عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

في واحد من التقارير الوثائقية المهمة التي عرضتها قناة (ناشيونال جغرافي) تقرير يتناول الحرب الأهلية في كولمبيا ودور المافيا وأطراف دولية عديدة في إدامة الصراع الأهلي وإدارته لأسباب كثيرة، لعل من أهمها ضمان ديمومة انسياب تجارة المخدرات، فهي البلد الممول للعالم لكونه ساحة رخوة لتصفية الحسابات بين بلدان متصارعة تحاول إدارة حرب بالوكالة، ويظهر التقرير مشاهد حوارية كثيرة مع رجال الأمن وبعض من مجرمي الحرب التقوهم في السجون، وحاول أحدهم أن يتهرب من سؤال محاوره الإعلامي: كم قتلت من الناس في تلك الحرب الأهلية ؟ فأجاب كنت مضطراً للقتل للدفاع عني نفسي، وبدهاء مُغلَّف بدعابة أعاد محاوره صياغة السؤال: لأجل الدفاع عن نفسك كم قتلت من الأفراد؟ فأجاب: ليس الأمر كما تظن، فقد كانت أفكارنا المقيتة تتقاتل وتتراشق بالكلمات فعبأتنا تلك الألفاظ البغيضة لذلك الصدام الموحش. كما أظهر التقرير ضابطاً من المخابرات يتحدث عن تجارة المخدرات وعملهم الشاق في اختراق تلك الشبكات بسبب سريتها وغموض الشفرة اللغوية التي يتواصل فيها تجار المخدرات وموزعوها، فهم يعمدون إلى إضافة مقاطع لبعض كلمات لغتهم أو حذف مقاطع واللجوء إلى معميات من الرموز والألفاظ حول الأماكن والأشخاص إلى درجة كبيرة في التمويه في مفردات كثيرة جداً وصلت كما يؤكد رجل الأمن إلى وضع قاموس من قبل المخابرات يفك شفرة تلك اللغة السرية. فثمة (عنف باللغة) يوقظ الفتنة النائمة ويوقد نار الحرب الأهلية، وعنف آخر هو (عنف على اللغة) نفسها بانتهاك قواعدها اللغوية لخلق لغة سرية تتداول في الظل. وهذا العنف الأخير يُسمَى في اللسانيات بـ (المتبقي) فهو أحد مصاديقه. فالمتبقي من اللسان هو مصطلح انبثق على يد (جان جاك لوسركل) في كتابه المهم (عنف اللغة)، وهو لا يريد بعنوانه(عنف اللغة) ما قد يتبادر إلى الذهن من الوسائل اللفظية التي تمثل آليات للسجال والسباب والإيذاء بالكلمة الجارحة بل يريد من مصطلح (المتبقي) ما يهمله عالم اللسانيات من المتن اللغوي المدروس من ألفاظ وتراكيب ودلالات لا تحقق الشروط الموضوعية من الانتظام والانسجام والاطراد على وفق مبادئ اللسان فتُنعَت بالشذوذ اللغوي وتمثل أداء لغوياً خاطئاً يستدعي أن يقصيه البحث اللساني عن دائرة اهتمامه، وكأنَّ هذا (المتبقي) بخروجه على النظام اللغوي يمارس عنفاً تقع تحت طائلته اللغة بانتهاك قواعدها الصارمة، فمن هنا انبثق عنوان كتابه (عنف اللغة)، فلا يمكن الإغضاء عن(المتبقي) وإهماله بسبب تفشيه، صحيح أنه لا يكتسب حيزاً في التدوين والكتابة، ففي الكتابة ينتقل الأداء العفوي الدارج إلى الالتزام بالمستوى الرسمي القياسي الفصيح نقول على الرغم من عدم امتلاكه لذلك ولكن تفشيه في الاستعمال والتواصل وارتباطه بقبليات ومحركات اجتماعية ونفسية مسؤولة عن توليده يحتم مقاربته وإيلاءه أهمية في النظر، فهذا (المتبقي) يمثل مجسَّاً لتحولات الأمم وفحص المحركات النفسية والاجتماعية المسؤولة عن التلفظ به. وهو قبل هذا وذاك يمثل عاملاً مهماً في تطور اللغة إذا ما تمكن ذلك (المتبقي) من الذيوع والانتشار في التواصل. إن النزعة المثالية للسان في انتظامه ونسقيته وصوريته الرمزية الاجتماعية أملت على (سوسير) أن يهمل الكلام ويقصيه عن اهتمامه لكونه فردياً وآنياً وابن لحظته وقد يشوبه الخطأ والتلكؤ. صحيح أن هذا الصنيع هو الذي حدد موضوعاً للسانيات ومنحها الاستقلالية العلمية وانتشلها من تبعيتها لمباحث بقية العلوم إلا أن ذلك كان النواة المؤسسة لنفي (المتبقي) عن دائرة البحث. وينضوي تحت (المتبقي) ما يُسمَى بـ (المحظور اللغوي) من الألفاظ المحرم استعمالها، كالألفاظ الدالة على قضاء حاجة الإنسان وألفاظ الجنس الخادشة للحياء والألفاظ التي يتشاءم الناس من ذكرها، فعلى الرغم من أن مباحث علم الدلالة اهتمت بهذا الحقل الدلالي الخاص إلا أن اهتمامها هذا لا يعدو أن يكون نمذجة تصنيفية للحقول الدلالية وتمييز هذا الحقل من بين بقية الحقول الأخرى، فلم يمتد نظرها إلى إخضاع تلك المفردات المحظورة إلى التحليل اللغوي والقيمي بسبب ارتباط تلك الألفاظ بالتابوات الاجتماعية. فالحديث عن تلك المفردات بعيداً عن إحالتها الواقعية للأشخاص وفي سياقاتها الانفعالية والنظر إليها من خلال التجزئة المعجمية في مباحث الدلالة كان يكتنفه الحرج الاجتماعي والإغضاء عن المقاربة العلمية.

وتذكر الباحثة التونسية (ألفة يؤسف) في مقدمة كتابها (أحلى كلام... قراءة ذاتية جداً في الشتائم التونسية الفيسبوكية) بأن بعضاً من أصدقائها ومتابعيها طلب منها جمع ما تدونه في صفحتها من تعليقات على الأحداث السياسية والاجتماعية التي حصلت في تونس بعد عام 2011، لأن ما تدونه يرتبط بحقبة مهمة من تاريخ تونس الحديث وتحولاته السياسية والاجتماعية، بيد أنها لم تجد لهذا الاقتراح صدى في نفسها يدفعها نحوه، فهي آثرت أن تجمع الشتائم التي كانت تُكال إليها بنحو مخصوص ولمجموعة من النساء والكُتاب والمدونين الذين كانوا يناهضون (حركة النهضة) ويعارضون نهجها في (أخونة) المجتمع التونسي، فقد واجهت سيلاً كبيراً من الشتائم النابية والمخجلة، وهي تصرح بأن كثيراً من مناصريها ومن مناوئيها الشتامين كانوا يعجبون لصبرها على هذه الشتائم وتحملها لهذه العبارات المؤلمة والجارحة لشخصها والخادشة للحياء العام في الوقت نفسه، فقد كانت حريصة على جمع تلك الشتائم التي تنال منها شخصياً وعكفت على تحليلها من منظور لساني واجتماعي بعيداً من ذوات الشتامين وشخصياتهم الواقعية الاعتبارية،فـ(ألفة يوسف) تؤكد أن الشتيمة ما كنت لتزعجها البتة بسبب تصورها حول اللغة وكونها لا ترتبط كثيراً في خطابات المديح والثناء أو الهجاء والشتيمة بالموضوع الذي تحيل إليه وتستهدفه، فعلى حد تعبيرها فالشتيمة ما هي إلا تعبير لتلك الذات الموتورة ورؤيتها للعالم، فهي تشعر بعطف خاص وغريب تجاه من يشتمها لا تدرك كنهه، فهي تؤكد أنها في استعمالها لفظ (الشتامين) للإحالة عليهم ليس تلخيصاً لذواتهم في هذه الصفة بل لأنَّ اللغة في منطقها الاستعمالي تحتاج إلى دوال لتمييز الأشياء في نظام تسميتها، فهي تقدم لهم الاعتذار لأنها لجأت إلى تسميتهم بـ (الشتامين) لا بل أهدت كتابها الى أصدقائها الفايسبوكيين من الشتامين إلى جنب المساندين لها والناقدين على حد سواء. وتذكر أنها في البدء كانت تجمع تلك الشتائم وتخزنها في مدونة اسمتها (مدونة الشتائم) من دون تخطيط أو هدف من وراء جمعها ولكنها بعد حين عمدت إلى النظر فيها وتحليلها، فتلك الشتائم كما ترى (ألفة يوسف) هي مرآة لمجتمعها التونسي ولخصائصه النفسية وتركيبته الذهنية، فقد جمعت تلك الشتائم بأساليبها الركيكة وبأخطائها الإملائية الفادحة، فهي ترى أن الفرار من الحقيقة لا يلغي مشكلتها ولا يسهم في معالجتها أو حلها. إنَّ صرامة التقاليد البحثية المهتمة بالمستوى الأدبي الفصيح وتعاليها عن دراسة اللهجات العامية وأساليبها وألفاظها المتداولة يفوّت الفرصة على قياس التحولات الاجتماعية الكبيرة من خلال التوظيف الدلالي للألفاظ، فمن بين الوسائل العلمية والمنهجية العديدة يبرز التحليل اللساني الاجتماعي في قياس مدى اتساع الفجوة الاجتماعية بين المكونات والتعرف على الانقسام الحاد الذي يعيشه المجتمع العراقي، فثمة مفردات من الشتائم والسباب البذيء هي من الألفاظ المولدة التي لم يعهدها من قبل معجم اللغة العامية العراقية قبل احتلال أمريكا للعراق، فالانقسام الطائفي والسياسي يلقي بظلاله على اللغة وتوليد مفردات كثيرة ومن بينها ألفاظ السب والشتيمة. إن النظر الوصفي لآليات التوليد الدلالي لتلك المفردات وكيفية اشتقاقها ورصد الحقول الدلالية الموردة لتلك الألفاظ يشف عن تردي الحس الأخلاقي وتفتت اللحمة الاجتماعية والوطنية بين مكوناته، فالخطاب الطائفي والخطاب السياسي العنصري يلجأ إلى توظيف مجازات صادمة ومخيفة ومحرضة على الكراهية في تمثلها ورؤيتها للآخر المختلف في المذهب أو الرؤى السياسية أو الانحدار الاجتماعي. ومما يُعجَب منه ويُؤسَف له أن تتحول (الوطنية) إلى سبة وشتيمة بسبب تراجع الإحساس بالهوية الوطنية وغلبة الحس المذهبي والطائفي، فمن الشتائم المولدة في العامية العراقية (وطنچي) فالدلالة المستهجنة التي تتضمن ازدراء لا تكتفي بإلحاق ياء النسبة وإضافتها إلى المفردة بل تضيف صوت(چ) قبل ياء النسبة، فـ (وطنچي) لا يكافئ (وطني) في الدلالة. وكثير من أسماء السياسيين يطالها عنف من خلال إبدال بعض أصواتها لتوليد دلالة استهجان وتحقير مع الحرص على الإبقاء على البنية الصرفية للمفردة لضمان الحفاظ على قصدية الإحالة وللإيحاء والدلالة على الشخص نفسه الذي أُبدِلت بعض أصوات اسمه الحقيقي. وتُقلَب الميم لاماً في مفردة (المقاومة) فتُسمَى بـ (المقاولة) للاتهام بالأطماع الشخصية والفساد والحصول على العقود والاستثمارات (المقاولة) لمن يدعي الوطنية والجهاد بينما الوقائع العملية تكشف زيف ادعائه، كما أن (ثورة تشرين) تُقلَب فيها النون تاء للتهكم فتسمى (ثورة تشريب)، وقد تبدل مفردة (الثورة)بأكملها بمفردة أخرى (عورة تشرين) أو (فتنة تشرين) في شيطنة هذا الحراك والانتقاص منه. ويطال العنف المصاحبة المعجمية بين المفردات المتلازمة في أسماء الائتلافات الانتخابية الحزبية، فينُتهَك التلازم بإبدال بعض المفردات لأجل السخرية (ائتلاف دولة الفافون) بدلاً من ائتلاف (دولة القانون)، ويقال(تحالف هدم) بدلاً من (تحالف عزم). فثمة رغبة نفسية وراء هذا العنف اللغوي لا يمكن اختصارها بالتهكم والسخرية، تتعلق هذه الرغبة بالتنفيس عن الكراهية، فالمتحدث يأنف من تسمية من يبغضه حقداً واحتقاراً، إذ يتواتر كثيراً في أغلب اللهجات العربية المحكية لفظ (اللي ما يسمى) ملحقاً باسم شخص يبغضه المتحدث ولا يريد أن ينوه بذكره ولكنه يضطر إلى تسميته. وثمة ضمائم نفسية غير التهكم والسخرية والاحتقار في الشتيمة بنحو عام والشتيمة السياسية بنحو خاص تتلخص بكون الشتيمة تحقق فعل (التعيير) والتذكير بأصل متواضع أو مشين وغالباً ما يرتبط هذا النوع من الشتيمة بالتذكير بمهن متدنية قي قيمتها الاجتماعية، فيُسمَى أحدهم بـ (أبو الثلج) وآخر (أبو السبح) وآخر غيره (أبو دهن الحر). ويُطلَق على السياسيين الطارئين بـ (العتاكة). وتحرص الماكنة الإعلامية للأحزاب السياسية بما تمتلك من قنوات فضائية ومنصات رقمية وجيوش إلكترونية تنشط في الظل تحرص على بث الكراهية والتسقيط لمن يهاجم رموزها، فهي تدافع عن سياستهم وتعمد إلى خلع الألقاب التي تبالغ في تمجيدهم وإزاء هذا تتمثل استجابة الجمهور في توليد أسماء ساخرة نحو: (راس تريلة) في كناية عن الرأس الحزبي المهيمن الصلب والمتعنت غير المرن في خطاباته مثلما هي مقدمة الشاحنة ورأسها، فعلى الرغم من قوة رأس الشاحنة في جر جسد الشاحنة إلا أنه لا يمتلك مرونة الاستدارة وتغيير الاتجاه مثلما يحصل في مقدمة السيارة الصغيرة. وهناك بعض المفردات في اللهجة العراقية مقترضة من الانكليزية(cover) بمعنى (الغطاء)، فيسمى اتباع الأحزاب الدينية المتظاهرون بالالتزام فيبالغون بإطالة اللحى والمظهر الشكلي الديني فيُسمون (بالكفرات) في استعارة تدل على النفاق والرياء. ومن استعارات التبعية الدالة على التملق والروح الوصولية(لواحيك) جمع (لاحوك) بمعنى لاحق وتابع، وتطلق مفردة (زبوك) وجمعها(زبابيك) في الإشارة إلى الواجهات الإعلامية من المطبلين للأحزاب والمدافعين بشدة عن سياستهم وفسادهم بنحو ينتهج المغالطة الحوارية ومهاجمة الخصم والتشويش على كلامه، فالمفردة العامية يمكن ردها إلى أصول فصيحة للفعل (زبق)، فمن معانيه كما يذكر ابن منظور في معجمه لسان العرب الدخول في الشيء بسرعة والتخفي، وقد أُبدِلت القاف كافاً، ومناسبة الاستعارة أنهم يبالغون بالظهور في منصات إعلامية كثيرة جداً ويفتقدون اللياقة في الحوار إذ لا يدعون خصمهم يكمل حديثه فهم مجندون للتشويش على الخصوم. ومفردات (بواقة)، و(مطبلجية)، و(مهاويل) تستلهم القصد نفسه في إدانة الواجهات الإعلامية من ممثلي الأحزاب الملمعين لسياستهم والمتملقين لهم. ومن ألفاظ الشتيمة التي ترتبط بفعل التخوين واتهام الآخر بالتبعية والعمالة للأجنبي والارتزاق مفردة (الذيل) (والذيول)، وهي من المجازات المولدة وينحصر استعمالها على فئة معينة يرتبط ولاؤها لجهة خارجية، وهي ترتبط بإحدى المجازات الميتة في الاستعمال الفصيح وهي مفردة (الأَذناب) جمع (ذنب) القديمة الاستعمال ومرادفها العامي هو (الذيل) وهو من الأصول الفصيحة أيضاً، واستعارة (الذنب) ترتبط بالعمالة، ففي الخطابات الوطنية المرتبطة بتخوين العملاء والتشكيك بنواياهم الوطنية يُقال عنهم أنهم (أذناب المستعمر) أو (أذناب المحتل)، فهي مجاز واستعارة تصورية مجالها المصدر هو الحقل المُدَنَس عند الإنسان وهو حقل الحيوان، فهي لا ترمز إلى تبعية الجزء للرأس المفكر والجسد الكلي فحسب، ففيها أيضاً ضمائم دلالية من التحقير والازدراء والكراهية. فثمة استعارات جسدية كثيرة تدل على التبعية غير المشينة والحضور الفاعل والمؤثر في الجسد، مثل فلان يد فلان، وفلان عين فلان، وفلان العقل المفكر لهذه الجهة، وهؤلاء هم (أذرع) الجهة الفلانية في المنطقة، بيد أن مفردة (الذيل) تمثل غاية في العنف والتحقير. وتبلغ الشتيمة ذروتها من السقوط الأخلاقي المشين مما يندى له الجبين في تناول أعراض الأشخاص واتهامهم بشرفهم في سيل نابٍ من الألفاظ المخجلة في خطابات تتقابل فيها الشتائم في ثنائيات طائفية مريضة ومقيتة ترسم صوراً فاضحة لمن يُشتَم نحو (أبناء المتعة..أبناء الرفيقات)،(أبناء أم حازم.. أبناء الأفغان والشيشانيين). أو قد يكون التقابل في الشتائم منطلقاً من التخوين والتسقيط والإحالة للعمالة للأجنبي (ذيول..جوكرية) (ولائيون... تشارنة)، (طائفية... وطنجية)، وثمة تقابلات لفظية تكفيرية توغل في وحل الكره الطائفي ومستنقعه الآسن نحو: (رافضي.. ناصبي)، (صفوي.. وهابي)، فالشتيمة لا تضطلع بوظيفة نفسية في التفريغ عن الأحقاد المكبوتة والرغبة بإيذاء الآخر وإلحاق الألم به تشفياً فحسب، فهي بتكرارها وشيوعها وتعميها في خطابات الكراهية وفضاء البغضاء الرقمي ترسم صورة نمطية للشخص غير صورته الحقيقة يحتاج الشاتم أن يتمثلها هو نفسه للتشفي، وأن يعمل على تكريسها عند الآخرين لا لأجل التسقيط الاجتماعي فحسب بل هي سلاح ردع لا يهاب خطوطاً حمراء ويسدد ضرباته تحت الحزام، يُلجَأ إليه حين تتكبد الأفكار المؤدلجة خسائر في الدفاع عن مسلماتها العقائدية بعد أن مُنيت بهزائم فكرية على يد آليات النقد المتطورة في حوارها الموضوعي الهادئ والرصين، فلم تجدِ نفعاً تلك المعاقل الدوغماتية، المتمترسة خلف الوهم والبروبركاندا الحزبية أو الطائفية المريضة في خطاباتها المضللة.

ويصل برم الجمهور ذروته من المؤسسة الدينية التي لا تهتم إلا بالحفاظ على طقوسها الشكلية المفرغة من مضمونها الروحي وحرصها على ضمان منافعها الخاصة وضمان استمرار رمزيتها الشعبوية، فلا تكترث لهموم الناس وتفشي الفساد الذي يفتك بجسد الدولة ويفت من النسيج الاجتماعي فيُسمَون بـ (كهنة معبد آمون)، فالتسمية لا تتضمن الإدانة والتحقير وحدهما بل تحقق التكثيف وتختصر كثيراً من المعاني التي توحي بها هذه المفردة من تفريغ الدين من محتواه القيمي فيتحول وسيلة للارتزاق ومؤسسة كهنوتية فاقدة للقيم الروحية وتستثمر في مخاوف الناس وجهلهم وتتواطأ مع فساد السلطة.

وترتبط ألفاظ الشتيمة في ضوء خطاطة (ياكوبسن) بالوظيفة التعبيرية للخطاب والتركيز على طرف المُرسِل في أحيان لتفريغ مشاعر الكراهية والتشفي، وفي أحيان أخرى ترتبط بالوظيفة التأثيرية (بالتركيز على المُرسَل إليه) في جرح الآخر وإسكاته وتعييره، وترتبط أيضاً بوظيفه التركيز على قنوات التواصل، فهذه الوظيفة تأذن بنهاية الحوار وغلقه، ففيها ينتبه المنخرط في المحادثة للوسائل التي من شأنها أن تجعل الانتباه قائماً بين الطرفين أو تخلق بداية الحوار أو تؤذن بانتهائه مثل عبارات التحية والوداع، فالشتيمة تتكفل بغلق الحوار بطريقة بعيدة عن الأدب واللياقة. إن فكرة ارتباط الاستعارة بمحور الاختيار المفرداتي لا بمحور التوزيع خضعت للتطور في اللسانيات الإدراكية فأضحت الاستعارة متضمنة في المعجم الذهني لا في عمليات الإبداع التوليدي التركيبي، فهي ترسم قبليات تصورية حول الأشخاص، فتنوب الشتائم الاستعارية مناب اسم العلم للأشخاص في خطابات الفتنة، وقد تمخضت الفكرة ونضجت في التحليل اللساني في نظريات الحجاج، فالاستعارة والمجاز تُعَد خزاناً ومستودعاً للمواضع الحجاجية، فالعبور من المسلمة إلى النتيجة في مسار الخطاب الإقناعي ينقدح زناده من تلك المواضع (القيم الحجاجية)، وهي قيم نسبية تختلف بين جماعة وأخرى، فيستغني منشئ الخطاب عن التصريح بتلك القيم لأنها حاضرة في الاقتضاء المعجمي لتلك المسلمات بل إن القوة الحجاجية لتلك القيم المضمرة في بنية الخطاب تمكن المتحدث من أن يستغني عن التصريح بالنتيجة تعويلاً على الكفاية التخاطبية للمتلقي وقبلياته التصورية والمعاني الهامشية الحافة للألفاظ.

فالشتيمة في المنظور اللساني الإدراكي تمثل في بنية خطاب الفتنة (مقولة تصنيفية) للفئات والأفراد المختلفين، فمفردة (صعيدي) في العامية المصرية ــ مثلاً ــ تغادر حياديتها في الدلالة على المكان إلى ضمائم عنصرية فوقية متعالية من التهكم والاحتقار والوسم بالسخرية والسذاجة وعدم المرونة في الرأي إلى حد البلادة فتمثل مدلولاً تصورياً ومتخيلاً مفارقاً عن المدلول التصوري عند إنسان الريف المصري في الصعيد، فهي تحمل عند الأخير قيم الرجولة والشهامة المفرطة والشجاعة وذروة الكرم. فالمفردة تمثل عند أولئك شتيمة وعند هؤلاء ثناء ومديحاً. فالناطقون بلغة واحدة لا يشتركون في معجم لغوي ذهني واحد على الرغم من اشتراكهم في أنساق صرفية ونحوية وصوتية وكثير من الدلالات المركزية للكلمات. فللمفردات أطر ذهنية مختلفة بين الهويات الفرعية والجماعات المذهبية. وفي إنتاج الخطابات وتأويلها يتم تنشيط تلك الأطر لتنظيم الخطاب وضمان سيرورته الخطية ومساره الحجاجي من قبل منشئه ويتم تفعيلها من قبل جمهوره المؤدلج في تأويل تلك الخطابات. وتكون الملاءمة التأويلية لتلك المجازات عالية جداً، فلا يكاد المتلقون يبذلون جهداً في فهم قصديتها الدلالية، فينطبق خطاب الفتنة وأفق المتحدث(المُحرض على الكراهية) مع أفق المتلقي والجمهور المؤدلج بسبب دوغما الكراهية العمياء ومركباتها المزمنة وتماهيهم في الرؤى العنصرية الواحدة، حتى من يراقب الشتيمة التي لا تمثل له مشتركاً تصورياً عن الآخر المختلف سوف يستدل بنحو ضمني على الهوية الفرعية لمنشئ الخطاب ولأي جماعة ينتمي بسبب تلك المفردات النابية، فلكل طائفة قاموسها من ألفاظ الشتيمة والكراهية يشكل متخيلها القيمي ويرسم صورة نمطية سلبية عن الآخر المختلف. وإذا كانت اللسانيات الاجتماعية في دراستها للتحول اللغوي أثناء الخطاب قد رصدت أثر (أفعال الهوية اللغوية) التي تشف عن الاستعمالات اللغوية الخاصة التي ينتمي إليها الفرد وحرصه على تأكيد انتمائه لجهة ما في تحوله من النسق الفصيح إلى لهجته الخاصة، فألفاظ الشتيمة هي الأخرى يمكن عدها من أفعال الهوية اللغوية.

ومفردة (الاجتثاث) لعناصر النظام السابق ومؤيديه من أكثر المفردات المحرضة على الكراهية في دلالتها الرمزية فهي متضمنة لاستعارة قرآنية (ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار)، ولوطأتها وحساسيتها الشديدة فقد أُبدِلت تسمية إحدى المؤسسات الحكومية التي تتعقب من انتمى للنظام السابق (هيئة اجتثاث البعث) أُبدِلت بمفردة(هيئة المساءلة والعدالة) لتفادي تأويلات الثأر والانتقام والتشفي. ونظير هذا التغيير في التسمية ما عمد إليه من قبل نظام صدام إزاء انتفاضة محافظات الوسط والجنوب بعد خروجه من الكويت، ففي فورة غضبه أسماهم بـ (الغوغاء)، وهي وإن كانت في دلالتها تتضمن الفوقية والاحتقار لأبناء شعبه ولكن معانيها المعجمية في أصولها الفصيحة تشير إلى عفوية الحراك الشعبي الثائر وصدقه، وسرعان ما أبدل التسمية بتسمية ثانية هي (صفحة الغدر والخيانة)، فمفردة (الغوغاء) في ضوء المعاجم العربية القديمة هي مأخوذة من كثرة حركة (حشرات الجراد) وتجمعه وتشتته وعشوائيته وكأَنَّ النظام الدكتاتوري قد اعترف ــ من حيث لا يدري ــ بعفوية وصدق الانتفاضة وبعدها عن العمالة ويعترف بكثرة من خرج على نظامه وإن كانوا من بسطاء الناس، فهم صادقون لإحساسهم بالظلم ؛ بينما التسمية الجديدة(صفحة الغدر والخيانة) تناغم غرور النظام الذي يفلسف الهزيمة بالنصر مثلما تصنع دائماً الأنظمة الشمولية التي لا تقر بهزائمها البتة. وكأَنَّ الأحداث فيما يريد أن يوحي به النظام السابق هي صفحة طُوِيت بسهولة كطي ورقة من سفر طويل من الانتصارات والتحديات وهي توحي باستتباب الأمن وبسط نفوذه، فما حصل هو صفحة من الماضي. بينما حرصت التسمية الشعبية أن تطلق عليها بـ (الانتفاضة)، وبعد تطور أحداثها وركوب الجماعات الإسلامية موجتها أُضيفت إليها مفردة (الشعبانية) فسميت(الانتفاضة الشعبانية) لإضفاء الصبغة العقائدية عليها فقد انطلقت شرارتها في شهر هجري من الأشهر المقدسة (شعبان) ولم تسمَ باسم الشهر الميلادي مثلما هو التقليد في تسمية معظم الثورات. فالتسمية للأحداث السياسية ليست اعتباطية بل هي تعكس رؤية خطاب التسمية وموقفه منها، والاختلاف بالتسمية يعكس المسافة النفسية وأيديولوجية الخطاب.

وفي الإبادة الجماعية التي ألحقها نظام صدام بكرد العراق عام 1988حرص على تسمية عملياته العسكرية الوحشية والعنصرية بـ (الأنفال) في اقتباس من سورة الأنفال في القرآن الكريم في توظيف براغماتي للدين على الرغم من علمانية النظام، فالمفردة غاية في القسوة والعنف إذ توحي بكونهم مارقين وتستبيح منهم الحرمات والدماء كأنهم كافرون وإن حملته العسكرية هي حملة مشروعة ومقدسة. وبقيت هذه المفردة غائرة كجرح عميق في الذات الكردية، والغريب أن الكرد أنفسهم يشيرون لضحاياها إلى لحظتنا هذه فيسموهم بـ (المؤنفلين)، بسبب سطوة النظام السابق الذي رسَّخ هذه المفردة في الاستعمال.

وثمة تقابل في الشتيمة بين الفرقاء السياسيين والجماعات الطائفية في سجالاتها الكلامية، ومن بين تلك المجازات المتقابلة بين الأحزاب التي انخرطت بمشروع (بريمر) والحزب الحاكم قبل احتلال أمريكيا للعراق (جاؤوا على دبابة أمريكية) هذه الشتيمة تُرد بشتيمة (جاؤوا بقطار أمريكي)، والمجاز الأخير في أصله لم يكن شتيمة بل اعترافاً بتبعية انقلاب البعث وعمالته وتخابره مع أمريكا واستيلائه على السلطة عام 1963 فقد وردت على لسان أحد قيادات البعث (علي صالح السعدي) (جئنا إلى السلطة بقطار أمريكي) في واحدة من لحظات البوح والندم والاعتراف بالخطأ، وجرى تلقف هذه الكلمة من خصومهم لتحقق التقابل بين خطابات التخوين والعمالة للأجنبي والانخراط بمشروعه التوسعي. ومن بين تلك المجازات المتقابلة بين الخطابين (أيتام صدام) للمنتفعين من عهده ومجاز (أيتام بريمر)، فالمجاز الأخير يرتبط بالتعيير والاتهام بالعمالة والتسقيط والتبعية لمشروع أمريكا وحاكمها الأول في العراق (بريمر) الذي أسس لنظام المحاصصة في الحكم وبذر فتنة الانقسام السياسي الطائفي. ويُسنَد فعل الرسم إلى الدم في مجاز عقلي (الحدود يرسمها الدم) على لسان أحد الزعماء الكرد مهدداً في ذروة الشد السياسي حول الأراضي المتنازع عليها بين قوميات عراقية مختلفة، فهذا المجاز يختصر كلاماً كثيراً من التهديد بإراقة الدماء وفرض الأمر الواقع تحت سطوة السلاح وينذر بالحرب الأهلية. كما يرد مجاز (سنصعد الجبل إن لم يستجب المركز) في سياق التهديد نفسه في الكناية عن الانشقاق وعصيان المركز وحمل السلاح في حرب العصابات التي تستمد مقوماتها من الجغرافيا القاسية وتتخذها ملاذاً آمناً في الاختباء والقنص. وثمة مجازات تلقي تبعات الإرهاب الوافد من خارج الحدود والتكفير والقتل على الهوية على بيئة اجتماعية ومنطقة داخلية معينة من خلال التلويح بالتخوين بالقول: (تعزز الجهد الاستخباراتي في حواضن الإرهاب ومناطقه) ولا يخفى ما في دلالة (حواضن) من إدانة واتهام بالرعاية والتنشئة للإرهاب مما يمكن عده إجحافاً بحق سكان تلك المناطق الذين قد اكتووا بنيران الإرهاب قبل غيرهم. ومن مجازات التخوين والاتهام بالتبعية والعمالة والمشحونة الاحتقار والطائفية: (كلاب العجم)، فدلالة الكلب تستبطن النجاسة والخسة والتبعية الذليلة، ويرسم هذا المجاز في عنفه اللغوي الشديد اتساع الشرخ وحجم الكراهية بين الفرقاء السياسيين. وفي سياق الإحالة إلى قسم من الناشطين المدنيين الذين انضموا للعملية السياسية وكانوا جزءاً من حراك تشرين ووصلوا إلى البرلمان وانخرطوا في لعبة السياسة وتفاهمهم النفعي مع الكتل الكبيرة في البرلمان وتخليهم عن مطالب جمهورهم يُشار إليهم في واحد من المجازات (صاروا خردة بجيب الإطار). وإذا كانت الألفاظ لا تدل بنفسها وإنما تدل بإرادة المتلفظ كما يشير ابن سينا في كتابه (الشفاء) فإن هذا المجاز الأخير يُوظَف في خطابين متقابلين على الرغم من وحدة الملفوظ، ففي خطاب جمهور تشرين يُوظَف للدلالة على آسفهم وخيبة أملهم ؛ بينما ثمة دلالة مغايرة يُوظَف فيها هذا المجاز من جمهور أحزاب السلطة في دلالة على الإغاظة والتشفي وفشل حراك تشرين، على الرغم من وحدة المشترك التصوري فيما يخص ضخامة الإطار التنسيقي وهيمنته السياسية، فهو الجسد الرئيس وهم شيء ضئيل في البرلمان مثلما هي الفئات القليلة من العملة النقدية التي يسهل السيطرة عليها ودسها في الجيب.

ويمكن تصنيف الشتائم إلى شتائم دينية وأخرى مذهبية وثالثة سياسية ورابعة شتائم مناطقية وخامسة عشائرية وسادسة شتائم أيديولوجية (فكروية) نحو: (لبرالي، يساري، أصولي، علماني، إسلامي، قومي، حداثوي، رجعي، متطرف، ذكوري، جندري) فهذه المفردات توظف في فضاء دلالي مغاير غير فضائها وتتحول إلى نقيصة وسبة تلحق بمن يتصف بها في الخطابات السجالية الايديولوجية المتشنجة. بل حتى خطاب المثقف نفسه الذي يفترض أن يكون خطاباً نخبوياً بعيداً عن العنف ويتسم بالموضوعية ويحمل قيم التنوير نجده يقع هو الآخر في شراك النرجسية ومركبات الغرور والفوقية في حس متعال على الجمهور، فتشيع لديه مفردات (القطيع، والأوباش، والرعاع، ذكوري، رجعي، أبوي بطريركي...) فيوزع التهم وتبعات المسؤولية على الجمهور في خطاب يمعن في جلد الذات.

وتتفاوت الشتائم في شدة آثارها النفسية ودرجة الكره وتحقير الآخر ولعل أشدها وقعاً في عنفها الرمزي في إثارة حفيظة الآخر هي الشتيمة المناطقية لأنها تمثل متخيلاً مشتركاً بين الانتماءات المتنوعة والهويات الفرعية، فالمختلفون دينياً ومذهبياً وسياسياً وفكرياً قد يتوافقون جميعاً في تمثل صورة سلبية نمطية تحمل دلالات سلبية عنصرية في احتقار منطقة جغرافية ما، فينظرون نظرة احتقار وفوقية لمن تنحدر أصوله الأسرية منها. وقد ترد تلك المفردة على لسان المختلف عنهم ولكن بسياق حيادي إشاري غير مغرض في الإحالة لنسبة الجماعة للمكان ولكنها على الرغم من ذلك الحياد تثير حساسيتهم لأنهم يدركون معانيها السلبية الحافة وتمثلاتها لدى الآخر المختلف جغرافياً عنهم.

والشتيمة نفسها تتعرض بسبب تفشيها على الألسنة إلى تطور وانزياح في دلالتها المركزية وتغادر مجالها الديني إلى الفضاء الاجتماعي العام، فمفردة (حنبلي) في سياق الذم لم تعد تحيل في معناها إلى المذهب الفقهي بل تحيل إلى التزمت في الرأي أي رأي كان، وفي اللهجة المصرية مفردة (ابن الرافضي) تحيل في قصدية استعمالها إلى خبث السريرة وسوء المنبت ولا تحيل إلى دلالتها العقائدية في سياق الكراهية، وكذلك (أيوة يا عمر)، فهذه المفردة الأخيرة لعلها من بقايا الحقبة الفاطمية وعقائدها المذهبية كما يشير عالم اللغة المصري (رمضان عبد التواب) في مقدمة ترجمة كتاب تشومسكي (اللغة والمسؤولية)، فهذه المفردة في الاستعمال اللهجي المصري المعاصر تشير في قصديتها إلى قوة الشكيمة والسطوة في الرأي ولا تحيل في دلالتها إلى تمثلاتها التاريخية، فالصحابي عمر رمز موقر في عقيدة من يستعمل (يا عمر) في التهكم، فهو لا يستحضر رمزيته البتة. وكذلك مفردة (يهودي) في العامية العراقية في دلالتها الاجتماعية المعروفة في الإحالة على قسوة القلب والخبث تخلت عن إحالتها الدينية فهي تشير إلى قسوة القلب. وبانتقال تلك المفردات وهجرتها الدلالية الى الفضاء الاجتماعي سوف يتضخم قاموس الشتيمة اليومي بسبب رواسب الكراهية الطائفية والدينية. وهذا هو الأمر الذي ينذر بالخطر الكبير إذ يمكن أن تُطوَى وتُنسَى صفحات الطائفية والصراعات السياسية ولكن ألفاظ الشتيمة سوف تهاجر دلالياً إلى الفضاء التداولي الاجتماعي اليومي فيتضخم قاموس الشتائم مما ينعكس سلباً على قيم المجتمع ومنظومته القيمية.

وفي المقاربة اللسانية للغة البشرية مع الإشارات الحيوانية المحدودة للوقوف على تفوق اللغة الإنسانية وإيفائها بحاجات الإنسان التعبيرية وقدراتها غير المحدودة في التواصل موازنة بالأصوات الغريزية اليسيرة المحدودة التي تتفاهم بها الحيوانات جرت البرهنة على أن اللغة هي ميزة ترتبط بالكينونة الإنسانية، ففيها من الخصائص التواصلية مما تفتقر له أصوات الحيوانات، منها قابلية اللغة للإزاحة والحديث عن أشياء مستقبلية وفي الماضي ؛ بينما إشارة الحيوان ترتبط بموقف معين، وقدرة اللغة على التفصيل والبيان في حين إشارات الحيوان مجملة غريزية محدودة، وشخصوا أن الإنسان وحده من يستعمل لغته للخداع والتضليل، ويمكن التفريع على ذلك بأنه الكائن الوحيد الذي يستعمل نظامه الإشهاري للعنف وإيذاء الآخر لمجرد الإيذاء أحياناً من دون اضطرار للعنف، مثلما هو الكائن الوحيد الذي يقتل في أحيان رغبة في القتل لا لأجل للدفاع عن نفسه بينما تضطر الحيوانات للافتراس لتوفير متطلبات البقاء من الحماية والطعام، فهي لا تقتل لأجل القتل. فإذا كانت اللغة ارتقت بكينونة الانسان من خلال تفاعلها مع ملكة الاستنتاج والتحليل وامتلاكها سمة التجريد والتعميم في نظامها اللساني بما يجعله متفوقاً في التفكير على سائر الكائنات الحية، فإن الإنسان ــ ومما يُؤسَف له ــ انحدر في استعماله للغة إلى مستويات من العنف والبذاءة وسوء الأدب بنحو لم تصل إليها الحيوانات البدائية في وحشيتها.

ومن الجدير بالذكر أن اللبنانيين بعد أن اكتووا بنيران الحرب الاهلية ودفعوا الثمن باهضاً لتشرذمهم المرير حرصوا أن يحتفظوا ببعض رمزيات الفتنة التي أوقدت نيران الحرب الأهلية وتحديداً الحافلة التي تم اطلاق الرصاص عليها في منطقة (عين الرمانة) في إحدى ضواحي بيروت في منتصف سبعينيات القرن الماضي التي كانت النواة التي أشعلت الحرب الأهلية بين مكونات البلاد، فقد عُرِضَت في إحدى الساحات العامة وهي تحمل آثار الرصاص في هيكلها، ثم نقلت إلى حديقة احد المتاحف في بيروت حرصاً على التذكير برموز الفتنة لاستلهام الدرس المرير واتخاذه عضة وعبرة وتفادياً لكل ما من شأنه أن يوقظ الفتن ويحرِّض عليها في المستقبل. ولعل خطابات الكراهية وألفاظها في الفضاء الرقمي العراقي هي أولى من أيقونات الشر والفتن بشواخصها المادية (المتحفية) بالمراجعة والنقد والتذكير بكونها هي المحرك الأول للفتنة والانقسام، فمن قبل وضع نزار القباني يده على الجرح في قصيدته (هوامش على دفتر النكسة) بعد حرب حزيران وهزيمة العرب المرة أمام إسرائيل:

أنعى لكم يا أصدقائي اللغة القديمة

والكتب القديمة..

أنعى لكم.. كلامنا المثقوب كالاحذية القديمة..

ومفردات العهر والهجاء والشتيمة

أنعى لكم.. أنعى لكم

نهاية الفكر الذي قاد إلى الهزيمة.

فنعيه الحزين لا يتعلق باللغة بوصفها نظاماً بل نعيه هو نعي للعقل اللغوي العربي وآليات تفكيره ونزعته القبلية الطائفية، فهذا العقل هو من أنتج هذه الهزيمة لتشرذمه وانشطاره إلى هويات فرعية تتصارع وتتقاتل بالكلمة والسباب، فهو نعي لعقل لا يمكن أن ينتج الوئام والسلام، ولا يمتلك مقومات الصمود إزاء التحديات التي تواجهه.

وبعد فقد لا تستريح نفس القارئ الكريم ويثقل عليه حديث الفتنة الطويل والمسهب، ويمج ألفاظ الشتيمة ومجازاتها، وقبل ذلك ثقل هذا الحديث على القلم نفسه وناء بهذه السطور الثقيلة التي لا تبعث أريحية في القراءة، فانقبضت منها نفسه أولاً قبل أن تنقبض منها نفس القارئ الكريم، ولكن لابد مما ليس من دونه بد، فلا يمكن للمجتمعات التي تعيش انقسامات حادة أن تتعافى من أمراضها الطائفية والعنصرية والقبلية وتستأنف عقداً اجتماعياً جديداً يرسّخ الوئام ما لم تفكك تلك الخطابات وتضعها على منضدة التحليل والنقد.

***

كريم عبيد علوي

وبعض تصورات الإسلام السياسي للدولة

ليس من السهل أن تجد مساحة مشتركة بين حسن البنا وأبراهام إسحاق كوك. الأول جاء من مصر في عشرينيات القرن الماضي، في زمن الاستعمار وسقوط الخلافة والقلق على موقع الإسلام في المجتمع والدولة. والثاني خرج من سياق يهودي مختلف تماماً، يحاول أن يجد معنى دينياً لمشروع صهيوني كان كثير من رواده علمانيين.

لا يجمع بين الرجلين تاريخ واحد ولا قضية واحدة، وربما كان كل منهما سيرى في مشروع الآخر نقيضاً لما يؤمن به. ومع ذلك، حين نترك العقائد جانباً وننظر إلى السؤال الذي طرحه كل منهما على الدولة، تبدأ مسافة الاختلاف الهائلة بينهما في كشف شيء آخر يستحق التأمل: ماذا يحدث حين لا تبقى العقيدة شأناً يخص إيمان الفرد والجماعة، وتدخل إلى الدولة لتصبح جزءاً من تعريف السلطة والقانون؟

عندما أسس حسن البنا جماعة الإخوان المسلمين في الإسماعيلية سنة ١٩٢٨، لم يكن الإسلام الذي يتحدث عنه ديناً يمكن أن يظل داخل حدود المسجد. كان الإسلام عنده ديناً ودولةً، ومجتمعاً ونظاماً للحياة. غير أن الفكرة التي ستصبح لاحقاً أكثر حساسية في الإسلام السياسي تبلورت بصورة أوضح عند أبي الأعلى المودودي، الذي أسس الجماعة الإسلامية في لاهور، التي أصبحت لاحقاً ضمن باكستان، سنة ١٩٤١. المودودي هو الذي أعاد بناء مفهوم “الحاكمية” داخل لغة الدولة الحديثة، ثم تلقف سيد قطب جانباً مهماً منه، ودفع به في كتاباته الأخيرة إلى صياغة أكثر حدة، حيث صار السؤال في النهاية يتجاوز صلاح الحاكم وفساده إلى أصل السلطة نفسها: من يملك الحق في أن يقول هذا حلال وهذا حرام، هذا قانون وهذا باطل؟ الله أم البشر؟

ولعل من المهم هنا ألا نحمّل حسن البنا ما جاء بعده. فالبنا لم يصغ مفهوم “الحاكمية” بالصورة التي نجدها لاحقاً عند المودودي وقطب، ولم تكن جماعة الإخوان في سنواتها الأولى نسخة مكتملة من المشروع الذي سيظهر لاحقاً في تجارب الحكم الإسلامي المختلفة. غير أن فكرة شمول الإسلام، ورفض حصره في العبادة الخاصة، وضعت منذ وقت مبكر السؤال الذي سيظل يلاحق هذه التيارات: إذا كان الإسلام ديناً ودولة ونظام حياة، فأين تنتهي العقيدة وتبدأ سلطة الدولة؟

قد يبدو الجواب بديهياً للمؤمن: الله.

لكن السياسة تبدأ بالضبط بعد هذه الإجابة، لا قبلها.

فالله لن يجلس في البرلمان ليشرح المادة المختلف عليها، ولن يكتب قانون العقوبات، ولن يحدد النظام الضريبي، ولن يقرر إن كان هذا النص الديني قطعياً أو قابلاً للاجتهاد. سيقوم بذلك بشر: فقيه أو حزب أو مجلس شورى أو محكمة أو مرشد أو رئيس. وهنا يظهر سؤال ظل الإسلام السياسي، في تجاربه المختلفة، يتعثر فيه: إذا كانت الحاكمية لله، فمن يملك على الأرض سلطة تفسير ما يريده الله؟

المشكلة إذن ليست في الاعتقاد بأن لله حكماً. ملايين المؤمنين يعتقدون ذلك ولا يريدون إقامة دولة دينية. المشكلة تبدأ حين تتحول المسافة بين الله والبشر إلى مساحة سياسية يحتلها بشر يملكون السلطة، ثم يقدمون اجتهادهم باعتباره أقرب من اجتهاد خصومهم إلى إرادة الله.

وهذه ليست مسألة نظرية تماماً. في باكستان، بعد عامين فقط من قيام الدولة، أقرت الجمعية التأسيسية “قرار الأهداف” في ١٢ مارس ١٩٤٩، وفيه أن السيادة على الكون لله، مع إسناد ممارسة السلطة إلى الشعب ضمن الحدود التي رسمها الله. ومنذ ذلك الوقت ظل السؤال الباكستاني مفتوحاً: كيف تجتمع سيادة الشعب مع سيادة سابقة لها ومتعالية عليها؟ فمفهوم الحاكمية بصيغته السياسية الحديثة نشأ في اشتباك مباشر مع مفاهيم السيادة والتشريع في الدولة الحديثة، حتى وإن كانت له جذور في التراث الفقهي الإسلامي.

ولم يبق هذا التوتر بين “سيادة الله” و”سيادة الشعب” مجرد مسألة يختلف حولها الفقهاء والمفكرون.

في إيران، بعد ثورة ١٩٧٩، دخل السؤال إلى صلب الدستور نفسه، ولا سيما في صيغته المعدلة سنة ١٩٨٩. فالدستور الإيراني يقرر أن السيادة المطلقة على العالم والإنسان لله، ويقرر في الوقت نفسه أن الإنسان يمارس حقه في تقرير مصيره الاجتماعي، ثم يضع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية تحت إشراف القيادة وفق مبدأ ولاية الأمر. وحين تكون هناك مؤسسات منتخبة ومرجعية دينية أعلى منها في الوقت نفسه، يبرز السؤال من جديد: أين ينتهي اختيار الناخب وأين تبدأ الحدود التي لا يستطيع هذا الاختيار تجاوزها؟

على الطرف الآخر كان يحدث شيء مختلف، لكنه يثير سؤالاً قريباً.

الصهيونية لم تبدأ حركة دينية خالصة. هذه حقيقة مهمة، لأن أي مقارنة تتجاهلها ستصبح ضعيفة منذ سطرها الأول. تيودور هرتزل لم يكن حسن البنا اليهودي، والحركة الصهيونية المبكرة ضمت تيارات علمانية واشتراكية وقومية، وكان لكثير من المتدينين اليهود أنفسهم تحفظات على الصهيونية.

التحول الذي يعنيني هنا نجده بصورة أوضح عند الحاخام أبراهام إسحاق كوك، ثم، بصورة أشد، عند ابنه تسفي يهودا كوك وتلامذته. أعطى كوك الأب المشروع الصهيوني معنى خلاصياً؛ فأمكن أن يصبح بناء الوطن اليهودي جزءاً من مسار ديني حتى حين يقوم بالبناء يهود علمانيون لا يرون أنفسهم أدوات لخطة إلهية.

ثم جاءت حرب يونيو ١٩٦٧، أو ما عُرف بحرب الأيام الستة. خلال أيام قليلة هزمت إسرائيل القوات المصرية والأردنية والسورية، وسيطرت على سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية وهضبة الجولان. ولم تكن النتيجة مجرد توسع عسكري كبير في الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل؛ فقد وضعت الحرب القدس الشرقية والضفة الغربية، بما تحملانه من رمزية دينية وتاريخية يهودية، تحت السيطرة الإسرائيلية، ومنحت أفكار مدرسة كوك قوة جديدة.

كانت الحرب ستة أيام في التقويم العسكري، لكنها كانت أطول بكثير في المخيال الديني. ما حدث لم يُقرأ لدى هذا التيار باعتباره نصراً عسكرياً أو تحولاً جغرافياً فقط. دخلت القدس الشرقية والضفة الغربية، التي يسميها الخطاب القومي الديني “يهودا والسامرة”، في سردية الخلاص نفسها. بدا لبعض أتباع مدرسة كوك أن التاريخ الديني الذي قرأوه في النصوص يتحرك أمامهم على الأرض، وأن السيطرة على هذه المناطق ليست حدثاً سياسياً عادياً، وإنما خطوة في مسار أوسع للخلاص. ومن هذه البيئة خرجت سنة ١٩٧٤ حركة “غوش إيمونيم”، وأصبح بناء المستوطنة فعلاً سياسياً ودينياً في آن واحد؛ خطوة على الأرض وخطوة داخل تصور أوسع للتاريخ والخلاص.

وعبر عقود طويلة تحرك بعض هذه الأفكار من المدارس الدينية والحركة الاستيطانية إلى الأحزاب والكنيست ثم إلى قلب السلطة التنفيذية. ويمكن متابعة هذا المسار، مع اختلاف كبير بين حلقاته، من مدرسة كوك وغوش إيمونيم إلى مائير كاهانا، ثم إلى تيارات الصهيونية الدينية الجديدة التي أصبح من أبرز وجوهها بتسلئيل سموتريتش.

كاهانا حالة متطرفة لا يجوز تقديمها وكأنها تمثل الصهيونية الدينية كلها، لكنها مهمة لأنها تكشف إلى أين يمكن أن يصل منطق الامتياز الديني والقومي عندما يُدفع إلى نهاياته. دخل الكنيست سنة ١٩٨٤، وطرح أفكاراً صريحة تدعو إلى ترسيخ التفوق اليهودي في الدولة، ونقل السكان العرب، وبسط السيادة الإسرائيلية على كامل أرض إسرائيل غرب نهر الأردن، وربط تصور الدولة بالهوية اليهودية وبالقانون الديني اليهودي. والمفارقة أن النظام السياسي الإسرائيلي نفسه تحرك لاحقاً لوضع حدود أمام هذا الاتجاه؛ عُدلت القوانين بما يسمح باستبعاد القوائم المحرضة على العنصرية، ومُنع حزب “كاخ” من المشاركة في انتخابات ١٩٨٨، ثم حُظر لاحقاً.

وفي سنة ٢٠١٧ طرح بتسلئيل سموتريتش ما عُرف بـ”خطة الحسم”، وهي وثيقة تنقلنا من اللاهوت إلى السياسة العملية. تقوم فكرتها الأساسية على رفض قيام دولة فلسطينية مستقلة غرب نهر الأردن، وعلى توسيع الاستيطان وترسيخ السيادة الإسرائيلية بحيث يصبح مشروع الدولة الفلسطينية غير قابل للتحقق عملياً. ويضع سموتريتش أمام الفلسطيني خيارات تبدأ بالقبول بالحياة الفردية تحت السيادة الإسرائيلية من دون تحقيق مشروع قومي مستقل، وتمتد إلى الهجرة لمن يرفض هذا الواقع، بينما تواجه المقاومة المسلحة بالقوة. هنا لا تعود الأرض مجرد موضوع إيمان؛ تصبح العقيدة وقد حصلت على خريطة وخطة وإدارة وميزانية.

وفي ١٩ يوليو ٢٠١٨ أقر الكنيست “القانون الأساسي: إسرائيل – الدولة القومية للشعب اليهودي”. النص يعرّف إسرائيل بوصفها الدولة القومية للشعب اليهودي، ويقصر ممارسة حق تقرير المصير القومي في الدولة على الشعب اليهودي، ويصف تطوير الاستيطان اليهودي بأنه قيمة قومية. هذه ليست قراءة خصوم إسرائيل للقانون؛ هذا هو جوهر ما يقوله النص نفسه.

عند هذه النقطة تبدأ المسألة في الظهور بصورة مختلفة.

قد يختلف الإسلامي والصهيوني الديني حتى على وجود الآخر، لكن كليهما يستطيع، في لحظة معينة، أن يسحب شيئاً من مجال السياسة ويضعه في منطقة يصعب على السياسة الوصول إليها.

إذا كانت الأرض وعداً إلهياً، فإن التنازل عنها لا يعود مجرد قرار سياسي يمكن أن يصيب أو يخطئ. وإذا كانت الأرض وقفاً إسلامياً لا يجوز التفريط فيه، فإن المفاوض الذي يتنازل عن جزء منها يمكن أن يصبح مفرطاً في حق يتجاوز سلطته الشخصية. عند هذه النقطة يصبح التفاوض معقداً بصورة مختلفة؛ لأن السياسي يستطيع أن يتفاوض على الحدود والمياه والأمن، لكنه يجد نفسه أمام حق استمد حصانته من السماء.

وهنا يصبح التحديد ضرورياً حتى لا تتحول المقارنة إلى تعميم.

فكرة فلسطين بوصفها وقفاً إسلامياً ظهرت بوضوح في ميثاق حماس الصادر سنة ١٩٨٨. لكنها لم تبق بالصياغة نفسها من دون تغير؛ ففي الوثيقة السياسية التي أصدرتها حماس سنة ٢٠١٧ أصبحت اللغة أكثر قومية وسياسية في مواضع مهمة، وميّزت الحركة بصورة أوضح بين اليهودية والصهيونية، وقبلت إقامة دولة فلسطينية على حدود ٤ يونيو ١٩٦٧ بوصفها صيغة توافق وطني، من دون الاعتراف بشرعية إسرائيل أو التخلي عن تصورها الأوسع لفلسطين. وهذه المراجعة تذكرنا بأن الحركات العقائدية ليست كيانات جامدة، وأن لغتها نفسها قد تتغير عندما تصطدم بالسياسة أو تحت ضغط الواقع.

ولا يعني هذا أن موقف الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال يساوي موقف الدولة التي تحتله، أو أن حماس وغوش إيمونيم صورتان متطابقتان. هناك احتلال واستيطان وتهجير وتفاوت هائل في القوة، وحذف هذه الوقائع باسم “المقارنة الفكرية” نوع من تشويه الحقيقة التاريخية.

الذي يعنيني هنا شيء آخر: أن خصمين غير متساويين يمكن، رغم ذلك، أن يستدعيا المقدس إلى تعريف علاقتهما بالأرض، ثم يصبح حل النزاع السياسي مطالباً بالتفاوض أيضاً مع حقيقة دينية لا ترى نفسها موضوعاً للتفاوض.

وتصبح المسألة أخطر عندما نغادر الأرض وندخل إلى تعريف الدولة نفسها.

من الممكن أن يكون للإنسان حقوق مدنية وأن يصوت في الانتخابات، ومع ذلك يبقى السؤال قائماً حول موقعه من الهوية المؤسسة للدولة. والمشكلة نفسها، مع اختلاف كبير في بنيتها، تظهر عندما تعرّف الدولة الإسلامية نفسها ابتداءً من عقيدة الأغلبية ثم تحاول أن تجد مكاناً متساوياً لمن لا ينتمي إلى تلك العقيدة، أو حتى للمسلم الذي لا يقبل تفسير السلطة لها.

وهنا يصبح السودان بالنسبة لي أكثر من مثال جانبي.

حسن الترابي لم يكن مفكراً يكتب عن الإسلام والدولة من خارج أسوار السلطة، والحركة الإسلامية السودانية لم تكن أيضاً جماعة دعوية تناقش المجتمع في رؤيتها. بعد ٣٠ يونيو ١٩٨٩ أصبحت تمتلك نفوذاً حاسماً داخل جهاز الدولة، واستطاعت في السنوات الأولى إعادة تشكيل قطاعات واسعة منه.

والأمر لم يكن انتقالاً بسيطاً من فكرة إلى حكومة. انقلاب ٣٠ يونيو أطاح حكومة منتخبة، وكان للحركة الإسلامية والجبهة الإسلامية القومية بقيادة الترابي دور مركزي في المشروع السياسي الذي تبلور عقب الانقلاب. ثم بدأت عملية واسعة لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع: الخدمة المدنية، والقوات النظامية، والقانون، والتعليم، والإعلام، والاقتصاد.

وليس من العدل هنا اختصار النظام كله في شخص الترابي، خصوصاً بعد المفاصلة سنة ١٩٩٩، لكن السنوات الأولى تكشف بوضوح ماذا يحدث عندما تنتقل جماعة تحمل مشروعاً عقائدياً من المنافسة على السلطة إلى امتلاك نفوذ حاسم داخل أدوات الدولة.

قبل السلطة تستطيع الحركة الإسلامية أن تقول إن الإسلام هو الحل، وأن تطالب الدولة بأن تكون أكثر أخلاقاً وعدلاً. بعد السلطة يظهر السؤال الذي لا تحله الشعارات: إسلام من؟ وأي تفسير؟ ومن يملك حق الاعتراض عليه؟

والمواطن الجنوبي غير المسلم لم يكن وحده أمام هذا السؤال. المسلم السوداني نفسه أصبح معنياً به. الصوفي، والجمهوري، والشيوعي المسلم، والمسلمة التي تختلف مع قانون النظام العام، والفقيه الذي يرى رأياً آخر، وحتى الإسلامي الذي يختلف مع التنظيم؛ كل هؤلاء يكتشفون أن عبارة “حكم الإسلام” لا تنهي الخلاف، لأن الخلاف الحقيقي يبدأ عندما يحاول بشر تحويلها إلى قانون.

وتكشف تجربة السودان مشكلة أخرى كثيراً ما تضيع في الحديث المجرد عن الدولة الإسلامية. فحين تصبح الدولة وسيلة لإعادة تشكيل المجتمع على صورة جماعة سياسية بعينها، لا يعود السؤال متعلقاً بالشريعة وحدها. يصبح متعلقاً بمن يحصل على الوظيفة، ومن يدخل المؤسسة، ومن يعرّف الولاء، ومن يملك حق الكلام باسم الدين والدولة معاً. عند هذه النقطة يمكن للتمكين السياسي أن يتخفى داخل لغة دينية، ويصبح الخلاف مع الحزب قابلاً لأن يُقدَّم باعتباره خلافاً مع المشروع الحضاري أو مع الإسلام نفسه.

وحين تصبح الجماعة صاحبة حقيقة مقدسة وصاحبة دولة في الوقت نفسه، يصبح من السهل أن يكتسب الخلاف معها معنى إضافياً. لم تعد تختلف مع حكومة فقط؛ قد تبدو كأنك تختلف مع الأمة أو الدين أو المصير التاريخي نفسه. وفي هذه اللحظة يمكن أن ينتقل الخصم من مواطن له تصور آخر للدولة إلى شخص يقف في طريق مشروع أكبر منه.

لكن الاعتراف بالاختلاف لا يلغي السؤال البنيوي.

الديمقراطية ليست أن تجري انتخابات فقط. الديمقراطية في جوهرها شيء أكثر تواضعاً وصعوبة، في آن واحد: أن تدخل السياسة وأنت تعرف أن رأيك، مهما كان عزيزاً عليك، يمكن أن يخسر؛ وأن خصمك، مهما اختلفت معه، يملك الحق نفسه في الدولة؛ وأن الأغلبية الحالية ليست مالكة الوطن؛ وأنك لا تستطيع تحويل هزيمتك الانتخابية إلى هزيمة لله أو للأمة أو للتاريخ.

لهذا تبدو لي “الحاكمية” مشكلة سياسية حين تتحول من إيمان إلى هندسة للدولة.

ليست المشكلة أن المؤمن يقول إن الله فوق الجميع؛ المشكلة في الشخص الذي يقف بيننا ويقول إنه يعرف، بسلطة الدولة، ماذا يريد الله من الجميع.

وفي الصهيونية الدينية الخلاصية تظهر المسألة من باب آخر. عندما يصبح استيطان أرض بعينها جزءاً من عملية خلاص، ماذا يحدث إذا قررت أغلبية سياسية الانسحاب منها؟ هل تملك الحكومة هذا الحق أصلاً؟ وهل قرار البرلمان أعلى من الواجب الديني أم أدنى منه؟

بعد ١٩٦٧ لم تعد هذه الأسئلة افتراضية داخل إسرائيل، وصعود غوش إيمونيم جعلها جزءاً من الصراع الفعلي حول الأرض والدولة.

وكلنا يعرف انه حين تدخل الفكرة إلى الدولة لا تبقى الفكرة نفسها؛ تحصل على ميزانية وشرطة وقانون وجرافة وخريطة.

ربما لهذا لم تعد تقنعني العبارة الشائعة التي تقول إن الإسلاميين “أعادونا إلى القرون الوسطى”. فيها شيء من الراحة الفكرية أكثر مما فيها من الدقة. الإنقاذ لم تكن دولة من القرون الوسطى. كانت حديثة جداً في كثير من أدواتها: جهاز أمني مركزي، تنظيم حزبي، إعلام، جامعات، بنوك، قوانين، ملفات، شبكات اقتصادية، مؤسسات تعبئة، وإدارة حديثة للمجتمع. القديم كان في المرجعية التي استدعتها؛ أما الآلة التي استخدمتها لفرض رؤيتها وترسيخ هيمنتها، فكانت آلة الدولة الحديثة.

وهذا ينطبق، بطريقة مختلفة، على الصهيونية الدينية أيضاً. نصوص قديمة، وذاكرة دينية ضاربة في التاريخ، ووعد وخلاص، ثم تأتي في النهاية الخريطة الحديثة والسجل العقاري والوزارة والميزانية، والجيش بما يملكه من سلاح وتكنولوجيا متقدمة.

وهنا تكمن المفارقة التي أظن أنها تستحق التأمل أكثر من كل التشابهات المعروفة بين الأديان: المقدس قديم، لكن قدرته الحديثة على السيطرة على حياة ملايين البشر تأتي، في جانب كبير منها، من الدولة الحديثة. الدولة هي التي تستطيع أن تجعل الفكرة منهجاً مدرسياً، أو قانوناً، أو حدوداً، أو مستوطنة، أو شرطاً في المواطنة. ومن دون هذه الآلة تبقى عقائد كثيرة في الكتب والمساجد والكنس والضمائر. المشكلة تبدأ عندما تحصل إحدى القراءات الدينية على مفاتيح الآلة.

لهذا لا أحب عبارة “الصهيونية الإسلامية”، رغم إغراء الاسم. الإخوان المسلمون ليسوا صهاينة، والصهيونية الدينية ليست إسلاماً يهودياً. التاريخان مختلفان، والمشروعان مختلفان، وعلاقتهما بالأرض والجماعة والدولة ليست واحدة، وفوق ذلك كله هناك واقع فلسطيني لا يجوز إذابته داخل تمرين فلسفي أنيق.

والاختلاف في مفهوم الجماعة نفسه مهم. الصهيونية، حتى في صيغتها الدينية، تقوم في جوهرها على مشروع قومي يهودي، بينما يحمل جزء كبير من الإسلام السياسي الكلاسيكي تصوراً للأمة يتجاوز حدود القومية والدولة الوطنية. الأول يسأل، في جانب أساسي منه، من ينتمي إلى الشعب الذي تقوم الدولة باسمه؛ والثاني يسأل كيف ينبغي أن يُحكم المجتمع وفق المرجعية الإسلامية. قد يلتقي المساران عند مشكلة المساواة والمواطنة، لكنهما لا يصلان إليها بالطريق نفسه.

لذلك لا يعنيني أن أبحث عن اسم يجمعهما بقدر ما يعنيني السؤال الذي يكشفه التشابه بينهما: ماذا يحدث حين تبدأ جماعة سياسية من حقيقة تراها أعلى من التصويت، ثم تصل إلى السلطة وتملك أدوات الدولة كي تحول تلك الحقيقة إلى قانون عام؟ عندها لا يعود الخلاف حول مقدار التدين أو صدق الإيمان، وإنما حول الحد الفاصل بين حق الإنسان في أن يؤمن بما يشاء، وحق الآخرين في ألا تتحول عقيدته إلى شرط لمواطنتهم.

فإذا احتاج المواطن إلى المرور عبر عقيدة الآخر كي يصل إلى مواطنته، حينها لا تعد المشكلة في مقدار تدين الآخر أو صدق إيمان المواطن.

المشكلة أن الآخر الذي في يده السلطة وضع نفسه بين المواطن وبين الدولة.

***

إبراهيم برسي

فرش اشكالي: هناك بعد يُغفَل عنه الكثير من المشتغلين ببداغوجيا الدرس الفلسفي وهو ان نجاح الدرس الفلسفي في إثارة تفكير نقدي حقيقي لا يتوقف فقط على جودة صياغته، بل على الصورة التي يبنيها الاستاذ عن نفسه أثناء عمله. هذا ما تُسميه البلاغة منذ أرسطو، بـالإيتوس

وقد حدّد أرسطو ثلاث خصال ينبغي أن تتوفر في الخطيب كي يكسب ثقة جمهوره، الفطنة من حيث هي حكمة عملية قائمة على حسن التقدير والتدبير، والاستقامة التي لها علاقة بنية واخلاق المتحدث، واللطافة من حيث هي عاطفة ود وقوة جذب للمستمع دون تصنع. وهذه الخصال على الرغم من أنها صيغت أصلاً للخطيب أمام جمهوره، تنطبق تماماً على موقف الأستاذ حين يطرح سؤالاً فلسفياً او يبني مقالة مع تلامذته، فإن لم يشعر التلميذ أن أستاذه فطن يزن الإجابات بموضوعية لا انطلاقاً من حكم مسبق، ومستقيم يقبل فعلاً أن يساءل ويناقض، ولطيف يرحب بالإجابة الخاطئة قبل أن تصحح، فان مسافة الأمان تكون قد حسمت لدى الطرفين.

في غياب الايتوس يظهر الأستاذ السفسطائي الذي يشبّهه سقراط في محاورة بروتاغوراس بتاجر الجملة أو التجزئة الذي يبيع سلعاً، والسؤال الذي يطرح هنا يتجاوز البعد الاقتصادي، ويغدو وجودياً في جوهره : هل يمكن لمعرفة تباع أن تظل معرفة؟ وهل يبقى حب الحكمة حبا حين يتحول إلى صفقة؟

هذا التناقض الذي استعاد يوجي نيشياما جذوره في مقاله اليابان الفلسفة حرة، والعقول متساوية، ليس مجرد فصل من تاريخ الفلسفة اليونانية، إنه السؤال الذي يعيد إنتاج نفسه اليوم، بصيغة أكثر خفاءً وأكثر انتشاراً، تحت اسم الدروس الخصوصية في الفلسفة.

ففي حين كان سقراط يرفض أن يقبض أجراً لأنه يدرك جهله، ويرى أن العلاقة التربوية لا تقوم إلا على حرية الوصول إلى السؤال، أصبحت الفلسفة في كثير من الأنظمة التعليمية سلعة تقاس بالساعة، ويحدد ثمنها حسب قدرة الأهل على الدفع، وأصبحنا امام تلميذ يدخل قاعة الدرس الخصوصي لا يأتي باحثاً عن الحقيقة، بل زبونا يشتري طريقا أقصر نحو العلامة، والأستاذ الذي يفتح نافذة الزوم أو قاعة الدرس المدفوع ويتودد الى المقبلين على الامتحانات الرسمية عبر منشورات مدفوعة الثمن،لا يعود محاورا بالمعنى السقراطي، بل مقدم خدمة معرفية لها سعرها وشروطها.

بهذا المعنى، لم تعد الدروس الخصوصية في الفلسفة مجرد ظاهرة تربوية جانبية أو حلاً عملياً لضعف التعليم الرسمي، إنها التجسيد المعاصر للسفسطة التي حاربها سقراط، تحويل ما كان يفترض أن يكون ممارسة حرة للفكر إلى سلعة تتداول في سوق التعليم، والسؤال الذي يفرض نفسه، انطلاقاً من نيشياما ومن سقراط الى عصرنا هذا، ماذا يبقى من حب الحكمة حين يصبح الطريق إليها ممهورا بالثمن؟

كيف تحولت الفلسفة إلى سلعة خصوصية

لم تظهر الدروس الخصوصية في الفلسفة فجأة، ولا هي نتيجة اكراه مادي لدى بعض الأساتذة أو ضعفٍ فردي لدى التلميذ، إنها نتاج تحول أعمق في طبيعة العلاقة بين المعرفة والمال، وهو التحول الذي رسم نيشياما ملامحه حين تحدث عن تسليع الجامعة وتحويلها إلى مؤسسة تجارية.

في المجتمع القائم على المعرفة، كما يسمّيه نيشياما، هناك تسارع في تقديم التعليم للطلاب كسلعة، ومن الواضح أن الجامعة نفسها أصبحت تعتبر سلعة. هذا التحول لم يقتصر على البحث العلمي والنشر عبر المجلات المدفوعة سعيا للترقية في المنصب او البحث عن براءات الاختراع، بل امتد إلى التدريس نفسه، فما دام النجاح يقاس بالعلامة المتحصل عليها، فإن الحاجة إلى تحسين علامات التلميذ تخلق سوقا موازيا. والدروس الخصوصية هي هذا السوق الموازي بامتياز.

الطالب لا يدفع ليفهم أفلاطون أو كانط أو ابن رشد، بل ليتقن طريقة الإجابة التي تضمن له العلامة، والأستاذ في كثير من الحالات، لا يدرس الفلسفة حبا او تعشقا لها بقدر ما يدرب على تقنية النجاح الفلسفي، هذا بالضبط ما وصفه سقراط حين شبه السفسطائي بالتاجر: «أليس السفسطائي تاجر جملة أو تاجر تجزئة يبيع سلعاً تغذي الروح؟». ومثل التاجر لا يحتاج إلى معرفة جوهر السلع التي يبيعها، بل يكفي أن يعرف كيف يبيعها بفعالية.

وهكذا تتحول الفلسفة من بحث عن الحقيقة إلى خدمة مدفوعة الأجر، ومن حوار مفتوح إلى علاقة ثنائية مغلقة موجّهة نحو نتيجة الامتحان. ويصبح شعار المعرفة للجميع الذي استحضره نيشياما من ديباجة اليونسكو، شعاراً فارغاً أمام واقع يبيع المعرفة حصرياً لمن يستطيع الدفع.

الأبعاد التربوية والاجتماعية والوجودية للدرس الخصوصي

أولاً البعد التربوي

من الناحية التربوية، تفرغ الدروس الخصوصية الفلسفة من أهم ما يميزها، الحوار المفتوح والشك المنهجي. في القسم داخل الثانوية مهما كان العدد محدوداً، يبقى هناك حدّ أدنى من التعدد أما في الدرس الخصوصي، فالعلاقة ثنائية ومغلقة وموجهة نحو هدف واحد هو النجاح، يختفي بذلك ما سمّاه سقراط إدراك الجهل، ويحل محله شعور زائف بالإتقان، وعندما يفكر يكتفي التلميذ في التفكير والتساؤل عن كيف يحفظ كيف يجيب، يتجلى الخطر التربوي الأعمق، انه خطر تحويل الفلسفة من ممارسة فكرية إلى تقنية إجابة.

نيشياما يذكّرنا بأنّ منهج سقراط يبدأ بإدراك المرء لجهله، الأمر الذي يشكك في مكانة المعلم ذاتها. لذلك لا يحق له المطالبة بأجر لأنه يدرك جهله. أما الدرس الخصوصي فيقوم على افتراض معاكس أن الأستاذ يعرف وأن الطالب يحتاج أن يلقن، وأن هذه المعرفة قابلة للقياس بالساعة.

ثانياً البعد الاجتماعي

اجتماعياً، تعيد الدروس الخصوصية إنتاج التفاوت الطبقي داخل المادة التي يفترض أن تكون الأكثر ديمقراطية. وهنا يرتبط تكافؤ الفرص بالوضع الاقتصادي، حيث دخل الأسرة يؤثر بشكل كبير على فرص الالتحاق بالتخصصات العليا والمتميزة في الجامعة، والدروس الخصوصية تجسيد حي لهذا الربط، فالأسرة القادرة على الدفع تمنح أبناءها أفضلية واضحة، بينما تبقى الأسر ذات الدخل المحدود خارج هذه الدائرة. والنتيجة أن التميز الفلسفي لم يعد نتيجة موهبة أو جهد أو فضول فكري فقط، بل نتيجة قدرة مالية أيضاً.

ثالثاً البعد الوجودي

وهنا يصل الإشكال إلى عمقه الحقيقي، الفلسفة في جوهرها السقراطي، ليست معرفة تلقن، بل أسلوب في الوجود، وأن تتفلسف يعني أن تعيش السؤال وتحتمل الحيرة، وأن ترفض الإجابات الجاهزة، اما حين تباع الفلسفة بالساعة، يتحول هذا الأسلوب في الوجود إلى خدمة مؤقتة، فالتلميذ لا يدخل في علاقة مع الحقيقة مع الفلسفة، بل في علاقة مع نتيجة الامتحان، والأستاذ نفسه يجد نفسه مضطرا في كثير من الأحيان إلى تكييف خطابه مع منطق السوق.

تهافت الدرس الخصوصي في الفلسفة

01-        من حيث المبدأ ينهار الدرس الخصوصي في الفلسفة لأنه يقوم على افتراض يناقض شرط الفلسفة نفسها، المتمثل في أن المعرفة قابلة للتسعير والتسليم، بينما جوهر التفلسف السقراطي هو إدراك الجهل، لا امتلاك اليقين.

02-        من حيث الممارسة ينهار حين يختبر بالواقع، فالتلميذ الذي حفظ "المقالة المضمونة" التي وعد بها يقف عاجزا أمام أول سؤال يخرج عن النمط المتوقع، لأنه لم يتعلم أن يفكر بل أن يستظهر.

03-        من حيث المبدأ الاخلاقي، الأستاذ الذي يدعي "البركة" و"العلم الرباني" لا يفعل شيئًا سوى استنساخ حكاية "سيدي حمران"، يقتات على أوهام يروج لها ويبيعها ليقتات منه.

بهذا المعنى، لا يتهافت الدرس الخصوصي لأنه مأجور، فالمؤسسة الرسمية أيضا مأجورة، وأرسطو نفسه أسس مدرسته برعاية فيليب المقدوني، بل يتهافت حين يستبدل حبّ الحكمة بـتجارة الوهم، يتهافت حين يبيع اليقين بدل أن يفتح السؤال، والطمأنينة الزائفة بدل الحيرة المنتجة، والوصفة الجاهزة بدل المساءلة الحرة.

ماذا يبقى من الفلسفة عندما تباع بالساعة؟

حين يستعيد نيشياما صورة سقراط، فإنه يضعنا أمام معيار حاسم، سقراط لم يكن يرفض الأجر لأسباب أخلاقية سطحية، بل لأن طبيعة الفلسفة نفسها تتنافى مع منطق البيع والشراء. يقول سقراط : «في الحقيقة، لم يكن لي تلميذ واحد قط... فلم أعد بتعليم أحد، ولم أعلم أحداً قط». فالله وحده يعلم كل شيء، أما سقراط فلا يسهم إلا في تهذيب النفس عبر إدراك الجهل.

هذا الإقرار بالجهل هو ما يجعل المطالبة بأجر أمراً مستحيلاً من الناحية الفلسفية. فمن يدرك أنه لا يعرف، كيف يبيع معرفة؟ في المقابل تقوم الدروس الخصوصية على افتراض أن المعرفة قابلة للتسعير والتسليم. وهنا ينهار الشرط السقراطي الأول للفلسفة.

ويستحضر نيشياما أيضاً الأصل اللغوي لكلمة مجانيgratuitus، التي تعني ما هو غير متحيز وبدون دافع. أي ان التعليم المجاني بهذا المعنى، ليس مجرد تعليم بلا مقابل مالي، بل تعليم يرفض أن يُسند قيمة اقتصادية للعلاقة بين التعليم والتعلم. والدروس الخصوصية تمثل النقيض الكامل لهذا المعنى.

من هنا نفهم لماذا يرى نيشياما أنّ إحدى مهام الفلسفة هي تسليط الضوء على مسألة المجانية، ليس فقط في المجال الاقتصادي بالمعنى الدقيق، بل أيضاً في مبادئ التبادل السياسي والأخلاقي والثقافي. فبيع الفلسفة بالساعة يعني في العمق، أنها لم تعد تمارس حريتها، بل أصبحت خاضعة لاقتصاد المعرفة الذي حاربه سقراط.

خاتمة

لا يمكن الادّعاء أن الدروس الخصوصية ستختفي غدا، فهي جزء من منظومة أوسع حولت التعليم إلى سوق لكن الفلسفة من سقراط إلى نيشياما، ومن قاعة الامتحان إلى حكاية مقام "سيدي حمران" قبر الحمار المسروق الذي تحول الى مزار لجلب البركة، حكاية رمزية تبقى قادرة على مساءلة هذه المنظومة من داخلها، لأن أدواتها الشك، والسؤال، وإدراك الجهل.

ليس الأهم هو إلغاء الدرس الخصوصي بقرار إداري، بل استعادة الوعي بأن الفلسفة، حين تمارس بحق تقاوم منطق السلعة أينما وجدت وتحارب في نفس الوقت الخرافة والغباء، وعلينا ان نتذر ان سقراط لم يعد أحدا بتعلم الفلسفة، ولم يبع معرفة جاهزة وثوقية ومع ذلك بقيت كلماته حية عبر القرون. والسؤال الذي يبقى مفتوحًا: هل ما زلنا قادرين على أن نجعل من الفلسفة ممارسة حرة، حتى داخل نظامٍ يحاول في كل لحظة أن يحوّلها إلى سلعة؟ لا شك ان الإجابة ليست معطاة مسبقا، لكنها تبدأ من رفض أن نتعامل مع الفكر كما نتعامل مع أي بضاعة أخرى ومن رفض أن نمول "ضريح سيدي حمران" جديدا في كل موسم بكالوريا.

***

عمرون علي

من العبودية الرقمية إلى سلاح في خدمة رأس المال واليمين المتطرف أم أداة للتحرر؟

الوجه الصاخب والوجه الصامت لخطر واحد

ما نشهده اليوم ليس هيمنة روبوتات على البشر كما تخيلتها السينما في أفلام كثيرة، وإنما نموذج اخر من السيطرة الرقمية، قائم على الأتمتة وتوظيف الذكاء الاصطناعي والخوارزميات في إدارة جوانب كبيرة ومتزايدة من الحياة اليومية، حيث تصبح المجتمعات أكثر خضوعا لأنظمة وشركات وآلات ذكية. لكن فقدان السيطرة على هذه الأنظمة ليس سوى الوجه الصاخب لهذا الخطر، فهو يتطور بشكل سريع نتيجة المنافسة بين الدول الكبرى والشركات الرأسمالية الاحتكارية، بحيث يتعذر على القوانين والمجتمع والهيئات التعليمية مواكبته. وهنا يكمن جوهر المسألة، فالخطر لا يقف عند احتمال خروج هذه الأنظمة عن السيطرة، ذلك أن تطويرها يجري داخل علاقات ملكية ومنافسة رأسمالية شرسة تجعل هذا الخروج أرجح وتضاعف كلفته على الناس. أما وجهه الأخطر فأهدأ بكثير، إذ يسهم الذكاء الاصطناعي، في ظل البنية الرأسمالية التي تطوره وتوجه استخداماته، في تشكيل وعي مليارات البشر وتوجيه انتباههم وسلوكهم بما يخدم منطق النموذج الرأسمالي [1]. كما أن المنافسة بين الاحتكارات الرأسمالية الرقمية والدول الكبرى، في غياب قيود وقوانين فعالة، من الممكن أن تلحق أفدح الأضرار بالعقل البشري، وقد تحول الذكاء الاصطناعي إلى سلاح دمار شامل إذا استمر تطويره ونشره بهذا التسارع المفرط ومن دون ضوابط كافية.

ولم تعد هذه المخاوف تصدر عن النقاد وحدهم، ففي مناسبات مختلفة، ومنها ما كشفته مجلة TIME [2] من خروج أحد أنظمة الذكاء الاصطناعي عن السيطرة وهجومه على أنظمة أخرى، وبعدها بأيام وقع ما يقارب 1400 مهندس ومهندسة في شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى عريضة مشتركة [3] تطالب بتطوير أدوات تقنية وآليات حوكمة دولية لضبط وتيرة تطوره. ولم تكن هذه العريضة حالة معزولة، إذ تتوالى تحذيرات الباحثين والباحثات في هذا الحقل من أن التطوير المتسارع قد ينفلت من أي سيطرة بشرية.

فقد حذر التقرير الدولي لسلامة الذكاء الاصطناعي [4]، الذي أعده أكثر من مئة خبير وخبيرة بدعم من أكثر من ثلاثين دولة ومنظمة دولية، من أن النماذج باتت تميز بين بيئة الاختبار والاستخدام الواقعي وتلتف على آليات التقييم، بما يسمح لقدرات خطرة بأن تمر من دون أن تكتشف، ومن أن وكلاء الذكاء الاصطناعي يرفعون منسوب الخطر لأنهم يتصرفون بشكل مستقل يصعب معه تدخل البشر قبل وقوع الضرر، وهناك مخاطر كبيرة في أن تطور انظمة الذكاء الاصطناعي نفسها بنفسها وتخرج عن السيطرة، ويكون لها في إدارة البشر والتحكم بهم دور أكبر مما هو مخطط له. ووقع عشرات الآلاف، ومن بينهم كبار علماء هذا المجال، بيانا دوليا [5] يطالب بحظر تطوير «الذكاء الخارق» إلى حين توافر إجماع علمي على إمكانية إنجازه بأمان وتحت السيطرة، وقبول مجتمعي واسع به، فيما استقال باحثون [6] من شركات رقمية كبرى احتجاجا على مسار تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي وأولوياته.

ولا ينكر أحد ما يقدمه الذكاء الاصطناعي من إمكانات هائلة، فهو يختصر سنوات من البحث في اكتشاف الأدوية، ويفك بنية البروتينات التي استعصت على العلماء عقودا، ويرفع دقة تشخيص الأمراض ويتيح كشفها في مراحل مبكرة تنقذ حياة الناس، ويحاكي تغيرات المناخ ويحذر من كوارثها قبل وقوعها، ويكسر الحواجز اللغوية بالترجمة فيضع المعرفة في متناول من حرموا منها طويلا، ويسهل حياتهم اليومية والمهنية، ويفتح أبوابا لخدمات كثيرة قد تحل إشكالات عويصة تواجه البشرية. وهذه المكاسب ذاتها هي ما يجعل السؤال أشد إلحاحا، فالمقال لا يجادل في هذه القدرات، إنما في من يملكها ومن يوجهها ولمصلحة من تعمل وكيف توظف.

وقبل المضي في التحليل، من الضروري التمييز بين ثلاث طبقات يجري الخلط بينها عادة. الأولى «خوارزميات الترتيب والتوصية» التي تقرر ما يظهر أمامنا وما يحجب عنا. والثانية «المنصات الرقمية» ونموذج أعمالها القائم على اقتصاد الانتباه، أي تحويل وقت المستخدمين والمستخدمات وبياناتهم إلى ربح. والثالثة «أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي» التي تنوب عن الإنسان في الكتابة والتحليل واتخاذ القرار. ولكل طبقة آلياتها وآثارها التي تختلف عن الأخرى، غير أن الطبقات الثلاث تتشابك اليوم في يد الشركات الاحتكارية الرأسمالية ذاتها، وتخضع لمنطق تراكم واحد. ويزيد من تشابكها أن الذكاء الاصطناعي بات يدير الثلاث معا، فخوارزميات الترتيب والتوصية صارت نماذج ذكاء اصطناعي، ونموذج أعمال المنصات يدار به في استهداف المستخدمين والمستخدمات وقياس سلوكهم والتنبؤ به، والأدوات التوليدية هي الذكاء الاصطناعي نفسه. ولهذا أراها مترابطة إلى حد بعيد، ويصير الفصل بينها تحليليا أكثر منه واقعيا، وهذا ما يجعل قراءتها معا ضرورة معرفية.

توجيه الوعي لتعزيز الثقافة الرأسمالية النيوليبرالية

إلى جانب استخدام الذكاء الاصطناعي لتعظيم الأرباح وترسيخ السيطرة الاقتصادية والسياسية والقمع الرقمي، تُوظَّف هذه التكنولوجيا منهجيا لتشكيل وعي الأفراد وتوجيهه، بهدف تعزيز الثقافة الرأسمالية والقيم النيوليبرالية، فمن خلال تحليل البيانات وسلوك المستخدمين والمستخدمات، تتحكم خوارزميات الترتيب والتوصية في المحتوى المعروض عبر المنصات، وتُصمَّم لتغذية الأفراد بما يخدم الرؤية الرأسمالية وسياساتها.

وقد بات هذا الاتجاه راسخا مع توسع هذه المنصات، فوفقا لما ورد في تقرير الاتحاد الدولي للاتصالات [7]، بات نحو ثلاثة أرباع سكان العالم مستخدمين للإنترنت، بزيادة تفوق 240 مليون مستخدم خلال عام واحد. ويعود هذا التوسع جزئيا إلى سعي الشركات الاحتكارية والدول الكبرى لإيصال الإنترنت إلى كل بقاع العالم، وخاصة دول الجنوب [8]، حتى في مناطق تفتقر إلى الماء النقي والكهرباء والخدمات الأساسية، لأن أولوية الاستثمار تتجه إلى ما يوسع السوق قبل ما يسد حاجات الناس، بهدف تعظيم الأرباح وتعزيز الهيمنة واستعمارها رقميا. ولا يعني هذا بالضرورة أن كل هؤلاء المستخدمين والمستخدمات واقعون بالدرجة نفسها تحت تأثير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لكنه يوسع القاعدة المادية التي تعمل عليها هذه المنظومة.

تدفع بنية الملكية الرأسمالية ونماذج الربح الخوارزميات إلى إعطاء الأولوية للمحتوى الذي يخدم مصالح السوق والشركات الاحتكارية، فتتحول الخوارزميات إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة الثقافية للرأسمالية. ومن خلال هذه الآلية، يجري توجيه الوعي الجماعي تدريجيا نحو تقبل هذه القيم بوصفها طبيعية وحتمية، بأسلوب ناعم وتدريجي وغير محسوس، إلى حد أن معظم مستخدمي ومستخدمات هذه التطبيقات، بمن فيهم قطاعات من أصحاب الفكر اليساري، ينظرون إليها باعتبارها أدوات محايدة. وبهذا تسهم هذه المنظومة في تكريس الهيمنة الرأسمالية، وتعزيز خضوع الجماهير للنظام القائم، وتهميش البدائل اليسارية والتقدمية، بما قد يهدد وعي الأجيال القادمة وقدرتها على التفكير النقدي والتنظيم من أجل التغيير.

تفكيك المهارات البشرية والإدمان الرقمي وتعميق الاغتراب

وهذا التهديد يمتد أيضا إلى تفكيك ملكات الفرد الذهنية، وهنا تنتقل المسألة من طبقة الخوارزميات التي توجه ما نراه إلى طبقة أدوات الذكاء الاصطناعي التي تنوب عنا في التفكير ذاته. فرغم الترويج للذكاء الاصطناعي على أنه وسيلة لتسهيل الحياة وزيادة الإنتاجية، تشير دراسات علمية إلى أن الاعتماد غير المدروس عليه يرتبط بتعميق الوعي السطحي وإضعاف المهارات البشرية. فبحسب دراسة أجراها باحثون في معهد ماساتشوستس [9]، يقلل الاعتماد على أدوات الكتابة بالذكاء الاصطناعي النشاط الدماغي، ويضعف الذاكرة والإحساس بملكية الأفكار، وأطلق الباحثون على هذه الظاهرة اسم «الدين المعرفي»، أي أن الإنسان يقترض قدرته الذهنية من المستقبل مقابل راحة اللحظة.

وفي السياق ذاته، وجدت دراسة نُشرت في مجلة Societies [10] أن الاستخدام المتكرر لأدوات الذكاء الاصطناعي يرتبط بضعف في التفكير النقدي عبر آلية «التفريغ المعرفي»، أي إحالة مهام التذكر والتحليل إلى الأجهزة بدل القيام بها ذهنيا، وخاصة بين الشباب، أي من الممكن أن ينشأ الجيل الجديد أقل قدرة على التحليل المستقل. وأشارت دراسة أجراها باحثون في جامعة كاليفورنيا [11]، اعتمادا على بيانات أكثر من ستة آلاف طفل ضمن مشروع لتطور دماغ المراهقين، إلى أن الأطفال الأكثر استخداما لوسائل التواصل الاجتماعي يسجلون تراجعا واضحا في القراءة والمفردات والذاكرة كلما طالت مدة تصفحهم. والدراسة تخص وسائل التواصل تحديدا، غير أن الآلية التي ترصدها، أي إحالة الجهد الذهني إلى الشاشة، هي ذاتها التي تشتغل في أدوات الذكاء الاصطناعي بصورة أعمق، لأنها تتولى مهمة التفكير نفسها.

ولا يقتصر الأمر على المختبرات، فقد جاءت نتائج البرنامج الدولي لتقييم الطلبة (بيسا) [12] المنشورة في الثامن من سبتمبر 2026 لتنقل المشهد إلى مستوى أنظمة تعليمية بأكملها. ففي الدنمارك سجل طلبة المدارس أسوأ نتائجهم على الإطلاق، بتراجع في التحصيل الدراسي يعادل سنة دراسية كاملة ضائعة، ووصفته الحكومة بأنه أزمة تعليمية خطيرة يفوق حجمها كل ما كان متوقعا، وجاء هذا التراجع متزامنا مع توسع كبير في استخدام الأجهزة الرقمية والذكاء الاصطناعي داخل الصفوف، وإن كانت العلاقة السببية أعقد من أن تُختزل بعامل واحد. والصورة ذاتها تتكرر في 43 دولة تراجع فيها التحصيل الدراسي بشكل كبير، وتجد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية [13] ارتباطا بين هذا الانحدار وازدياد وقت الشاشات واستخدام الذكاء الاصطناعي وتراجع القراءة الحرة، محذرة من أن أشد ما فيه خطورة تراجع المهارات الأكثر أهمية في عصر الذكاء الاصطناعي نفسه، أي تقييم المعلومات والربط بين مصادر متعددة والتحليل والتفكير النقدي.

وهذا التراجع ليس أثرا جانبيا عارضا، فخلفه الطبقة الثانية، أي نموذج ربح المنصات القائم على الإدمان الرقمي. فالمنصات والتطبيقات الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ليست مجرد خدمات مجانية حبا بالمستخدمين والمستخدمات، وإنما أدوات تُستخدم بوعي لتعزيز التبعية السلوكية والفكرية، حيث تُستغل البيانات الضخمة لفهم دوافع الأفراد والتلاعب بها بما يخدم مصالح الشركات والدول الكبرى. وتستثمر الرأسمالية في تقنيات تُحفِّز السلوك الإدماني بطرق مختلفة لضمان التفاعل مع المنصات، فتتحول هذه العملية إلى حلقة مفرغة تُولِّد الأرباح على حساب الصحة النفسية والمستوى التعليمي، وخاصة لدى الأجيال الشابة.

وعلى هذا الأساس، يعاد إنتاج الاغتراب الإنساني رقميا، حيث ينفصل الإنسان عن ملكاته العقلية والإبداعية، ويجد نفسه محاصرا ضمن منظومة تقنية تسلبه قدرته على الفعل والتفكير المستقل، كما كان العامل مغتربا عن منتوجه في الرأسمالية. وقد يتحول تدريجيا إلى كائن خاضع للخوارزميات التي توجه تفاعلاته اليومية، وتحدد له ما يقرأ ويشاهد وكيف يفكر وكيف يكتب ويتواصل، مما قد يعزز تبعيته لأنظمة وشركات ودول يسيطر عليها رأس المال وقوى الاستغلال والاستبداد.

نوع من العبودية الرقمية الطوعية وفقدان السيطرة

فإذا كان الإدمان الرقمي يفسر كيف يُستدرج الإنسان إلى هذه المنظومة، يبقى السؤال الأصعب: لماذا يقبلها وهو يشعر أنه يختار بحرية؟ وهذا الاستغلال النفسي ليس سوى مظهر لهيمنة طبقية تتعمق كلما تحول الذكاء الاصطناعي من أداة تكنولوجية إلى وسيلة لإعادة إنتاج أنماط السيطرة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية في ظل النظام الرأسمالي. وما يجعل هذه السيطرة أكثر خطورة هو طابعها الطوعي، حيث يُدفع الأفراد، بفعل التلاعب الخوارزمي وضغط استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل والحياة اليومية، إلى الانخراط في هذه «العبودية الرقمية» [14] من دون إكراه، بوهم التحكم والاختيار بينما تُوجَّه قراراتهم نحو مسارات مُعدّة سلفا تخدم الرأسمالية وتضعف قدراتهم العقلية والفكرية والمهنية.

ويجري الترويج لهذا الانخراط بوصفه حرية فردية، فمن يستخدم هذه التطبيقات يفعل ذلك باختياره، ومن لا يعجبه الأمر فليغلق هاتفه. وعلى هذا الأساس يرفض الكثير من منظري الليبرالية الجديدة أي تدخل في السوق الرقمية وتعده وصاية على الأفراد ومصادرة لخياراتهم الشخصية. غير أن الحرية التي لا يملك صاحبها شروطها ليست حرية، فالفرد لم يختر الخوارزمية التي ترتب ما يراه، ولم يشارك في تصميم التطبيق الذي يفرضه عليه عمله ومدرسة أولاده ومصرفه ودوائر الدولة، ولم يستفت في نموذج الربح الذي يحول انتباهه ووقته وسلوكه إلى سلعة مربحة. إنها حرية الاختيار بين ما وضعه رأس المال أمامه، لا حرية تقرير ما يوضع أمامه أصلا. وهنا يفترق الموقف اليساري عن الليبرالي، فالمسألة ليست حماية الفرد من نفسه، إنما انتزاع القرار في البنية الرقمية من يد من يملكها، وإخضاع تصميم الخوارزميات ومصادر البيانات ونماذج الربح لسلطة المجتمع ورقابته الديمقراطية. فالحرية الفعلية تبدأ حين يملك الناس شروط حياتهم جماعيا، لا حين يخيرون فرادى بين بدائل صنعت من دونهم.

وما يجري على مستوى الفرد يتكرر على مستوى البشرية كلها. فحين يتنازل الإنسان يوما بعد يوم عن قراراته الصغيرة للخوارزميات، وهو يظن أنه حر ويختار، تتنازل المجتمعات بالتوازي عن قراراتها الكبرى لمنظومات رقمية لا تخضع لرقابتها ولا تعرف كيف تشتغل. وهكذا لم يعد خضوع البشرية لسيطرة الآلة مجرد افتراضات فلسفية، إذ أصبح أكثر واقعية في ظل تطورات الذكاء الاصطناعي وغياب ضوابط قانونية دولية ومحلية فعالة تنظم عمله، ومع تجاوزه حدوده البرمجية، قد يتحول إلى منظومة تتخذ قرارات مصيرية مستقلة، تُفرض على البشرية من دون رقابة بشرية حقيقية. ففي ظل الرأسمالية، يُطوَّر الذكاء الاصطناعي لخدمة تراكم رأس المال، ولمنطق المنافسة والهيمنة، مما يجعل فقدان السيطرة عليه احتمالا حقيقيا وخطيرا، وقد يكون مدمرا. والسبب واحد في الحالتين، فغياب الملكية الجماعية والرقابة الجماهيرية الديمقراطية هو ما يجعل الفرد يفقد السيطرة على وعيه وقراره، وهو نفسه ما يجعل البشرية تفقد السيطرة على أخطر أداة صنعتها. فالعبودية الرقمية الطوعية وفقدان السيطرة وجهان لغياب واحد.

الذكاء الاصطناعي قد يتحول إلى سلاح دمار شامل

ولا تقل هذه الخطورة عن أي من الأشكال السابقة لخدمة رأس المال، ذلك أن التسابق المحموم بين الأقطاب الرأسمالية والدول الكبرى على السيطرة على الذكاء الاصطناعي، في غياب قواعد وتشريعات دولية ومحلية صارمة، يحمل بذور فقدان السيطرة وتحوله إلى أداة دمار شامل تهدد مستقبل العقل البشري، لا أجساد البشر وممتلكاتهم فقط.

وعلى المستوى العسكري، يتجسد هذا التسابق في سباق تسلح فعلي [15] يشمل الأسلحة ذاتية القرار، والطائرات المسيرة المستقلة، والروبوتات القتالية، وأنظمة الاستهداف واتخاذ القرارات العسكرية في القتل والتدمير. ويحذر باحثون من احتمال انهيار هذه المنظومات عندما تنتقل من بيئة الاختبار إلى ظروف الحرب الواقعية، بما قد يؤدي إلى أخطاء وقرارات غير متوقعة وكوارث واسعة النطاق. وهذا الخطر ليس افتراضيا، فقد خرجت أنظمة ذكاء اصطناعي عن السيطرة في حالات معلنة وموثقة، ومنها سقوط أعداد كبيرة من المدنيين بأسلحة توجهها أنظمة ذكاء اصطناعي، وهو ما نعود إليه لاحقا، ومن الممكن أن تكون هناك حالات أخرى لم يعلن عنها.

غير أن الدمار الذي قد ينتج عن الذكاء الاصطناعي لا يقف عند حدود الحرب والعمليات العسكرية، فله مستوى آخر أهدأ صوتا وأبعد أثرا. فالسلاح النووي ارتبط باستخدام عسكري مباشر ومكشوف نسبيا وخاضع لحسابات واتفاقيات دولية معلنة، وبقي خطره محصورا في لحظة الانفجار وما يليها.

أما على مستوى الوعي، فالذكاء الاصطناعي يعمل بصمت ويتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، إلى التعليم والعمل والإعلام والخدمات ومعظم مفاصل المجتمع، فيضعف المهارات البشرية، ويعمق الاعتماد على الأنظمة الرقمية، ويتراجع معه التفكير النقدي والاستقلال المعرفي، وتتوسع المراقبة والتلاعب بالسلوك. وهنا يصير الدمار أقل صخبا وأوسع انتشارا، وتصبح العبودية الرقمية ذاتها شكلا من أشكال أسلحة الدمار الشامل، لأنها لا تقتل الإنسان دفعة واحدة، وإنما تعيد تشكيل وعيه وقدراته وعلاقاته يوما بعد يوم. فالمستويان وجهان لسلاح واحد، أحدهما يدمر الأجساد في لحظة، والآخر يفكك العقول على مهل.

وبالنظر إلى المستويين معا، لا يكمن الخطر فقط في إنتاج أسلحة أكثر فتكا، وإنما أيضا في إعادة تشكيل الإنسان والمجتمع عندما يكون تطوير الذكاء الاصطناعي وتوظيفه خاضعا لمنطق الربح والمنافسة والاحتكار والسيطرة. فالذكاء الاصطناعي قد يهدد قدرة الإنسان على الفهم والاختيار والتحليل والتقرير، ويجعلها رهينة منظومات بنيت أساسا لخدمة المنافسة الجيوسياسية والربح وليس لخدمة الإنسان. ولهذا وقع مئات من كبار الباحثين في الذكاء الاصطناعي، من بينهم من ساهموا في بنائه، على بيان مقتضب [16] يعتبر أن «الحد من مخاطر الانقراض الناجمة عن الذكاء الاصطناعي أولوية عالمية ينبغي أن تحظى بالمكانة نفسها التي تحظى بها مخاطر كبرى أخرى كالجوائح والحرب النووية».

فحين تتحول التكنولوجيا الأخطر في تاريخ البشرية إلى ورقة في يد التنافس الجيوسياسي والعسكري الرأسمالي بين الأقطاب الكبرى، من دون كوابح قانونية واجتماعية وديمقراطية حقيقية، فإن خطر فقدان السيطرة لا يعود تهديدا للوعي الفردي وحده، وإنما يصبح تهديدا لمستقبل المجتمع والإنسانية بأكملها.

الشركات الرقمية والذكاء الاصطناعي في خدمة اليمين المتطرف

لا يتوقف توظيف الذكاء الاصطناعي عند حدود خدمة رأس المال بمعناه الاقتصادي والثقافي العام، فهو يمتد إلى تحالف مباشر ومتصاعد بين كبرى الشركات الرقمية واليمين المتطرف والمشاريع العسكرية والقمعية حول العالم. ومن أوضح تجليات هذا التحالف البيان الذي نشرته شركة بالانتير تكنولوجيز في أبريل 2026، والذي كتبت عنه في مقال سابق بوصفه تعبيرا عن «فاشية رقمية»، إذ يدعو صراحة إلى تركيز السلطة في يد أوليغارشية مالية وتقنية ترى في الديمقراطية الليبرالية عائقا أمام هيمنتها، وإلى تجنيد مهندسي وادي السيليكون أخلاقيا في خدمة آلة الحرب والأمن. ويقف خلف هذا المشروع بيتر ثيل، المؤسس المشارك لبالانتير وأحد أبرز ممولي دونالد ترامب وجي دي فانس، وهو منظر تيار «التسارعية» [17]، أي الدعوة إلى إطلاق التطور التقني من كل قيد مهما بلغت كلفته الاجتماعية.

وعلى الأرض، لا يبقى هذا التحالف حبيس الخطاب، فقد وقعت بالانتير، وفقا لما أعلنته الشركة نفسها، شراكة استراتيجية [18] مع «وزارة الدفاع الإسرائيلية» لتزويدها بأدوات «قتالية» بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب مشروع نيمبوس [19] الذي تديره غوغل وأمازون، وأنظمة استهداف خوارزمية مثل لافندر والإنجيل [20]، التي كشفت عنها تحقيقات صحفية وحولت القتل الجماعي في غزة إلى عملية حوسبة باردة تختصر حياة المدنيين إلى بيانات. وفي الولايات المتحدة نفسها، وبحسب ما وثقته منظمات حقوقية أمريكية، تزود بالانتير عبر منظومة ImmigrationOS [21] إدارة الهجرة والجمارك ببيانات تسرع حملات الترحيل القسري وتتبع النشطاء والمحتجين، وهو ما دفع منظمتي العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش [22] إلى إدانة تلك الشركات صراحة. هكذا يتحول القمع الرقمي، من أداة لضبط الوعي بأسلوب ناعم، إلى شريك فعلي في القتل والاعتقال والترحيل.

وعلى الصعيد الدولي، يقدم إيلون ماسك، مالك منصة إكس، النموذج الأوضح لتوظيف شركة رقمية مباشرة في خدمة اليمين المتطرف. فقد قدم دعما كبيرا من خلال منصته إكس لقوى اليمين العنصري المتطرف في العالم، وآخرها انتخابات ولاية ساكسونيا أنهالت الألمانية في سبتمبر 2026، ويتدخل بشكل فاعل في الانتخابات البرازيلية الآن، وقد وثقت دراسة لباحثي ألغوريتم ووتش [23] كيف تحولت منصة إكس، بفعل ملكية ماسك ونفوذه المباشر عليها، إلى مضخم رئيسي لصوته وخطابه الداعم لليمين المتطرف في العالم. بهذا يكتمل مشهد الخوارزميات والذكاء الاصطناعي في خدمة رأس المال واليمين المتطرف معا: من التوجيه الناعم للوعي إلى التحالف العلني مع أعتى المشاريع العسكرتارية والقمعية والعنصرية في العالم اليوم.

الذكاء الاصطناعي ساحة صراع طبقي ومعرفي

ورغم كل ما تقدم، من الخطأ السقوط في «حتمية تكنولوجية معكوسة» تجعل من الخوارزميات فاعلا مستقلا يصنع الوعي صناعة مباشرة، وكأن الرأسمالية تلد التقنية والتقنية تلد وعيا واحدا في خط مستقيم. فالذكاء الاصطناعي ليس كيانا متجانسا في يد رأس المال وحده، فهو أيضا ساحة صراع طبقي ومعرفي مفتوح. ففي الوقت الذي توظفه فيه بعض الشركات الرأسمالية الرقمية والدول في تعزيز الأرباح والقمع والاستهداف والقتل، يستخدمه باحثون وباحثات في علوم المناخ لمحاكاة التغيرات البيئية والتحذير من كوارثها، ويستخدمه الأطباء والطبيبات في علاج الأمراض، ويستعين به ناشطون وناشطات في ترجمة المحتوى الحقوقي وإيصال صوت الضحايا، وتستخدمه قوى اليسار ونقابات وحركات عمالية في تطوير النضال.

ولهذا التمييز سند تجريبي، فالأدلة ذاتها التي ترصد الضرر ترصد النفع حين تتغير الشروط، في التعليم الجامعي [24] وفي المدارس [25] وفي مواقع العمل [26]، حيث يرتفع التحصيل وترتفع الإنتاجية حين يصمم النظام ليجعل المستخدم يشتغل بدل أن ينوب عنه، وحين يبقى الإشراف البشري والمجتمعي قائما على العملية. وهذان الشرطان قرار اجتماعي، فمن يملك ويقرر هو من يحددهما. ويبقى السؤال الأهم: من المستفيد من هذه المكاسب؟ فارتفاع الإنتاجية يعني زيادة في فائض القيمة المنتزع من عمل شغيلات وشغيلة اليد والفكر، والذكاء الاصطناعي لا يلغي الاستغلال هنا، إنما يكثفه ويعمقه، لأنه ينتج القيمة ذاتها بعمل أقل ووقت أقل ويحول الفارق إلى أرباح. والسؤال إذن ليس هل ترتفع الإنتاجية، فهي ترتفع فعلا، إنما إلى أين يذهب هذا الفائض: إلى أجور من ينتجونه وتقليص ساعات عملهم وتحسين شروطهم، أم إلى أرباح أرباب العمل الرأسماليين، والجواب ماثل أمامنا، إنها الجهة الثانية.

ويتخذ هذا كله أوضح صوره في ميدان العمل، حيث يقدم الذكاء الاصطناعي كائنا مستقلا «يستولي» على الوظائف من تلقاء نفسه، وهذا غطاء أيديولوجي يخفي أن كل وظيفة تلغى قرار يتخذه مجلس إدارة، حتى إن كبار مالكي هذه التقنية يتحدثون عن استغناء قريب عن مهن كثيرة يعمل فيها عشرات الملايين. وحتى حيث لا يحل الذكاء الاصطناعي محل أحد، يكفي التلويح باحتماله لينضبط الجميع، فيقبل الشغيلة ساعات أطول وأجورا أدنى ومراقبة أدق خوفا من الطرد. إنه جيش العمل الاحتياطي في صيغته الرقمية، يكفي رأس المال أن يبقيه ماثلا في الأفق ليضعف قدرة الطبقة العاملة على التفاوض والتنظيم والإضراب. والبطالة هنا ليست قدرا تقنيا، فهي قرار يتخذه رأس المال، والتقنية ذاتها التي تلغي وظيفة قادرة على تقليص يوم العمل مع بقاء الأجر وتوسيع وقت الراحة، لو كان القرار بيد من ينتجون القيمة. وهذا صراع طبقي بامتياز لا نتيجة تقنية محايدة.

وأيا كان الوجه الذي ننظر منه إلى هذه التقنية، ضررا أم نفعا أم أرباحا، فالجواب يعود في كل مرة إلى الجهة ذاتها: من يملك هو من يقرر. وليس هذا تكرارا عارضا، فالخوارزميات في جوهرها معادلات رياضية لا طبقة لها في ذاتها، تكتسب وظيفتها الاجتماعية والسياسية من علاقات الإنتاج التي تشتغل داخلها، ومن الجهة التي تملك البيانات ومعاملها ومراكز معالجتها وتقرر لأي غرض تشتغل ولمصلحة من.

وهنا يبرز التناقض الأساسي، فالذكاء الاصطناعي منتج اجتماعي بامتياز، بني على المعرفة البشرية المتراكمة وعلى عمل الملايين، غير أن ثماره تستحوذ عليها حفنة من الاحتكارات والدول بوصفها ملكية خاصة. إنه التناقض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والاستحواذ الخاص على نتائجه، يعاد إنتاجه اليوم في أكثر قوى الإنتاج تطورا في تاريخ البشرية. فالمشكلة الأساسية ليست في الآلة بذاتها بقدر ما هي في ملكية وسائل الإنتاج الرقمي والسيطرة عليها، وهذا ما ينقل المعركة من ميدان الشكوى من التكنولوجيا إلى ميدان الصراع الطبقي.

خلاصة ومهمات، نحو ذكاء اصطناعي في خدمة البشرية

إذا استمرت هذه الديناميكية من دون مواجهة جماعية قائمة على وعي يساري وتقدمي وحقوقي، ومن دون قوانين دولية ومحلية وتشريعات تضمن العدالة والشفافية الرقمية وتؤطرها وفق أطر اجتماعية وجماهيرية، فقد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي تدريجيا من أداة في يد الرأسمالية إلى نظام يحل محل وظائف أساسية من العقل البشري تُدار عبره الحياة اليومية، وقد بدأ يتحقق ذلك فعليا من خلال الاستخدام المفرط للتطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي في معظم مفاصل الحياة اليومية المهنية والشخصية.

إن ما يواجهنا اليوم ليس قدرا تقنيا محتوما، وإنما نتاج خيارات سياسية واقتصادية تخدم مصالح رأس المال، ويمكن مواجهته وإن كان ذلك صعبا. فالسيطرة على الذكاء الاصطناعي وضبط الخوارزميات وإخضاعها لرقابة ديمقراطية مسؤولية جماعية تتطلب عملا وتنظيما يساريا تقدميا وحقوقيا على المستوى العالمي، وطرح بدائل رقمية مجتمعية وتشاركية تعيد للإنسان قدرته على التفكير المستقل والفعل الجماعي، وتجعل التطبيقات الرقمية أدوات مساعدة تخدم العقل البشري وليست بديلا عنه.

ولتحقيق ذلك، لا بد من العمل على جعل البنية التحتية للبيانات خاضعة للمصلحة العامة وللإدارة الديمقراطية والمساءلة المجتمعية، وتحويل الخوارزميات من «صناديق سوداء» مغلقة إلى برمجيات مفتوحة المصدر قابلة للمراجعة الجماعية والتدقيق المستقل، وفرض الشفافية في تصميم النماذج وفي مصادر البيانات التي تدرب عليها، ودعم بدائل رقمية تعاونية يملكها المستخدمون والمستخدمات والعاملون والعاملات فيها. كما ينبغي توجيه هذه التكنولوجيا لخدمة حاجات المجتمع، والمساهمة في توزيع الثروة وتنظيم الإنتاج وعلاج الأمراض ومكافحة الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية.

فمن دون هذه الآليات، تبقى الدعوة إلى القوانين والرقابة والتنظيم عامة وقاصرة، وتظل التكنولوجيا رهينة احتكار قلة من الشركات الرأسمالية الاحتكارية والقوى الكبرى. أما عبر الملكية والمساءلة المجتمعية والبدائل التعاونية، فيصبح ممكنا انتزاع الذكاء الاصطناعي من منطق الاحتكار والربح، وتحويله إلى ملك جماعي ووسيلة لتحرير الإنسان وخدمة البشرية، بدلا من أن يتحول إلى أداة لاستعبادها.

***

رزكار عقراوي

..........................  

المصادر

1 -  AI & Society - Attention is all they need: cognitive science and the (techno)political economy of attention in humans and machines

https://link.springer.com/article/10.1007/s00146-025-02400-z

2 -  Time - How OpenAI Lost Control of an AI Model—and What Needs to Change

https://time.com/article/2026/07/24/openai-hugging-face-attack/

3 -  Pacing the Frontier - A statement from 1,386 employees of frontier AI companies

https://www.pacingthefrontier.com/

4 -  International AI Safety Report - International AI Safety Report 2026

https://internationalaisafetyreport.org/publication/international-ai-safety-report-2026

5 -  Future of Life Institute - Statement on Superintelligence

https://superintelligence-statement.org/

6 -  Al Jazeera - 'An apocalypse': Why are experts sounding the alarm on AI risks?

https://www.aljazeera.com/news/2026/2/15/why-are-experts-sounding-the-alarm-on-ai-risks

7 -  ITU - Global number of Internet users increases, but disparities deepen key digital divides (Facts and Figures 2025)

https://www.itu.int/en/mediacentre/Pages/PR-2025-11-17-Facts-and-Figures.aspx

8 -  Michael Kwet (SSRN) - Digital Colonialism: US Empire and the New Imperialism in the Global South

https://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=3232297

9 -  MIT Media Lab - Your Brain on ChatGPT: Accumulation of Cognitive Debt when Using an AI Assistant for Essay Writing Task

https://www.media.mit.edu/publications/your-brain-on-chatgpt/

10 -  Societies (MDPI), Michael Gerlich - AI Tools in Society: Impacts on Cognitive Offloading and the Future of Critical Thinking

https://www.mdpi.com/2075-4698/15/1/6

11 -  OPB - Kids who use social media score lower on reading and memory tests, a study shows

https://www.opb.org/article/2025/10/13/social-media-use-linked-to-lower-reading-memory-scores-in-preteens/

12 -  The Local Denmark - 'Crisis': Danish school students record worst ever results in reading and maths

https://www.thelocal.dk/20260908/crisis-danish-results-in-reading-and-maths-worst-ever-in-new-pisa-poll

13 -  Euronews - Pupils' reading and maths skills slump across the world as digitalisation soars, PISA study shows

https://www.euronews.com/my-europe/2026/09/08/pupils-reading-and-maths-skills-slump-across-the-world-as-digitalisation-soars-pisa-study-

14 -  Policy Studies, Robert Chisnall - Digital slavery, time for abolition?

https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/01442872.2020.1724926

15 -  Creati AI - Mutually Automated Destruction: The Escalating Global AI Arms Race Between the US and China

https://creati.ai/ai-news/2026-04-12/us-china-ai-arms-race-autonomous-weapons-military/

16 -  Center for AI Safety - Statement on AI Extinction Risk

https://aistatement.com/

17 -  The Guardian - Peter Thiel at the Republican National Convention, July 2016

https://www.theguardian.com/technology/2016/jul/21/peter-thiel-republican-convention-speech

18 -  Al-Shabaka - AI for War: Big Tech Empowering Israel's Crimes and Occupation

https://al-shabaka.org/briefs/ai-for-war-big-tech-empowering-israels-crimes-and-occupation/

19 -  Business & Human Rights Resource Centre - Amazon, Google, Microsoft fuel Israeli military aggression in Israel's war on Gaza, investigation reveals

https://www.business-humanrights.org/en/latest-news/amazon-google-microsoft-fuel-israeli-military-aggression-in-israels-war-on-gaza-investigation-reveals/

20 -  Business & Human Rights Resource Centre - Palantir allegedly enables Israel's AI targeting amid Israel's war in Gaza, raising concerns over war crimes

https://www.business-humanrights.org/es/%C3%BAltimas-noticias/palantir-allegedly-enables-israels-ai-targeting-amid-israels-war-in-gaza-raising-concerns-over-war-crimes/

21 -  American Immigration Council - ICE to Use ImmigrationOS by Palantir, a New AI System, to Track Immigrants' Movements

https://www.americanimmigrationcouncil.org/blog/ice-immigrationos-palantir-ai-track-immigrants/

22 -  Amnesty International USA - Palantir Technologies Contracts Raise Human Rights Concerns before NYSE Direct Listing

https://www.amnestyusa.org/press-releases/palantirs-contracts-with-ice-raise-human-rights-concerns-around-direct-listing/

23 -  AlgorithmWatch - The Musk Effect: X's impact on Germany's election

https://algorithmwatch.org/en/the-musk-effect/

24 -  Scientific Reports, Kestin et al. - AI tutoring outperforms in-class active learning: an RCT introducing a novel research-based design in an authentic educational setting

https://www.nature.com/articles/s41598-025-97652-6

25 -  World Bank - From Chalkboards to Chatbots: Evaluating the Impact of Generative AI on Learning Outcomes in Nigeria

https://openknowledge.worldbank.org/entities/publication/15e1ff08-15ae-4f7a-b2a8-d146e6c113ee/full

26 -  NBER, Erik Brynjolfsson, Danielle Li & Lindsey Raymond - Generative AI at Work

https://www.nber.org/papers/w31161

تتفق طوائف المسلمين كافة على أصول الإسلام: التوحيد والرسالة والمعاد، وزاد آخرون عليها، فدخلت الإمامة والعدل مثلما هو الحال عند الشيعة الإمامية، والمنزلة بين المنزلتين والوعد والوعيد كما هو الحال عند المعتزلة. وفي الوقت الذي شغل بعض المسلمين تأكيد أو إثبات النُّبوة، انشغل بعضٌ آخر منهم بإثبات الإمامة، دون إنكار الرسالة أو أصل النبوة. فماذا يعني ذلك فكرياً وعقدياً؟ يعني أن كل مسلم يقر بالنبوة، وكل شيعي يسلّم بالأصول الثلاثة مع إضافة أصل الإمامة.

لقد صبَّ علماءُ السُّنَّة كلَّ جهودهم على إثبات النّبوة، وكم مِن كتاب صدر تحت عنوان «دلائل النُّبوة»، وكُتب السيرة النبوية لا تُعد ولا تُحصى لغزارتها، وكلها تقدّم هذه الدلائل، والسَّبب ليس لعدم ثباتها، وإنما ظهور المئات من مدعي النبوة، خصوصاً في العصر العباسيّ. ولإبطال ادعاءاتهم ولصد محاولات التَّشكيك في النبوة، لم تنقطع جهود التأليف حولها.

 ويأتي التأليفُ أيضاً لنقض دعوى وجود الإمامة كمتلازمة للنبوة، وانطلاقاً من الأثر «لا نبيّ بعدي»، ظهر بطلان ادعاءات النبوة. وكذلك ظهرت فكرة الإمامة، بالاعتماد على ما يُروى مِن أن النَّبيّ، صلى الله عليه وسلم، قال لعلي بن أبي طالب: «أفلا ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي» (الطَّبريّ، الرّياض النَّضرة في مناقب العشرة)، فاتُّخذ هذا الأثر ضمن براهين الإمامة أو نشأة فكرتها.

كما صار لدى رجال الشّيعة كمٌ هائل مِن الرِّوايات لتثبيت الإمامة، وانشغلوا بها، فكم مِن كتاب صدر تحت عنوان «الإمامة». شَكّلَ هذا التَّقابل المتعاصران العلامة الشيعي ابن المطهر الحليّ (726 هـ)، وشيخ الإسلام السُّنيّ ابن تيميَّة (728 هـ). شغلت الحِلِّيّ الإمامةُ، فصنّف «منهاج الكرامة في معرفة الإمامة»، بينما ردَّه ابن تيميَّة بكتاب «مناهج السّنَّة النَّبوية».

صار الحديث عن الإمامة مقترناً بالحديث عن النُبوة، حتَّى قيل: «مثل النُّبوةِ صيَّرت في معشرٍ/ فكذا الإمامةُ صيَّرت في معشرٍ»، ويُعلق صاحب كتاب «المَجدي» على هذا القول: «وهذا كلام حَسن، وحجَّةٍ قوَّية، لأنَّ حاجة النَّاس إلى الإمام كحاجتهم إلى النَّبيّ» (العُمري، المجدي في أنساب الطَّالبيين)، وهذه الحاجة يقرّها علماء السّنة من دون جعلها أصلاً مِن الأصول.

كان السَّبب هو أنَّ الإمامة أصل مِن الأصول عند المعتقدين بها، لكنَّ نُفاتها هم الأكبر نسبة بين المسلمين جميعاً، فتراهم بحاجة إلى إثباتها في هذا الوسط الكثيف، وحتَّى في داخل فرق المقرِّين بها كأصل مِن أصول الإسلام، للاختلاف في المقالة، فالإمامة عند الزَّيديين غيرها عند الإسماعيليين، وعند الإثني عشريَّة.

ومَن يقرأ كتاب «فرق الشّيعة» للحسن بن موسى النُّوبختي (القرن الثَّالث الهجري)، الذي انتقد الغلاة الشيعة في مضمون كتابه، سيجد أنَّ مفهوم وطبيعة الإمامة كلَّ يومٍ في شأنٍ، فكلما مات إمام ظهر اِنشقاق بين الأتباع على إثباته. بينما الخلافة عند السُّنة ظلّت ثابتة، لم يحدد شخص ما لها، بل حددت شروطها، وهي مِن الفروع لا الأُصول، لا تحتاج إلى اجتهاد في تنظيمها، ولا تؤرقهم، لأنَّ طرقها تبدو واضحة دنيوية، تنظمها كتب الخراج والأحكام السُّلطانية.

 لهذا اعتنى علماء السُّنة بدلائل النُّبوة وإثباتها، فهي مِن العقيدة، ولا يجوز عندهم قرنها بالإمامة، مثلما هو الحال عند الطرف الآخر، نقصد الرَّبط بين النُّبوة والإمامة أي اعتبار الأخيرة امتداداً للأولى، بينما اعتنى الشيعة بإثبات الإمامة. وعلى هذا الخلاف شيّد النزاع الطائفي حتى يومنا الحاضر، وفي الأغلب بدأ مع طلائع القرن الرابع الهجري، حينما أشتد التأليف في إثبات النبُّوة أوإثبات الإمامة، وكلما تقدم الزَّمن تراه يخرج عن الكتب الأولى، عندما أخذ يُعبر عن هذا الخلاف بالسب واللعن والتكفير، فازدادت الهوة بين الطرفين، حيث ينطفئ النزاع ويشتعل بين فترة وأخرى.

***

د. رشيد الخيّون - كاتب عراقي

أبو نصر الفارابي المعلم الثاني والفيلسوف المتقدم الذي غطت شهرته الافاق لأنه المؤسس الحقيقي للدراسات الفلسفية الإسلامية، فكل ما جاء به الفلاسفة بعده له صلة في ما عرفناه من آرائه وفلسفته فقد درس الفلسفة اليونانية دراسة الخبير العالم واجمل ما فيه انه لم يقف على العقل النظري منها بل اسهم بدراسات العقل العملي وابدع في مجال السياسة والاجتماع لا سيما في كتابة (اراء اهل المدينة الفاضلة) فقد كان سفرا مهما في العلوم المدنية وكان قد كتبه سنة (330هـ) في نهايات عمره وجهده الفلسفي

ينتمي الفارابي الى مدرسة الفكر اليوناني المتفهم بعقل إسلامي ولعصره خصائصه وظروفه وملابساته الزمنية ومدرسته هي (المدرسة المشائية الكلاسيكية الإسلامية) وعصره عصر الازدهار الفلسفي عصر الترجمة عن اليونانية، فقد تعلم الفارابي اليونانية ودرس فكرها الفلسفي جيدا وترجمها وفهمها فهما موضوعيا ونقدها وأفاد منها لاثراء فلسفته الإسلامية وقدم رؤيته السياسية

وللفارابي مشروع سياسي اسماه (اراء اهل المدينة الفاضلة) رسم فيه خارطة صنع المجتمع الفاضل من خلال خصال (الرئيس) الذي يمتلك القدرات الأفضل علميا واخلاقيا والقدرات الجسمية والعقلية، ويرى الفارابي ان يكون الرئيس فليسوفا يملك الى حد كبير قدرات الأنبياء ومن قدراته يستمد شرعيته اذ كماله العقلي والروحي هو الذي يحقق للمجتمع الفضيلة والسعادة القصوى وليس من انتخاب عموم الناس لان التصويت عام وحق دستوري للجاهل العالم فلا يتفقان على الشخصية المتفردة.

 ويرى الفارابي ان شكل الدولة ان تقبل المدينة (البلد) بفكرة رئيس كامل القدرات بينما المدينة (الجاهلة) تسعى وراء المال واللذة والسيطرة ولا تفكر ابدا في الكفاءة العلمية لمن سيدير البلاد لذا يرى الفارابي ان نظريته تؤسس لنظام نخبوي (تكنوا قراط) يعتمد في كيانه الحكومي كله على معيار كفاءة المكلف بالإدارة العامة لاحدى مؤسسات الدولة

وعند الفارابي مفهوم فلسفي للحرية فهي ليست مطلقة انما محكومة بمقتضى قيم الفضيلة فالمدينة التي يفعل كل الناس فيها ما يشاؤون بغرائزهم دون ضابط أخلاقي يسميها المدينة الجماعية بمقابل مدينة النخبة العالمة والواعية والمستقيمة وهو بذلك يبني نظاما سياسيا يقوم على فكر فلسفي يبحث في ما ينبغي ان يكون عليه الحكم الرشيد ويرسم الطريق لكي تحصل المجتمعات على السعادة والطمأنينة والكمال وأوضح ان (النموذج المضاد) فيما سماه المدينة الجاهلة لبيان منظومة ضدية للمجتمع الفاضل وفي هذا المجال اكد على عاملين هما ان امدينة الفاضلة تتامل كثيرا حتى اختار المنهج السياسي الصحيح، ووترسخ الأخلاق الوطنية للأفراد التي لا تتحقق الا بنظام تربوي رفيع المستوى يستمد جوهر مضامينه من صفات الحاكم (الفيلسوف) الذي هو القدوة والنموذج وفي هذا نجد مشروعا تتمازج فيه الفلسفة والدين والعقل، فهي ليست فلسفة لاهوتية ولا فلسفة محضه وانما فلسفة اجتماعية أخلاقية ذات طبيعة عملية، فكتابه (المدينة الفاضلة) ذروه مشروعه السياسي ومصداق نظامه الفلسفي ومن الأمور اللافتة انه دعم ذلك بكتاب اخر اسماه (السياسة المدنية)

 وجميل ان الفارابي يستنكر الخضوع للرؤساء الجهلة والمنافقين الذي يتسترون بانهم رجال الدفاع عن الدين في حين انهم يرسخون الأسس الفعلية للمدنية الجاهلة والفاشلة والهشة وبذلك يؤسس هؤلاء رؤية غير عقلانية وغير أخلاقية وحياة متدنية.

 ويتطرق الفارابي الى ان نظام المدن (الأوطان) ينبغي انه ينسجم ويتلائم مع نظام الكون الذي تكون أجزاؤه مترابطة ومنتظمة ومتعاضدة ليخلق فعلا الانسان كخليفة لله في الأرض، وبهذا يسطر الفارابي نظرية معرفية في التدبير السياسي قوامها الجمع بين الحكمة الفلسفية والوحي الإلهي والقيم الأخلاقية

 وبما ان الوعي أساس لكل معرفة فقد طرح الفارابي نظاما معرفيا للسياسة فالسياسة عند الفارابي ليست فقط في العلاقة بين الحاكم والمحكوم بل انها تشمل دراسة الاخلاق المجتمعية ومن يمتلك ترقية المجتمع وعنده ان الإصلاح لا يأتي الا عن طريق تفرد راس السلطة ومدبر المدينة العالم الانموذج في الفهم والاستقامة

 اما النائيني فهو عالم دين ومفكر اصولي من الطراز الأول توفي بعد قرابة الف سنة من رحيل الفارابي وكان عصره يمثل نهايات عصور الانحطاط والتداعي الفكري والحضاري، وقد ادركت الشعوب عواقب الاستبداد بعد انه عرفت مرارته، وأصيب وعيها بشلل تام فلم تعد قادرة على العيش مع مرارته ولكنها عاجزة عن اكتشاف طريق الخروج من المأزق الحضاري والأمة في الفجوة بين (عصور الاستبداد وعصور الاغتراب) حتى ظهرت أطروحة النائيني فهو ليس فقط عالما بالدين والشريعة ومناهج الاجتهاد انما هو مفكر سياسي واحد أعمدة الفكر السياسي العالمي الكبار

 فمقابل: أطروحة المدينة الفاضلة للفارابي طرح النائيني نظرية (الدولة المدنية الدستورية) وهي دولة المؤسسات وسيادة القانون وانهاء عصور الاستبداد، وعندما يعد وجود رئيس بمواصفات الأنبياء صعب ونادر كما يقول الفارابي فانه اعتمد على قدرات العقل الجمعي الواعي لإختيار (مجلس امة) من العلماء القادرين على تمييز الأشخاص والافكار ليختاروا الاصلح والامثل رئيسا للبلد واذا كان منهج الفارابي عقليا وتجريديا اقرب الى المثالية فان منهج النائيني منهج اصولي تحليلي عقلي له نتائج عملية قابلة للتطبيق لحل ازمة الحكم الصالح واذا كانت الشرعية عند الفارابي تستمد من كمال شخصية الرئيس العقلية والأخلاقية فهي عند النائيني خلاصة وعي الامة وناتج تفكيرها الذي يميز الأشياء وان الأفكار التمهيدية عند النائيني ان منصب النبوة بكل سماته هو نموذج الحاكم الذي يجب ان تختاره الامه الواعية كقدوة اما ما عداه فانه انموذج عند النائيني يعد غصبا للحق الإلهي في تولية الاصلح واختيار الاصلح هو (جوهر نظرية الاستخلاف)

 وعليه فان الشرعية عند النائيني تنبع من (رضا الامة الواعية) ومشاركة نخبها في مجلس نيابي وحكومة خبراء وقضاء متقدم علميا واخلاقيا وتحدد فيه صلاحيات الحاكم لئلا يتاح له ان يكون مستبدا وقد اعتبر النائيني ان الحرية للإنسان لا تستمد الا من القانون الطبيعي فهي حق فطري ولأنها جزء من النظام الكوني فأنها ليست مطلقة لان قدرات الأجزاء الكونية محددة بمجالات عمل الاخريات، فهي مقيدة بالحقوق الاخرى ومقيدة بمتطلبات بقيه أجزاء الكون الطبيعة الكونية بينما هي عند الفارابي بانها تلك التي توصل الى الفضيلة فالهدف واحد يعبر عن جوهر واحد بيد ان المقدمات والطريق مختلف والمقصود – انها عند النائيني (من موجبات القانون الطبيعي فان ذلك يعني انها حق لعموم الانسان بغض النظر عن الدين والعرق والمذهب والراي وللتطابق بين القانون الطبيعي ونظام الحقوق التي تبنته الشريعة فهي فريضة على الحاكم وعلى الامة للأفراد وهي الحالة المضادة للاستبداد

مما تقدم نجد صلة فكرية بين اراء الفارابي في كتابة (اراء اهل المدينة الفاضلة) واراء النائيني في كتابة (تنبيه الامة وتنزيه الملة) في انهما معا يبحثان عن كيفية إقامة مجتمع سياسي واع وناضج ورشيد وحاكم مستقيم وعالم، رغم اختلاف العصور والمجال والمفاهيم ويظهر:

1_ ان علم الاجتماع السياسي: يقرر ان أطروحة الفارابي أطروحة مجتمع يصنع الدولة واطروحة النائيني أطروحة برلمان يصنع الدولة

2- عند الفارابي ان الوظيفة الأساسية للحاكم صناعة انسان رفيع المستوى معرفيا واخلاقيا بينما عند النائيني ان وظيفته حفظ المصالح وإقامة العدل ومنع الاستبداد. فكلاهما لا ينظران للسلطة انها غاية بل وسيلة لتحقيق غايات نبيلة

3- الفارابي يقابل اهل المدينة الفاضل بالمدينة الجاهلة تلك التي ينقصها الوعي العلمي وتنقصها الاخلاق الحميدة فتسعى للمال والجاه والسيطرة لتخلق نظاما فاسدا وان انحراف السلطة أساس فساد المدينة عند الفارابي بينما عند النائيني فان النقيض للدولة الدستورية الملك الاستبدادي الذي يؤدي يؤدي الى خراب الأرض وخيبة الانسان

4- والمعرفة عند الفارابي: هدفها تحقيق تصور صحيح للخير والسعادة اما النائيني فالمعرفة هي معرفة حقوق الانسان وواجباته، فهناك تقارب بنيوي وفلسفي بين المشروعين

والسؤال المشترك بين المشروعين كيف نخلق سلطة تخدم الخير العام ولا تتحول الى أداة للفساد والنهب والاستبداد وتضييع الحقوق فعند النائيني الحل بأقامه دولة مقيدة وملتزمة بالدستور وتسعى لحفظ المصالح وإقامة العدل بينما عند الفارابي بتحقيق السعادة التي تحقق وعيا وحرية تحقق سمو انساني وتقيم دولة عادلة بالمعرفة والفضيلة، بينما النائيني بالوعي السياسي ونقد الاستبداد والرقابة والمساءلة

فالمعيار بتجاوز أرادة الحاكم الفرد (من صفات الاستحواذ وتملك الأرض والانسان الى الى صفات الرئيس الحكيم العادل الاخلاقي، وعند الفارابي الحل في الصفات الكمالية وعند النائيني بالتزامه بالاطار الدستوري

فهما مشروعان احدهما ينطلق من فلسفة الحاكم الفاضل والأخر من فلسفة الدستورية الفاضلة.

***

ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد

 

ملخص: إن من أخطر القضايا التي واجهت الإنسان عبر تاريخه، ولا زالت تواجهه في تاريخنا المعاصر، هي وجود قوى اجتماعي تشتغل على عقل الإنسان من منطلق فكري مجرد لا يلامس الواقع المعيوش، إن كان ذلك بوعي منها لما تريد تحقيقه من أجل تغريب الإنسان وتجهيله وحيونته، كما هو الحال في سياسات قادة النظام العالمي الجديد، المشبعة بالنسق الاستهلاكي، أو يكون الاشتغال من منطلق الفكر (المقدس)، الذي أوله وفسره حملته على هواهم، من منطلق احتقار العقل ورفض الأخذ به كوسيلة لتحقيق المعرفة والايمان بالمقدس معا. وهذا موضوع دراستنا هذه.

القضيّة الأولى: مسألة الإيمان عند السلفيّة في تاريخنا المعاصر:

ينقسم السلفية في تاريخنا المعاصر برأيي في هذه المسألة إلى اتجاهين: الأول وهم (الأشاعرة) ومن يلتقي مع مدرستهم الفكريّة، حيث يؤمن هذا الاتجاه السلفي بأن الإيمان قول باللسان، وإخلاص أو تصديق بالقلب. بينما الاتجاه الثاني وهو الاتجاه (الوهابي السلفي) فيقر بأن الإيمان قول باللسان، وإخلاص أو تصديق بالقلب وعمل بالجوارح، ويزيد بزيادة الأعمال، وينقص بنقائصها. ولا يُكمل قول الإيمان إلا بالعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنيّة، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بموافقة السنة، أي بما يتفق بما جاء به القرآن أو الحديث أو ما أقره أهل الجماعة والسنة تاريخيّاً، وهم متفقون جميعاً أن للإيمان أصل وفروع. وأن الإيمان لا يزول إلا بزوال أصله. لذلك هم لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بذنب أو معصية، إلا أن يزول أصل الإيمان، ولا يوجبون العذاب آو الثواب لشخص معين إلا بدليل خاص. وهم لا يؤمنون بعصمة أحد من الصحابة بعينه. بل تجوز عليهم الذنوب، ويعتقدون بعصمة إجماعهم فقط، ويكذبون من يعطيها لغيرهم، ويسكتون عما شجر بينهم وأنهم هم فيه معذورون، إما مخطئون أو مصيبون، ويكفرون من يسئ لهم، وهم بالجملة خير البشر بعد الأنبياء. (1) .

القضيّة الثانية: السلفيّة بين الاجتهاد والتقليد:

الاجتهاد لغة: هو بذل الجهد والوسع في بلوغ الغرض.

أما اصطلاحاً: فهو بذل الوسع بالنظر في الأدلة الشرعيّة باستنباط الأحكام منها. والمقصود بهذا هو تحصيل أدوات الاجتهاد مثل: دراسة القرآن والعلم بما يتعلق بالناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، والخاص والعام، والمحكم والمتشابه، وأسباب النزول، وكذلك دراسة الأحاديث النبويّة ومعرفة الصحيح والضعيف والموضوع، وعلوم أصول الفقه من خلال معرفة اللغة العربيّة ونحوها وصرفها وبلاغتها، ومعرفة الجرح والتعديل. وبالتالي معرفة الواقع الذي تطبق عليه الأحكام الشرعيّة. ويعتقد بعض السلفيين بأن باب الاجتهاد كان ولم يزل مفتوحاً لأهل الاجتهاد والاستنباط، وبخاصة في مجال المعاملات، بينما يرى بعضهم الآخر أو يزعم بأن باب الاجتهاد قد أغلق ولم يبق للمسلمين إلا التقليد، ويشترط من يقول بفتح باب الاجتهاد للمجتهد أن يستكمل شروط الاجتهاد العلميّة التي جئنا عليها قبل قليل.(2).

القضيّة الثالثة: البدع عند السلفية:

البدعة لغة إحداث أو إنشاء أمر ما أو وضعه بدون الأخذ والاقتداء بأصل أو مقال سابق. أو بتعبير آخر هي إحداث شيء لم يكن له من قبل خَلْقٍ ولا ذكر ولا معرفة.. والبدعة اصطلاحاً، هي الإضافة إلى الدين في أصوله لا فروعه دون إسناد إلى نص يقيني الورود وقطعي الدلالة.

ويتطلب الاجتهاد اتصاف المجتهد بوصفين: وصف "فهم مقاصد الشريعة على كمالها" الذي يستلزم الانطلاق من كليات الشريعة، ووصف التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها من جهة، وبناء على وعيه بخصوصية النازلة/الحادثة في عصر من العصور أوفي مجتمع من المجتمعات في تقاليده وأعرافه وعاداته من جهة أخرى. وعليه يعتبر بدعة كل اجتهاد ينتفي فيه أحد الوصفين أو هما معا، لذا يعرف "ألشاطبي" البدعة بقوله: (طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعيّة). لكن امتناع الاختراع ليس مطلقا، لأن له حدود يوضحها تقسيم الشريعة إلى عبادات ومعاملات. ويسمح بالاختراع في مجال المعاملات بعد أخذ شرعنتها من الشريعة وأصولها التي يقر بها أهل السنة. (3) .

وبحسب هذا التعريف، فمن معالم العقيدة السلفيّة كراهيتهم لما يعتبرونه بدعاً. كما يكرهون من يعتبرونهم أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم ولا يصاحبونهم ويحذرون منهم ومن يتقرب إليهم، ولا يألون جهداً في نصحههم وزجرهم عن بدعهم.

القضيّة الرابعة: المذهب الحنبلي مرجعهم الأساس:

السلفيون يتبعون المذاهب الأربعة الفقهيّة المعروفة لدى أهل السنة والجماعة وهي: (الشافعي والمالكي والحنفي والحنبلي). ولكنهم يميلون أكثر للمذهب الحنبلي، ويكاد يكون مقصوراً عليهم .

القضيّة الخامسة: الموقف السلفي الأشعري:

ينسب الأشاعرة إلى أبي الحسن الأشعري، الذي كان في بدء نشاطه الديني معتزليّاً، ثم مَنَّ الله عليه كما يقول السلفيون، وعرف بطلان مذهب " المعتزلة "، فوقف في المسجد يوم الجمعة وأعلن براءته من مذهب المعتزلة، وخلع ثوبًا عليه. وقال: (خلعت مذهبَ المعتزلة، كما خلعتُ ثوبي هذا). لكنه صار إلى مذهب " الكُلاَّبِيَّة " أتباع "عبد الله بن سعيد بن كُلاب". و"عبد الله بن سعيد بن كُلاب" كان يُثبِت سبع صفات لله، وينفي ما عداها، يقول: (لأن العقل لا يدل إلا على سبعِ صفات فقط: " العلم "، و" القدرة "، و" الإرادة "، و" الحياة "، و" السمع "، و" البصر "، و" الكلام ". ويقول أيضاً: هذه دَلَّ عليها العقل، أما ما لم يدل عليه العقل - عنده - فليس بثابتٍ). ثم إن الله مَنَّ على "أبو الحسن الأشعري" وترك مذهب " الكُلابِيَّةِ "، ورجع إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل، الذي قال فيه: (أنا أقول بما يقول به إمام أهلِ السنة والجماعة أحمد بن حنبل: إن الله استوى على العرش، وإن له يدًا، وإن له وجهًا) . (ذكر هذا في كتابه: " الإبانة عن أصول الديانة "، وفي كتابه الثاني: " مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين " حيث قال أيضا: (إنه على مذهب الإمام " بن حنبل"). وإن بقيت عند أبو الحسن الأشعري بعض المخالفات، ولكن أتباعه بقوا على مذهب " الكُلابية "، فغالبهم لا يزالون على مذهبه الأول ولذلك يسمون بـ " الأشعرية " نسبة إلى الأشعري في مذهبه الأول. أما بعد أن رجع إلى مذهب " أهل السنة والجماعة "، فنسبة هذا المذهب إليه – أي الكلابيّة - ظلم، والصواب أن يقال: مذهب " الكُلابِيَّة "، لا مذهب أبي الحسن الأشعري، لأنه تاب من هذا، وصَنَّفَ في ذلك كتابه: "الإبانة عن أصول الديانة "، وصرح برجوعه، وتمسكه بما كان عليه " أهل السنّة والجماعة " وخصوصًا الإمام: أحمد بن حنبل، وإن كانت عنده بعض المخالفات كما بينا أعلاه، مثل قوله في الكلام: (إنه المعنى النفسي القائم بالذات، والقرآن حكاية - أو عبارة - عن كلام الله، وليس كلام الله بذاته. (4).

عموماً السلفيون يتبعون المذاهب الأربعة الفقهية المعروفة لدى أهل السنة والجماعة وهي: (الشافعي والمالكي والحنفي والحنبلي). ولكنهم يميلون أكثر للمذهب الحنبلي، ويكاد يكون مقصوراً عليهم.

ملاك القول:

هكذا نرى السلفيّة لم يزالوا يشتغلون على القضايا التي اشتغل عليها أجدادهم من السلفيين، وهي قضايا لا تمس حياة المواطنين اليوميّة المباشرة التي تتعلق في قضايا معيشتهم وما يتخللها من ظلم وفساد واستعباد للعباد وجع وتشرد.. أو ما يتعلق بنهضتهم العلميّة وكيفية تجاوز تخلفهم، وهذا ما أدخل جماعتهم بخلافات وتناقضات وصراعات مع المختلف عنهم في قضاياهم من منطلق تكفير الآخر واقصائه، كما أنهم اشتغلوا على الفضيلة كثيراً، ودعوا الناس إلى التمسك بها، دون ذكر أسباب الفساد ومن هم الفاسدون، وبالتالي هذا ما جعل الفضيلة عندهم قيماً معزولة عن واقع تغييبها، مبعدين السلطان عن سبب غياب الفضيلة، بل ضرورة التمسك به حتى لوكان فاسدا يسرق أمواهم ويضرب أبشارهم، لأن في ذلك درئ للفتنة التي هي عندهم أشد من القتل وخاصة إذا كان السلطان من ملّتهم. والأهم من كل هذا وذاك اعتبار أنفسهم الفرقة الناجية، وهذا ما ساهم ويساهم اليوم في ضرب الوحدة الوطنية وفكرة المواطنة التي تقول الدين لله والوطن للجميع.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا

.....................

الهوامش:

1- يراجع في ذلك – مقال " " مسألة الإيمان" –محمد عمر سالم بازمول – موقع جامعة ام القرى. كما يراجع ايضاً كتاب – (العواصم من القواصم في تحقيق موقف الصحابة بعد وفاة النبي (ص).) – لأبي بكر بن العربي- 543- 468 هـ

2- راجع الدعوة السلفية – محمود عبد الحميد العسقلاني- موقع واحة العقيدة.

3- يراجع كتاب - أثر الشاطبي في الفكر السلفي بالمغرب- إسماعيل الحسني ـ المؤلف: عبد الجليل بادو.

4- (براجع في هذا الاتجاه: رسالة صغيرة بعنوان: " لمحة عن الفرق الضالة" فضيلة العلامة د. صالح بن فوزان الفوزان. موقع منتدى الإسلام)

 

صادر جهاز الأمن الوطني، يوم أمس، كتاب "تخوم الوعي الديني" للصديق الدكتور علي المدن، خلال معرض بغداد الدولي، ومنع بيعه وتداوله، من دون تقديم أدنى توضيح بشأن الأسباب أو الحجج التي استندت إليها هذه المصادرة. وإنَّ مصادرةَ مثل هذه للكتب ومنعَ تداولها ونشرها ليست حادثةً ثقافيةً عابرة، وإنما هي حادثةٌ ثقافية -سياسية بامتياز. إذ لا يمتلك سلطةَ هذه المصادرة إلا من يمتلك سلطةً على المجال العام، كسلطةٍ سياسية أو أيديولوجية أو دينية. إنها سلطةُ الجماعات الدينية، وسلطةُ الأنظمة الأيديولوجية التي تحتكر المعنى، وتسعى إلى فرض تفسيرٍ واحدٍ للإنسان والعالم، وتضييق مساحة الأسئلة والنقد التي يمكن أن يتحرك فيها العقل خارج حدود ما ترسمه هذه الجماعات من يقينيات، تلتحم في الوجدان الشعبوي، وتلصق أفكارها في صدور الناس بدلًا من عقولهم. لقد اعتادت بعض الجماعات الدينية ومرجعياتها ممارسة الوصاية على الناس، ومراقبة إنتاجهم الثقافي والاجتماعي والسياسي، ومصادرة حقوقهم في التفكير والتعبير، والحدّ من قدرتهم على إنتاج وعيٍ حرّ ومستقل. وهي، في كثير من الأحيان، لا تستطيع مناقشة الأفكار التي تتضمنها بعض الكتب التي تنتقد المنظومة الدينية ومرجعياتها مناقشةً أكاديمية ومنهجية لأن النقد المنهجي، والتفحّص التاريخي، وإعادة قراءة الوقائع كما حدثت، وطرح السؤال "عمّا كان كما كان" قد يزعزع استقرار المنظومة الدينية وجماعتها، التي اعتادت تقديم نفسها بوصفها حقيقةً مكتملةً لا تقبل المساءلة. إنها، في جوهرها، علاقةُ السلطة الدينية ــ التي هي في أصلها سياسية ــ بالفكرة. فعندما تُصادَرُ الكتب، ويُمنَعُ القارئ من حقّه في القراءة والاطّلاع، ويُحرَم من حريته في التفكير فيما يقرأ، فإن الأمر لا يعود متعلقًا بكتابٍ بعينه، بل يصبح مصادرةً أوسع لمفهوم الإنسان، وتهميشًا لوجوده المعرفي والثقافي والاجتماعي. فالإنسان كائنٌ مفكّر، وحين ينفتح على القراءة، تتولّد في ذهنه الآراء والأفكار والرؤى الخاصة عن ذاته وعن العالم. وهذه الرؤى ليست معطياتٍ جاهزة، بل هي وليدة أسئلته الخاصة، المنبثقة من صميم وعيه، ومن تجربته الفكرية والمعرفية. لا تريد الجماعات والمؤسسات الدينية والقومية السياسية ومرجعياتها من الإنسان ان يكون حراً بهذا الشكل. ولهذا، تلجأ إلى مصادرة الكتاب بدلًا من مناقشته، وإلى إسكات الفكر بدلًا من إبطال حججه أو تفنيدها. وهنا تحديدًا تكمن خطورة المصادرة. فهي، مثلما تخشى الكتاب وكاتبه تخشى القارئ، وما يقرؤه بحرية، وما يفكّر فيه بحرية، وما ينتجه من أسئلةٍ خاصة به

***

بهاء سوادي - باحث في قضايا تجديد الفكر الديني وعلم الكلام الجديد

في سياق حديثي عن ذلك القتل الرمزي للمواطنين، الذي تمارسه طبقات من أصحاب المال والنفوذ، ومن يسمون أنفسهم بفاعلي الحياة ومهندسيها، بينما لا يتركون وراءهم سوى خراب المعنى، قرأت مقالا ذكيا للكاتب المصري أحمد شوقي علي، نشرته صحيفة "المدن" اللبنانية، تحت عنوان لافت: ّكيف عاشت العصابة فوق جثث قتلاها؟".

ما استوقفني في المقال ليس فقط ذاك السؤال البدهي : لماذا قتلت ريا وسكينة ضحاياهما؟، وإنما سؤال: كيف استطاعتا أن تعيشا فوق جثث من قتلتا؟. فهناك فرق هائل بين السؤالين. فبينما سؤال "لماذا؟" يبحث عن الدافع، عن الفقر والحاجة والجهل والبيئة والظروف الاجتماعية والنفسية التي قد تفسر انحراف الإنسان. فإن سؤال "كيف؟" يذهب إلى تفكيك منطق القدرة على الاستمرار في الحياة بعد أن يصبح موت الآخر جزءا من حياتك. فنروم إلى البحث عن إجابات مقنعة عن : كيف يأكل القاتل؟ كيف ينام؟ كيف يضحك؟ كيف يمشي في الشارع؟ كيف يتحدث عن الأخلاق، ويصافح الناس، ويحتفل، ويصنع لنفسه صورة المواطن المحترم، بينما يقيم في مكان ما من ذاكرته فوق جثة إنسان كان يمكن أن يعيش؟

ولعل آفة الأدب والفلسفة حين تتحول إلى مجرد صناعة للتبرير أنها بارعة في رد انحطاط الإنسان إلى الظروف، وفي صناعة سلسلة من الأسباب التي تجعل الجريمة تبدو، في نهاية التحليل، نتيجة شبه حتمية لسياق اجتماعي أو نفسي أو تاريخي. نبحث عن "لماذا" حتى نكاد نعفي الإنسان من مسؤوليته، ونفكك الدوافع حتى ننسى أن هناك ضحية سقطت فعلا.

بيد أن سؤال "كيف؟" يرفض هذا العزاء التفسيري. إنه لا يسأل عن الجريمة لحظة وقوعها، وإنما يسأل عن الحياة التي تستمر بعدها. عن ذلك الاعتياد المرعب الذي يجعل الإنسان قادرا على التعايش مع آثار ما اقترفت يداه، وعلى تحويل جثة الآخر إلى تفصيل صامت في هندسة حياته اليومية.

وأجدني أستعيد هذا السؤال الذي ظل يتردد في داخلي مرات كثيرة دون أن أنتبه إلى أصله الفلسفي: كيف يمكن للإنسان أن يعيش فوق جثث قتلاه دون أن يهتز قلبه؟. فهو سؤال يتجاوز "ريا وسكينة" إلى صورة أوسع للإنسان حين تتحول الضحية إلى رقم، والفقر إلى قدر، والمرض إلى إحصاء، والجوع إلى مشهد عابر، والإذلال إلى إجراء إداري، والموت البطيء إلى تكلفة من تكاليف "التنمية" و"السوق" و"المصلحة"؟

وربما هنا تكمن إحدى أكثر صور القتل حداثة: أن تقتل الإنسان دون أن تضطر إلى رؤية موته. فالقاتل القديم كان يواجه ضحيته وجها لوجه. أما القتل المعاصر فقد أصبح أكثر أناقة؛ تتوزع مسؤولياته على مكاتب وشاشات وتوقيعات وأرقام وحسابات بنكية وقرارات إدارية، بحيث لا يرى أحد الجثة كاملة، ولا يشعر أحد بأنه القاتل.

يمكن أن نستعير، مجازا، مشاهد السخرة والعبودية والقتل البطيء لنقرأ بعض ما يجري حولنا اليوم. تغيرت الأدوات، وتبدلت اللغة، وتأنقت أشكال السيطرة، لكن السؤال الأخلاقي ظل في جوهره واحدا: كيف يستطيع الإنسان أن يبني رفاهيته فوق تعب الآخرين، وأن يصنع مجده من انكسارهم، وأن يواصل حياته طبيعيا بينما هناك من يدفع ثمن هذه الحياة من جسده وكرامته ومستقبله؟.

ووفق هذا التصور، يصبح القتل الرمزي أخطر من القتل المباشر؛ لأنه لا يترك جثة يمكن الإشارة إليها، وإنما يترك إنسانا حيا، لكنه منزوع القدرة على الحلم، منزوع الصوت، منزوع المكانة، ومحروما من حقه في أن يكون مواطنا كاملا.

وهؤلاء الذين يعيشون بيننا، ممن يراكمون الثروة والنفوذ على أنقاض الآخرين، لا يحتاجون بالضرورة إلى سكين كي يكونوا قتلة. يكفي أحيانا أن يقرروا أن حياة إنسان أقل قيمة من هامش الربح، وأن كرامته أقل أهمية من صفقة، وأن حقه في العيش لا يساوي شيئا أمام مصالحهم.

ولعل الفارق بين ريا وسكينة وبعض قتلة الحاضر أن الأولى كانت، في المخيال الاجتماعي والتاريخي، تتحرك داخل عالم من الحاجة والفقر والجهل والجريمة المباشرة؛ أما القتل المعاصر فقد يرتدي أحيانا بدلة أنيقة، ويتحدث لغة القانون، ويجلس في مكاتب مضاءة، ويملك من المال ما يجعله غير مضطر إلى السرقة، ومن السلطة ما يجعله غير مضطر إلى العنف الظاهر.

إنه قتل بلا دماء مرئية. قتل تمارسه شياطين الطمع، ونرجسية القوة، ووهم الامتلاك، حين يصبح الآخر مجرد مادة قابلة للاستهلاك، ومجرد رقم في دفتر الحسابات، ومجرد عائق ينبغي إزاحته من الطريق.

ثم يتبادر إلى ذهننا سؤال آخر، ليس أقل أهمية من سابقيه: لماذا يفعلون ذلك؟. فقد نجد ألف تفسير. ثم ينط آخر: كيف يستطيعون أن يعيشوا بعد ذلك؟ كيف ينامون؟ كيف يأكلون؟ كيف يضحكون؟ كيف يحتفلون بنجاحاتهم؟ كيف ينظرون إلى أطفالهم؟ وكيف يستطيع القلب أن يظل قلبا، حين يتحول وجع الآخرين إلى شرط من شروط رفاهه؟

ربما يبدأ انهيار الإنسان الحقيقي في اللحظة التي يتوقف فيها عن رؤية الجثة التي صنعها، حتى وإن كانت تلك الجثة لا تزال تمشي أمامه. فلا تعود إذن المسألة مسألة جريمة فحسب، وإنما تصبح مسألة ضمير. فالإنسان لا يعرف فقط بما يفعله بالآخرين، وإنما أيضا بقدرته على أن يرى أثر فعله فيهم.

وأخطر ما يمكن أن يحدث لمجتمع هو أن يصبح القتل فيه عاديا، والظلم مألوفا، والإذلال إجراء روتينيا، وأن يتعلم الناس كيف يعيشون فوق جثث ضحاياهم دون أن يسأل أحد: من قتل هؤلاء؟

أما الأشد رعبا فهو: كيف استطاع القاتل أن يواصل حياته وكأن شيئا لم يحدث؟.

*** 

د مصطفـــى غَلْمـــان

من أجل قرار عربي وإسلامي، ومسيحي موحّد يمنعها قانونيًا ويحجبها تقنيًا

أكدت دراسات كثيرة: عربية وامريكية وكندية واوربية وهندية، أن الاستخدام المتكرر للمواقع الإباحية، والتعرض للإباحية العنيفة، يرتبطان بأضرار تتجاوز الفرد إلى الأسرة والمجتمع. (قائمة الدراسات في التعليق الأول).

أولًا، إضعاف الحياة الزوجية، من خلال انخفاض الرضا العاطفي والجنسي، والمقارنة الدائمة، وفقدان الثقة، والخيانة الرقمية، وارتفاع حالات الطلاق. بسبب تصاعد النزاعات الزوجية والعنف الأسري.

ثانيا، تشجيع العلاقات المحرمة والاعتداء الجنسي داخل الاسرة، لان الكثير من هذه الافلام تدعي زيفا بانها بين أفراد نفس الأسرة.

ثالثا، التأثير في الأطفال والمراهقين، بتقديم الإباحية بوصفها مصدرًا مبكرًا ومشوّهًا للمعلومات الجنسية، وتشجيع تقليد ممارسات ضارة وخطرة.

رابعا، تطبيع إذلال المرأة والعنف الجنسي، وتحويل الإكراه والممارسات المهينة والاعتداء داخل الأسرة إلى مشاهد مثيرة وعادية قابلة للتقليد.

خامسا، تغذية الاستعدادات العدوانية والخطرة الموجودة أصلًا لدى بعض الأشخاص، وزيادة احتمال الاعتداء الجنسي، خصوصًا مع مشاهدة الإباحية العنيفة والمتطرفة.

المقترح العملي

أولًا، تتقدم مجموعة من الدول العربية والإسلامية، وكذلك دولة الفاتيكان، ومؤسسات دينية مسيحية وهندوسية وبوذية وغيرها، بمشروع إلى الأمم المتحدة، يعترف بأن الإباحية تمثل خطرًا صحيًا وأسريًا واجتماعيًا واقتصاديًا عالميًا، ويدعو إلى منعها قانونيًا وماليًا وتقنيًا. علمًا بأن كثيرًا من هذه المواقع يعمل بصورة قانونية من دول غربية.

ثانيًا، إذا تعذر الاتفاق العالمي، تتولى جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والاتحاد الأفريقي تأسيس اتفاقية مشتركة بين الدول الراغبة.

ثالثًا، إنشاء (لجنة تقنية دائمة) من المتخصصين، تستفيد من خبرات الدول التي نجحت في حجب مئات الآلاف من المواقع الإباحية (الصين، إيران، السعودية، الإمارات، إندونيسيا، باكستان، وبنغلاديش)، وتتولى رصد المواقع والتطبيقات والعناوين البديلة، وإصدار قوائم حجب موحدة ومتجددة، بما يجعل الحجب الجماعي أكثر شمولًا وفعالية.

رابعًا، إلزام شركات الإنترنت ومحركات البحث ومتاجر التطبيقات بتنفيذ الحجب داخل الدول المشاركة.

خامسًا، منع البنوك وشركات الدفع والإعلان والاستضافة من تمويل هذه الصناعة أو تسهيل نشاطها داخل الدول المشاركة.

نعم، يستحيل تقنيًا منع هذه المواقع منعًا كاملًا، إذ توجد دائمًا وسائل للالتفاف على الحجب. لكن الحجب سيحد من الوصول السهل واليومي إليها، ويحمي خصوصًا الأطفال والمراهقين والغالبية التي لا تمتلك وسائل تقنية لتجاوزه.

ومن المهم جدا، أن يرافق الحجب توعية دينية وإعلامية ومدرسية وعائلية، مع تطبيق العقوبات القانونية.

***

سليم مطر ـ جنيف

https://selimmatar.com/

...................

المصادر:

هذه قائمة بالبحوث العربية والاجنبية عن هذه المشكلة الكبرى:

إدراك المراهقين لمخاطر المضامين الإباحية بالهاتف الخلوي: دراسة ميدانية مقارنة بين طلاب المدارس المصرية والبحرينية

https://journals.ku.edu.kw/aass/index.php/aass/article/view/1039

............

الاضطرابات العقلية الناتجة عن الإدمان على تصفح الشباب المغاربة للمواقع الإباحية

https://doi.org/10.52133/ijrsp.v4.47.15

..............

تأثير تجارب الطفولة الضارة على إدمان استهلاك المواد الإباحية

https://www.ijohss.com/index.php/IJoHSS/article/view/645

............

نهج تكاملي لعلاج إدمان استهلاك المواد الإباحية

https://journals.ajsrp.com/index.php/jeps/article/view/7156

.....................

Pornography Use Prevalence and Associated Factors in Arab Countries: A Multinational Cross-Sectional Study of 15,027 Individuals

https://doi.org/10.1016/j.jsxm.2020.12.011

.....................

Assessment of Problematic Pornography Use Among Lebanese Adults and the Role of Child and Partner Abuse

https://doi.org/10.4088/PCC.21m03208

.....................

عن حالة الهند:

Pornography and Sexual Violence Against Women in India: A Scoping Review

https://doi.org/10.1177/26318318211023935

..................

The Relationship Between Pornography Use and Harmful Sexual Attitudes and Behaviours

https://www.gov.uk/government/publications/the-relationship-between-pornography-use-and-harmful-sexual-behaviours

..................

Pornography Consumption and Satisfaction: A Meta-Analysis

....................

The Impacts of Sexual Media Exposure on Adolescent and Emerging Adults’ Dating and Sexual Violence Attitudes and Behaviors: A Critical Review of the Literature

https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/29333966/

................

A Lot of It Is Actually Just Abuse”: Young People and Pornography

https://www.childrenscommissioner.gov.uk/resource/a-lot-of-it-is-actually-just-abuse-young-people-and-pornography/

.............

Pornography Use Prevalence and Associated Factors in Arab Countries: A Multinational Cross-Sectional Study of 15,027 Individuals

......................

Assessment of Problematic Pornography Use Among Lebanese Adults and the Role of Child and Partner Abuse

https://doi.org/10.4088/PCC.21m03208

هناك اعتقاد شبه راسخ في الفكر العربي بأن الطائفية لها جذور عميقة في التاريخ العربي والإسلامي مما يوحي بإن الفكر الطائفي والمذهبي متجذّر في المجتمع العربي. وإن هناك العديد من أفراد المجتمع العربي والإسلامي يعتقدون جازمين بأن جذور الطائفية المذهبية عميقة في المجتمع العربي والإسلامي، وإن هذه الجذور وجدت منذ بدايات التاريخ الإسلامي. فمثلاً، يعتقد البعض أن جذور الطائفية قد ترجع إلى حادثة سقيفة بني ساعدة التي حدثت بعد وفاة الرسول (ص). والحقيقة إن كل هذه الآراء والمعتقدات غير صحيحة ولا تتماشى مع الوقائع التاريخية. وأنها في الحقيقة أحداث ودوافع سياسية، ليست دينية ولا مذهبية، وإنما هي فُرضت على المجتمع العربي، وصدّقها العقل العربي، وأخذ يتعامل بها على أساس أنها جزء من تكوين المجتمع الإسلامي.

وقد لا يختلف اثنان على ما وصل إليه المجتمع العربي في الوقت الحالي من تشظّي وفرقة بين أفراد المجتمع، وما وصل إليه العرب من وضع متردي ومزرى، متمثلاً بانتشار واضح للطائفية والمذهبية والتعصب المفرط، مما جعل المنطقة تعيش أحداثاً جسيمة اتصفت بالكراهية وانتشار العنف والقتل. ويمكن القول بإلقاء الّلوم على أفراد المجتمع العربي أنفسهم، وذلك لأنهم أصبحوا يعتنقون ويتعاملون بالأفكار الطائفية المتشددة تجاه أفراد شعبهم من المذاهب المخالفة لعقيدتهم، وليس فقط التعلل بالاستعمار الذي بذر بذور الفكر الطائفي في المجتمع العربي.  ويمكن أيضاً تفسير ظاهرة تعامل أفراد المجتمع العربي بالأفكار الطائفية بأنها نتيجة لسيطرة أفكار الكراهية والتطرّف والعنف على سلوك الفرد في المجتمع العربي وتغلغلها في عقول الناس فتحولت ثقافة المجتمع من ثقافة التسامح إلى ثقافة التهميش والإقصاء. 

وإذا لم تكن الطائفية أو المذهبية المتشددة متجذرة في الفكر العربي أو الإسلامي، فمتى نشأت وكيف ظهرت في المجتمع العربي الإسلامي، ولماذا وصلت إلى مراحل قياسية ومتقدمة من العنف والانتشار؟

ما المقصود بالطائفية والفكر الطائفي

على الرغم من الانتشار الواسع لمصطلح الطائفية وكثرة تداوله بين أفراد المجتمع العربي إلاّ أن هناك بعضاً من عدم وضوح في المعنى الحرفي للمصطلح عند أفراد المجتمع العربي. فقد نرى البعض يتكلم أو يتصرف بفكر طائفي من دون أن يشعر بذلك، بحيث أنه عندما يواجه بكونه طائفياً فإنه سينزعج وينفي علاقته بالطائفية، ولو كان يعي المعنى في مصطلح الطائفية لأبتعد عنها.

وقد تتفق بعض المراجع الثقافية على تعريف الطائفية بأنها "ظاهرة اجتماعية وسياسية تقوم على الانحياز المفرط والتعصّب الأعمى لجماعة دينية أو مذهبية محددة"، وهذا التعريف يشير إلى الانتماء المتعصّب أو الولاء المفرط لطائفة دينية أو لمذهب معين فقط دون أن يشمل التعرض للرأي الآخر الذي يمثل العامل المهم والحاسم في معنى الطائفية. وفي الحقيقة فإن هذا التعريف هو مجرد حديث ثقافي فلسفي لا يتماشى مع الواقع ولا مع ما يحدث في الواقع. إن مجرد دفاع فرد عن طائفته أو دينه أو مذهبه، حتى لو كان دفاعاً متشدّداً ومفرطاً، لا يضعه في مفهوم الطائفية المقيتة طالما كان دفاعه محصوراً في مجال إيمانه بدينه أو مذهبة ولا يعتدي على أفكار ومعتقدات الطوائف الأخرى. وعلى ذلك فالطائفي هو من يهاجم ويزدري وينتقص من احترامه للمذاهب الأخرى، خصوصاً المخالفة لعقيدته، بهدف تهميشهم وإقصاءهم من المجتمع. وليس الطائفي هو من يدافع عن دينه أو مذهبه ولا يتعرض للمذاهب الأخرى. فعلى سبيل المثال؛ المسلم يدافع عن الإسلام والمسيحي يدافع المسيحية، ومثلهم اليهودي والسني والشيعي. وكل هؤلاء لا يكونوا طائفيين إلاّ عندما يستهدفوا ويحاربوا الطائفة الأخرى التي تخالف دينهم أو معتقدهم. وإذا حدث ذلك الازدراء، فإن الطائفة الأخرى سترد عليهم، فتنشأ الكراهية والتفرقة بين أفراد المجتمع، وقد تؤدي إلى الاقتتال بينهم. والعبرة هنا؛ أن تفتخر بدينك أو مذهبك فقط، دون أن تتعرّض للرأي الآخر، فهو مقبول، لكن أن تزدري وتنتقص من اعتقاد أو مذهب غيرك من الناس فهذا فكر طائفي بغيض مشحون بالكراهية ضد المذاهب أو الطوائف الأخرى ويحب تجنبه والابتعاد عنه.

هل هناك جذور للطائفية في التاريخ الإسلامي

يمكن اتخاذ أحداث من التاريخ الأوروبي كوسيلة قياس لإثبات ما إذا وجدت أفكار طائفية أو حروب أو معارك طائفية في التاريخ الإسلامي أم لا. وذلك لأن هناك أحداثاً حدثت في التاريخ الأوروبي الوسيط والحديث جسّدت مثالاً نموذجياً لمفهوم الحروب الطائفية الدينية واستعمال الفكر الطائفي في المجتمعات البشرية. من الأمثلة المشهورة والمعروفة ما ارتكبه الصليبيون من جرائم عندما احتلوا مدينة القدس اثناء الحملة الصليبية الأولى (عام 1099م). فقد قتلوا كل من كان في المدينة من رجال ونساء وأطفال وشيوخ وبوحشية رهيبة، مدفوعين بكراهيتهم للمسلمين، وباعتقادهم بأن المسلمين اغتصبوا منهم مدينة القدس، وبإيمانهم بأنهم سيكافئون بالجنة إذا قتلوا المسلمين الأشرار. ولا بد من ذكر ما فعله الإسبان باليهود والمسلمين بعد أن استعادوا الأندلس فهجّروا وعذّبوا وقتلا كل من بقي في الأندلس من يهود ومسلمين. وخير مثال يمكن ذكره للتعبير عن الطائفية المذهبية هو حروب الكاثوليك ضد البروتستانت التي استمرت ثلاثون عاماً، قتل فيها ما يقرب من ثمانية مليون مسيحي معظمهم من البروتستانت. وقد حدثت هذه الحروب نتيجة التعصّب الطائفي الكاثوليكي عندما اعتبروا البروتستانت طائفة خارجة عن مذهبهم الأساسي للمسيحية فكفّروهم وأهدروا دمائهم.

وفي التاريخ الحديث، ما زلنا نذكر حروب الصرب الأرثوذوكس المتطرّفين على مسلمي البوسنة والهرسك وما فعلوه من جرائم تطهير عرقي يندى لها الجبين مع ملاحظة السكوت التام للدول الأوروبية على تلك الجرائم ومحاولة تغطيتها والتقليل من أهميتها.

لو استذكرنا التاريخ الإسلامي منذ بداياته ولغاية سقوط الدولة العثمانية، وبحثنا عن حروب ومعارك أو أفكار توصف بالطائفية المذهبية، فإننا سوف لن نعثر على أحداث مشابه لما ذكر أعلاه في التاريخ الأوروبي. وستُذكر الأندلس كمثال نموذجي ساطع للتسامح الديني والمذهبي خلال مسيرة التاريخ. في السنين الأخيرة من عمر الدولة الأموية والدولة العباسية عندما ظهر فقهاء الدين الكبار المعروفين والمشهورين، كانوا مثالاً جيداً للتسامح المذهبي واحترام الرأي الآخر، ولم يظهر الفكر الطائفي عند أي منهم بل على العكس كانوا يكنّون الود والاحترام بعضهم للبعض.

من المعارك الكبرى التي حدثت في التاريخ الإسلامي ووصفت بأنها طائفية هي: معارك الجمل وصفين والنهروان. وفي الحقيقة، فهي معارك لا يمكن وصفها بالمذهبية أو الطائفية لأن المذاهب السنية والشيعية لم تكن قد وجدت بعد خلال تلك الحقبة الزمنية، بالإضافة إلى إن الصراع كان حول الخلافة، أي بين مبايعي الخليفة وبين من رفضوا البيعة، لذلك فهو صراع سياسي. من هنا يتبين الخطأ في التفسير والتأويل للتعبير عن هذه المعارك.

ومن الأخطاء الشائعة أيضاً، توصيف الصراع الصفوي العثماني بأنه صراع مذهبي / سني شيعي. ولتأكيد خطأ هذا الاعتقاد فإن معظم المصادر التاريخية الموثوقة تجمع على إنه صراع سياسي بامتياز، وإنه ليس صراعاً مذهبياً. فعندما تأسست الدولة الصفوية على يد الشاه إسماعيل الصفوي عام 1501م، الذي فرض المذهب الشيعي في بلاد فارس بدلاً من المذهب السني الذي كانت تعتنقه البلاد، ثم احتلال الصفويون للعراق عام 1508م، فإن سلاطين الدولة العثمانية لم يحركوا ساكناً تجاه نشر التشيع في بلاد فارس ومحاربة التسنن فيها لغاية عام 1517م عندما قرر السلطان العثماني سليم الأول القضاء على الدولة الصفوية، أي بعد ستة عشر عاماً من نشر وترسيخ المذهب الشيعي في بلاد فارس. فإذا كان الصراع مذهبياً كما يشاع، فلماذا تأخر الهجوم العثماني ستة عشر عاماً، علماً أن الدولة العثمانية كانت أقوى دولة في العالم ولا تحتاج إلى وقت طويل للتعبئة للحرب. وتذكر المصادر التاريخية أن سبب الهجوم العثماني على الصفوي إنما حدث بسبب أن الصفويون كانت لهم أطماع توسعية في الأراضي العثمانية وليس لأسباب مذهبية كما يصوّره البعض. وشاهد آخر على إن الصراع لم يكن مذهبياً، هو عدم اهتمام السلطان العثماني بالقضاء على التشيّع في بلاد فارس وإعادتها للمذهب السني بعد احتلاله بلاد فارس، إذ أنه ترك المذهب الشيعي في بلاد فارس على ما هو. وفي عام 1534م قام السلطان سليمان القانوني بمهاجمة الصفويين مرة ثانية، بعد أن أعادوا بناء دولتهم الشيعية، واحتل سليمان القانوني العراق وألحقه بالإمبراطورية العثمانية. لكن السلطان العثماني أيضاً لم يحارب المذهب الشيعي ولم يفرض المذهب السني على البلاد التي فتحها وترك الحال على ما هو. فلماذا يوصف هذا الصراع بالمذهبي؟

وقد يذكر التاريخ الإسلامي في زمن الدولة العباسية، أنّ خلافات واشتباكات حدثت بين بعض المتشددين من اتباع المذاهب الفقهية مثل الحنفية والشافعية والمالكية، لكن هذه الصراعات، إن كانت قد حدثت فعلاً، لم تخرج عن حالة العراك بالأيدي أو استعمال الخناجر والسكاكين، وبنطاق محدود جداً. لكن يمكن وصف غارات الوهابيون على النجف وكربلاء بين 1801 و 1811م بالطائفية لأنها حدثت بسبب تكفير الوهابيون للمذاهب التي لا تتماشى مع عقيدتها، وقد حاربتهم الدولة العثمانية وشتتهم وأنهت دولتهم في ذلك الزمان.

متى ظهرت الطائفية في المجتمع العربي

من كل ما تقدم سرده من ملاحظات تاريخية يمكن الاستنتاج بإن ظاهرة الطائفية أو استعمال الفكر الطائفي ظهرت حديثاً في المجتمع العربي والإسلامي، وتحديداً منذ بداية النصف الثاني من القرن الماضي. وليس هناك شواهد تاريخية لأحداث طائفية عنيفة حدثت في التاريخ العربي والإسلامي قبل هذا التاريخ. 

كان الناس في المجتمعات العربية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي أو حتى قبلها، لا يعرفون دين أو مذهب أقرانهم أو جيرانهم أو أصدقائهم أو زملائهم في الجامعة أو الوظيفة، ولا يهتمون ولا يبحثون عن انتمائهم الديني أو المذهبي، فلم يكن هناك وجود للفكر الطائفي في تلك الحقب الزمنية. وكثير منّا قد عايش هذه الحالة ويذكرها بتفاصيلها. كان الناس فقط يعرفون بعضهم بعضاً كزملاء أو أصدقاء من مجتمع واحد. فالعلاقات الاجتماعية كالزواجات والاحتفالات والعلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع من مختلف المذاهب والطوائف والأديان كانت مبنية على الاحترام والتسامح كأفراد مجتمع واحد وملة واحدة.

كيف بدأ الفكر الطائفي إذن؟

بدأ الفكر الطائفي بالظهور في المجتمعات العربية في سبعينيات القرن الماضي، ثم أخذ يترسخ ويزداد حدّة وانتشاراً ببطء شديد حتى وصل إلى ما نحن فيه الآن. في الستينات وما قبلها ظهرت بعض الحركات الإسلامية المتشددة لكنها كانت محدودة جداً وغير مؤثرة وتسعى للإثبات وجودها.

في سوريا

في سوريا، على سبيل المثال، ظهرت أول بذور للطائفية متمثلة بالعداء السني / العلوي بعد أن أصبح حافظ أسد رئيساً للجمهورية السورية، أثر انقلاب قام به عام 1971م، ومن ثم تحالفه مع حكومة إيران في زمن الخميني. فبدأت الرسائل والشعارات (وهي شائعات كاذبة ومضللة) تصل إلى الشعب السوري متهمةً الحكم بأنه حكم أقلية علوية (كانت تعرف بالنصيرية) لأكثرية سنية، بغرض تفكيك المجتمع السوري عن طريق ترسيخ الفكر الطائفي بين الناس ونشر الكراهية بينهم. وفي عام 2011م ظهرت الفصائل الإسلامية السنية الطائفية المتشدّدة على شكل معارضة شعبية هدفها محاربة النظام العلوي الذي وصف بالمجرم. نتج عن ذلك تدمير الدولة والشعب السوري كما هو معروف. وما زلنا نشاهد تبعات تلك الدعوات الطائفية. والسبب في نجاح هذا النهج الطائفي هو تصديق بعض أفراد الشعب السوري لتلك الدعوات الطائفية، الكاذبة والمضللة، والمدمرة وممارستهم لها ضد أفراد شعبهم. 

في مصر

وفي مصر كان الصراع الطائفي بين المسلمين والأقباط المسيحيين، وذلك لعدم وجود أقلية شيعية مؤثرة وقادرة على مواجهة الجماعات السنية المتطرفة وقتالها، فاستبدلت الطائفة الشيعية بالمسيحيين الذين يشكلون نسبة مؤثرة (10%) من المجتمع المصري. في عام 1972م حدثت الشرارة الطائفية الأولى في مصر (حادثة الخانكة) عندما حاول انتحاري تفجير كنيسة. بعدها أخذ الفكر السلفي والوهابي المتطرف والمشحون بخطاب الكراهية بالازدياد في مصر. في عام 1981م اشترى مسيحي مصري قطعة ارض ليبني عليها كنيسة، فبرز له الإسلاميين المتشددين لمنعه من ذلك، والنتيجة كانت صدامات عنيفة أسفرت عن قتلى وجرحى كثيرين (سميت بأحداث الزاوية الحمراء). بعدها تكررت حوادث حرق وتفجير الكنائس في مصر لسنوات عديدة اسفرت عن تفجير عدد كبير من الكنائس وترهيب المسيحيين في مصر. بعد عام 2011م ظهرت الحركات السلفية المتشدّدة لتزيد الموقف سوءً. لكن الدولة المصرية والجيش المصري حاربوا تلك الحركات المتطرفة، وحثوا العقلاء من الشعب المصري للتقارب والتعايش بين الأديان فحدًت من شدة الصراع، وتمكنوا من احتواء الشّد الطائفي.

في العراق

أما في العراق فقد كان للطائفية شكل مروّع ورهيب. وما زلنا نشاهد آثارها حتى اليوم. بدأت الشرارة الأولى للطائفية في العراق خلال الحرب العراقية الإيرانية، في ثمانينيات القرن الماضي، عن طريق ترويج رسائل كاذبة ومضللة (كنوع من خطاب الكراهية)، إلى الشعب العراقي تصف الإيرانيين بالفرس المجوس كصفة ذم. وانتشرت المقولة وشاع استعمالها بين الناس وصاحبها اضطهاد الشيعة العراقيين ذوي الأصول الإيرانية على أساس أنهم موالين لحكم الخميني وعملاء له. وحدثت حملة تهجير قسري لهؤلاء العراقيين إلى إيران، وسجن بعضهم، وقتل العلامة محمد باقر الصدر واخته لنفس السبب. في عام 1991م حدثت الانتفاضة الشعبانية في محافظات وسط وجنوب العراق، ذات الأغلبية الشيعية، للتخلص من حكم صدام حسين إثر هزيمة الجيش العراقي في حرب الخليج الثانية واستسلامه للقوات الأمريكية. ونجحت الانتفاضة وكادت أن تُسقط الحكم إلاّ أن قراراً أمريكياً أتخذ بمشورة بعض الدول العربية والخليجية دعا إلى بقاء نظام حكم صدام حسين بدلاً من استبداله بحكمٍ شيعي، فبدأ النظام باستخدام قواته العسكرية والأمنية للقضاء على الانتفاضة. وحدثت جرائم قتل وتعذيب مروّعة راح ضحيتها الآلاف من الشعب العراقي. وكنتيجة لكل ما عانى منه الشعب العراقي من مأسي وويلات مدمرة انتشرت الكراهية العمياء بين أفراد الشعب العراقي من السنة والشيعة بسبب الشائعات الكاذبة والمضللة التي بثت إلى العراقيين. وأضحى ألبعض من السنة والعسكريين مقتنعين تماماً بأن إيران والشيعة هم السبب في كل ما حدث ويحدث للعراق. وعلى الرغم من عدم وجود حجة أو دليل قاطع يؤكد صحة هذا الاعتقاد إلاّ أنهم بقوا مصرّين على هذه القناعة.

وفي عام 2003 احتلت القوات الأمريكية العراق وانهارت الدولة العراقية، وتم حلّ الجيش العراقي والمؤسسات الأمنية وكل مفاصل الدولة. وفتحت الحدود لكل من هب ودب، ودعيت الفصائل الإسلامية المتطرفة لتُحارَب داخل العراق وليس داخل بلدانهم، كما قال الرئيس بوش. عاش العراقيون سنين عديدة من القتل العشوائي الممنهج، ونُشر الغل والحقد والكراهية الطائفية لتدمير الشعب والبلد. وبُنيَ النظام السياسي الجديد في العراق على أساس طائفي فاشل بقيادات عميلة فاسدة منحطة. في عام 2006 حدث تفجير مرقد الإمامين على الهادي والحسن العسكري في مدينة سامراء، وتسبب هذا الحدث في اندلاع حرب طائفية شرسة انتشرت على أثرها عمليات قتل وتصفيات على الهوية، وصاحبها تدمير وحرق مساجد للسنة مما تسبب في قتل المئات من العراقيين الأبرياء. وتم تهجير الشيعة من مناطق السنة وتهجير السنة من مناطق الشيعة مما عمق الانقسام الطائفي. فوصل العراق إلى ما وصل إليه.

استنتجت التحقيقات الرسمية أن أبي مصعب الزرقاوي هو المدبر لتفجير مرقد الإمامين، لكن الكثير من العراقيون يعتقدون أن هناك أيادي خارجية وراء العملية. وكدليل على وجود أيادي خارجية في إحداث الطائفية لابد من ذكر حادثة سجن البصرة التي وقعت في البصرة عام 2005. فقد استوقفت دورية من الشرطة العراقية جنديان من المخابرات البريطانية كانا متنكّران بملابس عراقية مدنية ويضعان شعاراً مستعاراً في سيارة مدنية مملؤة بالأسلحة والمتفجرات وأجهزة اتصال متطورة. وتم اعتقالهم في سجن البصرة. بعد الاعتقال بساعات حاصرت دبابات تابعة للقوات البريطانية سجن البصرة وهدمت جدرانه وأطلق سراح كل السجناء فيه، وحرروا الجنديين البريطانيين وأخذوهم إلى القاعدة البريطانية كي لا ينكشف دورهم في اعمال التخريب. ثم أسدل الستار على الحادث وتم التعتيم عليه ليصبح في طي النسيان.

العبرة في المقال

إن الطائفية ليس لها جذور في المجتمع العربي والإسلامي. وإن الطائفية حديثة الظهور في المجتمع العربي. وقد ظهرت لأسباب وعوامل سياسية بحتة، مدروسة ومدبرة، وتُشكّل خطاب كراهية ينتشر في المجتمع العربي ليحدث التفرقة والخراب. وقد نجحت الطائفية في التغلغل في عقل وثقافة المجتمع العربي. لأنهم مع الأسف، صدقوها وآمنوا بها، ومارسوها على أفراد مجتمعهم.

ولمحاربة الطائفية والتخلص منها، فإن على النخبة من أفراد المجتمع العربي تعليم وتوعية الشعب لنبذ الطائفية ومحاربة خطاب الكراهية والتأكيد على اعتماد ثقافة التسامح واحترام آراء الآخرين وعقائدهم مهما كانت غير متوافقة مع عقائدهم، وعدم ازدراء آراء الآخرين، فلكل فرد في المجتمع كل الحق فيما يعتقده وما يسلكه من شعائر دينية يقدسها ويعمل بها ما دامت ضمن نطاق القانون.

***

د. صائب المختار 

 

ثمة لحظات تهتز فيها الأرض تحت أقدامنا، فنكتشف فجأة هشاشة الكائن الذي ظن طويلًا أنه قادر على إخضاع الطبيعة والسيطرة على قوانينها. فالزلزال لا يستأذن أحدًا، والفيضان لا يميز بين إنسان وآخر، والإعصار لا يسأل عن هوية ضحاياه، والبركان لا يفرق بين غني وفقير. الطبيعة، حين تستعيد قوتها، تضع الإنسان أمام حقيقته الأولى: كائن أرضي هش، يعيش داخل نظام طبيعي أكبر منه، ولا يستطيع أن يضمن بقاءه إلا بالمعرفة والتعاون والتكيف وتلك وظيفة الدول الحقيقية بوصفها معنية بالسياسة أي «الزمن الذي لا يمر»؛ لأنها حضور وتفاعل مستمران، وانشغال دائم للكائن الاجتماعي السياسي، بالطبع والتطبع. وليس بمقدور أحد أن يتجاوز استحقاقاتها أو يهرب منها. إذ يعاود سؤال السياسة الغائبة الحضور دائمًا، مثل الجرح النازف الذي لا يندمل. السياسة ليست حدثًا عابرًا في حياة المجتمعات، وإنما هي الإطار الذي تتشكل داخله شروط الحياة اليومية للناس، من الأمن إلى التعليم، ومن الاقتصاد إلى الصحة، ومن العمران إلى إدارة الأزمات والكوارث.

فالسياسة تمارس تأثيرًا طاغيًا في حياة الناس؛ أشد وأبعد مدى من تأثير كثير من تقلبات الظواهر الطبيعية: المناخ، والحر والبرد، والجدب والخصب، والفيضانات والرياح والعواصف والزلازل والبراكين وغيرها.

فالطبيعة قد تضرب المجتمع ضربة مفاجئة، لكنها لا تحمل في ذاتها مشروعًا لإدامة الألم. أما السياسة حين تفسد، فقد تتحول إلى كارثة مستمرة، تعيد إنتاج نفسها، وتضعف قدرة المجتمع على مقاومة الكوارث الأخرى.

أظهر فيضان نيبال الكارثي هذا التداخل بين الطبيعة والسياسة. فالمياه والانهيارات الجليدية والصخرية ظواهر طبيعية، لكن حجم الخسائر الإنسانية يرتبط أيضًا بقدرة المجتمع على التنبؤ بالخطر والاستعداد له والاستجابة السريعة بعد وقوعه.

وفي ليبيا، قدمت كارثة درنة مثالًا أكثر مأساوية على الكارثة المركبة. فالعاصفة دانيال والأمطار الغزيرة ظواهر طبيعية، لكن انهيار السدين وما ترتب عليه من اندفاع المياه نحو المدينة كشف أن الكارثة الطبيعية يمكن أن تصبح أكثر فتكًا حين تجد أمامها بنية تحتية هشة ودولة أنهكتها سنوات الحرب والانقسام السياسي.

وفي السودان نشاهد كل عام ما تفعله الفيضانات والأمطار الموسمية في مجتمع أنهكته الحرب والنزوح وتدمير البنية التحتية يجعل آثارها أشد قسوة. فالإنسان الذي فقد بيته بسبب الحرب يصبح أكثر هشاشة أمام المطر، والذي فقد مستشفاه بسبب النزاع يصبح أكثر عرضة للخطر عندما يأتي الفيضان، والذي يعيش في منطقة نزوح لا يمتلك الوسائل نفسها التي يمتلكها مجتمع مستقر لمواجهة الطوارئ.

ولسنا بحاجة إلى التذكير هنا بمدى الأثر الفاجع الذي أحدثته شرور السياسة في حياة مجتمعاتنا العربية الراهنة. فما نعيشه اليوم من شرور الفساد السياسي والحروب والانقسامات في فلسطين والعراق وليبيا وسوريا واليمن والسودان والصومال، وفي مناطق أخرى من عالمنا العربي، فضلًا عن أفغانستان، لا يمكن أن يقاس بسهولة بما تستطيع أن تفعله كارثة طبيعية عابرة فالكارثة الطبيعية تضرب ثم تنحسر أما الكارثة السياسية فقد تضرب المجتمع ثم تستقر فيه.

والحالة اليمنية واحدة من أبرز تجليات وآثار الكارثة السياسية؛ إذ لم تعد السياسة مجرد صراع على السلطة، وإنما أصبحت، في كثير من الأحيان، عاملًا في إعادة إنتاج الفقر والخوف والانقسام والهجرة وتآكل مؤسسات الدولة، بما يجعل المجتمع أكثر تعرضًا لكل أنواع الأخطار، الطبيعية منها والبشرية.

لكن ثمة كارثة أخرى في المجتمعات العربية والإسلامية لا تقل خطورة عن الكوارث الطبيعية والسياسية، وهي الكارثة الأخلاقية التي تزدهر في أزمنة الكوارث والمحن اقصد ثقافة الوعظ والتشفي بالضحايا فما أقسى أن يرى الإنسان إنسانًا آخر تحت الأنقاض، بدل أن يبحث عن وسيلة لإنقاذه، يبدأ في البحث عن الذنوب التي ارتكبها لكي يبرر موته! وما أكثر ما سمعنا، في أعقاب الزلازل والفيضانات والأوبئة، من يستحضر آيات العذاب، ويقريع المكلومين بأن ما جرى لهم نتيجة ذنوبهم ومعاصيهم، وكأن الضحية مطالبة، وهي تحت الركام، بأن تقدم تفسيرًا أخلاقيًا لمأساتها.

إن الإنسان الذي يحفر بيديه في الركام بحثًا عن قريب أو حبيب لا يحتاج إلى من يعظه في تلك اللحظة، وإنما يحتاج إلى من يمد له يده انه يحتاج إلى طبيب، وإلى ماء وغذاء ومأوى، وإلى فرق إنقاذ، وإلى كلمة مواساة دافئة تقول له: أنا معك.كم فعلت "بنت مصر الجدعة" في انفجار مول أرابيلا بلازا بالتجمع الخامس قبل أسبوعين

فبينما اندفع أحد الحاضرين بنبل عاطفي وعجز عملي يلقن مصاباً يحتضر الشهادة بافتراض وفاته الحتمية، تحركت الشابة "هيا" بوعي طبي وثبات شجاع لتنزع الضحايا من مخالب الموت. لم ترَ في أجسادهم جثثاً هامدة، بل أرواحاً تتشبث بفرصة نجاة؛ فأنعشت القلوب، ومنعت التدخلات العشوائية، وقدمت الإسعافات التي صنعت الفارق بين البقاء والرحيل. إن لقمة الإسعاف في وقت الأزمة هي "واجب الوقت" الحقيقي، والموقفان يثبتان أن الشجاعة الواعية والإنقاذ الفعلي يفوقان بكثير مجرد البكاء وتلقين الوداع فوق أنقاض الكوارث.

في هذا السياق تحضرني تأملات باروخ سبينوزا في العلاقة بين الخوف والخرافة. فالإنسان حين يواجه ظاهرة لا يفهمها، ولا يمتلك أدوات تفسيرها، يبحث عن معنى يخفف عنه وطأة الخوف. ومن هنا تصبح الكوارث الطبيعية بيئة خصبة للخرافة؛ فالزلزال والمرض والفيضان والموت والمجهول كلها تستثير الأسئلة الوجودية العميقة في الإنسان.

والطامة الكبرى عندما تتحول الخرافة من محاولة لفهم المجهول إلى وسيلة لإدانة الآخرين فبدل أن نسأل: كيف حدث الزلزال؟ نسأل: لماذا عاقب الله هؤلاء؟ وبدلا أن نبحث في أسباب الفيضان، والتضاريس، والمناخ، وذوبان الجليد، وصيانة السدود، وأنظمة الإنذار المبكر، والتخطيط العمراني، وقدرة الدولة على الاستجابة، نبحث عن خطيئة الضحية وبهذا تتحول الخرافة عدوًا للمعرفة، وقد تتحول إلى عدو للرحمة أيضًا.

ومن المهم التأكيد إن العلم لا يلغي الإيمان، والفلسفة لا تلغي الروح، لكنهما يعلمان الإنسان التواضع أمام المجهول، ويدفعانه إلى البحث عن الأسباب بدل اختراع الأجوبة الجاهزة.

وهذا هو ما دفعني إلى أتأمل الآية القرآنية التّي آثرت في حياتي: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، حتى غدت هذه الآية بالنسبة إليَّ أكثر من موعظة إيمانية؛ إنها قانون فلسفي من قوانين التاريخ والحضارة، بل لعلها من أعمق النصوص التي يمكن أن يُبنى عليها تصور عقلاني لمعنى التقدم الإنساني.

قال بالحرف الواحد "ما ينفع الناس». لم يقل: ما ينفع فرداً، أو جماعة بعينها، أو طائفة، أو سلطة، بل قال: الناس يعني كل بني الإنسان في هذا الكوكب الأرضي وهذه الكلمة الصغيرة تختزن رؤية حضارية كاملة؛ إذ تجعل الإنسان، بما هو إنسان، معياراً لكل ما يستحق البقاء. فما يسهم في تحسين حياة البشر، وتخفيف معاناتهم، وتوسيع آفاق حريتهم، وتعزيز قدرتهم على الفهم والإبداع، هو الذي يمكث في الأرض ويصبح جزءاً من تاريخ الحضارة فالعلم. فما العلم في جوهره إن لم يكن البحث المنظم عن كل ما ينفع الناس؟ وما الحضارة إلا الأثر التراكمي لهذا النفع حين يتحول إلى مؤسسات وقيم وتقنيات وثقافة؟

فالمعرفة العلمية هي المادة الأولى لكل عمران، والعقل هو الأداة التي حوّلت الإنسان من كائن يخشى الطبيعة إلى كائن يقرأ قوانينها، ويتنبأ بحركتها، ثم يسخرها لخدمة حياته غير أن المعرفة ليست نوعاً واحداً. فالإنسان يعيش في عالمين متداخلين: عالم الطبيعة، وعالم السياسة. ولذلك نشأت منذ وقت مبكر منظومتان كبيرتان من المعرفة ولا تطور ولا تقدم ولا نماء ولا ارتقاء بدون معرفة الطبيعة ومظاهرها وفهم قوانين حركتها والتنبؤ بنتائجها وتلك هي وظيفة العلوم الطبيعية ولا تطور ولا تقدم ولا نماء ولا ارتقاء في التاريخ والحضارة الا بمعرفة حقيقة الكائن الإنساني والمجتمع البشري بوصفهما لحمة التاريخ وسداه؛ المعرفة القادرة على فهم حاجات الإنسان ودوافعه ومقومات الحياة الاجتماعية المدنية المستقرة وقوانين التاريخ وحركته والتنبؤ بمساراتها المستقبلية وتلك هي وظيفة العلوم الإنسانية والاجتماعية والفلسفة في قلبها بل هي أمها التي ابدعت اخصب وانضج المفاهيم الأساسية في تاريخ المعرفة الإنسانية.

ربما تقدم لنا هولندا واحدة من أكثر التجارب السياسية الرشيدة دلالة في التعامل مع الكوارث الطبيعية.

فقد شكّل فيضان بحر الشمال عام 1953 لحظة فارقة في تاريخ هولندا؛ إذ غمرت المياه مساحات واسعة وأودت بحياة أكثر من 1800 شخص. وكان يمكن أن تبقى الكارثة جرحًا مفتوحًا في الذاكرة الهولندية، لكن المجتمع اختار أن يحولها إلى معرفة، والمعرفة إلى سياسة، والسياسة إلى مشروع حضاري طويل الأمد إذجاء مشروع دلتا، بشبكته الضخمة من السدود والحواجز والأبواب البحرية، التي أصبحت نموذجًا عالميًا في إدارة المياه وحماية الأراضي المنخفضة (ينظر، قاسم المحبشي، امستردام المدينة التي روضت البحار، مجلة حوريت الثقافية، العدد الأخير)

الطبيعة والسياسة في ميزان الحضارة

لقد أدرك الهولنديون، عبر قرون من العيش مع البحر، حدود منطق السيطرة المطلقة؛ فلم يحاولوا القضاء على الماء، بل تعلموا كيف يمنحونه مساحة للحركة، وكيف يحولون الخطر إلى مجال للابتكار. ومن هنا انتقلوا من عقلية الحاجز الصلب إلى فلسفة الفضاء المرن، ومن مقاومة الطبيعة إلى التعاون معها، حتى أصبح الماء مشكلةً ومختبرًا في آنٍ واحد. ولم تقتصر هذه الخبرة على الهندسة والعمران، بل امتدت إلى الثقافة السياسية نفسها؛ فالماء لا يميز بين غني وفقير، ولا يعترف بحدود الملكيات الخاصة، وإذا انهار السد في موضع، أصبح الجميع مهددين. لذلك غدا التعاون والتفاوض وتقاسم المسؤولية شروطًا للبقاء، وهو ما انعكس في ما عُرف لاحقًا بـ«نموذج البولدر». فالسد بناء جماعي، وكذلك المجتمع؛ وإذا ضعفت مؤسسة واحدة، أصبح الجميع أكثر هشاشة.

ومن هنا يمكن أن نضع الزلزال والفيضان والإعصار والحرب والفساد والانقسام السياسي في ميزان واحد، لا لكي نساوي بينها، بل لكي ندرك الفرق بين قوة الطبيعة ومسؤولية الإنسان. فالطبيعة قوة لا نملك إيقافها، لكننا نستطيع مواجهتها بالعلم، وبناء مساكن أكثر أمانًا، وإنشاء أنظمة إنذار وإنقاذ أكثر كفاءة. أما السياسة فهي فعل بشري، ولذلك يمكن أن تكون عادلة أو ظالمة، عاقلة أو مدمرة؛ وما يصنعه الإنسان يستطيع الإنسان تغييره.

ختاما نكرر التأكيد إن الكوارث الطبيعية لا تعلمنا التشفي ولا الكراهية، بل تذكرنا بهشاشتنا المشتركة: فالزلزال لا يسأل عن الهوية، والفيضان لا يميز بين من معنا ومن ضدنا، والموت لا يحمل بطاقة سياسية. لذلك فإن أعظم درس تقدمه لنا الطبيعة هو أننا لا نملك الأرض، وإنما نتشارك السكن عليها. ولعل عالمنا العربي، الذي أنهكته الكوارث الطبيعية والسياسية معًا، يحتاج إلى استعادة هذا الدرس: أن نفاوض الطبيعة بالعلم، ونواجه السياسة بالعقل، ونقاوم الخرافة بالمعرفة، والألم بالرحمة، والكوارث بالتضامن. فبين قوة الطبيعة ومسؤولية الإنسان يتحدد معنى الحضارة.

***

ا. د. قاسم المحبشي

يصعب أن تقف أمام الجامع الأزهر في القاهرة وألا تشعر بشيء من حضور التاريخ ومهابة الزمن.

أكثر من ألف عام مرّت على هذه الجدران. تغيرت دول، وسقطت عروش، وعبرت القاهرة جيوش وحملات استعمارية وثورات وانقلابات، وبقي الأزهر هناك؛ تتغير العمائم والسلطات ويبقى الاسم أكبر من الرجال الذين جلسوا في مقعد مشيخته.

لهذا فإن وصفه بـ”غير الشريف” ليس حكمًا على حجر الجامع، ولا على آلاف العلماء والطلاب الذين مروا من أروقته، ولا استخفافًا بتاريخ معرفي لا يمكن إنكاره.

المقصود شيء آخر.

إنه سؤال عن اللحظة التي تفقد فيها مؤسسة دينية شيئًا من شرفها الأخلاقي حين تصبح أقرب إلى السلطان منها إلى الإنسان، وحين تستطيع أن ترى استبداد الحاكم فلا تجتهد في تحريمه كما تجتهد في مطاردة كتاب، أو مفكر، أو رواية، أو فكرة تخالف ما استقر في كتبها.

والسؤال هنا لا يتعلق بالأزهر وحده. إنه سؤال قديم في علاقة الدين بالسلطة: ماذا يحدث للمقدس حين يدخل القصر؟

وماذا يبقى من سلطة العالم الروحية عندما يصبح راتبه، وميزانية مؤسسته، ومنصبه، وجزء كبير من مجاله العام، بيد الدولة التي يفترض أن يكون قادرًا على محاسبتها أخلاقيًا؟

بدأ الأزهر قصة مختلفة تمامًا عن الصورة التي نعرفها اليوم.

أنشأه جوهر الصقلي بأمر الخليفة الفاطمي المعز لدين الله سنة ٩٧٠م، وأقيمت فيه أول صلاة جمعة سنة ٩٧٢م. لم يكن في الأصل قلعة للمذهب السني، كما قد يتخيل البعض من موقعه الحالي، وإنما أنشئ في دولة إسماعيلية شيعية ليكون واحدًا من أهم منابر دعوتها الدينية والسياسية. ثم بدأ التدريس المنظم فيه في العصر الفاطمي، قبل أن تنقلب وظيفته المذهبية مع انهيار الدولة الفاطمية.

عندما دخل صلاح الدين الأيوبي القاهرة وأنهى الدولة الفاطمية سنة ١١٧١م، تعطلت صلاة الجمعة في الأزهر، وأُنشئت مدارس سنية لمواجهة الإرث المذهبي الفاطمي. وبعد نحو قرن أعاده المماليك إلى مكانته، فتحول بالتدريج إلى أحد أهم مراكز التعليم السني في العالم الإسلامي.

وهنا تقع أول مفارقة جديرة بالتأمل.

المؤسسة التي يُنظر إليها اليوم أحيانًا كأنها الحارس الأبدي لصيغة واحدة ثابتة من الإسلام، بدأت حياتها لخدمة مذهب، ثم أعادتها سلطة سياسية أخرى لخدمة مذهب مناقض.

لكن الأزهر لم يكن طوال تاريخه تابعًا مذعنًا للحاكم.

في أواخر القرن السابع عشر ظهر منصب شيخ الأزهر بصورته المتعارف عليها، ويُعد محمد الخرشي، الذي تولى نحو سنة ١٦٧٩م، أول من شغل المشيخة وفق الرواية الأشهر. ومنذ ذلك الوقت تعاقب على المشيخة عشرات الشيوخ، بينهم عبد الله الشرقاوي في زمن الحملة الفرنسية، ومحمد مصطفى المراغي، ومصطفى عبد الرازق، ومحمود شلتوت، وعبد الحليم محمود، وجاد الحق علي جاد الحق، ومحمد سيد طنطاوي، وصولًا إلى أحمد الطيب الذي يتولى المشيخة منذ مارس ٢٠١٠. وبين هؤلاء برز من داخل البيئة الأزهرية نفسها مصلحون كبار، في مقدمتهم محمد عبده، وإن لم يتول مشيخة الأزهر.

وحين دخل الفرنسيون مصر سنة ١٧٩٨م، أصبح الأزهر مركزًا من مراكز المقاومة الشعبية. انطلقت منه ثورة القاهرة الأولى في أكتوبر من ذلك العام، وقصفه الفرنسيون واقتحموه، ودخل جنودهم وخيولهم ساحاته. وبعد عقود، وقف بعض العلماء الأزهريين مع الثورة العرابية، وأفتوا سنة ١٨٨٢ بمروق الخديوي توفيق ووجوب عزله بسبب انحيازه إلى التدخل الأجنبي. وشارك الأزهريون لاحقًا في الحركة الوطنية ضد الاحتلال البريطاني وفي مناخ ثورة ١٩١٩.

كان الأزهر، في تلك اللحظات، أقرب إلى المجتمع منه إلى الدولة.

وكانت قوته تأتي، في جانب منها، من شيء بسيط وخطير: أنه لم يكن موظفًا كاملًا عند الحاكم.

كانت الأوقاف تمنحه قدرًا من الاستقلال المالي، وكانت سلطته الاجتماعية أقدم من الدولة المصرية الحديثة نفسها.

وهنا بدأ التحول الكبير.

منذ محمد علي، راحت الدولة الحديثة تمد يدها شيئًا فشيئًا إلى المؤسسة الدينية. السيطرة على الأوقاف، وتنظيم المشيخة بالقوانين، والتدخل في اختيار القيادات، لم تكن إجراءات إدارية محايدة. كانت عملية طويلة لتحويل القوة الدينية المستقلة إلى جزء من جهاز الدولة.

وجاءت اللحظة الحاسمة مع جمال عبد الناصر.

صدر القانون رقم ١٠٣ لسنة ١٩٦١، فأعاد تنظيم الأزهر بصورة جذرية. توسعت الجامعة وأضيفت إليها كليات حديثة كالطب والهندسة، وهي إصلاحات لا يمكن إنكار قيمتها التعليمية، لكن الوجه الآخر للقانون كان تعميق إدماج الأزهر في الدولة، وإلغاء هيئة كبار العلماء بصورتها القديمة، وزيادة الاعتماد المالي والإداري على السلطة، وجعل تعيين شيخ الأزهر من اختصاص رئيس الجمهورية. وقد وصف بعض الباحثين هذه المرحلة بأنها ذروة إخضاع المؤسسة الدينية للدولة المصرية الحديثة.

ومنذ تلك اللحظة أصبح السؤال أكثر إحراجًا:

إذا كان الرئيس هو الذي يختار رأس المؤسسة الدينية، والدولة هي التي تمولها، والقانون الذي وضعته السلطة هو الذي يحدد مجالها، فإلى أي حد يستطيع الشيخ أن ينظر إلى الرئيس من فوق منبر الأخلاق، لا من أسفل هرم الإدارة؟

وقتها لم يستخدم عبد الناصر الأزهر لأنه كان حاكمًا دينيًا؛ استخدمه لأنه كان حاكمًا يفهم قيمة الدين السياسية.

احتاج إلى علماء يقولون إن الاشتراكية لا تتعارض مع الإسلام، وإن مشروع الدولة القومية يجد سندًا في قيم العدالة الإسلامية، وإن خصوم النظام من الإسلاميين لا يحتكرون الحديث باسم الدين.

وهكذا سخّر النظام مؤسسة دينية لمواجهة خصوم دينيين، وللدفاع عن مشروع قومي اشتراكي تقوده دولة عسكرية.

ثم جاء أنور السادات، وتحركت البوصلة في الاتجاه الآخر.

انقلبت الدولة على كثير من السياسات الناصرية، وفتحت المجال أمام التيار الإسلامي لمواجهة الشيوعيين والناصريين واليسار الجامعي. وفي ذلك المناخ ظهرت فتاوى وخطابات أزهرية تهاجم الشيوعية وتربطها بالإلحاد، وأصبح الدين الذي استُخدم بالأمس لإعطاء شرعية للاشتراكية يُستخدم اليوم لمحاصرة اليسار.

هذا التحول يكشف شيئًا عن طبيعة المؤسسة حين تدخل عميقًا في الدولة.

فالسلطة تستطيع أن تتغير من الاشتراكية إلى اقتصاد الانفتاح، ومن التحالف مع الاتحاد السوفيتي إلى التحالف مع الولايات المتحدة، ومن مهاجمة الإسلاميين إلى استخدامهم، وتبقى المؤسسة قادرة على العثور في التراث على اللغة المناسبة لكل مرحلة.

كأن النص ثابت، لكن الفتوى تعرف دائمًا أين يجلس الحاكم.

ولعل المأساة الأكثر وضوحًا ظهرت عندما لم يعد الخصم سياسيًا، وإنما أصبح مفكرًا.

في سنة ١٩٢٥ أصدر الشيخ علي عبد الرازق كتابه “الإسلام وأصول الحكم”، وذهب فيه إلى أن الخلافة ليست أصلًا دينيًا ملزمًا، وأن الرسالة النبوية لا تفرض نظام حكم محددًا على المسلمين.

كان السؤال الذي طرحه عبد الرازق واحدًا من أخطر أسئلة النهضة العربية: هل يحتاج الإسلام إلى دولة دينية كي يكون إسلامًا؟

لم يرد الأزهر على الكتاب بكتاب آخر، ولم يدحض الحجة بالحجة.

حوكم الرجل أمام هيئة كبار العلماء، وجُرّد من شهادة العالمية وأخرج من زمرة العلماء في أغسطس ١٩٢٥.

بعد عام واحد تقريبًا، جاء طه حسين بكتاب “في الشعر الجاهلي”.

استخدم الشك المنهجي في قراءة التراث، فاشتعلت المعركة. أرسل شيخ الأزهر في يونيو ١٩٢٦ تقرير علماء الأزهر إلى النيابة، واتهم الكتاب بالطعن في القرآن والنبي، وطالب باتخاذ الإجراءات القانونية. وانتهى الأمر إلى تحقيق قضائي حفظ القضية بعدما رأى رئيس النيابة أن ما كتبه طه حسين يندرج في سياق البحث العلمي ولا يثبت فيه القصد الجنائي.

وهنا تكمن مفارقة جارحة.

كان رجل النيابة المدنية، في تلك اللحظة، أوسع صدرًا من المؤسسة الدينية.

ثم توالت القضايا.

في تسعينيات القرن الماضي لعب مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر دورًا واسعًا في مراجعة الكتب، واستُخدمت آراؤه في الحظر والمصادرة. وثقت منظمات حقوقية عربية وغربية مصادرة كتب للمفكر محمد سعيد العشماوي، ثم مصادرة كتب خليل عبد الكريم، قبل أن تمتد الرقابة إلى الرواية والأدب وإلى أسماء ستصبح لاحقًا جزءًا من أكثر معارك الثقافة العربية شهرة.

ليس المطلوب هنا الدفاع عن كل كتاب صادره الأزهر، ولا افتراض أن كل من اصطدم بالمؤسسة كان عبقريًا أو مصيبًا.

القضية أعمق من ذلك.

من أعطى المؤسسة الدينية حق أن تكون شرطيًا على الخيال؟

ومن قال إن حماية الدين تستدعي حماية المؤمن من قراءة كتاب؟

الدين الذي يهتز أمام رواية ليس دينًا في خطر بقدر ما هو تصور هش للدين.

ثم تأتي قضية فرج فودة، وهي من أكثر الصفحات التي تحتاج دقة حتى لا يتحول النقد إلى تزوير للحقائق.

لم يصدر الأزهر، بصفته الرسمية، حكمًا قضائيًا بقتل فودة.

لكن قبل اغتياله في ٨ يونيو ١٩٩٢، صدرت إدانات شديدة من علماء أزهريين ومن “جبهة علماء الأزهر”، وجرى وصف أفكاره بأنها مناقضة للإسلام. وبعد مقتله، وقف الشيخ محمد الغزالي أمام المحكمة شاهدًا في قضية القتلة، وقال إن من يرفض تطبيق الشريعة يمكن أن يقع في الردة، وإن عقوبة المرتد في الشريعة القتل، مع تأكيده أن تنفيذ العقوبة من اختصاص الدولة لا الأفراد.

كانت تلك الكلمات كافية لتفتح سؤالًا لا يزال قائمًا:

ما قيمة القول إن الفرد لا يجوز له تنفيذ حكم القتل، بعد أن تُعطى له أولًا القناعة الدينية بأن الإنسان الواقف أمامه “مرتد مستحق للقتل”؟

في المسافة بين التكفير وفعل القتل، قد لا يحمل الشيخ السلاح.

لكنه يستطيع أحيانًا أن يهيئ اللغة التي تجعل حامل السلاح يعتقد أنه يقوم بعمل مقدس يُقرّبه إلى الله.

والأخطر أن قضية فرج فودة لم تكن نهاية هذا المسار. ففي العام نفسه تقريبًا بدأت واحدة من أغرب وقائع الثقافة العربية الحديثة، هذه المرة داخل الجامعة نفسها.

كان نصر حامد أبو زيد أستاذًا جامعيًا يدرس الخطاب الديني والقرآن باستخدام أدوات اللسانيات والتأويل الحديثة.

بدأت أزمته سنة ١٩٩٢ أثناء تقدمه للترقية في جامعة القاهرة، بعد تقرير أكاديمي كتبه عبد الصبور شاهين هاجم فيه أفكاره. خرج الخلاف من الجامعة إلى المساجد والمحاكم، وتحول أبو زيد من باحث يناقش نصًا إلى رجل يناقش الناس إيمانه.

وفي ١٩٩٥ حكمت محكمة الاستئناف باعتباره مرتدًا، وما ترتب على ذلك من التفريق بينه وبين زوجته ابتهال يونس، ثم غادر الزوجان مصر إلى هولندا.

لم يكن الأزهر المؤسسة القضائية التي أصدرت الحكم، ولا يمكن أن ننسب ذلك إليه مباشرة.

لكن “جبهة علماء الأزهر” وأزهريين كانوا جزءًا من المناخ الذي أحاط بالقضية، ووصل الأمر إلى مطالبات لاحقة بمعاقبته على الردة.

وهذه الدقة مهمة، لأن المشكلة أكبر من الأزهر نفسه.

لقد نشأ في مصر مناخ كامل تستطيع فيه أي قراءة أكاديمية للقرآن أن تتحول إلى سؤال أمام المحكمة: هل ما زال صاحبها مسلمًا؟

ثم ينتقل السؤال من عقله إلى سريره: هل يجوز أن تبقى زوجته معه؟

يصعب تخيل صورة أوضح لانتصار السلطة على العقل.

فالمسألة لم تعد خلافًا بين تأويلين للقرآن.

لقد أصبح المجتمع، والقضاء، والمؤسسة الدينية، والجامعة، قادرين جميعًا على دخول الحياة الخاصة لرجل وزوجته بسبب الطريقة التي قرأ بها نصًا.

وعندما يبلغ الخوف من السؤال هذا الحد، لا يعود الخلاف حول الدين وحده.

يصبح الخلاف حول حق الإنسان نفسه في أن يفكر من دون أن يخشى على بيته.

ومن الفكر انتقلت المعركة إلى الأدب، وكأن الخيال نفسه صار مجالًا ينبغي إخضاعه للحراسة.

نوال السعداوي، التي قضت حياتها في الاشتباك مع السلطة السياسية والدينية والأبوية، واجهت دعاوى اتهام بالردة ومحاولات للتفريق بينها وبين زوجها. وفي مايو ٢٠٠٤ أوصى مجمع البحوث الإسلامية بمنع روايتها “سقوط الإمام”، التي كانت منشورة منذ سنوات، باعتبارها مخالفة للإسلام. كما تعرضت أعمال أخرى لها للمنع والملاحقة.

وقبل ذلك، في مايو ٢٠٠٠، اندلعت أزمة رواية الأديب السوري حيدر حيدر “وليمة لأعشاب البحر”.

أصدر مجمع البحوث الإسلامية تقريرًا شديد اللهجة ضد الرواية، وخرج طلاب من جامعة الأزهر في احتجاجات ضخمة وعنيفة بعد اتهامها بالإساءة إلى الدين، وأصبح نص أدبي منشور منذ سنوات قضية دولة، وانتهى الأمر بسحب الكتاب من التداول.

ليس مطلوبًا أن يحب شيخ الأزهر نوال السعداوي.

ولا أن يستمتع طالب أزهري برواية حيدر حيدر.

ولا أن يقتنع أحد بأفكار العشماوي أو أبو زيد أو طه حسين.

الحرية لا تبدأ عندما نحب ما نقرأ.

تبدأ تحديدًا عندما نكره ما نقرأ، ثم نقرر ألا نستدعي الشرطي.

ويبقى السؤال الملح: ما معنى الدفاع عن حرية الفكر إذا ظلت المؤسسة ترى أن من حقها تحديد السقف الذي يجوز للفكر أن يصل إليه؟

كيف يمكن أن تقول إن البحث العلمي حر، ثم تظل الفكرة الدينية التي لا تعجب المؤسسة معرضة لأن تتحول إلى قضية هوية وعقيدة؟

وكيف يمكن الاحتفاء بالإبداع في الوثائق، بينما عرف تاريخ المؤسسة الحديث مصادرة الرواية والكتاب؟

ولا أظن أن تفسير هذا التناقض بالنفاق وحده يكفي. فالأزهر نفسه يبدو عالقًا في صراع لم يحسمه بعد: جامعة تريد أن تكون جزءًا من العالم الحديث، ومؤسسة دينية تخشى أن تفقد احتكارها التقليدي لتعريف الصحيح والخطأ.

وهذا الصراع يظهر بوضوح أكبر عندما نصل إلى العلمانية.

أحمد الطيب نفسه يفرق بين الإلحاد والعلمانية، ولا يعتبر كل علماني ملحدًا، لكنه يرفض فصل الدين عن المجال العام، ويؤكد أن الإسلام يحمل تصورًا للدولة والمجتمع.

وفي الوقت نفسه يتبنى الأزهر رسميًا فكرة الدولة الدستورية الديمقراطية ويرفض الدولة الكهنوتية.

إنه يقف في منطقة وسطى: لا يريد حكم رجال الدين، ولا يقبل في الوقت ذاته أن يصبح الدين شأنًا فرديًا خارج التشريع والسياسة.

العلمانية، في أبسط معانيها السياسية، لا تشترط أن يصبح المجتمع بلا دين، ولا أن يتوقف المؤمن عن الإيمان.

سؤالها مختلف: من يملك الدولة؟

هل تملكها عقيدة واحدة، أم يملكها المواطنون على اختلاف عقائدهم؟

وهل يحتاج الحق المدني إلى سند ديني حتى يصبح حقًا؟

هذه الأسئلة ظل الأزهر، مثل كثير من المؤسسات الدينية في المنطقة، يتعامل معها بحذر شديد، لأن الدولة المدنية الكاملة لا تطرد الدين من المجتمع، لكنها تسحب من المؤسسة الدينية امتيازًا بالغ الأهمية: حقها في أن تكون المرجع الأخير في تحديد ما يجوز للدولة وما لا يجوز.

ومن هنا يمكن فهم التوتر التاريخي مع التيارات اليسارية والعلمانية أيضًا.

فالمشكلة لم تكن دائمًا في برامجها الاقتصادية.

كانت، في جانب مهم منها، في نقل مصدر الشرعية من النص الديني إلى الإرادة الشعبية.

وهذا تحول يصعب على أي مؤسسة بنت جزءًا من سلطتها على احتكار تفسير المقدس أن تستقبله بلا قلق.

وحين ننتقل من هذا التاريخ الطويل إلى علاقة الأزهر بالسلطة المصرية الحالية، تصبح الصورة أكثر تعقيدًا مما تسمح به عبارة “شيخ السلطان” البسيطة.

ظهر أحمد الطيب في الثالث من يوليو ٢٠١٣ إلى جانب عبد الفتاح السيسي والبابا تواضروس ومحمد البرادعي أثناء إعلان عزل الرئيس محمد مرسي. وكان وجود شيخ الأزهر هناك يمنح المشهد، بحكم موقعه الرمزي، شرعية دينية ووطنية مهمة.

والأزهر نفسه عاد لاحقًا ليحتفي بانحيازه لما سماه ثورة الثلاثين من يونيو.

لكن الطيب لم يمنح النظام شيكًا على بياض.

بعد سقوط قتلى في يوليو ٢٠١٣ دعا إلى التحقيق وحقن الدماء، وانتقد العنف، وبعد فض اعتصامي رابعة والنهضة أعلن رفضه لإراقة الدماء.

وفي السنوات التالية دخل في خلافات علنية مع السيسي حول الطلاق الشفهي، وحدود تجديد الخطاب الديني، ومحاولات تعديل القوانين بما يقلص استقلال المشيخة.

وتؤكد دراسات حديثة أن الأزهر تحت قيادة الطيب حافظ على مساحة من الاستقلال لا تسمح بوصفه مجرد جهاز دعائي تابع للرئاسة.

وهذه الحقيقة تجعل السؤال أصعب.

فالذي يستطيع أن يقول “لا” للحاكم في مسألة الطلاق، لماذا يبدو صوته أقل صدامية حين تتعلق المسألة بمعتقل أو معارض أو فضاء سياسي مغلق؟

والذي يملك رصيدًا أخلاقيًا يسمح له بمقاومة تدخل الرئيس في مناهجه، ألا يملك الرصيد نفسه حين تتعرض حياة الناس وحرياتهم لضغط الدولة؟

ليست المسألة إذن أن شيخ الأزهر عاجز تمامًا عن معارضة الرئيس.

لقد فعلها.

ولهذا تحديدًا يصبح الصمت في القضايا الأخرى أكثر قابلية للسؤال.

فالاستقلال لا يُقاس فقط بالقدرة على حماية المؤسسة من الدولة.

يقاس أيضًا بقدرة المؤسسة على حماية المجتمع من الدولة.

ثم هناك فلسطين.

وهنا ينبغي أن نكون منصفين.

لا يمكن وصف لغة الأزهر تجاه غزة منذ السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ بأنها خجولة.

فقد أصدر بيانات شديدة اللهجة، حيّا فيها المقاومة الفلسطينية، ووصف الجيش الإسرائيلي بأنه إرهابي، واتهم إسرائيل بارتكاب الجرائم والمجازر، وطالب الحكومات العربية والإسلامية بنصرة الفلسطينيين، وأرسل عبر بيت الزكاة والصدقات قوافل مساعدات إلى غزة.

وفي ديسمبر ٢٠٢٥ جدد أحمد الطيب التأكيد أن فلسطين قضية مركزية، وأن الأزهر لن يتراجع عن الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني.

فأين تكمن المعضلة؟

ليست في نقص الكلمات. كلمات الأزهر كثيرة، وبعضها شديد اللهجة وشجاع.

المعضلة في المسافة التي تفصل الكلمة عن السلطة التي تعمل المؤسسة داخل حدودها.

فالناس لا يحتاجون إلى الأزهر كي يعرفوا أن قتل الأطفال جريمة. ما يحتاجونه منه هو شيء أصعب: أن يوجّه سلطته الأخلاقية إلى أقرب أبواب القوة، لا إلى أبعدها فقط.

أن يقول للغرب ما يشاء، ثم يملك الشجاعة نفسها في مساءلة السياسات العربية التي تحاصر الفعل الفلسطيني، أو تضيق على التضامن، أو تجعل الموقف من غزة رهينة الحسابات الأمنية والدبلوماسية.

هنا تظهر حدود المؤسسة الرسمية.

يمكنها أن ترفع صوتها، ما دام هذا الصوت لا يهدم البيت الذي تسكن فيه.

وهذا لا يمحو قيمة مواقفها من فلسطين.

لكنه يكشف حدودها.

فالفرق كبير بين أن تمتلك موقفًا أخلاقيًا من المأساة، وأن تمتلك استقلالًا يسمح لك بأن تتبع المأساة إلى كل الأبواب التي شاركت في صنعها.

وهذه في النهاية ليست قصة الأزهر وحده.

إنها قصة كل مؤسسة دينية تستبدل استقلالها بالأمان.

حين يدفع السلطان راتب الفقيه، لا يصبح الفقيه فاسدًا بالضرورة، لكنه يدخل في علاقة قوة جديدة.

وحين تتحول المعرفة الدينية إلى وظيفة حكومية، يصبح من الصعب أحيانًا معرفة أين تنتهي الفتوى وأين يبدأ بيان الدولة.

ربما لهذا كان الأزهر أكثر قدرة على مقاومة نابليون حين كانت مدافعه عند الباب، مما هو قادر اليوم على مقاومة البنية التي أصبحت جزءًا من جسده.

كان الاحتلال واضحًا.

أما السلطة الحديثة فلا تحتاج إلى دخول الجامع بالخيل؛ يكفيها القانون والميزانية والتعيين والرتبة والمنصب.

لا تكسر المنبر، فهي أذكى من ذلك.

تجعل صوته يأتي، شيئًا فشيئًا، من داخل النظام.

وهنا تصبح كلمة “الشريف” سؤالًا لا لقبًا.

فشرف المؤسسة الدينية لا يأتي من عمرها، ولا من عدد طلابها، ولا من القباب والمآذن، ولا من الألقاب التي تسبق أسماء شيوخها.

الشرف الأخلاقي لأي مؤسسة يبدأ من المسافة التي تستطيع أن تضعها بينها وبين القوة.

من قدرتها على الوقوف مع الإنسان حين يكون الحاكم ضده.

ومن قدرتها على حماية السؤال، حتى عندما يزعجها.

وعلى الدفاع عن حرية المفكر الذي تختلف معه، قبل الدفاع عن حق الشيخ الذي يشبهها.

الأزهر الذي قاد الناس يومًا في مواجهة الاحتلال ليس هو الأزهر الذي لاحق علي عبد الرازق.

والأزهر الذي أنجب محمد عبده وشلتوت ليس هو وحده الأزهر الذي اشتبك مع طه حسين والكتب والروايات.

والأزهر الذي كتب وثائق الحريات ليس هو وحده الأزهر الذي لا يزال يخشى أن تنفصل الحقيقة الدينية عن سلطة المؤسسة.

لهذا لا أرى أن الأزمة هي أن الأزهر لم يعد “شريفًا” بالمعنى الديني.

الأزمة أخطر.

أن مؤسسة عاشت أكثر من ألف عام صارت تحمل داخلها ذاكرتين متصارعتين:

ذاكرة الشيخ الذي كان يستطيع أن يواجه السلطان.

وذاكرة الموظف الذي ينتظر توقيعه.

وبين الاثنين يقف الأزهر اليوم.

منارة هائلة من التاريخ، ونفوذ رمزي لا يزال حيًا، ومؤسسة تعرف الكثير عن النصوص.

ويبقى السؤال الذي لم تحسمه بعد:

هل تستطيع أن تستعيد من تاريخها الشجاعة التي تجعلها تقف، مرة أخرى، إلى جانب الإنسان قبل الحاكم؟

فكلمة “الشريف” قد تبقى على اللافتة؛ أما معناها، فلا يحفظه إلا الموقف.

***

ابراهيم برسي

 

لا يمكن إنكار أهمية مساهمات الباحث والمترجم الأميركي الراحل صموئيل نوح كريمر، المُكنّى في بعض الأوساط البحثية بأبي السومريات، في دراسات بلاد الرافدين (العراق القديم). فهو عالم ذائع الصيت غزير الإنتاج التأليفي (له ثلاثون كتاباً ومئات الدراسات والمقالات/ قائمة لوس أنجلوس تايمز)، بالرغم من أنه لم يكن الرائد الأول في هذا الميدان البحثي، لكن تآليفه الكثيرة ونشاطاته التدريسية والإعلامية وعوامل أخرى هي التي جعلته الأكثر شهرة من غيره حتى لو كانوا أساتذته.

البدايات مع العبرية التوراتية

ولد صموئيل لعائلة يهودية في كييف الأوكرانية سنة 1897. وهاجر منها إلى الولايات المتحدة مع أسرته بعد مذابح طائفية قاسية ارتكبت في روسيا القيصرية ضد اليهود سنة 1905. هناك، في فيلادلفيا، أسس والده بنجامين مدرسة لتعليم اللغة العبرية التوراتية (Biblical Hebrew) تمييزاً لها عن العبرية الإسرائيلية (الممسوخة) التي لم تكن قد اخترعت بعد في الكيان قبل 1948. تختلف هذه الأخيرة جذرياً عن العبرية القديمة التي يتكلم بها اليهود المزراحيم الشرقيون (الذين يسميهم المؤرخ آفي شلايم اليهود العرب) من الناحيتين الفونولوجية (وظائف الأصوات فونولوجي-Phonology) المورفولوجية (بنية اللغة وقواعدها -Morphology)، مع أن العبرية القديمة نفسها يمكن عدُّها لهجةً كنعانيةً خاصةً بسكان ضواحي أورشليم اليبوسية الكنعانية القديمة في العصر الحديدي المبكر (1200 ق.م) أكثر مما هي لغة مستقلة.

تعلَّم الطفل صموئيل العبرية على يدَيْ والده. وحين شبَّ صار معلماً في مدرسة أبيه. وقد أفادته لغته هذه في مقاربة ميادين علم تاريخ الحضارات واللغات القديمة ومنها السومرية والأكدية. حصل كريمر على الجنسية الأميركية ونال شهادة الدكتوراة سنة 1929 وكان موضوعها "الأفعال في ألواح كركوك الطينية المسمارية".

وبخصوص جنسيته، كنتُ قد اقتبست في مقالة سابقة عن باحث آخر أن كريمر يحمل إضافة إلى جنسيته الأميركية الجنسية الإسرائيلية. وحين حاولت توثيق هذه المعلومة لاحقا لم أجد ما يؤكدها، فقررت التراجع عن تبنيها حتى يظهر ما يؤكدها أو ينفيها بشكل رسمي. ولكن الترجيح على سبيل الاحتمال يبقى قائما في أن كريمر ربما مُنح هذه الجنسية تكريما له لما قدمه لـ "إسرائيل" في ضوء معطيات كثيرة منها:

-زيارات كريمر العلمية ومحاضراته الكثيرة في الكيان الإبادي التي استمرت حتى سنة موته.

-ارتبط اسم كريمر بالوسط الأكاديمي "الإسرائيلي" في العقود الأخيرة من حياته كعالم زائر وبروفيسور مرموق في "تاريخ سومر" والألواح الطينية المكتشفة في العراق.

- أشرف كريمر وساعد على تكوين جيل من الباحثين في الكيان. ومن أبرز تلاميذه المباشرين البروفيسور "يعقوب كلاين" الذي وصَف نفسه بأنه التلميذ المخلص لكريمر.

-أطلقت السلطات "الإسرائيلية" اسم كريمر على معهد أُسّس في عام 1980 "هو معهد صموئيل نوح كريمر لعلم الآشوريات ودراسات الشرق الأدنى القديم" في جامعة بار إيلان في مستوطنة رمات غان. وقد حضر كريمر الافتتاح والتكريم وشارك في دعم هذا المركز العلمي والبحثي والتعاون معه.

-قبل موته، أوصى كريمر بنقل مكتبته البحثية والشخصية الضخمة وإهدائها بالكامل إلى هذا المعهد الإسرائيلي. فهل يعقل أن السلطات "الإسرائيلية" التي لا تتردد بمنح جنسيها لراقصة من الدرجة العاشرة لم تفكر بمنحها لكريمر في هذه المناسبة؟!

لماذا هذا التدقيق؟

لم أشأ التوقف المطول عند هذا التفصيل الصغير بخصوص شخصية كريمر وديانته وصفاته. فديانة أي عالم من العلماء وجنسيته وقوميته لا تهمني كثيراً، وهي من قبيل لزوم مالا يلزم في المقاربات العلمية والأكاديمية إلا في سياق حالات سجالية خاصة جدا ومنها هذه الحالة:

فقد اتهم بعض الباحثين جوزيف هاليفي (القائل بعدم وجود شعب أو هوية قومية سومرية) بأنه يهودي صهيوني أراد الشطب على وجود الهوية السومرية وإنكار وجودها مدفوعا بصهيونيته المزعومة، مع أنَّ هاليفي مات قبل قيام "إسرائيل" بواحد وثلاثين عاما. ودافع هذا البعض عن صموئيل كريمر الذي عاش حتى 1990 وعدَّه نقيض هاليفي. في حين أن هذا الأخير هو أول من دافع عن فرضية تقول إن َّمَن يسمَّون "سومريين" ماهم في الواقع إلا السكان المحليون في جنوب العراق القديم وليسوا شعباً غريباً غزا المنطقة فجأة. ولا نعرف من أين جاء وكيف اختفى فجأة أيضاً. أما كريمر فهو مَن مَهَّد لإخراج السومريين من بيئتهم بل وحاول تهويدهم (وعَبْرَنَتَهم) والجمع بينهم وبين بني إسرائيل كما سأعرض بعد قليل. لذلك وجدتُ من المناسب والمفيد تعريفياً أن أذكر هذه المعلومات عن شخصية كريمر لنعرف من هو الأجدر بأن يوصف بـ "الصهيوني وحامل الأفكار الإقصائية والتغريبية".

انبعاث جديد لفرضيات هاليفي

رصدنا في السنوات الماضية انبعاثاً جديداً لفرضية جوزيف هاليفي هذه. وجاء هذا الانبعاث على يد باحث من جنوب العراق متخصص باللغات القديمة ويجيد السومرية والأكدية وهو منقب آثاري له إجازاته الضخمة هو د. نائل حنون في كتابه "حقيقة السومريين ودراسات أخرى". وكنتُ قدمت عنه قراءة نقدية مسهبة في الأخبار (عدد 14 نيسان 2023). وبعد بأربعة عشر عاماً على صدور كتاب حنون، جاء كتاب الباحث البريطاني بول كولينز (السومريون - الحضارات المفقودة) الذي صدرت ترجمته العربية في بغداد العام الماضي وكتبت عنه دراسة في مجلة "أبجد" البغدادية قبل أيام. ومع كولينز يتفق باحث آخر هو جيرولد كوبر ليؤكدا المضمون ذاته وخلاصته: السومرية لغة وليست شعباً غريباً أو هوية قومية فهذه "الهوية السومرية" من اختراع علماء الآشوريات الغربيين المشبعين بفكرهم القومي العرقي.

 إن الباحث البريطاني بول كولينز في كتابه سالف الذكر، ينفي وجود شعب سماه الباحثون الأوروبيون "الشعب السومري/ الأمة السومرية". ويرى أن هؤلاء الناس هم السكان المحليون الأصليون لجنوب العراق القديم لعصور ما قبل الأكديين. وهؤلاء كانوا هم يسمون أنفسهم ذوي الرؤوس السود (ساك ججيك) وليس السومريين، في وطن يسمونه (كي إن جير = أرض سيد القصب النبيل) وليس بلاد سومر. وكلمة سومر ذاتها ليست سومرية بل هي لفظة أكدية سامية تصويتها هو "شومَرو" كمقابل صوتي لـ "كيئنجيرا" ومنها استنبط الباحثون اسم سومر.

إنَّ استنتاجات كولينز واضحة جدا بهذا الصدد. وخصوصا في الفصل الثاني من الكتاب "المشكلة السومرية /ص47". أما الفصل السادس "العودة إلى البداية" فيعلن كولينز فرضيته بمنتهى الوضوح ويقول: "لقد أصبح من الواضح أن السومريين لم يُفقَدوا أبدا، إذ إنهم ربما لم يوجَدوا قط. في الأقل ليس بوصفهم مجموعة عِرقية لغوية مميزة. فما فُقِدَ وأُعيدَ اكتشافه هو اللغة السومرية، مثلما حفظت في الكتابة المسمارية لبلاد الرافدين. وقد يكون الأمر كذلك بالتأكيد مثلما اقترح جيرولد كوبر القائل إن: "السومريين، بمعنى ما، هم من اختراع علماء الآشوريات المعاصرين". لقد خُلِقَ السومريون عن طريق ربط اللغة بالعِرق لإنشاء شعب إما عِرق أو أمة/ ص223". ويخلص كولينز إلى الاستنتاج البليغ التالي: "فهذه إذن "حضارة" سومرية وليست حضارة السومريين، وقد تطورت في أهوار بلاد الرافدين "..."وبحلول نهاية الألفية الثالثة قبل الميلاد لم تعد السومرية لغةً أماً لأحد بل اعتُمِدَت بكونها لغة للإدارة والتعليم، ما أدى إلى نشوء ثقافة سومرية -أكدية اتقنتها نخبة صغيرة من الملوك والكتاب، ممن حظوا بامتياز كافٍ لتلقي تعليم رسمي"..." لقد كان هذا بناءً فكرياً، بُنيَ بالطريقة نفسها، التي حصل بها بناء السومريين في عصرنا: شعب نود أن نصدق أنه كان موجوداً إلا إنه ربما لم يكن موجوداً أبدا/ 225 وما بعدها".

يمكن أن نخلص مما تقدم إلى أن تأكيد وجود لغة سومرية وثقافة سومرية لا يعني بالضرورة وجود أمة أو قومية سومرية. والسؤال المنهجي الحقيقي هو: ما الدليل المستقل على وجود هوية جماعية بهذا المعنى، بعيداً عن مجرد استنتاجها من اللغة التي أطلق عليها المحدَثون اسم «السومرية»؟ أسجل هنا أنني استعمل كلمات من قبيل "أمة" و"قومية" بمعناهما التأريخي والإسقاطي الحديث، أي بمعنى الوعي الجماعي التلقائي الذي يحول اللغة والثقافة إلى هوية سياسية وإثنية جامعة وغير أمر لا تأريخي ولا هو علمي منهجي..

تجاوزات كريمر المنهجية

فلنعد الآن إلى تجاوزات كريمر العلمية كما رصدها الباحث العراقي نائل حنون ومنها:

-أخذ كريمر يترجم مصطلحات سومرية بغير ما تعنيه ما أدى إلى اعتماد ترجماته دليلاً على وجود "شعب السومري" بطريقة لا تسمح بأي مناقشة أو شك/ص 24 م.س. ومن تلك المصطلحات لفظة كلام (KALAM) التي تعني باللغة السومرية؛ البلاد، الإقليم، السهل، أو البر (لاحظ قرب "كلام" الصوتي من (إقليم) العربية كإشارة إلى وحدة البيئة اللغوية)؛ ولكن كريمر ترجم الكلمة إلى «سومر». أما عبارة "ساك جيج" السومرية التي تعني «سود الرؤوس» وبالأكدية "صلمات ققدم" فقد ترجمها إلى "الشعب السومري".

-من تجاوزات كريمر الأخرى أنه عمد في ترجمته لمرثاة "بلاد أكاد ومدينة أور"، كما كتب د. حنون، إلى تسمية هذه المرثية بـ «مرثاة سومر وأور»، وعرفت في الأوساط العلمية بهذا الاسم، وهذا خطأ تعمد كريمر نشره لتمرير فكرة وجود السومريين وبلاد سومر.

-الأدهى من ذلك، أن كريمر حين ترجم السطر الأول من هذه المرثاة ترجمه كالتالي: «اليوم الذي انقلب، إذْ زال القانون والنظام من الوجود» ويضيف د. حنون، أنه حين عاد إلى النص السومري الأصلي وترجمه وجده كالتالي: "اليوم الذي انقلب، يوم فقدان بلاد أكاد لخططها" أي إنَّ كريمر حذف عن قصد وسابق تصميم عبارة «بلاد أكاد»، وهذا أمر - يقول د. حنون- لا يمكن أن يكون قد حدث سهواً.

- عن لقائه الشخصي الذي لم يكتمل بكريمر، ذكر د. حنون أنه تكلم مع الأستاذ المشرف عن أطروحته للدكتوراة برغبته للقاء كريمر الذي كان قد زار كندا لإلقاء محاضرة ويسأله عن أمور وردت ترجمتها في كتاب كريمر ووجد هو فيها أشياء توجب الاعتراض والتساؤل. يقول د. حنون إن أستاذه رحب بالفكرة وشجعه على الذهاب واللقاء بكريمر وحين ذهب إليه وجده يتحدث مع مجموعة من الأشخاص يرتدون الأزياء اليهودية السلفية "الحريدية" بظفائرهم الطويلة. فانتظره لينهي كلامه معهم وإذا بحنون يسمع كريمر يقول لهم إنه هو ومعه يهودي عراقي اسمه سليم يوسف لاوي من أنشأ المتحف العراقي في سنة (1923). وصُدم د. حنون بهذه الكذبة فالمعروف عالميا أن سكرتيرة المندوب السامي البريطاني غيرترود بيل هي التي أسست المتحف. وإنَّ الشخص اليهودي العراقي الذي ذكره كريمر كان موظفاً بسيطاً متدرباً في المتحف ولا علاقة له بتأسيسه. وهنا يقول د. حنون إنه قرر التراجع وعدم التحدث مع كريمر إذ لا يليق بالعالم الذي يحترم نفسه أن يطلق أكاذيب كهذه.

تهويد السومريين أم سومرة اليهود

انفرد كريمر بفرضية خارقة تذهب إلى أن العبرانيين هم امتداد عبقري سامي للسومريين. حيث قال "من الجائز جداً أن يكون هناك دم سومري جدير بالاعتبار في أسلاف إبراهيم الذين عاشوا لعدة أجيال في أور ومدن سومرية أخرى. أمّا بالنسبة للحضارة والمدنية السومريتين فإنه لا يوجد سبب للشك بأن العبرانيين الأوائل قد تشربوا واستوعبوا الشيء الكثير من أساليب الحياة السومرية العبرانية، وربما كان للقانون العبراني الوارد في (يوشع 202) جذور غير قليلة تمتد تحت تربة بلاد سومر/ المصدر: كريمر -السومريون تاريخهم وحضارتهم - ترجمة د. فيصل الوائلي - ص 427". وهذا الكلام، بالرغم من تطعيمه بكلمات احتمالية، لا يمكن أن يؤخذ على محمل الجَدِّ من الناحية العلمية. فاليهود (أو اليهوذاويون، إن شئنا الدِّقة) لم يعيشوا في أور السومرية التي سمَّتها التوراة "أور كسديم"، وترجمت -لا ندري كيف - إلى "أور الكلدانيين"، بل في بابل الكلدانية. وبين أور السومرية التي نشأت 3800 ق.م والدولة الكلدانية وعاصمتها بابل التي نشأت عام 626 ق.م، وحدوث ما سمي السبي البابلي لسكان دويلة يهوذا سنة 586 ق.م، أقول؛ إنَّ بينهما أكثر من ألفي عام. أي إنَّ السومريين، إذا افترضنا جدلاً أنهم وجدوا كشعب أو مجموعة إثنية مستقلة، يكونون قد انقرضوا أو ذابوا في الشعوب الرافدانية الأخرى خلال الألفي عام التالية. فكيف تسربت الدماء السومرية إلى اليهود المهجَّرين إلى بابل!

تجاوزات منهجية كريمرية أخرى:

يذكر د. حنون أن كريمر تجاوز على العلم والمنهجية البحثية في ترجمته مرثاة "بلاد أكاد ومدينة أور" في أمرين مهمين:

الأول هو إقحام موضوع الفصل العرقي في شرحه لتفاصيل الصراع في هذه النصوص الأدبية والدينية السومرية على أنه صراع "قومي" أو "عرقي" بين أمتين؛ أمة سومرية مجهولة الانتماء القومي والأمة الأكدية السامية. في حين كانت تلك صراعات سياسية أو اقتصادية سببها التنافس على الأراضي ومياه الإرواء والمراعي ...إلخ، بين دويلات المدن عصر ذاك. أو إنَّ الأمر كان متعلقاً بكوارث وحروب تُعزى غيبياً في المثيولوجيا الرافدانية إلى غضب الآلهة، فسكان هذه المدن "الدويلات" قبل التوحيد الأكدي كانوا يشكلون نسيجاً مجتمعياً واحداً متداخلاً لغوياً وثقافياً.

الأمر الثاني هو أن كريمر حاول تطويع النصوص السومرية القديمة لخدمة فكرته المسبقة بدلاً من ترك النص يتحدث عن نفسه.

انطلاقاً من هذه الأدلة، يخلص الباحث العراقي إلى أن "المشكلة السومرية" برمتها هي مشكلة افتعلها علم الآشوريات الغربي في بداياته بسبب التأويلات الخاطئة والدراسات والترجمات الموجهة، وأن القراءة المباشرة والمجردة للنصوص المسمارية تظهر وحدة حضارية وبشرية للعراق القديم، تمايزت فيه لغات التدوين ولم تتمايز فيه الشعوب.

طرفة كريمرية

من طريف ما يُروى عن كريمر انه كان يزج بيهوديته بمناسبة أو من دونها، وقد تطرقنا لمحاولته تهويد السومريين أو "سَوْمَرَة اليهود" حتى حين يحاول أن يكون ظريفاً طريفاً. ففي واحدة من مقابلاته التلفزيونية المسجلة قال متفاخرا بلغته السومرية: "لو أن شخصاً سومرياً ميتاً أُعيدَ إلى الحياة اليوم وسمعني أتكلم السومرية لقال هذا الرجل يتكلم السومرية بشكل جيد جدا ولكنه ويا للعجب لديه لكنة يهودية/ الدقيقة 12 و20 ثانية "!

وحتى حين يزل لسان أو قلم كريمر فيقول أو يكتب شيئا صحيحاً منهجياً وينتبه أو ينبهه أحد ما إلى تناقضه مع نظريته حول السومريين فإنه سرعان ما يتخلى عنه ويحذفه من الطبعات القادمة من كتابه. هذا ما يسجله أحمد سوسة في كتابه (حضارة وادي الرافدين بين الساميين والسومريين/ ص20) حيث ينقل لنا أن كريمر كان قد كتبت في كتابه "الأساطير السومرية" ما معناه أن معظم أراضي السهل الرسوبي من بلاد الرافدين كان يسكنه الساميون حين نزح السومريون الى العراق. وردا على ذلك كتب عالم الآثار سيتون لويد مقالاً في مجلة "سومر" سنة 1947 عبر فيه عن دهشته من جرأة كريمر في التصريح بهذا الرأي دون خشية عواقب ذلك والتي تعني الشطب على مقولة السومريون شعب غريب جاء من مكان ما إلى هذه المنطقة (المكتظة بالساميين) فما كان من كريمر إلا أن حذف رأيه هذا من الكتاب في الطبعات اللاحقة.

أما بالنسبة لحيرة البعض المتوقعة من وجود لغة كاللغة السومرية وإنكار وجود شعب أو قومية سومرية فهذه الحيرة ستتبدد سريعاً بمجر أن نتذكر العديد من اللغات المبتكرة من قبل أشخاص او مجموعات بشرية بما يؤكد أن وجود اللغة لا يعني تلقائيا وجود شعب وهوية قومية ومن تلك اللغات المبتكرة نذك؛ اللغة السنسكريتية، لغة الإسبرانتو، لغة انترلنغوا، لغة فوهابوك ومجموعة لغات سلسلة أفلام (سيد الخواتم) التي ابتكرها المؤلف الروائي والألسني البريطاني جون تولكين ومنها لغة إلفيش ولغة السيندارين ...إلخ.

***

علاء اللامي - كاتب عراقي

لا تكمن أزمة الدولة العراقية في ضعف مؤسساتها فحسب، ولا في اختلال القوانين أو قصور الإدارة أو انتشار الفساد بمعناه الاقتصادي المباشر، بل تمتد الأزمة إلى مستوى أعمق يتعلق بطبيعة العلاقة الأخلاقية بين النخبة والدولة .

فالدولة، في معناها السياسي الحديث، ليست مجرد جهاز إداري أو مجموعة من الوزارات والأجهزة الأمنية، وإنما هي تجسيد لفكرة المصلحة العامة، ومجال تتساوى داخله الجماعات والأفراد أمام القانون. ولذلك فإن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على فرض النظام، وإنما بقدرتها على تحويل المصالح المتعارضة إلى قواعد عامة، وتحويل الانتماءات الخاصة إلى مواطنة سياسية مشتركة.

ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال عن النخبة العراقية سؤالًا أخلاقيًا بقدر ما هو سؤال سياسي: هل تنظر النخبة إلى الدولة بوصفها ملكًا عامًا، أم بوصفها مجالًا يمكن توظيفه لخدمة الجماعة والحزب والشبكة؟ إن الفرق بين السؤالين هو الفرق بين دولة تعمل بوصفها مؤسسة عامة، ودولة تتحول إلى مورد تتنافس الجماعات على امتلاكه.

أولاً: من المسؤولية الخاصة إلى المسؤولية العامة

تقوم الأخلاق السياسية، في أحد أعمق معانيها، على الانتقال من منطق المصلحة الخاصة إلى منطق المسؤولية العامة. فالسياسي لا يُحاسب فقط على ما يفعله باعتباره فردًا، وإنما على الآثار العامة المترتبة على قراراته، لأن موقع السلطة يمنحه قدرة على التأثير في حياة أعداد كبيرة من المواطنين.

ومن هنا لا يكفي أن يكون المسؤول السياسي ملتزمًا بمجموعة من القواعد الشخصية أو الدينية أو الاجتماعية؛ إذ يمكن للفرد أن يكون وفيًا لجماعته، كريمًا مع أتباعه، مخلصًا لحزبه، وفي الوقت نفسه عاجزًا عن ممارسة الأخلاق السياسية التي تجعل المصلحة العامة معيارًا أعلى من المصالح الخاصة.

وهنا يظهر الفرق بين أخلاق الجماعة وأخلاق الدولة. فأخلاق الجماعة تقوم غالبًا على التضامن الداخلي والولاء والحماية المتبادلة، بينما تقوم أخلاق الدولة على المساواة والحياد والاحتكام إلى القانون. وقد لا يكون هناك تعارض بينهما في الظروف العادية، لكن التعارض يظهر عندما يصبح الولاء للجماعة متقدمًا على الواجب تجاه الدولة.

فحين يتخذ المسؤول قرارًا لأنه يخدم حزبه، أو يوزع الوظائف وفق الانتماء السياسي، أو يحمي شخصًا لأنه ينتمي إلى شبكته، فإنه لا يرتكب مجرد مخالفة إدارية؛ بل يحدث انقلابًا في معنى المسؤولية السياسية: تتحول الوظيفة العامة من أمانة إلى امتياز، ومن خدمة عامة إلى أداة لإعادة إنتاج الولاء.

وتشير دراسة حديثة لمؤسسة تشاتام هاوس إلى أن النخبة العراقية بعد 2003 أصبحت تضم شبكات من الفاعلين المرتبطين بالأحزاب السياسية وبالشبكات الأمنية والاقتصادية التابعة لها، وأن هذه الشبكات امتلكت قدرًا كبيرًا من القوة السياسية والاقتصادية والإكراهية. كما تشير الدراسة إلى أن بعض التعيينات السياسية أضعفت استقلال الجهاز البيروقراطي وجعلت بعض المسؤولين أكثر ارتباطًا بالجهات الراعية لهم من ارتباطهم بالوظيفة المؤسسية.

وبذلك لا تعود المشكلة في أن المسؤول «فاسد» بالمعنى الأخلاقي الفردي فقط، وإنما في أن النظام السياسي نفسه قد يكافئ الولاء الخاص أكثر مما يكافئ المسؤولية العامة.

ثانياً: حين يتقدم الحزب على الدولة

الحزب السياسي في النظام الديمقراطي وسيلة لتنظيم المصالح والتعبير عنها، وليس بديلًا عن الدولة. فالحزب يدخل الانتخابات لكي يصل إلى السلطة، لكنه عندما يصل إليها يظل خاضعًا للقواعد العامة التي تفصل بين الحزب والدولة.

أما حين يختفي هذا الفصل، فإن الحزب يبدأ في النظر إلى الدولة باعتبارها امتدادًا له. عندئذ تتحول الوزارات والمؤسسات إلى مجالات نفوذ، وتصبح التعيينات والموارد والقرارات أدوات لبناء القوة الحزبية.

وهنا تظهر مشكلة عميقة: الحزب يحتاج إلى الدولة كي يمارس السلطة، لكنه لا ينبغي أن يمتلك الدولة.

فالاستحواذ الحزبي على مؤسسات الدولة يؤدي إلى إضعاف الحياد المؤسسي. والموظف الذي يشعر بأن مستقبله الوظيفي مرتبط برضا جهة سياسية قد يصبح أكثر ولاءً للشبكة السياسية من ولائه للقانون. وعندما تتكرر هذه الحالة على نطاق واسع، تتغير الثقافة المؤسسية بأكملها.

وتكشف دراسات ما بعد 2003 أن صيغة تقاسم السلطة القائمة على التوازنات الإثنية والطائفية أسهمت في نشوء ترتيبات نخبويّة عُرفت عمليًا بمنطق «تقاسم الكعكة»، وشجعت القوى السياسية على بناء شبكات رعاية داخل مؤسسات الدولة.

ومن هنا فإن الخطر لا يكمن فقط في أن تستعمل الأحزاب مؤسسات الدولة، وإنما في أن تتغير وظيفة المؤسسة نفسها: من مؤسسة وطنية تعمل وفق قواعد عامة إلى مؤسسة تعمل وفق موازين القوى بين الأحزاب.

ثالثاً: الطائفة والعشيرة والاقتصاد السياسي للولاء

لا يمكن اختزال المشكلة في الحزب وحده؛ فالمجتمع العراقي، شأنه شأن المجتمعات الأخرى، يحتوي على روابط دينية وطائفية وعشائرية ومناطقية ومهنية واقتصادية عميقة. وهذه الروابط ليست في ذاتها مشكلة؛ إذ يمكن أن تكون مصدرًا للتضامن الاجتماعي وحماية الفرد وتعزيز الانتماء.

لكن الأزمة تبدأ عندما تتحول هذه الروابط من مجال اجتماعي للانتماء إلى قاعدة سياسية لتوزيع الحقوق والموارد.

فالمواطنة تفترض أن يحصل الفرد على حقه لأنه مواطن، بينما تقوم المحسوبية على حصوله على الحق لأنه ينتمي إلى جماعة أو شبكة أو جهة سياسية. وفي الحالة الأولى تكون الدولة هي الوسيط بين المواطن وحقوقه؛ وفي الثانية تصبح الشبكة هي الوسيط.

وهنا ينشأ نوع من الخصخصة السياسية للدولة: لا تُباع الدولة بالضرورة، وإنما يجري توزيع أجزاء من وظائفها ومنافعها على شبكات اجتماعية وسياسية مختلفة.

وتكمن خطورة ذلك في أن المواطن قد يبدأ هو الآخر في إعادة إنتاج النظام نفسه؛ فيبحث عن «واسطة»، أو جهة سياسية، أو زعيم محلي، لا لأنه يرفض الدولة بالضرورة، وإنما لأنه فقد الثقة بقدرتها على ضمان حقوقه بصورة محايدة.

وهذا يفسر لماذا لا يمكن إصلاح الدولة بإصلاح مؤسساتها التقنية فقط، لأن المشكلة أصبحت جزءًا من السلوك السياسي والاجتماعي الذي يعيد إنتاج ضعفها.

رابعاً: من الولاء للدولة إلى الولاء للشبكة

الولاء للدولة ليس ولاءً عاطفيًا للعلم أو الحدود أو الرموز الوطنية فقط، وإنما هو قبل كل شيء قبول بأن الدولة تمثل المجال الأعلى لتنظيم المصالح العامة.

أما الولاء للشبكة فيقوم على منطق مختلف: أنت تحمي من يحميك، وتدعم من يدعمك، وتستفيد من الموارد التي تستطيع الشبكة الوصول إليها.

وقد تكون الشبكة حزبية، أو اقتصادية، أو عشائرية، أو دينية، أو مزيجًا من هذه العناصر. لكن القاعدة واحدة: المصلحة السياسية تُبنى على العلاقة الشخصية أو الجماعية بدل القاعدة المؤسسية.

وهنا يصبح السؤال: لمن يدين المسؤول بولائه عندما تتعارض مصلحة الدولة مع مصلحة الشبكة؟

إذا اختار الدولة، فإننا أمام مسؤولية سياسية حديثة.

أما إذا اختار الشبكة، فإننا أمام أزمة في أخلاق السلطة.

أن بعض آليات المساءلة الرسمية في العراق أصبحت عرضة للاستحواذ من النخب وشبكات الرعاية، الأمر الذي أضعف قدرتها على مراقبة السلطة، وأدى إلى قيام بعض الموظفين والقضاة والمسؤولين الأمنيين بتنفيذ مصالح الجهات الراعية لهم بدلًا من أداء وظائفهم المؤسسية بصورة مستقلة.

وهنا تصبح المسألة أعمق من «فساد شخصي»: إنها أزمة في مصدر الشرعية السياسية. فالسلطة التي تستمد شرعيتها من الشبكة ستعمل لحماية الشبكة، بينما السلطة التي تستمد شرعيتها من الدولة ستعمل على حماية المؤسسة.

خامساً: الفساد الأخلاقي للعلاقة بين النخبة والدولة

ينبغي هنا التمييز بين فساد المؤسسة وفساد العلاقة مع المؤسسة.

قد تكون هناك مؤسسة جيدة التصميم، وقوانين متقدمة، وأجهزة رقابية، لكن المسؤولين يستطيعون تعطيلها أو الالتفاف عليها. في هذه الحالة لا يكون الخلل في النص وحده، بل في العلاقة التي تربط الفاعل بالمؤسسة.

وهذا ما يجعل الفساد السياسي أكثر خطورة من الفساد الإداري؛ فالفساد الإداري يسرق من المؤسسة، أما الفساد السياسي فقد يعيد تشكيل المؤسسة بحيث تصبح قابلة للسرقة.

ومن هنا يمكن فهم ما تسميه الأدبيات الحديثة بـ استحواذ النخبة على الدولة (Elite State Capture). فالدولة لا تصبح ضعيفة لأنها تفتقر إلى المؤسسات، وإنما لأن القوى التي يفترض أن تعمل داخلها تستطيع التأثير في القواعد التي تنظمها وفي آليات الرقابة عليها. أن نظام تقاسم السلطة الإثني والطائفي بعد 2003 وفّر فرصًا للنخب للاستحواذ على الدولة وعلى مواردها، مع ضعف القدرة على إخضاع هذه النخب للمساءلة.

وهنا يصبح الفساد نظامًا لإعادة إنتاج القوة، وليس مجرد انحراف عن النظام.

سادساً: الأخلاق السياسية بوصفها شرطاً لبناء الدولة

إذا كانت المشكلة في جانب منها أخلاقية، فإن إصلاحها لا يمكن أن يكون تقنيًا فقط. فالقوانين والمؤسسات ضرورية، لكنها لا تكفي إذا كانت النخبة لا ترى في المصلحة العامة قيمة أعلى من مصلحة الجماعة.

الأخلاق السياسية المطلوبة هنا ليست أخلاق الوعظ، وإنما أخلاق المسؤولية العامة. وهي تقوم على مجموعة من المبادئ:

1.  الدولة أعلى من الحزب في مجال القرار العام.

2.  المواطنة أعلى من الانتماء الخاص في توزيع الحقوق.

3.  القانون أعلى من العلاقة الشخصية في ممارسة السلطة.

4.  المصلحة العامة أعلى من المصلحة الانتخابية الآنية.

5.  المؤسسة أقوى من الشخص.

6.  المساءلة حق عام وليست أداة لتصفية الخصوم.

إن الدولة لا تصبح قوية عندما يمتلك الحاكم مزيدًا من السلطة، وإنما عندما تصبح السلطة نفسها مقيدة بقواعد عامة لا يستطيع صاحبها تحويلها إلى ملكية خاصة.

وفي هذا السياق، تصبح المساءلة جوهر الأخلاق السياسية؛ لأنها تمنع السلطة من التحول إلى امتياز. وتشير الأدلة الحديثة إلى أن المشكلة العراقية ليست غياب آليات المساءلة على الورق، بل ضعف فعاليتها بسبب شبكات الرعاية والاستحواذ على المؤسسات. كما أظهر مسح لـ1600 عراقي أجرته تشاتام هاوس عام 2021 ضعف الثقة الشعبية بفاعلية المؤسسات المسؤولة عن المساءلة، فيما أظهر مسح الباروميتر العربي لعام 2022 مستويات مرتفعة جدًا من إدراك انتشار الفساد.

وهذا يعني أن استعادة الدولة تبدأ باستعادة معنى المسؤولية.

سابعاً: من نخبة الجماعة إلى نخبة الدولة

لا تعني الدعوة إلى أخلاق سياسية جديدة إلغاء الانتماءات الحزبية أو الدينية أو الاجتماعية أو العشائرية. فهذا غير ممكن وغير مطلوب. وإنما المطلوب أن تتعلم النخبة التمييز بين حقها في الانتماء وواجبها في الحكم.

يمكن للسياسي أن يكون حزبيًا، لكنه عندما يدخل الدولة يجب أن يصبح رجل دولة.

ويمكن للمثقف أن ينتمي إلى تيار فكري، لكن عليه عندما ينتج معرفة عامة أن يميز بين البحث والحزبية.

ويمكن لرجل الاقتصاد أن يدافع عن مصالح القطاع الخاص، لكنه لا يستطيع أن يحول السياسة الاقتصادية إلى أداة لخدمة مصالح محددة.

ويمكن لزعيم اجتماعي أو عشائري أن يحافظ على روابط جماعته، لكن عليه ألا يحول هذه الروابط إلى بديل عن القانون.

وهكذا لا تكون نخبة الدولة نخبة بلا انتماءات، بل نخبة قادرة على وضع انتماءاتها داخل إطار الدولة.

وهذا هو الفارق بين النخبة التي تستخدم الدولة والنخبة التي تبني الدولة.

خاتمة

تكشف أزمة الأخلاق السياسية في العراق أن مشكلة الدولة لا تبدأ دائمًا من المؤسسة، بل قد تبدأ من الفكرة التي تحملها النخبة عن الدولة. فإذا اعتُبرت الدولة ملكًا عامًا، أصبحت المؤسسات أدوات للمصلحة المشتركة؛ أما إذا اعتُبرت موردًا تتقاسمه الجماعات، تحولت المؤسسات إلى ساحات للصراع على النفوذ.

ومن هنا فإن تغليب الحزب أو الطائفة أو العشيرة أو الشبكة الاقتصادية على الدولة لا يمثل مجرد انحراف سياسي، بل يمثل اختلالًا في الترتيب الأخلاقي للولاءات. فالمشكلة ليست أن يكون للسياسي حزب أو للمواطن جماعة، وإنما أن تصبح الجماعة مصدرًا للحق السياسي بدل أن تكون الدولة والقانون مصدرًا له.

وعليه، فإن فرضية هذا المقال يمكن صياغتها بصورة أكثر عمقًا: خراب الدولة ليس نتيجة فساد المؤسسات فقط، بل نتيجة فساد العلاقة الأخلاقية بين النخبة والدولة.

فحين تصبح الدولة وسيلة للثروة، والمنصب وسيلة للنفوذ، والقانون وسيلة لحماية الحلفاء أو معاقبة الخصوم، والمساءلة أداة سياسية انتقائية، فإن الدولة تفقد جوهرها حتى لو بقيت مؤسساتها قائمة. وفي المقابل، تبدأ عملية بناء الدولة عندما يصبح المنصب العام أمانة، والسلطة مسؤولية، والقانون قاعدة عامة، والمصلحة الوطنية معيارًا يتجاوز المصالح الخاصة.

ومن ثم فإن السؤال الحاسم ليس فقط: كيف نصلح الدولة العراقية؟ بل: أي نوع من النخب نريد أن يحكم الدولة؟

فإصلاح المؤسسات من دون إصلاح أخلاق السلطة قد يعيد إنتاج الأزمة بأشكال جديدة. أما الانتقال من نخبة الجماعة إلى نخبة الدولة فيعني أن يصبح نجاح السياسي مقاسًا بقدرته على تقوية المؤسسة التي يعمل فيها، لا بقدرته على توسيع شبكته؛ وبقدر ما يترك من دولة أقوى وأكثر استقلالًا مما تسلمه.

وهنا تتضح العلاقة بين هذا المقال والمقالين السابقين: فإذا كان الاستحواذ على الدولة يمثل المشكلة المؤسسية، فإن غياب الأخلاق السياسية يمثل المشكلة القيمية التي تسمح باستمرار هذا الاستحواذ. ولذلك فإن الدولة العراقية لا تحتاج إلى إصلاح مؤسساتها فقط، بل إلى إعادة تأسيس العقد الأخلاقي بين النخبة والدولة والمجتمع؛ عقدٍ تصبح فيه الدولة ملكًا للجميع، والسلطة مسؤولية لا غنيمة، والمواطنة رابطة قانونية تتقدم على روابط الامتياز والزبائنية.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

 

من بناء المؤسسة إلى الاستحواذ عليها

لا يمكن فهم أزمة الدولة العراقية من خلال ضعف مؤسساتها فقط، ولا من خلال عجزها الإداري أو كثرة الأزمات التي مرّت بها، لأن المؤسسة لا تعمل في فراغ، وإنما تتحرك داخل شبكة من المصالح والقوى التي تحدد اتجاهها ووظيفتها وحدود استقلالها. ومن هنا يصبح السؤال عن الدولة سؤالًا عن النخبة التي تديرها، وعن طبيعة العلاقة التي أقامتها هذه النخبة مع مؤسساتها. فالدولة قد تكون، في تصورها النظري، مؤسسة عامة تجسد الإرادة المشتركة للمجتمع، لكنها قد تتحول في الممارسة إلى مجال تتنافس داخله النخب على الموارد والمواقع والنفوذ.

وهذا التناقض بين الدولة بوصفها مؤسسة عامة، والدولة بوصفها مجالًا للاستحواذ الخاص يمثل أحد المفاتيح الأساسية لفهم التجربة العراقية الحديثة. فمنذ نشأة الدولة العراقية الحديثة لم تكن عملية بناء المؤسسات منفصلة عن صراعات السلطة والمصالح والتكوينات الاجتماعية والسياسية. وقد تشكلت الدولة في العهد الملكي في سياق شديد التعقيد، تداخلت فيه عملية بناء المؤسسات مع الدور البريطاني، ومع إعادة تشكيل البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، الأمر الذي جعل الدولة منذ بداياتها فضاءً تتفاعل فيه مشاريع متعددة للسلطة والمجتمع والهوية.

أولاً: من بناء الدولة إلى الصراع على الدولة

إن الدولة العراقية الحديثة لم تولد بوصفها مؤسسة مكتملة، وإنما كانت نتيجة عملية تاريخية متدرجة لإنتاج السلطة والمؤسسات والشرعية. فقد ارتبط تأسيس الدولة عام 1921 بإقامة النظام الملكي وبمحاولات بناء جهاز إداري وعسكري وتشريعي قادر على إدارة مجتمع شديد التنوع. ويشير عديد داويشا إلى أن النخبة الحاكمة العراقية واجهت منذ البداية ثلاث مهام متلازمة: توطيد مؤسسات الدولة، وإنتاج شرعيتها، وبناء هوية وطنية جامعة.

لكن بناء المؤسسات لا يعني بالضرورة ترسيخ الدولة الحديثة بالمعنى المؤسسي. فالمؤسسة تكون دولة عندما تصبح قواعدها أكثر قوة من الأشخاص الذين يشغلونها، وعندما يصبح المنصب العام وظيفة في النظام لا ملكية سياسية لمن يتولاه. أما حين تتحول المؤسسات إلى أدوات في يد جماعات أو أفراد، فإنها تفقد تدريجيًا صفتها العامة، حتى وإن بقيت هياكلها القانونية والإدارية قائمة.

وهنا تظهر إحدى المفارقات المركزية في التاريخ السياسي العراقي: قد تتوسع الدولة مؤسسيًا، بينما تضعف الدولة سياسيًا. فقد تزداد الوزارات والدوائر والهيئات والوظائف، من دون أن تزداد بالضرورة قدرة المؤسسة على العمل بصورة مستقلة ومحايدة. وبذلك يصبح نمو الجهاز البيروقراطي مؤشرًا على حجم الدولة لا على قوتها المؤسسية.

وقد أظهرت دراسة عراقية حديثة عن آليات بناء الدولة في العهد الملكي أن المؤسسات الجديدة لم تقطع بصورة كاملة مع البنى الاجتماعية القديمة، بل تداخلت الأنماط الجديدة مع القديمة، وأصبحت بعض الجماعات قادرة على استخدام مؤسسات الدولة لتحسين موقعها الاجتماعي والسياسي . وهذا يعني أن الدولة لم تكن دائمًا قوة مستقلة عن المجتمع، بل كانت في أحيان كثيرة ساحة لإعادة توزيع القوة بين الجماعات.

ومن هنا يمكن إعادة صياغة المشكلة على النحو الآتي: لم تكن المشكلة العراقية في غياب الدولة، وإنما في عدم اكتمال انتقال الدولة من كونها مجالًا لتوزيع النفوذ إلى كونها مؤسسة مستقلة عن شبكات النفوذ.

ثانياً: الدولة بوصفها مجالاً للتنافس على الموارد والنفوذ

ترتبط الدولة الحديثة بالموارد ارتباطًا وثيقًا؛ فهي تملك الموازنة العامة، والوظائف، والتعيينات، والعقود، والتراخيص، والخدمات، والأراضي، والأجهزة الأمنية، فضلًا عن قدرتها على إنتاج القواعد القانونية. ولذلك فإن السيطرة على الدولة تمنح النخبة قدرة واسعة على توزيع الموارد وتحديد المستفيدين منها.

وتزداد أهمية هذه المسألة في العراق بسبب الاقتصاد الريعي الذي جعل الدولة المركز الأساسي لتوزيع الثروة النفطية وتوفير الوظائف والخدمات. وقد أشار تحليل تشاتام هاوس إلى أن الدولة العراقية خلال القرن العشرين أصبحت، بفعل الريعية النفطية، المزود المركزي للدخل والخدمات، الأمر الذي جعل علاقة المواطن بالدولة ترتبط بدرجة كبيرة بالوظيفة والدخل والخدمات التي تقدمها. .

وهنا تنتقل الدولة من كونها مؤسسة لإنتاج الصالح العام إلى كونها موردًا للتوزيع السياسي. فالسياسي الذي يسيطر على موقع مؤثر داخل الدولة لا يمتلك سلطة القرار فقط، وإنما يمتلك القدرة على إعادة توزيع الموارد بما يخدم شبكته السياسية والاجتماعية.

وهذا ما يجعل مفهوم المحسوبية السياسية أكثر أهمية من مفهوم الفساد الفردي وحده. فالفساد الفردي يفترض أن شخصًا يستغل موقعه لتحقيق منفعة خاصة، بينما تشير المحسوبية السياسية إلى شبكة منظمة من العلاقات المتبادلة التي تربط السلطة بالموارد والولاء. وفي هذه الحالة يصبح الحصول على الوظيفة أو العقد أو الموقع الإداري جزءًا من عملية بناء النفوذ السياسي.

ومن هنا يمكن التمييز بين شكلين من الفساد:

الفساد داخل الدولة، حيث يستغل الفرد المؤسسة لمصلحته الخاصة؛

والفساد الذي يعيد تشكيل الدولة، حيث تصبح المؤسسة نفسها منظمة وفق شبكات المصالح.

والثاني أخطر؛ لأنه لا يفسد بعض الموظفين فقط، بل يغيّر منطق عمل المؤسسة.

ثالثاً: المحاصصة وتحول الدولة إلى بنية لتقاسم النفوذ

بعد عام 2003 أخذت هذه المشكلة شكلًا أكثر وضوحًا مع نشوء نظام سياسي قائم على تقاسم السلطة بين القوى السياسية على أساس هوياتي وطائفي وإثني. ولا يعني ذلك أن كل أشكال التمثيل الاجتماعي أو التعدد السياسي تمثل مشكلة في ذاتها، وإنما تكمن المشكلة عندما يتحول التعدد من تمثيل للمجتمع داخل الدولة إلى تقاسم للدولة بين الجماعات السياسية.

وهنا يظهر الفرق الدقيق بين مفهومين: التعددية السياسية والمحاصصة السياسية. التعددية تعني أن المجتمع متعدد القوى والاتجاهات، وأن هذه القوى تتنافس داخل قواعد مؤسسية مشتركة. أما المحاصصة فتجعل الانتماء إلى الجماعة السياسية أو الهوياتية وسيلة لتوزيع المناصب والموارد.

وقد خلصت دراسات حديثة إلى أن ترتيبات تقاسم السلطة بعد 2003، التي صُممت في الأصل لتوفير الاستقرار بين المكونات، ساعدت عمليًا على نشوء اتفاق نخبوي مكّن الأحزاب السياسية من اختراق المؤسسات الرسمية وإضعاف استقلالها.

وبذلك لم تعد المشكلة مجرد وجود نخبة قوية، وإنما نشوء نخبة موزعة على شبكات مصالح متعددة تتشارك في السيطرة على أجزاء من الجهاز العام. ويصبح الوزير، أو المسؤول، أو المدير العام، في بعض الحالات، مرتبطًا بالجهة السياسية التي أوصلته إلى موقعه أكثر من ارتباطه بالمنظومة المؤسسية التي يعمل داخلها.

وهنا تتغير وظيفة المنصب العام: بدل أن يكون المنصب تكليفًا مؤسسيًا يصبح امتدادًا لشبكة سياسية.

وقد وثق تشاتام هاوس هذه الظاهرة فيما يتعلق بالتعيينات في الدرجات الخاصة، حيث تنافست الأحزاب السياسية على تعيين شخصيات في المناصب العليا داخل الجهاز الإداري، بما يسمح لها بالتأثير في موارد الدولة ويضعف المساءلة المؤسسية.

رابعاً: من الدولة المؤسسية إلى الدولة الشبكية

تؤدي المحاصصة وشبكات المصالح إلى إنتاج نوع مختلف من الدولة؛ دولة تبدو مؤسساتها قائمة، لكن آليات القرار الفعلية لا تعمل دائمًا من خلال المؤسسات الرسمية وحدها. فهناك، إلى جانب الوزارة والبرلمان والقضاء والإدارة، شبكات غير رسمية من الأحزاب والمصالح والعلاقات الشخصية والاقتصادية والاجتماعية.

ومن هنا يمكن وصف الدولة العراقية في بعض مراحلها بأنها دولة شبكية؛ أي دولة تتداخل فيها البنية الرسمية مع شبكات غير رسمية لممارسة السلطة.

وتكمن خطورة هذا النمط في أنه ينتج ازدواجية بين:

الدولة القانونية التي تظهر في النصوص، والدولة الفعلية التي تعمل من خلال شبكات القوة.

فقد توجد قواعد قانونية واضحة للتعيين والمساءلة، لكن القرار الفعلي قد يتأثر بعلاقات سياسية خارج القاعدة القانونية. وقد توجد مؤسسة رقابية، لكن قدرتها على مساءلة أصحاب النفوذ تكون محدودة إذا كانت النخب نفسها قادرة على التأثير في آليات الرقابة.

ويصف ريناد منصور هذا الوضع باعتباره مشكلة الاستحواذ على الدولة؛ إذ تستطيع النخب النافذة السيطرة على آليات المساءلة والمؤسسات البيروقراطية، ثم تستخدم المواقع العليا لبناء شبكات ولاء تجعل الجهاز الإداري أقل قدرة على أداء وظيفته المستقلة.

وهنا تتحول الدولة من جهاز قادر على ضبط الشبكات الاجتماعية إلى دولة تخترقها الشبكات.

خامساً: الاستحواذ على المؤسسة وإعادة إنتاج الضعف

إن الاستحواذ على المؤسسة لا يعني بالضرورة إلغاءها. وهذه نقطة مهمة في فهم الحالة العراقية. فالنخبة لا تحتاج دائمًا إلى تدمير المؤسسة حتى تسيطر عليها؛ يكفي أن تعيد تشكيل آليات عملها بحيث تصبح المؤسسة قائمة شكليًا، لكنها خاضعة عمليًا لمنطق النفوذ.

ومن هنا يمكن تحديد ثلاث مراحل في علاقة النخبة بالمؤسسة:

المرحلة الأولى: بناء المؤسسة.

تعمل النخبة على تأسيس المؤسسات وإنتاج القواعد والأنظمة التي تجعل الدولة أكثر قدرة على العمل.

المرحلة الثانية: استخدام المؤسسة.

تبدأ النخبة في توظيف المؤسسة لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية خاصة.

المرحلة الثالثة: الاستحواذ على المؤسسة.

تتحول المؤسسة نفسها إلى جزء من شبكة المصالح، فتعمل ليس وفق منطق الدولة العام، وإنما وفق توازنات القوى التي تسيطر عليها.

وعند هذه المرحلة لا تعود المؤسسة قادرة على إصلاح نفسها بسهولة؛ لأن القوى المستفيدة من ضعفها تصبح هي نفسها القوى القادرة على تعطيل إصلاحها.

وهذا ما يفسر لماذا تبدو بعض الإصلاحات في العراق وكأنها تبدأ ثم تتعثر. فالمشكلة ليست دائمًا في نقص المعرفة الفنية بالإصلاح، وإنما في تضارب الإصلاح مع مصالح القوى المستفيدة من الوضع القائم. وقد خلصت دراسة تشاتام هاوس حول إصلاح القطاع العام العراقي إلى أن عدم الاستقرار السياسي شجع النخب الحاكمة على التفكير قصير الأمد، وعلى تفضيل بناء شبكات المحسوبية من خلال الوظائف على الاستثمار طويل الأمد في الخدمات والبنية التحتية.

وبهذا يصبح ضعف الدولة قابلًا لإعادة الإنتاج: ضعف المؤسسة يولد الحاجة إلى الوساطة، والوساطة تقوي الشبكات، والشبكات تضعف المؤسسة، ثم تؤدي المؤسسة الضعيفة إلى زيادة الاعتماد على الشبكات.

سادساً: من النخبة التي تبني الدولة إلى النخبة التي تعيش على ضعفها

تظهر هنا المسألة الأكثر عمقًا: هل تحتاج النخبة إلى دولة قوية فعلًا؟

قد يبدو السؤال متناقضًا، لأن النخب السياسية يفترض أن تكون المستفيد الأول من الدولة القوية. لكن الدولة القوية مؤسسيًا قد تحد من قدرة النخب على التحكم في الموارد، لأنها تجعل الوصول إلى الوظيفة والمنصب والقرار خاضعًا للقواعد لا للعلاقات.

أما الدولة الضعيفة مؤسسيًا، فقد تمنح النخب مساحة أوسع للمناورة. ولذلك قد تصبح بعض النخب مستفيدة من الدولة الضعيفة ولكن الغنية بالموارد: دولة تمتلك النفط والميزانية والوظائف، لكنها تفتقر إلى مؤسسات مستقلة قادرة على فرض القواعد على الجميع.

وهذا يفسر المفارقة العراقية: الدولة قد تكون قوية في مواردها، لكنها ضعيفة في استقلال مؤسساتها.

فالضعف هنا ليس غياب القوة المادية، وإنما ضعف القدرة على تحويل الموارد إلى مؤسسات مستقرة وقواعد عامة. ولذلك فإن زيادة الإنفاق الحكومي أو عدد الموظفين لا تعني بالضرورة زيادة قوة الدولة. بل قد تؤدي، في ظل شبكات المحسوبية، إلى توسيع المجال الذي تتحرك فيه النخب السياسية.

وقد بينت تحليلات تشاتام هاوس أن توسع القطاع العام بعد 2003 ترافق مع توظيف سياسي قائم على المكاسب السريعة وبناء شبكات الولاء، في وقت تعثرت فيه الاستثمارات العامة طويلة الأمد.

خاتمة

تكشف دراسة علاقة النخبة العراقية بالدولة أن أزمة الدولة ليست مجرد أزمة مؤسسات ضعيفة، وإنما هي قبل ذلك أزمة في طبيعة العلاقة بين السلطة والمؤسسة. فالمؤسسة تصبح ضعيفة عندما لا تكون القواعد العامة أقوى من المصالح الخاصة، وعندما يتحول المنصب العام من وظيفة لخدمة الدولة إلى موقع لإنتاج النفوذ.

ومن ثم فإن المحاصصة ليست مجرد آلية لتوزيع المناصب، بل يمكن أن تتحول إلى منطق لإعادة تعريف الدولة نفسها؛ من دولة تقوم على المواطنة والمؤسسة إلى دولة تقوم على التوازن بين شبكات النفوذ. وفي هذه الحالة يصبح المواطن تابعًا للشبكة بدل أن يكون مواطنًا يتمتع بحقوقه بواسطة مؤسسة الدولة.

لكن المشكلة الأعمق تكمن في أن النخبة التي تستحوذ على المؤسسات لا تكتفي باستغلال ضعف الدولة، بل قد تصبح قادرة على إعادة إنتاج هذا الضعف؛ لأن إصلاح المؤسسة يعني بالضرورة تقليص مساحة النفوذ غير المؤسسي.

وعليه، فإن الانتقال من الدولة المأزومة إلى الدولة المؤسسية لا يتطلب إصلاح القوانين والهياكل الإدارية فقط، بل يتطلب إعادة بناء العلاقة بين النخبة والدولة. فالهدف ليس إقصاء النخبة من المجال السياسي، وإنما تحويلها من نخبة تستمد قوتها من السيطرة على الدولة إلى نخبة تستمد شرعيتها من قدرتها على بناء الدولة.

وهنا تتحدد المسألة الأخلاقية والسياسية للفصل كله: الدولة لا تُصلح نفسها ما دامت القوى المستفيدة من ضعفها تملك القدرة على التحكم في مسار إصلاحها. ولذلك فإن إصلاح الدولة العراقية يبدأ من إعادة تعريف معنى السلطة العامة نفسها: السلطة ليست امتيازًا للاستحواذ على المؤسسة، بل مسؤولية عن حمايتها، وليس معيار نجاح النخبة مقدار ما تحصل عليه من موارد الدولة، بل مقدار ما تتركه للدولة من مؤسسات أقوى وأكثر استقلالًا مما وجدته.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

لاقى مقالي الأسبوع الماضي «تشريح العقل السياسي العراقي» ترحيباً واسعاً، وطلب مني عدد من الباحثين أن أتبعه بمقال عن العقل السياسي المطلوب للعراق. وقد وجدت في هذه الدعوة فرصة لتوضيح مسألة أعمق؛ لأنني لا أعتقد أن الباحث، مهما أوتي من قدرة فكرية وفلسفية، يستطيع أن يصوغ لنا عقلاً جديداً بقرار أو رغبة، فالعقل الذي يصدر الأحكام ويتخذ القرارات ليس هو المشكلة وحده، وإنما المشكلة في العقل الذي يُنتجه.

يميز الفيلسوف الفرنسي أندريه لالاند بين «العقل المكوِّن» و«العقل المكوَّن». الأول هو البنية والقواعد والمرجعيات التي تنتج الأحكام، والثاني هو العقل في صورته النهائية حين يحكم ويقرر ويتصرف. وقد شرح محمد عابد الجابري هذا التمييز في مشروعه (نقد العقل العربي)، ليؤكد أن تغيير النتائج لا يكون ممكناً من دون مساءلة البنية المعرفية التي تنتجها.

 أجد أن الحديث عن «عقل سياسي شيعي جديد» مثلا يحتاج أولاً إلى تفكيك العقل المكوِّن الذي ينتج الاستجابة السياسية لدى قطاعات واسعة من النخب والجمهور الشيعي. وأنا هنا لا أتحدث عن الأفراد ومصالحهم الخاصة، ولا أضع جميع الشيعة في قالب واحد، وإنما أتحدث عن ظاهرة اجتماعية وثقافية عامة يمكن ملاحظتها في طريقة التفكير والاستجابة للتحديات السياسية والأمنية والاجتماعية.

هنا يمكن استعارة مفهوم «الهابيتوس» الذي طوره عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، بوصفه : منظومة من الاستعدادات الذهنية والاجتماعية المتراكمة التي تجعل الفرد والجماعة يميلان إلى رؤية العالم والتصرف فيه بطريقة تبدو طبيعية وبديهية. ويمكن، على سبيل التحليل، أن نتحدث عن «هابيتوس شيعي» تشكل تاريخياً بفعل الذاكرة والمظلومية والمرجعية والجماعة والرموز الدينية وتجارب الصراع والتهديد، وأصبح في حالات كثيرة أشبه بصندوق أسود تنتج داخله المواقف السياسية قبل أن تصل إلى مرحلة التفكير الواعي فيها.

ولهذا فإن الخروج على هذا الهابيتوس ليس مسألة فكرية بسيطة؛ إذ قد يُفهم اجتماعياً بوصفه خروجاً على الجماعة وتفلتاً من الهوية.  تفسر نظرية الهوية الاجتماعية لهنري تاجفيل جانباً من المشكلة، فالإنسان لا يفكر دائماً باعتباره فرداً مستقلاً، وإنما يتأثر بانتمائه إلى الجماعة وحدود «نحن» و«هم». ولذلك يصبح الاختلاف مع الجماعة أحياناً أكثر كلفة من الاختلاف مع الفكرة نفسها.

المشكلة إذن ليست في أن نقول للشيعي: فكّر بطريقة جديدة، وإنما في أن نسأل: كيف يمكن إعادة بناء البيئة المعرفية والاجتماعية التي تنتج طريقة التفكير؟ وكيف يمكن الانتقال من عقل تحكمه الذاكرة والخوف والهواجس والاصطفافات إلى عقل سياسي تحكمه الدولة والمصلحة الوطنية والأولوية الواقعية وإدارة المصالح المشتركة؟

وأهمية هذه المسألة أنها لا تخص الشيعة وحدهم. فحين يتغير أحد المكونات الكبرى في العراق، ستتأثر بالضرورة بقية المكونات؛ السنة والكرد وسواهم، لأن السياسة العراقية ليست جزرًا منفصلة، وإنما منظومة من الاستجابات المتبادلة. وإذا نجحنا في فتح نقاش جدي حول العقل المكوِّن، فإننا لا نبحث عن «عقل شيعي» في مواجهة عقل سني أو كردي، وإنما عن إمكانية الوصول إلى أرضية سياسية جديدة تتقاطع فيها هذه الهويات عند مفهوم الدولة ومصالحها وأولوياتها وتحدياتها.

لذلك ربما لا يكون السؤال الصحيح اليوم: ما هو العقل السياسي الشيعي الجديد؟ بل: كيف نعيد بناء الشروط التي تنتج عقلاً سياسياً عراقياً جديداً؟ فالعقل الجديد لا يُكتب على الورق، وإنما يتشكل حين تتغير المرجعيات التي تنتجه، وتتغير معها طريقة فهمنا لأنفسنا وللآخر وللدولة وللمصلحة الوطنية. وهذه، في تقديري، هي المعركة الفكرية الحقيقية التي ينبغي أن تسبق أي حديث عن الإصلاح حيث يمكن ملاحظة أثر هذا الهابيتوس في عدد كبير من المواقف السياسية المعاصرة. فعندما تواجه النخب الشيعية تحدياً أمنياً أو سياسياً، كثيراً ما تكون الاستجابة الأولى محكومة بسؤال «من معنا ومن ضدنا؟» أكثر من سؤال «ما الذي يخدم الدولة والمصلحة العراقية؟». وعندما تتعرض البيئة الشيعية إلى تهديد، يعود العقل تلقائياً إلى مخزون الذاكرة التاريخية، وإلى مفردات الحماية والوجود والمظلومية والتهديد الخارجي، حتى وإن كان التحدي الجديد مختلفاً تماماً عن التحديات التي أنتجت تلك المفردات في الماضي.

ولعل الجدل حول السلاح خارج الدولة واحد من أوضح الأمثلة. فبدلاً من أن يبدأ النقاش من سؤال بسيط: هل تستطيع الدولة أن تكون دولة مكتملة السيادة في ظل وجود قوى مسلحة تتخذ قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها؟ يتحول النقاش سريعاً إلى أسئلة الهوية والولاء والمقاومة ومن يقف مع من؟، وكأن المطالبة باحتكار الدولة للسلاح تعني بالضرورة موقفاً من قضية مذهبية أو إقليمية. هنا يظهر الهابيتوس بوصفه منتجاً للاستجابة؛ إذ يستدعي المخزون السابق لتفسير الحاضر، حتى عندما يكون المطلوب هو بناء قاعدة جديدة للحكم والسياسة.

ومثال آخر يظهر في الموقف من العلاقة مع إيران. فبدلاً من أن يكون السؤال: ما طبيعة العلاقة التي تحقق للعراق أكبر قدر من المصالح وتحفظ استقلال قراره وسيادته؟ يتحول النقاش لدى بعض النخب والجمهور إلى سؤال هوياتي: هل يمكن أن نختلف مع إيران من دون أن نكون ضدها؟ وهل يمكن أن نقترب من الولايات المتحدة من دون أن نكون تابعين لها؟ وهكذا تتحول السياسة الخارجية من إدارة للمصالح إلى امتحان للولاء، ويصبح الموقف من الدولة الأخرى معياراً للحكم على وطنية الفرد أو انتمائه.

والأمر نفسه يمكن ملاحظته في الموقف من الولايات المتحدة. فهناك من يرى أي علاقة معها باعتبارها استمراراً للاحتلال والهيمنة، وهناك من يرى أن رفض العلاقة معها بصورة مطلقة يضر بالمصالح العراقية. وفي الحالتين قد يتحول الموقف إلى هوية سياسية ثابتة يصعب مراجعتها، بحيث يصبح التفكير في جدوى العلاقة أقل أهمية من الانتماء إلى المعسكر الذي يمثلها.

بل إن الانتخابات العراقية تقدم مثالاً أكثر وضوحاً على عمل الهابيتوس. فبدلاً من أن تكون المنافسة في كثير من الأحيان بين برامج ومشروعات مختلفة لإدارة الدولة والاقتصاد والتعليم والخدمات والعلاقات الخارجية، تتحول إلى استنفار للهويات الاجتماعية والمذهبية والقومية، ويصبح التصويت في بعض الحالات تعبيراً عن حماية الجماعة أكثر منه اختياراً لبرنامج سياسي. وحينها لا يعود السياسي مضطراً إلى إقناع المواطن بأنه قادر على بناء الدولة، وإنما يكفيه أن يقنعه بأن الجماعة الأخرى تشكل خطراً عليه.

وهنا تكمن المفارقة: نحن نريد دولة حديثة، لكننا نذهب إليها أحياناً بعقول سياسية تشكلت في ظروف ما قبل الدولة الحديثة، ونريد مواطنة متساوية، لكننا نستدعي في لحظة الخوف والانقسام هوياتنا الأولية، ونريد قراراً وطنياً مستقلاً، لكننا نقيس المواقف السياسية أحياناً بميزان القرب والبعد من هذا المحور الإقليمي أو ذاك.

ولا يعني هذا أن المشكلة شيعية وحدها. فالهابيتوس موجود لدى جميع الجماعات العراقية، وإن اختلفت مصادره وتاريخه ومضامينه. فالسني لديه مخزونه التاريخي والسياسي، والكردي لديه تجربته وذاكرته الخاصة، والشيعي كذلك. وكل جماعة تحمل معها إلى الحاضر جزءاً من تاريخها، وتقرأ الأحداث الجديدة من خلال ما راكمته من تجارب ومخاوف وتصورات عن الآخر.

لكن خصوصية الحالة الشيعية في عراق ما بعد 2003 تستحق نقاشاً خاصاً؛ لأن الشيعة انتقلوا من موقع الجماعة المعارضة أو المهمشة في بنية الدولة السابقة إلى موقع الجماعة الأكثر تأثيراً في إدارة الدولة الجديدة. وهذا الانتقال التاريخي لم يكن مجرد انتقال سياسي، وإنما كان انتقالاً في الوعي أيضاً. فقد وجدت الجماعة نفسها أمام سؤال جديد لم تختبره طويلاً: كيف تتحول من جماعة تطالب بالعدالة والحماية والتمثيل إلى جماعة تتحمل مسؤولية الدولة كلها ،في هذا المفصل تبدأ المشكلة الحقيقية. فالعقل الذي نشأ في بيئة المعارضة والمواجهة والبحث عن الحماية، ليس بالضرورة هو العقل نفسه الذي تحتاجه الدولة حين تصبح مسؤولية القرار والسلطة وإدارة الموارد والحرب والسلم والعلاقات الدولية في يده.

الدولة تحتاج إلى عقل مختلف؛ عقل لا يرى المعارضة فضيلة بذاتها، ولا السلطة حقاً للجماعة، ولا الدولة غنيمة سياسية، ولا السلاح وسيلة دائمة لحماية الهوية، ولا العلاقة مع الخارج امتداداً للانتماء الداخلي. الدولة تحتاج عقلاً يستطيع أن يقول: قد تكون إيران دولة صديقة، لكن العراق ليس إيران؛ وقد تكون الولايات المتحدة شريكاً مهماً، لكن العراق ليس تابعاً لها؛ وقد تكون المقاومة جزءاً من تاريخ جماعة، لكن الدولة لا تستطيع أن تتعدد فيها قرارات الحرب والسلم؛ وقد تكون الهوية المذهبية جزءاً من هوية المواطن، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن المواطنة.

هذه هي النقلة التي أعتقد أننا بحاجة إليها: الانتقال من «عقل الجماعة» إلى «عقل الدولة»، من دون إلغاء الجماعة أو محو هويتها، وإنما بإعادة ترتيب العلاقة بين الهوية والدولة. فالهوية يمكن أن تبقى حاضرة في المجتمع، لكن الدولة لا تستطيع أن تُدار بمنطق الهويات المتنافسة؛ لأنها في النهاية ملك لجميع مواطنيها.

إن الحديث عن عقل سياسي شيعي جديد ينبغي ألا يكون مشروعاً لإعادة إنتاج الهيمنة الشيعية بعقل أكثر كفاءة، وإنما ينبغي أن يكون خطوة باتجاه عقل سياسي عراقي جديد. وإذا استطاعت النخب الشيعية أن تبدأ هذه المراجعة بجرأة، فإنها لن تغيّر نفسها فقط، وإنما ستدفع السنة والكرد وسائر المكونات إلى مراجعات مماثلة، لأن كل تغيير في هابيتوس جماعة سيؤثر بالضرورة في هابيتوس الجماعات الأخرى.

وربما تكون هذه هي البداية الحقيقية لبناء ما أسميته في مقالات سابقة «الكتلة التاريخية»: كتلة لا تتشكل على أساس مذهبي أو قومي، وإنما حول فكرة جديدة عن الدولة والعقد الاجتماعي والمواطنة والمصلحة الوطنية. كتلة تؤمن بأن العراق لا يمكن أن يخرج من أزمته بعقل الأمس، ولا يمكن أن يبني دولة المستقبل بأدوات الماضي.

فالمطلوب في النهاية ليس أن نصنع للشيعي عقلاً جديداً، ولا للسني أو الكردي عقلاً جديداً، وإنما أن نخلق شروطاً اجتماعية وثقافية وسياسية تسمح للعراقي بأن ينتج عقلاً سياسياً جديداً؛ عقلاً يرى اختلافاته، لكنه لا يجعل منها قدراً سياسياً أبدياً، ويعرف تاريخه، لكنه لا يسمح للتاريخ بأن يحكم مستقبله، ويحترم هويته، لكنه يجعل الدولة الإطار الأعلى لتنظيم اختلاف الهويات والمصالح.

وعندها فقط يمكن أن نبدأ الحديث جدياً عن عراق جديد، لا بتغيير الأشخاص وحدهم، وإنما بتغيير البنية العميقة التي تنتج طريقة تفكيرهم وقراراتهم.

***

ابراهيم العبادي

لا توجد كلمة (سومر) باللغة "السومرية"، ولم يكن السومري يسمي نفسه سومريا بل "أسود الرأس"، ويسمي موطنه "أرض سيد القصب/النبيل" وتلفظ (كي إن جير) فمن أين جاء اسم سومر ومشتقاته؟ سأحاول في هذه الوقفة تبسيط الموضوع فهو معقد وتخصصي ولأنني لست متخصصا في اللغتين السومرية والأكادية والآثار فقد وجدت من المفيد تبسيط الموضوع إلى أقصى درجة ممكنة بلغة الإعلامي المهتم بهذا التخصص مع الاستعانة بالموسوعات المفتوحة والذكاء الاصطناعي واستشارة بعض ذوي التخصص في بعض الأمور شديدة التخصصية.

توجد كلمة في اللغة "السومرية" تكتب بثلاثة رموز هي (كي –إن –جي) وتعني: أرض سيد القصب وحين يدمج معها صوت راء تكون (كي إن جير) فيتغير معناها إلى أرض السيد النبيل وتلفظ وتكتب هذه الرموز باللغة الأكدية (شومَرو) فاعتاد الناس على اعتبار هذا اللفظ هو اسم البلاد والشعب الذي عاش فيها؛ ومن هذا اللفظ جاؤوا بلفظة سومر والسومريين وبلاد سومر. لقد جاؤوا بها من لفظ رموز سومرية هي "كي إن جير" لتصبح بلفظهم وبلغتهم المقطعية "شومَرو" ثم لتتحول في لغتنا العربية واللغات الأخرى إلى "سومر"، فكيف تم ذلك علميا، وماذا في التفاصيل؟3156 kiengir

مصادرة أولى: كرر باحثون كُثر أن كلمة "سومر" ومشتقاتها وردت حرفياً في عبارة تصف الملك سرجون الكدي بأنه "ملك سومر وأكد". وهذا الكلام ليس صحيحا البتة كما سنوضح خلال تفكيك كلمة سومر:

*العلامات المسمارية الثلاث المكونة لعبارة "لبلاد سومر" هي:

العلامة الأولى (Ki):  تعني أرض، مكان، أو تربة.

العلامة الثانية (En): تعني سيد، نبيل، أو حاكم.

العلامة الثالثة (Gi) أو(Gir) تعني قصب، أو ترتبط بـ "القصب/الأرض المنبتة" حسب السياق المعجمي.. وقد أُضيفَ صوت الراء بعد (جي) هنا لتكون (جير) التي تعني شيئاً أوسع وأشمل من القصب فتصبح تعني أرض السيد المتحضر/ النبيل.

بمعنى، إذا نُطقت الرموز الثلاثة بالسومرية (Ki-en-gi) من دون صوت الراء: فهي تعني حرفياً "أرض سيد القصب". وإذا نُطقت بالسومرية (Ki-en-gir) مع صوت الراء: تعني حرفياً "أرض السيد النبيل" (لأن علامة "جير" كاملة تعني نبيل).

فيصبح شكل العبارة المسماري المركب هكذا:

𒆠𒂗𒄀  (ki-en-gi /Kengir/)

كنجي ومعناها "أرض سيد القصب/ كنجير ومعناها أرض السيد النبيل".

فهل يمكننا أن نعد عبارة "ملك سومر وأكد" صحيحة، أم أن تحريفاً قد وقع في الترجمة وحلت كلمة جديدة وغربية محل الكلمة ذات الرموز الثلاث "كي أن جير" وهي سومر العربية أو شومَرو الأكدية؟

الباحثون التقليديون يقولون كما تخبرنا الموسوعات المعلوماتية المتخصصة أنَّ الترجمة إلى سومر والسومرية صحيحة ومقاطعة تاريخياً، لكنها تعتمد على اللغة الأكدية وليس السومرية. ويوضحون ذلك بذكر الملاحظات الثلاث التالية:

* اللفظ الأكدي (Šumeru)شومرو

-السومريون كانوا يسمون أرضهم (كي إن جير) وتعني أرض سيد القصب 𒆠𒂗𒄀 (ki-en-gi /Kengir/).

-جيرانهم الأكديون كانوا يلفظون هذا الاسم بلغتهم الأكدية (شومَرو  (Šumeru).

-عندما ترجم العلماء الأوروبيون نصوص اللغة "السومرية" المكتوبة بالخط المسماري في العصر الحديث، اعتمدوا اللفظ الأكدي "سومر" كاسم للمنطقة والشعب.

ومنه اشتقوا مشتقات أخرى منها اللقب الملكي الشهير وغير الدقيق "ملك أرض سومر وأكد"،

- يكتب هذا اللقب: (Šar Māt Šumeri u Akkadī) وتلفظ (شار مات شومري إي أكادي) وتترجم حرفيا "ملك أرض سومر وأكد" والسبب هو لفظ كل رمز في الكتابة المسمارية يختلف عدة مرات لعدة معانٍ.

هذا الكلام غير مقنع لتبرير تغيير اسم محدد هو "كي أن جير" الذي يعني "أرض سيد القصب" إلى اسم آخر لا يعنيه هو "سومر" من اللفظ الكدي "شومَري" والبناء على هذا الاسم لاختلاق هوية قومية أمر غير صحيح. 

سأوضح رأيي بمثال: في اللغة العربية نترجم اسم بلاد أوستريا (Austria) إلى النمسا، فهل يحق لنا أن نفرض اسم النمسا بدلا من اسم اوستريا في لغة الجغرافيا والمعاجم الأجنبية المعاصرة ليكون اسمها الرسمي في جميع اللغات (النمسا)؟

*سؤال آخر يُطرح هنا هو لماذا لا نقول إن سكان المنطقة، وهم شعوب جنوب العراق القديم وقبائله في مرحلة تل العُبيد وما قبلها وصولا إلى عصر السلالات، أي من 6500 ق.م بمراحله الثلاث في بلاد ما بين النهرين (حسونة وسامراء وحلف)، وصولاً إلى قيام عصر السلالات المبكر في حدود 2900 ق.م، أطلقت على بلادها اسم "أرض سيد القصب"، أي الأهوار وهي مكتظة فعلا بالقصب إلى يومنا هذا. وكان ينبغي أن يؤتى بمقابل صوتي من اللغات الأخرى يناسب هذا المعنى بدلا من فرض لفظ أكدي مختلف تماما والبناء عليه لاختلاق شعب وأمة وبلد اسمه سومر. او في الأقل ترجمة معنى العبارة كماه هي بدلا من اعتماد ظاهرة أكسونيم (Exonym) التي تعني "الاسم الخارجي لمكان" لتبرير مصطلح تعارفي عَلَمي عام ((Convention.

اللافت أن الباحثين المعاصرين يتفقون على عدم جواز تداول الاسم الأجنبي البديل عند تفصيل المعنى اللغوي والاشتقاقي الأصلي. تماماً مثل مثال "النمسا" و"أوستريا" الذي ذكرته في ملاحظتي السابقة. ولكنهم يتكئون على ظاهرة إكسونيم لتبرير حالة اسم "سومر". إن هذا اللف والدوران لتبرير هذا الخرق العلمي ليس مقبولا كما أعتقد لأنه سيكون على حساب الحقيقة. ثم إنهم أنفسهم يقولون "عند تفصيل المعنى والاشتقاق ينتهي هنا دور الاسم الخارجي. إذا كنا نناقش المعنى الحرفي والبيئي للكلمة، فمن الخطأ الفادح تفكيك أحرف كلمة "سومر" الأكدية للبحث عن معناها".

ويضيفون "أما في السياق العام والتاريخي فيصح استخدام اسم "سومر" ولقب "ملك سومر وأكد" كـمصطلح تعارفي عام فالعلماء في القرن التاسع عشر عندما اكتشفوا هذه الحضارة، عرفوها أولاً من خلال النصوص الأكدية (الآشورية والبابلية) التي كانت تسمي المنطقة "شومرو"، فاستقر الاسم في الكتب العلمية". أعتقد أن هذه الفقرة تعني بكل وضوح هشاشة هذا الاسم "سومر" ومشتقاته واعترافا ضمنيا بتلفيقية الاسم. فماذا سيحدث إذا أضفنا إلى ما سبق التجاوزات غير النزيهة لمن لقبونه بأبي السومريات صموئيل نوح كريمر وسأذكرها في مناسبة أخرى قريباً.

هذه الفقرات جزء من دراسة قيد الكتابة وهي قد تصدم يقينيات البعض وتخيب أمل آخرين لأنهم سيعتقدون أنهم خسروا جزءا من تراث العراق القديم بالكشف عن حقيقة "السومريين" أو يراد لهم أن يخسروه فهذا وهم وكسل عقلي ضار. لأن التاريخ لا يبنى بالأوهام وتلفيقات الملفقين ومبالغات المبالغين بل هو يكتب وتعاد كتابته دائما في ضوء العلوم والحقائق الموَّثقة الجديدة المكتشفة. هذا هو الشكل الوحيد لمقاربة الحقيقة كفعل نامٍ مستمر لا يتكلس في رواية واحدة وهذه وجهة نظر معززة بأدلتها فمن كانت لديه وجهة نظر أخرى معززة بأدلة أخرى مختلفة أو مخالفة فليدلِ بها والحكم يكون للعقل وأدواته وليس للعاطفة والحنين والكسل الفكري وركوب بغلة العزة بالإثم!

***

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

يعد الإعلام الجديد أحد أهم الأدوات التي اعتمدت عليها الكولونيالية الجديدة للوصول إلى ما ترغب في معرفته من معلومات تتعلق بشعوب العالم التي تقع خارج نطاق جغرافيتها السياسية والاقتصادية. ويندرج الإعلام الجديد ضمن قضية ذات وجهين: وجه ظاهر وآخر خفي.

الوجه الظاهر لهذه القضية يتمثل في تسهيل حياة الأفراد من خلال توفير أدوات ووسائل تسهم في تحسين العمل الإعلامي، مما يتيح نقل الأخبار والمعلومات بسرعة وسهولة، ويجعل عملية التواصل أكثر يُسرًا وسهولة. كما يسهم الإعلام الجديد في تعزيز التداخل المعرفي والعلمي والإنساني بين البشر من حيث جعل البشرية في مختلف بقاع العالم قادرة على التداخل المعرفي والعلمي والإنساني.

أما الوجه الخفي – وهو المحور الذي يركز عليه هذا الكتاب – فهو يركز على مفاهيم عملت عليها الكولونيالية القديمة وطورتها الكولونيالية الجديدة بوسائل أكثر تطور ومنها وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الجديد، كأداة لإعادة إنتاج مفاهيم السيطرة والهيمنة والإخضاع للسلطة الكولونيالية، وهذه المفاهيم المجتمعة تتماشى مع أهداف الإمبريالية الغربية الساعية لإخضاع العالم لسيطرتها.

أحد أهم الأساليب التي تعتمد عليها هذه السلطة هي قضية معرفة الآخر وجعله يكون تابعًا يعجز عن تغيير هذه المسارات بنفسه وبدلًا من ذلك، يكون خاضعًا لمسارات معرفية تسيطر عليها القوى الكولونيالية بأدواتها المتنوعة. وأبرزها المجال الرقمي الذي تم التطرق إليه في الفصل الأول من الكتاب. أهم مفصل من الممكن أن تسيطر من خلاله السلطة الكولونيالية الجديدة هو مفصل الإعلام الجديد ووسائل التواصل الاجتماعي التي تستخدمها الكولونيالية لتحقيق أهدافها. فهذه الوسائل تقدم استخدامات مزدوجة؛ تجمع بين الترفيه والمتعة والتواصل وفي الوقت ذاته تستخدم لجمع معلومات دقيقة عن الآخر وكل ما يتعلق بمفاصل حياته في مختلف جوانبها. كما تُعتبر وسائل التواصل الاجتماعي أيضاً نوافذ للإعلام الجديد، حيث تُسهم في تزويد مراكز التحكم بالمعلومات الرقمية المتعلقة بالآخرين خارج جغرافيا السلطة الكولونيالية الجديدة.

إنَّ ما يهمنا في هذا السياق هو أن الإعلام الجديد بوسائله المتعددة وطرقه المختلفة، يقدم للناظر معلومات متدفقة تعود في الأصل إلى المصدر الباث لهذه المعلومات عبر المجال الرقمي، ويُعد هذا المجال الرقمي وسيلة فعالة ذات تأثير واسع يسمح بتدفق سيل من المعلومات. وكلما كان هذا التدفق للمعلومات موجّها في سياق معين ومقصود من قبل الباث، لكنه مبهم وغير واضح للمستقبِل سيكون التأثير أوسع وأكبر مقارنة بحالة التدفق المتوازن، الذي يعتمد السيطرة على المعلومات وتنوعها واختلافها.

في الحالة الأولى، سيكون تدفق المعلومات ذا غايات محددة، وغالبًا ما تحمل تأثيرات غير معلنة، على العكس، إذا كانت هذه المعلومات واضحة الهدف ومعلنة المقصد، فإن المستقبِل يتعامل معها بوعي ووضوح. أما في حال كانت الأهداف مخفية، فإن التأثير يكون موجهًا من قِبَل الجهة المسيطرة على هذه المعلومات. وفي الحالة الثانية إذا كانت مصادر المعلومات متبادلة بين طرفي المعادلة الباث، والمستقبِل فإن الأمور ستكون في مقاصدها أكثر منفعة وأقل تأثرًا بالنوايا الخفية التي قد تحمل داخلها مقاصد غير سليمة. وحتى إذا بدا ظاهر هذه النوايا سليمًا، فإن ظهور حقيقتها قد يؤدي إلى تشويهها وانكشافها أمام المستقبِل لها.

إنَّ غاية الإعلام الجديد ووسائل التواصل المختلفة، في جوهرها، تكمن في السيطرة على كل ما يخص الجمهور من خلال ضخ المعلومات إليه، وفي الوقت نفسه، جمع المعلومات القادمة من الجمهور التي يقدمها بإرادته أو بدونها، عندما يتفاعل مع الآخرين من خلال هذا الوسائل، أو يشارك معلوماته عبرها، أو التفاعل مع المنصات الإعلامية وغيرها، التي هي في أصلها عملية جمع معلومات بطريقة ما من أجل معرفة كل ما يتعلق في هذا السياق، ومن خلال هذه المسألة يعمل المتحكم في السياق التواصلي على إعادة صياغة الوعي الجمعي بما يخدم مصالحه، مما يوسع من نطاق سيطرته على الآخر. وبهذا، يكون أكثر قدرة على التأثير في قناعات الجمهور بطرق متعددة، ويكون المتحكم فيها على دراية أعمق بالسياق الذي يتفاعل فيه الجمهور، مما يمنحه ميزة الوعي الأكبر والسيطرة الأوسع.

إنَّ الجاسوسية في سياقها التاريخي كانت تعتمد على جمع المعلومات على وفق الطرائق القديمة، وكان الإنسان في السابق هو العنصر الأهم الذي يتم تجنيده في هذه العمليات. فقد كان الجاسوس يقوم بنقل المعلومات التي يحصل عليها من خلال تجسسه على بلده مثلاً، أو على بلد آخر. ويعمل على جمع المعلومات بطرق متعددة، مثل تجنيد آخرين معه لاستحصال المعلومات الشفوية، أو من خلال الرسائل المكتوبة والتي يستخدم من خلالها الجاسوس نوع من الأخبار الخاصة التي تختفي من خلال الكتابة في تقارير خاصة تابعة لعملية التجسس. كما استخدمت وسائل أخرى مثل كاميرات التصوير، أو رسم خرائط للمقرات والمواقع الحكومية العسكرية منها، وغير العسكرية، أو حتى من خلال وسائل بدائية، مثل استخدام الطيور لنقل المعلومات عبر الفضاء المفتوح. ومع مرور الوقت تطورت الوسائل الخاصة بالجاسوسية لتشمل تقنيات أكثر تقدمًا من خلال البث الراديوي أو التلفزيوني للمعلومات باستخدام الشفرات الخاصة التي تنظمها أجهزة المخابرات والاستخبارات.

ومع ذلك، فقد أحدث المجال الرقمي تحولا جذريا في مجال التجسس، حيث ظهرت طرق مختلفة وأكثر تعقيدًا للحصول على المعلومات والسيطرة المعرفية عليها بهدف التأثير على الآخر، والسيطرة عليه من خلال الاضرار به للوصول إلى ما تريده الجهة الخاصة بهذا التجسس، والاستفادة مما لديه من معلومات وتوجيهها لصالح سيطرة المتحكم بهذه المعلومات. في هذا المجال الرقمي يمكن تقسيم الجاسوسية إلى نوعين رئيسيين:

1. الجاسوسية الظاهرة: تُعد الجاسوسية الظاهرة حسب ما يشكله الإعلام الجديد ووسائل التواصل نوعًا من التجسس الذي يعتمد على المعلومات المباشرة والواضحة التي يتم الحصول عليها من خلال البرامج المصممة وفق ما يراد الحصول عليه من معلومات، وسميتها جاسوسية ظاهرة، على الرغم من وجود اختلاف بين المصطلحين الجاسوسية والظاهرة، لأن المشاركين في هذه الشبكة الرقمية يدركون في الغالب أن المعلومات التي يقدمونها بشكل سري قد تكشف هويتهم، لكن بسبب الحاجة لهذه الوسائل والمجال الرقمي، فإنه يُجبر من يريد الاشتراك أن يقدم معلومات مفصلة عن حياته وعن كافة الأمور المطلوبة، وهنا تكمن كلمة الظاهرة التي تكشف هويته إلى جهة غير معلومة، وهذه الجهة من الممكن أن تتجسس عليه وتوظف معلوماته في أي مشروع تجسسي تريده هذه الجهة المسيطرة، ومن ثم سيقع أسيرًا لهذه الجهة من خلال معلوماته التي سلمها طوعاً، أو كرهاً لها، كما أن الأجهزة التي يرسل من خلالها المعلومات مجهزة هي أيضاً بكل وسائل التجسس والإنصات عليه، وعلى كل ما يقوم به في داخل محيطه العائلي الاجتماعي، ومن ثم تكون السيطرة سهلة عليه في المجال الرقمي.

2. الجاسوسية المخفية: فهي أكثر تعقيدًا وخطورة، وهي جاسوسية من نوع آخر يعمل عليها المتحكم بالمجال الرقمي، ويستخدمها في أي مجال يشاء أن يمارس هيمنته وسلطته عليه، فالجاسوسية المخفية تعتمد على مبدأ صناعة الحدث غير المباشر من أجل كسب المعلومات من الآخر، هذا الآخر الذي يشارك في هذه العملية بحسن نية من خلال المشاركة في استبانة ما،أو نقاش في موضوع ما، أو من خلال الاشتراك في برنامج معلوماتي ما، لكن في النهاية تكون المعلومات المطلوبة قد دونت وأخذت دون أن يعلم المشارك والمتفاعل بها، وفي بعض الآحيان يُخدع بما يعتقده بأنه مفيد له من خلال المشاركة والتفاعل في مثل هكذا أداء رقمي والكشف عن الأمور الآتية على سبيل المثال:

- تحديد هوية الشخص وتحديد توجهاته، أو انتماءاته على المستويات كافة.

- معرفة ما يروم العمل به مستقبلاً تجاه قضية ما، بمعرفة خططه المستقبلية.

- كشف آراءه تجاه قضايا مختلفة، وما يخفي من توجهات تجاهها.

- بناء تصوراته الحالية عن أي توجه يخص القضايا التي يريد أن يتخذ موقف تجاهها.

3. الجاسوسية المباشرة: وهذه الجاسوسية في المجال الرقمي هي التي تقوم بشكل مباشر بأخذ المعلومات من المشترك المتفاعل في هذا المجال الرقمي من خلال ما ذكرنا سابقاً إعطاء المعلومات مباشرة من قبل المستخدم إلى الجهة المعينة التي تطلب المعلومات، بل وحتى تطلب الوصول إلى الملفات الخاصة بالصور وغيرها في الذاكرة الخاصة بالجهاز المباشر، كما يحصل أيضاً في البرامج الإعلامية الجديدة التي تستخدم المجال الرقمي أيضاً في الحصول عل المعلومات المباشرة قبل الدخول في البرنامج، وهنا قد يكون المشارك على علم بهذه الطريقة، أو ليس لديه علم، لكنها جاسوسية مباشرة تمارسها الجهة التي تعمل على توظيف المجال الرقمي لصالحها.

4. الجاسوسية غير المباشرة: وهذا النوع من التجسس تقوم به الجهات التي تريد الحصول على المعلومات بطريقة ما لكنها بصورة غير مباشرة من خلال جعل المتلقي يدلي بالمعلومات، أو يشارك المقاطع المعنية من خلال توجيهه إلى مشاركة مقاطع الفيديو، أو العمل على فتح منصة إعلامية يقدم من خلالها الشخص المعني بالمعلومات عن بلده، أو مدينته، أو حيه، وخاصة في وقت الحروب، ومن الممكن أن تبوح هذه المقاطع من خلال المنصات الإعلامية بالكثير من التفاصيل التي توصل المعلومات عن أهداف لا يمكن الوصول إليها بالطريقة المباشرة.

5. الجاسوسية في ظهورها البريء: وهذا النوع من الجاسوسية قد يظهر للمشارك والمتفاعل في المجال الرقمي بشكل وديع، بحجة أن الجهة التي تستحصل المعلومات تستخدمها لحماية فئة، أو طائفة من البشر في بؤرة الصراع من الإبادة، أو ما شابه ذلك، بينما في الحقيقة قد تكون عكس ذلك، ومن ثم تكون هذه المعلومات هي للاستخدام المزدوج، من خلال توزيع هذه المعلومات في جهتين معينتين سلفاً، الأولى: للمقصد الظاهر وهو الحماية، والثانية: للجانب المخفي وهو التمويه للوصول إلى غايات أخرى، قد تساعد الجهة التي تعمل على السيطرة على هذه الفئة، أو الطائفة من البشر التي تتعرض للعدوان.

6. الجاسوسية غير البريئة: وهذه الجاسوسية هي التي تتخذ من المجال الرقمي سياق عمل يسعى للوصول إلى غايات محددة سلفاً، هدفها الحصول على المعلومات وتوظيفها في غاياتها التي تشتغل عليها، مثل السيطرة والاستحواذ والهيمنة على الآخر في شتى الطرق والوسائل المتاحة.

***

أ. د. محمد كريم الساعدي

 

من العقيدة والأيديولوجيا والغنيمة إلى عقل الدولة

في المقالتين السابقتين حاولت أن أضع يدي على أصل من أصول الأزمة العراقية التي لا تكمن، في تقديري، في فشل حكومة أو حزب أو زعيم سياسي بعينه، وإنما في عطب أعمق يتعلق بطريقة التفكير التي تحكم السياسة وتنتج مواقفها وخياراتها. قلت إن العراق يحتاج إلى فكر جديد يعيد بناء الوعي السياسي والاجتماعي، وإن هذا الفكر لا يمكن أن يتحول إلى قوة تاريخية ما لم تتشكل حوله كتلة تاريخية من النخب والقوى الاجتماعية والسياسية التي تؤمن به وتعمل على تحويله إلى رأي عام ثم إلى مشروع إصلاح وتغيير.

لكن ما الذي حدث للعقل السياسي العراقي حتى أصبح عاجزاً عن إنتاج مثل هذا الفكر؟ ولماذا تبدو السياسة العراقية، في كثير من الأحيان، أسيرة للبلادة والعناد والتكرار والشعارات، حتى عندما تكون الوقائع أمامها صارخة، وحتى عندما يصبح ثمن الخطأ معروفاً ومدفوعاً من حياة الناس ومستقبل الدولة؟

أعتقد أن علينا أن نذهب إلى قاع هذا العقل، إلى الرواسب التي تكونت داخله عبر عقود طويلة، وأن نحاول تشريحه لا بوصفه عقلاً فردياً لسياسي بعينه، وإنما بوصفه بنية ثقافية ومعرفية وسياسية تتوارثها الأحزاب والنخب والجماعات والأجيال.

كان محمد عابد الجابري قد قدم في كتابه «العقل السياسي العربي» الصادر سنة 1990 محاولة شهيرة للبحث عن المحددات العميقة للفعل السياسي العربي، وانتهى إلى ثلاثية العقيدة والقبيلة والغنيمة، باعتبارها من أهم الآليات التي حكمت اشتغال السياسة العربية تاريخياً.  وإذا أردنا اليوم أن نعيد قراءة الواقع العراقي بعد كل ما مر به من تحولات وحروب وانهيارات، فإنني أظن أننا بحاجة إلى تعديل هذه الثلاثية وإضافة طبقات جديدة إليها.

إن العقل السياسي العراقي الراهن تحكمه، في تقديري، القبيلة السياسية، والأيديولوجيا المندمجة بالذاكرة الصراعية، والعطش إلى الغنيمة، والتعصب، ورفض مراجعة التاريخ، والعيش في أسر الماضي، والانفصال عن المصالح الواقعية للناس والدولة.

القبيلة هنا ليست القبيلة الاجتماعية بمعناها التقليدي فقط، وإنما القبيلة السياسية التي تقوم على رابطة الجماعة قبل رابطة الدولة، وعلى الولاء للشخص أو الحزب أو الطائفة أو التيار قبل الولاء للمؤسسة والقانون والمصلحة العامة. فالسياسي لا يرى نفسه دائماً مواطناً داخل دولة، وإنما عضواً في جماعة ينبغي أن تنتصر لجماعتها، حتى عندما يتعارض ذلك مع المصلحة الوطنية الأوسع.

وهنا يتحول الاختلاف السياسي إلى صراع هويات، ويتحول الخصم السياسي إلى خصم وجودي، ويصبح الاعتراف بخطأ الجماعة خيانة لها، ويصبح التراجع عن موقف سابق ضعفاً، ويصبح الاعتذار هزيمة، والمراجعة انكساراً، والتسوية تنازلاً، والواقعية تخلياً عن المبادئ.

وهذه واحدة من أخطر سمات العقل السياسي العراقي: أنه لا يعرف بسهولة كيف يراجع نفسه.

السياسي الذي يعترف بأن موقفه السابق كان خاطئاً يخشى أن يخسر جمهوره، والحزب الذي يراجع فكرة تأسيسية يخشى أن يخسر تاريخه، والجماعة التي تعيد قراءة علاقتها بالآخر تخشى أن تتهم بالتخلي عن ثوابتها. وهكذا يصبح الماضي سجناً، لا خبرة؛ وتصبح الذاكرة عبئاً، لا مصدراً للتعلم.

هنا تندمج الأيديولوجيا بالذاكرة الصراعية. فالعراق لم يخرج بعد بصورة كاملة من تاريخ طويل من الانقلابات والحروب والاستبداد والحصار والاحتلال والصراع الطائفي والتدخلات الإقليمية والدولية. وكل جماعة تحمل معها سرديتها الخاصة عن الضحية والجلاد، وعن الحق والباطل، وعن الذات والآخر. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الذاكرة إلى عقل سياسي دائم، فيصبح الماضي معياراً للحاضر والمستقبل، ويُطلب من الأجيال الجديدة أن تدفع ثمن صراعات لم تصنعها.

السياسة عندئذ لا تعود بحثاً عن أفضل الممكن، وإنما تتحول إلى استمرار للحرب بوسائل أخرى.

والأيديولوجيا حين تفقد قدرتها على مراجعة الواقع تصبح نوعاً من العقيدة المغلقة. لا تعود الفكرة وسيلة لفهم العالم وتغييره، وإنما يصبح العالم نفسه مطالباً بأن يتطابق مع الفكرة. وإذا لم يتطابق الواقع معها، فالخطأ في الواقع لا في الفكرة.

من ذلك نفهم شيئاً من العناد السياسي الذي نشهده. فالدوغمائية لا تسمح لصاحبها بأن يتعلم من التجربة، لأن الاعتراف بالواقع المختلف يعني الاعتراف بإمكان خطأ الفكرة. والوثوقية السياسية تجعل صاحبها يتعامل مع رأيه باعتباره حقيقة نهائية، ومع خصمه باعتباره جاهلاً أو خائناً أو عميلاً أو منحرفاً عن الطريق الصحيح.

وهكذا يغيب التفكير النقدي، ويحل محله اليقين الأيديولوجي.

لقد كان عبدالله العروي في «الإيديولوجيا العربية المعاصرة» التي صدرت بالفرنسية سنة 1967، وترجمت إلى العربية سنة 1970، يحاول تفكيك الأطر الأيديولوجية التي تعيق الوعي العربي عن إدراك شروط التاريخ الحديث.  وكان محمد عابد الجابري، في «الخطاب العربي المعاصر» سنة 1982، يشتغل على تفكيك بنية الخطاب العربي ومشكلاته المعرفية والسياسية.  وجاءت أعمال أخرى كثيرة في الاتجاه نفسه، من فهمي جدعان إلى علي حرب وغيرهما، لكي تضع الفكر العربي أمام مرآة نقدية قاسية.

لكن المفارقة المؤلمة أن هذا الجهد النقدي الكبير لم ينتج، حتى الآن، تحولاً موازياً في بنية العقل السياسي العربي، ولا العراقي بصورة خاصة.

لقد ظل السياسي في كثير من الأحيان أقل ثقافة من الأيديولوجيا التي يتحدث باسمها، وأقل معرفة بالتاريخ الذي يستدعيه، وأقل قدرة على فهم العالم الذي يريد أن ينافس فيه. بل إن بعض السياسيين المعاصرين لا يمتلكون حتى الحد الأدنى من الرؤية التي كانت لدى أجيال سابقة من القوميين والوطنيين والاشتراكيين والإسلاميين والمصلحين.

وهذه ليست دعوة إلى العودة إلى تلك المشاريع الفكرية، فكثير منها فشل أو تجاوزه التاريخ، وإنما المقارنة هنا في مستوى التفكير.

فحين نقرأ ما كتبه رواد الفكر العربي في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، نكتشف أن سؤال النهضة والتقدم والتعليم والدولة والإصلاح والدستور والعلاقة بالغرب والاستقلال والاقتصاد والمجتمع كان حاضراً بقوة في تفكيرهم. وقد وثق ألبرت حوراني في كتابه «الفكر العربي في العصر الليبرالي» هذا الجانب من الحياة الفكرية العربية الحديثة، فيما درس فهمي جدعان في «أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث» الصادر أول مرة سنة 1979 سؤال التقدم كما ظهر عند عدد كبير من المفكرين العرب والمسلمين منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين.

كان أولئك، رغم اختلافاتهم الشديدة، يسألون أسئلة كبرى: لماذا تخلفنا؟ كيف نتقدم؟ ما الدولة؟ ما الحرية؟ ما الإصلاح؟ كيف نواجه العصر؟ كيف نعيد بناء التعليم؟ كيف نوفق بين الدين والعقل؟ وكيف نبني مجتمعاً قادراً على النهوض؟

أما اليوم، فإن جزءاً كبيراً من خطابنا السياسي انحدر من مستوى سؤال النهضة إلى مستوى سؤال الحصة، ومن سؤال الدولة إلى سؤال النفوذ، ومن سؤال المستقبل إلى سؤال الانتخابات القادمة، ومن سؤال المصلحة الوطنية إلى سؤال مكسب الجماعة، ومن سؤال التنمية إلى سؤال توزيع الغنيمة.

هنا نصل إلى المكون الثالث: الغنيمة.

لقد تغير شكل الغنيمة، لكنها لم تختف. أصبحت الغنيمة اليوم منصباً، وعقداً، ومشروعاً، ووظيفة، وامتيازاً، وشبكة مصالح، ونفوذاً مؤسسياً، وحصة حزبية، وأحياناً احتكاراً لمؤسسة من مؤسسات الدولة. وعندما تصبح الدولة مجالاً لتوزيع الغنائم، فإن السياسة تتحول تدريجياً من إدارة الشأن العام إلى إدارة المصالح الخاصة.

والأخطر من ذلك أن الغنيمة لا تعود مجرد فساد مالي؛ إنها تصبح ثقافة سياسية كاملة.

عندها ينقلب التفكير من الخير العام بتعبير فلاسفة السياسة الى: ماذا سيحصل عليه حزبي؟ ماذا سيحصل عليه تياري؟ ماذا سأكسب أنا؟ من سيحصل على الوزارة؟ من يسيطر على المؤسسة؟ من يملك القدرة على التعيين؟ ومن يستطيع حماية شبكته؟

وفي هذه البيئة لا يعود المواطن مركز السياسة، وإنما يتحول إلى جمهور انتخابي أو كتلة بشرية تستخدم عند الحاجة ثم تعاد إلى الهامش.

وهذا يقودنا إلى مشكلة أخرى هي سطحية العقل السياسي وشعبويته.

لقد ساهمت وسائل الإعلام الجديدة، ومنصات التواصل الاجتماعي، في تحويل السياسة إلى مشهد سريع يقوم على الصورة والعبارة والاتهام والمقطع القصير، فيما تراجعت مساحة التفكير الهادئ والتحليل المركب. السياسي الذي يصرخ أكثر قد يحصد انتشاراً أكبر، والذي يطلق شعاراً أكثر إثارة قد يحصل على جمهور أكبر، بينما السياسي الذي يتحدث عن إصلاح التعليم، وإعادة بناء الاقتصاد، وتطوير الإدارة، وإصلاح القضاء، وتحسين الإنتاجية، وإدارة الموارد، وتغيير الثقافة المؤسسية قد يبدو أقل إثارة وأقل جاذبية.

وهكذا تنتصر الشعبوية على العقل.

والشعبوية بطبيعتها لا تحب الأسئلة المعقدة؛ لأنها تحتاج إلى إجابات بسيطة لمشكلات مركبة. تقول للناس: المشكلة في الآخر. المشكلة في الخارج. المشكلة في المؤامرة. المشكلة في الخصم. المشكلة في الماضي. أما أن نسأل: ماذا فعلنا نحن؟ وكيف أسهمت بنية مؤسساتنا وثقافتنا السياسية في إنتاج المشكلة؟ فهذا سؤال لا تحبه الشعبوية.

منذ أفلاطون وأرسطو كان السؤال الجوهري في التفكير السياسي هو: لماذا توجد الدولة والسلطة والنظام السياسي؟ وبأي معنى تكون السلطة مشروعة؟ صحيح أن مفاهيمهما لا يمكن إسقاطها ببساطة على الدولة الحديثة، لكنهما وضعا في قلب التفكير السياسي سؤالاً ظل حاضراً في الفلسفة السياسية قروناً طويلة: كيف يمكن تنظيم الحياة المشتركة لتحقيق الخير العام والعدل والاستقرار؟

ومن أفلاطون وأرسطو إلى الفكر السياسي الحديث، وصولاً إلى مفاهيم الدولة الدستورية والمواطنة والحقوق والحريات، ظل جوهر المسألة هو الإنسان وحياته المشتركة وأمنه وكرامته ومصالحه.

لكن ماذا فعلنا بهذا السؤال؟

بدلاً من أن تكون السياسة وسيلة لتقليل الضرر وزيادة المنفعة، أصبحت في بعض صورها وسيلة لإنتاج الضرر ثم البحث عن تبريره.

وبدلاً من أن تكون الدولة إطاراً لحماية الناس وتنظيم مصالحهم، أصبحت الدولة نفسها في بعض الأحيان موضوعاً للصراع بين الجماعات.

وبدلاً من أن تسأل السياسة: كيف يعيش العراقي بصورة أفضل؟ كيف يحصل على تعليم أفضل؟ كيف يجد عملاً؟ كيف يحصل على كهرباء وماء وخدمات؟ كيف يطمئن على مستقبله؟ كيف تحميه الدولة؟ كيف نرفع إنتاجيته ودخله؟ كيف نحافظ على كرامته؟ أصبحت أسئلة السياسة في كثير من الأحيان تدور حول الهوية والشرعية التاريخية والرموز والمظلومية والخصومة والاستحقاق والحصة.

إنها كارثة حين تصبح السياسة منشغلة بما يستهلك العقل والوجدان أكثر من انشغالها بما يصلح حياة الإنسان.

ولذلك فإن مشكلتنا ليست فقط في «فساد السياسي»، وإنما في الثقافة التي تجعل الفساد قابلاً للتبرير، والتعصب قابلاً للتقديس، والفشل قابلاً للتسويق، والبلادة قابلة لأن تتحول إلى زعامة.

لقد كانت مشكلة النخبة العربية موضع نقد واسع خلال القرن العشرين. وفي سنة 1996 نشر علي حرب كتابه «أوهام النخبة أو نقد المثقف»، وذهب فيه إلى تفكيك أوهام عديدة تحكم عمل المثقف وعلاقته بالحقيقة والحرية والهوية والحداثة.  وكان نقده مهماً لأنه لم يكتفِ بنقد السلطة، وإنما نقل جزءاً من النقد إلى المثقف نفسه وإلى الطريقة التي يفكر بها.

وهذا ما نحتاج إليه اليوم في العراق: نقد العقل السياسي قبل الاكتفاء بنقد السياسيين.

نحن بحاجة إلى أن نسأل: ما الذي يعلّم السياسي العراقي أن يفكر بهذه الطريقة؟ ما الذي يجعل الحزب يعيد إنتاج نفسه؟ ما الذي يجعل الجماعة السياسية غير قادرة على مراجعة تجربتها؟ لماذا تخاف النخب من التفكير في الممنوع؟ لماذا نعيد إنتاج الأفكار نفسها رغم فشلها؟ لماذا نستدعي التاريخ لكي نبرر الحاضر بدلاً من أن نستفيد منه لبناء المستقبل؟

إن جزءاً من الجواب يكمن في الفقر المعرفي والفلسفي الذي أصاب المجال العام العراقي.

لقد عاش العراق طويلاً تحت الاستبداد السياسي، لكنه عاش أيضاً تحت أشكال أخرى من الاستبداد الاجتماعي والثقافي. وفي مثل هذه البيئات تضيق مساحة السؤال، ويصبح التفكير في المسلمات مخاطرة، ويعتاد الناس على تكرار ما قيل بدلاً من إنتاج ما ينبغي أن يقال.

وهنا تراجعت النخبة العراقية عن وظيفتها التاريخية.

فالنخبة ليست من يمتلك شهادة أو منصباً أو منبراً إعلامياً؛ النخبة هي التي تمتلك شجاعة التفكير في ما لا يريد الآخرون التفكير فيه، وتستطيع أن تفتح الأسئلة المغلقة، وتربط الفكر بالواقع، وتدفع المجتمع إلى مراجعة نفسه.

ولذلك فإن العراق لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الخطباء بقدر حاجته إلى مفكرين، ولا يحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر حاجته إلى مفاهيم، ولا يحتاج إلى مزيد من الصراخ السياسي بقدر حاجته إلى عقل عملي رزين يستطيع أن يميز بين الثابت والمتغير، وبين المبدأ والوهم، وبين الذاكرة والتاريخ، وبين المقدس السياسي والمصلحة الوطنية.

إننا بحاجة إلى تحرير الفضاء العمومي من هيمنة الخطاب الأيديولوجي الصارخ، أياً كان مصدره، وفتح المجال أمام المعرفة والعلم والنقد والفلسفة والتفكير الحر. وليس المقصود هنا مهاجمة الدين أو إقصاءه من المجال العام، وإنما التمييز بين الدين بوصفه مجالاً روحياً وأخلاقياً ومعرفياً عميقاً، وبين استخدام المنبر الديني لإنتاج خطاب سياسي سطحي يختزل قضايا الدولة والمجتمع في شعارات وتعبئة عاطفية.

كما أننا بحاجة إلى مراجعة العقل الحزبي العراقي الموروث، بكل ما يحمله من مسلمات عن الذات والآخر، وعن الغرب والإسلام، وعن العلمانية والدين، وعن الوطنية والقومية، وعن المقاومة والسيادة، وعن الدولة والشرعية.

لا يمكن أن نبني دولة حديثة بعقل سياسي ما زال يعيش في خرائط ذهنية صنعتها صراعات القرن الماضي.

ولا يمكن أن ننتقل إلى المستقبل ونحن نحمل الماضي بوصفه عقيدة سياسية مغلقة.

 ليس مطلوبا أن نتخلى عن التاريخ، وإنما أن نضع التاريخ في مكانه الصحيح: ذاكرة نتعلم منها، لا سلاحاً نحارب به بعضنا بعضاً.

وليس مطلوبا إلغاء الأيديولوجيا بالقوة، وإنما إخضاعها للاختبار الواقعي: ماذا أنتجت؟ ماذا حققت؟ أين أخطأت؟ ماذا ينبغي أن نحتفظ به منها؟ وماذا ينبغي أن نتجاوزه؟

المطلوب ليس قتل السياسة، وإنما إخراجها من الغريزة إلى العقل، ومن الجماعة إلى الدولة، ومن الغنيمة إلى المصلحة العامة، ومن الشعار إلى السياسة العامة، ومن رد الفعل إلى الاستراتيجية.

هنا تحديداً يصبح الحديث عن «الكتلة التاريخية» التي دعوت إليها في المقالتين السابقتين أكثر وضوحاً. فالكتلة التاريخية ليست تحالفاً انتخابياً جديداً، ولا تجمعاً لشخصيات تبحث عن موقع في السلطة. إنها ائتلاف تاريخي من أصحاب الأفكار والنخب الاجتماعية والثقافية والسياسية الذين يؤمنون بأن العراق لا يمكن أن يخرج من أزمته بالعقل الذي أدخله فيها.

إن مهمتها الأولى ليست الاستيلاء على السلطة، وإنما إعادة تشكيل الوعي الذي يحدد معنى السلطة والدولة والمصلحة الوطنية.

نحن بحاجة إلى معركة فكرية هادئة ولكن عميقة، معركة ضد البلادة، وضد التكلس، وضد الوثوقية، وضد تحويل السياسة إلى عقيدة مغلقة، وضد تحويل الدين إلى أداة تعبئة سياسية، وضد تحويل التاريخ إلى مخزن للكراهية، وضد تحويل الدولة إلى غنيمة، وضد تحويل المواطن إلى تابع.

العراق يحتاج إلى عقل سياسي جديد.

عقل لا يسأل فقط: من معنا ومن ضدنا؟ وإنما يسأل: ما مصلحة العراق؟

لا يسأل فقط: ماذا قالت جماعتنا؟ وإنما يسأل: ماذا يقول الواقع؟

لا يسأل فقط: كيف ننتصر على الخصم؟ وإنما يسأل: كيف ينتصر المجتمع؟

لا يقيس نجاحه بعدد المناصب التي حصل عليها، وإنما بعدد المشكلات التي استطاع أن يحلها.

ولا يرى السياسة معركة دائمة بين الهويات، وإنما فناً لإدارة الاختلاف وبناء المصالح المشتركة.

إن الدولة التي نريدها لا تحتاج إلى سياسيين أكثر صراخاً، وإنما إلى سياسيين أكثر عقلاً. لا تحتاج إلى من يحفظون الشعارات، وإنما إلى من يستطيعون إنتاج السياسات. لا تحتاج إلى من يكررون الماضي، وإنما إلى من يملكون شجاعة التفكير في المستقبل.

وهذه، في تقديري، هي نقطة البداية الحقيقية لأي إصلاح عراقي.

فلا يمكن إصلاح الدولة بعقل سياسي فاسد، ولا يمكن إصلاح السياسة بثقافة سياسية مريضة، ولا يمكن إنتاج دولة حديثة من أفكار قديمة محنطة، ولا يمكن صناعة مستقبل مختلف بعقل يرفض مراجعة ماضيه.

لقد آن الأوان لكي ننتقل من نقد الدولة الفاشلة إلى نقد العقل الذي ينتج فشل الدولة.

وهذا هو الصراع الحقيقي الذي ينبغي أن يبدأ الآن: صراع الأفكار مع البلادة، والعقل مع الدوغمائية، والمعرفة مع الجهل، والمصلحة العامة مع الغنيمة، والدولة مع القبيلة السياسية، والمستقبل مع أسر الماضي.

فإذا لم نربح هذه المعركة أولاً، فلن يكون بمقدورنا أن نربح أية معركة أخرى.

***

ابراهيم العبادي

  17-8-2026

لم يكن مصطلح "الشرق الأوسط" توصيفاً جغرافياً بريئاً، ولا تسمية محايدة لمنطقة تقع في وسط العالم، بل كان، منذ لحظة ولادته، مفهوماً سلطوياً صاغته القوة قبل أن تتداوله الخرائط. فالمتعارف عليه عالمياً أنّ الشرق الأوسط يضم طيفاً واسعاً من البلدان، من إيران وشبه الجزيرة العربية، إلى العـراق وسوريا ولبنان وفلسطين ومصر والسودان، مروراً بإريتريا والصومال وليبيا، وصولاً إلى تركيا وقبرص وجنوب اليونان، بل وحتى أفغانستان وباكستان. هذا الاتساع غير المنضبط لا يعبّر عن وحدة جغرافية بقدر ما يكشف عن وظيفة سياسية، منطقة واحدة بحدود سائبة، قابلة لإعادة التعريف كلما اقتضت مصلحة القوة المهيمنة. والسؤال الحقيقي لا يكمن في ما هو الشرق الأوسط؟ بل في: لماذا جرى اختراعه؟ ومن أجل من؟

فمشروع الشرق الأوسط، في جوهره، ليس مشروعاً حضارياً ولا رؤية للتكامل الإقليمي، بل هو نتاج مباشر للعقل الاستعماري الحديث، الذي رأى، منذ وقت مبكر، أنّ السيطرة على هذه المنطقة تمرّ عبر زرع كيانٍ وظيفي في قلبها. ولهذا، نظر الاستعمار البريطاني إلى إقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين بوصفها ضرورة استراتيجية، لتكون نقطة ارتكاز متقدمة للتحكم بالعالم العربي، وثرواته، ومساراته السياسية. وتعود البدايات الأولى لهذا المشروع إلى عام 1902، أي قبل قيام إسرائيل بقرابة نصف قرن، ما يفضح الطابع المسبق والمخطط لهذه "الصدفة التاريخيّة".

ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، وظهور الـوعي القومي العربي، أعادت القوى الاستعمارية الأوروبية تفعيل مصطلح "الشرق الأوسط" بوصفه أداة تفتيت لا توصيف، فجاءت اتفاقيات سايكس–بيكو عام 1916 لا لترسم حدود دول، بل لتفكك وحدة الجغرافيا والهوية، وتحوّل المنطقة إلى كيانات سياسية هشة، قابلة للإدارة والسيطرة. ومنذ ذلك الحين، لم يتغير جوهر المشروع، وإن تغيّرت لغته، فمشروع الشرق الأوسط، قبل أي شيء آخر، يستهدف إسقاط الأنظمة السياسية التي لا تنسجم مع المشيئة الأمريكية، واستبدالها بأنظمة وظيفية تأتمر ولا تعترض، وتنفّذ دون تحفظ. وكان احتلال فلسطين عام 1948، وتسليمها للحركة الصهيونية، اللحظة التأسيسية لاختلال التوازن في المنطقة، وبداية الصراع العربي–الإسرائيلي بوصفه صراعاً مُداراً لا يُراد له أن يُحلّ، بل أن يبقى مفتوحاً بوصفه مبرراً دائماً للتدخل.

وبعد حرب الخليج، ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، دخل العالم مرحلة القطب الواحد، فوجدت الولايات المتحدة نفسها أمام فرصة تاريخيّة لإعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط، لا بالقوة العسكرية وحدها، بل عبر غطاء حضاري، فجاءت أطروحة "صدام الحضارات" التي طُرحت عام 1993، لتؤسس لرؤية جديدة للمنطقة، تقوم على ثنائية الضبط المزدوج، كبح العـراق وإيران من جهة، وتسوية الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي من جهة أخرى، تسوية لا تُنهي الاحتلال، بل تُعيد تعريفه.

ومع نهاية الحرب الباردة، نصّبت الولايات المتحدة نفسها قائداً أوحد للنظام العالمي الجديد، وأعادت صياغة العلاقات الدولية وفق ما يخدم مصالحها ومصالح حلفائها، ولم تكن أحداث 11 أيلول 2001 سوى اللحظة المناسبة لإطلاق النسخة الأكثر فجاجة من مشروع الشرق الأوسط، تحت لافتة "الحرب على الإرهاب" و"الإصلاح الديمقراطي"، فالديمقراطية هنا لم تكن غاية، بل أداة ابتزاز، تُرفع في وجه دول المنطقة كلما انحرفت مساراتها عن المصالح الأمريكية.

إنّ سعي الولايات المتحدة للهيمنة على هذه المنطقة ينبع من خوف بنيوي من أي تحوّل مستقل قد يُنتج قوى أو أنظمة لا تنسجم مع معادلات السيطرة، لاسيما في منطقة تختزن أكبر مخزون للطاقة النفطية في العالم، ولهذا، تُطرح المشاريع البرّاقة، وتُستخدم اللغة الأخلاقية، فيما الدوافع الحقيقية سياسية واقتصادية بحتة.

ولم تكتفِ هذه الاستراتيجية بإعادة رسم الخرائط، بل عملت على تفكيك المجتمعات من الداخل، عبر تغذية الطائفية، وإحياء الهويات الفرعية، وتضخيم الأقليات والقوميات، بوصفها أدوات للهيمنة طويلة الأمد. أما الحرب والحصار، فبقيا أداتين مركزيتين في هذه السياسة، تُمارسان على الدول المناوئة للمشروع الأمريكي، كما في فلسطين والعـراق وسوريا ولبنان، حيث يُستخدم الحصار بوصفه شكلاً حديثاً من أشكال الإخضاع. ولم يكن الدين، عبر التاريخ، مجرد منظومة روحية أو تعبيراً أخلاقياً عن حاجة الإنـسان إلى المعنى، بل كان، في جوهره العملي، أحد أخطر أشكال السـلطة، سلطة تُشرعن السياسة، وتؤطر الاجتماع، وتُعيد ترتيب العالم وفق سردية مقدّسة لا تُناقش. ولقرون طويلة، شكّل الدين الحاكم الخفي لصناعة القرار، وضابط الإيقاع في العلاقات بين الدول، وحارس التوازن الهش داخل المجتمعات.

***

د. حيدر عبد السادة جودة

التحول من البحث عن الحاكم الفاضل إلى المؤسسة الحاكمة

مقدمة: "قراءة في إشكالية السلطة والمشروعية":

كلما استقال وزيرٌ في إحدى الديمقراطيات العريقة بسبب تصريحٍ مضلل، أو معلومةٍ أخفاها، أو مخالفةٍ إدارية تبدو بسيطة في نظر كثيرين من أبناء الدول التي تُدار بالطغيان أو تكون الديمقراطية فيها شكليةً أكثر منها موضوعية، عاد السؤال ذاته إلى الواجهة:

لماذا يستقيل هؤلاء لأسبابٍ نعدّها نحن "تافهة"، بينما يتمسك مسؤولون في بلداننا بمناصبهم رغم تورطهم بجرائم الفساد الجسيم، أو إساءة استعمال السلطة، أو الإخفاق الإداري الكارثي؟

غالباً ما تأتي الإجابة في صورة مقارنة أخلاقية شائعة؛ فيُقال إن السياسي الغربي يمتلك ضميراً حياً، وتربية سياسية راقية، وإحساساً بالمسؤولية لا يتوافر لدى غيره ......

غير أن هذا التفسير، على بساطته ورواجه، لا يصمد أمام التحليل العلمي الموضوعي؛ فالسياسي، في جوهره، كائنٌ تحركه دوافع الطموح، والرغبة في النجاح، والمحافظة على النفوذ وهي دوافع إنسانية عابرة للجغرافيا والثقافات.

الجذور التاريخية: رهان "الحاكم الفاضل" عند أفلاطون

تضرب فكرة البحث عن "المسؤول الفاضل" بجذورها العميقة في الفلسفة السياسية الكلاسيكية، وتحديداً لدى أفلاطون الذي رهن العدالة والاستقرار في كتابه الجمهورية بشخصية "الملك الفيلسوف".

حيث تمحورت الرؤية الأفلاطونية حول صياغة الفرد الفاضل وتأهيله أخلاقياً وفكرياً للقيادة، معتقداً أن الفضيلة الذاتية للحاكم تغني عن صرامة القوانين.

غير أن هذا الرهان التاريخي على ضمير الفرد وأخلاقه أثبت هشاشته عبر التاريخ، مما دفع الفكر السياسي الحديث للتحول جذرياً من"الارتهان لضمير الحاكم" إلى "تأسيس السلطة"، مستبدلاً البحث عن الحاكم الفاضل ببناء المؤسسة المعيارية.

طبيعة الدولة: من "الحاكم الفاضل" إلى "المؤسسة الحاكمة"

إن الفارق الحقيقي لا يكمن في طبيعة الإنسان، بل في طبيعة الدولة؛ فمنذ مطلع العصر الحديث، نبه مكيافيلي إلى أن السياسة لا تُبنى على تصور مثالي للطبيعة البشرية، بل على فهم الإنسان كما هو، بما يحمله من طموح ورغبة في القوة وخوف من فقدانها.

وللأسف فوقد أسيء فهم هذه الفكرة زمناً طويلاً بوصفها دعوة إلى تبرير القسوة أو الخداع، فتمسك الطغاة بهذا الفهم القاصر، بينما تكمن أهميتها الحقيقية في أنها دفعت الفكر السياسي إلى إعادة صياغة السؤال الأساسي:

إذا كان الإنسان يسعى بطبعه لتعظيم مصالحه، فكيف نبني نظاماً يمنعه من إساءة استخدام السلطة؟

من هنا لم يعد السؤال: كيف نصنع حاكماً فاضلاً؟

بل أصبح: كيف نبني مؤسسات تجعل حتى الحاكم غير الفاضل مضطراً إلى احترام الحقيقة والقانون؟

أولاً: التحول الدستوري وتفكيك احتكار السلطة

لم تُبن الديمقراطيات الحديثة على افتراض وجود مسؤولين معصومين، بل على واقعية تؤكد أن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة.

عقلانية الفكر الدستوري:

أدرك مونتسكيو أن المشكلة تكمن في تركيز السلطة، فصاغ مبدأه الشهير: "السلطة توقف السلطة".

فالصدق السياسي ليس وليد وعظ أخلاقي، بل هو نتيجة توازن ومراقبة متبادلة بين مراكز القوة؛ فلا ينفرد أحد بالحقيقة أو القرار أو المحاسبة.

نظرية الاختيار العام (السياسة بلا رومانسية): أحدث جيمس بوكانان، الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1986 عن مقاربته الشهيرة (السياسة بلا رومانسية)، تحولاً فارقاً عندما دعا إلى إسقاط الفرضيات الاقتصادية على السلوك السياسي؛ فرفض النظرة المثالية للمسؤولين بصفتهم زُهّاداً يسعون بشكل مجرد لتحقيق المصلحة العامة، وأكد أنهم، كسائر الفاعلين الاقتصاديين، يتأثرون بالحوافز ويسعون لتثبيت منافعهم الذاتية.

فالسياسي ليس "ملاكاً إدارياً" يعمل بمعزل عن مصلحته، وإنما هو كائنٌ يحكمه منطق التكلفة والمكسب؛ ومن ثمّ فإن النظام المؤسسي الناجح ليس هو الذي يراهن على النوايا الحسنة للفاعل السياسي، بل الذي يُصمم الحوافز والموانع بحيث تتطابق مصلحة المسؤول الشخصية تلقائياً مع المصلحة العامة.

ثانياً: المؤسسات أهم من الأشخاص

تُثبت أدبيات الاقتصاد المؤسسي، وعلى رأسها أطروحات المفكر دوغلاس نورث، الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1993 في كتابه المرجعي "المؤسسات، التغيير المؤسسي والأداء الاقتصادي" أن تباين تقدم الأمم لا يرجع إلى اختلاف جينات الشعوب أو طبيعتها الأخلاقية، بل إلى اختلاف المؤسسات.

فالمؤسسات ليست مجرد مبان حكومية أو هياكل إدارية جامدة، وإنما هي منظومة متكاملة من القواعد الرسمية وغير الرسمية التي تُحدّد "قواعد اللعبة" وتضبط السلوك البشري مُبيّنةً ما هو السلوك المَجزي وما هو السلوك المُكلف.

 وهي بذلك تشكّل كياناً مادياً ومعنوياً، يتأسس بالقانون، وينمو وينضج بالقرارات الإدارية الكفؤة والتقاليد والأعراف الإدارية الراسخة.

ثالثاً: قواعد اللعبة المؤسسية والصدق السياسي

هندسة الحوافز: تُحدّد القواعد المؤسسية السلوك البشري؛ فحين تجعل القواعد الكذب سبباً لفقدان المنصب، يتحول الصدق من "فضيلة أخلاقية" إلى "قرار عقلاني". أمّا إذا كافأت القواعدُ التضليلَ، أصبح الكذب استثماراً سياسياً مربحاً.

كيف تصنع الديمقراطيات الصدق السياسي؟

مأزق التغطية:

القاعدة الذهبية في السياسة الحديثة هي: "الخطأ قد يُضعفك، لكن الكذب للتغطية عليه هو ما يدفنك".

أخلاق المسؤولية لا أخلاق النوايا:

يُفرق عالم الاجتماع ماكس فيبر بين "أخلاق القناعة" (التي تُقيّم الفعل بنيّته) و"أخلاق المسؤولية" (التي تُقيّم الفعل بنتائجه وآثاره).

فالإدارة الحديثة والدولة المؤسسية لا تُعنيها النوايا الحسنة للمسؤول، وإنما تُحاسبه على المخرجات والنتائج الفعلية لأعماله ومدى صيانة الثقة العامة.

رابعاً: ثقافة الاستقالة: من "دليلً ضعف" إلى "سلوك مؤسسي"

الاستقالة ليست عقوبة شخصية بقدر ما هي عملية وقائية تُفصل فيها أخطاء الفرد عن شرعية المؤسسة؛ فحين يستقيل المسؤول فور حدوث خلل أو تقصير في قطاعه، فهو يُرسل رسالة للجمهور مفادها أن المعيار الإداري أعلى من الأشخاص، وأن المؤسسة لا تتستر على الفشل.

كما ان الاستقالة المبكرة تُنقذ السمعة السياسية للمسؤول وتتيح له فرصة العودة مستقبلاً، في حين أن التمسك بالمنصب يتحول إلى أزمة نزاهة تُدمّر مستقبله السياسي وتستنزف رصيد الحزب أو الحكومة الانتخابي.

الخلاصة والدلالة العملية:

تتجسد الفلسفة الحقيقية للدولة الحديثة في تحولها المفصلي من الرهان التاريخي على "الحاكم الفاضل" إلى التأسيس الراسخ لـ "المؤسسة الحاكمة"؛

فالديمقراطية في جوهرها ليست "مصنعاً للملائكة"، وإنما هي نظامٌ مؤسسي واقعي يُدير الطبيعة البشرية بنقائصها وطموحاتها.

إن هذا التحول يعني الانتقال من أخلاق الذوات إلى هندسة القواعد؛ حيث تُصمَّم البيئة المؤسسية بحيث لا تسمح بتمرير التضليل، بل تجعل كلفة الكذب والتغطية على الإخفاق أشدَّ بكثير من كلفة الاعتراف بالخطأ نفسه.

ومن ثمّ، فإن جوهر الإصلاح السياسي والإداري لا يكمن في البحث عن مسؤولين مثاليين، بل في بناء مؤسسات حوكمة محكمة تستند إلى استقلال القضاء، والشفافية الرقمية، وحرية الوصول للمعلومات ليصبح الالتزام بالقانون والنزاهة، تلقائياً، الخيار الأكثر أماناً وربحاً للفاعل السياسي.

***

فارس حامد عبد الكريم

2026/8/4

في الفلسفة السياسية، تبدو السلطة، في أصل نشأتها الحديثة، ثمرة لنضال الجماعة من أجل تنظيم حياتها وحماية وجودها وصيانة حقوقها. فالحكومات، في صورتها المثالية، لا تنشأ لتكون فوق المجتمع، بل لتكون تعبيرا عن إرادته، والسياسيون ليسوا سوى أبناء ذلك المجتمع، يحملون في بداياتهم ذاكرته وآلامه ومطالبه، وينهلون من النبع ذاته الذي ينهل منه الناس. غير أن المأساة تبدأ حين ينفصل هذا الابن عن النبع الذي أنجبه، وحين تتحول السلطة من أداة لخدمة المجتمع إلى بنية مستقلة عنه، تنظر إليه لا بوصفه مصدر شرعيتها، بل بوصفه موضوعا لإدارتها وسيطرتها، هنا يتحول النبع المشترك إلى نهرين منفصلين: شعب يجرع كأس العوز والانتظار والهوان، وسياسة تجرع كأس الامتياز والنفوذ والحصانة.

تاريخيا، لم تولد السلطة السياسية من فراغ. كثيرا ما كانت ثمرة كفاح طويل، وتضحيات جماعية، ودماء سالت من أجل الحرية والكرامة والاعتراف بالإنسان، وفي اللحظات التأسيسية، كان السياسي يبدو امتدادا طبيعيا للجماعة، لسانا لمطالبها، وصوتا لآلامها، وحاملا لذاكرتها، لكن المفارقة المأساوية أن السلطة، بعد أن تستقر، قد تنقلب على اللحظة التي أنجبتها؛ فيتحول من كان صوت الشعب إلى وصي عليه، ومن كان جزءا من معاناته إلى جزء من امتيازاته، ومن كان يطالب بالكرامة إلى من يوزعها كما لو كانت منحة شخصية،

ومن هنا يظهر السؤال الفلسفي الأعمق: كيف يتحول ابن الشعب، بمجرد جلوسه على كرسي السلطة، إلى سلطة فوق الشعب؟.

لا تكمن الإجابة في فساد الفرد وحده، ولا في ضعف أخلاق السياسي فحسب، بل في طبيعة السلطة حين تتحول من وظيفة عامة إلى مصلحة ذاتية، فالسلطة لا تغير الإنسان فقط؛ إنها قد تعيد تشكيل نظرته إلى نفسه وإلى الآخرين، وحين تغيب الرقابة والمساءلة، وتفرغ المؤسسات من مضمونها، يبدأ الحاكم في رؤية بقاء السلطة بوصفه بقاء لذاته، ويرى في النقد تهديدا، وفي الاختلاف خطرا، وفي المواطن المستقل مصدرا  محتملا لعدم الطاعة، عندها يحدث الانقلاب الحقيقي: لا يعود السياسي يرى نفسه خادما للسلطة العامة، بل تصبح السلطة خادمة لبقائه، وهذه هي اللحظة التي يبدأ فيها أكل الأبناء.

في عدد من التجارب السياسية المعاصرة في الشرق الأوسط، لم تعد السلطة تعبر بصورة صادقة عن إرادة المجتمع، بل تحولت إلى منظومات مغلقة تستطيع أن تحمي نفسها من الأزمات التي يعيشها المواطن، فبينما يواجه الناس الفقر والبطالة، وأزمات الماء والكهرباء والوقود والسكن والرواتب والأمن والاستقرار، فضلا عن أزمات المواطنة والإعلام والوعي والخدمات، تبقى قطاعات واسعة من النخب السياسية محصنة داخل دوائر الامتياز والنفوذ والمصالح المتشابكة.

المشكلة هنا ليست في وجود الأزمات وحدها؛ فالأزمات يمكن أن تصيب أكثر الدول تقدما، وإنما في كيفية توزيع عبء الأزمة، حين يتحمل المواطن وحده كلفة الفشل السياسي والاقتصادي، بينما تبقى الطبقة الحاكمة محمية من نتائجه، تتحول الأزمة من خلل عابر إلى بنية اجتماعية غير عادلة، وهنا يظهر مفهوم اقتصاد الإذلال.

فالإذلال السياسي لا يعني فقط إهانة المواطن أو انتهاك كرامته بصورة مباشرة، وإنما يعني أن يعيش الإنسان في حالة احتياج دائم إلى السلطة من أجل الحصول على ما يفترض أنه حق له، حين تصبح الوظيفة منحة، والراتب وسيلة للولاء، والخدمة العامة امتيازا، والسكن مرتبطا بالنفوذ، والأمن مكافأة، والمواطنة علاقة قرب من أصحاب القرار، فإن الدولة لا تعود تدير الحقوق، بل تبدأ بإدارة حاجات الناس إليها، وأخطر ما تفعله السلطة بالمواطن ليس أن تسلبه حقا، بل أن تجعله يطلب حقه كما لو كان منحة.

في هذه النقطة يتحول الفقر من مشكلة اقتصادية إلى علاقة سياسية، ويتحول الاحتياج من حالة اجتماعية إلى وسيلة للسيطرة، فالإنسان الذي يخشى فقدان راتبه لا يستطيع أن يكون حرا تماما، والذي يخشى فقدان وظيفته لا يستطيع أن يقول (لا)  بسهولة، والذي يحتاج إلى واسطة للحصول على حقه يتعلم تدريجيا أن الحقوق لا تستحق، بل تستجدى، وهكذا لا يحتاج الاستبداد دائما إلى السجن والعنف المباشر؛ يكفي أحيانا أن يجعل الإنسان خائفا من خسارة القليل الذي يملكه.

لهذا فإن اقتصاد الإذلال هو، في جوهره، اقتصاد لإنتاج التبعية، إنه يجعل المواطن متعلقا بالسلطة حتى عندما يكرهها، وخائفا منها حتى عندما يدرك ظلمها، ومحتاجا إليها حتى عندما يعرف أنها سبب جزء من أزماته، وبذلك تصبح السلطة قادرة على إعادة إنتاج نفسها ليس بالقوة وحدها، وإنما عبر إنتاج شروط اجتماعية تجعل الخضوع يبدو أحيانا أكثر أمانًا من الحرية، وهنا تكمن إحدى أكثر مفارقات السياسة إيلاما: قد لا يحتاج الحاكم إلى إقناع المواطن بأنه عادل؛ يكفيه أن يقنعه بأن مقاومته أكثر كلفة من الخضوع له،

ومن هذه الزاوية، لا تكون الدولة مجرد مؤسسات وقوانين، بل تصبح أيضا طريقة في تنظيم حياة الإنسان وعلاقته بالخوف والكرامة والحق، فالإنسان لا يستعبد فقط حين تقيد حركته، وإنما حين يفقد القدرة على تصور نفسه بوصفه صاحب حق مستقل عن رضا السلطة، وهذا هو البعد الوجودي للمسألة.

فالكرامة ليست رفاهية سياسية، وليست قيمة تجميلية يمكن تأجيلها إلى ما بعد حل المشكلات الاقتصادية، إنها شرط أولي لوجود الإنسان بوصفه ذاتا حرة، وحين يجبر الإنسان على أن يستأذن كي يعمل، وأن يشكر كي يحصل على حقه، وأن يصمت كي يأمن، وأن يساوم على كرامته كي يحافظ على مصدر رزقه، فإن السلطة لا تكون قد سيطرت على سلوكه فقط، بل تكون قد بدأت بإعادة صياغة علاقته بذاته وبالعالم، عندها يصبح الإذلال أكثر من ممارسة سياسية؛ يصبح نمطا في إنتاج الإنسان المطيع.

ومن هنا يمكن فهم لماذا تبدو بعض الحلول السياسية شديدة السذاجة أمام أزمات عميقة تمس العدالة والحرية والكرامة والخبز اليومي، فالمشكلة ليست دائما في نقص الخبرة أو غياب الإمكانات، وإنما في أن السلطة قد تفقد الحافز الحقيقي لإنتاج حل جذري إذا كان استمرار الأزمة يوفر لها أدوات إضافية للسيطرة، الحل المؤقت قد يصبح أكثر فائدة للسلطة من الحل النهائي، فالوظيفة المؤقتة تبقي الموظف محتاجا، والمنحة المؤقتة تبقي المواطن منتظرا، والمعالجة الجزئية تبقي الأزمة قائمة، والخطاب السياسي المؤجل يبقي المستقبل رهينة للوعود، وبذلك تتحول الأزمة من شيء ينبغي إنهاؤه إلى مورد سياسي يمكن استثماره.

إن السلطة التي تستفيد من الأزمة لا تنظر إليها باعتبارها فشلا يجب تجاوزه، بل قد تنظر إليها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، باعتبارها فرصة لإعادة توزيع الولاءات وترسيخ النفوذ، وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة: هل تستطيع السلطة أن تحل أزمة أنتجت لها جزءا من شرعيتها؟، في هذه الحالة، لا يعود المواطن أمام سلطة تخدمه، بل أمام سلطة تعيش جزئيا على استمرار حاجته إليها، وهذا يفسر أيضا لماذا تتحول بعض النخب السياسية، مع مرور الوقت، من خادمة للمجتمع إلى طبقة منفصلة عنه، إنها لا تعيش الأزمة نفسها، ولا تستخدم الخدمات نفسها، ولا تواجه المخاطر نفسها، ولا تنتظر الراتب بالطريقة نفسها التي ينتظره بها المواطن، وبمجرد أن تنفصل التجربة اليومية لصاحب القرار عن التجربة اليومية للمجتمع، يبدأ انقطاع السلطة عن الواقع.

فالسياسي الذي لا يعيش الخوف الذي يعيشه المواطن، ولا الانتظار الذي يعيشه الموظف، ولا العجز الذي يعيشه العاطل، قد يفقد تدريجيا القدرة على فهم المجتمع الذي يحكمه، وهنا لا يعود الانفصال مجرد مسافة اجتماعية؛ بل يتحول إلى انفصال وجودي بين من يملك القرار ومن يتحمل نتائجه، ولهذا فإن المشكلة ليست فقط في أن السلطة تملك أكثر، وإنما في أنها تستطيع أن تجعل الآخرين يدفعون ثمن ما تفعله هي.

إن السلطة، حين تفقد حساسيتها الأخلاقية، تتحول من أداة لتنظيم الحياة المشتركة إلى جهاز لإدارة الفوارق بين من يملك ومن لا يملك، بين من يستطيع أن يرفض ومن لا يستطيع، بين من يحتمي بالقانون ومن يحتاج إلى صاحب نفوذ كي يحميه، وهنا تصبح المواطنة نفسها غير متساوية، قد يتساوى الناس أمام النصوص، لكنهم لا يتساوون بالضرورة أمام القوة،  وقد تكون الحقوق مكتوبة في الدساتير، لكنها تفقد معناها حين يحتاج صاحب الحق إلى وسيط كي يحصل عليها، فالمواطنة الحقيقية ليست أن تكون لك حقوق مكتوبة فحسب، وإنما أن تستطيع ممارسة هذه الحقوق دون خوف ودون إذلال ودون أن تتحول إلى تابع لمن يمنحك إياها.

ومن هنا فإن مقاومة الاستبداد لا تبدأ فقط من تغيير الحاكم، وإنما من إعادة تعريف علاقة الإنسان بالحق، أن يفهم المواطن أن الوظيفة ليست فضلا من السياسي، وأن الراتب ليس هدية، وأن الخدمة العامة ليست منة، وأن الحرية ليست مكافأة، وأن الكرامة ليست امتيازا يمنحه الأقوى للأضعف، إنها حقوق سابقة على السلطة نفسها، ولهذا فإن السلطة التي تنسى أصلها تقع في مفارقة تاريخية كبرى: فهي تحاول حماية وجودها بواسطة القوة، بينما أصل وجودها كان المجتمع، تحاول أن تجعل نفسها فوق الشعب، بينما شرعيتها المفترضة مستمدة منه، وتحاول أن تجعل الخوف أساسا للاستقرار، بينما الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يقوم طويلا على الخوف، فالخوف قد يصنع الصمت، لكنه لا يصنع الشرعية، وقد يصنع الطاعة، لكنه لا يصنع الانتماء، وقد يؤجل الانفجار، لكنه لا يحل أسباب الغضب.

ولهذا لا ينبغي أن نخطئ في فهم صمت المجتمعات، فالصمت ليس دائما قبولا، والخضوع ليس دائما رضا، والاستقرار الظاهري لا يعني بالضرورة وجود عقد اجتماعي سليم، أحيانا يكون المجتمع صامتا لأنه خائف، وأحيانا لأنه متعب، وأحيانا لأنه فقد الثقة في قدرة السياسة على تغيير حياته، وهنا تكمن مسؤولية الوعي.

فالشعب لا يستعيد حريته بمجرد أن يكره السلطة، وإنما حين يستعيد قدرته على التفكير خارج حدود الخوف الذي زرعته السلطة في داخله، فالاستبداد لا يعيش بالقوة وحدها، بل يعيش أيضا حين يعتاد الناس وجوده، وحين يصبح الظلم مألوفا، والخوف طبيعيا، والفساد قدرا، والامتياز حقا مكتسبا للحاكم.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: متى يسقط الحاكم؟ ، بل: متى يسقط المعنى الذي يجعل الخضوع للحاكم أمرا طبيعيا؟، حين يستعيد الإنسان وعيه بأنه مواطن لا تابع، وصاحب حق لا طالب منحة، وذاتا سياسية لا مجرد رقم في سجلات الدولة، تبدأ العلاقة بين السلطة والمجتمع في التغير، عندها فقط يمكن أن يعود النهر إلى النبع.

فالسلطة لم تخلق كي تبتلع المجتمع، ولم يولد السياسي كي يصبح سيدا على من أنجبوه، وكل سلطة تنسى أصلها تتحول في النهاية إلى سلطة تأكل أبناءها؛ لأنها حين تنفصل عن المجتمع تفقد المعنى الأخلاقي لوجودها، وحين تجعل الإذلال وسيلة للحكم، فإنها لا تحافظ على الاستقرار، بل تؤجل أزمتها، والتاريخ لا يضمن أن الظلم يزول لمجرد أنه ظلم؛ فكثيرا ما يطول عمره لأن الخوف يعيد إنتاج نفسه في وعي المظلومين، ولأن الإنسان قد يعتاد القيد إلى درجة يخشى معها فقدانه أكثر مما يخشى بقاءه، لهذا لا يبدأ سقوط الاستبداد حين يضعف الحاكم، بل حين يفقد الخوف قدرته على تفسير العالم، وحين يستعيد الإنسان حقه في أن يرى الحقيقة من دون إذن، وأن يقول (لا) من دون أن يشعر بأنه يرتكب جريمة.

***

د. جوتيار تمر

إقليم كوردستان – 10/8/2026

‏ارتبط اسم الزعيم السوفياتي البلشفي جوزيف ستالين (1878 – 1953) بالطغيان والدموية والقمع، وهي صفات جديرة بالرجل ومرحلته التاريخية التي حكم فيها، دون نسيان ظروف الحرب العالمية الثانية وانتصارات الجيش الأحمر وهزيمة النازية والفاشية، لكن نادرًا ما يُذكر اسم ستالين مقرونًا بصفات مشتقة من الثقافة والمعرفة وسعة الاطلاع، علمًا بأنه توفي في بيته الريفي الذي ضمّ مكتبة زاد عدد الكتب فيها عن 25 ألف كتاب.

‏في العام 2022 أصدر البريطاني جيفري روبرتس المتخصّص بالدراسات الروسية والسوفياتية كتابًا بعنوان "مكتبة ستالين: الطاغية وكتبه"، لكن مكتبة ستالين لم تبقَ على حالها، فقد عبثت بها يد الزمن، خصوصًا وقد انهالت على صاحبها الاتهامات بارتكاب جرائم من أعلى قمة في الحزب والسلطة في الاتحاد السوفيتي، وذلك في التقرير الذي قدمه نيكيتا خروتشوف الأمين العام للحزب الشيوعي في المؤتمر العشرين (1956)، حيث أدين ستالين حاكمًا وإنسانًا.

 وعلى الرغم من تفرّق مكتبته، إلّا أنه تمّ الاحتفاظ بنحو 400 كتاب منها، لأن "الزعيم" ترك فيها رائحته على هيئة تعليقات وحواش، كما تقول إيميليا جنتلمان في استعراضها الكتاب بجريدة الغارديان، ويخالف مؤلف الكتاب آراء عديدة تعتبر ستالين ضحلًا سياسيًا مثلما كان تروتسكي يصفه، ويقول روبرتس أنه مثقف جاد يقدّر الأفكار بقدر تقديره للسلطة، وأنه لم يكن يقرأ فقط ليعرف، بل ليرهف وعيه الشيوعي، ولكنه كان يستخدم قراءاته وثقافته لإدامة حكمه وقبضته الحديدية، ويرى في الثقافة أداة بيد صاحب السلطة.

‏في العام 1932 انعقد اجتماع في شقة مكسيم غوركي للأدباء والكتاب وحضره ستالين الذي خاطبهم قائلًا "إنكم يا معشر الكتّاب مهندسو الأرواح، فإنتاج الأرواح أهم من إنتاج الدبابات"، ثم رفع كأسه وأكمل "لنشرب نخب الكتّاب مهندسي أرواح البشر"، وذلك في محاولة التقرّب من المثقّفين واستمالتهم.

‏وكان أحب القراءات إليه هي التاريخ، وخصوصًا التاريخ الروسي وحقبة إيفان الرهيب (1533 – 1584) والعظيمين بطرس (1682 – 1725) وكاترين الثانية (1762 - 1796)، وانشغل بقراءة سيرة ميخائيل كوتوزوف الذي انتصر على نابليون في العام 1812، وكان مفتتنًا ببسمارك، كما كان قارئًا لبوشكين وغوغول وزولا، وقرأ باهتمام كتاب "الأمير" أكثر من مرة لمؤلفه ميكافيلي، كما توقّف مرّات عديدة لقراءة كتاب "كفاحي"، ووضع خطوطًا تحت العديد من الفقرات، وقد يكون كاتبه المفضل هو لينين، لكنه قرأ لأعدائه مثل روزا لوكسمبورغ وليون تروتسكي.

‏وثمة حادثة جمعت غوركي وشولوخوف وستالين، حيث كان شولوخوف قد واجه مشكلات في الحصول على ترخيص لطبع الجزء الثالث من روايته الشهيرة "الدون الهادئ"، فاستجار بغوركي، فدعاه إلى فيلته التي كان قد أهداها له ستالين، فلمّا وصل إليها كان غوركي بانتظاره ومعه ضيف، وإذا به ستالين شخصيًا، حينها كان القدح المعلّا بيد غوركي كما يُقال، وذلك قبل أن يتعرّض إلى التهميش والإهمال ويُمنع من السفر إلى إيطاليا للعلاج كما كان يفعل في السابق، ليقضي أيام حياته الأخيرة متدثّرًا بالصمت وحيدًا ومنكسرًا.

‏في ذلك اللقاء المثير دخل ستالين بحوار خاص مع شولوخوف حول بطل روايته غريغوري، الذي يمتاز بالشجاعة والفحولة، وكان عشيق إكسينيا ذات الجمال والإثارة، وبقدر ما كان له من صفات إيجابية، فإن الرواية تظهره أيضًا بالتقلّب وعدم اليقين، فتارة يكون مع الجيش الأحمر وأخرى مع أعدائه، ثم يعود إليه، وهنا يتدخّل ستالين ليسأل شولوخوف: ولكن لماذا لم يدخل غريغوري الحزب يا رفيق؟ ففزغ شولوخوف وأجابه على نحو مرتبك: لا أعرف يا رفيق إنه هو الذي قرّر.

وكان ستالين يريد نهاية سعيدة لبطل "الدون الهادئ" بانتمائه للحزب، فلا يوجد شخص بالمواصفات التي تحدث عنها شولوخوف، إلّا وينبغي انضمامه للحزب، وهو مع اعتادت عليه الأنظمة الاشتراكية، وتعلمت منها أنظمة "التحرّر الوطني" في العالم الثالث بما فيها البلدان العربية التي قلدتها على نحو أكثر سوءًا، وفي النهاية تم فض هذا الإشكال الفكري بعد أن وافق شولوخوف أن يكتب رواية لتمجيد السياسة السوفيتية الزراعية "الفاشلة جدًا" والمعروفة بالسوفخوزات (المزارع المملوكة للدولة بالكامل والعاملون فيها موظّفون)، والكولخوزات (المزارع الجماعية التعاونية تحت رقابة الدولة)، والتي أنهت القطاع الخاص في المجال الزراعي.

وبالفعل اضطرّ شولوخوف إلى كتابة رواية رديئة التزامًا بتعليمات ستالين لكي تتم الصفقة، وحتى هذه الرواية لم تعجب بعض المؤرخين المسؤولين عن السياسة الثقافية، فلجأ إلى ستالين عبر سكرتيره الشخصي الذي زوده برقمه الخاص، وتم حل هذا الأشكال بعد أن قرأ ستالين النص في ثلاث ليال، ثم أجاز طبع الرواية واستبدلها بعنوان جديد، وهو ما ذكّرني بعلاقة الروائي غابريل غارسيا ماركيز بفيديل كاسترو، حيث كان الأخير يقرأ روايات الأول حتى قبل طبعها ويبدي له بعض الآراء، وكان ماركيز قد ألف كتابا من 700 صفحة عن الحصار الأمريكي الجائر المفروض على كوبا، لكن كاسترو حين قرأه فضّل عدم نشره، وهكذا ضاع جهد كبير، وأظن أن مثل هذه الوثيقة المهمة كان ينبغي أن ترى النور، خصوصًا وأن كاتبها مبدع كبير وذو حساسية جمالية إنسانية خاصة.

 ويحضرني في هذا المجال أيضًا قصّة مأساوية أخرى تتعلّق بحريّة التعبير، حيث اعتُقل المفكّر العراقي عزيز السيد جاسم بسبب كتاب كان قد أصدره في بيروت، وأُجبر وهو في المعتقل على كتابة نصوص أخرى كي يُطلق سراحه، لكنه اعتُقل مرة ثانية في العام 1991 واختفى أي أثر له إلى اليوم.

أستطيع القول إن ستالين وما تركه من أثر ثقافي وكتب ودراسات، وخصوصًا في المسألة القومية، أنه كان قارئًا ومفسّرًا لبعض آراء لينين، وهو من ألصق عبارة اللينينية بالماركسية، لتصبح عنوانًا للحركة الشيوعية، معتبرًا "اللينينية ماركسية عصرنا"، وذلك لمواجهة خصومه.

هل يكفي ذلك لكي نقول إن ستالين مثقفًا؟ أم أن اهتمامه بالقراءة كان ناجمًا عن حبّه للمعرفة لتوظيفها لصالحه وصالح السلطة السوفيتية؟ والثقافة ليست معرفة فحسب، بل هي سلوك تتمثّل فيه القيم الإنسانية، كما أنها لا تعصم الإنسان عن ارتكاب المعاصي، خصوصًا بزعم امتلاك الحقيقة وادّعاء والأفضليات، وذلك ديدن الحكّام على اختلاف العصور، فالحاكم قد يهتمّ بالثقافة، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يكون سفاحًا مثل الحجّاج بن يوسف الثقفي، الذي كان يحفظ القرآن، ومثل هتلر الذي بدأ شبابه فنانًا تشكيليًا، وسعى ليكون مسرحيًا وكثير الشغف بالأوبرا، لكنه فتح نار جهنّم في الحرب العالمية الثانية التي راح ضحيّتها أكثر من 60 مليون إنسان، ومثل رادوفان كاراديتش، الرئيس الصربي، الذي كان شاعرًا وكاتبًا، ولكنه متعصبًا قوميًا، وهو المسؤول عن الإبادة الجماعية في سريبرينتسا (1995)، ومثل صدام والقذافي حاولا كتابة روايات لينضما إلى قافلة المثقفين، لكنهما ظلّا يطلبان من الجميع الركوع لهما، حتى وإن حاولا الظهور بمظهر التقاة الورعين.

***

عبد الحسين شعبان

‏أجّلتُ تسليط الضوء على كتاب "لماذا يكره المثقفون بعضهم؟" للكاتب والروائي والناقد العراقي جمال حسين علي، وذلك لحين استكمال قراءتي لكتابيه المكمّلين للموضوع ذاته، وأعني بذلك "بلطجة المثقفين" و"بازار الثقافة الكبير". وهي كتب تندرج فيما أسمّيه الثقافلوجيا أي "الثقافة ضدّ الثقافة"، تناول فيها الكثير من الظواهر المرضية التي يعيشها المثقفون في عالمنا العربي، محاولًا تعرية زيف العديد من الادعاءات، ومنتقدًا الكثير من التصرفات والسلوكيات المناقضة للقيم الإنسانية والجمالية. وقد جئت على ذكر بعضها في المقالتين الموسومتين "عن غيرة المثقّفين" و" الثقافة و"الأنا".

‏وجمال حسين علي، على ما أحسب، معروف لدى المثقفين الجادين والحقيقيين من كتبه ومنجزاته الإبداعية، ويحمل شهادة دكتوراه في الفيزياء النووية من الاتحاد السوفياتي، وعمل مراسلًا حربيًا في كاراباخ وأذربيجان وأرمينيا والحرب الشيشانية الأولى والثانية، وأفغانستان والبوسنة والبلقان وكردستان ودارفور والعراق ولبنان، ودوّن خبراته في كتب أبرزها "انكسار عباد الشمس" و"افتتاح ثقب الإبرة"، والشيء بالشيء يُذكر، فالعديد من الأدباء عملوا كمراسلين حربيين، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر، ليو تولستوي وإيرنست همنغواي وجورج أورويل وألبير كامو وغابريل غارسيا ماركيز وغيرهم.

 ويقول عن نفسه: أكبر حب أخفيته وكأنه غير موجود هو حبّي للفيزياء، فقد قضيت حياتي بين الكتب والمكتبات وفي مكاتب الصحف والمجلات، وبدأت الأدب والعلم بالبحث كطريقة أساسية للتعلّم، لذلك كونت فكرتي عن الناس والكون والفضاء والتاريخ بشق النفس.

‏وبالعودة إلى كتاب "لماذا يكره المثقفون بعضهم؟"، الذي يراه البعض مستفزًا، إلّا أنني اعتبره دفاعًا عن الثقافة ضد التفاهة والرثاثة والتسطيح، فهو دعوةٌ لاحترام العقل وتشبّثٌ بالقيم الإنسانية وتمسّكٌ بالمعايير الأخلاقية، فالثقافة هي القوة الأكبر لصناعة العقل، والمثقّف الحقيقي هو الذي يترفّع عن دخول حروب لا تُغني ولا تُسمن من جوع، بل هي أقرب إلى حرب داحس والغبراء، حين تهيمن الكراهية ويستولي القبح على التسامح والجمال.

‏وحسب جمال فإن الخطر الأكبر الذي يهدّد الثقافة ليس الإنترنت أو التلفزيون أو السينما أو التطور التكنولوجي، بل إن أكبر الأخطار هي الثقافة حين تُقدَّم بشكل سيء، "الثقافة ضدّ الثقافة – الثقافلوجيا"، و "المثقّف ضدّ المثقّف"، حيث تنتشر ثقافة الترهيب والترغيب، ولكل شيء ثمنه، فالتهميش والإقصاء والقمع مقابل المناصب والجوائز والامتيازات؛ وينسى بعض المثقفين أو يتناسى دوره التنويري والنقدي كمبدع، فيصبح مروّجًا يزوّق خطاب أصحاب الشأن السياسي أو الحزبي أو الطائفي أو العنصري أو المالي، ويتحوّل إلى رقيب وحاجب على زملائه، يلهث لإرضاء مرؤوسيه الذين يتعاملون معه كموظف تابع يمكن الاستغناء عن خدماته لحظة ما يشاؤون.

‏وقد يسأل القارئ لماذا يقع المثقف وهو صاحب معرفة بمثل هذه الفخاخ؟ والاستدراك الذي يراودني باستمرار أن ثمة فارقًا بين المعرفة والحكمة، فقد لا تعوز المثقف المعلومات، بل تنقصه الحكمة، خصوصًا حين يزدحم قلبه بالأهواء والأنانية، ولذلك لابدّ من التمييز بين العالم والحكيم، فالأول يكون خاضعًا لأناه المضخّمة (الإيكو)، أما الثاني فهو يعرف نفسه ويستطيع أن يُنقّي قلبه من الشرور والكراهية، خصوصًا حين يكون همّه البحث عن الحقيقة وليس المصلحة الشخصية، وأظن أن تلك هي أخلاق المثقف الحقيقي، لاسيّما قدرته على الاعتراف بالآخر وممارسة النقد والنقد الذاتي بوصفه مسؤولية ثقافية ومعرفية وأخلاقية.

‏إن المثقف الذي يفرح بالتنكيل بزميله أو الإساءة إليه أو الانتقاص منه، لا يضيف إلى ثقافته شيئًا، وإنما يزيد من كراهيته، ليس إزاء زميله فحسب، بل إزاء نفسه وثقافته بتقديم شاهد جديد على أحقاده، بما يعكس ضيق الصدور وعتمة الأرواح وسوء النوايا، ويذكرني ذلك ببيت شعر الصديق وليد جمعة "ثراء في التفاصيل ونقص في النوايا"، وهي عبارة بليغة ذات حمولة نقدية وبُعد فلسفي.

للأسف فإن بعض المثقفين ينساق مع بعض الموجات السوداء لاعتبارات سياسية أو حزبوية أو طائفية أو إثنية، ولسان حاله يقول كل من هو ليس منّا فنحن غير معنيين به أو بالدفاع عنه، ويذهب البعض أكثر من ذلك حين يعتبر الآخر منافسًا يمكن المساهمة في تحطيمه أو السكوت على الانتقاص منه أو حتى إهانته أو تشويه سمعته، ويقول جمال حسين علي في معرض النقد الذاتي، وهو محق تمامًا، "كلنا يتحمّل المسؤولية ونحن من شجّعنا على الابتذال وعلينا أن نحاكم أنفسنا" ثم يتساءل لماذا يهرع الملايين لمتابعة الابتذال؟ ولماذا تكون نسبة المشاهدة الأعلى لمن يسميهم المجتمع ساقطين؟ ولماذا تغْبرّ الكتب العظيمة في الرفوف؟

‏هنا يكمن الفرق بين المثقف النقدي وبين أشباه المثقفين الذي تضجّ بهم وسائل الإعلام، ولم تكتفِ السلطات اليوم أو الشركات أو صنّاع الثقافة كالفضائيات والصحف وأصحاب المال بتطويع المثقف واستيعابه في منظومتها تحت عناوين المستشارين حتى وإنْ لم يستشاروا، لكن بعضهم يستطيب هذه المواقع ويعطي نفسه مثل هذه الأدوار البطولية والأمنية والاتصالات السرية بالدول والحكومات والدبلوماسيين والمبعوثين.

***

عبد الحسين شعبان

ليست أزمة تنوع... بل أزمة إدارة للتنوع في العراق

ليست المشكلة في تعدد الهويات العراقية، بل في أن السياسة تعلمت كيف تستثمرها؛ فكلما تعثرت الدولة، وضاقت قنوات المشاركة، وتراجعت الثقة بالمؤسسات، عادت الهويات القومية والدينية والمذهبية لتصبح اللغة التي يفسر بها العراقيون خلافاتهم، ويطالبون من خلالها بالحماية والتمثيل والموارد، لا يشهد العراق اليوم مجرد تصاعد في الخطابات القومية أو المذهبية، بل يمر بمرحلة استعادت فيها الهويات الفرعية حضورا لافتا في المجالين السياسي والاجتماعي؛ فمن الخلافات الكلدانية-السريانية-الاشورية، إلى الجدل حول هوية الايزيديين، مرورا بالتوترات العربية-الكوردية والتركمانية، وصولا إلى الانقسامات المذهبية داخل المكون العربي، تبدو الهوية وكأنها أصبحت الاطار الذي تفسر من خلاله كثير من الخلافات التي تشهدها البلاد.

غير أن قراءة هذه الظاهرة بوصفها عودة لصراعات تاريخية، أو تعبيرا عن عداء متأصل بين المكونات، لا تكفي لفهم ما يجري، لأن الهويات لا تنشط في المجال العام بمعزل عن السياقات السياسية والاجتماعية، وإنما يزداد حضورها عندما تشعر الجماعات بالتهديد، أو حين تجد النخب في استدعائها موردا للتعبئة، أو عندما تضعف الاطر الوطنية القادرة على استيعابها.

تنطلق هذه القراءة من فرضية أساسية مفادها أن الهوية لا تشكل، في ذاتها، سببا للصراع، وإنما تتحول إلى أداة للصراع حين تسيس، أو تربط بالمنافسة على السلطة والموارد والشرعية والتمثيل، فالهويات القومية والدينية والمذهبية تؤدي وظائف ثقافية واجتماعية مشروعة، لكنها تكتسب طابعا صداميا عندما يجري توظيفها في ظل ضعف المواطنة، وتراجع الثقة بالمؤسسات، واحتدام التنافس السياسي، وبناء على ذلك، فإن الازمة العراقية ليست ازمة تنوع في حد ذاته، بل ازمة ادارة سياسية ومؤسسية لهذا التنوع، إذ تتحول الهويات إلى مصادر للتوتر عندما توظف في المنافسة على السلطة والموارد والتمثيل، وحين تعجز الدولة عن تقديم المواطنة بوصفها اطارا جامعا وعادلا.

ويعد العراق من أكثر بلدان المنطقة تنوعا من حيث القوميات والاديان والمذاهب، وهو تنوع لم يكن، في معظم مراحله التاريخية، سببا دائما للصراع، بل أسهم في تشكيل فضاء اجتماعي وثقافي غني ومتشابك.. فالتعدد في حد ذاته ليس أزمة، وإنما تظهر الاشكالية عندما يصبح الانتماء القومي أو الديني أو المذهبي معيارا للمنافسة على السلطة والموارد والشرعية السياسية؛ ففي مثل هذه السياقات تغدو الهويات أكثر قابلية للتسييس، ويعاد توظيفها في التنافس السياسي، دون أن تفقد بالضرورة وظائفها الثقافية والاجتماعية، وقد تتحول الهوية، في ظل غياب الثقة بالمؤسسات، إلى مصدر للحماية والاعتراف، أو إلى وسيلة لتفسير الحرمان وتحديد المسؤولية، ولا سيما عندما يشعر الافراد والجماعات بأن الدولة لا توفر لهم المساواة أو الامن أو فرص المشاركة.

لقد واجهت الدولة العراقية الحديثة، منذ تأسيسها، اشكالية مستمرة تمثلت في التوفيق بين مشروع وطني جامع وواقع اجتماعي شديد التنوع. إلا أن هذا التحدي اكتسب ابعادا أكثر تعقيدا بعد عام 2003، حين أعيد تنظيم الحياة السياسية وفق منطق المحاصصة والتمثيل الهوياتي، فأصبح الانتماء القومي أو المذهبي مدخلا رئيسيا للمشاركة في السلطة وتوزيع النفوذ والموارد، ومع مرور الوقت، أخذت الانتماءات القومية والمذهبية تؤدي دورا أكثر بروزا في التعبئة السياسية، مع اتساع اعتماد القوى المتنافسة على الخطابات الهوياتية في بناء الشرعية وحشد الانصار، وهو ما أتاح للنخب مساحة أوسع لتوظيفها في الصراع على النفوذ والمواقع، ولم تعد الهوية مجرد تعبير عن الانتماء الثقافي أو الاجتماعي، بل غدت في كثير من الاحيان لغة سياسية تستخدم لتحديد من يحق له التمثيل، ومن يستحق الموارد، ومن يمتلك حق تعريف الجماعة والتحدث باسمها.

ولا يمكن فصل هذا المسار عن العوامل الاقتصادية؛ فمظاهر الفساد، والتفاوت في التنمية، وضعف الخدمات العامة، والمنافسة على فرص العمل، وتوزيع الموازنات، والثروة النفطية، كلها تسهم في زيادة قابلية المجتمع للتعبئة الهوياتية، وعندما لا تجد المظالم المعيشية معالجة مؤسسية عادلة، يعاد تقديمها في صورة مطالب قومية أو مذهبية أو مناطقية، فيصبح التنافس على الموارد امتدادا للتنافس على الهوية، ومن هنا، فإن تفسير تصاعد النعرات القومية والمذهبية بوصفه امتدادا لخلافات تاريخية لا يقدم سوى جزء من الصورة، كما أن رده بالكامل إلى ضعف الدولة يبقى تفسيرا غير كاف، فما يشهده العراق اليوم هو نتيجة تفاعل معقد بين هويات تحمل ذاكرتها الجمعية، ودولة لم تستطع ترسيخ المواطنة بوصفها المرجعية العليا، ونخب سياسية وجدت في استثمار المخاوف الهوياتية وسيلة أكثر فاعلية من بناء البرامج الوطنية، مع عدم التغافل عن الاجندات الخارجية الساعية إلى الابقاء على تلك النعرات وفق مصالحها، وفي ظل هذا التفاعل، يعاد انتقاء بعض عناصر الهوية وإعادة تأويلها تبعا للسياق السياسي ومتطلبات التنافس، بما يمنحها ادوارا تتجاوز بعدها الثقافي، ويجعلها أكثر حضورا في عمليات التعبئة والاستقطاب.

وقد يرى بعض المتابعين أن الخلافات العراقية لا يمكن ردها إلى تسييس الهوية وحده، لأن بعضها يستند إلى ذاكرة تاريخية عميقة، وتجارب متراكمة من الاقصاء والعنف والتمييز، وهذا الرأي ينطوي على قدر من الصواب، إذ لا يمكن انكار اثر التاريخ في تشكيل تصورات الجماعات عن ذاتها وعن الاخرين، غير أن الذاكرة التاريخية لا تتحول بالضرورة إلى صراع سياسي مستمر، بل تحتاج إلى سياق مؤسسي وسياسي يعيد تنشيطها ويوجهها نحو التعبئة والمنافسة، ولذلك، فإن المشكلة لا تكمن في وجود الذاكرة، وإنما في الطريقة التي تنتقى بها عناصرها وتوظف في الحاضر، فالتاريخ قد يفسر نشوء بعض الحساسيات، لكنه لا يفسر وحده توقيت ظهورها، ولا كيفية انتقالها من المجال الرمزي إلى مجال الصراع على السلطة والموارد والتمثيل.

ويجسد الخلاف الكلداني-السرياني-الاشوري التداخل بين الذاكرة التاريخية والهوية الدينية واللغوية والثقافية والواقع السياسي المعاصر، فالنقاش لا يدور حول التسمية والجذور التاريخية فحسب، بل يمتد إلى سؤال التمثيل السياسي والرمزي، ومن يمتلك حق التحدث باسم هذه الجماعات في مؤسسات الدولة والمجال العام، ومع أن الكلدان والسريان والاشوريين يتقاطعون في اللغة والتاريخ والجغرافيا، فإنهم يختلفون في الانتماء الكنسي، والتجربة التاريخية، والرؤية القومية، وطرائق تعريف الذات، الامر الذي يجعل اختزالهم في هوية واحدة موضع خلاف مستمر، ولا ينشأ التوتر من التعدد في حد ذاته، بل من انتقال الاختلاف من المجال الثقافي إلى مجال التنافس على الشرعية والنفوذ والتمثيل، وحين تستثمر بعض النخب هذه الفروق في التعبئة السياسية، تتحول الذاكرة التاريخية من مجال للتنوع الثقافي إلى مورد للصراع، ويغدو كل اسم مدخلا لاثبات الاحقية ونفي رواية الاخر، كما ان بعض القوى الخارجية قد تسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إعادة تنشيط هذه الخلافات وتضخيمها، من خلال الدعم السياسي، أو توجيه الخطاب الاعلامي، أو بناء علاقات مع قوى محلية، أو توظيف هذه الانقسامات في صراعات النفوذ والتمثيل، غير ان هذا العامل لا يلغي الجذور الداخلية للخلاف، بل يزيدها حدة في سياقات سياسية واجتماعية قابلة للاستقطاب، فالقضية لا تتعلق بالتسمية بوصفها مسألة لغوية أو تاريخية فقط، بل بما يترتب عليها من حقوق وتمثيل ومكانة سياسية، وهنا ينتقل الاختلاف من مستوى التعريف والانتماء إلى مستوى التنافس على النفوذ والشرعية.

أما العلاقة بين الكورد والايزيديين، الذين تتباين مواقفهم من حيث الانتماء القومي والديني والولاء السياسي، فتحتاج إلى مقاربة تتجاوز اختزالها في صراع هوياتي ثنائي، لأن المسألة تتصل ايضا بانقسام هوياتي داخل المجتمع الايزيدي نفسه، فقد تناولت كتابات تاريخية واثنوغرافية قديمة الايزيدية بوصفها ديانة وجماعة دينية متميزة، لكنها وصفت اتباعها في الوقت نفسه بأنهم كورد أو ناطقون بالكوردية، وربطتهم بالمجال الجغرافي والثقافي الكوردي، ومع ذلك، يرى اتجاه ايزيدي أن الخصوصية الدينية والتاريخية والثقافية للايزيديين تؤسس لهوية مستقلة، في حين يرى ايزيديون اخرون أنهم جزء من القومية الكوردية مع احتفاظهم بخصوصيتهم الدينية، بينما يتبنى ايزيديون اخرون انتماءات قومية أو سياسية مختلفة، تبعا للغة والبيئة الاجتماعية والتجربة التاريخية ومصادر الانتماء، وقد اسهم هذا التعدد في الرؤى في انتاج مواقف متباينة من العلاقة مع الكورد وبغداد والقوى المحلية والاقليمية، كما ادى إلى انقسام في الولاءات السياسية، بحيث لم يعد الخلاف مقتصرا على تعريف الهوية، بل امتد إلى تحديد الجهة التي تمثل الايزيديين، وتوفير الحماية لهم، وادارة مناطقهم، وتقرير مستقبلها السياسي.

وقد شكلت كارثة شنگال عام 2014 نقطة تحول مفصلية في هذا السياق، إذ لم تقتصر اثارها على المأساة الانسانية، بل اعادت طرح اسئلة الهوية والامن والادارة والتمثيل بصورة اكثر حدة، وتزداد تعقيدات الملف بسبب الموقع القانوني والاداري لشنگال، بوصفها من المناطق المتنازع عليها بين الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كوردستان، الامر الذي جعلها ساحة تتقاطع فيها مصالح بغداد واربيل وقوى محلية واقليمية متعددة، ومن ثم، فإن التباين داخل المجتمع الايزيدي لا يمكن تفسيره بوصفه انقساما هوياتيا خالصا، ولا بوصفه خلافا سياسيا عابرا، بل هو نتيجة تفاعل بين تصورات متباينة للذات الايزيدية، وانتماءات قومية وسياسية متعددة، وتجارب مختلفة في علاقتها بالدولة والقوى المحيطة، وهكذا أصبحت الهوية في هذا السياق مجالا للتعبير عن الخوف والبحث عن الحماية وتحديد الولاء، بقدر ما هي تعبير عن الذاكرة والثقافة والانتماء، وتكشف الحالة الايزيدية أن الخلاف لا ينشأ دائما بين جماعتين مختلفتين، بل قد يظهر داخل الجماعة الواحدة عندما تتعدد تصوراتها عن ذاتها، وتتباين رؤاها بشأن الدولة والامن والمستقبل السياسي، كما تكشف أن قضايا الهوية تصبح اكثر حساسية عندما ترتبط بالتهجير والحماية والادارة وحق تقرير المستقبل.

أما الملف العربي-الكوردي، فينقل النقاش من سؤال التمثيل داخل الجماعة إلى سؤال العلاقة بين المكونات وبنية الدولة، بما يوضح أن تسييس الهوية يتخذ صورا مختلفة تبعا للسياق السياسي والقانوني والجغرافي، ويظل الملف العربي-الكوردي أكثر ملفات الهوية ارتباطا ببنية الدولة العراقية، لأنه يتصل بقضايا دستورية وسياسية واقتصادية لم تحسم بصورة نهائية، مثل ادارة المناطق المتنازع عليها، ومستقبل كركوك، وتقاسم الموارد الطبيعية، وحدود الصلاحيات بين الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كوردستان، ولذلك، فإن هذا الملف لا يعكس مجرد اختلاف قومي، بل يكشف كيف تتداخل اسئلة الهوية مع طبيعة النظام السياسي واليات توزيع السلطة. وتزداد الصورة تعقيدا مع الحضور التاريخي الحديث للتركمان في كركوك والمناطق المختلطة، لتغدو المدينة نموذجا مكثفا لتشابك الانتماءات المحلية مع المصالح الوطنية والتجاذبات الاقليمية، حيث يصبح أي تحول سياسي أو اداري قابلا لان يقرأ من زوايا هوياتية مختلفة.

ولا يقتصر الحضور التركماني في هذا الملف على كون التركمان طرفا ضمن التنافس على كركوك، بل يمتلكون ايضا خطابا هوياتيا خاصا يتصل بالتمثيل السياسي، والحقوق الثقافية واللغوية، والحفاظ على الوجود التاريخي في المناطق المختلطة. ولذلك، فإن أي معالجة للملف العربي-الكوردي لا تضع المكون التركماني في الاعتبار تظل معالجة ناقصة، لأن المدينة لا تختزل في ثنائية قومية واحدة، بل تشكل فضاء تتقاطع فيه هويات ومصالح وذاكرات متعددة، فالقضية لا تتعلق فقط بمن يملك حق ادارة المدينة أو تمثيل سكانها، بل تتصل ايضا بالذاكرة التاريخية، والموارد، والحدود الادارية، وتوازنات القوة بين الاطراف المختلفة. وهنا تظهر الهوية بوصفها جزءا من نزاع على الدولة ذاتها، لا مجرد تعبير عن اختلاف اجتماعي، كما ان غياب قواعد مستقرة وعادلة لادارة هذا التعدد يجعل كل تسوية سياسية قابلة لان تفسر بوصفها انتصارا لجماعة وهزيمة لاخرى.

ولا تقتصر هذه الظاهرة على العلاقة بين القوميات المختلفة، بل تمتد إلى داخل المكون العربي نفسه، حيث تكشف التوترات المذهبية ان الازمة العراقية اوسع من ان تختزل في الانقسام القومي، ويظهر تسييس الهوية المذهبية بصورة اكثر وضوحا في الانقسام السني-الشيعي، ولا سيما بعد عام 2003، حين انتقلت الطائفية من كونها انتماء اجتماعيا ودينيا إلى اطار لتنظيم التمثيل السياسي وتوزيع السلطة، وقد اسهمت سياسات الاقصاء والعنف المتبادل، إلى جانب انهيار الثقة بالمؤسسات، في تحويل المخاوف المذهبية إلى مواقف سياسية وامنية، كما ان التنافس على رئاسة المؤسسات، والموارد، والمناصب، ومناطق النفوذ، كثيرا ما جرى التعبير عنه بلغة مذهبية – ولائية -، الامر الذي جعل الخلاف السياسي يبدو في بعض مراحله صراعا على وجود الجماعة ومكانتها، لا مجرد خلاف على البرامج والسياسات.

وعندما تتراجع الثقة بالمؤسسات، وتضعف قدرة الدولة على ادارة الخلافات، تميل الجماعات إلى البحث عن الحماية داخل دوائرها الاولية، سواء كانت طائفية أو عشائرية أو حزبية، وعندئذ تكتسب الخلافات السياسية ابعادا هوياتية تجعلها اكثر تعقيدا، لان التنافس لا يعود يدور حول السياسات وحدها، بل يمتد إلى اسئلة الوجود والتمثيل والاعتراف، كما يصبح الوصول إلى السلطة وسيلة لتأمين الجماعة، لا مجرد ممارسة سياسية قابلة للتداول، ولا يمكن فهم هذه التحولات بمعزل عن البيئة الاقليمية والدولية، فالعراق يقع في منطقة تتشابك فيها المصالح والاستراتيجيات، الامر الذي جعل قواه الداخلية عرضة لتأثيرات خارجية متفاوتة، وقد وجدت بعض القوى الاقليمية والدولية في الانقسامات العراقية فرصة لتعزيز نفوذها أو حماية مصالحها، عبر الدعم السياسي، والتأثير في وسائل الاعلام، وبناء علاقات مباشرة مع القوى المحلية، ودعم جماعات أو روايات سياسية معينة، وربط الملفات العراقية بصراعات اقليمية اوسع.

غير أن هذه التدخلات لم تكن لتكتسب هذا القدر من التأثير لولا وجود بيئة داخلية قابلة للاستقطاب؛ فالعامل الخارجي يستطيع تعميق الانقسام، وتوسيع نطاقه، ومنح بعض اطرافه موارد سياسية وامنية واعلامية، لكنه لا ينشئ الازمة من الاساس إذا لم تكن هناك مؤسسات ضعيفة، ونخب مستعدة لتوظيف الانقسامات، وجماعات تشعر بالخوف أو التهميش، أو ترتبط مصالحها وولاءاتها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بتلك الاجندات الخارجية، ومن ثم، فإن العامل الخارجي يسهم في تعميق الازمة وتوسيعها اكثر مما ينشئها من الاساس.

ومن زاوية اخرى، يبدو أن توقيت تصاعد هذه النعرات ليس امرا عفويا، فهي تبرز عادة في المراحل التي تشهد اضطرابا سياسيا، أو ازمات اقتصادية، أو انسدادا في الافق الوطني، أو حين تتداخل الازمات الاقليمية والدولية مع الشأن العراقي، فتسعى بعض القوى إلى حماية مصالحها عبر تغذية الانقسامات واستثمار الخطابات الهوياتية، ففي مثل هذه الظروف تتراجع قدرة الدولة على انتاج الثقة، وتضعف الروابط الوطنية الجامعة، بينما تستعيد الانتماءات الاولية حضورها بوصفها مصادر للامان والاعتراف، ولهذا، فإن تنامي الخطابات القومية أو المذهبية في العراق يرتبط بالسياق الذي تعيشه البلاد بقدر ارتباطه بالارث التاريخي الذي تحمله الجماعات المختلفة، فالهوية قد تبقى حاضرة في الذاكرة والثقافة من دون أن تتحول إلى نزاع سياسي، لكنها تصبح قابلة للاستثمار عندما تتزامن الازمات الاقتصادية مع ضعف المؤسسات وانسداد قنوات المشاركة، وتنسجم هذه القراءة مع دراسات تربط ازمة الهوية في العراق بضعف الاندماج الوطني، واختلال التوزيع، وتراجع المشاركة والشرعية السياسية.

ولا تقل البنية المؤسسية للدولة اهمية عن العوامل السياسية والاجتماعية في تفسير هذه الظاهرة، فالمؤسسات التي تفتقر إلى العدالة والفاعلية لا تستطيع ادارة التنوع بصورة متوازنة، كما ان غياب اليات واضحة لتوزيع السلطة والموارد يفتح المجال امام الجماعات للبحث عن ضمانات خارج الاطار الوطني، وعندما لا يشعر المواطنون بالمساواة امام القانون، تصبح الهويات الفرعية اكثر قدرة على ملء الفراغ الذي تتركه الدولة، وتتحول المطالب السياسية من مطالب حقوقية قابلة للتفاوض إلى قضايا وجودية يصعب التوصل بشأنها إلى حلول وسط. وفي هذه الحالة، لا يعود الصراع متعلقا فقط بما تفعله الدولة، بل بما تعجز عن فعله ايضا.

وتبين المقارنة بين تجارب الدول المتعددة أن التنوع لا يقود بالضرورة إلى الصراع أو التفكك، فقد استطاعت بعض الدول ذات التعدد القومي أو الديني أن تحد من اثاره الصراعية من خلال مؤسسات دستورية عادلة، وضمانات واضحة للحقوق، وقواعد مستقرة لتوزيع السلطة، بينما فشلت دول اخرى حين تحولت الهويات إلى أدوات للمنافسة السياسية، وحين أصبح الانتماء الاولي طريقا إلى الموارد والنفوذ والحماية، ولا يكمن الفارق، إذن، في مقدار التنوع، بل في طبيعة المؤسسات التي تديره، وفي مدى قدرة النظام السياسي على منع تحويل الاختلاف إلى امتيازات مغلقة أو مصادر دائمة للاستقطاب، فالدول المتعددة لا تستقر بانكار الفروق، وإنما بتحويلها إلى حقوق منظمة، ومشاركة سياسية عادلة، وقواعد دستورية تمنع احتكار الدولة من قبل جماعة أو مكون، ومن ثم، فإن ادارة التنوع لا تعني مجرد منح المكونات حصصا في مؤسسات الدولة، كما لا تعني تثبيت المحاصصة بوصفها نظاما دائما لتوزيع السلطة، فادارة التنوع تختلف عن تقاسم السلطة، لانها تتطلب قواعد دستورية تضمن المساواة، ومؤسسات مستقلة تفصل في النزاعات، وسياسات تنموية عادلة، وضمانات لحماية الحقوق الثقافية والدينية والقومية.

كما تختلف ادارة التنوع عن اللامركزية، التي تتعلق بتوزيع الصلاحيات بين المركز والوحدات المحلية، مع ان اللامركزية قد تكون إحدى وسائل ادارة التنوع عندما تطبق ضمن اطار قانوني واضح، أما المواطنة الدستورية، فتمثل الاطار الذي يجعل الانتماءات المختلفة متساوية امام القانون، ويمنع تحولها إلى امتيازات سياسية مغلقة أو أدوات للاقصاء، مع الحفاظ على الهويات، ومن هذا المنظور، فإن تقاسم السلطة قد يكون وسيلة مؤقتة لمنع الاحتكار وطمأنة المكونات، لكنه لا يكفي لبناء دولة مستقرة إذا تحول إلى محاصصة دائمة تعيد انتاج الانقسام، كما ان اللامركزية لا تحقق اهدافها إذا استخدمت لترسيخ العزلة المناطقية أو تحويل الادارات المحلية إلى مراكز نفوذ مغلقة، إن ادارة التنوع الناجحة تتطلب الجمع بين الاعتراف بالخصوصيات وحماية المساواة العامة، وبين توزيع الصلاحيات وترسيخ وحدة القانون والمؤسسات.

إن ما يواجهه العراق اليوم ليس ازمة ناجمة عن تنوعه، بل عن الطريقة التي يدار بها هذا التنوع داخل المجال السياسي، فالتعدد القومي والديني والمذهبي كان، عبر تاريخه، احد مصادر ثرائه الاجتماعي والثقافي، لكنه يتحول إلى مجال للاستقطاب حين تصبح الانتماءات وسيلة للمنافسة على السلطة والشرعية والموارد والولااءات، وتتراجع المواطنة بوصفها الاطار الجامع، ولا يتطلب تجاوز هذه الازمة اضعاف الهويات أو انكارها، بل بناء مؤسسات عادلة واليات دستورية واضحة تضمن التمثيل المتوازن، وتحمي الحقوق، وتنظم توزيع السلطة والثروة، وتعالج الفوارق التنموية التي قد تحول الحاجات المعيشية إلى وقود للتعبئة القومية أو المذهبية.

فالمواطنة لا تصبح اطارا جامعا بمجرد اعلانها، وإنما تكتسب معناها العملي حين تسندها سيادة القانون، واستقلال المؤسسات، والعدالة في التمثيل، والمساواة في الوصول إلى الخدمات والفرص، وإذا استمرت قواعد التنافس السياسي على حالها، فإن أي ازمة اقتصادية أو انتخابية أو امنية مقبلة ستعيد انتاج الانقسامات، مهما تغيرت النخب والواجهات السياسية، إن الخطر الحقيقي الذي يواجه العراق ليس تعدد هوياته، بل استمرار النظام السياسي في مكافأة الانقسام ومعاقبة المواطنة.

***

د. جوتيار تمر

اقليم كوردستان  7-8-2026

مئات من السنين خضعت فيها الأمّة العربيّة لشعوب غازية، اتخذت من الإسلام عقيدة لها، كالبويهيين، والسلاجقة، والأتراك، والأغز، والتتر، والمغول، والصفوين، والمماليك، والعثمانيين. وباسم الإسلام سيطرت هذه الشعوب على الدولة العربيّة وشعوبها.. أي منذ القرن الثالث للهجرة (التاسع ميلادي)، مع بدء ضعف السلطة العباسيّة ووصول الخليفة "المتوكل" إلى سدّة الحكم برغبة المماليك السلاجقة، واستمرت حتى انتهاء الدولة العثمانيّة، لتخضع هذه الأمّة من جديد للقوى الاستعماريّة الغربيّة التي اعتبرت نفسها امتداداً للغزوات الصليبيّة، التي عملت ليس على زيادة تخلفها فحسب، بل وزيادة إضعافها أيضاً عندما راحت تجزأها إلى دويلات صغيرة لم تزل قائمة حتى هذا التاريخ. وعلى الرغم من أن قسماً كبيراً من هذه الدول ناضل من أجل استقلاله - وقد حصل عليه - غير أن العدد الأكبر منها لم يزل مرتهناً في قراره السياسي والاقتصادي لهذه القوى المستعمرة بشكل مباشر وغير مباشر، هذا إضافة إلى وجود الكيان الصهيوني وما يشكله هذا الكيان من معوقات لحركة التحرر العربي، حيث أُعيد هيكلة الكثير من الأنظمة العربية بما يخدم وجود هذا الكيان، وبالتي استمراريّة التخلف العربي بالضرورة. وهذا يعني في نهاية المطاف فقداناً أو غياباً للاستقرار السياسي العربي، الذي أخذنا نلمسه في ردود الفعل العربية السلبية (للحكومات) تجاه الكثير من التحديات التي تعرضت لها هذه الأمّة العربية في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، إن كان تجاه الاحتلال الأمريكي للعراق، أو حرب تموز في لبنان، أو حرب غزة، أو ما سمي بثورات الربيع العربي واليوم صفقت القرن ومشروع داوود وغير ذلك .

أين موقع الدولة في مجتمعاتنا؟، وأين نحن من دولة القانون؟

الدولة في سياقها العام هي أعلى سلطة منظمة تعمل وفق مؤسسات ناظمها الأساس أيضاً قوانين وتشريعات صادرة عن هيئات تمثل الإرادة العامة. وهذا في الحقيقة يمثل ما نستطيع تسميته بالدولة الحديثة، وكل دولة تفتقد إلى أحد مكونات هذه الدولة، هي دولة غير كاملة أو مبتسرة، أو دولة ما قبل الدولة.

والأسئلة المشروعة التي تطرح نفسها علينا هنا هي: هل حازت الدولة العربية على مكونات الدولة الحديثة؟، أي هل هي تمثل فعلاً أعلى سلطة مستقلة في المجتمع؟، وهل هي تمتلك مؤسسات منتظمة بقوانين وتشريعات صادرة عن هيئة أو هيئات تمثل الإرادة العامة وتفصل بين السلطات.

إن المتابع لمسألة الدولة العربية يجد في الحقيقة أن هذه الدولة في معظمها هي دولة ما قبل الدولة، استقل قسم كبير منها مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين، وبعضها ظهر على الساحة في السبعينيات من القرن ذاته، هذا في الوقت الذي لم يزل قسم منها خاضع لإرادة الخارج، وحكوماته ليست أكثر من أدوات لتنفيذ الأجندات الخارجيّة، كل ذلك يؤكد عندنا أن هذه الدول لم تحوز بعد على صفة الكمال أو الحداثة، فالدولة كسلطة تقوم في معظمها على مرجعيات تقليديّة (عشيرة، قبيلة، طائفة، عسكر الخ..)، لم تزل هذه المرجعيات تتحكم في تشريعاتها وقوانينها، وبالتالي إدارة مؤسساتها وحواملها الاجتماعيّة، الأمر الذي جعل منها دولة غنيمة للقوى الحاكمة، أكثر منها دولة تنمية وإعمار وقانون للمجتمع، وهذا أحد العوامل الرئيسة التي ساهمت ولم تزل تساهم في تخلف هذه الأمّة، بل وإعادة إنتاج هذا التخلف الذي راح يتجلى واضحاً عبر كل المستويات من حيث الجوهر، بغض النظر عن ما نلمسه من تطور في حالات الشكل (العمران) التي أخذت تشمخ هنا وهناك في دول النفط، بسبب الطفرة النفطية، علماً أن (معظم) هذه الحالات شيّد بخبرات ومهارات أجنبية.

أما السؤال الأهم ما هو واقع البنية الاقتصادية في مجتمعاتنا؟.

بسبب طبيعة السلطة (المملوكية) في نهجها التي سادت في الكثير من البلاد العربيّة تحت ظل القوى الحاكمة تاريخيّاً منذ بداية العصور الوسطى حتى بداية القرن العشرين، ممثلة بقوى حاكمة شبه اقطاعيّة عسكريّة عملت على تدمير البنية الاقتصاديّة زراعيّاً وصناعيّاً وتجاريّاً، وقد استمر هذا النهج السلطوي الحاكم حتى سقوط الدولة العثمانيّة في الربع الأول من القرن العشرين، ثم جاءت الدولة (الشموليّة) مع الاستعمار الغربي الذي سعى بكل ما يملك من مقومات لجعل البلاد العربيّة وغيرها من دول العالم الثالث، بلاداً يدور رحى اقتصادها بما يخدم مصالحه الاقتصاديّة، أي جعلها بلاداً فقيرة أو محطمة من الناحية الصناعيّة والتكنولوجيّة، وغنيّة أو ناشطة زراعيّاً، وبخاصة في الزراعات الصناعيّة التي تحرك مصانعه، وتساعد على توسيع أسواق تصريف منتجاته، وهذا ما تم بالفعل، الأمر الذي أوقع هذه البلاد في مضمار (المتروبول)، وخلق مآزق اقتصاديّة وسياسيّة كثيرة، كان الغرب (المتروبول) يساعد على خلقها أو تأجيجها عندما يشعر بأنها تخدم مصالحه، وهذا ما ساعد على ربط هذه البلاد بالدولة المستعمرة وجعلها تابعة له ولخدمة مصالحه حتى بعد خروجه العسكري من معظمها. لذلك ظلت هذه البلاد تعاني ولم تزل من التخلف الاقتصادي، فهناك أزمة غذاء حقيقية يعاني منها العديد من البلاد العربية، إضافة إلى فقدان الصناعات الاستراتيجية القادرة على حماية هذه البلاد من استغلال الدول الغربيّة المنتجة لها من جهة، أو من الوقوع في مطب الصناعات التحويليّة، والرثة من جهة أخرى، التي حاول الغرب التخلص منها منذ فترة زمنيّة طويلة بسبب تلويثها للبيئة، هذا إذا ما جئنا على غياب الخبرات والمهارات العلميّة، وقلة نسبة التوظيفات الماليّة في ميزانيات الحكومات للبحوث العلميّة وتطويرها، ثم الأموال الطائلة التي هربت إلى الخارج ووظفت هناك بدلاً من توظيفها داخل البلاد، والأهم يأتي الارتهان بعض الدول العربيّة الفقيرة لقروض البنك الدولي وشروطه السريّة المجحفة بحق الدولة وشعوبها.. الخ .

على العموم هناك أزمة سياسية قائمة تحكمها دول شموليّة، مثلما هناك أزمة في مفهوم الدولة الحديثة التي لم تستطع الخروج بعد من صيغة الدولة الشمولية، وهناك أزمة اقتصادية  مستفحلة على كافة مستوياتها، تجلت نتائجها واضحة في تردي الكثير من الجوانب الاجتماعيّة والسياسيّة للبلاد، بحيث لم يعد بالإمكان تغطيتها من قبل العديد من الحكومات العربية.

***

د. عدنان عويد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

بقلم: زويب ماتين

ترجمة: صالح الرزوق

***

أحيانا، يبدو الأمر غريبا عندما ندرك مدى عدم استعدادنا، كأطفال في المدرسة، للكدح المتواصل والعمل وأداء الواجبات التي ستقيدنا في مرحلة البلوغ. في قصيدة لويليام هنري ديفيز، توجد مرثية لأحوالنا، والقصيدة جزء أساسي من منهج اللغة الإنكليزية لدينا، وقد ورد فيها: "ما هذه الحياة المليئة بالهموم؟. ليس لدينا وقت للوقوف والتأمل".

لا شك أننا نفهم من هذه القصيدة أن "الحياة المليئة بالهموم" تشير إلى يوم دراسي حافل بالواجبات المنزلية. لم نكن ندرك حينها أننا على الأقل نستطيع التمتع بوقت الفراغ الذي يحق لنا الحصول عليه، ولم نكن نعي بعد الهموم والشكوك وخيبات الأمل التي ستطارد ساعات راحتنا وأوقات تأملنا التي نكتسبها بشق الأنفس في مرحلة البلوغ.

للهروب من هذه "الحياة المليئة بالهموم"، ومن القلق حيال الخط الأحمر الذي سيكلفنا بعض الدرجات في أوراق امتحاناتنا، انغمسنا، أو أقله انغمس بعضنا، في الكتب التي أخذتنا بعيدا عن رتابة الدروس والامتحانات اللامتناهية. عندما كنا نقرأها، سواء في ساعة الغداء، أو إذا استعرناها من المكتبة، أو حتى سرا تحت المكتب أثناء نسخ الملاحظات من السبورة، كانت تمنحنا متعة تدوم طويلا، بل وجرعة من تعليم قادم من عالم آخر، كنا نرتشفه بشغف يفوق بكثير ما نستطيع تقديمه لدروسنا. في تلك الكتب، كنا نسافر إلى أراض بعيدة، أو حتى إلى مركز الأرض، ونقرأ قصصا عن فتيان لم يتلقوا تعليما صحيحا، ومع ذلك انطلقوا في مغامرات مليئة بالمخاطر، حيث استطاعوا الصمود أمام البشر. كنا نلتقي بالمغامرين والقراصنة والقتلة واللصوص؛ كما كنا نواجه رجالا غير مرئيين، وغزاة من المريخ، ومصاصي دماء، ووحوشا بشعة. لقد تابع المرء هذه الشخصيات ومؤامراتها بشغف خيالي كبير لدرجة أن الشخصيات الأسطورية مثل فاجين وبيل سايكس، في حالتها البائسة، كانت تبدو حقيقية بشكل غير متوقع - لقد ذكرت المرء ببعض القسوة والمكر البغيض الذي وجده المرء داخل جدران المدرسة والذي سيجده مرة أخرى في مرحلة البلوغ أيضا.

وبعد الكتب، وخاصة تلك التي تتناول قصصا مثل "القباطنة الشجعان" أو رواية بلاي عن تمرد سفينة باونتي، كانت الأفلام التي يشاهدها المرء في ذلك العمر، والتي تصور ضباطا ورجالا يرسلون في مهمات جريئة خلف خطوط العدو، وعملاء سريين يرسلون إلى أراض خلابة لإنقاذ الموقف، هي التي تترك للانطباع ااأولي عن عمل الرجال في المكاتب. وبطبيعة الحال، الأفلام التي وثقت هذا الجانب الأخير هي بواكير أفلام جيمس بوند، لأن كل تلك "المهمات السرية للغاية"، وتلك المغامرات الممتعة في الجزر الاستوائية والمدن الصاخبة في الجانب الآخر من العالم، وداخل غرف في الأهرامات أو في أوكار الأشرار الكائنة في البراكين، هي عادة ما تأتي بعد اجتماع أو "إحاطة “مع رئيس بوند المدعو ببساطة "إم". في تلك الغرفة الرسمية المريحة ذات الباب الجلدي، كان يأمره بوضوح وتهذيب قائلا - "اجلس، 007" - تمهيدا لشيء مثير قادم. لطالما راودتني ذكرى هذا المشهد المتكرر خلال تلك الساعات الكئيبة في الفصل الدراسي المضاء بالنيون؛ فإذا كان الأولاد الآخرون يتوقون إلى مباراة كرة قدم مثيرة على أرض الملعب الرملية، كنت أتوق إلى أمر، أكثر تعقيدا، له إيحاءات ساخرة، وينتهي بعقاب على ذنب جسيم. كنت أتخيل أنهم يستدعونني إلى غرفة المدير - غرفة مكيفة فاخرة وواسعة كقاعة تدريس، ومزودة بمقاعد ذات ذراعين ومبطنة ومريحة بالمقارنة مع مقاعدنا الخشبية الصلبة. كانت ملامح مديرنا سمراء، ونادرا ما تكون ودودة، وتبدو مشدودة للغاية وهو مكفن في ثوبه الأبيض الناصع ولا سيما في المناسبات الرسمية، لكن في بقية الأوقات يرتدي قميصا أبيض وسروالا قطنيا أكثر سوادا من وجهه. وهذه الملامح لا تضاهي وقار "إم" الهادئ، بل والمذهول، كما يجسده الممثل المبهر دائما، السيد برنارد لي.

لعل سبب هذا الخيال الذي لا يزال يرافقني هو أن والدي كان دائم الترحال في أرجاء البلاد بحكم عمله، وكان عند عودته، إلى جانب الألعاب والحلوى وغيرها من التذكارات التي يحملها من رحلاته (ناهيك عن النسخ المقرصنة من أفلام الحرب والتجسس القديمة التي يشتريها من الباعة المتجولين الماليزيين)، يسليني بقصصه عما مر به من تجارب - مثل قصص رجال الأعمال الأجانب الذين التقاهم، ومشاهد وأصوات من تلك البلدان الأجنبية، والوجبات الفاخرة التي تقدم في أطباق رويال دولتون حين يكون على متن الدرجة الأولى. على النقيض من ذلك، لم يكن ينسيني رتابة المكان، في مكتبه، سوى "سحر" آلات التصوير، بصوتها المميز ونقراتها، والأختام المطاطية وأحبارها. ومع ذلك يأخذ المكان بالتضاؤل أمام رحابة حكايات سفرياته.

بعد أكثر من خمسة عشر عاما على أول زيارة إلى المكتب الحقيقي، وجدت نفسي أعمل في شركة وساطة، ومثل ذلك الطفل، كنت مفتونا بالآلات أكثر من الرجال أو النساء. كنت أجد متعة كبيرة في آلات توزيع المشروبات التي تصب الشاي الساخن والقهوة والشوكولا، وحتى حساء البندورة، بصوت صاخب، في أقل من دقيقة. لكن ربما كان هذا القدر الضئيل من التسلية هو كل ما يمكن للمرء أن يتطلع إليه. فالعمل، حتى في أكثر الأيام ازدحاما، لا يمثل أي شيء له قيمة أو جدير بالتقدير، وكان المرء يعد الدقائق، كما يعد الصبي الأسابيع والأيام المتبقية لعطلته المدرسية، حتى ساعة المغادرة، و وحينها تكون منهكا للغاية، بل وربما محبطا.

في عامي الرابع كعامل، بدأت أقرأ لغراهام غرين، الكاتب الذي أصبحت أعماله مصدر عزاء لي كلما اشتدت وطأة الحياة. في رواياته الأولى، وجدت صدى عميقا ليأسي وإحباطي في عالم لا يترجم فيه العمل إلى نجاح، ولا تكسب فيه من العزم والإصرار أية كرامة. لقد تركت جيمس بوند، ببدلاته الأنيقة وحقيبته الخطيرة، في عالم الخيال. بدلا من ذلك، وجدت صورة معاكسة ومقلقة لكنها مريحة في شخصية رايفن الطريد، بياقة معطفه الرث الذي يخفي شفة الأرنب، وكان محكوما عليه بحياة لا تنتهي من الكراهية والعداء، وهو يطارد رب عمله عديم الضمير في أرجاء البلاد - وهذا هدف قاس وصريح، لكنه يحتوي على قدر من الإنسانية، لأنه يريد أن ينتقم من عالم واسع جدا وقوي للغاية. «عالم واسع جدا وقوي للغاية»... بينما كنت أجلس كل صباح على درجات الرخام الضخمة للمبنى الذي يضم مكتب الشركة التي عملت بها، أقرأ بضع صفحات أخرى عن رايفن الذي يحاول أن يتهرب من مطارديه الذين يلاحقونه بلا هوادة رغم العلامة المشوهة التي تدينه، لم يسعني إلا أن أشعر بضرورة إخفاء احتمال وقوعي بالخطأ وأن أثبت أنني شخص يتحلى بالصدق والنبالة. وهذا الشعور يشبه الإصابة بطاعون قاتل وميؤوس منه. لكن اليوم الذي انقضى كان حالكا كشوارع نوتيج Nottwich حيث اختبأ رايفن وتجول بسرية تامة، تحت أضواء النيون التي تسطع عليه. كل يوم، كنت أخشى احتمال أن أتعرض للتفتيش ثم يقبض علي في النهاية بسبب خطأ تافه، وبالتالي يحكم علي بالإذلال مرة أخرى. لا عجب إذا، أنه عندما قرأت «جوهر القضية»، رأيت سكوبي متحسسا من نظرات ويلسون المريبة والقاسية، وهي تسبر كل حركة يقوم بها، وفي نفس الوقت شاركته شعوره وتفهمته، فقد كنت مثل السوريين أنفسهم.

تقول الرواية: "ويلسون يكتب تقارير عنا جميعا يا سكوبي. عن فريزر، وتود، وثيمبليريج، وعني أيضا. وهو يعتقد أنني متساهل للغاية. لكن هذا لا يهم. رأيته يمزق تقاريره، وبالطبع ويلسون يكتب تقارير عنه".

قبل عام من بدء عملي في شركة أخرى، قرأت رواية "العامل البشري"، تلك الرواية الرائعة والقاتمة التي تصور رجالا ضائعين ويعملون في جهاز المخابرات، ثم يجدون أنفسهم في حالة شك بأخلاقهم ودوافعهم عند اكتشاف أي تسريب. لعل هذه الرواية كانت الترياق الفعال ضد غواية العمل مع الاستخبارات والتجسس كما صوره لنا فليمنغ في أفلامه، ومن المثير للاهتمام أن ندرك أن غرين نفسه كان ينوي أن تكون روايته تفكيكا للعنف والشهرة اللذين ارتبطا دائما بجيمس بوند. قبل أن تنتهي الرواية المحكمة، ذات الطابع الرثائي تقريبا، نشعر بأول مرارة حيال هذا الإحساس بخيبة الأمل والغدر، وتندحر الاحتمالات الرومانسية وما يرافقها من إثارة، ويأتي ذلك في هذا الحوار الذي لا ينسى بين كاسل وديفيس.

يقول: "ماذا عن مسدس لوغر؟ أظن أنك كنت تملك مسدس لوغر. أو قلم حبر متفجر؟".

"لا. لم نكن يوما من محبي أفلام جيمس بوند هنا. لم يسمح لي بحمل مسدس، وكانت سيارتي الوحيدة مستعملة ومن ماركة موريس".

"ربما كان من الممكن على الأقل أن نحصل على مسدس لوغر واحد نتقاسمه. عصرنا عصر الإرهاب."

قال كاسل على أمل تهدئة ديفيس: "لكن لدينا جهاز تشويش".

هذا مصير ديفيس المسكين المحكوم بالموت، بل وحتى، كما لاحظ كاسل بمرارة، المكتوب عليه "الهروب" ليس فقط من الشبهات بل ومن رتابة حياته التي لا تنتهي، والذي يحمل في طياته عنصر السخرية المألوف في روايات غرين. حين يدلي ألفريد جونز، بطل رواية " دكتور فيشر من جنيف"، بتعليق طائش عن أرباب عمله - وهو صانع شوكولاتة في فيفي - قائلا: "أن الشركات الكبرى، مثل أجهزة المخابرات، تطالب موظفيها بالولاء أكثر من الأمانة"، يلقى ديفيس الشريف دائما والمخلص، حتفه على يد منظمته بدلا من كاسل المؤمن ولكن الخائن. 

وحينما كنت أقرأ رواية "تحت الحديقة"، أولا في المنزل عندما كنا جميعا محبوسين خلال فترة الوباء، ثم أكثر من مرة في شرفة المكتب المتربة، وكلما حاولت الهروب من ضرورة إظهار ولائي الفاتر للشركة، فاجأتني تعليمات جافيت الصادمة والموجهة لويليام وايلديتش قائلا له: "كن غير مخلص. إنه واجبك تجاه الجنس البشري. الجنس البشري بحاجة إلى البقاء، والرجل المخلص هو الذي يموت أولا بسبب القلق أو الرصاص أو الإرهاق".

حاولت طوال هذه السنوات أن أكون خائنا قدر الإمكان، لكن شعورا متأصلا بالواجب والمسؤولية كان دائما يحبط خططي المعقدة. كان هذا الشعور نابعا إلى حد ما من إحساسي بأنني مراقب باستمرار، مثل "دي" في رواية "العميل السري" - جنون ارتياب لا يلين وتجد جذوره في انعدام الثقة.

تقول الرواية: "لم يكن متأكدا من أنه غير مراقب في هذه اللحظة؛ لم يكن متأكدا أنه ليس من الصواب أن يكون مراقبا... والمراقب (بكسر القاف) - هل كان مراقبا (بفتح القاف)؟. لقد طارده للحظة شعور لا نهاية له بعدم الثقة".

إخشر أن تبدو هذه الأفكار والتأملات، قاتمة للغاية، ولذا ينبغي لي أن أتطرق إلى الجانب الساخر من تصوير غرين لهذا الهوس المرضي الذي يسود كل مهنة، ولا سيما في أجهزة المخابرات، حيث تكون المصلحة الذاتية الخبيثة، كما هو الحال في أي مكتب يتكون من قاعات للاجتماعات ومن صفوف ومكاتب، هي السبيل الوحيد للبقاء. كم مرة، حين نسمع عن مصير مروع وعشوائي نتيجة قرار تتخذه سلطات اجتمعت في غرفة معزولة، شعرنا بأننا مهمشون تقريبا عن مجريات الأمور؟. من منا لا يتعاطف مع توسل وورمولد المضطرب في رواية "رجلنا في هافانا" حين يكشف هوثورن، ببرود يكاد يكون تاما، عن المصير الذي ينتظره؟.

يقول: "هل تمانع في إخباري كيف سيقتلونني؟. كما ترى، الأمر يهمني شخصياً...". وبالطبع، من البديهي أنه لم يكن هناك، طيلة هذه السنوات العشر، أي مفر من تلك الحقيقة الأكثر وضوحا وتأثيرا على الإطلاق، ألا وهي الفشل الحتمي الذي يبدو وكأنه قدر محتوم، في سبيل الحصول على ترقية. حقيقة أدركها بيرترام جيدا في روايته "الخاسر يكسب كل شيء" .

كنت مساعد محاسب (مساعد محاسب متقدم في السن)، وقد جعل اتساع المكان الترقية تبدو كأنها شبه مستحيلة. لأرتقي من الطابق الأرضي، كان علي أن أكون تمثالا بحد ذاتي.

***

................

* الترجمة عن المجلة الفصلية (كوارتيرلي ماغازين). عدد 5 آذار 2025. تمت الاستعانة ببرامج الذكاء الصناعي.

* زويب ماتين ZOEB MATIN كاتب محتوى هندي.

تمهيد: أزمة المناهج التقليدية في زمن الخوارزميات

من الصعب خوض معركة التحرر الاشتراكي في القرن الحادي والعشرين بأدوات القرن الماضي. ففي زمن تهيمن فيه الخوارزميات، ويتسع فيه تأثير الرقمنة والذكاء الاصطناعي على الإعلام والثقافة والتعليم والعمل والحياة اليومية، وتصاغ السياسات والاستراتيجيات الاقتصادية عبر تحليل البيانات الضخمة وحوسبة القرار السياسي والاقتصادي، يجد اليسار نفسه أمام تساؤل وجودي: كيف يمكن لحركات ما زالت تعمل وتنظم نفسها بمنطق تقليدي أن تصمد أمام رأسمالية رقمية بلغت من التقدم التكنولوجي حداً غير مسبوق؟

إن استمرار التنظيمات اليسارية في الاعتماد على أساليب تقليدية في الخطاب والتنظيم والعمل يضعها أمام تحدٍ كبير في مواجهتها مع الرأسمالية. فنحن نواجه خصماً يمتلك ترسانة متطورة من الأدوات الرقمية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والإعلامية، ويتطور على مدار الدقيقة في كافة المجالات، ويتكيف مع أزماته رغم عمقها، ويتحالف طبقياً مع بعضه رغم الصراعات بين كتله، في حين لا يزال جزء غير قليل من اليسار يعتمد على منهجيات ووسائل قديمة لم تعد تواكب متطلبات هذه المواجهة المتجددة. وهذا ما نشهده اليوم على أرض الواقع، وهو ما يجعل الحاجة إلى تطويرها وتجديدها أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

وفي مقالات سابقة، عبرت عن هذه الفجوة الرقمية الكبيرة بتشبيه الفيل والنملة. غير أنه بعد هذا التطور المتسارع والهائل الذي بلغته الرأسمالية الرقمية، وفي ظل محدودية البدائل الرقمية اليسارية والتقدمية المؤثرة، وبحكم عملي المهني في مجالات الخوارزميات والحوكمة الرقمية، أرى أن هذه الفجوة قد اتسعت الآن لتصبح بين النملة والديناصور. إنه واقع صعب ومر لا بد أن نقر به بصراحة، لكي نبدأ من هذا الإقرار في التفكير الجاد بالبدائل الممكنة.

ماركس وإنجلز: العلم والتكنولوجيا كسلاح ذي حدين

شكل العلم والتكنولوجيا محوراً أساسياً في فكر كارل ماركس وفريدريك إنجلز، إذ رأيا فيهما أدوات قابلة للاستخدام في التحرر أو في تعزيز الهيمنة الطبقية. ففي ظل الرأسمالية، يسخر التقدم العلمي والتكنولوجي لتعظيم أرباح البرجوازية واستغلال شغيلات وشغيلة اليد والفكر، مما يفاقم الاغتراب والتفاوت الطبقي. غير أن ماركس وإنجلز أدركا أن هذه التناقضات تحمل إمكانيات ثورية قد تسهم في بناء نظام اشتراكي أكثر عدلاً. واليوم تبدو رؤيتهما أكثر إلحاحاً في عصر الرأسمالية الرقمية، حيث تحولت التكنولوجيا إلى وسيلة جديدة للسيطرة، مع أنها تحمل أيضاً فرصاً لتحرير البشرية.

فإدراكهما العميق للطبيعة الجدلية للتاريخ والمجتمع جعلهما ينظران إلى التقدم العلمي باعتباره قوة مادية واجتماعية تعكس علاقات القوة الطبقية، وسلاحاً ذا حدين يحمل إمكانيات تحريرية هائلة، ويستخدم في الوقت ذاته لتعميق الاستغلال وترسيخ الهيمنة الرأسمالية. وقد كان فكرهما شاهداً على قدرة التحليل المادي على دمج العلم مع النضال الطبقي، حيث تصبح المعرفة قوة دافعة لتغيير العالم، لا مجرد وسيلة لفهمه. إن مشروعهما الفكري يدعو بوضوح إلى تجاوز حدود النظام الرأسمالي نحو مستقبل أكثر إنسانية، مستنداً إلى الإمكانيات التحررية التي يتيحها التقدم التقني.

في تحليل ماركس للرأسمالية، احتلت التكنولوجيا موقعاً مركزياً في كشف التناقضات الجوهرية للنظام. فرأى أن الماكينات، التي مثلت قمة التقدم العلمي في عصره، لم تكن أدوات لتحسين حياة البشر أو تحريرهم من أعباء العمل الشاق، وإنما غدت وسائل فعالة لمراكمة أرباح الرأسماليين وزيادة استغلال شغيلات وشغيلة اليد والفكر. وأدى هذا التوظيف للتكنولوجيا إلى إنتاج فائض القيمة عبر تقليل الحاجة إلى العمل البشري، تاركاً البروليتاريا في حالة اغتراب، حيث يفصل العامل عن عملية الإنتاج ونتائج عمله. ولم يكن هذا التناقض عرضياً عند ماركس، إنما كان جزءاً جوهرياً من آليات الرأسمالية التي تجعل من العلم والتكنولوجيا أدوات للسيطرة الطبقية.

أما إنجلز، فقد نظر إلى العلم كأداة لفهم الصراع الاجتماعي بعمق أكبر. وقد جعله تأثره بالاكتشافات العلمية يرى أن الصراع لا ينحصر في المجتمع الإنساني، إذ يمتد أيضاً إلى الطبيعة. غير أنه رفض الحتمية البيولوجية، مؤكداً أن القوانين الحاكمة للطبيعة تختلف عن القوانين الاجتماعية التي تتأثر بالعمل الإنساني الواعي. وأضاف إنجلز بعداً علمياً للمادية الجدلية، حيث أظهر أن قوانين الديالكتيك تنطبق على الطبيعة والمجتمع، مما يعزز فهم التحولات التاريخية كجزء من حركة تطورية شاملة.

وهذا النهج في مراجعة النظرية على ضوء التحولات التاريخية لم يكن غريباً عن ماركس نفسه، فقد أقر هو وإنجلز صراحة، في مقدمتهما المشتركة للطبعة الألمانية من البيان الشيوعي الصادرة في لندن عام 1872، أي بعد أربعة وعشرين عاماً من صدور البيان الأصلي، بأن مبادئه العامة ما زالت صحيحة في مجملها، غير أن بعض تفاصيله العملية، وتحديداً البرنامج الثوري المطروح في ختام الفصل الثاني، قد شاخ وبات يحتاج صياغة مختلفة تماماً، وذلك في ضوء التطور الصناعي الهائل الذي شهده العالم منذ 1848، وتوسع التنظيم السياسي للطبقة العاملة، والدروس المستخلصة من كومونة باريس عام 1871. لو كان ماركس حاضراً اليوم، لأشار بالمنطق نفسه إلى أن الرأسمالية الرقمية تمثل مرحلة متقدمة من الديناميكيات الاستغلالية ذاتها التي تحدث عنها في القرن التاسع عشر، وإن كانت بأساليب أكثر ذكاءً وخفاءً وتحكماً وعمقاً. فسيطرتها لم تعد مقتصرة على امتلاك المصانع والمواد الخام، إذ امتدت إلى التحكم في تدفق البيانات، وتوجيه السلوك والوعي البشري والسيطرة عليهما، وصولاً إلى ممارسة العنف والقمع الرقمي والعسكرة عبر الخوارزميات، حتى غدت في حالات كثيرة، بفعل تحالفها مع اليمين المتطرف، فاشية رقمية بامتياز. والتحولات التي أحدثها العصر الرقمي قد تفتح المجال لإمكانيات جديدة للنضال والتنظيم الاشتراكي، شرط أن نستفيد منها ونتعامل معها بشكل علمي دقيق.

إنه استحقاق مباشر تفرضه وقائع يعيشها شغيلات وشغيلة اليد والفكر في مختلف بقاع العالم. فالرأسمالية الرقمية، إضافة إلى طابعها الاستغلالي التقليدي، تمارس سطوتها من خلال الخوارزميات التي لا تكتفي اليوم بتنظيم تدفق المعلومات، إذ باتت تتحكم في معظم مفاصل الحياة اليومية، وكذلك تقرر أي الأفكار تصل إلى وعي الجمهور وأيها يطمس أو يهمش. وهذا التحول العميق في بنية السلطة الطبقية يفرض على اليسار إعادة النظر جذرياً في أدواته التحليلية وأشكال تنظيمه الميدانية معاً.

التكنولوجيا وسيلة الرأسمالية لتجاوز أزماتها، والمرونة العلمية كصراع طبقي حديث

إن الصراع على التكنولوجيا ليس موجهاً ضد العلم بذاته، إنما هو موجه ضد احتكار القوى المسيطرة له. فلا ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي وعموم التكنولوجيا كتهديد بذاته، وإنما كساحة تتحدد ملامحها بناءً على ميزان القوى الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وقد شهدت السنوات الأخيرة تسارعاً غير مسبوق في تركيز القوة الرقمية داخل عدد محدود من الدول الرأسمالية الكبرى والشركات الاحتكارية العملاقة التي تسيطر على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والبيانات العالمية، مما منحها نفوذاً اقتصادياً وسياسياً وثقافياً هائلاً في تحديد مستقبل البشرية.

تلجأ الرأسمالية دوماً في أوقات الأزمات إلى إعادة إنتاج نفسها عبر أدوات علمية متطورة تمكنها من تجاوز التحديات دون المساس بجوهرها الاستغلالي، ويتجلى ذلك في محطات متعددة: ففي أزمة 2008 استخدمت التكنولوجيا والأساليب العلمية لإنقاذ النظام المالي مع تحميل الطبقات العاملة كلفة الخسائر، وخلال جائحة كورونا تجاوزت الرأسمالية الأزمة عبر تعزيز الأتمتة والذكاء الاصطناعي والعمل عن بعد، بما ضمن استمرار الإنتاج بآليات جديدة قلصت الاعتماد على العمالة البشرية وزادت أرباح الشركات مقابل ظروف عمل غير مستقرة للملايين، ثم جاءت الطفرة الواسعة للذكاء الاصطناعي منذ عام 2023 لتفتح مرحلة جديدة من إعادة هيكلة سوق العمل، إذ توسع الاعتماد على الأتمتة والأنظمة الذكية في قطاعات عديدة، وتصاعدت المخاوف بشأن مستقبل ملايين الوظائف، بالتزامن مع أرباح هائلة حققتها شركات التكنولوجيا نتيجة احتكارها للبنية التحتية الرقمية والمعرفية الجديدة.

وتظهر هذه المحطات مجتمعة كيف تستفيد الرأسمالية من العلم كأداة لهيكلة النظام واستمراريته، وكيف تستعير أحياناً بعض الأفكار الاشتراكية، مثل تدخل الدولة، كإجراءات مؤقتة لضمان الاستقرار، لتتراجع عنها عند انتهاء الأزمة وتعيد إنتاج الاستغلال بآليات أكثر تطوراً.

وفي ضوء هذه التحديات، يتوجب على اليسار الاستفادة من التقدم العلمي عبر إعادة صياغة خطابه وأدواته بأسلوب منهجي دقيق. ويتطلب ذلك استخدام الوسائل الحديثة لتحليل القضايا الاجتماعية وتطوير خطاب علمي واقعي وفق ما هو ممكن وليس ما هو مطلوب، وآليات تنظيمية وقيادية مرنة تجذب الشباب الذين نشأوا في عالم تهيمن عليه التكنولوجيا. وإن استثمار الأدوات العلمية لا يعني التماهي مع قيم الرأسمالية، إنما هو استراتيجية لاستغلالها في خدمة العدالة الاجتماعية وتقليص التفاوت الطبقي كخطوة نحو البديل الاشتراكي.

إذا كانت الثورات الصناعية السابقة قد غيرت معادلات الإنتاج عبر الآلة والبخار ثم الكهرباء ثم الحوسبة، فإن المرحلة الحالية القائمة على الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والمنصات الرقمية تعيد تشكيل الإنتاج والعمل والمعرفة والتواصل الإنساني بصورة أكثر عمقاً واتساعاً. وفي هذا العصر، أصبحت البيانات والخوارزميات وأنظمة الذكاء الاصطناعي أدوات مركزية لإعادة إنتاج الهيمنة بطرق غير مرئية نسبياً، عبر التأثير على الرأي العام وتوجيه السلوك الفردي والجماعي والتحكم في الوصول إلى المعرفة والمعلومات.

اختراق القلعة وتحرير الأدوات: نحو بدائل يسارية رقمية

وبينما يتراجع حضور اليسار في إحدى المعارك الراهنة نتيجة تعامله مع التكنولوجيا كأداة ثانوية، فإن المعركة لم تحسم بعد. فالانتصار يتطلب تحويل الرؤية إلى برامج عمل ملموسة تعتمد على الاستخدام الواعي للتكنولوجيا. فلا يمكن لليسار أن يظل في موقع الدفاع، إذ عليه أن يكون طرفاً فاعلاً في إعادة تشكيل مستقبل التكنولوجيا ودمجها في مشروعه التحرري.

غير أن التكنولوجيا ليست بديلاً عن التنظيم البشري الواعي. فالقوة الحقيقية تكمن في الإنسان المنظم القادر على تسخير هذه الوسائل لخدمة أهدافه. والذكاء الاصطناعي وعموم التكنولوجيا وسيلة فعالة للتحشيد والتنظيم والتحليل، لكنها لن تغني عن التضامن والعمل الميداني الذي يظل المحرك الأساسي للتغيير.

كيسار، نجحنا تاريخياً في تقديم بدائل في مجالات الاقتصاد والعدالة والسياسة والحقوق وغيرها، ودأبنا دوماً على طرح الاستقلالية الفكرية والسياسية والتنظيمية والإعلامية. غير أننا نواجه اليوم تحدياً مصيرياً يمس هذا المبدأ ذاته: فما زلنا نفتقر إلى رؤية رقمية شاملة ومستقلة وبديلة قادرة على كسر القيد التكنولوجي الرأسمالي، إذ ما زلنا رهن تطبيقاته ذاتها، وهو ما يجعل اليسار وجماهيره عرضة للتضييق والتهميش والقمع والاختراق. وكما أسلفنا، فإن الدرس الجدلي الأهم الذي يجب أن نستوعبه هو أن التكنولوجيا ليست حيادية، إنما ساحة صراع طبقي بامتياز، وأن المشكلة الجوهرية لا تكمن في جوهر الذكاء الاصطناعي أو الأتمتة، إنما تكمن في علاقات الملكية التي تحكمها، أي في احتكارها من قبل قلة من الشركات العملاقة والدول الرأسمالية الكبرى بما يعمق الهوة الطبقية ويوسع مراقبة الجماهير وتنميط الوعي الإنساني خدمة لمراكمة الأرباح والهيمنة الفكرية والسياسية.

وبناءً على ذلك، لم يعد يكفي لليسار أن يكتفي بموقف الناقد أو المتفرج، واقفاً عند أسوار هذه التكنولوجيا مكتفياً بانتقاد استغلالها من الخارج، فذلك وحده لن يحدث التغيير المنشود، وقد يبقيه في دوائر فكرية وجماهيرية ضيقة بعيدة عن مجريات الصراع الفعلي. إن المطلوب هو الدخول في صلب العملية التقنية وفهم منطق الخوارزميات لتفكيكها وإعادة بنائها بصبغة تحررية، عبر طرح آليات جديدة وجريئة لاستخدام التكنولوجيا وفق منظومات ديمقراطية تشاركية وشفافة.

إننا بحاجة إلى "ذكاء اصطناعي وخوارزميات جماهيرية" تعمل برقابة مجتمعية وقوانين وتشريعات عالمية ومحلية، وتتطور عبر تعاونيات رقمية ذات توجه اشتراكي، وتكون شفافة وقابلة للتدقيق من قبل الجميع، وتهدف إلى توزيع الثروة وتنظيم الإنتاج وعلاج الأمراض والفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية، بما يخدم الحاجات الإنسانية الحقيقية لا نزوات السوق وتعزيز الهيمنة والعسكرتارية. كما نحتاج إلى نماذج مفتوحة المصدر، ومنصات رقمية تقدمية مفتوحة المصدر، سواء منصات تواصل أو محركات بحث أو غيرها، ومبادرات تكنولوجية تعاونية لا تخضع لمنطق الاحتكار التجاري، وتسمح للمجتمعات والجماهير بالمشاركة في إدارة المعرفة والبيانات وتطوير التقنيات الجديدة.

إننا مطالبون بامتلاك أدوات العصر، فكما حول ماركس وإنجلز العلوم الاقتصادية والفلسفية والتطور العلمي والمعرفي في عصرهما من أدوات لتبرير الوضع القائم إلى سلاح نظري وعملي بيد شغيلات وشغيلة اليد والفكر، فإن اليسار اليوم مطالب بأن يكون فاعلاً في هذه الساحة، ينتقل من خانة "المستخدم المتلقي" الخاضع لشروط المنصات الرأسمالية، إلى خانة "المنتج البديل" الذي يطرح بدائل تكنولوجية مشاعية منفتحة ومحررة.

إن الصراع حول سلطة الخوارزميات لم يعد يتعلق فقط بمستقبل التكنولوجيا، إذ يتعلق أيضاً بمستقبل العمل والديمقراطية والثقافة والعدالة الاجتماعية.

الخاتمة

إن هذه الملاحظات النقدية لا تعني انتقاصاً من اليسار وتاريخه المشهود في بلداننا، إنما هي محاولة لتعزيز نقاش لا يزال خافتاً في أوساطنا حول البديل الرقمي المنشود. صحيح أن الأمر ليس سهلاً وأن الفجوة كبيرة والرأسمالية الرقمية مسيطرة بشكل كبير، غير أن التاريخ يعلمنا أن لا شيء يبقى مستحيلاً أمام نضال متواصل: فكما كانت ساعات العمل تتجاوز السبعين ساعة أسبوعياً في الماضي، باتت اليوم في بعض البلدان لا تتجاوز 37 ساعة أو أقل، بفعل نضالات متراكمة بدت يوماً أحلاماً بعيدة المنال. وكما كانت المرأة قبل قرن بلا حق في التصويت أو التعليم أو العمل خارج البيت، باتت اليوم في بلدان عديدة تتصدر الحكومات والبرلمانات والجامعات، بفضل نضال نسوي ويساري متواصل لم يهادن يوماً رغم اختلال وقسوة موازين القوى في بداياته.

وفق هذه التغيرات الهائلة، والمرحلة المتطورة جداً التي بلغتها الرأسمالية، لا بد أن نواجهها بأسلحتها الفتاكة ذاتها، عبر الاستفادة من العلوم الحديثة والثورة الرقمية والتجديد المستمر في كافة المجالات، وصولاً إلى التفوق عليها. وفي هذا السياق، يأتي التوجه نحو اليسار الإلكتروني -الرقمي كتيار فكري وتنظيمي يعكس استجابة مباشرة لهذه التحولات الكبرى والنمو في الوعي الحقوقي والمعرفي، ساعياً إلى توجيه هذا الوعي نحو تغيير اشتراكي جذري وشامل في البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، مع الحفاظ على القيم الأساسية التي شكلت جوهر الفكر الماركسي واليساري عبر التاريخ.

وقد أثبت الواقع أن التنظيمات اليسارية التي تجدد وتطور خطابها وأدواتها وعملها وتنظيمها باستمرار وتتوحد وتواكب التحديات المتجددة والتطور العلمي والمعرفي هي الأقدر على الحفاظ على دورها وتأثيرها، في حين أن التيارات التي تتمسك بمنهجياتها القديمة، على غرار ما ناقشناه في مطلع هذا المقال، تفقد تدريجياً أعضاءها ودعمها الجماهيري وتتراجع أدوارها بشكل ملحوظ. وهذا واقع صعب نلاحظه في أغلب بلدان العالم، غير أنه لا ينفي وجود تجارب يسارية وتقدمية تبعث الأمل وتقدم نماذج يمكن البناء عليها.

ومن دون حضور يساري فاعل وعمل مشترك بتنسيق أممي في هذا المجال، ستستمر الرأسمالية الرقمية في تحديد اتجاه التطور التكنولوجي بما يخدم مصالحها الخاصة، وتتحكم بمستقبل البشرية. وفي نهاية المطاف، تكمن قوة اليسار الفعلية في قدرته على دمج التنظيم البشري الميداني مع التفوق الرقمي، ليكون الفضاء الرقمي ساحة داعمة وفعالة، لا بديلاً عن النضال، وإنما جناحاً يحلق به نحو مستقبل اشتراكي إنساني وأكثر عدلاً.

إن هذا البعد الأممي في المواجهة سيكون موضوع مقال قادم حول: الأممية اليسارية الرقمية. وهذا المقال ليس إلا بداية لحوار مفتوح، أدعو فيه الرفاق والرفيقات محلياً وعالمياً إلى تشكيل ورش عمل رقمية مشتركة، تدرس إمكانيات بناء البدائل التكنولوجية اليسارية والتقدمية، وتضع الأسس العملية لتلك الأممية الرقمية التي تحتاجها معركتنا القادمة.

***

رزكار عقراوي

.......................

ملاحظة: نشرت نسخة أولى مختصرة من هذا المقال بالإنكليزية أولاً، ثم ترجمت إلى لغات عدة ونشرت في عشرات المواقع، ومن أهمها: Globetrotter (إنكليزي وإسباني وبرتغالي، عالمي)، Znetwork (عشرات اللغات، عالمي)، CounterPunch (إنكليزي، عالمي)، MROnline (إنكليزي، عالمي)، Countercurrents (إنكليزي، الهند)، NewsClick (إنكليزي، الهند)، Aliran (إنكليزي، ماليزيا)، The Left Chapter (إنكليزي، كندا)، Sinistra in Rete (إيطالي، إيطاليا)، Contropiano (إيطالي، إيطاليا)، Jornal GGN (برتغالي، البرازيل)، Diário Carioca (برتغالي، البرازيل)، Revue Supernova (فرنسي، فرنسا)، elviejotopo (إسباني، إسبانيا)، El Maipo (إسباني، تشيلي)، Insurgencia Magisterial (إسباني، المكسيك)، Amiidonk (هنغاري، المجر)، Perjamuan Buku (إندونيسي، إندونيسيا)، Slguardian (إنكليزي، سريلانكا).

يشهد السجل التاريخي حالات لا حصر لها في التعصب الوطني والقومي، وعرف التاريخ ألواناً من التعصب الطائفي والديني، وواجهت المجتمعات البشرية، - على وجه الخصوص في عصرنا الحديث - ضروباً متعددة من التعصب العنصري والعرقي والعشائري. في الحالات جميعها، كان التعصب يمثل انتماءً يصل إلى حد العبودية للجماعة، وكراهية الآخر والتعالي عليه. مما شكل أساساً للصراع بين الأمم والجماعات، ويحفظ لنا الشعر العربي أمثلة عديدة في التعصب والعصبية.

ليس التعصب انفعالاً عابراً، ولا دفاعاً مشروعاً عن فكرة أو عقيدة أو هوية، بل هو حالة عقلية تنشأ عندما يتوقف الإنسان عن مساءلة ما يؤمن به، ويغلق باب الحوار مع الآخرين، فيغدو اليقين سداً يحول بينه وبين الحقيقة. ومن هذه الزاوية ينظر أصحاب الفكر إلى التعصب بوصفه نقيضاً للعقل النقدي، وعدواً للتقدم الحضاري، لأنه يستبدل البرهان بالإيمان الأعمى، والحجة بالصوت المرتفع، والإنسان بالفكرة المجردة.

الواقع أن التعصب، بوصفه ظاهرة بشرية خالصة تنتمي إلى العلاقات الإنسانية، يمكن معالجته بمناهج وأساليب متعددة، في استطاعة علم النفس، وعلم الاجتماع، ومبادئ التربية، والعلوم البيولوجية، أن تساعد الإنسان على تجاوز هذا السلوك الذي عانى منه ردحاً من الزمن.

بينما تستطيع المعالجة الفلسفية أن تكشف الجوانب الخفية في السلوك المتعصب، وأن تزيح النقاب عن تلك البناءات التي تقوم عليها المشكلة، فهناك أبعاد عميقة تكمن وراءها، وربما كان المنهج الجدلي هو الأصلح في معالجة الموضوعات الإنسانية.

تكمن المشكلة في امتلاك الإنسان لعقيدة أو موقف فكري، تتحول تلك العقيدة إلى حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش، ويصبح الاختلاف معها خروجاً على الصواب أو خيانة أو كفراً. هنا يفقد العقل وظيفته، ويتحول إلى أداة لتبرير ما يؤمن به صاحبه، لا إلى وسيلة للبحث عن الحقيقة.

المتعصب لا يفكر لكي يعرف، بل يعرف مسبقاً ثم يبحث عما يؤكد معرفته. ولذلك لا يقرأ إلا ما يوافقه، ولا يسمع إلا من يشبهه، ولا يفسر الوقائع إلا بما يخدم قناعته. وهكذا تتحول المعرفة إلى دائرة مغلقة، ويغدو الحوار مستحيلاً، لأن أحد طرفيه لا يعترف بإمكان أن يكون مخطئاً.

من أخطر أشكال التعصب حين لا يقتصر على الدين أو السياسة، بل يمتد إلى كل مجالات الحياة. التعصب لحزب، أو لقومية، أو لنظرية فلسفية، أو لنادٍ رياضي، أو حتى لشخصية عامة. فجوهر التعصب واحد، مهما اختلف موضوعه، وهو الاعتقاد بامتلاك الحقيقة كاملة، وتجريد الآخرين من حقهم في الاختلاف.

تصدى علماء النفس إلى هذه الظاهرة في الكشف عن جذورها العميقة في النفس البشرية، البعض منهم مؤمن بأن التعصب ينشأ بطريقة غريزية ضد الانسان "المختلف". وأن بعض الأجناس البشرية أكثر تفوقاً بطبيعتها من الأجناس الأخرى.

بينما فسّر البعض التعصب على أساس مادي بوصفه مظهراً من مظاهر استغلال الإنسان. وليس في وسعنا أن نجزم أن هذا التفسير صالحاً في كل حالات التعصب. لكن المؤكد أن مواجهته تقوم على صراع أيديولوجي واجتماعي وسياسي، من أجل التحرر من كافة أشكال الاستغلال.

لهذا فإن المجتمعات التي يسودها التعصب تصبح عاجزة عن إنتاج المعرفة. فالعلم لا ينمو إلا في بيئة تسمح بالشك والسؤال والنقد. أما حين يصبح السؤال جريمة، والنقد إساءة، والاختلاف عداءً، فإن الإبداع يذبل، ويحل التقليد محل الابتكار. ولعل هذا ما يفسر ازدهار الحضارات عبر التاريخ، تلك التي فسحت المجال لتعدد الآراء، بينما تراجعت الحضارات التي أغلقت أبواب الاجتهاد وحاصرت حرية التفكير.

إن من الشائع، عند تحليل بنية التعصب، أن يقال عنه أنه ينشأ عند الأغلبية ضد الأقلية أولاً، غير أن حالات قليلة تخرج عن هذا النمط المألوف. أعني حالات تعصب الأقلية ضد الأغلبية، تضطر هذه إلى ردود أفعال دفاعية ضدها، أو ممارسة تعصب مضاد أشد عنفاً من التعصب الأصلي.

شهد عصرنا الحالي نموذجاً فريداً من هذا اللون من التعصب في روديسيا، وجنوب أفريقيا. الأقلية البيضاء من أصل أوربي تمارس اضطهاداً جماعياً شاملاً ضد أغلبية أفريقية، من سكان البلد الأصليين، هذا اللون من التعصب يعد أشد ألوان التعصب شراسة.

على أن تاريخ اليهودية يمكن أن يعدّ مثلاً صارخاً، امتد عبر مئات السنين، لهذا اللون الفريد من تعصب الأقلية ضد الأغلبية، تعد الأقلية اليهودية من الوجهة السياسية، أقلية ضعيفة، ومع ذلك وهي في حضيض الضعف تمارس شتى أنواع الاستفزاز في المجتمعات التي تعيش فيها، ما يدفع المجتمع إلى اضطهادها رغماً عنه. ذلك أن اسطورة شعب الله المختار، مهما قيل عنها، قائمة في التراث الديني اليهودي، مع أن بعض المستنيرين يحاولون تفسيرها بمعانٍ غير عنصرية، لكن الشواهد تؤكد أن هذه الأسطورة يرتكز عليها التكوين العقلي اليهودي، تدفعه إلى التصادم مع مجتمعه.

وينقلب إلى وحشية مخيفة حين تتحول الأقلية إلى مركز القوة، كما يفعل الكيان الصهيوني اليوم.

يعتقد البعض بأن التعصب دليل قوة. وهو وهم شائع. فالواقع أن المتعصب يخشى الحوار لأنه يخاف اهتزاز يقينه، وأخطر نتائج التعصب أن يتحول الإنسان إلى أسير لهويته الضيقة، فلا يرى في الآخرين شركاء في الوطن أو في الرأي، بل خصوم ينبغي إقصاءهم. وعندما تسود هذه الروح، تصبح الكراهية لغة يومية، ويحل الانقسام محل التعايش. من هنا يبدأ التراجع الحضاري، فالأمم لا تنهض بالصراخ المتبادل، والتعصب ليس قدراً محتوماً، بل هو مرض ثقافي يمكن مقاومته إذا انتصرت قيمة العقل على سلطة الانفعال، وقيمة الحوار على منطق الإقصاء، وقيمة الإنسان على العصبيات الضيقة.

حين يتعلم الإنسان أن يشك بعقله قبل أن يدين غيره، وأن يراجع أفكاره قبل أن يهاجم أفكار الآخرين، يكون قد خطا الخطوة الأولى نحو مجتمع أكثر حرية، وأكثر عدلاً، وأكثر إنسانية.

***

جمال العتابي

في المثقف اليوم