عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

لا يمكن إنكار أهمية مساهمات الباحث والمترجم الأميركي الراحل صموئيل نوح كريمر، المُكنّى في بعض الأوساط البحثية بأبي السومريات، في دراسات بلاد الرافدين (العراق القديم). فهو عالم ذائع الصيت غزير الإنتاج التأليفي (له ثلاثون كتاباً ومئات الدراسات والمقالات/ قائمة لوس أنجلوس تايمز)، بالرغم من أنه لم يكن الرائد الأول في هذا الميدان البحثي، لكن تآليفه الكثيرة ونشاطاته التدريسية والإعلامية وعوامل أخرى هي التي جعلته الأكثر شهرة من غيره حتى لو كانوا أساتذته.

البدايات مع العبرية التوراتية

ولد صموئيل لعائلة يهودية في كييف الأوكرانية سنة 1897. وهاجر منها إلى الولايات المتحدة مع أسرته بعد مذابح طائفية قاسية ارتكبت في روسيا القيصرية ضد اليهود سنة 1905. هناك، في فيلادلفيا، أسس والده بنجامين مدرسة لتعليم اللغة العبرية التوراتية (Biblical Hebrew) تمييزاً لها عن العبرية الإسرائيلية (الممسوخة) التي لم تكن قد اخترعت بعد في الكيان قبل 1948. تختلف هذه الأخيرة جذرياً عن العبرية القديمة التي يتكلم بها اليهود المزراحيم الشرقيون (الذين يسميهم المؤرخ آفي شلايم اليهود العرب) من الناحيتين الفونولوجية (وظائف الأصوات فونولوجي-Phonology) المورفولوجية (بنية اللغة وقواعدها -Morphology)، مع أن العبرية القديمة نفسها يمكن عدُّها لهجةً كنعانيةً خاصةً بسكان ضواحي أورشليم اليبوسية الكنعانية القديمة في العصر الحديدي المبكر (1200 ق.م) أكثر مما هي لغة مستقلة.

تعلَّم الطفل صموئيل العبرية على يدَيْ والده. وحين شبَّ صار معلماً في مدرسة أبيه. وقد أفادته لغته هذه في مقاربة ميادين علم تاريخ الحضارات واللغات القديمة ومنها السومرية والأكدية. حصل كريمر على الجنسية الأميركية ونال شهادة الدكتوراة سنة 1929 وكان موضوعها "الأفعال في ألواح كركوك الطينية المسمارية".

وبخصوص جنسيته، كنتُ قد اقتبست في مقالة سابقة عن باحث آخر أن كريمر يحمل إضافة إلى جنسيته الأميركية الجنسية الإسرائيلية. وحين حاولت توثيق هذه المعلومة لاحقا لم أجد ما يؤكدها، فقررت التراجع عن تبنيها حتى يظهر ما يؤكدها أو ينفيها بشكل رسمي. ولكن الترجيح على سبيل الاحتمال يبقى قائما في أن كريمر ربما مُنح هذه الجنسية تكريما له لما قدمه لـ "إسرائيل" في ضوء معطيات كثيرة منها:

-زيارات كريمر العلمية ومحاضراته الكثيرة في الكيان الإبادي التي استمرت حتى سنة موته.

-ارتبط اسم كريمر بالوسط الأكاديمي "الإسرائيلي" في العقود الأخيرة من حياته كعالم زائر وبروفيسور مرموق في "تاريخ سومر" والألواح الطينية المكتشفة في العراق.

- أشرف كريمر وساعد على تكوين جيل من الباحثين في الكيان. ومن أبرز تلاميذه المباشرين البروفيسور "يعقوب كلاين" الذي وصَف نفسه بأنه التلميذ المخلص لكريمر.

-أطلقت السلطات "الإسرائيلية" اسم كريمر على معهد أُسّس في عام 1980 "هو معهد صموئيل نوح كريمر لعلم الآشوريات ودراسات الشرق الأدنى القديم" في جامعة بار إيلان في مستوطنة رمات غان. وقد حضر كريمر الافتتاح والتكريم وشارك في دعم هذا المركز العلمي والبحثي والتعاون معه.

-قبل موته، أوصى كريمر بنقل مكتبته البحثية والشخصية الضخمة وإهدائها بالكامل إلى هذا المعهد الإسرائيلي. فهل يعقل أن السلطات "الإسرائيلية" التي لا تتردد بمنح جنسيها لراقصة من الدرجة العاشرة لم تفكر بمنحها لكريمر في هذه المناسبة؟!

لماذا هذا التدقيق؟

لم أشأ التوقف المطول عند هذا التفصيل الصغير بخصوص شخصية كريمر وديانته وصفاته. فديانة أي عالم من العلماء وجنسيته وقوميته لا تهمني كثيراً، وهي من قبيل لزوم مالا يلزم في المقاربات العلمية والأكاديمية إلا في سياق حالات سجالية خاصة جدا ومنها هذه الحالة:

فقد اتهم بعض الباحثين جوزيف هاليفي (القائل بعدم وجود شعب أو هوية قومية سومرية) بأنه يهودي صهيوني أراد الشطب على وجود الهوية السومرية وإنكار وجودها مدفوعا بصهيونيته المزعومة، مع أنَّ هاليفي مات قبل قيام "إسرائيل" بواحد وثلاثين عاما. ودافع هذا البعض عن صموئيل كريمر الذي عاش حتى 1990 وعدَّه نقيض هاليفي. في حين أن هذا الأخير هو أول من دافع عن فرضية تقول إن َّمَن يسمَّون "سومريين" ماهم في الواقع إلا السكان المحليون في جنوب العراق القديم وليسوا شعباً غريباً غزا المنطقة فجأة. ولا نعرف من أين جاء وكيف اختفى فجأة أيضاً. أما كريمر فهو مَن مَهَّد لإخراج السومريين من بيئتهم بل وحاول تهويدهم (وعَبْرَنَتَهم) والجمع بينهم وبين بني إسرائيل كما سأعرض بعد قليل. لذلك وجدتُ من المناسب والمفيد تعريفياً أن أذكر هذه المعلومات عن شخصية كريمر لنعرف من هو الأجدر بأن يوصف بـ "الصهيوني وحامل الأفكار الإقصائية والتغريبية".

انبعاث جديد لفرضيات هاليفي

رصدنا في السنوات الماضية انبعاثاً جديداً لفرضية جوزيف هاليفي هذه. وجاء هذا الانبعاث على يد باحث من جنوب العراق متخصص باللغات القديمة ويجيد السومرية والأكدية وهو منقب آثاري له إجازاته الضخمة هو د. نائل حنون في كتابه "حقيقة السومريين ودراسات أخرى". وكنتُ قدمت عنه قراءة نقدية مسهبة في الأخبار (عدد 14 نيسان 2023). وبعد بأربعة عشر عاماً على صدور كتاب حنون، جاء كتاب الباحث البريطاني بول كولينز (السومريون - الحضارات المفقودة) الذي صدرت ترجمته العربية في بغداد العام الماضي وكتبت عنه دراسة في مجلة "أبجد" البغدادية قبل أيام. ومع كولينز يتفق باحث آخر هو جيرولد كوبر ليؤكدا المضمون ذاته وخلاصته: السومرية لغة وليست شعباً غريباً أو هوية قومية فهذه "الهوية السومرية" من اختراع علماء الآشوريات الغربيين المشبعين بفكرهم القومي العرقي.

 إن الباحث البريطاني بول كولينز في كتابه سالف الذكر، ينفي وجود شعب سماه الباحثون الأوروبيون "الشعب السومري/ الأمة السومرية". ويرى أن هؤلاء الناس هم السكان المحليون الأصليون لجنوب العراق القديم لعصور ما قبل الأكديين. وهؤلاء كانوا هم يسمون أنفسهم ذوي الرؤوس السود (ساك ججيك) وليس السومريين، في وطن يسمونه (كي إن جير = أرض سيد القصب النبيل) وليس بلاد سومر. وكلمة سومر ذاتها ليست سومرية بل هي لفظة أكدية سامية تصويتها هو "شومَرو" كمقابل صوتي لـ "كيئنجيرا" ومنها استنبط الباحثون اسم سومر.

إنَّ استنتاجات كولينز واضحة جدا بهذا الصدد. وخصوصا في الفصل الثاني من الكتاب "المشكلة السومرية /ص47". أما الفصل السادس "العودة إلى البداية" فيعلن كولينز فرضيته بمنتهى الوضوح ويقول: "لقد أصبح من الواضح أن السومريين لم يُفقَدوا أبدا، إذ إنهم ربما لم يوجَدوا قط. في الأقل ليس بوصفهم مجموعة عِرقية لغوية مميزة. فما فُقِدَ وأُعيدَ اكتشافه هو اللغة السومرية، مثلما حفظت في الكتابة المسمارية لبلاد الرافدين. وقد يكون الأمر كذلك بالتأكيد مثلما اقترح جيرولد كوبر القائل إن: "السومريين، بمعنى ما، هم من اختراع علماء الآشوريات المعاصرين". لقد خُلِقَ السومريون عن طريق ربط اللغة بالعِرق لإنشاء شعب إما عِرق أو أمة/ ص223". ويخلص كولينز إلى الاستنتاج البليغ التالي: "فهذه إذن "حضارة" سومرية وليست حضارة السومريين، وقد تطورت في أهوار بلاد الرافدين "..."وبحلول نهاية الألفية الثالثة قبل الميلاد لم تعد السومرية لغةً أماً لأحد بل اعتُمِدَت بكونها لغة للإدارة والتعليم، ما أدى إلى نشوء ثقافة سومرية -أكدية اتقنتها نخبة صغيرة من الملوك والكتاب، ممن حظوا بامتياز كافٍ لتلقي تعليم رسمي"..." لقد كان هذا بناءً فكرياً، بُنيَ بالطريقة نفسها، التي حصل بها بناء السومريين في عصرنا: شعب نود أن نصدق أنه كان موجوداً إلا إنه ربما لم يكن موجوداً أبدا/ 225 وما بعدها".

يمكن أن نخلص مما تقدم إلى أن تأكيد وجود لغة سومرية وثقافة سومرية لا يعني بالضرورة وجود أمة أو قومية سومرية. والسؤال المنهجي الحقيقي هو: ما الدليل المستقل على وجود هوية جماعية بهذا المعنى، بعيداً عن مجرد استنتاجها من اللغة التي أطلق عليها المحدَثون اسم «السومرية»؟ أسجل هنا أنني استعمل كلمات من قبيل "أمة" و"قومية" بمعناهما التأريخي والإسقاطي الحديث، أي بمعنى الوعي الجماعي التلقائي الذي يحول اللغة والثقافة إلى هوية سياسية وإثنية جامعة وغير أمر لا تأريخي ولا هو علمي منهجي..

تجاوزات كريمر المنهجية

فلنعد الآن إلى تجاوزات كريمر العلمية كما رصدها الباحث العراقي نائل حنون ومنها:

-أخذ كريمر يترجم مصطلحات سومرية بغير ما تعنيه ما أدى إلى اعتماد ترجماته دليلاً على وجود "شعب السومري" بطريقة لا تسمح بأي مناقشة أو شك/ص 24 م.س. ومن تلك المصطلحات لفظة كلام (KALAM) التي تعني باللغة السومرية؛ البلاد، الإقليم، السهل، أو البر (لاحظ قرب "كلام" الصوتي من (إقليم) العربية كإشارة إلى وحدة البيئة اللغوية)؛ ولكن كريمر ترجم الكلمة إلى «سومر». أما عبارة "ساك جيج" السومرية التي تعني «سود الرؤوس» وبالأكدية "صلمات ققدم" فقد ترجمها إلى "الشعب السومري".

-من تجاوزات كريمر الأخرى أنه عمد في ترجمته لمرثاة "بلاد أكاد ومدينة أور"، كما كتب د. حنون، إلى تسمية هذه المرثية بـ «مرثاة سومر وأور»، وعرفت في الأوساط العلمية بهذا الاسم، وهذا خطأ تعمد كريمر نشره لتمرير فكرة وجود السومريين وبلاد سومر.

-الأدهى من ذلك، أن كريمر حين ترجم السطر الأول من هذه المرثاة ترجمه كالتالي: «اليوم الذي انقلب، إذْ زال القانون والنظام من الوجود» ويضيف د. حنون، أنه حين عاد إلى النص السومري الأصلي وترجمه وجده كالتالي: "اليوم الذي انقلب، يوم فقدان بلاد أكاد لخططها" أي إنَّ كريمر حذف عن قصد وسابق تصميم عبارة «بلاد أكاد»، وهذا أمر - يقول د. حنون- لا يمكن أن يكون قد حدث سهواً.

- عن لقائه الشخصي الذي لم يكتمل بكريمر، ذكر د. حنون أنه تكلم مع الأستاذ المشرف عن أطروحته للدكتوراة برغبته للقاء كريمر الذي كان قد زار كندا لإلقاء محاضرة ويسأله عن أمور وردت ترجمتها في كتاب كريمر ووجد هو فيها أشياء توجب الاعتراض والتساؤل. يقول د. حنون إن أستاذه رحب بالفكرة وشجعه على الذهاب واللقاء بكريمر وحين ذهب إليه وجده يتحدث مع مجموعة من الأشخاص يرتدون الأزياء اليهودية السلفية "الحريدية" بظفائرهم الطويلة. فانتظره لينهي كلامه معهم وإذا بحنون يسمع كريمر يقول لهم إنه هو ومعه يهودي عراقي اسمه سليم يوسف لاوي من أنشأ المتحف العراقي في سنة (1923). وصُدم د. حنون بهذه الكذبة فالمعروف عالميا أن سكرتيرة المندوب السامي البريطاني غيرترود بيل هي التي أسست المتحف. وإنَّ الشخص اليهودي العراقي الذي ذكره كريمر كان موظفاً بسيطاً متدرباً في المتحف ولا علاقة له بتأسيسه. وهنا يقول د. حنون إنه قرر التراجع وعدم التحدث مع كريمر إذ لا يليق بالعالم الذي يحترم نفسه أن يطلق أكاذيب كهذه.

تهويد السومريين أم سومرة اليهود

انفرد كريمر بفرضية خارقة تذهب إلى أن العبرانيين هم امتداد عبقري سامي للسومريين. حيث قال "من الجائز جداً أن يكون هناك دم سومري جدير بالاعتبار في أسلاف إبراهيم الذين عاشوا لعدة أجيال في أور ومدن سومرية أخرى. أمّا بالنسبة للحضارة والمدنية السومريتين فإنه لا يوجد سبب للشك بأن العبرانيين الأوائل قد تشربوا واستوعبوا الشيء الكثير من أساليب الحياة السومرية العبرانية، وربما كان للقانون العبراني الوارد في (يوشع 202) جذور غير قليلة تمتد تحت تربة بلاد سومر/ المصدر: كريمر -السومريون تاريخهم وحضارتهم - ترجمة د. فيصل الوائلي - ص 427". وهذا الكلام، بالرغم من تطعيمه بكلمات احتمالية، لا يمكن أن يؤخذ على محمل الجَدِّ من الناحية العلمية. فاليهود (أو اليهوذاويون، إن شئنا الدِّقة) لم يعيشوا في أور السومرية التي سمَّتها التوراة "أور كسديم"، وترجمت -لا ندري كيف - إلى "أور الكلدانيين"، بل في بابل الكلدانية. وبين أور السومرية التي نشأت 3800 ق.م والدولة الكلدانية وعاصمتها بابل التي نشأت عام 626 ق.م، وحدوث ما سمي السبي البابلي لسكان دويلة يهوذا سنة 586 ق.م، أقول؛ إنَّ بينهما أكثر من ألفي عام. أي إنَّ السومريين، إذا افترضنا جدلاً أنهم وجدوا كشعب أو مجموعة إثنية مستقلة، يكونون قد انقرضوا أو ذابوا في الشعوب الرافدانية الأخرى خلال الألفي عام التالية. فكيف تسربت الدماء السومرية إلى اليهود المهجَّرين إلى بابل!

تجاوزات منهجية كريمرية أخرى:

يذكر د. حنون أن كريمر تجاوز على العلم والمنهجية البحثية في ترجمته مرثاة "بلاد أكاد ومدينة أور" في أمرين مهمين:

الأول هو إقحام موضوع الفصل العرقي في شرحه لتفاصيل الصراع في هذه النصوص الأدبية والدينية السومرية على أنه صراع "قومي" أو "عرقي" بين أمتين؛ أمة سومرية مجهولة الانتماء القومي والأمة الأكدية السامية. في حين كانت تلك صراعات سياسية أو اقتصادية سببها التنافس على الأراضي ومياه الإرواء والمراعي ...إلخ، بين دويلات المدن عصر ذاك. أو إنَّ الأمر كان متعلقاً بكوارث وحروب تُعزى غيبياً في المثيولوجيا الرافدانية إلى غضب الآلهة، فسكان هذه المدن "الدويلات" قبل التوحيد الأكدي كانوا يشكلون نسيجاً مجتمعياً واحداً متداخلاً لغوياً وثقافياً.

الأمر الثاني هو أن كريمر حاول تطويع النصوص السومرية القديمة لخدمة فكرته المسبقة بدلاً من ترك النص يتحدث عن نفسه.

انطلاقاً من هذه الأدلة، يخلص الباحث العراقي إلى أن "المشكلة السومرية" برمتها هي مشكلة افتعلها علم الآشوريات الغربي في بداياته بسبب التأويلات الخاطئة والدراسات والترجمات الموجهة، وأن القراءة المباشرة والمجردة للنصوص المسمارية تظهر وحدة حضارية وبشرية للعراق القديم، تمايزت فيه لغات التدوين ولم تتمايز فيه الشعوب.

طرفة كريمرية

من طريف ما يُروى عن كريمر انه كان يزج بيهوديته بمناسبة أو من دونها، وقد تطرقنا لمحاولته تهويد السومريين أو "سَوْمَرَة اليهود" حتى حين يحاول أن يكون ظريفاً طريفاً. ففي واحدة من مقابلاته التلفزيونية المسجلة قال متفاخرا بلغته السومرية: "لو أن شخصاً سومرياً ميتاً أُعيدَ إلى الحياة اليوم وسمعني أتكلم السومرية لقال هذا الرجل يتكلم السومرية بشكل جيد جدا ولكنه ويا للعجب لديه لكنة يهودية/ الدقيقة 12 و20 ثانية "!

وحتى حين يزل لسان أو قلم كريمر فيقول أو يكتب شيئا صحيحاً منهجياً وينتبه أو ينبهه أحد ما إلى تناقضه مع نظريته حول السومريين فإنه سرعان ما يتخلى عنه ويحذفه من الطبعات القادمة من كتابه. هذا ما يسجله أحمد سوسة في كتابه (حضارة وادي الرافدين بين الساميين والسومريين/ ص20) حيث ينقل لنا أن كريمر كان قد كتبت في كتابه "الأساطير السومرية" ما معناه أن معظم أراضي السهل الرسوبي من بلاد الرافدين كان يسكنه الساميون حين نزح السومريون الى العراق. وردا على ذلك كتب عالم الآثار سيتون لويد مقالاً في مجلة "سومر" سنة 1947 عبر فيه عن دهشته من جرأة كريمر في التصريح بهذا الرأي دون خشية عواقب ذلك والتي تعني الشطب على مقولة السومريون شعب غريب جاء من مكان ما إلى هذه المنطقة (المكتظة بالساميين) فما كان من كريمر إلا أن حذف رأيه هذا من الكتاب في الطبعات اللاحقة.

أما بالنسبة لحيرة البعض المتوقعة من وجود لغة كاللغة السومرية وإنكار وجود شعب أو قومية سومرية فهذه الحيرة ستتبدد سريعاً بمجر أن نتذكر العديد من اللغات المبتكرة من قبل أشخاص او مجموعات بشرية بما يؤكد أن وجود اللغة لا يعني تلقائيا وجود شعب وهوية قومية ومن تلك اللغات المبتكرة نذك؛ اللغة السنسكريتية، لغة الإسبرانتو، لغة انترلنغوا، لغة فوهابوك ومجموعة لغات سلسلة أفلام (سيد الخواتم) التي ابتكرها المؤلف الروائي والألسني البريطاني جون تولكين ومنها لغة إلفيش ولغة السيندارين ...إلخ.

***

علاء اللامي - كاتب عراقي

لا تكمن أزمة الدولة العراقية في ضعف مؤسساتها فحسب، ولا في اختلال القوانين أو قصور الإدارة أو انتشار الفساد بمعناه الاقتصادي المباشر، بل تمتد الأزمة إلى مستوى أعمق يتعلق بطبيعة العلاقة الأخلاقية بين النخبة والدولة .

فالدولة، في معناها السياسي الحديث، ليست مجرد جهاز إداري أو مجموعة من الوزارات والأجهزة الأمنية، وإنما هي تجسيد لفكرة المصلحة العامة، ومجال تتساوى داخله الجماعات والأفراد أمام القانون. ولذلك فإن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على فرض النظام، وإنما بقدرتها على تحويل المصالح المتعارضة إلى قواعد عامة، وتحويل الانتماءات الخاصة إلى مواطنة سياسية مشتركة.

ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال عن النخبة العراقية سؤالًا أخلاقيًا بقدر ما هو سؤال سياسي: هل تنظر النخبة إلى الدولة بوصفها ملكًا عامًا، أم بوصفها مجالًا يمكن توظيفه لخدمة الجماعة والحزب والشبكة؟ إن الفرق بين السؤالين هو الفرق بين دولة تعمل بوصفها مؤسسة عامة، ودولة تتحول إلى مورد تتنافس الجماعات على امتلاكه.

أولاً: من المسؤولية الخاصة إلى المسؤولية العامة

تقوم الأخلاق السياسية، في أحد أعمق معانيها، على الانتقال من منطق المصلحة الخاصة إلى منطق المسؤولية العامة. فالسياسي لا يُحاسب فقط على ما يفعله باعتباره فردًا، وإنما على الآثار العامة المترتبة على قراراته، لأن موقع السلطة يمنحه قدرة على التأثير في حياة أعداد كبيرة من المواطنين.

ومن هنا لا يكفي أن يكون المسؤول السياسي ملتزمًا بمجموعة من القواعد الشخصية أو الدينية أو الاجتماعية؛ إذ يمكن للفرد أن يكون وفيًا لجماعته، كريمًا مع أتباعه، مخلصًا لحزبه، وفي الوقت نفسه عاجزًا عن ممارسة الأخلاق السياسية التي تجعل المصلحة العامة معيارًا أعلى من المصالح الخاصة.

وهنا يظهر الفرق بين أخلاق الجماعة وأخلاق الدولة. فأخلاق الجماعة تقوم غالبًا على التضامن الداخلي والولاء والحماية المتبادلة، بينما تقوم أخلاق الدولة على المساواة والحياد والاحتكام إلى القانون. وقد لا يكون هناك تعارض بينهما في الظروف العادية، لكن التعارض يظهر عندما يصبح الولاء للجماعة متقدمًا على الواجب تجاه الدولة.

فحين يتخذ المسؤول قرارًا لأنه يخدم حزبه، أو يوزع الوظائف وفق الانتماء السياسي، أو يحمي شخصًا لأنه ينتمي إلى شبكته، فإنه لا يرتكب مجرد مخالفة إدارية؛ بل يحدث انقلابًا في معنى المسؤولية السياسية: تتحول الوظيفة العامة من أمانة إلى امتياز، ومن خدمة عامة إلى أداة لإعادة إنتاج الولاء.

وتشير دراسة حديثة لمؤسسة تشاتام هاوس إلى أن النخبة العراقية بعد 2003 أصبحت تضم شبكات من الفاعلين المرتبطين بالأحزاب السياسية وبالشبكات الأمنية والاقتصادية التابعة لها، وأن هذه الشبكات امتلكت قدرًا كبيرًا من القوة السياسية والاقتصادية والإكراهية. كما تشير الدراسة إلى أن بعض التعيينات السياسية أضعفت استقلال الجهاز البيروقراطي وجعلت بعض المسؤولين أكثر ارتباطًا بالجهات الراعية لهم من ارتباطهم بالوظيفة المؤسسية.

وبذلك لا تعود المشكلة في أن المسؤول «فاسد» بالمعنى الأخلاقي الفردي فقط، وإنما في أن النظام السياسي نفسه قد يكافئ الولاء الخاص أكثر مما يكافئ المسؤولية العامة.

ثانياً: حين يتقدم الحزب على الدولة

الحزب السياسي في النظام الديمقراطي وسيلة لتنظيم المصالح والتعبير عنها، وليس بديلًا عن الدولة. فالحزب يدخل الانتخابات لكي يصل إلى السلطة، لكنه عندما يصل إليها يظل خاضعًا للقواعد العامة التي تفصل بين الحزب والدولة.

أما حين يختفي هذا الفصل، فإن الحزب يبدأ في النظر إلى الدولة باعتبارها امتدادًا له. عندئذ تتحول الوزارات والمؤسسات إلى مجالات نفوذ، وتصبح التعيينات والموارد والقرارات أدوات لبناء القوة الحزبية.

وهنا تظهر مشكلة عميقة: الحزب يحتاج إلى الدولة كي يمارس السلطة، لكنه لا ينبغي أن يمتلك الدولة.

فالاستحواذ الحزبي على مؤسسات الدولة يؤدي إلى إضعاف الحياد المؤسسي. والموظف الذي يشعر بأن مستقبله الوظيفي مرتبط برضا جهة سياسية قد يصبح أكثر ولاءً للشبكة السياسية من ولائه للقانون. وعندما تتكرر هذه الحالة على نطاق واسع، تتغير الثقافة المؤسسية بأكملها.

وتكشف دراسات ما بعد 2003 أن صيغة تقاسم السلطة القائمة على التوازنات الإثنية والطائفية أسهمت في نشوء ترتيبات نخبويّة عُرفت عمليًا بمنطق «تقاسم الكعكة»، وشجعت القوى السياسية على بناء شبكات رعاية داخل مؤسسات الدولة.

ومن هنا فإن الخطر لا يكمن فقط في أن تستعمل الأحزاب مؤسسات الدولة، وإنما في أن تتغير وظيفة المؤسسة نفسها: من مؤسسة وطنية تعمل وفق قواعد عامة إلى مؤسسة تعمل وفق موازين القوى بين الأحزاب.

ثالثاً: الطائفة والعشيرة والاقتصاد السياسي للولاء

لا يمكن اختزال المشكلة في الحزب وحده؛ فالمجتمع العراقي، شأنه شأن المجتمعات الأخرى، يحتوي على روابط دينية وطائفية وعشائرية ومناطقية ومهنية واقتصادية عميقة. وهذه الروابط ليست في ذاتها مشكلة؛ إذ يمكن أن تكون مصدرًا للتضامن الاجتماعي وحماية الفرد وتعزيز الانتماء.

لكن الأزمة تبدأ عندما تتحول هذه الروابط من مجال اجتماعي للانتماء إلى قاعدة سياسية لتوزيع الحقوق والموارد.

فالمواطنة تفترض أن يحصل الفرد على حقه لأنه مواطن، بينما تقوم المحسوبية على حصوله على الحق لأنه ينتمي إلى جماعة أو شبكة أو جهة سياسية. وفي الحالة الأولى تكون الدولة هي الوسيط بين المواطن وحقوقه؛ وفي الثانية تصبح الشبكة هي الوسيط.

وهنا ينشأ نوع من الخصخصة السياسية للدولة: لا تُباع الدولة بالضرورة، وإنما يجري توزيع أجزاء من وظائفها ومنافعها على شبكات اجتماعية وسياسية مختلفة.

وتكمن خطورة ذلك في أن المواطن قد يبدأ هو الآخر في إعادة إنتاج النظام نفسه؛ فيبحث عن «واسطة»، أو جهة سياسية، أو زعيم محلي، لا لأنه يرفض الدولة بالضرورة، وإنما لأنه فقد الثقة بقدرتها على ضمان حقوقه بصورة محايدة.

وهذا يفسر لماذا لا يمكن إصلاح الدولة بإصلاح مؤسساتها التقنية فقط، لأن المشكلة أصبحت جزءًا من السلوك السياسي والاجتماعي الذي يعيد إنتاج ضعفها.

رابعاً: من الولاء للدولة إلى الولاء للشبكة

الولاء للدولة ليس ولاءً عاطفيًا للعلم أو الحدود أو الرموز الوطنية فقط، وإنما هو قبل كل شيء قبول بأن الدولة تمثل المجال الأعلى لتنظيم المصالح العامة.

أما الولاء للشبكة فيقوم على منطق مختلف: أنت تحمي من يحميك، وتدعم من يدعمك، وتستفيد من الموارد التي تستطيع الشبكة الوصول إليها.

وقد تكون الشبكة حزبية، أو اقتصادية، أو عشائرية، أو دينية، أو مزيجًا من هذه العناصر. لكن القاعدة واحدة: المصلحة السياسية تُبنى على العلاقة الشخصية أو الجماعية بدل القاعدة المؤسسية.

وهنا يصبح السؤال: لمن يدين المسؤول بولائه عندما تتعارض مصلحة الدولة مع مصلحة الشبكة؟

إذا اختار الدولة، فإننا أمام مسؤولية سياسية حديثة.

أما إذا اختار الشبكة، فإننا أمام أزمة في أخلاق السلطة.

أن بعض آليات المساءلة الرسمية في العراق أصبحت عرضة للاستحواذ من النخب وشبكات الرعاية، الأمر الذي أضعف قدرتها على مراقبة السلطة، وأدى إلى قيام بعض الموظفين والقضاة والمسؤولين الأمنيين بتنفيذ مصالح الجهات الراعية لهم بدلًا من أداء وظائفهم المؤسسية بصورة مستقلة.

وهنا تصبح المسألة أعمق من «فساد شخصي»: إنها أزمة في مصدر الشرعية السياسية. فالسلطة التي تستمد شرعيتها من الشبكة ستعمل لحماية الشبكة، بينما السلطة التي تستمد شرعيتها من الدولة ستعمل على حماية المؤسسة.

خامساً: الفساد الأخلاقي للعلاقة بين النخبة والدولة

ينبغي هنا التمييز بين فساد المؤسسة وفساد العلاقة مع المؤسسة.

قد تكون هناك مؤسسة جيدة التصميم، وقوانين متقدمة، وأجهزة رقابية، لكن المسؤولين يستطيعون تعطيلها أو الالتفاف عليها. في هذه الحالة لا يكون الخلل في النص وحده، بل في العلاقة التي تربط الفاعل بالمؤسسة.

وهذا ما يجعل الفساد السياسي أكثر خطورة من الفساد الإداري؛ فالفساد الإداري يسرق من المؤسسة، أما الفساد السياسي فقد يعيد تشكيل المؤسسة بحيث تصبح قابلة للسرقة.

ومن هنا يمكن فهم ما تسميه الأدبيات الحديثة بـ استحواذ النخبة على الدولة (Elite State Capture). فالدولة لا تصبح ضعيفة لأنها تفتقر إلى المؤسسات، وإنما لأن القوى التي يفترض أن تعمل داخلها تستطيع التأثير في القواعد التي تنظمها وفي آليات الرقابة عليها. أن نظام تقاسم السلطة الإثني والطائفي بعد 2003 وفّر فرصًا للنخب للاستحواذ على الدولة وعلى مواردها، مع ضعف القدرة على إخضاع هذه النخب للمساءلة.

وهنا يصبح الفساد نظامًا لإعادة إنتاج القوة، وليس مجرد انحراف عن النظام.

سادساً: الأخلاق السياسية بوصفها شرطاً لبناء الدولة

إذا كانت المشكلة في جانب منها أخلاقية، فإن إصلاحها لا يمكن أن يكون تقنيًا فقط. فالقوانين والمؤسسات ضرورية، لكنها لا تكفي إذا كانت النخبة لا ترى في المصلحة العامة قيمة أعلى من مصلحة الجماعة.

الأخلاق السياسية المطلوبة هنا ليست أخلاق الوعظ، وإنما أخلاق المسؤولية العامة. وهي تقوم على مجموعة من المبادئ:

1.  الدولة أعلى من الحزب في مجال القرار العام.

2.  المواطنة أعلى من الانتماء الخاص في توزيع الحقوق.

3.  القانون أعلى من العلاقة الشخصية في ممارسة السلطة.

4.  المصلحة العامة أعلى من المصلحة الانتخابية الآنية.

5.  المؤسسة أقوى من الشخص.

6.  المساءلة حق عام وليست أداة لتصفية الخصوم.

إن الدولة لا تصبح قوية عندما يمتلك الحاكم مزيدًا من السلطة، وإنما عندما تصبح السلطة نفسها مقيدة بقواعد عامة لا يستطيع صاحبها تحويلها إلى ملكية خاصة.

وفي هذا السياق، تصبح المساءلة جوهر الأخلاق السياسية؛ لأنها تمنع السلطة من التحول إلى امتياز. وتشير الأدلة الحديثة إلى أن المشكلة العراقية ليست غياب آليات المساءلة على الورق، بل ضعف فعاليتها بسبب شبكات الرعاية والاستحواذ على المؤسسات. كما أظهر مسح لـ1600 عراقي أجرته تشاتام هاوس عام 2021 ضعف الثقة الشعبية بفاعلية المؤسسات المسؤولة عن المساءلة، فيما أظهر مسح الباروميتر العربي لعام 2022 مستويات مرتفعة جدًا من إدراك انتشار الفساد.

وهذا يعني أن استعادة الدولة تبدأ باستعادة معنى المسؤولية.

سابعاً: من نخبة الجماعة إلى نخبة الدولة

لا تعني الدعوة إلى أخلاق سياسية جديدة إلغاء الانتماءات الحزبية أو الدينية أو الاجتماعية أو العشائرية. فهذا غير ممكن وغير مطلوب. وإنما المطلوب أن تتعلم النخبة التمييز بين حقها في الانتماء وواجبها في الحكم.

يمكن للسياسي أن يكون حزبيًا، لكنه عندما يدخل الدولة يجب أن يصبح رجل دولة.

ويمكن للمثقف أن ينتمي إلى تيار فكري، لكن عليه عندما ينتج معرفة عامة أن يميز بين البحث والحزبية.

ويمكن لرجل الاقتصاد أن يدافع عن مصالح القطاع الخاص، لكنه لا يستطيع أن يحول السياسة الاقتصادية إلى أداة لخدمة مصالح محددة.

ويمكن لزعيم اجتماعي أو عشائري أن يحافظ على روابط جماعته، لكن عليه ألا يحول هذه الروابط إلى بديل عن القانون.

وهكذا لا تكون نخبة الدولة نخبة بلا انتماءات، بل نخبة قادرة على وضع انتماءاتها داخل إطار الدولة.

وهذا هو الفارق بين النخبة التي تستخدم الدولة والنخبة التي تبني الدولة.

خاتمة

تكشف أزمة الأخلاق السياسية في العراق أن مشكلة الدولة لا تبدأ دائمًا من المؤسسة، بل قد تبدأ من الفكرة التي تحملها النخبة عن الدولة. فإذا اعتُبرت الدولة ملكًا عامًا، أصبحت المؤسسات أدوات للمصلحة المشتركة؛ أما إذا اعتُبرت موردًا تتقاسمه الجماعات، تحولت المؤسسات إلى ساحات للصراع على النفوذ.

ومن هنا فإن تغليب الحزب أو الطائفة أو العشيرة أو الشبكة الاقتصادية على الدولة لا يمثل مجرد انحراف سياسي، بل يمثل اختلالًا في الترتيب الأخلاقي للولاءات. فالمشكلة ليست أن يكون للسياسي حزب أو للمواطن جماعة، وإنما أن تصبح الجماعة مصدرًا للحق السياسي بدل أن تكون الدولة والقانون مصدرًا له.

وعليه، فإن فرضية هذا المقال يمكن صياغتها بصورة أكثر عمقًا: خراب الدولة ليس نتيجة فساد المؤسسات فقط، بل نتيجة فساد العلاقة الأخلاقية بين النخبة والدولة.

فحين تصبح الدولة وسيلة للثروة، والمنصب وسيلة للنفوذ، والقانون وسيلة لحماية الحلفاء أو معاقبة الخصوم، والمساءلة أداة سياسية انتقائية، فإن الدولة تفقد جوهرها حتى لو بقيت مؤسساتها قائمة. وفي المقابل، تبدأ عملية بناء الدولة عندما يصبح المنصب العام أمانة، والسلطة مسؤولية، والقانون قاعدة عامة، والمصلحة الوطنية معيارًا يتجاوز المصالح الخاصة.

ومن ثم فإن السؤال الحاسم ليس فقط: كيف نصلح الدولة العراقية؟ بل: أي نوع من النخب نريد أن يحكم الدولة؟

فإصلاح المؤسسات من دون إصلاح أخلاق السلطة قد يعيد إنتاج الأزمة بأشكال جديدة. أما الانتقال من نخبة الجماعة إلى نخبة الدولة فيعني أن يصبح نجاح السياسي مقاسًا بقدرته على تقوية المؤسسة التي يعمل فيها، لا بقدرته على توسيع شبكته؛ وبقدر ما يترك من دولة أقوى وأكثر استقلالًا مما تسلمه.

وهنا تتضح العلاقة بين هذا المقال والمقالين السابقين: فإذا كان الاستحواذ على الدولة يمثل المشكلة المؤسسية، فإن غياب الأخلاق السياسية يمثل المشكلة القيمية التي تسمح باستمرار هذا الاستحواذ. ولذلك فإن الدولة العراقية لا تحتاج إلى إصلاح مؤسساتها فقط، بل إلى إعادة تأسيس العقد الأخلاقي بين النخبة والدولة والمجتمع؛ عقدٍ تصبح فيه الدولة ملكًا للجميع، والسلطة مسؤولية لا غنيمة، والمواطنة رابطة قانونية تتقدم على روابط الامتياز والزبائنية.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

 

من بناء المؤسسة إلى الاستحواذ عليها

لا يمكن فهم أزمة الدولة العراقية من خلال ضعف مؤسساتها فقط، ولا من خلال عجزها الإداري أو كثرة الأزمات التي مرّت بها، لأن المؤسسة لا تعمل في فراغ، وإنما تتحرك داخل شبكة من المصالح والقوى التي تحدد اتجاهها ووظيفتها وحدود استقلالها. ومن هنا يصبح السؤال عن الدولة سؤالًا عن النخبة التي تديرها، وعن طبيعة العلاقة التي أقامتها هذه النخبة مع مؤسساتها. فالدولة قد تكون، في تصورها النظري، مؤسسة عامة تجسد الإرادة المشتركة للمجتمع، لكنها قد تتحول في الممارسة إلى مجال تتنافس داخله النخب على الموارد والمواقع والنفوذ.

وهذا التناقض بين الدولة بوصفها مؤسسة عامة، والدولة بوصفها مجالًا للاستحواذ الخاص يمثل أحد المفاتيح الأساسية لفهم التجربة العراقية الحديثة. فمنذ نشأة الدولة العراقية الحديثة لم تكن عملية بناء المؤسسات منفصلة عن صراعات السلطة والمصالح والتكوينات الاجتماعية والسياسية. وقد تشكلت الدولة في العهد الملكي في سياق شديد التعقيد، تداخلت فيه عملية بناء المؤسسات مع الدور البريطاني، ومع إعادة تشكيل البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، الأمر الذي جعل الدولة منذ بداياتها فضاءً تتفاعل فيه مشاريع متعددة للسلطة والمجتمع والهوية.

أولاً: من بناء الدولة إلى الصراع على الدولة

إن الدولة العراقية الحديثة لم تولد بوصفها مؤسسة مكتملة، وإنما كانت نتيجة عملية تاريخية متدرجة لإنتاج السلطة والمؤسسات والشرعية. فقد ارتبط تأسيس الدولة عام 1921 بإقامة النظام الملكي وبمحاولات بناء جهاز إداري وعسكري وتشريعي قادر على إدارة مجتمع شديد التنوع. ويشير عديد داويشا إلى أن النخبة الحاكمة العراقية واجهت منذ البداية ثلاث مهام متلازمة: توطيد مؤسسات الدولة، وإنتاج شرعيتها، وبناء هوية وطنية جامعة.

لكن بناء المؤسسات لا يعني بالضرورة ترسيخ الدولة الحديثة بالمعنى المؤسسي. فالمؤسسة تكون دولة عندما تصبح قواعدها أكثر قوة من الأشخاص الذين يشغلونها، وعندما يصبح المنصب العام وظيفة في النظام لا ملكية سياسية لمن يتولاه. أما حين تتحول المؤسسات إلى أدوات في يد جماعات أو أفراد، فإنها تفقد تدريجيًا صفتها العامة، حتى وإن بقيت هياكلها القانونية والإدارية قائمة.

وهنا تظهر إحدى المفارقات المركزية في التاريخ السياسي العراقي: قد تتوسع الدولة مؤسسيًا، بينما تضعف الدولة سياسيًا. فقد تزداد الوزارات والدوائر والهيئات والوظائف، من دون أن تزداد بالضرورة قدرة المؤسسة على العمل بصورة مستقلة ومحايدة. وبذلك يصبح نمو الجهاز البيروقراطي مؤشرًا على حجم الدولة لا على قوتها المؤسسية.

وقد أظهرت دراسة عراقية حديثة عن آليات بناء الدولة في العهد الملكي أن المؤسسات الجديدة لم تقطع بصورة كاملة مع البنى الاجتماعية القديمة، بل تداخلت الأنماط الجديدة مع القديمة، وأصبحت بعض الجماعات قادرة على استخدام مؤسسات الدولة لتحسين موقعها الاجتماعي والسياسي . وهذا يعني أن الدولة لم تكن دائمًا قوة مستقلة عن المجتمع، بل كانت في أحيان كثيرة ساحة لإعادة توزيع القوة بين الجماعات.

ومن هنا يمكن إعادة صياغة المشكلة على النحو الآتي: لم تكن المشكلة العراقية في غياب الدولة، وإنما في عدم اكتمال انتقال الدولة من كونها مجالًا لتوزيع النفوذ إلى كونها مؤسسة مستقلة عن شبكات النفوذ.

ثانياً: الدولة بوصفها مجالاً للتنافس على الموارد والنفوذ

ترتبط الدولة الحديثة بالموارد ارتباطًا وثيقًا؛ فهي تملك الموازنة العامة، والوظائف، والتعيينات، والعقود، والتراخيص، والخدمات، والأراضي، والأجهزة الأمنية، فضلًا عن قدرتها على إنتاج القواعد القانونية. ولذلك فإن السيطرة على الدولة تمنح النخبة قدرة واسعة على توزيع الموارد وتحديد المستفيدين منها.

وتزداد أهمية هذه المسألة في العراق بسبب الاقتصاد الريعي الذي جعل الدولة المركز الأساسي لتوزيع الثروة النفطية وتوفير الوظائف والخدمات. وقد أشار تحليل تشاتام هاوس إلى أن الدولة العراقية خلال القرن العشرين أصبحت، بفعل الريعية النفطية، المزود المركزي للدخل والخدمات، الأمر الذي جعل علاقة المواطن بالدولة ترتبط بدرجة كبيرة بالوظيفة والدخل والخدمات التي تقدمها. .

وهنا تنتقل الدولة من كونها مؤسسة لإنتاج الصالح العام إلى كونها موردًا للتوزيع السياسي. فالسياسي الذي يسيطر على موقع مؤثر داخل الدولة لا يمتلك سلطة القرار فقط، وإنما يمتلك القدرة على إعادة توزيع الموارد بما يخدم شبكته السياسية والاجتماعية.

وهذا ما يجعل مفهوم المحسوبية السياسية أكثر أهمية من مفهوم الفساد الفردي وحده. فالفساد الفردي يفترض أن شخصًا يستغل موقعه لتحقيق منفعة خاصة، بينما تشير المحسوبية السياسية إلى شبكة منظمة من العلاقات المتبادلة التي تربط السلطة بالموارد والولاء. وفي هذه الحالة يصبح الحصول على الوظيفة أو العقد أو الموقع الإداري جزءًا من عملية بناء النفوذ السياسي.

ومن هنا يمكن التمييز بين شكلين من الفساد:

الفساد داخل الدولة، حيث يستغل الفرد المؤسسة لمصلحته الخاصة؛

والفساد الذي يعيد تشكيل الدولة، حيث تصبح المؤسسة نفسها منظمة وفق شبكات المصالح.

والثاني أخطر؛ لأنه لا يفسد بعض الموظفين فقط، بل يغيّر منطق عمل المؤسسة.

ثالثاً: المحاصصة وتحول الدولة إلى بنية لتقاسم النفوذ

بعد عام 2003 أخذت هذه المشكلة شكلًا أكثر وضوحًا مع نشوء نظام سياسي قائم على تقاسم السلطة بين القوى السياسية على أساس هوياتي وطائفي وإثني. ولا يعني ذلك أن كل أشكال التمثيل الاجتماعي أو التعدد السياسي تمثل مشكلة في ذاتها، وإنما تكمن المشكلة عندما يتحول التعدد من تمثيل للمجتمع داخل الدولة إلى تقاسم للدولة بين الجماعات السياسية.

وهنا يظهر الفرق الدقيق بين مفهومين: التعددية السياسية والمحاصصة السياسية. التعددية تعني أن المجتمع متعدد القوى والاتجاهات، وأن هذه القوى تتنافس داخل قواعد مؤسسية مشتركة. أما المحاصصة فتجعل الانتماء إلى الجماعة السياسية أو الهوياتية وسيلة لتوزيع المناصب والموارد.

وقد خلصت دراسات حديثة إلى أن ترتيبات تقاسم السلطة بعد 2003، التي صُممت في الأصل لتوفير الاستقرار بين المكونات، ساعدت عمليًا على نشوء اتفاق نخبوي مكّن الأحزاب السياسية من اختراق المؤسسات الرسمية وإضعاف استقلالها.

وبذلك لم تعد المشكلة مجرد وجود نخبة قوية، وإنما نشوء نخبة موزعة على شبكات مصالح متعددة تتشارك في السيطرة على أجزاء من الجهاز العام. ويصبح الوزير، أو المسؤول، أو المدير العام، في بعض الحالات، مرتبطًا بالجهة السياسية التي أوصلته إلى موقعه أكثر من ارتباطه بالمنظومة المؤسسية التي يعمل داخلها.

وهنا تتغير وظيفة المنصب العام: بدل أن يكون المنصب تكليفًا مؤسسيًا يصبح امتدادًا لشبكة سياسية.

وقد وثق تشاتام هاوس هذه الظاهرة فيما يتعلق بالتعيينات في الدرجات الخاصة، حيث تنافست الأحزاب السياسية على تعيين شخصيات في المناصب العليا داخل الجهاز الإداري، بما يسمح لها بالتأثير في موارد الدولة ويضعف المساءلة المؤسسية.

رابعاً: من الدولة المؤسسية إلى الدولة الشبكية

تؤدي المحاصصة وشبكات المصالح إلى إنتاج نوع مختلف من الدولة؛ دولة تبدو مؤسساتها قائمة، لكن آليات القرار الفعلية لا تعمل دائمًا من خلال المؤسسات الرسمية وحدها. فهناك، إلى جانب الوزارة والبرلمان والقضاء والإدارة، شبكات غير رسمية من الأحزاب والمصالح والعلاقات الشخصية والاقتصادية والاجتماعية.

ومن هنا يمكن وصف الدولة العراقية في بعض مراحلها بأنها دولة شبكية؛ أي دولة تتداخل فيها البنية الرسمية مع شبكات غير رسمية لممارسة السلطة.

وتكمن خطورة هذا النمط في أنه ينتج ازدواجية بين:

الدولة القانونية التي تظهر في النصوص، والدولة الفعلية التي تعمل من خلال شبكات القوة.

فقد توجد قواعد قانونية واضحة للتعيين والمساءلة، لكن القرار الفعلي قد يتأثر بعلاقات سياسية خارج القاعدة القانونية. وقد توجد مؤسسة رقابية، لكن قدرتها على مساءلة أصحاب النفوذ تكون محدودة إذا كانت النخب نفسها قادرة على التأثير في آليات الرقابة.

ويصف ريناد منصور هذا الوضع باعتباره مشكلة الاستحواذ على الدولة؛ إذ تستطيع النخب النافذة السيطرة على آليات المساءلة والمؤسسات البيروقراطية، ثم تستخدم المواقع العليا لبناء شبكات ولاء تجعل الجهاز الإداري أقل قدرة على أداء وظيفته المستقلة.

وهنا تتحول الدولة من جهاز قادر على ضبط الشبكات الاجتماعية إلى دولة تخترقها الشبكات.

خامساً: الاستحواذ على المؤسسة وإعادة إنتاج الضعف

إن الاستحواذ على المؤسسة لا يعني بالضرورة إلغاءها. وهذه نقطة مهمة في فهم الحالة العراقية. فالنخبة لا تحتاج دائمًا إلى تدمير المؤسسة حتى تسيطر عليها؛ يكفي أن تعيد تشكيل آليات عملها بحيث تصبح المؤسسة قائمة شكليًا، لكنها خاضعة عمليًا لمنطق النفوذ.

ومن هنا يمكن تحديد ثلاث مراحل في علاقة النخبة بالمؤسسة:

المرحلة الأولى: بناء المؤسسة.

تعمل النخبة على تأسيس المؤسسات وإنتاج القواعد والأنظمة التي تجعل الدولة أكثر قدرة على العمل.

المرحلة الثانية: استخدام المؤسسة.

تبدأ النخبة في توظيف المؤسسة لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية خاصة.

المرحلة الثالثة: الاستحواذ على المؤسسة.

تتحول المؤسسة نفسها إلى جزء من شبكة المصالح، فتعمل ليس وفق منطق الدولة العام، وإنما وفق توازنات القوى التي تسيطر عليها.

وعند هذه المرحلة لا تعود المؤسسة قادرة على إصلاح نفسها بسهولة؛ لأن القوى المستفيدة من ضعفها تصبح هي نفسها القوى القادرة على تعطيل إصلاحها.

وهذا ما يفسر لماذا تبدو بعض الإصلاحات في العراق وكأنها تبدأ ثم تتعثر. فالمشكلة ليست دائمًا في نقص المعرفة الفنية بالإصلاح، وإنما في تضارب الإصلاح مع مصالح القوى المستفيدة من الوضع القائم. وقد خلصت دراسة تشاتام هاوس حول إصلاح القطاع العام العراقي إلى أن عدم الاستقرار السياسي شجع النخب الحاكمة على التفكير قصير الأمد، وعلى تفضيل بناء شبكات المحسوبية من خلال الوظائف على الاستثمار طويل الأمد في الخدمات والبنية التحتية.

وبهذا يصبح ضعف الدولة قابلًا لإعادة الإنتاج: ضعف المؤسسة يولد الحاجة إلى الوساطة، والوساطة تقوي الشبكات، والشبكات تضعف المؤسسة، ثم تؤدي المؤسسة الضعيفة إلى زيادة الاعتماد على الشبكات.

سادساً: من النخبة التي تبني الدولة إلى النخبة التي تعيش على ضعفها

تظهر هنا المسألة الأكثر عمقًا: هل تحتاج النخبة إلى دولة قوية فعلًا؟

قد يبدو السؤال متناقضًا، لأن النخب السياسية يفترض أن تكون المستفيد الأول من الدولة القوية. لكن الدولة القوية مؤسسيًا قد تحد من قدرة النخب على التحكم في الموارد، لأنها تجعل الوصول إلى الوظيفة والمنصب والقرار خاضعًا للقواعد لا للعلاقات.

أما الدولة الضعيفة مؤسسيًا، فقد تمنح النخب مساحة أوسع للمناورة. ولذلك قد تصبح بعض النخب مستفيدة من الدولة الضعيفة ولكن الغنية بالموارد: دولة تمتلك النفط والميزانية والوظائف، لكنها تفتقر إلى مؤسسات مستقلة قادرة على فرض القواعد على الجميع.

وهذا يفسر المفارقة العراقية: الدولة قد تكون قوية في مواردها، لكنها ضعيفة في استقلال مؤسساتها.

فالضعف هنا ليس غياب القوة المادية، وإنما ضعف القدرة على تحويل الموارد إلى مؤسسات مستقرة وقواعد عامة. ولذلك فإن زيادة الإنفاق الحكومي أو عدد الموظفين لا تعني بالضرورة زيادة قوة الدولة. بل قد تؤدي، في ظل شبكات المحسوبية، إلى توسيع المجال الذي تتحرك فيه النخب السياسية.

وقد بينت تحليلات تشاتام هاوس أن توسع القطاع العام بعد 2003 ترافق مع توظيف سياسي قائم على المكاسب السريعة وبناء شبكات الولاء، في وقت تعثرت فيه الاستثمارات العامة طويلة الأمد.

خاتمة

تكشف دراسة علاقة النخبة العراقية بالدولة أن أزمة الدولة ليست مجرد أزمة مؤسسات ضعيفة، وإنما هي قبل ذلك أزمة في طبيعة العلاقة بين السلطة والمؤسسة. فالمؤسسة تصبح ضعيفة عندما لا تكون القواعد العامة أقوى من المصالح الخاصة، وعندما يتحول المنصب العام من وظيفة لخدمة الدولة إلى موقع لإنتاج النفوذ.

ومن ثم فإن المحاصصة ليست مجرد آلية لتوزيع المناصب، بل يمكن أن تتحول إلى منطق لإعادة تعريف الدولة نفسها؛ من دولة تقوم على المواطنة والمؤسسة إلى دولة تقوم على التوازن بين شبكات النفوذ. وفي هذه الحالة يصبح المواطن تابعًا للشبكة بدل أن يكون مواطنًا يتمتع بحقوقه بواسطة مؤسسة الدولة.

لكن المشكلة الأعمق تكمن في أن النخبة التي تستحوذ على المؤسسات لا تكتفي باستغلال ضعف الدولة، بل قد تصبح قادرة على إعادة إنتاج هذا الضعف؛ لأن إصلاح المؤسسة يعني بالضرورة تقليص مساحة النفوذ غير المؤسسي.

وعليه، فإن الانتقال من الدولة المأزومة إلى الدولة المؤسسية لا يتطلب إصلاح القوانين والهياكل الإدارية فقط، بل يتطلب إعادة بناء العلاقة بين النخبة والدولة. فالهدف ليس إقصاء النخبة من المجال السياسي، وإنما تحويلها من نخبة تستمد قوتها من السيطرة على الدولة إلى نخبة تستمد شرعيتها من قدرتها على بناء الدولة.

وهنا تتحدد المسألة الأخلاقية والسياسية للفصل كله: الدولة لا تُصلح نفسها ما دامت القوى المستفيدة من ضعفها تملك القدرة على التحكم في مسار إصلاحها. ولذلك فإن إصلاح الدولة العراقية يبدأ من إعادة تعريف معنى السلطة العامة نفسها: السلطة ليست امتيازًا للاستحواذ على المؤسسة، بل مسؤولية عن حمايتها، وليس معيار نجاح النخبة مقدار ما تحصل عليه من موارد الدولة، بل مقدار ما تتركه للدولة من مؤسسات أقوى وأكثر استقلالًا مما وجدته.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

لاقى مقالي الأسبوع الماضي «تشريح العقل السياسي العراقي» ترحيباً واسعاً، وطلب مني عدد من الباحثين أن أتبعه بمقال عن العقل السياسي المطلوب للعراق. وقد وجدت في هذه الدعوة فرصة لتوضيح مسألة أعمق؛ لأنني لا أعتقد أن الباحث، مهما أوتي من قدرة فكرية وفلسفية، يستطيع أن يصوغ لنا عقلاً جديداً بقرار أو رغبة، فالعقل الذي يصدر الأحكام ويتخذ القرارات ليس هو المشكلة وحده، وإنما المشكلة في العقل الذي يُنتجه.

يميز الفيلسوف الفرنسي أندريه لالاند بين «العقل المكوِّن» و«العقل المكوَّن». الأول هو البنية والقواعد والمرجعيات التي تنتج الأحكام، والثاني هو العقل في صورته النهائية حين يحكم ويقرر ويتصرف. وقد شرح محمد عابد الجابري هذا التمييز في مشروعه (نقد العقل العربي)، ليؤكد أن تغيير النتائج لا يكون ممكناً من دون مساءلة البنية المعرفية التي تنتجها.

 أجد أن الحديث عن «عقل سياسي شيعي جديد» مثلا يحتاج أولاً إلى تفكيك العقل المكوِّن الذي ينتج الاستجابة السياسية لدى قطاعات واسعة من النخب والجمهور الشيعي. وأنا هنا لا أتحدث عن الأفراد ومصالحهم الخاصة، ولا أضع جميع الشيعة في قالب واحد، وإنما أتحدث عن ظاهرة اجتماعية وثقافية عامة يمكن ملاحظتها في طريقة التفكير والاستجابة للتحديات السياسية والأمنية والاجتماعية.

هنا يمكن استعارة مفهوم «الهابيتوس» الذي طوره عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، بوصفه : منظومة من الاستعدادات الذهنية والاجتماعية المتراكمة التي تجعل الفرد والجماعة يميلان إلى رؤية العالم والتصرف فيه بطريقة تبدو طبيعية وبديهية. ويمكن، على سبيل التحليل، أن نتحدث عن «هابيتوس شيعي» تشكل تاريخياً بفعل الذاكرة والمظلومية والمرجعية والجماعة والرموز الدينية وتجارب الصراع والتهديد، وأصبح في حالات كثيرة أشبه بصندوق أسود تنتج داخله المواقف السياسية قبل أن تصل إلى مرحلة التفكير الواعي فيها.

ولهذا فإن الخروج على هذا الهابيتوس ليس مسألة فكرية بسيطة؛ إذ قد يُفهم اجتماعياً بوصفه خروجاً على الجماعة وتفلتاً من الهوية.  تفسر نظرية الهوية الاجتماعية لهنري تاجفيل جانباً من المشكلة، فالإنسان لا يفكر دائماً باعتباره فرداً مستقلاً، وإنما يتأثر بانتمائه إلى الجماعة وحدود «نحن» و«هم». ولذلك يصبح الاختلاف مع الجماعة أحياناً أكثر كلفة من الاختلاف مع الفكرة نفسها.

المشكلة إذن ليست في أن نقول للشيعي: فكّر بطريقة جديدة، وإنما في أن نسأل: كيف يمكن إعادة بناء البيئة المعرفية والاجتماعية التي تنتج طريقة التفكير؟ وكيف يمكن الانتقال من عقل تحكمه الذاكرة والخوف والهواجس والاصطفافات إلى عقل سياسي تحكمه الدولة والمصلحة الوطنية والأولوية الواقعية وإدارة المصالح المشتركة؟

وأهمية هذه المسألة أنها لا تخص الشيعة وحدهم. فحين يتغير أحد المكونات الكبرى في العراق، ستتأثر بالضرورة بقية المكونات؛ السنة والكرد وسواهم، لأن السياسة العراقية ليست جزرًا منفصلة، وإنما منظومة من الاستجابات المتبادلة. وإذا نجحنا في فتح نقاش جدي حول العقل المكوِّن، فإننا لا نبحث عن «عقل شيعي» في مواجهة عقل سني أو كردي، وإنما عن إمكانية الوصول إلى أرضية سياسية جديدة تتقاطع فيها هذه الهويات عند مفهوم الدولة ومصالحها وأولوياتها وتحدياتها.

لذلك ربما لا يكون السؤال الصحيح اليوم: ما هو العقل السياسي الشيعي الجديد؟ بل: كيف نعيد بناء الشروط التي تنتج عقلاً سياسياً عراقياً جديداً؟ فالعقل الجديد لا يُكتب على الورق، وإنما يتشكل حين تتغير المرجعيات التي تنتجه، وتتغير معها طريقة فهمنا لأنفسنا وللآخر وللدولة وللمصلحة الوطنية. وهذه، في تقديري، هي المعركة الفكرية الحقيقية التي ينبغي أن تسبق أي حديث عن الإصلاح حيث يمكن ملاحظة أثر هذا الهابيتوس في عدد كبير من المواقف السياسية المعاصرة. فعندما تواجه النخب الشيعية تحدياً أمنياً أو سياسياً، كثيراً ما تكون الاستجابة الأولى محكومة بسؤال «من معنا ومن ضدنا؟» أكثر من سؤال «ما الذي يخدم الدولة والمصلحة العراقية؟». وعندما تتعرض البيئة الشيعية إلى تهديد، يعود العقل تلقائياً إلى مخزون الذاكرة التاريخية، وإلى مفردات الحماية والوجود والمظلومية والتهديد الخارجي، حتى وإن كان التحدي الجديد مختلفاً تماماً عن التحديات التي أنتجت تلك المفردات في الماضي.

ولعل الجدل حول السلاح خارج الدولة واحد من أوضح الأمثلة. فبدلاً من أن يبدأ النقاش من سؤال بسيط: هل تستطيع الدولة أن تكون دولة مكتملة السيادة في ظل وجود قوى مسلحة تتخذ قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها؟ يتحول النقاش سريعاً إلى أسئلة الهوية والولاء والمقاومة ومن يقف مع من؟، وكأن المطالبة باحتكار الدولة للسلاح تعني بالضرورة موقفاً من قضية مذهبية أو إقليمية. هنا يظهر الهابيتوس بوصفه منتجاً للاستجابة؛ إذ يستدعي المخزون السابق لتفسير الحاضر، حتى عندما يكون المطلوب هو بناء قاعدة جديدة للحكم والسياسة.

ومثال آخر يظهر في الموقف من العلاقة مع إيران. فبدلاً من أن يكون السؤال: ما طبيعة العلاقة التي تحقق للعراق أكبر قدر من المصالح وتحفظ استقلال قراره وسيادته؟ يتحول النقاش لدى بعض النخب والجمهور إلى سؤال هوياتي: هل يمكن أن نختلف مع إيران من دون أن نكون ضدها؟ وهل يمكن أن نقترب من الولايات المتحدة من دون أن نكون تابعين لها؟ وهكذا تتحول السياسة الخارجية من إدارة للمصالح إلى امتحان للولاء، ويصبح الموقف من الدولة الأخرى معياراً للحكم على وطنية الفرد أو انتمائه.

والأمر نفسه يمكن ملاحظته في الموقف من الولايات المتحدة. فهناك من يرى أي علاقة معها باعتبارها استمراراً للاحتلال والهيمنة، وهناك من يرى أن رفض العلاقة معها بصورة مطلقة يضر بالمصالح العراقية. وفي الحالتين قد يتحول الموقف إلى هوية سياسية ثابتة يصعب مراجعتها، بحيث يصبح التفكير في جدوى العلاقة أقل أهمية من الانتماء إلى المعسكر الذي يمثلها.

بل إن الانتخابات العراقية تقدم مثالاً أكثر وضوحاً على عمل الهابيتوس. فبدلاً من أن تكون المنافسة في كثير من الأحيان بين برامج ومشروعات مختلفة لإدارة الدولة والاقتصاد والتعليم والخدمات والعلاقات الخارجية، تتحول إلى استنفار للهويات الاجتماعية والمذهبية والقومية، ويصبح التصويت في بعض الحالات تعبيراً عن حماية الجماعة أكثر منه اختياراً لبرنامج سياسي. وحينها لا يعود السياسي مضطراً إلى إقناع المواطن بأنه قادر على بناء الدولة، وإنما يكفيه أن يقنعه بأن الجماعة الأخرى تشكل خطراً عليه.

وهنا تكمن المفارقة: نحن نريد دولة حديثة، لكننا نذهب إليها أحياناً بعقول سياسية تشكلت في ظروف ما قبل الدولة الحديثة، ونريد مواطنة متساوية، لكننا نستدعي في لحظة الخوف والانقسام هوياتنا الأولية، ونريد قراراً وطنياً مستقلاً، لكننا نقيس المواقف السياسية أحياناً بميزان القرب والبعد من هذا المحور الإقليمي أو ذاك.

ولا يعني هذا أن المشكلة شيعية وحدها. فالهابيتوس موجود لدى جميع الجماعات العراقية، وإن اختلفت مصادره وتاريخه ومضامينه. فالسني لديه مخزونه التاريخي والسياسي، والكردي لديه تجربته وذاكرته الخاصة، والشيعي كذلك. وكل جماعة تحمل معها إلى الحاضر جزءاً من تاريخها، وتقرأ الأحداث الجديدة من خلال ما راكمته من تجارب ومخاوف وتصورات عن الآخر.

لكن خصوصية الحالة الشيعية في عراق ما بعد 2003 تستحق نقاشاً خاصاً؛ لأن الشيعة انتقلوا من موقع الجماعة المعارضة أو المهمشة في بنية الدولة السابقة إلى موقع الجماعة الأكثر تأثيراً في إدارة الدولة الجديدة. وهذا الانتقال التاريخي لم يكن مجرد انتقال سياسي، وإنما كان انتقالاً في الوعي أيضاً. فقد وجدت الجماعة نفسها أمام سؤال جديد لم تختبره طويلاً: كيف تتحول من جماعة تطالب بالعدالة والحماية والتمثيل إلى جماعة تتحمل مسؤولية الدولة كلها ،في هذا المفصل تبدأ المشكلة الحقيقية. فالعقل الذي نشأ في بيئة المعارضة والمواجهة والبحث عن الحماية، ليس بالضرورة هو العقل نفسه الذي تحتاجه الدولة حين تصبح مسؤولية القرار والسلطة وإدارة الموارد والحرب والسلم والعلاقات الدولية في يده.

الدولة تحتاج إلى عقل مختلف؛ عقل لا يرى المعارضة فضيلة بذاتها، ولا السلطة حقاً للجماعة، ولا الدولة غنيمة سياسية، ولا السلاح وسيلة دائمة لحماية الهوية، ولا العلاقة مع الخارج امتداداً للانتماء الداخلي. الدولة تحتاج عقلاً يستطيع أن يقول: قد تكون إيران دولة صديقة، لكن العراق ليس إيران؛ وقد تكون الولايات المتحدة شريكاً مهماً، لكن العراق ليس تابعاً لها؛ وقد تكون المقاومة جزءاً من تاريخ جماعة، لكن الدولة لا تستطيع أن تتعدد فيها قرارات الحرب والسلم؛ وقد تكون الهوية المذهبية جزءاً من هوية المواطن، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن المواطنة.

هذه هي النقلة التي أعتقد أننا بحاجة إليها: الانتقال من «عقل الجماعة» إلى «عقل الدولة»، من دون إلغاء الجماعة أو محو هويتها، وإنما بإعادة ترتيب العلاقة بين الهوية والدولة. فالهوية يمكن أن تبقى حاضرة في المجتمع، لكن الدولة لا تستطيع أن تُدار بمنطق الهويات المتنافسة؛ لأنها في النهاية ملك لجميع مواطنيها.

إن الحديث عن عقل سياسي شيعي جديد ينبغي ألا يكون مشروعاً لإعادة إنتاج الهيمنة الشيعية بعقل أكثر كفاءة، وإنما ينبغي أن يكون خطوة باتجاه عقل سياسي عراقي جديد. وإذا استطاعت النخب الشيعية أن تبدأ هذه المراجعة بجرأة، فإنها لن تغيّر نفسها فقط، وإنما ستدفع السنة والكرد وسائر المكونات إلى مراجعات مماثلة، لأن كل تغيير في هابيتوس جماعة سيؤثر بالضرورة في هابيتوس الجماعات الأخرى.

وربما تكون هذه هي البداية الحقيقية لبناء ما أسميته في مقالات سابقة «الكتلة التاريخية»: كتلة لا تتشكل على أساس مذهبي أو قومي، وإنما حول فكرة جديدة عن الدولة والعقد الاجتماعي والمواطنة والمصلحة الوطنية. كتلة تؤمن بأن العراق لا يمكن أن يخرج من أزمته بعقل الأمس، ولا يمكن أن يبني دولة المستقبل بأدوات الماضي.

فالمطلوب في النهاية ليس أن نصنع للشيعي عقلاً جديداً، ولا للسني أو الكردي عقلاً جديداً، وإنما أن نخلق شروطاً اجتماعية وثقافية وسياسية تسمح للعراقي بأن ينتج عقلاً سياسياً جديداً؛ عقلاً يرى اختلافاته، لكنه لا يجعل منها قدراً سياسياً أبدياً، ويعرف تاريخه، لكنه لا يسمح للتاريخ بأن يحكم مستقبله، ويحترم هويته، لكنه يجعل الدولة الإطار الأعلى لتنظيم اختلاف الهويات والمصالح.

وعندها فقط يمكن أن نبدأ الحديث جدياً عن عراق جديد، لا بتغيير الأشخاص وحدهم، وإنما بتغيير البنية العميقة التي تنتج طريقة تفكيرهم وقراراتهم.

***

ابراهيم العبادي

لا توجد كلمة (سومر) باللغة "السومرية"، ولم يكن السومري يسمي نفسه سومريا بل "أسود الرأس"، ويسمي موطنه "أرض سيد القصب/النبيل" وتلفظ (كي إن جير) فمن أين جاء اسم سومر ومشتقاته؟ سأحاول في هذه الوقفة تبسيط الموضوع فهو معقد وتخصصي ولأنني لست متخصصا في اللغتين السومرية والأكادية والآثار فقد وجدت من المفيد تبسيط الموضوع إلى أقصى درجة ممكنة بلغة الإعلامي المهتم بهذا التخصص مع الاستعانة بالموسوعات المفتوحة والذكاء الاصطناعي واستشارة بعض ذوي التخصص في بعض الأمور شديدة التخصصية.

توجد كلمة في اللغة "السومرية" تكتب بثلاثة رموز هي (كي –إن –جي) وتعني: أرض سيد القصب وحين يدمج معها صوت راء تكون (كي إن جير) فيتغير معناها إلى أرض السيد النبيل وتلفظ وتكتب هذه الرموز باللغة الأكدية (شومَرو) فاعتاد الناس على اعتبار هذا اللفظ هو اسم البلاد والشعب الذي عاش فيها؛ ومن هذا اللفظ جاؤوا بلفظة سومر والسومريين وبلاد سومر. لقد جاؤوا بها من لفظ رموز سومرية هي "كي إن جير" لتصبح بلفظهم وبلغتهم المقطعية "شومَرو" ثم لتتحول في لغتنا العربية واللغات الأخرى إلى "سومر"، فكيف تم ذلك علميا، وماذا في التفاصيل؟3156 kiengir

مصادرة أولى: كرر باحثون كُثر أن كلمة "سومر" ومشتقاتها وردت حرفياً في عبارة تصف الملك سرجون الكدي بأنه "ملك سومر وأكد". وهذا الكلام ليس صحيحا البتة كما سنوضح خلال تفكيك كلمة سومر:

*العلامات المسمارية الثلاث المكونة لعبارة "لبلاد سومر" هي:

العلامة الأولى (Ki):  تعني أرض، مكان، أو تربة.

العلامة الثانية (En): تعني سيد، نبيل، أو حاكم.

العلامة الثالثة (Gi) أو(Gir) تعني قصب، أو ترتبط بـ "القصب/الأرض المنبتة" حسب السياق المعجمي.. وقد أُضيفَ صوت الراء بعد (جي) هنا لتكون (جير) التي تعني شيئاً أوسع وأشمل من القصب فتصبح تعني أرض السيد المتحضر/ النبيل.

بمعنى، إذا نُطقت الرموز الثلاثة بالسومرية (Ki-en-gi) من دون صوت الراء: فهي تعني حرفياً "أرض سيد القصب". وإذا نُطقت بالسومرية (Ki-en-gir) مع صوت الراء: تعني حرفياً "أرض السيد النبيل" (لأن علامة "جير" كاملة تعني نبيل).

فيصبح شكل العبارة المسماري المركب هكذا:

𒆠𒂗𒄀  (ki-en-gi /Kengir/)

كنجي ومعناها "أرض سيد القصب/ كنجير ومعناها أرض السيد النبيل".

فهل يمكننا أن نعد عبارة "ملك سومر وأكد" صحيحة، أم أن تحريفاً قد وقع في الترجمة وحلت كلمة جديدة وغربية محل الكلمة ذات الرموز الثلاث "كي أن جير" وهي سومر العربية أو شومَرو الأكدية؟

الباحثون التقليديون يقولون كما تخبرنا الموسوعات المعلوماتية المتخصصة أنَّ الترجمة إلى سومر والسومرية صحيحة ومقاطعة تاريخياً، لكنها تعتمد على اللغة الأكدية وليس السومرية. ويوضحون ذلك بذكر الملاحظات الثلاث التالية:

* اللفظ الأكدي (Šumeru)شومرو

-السومريون كانوا يسمون أرضهم (كي إن جير) وتعني أرض سيد القصب 𒆠𒂗𒄀 (ki-en-gi /Kengir/).

-جيرانهم الأكديون كانوا يلفظون هذا الاسم بلغتهم الأكدية (شومَرو  (Šumeru).

-عندما ترجم العلماء الأوروبيون نصوص اللغة "السومرية" المكتوبة بالخط المسماري في العصر الحديث، اعتمدوا اللفظ الأكدي "سومر" كاسم للمنطقة والشعب.

ومنه اشتقوا مشتقات أخرى منها اللقب الملكي الشهير وغير الدقيق "ملك أرض سومر وأكد"،

- يكتب هذا اللقب: (Šar Māt Šumeri u Akkadī) وتلفظ (شار مات شومري إي أكادي) وتترجم حرفيا "ملك أرض سومر وأكد" والسبب هو لفظ كل رمز في الكتابة المسمارية يختلف عدة مرات لعدة معانٍ.

هذا الكلام غير مقنع لتبرير تغيير اسم محدد هو "كي أن جير" الذي يعني "أرض سيد القصب" إلى اسم آخر لا يعنيه هو "سومر" من اللفظ الكدي "شومَري" والبناء على هذا الاسم لاختلاق هوية قومية أمر غير صحيح. 

سأوضح رأيي بمثال: في اللغة العربية نترجم اسم بلاد أوستريا (Austria) إلى النمسا، فهل يحق لنا أن نفرض اسم النمسا بدلا من اسم اوستريا في لغة الجغرافيا والمعاجم الأجنبية المعاصرة ليكون اسمها الرسمي في جميع اللغات (النمسا)؟

*سؤال آخر يُطرح هنا هو لماذا لا نقول إن سكان المنطقة، وهم شعوب جنوب العراق القديم وقبائله في مرحلة تل العُبيد وما قبلها وصولا إلى عصر السلالات، أي من 6500 ق.م بمراحله الثلاث في بلاد ما بين النهرين (حسونة وسامراء وحلف)، وصولاً إلى قيام عصر السلالات المبكر في حدود 2900 ق.م، أطلقت على بلادها اسم "أرض سيد القصب"، أي الأهوار وهي مكتظة فعلا بالقصب إلى يومنا هذا. وكان ينبغي أن يؤتى بمقابل صوتي من اللغات الأخرى يناسب هذا المعنى بدلا من فرض لفظ أكدي مختلف تماما والبناء عليه لاختلاق شعب وأمة وبلد اسمه سومر. او في الأقل ترجمة معنى العبارة كماه هي بدلا من اعتماد ظاهرة أكسونيم (Exonym) التي تعني "الاسم الخارجي لمكان" لتبرير مصطلح تعارفي عَلَمي عام ((Convention.

اللافت أن الباحثين المعاصرين يتفقون على عدم جواز تداول الاسم الأجنبي البديل عند تفصيل المعنى اللغوي والاشتقاقي الأصلي. تماماً مثل مثال "النمسا" و"أوستريا" الذي ذكرته في ملاحظتي السابقة. ولكنهم يتكئون على ظاهرة إكسونيم لتبرير حالة اسم "سومر". إن هذا اللف والدوران لتبرير هذا الخرق العلمي ليس مقبولا كما أعتقد لأنه سيكون على حساب الحقيقة. ثم إنهم أنفسهم يقولون "عند تفصيل المعنى والاشتقاق ينتهي هنا دور الاسم الخارجي. إذا كنا نناقش المعنى الحرفي والبيئي للكلمة، فمن الخطأ الفادح تفكيك أحرف كلمة "سومر" الأكدية للبحث عن معناها".

ويضيفون "أما في السياق العام والتاريخي فيصح استخدام اسم "سومر" ولقب "ملك سومر وأكد" كـمصطلح تعارفي عام فالعلماء في القرن التاسع عشر عندما اكتشفوا هذه الحضارة، عرفوها أولاً من خلال النصوص الأكدية (الآشورية والبابلية) التي كانت تسمي المنطقة "شومرو"، فاستقر الاسم في الكتب العلمية". أعتقد أن هذه الفقرة تعني بكل وضوح هشاشة هذا الاسم "سومر" ومشتقاته واعترافا ضمنيا بتلفيقية الاسم. فماذا سيحدث إذا أضفنا إلى ما سبق التجاوزات غير النزيهة لمن لقبونه بأبي السومريات صموئيل نوح كريمر وسأذكرها في مناسبة أخرى قريباً.

هذه الفقرات جزء من دراسة قيد الكتابة وهي قد تصدم يقينيات البعض وتخيب أمل آخرين لأنهم سيعتقدون أنهم خسروا جزءا من تراث العراق القديم بالكشف عن حقيقة "السومريين" أو يراد لهم أن يخسروه فهذا وهم وكسل عقلي ضار. لأن التاريخ لا يبنى بالأوهام وتلفيقات الملفقين ومبالغات المبالغين بل هو يكتب وتعاد كتابته دائما في ضوء العلوم والحقائق الموَّثقة الجديدة المكتشفة. هذا هو الشكل الوحيد لمقاربة الحقيقة كفعل نامٍ مستمر لا يتكلس في رواية واحدة وهذه وجهة نظر معززة بأدلتها فمن كانت لديه وجهة نظر أخرى معززة بأدلة أخرى مختلفة أو مخالفة فليدلِ بها والحكم يكون للعقل وأدواته وليس للعاطفة والحنين والكسل الفكري وركوب بغلة العزة بالإثم!

***

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

يعد الإعلام الجديد أحد أهم الأدوات التي اعتمدت عليها الكولونيالية الجديدة للوصول إلى ما ترغب في معرفته من معلومات تتعلق بشعوب العالم التي تقع خارج نطاق جغرافيتها السياسية والاقتصادية. ويندرج الإعلام الجديد ضمن قضية ذات وجهين: وجه ظاهر وآخر خفي.

الوجه الظاهر لهذه القضية يتمثل في تسهيل حياة الأفراد من خلال توفير أدوات ووسائل تسهم في تحسين العمل الإعلامي، مما يتيح نقل الأخبار والمعلومات بسرعة وسهولة، ويجعل عملية التواصل أكثر يُسرًا وسهولة. كما يسهم الإعلام الجديد في تعزيز التداخل المعرفي والعلمي والإنساني بين البشر من حيث جعل البشرية في مختلف بقاع العالم قادرة على التداخل المعرفي والعلمي والإنساني.

أما الوجه الخفي – وهو المحور الذي يركز عليه هذا الكتاب – فهو يركز على مفاهيم عملت عليها الكولونيالية القديمة وطورتها الكولونيالية الجديدة بوسائل أكثر تطور ومنها وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الجديد، كأداة لإعادة إنتاج مفاهيم السيطرة والهيمنة والإخضاع للسلطة الكولونيالية، وهذه المفاهيم المجتمعة تتماشى مع أهداف الإمبريالية الغربية الساعية لإخضاع العالم لسيطرتها.

أحد أهم الأساليب التي تعتمد عليها هذه السلطة هي قضية معرفة الآخر وجعله يكون تابعًا يعجز عن تغيير هذه المسارات بنفسه وبدلًا من ذلك، يكون خاضعًا لمسارات معرفية تسيطر عليها القوى الكولونيالية بأدواتها المتنوعة. وأبرزها المجال الرقمي الذي تم التطرق إليه في الفصل الأول من الكتاب. أهم مفصل من الممكن أن تسيطر من خلاله السلطة الكولونيالية الجديدة هو مفصل الإعلام الجديد ووسائل التواصل الاجتماعي التي تستخدمها الكولونيالية لتحقيق أهدافها. فهذه الوسائل تقدم استخدامات مزدوجة؛ تجمع بين الترفيه والمتعة والتواصل وفي الوقت ذاته تستخدم لجمع معلومات دقيقة عن الآخر وكل ما يتعلق بمفاصل حياته في مختلف جوانبها. كما تُعتبر وسائل التواصل الاجتماعي أيضاً نوافذ للإعلام الجديد، حيث تُسهم في تزويد مراكز التحكم بالمعلومات الرقمية المتعلقة بالآخرين خارج جغرافيا السلطة الكولونيالية الجديدة.

إنَّ ما يهمنا في هذا السياق هو أن الإعلام الجديد بوسائله المتعددة وطرقه المختلفة، يقدم للناظر معلومات متدفقة تعود في الأصل إلى المصدر الباث لهذه المعلومات عبر المجال الرقمي، ويُعد هذا المجال الرقمي وسيلة فعالة ذات تأثير واسع يسمح بتدفق سيل من المعلومات. وكلما كان هذا التدفق للمعلومات موجّها في سياق معين ومقصود من قبل الباث، لكنه مبهم وغير واضح للمستقبِل سيكون التأثير أوسع وأكبر مقارنة بحالة التدفق المتوازن، الذي يعتمد السيطرة على المعلومات وتنوعها واختلافها.

في الحالة الأولى، سيكون تدفق المعلومات ذا غايات محددة، وغالبًا ما تحمل تأثيرات غير معلنة، على العكس، إذا كانت هذه المعلومات واضحة الهدف ومعلنة المقصد، فإن المستقبِل يتعامل معها بوعي ووضوح. أما في حال كانت الأهداف مخفية، فإن التأثير يكون موجهًا من قِبَل الجهة المسيطرة على هذه المعلومات. وفي الحالة الثانية إذا كانت مصادر المعلومات متبادلة بين طرفي المعادلة الباث، والمستقبِل فإن الأمور ستكون في مقاصدها أكثر منفعة وأقل تأثرًا بالنوايا الخفية التي قد تحمل داخلها مقاصد غير سليمة. وحتى إذا بدا ظاهر هذه النوايا سليمًا، فإن ظهور حقيقتها قد يؤدي إلى تشويهها وانكشافها أمام المستقبِل لها.

إنَّ غاية الإعلام الجديد ووسائل التواصل المختلفة، في جوهرها، تكمن في السيطرة على كل ما يخص الجمهور من خلال ضخ المعلومات إليه، وفي الوقت نفسه، جمع المعلومات القادمة من الجمهور التي يقدمها بإرادته أو بدونها، عندما يتفاعل مع الآخرين من خلال هذا الوسائل، أو يشارك معلوماته عبرها، أو التفاعل مع المنصات الإعلامية وغيرها، التي هي في أصلها عملية جمع معلومات بطريقة ما من أجل معرفة كل ما يتعلق في هذا السياق، ومن خلال هذه المسألة يعمل المتحكم في السياق التواصلي على إعادة صياغة الوعي الجمعي بما يخدم مصالحه، مما يوسع من نطاق سيطرته على الآخر. وبهذا، يكون أكثر قدرة على التأثير في قناعات الجمهور بطرق متعددة، ويكون المتحكم فيها على دراية أعمق بالسياق الذي يتفاعل فيه الجمهور، مما يمنحه ميزة الوعي الأكبر والسيطرة الأوسع.

إنَّ الجاسوسية في سياقها التاريخي كانت تعتمد على جمع المعلومات على وفق الطرائق القديمة، وكان الإنسان في السابق هو العنصر الأهم الذي يتم تجنيده في هذه العمليات. فقد كان الجاسوس يقوم بنقل المعلومات التي يحصل عليها من خلال تجسسه على بلده مثلاً، أو على بلد آخر. ويعمل على جمع المعلومات بطرق متعددة، مثل تجنيد آخرين معه لاستحصال المعلومات الشفوية، أو من خلال الرسائل المكتوبة والتي يستخدم من خلالها الجاسوس نوع من الأخبار الخاصة التي تختفي من خلال الكتابة في تقارير خاصة تابعة لعملية التجسس. كما استخدمت وسائل أخرى مثل كاميرات التصوير، أو رسم خرائط للمقرات والمواقع الحكومية العسكرية منها، وغير العسكرية، أو حتى من خلال وسائل بدائية، مثل استخدام الطيور لنقل المعلومات عبر الفضاء المفتوح. ومع مرور الوقت تطورت الوسائل الخاصة بالجاسوسية لتشمل تقنيات أكثر تقدمًا من خلال البث الراديوي أو التلفزيوني للمعلومات باستخدام الشفرات الخاصة التي تنظمها أجهزة المخابرات والاستخبارات.

ومع ذلك، فقد أحدث المجال الرقمي تحولا جذريا في مجال التجسس، حيث ظهرت طرق مختلفة وأكثر تعقيدًا للحصول على المعلومات والسيطرة المعرفية عليها بهدف التأثير على الآخر، والسيطرة عليه من خلال الاضرار به للوصول إلى ما تريده الجهة الخاصة بهذا التجسس، والاستفادة مما لديه من معلومات وتوجيهها لصالح سيطرة المتحكم بهذه المعلومات. في هذا المجال الرقمي يمكن تقسيم الجاسوسية إلى نوعين رئيسيين:

1. الجاسوسية الظاهرة: تُعد الجاسوسية الظاهرة حسب ما يشكله الإعلام الجديد ووسائل التواصل نوعًا من التجسس الذي يعتمد على المعلومات المباشرة والواضحة التي يتم الحصول عليها من خلال البرامج المصممة وفق ما يراد الحصول عليه من معلومات، وسميتها جاسوسية ظاهرة، على الرغم من وجود اختلاف بين المصطلحين الجاسوسية والظاهرة، لأن المشاركين في هذه الشبكة الرقمية يدركون في الغالب أن المعلومات التي يقدمونها بشكل سري قد تكشف هويتهم، لكن بسبب الحاجة لهذه الوسائل والمجال الرقمي، فإنه يُجبر من يريد الاشتراك أن يقدم معلومات مفصلة عن حياته وعن كافة الأمور المطلوبة، وهنا تكمن كلمة الظاهرة التي تكشف هويته إلى جهة غير معلومة، وهذه الجهة من الممكن أن تتجسس عليه وتوظف معلوماته في أي مشروع تجسسي تريده هذه الجهة المسيطرة، ومن ثم سيقع أسيرًا لهذه الجهة من خلال معلوماته التي سلمها طوعاً، أو كرهاً لها، كما أن الأجهزة التي يرسل من خلالها المعلومات مجهزة هي أيضاً بكل وسائل التجسس والإنصات عليه، وعلى كل ما يقوم به في داخل محيطه العائلي الاجتماعي، ومن ثم تكون السيطرة سهلة عليه في المجال الرقمي.

2. الجاسوسية المخفية: فهي أكثر تعقيدًا وخطورة، وهي جاسوسية من نوع آخر يعمل عليها المتحكم بالمجال الرقمي، ويستخدمها في أي مجال يشاء أن يمارس هيمنته وسلطته عليه، فالجاسوسية المخفية تعتمد على مبدأ صناعة الحدث غير المباشر من أجل كسب المعلومات من الآخر، هذا الآخر الذي يشارك في هذه العملية بحسن نية من خلال المشاركة في استبانة ما،أو نقاش في موضوع ما، أو من خلال الاشتراك في برنامج معلوماتي ما، لكن في النهاية تكون المعلومات المطلوبة قد دونت وأخذت دون أن يعلم المشارك والمتفاعل بها، وفي بعض الآحيان يُخدع بما يعتقده بأنه مفيد له من خلال المشاركة والتفاعل في مثل هكذا أداء رقمي والكشف عن الأمور الآتية على سبيل المثال:

- تحديد هوية الشخص وتحديد توجهاته، أو انتماءاته على المستويات كافة.

- معرفة ما يروم العمل به مستقبلاً تجاه قضية ما، بمعرفة خططه المستقبلية.

- كشف آراءه تجاه قضايا مختلفة، وما يخفي من توجهات تجاهها.

- بناء تصوراته الحالية عن أي توجه يخص القضايا التي يريد أن يتخذ موقف تجاهها.

3. الجاسوسية المباشرة: وهذه الجاسوسية في المجال الرقمي هي التي تقوم بشكل مباشر بأخذ المعلومات من المشترك المتفاعل في هذا المجال الرقمي من خلال ما ذكرنا سابقاً إعطاء المعلومات مباشرة من قبل المستخدم إلى الجهة المعينة التي تطلب المعلومات، بل وحتى تطلب الوصول إلى الملفات الخاصة بالصور وغيرها في الذاكرة الخاصة بالجهاز المباشر، كما يحصل أيضاً في البرامج الإعلامية الجديدة التي تستخدم المجال الرقمي أيضاً في الحصول عل المعلومات المباشرة قبل الدخول في البرنامج، وهنا قد يكون المشارك على علم بهذه الطريقة، أو ليس لديه علم، لكنها جاسوسية مباشرة تمارسها الجهة التي تعمل على توظيف المجال الرقمي لصالحها.

4. الجاسوسية غير المباشرة: وهذا النوع من التجسس تقوم به الجهات التي تريد الحصول على المعلومات بطريقة ما لكنها بصورة غير مباشرة من خلال جعل المتلقي يدلي بالمعلومات، أو يشارك المقاطع المعنية من خلال توجيهه إلى مشاركة مقاطع الفيديو، أو العمل على فتح منصة إعلامية يقدم من خلالها الشخص المعني بالمعلومات عن بلده، أو مدينته، أو حيه، وخاصة في وقت الحروب، ومن الممكن أن تبوح هذه المقاطع من خلال المنصات الإعلامية بالكثير من التفاصيل التي توصل المعلومات عن أهداف لا يمكن الوصول إليها بالطريقة المباشرة.

5. الجاسوسية في ظهورها البريء: وهذا النوع من الجاسوسية قد يظهر للمشارك والمتفاعل في المجال الرقمي بشكل وديع، بحجة أن الجهة التي تستحصل المعلومات تستخدمها لحماية فئة، أو طائفة من البشر في بؤرة الصراع من الإبادة، أو ما شابه ذلك، بينما في الحقيقة قد تكون عكس ذلك، ومن ثم تكون هذه المعلومات هي للاستخدام المزدوج، من خلال توزيع هذه المعلومات في جهتين معينتين سلفاً، الأولى: للمقصد الظاهر وهو الحماية، والثانية: للجانب المخفي وهو التمويه للوصول إلى غايات أخرى، قد تساعد الجهة التي تعمل على السيطرة على هذه الفئة، أو الطائفة من البشر التي تتعرض للعدوان.

6. الجاسوسية غير البريئة: وهذه الجاسوسية هي التي تتخذ من المجال الرقمي سياق عمل يسعى للوصول إلى غايات محددة سلفاً، هدفها الحصول على المعلومات وتوظيفها في غاياتها التي تشتغل عليها، مثل السيطرة والاستحواذ والهيمنة على الآخر في شتى الطرق والوسائل المتاحة.

***

أ. د. محمد كريم الساعدي

 

من العقيدة والأيديولوجيا والغنيمة إلى عقل الدولة

في المقالتين السابقتين حاولت أن أضع يدي على أصل من أصول الأزمة العراقية التي لا تكمن، في تقديري، في فشل حكومة أو حزب أو زعيم سياسي بعينه، وإنما في عطب أعمق يتعلق بطريقة التفكير التي تحكم السياسة وتنتج مواقفها وخياراتها. قلت إن العراق يحتاج إلى فكر جديد يعيد بناء الوعي السياسي والاجتماعي، وإن هذا الفكر لا يمكن أن يتحول إلى قوة تاريخية ما لم تتشكل حوله كتلة تاريخية من النخب والقوى الاجتماعية والسياسية التي تؤمن به وتعمل على تحويله إلى رأي عام ثم إلى مشروع إصلاح وتغيير.

لكن ما الذي حدث للعقل السياسي العراقي حتى أصبح عاجزاً عن إنتاج مثل هذا الفكر؟ ولماذا تبدو السياسة العراقية، في كثير من الأحيان، أسيرة للبلادة والعناد والتكرار والشعارات، حتى عندما تكون الوقائع أمامها صارخة، وحتى عندما يصبح ثمن الخطأ معروفاً ومدفوعاً من حياة الناس ومستقبل الدولة؟

أعتقد أن علينا أن نذهب إلى قاع هذا العقل، إلى الرواسب التي تكونت داخله عبر عقود طويلة، وأن نحاول تشريحه لا بوصفه عقلاً فردياً لسياسي بعينه، وإنما بوصفه بنية ثقافية ومعرفية وسياسية تتوارثها الأحزاب والنخب والجماعات والأجيال.

كان محمد عابد الجابري قد قدم في كتابه «العقل السياسي العربي» الصادر سنة 1990 محاولة شهيرة للبحث عن المحددات العميقة للفعل السياسي العربي، وانتهى إلى ثلاثية العقيدة والقبيلة والغنيمة، باعتبارها من أهم الآليات التي حكمت اشتغال السياسة العربية تاريخياً.  وإذا أردنا اليوم أن نعيد قراءة الواقع العراقي بعد كل ما مر به من تحولات وحروب وانهيارات، فإنني أظن أننا بحاجة إلى تعديل هذه الثلاثية وإضافة طبقات جديدة إليها.

إن العقل السياسي العراقي الراهن تحكمه، في تقديري، القبيلة السياسية، والأيديولوجيا المندمجة بالذاكرة الصراعية، والعطش إلى الغنيمة، والتعصب، ورفض مراجعة التاريخ، والعيش في أسر الماضي، والانفصال عن المصالح الواقعية للناس والدولة.

القبيلة هنا ليست القبيلة الاجتماعية بمعناها التقليدي فقط، وإنما القبيلة السياسية التي تقوم على رابطة الجماعة قبل رابطة الدولة، وعلى الولاء للشخص أو الحزب أو الطائفة أو التيار قبل الولاء للمؤسسة والقانون والمصلحة العامة. فالسياسي لا يرى نفسه دائماً مواطناً داخل دولة، وإنما عضواً في جماعة ينبغي أن تنتصر لجماعتها، حتى عندما يتعارض ذلك مع المصلحة الوطنية الأوسع.

وهنا يتحول الاختلاف السياسي إلى صراع هويات، ويتحول الخصم السياسي إلى خصم وجودي، ويصبح الاعتراف بخطأ الجماعة خيانة لها، ويصبح التراجع عن موقف سابق ضعفاً، ويصبح الاعتذار هزيمة، والمراجعة انكساراً، والتسوية تنازلاً، والواقعية تخلياً عن المبادئ.

وهذه واحدة من أخطر سمات العقل السياسي العراقي: أنه لا يعرف بسهولة كيف يراجع نفسه.

السياسي الذي يعترف بأن موقفه السابق كان خاطئاً يخشى أن يخسر جمهوره، والحزب الذي يراجع فكرة تأسيسية يخشى أن يخسر تاريخه، والجماعة التي تعيد قراءة علاقتها بالآخر تخشى أن تتهم بالتخلي عن ثوابتها. وهكذا يصبح الماضي سجناً، لا خبرة؛ وتصبح الذاكرة عبئاً، لا مصدراً للتعلم.

هنا تندمج الأيديولوجيا بالذاكرة الصراعية. فالعراق لم يخرج بعد بصورة كاملة من تاريخ طويل من الانقلابات والحروب والاستبداد والحصار والاحتلال والصراع الطائفي والتدخلات الإقليمية والدولية. وكل جماعة تحمل معها سرديتها الخاصة عن الضحية والجلاد، وعن الحق والباطل، وعن الذات والآخر. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الذاكرة إلى عقل سياسي دائم، فيصبح الماضي معياراً للحاضر والمستقبل، ويُطلب من الأجيال الجديدة أن تدفع ثمن صراعات لم تصنعها.

السياسة عندئذ لا تعود بحثاً عن أفضل الممكن، وإنما تتحول إلى استمرار للحرب بوسائل أخرى.

والأيديولوجيا حين تفقد قدرتها على مراجعة الواقع تصبح نوعاً من العقيدة المغلقة. لا تعود الفكرة وسيلة لفهم العالم وتغييره، وإنما يصبح العالم نفسه مطالباً بأن يتطابق مع الفكرة. وإذا لم يتطابق الواقع معها، فالخطأ في الواقع لا في الفكرة.

من ذلك نفهم شيئاً من العناد السياسي الذي نشهده. فالدوغمائية لا تسمح لصاحبها بأن يتعلم من التجربة، لأن الاعتراف بالواقع المختلف يعني الاعتراف بإمكان خطأ الفكرة. والوثوقية السياسية تجعل صاحبها يتعامل مع رأيه باعتباره حقيقة نهائية، ومع خصمه باعتباره جاهلاً أو خائناً أو عميلاً أو منحرفاً عن الطريق الصحيح.

وهكذا يغيب التفكير النقدي، ويحل محله اليقين الأيديولوجي.

لقد كان عبدالله العروي في «الإيديولوجيا العربية المعاصرة» التي صدرت بالفرنسية سنة 1967، وترجمت إلى العربية سنة 1970، يحاول تفكيك الأطر الأيديولوجية التي تعيق الوعي العربي عن إدراك شروط التاريخ الحديث.  وكان محمد عابد الجابري، في «الخطاب العربي المعاصر» سنة 1982، يشتغل على تفكيك بنية الخطاب العربي ومشكلاته المعرفية والسياسية.  وجاءت أعمال أخرى كثيرة في الاتجاه نفسه، من فهمي جدعان إلى علي حرب وغيرهما، لكي تضع الفكر العربي أمام مرآة نقدية قاسية.

لكن المفارقة المؤلمة أن هذا الجهد النقدي الكبير لم ينتج، حتى الآن، تحولاً موازياً في بنية العقل السياسي العربي، ولا العراقي بصورة خاصة.

لقد ظل السياسي في كثير من الأحيان أقل ثقافة من الأيديولوجيا التي يتحدث باسمها، وأقل معرفة بالتاريخ الذي يستدعيه، وأقل قدرة على فهم العالم الذي يريد أن ينافس فيه. بل إن بعض السياسيين المعاصرين لا يمتلكون حتى الحد الأدنى من الرؤية التي كانت لدى أجيال سابقة من القوميين والوطنيين والاشتراكيين والإسلاميين والمصلحين.

وهذه ليست دعوة إلى العودة إلى تلك المشاريع الفكرية، فكثير منها فشل أو تجاوزه التاريخ، وإنما المقارنة هنا في مستوى التفكير.

فحين نقرأ ما كتبه رواد الفكر العربي في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، نكتشف أن سؤال النهضة والتقدم والتعليم والدولة والإصلاح والدستور والعلاقة بالغرب والاستقلال والاقتصاد والمجتمع كان حاضراً بقوة في تفكيرهم. وقد وثق ألبرت حوراني في كتابه «الفكر العربي في العصر الليبرالي» هذا الجانب من الحياة الفكرية العربية الحديثة، فيما درس فهمي جدعان في «أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث» الصادر أول مرة سنة 1979 سؤال التقدم كما ظهر عند عدد كبير من المفكرين العرب والمسلمين منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين.

كان أولئك، رغم اختلافاتهم الشديدة، يسألون أسئلة كبرى: لماذا تخلفنا؟ كيف نتقدم؟ ما الدولة؟ ما الحرية؟ ما الإصلاح؟ كيف نواجه العصر؟ كيف نعيد بناء التعليم؟ كيف نوفق بين الدين والعقل؟ وكيف نبني مجتمعاً قادراً على النهوض؟

أما اليوم، فإن جزءاً كبيراً من خطابنا السياسي انحدر من مستوى سؤال النهضة إلى مستوى سؤال الحصة، ومن سؤال الدولة إلى سؤال النفوذ، ومن سؤال المستقبل إلى سؤال الانتخابات القادمة، ومن سؤال المصلحة الوطنية إلى سؤال مكسب الجماعة، ومن سؤال التنمية إلى سؤال توزيع الغنيمة.

هنا نصل إلى المكون الثالث: الغنيمة.

لقد تغير شكل الغنيمة، لكنها لم تختف. أصبحت الغنيمة اليوم منصباً، وعقداً، ومشروعاً، ووظيفة، وامتيازاً، وشبكة مصالح، ونفوذاً مؤسسياً، وحصة حزبية، وأحياناً احتكاراً لمؤسسة من مؤسسات الدولة. وعندما تصبح الدولة مجالاً لتوزيع الغنائم، فإن السياسة تتحول تدريجياً من إدارة الشأن العام إلى إدارة المصالح الخاصة.

والأخطر من ذلك أن الغنيمة لا تعود مجرد فساد مالي؛ إنها تصبح ثقافة سياسية كاملة.

عندها ينقلب التفكير من الخير العام بتعبير فلاسفة السياسة الى: ماذا سيحصل عليه حزبي؟ ماذا سيحصل عليه تياري؟ ماذا سأكسب أنا؟ من سيحصل على الوزارة؟ من يسيطر على المؤسسة؟ من يملك القدرة على التعيين؟ ومن يستطيع حماية شبكته؟

وفي هذه البيئة لا يعود المواطن مركز السياسة، وإنما يتحول إلى جمهور انتخابي أو كتلة بشرية تستخدم عند الحاجة ثم تعاد إلى الهامش.

وهذا يقودنا إلى مشكلة أخرى هي سطحية العقل السياسي وشعبويته.

لقد ساهمت وسائل الإعلام الجديدة، ومنصات التواصل الاجتماعي، في تحويل السياسة إلى مشهد سريع يقوم على الصورة والعبارة والاتهام والمقطع القصير، فيما تراجعت مساحة التفكير الهادئ والتحليل المركب. السياسي الذي يصرخ أكثر قد يحصد انتشاراً أكبر، والذي يطلق شعاراً أكثر إثارة قد يحصل على جمهور أكبر، بينما السياسي الذي يتحدث عن إصلاح التعليم، وإعادة بناء الاقتصاد، وتطوير الإدارة، وإصلاح القضاء، وتحسين الإنتاجية، وإدارة الموارد، وتغيير الثقافة المؤسسية قد يبدو أقل إثارة وأقل جاذبية.

وهكذا تنتصر الشعبوية على العقل.

والشعبوية بطبيعتها لا تحب الأسئلة المعقدة؛ لأنها تحتاج إلى إجابات بسيطة لمشكلات مركبة. تقول للناس: المشكلة في الآخر. المشكلة في الخارج. المشكلة في المؤامرة. المشكلة في الخصم. المشكلة في الماضي. أما أن نسأل: ماذا فعلنا نحن؟ وكيف أسهمت بنية مؤسساتنا وثقافتنا السياسية في إنتاج المشكلة؟ فهذا سؤال لا تحبه الشعبوية.

منذ أفلاطون وأرسطو كان السؤال الجوهري في التفكير السياسي هو: لماذا توجد الدولة والسلطة والنظام السياسي؟ وبأي معنى تكون السلطة مشروعة؟ صحيح أن مفاهيمهما لا يمكن إسقاطها ببساطة على الدولة الحديثة، لكنهما وضعا في قلب التفكير السياسي سؤالاً ظل حاضراً في الفلسفة السياسية قروناً طويلة: كيف يمكن تنظيم الحياة المشتركة لتحقيق الخير العام والعدل والاستقرار؟

ومن أفلاطون وأرسطو إلى الفكر السياسي الحديث، وصولاً إلى مفاهيم الدولة الدستورية والمواطنة والحقوق والحريات، ظل جوهر المسألة هو الإنسان وحياته المشتركة وأمنه وكرامته ومصالحه.

لكن ماذا فعلنا بهذا السؤال؟

بدلاً من أن تكون السياسة وسيلة لتقليل الضرر وزيادة المنفعة، أصبحت في بعض صورها وسيلة لإنتاج الضرر ثم البحث عن تبريره.

وبدلاً من أن تكون الدولة إطاراً لحماية الناس وتنظيم مصالحهم، أصبحت الدولة نفسها في بعض الأحيان موضوعاً للصراع بين الجماعات.

وبدلاً من أن تسأل السياسة: كيف يعيش العراقي بصورة أفضل؟ كيف يحصل على تعليم أفضل؟ كيف يجد عملاً؟ كيف يحصل على كهرباء وماء وخدمات؟ كيف يطمئن على مستقبله؟ كيف تحميه الدولة؟ كيف نرفع إنتاجيته ودخله؟ كيف نحافظ على كرامته؟ أصبحت أسئلة السياسة في كثير من الأحيان تدور حول الهوية والشرعية التاريخية والرموز والمظلومية والخصومة والاستحقاق والحصة.

إنها كارثة حين تصبح السياسة منشغلة بما يستهلك العقل والوجدان أكثر من انشغالها بما يصلح حياة الإنسان.

ولذلك فإن مشكلتنا ليست فقط في «فساد السياسي»، وإنما في الثقافة التي تجعل الفساد قابلاً للتبرير، والتعصب قابلاً للتقديس، والفشل قابلاً للتسويق، والبلادة قابلة لأن تتحول إلى زعامة.

لقد كانت مشكلة النخبة العربية موضع نقد واسع خلال القرن العشرين. وفي سنة 1996 نشر علي حرب كتابه «أوهام النخبة أو نقد المثقف»، وذهب فيه إلى تفكيك أوهام عديدة تحكم عمل المثقف وعلاقته بالحقيقة والحرية والهوية والحداثة.  وكان نقده مهماً لأنه لم يكتفِ بنقد السلطة، وإنما نقل جزءاً من النقد إلى المثقف نفسه وإلى الطريقة التي يفكر بها.

وهذا ما نحتاج إليه اليوم في العراق: نقد العقل السياسي قبل الاكتفاء بنقد السياسيين.

نحن بحاجة إلى أن نسأل: ما الذي يعلّم السياسي العراقي أن يفكر بهذه الطريقة؟ ما الذي يجعل الحزب يعيد إنتاج نفسه؟ ما الذي يجعل الجماعة السياسية غير قادرة على مراجعة تجربتها؟ لماذا تخاف النخب من التفكير في الممنوع؟ لماذا نعيد إنتاج الأفكار نفسها رغم فشلها؟ لماذا نستدعي التاريخ لكي نبرر الحاضر بدلاً من أن نستفيد منه لبناء المستقبل؟

إن جزءاً من الجواب يكمن في الفقر المعرفي والفلسفي الذي أصاب المجال العام العراقي.

لقد عاش العراق طويلاً تحت الاستبداد السياسي، لكنه عاش أيضاً تحت أشكال أخرى من الاستبداد الاجتماعي والثقافي. وفي مثل هذه البيئات تضيق مساحة السؤال، ويصبح التفكير في المسلمات مخاطرة، ويعتاد الناس على تكرار ما قيل بدلاً من إنتاج ما ينبغي أن يقال.

وهنا تراجعت النخبة العراقية عن وظيفتها التاريخية.

فالنخبة ليست من يمتلك شهادة أو منصباً أو منبراً إعلامياً؛ النخبة هي التي تمتلك شجاعة التفكير في ما لا يريد الآخرون التفكير فيه، وتستطيع أن تفتح الأسئلة المغلقة، وتربط الفكر بالواقع، وتدفع المجتمع إلى مراجعة نفسه.

ولذلك فإن العراق لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الخطباء بقدر حاجته إلى مفكرين، ولا يحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر حاجته إلى مفاهيم، ولا يحتاج إلى مزيد من الصراخ السياسي بقدر حاجته إلى عقل عملي رزين يستطيع أن يميز بين الثابت والمتغير، وبين المبدأ والوهم، وبين الذاكرة والتاريخ، وبين المقدس السياسي والمصلحة الوطنية.

إننا بحاجة إلى تحرير الفضاء العمومي من هيمنة الخطاب الأيديولوجي الصارخ، أياً كان مصدره، وفتح المجال أمام المعرفة والعلم والنقد والفلسفة والتفكير الحر. وليس المقصود هنا مهاجمة الدين أو إقصاءه من المجال العام، وإنما التمييز بين الدين بوصفه مجالاً روحياً وأخلاقياً ومعرفياً عميقاً، وبين استخدام المنبر الديني لإنتاج خطاب سياسي سطحي يختزل قضايا الدولة والمجتمع في شعارات وتعبئة عاطفية.

كما أننا بحاجة إلى مراجعة العقل الحزبي العراقي الموروث، بكل ما يحمله من مسلمات عن الذات والآخر، وعن الغرب والإسلام، وعن العلمانية والدين، وعن الوطنية والقومية، وعن المقاومة والسيادة، وعن الدولة والشرعية.

لا يمكن أن نبني دولة حديثة بعقل سياسي ما زال يعيش في خرائط ذهنية صنعتها صراعات القرن الماضي.

ولا يمكن أن ننتقل إلى المستقبل ونحن نحمل الماضي بوصفه عقيدة سياسية مغلقة.

 ليس مطلوبا أن نتخلى عن التاريخ، وإنما أن نضع التاريخ في مكانه الصحيح: ذاكرة نتعلم منها، لا سلاحاً نحارب به بعضنا بعضاً.

وليس مطلوبا إلغاء الأيديولوجيا بالقوة، وإنما إخضاعها للاختبار الواقعي: ماذا أنتجت؟ ماذا حققت؟ أين أخطأت؟ ماذا ينبغي أن نحتفظ به منها؟ وماذا ينبغي أن نتجاوزه؟

المطلوب ليس قتل السياسة، وإنما إخراجها من الغريزة إلى العقل، ومن الجماعة إلى الدولة، ومن الغنيمة إلى المصلحة العامة، ومن الشعار إلى السياسة العامة، ومن رد الفعل إلى الاستراتيجية.

هنا تحديداً يصبح الحديث عن «الكتلة التاريخية» التي دعوت إليها في المقالتين السابقتين أكثر وضوحاً. فالكتلة التاريخية ليست تحالفاً انتخابياً جديداً، ولا تجمعاً لشخصيات تبحث عن موقع في السلطة. إنها ائتلاف تاريخي من أصحاب الأفكار والنخب الاجتماعية والثقافية والسياسية الذين يؤمنون بأن العراق لا يمكن أن يخرج من أزمته بالعقل الذي أدخله فيها.

إن مهمتها الأولى ليست الاستيلاء على السلطة، وإنما إعادة تشكيل الوعي الذي يحدد معنى السلطة والدولة والمصلحة الوطنية.

نحن بحاجة إلى معركة فكرية هادئة ولكن عميقة، معركة ضد البلادة، وضد التكلس، وضد الوثوقية، وضد تحويل السياسة إلى عقيدة مغلقة، وضد تحويل الدين إلى أداة تعبئة سياسية، وضد تحويل التاريخ إلى مخزن للكراهية، وضد تحويل الدولة إلى غنيمة، وضد تحويل المواطن إلى تابع.

العراق يحتاج إلى عقل سياسي جديد.

عقل لا يسأل فقط: من معنا ومن ضدنا؟ وإنما يسأل: ما مصلحة العراق؟

لا يسأل فقط: ماذا قالت جماعتنا؟ وإنما يسأل: ماذا يقول الواقع؟

لا يسأل فقط: كيف ننتصر على الخصم؟ وإنما يسأل: كيف ينتصر المجتمع؟

لا يقيس نجاحه بعدد المناصب التي حصل عليها، وإنما بعدد المشكلات التي استطاع أن يحلها.

ولا يرى السياسة معركة دائمة بين الهويات، وإنما فناً لإدارة الاختلاف وبناء المصالح المشتركة.

إن الدولة التي نريدها لا تحتاج إلى سياسيين أكثر صراخاً، وإنما إلى سياسيين أكثر عقلاً. لا تحتاج إلى من يحفظون الشعارات، وإنما إلى من يستطيعون إنتاج السياسات. لا تحتاج إلى من يكررون الماضي، وإنما إلى من يملكون شجاعة التفكير في المستقبل.

وهذه، في تقديري، هي نقطة البداية الحقيقية لأي إصلاح عراقي.

فلا يمكن إصلاح الدولة بعقل سياسي فاسد، ولا يمكن إصلاح السياسة بثقافة سياسية مريضة، ولا يمكن إنتاج دولة حديثة من أفكار قديمة محنطة، ولا يمكن صناعة مستقبل مختلف بعقل يرفض مراجعة ماضيه.

لقد آن الأوان لكي ننتقل من نقد الدولة الفاشلة إلى نقد العقل الذي ينتج فشل الدولة.

وهذا هو الصراع الحقيقي الذي ينبغي أن يبدأ الآن: صراع الأفكار مع البلادة، والعقل مع الدوغمائية، والمعرفة مع الجهل، والمصلحة العامة مع الغنيمة، والدولة مع القبيلة السياسية، والمستقبل مع أسر الماضي.

فإذا لم نربح هذه المعركة أولاً، فلن يكون بمقدورنا أن نربح أية معركة أخرى.

***

ابراهيم العبادي

  17-8-2026

لم يكن مصطلح "الشرق الأوسط" توصيفاً جغرافياً بريئاً، ولا تسمية محايدة لمنطقة تقع في وسط العالم، بل كان، منذ لحظة ولادته، مفهوماً سلطوياً صاغته القوة قبل أن تتداوله الخرائط. فالمتعارف عليه عالمياً أنّ الشرق الأوسط يضم طيفاً واسعاً من البلدان، من إيران وشبه الجزيرة العربية، إلى العـراق وسوريا ولبنان وفلسطين ومصر والسودان، مروراً بإريتريا والصومال وليبيا، وصولاً إلى تركيا وقبرص وجنوب اليونان، بل وحتى أفغانستان وباكستان. هذا الاتساع غير المنضبط لا يعبّر عن وحدة جغرافية بقدر ما يكشف عن وظيفة سياسية، منطقة واحدة بحدود سائبة، قابلة لإعادة التعريف كلما اقتضت مصلحة القوة المهيمنة. والسؤال الحقيقي لا يكمن في ما هو الشرق الأوسط؟ بل في: لماذا جرى اختراعه؟ ومن أجل من؟

فمشروع الشرق الأوسط، في جوهره، ليس مشروعاً حضارياً ولا رؤية للتكامل الإقليمي، بل هو نتاج مباشر للعقل الاستعماري الحديث، الذي رأى، منذ وقت مبكر، أنّ السيطرة على هذه المنطقة تمرّ عبر زرع كيانٍ وظيفي في قلبها. ولهذا، نظر الاستعمار البريطاني إلى إقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين بوصفها ضرورة استراتيجية، لتكون نقطة ارتكاز متقدمة للتحكم بالعالم العربي، وثرواته، ومساراته السياسية. وتعود البدايات الأولى لهذا المشروع إلى عام 1902، أي قبل قيام إسرائيل بقرابة نصف قرن، ما يفضح الطابع المسبق والمخطط لهذه "الصدفة التاريخيّة".

ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، وظهور الـوعي القومي العربي، أعادت القوى الاستعمارية الأوروبية تفعيل مصطلح "الشرق الأوسط" بوصفه أداة تفتيت لا توصيف، فجاءت اتفاقيات سايكس–بيكو عام 1916 لا لترسم حدود دول، بل لتفكك وحدة الجغرافيا والهوية، وتحوّل المنطقة إلى كيانات سياسية هشة، قابلة للإدارة والسيطرة. ومنذ ذلك الحين، لم يتغير جوهر المشروع، وإن تغيّرت لغته، فمشروع الشرق الأوسط، قبل أي شيء آخر، يستهدف إسقاط الأنظمة السياسية التي لا تنسجم مع المشيئة الأمريكية، واستبدالها بأنظمة وظيفية تأتمر ولا تعترض، وتنفّذ دون تحفظ. وكان احتلال فلسطين عام 1948، وتسليمها للحركة الصهيونية، اللحظة التأسيسية لاختلال التوازن في المنطقة، وبداية الصراع العربي–الإسرائيلي بوصفه صراعاً مُداراً لا يُراد له أن يُحلّ، بل أن يبقى مفتوحاً بوصفه مبرراً دائماً للتدخل.

وبعد حرب الخليج، ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، دخل العالم مرحلة القطب الواحد، فوجدت الولايات المتحدة نفسها أمام فرصة تاريخيّة لإعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط، لا بالقوة العسكرية وحدها، بل عبر غطاء حضاري، فجاءت أطروحة "صدام الحضارات" التي طُرحت عام 1993، لتؤسس لرؤية جديدة للمنطقة، تقوم على ثنائية الضبط المزدوج، كبح العـراق وإيران من جهة، وتسوية الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي من جهة أخرى، تسوية لا تُنهي الاحتلال، بل تُعيد تعريفه.

ومع نهاية الحرب الباردة، نصّبت الولايات المتحدة نفسها قائداً أوحد للنظام العالمي الجديد، وأعادت صياغة العلاقات الدولية وفق ما يخدم مصالحها ومصالح حلفائها، ولم تكن أحداث 11 أيلول 2001 سوى اللحظة المناسبة لإطلاق النسخة الأكثر فجاجة من مشروع الشرق الأوسط، تحت لافتة "الحرب على الإرهاب" و"الإصلاح الديمقراطي"، فالديمقراطية هنا لم تكن غاية، بل أداة ابتزاز، تُرفع في وجه دول المنطقة كلما انحرفت مساراتها عن المصالح الأمريكية.

إنّ سعي الولايات المتحدة للهيمنة على هذه المنطقة ينبع من خوف بنيوي من أي تحوّل مستقل قد يُنتج قوى أو أنظمة لا تنسجم مع معادلات السيطرة، لاسيما في منطقة تختزن أكبر مخزون للطاقة النفطية في العالم، ولهذا، تُطرح المشاريع البرّاقة، وتُستخدم اللغة الأخلاقية، فيما الدوافع الحقيقية سياسية واقتصادية بحتة.

ولم تكتفِ هذه الاستراتيجية بإعادة رسم الخرائط، بل عملت على تفكيك المجتمعات من الداخل، عبر تغذية الطائفية، وإحياء الهويات الفرعية، وتضخيم الأقليات والقوميات، بوصفها أدوات للهيمنة طويلة الأمد. أما الحرب والحصار، فبقيا أداتين مركزيتين في هذه السياسة، تُمارسان على الدول المناوئة للمشروع الأمريكي، كما في فلسطين والعـراق وسوريا ولبنان، حيث يُستخدم الحصار بوصفه شكلاً حديثاً من أشكال الإخضاع. ولم يكن الدين، عبر التاريخ، مجرد منظومة روحية أو تعبيراً أخلاقياً عن حاجة الإنـسان إلى المعنى، بل كان، في جوهره العملي، أحد أخطر أشكال السـلطة، سلطة تُشرعن السياسة، وتؤطر الاجتماع، وتُعيد ترتيب العالم وفق سردية مقدّسة لا تُناقش. ولقرون طويلة، شكّل الدين الحاكم الخفي لصناعة القرار، وضابط الإيقاع في العلاقات بين الدول، وحارس التوازن الهش داخل المجتمعات.

***

د. حيدر عبد السادة جودة

التحول من البحث عن الحاكم الفاضل إلى المؤسسة الحاكمة

مقدمة: "قراءة في إشكالية السلطة والمشروعية":

كلما استقال وزيرٌ في إحدى الديمقراطيات العريقة بسبب تصريحٍ مضلل، أو معلومةٍ أخفاها، أو مخالفةٍ إدارية تبدو بسيطة في نظر كثيرين من أبناء الدول التي تُدار بالطغيان أو تكون الديمقراطية فيها شكليةً أكثر منها موضوعية، عاد السؤال ذاته إلى الواجهة:

لماذا يستقيل هؤلاء لأسبابٍ نعدّها نحن "تافهة"، بينما يتمسك مسؤولون في بلداننا بمناصبهم رغم تورطهم بجرائم الفساد الجسيم، أو إساءة استعمال السلطة، أو الإخفاق الإداري الكارثي؟

غالباً ما تأتي الإجابة في صورة مقارنة أخلاقية شائعة؛ فيُقال إن السياسي الغربي يمتلك ضميراً حياً، وتربية سياسية راقية، وإحساساً بالمسؤولية لا يتوافر لدى غيره ......

غير أن هذا التفسير، على بساطته ورواجه، لا يصمد أمام التحليل العلمي الموضوعي؛ فالسياسي، في جوهره، كائنٌ تحركه دوافع الطموح، والرغبة في النجاح، والمحافظة على النفوذ وهي دوافع إنسانية عابرة للجغرافيا والثقافات.

الجذور التاريخية: رهان "الحاكم الفاضل" عند أفلاطون

تضرب فكرة البحث عن "المسؤول الفاضل" بجذورها العميقة في الفلسفة السياسية الكلاسيكية، وتحديداً لدى أفلاطون الذي رهن العدالة والاستقرار في كتابه الجمهورية بشخصية "الملك الفيلسوف".

حيث تمحورت الرؤية الأفلاطونية حول صياغة الفرد الفاضل وتأهيله أخلاقياً وفكرياً للقيادة، معتقداً أن الفضيلة الذاتية للحاكم تغني عن صرامة القوانين.

غير أن هذا الرهان التاريخي على ضمير الفرد وأخلاقه أثبت هشاشته عبر التاريخ، مما دفع الفكر السياسي الحديث للتحول جذرياً من"الارتهان لضمير الحاكم" إلى "تأسيس السلطة"، مستبدلاً البحث عن الحاكم الفاضل ببناء المؤسسة المعيارية.

طبيعة الدولة: من "الحاكم الفاضل" إلى "المؤسسة الحاكمة"

إن الفارق الحقيقي لا يكمن في طبيعة الإنسان، بل في طبيعة الدولة؛ فمنذ مطلع العصر الحديث، نبه مكيافيلي إلى أن السياسة لا تُبنى على تصور مثالي للطبيعة البشرية، بل على فهم الإنسان كما هو، بما يحمله من طموح ورغبة في القوة وخوف من فقدانها.

وللأسف فوقد أسيء فهم هذه الفكرة زمناً طويلاً بوصفها دعوة إلى تبرير القسوة أو الخداع، فتمسك الطغاة بهذا الفهم القاصر، بينما تكمن أهميتها الحقيقية في أنها دفعت الفكر السياسي إلى إعادة صياغة السؤال الأساسي:

إذا كان الإنسان يسعى بطبعه لتعظيم مصالحه، فكيف نبني نظاماً يمنعه من إساءة استخدام السلطة؟

من هنا لم يعد السؤال: كيف نصنع حاكماً فاضلاً؟

بل أصبح: كيف نبني مؤسسات تجعل حتى الحاكم غير الفاضل مضطراً إلى احترام الحقيقة والقانون؟

أولاً: التحول الدستوري وتفكيك احتكار السلطة

لم تُبن الديمقراطيات الحديثة على افتراض وجود مسؤولين معصومين، بل على واقعية تؤكد أن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة.

عقلانية الفكر الدستوري:

أدرك مونتسكيو أن المشكلة تكمن في تركيز السلطة، فصاغ مبدأه الشهير: "السلطة توقف السلطة".

فالصدق السياسي ليس وليد وعظ أخلاقي، بل هو نتيجة توازن ومراقبة متبادلة بين مراكز القوة؛ فلا ينفرد أحد بالحقيقة أو القرار أو المحاسبة.

نظرية الاختيار العام (السياسة بلا رومانسية): أحدث جيمس بوكانان، الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1986 عن مقاربته الشهيرة (السياسة بلا رومانسية)، تحولاً فارقاً عندما دعا إلى إسقاط الفرضيات الاقتصادية على السلوك السياسي؛ فرفض النظرة المثالية للمسؤولين بصفتهم زُهّاداً يسعون بشكل مجرد لتحقيق المصلحة العامة، وأكد أنهم، كسائر الفاعلين الاقتصاديين، يتأثرون بالحوافز ويسعون لتثبيت منافعهم الذاتية.

فالسياسي ليس "ملاكاً إدارياً" يعمل بمعزل عن مصلحته، وإنما هو كائنٌ يحكمه منطق التكلفة والمكسب؛ ومن ثمّ فإن النظام المؤسسي الناجح ليس هو الذي يراهن على النوايا الحسنة للفاعل السياسي، بل الذي يُصمم الحوافز والموانع بحيث تتطابق مصلحة المسؤول الشخصية تلقائياً مع المصلحة العامة.

ثانياً: المؤسسات أهم من الأشخاص

تُثبت أدبيات الاقتصاد المؤسسي، وعلى رأسها أطروحات المفكر دوغلاس نورث، الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1993 في كتابه المرجعي "المؤسسات، التغيير المؤسسي والأداء الاقتصادي" أن تباين تقدم الأمم لا يرجع إلى اختلاف جينات الشعوب أو طبيعتها الأخلاقية، بل إلى اختلاف المؤسسات.

فالمؤسسات ليست مجرد مبان حكومية أو هياكل إدارية جامدة، وإنما هي منظومة متكاملة من القواعد الرسمية وغير الرسمية التي تُحدّد "قواعد اللعبة" وتضبط السلوك البشري مُبيّنةً ما هو السلوك المَجزي وما هو السلوك المُكلف.

 وهي بذلك تشكّل كياناً مادياً ومعنوياً، يتأسس بالقانون، وينمو وينضج بالقرارات الإدارية الكفؤة والتقاليد والأعراف الإدارية الراسخة.

ثالثاً: قواعد اللعبة المؤسسية والصدق السياسي

هندسة الحوافز: تُحدّد القواعد المؤسسية السلوك البشري؛ فحين تجعل القواعد الكذب سبباً لفقدان المنصب، يتحول الصدق من "فضيلة أخلاقية" إلى "قرار عقلاني". أمّا إذا كافأت القواعدُ التضليلَ، أصبح الكذب استثماراً سياسياً مربحاً.

كيف تصنع الديمقراطيات الصدق السياسي؟

مأزق التغطية:

القاعدة الذهبية في السياسة الحديثة هي: "الخطأ قد يُضعفك، لكن الكذب للتغطية عليه هو ما يدفنك".

أخلاق المسؤولية لا أخلاق النوايا:

يُفرق عالم الاجتماع ماكس فيبر بين "أخلاق القناعة" (التي تُقيّم الفعل بنيّته) و"أخلاق المسؤولية" (التي تُقيّم الفعل بنتائجه وآثاره).

فالإدارة الحديثة والدولة المؤسسية لا تُعنيها النوايا الحسنة للمسؤول، وإنما تُحاسبه على المخرجات والنتائج الفعلية لأعماله ومدى صيانة الثقة العامة.

رابعاً: ثقافة الاستقالة: من "دليلً ضعف" إلى "سلوك مؤسسي"

الاستقالة ليست عقوبة شخصية بقدر ما هي عملية وقائية تُفصل فيها أخطاء الفرد عن شرعية المؤسسة؛ فحين يستقيل المسؤول فور حدوث خلل أو تقصير في قطاعه، فهو يُرسل رسالة للجمهور مفادها أن المعيار الإداري أعلى من الأشخاص، وأن المؤسسة لا تتستر على الفشل.

كما ان الاستقالة المبكرة تُنقذ السمعة السياسية للمسؤول وتتيح له فرصة العودة مستقبلاً، في حين أن التمسك بالمنصب يتحول إلى أزمة نزاهة تُدمّر مستقبله السياسي وتستنزف رصيد الحزب أو الحكومة الانتخابي.

الخلاصة والدلالة العملية:

تتجسد الفلسفة الحقيقية للدولة الحديثة في تحولها المفصلي من الرهان التاريخي على "الحاكم الفاضل" إلى التأسيس الراسخ لـ "المؤسسة الحاكمة"؛

فالديمقراطية في جوهرها ليست "مصنعاً للملائكة"، وإنما هي نظامٌ مؤسسي واقعي يُدير الطبيعة البشرية بنقائصها وطموحاتها.

إن هذا التحول يعني الانتقال من أخلاق الذوات إلى هندسة القواعد؛ حيث تُصمَّم البيئة المؤسسية بحيث لا تسمح بتمرير التضليل، بل تجعل كلفة الكذب والتغطية على الإخفاق أشدَّ بكثير من كلفة الاعتراف بالخطأ نفسه.

ومن ثمّ، فإن جوهر الإصلاح السياسي والإداري لا يكمن في البحث عن مسؤولين مثاليين، بل في بناء مؤسسات حوكمة محكمة تستند إلى استقلال القضاء، والشفافية الرقمية، وحرية الوصول للمعلومات ليصبح الالتزام بالقانون والنزاهة، تلقائياً، الخيار الأكثر أماناً وربحاً للفاعل السياسي.

***

فارس حامد عبد الكريم

2026/8/4

في الفلسفة السياسية، تبدو السلطة، في أصل نشأتها الحديثة، ثمرة لنضال الجماعة من أجل تنظيم حياتها وحماية وجودها وصيانة حقوقها. فالحكومات، في صورتها المثالية، لا تنشأ لتكون فوق المجتمع، بل لتكون تعبيرا عن إرادته، والسياسيون ليسوا سوى أبناء ذلك المجتمع، يحملون في بداياتهم ذاكرته وآلامه ومطالبه، وينهلون من النبع ذاته الذي ينهل منه الناس. غير أن المأساة تبدأ حين ينفصل هذا الابن عن النبع الذي أنجبه، وحين تتحول السلطة من أداة لخدمة المجتمع إلى بنية مستقلة عنه، تنظر إليه لا بوصفه مصدر شرعيتها، بل بوصفه موضوعا لإدارتها وسيطرتها، هنا يتحول النبع المشترك إلى نهرين منفصلين: شعب يجرع كأس العوز والانتظار والهوان، وسياسة تجرع كأس الامتياز والنفوذ والحصانة.

تاريخيا، لم تولد السلطة السياسية من فراغ. كثيرا ما كانت ثمرة كفاح طويل، وتضحيات جماعية، ودماء سالت من أجل الحرية والكرامة والاعتراف بالإنسان، وفي اللحظات التأسيسية، كان السياسي يبدو امتدادا طبيعيا للجماعة، لسانا لمطالبها، وصوتا لآلامها، وحاملا لذاكرتها، لكن المفارقة المأساوية أن السلطة، بعد أن تستقر، قد تنقلب على اللحظة التي أنجبتها؛ فيتحول من كان صوت الشعب إلى وصي عليه، ومن كان جزءا من معاناته إلى جزء من امتيازاته، ومن كان يطالب بالكرامة إلى من يوزعها كما لو كانت منحة شخصية،

ومن هنا يظهر السؤال الفلسفي الأعمق: كيف يتحول ابن الشعب، بمجرد جلوسه على كرسي السلطة، إلى سلطة فوق الشعب؟.

لا تكمن الإجابة في فساد الفرد وحده، ولا في ضعف أخلاق السياسي فحسب، بل في طبيعة السلطة حين تتحول من وظيفة عامة إلى مصلحة ذاتية، فالسلطة لا تغير الإنسان فقط؛ إنها قد تعيد تشكيل نظرته إلى نفسه وإلى الآخرين، وحين تغيب الرقابة والمساءلة، وتفرغ المؤسسات من مضمونها، يبدأ الحاكم في رؤية بقاء السلطة بوصفه بقاء لذاته، ويرى في النقد تهديدا، وفي الاختلاف خطرا، وفي المواطن المستقل مصدرا  محتملا لعدم الطاعة، عندها يحدث الانقلاب الحقيقي: لا يعود السياسي يرى نفسه خادما للسلطة العامة، بل تصبح السلطة خادمة لبقائه، وهذه هي اللحظة التي يبدأ فيها أكل الأبناء.

في عدد من التجارب السياسية المعاصرة في الشرق الأوسط، لم تعد السلطة تعبر بصورة صادقة عن إرادة المجتمع، بل تحولت إلى منظومات مغلقة تستطيع أن تحمي نفسها من الأزمات التي يعيشها المواطن، فبينما يواجه الناس الفقر والبطالة، وأزمات الماء والكهرباء والوقود والسكن والرواتب والأمن والاستقرار، فضلا عن أزمات المواطنة والإعلام والوعي والخدمات، تبقى قطاعات واسعة من النخب السياسية محصنة داخل دوائر الامتياز والنفوذ والمصالح المتشابكة.

المشكلة هنا ليست في وجود الأزمات وحدها؛ فالأزمات يمكن أن تصيب أكثر الدول تقدما، وإنما في كيفية توزيع عبء الأزمة، حين يتحمل المواطن وحده كلفة الفشل السياسي والاقتصادي، بينما تبقى الطبقة الحاكمة محمية من نتائجه، تتحول الأزمة من خلل عابر إلى بنية اجتماعية غير عادلة، وهنا يظهر مفهوم اقتصاد الإذلال.

فالإذلال السياسي لا يعني فقط إهانة المواطن أو انتهاك كرامته بصورة مباشرة، وإنما يعني أن يعيش الإنسان في حالة احتياج دائم إلى السلطة من أجل الحصول على ما يفترض أنه حق له، حين تصبح الوظيفة منحة، والراتب وسيلة للولاء، والخدمة العامة امتيازا، والسكن مرتبطا بالنفوذ، والأمن مكافأة، والمواطنة علاقة قرب من أصحاب القرار، فإن الدولة لا تعود تدير الحقوق، بل تبدأ بإدارة حاجات الناس إليها، وأخطر ما تفعله السلطة بالمواطن ليس أن تسلبه حقا، بل أن تجعله يطلب حقه كما لو كان منحة.

في هذه النقطة يتحول الفقر من مشكلة اقتصادية إلى علاقة سياسية، ويتحول الاحتياج من حالة اجتماعية إلى وسيلة للسيطرة، فالإنسان الذي يخشى فقدان راتبه لا يستطيع أن يكون حرا تماما، والذي يخشى فقدان وظيفته لا يستطيع أن يقول (لا)  بسهولة، والذي يحتاج إلى واسطة للحصول على حقه يتعلم تدريجيا أن الحقوق لا تستحق، بل تستجدى، وهكذا لا يحتاج الاستبداد دائما إلى السجن والعنف المباشر؛ يكفي أحيانا أن يجعل الإنسان خائفا من خسارة القليل الذي يملكه.

لهذا فإن اقتصاد الإذلال هو، في جوهره، اقتصاد لإنتاج التبعية، إنه يجعل المواطن متعلقا بالسلطة حتى عندما يكرهها، وخائفا منها حتى عندما يدرك ظلمها، ومحتاجا إليها حتى عندما يعرف أنها سبب جزء من أزماته، وبذلك تصبح السلطة قادرة على إعادة إنتاج نفسها ليس بالقوة وحدها، وإنما عبر إنتاج شروط اجتماعية تجعل الخضوع يبدو أحيانا أكثر أمانًا من الحرية، وهنا تكمن إحدى أكثر مفارقات السياسة إيلاما: قد لا يحتاج الحاكم إلى إقناع المواطن بأنه عادل؛ يكفيه أن يقنعه بأن مقاومته أكثر كلفة من الخضوع له،

ومن هذه الزاوية، لا تكون الدولة مجرد مؤسسات وقوانين، بل تصبح أيضا طريقة في تنظيم حياة الإنسان وعلاقته بالخوف والكرامة والحق، فالإنسان لا يستعبد فقط حين تقيد حركته، وإنما حين يفقد القدرة على تصور نفسه بوصفه صاحب حق مستقل عن رضا السلطة، وهذا هو البعد الوجودي للمسألة.

فالكرامة ليست رفاهية سياسية، وليست قيمة تجميلية يمكن تأجيلها إلى ما بعد حل المشكلات الاقتصادية، إنها شرط أولي لوجود الإنسان بوصفه ذاتا حرة، وحين يجبر الإنسان على أن يستأذن كي يعمل، وأن يشكر كي يحصل على حقه، وأن يصمت كي يأمن، وأن يساوم على كرامته كي يحافظ على مصدر رزقه، فإن السلطة لا تكون قد سيطرت على سلوكه فقط، بل تكون قد بدأت بإعادة صياغة علاقته بذاته وبالعالم، عندها يصبح الإذلال أكثر من ممارسة سياسية؛ يصبح نمطا في إنتاج الإنسان المطيع.

ومن هنا يمكن فهم لماذا تبدو بعض الحلول السياسية شديدة السذاجة أمام أزمات عميقة تمس العدالة والحرية والكرامة والخبز اليومي، فالمشكلة ليست دائما في نقص الخبرة أو غياب الإمكانات، وإنما في أن السلطة قد تفقد الحافز الحقيقي لإنتاج حل جذري إذا كان استمرار الأزمة يوفر لها أدوات إضافية للسيطرة، الحل المؤقت قد يصبح أكثر فائدة للسلطة من الحل النهائي، فالوظيفة المؤقتة تبقي الموظف محتاجا، والمنحة المؤقتة تبقي المواطن منتظرا، والمعالجة الجزئية تبقي الأزمة قائمة، والخطاب السياسي المؤجل يبقي المستقبل رهينة للوعود، وبذلك تتحول الأزمة من شيء ينبغي إنهاؤه إلى مورد سياسي يمكن استثماره.

إن السلطة التي تستفيد من الأزمة لا تنظر إليها باعتبارها فشلا يجب تجاوزه، بل قد تنظر إليها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، باعتبارها فرصة لإعادة توزيع الولاءات وترسيخ النفوذ، وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة: هل تستطيع السلطة أن تحل أزمة أنتجت لها جزءا من شرعيتها؟، في هذه الحالة، لا يعود المواطن أمام سلطة تخدمه، بل أمام سلطة تعيش جزئيا على استمرار حاجته إليها، وهذا يفسر أيضا لماذا تتحول بعض النخب السياسية، مع مرور الوقت، من خادمة للمجتمع إلى طبقة منفصلة عنه، إنها لا تعيش الأزمة نفسها، ولا تستخدم الخدمات نفسها، ولا تواجه المخاطر نفسها، ولا تنتظر الراتب بالطريقة نفسها التي ينتظره بها المواطن، وبمجرد أن تنفصل التجربة اليومية لصاحب القرار عن التجربة اليومية للمجتمع، يبدأ انقطاع السلطة عن الواقع.

فالسياسي الذي لا يعيش الخوف الذي يعيشه المواطن، ولا الانتظار الذي يعيشه الموظف، ولا العجز الذي يعيشه العاطل، قد يفقد تدريجيا القدرة على فهم المجتمع الذي يحكمه، وهنا لا يعود الانفصال مجرد مسافة اجتماعية؛ بل يتحول إلى انفصال وجودي بين من يملك القرار ومن يتحمل نتائجه، ولهذا فإن المشكلة ليست فقط في أن السلطة تملك أكثر، وإنما في أنها تستطيع أن تجعل الآخرين يدفعون ثمن ما تفعله هي.

إن السلطة، حين تفقد حساسيتها الأخلاقية، تتحول من أداة لتنظيم الحياة المشتركة إلى جهاز لإدارة الفوارق بين من يملك ومن لا يملك، بين من يستطيع أن يرفض ومن لا يستطيع، بين من يحتمي بالقانون ومن يحتاج إلى صاحب نفوذ كي يحميه، وهنا تصبح المواطنة نفسها غير متساوية، قد يتساوى الناس أمام النصوص، لكنهم لا يتساوون بالضرورة أمام القوة،  وقد تكون الحقوق مكتوبة في الدساتير، لكنها تفقد معناها حين يحتاج صاحب الحق إلى وسيط كي يحصل عليها، فالمواطنة الحقيقية ليست أن تكون لك حقوق مكتوبة فحسب، وإنما أن تستطيع ممارسة هذه الحقوق دون خوف ودون إذلال ودون أن تتحول إلى تابع لمن يمنحك إياها.

ومن هنا فإن مقاومة الاستبداد لا تبدأ فقط من تغيير الحاكم، وإنما من إعادة تعريف علاقة الإنسان بالحق، أن يفهم المواطن أن الوظيفة ليست فضلا من السياسي، وأن الراتب ليس هدية، وأن الخدمة العامة ليست منة، وأن الحرية ليست مكافأة، وأن الكرامة ليست امتيازا يمنحه الأقوى للأضعف، إنها حقوق سابقة على السلطة نفسها، ولهذا فإن السلطة التي تنسى أصلها تقع في مفارقة تاريخية كبرى: فهي تحاول حماية وجودها بواسطة القوة، بينما أصل وجودها كان المجتمع، تحاول أن تجعل نفسها فوق الشعب، بينما شرعيتها المفترضة مستمدة منه، وتحاول أن تجعل الخوف أساسا للاستقرار، بينما الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يقوم طويلا على الخوف، فالخوف قد يصنع الصمت، لكنه لا يصنع الشرعية، وقد يصنع الطاعة، لكنه لا يصنع الانتماء، وقد يؤجل الانفجار، لكنه لا يحل أسباب الغضب.

ولهذا لا ينبغي أن نخطئ في فهم صمت المجتمعات، فالصمت ليس دائما قبولا، والخضوع ليس دائما رضا، والاستقرار الظاهري لا يعني بالضرورة وجود عقد اجتماعي سليم، أحيانا يكون المجتمع صامتا لأنه خائف، وأحيانا لأنه متعب، وأحيانا لأنه فقد الثقة في قدرة السياسة على تغيير حياته، وهنا تكمن مسؤولية الوعي.

فالشعب لا يستعيد حريته بمجرد أن يكره السلطة، وإنما حين يستعيد قدرته على التفكير خارج حدود الخوف الذي زرعته السلطة في داخله، فالاستبداد لا يعيش بالقوة وحدها، بل يعيش أيضا حين يعتاد الناس وجوده، وحين يصبح الظلم مألوفا، والخوف طبيعيا، والفساد قدرا، والامتياز حقا مكتسبا للحاكم.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: متى يسقط الحاكم؟ ، بل: متى يسقط المعنى الذي يجعل الخضوع للحاكم أمرا طبيعيا؟، حين يستعيد الإنسان وعيه بأنه مواطن لا تابع، وصاحب حق لا طالب منحة، وذاتا سياسية لا مجرد رقم في سجلات الدولة، تبدأ العلاقة بين السلطة والمجتمع في التغير، عندها فقط يمكن أن يعود النهر إلى النبع.

فالسلطة لم تخلق كي تبتلع المجتمع، ولم يولد السياسي كي يصبح سيدا على من أنجبوه، وكل سلطة تنسى أصلها تتحول في النهاية إلى سلطة تأكل أبناءها؛ لأنها حين تنفصل عن المجتمع تفقد المعنى الأخلاقي لوجودها، وحين تجعل الإذلال وسيلة للحكم، فإنها لا تحافظ على الاستقرار، بل تؤجل أزمتها، والتاريخ لا يضمن أن الظلم يزول لمجرد أنه ظلم؛ فكثيرا ما يطول عمره لأن الخوف يعيد إنتاج نفسه في وعي المظلومين، ولأن الإنسان قد يعتاد القيد إلى درجة يخشى معها فقدانه أكثر مما يخشى بقاءه، لهذا لا يبدأ سقوط الاستبداد حين يضعف الحاكم، بل حين يفقد الخوف قدرته على تفسير العالم، وحين يستعيد الإنسان حقه في أن يرى الحقيقة من دون إذن، وأن يقول (لا) من دون أن يشعر بأنه يرتكب جريمة.

***

د. جوتيار تمر

إقليم كوردستان – 10/8/2026

‏ارتبط اسم الزعيم السوفياتي البلشفي جوزيف ستالين (1878 – 1953) بالطغيان والدموية والقمع، وهي صفات جديرة بالرجل ومرحلته التاريخية التي حكم فيها، دون نسيان ظروف الحرب العالمية الثانية وانتصارات الجيش الأحمر وهزيمة النازية والفاشية، لكن نادرًا ما يُذكر اسم ستالين مقرونًا بصفات مشتقة من الثقافة والمعرفة وسعة الاطلاع، علمًا بأنه توفي في بيته الريفي الذي ضمّ مكتبة زاد عدد الكتب فيها عن 25 ألف كتاب.

‏في العام 2022 أصدر البريطاني جيفري روبرتس المتخصّص بالدراسات الروسية والسوفياتية كتابًا بعنوان "مكتبة ستالين: الطاغية وكتبه"، لكن مكتبة ستالين لم تبقَ على حالها، فقد عبثت بها يد الزمن، خصوصًا وقد انهالت على صاحبها الاتهامات بارتكاب جرائم من أعلى قمة في الحزب والسلطة في الاتحاد السوفيتي، وذلك في التقرير الذي قدمه نيكيتا خروتشوف الأمين العام للحزب الشيوعي في المؤتمر العشرين (1956)، حيث أدين ستالين حاكمًا وإنسانًا.

 وعلى الرغم من تفرّق مكتبته، إلّا أنه تمّ الاحتفاظ بنحو 400 كتاب منها، لأن "الزعيم" ترك فيها رائحته على هيئة تعليقات وحواش، كما تقول إيميليا جنتلمان في استعراضها الكتاب بجريدة الغارديان، ويخالف مؤلف الكتاب آراء عديدة تعتبر ستالين ضحلًا سياسيًا مثلما كان تروتسكي يصفه، ويقول روبرتس أنه مثقف جاد يقدّر الأفكار بقدر تقديره للسلطة، وأنه لم يكن يقرأ فقط ليعرف، بل ليرهف وعيه الشيوعي، ولكنه كان يستخدم قراءاته وثقافته لإدامة حكمه وقبضته الحديدية، ويرى في الثقافة أداة بيد صاحب السلطة.

‏في العام 1932 انعقد اجتماع في شقة مكسيم غوركي للأدباء والكتاب وحضره ستالين الذي خاطبهم قائلًا "إنكم يا معشر الكتّاب مهندسو الأرواح، فإنتاج الأرواح أهم من إنتاج الدبابات"، ثم رفع كأسه وأكمل "لنشرب نخب الكتّاب مهندسي أرواح البشر"، وذلك في محاولة التقرّب من المثقّفين واستمالتهم.

‏وكان أحب القراءات إليه هي التاريخ، وخصوصًا التاريخ الروسي وحقبة إيفان الرهيب (1533 – 1584) والعظيمين بطرس (1682 – 1725) وكاترين الثانية (1762 - 1796)، وانشغل بقراءة سيرة ميخائيل كوتوزوف الذي انتصر على نابليون في العام 1812، وكان مفتتنًا ببسمارك، كما كان قارئًا لبوشكين وغوغول وزولا، وقرأ باهتمام كتاب "الأمير" أكثر من مرة لمؤلفه ميكافيلي، كما توقّف مرّات عديدة لقراءة كتاب "كفاحي"، ووضع خطوطًا تحت العديد من الفقرات، وقد يكون كاتبه المفضل هو لينين، لكنه قرأ لأعدائه مثل روزا لوكسمبورغ وليون تروتسكي.

‏وثمة حادثة جمعت غوركي وشولوخوف وستالين، حيث كان شولوخوف قد واجه مشكلات في الحصول على ترخيص لطبع الجزء الثالث من روايته الشهيرة "الدون الهادئ"، فاستجار بغوركي، فدعاه إلى فيلته التي كان قد أهداها له ستالين، فلمّا وصل إليها كان غوركي بانتظاره ومعه ضيف، وإذا به ستالين شخصيًا، حينها كان القدح المعلّا بيد غوركي كما يُقال، وذلك قبل أن يتعرّض إلى التهميش والإهمال ويُمنع من السفر إلى إيطاليا للعلاج كما كان يفعل في السابق، ليقضي أيام حياته الأخيرة متدثّرًا بالصمت وحيدًا ومنكسرًا.

‏في ذلك اللقاء المثير دخل ستالين بحوار خاص مع شولوخوف حول بطل روايته غريغوري، الذي يمتاز بالشجاعة والفحولة، وكان عشيق إكسينيا ذات الجمال والإثارة، وبقدر ما كان له من صفات إيجابية، فإن الرواية تظهره أيضًا بالتقلّب وعدم اليقين، فتارة يكون مع الجيش الأحمر وأخرى مع أعدائه، ثم يعود إليه، وهنا يتدخّل ستالين ليسأل شولوخوف: ولكن لماذا لم يدخل غريغوري الحزب يا رفيق؟ ففزغ شولوخوف وأجابه على نحو مرتبك: لا أعرف يا رفيق إنه هو الذي قرّر.

وكان ستالين يريد نهاية سعيدة لبطل "الدون الهادئ" بانتمائه للحزب، فلا يوجد شخص بالمواصفات التي تحدث عنها شولوخوف، إلّا وينبغي انضمامه للحزب، وهو مع اعتادت عليه الأنظمة الاشتراكية، وتعلمت منها أنظمة "التحرّر الوطني" في العالم الثالث بما فيها البلدان العربية التي قلدتها على نحو أكثر سوءًا، وفي النهاية تم فض هذا الإشكال الفكري بعد أن وافق شولوخوف أن يكتب رواية لتمجيد السياسة السوفيتية الزراعية "الفاشلة جدًا" والمعروفة بالسوفخوزات (المزارع المملوكة للدولة بالكامل والعاملون فيها موظّفون)، والكولخوزات (المزارع الجماعية التعاونية تحت رقابة الدولة)، والتي أنهت القطاع الخاص في المجال الزراعي.

وبالفعل اضطرّ شولوخوف إلى كتابة رواية رديئة التزامًا بتعليمات ستالين لكي تتم الصفقة، وحتى هذه الرواية لم تعجب بعض المؤرخين المسؤولين عن السياسة الثقافية، فلجأ إلى ستالين عبر سكرتيره الشخصي الذي زوده برقمه الخاص، وتم حل هذا الأشكال بعد أن قرأ ستالين النص في ثلاث ليال، ثم أجاز طبع الرواية واستبدلها بعنوان جديد، وهو ما ذكّرني بعلاقة الروائي غابريل غارسيا ماركيز بفيديل كاسترو، حيث كان الأخير يقرأ روايات الأول حتى قبل طبعها ويبدي له بعض الآراء، وكان ماركيز قد ألف كتابا من 700 صفحة عن الحصار الأمريكي الجائر المفروض على كوبا، لكن كاسترو حين قرأه فضّل عدم نشره، وهكذا ضاع جهد كبير، وأظن أن مثل هذه الوثيقة المهمة كان ينبغي أن ترى النور، خصوصًا وأن كاتبها مبدع كبير وذو حساسية جمالية إنسانية خاصة.

 ويحضرني في هذا المجال أيضًا قصّة مأساوية أخرى تتعلّق بحريّة التعبير، حيث اعتُقل المفكّر العراقي عزيز السيد جاسم بسبب كتاب كان قد أصدره في بيروت، وأُجبر وهو في المعتقل على كتابة نصوص أخرى كي يُطلق سراحه، لكنه اعتُقل مرة ثانية في العام 1991 واختفى أي أثر له إلى اليوم.

أستطيع القول إن ستالين وما تركه من أثر ثقافي وكتب ودراسات، وخصوصًا في المسألة القومية، أنه كان قارئًا ومفسّرًا لبعض آراء لينين، وهو من ألصق عبارة اللينينية بالماركسية، لتصبح عنوانًا للحركة الشيوعية، معتبرًا "اللينينية ماركسية عصرنا"، وذلك لمواجهة خصومه.

هل يكفي ذلك لكي نقول إن ستالين مثقفًا؟ أم أن اهتمامه بالقراءة كان ناجمًا عن حبّه للمعرفة لتوظيفها لصالحه وصالح السلطة السوفيتية؟ والثقافة ليست معرفة فحسب، بل هي سلوك تتمثّل فيه القيم الإنسانية، كما أنها لا تعصم الإنسان عن ارتكاب المعاصي، خصوصًا بزعم امتلاك الحقيقة وادّعاء والأفضليات، وذلك ديدن الحكّام على اختلاف العصور، فالحاكم قد يهتمّ بالثقافة، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يكون سفاحًا مثل الحجّاج بن يوسف الثقفي، الذي كان يحفظ القرآن، ومثل هتلر الذي بدأ شبابه فنانًا تشكيليًا، وسعى ليكون مسرحيًا وكثير الشغف بالأوبرا، لكنه فتح نار جهنّم في الحرب العالمية الثانية التي راح ضحيّتها أكثر من 60 مليون إنسان، ومثل رادوفان كاراديتش، الرئيس الصربي، الذي كان شاعرًا وكاتبًا، ولكنه متعصبًا قوميًا، وهو المسؤول عن الإبادة الجماعية في سريبرينتسا (1995)، ومثل صدام والقذافي حاولا كتابة روايات لينضما إلى قافلة المثقفين، لكنهما ظلّا يطلبان من الجميع الركوع لهما، حتى وإن حاولا الظهور بمظهر التقاة الورعين.

***

عبد الحسين شعبان

‏أجّلتُ تسليط الضوء على كتاب "لماذا يكره المثقفون بعضهم؟" للكاتب والروائي والناقد العراقي جمال حسين علي، وذلك لحين استكمال قراءتي لكتابيه المكمّلين للموضوع ذاته، وأعني بذلك "بلطجة المثقفين" و"بازار الثقافة الكبير". وهي كتب تندرج فيما أسمّيه الثقافلوجيا أي "الثقافة ضدّ الثقافة"، تناول فيها الكثير من الظواهر المرضية التي يعيشها المثقفون في عالمنا العربي، محاولًا تعرية زيف العديد من الادعاءات، ومنتقدًا الكثير من التصرفات والسلوكيات المناقضة للقيم الإنسانية والجمالية. وقد جئت على ذكر بعضها في المقالتين الموسومتين "عن غيرة المثقّفين" و" الثقافة و"الأنا".

‏وجمال حسين علي، على ما أحسب، معروف لدى المثقفين الجادين والحقيقيين من كتبه ومنجزاته الإبداعية، ويحمل شهادة دكتوراه في الفيزياء النووية من الاتحاد السوفياتي، وعمل مراسلًا حربيًا في كاراباخ وأذربيجان وأرمينيا والحرب الشيشانية الأولى والثانية، وأفغانستان والبوسنة والبلقان وكردستان ودارفور والعراق ولبنان، ودوّن خبراته في كتب أبرزها "انكسار عباد الشمس" و"افتتاح ثقب الإبرة"، والشيء بالشيء يُذكر، فالعديد من الأدباء عملوا كمراسلين حربيين، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر، ليو تولستوي وإيرنست همنغواي وجورج أورويل وألبير كامو وغابريل غارسيا ماركيز وغيرهم.

 ويقول عن نفسه: أكبر حب أخفيته وكأنه غير موجود هو حبّي للفيزياء، فقد قضيت حياتي بين الكتب والمكتبات وفي مكاتب الصحف والمجلات، وبدأت الأدب والعلم بالبحث كطريقة أساسية للتعلّم، لذلك كونت فكرتي عن الناس والكون والفضاء والتاريخ بشق النفس.

‏وبالعودة إلى كتاب "لماذا يكره المثقفون بعضهم؟"، الذي يراه البعض مستفزًا، إلّا أنني اعتبره دفاعًا عن الثقافة ضد التفاهة والرثاثة والتسطيح، فهو دعوةٌ لاحترام العقل وتشبّثٌ بالقيم الإنسانية وتمسّكٌ بالمعايير الأخلاقية، فالثقافة هي القوة الأكبر لصناعة العقل، والمثقّف الحقيقي هو الذي يترفّع عن دخول حروب لا تُغني ولا تُسمن من جوع، بل هي أقرب إلى حرب داحس والغبراء، حين تهيمن الكراهية ويستولي القبح على التسامح والجمال.

‏وحسب جمال فإن الخطر الأكبر الذي يهدّد الثقافة ليس الإنترنت أو التلفزيون أو السينما أو التطور التكنولوجي، بل إن أكبر الأخطار هي الثقافة حين تُقدَّم بشكل سيء، "الثقافة ضدّ الثقافة – الثقافلوجيا"، و "المثقّف ضدّ المثقّف"، حيث تنتشر ثقافة الترهيب والترغيب، ولكل شيء ثمنه، فالتهميش والإقصاء والقمع مقابل المناصب والجوائز والامتيازات؛ وينسى بعض المثقفين أو يتناسى دوره التنويري والنقدي كمبدع، فيصبح مروّجًا يزوّق خطاب أصحاب الشأن السياسي أو الحزبي أو الطائفي أو العنصري أو المالي، ويتحوّل إلى رقيب وحاجب على زملائه، يلهث لإرضاء مرؤوسيه الذين يتعاملون معه كموظف تابع يمكن الاستغناء عن خدماته لحظة ما يشاؤون.

‏وقد يسأل القارئ لماذا يقع المثقف وهو صاحب معرفة بمثل هذه الفخاخ؟ والاستدراك الذي يراودني باستمرار أن ثمة فارقًا بين المعرفة والحكمة، فقد لا تعوز المثقف المعلومات، بل تنقصه الحكمة، خصوصًا حين يزدحم قلبه بالأهواء والأنانية، ولذلك لابدّ من التمييز بين العالم والحكيم، فالأول يكون خاضعًا لأناه المضخّمة (الإيكو)، أما الثاني فهو يعرف نفسه ويستطيع أن يُنقّي قلبه من الشرور والكراهية، خصوصًا حين يكون همّه البحث عن الحقيقة وليس المصلحة الشخصية، وأظن أن تلك هي أخلاق المثقف الحقيقي، لاسيّما قدرته على الاعتراف بالآخر وممارسة النقد والنقد الذاتي بوصفه مسؤولية ثقافية ومعرفية وأخلاقية.

‏إن المثقف الذي يفرح بالتنكيل بزميله أو الإساءة إليه أو الانتقاص منه، لا يضيف إلى ثقافته شيئًا، وإنما يزيد من كراهيته، ليس إزاء زميله فحسب، بل إزاء نفسه وثقافته بتقديم شاهد جديد على أحقاده، بما يعكس ضيق الصدور وعتمة الأرواح وسوء النوايا، ويذكرني ذلك ببيت شعر الصديق وليد جمعة "ثراء في التفاصيل ونقص في النوايا"، وهي عبارة بليغة ذات حمولة نقدية وبُعد فلسفي.

للأسف فإن بعض المثقفين ينساق مع بعض الموجات السوداء لاعتبارات سياسية أو حزبوية أو طائفية أو إثنية، ولسان حاله يقول كل من هو ليس منّا فنحن غير معنيين به أو بالدفاع عنه، ويذهب البعض أكثر من ذلك حين يعتبر الآخر منافسًا يمكن المساهمة في تحطيمه أو السكوت على الانتقاص منه أو حتى إهانته أو تشويه سمعته، ويقول جمال حسين علي في معرض النقد الذاتي، وهو محق تمامًا، "كلنا يتحمّل المسؤولية ونحن من شجّعنا على الابتذال وعلينا أن نحاكم أنفسنا" ثم يتساءل لماذا يهرع الملايين لمتابعة الابتذال؟ ولماذا تكون نسبة المشاهدة الأعلى لمن يسميهم المجتمع ساقطين؟ ولماذا تغْبرّ الكتب العظيمة في الرفوف؟

‏هنا يكمن الفرق بين المثقف النقدي وبين أشباه المثقفين الذي تضجّ بهم وسائل الإعلام، ولم تكتفِ السلطات اليوم أو الشركات أو صنّاع الثقافة كالفضائيات والصحف وأصحاب المال بتطويع المثقف واستيعابه في منظومتها تحت عناوين المستشارين حتى وإنْ لم يستشاروا، لكن بعضهم يستطيب هذه المواقع ويعطي نفسه مثل هذه الأدوار البطولية والأمنية والاتصالات السرية بالدول والحكومات والدبلوماسيين والمبعوثين.

***

عبد الحسين شعبان

ليست أزمة تنوع... بل أزمة إدارة للتنوع في العراق

ليست المشكلة في تعدد الهويات العراقية، بل في أن السياسة تعلمت كيف تستثمرها؛ فكلما تعثرت الدولة، وضاقت قنوات المشاركة، وتراجعت الثقة بالمؤسسات، عادت الهويات القومية والدينية والمذهبية لتصبح اللغة التي يفسر بها العراقيون خلافاتهم، ويطالبون من خلالها بالحماية والتمثيل والموارد، لا يشهد العراق اليوم مجرد تصاعد في الخطابات القومية أو المذهبية، بل يمر بمرحلة استعادت فيها الهويات الفرعية حضورا لافتا في المجالين السياسي والاجتماعي؛ فمن الخلافات الكلدانية-السريانية-الاشورية، إلى الجدل حول هوية الايزيديين، مرورا بالتوترات العربية-الكوردية والتركمانية، وصولا إلى الانقسامات المذهبية داخل المكون العربي، تبدو الهوية وكأنها أصبحت الاطار الذي تفسر من خلاله كثير من الخلافات التي تشهدها البلاد.

غير أن قراءة هذه الظاهرة بوصفها عودة لصراعات تاريخية، أو تعبيرا عن عداء متأصل بين المكونات، لا تكفي لفهم ما يجري، لأن الهويات لا تنشط في المجال العام بمعزل عن السياقات السياسية والاجتماعية، وإنما يزداد حضورها عندما تشعر الجماعات بالتهديد، أو حين تجد النخب في استدعائها موردا للتعبئة، أو عندما تضعف الاطر الوطنية القادرة على استيعابها.

تنطلق هذه القراءة من فرضية أساسية مفادها أن الهوية لا تشكل، في ذاتها، سببا للصراع، وإنما تتحول إلى أداة للصراع حين تسيس، أو تربط بالمنافسة على السلطة والموارد والشرعية والتمثيل، فالهويات القومية والدينية والمذهبية تؤدي وظائف ثقافية واجتماعية مشروعة، لكنها تكتسب طابعا صداميا عندما يجري توظيفها في ظل ضعف المواطنة، وتراجع الثقة بالمؤسسات، واحتدام التنافس السياسي، وبناء على ذلك، فإن الازمة العراقية ليست ازمة تنوع في حد ذاته، بل ازمة ادارة سياسية ومؤسسية لهذا التنوع، إذ تتحول الهويات إلى مصادر للتوتر عندما توظف في المنافسة على السلطة والموارد والتمثيل، وحين تعجز الدولة عن تقديم المواطنة بوصفها اطارا جامعا وعادلا.

ويعد العراق من أكثر بلدان المنطقة تنوعا من حيث القوميات والاديان والمذاهب، وهو تنوع لم يكن، في معظم مراحله التاريخية، سببا دائما للصراع، بل أسهم في تشكيل فضاء اجتماعي وثقافي غني ومتشابك.. فالتعدد في حد ذاته ليس أزمة، وإنما تظهر الاشكالية عندما يصبح الانتماء القومي أو الديني أو المذهبي معيارا للمنافسة على السلطة والموارد والشرعية السياسية؛ ففي مثل هذه السياقات تغدو الهويات أكثر قابلية للتسييس، ويعاد توظيفها في التنافس السياسي، دون أن تفقد بالضرورة وظائفها الثقافية والاجتماعية، وقد تتحول الهوية، في ظل غياب الثقة بالمؤسسات، إلى مصدر للحماية والاعتراف، أو إلى وسيلة لتفسير الحرمان وتحديد المسؤولية، ولا سيما عندما يشعر الافراد والجماعات بأن الدولة لا توفر لهم المساواة أو الامن أو فرص المشاركة.

لقد واجهت الدولة العراقية الحديثة، منذ تأسيسها، اشكالية مستمرة تمثلت في التوفيق بين مشروع وطني جامع وواقع اجتماعي شديد التنوع. إلا أن هذا التحدي اكتسب ابعادا أكثر تعقيدا بعد عام 2003، حين أعيد تنظيم الحياة السياسية وفق منطق المحاصصة والتمثيل الهوياتي، فأصبح الانتماء القومي أو المذهبي مدخلا رئيسيا للمشاركة في السلطة وتوزيع النفوذ والموارد، ومع مرور الوقت، أخذت الانتماءات القومية والمذهبية تؤدي دورا أكثر بروزا في التعبئة السياسية، مع اتساع اعتماد القوى المتنافسة على الخطابات الهوياتية في بناء الشرعية وحشد الانصار، وهو ما أتاح للنخب مساحة أوسع لتوظيفها في الصراع على النفوذ والمواقع، ولم تعد الهوية مجرد تعبير عن الانتماء الثقافي أو الاجتماعي، بل غدت في كثير من الاحيان لغة سياسية تستخدم لتحديد من يحق له التمثيل، ومن يستحق الموارد، ومن يمتلك حق تعريف الجماعة والتحدث باسمها.

ولا يمكن فصل هذا المسار عن العوامل الاقتصادية؛ فمظاهر الفساد، والتفاوت في التنمية، وضعف الخدمات العامة، والمنافسة على فرص العمل، وتوزيع الموازنات، والثروة النفطية، كلها تسهم في زيادة قابلية المجتمع للتعبئة الهوياتية، وعندما لا تجد المظالم المعيشية معالجة مؤسسية عادلة، يعاد تقديمها في صورة مطالب قومية أو مذهبية أو مناطقية، فيصبح التنافس على الموارد امتدادا للتنافس على الهوية، ومن هنا، فإن تفسير تصاعد النعرات القومية والمذهبية بوصفه امتدادا لخلافات تاريخية لا يقدم سوى جزء من الصورة، كما أن رده بالكامل إلى ضعف الدولة يبقى تفسيرا غير كاف، فما يشهده العراق اليوم هو نتيجة تفاعل معقد بين هويات تحمل ذاكرتها الجمعية، ودولة لم تستطع ترسيخ المواطنة بوصفها المرجعية العليا، ونخب سياسية وجدت في استثمار المخاوف الهوياتية وسيلة أكثر فاعلية من بناء البرامج الوطنية، مع عدم التغافل عن الاجندات الخارجية الساعية إلى الابقاء على تلك النعرات وفق مصالحها، وفي ظل هذا التفاعل، يعاد انتقاء بعض عناصر الهوية وإعادة تأويلها تبعا للسياق السياسي ومتطلبات التنافس، بما يمنحها ادوارا تتجاوز بعدها الثقافي، ويجعلها أكثر حضورا في عمليات التعبئة والاستقطاب.

وقد يرى بعض المتابعين أن الخلافات العراقية لا يمكن ردها إلى تسييس الهوية وحده، لأن بعضها يستند إلى ذاكرة تاريخية عميقة، وتجارب متراكمة من الاقصاء والعنف والتمييز، وهذا الرأي ينطوي على قدر من الصواب، إذ لا يمكن انكار اثر التاريخ في تشكيل تصورات الجماعات عن ذاتها وعن الاخرين، غير أن الذاكرة التاريخية لا تتحول بالضرورة إلى صراع سياسي مستمر، بل تحتاج إلى سياق مؤسسي وسياسي يعيد تنشيطها ويوجهها نحو التعبئة والمنافسة، ولذلك، فإن المشكلة لا تكمن في وجود الذاكرة، وإنما في الطريقة التي تنتقى بها عناصرها وتوظف في الحاضر، فالتاريخ قد يفسر نشوء بعض الحساسيات، لكنه لا يفسر وحده توقيت ظهورها، ولا كيفية انتقالها من المجال الرمزي إلى مجال الصراع على السلطة والموارد والتمثيل.

ويجسد الخلاف الكلداني-السرياني-الاشوري التداخل بين الذاكرة التاريخية والهوية الدينية واللغوية والثقافية والواقع السياسي المعاصر، فالنقاش لا يدور حول التسمية والجذور التاريخية فحسب، بل يمتد إلى سؤال التمثيل السياسي والرمزي، ومن يمتلك حق التحدث باسم هذه الجماعات في مؤسسات الدولة والمجال العام، ومع أن الكلدان والسريان والاشوريين يتقاطعون في اللغة والتاريخ والجغرافيا، فإنهم يختلفون في الانتماء الكنسي، والتجربة التاريخية، والرؤية القومية، وطرائق تعريف الذات، الامر الذي يجعل اختزالهم في هوية واحدة موضع خلاف مستمر، ولا ينشأ التوتر من التعدد في حد ذاته، بل من انتقال الاختلاف من المجال الثقافي إلى مجال التنافس على الشرعية والنفوذ والتمثيل، وحين تستثمر بعض النخب هذه الفروق في التعبئة السياسية، تتحول الذاكرة التاريخية من مجال للتنوع الثقافي إلى مورد للصراع، ويغدو كل اسم مدخلا لاثبات الاحقية ونفي رواية الاخر، كما ان بعض القوى الخارجية قد تسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إعادة تنشيط هذه الخلافات وتضخيمها، من خلال الدعم السياسي، أو توجيه الخطاب الاعلامي، أو بناء علاقات مع قوى محلية، أو توظيف هذه الانقسامات في صراعات النفوذ والتمثيل، غير ان هذا العامل لا يلغي الجذور الداخلية للخلاف، بل يزيدها حدة في سياقات سياسية واجتماعية قابلة للاستقطاب، فالقضية لا تتعلق بالتسمية بوصفها مسألة لغوية أو تاريخية فقط، بل بما يترتب عليها من حقوق وتمثيل ومكانة سياسية، وهنا ينتقل الاختلاف من مستوى التعريف والانتماء إلى مستوى التنافس على النفوذ والشرعية.

أما العلاقة بين الكورد والايزيديين، الذين تتباين مواقفهم من حيث الانتماء القومي والديني والولاء السياسي، فتحتاج إلى مقاربة تتجاوز اختزالها في صراع هوياتي ثنائي، لأن المسألة تتصل ايضا بانقسام هوياتي داخل المجتمع الايزيدي نفسه، فقد تناولت كتابات تاريخية واثنوغرافية قديمة الايزيدية بوصفها ديانة وجماعة دينية متميزة، لكنها وصفت اتباعها في الوقت نفسه بأنهم كورد أو ناطقون بالكوردية، وربطتهم بالمجال الجغرافي والثقافي الكوردي، ومع ذلك، يرى اتجاه ايزيدي أن الخصوصية الدينية والتاريخية والثقافية للايزيديين تؤسس لهوية مستقلة، في حين يرى ايزيديون اخرون أنهم جزء من القومية الكوردية مع احتفاظهم بخصوصيتهم الدينية، بينما يتبنى ايزيديون اخرون انتماءات قومية أو سياسية مختلفة، تبعا للغة والبيئة الاجتماعية والتجربة التاريخية ومصادر الانتماء، وقد اسهم هذا التعدد في الرؤى في انتاج مواقف متباينة من العلاقة مع الكورد وبغداد والقوى المحلية والاقليمية، كما ادى إلى انقسام في الولاءات السياسية، بحيث لم يعد الخلاف مقتصرا على تعريف الهوية، بل امتد إلى تحديد الجهة التي تمثل الايزيديين، وتوفير الحماية لهم، وادارة مناطقهم، وتقرير مستقبلها السياسي.

وقد شكلت كارثة شنگال عام 2014 نقطة تحول مفصلية في هذا السياق، إذ لم تقتصر اثارها على المأساة الانسانية، بل اعادت طرح اسئلة الهوية والامن والادارة والتمثيل بصورة اكثر حدة، وتزداد تعقيدات الملف بسبب الموقع القانوني والاداري لشنگال، بوصفها من المناطق المتنازع عليها بين الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كوردستان، الامر الذي جعلها ساحة تتقاطع فيها مصالح بغداد واربيل وقوى محلية واقليمية متعددة، ومن ثم، فإن التباين داخل المجتمع الايزيدي لا يمكن تفسيره بوصفه انقساما هوياتيا خالصا، ولا بوصفه خلافا سياسيا عابرا، بل هو نتيجة تفاعل بين تصورات متباينة للذات الايزيدية، وانتماءات قومية وسياسية متعددة، وتجارب مختلفة في علاقتها بالدولة والقوى المحيطة، وهكذا أصبحت الهوية في هذا السياق مجالا للتعبير عن الخوف والبحث عن الحماية وتحديد الولاء، بقدر ما هي تعبير عن الذاكرة والثقافة والانتماء، وتكشف الحالة الايزيدية أن الخلاف لا ينشأ دائما بين جماعتين مختلفتين، بل قد يظهر داخل الجماعة الواحدة عندما تتعدد تصوراتها عن ذاتها، وتتباين رؤاها بشأن الدولة والامن والمستقبل السياسي، كما تكشف أن قضايا الهوية تصبح اكثر حساسية عندما ترتبط بالتهجير والحماية والادارة وحق تقرير المستقبل.

أما الملف العربي-الكوردي، فينقل النقاش من سؤال التمثيل داخل الجماعة إلى سؤال العلاقة بين المكونات وبنية الدولة، بما يوضح أن تسييس الهوية يتخذ صورا مختلفة تبعا للسياق السياسي والقانوني والجغرافي، ويظل الملف العربي-الكوردي أكثر ملفات الهوية ارتباطا ببنية الدولة العراقية، لأنه يتصل بقضايا دستورية وسياسية واقتصادية لم تحسم بصورة نهائية، مثل ادارة المناطق المتنازع عليها، ومستقبل كركوك، وتقاسم الموارد الطبيعية، وحدود الصلاحيات بين الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كوردستان، ولذلك، فإن هذا الملف لا يعكس مجرد اختلاف قومي، بل يكشف كيف تتداخل اسئلة الهوية مع طبيعة النظام السياسي واليات توزيع السلطة. وتزداد الصورة تعقيدا مع الحضور التاريخي الحديث للتركمان في كركوك والمناطق المختلطة، لتغدو المدينة نموذجا مكثفا لتشابك الانتماءات المحلية مع المصالح الوطنية والتجاذبات الاقليمية، حيث يصبح أي تحول سياسي أو اداري قابلا لان يقرأ من زوايا هوياتية مختلفة.

ولا يقتصر الحضور التركماني في هذا الملف على كون التركمان طرفا ضمن التنافس على كركوك، بل يمتلكون ايضا خطابا هوياتيا خاصا يتصل بالتمثيل السياسي، والحقوق الثقافية واللغوية، والحفاظ على الوجود التاريخي في المناطق المختلطة. ولذلك، فإن أي معالجة للملف العربي-الكوردي لا تضع المكون التركماني في الاعتبار تظل معالجة ناقصة، لأن المدينة لا تختزل في ثنائية قومية واحدة، بل تشكل فضاء تتقاطع فيه هويات ومصالح وذاكرات متعددة، فالقضية لا تتعلق فقط بمن يملك حق ادارة المدينة أو تمثيل سكانها، بل تتصل ايضا بالذاكرة التاريخية، والموارد، والحدود الادارية، وتوازنات القوة بين الاطراف المختلفة. وهنا تظهر الهوية بوصفها جزءا من نزاع على الدولة ذاتها، لا مجرد تعبير عن اختلاف اجتماعي، كما ان غياب قواعد مستقرة وعادلة لادارة هذا التعدد يجعل كل تسوية سياسية قابلة لان تفسر بوصفها انتصارا لجماعة وهزيمة لاخرى.

ولا تقتصر هذه الظاهرة على العلاقة بين القوميات المختلفة، بل تمتد إلى داخل المكون العربي نفسه، حيث تكشف التوترات المذهبية ان الازمة العراقية اوسع من ان تختزل في الانقسام القومي، ويظهر تسييس الهوية المذهبية بصورة اكثر وضوحا في الانقسام السني-الشيعي، ولا سيما بعد عام 2003، حين انتقلت الطائفية من كونها انتماء اجتماعيا ودينيا إلى اطار لتنظيم التمثيل السياسي وتوزيع السلطة، وقد اسهمت سياسات الاقصاء والعنف المتبادل، إلى جانب انهيار الثقة بالمؤسسات، في تحويل المخاوف المذهبية إلى مواقف سياسية وامنية، كما ان التنافس على رئاسة المؤسسات، والموارد، والمناصب، ومناطق النفوذ، كثيرا ما جرى التعبير عنه بلغة مذهبية – ولائية -، الامر الذي جعل الخلاف السياسي يبدو في بعض مراحله صراعا على وجود الجماعة ومكانتها، لا مجرد خلاف على البرامج والسياسات.

وعندما تتراجع الثقة بالمؤسسات، وتضعف قدرة الدولة على ادارة الخلافات، تميل الجماعات إلى البحث عن الحماية داخل دوائرها الاولية، سواء كانت طائفية أو عشائرية أو حزبية، وعندئذ تكتسب الخلافات السياسية ابعادا هوياتية تجعلها اكثر تعقيدا، لان التنافس لا يعود يدور حول السياسات وحدها، بل يمتد إلى اسئلة الوجود والتمثيل والاعتراف، كما يصبح الوصول إلى السلطة وسيلة لتأمين الجماعة، لا مجرد ممارسة سياسية قابلة للتداول، ولا يمكن فهم هذه التحولات بمعزل عن البيئة الاقليمية والدولية، فالعراق يقع في منطقة تتشابك فيها المصالح والاستراتيجيات، الامر الذي جعل قواه الداخلية عرضة لتأثيرات خارجية متفاوتة، وقد وجدت بعض القوى الاقليمية والدولية في الانقسامات العراقية فرصة لتعزيز نفوذها أو حماية مصالحها، عبر الدعم السياسي، والتأثير في وسائل الاعلام، وبناء علاقات مباشرة مع القوى المحلية، ودعم جماعات أو روايات سياسية معينة، وربط الملفات العراقية بصراعات اقليمية اوسع.

غير أن هذه التدخلات لم تكن لتكتسب هذا القدر من التأثير لولا وجود بيئة داخلية قابلة للاستقطاب؛ فالعامل الخارجي يستطيع تعميق الانقسام، وتوسيع نطاقه، ومنح بعض اطرافه موارد سياسية وامنية واعلامية، لكنه لا ينشئ الازمة من الاساس إذا لم تكن هناك مؤسسات ضعيفة، ونخب مستعدة لتوظيف الانقسامات، وجماعات تشعر بالخوف أو التهميش، أو ترتبط مصالحها وولاءاتها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بتلك الاجندات الخارجية، ومن ثم، فإن العامل الخارجي يسهم في تعميق الازمة وتوسيعها اكثر مما ينشئها من الاساس.

ومن زاوية اخرى، يبدو أن توقيت تصاعد هذه النعرات ليس امرا عفويا، فهي تبرز عادة في المراحل التي تشهد اضطرابا سياسيا، أو ازمات اقتصادية، أو انسدادا في الافق الوطني، أو حين تتداخل الازمات الاقليمية والدولية مع الشأن العراقي، فتسعى بعض القوى إلى حماية مصالحها عبر تغذية الانقسامات واستثمار الخطابات الهوياتية، ففي مثل هذه الظروف تتراجع قدرة الدولة على انتاج الثقة، وتضعف الروابط الوطنية الجامعة، بينما تستعيد الانتماءات الاولية حضورها بوصفها مصادر للامان والاعتراف، ولهذا، فإن تنامي الخطابات القومية أو المذهبية في العراق يرتبط بالسياق الذي تعيشه البلاد بقدر ارتباطه بالارث التاريخي الذي تحمله الجماعات المختلفة، فالهوية قد تبقى حاضرة في الذاكرة والثقافة من دون أن تتحول إلى نزاع سياسي، لكنها تصبح قابلة للاستثمار عندما تتزامن الازمات الاقتصادية مع ضعف المؤسسات وانسداد قنوات المشاركة، وتنسجم هذه القراءة مع دراسات تربط ازمة الهوية في العراق بضعف الاندماج الوطني، واختلال التوزيع، وتراجع المشاركة والشرعية السياسية.

ولا تقل البنية المؤسسية للدولة اهمية عن العوامل السياسية والاجتماعية في تفسير هذه الظاهرة، فالمؤسسات التي تفتقر إلى العدالة والفاعلية لا تستطيع ادارة التنوع بصورة متوازنة، كما ان غياب اليات واضحة لتوزيع السلطة والموارد يفتح المجال امام الجماعات للبحث عن ضمانات خارج الاطار الوطني، وعندما لا يشعر المواطنون بالمساواة امام القانون، تصبح الهويات الفرعية اكثر قدرة على ملء الفراغ الذي تتركه الدولة، وتتحول المطالب السياسية من مطالب حقوقية قابلة للتفاوض إلى قضايا وجودية يصعب التوصل بشأنها إلى حلول وسط. وفي هذه الحالة، لا يعود الصراع متعلقا فقط بما تفعله الدولة، بل بما تعجز عن فعله ايضا.

وتبين المقارنة بين تجارب الدول المتعددة أن التنوع لا يقود بالضرورة إلى الصراع أو التفكك، فقد استطاعت بعض الدول ذات التعدد القومي أو الديني أن تحد من اثاره الصراعية من خلال مؤسسات دستورية عادلة، وضمانات واضحة للحقوق، وقواعد مستقرة لتوزيع السلطة، بينما فشلت دول اخرى حين تحولت الهويات إلى أدوات للمنافسة السياسية، وحين أصبح الانتماء الاولي طريقا إلى الموارد والنفوذ والحماية، ولا يكمن الفارق، إذن، في مقدار التنوع، بل في طبيعة المؤسسات التي تديره، وفي مدى قدرة النظام السياسي على منع تحويل الاختلاف إلى امتيازات مغلقة أو مصادر دائمة للاستقطاب، فالدول المتعددة لا تستقر بانكار الفروق، وإنما بتحويلها إلى حقوق منظمة، ومشاركة سياسية عادلة، وقواعد دستورية تمنع احتكار الدولة من قبل جماعة أو مكون، ومن ثم، فإن ادارة التنوع لا تعني مجرد منح المكونات حصصا في مؤسسات الدولة، كما لا تعني تثبيت المحاصصة بوصفها نظاما دائما لتوزيع السلطة، فادارة التنوع تختلف عن تقاسم السلطة، لانها تتطلب قواعد دستورية تضمن المساواة، ومؤسسات مستقلة تفصل في النزاعات، وسياسات تنموية عادلة، وضمانات لحماية الحقوق الثقافية والدينية والقومية.

كما تختلف ادارة التنوع عن اللامركزية، التي تتعلق بتوزيع الصلاحيات بين المركز والوحدات المحلية، مع ان اللامركزية قد تكون إحدى وسائل ادارة التنوع عندما تطبق ضمن اطار قانوني واضح، أما المواطنة الدستورية، فتمثل الاطار الذي يجعل الانتماءات المختلفة متساوية امام القانون، ويمنع تحولها إلى امتيازات سياسية مغلقة أو أدوات للاقصاء، مع الحفاظ على الهويات، ومن هذا المنظور، فإن تقاسم السلطة قد يكون وسيلة مؤقتة لمنع الاحتكار وطمأنة المكونات، لكنه لا يكفي لبناء دولة مستقرة إذا تحول إلى محاصصة دائمة تعيد انتاج الانقسام، كما ان اللامركزية لا تحقق اهدافها إذا استخدمت لترسيخ العزلة المناطقية أو تحويل الادارات المحلية إلى مراكز نفوذ مغلقة، إن ادارة التنوع الناجحة تتطلب الجمع بين الاعتراف بالخصوصيات وحماية المساواة العامة، وبين توزيع الصلاحيات وترسيخ وحدة القانون والمؤسسات.

إن ما يواجهه العراق اليوم ليس ازمة ناجمة عن تنوعه، بل عن الطريقة التي يدار بها هذا التنوع داخل المجال السياسي، فالتعدد القومي والديني والمذهبي كان، عبر تاريخه، احد مصادر ثرائه الاجتماعي والثقافي، لكنه يتحول إلى مجال للاستقطاب حين تصبح الانتماءات وسيلة للمنافسة على السلطة والشرعية والموارد والولااءات، وتتراجع المواطنة بوصفها الاطار الجامع، ولا يتطلب تجاوز هذه الازمة اضعاف الهويات أو انكارها، بل بناء مؤسسات عادلة واليات دستورية واضحة تضمن التمثيل المتوازن، وتحمي الحقوق، وتنظم توزيع السلطة والثروة، وتعالج الفوارق التنموية التي قد تحول الحاجات المعيشية إلى وقود للتعبئة القومية أو المذهبية.

فالمواطنة لا تصبح اطارا جامعا بمجرد اعلانها، وإنما تكتسب معناها العملي حين تسندها سيادة القانون، واستقلال المؤسسات، والعدالة في التمثيل، والمساواة في الوصول إلى الخدمات والفرص، وإذا استمرت قواعد التنافس السياسي على حالها، فإن أي ازمة اقتصادية أو انتخابية أو امنية مقبلة ستعيد انتاج الانقسامات، مهما تغيرت النخب والواجهات السياسية، إن الخطر الحقيقي الذي يواجه العراق ليس تعدد هوياته، بل استمرار النظام السياسي في مكافأة الانقسام ومعاقبة المواطنة.

***

د. جوتيار تمر

اقليم كوردستان  7-8-2026

مئات من السنين خضعت فيها الأمّة العربيّة لشعوب غازية، اتخذت من الإسلام عقيدة لها، كالبويهيين، والسلاجقة، والأتراك، والأغز، والتتر، والمغول، والصفوين، والمماليك، والعثمانيين. وباسم الإسلام سيطرت هذه الشعوب على الدولة العربيّة وشعوبها.. أي منذ القرن الثالث للهجرة (التاسع ميلادي)، مع بدء ضعف السلطة العباسيّة ووصول الخليفة "المتوكل" إلى سدّة الحكم برغبة المماليك السلاجقة، واستمرت حتى انتهاء الدولة العثمانيّة، لتخضع هذه الأمّة من جديد للقوى الاستعماريّة الغربيّة التي اعتبرت نفسها امتداداً للغزوات الصليبيّة، التي عملت ليس على زيادة تخلفها فحسب، بل وزيادة إضعافها أيضاً عندما راحت تجزأها إلى دويلات صغيرة لم تزل قائمة حتى هذا التاريخ. وعلى الرغم من أن قسماً كبيراً من هذه الدول ناضل من أجل استقلاله - وقد حصل عليه - غير أن العدد الأكبر منها لم يزل مرتهناً في قراره السياسي والاقتصادي لهذه القوى المستعمرة بشكل مباشر وغير مباشر، هذا إضافة إلى وجود الكيان الصهيوني وما يشكله هذا الكيان من معوقات لحركة التحرر العربي، حيث أُعيد هيكلة الكثير من الأنظمة العربية بما يخدم وجود هذا الكيان، وبالتي استمراريّة التخلف العربي بالضرورة. وهذا يعني في نهاية المطاف فقداناً أو غياباً للاستقرار السياسي العربي، الذي أخذنا نلمسه في ردود الفعل العربية السلبية (للحكومات) تجاه الكثير من التحديات التي تعرضت لها هذه الأمّة العربية في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، إن كان تجاه الاحتلال الأمريكي للعراق، أو حرب تموز في لبنان، أو حرب غزة، أو ما سمي بثورات الربيع العربي واليوم صفقت القرن ومشروع داوود وغير ذلك .

أين موقع الدولة في مجتمعاتنا؟، وأين نحن من دولة القانون؟

الدولة في سياقها العام هي أعلى سلطة منظمة تعمل وفق مؤسسات ناظمها الأساس أيضاً قوانين وتشريعات صادرة عن هيئات تمثل الإرادة العامة. وهذا في الحقيقة يمثل ما نستطيع تسميته بالدولة الحديثة، وكل دولة تفتقد إلى أحد مكونات هذه الدولة، هي دولة غير كاملة أو مبتسرة، أو دولة ما قبل الدولة.

والأسئلة المشروعة التي تطرح نفسها علينا هنا هي: هل حازت الدولة العربية على مكونات الدولة الحديثة؟، أي هل هي تمثل فعلاً أعلى سلطة مستقلة في المجتمع؟، وهل هي تمتلك مؤسسات منتظمة بقوانين وتشريعات صادرة عن هيئة أو هيئات تمثل الإرادة العامة وتفصل بين السلطات.

إن المتابع لمسألة الدولة العربية يجد في الحقيقة أن هذه الدولة في معظمها هي دولة ما قبل الدولة، استقل قسم كبير منها مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين، وبعضها ظهر على الساحة في السبعينيات من القرن ذاته، هذا في الوقت الذي لم يزل قسم منها خاضع لإرادة الخارج، وحكوماته ليست أكثر من أدوات لتنفيذ الأجندات الخارجيّة، كل ذلك يؤكد عندنا أن هذه الدول لم تحوز بعد على صفة الكمال أو الحداثة، فالدولة كسلطة تقوم في معظمها على مرجعيات تقليديّة (عشيرة، قبيلة، طائفة، عسكر الخ..)، لم تزل هذه المرجعيات تتحكم في تشريعاتها وقوانينها، وبالتالي إدارة مؤسساتها وحواملها الاجتماعيّة، الأمر الذي جعل منها دولة غنيمة للقوى الحاكمة، أكثر منها دولة تنمية وإعمار وقانون للمجتمع، وهذا أحد العوامل الرئيسة التي ساهمت ولم تزل تساهم في تخلف هذه الأمّة، بل وإعادة إنتاج هذا التخلف الذي راح يتجلى واضحاً عبر كل المستويات من حيث الجوهر، بغض النظر عن ما نلمسه من تطور في حالات الشكل (العمران) التي أخذت تشمخ هنا وهناك في دول النفط، بسبب الطفرة النفطية، علماً أن (معظم) هذه الحالات شيّد بخبرات ومهارات أجنبية.

أما السؤال الأهم ما هو واقع البنية الاقتصادية في مجتمعاتنا؟.

بسبب طبيعة السلطة (المملوكية) في نهجها التي سادت في الكثير من البلاد العربيّة تحت ظل القوى الحاكمة تاريخيّاً منذ بداية العصور الوسطى حتى بداية القرن العشرين، ممثلة بقوى حاكمة شبه اقطاعيّة عسكريّة عملت على تدمير البنية الاقتصاديّة زراعيّاً وصناعيّاً وتجاريّاً، وقد استمر هذا النهج السلطوي الحاكم حتى سقوط الدولة العثمانيّة في الربع الأول من القرن العشرين، ثم جاءت الدولة (الشموليّة) مع الاستعمار الغربي الذي سعى بكل ما يملك من مقومات لجعل البلاد العربيّة وغيرها من دول العالم الثالث، بلاداً يدور رحى اقتصادها بما يخدم مصالحه الاقتصاديّة، أي جعلها بلاداً فقيرة أو محطمة من الناحية الصناعيّة والتكنولوجيّة، وغنيّة أو ناشطة زراعيّاً، وبخاصة في الزراعات الصناعيّة التي تحرك مصانعه، وتساعد على توسيع أسواق تصريف منتجاته، وهذا ما تم بالفعل، الأمر الذي أوقع هذه البلاد في مضمار (المتروبول)، وخلق مآزق اقتصاديّة وسياسيّة كثيرة، كان الغرب (المتروبول) يساعد على خلقها أو تأجيجها عندما يشعر بأنها تخدم مصالحه، وهذا ما ساعد على ربط هذه البلاد بالدولة المستعمرة وجعلها تابعة له ولخدمة مصالحه حتى بعد خروجه العسكري من معظمها. لذلك ظلت هذه البلاد تعاني ولم تزل من التخلف الاقتصادي، فهناك أزمة غذاء حقيقية يعاني منها العديد من البلاد العربية، إضافة إلى فقدان الصناعات الاستراتيجية القادرة على حماية هذه البلاد من استغلال الدول الغربيّة المنتجة لها من جهة، أو من الوقوع في مطب الصناعات التحويليّة، والرثة من جهة أخرى، التي حاول الغرب التخلص منها منذ فترة زمنيّة طويلة بسبب تلويثها للبيئة، هذا إذا ما جئنا على غياب الخبرات والمهارات العلميّة، وقلة نسبة التوظيفات الماليّة في ميزانيات الحكومات للبحوث العلميّة وتطويرها، ثم الأموال الطائلة التي هربت إلى الخارج ووظفت هناك بدلاً من توظيفها داخل البلاد، والأهم يأتي الارتهان بعض الدول العربيّة الفقيرة لقروض البنك الدولي وشروطه السريّة المجحفة بحق الدولة وشعوبها.. الخ .

على العموم هناك أزمة سياسية قائمة تحكمها دول شموليّة، مثلما هناك أزمة في مفهوم الدولة الحديثة التي لم تستطع الخروج بعد من صيغة الدولة الشمولية، وهناك أزمة اقتصادية  مستفحلة على كافة مستوياتها، تجلت نتائجها واضحة في تردي الكثير من الجوانب الاجتماعيّة والسياسيّة للبلاد، بحيث لم يعد بالإمكان تغطيتها من قبل العديد من الحكومات العربية.

***

د. عدنان عويد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

بقلم: زويب ماتين

ترجمة: صالح الرزوق

***

أحيانا، يبدو الأمر غريبا عندما ندرك مدى عدم استعدادنا، كأطفال في المدرسة، للكدح المتواصل والعمل وأداء الواجبات التي ستقيدنا في مرحلة البلوغ. في قصيدة لويليام هنري ديفيز، توجد مرثية لأحوالنا، والقصيدة جزء أساسي من منهج اللغة الإنكليزية لدينا، وقد ورد فيها: "ما هذه الحياة المليئة بالهموم؟. ليس لدينا وقت للوقوف والتأمل".

لا شك أننا نفهم من هذه القصيدة أن "الحياة المليئة بالهموم" تشير إلى يوم دراسي حافل بالواجبات المنزلية. لم نكن ندرك حينها أننا على الأقل نستطيع التمتع بوقت الفراغ الذي يحق لنا الحصول عليه، ولم نكن نعي بعد الهموم والشكوك وخيبات الأمل التي ستطارد ساعات راحتنا وأوقات تأملنا التي نكتسبها بشق الأنفس في مرحلة البلوغ.

للهروب من هذه "الحياة المليئة بالهموم"، ومن القلق حيال الخط الأحمر الذي سيكلفنا بعض الدرجات في أوراق امتحاناتنا، انغمسنا، أو أقله انغمس بعضنا، في الكتب التي أخذتنا بعيدا عن رتابة الدروس والامتحانات اللامتناهية. عندما كنا نقرأها، سواء في ساعة الغداء، أو إذا استعرناها من المكتبة، أو حتى سرا تحت المكتب أثناء نسخ الملاحظات من السبورة، كانت تمنحنا متعة تدوم طويلا، بل وجرعة من تعليم قادم من عالم آخر، كنا نرتشفه بشغف يفوق بكثير ما نستطيع تقديمه لدروسنا. في تلك الكتب، كنا نسافر إلى أراض بعيدة، أو حتى إلى مركز الأرض، ونقرأ قصصا عن فتيان لم يتلقوا تعليما صحيحا، ومع ذلك انطلقوا في مغامرات مليئة بالمخاطر، حيث استطاعوا الصمود أمام البشر. كنا نلتقي بالمغامرين والقراصنة والقتلة واللصوص؛ كما كنا نواجه رجالا غير مرئيين، وغزاة من المريخ، ومصاصي دماء، ووحوشا بشعة. لقد تابع المرء هذه الشخصيات ومؤامراتها بشغف خيالي كبير لدرجة أن الشخصيات الأسطورية مثل فاجين وبيل سايكس، في حالتها البائسة، كانت تبدو حقيقية بشكل غير متوقع - لقد ذكرت المرء ببعض القسوة والمكر البغيض الذي وجده المرء داخل جدران المدرسة والذي سيجده مرة أخرى في مرحلة البلوغ أيضا.

وبعد الكتب، وخاصة تلك التي تتناول قصصا مثل "القباطنة الشجعان" أو رواية بلاي عن تمرد سفينة باونتي، كانت الأفلام التي يشاهدها المرء في ذلك العمر، والتي تصور ضباطا ورجالا يرسلون في مهمات جريئة خلف خطوط العدو، وعملاء سريين يرسلون إلى أراض خلابة لإنقاذ الموقف، هي التي تترك للانطباع ااأولي عن عمل الرجال في المكاتب. وبطبيعة الحال، الأفلام التي وثقت هذا الجانب الأخير هي بواكير أفلام جيمس بوند، لأن كل تلك "المهمات السرية للغاية"، وتلك المغامرات الممتعة في الجزر الاستوائية والمدن الصاخبة في الجانب الآخر من العالم، وداخل غرف في الأهرامات أو في أوكار الأشرار الكائنة في البراكين، هي عادة ما تأتي بعد اجتماع أو "إحاطة “مع رئيس بوند المدعو ببساطة "إم". في تلك الغرفة الرسمية المريحة ذات الباب الجلدي، كان يأمره بوضوح وتهذيب قائلا - "اجلس، 007" - تمهيدا لشيء مثير قادم. لطالما راودتني ذكرى هذا المشهد المتكرر خلال تلك الساعات الكئيبة في الفصل الدراسي المضاء بالنيون؛ فإذا كان الأولاد الآخرون يتوقون إلى مباراة كرة قدم مثيرة على أرض الملعب الرملية، كنت أتوق إلى أمر، أكثر تعقيدا، له إيحاءات ساخرة، وينتهي بعقاب على ذنب جسيم. كنت أتخيل أنهم يستدعونني إلى غرفة المدير - غرفة مكيفة فاخرة وواسعة كقاعة تدريس، ومزودة بمقاعد ذات ذراعين ومبطنة ومريحة بالمقارنة مع مقاعدنا الخشبية الصلبة. كانت ملامح مديرنا سمراء، ونادرا ما تكون ودودة، وتبدو مشدودة للغاية وهو مكفن في ثوبه الأبيض الناصع ولا سيما في المناسبات الرسمية، لكن في بقية الأوقات يرتدي قميصا أبيض وسروالا قطنيا أكثر سوادا من وجهه. وهذه الملامح لا تضاهي وقار "إم" الهادئ، بل والمذهول، كما يجسده الممثل المبهر دائما، السيد برنارد لي.

لعل سبب هذا الخيال الذي لا يزال يرافقني هو أن والدي كان دائم الترحال في أرجاء البلاد بحكم عمله، وكان عند عودته، إلى جانب الألعاب والحلوى وغيرها من التذكارات التي يحملها من رحلاته (ناهيك عن النسخ المقرصنة من أفلام الحرب والتجسس القديمة التي يشتريها من الباعة المتجولين الماليزيين)، يسليني بقصصه عما مر به من تجارب - مثل قصص رجال الأعمال الأجانب الذين التقاهم، ومشاهد وأصوات من تلك البلدان الأجنبية، والوجبات الفاخرة التي تقدم في أطباق رويال دولتون حين يكون على متن الدرجة الأولى. على النقيض من ذلك، لم يكن ينسيني رتابة المكان، في مكتبه، سوى "سحر" آلات التصوير، بصوتها المميز ونقراتها، والأختام المطاطية وأحبارها. ومع ذلك يأخذ المكان بالتضاؤل أمام رحابة حكايات سفرياته.

بعد أكثر من خمسة عشر عاما على أول زيارة إلى المكتب الحقيقي، وجدت نفسي أعمل في شركة وساطة، ومثل ذلك الطفل، كنت مفتونا بالآلات أكثر من الرجال أو النساء. كنت أجد متعة كبيرة في آلات توزيع المشروبات التي تصب الشاي الساخن والقهوة والشوكولا، وحتى حساء البندورة، بصوت صاخب، في أقل من دقيقة. لكن ربما كان هذا القدر الضئيل من التسلية هو كل ما يمكن للمرء أن يتطلع إليه. فالعمل، حتى في أكثر الأيام ازدحاما، لا يمثل أي شيء له قيمة أو جدير بالتقدير، وكان المرء يعد الدقائق، كما يعد الصبي الأسابيع والأيام المتبقية لعطلته المدرسية، حتى ساعة المغادرة، و وحينها تكون منهكا للغاية، بل وربما محبطا.

في عامي الرابع كعامل، بدأت أقرأ لغراهام غرين، الكاتب الذي أصبحت أعماله مصدر عزاء لي كلما اشتدت وطأة الحياة. في رواياته الأولى، وجدت صدى عميقا ليأسي وإحباطي في عالم لا يترجم فيه العمل إلى نجاح، ولا تكسب فيه من العزم والإصرار أية كرامة. لقد تركت جيمس بوند، ببدلاته الأنيقة وحقيبته الخطيرة، في عالم الخيال. بدلا من ذلك، وجدت صورة معاكسة ومقلقة لكنها مريحة في شخصية رايفن الطريد، بياقة معطفه الرث الذي يخفي شفة الأرنب، وكان محكوما عليه بحياة لا تنتهي من الكراهية والعداء، وهو يطارد رب عمله عديم الضمير في أرجاء البلاد - وهذا هدف قاس وصريح، لكنه يحتوي على قدر من الإنسانية، لأنه يريد أن ينتقم من عالم واسع جدا وقوي للغاية. «عالم واسع جدا وقوي للغاية»... بينما كنت أجلس كل صباح على درجات الرخام الضخمة للمبنى الذي يضم مكتب الشركة التي عملت بها، أقرأ بضع صفحات أخرى عن رايفن الذي يحاول أن يتهرب من مطارديه الذين يلاحقونه بلا هوادة رغم العلامة المشوهة التي تدينه، لم يسعني إلا أن أشعر بضرورة إخفاء احتمال وقوعي بالخطأ وأن أثبت أنني شخص يتحلى بالصدق والنبالة. وهذا الشعور يشبه الإصابة بطاعون قاتل وميؤوس منه. لكن اليوم الذي انقضى كان حالكا كشوارع نوتيج Nottwich حيث اختبأ رايفن وتجول بسرية تامة، تحت أضواء النيون التي تسطع عليه. كل يوم، كنت أخشى احتمال أن أتعرض للتفتيش ثم يقبض علي في النهاية بسبب خطأ تافه، وبالتالي يحكم علي بالإذلال مرة أخرى. لا عجب إذا، أنه عندما قرأت «جوهر القضية»، رأيت سكوبي متحسسا من نظرات ويلسون المريبة والقاسية، وهي تسبر كل حركة يقوم بها، وفي نفس الوقت شاركته شعوره وتفهمته، فقد كنت مثل السوريين أنفسهم.

تقول الرواية: "ويلسون يكتب تقارير عنا جميعا يا سكوبي. عن فريزر، وتود، وثيمبليريج، وعني أيضا. وهو يعتقد أنني متساهل للغاية. لكن هذا لا يهم. رأيته يمزق تقاريره، وبالطبع ويلسون يكتب تقارير عنه".

قبل عام من بدء عملي في شركة أخرى، قرأت رواية "العامل البشري"، تلك الرواية الرائعة والقاتمة التي تصور رجالا ضائعين ويعملون في جهاز المخابرات، ثم يجدون أنفسهم في حالة شك بأخلاقهم ودوافعهم عند اكتشاف أي تسريب. لعل هذه الرواية كانت الترياق الفعال ضد غواية العمل مع الاستخبارات والتجسس كما صوره لنا فليمنغ في أفلامه، ومن المثير للاهتمام أن ندرك أن غرين نفسه كان ينوي أن تكون روايته تفكيكا للعنف والشهرة اللذين ارتبطا دائما بجيمس بوند. قبل أن تنتهي الرواية المحكمة، ذات الطابع الرثائي تقريبا، نشعر بأول مرارة حيال هذا الإحساس بخيبة الأمل والغدر، وتندحر الاحتمالات الرومانسية وما يرافقها من إثارة، ويأتي ذلك في هذا الحوار الذي لا ينسى بين كاسل وديفيس.

يقول: "ماذا عن مسدس لوغر؟ أظن أنك كنت تملك مسدس لوغر. أو قلم حبر متفجر؟".

"لا. لم نكن يوما من محبي أفلام جيمس بوند هنا. لم يسمح لي بحمل مسدس، وكانت سيارتي الوحيدة مستعملة ومن ماركة موريس".

"ربما كان من الممكن على الأقل أن نحصل على مسدس لوغر واحد نتقاسمه. عصرنا عصر الإرهاب."

قال كاسل على أمل تهدئة ديفيس: "لكن لدينا جهاز تشويش".

هذا مصير ديفيس المسكين المحكوم بالموت، بل وحتى، كما لاحظ كاسل بمرارة، المكتوب عليه "الهروب" ليس فقط من الشبهات بل ومن رتابة حياته التي لا تنتهي، والذي يحمل في طياته عنصر السخرية المألوف في روايات غرين. حين يدلي ألفريد جونز، بطل رواية " دكتور فيشر من جنيف"، بتعليق طائش عن أرباب عمله - وهو صانع شوكولاتة في فيفي - قائلا: "أن الشركات الكبرى، مثل أجهزة المخابرات، تطالب موظفيها بالولاء أكثر من الأمانة"، يلقى ديفيس الشريف دائما والمخلص، حتفه على يد منظمته بدلا من كاسل المؤمن ولكن الخائن. 

وحينما كنت أقرأ رواية "تحت الحديقة"، أولا في المنزل عندما كنا جميعا محبوسين خلال فترة الوباء، ثم أكثر من مرة في شرفة المكتب المتربة، وكلما حاولت الهروب من ضرورة إظهار ولائي الفاتر للشركة، فاجأتني تعليمات جافيت الصادمة والموجهة لويليام وايلديتش قائلا له: "كن غير مخلص. إنه واجبك تجاه الجنس البشري. الجنس البشري بحاجة إلى البقاء، والرجل المخلص هو الذي يموت أولا بسبب القلق أو الرصاص أو الإرهاق".

حاولت طوال هذه السنوات أن أكون خائنا قدر الإمكان، لكن شعورا متأصلا بالواجب والمسؤولية كان دائما يحبط خططي المعقدة. كان هذا الشعور نابعا إلى حد ما من إحساسي بأنني مراقب باستمرار، مثل "دي" في رواية "العميل السري" - جنون ارتياب لا يلين وتجد جذوره في انعدام الثقة.

تقول الرواية: "لم يكن متأكدا من أنه غير مراقب في هذه اللحظة؛ لم يكن متأكدا أنه ليس من الصواب أن يكون مراقبا... والمراقب (بكسر القاف) - هل كان مراقبا (بفتح القاف)؟. لقد طارده للحظة شعور لا نهاية له بعدم الثقة".

إخشر أن تبدو هذه الأفكار والتأملات، قاتمة للغاية، ولذا ينبغي لي أن أتطرق إلى الجانب الساخر من تصوير غرين لهذا الهوس المرضي الذي يسود كل مهنة، ولا سيما في أجهزة المخابرات، حيث تكون المصلحة الذاتية الخبيثة، كما هو الحال في أي مكتب يتكون من قاعات للاجتماعات ومن صفوف ومكاتب، هي السبيل الوحيد للبقاء. كم مرة، حين نسمع عن مصير مروع وعشوائي نتيجة قرار تتخذه سلطات اجتمعت في غرفة معزولة، شعرنا بأننا مهمشون تقريبا عن مجريات الأمور؟. من منا لا يتعاطف مع توسل وورمولد المضطرب في رواية "رجلنا في هافانا" حين يكشف هوثورن، ببرود يكاد يكون تاما، عن المصير الذي ينتظره؟.

يقول: "هل تمانع في إخباري كيف سيقتلونني؟. كما ترى، الأمر يهمني شخصياً...". وبالطبع، من البديهي أنه لم يكن هناك، طيلة هذه السنوات العشر، أي مفر من تلك الحقيقة الأكثر وضوحا وتأثيرا على الإطلاق، ألا وهي الفشل الحتمي الذي يبدو وكأنه قدر محتوم، في سبيل الحصول على ترقية. حقيقة أدركها بيرترام جيدا في روايته "الخاسر يكسب كل شيء" .

كنت مساعد محاسب (مساعد محاسب متقدم في السن)، وقد جعل اتساع المكان الترقية تبدو كأنها شبه مستحيلة. لأرتقي من الطابق الأرضي، كان علي أن أكون تمثالا بحد ذاتي.

***

................

* الترجمة عن المجلة الفصلية (كوارتيرلي ماغازين). عدد 5 آذار 2025. تمت الاستعانة ببرامج الذكاء الصناعي.

* زويب ماتين ZOEB MATIN كاتب محتوى هندي.

تمهيد: أزمة المناهج التقليدية في زمن الخوارزميات

من الصعب خوض معركة التحرر الاشتراكي في القرن الحادي والعشرين بأدوات القرن الماضي. ففي زمن تهيمن فيه الخوارزميات، ويتسع فيه تأثير الرقمنة والذكاء الاصطناعي على الإعلام والثقافة والتعليم والعمل والحياة اليومية، وتصاغ السياسات والاستراتيجيات الاقتصادية عبر تحليل البيانات الضخمة وحوسبة القرار السياسي والاقتصادي، يجد اليسار نفسه أمام تساؤل وجودي: كيف يمكن لحركات ما زالت تعمل وتنظم نفسها بمنطق تقليدي أن تصمد أمام رأسمالية رقمية بلغت من التقدم التكنولوجي حداً غير مسبوق؟

إن استمرار التنظيمات اليسارية في الاعتماد على أساليب تقليدية في الخطاب والتنظيم والعمل يضعها أمام تحدٍ كبير في مواجهتها مع الرأسمالية. فنحن نواجه خصماً يمتلك ترسانة متطورة من الأدوات الرقمية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والإعلامية، ويتطور على مدار الدقيقة في كافة المجالات، ويتكيف مع أزماته رغم عمقها، ويتحالف طبقياً مع بعضه رغم الصراعات بين كتله، في حين لا يزال جزء غير قليل من اليسار يعتمد على منهجيات ووسائل قديمة لم تعد تواكب متطلبات هذه المواجهة المتجددة. وهذا ما نشهده اليوم على أرض الواقع، وهو ما يجعل الحاجة إلى تطويرها وتجديدها أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

وفي مقالات سابقة، عبرت عن هذه الفجوة الرقمية الكبيرة بتشبيه الفيل والنملة. غير أنه بعد هذا التطور المتسارع والهائل الذي بلغته الرأسمالية الرقمية، وفي ظل محدودية البدائل الرقمية اليسارية والتقدمية المؤثرة، وبحكم عملي المهني في مجالات الخوارزميات والحوكمة الرقمية، أرى أن هذه الفجوة قد اتسعت الآن لتصبح بين النملة والديناصور. إنه واقع صعب ومر لا بد أن نقر به بصراحة، لكي نبدأ من هذا الإقرار في التفكير الجاد بالبدائل الممكنة.

ماركس وإنجلز: العلم والتكنولوجيا كسلاح ذي حدين

شكل العلم والتكنولوجيا محوراً أساسياً في فكر كارل ماركس وفريدريك إنجلز، إذ رأيا فيهما أدوات قابلة للاستخدام في التحرر أو في تعزيز الهيمنة الطبقية. ففي ظل الرأسمالية، يسخر التقدم العلمي والتكنولوجي لتعظيم أرباح البرجوازية واستغلال شغيلات وشغيلة اليد والفكر، مما يفاقم الاغتراب والتفاوت الطبقي. غير أن ماركس وإنجلز أدركا أن هذه التناقضات تحمل إمكانيات ثورية قد تسهم في بناء نظام اشتراكي أكثر عدلاً. واليوم تبدو رؤيتهما أكثر إلحاحاً في عصر الرأسمالية الرقمية، حيث تحولت التكنولوجيا إلى وسيلة جديدة للسيطرة، مع أنها تحمل أيضاً فرصاً لتحرير البشرية.

فإدراكهما العميق للطبيعة الجدلية للتاريخ والمجتمع جعلهما ينظران إلى التقدم العلمي باعتباره قوة مادية واجتماعية تعكس علاقات القوة الطبقية، وسلاحاً ذا حدين يحمل إمكانيات تحريرية هائلة، ويستخدم في الوقت ذاته لتعميق الاستغلال وترسيخ الهيمنة الرأسمالية. وقد كان فكرهما شاهداً على قدرة التحليل المادي على دمج العلم مع النضال الطبقي، حيث تصبح المعرفة قوة دافعة لتغيير العالم، لا مجرد وسيلة لفهمه. إن مشروعهما الفكري يدعو بوضوح إلى تجاوز حدود النظام الرأسمالي نحو مستقبل أكثر إنسانية، مستنداً إلى الإمكانيات التحررية التي يتيحها التقدم التقني.

في تحليل ماركس للرأسمالية، احتلت التكنولوجيا موقعاً مركزياً في كشف التناقضات الجوهرية للنظام. فرأى أن الماكينات، التي مثلت قمة التقدم العلمي في عصره، لم تكن أدوات لتحسين حياة البشر أو تحريرهم من أعباء العمل الشاق، وإنما غدت وسائل فعالة لمراكمة أرباح الرأسماليين وزيادة استغلال شغيلات وشغيلة اليد والفكر. وأدى هذا التوظيف للتكنولوجيا إلى إنتاج فائض القيمة عبر تقليل الحاجة إلى العمل البشري، تاركاً البروليتاريا في حالة اغتراب، حيث يفصل العامل عن عملية الإنتاج ونتائج عمله. ولم يكن هذا التناقض عرضياً عند ماركس، إنما كان جزءاً جوهرياً من آليات الرأسمالية التي تجعل من العلم والتكنولوجيا أدوات للسيطرة الطبقية.

أما إنجلز، فقد نظر إلى العلم كأداة لفهم الصراع الاجتماعي بعمق أكبر. وقد جعله تأثره بالاكتشافات العلمية يرى أن الصراع لا ينحصر في المجتمع الإنساني، إذ يمتد أيضاً إلى الطبيعة. غير أنه رفض الحتمية البيولوجية، مؤكداً أن القوانين الحاكمة للطبيعة تختلف عن القوانين الاجتماعية التي تتأثر بالعمل الإنساني الواعي. وأضاف إنجلز بعداً علمياً للمادية الجدلية، حيث أظهر أن قوانين الديالكتيك تنطبق على الطبيعة والمجتمع، مما يعزز فهم التحولات التاريخية كجزء من حركة تطورية شاملة.

وهذا النهج في مراجعة النظرية على ضوء التحولات التاريخية لم يكن غريباً عن ماركس نفسه، فقد أقر هو وإنجلز صراحة، في مقدمتهما المشتركة للطبعة الألمانية من البيان الشيوعي الصادرة في لندن عام 1872، أي بعد أربعة وعشرين عاماً من صدور البيان الأصلي، بأن مبادئه العامة ما زالت صحيحة في مجملها، غير أن بعض تفاصيله العملية، وتحديداً البرنامج الثوري المطروح في ختام الفصل الثاني، قد شاخ وبات يحتاج صياغة مختلفة تماماً، وذلك في ضوء التطور الصناعي الهائل الذي شهده العالم منذ 1848، وتوسع التنظيم السياسي للطبقة العاملة، والدروس المستخلصة من كومونة باريس عام 1871. لو كان ماركس حاضراً اليوم، لأشار بالمنطق نفسه إلى أن الرأسمالية الرقمية تمثل مرحلة متقدمة من الديناميكيات الاستغلالية ذاتها التي تحدث عنها في القرن التاسع عشر، وإن كانت بأساليب أكثر ذكاءً وخفاءً وتحكماً وعمقاً. فسيطرتها لم تعد مقتصرة على امتلاك المصانع والمواد الخام، إذ امتدت إلى التحكم في تدفق البيانات، وتوجيه السلوك والوعي البشري والسيطرة عليهما، وصولاً إلى ممارسة العنف والقمع الرقمي والعسكرة عبر الخوارزميات، حتى غدت في حالات كثيرة، بفعل تحالفها مع اليمين المتطرف، فاشية رقمية بامتياز. والتحولات التي أحدثها العصر الرقمي قد تفتح المجال لإمكانيات جديدة للنضال والتنظيم الاشتراكي، شرط أن نستفيد منها ونتعامل معها بشكل علمي دقيق.

إنه استحقاق مباشر تفرضه وقائع يعيشها شغيلات وشغيلة اليد والفكر في مختلف بقاع العالم. فالرأسمالية الرقمية، إضافة إلى طابعها الاستغلالي التقليدي، تمارس سطوتها من خلال الخوارزميات التي لا تكتفي اليوم بتنظيم تدفق المعلومات، إذ باتت تتحكم في معظم مفاصل الحياة اليومية، وكذلك تقرر أي الأفكار تصل إلى وعي الجمهور وأيها يطمس أو يهمش. وهذا التحول العميق في بنية السلطة الطبقية يفرض على اليسار إعادة النظر جذرياً في أدواته التحليلية وأشكال تنظيمه الميدانية معاً.

التكنولوجيا وسيلة الرأسمالية لتجاوز أزماتها، والمرونة العلمية كصراع طبقي حديث

إن الصراع على التكنولوجيا ليس موجهاً ضد العلم بذاته، إنما هو موجه ضد احتكار القوى المسيطرة له. فلا ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي وعموم التكنولوجيا كتهديد بذاته، وإنما كساحة تتحدد ملامحها بناءً على ميزان القوى الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وقد شهدت السنوات الأخيرة تسارعاً غير مسبوق في تركيز القوة الرقمية داخل عدد محدود من الدول الرأسمالية الكبرى والشركات الاحتكارية العملاقة التي تسيطر على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والبيانات العالمية، مما منحها نفوذاً اقتصادياً وسياسياً وثقافياً هائلاً في تحديد مستقبل البشرية.

تلجأ الرأسمالية دوماً في أوقات الأزمات إلى إعادة إنتاج نفسها عبر أدوات علمية متطورة تمكنها من تجاوز التحديات دون المساس بجوهرها الاستغلالي، ويتجلى ذلك في محطات متعددة: ففي أزمة 2008 استخدمت التكنولوجيا والأساليب العلمية لإنقاذ النظام المالي مع تحميل الطبقات العاملة كلفة الخسائر، وخلال جائحة كورونا تجاوزت الرأسمالية الأزمة عبر تعزيز الأتمتة والذكاء الاصطناعي والعمل عن بعد، بما ضمن استمرار الإنتاج بآليات جديدة قلصت الاعتماد على العمالة البشرية وزادت أرباح الشركات مقابل ظروف عمل غير مستقرة للملايين، ثم جاءت الطفرة الواسعة للذكاء الاصطناعي منذ عام 2023 لتفتح مرحلة جديدة من إعادة هيكلة سوق العمل، إذ توسع الاعتماد على الأتمتة والأنظمة الذكية في قطاعات عديدة، وتصاعدت المخاوف بشأن مستقبل ملايين الوظائف، بالتزامن مع أرباح هائلة حققتها شركات التكنولوجيا نتيجة احتكارها للبنية التحتية الرقمية والمعرفية الجديدة.

وتظهر هذه المحطات مجتمعة كيف تستفيد الرأسمالية من العلم كأداة لهيكلة النظام واستمراريته، وكيف تستعير أحياناً بعض الأفكار الاشتراكية، مثل تدخل الدولة، كإجراءات مؤقتة لضمان الاستقرار، لتتراجع عنها عند انتهاء الأزمة وتعيد إنتاج الاستغلال بآليات أكثر تطوراً.

وفي ضوء هذه التحديات، يتوجب على اليسار الاستفادة من التقدم العلمي عبر إعادة صياغة خطابه وأدواته بأسلوب منهجي دقيق. ويتطلب ذلك استخدام الوسائل الحديثة لتحليل القضايا الاجتماعية وتطوير خطاب علمي واقعي وفق ما هو ممكن وليس ما هو مطلوب، وآليات تنظيمية وقيادية مرنة تجذب الشباب الذين نشأوا في عالم تهيمن عليه التكنولوجيا. وإن استثمار الأدوات العلمية لا يعني التماهي مع قيم الرأسمالية، إنما هو استراتيجية لاستغلالها في خدمة العدالة الاجتماعية وتقليص التفاوت الطبقي كخطوة نحو البديل الاشتراكي.

إذا كانت الثورات الصناعية السابقة قد غيرت معادلات الإنتاج عبر الآلة والبخار ثم الكهرباء ثم الحوسبة، فإن المرحلة الحالية القائمة على الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والمنصات الرقمية تعيد تشكيل الإنتاج والعمل والمعرفة والتواصل الإنساني بصورة أكثر عمقاً واتساعاً. وفي هذا العصر، أصبحت البيانات والخوارزميات وأنظمة الذكاء الاصطناعي أدوات مركزية لإعادة إنتاج الهيمنة بطرق غير مرئية نسبياً، عبر التأثير على الرأي العام وتوجيه السلوك الفردي والجماعي والتحكم في الوصول إلى المعرفة والمعلومات.

اختراق القلعة وتحرير الأدوات: نحو بدائل يسارية رقمية

وبينما يتراجع حضور اليسار في إحدى المعارك الراهنة نتيجة تعامله مع التكنولوجيا كأداة ثانوية، فإن المعركة لم تحسم بعد. فالانتصار يتطلب تحويل الرؤية إلى برامج عمل ملموسة تعتمد على الاستخدام الواعي للتكنولوجيا. فلا يمكن لليسار أن يظل في موقع الدفاع، إذ عليه أن يكون طرفاً فاعلاً في إعادة تشكيل مستقبل التكنولوجيا ودمجها في مشروعه التحرري.

غير أن التكنولوجيا ليست بديلاً عن التنظيم البشري الواعي. فالقوة الحقيقية تكمن في الإنسان المنظم القادر على تسخير هذه الوسائل لخدمة أهدافه. والذكاء الاصطناعي وعموم التكنولوجيا وسيلة فعالة للتحشيد والتنظيم والتحليل، لكنها لن تغني عن التضامن والعمل الميداني الذي يظل المحرك الأساسي للتغيير.

كيسار، نجحنا تاريخياً في تقديم بدائل في مجالات الاقتصاد والعدالة والسياسة والحقوق وغيرها، ودأبنا دوماً على طرح الاستقلالية الفكرية والسياسية والتنظيمية والإعلامية. غير أننا نواجه اليوم تحدياً مصيرياً يمس هذا المبدأ ذاته: فما زلنا نفتقر إلى رؤية رقمية شاملة ومستقلة وبديلة قادرة على كسر القيد التكنولوجي الرأسمالي، إذ ما زلنا رهن تطبيقاته ذاتها، وهو ما يجعل اليسار وجماهيره عرضة للتضييق والتهميش والقمع والاختراق. وكما أسلفنا، فإن الدرس الجدلي الأهم الذي يجب أن نستوعبه هو أن التكنولوجيا ليست حيادية، إنما ساحة صراع طبقي بامتياز، وأن المشكلة الجوهرية لا تكمن في جوهر الذكاء الاصطناعي أو الأتمتة، إنما تكمن في علاقات الملكية التي تحكمها، أي في احتكارها من قبل قلة من الشركات العملاقة والدول الرأسمالية الكبرى بما يعمق الهوة الطبقية ويوسع مراقبة الجماهير وتنميط الوعي الإنساني خدمة لمراكمة الأرباح والهيمنة الفكرية والسياسية.

وبناءً على ذلك، لم يعد يكفي لليسار أن يكتفي بموقف الناقد أو المتفرج، واقفاً عند أسوار هذه التكنولوجيا مكتفياً بانتقاد استغلالها من الخارج، فذلك وحده لن يحدث التغيير المنشود، وقد يبقيه في دوائر فكرية وجماهيرية ضيقة بعيدة عن مجريات الصراع الفعلي. إن المطلوب هو الدخول في صلب العملية التقنية وفهم منطق الخوارزميات لتفكيكها وإعادة بنائها بصبغة تحررية، عبر طرح آليات جديدة وجريئة لاستخدام التكنولوجيا وفق منظومات ديمقراطية تشاركية وشفافة.

إننا بحاجة إلى "ذكاء اصطناعي وخوارزميات جماهيرية" تعمل برقابة مجتمعية وقوانين وتشريعات عالمية ومحلية، وتتطور عبر تعاونيات رقمية ذات توجه اشتراكي، وتكون شفافة وقابلة للتدقيق من قبل الجميع، وتهدف إلى توزيع الثروة وتنظيم الإنتاج وعلاج الأمراض والفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية، بما يخدم الحاجات الإنسانية الحقيقية لا نزوات السوق وتعزيز الهيمنة والعسكرتارية. كما نحتاج إلى نماذج مفتوحة المصدر، ومنصات رقمية تقدمية مفتوحة المصدر، سواء منصات تواصل أو محركات بحث أو غيرها، ومبادرات تكنولوجية تعاونية لا تخضع لمنطق الاحتكار التجاري، وتسمح للمجتمعات والجماهير بالمشاركة في إدارة المعرفة والبيانات وتطوير التقنيات الجديدة.

إننا مطالبون بامتلاك أدوات العصر، فكما حول ماركس وإنجلز العلوم الاقتصادية والفلسفية والتطور العلمي والمعرفي في عصرهما من أدوات لتبرير الوضع القائم إلى سلاح نظري وعملي بيد شغيلات وشغيلة اليد والفكر، فإن اليسار اليوم مطالب بأن يكون فاعلاً في هذه الساحة، ينتقل من خانة "المستخدم المتلقي" الخاضع لشروط المنصات الرأسمالية، إلى خانة "المنتج البديل" الذي يطرح بدائل تكنولوجية مشاعية منفتحة ومحررة.

إن الصراع حول سلطة الخوارزميات لم يعد يتعلق فقط بمستقبل التكنولوجيا، إذ يتعلق أيضاً بمستقبل العمل والديمقراطية والثقافة والعدالة الاجتماعية.

الخاتمة

إن هذه الملاحظات النقدية لا تعني انتقاصاً من اليسار وتاريخه المشهود في بلداننا، إنما هي محاولة لتعزيز نقاش لا يزال خافتاً في أوساطنا حول البديل الرقمي المنشود. صحيح أن الأمر ليس سهلاً وأن الفجوة كبيرة والرأسمالية الرقمية مسيطرة بشكل كبير، غير أن التاريخ يعلمنا أن لا شيء يبقى مستحيلاً أمام نضال متواصل: فكما كانت ساعات العمل تتجاوز السبعين ساعة أسبوعياً في الماضي، باتت اليوم في بعض البلدان لا تتجاوز 37 ساعة أو أقل، بفعل نضالات متراكمة بدت يوماً أحلاماً بعيدة المنال. وكما كانت المرأة قبل قرن بلا حق في التصويت أو التعليم أو العمل خارج البيت، باتت اليوم في بلدان عديدة تتصدر الحكومات والبرلمانات والجامعات، بفضل نضال نسوي ويساري متواصل لم يهادن يوماً رغم اختلال وقسوة موازين القوى في بداياته.

وفق هذه التغيرات الهائلة، والمرحلة المتطورة جداً التي بلغتها الرأسمالية، لا بد أن نواجهها بأسلحتها الفتاكة ذاتها، عبر الاستفادة من العلوم الحديثة والثورة الرقمية والتجديد المستمر في كافة المجالات، وصولاً إلى التفوق عليها. وفي هذا السياق، يأتي التوجه نحو اليسار الإلكتروني -الرقمي كتيار فكري وتنظيمي يعكس استجابة مباشرة لهذه التحولات الكبرى والنمو في الوعي الحقوقي والمعرفي، ساعياً إلى توجيه هذا الوعي نحو تغيير اشتراكي جذري وشامل في البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، مع الحفاظ على القيم الأساسية التي شكلت جوهر الفكر الماركسي واليساري عبر التاريخ.

وقد أثبت الواقع أن التنظيمات اليسارية التي تجدد وتطور خطابها وأدواتها وعملها وتنظيمها باستمرار وتتوحد وتواكب التحديات المتجددة والتطور العلمي والمعرفي هي الأقدر على الحفاظ على دورها وتأثيرها، في حين أن التيارات التي تتمسك بمنهجياتها القديمة، على غرار ما ناقشناه في مطلع هذا المقال، تفقد تدريجياً أعضاءها ودعمها الجماهيري وتتراجع أدوارها بشكل ملحوظ. وهذا واقع صعب نلاحظه في أغلب بلدان العالم، غير أنه لا ينفي وجود تجارب يسارية وتقدمية تبعث الأمل وتقدم نماذج يمكن البناء عليها.

ومن دون حضور يساري فاعل وعمل مشترك بتنسيق أممي في هذا المجال، ستستمر الرأسمالية الرقمية في تحديد اتجاه التطور التكنولوجي بما يخدم مصالحها الخاصة، وتتحكم بمستقبل البشرية. وفي نهاية المطاف، تكمن قوة اليسار الفعلية في قدرته على دمج التنظيم البشري الميداني مع التفوق الرقمي، ليكون الفضاء الرقمي ساحة داعمة وفعالة، لا بديلاً عن النضال، وإنما جناحاً يحلق به نحو مستقبل اشتراكي إنساني وأكثر عدلاً.

إن هذا البعد الأممي في المواجهة سيكون موضوع مقال قادم حول: الأممية اليسارية الرقمية. وهذا المقال ليس إلا بداية لحوار مفتوح، أدعو فيه الرفاق والرفيقات محلياً وعالمياً إلى تشكيل ورش عمل رقمية مشتركة، تدرس إمكانيات بناء البدائل التكنولوجية اليسارية والتقدمية، وتضع الأسس العملية لتلك الأممية الرقمية التي تحتاجها معركتنا القادمة.

***

رزكار عقراوي

.......................

ملاحظة: نشرت نسخة أولى مختصرة من هذا المقال بالإنكليزية أولاً، ثم ترجمت إلى لغات عدة ونشرت في عشرات المواقع، ومن أهمها: Globetrotter (إنكليزي وإسباني وبرتغالي، عالمي)، Znetwork (عشرات اللغات، عالمي)، CounterPunch (إنكليزي، عالمي)، MROnline (إنكليزي، عالمي)، Countercurrents (إنكليزي، الهند)، NewsClick (إنكليزي، الهند)، Aliran (إنكليزي، ماليزيا)، The Left Chapter (إنكليزي، كندا)، Sinistra in Rete (إيطالي، إيطاليا)، Contropiano (إيطالي، إيطاليا)، Jornal GGN (برتغالي، البرازيل)، Diário Carioca (برتغالي، البرازيل)، Revue Supernova (فرنسي، فرنسا)، elviejotopo (إسباني، إسبانيا)، El Maipo (إسباني، تشيلي)، Insurgencia Magisterial (إسباني، المكسيك)، Amiidonk (هنغاري، المجر)، Perjamuan Buku (إندونيسي، إندونيسيا)، Slguardian (إنكليزي، سريلانكا).

يشهد السجل التاريخي حالات لا حصر لها في التعصب الوطني والقومي، وعرف التاريخ ألواناً من التعصب الطائفي والديني، وواجهت المجتمعات البشرية، - على وجه الخصوص في عصرنا الحديث - ضروباً متعددة من التعصب العنصري والعرقي والعشائري. في الحالات جميعها، كان التعصب يمثل انتماءً يصل إلى حد العبودية للجماعة، وكراهية الآخر والتعالي عليه. مما شكل أساساً للصراع بين الأمم والجماعات، ويحفظ لنا الشعر العربي أمثلة عديدة في التعصب والعصبية.

ليس التعصب انفعالاً عابراً، ولا دفاعاً مشروعاً عن فكرة أو عقيدة أو هوية، بل هو حالة عقلية تنشأ عندما يتوقف الإنسان عن مساءلة ما يؤمن به، ويغلق باب الحوار مع الآخرين، فيغدو اليقين سداً يحول بينه وبين الحقيقة. ومن هذه الزاوية ينظر أصحاب الفكر إلى التعصب بوصفه نقيضاً للعقل النقدي، وعدواً للتقدم الحضاري، لأنه يستبدل البرهان بالإيمان الأعمى، والحجة بالصوت المرتفع، والإنسان بالفكرة المجردة.

الواقع أن التعصب، بوصفه ظاهرة بشرية خالصة تنتمي إلى العلاقات الإنسانية، يمكن معالجته بمناهج وأساليب متعددة، في استطاعة علم النفس، وعلم الاجتماع، ومبادئ التربية، والعلوم البيولوجية، أن تساعد الإنسان على تجاوز هذا السلوك الذي عانى منه ردحاً من الزمن.

بينما تستطيع المعالجة الفلسفية أن تكشف الجوانب الخفية في السلوك المتعصب، وأن تزيح النقاب عن تلك البناءات التي تقوم عليها المشكلة، فهناك أبعاد عميقة تكمن وراءها، وربما كان المنهج الجدلي هو الأصلح في معالجة الموضوعات الإنسانية.

تكمن المشكلة في امتلاك الإنسان لعقيدة أو موقف فكري، تتحول تلك العقيدة إلى حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش، ويصبح الاختلاف معها خروجاً على الصواب أو خيانة أو كفراً. هنا يفقد العقل وظيفته، ويتحول إلى أداة لتبرير ما يؤمن به صاحبه، لا إلى وسيلة للبحث عن الحقيقة.

المتعصب لا يفكر لكي يعرف، بل يعرف مسبقاً ثم يبحث عما يؤكد معرفته. ولذلك لا يقرأ إلا ما يوافقه، ولا يسمع إلا من يشبهه، ولا يفسر الوقائع إلا بما يخدم قناعته. وهكذا تتحول المعرفة إلى دائرة مغلقة، ويغدو الحوار مستحيلاً، لأن أحد طرفيه لا يعترف بإمكان أن يكون مخطئاً.

من أخطر أشكال التعصب حين لا يقتصر على الدين أو السياسة، بل يمتد إلى كل مجالات الحياة. التعصب لحزب، أو لقومية، أو لنظرية فلسفية، أو لنادٍ رياضي، أو حتى لشخصية عامة. فجوهر التعصب واحد، مهما اختلف موضوعه، وهو الاعتقاد بامتلاك الحقيقة كاملة، وتجريد الآخرين من حقهم في الاختلاف.

تصدى علماء النفس إلى هذه الظاهرة في الكشف عن جذورها العميقة في النفس البشرية، البعض منهم مؤمن بأن التعصب ينشأ بطريقة غريزية ضد الانسان "المختلف". وأن بعض الأجناس البشرية أكثر تفوقاً بطبيعتها من الأجناس الأخرى.

بينما فسّر البعض التعصب على أساس مادي بوصفه مظهراً من مظاهر استغلال الإنسان. وليس في وسعنا أن نجزم أن هذا التفسير صالحاً في كل حالات التعصب. لكن المؤكد أن مواجهته تقوم على صراع أيديولوجي واجتماعي وسياسي، من أجل التحرر من كافة أشكال الاستغلال.

لهذا فإن المجتمعات التي يسودها التعصب تصبح عاجزة عن إنتاج المعرفة. فالعلم لا ينمو إلا في بيئة تسمح بالشك والسؤال والنقد. أما حين يصبح السؤال جريمة، والنقد إساءة، والاختلاف عداءً، فإن الإبداع يذبل، ويحل التقليد محل الابتكار. ولعل هذا ما يفسر ازدهار الحضارات عبر التاريخ، تلك التي فسحت المجال لتعدد الآراء، بينما تراجعت الحضارات التي أغلقت أبواب الاجتهاد وحاصرت حرية التفكير.

إن من الشائع، عند تحليل بنية التعصب، أن يقال عنه أنه ينشأ عند الأغلبية ضد الأقلية أولاً، غير أن حالات قليلة تخرج عن هذا النمط المألوف. أعني حالات تعصب الأقلية ضد الأغلبية، تضطر هذه إلى ردود أفعال دفاعية ضدها، أو ممارسة تعصب مضاد أشد عنفاً من التعصب الأصلي.

شهد عصرنا الحالي نموذجاً فريداً من هذا اللون من التعصب في روديسيا، وجنوب أفريقيا. الأقلية البيضاء من أصل أوربي تمارس اضطهاداً جماعياً شاملاً ضد أغلبية أفريقية، من سكان البلد الأصليين، هذا اللون من التعصب يعد أشد ألوان التعصب شراسة.

على أن تاريخ اليهودية يمكن أن يعدّ مثلاً صارخاً، امتد عبر مئات السنين، لهذا اللون الفريد من تعصب الأقلية ضد الأغلبية، تعد الأقلية اليهودية من الوجهة السياسية، أقلية ضعيفة، ومع ذلك وهي في حضيض الضعف تمارس شتى أنواع الاستفزاز في المجتمعات التي تعيش فيها، ما يدفع المجتمع إلى اضطهادها رغماً عنه. ذلك أن اسطورة شعب الله المختار، مهما قيل عنها، قائمة في التراث الديني اليهودي، مع أن بعض المستنيرين يحاولون تفسيرها بمعانٍ غير عنصرية، لكن الشواهد تؤكد أن هذه الأسطورة يرتكز عليها التكوين العقلي اليهودي، تدفعه إلى التصادم مع مجتمعه.

وينقلب إلى وحشية مخيفة حين تتحول الأقلية إلى مركز القوة، كما يفعل الكيان الصهيوني اليوم.

يعتقد البعض بأن التعصب دليل قوة. وهو وهم شائع. فالواقع أن المتعصب يخشى الحوار لأنه يخاف اهتزاز يقينه، وأخطر نتائج التعصب أن يتحول الإنسان إلى أسير لهويته الضيقة، فلا يرى في الآخرين شركاء في الوطن أو في الرأي، بل خصوم ينبغي إقصاءهم. وعندما تسود هذه الروح، تصبح الكراهية لغة يومية، ويحل الانقسام محل التعايش. من هنا يبدأ التراجع الحضاري، فالأمم لا تنهض بالصراخ المتبادل، والتعصب ليس قدراً محتوماً، بل هو مرض ثقافي يمكن مقاومته إذا انتصرت قيمة العقل على سلطة الانفعال، وقيمة الحوار على منطق الإقصاء، وقيمة الإنسان على العصبيات الضيقة.

حين يتعلم الإنسان أن يشك بعقله قبل أن يدين غيره، وأن يراجع أفكاره قبل أن يهاجم أفكار الآخرين، يكون قد خطا الخطوة الأولى نحو مجتمع أكثر حرية، وأكثر عدلاً، وأكثر إنسانية.

***

جمال العتابي

مقولة "المال مجهول المالك" في الفقهين السني والشيعي وأحكامها: ماذا تعني مقولة "المال مجهول المالك" في الفقهين السني الشيعي، وهل لها دور ما في تفاقم الفساد المالي والإداري ونهب المال العام وثروات الشعب العراقي في عراق اليوم؟ مناسبة هذا النص، هي أنني كنت قد أعدت نشر رابط فيديو للمرجع الشيعي السيد كمال الحيدري الممنوع حاليا من النشاط التدريسي والإفتائي والتصريح بآرائه وتحت الإقامة الجبرية في منزلة بمدينة قم منذ سنة 2021 بسبب آرائه الجريئة في السردية الفقهية القديمة والمعاصرة.

ومع رابط مقتطع فيديو السيد الحيدري حررت بالكلمات بعض ما قاله في فقرة تقول: "هذه السرقات التي تُسرق من المال العام كلها بسبب وجود فتاوى فقهية تجيز ذلك، بل أن 99 بالمئة من الفتاوى الفقهية ترى أن الأموال الموجودة في البنوك كلها أموال مجهولة المالك ومن يستطيع أن يأخذها فليأخذها كما يريد. وهذه فتاوى فقهية موجودة في أكثر الرسائل العملية"! وعلقت على كلامه بما معناها أن هؤلاء الفقهاء الذين يفتون بفتاوى كهذه إنْ وجدوا فهم شركاء للفاسدين في الحكم العراقي.

لم أذكر اسم أحد الفقهاء في المنشور، ولا السيد الحيدري ذكرهم بالأسماء في هذا المقتطع القصير من الفيديو بالرغم من أنه كان قد وثَّق كلامه بأسماء ومؤلفات الفقهاء المذكورين في المقابلة الكاملة.

وقد علق بعض الأصدقاء والصديقات على منشوري وطالبني بعضهم بنشر فتاوى المرجع السيستاني الخاصة بالموضوع. وركزوا دفاعهم على المرجع السيد السيستاني الذي لم يذكر اسمه قط لا في كلام الحيدري ولا في تعليقي. ورددت على بعضهم ووضحت لهم المنشور الواضح برغم أن القول السائر يؤكد (توضيح الواضحات من المعضلات الفاضحات) بأن الكلام ليس لي بل للسيد الحيدري، وإذا كانوا يحتجون بوجود فتاوى تنفي هذا المعنى فلينشروا مالديهم من فتاوى للاطلاع عليها ولكنهم لم ينشروا شيئاً. لذلك أخذت الأمر على عاتقي وقررت - بالرغم من مشاغلي الكتابية المبرمجة أن أكتب مقالة استقصائية قصيرة حول مقولة المال مجهول المالك في الفقهين السني والشيعي والحكم الواجب فيه مع التوثيق المتاح:

1- سأبدأ أولا بمقولة المال مجهول المالك ومتعلقاتها في الفقه السني لأنها مبسطة هنا وتخلو من التعقيد. فحكم المال مجهول المالك في المذاهب السنية الأربعة يندرج غالباً تحت العناوين التالية: "اللقطة " أو "المال الضائع" أو "القصاص والودائع المنسية". والحكم فيه هو وجوب الاحتفاظ بهذا المال من قبل مَن يعثر عليه مع الإعلان عنه والتعريف ببعض صفاته لمدة معينة هي بحدود العام، فإن لم يأتِ صاحبه ليستعيده ومعه البينة والدليل وجبَ صرفه في مصالح المسلمين، أو التصدق به عن صاحبه عند اليأس من معرفة هذا الصاحب. وبعض الفقهاء السنة وهم قلة يقول: توقف هذه الأموال أبدا (إلى الأبد) حتى يتبين أصحابها، والصواب الأول (صرفها على عامة فقراء المسلمين بعد عام)، لأن (حبس المال دائماً لمن لا يرجى لا فائدة فيه؛ بل هو تعرض لهلاك المال واستيلاء الظلمة عليه). ونلاحظ هنا أن التصدق بهذا المال وفق الفقه السني يكون على عامة فقراء المسلمين وليس على المتدينين الفقراء منهم مثلما يشترط الفقه الشيعي كما سيأتي بيانه.

كما يرى الفقه السني وجوب التفريق بين اللقطة أي المال الضائع في الطريق وتم التقاطه، الذي يعامل كما سبق ذكره، وبين المال المنسي في مكان مخصوص محروز أو وديعة لمن توفي مورثه، وهذا المال يُسمى مالاً ضائعاً يكون أمره متروكاً إلى ولي الأمر - الحكومة - أو القاضي الإسلامي (بيت المال). ويجوز في المال المنسي والوديعة لمتوفى، الحفظ للأمانة حيث يبقى المال في يد الشخص الذي وجده كأمانة شرعية، ولا يجوز له تملكه لنفسه مباشرة، إذا كان له قيمـة أو علامة يعرفها صاحبه. ويجوز التصرف به للمصالح العامة ووجوه البر والإحسان عند اليأس التام من الوصول إلى المالك الأصلي.

هذا هو الحكم العام وفق المذاهب السنية الأربعة مع بعض الفروق الجزئية في التفاصيل بينها وهي كما يلي:

- المذهب الحنفي: يرى أصحابه أن اللقطة والمال مجهول المالك يُحفظ أو يُتصدق به عن صاحبه، ولا يملكها الواجد تملكاً مطلقاً إن كان غنياً، وإذا ظهر صاحبها بعد التصدق ضمنها له.

- المذهب المالكي: يذهب إلى أن للواجد الحق في تملكها بعد تعريفها سنة، أو التصدق بها، وإذا جاء المالك ضمنها له.

- الشافعية والحنابلة: يذهب الجمهور منهم إلى أن لواجد المال الحق في تملكه بعد تمام السنة والتعريف، وتدخل في ماله تلقائياً بشرط الضمان للمالك إن ظهر لاحقاً.

وعبارة "بشرط الضمان للمالك" تعني أن على من تصدق بالمال أو تملكه وتصرف به أن يرده إلى المالك الأصلي إذا ظهر في أي وقت، لأن حق المالك الأصلي باقٍ ولا يسقط بمرور الزمن.

2- أما في الفقه الشيعي الاثني عشري فالموضوع أكثر تعقيداً. لنبدأ أولا بتعريف المقصود بمقولة "المال مجهول المالك" الذي يدور حول الجدل وهل يشمل أموال الدولة أي المال العام ورواتب الموظفين والأموال في البنوك؟ ثم ننتقل إلى الفتاوى الفقهية حوله وكيف يجب التعامل معه والتصرف به؟

وجدت على موقع المرجع السيد علي السيستاني السؤال التالي الذي يوجهه أحد المستفتين إلى المرجع. يقول السؤال: يرد التعبير بـ (مجهول المالك) عن أموال البنوك الحكومية والمشتركة مع الأهالي، ومطلق ما في أيدي الحكومة من أموال في الدول الإسلامية، فلماذا يعبّر عنها بالمال مجهول المالك؟ أليست هي أموال الشعب، وقد أكّدتم مراراً على عدم جواز التصرف فيها بغير الطرق القانونية؟

ويأتي الجواب من المرجع معرفاً المقولة فيقول: (مجهول المالك) مصطلح فقهي يعبّر به عن الأموال الخارجية التي يكون لها مالك، ولكن لا سبيل الى تشخيصه. والأموال التي هي تحت تصرف الحكومة في الدول الإسلامية على أقسام.

وبكلمات أخرى فالمال مجهول المالك عند المرجع السيستاني له مالك، ولكن لا سبيل إلى تشخيصه، ولم يقل إلى معرفته، فقد يكون معروفاً بكونه مالاً حكومياً أو مال الشعب، ولكن الشعب والحكومة والأمة شخصيات اعتبارية وليس حقيقية. ثم يعدد المرجع أنواع "المال مجهول المالك" مع حكمها:

1- "ما يكون ثمناً لما تبيعه الحكومة من المعادن المستخرجة من الأرض كالنفط والغاز والكبريت وغيرها، وما تشتريه به من المصانع والبضائع والأدوية وما تشيده به من المستشفيات والمدارس والجامعات وسائر مؤسسات الدولة، وغير ذلك مما تقتضيه مصلحة الشعب. وهذا القسم ليس مجهول المالك، ويجب صرفه واستخدامه وفقاً للقانون، الذي يفترض أن يكون مبنياً على رعاية العدالة بين أبناء الشعب".

2- "المال الذي تحصلّه الحكومة من معونات ومساعدات وقروض خارجية أو داخلية لموارد وأبواب معينة لمصلحة الشعب وهو ليس من مجهول المالك، ويجب صرفه فيما خصص له حصراً".

3- "المال الذي تأخذه الحكومة من أموال المواطنين بعناوين مختلفة من مصادرات وضرائب ورسوم وغيرها وفقاً للقانون ولكن لا يطابق الشرع الحنيف. وهذا المال مجهول المالك في غالب الحالات، ولكن حيث يختلط بالأموال من القسمين الأولين في المصارف والدوائر الحكومية وغيرها ولا سبيل الى تمييز بعضها عن بعض يطلق على الجميع (مجهول المالك)".

بكلمات أخرى فإن المرجع السيستاني يعد هذا النوع إذا اختلط بالنوعين الأولين شاملا لهما ويكونان مثله من قبيل المال مجهول المالك.

4- "ما تستورده الحكومة أو تصنّعه من أسلحة غير دفاعية أو الأدوات التي تستخدم في قمع المواطنين وسلبهم حقوقهم، وكل ما لا ينفعهم بل يضرّ بهم".

ونلاحظ هنا غموض الحكم الخاص بهذا النوع وهل هي من المال مجهول المالك ام لا والأرجح أنها منه. ويضيف الشارح أو محرر الفتوى في الصفحة نفسها التعليق التالي:

"وفتوى سماحة السيد السيستاني (دام ظله) واضحة صريحة بعدم جواز التصرف في شيء مما هو من أموال الدولة خارج نطاق القوانين النافذة في حال من الأحوال". وهذه العبارة تعني في ما تعني استنباطاً "جواز التصرف في شيء مما هو من أموال الدولة وفق نطاق القوانين النافذة".

والأمر هنا بحاجة إلى توضيح كما أعتقد لأن الناس ستختلف في قضية هل هذا التصرف وفق القوانين النافذة أم لا، وهل هذه القوانين متوافقة مع الشريعة كما يراها المرجع فلان الفلاني أم لا...إلخ؟ ومن هذه الخلافات قد يتسرب الفاسدون بسهولة ويخلطون الأوراق ويحولون المال معلوم المالك إلى مالك مجهول المالك ويجيزون الاستيلاء عليه.

وهناك سؤال مفيد يقول: ما الفرق بين مظالم العباد ومجهول المالك، وهل يختلفان في الحكم؟

الجواب: "مظالم العباد يعبر بها عما تشتغل به الذمة من حقوق ناس مجهولين، ومجهول المالك هو المال الخارجي الذي يعود لشخص مجهول وحكمها واحد من حيث وجوب التصدق بعد الياس من التعرف على صاحب الحق".

وهذا التعريف والحكم قريبان جدا من مفهوم اللقطة والحكم بالتصرف بها وفق المذاهب السنية الأربعة ولكن الخلافات تبرز من تعدد أقسام المال مجهول المالك في المذهب الشيعي.

لنقرأ السؤال شديد الأهمية التالي على صفحة المرجع السيستاني أيضا: "هل صدر من سماحتكم اذناً عاماً لجميع من قلدكم في قبض مجهول المالك او الاذن خاص لمن يطلب ذلك"؟

الجواب: "قد أذنا لإخواننا المؤمنين وفقهم الله تعالى لمراضيه فيما يستلمونه من المؤسسات الحكومية او المشتركة بالطرق القانونية ان يقبضوه من قبل موكلينا من الفقراء بنية التصدق عليهم ثم يتملكوه لأنفسهم، هذا في الرواتب ونحوها وأما في الفوائد المصرفية وشبهها فقد اذنا لهم في تملك النصف منها بالطريقة المذكورة بشرط التصدق بالنصف الاخر على الفقراء المتدينين".

نفهم من هذا السؤال والجواب عليه أن رواتب موظفي الدولة وأموال الدولة عموما كما سيأتي تفصيله في الشرح، تعتبر من الأموال مجهولة المالك، ولكن المرجع أفتى في رخصة عامة لجميع مقلديه (المقتدين به) بإباحة تملك هذا المال "هذه الرواتب"، أما الفوائد المصرفية فيجب عليهم تملك نصفها فقط والتصدق بنصفها الآخر على الفقراء، والفقراء المتدينين تحديدا أما إذا كانوا فقراء مسلمين وغير متدينين فلا يجوز التصدق عليهم!

ويكتب الشارح أو محرر الصفحة الخاصة بالمرجع التوضيح التالي: "نعم، تقع أموال الدولة والرواتب الحكومية من الناحية الفقهية ضمن حكم المال مجهول المالك؛ ولكن سماحة السيد السيستاني قد أمضى (أنفذ) جميع عقود التوظيف الرسمية. بناءً على ذلك، أصدر سماحته إذنًا عامًا لجميع الموظفين بقبض هذه الرواتب وتملكها قانونيا وشرعيا دون الحاجة لإذن خاص".

ومادمنا نتكلم عن الرواتب فثمة سؤال مهم يتعلق بالموظف المُعَين بشهادة مزورة وحكمه الفقهي نجده على موقع شبكة آل البيت موجه إلى المرجع السيستاني يقول السؤال: "أعرف شخصاً يعمل في تزوير شهادة جامعية، فهل الأموال التي يحصل عليها حرام"؟

الجواب ": التزوير وإن لم يجز إلا أن العمل والراتب محللان إذا لم يظهر نفسه خبيراً في ما لا خبرة له".

ويحق للمواطن العراقي البسيط ان يتساءل أليس في هذا الكلام تشجيع على تزوير الشهادات العلمية وحماية فقهية لمن يتعينون بها أو ينتخبون أعضاء في مجلس النواب؟!

*أما المرجع اليعقوبي والذي يوصف بأنه المرشد الروحي لحزب الفضيلة الإسلامي فله رأي خاص في المال مجهول المالك فهو يقول: "لا نوافق على تسمية الأموال العامة بمجهول المالك لأنها ملك للشعب، ولا يجوز لأي أحد التصرف فيها حتى للحكومة إلا وفق القوانين المقررّة لحفظ مصالح المواطنين وازدهار البلد وأي قانون يسمح بصرف مال لشخص أو جهة خارج إطار هذه المصالح العليا فإنه باطل.

ولكن بعض المهتمين بالشأن الفقهي مثل د. جعفر تقي القزويني فهم موقف اليعقوبي في فتاوى أخرى بأنه "يبيح الاستيلاء على المال العام تحت عباءة وعمامة الدين والفتوى‎‎" تجد رابطا / 2، يحيل إلى مقالة في الهوامش:

*أما الشيخ باقر الإيرواني فيرى أن أموال التعويض التي تعطيها الحكومة لأصحاب الدور والأراضي المهدومة وما شابه ذلك أموالا مجهولة المالك أي إنها ليست من حق أصحاب الدور المهدمة والأراضي المستولى عليها كتعويض وهذا مالا سبيل إلى فهمه وتبرره عقليا/ رابط الفيديو 3.

*نأتي الآن إلى موقف المرجع إسحاق الفيّاض الذي طرح رأيا يقضي بحلية أموال مصارف الدّولة الاتية من الخارج والتي قد تكون قروضا أو عائدات من بيع النفط وسواه بالاستيلاء والحيازة بعد التصدق بقسم منها ويقول: حرفيا إذا أخذ المؤمن الموالي المال من البنوك؛ فإن علم أنّها من الأموال الّتي أرسلت من الخارج، ولم تقع في يد المسلمين بعد، فهي ملك طلق له، يملكه بالاستيلاء والحيازة. وأمّا إذا علم أنّها أموال غيره أمّا بالنّصف أو الثّلث أو الرّبع أو الخمس أو السّدس، فعليه أن يتصدّق بهذا المقدار إلى الفقراء بعنوان مجهول المالك بإذنه طبعاً، والزائد عليه يتصرف به! /الرابط 4.

أعتقد أن رأيي الشخصي يهمني أنا فقط كمواطن، فإنا لست مرجعا ولا حتى متديناً. ومع ذلك فمن حقي أن أعبر عنه كرأي شخصي أمام أصدقائي وخطه العريض هو أن الدولة العراقية اليوم دولة مأزومة تقودها حكومة رجعية لصوصية تابعة للأجنبي في كل شيء، وضعيفة وقائمة على أساس الهويات الفرعية الطائفية والعرقية.

هذه الحكومة ليست فاسدة بطبيعتها المكوناتية فحسب بل هي مفسدة ومشجعة على الفساد والنهب والسرقة ولا بد بالتالي من معالجة الأصل والجذر في هذا الوضع بإعادة بناء الدولة وحكومتها على أسس الهوية الوطنية العراقية المستقلة وإعادة كتابة دستورها وفق هذا المبدأ. وبعد ذلك لن يكون لدعاة الاستيلاء على أموال الدولة بحجة انه مجهول المالك أي تأثير وسيعاقَب هؤلاء لأنهم يشجعون ويحرضون على سرقة ونهب المال العام وثروات الشعب ومن يحرض ويبرر دينياً أو سياسياً السرقة والنهب أخطر من السارق والناهب. يمكن لرجال الدين أن يشتغلوا على هذه الأمور والمقولات من باب البحث الفقهي النظري في حوزاتهم ومدارسهم وتكياتهم ولكن يحظر عليهم الترويج لها والدعوة لتطبيقها إذا كانت تدعو إلى الاستيلاء غير المشروع على أموال الدولة وثروات الشعب في المصارف وغيرها على الشارع العراقي لأنه شارع تعددي لا يقبل القسر والفرض والإجبار إلا من قبل دولة تقوم على عقد اجتماعي يرتضيه الجميع.

كما ينبغي أن يمنع رجال الدين والمراجع من التدخل في الشأن العام والسياسي كجهات دينية لها جمهورها مع ضمان حقهم في النشاط السياسي كمواطنين أفراد لا كواجهات وزعامات سياسية دينية يستعمل الولاء الديني الطائفي الممزِّق لوحدة الدولة والمجتمع.

أما بخصوص اشتراط الفقه السني أن تذهب أموال الصدقة إلى فقراء المسلمين وزاد الفقه الشيعي فاشترط أن تذهب الى فقراء المسلمين المتدينين فأعتقد أن التصوف القطباني غير المتمذهب أقرب إلى الجوهر الإنساني للأديان حين جعل الصدقة تذهب إلى الفقراء دون تمييز ديني أو شروط. وقد وردت المروية التالية في سيرتهم بقصد المثلنة (ضرب المثال للاعتبار والتأسي) وخلاصتها؛ أن أحدهم وأظنه القطب بشير الحافي إن لم تخني الذاكرة أحضر إلى بيته شيخا فقيرا جائعا طلب منه أن يطعمه فأطعمه وسقاه ثم وهو يجاذبه أطراف الحديث سأله عن دينه. وحين ذهب بشر إلى النوم تجلى له الحق في الرؤيا وقال له: يا بشر نحن نرزق هذا الشيخ سبعين عاما ونطعمه ونسقيه ولم نسأله عن دينه وأنت أطعمته مرة واحدة وسألته عن دينه أ فهذه هي فتوة الفقراء (الصوفية)؟

خلاصات من مقالتي حول مجهول المالك لأن بعض أصحاب التعليقات يريدون قلب جوهر توجه المقالة لتأكيد أحكامهم المسبقة دفاعا عن رموزهم ومراجعهم:

1- المال مجهول المالك حين يختلط بالأموال غير مجهول المالك من القسمين الأولين في المصارف والدوائر الحكومية وغيرها يتحول إلى مال مجهول المالك، ولا سبيل الى تمييز بعضها عن بعض يطلق على الجميع (مجهول المالك)". بكلمات أخرى فإن المرجع السيستاني يعد هذا النوع إذا اختلط بالنوعين الأولين شاملا لهما ويكونان مثله من قبيل المال مجهول المالك. ومعروف أن المال مجهول المالك يمكن الاستيلاء عليه بعد التصدق بقسم منه.

2- حول موضوع التصرف بالمال مجهول المالك بموجب القوانين النافذة، الأمر هنا بحاجة إلى توضيح كما أعتقد لأن الناس ستختلف في قضية هل هذا التصرف وفق القوانين النافذة أم لا، وهل هذه القوانين متوافقة مع الشريعة كما يراها المرجع فلان الفلاني أم لا...إلخ؟ ومن هذه الخلافات قد يتسرب الفاسدون بسهولة ويخلطون الأوراق ويحولون المال معلوم المالك إلى مالك مجهول المالك ويجيزون الاستيلاء عليه.

3- قال المرجع السيستاني "قد أذنا لإخواننا المؤمنين وفقهم الله تعالى لمراضيه فيما يستلمونه من المؤسسات الحكومية او المشتركة بالطرق القانونية ان يقبضوه من قبل موكلينا من الفقراء بنية التصدق عليهم ثم يتملكوه لأنفسهم، هذا في الرواتب ونحوها وأما في الفوائد المصرفية وشبهها فقد اذنا لهم في تملك النصف منها بالطريقة المذكورة بشرط التصدق بالنصف الاخر على الفقراء المتدينين".

4- نفهم من قول المرجع السيستاني " - "قد أذنا لإخواننا المؤمنين وفقهم الله تعالى لمراضيه فيما يستلمونه من المؤسسات الحكومية او المشتركة بالطرق القانونية ان يقبضوه من قبل موكلينا من الفقراء بنية التصدق عليهم ثم يتملكوه لأنفسهم"، أن رواتب موظفي الدولة وأموال الدولة عموما، تعتبر من الأموال مجهولة المالك، ولكن المرجع أفتى في رخصة عامة لجميع مقلديه (المقتدين به) بإباحة تملك هذا المال "هذه الرواتب".

5- جواب المرجع السيستاني على سؤال حول عمل الموظف بشهادة مزورة يقول: "التزوير وإن لم يجز إلا أن العمل والراتب محللان إذا لم يظهر نفسه خبيراً في ما لا خبرة له". ومعنى هذا الكلام بوضوح شديد أن العمل وقبض الراتب بشهادة مزورة جائز ولكن التزوير بحد ذاته غير جائز!

6- الشيخ باقر الإيرواني فيرى أن أموال التعويض التي تعطيها الحكومة لأصحاب الدور والأراضي المهدومة وما شابه ذلك أموالا مجهولة المالك أي إنها ليست من حق أصحاب الدور المهدمة والأراضي المستولى، كلامه واضح وهو يبيح الاستيلاء على أموال التعويضات من قبل الاخرين ولا يعتبر هذا الاستيلاء سرقة وهذا تشجيع وشرعنة لجريمة السرقة.

7- موقف المرجع إسحاق الفيّاض واضح ويجيز الاستيلاء "سرقة" على أموال المصارف الدولة الاتية من الخارج والتي قد تكون قروضا أو عائدات من بيع النفط وسواه بالاستيلاء والحيازة بعد التصدق بقسم منها ويقول: حرفيا إذا أخذ المؤمن الموالي المال من البنوك؛ فإن علم أنّها من الأموال الّتي أرسلت من الخارج، ولم تقع في يد المسلمين بعد، فهي ملك طلق له، يملكه بالاستيلاء والحيازة. وأمّا إذا علم أنّها أموال غيره أمّا بالنّصف أو الثّلث أو الرّبع أو الخمس أو السّدس، فعليه أن يتصدّق بهذا المقدار إلى الفقراء بعنوان مجهول المالك بإذنه طبعاً، والزائد عليه يتصرف به!

***

علاء اللامي

...................

هوامش:

1- رابط يحيل إلى موقع المرجع السيستاني: انسخ الرابط ثم ألصقه على محرك البحث إن لم ينفتح بالنقر عليه.

https://www.sistani.org/arabic/qa/0714/

2- الشيخ اليعقوبي يبيح الاستيلاء على المال العام تحت عباءة وعمامة الدين والفتوى‎‎

https://akhbaar.org/home/2022/2/291763.html

3- الشيخ باقر الإيرواني: أموال التعويض التي تعطيها الحكومة لأصحاب الدور والأراضي المهدومة تكون مجهولة المالك

https://www.facebook.com/reel/27823532587232636

4- الشّيخ الفيّاض: أموال مصارف الدّولة تُملك بالاستيلاء والحيازة!

https://www.facebook.com/reel/1336895848544313

بين محمد حسنين هيكل وعبد الباري عطوان

ليست السياسة مُجرَّد وقائع تتوالى على صفحات التاريخ، ولا هي أخبار تتناقلها وسائل الإعلام ثُمَّ تنقضي بانقضاء يومها، بلْ هي صناعة للمعنى، وبناء للوعي، وتشكيل للذاكرة الجماعية.

ومِن أهم أدوات هذه الصناعة " المصطلح السياسي "، فهو الكلمة التي تختزل مرحلةً، والعبارة التي تُلخِّص مشروعًا، والتسمية التي تعيد ترتيب العلاقات بين القوى والأحداث. وكثيرًا ما كانت المصطلحات أكثر بقاءً من الوقائع نفسها، إذْ تمضي الأحداث، ويبقى اللفظُ شاهدًا عليها، يُوجِّه فهمها، ويُؤَثِّر في تأويلها.

وفي التاريخ الصحفي العربي الحديث، يبرز اسمان تركا أثرًا واضحًا في تشكيل اللغة السياسية والإعلامية، هُما الكاتب المِصري محمد حسنين هيكل ( 1923 - 2016) والكاتب الفِلَسطيني عبد الباري عطوان (وُلد 1950). ولكل واحد منهما منهج خاص في صياغة المصطلحات وتوظفيها، يعكس تكوينه الثقافي، ومدرسته الصحفية، ورؤيته للعالَم، وأسلوبه في قراءة التحولات الدولية والإقليمية.

أدركَ هيكل أنَّ اللغة ليست مُجرَّد وسيلة لنقل الخبر، وإنما هي أداة لفهم التاريخ وصناعته. لذلك جاءت كتاباته مشبعة بالمفاهيم المُركَّبة، التي تمزج بين التحليل السياسي والرؤيةِ التاريخية.وكان يميل إلى صياغة تعبيرات ذات طابع إستراتيجي، لا تستهدف الإثارةَ العابرة، وإنما تسعى إلى تفسير الظواهر الكبرى، وربطها بسياقاتها العميقة. ففي مقالاته وكتبه تبدو المصطلحات جُزءًا من بناء فكري متكامل، لا مُجرَّد زخارف لغوية، أو عناوين صحفية.

وكان هيكل شديد العناية بدقة اللفظ، لأن الكلمة عنده مسؤولية معرفية قبل أن تكون وسيلة إعلامية. لذلك كثيرًا ما كان يشرح المصطلحَ، ويُبَيِّن ظروفَ نشأته، ويُوضِّح حدوده الدلالية، حتى لا يتحوَّل إلى شعار فارغ أو أداة للتضليل. ومِن هُنا اكتسبت مصطلحاته قدرة على الاستمرار، لأنها وُلدت من قراءة واسعة للتاريخ والسياسة والعلاقات الدولية، لا مِن انفعال لحظة، أو تأثير حدث عابر.

أمَّا عطوان فقد جاء من مدرسة صحفية مختلفة، تقوم على القرب من الحدث، والاحتكاكِ المباشر بتفاصيل الصراع، ومخاطبة جمهور واسع بلغة تَجمع بين الفصاحة والوضوح. لهذا اتَّجه إلى إنتاج مصطلحات أكثر التصاقًا بالإعلام اليومي، وأكثر قدرة على الانتشار في الفضاء العام، مستفيدًا من قوة الصورة البلاغية، وسرعةِ الإيقاع، وحيويةِ الأسلوب.

وفي كتابات عطوان نجد المصطلحَ يولد غالبًا من رحم الحدث الساخن، ثم يتوسع استعماله حتى يصبح جزءًا من الخطاب السياسي والإعلامي. وهو يميل إلى التعبيرات التي تستفز الذهنَ، وتثير النقاش، وتختزل موازين القوى في صورة لغوية مكثفة. لهذا استطاعت كثير من عباراته أن تجد طريقها إلى المقالات والبرامج الحوارية ومِنصات التواصل الاجتماعي، لأنها تخاطب المتلقي بلغة مباشرة دون أن تتخلى عن بُعدها السياسي.

غَير أنَّ الفرق بين الكاتبَيْن لا يكمن في القدرة على ابتكار المصطلحات، وإنما في الفلسفة الكامنة وراء هذا الابتكار. هيكل ينطلق من رؤية المؤرخ الذي يفسر حركة التاريخ، لذلك تأتي مصطلحاته أشبه بالمفاتيح الفكرية لفهم التحولات الكبرى. أمَّا عطوان فينطلق من رؤية الصحفي المتابع للصراع اليومي، فتأتي مصطلحاته أكثر ارتباطًا بإيقاع الأحداث، وتقلباتِ الواقع السياسي.

وليس من الإنصاف أن تُقَاس تجربة أحدهما بمعايير الآخر، لأن لكل مدرسة غايتها وأدواتها. مدرسة هيكل تسعى إلى تأسيس الوعي التاريخي والسياسي عبر لغة دقيقة ذات نَفَس تحليلي طويل، بينما تسعى مدرسة عطوان إلى مرافقة الحدث، وقراءته لحظة بلحظة، وصياغة خطاب إعلامي قادر على الوصول إلى جمهور واسع في زمن السرعة وتدفقِ المعلومات.

ومعَ ذلك، فإن العنصر الجامع بينهما هو الإيمان بأن المصطلح ليس كلمة عابرة، بلْ قوة مؤثرة في تشكيل الرأي العام. وحين ينجح الكاتبُ في تسمية ظاهرة سياسية تسميةً دقيقة، فإنه يمنح القارئ إطارًا ذهنيًّا لفهمها، ورُبَّما يُوجِّه النقاشَ العام نحو زاوية مُعيَّنة دون غيرها. لهذا كانت معركة المصطلحات دائمًا جزءًا من معركة السياسة نفسها، إذْ تتنافس الدول والمؤسسات ووسائل الإعلام والمفكرون على فرض اللغة التي يُقْرأ بها الواقع.

إنَّ المقارنة بين هيكل وعطوان ليست منافسة بين صَحَفِيَّيْن، بلْ هي مقارنة بين مدرستَيْن في التفكير السياسي والإعلامي، مدرسة تؤمن بأن المصطلح ثمرة للتاريخ، ومدرسة ترى أنَّه ابن اللحظة السياسية المتحركة. وكلتاهما أسهمتْ، بطريقتها الخاصة، في إثراء المعجم السياسي العربي، وتوسيعِ قدرة اللغة العربية على التعبير عن قضايا العصر، وتعقيداتِ العلاقات الدولية.

وتبقى الكلمة هي أول أدوات السياسة وآخرها. ومن يملك القدرةَ على تسمية الأشياء يملك القدرةَ على توجيه الوعي بها. لهذا سيظل صانع المصطلحات حاضرًا في ذاكرة الأمم، لأن التاريخ لا يُكتَب بالأحداث وحدها، وإنما يُكتَب أيضًا بالأسماء التي تُطلَق عليها، وبالمفاهيم التي تُفَسَّر بها حركتها، وباللغة التي تمنحها معناها الباقي عبر الزمن.

***

إبراهيم أبو عواد - كاتب من الأردن

مشكلة الثقافة العربية اليوم في عصر التقنية الرقمية وتكنلوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي، اكبر من قدرات الكتابة والنشر والطبع والتوزيع، انها مشكلة متعلقة بالتفاعل إذ لم يعد جيل اليوم - بسبب ظروفه الحياتية غير المستقرة - يحظى بدرجات عالية من التفاعل مع المصادر الموثوقة وان كان يدري ويعرف جيداً مدى موثوقيتها، ذلك ان أدوات العصر الجديد لم تعد قادرة على التعامل مع الأفكار العميقة والأهداف البعيدة، لكن هذا لم يكن ليعني ان جيل اليوم يتعالى على عطاءات المفكرين والكتاب من جيل الآباء، بل هو يتفاعل معهم على أساس التقدير فقط، لا أساس التقدير والتقرير. هذا ما يجعل وجود المفكرين والفلاسفة غير فاعل في واقع حياة الناس برغم كثرتهم في زماننا، خلا تلك المناسبات التي تعدّ متنفساً لا يبعث على التغيير كالملتقيات والمنتديات والمؤتمرات والمحاضرات والمهرجانات.

فالكتّاب والمفكرون في زماننا لا يزالون يكتبون، ولا تزال كتاباتهم تشكّل صرخات واضحة، لكنها غير مسموعة، ليس لخلل في آذان المجتمع، بل لأنها لم تعد آذاناً واعية. لذا هناك فجوة بين قيمة الفكر العميق في الكتب، وبين الفهم التلقائي في الثقافة الشعبية، وهو ما يحمل المثقف النخبوي على الانزواء او التقاعد بالمفهوم الوظيفي للخدمة، وربما يقتصر دوره على الدعوة للعودة الى طبيعة الثقافة في مجالس ثقافية ومنتديات تجمعه بأقرانه، يبدد فيها شعوره بالغربة أو الوحشة جرّاء التغييرات التي طالت كل مفاصل الحياة الجديدة في القرن الواحد والعشرين، فهناك عدد غير قليل من الكتّاب والمفكرين لا يجدون من أبنائهم من يشاركهم همومهم الثقافية. لأن هناك مشكلة جديدة تكمن في ان كثيراً من المؤسسات التربوية والتعليمية التي يتدرج فيها أبناء المجتمع، لن يكتب لها الإستمرار في مستقبل عصر العولمة والحوسبة والأتمتة والذكاء الإصطناعي، ما لم تقم بتخريب الهدف الذي قامت لأجله وهو التعليم التثقيفي. إذ لم تعد المدرسة في القرن الواحد والعشرين معنية بتربية الأولاد قدر انغماسها في فرض مناهج دراسية هدفها اجتياز الطالب الامتحان من اجل المرور الى مرحلة دراسية لاحقة تكرّس ابتعاد الطالب عن التفكير وعن قيم التربية العلمية والثقافية، ليصل الى الجامعة حيث عليه ان يتخصص في مجال يضمن له وظيفة حكومية او فرصة عمل مناسبة في القطاع الخاص، هكذا تدرّج وتخرّج كثيرون، حيث رسالة التعليم لم تصل الى الطالب خلال سنوات دراسته في المدرسة والجامعة، وحيث اصبح الهدف من الدراسة هو المؤهل العلمي فقط، أما ما يحصل عليه الطالب في البيت من توجيه وتقويم وتقييم، فهو يسهم في اعداد طبيب مؤدب، ومهندس مهذب، لكنه ليس مثقفاً. خطورة ذلك تكمن في ان قوة تأثير ظروف التغيير الإجتماعي ستكون كبيرة على الذين لم يحظوا بقدر كافٍ من الرعاية الثقافية الأسرية يعوّضون به النقص في المؤسسة التعليمية الرسمية، بحيث يخرج من بين حملة الشهادات طبيباً بلا أخلاق، ومعلّماً بلا مبادئ ومهندساً بلا ضمير، وقد كثرت نوعاً ما هكذا نماذج في أيامنا هذه. هكذا يصبح التعليم المجّاني تكليفاً مادياً بالنسبة للحكومة وليس ثقافياً، لذا كثرت المدارس والكليات الأهلية وفاقت بخدماتها الترفيهية مدارس وكليات الحكومة، مما دفع بالمعلّم والمدرّس الى الإنتقال من العمل على رسالة المعرفة الى العمل في تجارة المعرفة، فظهر التقصير في الأداء التعليمي والإداري في مدارس الدولة ونشطت معاهد الدروس الخصوصية ودورات التقوية لتشمل حتى الأطفال الصغار في مراحل الدراسة الأولية.

وحدة الثقافة

دعم هذا التراجع في البلاد وجود سلطات سياسية وقيادية لا تفهم معنى وحدة الثقافة ولا ترى في تقطيع أجزاء الثقافة ضرراً بقدر ما تراه مقتضى حال واقع البلاد التي أصبحت بشكل وبآخر خاضعة لقوة النظام العالمي التي تدير مشاريع استثمار اقتصادية وسياسية هدفها دفع المجتمعات بعيداً عن مراكزها الطبيعية، اعتماداً على تسويق الحرية كمفهوم شخصي غير مرتبط بالمجتمع بقدر ارتباطه بالفردانية الثقافية عبر تقنية رقمية متطورة تتيح للشباب الانتقال والتنقل بين الثقافات طلباً لمزيد من النمو الاقتصادي والترفيه والتسوق، خصوصاً بعد تراجع في قدرات المجتمعات على دعم البيئة المحلية لإعداد جيل قادر على فهم الواقع فهماً يعبر بالجميع الى الجانب الآمن ـ ويوفر حلولاً صحيحة لا حلولاً ترقيعية . هذا الحال يسمح بظهور بيئات جديدة داخل البيئة الطبيعية للمجتمع. تسمح هذه البيئات الجديدة للشاب بأن يستنسخ مشهداً من ثقافة جيل آخر في مجتمع آخر ويلصقه في شريط ثقافته الشخصية دون الحاجة الى تقييم مدى مطابقة مكونات ذلك المشهد مع طبيعة ثقافة المجتمع، يساعد هذا الحال على إزاحة الثقافة العامة للمجتمع بعيداً عن نقطة ارتكازها، فيصبح مقبولاً ممارسة سلوك جديد وان بدا غريباً أو شاذاً مثل قصّات الشعر وازياء الملابس وانماط السلوك وطرق التفكير وأساليب التعبير.

هدم التراث الثقافي

تواجه الثقافة العربية المعاصرة من بين ما تواجهه من مشاكل وهموم، مشروع هدم التراث الثقافي بإسلوب ثقافي يتمثل بملئ الفراغ الثقافي للمجتمع بنقد يثير طبقة الثقافة الشعبية، فيؤتى بأشخاص لا يتمتعون بأرصدة كافية من الثقافة تؤهلهم لممارسة النقد، بقدر ما يتمتعون برصيد وافر من ممارسة حرية التعبير، تلك الحرية التي تعمل مشاريع التطور التقني اليوم على منحها ظروفاً عابرة للمألوف، فبدل ان نفتقد في أيامنا هذه وجود باحث اجتماعي مثل الدكتور علي الوردي، ننتقد اعمال علي الوردي فنصف بحوثه وكتبه التي شغلت الناس وملأت المكتبات، بانها حكايات مقاهي وبحوث عامية غير علمية ..

وبدل ان نفتقد وجود خطيب بمستوى الدكتور احمد الوائلي، ننتقد الوائلي ونصف محاضراته التي لا تزال حاضرة مؤثرة في الثقافة الشعبية والنخبوية، بأن الجزء الأكبر منها لم يكن من بنات أفكار الدكتور الوائلي بل كان مستعاراً من كتب أخرى..

قيل في الشيخ محمد متولي الشعراوي انه لم يكن يحمل شهادة دكتوراه، وقيل في نزار قبّاني انه ليس شاعراً، وقيل في عبد الرزاق عبد الواحد انه ليس شاعراً كبيراً بل هو مجرد شاعر.. هذا ما جاء على السنة شباب هيأ لهم الفراغ الثقافي وغياب النقد الموضوعي، كما هيأت لهم قاعات التصوير والكاميرات والمونتاج والإضاءة، أجواء الجرأة الأدبية..

 تشترك الشخصيات التي نالت منها ثقافة بعض شباب الجيل الجديد بعاملين : العامل الأول انها كانت شخصيات لها شعبية واسعة، والعامل الثاني ان شعبية تلك الشخصيات لم تقف عند حدود الفترة الزمنية التي عاشوا فيها، بل امتدت الى عصر اللهاث وراء الشهرة (الطشّة)، عصر الظمأ الثقافي للابداع الطبيعي، ولعل هذا يكشف لنا الدافع وراء نقد أي شخصية من تلك الشخصيات، ذلك النقد الذي لم يكن يستهدف شخصية بعينها، بل هو يستهدف الوصول الى اكبر عدد من القرّاء والمشاهدين للفت انتباههم من اجل مزيد من المتابعات والاعجابات التي أصبحت معياراً لتبيان ثقافة الشخص، فكلما كانت اعداد المتابعين كبيرة دلّ ذلك على أهمية ثقافته، ودلّت أهمية ثقافته على اهليته لدخول كتاب الأرقام القياسية للشخصيات المؤثرة في المجتمع، وان لم يحقق أدنى المتطلبات الموضوعية للشخصية المؤثرة.

***

عدي عدنان البلداوي

 

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، وظهور الأسباب المباشرة المتمثلة في فكرة الإرهاب وربطه بدول معينة، سبق ذلك عملية وصول الولايات المتحدة الأمريكية إلى سواحل الخليج العربي من خلال التدخل العراقي في الكويت، والسيطرة المباشرة على مقدرات الشعوب في هذه المنطقة. هذا التدخل جعل من أمريكا الفاعل الأول في منطقة الشرق الأوسط وما حولها، من خلال فرض سطوتها بشكل مباشر على المنطقة، مما أوجد مفهومًا مكملاً للكولونيالية القديمة، المتمثلة في الاستعمار القديم (فرنسا وبريطانيا)، وتوزيعهما لمنطقة الشرق الأوسط حسب اتفاقية سايكس بيكو.

لكن الولايات المتحدة الأمريكية، برؤيتها الجديدة التي أزاحت حلفاءها من المنافسة على هذه الرقعة الجغرافية، أوجدت واقعًا جديدًا في المنطقة، وقد بدأت بتنفيذ أهم مخططاتها، وهو السيطرة على المجال السياسي والموارد الاقتصادية، بما في ذلك منابع النفط. وترافق هذا التخطيط مع تشكيل مرجعيات فكرية صمّمها عدد من الساسة الأمريكيين، إلى جانب مجموعة من المفكرين الذين رسموا خارطة الشرق الأوسط الجديد. وقد اعتمد هذا المشروع على إحداث تحول جذري في طبيعة الصراع في المنطقة، حيث انتقل —بعد اتفاقية سايكس بيكو— من صراعٍ حول الحدود إلى صراعٍ داخل الحدود، وفق الأفكار الأمريكية الجديدة.

ماذا نعني بالتحول في الصراع من الخارج إلى الداخل؟ وكيف يتم بلورة هذه الأفكار الأمريكية الجديدة في عملية التغييرات الجيوسياسية في المنطقة العربية خاصةً، والعالم بصورة عامة؟

إنَّ تحول الصراع من الخارج إلى الداخل هو، في الأصل، لعبة أمريكية وعملية مكملة لما حدث في القرن الماضي؛ فقد كان الماضي قائمًا على التقسيم وزرع بذور الخلافات على الحدود بين الدول. هذه السياسة البريطانية القديمة، التي اعتمدت مبدأ (فرّق تسُد)، توالدت من جديد في الفكر الأمريكي، ولكن وفق رؤية مكملة للكولونيالية القديمة. وقد اعتنقت أمريكا هذه الرؤية وجعلت الصراع يتحول ويتشكل المشهد بشكل آخر؛ فشعار (فرّق تسُد) لم يعد كافياً لإنتاج حلول تتماشى مع التطبيقات الأمريكية في المنطقة العربية، بل إنّ التحول يجب أن يكون في مراحل أخرى من الصراع، أكثر تدميراً للوعي في المنطقة العربية.

فقد عملت الإدارة الأمريكية على التصدي لأي تغيير في وعي أبناء منطقة الشرق الأوسط، وهو ما ظهر من خلال رفضهم للعديد من الأحاديث والتصورات السابقة التي كانت تهدف إلى جعل الصراع خارج الحدود، وبعيدًا عن جوهر القضايا، من أجل الحفاظ على كراسي تابعة للنظام العالمي. كما برز الاحتجاج ضد مبدأ استغلال السلطة من قِبَل الحكّام للبقاء في الحكم، حتى لو كان على حساب بقاء أنظمتهم الفاشلة في هذه المنطقة.

لذلك، بدأت الأفكار الأمريكية الجديدة تدخل حيّز التنفيذ، ومعها بدأت عملية التغيير في الفكر الشرق أوسطي، مستهدفةً إسقاط الكراسي الرئاسية والتبعيات الخاصة لبعض الدول المجاورة المتدخلة بشكل مباشر في هذه السيطرة، وذلك من خلال الكيانات الموالية لها، التي تتحكم في المال والجاه في المنطقة العربية.

وعليه، كان لابد للإدارة الأمريكية من إعادة توجيه أساليبها وطريقة تدخلها الجديدة، عبر إيجاد وسائل جديدة تُشعل شكل الصراع الجديد، الذي ينبغي أن يقع ضمن تصور أمريكي محدد يتضمن جانبين رئيسيين، هما:

الأول: تطبيق خططها الجديدة دون أن تكون هي المبادِرة بهذا التطبيق بشكل مباشر، كما حدث في العراق وأفغانستان. بمعنى آخر، جعل الدول المستهدفة نفسها تقدّم المبررات للتدخل والتحشيد الأممي لذلك، من خلال مؤسسات مثل مجلس الأمن الدولي.

الثاني: التحول في الصراع من الخارج إلى الداخل، بهدف شرعنة خططها في المنطقة، وجعل كل كيان قائم على صفة فئوية أو جهوية أو عرقية يأخذ دوره في هذا الصراع. والقصد هنا هو منح هذه الكيانات الدينية والعرقية والعنصرية مبررات لإظهار وجودها في هذه المنطقة.

هذا هو الإطار الكولونيالي الجديد، وهذه هي السلطة الكولونيالية الحديثة التي تمهد لها أمريكا، من أجل ممارسة سياستها وتطبيق أفكارها في المنطقة. وفي هذا السياق، سيكون لديها العديد من الوسائل لتحقيق هذا الإطار الكولونيالي الجديد، إذ تمتلك أمريكا نظريات جاهزة للتنفيذ وفق رؤيتها، مدعومة بمنظّرين قادرين على إنتاج رؤى كولونيالية جديدة تناسب أهدافها.

في مجال النظريات الكولونيالية الجديدة، تتحرك أمريكا عبر ثلاث خطوات مرحلية تهدف إلى تشكيل وعي كولونيالي جديد في المنطقة العربية، ومن هذه النظريات:

النظرية الكولونيالية الأولى: (نظرية النخب الثقافية)

هذه النظرية ليست جديدة، فقد طُبقت سابقاً في الهند على يد الاستعمار البريطاني، وذلك من خلال اختيار حكّام للهند يساهمون في إنتاج صورة جديدة للهند تتماشى مع التصورات البريطانية. بدورها، عملت أمريكا على تطبيق هذه النظرية في العراق، حيث أسقطت نظامًا دكتاتوريّاً دعمته في العديد من المواقف السابقة، وبعد إسقاطه شرعت في تأسيس نظام حكم جديد من خلال عرّابها في مجلس الحكم، بول بريمر.

لقد قام بول بريمر بإنتاج نظام حكم في العراق قائم على مجلس قسّم البلاد إلى أجزاء، وصوّر للعالم أن أمريكا جاءت لجعل كل الطوائف العراقية تشارك في الحكم، وهكذا، ظهرت أمريكا أمام العالم بمظهر راعية الديمقراطية في العراق. إلا أن ما كان يجري فعليّاً هو تطبيق خطة خبيثة تهدف إلى تقسيم العراق مستقبلاً.

وفي هذا السياق، نجحت أمريكا في تصوير الصراعات الداخلية التي اندلعت لاحقًا في العراق وكأنها ليست مسؤولة عنها بشكل مباشر، بينما في الحقيقة هي التي زرعت بذور التفرقة عبر هذا المجلس. هذه التفرقة، مع مرور الوقت، تضخمت مثل كرة الثلج حتى كبرت وأصبحت عائقاً كبيراً أمام نهوض العراق وشعبه. إضافة إلى ذلك، استُغلت هذه الطريقة كذريعة لنهب ثروات العراق تحت شعار "توزيع الثروات"، الذي هو غطاء لنهب هذه الثروات عبر رجالاتها المتنفذين والمخفيين الذين ساهموا في إدارة العملية الانتقالية في العراق.

ورغم مقاومة الوطنيين المخلصين لهذه السياسة الأمريكية، إلا أن العراق كان ليصبح أكثر تشرذماً لولا جهودهم. وعلى أساس هذه النظرية الأولى، بدأت أمريكا بالفعل بتنفيذ مخططها الكولونيالي الجديد الذي يهدف إلى تحويل الصراع من الخارج (بين العراق وجيرانه)، إلى الداخل (بين أبناء الوطن الواحد).

النظرية الكولونيالية الثانية: (نظرية أحجار الدومينو)

تعد هذه النظرية المرحلة الثانية التي مهدت لتعميم فكرة الصراع من الخارج إلى الداخل، والتي دعمتها أمريكا أيضاً تحت شعار الديمقراطية ونفذتها بطرق متعددة:

1. من خلال التدخل العسكري المباشر: كما حدث في العراق وأفغانستان.

2. التدخل العسكري غير المباشر: كما في ليبيا.

3. من خلال الدعم بوسائل أخرى وضغوطات: مورسَت على الحكّام المنصّبين من قِبَلها، وليس بإرادة شعوبهم، كما حدث في تونس ومصر.

هذه الاستراتيجيات جعلت الواقع العربي يواجه صوراً جديدة من الصراع، وهو الصراع الداخلي بين أبناء الوطن الواحد. وقد بدأت ملامح هذا التحول من الصراع الخارجي إلى الصراع الداخلي تظهر أولاً في لبنان، ثم في العراق، وبعد ذلك في ليبيا، واليمن، وسوريا. هذا الصراع الداخلي أدى إلى جعل تلك الدول قابلة للتجزئة، حيث تحولت من دول ذات تنوع جغرافي وسكاني، ومن طوائف وقوميات وأعراق وديانات متعايشة، إلى فئات متصارعة تحت عناوين مختلفة.

وبعد ذلك لم يعد الصراع خارجياً (بين الدول)، أو على الحدود (كما كان في الكولونيالية القديمة)، مثل الصراع بين المغرب والجزائر على الصحراء الغربية، والصراع بين العراق والكويت، والصراع بين سوريا ولبنان؛ بل أصبح الصراع في الكولونيالية الجديدة داخل هذه البلدان، أو بين أبناء البلد الواحد. وهذه النظرية الثانية مهدت للنظرية الثالثة في إطار التطبيقات الكولونيالية الجديدة.

النظرية الكولونيالية الثالثة: (نظرية الفوضى الخلاقة والشرق الأوسط الجديد)

يرى بعض الباحثين أنّ مصطلحي (الفوضى الخلاقة) و(الشرق الأوسط الجديد) يعبران عن توجهين مختلفين، لكنهما في الحقيقة يمثلان مرحلة واحدة متقدمة في الفكر الكولونيالي الجديد؛ فهما وجهان لعملة واحدة، وجزءان متكاملان للمرحلة الثالثة من الفكر الأمريكي الكولونيالي الجديد، الذي بدأ بعد تراجع الكولونيالية القديمة.

وهذه النظرية الثالثة قائمة على ما يلي:

1. الصراع الداخلي من خلال خلق فوضى خلاقة في داخل الدول ذاتها لإضعاف ما تبقى منها.

2. ومن ثم تكوين صيغ جديدة في حكم هذه الدول تكون قابلة للهدم المستمر وفق رؤية (الفوضى الخلاقة).

3. ترسيم خارطة جديدة وفق أساليب معدة مسبقاً تحت مبادئ غربية متعددة مغلفة بإطار يحمل مسميات مختلفة، مثل حقوق الأقليات، وحقوق الإنسان، وحريات التعبير، وغيرها من الأمور التي لا تُطبَّق في البلدان الغربية إلا وفق قوانين صارمة تمنح السلطات حق التعذيب والنفي والتخوين، وكل ذلك لمن يخالف عقائدها السياسية والأخلاقية.

وهذه النظرية الثالثة نشهد تطبيقاتها في أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الجديد، وسوف تتوج هذه التوجهات الكولونيالية الجديدة في العقد الثالث من هذا القرن للوصول إلى الخارطة الكولونيالية الجديدة للرؤى الأمريكية في المنطقة العربية، وخاصة في الشرق الأوسط منها.

أما فيما يخص أبرز من كتب في مجال التطبيقات الأمريكية وفق الرؤية الكولونيالية الأمريكية الجديدة، فقد صدرت هذه الرؤية في كتابين مهمين هما: (صدام الحضارات) لـ(صموئيل هنتنغتون)، وكتاب (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) لـ(فرانسيس فوكوياما).

في الكتاب الأول، يناقش (هنتنغتون) الرؤية الأمريكية للعالم الآخر بحضاراته المختلفة، ويحدد من هي الحضارات الصديقة ومن هي الحضارات العدوة؛ إذ يجعل من الحضارات اليابانية والهندية والأفريقية والدول الغربية غير الأمريكية حضارات صديقة للمشروع الكولونيالي الأمريكي، بينما تكون الحضارة الإسلامية ومن بعدها الحضارة الصينية معادية للكولونيالية الأمريكية.

ما يعنينا في هذا الكتاب هو الحضارة الإسلامية التي ينتمي إليها أغلب سكان الشرق الأوسط؛ فالسائد في الفكر الكولونيالي الغربي الجديد هو جعل الشرق الأوسط يسير وفق النظريات الثلاث السابقة، منتقلًا من حالة إلى أخرى، أي من طبيعة الصراع خارج الحدود إلى طبيعة الصراع داخل حدود كل دولة.

هذا الفكر الذي يدعمه عدد من المفكّرين مثل (صموئيل هنتنغتون)، يجعل من الحضارة الإسلامية مركز الصراع مع هذه الرؤية الكولونيالية. ويبرر (هنتنغتون) أن أغلب الصراعات التي تحدث مع الجانب الإسلامي هي حروب حضارية؛ كما في حرب (الشيشان)، وحروب أوروبا الشرقية في (البوسنة والهرسك وكوسوفو)، وكذلك ما يحدث مع الجماعات الإسلامية في (شرق آسيا)، و(أفغانستان)، و(أفريقيا) مع جماعة (بوكو حرام)، و(جماعة الشباب) في (الصومال). وأيضاً كما في الصراع العربي الإسلامي مع الكيان الغاصب لفلسطين المحتلة، وغيرها من الصراعات بين الجماعات التي تنتمي للإسلام والديانات والقوميات الأخرى، معتبراً ذلك صراعاً وصداماً حضارياً مستمراً عبر التاريخ بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية، ابتداءً من العصور التي سبقت الحروب الصليبية ومروراً بهذه الحروب التي استمرت إلى ما يقارب خمسة قرون، واستمراراً في الوقت الحاضر المتمثل بصراعات الشرق الأوسط.

ويدعو هنتنغتون إلى قضية مهمة جداً في نظره، ألا وهي السيطرة على المعرفة التكنولوجية المتمثلة بوسائل الاتصال والتواصل، ويطرح مجموعة من العوامل التي يجب على الغرب السيطرة عليها، من ضمنها السيطرة على وسائل الاتصال العالمية، بالإضافة إلى السيطرة على الأسواق العالمية في شتى المجالات، ومنها التواصل التقني والتصنيع العسكري المصاحب لهذه التقنيات الجديدة التي أصبحت سمة من سمات العصر الحديث. كما يدعو إلى جعل الشرق الأوسط خاضعاً لهذه السيطرة وفق الكولونيالية الأمريكية ومتطلباتها لإخضاع الآخر.

أما الكتاب الثاني، للمفكّر (فرنسيس فوكوياما) الذي كتب أطروحته في مجال الكولونيالية الأمريكية، إذ يرى فيها بأن العقل الأمريكي يمتلك السيادة على العالم الآخر الذي يقع خارج الحضارة الأمريكية، ومن ضمنه العالم الإسلامي، وبالأخص العالم العربي الواقع ضمن منطقة الشرق الأوسط. ويرى فوكوياما أن هذه السيادة الأمريكية يجب أن تبسط نفوذها على العالم، ومن ضمنه مواطنو الشرق الأوسط، من خلال مفاهيم طرحها في كتابه وهي نهاية التاريخ، والإنسان الأخير.

إذ يرى (فوكوياما) أن العرب يقعون في دائرة التخلف، وخاصة في القضيتين الآتيتين:

الأولى: تخلفهم عن التفوق المعرفي الذي يمتلكه الغرب بقيادة أمريكا، والذي من شأنه أن يسود العالم، لكن بشرط أن يكون الإنسان في العالم الذي يقع خارج أمريكا قادراً على النهوض بهذه المعرفة والتواصل معها من خلال الوصول إلى ما يؤهله لذلك. ومن ثم فإن العربي بحاجة إلى تحريك الركود في منطقته والخروج من دائرة السبات الثقافي الراكد. ويشير (فوكوياما) إلى أن أهم ملامح الخروج من هذا الركود الثقافي هو ما جاء به زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن من فكر مغاير، إذ اعتقد فوكوياما أن هذا الفكر هو الأصلح لتنشيط المنطقة وإخراجها من مجال الركود.

وعلى الرغم من وجود مفارقة في هذه الرؤية —رؤية فوكوياما لأسامة بن لادن— تقع في تصورين مختلفين ظاهرياً في أمريكا، وهما:

1. إيجاد مشروع عصابة القاعدة التي كانت الغاية منها مواجهة الاجتياح السوفيتي لأفغانستان، كما هو معلن آنذاك.

2. ما أُعلن بشكل رسمي في أمريكا بعد ذلك بأن القاعدة منظمة إرهابية، ولابد من القضاء عليها بأي طريقة كانت، والقضاء على حلفائها من جماعة طالبان.

وعلى هذين التصورين المختلفين، نرى الفرق والاختلاف بين المعلن والمخفي في أمريكا؛ لذا رحب فوكوياما بهذه المنظمة من خلال أفكار زعيمها ابن لادن، كونها تأتي ضمن أفكار تفعيل الركود في الشرق الأوسط والوصول إلى المعرفة الأمريكية. لكن هذا الاستغراب الذي أبديناه سابقاً بدأ يتكشف لمخططات الكولونيالية الأمريكية الجديدة في المواجهات المزعومة والخادعة مع الإرهاب، من خلال تسليم المناطق التي خططت لها أمريكا لإنشاء هذه الجماعات المتطرفة المشوهة لصورة الإسلام. ويتضح ذلك في تسليم زمام الأمور لهذه الجماعات، كما في تسليم أفغانستان للقاعدة وحركة طالبان، وكما في المخطط الثاني الذي يحدث في منطقة الشرق الأوسط في الحركات التي خرجت من عباءة داعش، الذي نشأ في العراق وتحت أنظار وإشراف أمريكي، وفق المبدأ الكولونيالي الجديد المخطط له، والذي يتضح في الفكر الفوكويامي أن التطرف الإسلامي هو خير من يُفعّل الراكد في الشرق الأوسط.

ثانياً: أن مبدأ تفعيل الآخر من أجل الوصول إلى تصور الإنسان الأخير ونهاية التاريخ قائم على مسألة العلاقة التي تبناها فوكوياما من أفكار سابقة لفيلسوفين غربيين، هما: هيجل وهوبز. هذه العلاقة التي تُعرف بعلاقة السيد بالعبد تم ترسيخها من قِبَل الكولونيالية القديمة وتبنتها الكولونيالية الجديدة. ويذكر فوكوياما هذه الرؤية في كتابه نهاية التاريخ حيث يقول: "السيد هو إلى حد ما أكثر إنسانية من العبد، لأنه تطوع إرادياً لتجاوز طبيعته البيولوجية نحو غائية غير بيولوجية، وهي أن يكون معتَرفاً به. فلدى مخاطرته بحياته، يبرهن أنه حُر. أما العبد فهو على العكس، بحسب رأي هوبز، يتخلى عن هذه الإنسانية خوفاً من الموت العنيف. ولهذا السبب يبقى حيواناً ضحية الحاجة والخوف، غير قادر على تجاوز تحديده البيولوجي أو الطبيعي. لكن فقدان حرية العبد، أي إنسانيته الناقصة، تضع السيد أمام إحراج: فهذا الأخير يرغب بأن يُعترف به من قِبَل كائن آخر يملك مثله قيمة وكرامة خاصتين به. فهو بدلاً من ذلك، يُعترف به من قِبَل العبد الذي بقيت إنسانيته غير مكتملة لأنه تخلى عنها لخوفه الطبيعي من الموت. فقيمة السيد هي إذاً معترف بها من قِبَل شخص ليس إنساناً بالكامل"(1). ومن هذه المعادلة قدمنا في كتابنا السابق الذي يحمل عنوان "الجدلية الأنطولوجية وتشكيل المعنى/الواقع المعاش، الأفكار، رقمنة الوعي" تبياناً من ست نقاط لتوضيح ما أراده فوكوياما من هذه العلاقة وهذه المعادلة بين السيد والعبد، وهي كما يأتي:

1. إنَّ السيد هو الإنسان الأخير، وما عداه لا يصل إلى هذه الصيغة أبداً، بل يبقى إنساناً آخر، وبالتالي نحن أبناء منطقة الشرق الأوسط لا نصل إلى هذه المكانة مهما قدّمنا من طرائق جديدة ووسائل معرفية نظرية وعملية للتأقلم مع هذا التصور الجديد، بل نبقى في مرتبة العبيد، وهذه القاعدة الأولى في الفكر الكولونيالي الجديد الذي يمثله فوكوياما.

2. في النقطة الثانية من الفكر الكولونيالي الأمريكي، نجد أن ما يقوم به السيد تجاه الآخرين هو تطوع إرادي يتجاوز فيه طبيعته البيولوجية نحو غائية بيولوجية قائمة على مخاطرته بحياته ليبرهن أنه حر. مثال على ذلك هو الادعّاء الذي تصوره أمريكا في حروبها، مدّعية بأنها تقاتل من أجل حرية الشعوب المظلومة؛ فحرية السيد تُعتبر نعمة على العبد، وهذه المخاطرة قائمة على التضحية من أجل بقاء العبد حياً. فبفضل السيد/أمريكا نحن نبقى أحياء، وبفضله نعيش، وبفضله ننعم باستنشاق الهواء. فهو السيد الذي يحمينا ويغامر بكل قوته العسكرية وغير العسكرية حتى نبقى أحياء من عدو مفترض لا نعلم من يكون وفي أي لحظة يظهر، المهم أن نبقى في سياق الامتنان للسيد الحامي المضحي من أجل بقائنا، ولكن ليس في حياة كريمة كما نتصورها، فالكرامة والعزة له وحده، ونحن لنا البقاء فقط على سطح هذا الكوكب، حيث يكون هو السيد، وهو الحاكم، وهو القوي، وهو المسيطر على كل شيء، بما في ذلك وجودنا نحن في المنطقة العربية عامة، والشرق الأوسط خاصة.

3. وفقاً لهذه المعادلة الكولونيالية الأمريكية، نحن مطالبون بالتخلي عن إنسانيتنا، وعن مطالبنا بحياة كريمة، وعن قدرتنا على صناعة حياة جديدة لنا. والسبب في هذا التخلّي عن أهم خاصية وجدت على هذا الكوكب —وهي الإنسانية التي تميزنا عن الكائنات الأخرى— هو بقاء السيد حاكماً، بينما نبقى نحن أحياء بفضل السيد الأمريكي. فالخوف من الموت، الذي هو أيضاً بيد السيد الأمريكي، يجعلنا نستمر بالوجود وندين له بالفضل. وهذا الفضل هو نعمة ومنّة وعطاء من إنسان حر، قائد لهذا العالم، وإنسانه الأخير، الذي يرى أن التاريخ وصل إلى نهايته فيما يتعلق بالتطور المعرفي والعلمي والتقني. فالخوف من الموت هو السر في بقاء السيد الأمريكي ومدى سيطرته علينا. وما دام هناك عبيد غيرنا، يمكنه التخلي عنا وتقديمنا للموت كضحايا في حروبه ومغامراته، وعندما يفقد عبيده في مناطق العالم الأخرى الخارجة عن سيطرته، يعود إلينا ليدجننا مرة أخرى؛ لذا، البقاء على قيد الحياة يتطلب الخضوع للسيد وأفكاره العظيمة في نهاية التاريخ وإنسانه الأمثل والأوحد، وهو السيد الأبيض الأمريكي.

4. تكمن فكرة الكولونيالية الأمريكية الجديدة في التخلي عن الإنسانية من أجل البقاء على قيد الحياة، مما يحولنا وفق تصورها إلى الاقتراب من الحيوانية —وحسب وصف العبد كما في الاقتباس المأخوذ من كتاب نهاية التاريخ— هذه الحيوانية التي هي صفة العبد، ناتجة عن الخوف الذي يجعلنا ضحايا الحاجة للسيد الأمريكي، غير قادرين على تجاوز تحديدنا البيولوجي أو الطبيعي كما يراه هوبز، وهو التصور الذي يستند إليه فوكوياما في تصوّره لمن هم خارج تاريخه وإنسانه المفضل.

5. إنَّ مفهوم إنسانية العبد في الكولونيالية الأمريكية يقوم على فكرة أن العبيد هم من تكون إنسانيتهم ناقصة، وهذا النقص يقربهم من الحيوانية، والسبب في ذلك هو فقدان حرية العبد. وبفقدان الحرية تبقى إنسانيته ناقصة، وهنا يتمكن السيد الأمريكي من السيطرة؛ فهذا الأخير يرغب بأن يُعترف به من قِبَل كائن آخر يملك مثله قيمة وكرامة خاصتين به، لكن هذا الكائن، الذي يمتلك الخواص ذاتها، غير موجود، فبدلاً من ذلك يُعترف به من قِبَل العبد، الذي بقيت إنسانيته غير مكتملة لأنه تخلى عنها لخوفه الطبيعي من الموت. فقيمة السيد مُعترف بها إذًا من قِبَل شخص ليس إنساناً بالكامل. ومن ثم ستستمر هذه المعادلة طالما أن الطرف الأقوى مستمر بسيطرته وقوته وتفوقه، ولا يمكن للعبد أن يجد له سبيلاً إلى الحرية أبداً.

6. هذه المعادلة الكولونيالية الجديدة قائمة وفق تصور وجود طرف منتج وطرف مستهلك، ولكن متى ما أراد هذا العبد —وهو الطرف الأضعف— أن يغير المعادلة تُسلب منه الحياة؛ فكل ما يملكه العبد من أشياء وثروات وغيرها، هي ملك لسيده الأمريكي، بما في ذلك حياته ووجوده وإنسانيته. فلابد أن يكون في هذه المعادلة سيد قادر على توزيع طريقة العيش والحياة والكرامة وفق ما يريده هو، وبما أن العبد يقبل بهذه المكانة ويرضى بها، فإنه سيبقى في خانة الأضعف والمستعبد والمستعَمر (2).

***

أ.د. محمد كريم الساعدي

.....................

الهوامش

1. فوكوياما، فرانسيس: نهاية التاريخ والإنسان الأخير، ترجمة: د. فؤاد شاهين وآخرون، بيروت: مركز النماء القومي، 1993، ص189، ص190.

2. يُنظر: أ. د. محمد كريم الساعدي: الجدلية الأنطولوجية وتشكيل المعنى، الواقع المعاش، الأفكار، رقمنة الوعي، عمان: دار صفاء للنشر والتوزيع، 2023، ص125، ص128.

لماذا تبدأ معركة الإصلاح في العراق من الإنسان؟

منذ أكثر من عقدين، والعراق يخوض معركة مفتوحة ضد الفساد الإداري والمالي، وضعف مؤسسات الدولة، وتراجع كفاءة الإدارة العامة. وخلال هذه السنوات، صدرت تشريعات، وأُنشئت هيئات رقابية، وتعاقبت حكومات ومسؤولون، ألا أن النتائج بقيت دون مستوى تطلعات المواطنين. وهذه الحقيقة تفرض سؤالاً يتجاوز القوانين والإجراءات: هل تكمن الأزمة في نقص التشريعات، أم في الثقافة المجتمعية التي تسمح للفساد بأن يستمر ويتجدد؟

لقد أثبتت تجارب الأمم أن بناء الدولة لا يبدأ بالمؤسسات وحدها، بل يبدأ ببناء الإنسان. فالمؤسسات، مهما بلغت درجة تنظيمها، ليست سوى انعكاس لمنظومة القيم السائدة في المجتمع. وإذا كانت هذه المنظومة تتسامح مع المحسوبية، أو تبرر الرشوة، أو تمنح النفوذ قيمة أعلى من الكفاءة، فإن الإصلاح سيظل هشّاً مهما بلغت دقة التشريعات وكفاءة الأجهزة الرقابية.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم الوعي الجمعي الذي صاغه عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم، بوصفه منظومة القيم والمعتقدات المشتركة التي تشكل الضمير الأخلاقي للمجتمع وتوجّه سلوك أفراده. فالقانون لا يستمد قوته من نصوصه وحدها، بل من اقتناع الناس بعدالته والتزامهم الطوعي به. ولهذا لا تعتمد كثير من الدول على العقوبات وحدها، لأن المجتمع نفسه يمارس رقابة أخلاقية تجعل مخالفة القانون أمراً مستهجناً قبل أن تكون جريمة يعاقب عليها القضاء.

ومن زاوية أخرى، يبين المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي أن السيطرة على المجتمع لا تتحقق بالقوة وحدها، بل عبر الهيمنة الثقافية التي تحدد ما يراه الناس طبيعياً أو مقبولاً. فإذا تحول الفساد إلى سلوك مألوف، أو أصبح التزلف للمسؤولين طريقاً مشروعاً لتحقيق المصالح، فإن الخلل يكون قد تجاوز المؤسسات ليصل إلى البنية الثقافية ذاتها.

وهنا تكمن المعضلة الحقيقية في العراق. فالمشكلة ليست في وجود أفراد فاسدين، بل تمتد إلى وجود بيئة اجتماعية قد تتسامح مع الفساد، أو تبرره، أو تمنح أصحابه مكانة واحتراماً بسبب المال أو النفوذ، من دون مساءلة عن مصدرهما. وعندما يصبح الفساد مقبولاً اجتماعياً، يفقد القانون جانباً كبيراً من قدرته على الردع.

وتؤكد التجارب الدولية أن الإصلاح المستدام يبدأ بتغيير الثقافة العامة. فقد استطاعت سنغافورة أن تتحول من دولة تعاني الفساد إلى واحدة من أكثر دول العالم نزاهة، ليس بفضل العقوبات الصارمة وحدها، وإنما أيضاً عبر ترسيخ ثقافة تعتبر المال العام أمانة، والوظيفة العامة مسؤولية وطنية. كما نجحت جورجيا في الحد من الرشوة بإصلاح الإدارة العامة، وإغلاق منافذ الفساد، بالتوازي مع بناء ثقة جديدة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

وفي كوريا الجنوبية، أصبح التعليم ركيزة لترسيخ الانضباط واحترام العمل العام، بينما تمكنت رواندا، بعد مأساة الإبادة الجماعية، من إعادة بناء الدولة على أساس الهوية الوطنية والمساءلة وسيادة القانون. أما اليابان، فقد رسخت مفهوم المسؤولية العامة إلى درجة أن الاعتذار أو الاستقالة عند التقصير يُعدان جزءاً من أخلاقيات المنصب. وفي دول الشمال الأوروبي، لم تُبنَ النزاهة على كثرة القوانين وحدها، بل على عقود طويلة من التربية والشفافية، حتى أصبح المجتمع نفسه يرفض أي اعتداء على المال العام أو إساءة لاستخدام السلطة.

ولا يعني استحضار هذه التجارب الدعوة إلى استنساخها، فلكل دولة ظروفها وتاريخها، غير أن المبادئ الكبرى التي قامت عليها تبقى صالحة لكل المجتمعات: سيادة القانون، والمساواة أمامه، وربط المكانة الاجتماعية بالنزاهة والكفاءة والإنجاز، لا بالنفوذ أو الثروة.

ويمتلك العراق جميع المقومات التي تؤهله لبناء دولة قوية؛ فهو غني بموارده الطبيعية، وموقعه الجغرافي، وإرثه الحضاري، وكفاءاته العلمية والبشرية. غير أن هذه الإمكانات لن تتحول إلى قوة حقيقية ما لم يتغير الوعي الجمعي، بحيث يصبح الفساد سلوكاً مرفوضاً اجتماعياً قبل أن يكون مخالفة قانونية، ويغدو المنصب العام تكليفاً لخدمة المواطنين، لا وسيلة لتحقيق المصالح الخاصة.

إن أخطر آثار الفساد ليست سرقة المال العام فحسب، بل تشويه منظومة القيم. فعندما يرى الشباب أن النجاح يتحقق بالعلاقات الشخصية أكثر مما يتحقق بالكفاءة، وأن الولاء يتقدم على الاستحقاق، وأن الثراء غير المشروع لا يمنع صاحبه من نيل الاحترام، فإن الثقة بالعدالة تتآكل، ويصبح تقليد السلوك الفاسد خياراً يبدو منطقياً لدى البعض.

ولهذا، فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ من المؤسسات التي تصنع الإنسان: الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والإعلام، والمؤسسات الدينية والثقافية. فهذه المؤسسات تغرس قيم الأمانة والانضباط والمسؤولية، وهي القادرة على تكوين مواطن يرى في احترام القانون قيمة أخلاقية، لا مجرد التزام تفرضه العقوبة.

كما أن المجتمع بحاجة إلى إعادة النظر في معاييره لتقدير الأشخاص. فليس كل صاحب سلطة ناجحاً، وليس كل صاحب ثروة قدوة. إن المجتمعات المتقدمة تمنح الاحترام لمن يخدم وطنه بعلمه ونزاهته وإنتاجه، لا لمن يملك النفوذ أو يحقق المكاسب بوسائل مشبوهة. وحين تصبح الكفاءة معياراً للتقدير، يتغير سلوك الأفراد تلقائياً، لأن المجتمع يكافئ القيم الصحيحة بدلاً من مكافأة النفوذ.

ولا يقل أهمية عن ذلك ترسيخ العلاقة السليمة بين المواطن والمسؤول. فالمسؤول في الدولة الحديثة موظف عام يستمد سلطته من القانون، ويخضع للمساءلة شأنه شأن أي مواطن. واحترام المنصب لا يعني تقديس شاغله، كما أن النقد الموضوعي لا يمثل إساءة إلى الدولة، بل يسهم في تصحيح مسارها وحماية مؤسساتها من الانحراف.

وفي المقابل، لا يتحقق التغيير بالشعارات، بل بالممارسات اليومية. يبدأ عندما يرفض المواطن دفع الرشوة أو قبولها، وعندما يمتنع عن تبرير الفساد لأنه صادر عن قريب أو حزب أو جماعة، وعندما يمنح صوته الانتخابي لمن يستحقه على أساس الكفاءة والنزاهة. فالإصلاح ليس قراراً إدارياً يصدر من أعلى، بل عملية تراكمية تشارك فيها ملايين السلوكيات الفردية التي تصنع في مجموعها، ثقافة جديدة.

إن بناء وعي جمعي جديد يتطلب مشروعاً وطنياً طويل النفس، تتكامل فيه جهود الدولة والمجتمع، ويهدف إلى إعادة الاعتبار لقيم المواطنة، وسيادة القانون، والشفافية، والمساءلة، واحترام العمل العام. فالإصلاح الحقيقي لا يقتصر على تغيير الأشخاص، وإنما يبدأ بتغيير الثقافة التي تنتجهم وتوجّه طريقة تفكيرهم وسلوكهم.

إن معركة العراق في السنوات المقبلة ليست معركة ضد الفساد الإداري أو المالي فحسب، بل هي معركة لاستعادة المنظومة الأخلاقية التي يقوم عليها المجتمع. وعندما يصبح احترام القانون جزءاً من الهوية الوطنية، والنزاهة مصدراً للفخر، والكفاءة أساساً لتولي المسؤولية، والمساءلة حقاً لا يقبل المساومة، فإن الإصلاح لن يكون مشروعاً مؤقتاً، بل مساراً دائماً يقود إلى بناء دولة المؤسسات والعدالة.

فالوعي الجمعي ليس شعاراً ثقافياً أو مفهوماً أكاديمياً مجرداً، بل هو القوة الصامتة التي تصنع سلوك الأفراد، وتوجّه أداء المؤسسات، وترسم مستقبل الأمم. وإذا نجح العراق في إعادة بناء هذا الوعي، فإنه لن ينجح في مكافحة الفساد فحسب، بل سيضع الأساس المتين لدولة حديثة يكون فيها الولاء للوطن والقانون فوق كل ولاء، وتغدو النزاهة ثقافة مجتمعية راسخة، لا مجرد نصوص في القوانين.

***

جورج منصور

بين التقاليد الغائرة والحداثة العالقة

في لحظةٍ فارقة من التاريخ العربي المعاصر، يقف العقل الثقافي العربي كما لو أنه على عتبة بوابة موصدة، يتلفت خلفه إلى إرثٍ طويل وثقيل من التقاليد والرموز والموروثات، وينظر أمامه بتردد إلى عالم متغير، سريع، متحول، تغمره الحداثة وتبتلعه العولمة. لم يكن هذا العقل يومًا عاجزًا عن الفهم أو الاستيعاب، لكنه ظل على مدى عقود حائرًا أمام سؤال جوهري لم يجد له جوابًا نهائيًا، كيف يمكننا أن نكون حديثين دون أن نفقد أنفسنا؟

ليس من المبالغة القول إن الثقافة العربية الحديثة ما زالت عالقة في منطقة رمادية، تتجاذبها قوتان متناقضتان. من جهة، هناك ضغط الهويات التقليدية التي تستمد شرعيتها من الدين، والعُرف، والانتماءات الأولية، والتي ترفض التغيير أو تتوجس منه، ومن جهة أخرى، هناك وعود الحداثة التي تقدم نماذج جاهزة من التقدم، لكنها غالبًا ما تبدو مستوردة وغريبة، لا تنمو من داخل التربة الثقافية نفسها، بل تُفرض فوقها فتسبب الانقسام والتشوش.

لقد بدا واضحًا، منذ بدايات القرن العشرين، أن المجتمعات العربية دخلت زمن التغيير، لكن التغيير ظل في معظمه شكليًا، يطال القشرة لا الجوهر. أُنشئت الجامعات، وتطورت المدن، وتغيرت الأزياء، وتكلم الناس عن الديمقراطية، والحرية، والمجتمع المدني، لكن البنى العميقة للوعي الثقافي، تلك التي تتحكم في النظرة إلى الإنسان، والعالم، والمعرفة، بقيت متماسكة على حالها، لا تهتز إلا لتعود وتتصلب من جديد. وهكذا، تراكمت مظاهر الحداثة فوق أرضٍ لم تُمهّد لها فكريًا وروحيًا، فكان من الطبيعي أن تنشأ فجوة، بل قطيعة، بين ما نعيشه وما نؤمن به.

الثقافة، كما يفهمها المفكرون، ليست مجموعة معارف ومظاهر خارجية، بل هي نمط حياة، رؤية للعالم، بنية إدراكية تنعكس في السلوك والفكر واللغة. وفي هذا السياق، فإن التحديث الحقيقي لا يتم بشراء التكنولوجيا أو تقليد أنماط العيش الغربية، بل بإعادة تشكيل العقل نفسه، وتفكيك الموروث بعين ناقدة، لا تنكر قيمته الرمزية، ولكنها لا تخضع له كسلطة مطلقة. هذا ما لم يحدث بعد في التجربة العربية. فكلما اقتربنا من لحظة التغيير الحقيقي، انسحب العقل إلى منطقة الأمان، وتحصن بالتراث، كأن الماضي وحده هو ما يمنحنا الحق في الوجود.

اللافت أن هذا الصراع لم يعد محصورًا في النخبة المثقفة، بل تسلل إلى حياة الناس اليومية. نشاهد ذلك في النقاشات الحادة بين الأجيال، في صراع القيم داخل الأسرة، في حيرة الشباب بين ما يتلقونه من تعليم حديث وما يفرضه عليهم المجتمع من قوالب تقليدية. لقد أصبحت الحداثة، بالنسبة للكثيرين، شكلاً من التمرد، لا خيارًا واعيًا نابعًا من قناعة داخلية. أما التراث، فبدلاً من أن يكون مرجعًا يُستأنس به، تحول في كثير من الأحيان إلى سجن رمزي يخنق الروح.

لكن هل التراث هو المشكلة حقًا؟ أم أن المشكلة تكمن في طريقة تعاملنا معه؟ التراث لا يُلام لأنه موجود، بل لأننا جعلناه فوق المساءلة. والحداثة لا تُدان لأنها دخيلة، بل لأننا لم نمنحها فرصة للنمو من داخلنا. وما بين طرفي هذا التوتر، ضاعت ملامح مشروع ثقافي عربي قادر على إنتاج حداثته الخاصة، على طريقته، ووفقًا لظروفه وتاريخه وتجربته.

إن المجتمع الذي لا يصوغ حداثته، سيُستدرج حتمًا إلى استهلاك حداثة الآخرين. وهذا ما حدث ويحدث. نستهلك كل شيء: الأفكار، والمنتجات، والنماذج، دون أن نملك أدوات إنتاجها أو حتى معايير نقدها. وهكذا نعيش حالة من "الحداثة المعلّبة"، حيث الحداثة تُختصر في المظهر، وتُختزل في الأدوات، بينما يبقى العمق الثقافي أسيرًا لذهنية تقليدية لم تتغير كثيرًا منذ قرون.

لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح ليس فقط عن الحداثة، بل عمّا بعدها. فنحن نعيش في عالم دخل منذ عقود مرحلة "ما بعد الحداثة"، حيث تساقطت كثير من اليقينيات، وتفتّتت الأنساق الكبرى، وأصبح الإنسان يواجه سيولة غير مسبوقة في القيم والمعاني. في هذا السياق الجديد، لا يكفي أن نسأل: هل نحن حداثيون؟ بل يجب أن نسأل أيضًا: هل نحن مستعدون للعيش في عالم لا مركز له، لا مرجعية واحدة تحكمه، ولا حقيقة ثابتة تحكم سلوكه؟

إن هذا السؤال يمثل جوهر المأزق الثقافي العربي اليوم. فنحن لم نُنجز بعد مشروع الحداثة، ولم نُهضم أسئلتها الكبرى، وها نحن نُدفع إلى مواجهة عالم ما بعد الحداثة، بكل ما فيه من تفكك، وتعدد، وشك، ولامركزية. فكيف لعقل لم يتحرر بعد من سلطة التقليد أن يتعامل مع عالم ينكر السلطة من أساسها؟ وكيف لمجتمع لم يستوعب بعد معنى الفرد أن يواجه عالماً يقدّس الذات ويشكك في الجماعة؟ إنها أسئلة ثقيلة، تتطلب منا أكثر من مجرد ترديد شعارات التغيير، أو الدعوة إلى التجديد.

ربما نحتاج إلى شجاعة فكرية حقيقية، لاختبار القيم التي نحملها، وطرح الأسئلة التي نخشى طرحها، ومغادرة منطقة الراحة النفسية التي تمنحنا إياها التقاليد المطمئنة. وربما علينا أن نكف عن النظر إلى الحداثة كتهديد، وإلى التراث كملاذ، ونبدأ في بناء جسر داخلي بينهما، حيث يمكن للعقل أن يفكر دون خوف، وللروح أن تؤمن دون تعصب.

إذن، لسنا بحاجة إلى حداثة تشبه الآخرين، بل إلى حداثة تُشبهنا. حداثة تنمو من داخل أسئلتنا، من عمق جراحنا، من خصوصيتنا المتعبة، ومن حلمنا القديم بأن نكون كما نريد، لا كما يُراد لنا. وإنّ الطريق إلى تلك الحداثة لن يُرسم إلا إذا جرؤنا على السؤال: من نحن حقًا؟ وماذا نريد أن نكون؟ هذا هو السؤال الذي ستدور حوله هذه السلسلة، في محاولة لتلمّس طريق نحو فهم أعمق لموقعنا الفكري والثقافي، من دون أحكام جاهزة، ولا أجوبة مغلقة، بل بنية فتح أفق جديد للتفكير في ذواتنا ومجتمعنا وتاريخنا.

***

د. عصام البرّام

خلال الأزمات السيبرانية

أصبحت الخوارزميات الإعلامية في العصر الرقمي من أهم الأدوات التي تتحكم في تدفق المعلومات ووصولها إلى الجمهور، حيث تعتمد عليها منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث والمواقع الإخبارية في ترتيب المحتوى وعرضه وفقًا لاهتمامات المستخدمين وسلوكهم الرقمي. وقد أسهم هذا التطور في تسهيل الوصول إلى الأخبار والمعلومات بسرعة غير مسبوقة، إلا أنه في الوقت نفسه خلق تحديات كبيرة، خاصة خلال الأزمات السيبرانية التي تتسم بالغموض وسرعة تطور الأحداث. ففي مثل هذه الأزمات يزداد الطلب على المعلومات الفورية، ويصبح الجمهور أكثر عرضة لتصديق الأخبار غير الدقيقة أو المضللة، مما يمنح الأخبار الكاذبة فرصة واسعة للانتشار. وتلعب الخوارزميات الإعلامية دورًا محوريًا في هذه العملية، إذ قد تؤدي آلياتها المعتمدة على تعزيز التفاعل إلى نشر المحتوى المثير بغض النظر عن مدى صحته، وهو ما يجعلها عاملًا مؤثرًا في تشكيل الرأي العام وإدارة الأزمات الرقمية.

طبيعة الخوارزميات الإعلامية وآليات عملها

تعتمد الخوارزميات الإعلامية على تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة لتحديد المحتوى الأكثر احتمالًا لجذب انتباه المستخدمين. وتقوم هذه الأنظمة بتحليل عدد كبير من المؤشرات مثل عدد الإعجابات والتعليقات والمشاركات ومدة مشاهدة المحتوى، ثم تستخدم هذه البيانات لترتيب الأخبار والمنشورات وفقًا لمستوى التفاعل المتوقع. وتهدف هذه الآلية في الأساس إلى زيادة بقاء المستخدم داخل المنصة وتحسين تجربته الرقمية، إلا أن هذا الهدف التجاري قد يتعارض أحيانًا مع جودة المعلومات ودقتها.

خلال الأزمات السيبرانية، مثل الهجمات الإلكترونية على المؤسسات الحكومية أو البنية التحتية الرقمية أو تسريب البيانات الحساسة، يصبح المحتوى المرتبط بالأزمة أكثر جذبًا للجمهور. وتستجيب الخوارزميات لهذا الاهتمام المتزايد من خلال توسيع انتشار الأخبار التي تحقق معدلات تفاعل مرتفعة، حتى وإن كانت تلك الأخبار غير مؤكدة أو مضللة. ونتيجة لذلك قد تنتشر الشائعات بسرعة تفوق سرعة نشر المعلومات الرسمية، الأمر الذي يخلق حالة من الارتباك والقلق بين الأفراد والمؤسسات.

وتزداد خطورة هذا الأمر بسبب اعتماد الخوارزميات على التخصيص الشخصي للمحتوى، حيث يحصل كل مستخدم على أخبار تختلف عن غيره وفقًا لتفضيلاته السابقة. ويؤدي ذلك إلى تكوين ما يعرف بفقاعات المعلومات، إذ يتعرض المستخدم بشكل متكرر للمحتوى الذي يتفق مع آرائه ومعتقداته، بينما تقل فرص اطلاعه على وجهات النظر الأخرى أو المعلومات التصحيحية. وفي ظل الأزمات السيبرانية يمكن أن تسهم هذه الظاهرة في تعزيز الأخبار الكاذبة وإضعاف قدرة الأفراد على التحقق من المصادر المختلفة.

دور الخوارزميات في تسريع انتشار الأخبار الكاذبة أثناء الأزمات السيبرانية

تتميز الأخبار الكاذبة غالبًا بعناوين مثيرة وصياغة عاطفية تهدف إلى جذب الانتباه وإثارة الخوف أو الغضب أو الدهشة، وهي عناصر تتوافق مع المعايير التي تعتمد عليها الخوارزميات في قياس التفاعل. ولذلك فإن المحتوى المضلل قد يحصل على انتشار واسع خلال فترة زمنية قصيرة، خاصة عندما يتعلق بأحداث طارئة تمس الأمن الرقمي أو الخدمات الأساسية أو البيانات الشخصية.

وتظهر الدراسات أن المستخدمين يميلون إلى مشاركة الأخبار المثيرة قبل التحقق من صحتها، مدفوعين بالرغبة في تحذير الآخرين أو المشاركة في النقاش العام. وعندما تتكرر عمليات المشاركة والتفاعل، تعتبر الخوارزميات هذا المحتوى ذا أهمية عالية، فتقوم بإظهاره لعدد أكبر من المستخدمين، مما يؤدي إلى تضاعف انتشاره بصورة متسارعة. وهكذا تدخل الأخبار الكاذبة في دائرة انتشار يصعب السيطرة عليها، خصوصًا في الساعات الأولى من الأزمة.

كما تستغل الجهات المعادية أو الجماعات المنظمة طبيعة الخوارزميات الإعلامية لنشر حملات تضليل ممنهجة، وذلك باستخدام الحسابات الوهمية أو الروبوتات الإلكترونية التي تعمل على إعادة نشر الأخبار الكاذبة بشكل مكثف. ويؤدي هذا النشاط إلى خلق انطباع زائف بأن الخبر يحظى بتأييد واسع أو أنه صادر عن مصادر متعددة، بينما يكون في الحقيقة جزءًا من حملة تضليل رقمية تستهدف التأثير في الرأي العام أو إضعاف الثقة بالمؤسسات الرسمية.

وتتفاقم هذه المشكلة عندما تتأخر الجهات المختصة في إصدار البيانات الرسمية أو عندما تكون المعلومات الأولية غير مكتملة. ففي غياب المعلومات الموثوقة، يجد الجمهور نفسه أمام كم كبير من الأخبار المتداولة عبر المنصات الرقمية، ويصبح من الصعب التمييز بين الحقيقة والإشاعة. وتقوم الخوارزميات، دون قصد، بتوسيع نطاق هذه الأخبار بسبب اعتمادها على مؤشرات الانتشار والتفاعل بدلاً من التحقق من المصداقية.

ولا يقتصر تأثير الأخبار الكاذبة على الجانب المعلوماتي فقط، بل يمتد إلى الجوانب الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. فقد تؤدي الشائعات المتعلقة بالاختراقات الإلكترونية إلى إثارة الذعر بين المستخدمين، أو دفعهم إلى اتخاذ قرارات خاطئة مثل حذف بيانات مهمة أو الامتناع عن استخدام خدمات إلكترونية آمنة. كما قد تؤثر في سمعة المؤسسات والشركات، وتؤدي إلى خسائر مالية نتيجة انخفاض ثقة العملاء أو المستثمرين.

سبل الحد من تأثير الخوارزميات في نشر المعلومات المضللة

تتطلب مواجهة الأخبار الكاذبة خلال الأزمات السيبرانية تبني مجموعة من الإجراءات التقنية والتنظيمية والتوعوية. فمن الناحية التقنية، ينبغي تطوير الخوارزميات بحيث لا تعتمد فقط على معدلات التفاعل، وإنما تراعي أيضًا مؤشرات الموثوقية وجودة المصادر. ويمكن تحقيق ذلك من خلال دمج أنظمة التحقق الآلي من الأخبار والاستفادة من قواعد البيانات الخاصة بالمؤسسات الإعلامية الموثوقة وهيئات التحقق المستقلة.

كما تتحمل منصات التواصل الاجتماعي مسؤولية كبيرة في الحد من انتشار المعلومات المضللة، وذلك عبر تقليل وصول المحتوى الذي يثبت عدم صحته، وإضافة إشعارات توضح أن الخبر محل تدقيق أو أن المعلومات الواردة فيه غير مؤكدة. ويمكن كذلك تعزيز الشفافية من خلال توضيح أسباب ظهور المحتوى للمستخدمين وكيفية عمل الخوارزميات بصورة مبسطة، بما يساعد على زيادة الوعي الرقمي لدى الجمهور.

ومن جانب آخر، يمثل الإعلام المهني أحد أهم أدوات التصدي للأخبار الكاذبة، إذ يسهم في تقديم معلومات دقيقة وسريعة تعتمد على مصادر رسمية وموثوقة. كما يجب على المؤسسات الحكومية تطوير استراتيجيات اتصال فعالة تضمن سرعة إصدار البيانات أثناء الأزمات، لأن التأخر في نشر المعلومات الصحيحة يترك فراغًا تستغله الشائعات بسهولة.

ويعد رفع مستوى الثقافة الإعلامية والرقمية لدى الأفراد من الركائز الأساسية لمواجهة التضليل الإلكتروني. فالمستخدم الواعي يكون أكثر قدرة على التحقق من مصادر الأخبار، والتمييز بين المحتوى الموثوق والمحتوى المضلل، وعدم الانسياق وراء العناوين المثيرة أو الرسائل مجهولة المصدر. ويمكن تحقيق ذلك من خلال إدراج برامج التربية الإعلامية في المناهج التعليمية، وتنظيم حملات توعوية مستمرة تستهدف مختلف فئات المجتمع.

وفي الوقت نفسه، أصبح التعاون الدولي ضرورة ملحة لمواجهة حملات التضليل المرتبطة بالأزمات السيبرانية، نظرًا لأن الفضاء الرقمي يتجاوز الحدود الجغرافية. ويتطلب ذلك تبادل المعلومات والخبرات بين الدول، وتعزيز التعاون بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والمؤسسات البحثية لتطوير أدوات أكثر كفاءة في كشف الحسابات الوهمية وحملات التلاعب المنسقة.

لذا، تمثل الخوارزميات الإعلامية عنصرًا أساسيًا في البيئة الرقمية الحديثة، حيث أسهمت في تسهيل الوصول إلى المعلومات وتعزيز سرعة تداولها، إلا أن اعتمادها الكبير على مؤشرات التفاعل جعلها أحيانًا وسيلة غير مباشرة لتسريع انتشار الأخبار الكاذبة، خاصة خلال الأزمات السيبرانية التي تتسم بالحساسية والغموض. ويؤدي هذا الانتشار إلى آثار سلبية تمتد إلى الأمن المعلوماتي والاستقرار المجتمعي والثقة بالمؤسسات. ومن ثم فإن الحد من هذه الظاهرة يتطلب توازنًا بين التطور التقني والمسؤولية الأخلاقية، إلى جانب تطوير الخوارزميات، وتعزيز دور الإعلام المهني، ونشر الوعي الرقمي بين المستخدمين، بما يضمن بناء بيئة إعلامية أكثر موثوقية وقدرة على مواجهة التحديات المتزايدة في العصر الرقمي.

***

د. عصام البرّام

على امتداد القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، أصبحت التنظيمات الإسلامية واحدة من أهم الفواعل السياسية في العالم العربي والإسلامي. فمنذ سقوط الخلافة العثمانية عام 1924، وما تبعه من صعود الدولة الوطنية الحديثة، برزت عشرات الحركات الإسلامية التي رفعت شعار الإسلام هو الحل، وقدمت نفسها بوصفها بديلا أخلاقيا وسياسيا للأنظمة القومية والاشتراكية والليبرالية التي فشلت في تحقيق التنمية والعدالة والحرية. واستطاعت هذه التنظيمات أن تحشد ملايين المؤيدين، وأن تنشئ مؤسسات دعوية وتعليمية وخيرية واسعة، وأن تصبح رقما صعبا في المعادلة السياسية في دول عديدة مثل مصر والسودان والجزائر وتونس والمغرب والأردن وتركيا وغيرها.

ورغم هذا الحضور الشعبي والتنظيمي، فإن حصيلة هذه الحركات في الوصول إلى السلطة أو الاحتفاظ بها أو بناء دولة مستقرة تبدو متواضعة مقارنة بحجم طموحاتها. فبعضها تعرض للقمع قبل أن يصل إلى الحكم، وبعضها وصل عبر الانتخابات ثم أطيح به، وبعضها شارك في السلطة لكنه فقد شعبيته، وبعضها تحول إلى تنظيمات مغلقة فقدت قدرتها على التجديد. ويبرز السؤال: لماذا تتكرر هذه النهايات؟ هل لأن هذه التنظيمات لا تمتلك أيديولوجيا سياسية حقيقية؟ أم لأن الدين يتحول في بعض التجارب إلى أداة لإضفاء الشرعية على مشروع سياسي يفتقر إلى رؤية حديثة للدولة؟

الإجابة لا يمكن أن تكون بسيطة أو أحادية. فليس صحيحا أن جميع التنظيمات الإسلامية متشابهة، كما أنه ليس صحيحا أن فشلها يعود إلى عامل واحد. غير أن القراءة النقدية تكشف أن الأزمة أعمق من مجرد الصراع مع الأنظمة أو التدخلات الخارجية، إذ ترتبط أيضا بطبيعة الفكر السياسي الذي تتبناه هذه التنظيمات، وبقدرتها المحدودة على التكيف مع مفهوم الدولة الحديثة. من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن التنظيمات الإسلامية تفتقر إلى الأيديولوجيا. والحقيقة أنها تمتلك أيديولوجيا واضحة، لكنها تختلف عن الأيديولوجيات الحديثة. فهي تقوم على تصور ديني وأخلاقي للمجتمع، وترى أن الإسلام ليس مجرد عقيدة روحية، بل نظام شامل للحياة يشمل السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة. ومن هذا المنطلق تسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع والدولة وفق فهمها للشريعة الإسلامية. غير أن امتلاك الأيديولوجيا لا يعني بالضرورة امتلاك مشروع دولة. فالأيديولوجيا تحدد الغايات والقيم، لكنها لا تقدم وحدها آليات الإدارة أو السياسات الاقتصادية أو النظم الإدارية أو أدوات إدارة التعقيد الذي يميز الدولة الحديثة. ولهذا تظهر الفجوة بين الخطاب العقائدي ومتطلبات الحكم بمجرد انتقال الحركة من المعارضة إلى السلطة.

لقد نشأت أغلب التنظيمات الإسلامية في ظروف استثنائية، حيث الاحتلال الأجنبي أو الأنظمة العسكرية أو الاستبداد السياسي. ولذلك انصب اهتمامها على مقاومة السلطة القائمة، وتربية الأفراد، وبناء التنظيم، والحفاظ على الهوية الإسلامية. ولم يكن لديها الوقت الكافي أو البيئة المناسبة لتطوير نظريات متقدمة في الاقتصاد، والإدارة العامة، والسياسات الاجتماعية، والعلاقات الدولية، وإدارة المؤسسات. وهكذا أصبح التنظيم قويا في التعبئة السياسية، لكنه أقل خبرة في إدارة الدولة. و يمكن فهم سبب تكرار ظاهرة الانتقال الصعب من الدعوة إلى الدولة. فالدعوة تقوم على نشر القيم، بينما تقوم الدولة على إدارة المصالح المتعارضة. والداعية يبحث عن المثال الأخلاقي، أما رجل الدولة فيتعامل مع الممكن السياسي. وبين المجالين مسافة كبيرة لا يمكن تجاوزها بالشعارات وحدها. وتتمثل إحدى أكبر المشكلات في الخلط بين الدين والسياسة. فالإسلام يقدم منظومة قيم عليا كالعدل والشورى والأمانة والرحمة وحفظ الحقوق، لكنه لا يفرض نموذجا دستوريا واحدا صالحا لكل العصور. ولذلك فإن معظم النظم السياسية عبر التاريخ الإسلامي كانت اجتهادات بشرية تأثرت بظروفها التاريخية أكثر مما كانت تطبيقا حرفيا لنصوص دينية. لكن بعض التنظيمات تتعامل مع اجتهاداتها السياسية بوصفها امتدادا مباشرا للدين، فتتحول معارضتها إلى معارضة للدين في نظر أنصارها، ويتحول نقدها إلى نوع من التشكيك في الإسلام نفسه. وهنا تصبح السياسة مجالا مقدسا، بينما الأصل أنها مجال للاجتهاد والخطأ والصواب.

وتزداد المشكلة عندما يتحول الشعار الديني إلى أداة لحشد الجماهير دون أن يصاحبه برنامج سياسي واقتصادي واضح. فالجماهير قد تتأثر بالشعارات الأخلاقية، لكنها في النهاية تحاسب الحكومات على الأسعار، وفرص العمل، والتعليم، والصحة، والأمن، وجودة الخدمات. وعندما تعجز السلطة عن معالجة هذه الملفات، لا تكفي الشعارات للحفاظ على الثقة الشعبية. كما أن التنظيمات الإسلامية غالبا ما تعاني من هيمنة الثقافة التنظيمية على الثقافة المؤسسية. فهي تعتمد على الانضباط الداخلي، والطاعة، والسرية، والتراتبية التنظيمية، وهي خصائص قد تكون مفيدة أثناء العمل السري أو المعارض، لكنها تصبح عبئا عندما تنتقل إلى إدارة دولة تقوم على الشفافية، والمساءلة، وتعدد مراكز القرار، واستقلال القضاء، وحرية الإعلام. ويلاحظ أيضا أن بعض هذه التنظيمات تخلط بين الولاء التنظيمي والكفاءة المهنية، فتمنح المناصب على أساس الانتماء أكثر من الخبرة. وهذه المشكلة ليست حكرا على الإسلاميين، بل تعاني منها أحزاب كثيرة، لكنها تصبح أكثر خطورة عندما تقترن بخطاب ديني يمنح القيادة شرعية أخلاقية تجعل مساءلتها أكثر صعوبة.

ومن الجوانب التي تستحق النقد أن كثيرا من الأدبيات الإسلامية الكلاسيكية اهتمت بمسألة "من يحكم؟" أكثر من اهتمامها بسؤال "كيف يحكم؟". فالصراع انصب على هوية الحاكم ومرجعيته الدينية، بينما أهملت قضايا بناء المؤسسات، واستقلال القضاء، والفصل بين السلطات، والرقابة المالية، والإدارة الحديثة، وهي العناصر التي أثبتت التجارب العالمية أنها أساس نجاح الدول. و التجارب المختلفة تقدم شواهد متعددة على ذلك. ففي السودان، وصل الإسلاميون إلى السلطة عبر انقلاب عسكري عام 1989، ورفعوا شعارات المشروع الحضاري والدولة الإسلامية، لكن التجربة انتهت بأزمات اقتصادية خانقة، وحروب أهلية، وعزلة دولية، وانقسامات داخلية، ثم سقوط النظام بعد ثلاثة عقود. ولم يكن السبب مجرد العقوبات الخارجية، بل أيضا ضعف الإدارة، وتسييس مؤسسات الدولة، وغياب الإصلاح المؤسسي.

وفي مصر، وصل الإسلاميون إلى الحكم عبر انتخابات بعد ثورة 2011، لكن التجربة واجهت استقطابا سياسيا حادا، وصراعا مع مؤسسات الدولة، وأخطاء في بناء التحالفات، وانتهت بالإطاحة بهم بعد عام واحد. وقد لعبت عوامل داخلية وخارجية دورا في ذلك، مما يجعل تفسير التجربة بعامل واحد غير كاف. أما في تونس، فقد قدمت حركة النهضة نموذجا مختلفا، إذ اتجهت تدريجيا إلى الفصل بين النشاط الدعوي والعمل السياسي، وقبلت بالتوافق مع خصومها، لكنها واجهت أيضا تحديات اقتصادية وسياسية أثرت على شعبيتها، وانتهت إلى تراجع نفوذها مع تغير المشهد السياسي. و كثيرا ما يشار إلى التجربة التركية باعتبارها نموذجا ناجحا نسبيا، لكن نجاحها لم يكن نتيجة تطبيق برنامج ديني خالص، بل ارتبط بعوامل اقتصادية ومؤسسية وسياسية معقدة، كما أن الحزب الحاكم قدم نفسه بوصفه حزبا محافظا ديمقراطيا أكثر من كونه حركة إسلامية تقليدية. وتكشف هذه الأمثلة أن النجاح أو الفشل لا تحدده المرجعية الدينية وحدها، بل تحدده القدرة على بناء مؤسسات قوية، وتحقيق التنمية، وإدارة التنوع، واحترام القانون، والتعامل الواقعي مع المجتمع والدولة. ولا يمكن كذلك تجاهل أثر البيئة السياسية. فكثير من التنظيمات الإسلامية واجهت أنظمة استبدادية منعت المنافسة السياسية، أو تدخلات إقليمية ودولية خشيت من وصولها إلى السلطة، أو مؤسسات عسكرية وأمنية احتفظت بنفوذها. ولذلك فإن جزءا من تعثر هذه التنظيمات يعود إلى طبيعة البيئة السياسية، وليس إلى أخطائها وحدها.

لكن في الوقت نفسه، فإن تعليق جميع الإخفاقات على المؤامرات الخارجية يعيق المراجعة الفكرية. فالنقد الذاتي شرط أساسي لأي مشروع سياسي يريد الاستمرار. والتجارب التي لا تعترف بأخطائها محكوم عليها بتكرارها. وتبرز أيضا أزمة العلاقة مع مفهوم الدولة الوطنية. فبعض التنظيمات تنظر إلى الدولة باعتبارها مرحلة مؤقتة في مشروع أوسع يتجاوز الحدود الوطنية، بينما تقوم الدولة الحديثة على المواطنة والسيادة والمؤسسات الوطنية. وهذا التوتر يجعل العلاقة بين المشروع الإسلامي والدولة الوطنية علاقة معقدة في بعض السياقات. كما أن بعض الحركات لم تطور فهما متماسكا للتعددية الدينية والثقافية والسياسية. فهي تقبل بالتعددية عندما تكون في المعارضة، لكنها تجد صعوبة في تحويلها إلى مبدأ دائم عندما تصبح في السلطة. والديمقراطية ليست مجرد انتخابات، بل منظومة كاملة تشمل تداول السلطة، وحماية الحقوق، واحترام المعارضة، واستقلال المؤسسات. وتؤكد التجارب المعاصرة أن الدولة الحديثة لا تبنى بالهوية وحدها، بل تبنى أيضا بالمعرفة والخبرة والمؤسسات. فاليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وغيرها لم تحقق نهضتها لأنها رفعت شعارات أيديولوجية جذابة، وإنما لأنها استثمرت في التعليم والإدارة والبحث العلمي وسيادة القانون.

إن الأزمة الأساسية لبعض التنظيمات الإسلامية ليست في ضعف الإيمان، ولا في نقص الحماس، ولا حتى في غياب الأيديولوجيا، وإنما في الفجوة بين الخطاب الأخلاقي وآليات الحكم الحديثة. فالدولة اليوم منظومة معقدة تشمل الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والأسواق العالمية، والتكنولوجيا، والحوكمة، والإدارة العامة، والسياسات البيئية، والعلاقات الدولية، وهي مجالات تحتاج إلى معرفة متخصصة لا تكفي فيها الشعارات أو النوايا الحسنة. فإن مستقبل أي حركة ذات مرجعية إسلامية لن يتحدد بقدرتها على تكرار الشعارات القديمة، وإنما بقدرتها على مراجعة تراثها السياسي، والتمييز بين المقدس والاجتهاد البشري، وبناء برامج واقعية قابلة للتطبيق، واحترام الدولة الدستورية، والإيمان بأن الشرعية لا تقوم فقط على الدين أو الانتخابات، بل أيضا على الكفاءة والشفافية والعدالة وسيادة القانون.

إن السؤال الحقيقي ليس هل التنظيمات الإسلامية تمتلك أيديولوجيا؟ بل هل تستطيع إنتاج نظرية سياسية حديثة تتعامل مع الدولة باعتبارها مؤسسة مدنية معقدة، لا مجرد امتداد للعمل الدعوي؟ وحتى يتحقق ذلك، ستظل كثير من هذه التنظيمات تدور في الحلقة نفسها؛ تحقق حضورا جماهيريا واسعا، لكنها تجد صعوبة في تحويل هذا الحضور إلى مشروع دولة مستدام، لأن إدارة الدول لا تعتمد على قوة العقيدة وحدها، وإنما على قوة المؤسسات، وعمق المعرفة، وقدرة السياسة على التكيف مع الواقع المتغير.

***

زكريا نمر

 

في حديث مع الصديق الشاعر والإعلامي حسن عبد الحميد بخصوص غيرة المثقفين من بعضهم البعض، قلتُ له أن هذه الظاهرة ليست عراقية أو عربية فحسب، بل هي ظاهرة عالمية، والأمر لا يتعلّق بشعور فردي فقط، وإنما هي جزء من ظاهرة اجتماعية، قسم منها يتعلّق بالحقل الثقافي، والآخر له علاقة بجوانب سياسية وتربوية ونفسية. وتساءلت لماذا يغار المثقفون من بعضهم البعض؟ وهل الثقافة أو المعرفة ميدان حقد أو كراهية أو ضغينة؟ أم أنه يُفترض العكس، بحيث يكون المثقّف مثلما تكون الثقافة فضاءً للمحبّة والصداقة والإبداع.

أدرك أن وضع المثقّف كفرد والثقافة كحقل، هما أكثر تعقيدًا من بقية الأفراد والحقول، لأن المثقّف والمجال الذي يعمل فيه أشد حساسية من غيرهما، إمّا بسبب التقليل من شأنه وإهمال جهده الإبداعي، أو إيلاء الاهتمام بغيره وإعطائه مكانة أكبر ممّا يستحق، أو هكذا يعتقد، فتتولّد عنده مشاعر الغيرة السلبية المدمّرة أحيانًا، وهي الأكثر فداحة وضررًا، خصوصًا حين يُقارن المثقف نفسه بمثقفين آخرين أقل إبداعًا منه، وفقًا لتقييمه، فتكون نقمته شديدة، ليس على أصحاب القرار فحسب، بل على أقرانه من المثقفين، فيحاول الانتقاص منهم أو تجاهل إنجازاتهم أو التشكيك بقيمتها الجمالية.

ومن جهة أخرى ثمة ردود فعل، بعضها يكون إيجابيًا، حيث تتوّلد مشاعر منافسة مشروعة وشريفة، وهذه تكون حافزًا للمزيد من العطاء والبذل على صعيد المعرفة والإبداع. وأضفت: إن هذا الوجه الإيجابي لظاهرة "الغيرة"، هو ما نحتاجه، بل علينا البحث عنه، فنجاح أي مثقّف لا ينبغي أن يُقلّل من مكانة المثقّف الآخر، بل على العكس، يمكن أن يكون مردوده إيجابيًا على الثقافة وعموم المثقفين، الذين هم مختلفون بطبيعة الحال، ولا يمكن أن يتماثلوا، حيث تتعدّد أصواتهم وتختلف ألوانهم وتتنوّع أجناسهم ولغاتهم وانحداراتهم الاجتماعية ومجالات اختصاصاتهم، بعيدًا عن الخصومات الشخصية والتقييمات المبتسرة والآراء السطحية والمغرضة.

المنافسة تكون ضارة حين تتحوّل من البحث عن الحقيقة إلى إلغاء الآخر، فتنشأ عندها خصومة أو عداء يتشخصن على حساب التقييم الموضوعي بسبب الصراع على المكانة الريادية، أو الحصول على المُكافئْ المعنوي للإبداع باعتراف وتقدير الجمهور أو النخب الفكرية والثقافية والسياسية، وأحيانًا تبرز بعض النزعات وردود الأفعال السلبية التي تحجب عن المثقف رؤية الحقيقة وتُبعده عن تلمّس الواقع، خصوصًا بزيادة شحنات الإيكو (الأنا) وارتفاع النرجسية، لدرجة لا يرى المثقّف إلّا نفسه، ولا ينظر إلى العالم إلّا عبر عدسته الأيديولوجية والسايكولوجية، وحينئذٍ يستولي الحسد والضغينة والكراهية على قلبه على حساب الإبداع والجمال والحقيقة.

ثمة فروق كبيرة بين الحسد الذي يعني التمنّي بزوال نعمة الآخرين والانتقاص من شأنهم، وبين الغبطة التي تعني أن تتمنّى لنفسك ما لدى الآخر من نِعَم أو إبداع أو نجاح، وهذه الأخيرة عامل مساعد على المنافسة الشريفة وبذل المزيد من الجهد والعطاء للوصول إلى ما يصبو إليه المثقّف، وبالطبع فالفرق واضح بين التنافس الشريف والمشروع والحسد اللّامشروع والقاتل.

ويُفترض بالمثقّف أن يكون حامل مشروع معرفي وأخلاقي، وأكثر من غيره قدرة على التسامح وقبول الحق في الاختلاف والتنوّع، على الرغم من أن الواقع يكشف أن ثمة أمراضًا تعشعش في رؤوس البعض وتتعتّق مع مرور الأيام للأسباب المذكورة في أعلاه، فتتحوّل المنافسة إلى نوع من الحسد الأسود، حتى وإن تغلّفت الغاية بالعدل والاستقامة، لكن الوسائل الخسيسة تفضح جوهر الممارسة، التي لا يمكنها أن تحجب الحقد، لأن الوسيلة من شرف الغاية، والأخيرة لا تعصم من الخطأ وارتكاب المعاصي، وهكذا تُفسَد العلاقة بين العديد من المثقّفين.

دائمًا ما أكرّر أن الثقافة ليست معرفة فحسب، ومهما بلغ المثقّف من ثقافة وعلم، لكنه في نهاية المطاف محكوم بسلوكه، لأن الثقافة هي طريقة عيش وأسلوب حياة، وعلى المثقّف أن يتغلّب على نفسه قبل أن يتغلّب على الآخرين، خصوصًا باختيار لغته ومفرداتها، فاللغة هي نسق من الرموز والإشارات تُستخدم للتواصل ونقل الأفكار والمشاعر والانفعالات، وهي وسيلة إنسانية للتعبير وأداة معرفية واجتماعية ونفسية للتفاهم بين الأفراد والجماعات والشعوب بتفاعل الحضارات، الأمر الذي يتطلّب حُسن استخدامها لأنها سلاح ذو حدّين، وهي كاشف لمكنونات النفس البشرية، ويُنسب إلى الإمام علي قوله: "ليت لي رقبة كرقبة البعير كي أزن الكلام قبل النطق به". وللأسف فإن بعض من يندرجون في خانة الثقافة ينشغلون بالمنافسة الغيرية على حساب المنافسة على الحقيقة والجمال، وتراهم لا يتورّعون أحيانًا عن استخدام لغة هابطة أو لا تليق بمن نطلق عليه تعبير مثقّف.

التنافس المشروع يدفع المثقّف للمزيد من الاجتهاد والإبداع، وحينها يصبح معيار التفوّق والتقدّم هو المنجز الثقافي، وليس البحث عن المثالب والعيوب والشطحات لدى الآخر لتعييره أو تنغيله أو اتهامه بالجهل وعدم المعرفة. والمثقّف الكبير لا يخشى نجاح مثقفين آخرين إلى جواره ومعه، لأنه يُدرك أن المعرفة والإبداع لا تنحصران به وحده، ولا يمكنه احتكار الجمال لنفسه أو لمن يحب، حيث تتّسع الثروة الثقافية كلّما اتّسع العطاء المعرفي.

وهكذا تصبح المسؤولية الأخلاقية للمثقّف مرتبطة عضويًا بمدى نزاهته وموضوعيته واعترافه بفضل الآخرين وتقديمهم كنماذج مشرقة، في حين أن الحسد والغيرة تولّدان الحقد، وهذا الأخير انعكاس للتعصّب، والتعصّب ينجب التطرّف، وحين يصبح التطرّف سلوكًا يقود إلى العنف تحت مبرّرات امتلاك الحقيقة وادّعاء الأفضليات، سواء كانت أيديولوجية أم قومية أم دينية أم غيرها، وثمة تجارب كثيرة على هذا الصعيد أنتجت ميليشيات ثقافية أو جندرمة ثقافوية استخدمت القمع الفكري لترويض المثقفين، إضافة إلى القمع البوليسي.

وصراعات من هذا النوع، خصوصًا في ظل هيمنة العقائدية والأفكار الشمولية والأنظمة التوتاليتارية، غالبًا ما تترك مفعولها السلبي على الثقافة عمومًا، وعلى المثقف بشكل خاص، لأنها تستهلك الطاقات التي يحرص على عدم هدرها على أمور لا جدوى منها، لا تُسمن ولا تُغني من جوع، فإما أن يضطرّ للرضوخ أو يتعرّض للعقاب ابتداء من مقص الرقيب ليصل أحيانًا إلى الاعتقال أو المنفى أو حتى كاتم الصوت.

لا يمكن النظر إلى الثقافة باعتبارها ساحة لإقصاء الآخرين، بل هي فضاء يشترك فيه المثقفون في البحث عن الحقيقة وقيم الجمال، في مناخ من الحريّة والاحترام والاعتراف بالآخر، وهي ليست وجاهة بقدر ما هي مسؤولية رمزية. وللأسف فإن الغيرة تُعتبر إحدى آفات المثقفين، التي تنخر بجسد الثقافة، وتترك أثرها السيء ليس على المثقف الآخر فحسب، بل على المثقّف الذي يستولي الحقد على قلبه، لأنها تدمّر جزءًا من إنسانيته بإنكار ما هو موضوعي ومحاولة تقزيم الآخر، مقابل أنانيته وتضخيمه للذات.

وليس القرب من هذا الحاكم أو المسؤول السياسي تُعطي أهمية لهذا المبدع عن سواه، وغالبًا ما تلجأ السلطات والجماعات السياسية إلى المثقف والثقافة بهدف تزويق خطابها وحرق البخور لها، خصوصًا حين تمنح الحظوة للمقربين وتحجبها عن سواهم، لاسيّما غير المرضي عنهم، فللأولين تُمنح الأوسمة والدروع والمكافآت والامتيازات، أما الآخرون فليس لهم سوى الإهمال والتهميش والإعراض، خصوصًا حين يُصار إلى تصنيفهم سياسيًا أو اجتماعيًا أو قوميًا أو دينيًا أو طائفيًا، فتتقدّم الولاءات ويتراجع سؤال الإبداع.

صحيح أن كبار المثقّفين ليسوا معصومين عن الأخطاء والشطحات، فمن لا يعمل لا يَخطأ، وهكذا يتمّ التغاضي عن إبداع بعض المثقفين ليكال لهم شتّى أنواع الإساءات بسبب موقف خاطئ أو سوء تقدير أو اجتهاد لم تزكّه الحياة أو لسوء فهم واختلاف في الموقف، علمًا بأن الأخير دليل صحّة وعافية وتطوّر للثقافة، ونحن أشد حاجة إلى ثقافة الاعتراف بفضل مبدعين آخرين نختلف معهم، ولكننا نتقاسم وإياهم القيم الإنسانية التي نتطلّع لسيادتها، من خلال النقد الإيجابي البنّاء، بما يؤدي إلى التكامل الثقافي للتيارات والمدارس والاجتهادات الفكرية والثقافية والفنية، في حوار يجمع الأضداد أحيانًا في جوار متّسق.

إن قيمة المثقّف ليست بحصوله على المغانم واصطفافه في فيلق الزبائنية ونيله المناصب، بل تُقاس بما يتركه من أثر في الوعي والمعرفة، وبما يضيفه من أفكار وآراء جديدة تفتح أفقًا جماليًا وإبداعيًا وإنسانيًا.

ولعلّ من نِعَمْ الحياة أن يعيش الإنسان بقلب صاف يخلو من الغيرة.

***

د. عبد الحسين شعبان

من كهنة المعابد إلى خوارزميات الذكاء الاصطناعي

مع التوسع الهائل في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة، عادت إلى الواجهة ظواهر قديمة بثوب جديد، كان من أبرزها التنجيم وقراءة الأبراج والعرافة وما يتصل بها من ادعاءات معرفة الغيب والتنبؤ بالمستقبل. تحولت هذه الممارسات إلى صناعة إعلامية ضخمة يتابع بعض رموزها الملايين، ويتمتعون بحضور واسع ومكانة اجتماعية مؤثرة ومكاسب مالية كبيرة، بعد ان كانت مقتصرة على الأسواق الشعبية أو المجالس الخاصة.

هذا الانتشار اللافت وما يحيط به من تأثيرات اجتماعية ونفسية وثقافية دفعني إلى التوقف عند هذه الظاهرة ومحاولة فهم أسبابها وخلفياتها. فالعرافة ظاهرة إنسانية رافقت البشرية منذ فجر الحضارات، وتعكس حاجة عميقة لدى الإنسان لمعرفة ما يخبئه له المستقبل ولم تعد مجرد خرافة عابرة أو موروث شعبي محدود الانتشار،

ولدت العرافة من رغبة الإنسان في اختراق حجاب المجهول والاطمئنان إلى ما ينتظره في الأيام القادمة. فمنذ أن بدأ الإنسان يتساءل عن مصيره، لجأ إلى من يدّعي القدرة على تفسير الأحلام والظواهر الطبيعية واستشراف المستقبل. ولهذا نجد أن معظم الحضارات القديمة عرفت أشكالاً مختلفة من العرافة والتنجيم.

ففي مصر القديمة كان الكهنة يتولون تفسير الأحلام والظواهر السماوية، بينما راقب المنجمون في بلاد الرافدين حركة النجوم والكواكب واستنبطوا منها توقعات تتعلق بالحروب والمحاصيل ومصائر الملوك. أما في اليونان القديمة فقد بلغت العرافة منزلة كبيرة، وتجسد ذلك في “وحي دلفي” الشهير، حيث كان معبد أبولو في دلفي يُعد أحد أهم المراكز الدينية في العالم القديم، حتى لُقّب "بسرة العالم”. وكانت الكاهنة “بيثيا” تجلس فوق شق في الأرض يُعتقد أنه يطلق أبخرة مقدسة، فتدخل في حالة من النشوة أو الغيبوبة وتطلق نبوءات غامضة يفسرها الكهنة على أنها رسائل من الإله أبولو. وقد بلغ تأثير هذه النبوءات حداً جعل الملوك والقادة العسكريين يفدون من مختلف أنحاء اليونان لاستشارتها قبل اتخاذ القرارات المصيرية.

وفي الصين والهند تطورت مدارس واسعة للتنجيم وقراءة الطالع استمرت آثارها حتى يومنا هذا. كما لم تختف هذه الظاهرة مع تقدم الحضارة الغربية، بل استمرت بأشكال مختلفة في أوروبا وأمريكا، حيث ما تزال الأبراج والتاروت (سأكتب عن التاروت في مقال منفصل) وقراءة الكف وتحضير الأرواح تحظى بمتابعين بالملايين رغم التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل.

وعند استعراض تاريخ العرافة نجد أن النساء غالباً ما تصدرن هذا المشهد. ويرجع ذلك إلى أسباب اجتماعية وثقافية متعددة، فقد ارتبطت المرأة في كثير من الحضارات القديمة بالكهانة والخصوبة والطقوس الروحية، مما منحها صورة “الوسيط” بين العالم المرئي والعالم الخفي. كما ساهمت الصورة النمطية التي تربط المرأة بالحدس والقدرة على فهم المشاعر الإنسانية في تعزيز حضورها في هذا المجال. إضافة إلى ذلك، فإن طبيعة عمل العرافة تعتمد بدرجة كبيرة على الإصغاء للمشكلات الشخصية والعائلية والعاطفية، وهي مجالات استطاعت كثير من النساء بناء الثقة والتأثير فيها بفاعلية أكبر.

وقد عرف التاريخ شخصيات عديدة ارتبطت بالعرافة والتنبؤ، من أشهرها "كاهنة دلفي" في العالم القديم، ونوستراداموس في القرن السادس عشر، والعرافة البلغارية "بابا فانغا" التي لا تزال تنبؤاتها تتداول حتى اليوم. وفي العالم العربي المعاصر ارتبطت العرافة بصورة خاصة ببرامج الأبراج والتنبؤات السنوية التي تقدمها شخصيات إعلامية تستقطب جمهوراً واسعاً مع بداية كل عام.

غير أن السؤال الأهم يبقى: لماذا مازال الناس يصدقون العرافين رغم كل ما حققه العلم من تقدم؟

حاول الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع الإجابة عن هذا السؤال منذ قرون. فقد رأى الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا أن الخوف من المستقبل هو المحرك الأساسي للإيمان بالعرافة، وأن الإنسان يلجأ إلى المنجمين عندما يشعر بالعجز أمام أحداث لا يستطيع التحكم بها. أما الفيلسوف الإسكتلندي ديفيد هيوم فاعتبر أن الناس يميلون إلى تصديق القصص الخارقة عندما تسيطر عليهم مشاعر الخوف أو الأمل، وأنهم يتذكرون النبوءات التي تحققت وينسون العدد الأكبر من التنبؤات التي أخفقت.

ولم يكن سبينوزا وهيوم وحدهما من تناولا هذه الظاهرة. فقد رأى أفلاطون أن العقل ينبغي أن يكون المرجع الأعلى في حياة الإنسان والدولة، وأن القرارات المصيرية لا يجوز أن تُبنى على الخرافات والانفعالات. أما أرسطو فكان من أوائل من سعوا إلى تفسير الظواهر المنسوبة إلى القوى الغيبية بأسباب طبيعية يمكن دراستها وفهمها. وهكذا أسهمت الفلسفة منذ وقت مبكر في ترسيخ فكرة البحث عن الأسباب الواقعية للأحداث بدلاً من إرجاعها إلى قوى خفية أو مجهولة.

أما علماء الاجتماع فقد نظروا إلى العرافة بوصفها استجابة اجتماعية لحالة عدم اليقين. فكلما ازدادت الأزمات الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية، ازداد الإقبال على العرافين والمنجمين. ففي أوقات الحروب والبطالة وارتفاع الأسعار وعدم الاستقرار يبحث الناس عن أي نافذة تمنحهم أملاً أو تفسيراً لما يجري حولهم.

وقد ذهب بعض علماء الاجتماع إلى أبعد من ذلك في تفسير الظاهرة. فإميل دوركايم، عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي، رأى أن المعتقدات والطقوس، حتى عندما لا تستند إلى أسس علمية، تؤدي وظائف اجتماعية ونفسية مهمة لأنها تمنح الأفراد شعوراً بالانتماء وتخفف من قلقهم تجاه المجهول. أما ماكس فيبر، وهو واحد من أشهر علماء الاجتماع الالمان، فلاحظ أن التقدم العلمي لم يقضِ تماماً على التفكير السحري، لأن حاجة الإنسان إلى المعنى والطمأنينة تظل قائمة حتى في أكثر المجتمعات عقلانية. بينما رأى بيير بورديو وهو. أحد أبرز علماء الاجتماع والمفكرين الفرنسيين، أن العراف يستمد نفوذه من السلطة الرمزية التي يمنحه إياها المجتمع وثقة الناس به، لا من امتلاكه معرفة حقيقية بالمستقبل.

أما علم النفس فيفسر نجاح العرافين بآليات معروفة. فالإنسان يميل بطبيعته إلى تذكر التنبؤات التي تصادف أن تحققت، وينسى التنبؤات الكثيرة التي أخفقت. كما يعتمد كثير من العرافين على ما يُعرف "بتأثير بارنوم” أو “تأثير فورير”، حيث تُستخدم عبارات عامة وفضفاضة يظن كل شخص أنها تنطبق عليه وحده. ويضاف إلى ذلك ما يسمى “القراءة الباردة”، وهي مهارة تقوم على مراقبة لغة الجسد ونبرة الصوت وردود الأفعال واستنتاج معلومات تبدو وكأنها معرفة غيبية.

وفي كثير من المجتمعات الإسلامية وغيرها من المجتمعات الدينية، تتخذ العرافة أشكالاً مختلفة لا تحمل دائماً اسم العرافة أو التنجيم. فبعض الأشخاص يقدمون أنفسهم بوصفهم شيوخاً روحانيين أو أصحاب قدرات خاصة على حل المشكلات الشخصية وكشف أسباب تعثر الزواج، أو جلب الرزق، أو إعادة الحبيب، أو إزالة الحسد والسحر. ورغم اختلاف الرموز والمصطلحات المستخدمة، فإن هذه الممارسات تتشابه في جوهرها مع أنماط العرافة التقليدية في أنحاء العالم كافة، إذ تعتمد على استثمار حاجة الإنسان إلى الأمل واليقين في مواجهة المجهول. ويؤكد علماء النفس أن كثيراً من التأثير الذي يمارسه هؤلاء يعود إلى مهارات الملاحظة الدقيقة وقراءة ردود الأفعال واستخدام عبارات عامة قابلة للتأويل بطرق متعددة، مما يمنح المستمع شعوراً بأن المتحدث يعرف تفاصيل حياته وأسراره.

وقد تحولت قراءة الطالع مع مرور الزمن إلى تجارة مربحة تدر مليارات الدولارات سنوياً. وغالباً ما تبدأ العلاقة بين العراف وزبونه بجلسة بسيطة، ثم تتطور إلى سلسلة من الادعاءات حول وجود سحر أو حسد أو لعنة تستدعي شراء تمائم أو دفع مبالغ إضافية لفك هذه العقد المزعومة. وهكذا يقع كثير من الناس في دائرة من التبعية النفسية والاستنزاف المالي المستمر.

ومن أشهر أشكال العرافة الشعبية قراءة الفنجان، التي ارتبطت تاريخياً بانتشار القهوة في الدولة العثمانية. ويُعتقد أنها بدأت داخل القصور والحرملك كنوع من التسلية وتبادل الأسرار، ثم انتقلت إلى المقاهي والأحياء الشعبية في إسطنبول وبلاد الشام ومصر. وتعتمد هذه الممارسة على تفسير الأشكال التي تتركها بقايا القهوة في قعر الفنجان ومنحها دلالات ومعاني ترتبط بالمستقبل والحظ والعلاقات الإنسانية.

غير أن العلم يفسر هذه الظاهرة بما يعرف "بـالباريدوليا”، وهي ميل العقل البشري إلى رؤية أنماط وصور مألوفة في أشكال عشوائية، كما يحدث عند رؤية وجوه أو حيوانات في الغيوم أو الصخور أو بقع الحبر.

وكان من المتوقع أن يؤدي التقدم العلمي إلى تراجع العرافة، لكن ما حدث كان مختلفاً تماماً. فمع ظهور الإنترنت والهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي انتقلت العرافة من الأسواق والصالونات إلى التطبيقات الرقمية. واليوم تنتشر تطبيقات تقدم قراءات للفنجان والتاروت والأبراج، كما ظهرت مواقع تولد تنبؤات فورية بناءً على أسئلة المستخدم، وروبوتات محادثة تتقمص دور العراف أو قارئ الطالع، وأنظمة تحلل بيانات المستخدم وسلوكه لتقديم توقعات تبدو شديدة الخصوصية.

ويرى بعض الباحثين أن العالم يشهد اليوم انتقالاً من “العرافة السحرية” إلى “العرافة الخوارزمية”. فبدلاً من أوراق التاروت والكرات البلورية أصبحت البيانات والخوارزميات هي الأداة الجديدة لإنتاج التوقعات. إلا أن الفرق الجوهري يبقى قائماً؛ فالعرافة تدّعي معرفة ما لا يمكن معرفته، بينما تعتمد النظم الرقمية على تحليل البيانات السابقة واستخلاص الاحتمالات.

فالذكاء الاصطناعي لا يعرف المستقبل، لكنه قادر على تحليل كميات هائلة من المعلومات واستنتاج أنماط متكررة تسمح بتوقع بعض السلوكيات أو الاتجاهات. فعندما تقترح منصة رقمية كتاباً قد يعجبك أو منتجاً قد تشتريه أو فيلماً قد تشاهده، فهي لا تقرأ الغيب، بل تستند إلى بيانات وسلوكيات مشابهة لملايين المستخدمين الآخرين. ولهذا فإن ما يبدو أحياناً “قدرة تنبؤية” ليس أكثر من استنتاج إحصائي قائم على معلومات متاحة وقابل للصواب والخطأ.

ومن المفارقات أن الإنسان المعاصر يعيش في أكثر العصور تقدماً من الناحية العلمية، لكنه في الوقت نفسه يترك وراءه كماً هائلاً من البيانات الشخصية يجعل الشركات والخوارزميات قادرة أحياناً على توقع بعض قراراته بدقة تفوق توقع أقرب أصدقائه. ولهذا يرى بعض علماء الاجتماع أن الذكاء الاصطناعي أعاد إنتاج العرافة في صورة أكثر حداثة وإقناعاً، لأن السؤال الذي يشغل الإنسان ما زال هو نفسه: ماذا سيحدث لي غداً؟

ومن المستبعد أن تختفي العرافة تماماً في المستقبل. فطالما بقي الإنسان قلقاً بشأن الغد، ويبحث عن الطمأنينة والأمل وسط حالة عدم اليقين، فسيبقى هناك من يعرض عليه إجابات جاهزة، سواء كان عرافاً يجلس في سوق قديم، أو شيخاً يدّعي امتلاك قدرات خاصة، أو تطبيقاً ذكياً يعمل على هاتفه المحمول.

إن ظاهرة العرافة ليست دليلاً على جهل المجتمعات بقدر ما هي انعكاس لحاجة إنسانية عميقة إلى الطمأنينة والمعنى والأمل. فمن كهنة المعابد القديمة إلى قارئات الأبراج الحديثة، ومن شيوخ الدجل إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ظل الإنسان يحاول استراق النظر إلى الغد والبحث عن تفسير لما يجهله.

غير أن التاريخ والعلم والفلسفة تكاد تتفق جميعها على حقيقة واحدة: أن المستقبل لا يُقرأ في الكف، ولا في الفنجان، ولا في الأبراج، ولا في الخوارزميات، بل يُصنع بالعلم والعمل والتخطيط والقدرة على مواجهة الواقع بعقلانية وثقة. فالغد ليس سراً ينتظر من يكشفه، بل مشروعاً يصنعه الإنسان بيده.

***

د. سعد عبد المجيد ابراهيم

من يشكّل الخطاب الديني؟

بين موكب عاشوراء في كوبنهاجن وشبكات التمويل الخارج

يوم الجمعة السادس والعشرين من يونيو 2025، شهدت شوارع ضاحية نوربرو في كوبنهاجن موكبا عاشورائيا ضخما⁽¹⁾ إحياء لذكرى استشهاد الامام الحسين⁽²⁾، اشترك فيه ما يقارب ثمانية عشر الف شخص. اللافت في هذا الموكب ان المنظمين اشترطوا فصلا كاملا بين النساء والرجال⁽³⁾، إذ يسير الرجال والاطفال وذوو الاحتياجات الخاصة في المقدمة، تليهم النساء في صف منفصل.

تمثل هذه الممارسة، من منظور قيم المساواة السائدة في اوروبا الغربية، شكلا من اشكال الفصل بين الجنسين في الفضاء العام. وهي ممارسة تذكر بانماط مماثلة معروفة في انظمة تتعامل مع المراة بصورة دونية وتضع قيودا صارمة على حضورها في الفضاء العام وحقوقها المدنية، كـالنظام الايراني⁽⁴⁾ الذي يفرض على المراة قواعد لباس إلزامية ويحد من حقها في التنقل والعمل والمشاركة العامة، والنظام السعودي⁽⁵⁾ الذي لا يزال يكرّس نظام الولاية الذكورية بصور متعددة رغم الاصلاحات الجزئية المعلنة، فضلا عن مناطق تحت سيطرة حركات دينية متشددة تعامل المراة باعتبارها قاصرا دائما، كـحركة طالبان في افغانستان⁽⁶⁾ التي حرمتها من التعليم والعمل والخروج دون محرم، وجماعة الحوثيين في اليمن⁽⁷⁾ التي تفرض عليها قيودا مختلفة.

والأهم أن مثل هذه الممارسات في الفضاء الأوروبي تطرح تساؤلات جدية حول مسار بناء مجتمعات موازية تعمل خارج المرجعية القانونية والقيمية المشتركة للدول المستضيفة. وقد أثارت هذه الواقعة ردود فعل واسعة في الدنمارك. أحزاب اليمين ربطتها بما تسميه "القيم الوطنية"، وهو نقاش يتكرر في عواصم أوروبية عديدة كلما ظهرت قضية مماثلة، في بلجيكا وفرنسا وألمانيا والسويد على حدٍّ سواء. غير أن هذا اليمين لا يكتفي بنقد ممارسة بعينها. كثيراً ما يستغل هذه المناسبات للدعوة إلى تشريعات تتجاوز حدود المساواة المطلوبة وتصطدم بمواثيق حقوق الإنسان الدولية، كتقييد حرية العبادة بمجملها، أو فرض قيود تمييزية على الهجرة واللجوء استناداً إلى الدين أو الأصل. هذه المطالب تنتهك حرية المعتقد وحق اللجوء كما تكفلهما الاتفاقيات الدولية، ولا تفرّق بين معالجة ممارسة تمييزية محددة ومعاقبة جماعة دينية بأكملها.

غير أن القضية هنا ليست اتفاقاً مع اليمين ولا استعارةً لخطابه، إنما هي مسألة مبدأ مستقلة تماماً. فالفصل بين الجنسين في فضاء عام بدولة أوروبية ديمقراطية حققت فيها النساء درجة متقدمة من المساواة، يتناقض مع قيم اليسار والحركات النسوية ومواثيق حقوق الإنسان ومع مبدأ المساواة الكاملة بين المرأة والرجل، وهي مساواة انتزعتها الحركات اليسارية والتقدمية والنسوية في أوروبا على مدى أجيال من النضال.

ولتوضيح المعادلة: لو أن تياراً يمينياً نظّم مظاهرة وفصل فيها البيض عن السود والملوّنين، أليس ذلك تمييزاً عنصرياً صريحاً يستوجب الإدانة؟ المنطق نفسه ينطبق على الفصل القائم على النوع الاجتماعي في الفضاء العام. حرية التعبير وممارسة الشعائر الدينية مصونة، لكنها تصطدم بحدودها حين تتحول إلى تمييز علني منظم في الشوارع.

والمفارقة ان مثل هذه الممارسات تخدم في النهاية المشروع السياسي لليمين العنصري في اوروبا، الذي يستثمرها لتحويل الصراع الاجتماعي من صراع طبقي حول التوزيع العادل للثروة والمساواة والعدالة الاجتماعية الى صراع هوياتي وقيمي بين "الحضارة الاوروبية" و"الاسلام". وهو تاطير يخدم مصالح اليمين اكثر مما يخدم سكان تلك البلدان من كافة الاديان والمعتقدات او شغيلات وشغيلة اليد والفكر عموما، اذ يصرف الانتباه عن القضايا التي يطرحها اليسار والقوى التقدمية ويحوله الى صراع ثقافي يسهل على اليمين توظيفه انتخابيا.

والاخطر ان هذه الممارسات تلقي بظلالها السلبية على كافة الجاليات القادمة من بلدان ذات اغلبية مسلمة، سواء اكانوا متدينين يمارسون شعائرهم بانتظام، ام غير متدينين، ام علمانيين رافضين لهذا التوجه الديني اصلا. اذ يجد ملايين المهاجرين والمهاجرات الذين اندمجوا في مجتمعاتهم الاوروبية وساهموا في بنائها انفسهم مشمولين في حملات التشكيك والاستهداف التي تطال الجميع دون تمييز.

وهنا يتجلى ما يمكن وصفه بتحالف موضوعي قائم على امر واقع بين اليمين الديني داخل مجتمعات اللاجئين والمهاجرين من جهة، واليمين العنصري الاوروبي من جهة اخرى، اذ يجد الطرفان في اعاقة الاندماج مصلحة مشتركة: الاول يريد الحفاظ على الهوية الدينية المغلقة والتبعية للمرجعيات الخارجية، والثاني يريد ابقاء المهاجرين خارج المنظومة المدنية لتوظيف حضورهم ورقة انتخابية. والضحية في الحالتين هي تلك الاغلبية الصامتة من المهاجرين الذين يريدون الاندماج والمشاركة والحياة المدنية الكاملة.

لكن لا يكفي الوقوف عند هذا الحد. لا بد من الدخول إلى عمق الظاهرة وطرح السؤال الجوهري: من الذي يبني الخطاب والتوجه الديني الإسلامي في أوروبا، والدنمارك هنا نموذج لظاهرة أوسع؟

ومن هذا المنطلق، فإن المطلوب ليس مجرد النقد، إنما تبني سياسات عملية تشمل حظر الفصل بين الجنسين في الفضاء العام، وضمان شفافية التمويل الديني، وتأهيل الأئمة محلياً، وربط أي دعم أو اعتراف رسمي باحترام المساواة والقانون، وهي سياسات يمكن تطبيقها في أي دولة أوروبية وليس في الدنمارك وحدها.

من يشكّل الخطاب الديني الإسلامي في أوروبا؟

في البداية انطلاقاً من موقف يساري، أرى أن الفصل الكامل بين الدين والقومية من جهة، والدولة من جهة أخرى، يمثل شرطاً أساسياً لبناء مجتمع اشتراكي ديمقراطي معاصر، يستند إلى مبدأ المواطنة المتساوية، حيث يكون جميع المواطنين متساوين في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الدين أو القومية أو الجنس أو الخلفية الاجتماعية. وهذا المبدأ قد يشكل أساس العقد الاجتماعي في أغلب الديمقراطيات الأوروبية، وإن بتجليات مختلفة.

تتبنى عدة دول أوروبية، وفي مقدمتها الدنمارك، نموذجاً يقوم على تحييد الأديان عن الدولة إلى حد كبير، أي جعل الدين شأناً فردياً ومجتمعياً منظماً ضمن إطار مدني وقانوني، دون أن يكون له دور مباشر في صياغة السياسات العامة أو مؤسسات الحكم. ولا تعني هذه العلاقة فصلاً كاملاً بين الدين والدولة، إذ لم تبلغ أي دولة أوروبية هذا الحد حتى اليوم، إنما تعني تنظيم هذه العلاقة وفق أطر مدنية وقانونية واضحة.

في هذا السياق، تخضع الكنائس المسيحية التاريخية، سواء اللوثرية في الدول الإسكندنافية أو الكاثوليكية والبروتستانتية في باقي أوروبا، لأطر قانونية رسمية وتنظيم وإشراف مؤسساتي داخل الدولة، بما يضمن انسجامها نسبيا مع القوانين العامة ومنظومة الحقوق المدنية، ويحولها إلى مؤسسات دينية تعمل ضمن المجال العام المدني وليس فوقه. والدنمارك، بكنيستها الوطنية، تمثل في هذا الإطار نموذجاً واضحاً لهذه العلاقة المنظمة بين الدين والدولة.

في المقابل، بقي جزء مهم من المؤسسات الدينية الإسلامية في عدة دول أوروبية أقل اندماجاً في هذا الإطار، مع استمرار اعتماد واسع على التمويل والتأثير القادمين من الخارج، وخاصة من دول مثل تركيا[5] وقطر[6] والسعودية[7] وإيران[8]، عبر مؤسسات وهيئات دينية مختلفة حكومية أو شبه حكومية.

ولعل أبرز مثال في الدنمارك مسجد الإمام علي في كوبنهاجن[9]، الذي كشفت صحيفة برلينسكه الدنماركية عن وثائق سرية تُثبت تحويل ملايين الكرونات إليه من جهات إيرانية عبر السفارة الإيرانية، فيما أكد باحثون من جامعة كوبنهاجن أن النظام الإيراني يقف وراء بنائه وإدارته، وأن رئيس جمعيته يُعيَّن رسمياً من قِبَل المرشد الأعلى الإيراني. وتجدر الإشارة إلى أن هذا النمط لا يقتصر على الدنمارك؛ فقد أغلقت ألمانيا مسجد الإمام علي في هامبورغ عام 2024 لارتباطه بالحرس الثوري الإيراني، وتحقق السلطات السويدية في مساجد مرتبطة بشبكات تركية، فيما رصدت فرنسا وبلجيكا تمويلاً سعودياً وقطرياً لعدد من مؤسساتها الدينية. وهذا يجعل درجة "التحييد" غير متساوية بين مختلف الأديان والمؤسسات الدينية من حيث علاقتها بالدول المستضيفة، مما ينتج تفاوتاً في مستوى الاستقلالية والاندماج داخل المجال الديني العام عبر القارة.

ولا يعني ذلك أن جميع المؤسسات الإسلامية تتلقى تمويلاً خارجياً. المقصود أن هذه الظاهرة موجودة في عدد من المؤسسات وأثارت نقاشاً سياسياً واسعاً في أكثر من بلد أوروبي، والدنمارك من أبرز الأمثلة عليها. كما تجدر الإشارة إلى أن السياسات الأوروبية نفسها، كقوانين الاندماج وأنظمة التمييز والاستثمار في التعليم المدني والتيارات العنصرية، تؤدي هي الأخرى دوراً في تشكيل الخطاب الديني داخل القارة، وإن بطرق أقل مباشرة.

وخلال السنوات الأخيرة، تصاعد النقاش في عدة عواصم أوروبية حول تأثير التمويل الخارجي في تشكيل الخطاب الديني. وفي الدنمارك تحديداً، أقر البرلمان عام 2021 تشريعات تهدف إلى الحد من بعض أشكال التمويل الأجنبي على المؤسسات الدينية[10]، ضمن نقاش أوسع يتعلق بالاندماج والشفافية والتأثير السياسي الخارجي. وسارت فرنسا والنمسا في اتجاهات تشريعية مشابهة. ومع ذلك، فإن التطبيق العملي لهذه التشريعات لا يزال محدوداً في معظم الدول المستقبلة، مما يجعل تأثير شبكات التمويل العابرة للحدود مستمراً بدرجات مختلفة.

أولاً: التمويل الخارجي ليس مسألة محايدة

أي مؤسسة دينية تؤثر في وعي الناس، وتدير موارد مالية، وتشارك في تشكيل الحياة الاجتماعية، لا يمكن التعامل معها باعتبارها مساحة معزولة عن السياسة والمجتمع. لهذا السبب، فإن مسألة التمويل الخارجي ليست قضية تقنية أو إدارية فقط، إنما قضية ترتبط بطبيعة الخطاب الذي يُنتج داخل المجتمعات الأوروبية، وبالقوى التي تساهم في تشكيله.

ساهمت خلال العقود الماضية جهات ومؤسسات مرتبطة بدول خارجية ذات انظمة سلطوية في تمويل عدد من المساجد والمؤسسات الإسلامية داخل القارة الأوروبية، من الدنمارك وألمانيا إلى فرنسا وبلجيكا والمملكة المتحدة وغيرها. بعض هذه الدول يمتلك مشاريع سياسية ودينية واضحة، ويسعى إلى توسيع نفوذه الثقافي والاجتماعي عبر المؤسسات الدينية والجمعيات المرتبطة بها. وفي حالات عديدة، لا يكون التمويل منفصلاً عن التوجيه الفكري والسياسي.

هذا الواقع يخلق توتراً داخل الدول الاوربية المستضيفة. فمن جهة، تقوم هذه الدول على أسس مدنية وديمقراطية ومبادئ مساواة واضحة نسبياً. ومن جهة أخرى، يستمر جزء من المؤسسات الدينية الإسلامية في العمل ضمن تأثيرات فكرية وتنظيمية قادمة من دول وبيئات سياسية شمولية ومحافظة مختلفة جذرياً عن هذه القيم. ولا يقتصر هذا التأثير على التمويل المالي، إذ يمتد إلى المرجعيات الدينية وشبكات تأهيل الأئمة والعلاقات التنظيمية العابرة للحدود التي تربط مساجد في الدنمارك بأخرى في ألمانيا أو فرنسا ضمن الشبكة التنظيمية نفسها.

المشكلة هنا ليست في التدين، وليست في حق المسلمين في التنظيم الديني، إنما في غياب إطار محلي مستقل يضمن شفافية التمويل واستقلالية المؤسسات الدينية عن التأثيرات السياسية الخارجية. كما أن استمرار هذا الوضع يضع المسلمين أنفسهم في موقع التبعية لمرجعيات خارجية، عوضاً عن تطوير مؤسسات دينية تنطلق من واقعهم داخل مجتمعاتهم الأوروبية. والجدير بالذكر أن داخل هذه المجتمعات مبادرات وشخصيات ومؤسسات تعمل على تطوير خطاب ديني مستقل  أكثر انسجاماً مع قيم الديمقراطية والمساواة وتحييد الدين عن الدولة، غير أن حضورها لا يزال محدوداً أمام ثقل المؤسسات التقليدية الممولة خارجياً، مما يجعل دعمها ضرورة وليس خياراً.

لهذا السبب، يصبح من الضروري التعامل مع المؤسسات الدينية وفق معايير مدنية موحدة، تقوم على الشفافية والمساءلة واحترام القانون وحقوق الإنسان.

ثانياً: الدنمارك نموذجاً، كيف تعرف الدولة تنظيم الدين؟

التجربة الدنماركية، رغم الطابع الطبقي للدولة وارتباط الكنيسة المسيحية الوطنية تاريخياً بمنظومة السلطة الرأسمالية، تظهر أن الدولة قادرة على تنظيم علاقتها مع المؤسسات الدينية دون المساس بحرية الدين أو استقلال المعتقد، وهي تجربة يمكن أن تشكل مرجعاً لدول أوروبية أخرى تواجه التحدي نفسه. فالكنيسة الدنماركية تخضع لقوانين واضحة، وتمويلها معلن، وعملها يجري ضمن اطار مدني منسجم مع الحقوق الاساسية. كما انها مرت بعملية تطور طويلة، نتيجة الضغط والنضال الجماهيري، جعلتها اكثر انسجاما مع قيم الديمقراطية وحقوق الانسان والمساواة.

السؤال الذي يفرض نفسه على المستوى الأوروبي: لماذا لا يتم تطوير إطار مشابه للمؤسسات الإسلامية في دول القارة؟

المقصود ليس السيطرة على الدين، إنما بناء إطار مدني شفاف ينظم عمل المؤسسات الدينية باعتبارها جزءاً من المجال العام. أي مؤسسة تدير أموالاً وتؤثر في حياة الناس يجب أن تخضع للشفافية والمساءلة ومنع التحريض على الكراهية أو التمييز، بصرف النظر عن البلد الذي تعمل فيه. هذه المعايير يجب أن تطبَّق على الجميع دون استثناء، لأن القضية تتعلق بطبيعة المجال العام وليس بدين محدد.

وفي هذا السياق تبرز قضية مبدئية لا يمكن تجاوزها: معظم المسلمين في الدول الأوروبية مواطنون كاملو الحقوق يدفعون الضرائب ويسهمون في بناء المجتمع. وبالتالي، فإن الدولة ملزمة بموجب مبدأ المواطنة والمساواة بألا تُقصي مؤسساتهم الدينية من الدعم العام في حال كانت تدعم مؤسسات الأديان الأخرى. فالمعيار ليس الدين، إنما الاستيفاء الكامل لمعايير الشفافية والمساواة والاستقلالية عن أي تمويل سياسي خارجي. مؤسسة إسلامية محلية تستوفي هذه الشروط تستحق الدعم ذاته الذي تحظى به الكنائس الوطنية، لا لأنها إسلامية، إنما لأن مواطنيها يستحقون مؤسسات دينية عصرية راسخة في مجتمعهم ومموّلة من ضرائبهم.

ومن هنا، تتحمل الدول الأوروبية، مسؤولية دعم بناء وتمويل مؤسسات دينية إسلامية محلية مستقلة، وتقليص الاعتماد على التمويل الخارجي، وتشجيع مبادرات إصلاحية تنسجم مع قيم المواطنة الديمقراطية والمساواة. هذا ليس منّةً من الدولة، إنما التزام يفرضه مبدأ المساواة بين المواطنين والمواطنات.

ثالثاً: تأهيل الأئمة في أوروبا ضرورة اجتماعية

دور الإمام لا يقتصر على الصلاة أو الوعظ، إذ يمتد إلى قضايا الأسرة وتربية الأطفال وعلاقة الشباب بالمجتمع والنظرة إلى المرأة والتعامل مع المختلف. لذلك فإن تأهيل الأئمة في أي دولة أوروبية قضية اجتماعية وثقافية وسياسية مرتبطة بالاندماج. والواقع أن كثيراً من المؤسسات الإسلامية في القارة الأوروبية، ومنها الدنمارك، تعتمد أئمة قادمين من الخارج أو درسوا في سياقات دينية وسياسية مختلفة جذرياً عن البيئة الأوروبية، مما يجعل مسألة التأهيل المحلي أكثر إلحاحاً.

هذا التأهيل يجب أن يقوم على فهم المجتمع المضيف واحترام القانون والدستور المحلي، وعلى أن المرجعية في المجال العام هي القانون، وأن الإيمان شأن فردي. كما يجب أن يرتبط بثقافة حقوق الإنسان والمساواة، حيث تمثل المساواة بين النساء والرجال مبدأً أساسياً غير قابل للتفاوض، وأي خطاب يبرر التمييز يتعارض مع هذه القيم. كذلك يجب تعزيز التعددية ورفض التمييز الديني أو القومي، لأن المجتمعات الأوروبية إلى حد كبير تقوم على التعايش بين خلفيات متعددة.

وبهذا يصبح الفرق واضحاً بين إمام مُعدٍّ داخل أوروبا عبر مؤسسات تعليمية معتمدة تنسجم مع قيم المجتمع وقوانينه، وآخر مُعدٍّ في سياقات سياسية ودينية مختلفة. الأول مندمج في الواقع القانوني والثقافي المحلي، والثاني قد ينقل تصورات غير منسجمة مع المجتمع الذي يعيش فيه.

رابعاً: الإصلاح الديني مسار تاريخي أوروبي

الإصلاح الديني ليس استثناءً تاريخياً. التجربة الأوروبية شهدت تحولات عميقة أعادت تشكيل العلاقة بين الدين والدولة[11] في أكثر من بلد، ورسخت تدريجياً قيم المواطنة والمساواة وحقوق الإنسان عبر القارة.

وفي السياق الإسلامي[12] أيضاً، ظهرت تيارات إصلاحية ونقدية حاولت إعادة قراءة النص الديني وربطه بواقع العصر[13]، بما في ذلك داخل أوروبا نفسها، لكنها بقيت محدودة بسبب ضعف الدعم في مواجهة قوة المؤسسات التقليدية الممولة خارجياً.

المسألة هنا ليست صراعاً مع الدين، في المقابل هي رفض لاحتكار تفسيره. فتح المجال أمام قراءات متعددة ودعم مبادرات إصلاحية في أي بلد أوروبي يساهم في بناء خطاب ديني أكثر انسجاماً مع المجتمع الحديث.

وفي المقابل، فإن ترك هذا الملف دون معالجة يعني استمرار تأثير قوى خارجية في تشكيل جزء من الحياة الاجتماعية داخل الدول المستضيفة، واستمرار ضعف استقلال المؤسسات الدينية الإسلامية من الدنمارك إلى فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة.

وفي هذا السياق، يبقى فصل الدين عن الدولة مساراً تدريجياً مرتبطاً بتطور كل مجتمع أوروبي وخيارات سكانه. وإلى أن يتحقق ذلك الفصل الكامل، تبقى معايير الشفافية والمساءلة واحترام حقوق الإنسان الإطارَ الضروري الذي ينبغي أن تعمل ضمنه جميع المؤسسات الدينية دون استثناء، مما يستدعي قواعد واضحة تنظم المجال الديني بما ينسجم مع القيم الديمقراطية والمساواة والحقوق المدنية الحديثة.

خامساً: اليسار الأوروبي والإسلام: ضرورة الموقف العلماني

يقف اليسار الأوروبي، ومنه اليسار الدنماركي، أمام إشكالية حقيقية حين يتعلق الأمر بالإسلام السياسي والمؤسسات الدينية ذات التمويل الخارجي. فمن جهة، ينحدر اليسار من تقليد فكري يرفض التمييز ويدافع عن حقوق الأقليات، ومن جهة أخرى تقتضي المبادئ ذاتها موقفاً صريحاً من كل خطاب يكرّس التراتبية بين الجنسين، أو يروّج لمناهج تربوية تتعارض مع قيم المواطنة، أو يتعامل بازدراء مع التنوع الجنسي، أو يدعو إلى عقوبات تتنافى مع حقوق الإنسان، أو يُبقي المجتمعات تحت وصاية مرجعيات خارجية بعيداً عن مبدأ تحييد الدين عن الدولة.

هذا التوتر يدفع شريحة من اليسار في أكثر من بلد أوروبي إلى تأجيل الموقف أو الاكتفاء بمقاربة حذرة، خشية أن يُتهم بتبني خطاب اليمين العنصري. غير أن التحفظ المفرط هنا لا يخدم مبادئ المساواة والعلمانية التي قام عليها اليسار الأوروبي تاريخياً. فحين يُنظَّم فصل بين النساء والرجال في شوارع كوبنهاجن، أو في أي مدينة أوروبية أخرى، باسم طقوس دينية، لا يكفي اليسار أن يحيل الأمر إلى حرية الشعائر أو حق التعبير، إذ المسألة أعمق من ذلك: إنها تتعلق بمن يملك أدوات بناء الوعي الديني والاجتماعي داخل مجتمعات المهاجرين عبر القارة.

الموقف اليساري المتسق لا يعني اعتناق خطاب اليمين العنصري، وإنما يعني تبني نقد علماني متجذر يرفض التمييز القائم على الجنس والدين والعرق في آنٍ واحد، ويدعم استقلالية المؤسسات الدينية عن تدخل الدول الخارجية، ويطالب بدعم الدول الأوروبية للمؤسسات الدينية الإسلامية وإعادة بنائها وفق قيم مدنية معاصرة، ويقف إلى جانب المسلمين الذين يطالبون داخل مجتمعاتهم بالإصلاح والمساواة. هؤلاء هم الحلفاء الطبيعيون لليسار الأوروبي، لا القوى التي تعيد إنتاج سلطة ذكورية دينية في قلب القارة، سواء في كوبنهاجن أو في أي عاصمة أوروبية أخرى.

سادساً: ماذا يعني هذا عملياً على المستوى الأوروبي؟

اليوم تقف أوروبا أمام خيار واضح، والدنمارك مثال على هذا الخيار: إما الاستمرار في السياسات الحالية وما تنتجه من تناقضات، أو بناء نموذج جديد يقوم على تحييد جميع الأديان عن الدولة وقطع التبعية عن الدول الدينية التي تستخدم المؤسسات الدينية أداةً لتمديد نفوذها السياسي في القارة. وهذا النموذج ليس شعاراً عاماً، إنما حزمة إجراءات محددة يمكن أن تتبناها أي دولة أوروبية.

أولها حظر قانوني صريح للفصل بين الجنسين في أي فعالية عامة أو مرخصة، أسوة بمنع الفصل العرقي. فلا مبرر لاستثناء الفصل الجندري بحجة الشعائر الدينية، سواء في كوبنهاجن أو باريس أو برلين.

ثانيها، تقييد الدعم الأجنبي وإلزام كل مؤسسة دينية تتلقى تمويلاً أجنبياً، حكومياً أو شبه حكومي، بالإفصاح العلني عن مصدره وحجمه، أسوة بآليات الإفصاح في تمويل الأحزاب. فالشفافية شرط أساسي لثقة المجتمع، لا تضييق على حرية الدين.

ثالثها، ربط أي دعم أو ترخيص حكومي بمعايير مدنية واضحة، تشمل القبول الصريح بالمساواة بين الجنسين، ورفض خطاب التمييز، واستقلالية تعيين الأئمة عن أي مرجعية خارجية.

رابعها، دعم وتمويل المؤسسات الدينية وفق قاعدة المساواة واستثمار كل دولة أوروبية في معاهد محلية لتأهيل الأئمة، بدل ترك هذا الفراغ لشبكات خارجية، كما فعلت الكثير من الدول ألاوروبية، تاريخياً مع تأهيل رجال الدين المسيحيين.

أما اليسار الأوروبي، فلا يكفيه الموقف المبدئي. عليه أن يتبنى هذه المطالب بوضوح في كل بلد، ويفرّق بين الدفاع عن حق المسلمين في ممارسة دينهم والسكوت عن ممارسات تكرّس التمييز وتُبقي مجتمعات تحت وصاية مرجعيات خارجية. فالصمت لا يحمي أحداً، إنما يترك الساحة لليمين العنصري من جهة، وللمؤسسات المحافظة الممولة خارجياً من جهة أخرى، من الدنمارك إلى سائر أنحاء أوروبا.

***

رزكار عقراوي

......................

المصادر

تغطيات صحفية

1. موكب عاشوراء في كوبنهاجن - TV2 Kosmopol

https://www.tv2kosmopol.dk/koebenhavn/nu-gar-tusindvis-sorgemarch-pa-norrebro-i-kobenhavn-4ea23

2. الإمام الحسين - ويكيبيديا

https://en.wikipedia.org/wiki/Husayn_ibn_Ali

3. الفصل بين الجنسين في الموكب - TV2 Kosmopol

https://www.tv2kosmopol.dk/koebenhavn/konsopdelt-optog-gennem-kobenhavn-er-forkasteligt-mener-politiker-b7ead

9. مسجد الإمام علي في كوبنهاجن وصلته بإيران - TV2 Kosmopol

https://www.tv2kosmopol.dk/koebenhavn/forbindelse-mellem-koebenhavnsk-moske-og-iran-paavist

تقارير حقوقية

4. منظمة العفو الدولية حول قمع النساء في إيران

https://www.amnesty.org/en/latest/news/2025/03/iran-authorities-target-womens-rights-activists-with-arbitrary-arrest-flogging-and-death-penalty/

تمويل ديني وتغطيات إعلامية متخصصة

5. التمويل التركي للمساجد في الدنمارك - معهد جيتستون

https://www.gatestoneinstitute.org/11400/turkey-denmark-mosques

6. التمويل القطري للمسجد الكبير في الدنمارك

https://middle-east-online.com/en/danish-politicians-slam-qatar%E2%80%99s-control-grand-mosque

7. تقرير البرلمان الأوروبي حول التمويل السعودي

https://www.europarl.europa.eu/doceo/document/B-9-2020-0087_EN.html

8. تغطية إيران إنترناشونال حول التمويل الإيراني

https://www.iranintl.com/en/202508161375

تشريعات ووثائق رسمية

10. قانون حظر التبرعات الأجنبية للمؤسسات الدينية في الدنمارك

https://www.lovguiden.dk/loven/lov-om-forbud-mod-modtagelse-af-donationer-fra-visse-fysiske-og-juridiske-personer/1

مصادر أكاديمية

11. دراسة أكاديمية حول العلاقة بين الدين والدولة في أوروبا - MDPI

https://www.mdpi.com/2077-1444/9/5/144

12. التقليد الإصلاحي في الإسلام - معهد الدراسات الإسماعيلية

https://www.iis.ac.uk/scholarly-contributions/islams-reformist-tradition

13. التيارات الإصلاحية الإسلامية - أكسفورد

https://academic.oup.com/edited-volume/43158/chapter-abstract/362193978?redirectedFrom=fulltext

يطلق على شهر تموز لقب (شهر الثورات) لما وقع فيه من ثورات كبرى مثل الثورة الامريكية التي قامت في ٤ / تموز / ١٧٧٦ م وفي يوم ١٤ / تموز من عام ١٧٨٩م قامت الثورة الفرنسية ضد النظام الملكي واعلنت قيام الجمهورية الفرنسية.

وفي ٢٢ / تموز ١٩٥٢م قامت مجموعة من الضباط الاحرار في مصر بقيادة الفريق محمد نجيب بالاطاحة بالملك فاروق وتولى محمد نجيب رئاسة الجمهورية حتى اطاح به جمال عبد الناصر وتسلم الرئاسة بدلاً منه.

اما في العراق فقد قامت ثورة ١٤ تموز عام ١٩٥٨م بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم وتم اعلان النظام الجمهوري.

الثورة الفرنسية وتأثيرها

لم تشھد اوربا انقلابا عنيفاً كالثورة الفرنسية نظراً لما طرأ على القارة الأوربية من تغيرات سياسة واقتصادية وفكرية لقد هزت الثورة اوربا من اقصاها الى اقصاها ولم يقتصر تأثيرها على اوربا وحدها بل شمل العالم باسره حيث انتقلت مبادئ الثورة الحرية ، الاخاء , المساواة في شرق الأرض وغربها فحتى الدولة العثمانية التي كانت تعاني من الامراض المزمنة انتعشت لفترة معينه حيث تلقف الشباب التركي مبادئ الثورة وقاموا بتأليف الجمعيات والاحزاب السياسية كحزب الاتحاد والترقي الذي قاد الانقلاب العثماني ضد السلطان المستبد عبد الحميد الثاني عام ١٩٠٨ م

لقد تناول مؤرخو الشرق والغرب الثورة الفرنسية بالتحليل ودرسوا الاسباب التي ادت الى قيامها فكانت الحصيلة مجموعة كبيرة من المؤلفات الاوربية والعربية تشهد على عالمية هذه الثورة وتأثيرها على الفكر الانساني وقد اجمع هؤلاء المؤرخين على ان اهم اسباب الثورة هو اسراف الملوك وتبذيرهم وامتيازات النبلاء ورجال الدين فكان النبلاء يملكون 1/5

الاراضي الفرنسية بالاضافة الى انهم معفوين من الضرائب وكان صغار الكهنة يقاسمون الفلاحين فقرهم - غير ان عاملاً هاماً.

يعد من اهم عوائل الثورة الا وهو تاثير الفلاسفة ففي القرن الثامن عشر كانت الفلسفة هي فلسفة الشك. وكان خير من يمثلها (فولتير) (ورسو) وكان فولتير يسخر من رجال الدين والكنيسة وكان لروسو دور فعال في ايقاظ الشعب الفرنسي ودعوته إلى الثورة.

موقف الثورة من الدين والكنيسة

يتسائل (اندريه ناتاف) في كتابة (الفكر الحر) ص (١١٥) هل كانت الثورة الفرنسية لحظة ارتداد مكثف عن المسيحية ام انها ساهمت في تقدم المسيحية بتخليصها من شوائبها..؟ ويجيب الكاتب على سؤاله قائلاً (المشكلة على ما يبدو تتجاوز اطار المسيحية.

ولم يكن (يسوع) هو المستهدف بل فكرة الله ذاتها لقد كانت الثورة. تجديفية في لحظة توهجها بتحطيمها للاوثان وتهديمها للكنائس، (ص115) لم تقف ثورة موقفاً من الدين ذات طابع سلبي كالثورة الفرنسية.

ويرجع السبب إلى معاناة الشعب من رجال الدين والكنيسة الذين كانوا يتمتعون بالترف والبذخ بينما كان الفرنسيون يعانون من الفقر فقد قام قادة الثورة بعدة ممارسات لابعاد شبح الدين منها:

- الغاء التقويم الفرنسي القديم .

- حاولوا الغاء المسيحية حيث قال احد قادة الثورة (ان الثورة لا تنجح الا وقد انزلت ملك السماء عن عرشه كما انزلت لويس السادس عشر عن عرشه)

- اغلقت اماكن الصلاة في باريس واستولى الناس على ما في الكنائس من الذهب والفضة وصنعوا من اجراس الكنائس مدافع.

- اسقطوا تماثيل المسيح ومريم العذراء ووضعوا تماثيل رجال الثورة

- ازالوا الصليب وأقاموا بدل منه المقصلة

محوا من على القبور كل ما يمت إلى الآخره بصلة وكتبوا بدلا منه (الموت نوم ابدي).

- اعلن (هيبر) احد قادة الثورة ديناً جديداً يقوم على عبادة (العقل)

- اقاموا احتفالاً في كنيسة نوتردام وجاءوا بامرأة (مومس) اية في الجمال ووضعوها على منصة الكنيسة للعبادة وطلبوا من سكان باريس عبادتها وقد اقتدت بقية المدن الفرنسية بذلك واصبحت الكنائس مجرد هياكل للعبادة الجديدة.

الغاء عطلة يوم الأحد واصبح زعماء الثورة يفدون الى الكنائس لالقاء الخطب الحماسية.

غير أن هذا الدين الجديد لم يستمر طويلا فقد استبدله (روبسبير) بدين جديد يقوم على عبادة (الكائن الأعظم) الذي هو الله وقال روبسبير مقولته الشهيرة (إذا لم يكن الله موجوداً فأن من الضروري للانسان أن يخترعه).

وهكذا كانت الثورة الفرنسية انقلابا سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وفكرياً وقديماً قيل (اذا عطست فرنسا أصيبت اوربا بالزكام).

***

غريب دوحي

 

بين الاضطهاد الخارج الصهيوامبريالي والإجهاض الداخلي لمشاريع التنمية والاستقلال الذاتي

مقدمة: الأمة العربية الإسلامية، بتاريخها الحضاري العريق ومواردها البشرية والطبيعية الوفيرة، هي واحدة من أبرز الكيانات الثقافية والسياسية في العالم المعاصر. ومع ذلك، تواجه واقعاً معقداً من التحديات الهيكلية يعيق تقدمها ويُولد شعوراً واسعاً بالظلم والاضطهاد. تقترح هذه الدراسة أن هذا الواقع ينبع من عاملين أساسيين: أولهما ضغوط خارجية مرتبطة بتوازنات القوى الدولية والصراعات الإقليمية، وثانيهما فشل داخلي في تحقيق تنمية مستدامة وتعويل على الذات في معظم الأقطار العربية. تعتمد المقاربة على تحليل تكاملي يجمع بين الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية والمؤسساتية والثقافية، دون الاكتفاء بسرد الشكاوى أو البحث عن كبش فداء وحيد. فالاضطهاد الحقيقي، إن وُجد، ليس قدراً محتوماً بل نتاج تفاعل بين عوامل خارجية وداخلية، والخروج منه يتطلب تشخيصاً صادقاً وإرادة إصلاحية جذرية. فما أسباب الاضطهاد الخارجي والافشال الداخلي؟ وما السبيل الى الرد والتصدي؟ وهل يمكن تحقيق التحرر والتنمية؟

أولاً: الضغوط الخارجية والاستعمار الجديد

شهدت المنطقة العربية، بعد مرحلة الاستعمار التقليدي في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، تحولاً نحو أشكال أحدث من التدخل الخارجي. يُعبّر بعض الخطابات عن هذا بـ"المد الصهيوامبريالي"، مشيرة إلى التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل، والدعم العسكري والاقتصادي المستمر لهذه الأخيرة، والتأثير على توازنات المنطقة.

 يُرى هذا التحالف كعامل يُعيق السيادة العربية، خاصة في سياق الصراع العربي-الإسرائيلي الذي استنزف موارد هائلة وأدى إلى حروب متكررة ونزاعات حدودية. أدى الصراع إلى تكاليف اقتصادية باهظة، سواء مباشرة (الإنفاق العسكري) أو غير مباشرة (فقدان فرص التعاون الإقليمي، وتأثير على التجارة والاستثمار). كما ساهمت التدخلات الخارجية في بعض الصراعات (مثل العراق، ليبيا، وسوريا) في تفكيك بنى الدولة وإعادة رسم خرائط النفوذ.

ومع ذلك، يجب التمييز بين التأثير الحقيقي لهذه الضغوط وبين تحميلها مسؤولية كل الإخفاقات. فالقوى الدولية تستغل الضعف الداخلي، لكنها لا تخلقه دائماً. الاعتماد المفرط على نظرية "المؤامرة الخارجية" قد يُعيق القدرة على الإصلاح الذاتي، إذ يحول التركيز من بناء القدرات الداخلية إلى الانتظار أو المقاومة السلبية.

ثانياً: إجهاض تجارب التنمية والتعويل على الذات

العامل الداخلي هو الأكثر أهمية في تفسير الواقع العربي المعاصر. بعد الاستقلال، شهدت معظم الأقطار العربية تجارب تنموية طموحة مستوحاة من الناصرية والبعثية والاشتراكية العربية. ركزت هذه التجارب على التصنيع بالإحلال محل الواردات، التأميم، الإصلاح الزراعي، والدولة المركزية القوية. في مصر الناصرية، والعراق وسوريا البعثية، والجزائر، وليبيا، حققت بعض الإنجازات في التعليم والصحة والبنية التحتية. لكن هذه التجارب غالباً ما أجهضت بسبب:

الطابع الاستبدادي والمركزي: أدى تركيز السلطة إلى فساد، محسوبية، وغياب المساءلة. أصبحت الدولة صاحبة الاقتصاد الأكبر، مما أضعف القطاع الخاص الحر وأنتج اقتصاداً ريعياً غير تنافسي.

الفشل في بناء مؤسسات حديثة: أشارت تقارير التنمية البشرية العربية المتتالية إلى ثلاثة عجوز رئيسية: العجز في المعرفة، تمكين المرأة، والحريات. ظلت أنظمة التعليم تركز على التلقين بدلاً من الابتكار، والاقتصادات تعاني من ضعف الاندماج العالمي والتنويع.

العوامل المؤسساتية التاريخية: يشير الباحثون مثل تيمور كوران إلى أن بعض العناصر في التراث القانوني والمؤسسي (مثل قانون الميراث، غياب مفهوم الشركة الحديثة، والأوقاف) ساهمت في صعوبة تراكم رأس المال وتطوير المجتمع المدني على المدى الطويل.

الصراعات الداخلية والطائفية: أدت الانقسامات إلى حروب أهلية وإهدار موارد (سوريا، اليمن، ليبيا، العراق)، مما حوّل الطاقات من التنمية إلى البقاء.

نتج عن ذلك اقتصادات تعتمد على الريع النفطي في بعض الدول، أو على المساعدات والديون في أخرى، مع بطالة مرتفعة بين الشباب، وهجرة الأدمغة، وفجوة واسعة بين الطبقات. أصبحت المنطقة الأكثر عدم مساواة في بعض المؤشرات، مع استمرار الفقر المدقع في مناطق النزاع.

ثالثاً: التفاعل بين العاملين الخارجي والداخلي

لا يعمل العاملان بشكل منفصل. الضغوط الخارجية (الصراعات، العقوبات، التدخلات) تُفاقم الضعف الداخلي، بينما الاستبداد والفساد الداخلي يدعوان إلى التدخل الخارجي أو يجعلانه ممكناً. على سبيل المثال، أدى الفشل في بناء دول مؤسساتية قوية إلى ظهور جماعات مسلحة غير حكومية، مما أعطى ذريعة للتدخلات الإقليمية والدولية.

كما أن الخطاب الذي يركز حصرياً على "الصهيوامبريالية" قد يُستغل داخلياً لتبرير القمع والفشل في الإصلاح، فيتحول إلى أداة للحفاظ على الوضع القائم بدلاً من تغييره.

رابعاً: آفاق الخروج من دائرة الاضطهاد

لتحقيق الاستقلال الحقيقي والتنمية المستدامة، يجب على الأمة العربية الإسلامية:

إصلاح الحكم: بناء مؤسسات ديمقراطية حقيقية، فصل السلطات، مكافحة الفساد، واحترام الحريات.

ثورة معرفية وتربوية: الاستثمار في التعليم النوعي، البحث العلمي، والابتكار لكسر التبعية الاقتصادية.

تنويع اقتصادي وتعاون إقليمي: تجاوز الريعية نحو اقتصاد منتج، وتعزيز التكامل العربي الحقيقي (سوق مشتركة، تنسيق دفاعي وتنموي).

توازن في السياسة الخارجية: التعامل مع القوى الدولية من موقع قوة داخلية، لا من ضعف يولّد التبعية.

تجديد الفكر الإسلامي: استلهام قيم العدل والاجتهاد والعمل لمواجهة تحديات العصر، بدلاً من الجمود أو الردود العاطفية.

خاتمة

الأمة العربية الإسلامية ليست "مضطهدة" بشكل مطلق بفعل قوى خارجية وحدها، بل هي أمة تواجه تحديات متراكمة من الاستبداد الداخلي والضغوط الخارجية. إجهاض تجارب التنمية السابقة لم يكن نتيجة مؤامرة عالمية فقط، بل أيضاً بسبب أخطاء استراتيجية ومؤسساتية داخلية. الخروج من هذا الواقع يتطلب شجاعة في النقد الذاتي، وإرادة سياسية للإصلاح الجذري، وبناء قدرات ذاتية حقيقية. إن الاستقلال الحقيقي ليس رفضاً للعالم الخارجي، بل قدرة على التفاعل معه من موقع الكرامة والقوة. والأمل يكمن في طاقات الشباب العربي، وفي إمكانية تجديد حضاري يعيد للأمة دورها التاريخي كمساهمة في تقدم البشرية، لا كضحية دائمة للتاريخ. هذا المشروع ممكن، لكنه يبدأ بالصدق مع النفس قبل اتهام الآخرين. فهل يساعد تحويل اقتصاديات الريع العربي الاسلامي على تحقيق بدائل تنموية عادلة مستدامة؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

في المثقف اليوم