضات Negotiations process بلا أدنى سقف زمني. تظل عقوداً، تظل قروناً، تظل آلاف السنوات، فلتكن كذلك دون نهاية.

أمّا انفجار السياسة عند حاضر العرب، فهي سياسات الخوف. الشجب والاستنكار وإلقاء التهم المتبادلة. ليس ذلك من صميم الفعل المؤثر، لكنه نتيجة التواجد على هامش الأحداث. هذا ما كان يجب ألّا يحدث، ولكن الحرب طُهيت في كواليس أمريكية واسرائيلية. المهم أن ذلك ربما يكون مؤشراً على شيء آخر سيكشفه المستقبل. أنَّ أطراف الحرب (امريكا واسرائيل وايران) ليسوا راغبين في تواجد العرب قبل الحرب ولا بعدها. فالعرب منطقة عبور قصوى لأهداف أخرى. العرب مساحة عبور أمريكي للنفط الايراني. والعرب مساحة عبور لاسرائيل كي تصبح مركزاً لإدارة الشرق الأوسط ومحوراً لاتفاقيات ابراهيمية مرتبطة بالثمار السياسية والاقتصادية. والعرب مساحة عبور لايران لنشر الايديولوجيا اللاهوتية المسيسة ولحقن خريطة العالم العربي بمناطق الموالاة والانتماء (محور المقاومة).

ما معنى ذلك؟ المعنى ضرورة أن يبحث العرب عن" فضاء رابع" بقدر بحثهم عن أسباب الحياة، عن استراتيجية نهضوية تقوي جهاز المناعة الحضاري والثقافي. وتنحت لهم وجوداً مستقلاً مع الافادة من التجارب الحضارية المغايرة. ولا يعني ذلك القطيعة، بل الاستقلال وعدم وضع البيض في سلة واحدة. ما وقع فيه العرب من أخطاء: أنهم وضعوا كل البيض في سلة أمريكا واسرائيل. مما أعطى الاخيرتين فرصة ذهبية لنصب مسرح الرعب أمام الدول العربية. يجسدون على خشبته أشباح ايران كأنها تحيط بالعرب من كل جانبٍ، أي تخرج الاشباح والعفاريت والشياطين من كهوف إيران لكل مَنْ هو عربي فقط.

الهدف من ذلك ليس مقاومة الاحتلال الصهيوني لفلسطين التاريخية، بل الهدف هو احتلال كل الدول العربية. الشيء المهم أنّ العرب مثلما كانوا "طرفاً وظيفياً " في سيناريوهات الحرب الراهنة، سيكونوا "طرفاً مستنزفاً " من كل الأطراف في الغد. أي لو اتفقت (أمريكا واسرائيل وايران) اليوم (على انتهاء الحرب)، سيتفقوا غدا على التهام ثروات العرب. لأنّ الوسيط (العرب) في صراع المصالح سيكون هدفاً في حد ذاته. وبخاصة أن الصراع كان على المنطقة العربية بصورة تبدو محايدة إلى درجة الخداع. وأمر بلا جدى: أن نطالب أطراف الحرب بأن يكونوا محايدين. كأننا نطالب من الثدييات أن تستحيل إلى طيور أو برمائيات!!

إله الحرب: الخيال والسرد

الخيال هو نسيج السرد النابض بالحياة، وهو كذلك وقود الحروب الفتاك. يشترك الاثنان في هذه القاعدة التي تهيئ الشروط وتستحضر الصور وتحفزها. الخيال أخطر ما في السياسة بأشكالها: (التفكير – التمثيل – الصراع – الخطاب– الاستراتيجية– القوى الناعمة – المناورات....). الخيال مرعب، الخيال مهول، الخيال صادم لدرجة الادهاش التام. ليست التقنية أكثر الأسلحة فتكاً التي يمتلكها الإنسان ولكنه الخيال.

أمريكا – اسرائيل هيّئا مسرح الخيال كثيراً لاستقبال المعارك. الخطابات الأولية تمارين على اثارة الخيال وتجويعه لمزيد من الاحداث. وحتى اللحظة، يثير ترامب ونتنياهو نهم الخيال لآثار وظواهر الحرب الناشبة. الخيال في الحروب، يتبلور في شكل السردية وقدراتها. أنواع الصواريخ والأسلحة والخطط والمناورات وعمليات القصف كلها أنواع من التخييل الحر.

تقع دلالتها المرعبة في روع المتلقي بجانب وقوعها في المعارك. عندما يقول ترامب سنعيد إيران إلى " العصر الحجري"، هنا يستحيل تجنب اثارته للخيال الإنساني. بل يضغط على الذاكرة البشرية لاسترجاع مظاهر الابادة والصراعات الطاحنة والحياة البدائية المتوحشة المميزة لهذا العصر. لا قدرات، لا تطورات، لا صناعة، لا تجارة ، لا مظاهر حضارة هناك. كل ذلك حدث بضربة تخييل من عبارة دونالد ترامب.

تدخل الهجمات الحربية في تشكل الخيال على ايران، فترامب منذ أن قال إن الضربات العسكرية مدمرة تماماً، وأن ايران أصبحت بلا قدرات بحراً وأرضاً وجواً، غدت السردية حكاية مهمة للقوة الامريكية. ولم تعطي الأخيرة فرصة لرؤية الأشياء كما هي. في عملية التخييل، يأتي الواقع مشحوناً بكل دلالات الغسق، نهاية العالم. يبدو أن النهايات تخرج من مصادر حربية عتيدة في ذاكرة البشرية. ليتدخل الرئيس الايراني مؤكداً: أنَّ الزعم بإعادة ايران إلى العصر الحجري هو إعلان حرب عن ابادة جماعية لمظاهر الحياة الايرانية!!

خرج في الاثناء سرد نتنياهو : " إن أرض بلاد فارس هي أرض الأجداد ". وهو يرمي بالخيال إلى أقصى نقطة وإحياء للمعتقدات التوراتية الشعبوية في اسرائيل. كل أرض تطؤها أقدام اليهود وكل شعب يعادي بني اسرائيل سيكون مصيره الموت. دولة الأجداد ليست من الفرات إلى النيل كما تقول الكتابات التوراتية، بل قفزت إلى ماوراء العراق. والرئيس" بيبي" لا يمل كلما دخل في صراع حربي أنْ يحوله إلى " خيال لاهوتي" قح. وقد حوّله إلى ملحمة تستعيد حروباً لبني اسرائيل القدامى. ربما من أكثر الأمور وضوحاً: هذه الأساطير الحربية التي تزحف من واشنطن وتل أبيب إلى طهران والعكس.

سردياً رد الرئيس الايراني: " كيف يتحدث نتنياهو بلسان كيانه الذي لا يتجاوز الثمانين عاماً عن الدولة الضاربة في أعماق التاريخ(يقصد ايران) ". والسرد الايراني يري في اسرائيل كياناً مختلقاً للقوى الكولونيالية. ولد في حقب الاستعمار بصورة غير شرعية تجعله قميناً بالمحو من الجذور. ورد الرئيس الايراني كذلك على ترامب بالأسلوب نفسه. أمريكا هي الدولة الطارئة مقارنة بعراقة الحضارة الفارسية الموجودة في العالم من آلاف السنين. والمفارقة أنَّ التاريخ يكشف النكاية في مشاهد سياسية مختلطة بالأخيلة. ولكن الحروب تصنّع منها أعمالاً متخيلة وملفوفة في كم وافر من الأوهام وإنْ تحققت.

من سوء الطالع بالنسبة لاسرائيل اللاهوتية أن اصطدمت بايران اللاهوتية أيضاً، ولتتحول ساحة المعارك إلى ساحة قتال المعتقدات. فكلتا الدولتيتن لديهما تصورات جذرية عن لاهوت الأرض. ليست الأرض منفلتة من عقالها في فلك الجغرافيا، بل هناك مدارات خيالية لصيقة الصلة. والخيال الجغرافي اللاهوتي مهم جداً خلال تلك المرحلة، هو "نقطة عبور وإلتقاء" بالوقت نفسه. نقطة عبور بواسطة نقل الصراع إلى أرض الطرف الآخر. " أرض الاجداد " تعبير يعلن صراحتةً عن معارك مشروعة في أرض العدو. والعكس: يحمل مصطلح الكيان الصهيوني عدم مشروعية وجوده من الأساس. والخيال نقطة إلتقاء حين يجمع التاريخ مع الجغرافيا بجانب السياسة واللاهوت في بوتقة واحدة.

ليس سهلاً فك شفرة السرديات، لكونها تتكون من أطياف مختلفة. ولكن المفارقة أن تكون السردية بهذا العمق الثقافي والتاريخي. وهو ما يوضح زخم السرد في كل مرة يطل برأسه، حتى ولو كان مجرد عبارات أو مشاهد بسيطة. السرد يعبر عن وجود أناس مغروسون في الثقافة التي تشكل حاضنةً لمآربهم. وكيفية بناء سردية تحملهم إلى حيث يريدون، وأن تكون منسوجة ومطبوعة بما يفكرون. لأنَّ السرد هو نمط الحياة في العالم والتمتع بالقدرات على توظيفها.

من زاوية أخرى، لا يحُول الخيال السردي دون أن يتعشق النمط في صور متناقضة، بيد أنها ضرورية لتشغيل فضاء الحروب. ليس غريباً أن أقام دونالد ترامب صلوات جديدة لتكريس اللاهوت والجغرافيا والسياسة. الصلاة من أجل مساندته سياسياً، قال القس والمبشر الأمريكي فرانكلين جراهام Franklin Graham: " دعونا نصلي، يا أبانا أنت تخبرنا في سفر أستير أنَّ الفرس – الإيرانيين- كانوا يريدون قتل كل يهودي، وأن يفعلوا ذلك كله في يوم واحد، واليوم يريد الإيرانيون، والنظام الشرير لهذه الحكومة، فعل ذلك بنيران ذرية، لكنكم رفعتم الرئيس ترامب إلى السلطة". وفي هذا السياق، يُصوّر سفر أستير الإمبراطورية الفارسية (الإيرانية القديمة) كقوة عظمى مترامية الأطراف، تحت حكم الملك «أحشويروش» (غالباً هو خشايارشا الأول) من عاصمته "شوشن". يبرز السِفر ثقافة البلاط الفارسي القائم على الولائم، شرب الخمر، القوانين الصارمة التي لا تُرد، وتأثير المستشارين (مثل هامان) على قرارات الملك.

" صلاة جيوسياسية مقدسة " بالأصالة، خليط غرائبي على شرف المعارك وأعمال القصف. والصلاة ذاكرة وجودية تجمع بين طقوس اليهودية والمسيحية. فترامب أصولي مسيحي أبعد من اليمين المتطرف الذي يوظف الدين لمآربه السياسية. هو يمين اليمين رغم كونه يحكم أكبر ترسانة مسلحة في العالم، ترسانة وليدة ذروة الحداثة والعلمانية الغربيتين. وقد صور القس جراهام الموضوع كصراع قديم قدم اخبار الرب لشعبه بنوايا الفرس. الحرب جاءت قصاصاً سردياً مؤجلاً وقد آن الآوان لكي تخرج إلى الوجود.

كل صاروخ وكل طائرة مقاتلة قد انطلقت بأوامر الرب منذ فجر المسيحية. كانت الإرادة الفارسية تصر على قتل جميع اليهود، إذن فليبارك الرب تحت عباءة القسيس جراهام حرب اسرائيل- أمريكا لهذه الدولة القاتلة. الفرس قتلة قدامى كانوا سيفعلون ذلك مع شعب الرب خلال يوم واحد. إبادة جماعية بأثر رجعي وفقاً لمصطلحات القانون الدولي المعاصر. وهم أنفسهم الفرس الذين يحاربون أمريكا.

وبخيال لاهوتي سياسي نادر، يستحضر القس إرادة النظام الفارسي اليوم (نقطة الالتقاء)، فهو بموجب التاريخ يحمل النيه الشريرة للاجهاز على كل يهودي معاصر. وإذا كان الرب قد أفشل أفعالهم قديماً، فالموروثات لم تذهب سُدى. مازالت حية في حواشي الدولة الفارسية. ولم يكن ذلك خبط عشواء، بل أعدت فارس الأسلحة النووية للقتال. يا لها من سردية لافتة تلك التي تجمع ذاكرة سحيقة الزمن مع حاضر يعلن استمرار ها. والسردية فوق ذلك تلتقي مع تقارير البنتاجون والمخابرات المركزية الأمريكية بشأن تخصيب اليورانيوم الايراني. القس جراهام عالم باللاهوت وعالم بالذرة كذلك، وقد صوّر المشهد تصويراً ضبابياً رغم وضوحه!! ولكن كيف يمكن الخلاص من شرور بلاد فارس الشيطانية؟!

لقد رفع الرب ترامب إلى السلطة الأمريكية وإلى سلطة الهيمنة على العالم من أجل (حماية شعب الرب). ربما كان ترامب موجوداً ضمنياً منذ بداية المسيحية، ولكنه ظهر في الوقت المناسب حالياً. وهي فكرة (الآن now) مرةً أخرى التي طبعت تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية تجاه الحروب. ويواصل القس جراهام القول في صلاته لدونالد ترامب: " أبانا احمِ ترامب، نصلى هذا باسم يسوع". فليحمِ الرب ترامب وجيوشه وتحالفاته وربيبته الصهيونية من أجل أن ينفّذ أوامرك. ترامب الذي ذُكر أكثر من ثلاث آلاف مرة في وثائق جيفري ابستين وكان مشاركاً أساسياً في كل مغامراته القذرة. فليحصن وجوده الرب رغم كل الكوارث الاخلاقية التي ارتكبها. بل أصبح هو صوت الرب تجاه صراعات الشرق الأوسط. تم غسيل ساحته وغداً مبعوثاً إلهياً كبطل أسطوري أمام الفرس الأوغاد!!

ومن باب الرحمة المباركة في السردية، دعا القس لشعب إيران المظلوم، فهو من صميم معتقداته: " شعب يريد الحرية من هؤلاء المجانين الإسلاميين"، كما وصف الموقف السياسي اللاهوتي. وأيضاً جاء الوصف مطابقاً لمحاولات أمريكا في الربيع العربي عندما كانت أرادت انشقاقاً داخلياً بين الشعوب والأنظمة السياسية. إذ تطرق على " المساحة الرخوة" بين الحكم السياسي القابض على إدارة الدولة والشعوب. وليس أقرب إلى زيادة الهوة من وصف الشعوب بأنها شعوب باحثة عن الحريات، ولكن لا تجدها، شعوب متطلقة إلى الحياة، ولكن لا تعثر عليها. وذلك يمثل خلع للنظام السياسي من تربة المجتمع مثل خلع النبات من جذوره، زيادة الفجوة حتى يُسهل الرب مهمة ترامب.

أخذت القسيسة بولا وايت كين Paula White-Kaneطرف السرد، المستشارة الروحية للرئيس ترامب منذ فترة طويلة، لتشبّه حياة ترامب السياسية بما تعرض له يسوع المسيح من آلام واضطهاد وملاحقة، قائلة: " لقد علمنا يسوع دروساً كثيرة من خلال موته ودفنه وقيامته". والتماثل لا تعوزة التحديدات، فالقداسة التي تخلع من المسيح على ترامب واسعة لتغطية فضاء العالم كله لا الحرب فقط. وتفسح فضاءات السرد دون حدود. وليس التداخل بين يسوع وترامب شيئاً بسيطاً، ولكنه امتزاج اللاهوت بالناسوت في مبادلة جديدة على عملية التجسد. ترامب هو صورة إله الحرب الذي يناطح الأشرار ويحكم العالم ويحرك التاريخ ويقوم من تحت الركام وبإمكانه أن يُعجل بالقيامة. الأساطير السردية جزء لا يتجزأ من القصص الأمريكية السياسية. أساطير تصنَّع في البيت الأبيض عن طريق قساوسة الرئيس وبواسطة القوات العسكرية المشاركة في الحرب على ايران.

وجهت "بولا وايت كين" سردها إلى دونالد ترامب: " سيدى الرئيس، لم يدفع أحد الثمن مثلما دفعت أنت، لقد كاد أنْ يكلفك حياتك. لقد تعرضت للخيانة والاعتقال والاتهام زُوراً. إنه نمط معروف أظهره لنا مُخلصنا وبسبب قيامته نهضت أنت، ولأنه كان منتصراً، كنت أنت منتصراً ". العبارة تشكل " فتيل السردية الأمريكية" بملء الكلمة. لأن الخيال السردي يخلع جميع استعارات الرب وآلامه ومسار حياته على كيان ترامب. إنه التوحُد الأسطوري بين رئيس أمريكا والرب بمعناه المطلق والوجودي. هذه الحكاية الخرافية التي لم تنته من ذاكراتنا البشرية. والتي لطالما ستُستعاد مرات كثيرة طالما يوجد تقمص الفعل السياسي للفعل اللاهوتي والعكس.

ترامب هو كيان الرب، كان ترامب ومازال يدفع الثمن على خُطى الرب. وكما تحمل الرب كل هذه الآلام والشرور ليكفر عن خطايا البشر. سيتحمل ترامب الصراعات ليكفر خطابا الفرس والعرب في المنطقة. ولكن التكفير هو تكفير حربي ولابأس من أن ينهب ثروات فارس ويأسر الأطفال ويقتل التلاميذ ويدمر البنية التحتية. هل هناك من يعترض على غضب الرب؟! بالطبع لا يجرؤ أحد، كذلك لا يجب أن يعارض أحد غضب ترامب.

والتبشير السياسي لم يختف من الحالة السياسية الراهنة، فمثلما انتصر المسيح بعد الآلام وعدوان كارهيه، فسيكون ترامب منتصراً. منطق النبوءات الانجيلية التي ترسم آفاق السياسة وتحول البيت الأبيض إلى معبد ما بعد حداثي وتحول الحرب إلى طقوس وتعاويذ خلف الرئيس الأمريكي. إن كل الهزائم النكراء ستحدد مصير الأشرار في العالم، لأن صانع المعجزات الجديد (ترامب) سيأتي بالحرب المقدسة في كل مكان. ولا يهم العدوان الامريكي الصهيوني وانتهاك سيادة الدول، لأن أعمال ترامب الحربية بركه ما بعدها بركة.

وعقدت بولا كين طرف السردية لترامب تجاه العالم: " أعتقد أنَّ الرب قال لى أنْ أخبرك بهذا الشيء.. بسبب انتصاره، ستكون أنت منتصراً فى كل ما تضع يدك فيه ". والسرد اللاهوتي يجر سردية إيران إلى معركة خاسرة لا محالة. معركة مقدسة بالضرورة، ولكنها ستلحق الهزيمة بالفرس بالضرورة. والسيناريو الخاص بها مكتوب من الإله الحاكم للتاريخ والجغرافيا.

إله الحرب كما كان موجوداً في تراث الغرب اليوناني والروماني ثم أخذ رداءه السياسي الحديث في الامبراطوريات وانتهاء بدخوله في بنية أمريكا المعولمة. آريس (Ares) هو إله الحرب في الميثولوجيا الإغريقية القديمة، وابن زيوس وهيرا. ويمثل الجانب الدموي، العنيف، وغير المنضبط للحروب. الإله نفسه ينبعث في شخصيات راهنة. ومارس(Mars) هو إله الحرب وحامي روما في الميثولوجيا الرومانية، ويعد ثاني أهم الآلهة بعد جوبيتر. وعلى عكس نظيره اليوناني "آريس" المثير للصراعات، كان مارس يُعبد كحامٍ لهيكل الدولة، ومدافع عن التخوم، ودافع على النصر الحربي، بالإضافة إلى ارتباطه القديم بحماية الزراعة والخصوبة ودلالات الاثنين تجتمع في إله الحرب المعاصر بصيغة كولونيالية.

إله الحرب الغربي لم ينته عند عصر التنوير، استطاع الانبعاث في اهاب اللفياثان السياسي (بتعبير توماس هوبز)، وأستطاع أنْ يسكن أنظمة الدول المعاصرة. اسرائيل دليل على صدق النبوءة وصدق تبليغ الرب إلىى ترامب. فكما أن العهد القديم ينضم إلى العهد الجديد كتابياً، فكذلك تقف اسرائيل التوراتية بجانب جيش الرب الأمريكي الانجيلي إزاء مجانبين الاسلام. الحروب باسم الرب عادت مرة أخرى في سرديات لا تنتهي منذ العصور الوسطى، ولكنها تحورت لأجل افساح المجال أمام اسرائيل، وبقي يسوع المنتظر هو الاعلان الوجودي عن النصر القادم. لتكون السردية الامريكية دعوة مفتوحة لتحويل العالم إلى ساحات حرب. وتكون ثروات وحقوق الشعوب نهباً للرب الأمريكي ، قال ترامب عن درة التاج: " ربما سنهبط على جزيرة خرج الايرانية لنضع أيدينا على منابع النفط وسنحصل على ثروات طائلة".

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

 

"إن للتاريخ الإنساني وجهة تدل عليها العقبات والعوائق، كما تدل عليها الدوافع والممهدات..".. (العقاد)

توطئة: إلى أين تسير أزمة الشرق الأوسط؟: السؤال مهم، وهو مفتاح لأسئلة أهم.. يمكن أن نستقرئ من خلالها المحتمل سياسياً، وذلك برصد العوامل المؤثرة في الأحداث الجارية.. ومتابعة حركتها المتجهة نحو المستقبل..[1].

إن التوصيف الدقيق لإبعاد الصراع على المستقبل الجيوسياسي للشرق الأوسط والوقوف عند جذوره وأصوله، ومراحل توسعه، يجدي لفهم هذه الأبعاد..، ولابد أيضاً من تحديد الأطراف الضالعة في صنع القرار المتصل بالأزمة الشرق أوسطية.. كما أن تحديد الأهداف القريبة أو البعيدة، التي تريد، أطراف الأزمة تحقيقها..، خلال إدارتها للأزمة.. انطلاقاً من موازين القوة بين الأطراف في المجالات السياسية والاقتصادية، والثقافية، وما تنتجه هذه الموازين في الحركة والمناورة، وفي المناخ المحيط بالمشكلة أو الأزمة، محلياً وإقليمياً ودولياً والأولوية التي تحظى بها..

إن الدور الأمريكي يعتبر الدور الرئيس في منطقة الشرق الأوسط.. وهو الذي أوجد موازين القوى العسكرية الطبيعية في المنطقة مما يطرح اختلالاً مخيفاً، أدى إلى إحساس إسرائيل بأن التحول التاريخي يشكل خطراً على وجودها، مما يدفع قادتها إلى النزوع إلى استعمال القوة العسكرية لوقف حركة التاريخ..[2].

ويمكن اعتماد على العوامل السالفة رسم صورة لمستقبل الشرق الأوسط.. وذلك برصد مسار الأزمة المتأرجحة بسن السلم والحرب.. ونظراً لأهمية المنطقة الاستراتيجية، علينا أن تقوم بتشخيص واقع الصراع العالمي وآفاقه المحتملة على المدى المتوسط أو البعيد.. بغية فهم التحولات العميقة على صعيد السياسة العالمية..

إن الطابع الأساسي في الصراع الدولي يتمثل في النزوع إلى استخدام القوة العسكرية على نطاق واسع، وتوحي جميع المؤشرات على أن اعتماد القوة كأسلوب لفرض التحكم على عالم مضطرب، وأوضاع تشكل تهديداً لمصالح الولايات المتحدة في أرجاء العالم باعتبارها تمارس هيمنة عالمية في نظام "أحادي القطب" وهي القوة العظمى الوحيدة، والطرف الأقوى نفوذاً، بحيث تسعى إلى تحديد مصائر، وسياسات، أمم ودول أخرى..[3].

إن النزوع الأمريكي إلى ممارسة القوة العسكرية لتكريس الهيمنة الأحادية.. يواجه تحديات الأطراف الفاعلة في الساحة الدولية بهدف الخروج من نظام القطب الواحد الذي ساد العالم بعد سقوط الاتحاد السوفياتي..

وبهذا الصدد يرى الفيلسوف "الكسندر دوغين" بأن روسيا سوف تعود لممارسة رسالتها القارية، التي تستخدم صيغة جديدة تأخذ بالحسبان جميع العوامل الجيوبولتيكية الجديدة.. ويمكن لإيران أن تساعد روسيا على حل مشاكلها الجيوبولتيكية، مع دول آسيا الوسطى.. كما يمكنها أن تقيم ذلك الشكل المتجانس استراتيجياً المرتبط بالإمبراطورية الأوراسية.. كما يمكن أن تلعب دورها في أراضي آسيا الوسطى..[4].

إن الصراع الجاري في العالم لم يعد حول المشكلة الاقتصادية بالدرجة الأولى، بل حول المشكلة الثقافية والحضارية، وبالتالي فإن عالم القرن الحادي والعشرين بتعدديته الثقافية والحضارية والسياسية والاقتصادية والتكنولوجية العسكرية الحديثة..، ترفض إمكانية التحكم الأحادي في النظام العالمي..، ومن ثم فإن الوعي بعالمية العالم يتطلب إعادة تشكيل النظام العالمي وتحقيق توازن استراتيجي... إن أزمة العالم تكمن في القطب الأمريكي وسيطرته على مصادر الاقتصاد والسياسة في العالم.. مما يهدد مصائر المجتمعات البشرية.. فلابد إذن من تغيير جيوسياسي واستراتيجي يخلص العالم من الهيمنة الأحادية البعد..

إن الحلم الأمريكي فقد جاذبيته، ولم يعد له من سند غير وهم الاعتقاد بإمكانية توظيف الابتكار التكنولوجي في سبيل قابلية التحكيم المحدودة أساساً بالحرب..

إن نزوع الولايات المتحدة إلى استخدام القوة العسكرية أداة من أدوات السياسة الخارجية يجب أن تكون وفقاً لمبادئ الحرب العادلة وقادرة على احتواء ذلك النزوع طبقاً لتلك المبادئ حتى تتجنَب الوقوع في وهم التحكم السياسي والعسكري..[5].

إن العمى الاستراتيجي والجهل بإبعاد الصراع الحضاري العالمي، يؤدي إلى الوقوع بأخطاء فادحة نتيجة عدم إلمام باستراتيجيات الصراع وأهدافه، من أجل تغيير وجه النظام العالمي..

إن الكثيرين في العالم العربي، والإسلامي، لا يفقهون شيئاً، عن طبيعة الصراع الجيوسياسي، والاستراتيجي وما سيترتب عنه على صعد سياسية واقتصادية.. وسوف نتناول في بحثنا محاولة سبر أبعاد الحرب على إيران، وذلك بالإلمام بجذور الصراع ودوافعه ومآلاته بقصد الفهم، ومحاولة الفهم من أصعب الأشياء في السياسة، وخاصة إبان التحولات الكبرى التي تتشابك فيها أزمة الحضارة الغربية، مع أزمة النظام العالمي..

1- الشخصية الإيرانية..

يقول المفكر علي شريعتي (1933/1977) في كتابه العودة إلى الذات بأن إيران القومية القديمة ذات جذور ضاربة في التاريخ جمع شتاتها الشاعر الفردوسي (329 هـ/ 416 هـ) في ملحمة (الشاهنامة) تصور شكل ثقافي قومي، مرتبط، بالمرحلة التي تكون فيها، التاريخ الإيراني التي شكلت القومية الإيرانية.. وهي مرتبطة بالمرحلة الأسطورية لأنها مجاورة لمرحلة ما قبل التاريخ..

القومية الإيرانية لا تحط من الاستقلال الثقافي، وهي مقرونة بالمجد والقدرة، والملامح القومية، والعرقية، لأنها في مرحلة كانت إيران السياسية التي تعتبر واحدة من الامبراطوريتين القوميتين في العالم المتحضر في ذلك الزمان، وكان امتداد امبراطوريتها يصل من ليبيا إلى السند، بل يمتد إلى الدانوب..

كانت الحضارة الإيرانية القديمة من أكثر الحضارات البشرية عالمية وتقدماً، فهي وريثة حضارات، ما بين النهرين (السومرية، والأكادية والبابلية، والأشورية..) وهي منافسة للحضارة اليونانية والرومانية.. كما أنها ساهمت في بناء الحضارتين الإسلامية والأوروبية..

وتحتوي الحضارة الإيرانية أربع حركات دينية كبرى (عبادة الشمس والزردتشية والمانوية والمزدكية) والتي تعد من أشهر الأديان والنحل في التاريخ.. المانوية وصلت حتى الصين شرقاً.. والمذهب الزردشتي فذو روح قومية، وتقليدية دينية، وأخلاقية، وتشريعية على قاعدة من النظام الطبقي والاقتصادي والزراعي.. (ص 414).

الثقافة القديمة لها عدة ملامح طبقية، وهناك أربع طبقات مغلقة (الإشراف والإقطاعين ورجال الدين والكتبة والحرفيين والمزارعين). لكل طبقة عالما مستقلاً مغلقاً على نفسه بتقاليده الاجتماعية وأشكال حياته وروابطه الفردية، وتبريراته المذهبية.. وطرز اللباس والزينة، والغذاء والمطبخ..

ولكل طبقة لغة خطاب، ولم تكن هناك لغة قومية واحدة.. (ص 415)، أي هذه العوامل ستشكل وحدة الأمة؟ (الأرض أم الدم أو الدين أو الحكومة..؟). إن أهم هذه العوامل وأقواها كان الرابط الديني الوثيق والقوي وهو الذي يكون آصرة روحية وتفاهماً فكرياً ومحفزاً لحفظ الحدود والثغور..

في عصر الساسانيين صارت الديانة الزرداشيية ديانة رسمية وقومية للدولة.. (ديانة الامبراطور الساساني والأمراء العسكرين..) ثم ظهر المذهبان القويان (المانوي والمزدكي) داخل إيران، بحيث ازدهرا بسرعة داخل المجتمع..

وجاءت المسيحية من الغرب فانتشرت واجتاحت المدائن عاصمة الساسانيين وفي الشرق انتشر مذهب بوذا في مدينة "بلخ" ومن بين سدنة المذهب أسرة البرامكة..

تجسدت وحدة الأمة في مبدأ "الشاهنشاهية"، أي عبادة الشاه وأصباغ صفة المحد الإلهي عليه..، وبهذه الطريقة خلقوا محوراً مشتركاً..، فبدلاً من "القومية" صنعوا "مركزية" أي بدلاً من الروح المشتركة، صنعوا ملكاً مشتركاً وهذا هو الفرق بين الأمة والامبراطورية.. وبالتالي فما يقوم اليوم باسم القومية، هو في الحقيقة مركزية أكثر من قومية.

إن حقيقة الثقافة الإيرانية القديمة المجملة في الأديان والآداب، والفنون، هي المجسدة للذوات الثقافية المعنوية. ذات الجذور الأصيلة في التاريخ (ص 417).

الإيرانيون تقبلوا الإسلام لأنه جاء بعقيدة وشريعة تستجيب لمتطلبات الجماعة البشرية في الصلاح والإصلاح والتقدم في الحضارة وأطوار الاجتماع.. والسمو بالروح إلى مدارج الكون في أوسع مداه..

وقف الإيرانيون في مواجهة سياسات حكم بني أمية التي أججت النزعة القومية الإيرانية كرد فعل على محاولة الطمس والتنقيص من الدور الثقافي والحضاري للأمة الإيرانية..

وهذه الحقيقة تدل على أن القومية منطقياً ليست مدرسة فكرية، بل ظاهرة جدلية تميزها في الظروف الحالية العالمية كأطروحة مضادة في مواجهة الأمبريالية الاستعمارية في شكلها السياسي والاقتصادي وبشكل خاص في شكلها الثقافي والفكري.. (ص 446).

الحرب القومية مضادة للإمبريالية.. والنضال القومي يطرح شعار المحافظة على الوحدة الوطنية.. والأخوة الدينية والأخوة الوطنية هي التي تضمن النصر في مواجهة الخطر الخارجي.. (ص 449)[6].

جملة القول أن محددات الشخصية الإيرانية في عالم متغير.. يمكن استخلاصها من الشعور بحقائق الجغرافيا، والتاريخ والدين.. وبمركزية الجغرافيا السياسية والسيادة القومية لإيران.. ومن هنا جاء التمسك بالحرية والسيادة والهوية.. واستثمار الموقع الاستراتيجي لتحقيق مصالحها وتعزيز موقعها الإقليمي وتأثيرها في المعابر المائية في الخليج..

وقد انبثق عن نموذج الشخصية الإيرانية في بعدها الديني والقومي تياران (إصلاحي ومحافظ) من خلالهما يتجلى التأثير السياسي في المجتمع والدولة..

في بداية الثورة غلبت الرؤية الإسلامية على توجه المجتمع والدولة، ثم بدأت أهمية النزعة القومية لإيران والتياران معاً يجمعون بين (إيران والإسلام)، أي أن ظهور إيران كقوة مؤثرة في الإقليم والعالم يخدم المصالح العليا للأمة الإسلامية..

والخلاصة أن الشخصية الواعية بدورها يجب أن تملك الأدوات، والقوة من أجل تحقيق الأهداف والمصالح والطموحات في الحاضر والمستقبل..

2- الصراع على إيران..

إن قوة إيران فرضتها الجغرافية السياسية والثروة البترولية.. مما أثار أطماع القوى النافذة على الساحة الدولية (الروسية والإنجليزية والأمريكية..) بغرض السيطرة السياسية والاقتصادية والعسكرية..

تبقى الجغرافيا عاملاً أساسياً في تشكيل الحضارات الإنسانية والمجتمعات التي أسهمت في التراكم الحضاري، تأخذ في الاعتبار دور الجغرافيا كقوة مؤثرة في حركة التاريخ.. ويتجسد هذا في فهم المحيط الجغرافي..، فالجغرافيا هي حقيقة موضوعية تفسر الفعل الحضاري..

إن اهتمام الجيوسياسيين بأهمية الموقع الجغرافي لإيران يعود إلى أنه يمهد للسيطرة القارية، وذلك من خلال تقدمها من الشرق إلى الغرب..

إن الأساس الذي تقوم عليه خصوصية المنطقة في العصر الحديث هو نظام الدولة القومية..

كان القرن التاسع عشر قرناً أوربياً بدون منازع تجلى في الاستراتيجيات القومية والمشاريع الاستعمارية التي سيطرت على النصف الأول من القرن العشرين.. وقد ازدادت أهمية قارة آسيا الاستراتيجية نظراً لما شهدته الأوضاع الدولية من متغيرات كبيرة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.. كما أدت هذه التطورات إلى دخول القوى الإقليمية في منافسة لسد ساحات الفراغ الجيوسياسي، التي ظهرت في هذه المرحلة..[7].

ولا غرو أن الموقع الجيوسياسي ودخول إيران عصر النفط هما الدافع على الصراع في الشرق الأوسط.. وتعتبر مشكلة البترول من أهم المشاكل في بداية القرن العشرين، وقد تدخلت بريطانيا سنة 1906 لتحول دون وقوع البترول الإيراني في أيد غير بريطانية (إبان القرن التاسع عشر كانت إيران منطقة نفوذ يتقاسمها الانجليز والروس..).

سنة 1909 تكونت شركة البترول الانجليزية الفارسية لمباشرة الاستغلال..

وبدأت الحكومة البريطانية تهتم بآبار البترول في إيران.. لأن الشركة البترولية المرتبطة بالسياسة الاستعمارية البريطانية في جميع المجالات.. واهتمت الحكومة البريطانية بموارد البترول الإيراني لتموين الأسطول البريطاني العامل في المحيط الهادي وبحار الصين، والمحيط الهندي والبحر المتوسط بالقود اللازم..

سنة 1914 والحرب العالمية الأولى تلوح نذرها طلبت الحكومة البريطانية من الشركة أن تستعد لتلبية حاجيات الأمبراطورية، لقد حصلت الحكومة البريطانية على 52% من أسهم الشركة..

بعد نهاية الحرب أصبحت إيران الدولة الرابعة في إنتاج البترول، والثانية المصدرة للبترول في العالم.. وكانت تستحوذ على المصانع الأولى للتكرير في العالم.

وأهميته بترول إيران تعود إلى جودته ونوعه بالإضافة إلى المكانة الاستراتيجية لإيران على خطوط المواصلات بين الشرق والغرب..

في سنة 1921 دفع الانجليز رضا بهلوى قائد فيلق القوقاز إلى الحكم وقدم الرجل نفسه كمقلد لنموذج أتاتورك في تركيا (القومية والعلمانية والتحديث..)، في اطلاعه بتحقيق السيادة القومية عجز عن تخفيف القيود التي فرضتها الجغرافيا السياسية والثروة البترولية فخضع للهيمنة الانجليزية لدرء الخطر الروسي..[8].

طلب رضا بهلوي من الشركة البترولية البريطانية أن تعطيه بعض الامتيازات وحصة أكبر من البترول ونتجية لذلك نشب نزاع بين الشاه والشركة البترولية، وقد تمت تسوية الأزمة سنة 1933 بتوقيع اتفاق يرفع نصيب الحكومة الإيرانية إلى 20% ويمد العمل بامتياز الشركة ستين سنة..

استمر العمل بالاتفاق حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية.. حيث عاد البترول الإيراني ليصبح الأداة الاستراتيجية الأولى للامبراطورية، وقد تضاعفت قيمته بدخول اليابان، ضياع موارد الشرق الأقصى، اعتمدت أساطيل الحلفاء وجيوشها في المنطقة على بترول إيران..

إن أهمية البترول وخطورته تعاظمت في الصراع الدولي الذي تبلور في كتلتين الحلفاء والمحور مع اندلاع الحرب العالمية الثانية.. حيث أضحى من يملك منابعه، مالكاً لمفاتيح انتصاره في الحرب.. ومنذ ذلك الوقت والبترول يزداد أهمية على المسرح العالمي ليحتل المرتبة الأولى دون منافس في مجال الطاقة.. أصبح البترول شريان الاقتصاد الحديث وسلاح خطير في السياسة الدولية.. فالدولة المصدرة للبترول قادرة على استخدامه كسلاح ضغط في علاقاتها السياسية والإقليمية والعالمية..

هناك دراسات وبحوث كثيرة حول الدور الحيوي للبترول في المجالين الاقتصادي والسياسي.. لقد أصبح البترول عصب الحرب، بدون منازع.. وهو الذي أجّج لهيبها..

لقد كفل بترول إيران القوة للحلفاء وقواتهم المسلحة.. وكان لبترول إيران الفضل الأول في نصر الحلفاء.. ونتيجة لأهمية البترول اجتاحت بريطانيا وروسيا إيران واحتلاها.. وتم خلع رضا بهلوى من العرش سنة 1941.. وبعد انتهاء الحرب بلغ إنتاج البترول الإيراني (160 مليون برميل). وبدأ يقترب من الإنتاج الروسي (180 مليون برميل).

ثم توسعت معامل التكرار في عبدان لترفع من طاقتها.. وأصبحت للشركة أكبر أسطول مصانع تكرير في العالم.. وتحولت الشركة الانجليزية الإيرانية إلى دولة داخل الدولة.. وكانت المطامع والدسائس تتربص دائماً بترول إيران..

بدأت دوافع الصراع حول إيران تتوضح بعد الدعوة إلى تأميم البترول من طرف الزعيم الديني الكبير أية الله كشاني (1882/1962) ومحمد مصدق (1882/1967) رئيس الوزراء في الفترة (1952/1953).

كان الهدف من التأميم أن يحقق السيادة القومية على الثروة الوطنية..

أدت أزمة البترول في الخمسينات من القرن الماضي إلى مصرع رئيس الوزراء الإيراني المعين الجنرال (روم آراه) الذي حظي بدعم من الانجليز والأمريكان باعتباره الرجل القوي القادر على مواجهة الأزمة في إيران..

رفض مجلس النواب تعيينه، واعتبره صنيعة الانجليز والأمريكان، جاء لخدمة مصالحهم في إيران..

وكانت المشكلة الكبرى التي يراد من الجنرال القوي مواجهتها هي مشكلة تأميم البترول.. كان صوت آية الله كشاني هادراً يدوي في جميع الأرجاء ضد أي اتفاق مع الانجليز، ومطالباً بخروج الانجليز وتأميم الثروة البترولية..

كان آية الله شكاني (النائب في مجلس النواب) وراء إنشاء الكتلة الوطنية في مجلس النواب التي تتكون من عشرة نواب برئاسة محمد مصدق..

كان هدف آية الله الكشاني أن يصبح البترول ملك للشعب الإيراني، دون شريك.. كما كان يدعو إلى إخراج الانجليز من جميع البلدان الإسلامية.. لما وقع الجنرال (المعين رئيساً للوزارة في شهر مارس 1951) صريعاً في ساحة مسجد الشاه بقلب العاصمة طهران.. صرح كشاني بأن الهدف من الاغتيال كسب معركة تأميم البترول..

كانت عيون الانجليز والأمريكان والروس مفتوحة على ما يجري في إيران في هذه الفترة.. فالصراع بين هذه الدول الثلاث على إيران كان شاملاً.. فاهتمام الانجليز بإيران ينصب على البترول.. فشركة البترول البريطانية كانت كل شيء في إيران..

تعين الوزراء وتقيلهم، وتساهم في الترشيح لمجلس النواب.. وكانت تملك نفوذاً قوياً على رؤساء القبائل، خاصة في الجنوب... (قدمت لهم ثلاثة في المائة من أسهم الشركة هدية لهم لكي تضمن ولاءهم وحمايتهم لمصالح الشركة وأنابيبها الممتدة في الصحارى..).

إن اهتمام روسيا (الاتحاد السوفياتي) بدأ منذ زمن بعيد، ويرجع إلى وجود حدود مشتركة طويلة بين روسيا وإيران وشراكة في التجارة والبترول..

كما أن الموقع الاستراتيجي لإيران هو الذي كان يثير شهية اهتمام الروس بإيران، لهذا أوجدوا لهم أعوان وجواسيس للدفاع عن مصالحهم..

أما اهتمام الولايات المتحدة بإيران، فالأهداف الرئيسية لأمريكا تتلخص في الهيمنة على الشرق الأوسط وفي السيطرة على البترول.. ويريدون أن تكون إيران قاعدة للدفاع عن المصالح الأمريكية والغربية..

كان هناك صراع محتدم بين بريطانيا والولايات المتحدة حول موارد البترول في الشرق الأوسط.. وتسعى الشركات الأمريكية لمنافسة الشركات البريطانية في منطقة نفوذها، وكان بترول إيران موضع تنافس، وتطلع حاسم للولايات المتحدة لنيل حصتها من موارده.. وقد تم الاتفاق بين الشركات البريطانية والأمريكية على اقتسام الثروة البترولية لإيران[9].

وقد أوعزت المخابرات الأمريكية بانقلاب عسكري ضد حكومة مصدق قام به الجنرال فضل الله زاهدي أعادت الشاه إلى الحكم سنة 1954، وقد أبرمت الحكومة الانقلابية اتفاقية التزمت بموجبها منح امتيازات استخراج النفط للشركات الغربية لأجل مدته خمسة وعشرون عاماً..

بعد هذا الانقلاب استبدل الشاه الوجود الانجليزي بالسيطرة السياسية والاقتصادية والعسكرية الأمريكية..[10]. فالصدام مع الشركات الغربية إنما هو صدام مع حكومتها..

بعد حرب أكتوبر 1973 وأزمة البترول التي تمخضت عنها عادت لإيران أهميتها على الساحة الدولية..

استفادت من الزيادة في ارتفاع الأسعار بحيث بلغت ثروتها البترولية سنة 1975 (18,6 مليار دولار)، وبلغ حجم تصديرها للبترول الخام 9,6 مليار مكعب من الغاز.. وكانت تصدر سنويا 13,4 مليار متراً مكعباً للدول الأوروبية..

إيران إذن دولة من دول آسيا والمحيط الهندي تشعر بالقلق على أمنها.. خاصة بعد نجاح التجربة الذرية الهندية 1974. وأصبحت تتطلع امتلاك السلاح النووي.. تعاقدت مع فرنسا في أكتوبر سنة 1977 على مفاعلين نوويين، ومع الشركة ألمانية (كرفت وورك) على مفاعلين آخرين لإنتاج الطاقة.. وعقدت عدة اتفاقيات للتنقيب عن اليورانيوم..

وخصصت مؤسسة الطاقة الذرية الإيرانية مبلغ 340 مليون دولار سنوياً لإنفاقها في مجال التنقيب والأبحاث الذرية في إيران..

انزعجت الولايات المتحدة من هذا التوجه في السياسة الإيرانية.. بعد صعود الرئيس كارتر (1924/2024) للحكم وخلال رئاسته (1977/1981) لم يتحمس الأمريكيون لدعم سياسات الشاه من أجل أن يكون له دور مركزي في المنطقة..

اعتبرت الإدارة الجديدة أن الشاه استهلك وأدى الغرض المطلوب منه.. وبدأ مخططوا الاستراتيجية يفكرون في إعادة ترتيب الأوراق وتأكيد من ثبات أقدامهم في مناطق نفوذهم في العالم.. وللمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.. وكانت إيران في مقدمة اهتمامات الولايات المتحدة باعتبارها إحدى المناطق العازلة بين الشرق والغرب.

وتعتبر الحارس اليقظ لمعابر البترول.. بالإضافة إلى أنها الشرطي الموكول له، أمر الاستقرار في المنطقة والعالم..

كانت الولايات المتحدة، تريد أن تبقى نظام الحكم في إيران في قبضتها، مما يؤكد مخاوفها على مصالحها في إيران.. ويعمّق قناعتها بالبحث عن بديل يستجيب لمتطلبات الجيوسياسية في الشرق الأوسط بعد حرب 1973 بين العرب وإسرائيل وما تلاها من معاهدة السلام..[11].

الخلاصة التي يمكن أن نخرج بها من الرؤية الاستراتيجية الأمريكية لإيران أنها يندرج ضمن سلم الأوليات للمصالح الحيوية الأمريكية وهما الشرق الأوسط، والنفط..

ومن تم، فإن هذه الرؤية تغفل أهمية إيران كدولة عريقة ابتكرت في فجر التاريخ نظام الدولة والإدارة وأمدت الحضارة العربية الإسلامية بالنظم في مجالات الحكم، كما أنها اشتقت من الإسلام مذهبا جعلت منه المرآة للضمير القومي..

ثم إن إيران رابع دولة منتجة للنفط في العالم وثاني دولة مصدرة، كما أنها أحد الأعضاء المؤثرين في سياسة الطاقة. إن كل دولة لها دور في منطقة تعتبر مركز الصراع العالمي، ولها ثروة يمكن أن تكون مطمعاً للطامعين، لابد لها من قوة..

إن إيران لديها ثروة تحرص على حمايتها ولديها دور تؤديه.. وسياسة تمارسها.. وليس هناك ثروة ولا دور أو سياسة بغير أمان القوة العسكرية[12].

وتأسيساً على ذلك، فإن الصراع على إيران، إنما يستهدف، ثروتها، وموقعها الاستراتيجي ودورها في الشرق الأوسط..

ومن نافل القول أنه لن يكون هناك استقرار وسلام مع تهديد أمة كاملة، في استقلالها ومصالحها ومعالم وجودها..

3- الصراع الجيوسياسي ومستقبل الشرق الأوسط..

لا يمكن فصل إيران عن جوارها، لا من حيث التراكم التاريخي، ولا من حيث الموقع الجغرافي.. فهي تحافظ على وحدتها وتجذرها الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط. إن مفهومي "الشرق الأوسط" و"الشرق الأدنى" يحيلان إلى تمايز جيو ثقافي، من وجهة نظر أوروبية، أكثر من كونهما مصطلحين جغرافيين موضوعيين، ولذلك تغيرت خصائص الساحات، التي يحتويها مصطلحا الشرق الأوسط والشرق الأدنى..

فمصطلح الشرق الأوسط لا يحمل صفات موضوعية من ناحية التحديد المكاني، كما هو الحال ب"آسيا الوسطى" و"غرب أوروبا" و"شمال إفريقيا" التي تعتبر معياراً جغرافياً، عاماً..، بل يحمل خصائص مرحلية مرتبطة بعوامل تتغير، حسب الأطر الثقافية والسياسية، والاستراتيجية، والاقتصادية..، لهذا فإن تعريف هذا المصطلح، في إطار كامل يتطلب وضع المقاربات، ووجهات النظر الجيوثقافية والجيوسياسية والجيواقتصادية والجيواستراتيجية المختلفة في عين الاعتبار..

فمصطلح "الشرق الأوسط" إنما يتبع لتعريفات تختلف من زوايا النظر والأوضاع المختلفة..

إن تحديد هذه المنطقة بجهة الشرق أو باعتبارها من المناطق المتوسطة القريبة.. وفقاً للجهة التي تقوم هذا التحديد..

فمصطلح غرب آسيا يعتبر تحديداً جغرافياً موضوعياً، في حين أن مصطلح الشرق الأوسط أو الأدنى، لا يحمل معنى موضوعياً بالنسبة للأشخاص في الصين أو الهند، لأن المنطقة في اتجاه الغرب بالنسبة إليهم..

قام منظرو السياسة الغربية باشتقاق المصطلحان بشكل ذاتي، ويتضح ذلك من كيفية استخدامهم لها.. بداية استخدم مصطلح الشرق الأدنى كمصطلح سياسي أو جغرافي ويحمل هوية ثقافية أكثر من كونه ناتج عن الخصائص الجغرافية لهذه المنطقة..

وقد استخدم الجيوسياسي (ماهان) مصطلح الشرق الأوسط لأول مرة  يصف المنطقة التي تقع بين الجزيرة العربية والهند والتي تحمل أهمية كبيرة بالنسبة للاستراتيجية البحرية، وتحديد المنطقة التي تتخذ الخليج العربي مركزاً لها.. ويستند إلى خصائص استراتيجية..

اكتسب المصطلح انتشاراً واسعاً بعدما استخدم في عبارة قيادة الشرق الأوسط خلال الحرب العالمية الأولى.. كصفة استراتيجية..[13].

الشرق الأوسط من الناحية الثقافية مهّد الحضارات وبؤرة تقاطع الحضارات وتلاقحها.. وأهمية المنطقة على الصعيد العالمي تتمثل في انتقال البضائع التجارية بين الشرق والغرب، وكذلك في نقل الثقافات والعقائد.. وتبادل المهارات والصناعات.

ونظراً لأهمية المنطقة من جميع الصعد، أصبحت السيطرة على الشرق الأوسط هدفاً لكل من يريد السيطرة على العالم..

وقد ظهرت العلاقة الوثيقة بين البنية الجيوسياسية والجيواقتصادية للشرق الأوسط بشكل واضح، خلال عملية تغيير معادلة التوازن التي شرعها التوسع الاستعماري الأوروبي..

وقعت منطقة الشرق الأوسط في مرحلة التوسع الاستعماري في ظل منافسة قوية بين الدول الاستعمارية للسيطرة عليها، وقد شارك في الصراع على الشرق الأوسط روسيا في سعيها للوصول إلى البحار الساخنة، وبريطانيا التي كانت تسعى للسيطرة على الموارد الاقتصادية والطرق المائية التي تؤدي إلى مستعمراتها وفرنسا التي كانت تسعى لتوسيع مجال مستعمراتها في صراع الهيمنة بينها وبين بريطانيا العظمى وألمانيا التي سعت ليكون لها حضور وتأثير سياسي في منطقة تعتبر المركز الرابط بين القارات..

لقد تحققت أهداف القوى الاستعمارية باقتسام أراضي المنطقة والاستلاء على مواردها الخام..

وقد أثرت البنية الاستعمارية والجغرافية السياسية التي أسندت إليها في مرحلة الحرب الباردة، والمرحلة التي تلتها.. وشهدت منطقة الشرق الأوسط أزمات وصراعات وحروب وتصدعات عميقة.. نتيجة الصراع بين الاتحاد السوفياتي الذي يسعى للتواجد السياسي والإيديولوجي في المنطقة، والولايات المتحدة التي سعت لاحتواء المنطقة كلها وضمها تحت سيطرتها ونفوذها ضمن حزام جيوسياسي يحمي مصالحها في مواجهة الخطر الجيوسياسي السوفياتي الذي يطوق الخليج العربي من خلال الضغط على التوازنات السياسية الداخلية في تركيا وإيران والعراق، وضمن هذه القطبية الجيوسياسية سيظهر بشكل متوازن توتر جيوثقافي وجيوسياسي في المنطقة..[14].

ويمكن أن نلخص الخصائص التي برزت للشرق الأوسط خلال مرحلة الحرب الباردة في النقط التالية:

1- وجود قطبية جيوثقافية ذات طابع إيديولوجي

2- البنية الجيواقتصادية المرتكزة على النفط..

3- وجود خط فصل جيوسياسي يعكس المنافسة الاستراتيجية الدولية..

4- ظهور ساحة مواجهة ثقافية – سياسية متصاعدة في المنطقة مع إنشاء إسرائيل..

وابتداء من عقد الثمانينات، بدأت الخصائص الأساسية للشرق الأوسط المرتبطة بالظروف الخاصة للحرب الباردة بالتغيير.. كما أنها اكتسبت سمات جديدة من خلال تحولها بشكل كامل بعد الحرب الباردة..

وتحول المنطقة من القطبية الجيوثقافية الإيديولوجية إلى قطبية ترتكز على محور ديني وحضاري، تهدف إلى تشكيل أرضية لقطبية دينية وثقافية في المنطقة..، من خلال المقاربات التي تتبناها منظروا وصانعوا السياسة الغربية وذلك بعد قيام الثورة الإيرانية.. بلغت دورتها في بحث "صراع الحضارات" ورؤية "نهاية التاريخ"، وكلها طروحات تركز على أن العالم الإسلامي كقطب مضاد يهدد المصالح الأمريكية والقيم الغربية..[15].

إن توكيد المرجعية الحضارية في الصراع على الشرق الأوسط ستكون له أهمية في القرن الواحد والعشرين.. ولابد أن يؤثر على البنية الجيوثقافية والجيوسياسية في المنطقة كلها..

لقد حدث تغير هام في مرحلة ما بعد الحرب الباردة جعل المنطقة مركزاً جيواقتصادي (المتمثلة في النفط) مع الموقع الجيوسياسي والتي وجهتها التوازنات الجيواستراتيجية المرتبطة بالنفط في عالم متغير..

إن المشكلات في عالم متغير تلقى بظلالها على جملة الصراعات الدولية التقليدية.. وفي غياب الاستقرار الجيوسياسي من شأن أي جهد أن يتعثر.. في عالم ينزاح فيه مركز الثقل من الغرب إلى الشرق لابد من اعتماد رؤية جيواستراتيجية شاملة، قادرة على التصدي لجملة التحديات المتمثلة في حدة الصراع الجيوسياسي على المنطقة بين القوى السائدة والقوى الصاعدة من أجل الاضطلاع بدور الشريك لشرق صاعد متزايد الحضور والنفوذ..

إن أزمة القوة التي يعاني منها العالم، ليست إلا نتيجة الانتقال الديناميكي لمركز نقل العالم من الغرب إلى الشرق، ولأفول نجم أمريكا وانحطاطها على المستويين الداخلي والدولي..، وقصور أدائها بوصفها القوة العظمى في العالم..

لقد أصبح العالم يحتاج إلى رؤية استراتيجية جديد للقرن الواحد والعشرين تتناول الواقع الاستراتيجي الجديد الذي تمخض عن التحول الحاصل في مركز ثقل القوة العالمية والدينامية الاقتصادية من الأطلسي باتجاه الهادي (من الغرب إلى الشرق) فلابد من النظر في أهلية القوة الأمريكية لقيادة العالم..[16].

إن تسليط الضوء على تعدد القوى الجيوسياسية سيؤدي إلى فرز القوى الأساسية الفاعلة سياسياً واقتصادياً على الصعيد الدولي.. إن عملية التحول الجارية على صعيد توزع القوة العالمية تجسدت في ارتقاء ثلاث قوى آسيوية سدة هرم السلطة العالمية وهي اليابان والصين والهند..

إن الولايات المتحدة رغم أنها ما زالت متفوقة ولكن قيادتها من مشروعيتها وفعالية بات موضع تساؤل متزايد على المستوى الدولي بسبب التحديات الداخلية والخارجية التي توجهها..

ثم إن هذا التفوق قد لا يدوم طويلاً..[17].

إن تدهور القوة الأمريكية، سوف تنتج عنه (انزياحات تكتونية بركانية..) ناسفة للاستقرار السياسي في الشرق الأوسط كله.. فسائر دول المنطقة، تبقى هشّة في مواجهة الضغوطات الداخلية، والاضطرابات الاجتماعية. إن إخفاق الحل للمشكلة الفلسطينية (بسبب السياسة الأمريكية في المنطقة) سيؤدي إلى تفاقم العداء في المنطقة لإسرائيل، وسيتطور النزاع إلى مجابهة العسكرية أوسع تشنها إسرائيل على إيران وتنجرّ إليها الولايات المتحدة..

ومن شأن الحرب على إيران أن تشحن النزعة القومية بعداء دائم ضد أمريكا، كما أن تضامن التيارات الإسلامية مع إيران من شأنه أن يفضي إلى عواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي..[18].

إن تركز العداء في المنطقة على الولايات المتحدة يسمح لروسيا والصين بتوسيع دائرة مصالحهما في المنطقة.. كما سيتأثر أمن إسرائيل مما سيعرض بقاء إسرائيل على المدى الطويل للخطر..

كما أن موقف أمريكا ودعمها اللامشروط لإسرائيل لن يبقى مستنداً إلى التطابق الاستراتيجي.. وسوف يدفع هذا التدهور الأمريكي إلى النزوع إلى فك الارتباط مع المنطقة.. بسبب تحميل أمريكا مسؤولية الاضطرابات الإقليمية..

إن هشاشة دول الخليج العربي المدعومة أمريكياً، هي الأخرى مرشحة للتفاقم..، فمع تراجع نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة، وزيادة نفوذ إيران في العراق بعد الغزو الأمريكي للعراق (2003) من شأن ذلك أن يحدث قلقاً لدى دول الخليج، مما يتعين عليها أن تبحث عن حماة جدد.. أكثر فعالية لأمنها..

كانت الولايات المتحدة لها حزمة من علاقات متينة، مع البلدان الأربعة الأهم، في الشرق الأوسط (إيران والسعودية وتركيا ومصر..) فكانت مصالح أمريكا آمنة... أما اليوم فإن نفوذ أمريكا مع هذه الدول متضائل إلى حد كبير.

- أمريكا وإيران في حالة عداء..

- السعودية بالغة الحساسية بالنسبة لسياسة أمريكا الإقليمية المتطورة..

- تركيا مستاءة من عدم التفهم الأمريكي لطموحاتها الإقليمية.

- الانحياز الأمريكي المطلق لإسرائيل يجعل الموقف المصري مطبوع بالتوجس من أمريكا..

وإجمالاً فإن مكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، متدهورة..، ومن شأن انحطاط الدور الأمريكي أن يجهز على مكانتها في المنطقة..[19].

إن دينامية العالم في القرن الواحد والعشرين قد تقود الإمبراطورية الأمريكية إلى مصير الامبراطورية الرومانية في القرن الخامس الميلادي، وإن التحدي المركزي لأمريكا، ورسالتها الاستراتيجية خلال العقود المقبلة هو استعادة النشاط والفعالية والدفع بتوازن جيوسياسي في أوراسيا..

إن عالم القرن الواحد والعشرين أقل قابلية بقوة منفردة مهما كان جبروتها العسكري وعظمة نفوذها السياسي..[20].

إن غياب رؤية جيواستراتيجية سيُفضي إلى انحطاط الحلف الغربي وإلى تقهقر الحضارة الغربية نحو عصر جديد من الشمولية..

وإذا ما كانت الولايات المتحدة بلغت الذروة العظمى من القوة العالمية.. إلا أن التفوق في القوة يقترن كذلك بمسؤولية توحي بالرهبة بالنسبة للمستقبل..[21].

إن الخلاصة التي تُستخلص من دروس التاريخ أن الامبراطوريات إذا بلغت أوْجَهَا وتمامها، فإنها تبدأ في النقصان والانحطاط..

كما أن اختلال الرؤية الاستراتيجية وغياب رؤية جيو سياسية متوازنة هي التي أدت إلى فوضى في النظام العالمي نتيجة انفراد القوة الأمريكية بالهيمنة على العالم..

إن الحرب على إيران حرب حضارية تندرج ضمن استراتيجية الصراع على الشرق الأوسط بهدف إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة تمهيداً لقيام نظام عالمي جديد..

ومن المحتمل أن تتمخض الحرب على إيران عن حِلف ثلاثي بين الصين وروسيا وإيران مناهض للهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط ويهدّد مكانتها العالمية..، ويستشرف آفاق عالم ما بعد الامبراطورية الأمريكية..

***

أحمد بابانا العلوي

.........................

[1]- محمد حسنين هيكل، (الحل أو الحرب/1977)، ص  12.

[2]- نفس المصدر، ص 19.

[3]- وهم التحكم القوة والسياسة الخارجية في القرن الحادي والعشرين، تأليف سيوم بزون تعريب فاضل حتكر، دار الحوار الثقافي، ط/1/12004، ص 18/19.

[4]- ألكسندر دوغين، أسس الجيوبولنيكا ومستقبل روسيا الجيولولتيكية/ دار الكتاب الجديد/ ط 1/ 2004/ ص 15/16.

[5]- وهم التحكم، مصدر سابق، ص 187.

[6]- اعتمدنا في صياغة أفكار هذا الفصل على كتاب المفكر علي شريعتي، العودة إلى الذات، ترجمة ابراهيم دسوقي شتا، ط 1، 2006.

[7]- أحمد داود أغلو، العمق الاستراتيجي (موقع تركيا ودورها في السياسة الدولية). ترجمة محمد جابر ثلجي وطارق عبد الجليل، نشر مركز الجزيرة، ص 228.

[8]- ميشيل فوكو، المقالات الإيرانية، ترجمة عبد الرحمن اوذكرى، دار تنوير، ط 1، 2020، ص 36/37.

[9]- اعتمدت فيما أوردته في هذا الفصل على كتاب محمد حسنين، هيكل إيران فوق بركان.

[10]- المقالات الإيرانية، ص 37.

[11]- اعتمدنا فيما عرضناه على كتاب إيران بين التاج والعمامة تأليف أحمد مهابة كتاب الحرية، ط 1، 1989.

[12]- محمد حسنين، هيكل زيارة جديدة في التاريخ، دارالشروق، ط 1، 2003، ص 326/237.

[13]- العمق الاستراتيجي، ص 156.

[14]- نفس المصدر، ص 161.

[15]- نفس المصدر، ص 162. بالنسبة للكتابات التي نظرت لهذه الطروحات يمكن الرجوع إلى كتب بريجنسكي وهنتغتون وفوكو ياما ورشارد فولك.. وغيرهم..

[16]- زبيغيو بريجنسكي رؤية استراتيجية (أمريكا وأزمة السلطة العالمية) ترجمة فاضل جنكر، دار الكتاب الغربي، ط 1، 2012،

ص 23.

[17]- نفس المصدر، ص 31.

[18]- نفس المصدر، ص 117.

[19]- نفس المصدر، ص 118.

[20]- نفس المصدر، ص 210.

[21]- رتشارد نكسون، نصر بلا حرب ، ط 2، 1989، ص 235.

مقتطف من الفصل العاشر من كتاب "ثورة 14 تموز العراقية - قراءة في المُغَيَّب والمَسْكوت عليه" لعلاء اللامي تحت الطبع.

د. سيار الجميل مؤرخ عراقي محترف من مدينة الموصل. ويحمل شهادة الدكتوراة في التاريخ الحديث للشرق الأوسط من جامعة سانت أندروز البريطانية الأسكتلندية سنة 1982، وله كتب عديدة في مجال اختصاصه. والشائع أنه محسوب على التيار القومي العروبي، ولكن كتاباته لا تعطي الانطباع بذلك. بل هي تجري على النقيض تماما لأفكار القوميين ومن ذلك؛ دفاعه الحماسي عن نوري السعيد (يسميه في كتاباته نوري باشا)، وعن الحكم الملكي في العراق والأردن والمغرب الأقصى في وجه نقد القوميين واليساريين الضاري للسعيد ولتلك الأنظمة وملوكها. وتحفظه البالغ درجة العداء لجمال عبد الناصر والناصريين. وقد خصص الجميل لنقد كتابات محمد حسنين هيكل أكثر الكتاب الناصريين نقدا للأنظمة الرجعية العربية وللهيمنة الغربية والاستعمار القديم والجديد ولخليفة عبد الناصر الذي دفن الناصرية وارتد عليها كما يرى غالبية الناصريين أي محمد أنور السادات ولقادة تلك الأنظمة وخصوصاً للمذكورين الثلاثة - نوري السعيد والملك حسين والملك الحسن الثاني - كتاباً هجائياً ضخما بعنوان "تفكيك هيكل"، يقع في أكثر من 620 صفحة.2610 haykal

نزعة سجالية هجائية لا تأريخية

يمكن أن يأخذ القارئ فكرة عن النزعة الهجائية والسجالية الحادة والمليئة بالأحكام المسبقة والقطعية والتهجمات الشخصية والتشكيك بأخلاق هيكل، لأنه تجرأ - بحسب الجميل - وانتقد زعماء متوفيين، أو بعبارة د. الجميل "انتقلوا إلى دار الخلود قبل نصف قرن" كما ورد في الحلقة السادسة من حلقات كتابه، وكأن الموت يعطي حصانة مطلقة ومجانية للجواسيس وأعداء الأمة من ملوك ورؤساء لا لشيء إلا لأنهم ماتوا! أو لأن هيكل نشر وحلل ما اعترفت به أوساط مخابراتية وسياسية إسرائيلية وأميركية وبريطانية عن العلاقات الأمنية السرية لهؤلاء الزعماء بالموساد والمخابرات المركزية الأميركية، وحددت حتى الرواتب والجعالات التي كانوا يتقاضونها لقاء خدماتهم الخيانية، أو لأن هؤلاء الزعماء من أمثال الشريف حسين بن علي حليف البريطانيين ضد دولته العثمانية والتي لا تقل "صبغة إسلامية" عن دولة بني أمية او بني العباس، هاشميون نسباً. ناسياً - الجميل - أو ربما متجاهلاً عمداً أن القرآن لعن أحد الهاشميين هو العم المباشر للنبي العربي الكريم محمد بن عبد الله وهو عبد العزى بن عبد المطلب -المكنى بأبي لهب - وزوجته حمالة الحطب أم جميل. يمكن التأكد من كل هذا الهجاء والتحامل في كتابات د. الجميل ضد هيكل بمجرد إلقاء نظرة سريعة على مسرد عناوين فصول كتابه هذا وإليكم هذه العينات من عناوين النصف الأول من الكتاب فقط مما استهدف به هيكل من هجاء وتعريض تصريحاً وتلميحاً:

الخطوات الأولى: على أبواب السلطة في العهد الملكي

الخطوات الثانية: القفز إلى جانب عبد الناصر

المؤلفات المثيرة: فقدان المصداقية

نموذج متميز من الإطناب العربي

الرؤية القطرية الضيقة

مهاجمة الزعماء بعد موتهم، لماذا؟

الخلل الواضح في كتابات هيكل

مهام جلد الذات

مشكلة هيكل الخطيرة

مشكلة هيكل (مكرر)

أين حقيقة الأشياء يا هيكل؟

نقدات في غير محلها

تحريف التاريخ

الحصيلة الصعبة: مرارة هيكل

تزوير الحقائق

فقدان التوثيق العلة المزمنة

تسفيه المطاعن

لا، ما هكذا تورد الأبل

سيكولوجية هيكل من نوع خاص

الزعماء: الابتزاز من أجل التبجيل أو التشويه

رفقا بالقوارير يا هيكل

الهاشميون من آل البيت

تبريرات واهية، شبيه الشيء منجذب إليه

لقد تغيرت العقليات يا هيكل

لماذا الاستسلام لما يقوله الإسرائيليون؟

تهويل الخبر لماذا؟

هيكل ليس مؤرخاً.

قتل القتيل والمشي في جنازته...إلخ.

هيكل ليس مؤرخا بل كاتب صحافي استقصائي

والواقع، فليس قصدي من هذا التطرق العرضي لما كتبه الجميل ضد هيكل تطويب هذا الأخير وتقديسه. فهيكل كاتب صحافي، وهو يصف نفسه في تسجيل فيدو لمحاضرة لهيكل حول الإخوان المسلمين بثت على منصة يوتيوب بعنوان كبير "محمد حسنين هيكل | الإخوان المسلمين" وبعنوان داخلي " تاريخ الإخوان المسلمين وصراع الجماعة مع انظمة الحكم في مصر بتاريخ 24 شباط فبراير 2026، بالمخبر الصحفي (Reporter) ، ومن معاني هذه الكلمة "المراسل الصحافي"، وقد يكون المصطلح أقرب إلى "الصحافي الاستقصائي" في أيامنا. والرجل متمكن من مهنته أولاً، وهو باحث في التاريخ السياسي الحديث واسع المعرفة ثانياً. أو شئنا الدقة، في التاريخ الاجتماعي السياسي، وهو تخصص قريب من "علم الاجتماع التأريخي" والذي كان من رواده الأوائل الباحث د. علي الوردي. أي إنَّ هيكل ليس مؤرخاً تقليدياً محترفاً كما قال د. الجميل نفسه في سياق هجائه له. ثم إنَّ هيكل بشر يخطئ ويصيب، وتقديسه وإضفاء العصمة عليه أو على غيره لا يستقيم مع النقد المنهجي التأريخي. ولذلك فإنَّ اتهامه كإنسان بما ليس فيه وبلا أدلة معقولة وملموسة فأمر لا سبيل إلى قبوله أخلاقيا ونقديا. أما بخصوص اتهامات الجميل لهيكل بتزوير الحقائق وتحريف التاريخ و"انعدام التوثيق كعلة مزمنة فيه" فقد خصصت له الفقرة التالية.

هيكل يفوز بمعركة التوثيق قضائيا:

إنَّ اتهام هيكل بتزوير الحقائق وتحريف التاريخ و"انعدام التوثيق كعلة مزمنة فيه"، أقرب إلى الافتراءات والأقاويل التي تطلق على العواهن وغير الموثقة بالأدلة. فكتب ودراسات ومقالات هيكل - وأتكلم كقارئ مواظب لهيكل منذ سنوات رغم إنني لستُ ولم أكن يوماً ناصريا أو قوميا - موَّثقة بشكل احترافي ممتاز وهو من الصحافيين النادرين عالميا الذين يستطيعون الوصول إلى مصادر المعلومات ومخابئ الوثائق السرية وثمة المئات من الأمثلة على ما أقول مبثوثة في كتبه وهو كبشر فقد يفوته مرة وخلال سياق وزخم الرواية توثيق خبر ما أو مقولة لشخصية معينة ولكن هذا من باب الاستثناء الذي يؤكد القاعدة.

إن الحادثة الوحيدة التي اتهم فيها هيكل بانعدام التوثيق وطولب بإظهار وثيقة أصلية تدين أحد زعماء الإخوان المسلمين المصريين بالعمالة لبريطانيا، ووصلت القضية إلى القضاء المصري -المعروف بنزاهته حتى في أحلك الفترات التأريخية - هي تلك التي قاضاه فيها أحمد أبو فتح سنة 1989 وحكم فيها القضاء لمصلحة هيكل وبرأه من التهمة. وحكم لمصلحته في القضية الثانية المضادة التي رفعها -هيكل - ضد المدعي  في محاكمة شهيرة تحولت إلى قضية رأي عام وهزَّت المشهد الثقافي والسياسي المصري في حينه، وهذه تفاصيلها باقتضاب شديد[1]؛

-رفع أحمد أبو الفتح قضية ضد هيكل بعد أن تناول هذا الأخير في كتابه "سنوات الغليان" دور أخيه محمود أبو الفتح واتهمه بالعمالة للمخابرات البريطانية والفرنسية، وبالتحريض ضد مصر بحجة معارضة نظام عبد الناصر قبل العدوان الثلاثي. ومحمود أبو الفتح هو مؤسس إذاعة "مصر الحرة" الممولة مخابراتياً والتي كانت منبره ومنبر الإخوان المسلمين. واتهم أحمد أبو الفتح في دعواه هيكل بالكذب والتعرض بالسب والقذف لشخص شقيقه محمود. وطالب الأخوان أبو الفتح بتعويض مالي قدره ثلاثون مليون جنيه مصري. فرد هيكل برفع دعوى قذف ضد أبو الفتح وبطلب تعويض رمزي مقداره واحد وخمسين جنيها فقط لمجرد إقرار المبدأ. وقد حكمت محكمة جنح بولاق لمصلحة هيكل. وجاء في حيثيات الحكم: "وكان الثابت من المقالات التي حررها أحمد أبو الفتح، أنه نسب إلى المدعي بالحق المدني -هيكل - أنه (ملوثاتي) وأنه مثل (بلطجية الأفراح) وأنه مثل (بائعات الهوى)، وأن المحكمة ترى أن هذه الألفاظ تقلل من الاحترام الذي يتمتع به المدعي بالحق المدني، وأنها تستوجب احتقاره عند أهل وطنه".

ولكن المحكمة اشترطت لتبرئة هيكل إثباته توقيع محمود أبو الفتح على الوثيقة رقم «6» الواردة في كتابه "سنوات الغليان". وهذه الوثيقة عبارة عن خطاب مرسل باسم لجنة أحرار العرب «مصر الحرة» إلى رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن في 27 يناير 1956، وفيه يحرض أبو الفتح ضد حكومة جمال عبد الناصر قبل العدوان الثلاثي عام 1956، ودعاه فيه إلى استعمال القوة المسلحة ضد مصر، وطلب منه أموال بطريقة مكشوفة لتمويل الدعاية ضد "خطر عبد الناصر".

وكانت المفاجأة مذهلة؛ فقد قدم هيكل للمحكمة صوراً للوثائق البريطانية التي استند إليها والتي تدين أبو الفتح. لكن المحكمة اشترطت أن تكون الوثائق ممهورة بختم دار المحفوظات البريطانية. ونفذ هيكل هذا الشرط، وتأكدت المحكمة من صحة الوثائق. ولم يكتفِ هيكل بإحضار الوثيقة المطلوبة رقم 6، بل أحضر معها ثلاث وثائق أخرى لمراسلات لجنة «مصر الحرة» إلى الحكومة البريطانية؛ منها اثنتان تحملان توقيع محمود أبو الفتح شخصيا، وجميعها ممهورة بختم دار المحفوظات البريطانية وبختم القنصلية المصرية في لندن، ما يدل على أنها - نصاً وحواشي - "مستخرج رسمي" من أوراق الخارجية البريطانية. وقدمها إلى المحكمة فحكمت ببراءته من تهمة السب والقذف في الدعاوى الثلاث المقامة ضده من أحمد وحسين أبو الفتح، وإلزام مقيميها بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة، وحبس أحمد أبو الفتح شهراً مع الشغل وكفالة 200 جنيه لإيقاف التنفيذ.

لقد توقفتُ عند هذه الحادثة لأنها تحولت إلى قضية رأي عام وشغلت الناس في وقتها وأصبحت واحدة من معارك الرأي وحرية التعبير والدفاع عن الحقيقة خاضها بجدارة ونظافة أحد أهم الكتاب الصحافيين العرب ممن كان لهم دورهم المؤثر في تشكيل الوعي العام والثقافة الوطنية المناهضة للاستبداد والاستعمار الغربي والقوى الرجعية العميلة له. ولهذا فإن الشطب والافتراء على أمثال هيكل وخصوصا في موضوع التوثيق، وبهذه الطريقة المجافية للعقلانية النقدية والموضوعية التي يعتمدها د. سيار الجميل هي أمر مؤسف حقا وليس من الكتابة التأريخية النقدية المقاربة للحقائق في شيء.

***

علاء اللامي - كاتب عراقي

...................

[1] - نعتمد في إيراد هذه المعلومات عن القضية على مقالة نشرها د. مصطفى سلطان (Mostafa Sultan) بمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة هيكل – نشرت المقالة على صفحته على منصة التواصل الاجتماعي "فيس بوك" بتاريخ 16 شباط – فبراير 2026.

في أحد كتبه المهمة (المرئي واللامرئي في الأدب والسياسة) يتكلم المفكر العراقي هادي العلوي (1932-1998م) عن حالةٍ خطيرة تعبر عن خيانة المثقفين للقضايا الكُبرى في الأمة، في هذه الخيانة لا يتم فيها التنصل عن القضايا الكبرى والمركزية التي يُفترض أن يكون للمثقف موقفاً محورياً فيها فحسب، بل يقوم البعض في عملية مخاتلة بطابع خياني، إن جاز التعبير ولاق، عبر السعي صوب تزييف الوعي ومحاولة قلب الحقائق وتحريف البوصلة بشكلٍ لا يُبقي الكارثة على حالها، بل يزيدها أشكلةً وتعقيداً!

ومن أبرز نماذج هذه الخيانة من وجهة نظر العلوي هو المفكر المصري نصر حامد أبو زيد (1943-2010م)، إذ يقول العلوي الكتاب ص 45 ما يلي (لقد ألقى بعض الكُتّاب عن نفسه كل عبء، وجعل محور نضاله وغايةَ سعيه أن يتصدى للإسلام السياسي، الذي يزيد خطره على غيره، بل هو الخطر الوحيد الأوحد، بعد أن أعاد هذا البعض ترتيب قائمة "الأعداء" لتستقل بالإسلام حيث يصبح أعداء الأمس، إن كان هناك أعداءٌ بالأمس، أحباباً، فلم تعد الرأسمالية الإحتكارية، وغرستها الرأسمالية الكولونيالية، ولا الإستعمار، ولا سلسلته إسرائيل، من بين الأعداء، بل هي في نهاية الأمر حلفاء في هذه الحرب المصيرية على الاسلام، وقد اعلن الدكتور نصر حامد أبو زيد لجريدة الأهالي إبان العدوان الأمريكي على لبنان ربيع العام الفائت إنه يجب عدم إستنكار العدوان لأنه يعني الوقوف مع حزب الله)!

هنا نكون امام خيانة المثقف لقضية أمته عندما يقوم بتغويل وتضخيم الإختلافات الجزئية مع المسلمين الاخرين، أو من يتباين معهم في وجهات النظر إتجاه قضايا السلطة وإدارة الشأن العام في العالم الاسلامي، ثم يعمد إلى حرف البوصلة عن الأعداء الحقيقيين، وتحويلهم إلى أصدقاء، أو على الأقل إخراجهم من تصنيف الأعداء، لنضع مكانهم حزب الله في لبنان، أو أي حركة مقاومة أخرى، أو دولة، تقف بوضع الاحتلال الصهيوني ضمن تنميطات الوصف العدائي.

وفي الصفحة التالية يضع العلوي مبضعه التشريحي على جرح الخيانة الثقافية هذه عندما يكتب (هكذا يصبح العدو الأوحد لتسعين بالمائة من مثقفينا هو الإسلام "السياسي"، وهذه الإلحاقة للتمويه، فالعدو هو الإسلام نفسه: تأريخه الحضاري وتراثه العظيم ومنجزاته العالمية)، هنا يكشف العلوي عن مخاتلة الأغلبية الساحقة من النخب الثقافية التي تدعي أن خلافها، إيديولوجياً وسياسياً، ضد ما يٍسموه بالإسلام السياسي، بيد أن الحقيقة أنه صراعٌ ضد الإسلام بما هو إسلام، وبما يشكله من خزين أستراتيجي حضاري، ومن المؤسف حقاً أن في الوقت الذي يجب على المثقف فيه أن يكون المحدّد والمشخّص لقضايا أمته، وموجّه حقيقي للإشكاليات التي تعترض طريق المجتمعات صوب الوصول إلى حلولٍ ناجعة لها، يكون مخاتلاً في عمله الثقافي، فكيف تحوّل حزب الله الذي ضحى بالغالي والنفيس من اجل تحرير لبنان من نير الإحتلال الصهيوني، وما زال يقدّم الكثير من التضحيات الجسام من أجل لبنان والامة إلى مجردٍ عدو يجب أن نتغاضى عن إدانة جرائم أمريكا لئلا تكون هذه وقوفاً مع الحزب!

نفس الأمر يقال بالنسبة إلى بعض المثقفين في بلداننا الذي لم يُبدوا موقفاً ثقافياً حقيقياً إتجاه الحرب الظالمة التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني على الجمهورية الاسلامية لا لشيءٍ سوى لأن لديهم إختلافات أو ملاحظات السلبية إتجاه الجمهورية الاسلامية أو من يقف معها!

إن الخيانة الثقافية التي يتلفع بها بعض المثقفين بذرائع شتى تحت ذريعة أن علينا ان نقف على الحياد، أو لأننا غير قادرين على المواجهة العسكرية أمام من يتوفق علينا، أو غيرها من الترهات ما هي إلا أعذار واهية صارت مكشوفة للجميع، إذ أن الموقف الثقافي الحقيقي لا يعني بالضرورة الدخول في الحرب العسكرية المباشرة، وإنما يكفي فيها تشخيص الظالم والمعتدي، والسعي صوب تعرية مشروعه الإستعماري، وإدانة ما يقوم به من عدوان، والوقوف بجانب المظلوم والمعتدى عليه بالقدر المتاح والممكن، وهذا أقل القليل من المطلوب بدلاً من دس الرأس في التراب في عملية تزييفٍ للوعي المفضوحة.

***

د. محمد هاشم البطاط

يعيش العراق اليوم حالة من الترقب والانتظار، اذ قد ياخذ حصته من التغييرات المحتملة في المحيط الجغرافي والسياسي في المنطقة، التي تتزايد مؤشراتها مع احتمال تجدد المواجهة بين تل ابيب وطهران بشكل اكثر ضراوة واوسع امتدادا. هذا الترقب الخارجي ليس الا وجها لعملة واحدة مع الاستعصاء الداخلي، فما يظهر للعيان كخلافات حزبية هو في جوهره انعكاس لقوانين الطبيعة وصراع "الجين السياسي" من اجل البقاء في بيئة شديدة التنافس (راجع مقالتي السابقة، 1).

ان مبرر لجوئي الى مفاهيم مثل "الانتخاب السلبي" و"الاستتباب الحيوي" لتفسير المشهد العراقي، ينبع من ايماني بأن الكيانات السياسية تتصرف ككائنات حية تخضع لذات قوانين التطور، فهي لا تسعى لانتاج "الافضل"، بل لضمان "البقاء". لذا، فان ما نسميه "انسدادا سياسيا" ليس مجرد خلل في الادارة او نقص في الوطنية، بل هو حالة توازن استراتيجي مستقر  (Evolutionary Stable Strategy - ESS)، حيث تبرمج الجينات الحزبية نفسها على التعطيل المتبادل كألية دفاعية قصوى ضد الفناء، وشلل حيوي مبرمج بانتظار توافق "الجينومات الكبرى" خارج الحدود.

هذا المقال هو محاولة لتفكيك المشهد العراقي ليس عبر لغة السياسة الجافة، بل عبر "خوارزمية التطور"، لنرى كيف تتحول المحاصصة الى نظام تمثيل غذائي (Metabolism) يغذي خلايا الاحزاب، وكيف يصبح الدستور "بيئة غائمة" تسمح بالتكيف والمناورة للبقاء في قمة الهرم الغذائي السياسي.

الاستعصاء التبادلي وآلية الانتخاب السلبي داخل النوع الواحد:

من الناحية السياسية، لا يبرز الانسداد كحق نقض (فيتو) رسمي، بل كحالة من الاستعصاء التبادلي تفرضها القوى المتصارعة داخل المكون الواحد. وبتحليله بيولوجياً، نجد أننا أمام أشرس صور التنافس داخل النوع الواحد   Intra-specific Competition  فالأطراف التي تتقاسم ذات الحيز الحيوي (Niche) السياسي والمورد الانتخابي هي الأكثر تصادماً وتثبيطاً لبعضها البعض.

يعمل النظام هنا وفق آلية "الانتخاب السلبي"، حيث يمثل صعود أي مرشح يمتلك بوادر "قوة" تهديداً وجودياً للفصائل الأخرى، مما قد يؤدي إلى "انقراضها" سياسياً عبر الاستحواذ على مواردها وقواعدها. لذا، يتحول التعطيل من مناورة سياسية إلى غريزة دفاعية مبرمجة جينياً لإجهاض أي طفرة قيادية، وضمان بقاء الجميع في حالة سكون تمنع الإقصاء النهائي لأي طرف.

الدستور كبيئة "غائمة" وآليات التكيف الإجرائي:

تمثل عقدة "الكتلة الأكبر" والثغرات الدستورية حالة من الغموض البيئي الذي تستغله الكيانات السياسية للمناورة. هذا التلاعب الإجرائي يشبه التكيف البيولوجي مع بيئة غير مستقرة، حيث يتم استغلال "الرماديات" القانونية لتعطيل المسارات التي لا تضمن بقاء الكائن الحزبي، مما يحول الديمقراطية من عملية تطورية لإنتاج الأفضل إلى معركة استنزاف طويلة الأمد.

المحاصصة كآلية "استتباب" للطاقة الحيوية (Metabolic Homeostasis):

تعتبر الوزارات في العراق هي المصدر الرئيس للطاقة الحيوية (ATP النظام). سياسياً، هي منظومة غنائمية لتمويل الأحزاب، أما بيولوجياً فهي "المغذيات" التي تضمن سلامة خلايا الحزب واستمرار ولائها. من هنا، تظهر "المحاصصة" لا كخيار سياسي سيء، بل كآلية استتباب (Homeostasis) ضرورية لمنع انهيار النظام الحيوي للأحزاب، فأي محاولة للإصلاح الجذري تُعامل كـ "فيروس" يهدد أمن الكائن الحزبي ويجب طرده.

التوازن الخارجي وعلاقات "التطفل والتبادل المنفعي":

يخضع العراق لتوازنات إقليمية (إيران وأمريكا) تفرض "ضوءاً أخضر" لتشكيل الحكومة. هذه العلاقة تشبه التبادل المنفعي (Symbiosis) حيث تعمل الأحزاب كـ "عائل" (Host) لقوى خارجية مقابل الحماية. الانسداد السياسي هنا هو حالة "شلل حيوي" بانتظار توافق "الجينومات" الكبرى خارج الحدود، حيث لا يمكن للكائن المحلي اتخاذ قرار مصيري يتصادم مع إرادة المحرك الخارجي.

غريزة البقاء وخوف "الفرائس" من "المفترس" السياسي:

إن البحث عن رئيس وزراء "ضعيف" أو "توافقي" هو استراتيجية جينية مدروسة. فالنخبة السياسية تخشى من ظهور رئيس وزراء "قوي" قد يتحول إلى مفترس (Predator) يستخدم أدوات الدولة (القضاء والنزاهة) لتصفية خصومه. هنا، تغلِب غريزة البقاء أي رغبة في بناء دولة قوية، ويفضل النظام حالة "السكون" (Dormancy) على خطر الفناء السياسي.

الخلاصة الديالكتيكية:

إن ما تصفه المنصات الاعلامية بالصراع بين قوى الاطار التنسيقي للاستحواذ على منصب رئيس الوزراء هو في حقيقته تطبيقات عملية لقوانين البيولوجيا التطورية في بيئة سياسية مهجنة. الانسداد هو الحالة الطبيعية لنظام يحاول فيه كل "جين حزبي" تأمين بقائه ضد الانقراض، في ظل شحة الموارد وتكالب الضغوط الخارجية. إنها عملية صراع محموم على الطاقة والبقاء، تلبس لبوساً دستوريا وسياسياً.

***

ا. د. محمد الربيعي

......................

(1) الجين الأناني وصراع البقاء: قراءة خوارزمية في الصراع الأمريكي الإيراني.

https://tareekthakafi.com/?p=1934

هناك مقولة لهايدغر تصف اللغة بأنها بيت الوجود...

وأنت تقرأ عن حرب السرديات للدكتور سامي عبد العال منذ السطور الأولى تستحضر هذه المقولة لكنه يذهب بك أبعد من ذلك حين يقول إن الحرب نفسها تعيش في اللغة قبل أن تعيش في الميدان، إذ إن «الحروب توجد في كلامنا، في رؤوسنا، في خطاباتنا أكثر مما نلقاها في الواقع»، كأننا أمام أنطولوجيا الحرب، ما يضعنا أمام التقليد الفلسفي للأداء اللغوي لكنه الأعمق والأوسع من أوستن وبيرلمان.

لقد وجدت أهم ما في المقالة هو عبارة "هندسة الذهنيات" عبارة أدق ما تكون في كشفها لمشاريع التوجيه الثقافي والسلوك المعرفي والإعلامي عبر إعادة تشكيل أفق التلقي وبنية التوقع لدى الجمهور قبل وقوع الحدث ذاته. والسردية بهذا المعنى ليست كذباً بسيطاً يمكن تفنيده، بل هي إطار تفسيري كامل يجعل الكذب نفسه يبدو معقولاً ومقبولاً، بل ويبدو الكذب فيه «شفافاً» —كما وضح الدكتور عبد العال — من أجل قلب الوقائع إلى أدلة والحماقات إلى طقوس. وهذا نفسه ما نقرأه في نظرية غرامشي حول الهيمنة الثقافية Hegemony، إذ لا تحتاج السلطة إلى إكراه ما دامت قد نجحت في إقناع الجمهور بمشروعية نظرتها للعالم. والأخطر  — حسب الدكتور عبد العال — أن امتلاك العقل الناقد لا يُعفي صاحبه من الوقوع في «دهاليز السردية» بل يجعله يقضي وقتاً طويلاً في فك طلاسمها...

الدكتور سامي عبد العال صور الصراع بين السرديات المعاصرة ولخصه في ثلاث سرديات متنافسة ومتشابكة لا يتنازع فيها الحق بل تتنازع فيها أشكال التغلغل والنفوذ:

1- سردية استبدال الهويات بأخرى وإعادة توزيعها — تنزع الهوية العربية لتحلّ محلها هوية «شرق أوسطية» فضفاضة، مستأنسة مع الوجود الصهيوني. وتستعمل تيمة «العالم الحر» ضد «بربرية الأزمنة الغابرة» — وهي تيمة استشراقية خالصة تُعيد إنتاج ثنائية التحضر/البربرية هذه هي السردية الأمريكية والاحتلال الصهيوني..

2- السردية اللاهوتية: والتي تنتج لتجنّب الإحساس بالغرابة، لكنها تحمل في باطنها هيمنةً سياسية مُقنّعة بمفهوم «لاهوتي» وهي تتقارب مع سابقتها بل أحيانا تتماهى معها وقد تختلف في جوهرها عن منطق السيطرة حسب اختلاف مصدرها..

3- غائبة أو مغيبة فكلتا السرديتين السابقتين تتجاهلان تماماً «الخصوصية الثقافية والإنسانية» للتابع، وتتعاملان معه ككومبارس في مسرح الصراعات بشتى تمثلاتها، هذه واقع العرب.

هنا يحضر دريدا حيث الهوية لا تتكوّن إلا بوجود الآخر المُقصى والمُختلف. والقدرة على إدارة «صناعة العدو» هي القدرة على إدارة الهوية الجمعية للمجتمعات الغربية ذاتها. يعني السرديات الفاعلة لا تبقي   المقعد شاغرا لأن الطبيعة السياسية تأبى الفراغ الذي ينتج الحروب..

الجميل في مقالة الدكتور عبد العال توظيفه لأبيات زهير بن أبي سلمى كلحظةً منهجيةً عميقة الدلالة، تتجاوز مجرد المراوغة الأدبية. فزهير يقول: « وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم» وهذا الموقف يحسب للدكتور سامي عبد العال ويجعل مشروعه الفكري موقفاً حضارياً قبل أن يكون تحليلاً سياسياً: إعادة الاعتبار لذاكرة الثقافة العربية بوصفها مصدراً معرفياً أصيلاً لفهم السياسة والحرب والسرد.

لعل ما استوحيته من مطارحات الدكتور سامي عبد العال في «حروب السرديات» بعد قراءة فلسفية متأنية هو هذا: لقد نقش أفكارا حول السرديات من شأنها رد الاعتبار للمفكر العربي ليس بوصفه مُستهلِكاً للنظريات الغربية في السرد والتأويل، بل بوصفه مُشخِّصاً مستقلاً للحظة التاريخية — يقرأ الراهن بأدواته الخاصة، ويُسمّي ما يراه بلغة فلسفية ونقدية لا تحتاج إلى ترجمة من باريس أو واشنطن أو برلين في ظل عالم تتنازع فيه السرديات لا على الحقيقة بل على حق التعبير عن الحقيقة.

رغم أن الدكتور عبد العال يُشير إلى الغياب العربي كـحالة قائمة، دون التوقف طويلاً لتشريح أسبابه البنيوية العميقة — وهذا هو الإغفال الفلسفي الأول في سرديته عن حرب السرديات. فالسؤال الحقيقي ليس «أين السردية العربية؟» بل «لماذا لا تملك الثقافة العربية شرطَ إنتاج سرديتها الخاصة في الراهن؟ وهذا السؤال يقود إلى أربعة مستويات من التشخيص التي يتجنّبها النص:

- أزمة الذات العربية: السردية تحتاج إلى ذات جمعية متماسكة تُصدرها. والعالم العربي يعيش منذ نكبة 1948 ومروراً بتشظي الهوية القومية وصولاً إلى الربيع العربي حالةً من تفكك الذات الجمعية التي تُنتج السردية. لا يمكن لكيانات مُتصارعة داخلياً ومُتشرذمة خارجياً أن تُصدر سردية موحّدة — لأن السردية تفترض ناطقاً واحداً أو على الأقل جوقةً متناسقة الأصوات.

- مناهج أجنبية: المُثقفون العرب عندما يتداولون إنتاج سردية بديلة يجدون أنفسهم يفكرون وفق مناهج الآخر — يكتبون بمفاهيم غربية، ينشرون في مجلات غربية، يُحاضرون في جامعات تُقيس الجودة بمعايير غربية. فالسردية البديلة تولد مُعطوبةً لأن رحمها نفسه أجنبي.

- نخبة معتزلة: النخبة تُنتج خطابات نقدية متطورة لا تصل إلى الناس، والناس يُنتجون وجدانات وانتفاضات لا تجد لها سرديةً نظرية تُعبّر عنها.

- المؤسسات السردية: السردية الأمريكية لها هوليوود، وناشيونال جيوغرافيك، وجامعات الآداب، وخوارزميات غوغل. السردية الإيرانية والسردية التركية والصينية والروسية لها مؤسسات راسخة ومنظومة تعليمية متماسكة. العالم العربي يفتقر إلى مؤسسات إنتاج السردية — وهذا غياب هيكلي لا فكري.

ثم نصل إلى الاستشراق خبير هندسة الذهنيات- من هيرودوت أولاً، المستشرقون الكلاسيكيون (رينان، غولدتسيهر، نولدكه)، ثم الاستشراق السياسي الحديث (برنار لويس، صموئيل هنتنغتون) — كلهم يُمارسون ما يُسمّيه عبد العال «حرب السرديات  « وهنا أتساءل لماذا لم يتناول الدكتور سامي عبد العال آليات إنتاج المعرفة السردية الإمبريالية عند ادوارد سعيد وهي بالضبط ما استجمعه في مقاله "حرب السرديات"؟ !

أيضا هناك الاستشراق المعكوس كما صوره فرانس فانون وهو ما نجده لدى السرديات اللاهوتية غالبا بلحاظ الامبريالية.. لكنني أجد أن الجزء الأول من مقاله يبدو مقدّمةً تأسيسية لمشروع أوسع، وربما يعالج الدكتور عبد العال هذه الأسئلة في أجزاء لاحقة.

المؤكد أن مشروع الدكتور سامي عبد العال في «حروب السرديات» يُمثّل جهداً فكرياً جاداً ونادراً في الفضاء العربي الراهن، لكنه يقف — في جزأيه الأولين على الأقل — عند حدود التشخيص دون العلاج، والوصف دون التأريخ، بينما الإكمال الفلسفي الحقيقي لهذا المشروع يستلزم مناقشةً جادة مع ادوارد سعيد وبن نبي وفانون وشريعتي، وجرأةً على نقد البنى الداخلية للثقافة العربية بذات الحدّة التي يُواجه بها الآخرَ وهذا أعلم جيدا أنه من صميم النظام الفكري والفلسفي لدى الدكتور عبد العال.  دون أن نغفل عن كون السردية التحررية لا تُبنى ضد الغرب وحده — بل تُبنى على آثار النكوص الثقافي أيضاً ما بعد بن خلدون والجاحظ وابن المقفع وما افتقدناه من قبيل مقامات الحريري ...

يبقى في الختام القول: ما بين انطولوجيا السرديات والسرد الانطولوجي يُعاد تشكيل الوعي وهندسة الذاكرة وصناعة المستقبل. ولقد بيّن الدكتور سامي بحنكة فلسفية نادرة عربيا كيف أن الحروب الكبرى في عصرنا لا تُخاض في الميادين وحسب، بل تُحسم في المفاهيم والأطر والاستعارات.. ناهيك عن شجاعة أن تُسمّي الأشياء بأسمائها في زمن تحترف فيه السرديات المهيمنة تبديلَ الأسماء وتزييفَ الدلالات.. شكرا الدكتور سامي وننتظر ما تتحفنا به -ان شاء الله- في الحلقات القادمة من هذا المشروع الفكري الفريد..

***

مراد غريبي

تكشف "حرب السرديات" المآرب بين أطراف الصراع. ولكن ترتهن أية سردية بضربٍ من" التأويلات "طوال الوقت. بمجرد أنْ تُطلق السردية، تظل قيد التأويل الذي تطرحة القوى إزاء الآخرين. والتأويل هو صرف "صورة الواقع" إلى المعنى السردي الخاص بالمصالح. على أمل أنْ يتم تكييف الواقع مع التأويل الأكثر قوةً ونفاذاً وحتى تكون ثمة فرصةٌ للتحرك في إطار المخطط المرسوم. وهكذا لا تعدو الأفعال إلاَّ أنْ تشكل تأويلاً عملياً لما يُسرد. أفق الاحتمال يمتلئ بممكنات خاضعة لآليات الشد والجذب في آتون المعارك. ومن ثمَّ لن تكون المواقف السياسية – كما تبلورت في الحرب الأمريكية الاسرائيلية الايرانية – أكثر من محاولات للمراوغة هي الأخرى. لأنَّ الاطراف تحرص على احراز كم من الأهداف الممكنة.

قصف المواقف

المواقف السياسية استراتيجيات ناعمة تُطلقها القوى النافذة للاستحواذ على التأييد والتصديق. وبالتالي يكون رهان أية سردية هو عدم السقوط ارتباطاً بقدرتها على الاتساق مع ما يُحكى. وستمثل مسارات الحرب اختباراً سردياً من واقع الاحداث. وسيكون الجانب البلاغي برّاقاً ورمزياً إلى درجة بعيدة. وسيطرح أسئلةً أخرى من جنس النسيج السردي الذي دفعت به. لماذا هذه المساحة التي تأخذها السرديات؟ ما الآثار التي تتركها في خلفية الأحداث؟ وهل يحدث هناك تناقض بين السردية واصداء الحرب؟

اسئلة تتعلق بأسباب كون التصريحات والتعليقات صادمةً في أوقات كثيرة. لأنّ السردية تحاول اكتساب أرضٍ جديدةٍ على الدوام دون أنْ تعبأ بغيرها من سرديات. بل وصلت السردية الامريكية الاسرائيلية إلى التهام أية سرديات أخرى، يكفي أن صووتها الاعلامي ضخم بحجم العالم والقوى المؤثرة فيه. وصل بها الأمر إلى حجب الآخرين إلاَّ التواجد من خلالها. فالآخرون أعداء وأطراف شريرة، لكونهم مجرد تيمات داخل السردية الغالبة.

وسنرى كل محاولات " القصف التأويلي" للمواقف ناشطةً على صعيد الفهم العام. فكلمة مثل كون ايران " دولةً مارقةً " يعني أن هناك معايير تخص جانباً على حساب جانب آخر. وابرز النماذج على ذلك تصريحات دونالد ترامب التي تمس مواقف الدول الأخرى، لأن خلفيته تجارية اقتصادية، والخلفية تعطيه مساحة لمضاربات الكلام كما يمارس في كل لقاء اعلامي. كثرت لقاءات ترامب مصوباً عباراته السردية في كل الاتجاهات من السياسة إلى الاقتصاد إلى العلاقات الدولية إلى علاقته بالملوك والرؤساء. الهدف من ذلك مقصود لا عابر.

يحرك ترامب لدى المشاهد "تأويلاً صاخباً " يصب في خانة الحشد الأمريكي. كما أنه لا يترك مرحلةً دون أن يورط الآخرين ، يلقي بالتبعية على " الأطراف الصامتة" كي يزج بها في حركة الأحداث. أي يستنطق المتابعين في اتجاه ما يقول، وبكل سرد بارد يدخل في قصص جانبية لكي يخطف وعي الجماهير ، لاصقاً إياه في جدار من "الحياد المزيف " لو كان ضد الحرب. حتى أنَّ الدولة الفرنسية أصدرت بيانات كثرة تجاه الاحداث وبدت كأنها تكلم نفسها رغم رحابة العالم. ثم بكلمة واحدة لترامب يحرك معارك سردية على الضفاف الأخرى لأوروبا أو الصين أو العالم العربي.

الحرب يصنعها ترامب كنوع من الصفقات، ولكنه يعمم السردية الأمريكية الاسرائيلية لتشكل مستنقاً من الوحل. وحل يطال أية مواقف مستبصرة عربياً أو دولياً. وبالفعل بدت الصورة هكذا إلى درجة كبيرةٍ، القريب منها والبعيد دخل في مشادات جانبية لا تهدأ. بينما كان القانون الدولي- لو هناك مؤسسات أممية نافذة- قادراً على فصل الحدود والحفاظ على حقوق الدول. أفظع ما فعلته السردية الأمريكية: أنها اسقطت هيبة القوانين والقيم الدولية دون رجعة، ساد قانون الغاب وسط فوضى السرديات القاتلة. على الأقل تراجع تقدير القوانين العالمية لصالح قوى كولونيالية. إن "عصر الديناصورات" قد عاد بأسوأ ما يكون. لتصبح" استباحة السيادة " الاقليمية للدول أمراً مفروغاً منه.

التغطية والتعرية

منذ أزمنةٍ بعيدةٍ ورقعة العالم العربي مغطاة بكم ليس بالقليل من السرديات. "سردية دينية " ترجع إلى نسيج الثقافة الاسلامية والموروثات التاريخية، في محاولة لاحياء ما يرتهن بها من أمجاد وبطولات. "سردية سياسية " تضّفر مقولاتها من خيوط القومية والعروبة، وأن هذه الأوطان ليست أقل من لحمة عربية واحدة. "سردية اقتصادية" تنهض على طرق التجارة والاقتصاديات وبرامج الاصلاح التي تبني الدول وتنهض بالمجتمعات. "سردية اخلاقية" وفقاً لتقاليد وعادات المجتمعات العربية التي تستعيد القيم وأواصر الترابط. "سردية حياتية " تتغذى على نمط العيش المتشابه وأخبار المجتمعات العربية، وأنّه لا فرق بين مجتمع عربي وآخر. غاية السرديات انشاء قوى رمزية تسهل اطلاق الخطابات وعبارات الاقناع والحجاج التي يستلها ساكنو المنطقة دفاعاً عن وجودهم .

إلاَّ أن المنطقة العربية (فضاء الصراع الراهن) باتت رقعةً عاريةً من أي غطاء إزاء حرب السرديات الراهنة. جاءت الاخيرةُ لتضع عناوين خاصة كلما اتفق في واشنطن وطهران وتل أبيب. ولم تكن ثمة سردية فاعلة في أفق الحياة السياسية المناسبة. ظل غير العرب يتكلمون بلسان العرب كأنَّهم اختطفوا الخريطة الجيو سياسية. وليس أبعد أثراً من كون الكيان الصهيوني يُسمى المنطقة كيفما شاء وفقاً لاحداثيات الصراع. والتسمية قدرة على الفعل والرمي إلى المستقبل. وفي الوقت نفسه منع الآخر من أنْ يتحكم في دلالة الأشياء.

والدلالة هي ما تقود الحقائق إلى حيث يريد صاحيها. إنَّ من يسمي في عرف السرديات بإمكانه أن يقول للآخرين لا تتكلموا، عليكم الامتثال لما أقول ليس أكثر. وأنَّ التسمية مهما تكن غير مقبولة ليست سوى خط امداد لآثار القوى تجاه الافهام والعقول. وهي نزع القدرة على الفعل وترك المجال للقوة الغالبة (أمريكا واسرائيل في هذه الحالة).

أطلق الطرفان الامريكي– الاسرائيلي على حرب ايران: "زئير الأسد" كما تردد سردية اسرائيل (بالعبرية: שאגת הארי). بينما سكّت أمريكا عنواناً تاريخياً " الغضب الملحمي" (بالإنجليزيةEpic Fury). وأحياناً يتم دمج العناونين ليكون (ملحمة زئير الأسد) في الخطابات الاعلامية والسياسية. والمَلْحَمَةُ هي الحرب الشديدة أو الموقعة العظيمة، وتطلق أيضاً على القصة الشعرية / النثرية الطويلة التي تروي أمجاداً وبطولات خارقة للعادة. وقد تكون قصيدة أو سيرة طويلة (مثل الإلياذة، الشاهنامة، أو سيرة عنترة) تسرد بطولات خيالية وتاريخية. وتتسم الملحمة حربياً بالمعارك الكبرى، والبطولات، والأساطير، وتُستخدم الكلمة كذلك لوصف الأعمال العظيمة والانتصارات التاريخية.

ولكن عن أية ملحمة يتحدث ترامب ونتنياهو وهي أساساً حرب كولونيالية؟!! ليست المشكلة في التسمية فقط، بل فيما وراء التسمية من استهلاك الكلمات وتفجير المعاني كأـنها صواريخ متشظية أعلى فضاء المعركة. الأسماء أسلحة فتاكة تنال من مورثات وحضارة البلاد التي أطلقت فوقها. فضاء حربي بدا بلا قوة مسيطرةٍ من الداخل العربي ولا الاقليمي، انكشف الوضع كأنه بلا دول وطنية أمام عربدة الكيان الصهيو أمريكي.

هل اعترضت دول المنطقة على ما تقوم به أمريكا واسرائيل؟! هل كان العرب على استعداد لمقاومة الصراع الايراني المسلح مثلما كانوا متحسبين إلى المد الشيعي؟ وقد اتسع الفضاء من أقصى حدود ايران شرقاً وعُمان واليمن وجنوب غرب اسرائيل مروراً بلبنان والعراق. غطت الملحمة المزعومة كل جيوسياسة العرب. أي أنَّ زئير الاسد عليه أن يصُم الآذان في منطقة مستقلة ويُفترض أنْ تتمتع بكافة حقوقها الدولية!!

اغتيال الاسماء

منذ أنْ تم زرع اسرائيل كمخلب للقوة الكولونيالية وهي تمارس الأفعال السردية نفسها. التسمية بالنسبة لاسرائيل جزء لا يتجأ من الحروب السردية للاحتلال، حتى يعلم العرب أن الاسماء ليست مجانية عندما يتروكونها لغيرهم. التسمية تجر كامل القصص التوراتية حتى أخر نفس. الأسماء لا تقل وزناً عن ثقل الأراضي والممتلكات والقوى المادية للمجتمعات. تشن إسرائيل حرباً ممنهجة لطمس الهوية الفلسطينية عبر تغيير مسميات أكثر من 7000 موقع جغرافي وتاريخي، وإحلال (أسماء عبرية/ توراتية) مكانها منذ ما قبل عام 8194.

كل حرب لاسرائيل على الفلسطينيين، تكون مصحوبةً بتغيير أسماء المناطق وإدراجها ضمن سردية يهودية كاملة. وكانت أكثر التسميات إثارة للسجال في حينه إطلاق اسم "يروشلايم" على القدس، و"إيرتس يسرائيل" التي تعني "أرض إسرائيل" على فلسطين، حيث تم اعتمادها، عام 1920، على طوابع حكومة الانتداب البريطاني الرسمية. تهدف هذه السياسة إلى محو الذاكرة الفلسطينية وربط الأرض بالحكايات الإسرائيلية، الأمر كأنّه إبادة للذاكرة الفلسطينية، ذاكرة الأرض واللغة والرموز والعلامات.

ولم تنسَ اسرائيل سردياتها المكانية والزمنية، في عام 2004، أصدرت لجنة الأسماء الإسرائيلية " أطلس إسرائيل" الذي رسخ الأسماء التوراتية للمستوطنات والأماكن الجغرافية والتاريخية والحدائق العامة والميادين والمواقع المقدسة والمؤسسات الصناعية وغيرها التابعة للمدن الكبرى في الأراضي المحتلة، واتخذت خطة " عبرنة الأسماء Hebrewization of names" شكلاً أكثر صرامة ورسمية. ففي عام 2009، أكدت وزارة المواصلات الإسرائيلية على ضرورة شطب أسماء البلدات والمدن العربية عن الإشارات واللافتات الدالة على الشوارع والطرقات المحورية، وأن يتم الابقاء على الأسماء العبرية البديلة.

وبناء على سياسات الدولة الصهيونية، تغير اسم القدس إلى اسم "يروشلايم"، وحملت مدينة الناصرة الفلسطينية منشأ السيد المسيح اسم "نتسيرت"، ويافا "يافو"، وانتقل اسم مدينة عكا في اللافتات إلى اسم "عكو"، وصفد إلى "تسفاد"، وأم الرشراش إلى "إيلات"، وبئر السبع إلى "بير شيبع"، وعسقلان أمست " أشكلون"، وبيسان أصبحت "بيت شان"، وتحولت رأس النقب كلياً لتغدو "معاليه عقربيم"، وأم دومانة تحولت إلى "ديمونة".

ولم تترك اسرائيل أية مواقع عربية دون أن ترمي عليها السرديات اليهودية، شطبت الأسماء العربية في بعض مدن الضفة الغربية كذلك، فأطلقت على الخليل عنوان "حيفرون"، وأضحت نابلس "شخيم". وهذا بمثابة حملة إبادة واغتيال للذاكرة العربية توسعت طوال أكثر من 120 سنة لتغطي تهويد الأماكن المقدسة. وحتى قبور المسلمين لم تسلم من عمليات الاحلال والتبديل Replacement and substitution، فتم تجريفها واتخاذها متنزهات وأماكن عبرية عامة. وركز دولاب الدعاية والإدارة في الكيان الاسرائيلي طوال عقول على استعمال الاسماء العبرية التوراتية الجديدة في الأوراق الرسمية وفي الوثائق والمستندات الإدارية، حتى يتم ترسيخ الأوضاع المتغيرة. وحتى يتم محو الأسماء العربية للمواقع والأماكن والمدن.

بالطريقة ذاتها حملت الحرب على ايران لافتة " ملحمة زئير الأسد"، أيُ أسد وهو كيان غاصب لوجوده من لحم ودم العرب والفلسطينيين؟! ولكن الطرف الامريكي الاسرائيلي يعلم تمام العلم أن التسمية ستجر كامل الجوانب السردية في ظل غياب الوعي بما يجري. لأنَّ كل تسمية هي نزع ملكية استخدام اللغة في التعرف إلى عالمها الخاص. ويفترض أن تكون الاسماء من نسيج الثقافة. ولعل الاسماء العبرية تكمل الصورة وتعيد المسمى إلى صور أخرى.

إن احتلال الاسماء هي بداية للاحتلال الحربي للبلاد. وكانت المآرب وراء الحرب الراهنة لامريكا واسرائيل لوناً من الابادة كما تمارس الدولتان في كل حروبهما من فيتنام مروراً بغزة حتى ايران. وتجريف الأسماء erasing names هو تجريف للهويات رغم أنف أصحابها مثال مصطلح (الشرق الأوسط) الذي تعلقت به اسرائيل تعلق الغريق بقشة. ومثل محاولات تغيير هوية ايران – ودون إذن شعبها – إلى دولة قابلة للتعايش مع كيان الاحتلال.

ليس يهم اسرائيل ولا أمريكا: ما إذا كان نظام ايران شيعياً أم سنياً أم علمانياً أم وثنياً، المهم أن يقبل بهيمنة القوى الكولونيالية على الشرق الأوسط. ما كانت أمريكا لتتحرك حربياً إلاَّ لأن السيطرة على الشرق الأوسط غير كاملة. هناك من يستطيع أنْ يقاوم وأن يجرؤ على الرفض.

السردية المفقودة

ماذا عن السردية العربية؟ انبثقت السردية العربية كأنها تتخفى من الأعداء في كل مكان غرباً وشرقاً. سردية خجلى تقدم مبررات أكثر من كونها في آتون الحرب الدائرة. بررت: لماذا يجب الدفاع عن أنفس العرب إزاء إيران فقط؟ تريد أن تقول إن ايران عدو مبين، ولكن المحور الآخر (امريكا واسرائيل) غير مرئي. الفرق بين السردية العربية والسردية الامريكية الاسرائيلية هو الفرق بين أساليب تفكير الجانبين.

مثل العداوان من طرف أمريكا على الأقل من جهة استعمال الأراضي والأجواء العربية مسكوتاً عنه طوال الوقت. لم يخرج مسئول عربي واحد لاستنكار مواقف الطرف الذي بدأ بالحرب. معنى ذلك أن الموقف الإيراني هو المعتدي الأصيل. وهذا يثبت ببرهان الخلف ما كانت تقوله بعض الدول العربية من كون إيران لديها مخططات عدوانية وكراهية تجاه العرب. وهذه نقطة الالتباس في الموضوه وأحدث تبايناً لافتاً بين احساس الأنظمة السياسية بالخطط الايرانية والاحساس الشعبي تجاه إيران. ليس حباً في ايران وتخدع الأخيرة نفسها، إذا شعرت بكون الشعوب العربية تقبلها (بقضها وقضيضها) كما يقال، بل لكون هناك كراهية شعبية لممارسات اسرائيل وأمرية في الوجدان العام.

إن ما تركته اسرائيل من رواسب العداء جعلها طرفاً عدواً في كل الحروب. والشعوب لا تنسى تاريخيا، وأخطر ذاكرة هي ذاكرة العداء والكراهية. وهذا ما لم تدركه امريكا واسرائيل مهما حاولوا من تطبيع. وقد استثمر ترامب الحرب لكي يستميل الدول العربية تجاه حلفه، وكم أشار مراراً إلى أطماع ايران الشريرة في المنطقة العربية. مما أدى إلى التشكك في نوايا أمريكا هي الأخرى.

كان الارتباك واضحاً للتعبير عن طبيعة السردية الغائبة. لأن مصدر قوتها لم يكن بارزاً. لو تم الاستناد إلى أمريكا فبجوارها الكيان الصهيوني. وهذا كفيل بنسف السردية من أساسها. ولو تم القول بالدفاع عن مقدرات الدول، فهل أمريكا أعطتها الضوء الاحمر تعبيراً عن مسارات المعارك؟ وهل تم التنسيق معها لمعالجة آثار الضربات الايرانية؟ كما أنَّ مجرد الاعتراف بأن هناك قواعد أمريكية يثير استفهامات حول تصرف أمريكا منفردةً بقرار الحرب. وجعل الدول العربية " عدواً مجانياً " لايران.

وقد قالت ايران أنها تحترم الدول الصديقة وتقدر حسن الجوار، ولكنها تستهدف القواعد والمصالح الأمريكية فقط. الأمر الذي جعل هناك بعضاً من الوجاهة في خطاب إيران نتيجة الاعتداءات المتواصلة عليها، ولكنه لا يعفيها من انتهاك السيادة العربية. وبخاصة أن بعض دول الخليح له علاقات وقنوات اتصال مع الدولة الايرانية.

الواضح أنَّ السردية العربية لم تكن قاطعةً في إدارة الاحتمالات في وقت لن يصح التواجد في منطقة الصراع دون مواقف بقدرات حقيقية. وهو ما دفع بعض الدول العربية إلى خطاب مظلومية. بحكم آثار الاعتداءات الأمريكية على ايران، فتطلق ايران الصواريخ على دول المنطقة. الارجوحة المرهونة بخريطة لم تأخذ مصالحها على محمل الجد.

ولكن الأخطر : أن السردية العربية حركت الشارع للتساؤل: عن مكانة الدول العربية في الصراع؟ فليست الحرب الدائرة حرب العرب ولا الأطراف يضعون المصالح العربية نصب أعينهم، بل كانوا مدعويين فقط على شرف المعارك الجوية الطاحنة. ولم ينالوا سوى الآثار السلبية. كيف يكون العرب بمنأى عن هذه الصراعات الحربية؟ وكيف يكون وجودهم السياسي داعماً لمقدراتهم ومصالحهم؟

السردية العربية تضع المستقبل العربي بين قوسين. لأن أطراف الحرب في المقاعد انقيضة لدول المنطقة. وكل الاحتمالات غير مواتيةٍ للعرب. لو استمرت الحرب ستكون حرباً بين أطراف على مسافة عدائية من العرب ولكنها في قلب العالم العربي. أي يتحمل العرب التبعات في حال استمرار الحرب. والغريب أنهم سيتحملون التبعاب في حالة لو رست الحرب على شواطئ هرمز، أي لو توقفت عند المصالح المشتركة بين امريكا واسرائيل وايران. وذلك حين يتم التواصل لاتفاق يحقق التوازن للطرفين. ففي هذه الحالة سيكون العرب هم الطرف الرابع الذي يرسم علامة استفهام بحجم العالم. ماذا عن المستقبل في منطقتنا العربية؟

المستقبل دون تقدم حضاري أمر يصعب التحدث عنه. هو مستقبل مبهم كأننا نتكلم عن مخاض بلا معالم. وأن وجود العرب في الحضارة الراهنة يحتاج إلى اعادة نظر في كل تاريخ الصراعات. لأن غلق العيون إزاء الاخطار أمر لا يجدي. علينا أن نفتح عيوننا ملء السماوات لا الانكفاء تحديقاً تحت الأقدام. فقد تظهر الاخطار خلال أي وقت. صحيح أنَّ التطور الحضاري أمر يأتي من بعيدٍ، ولكنه الضمانة لمستقبل عربي واعد. المستقبل لا يسير إلى الماضي، بل يأتي بقوانينه الخاصة. وسينهض لا بمجرد التمسك بتقاليد النزاع والصراعات البينية كما تراشقت عناصر من الجماهير العربية، ولكنه يقوم على التكاتف وإعادة النظر في المواقف وكيف يتم تغيير نمط العيش.

كلُّ سرديةٍ بالعالم العربي نتيجة الاحداث الطارئة مكتوبٌ ضمن خلفيتها السردية الأم: كيف سيتم دفع عجلة التقدم الحضاري؟ بأية صيغة نتواجد في قلب العالم لا الانزواء على هامش التاريخ؟ عوضاً عن أسئلةٍ أخرى: كيف تضربنا إيران؟ لماذا الكيان الصهيوني مرشوق في خاصرتنا التاريخية؟ بأي معنى لا تقف جانبنا بعض الدول الاقليمية؟ هل ننتظر معجزة من السماء لانتشال بقايانا؟

إنَّ إثارة الاسئلة المحدودة تضعنا لا محالة ترساً في ألة الأحداث المجنونة، وعادة ما نكون " نحن الضحايا " لا أكثر ولا أقل. الشعوب تتحرر بالأسئلة الكبرى حول التاريخ والحضارة والعالم والإنسان. شروق الحرية لا يتم بين يوم وليلة، ولكنه عملية متواصلة من كسر القيود. والمعارك التي تدور رحاها بين ظهرانينا إنما تعتاش على كوننا بلا أسئلة. ولم تتجرأ السرديات على نهش لحمنا الحي إلاَّ نتيجة لفضائنا الخالي من رؤى العالم والحياة. وقد ابانت الحروب الدائرة " هشاشة الرؤى والمواقف " حدّ التلاشي. قبل أن تنطلق الصواريخ تسبقها الرؤى النافذة. والويل حضارياً لمن يتسول رؤياه على أبواب الأوغاد ومدمني النفط.

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

 

لم يكن سؤال العلامة والدكتور نوري جعفر في تموز من عام 1985م مجرد استفسار علمي عابر، بل كان استشرافاً مبكراً لقلق معرفي يتجاوز حدود التقنية إلى عمق الإنسان ذاته. فحين طرح معادلته بين (الذكاء الاصطناعي حقيقة ام وهم؟)، كان يلامس منطقة رمادية لم تكن قد انكشفت بعد، حيث تتقاطع الآلة بالعقل، والبرمجة بالوعي.

لقد بدا الذكاء الاصطناعي آنذاك مصطلحاً غائماً، يتأرجح بين طموح علمي مشروع وخيال يكاد يلامس حدود الفلسفة. وما أشار إليه الكاتب من التباس بين البعد التكنولوجي والبعد السيكولوجي، لم يكن نقصاً في التعريف بقدر ما كان انعكاساً لطبيعة هذا الحقل نفسه؛ إذ هو بطبيعته عابر للتخصصات، يتغذى من علوم متباعدة ليصوغ كياناً جديداً لا يستقر على تعريفٍ واحد.

واليوم، وبعد عقود من ذلك التساؤل، لم يعد الذكاء الاصطناعي وهماً يجادل في وجوده، بل واقعاً يتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية، من أبسط التطبيقات إلى أعقد المنظومات العسكرية والاقتصادية التي أشار إليها النص. غير أن الغموض الذي تحدث عنه لم يتلاش كلياً، بل تبدل شكله؛ فبدل السؤال عن وجود الذكاء الاصطناعي، أصبح السؤال عن حدوده، وأخلاقياته، ومدى اقترابه من جوهر (الذكاء) الإنساني.

لم يكن التساؤل الذي طرحه الدكتور نوري جعفر في منتصف ثمانينيات القرن الماضي سؤالاً تقنياً بحتاً، بل كان سؤالاً فلسفياً عميقاً يتصل بجوهر الإنسان وحدود الآلة. ففي زمن كانت فيه الحواسيب لا تزال في طورها الأول، وقف هذا العلامة والمفكر متأملاً مشروعاً علمياً هائلاً، تتقاطع فيه الرياضيات بالفيزياء، والتكنولوجيا بعلم النفس، ليطرح إشكالية لا تزال حاضرة حتى اليوم: هل يمكن صنع عقل يضاهي العقل البشري؟

منذ البدايات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، بدأ مصطلح (الذكاء الاصطناعي) يتشكل تدريجياً، حاملاً معه طموحاً علمياً غير مسبوق. وقد أدرك نوري جعفر مبكراً أن هذا المصطلح ليس مجرد تسمية تقنية، بل هو حقل ملتبس بطبيعته، لأنه يجمع بين عالمين متباعدين: عالم المادة الصلبة القائم على القوانين الفيزيائية، وعالم النفس والوعي القائم على التجربة الإنسانية والمعنى.

لقد استندت مشاريع الذكاء الاصطناعي، كما يشير النص، إلى منظومة علمية معقدة تشمل علوم الرياضيات، ونظرية المعلومات، والسيبرنيتيك، والحوسبة الإلكترونية. ومع التطور الذي شهدته الثورة الإلكترونية في سبعينيات القرن العشرين، ظهرت الحواسيب المتقدمة التي استطاعت أن تؤدي بعض وظائف الدماغ البشري، مثل خزن المعلومات واسترجاعها، وترجمة اللغات، ومعالجة الرموز. وكان هذا التقدم، في نظر الكثيرين، خطوة أولى نحو تحقيق الحلم الأكبر: بناء (عقل صناعي).

غير أن نوري جعفر، برؤية نقدية عميقة، لم ينجرف وراء هذا التفاؤل العلمي. فقد ميز بوضوح بين القدرة على محاكاة بعض وظائف الدماغ، وبين امتلاك جوهر الذكاء الإنساني. فالآلة، مهما بلغت دقتها، تبقى محكومة ببرمجتها، وتفتقر إلى المرونة الحقيقية التي يتميز بها الإنسان في مواجهة المواقف المتغيرة.

ويبرز هنا أحد أهم محاور تحليله، وهو أن الذكاء الإنساني ليس مجرد عمليات حسابية أو رمزية، بل هو منظومة متكاملة تشمل الفهم، والتأويل، والإحساس بالمعنى. فاللغة، على سبيل المثال، ليست مجرد كلمات تترجم، بل شبكة دلالية عميقة تتضمن المجاز والكناية والسياق الثقافي، وهي أمور يصعب-إن لم يستحل-على الآلة أن تدركها إدراكاً حقيقياً.

كما أن الدماغ البشري، بتكوينه البيولوجي المعقد الذي يضم مليارات الخلايا العصبية المتشابكة، يمثل تحدياً هائلاً لأي محاولة لمحاكاته صناعياً. فهذه الشبكة العصبية لا تعمل بطريقة ميكانيكية جامدة، بل تتسم بالمرونة والتكيف الفوري مع الظروف، وهو ما يجعلها بعيدة عن أي نموذج تكنولوجي معروف في زمن الكاتب.

ومع ذلك، فإن ما طرحه نوري جعفر من شكوك لم يكن رفضاً للعلم، بل كان دعوة إلى التمييز بين (المحاكاة) و(الحقيقة). فالآلة قد تقلد بعض مظاهر الذكاء، لكنها لا تمتلك بالضرورة وعياً أو فهماً ذاتياً. وهذا الفارق هو ما يجعل السؤال قائماً: هل الذكاء الاصطناعي امتداد للعقل البشري، أم مجرد أداة متقدمة تحاكيه؟

إذا انتقلنا إلى واقعنا المعاصر، نجد أن كثيراً من التوقعات التي أشار إليها النص قد تحققت بالفعل. فقد أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من الحياة اليومية، يدخل في مجالات الاقتصاد، والطب، والصناعة، بل وحتى في التطبيقات العسكرية التي أشار إليها الكاتب بوصفها أحد دوافع هذا التطور. غير أن هذا التحقق لم يُلغِ الإشكاليات التي طرحها، بل أعاد صياغتها بشكل أكثر تعقيداً.

فالأنظمة الحديثة باتت قادرة على التعلم، وتحليل البيانات، واتخاذ قرارات معقدة، لكنها لا تزال-في جوهرها-تعتمد على نماذج رياضية وخوارزميات صممها الإنسان. وهي، رغم قدرتها على محاكاة اللغة والتفكير، لا (تفهم) بالمعنى الإنساني العميق، ولا تمتلك وعياً ذاتياً أو تجربة شعورية.

وهنا تتجلى أهمية رؤية نوري جعفر، التي تبدو اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى. فقد أدرك أن التحدي الحقيقي لا يكمن في بناء آلة ذكية، بل في فهم معنى الذكاء ذاته. وهل هو مجرد معالجة معلومات، أم تجربة وجودية معقدة تتجاوز حدود الحساب والمنطق؟

إن الذكاء الاصطناعي، في ضوء هذا التحليل، هو حقيقة بلا شك، لكنه ليس الحقيقة الكاملة. هو إنجاز علمي هائل، لكنه لا يختزل الإنسان، ولا يلغي فرادته. وبينما تتقدم التكنولوجيا بخطى متسارعة، يبقى السؤال الذي طرحه نوري جعفر مفتوحاً، لا بوصفه شكاً في العلم، بل بوصفه دعوة دائمة للتأمل:

هل نصنع آلات تشبهنا، أم أننا-في طريقنا إلى ذلك- نكتشف أنفسنا من جديد؟

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

................................

* صورة لمقال بقلم د. نوري جعفر (الذكاء الاصطناعي حقيقة أم وهم؟) جريدة الجمهورية، الأثنين 29/  7/ 1985. ملف طب وعلوم صفحة 5 .

  https://zenodo.org/records/15364872

2597 noori

يقدّم هذا النص مقتطفًا نظريًا من كتاب "الصحراء المغربية: من الشرعية التاريخية إلى عبقرية الحكم الذاتي"، في إطار مقاربة فكرية تسعى إلى إعادة قراءة تطور الدولة المغربية من منظور الاستمرارية التاريخية.

التموضع النظري للأطروحة: نحو قراءة استمرارية للدولة المغربية

يندرج هذا العمل ضمن محاولة لإعادة بناء فهم نظري لتطور الدولة المغربية خارج النماذج التفسيرية التي هيمنت طويلًا على تحليل الدولة في الفكر العربي المعاصر، والتي غالبًا ما قاربت تشكل الدولة من منظور القطيعة التاريخية أو الأزمة البنيوية للعقل السياسي العربي. فبينما انشغل جزء مهم من الفكر العربي بتفسير تأخر الدولة عبر البحث عن لحظة انفصال ضرورية عن الماضي، يقترح هذا الكتاب مقاربة مغايرة تنطلق من فرضية الاستمرارية التاريخية باعتبارها المفتاح التفسيري لفهم خصوصية التجربة المغربية.

ففي التصور الذي بلوره محمد العروي، تُفهم الدولة الحديثة بوصفها نتيجة انتقال إبستيمولوجي يقتضي تجاوز البنيات التقليدية والقيام بقطيعة واعية مع التاريخ السياسي السابق من أجل الاندماج في أفق الحداثة السياسية. أما مشروع محمد عابد الجابري فقد انصرف أساسًا إلى تفكيك بنية العقل العربي وإعادة بنائه معرفيًا، عبر نقد أنساق التفكير التراثية التي اعتبرها عائقًا أمام تشكل العقلانية السياسية الحديثة.

غير أن هذا العمل ينطلق من فرضية مختلفة مفادها أن الحالة المغربية لا تنطبق عليها بالكامل نماذج القطيعة أو إعادة التأسيس الجذري؛ إذ إن الدولة المغربية لم تعرف انقطاعًا تاريخيًا في شرعيتها السياسية أو في استمرارية مؤسساتها الرمزية. فالمغرب يمثل حالة دولة تاريخية مستمرة، استطاعت عبر قرون طويلة الحفاظ على وحدة السلطة السياسية وتكييف بنياتها مع التحولات الدولية دون فقدان مركزها الشرعي.

ومن هنا يقترح هذا الكتاب مفهوم عبقرية الحكم باعتباره إطارًا نظريًا لفهم كيفية اشتغال الاستمرارية داخل الدولة المغربية. فعبقرية الحكم لا تُفهم كخاصية فردية مرتبطة بشخص الحاكم، بل كنمط تاريخي في ممارسة السلطة يقوم على تحويل الشرعية التاريخية إلى طاقة استراتيجية لإنتاج التكيف السياسي والتجدد المؤسسي. وبذلك تصبح الاستمرارية نفسها آلية دينامية للتحديث، لا نقيضًا له.

وفي هذا السياق، تُقرأ قضية الصحراء المغربية باعتبارها لحظة كاشفة عن منطق اشتغال الدولة المغربية، حيث يظهر الحكم الذاتي ليس كحل ظرفي لنزاع سياسي، بل كامتداد معاصر لمسار تاريخي طويل في تدبير المجال وتكييف السيادة مع التحولات الجيوسياسية. فالمقاربة المغربية لا تنطلق من إعادة اختراع الدولة، بل من إعادة توظيف رصيدها التاريخي لإنتاج صيغ سياسية جديدة تستجيب لشروط العصر.

وعليه، يسعى هذا العمل إلى تأسيس مقاربة نظرية يمكن تسميتها بـ نظرية الاستمرارية الاستراتيجية للدولة المغربية، وهي مقاربة ترى أن قوة الدولة المغربية لم تنبع من القطيعة مع تاريخها، بل من قدرتها على تحويل هذا التاريخ إلى أداة لإعادة بناء المستقبل. ومن داخل هذه الرؤية تُفهم عبقرية الملوك المغاربة الثلاثة - محمد الخامس، الحسن الثاني، ومحمد السادس - باعتبارها حلقات متصلة في مشروع تاريخي واحد انتقل بالدولة من استعادة السيادة، إلى تثبيتها، ثم إلى إعادة هندستها استراتيجيًا في أفق المستقبل.

على سبيل الافتتاح

لا يمكن فهم استمرارية الدولة المغربية خارج منطقها التاريخي الخاص، إذ إن المغرب لم يتشكل باعتباره كيانًا سياسيًا طارئًا فرضته تحولات الحداثة أو نتائج إعادة رسم الخرائط الاستعمارية، بل بوصفه دولة ممتدة في الزمن، تشكلت عبر سيرورة تاريخية طويلة حافظت خلالها على وحدة بنيتها السياسية واستمرارية مؤسساتها الرمزية والتنظيمية. فالدولة المغربية لم تنشأ من لحظة قطيعة، بل من تراكم تاريخي متصل جعل من الشرعية التاريخية أساسًا لبقائها وقدرتها الدائمة على التجدد.

ومن داخل هذه السيرورة، تبرز المؤسسة الملكية باعتبارها العنصر الناظم لاستمرار الدولة، لا بوصفها مجرد نظام حكم أو بنية سلطوية عابرة، بل باعتبارها عقلًا تاريخيًا جماعيًا استطاع عبر القرون إعادة إنتاج التوازن بين الثبات والتحول. فخصوصية التجربة المغربية تكمن في قدرتها على تحويل التاريخ من عبءٍ ماضوي إلى مورد استراتيجي لإدارة الحاضر وبناء المستقبل، حيث لم يكن التاريخ عائقًا أمام التحديث، بل أحد شروط إمكانه.

ولا يقتصر هذا الوعي بالاستمرارية على التحليل الأكاديمي، بل يجد تعبيره أيضًا في الوعي السياسي المغربي ذاته؛ إذ أكد خطاب ملكي بمناسبة الذكرى السابعة عشرة للمسيرة الخضراء أن «المغرب من أقدم الدول المنظمة في العالم، لأنه دولة عمرها اثنا عشر قرنًا، ذات شعار ونظام وحدود وقوانين وهياكل». ويكشف هذا التصور عن إدراك عميق لطبيعة الدولة المغربية باعتبارها كيانًا تاريخيًا متواصل البناء، لم تتأسس شرعيته في لحظة حديثة، بل تراكمت عبر قرون من التنظيم السياسي والمؤسساتي، الأمر الذي يجعل الاستمرارية التاريخية مفتاحًا لفهم منطق الدولة المغربية في تدبير أزماتها وتحولاتها.

ومن هنا يتأسس الاختلاف الإبستيمولوجي الذي يقترحه هذا العمل؛ فبينما يرى محمد العروي أن تجاوز التأخر التاريخي يقتضي نوعًا من القطيعة مع الماضي من أجل الاندماج في نموذج الحداثة السياسية، ويذهب محمد عابد الجابري إلى إعادة بناء العقل العربي عبر نقد بنياته المعرفية التراثية، ينطلق هذا التصور من فرضية مغايرة مفادها أن الدولة المغربية لم تكن في حاجة إلى القطيعة مع تاريخها، لأنها لم تعرف انقطاعًا في أصل تشكلها السياسي. فالاستمرارية هنا ليست عائقًا معرفيًا، بل شرطًا لفهم خصوصية تشكل الدولة المغربية وقدرتها على التكيف دون فقدان هويتها التاريخية.

إن مفهوم عبقرية الحكم في التجربة المغربية لا يحيل إلى البطولة الفردية بالمعنى الكلاسيكي، بل إلى قدرة القيادة السياسية على قراءة اللحظة التاريخية وتحويل التحديات الوجودية إلى فرص لإعادة بناء الدولة وتعزيز مشروعها الحضاري. فعبقرية الحكم ليست صفة شخصية معزولة، بل نمط تاريخي في ممارسة السلطة قائم على التوفيق بين الشرعية المتجذرة ومتطلبات العصر، وبين استمرارية المرجعيات ومرونة الأدوات.

ومن هذا المنظور، تبدو قضية الصحراء المغربية أكثر من مجرد نزاع ترابي أو ملف دبلوماسي؛ إنها اختبار تاريخي لعمق الدولة المغربية وقدرتها على تعبئة رصيدها الشرعي والتاريخي في إنتاج حلول استراتيجية متجددة. فالتعامل المغربي مع هذه القضية لم ينبنِ على ردود فعل ظرفية، بل على رؤية طويلة المدى جعلت من السيادة مسارًا تاريخيًا متصلًا، ومن الوحدة الترابية مشروعًا حضاريًا تتكامل فيه السياسة والتنمية والدبلوماسية ضمن تصور شامل للدولة.

لقد مثّل عهد محمد الخامس لحظة بعث الدولة واستعادة إرادتها السيادية، حيث التقت الشرعية التاريخية بإرادة التحرير الوطني، فتحول العرش إلى مركز وحدة الأمة ورمز استمرارية الدولة في مواجهة الاستعمار. ولم يكن الاستقلال مجرد انتقال سياسي، بل إعادة تفعيل لعلاقة تاريخية بين الدولة والمجتمع أعادت للدولة المغربية حضورها الكامل داخل التاريخ.

ثم جاء عهد الحسن الثاني ليؤسس لمرحلة تثبيت الدولة وإعادة رسم مجالها الاستراتيجي، حيث انتقلت الدولة من منطق استعادة السيادة إلى منطق ترسيخها. وفي هذا السياق تحولت قضية الصحراء من مطلب تاريخي إلى مشروع وطني جامع تُوِّج بالمسيرة الخضراء، التي شكلت فعلًا سياسيًا مبتكرًا أعاد تعريف العلاقة بين الشرعية التاريخية والفعل الجماهيري، وأثبت قدرة الدولة المغربية على تحويل الرمزية التاريخية إلى قوة استراتيجية فاعلة في الواقع الدولي.

أما عهد محمد السادس فقد دشّن طور التحول الاستراتيجي، حيث أعيد تعريف مفهوم السيادة من خلال التنمية والاندماج المجالي وإعادة هندسة العلاقة بين المركز والمجال الترابي. فمبادرة الحكم الذاتي لم تظهر كحل ظرفي لنزاع سياسي، بل كتعبير معاصر عن عبقرية النظام السياسي المغربي في تدبير التنوع داخل إطار الوحدة، وفي الانتقال من سيادة الدفاع عن الأرض إلى سيادة بناء المستقبل.

وعليه، فإن عبقرية الملوك المغاربة لا تتجلى في تعاقب شخصيات تاريخية منفصلة، بل في استمرارية رؤية حكم استطاعت نقل الدولة المغربية من مرحلة التحرير، إلى مرحلة التثبيت، ثم إلى مرحلة التحول الاستراتيجي. وهي سيرورة تكشف أن قوة المغرب لم تكن فقط في تجاوز الأزمات، بل في تحويلها إلى لحظات تأسيس جديدة تعيد إنتاج شرعيته التاريخية وتوسع أفق مشروعه الوطني.

ومن هذا المنطلق، يسعى هذا الفصل إلى قراءة عبقرية الحكم الملكي المغربي باعتبارها مفتاحًا نظريًا لفهم تطور قضية الصحراء المغربية، ليس باعتبارها قضية حدود، بل كتجسيد لمسار دولة استطاعت أن توفق بين التاريخ والاستراتيجية، وبين الشرعية المتجذرة ورؤية المستقبل، مؤكدة أن المغرب ليس دولة نشأت من القطيعة، بل دولة استمرت لأنها عرفت كيف تحوّل تاريخها إلى أفق للمستقبل.

***

د. منير محقق

............................

 مقتطف من كتاب:

الصحراء المغربية: من الشرعية التاريخية إلى عبقرية الحكم الذاتي – قراءة تاريخية واستراتيجية للسيادة المغربية الراسخة والتحول الاستراتيجي واستشراف استكمال الوحدة الترابية

 د. منير محقق

دار التجمع العربي للنشر  - مصر، 2026

 

قراءة خوارزمية في الصراع الامريكي الايراني

في الوحدة الجوهرية للعلوم وفلسفة الوجود السياسي

لطالما نظر الى البيولوجيا والسياسة كحقلين منفصلين بحدود صلبة، احدهما يحكمه المختبر وقوانين الوراثة، والاخر تحكمه المصالح المتقلبة في اروقة الدبلوماسية. لكن القراءة المتعمقة في فلسفة التطور تكشف عن وحدة جوهرية تتجاوز هذه الانقسامات التقليدية. فالحياة في ابسط صورها ليست سوى "سعي محموم للبقاء"، والسياسة في اعقد صورها هي التنظيم المؤسساتي لهذا السعي.

ان مبرر تعمقنا في هذا الموضوع يتجاوز التوصيف السياسي السطحي للاحداث اليومية، لينفذ الى الجذور البيولوجية والفلسفية التي تحرك المجتمعات ككتل حيوية ضخمة. انا هنا لا انظر الى الحروب بوصفها مجرد نزاعات حدودية او خلافات على قوانين دولية، بل اراها كتصادم بين "ارادات بقاء" عميقة تتخذ من الايديولوجيا شفرة وراثية، ومن الدولة الة بقاء ميكانيكية، ومن الديالكتيك محركا تطوريا لا يهدأ. ان فهم الصراع الامريكي الايراني من هذا المنظور يمنحنا القدرة على رؤية "الخوارزمية" الكامنة وراء ضجيج الاخبار الزائف، وكشف المحركات التي تجعل من القوة الغاشمة منطقا وحيدا للبقاء تحت قشور اللغة الدبلوماسية.

اولا: الدولة كخوارزمية بقاء (تجاوز الميم التقليدي)

في كتابه الثوري "الجين الاناني" (1976)، طرح ريتشارد دوكينز فكرة قلبت موازين العلوم الانسانية، مفادها ان الكائنات الحية، بما فيها الانسان، ليست الا "الات بقاء" صممتها الجينات لضمان انتقالها عبر الاجيال. لم يكتف دوكينز بالجانب البيولوجي، بل استحدث مفهوم "الميم" (Meme)، وهو الوحدة المعلوماتية او الفكرة الثقافية التي تنتقل بين العقول عبر المحاكاة، تماما كما تنتقل الجينات عبر التكاثر.

واذا نقلنا هذه النظرية الى ساحة السياسة الدولية، وتحديدا الصراع الدائر بين المحور الامريكي الاسرائيلي وبين ايران، قد يبدو للوهلة الاولى اننا امام صراع بيولوجي بحت بين "ميمات" سياسية متصادمة. الا ان النظم السياسية الحديثة تجاوزت فكرة "الميمات" البسيطة التي طرحت في السبعينيات. فبينما الجينات وحدات مادية ثابتة التركيب تقريبا لدى كل البشر، نجد ان "الميم السياسي" يختلف جذريا في تركيبه باختلاف بنية الدماغ والتشابكات العصبية لكل مجتمع.

لذا، فان النظام في طهران او في واشنطن ليس مجرد حزمة من الافكار العابرة، بل هو تكامل لعدد لا يحصى من العمليات الخوارزمية التي تشكل "النظام الايديولوجي السياسي". هذا النظام يعمل ككائن حي يسعى للحفاظ على استقراره الهيكلي (Homeostasis) ضد "الاعتلاج" (Entropy) او الفوضى الخارجية. وفي هذا السياق، تتحول مؤسسات الدولة من جيش واعلام واقتصاد الى "برمجيات فرعية" تعمل بتنسيق فائق لضمان استمرار "الخوارزمية الكبرى" للنظام. الصراع هنا يتجاوز مفاهيم الحق والباطل التقليدية، انه محاولة وجودية من كل نظام لفرض "منطقه الخوارزمي" كألية وحيدة للسيادة في بيئة دولية تنافسية لا ترحم.

ثانيا: تباين التشابكات العصبية وصراع "الترجمة" الحضارية

هنا يبرز الاختلاف الجوهري الذي ناقشته سابقا بين الجين والميم. فبينما الجين وحدة صلبة ثابتة الكيمياء، فان الميم السياسي هو وحدة مرنة يعاد تشكيلها داخل الدماغ بناء على "التشابكات العصبية" التي تكونت عبر الاف السنين من التفاعل مع البيئة والتاريخ.

حين ينتقل "ميم سياسي" غربي، كالفردانية او الليبرالية، نحو الشرق، فانه لا ينسخ حرفيا كملف حاسوبي، بل يصطدم ببنية عصبية جمعية تشكلت وفق قيم روحية واجتماعية مختلفة. هذا التصادم يؤدي الى "ترجمة عصبية" متباينة للميم الواحد، فما يراه الغرب "تحررا" قد تترجمه التشابكات العصبية في الشرق كـ "تفكك بنيوي"، وما يراه الشرق "ثباتا مبدئيا" قد يراه الغرب "جمودا راديكاليا".

الصراع الامريكي الايراني اذن هو صراع بين منظومتين من "الخوارزميات الذهنية" التي تعيد تفسير الواقع بناء على "توصيلات عصبية" متباينة. هذه الفجوة ليست مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل هي فجوة "بيولوجية-ثقافية" تجعل من الصعب ردمها عبر قنوات الدبلوماسية التقليدية، لان كل طرف يقرا "الواقع" بلغة برمجية تختلف جذريا عن الاخر.

ثالثا: فشل التبريرات العقلانية والقوة كقشرة لغوية

عند فحص الهجمات والاعتداءات الامريكية والاسرائيلية على ايران، نجد فشلا ذريعا في كفاية التبريرات العقلانية او الاخلاقية. ان ما تطلقه هذه القوى من مبررات ليس سوى "قشرة لغوية" (Linguistic Shell) هشة، صممت لتغطية دافع بيولوجي-خوارزمي اعمق وهو انتصار الخوارزمية الحضارية الغربية بعد تشتيت ما ينافسها.

هذا الدافع، في جوهره الحيوي، لا يحتاج الى منطق اخلاقي بقدر ما يحتاج الى "قوة تنفيذية غاشمة" (Brute Force). التبريرات الغربية (كالدفاع عن الديمقراطية او حقوق الانسان) هي في الواقع "اكواد تجميلية" تهدف الى تقليل "المقاومة الاجتماعية" وتسهيل عملية "الاختراق الخوارزمي" للنظام المستهدف. ان عدم عدالة هذه الحروب تكمن في انها تنطلق من "انانيات جينية" للانظمة المهيمنة التي ترى في استقلال اي "خوارزمية" اخرى تهديدا لبقائها وتوسعها. انها "حرب تعريفات"، حيث تسعى القوة الاكبر لفرض تعريفها للعدالة كقانون كوني، بينما هي في الواقع تنفذ برنامجا للهيمنة الذي يفتقر لاي اساس اخلاقي متسق.

رابعا: الديالكتيك الهيغلي كمحرك لتطور الميمات السياسية

ما يفسر بقاء هذه الانظمة وتطورها ليس مجرد النسخ البسيط، بل هو "الديالكتيك الهيغلي" في صورته الحيوية. في الطبيعة، تتطور الكائنات عبر الطفرات والانتقاء الطبيعي، اما في السياسة، فتتطور الميمات عبر الصراع الصادم. الصراع بين المحور الغربي وايران هو تجسيد لصدام بين "اطروحة" و"نقائضها".

كل طرف يسعى لامتصاص ميمات الاخر او تحطيمها لانتاج "تركيب" (Synthesis) جديد يضمن سيادته. ايران، عبر اربعة عقود، لم تظل ثابتة، بل طورت "ميمات سياسية" هجينة تجمع بين القومية والدين والتكنولوجيا الحديثة، كرد فعل ديالكتيكي على الضغوط الخارجية. هذا التفاعل المستمر يخلق "طفرات" في ادوات الحكم والمواجهة، مما يجعل النظامين في حالة "تطور مشترك" (Co-evolution)، حيث يدفع كل طرف الاخر نحو اقصى درجات التكيف والابتكار. ان هذا الصراع الديالكتيكي هو ما يمنح الخوارزميات السياسية مرونتها وقدرتها على البقاء في بيئة معادية.

خامسا: الاستثمار الابوي وحرب الوكلاء في البيئة الجيوسياسية

في البيولوجيا، نجد مفهوم "الاستثمار الابوي"، حيث يضحي الكائن بموارده لحماية الابناء او الاقارب الذين يحملون اجزاء من جيناته. في الجيوسياسية، يتجلى هذا بوضوح في "حرب الوكلاء". دعم ايران لحلفائها في المنطقة (لبنان، اليمن، العراق) ليس مجرد "توسع عسكري" عشوائي، بل هو استثمار استراتيجي لانشاء "مصدات خوارزمية" خارجية.

هذه الاطراف تعمل كـ "اجهزة مناعية" متقدمة تشتت الهجمات عن "الجسد المركزي" للنظام في طهران. من جهة اخرى، فان الدعم الامريكي المطلق لاسرائيل يمثل حماية لـ "جين سياسي مشترك" وقيم خوارزمية تضمن بقاء المصالح الغربية في بيئة تعتبرها الخوارزمية الغربية "غير متوافقة عصبيا" مع قيمها. انها عملية حماية للمحيط الحيوي (Biosphere) السياسي لكل طرف، حيث يتم التضحية بـ "الخلايا الطرفية" (الوكلاء) لضمان سلامة "النخاع الشوكي" (المركز).

سادسا: "الجين النووي" والسعي نحو الحصانة الوراثية المطلقة

تتصارع الانظمة على الموارد الحيوية (النفط، الغاز، الممرات المائية) كما تتصارع الجينات على الغذاء والمساحة. وفي هذا الصراع، يبرز السعي الايراني نحو "التكنولوجيا النووية" كأهم "طفرة وراثية" منشودة في تاريخ النظام. ان امتلاك القدرة النووية يمثل في "البيولوجيا السياسية" امتلاك "حصانة مطلقة ضد الافتراس".

الطرف الامريكي والاسرائيلي يدركان ان هذه الطفرة لو اكتملت، ستغير "قواعد التطور" في المنطقة للابد، لانها ستجعل "الة البقاء" الايرانية غير قابلة للاستئصال او "الافتراس العسكري". لذا، فان الصراع على الملف النووي هو صراع على "هندسة المستقبل البيولوجي" للنظام الدولي، حيث تحاول القوى المهيمنة منع اي "طفرة سيادية" قد تهدد التفوق الخوارزمي الغربي. القوة هنا هي التي تحدد من يحق له امتلاك "ادوات الحصانة"، مما يكرس واقعا دوليا قائما على شريعة الغاب المغلفة بالقانون.

سابعا: الخداع والذكاء الاصطناعي للصراع الحديث

تستخدم الجينات الخداع (كالتنكر والتمويه) لضمان البقاء بعيدا عن اعين المفترسين. في العصر الحديث، تطور هذا الخداع الى "حرب ظل" سيبرانية واستخباراتية معقدة. الهجمات السيبرانية، الفيروسات الرقمية (مثل ستوكسنت)، والاغتيالات العلمية هي "طفرات" في فن الحرب تهدف لاضعاف "البرمجيات التشغيلية" للخصم دون الدخول في مواجهة شاملة قد تؤدي لـ "الانقراض النووي" للجميع.

في هذه الحرب المعقدة، تصبح الشعوب هي "الوقود الحيوي" و"الخلايا" التي يضحي بها النظام الايديولوجي (الراس الخوارزمي) لضمان استمرار الكيان الكلي. المعلومات المضللة وتزييف الوعي عبر خوارزميات التواصل الاجتماعي تصبح هي "السموم الحيوية" التي تحقن في عقل الخصم لشل قدرته على الرد او التفكير السوي.

نحو افق جديد لفهم "انانيات الانظمة"

من منظور "الجين الاناني" المطور فلسفيا وعصبيا، نجد انفسنا امام حقيقة قاسية: لا يوجد في ساحة الصراع الدولي "خير او شر" بالمفاهيم المثالية المطلقة، بل توجد "ارادات بقاء خوارزمية" تتصرف بانانيات وجودية. ان ما نشهده اليوم هو صراع الحضارات على "الاصلح" للبقاء في الجيل القادم من تاريخ البشرية.

ان عدم عدالة الاعتداءات وفشل التبريرات العقلانية يكشفان ان الاخلاق في السياسة الدولية هي مجرد "ملحق برمجي" يتم تفعيله او تعطيله حسب مقتضيات البقاء. البقاء في هذا العالم المعقد ليس للاقوى ماديا فحسب، بل للاكثر قدرة على ادارة "خوارزمية صراعه" بذكاء، وفهم التباينات العصبية والديالكتيكية التي تحرك التاريخ من الاعماق. اننا نعيش عصر "السيادة الغاشمة" التي تتطلب منا وعيا يتجاوز الشعارات، لنفهم كيف تدار الالات السياسية التي تحاول استهلاكنا كوقود لبقائها الاناني.

***

ا. د. محمد الربيعي

بروفيسور متمرس في جامعة UCD

عندما كتب عالم الاجتماع العراقي علي الوردي موضوع تناقض الشخصية في المجتمع العراقي، لم يكن يركز على وضع نفسي محدد، ولا كان يشير إلى تناقض أخلاقي في مجتمع معين دون اخر، بل كان يحاول فهم وتحليل ظاهرة اجتماعية: لماذا يقول الشخص شيء ثم يفعل شيء اخر؟ ولماذا أحياناً يزداد التناقض بين ما يقوله الشخص من قيم وسلوكه الفعلي؟ ولكن السؤال الذي يفترض أن نطرحه الآن: هل هذا التناقض في شخصية الفرد العراقي فقط؟ أم عن الانسان حيثما كان؟

ففي علم النفس الاجتماعي، قدّم الباحث الأمريكي ليون فستينجر نظرية تعرف باسم "التنافر المعرفي"، والتي تفيد بأن الفرد يعاني من توتر داخلي عندما يؤمن بأيديولوجية ويقوم بتصرف متعارض معها. والسياسي الذي يتحدث عن العدالة ثم يبرر امتيازاته، والمواطن الذي يدعو لحماية البيئة من التلوث بينما يفرط في الاستهلاك، والناشط الذي ينتقد الفساد لكنه يسكت عندما يكون الفاعل زميله نافذا، هكذا يعيش اغلبهم هذا التوتر. ولا يصبح التناقض سمة خاصة بثقافة او مجتمع معين، بل هو عنصر أساسي في الطبيعة البشرية ككل. والإنسان بشكل عام يسعى لتحقيق توازن بين قناعاته ومصالحه، وبين السعي المثالي وواقعه.

وشاهد علي الوردي أن المجتمع العراقي عاش لفترة تاريخية طويلة تحت تأثير نظامين من القيم: قيم القبيلة التي تستند إلى العصبية والعادات والتقاليد، وقيم المدنية التي تعتمد على القانون والنظام والعقلانية. هذا التوافق غير المتناسق أنتج شخصية "العراقي يؤمن بالمثل العليا ايمانا شديدا، ولكنه في الوقت نفسه يميل الى مخالفتها في سلوكه اليومي" على حد قوله. لكن عندما ننظر الى الغرب، نجد صورة مختلفة من حيث الشكل، ولكنها متشابهة من حيث الجوهر. في أمريكا، تعتمد السياسة العامة على مفاهيم الحرية والمساواة والعدالة وحقوق الإنسان والقانون الدولي، بينما الواقع يظهر عن فوارق اقتصادية كبيرة وصراعات طبقية وازدواجية سياسية في تطبيق القواعد على طرف دون اخر. أما في أوروبا، تُرفع شعارات العدالة الاجتماعية والحفاظ على البيئة وحقوق الحيوان، لكن اشكال التطبيق لا تتغير بنفس المقدار. وفي هذه الحالة، يظهر مفهوم يسميه علماء الاجتماع "فجوة القيم والسلوك" وهي ليست بعيدة في معناها عن مفهوم التناقض.

لو نظرنا الى الاقتصاد الرأسمالي القائم على تعظيم الارباح، والمصالح الاستراتيجية، والسيطرة على الموارد الرئيسية، وتحالف السياسة مع رأس المال. تظهر الازدواجية من خلال الحديث عن العدالة مقابل تركز الثروة وتكافؤ الفرص، بينما نجد الثروة تتجمع بيد فئة صغيرة جدا من الاشخاص. وتكشف السياسة الدولية ازدواجية اكثر حساسية من الرأسمالية الحديثة حول مفهوم العدالة وواقع تجمع الثروة، وحين تتحول المبادئ الانسانية في السياسة العالمية الى وسائل تفعل في مكان، وتجمد في مكان اخر. لذا نرى الحالة الفلسطينية - الاسرائيلية، الخطاب يستند على مفهوم الدفاع عن النفس، وهذا معترف به دوليا، لكن الاشكال الاخلاقي يظهر عندما يسقط الاف من المدنيين والاطفال والنساء وكبار السن، وتدمر البنى التحتية للمدن بحجة حماية حقوق الشعب اليهودي.

كيف يمكن تبرير قتل ودمار شامل بذريعة الدفاع عن الحقوق؟ وتظهر الازدواجية باوضح صورها عالميا في: دول تدين قصف مدنيين في مكان ما، لكنها تصمت في مكان اخر! وقنوات اعلام تصف طرفا بالارهابي وطرف اخر بممارسة حق الدفاع. 

وتظهر الازدواجية عندما تتحدث الانظمة الليبرالية عن الحرية وحقوق الإنسان والحيوان، لكنها تتعاون مع جهات دولية تخالف هذه الحريات والحقوق. وتتبنى الأحزاب مبادئ العدالة والإصلاح المؤسسي والاقتصادي، لكنها تتبع طرق ملتوية للوصول إلى مركز القرار. ويزخر الخطاب السياسي بالقيم النبيلة، إلا أن القرارات غالبًا ما تتأثر بحسابات استراتيجية. المشكلة لا تكمن في وجود المصالح، فطبيعة السياسة "لعبة المصالح لا المبادئ" ولكن التناقض يكمن في القول المعلن والواقع المطبق.

فالتناقض لا يسكن في خطابات الدول وحدها، بل تتجلى أحيانًا في قلب النخب التي تتكلم بأسم المبادئ والقيم وهي غارقة في ما يناقضها. وواحدة من أهم القضايا احراجا في السياسية والاعلام: قضية جيفري ابستبن، وهو رجل اعمال امريكي مرتبط بقادة العالم والنخب السياسية والاقتصادية والاعلامية، اتهم بادارة شبكة للاستغلال الجنسي لاطفال قاصرين، انتهت قصته بموته في زنزانته داخل السجن عام 2019. وصدى هذه الجريمة ضد الانسانية البريئة لم تكن في الجريمة ذاتها، بل في شبكة العلاقات: اسماء لامعة، نخب عالمية نافذة، موسسات قرار، وشخصيات تقاتل ليلا ونهارا عن حقوق الانسان، بينما كانت لديها علاقة بدرجات مختلفة بشخص مدان بجرائم اخلاقية يندى لها جبين الانسانية.  

وهل يعني التناقض نفاق؟ يدرس علم النفس الأخلاقي الفرق بين "النفاق المتعمد" و "التناقض غير الواعي". ويؤمن العديد من الأفراد بمبادئ الصدق والعدالة، ولكن عند مواجهة موقف حقيقي، عادة ما تميل الأمور للمصلحة الشخصية، ليس بسبب رغبتهم في الخداع، بل لأن الإنسان يتكون من دوافع متنوعة:  مثل الحاجة إلى القبول الاجتماعي، والبحث عن الامان، والخوف، والطموح. وبمعنى آخر، قد لا يعني التناقض دائمًا نفاق، بل يمكن أن يمثل أحيانًا صراع داخلي بين ما نرغب في أن نقوله وما يمكننا فعله. والحالة بين الشرق والغرب: اختلاف السياق لا الجوهر، بينما يربط علي الوردي ظاهرة الازدواجية بالسياق الاجتماعي والتاريخي للفرد العراقي، في حين النظريات الغربية تناولتها من منظور ظاهرة انسانية عامة للشخص.

وهنا الاختلاف ليس في وجود التناقض، وإنما في كيفية تحليله وتفسيره في المجتمع الشرقي، الذي يُعتبر غالبًا نتاج لصراع حضاري وقيمي. وبالمقابل يُعتبر بمثابة آلية نفسية طبيعية أو نتيجة لتعقيد المجتمعات المتحضرة في المجتمع الغربي. ومع ذلك، تبقى النتيجة تصب في زاوية واحدة، والإنسان يعيش دائمًا بين واقعيين، واقع المثال وواقع الفعل.

وهل نستطيع ان ننهي هذه الازدواجية؟ من الصعب جدا إنهائها بشكل كامل، لأنها جزء من طبيعة الإنسان الذي يعيش في عالم مملوء بالقيم والمبادئ المختلفة والضغوطات النفسية والاجتماعية. إلا أنه يمكن تقليلها من خلال: تعزيز الشفافية في السياسة، تقوية المهنية في المؤسسات، تشجيع ثقافة النقد الذاتي، واستقلالية الاعلام، والتثقيف على أهمية التطابق بين الاقوال والأفعال. والا تكون الازدواجية خطرة عندما تتطور إلى ثقافة سائدة تفسر التناقض ضرورة بدلاً من الاعتراف به تناقض.

وختاما، الازدواجية قصة الانسان اينما كان لا الجغرافيا المكانية، ومن بغداد الى واشنطن، يبقى التناقض صفة إنسان يعيش بين القول والفعل. لا نكون وحدنا في تناقضنا، ولا هم ملائكة خالية من الازدواجية. كل واحد منا يمتلك نسخته الفريدة من هذا التناقض. وربما السؤال الأهم ليس: هل نحن نعيش ازدواجية؟ لكن: هل لدينا الجرأة للاعتراف بازدواجيتنا، والسعي لتضييق الفجوة بين أقوالنا وأفعالنا؟ علي الوردي قد كتب عن العراق لكن فكرته تتجاوز حدوده الجغرافية، والتناقض ليس مهزلة شرقية او فضيحة غربية، بل مراة انسانية مشتركة. 

***

علاء جواد كاظم

مائة عام. مائة عام كاملة على الكتاب الذي أحدث الزلزال، الكتاب الذي حمل عنوان «في الشعر الجاهلي» فكأنما حمل قنبلة في قلب الثقافة العربية الرسمية. مائة عام، ونحن اليوم نقف أمام هذه المئوية لا كمنجز ثقافي نبنى عليه، بل كحدث تاريخي نستذكره، أو ربما كجثة نحنطها، وقضية انتهت وانطوت. هل هذه هي المئوية التي تليق بمعركة ثقافية كبرى؟ أم أنها، في الحقيقة، جنازة ثانية لطه حسين، بعد أن دفناه أول مرة حين رضخنا لضغوط المتخلفين وغيرنا عنوان الكتاب من «في الشعر الجاهلي» إلى «في الأدب الجاهلي»؟ أليس هذا التراجع هو الهزيمة الحقيقية، ليس لطه حسين، إنما للعقل العربي كله؟

كان طه حسين، في مغامرته الجريئة، يحاول أن يفعل شيئًا واحدًا بسيطًا، أن ينقلنا من ثقافة التقديس إلى ثقافة النقد. أن يجعلنا نقرأ تراثنا كما نقرأ أي تراث بشري بعيون مفتوحة، وعقل لا يعرف الخوف، ومنهج علمي لا يستثني أحدًا ولا شيئًا. لقد أراد أن يزرع في تربتنا القاحلة بذرة الشك الديكارتي، ذلك الشك الذي كان بداية كل نهضة في أوروبا. لكنه لم يكن يعرف – أو لعله كان يعرف – أن تربتنا لا تصلح لهذه البذرة، لأنها تربة محروقة بالتبجيل، ومسمومة بالخوف، ومرصوصة بالسلطة.

المنهج الذي قتلوه!

دعونا نسمي الأشياء بأسمائها، دون لف ولا دوران، ودون ذلك الترحم المعهود الذي نحيط به أيقوناتنا الثقافية حين تموت. نحن لم نختلف مع طه حسين، بل قتلناه. قتلناه حين حولناه إلى أيقونة لا تناقش، ونحن الذين كنا ننتقد فيه تقديسه للتراث. قتلناه حين جعلنا منهجه تراثًا مقدسًا بدل أن نجعله أداة حية. قتلناه حين اكتفينا بتكرار ما قاله، بدل أن نكمل ما بدأه. قتلناه حين حولناه إلى مادة دراسية في الجامعات، تدرس في قاعات مكتظة بطلاب لا يفهمون ما يقرأون، ولا يريدون أن يفهموا. هذا هو قدر المثقفين الكبار في ثقافتنا العربية: إما أن يصلبوا أحياء، وإما أن يحنطوا بعد الموت. وطه حسين نال الاثنين معًا: صلب حيًّا في محاكمته الشهيرة، ثم تم تحنيطه بعد موته ليصبح تمثالاً من ذهب لا يجوز المساس به.

المؤسف أننا، في هذه المئوية، لم نضف شيئًا. نعم، لم نضف شيئًا. نفس الحجج، نفس الردود، نفس الانقسام بين أنصار قديسين وخصوم شياطين. وكأن الزمن توقف عند لحظة صدور الكتاب. وكأن العقود التي مضت لم تكن كافية لنقول شيئًا جديدًا. أليست هذه علامة على عقم ثقافي مخيف؟ أليس هذا دليلاً على أن شيئًا ما قد انكسر فينا، ليس فقط في علاقتنا بالتراث، لكن في علاقتنا بالعقل نفسه، وفي علاقتنا بالزمن، وفي علاقتنا بالحياة؟

لماذا هزمنا طه حسين؟!

نعم، أقولها بكل وضوح، وبكل ما تحمله الكلمة من صراحة فاضحة؛ لقد هزم منهج طه حسين. ليس لأنه منهج خاطئ، بل لأن الثقافة العربية لم تكن مستعدة له، ولا تزال غير مستعدة. فالمنهج العلمي في قراءة التراث يعني أن نعترف بأن تراثنا ليس كتابًا مقدسًا، إنما هو نتاج بشري، فيه الصحيح وفيه المغلوط، فيه الأصيل وفيه المزور، فيه ما يخدم قوى التقدم وفيه ما يخدم قوى التخلف. وهذا الاعتراف ممنوع. ممنوع ليس لأسباب دينية فقط، وقبل ذلك وبعده لأسباب سياسية واجتماعية واقتصادية.

لماذا هو ممنوع؟ لأنه يهدد مصالح فئتين كبيرتين، فئتين تتحكمان في مقدراتنا الثقافية، وفي مقدراتنا الوطنية كلها.

الفئة الأولى: السلطة السياسية. السلطة التي تحتاج إلى تراث مستقر، لا يثير الأسئلة، ولا يشكك في الموروث، لأن أي شك في التراث هو، في نظرها، شك في شرعيتها ذاتها. فالتراث عند هذه السلطة ليس تراثًا ثقافيًّا فقط، التراث سند سياسي، ومصدر شرعية، وأداة تثبيت. والمنهج النقدي الذي يضعه طه حسين هو منهج يفتح باب الاجتهاد، وباب الاجتهاد مفتوح على مصراعيه، والسلطة لا تحب الأبواب المفتوحة، لأنها تخاف من الرياح التي تدخل منها.

والفئة الثانية: النخب التقليدية. رجال الدين، وشيوخ المعاهد الأزهرية، وأساتذة التعليم القديم، الذين بنوا نفوذهم الاجتماعي والمادي على احتكار تفسير التراث. هؤلاء يعيشون على التقديس. تقديس النصوص، تقديس الماضي، تقديس مناهج القراءة التقليدية. وأي محاولة لنزع هذه القداسة هي محاولة لنزع الخبز من أفواههم. ولهذا حاربوا طه حسين بشراسة. ولهذا أخرجوه من الأزهر. ولهذا أقاموا عليه الدنيا ولم يقعدوا. هاتان الفئتان تلتقيان في عدو واحد، هو العقل النقدي. وطه حسين كان، في زمانه، رمزًا لذلك العقل. ولذلك حاربوه. ولذلك هزموه. ولذلك نحن اليوم ندفع الثمن.

الشك المنهجي.. أم التشكيك العبثي؟

من أطرف ما نراه اليوم، ربما أخطر ما نراه، هو ذلك الخلط المريع بين طه حسين وبين الذين يزعمون أنهم أتباعه. طه حسين كان شكاكًا منهجيًّا. كان يشك ليصل إلى يقين. كان يهدم ليبني. كان يطرح الأسئلة ليجد الإجابات. أما الذين يزعمون أنهم ورثوا منهجه، فقد تحولوا إلى مجرد شكاكين عبثيين. يشككون في كل شيء ولا يصلون إلى شيء. يهدمون ولا يبنون. يظنون أن مجرد الشك هو نهاية المطاف، بينما كان الشك عند طه حسين هو البداية فقط.

وهنا المفارقة الكبرى؛ طه حسين كان ابن التنوير الأوروبي، وكان يحمل مشروعًا نهضويًّا متكاملًا. أما أتباعه اليوم، فكثيرون منهم نقلة، أو مقلدين، أو مهووسين بالتشكيك لأجل التشكيك. فلقد فقدنا جوهر المشروع، واحتفظنا بقشوره. فقدنا الجرأة على البناء، واحتفظنا بالجرأة على الهدم فقط. وهذه ليست نهضة، هذا انتحار ثقافي. هذه سخرية القدر منا، أن نأتي بمنهج طه حسين لنقلبه إلى نقيضه، تمامًا كما قلبت ثقافتنا التقليدية كل محاولات الإصلاح إلى أشكال جديدة من الجمود.

 التقديس الأعمى

ولعل أخطر ما حدث، وأكثر ما يدل على هزيمتنا، هو أننا انتقلنا من تقديس التراث إلى تقديس المنهج النقدي نفسه. أصبح طه حسين صنمًا جديدًا، بدل أن يكون أداة لكسر الأصنام. أصبحنا نردد عباراته دون تفكير، كما كنا نردد أبيات امرئ القيس دون تفكير. لم نتعلم منه كيف نحرر عقولنا، بل تعلمنا كيف نستبدل سلطانًا بسلطان، ووثنًا بوثن. وهذا هو الإفلاس بعينه. لأن قيمة المنهج ليست في كونه بديلاً عن غيره، بل في كونه يظل مفتوحًا على التساؤل، قابلاً للتطوير، خاضعًا للنقد الذاتي. والمنهج الذي يتحول إلى عقيدة هو منهج ميت، مهما كان اسمه براقًا، ومهما كان صاحبه عظيمًا.

وهذه ليست مشكلة طه حسين وحده. هذه مشكلتنا نحن مع كل مفكر كبير. نحن نأتي بالمفكر لنحوله إلى صنم. نأتي بالثائر لنحوله إلى تمثال. نأتي بالمنهج لنحوله إلى طقس. هذه عادة سيئة فينا، عادة تحويل كل شيء إلى دين، حتى العلم، حتى النقد، حتى الشك نفسه. نحن أمة تحول كل شيء إلى دين، ثم تقتل من أجل هذا الدين، أو تموت من أجله.

من يجرؤ علي النقد؟!

في ختام هذه المئوية، لا بد من سؤال جريء، سؤال قد يبدو صادمًا للبعض، لكنه ضروري هو من يقرأ طه حسين اليوم؟ ليس من يقرأه في الجامعة لأنه مقرر دراسي، ولا من يقرأه في المناسبات لأنه أيقونة وطنية، ولا من يقرأه انتقائيًّا ليدعم مواقفه المسبقة. من يقرأه بجدية، بوعي، بنقد، برغبة في الفهم ثم التجاوز؟ من يقرأه وهو مستعد لأن يختلف معه، لأن يناقشه، لأن يقول له: أنت كنت على حق في بعض ما قلت، ومخطئ في بعض ما قلت، والزمن الذي نعيشه مختلف، والأسئلة التي نواجهها مختلفة؟

الذي يقرأ طه حسين اليوم بعين ناقدة، بعين لا تخشى شيئًا، سيجد أن كتابه عن الشعر الجاهلي لا يزال حيًا، لا بما قاله، بل بما فتحه من أسئلة. سيجد أن المعركة لم تنته بعد، وأنها مستمرة في شكلها القديم، وفي أشكال جديدة. سيجد أن الشك المنهجي لا يزال، بعد مائة عام، هو السبيل الوحيد لتحرير العقل العربي من سلطة التقديس والتكرار. لكنه سيجد أيضًا أن طه حسين كان ابن عصره، وأن منهجه يحتاج إلى تطوير، وأن أسئلته تحتاج إلى إعادة صياغة، وأن مشروعه النهضوي يحتاج إلى إكمال.

نحن بحاجة إلى أكثر من مجرد الاحتفال بذكرى طه حسين. نحن بحاجة إلى استعادة روحه النقدية، وجرأته في مواجهة السلطة، ورؤيته الحضارية المتكاملة. نحن بحاجة إلى قراءة تراثنا كما قرأ هو تراث الغرب، بعيون ناقدة، حرة، ومناهج علمية لا تخاف من النتائج مهما كانت. نحن بحاجة إلى أن نصنع مشروعنا الثقافي الخاص، لا أن نظل عالقين في مشروعه، مهما كان عظيمًا. نحن بحاجة إلى أن نكون أبناء طه حسين حقًّا، أي أن نكون مثله: شكاكين، باحثين، لا نقدس أحدًا، ولا نقدس حتى طه حسين نفسه.

هزيمة أم انتصار؟

فإذا لم نفعل ذلك، إذا ظللنا كما نحن، نكرر ولا نبدع، نقدس ولا ننقد، نحتفل ولا نفكر، فإن مئوية طه حسين ستمر كغيرها من المئويات، ولن نكون قد أضفنا إلى الثقافة العربية شيئًا يذكر. وسيظل كتاب «في الشعر الجاهلي» قضية تاريخية تدرس في الكتب، لا منهجًا حيًا يطبق في الحياة. وهذا سيكون الانتصار الأكبر لمن حاربوا طه حسين بالأمس، ولمن يحاربون العقل النقدي اليوم، بأسماء جديدة وأشكال متجددة. هؤلاء الذين كانوا أمس في الأزهر وفي البرلمان، وهم اليوم في الفضائيات وفي منصات التواصل الاجتماعي، وفي مناهج التعليم وفي المؤسسات ، يريدون لنا أن نظل في سباتنا الفكري، أن نظل نكرر ولا نبدع، أن نظل أسرى الماضي ولا نصنع مستقبلًا.

فإلى متى؟ إلى متى نظل نكرر ولا نبدع؟ وإلى متى نظل نحتفل بالموتى ولا نحيي الأحياء؟ وإلى متى نظل أسرى الماضي ولا نصنع مستقبلًا؟ هذا هو السؤال الذي تتركه لنا مئوية طه حسين. والسؤال الآن: من يجرؤ على الإجابة؟ ومن يجرؤ على تحويل الإجابة إلى فعل؟

طه حسين فتح الطريق. الباقي علينا. فهل نملك الجرأة على السير فيه؟ أم سنظل واقفين على خط البداية، نردد اسمه، ونحن لا نتحرك؟ هذا هو الاختبار الحقيقي لهذه المئوية. وستحكم علينا الأجيال القادمة ليس بما قلناه عن طه حسين، بل بما فعلناه بعده. فهل سنخيب ظنهم؟ أم سنكون عند حسن ظن طه حسين بنا، حين قال إن العقل العربي قادر على النهوض إذا ما تحرر من قيوده؟

الزمن وحده كفيل بالإجابة. لكنني أخشى أن تكون الإجابة قد بدأت تتكشف بالفعل، في تكرارنا هذا، في عجزنا هذا، في جمودنا هذا. أخشى أن تكون هزيمة المنهج قد تحولت إلى هزيمة للأمة كلها. نسأل الله ألا يكون الأمر كذلك.

***

د. عبد السلام فاورق

 

يبدو ان المجتمع العراقي محكوم عليه بألاّ يصحوا من سباته، وألاّ ينهض من كبوته، وألاّ يخرج من محنته. وإذا ما حدثت معجزة ما وأراد هذا المجتمع أن يسترد عافيته، وأن يستعيد قدراته، وأن يستأنف مسيرته. فإنه سرعان من يسقط مجددا"في حبائل تخلفه الأزلية التي غالبا"ما تثنيه عن المحاولة وتعمل على شده الى الوراء، وذلك على خلفية استمرار تذكيره وتواتر تحذيره بعوامل عجزه وقلة حيلته وضعف إرادته. وإذا ما رغبنا بمعرفة ماهية هذه العوامل التي لم تفتأ تكبل إرادة هذا المجتمع المتهرئ، وتعيق تطلعات مكوناته المتذررة نحو التحرر من قيودها الاجتماعية وتثبّط مساعيها للإفلات من خوانقها التاريخية، والانخراط من ثم في أتون ديناميات التطور الحضاري والتفاعل الإنساني، تلك التي تستهدي بقيم التنوير ومثل الحداثة ومعايير العقلنة، فإننا سنصادف العديد من الآراء والمعتقدات التي تبلورت في اتجاهين رئيسيين ؛ (الاتجاه الأول) ويمثله ثلة من المؤرخين التقليديين الذين يعتقدون أن كل مصائب العراق والعراقيين حصلت بسبب عواقب (القطيعة) التي أحدثها (الغزو الاليخاني - التتري) عام 1258م، بعد أن كان المجتمع العراقي يعيش حالة من الاستقرار والازدهار في ظل سلطة الخلفاء العباسيين. وأما (الاتجاه الثاني) ويمثله مجموعة من المؤرخين الحداثيين الذين أنتجتهم دول ما بعد الاستقلال كصناع رأي وحماة إيديولوجيا، حيث يرى أصحاب هذا الاتجاه ان السبب الجوهري الذي يحول بين المجتمع العراقي وبين ولوجه عوالم تلك القيم والمثل والمعايير، يكمن في تداعيات الظاهرة (الكولونيالية) التي سبقت - وترافقت – لحظة تعرض هذا المجتمع لصدمة الاستعمار البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى عام 1914. بحيث أنها أحدثت (قطيعة) بنيوية كلية وجذرية عطلت جميع المسارات الإصلاحية والتنموية، التي كانت السلطات العثمانية قد شرعت بانتهاجها مع ظهور بوادر تراجع قدراتها العسكرية والتكنولوجية، إزاء تفوق الدول الغربية في تلك المضامير فضلا"عن تدخلها المباشر في توجيه سياسات السلطنة داخليا"وخارجيا".

وكما هو واضح، فقد تمحورت آراء وتصورات مؤرخي كلا الاتجاهين المار ذكرهما حول دور العوامل (الخارجية) فقط، محملين إياها كامل المسؤولية بشأن خلقها الظروف المؤاتية لاستمرار تلك الإعاقة (الحداثية) المتواصلة، هذا دون أن ينبسوا ببنت شفة حيال ما كانت – ولا تزال - تمارسه العوامل (الداخلية) من تأثيرات قوية وما تتركه من آثار عميقة، ليس فقط داخل السيرورة السوسيولوجية للمجتمع العراقي ككل فحسب، بل وكذلك فيما يجري بين عناصرها المادية والمعنوية من تفاعلات جدلية وتنافذات قيمية وصراعات بينية، والتي غالبا"ما كانت حاضرة وفاعلة في تحديد مآل تلك السيرورة. وهو الأمر الذي يستوجب منا إعادة الاعتبار لأهمية تلك العوامل ومن ثم تشخيص دورها الكبير في حالات تقدم أو تأخر ديناميات التغير والتطور. والحال، لن نجانب الصواب حين نعمد الى تصنيف تلك العوامل (الداخلية) الى مجاميع (ثلاثية) متلازمة عضويا "ومتخادمة وظيفيا"، نعتقد أنها كانت السبب الأساسي في عمليات توطين حالة (التخلف) المزمنة التي ما برح المجتمع العراقي يرزح تحت نيرها ويكتوي بنارها منذ قرون وحتى كتابة هذه السطور.

وبضوء ما تقدم، يمكننا تشخيص (الثلاثية الأولى) على أساس طبيعة مضامينها الموسومة بعوامل (الفقر والجهل والمرض)، التي أفاضت عن مظاهرها الغالبية العظمى من البحوث والدراسات المعنية بالتاريخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي خلال ما يعرف بالحقبة (الملكية) وما قبلها، والتي كانت (المظاهر) متفشية في أغلب جغرافيات المجتمع العراقي دون استثناء، للحدّ الذي أنها تركت بصماتها السلبية على مختلف الجماعات والقطاعات والبيئات. هذا في حين يمكننا رصد (الثلاثية الثانية) من خلال تمثلها بعوامل (الاثنية والقبيلة والطائفة)، والتي لا يخفى على الباحثين والمهتمين والمتابعين للشأن العراقي مستوى سيادة مظاهرها خلال ما يوصف بالحقبة (الجمهورية) وما تلاها ولحد يومنا هذا، لاسيما بعد أن تخلت الدولة (الوطنية) المزعومة عن طابعها المواطني (المؤسساتي) النسبي، لصالح طابعها الرعوي (الشمولي) المطلق.

وهنا نسارع الى القول، بأن هذه التحديد والتعيين لا ينبغي له أن يولد لدينا انطباع خاطئ مفاده ؛ ان مسار الحقبة الأولى اقتصر على ديناميات (الثلاثية الأولى) وما انطوت عليه من عوامل ومظاهر نوعية، مثلما أن مسار الحقبة الثانية اقتصر على ديناميات (الثلاثية) الثانية وما اشتملت عليه من عوامل ومظاهر فريدة، بحيث ان هوة عميقة تفصل ما بين البنيات المختلفة والسياقات المتباينة كانت تحول بين كلا المسارين، وإنما الذي حصل – وغالبا"ما يحصل – هو ان عوامل (الثلاثية الأولى) التي كانت سائدة ومهيمنة على المستويين الجغرافي والاجتماعي في الحقبة (الملكية) السابقة، لم تكن – بأي حال من الأحوال – خالية أو منزّه من تبعات وتأثيرات عوامل (الثلاثية الثانية) التي تصدرت المشهد في المجالين الجغرافي والاجتماعي في الحقبة (الجمهورية) اللاحقة. إي بمعنى ان ما كان المجتمع العراقي يتخبط فيه ويعاني منه، ليس فقط مظاهر (الجوع والأمية والأوبئة) التي كانت نسبة شيوعها بين غالبية مكوناته عالية جدا"فحسب، وإنما كان – في ذات الوقت – يكابد مصائب ونوائب ما تسببت به عواقب الحساسيات الأقوامية والانقسامات الطوائفية والصراعات القبائلية، التي طالما تواتر ذكرها في السرديات واستمر تأثيرها بين الأجيال.

ولهذا كان من الصعب، لا بل من شبه المستحيل، على أية محاولة / مغامرة تخطي أو تجاوز هذه السلسلة الحديدة من (الموانع) السوسيولوجية و(العوائق) الانثربولوجية، التي طالما كانت حائلا"دون انخراط المجتمع في سيرورات التغير الاجتماعي والتطور الحضاري، ومن ثم الولوج الى رحاب (الحداثة) و(التنوير) و(العقلنة) وما تنطوي عليه من وعود مجزية وآمال مبشرة.   

***

ثامر عباس

  

أنحن اكتشفنا هوياتنا أم أنّنا لها صانعون؟

حين نحاول مقاربة كلمة "أمازيغ" من زاوية فلسفية، فإنّنا لا نتعامل مع مجرد تسمية لغوية بل مع أثر طويل لمعنى يتجاوز اللغة إلى الوجود نفسه، لأن الاسم هنا لا يشير فقط إلى جماعة بشرية بل إلى تصور للإنسان عن ذاته وعن موقعه في العالم، ف"أمازيغ" بوصفها لفظة داخلية تنبثق من الذات الجماعية تحمل في طياتها فعل التسمية الذاتية، أي لحظة تقول فيها الجماعة لنفسها : "نحن لسنا ما يسمّينا به الآخر، بل نحن ما نختار أن نكونه" هنا، يظهر التوتر الفلسفي بين الاسم المفروض والاسم المختار، بين نظرة الآخر ونظرة الذات، وهو توتّر قديم في تاريخ الفكر الإنساني يعيد إنتاج نفسه في كل سياق حضاري.

إن المفهوم الذي يترجم غالبا ب "الحرية" في أصل كلمة أمازيغ لا ينبغي فهمه كحرية سياسية فقط، بل كحرية أنطولوجية، أي حرية في الوجود ذاته، حيث لا يُختزل الإنسان إلى دور أو صفة أو تصنيف خارجي، بل يُترك له مجال أن يعرّف نفسه بنفسه، وهذا المعنى يقودنا إلى فكرة أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل بل هي أفق للوجود، إذ إن الكلمات لا تصف العالم فقط بل تصنع حدود ما يمكن التفكير فيه، ومن هنا يصبح اختيار اسم أمازيغ فعلا فلسفيا بامتياز لأنه إعادة تأسيس للمعنى، ومقاومة رمزية لأي تصنيف اختزالي. في المقابل، فإن استعمال مصطلح "بربر" في التاريخ يفتح سؤالا فلسفيا آخر حول أفضلية العرق، فالكلمة نفسها، كما تشير جذورها التاريخية، ارتبطت بفكرة "الآخر الذي لا يُفهم"، أي ذاك الذي يُعرَّف من خلال غيابه عن لغة الأغلبية (اللاتينية)، وهذا يكشف آلية عميقة في تشكل المعرفة حيث تتحوّل اللغة إلى أداة للهيمنة الرمزية، لأن من يملك القدرة على التسمية يملك القدرة على تحديد المعنى، ومن هنا يمكن فهم كيف أن إعادة تسمية شعبنا بـ"أمازيغ" ليست مجرد استبدال لفظي بل هي إعادة توزيع للسلطة الرمزية، ومحاولة لاسترجاع الحق في تعريف الذات...

عندما ننظر إلى الأمازيغ في سياق تاريخي أوسع، فإننا نكتشف أنهم ليسوا مجرد بقايا حضارة قديمة بل فاعل تاريخي تداخل مع الفينيقيين والرومان والعرب وغيرهم، وهذا التداخل لا يعني الذوبان بل يشير إلى ديناميكية الهوية التي لا تُفهم كجوهر ثابت بل كعملية مستمرة من التفاعل والتحوّل، وهنا تقترب الفكرة من التصورات الفلسفية الحديثة التي ترى الهوية كـصيرورة  وليست جوهرا مغلقا، أي أن الهوية ليست شيئا نملكه بل شيء نصيره باستمرار.

فاللغة الأمازيغية نفسها، بتنوعها ولهجاتها، تحمل داخلها هذا المفهوم الحركي، فهي ليست لغة واحدة جامدة بل شبكة من التعبيرات التي تعكس تنوع التجربة الإنسانية داخل إطار ثقافي مشترك، وهذا التنوع يطرح سؤالا فلسفيا حول العلاقة بين الوحدة والتعدد، حيث لا يكون التعدد نقيضا للوحدة بل شرطا لها، لأن الوحدة الحقيقية ليست في التطابق بل في القدرة على احتواء الاختلاف . أما من زاوية فلسفة المعرفة، فإن دراسة الأمازيغ( الأمازيغ قصة شعب ) تكشف حدود السرديات التاريخية الكبرى، لأن كثيرا مما نعرفه عنهم ، مرّ عبر وسائط متعددة مثل المصادر اليونانية والرومانية ثم العربية ثم الاستعمارية، وكل وسيط أضاف طبقة من التأويل، وهذا يفرض على الباحث أن يتعامل مع التاريخ لا كحقيقة مطلقة بل كحقل من التأويلات المتراكمة، وهو ما يدعو إلى إعادة قراءة الماضي من خلال تفكيك هذه الطبقات.

في هاته الحالة يتحوّل سؤال "ما هو الأصل؟"  إلى سؤال أعمق" هل الأصل ثابت أم أنه هو نفسه خاضع لإعادة التأويل؟ وهل الهوية شيء نكتشفه أم شيء نصنعه؟ إن كلمة أمازيغ تقترح إجابة ضمنية مفادها أن الهوية ليست معطى جاهزا، بل فعل مستمر من التسمية والاعتراف، وأن الحرية ليست فقط حقا سياسيا بل هي شرط وجودي لكي يكون للإنسان معنى، ومن هنا فإن التفكير في الأمازيغ ليس فقط دراسة لشعب من الشعوب بل هو تمرين فلسفي على فهم كيف يُبنى المعنى، وكيف يتحول الاسم إلى مرآة تعكس علاقة الإنسان بذاته وبالعالم الذي يعيش فيه.

***

ليلى تبّاني - الجزائر

 

بقلم: سفيتلانا ساتشكوفا

إعداد: صالح الرزوق

***

في عام 1985، عندما تولى ميخائيل غورباتشوف، وهو مسؤول حزبي شاب نسبيا، زعامة الاتحاد السوفيتي، بدأ عهد جديد. شرع غورباتشوف في إصلاحات أدت في نهاية المطاف إلى تفكك الدولة، وتمكين سياسة الانفتاح (غلاسنوست). فجأة، أصبح بالإمكان الحديث عن أمور كانت محظورة لفترة طويلة مثل: الإرهاب الستاليني، والسجون السياسية، وجوانب أخرى من التاريخ لم يذكرها أحد. وبدأ الناشرون بطباعة أعمال أدبية كانت محظورة أو خاضعة لرقابة مشددة، مثل رواية "المعلم ومارغريتا" لبولغاكوف ورواية "دكتور زيفاغو" لباسترناك .

ثم أدى انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 إلى تسريع هذا التوسع في حرية التعبير. فقد ازدحم سوق الكتب في روسيا، الدولة الجديدة آنذاك، بمذكرات القمع وشهادات معسكرات الاعتقال، إلى جانب كتابات المهاجرين والكتّاب الطليعيين، التي  لم يُنشر كثير منها من قبل. ولبرهة وجيزة، وتحت ضغط من السياسيين التقدميين وجماعات النشاط المدني، أتيحت أجزاء من أرشيف جهاز المخابرات السوفيتية (كي جي بي) للجمهور.

كانت فترة سارة للكثيرين: فبالرغم من المصاعب التي فرضتها الإصلاحات الاقتصادية، أصبح بإمكانهم مناقشة وقراءة أي شيء يرغبون فيه تقريبا، وأقبلوا على ذلك بنهمٍ شديد. ويعود الفضل بجزء كبير من الشعور بالتحرر إلى الحديث بصراحة عن الجنس، وهو أمر كان يُعتبر تقريبا من المحرمات في الحقبة السوفيتية. وكما قالت إحدى النساء في تصريح شهير خلال برنامج بث تلفزيوني على الهواء بين لينينغراد وبوسطن عام 1986: " نحن لا نمارس الجنس هنا في الاتحاد السوفيتي".

ومع ذلك، وبحلول أواخر ثمانينات القرن الماضي، على الأقل في موسكو، بدأت التربية الجنسية تشق طريقها إلى المدارس الثانوية. وظهرت مجلات وصحف تُعنى بأنماط الحياة الجنسية المتعددة. لا بد أنني كنت في السادسة عشرة أو السابعة عشرة من العمر حينما علمت لأول مرة بوجود المثليين. وسرعان ما بدأ فنانو البوب والشخصيات الإعلامية، ممن لهم أسلوب وتصرفات صاخبة تدل بوضوح عن ميولهم الجنسية، بالظهور على شاشات التلفزيون. ومثلما كنتُ أعتقد، توقع معي الكثيرون أن روسيا جديدة وديمقراطية بطريقها إلى التبلور، وأنه لم يبق أمام روسيا غير طريق واحد فقط: أن نتقدم. ولهذا السبب، في عام 1997، وبعد حصولي على شهادة البكالوريوس من الولايات المتحدة، عدت أدراجي إلى موسكو.

لكن هذا المزاج بدأ يتغير منذ عام 2000، عندما تولى فلاديمير بوتين الرئاسة. فقد عمل تدريجياً على تفكيك المؤسسات الديمقراطية، فألغى بذلك الكثير مما سبقه. بالنسبة لحرية التعبير، تمثل ذلك في تقييد الوصول إلى الأرشيف، وتشديد سيطرة الدولة على وسائل الإعلام، والترويج لرواية وطنية جديدة  تتستر، في الجو العام، على العديد من جوانب الحرب العالمية الثانية وجرائم الدولة السوفيتية. بعد الاحتجاجات الجماهيرية التي اندلعت عامي 2011 و2012، حين خرج عشرات الآلاف إلى الشوارع احتجاجاً على تزوير الانتخابات، اشتدت حملة القمع. وظهر نظام رقابي أكثر عنفاً، يعتمد على حجب المواقع الإلكترونية، وملاحقة "التطرف"، وتزايد مضايقة وسائل الإعلام المستقلة. وفي عام 2013، حظر على القاصرين، ما يسمى، قانون "الدعاية المثلية" أي شيء ينظر إليه على أنه ترويج لعلاقات المثليين والمتحولين جنسياً، وذلك في إطار تحول محافظ أوسع.

غادرت روسيا عام 2016، بعد أن رأيت كيف كانت تتجه البلاد بسرعة نحو الديكتاتورية، ولم أكن هناك لأشهد موجة القمع التي أعقبت الغزو الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022. لكنني تابعت الأخبار عن كثب، وقد تأثر بها كثيرون ممن أعرفهم. في الرابع من آذار، بعد أيام قليلة من بدء الهجوم العسكري، سنت روسيا سلسلة من قوانين الرقابة التي ضيقت بشكل جذري نطاق ما يمكن قوله علنا. وصنفت هذه القوانين معارضة الحرب، بل وحتى  وصفها بلغة تختلف عن الرواية الرسمية للدولة، جريمة.

كانت أكثر التشريعات سخافة ما سمي قانون "أخبار الجيش الكاذبة"، الذي جرم ما وصفته السلطات بأنه معلومات كاذبة عن القوات المسلحة، وكان هذا القانون فضفاضا بما يكفي لتطبيقه بشكل شبه تعسفي. كان يمكن معاقبة المرء لمجرد وصفه الحرب بالحرب: إذ كان يتوقع من الناس الإشارة إليها على أنها "عملية عسكرية خاصة" والتحدث عنها بعبارات إيجابية فقط. وأصبحت التغطية الإعلامية الموضوعية مستحيلة، فأغلقت العديد من وسائل الإعلام المستقلة أبوابها أو غادرت البلاد. وسرعان ما وصلت آثار ذلك إلى صناعة النشر. بدأ الناشرون والمكتبات بتجنب أي شيء قد يلفت الانتباه. فالمواضيع المتعلقة بأوكرانيا أو الجيش أو عنف الدولة أو السياسة المعاصرة يمكن تفسيرها بسهولة على أنها "تشويه" لسمعة القوات المسلحة. وعانى مؤلفون، وصفوا بـ"العملاء الأجانب" بسبب آرائهم المناهضة للحرب أو الحكومة، مثل الروائي الأكثر مبيعًا ديمتري غلوخوفسكي، من اختفاء كتبهم بهدوء من رفوف المكتبات.

شهد صيف عام 2022 لحظة محورية أخرى. ففي العام السابق، نشرت إيلينا ماليسوفا وكاترينا سيلفانوفا رواية للشباب بعنوان " صيف في معسكر الرواد Summer in a Pioneer Tie" ، تتناول قصة حب بين صبيين في معسكر رواد سوفييتي. وبعد أن حققت الرواية نجاحا باهرا وغير متوقع، أدانها نواب مجلس الدوما باعتبارها تهديدًا لما يسمى بالقيم الأسرية، وسرعان ما سحبت من المكتبات. ثم، في أواخر عام 2022، تم تبني قانون جديد بعنوان "الدعاية المعادية للمثليين"، والذي وسع نطاق حظر المحتوى المتعلق بمجتمع الميم ليشمل جميع الأعمار، وجعل تصوير العلاقات المثلية بشكل إيجابي في الكتب والأفلام ووسائل الإعلام أمرا غير قانوني.

كانت التداعيات واسعة النطاق. حتى قبل إقرار القانون، بدأ الناشرون بفرض رقابة استباقية على المخطوطات. أحيانا، استنادا إلى ما أسموه قواعد لغوية، كانوا يحذفون أجزاء من النص؛ وفي حالات أخرى، عندما سمحوا بالشفافية فيما يخص شأن الرقابة، حجبوا جملا أو حتى صفحات كاملة، ليتمكن القراء من رؤية حجم النص المحذوف. ومن الأمثلة على هذا الأسلوب رواية "محطم" لماكس فالك  التي نُشرت في تشرين الأول 2022. تسرد الرواية قصة علاقة بين رجلين مثليين، وصلت الأجزاء المحجوبة إلى 3% من النص بأكمله. كما احتارت المكتبات ودور النشر بشأن كيفية التعامل مع الأعمال المترجمة، بما في ذلك الأعمال الكلاسيكية التي تحتوي على مقاطع قد تعتبر الآن إشكالية، مثل أعمال فرجينيا وولف. فقد كانت  صياغة القوانين غامضة، مما جعلها قابلة للتأويل.

ليس من الصعب إدراك أن هذا متعمد: كان الهدف هو بث حالة من عدم اليقين والخوف، ليبدأ الناس بفرض رقابة ذاتية على أنفسهم. وقد نجح الأمر. بذل بعض الناشرين والمكتبات قصارى جهدهم لتجنب المشاكل؛ بينما استمر آخرون، ممن لديهم قدرة أكبر على تحمل المخاطر، في طباعة أو تخزين كتب ذات محتوى قد يكون خطيرا، بانتظار الجو الأفضل. وإذا قام "مواطن ملتزم وغيور" بتقديم بلاغ، تتدخل السلطات بفرض غرامة أو توجيه إنذار.

كان هذا الأمر منسجما تماما مع ثقافة التشهير  التي انتشرت بعد عام 2022 على نطاق أوسع. راقبت من بعيد ما يجري، وأنا بالكاد أصدق ما أرى. كنت قد قرأت عن ثلاثينات القرن الماضي، وكيف كان الناس يبلغون عن بعضهم البعض على نطاق واسع أثناء عمليات التطهير الستالينية، ليخبروا عن جيرانهم وحتى أقاربهم على أمل أن يحميهم ذلك. والآن، يتكرر الأمر نفسه. حتى تلاميذ المدارس كانوا يبلغون عن معلميهم لمجرد ذكر كلمة خاطئة، أو الإقرار عن أطفال آخرين.

أصبحت محاكمة بيركوفيتش- بيتريشوك، التي جرت عام 2024، بالنسبة لي قضية محورية في مجال حرية التعبير، وانتهت بسجن امرأتين بريئتين. كتبت سفيتلانا بيتريشوك مسرحية "فينست الصقر الشجاع"، المستوحاة من أحداث حقيقية، والتي تتناول قصة نساء روسيات خدعن للزواج من مقاتلي داعش والسفر إلى سوريا. عرضت المسرحية عام 2020  بإخراج إيفجينيا بيركوفيتش. لاقى العمل استحسانا واسعا، وحمل رسالة واضحة مناهضة للإرهاب، وحصل على جائزتي "القناع الذهبي" عام 2022، وهي جائزة المسرح الوطنية الروسية المدعومة من الدولة.

بعد الغزو الشامل لأوكرانيا، بدأت بيركوفيتش بنشر قصائد مناهضة للحرب علنا على فيسبوك، وتم تناقلها آلاف المرات. وعندما تحركت الدولة ضدها، اتضح أن هذه القصائد هي السبب الحقيقي. ويبدو أن بيتريشوك استهدفت إلى حد كبير بسبب ارتباطها بالقضية. وكانت الذريعة الرسمية هي المسرحية، التي زعم المدعون أنها تروج للإرهاب. استمرت المحاكمة عدة أشهر، حيث أصر الادعاء على هذه التهمة رغم تفاهة وسخافة الأدلة. في تموز 2024، حكمت المحكمة على كلتا المرأتين بالسجن ست سنوات. وبعد الاستئناف، خففت الأحكام عدة أشهر، لكنهما دخلتا السجن. أظهرت القضية أن حتى أدنى قدر من الحقيقة لا قيمة له: فكل نص قابل للتفسير بطريقة معاكسة.

بحلول نهاية عام 2025، أعقب ذلك حملة قمع واسعة النطاق ضد دور النشر المستقلة. ووجد العديد منهم أنفسهم عرضة لتحقيقات أجهزة الأمن: حيث تم احتجاز الموظفين واستجوابهم، أو وجهت إليهم تهم بخصوص قضايا يطالها ما يسمى "مكافحة التطرف". مع أن السبب الفعلي هو توزيع أدب يتناول قضايا المثليين. ووضع بعض المديرين رهن الإقامة الجبرية، بينما تعرض آخرون للغرامة. أُجبرت دار نشر "بوبكورن بوكس"، التي نشرت رواية " صيف في معسكر الرواد" ، على الإغلاق. وباتت الدولة تسيطر على سوق الكتب، وانهارت مساحة الأدب النزيه في روسيا. وهذا لا يعني أن هذا الأدب قد اختفى تماما، بل كان يكتب وينشر ويوزَع الآن خارج البلاد.

عند النظر إلى الأمر من هذا المنظور، كسلسلة من الحقائق، يتضح منطق الاستبداد. فالحاجة إلى السيطرة على السردية المحورية تزداد، والحاجة لعمليات القمع  تتصاعد. لهذا السبب، تعد الممانعة المبكرة، ما دامت ممكنة، أمرا بالغ الأهمية. لا تصل عمليات حظر الكتب في الولايات المتحدة إلى هذا الحد من التطرف، كما أنها ليست محورية داخل أجهزة الدولة. فهي تأتي على فترات متقطعة، وهناك العديد من الجهات الفاعلة - أمناء المكتبات، والمعلمون، والقضاة، والقراء - الذين يقاومون ويحاولون التصرف بحسن نية. ومع ذلك، فإن التوجه العام يدعو إلى القلق. يبدأ الراغبون في حظر الكتب عادة بالقول إنهم يحمون الأطفال من شيء ضار. لكنهم لا يتوقفون عند هذا الحد. فسرعان ما يريدون "حمايتنا" نحن أيضا، ليتأكدوا  أننا لا نتعرض إلا لسردية واحدة معتمدة – وهي سرديتهم الخاصة.

***

..........................

* سفيتلانا ساتشكوفا Svetlana Satchkova صحفية وروائية روسية تقيم في الولايات المتحدة.  تشغل حاليًا منصب باحثة في مركز جوردان للدراسات الروسية بجامعة نيويورك. لها ثلاث روايات باللغة الروسية. صدرت روايتها الأولى باللغة الإنجليزية بعنوان "الأحياء الأموات: رواية عن روسيا الحديثة" في كانون الثاني 2016.

* تمت الاستعانة ببرامج الذكاء الصناعي

 

اولاً- خرافة الدكتاتور العادل: صُنعت الدكتاتورية بشكل محترف في دهاليز الغرب، بعد ثورات الشعوب ومطالبتها بالتحرر من نير الإستعمار والإستقلال، حدث ذلك بعد الحرب الثانية وبعد مؤتمر يالطا خاصة (1)، حتى ازدحمت أروقة الامم المتحدة بمواثيق حقوق الإنسان والحريات السياسية والاقتصادية والمدنية وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها. وفي الخلف، خلف المسرح، كانت هناك فكرة شيطانية، ان (يخرج الاستعمار من الباب ويدخل من الشباك)

الواقع ان صناعة القائد الوطني الثوري هي صناعة استخدمت للتسويق الجماهيري بعناوين ثورية، فالجيوش الإستعمارية المُكلفة مادياً تنسحب لبلادها ويحل محلها جندي محلي عميل. انتجت هذه الصناعة موجة إنقلابات عسكرية غزت المستعمرات المتحررة تواً في منتصف خمسينيات القرن الماضي. وكان المنفذ لدخول الاستعمار بزي وطني هذه المرة، هو فكرة الدكتاتور العادل أو الدكتاتور الثوري!. والحال، انه لا يوجد دكتاتور عادل على الاطلاق، ولكن من الممكن ان يتحول الثوري الى دكتاتور، وهذه حقيقة يؤكدها التاريخ البشري والتجارب المرة مع الدكتاتورية، فالدكتاتورية والعدالة لايلتقيان مطلقاً، بسبب الاختلاف الجذري في مقومات كل منهما، فالدكتاتورية لا يمكن لها العيش إلا في ظل الأزمات والحروب المستمرة والمشانق وأجهزة الأمن السرية والعلنية والنفاق التي تدفع بالقوانين والعدالة الى الخلف، بخلاف العدالة.

وقد توجد في ظل هذه الأنظمة عدالة عامة تحكمها قوانين متقنة للجرائم العادية والى جانبها (عدالة خاصة) ذات قوانين مشددة واجراءات مختصرة ومحاكم خاصة للمعارضين تسمى (محكمة الثورة) لإضفاء نوع من الشرعية الثورية الزائفة. انظر للتاريخ لايوجد مثال واحد عن دكتاتور عادل، وانظر للقضاء فمحكمة الجنايات تتكون من ثلاث قضاة، وإدعاء عام يراقب سير الاجراءات فضلاً عن مرافعات المحامين والتمييز حتى لاينفرد قاض واحد في اصدار الحكم. كل هذا في قضية سرقة سوار سيدة مثلاً، فكيف نسلم شعب كامل بيد شخص واحد!!!! بينما يرفض الدستور والقانون تسليم متهم بالسرقة بيد قاض واحد.

ثانياً- الدكتاتور في السياسة والقانون:

الدكتاتور هنا هو حاكم فرد وإن أرتدى عباءة حزب مهلهل، يستحوذ على السلطة المطلقة في الدولة، ويُدير شؤونها بإرادته الشخصية ومزاجه دون قيود دستورية أو برلمانية، وقد يحكم تحت ظل دستور مؤقت او معطل بداعي المؤامرات وظروف البلد، مستخدماً القمع وتقييد الحريات وقمع المعارضة بوحشية ويتحكم بالإعلام.

ومع ذلك ينبغي التمييز بين الدولة البوليسية والدولة الاستبدادية، فالدولة البوليسية تقوم على اساس ان الغاية تبرر الوسيلة، وتشرع فيها القوانين تحقيقا للمصلحة العامة، وتتركز جهودها على حفظ الأمن والنظام العام، ومع ذلك يمكن التمييز بين سلطات الدولة المختلفة، وممكن ان ينشأ في ظلها قضاء عادي وإداري شبه مستقل، ويبقى للاعلام والرأي فيها حيزاً وإن كان خاضعاً للرقابة.

بينما في الدولة الاستبدادية لا يبغي الحاكم المستبد الا مصلحته الشخصية، ومن ثم يكون مطلق التصرف وغير مقيد لا من حيث الوسيلة ولا من حيث الغاية، فيعمل وفقا لما تتفتق عنه قريحته او مزاجه اوجنونه، ولو كان في ذلك إساءة الى الصالح العام، وتندمج عادة في ظل هذه الدولة السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية لتكون كلها بيده، اما الاعلام فهو اعلام الدولة الموجه وصحفها التي تتغير قيها الاسماء فقط.

اما في الدولة البوليسية فالحاكم وان كان غير مقيد من حيث الوسيلة، فهو مقيد من حيث الغاية، لان حريته في اتخاذ ما يراه من الإجراءات مشروطة بان تكون لمصلحة الجماعة وليس مصلحته الشخصية. وكثير من الدول العربية حكمتها انظمة بوليسية بينما خضعت اخرى لأنظمة دكتاتورية بحتة.

ثالثاً- الدكتاتور غير العادل دائماً في الآدب والفن:

بخلاف إعلام وأدب السلطة وخطب وعاظ السلاطين، فقد اعطى الأدب والفن للدكتاتور حقه في التقييم دون نفاق او تحيز، لنلقي نظرة:

أ- گابرييل گارسيا ماركيز والدكتاتور:

ينظر ماركيز إلى الدكتاتور كشخصية مريضة نفسياً ومعقدة تتسم بالغرابة وتستحق السخرية.

حيث يعيش الدكتاتور خارج نطاق الزمن الواقعي في عزلة، يحكم بجهل ودموية، ويستمد قوته من ضعف الشعب وخوفه.

لقد وصف ماركيز الحكام المستبدين الثوريين، وحياتهم وأفكارهم وكيف تغيروا خطوة وراء أخرى تحت تأثير السلطة، وفي النهاية أصبحوا مثل أعدائهم القدامى (الملوك والرجعيين) مجرد دكتاتور بوجه وقالب جديد وربما بصلاحيات أقوى.

(قارن بين صلاحيات الملك فيصل الاول والثاني وبين صلاحيات صدام التكريتي).

في رواية " خريف البطريرك"(1975) وصف ماركيز الدكتاتور بأنه شخصية مهووسة بالسيطرة المطلقة، أمي وجاهل، منفصل عن الواقع، ضعيف لا يشعر بالقوة إلا بمقدار ما تكون أمه قريبة منه !!!، ولهذا أعطاها صفة قديسة الوطن بمرسوم ملكى، يفعل ما يشاء وقتما يشاء، ويلجأ الى القسوة والرعب والدم لتأبيد حكمه.

وبالمقابل يحول الإعلام الرسمي شخصيته إلى كائن إلهي (عبادة الفرد) في أذهان عامة الناس، ولكنه يبقى يعاني من عقد نفسية عميقة وكوابيس فقد السلطة.

ورغم هتافات التأييد والاحتفالات الشعبية المُنظمة بشخصه يبقى الطاغية شخصًا مثيرًا للاشمئزاز من وجهة نظر شعبه.

ويسخر ماركيز من منح الرتب العسكرية والاوسمة الى الاقارب والابناء والزوجات، كما هو الامر مع كل دكتاتور.

استوحى ماركيز روايته من شخصيات حقيقية منها جوستابو روخاس بينيا، رئيس كولومبيا ما بين عامى 1953 و1957 والفنزويلى خوان بيثنتى جوميث ...

اما روايته الجنرال فى متاهته (1989)

فهي رواية افتراضية تحكى أحداث الأيام الأخيرة فى حكم سيمون بوليفار، القائد التاريخي الذي حرر فنزويلا وبوليفيا وبيرو والإكوادور من الاستعمار الإسبانى.

وكذلك تسرد دور الصراعات العسكرية والخيانة التي تفشل الثورات في تحقيق اهدافها.

الرواية لم تتظر للجنرال بوليفار كما سردها التاريخ كبطل قومي، انما صورته حينما تحول الى دكتاتور يعاني من الشيخوخة والمرض.

وحسب الجنرال "بوليفار"، فإن الديون الخارجية هي الأخري تعتبر نوعا من الاستعمار وذلك بإثقال كاهل الشعوب المتخلفة، ولذلك كان يكره القروض والديون ويقول : إنني أمقت القروض أكثر من مقتي للاسبان، لذلك نبهتُ (سانتاندير) أن كل ما نفعله لخير الأمة لن ينفع شيئا إذا ما قبلنا الديون. لأننا سنبقي ندفع فوائدها إلي أبد الآبدين وها نحن أولا، نري الأمر بجلاء الآن. لقد هزمتنا الديون المتراكمة بدنيًا وذهنيًا.

في حوار أجراه معه بيلينو مندوزا، أشار ماركيز إلى أفكار وأفعال بعض الحكام الشاذة، مثلاً فرنسوا دوفالييه في هايتي الذي أمر بإعدام جميع الكلاب السوداء في البلاد لأن واحدا من معارضيه الكتاب ذكر مجازاً انه حول ذاته إلى كلب أسود خوفا من الاعتقال والقتل!

في السلفادور، أمر مارتينيز بتغطية جميع أضواء الشوارع بالورق الأحمر لمكافحة مرض الحصبة الذي كان متفشيا.

ب- رواية السيد الرئيس للكاتب الغواتيمالي ميجيل أنخيل أستورياس، المنشورة عام 1946، (2)

تُجسّد الرواية سادية الحاكم وتأثيره الشرير على المجتمع، مستلهمة من واقع ديكتاتورية "مانويل إسترادا

حيث يصور أستورياس الرئيس كقوة غامضة وشريرة، يمتلك سلطة مطلقة، وتتحول كلمته إلى قانون غير قابل للنقاش، مما يولد جواً من الخوف الدائم يجعل الهروب من الديكتاتورية امراً مستحيلاً.

تدور الأحداث حول تلفيق تهم القتل لمسؤولين، وإعدام الأبرياء، وتأثير ذلك على الشخصيات (مثل "وجه الملاك" والجنرال كاناليس).

تكافح الشخصيات للبقاء في واقع مرعب ومسخ، مع محاولات خفيفة للمقاومة والبحث عن الحب وسط الخراب الأخلاقي.

تُعرف الرواية بأنها رواية "الاستبداد"، "الديكتاتورية العسكرية"، أو "الواقعية السحرية السياسية".

ثالثاً - الدكتاتورية في الفن

ابرز الاعمال الفنية التي واجهت الدكتاتورية هي لوحة "الحرية تقود الشعب" (1830) للفنان أوجين ديلاكروا. ونصب الحرية في بغداد.

1- لوحة "الحرية تقود الشعب" هي في الواقع أيقونة رومانسية تجسد ثورة يوليو 1789 الفرنسية، ترمز فيها امرأة "ماريان" للحرية والديمقراطية وهي تقود الشعب نحو النصر.

تعبر اللوحة عن التضحية والنضال ضد الديكتاتورية والشجاعة المدنية. تُستخدم اللوحة كرمز عالمي للثورة، الديمقراطية، وحقوق الإنسان.

اللوحة عبارة عن رموز

ماريان (شخصية الحرية): امرأة عارية الصدر ترمز للحرية والجمهورية، تلبس قبعة الحرية وتقود الشعب. بينما يرمز العلم الفرنسي لمبادئ الثورة الثلاثة: الحرية، المساواة، والإخاء. بينما يرمز القتلى في مقدمة اللوحة الى التضحية والدماء التي يدفعها الشعب في سبيل الحرية.كما يرمز تنوع الشخصيات في اللوحة الى التفاف كافة طبقات المجتمع (عامل، مثقف) حول الحرية

2- نصب الحرية في ساحة التحرير ببغداد (نبؤة لم تتحقق):

النصب من أعمال النحات جواد سليم (1961)، هو سجل برونزي فني يوثق تاريخ العراق القديم والحديث الذي بقى يتكرر لاحقاً رغم النصب، ليعيش العراقيون في ظل دكتاتوريات اقسى وأشد.

ولهذا النصب أثره على العراقيون، كما يذهب الباحثون، فلم يتوحد العراقيون برمز يوما كما توحدوا باتفاقهم بأن هذا النصب هو رمزٌ للتخلص من العبودية والظلم.

النصب يلخص حياة العراق والعراقيين في ظل عهود القهر والظلم عبر التاريخ.

النصب يقرأ من اليمين إلى اليسار، من خلال 14 قطعة، ويصور العراقيين كشخوص نابضة بالعزيمة والإصرار، وهناك طفل صغير يشير إلى بداية الطريق.

ثم امرأة مشحونة بالانفعال والغضب والحزن، ومن ثم منظر عراقي خالد في التاريخ العراقي حيث تحتضن الأم ابنها الشهيد وتبكي عليهِ، بينما ترمز صورة الأمومة إلى معاني العطاء غير المشروط، والأمان، والحنان الغامر، والتضحية، والحب، باعتبارها ركيزة الأسرة ومصدر الحياة والاحتواء.

هناك منحوتة السجين السياسي الذي مزقت ظهره السياط، اما منحوتة الجندي الذي يطوي قضبان السجن فيرمز إلى القوة والإصرار على كسر قيود الظلم والاستبداد، وهو يمثل نقطة التحول الرئيسية في النصب، حيث يكسر قضبان السجن ليحرر الشعب. ليجسد دور الجيش والشعب معاً في صنع الحرية وإعلان الجمهورية.

بعد تحطيم القيود تطهر مجسمات السلام والازدهار والحرية من خلال إمرأة تمسك مشعلاً وهو رمز الحرية الأغريقي،

ويرى البعض ان نهري دجلة والفرات كانا حاضرين لم يغيبا عن النصب حيث يفسر البعض نهر دجلة بأنهُ أشجار النخيل ونهر الفرات بمعنى الخصب تمثلهما امرأتان إحداهما تحمل سعف النخيل والأخرى حبلى وثمة فلاحان يحتضنان مسحاة متعبير عن وحدة المصير

اما رمز الثور الذي يعد رمزا سومرياً، يعبر القوة والثقة بينما يظهر الجانب الصناعي في أقصى اليسار على هيئة عامل كأساس للتنمية.

*دكتاتورنا القروي، دكتاتورية فاقت كل التصورات. صدام في مطلع استلامه السلطة بعيد الانقلاب الصوري، اعلن في مسرحيته الهزيلة عن نفسه كثوري متشدد (العمالة ومسرحية الثورية المزيفة) حاد الصفات يحاسب على اقل خطأ، مكفهر الوجه، يظهر بستايل هوليودي ويتبنى تحرير فلسطين ... يشتم الاستعمار والامبريالية، وكل شئ قابل للشتم بما فيهم دول الجوار العربي وغير العربي، فهم كما كان يدعي مجرد عملاء رخيصون.

مجزرة قاعة الخلد الدموية: جلس صدام يدخن السيگار وعينيه تقدح شرراً، وكان يبكي ويدّعي خيانة رفاقه، حيث أجبر صدام رفاقه على الاعتراف بـ"مؤامرة" مزعومة، وتم إعدام العشرات منهم لاحقاً من بينهم 6 من أعضاء القيادة.والهدف هو تغيير هيكلية القيادة لضمان الولاء المطلق، وتوطيد سلطته في بداية حكمه.

وعلى هذا الحال انتهى به الامر الى خيانة عهوده مع المعارضة (الجبهة الوطنية المزعومة) فشتتها وصفى قواعدها.

ابتدع مسرحية الجولات في القرى والارياف وحمايته يسجلون رغبات وطلبات المواطنين ويحمل الاطفال الفقراء ويمسح مخاطهم ...

انبهر العامة وكذلك الاحزاب المعارضة بسلوكه وتواضعه المسرحي (ربما نشأ نشأة امبراطورية اسرية ومن ثم تواضع)

وقتل الالاف من خيرة رجالات العراق بححج واهية وتبنى المقابر الجماعية واحواض التيزاب ولم يتورع من القاء السلاح الكيمياوي على قضاء حلبجة وقتل الالاف من السكان دون اي وازع من ضمير او اخلاق. وانتهى الى نتائج متشابهة مع كل دكتاتور عبر التاريخ. سلم قيادات الدولة الى أميون انتهازيون تافهين ليس عليهم سوى التصفيق والتطبيل وتنفيذ اوامره بلاجدال (نفذ ولاتناقش) ويتولى هؤلاء الاشراف والامامة بسوقية على خيرة علماء وكفاءات واكاديمي البلد بما فيهم القادة العسكريون العراقيون لينصب عليهم مفوضي شرطة كوزراء للدفاع!!!. وكعادة أي دكتاتور افتعل الحروب، وفي ظل الحصار الخانق بنى القصور العملاقة التي كانت تطبخ ثلاث وجبات من افخر انواع الطعام والغزلان والطيور على أمل ان يحضر الدكتاتور مع التشديد على القائها بالزبالة ان لم يحضر وتقطع يد من يتذوقها كل ذلك في الوقت الذي كان يدعو العراقيين للعمل بالطين بعد الدوام لتجنب العوز بسبب الحصار.

واطلق العنان لابنائه واقربائه دون حسيب ورقيب وتفنن بالعقوبات مثل تلك التي كنا نقرأ عنها في محاكم التفيش في القرون الوسطى بل واقسى حينما يلقى مئات البشر وهم احياء في مقابر جماعية ومثارم بشرية واحواض تيزاب.

واضحى الاعدام على مجرد نكتة امراً معتاداً حتى لو قالتها امرأة بسيطة من اهل حي الكريمات الفقير تعيل خمسة ايتام.

نتيجة: كل طاغية قاس وجبان واناني الى درجة مبالغ بها الى درجة كبيرة.

الدكتاتور في النهاية هو واحد سواء كان مثقفاً متذوقاً للموسيقى ومحباً للمسرح والشعر او كان أميا جاهلاً متهوراً عنيداً حينما يتعلق الامر بكرسي الحكم فدونه دماء البشر مهما كان عددهم

الدكتاتور العادل هو القانون الذي يطبق على الجميع بسواسية

اما الدكتاتور الفرد فلن يكون عادلاً ابداً والتاريخ يشهد على ذلك

فلم تحصد البشرية من الطغاة سوى الحروب والقسوة والمشانق وانهار الدماء.

هذه هي تراجيديا السلطة التي تخصص رجال المعرفة في إثبات انها تمثل سيكلوجيا متشابهة في كل زمان ومكان .

***

فارس حامد عبد الكريم

.....................

(1): مؤتمر يالطا (4-11 فبراير 1945) هو اجتماع قمة تاريخي عُقد في شبه جزيرة القرم السوفيتية، جمع "الثلاثة الكبار" (روزفلت، تشرشل، ستالين) للتخطيط للمراحل النهائية للحرب العالمية الثانية وتشكيل نظام عالمي جديد. نتج عنه توزيع النفوذ بين الدول الكرى على الكرة الأرضية واعطى الاتحاد السوفيتي حصته (المعسكر الاشتراكي) بعد تقسيم ألمانيا، بينما اضحت الدول الأخرى موزعة بين الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا(المعسكر الرأسمالي)،إنشاء الأمم المتحدة، بقي العراق من حصة بريطانبا.

(2)السيد الرئيس رواية شهيرة كتبها استورياس عام 1946، (جائزة نوبل في الأدب عام 1967) ترجمها للعربية ماهر البطوطي 1985.

تعد هذه الرواية علامة بارزة في أدب امريكا اللاتينية ومع ذلك فقد بقيت محجوبة عن الوطن العربي حتى عام 1985 ربما لتشابه ظروف الرواية مع أحوال معظم الدول العربية. 2026

------------------

*النائب السابق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية.

 

إنّ من أبرز الشوائب التي تعتري الطبيعة البشرية، وتدفع الإنسان أحياناً إلى مغادرة فضاء إنسانيته الرحب، هو تعطّشه المزمن للصراع والتضاد والتناحر مع الآخر، فبدل أن يكون الاختلاف مجالاً للتكامل والتفاعل الخلّاق، يتحول في كثير من الأحيان إلى وقودٍ دائم للتوتر والنزاع، بل إنّ بعض الأفراد قد يجدون في الصراع نوعاً من الإشباع الوجودي، حتى ليغدو غيابه مدعاةً للقلق والاضطراب، فيسعى الإنسان-بشكلٍ أو بآخر- إلى اختلاق أسبابٍ جديدة للنزاع كلما خمدت نيرانه، ولعلّ هذه الظاهرة يمكن تفسيرها في إطار التحليل النفسي والاجتماعي، غير أنّ خطورتها الحقيقية تظهر حين تتجاوز نطاق الفرد، فتنتقل من كونها مجرد حالة إلى عدّها ظاهرة، فتصبح سلوكاً جمعياً أو حتى نمطاً في سلوك الدول.

والأكثر غرابة أنّ هذه العقدة لم تعد حبيسة النفس الإنسانية الفردية، بل أخذت تتجسد في بنية النظام الدولي ذاته، فالدول التي تخضع لسلطة الحاكم الأوحد قد تنزلق بسهولة نحو إشعال الحروب، لا بدافع الضرورة الاستراتيجية فحسب، بل استجابةً لرغبات نفسية أو أيديولوجية لدى النخبة الحاكمة، وهكذا تتحول الحرب من وسيلة اضطرارية لحل النزاعات إلى أداة لتغذية نزعات السلطة وإشباع هوس الهيمنة.

ومع ذلك، فإنّ التاريخ الإنساني يجعل من الحرب ظاهرة شبه ملازمة لمسيرة المجتمعات البشرية، فهي من جهة تبدو طبيعية، لكثرة تكرارها عبر العصور، لكنها من جهة أخرى تبدو ظاهرة غير طبيعية لأنّ جذورها الحقيقية غالباً ما تكون مشوّهة أو غامضة، ومزيجاً معقداً من الطموحات السياسية والمصالح الاقتصادية والهواجس الأمنية. ولعلّ أبرز القضايا التي كثيراً ما تؤسس لاندلاع الحروب تتمثل في الصراع على السيادة، أو الخيانة والتحالفات المتغيرة، أو التنافس على الموارد والثروات، وغالباً ما تنتهي هذه الحروب -بعد كلفٍ باهظة- إلى طاولة المفاوضات، حيث يجري ترسيم الحدود أو إعادة توزيع المصالح والاعتراف المتبادل بالحقوق.

غير أنّ الحروب التي يشهدها عالمنا المعاصر تبدو مختلفة إلى حدٍ كبير عن حروب الماضي، فالكثيرون ما زالوا ينظرون إلى الصراعات الجارية بوصفها مجرد نزاعات سيادية أو جيوسياسية بين قوى دولية وإقليمية، كالصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، غير أنّ التحولات المتسارعة في المعطيات السياسية والفكرية توحي بأنّ هذه القراءة لم تعد كافية لتفسير طبيعة الصراع الراهن. فما يجري اليوم يبدو أقرب إلى صراعٍ تتداخل فيه الحسابات السياسية مع الهواجس العقائدية والرؤى الماورائية لنهاية التاريخ، إذ إنّ بعض الفاعلين في هذا الصراع يستندون إلى تصورات دينية أو نبوءات غيبية يرون فيها إطاراً لتحقيق العدالة الإلهية على الأرض، أو تمهيداً لأحداث كبرى مرتبطة بنهاية الزمان.

فعلى الجانب الإسرائيلي، تبرز لدى بعض التيارات الدينية الصهيونية رؤية توراتية تتحدث عن تحقيق الحلم التاريخي بإقامة دولة تمتد -وفق التأويلات الشائعة- من النيل إلى الفرات، بوصفها تحقيقاً لنبوءات دينية ورمزاً لنهاية حقبة الشتات التي عاشها اليهود لقرون طويلة. وفي المقابل، يظهر في الجانب الإيراني حضور قوي لفكرة المهدوية، أي انتظار ظهور الإمام المهدي الغائب... وعلى الرغم من أنّ فكرة المهدي موجودة في التراث الإسلامي عموماً، فإنّها اكتسبت في الفكر الشيعي الاثني عشري بعداً سياسياً خاصاً، لا سيما بعد أن أعلن روح الله الخميني قيام نظام يقوم على نظرية ولاية الفقيه بوصفها صيغة لقيادة الأمة في زمن غيبة الإمام.

وقد تطورت هذه الفكرة لاحقاً لتصبح جزءاً من الخطاب السياسي والديني في إيران، حيث يرى بعض المنظّرين أنّ الأحداث الكبرى والصراعات الإقليمية قد تكون مقدمات لظهور الإمام المنتظر. وفي هذا السياق تُطرح أحياناً تصورات رمزية عن شخصيات تاريخية أو سياسية يمكن أن تؤدي أدواراً مرتبطة بالروايات المهدوية، وهو ما يضفي على الصراع بُعداً رمزياً يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية.

أما إسرائيل فتسعى إلى إعادة تشكيل ملامح الشرق الأوسط بما يضمن تفوقها الاستراتيجي وإعادة ترتيب توازنات القوة في المنطقة، وقد بدأت هذه العملية منذ عقود عبر إضعاف أو إسقاط الأنظمة التي عارضت مشروعها السياسي أو رفضت فكرة التطبيع معها، وفي ظل هذه التحولات، تبدو إيران اليوم إحدى القوى الإقليمية القليلة القادرة على موازنة النفوذ الإسرائيلي في المنطقة.

ومن هنا، فأن أي تحوّل جذري في موقع إيران الإقليمي قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل المنطقة، قد تتكرس فيها الهيمنة الإسرائيلية ضمن منظومة إقليمية ودولية جديدة، وربما تحظى هذه المنظومة بقبول عربي أوسع وإشراف دولي مباشر.

وهكذا، يبدو أنّ الصراع في الشرق الأوسط لم يعد مجرد نزاع سياسي تقليدي على النفوذ والموارد، بل أصبح ميداناً تتقاطع فيه المصالح الجيوسياسية مع التصورات العقائدية والتاريخية... وفي مثل هذا السياق المعقد، تصبح الحروب أكثر خطورة، لأنّها لا تُخاض فقط باسم المصالح، بل أحياناً باسم النبوءات والأحلام الكبرى التي يصعب إخضاعها لمنطق العقل أو التسويات السياسي.

***

د. حيدر عبد السادة جودة

الدنمارك نموذجاً

الاندماج مسؤولية مشتركة: قراءة يسارية نقدية في ظل تصاعد الخطاب اليميني المعادي للمهاجرين، وإشكالية فهم الدولة، وبعض الممارسات الخاطئة لدى أقلية من المهاجرين.

لا يمكن فهم أزمة اندماج اللاجئين في أوروبا بمعزل عن السياق الذي أنتجها. فموجات اللجوء الكبرى لم تنشأ في فراغ، وجاءت في معظمها نتيجة مباشرة لحروب ودمار ممنهج طال مجتمعات بأسرها. ولا يزال هذا الدمار مستمراً حتى اليوم: ففي غزة وحدها تجاوز عدد ضحايا العدوان الإسرائيلي منذ أكتوبر 2023 اثنين وسبعين ألف فلسطيني غالبيتهم من الأطفال والنساء، فيما تهجّر نحو مليوني شخص. وفي السودان واليمن وسوريا لا تزال الحروب تنتج موجات نزوح متواصلة. وفي فبراير 2026 نفّذت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية على إيران، وبغض النظر عن طبيعة النظام الإيراني الديكتاتوري الرجعي، فإن هذا العدوان العسكري المباشر على دولة ذات سيادة يرسخ منطق الحرب والعسكرتارية بديلاً عن القانون الدولي، وينتج مزيداً من الضحايا المدنيين والنازحين. هذه الحروب والصراعات تُشعلها أو تدعمها في معظم الأحيان تحالفات رأس المال والقوى اليمينية في الغرب وحلفاؤها الإقليميون. ومن المفارقة المؤلمة أن هذه القوى ذاتها التي أسهمت في تدمير مجتمعات بأسرها هي اليوم في طليعة من يرفعون راية معاداة المهاجرين ويصوّرونهم عبئاً لا ضحايا حروب أشعلوها.

تتصدر قضية الاندماج المشهد السياسي في الدول الاسكندنافية وبعض دول شمال أوروبا منذ عقود، وتتجدد حدتها مع كل موسم انتخابي. وعلى الرغم من تباين السياقات الوطنية، تتقاطع هذه الدول في مواجهة إشكاليات متشابهة: صعود الخطاب اليميني المعادي للمهاجرين، وانزياح أحزاب الوسط اليساري نحو مواقف أكثر تشدداً في ملف الهجرة، وغياب تفسير بنيوي جاد لأسباب تعثر الاندماج لدى أقلية من الوافدين. وتبرز الدنمارك في هذا السياق بوصفها النموذج الأكثر تشدداً حالياً، إذ أقرت خلال السنوات الأخيرة جملةً من أشد قوانين الهجرة والاندماج صرامةً في العالم الغربي. تتخذ هذه القراءة من الدنمارك نموذجاً تحليلياً لا لأنها استثناء، إذ تجسد هذه التناقضات بوضوح لافت، ولأنني أقيم فيها وأتابع مجرياتها عن قرب، مما يتيح لي رصد هذه الإشكاليات من الداخل. والحالة في جوهرها عامة وقابلة للتطبيق على سياقات مماثلة في دول أوروبية أخرى ذات أنظمة رفاه متقدمة.

ملاحظة للقارئ: المشهد الحزبي الدنماركي

ينقسم المشهد السياسي الدنماركي إلى كتلتين رئيسيتين. الكتلة الزرقاء اليمينية وتضم حزب فينسترا Venstre - Liberal Party (الليبرالي التاريخي)، وحزب الشعب الدنماركي Dansk Folkeparti - Danish People's Party (القومي الشعبوي) الذي أرسى منذ مطلع الألفية خطاباً مناهضاً للهجرة أصبح مرجعاً للتنافس السياسي في البلاد ودفع المشهد السياسي كله نحو اليمين في هذه المسألة، إضافة إلى الليبرالية الجديدة Liberal Alliance والمحافظين Det Konservative Folkeparti - Conservative People's Party.

الكتلة الحمراء اليسارية تضم حزب الاشتراكيين الديمقراطيين Socialdemokratiet - Social Democrats الذي يمثل نموذجاً صارخاً للانزياح اليساري نحو اليمين في ملف الهجرة، إذ قاد حكومات أقرت بعض أشد قوانين الهجرة صرامةً في تاريخ الدنمارك رغم انتمائه التاريخي لليسار الاجتماعي. وحزب الشعب الاشتراكي Socialistisk Folkeparti في موقع وسطي.

فيما تمثل القائمة الموحدة Enhedslisten - Red-Green Alliance الجناح اليساري الأكثر وضوحاً برلمانياً في رفض العنصرية تجاه المهاجرين والمطالبة بسياسات اندماج قائمة على مواثيق حقوق الإنسان الدولية. غير أن هذا الوضوح لا يخفي تناقضات جوهرية، إذ أبعدتها مواقفها في السياسة الخارجية والتسليح عن الموقف الاشتراكي التقليدي المناهض للحرب وللعسكرتارية، وأيدت إنفاقاً دفاعياً متصاعداً على حساب الرعاية الاجتماعية، بل اقترحت توسيع التجنيد الإلزامي ليشمل النساء بدلاً من المطالبة بإلغائه. وهذه التحولات دفعت قوى اليسار الجذري إلى تحفظات صريحة على اعتبارها خياراً يسارياً موثوقاً، وإن بقيت في ملف الحقوق الاجتماعية والاندماج أفضل ما يتيحه المشهد البرلماني الراهن.

وخارج هذه الكتل البرلمانية، تنشط في الدنمارك أحزاب وتنظيمات يسارية جذرية لا تحظى بتمثيل برلماني لكنها تمثل جزءاً حياً ومهماً من المشهد اليساري، كالأحزاب الشيوعية بمختلف توجهاتها والتنظيمات الاشتراكية الثورية والحركات الأناركية والنقابية المستقلة. وهذه القوى مجتمعةً، سواء من داخل البرلمان أو من خارجه، تشكل الرافد الأساسي للضغط من أجل صون المكتسبات الاجتماعية ومقاومة الخطاب اليميني المعادي للمهاجرين.

هذا التوزع الحزبي ليس مجرد خريطة تنظيمية، وإنما هو المفتاح لفهم طبيعة النقاش الدائر حول الهجرة والاندماج في الحملة الانتخابية الراهنة التي تسبق الانتخابات البرلمانية المقررة في الرابع والعشرين من مارس 2026. في خضم هذه الحملة، وفي ظل احتدام التنافس بين الكتلتين، تعود قضية اللاجئين والاندماج إلى واجهة النقاش السياسي بثقل لافت، وكأنها تصور باعتبارها إحدى المشكلات الجوهرية التي تهدد تماسك ومستقبل المجتمع الدنماركي.

وتميل معظم الأحزاب، بما فيها بعض أحزاب الوسط اليساري، إلى تفسير نجاح الاندماج أو إخفاقه من خلال عوامل ثقافية أو دينية أو عرقية. لا شك أن لهذه العوامل أثراً في بعض جوانب الاندماج، غير أن هذا الأثر يبقى محدوداً ولا يكفي لتفسير الظاهرة في جوهرها. فعوضاً عن التعامل مع الاندماج بوصفه مساراً اجتماعياً وتاريخياً معقداً تتشابك فيه عوامل بنيوية ونفسية واقتصادية، يجري اختزاله في شعارات ثقافية ودينية مبسطة توظف لإثارة الخوف وحشد الناخبين، مع ما يترتب على ذلك من أثر سلبي مباشر في مسيرة الاندماج ذاتها.

ولا بد هنا من التمييز بين نوعين من "القيم الدنماركية": القيم الأصيلة المستندة إلى مبادئ المواطنة والمساواة والكرامة الإنسانية التي كرسها الدستور ومواثيق حقوق الإنسان الدولية، و"القيم الدنماركية" التي يروج لها اليمين تحت مسمى "الهوية الوطنية" والمستندة في جوهرها إلى التعصب والعنصرية والتمييز والاستعلاء القومي. فهذا الخطاب يفضي عملياً إلى معاملة سكان البلد من أصول مهاجرة، جيلاً أول وجيلاً ثانياً ولد في الدنمارك ونشأ فيها، كما لو كانوا متهمين يستوجب عليهم إثبات براءتهم بصفة مستمرة بسبب أصلهم الديني أو القومي، على الرغم من أن الغالبية العظمى منهم تعمل وتسهم وتندمج بشكل فعلي في المجتمع الدنماركي. وبعض هذه الخطابات تتجاوز القيم الحقوقية التي كفلها الدستور الدنماركي والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

لكن سؤالاً أكثر عمقاً نادراً ما يطرح في النقاش العام، لا من الكتلة الزرقاء ولا من معظم أحزاب الكتلة الحمراء: ماذا تعني الدولة في أذهان من عاشوا جزء كبير من حياتهم في ظل دولة تقمع وتنهب؟ وكيف يمكن لهذه التجربة الراسخة أن تؤثر في علاقتهم بأي دولة أخرى؟ والأمر لا يقتصر على الجيل الأول وحده، إذ إن هذه الصورة عن الدولة قد تنتقل بصورة غير مباشرة إلى الجيل الثاني المولود في الدنمارك، عبر اللغة اليومية في البيت وطريقة الحديث عن المؤسسات والسلطة والقانون. فالطفل الذي ينشأ في بيئة تنظر إلى الدولة بريبة وخوف قد يرث هذه النظرة قبل أن يكون تجربته الخاصة معها، مما يجعل معالجة هذا البعد النفسي والتاريخي ضرورة تمس الأجيال لا الأفراد.

الدولة كما عرفوها: جهاز قمع لا مؤسسة خدمة

كثير من اللاجئين واللاجئات القادمين من الشرق الأوسط وبعض مناطق آسيا وأفريقيا عاشوا معظم حياتهم في ظل دول استبدادية فاسدة. بالنسبة لهم، لم تكن الدولة مؤسسة عامة تخدم المجتمع وتحمي حقوق أفراده. كانت في تجاربهم اليومية جهاز سلطة قمعياً يعمل في الغالب لصالح نخبة ضيقة على حساب المجتمع الأوسع، مرتبطاً بالفساد المنهجي والرشوة والأجهزة الأمنية المهيمنة على الحياة العامة والبيروقراطية غير الخاضعة للمساءلة الشعبية. وكانت في أغلب الأحيان سلطة غير منتخبة أو تلجأ إلى انتخابات صورية مزيفة لا تعدو كونها واجهة لإضفاء الشرعية على حكم قائم أصلاً، وتتعامل مع الناس باعتبارهم رعايا خاضعين لا مواطنين يتمتعون بحقوق.

وهذه التجربة المتجذرة مع الانتخابات المزيفة أو مع غيابها الكلي تفسر جزءاً مهماً مما تعكسه الاحصائيات في الديمقراطيات الاسكندنافية من انخفاض نسبة المشاركة الانتخابية لدى الدنماركيين من أصول أجنبية مقارنةً بالمواطنين الأصليين. فالمشاركة في الانتخابات ليست سلوكاً فطرياً، هي ممارسة مكتسبة تبنى على ثقة راسخة في أن صوت الفرد يحدث فارقاً حقيقياً. ومن لم يعرف في حياته سوى صناديق اقتراع لا تغير شيئاً، أو تستخدم لتزوير إرادة الناس، يحتاج وقتاً وتجربة ملموسة ليقتنع بأن الأمر مختلف هنا.

والأهم من ذلك أن هذه الدول في كثير من الحالات لم تنشأ في فراغ. تشكلت وتحكمت في السلطة عبر تحالف وثيق بين الحكام السياسيين والنخب الرأسمالية المحلية والعالمية المستفيدة. وهي دول تلقت في أحيان كثيرة دعماً سياسياً وعسكرياً ومالياً من قوى دولية غربية تحت ذريعة الاستقرار الإقليمي ومكافحة التطرف، ومنها الدنمارك، في الوقت الذي كانت فيه تسحق المجتمع المدني وتمنع أي شكل من أشكال التنظيم الديمقراطي أو النقابي المستقل. وهذا السياق الدولي جزء لا يتجزأ من فهم الأزمة، إذ إن المجتمعات الغربية التي تتساءل اليوم عن أسباب صعوبة الاندماج تحمل في الوقت ذاته قدراً كبيراً من المسؤولية التاريخية عن التفاوت الاقتصادي وإدامة الأنظمة التي أفرزت هؤلاء اللاجئين وصنعت في نفوسهم هذه العلاقة العميقة من الريبة والخوف من الدولة.

في مثل هذه الأنظمة القمعية والفاسدة، يصبح من الطبيعي تماماً أن يحاول الناس الالتفاف على الدولة عوضاً عن التعاون معها. يتجنبون الإجراءات الرسمية، يتحايلون على القوانين ويتجنبون دفع الضرائب، ويبحثون عن طرق غير رسمية لإنجاز المعاملات، ويعتمدون على شبكات العلاقات الشخصية والعائلية والمناطقية عوضاً عن المؤسسات العامة التي لا يثق بها أحد. هذه ليست خصيصة ثقافية موروثة بالمعنى الجوهراني البسيط. هي في معظمها نتيجة منطقية لتجربة تاريخية طويلة ومتوارثة مع دولة دأبت على قمع ونهب المجتمع عوضاً عن خدمته.

ويزيد هذا التعقيد بعداً آخر كثيراً ما يغفله النقاش العام: فكثير من اللاجئين لا يحملون فقط تجربة سياسية مع الدولة الاستبدادية، بل يحملون أيضاً صدمات حرب ونزوح واضطهاد تلقي بظلالها العميقة على قدرتهم في الثقة بأي مؤسسة بغض النظر عن طبيعتها. هذا البعد النفسي لا يعالج بالشرح المؤسسي وحده، بل يحتاج دعماً متخصصاً ينبغي أن يكون جزءاً لا يتجزأ من أي سياسة اندماج جادة.

دولة الرفاه: نموذج ولد من النضال الطبقي

عندما يصل هؤلاء اللاجئون واللاجئات إلى الدنمارك، يجدون أنفسهم أمام نموذج مختلف تماماً عن كل ما عرفوه. فرغم أن الدولة الحديثة تبقى في النهاية جزءاً من بنية اجتماعية طبقية داخل النظام الرأسمالي، فإنها في الدنمارك والدول الاسكندنافية عموماً تقوم على مؤسسات ديمقراطية وانتخابات حرة ومستقلة وشفافية مؤسسية عالية نسبياً وقواعد قانونية تطبق بصورة متساوية إلى حد كبير على الجميع بغض النظر عن انتمائهم أو ثروتهم، وهو نموذج لا يقارن بأي شكل من الأشكال بما عاشوه في دولهم السابقة.

غير أن الاعتراف بهذه المكتسبات لا يعني التغاضي عن الطابع الطبقي للدولة الدنماركية. فهي في نهاية المطاف دولة رأسمالية تعمل داخل منظومة اقتصادية تركز الثروة وتعيد إنتاج التفاوت الاجتماعي. فالتعليم العام المجاني والرعاية الصحية الشاملة ونظام الضمان الاجتماعي وقوانين حماية العمال لم تولد مع الدولة الدنماركية، بل انتزعت انتزاعاً عبر عقود طويلة من الصراع الاجتماعي والتنظيمي بين العمال ورأس المال، ولم تكن يوماً تنازلاً طوعياً من الطبقة المسيطرة. وتجدر الإشارة إلى أن هذا النموذج الاسكندنافي – دولة الرفاه- شهد تراجعاً ملموساً منذ التسعينيات، حين بدأت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية بالانزياح نحو الوسط الليبرالي، متخليةً تدريجياً عن الأولويات التي صنعت هذا النموذج لصالح إدارة الرأسمالية لا تحديها.

وهذه المكتسبات ليست محصنة إلى الأبد. فهي عرضة دائماً للتآكل كلما ضعفت الحركة اليسارية والنقابية وتراجع حضورها في الفضاء العام. وتاريخ الرأسمالية يثبت أن رأس المال لا يتخلى طوعاً عما انتزع منه، وأن كل تراجع في قوة التنظيم الجماعي تفتح معه نافذة لإعادة تقليص هذه الحقوق تحت ذرائع متجددة. لذا فإن الحفاظ على هذه المكتسبات وتطويرها مرهون في كل جيل بيقظة الحركات اليسارية و التقدمية واستمرار تنظيمها ومشاركتها السياسية الفاعلة.

هذه الحقيقة التاريخية هي مفتاح جوهري لفهم طبيعة الدولة الدنماركية. فعندما يقال لمهاجر أو لاجئ إن الدولة هنا "مختلفة"، يظل هذا الكلام مجرداً ما لم يقرن بالسياق التاريخي الذي أنتج هذا الاختلاف: حركات عمالية منظمة، إضرابات واحتجاجات، تفاوض جماعي، وصراع سياسي امتد لأجيال قبل أن يفضي إلى هذا المستوى من الحقوق الاجتماعية.

وتقوم هذه الدولة أيضاً على منظومة قانونية تستند إلى مبادئ حقوق الإنسان، بما في ذلك المساواة القانونية بين النساء والرجال، وتحييد الدين عن الدولة، وحماية حقوق الأطفال، وحق جميع المواطنين والمقيمين في التعليم والرعاية الصحية والكرامة الإنسانية بصرف النظر عن وضعهم الاجتماعي أو الاقتصادي. بالنسبة لكثير من اللاجئين القادمين من مجتمعات لا تتمتع فيها هذه الحقوق بالحماية القانونية الكافية، فإن استيعاب هذه القواعد وفهم منطقها ليس مجرد تكيف ثقافي، بل هو جزء أساسي من فهم طبيعة الدولة الديمقراطية العلمانية ذاتها وطريقة اشتغالها.

ومن أبرز نتائج هذه المنظومة أن المرأة المهاجرة القادمة من بيئات تعاني فيها النساء من تمييز قانوني وقيود اجتماعية صارمة، تجد نفسها أمام منظومة حقوقية تكفل لها حماية أوسع في مجالات العمل والتعليم والطلاق والحضانة وحرية التنقل. وهي في أحيان كثيرة تكتشف لأول مرة حقوقاً قانونية كانت محرومة منها.

الغالبية العظمى من اللاجئين واللاجئات تتكيف تدريجياً مع هذا النموذج وتتفاعل معه بشكل إيجابي وفعال. يتعلمون الثقة بالمؤسسات العامة، يدخلون سوق العمل، يدفعون الضرائب، يشاركون في الحياة المجتمعية، ويربون أطفالهم داخل هذا النظام. بل إن كثيراً منهم باتوا فاعلين في كافة مفاصل المجتمع الدنماركي، ومنها قطاعات اقتصادية حيوية كالرعاية الصحية والخدمات والنقل والبناء والصناعات الغذائية، وهي قطاعات باتت تعتمد اعتماداً جوهرياً على هذه الأيدي العاملة التي لولاها لتعطلت خدمات أساسية يستفيد منها المجتمع بأسره.

وفي قطاعات بعينها باتت العمالة ذات الأصول الأجنبية تمثل الغالبية الساحقة من القوى العاملة، لأن هذه القطاعات تتطلب استعداداً للعمل في ظروف شاقة وبساعات مطولة. هذا الإسهام الاقتصادي الحقيقي نادراً ما يجد طريقه إلى النقاش السياسي العام المهووس بالسلبيات، وهو إسهام يستحق الاعتراف والتقدير لا التجاهل.

ولا بد من الإشارة إلى أن الاندماج في سوق العمل لا يصطدم فقط بعوائق من طرف المهاجرين أنفسهم. فالبحوث تثبت وجود تمييز هيكلي حقيقي، إذ يرفض أصحاب الأسماء الأجنبية في سوق العمل بنسب أعلى من أقرانهم ذوي الأسماء الدنماركية بغض النظر عن مؤهلاتهم. هذا التمييز ليس مشكلة فردية بل تحيز بنيوي داخل سوق العمل الرأسمالي، ومعالجته تستوجب تشريعات صارمة وضغطاً نقابياً منظماً.

غير أن ثمة أقلية صغيرة تبقى لوقت أطول أسيرة التجربة القديمة مع الدولة والموروث الذكوري السلطوي، فتتعامل مع النظام الدنماركي بمنطق ما اعتادته في بلدها السابق، من لجوء إلى العمل غير الرسمي أو محاولة تجاوز القوانين أو الاعتماد على شبكات غير رسمية عوضاً عن المؤسسات العامة، أو محاولة فرض قيود على النساء في الأسرة وفي تربية الأطفال تتعارض مع المنظومة الحقوقية التي يكفلها القانون الدنماركي للجميع. وفي بعض الحالات لا يتعلق الأمر فقط بالعلاقة مع الدولة، بل بضغط الجماعة والطائفة والدين التي تشكل سلطة موازية تنافس سلطة المؤسسات العامة وتفرض على الأفراد، ولا سيما النساء والاطفال، امتثالاً لمعايير تتعارض مع المنظومة الحقوقية الدنماركية. وهذه السلطة الجماعية الموازية تحتاج إلى معالجة مستقلة لا يكفي فيها الشرح المؤسسي وحده.

سياسات الاندماج وإشكالية فهم الدولة

غالباً ما يفسر تعثر اندماج هذه الأقلية في النقاش السياسي السائد بوصفه مشكلة ثقافية أو دينية جذرية تستوجب المزيد من القيود والاختبارات والشروط. التفسير الأكثر دقة وواقعية هو أن المسألة في كثير من الحالات انتقال عسير من تصور راسخ للدولة بوصفها جهاز قمع وفساد، إلى تصور مختلف جذرياً يرى فيها مؤسسة تضامن اجتماعي تستحق الثقة والمشاركة. القادمون من تجارب استبدادية يحتاجون وقتاً واستثماراً حقيقياً لفهم أن العلاقة بين المجتمع والدولة في الدنمارك تقوم على قواعد مختلفة تماماً عما عاشوه.

سياسات الاندماج الدنماركية الراهنة لا تعالج هذا البعد الجوهري بشكل كافٍ. فعوضاً عن التركيز على شرح طبيعة مؤسسات الدولة وآليات عملها والتاريخ النضالي الذي أنتجها، تراكمت خلال السنوات الماضية، تحت ضغط متصاعد من اليمين واليمين المتطرف، سياسات اندماج اتجهت نحو تشديد القوانين وتوسيع الاختبارات القيمية وفرض قيود متزايدة على الإقامة وبعض الحقوق الاجتماعية. سياسات تنطلق من افتراض مسبق بأن اللاجئ بشكل عام مشكلة ينبغي احتواؤها والتحكم بها، لا إنسان يحمل تجربة تاريخية معقدة تحتاج إلى الفهم والتعامل معها بجدية.

هذا النهج لا يفشل فقط في تحقيق الاندماج. قد يعزز لدى بعض اللاجئين واللاجئات الصورة القديمة عن الدولة كجهة عدائية تتربص بهم، وهو بالضبط عكس ما تسعى إليه سياسات الاندماج المعلنة.

في المقابل، يحتاج الاندماج الحقيقي إلى شرح واضح لكيفية عمل مؤسسات الدولة المستندة إلى المواطنة، والعلاقة العضوية بين الضرائب والخدمات العامة، ودور النقابات وقوانين العمل في حماية العاملين والعاملات. تعلم اللغة ضروري بلا شك، لكنه لا يكفي وحده لفهم المجتمع. فهم الدولة ومؤسساتها، وفهم العلاقة بين الحقوق الاجتماعية والواجبات المشتركة، لا يقل أهمية عن القدرة على التحدث بالدنماركية.

المشاركة في التضامن الاجتماعي

من أكثر المفاهيم التي تحتاج إلى إعادة صياغة في سياق الاندماج مفهوم العمل غير الرسمي، وما يعرف في الدنمارك بـ"العمل الأسود". في بعض البلدان، يعتبر العمل دون تسجيل أو دون دفع ضرائب أمراً طبيعياً ضرورياً للبقاء، وأحياناً ينظر إليه كشكل من أشكال مقاومة دولة فاسدة لا تستحق أن تمول. هذا المنطق مفهوم تاريخياً في سياق أنظمة استبدادية تستولي على الضرائب لصالح الحكام لا لخدمة المجتمع.

غير أن ثمة مفارقة كبرى لا يمكن إغفالها: أصحاب رأس المال الدنماركي أنفسهم يلجأون إلى التهرب الضريبي والعمل غير الرسمي بأساليب أكثر تطوراً وأوسع حجماً بما لا يقاس، عبر الملاذات الضريبية والشركات الوهمية وثغرات القانون التي تفصل لخدمتهم. فتركيز النقد العام والسياسي على ممارسات أقلية من المهاجرين مع التغاضي عن تهرب الطبقة الرأسمالية ليس موقفاً محايداً ولا مبدئياً، وانما هو توظيف سياسي واضح لتحويل الأنظار عن التناقضات البنيوية للنظام، وتحميل الحلقة الأضعف مسؤولية أزمات لم تصنعها.

ومع ذلك، في دولة كالدنمارك تعتمد على نظام ضريبي تصاعدي جماعي انتزع نضالاً وحمي تنظيماً لتمويل الخدمات العامة، فإن العمل غير الرسمي لا يعني مجرد مخالفة قانونية، بل يعني إضعاف نظام التضامن الاجتماعي الذي بني على مدى أجيال. كل ضريبة تدفع هنا تذهب إلى المدارس والمستشفيات والبنية التحتية ونظام الضمان الاجتماعي الذي يستفيد منه الجميع، بما فيهم اللاجئون أنفسهم.

عندما يفهم الإنسان هذا الارتباط العضوي بين ما يدفعه وما يحصل عليه المجتمع، يصبح دفع الضريبة فعلاً مختلفاً تماماً. لا يعود إذعاناً لسلطة خارجية، يصبح مشاركة طوعية في منظومة تضامن اجتماعي يستفيد منها الجميع.

الأمر نفسه ينطبق على محاولة التحايل على القوانين. ففي الأنظمة الاستبدادية، قد يرى الناس في التحايل على الدولة شكلاً من أشكال الدفاع عن النفس، وحتى المعارضة المشروعة لنظام فاسد. أما في مجتمع يقوم على مؤسسات عامة مشتركة، فإن هذه الممارسات تضعف الثقة المتبادلة بين المجتمع والدولة وتقلص الموارد التي تعتمد عليها المدارس والمستشفيات والخدمات العامة التي يستفيد منها الجميع.

وينسحب هذا المنطق ذاته على ظاهرة التهرب من العمل وادعاء المرض للحصول على إعانات اجتماعية لا يستحقها أصحابها. ففي بلدان كانت الدولة تنهب المواطنين، قد ينظر إلى استغلال مزايا النظام الاجتماعي على أنه نوع من استعادة الحق أو الانتقام من سلطة غير عادلة. غير أن هذا المنطق ينقلب رأساً على عقب في مجتمع قائم على التضامن الاجتماعي رغم طابعه الطبقي، إذ إن هذه الإعانات لا تأتي من خزينة حاكم مستبد، هي ممولة من ضرائب شغيلات وشغيلة اليد والفكر الذين بنوا هذا النظام عبر عقود من النضال الجماعي. والتحايل عليها لا يضر بالدولة كمؤسسة مجردة، يضر بالتضامن الاجتماعي الذي يستفيد منه الجميع بمن فيهم اللاجئون أنفسهم.

والأخطر من ذلك أن هذه الممارسات الخاطئة، رغم أنها تصدر عن أقلية صغيرة، تمنح اليمين واليمين المتطرف ذريعة ذهبية لتعزيز خطابهم العنصري وتصوير المهاجرين جميعاً باعتبارهم عبئاً على المجتمع، وهو خطاب يوظفونه في نهاية المطاف لتبرير تقليص المكتسبات الاجتماعية التي تطال الجميع، من سكان البلد الأصليين والمهاجرين على حد سواء. فمن مصلحة اللاجئين واللاجئات أنفسهم، قبل أي اعتبار آخر، أن يكونوا أشد حرصاً على صون هذه المكتسبات وعدم تقديم أي ذريعة لمن يسعى إلى تفكيكها.

الاندماج الحقيقي: تجربة اجتماعية ومسؤولية مشتركة

لهذه الأسباب مجتمعة، يمكن لسياسات الاندماج أن تشمل أمثلة عملية ومباشرة تقرب هذه المفاهيم من الواقع اليومي: كشرح كيفية تمويل المدارس والمستشفيات من الضرائب، وكيف يحصل العامل أو العاملة على حقوقهم عبر عقود العمل الرسمية والنقابات، وكيف تحمي القوانين العاملين والعاملات عندما يكون العمل مسجلاً. كما يمكن تعزيز هذا الفهم عبر تشجيع مشاركة اللاجئين واللاجئات في الحياة السياسية والمدنية والنقابية، وفي الجمعيات المحلية والأنشطة المجتمعية.

عندما يرى الناس كيف تعمل المؤسسات الديمقراطية في الحياة اليومية، وكيف استطاعت التنظيمات اليسارية والحركات العمالية والنقابية والاجتماعية أن تنتزع حقوقاً اجتماعية واسعة عبر التنظيم الجماعي، يصبح الاندماج عملية اجتماعية حقيقية لا مجرد التزام إداري أو امتحان قيمي تفرضه الدولة من الخارج.

الاندماج مسؤولية مشتركة لا شك في ذلك، غير أن توزيع هذه المسؤولية لا يمكن أن يكون متساوياً. فالدولة بمؤسساتها ووسائل الإعلام تتحملان القسط الأكبر من هذه المسؤولية، لأنهما تمتلكان الأدوات والموارد والسلطة اللازمة لصياغة السياسات وتشكيل الوعي العام.

على الدولة أن تستثمر في شرح طبيعة مؤسساتها وتاريخها النضالي عوضاً عن الاكتفاء بفرض اختبارات قيمية وتشديد القوانين. وعلى وسائل الإعلام مسؤولية خاصة، إذ يقع عليها واجب التركيز على الجوانب الإيجابية الكثيرة لمسيرة الاندماج وإبرازها، عوضاً عن تضخيم بعض الممارسات الخاطئة التي تبقى استثناءً لا قاعدة، وتعمق الانقسام الاجتماعي.

في المقابل، فإن القلة القليلة من اللاجئين واللاجئات الذين لا يزالون ينظرون إلى الدولة بمقياس تجاربهم السابقة في حاجة إلى إعادة نظر حقيقية في هذه الصورة. الدولة في الدنمارك، رغم نواقصها وتناقضاتها الطبقية التي لا يمكن إنكارها، ليست جهاز فساد وقمع يومي كما عرفه كثيرون في بلدانهم السابقة. هي إلى حد كبير مؤسسة عامة تضمن الحقوق الأساسية وتوفر خدمات اجتماعية واسعة وتحمي القانون أمام الجميع.

هذا الفارق الجوهري هو تحديداً ما تحتاج تلك القلة إلى استيعابه. احترام القوانين وتسجيل العمل ودفع الضرائب والتعامل مع المؤسسات العامة بشفافية ليست مجرد التزامات قانونية تفرضها سلطة خارجية، وإنما تمثل شكلاً من أشكال المشاركة الفعلية في نظام تضامن اجتماعي تشكل عبر عقود طويلة من نضال شغيلات وشغيلة اليد والفكر والحركات اليسارية والنقابية والاجتماعية.

المشاركة السياسية

ومن هذا المنطلق تحديداً، تصبح المشاركة في الانتخابات واجباً ضروريا الان. فالصوت الانتخابي أداة تأثير فعلي في القرارات التي تمس حياة الجميع يومياً، من الخدمات الصحية والتعليمية إلى قوانين العمل وسياسات الإسكان. والدنماركيون من أصول أجنبية الذين يحجمون عن التصويت يتركون الساحة خالية لأصوات تشكل السياسات على حسابهم وتغذي الخطاب العنصري الذي يصورهم عبئاً لا شركاء.

في انتخابات الرابع والعشرين من مارس 2026، غاب عن بطاقة الاقتراع أي خيار يساري جذري مستقل، مما يضع الناخب اليساري أمام خيار تكتيكي لا مفر منه: التصويت للقوى اليسارية البرلمانية الأكثر دفاعاً عن حقوق شغيلات وشغيلة اليد والفكر ومواجهةً للخطاب العنصري، مع المساءلة المستمرة على تناقضاتها، لا سيما تأييدها إنفاقاً دفاعياً متصاعداً يستنزف موارد المدارس والمستشفيات ومنظومة الرعاية الاجتماعية. إنه رهان تكتيكي لا إقرار بلا تحفظ.

غير أن البرلمان ساحة واحدة من ساحات النضال المهمة. فالتنظيم النقابي والعمل المجتمعي والضغط الشعبي من خارج البرلمان هي التي صنعت المكتسبات الاجتماعية تاريخياً وهي التي تحميها اليوم. ومن عاش طويلاً في ظل دولة تسرق أصواته وتسحق تنظيمه، يملك اليوم فرصة مزدوجة: أن يدلي بصوته في صندوق الاقتراع، وأن ينخرط في التنظيم الجماعي النقابي والمجتمعي، لأن التغيير الجذري لم يأتِ قط من صناديق الاقتراع وحدها، رغم أهميتها.

وختاماً، ثمة سؤال لا يمكن تجاوزه: كيف ندعو المهاجر إلى الاندماج في مجتمع نصفه في الوقت ذاته بأنه مجتمع طبقي رأسمالي؟ الجواب أن هذا المجتمع، رغم طابعه الطبقي، ليس مجتمعاً واحداً متجانساً. هو ساحة صراع انتزع فيها شغيلات وشغيلة اليد والفكر واليسار على مدى أجيال حقوقاً اجتماعية حقيقية. والاندماج المقصود هنا ليس استسلاماً للنظام القائم ولا قبولاً بشروطه كما هي. هو انخراط فاعل في هذا الصراع ذاته. فالمهاجر الذي يدفع ضرائبه وينتسب إلى نقابته ويشارك في الحياة السياسية يكتسب أدوات النضال الاشتراكي ويصبح شريكاً في مسيرة تغيير هذا المجتمع، لا مجرد مستفيد من مكتسباته. الاندماج والنضال الاشتراكي وجهان لعملة واحدة في تجربة كل من ناضل من أجل مجتمع أكثر عدلاً عبر التاريخ.

***

رزكار عقراوي

"طوال ثلاثين عاماً كنا نظن أنَّ القواعد الأمريكية تحمي دولنا.. ولكن تبين أننا في الحقيقة منْ يحميها "... عبارة لمسئول خليجي

كثيرةٌ هي الصراعات والحروب في المنطقة العربية حتى شكلت مشهداً تاريخياً عجيباً. وهي منطقة تتمتع بأضخم أرصدة الثروات الطبيعية والبشرية والثقافية في العالم. بدا واضحاً أنَّ نشوب الصراع بأشكاله المختلفة أقرب إلى الحدوث بخلاف احتمالات السلام. ومن وقت لآخر، تلوح في الافق أجواء مُلبدة بالاحتقان بين قوى تتسلح بمخزونها الثقافي والمادي. خلال السبعين سنة الماضية، لم يخلُو " عقدٌ واحد " من نزاع داخل البلدان العربية أو بينها وبين وسواها.

ثمة طرف معروف في حين تتغاير الأطراف الأخرى بُعداً أو قُرباً. "اسرائيل- أمريكا " هما الطرف شبه الثابت في معادلة الصراعات، بينما تتواتر دول تالية: مصر وسوريا وفلسطين ولبنان والأردن والعراق وإيران ..، أطراف تحل محل الأخرى بحسب سياق الأحداث، ولكن المشاهد مكررة والوقائع معروفة!!

إزاء كل حالةٍ، يكون مُؤشر فهمنا للاحداث خطأً، ليس من باب الجهل، ولكن نتيجة المعالجات الفكرية غير الدقيقة للصراع. لأننا نهوى عادةً تصويب الأفكار في الجهة الأخرى، على شاكلة اللاعب الذي يصوب الكرة خارج المرمى. بات "عقلنا السياسي" مثل السيارة الطائشة التي لا كوابح لها. تتحرك في كل اتجاه وتصطدم بالأشياء وتتخبط بالطرقات ظنّاً منها: أنَّ الاشياء هي التي تعترض طريقها. فلا يعنينا منْ نحن عندما نكون طرفاً في صراع ولا كيفية استثمار قوتنا قبل أنْ نتحرك في اتجاهٍ أو آخر. ولكن المهم هو إلقاء الاتهامات يميناً ويساراً، وليس بعيداً أنْ يتم دهس كل من يحاول ترشيد السرعة أو ضبط التوجهات في الطريق الصحيح.

هناك أسئلة شائعة تمثل الوعي المشوّه تجاه الصراعات: منْ يقف معنا ومنْ يقف ضدنا؟ هل أمريكا تقف بجوارنا إزاء اسرائيل أم أنها تتلاعب بمواقفنا؟ هل انجلترا تؤيد إسرائيل أم تدعم العرب؟ هل فرنسا مع الطرف الآخر أم تُقوّي أهدافنا؟ وصولاً إلى معضلة الحرب بين إيران وامريكا -اسرائيل، لنتساءل بالطريقة نفسها: لماذا تعتدي علينا إيران كلسان حال دول الخليج؟ ولماذا لا نعطي فرصة للغرب الأميريكي لحمايتنا؟ إننا ننسى كل شيء ونركز على أشياء هامشية خارج الحدث. وهذا الأمر قد يعود إلى غياب المصداقية في معالجة القضايا الأساسية منذ البداية.

فتح العرب المجال لأقدام الغرب الأمريكي في معظم الدولة العربية. قواعد أمريكية عسكرية توجد على أراض وطنية في أكثر من عشر دول: قطر، البحرين، الامارات، الكويت، السعودية، سلطنة عمان، العراق، الأردن، سوريا، جيبوتي. القواعد بمثابة "إعلان حرب معلق" على التراب الوطني. فالدول الخليجية دول جوار انثروبولوجي وجيوسياسي واقتصادي من أزمنة بعيدة. لماذا توجد بها منفردةً قواعد عسكرية؟! وعلى افتراض إذا نشبت صراعات يوماً ما في منطقة الخليج، فمن ستحارب القواعد المتواجدة على أراضهيا؟ فالقواعد تنتمي إلى الدولة الأمريكية، هل قاعدة أمريكا في قطر ستحارب قاعدة أمريكا في السعودية؟ هل قاعدة أمريكا في البحرين ستدافع أمام قاعدة أمريكا في الكويت؟ هل ستحمى قاعدة أمريكا في سورىا الدولة السورية منةقاعدة أمريكا في الأردن؟ أمر كهذا يحار فيه من يحاول تحليل المواقف السياسية. فالرابح الوحيد من الصراعات هو أمريكا وحليفتها الأولى في المنطقة (اسرائيل).

التواجد الامريكي في دولةٍ ما لا يكون تواجداً محدوداً ولا محكوماً بقوانين. أمريكا قوة عظمى مرتبطة بفكرة التوسع وتغلغل النفوذ. وهذا أمر صارخ الوضوح طبقاً لتأسيس القواعد العسكرية من جهةٍ وطبقاً لتاريخ أمريكا في المنطقة من جهةٍ أخرى. وبحكم الهيمنة، فهي تأخذ صلاحيات أكثر مما ينبغي. أي تشكل حالةً خاصةً من التواجد العسكري السياسي. ويكفي أن القواعد لا تخضع لقوانين ولا لقرارات ولا تقاليد الدولة المضيفة ( قطر أو البحرين أو الامارات أو سوريا...). هي حالة لا محل لها من الاعراب القانوني ولا التبرير السياسي. لابد أن انشاء القاعدة العسكرية يقتضي اقرار آليات دولية وسيادية تخص الدولة صاحبة القواعد. لأن المنطق يقول إنها دولة دفاع ومساندة لدولة أخرى. ولكن أين بوادر هذا المنطق في الواقع؟

القاعدة العسكرية إذن بمثابة جسم غريب في دولة أخرى. وبطبيعتها تمثل الغرابة علامة استفهام دون اجابةٍ. ما معنى أنْ تكون هناك قاعة حربية في مجتمع آخر؟! كيف يتم النظر إلى كيان حربي في أرض دولة وطنية؟! وحدُها الحروب تخص أصحاب الأرض مثل الهوية والمعتقدات والعلاقات الاجتماعية والثقافية. لا يتحمل مجتمع حروب مجتمع آخر ولا تكون ثمة حروب مستعارة. أتدري لماذا تميز الثقافة مجتمعاً عن غيرة، لأنَّ الثقافة تخص مجتمعاً معيناً من أول وهلةٍ. هل تخص القواعد العسكرية الدولة المضيفة بالأسلوب ذاته؟! هل هي من جنس الوجود الذي تتمتع به الدولة المضيفة؟!

كما لا يوجد مبرر حداثي لاحتواء " بؤرة عسكرية " لدولة أخرى. بؤرةٌ قد تفهم بشكل مغاير. من زاوية أنَّ ثمة تداخل للسيادات بين الدولة الوطنية والدول المغايرة. ولكن قد يثار هنا استفهام آخر: كيف توجد سيادة داخل سيادة أخرى؟! تحت أي عنوان تخلط السيادة بغيرها. فهي إما أن تكون خالصة لأصحابها وإما لا تكون.

إن الحماية ليست بالانابة ولن توجد. وبخاصة أنَّ قطعة من السيادة الامريكية (القاعدة) في دولة ما كفيلة باستحضار باقي السيادة بشحمها ولحمها. والسيادة الوطنية بالذات لا تخص آخرين. هي سيادتنا نحن أصحاب الوطن، ونحن ما يتحمل تبعات ذلك. ولن يفهم أحدٌ غيرنا ماذا تعني السيادة قدر ما نتمتع بها. وليست ثمة أسباب مهما تكن تستدعي استعارة سيادة أمريكية بلا ضمان. هل حين لا نريدها سترحل من غير تبعات؟

الأساس في الموضوع أنَّ هناك تكافؤاً بين الدول في الاجراءات الحربية. أي تقوم دولة بمعناها الحداثي لاتخاذ قرار الحرب، لكونها مناظرة لدولة خرى تراها معتدية. أما أن يجلب مجتمع قوى أخرى لحمايته فهذا يعيد النظر في مفاهيم الدولة والحرية والمجتمع ذاته. لماذا أطلثقات الدولة على نفسها هذا السم حداثياً ؟ لأنها تستطيع ةحماية شعبها ومقدراتها وثرواتها قبل أن يتمتع أرادها بذاك. وهذا ما نسميه في الكلمة الدلة الأمن أو السلام. ولا توجد كلمات حداثية أخرى تستبدلها.

يؤكد ميشيل فوكو " أنَّ من يمتلك قرار الحرب هو من يمتلك قرار الواقع". هل ذلك ينطبق على الدول التي تحتضن قواعد عسكرية تمتلك توقيتات الصراع والحروب. وقصدت الولايات المتحدة إلى تحديد مؤشر الصراع في حالة إيران. واختارت الانحياز الكامل لمصالح الكيان الصهيوني. وربما لو سألت أمريكا دول القواعد الأمريكية ما كانت لتوافق الأخيرة على قرار الحرب مع إيران. ببساطة لأن هذه الدول العربية كانت ستسأل: ما مصير الحماية التي ترتهن بوجود القواعد؟ وماذا لو ضُربت هذه القواعد في التراب الوطني للدول؟ هذه خلفية الاحراج السياسيى الذي ظهر في الأفق مع ولائم الحروب في المنطقة العربية. لأنَّ القواعد الامريكية نزعت الغطاء السياسي عن وجودها وكشفت إلى أي مدى كانت مصدر تهديد لا مصدر حماية. والمدهش أن أمريكا لم تعطي هذا الأمر كبير عناية ولم تبرر حتى غير بكلمات لا قيمة لها.

يقول دونالد ترامب بصدد الحرب الدائرة بين أمريكا وايران: " إن هدفي هو منع ايران، تلك الامبراطورية الشريرة، من امتلاك أسلحة نووية ومن تدمير الشرق الأوسط". لقد حشر الهدف الخاص بدولته ( الأمريكية- الصهيونية) كهدف عام في المنطقة. وتكلم ببداهة مباشرة تصل إلى درجة الصفاقة السياسية عن الأهداف. كان يجب أن يعطي المجتمعات العربية التي وثقف في دولته كل الحرية في اتخاذ الاهداف الخاصة بها، لا أنْ يسحب الأمر على المنطقة كأنه لا يوجد بشر تحت عنوان العرب. هذا نوع من " التوريط بالوكالة " أي يشن الحرب على ايران ويترك الدول العربية تواجه مصيرها عند ردود الفعل. وليس ذلك تبريراً للأفعال الايرانية ولا الأمريكية في منطقة الخليج العربي، ولكن انطلاقاً من استحقاق السيادة السياسية لدول عربية مستقلة وحرة.

وضع ترامب من ضمن أهدافه منع إيران من تدمير الشرق الأوسط كما قال. لم ير أن مهام قواعده هي الحماية الاستباقية قبل أن تفكر أية قوة في ذلك ابتداء. أي أن قوالته توجد بالمنطقة لكي تحول دون الوصوال إلى هذه المرحلة. مما يدل على أن كلام ترامب حول تدمير ايران لدول العرب تهديد للمجتمعات العربية. وكأنه يقول: ما لم تنهض الدول العربية بمحاربة ايران فسأترك الميدان لكي تلتهم ابيران المنطقة. وهو يعلم ويردد طال الوقت كلاما نهماً عن حجم الثروات الاقتصادية العربية.

الأمر الذي يعني أنه على العرب أن يدفعوا تكلفة الحرب مع ايران. وهو يمثل حماية بعيدة المدى لاسرائيل. لأنَّ تكلفة الحرب ستُدفع من جيوب عربية لا جيوب صهيونية، وأن العائد منها حماية الكيان الاسرائيلي ليس أقل. وما حدث بالضبط أن الحرب ليست حرب العرب وأن فاتورة التكلفة ليست فاتورة العرب، ومع ذلك ستكون النتائج الايجابية عائدة على غيرهم. لأن ترامب يقصد بمصطلح " الشرق الاوسط " اسرائيل. وبخاصة أنَّ ايران أعلنت أكثر من مرةٍ: أنَّ المستهدف من وراء صراعاتها في المنطقة هو خنق دولة الكيان الصهيوني. وأنها هي الدولة التي يجب أن تنتهي من الخريطة السياسية.

ما علاقة العرب بذلك الصراع العابر للحدود من الأساس؟ لماذا يُصنع من وجود العرب وليمةً لحروب لا تهدأ في المنطقة؟

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

 

بقلم: راشيل دونالد

ترجمة: صالح الرزوق

***

مثل العديدين منكم تابعت الأخبار بعد إعلان ترامب العبثي في بواكير صباح يوم السبت نبأ دخول الولايات المتحدة الأمريكية مجددا الحرب ضد إيران.  نظرا لاغتيال القائد الأعلى، وحجم القصف، وانتقام إيران في الشرق الأوسط، واستهداف حلفاء أمريكا، والوعود الأورويلية من إدارة ترامب بقصف إيران حسب الضرورة وحتى تحقيق السلام، من العدل أن نفترض أننا في داخل مذبحة ذات عواقب أطول وأبعد من حرب الصيف الماضي بين إيران - والولايات المتحدة. وهذا يعني أنه علينا إيجاد طريقة للكلام عن الحرب بأسلوب يتقبل تعقيدات الأنظمة المجرمة التي تهاجم بعضها البعض، وهذا، كالعادة، واجب نفشل نحن اليساريين في تحقيقه.

*كيف ساعد الغرب في خلق الجمهورية الإسلامية

الحقائق المجردة لهذه الأزمة مهمة للغاية. تتحكم إيران بــ 13% من احتياطي البترول العالمي، وهي ثالث أكبر منتج في الأوبك. أمم رئيس الوزراء محمد مصدق صناعة البترول الإيراني عام 1951، وقاد ذلك إلى انقلاب دعمته بريطانيا وأمريكا عام 1953، لتركيز كل السلطات بيد حليف الغرب الشاه محمد رضا بهلوي، وإضعاف سلطة البرلمان. أعقب ذلك اتفاق التعاون الفني في عام 1954 وبموجبه امتلكت شركات النفط الغربية الحق بإنتاج 50% من النفط الإيراني.

في عام 1973 رفض الشاه الذي أعاد تأميم صناعة النفط الإيراني أن يتفق مع شركات النفط البريطانية والأمريكية والفرنسية والألمانية لمضاعفة إنتاج البلاد حتى 8 ملايين برميل من النفط يوميا. فحزمت الشركات الكبيرة أمتعتها وغادرت، وتواصلت الجهود الدبلوماسية بما يكفي من الهدوء، مستفيدة من حقيقة أن إيران أصبحت أحد أسرع الاقتصادات (والجيوش) نموا في العالم، بالإضافة لتماهي البلاد مع المؤثرات الغربية. فقد تغلغلت القوة الأمريكية الناعمة في داخل الثقافة الإيرانية على نحو مؤثر. ولكن بعد أقل من عقد، تورط البلد بمخاض عنيف. انحدر نظام الشاه إلى حكم أقلية فاسد: فأضرب 10% من البلد للاحتجاج على الملكية، ورد الجيش الإمبراطوري بتنفيذ مجازر ضد الشعب في الشوارع.  لكن تابع الإيرانيون زحفهم، بكثير من التحدي والعناد. وأصبح وجه الثورة آية الله موسوي الخميني، المنفي في باريس بسبب معارضته لبرنامج الشاه في تحديث الإصلاحات، وسرعان ما وعد الإيرانيين بوضع حد للمؤثرات الغربية الفاسدة، والعودة إلى مبادئ المساواة التي شجعت على نهضة ثقافية في بلد متنوع بأقصى الحدود. تخبرنا كتب التاريخ في الغرب والشرق الأوسط أن آية الله استعاد إيران من الغرب عام 1979. لكن في عام 2016 كشفت وثائق السي آي إي أن آية الله كان على تواصل مباشر مع إدارة الرئيس كارتر، بحثا عن دعم أمريكي لتسهيل عودته إلى إيران مقابل ضمانات بحماية المصالح الأمريكية. وتظهر هذه الوثائق أن الحكومة الأمريكية بالفعل "ساعدت في تمهيد الطريق لعودة الخميني بأمان إلى إيران، ولتسريع استلامه السلطة"، وهو ما قاد إلى تكوين متعجل للجمهورية الإسلامية الثيوقراطية، وإقامة نظام عرف بالقمع العنيف وبالتطهير العرقي للمعارضين.

*ماذا يريد ترامب ونتنياهو من إيران

تعرضت إيران إلى مقاطعة دولية على فترات منذ عام 1979، مما أدى إلى شلل تطورها الاقتصادي والحد من تجارة تصدير النفط. طبعا لم يساعد ذلك الإيرانيين، الذين تعرضوا لمجازر وتطهير عرقي في الثمانينات. وفي نهاية المطاف حاولت إدارة أوباما بتنفيذ تكتيك جديد مع إيران، وعرضت عليهم مقاطعة مخففة، مشيرة إلى العقوبات التي شملت النفط الإيراني، على أن تخفف إيران بالمقابل من نشاطاتها النووية. تم توقيع صفقة JCPOA   (صفقة إيران النووية) بمشاركة من الصين وفرنسا وألمانيا وروسيا والمملكة المتحدة. وكان هناك فريق تفتيش ثالث  يقدم تقريره كل 90 يوما للتأكد من أن إيران تلتزم بالاتفاق. واستمر الأمر حتى زعم ترامب المسعور في عام 2018 أن المخابرات الإسرائيلية اكتشفت كذب إيران ولم تحد من برنامج سلاحها النووي، وبناء على ذلك سحب الولايات المتحدة من الاتفاق.  وأعاد ترامب تفعيل عقوبات قاسية في أواخر 2018، مع عقوبات مماثلة شملت البلدان التي تتعامل تجاريا مع إيران. وأضاف اسم إيران إلى قائمة العقوبات الاقتصادية السوداء عام 2020، ليحد عمليا من قدراتها على المساهمة بالاقتصاد الدولي. وتمنع قائمة FATF  السوداء الدول من الدخول إلى نظام سويفت المصرفي SWIFT  الأمر الذي يجعل إرسال وتلقي الأموال بغاية الصعوبة، حتى لو قمت بالالتفاف من حول المقاطعة الأمريكية. بالتوازي مع ذلك أدت العقوبات المفروضة على الصين إلى تطوير علاقة خاصة مع إيران، وبنهاية المطاف أصبحت المشتري الأساسي لنفطها. وفي عام 2021 وقع البلدان عقد شراكة مدته 25 عاما. وهكذا تمكنت الصين، بعد شراء ما يزيد على 80% من نفط إيران وشحنه بواسطة أسطول ناقلات شبحية، ثم تنقيته بمصافي "الشاي" الصغيرة 1، من التغلب بدون ضجيج على عقوبات ترامب، ودفعت إلى إيران أغلب عائدات تصدير النفط البالغة 53 مليون دولار. بالمثل قدمت إيران، بسبب نظام التصدير والتنقية الشبحي، نفطها بأسعار مخفضة لبقية السوق العالمي، وعقدت مع الصين صفقة رابحة كان سعر برميل النفط بموجبها  8-10 دولارات. وبفضل عائدات إيران المستورة والشبحية تغلبت على العقوبات، ولكن كل ذلك لم يوقف أزمتها الاقتصادية، فقد ارتفع التضخم بنسبة بلغت 50% تقريبا، ووصلت البطالة عنان السماء.

في كانون الثاني تدفق الإيرانيون إلى الشوارع للاحتجاج على النظام. وكان الرد حادا وعنيفا بشكل مطلق  مثلما كان الحال مع كل النشاطات الثورية التي اندلعت ضد النظام الإيراني الراهن. ففي عام 2024 زادت الإعدامات إلى975 حالة. وفي عام 2025 ارتفع الرقم إلى 2038. وقدرت هيئة المقاومة الوطنية في إيران أن الإعدامات في هذا العام تجاوزت الــ 2000 حالة. واعتبر ترامب ادعاءات إسرائيل غير المؤكدة حيال برنامج الأسلحة النووية الإيرانية، والنشاط الثوري، مبررا لإطلاق هجومه الأخير هذا. ولو أخذنا بعين الاعتبار آخر نظام أسقطه، وهو مادورو فنزويلا، والذي باع معظم نفطه للصين، تبدو سياسة ترامب الخارجية في دورتها الثانية، لا أقل من هجوم بقناع رقيق على ثاني قوة عظمى في العالم، وهي قوة عظمى تدوس بحذر على أطراف الولايات المتحدة الأمريكية في كل منعطف (بنتيجة مقاطعة ترامب الحالية لنفط كوبا، حليف آخر للصين،  شهدت صناعة الألواح الشمسية الصينية طوفانا ملأ فراغ الطاقة).  يعتبر هذا الهجوم، عمليا، عدوانا على العدالة أيضا.  فترامب يعمل بالتنسيق مع صديقه نتنياهو، الكلب المسعور في القدس (جيروساليم)، والذي تحول تطهيره العرقي للفلسطينيين إلى حملة تخدم الفوضى العامة في الشرق الأوسط، والذي ورط إسرائيل في الحرب ليتهرب من المثول أمام المحاكم بسبب  جرائم حربه الشخصية. لا يحاول ترامب ونتنياهو معا تشجيع قلب الأنظمة، بل قلب الأوضاع في المنطقة كلها، وذلك لحماية سلطتيهما، وللحد من تمدد الصين في العالم، ولفتح مصادر الشرق الأوسط أمام الغرب، وللتأكد أن إسرائيل لن تعاقب على قتل ما يزيد على 75000 فلسطيني بدون مبرر شرعي، وكان معظمهم من النساء والأطفال.

*عدو عدوك ليس صديقك

أردت أن أقدم كل هذا السياق لأن السؤال الذي يهمني هو: كيف نتكلم عن ما يحدث في إيران؟ حينما دخلت على تطبيق لينكدإن LinkedIn  في هذا الصباح، أول تدوينة رأيتها هي هجوم من الداخل اليساري، حيث أدان علنا باحث في النمو السلبي degrowth  مرجعا أكاديميا معروفا يهتم بشؤون هذا النمو، ويعمل في مجال التضامن مع الشعوب الأصلية colonial solidarity  لأنه أشار وببساطة لسمعة النظام الإيراني في تطبيق العنف، ولأنه عبر عن تضامنه مع شعب إيران. صدمني ذلك على اعتبار أنه عبث مطلق - عبث مثل الصور التي تغرقنا وتصور شعوب العالم الغربي وهي تخرج من كل زاوية إلى الشوارع إما للاحتفال بغزو أمريكا أو للدفاع عن حق الإيرانيين بحكم بلدهم. نشرت مجلة وول ستريت مقالة جميلة كتبتها الإيرانية الأمريكية دينار نائيري عن تضامن يسار إيران مع الجمهورية الإسلامية هذا الأسبوع. وفيها تؤكد أن الخطاب اليساري كشف عن حلقات تفكير مزدوجة حول الإسلام. فقد هربت نائيري شخصيا من النظام في طفولتها برفقة أمها وأختها، وتعرضت لتهمة نشر الإسلاموفوبيا بسبب انتقادها للثيوقراطية الإيرانية. وتساءلت لماذا لم تمتد حملة التضامن اليساري إلى إيران، رغم توفر الدليل المادي على إعدام شرطة الأخلاق للنساء اللواتي تجرأن على الاحتجاج ضد النظام في عام 2022. وقالت: "إن نساء إيرانيات مثقفات مثلي لا زلن يسمعن من بعض لجان التحكيم (أو من أكاديميين وكتاب مطلعين ويتحلون بالإنسانية) تكرارا ببغائيا لوجهات نظر الجمهورية الإسلامية: ومفادها أن من في الدياسبورا معبأ بمعلومات مريضة، وهم عرضة لمخاوف ومؤثرات تأتي من ترامب أو إسرائيل، أو من قوى عنصرية وإمبريالية يمينية". وأضافت نائيري أنها حينما بدأت بنشر فيديوهات في وسائل التواصل الاجتماعي عن تعقيدات الوضع في ايران ونقد النظام، أشارت الأرقام إلى تبدل حاد نحو اليمين. وهذه تراجيديا مأساوية تدل على الإهمال لأن من رحب بنقد الأنظمة الدينية الخطيرة هو نفسه من أيد الأنظمة الدينية الخطيرة. كان اليسار مصيبا وحادا في نقده لحكومة ترامب المسيحية الأصولية والأتوقراطية والفاسدة، وبالمثل هاجم استفادة نتنياهو من الأصولية اليهودية لتحقيق أهدافه وسياساته. لماذا إذا لا ننظر  بنفس العدسات إلى الأصولية الإسلامية؟ على سبيل المثال لماذا نفهم شجب حق النساء في الولادة والإجهاض أنه هجوم على تحرير المرأة حينما يطبق على أرض أمريكية - ولكن ليس على أرض إيرانية؟. ولماذا تكون حرية المرأة طلبا مسبقا وأساسيا من أجل الحرية السياسية للجميع في الغرب - ولكن ليس في الشرق الأوسط؟. الحق في الاختيار بدون إكراه هو حجر الزاوية  في الديمقراطية - وعليه لماذا يضع اليساريون أنفسهم في أنشوطة لإثبات أن للنساء الحق في قبول وضعهم المتحيز والمحروم من المساواة؟.  

انحياز اليسار للنقاء الأخلاقي وليس الوضوح الأخلاقي تسبب بكسل ثقافي وحالات غش أخلاقي، وهي حالات لم تصمد أثناء فحصها، ومدت أكثر من أنبوب تنفس واتصال باتجاه اليمين (ولذلك يجب منع البدء من أسئلة وموضوعات معينة).

ليس هناك شر أساسي في هذه الأزمة التي ننظر إلى أنفسنا خلالها على أننا الكرام والأخيار . للشعب الإيراني الحق في اختيار مصيره، وهو حق غير مكفول في الجمهورية الإسلامية،  ومن الواضح أن دونالد ترامب لن يهتم به إذا سقط النظام، فهو كما تدل الوقائع لا يبالي لدرجة مرضية بحق الشعب الأمريكي في اختيار مصيره. إنه واجب أخلاقي أن نرى حقيقتين واضحتين ولا تسر أي منهما أحدا: العدوان المتحاربان هما عدوان للحرية بنفس المقدار. وهذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكننا أن نرى بها ماذا وراء الأفق المحدود للواقعية الرأسمالية ولتصور عالم أفضل. على التضامن أن يكون دائما مع الشعب، وليس الأنظمة، وعليه، لا يجب تمييع النقد والتقليل من مشكلة عدم إمكان بعض الجماعات أن تدافع عن نفسها. وليس من التقدمية ولا المنطق أن ننظر لأخوتنا وأخواتنا، أينما كانوا، كأنهم ضحايا تستحق رعاية مؤسسات المعونة الغربية foot soldiers.   والحقيقة أن الشرق الأوسط كان مصدرا للسياسات الثورية في العقود القليلة الماضية كما أنه كان مصدرا للنكسات الاستبدادية. وفي هذا الأسبوع سنقرأ للصحافي مات برومفيلد كلامه عن فوضى الثورة والنسوية في روج أفا، وهي تجربة سياسية تجاوزت بطبيعتها التقدمية أي محاولة غربية. وكانت المناقشة تدور حول المأزق الأخلاقي الناجم عن التهديد الوجودي، لكنه مأزق تجاوزه الأكراد بنجاح في روج أفا، رغم تعثر اليسار الغربي مرارا في هذا الخصوص. إن الحقيقة في الخنادق وحش مختلف تماما عن الحقائق التي نهدئ بها حساسياتنا.

لن ينطلق التفكير والفعل الثوري منا إذا وجدنا أنه من الأفضل أن يستهدف أحدنا الآخر، عوضا عن استهداف الأنظمة الظالمة. وأي خلاف قد يكشف الأرض المشتركة التي نقف عليها، ولا يمكننا عندها أن نقف لدعم أخوتنا وأخواتنا إن لم يكن هناك شيء تحت أقدامنا.

***

........................

1 اسم يطلق على مصافي نفط مستقلة وخاصة تنتشر في مقاطعة شاندونغ الصينية.

*الترجمة عن مدونة الكاتبة (الكوكب: تحقيقات نقدية حول أسباب الكارثة التي أصابت العالم). منشورة بتاريخ 3 آذار 2026.

* راشيل دونالد Rachel Donald: كاتبة وناشطة في شؤون البيئة والمجتمع المدني.

في عالمٍ تتغير فيه خرائط النفوذ بسرعة، لم تعد القوة تُقاس فقط بعدد الدبابات ولا بحجم الترسانة العسكرية، بل بقدرة الدول على التأثير في العقول والوجدان وصياغة السرديات الكبرى. منذ أن صاغ الباحث الأمريكي جوزيف ناي مفهوم القوة الناعمة، أصبح النقاش أكثر عمقًا حول طبيعة التأثير غير المباشر الذي تمارسه الدول عبر الثقافة والتعليم والإعلام والقيم. غير أن هذا المفهوم لم يبقَ حبيس التنظير الأكاديمي، بل تحوّل إلى ساحة سجال حاد بين من يراه أداة تواصل حضاري مشروع، ومن يعتبره غطاءً لحرب ثقافية تستهدف الهوية وتعيد تشكيل الوعي الجمعي.

القوة الناعمة في تعريفها الكلاسيكي هي القدرة على الجذب بدل الإكراه، وعلى الإقناع بدل الفرض. وهي تستند إلى عناصر مثل الفنون واللغة والجامعات والصناعات الإبداعية والدبلوماسية العامة، أو حين تنتشر أفلام هوليوود في العالم، فإننا أمام تأثير ثقافي يتجاوز الحدود السياسية ويخلق نوعًا من الألفة الرمزية مع بلد المنشأ. وكذلك فعلت فرنسا تاريخيًا عبر مؤسسات مثل التحالف الفرنسي، وبريطانيا عبر المجلس الثقافي البريطاني، حيث تحوّلت اللغة إلى جسر نفوذ طويل الأمد.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو؛ هل يبقى هذا التأثير بريئًا ومحايدًا؟ أم أنه يتحول، في سياقات التنافس الدولي الحاد، إلى أداة لإعادة صياغة أنماط التفكير والقيم بما يخدم مصالح سياسية واستراتيجية؟ هنا يبدأ الخط الفاصل بين القوة الناعمة والحرب الثقافية في التلاشي. فحين تُستخدم المنصات الإعلامية العابرة للحدود لترويج سردية واحدة حول قضايا النزاع، أو حين تُربط المساعدات الثقافية بشروط أيديولوجية ضمنية، يصبح الحديث عن الجذب الطوعي موضع شك.

الحرب الثقافية لا تُعلن ببيانات عسكرية، بل تتسلل عبر المناهج الدراسية، والإنتاج الفني، والخطاب الإعلامي. إنها صراع على تعريف الطبيعي والمقبول والحديث. ففي زمن العولمة الرقمية، تلعب شركات التكنولوجيا الكبرى دورًا محوريًا في هذا الصراع، إذ تتحكم خوارزمياتها في ما نراه ونسمعه، ومع أن هذه الشركات تقدم نفسها كمنصات محايدة، فإن تأثيرها في تشكيل الرأي العام بات أقرب إلى سلطة غير مرئية تعيد ترتيب الأولويات والقيم.

لقد أدركت قوى صاعدة مثل الصين أهمية هذا البعد، فاستثمرت في نشر لغتها وثقافتها عبر معاهد كونفوشيوس، ووسّعت حضورها الإعلامي الدولي. في المقابل، تواصل الولايات المتحدة الاعتماد على جامعاتها الكبرى وصناعاتها الثقافية العملاقة لتعزيز صورتها كحاضنة للحرية والابتكار. وبين هذين النموذجين تتعدد الاستراتيجيات، لكن الهدف المشترك هو كسب المعركة على العقول قبل أن تتحول إلى صراع على الأرض.

غير أن المجتمعات ليست ساحات فارغة. فالتفاعل مع التأثير الخارجي لا يعني الذوبان فيه. ثمة قدرة كامنة لدى الشعوب على الانتقاء وإعادة التأويل والمزج الخلاق بين المحلي والعالمي. التجربة اليابانية، على سبيل المثال، تُظهر كيف يمكن استيعاب الحداثة الغربية دون التفريط بالجذور الثقافية. وكذلك فعلت دول عربية حين أعادت إنتاج الفنون الحديثة بروح محلية تعبّر عن همومها وتطلعاتها.

الإشكالية الحقيقية تظهر حين يتحول القلق المشروع على الهوية إلى انغلاق مرضي، أو حين يُستخدم شعار الحرب الثقافية لتبرير قمع الإبداع وتضييق حرية التعبير. فليس كل تأثير خارجي مؤامرة، كما أن ليس كل انفتاح فضيلة مطلقة. التوازن الدقيق يكمن في امتلاك مشروع ثقافي وطني قادر على المنافسة، لا الاكتفاء بردود الفعل الدفاعية. فالقوة الناعمة ليست حكرًا على الدول الكبرى؛ إذ يمكن لأي مجتمع يمتلك سرديته الخاصة ويستثمر في التعليم والفنون والبحث العلمي أن يصنع جاذبيته الخاصة.

في العالم العربي، يتجدد هذا النقاش مع كل موجة إعلامية عابرة أو عمل فني مثير للجدل. هل نحن أمام غزو ثقافي يهدد المنظومة القيمية؟ أم أمام فرصة لإعادة تعريف الذات في حوار مفتوح مع العالم؟ الإجابة ليست أحادية. فالعالم اليوم مترابط على نحو غير مسبوق، والقطيعة التامة لم تعد ممكنة، كما أن الاستسلام الكامل غير مبرر. المطلوب رؤية نقدية تميز بين التفاعل الخلاق والاستلاب، وبين التعددية والانمحاء.

إن أخطر ما في الحرب الثقافية، إن وجدت، أنها لا تُخاض بالسلاح بل بالرموز. والرموز حين تستقر في الوعي يصعب اقتلاعها. لذلك يصبح الاستثمار في الوعي النقدي، وفي إعلام مهني مستقل، وفي تعليم يرسخ مهارات التفكير لا الحفظ، خط الدفاع الأول. فالمجتمع الواثق من نفسه لا يخشى الحوار، بل يحسن إدارته.

ربما يكون الأدق القول إن القوة الناعمة والحرب الثقافية وجهان لعملة واحدة، يختلف توصيفها بحسب زاوية النظر والسياق السياسي. حين يكون التبادل متكافئًا ومبنيًا على الاحترام المتبادل، تتحول الثقافة إلى جسر إنساني يثري الجميع. أما حين يختل ميزان القوة وتُستخدم الثقافة أداة للهيمنة الرمزية، فإنها تفقد براءتها وتدخل منطقة الصراع.

إذن، ليست المسألة اختيارًا ثنائيًا بين الانفتاح والانغلاق، بل هي سؤال عن كيفية إدارة الانفتاح بوعي وثقة. فالعالم لن يتوقف عن إنتاج الأفكار والصور والرموز، والتحدي الحقيقي هو أن نكون شركاء في هذا الإنتاج لا مجرد مستهلكين له. عندها فقط تتحول القوة الناعمة من تهديد محتمل إلى فرصة، ويتراجع شبح الحرب الثقافية أمام أفق تفاعل إنساني أكثر توازنًا وعدلاً.

وإذا كان النقاش حول القوة الناعمة والحرب الثقافية قد ارتبط تقليديًا بالدول، فإن الفاعلين اليوم لم يعودوا حكومات فقط، بل شركات عابرة للقارات، ومنصات بث رقمي، ومؤثرون أفراد يمتلكون ملايين المتابعين. إن مسلسلًا ناجحًا على منصة عالمية قد يحقق من التأثير ما لا تحققه حملات دبلوماسية كاملة، إذ يعيد تشكيل صورة مجتمع بأكمله في المخيال العالمي. هكذا تصبح الصورة الذهنية رأس مال سياسيًا، وتتحول الثقافة إلى صناعة استراتيجية تدر عوائد مادية ورمزية في آن واحد.

كما أن صعود وسائل التواصل الاجتماعي نقل الصراع من مستوى النخب إلى الفضاء الشعبي المباشر. لم يعد المتلقي سلبيًا، بل يشارك في إنتاج المحتوى وإعادة توزيعه، ما يمنح الأفراد قدرة غير مسبوقة على التأثير، لكنه يفتح الباب أيضًا أمام الاستقطاب الحاد وانتشار السرديات المتطرفة. في هذا السياق، قد تتحول الحملات الرقمية إلى أدوات ضغط نفسي ومعنوي، تستخدم الرموز والشعارات لتعبئة الرأي العام داخليًا وخارجيًا، في تداخل معقد بين التعبير الحر والتوجيه المقصود.

من جهة أخرى، لا يمكن إغفال البعد الاقتصادي للقوة الناعمة. فالصناعات الثقافية والإبداعية أصبحت رافدًا مهمًا للناتج المحلي في دول عديدة، ما يعني أن الاستثمار في السينما والكتاب والموسيقى لم يعد ترفًا، بل خيارًا استراتيجيًا. وعندما تنجح دولة في تصدير نمط حياتها ومنتجاتها الثقافية، فإنها تخلق طلبًا على لغتها وسياحتها وبضائعها، فتتشابك المصالح بطريقة تجعل التأثير الثقافي جزءًا من منظومة نفوذ أوسع.

من هنا تبدو الحاجة ملحّة إلى بناء سياسات ثقافية واعية، لا تقوم على الخوف ولا على الذوبان، بل على الثقة بالذات والقدرة على المنافسة. فالمجتمع الذي ينتج معرفة وفنًا ويشجع حرية البحث والتجريب، يملك حصانة طبيعية ضد أي محاولة اختراق رمزي. وعندئذ يصبح التفاعل مع العالم عملية أخذٍ وعطاء، لا معركة صفرية، ويغدو السؤال عن القوة الناعمة أو الحرب الثقافية مدخلًا لتجديد المشروع الحضاري، لا سببًا للانقسام أو الارتياب الدائم.

***

د. عصام البرّام

في غالب الأحوال، تتشكّل السياسةُ من خلال أسلوبي الانتهاك والتجاوز. أي تنطوي على إمكانية التخطي لمراحل الواقع، وتسود قوانين من جنس الممارسات القائمة على اجتراء الاقوياء إزاء الاطراف الأخرى. كلُّ سياسة مشبعة بكم وافرٍ من الطفرات المفاجئة وبخاصة في إدارة الاحداث الملتهبة مثل الصراعات والحروب. إنها طبيعة السياسة كفعل يستغل الظروف والملابسات بصورة عامةٍ. وقد تكون الطفرة فرطَ قوةٍ أو انحرافاً خارج حدود المعقول. ولكنها في الأخير تمثل خيطاً رفيعاً يكشف الوقائع والأحداث. بعبارة مقتضبة: يحمل الفعل السياسي إمكانية تجاوز ذاته ممارسةً أو خيالاً. ويُحسب وجوده المؤثر من جانب تجاوزه للواقع لا من جانب حاضره الماثل أمامنا فقط.

أحياناً نردد مصطلحات مثل: "الساسيات الرشيدة"، "الحكمة السياسية"، " العقلانية السياسية "، "التوازن السياسي"، غير أنَّها عبارات معقدةٌ أكثر من دلالتها المباشرةِ. ورغم أنَّ السياسة تُبرهن يومياً على ما يحدُث، إلاَّ أنها مجال ترتعُ فيه أشياءٌ غير قابلة للتصديق. إنّ ما يحدُث هو الواقع الذي يوجد تحت حواسنا بالفعل. أمّا الشيء غير القابل للتصديق، فهو امتداد الواقع نفسه إذْ يحمل مفاجآته المدهشة. الواقع السياسي فضاءٌ من المفارقات الجارية إلى حدِ الغرابةِ من فرط حدوثها.

على سبيل التوضيح: لم يكن هناك من يستطيع البرهنة على نشوب حربٍ بين أمريكا – اسرائيل وايران قبيل الأحداث الأخيرة، ومع ذلك وقعت الحرب على أشدها وطالت أغلب مناطق الشرق الأوسط. لم يتصور أكثر المتشائمين في مجتمعات الخليج أنَّ صواريخ ومسيرات إيران ستشق أجواءها وتحدث كل هذه الفوضى. على الأقل لأنَّ الجوار الخامل لا يستدعي بالضرورة هذه الأحداث غير الخاملة. وأن القوات الغربية الموجوده على أراضيها للحماية ستشكل مصدر تهديد ودمار.

ولكن كل شيء وارد في وجود قوى كبرى تستعمل جميع الأطراف على مسرح السياسة لمصالحها الخاصة. الولايات المتحدة الأمريكية عثرت على موطئ قدم ورجل في منطقة الخليج بهدف تقوية نفوذها وتوسعة الحدود الجيو سياسية لابنتها الصغرى اسرائيل. والأخيرة تاريخياً لا تفلت الفرصة طالما تؤدي إلى أهدافها البعيدة. ويبدو أنَّ الاحداث العسكرية الجارية بمثابة خدمات تاريخية للدولة اليهودية. وستتحول الخدمات إلى خريطة لوعود توراتية سياسية مازالت في الذاكرة اللاهوتية حتى الآن. أحداث معجونة بأنفاس اللاهوت السياسي والخطابات السياسية ومخرون الكراهية والخطط الحربية لهذا الهدف العتيق. حتى بدا المشهد مُعقداً لا تستطيع أن تعرف بدقة: منْ المسئول عن ذلك؟، ولا منْ المحرك الأساسي للأحداث؟ ولا كيف وصل المشهد إلى هذه المرحلة منْ التشابك؟.

يعني أنَّ التواجد العسكري للولايات المتحدة على الأرض، ولكن التواجد السياسي والاقتصادي للكيان الصهيوني في أعماق العالم العربي. وتبدو الصورة مكتنفة بالغموض وتبادل الأدوار وانتشار الأقنعة على حساب القضايا الوطنية. إذن ... أمامنا فرصةٌ للعيش مع المفاجآت لحظةً بلحظةٍ. لو أردنا زيادة نسبة الحقائق، فلا يجب أنْ نربط مشاهداتنا بما نتوقع من أشياء، لكن علينا أن نربطها بما لا يجري من أحداثٍ. وهذه قضية أكدها دونالد ترامب في جميع مسارات أمريكا السياسية، بل واعتبرها شيئاً معتاداً أمام العالم.

الحادثة الأولى: اعتقال نيكولاس مادورو رئيس دولة فنزويلا. الحادثة التي وقعت بالفعل بينما لم يكن تصورها وارداً كما حدثت. حيث ألقت الولايات المتحدة القبض على نيكولاس مادورو وهو رئيس دولة أخرى لها شعب وسيادة في 3 يناير/ كانون الثاني 2026، خلال العملية العسكرية التي هي أشبه بعميلة جراحية دقيقة في فنزويلا 2026. وذلك عقب دعوى جنائية رفعتها وزارة العدل الأمريكية في 26 مارس/ آذار 2020 ضد نيكولاس مادورو، رئيس فنزويلا، و14 مسؤولاً فنزويلياً.

اعتقال الرئيس الفنزويلي حدث بالفعل كما رأينا، غير أنَّ الحقيقة وراء هذه العملية ومع احداثها التي جرت هي شيء آخر. ففنزويلاً دولة مستقلة وتدير ثروة نفطية ومعدنية ضخمة جداً. كما أنها عضو حيوي بين دول أمريكا اللاتينية وهي إحدى الدول اللاتينية في هيئة الأمم المتحدة وفي منظمات دولية واقليمية. كيف شرّعت أمريكا قرصنة رئيسها أمام العالم؟! من الذي أعطى الرئيس الأمريكي مشروعية التخطيط والتنفيذ والاعلان عن عملية القرصنة؟!

لم ولن يوجد قانون دولي يُعطي أيةَ دولة حقاً مشروعاً لقرصنة رئيس دولةٍ أخرى. الفكرة ذاتها فكرة غريبة وليست واردة ضمن أروقة العلاقات بين الدول. ليس لأنَّها أمر مستحيل، ولكن لكون القانون الدولي ينفي ذلك ابتداء قبل التفكير فيه. أي يتوافر القانون الدولي على رصيد من الردع الحاصل لو فكرت دولة في ذلك الفعل. أمريكا ليست فوق القانون ولا تمثل مرجعية للسياسات الدولية ولا هي التي تقرر وعلى جميع رؤساء دول العالم التنفيذ.

طالما تُوجد دولةٌ تتمتع باعتراف دولي وفقاً للمواثيق القانونية العالمية، فلا يجوز خطف رئيسها من الأساس. بمقاييس الاعراف الدولية. فإن ما ارتكبته امريكا أمر خارج القواعد العامة بين الدول. هو الشأن اللامفكر فيه unthinkable affair بالفعل سواء داخل السياسة أم العسكرية، من جانب كون العالم لا يسير وسط ظلام تُختطف خلاله قيادات الدول. فهذه العملية تعيد العالم إلى العصور البدائية. والمعنى أن الدول لاتحدد بمفردها مرجعيةَ ما تقوم به، وبخاصة إذا كان يمثل اعتداءً على كيانات دولية أخرى. لأن المساحة الدولية تحكمها قوانين التجاوز والتبادل والعلاقات القوية حضارياً.

ومع ذلك، فهذا الأمر هو ما حدث بالفعل وقد فاق الوصف الواقعي، ولكنه يندرج في إطار ما هو سياسي. لعلّه يمثل دليلاً على أنّ السياسة بمثابة الخيال الجامح للمصالح، حيث لا قانون ولا معايير بإمكاننا قياس الافعال عليها. رأينا دونالد ترامب يقظاً إلى درجة الجنون خلف الشاشات العملاقة لمتابعة احداث خطف الرئيس مادورو ويبدي ملاحظاته ويحاور مساعديه متجاوباً مع الشرح وتتابع سير العملية. كان ترامب يعلم أن الموضوع برمته فوق كل الأعراف السياسية الدولية، وربما لا توجد له " خانة واضحة" في الاحداث التي وقعت قريباً أو بعيداً. ليعلن في النهاية أن قواته انجزت المهمة بنجاح منقطع النظير !!

بيد أنَ ترامب ظل محملقاً في شاشات الاحداث كأنه يتابع عملية لم يخطط لها من الأساس. ينظر إلى القوات الأمريكية الخاصة من قارة أخرى لا علاقة له بها. إن مستوى الاشياء غير القابلة للتصديق هو ما يفعله ترامب في شخصهِ خارج التوصيف السياسي الحداثي. يفترض أن ترامب كرئيس للولايات المتحدث يمتلك رصيداً من الحداثة يجعله واعياً بالحدود الفاصلة واحترام سيادة الدول. غير أنه يمارس دوره العولمي كـ"قرصان بدائي " جاء لتوه من العصور الوسطى.

ليس ذلك الوضع متفقاً مع أية معايير دولية حداثية، فهو يحمل زمنه المفاجئ. لقد تمت عملية اختطاف رئيس دولة ببرود تام كأنَّ شيئاً لم يكن. وكأنَّ الأمم المتحده بتراسانه القوانين والقيم والاخلاقيات التي تسيل مع لُعاب أعضائها لم تُوجد. إن العبارات السياسية الرنانة التي تصدر من محافلها السياسية أثبتت كونها محافل لتمجيد آلهة جدد خارج صلاحية هيئة الامم المتحدة . وأن هناك قوى تستقر في سراديب الأمم المتحدة تحاتدج إلى تفكيك هيمنها، وليست الدول الأخرى سوى كومبارس لتكملة الصور أمام العالم.

الحادثة الثانية: الحرب الامريكية - الاسرائيلية على إيران، يقول الواقع إنها حرب حدثت بالفعل وتوجد تفجيرات وعمليات قصف متواصل على الجانبين. ولكن الاحداثيات الخطابية والسياسية التي مازالت جارية غير قابلة للتصديق. إذا كان ترامب قد خطف الرئيس مادورو، فقد أطلق القول بضرورة خطف إيران، ذهب إلى أنه بالامكان استغلال ثروات ايران، لتُصبح خريطة جديدةً تغذي نهم الامبراطورية العابرة للقارات (أمريكا). وهو القول نفسه الذي أحاله ترامب إلى عمل متواصل بحثاً عن ثروات فنزويلا ما بعد مادورو.

اشتعل واقع الحرب الايرانية الأمريكية على مدار الساعة، مع غياب الرؤية الواضحة التي تحدد: ماذا يحدث؟ لم يكن أمام الطرفين إلاَّ التجاوز لتسديد الضربات القاتلة إلى الطرف الأخر. مسئولو أمريكا – اسرائيل قالوا ما لم يتم قوله من قبل. تم شيطنة النظام الايراني فكراً ورجالاً واستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط. وأطلق ترامب على ايران مصطلح " امبراطورية الشر". رفض ترامب بجانب نتنياهو حل القضية (القائمة على مخرون الكراهية والمخاوف المفترضة)، لأن ايران لو امتلكت أسلحة نوعية ستمثل خطراً وجودياً على الكيان الصهيو – امريكي. الآن.. لا مشكلة لهذا الكيان وإن كان قد دخل مع ايران في حروب تقليم الأطراف (حزب الله والحوثيين ومليشيات عراقية أخرى). ولكن تفجير الأصابع وقطع الأطراف الايرانية في المنطقة لم يغنِ عن الاشتباك مع المركز في طهران!!

الطرفان يعلمان كم الخيال الفائض على ضفتي الصراع، ولكنه خيال ينفجر بين فينة وأخرى. فالايديولوجيا الايرانية لا تسمح لأمريكا واسرائيل بأنْ تهدأن، لأن الكم المفترض من خطورتها - من وجهة نظر الخصوم - أكثر بكثير من الوجه المعروف. كما أنَّ الايديولوجيا الدينية لا تفسح مجالاً للتفاوض حول أية قضايا سياسية. إيران تعتبرها قضايا مصيرية بينما أمريكا واسرائيل تعتبرانها ضمن استراتيجية أبعد لأخذ المزيد من المكاسب. تصر إيران على موقفها من العالم بينما تزحزح أمريكا واسرائيل دلالة هذا العالم إلى حدود قبضتها. استبق ترامب المشاهد ليملي على ايران ما يريده من مآرب. وذهب إلى أنه لا يقبل بوجود النظام الايراني حتى اللحظة، وقد نوّه إلى كونه نظاماً لاحياة له بعد الآن. على الرغم من أن ترامب يمثل دولة عولمية تجاوزت كل الحدود ولم تعد تعترف بسيادة الدول. ليس هذا فحسب، بل من العلامات غير القابل للتصديق أنه اعلن دراسة المرحلة التالية بعد رحيل النظام السياسي لايران. كما لو كانت الحرب قد وضعت أوزارها وخلت الساحة لأي نظام جديد!!

أمريكا واسرائيل لا تدركان العمق التاريخي للمجتمعات الحضارية. وهذه أكبر خطيئة ستحتم انتهاك الدولتين لحقائق التاريخ والجغرافيا. ليس سهلاً أن يتفهم أي قناص كولونيالي من يحارب في حضارة فارسية على عمق آلاف السنوات. لأن ايران ممتدة في التاريخ وضاربة في تربة الثقافة في الشرق الأوسط. لم تكن ايران مجرد دولة مختزلة في نظامها السياسي الراهن. بل هي مجتمع قديم جداً مازالت الموروثات الحضارية تتجاوز الحقب وتعطي مواطنيها قدرة على الصمود. وحتى على افتراض أن النظام السياسي قد تغير، فلن يتغير المواطن الايراني كإنسان، لأنَّ الأخير يعرف تماماً: ما معنى الحضارة بخلاف أطراف الصراع الذين يلعبون بمقدرات الدول كأحجار على رقعة الشطرنج.

وعندما تم اغتيال المرشد الأعلى للدولة الإيرانية، رأى فيه دونالد ترامب حقبةً ولّت دون فهم حقيقي لطبيعة النظام والثقافة. لم يدرك أن نظاماً سياسياً لاهوتياً يتشكل بألف وجه ويضرب بأف ناب ويعيد بناء نفسه لو تم تقطيع أوصاله، بل إن أقل الوجوه فيه مثل أقوى الوجوه تأثيراً وأنه لافرق بين المركز والهامش، لأنَّ الأواني المستطرقة هي التي تحكم حركة الايديولوجيات السياسية. ظل ترامب يكلم ايران المفترضة في مخيلته كأنّها إحدى الولايات الأمريكية التي تتلقى تعليمات الرئيس الأمريكي وما يجب فعله وما يجب الكف عنه. والغريب أن تؤيد اسرائيل تلك الأساليب السياسية، فنتنياهو تقمص دور ترامب مطلقاً لوابل من الكراهية المتمثلة في الخطابات التي أفلتت من قبضته. فقال إن اسرائيل تغير بالفعل وجه الشرق الأوسط. وأخذ في المباهاة بكون اسرائيل نموذجاً للديمقراطية وسط مجتمعات يخيم عليها الاستبداد والديكتاتورية. ألم أقل إنَّ هناك طفرات من اللامعقول تتلبس السياسة؟! كيف لرئيس وزراء" دولة احتلال " يزعم كونها نموذجاً لأي شيء؟

الاحتلال فضيحة بملء الكلمة في عصرنا الراهن لا نموذج براق للسياسة. إنها دولة استعمار وعنف في ذيل التاريخ المعاصر بعد أن انتهى الاستعمار في كافة بقاع الأرض. ويتكلم نتنياهو بكامل المشروعية الفاقعة عن وجود دولته غير المشروعة من الأساس. يا لهذا الجنون العاصف بالعالم العربي حين تهب عليه عواصف رملية من تاريخ استعماري بعناوين أمريكا واسرائيل!!

أما الجنون نفسه، فهو أن نصدق أن هاتين الدولتين لهما من القدرة على عمل أي شيء ايجابي بالنسبة لمجتمعات العرب. لأنهما حولتا الشرق الأوسط إلى مجرد وليمة سياسية كبرى. تتناوبان عليها الالتهام والابتلاع. ليست مجتمعاتنا العربية أمام أمريكا واسرائيل إلاَّ مجرد وقود يحترق بنيران الصراعات والحروب. وكذلك ايران ليست أكثر من هدف يوجد على خطوط جيوسياسية متاخمة لهذه الوليمة الاقتصادية. ايران القوة الاقليمية التي شيطنتها القوى الكبرى لتصبح شبحاً بين يوم وليلة لمطاردة الفرائس وتوريطها في حروب لا تنتهي. تاريخ الاستعمار هو تاريخ صناعة الاشباح المخيفة التي يتم من خلالها اصطياد الأهداف. لكن شرط تلك الصناعة هو وجود الخائفين والمزعورين من البشر دون مقاومة ودون وعي حقيقي بالقضايا المصيرية لدولهم ومجتمعاتهم.

ليس من السياسةِ في شيءٍ ألّا نكون نحن العرب على صعيد الفهم المرتبط بالتحولات الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط. إنَّ الحروب ليست شيئاً غير الطفرات التي تولدها السياسة لكي تقنع الآخرين بوجود فرص لحرق القوى التقليدية. وهي تستهدف في النهاية إنبات قوى أخرى من أجل استعادة السيطرة بأشكال مختلفة. مثل الحرائق التي تحدث في الغابات، حيث تلتهم النيران الأشجار والنباتات الخضراء واليابسة لتظهر البراعم القوية وتصبح غابة مختلفة. وذلك لكي تكون الحيوانات المفترسة سيدة الموقف ويصفو الجو للافتراس دون مشاكل. وما أكثر النيران التي تنتظر الاشتعال في غابات العالم القديم، لأن القوى الكبرى تريد إعادة تخطيطها على خريطة العالم، ولا تجد حلاً إلا اشعال فتيل الصراعات التي تأتي على القواعد التقليدية وتأخذ معها حقائق التاريخ.

تشكل دورات القوة السياسية لوناً من خطوط الموت والحياة العاصفتين في واقع أكثر جنوحاً. قانون الغابة هو الغباء السياسي الذي قد يلف أدمغة المتفرجين من وراء المشاهد الساخنة. حيث يحملقون في ألسنة النيران مشدوهين دون أنْ يدركوا: ماذا ستحرق غداً ولا أية براعم جديدة ستشكل بنية الغابة مرة أخرى؟ ولا يفطنوا إلى مستقبلٍ قد يحولهم إلى فرائس قادمةٍ. الفرجة هي أكبر" سخرية تاريخية " حدثت يوماً ما إزاء الدورات السياسية، لأنَّ المتفرجين هم الوقود الذي ينتظر الاشتعال في أية لحظة، وقد تُركت الفُرص كاملةً على المائدة لمنْ يُجيد فهم ألعاب المسرح وجرأة المبادرة. إذْ لا يصح الفرجة على ولائم السياسة والصراعات المجاورة وكل الصراعات الدولية أصبحب مجاورة إلى درجة التماس. فلا يوجد إلاَّ نوعان من الممثلين: (آكل ومأكول). فهل يمكن الخروج من بين طرفي الرحي الطاحنة؟ كيف يتم كسر تلك الحلقة المزدوجة الدائرة بلا توقف في منطقتنا العربية؟!

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

تُعَدُّ النَّكبة الفِلَسْطينية التي وقعت عام 1948 واحدة من أكثر الأحداث تأثيرًا في التاريخ العربي المُعاصر، إذْ أدَّتْ إلى اقتلاع مئات الآلاف من الفلسطينيين من أرضهم، وتدمير مئات القُرى، وتحويل المُجتمع الفلسطيني إلى شعب مُشتَّت بين اللجوء والاحتلال.

وقدْ أصبحت النَّكبة مِحْوَرًا أساسيًّا في الدراسات التاريخية والسياسية، وبرز عدد من الباحثين الذين حاولوا تفسيرها، وتحليل أسبابها ونتائجها.

مِن أبرز هؤلاء الباحثين: المُؤرِّخ الفلسطيني وليد الخالدي (1925 - 2026)، والمُؤرِّخ الإسرائيلي إيلان بابيه (وُلد 1954)، حيث قدَّما تفسيرين مهمين ومتقاربين في بعض الجوانب، ومُختلفين في جوانب أُخرى لطبيعة النَّكبة الفلسطينية وأسبابها.

يُعتبَر وليد الخالدي من أبرز المُؤرِّخين الفلسطينيين الذين دَرَسُوا النكبة دراسة مُوثَّقة تعتمد على الوثائق التاريخية والشهادات الميدانية والخرائط. وهو يَرى أن النكبة لم تكن حادثة عشوائية أوْ نتيجة عرضية للحرب، بل كانت نتيجة مشروع استعماري استيطاني مُنظَّم سعى إلى إقامة دَولة يهودية في فلسطين على حساب الشعب الفلسطيني.

في تفسيره للنكبة، يؤكِّد الخالدي أن الحركة الصهيونية منذ نشأتها وضعتْ هدفًا واضحًا يتمثل في السيطرة على الأرض، وإقامة كِيان سياسي خاص بها، وهو ما تطلَّب تقليل الوجود العربي إلى الحد الأدنى المُمكن. وقدْ تجسَّد هذا التوجُّه في السياسات التي اتُّبِعت خلال الحرب عام 1948، والتي أدَّتْ إلى تهجير السكان الفلسطينيين، وتدمير قُراهم.

ويُركِّز الخالدي في أبحاثه على توثيق القُرى الفلسطينية التي دُمِّرت أوْ أُخْلِيَت خلال النكبة، مُبَيِّنًا أنَّ ما جرى لم يكن مُجرَّد نزوح طبيعي للسكان بسبب المعارك، بل كان نتيجة عمليات عسكرية مُنظَّمة استهدفتْ إخراجَ السكان ومنع عَودتهم. كما يُوضِّح أن تدمير القُرى وإعادة توطين مُهاجرين يهود مكانها كان جُزءًا من عملية تغيير ديمغرافي واسعة النطاق.

ويَرى الخالدي أيضًا أن القوى الدولية كان لها دَور في صناعة الظروف التي أدَّتْ إلى النكبة، سواءٌ مِن خِلال السياسات الاستعمارية السابقة، أوْ مِن خلال المواقف السياسية التي سمحتْ بقيام دولة إسرائيل دون ضمان حقوق الشعب الفلسطيني.

وبذلك فإنَّ تفسير الخالدي للنكبة يقوم على ثلاثة عناصر أساسية:

1- المشروع الصهيوني الاستيطاني.

2- السياسات العسكرية التي أدَّتْ إلى التهجير.

3- الدَّور الدولي في تمكين هذا التحوُّل التاريخي.

يُعَدُّ إيلان بابيه أحد أبرز المُؤرِّخين الإسرائيليين الذين أعادوا قراءة تاريخ قيام دولة إسرائيل من منظور نَقْدي يعتمد على الوثائق الإسرائيلية نَفْسِها. وقدْ قدَّم بابيه تفسيرًا يَرى فيه أن النكبة لم تكن نتيجة جانبية للحرب، بل كانت عملية تطهير عِرْقي مُخطَّطة.

في تحليله، يؤكِّد بابيه أن القيادات الصهيونية وضعتْ خُطَّة تهدف إلى السيطرة على أكبر مساحة مُمكنة من فِلَسْطين مع أقل عدد مُمكن من السكان العرب. ويُشير إلى أن هذه السياسة تجسَّدتْ في خُطَّة عسكرية هدفتْ إلى احتلال القُرى والمُدن الفلسطينية وطرد سُكانها.

ويَرى بابيه أن عمليات الطرد الجَمَاعي التي حدثتْ في العديد من المناطق لم تكن تصرفات فردية لقادة عسكريين، بل كانت جُزءًا من إستراتيجية متكاملة هدفتْ إلى صناعة واقع ديمغرافي جديد يَسمح بقيام دولة ذات أغلبية يهودية.

ويعتمد بابيه في تحليله على وثائق أرشيفية وشهادات تاريخية تُشير إلى أن العديد من القُرى دُمِّرت بعد احتلالها، وأن سكانها مُنعوا من العودة إليها. كما يؤكِّد أن هذه السياسات استمرَّتْ حتى بعد انتهاء الحرب، حيث تَمَّ سَنُّ قوانين تمنع اللاجئين الفلسطينيين من العودة إلى ديارهم.

وبذلك يُفَسِّر بابيه النكبة باعتبارها عملية مُنظَّمة لإعادة تشكيل الجُغرافيا السكانية في فلسطين، وهي عملية يَرى أنها تُمثِّل أحد أشكال التطهير العِرقي في التاريخ الحديث.

رغم اختلاف الخلفية الوطنية للمُؤرِّخَيْن: الخالدي وبابيه، إلا أنَّ هُناك نقاط اتفاق مُهمة بين تفسيريهما للنكبة:

1- النكبة لم تكن مُجرَّد نتيجة عفوية للحرب، بل كانت مرتبطة بسياسات وخُطَط هدفتْ إلى تغيير الواقع الديمغرافي في فلسطين. وكِلاهما يؤكِّد أن عمليات التهجير لم تكن حوادث فردية معزولة، بل كانتْ جُزءًا من نمط عام تكرَّر في مناطق مختلفة.

2- تدمير القرى الفلسطينية كان عُنصرًا أساسيًّا في تثبيت نتائج الحرب، ومنع عَودة السكان الأصليين. وإزالةُ القرى أو إعادة استخدامها لأغراض أُخرى ساهمتْ في تغيير معالم الجُغرافيا الفلسطينية.

3- النكبة شكَّلتْ تحوُّلًا جذريًّا في تاريخ الشعب الفلسطيني، إذْ أدَّتْ إلى تفكيك المجتمع الفلسطيني، وتحويل جُزء كبير من السكان إلى لاجئين.

رغم التقاطعات الكبيرة بين تفسيريهما، إلا أنَّ هناك اختلافات في بعض الجوانب المنهجية والتحليلية:

1- الخالدي يُركِّز أساسًا على توثيق القُرى المُدمَّرة، وتحليل البُنية التاريخية للمجتمع الفلسطيني قبل النكبة، في حين يُركِّز بابيه أكثر على تحليل الوثائق العسكرية والسياسية التي تكشف طبيعة القرارات التي اتخذتها القيادات الصهيونية خلال الحرب.

2- الخالدي ينطلق من منظور تاريخي فلسطيني يسعى إلى حفظ الذاكرة الوطنية، وتوثيقِ ما حدث، بَينما ينطلق بابيه من إطار نَقْدي داخل المجتمع الإسرائيلي يسعى إلى إعادة تقييم الرواية التاريخية الإسرائيلية.

3- الخالدي يُركِّز على مفهوم التهجير القَسْري والاقتلاع الجَمَاعي، في حين أنَّ بابيه يستخدم مصطلح التطهير العِرقي لوصف ما حدث عام 1948 بشكل صريح.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

لم يعرف الأدب الشّيعيّ الإماميّ، مِن قَبل، مصطلح المرشد، مثلما ظهر في الأدب الصُّوفيّ السُّنيّ، وعناوين لكتب مثل «مرشد الطالبيين» للإمام أبي حامد الغزاليّ (505هج) وغيرها، واستخدمه «الإخوان» لمن يتولى الإرشاد للفرع الأم بمصر، أما الفروع الأخرى فيشار إلى مسؤول كل فرع بالمراقب، وربما دخل المصطلح إلى السياسية عند «الإخوان»، وجماعات دينية- سياسية أخرى.

أما في الوسط الشّيعيّ، فظهر لقب «المرشد» مع الثورة الإسلاميَّة (1979)، ومِن قَبل عُرف رجل الدين الأول، وهو بمثابة «المرشد»، بشيخ الإسلام، وكان أول المعينين بهذا المنصب، الذي يُحاكي اللقب العثماني «شيخ الإسلام»، هو الشيخ عليّ عبد العال الكركي (940هج) الذي نصبه طهماسب الأول الصفوي، أن تخضع الدولة لأوامر وأحكام الشَّيخ، فهو نائب الإمام المهدي المنتظر (التَّنكابي، قصص العلماء). وبهذا حصل الفصل بين نيابة الإمام، التي كانت لإِسماعيل الصفوي، وسلطة الدَّولة، أي بين السُّلطة المدنية والسُّلطة الدِّينية. ولدوره في نشر المذهب الشِّيعي الإمامي في العهد الصَّفوي أُرخ له بعِبارة «مقتدى الشِّيعة»(المصدر نفسه).

إذن نحن أمام منصبين: المرشد والمرجع، الأول سياسيّ وله مرجعيّة دينية بما يتعلق بالأحزاب والمنظمات الولائية، وإلى جانبه يوجد مراجع لا يتعارضون، على الأقل، علانيةً مع العقيدة السياسيَّة، التي يمثلها المرشد. وكان أول المرشدين روح الله الخميني (1989)، ولم يحتج إلى انتخاب أو توافق، وكذلك المرشد خامنئي، قد حصل تكليفه بمباركة الخميني نفسه، لكن مع المرجع المعين مجتبى خامنئي، نجل المرشد السابق، فجري انتخابه داخل مجلس الخبراء، وهنا لا يتم التقيّد بالشروط المفروضة في «الولي الفقيه»، فخامنئي نفسه لم يكن أكبر المجتهدين، ولا نجله المرشد الثالث، كان مِن المجتهدين الكبار، أو مِن رجالات الثورة، فالأمر يتعلق بشرط الإخلاص للعقيدة، وكونه نجل خامنئي، وكان اسمه يتداول بقوة خليفةً لأبيه وهو على قيد الحياة.

أما اختيار المرجع الدينيّ للولاية الشرعيَّة، خارج الولاية السياسية، مثلما هو الحال مع مراجع النجف، وهذا لا يُعين ولا يُنتخب، فالمرجعية الدينية الشيعية لا تعرف التقليد الفاتيكاني بانتخاب «البابا» والإعلان عنه بظهور الدخان الأبيض، إنما يبرز المرجع الشيعي تلقائياً، لاجتهاده وكثرة المقلدين له، وتلعب الدعاية التي يفعلها «الحواشي» دوراً، وقد يوجد في الوقت نفسه أكثر مِن مرجع، ولا يُشخص الأعلى في هذه الحال، إلا أن يصفى له المنصب، مثلما حصل بعد وفاة حسين البروجردي (1961)، وصعود آية الله محسن الحكيم (1970).

في التقليد الشيعيّ، وكذلك الحال لا يُوَّرث منصب شيخ الإسلام، وإن حصل ذلك فيقرر ذلك الاجتهاد والشرائط، وليس صلة القرابة، وهذا ما تسمح به المرجعيَّة السِّياسيَّة، في حالة أن يكون مجتبي خامنئي مرشداً محل أبيه، وهذا ليس تقليداً متفقاً عليه، ولكن الابن يعرف أكثر عن مهمة أبيه، في هذه الظروف المهددة لوجود «ولاية الفقيه» بالكامل.

حصل توارث في المرجعية الدينية، يوم حُصرت بـ«كاشف الغطاء»، فقد خلف الشيخ جعفر الكبير-في القرن التاسع عشر-أولاده الثلاثة: موسى، وعلي، وحسن، لكن ذلك لم يحصل بتنصيب من الموروث إلى الوارث، إنما حصلوا عليها بالشروط المعتادة، الاجتهاد والمقلدين، وإن تدخل السياسة فلا تتدخل إلا كعامل مساعد، مثلما أبرق شاه إيران إلى محسن الحكيم معزياً بوفاة المرجع البروجردي، كإعلان لمرجعية الأول، كي لا يصل غيره، وهذا ليس عاملاً حاسماً، كذلك ما رغب به موسى الصدر عندما أبرق إلى أبي القاسم الخوئي معزياً بوفاة الحكيم، كي لا يصل الخميني حينها للمرجعية، وكانت حاشية الأخير تروّج لذلك.

أما مرشد الثورة أو مرجعها فمن غير مجلس الخبراء، يُقرر ذلك الحرس الثّوري، والقوى الفاعلة بإيران.

***

رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

حدثَ أنْ كشفت وثائق الويكليكس" العقل الأمريكي الحربي" متلبساً بالتجسس وحياكة المؤامرات التي مُورست في أغلب أرجاء المعمورة. حاول أنْ يُبقي ثروات العالم تحت سيطرته متطلعاً إلى المصالح والصفقات الاقتصادية. وإذا كانت للعالم خريطة جيوسياسية، فهناك خريطة أخرى لأعمال النهب. وتلك الخريطة هي الأساس في توازن القوى الدولية وهي المتحكمة في صراعاتها القريبة والبعيدة. ليست هناك قوةٌ عولمية مقارنة بالأخرى دون أنْ تكون هادفةً إلى الاستيلاءعلى ثروات الدول. ولذلك تمثل المصالح بالنسبة لأمريكا أهم من السياسة. تُوجد هناك سياسات أمريكية حيث توجد مصالح أمريكية محتملة ويصح العكس.

عقل الكاوبوي "عقل قنّاص" للفرص مصوّباً حيلّه لخطف الأرباح وإنْ لم تكن من حقه. لا توجد أمريكا في مكانٍ ما من العالم إلاَّ بسبب فرص استغلال تترقبها طوال الوقت. حقيقي هناك بعض الدول الكبرى التي تتعاون لانجاز مشروعات قومية عملاقة في دول أخرى، ولكن أمريكا نمط مختلف تماماً، لا تقوم إلاَّ بمشروعات مدفوعة مقدماً من السيادة والاقتصاد والسياسة. وعقل الكاوبوي هو ما يُحرّك أمريكا للسيطرة على المشاهد الدولية، أي نحن نشهد مرحلة " تدويل الكاوبوي " ليصبح هو المتحكم في العلاقات والصراعات الدولية أيا كان الثمن.

التاريخ لا يكذب ولا يتجمّل، ولكنه قد يتواطّأ إلى حد اللعنةِ بحكم غلبة المرويات المنتصرة وتزييف الأحبار السرية التي يُكتب بها. ومن جانبٍ آخر، حين يريد التاريخ الافضاء والتداعي، فقد يمثلُّ أزمنةً حادةً من التعرية المتواصلة. التاريخ كتابٌ مفتوح على مصراعيه ليقرأ المتابعُ ما يشاء من خفايا، وكيف يكون التراث الحربي للقوى الكبرى فاضحاً.

أسلوب الهيمنة الأمريكية واحدٌ رغم مرور العصور السياسية المتعاقبة، حتى باتت أمريكا نموذجاً للقوى المنتهكة للقوانين والعلاقات الدولية. ولم يعد أمام العالم إلاَّ التكتل في محاور تحفظ عليه بقايا سيادته. أخطر ما في النموذج الأمريكي هو البحث المتواصل عن الاستقطاب، لم يترك دولةً وشأنّها الحُر، فهو يرسم خرائط النفوذ طوال الوقت. يضع الكرة الأرضية تحت مجساته العسكرية وأسلحته بعيدة المدى. فلا يوجد حدث عالمي خارج اهتماماته، لأنّه يعتني بكل صغيرةٍ و كبيرةٍ على الكوكب طبقاً لمؤشرات قوته القصوى. وأعطى لنفسه حق التدخل بحسب مصالحه دون إذن الهيئات الدولية. لم تخطئ له مصلحةٌ يوماً ما في تحريك الاحداث كما يُريد.

أمريكا سياسياً هي الذروة التي وصل إليها الغرب الكولونيالي بكل عتادّه المعرفي والحربي. ليس هذا وحسب على امتداد الخط، ولكنها لم ترضَّ بما يُشبع الاستعمار من ابتلاع مناطق النفوذ والسيطرة، إنما وصل بها " نهم الهيمنة " إلى الهوس بصناعة الحروب والصراعات. المؤشر على ذلك أنَّ ترامب قد غيّر اسم " وزارة الدفاع " الأمريكية إلى" وزارة الحرب" وكأنَّه جاءَ لهذا الهدف تحديداً. وحيدٌ هو الرئيس ترامب الذي وضع الاسم على المسمى بدلاً من فوضى الاصطلاح. وضع النقاط على الحروف قولاً وعملاً. وبهذا الاسم تحول العالم تلقائياً من خانة دول الأصدقاء والجوار إلى أعداء فعليين.

التغيير يقول إنَّ الحرب ليست احتمالاً من بين احتمالات الصراع، ولكنها ستمثل واقعاً لا محالة. كأن الدولة الامريكية في حالة حروب مستمرة لا توقف. وفي كل مرة سيتم جر كرة الاحداث إلى درجة الانفجار العسكري. أي من النهاية ستكُون الحروب محتومةً من جانب القوة الأمريكية وما يرافقها من سياسات واستراتيجيات. منذ نقطة البداية، سيصبح كلُّ صراعٍ أو كل تنافس حربياً.

ليس بعيداً عن ذلك ما جرى من" ميتافزيقا الخراب البشري " في جزيرة جيفري إبستين، حيث عرّت مجتمعاً للنُخب الدولية مازال يعيش مع الاساطير والأشباح ويقدّس الشيطان ويأكل لحوم البشر. جزيرة إبستين ليست أرضاً مترامية الأطراف بين أمواج البحر، ولكنها "عقل دموي " يعيش في ظلام السياسة ممسكاً بيده خيوط "عرائس الماريونيت" فوق منصات السلطة هنا أو هناك. كلُّ موقفٍ، وكلُّ رئيسٍ، وكلُّ مسئولٍ زار جزيرة إبستين كان لمهمة سياسيةٍ معينةٍ. وتصب المهام في النهاية لخدمة المصالح الاسرائيلية- الامريكية. جزيرة ابستين جزء من" عقل الكاوبوي المتصهين " والذي يجيد نصب الفخاخ وإدارة الاحداث بالفضائح وتدبير المكائد والدسائس. لا انفصال بين تاريخ الصهيونية وتاريخ الكهوف الدموية على غرار جزيرة إبستين.

لم تكُّن مشاهد جيفري إبستين خبط عشواء، لقد جمعت بين رموز السياسة ولصوص الاقتصاد وهياكل الدين وخدّام الآلهة وتجّار الموت ومصاصي الدماء. كلُّ ذلك نقل الممارسات الشاذة التي تطايرت أخبارها إلى جميع أصقاع الأرض. وتبين أنها ممارسات أخذت شكل الطقوس والأعمال المقدسة لأغراض وقحةٍ. طبقاً للوثائق التي زادت عن ثلاث ملايين وثيقة تركها جيفري إبستين، بدت الجزيرة معبداً لتقديس الشرور في العالم. لا قانون، لا اخلاقيات، لا حدود بين الواقع والخيال، الأسرار فضائحية أكثر من الوقائع. جاءت الجزيرة عنواناً للغموض بدءاً من وجودها المجهول ومروراً بالطقوس التي يمارسها رواد الجزيرة وليس انتهاءً بصاحبها الذي صعد نجمه كأنَّه جاء من سماوات سحرية!!

أما خلال الأوقات الراهنة، فالحرب "الأمريكية – الاسرائيلية " على ايران دليل أنَّ كل ما سبق ليس مصادفةً، ولكنه عمل مقصود للحفاظ على اسرائيل. هذه " المحمية الصهيونية الأمريكية " وسط الرمال السياسية العاصفة بالشرق الأوسط. مشهد الحرب بين الغرب الصهيوني وبلاد فارس بعثَ الروح في خريطة العالم السياسي اللاهوتي مرة أخرى. كان ترامب الاسرائيلي يرى في نظام الحكم الايراني القائم على عقائد التشيُّع أخطر أصناف الأنظمة السياسية. لأنه جعل من الحروب عقيدةً غير قابلة للانفكاك.

كان ترامب يدرك أنَّ حروب العقائد المسيّسة لا يوازيها إلاَّ عقائد مسيسة بالمثل. فلم يستطع ترامب اختراق جدار امبراطورية فارس العازل، ولم يتمكن من فرض سطوته عليها. لكونه يعلم استحالة أنْ يناطح الايديولوجيات المقدسة لدى اصحابها. حيث كانت الايديولوجيات نموذجاً للارهاب الدموي في المنطقة العربية. وبخاصة أنَّ أمريكا ليست ساذجة، إذْ شكلت بعض أنظمتها السياسية معامل لتفريخ بعض" فيروسات الارهاب " في أرجاء الكرة الأرضية تخليقاً ورعايةً وانتشاراً.

كل حروب آتية إلى حتفِ اصحابها إذا كانت لاهوتيةً بهذه الطريقة. الحروب في أساسها لاهوت ضّل طريقه إلى السياسة وهي سياسة استقرت في أضابير اللاهوت. إراد ترامب أنْ يضيف لاهوتاً حربياً أمريكياً مقابل لاهوت فارس الحربي. أمّا اسرائيل، فلا ينقصها لاهوت حربي، فهي مستعمرة لاهوتية حتى النخاع، جميع تفاصيل وجودها غارقة ومنقوعة في قاع لاهوت الحروب منذ عقود طويلة. الدولة الوحيدة التي تطاول أمريكا في لاهوت الصراع هي اسرائيل رغم المؤسسات السياسية الحداثية التي تتحصن فيها. جميع رؤساء اسرائيل عبارة عن أشباح لملوك بني اسرائيل. الطقوس الحربية والسياسية ذاتها هي ما يقفون تحت ظلها الخفي طوال الوقت، حتى الخطابات السياسية وشكل المشاهد للكيان الصهيوني إنما هي موروثات لاهوتية فاتَ أوانها. وليست الصراعات الحربية التي ينغمس فيها العالم العربي بسبب اسرائيل إلاَّ حفريات يهودية وصهونية قديمة.

ليس صحيحاً أنَّ العلمانية مازالت تحمل الأنظمة الحربية الراهنة في عصر مُعلمن حتى النخاع. لكن الحروب لاهوتية بالضرورة بصرف النظر عن القُوى التي تنخرط فيها. الحرب عقيدة تحمل من يقوم بها على أسطّرة وجوده إزاء الأغيار. على الأقل بينه وبين نفسه وتجاه مناصريه، لكون الحرب تحتاج إلى مركزية القرار وإلى قدرة على الاعتقاد فيما تملك تجاه الأعداء. واللاهوت صبغة حربية تحتوي كل صراع داخلها لتعيد انتاجه بصورة شرسة. من هنا كان على أمريكا وقائدها الراهن دونالد ترامب أنْ يعلنا عن لاهوت الحرب تجاه إيران. أليست ايران تتحصن داخل لاهوت التشيع السياسي والثورة التي تصدّرها للدول المجاورة وتحمل لواء محاربة الاستعمار. فلتكن أمريكا هي " عقل الكاوبوي " الذي يوازي لاهوتاً من نوع معاصر.

المشهد لم يكن يعوزه أي شيء للتدليل على لا هوت الحروب إلاّ قساوسة انجيليون في البيت الأبيض لاقامة صلاة وقداس من أجل ترامب للانتصار الحربي على ايران. حيث تجلى المشهد بوصفه" شعيرة ميتافيزيقية" و" خليطاً لزجاً " بين السياسة والدين، كأنّه أحد المشاهد المتأخرة من العصور الوسطى. دونالد ترامب يجلس إلى مكتبه الفخم في البيت الأبيض، مكتب قيادة العالم وادارة الصراعات ومناورات الحروب وعقد الصفقات على نطاقٍ واسع. ترامب ينظر إلى المكتب الماثل أمامه كأنّه ينتظر نزول الرب في المكان بينما يضع القساوسة العشرون أيديهم على كتفه. ومنْ لم يطل جسم ترامب يضع يده على كتف أقرب قسيس إليه. حتى تكون المعتقدات الدينية ساريةً في خضم تواصل الأجساد والأرواح.

وفي صوت واحد يرددون مع سماع صوت كبير القساوسة مناشداً الرب: " أُصلي من أجل أنْ تحيط الرئيس بنعمتك وحمايتك. وأصلي من أجل أنْ تشمل نعمتك وحمايتك كل قواتنا ورجالنا ونسائنا الذين يخدمون في قواتنا المسلحة. يا آبانا نصلي من أجل أن تواصل منح رئيسنا القوة التي يحتاجها لقيادة أمتنا العظيمة وأنْ نعود أمةً واحدةً تحت راية الله، أمة غير قابلة للانقسام تنعم بالحرية والعدالة للجميع، ونصلي من أجل أنْ تفيض علينا من بركاتك".

السؤال المنطقي: في إطار الصراع الطاحن، أيُّ رب يصلون إليه هؤلاء القساوسة بالبيت الأبيض؟ هل هو رب خاص يطلبون منه النعمة والبركة للرئيس ترامب؟ ولاسيما أنَّ الحرب بين فارس وأمريكا واسرائيل على أشدها عبر شاشات الاحداث في كل انحاء العالم. والأدق كيف وبأية ثقةٍ يضعون كلَّ آمالهم السياسية في سلة الرب الذي يناشدونه الاستجابه؟ هل الرب هو رب حربي يوزع هباته على قوات أمريكا فقط؟

مشهد القساوسة يُعمِد الرئيس ترامب كامبراطور لاهوتي حضر من حفلة تنكرية خلال أكثر العصور تطوراً. وليس هناك من معنى لكون الرئيس في مؤسسة علمانية تمسح عليه الأيادي المقدسة طلباً للبركة والنعمة أكثر من معنى هذا المشهد. إنّ شرور أمريكا الحربية قتلت آلاف البشر، حتى وإنْ واجهها تواجد عسكري لاهوتي فارسي أو غيره. والحماية والصيانة اللتان يطلبهما القساوسة لترامب ورجاله ونسائه إنما يحلان باللعنات على بشر آخرين. فهل قساوسة ترامب يطلبون اللعنات المقدّسة لغيرهم؟ ربما ليس الرب سوى الطائرات المسيرة التي تحلق بالموت في أجواء الشرق الأوسط. وجديدةٌ هي مناشدة الرب الانجيلي مع الرب اليهودي فوق سماء ايران الاسلامية. تداخل غريب بين الأديان الإبراهيمية رغم أن السياقات علمانية.

أية رايةٍ لله تلك التي يطلب القساوسة أنْ تكون تحتها أمريكا أمةً واحدةً؟ أمريكا كقوى عظمى لم تحمل إلاَّ راية الاستعمار الغربي المبكر، ولم ترفع راية إلاَّ وبجانبها راية اسرائيل، يبدو أنَّ رايات الرب توحدت عند خطوط الموروثات الحربية اللاهوتية الراهنة. والجديد أن الرب الانجيلي والرب التوراتي قد إجتمعا تحت سقف البيت الأبيض، وإلاَّ ما الذي يفسّر الحروب الأمريكية الاسرائيلية التي تعصف بكافة القيم والحقوق؟!

وبالطبع إذا كانت سياساتُ أمريكا واسرائيل الدينية فاعلةً في ساحة الحرب، فإنها ستستثير السياسات اللاهوتية عند ايران وسواها ( حزب الله والحوثيين وجماعات العنف في العراق). بل بدا الاسلاميون الآخرون يطلون برأسهم من قلب الرماد بعثاً لخطابات الكراهية بين الشرق والغرب مرة أخرى. ألم يكن هناك تحالف صهيوني غربي في شكل هذا الصراع، فليكن لهم( أي الاسلاميون المتطرفون) قصب السبق حين جاهروا بتكفير الغرب ... هكذا قد يُقال في الخطابات التكفيرية!!

مما يعيد ضبط مؤشر الصراع ليس بين أمريكا وايران فقط، ولكنه يحرك تربة التطرف ويخرج بذوره إلى الهواء والضوء في بلاد الشرق الأوسط، ولعلَّ المناخ المواتي سيجددُ الفرصة لنمو البذور مرةً أخرى. الناس كانوا يتصوروا أنَّ التطرف الذي أدمى المجتمعات العربية قد ذهبَ إلى حيث لا يُعود الموتى، غير أنّ حرباً كهذه كانت عصا تحرث تربة التشدد الديني من جديدٍ. الثقافة التي يجيدها الإرهابيون هي ثقافة الحروب والصراعات. هي يواصلون الظهور فوق جثث الموتى وعلى إيقاع التفجيرات. وتلك كانت ظاهرةً في بعض العصور العربية الاسلامية، يعثرون على ذواتهم في حالة جهاد أبدي لا يُبقي ولا يذر. أمّا في حالة دوران عجلة الحضارة، فلايجد الارهابيون لهم مكاناً مؤثراً.

***

سامي عبد العال

لم يعد العراق مجرد بلد يواجه أزمة سياسية داخلية أو خلافات بين قواه المتنافسة على السلطة، بل أصبح مرة أخرى ساحة مفتوحة لصراع إقليمي ودولي يتصاعد على أرضه. فمنذ اندلاع الحرب بين محور المقاومة والكيان الاسرائيلي، وتوالي الهجمات الضروس بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وايران والفصائل المسلحة المرتبطة بها من جهة أخرى، صرنا امام مشهد فوضوي معقد تتداخل فيه الاستراتيجيات وردود الافعال بما ينذر بمخاطر جسيمة تلحق بالعراق رغم انه عنصر منفعل بالحرب وليس فاعلا فيها ، أن العراق يقف اليوم في قلب مواجهة تتجاوز حدوده بكثير، في لحظة تستفحل فيها الازمة السياسية و المالية ويتعطل انتخاب رئيس للجمهورية وتتفاقم فيها الخلافات حول تشكيل الحكومة، و تتعرض منشآته العسكرية وحقول النفط و الطاقة لضغوط أمنية واقتصادية مكشوفة، يبدو البلد وكأنه يدخل مرحلة شديدة الحساسية وربما مصيرية قد تعيد رسم موقعه في معادلات الشرق الأوسط حين تضع الحرب اوزارها ويبدأ حساب الخسائر والفرص المهدورة والحكمة الناقصة.

فالحرب الدائرة حالياً في المنطقة بين إيران ومحورها من جهة، وبين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم تعد محصورة في جغرافية محددة. فقد امتدت آثارها من غزة ولبنان إلى سوريا والعراق والخليج وعموم الشرق الاوسط، وبدأت تدفع المنطقة بأكملها نحو حالة من السيولة السياسية وعدم الاستقرار الواسع، كما أن تداعياتها لم تتوقف عند حدود ساحات القتال، بل بدأت تمس الاقتصاد الإقليمي وأمن الطاقة، بما في ذلك دول الخليج التي تتأثر بشكل مباشر بأي اضطراب في الاستقرار الإقليمي أو في حركة التجارة والطاقة.

وفي خضم هذه المواجهة الواسعة أصبح العراق أحد أكثر البلدان عرضة لتداعياتها، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي، بل أيضاً بسبب طبيعة التوازنات السياسية والأمنية الهشة داخله.

لماذا يدور الصراع حول العراق الآن؟

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا عاد العراق ليكون أحد مراكز الصراع الإقليمي والدولي؟

الجواب يكمن في عدة عوامل متداخلة. فالعراق يحتل موقعاً جيوسياسياً بالغ الأهمية في قلب الشرق الأوسط، حيث يشكل نقطة التقاء بين الخليج وإيران وتركيا وسوريا. كما أنه يمثل حلقة أساسية في شبكة النفوذ الإقليمي التي بنتها إيران خلال العقدين الماضيين.

إلى جانب ذلك، فإن النظام السياسي الذي نشأ بعد عام 2003 أفرز واقعاً معقداً من التوازنات الداخلية، حيث تتداخل القوى السياسية مع قوى مسلحة متعددة الارتباطات الإقليمية. وهذا الوضع جعل العراق عرضة للتحول إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين القوى المتصارعة على النفوذ.

كما أن الأهمية الاقتصادية للعراق، بوصفه أحد أكبر البلدان النفطية في العالم، تضيف بعداً آخر للصراع، إذ إن استقرار إنتاج النفط العراقي أو اضطرابه يؤثر بشكل مباشر في أسواق الطاقة العالمية.

هل يدور الصراع حول التشيع السياسي؟

لكن ما يجري في المنطقة اليوم لا يمكن تفسيره فقط من خلال الصراع العسكري أو التنافس الجيوسياسي، بل يرتبط أيضاً بسؤال أعمق يتعلق بطبيعة النظام السياسي والنفوذ الإقليمي في الشرق الأوسط.

فخلال العقدين الماضيين برز ما يمكن تسميته بنموذج “التشيع السياسي”، أي توظيف الهوية المذهبية في بناء شبكة نفوذ سياسية وعسكرية تقودها إيران في عدد من دول المنطقة. وقد اتخذ هذا النموذج أشكالاً مختلفة في العراق وسوريا ولبنان واليمن. فمن نموذج ثنائية الدولة -المقاومة بعد عام 2003

الى نموذج المقاومة الذكية بعد عام 2016 تحول العراق الى مختبر لصراع نفوذ متعدد المحاور ولم تعد الدولة قادرة على التحرر من شبكات المصالح المتضاربة.

غير أن التحولات الجارية اليوم تشير إلى أن هذا النموذج يواجه تحديات متزايدة ونهاية قريبة نتيجة الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية التي تتعرض لها إيران ومحورها. وهذا لا يعني بالضرورة نهاية هذا النفوذ، لكنه يشير إلى أن المرحلة التي تمكنت فيها إيران من توسيع نفوذها الإقليمي بسهولة نسبية قد دخلت مرحلة مختلفة وأكثر تعقيداً.

في هذا السياق يبدو العراق وكأنه يقف في قلب هذه التحولات، حيث يدور جزء من الصراع حول مستقبل العلاقة بين الدولة الوطنية من جهة، ومشاريع النفوذ الإقليمي من جهة أخرى.

تكمن المشكلة الأساسية في أن العراق يواجه هذه التحولات الكبرى في ظل وضع داخلي هش. فالأزمة السياسية المستمرة، وتعطل انتخاب رئيس للجمهورية، والانقسامات الحادة حول تشكيل الحكومة، كلها تعكس عمق الاختلالات في النظام السياسي. كما أن استمرار تعدد القوى المسلحة خارج إطار الدولة يضعف سيادة المؤسسات الرسمية ويجعل البلاد أكثر عرضة للضغوط والتدخلات الخارجية.

وفي ظل هذا الواقع يصبح العراق أكثر عرضة للتأثر بالصراعات الإقليمية، حيث يمكن لأي تصعيد في المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل أن ينعكس مباشرة على الوضع الأمني والاقتصادي، توقف صادرات النفط مثالها الاوضح.

في اجواء هذا المشهد المعقد، تبدو الحاجة ملحّة إلى تبني سياسات عقلانية تحمي العراق من الانزلاق إلى صراعات أكبر لايتحملها، رغم الاجواء العاطفية والحماسية التي يعيشها صنف من العراقيين.

أولى هذه السياسات هي العمل على تحييد العراق عن صراعات المحاور الإقليمية، بحيث لا تتحول أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المختلفة. أما السياسة الثانية فتتمثل في تعزيز سلطة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، وهو شرط أساسي لبناء دولة قادرة على حماية سيادتها. كما أن العراق بحاجة إلى تسوية سياسية داخلية واسعة تعيد الاستقرار إلى النظام السياسي وتمنع استمرار حالة الانقسام التي تضعف الدولة.

إلى جانب ذلك، يجب حماية قطاع النفط والطاقة من الاضطرابات الأمنية والسياسية، لأن استقرار هذا القطاع يمثل حجر الأساس في الاقتصاد العراقي.

في مثل هذه اللحظات الحرجة يعود الدور المعنوي والسياسي المهم الذي تمارسه مرجعية النجف، وعلى رأسها المرجع الأعلى السيد علي السيستاني.

فقد أسهمت المرجعية في محطات سابقة بجهود فاعلة وحاسمة في حماية الدولة العراقية وتوجيه العملية السياسية نحو الاستقرار. كما أن مواقفها التي تؤكد على أولوية الدولة العراقية ورفض تحويل البلاد إلى ساحة للصراعات الخارجية يمكن أن تسهم في تهدئة التوترات وإعادة توجيه المسار السياسي.

يقف العراق اليوم أمام لحظة تاريخية دقيقة، حيث تتقاطع على أرضه صراعات إقليمية ودولية تعكس تحولات أعمق في بنية الشرق الأوسط. وفي عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة، لا يمكن للعراق أن يحمي نفسه بالانخراط في صراعات الآخرين، بل بقدرته على بناء توازناته الداخلية وتعزيز دولته الوطنية. فإما أن يبقى العراق ساحة مفتوحة للصراع، أو أن يتمكن من تحويل موقعه الجغرافي والسياسي إلى عنصر قوة واستقرار في منطقة مضطربة، هذا الامر يتوقف على نمط من القيادات السياسية وخطابات وسردية واضحة غير التي جربناها حتى الان.

***

ابراهيم العبادي

مدخل استراتيجي للشرعية التاريخية وحفظ الذاكرة الوطنية

على سبيل البداية: يشكل تراث المسيرة الخضراء أحد أبرز مكونات الذاكرة الوطنية المغربية، إذ يجسد حدثاً تاريخياً مفصلياً في مسار استكمال الوحدة الترابية للمملكة المغربية. فقد مثلت المسيرة الخضراء التي انطلقت سنة 1975 لحظة استثنائية في التاريخ السياسي المغربي، حيث تجلت فيها وحدة العرش والشعب حول قضية استرجاع الأقاليم الجنوبية. غير أن هذا التراث المرتبط بالمسيرة الخضراء لا يقتصر على الحدث السياسي في حد ذاته، بل يمتد ليشمل مجموعة من العناصر الرمزية والثقافية، مثل الخطب الملكية، والأغاني الوطنية، والصور والوثائق التاريخية، والشهادات الحية التي تعكس أجواء التعبئة الوطنية التي رافقت هذا الحدث التاريخي. وفي ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر، أصبح من الضروري التفكير في آليات حديثة لحفظ هذا التراث الوطني وضمان استمراريته، ومن أبرز هذه الآليات رقمنة التراث الثقافي.

أولاً: مفهوم الرقمنة

تشير الرقمنة (Digitization) إلى عملية تحويل المعلومات والوثائق والمواد الثقافية من صيغتها التقليدية المادية إلى صيغ رقمية قابلة للحفظ والمعالجة والنشر عبر الوسائط الإلكترونية. وتتيح هذه العملية إمكانية تخزين كميات كبيرة من البيانات والوثائق في قواعد بيانات رقمية، مما يسهل الوصول إليها واسترجاعها واستثمارها في البحث العلمي وفي نشر المعرفة (شلغوم، 2020).

كما تُعرّف الرقمنة أيضاً بأنها توظيف التكنولوجيات الحديثة من أجل تحويل المحتوى الثقافي والمعرفي إلى موارد رقمية قابلة للتداول عبر الشبكات الرقمية، الأمر الذي يساهم في حماية التراث من الضياع أو التلف، خاصة في ظل التحديات التي تواجه العديد من الموروثات الثقافية نتيجة عوامل الزمن أو ضعف التوثيق التقليدي (يوسف، 2021).

وفي هذا السياق، أصبحت الرقمنة أداة مركزية في سياسات الحفاظ على التراث الثقافي في العديد من الدول، حيث تسمح بتوثيق الموروث الثقافي بمختلف أشكاله، سواء كان مادياً مثل المعالم التاريخية والوثائق الأرشيفية، أو لامادياً مثل الفنون الشعبية والأغاني التراثية والتقاليد الاجتماعية.

ثانياً: العلاقة بين الرقمنة والحفاظ على التراث الثقافي

أصبحت العلاقة بين الرقمنة والحفاظ على التراث الثقافي علاقة تكاملية، إذ تسهم التقنيات الرقمية في توفير وسائل فعالة لحفظ التراث وتوثيقه ونقله إلى الأجيال القادمة. فمع التطور الكبير في تقنيات التصوير الرقمي والمسح ثلاثي الأبعاد والأرشفة الإلكترونية، أصبح من الممكن توثيق أدق تفاصيل الموروث الثقافي وإتاحته للباحثين والمهتمين عبر منصات رقمية متخصصة (رزق العين، 2023).

وتكمن أهمية الرقمنة في كونها تتيح حماية التراث الثقافي من مختلف التهديدات التي قد يتعرض لها، سواء كانت ناتجة عن عوامل طبيعية أو بشرية، كما تسهم في تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية هذا التراث من خلال نشره عبر الوسائط الرقمية المختلفة. كما أن إتاحة التراث الثقافي عبر الإنترنت تتيح فرصاً أكبر للبحث العلمي والدراسات الأكاديمية، حيث يمكن للباحثين الوصول إلى المصادر التراثية بسهولة أكبر مقارنة بالطرق التقليدية (بوشيبي وديبون، 2023).

وقد أصبحت رقمنة التراث الثقافي جزءاً من السياسات الثقافية الحديثة التي تسعى إلى تحقيق التوازن بين الحفاظ على الهوية الثقافية الوطنية والانخراط في التحولات الرقمية التي يشهدها العالم المعاصر.

ثالثاً: أهمية رقمنة التراث في السياق المغربي

يتميز المغرب بغنى وتنوع تراثه الثقافي، الذي يعكس تفاعلات تاريخية وحضارية متعددة أسهمت في تشكيل الهوية الثقافية المغربية. ويشمل هذا التراث مجموعة واسعة من المكونات، من بينها المعالم التاريخية، والحرف التقليدية، والفنون الشعبية، والأغاني الوطنية، إضافة إلى الموروث الشفهي الذي يعكس الذاكرة الجماعية للمجتمع المغربي.

وفي هذا السياق، أصبحت رقمنة التراث الثقافي المغربي ضرورة ملحة للحفاظ على هذا الموروث الحضاري وضمان استمراريته. فقد أكدت العديد من الدراسات أن الرقمنة تمثل وسيلة فعالة لحماية التراث الثقافي وتوثيقه وإتاحته للباحثين والجمهور، كما تسهم في تعزيز إشعاع الثقافة الوطنية على الصعيد الدولي (محمد، 2021).

كما أن رقمنة التراث الثقافي تتيح إمكانية إنشاء قواعد بيانات رقمية متخصصة تمكن من توثيق مختلف عناصر التراث المادي واللامادي، وتوفر منصات إلكترونية تتيح للجمهور الاطلاع على هذا التراث من خلال الزيارات الافتراضية أو الوسائط التفاعلية، الأمر الذي يعزز حضور الثقافة الوطنية في الفضاء الرقمي العالمي.

رابعاً: رقمنة تراث المسيرة الخضراء

في إطار الحديث عن أهمية رقمنة التراث الثقافي، يبرز تراث المسيرة الخضراء باعتباره أحد أهم المكونات الرمزية للذاكرة الوطنية المغربية. فالمسيرة الخضراء لم تكن مجرد حدث سياسي عابر، بل شكلت لحظة تاريخية جسدت وحدة الشعب المغربي حول قضية استرجاع الأقاليم الجنوبية.

ويشمل تراث المسيرة الخضراء مجموعة من العناصر التاريخية والثقافية التي تستحق التوثيق الرقمي، من بينها:

الخطب الملكية المرتبطة بإعلان المسيرة الخضراء.

الصور التاريخية التي وثقت مشاركة مئات الآلاف من المغاربة في هذا الحدث.

الوثائق الرسمية المتعلقة بتنظيم المسيرة.

الأغاني الوطنية التي رافقت التعبئة الشعبية.

ومن أبرز هذه الأغاني الأغنية الوطنية "صوت الحسن ينادي" التي أصبحت رمزاً فنياً للمسيرة الخضراء، حيث ساهمت في تعزيز روح التعبئة الوطنية وترسيخ الشعور بالانتماء الجماعي لدى المغاربة. وقد لعبت هذه الأغنية دوراً مهماً في التعبير عن التلاحم الشعبي حول القيادة الملكية في تلك المرحلة التاريخية.

إن رقمنة هذا النوع من التراث الفني والوثائقي يتيح الحفاظ عليه من الضياع، كما يتيح إعادة توظيفه في الإنتاجات الثقافية والتربوية، إضافة إلى تمكين الباحثين من دراسة أبعاده الرمزية والسياسية في سياق تحليل الذاكرة الوطنية المغربية.

خامساً: الرقمنة كآلية لتعزيز الذاكرة الوطنية

لا تقتصر أهمية رقمنة تراث المسيرة الخضراء على الجانب التقني المتعلق بحفظ الوثائق والمواد التاريخية، بل تمتد أيضاً إلى البعد الاستراتيجي المرتبط بالحفاظ على الذاكرة الوطنية وتعزيزها. فالذاكرة الجماعية للشعوب تشكل أحد أهم عناصر الهوية الوطنية، كما تمثل مرجعاً أساسياً لفهم التحولات التاريخية والسياسية التي مرت بها المجتمعات.

وفي هذا الإطار، تسهم الرقمنة في تحويل التراث المرتبط بالمسيرة الخضراء إلى أرشيف رقمي متكامل يمكن الاستفادة منه في مجالات متعددة، مثل البحث العلمي والتعليم والإعلام الثقافي. كما تتيح هذه العملية تعزيز حضور هذا التراث في الفضاء الرقمي العالمي، الأمر الذي يسهم في التعريف بالقضية الوطنية المغربية وبالأبعاد التاريخية والسياسية للمسيرة الخضراء.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن رقمنة تراث المسيرة الخضراء تمثل خطوة أساسية نحو بناء ذاكرة رقمية وطنية قادرة على حفظ هذا الحدث التاريخي المفصلي، وضمان انتقاله إلى الأجيال القادمة باعتباره جزءاً من التاريخ المعاصر للمغرب.

خاتمة

إن التحولات الرقمية التي يشهدها العالم المعاصر تفرض على الدول تبني استراتيجيات جديدة للحفاظ على تراثها الثقافي وتثمينه. وفي الحالة المغربية، يمثل تراث المسيرة الخضراء أحد أهم المكونات الرمزية للذاكرة الوطنية، الأمر الذي يجعل رقمنته ضرورة علمية واستراتيجية في آن واحد. فبفضل الرقمنة يمكن حفظ هذا التراث من الضياع، وإتاحته للباحثين والمهتمين، وتعزيز حضوره في الفضاء الرقمي العالمي، بما يسهم في ترسيخ الوعي التاريخي بالقضية الوطنية وتعزيز الهوية الوطنية المغربية.

***

الدكتور منير محقق كاتب وناقد وباحث جامعي (مغربي).

.....................

المراجع

(وفق أسلوب APA)

ابن خلدون. (2004). المقدمة: مقدمة في التاريخ. بيروت: دار الكتب.

العروي، ع. (1996). الدولة والمجتمع في المغرب الحديث. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

بوشيبي، عبد الإله، & ديبون، التهامي. (2023). دور المنظمات الدولية والإقليمية في حماية التراث الثقافي والحفاظ عليه. مجلة العلوم الإنسانية والطبيعة.

رزق العين، نوال. (2023). أهمية الرقمنة والتكنولوجيات الحديثة في إدارة التراث الثقافي والتعريف به. مجلة منبر التراث الأثري، 12.

شلغوم، سمير. (2020). الرقمنة كآلية لضمان جودة العملية التعليمية. المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والسياسية والاقتصادية، 57.

محمد، رحاب عصام حسنى. (2021). استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للحفاظ على التراث الثقافي. المجلة الدولية للدراسات متعددة التخصصات في أبحاث التراث، 4.

يوسف، سيد إدريس. (2021). دور الرقمنة والتكنولوجيات الحديثة في التعريف بالتراث الثقافي وتثمينه. مجلة منبر التراث الأثري، 10.

المراجع الأجنبية

Al-Bayanouni, N. (1999). The intellectual heritage of Morocco. Rabat: Moroccan Academic Press.

Al-Jabri, M. A. (1991). Takamun al-‘aql al-‘arabi [Formation of the Arab Mind]. Beirut: Center for Arab Unity Studies.

Al-Jabri, M. A. (1993). Bunyat al-‘aql al-‘arabi [Structure of the Arab Mind]. Beirut: Center for Arab Unity Studies.

Al-Jabri, M. A. (1996). Al-‘aql al-siyasi al-‘arabi [The Arab Political Mind]. Beirut: Center for Arab Unity Studies.

Al-Jabri, M. A. (2000). Religion, state, and application of Sharia. Beirut: Center for Arab Unity Studies.

Al-Jabri, M. A. (2006). Introduction to the Holy Quran. Beirut: Center for Arab Unity Studies.

لا أكتب هذه الكلمات اليوم وأنا مستسلم لنوبة تشاؤم عابرة، فمن يعرفني عن كثب يدرك أن نفسي طواعة للأمل العامل، نابذة بالطبع للبكاء على الأطلال. لكن التاريخ، في بعض لحظاته الفارقة، يفرض علينا صراحة قد تبدو قاسية، لأنها وليدة وقائع أقسى. ذلك أن ما نشهده اليوم على مسرح العالم الكبير لا يمكن وصفه بكلمة أدق ولا أصدق من أنه الجنازة الرسمية للنظام الدولي الذي عرفناه وعشنا في ظلاله، أو في ظلال أوهامه، على مدى ثمانية عقود كاملة.

نحن، أبناء العالم الثالث تحديدًا، الذين تعلقنا طويلاً بفكرة العدالة الدولية كملاذ أخير، نقف اليوم لنشيع هذه الفكرة إلى مثواها الأخير. لقد دفن النظام الذي نشأ على أنقاض حربين عالميتين، ليس تحت أتربة النظريات السياسية، إنما تحت أنقاض المدن التي تقصف في غزة ولبنان واليمن وطهران، وفوق جثث الأطفال الذين يموتون بالجوع والحصار، وسط صمت مهيب لمجلس الأمن، المجلس الذي لم يعد يخرج عن تمتمة بكلمات إدانة عاجزة، بينما الدماء العربية الإسلامية كجداول لا تتوقف. العزاء اليوم، كل العزاء، في الأمم المتحدة. والعزاء في مجلس الأمن الدولي، الذي تحول من حارس للسلام إلى شاهد على موته.

لقد انتهى العصر الذي كنا نعتقد فيه - بسذاجة أو برغبة في التصديق - أن هناك قوة أعلى من قوة الدولة، وأن هناك قانونًا يعلو فوق قانون الغاب، وأن هناك ضميرًا دوليًا يمكن استنفاره لحماية الضعيف. ما نشهده اليوم هو الإعلان الرسمي عن نهاية هذا الوهم الطويل. وهم أن المجتمع الدولي، بمنظماته وقوانينه، قادر على أن يكون مظلة حقيقية للدول الصغيرة حين تتعرض للخطر. الوهم نفسه الذي سرقه الواقع منا بكل وقاحة.

هذا التحول الجذري لم يحدث بين عشية وضحاها، ولم يأت نتيجة خطأ عابر في التقدير. لقد بدأ التحول بطيئًا خفيًا، ثم تسارع بشكل هستيري في العقدين الأخيرين. الدروس التي كنا نقرأها في كتب العلاقات الدولية عن توازن القوى والمصلحة الوطنية كانت في الماضي مجرد نظريات أكاديمية. أما اليوم، فقد تحولت إلى واقع نعيشه بكل تفاصيله المريرة. القوة وحدها، وبكل تجريدية، هي التي تحكم وتتحكم. مجلس الأمن الدولي، الذي أُنشئ بالأساس لحفظ السلم والأمن الدولي، لم يعد أكثر من خشبة مسرح تستخدم فيها آلة "الفيتو" لحماية المتهم لا لمحاكمة المجرم. في هذا المسرح، الدم الفلسطيني هو مجرد ديكور، والمأساة الإنسانية هي مشهد جانبي لا يدخل في صلب النص.

لنتأمل معًا ما حدث في العاصفة الأخيرة التي اجتاحت منطقتنا. حين أغلقت المعابر، وتوقفت المساعدات، وقطعت سبل الحياة عن مليوني إنسان، حين أصبح تجويع المدنيين ورقة ضغط مشروعة فعالة، في إدارة الصراع. ماذا كان رد فعل العالم؟ بعض بيانات الشجب والاستنكار التي تخرج من هنا وهناك. بعض التوصيات بوقف إطلاق النار التي لم يلتزم بها أحد، لأنها لم تكن مصحوبة بآلية إلزام أو إرادة ضاغطة. ثم العودة إلى النوم العميق، إلى متابعة الشأن الخاص. هذه ليست هفوة مؤقتة أو تقصيرًا يمكن تداركه. إنها طبيعة العصر الجديد. العصر الذي أصبح فيه ميزان القوة هو صاحب الكلمة الأخيرة. هو الكلمة الوحيدة التي تسمع في نهاية المطاف.

منذ سنوات، وأنا أتابع بإمعان تقارير ارتفاع الإنفاق العسكري العالمي إلى أرقام فلكية. قبل أيام فقط، قرأت تقريرًا موثوقًا يفيد بأن هذا الإنفاق قفز إلى 2.7 تريليون دولار. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية باردة تضاف إلى سجلات البنك الدولي. إنه تعبير مكثف عن حقيقة عميقة هي أن العالم لم يعد يثق إلا في العضلات. الدول الكبرى، وهي تنفق هذا المبلغ الخيالي على التسلح، إنما تستعد لعصر جديد عنوانه الوحيد هو البقاء للأقوى. إنها شريعة الغاب التي رفعنا شعارًا منذ خمسين عامًا أننا نخرج منها، لكننا اليوم نرتد إليها بسرعة مذهلة، وكأننا ندور في حلقة مفرغة لا نهاية لها.

وهنا، يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا بكل صدق ماذا يعني هذا كله بالنسبة لنا في العالم العربي؟ بالنسبة لأوطاننا التي لم تزل تخوض معركة بناء الدولة الحديثة؟ بالنسبة لشعوبنا التي تتوق إلى العدالة والتنمية والكرامة الإنسانية؟

المعنى الأول، وهو الأكثر وضوحًا وقسوة، هو أن أيدينا أصبحت على قلوبنا. لا حامي لنا إلا أنفسنا، ولا ظهير لنا إلا قوتنا الذاتية. فكرة أن الأمم المتحدة سترسل قوات زرقاء لحمايتنا إذا تعرضنا لعدوان أصبحت من طرائف التاريخ. وفكرة أن القانون الدولي سينصفنا في نزاع مع قوة كبرى باتت ضربًا من الخيال، أو من الأدب الرومانسي. علينا أن ندرك هذه الحقيقة بكل أبعادها، مهما كانت مرة، لأن إدراكها هو الخطوة الأولى نحو التعامل الصحيح مع الواقع، وهو نصف الطريق إلى النجاة.

المعنى الثاني، وهو الأكثر إيلامًا ووجعًا، أن هذه الحقيقة لا تطبق بالتساوي على جميع الدول. الدول الصغيرة والفقيرة، التي لا تملك نفوذًا ولا قدرة على الردع، هي التي تدفع الثمن الأكبر. عندما ينهار النظام الدولي، يكون الفقراء والضعفاء هم أول الضحايا. في هذا العالم الجديد، تستطيع دولة كبرى أو قوة إقليمية طموحة أن تغزو جارتها، وأن تحتل أرضها، وأن تفرض عليها شروطها، ولا أحد قادر على ردعها سوى قوة أكبر منها. الموازين الدولية التي كانت تمنع هذا السيناريو، أو على الأقل تضع له ثمنًا باهظًا، قد سقطت تمامًا. لقد تحول العالم إلى غابة كبرى.

نحن في عالمنا العربي، ندفع الآن فاتورة هذا التحول العالمي، وندفعها من دمنا ومن مستقبل أولادنا. صحيح أن لنا أخطاءنا الكثيرة، صحيح أننا لم نبنِ بعد الاتحاد القوي الذي يحمينا، صحيح أن خلافاتنا الداخلية وغياب المشروع القومي الموحد يضعف موقفنا ويمزق صفنا. لكن علينا أيضًا أن نرى الصورة كاملة، ما يحدث لنا ليس مجرد نتيجة حتمية لأخطائنا فقط، لكنه أيضًا جزء لا يتجزأ من تحول عالمي خطير، يضع منطقتنا الثرية والمعقدة في مرمى النيران بشكل دائم.

وهنا تبرز المفارقة الكبرى، التي ربما تكون أكثر ما يثير التفكير في هذه اللحظة التاريخية الدقيقة. إنها مفارقة تستحق التأمل. ففي الوقت الذي نرثي فيه النظام العالمي المنهار، ونتحسر على العدالة الدولية المحتضرة، يبدو أن الاستثمار الوحيد الذي لم نختبره قط في عالمنا العربي، أو لم نوله الأهمية التي يستحقها، هو الاستثمار في القوة الذاتية الشاملة. الاستثمار في القدرة التي تجعل منا فاعلين في التاريخ، لا مجرد مفعول به.

نعم، أعرف أن كلامي هذا قد يبدو صادمًا لمن عرفوني على مدى سنوات طويلة. فطوال حياتي، ناديت بالعقل والحوار والانفتاح على العالم، وبأن التنمية والثقافة هما سلاحا الأمم في العصر الحديث. لكن التنوير ليس سذاجة، والعقلانية ليست جهلاً بواقع القوة. الرجل الحكيم في النهاية هو الذي يرى الأشياء كما هي، لا كما يتمنى أن تكون. وما هو واضح للعيان في عالم اليوم هو أن الدول التي أنفقت بسخاء على تحديث جيوشها، وطورت صناعاتها العسكرية، واعتمدت على قدراتها الذاتية في الدفاع عن نفسها، هي وحدها التي تستطيع أن تنام مطمئنة في ليل هذه العاصفة الهوجاء. هي وحدها التي يمكنها التفاوض من موقع ندية، والدفاع عن مصالحها من موقع قوة.

الإنفاق على الجيوش، في عالمنا المعاصر، لم يعد ترفًا تمارسه النزعات العسكرية، ولم يعد خيارًا أيديولوجيًا. لقد أصبح، بكل بساطة، ضرورة من ضرورات البقاء البيولوجي للأمة. إنه مثل شراء وثيقة تأمين على الحياة لمن يسكن في منطقة كلها أخطار وبراكين. هو، في تقديري المتواضع، أفضل إنفاق يمكن لدولة نامية، وخاصة عربية، أن تقوم به في هذه المرحلة، لأنه يشتري لها الوقت والأمان لتنمو وتتطور في الداخل. الجيش القوي لا يعني بالضرورة الحرب، بل يعني غالبًا منعها.

لكن هذا الكلام لا يعني أبدًا أن نختزل القوة في البعد العسكري فقط، أو أن نحول مجتمعاتنا إلى ثكنات عسكرية، أو أن نستهلك مواردنا في سباقات تسلح عقيمة. التوازن هو الأساس، وهو لب الحكمة. الجيش القوي ضروري، إنه شرط أساسي، لكنه ليس كافيًا بمفرده. المجتمعات المتعلمة القادرة على الإنتاج والابتكار، والاقتصادات المنتجة المتنوعة التي لا تعتمد على الريع، والأنظمة السياسية المستقرة العادلة القادرة على احتواء مواطنيها، والمواطنون الواثقون في دولتهم والمعتزون بهويتهم، كلها عناصر لا تقل أهمية عن الدبابات والطائرات. إنها في الحقيقة الوقود الذي يحرك هذه الدبابات، والعقل الذي يوجه هذه الطائرات. القوة الحقيقية هي مزيج مركب وعضوي من القدرة العسكرية والصلابة الاقتصادية والتماسك الاجتماعي والإرادة السياسية.

ما أريد قوله، في ختام هذه الكلمات التي أتمنى أن تصل إلى القلب قبل العقل، هو أن علينا جميعًا، نخبًا وشعوبًا، أن نستيقظ من أحلام اليقظة التي عشناها طويلاً. علينا أن ندرك أن عالم ما بعد الحرب الباردة، الذي كنا نظن بسذاجة أنه سيكون عالم سلام وعولمة وتقدم وازدهار للجميع، قد انتهى إلى غير رجعة. العالم الجديد الذي يولد أمام أعيننا هو عالم القوة المجردة، والتحالفات المؤقتة القابلة للكسر، والمصالح المتغيرة بسرعة الصاروخ.

دعونا إذن لا نندب حظنا طويلاً، ولا نضيع الوقت في البكاء على الأطلال. فشعوبنا العربية التي عاشت على هذه الأرض منذ فجر التاريخ، وواجهت غزوات واحتلالات وأزمات لا تحصى، والتي خرجت منها في النهاية أقوى وأصلب، قادرة بلا شك على تخطي هذه المرحلة العصيبة أيضًا. لكن هذا يتطلب منا وعيًا جديدًا بالواقع، وإرادة صلبة لبناء الذات أولاً، واتحادًا حقيقيًا فاعلاً بين أقطار أمتنا، لا مجرد شعارات نرفعها في المناسبات وخطب رنانة تذروها الرياح. الوطن العربي واحد، ومصيره واحد، وتحدياته واحدة، ولا سبيل لمواجهتها إلا بيد واحدة متماسكة.

أما نحن في هذا الركن من العالم، المثقلين بالتاريخ والموعودين بالمستقبل، فلنا دعاؤنا الذي لا يتغير في ختام كل مقال وفي مفتتح كل عمل: حفظ الله بلادنا وشعوبنا من كل سوء، وألهمنا رشدنا، وأعاننا على بناء قوتنا.

***

د. عبد السلام فاروق

السخرية من شعوب مغفلة تستمتع بمشاهد الاهانة والتعذيب.. حتى في الكوميديا!

تعود فكرة برامج المقالب الى أكثر من ثمانين سنة، ويعدّ برنامج الكاميرا الخفية لمقدمه ألن فونت الذي بث عام 1948 على شاشة CBS هو الأقدم عالمياً، فيما بدأت أول برامج مقالب عربية في التلفزيون المصري في ثمانينيات القرن الماضي مع الفنان فؤاد المهندس الذي حصل على شهرة واسعة لكنه تراجع فيما بعد بسبب (استهلاكها) وسوء إدارة بعض المقالب واكتشاف حقيقة إن عدداً منها يتم بالاتفاق بين مقدم البرنامج و(الضحية) في خطة تستهدف اللعب على عواطف المشاهد الذي يستهجن استغفاله.

ولهذا السبب تحديداً عمدت برامج المقالب في التلفزيون الفرنسي الى تنفيذ مقالب عفوية تحظى بالمصداقية يستمتع فيها المشاهد والضحية أيضاً، فيما اعتمدت برامج المقالب اللبنانية فكرة خداع الناس في الايقاع بهم وهم يمشون في الطريق.وتحقق برامج المقالب هذه ثلاثة أهداف:

- مالي بحصول الفضائية على إيرادات كبيرة من خلال الإعلانات،

- وشهرة واسعة لمقدم البرنامج وكادره والمحطة ايضاً،

- ومتعة وترفيه وتسلية للمشاهد.

رامز تحت الصفر

في رمضان (2018) قدّم رامز جلال مقلبا بعنوان (رامز تحت الصفر) حظي بمشاهدة عربية واسعة دفعتنا الى استطلاع المشاهدين لهدفين:

-  الأول معرفة آرائهم بالبرنامج، وبنوعية شخصية رامز جلال، وما إذا كانوا يستمتعون بمشاهدة حلقاته التي جرى تصويرها في ثلوج روسيا مستغلاً مشاركة الفريق المصري لكرة القدم في المونديال،

- والثاني ضمني يستهدف معرفة سيكولوجيا المشاهدين من خلال إجاباتهم.. على هذا السؤال:

تقوم فكرة برنامج "رامز تحت الصفر" على وضع الضيف في مقلب بهدف إمتاع المشاهدين، فهل امتعك ذلك؟ أم إنك ترى فيه إهانة ومزاحاً ثقيلاً ؟

كانت اجاباتهم بخصوص البرنامج بأنه:

 (تافه، مفبرك، سخيف، مهين لشخصيات فنية واجتماعية محترمة، إسفاف ومسخرة، تهريج وعياط وصراخ، عديم اللون والطعم والرائحة، مقرف جداً، مضيعة للوقت، ابتذال يفسد الذائقة الفنية، مقالب مؤذية أكثر منها مسلية، معظم ما يقوم به مزيف يحاول التغطية عليه بالصراخ والنكات البايخة، انتهاك صارخ لحقوق الانسان، شكل من أشكال العنف قد يعرّض أحدهم لسكتة قلبية).

واتفقت غالبية العينه وعددها (2023) بينهم اكاديميون بأن شخصية رامز عدائية، لأن الاستهزاء بالآخرين والضحك على متاعبهم من سمات الشخصية العدائية، وأنه يحاول القيام بما لايستطيع تحقيقه على أرض الواقع وهي أحد اضطرابات الشخصية العدائية( hostile personality )، فيما وصفه آكاديميون سيكولوجيون عرب خصونا باجاباتهم بأنه سيكوباثي، يعاني من مرض نفسي يستهوي ايلام الآخرين وتعريضهم للخطر، وأنه شخص يشعر بالنقص فيعوضه بالانتقام من النجوم، ويسدّ فشله بالوصول الى النجومية بتعذيب ضيوفه ليشفي غليله، وأنه مجرم خطير مكانه السجن بين القتلة والمنحرفين أخلاقياً وانسانياً، اعطته التكنولوجيا الاعلامية فرصة تحويل ميوله الاجرامية عبر الإعلاء والتسامي بها بصورة مغلفة بالكوميديا والكاريزما وهو في حقيقته ينهش في صحة وعقل وجسد ضحاياه بوحشية ودموية، واوصى آخرون بأنه يحتاج لكورسات من العلاج النفسي لأنه معتوه.

وكان لآخرين الرأي النقيض مستشهدين بأن بدايات رامز الفنية وأدواره كلها كانت في لعب الولد المحبوب صديق البطل الفكاهي وهذه بعيده كل البعد عّن شخصية السيكوباثي، وأن البرنامج لايعدو كونه مزاحاً ثقيلاً، وأن تصنيفه ضمن المجرمين والمرضى العقليين.. تهمة ظالمة.

رامز مجنون رسمي

بين رامز تحت الصفر 2018 و رامز مجنون رسمي 2020، ورامز ليفل الوحش 2026 ما الذي تغير؟.

استخدمنا نفس المنهج باستطلاع عينة مشاهدين، فوجدنا أن اجاباتهم لا تختلف عن سابقاتها: فالبرنامج تافه تخطى حدود المعقول، ورامز شخصية سادية يتلذذ بتعذيب الاخرين رغم كل السب والشتم، وهو مريض نفسيا ومجرم يفترض ان يقدم للمحاكم، فيما برر آخرون بأن رامز شخص يبحث عن رزقه، وأن المال اعمى في وسط قائم على الفلوس.

ورأى كثيرون بأن مقالب رامز هذه متفق لقاء (شيكات بارقام صعبة). واكد بعضهم انه تم فعلا ادانته لكنه عند فتح التحقيق تبين ان لديه ما يثبت موافقة الطرف الاخر للحضور الى البرنامج ويعرف ما سيحدث له بالضبط. واستشهد آخرون بتصريح المخرجة ايناس الدغيدي بانهم (كلهم وافقوا على المشاركة ولكن لا يعلمون اي مقلب سيقعون فيه)، وأن الشخصية التي تقع في الفخ سرعان ما ترضى لحظة تستلم مبلغا يسيل له اللعاب.

اعادة الشخصية الشرق اوسطية

قدّم بعضهم تحليلا ذكيا بقولهم ان الشعوب العربية تحب العنف وتستمع به، وانها تهوى السيطرة والتحكم بالاخرين لتمارس عليها انواع التعذيب او التلهي بها خصوصا تلك الضعيفة .. ما يعني ان الخطر السيكولوجي فيه يتمثل بتطبيع افكار السادية عند جيل الألفية الثالثة بجعل الضيف اضحوكة وخاضع للأهانة.

واللافت أن مفكرين ذهبوا أبعد بقولهم ان هذه البرامج وما شاكلها هي لاعادة صياغة الشخصية الشرق اوسطية حسب مقاييس مفروضة سلفا تستهدف تفريغ المحتوى الاخلاقي واستبداله بنموذج تافه لا قيمة له ولا اصالة فيه، وتعويم القيم وتقديم مسألة الاستهتار بمشاعر الناس.

شخصيات الضيوف

يستضيف البرنامج افرادا من الوسطين الفني والرياضي غالبيتهم من الخط الثاني ويتجنب استضافة شعراء وادباء ومفكرين مشهورين لأنه يعرف انهم يحترمون انفسهم، ويعرف ان الذين يستضيفهم يرتضون لأنفسهم أن يكونوا موضوع سخرية لسببين رئيسين:المال .. الذي يذلّ من لا يحترم قدر نفسه، والشهرة التي تحقق جمهورا جديدا اوسع.

ورامز والشيخ تركي ومدير قناة أم بي سي، لديهم فكرة مسبقة عن كل شخصية تستضاف، فاذا كانت سعودية او امارتية فانه يتعامل معها باحترام ولطافة (حلقة عبد الله ابو الخير مثالا)، واذا كانت مصرية فانه يتعامل مع القلة بلطف، ويبهذل ضعاف الشخصية ويتجاوز عليهم بمفردات: سافل، تافه.. مع ملاحظة انه (في رامز مجنون رسمي) حذفت (في المونتاج) مفردات المسبة والاهانة التي وجهها له بعض الضيوف.

تحليل سيكولوجي

هدفان يسعى فنان برامج المقالب التلفزيونية الى تحقيقهما، هما: المال والشهرة.. وكلاهما بلغهما الشاب رامز جلال بزمن قياسي. ففي أقل من خمس سنوات حقق من الشهرة ما لم يبلغه فنان عربي آخر بضمنهم شقيقه الفنان الملتزم ياسر جلال بطل مسلسل (ظل الريس).. وصار يعدّ من أصحاب الملايين بين قلة من الفنانين.

ورامز يمتلك موهبة عالية في تقديم برامج المقالب لا يمتلكها في فن التمثيل برغم انه أسندت إليه بطولة وأدوار رئيسة في عدد من الأفلام. وله قدرة على تحمل الاهانات والضرب والشتيمة التي يجد فيها نوعين من المتع المتضادة:

 تعاطف مشاهدين معه،

 وتشّفى آخرون بما يحصل له!.

 فضلاً عن متعة شخصية له في ترضيته للضحية بعد اكتشاف المقلب.

وسيكولوجياً، تقوم فكرة المقلب على تصنيف البشر الى نوعين: شرير يمثله رامز جلال، وخيّر يمثله الضحية.. وأن ما يشغل الشرير هو نصب فخ للايقاع بالضحية التي تمثل الانسان الطيب (وعلى نياته).

ونرى أن من وصفوا رامز بانه شخصية (عدوانية، سيكوباثية، مريضه نفسيا.. )، فيها مبالغة.. ما لم تكن تصرفات رامز وسلوكه العام مع أفراد عائلته والناس الآخرين.. عدوانية وسيكوباثية فعلاً.. وليس لدينا ما يثبت ذلك.

والمفارقة..

إن معظم الذين وصفوا البرنامج بـ(التافه، السخيف..) ووصفوا رامز بـ(المريض نفسياً، والمعتوه، والسيكوباثي..) كانوا قد تابعوه ويتابعونه الآن!، ما يعني إننا جميعاً لدينا دافع غريزي للعدوان، وإن بيننا من يستمتع بالتنفيس عن عدوانه المكبوت بمشاهدة ما يقع للضحية من أذى نفسي أو جسمي. والسبب السيكولوجي الرئيس لشيوع البرنامج هو ان المزاج العربي يتقبل ذلك، فالشخصية العربية اعتادت على سلطة مارست ضدها العنف والأذلال والأهانة، ولأن البرنامج تتجسد فيه معادلة السادية مقابل المازوشية التي هي واقع حال الشخصية العربية لأكثر من الف واربعمائة سنة!.

الأهم من هذا كلّه هو أن الخطورة في هذه المقالب، ليس علينا نحن الكبار بل على الاطفال والمراهقين، لأنهم ينفردون بصفتين: تقليد الفنانين، وأخذهم فكرة أن الواقع الاجتماعي هو هكذا( أشرار وأخيار، أذكياء وأغبياء، شطّار وغشمة..) وإن على الطفل أو المراهق أن يكون شريراً وذكياً وشاطراً ليعيش وإلا فإنه سيكون مغفلاً وفاشلاً واضحوكة للآخرين.. وتلك مسؤولية تتحملها وزارات الثقافة والآعلام الصامتة من سبع سنوات!

ما الذي يفشل البرنامج؟

كل ما يكتبه النقاد والمثقفون ونحن السيكولوجيين لن يوقف البرنامج.. ولن توقفه شكوى رئيس نادي الزمالك لوزير الداخلية المصري للسخرية التي تعرض له لاعبه (كهربا)، ولا طلبه لوزير الصحة ايداع رامز مستشفى الأمراض العقلية. ولن يثني رامز طلب نقيب الاعلاميين الدكتور طارق سعده الموجه لرئيس قناة ام بي سي المستند لتقرير نقابة الاعلاميين بشأن التجاوزات التي يرتكبها رامز، وقرار النقابة منع ظهور رامز على اية وسيلة اعلامية تبث داخل مصر.فالبرنامج (لا نية لوقفه) وفقا للمتحدث الرسمي لقنوات (أم بي سي) السيد مازن حايك، لأنه (حقق خلال أول يومين فقط من بدء عرضه 120 مليون مشاهدة)، معربا عن احترامه للأشخاص الذين لا يحظى العمل بإعجابهم، لافتا إلى أنه لا يمكن لهؤلاء حرمان الآخرين من مشاهدته.

الذي يفشل البرنامج ويسقطه هو حين يصل المشاهد الى يقين بان المقلب متفق عليه مع الضيوف لقاء مكافأة مالية، ويدرك انه هو (الضحية).. وانه هو المستغفل، وان رامز والضيف كلاهما يضحكان عليه.. عندها سيتوقف البرنامج ويخسر رامز شهرة استثنائية، مكتفيا بما حصل عليه من ملايين الدولارات كسبها من سخريته على شعوب مغفله تستمتع بمشاهد الأهانة والتعذيب.. حتى في الكوميديا!.

***

بروفيسور دكتور قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

يبدو من سمات الليبيين الفريدة، إنهم – في الكثير من القضايا - ملكيين أكثر من الملكيين أنفسهم، فنحن حينما نشجع نكون أكثر صدقاً وجهداً وتطرفاً ومغالاة من اللاعبين الأساسيين، ففي هذا نشبه المشجع الذي يشجع مشارك ما في سباق المارثون، فيجري ورائه وبجانبه بل ويسبقه بمسافة كبيرة لخط النهاية ويصل قبله، دون أن ينال أي تكريم أو جائزة أو يهتم لذلك، هذا ينطبق علينا حتى في الطرب الشعبي، فالجمهور الشعبي في ليبيا يغني أفضل وأكثر إنسجام وأداء من المطرب نفسه، وهذا السلوك نمارسه أيضاً في السياسية ومسألة المبادئ والأفكار، وهو أمر ليس جديداً أو غريباً عن طباعنا وسماتنا، بل هو قديم ويعد سمة ليبية خالصة وفريدة، فتعاملنا مع قضية (الوحدة العربية) سبقنا فيها العرب أجمعين منذ الردود العميقة للشيخ (سليمان الباروني) على (الأمير شكيب أرسلان) ودفاعه عن (وحدة المغرب والمشرق العربي) عام 1937م، وقد جربنا وعشنا - في النصف الأخير من القرن الماضي - خصومات سياسية متنوعة ومتعددة الإتجاهات مع دول وأنظمة عربية، بسبب مبدأيتنا السياسية في طرح قضية الوحدة العربية والإصرار على تحقيقها أكثر من أي عربي أخر، وهو ما جر علينا أغلب المشاكل والخصومات السياسية العربية، وسترى أيضاً هذه السمة الليبية في القضية الفلسطينية، فنحن من اليوم الأول لها نهاية أربعينيات القرن الماضي، كنا أول كتيبة تتوجه للمعركة قبل العرب الأخرين، وذكر "ياسر عرفات" أن أول بندقية إستلمتها منظمة التحرير الفلسطينية كانت من ليبيا، وفي القضية القومية وما أسميناه (قومية المعركة) منذ بداية سبعينيات القرن الماضي، قومننا المعركة والخطاب السياسي، وإنعكس ذلك على الموقف السياسي العلاقات الثنائية مع بقية الأنظمة والبلدان العربية، ودفعنا فيها الثمن من علاقاتنا الثنائية مع أغلب الأنظمة العربية تقريباً، وفي مسألة الوحدة الأفريقية وإنشاء الإتحاد الإفريقي عام 1999م، تحول الليبيون سياسياً لأفارقة أكثر من أي أفريقي أخر، فالليبي في هذا يتعامل على إنه الأفريقي الأول والأفريقي الأخير، وأخذ الليبيون على عاتقهم قضية القارة بأكملها – رغم قلة عدد سكان ليبيا – بالمقارنة بدول أفريقية أخرى، وبذل الليبيون بمصداقية عالية كل ما يملكون في سبيلها بكل مصداقية، وتحملوا كل العداوات مع دول كبرى في ذلك، حتى تم غزو ليبيا عام 2011م جهاراً نهاراً.

وفي الإنتماء السياسي، الليبيون يتبنون الأفكار السياسية ويصبحون أصحابها أكثر من أصحابها الأساسيين، ففي العمل القومي تقومن الليبيون حتى لم يعد يروا ليبيا واقعاً ولا حتى وجود، وأذكر إني شاركت نهاية ثمانينات القرن الماضي في الهتاف بكل صدق (طز في ليبيا الإقليمية فلتحياء الأمة العربية) وكنا في ذلك صادقين للعظم قيادة وحركة وجماهير، حتى إن أستاذ فاضل من كبار القوميين العرب حدثني قبل أسابيع بالملاحظة ونبهني لصورة الليبيين بعيون القوميين العرب، حين قال لي "أنتم الليبيون مغاليين في مسألة القومية العربية" وأظاف فيما بعد بقوله "أنتم أعطيتم العروبة في شتى الأرجاء من دمائكم وقوتكم"، ففي الحقيقة كنا قد فقنا في ذلك حتى "جمال عبد الناصر، وميشيل عفلق، والشيخ عبد الحميد بن باديس" والعرب أجمعين، وسبقناهم وأستمرينا فيها طوال 40 عاماً، كذلك في مسألة (الإشتراكية) تطرفنا حتى ألغينا التجارة تماماً وجففنا حتى المصانع البسيطة، بحجة الحرص على عدالة توزيع عناصر الإنتاج إشتراكياً دون أي إلتفات لمسألة "حساب التكاليف"، فالمهم عندنا هي الفكرة والمبداء كعادتنا وطبيعتنا، وسبقنا في ذلك كل إشتراكيي العالم المعتقين بمن فيهم "كارل ماركس وإنجلز وحتى ماو"، وفي الإنتماء لتنظيمات الإسلام السياسي - منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي - يأتي الليبيون في مراتب متقدمة من حيث التطرف وفي مسألة الإنتماء والمحافظة على سياق الفكرة، فالليبيون المنتمين لتنظيم (الإخوان المسلمين) بعد عام 2011م أخذوا البلاد كلها بأموالها لتكون" كنز التنظيم العالمي" ولا يعني لهم الوطن الليبي في هذا أي إعتبار - فالإعتبار دائماً للفكرة والمبداء - أكثر مما فعل المرشد العام في مصر أو تركيا، وفي "التيار السلفي" القادم من المملكة العربية السعودية، يكفي أن تلاحظ ان الليبيون السلفيين، سلفيون أكثر من المركز في المملكة السعودية، فهم (مداخلة) أكثر من "ربيع المدخلي" نفسه، بل وصاروا يزايدون حتى عليه، وترى الليبيون متوزعين ومنقسمين حتى على الخلافات النسبية بين مشائخ السلفية في السعودية، صادقين في إنتمائهم ومبدأيين في المحافظة على الفكرة ونقلها لمجتمع مالكي وصوفي حتى العظم تاريخياً، وأنشأوا في ذلك ما يزيد عن 40 محطة راديو يديرونها من أجل "سلفنة" المجتمع الليبي بأسرع وقت، وحتى فيما جد على المجتمع العربي الليبي من مُستجد (المازيغية)، التي لم تعرفها ليبيا في تاريخها، يسبق ويتطرف ويعمل اليوم عليها بعض الليبيون المتبنين لفكرتها، أكثر وأوسع وأسبق حتى من المغاربة والجزائريين أين ولدت الفكرة، وحققوا لها ما لم يتحقق هناك حيثما ظهرت وبرزت وتخمرت فكرتها، صادقين فيها ومصدقين لها أكثر من الجزائريين "مولود معمري" و"فرحات مهنى"، و" كاتب ياسين"، وأكثر حتى من المغربي "أحمد عصيد"، نفسه.

إنهم الليبيون حتى في الفن، فالجمهور الليبي يغني بعمق وإحساس بشكل رائع وجميل، يطرب المستمع والمشاهد أكثر من المطرب نفسه، وهي ظاهرة ليبية بإمتياز، حتى في مجال الطرب الشعبي والأهلي خاصة في الأفراح، ويكفيك لتعرف - وتحس بذلك - أن تستمع لأغاني الأفراح الليبية، ففي الجبل الغربي والجبل الأخضر وفي الجفرة، أو مرزق، أو درنة أو حارات بنغازي وطرابلس، ستجد الجمهور الحاضر يبدع أكثر من أي "كورال" تدرب على أداء الإغنية، وفي أعماق الجنوب سبها وأوباري - على سبيل المثال - الحضور من النسوة في حفلات الأعراس يبدعن في المشاركة في الأغاني أكثر من (الفنانة حسنة) التي تتربع على عرش الطرب الشعبي في أفراح سبها والجنوب، وسترى ذلك في جمهور (الغيطة) في شوارع بنغازي، وفي حفلات (الزمارة) في درنة، وفي حفلات (الزكرة) في الجبل الغربي، وفي حفلات (الكشك والمجرودة) في الوسط والشرق الليبي، وستراه بوضوح في حلقات الطرب الجماعي في أفراح الجفرة في واحتي "سوكنة و هون و ودان"، وستراه في الأعراس حيث يتحول الأهل للطرب الجماعي الممتع المبدع الرأئع، ويقدم هذا الجمهور الإبداع والإحساس العميق أكثر وأجمل مما يقدمه المغني أو المطرب نفسه، بهيام وإتقان وإنسجام عالي، هذه السمة والطبع ستراه أيضاً في تشجيع الأندية الأوروبية، فالمشجعين الليبيين للأندية الأُوروبية أكثر تطرفاً ومغالاة ومتابعة وإنفعال وصراخ من الأوروبيين أنفسهم، حيث تسمع غالباً نقاشاً محتدماً بين مجموعة حول فرق "ريال مدريد و برشلونة وميلانو"، أكثر وأشد شراسة من "الطليان والأسبان" أنفسهم، وفي تشجيعهم للأندية الليبية نفسها، الجمهور الرياضي الليبي، أكثر تطرفاً من لاعبي الأندية الليبية المتنافسة مثل "الأهلي والإتحاد، والنصر وأهلي بنغازي"، فغالباً يخرج اللاعبين متصافحين، بينما يبقى جمهور المشجعين لأشهر طويلة منفعلاً يكيل السباب لبعضه البعض، ويحتفل بالفوز على بعضه البعض، يجتر المعارك الكروية والخصومات بكل إنفعال وصدق وهيام وصراخ.

إنهم الليبيون، شعب له سمة وخاصية الهيام والغرق والإبداع فيما يتبنون، حد العمى وحد الثمالة، يسكرون بما يتبنون من توجهات، إنهم نفسهم الليبيون في تصديقهم للأمم المتحدة أكثر من العاملين في هذه المنظمة الظالمة، وفي تصديقهم لحلف الناتو وقادة الدول الغربية، وفرق المخابرات الغربية المتسترين كصحافيين وإعلاميين أوروبيين، أكثر حتى من أعضاء هذا الحلف، يبررون له قصف ليبيا وتدميرها بحجة الديموقراطية وحماية المدنيين، رغم ما يتم قوله ونشره وإعلانه عن الأسباب الحقيقية لغزو حلف الناتو لليبيا عام 2011م، فمغالاة الليبيون في تغطية ما حصل بتصور تحقيق الديموقراطية، يفوق حتى تصور الأوروبيين والأمريكان فيما فعلوه بليبيا (القادة الأوروبيون والأمريكان ينشرون بعض الأحيان الأسباب الحقيقية للهجوم على ليبيا عام 2011م)، هذا السلوك الليبي هو نفسه حتى في الحرب الأهلية، التي إندلعت عقب تدخل حلف الناتو وإسقاط النظام عام 2011م، حيث تبنى ودخل الليبيون مرحلة من الإنتقام والقتل والإسراف فيه، حد لا يمكن تصوره - ولا أحد يعرف لماذا إنفجر كل هذا الحقد الأعمى، الذي عم البلاد على كل شيئ فجأة – وفيما بعد بنفس السمة والخاصية، تبنى الليبيون وجنحوا للسلم والأمان والأُخوة كما لو لم يحدث شيئاً، وإنحسرت الضغائن والمأسي والأحزان بشكل فردي وأُسري، وتمت محاصرتها بطبيعة المجتمع الذي رتق الفتق، وسرعان ما تبنوا وداووا جراحههم ولملموها، وكأن شيئاً لم يحدث، بإسم مبداء المصالحة الوطنية.

 هؤلاء هم الليبيون طبيعتهم في هذا، تحتار أن تصفها، هل هي غريبة من غرائب الشعوب، أم سمة وإيجابية من سماتها، فحينما يحدثك الليبي عن (الإسلام) هو يتحدث معك على أنه (المسلم الأول والأخير والوحيد)، وحينما يحدثك عن (الأُمة العربية) يحدث على أنه العربي الأول الصميم، وحينما يتحدث عن الجهاد ضد الإستعمار فهو يضحي بنفسه وماله كما فعل في فلسطين ولبنان، وفي تشاد إبان الإستعمار الفرنسي، أكثر حتى من أهل البلاد أنفسهم، وهو نفسه سلوك الليبيين في مرحلة (جهاد بريجنسكي) في إفغانستان، حينما ذهب بعض الليبيون جماعات ليشاركوا فيه بكل رضى وإقدام، إنه الليبي يعمل على الفكرة كصاحبها ومسؤولها الأول حينما يتبنى قضيتها أياً كانت القضية أو الفكرة، وهو مستعد أن يقرر الدعم المالي السخي لدولة أخرى، دون أي إعتبار لحاجة البلاد والأسر الليبية لأموالها، ودون أي بُخل أو تراجع.

يالها من مفارقة، ملفتة، يمكن وصفها بالمصداقية والمبدأية والوضوح والجسارة والإقدام والصفاء من جهة، ويمكن من جهة أخرى وصفها بأنها تصديق أعمى وإنجراف وتطرف طبعي (من الطباع)، وسهول الإنسياق مع الجو العام والموجة، وعجينة يمكن أن تتشكل بسهولة، في الهيام بالفكرة والسباحة والغرق فيه، دون أي تراجع أو تفكير و دون أي حسابات أو وسطية، صادقين يبذلون الغالي والنفيس، والروح والوطن، والبلاد والعباد في سبيله، وهي ظاهرة وسمة تحتاج لسبر غورها الإجتماعي والنفسي، بحثياً، في تفاصيل هذه البلاد، وهذا المجتمع الخام الذي سرعان ما يتشكل ويندمج ويدخل ويتبنى ويمول ويدافع عن الفكرة والقضية، التي تستولي عليه، فيصبح هذا المجتمع - أو على الأقل أفراد كُثر وجماعات منه - أصحابها أكثر من أصحابها ومُنظريها انفسهم، يهيمون بها وفيها، ويتحولون لأداتها ولسانها وسلاحها وأهلها، إنهم الليبيون يهمون في الإغنية يؤدونها أكثر وأجمل حتى من مطربها، يغنونها بأكثر إحساس وأبداع وعمق وهيام وإتقان، من كاتب كلماتها وأكثر إتقاناً من ملحنها، وأكثر وأجمل بكثير حتى من مغنيها ومطربها ومؤديها الأول، نفسه، هؤلاء هم الليبيون الذين لا تعرفون.

***

د. محمد عمر غرس الله

 

أثارت فضيحة جزيرة إبستين (اسمها الأصلي ليتل سانت جيمس، وهي إحدى الجزر الأمريكية العذراء في البحر الكاريبي)، تداعيات كثيرة بخصوص دور القوّة الناعمة في الإطاحة بزعماء كبار واستدراج شخصيات مشهورة والإيقاع بجهات رسمية وغير رسمية. وكشفت الصحافة الاستقصائية العديد من الخفايا والخبايا والفضائح التي تزكّم الأنوف. والأمر لا يتعلّق بخوارق شخصية سوبرمانية مخابراتية شيطانية مثل جيفري إبستين، بل إن الأمر مدعاة للتساؤل: من يقف خلفه؟ وما هي أهدافه؟ وكيف تمكّن من الوصول إلى مبتغاه؟ ولماذا لم يتم كشف أسراره إلى اليوم؟ فالرجل توفّي في ظروف غامضة في سجنه العام 2019، ثم ماذا يعني نشر وتسريب هذه الوثائق في هذا الوقت بالذات؟ ومن تخدم؟ ومن هي الجهات المتضرّرة والمستفيدة منها، سواءً كانت شخصيات عامة أم جهات رسمية؟

لعلّ ما حصل من كوموتراجيديا، خلال الأسابيع المنصرمة، أعادني إلى دور القوّة الناعمة في الصراع الأيديولوجي بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، وخصوصًا خلال فترة الحرب الباردة (1946 – 1989)، وكيف استُخدمت لإسقاط منظومة أيديولوجية وأحزاب عريقة ومناضلين كبار، كان يشار إليهم بالبنان، سواء في الدول الاشتراكية أو في الدول النامية دون الدخول في حرب عسكرية ذات أكلاف فلكية.

الصراع الأيديولوجي

كنت قد نشرت كتابًا في العام 1985 بعنوان "الصراع الأيديولوجي في العلاقات الدولية"(دار الحوار، اللّاذقية)، تناولت فيه أساليب الدعاية السوداء ووسائلها، إضافة إلى دور المعاهد ومراكز الأبحاث والدراسات المتخصصة في التأثير على العقول وكسب القلوب، في معركة ضارية، علنية وسريّة، استُخدمت فيها جميع الوسائل، من أكثرها شرعيّةً إلى أشدّها لا إنسانية، وخصّصت فقرة كاملة لممارسات إسرائيل العنصرية وأجهزتها الدعائية والأمنية وحربها النفسية.

منذ قيامها في العام 1947، أولت وكالة الاستخبارات المركزية CIA اهتمامات كبيرة بالثقافة، وعملت على جعلها وسيلة وأداة في الدعاية والصراع الأيديولوجي، وخصّصت لها موارد ضخمة وبرامج سريّة واسعة ومتنوّعة، ليس ضدّ المعسكر الآخر كجزء من أذرع الحرب الباردة، بل لاستقطاب كفاءات وشخصيات يسارية من الدول الغربية، وسعت للاستثمار فيها كرأسمال أساسي، فضلًا عن النُخب كرأسمال بشري يمتلك طاقةً هائلةً للتأثير، لذلك أصبحت الحرب الثقافية جزءًا لا يتجزّأ من الصراع الدولي، ولا تقلّ ثقلًا عن السلاح النووي أو الكيميائي، وليست أقل أهمية من الصواريخ، ووسائلها ناعمة وأدواتها ماكرة وأساليبها مشوّقة ومغرياتها تبدو بريئة.

سؤال مستعاد

ثمة سؤال قديم بقيت أستعيده بين الحين والآخر، وهو ما ورد على لسان الشاعر الأمريكي كارل ساندبيرغ في ستينيات القرن المنصرم: أيهما أكثر تأثيرًا في سياسة الولايات المتحدة، هل جامعة هارفارد أم سينما هوليوود؟ وكان جوابه مثيرًا: هارفرد أنظف من هوليوود، لكن هوليوود أكثر تأثيرًا من هارفارد في الوصول إلى أمد بعيد.

وفي ذلك أكثر من مغزى ودليل على دور القوّة الثقافية الناعمة وأدواتها المختلفة في نشر القيم وطريقة الحياة وفي التأثير على الآخر، وإذا كانت جامعة هارفرد صرحًا علميًا كبيرًا مؤثرًا بلا أدنى شك، إلّا أنها أقل تأثيرًا من هوليوود في نشر القيم الأمريكية، وذلك يعود إلى انتاجها يصل إلى جمهرة واسعة وعريضة من البشر، خصوصًا وأن ما يحدثه الفن السابع يكاد يهيمن على القلوب والعقول معًا، في حين أن المنتوج الأكاديمي يبقى محصورًا بنخبة محدودة وخاصة، لذلك سعى جهاز الاستخبارات الأمريكي إلى استخدام الفنون والآداب في صراعه الأيديولوجي ودعايته.

كاشف الغطاء ومؤتمر بحمدون

كان "مؤتمر حريّة الثقافة" الأمريكي، إحدى واجهات العمليات الثقافية، يموّل مجلّات أدبية وفكرية، ويقيم معارض فنية وفعاليات موسيقية ومؤتمرات ثقافية تحت زعم الحريّة والإبداع في مواجهة ما يُطلق عليه "الواقعية الاشتراكية"، التي كانت اليافطة المرفوعة من جانب المدرسة السوفيتية فيما يتعلّق بالأدب، ليس هذا فحسب، بل إن وسائل الدعاية والتضليل امتدّت إلى الدين وإلى العاملين في الحقل الديني أيضًا لما فيه من تأثير، ففي العام 1954، انعقد في مصيف بحمدون (لبنان) مؤتمر بدعوة من جمعية أصدقاء الشرق الأوسط الأمريكية وبتنظيم غير مباشر من اﻟ CIA وتمويلها، كما اتّضح لاحقًا، تحت عنوان مكافحة الأفكار المادية الإلحادية، شارك فيه رجال دين من مختلف الطوائف والأديان، وإن كانت ثمة ارتيابات بعضها جاء على لسان الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، الذي كتب ردًّا على دعوته لحضور المؤتمر بعنوان "المُثل العُليا في الإسلام لا في بحمدون"، وقام الحزب الشيوعي العراقي حينها بطبع مداخلته ووزعها ضمن أدبياته السريّة لفضح توجّه الأجهزة الثقافية الأمريكية المموّلة من جهاز المخابرات المركزية، لكن للأسف أخذت الحدود تُمحى والممانعات تُلغى والتحفّظات تتبخّر، بل ثمة سباقات وهرولات نحو المعسكر الرابح، بعد انهيار الكتلة الاشتراكية، بغضّ النظر عن أخطاء وخطايا المعسكر الخاسر.

وقد انكشفت بعض تأثيرات وسائل الصراع الناعمة لاحقاً لشراء ذمم مثقفين وكتّاب وإعلاميين، تلك التي اتّخذت في وقت لاحق توقيع عقود مع البنتاغون ومؤسسات وأجهزة أمريكية بصفة خبراء أو استشاريين، وذلك عشية احتلال العراق وتدمير الدولة العراقية (2003)، وعلى هذا المنوال سار عدد من المثقفين من بلدان عربية وأفريقية وأمريكية لاتينية.

وحتى قبل انهيار أنظمة أوروبا الشرقية التوتاليتارية انخرط في هذه الأنشطة مثقفون كبار، بعضهم على علم ودراية بمن يقف خلفها ومن يموّلها، والبعض الآخر برّر مشاركته لأنه يريد نشر وجهات نظره المخالفة، طالما توفّرت الفرصة للتعبير عنها ضدّ ما هو سائد من تيار اشتراكي وشيوعي رسمي، وهو ما شجّعت عليه السياسة الخارجية الأمريكية، تحت عناوين برّاقة مثل "الحريّة الأكاديمية" و "حريّة التعبير"، وهو ما يرد تفصيلاته في كتاب ف. س. سوندرز "من يدفع للزمّار؟ الحرب الباردة الثقافية". (ترجمة طلعت الشايب وتقديم عاصم الدسوقي، القاهرة، 2009).

واستُخدمت في الحرب الثقافية مؤسسات خيرية عديدة أمريكية وأوروبية بعضها ما زال عاملًا نشيطًا، وخصوصًا منذ مطلع التسعينيات وحتى مع بدايات ما أُطلق عليه "الربيع العربي" (2011) لتمويل عدد من منظمات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان، بزعم أن مصادر تمويل هذه الجهات معفيّة من الضرائب، وبعض هذه المنظمات تعيش إلى الآن على فتات دعم المؤسسات الدولية، ولو توقّفت هذه عن تقديم التمويل السنوي لها لتوقّفت هي الأخرى عن العمل، كما حصل مع العديد من المنظمات، لاسيّما بعد أن استنفذت أغراضها.

سؤال الأخلاق

وتطرح مؤلفة الكتاب سوندرز سؤال الأخلاق، وهو سؤال شك وليس سؤال يقين، مثلما هو سؤال قلق وليس سؤال طمأنينة، أي كيف يمكن أن يكون المثقّف حرًّا إذا كان من يموّله جهاز استخبارات أجنبية لأجندات سياسية؟ وهو سؤال ما يزال مطروحًا، فقد اعتمدت العديد من المنظمات ومراكز الأبحاث على تمويلات غامضة من جهات غريبة، بل إن بعضها تمّ تأسيسه لهذا الغرض، وظلّ يعلّق يافطة اليسار فوق رأسه، وإن كانت روحه مطفأة ورؤيته قاتمة، وحتى وإن فقد دوره وموقعه وقيمته الفكرية، لكنه استُبقيَ كجزء من الجنود في المعركة.

ويقول بول بريمر في كتابه "عام قضيته في العراق" الصادر عن دار الكتاب العربي في بيروت في العام 2006، أنه أنفق 880 مليون دولار على مؤسسات وشخصيات صحافية ومدنية وحقوقية في العراق خلال العام الذي تولّى فيه إدارة الحكم (13 أيار / مايو 2003 – 28 حزيران / يونيو 2004).

كانت الفكرة التي اعتمدتها الولايات المتحدة في الصراع الأيديولوجي ضدّ العدو الاشتراكي، أن العالم بحاجة إلى عصر تنوير جديد وسلام أمريكي وقرن أمريكي. وحسب هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، أن الهدف هو تحصين العالم ضدّ وباء الشيوعية وتمهيد الطريق أمام مصالح الولايات المتحدة.

وبعد سقوط جدار برلين (9 تشرين الثاني / نوفمبر 1989)، انكشفت هشاشة أنظمة أوروبا الشرقية، بالرغم من أنها كانت تبدو حصونًا منيعةً عالية من الخارج لا يمكن اقتحامها، لكنها كانت خاوية ورخوة من الداخل، حسب المفكّر الفرنسي جان بول سارتر، بفعل الدعاية الطويلة الأمد ووسائلها المؤثّرة وقواها الناعمة، كما انكشف معها جوانب من الفساد والبيروقراطية والتسلّط والاستبداد، فضلًا عن الاختراقات الأمنية والثقافية الكبيرة.

وإذا كان في موت الضمير إجابة على سؤال الأخلاق والقيم الإنسانية، فإن ما هو خاف حتى الآن: كيف تمكّن شخص واحد (بدأ حياته العملية مدرسًا، 1976) من امتلاك إمكانات غير محدودة وحصانات متعدّدة، وحصل على الدعم الخفي والعلني وتصرّف دون حسيب أو رقيب، فأوقع في فخاخه المئات من الشخصيات المعروفة وكبار المسؤولين، إن لم يكن قد حصل على دعم أصحاب السلطة والنفوذ والمال والأجهزة الأمنية؟

***

عبد الحسين شعبان - أكاديمي ومفكر

تعدّدت الولايات: الولايَّة التَّكوينيَّة، والولاية العامّة، وتخصُّ إدارة الدولة (ولاية الفقيه)، والولاية التشريعيَّة وتسمى الصُّغرى، وهناك مَنْ أضاف الولاية الوسطى، التي تتدخل في السِّياسة بشكل جزئي كإشراف ونُصح (الصَّغير، أساطين المرجعية)، مثل ما تقوم به المرجعيَّة الشِّيعيَّة اليوم بالعراق.

ما يهمّنا هنا الولاية التَّكوينيَّة الخالصة، اشتُهر بها أئمة وصالحون يتدخلون في ظواهر الكون، بتفويض إلهيٍّ، كتأخير غروب الشَّمس مثلاً، ومِن هنا جاءت التّسمية «تكوينيَّة»، اشتُقّ الاسم مِن «مادة الكون، ومعنى الكون لغةً هو الحدث (الخلق)» (الحيدريّ، الولاية التَّكوينيَّة)، وقلّما يخلو مذهب بما يدل على معناها، لكنّها تظهر واضحة في التَّشيع والتَّصوف، فعند الأول الأئمة ومَنْ ينوب عنهم، وعند الثاني المشايخ أو الأقطاب، ومن الأوّل تظهر الإمامة، وعند الثاني الكرامات والخوارق، يؤثّرون في النّاس بما يؤثّر فيهم الله، مِن صحة وسُقم ورزق، ومِن غير التأثير في النّاس تخضع لهم الطّبيعة، كادعاء المشي على الماء (العطار، منطق الطَّير).

 أما الأئمة فتأتي ولايتهم على الكون، والتَّصرف في المخلوقات، وما عُبّر عنه بـ«التَّصرف التَّكوينيّ بالمخلوقات إنساناً كان أو غيره، ويدلّ عليها آيات... اقتضت أنْ تكون الولاية التَّكوينية بأيديهم، حتَّى يتمكّنوا من إبطال مَنْ يدعي النُّبوة بعد النَّبيّ...» (الخوئيّ، صراط النَّجاة أجوبة الاستفتاءات).

وفي هذا المعنى لا فرق بين التَّكوينيّة والتَّفويض، أي أنَّ الله فوّض الأئمة بما لا يستطيع البشر فعله لكراماتهم، بما عُرف بـ «التفويض بإذن الله» (الحيدريّ، الولاية التَّكوينيَّة)، وبهذا تكون المعجزات وكرامات الأئمة، والصَّالحون، كأقطاب الصّوفيَّة، كلُّها تدخل في الولاية التّكوينيَّة، وهو مصطلح جديد، لم يُذكر في المصادر القديمة، إنما ذُكر «التَّفويض»، وهو ما ينوب عنه في المعنى.

 بهذا تكون الأديان وجُلُّ الفرق الإسلاميَّة تعتقد بهذه الولاية (التَّكوينيَّة)، وهو وجود بشر يفعلون الخوارق بتمكين وتفويض مِن الله، وبالسيَّطرة على ظواهر الكون، لكنّ بقدرة مكتسبة مِن الله، ولم يفوّض لبشر قدرته في خلق الأكوان، وبهذا المعنى عدَّ علماء الشِّيعة القائلين بالقدرة الإلهية للأئمة مِن الغلاة الكفرة (المفيد، تصحيح الاعتقاد).

مع أنَّ «لا جبر ولا تفويض، بل أمرٌ بين أمرين» (الصَّدوق، عيون أخبار الرّضا) مقالة شيعية مشهورة، وتعدّى حدودها «المُفوِّضة (وهم) صنف مِن الغلاة، وقولهم الذي فارقوا به سواهم مِن الغُلاة اعترافهم بحدوث الأئمة، وخلقهم، ونفي القِدم عنهم، وإضافة الخلق والرِّزق مع ذلك إليهم، ودعواهم أنَّ الله سبحانه وتعالى فوّض إليهم خلق العالم» (الشّيخ المفيد، نفسه)، هنا يأتي الاختلاف بين التفويض المكتسب والتَّفويض بالقدرة على الخلق والرِّزق. لقد تصاعد هذا القول قديماً، واتّسع مؤخراً بين العوام بتوجيه رجال دِين، وحسب المفيد (413هج)، الذَّاهبين إلى القول بالخوارق هم الغلاة.

ما يهمّنا هنا هي الولاية السّياسيَّة، فالكون أو«العالم» يتضمن السّياسة، والإنسان الخارق المكتسب للولاية يكون صاحب السُّلطة، ومِنها تظهر«ولاية الفقيه»، كونه نائب المهدي المنتظر، والأخير صاحب ولاية تكوينيَّة، صحيح هناك شروط في هذا الفقيه، لكنه يبقى نائباً لصاحب الولاية التكوينيّة، المفوَّض مِن الله بالحُكم.

خلاف ما تقدّم يبدو أن جماعة «إخوان الصَّفا» (نخبة فكرية ظهرت بالعراق/ القرن الرابع الهجري)، والفلاسفة، لا يقرّون بالولاية التّكوينية للبشر، بل الولاية للطبيعة بما جبلها الله، فقالوا: «نسبت الفلاسفة والحكماء هذه المصنوعات إلى القوى الطّبيعية» (الرسالة السَّابعة من الجسمانيات الطّبيعيات)، وهذا عين ما ذهب إليه المعتزلة، مثل أبي القاسم البلخيّ (319هج): «إنّ في الحنطة خاصية، وإنه لا يجوز أنَّ ينبت عنها الشَّعير، ما دامت الطَّبيعة والخاصية فيها...»(النِّيسابوري، المسائل في الخلاف)، ومَنْ قال بالولاية السياسية للأُمة، وهذا يقع عندهم على السياسة أيضاً، لم يولِ الله أحداً بإدارتها، ولا يهب الخوارق بتفويض، وهؤلاء يتحدثون بالعقل، وبينهم فقهاء شّيعة، مثل آية الله فضل الله وغيره، ينفون الولاية التّكوينية بهذا المعنى، بينما الآخرون يتحدثون بالرِّوايات والأخبار، وتجد البونَ شاسعاً، في هذه القضية، بين العقل والقول.

***

د. رشيد الخيون - كاتب عراقي

 

الدكتاتورية كلمة أجنبية مستعربة وهي شكل من أشكال الحكم تكون فيه السلطة مطلقة في يد فرد واحد يسمى الدكتاتور أو جماعة أو فئة دكتاتورية. ويتم بواسطتها قمع الشعب وإبقاء الجهل والتخلف وتطويره

ووضع الناس في قوالب وتدجينهم وفقا لعقيدة السلطة، ومحاربة العقل والمنطق وتكفير العقول المنورة بالعلم والمعرفة وتهجيرها أو وضعها في المعتقلات، وإشغال الناس بالويلات والحاجات والعوز، واستغلال الدين لتثبيت الحكم، وكذلك نشر الفساد والرذيلة وتفكيك المجتمع وتدمير قيمه وأخلاقه، واستحداث أجهزة إستخبارية ذات وحشية عالية لتأمين مقومات إنتهاك الحرمات والفتك بالعباد.

وفي اللغة توجد كلمة طاغية وطغيان وهي من طَغى يَطْغى ويَطْغو طغيانا أي جاوَز الحدّ.

وكلُّ مجاوزٍ حدَّه فهو طاغيٍ، وطَغِيَ يَطْغى مثله.

وأطْغاهُ المال، أي جعلَه طاغِياً.

وطَغا البحر: هاجت أمواجُه.

وطغا السيل، إذا جاء بماءٍ كثير.

والطَغْيَةُ: أعلى الجبل. وكل مكانٍ مرتفع طَغْوَةٌ.

والطَغْيَةُ من كلِّ شيء: نبذة منه.

والطاغِيَةُ ملك الروم.

والطاغِيةُ: الصاعقةُ.

وقوله تعالى: "فأمَّا ثَمْودُ فأُهْلِكوا بالطاغِيَة" يعني صيحةَ العذاب.

وكذلك نستعمل كلمة مستبد أو إستبداد بذات المعنى، والمستبد هو الذي لا يشاور الناس ولا يخالطهم والإستبداد بالشيئ يعني إحتكاره ويسمى المستبد برأيه المستوزي.

لو أخذنا العراق مثلا في العصر الحديث فهو لم يعرف الدكتاتور منذ تأسيس دولته في الربع الأول من القرن العشرين وحتى قيام الجمهورية التي جلبت الدكتاتورية والصراعات الحزبية المدمرة. والملاحظ أنها أطلقت على أول زعيم في الجمهورية، وهو من عائلة بسيطة ومن عامة الناس، ويقال أنه صار كذلك بتفويض من نقابة المحامين في إجتماعها الذي حضره وانطلقت فيه أول مقومات صناعة الدكتاتور.

حيث وضعت الأسس الكفيلة بإخراجه من كونه من البشر وإضفاء الصفات الخيالية والفنتازية عليه، وبتكرارها مرارا صار يصدقها المعني بها، وبسببها أزرى بحاله وأحوال بلاده، مثلما فعل كل مَن جاء من بعده.

والدكتاتور الثاني في الجمهورية هو من عائلة بسيطة أيضا ومن عامة الناس، ولم يكن ذو تاريخ عائلي مهم في مسيرة البلاد، والصفات المشتركة بين الدكتاتورين الأساسيين في تأريخ البلاد السياسي المعاصر أنهما من عامة الناس.

وقد يتفق البعض أو لا يتفق على أن الزعيم الأول للجمهورية كان دكتاتورا أم لا، فهذا ليس موضع رأي وإنما نحن بصدد النظر في ظاهرة تستحق الدراسة والتحليل.

ففي العهد الملكي لم يكن هناك دكتاتورا بل حكومات متعاقبة ورؤساء وزراء متعددين ولم يكونوا متعنتين، فمنذ عام 1921 وحتى عام 1958 تبدلت الحكومات وجاء عدد من رؤوساء الوزراء وأكثرهم بقاءا في منصبه لدورات متكررة هو آخر رئيس وزراء في المملكة .

ويبدو أن الزمن الجمهوري قد أطلق العنان للنوازع الدفينة والتفاعلات اللاواعية المشينة في المجتمع، مما أدى إلى التعبير عنها بالنشاطات (السياسية) التي أدت إلى إنهيار الوجود المجتمعي كحالة ثقافية حضارية وقوة فاعلة في محيطها الجغرافي.

وبنظرة فاحصة مركزة ومختصرة، يتبين أن هناك عوامل مرضية فاعلة في ديناميكية الصيرورات الإجتماعية ساهمت في تأجيج نيران الإحتدام وديمومة أسباب الصراع والتفاعل المناهض للحياة وقيمتها ودور الإنسان فيها. ومن أهم هذه العوامل:

أولا: الإذعانية

ففي أعماق لاوعينا إندفاع لصياغة حالة يكون فيها الإذعان سائدا لأن الإنسان لا يمكنه أن يتفاعل بأساليب مطمئنة، وقادرة على تحقيق الرضى الإجتماعي العام، فلا يمكن للناس أن يبتكروا وسائل إتفاق وتفاعل مشترك تحقق مصالح الجميع، وإنما عندهم ميل لتحقيق (المصلحة) الذاتية أو المحصورة في عدد من الناس دون غيرهم، وهذا يؤدي إلى صراعات مدمرة، ولكي يتم تفادي هذه المرارة والقسوة الناشئة، يكون من واجب قوى اللاوعي أن تدفع بإتجاه إبتكار قوة تذعن لها جميع القوى، ولهذا فأن المجتمع بكافة ما فيه، يمضي إلى صناعة القوة الكفيلة بلجم دوافع الصراع المنطلق من أعماقه، فيكون الدكتاتور هو الدواء الدفين لمرض عضال وسرطان نفسي شرس ووقح التعبير عن وجوده الفتاك.

فترى الناس لا يعرفون إلا الركض العاطفي المنفعل خلف أي شخص يمكن تأكيد معالم الإستبداد والطغيان فيه، والخضوع له وإتباعه بلا تفكير أو سؤال، ويتحول الناس إلى وجود يهتف بإسمه ويموتون من أجله ويفدونه بكل شيئ ويضفون عليه صفات أكثر من إلهية ويقدسونه تقديسا عجيبا وغريبا.

والإذعانية المفرطة العمياء، تحرر الناس من المسؤولية وتلقيها على الآخر الذي يتبعون ويرقصون أمامه، ويهتفون بحياته وعظيم أمجاده، وما تغير هذا السلوك بتغير الوجوه والأحزاب والأنظمة، وكأن الناس لا تعرف كيف تتحمل المسؤولية ولا تريدها، وإنما أن تكون أدوات منفذة لشخص يعبر عما فيها من النوازع والتطلعات التي تخشاها.

ثانيا: السادة

وهذه الحالة السلوكية المهيمنة على المجتمع قد دمرت وجوده وأنهكت قدراته الإيجابية، وحولته إلى قطيع من الذئاب والأغنام، أو إلى ديكة تطغى ودجاج يسبط وينيخ ولا وسط بين الحالتين. وظاهرة الذئاب المفترسة والأغنام التي لا يمكنها أن تثاغي هي سمة متميزة، ففي كل مرحلة هناك ذئاب وأغنام، كما يتم تبادل الأدوار.

ذئاب تقتل وتعذب وتشرّد وتحتكر وتفترس بعنفوان وشراهة مفلوتة لا تعرف الحدود .

وهناك أغنام يتم جزرها وسلخها والتمثيل بأبدانها، ووضعها في المزابل أو في مقابر جماعية، وما إلى غير ذلك من السلوكيات التي لا يتجرأ على القيام بها أكثر الحيوانات وحشية وفتكا. والسادة بمفهومها تكون مرتبطة بالكرسي وبالمال، فما أن يمتلك الشخص المال والقوة، حتى راح يبحث عن لقب السيد، أي الإنتماء إلى النبي بصلة الدم، وتراه قد وضع شجرة العائلة ورفع راية نسبه وقال بأنه السيد، والآخرون من حوله عبيد وعليهم أن يقبّلوا يديه ويسجدوا أمامه، أو أنه الذئب ومَن حوله قطيع أغنام.

و (السيد) من أخطر العوامل التي مزقت المجتمع، وهي غير موجودة في المجتمعات العربية والإسلامية بهذه القوة والكثافة والفاعلية مثلما هي عندنا.

ولا توجد أدلة عملية وإثباتات رسمية تؤكد الإرتباط ما بين النبي والمدعي بأنه (سيّد) لأن ذلك قد خضع لإرادة الكراسي عبر العصور، ولا ندري إذا سوف يستطيع التقدم العلمي إثبات ذلك الإرتباط من خلال تحليل الحامض الأميني، ولا بد من البحث في رميم الأموات عن مادة الحامض الأميني الأساسية للمقارنة بها.

فظاهرة السادة في المجتمع قد تكون وهمية وتنافي معظم الأدلة والبراهين والمنطق.

ولا يمكن التصديق بأن هذا العدد من البشر السيد أو المتسيّد في الوقت الذي قضت الوقائع والصراعات السياسية على معظم ذلك النسل، كما أن الأمراض الوبائية كالطاعون كانت تقضي على عشرات الآلاف في وقت قصير، وتمحق عوائل بكاملها، وهناك مَن صار عدد أبنائه أكثر من أربعين لكنهم ماتوا في ظرف أيام بموجة طاعون واحدة.

وهذا يعني أن ظاهرة السادة نظرة لا تتوافق مع بديهيات الأمور، لكنها يبدو قد تم إستخدامها كوسيلة للسيطرة على الآخرين، وبسببها فأن الجالس على الكرسي يسمي نفسه سيدا وكل مَن حوله عليه أن يخضع ويتبع.

بينما حقيقة السلوك النبوي وآله وأصحابه، كان سلوكا ساميا وترجمة عملية للقرآن الكريم، وما كانت فيه الفوقية والإستعبادية والإستخواذية والإستهتار بحقوق الناس ومصائرهم، فالذي يدّعي بالسادة عليه أن يقدم سلوكا إنسانيا ساميا رحيما عفيفا نزيها، فكيف تفسر الفساد في بلدٍ كل مَن فيه يقول أنا سيّد؟!!

ثالثا: المعصومية

هذه أيضا من الأمراض الخطيرة المنافية للعقل والأصول في الحياة البشرية، حيث تعطى صفة عدم الخطأ لبشر مخلوق من الطين وسيعود إليه حتما.

ولا توجد أي نصوص قرآنية أو إثباتات عبر مسيرة البشرية تؤكد بأن البشر لا يخطيء.

وبسبب ذلك إتجهت المجتمعات القديمة إلى صناعة البشر الإله، وهذا واضح في الحضارات القديمة، وهي لا تقضي بأنه لا يخطيء وإنما لأنه إله يجب أن يطاع فهو الأدرى والأعرف، ومنها جاءت مفاهيم الكراسي أدرى وأعرف لأنها ذات مواصفات إلهية.

والمعصومية قد أجهزت على العقل وصادرت ما عنده من آليات الإبداع والتفاعل الإيجابي مع الحياة، فصار الكرسي معصوما وكل ذي قوة معصوم، كما أن الحاكم معصوم فهو لا ينطق إلا صحيحا ولا يمكن أن يقول خطأً.

ولهذا تميز الدكتاتور بأنه لا يخطيئ ويذعن له الجميع وأنه فوق القانون، وهو الذئب والناس من حوله خراف، وعليه أن يجزر منهم ما يشاء ولا مَن يحاسب أو يقول له قد أخطأت لأن ذلك يعد كفرا، ومن المحرمات والموبقات والإخلال بشرف الأخلاق والدين، أو خروجا عن شرع الذئاب المصيبة أبدا.

والمعصومية ليست مرتبطة بفئة أو مذهب، إنها تشمل جميع أطياف المجتمع وهي ظاهرة مجتمعية وليست مذهبية كما يتوهم البعض.

فكل سيد معصوم، هذا ما يدور في دياجير الأعماق الجمعية، وما دام الجميع سادة فأنهم لا يخطئون، وهذا يدفع إلى عدم الإتفاق ما بين المواطنين أينما كانوا، وفقدان قدرات الحوار والتوافق والإنسجام بينهم.

ومن هنا فأن المجتمع يساهم بتفاعلاته اللاواعية والغير مباشرة في صناعة الدكتاتور الذي يفترسه ويعذيه ويسومه سوء الويلات.

وهكذا نرى لكل حزب دكتاتور، ولكل فئة دكتاتور، ولكل تجمع مهما كان حجمه دكتاتور، لأنها حاجات نفسية منحرفة، وتفاعلات مرضية مزمنة ولها مضاعفات متطورة يصعب الإقتراب منها وعلاجها، لأن الداء قد أعيا مَن يداويه، ذلك أن الطبيب المداوي يعاني من نفس الداء، ولهذا لا يمكنه أن يشخصه ويصف أعراضه ويكتشف العلاج المناسب له.

رابعا: الشعور القاسي بالذنب

الفاعل الأليم في النفس المجتمعية شعور مروع بالإثم والذنب الكبير، الذي عمقته وجسدته الأيام والتفاعلات المتنوعة، التي تجنح للندب وقهر الذات والتلذذ بتعذيبها، ولذلك فأن الغناء والشعر والإبداع يصطبغ بالحزن والتوجع، والتلذذ بالألم وإستلطاف الظلم والإمعان بالتشكي.

ويبدو أن هذا السلوك إمتداد للعنة أكد التي فعلت فعلها في حضارات البلاد القديمة، وقد أججتها وفتقت جروحها مأساة كربلاء، التي اثرت على نفوس الناس أجمعين بلا إستثناء، وولدت عندهم شعورا عنيفا بالذنب، وكأنهم وبدون شعور منهم يتوجهون لتوفير الأسباب الكفيلة بعقابهم، وقد إزداد هذا الشعور مرارةً بعد ما جرى للعائلة المالكة والتي هي من سلالة هاشمية.

والملاحظ أن بعد مجزرة قصر الرحاب تواصلت المجازر والتفاعلات الدامية المريرة النتائج والتداعيات.

ولكي يستريح الناس من نيران الشعور بالذنب لا بد لهم من توفير القوة التي تساعد على إخمادها، ويكون الحاكم الجائر هو الدواء الذي يعالج أجيج هذا الشعور القاسي، ومعنى ذلك أن المواطن لن يعيش بسلام في زمن الديمقراطية والحرية، لأنها ستفتق جراحه وتطلق نواعير الشعور بالذنب المعتق في جيناته، والمؤزر بما يتحقق في محيطه الدامع الحزين.

وفي الختام، إن وعي هذه العوامل الجوهرية التي هي أعمدة الدكتاتورية وإدراك أن البشر من نفس واحدة وأمة واحدة، وأن هذه التوصيفات المجردة من التعبير المؤكد لها والإنجازات اللائقة بها، إنما هي أوهام على المجتمع أن يتحرر من قيودها .

فالناس سواسية ولا فرق بينهم إلا بالعمل (كلكم من آدم وآدم من تراب) وما قيمة الفرد إن لم يصنع قيمته بنفسه، وما قيمة الفرد الذي هو من نسل فلان، وما هو إلا دون كل إنسان في قوله وفعله وما عنده سوى العظام.

ووفقا لما تقدم فأن المجتمع اليوم رغم كل ما فيه من الشدائد يسعى بجد وإنفعال لصناعة الدكتاتور الذي يذعن له لبناء جمهورية التدمير الأشمل، التي توّجت عهد الجمهوريات الخائبة.

والدكتاتور القادم لا يختلف عن سابقيه، فهو من عامة الناس وزاول جميع الحرف البسيطة، وفجأة صار سيدا وذو حسب ونسب وصاحب قوة ومال وجاه ولا يمكنه أن يخطأ، وأسس فريق ذئاب من حوله تفترس الناس المقيدة بالحاجات اليومية وبلا رحمة.

وأرجو أن لا نصنع طاغية مستبدا لكي نرضي حاجاتنا الدفينة الفاعلة فينا والمتحكمة يسلوكنا وآليات تفكيرنا ونرفع رايات المظلومية!

فتحرروا من عاهات (السادة والمعصومية والإذعانية والشعور بالذنب) لكي تعاصروا الأمم وتساووا الأوطان، وارفعوا رايات العقل، فإن العقل إمام وسيد وسلطان!!

***

د. صادق السامرائي

فرضية الدراسة: تنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية مفادها: أن المسئول الأول عن ظاهرة العنف والغلو وغياب التسامح في مجتمعاتنا العربية، هو الاستبداد السياسي والأنظمة الشمولية والدولة التسلطية، التي تزيد من الاحتقانات والتناقضات، ولا توفر مجالا ومناخا للتنافس السلمي أو ممارسة السياسة بعيدا عن المشاحنات واستخدام العنف.

لهذا فهي أنظمة قمعية وتمارس الإقصاء بكل صنوفه. ولا ريب أن من متواليات هذه الحالة هو زيادة وتيرة العنف وحالات اللاتسامح بين أبناء ومكونات المجتمع العربي.

لهذا فإننا نعتقد أن إزالة هذه العقبة الكأداء (أي الأنظمة التسلطية) سيكون له تأثيره العميق على حالة التسامح في العالم العربي. فرياح التغيير التي هبت على أكثر من منطقة عربية قبل عقد من الزمن وزيادة، هي رياح داعمة لخيار الاعتدال والتسامح، لأنها وببساطة شديدة تعمل على توسيع القاعدة الاجتماعية للسلطة وتطوير مفهوم المشاركة السياسية، وتزيد من تمثيل قوى المجتمع المختلفة في مؤسسات الدولة والسلطة. وسنناقش هذه الفرضية من خلال المحاور التالية:

-  البيئة السياسية لمفهوم التسامح.

-  الإصلاح السياسي، جسر العبور إلى التسامح.

-  نحو حركة مدنية عربية.

مفتتح:

لا ريب أن الذي جرى في بعض البلدان العربية، مذهل وحيوي ومؤثر على عموم المنطقة خلال الفترة القادمة. ف (قد تمر عقود لا يقع فيها شيء يذكر، وقد تأتي أسابيع تقع فيها عقود).. إذ ساد في الفكر السياسي العربي خلال العقود الثلاثة الماضية، قناعة مفادها: أنه لا يمكن الاعتماد على الثورات الشعبية كوسيلة للإصلاح والتغيير السياسي في المنطقة. حتى اعتبر الكاتب المعروف محمد حسنين هيكل أن الثورة الإسلامية في إيران هي آخر الثورات الشعبية.

فجاءت أحداث وتطورات تونس ومصر وليبيا والبحرين واليمن لتعيد الاعتبار والدور للشعب والجمهور في عملية التغيير السياسي. ولا ريب أن هذه الحقيقة ستعيد النظر في الكثير من البديهيات السياسية التي سادت خلال السنين الماضية. وهذه الحقيقة بطبيعة الحال، بحاجة إلى تفاكر عميق وتداول للرأي متواصل لفهم ما جرى، وأخذ العبر والدروس منه.  

فعلى المستوى الواقعي لا توجد آلية وطريقة واحدة، لإحداث التحول والتغيير في المجتمع. لهذا فإن نزعة النمذجة والاستنساخ، لا تساعد على إنضاج شروط التغيير والإصلاح في الواقع السياسي والاجتماعي.

ولعل من أهم تأثيرات كل هذه التحولات والتطورات المذهلة، هو تعزيز ثقة الناس بذاتها، وقدرتها على اجتراح عملية التغيير والإصلاح، مهما كانت الظروف والصعاب. وتحريك عجلة الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في كل بلدان المنطقة. وبمقدار ما تكون هناك قوى مجتمعية محلية فاعلة وقادرة على الضغط والفعل والتأثير، ستكون هناك تأثيرات فعلية في كل الساحات والمناطق العربية. فما جرى في تونس ومصر وبقية البلاد العربية، بمثابة الزلزال العميق والذي ستعيش المنطقة بأسرها تحت تأثير ارتداداته في الحقبة القادمة. ولكن مقدار هذا التأثير وفعاليته، مرهون على قدرة القوى المحلية في كل بلد من توظيف هذه الأحداث لصالح عملية الإصلاح السياسي. ودائما نحن بحاجة أن ندرك أن الحكومات لا تمارس التغيير ولا تقوم بإصلاح الأوضاع من تلقاء نفسها، وإنما يتحقق الإصلاح والتغيير حينما تتشكل كتلة وطنية واسعة تطالب بالإصلاح وتعمل وتكافح من أجله. وإن سرعة انهيار أنظمة الدولة التسلطية يعلمنا أن حكم الشعب بالإكراه والقمع والاستبداد وبغير رضا ومشاركة قد يطول، لكنه لا يمكنه أن يستمر ويدوم. ووجود جماعات فاعلة تطالب بالإصلاح وتعمل من أجله، يقلل من سنوات الظلم والاستبداد، وينهي ظاهرة العنف السياسي، ويفكك الحوامل التي تنتج هذه الآفة الخطيرة.

من هنا ينبغي أن ندرك أنه مهما كانت الصعوبات والمشاكل، فإن حركة التاريخ تثبت أن حكم الناس والشعب بالقهر وتكميم الأفواه لا يدوم، والمستقبل يصنعه فعل الإصلاح والمطالبة بالحقوق والحريات العامة. وما نود أن نتحدث عنه في هذه الدراسة وعلى ضوء تطورات وتحولات العالم العربي الحالية، هو قراءة في التحولات العربية، التي فاجأتنا جميعا، وأدخلتنا في مرحلة جديدة على مختلف الصعد والمستويات.

وأعتقد إن ما جرى في العالم العربي من ثورات ومطالبة بالحقوق والإصلاح السياسي، هي أهم ظاهرة سياسية عرفوها العرب منذ الاستقلال الأول للعديد من الدول والشعوب العربية.. فالاستقلال الأول للعرب كان عنوانه العريض هو التخلص من الاستعمار الذي جثم على صدر الشعوب العربية ونهب خيراتها وتحكم بمصائرها حقبا طويلة..

أما الاستقلال الثاني الذي دشنته الثورة التونسية فعنوانه العريض هو التخلص من الاستبداد السياسي ودمقرطة الحياة العربية..

المحور الأول: البيئة السياسية لمفهوم التسامح:

ثمة علاقة عميقة وعلى أكثر من مستوى تربط قيمة الاستقرار السياسي والاجتماعي في أي تجربة إنسانية وقيمة العدالة. بمعنى أن كل المجتمعات الإنسانية، تنشد الاستقرار وتعمل إليه وتطمح إلى حقائقه في واقعها، إلا أن هذه المجتمعات الإنسانية، تتباين وتختلف في الطرق التي تسلكها، والسبل التي تنتهجها للوصول إلى حقيقة الاستقرار السياسي والاجتماعي.

فالمجتمعات الإنسانية المتقدمة حضاريا، تعتمد في بناء استقرارها الداخلي، السياسي والاجتماعي على وسائل الرضا والمشاركة والديمقراطية والعلاقة الايجابية والمفتوحة بين مؤسسات الدولة والسلطة والمجتمع بكل مؤسساته المدنية والأهلية وشرائحه الاجتماعية وفئاته الشعبية. لذلك يكون الاستقرار، هو بمثابة النتاج الطبيعي لعملية الانسجام والتناغم بين خيارات الدولة وخيارات المجتمع.

بحيث يصبح الجميع في مركب واحد ويعمل وفق أجندة مشتركة لصالح أهداف وغايات واحدة ومشتركة.

لذلك غالبا ما تغيب القلاقل السياسية والاضطرابات الاجتماعية في هذه الدول والتجارب الإنسانية، وإن وجدت اضطرابات اجتماعية أو مشاكل سياسية وأمنية، فإن حيوية نظامها السياسي ومرونة إجراءاتها الأمنية وفعالية مؤسساتها وأطرها المدنية، هي العناصر القادرة على إيجاد معالجات حقيقية وواعية للأسباب الموجبة لتلك الاضطرابات أو المشاكل.

وإذا تحقق الاستقرار العميق والمبني على أسس صلبة في أي تجربة إنسانية، فإنه يوفر الأرضية المناسبة لانطلاق هذا المجتمع أو تلك التجربة في مشروع البناء والعمران والتقدم.

فالتقدم لا يحصل في مجتمعات تعيش الفوضى والاضطرابات المتنقلة، وإنما يحصل في المجتمعات المستقرة، والتي لا تعاني من مشكلات بنيوية في طبيعة خياراتها، أو شكل العلاقة التي تربط الدولة بالمجتمع والعكس.

فالمقدمة الضرورية لعمليات التقدم الاقتصادي والعلمي والصناعي، هي الاستقرار السياسي والاجتماعي وكل التجارب الإنسانية، تثبت هذه الحقيقة. ومن يبحث عن التقدم بعيدا عن مقدمته الحقيقية والضرورية، فإنه لن يحصل إلا على المزيد من المشاكل والمآزق، التي تعقد العلاقة بين الدولة والمجتمع وتربكها وتدخلها في دهاليز اللاتفاهم واللاثقة.

وفي مقابل هذه المجتمعات الحضارية - المتقدمة، التي تحصل على استقرارها السياسي والاجتماعي، من خلال وسائل المشاركة والديمقراطية والتوسيع الدائم للقاعدة الاجتماعية للسلطة، هناك مجتمعات إنسانية تتبنى وسائل قسرية وتنتهج سبل قهرية للحصول على استقرارها السياسي والاجتماعي.

فالقوة المادية الغاشمة، هي وسيلة العديد من الأمم والشعوب، لنيل استقرارها ومنع أي اضطراب أو فوضى اجتماعية وسياسية. وهي وسيلة على المستوى الحضاري والتاريخي، تثبت عدم جدوائيتها وعدم قدرتها على إنجاز مفهوم الاستقرار السياسي والاجتماعي بمتطلباته الحقيقية وعناصره الجوهرية.

لأن استخدام وسائل القهر والعنف يفضي اجتماعيا وسياسيا إلى تأسيس عميق لكل الأسباب المفضية إلى التباعد بين الدولة والمجتمع وإلى بناء الاستقرار السياسي على أسس هشة وضعيفة، سرعان ما تزول عند أية محنة اجتماعية أو سياسية.

وتجارب الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا والعراق، كلها تثبت بشكل لا مجال فيه للشك، أن العنف لا يبني استقرارا، وإن القوة الغاشمة لا توفر الأرضية المناسبة لبناء منجزات حضارية وتقدمية لدى أي شعب أو أمة.

فلا استقرار بلا عدالة، ومن يبحث عن الاستقرار بعيدا عن قيمة العدالة ومتطلباتها الأخلاقية والمؤسسية، فإنه لن يحصد إلا المزيد من الضعف والهوان.

فتجارب الأمم والشعوب جميعها تثبت أن العلاقة بين الاستقرار والعدالة هي علاقة عميقة وحيوية بحيث أن الاستقرار العميق هو الوليد الشرعي للعدالة بكل مستوياتها. وحين يتأسس الاستقرار السياسي والاجتماعي، لى أسس صلبة وعميقة، تتوفر الإمكانية اللازمة لمواجهة أي تحد داخلي أو خطر خارجي.

فالتحديات الداخلية لا يمكن مواجهتها على نحو فعال، بدون انسجام عميق بين الدولة والمجتمع. كما أن المخاطر الخارجية لا يمكن إفشالها بدون التناغم العميق بين خيارات الدولة والمجتمع. وكل هذا لن يتأتى بدون بناء الاستقرار السياسي والاجتماعي على أسس العدالة الأخلاقية والمؤسسية.

وإن الإنسان أو المجتمع، حينما يشعر بالرضا عن أحواله وأوضاعه، فإنه يدافع عنها بكل ما يملك، ويضحي في سبيل ذلك حتى بنفسه. وأي مجتمع يصل إلى هذه الحالة، فإن أكبر قوة مادية، لن تتمكن من النيل منه أو هزيمته.

فالاستقرار السياسي والاجتماعي المبني على العدالة، هو الذي يصنع القوة الحقيقية لدى أي شعب أو مجتمع.

لهذا فإن المجتمعات التي تعيش الاستقرار وفق هذه الرؤية والنمط، هي مجتمعات قوية وقادرة على مواجهة كل التحديات الداخلية والخارجية.

ونحن كمجتمعات عربية وإسلامية اليوم، وفي ظل التحديات الكثيرة، التي تواجهنا على أكثر من صعيد ومستوى، بحاجة إلى هذه النوعية من الاستقرار حتى نتمكن من مجابهة تحدياتنا والتغلب على مشاكلنا والتخلص من كل الثغرات الداخلية التي لا تنسجم ومقتضيات الاستقرار العميق. وخلاصة القول: أن البيئة السياسية لمفهوم التسامح وحقائقه المجتمعية، هي الاستقرار السياسي والاجتماعي المستند على قاعدة العدالة بكل تجلياتها ومجالاتها. والمجتمع الذي تغيب عن فضائه السياسي والاجتماعي والثقافي، حقائق العدالة تبرز فيه مظاهر ونزعات الغلظة والعنف والتشدد وكل حقائق اللا تسامح.

فالطريق الى التسامح هو انجاز مفهوم العدالة والذي يؤسس لاستقرار عميق بين الدولة والمجتمع، وبين المجتمع بمختلف مكوناته وتعبيراته.

وللاستقرار السياسي المبني على قاعدة العدالة الكثير من الثمار والآثار الإيجابية من أبرزها سيادة قيم وحقائق التسامح في الفضاء الاجتماعي

المحور الثاني: الإصلاح السياسي جسر العبور إلى التسامح:

لعل من أهم الآثار التي وضحتها رياح التغيير التي اجتاحت بعض دول العالم العربي، أن المنطقة العربية بأسرها، تحتاج إلى إصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية. وإن الأمن الحقيقي لهذه الدول والمجتمعات، لا يتأتى بالمزيد من الكبت والقمع، بل بالانخراط الحقيقي في عملية الإصلاح السياسي.

وإن عملية الإصلاح السياسي بكل مجالاته وآفاقه، هو الخيار الأمثل لإنجاز مفهوم وحقائق التسامح في العالم العربي. وتتضح هذه الحقيقة من خلال بيان العناوين التالية:

-  الإصلاح السياسي حاجة عربية.

-  العالم العربي ودولة المواطنة.

-  العالم العربي والحكم الرشيد.

الإصلاح السياسي .. حاجة عربية:

  إن إصلاح الأوضاع العربية وتطوير أحوالها، هو حاجة عربية أصيلة، قبل أن تكون رغبة أمريكية وأوروبية، تبلورت وفق أجندة وأهداف خاصة واستراتيجية.

وهي شوق عربي تاريخي ومتراكم وعميق، إذ لا تخلو حقبة من حقب التاريخ العربي الحديث والمعاصر من هذا الشوق والصوت والفعل الذي يطالب بالإصلاح وسد الثغرات وتطوير الأوضاع.

لذلك فإن المطالبة بالإصلاح في الحياة العامة العربية، هو شوق أصيل، قبل أن يكون مشروعاً أميركياً يحتضن في أحشائه الكثير من المصالح الاستراتيجية والاستهدافات التي لا تنسجم ومصالحنا ورؤيتنا لموقعنا الخاص والعام. لذلك من الظلم لعالمنا العربي حينما نتعامل مع مقولة ومشروع الإصلاح، بوصفها مقولة أميركية - غربية. وذلك لأن العديد من الشخصيات والنخب العربية كانت تطالب بالإصلاح وتدفع ثمنه. في الوقت الذي كانت الإرادة الأميركية مغايرة ومناقضة لهذا المشروع.

بل كانت آليات وأدوات السياسة الأميركية في المنطقة معرقلة ومجهضة لكل خطوات ومبادرات الإصلاح.

من هنا فإننا من الأهمية بمكان أن لانقبل أو لا تنطلي علينا لعبة الإصلاح الأميركي في العالم العربي والشرق الأوسط الكبير.

فالإصلاح بكل بنوده وآفاقه، هو حاجة عربية أصيلة، ودفعنا كشعوب ومجتمعات تضحيات ودماء غزيرة لتثبيت هذا الخيار في الفضاء العربي.

ومن المغالطات التاريخية الكبرى أن نتعامل مع هذه المقولة بوصفها طارئة على عالمنا العربي، أو هي خاصة بالمشروع الأميركي للإصلاح، مما يحول على المستوى الفعلي من تنفيذ خطوات إصلاحية في العالم العربي.

وعليه فإن الإصلاح السياسي والثقافي والاقتصادي في العالم العربي، هو حاجة عربية أصيلة وملحة وبعيداً عن كل الإسقاطات الخارجية التي لا تستهدف سوى مصالحها وأجندتها الاستراتيجية.

وإن هذه الحاجة العربية الملحة والمتعاظمة باستمرار، لا تلغيها شعارات ومشروعات الولايات المتحدة الأميركية للإصلاح. ولعلنا نجد وبوضوح في الأفق السياسي للمشهد العربي مقولات التأجيل ومشروعات التسويف ويافطات التعليق بدعوى المشروعات والضغوطات الأميركية والأوروبية.

وإننا نعتقد أن هذه المقولات والمشروعات العربية التي تبرر الجمود والتوقف عن مشروعات الإصلاح وفق الأجندة والإرادة العربية، هي ليست مؤمنة بشكل عميق وحقيقي بضرورات الإصلاح في العالم العربي، وتبحث باستمرار عن حجج لترحيل الإصلاح أو تأجيله أو تعليقه وربطه بقضايا ومسائل، نحن نعتقد بشكل جازم أن الإصلاح هو طريقنا لنيل حقوقنا في تلك القضايا والمسائل.

وما نود أن نؤكد عليه ف هذا السياق، هو أن إصلاح الأوضاع في العالم العربي وفي حقول الحياة المختلفة، هو حاجة عربية أصيلة وشوق تاريخي لكل نخب الأمة. لذلك لا يجوز إغفال هذه الحقيقة أو تشويهها، لأنها تستند إلى عمق تاريخي وشواهد معاصرة، بدعوى أن الولايات المتحدة الأميركية هي صاحبة مشروع الإصلاح في المنطقة.

إن المجتمعات العربية بكل فئاتها وشرائحها، طالبت وتطالب بإصلاح أوضاعها وتطوير أحوالها، وفي الوقت الذي كانت السياسة الأميركية في المنطقة تحارب كل دعوات الإصلاح، وتجهض كل خطواته ومبادراته.

لذلك لا يصح بأي شكل من الأشكال، أن نزور حقائق التاريخ، وندعي ادعاءات تكذبها وقائع الراهن وأشواق الأمة العميقة للإصلاح والتطوير والتقدم. كما أننا نعتقد وبشكل عميق، أننا لا نتمكن على الصعيد العملي من مجابهة مخططات الولايات المتحدة الأميركية تجاه منطقتنا إلا بالانخراط في مشروع الإصلاح وفق الأجندة والإرادة العربية.

ووجود مشروعات أميركية وغربية للإصلاح في منطقتنا هو مدعاة للتفكير في مشروع عربي للإصلاح نبدأ بتنفيذ خطواته وبرنامجه.

فمن الخطأ أن نواجه مخططات أميركا في المنطقة، بالنكوص من حاجاتنا ومتطلباتنا الحقيقية.

إننا بحاجة أن ننصت إلى حاجاتنا ومتطلباتنا، بعيداً عن مخططات الآخرين وشعاراتهم ومشروعاتهم.

ونرتكب جريمة كبرى بحق أنفسنا وتاريخنا، حينما نتوقف عن مشروعات تلبي حاجاتنا وتفي بمتطلباتنا بدعوى أن الآخرين قد حملوا ذات الشعار أو المشروع.

كما أننا نعتقد وبشكل جازم أن الإصلاح الحقيقي لأوضاعنا وأحوالنا، لا يمكن أن يستورد أو نجلبه من الخارج، وإنما هو نابع من داخلنا وحاجاتنا الذاتية. ونحن الذين ينبغي أن نبلور لأنفسنا خطة للإصلاح ومشروعاً للتغيير والتطوير.

وبطبيعة الحال لا يمكن أن نمنع الآخرين عن التفكير فأوضاعنا وأحوالنا، ولكن تفكيرهم ليس مشروعنا، وإرادتهم ليست إرادتنا. والمطلوب دائماً هو بلورة إرادة عربية ذاتية، تتجه صوب الإصلاح والتطوير، بعيداً عن مخططات الآخرين وأجندتهم الخاصة والاستراتيجية.

ونحن هنا لا ندعو إلى عدم إدراك تطورات اللحظة الراهنة وتحولاتها، ولكننا نريد أن نقول أن حجر الأساس في مشروعات الإصلاح في العالم العربي ليس مشروعات الآخرين واستهدافاتهم، وإنما هو إرادتنا وحاجتنا الفعلية إلى الإصلاح.

لذلك فإن المطلوب ليس التحايل على مشروعات الآخرين أو تزويرها، وإنما الإنصات الدقيق لحاجاتنا ومتطلباتنا الذاتية والداخلية بعيداً عن كل ضغوطات الخارج وإملاءاته. فقوتنا الحقيقية ليست في الانصياع لمشروعات الخارج أو تمرير أجندته، وإنما في المزيد من التلاحم الداخلي وتطوير مستوى الرضا بين السلطة والمجتمع في المجال العربي.

فقوة دولنا في استنادها على مجتمعاتها وشعوبها، وهذا يتطلب باستمرار تطوير مستوى الانسجام والمشاركة بين الطرفين.

فصم الآذان تجاه إيقاع المجتمع ومتطلباته وحاجاته، هو الذي يخلق الظروف والمناخ المناسب للخضوع لإملاءات الخارج وأجندته. ولابد أن ندرك أن إصلاح الأوضاع وتطوير الأحوال على الصعد كافة، هو من السنن الاجتماعية الرئيسية، لأن التوقف عن التطوير والجمود على الحال، سيكلفنا خسائر أكبر بكثير من الخسائر المتوقعة لمشروع التطوير والإصلاح.

حيث إننا نعيش في ظل ظروف وتطورات تطال العالم بأسره، وتؤكد وتلح في التأكيد، على أن إصلاح الأوضاع هو أسهل الخيارات وأقلها كلفة.

وإن تلكؤ أي مجتمع عن هذا، سيفقده استقلاله وسيدخله في أتون الضغوطات والإكراهات التي ستكلف هذا المجتمع الكثير من الخسائر والأثمان.

إننا مع الإصلاح الذي ينطلق من ذاتنا ويلبي حاجاتنا ومتطلباتنا، ولكننا نعيش في ظل أوضاع إقليمية ودولية تدفعنا إلى الاعتقاد أن تراخينا أو تراجعنا عن مشروع الإصلاح وفق رغبتنا وحاجاتنا ومتطلباتنا، سيدفع المتربصين بنا إلى الضغط علينا وتحميلنا أجندتهم ومشروعاتهم.

لذلك فإن التأخير أو التوقف عن مشروعات الإصلاح في العالم العربي، ليس في مصلحة استقرار واستقلال عالمنا العربي.

وأود في إطار التأكيد على أن الإصلاح حاجة عربية، قبل أن يكون أي شيء آخر، أن أركز على النقاط التالية:

1- إن إصلاح الأوضاع في العالم العربي، ليس تطلعاً اجتماعياً وشعبياً فحسب، بل هو ضرورة قصوى للاستقرار السياسي في العديد من البلدان العربية.

إذ أن هذه الدول تعيش أوضاعاً وأحوالاً، تستلزم الانخراط الحقيقي في مشروعات الإصلاح حتى يتسنى لها الخروج من مأزق الفتن والتحولات العشوائية غير المدروسة.

فالإصلاح حاجة اجتماعية وشعبية، كما هو ضرورة للاستقرار السياسي. لذلك من الخطأ أن يتم التعامل مع مقولة ومشروع الإصلاح بوصفه مهدداً للمكاسب أو محرضاً على الحكومات.

إن الإصلاح السياسي في العالم العربي، حاجة ماسة للجميع وبدون استثناء، والفوائد والأرباح المتوقعة منه أيضاً شاملة للجميع. فإن الظروف السياسية والاجتماعية في العالم العربي، وصلت إلى مستوى صعوبة بقاء الأمور والأوضاع على حالها، وإن الإصلاح وتطوير الأوضاع هو أقل الطرق خسائر سياسية واجتماعية وإنسانية.

وإن الإصرار على إبقاء الأمور على حالها، ينذر بكوارث خطيرة على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

لهذا فإن الإصلاح هو ضرورة للحكومات والمؤسسات الرسمية، كما هو يلبي طموحات وتطلعات المجتمعات العربية.

2- بدون إغفال دور العوامل الخارجية وتأثيراتها السلبية على مستقبل القضية الفلسطينية، فإننا نستطيع القول : إن إصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العالم العربي، هو من العوامل والحقائق المساندة لنضال وجهاد الشعب الفلسطيني.

ونخطئ حينما نتصور أن إبقاء الأمور على حالها، سيوفر لنا إمكانية الدعم والإسناد للقضية الفلسطينية. إن إصلاح أوضاعنا وتطوير أحوالنا الاقتصادية والاجتماعية والقبض على أسباب الاستقرار السياسي العميق وتمتين أواصر العلاقة بين السلطة والمجتمع في الفضاء العربي، كل هذا يصب في المحصلة النهائية لصالح القضية الفلسطينية. وذلك لأن هيمنة المشروع الصهيوني في المنطقة، هو وعبر التسلسل المنطقي هو من جراء اهتراء حياتنا السياسية وتراجع أدائنا الاقتصادي. وإن جمود الأوضاع سيشجع العدو الصهيوني على المزيد من الغطرسة والهيمنة.

وفي تقديري أن الرد الاستراتيجي على المشروع الصهيوني وهيمنته وغطرسته وذبحه اليومي لأبناء الشعب الفلسطيني، هو في إصلاح أوضاع العالم العربي وإنهاء نقاط التوتر ومجالات الضعف، وذلك حتى يتسنى لعالمنا العربي ومن موقع القدرة والتميز دعم الشعب الفلسطيني وصولاً لتأسيس دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

وجماع القول: إن الإصلاح في العالم العربي غير قابل للتأجيل والترحيل، لأنه خيارنا الحيوي الوحيد، الذي نتمكن من خلاله تطوير مستوى الاستقرار وتعزيز البناء الداخلي الوطني والقومي ومجابهة مخاطر الخارج وتحدياته المتعددة والمتشعبة.

  وثمة حقيقة أساسية في هذا السياق ينبغي البوح بها وهي: أن العالم العربي بكل دوله وشعوبه وبعيداً عن المشاريع الإصلاحية المطروحة من قبل جهات دولية عديدة، التي وصل عددها إلى (21 مبادرة) هو بحاجة إلى عملية إصلاح تنبثق من إرادته الذاتية، وتجيب بشكل حضاري على تحدياته ومآزقه. ولم يعد مجدياً التحجج بوجود مشروعات دولية للإصلاح في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط، لأن بعض النخب العربية تنظر إلى وجود مبادرات دولية على الصعيد، يلزمنا بتأجيل هذا المشروع، والانخراط في مشروع مقاومة التدخلات الأجنبية في مناطقنا ودولنا. بينما القراءة السليمة والواعية لهذه المبادرات، ينبغي أن تدفعنا إلى الإسراع في مشروع الإصلاحات السياسية والثقافية والاقتصادية في العالم العربي ووفق أجندتنا الذاتية، وحتى نتمكن من إفشال كل المخططات التي تستهدف فرض أنماط معينة للإصلاح، أو تسعى إلى التدخل في شؤوننا.

لا يمكننا اليوم ووفق التطورات الكبرى التي تجري في المشهد الإقليمي والدولي والمحلي، وكذلك حجم التحديات التي تواجهنا من الوقوف سلبيين أمام حاجتنا الملحة إلى الإصلاح على الصعد السياسية والثقافية والاقتصادية.

فحاجتنا إلى الإصلاح، نابعة من أوضاعنا وأحوالنا التي تتراجع وتعيش القهقرى، وإصرارنا على أن خيار الإصلاح هو جسر الجميع للخروج من مآزق الراهن، هو بسبب إدراكنا العميق أن التأخر عن الاستجابة الحقيقية لتحديات اللحظة الراهنة ومتطلباتها، سيكلفنا الكثير وسيدخلنا في ظروف وأوضاع لا تنسجم وتطلعاتنا لواقعنا العربي.

كما أننا كدول وشعوب عربية، لا يمكن أن نواجه تحديات الخارج ومخططاته ومشاريعه ومبادراته، إلا بسحب البساط منها، وسد ثغرات واقعنا الداخلي. وكل هذا لا يتم إلا بالانخراط في مشروع الإصلاح، الذي يزيل الاحتقانات، وينهي التوترات، ويجيب إجابة فعلية على تحديات المرحلة.

ولمعطيات ومؤشرات وحقائق سياسية ومجتمعية قائمة في الفضاء العربي، نستطيع القول: إن تأخير مشروع الإصلاح سيكلف العالم العربي الكثير من الخسائر البشرية والمادية وسيفاقم من التوترات والتهديدات على المستويين الداخلي والخارجي.

فاللحظة الزمنية الحالية، هي لحظة الانخراط في مشروع الاصلاحات ووفق أجندة وأولويات عربية، وأي تأخير لأي سبب من الأسباب، يعني ضياع الفرصة والمزيد من الأزمات والتوترات والمخاطر.

لذلك فإننا نعتقد أن خيار الإصلاح السياسي في اللحظة الراهنة، هو الخيار القادر على إخراج مؤسسة الدولة في العالم العربي من الكثير من نقاط ضعفها وقصورها البنيوي والوظيفي.

كما أن هذا الخيار، هو القادر على ضبط المجتمع وإنهاء توتراته بعيداً عن خيارات العنف والعنف المضاد. لذلك فإن الإصلاح السياسي حاجة عربية أكيدة وضرورة مشتركة للدولة والمجتمع.

وإن العلاقة جد قريبة بين مفهوم الأمن ومفهوم الإصلاح، إذ في ظل الأوضاع الإقليمية المتوترة، لا يمكن صيانة الأمن الوطني لكل دولة عربية، إلا بمشروع الإصلاح، الذي ينهي الكثير من العوامل والأسباب التي تفضي أو تؤدي في محصلتها النهائية إلى الإخلال بالأمن والاستقرار.

فالأمن الشامل اليوم، أضحى ضرورة لكل شيء. فلا تنمية بلا أمن ولا استقرار بلا أمن ولا علاقات طبيعية بلا أمن. ولكن السؤال الذي يطرح دائماً: هل يمكن أن نحقق الأمن الشامل بدون الإصلاح السياسي؟

إننا نرى ومن خلال تجارب العديد من الأمم والشعوب، أن الإصلاح وما يخلق من ظروف وأوضاع جديدة، من المداخل الأساسية والضرورية لإنجاز مفهوم الأمن.

فالإصلاح السياسي حاجة عربية، لأنه سبيلنا لتحقيق أمننا الشامل ولا يمكننا بأية حال من الأحوال، أن ننهي عوامل الإخلال بالأمن في الفضاء العربي، إلا بالانخراط الحقيقي في مشروع الإصلاحات السياسية والثقافية والاقتصادية.

وجماع القول: إن العالم العربي بكل دوله وشعوبه، بحاجة أن يخطو خطوات عملية وحقيقية في مشروع الإصلاح. وذلك من أجل إنهاء الاحتقانات والتوترات الداخلية، وحتى يتمكن هذا الفضاء السياسي من امتلاك القدرة الحقيقية على مجابهة تحديات الخارج ومشروعاته ومبادراته.

العالم العربي ودولة المواطنة:

لعلنا لا نأت بجديد حي القول: أن أغلب المجال العربي بكل دوله وشعوبه، يعاني من تحديات خطية وأزمات بنيوية، ترهق كاهل الجميع وتدخلهم في أتون مآزق كارثية.

فبعض دول هذا المجال العربي، دخلت في نطاق الدول الفاشلة، التي لا تتمكن من تسيير شؤون مجتمعها، مما أفضى إلى استفحال أزماتها ومآزقها على كل الصعد سواء الاقتصادية أو الأمنية أو السياسية. والبعض الآخر من الدول والمجتمعات، مهدد في وحدته الاجتماعية والسياسية، حيث قاب قوسين أو أدنى من اندلاع بعض أشكال وصور الحرب الأهلية.

ودول أخرى تعاني من غياب النظام السياسي المستقر، ولا زالت أطرافه ومكوناته السياسية والمذهبية، تتصارع على شكل النظام السياسي، وطبيعة التمثيل لمكونات وتعبيرات مجتمعها.

إضافة إلى هذه الصور، هناك انفجار للهويات الفرعية في المجال العربي بشكل عمودي وأفقي، مما يجعل النسيج الاجتماعي مهددا بحروب وصراعات مذهبية وطائفية وقومية وجهوية. ونحن نعتقد أن اللحظة العربية الراهنة، مليئة بتحديات خطيرة، تهدد استقرار الكثير من الدول والمجتمعات العربية وتدخل الجميع في أتون نزاعات عبثية، تستنزف الجميع وتضعفهم وتعمق الفجوة بين جميع الأطراف والمكونات.

وفي تقديرنا أن المشكلة الجوهرية، التي ساهمت بشكل أو بآخر في بروز هذه المآزق والتوترات في المجال العربي، هي غياب علاقة المواطنة بين مكونات وتعبيرات المجتمع العربي الواحد.

فالمجتمعات العربية تعيش التنوع الديني والمذهبي والقومي وغياب نظام المواطنة كنظام متجاوز للتعبيرات التقليدية، جعل بعض هذه المكونات تعيش التوتر في علاقتها وبرزت في الأفق توترات طائفية ومذهبية وقومية. فالعلاقات الإسلامية – المسيحية في المجال العربي، شابها بعض التوتر وحدثت بعض الصدامات والتوترات في بعض البلدان العربية التي يتواجد فيها مسيحيون عرب.

وفي دول عربية أخرى، ساءت العلاقة بين مكوناتها القومية، بحيث برزت توترات وأزمات قومية في المجال العربي. وليس بعيدا عنا المشكلة الأمازيغية والكردية والأفريقية.

وإضافة إلى هذه التوترات الدينية والقومية، هناك توترات مذهبية بين السنة والشيعة، وعاشت بعض الدول والمجتمعات العربية توترات مذهبية خطيرة تهدد استقرارها السياسي والاجتماعي.

فحينما تتراجع قيم المواطنة في العلاقات بين مكونات المجتمعات العربية، تزداد فرص التوترات الداخلية في هذه المجتمعات. لهذا فإننا نعتقد أن العالم العربي يعيش مآزق خطيرة على أكثر من صعيد، وهي بالدرجة الأولى تعود إلى خياراته السياسية والثقافية. فحينما يغيب المشروع الوطني والعربي والذي يستهدف استيعاب أطياف المجتمع العربي وإخراجه من دائرة انحباسه في الأطر والتعبيرات التقليدية إلى رحاب المواطنة.

فإن هذا الغياب سيدخل المجتمعات العربية في تناقضات أفقية وعمودية، تهدد استقرارها السياسي والاجتماعي.

وإن نزعات الاستئصال أو تعميم النماذج، لا تفضي إلى معالجة هذه الفتنة والمحنة، بل توفر لها المزيد من المبررات والمسوغات. فدول المجال العربي معنية اليوم وبالدرجة الأولى بإنهاء مشاكلها الداخلية الخطيرة، التي أدخلت بعض هذه الدول في خانة الدول الفاشلة والبعض الآخر على حافة الحرب الداخلية التي تنذر بالمزيد من التشظي والانقسام.

فما تعانيه بعض دول المجال العربي على هذا الصعيد خطير وإذا استمرت الأحوال على حالها فإن المجال العربي سيخرج من حركة التاريخ وسيخضع لظروف وتحديات قاسية على كل الصعد والمستويات.

وإن حالة التداعي والتآكل في الأوضاع الداخلية العربية، لا يمكن إيقافها أو الحد من تأثيراتها الكارثية، إلا بصياغة العلاقة بين أطياف المجتمع على قاعدة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات.

وإن غياب مقتضيات وحقائق المواطنة في الاجتماع السياسي العربي، سيقوي من اندفاع المواطنين العرب نحو انتماءاتهم التقليدية، وعودة الصراعات المذهبية والقومية والدينية بينهم، وسيوفر لخصوم المجال العربي الخارجي إمكانية التدخل والتأثير في راهن هذا المجال ومستقبله.

فالمجتمعات العربية كغيرها من المجتمعات الإنسانية، التي تحتضن تعدديات وتنوعات مختلفة، لا يمكن إدارة هذه التعدديات على نحو إيجابي إلا بالقاعدة الدستورية الحديثة [المواطنة] كما فعلت تلك المجتمعات الإنسانية التي حافظت على أمنها واستقرارها.

فالاستقرار الاجتماعي والسياسي العميق في المجتمعات العربية، هو وليد المواطنة بكل حمولتها القانونية والحقوقية والسياسية.

وأي مجتمع عربي لا يفي بمقتضيات هذه المواطنة، فإن تباينات واقعه ستنفجر وسيعمل كل طرف للاحتماء بانتماءه التقليدي والتاريخي. مما يصنع الحواجز النفسية والاجتماعية والثقافية والسياسية بين مكونات المجتمع الواحد.

وفي غالب الأحيان فإن هذه الحواجز، لا تصنع إلا بمبررات ومسوغات صراعية وعنفية بين جميع الأطراف. فتنتهي موجبات الاستقرار ويدخل الجميع في نفق التوترات والمآزق المفتوحة على كل الاحتمالات.

لهذا فإن دولة المواطنة هي الحل الناجح لخروج العالم العربي من مآزقه وتوتراته الراهنة.

فدولة المواطنة هي التي تصنع الاستقرار وتحافظ عليه، وهي التي تستوعب جميع التعدديات وتجعلها شريكة فعلية في الشأن العام وهي التي تجعل خيارات المجتمع العليا منسجمة مع خيارات الدولة العليا والعكس وهي التي تشعر الجميع بأهمية العمل على بناء تجربة جديدة على كل المستويات وهي التي تصنع الأمن الحقيقي لكل المواطنين في ظل الظروف والتحديات الخطيرة التي تمر بها المنطقة .

والمجتمعات لا تحيا حق الحياة، إلا بشعور الجميع بالأمن والاستقرار. لهذا فإن الأمن والاستقرار لا يبنى بإبعاد طرف أو تهميشه وإنما بإشراكه والعمل على دمجه وفق رؤية ومشروع متكامل في الحياة العامة.

وهذا لا تقوم به إلا دولة المواطنة، التي تعلي من شأن هذه القيمة، ولا تفرق بين مواطنيها لاعتبارات دينية أو مذهبية أو قومية.

فهي دولة الجميع وهي التمثيل الأمين لكل تعبيرات وحراك المجتمع.

فالمجال العربي اليوم من أقصاه إلى أقصاه، أمام مفترق طرق. فإما المزيد من التداعي والتآكل أو وقف الانحدار عبر إصلاح أوضاعه وتطوير أحواله والانخراط في مشروع استيعاب جميع أطرافه ومكوناته في الحياة السياسية العامة. فالخطوة الأولى المطلوبة للخروج من كل مآزق الراهن وتوتراته في المجال العربي، هي أن تتحول الدولة في المجال العربي إلى دولة استيعابية للجميع، بحيث لا يشعر أحد بالبعد والاستبعاد. دولة المواطن بصرف النظر عن دينه أو مذهبه أو قومه، بحيث تكون المواطنة هي العقد الذي ينظم العلاقة بين جميع الأطراف. فالمواطنة هي الجامع المشترك، وهي حصن الجميع الذي يحول دون افتئات أحد على أحد.

وخلاصة القول: أن دولة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، هي خشبة الخلاص من الكثير من المآزق والأزمات. 

 العالم العربي والحكم الرشيد:

يعيش العالم العربي بكل دوله وشعوبه اليوم، الكثير من التحولات والتطورات المتسارعة. حيث دشنت لحظة سقوط نظام بن علي في تونس عملية التغييرات والتحولات التي لا زال تأثيرها ممتدا ومتواصلا في كل أرجاء العالم العربي بمستويات وأشكال متفاوتة ومختلفة. ولا ريب أن ما يجري من أحداث وتطورات في بعض البلدان العربية، هو مذهل وغير متوقع وكل المعطيات السابقة، لا تؤشر أن ما حدث سيكون قريبا.

لهذا فإن كل هذه التطورات والتحولات هي بمستوى من المستويات مفاجئة للجميع.

لذلك فإن النخب السياسية في العالم العربي بكل أيديولوجياتها وخلفياتها الفكرية، كانت تعيش حالة من اليأس تجاه قدرة الشعب أو الشعوب العربية من إحداث تحولات دراماتيكية ف واقعها السياسي وواقع المنطقة بشكل عام. ولكن جاءت أحداث وتطورات وتحولات تونس ومن بعدها مصر، لكي تثبت عكس ما كانت تروجه بعض الأيديولوجيات والنخب تجاه الجماهير وقدرتها على إحداث تغيير سياسي في واقعها العام. والملفت للنظر والذي يحتاج إلى الكثير من التأمل العميق هو أن جيل الشباب، أي جيل الإعلام الجديد من الفيسبوك وتويتر ويوتيوب، هو الذي قاد عملية التغيير، وهو الذي تمكن من تحريك الشارع العام في تونس ومصر. فالجيل الجديد الذي كانت تصفه بعض النخب والجماعات، بأنه جيل ترعرع بدون قضية عامة يسعى من أجلها ويناضل في الدفاع عنها عكس أجيال الخمسينيات والستينيات، هو الذي قاد عملية التغيير، وبوسائله السلمية استطاع أن يحرك كل النخب وكل شرائح وفئات المجتمع الأخرى.

لهذا فإن ما حدث ويحدث في العالم العربي اليوم هو مذهل وقد أنهى حقبة وتداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر حيث كان الغرب ينظر إلى شرائح المجتمعات العربية المختلفة بوصفها مشروع قائم أو محتمل للإنسان الإرهابي الذي يفجر نفسه ويقوم بأعمال عنفية لا تنسجم وقيم الدين وأعراف العالم العربي وتقاليده الراسخة.

فما جرى في تونس ومصر، حيث حضر الشباب، ومارسوا حقهم بالتعبير عن الرأي، أنهى على المستوى الاستراتيجي حقبة بقاء الشباب العربي تحت تهمة وتداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

فالنموذج الجديد الذي قدمه الشباب العربي في تونس ومصر وغيرها من الدول العربية التي تشهد حراكا اجتماعيا وسياسيا ومطلبيا هو أنه جيل يستحق أن يعيش حياة كريمة وأن تعاطيه الشأن العام عبر عنه خارج الأطر والأحزاب الأيدلوجية، وإنما مارسه بطريقته الخاصة، والمذهل في الأمر أن هذه الطريقة غير المتوقعة هي التي أتت أكلها، ونجحت في إحداث تغييرات وتحولات سياسية واجتماعية كبرى في أكثر من بلد عربي. لهذا فإننا نعتقد أن المنطقة العربية بأسرها، تعيش مرحلة جديدة على أكثر من صعيد. وما نود أن نؤكد عليه في هذا السياق هي النقاط التالية:

– إن المجتمعات والشعوب العربية تستحق حكومات وأنظمة سياسية متطورة ومدنية وتفسح المجال للكفاءات الوطنية المختلفة للمشاركة في تنمية الأوطان العربية وتطويرها على مختلف الصعد والمستويات.

والذي يلاحظ أن الدول العربية التي كانت أو لا زالت في منأى من موجة المطالبة بالإصلاحات والتغييرات، هي تلك الدول التي تعيش ف ظل أنظمة وحكومات فيها بعض اللمسات أو الحقائق الديمقراطية أو تمكنت من حل بعض مشاكل شعبها الاقتصادية والاجتماعية. ومع ذلك فإننا نعتقد أن هذه الموجة ستطال بشكل أو بآخر كل الدول والشعوب العربية.

ونحن نعتقد أن مسارعة الدول العربية في القيام بإصلاحات سياسية ودستورية واقتصادية، سيقلل من فرص خروج الناس إلى الشارع إلى المطالبة بحقوقهم. وما جرى في تونس ومصر، يوضح بشكل لا لبس فيه أن المجتمعات العربية تستحق أوضاعا سياسية واقتصادية وقانونية أفضل مما تعيشه الآن.

- إن التحولات السياسية الكبرى التي تحققت في تونس ومصر وموجاتهما الارتدادية في أكثر من بلد عربي، تجعلنا نعتقد وبعمق أن المشاكل الكبرى وبالذات على الصعيد السياسي متشابهة في أغلب الدول العربية. فالحكومات والأنظمة السياسية في هذه الدول، هي أنظمة ذات قاعدة اجتماعية ضيقة، مع تضخم في أجهزتها الأمنية التي تمارس الإرهاب والقمع بكل صوره وأشكاله، مما زاد من الاحتقانات، وراكم من المشكلات البنيوية التي يعيشها المجتمع والدولة في هذا البلد العربي أو ذاك.

وبفعل هذه الحقيقة تمكنت هذه الدول التسلطية من إفراغ كل الأشكال والحقائق الديمقراطية الموجودة في أكثر من بلد عربي من مضمونها الحقيقي، حتى أضحت نموذجا صارخا للمقولة التي أطلقها المفكر المصري (عصمت سيف الدولة) بالاستبداد الديمقراطي. فالأشكال الديمقراطية أصبحت عبئا حقيقيا على المجتمعات العربية ونخبها السياسية والاجتماعية والثقافية، لأنه باسم الديمقراطية يتم تأييد السلطة واحتكار عناصر القوة وتستفحل من جراء هذا كل أمراض الاستبداد والديكتاتورية.

– إن الإصلاح السياسي الذي نراه أنه جسر عبور لكل الدول العربية إلى مرحلة جديدة، تؤهلها لتجاوز بعض مشكلاتها ومعالجة أزماتها الداخلية ويحصنها من خلال تطوير علاقة الدولة بمجتمعها تجاه كل التحديات والمخاطر. أقول أن هذا الإصلاح السياسي هو ضرورة حكومية – رسمية، كما هو حاجة وضرورة مجتمعية.

فهو (الإصلاح) ضرورة للحكومات العربية لتجديد شرعيتها الوطنية وتوسيع قاعدتها الاجتماعية ولكي تتمكن من مواجهة التحديات المختلفة. كما هو (أي الإصلاح) ضرورة وحاجة للمجتمعات العربية، لأنه هو الذي يخرج الجميع من أتون التناقضات الأفقية والعمودية الكامنة في قاع المجتمعات العربية، وهو الذي يصيغ العلاقة بين مختلف المكونات على أسس الاحترام المتبادل والمواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات.

ومن المعلوم أن الانغلاق في السلطة سمة من سمات الدولة التسلطية (على حد تعبير خلدون النقيب في كتابه: الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر – دراسة بنائية مقارنة). وهو يعبر عن حالة غير طبيعية في مسيرة الدولة الحديثة، هي حالة التماهي بين السلطة والدولة. لهذا فإن العالم العربي بحاجة إلى أنظمة سياسية حديثة تستجيب لشروط العصر وتتناسب والدينامية الاجتماعية المتدفقة.

– إن التجارب والتحولات السياسية الكبرى، تجعلنا نعتقد أن الشيء الأساسي الذي يجعل عمر الدول طويلا وممتدا عبر التاريخ، ليس هو ترسانتها العسكرية وموقعها الجغرافي والاستراتيجي وإنما هو قبول ورضا الناس بها. إذ أن كل تجارب الدول عبر التاريخ الطويل تثبت بشكل لا لبس فيه أن حكم الناس بالإكراه قد يطول، إلا أنه لا يدوم. وإن عمر الدول واستمرارها مرهون بقدرة هذه الدول على تحقيق رضا وقبول الناس بها. بمعنى أن الدول حتى ولو كانت إمكاناتها البشرية محدودة وثرواتها الطبيعية والاقتصادية متواضعة، إلا أن رضا الناس بها، وقبول الشعب بأدائها وخياراتها، فإن هذا الرضا والقبول يجبر الكثير من نواقص الدولة الذاتية أو الموضوعية، ويمدها بأسباب الاستمرار والديمومة.

فالذي يديم الدول ويوفر لها إمكانية الاستمرار، هو مشاركة الناس في شؤونها المختلفة واحتضانهم إلى مشروعها وشعورهم بأنها (أي الدولة) هي التعبير الأمثل لآمالهم وطموحاتهم المختلفة.

وما جرى في تونس ومصر من أحداث وتحولات سياسية سريعة، يؤكد هذه الحقيقة. فكل المؤسسات والأجهزة العسكرية، لم تستطع أن تدافع عن مؤسسة السلطة التي يرفضها الناس ويعتبرونها معادية لهم في حياتهم اليومية وتصوراتهم لذاتهم الجمعية والمستقبلية. لهذا فإننا نعتقد إن إسراع الدول في إصلاح أوضاعها وتطوير أنظمتها القانونية والدستورية وتوسيع قاعدتها الاجتماعية وتجديد شرعيتها السياسية، كل هذه العناصر تساهم ف إعطاء عمر جديد لهذه الدول.

فتحريك عجلة الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي في دولنا العربية، أضحى اليوم من الضرورات والأولويات، التي تحول دون دخول دولنا العربية في أتون المشكلات والأزمات التي تعوق من مسيرتها ودورها في الحياة الوطنية والقومية والدولية.

ومن المؤكد أن اقتراب الدول العربية من قيم ومعايير الحكم الرشيد، هو الذي سيعيد الاعتبار إلى المنطقة العربية وهو السبيل المتاح والممكن اليوم للخروج من العديد من الأزمات والمآزق على الصعيدين الداخلي والخارجي.

وحده الحكم الرشيد بكل قيمه ومضامينه ومقتضياته، هو الذي سيعيد العالم العربي إلى حركة التاريخ ودون ذلك ستبقى المنطقة بكل ثرواتها البشرية والاقتصادية بعيدا عن القبض على أسباب التقدم والاستمرار الحضاري.

المحور الثالث: نحو حركة عربية مدنية:

لقد أبانت التطورات والتحولات الكبرى، التي جرت في أكثر من بلد عربي، هو أن مشاكل البلاد العربية متشابهة مع بعضها البعض، وإن الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج تتفاعل وتتعاطف مع بعضها البعض، كما أن آمال هذه الشعوب وطموحاتها السياسية والمدنية متطابقة إلى حد كبير. فالجميع يشعر أنهم يستحقون أنظمة سياسية أفضل مما عليه اليوم، سواء من ناحية نوعية النخب السائدة، أو في طبيعة خياراتها السياسية والاقتصادية أو تمثيلها لتعبيرات ومكونات المجتمع المختلفة. فهي (أي الشعوب العربية) تنشد بمستويات مختلفة أنظمة سياسية جديدة تنسجم ومعايير الحكم الرشيد وهي تتطلع إلى تحسين نوعية الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية فيها.

لهذا فإن الشعوب العربية – مع اختلاف في المستوى والدرجة – تعيش مشاكل واحدة وتتطلع إلى أهداف وغايات متشابهة. كما أن التحولات الأخيرة التي جرت في البلاد العربية تجاوزت بعض المشكلات التي كانت تهدد بعض البلدان في وحدتها الداخلية والوطنية. فجميع الأطياف الدينية والمذهبية والاجتماعية والجهوية، ساهمت في عملية التغيير السياسي وإنها تكاتفت وتضامنت مع بعضها البعض من أجل تفكيك حوامل الاستبداد السياسي الجاثم على صدور الجميع.

فهذه التحولات أخرجت الجميع من سجون الطائفية والمذهبية والجهوية وأعلت من شأن الشخصية الوطنية الجامعة. فالملايين التي خرجت في البلدان العربية وتطالب بتغيير أنظمتها السياسية، كانت من جميع الأطياف والمكونات. فالإصلاح السياسي ليس مهمة طرف دون آخر وإنما هو مهمة الجميع. وإن الاستبداد السياسي بكل متوالياته، هو المسئول الأول عن نزعات التشظي التي سادت في أكثر من بلد عربي تحت عناوين ويافطات دينية أو مذهبية أو قومية أو جهوية.

فالأنظمة السياسية الشمولية هي التي تعمل على تنمية الفوارق الأفقية والعمودية بين المواطنين. وهي التي تعمل عبر ممارساتها وبرامجها المختلفة إلى توتير العلاقة وتأزيمها بين أهل الأديان والطوائف والقوميات.

فالتعددية الدينية والمذهبية والقومية الموجودة في العالم العربي، ليست هي المسئولة عن نزعات الاستئصال والتشظي وإنما المسئول هو النظام السياسي العربي الذي يحتكر القوة والقرار باعتبارات وعناوين عصبوية ضيقة، فتمنح جميع المناصب والامتيازات لفئة قليلة من المجتمع وتعمل على طرد وتهميش بقية المكونات والتعبيرات. لهذا فإننا نعتقد أن اللحظة العربية الراهنة، من اللحظات الحيوية القادرة على إخراج الكثير من الشعوب العربية من أتون ودهاليز الطائفية والمذهبية وتدخلها في مرحلة بناء الدولة المدنية والمواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات. وإن هذه الغاية تتطلب العمل على بناء حركة مدنية عربية، تتجاوز الأطر والعناوين الضيقة وتعمل على نسج العلاقة بين مختلف المكونات على أسس ومعايير جديدة، تساهم في تعزيز مرجعية الوطن والمواطنة الجامعة. وإن بناء الحركة المدنية العربية هو الذي يديم لحظة الإصلاح بكل أبعادها في العالم العربي وهو الذي يوفر الإمكانية الحقيقية لمواجهة مخاطر الاستبداد بكل صنوفه.

وكما أن الاستبداد العربي يتعاون مع بعضه البعض وينسق في مواقفه وخطواته المختلفة ويتبادل الرأي والخبرة، فإن القوى والمؤسسات المدنية العربية معنية أيضا بهذا الأمر. فهي مطالبة بالتنسيق والتعاون مع بعضها البعض وبزيادة وتيرة التلاقي وتبادل الرأي والخبرة.

ولعلنا لا نجانب الصواب حين القول: أن بزوغ الهويات الفرعية في العالم العربي وتعلق المواطنين بها يعود إلى سببين أساسيين وهما: طبيعة علاقة السلطة بمجتمعها ومواطنيها وهي علاقة غير محايدة تجاه عقائد وقناعات مواطنيها. فتتحول الدولة بمؤسساتها المختلفة إلى سلطة قامعة ونابذة لبعض مكونات مجتمعها. فتضمحل علاقة المواطنة لصالح العناوين الفرعية. والسبب الآخر هو غياب المؤسسات والأطر المدنية التي تتجاوز الانتماءات الفرعية لصالح قضايا ومفاهيم جامعة للمواطنين بعيدا عن انتماءاتهم التقليدية.

وحينما تغيب المؤسسات الجامعة والحاضنة لجميع المواطنين مع احترام تام لعقائدهم وانتماءاتهم التاريخية، حينذاك يبحث المواطن عن مؤسسات أهلية تحميه من تغول الدولة ومؤسساتها، فلا يجد إلا الانتماء التقليدي أو التاريخي كعنوان لحمايته والدفاع عن مصالحه.

لهذا فإن تأسيس وبناء حركة مدنية عربية فاعلة وحيوية، يساهم في الحد من تغول السلطة والدولة في العالم العربي ومن جهة أخرى تكون رافعة للمواطنين للخروج من آسار انتماءاتهم التاريخية لصالح الانتماء إلى المواطنة التي هي قاعدة الحقوق والواجبات.

فالمطلوب هو إخراج المجتمعات العربية من مستنقع الطائفية والقبلية والعشائرية وهذا لن يتأتى إلا بحركة مجتمعية نشطة تتجاوز هذه العناوين وتوفر البدائل والأطر المتجاوزة لها.

الخلاصة:

إننا ننظر ونتعامل مع التغيرات السياسية الراهنة في العالم العربي، بوصفها تحولات إيجابية، وهي الخطوة الأولى في مشروع التحول نحو الديمقراطية والتخلص من براثن الاستبداد والديكتاتورية ومتوالياتهما. وإن بناء الأنظمة السياسية في عالمنا العربي على أسس الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والتداول السلمي للسلطة، سيعزز من حقائق التسامح في المجتمعات العربية، وسيطرد كل الحوامل والثقافات والنزعات المضادة لذلك.

فما يجري اليوم من إصلاحات وتحولات في العديد من الدول العربية، هو بإرادة شعبية عربية بعيدا عن إملاءات الخارج ومؤامراته المختلفة.

لهذا فإننا نستطيع القول: أن العالم العربي اليوم، دخل فعلا وممارسة مرحلة جديدة نتجاوز فيها إحن الماضي ومعوقات الواقع الهيكلية. وإن تهاوي بعض الأنظمة المستبدة بشكل سريع، يبشر بهذه المرحلة، ويؤكد أن الإرادة الشعبية هي حجر الزاوية في مشروع الإصلاح والتغيير في العالم العربي.

وإن أمام العالم العربي بكل دوله وشعوبه، فرصة تاريخية لإعادة بناء أنظمته السياسية على أسس جديدة تنسجم ومنطق العصر وحقائق الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.

***

محمد محفوظ – باحث سعودي

 

ذكرت، في الأسبوع الماضي، أن الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند رد على الهجمات الإرهابية بتذكير الفرنسيين بوحدتهم الوطنية وقِيم الجمهورية: الحرية والمساواة والإخاء، فعلّق أحد الزملاء قائلاً: «معنى هذا أن الإرهاب علاجه الخُطب...»، وكِدت أرد قائلاً: نعم، فهذا ما أعتقده فعلاً، لكنني ترددت ثم فضلت السكوت؛ خشية أن يُفهم خارج السياق المقصود.

ثم سألت نفسي: هل يمكن حقاً للخطب أن تعالج ظاهرة خطيرة كظاهرة الإرهاب، وسألت نفسي أيضاً: لماذا لا يتحدث المحللون والمفكرون عن الخطابة كأداة في السياسة، هل يشكّون في جدواها أم يخشون أن يفعلوا ذلك فتزدهر سوق الكلام، ويتحول السياسيون إلى فن القول بدل إحسان الفعل.

حسناً... لم يكن غرضي الحديث عن الظواهر العنيفة، نظير الإرهاب أو الجريمة، ومعالجتها، بل عن علاقة الدولة بالمجتمع، وأريد التركيز على ضرورة أن تكون هذه العلاقة منفتحة وإيجابية وصريحة. هذه هي العوامل التي - في رأيي - تَحرم أرباب العنف، سواء أكان سياسياً أم اجتماعياً، من البيئة الداعمة له أو المتساهلة معه.

أميل إلى الظن بأن الميول الإرهابية تتبلور في المجتمعات التي اعتادت التساهل مع الممارسات العنيفة، نظير الدعوة لأخذ الثأر في حالات القتل أو في حالات إهانة العِرض والشرف، وهي ممارسات معروفة في المجتمعات التي تسودها الروح العشائرية، كما نعرف. وأذكر قصة شهدتُ بعض تفاصيلها، خلاصتها أن عائلة كبيرة في قرية بشمال باكستان حاصرت عائلة أخرى، وهددت باقتحام بيتها وقتْل مَن فيه، إن لم يأتِ ابنهم ويتزوج بنت العائلة الأولى. أما السبب فهو أن هذا الابن تحدّث مع البنت، ووعدها بالزواج، لكنه سافر للعمل في الخليج، فلما عرف أهل البنت، اعتبروا أن شرفهم قد أُهين، وأن الإهانة لا يغسلها إلا الدم. وقد اضطر الشاب فعلاً لترك عمله، والزواج من دون تحضير، حفاظاً على حياة أهله. وأخبرني أن حوادث مماثلة قد جرت في قريتهم سابقاً، وقُتل فيها نساء ورجال، للأسباب نفسها.

إن مجتمعاً كهذا يمثل بيئة مناسبة لتبلور الإرهاب؛ أي العنف الذي تُحركه دوافع آيديولوجية. إن العنف بمختلف أشكاله ليس من الطبائع الأصيلة في البشر، بل هو من منتجات البيئة الاجتماعية التي تتسرب لعقل الفرد في مراحل التربية المبكرة أو فترة النضج، ويظهر على شكل عقائد، نظير «من لم يكن ذئباً أكلته الذئاب»، ونظير «ما حكَّ جِلدك غير ظفرك»، وغيرها من المعتقدات التي تنفي قيمة «رأس المال الاجتماعي» الذي يدعم الفرد عند الحاجة، كما تنفي قيمة القانون وكونه سيداً وملجأ للضعفاء والمظلومين.

مجتمعٌ كهذا، يكون في الغالب منغلقاً - ثقافياً - على نفسه، يتعامل مع الغير بارتياب، ويشعر على الدوام بأنه مهدَّد في معيشته أو هويته.

إذا ظهر العنف في المجتمع، سياسياً أو اجتماعياً أو جنائياً، فإن الرد الفوري هو «إطفاء الحريق»، كما قال لي أحد قادة الأمن في بلادنا، في مناسبة قديمة. لكن العلاج الطويل الأمد يكمن في إقناع هذه الجماعة بكسر جدار العزلة الثقافية من حولها، والانفتاح على المحيط الأوسع. هذا لا يستوي بالكلام، بل بفتح الأبواب أمامهم، والاستماع إليهم ومناقشتهم في مطالبهم، كي يقتنعوا بأنهم يمكن أن يتمتعوا بالمساواة التامة مع بقية المواطنين، إذا كانوا متواصلين فعلاً معهم ومع الإدارة الرسمية، ثم إثبات أن القانون أداة فعالة في الحصول على حقوقهم، وأنه خير من ممارسة العنف أو البكاء على الأطلال.

ينبغي لرجال الدولة أن يتحدثوا للناس، ليس فقط عن بطولاتهم ونجاحاتهم، بل في المقام الأول عما يريدون فعله، والصعوبات التي يواجهونها، والدعم الشعبي الذي يتطلعون إليه.

سيكون المجتمع معارضاً للعنف، رافضاً لأربابه ودُعاته، إذا آمن بأن الحكومة حكومته وتعمل لصالحه.

***

د. توفيق السيف