عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

شهدت العقود الأخيرة تزايداً في الهجرة من البلدان العربية والإسلامية إلى الدول الغربية، مدفوعةً بأسباب متعددة، منها الحروب والاضطرابات السياسية وانعدام الأمن، فضلاً عن البحث عن فرص العمل والتعليم وتحسين مستوى المعيشة والحصول على الحريات والاستقرار.

وتزامن ذلك مع سياسات اتبعتها دول غربية عديدة لاستقطاب المهاجرين واستقبال اللاجئين، استجابةً لحاجتها إلى الأيدي العاملة في قطاعات اقتصادية ومهنية مختلفة، ولمواجهة بعض التحديات الديموغرافية، فضلاً عن التزاماتها الإنسانية والأخلاقية تجاه الفارين من الحروب والاضطهاد، وتوفير الحماية لهم.

وتنوعت فئات المهاجرين بين أصحاب الكفاءات العلمية والمهنية الذين استقطبتهم الجامعات والمؤسسات وسوق العمل، وعمال من ذوي المهارات المحدودة، وأفراد اضطرّتهم الظروف إلى مغادرة أوطانهم طلباً للأمان والحياة الكريمة. وبينما استطاع كثيرون بناء حياة ناجحة والإسهام في مجتمعاتهم الجديدة، واجه آخرون صعوبات في اللغة والعمل والاندماج، ولا سيما حين لم يمتلكوا المهارات اللازمة لمنافسة العاملين في تلك المجتمعات.

ومن هنا تبرز أهمية فهم تفاوت تجارب المهاجرين، والظروف التي تحكم اندماجهم، وكيف يمكن أن تتحول بعض تحدياتهم إلى عوامل إحباط قابلة للاستغلال في صراعات اجتماعية وسياسية.

وأعادت الاحتجاجات والاضطرابات التي شهدتها فرنسا خلال أكتوبر 2026 قضايا التهميش الاجتماعي، وغلاء المعيشة، وأوضاع الشباب، إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي. وشهدت بعض الاحتجاجات مواجهات مع الشرطة وأعمال عنف وتخريب، في حين بقيت مسيرات عديدة سلمية. وقد أثارت هذه الأحداث نقاشاً حول أسباب الاحتقان الاجتماعي، وحدود الاحتجاج المشروع، وكيفية التعامل مع أعمال العنف من دون تعميم المسؤولية على فئات اجتماعية بأكملها. وتبرز هذه الوقائع أهمية التمييز بين المطالب المشروعة، والمسؤولية الفردية عن التجاوزات، ومحاولات توظيف الاضطرابات في الصراعات السياسية. ولا تعني الإشارة إلى هذه الاحتجاجات أنها كانت مرتبطة بالهجرة أو بالمهاجرين بوصفهم فئة اجتماعية، وإنما تأتي في سياق تناول كيفية استثمار الاضطرابات الاجتماعية، أياً كانت أسبابها أو الجهات المشاركة فيها، في الصراعات السياسية والإعلامية.

أصبح موضوع الهجرة إلى البلدان الغربية قضية ديموغرافية وثقافية وسياسية شديدة الحساسية. ومع تزايد أعداد المهاجرين، ومن بينهم المسلمون، برزت أسئلة تتعلق بقدرتهم على الاندماج، ومدى التزامهم بقوانين البلدان التي تستضيفهم، وطبيعة العلاقة التي ينبغي أن تقوم بينهم وبين المجتمعات التي اختاروا العيش فيها.

ومؤخراً برزت مسألة أكثر خطورة: كيف يمكن استثمار مشاعر الإحباط لدى بعض المهاجرين الشباب وتوجيهها نحو الاحتجاج والصدام؟ وقد يترتب على ذلك نتائج تتجاوز هؤلاء الأفراد لتؤثر في مستقبل الهجرة ومكانة الأقليات في المجتمعات الغربية.

سيكولوجية الحشود: من الإحباط إلى التعبئة

منذ أواخر القرن التاسع عشر، حاول عدد من المفكرين تفسير سلوك الجماعات حين تتحرك تحت تأثير العاطفة والقيادة والتأثير المتبادل. ومن أبرزهم عالم النفس الاجتماعي الفرنسي غوستاف لوبون، الذي تناول في كتابه «سيكولوجية الجماهير» (1895) دور الإيحاء والعاطفة والشعارات في تشكيل سلوك الحشود.

ومع أن بعض أفكار لوبون تعرضت لنقد علمي واسع، فإن السؤال الذي طرحه بشأن تأثير الجماعة في قرارات الفرد ما زال جديراً بالاهتمام. فقد أظهرت الدراسات الحديثة أنه من غير الممكن تفسير سلوك الحشود بأنه مجرد أفراد فقدوا وعيهم أو استقلالهم؛ إذ تتدخل فيه الهوية الجماعية، والشعور بالظلم، والعلاقة بالسلطات، وطبيعة الخطاب الذي يوحّد المشاركين حول قضية معينة.

وهنا تكمن خطورة استثمار الإحباط. فالشاب الذي يشعر بأنه عاجز عن تحقيق طموحاته، أو أنه لا يحظى بالمكانة التي كان يتوقعها، قد يصبح أكثر قابلية للاستجابة لخطاب يمنحه تفسيراً بسيطاً لمعاناته، ويحدد له مسؤولاً عنها، ويعده باستعادة كرامته من خلال المواجهة. وإذا اقترنت هذه المشاعر بخطاب تحريضي يضخم المظالم ويبرر الاعتداء على الآخرين أو الممتلكات، فقد ينتقل الاحتجاج من التعبير المشروع عن المطالب إلى العنف والتخريب، أو إلى أشكال من المواجهة تتجاوز المطالب الأصلية. ولا يعني ذلك أن كل حركة جماهيرية تقف وراءها جهة خفية؛ فالمظالم قد تكون حقيقية، والاحتجاج السلمي حق مشروع، لكن بعض الأطراف قد تسعى إلى استغلال الاحتجاجات أو توجيهها لتحقيق أهداف سياسية، أو إلى استغلال المشاعر الجماعية لتحقيق أهداف لا يدرك المشاركون جميع أبعادها.

المهاجر الشاب بين وعود المستقبل وصعوبات الواقع

يصل كثير من الشباب إلى البلدان الغربية وهم يحملون توقعات مرتفعة، وتصورات عن فرص العمل، والرفاه، والحرية، والعدالة. لكن هذه التوقعات لا تتحقق بمجرد الانتقال إلى مجتمع جديد؛ فاللغة، والاختلاف في أنظمة التعليم والعمل، وعدم الاعتراف ببعض الشهادات والخبرات، وصعوبة بناء العلاقات الاجتماعية، كلها عوامل قد تجعل الاندماج أبطأ وأكثر تعقيداً مما كان متوقعاً.

وتزداد معاناة المهاجر حين يكتشف أن العودة إلى وطنه لم تعد خياراً سهلاً، بعد أن أنفق مدخراته، أو استدان، أو استثمر كل ما استطاع جمعه في سبيل الهجرة. وقد يجد بعضهم أنفسهم أمام واقع لا ينسجم مع آمالهم، فتتسلل إليهم مشاعر الإحباط وخيبة الأمل، وقد يصل الأمر لدى قلة منهم إلى اليأس والشعور بانسداد الآفاق.

وتؤكد البيانات المتاحة حجم هذه الفجوة؛ فقد أشار تقرير «مؤشرات اندماج المهاجرين 2023»، الصادر بالاشتراك بين منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والمفوضية الأوروبية، إلى استمرار فجوات في معدلات التوظيف والاستفادة من المؤهلات العلمية بين بعض فئات المهاجرين والسكان المولودين في البلدان المضيفة، مع تفاوت النتائج بحسب البلدان ومستويات التعليم ومدة الإقامة وأسباب الهجرة.

ومن هنا، قد يجد بعض الشباب أنفسهم أمام مفارقة مؤلمة: فهم يعيشون في بلدان توفر حقوقاً وحريات وفرصاً قد لا تتوافر لهم في أوطانهم الأصلية، لكنهم لا يستطيعون الاستفادة منها بالقدر الذي تمنوه وتوقعوه. وقد تتفاقم هذه المفارقة حين يقارنون واقعهم بتوقعاتهم السابقة، أو بما يشاهدونه من صور الثراء والنجاح لدى مواطني البلد المضيف أو لدى مهاجرين آخرين استطاعوا تحقيق الاستقرار وبناء مكانة اجتماعية ومهنية لهم.

وحين يستمر الشعور بالتهميش أو الإقصاء من دون معالجة، فقد يتحول إلى استياء متراكم، يصبح مدخلاً لبعض الخطابات التي تختزل المشكلات المعقدة في وجود عدو واحد، سواء أكان المجتمع المضيف أم الدولة أم جماعة أخرى. وعندئذ قد يجد المحرّضون فرصة لاستثمار الإحباط الفردي وتحويله إلى غضب جماعي، من خلال تغذية الشعور بالمظلومية، وتوجيه النقمة نحو الآخرين، بدلاً من البحث عن حلول واقعية للمشكلات القائمة.

ومع ذلك، ينبغي ألا نغفل أن الكثير من المهاجرين ينجحون في تجاوز هذه العقبات، فيتعلمون ويعملون ويساهمون في اقتصاد البلدان التي يعيشون فيها ومجتمعاتها. كما أن التمييز والإقصاء، حين يقعان، قد يزيدان صعوبات الاندماج ويحدّان من فرص النجاح. ومن ثم، فإن فهم هذه الظاهرة يقتضي النظر إلى تفاعل عوامل متعددة، من دون تحميل المهاجر وحده المسؤولية، أو إعفاء سياسات البلد المضيف من دورها في تهيئة فرص الاندماج.

الحرية الدينية وواجبات المواطنة

توفر بلدان غربية عديدة مساحة واسعة لممارسة الشعائر الدينية، وتكفل قوانينها حقوقاً مدنية وسياسية، وإن اختلفت درجة الحماية والتطبيق من بلد إلى آخر. وهذه الحقوق مكسب إنساني ينبغي احترامه، لكنها تقترن في الوقت نفسه بواجب احترام القانون وحقوق الآخرين والنظام العام.

ومن حق المهاجر، كما هو حق المواطن، أن يعترض على سياسة حكومية، وأن يتظاهر سلمياً، وأن يدافع عن معتقداته ومصالحه. وليس من العدل اعتبار كل احتجاج تمرداً، أو كل مظاهرة تهديداً للمجتمع. لكن الاعتداء على الأشخاص، وتخريب الممتلكات، وترهيب المخالفين، لا يمكن تبريره بالحرية الدينية أو السياسية أو بالشعور بالظلم.

الصورة التي تصل إلى الجمهور وأثرها السياسي

تتشكل مواقف المواطن الأوروبي العادي تجاه قضايا الهجرة من خلال الأخبار والمشاهد التي يتابعها، والتجارب التي يعيشها، والخطابات التي يسمعها. وحين تتكرر أمامه صور الاعتداء والتخريب والصدام، فقد يميل إلى تعميم سلوك مجموعة محدودة على جماعة أوسع، ولا سيما عندما يرافق ذلك خطاب إعلامي أو سياسي يربط بين هذه الحوادث وهوية مرتكبيها.

وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل؛ إذ قد يسعى بعض المحرّضين إلى دفع فئات من الشباب، مستغلين إحباطهم أو أوضاعهم المادية الصعبة، نحو سلوكيات استفزازية أو تخريبية، فتكون النتيجة إضعاف موقف المهاجرين أنفسهم، وزيادة الريبة تجاههم، وتعزيز الأصوات المطالبة بتقييد الهجرة أو تشديد شروط الإقامة واللجوء. وهنا يبرز تساؤل مشروع حول ما إذا كانت معاناة بعض الشباب وحاجتهم إلى المال او شعورهم بالإحباط قد استغلت لتوجيههم نحو المواجهة أو التخريب، بما يخدم اهدافاً تتجاوز مطالبهم الاصلية.

وانطلاقاً من تلك الشكوك، ينبغي دراسة الكيفية التي قد توظّف بها أطراف سياسية مختلفة الاضطرابات لتحقيق مكاسب متباينة؛ فقد تستثمر بعض التيارات المناهضة للهجرة أحداث العنف لتبرير سياسات أكثر تشدداً، حتى عندما لا تكون الغالبية العظمى من المهاجرين مسؤولة عنها. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن كل تشديد في سياسات الهجرة يستند إلى خطة مدبّرة، أو أن كل اضطراب يصب بالضرورة في مصلحة طرف بعينه. فالسياسات المتعلقة بالهجرة تخضع لعوامل متعددة، من بينها الاعتبارات الأمنية والاقتصادية، والحسابات الانتخابية، واتجاهات الرأي العام، وقدرة الدول على توفير السكن والخدمات الأساسية.

التغير الديموغرافي والخوف من المستقبل

أدى استمرار الهجرة، والاستقرار العائلي للمهاجرين، وانخفاض معدلات الخصوبة في بعض البلدان الأوروبية إلى تغيرات في التركيبة السكانية لتلك البلدان. وقد أثارت هذه التغيرات نقاشات واسعة حول الهوية الوطنية، والتعددية الثقافية، ومستقبل المجتمعات الأوروبية. وبرزت مخاوف لدى بعض الأوساط من تنامي الدعوات إلى أسلمة المجتمع، أو المطالبة بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في الحياة العامة، الأمر الذي أثار القلق والريبة لدى بعض أفراد المجتمعات المضيفة، ولا سيما عندما يُنظر إلى هذه الدعوات بوصفها تحدياً لقوانين الدولة ومبادئها الدستورية.

إن زيادة أعداد المسلمين بحد ذاتها، لا تشكل اي تهديد ديموغرافي أو سياسي؛ فالتغيير الديموغرافي ظاهرة عالمية ناتجة عن الهجرة والخصوبة والتركيبة العمرية، لا عن دين بعينه.  المسلمون في الغرب ليسوا جماعة متجانسة، بل تختلف أصولهم وثقافاتهم وتوجهاتهم السياسية والاجتماعية، كما تتباين درجة اندماجهم وارتباطهم ببلدانهم الجديدة. ويشمل ذلك مواطنين وُلدوا في تلك البلدان، ومهاجرين حديثين، وأفراداً يتعاملون مع هوياتهم الدينية والوطنية بطرق مختلفة. كذلك، فإن الانتساب إلى الإسلام من حيث الهوية لا يعني بالضرورة الالتزام بتعاليمه أو ممارسة شعائره بالدرجة نفسها. لذلك، من غير الدقيق التعامل مع المسلمين بوصفهم كتلة واحدة تتشارك الأهداف والمصالح والتوجهات ذاتها.

وعليه، فان القضية الأساسية لا تكمن في وجود المسلمين أو نمو أعدادهم، وإنما في قدرة المؤسسات والمجتمعات على استيعابهم وإدارة التنوع، وتعزيز المواطنة، وضمان تكافؤ الفرص والعمل على تهيئة الظروف التي تتيح للجميع المشاركة في الحياة العامة، والحد من العزلة الاجتماعية التي قد تنشأ بفعل عوامل ثقافية أو اقتصادية أو تمييزية. وفي المقابل، تقع على المهاجرين مسؤولية تعلم لغة المجتمع المضيف، واحترام قوانينه ومبادئه الدستورية، والمشاركة في الحياة المدنية، وعدم اتخاذ الاختلاف الثقافي ذريعة لرفض قواعد العيش المشترك.

من المستفيد حين يخسر الجميع؟

يطرح بعض المتابعين سؤالاً حول المستفيدين من نتائج تحركات هذه الحشود؟ فالمهاجر الذي يشارك في أعمال التخريب قد يخسر فرص العمل والاندماج، وربما يواجه عواقب قانونية قد تؤثر في وضعه القانوني وحقه في الإقامة، بحسب طبيعة المخالفة وظروفه القانونية، لذلك يصعب تصور ان يجني من ذلك أي فائدة. كما قد يخسر المجتمع المضيف شعوره بالأمان والثقة، وتخسر القوى المعتدلة مساحة الحوار، بينما تستفيد الأطراف التي تقوم مشاريعها السياسية على الخوف والاستقطاب.

وقد تتحول حادثة محدودة إلى مادة للتعميم، ويتحول التعميم إلى موقف اجتماعي، ثم يصبح الموقف الاجتماعي ضغطاً على صانعي القرار لتبني سياسات أكثر تشدداً وقسوة. وإذا حدث ذلك، فإن من يدفع الثمن قد يكون المهاجر الملتزم بالقانون، والأسرة التي تسعى إلى حياة مستقرة، والجيل الجديد الذي وُلد في البلد المضيف ولا يعرف وطناً آخر.

ولا ينبغي أن ننسى أن المسؤولية عن هذا المسار، حين يقع، لا تقع على جهة واحدة بالضرورة. فالمحرّض الذي يدفع الشباب إلى العنف مسؤول عن تحريضه، ومن يرتكب الاعتداء مسؤول عن فعله، والسياسي الذي يستغل الخوف لتعميم الاتهام يتحمل مسؤولية خطابه، كما تتحمل المؤسسات مسؤولية معالجة أسباب الإقصاء والتمييز والفشل في الاندماج.

خاتمة: الوعي قبل الانقياد

تقوم المجتمعات المتحضرة على التوازن بين الحقوق والواجبات، وبين حرية الفرد واحترام القانون، وبين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على الآخرين. وعلى الشباب المهاجر أن يدركوا أن مستقبلهم لا يتحقق بالصدام مع المجتمعات التي يعيشون فيها، وأن الاحتجاج المشروع لا يبرر التخريب أو الاعتداء على حقوق الآخرين.

وفي المقابل، على المجتمعات الغربية ألا تسمح لحوادث يرتكبها أفراد أو مجموعات بأن تتحول إلى أحكام جماعية تطال ملايين البشر، وألا تجعل الخوف بديلاً عن العدالة، أو الهوية ذريعة للتمييز والإقصاء.

والمهاجرون، شأنهم شأن أي مجتمع، ليسوا كتلة متجانسة؛ فهم يختلفون في خلفياتهم الاجتماعية والثقافية، وطباعهم، ومستويات تعليمهم، ووعيهم. فمنهم المجتهد والمندمج والمساهم في بناء مجتمعه الجديد، ومنهم من قد يسيء التصرف أو يخالف القانون. ولذلك، يقتضي الإنصاف الحكم على الأفراد بأفعالهم، لا تعميم أخطاء بعضهم على الجميع؛ فالمسؤولية هنا فردية.

إن أخطر ما قد يتعرض له الشباب هو أن يتحولوا، بفعل الإحباط أو التضليل أو التحريض، إلى أدوات في صراعات لا يدركون أهدافها الحقيقية ولا عواقبها، فيسهمون بأيديهم في إغلاق الأبواب التي سعوا إلى فتحها حين غادروا أوطانهم بحثاً عن مستقبل أفضل. لذلك، ينبغي ألا ينجرفوا وراء الشعارات التي تدّعي الدفاع عنهم، وألا يسمحوا لمن يستثمر غضبهم بأن يحقق أهدافه على حساب مستقبلهم.

إن معاناة المهاجرين لا ينبغي أن تتحول إلى وقود للصراعات السياسية، كما لا ينبغي أن تكون ذريعة لتبرير التمييز ضدهم. فالخيار الأجدى هو معالجة أسباب الإحباط، وتعزيز فرص الاندماج، وترسيخ المواطنة، ورفض العنف والتعميم معاً؛ لأن الخاسر الأكبر، حين ينتصر التحريض على الوعي، قد يكون الإنسان الذي خرج بحثاً عن حياة أفضل، فإذا به يجد نفسه أسيراً لصراع لم يختر نتائجه.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

خدعة رفع المصاحف (6)

 ولعله من الضروري في هذا الجزء السادس من سلسلة مقالات " خدعة رفع المصاحف " أن نؤكد على ما توصلنا إليه في المقالات السابقة، بأن خطاب الإسلام السياسي، يرتكز وكما لاحظ ذلك المفكر والباحث في الإسلاميات محمد أركون (1928- 2010) على ما يلي[1]:

1) يعتمد وبشكل كبير على مسلمات القرون الوسطى المعرفية.

2) هذه المسلمات تقوم على الخلط بين الميثي (الأسطوري)Mythique والتاريخي، بين ما هو من نسج الخيال والوقائع التاريخية .

3) ويستند كذلك على التكريس القطعي للقيَّم الأخلاقية- الإسلامية.

4) ولا يمَّل من التأكيد الثيولوجي (اللاهوتي) على تفوق المؤمن على غير المؤمن، وتفوق المسلم على غير المسلم وعلى تفوق المسلم السُّني على المسلم الشيعي .

5) ويحرص حرصاً شديداً على تقديس تاريخ الإسلام المٌبكر وتقديس الصحابة والتابعين.

6) كما يتأسس خطاب الإسلام السياسي على منع التجديد ويقف بالمرصاد على أي محاولة للإصلاح الديني وبالتالي يسعى على أن يبقى باب الإجتهاد مقفولاً حتى إشعار أخر .

غياب الخبز.. وحضور الحبس

و من هنا جاءت شعارات ومقولات " الإسلام هو الحل " و" الإسلام دين ودنيا " و" الإسلام مصحف وسيف " و" لا يصلح حال هذه الأمة إلاَّ بما صَلُح به أولها، أقول جاءت في سياقات تاريخية تتميز بإزدياد الضغوطات الاستعمارية/الغربية وتواصل الإختراق الإمبريالي للعالم العربي في نهاية القرن الثامن عشر، استعمار وإختراق تم على مجتمعات تُعاني أصلاً من الأزمة الشاملة التي لا نبالغ إذا قلنا أنها وتتجلى على المستوى الإجتماعي في الإنفجار الديموغرافي وأزمة السكن الطاحنة وارتفاع منسوب الفقر والبطالة المتفشية بين صفوف الشباب وخريجي الجامعات وفي نقص فادح في التغطية الصحية وعلى المستوى الإقتصادي تتمظهر أكثر في الإقتصاد الريعي وفي الندرة وتضاؤل حصص الطعام ونقص كبير في المواد الغذائية وفي تدهور في القدرة الشرائية، وعلى المستوى الثقافي يتجسَّد في انهيار النظام التعليمي وفي الإنخفاض الرهيب في مستوى خريجي الجامعات والمدارس العليا، وعلى مستوى أخر تتجلى الأزمة في غياب العدالة التوزيعية وانعدام الشبه التام للعدالة القانونية، فهناك دائما من هم فوق القانون وهناك من هم تحت القانون، وذلك بسبب عدم استقلال القضاء، وتغوُّل الأجهزة الأمنية والعسكرية، بالإضافة إلى تكاثر كتائب الأميين وتزايد فرق المُهمشيّن وتضخم أعداد من يلفظهم المجتمع من المٌشرَّدين، والجدير بالذكر أن الأغلبية الساحقة من سكان العالم العربي، هم من فئة الشباب، ففي بعض الدول العربية وخاصة في المغرب وتونس والجزائر، نجد قرابة 75% من السكان شباب لم يتعدوا سّن الثلاثين، وهي الفئة التي تعرف بالأجيال التي ولدت ونشأت بعد مرور ثلاثة عقود من الاستقلال، أو إن صح التعبير أجيال ما بعد دولة الاستقلال، أي الذين ولدوا في ثمانينيات القرن الماضي، وهي أجيال أغلبها لا تعرف شيئا عن الحقبة الاستعمارية ولم تسمع عن نضالات الحركات الوطنية ولم تشهد حروب العرب في فلسطين 1948 والجزائر 1954و مصر 1956، ولم تعاني ويلات هذه الحروب التي كانت في بعض الأحيان حروبا عنيفة للغاية مثل حرب التحرير الجزائرية وصراعات الحركة الوطنية على السلطة في تونس والمغرب ومصر، ولكنها أجيال تعيش وتعاني من انعكاسات الأزمة الشاملة وتئن من شدة وطأة الأزمات السياسية المستعصية على الحل وتصرخ من كثرة الضغوطات الإقتصادية والإجتماعية المتلاحقة منذ عقود وتعاني خاصة من إرتفاع الأسعار وغلاء المعيشة وعدم تكافؤ الفرص الفرص، وليس هذا فحسب، بل ونستطيع القول، بأنها أجيال تعيش في مجتمعات تتوجع من مرض مزمن اسمه الإستبداد السياسي، حيث غياب الحقوق والحريات، وخاصة حرية التعبير إلى درجة أن المواطن العربي لا يستطيع أن يفتح فمه إلا عند طبيب الأسنان ! [2] والحقيقة التي لا تحتاج إلى نقاش، أن هذه الملايين من الشباب والمراهقين لا تقارن بين مرحلة الإستعمار ومرحلة الإستقلال، وبين لا تقارن بين الحقبة الملكية والحقبة الجمهورية، ولا تقارن بين الإشتراكية والليبرالية، بل تقارن بين المعيشة في المنطقة العربية والمعيشة في أوروبا وأمريكا وكندا وأستراليا، ولذا فهي أجيال تعاني أزمة هوية خانقة . وما نبغي التأكيد عليه مرة أخرى، أن هذه الجموع الغَفبّرة من شباب الوطن العربي، ما عاشت سنوات الغليان في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، ولا يعنيها ما حدث في الحقبة الإستعمارية من قمع وتعذيب، ولا عاشت في الحقبة الملكية ولا ذاقت طعم المرحلة الليبرالية، ولكن هذه الأجيال تقارن بين واقعها التعيّس من جهة ومستقبلها القاتم من جهة أخرى، وبين شعارات التي رفعتها أنظمة الحكم " الثورية " وهَلَّلت لها نخبة سياسية/عسكرية مُتكلّسة في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي من قبيل " تحرير فلسطين.. كل فلسطين " ويضاف إليه شعارات من قبيل " لا صوت يعلو على صوت المعركة " و" المارد العربي " كما أنه ينظر إلى ظروفه المعيشية القاسية ونمط حياته المُغلق حيث الأفاق مسدودة، وبين ظروف ومعيشة شباب دول أخرى إمكانياتها الطبيعية والاقتصادية والبشرية أقل من إمكانيات الدول العربية، ومع ذلك الحياة أفضل هناك والمعيشة أكرم والترقي الإجتماعي أسهل، والشيء المؤكد أن لسان حال الشعوب والمجتمعات العربية، كان دائما يقول: ماذا تغير فينا بعد كل هذه العقود من وجود الدولة الوطنية، دولة ما بعد الإستعمار؟ سؤال أخر أكثر جراءة وأكثر مرارة: لقد اندلعت " ثورات " وقامت انقلابات بهدف الحد من نسب الفقر وتحجيّم المرض وخفض معدلات الجهل وتخفيف درجة التسلُّط والتضييّق دائرة التهميّش والإقصاء، لكن بعد سنوات قلائل من قيام الثورات وثورات التصحيح وتصحيح التصحيح ومسلسل الإنقلابات العسكرية زاد التسلُّط وارتفع منسوب التهميّش وطال الاحتقار والقمع والقهر فئات اجتماعية كثيرة، بَلْه طال المجتمع كُلَّه ومسَّ الطبقات الفقيرة والمتوسطة والغنية، ومن هنا كان عداء هذه الفئات الاجتماعية المُهّمشة وخاصة الشباب، لأنظمة الحكم ولكل ما يرمز للدولة ولكل ما يعبر عن السلطة، ولذلك كان الشباب العربي حائراً، إما الهجرة إلى أوروبا أو الإنظمام إلى جماعة " الهجرة والتكفير " ! والغريب في الأمر أن بعض أنظمة الحكم العربية، كانت ومازالت تستعمل خطابا سياسيا بائسًا، وتستند على شرعية الثورة والكفاح المُسلّح ضد الاستعمار وتعزف على نغمة تحقيق الاستقلال وتتكلم عن الوحدة العربية والتخندق في محور مقاومة الهجمة الإمبريالية والإستعمار الجديد. ومن المعلوم للجميع، أن حتى شرعية الثورة والكفاح ومقاومة الإستعمار والإنجازات التي تحققت مع الدولة الوطنية، قد تآكلت بسبب الفشل الذريِّع في جميع الميادين وفي كل المجالات وعلى مختلف الأصعدة، ولا نجانب الصواب، إذا قلنا أن حتى أوراق الوحدة والإشتراكية وتحرير فلسطين احترقت وفقدت فاعليتها في الحشد والتجييّش، أما خطابات " تحرير فلسطين..كل فلسطين " و" ارفع رأسك فقد ولى زمن الإستعمار " و" وما أخذ بالقوة ..لا يسترجع إلا بالقوة " التي كانت عامل تعبئة وتجنيد في مرحلة سابقة، أقول هذه الخطابات، استهلكت وتَميعت وبَهُتت، بل وانتهى عمرها الإفتراضي منذ عقود، بفعل التناقض الفاضح بين خطاب السلطات الحاكمة الذي يتحدث كثيراً عن العدالة الإجتماعية والديمقراطية ودعم محدودي الدخل والانحياز للفقراء، وبين ممارسات الحكومات المتعاقبة على أرض الواقع.[3]

الدولة الريعية.. والحل الإسلامي

و من هذه القناة تسلَّل دعاة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، في مصر والجزائر وسوريا وتونس والمغرب، إلى قلوب وعقول هذا الشباب الناقم على الأوضاع الإقتصادية والحاقد على مظاهر البذخ والثراء الفاحش، فامتصوا غضبه وهيكلوا ثورته، ووجدوا فيه ضالتهم، فعرضوا عليهم خطابا دينيا راديكاليا يدعو ليس فقط إلى الإطاحة بالأنظمة الحاكمة ولكن – وهنا بيت القصيد –إلى تغيير شكل النظام السياسي في الدول العربية، من دولة وطنية مدنية علمانية تقوم على مبدأ المواطنة إلى دولة إسلامية دينية- ثيوقراطية تقوم على مبدأ العقيدة الدينية، ومن نظام جمهوري أو ملكي وضعي إلى نظام الخلافة الديني، ومن دولة يحكمها الدستور ويضبط العلاقات بين الحكام والمحكوم.. القانون إلى دولة تحكمها الشريعة ذات المرجعية الدينية اللاهوتية. والسؤال الذي يفرض فسه، في هذه الحالة: ما هو هذا النظام الإسلامي السياسي الذي هو البديل للأنظمة السياسية القائمة في أقطار الوطن العربي ؟ وهل بإمكان هذا النظام حل هذا الكم الهائل من المشكلات المزمنة التي ترزح تحت وطأتها المجتمعات العربية/الإسلامية منذ عقود حتى لا نقول منذ قرون؟ ونعود مرة أخرى لشعار " الإسلام هو الحل " لنحلله من منظور أخر، ونربطه بما جرى في ويجري اليوم في العالم العربي . والمتتبع للحياة السياسية في العالم العربي والمدرك لخلفياتها وطبيعة النخب الحاكمة ومكونات الطبقات السياسية الماسكة بزمام الأمور، سواء في الأنظمة الجمهورية أو في الأنظمة الملكية- وهل هناك فرق بين الجمهورية والمملكة، بين الرئيس والملك، فكلاهما يحوز على صلاحيات نصف إله ويحكم حكما مطلقا، أقول أن المتتبع والمراقب يتأكد من أن شعار " الإسلام هو الحل " هو شعار سياسي-إيديولوجي بإمتياز يعبر عن مصالح ومكاسب الطبقات الاجتماعية التجارية والفئات الطفيلية التي نمت وتغذت من وخرجت من رحم دول بيروقراطية واقتصاديات ريعية وأسلوب حكم رعوي، يضاف إليه شيء من توابل العسكرتارية (الجيش) وخلطة ايديولوجية فيها شيئ من الإشتراكية وشيء من الرأسمالية وشيء من الإسلاميات، وفي إطار دول ريعية تعتمد في حصولها على العملة الصعبة، على النفط والغاز ودول أخرى على السياحة وتحويلات المواطنين العالمين في الخارج فقط وفي نفس الوقت تستورد معظم حاجياتها من الخارج، ولما كانت الدولة الريعية هي التي توزع ثروة النفط وعائداته، وهي التي تُشرف على الإقتصاد وتوجهه من وراء المكاتب والإدارات، فإن ذلك أدى إلى تكون ما يعرف برأسمالية الدولة، وهذه الأخيرة أفرزت طبقة برجوازية بيروقراطية كونت وراكمت أموالاً طائلة من وراء ظهر الدولة، وذلك من جراء تحكمها في الأموال العمومية وأملاك الدولة والصفقات مع الخارج. وبما أن القاسم المشترك لكل الدول العربية في السبعينيات القرن الماضي- على المستوى الإقتصادي – هو وجود الندرة، أي النقص والغياب لمواد ضرورية ونقص الإكتفاء الذاتي في كل المجالات الاقتصادية، فإن النتيجة كانت ظهور الاقتصاد الموازي المتمثل في السوق السوداء والتجارة غير الشرعية، وتتجلى أكثر في مظاهر الفساد من قبيل التهريب، الرشوة، التهرب من الضرائب. وفي هذا النوع من الممارسة الإقتصادية تكونت طبقة برجوازية طفيلية دخلت في تحالف على المستوى السياسي مع طبقة رأسمالية الدولة، وهذا ما حدث في مصر في سبعينيات القرن الماضي ونسجت الطبقات الإجتماعية في الجزائر على نفس المنوال في الثمانينيات. وبناءً عليه، فالإسلام السياسي هو التعبير المكثَّف عن هذه الطبقة الجديدة/الطفيلية ورأسمالية الدولة /البيروقراطية والتي تنادي بإقامة اقتصاد البازار (القائم فعلاً) بمعنى اقتصاد البيع والشراء، دون إنتاج حقيقي يكسر حلقة التبعية، ودون ضرائب ورسوم جبائية، وتدعو كذلك إل إقامة حكومات دينية على رأسها رجال الدين، حكومة تطبق الشريعة وتحافظ على مكاسب هذه الطبقة كما حدث في مصر والجزائر والسودان وسوريا والعراق. نقطة أخرى، بالغة الأهمية، نرى من الضروري التوقف عندها، وهي أن شعار " الإسلام هو الحل " وفي هذه الحقبة بالضبط إنما رفع ويرفع في وجه شعارات أخرى وإيديولوجيات كالاشتراكية والليبرالية، ورفع كذلك في وجه مفاهيم سياسية-تقنية مثل العلمانية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي المفاهيم التي عَرَّت وفضحت النظام السياسي القائم ومست الطبقة الطفيلية في موضوع الجرح، وكشفت عن ضحالة خطاب الإسلام السياسي وهشاشته، ووهَّم أسلمة الدولة وتهافت التيار الأصولي على المستوى السياسي والفقر المدقع على المستوى النظري والجهل بالعلوم الإنسانية وبؤس فلسفته وعمومية أطروحاته ومثالية مشروعه. وفي الحالة الجزائرية وعلى الرغم من أن الديمقراطية والعمل الحزبي في بداية تسعينيات القرن الماضي، كانا يطرحان تحديات ضخمة وليس أقلها التشكيك في إمكانية قيام الإسلام بدور فعَّال في جميع مناحي الحياة، إلا أن الأحزاب الإسلامية لم تأخذ الأمر بجد لعدم وعيها الدقيق بملابسات الواقع التاريخي الراهن ولتقزيمها المعهود للمشكلات وإختزال حَّلها في الشعارات الجوفاء والتسمية الإسلامية مثل القول.. بلدية اسلامية.. سوق إسلامي.. بنك إسلامي، وكذلك في عناوين فضفاضة مثل الدولة الإسلامية.. المشروع الإسلامي.. تطبيق الشريعة.....الخ كما قامت بذلك في الجزائر عام 1989و مصر عام 1911 . [4] ولسنا في حاجة إلى شرح كبير للقول بأن هذه الشعارات التي رفعت في سماء الجزائر في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، لم تستطع الأحزاب الإسلامية تجاوزها نحو بدائل فعلية نظرية وعملية، وتركز نشاطها في عمليات استعراضية.. مسيرات وتجمعات، إصدار جرائد ومجلات وقنوات تلفزيونية وإذاعية ضحلة المستوى شكلاً ومضمونا.. خطاب سياسي يغلب عليه الطابع التعبوي، التحشيدي والتحريضي أو الخطاب المعتدل المجمد، والحقيقة أن الصراع السياسي والعمل الحزبي المتزامن مع العمل الدعوي، كان يأتي على معظم الجهود ويجعل الإسلاميين يدورون في حلقة مفرغة، فهم ينتقدون النظام ولا يظهرون بشكل موضوعي علل فشله ولا بدائل ذلك، وينددون بالاستبداد ويمارسونه بين صفوفهم وفيما بينهم، ويدعون إلى علاقات سياسية راقية بين الحاكم والمحكوم، ولم يحرروا علاقاتهم مع قواعدهم من الطابع الصوفي أو العسكري، وهذا يُفسّر غياب روح النقدية والمبادرة الإستقلالية وسلبية القواعد ولا فاعليتها، الفضل الوحيد للعمل الحزبي على الإسلاميين هو كشفه لحقيقة وجودهم في الواقع الراهن، الذي هو أقرب إلى النوم في الصحوة منه إلى الصحوة.[5]

***

مصطفى دحماني

 باحث في الفكر السياسي الإسلامي/الجزائر

............................

مصادر ومراجع

1. محمد حافظ دياب: سيد قطب..الخطاب والإيديولوجيا، سلسلة صاد موفم للنشر، الجزائر1991ص 16

2. جريدة المساء الصادرة بتاريخ 09/12/1992 -الجزائر

3. Ahmed Ruoadjia: les frères et la mosquée. Enquête sur le mouvement islamiste en Algérie .édition Bouchene.1990 p 127

4. مصطفى دحماني: الإسلاميون والسلطة. أسبوعية " الوقت ": العدد 4، من 16 إلى 22 ديسمبر/ كانون الثاني 1993 الجزائر.

5. محمد حسين صوالح: الإسلام السياسي في الجزائر، أسبوعية المعرفة العدد 5 07/04/1992

يواجه العقل الجمعي في مجتمعاتنا أزمة حادة في ترتيب المفاهيم وتحديد بوصلة الانتماء، وهي أزمة تطفو على السطح بعنف كلما مرت البلاد بمنعطف سياسي أو هزة أمنية. ولعل الجدلية الأكثر استعصاءً وتداولاً في الفضاء العام هي محاولة المفاضلة المفعلة بين "الوطن" ككيان جغرافي وسياسي، وبين "العقيدة" كمنظومة روحية وقيمية.

هذا الاشتباك المفتعل لا يعكس تعارضاً حقيقياً في بنية المفاهيم ذاتها، بقدر ما يعكس خللاً في الوعي الاجتماعي، واندفاعاً عاطفياً تستغله الخطابات الشمولية بدقة لتوظيف المشاعر الروحية النبيلة في معارك النفوذ السياسي.

لتفكيك هذه الجدلية تفكيكاً فلسفياً، لا بد أولاً من وعي الفارق البنيوي بين "الثابت" و"المتحول".

العقيدة — أياً كانت طائفتها أو مدرستها — تمثل فضاءً إنسانياً رحباً، يتسم بالثبات الأخلاقي والسمو الروحي والكونية العابرة للخرائط؛ فالإيمان لا تحده تضاريس ولا تصادره حدود دول.

في المقابل، يمثل الوطن (بالمفهوم السياسي للدولة الحديثة) كياناً متحولاً محكوماً بالجغرافيا، والتحالفات، وتوازنات القوى المتغيرة والمصالح الحيوية. بناءً على هذا التمايز الفلسفي، فإن الخطيئة الفكرية الأكبر تتجسد في محاولة "تأميم العقيدة" أو ربط فضاء الإيمان الرحب بسياسات وتوجهات دولة بعينها. إن ربط الثابت بالمتحول لا يخدم العقيدة، بل يفرغ المقدس من سامي قيمته، ويحوله من منبع للضمير الإنساني إلى مجرد أداة لتبرير الأجندات السياسية المرنة.

من منظور علم الاجتماع السياسي، تظهر أزمة الشارع بوضوح عندما تتداخل العاطفة الجمعية مع الرموز الروحية. فالمجتمعات التي عانت من أزمات وجودية متعاقبة وتهديدات أمنية شرسة - كواقع الشارع العراقي على سبيل المثال - تميل غريزياً في لحظات الخطر إلى الاحتماء بالهويات الفرعية أو الروابط العقائدية التي قادت خطوط الدفاع الأولى ووفرت لها الأمان المادي والنفسي. هذا الارتباط الوجداني مشروع وفطري، لكن الإشكالية الاجتماعية تبدأ حين تعجز الجماهير عن فصل "الامتنان للتضحية" عن "تسليم الإرادة السياسية". تسعى بعض القوى السياسية والدول الإقليمية بذكاء إلى احتكار النطق باسم العقيدة، مرسخةً في وعي الشارع معادلة زرقاء مفادها: أن نقد سياساتها أو رفض تدخلاتها هو بالضرورة نقد للعقيدة نفسها وعداء للمقدس. هنا تُعطل العقلانية النقية، ويُقاد الشارع بعاطفة جمعية مغيبة تحارب من أجل مصالح محاور خارجية ظناً منها أنها تدافع عن جوهر إيمانها.

إن الخروج من هذا المأزق الفكري يتطلب إعادة الاعتبار لمفهوم "المواطنة الحديثة". المواطنة هي الرابط القانوني والسياسي والأخلاقي المشترك الذي يجمع الأفراد على أرض واحدة بغض النظر عن تباين عقائدهم؛ فالوطن هو الحاضنة المادية التي تضمن للجميع حرية الضمير وممارسة الشعائر. لا يوجد أي تعارض أصيل بين أن يكون المواطن مخلصاً لسيادة أرضه ومدافعاً عن استقلال بلده، وبين أن يحمل إيماناً يربطه بملايين البشر حول العالم. السمو العقائدي ينبغي أن يكون رافداً لأخلاقيات بناء الدولة لا بديلاً عن الهوية الوطنية الجامعة، والتبعية السياسية لجهات خارجية تحت غطاء ديني هي تشويه للمواطنة وإضعاف لسيادة الأوطان.

في النهاية، يبدأ نضج الشعوب وانعتاقها الفكري حين يتعلم الشارع كيف يفصل "الخرائط عن الضمائر".

الوعي الحقيقي ليس في التخلي عن العقيدة، بل في تحريرها من التوظيف السياسي الضيق، والإدراك التام بأن العقائد أسمى من أن تُحتكر في حدود دول، وأن المبادئ أكبر من أن تُختزل في أشخاص أو قادة. إن بناء دولة مستقرة وقوية يتطلب شارعاً تقوده العقلانية الواعية لا العواطف المسيرة، شارعاً يؤمن بأن المواطنة ولاء مطلق للأرض والسيادة، وأن الإيمان فضاء للسمو لا للتبعية.

***

ذكرى لعيبي - دبي

ثمة ضرورة تبلورت في مجالنا العربي والاسلامي من جراء أحداث وتداعيات الحادي عشر من سبتمبر وحرب أفغانستان. ألا وهي ضرورة الانطلاق الجاد في بناء ثقافتنا من جديد على ضوء معطيات الراهن وثوابت الثقافة التي صاغت مسارات واقعنا المجيد.

ولكن هذه الانطلاقة لا تستهدف تبرير ما جرى، أو تأكيد حقيقة أن هناك ظروف موضوعية وسياسية قادت الأمور إلى ما جرى من أحداث وفظائع. وإنما هي انطلاقة تجتهد في تجسير الفجوة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، بين حركة الواقع بتعقيداته وتشابكاته وحقائق ثقافتنا التي لا تقبل التأويل والتحوير.

 وتنبع أهمية العمل على إعادة بناء ثقافتنا من النقاط التالية:

إننا كأمة ومجتمع وأوطان، نتعرض لزخم متدفق من الإنتاج الثقافي والإعلامي الغريب الذي يتجه إلى تشويه صورتنا وتحميلنا كأمة وعقيدة مسؤولية ما جرى من أحداث.

 فالكثير من عناصر الثقافة ومواد الإعلام التي أنتجت بعد الحادي عشر من سبتمبر، تدفع الأمور باتجاه تحميلنا مسؤولية تلك الأحداث. وإن الخيار المطروح أمامنا لقبولنا في حركة العصر والنادي الحضاري العالمي، هو التخلي عن الكثير من القيم التي فهمها بعضنا بشكل خاطئ ومغلوط أو تم قراءتها من قبل دوائر الغرب الثقافية والإعلامية بشكل ملتبس وغامض. مما أدخل واقعنا في دوامة العمل على تبرئة عقيدتنا مما جرى. وإن ما جرى هو وليد تطورات سياسية إقليمية ودولية، هيأت الأرضية السياسية للانطلاق في مشروعات عنيفة ضد الولايات المتحدة الأمريكية.

وعلى كل حال فإننا نود القول في هذا الصدد: أن ما جرى أدخلنا في واقع جديد وتحديات حضارية بعناوين ويافطات حديثة، وإن كل هذا يدفعنا إلى أن نستخرج من معادن ثقافتنا الغنية عناصر حيويتها ونطورها حسب حاجات واقعنا وشعوبنا، ثم نعيد صياغتها وننتجها بشتى ألوان الإنتاج مقروءا ومسموعا ومرئيا.

كل يوم نعيش تحديا حضاريا جديدا، ونواجه أحداثا ووقائع لا نعرف أحكامها ومنهج مواجهتها، حتى جعل الكثيرين منا يعيشون التردد والغبش في الرؤية تجاه كل ما جرى من أحداث وتطورات.

ومن هنا ومن أجل مواجهة الثقافة الغريبة التي تريد وتسعى أن تحملنا كأمة ومستقبل مسؤولية ما جرى، ومن أجل مواجهة المشاكل اليومية العالقة التي زادتنا ترددا وضياعا والتباسا، فإن علينا إعادة بناء ثقافتنا وتحرير وعينا من القوالب الفكرية والثقافية التي تريد مؤسسات الإعلام والثقافة الغربية إدخالنا فيها، وجعل أولوياتها هي أولوياتنا، وأجندتها     هي أجندتنا. ومن المشاكل اليومية التي إذا فقدنا البوصلة تزيدنا ضياعا وغبشا وبعدا عن أولوياتنا الصحيحة.

فالأمة حين تفقد شخصيتها، فليس بينها وبين نهايتها إلا خطوة واحدة.. إذ الإنسان يعمل من أجل ذاته وبقواه الذاتية. وحين يفقد التحسس بذاته أو الثقة بها فبماذا ولماذا العمل.. كذلك الأمة تعمل- كأمة- من أجل شخصيتها، وبما لديها من طاقات مادية وروحية، فإذا ضاعت الشخصية فلماذا وبماذا العمل. إن شخصية الأمة هي روحها الجماعية التي يستوحي منها كل فرد من أبنائها العزيمة ولأمل. حين يعشق الفلاح أرضه التي يحرثها ويداعبها حتى تخضر وتنتج لا يحب التراب، كمادة جامدة، بل كرمز للأمة التي عاشوا ولا يزالون عليها.

وحي يتعامل العامل مع آلات مصنعه، وينسجم معها كأنه في جوقة موسيقية. فليس يتعامل مع الحديد. إنما مع البشر الذين سوف ينتفعون بها.

إن حبلا يشد هؤلاء وأمثالهم إلى بعضهم وروحا واحدة. تجمع قلوبهم وتضيئها بقنديل الأمل. ولكن إذا ضاعت شخصية الأمة ولم يعد يشعر أبناؤها بالروح الواحدة التي تجمعها فإن كل واحد سيتخذ طريقا مختلفا. وسيشعر الجميع بالضعف والعجز والهزيمة.

ومن الطبيعي القول: أنه من دون الثقافة الواحدة ذات القيم الإنسانية والحضارية السامية والثابتة التي يؤمن بها الجميع إيمانا راسخا يبعثهم على العطاء من أجلها والتضحية لها بكل شيء يسقط الجدار المعنوي لبناء الأمة.

ومن دون الهدف، ذو التجربة التاريخية، الذي يكون نقطة ارتكاز لنشاطات وحركة الأمة، ينهار الجدار المادي لبناء الأمة،

وإن بوابة كل ذلك أو بالأحرى إن شرط القبض على كل ذلك {الثقافة الواحدة والهدف الواضح}، هو تحرير وعينا العربي المعاصر من كل الأوهام والأغلال التي تكبل تفكيرنا وتحرف أولوياتنا وتجعلنا نعيش الغبش ف كل شيء.

إننا كأمة نتعرض اليوم لتهديد حقيقي بضياع شخصيتنا ولا سبيل أمامنا إلى تحرير وعينا من كل الرواسب التي تحول دون انطلاقتنا الحضارية والإنسانية.

إن ما جرى       من أحداث ومآسي ليس نهاية التاريخ، وإنما هو لحظة تاريخية تحملنا مسؤولية العمل على بناء ثقافتنا حتى يتسنى لنا جميعا المشاركة الفعالة في حضارة العصر. وحتى نتمكن من خلال وعينا وتقدمنا الحضاري، أن نجابه كل التصورات التي تحاول أن تلصق صفة التخلف والتأخر بالإسلام.

إن مسؤوليتنا تتجسد في الهروب إلى الأمام، عبر تحرير وعينا وبناء واقعنا السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي على أسس أكثر إنسانية وحضارية وينبغي أن ندرك جميعا أن الزيادة في الدين حرام، لأنها نوع من الغلو الممنوع. وإن هذا الأخير كان هو المسؤول المباشر عن تمرد طائفة كبيرة من الناس على الدين. ولا يخفى علينا جميعا أنه في العالم المسيحي كان الغلو في الدين هو السبب المباشر لانتهاء سيطرة الكنيسة وتحول الناس إلى اللائيكية والإلحاد.

وحيث تراجعت الكنيسة تحت ضغط الظروف عن إضافاتها اللامعقولة إلى الدين عاد العالم الغربي إلى الكنيسة. من هنا غضب الباري عز وجل على طائفة من الناس لأنهم حرموا ما أحل الله لهم وقال {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون* قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} (الأعراف الآية 32-33)..

من هنا فإننا نقول: إن فتح أبواب التطور أمام الأمة، يتطلب تحرير وعينا وبناء ثقافتنا على ضوء معطيات الإنسان والحضارة. وهذا يقودنا إلى التأكيد على النقاط التالية:

1)  أصالة القيم، غني عن القول، أنه كلما ابتعدنا عن القيم والمبادئ والمثل الإنسانية والحضارية، اضطرب واقعنا وبدأنا نعيش في دائرة الفوضى والعدوان واللاأبالية. لهذا فإننا لا يمكن أن نبني ثقافتنا ونحرر وعينا من الأوهام والأغلال الداخلية والخارجية. بدون الاستناد إلى أصالة قيمنا ومبادئنا. وما أحوجنا اليوم كأفراد وأمة إلى تلك القيم التي تعلي من شأن الإنسان وكرامته وتحفزنا على التعاون والتسامح والتآخي على قاعدة المشترك الديني والإنساني فالناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق. وإن جهدنا اليومي المطلوب، ينبغي أن يتجه صوب تعميق هذه القيم ومتطلباتها في فضائنا الاجتماعي. فكلما نقترب من الالتزام بمقتضيات هذه القيم، تتوطد أسس الأمن والاستقرار في محيطنا ومجالنا الاجتماعي. ولا تحرير لوعينا إلا برافعة هذه القيم، التي تطرد من عقولنا وواقعنا كل حالات الأثرة والأنانية والتصنيف والتهميش والانخراط الأبله في مشروعات التفتيت والحروب المجانية.

والفقهاء والعلماء والمثقفين في مجالنا العربي والإسلامي، يتحملون مسؤولية كبرى في هذا الإطار، إذ أن عطاءهم الفكري وجهدهم الإصلاحي من الأهمية بمكان أن يتوجه صوب تعميق حقائق حقوق الإنسان وخيار الحرية والديمقراطية في الأمة.

2)  ضرورة الاستناد على حقائق القوة والتقدم، وترك ونبذ الشعارات التي نتعامل معها وكأنها البديل الجوهري عن العمل والبناء. فالتقدم ليس وليد الشعار المجرد، بل هو نتيجة العمل المستمر الذي يتجه نحو صناعة الحقائق الثقافية والاقتصادية والسياسية، التي تساهم في حل العديد من المشكلات، وتستوعب جملة من الطاقات والكفاءات، وتؤكد لنا جميعا أن لا خيار أمامنا إلا خيار البناء والعمل من أجل ترجمة طموحاتنا وتطلعاتنا إلى حقائق ووقائع على الأرض.

3)  التفاعل مع التجارب الإنسانية الحديثة، ورفض حالات الانكفاء والانعزال والتهميش. فالعلم الحديث، خلاصة تجارب وعينا أن ننفتح عليها، ولكن قبل ذلك علينا أن نميز بين قشور التجارب ولبابها، بين المغزى الحقيقي للتجربة، وبين الإطار الذي وضع فيه هذا المغزى.

 والأمة التي تنعزل عن تجارب غيرها، تتأخر ولا تمتلك القدرة على استيعاب تطورات ومكاسب الآخرين.

وجماع القول: إن التطورات السياسية التي تجري اليوم في المنطقة، تتطلب منا العمل على تحرير وعينا من أوهام الاستنساخ الحرفي وأسباب العطالة والاستقالة عن الفعل التاريخي، ونعمل جميعا على تأسيس وعي معاصر، يأخذ في اعتباره أن القبض على المستقبل، لا يأتي إلا ببناء القوة الحضارية، وصنع حقائق التقدم والتطور في فضائنا العربي والإسلامي. والبداية السليمة لأي مشروع اقتصادي أو تجاري أو حضاري، هو التعرف التام على الراهن واللحظة التاريخية وجوانبها المختلفة، لأنه باختلاف الواقع، يختلف الأسلوب، وتتغير الوسيلة، فواقع الثمانينات الاقتصادي مثلا، يتطلب مشاريع وأفكار اقتصادية، تختلف بشكل أو آخر عن مشاريع ومتطلبات عقد التسعينات، كما أن العقد الأول من الألفية الجديدة تتطلب مشروعات وأفكار اقتصادية متميزة. والمشروع الاقتصادي أو التجاري أو الحضاري، الذي يجهل الواقع ومتطلباته، لن يتمكن من تحديد سلم الأولويات في مشروعه. وكثيرة هي الأعمال والأنشطة في المشهد العربي، التي ضيعت سلم الأولويات لا لسبب ذاتي، وإنما لجهلها التام أو النسبي للواقع الذي تعيشه ومتطلباته المختلفة. ولكن ثمة خلل عميق قد يصيب المجتمع في هذه المسألة، إذ كثير من المجتمعات، تختلط لديها الأماني والتطلعات بالإمكانات والقدرات المتوفرة، لأن العمل والسعي الحثيث، هو القنطرة الوحيدة لنقل التطلع من عالم التجريد إلى عالم التشخيص، من المثال إلى الممكن. ويجانب الصواب من يرى أن أحقية تطلعه، وأهمية أمنيته وعدالة قضيته، كل هذه الأمور كافية لاجتياز طريق تحقيقها وإنجازها في الواقع الخارجي، لأن هذه القضية قضية موضوعية، خاضعة إلى النواميس والسنن، ومقدار القدرة الفعلية المتوفرة في سبيل الإنجاز.

من هنا تنتج ضرورة الموازنة بين التطلع والإمكانيات، بين الواجب والواقع، بين المثال والممكن، بين ما ينبغي أن يكون وبين ما هو كائن، لأن هذه الموازنة، هي التي توظف الإمكانات القليلة في سبيل تحقيق التطلع الأهم وذات الجدوى.

ولعلنا لا نبالغ حينما نقول، أن دراسة تجربة العرب المعاصرة سواء على الصعيد السياسي، أو على صعيد مشاريع التنمية والتطوير الاقتصادي، تكشف لنا أن أحد الأخطاء التاريخية التي منيت بها تجربة العرب المعاصرة على هذه الصعد، هو حالة الخلل الموجودة بين الممكن والواجب، بين التطلع والإمكانيات، إذ اختلطت هذه الأمور في التجربة، فجعلت البعض يقوم بأعمال وأنشطة ومشاريع لا تنسجم وظروفه الواقعية.

ونحن هنا بطبيعة الحال، لا ندعو إلى أن يتخلى العرب عن تطلعاتهم وأمانيهم لأنها ضرورة من ضرورات الوجود الإنساني. ولكننا ندعو إلى أن المجتمعات العربية على المستوى العملي والفعلي، ينبغي أن يعملوا في كل الاتجاهات على قاعدة الإمكانات والقدرات، لأن الإنسان مهما أوتي من قوة، فإنه لن يستطيع أن يحقق تطلعاته دفعة واحدة، وإنما عليه أن يعمل ويسعى، لتحقيق خطوات وإنجازات ومكاسب، تقربه من تطلعه البعيد. وعلى هدى هذه الحقيقة التي ترقى إلى مستوى القانون، تتأكد مسألة الموازنة بين المثال والممكن، وإننا نرى أن أحد الشروط الأساسية لنجاح المجتمع العربي في تنميته وتطوره، هو الموازنة الواعية بين الممكن والواجب. لهذا فإن القرآن الحكيم نزل منجما [بالتدريج] والدين الإسلامي في كل توجيهاته الفكرية، وتعليماته الأخلاقية، وتشريعاته القانونية، يأخذ بعين الاعتبار واقع الحياة والإنسان. وهذا لا يعني التخلي عن المثال أو التطلع، وإنما يعني العمل على رفع سيئات الواقع وإحلال حسنات المثال والقيم بشكل تدريجي لا يفاجئ الناس، ولا يعطل مسيرة المجتمع.

فلا يكفي حماس المجتمع حتى يتحقق تطلعه وطموحه، وإنما لابد من توفير جملة من العوامل الذاتية والموضوعية، لإنجاز التطلع والطموح. وإن الخطر الحقيقي الذي يواجه الواقع العربي اليوم، ليس في الهزيمة المادية الخارجية، بل في الهزيمة النفسية. التي تسقط كل خطوط الدفاع الداخلية، وتمنع من وجود القدرة الطبيعية لإدارة الذات فضلا عن تطويرها وتذليل العقبات التي تمنع ذلك.

***

محمد محفوظ

    

بسبب دعمها لمنظمة "فلسطين أكشن" (Palestine Action)

بقلم: جابولاني سيكاكاني

ترجمة: د. محمد عبدالحليم غنيم

***

أعلنت الروائية الأيرلندية ذائعة الصيت عالمياً، سالي روني، أنها مضطرة لسحب كتبها من الأسواق في المملكة المتحدة. ويأتي هذا القرار على خلفية دعمها لمجموعة "فلسطين أكشن" (Palestine Action) -وهي جماعة تعتمد أسلوب "العمل المباشر" في احتجاجاتها- والتي صنفتها الحكومة البريطانية منظمةً إرهابية في يونيو 2025.

تُعد سالي روني واحدة من أبرز الروائيين وأكثرهم إثارة للاهتمام في العقد الأخير. وتركز أعمالها الروائية بشكل أساسي على تصوير علاقات الشباب بأسلوب يتسم بالعمق النفسي والدقة في رصد التفاصيل الدقيقة. وهي تتخذ من هذه العلاقات العاطفية -التي غالباً ما تكون معقدة وملتبسة- نافذةً لاستكشاف تعقيدات الحياة في القرن الحادي والعشرين وما يرافقها من قلق ثقافي.

وعادةً ما تتجاوز مبيعات مؤلفاتها حاجز الـ 500 ألف نسخة في المملكة المتحدة وحدها. كما حقق المسلسل الذي أنتجته هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) والمقتبس من روايتها الثانية "أشخاص عاديون" (Normal People) نحو 62.7 مليون مشاهدة.

تقيم روني في أيرلندا، حيث لا يوجد حظر على منظمة "فلسطين أكشن"  ومع ذلك، فإن نيتها تقديم دعم مالي للمنظمة - من خلال التبرع بعائدات مؤلفاتها - قد تترتب عليه تبعات قانونية في المملكة المتحدة. فبموجب المادة 15 من قانون الإرهاب لعام 2000، يُعدّ تقديم "أموال أو ممتلكات أخرى" - مع العلم أو وجود سبب معقول للاشتباه في أنها ستُستخدم أو قد تُستخدم لأغراض إرهابية - جريمةً يعاقب عليها القانون بالسجن لمدة تصل إلى 14 عاماً.

وقد دفع هذا الوضع روني إلى إلغاء رحلة كانت مقررة إلى المملكة المتحدة في عام 2025 لتسلم جائزة عن أعمالها، وذلك خشية تعرضها للاعتقال. ومن جانبها، أوضحت دار النشر البريطانية "فابر" (Faber) أن هذا البند القانوني يمنعها من تحويل عائدات مبيعات روايات روني داخل المملكة المتحدة إليها.

وأكدت دار النشر "فابر" قائلة: " إن بيع أعمال كاتبٍ ما مع العجز عن إيصال أرباحه إليه يُعدّ وضعاً لا يمكن قبوله أخلاقياً بالنسبة للناشر. وبناءً على ذلك، قررت الدار أنها لم تعد قادرة على توفير روايات الكاتبة -بأي صيغة كانت- في داخل المملكة المتحدة ." ومع ذلك، أعربت "فابر" عن دعمها المستمر لروني، وأنها ستواصل نشر أعمالها في بلدان أخرى.

ما هي منظمة "فلسطين أكشن" (Palestine Action)؟

سلطت التصريحات الأخيرة لروني وناشرها الضوء مجدداً على التصنيف المثير للجدل لمنظمة "فلسطين أكشن" (Palestine Action) كـ "منظمة إرهابية"، وتداعيات ذلك على حرية التعبير. وتبرز حالة روني المصطلحات الفضفاضة للغاية التي يمكن من خلالها تعريف "المنظمة الإرهابية" بموجب قانون عام 2000، وهو ما قد لا يتوافق مع المفهوم العام السائد لدى الجمهور.

تأسست "فلسطين أكشن" في المملكة المتحدة عام 2020، وكان هدفها المعلن هو "اتخاذ إجراءات مباشرة ضد تجارة الأسلحة الإسرائيلية في بريطانيا". وقد تمثلت هذه الإجراءات، بشكل رئيسي، في اقتحام منشآت تصنيع الأسلحة والمرافق العسكرية وإلحاق أضرار بممتلكاتها.

وكانت المصانع التابعة لشركة تصنيع الأسلحة الإسرائيلية "إلبيت سيستمز" (Elbit Systems) الهدف الأساسي للمجموعة، إلا أن أنشطتها طالت أيضاً شركات بريطانية وبنية تحتية عسكرية.

ويبدو أن قرار تصنيف حركة "فلسطين أكشن" كمنظمة إرهابية جاء في أعقاب عملية اقتحام لقاعدة "برايز نورتون" (Brize Norton) التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في يونيو 2025، حيث تعرضت طائرتان للتخريب باستخدام طلاء الرش. وفي تعليقها على الحادثة، ذكرت "فلسطين أكشن":"على الرغم من إدانتها العلنية للحكومة الإسرائيلية، تواصل بريطانيا إرسال الشحنات العسكرية، وتسيير طائرات الاستطلاع فوق غزة، وتزويد المقاتلات الأمريكية والإسرائيلية بالوقود."

وقد استندت الحكومة في قرارها بحظر المنظمة بشكل أساسي إلى الأضرار التي لحقت بالممتلكات جراء أنشطتها. كما وُجهت لبعض النشطاء المرتبطين بـ "فلسطين أكشن" تهم تتعلق بارتكاب أعمال عنف.

وصرحت وزيرة الداخلية آنذاك، إيفيت كوبر، بأن "فلسطين أكشن" قد "ارتكبت أعمالاً تسببت في أضرار جسيمة للممتلكات، بهدف تعزيز قضيتها السياسية والتأثير على الحكومة". وأشارت إلى أن أفعال المنظمة تسببت في أضرار قُدّرت بملايين الجنيهات الإسترلينية، وأثارت مخاوف الموظفين في المؤسسات المستهدفة على سلامتهم الشخصية.

فجوة في التصور

يخضع قرار حظر منظمة "فلسطين أكشن" (Palestine Action) حالياً لنزاع قضائي أمام المحكمة العليا في المملكة المتحدة. ويشير منتقدو القرار إلى أنه، فضلاً عن كونه قد اتُخذ على عجل، فإنه يخلط بين المنظمات التي تمارس "العمل العام" والتي تستهدف عادةً الممتلكات وبين المنظمات التي تنتهج العنف الصريح وتستهدف الأشخاص.

على سبيل المثال، تم حظر حركتين أخرايين باعتبارهما منظمات إرهابية إلى جانب حركة فلسطين في عام 2025، وهما طائفة القتل المهووسة (وهي جماعة نازية جديدة تشجع بنشاط على جرائم القتل والاعتداءات عبر الرسائل الإلكترونية) والحركة الإمبراطورية الروسية (وهي حركة عنصرية بيضاء معادية للسامية ولها جناح شبه عسكري).

يمكن التعامل مع الأضرار التي تلحق بالممتلكات -والتي تتسبب فيها مجموعات مثل "فلسطين أكشن" (Palestine Action)- من خلال القوانين الجنائية العامة، دون الحاجة إلى اللجوء إلى "قانون الإرهاب". ويرى المنتقدون، بناءً على ذلك، أن تصنيف مجموعة تمارس "العمل المباشر" كمنظمة "إرهابية" قد يمثل شكلاً خطيراً من أشكال التوسع في سلطة الحكومة، وهو ما قد تترتب عليه عواقب تتجاوز المجموعة ذاتها.

ومنذ حظر "فلسطين أكشن"، أُلقي القبض على أكثر من 3700 شخص بسبب إظهارهم الدعم للمنظمة علناً، مما أدى إلى توجيه نحو 2500 تهمة. وقد اتخذت مظاهر الدعم هذه، في الغالب، شكل رفع لافتات خلال الاحتجاجات. ويُعد إبداء الدعم جريمةً بموجب المادة 13 من "قانون الإرهاب"، وتصل عقوبتها القصوى إلى السجن لمدة ستة أشهر؛ ومع ذلك، لم تصدر أي إدانات حتى الآن، نظراً لأن قرار الحظر لا يزال قيد الاستئناف.

ويشكل هذا تصعيداً هائلاً في أعداد الاعتقالات المرتبطة بالإرهاب في المملكة المتحدة؛ فقبل فرض الحظر في يونيو 2025، بلغ عدد الاعتقالات 234 حالة فقط، بينما ارتفع هذا الرقم ليصل إلى 3867 حالة بحلول نهاية يونيو 2026، أي بزيادة قدرها 1553%.

وتشير هذه الأرقام إلى وجود فجوة في التصور العام؛ إذ يواجه الكثيرون الآن عواقب وخيمة بسبب ما يعتبرونه تعبيراً حراً عن دعمهم لمنظمةٍ لا ترقى أنشطتها -بأي حال- إلى المفهوم الشائع للأعمال "الإرهابية".

وفي الواقع، جادل المنتقدون منذ البداية بأن اللجوء إلى هذا القانون جاء بدافعٍ انتهازي؛ إذ ربما ترفض هيئات المحلفين ،التي قد تتعاطف مع النشطاء، إدانتهم بتهم تتعلق بإلحاق أضرار جنائية بالممتلكات.

مخاوف مشروعة

تُشير الزيادة الحادة في الاعتقالات والتهم التي أعقبت حظر حركة "فلسطين أكشن" إلى أن المخاوف التي أبداها كل من روني ودار نشرها هي مخاوف مشروعة. وتُعد سحب كتب روني من أحد أكبر أسواقها أثرًا بارزًا لخطوة تصنيف حركة أو جماعة عمل كمنظمة إرهابية. ولم يقتصر استخدام قانون الإرهاب على فرض قيود على المجموعة المستهدفة وداعميها فحسب، بل أدى الآن إلى الحد من وصول الجمهور إلى أعمال إبداعية تحظى بشعبية كبيرة رغم أنها لا تمت بصلة إلى تلك المجموعة.

مما لا شك فيه أن روني تمتلك من المبيعات والموارد ما يكفي لتجاوز هذه الخطوة، لكن كتابًا آخرين قد يكونون أكثر عرضة للضرر. وقد يُنذر سحب رواياتها بمستقبل لم يعد فيه بإمكان المؤلفين بيع أعمالهم في مناطق معينة وذلك بسبب آرائهم السياسية أو معتقداتهم المعلنة أو انتماءاتهم.

بقطع النظر عن مآل التحديات القانونية القائمة بشأن حظر منظمة "فلسطين أكشن" (Palestine Action)، فإن هذا التطور يُظهر أن تداعياته بدأت تظهر في مجالات غير متوقعة من الحياة العامة. وهو يطرح أسئلة صعبة -ربما لم تكن متوقعة- حول الآثار بعيدة المدى للقرارات السياسية على الثقافة الأدبية وحرية التعبير.

***

...................

الكاتب: جابولاني سيكاكاني: يتمتع السيد جابولاني سيكاكانى بخبرة تزيد عن 20 عاماً في مجالي الصحافة والاتصالات، حيث تركزت مسيرته المهنية بشكل رئيسي على التغطية الصحفية للشؤون المالية والسياسية. عمل لدى العديد من المؤسسات الإعلامية، بما في ذلك "فاينانشال ميل" (Financial Mail) و"بيزنس تايمز" (Business Times)، وشغل منصب محرر في "بيزنس ريبورت" (Business Report)، بالإضافة إلى توليه منصب رئيس تحرير مجلة "ديستني مان" (Destiny Man) - وهي مجلة موجهة للرجال تركز على مجالي الأعمال ونمط الحياة. وقد حصل على العديد من الجوائز تقديراً لإسهاماته في مجاله، كما حصل على شهادات متنوعة من كلية "ويتس" للأعمال (Wits Business School)، وجامعة بنسلفانيا، ومعهد "جيبس" (GIBS).

العالم على أعتاب عصر ما بعد الهيمنة

قراءة أنثروبولوجية في أفول المركزية الغربية وصعود التعددية الحضارية وإعادة تشكيل النظام العالمي

لم يحدث في التاريخ أن توقف العالم عن الدوران حول مركزه المتخيَّل إلا بعد أن يكتشف، متأخراً، أن ذلك المركز لم يكن سوى سردية مؤقتة فرضتها موازين القوة. فالإمبراطوريات، منذ فجر الحضارات، لم تكتفِ بالسيطرة على الأرض، بل سعت دائماً إلى احتلال المخيلة الإنسانية ذاتها، كي يبدو حضورها قدراً أزلياً لا مرحلة عابرة في مسار التاريخ. هكذا اعتقد الرومان أن روما هي العالم، وظن الصينيون أن الإمبراطورية الوسطى هي مركز الكون، ثم جاءت أوروبا الحديثة لتنسج حول نفسها أسطورة المركز الكوني الجديد، قبل أن تتسلم الولايات المتحدة الراية عقب الحرب العالمية الثانية، فتتشكل منظومة دولية بدا معها الغرب ليس مجرد قوة مهيمنة، بل مرجعاً وحيداً لتعريف التقدم، والحداثة، والتنمية، والعقلانية.

غير أن التاريخ، في جوهره الأنثروبولوجي العميق، لا يعترف بالمراكز الثابتة. فالمجتمعات البشرية تشبه الأنهار أكثر مما تشبه الصخور؛ تبدو مستقرة على السطح، بينما تتحرك في الأعماق باستمرار. وما نشهده اليوم ليس مجرد انتقال في الثقل الاقتصادي أو العسكري من الغرب إلى الشرق، ولا مجرد صعود قوى جديدة مثل الصين والهند والبرازيل وتركيا ودول الخليج، بل تحوّل أعمق وأبعد أثراً: إنه إعادة توزيع للمعنى نفسه، وإعادة تفاوض كبرى على من يملك الحق في تفسير العالم وتحديد مستقبله.

إن العالم المعاصر يعيش لحظة نادرة من لحظات "تفكك المركز". فالشعوب التي أمضت قروناً طويلة وهي تتلقى الأفكار والنماذج والتصورات القادمة من العواصم الغربية بدأت تستعيد ثقتها بسردياتها الخاصة، وذاكرتها الثقافية الخاصة، وطرقها المختلفة في رؤية الإنسان والمجتمع والدولة. وما يبدو في الظاهر صراعاً جيوسياسياً بين قوى دولية متنافسة، ليس في جوهره سوى صراع بين رؤى متباينة للحياة ذاتها. فالصين لا تقدّم نفسها بوصفها وريثة الغرب، بل بوصفها امتداداً لحضارة عمرها آلاف السنين. والهند لا تصعد كدولة قومية فحسب، بل كفضاء حضاري ضخم يستعيد حضوره التاريخي. أما العالم العربي والإسلامي، رغم أزماته العديدة، فيعيش بدوره مخاضاً فكرياً وهوياتياً يعكس رغبة عميقة في التحرر من موقع التابع داخل النظام الدولي.

ولعل أكثر ما يميز اللحظة الراهنة أن التغيير لا يحدث عبر الحروب وحدها، كما جرت العادة في التحولات التاريخية الكبرى، بل عبر التكنولوجيا، والتجارة، وشبكات المال، والطاقة، والمعرفة. فمنصات التواصل أعادت توزيع القدرة على إنتاج الرواية. والاقتصادات الناشئة أعادت رسم خرائط النفوذ. والممرات التجارية الجديدة بدأت تنافس الطرق التي شيدتها الإمبراطوريات البحرية الغربية قبل قرون. حتى اللغة التي تصف العالم لم تعد حكراً على مراكز البحث الغربية، بعدما تحولت المعرفة نفسها إلى فضاء متعدد الأقطاب.

إننا، للمرة الأولى منذ خمسة قرون تقريباً، أمام عالم يتشكل خارج الإرادة الغربية المنفردة. عالم لا تُكتب قواعده كاملة في واشنطن أو بروكسل أو لندن، بل تشارك في صياغتها عواصم تمتد من بكين إلى نيودلهي، ومن الرياض إلى جاكرتا، ومن برازيليا إلى جوهانسبرغ. وكلما اتسعت هذه المشاركة، تراجع الوهم القديم الذي اختزل البشرية في نموذج حضاري واحد، وبرزت حقيقة أن التاريخ البشري أكثر تنوعاً وتعقيداً مما أرادت سرديات الهيمنة أن تقنعنا به.

وربما لا تكمن أهمية هذا التحول في تبدل أسماء القوى الكبرى بقدر ما تكمن في انهيار الفكرة نفسها التي حكمت العصر الحديث: فكرة المركز الواحد الذي يملك تعريف الحقيقة والتقدم ومستقبل الإنسانية. فالعالم الجديد الذي يولد اليوم ليس شرقياً بالكامل ولا غربياً بالكامل، وإنما عالم تتجاور فيه حضارات متعددة، وتتقاطع فيه نماذج مختلفة للتنمية والسلطة والثقافة. إنه عالم يعود فيه التاريخ إلى حالته الطبيعية: فضاءً مفتوحاً للتعدد، لا مسرحاً يحتكره ممثل واحد مهما بلغت قوته.

وفي هذا المعنى تحديداً، قد لا يكون ما نشهده أفول الغرب بقدر ما هو نهاية عصر الاحتكار الغربي للعالم، وبداية مرحلة تدخل فيها البشرية زمناً جديداً من التعدد الحضاري، حيث لم يعد السؤال: من سيقود العالم؟ بل أي عالم سيتشكل عندما تتحدث الحضارات كلها بصوتها الخاص بعد قرون من الصمت.

أفول المركز الغربي وصعود التعددية الحضارية

حين نتأمل التاريخ الإنساني على امتداده الطويل، نكتشف أن ما يبدو لنا اليوم طبيعياً لم يكن في الحقيقة سوى استثناء تاريخي عابر. فسيطرة الغرب على العالم، التي تبدو في الوعي المعاصر وكأنها حقيقة أزلية، لا تمثل إلا فصلاً قصيراً نسبياً في كتاب الحضارة البشرية. قبل أوروبا بزمن طويل، كانت طرق الحرير تعبر قلب آسيا، وكانت بغداد والقاهرة وقرطبة مراكز للعلم والمعرفة، وكانت الصين والهند تستحوذان على جزء كبير من الإنتاج الاقتصادي العالمي. غير أن التحولات الكبرى التي رافقت عصر الاكتشافات الجغرافية ثم الثورة الصناعية أتاحت لأوروبا أن تنتقل من هامش التاريخ إلى مركزه، وأن تفرض على العالم ليس فقط تفوقها العسكري، بل أيضاً تصورها الخاص للإنسان والتقدم والمجتمع.

لم تكن الهيمنة الغربية مجرد ظاهرة سياسية أو اقتصادية، بل كانت قبل كل شيء ظاهرة ثقافية وأنثروبولوجية. لقد نجح الغرب في إقناع شعوب الأرض بأن مساره التاريخي الخاص هو المسار الطبيعي الوحيد الذي ينبغي أن تسلكه البشرية جمعاء. وهكذا تحولت التجربة الأوروبية إلى معيار كوني، وأصبح الآخرون يُقاسون بمدى اقترابهم أو ابتعادهم عن النموذج الغربي. لم تعد أوروبا مجرد جغرافيا، بل تحولت إلى مرجعية فكرية تحدد ما هو متقدم وما هو متخلف، وما هو عقلاني وما هو تقليدي، وما هو حديث وما هو بدائي.

ومن هنا نشأت فكرة "المركز" التي هيمنَت على العلاقات الدولية طوال القرنين الماضيين. فقد بدا العالم وكأنه يدور في فلك عواصم محددة تُنتَج فيها المعرفة، وتُصاغ فيها المفاهيم، وتُرسم فيها الخرائط السياسية والاقتصادية للكوكب. أما بقية الأمم، فغالباً ما وُضعت في موقع المتلقي أو التابع أو الساعي إلى اللحاق بالركب. ولم يكن هذا الترتيب مجرد انعكاس لفوارق القوة، بل كان نتيجة بناء سردية متكاملة جعلت الهيمنة تبدو قدراً تاريخياً لا يمكن تجاوزه.

لكن ما يحدث اليوم يشير إلى أن هذا المركز لم يعد يتمتع باليقين نفسه الذي امتلكه في العقود السابقة. فالتحولات الاقتصادية الكبرى أخذت تنقل الثقل العالمي نحو مناطق أخرى، بينما بدأت قوى صاعدة تمتلك القدرة على إنتاج بدائلها الخاصة. والأهم من ذلك أن شعوباً كثيرة لم تعد تنظر إلى الغرب بوصفه النموذج الوحيد الممكن للمستقبل. لقد تراجعت السلطة الرمزية التي كانت تمنح المركز الغربي قدرته على تعريف العالم، تماماً كما تتراجع سلطة الإمبراطوريات عندما تفقد قدرتها على إقناع الآخرين بشرعية تفوقها.

لا يمثل هذا التحول أزمة جيوسياسية فحسب، بل يعكس تبدلاً عميقاً في بنية الوعي العالمي. فالمجتمعات التي عاشت طويلاً في ظل مركز واحد بدأت تستعيد ثقتها بذاتها، وبسردياتها التاريخية، وبقدرتها على إنتاج المعرفة والمعنى. وما نشهده ليس تمرداً على الغرب بقدر ما هو تمرد على فكرة الاحتكار نفسها؛ احتكار الحقيقة، واحتكار التقدم، واحتكار تعريف المستقبل.

لقد كانت العقود التي أعقبت انتهاء الحرب الباردة ذروة لحظة التفرد الغربي. يومها بدا أن التاريخ قد حسم وجهته نهائياً، وأن النموذج السياسي والاقتصادي والثقافي الذي تبلور في الغرب هو الخاتمة الطبيعية لتطور المجتمعات البشرية. غير أن الأحداث اللاحقة كشفت هشاشة هذا الاعتقاد. فالأزمات المالية المتلاحقة، وتصاعد الانقسامات الداخلية في المجتمعات الغربية، وصعود قوى آسيوية عملاقة، جميعها ساهمت في زعزعة صورة المركز الذي لا يُنافس.

إن العالم لا يشهد اليوم انهيار الغرب، كما يتوهم بعض المتحمسين، فالغرب ما يزال يمتلك قوة هائلة في مجالات العلم والتكنولوجيا والمال والثقافة. لكن الفارق الجوهري أن هذه القوة لم تعد كافية لاحتكار قيادة العالم أو احتكار تفسيره. لقد انتقل النظام الدولي من مرحلة المركز الواحد إلى مرحلة تعدد المراكز، ومن زمن الصوت الأوحد إلى زمن الأصوات المتعددة.

وهنا تكمن الأهمية التاريخية للحظة الراهنة. فما يتلاشى أمام أعيننا ليس نفوذ قوة بعينها، بل الفكرة التي سادت قروناً كاملة ومفادها أن العالم يحتاج دائماً إلى مركز واحد يقوده ويعرّف له ذاته. ومع تراجع هذه الفكرة، تعود البشرية تدريجياً إلى حالتها الأصلية: فضاء واسع من الحضارات والثقافات والخبرات المتعددة، حيث لا تستطيع أمة واحدة أن تحتكر المستقبل، ولا تستطيع حضارة واحدة أن تدّعي تمثيل الإنسانية كلها. ففي نهاية المطاف، قد يكون الحدث الأهم في القرن الحادي والعشرين ليس صعود الشرق أو تراجع الغرب، بل سقوط وهم المركز ذاته.

عودة الحضارات إلى صناعة التاريخ

ليست التحولات الكبرى التي يشهدها العالم اليوم مجرد انتقال لمراكز المال والاستثمار والتكنولوجيا من الغرب إلى الشرق، بل هي في جوهرها عودة تدريجية للحضارات القديمة إلى موقع الفاعل بعد قرون طويلة من التهميش النسبي. فما يبدو على السطح صعوداً اقتصادياً للصين أو الهند أو بعض قوى الجنوب العالمي، يخفي في الأعماق ظاهرة أكثر أهمية وأبعد أثراً: استيقاظ الذاكرة الحضارية لشعوب كانت، حتى وقت قريب، تُعرَّف من خلال موقعها داخل المنظومة الغربية لا من خلال تاريخها الخاص.

لقد ساد خلال القرنين التاسع عشر والعشرين اعتقاد ضمني بأن التاريخ يتحرك في اتجاه واحد، وأن جميع الأمم ستنتهي، عاجلاً أم آجلاً، إلى تبني الصيغة الغربية في التفكير والاقتصاد والسياسة والثقافة. وبدا كأن الحضارات الأخرى لم يعد لها سوى أن تلتحق بقطار الحداثة القادم من أوروبا وأمريكا الشمالية، وأن تتخلى تدريجياً عن خصوصياتها لصالح نموذج عالمي واحد. غير أن الوقائع أخذت تسير في اتجاه مختلف تماماً. فبدلاً من ذوبان الهويات الحضارية الكبرى، شهد العالم عودتها إلى المجال العام بثقة متزايدة، ليس بوصفها بقايا من الماضي، بل باعتبارها مصادر لإنتاج القوة والمعنى والرؤية.

فالصين، على سبيل المثال، لم تنهض باعتبارها نسخة آسيوية من الغرب، وإنما باعتبارها وريثة واحدة من أقدم الحضارات المستمرة في التاريخ. فهي تستثمر التكنولوجيا الأكثر تطوراً، لكنها تستند في الوقت ذاته إلى مخزون ثقافي وفلسفي عميق يمتد لآلاف السنين. والأمر نفسه ينطبق على الهند التي لا تقدم نفسها للعالم بوصفها اقتصاداً صاعداً فحسب، بل كفضاء حضاري هائل يحتضن تاريخاً ووعياً جمعياً سابقين لقيام كثير من الدول الحديثة.

أما في مناطق أخرى من العالم، فقد بدأت الشعوب تستعيد الثقة بتراثها الثقافي والرمزي بعد عقود طويلة من الشعور بالدونية الحضارية. ففي إفريقيا وأمريكا اللاتينية والعالم الإسلامي تتنامى، بدرجات متفاوتة، قناعة مفادها أن التنمية لا تقتضي بالضرورة التخلي عن الذات، وأن الحداثة لا تعني نسخ التجربة الغربية حرفياً، بل القدرة على إنتاج مسار خاص ينسجم مع التجربة التاريخية لكل مجتمع.

ومن منظور أنثروبولوجي، تمثل هذه العودة حدثاً استثنائياً في تاريخ البشرية. فالحضارات لا تموت حين تفقد السلطة السياسية، بل تدخل في حالة كمون طويلة، تحتفظ خلالها بلغاتها ورموزها وذاكرتها الجماعية وصورها عن العالم. وحين تتوافر الظروف المناسبة، تعود هذه العناصر إلى الظهور بأشكال جديدة، وتتحول من مجرد إرث ثقافي إلى قوة فاعلة في تشكيل الواقع. ولهذا فإن ما نشهده اليوم ليس صعود دول فحسب، بل عودة أطر حضارية كاملة إلى المشاركة في صياغة النظام العالمي.

ولعل السمة الأبرز لهذه العودة أنها لا تسعى إلى إسقاط الغرب أو إقصائه بقدر ما تسعى إلى إنهاء احتكاره للتمثيل الحضاري للإنسانية. فالعالم لم يعد يقبل بسهولة الفكرة التي تقول إن طريقاً واحداً فقط يقود إلى التقدم، أو أن نموذجاً ثقافياً واحداً يملك حق تعريف القيم الكونية. لقد أصبح المشهد أكثر تنوعاً وتعقيداً، وأصبحت الحضارات المختلفة تطالب بحقها في أن تكون شريكاً في إنتاج المستقبل لا مجرد متلقٍّ له.

وهكذا، فإن أحد أهم ملامح القرن الحادي والعشرين يتمثل في انتقال الحضارات من موقع الموضوع إلى موقع الفاعل، ومن حالة الدفاع عن الذات إلى حالة المساهمة في رسم ملامح العالم. فبعد قرون بدا خلالها التاريخ وكأنه يُكتب بلغة واحدة ومن منظور واحد، ها هي أصوات متعددة تعود إلى المسرح، حاملة معها رؤى مختلفة للإنسان، والمجتمع، والدولة، والتنمية. وفي هذا التنوع المتزايد تكمن حقيقة التحول الذي يعيشه عصرنا: ليس صعود أمة بعينها، بل عودة التاريخ إلى أصحابه جميعاً.

الصراع على الرواية والمعنى

لطالما اعتقد البشر أن الحروب تُخاض من أجل الأرض والثروة والحدود، غير أن التأمل العميق في حركة التاريخ يكشف أن أعظم الصراعات لم تكن تدور حول الجغرافيا بقدر ما كانت تدور حول المعنى. فالإمبراطوريات الكبرى لم تسعَ فقط إلى السيطرة على المدن والموانئ والطرق التجارية، بل سعت قبل ذلك إلى احتكار تفسير العالم نفسه، لأن من يملك الرواية يملك، في النهاية، القدرة على توجيه الإدراك الجمعي وصياغة صورة الواقع في أذهان الشعوب.

من هنا، فإن التحول الأكثر أهمية في العالم المعاصر لا يتمثل فقط في صعود قوى اقتصادية جديدة أو إعادة توزيع النفوذ الدولي، بل في تصدع الاحتكار الذي مارسه الغرب لعقود طويلة على إنتاج السردية العالمية. فقد كان القرن العشرون، إلى حد بعيد، قرناً تتحكم فيه مراكز محددة في تعريف الأحداث وتفسيرها ومنحها الشرعية الأخلاقية والسياسية. كانت القوة مقرونة بالقدرة على الكلام باسم الإنسانية، وكانت الهيمنة تتعزز عبر السيطرة على اللغة التي يُفهم بها العالم.

غير أن هذا الاحتكار بدأ يفقد تماسكه تدريجياً. فالثورة الرقمية، واتساع فضاءات الاتصال، وظهور وسائل إعلام عابرة للحدود، جميعها ساهمت في كسر الجدار الذي كان يفصل بين منتجي المعرفة ومستهلكيها. أصبح بإمكان شعوب كانت تعيش على هامش الرواية العالمية أن تروي قصتها بنفسها، وأن تقدم قراءتها الخاصة للأحداث والتاريخ والمستقبل. وهكذا دخل العالم مرحلة جديدة لم تعد فيها الحقيقة السياسية أو الثقافية حكراً على طرف واحد، بل أصبحت موضع تنافس دائم بين رؤى متعددة ومصالح متشابكة.

وفي العمق، لا يتعلق الأمر فقط بتعدد مصادر الأخبار أو تنوع المنصات الإعلامية، وإنما بتنافس تصورات مختلفة حول معنى التقدم ذاته. فما الذي يجعل مجتمعاً ما متقدماً؟ وأي نموذج اقتصادي يستحق أن يُحتذى؟ وما العلاقة بين الحرية والاستقرار؟ وهل التنمية الاقتصادية يمكن أن تسلك أكثر من طريق؟ هذه الأسئلة، التي ظلت الإجابة عنها لعقود شبه محتكرة من قبل النموذج الغربي، عادت اليوم إلى ساحة النقاش العالمي بوصفها أسئلة مفتوحة لا تملك حضارة واحدة حق الإجابة النهائية عنها.

ولهذا فإن الصراع الراهن يبدو، في جوهره، صراعاً بين سرديات كبرى أكثر منه مواجهة بين جيوش وأساطيل. فالصين تطرح سرديتها الخاصة عن التنمية والدولة والمجتمع، والهند تستدعي إرثها الثقافي والفلسفي العريق، وروسيا تستحضر رؤيتها الخاصة لموقعها في النظام الدولي، فيما تسعى دول الجنوب العالمي إلى إعادة تعريف علاقتها بالمركز التقليدي للقوة. إن كل طرف يحاول أن يقنع العالم ليس فقط بامتلاك القوة، بل بامتلاك التفسير الأكثر إقناعاً لمسار التاريخ.

وفي هذا السياق، أصبحت التكنولوجيا سلاحاً ثقافياً بامتياز. فالذكاء الاصطناعي، ومنصات التواصل، وتدفقات البيانات العابرة للحدود، لم تعد مجرد أدوات تقنية، بل تحولت إلى فضاءات تتشكل داخلها الرؤى والقيم والقناعات. ومن ينجح في التأثير على هذه الفضاءات يمتلك قدرة هائلة على تشكيل وعي الأجيال المقبلة. ولهذا لم تعد المنافسة الدولية مقتصرة على امتلاك المصانع أو القواعد العسكرية، بل امتدت إلى امتلاك الخوارزميات والمنصات وأدوات إنتاج المعرفة.

إن العالم الجديد الذي يتشكل أمام أعيننا ليس مجرد عالم تتعدد فيه مراكز القوة، بل عالم تتعدد فيه مراكز تأويل الواقع. وهذه هي النقلة الأكثر عمقاً وخطورة في آن واحد. فعندما ينتهي احتكار الرواية، يدخل التاريخ مرحلة أكثر ثراءً وأكثر اضطراباً أيضاً، لأن الأصوات المتعددة لا تعني بالضرورة الانسجام، بل تعني التنافس المستمر على تعريف الحقيقة وتحديد الاتجاه.

ومن ثم، فإن جوهر التحول العالمي الراهن لا يكمن في انتقال النفوذ من غرب إلى شرق، أو من شمال إلى جنوب، بل في انتقال البشرية من عصر الرواية الواحدة إلى عصر الروايات المتعددة. إنه انتقال من عالم كان يتحدث بصوت واحد تقريباً، إلى عالم تتزاحم فيه أصوات الحضارات والثقافات والأمم، بحثاً عن مكانها في كتابة الفصل الجديد من تاريخ الإنسان.

على أعتاب عصر ما بعد المركز

في نهاية المطاف، قد لا يتذكر المؤرخون القرن الحادي والعشرين بوصفه القرن الذي صعدت فيه الصين أو استعادت فيه الهند مكانتها أو تمددت فيه تكتلات الجنوب العالمي، بل بوصفه القرن الذي أدركت فيه البشرية، للمرة الأولى منذ زمن طويل، أن التاريخ لا يملك عاصمة دائمة، وأن الحضارات لا تُمنح حق القيادة إلى الأبد.

لقد كان وهم المركز أحد أكثر الأفكار رسوخاً في الوعي الإنساني. ففي كل عصر كانت هناك قوة تعتقد أنها بلغت ذروة التاريخ، وأن ما وصلت إليه يمثل النهاية المنطقية لمسيرة البشر. غير أن التاريخ، في حكمته العميقة، لم يتوقف يوماً عند أمة أو إمبراطورية أو حضارة. كان يواصل التدفق بهدوء، كأنه يذكّر الجميع بأن القوة عابرة، وأن الثابت الوحيد هو التغير.

واليوم، بينما تتراجع يقينيات الأمس وتتزاحم القوى الصاعدة على مسرح العالم، تبدو الإنسانية وكأنها تغادر زمناً كاملاً من التفكير الأحادي لتدخل فضاء أكثر اتساعاً وتعقيداً. فالعالم الجديد الذي يتشكل أمام أعيننا ليس شرقياً في مواجهة الغرب، ولا جنوبياً في مواجهة الشمال، بل هو عالم تتجاور فيه مراكز متعددة للنفوذ والمعرفة والخيال السياسي. عالم لم يعد فيه المستقبل يُصاغ في مدينة واحدة، ولا تُفسَّر فيه البشرية من منظور ثقافة واحدة.

إن القيمة الحقيقية لهذا التحول لا تكمن في تبدل موازين القوة، بل في عودة التعدد إلى قلب التجربة الإنسانية. فبعد قرون طويلة من محاولة اختزال العالم في نموذج واحد، تعود الحضارات لتعلن حقها في الاختلاف، وحقها في المشاركة في كتابة المصير الإنساني المشترك. إنها لحظة تستعيد فيها الشعوب أصواتها، لا لتتحدث ضد بعضها البعض، بل لتتحدث أخيراً بلغاتها الخاصة.

لكن التاريخ يطرح، في هذه اللحظة المفصلية، سؤالاً أكثر عمقاً من سؤال القوة: هل ستتعلم الإنسانية العيش في عالم بلا مركز مهيمن؟ وهل ستنجح الحضارات المختلفة في تحويل التنوع إلى شراكة، أم أنها ستكرر الدورة القديمة ذاتها، حيث يسعى كل صاعد جديد إلى احتلال العرش الذي أسقطه؟

لا أحد يملك الإجابة النهائية. غير أن المؤكد أن العالم الذي يتشكل اليوم يختلف جذرياً عن العالم الذي عرفناه بالأمس. فالبشرية تقف على عتبة مرحلة جديدة، تتسع فيها خرائط المعنى بقدر ما تتغير خرائط النفوذ. وربما تكون أعظم حقيقة يكشفها هذا العصر أن الحضارة الإنسانية لم تُخلق لتسير خلف قائد واحد إلى الأبد، بل لتتقدم عبر حوار طويل بين أمم وثقافات وتجارب متعددة.

وهكذا، فإن الحدث الأكبر في زماننا ليس أفول الغرب ولا صعود الشرق، بل تحرر التاريخ نفسه من فكرة المركز الواحد. وما يولد الآن ليس نظاماً دولياً جديداً فحسب، بل وعيٌ جديد بالإنسان والعالم؛ وعيٌ يدرك أن المستقبل، كما كان الماضي دائماً، ملكٌ لجميع من يشاركون في صناعته.

ملامح العالم الجديد... من الهيمنة إلى التفاوض

إذا كان القرن العشرون قد تَشكّل تحت ظل فكرة القوة المهيمنة القادرة على فرض إرادتها على النظام الدولي، فإن القرن الحادي والعشرين يبدو متجهاً نحو نموذج أكثر تعقيداً وأقل يقيناً. فالعالم الذي يخرج من بين أنقاض الأحادية الغربية لا يتجه بالضرورة نحو مركز بديل يحتل الموقع ذاته، بل نحو فضاء دولي تتوزع فيه القوة بين أطراف متعددة، تتنافس حيناً وتتعاون حيناً آخر، دون أن ينجح أي منها في فرض احتكار كامل للقرار العالمي.

لقد اعتادت البشرية، عبر مراحل طويلة من تاريخها، النظر إلى العالم من خلال صورة هرمية واضحة: إمبراطوريات في القمة وشعوب في الأطراف، مراكز فاعلة وهوامش تابعة. لكن هذه الصورة تزداد تآكلاً يوماً بعد آخر. فالقوة لم تعد تُختزل في الجيوش والأساطيل، ولا في حجم الاقتصاد وحده، بل أصبحت شبكة معقدة من التكنولوجيا والمعرفة والطاقة والموارد والقدرة على التأثير الثقافي. ولهذا بات من الصعب على دولة واحدة، مهما بلغت قوتها، أن تتحكم منفردة في مصير نظام عالمي يتسم بدرجة غير مسبوقة من الترابط والتشابك.

وفي هذا العالم الجديد، تحلّ المفاوضة محل الإملاء، والتوازن محل الاحتكار، والشراكة محل التبعية. فالقضايا الكبرى التي تحدد مستقبل البشرية لم تعد قابلة للحسم من طرف واحد. التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، وأمن الطاقة، والأوبئة، والهجرة، والأمن الغذائي، جميعها ملفات تتجاوز قدرة أي دولة على معالجتها بمفردها. وهكذا يجد العالم نفسه مضطراً إلى ابتكار أشكال جديدة من التعاون الدولي تقوم على الاعتراف المتبادل بالمصالح والنفوذ، لا على افتراض وجود مركز يملك وحده حق القرار.

غير أن هذا التحول لا يخلو من التحديات. فالتعددية القطبية لا تعني بالضرورة عالماً أكثر استقراراً. فكل مرحلة انتقالية في التاريخ تحمل معها قدراً من الاضطراب وعدم اليقين. والنظام القديم، مهما بلغت عيوبه، كان يستند إلى قواعد واضحة نسبياً، أما النظام الجديد فما زال قيد التشكل، وما تزال حدوده وقواعده وموازين قواه في طور التفاوض المستمر. ولهذا تتكاثر مناطق الاحتكاك الجيوسياسي، وتتصاعد المنافسة على الممرات التجارية والموارد الاستراتيجية والتفوق التكنولوجي.

ومن منظور أنثروبولوجي أعمق، فإن العالم الجديد لا يعيد توزيع القوة فحسب، بل يعيد تعريف فكرة العالمية ذاتها. فبعد قرون طويلة ارتبطت خلالها العالمية بنشر نموذج حضاري واحد، بدأت تتبلور رؤية مختلفة ترى أن الإنسانية ليست مشروعاً موحداً تُصاغ ملامحه في مركز بعينه، بل نسيجاً واسعاً من التجارب والثقافات والتصورات المتنوعة. وبدلاً من السعي إلى صهر الاختلافات داخل قالب واحد، يصبح التحدي الأكبر هو إدارة هذا التنوع والمحافظة على التوازن بين الوحدة والتعدد.

وربما يكون هذا هو المعنى الحقيقي للتحول التاريخي الذي نعيشه اليوم. فالعالم لا يتجه فقط نحو تعدد مراكز القوة، بل نحو تعدد مراكز الرؤية والفهم والتأويل. لم تعد البشرية تنظر إلى نفسها من مرآة حضارة واحدة، بل من مرايا متعددة تعكس وجوهاً مختلفة للتجربة الإنسانية. وهذا ما يجعل اللحظة الراهنة لحظة استثنائية بكل المقاييس؛ إذ إنها لا تؤذن بانتصار حضارة على أخرى، بقدر ما تعلن نهاية عصر الادعاء بأن حضارة واحدة تستطيع أن تتحدث باسم الجميع.

وهكذا يتشكل العالم الجديد بهدوء وعنف في آن واحد؛ هدوء التراكمات الاقتصادية والتكنولوجية التي تعيد رسم خرائط النفوذ، وعنف التحولات الفكرية التي تهدم يقينيات استمرت قروناً. وبين هذين المسارين تولد حقبة تاريخية جديدة، لن يكون عنوانها سيطرة الشرق على الغرب أو الغرب على الشرق، بل دخول البشرية عصراً أكثر تعدداً، وأكثر تعقيداً، وأكثر انفتاحاً على احتمالات لم تعرفها منذ زمن طويل. ففي نهاية المطاف، قد لا يكون الإرث الأهم لهذا القرن هو ظهور قوة عظمى جديدة، بل ولادة عالم لم يعد يقبل وجود قوة عظمى وحيدة تتحكم في مصير الجميع.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي متخصص بالأنثروبولوجيا

كلما سمعت عن جريمة إرهابية في مكان من هذا العالم، أو شاهدت مشاهد القتل التي يرتكبها المتطرفون بحق أناس آمنين لا ذنب لهم سوى أنهم موجودون في المكان الخطأ، أو ينتمون إلى دين أو جماعة أو ثقافة لا تعجب القتلة، عاودتني كوابيس التهديد الإرهابي الذي تعرضت له في عدن، حين كنت نائبًا أكاديميًا لكلية الآداب بجامعة عدن. كأن الذاكرة، مهما ابتعدت المسافات وتبدلت الأمكنة، ترفض أن تمنح صاحبها براءة النسيان. وكأن الرصاص الذي دوّى في صباح السابع والعشرين من مارس 2018 لم يتوقف تمامًا، بل ظل يواصل رحلته في أعماقي، منتظرًا كل خبر إرهابي جديد كي يستيقظ من نومه الثقيل.

لم تكن تجربتي مع الإرهاب حكاية أستعيدها للتأثير في عواطف الآخرين، ولا فصلًا من ماضٍ طواه الزمن، بل تجربة إنسانية قاسية ما زالت آثارها النفسية ترافقني حتى اليوم. فالتهديد الذي يستهدف حياة الإنسان لا ينتهي بالضرورة بانتهاء الحادثة؛ قد يغادر الجناة المكان، لكنهم يتركون وراءهم خوفًا مقيمًا، وأسئلة لا تنام، وشعورًا هشًا بالأمان، كأن الموت الذي لم يقع في لحظته الأولى يظل احتمالًا مفتوحًا في كل لحظة لاحقة.

في صباح ذلك اليوم المحفور في ذاكرتي، دخلت بسيارتي من بوابة كلية الآداب، واتجهت إلى مكتبي كعادتي. لم تمضِ سوى دقائق قليلة على دخولي حتى سمعت إطلاق رصاص كثيفًا من جهة البوابة. ظننت في البداية أنه اشتباك مسلح في شارع الثقافة، كما كانت تحدث أحيانًا في تلك الأيام المضطربة. استمرت لعلعة الرصاص بضع دقائق، ثم خيم هدوء حذر. وبينما كنت أستعد لفتح جهاز الحاسوب المحمول، طرق أحد موظفي إدارة الكلية باب مكتبي مسرعًا، وهو يصرخ: «يا دكتور، هجوم إرهابي على كليتنا!».

خرجت مسرعًا باتجاه البوابة، حيث تجمع الطلاب والموظفون وسكان الحي وعدد من أفراد الشرطة. وهناك سمعت الرواية التي ستظل عالقة في ذاكرتي: سيارة تقل ثلاثة ملثمين وصلت إلى الكلية، وسألوا عني، ثم حاولوا الدخول بالقوة. وحين منعهم حارسا الكلية من فتح البوابة، أطلقوا النار عليهما. كان ذلك اعتداءً على المؤسسة الأكاديمية والعاملين فيها،

في تلك الليلة، أدركت على نحو موجع أن الإنسان قد يجد نفسه فجأة في مواجهة احتمال اختفائه من الحياة، لا لأنه ارتكب جريمة، بل لأنه اختار أن يفكر ويكتب ويعمل في المجال العام. ومنذ ذلك الحين، لم تعد علاقتي بالخروج من المنزل أو الذهاب إلى العمل كما كانت من قبل. صار السؤال الذي لا أريد أن أطرحه على نفسي حاضرًا في خلفية كل حركة: هل سأعود؟

لم يكن خوفي وليد خيال منفصل عن الواقع. ففي عدن، خلال تلك السنوات، لم تكن تمر أسابيع من دون أن تتردد أخبار الاغتيالات والتفجيرات، وتتحول أسماء الضحايا إلى شواهد على عجز المجتمع عن حماية أفراده. اغتيلت زميلتي الدكتورة نجاة مقبل مع ابنها الوحيد سامح في شقتها يوم 17 مايو 2018، في جريمة صادمة طالت إنسانة ومحيطها العائلي، وتركت جرحًا عميقًا في الوسط الأكاديمي والإنساني. وقبل ذلك، قُتل الشاب عمر ياطويل، ابن السابعة عشرة، في 26 أبريل 2016، في سياق ارتبط باتهامه بالإلحاد. ثم اغتيل أمجد عبد الرحمن محمد، طالب كلية الحقوق بجامعة عدن والناشط المدني الذي أسس نادي الناصية الثقافي، في 14 مايو 2017.

وحين يُقتل شاب بسبب فكرة يُتهم بها، أو يُستهدف أكاديمي بسبب موقفه، أو يُرعب مجتمع كامل لأن جماعة مسلحة قررت أن تفرض عليه تصورها للحياة، فإن الجريمة تتجاوز الضحية المباشرة. إنها محاولة لإعدام مساحة التفكير الحر، وإرغام الأحياء على ممارسة الرقابة على أنفسهم قبل أن يمارسها عليهم القتلة.

بعد ذلك التهديد، غادرت اليمن إلى الخرطوم، وبقيت هناك قرابة عام أعيش في حالة من الحذر والتخفي، خشية المتطرفين واحتمال وصولهم إليّ. ولم يكن الانتقال من مدينة إلى أخرى كافيًا لاستعادة الطمأنينة؛ فالخوف لا يحمل جواز سفر، لكنه يعرف كيف يعبر الحدود مع صاحبه. وقد وجدت نفسي أعيش تجربة الانتظار بكل ما فيها من قلق وترقب، وكأن الإنسان الذي نجا من الخطر الجسدي لا بد أن يخوض معركة أخرى لاستعادة شعوره بأنه ما زال يملك حياته.

واليوم، وأنا أتابع خبر الجريمة الإرهابية التي وقعت في الأردن يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، أعود مرة أخرى إلى تلك الذاكرة. فقد استهدف مسلحون مشيعين خلال جنازة في كنيسة حمود بقرية حمود في محافظة الكرك جنوبي الأردن، وأسفر الهجوم، بحسب ما أعلنته السلطات، عن مقتل سبعة أشخاص وإصابة عشرات آخرين. وقد وصفت السلطات الأردنية الحادثة بأنها عمل إرهابي نفذه متطرفون، فيما بدأت ملاحقة المسؤولين عنها بحسب (وكالة الأنباء الأردنية «بترا»، 23 أكتوبر 2026؛ رويترز، 23 أكتوبر 2026).

إن استهداف أناس تجمعوا في مناسبة جنائزية، يفترض أن تكون محكومة بحرمة الموت وكرامة الإنسان، يكشف إلى أي حد يمكن أن ينحدر العنف حين يتحول التطرف إلى منظومة تفكير تنزع عن الآخرين حقهم في الحياة. فحتى الموت، الذي يفترض أن يوقظ في النفوس مشاعر الرحمة والتضامن، لم يسلم من رصاص من لا يرون في الإنسان إلا هوية مختلفة أو هدفًا ينبغي التخلص منه.

والسؤال الذي تثيره هذه الجريمة لا يتوقف عند هوية منفذيها، أو الجهة التي قد ينتمون إليها، أو العقوبة التي يستحقونها. السؤال الأعمق هو: كيف يصل الإنسان إلى اللحظة التي يتخيل فيها أن قتل إنسان آخر يمكن أن يكون فعلًا مشروعًا أو بطولة أو قربانًا لقضية؟ وكيف تتحول الأفكار، حين تُغلق على نفسها أبواب النقد، إلى أدوات لتبرير إراقة الدماء؟

لا يكفي أن نقول إن الإرهاب لا دين له، ثم نغلق باب النقاش. صحيح أن الإرهاب لا يمثل دينًا بأكمله ولا يجوز تحميل جماعة دينية كاملة مسؤولية جرائم المتطرفين، لكن مواجهة الظاهرة تتطلب أيضًا تفكيك خطاب التكفير والتحريض، ومساءلة المؤسسات والأفكار التي تمنح العنف غطاءً أخلاقيًا زائفًا، وتعليم الناس أن الاختلاف ليس جريمة، وأن حرية الاعتقاد والتفكير ليستا منحة تمنحها السلطة أو تسحبها جماعة مسلحة.

لقد كتبت مرارًا عن مخاطر العنف المقدس والتطرف والإرهاب في اليمن، وحذرت من أن انهيار الدولة لا يترك فراغًا أمنيًا فحسب، بل يفتح المجال أمام قوى تحاول احتكار الحقيقة وتحديد من يستحق الحياة ومن يستحق الموت. لم تكن الكتابة بالنسبة إليّ ترفًا أكاديميًا، بل مسؤولية فكرية وأخلاقية، ومحاولة للدفاع عن فكرة الدولة في وجه الفوضى، وعن القانون في وجه السلاح، وعن الإنسان في وجه الأيديولوجيات التي تتعامل معه بوصفه وسيلة لتحقيق غاياتها.

إن الخوف الذي عشته بعد حادثة كلية الآداب ليس ضعفًا أخجل منه، بل أثر إنساني مفهوم لتجربة هددت حياتي مباشرة. والشجاعة لا تعني أن يتظاهر الإنسان بأنه لا يخاف، وإنما أن يرفض أن يجعل الخوف معيارًا وحيدًا لتحديد ما يقوله وما يفعله. ومع ذلك، لا يجوز أن نطالب ضحايا التهديد بأن يكونوا أبطالًا على مدار الساعة، ثم نتركهم وحدهم في مواجهة آثار العنف. من واجب الدولة والمجتمع توفير الحماية والعدالة والدعم، لا الاكتفاء بتكريم الضحايا بعد فوات الأوان.

فالأمن، في تقديري، ليس مجرد نقاط تفتيش أو دوريات مسلحة، ولا قدرة الأجهزة على ملاحقة الجناة بعد وقوع الجريمة، على أهمية ذلك كله. الأمن هو أن يغادر الإنسان منزله دون أن يتخيل جنازته، وأن يذهب الأستاذ إلى جامعته دون أن يخشى أن يكون اسمه على قائمة اغتيالات، وأن يمارس المواطن شعائره دون أن يتحول مكان عبادته إلى ساحة قتل. الأمن هو حضور الطمأنينة، لا مجرد غياب الرصاص.

ومن هنا، فإن بناء الأمن لا ينفصل عن بناء الدولة والتنمية والعدالة. فحين تنهار المؤسسات، وتتعطل فرص التعليم والعمل، ويُحرم الناس من الخدمات والكرامة، تتسع المساحات التي تستثمر فيها الجماعات المتطرفة اليأس والإحباط. لكن الفقر وحده لا يصنع الإرهاب، كما أن الحرمان لا يحول الإنسان تلقائيًا إلى قاتل؛ إنما تتداخل عوامل سياسية واجتماعية وفكرية، وتصبح أكثر خطورة حين تجد خطابًا يحرض على الكراهية ومؤسسات عاجزة عن حماية المواطنين ومحاسبة المعتدين.

لذلك أكرر ما قلته مرارًا بشأن عدن: إن الحاجة لا تقتصر على ملاحقة الجناة، مع أن ذلك واجب لا يقبل المساومة، بل تمتد إلى بناء منظومة متكاملة لحماية الحياة المدنية، وإقامة دولة قانون تحاسب القاتل مهما كان انتماؤه، وتصون الحريات، وتحمي المؤسسات الأكاديمية والثقافية، وتضمن ألا يصبح اختلاف الإنسان سببًا لاستباحة دمه. فلا أمن بلا عدالة، ولا استقرار بلا مؤسسات تحظى بثقة الناس، ولا تنمية حقيقية في ظل الخوف الدائم.

تهريب الإرهاب.. وحمار جحا!

هنا تحضرني حكاية جحا التي استعادها الفيلسوف الفرنسي جان بودريار في كتابه «روح الإرهاب». كان جحا يعبر الحدود كل يوم على حمير تحمل أكياسًا، فيفتشها الحراس فلا يجدون شيئًا يستحق المصادرة. واستمر العبور حتى سأله أحدهم، بعد سنوات، عما كان يهرّبه. فأجابه: الحمير!

إن المفارقة الفلسفية في الحكاية هي أن المفتشين انشغلوا بتفتيش الأكياس، بينما ظل الشيء الذي يبحثون عنه أمام أعينهم. وفي قراءة بودريار للإرهاب، تتجاوز المسألة الأدوات الظاهرة إلى منطق أعمق يتعلق بتحدي النظام الرمزي والسياسي، وبكيفية تحويل الموت إلى رسالة تستهدف مجتمعًا أوسع من الضحايا أنفسهم.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس فقط: ما السلاح الذي استخدمه الإرهابيون؟ ولا كيف وصلوا إلى المكان؟ بل ما الرسالة التي أرادوا إرسالها عبر الجثث والدماء؟ إنهم يريدون أن يقولوا للناس إن لا مكان آمنًا، وإن لا اختلاف محميًا، وإن الموت قادر على اقتحام البيت والجامعة والشارع ودار العبادة. يريدون أن يجعلوا الخوف سيد الحياة، وأن يدفعوا المجتمع إلى الانقسام والارتياب، وأن يحولوا المواطن من صاحب حق إلى شخص ينتظر مصيره.

لكن ثمة فرقًا جوهريًا بين فهم الرسالة الإرهابية وتبريرها. ففهم آلياتها ضرورة لمواجهتها، أما منحها أي شرعية أخلاقية فخيانة لضحاياها. والمواجهة الحقيقية لا تكون بتكرار لغة الكراهية ذاتها، ولا بالانتقام الجماعي، ولا بالتضحية بالحريات باسم الأمن؛ لأن ذلك قد يمنح التطرف وقودًا جديدًا، ويحوّل الدولة التي يفترض أن تحمي الإنسان إلى مصدر آخر لخوفه.

إن الإرهاب يريد منا أن نعيش داخل كابوسه حتى بعد أن يغادر القتلة المكان. يريد للرصاصة أن تواصل عملها في الذاكرة، وللجريمة أن تتكرر في مخيلة كل إنسان، وللخوف أن يصبح قانونًا غير مكتوب يحكم سلوكنا. وهذا ما يجعل الدفاع عن الحياة والحرية والمواطنة فعلًا يتجاوز الشعارات إلى بناء مؤسسات قادرة على حماية الناس، وثقافة ترفض التكفير، وتربية تعلم الأجيال أن الإنسان ليس عدوًا لمجرد أنه مختلف.

لهذا، فإن السؤال الذي يطاردني منذ هجوم كلية الآداب لا يزال مفتوحًا: متى يستطيع الإنسان أن يعيش في مدينته دون أن يخشى أن تكون أفكاره سببًا لقتله، أو أن يكون اختلافه حكمًا بالإعدام عليه؟ ومتى تصبح الجامعة مكانًا للمعرفة لا هدفًا للمسلحين، والكنيسة والمسجد مكانين للعبادة لا ساحتين للرعب، والشارع فضاءً للحياة لا ممرًا إلى المجهول؟

إن معركتنا مع الإرهاب ليست معركة أمنية فحسب، بل معركة معنى الحياة والإنسان وحقه في أن يكون حرًا وآمنًا ومختلفًا. ولن ننتصر فيها بمجرد أن نحصي القتلى أو نطارد الجناة، بل حين نبني عالمًا لا يحتاج فيه الإنسان إلى الشجاعة كي يمارس حياته العادية.

تكلم حتى أراك، واكتب حتى أعرفك؛ فحين يصبح التفكير تهمة، والكلمة خطرًا، والاختلاف جريمة، لا يكون الإرهاب قد قتل ضحاياه وحدهم، بل يكون قد بدأ باغتيال الحياة في ضمير المجتمع.

***

د. قاسم المحبشي

فكر إكراهي: ابتداءً أقول إن خطاب الكراهية ناجم عن فكر إكراهي وعقل لا يعترف بالآخر، الأمر الذي يحتاج لمواجهته لتفكيك العقل الآخر الذي يقوم على التعصب. وحسب دستور اليونسكو (1945) " بما أن الحروب تولد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تبنى حصون السلام".

صحيح أنه لا يوجد مجتمع أو دولة تخلو من شكل من أشكال الكراهية؛ الأمر يستوجب دراسة هذه الظاهرة، وكيف تطوّرت بحيث تحوّلت من مجرّد بضعة أفكار أو آراء أو حتى وجهات نظر أو ردود أفعال لفرد أو لعدد من الأفراد إلى أن تُصبح ظاهرة متفشية بالمجتمع ككل أو بجماعة معينة دينية أو إثنية أو سلالية أو لغوية أو طائفية قد تُسفر عن عنف منفلت من عقاله، وقد تؤدي إلى نزاعات أو حروب أو حتى أعمال إبادة جماعية.

وعادة ما تنجم الكراهية الفردية والمجتمعية عن شعور يتّسم بشحّ مبادئ المساواة والعدالة والتمييز أو عدم الثقة بحق فرد ما أو مجموعة إثنية أو دينية أو اجتماعية أو غير ذلك، فضلاً عن التفاوت الاجتماعي والطبقي وعدم تكافؤ الفرص، إضافة إلى الأمية والتخلف، الأمر الذي ينشأ بسببه أو على أساسه مثل هذا الشعور بالاستعلاء (من جانب القوى المتنفّذة والمتسيّدة) أو بالاستتباع (من جانب القوى الضعيفة والمهمّشة)، والذي قد يؤدي إلى ردود فعل قد تقود إلى العنف، وثمة أمثلة صارخة على ذلك  خصوصاً حين ينشأ " العقل الإكراهي".

وقد لعبت وسائل الإعلام، في السابق والحاضر، دورًا كبيرًا في إذكاء نار الكراهية، ويزداد خطرها اليوم بفعل الثورة العلمية التقنية وتكنولوجيا المعلومات والتطوّر الهائل وغير المسبوق في الاتصالات والمواصلات، فضلًا عن الذكاء الاصطناعي، ولو توقّفنا عند الحرب العالمية الثانية لأدركنا خطر خطاب الكراهية الذي امتشقته النازية والفاشية كسلاح لا يقل عن أسلحة الدمار الفتّاكة وما بعدها في فترة الحرب الباردة والصراع الآيديولوجي بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي (1946 – 1989)، ، فضلًا عمّا حدث في البوسنة والهرسك ورواندا، ومؤخرًا على يد التنظيمات الإرهابية الإسلاموية المعروفة باسم "القاعدة" و"داعش" وأخواتهما، دون أن ننسى ما قامت به الأنظمة الشمولية والسلطوية .

سؤال قلق وليس طمأنينة

لذلك أقول إن سؤال كيفية مواجهة خطاب الكراهية؟ ينم عن قلق وعدم طمأنينة وضعف ثقة، وهو يحتاج إلى بحث في الجوهر والخلفيات الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والدينية والثقافية وسُبل المعالجات للحدّ منه، ولكبح جماحه، الذي قد يُسفر عن ارتكابات شنيعة وجرائم جسيمة، ولعل ذلك يتطلّب حظر الدعوة إلى الكراهية لأسباب دينية أو إثنية أو مجتمعية، والتي تشكّل مادة للتمييز الذي يقود إلى العداوة، التي أساسها التعصّب الذي يُنجب التطرّف والأخير يُنتج العنف والإرهاب.

ما الكراهية؟

الكراهية ظاهرة اجتماعية مركّبة ومعقّدة، وهي قديمة قِدم التاريخ، تتداخل فيها العوامل النفسية والثقافية مع الجوانب السياسية والقانونية، قادت إلى حروب ونزاعات، راح ضحيّتها مئات الملايين من البشر. وهي تنمّ عن شعور شديد بالعداء الذي يتحوّل إلى سلوك، ويمكننا التمييز بين الكراهية الفردية والكراهية الجماعية. وإذا كانت الأولى تستهدف الفرد بسبب الغيرة أو الحسد أو الخصومة أو المنافسة، فإن الثانية توجّه إلى جماعة، قومية أو دينية أو اجتماعية أو انتماء أو غير ذلك.

والسؤال: كيف يمكن الحيلولة دون تحوّل الكراهية إلى خطاب؟ وبالتالي إلى تحريض بالخروج من دائرة التفكير إلى دائرة التنفيذ، أي أن تُصبح فعلًا دعوة إلى التمييز والعنف والحطّ من الكرامة الإنسانية.

إن سؤال الكراهية هو سؤال أُنطولوجي، أي وجودي أو ما بعد الوجود بمعناه الميتافيزيقي، ويعتبر أفلاطون أن الظلم والرذيلة هما منبع الكراهية، في حين يرى هوبز أن الكراهية هي نتاج صراع الإنسان ضد الآخرين " الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، أما روسو فيعتبر عدم المساواة والملكية الخاصة هو الذي يزرع الكراهية، ويذهب هوغو إلى القول إن الكراهية تولد الكراهية وتسبب الظلم. وتحيل حنّا أرندت سبب الكراهية إلى الأنظمة الشمولية، في الوقت الذي يراها كارل بوبر مقترنة بالمجتمعات المغلقة التي تدعي امتلاك الحقيقة، وورد على لسان السيد المسيح (ع) أن الكراهية خطيئة قلبية وجذر أساسي لكل الشرور والجرائم والكراهية، ووفقاً للإمام علي (رض) هي الآفة التي تُفسد العقل والدين وهي تقوم على الحقد والحسد وسوء الخلق.

التعصّب والكراهية ترابط عضوي

تزداد معاناة العديد من المجتمعات وخصوصاً العربية منها، جرّاء تفشّي ظاهرة الكراهية واتساع خطابها وانتشاره. والكراهية هي نتاج التعصّب ووليده التطرّف، وحين يصبح الأخير سلوكًا يقود إلى العنف، ويتحوّل العنف إلى إرهاب إذا ضرب عشوائيًا، ويُصبح إرهابًا دوليًا حين يكون عابرًا للحدود، بقصد إضعاف ثقة المواطن "الفرد" والمجتمع بالدولة، وإضعاف ثقة الأخيرة بنفسها على الصعيدين الداخلي والدولي.

وليس غريبًا حين يتمكّن التعصّب ثم التطرّف من إنسان أو مجموعة بشرية، فتستحكم فيه أو فيها الكراهية ضدّ الآخر، وهو ما يترجَم أحيانًا إلى أعمال عنف لا إنسانية، طالما يستبطن ذلك الاعتقاد صوابية الفكرة والسلوك.

لعلّ ما نشهده اليوم في مجتمعاتنا إنما هو ثمار ما زرعته التيارات السياسية والدينية والقومية وأنظمة حكمها التي ظلّت تقتات على الكراهية والتعصّب والتطرّف والعنف، فالعديد منها وإن اختلفت أيديولوجياتها الفكرية والدينية، إلّا أن حمولتها الشمولية "التوتاليتارية" منبعها واحد أساسه زعمها احتكار الحقيقة، والسعي لإقصاء الآخر وتبرير استخدام العنف باعتباره الوسيلة المشروعة في الوصول إلى تحقيق أهدافه.

من صور خطاب الكراهية التحريض على العنف والتمييز والعداوة وقد ظلّت القواعد القانونية الدولية تعاني من الغموض والإبهام فيما يخص العداوة والكراهية، بحيث يمكن أن تقدّم تفسيرًا واسعًا أو ضيقًا، بفرض قيود موضوعية أو غير موضوعية ضرورية أو غير ضرورية على حريّة التعبير، ومنها الكراهية القومية والعنصرية والدينية، كما هو السلوك الشفاهي أو الكتابي أو العملي الممارساتي الذي يهاجم شخص ما أو مجموعة على أساس الهويّة بلغة إزدرائية أو تمييزية على أساس الدين أو الأصل أو الجنس أو أي عامل آخر.

غياب التشريعات الدولية وتناقضاتها

حتى الآن لا توجد اتفاقية دولية لمكافحة خطاب الكراهية والقضاء عليه، إضافة إلى تناقض التشريعات في الاتفاقيات الدولية وعدم التمييز بين ما يُقصد بخطاب الكراهية وحرية التعبير، فضلاً عن الخلط المفاهيمي بين خطاب الكراهية والتحريض عليه، وعدم الاتفاق على المقصود بـ "المحرمات" و "المقدسات"، خصوصاً في مرحلة الذكاء الاصطناعي، فهناك خطاب يجب حظره وآخر ممكن حظره وثالث لا يمكن حظره، وإن يمسّ المشاعر لشخص أو مجموعة أشخاص.

وفي ختام المؤتمر صدر عنه إعلان أطلق عليه " شرعة القاهرة" لمواجهة خطاب الكراهية وحماية الكرامة الإنسانية، أكّد على أهمية الوقاية من خطاب الكراهية ومعالجة أسبابه البنيوية والحماية منه ومعالجة آثاره، وذلك بتقديم أولوية الكرامة الإنسانية والمساواة وعدم التمييز وحماية التعددية وحرية التعبير وحكم القانون، فضلاً عن عدم التوظيف السياسي للدين والهويّة.

وأكدت الشرعة على ضرورة إعداد خطط وطنية وإصلاح المجال التشريعي والمجال الديني والمجتمع المدني وقطاع التربية والتعليم والبحث العلمي والفضاء الرقمي والذكاء الاصطناعي وتبنّى المؤتمر الدعوة لتأسيس مرصد مستقل لخطاب الكراهية في كل دولة.

جدير بالذكر أن البابا الأنبا تواضروس الثاني (بابا الاسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية ورئيس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر وسائر بلاد المهجر) استقبل المشاركين في المؤتمر واكّد على أهمية عقد هذه اللقاءات الفكرية داعياً إلى المحبة والتسامح.

***

د. عبد الحسين شعبان - مفكر وأكاديمي

.......................

* بدعوة من مجلس كنائس الشرق الأوسط والهيئة القبطية للخدمات الاجتماعية، التأم في القاهرة مؤتمر تحت عنوان " من أجل تعزيز الكرامة الإنسانية والحياة معاً لمواجهة خطاب الكراهية" شارك فيه نخبة من الباحثات والباحثين من العديد من البلدان العربية. وشهد المؤتمر حوارات جادة ونقاشات عميقة بخصوص خطاب الكراهية وكيفية مواجهته؛ وكان لي شرف إلقاء محاضرة في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر.

لا نبالغ إذا قلنا أن شعار " الإسلام هو الحل " هو شعار جماعات الإسلام السياسي، وقد رُفِع فقط في ثمانينيات القرن العشرين، ولا نعتقد أن أحداً من الجماعات الدينية والفرق الكلامية والأحزاب السياسية في التاريخ الإسلامي، قد رفعت شعارأً من هذا، سواء في القرون الأولى، وهي حقبة صعود الحضارة العربية –الإسلامية أو في القرون الأخيرة وهي حقبة خروج المسلمين ومعهم العرب من التاريخ. والحقيقة التي لا نقاش فيها، أن جماعة الإخوان، هي أول من رفع هذا الشعار السياسي، وإلى هذه الجماعة –الأم تعود الملكية الفكرية لهذا الشعار، وهي الجماعة التي أسسها الشيخ أو الشاب حسن البنا الذي لم يتجاوز وقتها اثنين وعشرون سنة (1906- 1949) في أواخر عشرينيات القرن الماضي وبالضبط في مدينة الإسماعيلية عام، 1928، وهو عام الأزمة الاقتصادية العالمية، عام إشهار إفلاس أولي للنظام الرأسمالي، بينما كان النموذج الإشتراكي الوحيد يتعثر، ويكون ملائمًا أن يوجه حسن البنا الأفكار نحو الحل الإسلامي.. ". [1]

وما نبغي التأكيد عليه أن جماعة الإخوان تشكلت في البداية كدعوة دينية ثم تحولت إلى حركة سياسية، وهي القاعدة التي حكمت التاريخ العربي الإسلامي، إذ كل الدول التي نشأت تبدأ بالدعوة الدينية ثم تتحول إلى حركة سياسية تستولي على السلطة ومن ثمة تقيم دولة وتفرض إيديولوجيتها السياسية ومذهبها الفقهي على الناس. هكذا قامت الدولة الفاطمية في مصر ودولة المرابطين ودولة الموحدين في المغرب العربي والأمويين في الأندلس ودولة العباسيين في العراق. وما نبغي قوله، وكما ذكرنا سابقا، لا أعتقد أن هذا الشعار بهذه الصيغة اللغوية، قد رفعه أحد من المذاهب السنيّة الكبرى أو من الطوائف الدينية أو من الشيّع التي ظهرت قديمًا في عصر الدولتين الأموية والعباسية، بل ولم يلوح به أحد من الفرقاء المتحاربين حتى في عّز الحرب الأهلية التي نشبت في الإسلام المبكر بين الهاشميّين والأمويين على بسبب الصراع الضاري على السلطة، والتي انتهت كما هو معروف بإنتصار جيش الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان على جيش العراق بقيادة علي بن أبي طالب. والحقيقة أن جيش علي بقيادة مالك الأشتر كان على قاب قوسين من سحق جيش معاوية بقيادة عمرو بن العاص، لولا أن هذا الأخير توصل إلى القيام، وكما أشرنا في مقال سابق بتنفيذ خطة الخداع الاستراتيجي المعروفة تاريخيا بالعبارة الشهيرة خدعة رفع المصاحف، وهي الخدعة التي انطلت على جند علي بن أبي طالب كما انطلت في الوقت نفسه على أفراد جيش معاوية، وأدت إلى انقسام جيش العراق إلى شيعة وخوارج، وبالتالي انقسام الجماعة الإسلامية أو أمة الإسلام فيما بعد، إلى فرق وجماعات وطوائف وعصبيات وأحزاب. [2]

وتجدر الإشارة إلى أن جماعات الإسلام السياسي قد طَفَت على السطح مرة أخرى، وعادت بقوة بعد هزيمة عام 1967 الكارثية، ولا يفوتنا في هذا الصدد إلى نذكر أن أحد الوعاظ، بل ومن أبرز الدعاة ومن أشهر الشيوخ السلفييّن في القرن العشرين، كما كان من فقهاء السلطان الأكثر ظهوراً في وسائل الإعلام ومن نجوم " الدعوة والتبليغ " منذ عقد الستينيات وحتى وفاته عام 1998 هو الشيخ محمد متولي الشعراوي (1911-1998) قد صلى ركعتين شكرا لله على هذه الهزيمة التي لحقت بالنظام الناصري " الشيوعي " و" الملحد" في نظره [3] ولقد وُصف صعود تيار الإسلام السياسي في بداية الثمانينات، بأنه "صحوة إسلامية " بإعتبارها البديل السياسي/الإيديولوجي للتيارات القومية واليسارية التي انهزمت، كما كان الإسلاميون يقومون بعملية الإحماء قبل الدخول إلى ملعب الحياة السياسية العربية وإلى الفضاء العام، في نهاية السبعينيات وبداية ثمانينيات من القرن الماضي في عدد من البلدان العربية والإسلامية خاصة بعد الإنتفاضات والاحتجاجات الاجتماعية ومظاهرات الخبز في القاهرة في عام 1977 وفي تونس في عام 1979 وفي الدار البيضاء عام 1981 وفي الجزائر عام 1988. كما قُدم المشروع السياسي الإسلامي بإعتباره والبديل الأنسب وجدار السد أمام التغريب occidentalisation الذي تتعرض له في المنطقة العربية منذ حملة نابليون على مصر عام 1798، وكذلك للغزو الفكري المُتجسم في الإيديولوجيات اليسارية والليبرالية " المستوردة " وبالتالي المشروع الإسلامي والدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة، هي الحل الأنجع للأزمات السياسية الخانقة والانقلابات العسكرية المتعاقبة وللمشكلات الاجتماعية المستعصيّة وحتى للضغوطات الإستعمارية والهجومات الإمبريالية التي تتعرض لها المجتمعات العربية في الصباح والمسَّاء. أما الفترات الأنسب التي تعرض فيها مشاريع الحل الإسلامي وتقدم فيها طروحات البديل الإسلامي وتطلق دعوات تطبيق الشريعة الإسلامية، فهي فترة الحملات الانتخابية وخاصة في الانتخابات البرلمانية، وقد حدث ذلك في مصر في عام 1984 عندما تحالف الإخوان مع حزب الوفد الليبرالي، وفي الجزائر رفعه حزب الإخوان المسلمون، المعروف باسم حركة مجتمع السلم(حمس) في الحملة الانتخابية التشريعية عام 2002.

حتمية الحل الإسلامي

وما نخلص إليه في هذا الصدد أن مقولة الإسلام هو الحل قد سادت وفَشَت بين الناس، بعد أن كثرت الهزائم وارتفع منسوب الإخفاقات وفشلت مشروعات التنمية فشلا ذريعًا وبعد أن عاد الإستعمار إلى المنطقة. كما كان يقدم الحل الإسلامي بالتزامن مع وقوع الأزمات الكبرى، وخاصة في الحقبة التاريخية التي تحدث فيها كارثة أو إثنين أو ثلاث أو يقع حدث تاريخي له علاقة ب المقدس الديني، فعلى سبيل المثال سنة 1948 وقعت كارثة الكبرى والمسماة بالنكبة أي احتلال فلسطين وقيام دولة إسرائيل، وكذلك أطل المشروع الإسلامي برأسه، بعد السقوط المدوي للمشروع القومي الناصري الذي رفع شعارات الإشتراكية والوحدة وتحرير، بعد كارثة حزيران عام 1967 القاسية والتي سماها محمد حسنين هيكل بالنكسة، كما ارتفع هذا الشعار إلى عنان السماء عام 1979 بعد قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أي بعد أن انتقل مشروع الدولة الإسلامية من المشروع الممكن إلى المشروع الواقع، وليس هذا فحسب، بل ورفع عام 1982عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان، الذي أدى إلى خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، كما لوحت جماعات الهوس الديني بهذا الشعار بعد غزو الاتحاد السوفياتي لأفغانستان، بالتزامن مع ظهور ما سماه فؤاد زكريا بإسلام البترودولار، أي مع مجيئ الحقبة النفطية، والشروع في سياسات الانفتاح الاقتصادي في مصر، أما في الجزائر فقد رفع هذا الشعار بعد انتفاضة أكتوبر الدامية عام 1988، والتي تأسست على إثرها الجبهة الإسلامية للإنقاذ في مارس 1989، وهي سنة خروج الإسلاميين في الجزائر، من كهوف الظلام رافعين رايات مكتوب عليها " لا ميثاق لا دستور.. قال الله.. قال الرسول " ويطالبون بدولة إسلامية ويصرخون بصوت مدوي " في سبيلها نقاتل.. وعليها نلقى الله " والحقيقة أن مقولات الحل الإسلامي وحتمية الحل الإسلامي وإقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة الإسلامية، رُفِعت في وجه الأنظمة الحاكمة في العالم العربي التي لا تحكم بما أنزل الله وفي وجه كذلك الاتجاهات السياسية والحزبية والتيارات الليبرالية والإشتراكية والقومية التي تتبنى الحلول المستوردة من الغرب الصليبي – اليهودي وهي الحلول نفسها التي جنت على الأمتين العربية والإسلامية ! فالحل الإسلامي في نظر الإسلام السياسي، هو الأمثل والأنجع لكل المشكلات المزمنة والأزمات التي تتخبط فيها المجتمعات العربية /الإسلامية، خاصة تلك الأزمات المزمنة على المستوى السياسي /الإقتصادي والاجتماعي، هو الترياق الناجع لكل الهموم ولكل ألازمات، وبمعنى أخر يقول الشعار إن إقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة الإسلامية.. سوف يقود حتما إلى حل مشكلة التأخر الحضاري، وبالتالي إخراج المجتمعات الإسلامية من دائرة التخلف وإنقاذ الدولة من دوامة التبعية الاقتصادية والثقافية، كما أن مشروع الدولة الإسلامية هو وحده القادر على القضاء على الفساد والانحلال الخلقي وحتى من الفقر، وسوف تمحى من الخارطة الظلم والقهر السياسي والاجتماعي، وسوف تزول الفوارق الطبقية، ولن يكون هناك تمييّز بين المواطنين والرعايا والساكنة، كما سيعيش الجميع في حب ووئام، وسترتفع القدرة الشرائية للناس والكل سيشعر بالرخاء والنعيم، وسيسود الرفاه الاقتصادي والإستقرار الاجتماعي، لأن الكل سيعيش حياة كريمة، مع إحترام حقوق الإنسان، حقوق المسلم وغير المسلم في مجتمع إسلامي متضامن، تطبعه أخلاق الصحابة وتسوده معاملة المسلمين الأوائل.. والكل سينال حقوقه، المرأة والطفل والشيخ والمعاق والمريض والفقير، ولكل مكانته العالم والعامل وغير العامل، المتعلم وغير المتعلم. ولذا سيبنى مجتمع مثالي مجتمع خالٍ من الاستغلال والقهر والتسلط والقمع، وستختفي شيئا فشيئا مظاهر والعنف والجريمة والإنحراف بفضل التطبيق الصارم للشريعة وخاصة تطبيق الحدود من جلد ومن قطع للأيدي والأرجل وسَّمل للعيون وقطع للرؤوس، وعندما يسود الحكم الإسلامي وتقوم الدولة الإسلامية، سوف تملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلئت جورًا وظلمًا ! هذا على المستوى الداخلي، أما على المستوى الخارجي، فإن صوت الإسلام سوف يعلو إلى عنان السماء وسوف يعود بقوة إلى المسرح العالمي، كما كان في العصور الوسطى، وسيقف الإسلام من جديد كسدٍ منيع أما الهجمة الصليبية/اليهودية التي تهدد العالم الإسلامي، وسيتم تحرير فلسطين كل فلسطين، وسيتم القضاء على الأفكار الهدَّامة والمفاهيم الدخيلة والفلسفات الغربية مثل العلمانية والماركسية، وسوف يكثر عدد الدعاة وستبنى آلاف المساجد في كل مكان من العالم الإسلامي لنشر الدين الإسلامي ولأسلمة المجتمعات الوثنية والكافرة بالسلم أو بالحرب، كما كان شأن الفتوحات الإسلامية في القرون الوسطى. هكذا يعرض الإسلاميون مشروعهم السياسي/الإيديولوجي الذي يختصر في شعار" الإسلام هو الحل " يقدمونه في خطاب سياسي/ إيديولوجي ملفوف في بطانة دينية لاهوتية، خطاب يدغدغ العواطف، ويعزف على وتر المشاعر الحسَّاسة وفي عبارات سلسة وكلمات تراثية وألفاظ قرآنية.

 الوهم والسلاح واللافت للإنتباه أن جماعات الإسلام السياسي كانت تقدم خطابها في الثمانينيات من القرن الماضي بتوظيف أخر ما أبدعته الثورة العلمية وآخر ما وصلت إليه التقنية المعاصرة في تلك الحقبة، من آلات وأجهزة الإعلام والاتصال السمعية/البصرية. والمكتوبة ومن الاتصال اللاسلكي، إلى استخدام أشعة الليزر مثل الفاكس والتلكس وأجهزة الإعلام الآلي،. بممارسة كل الطرق وأساليب الدعاية والتضليل والتزوير التي تؤدي إلى تزييّف الوعي، بإنتهاج السُّبل المشروعة وغير المشروعة، حتى وإن تطلب الأمر إستغلال القُصَر والأطفال والشباب الغَّض والفقراء، لتمرير مشروعهم القروسطي وتسويّغ إيديولوجية أصولية وفكر ماضوي، ولو تطلب الأمر استغلال الأموال العمومية وأجهزة الدولة لأغراض سياسية حزبية، رأينا ذلك في الجزائر عندما فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الانتخابات المحلية في عام 1990. والحقيقة أنه عندما فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر (F. I. S) بأول انتخابات محلية البلدية والولاية (المُحَافَظة) وكانت أول انتخابات تعددية حزبية في الجزائر يوم 12/06/1990، استغلت أبشع استغلال أملاك الدولة ومصالح البلديات لصالح المشروع السياسي/الايديولوجي/الأصولي.. وفي هذا السيَّاق قد لاحظ الجميع كيف أن هذه المجالس المنتخبة، كانت المُحرض الرئيسي لكل الاضطرابات والقلاقل التي قام بها هذا الحزب المُنحَّل خاصة منذ الإضراب السياسي في شهر جوان /حزيران عام 1991 وما تبعه من أحداث سواء بالخطب التحريضية أو باستعمال ممتلكات الدولة لأغراض حزبية ضيقة، ووصل الأمر حتى إلى اكتشاف مخابئ للأسلحة المستعملة من طرف الجماعات الإسلامية في مقرات هذه المجالس التي تبين في الكثير من المرات أن عددا من أعضائها إما إرهابيون أو مشاركون في المخططات الإرهابية.. وكانت هذه إشارة واضحة منذ البداية إلى أن هذا الحزب تنكر لكل القوانين المعمول بها وعدم اعترافه بها لأن مخططه كان منذ البداية يقوم على العمل للوصول إلى السلطة باستعمال كافة الطرق والوسائل بما فيها العمليات الإرهابية التي كان من نتيجتها ما تمر به البلاد حالياً من أوضاع مأزومة سياسيا واقتصاديا وحتى ثقافيا، وبذلك تبخرت أمال كل المواطنين حسني النية الذين أعطوا أصواتهم لهذا الحزب ظنا منهم أنه سيعمل على حل مشاكلهم على المستوى المحلي، فإذا بهم يرون بأم أعينهم كيف أن الكثير من هؤلاء الذين وضعوا ثقتهم فيهم ينقلبون إلى إرهابيين محترفين ويتحولون بقدرة قادر إلى جماعات مسلحة. [4]

وللتذكير فقد قامت السلطات المركزية في الجزائر العاصمة بحل المجالس المحلية المنتخبة التابعة لحزب جبهة الإسلامية للإنقاذ في ابريل/نيسان 1992 بعد أن ثبت تورطها في عمليات إرهابية، من قتل وذبح وتخريب وحرق للممتلكات العامة والخاصة. وبالفعل تبث تورطهم بعضهم في عمليات إرهابية، لأنهم كانوا على استعداد لعمل أي شيء، فالغاية تبرر الوسيلة حتى ولو تم الوصول إليها عبر بحر من الدماء وركام من الجثت واسقاط الدولة والدخول في حرب أهلية. هكذا يعرض الإسلاميون مشروعهم المتمثل في إقامة الدولة الإسلامية التي مهمتها الأساسية تطبيق الشريعة، وهكذا يسعون إلى أسلمة الدولة، بالتغلغُّل في المؤسسات الحكومية والقضائية والبرلمانية، بالتوازي مع تدييّن المجتمع ونشر الدروشة الدينية بين أكبر عدد ممكن من الفئات الإجتماعية، باستعمال الأساليب الملتوية وسلوك الطرق المشبّوهة، ويعرضون مشروع المجتمع الأصولي في خطاب ديني سُريّالي، وبلغة ساحرة وكلمات جذابة، بهدف بناء المجتمع المثالي في المستقبل، مع تقديم صورة مثالية عن التاريخ الإسلامي المبكر، وهو تاريخ لم يقع بل متخيل، علمًا وغني عن البيان أن المجتمع المثالي أو كما يسمى في الأدبيات الفلسفية بالمدينة الفاضلة أي يوطبيا (utopie) أمر لم يتحقق على مدى التاريخ الإنساني كُلَّه، ولن يتحقق في المستقبل، وحتى نموذج المرحلة النبوية في المدينة ودولة الخلفاء الراشدين الذين يريدون العودة إليه ومحاكاته لم يكن مثاليا ولا خاليًا من العيوب والنقائص والأخطاء البشرية، والدليل على ذلك الصراعات والحروب التي نشبت عقب مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، فقد خلفت معركة الجمل مئات القتلى من الصحابة، ومعركة صفين كادت أن تنهي البقية الباقية من المسلمين بعد اغتيال الخليفة الرابع علي بن أب طالب ويضاف إلى ذلك النهايات الدامية للخلفاء في دولة السلالات الأموية والعباسية والعثمانية، وبالتالي على مدى تاريخ الخلافة الإسلامية كُلَّه، حتى في أزهى عصوره، لم تكن هناك خلافة مثالية، فما يقدمه الدعاة والشيوخ عن التاريخ الإسلامي هو تاريخ مُتخيَّل، ولا مراء فإن هؤلاء الدعاة الذين".. يصورون للشباب الغض أن قيام حكم ديني سوف يحول المجتمع كله إلى جنة في الأرض يسودها الحب والطمأنينة، ويشعر فيها المواطن بالأمن ويشعر فيها الحاكم بالأمان، ويتخلص فيها الأفراد من سوء القصد ونوازع الشر وحقد النفوس، إنما يصورون حلمًا لا علاقة له بالواقع، ويتصور وهَّما لا أساس له من وقائع التاريخ، ولا سند له في طبائع البشر... " [5]

وفي حقيقة الأمر، فإن خطاب الإسلام السياسي في مصر والجزائر والمغرب وسوريا وتونس في ثمانينيات القرن الماضي كان يجد صدى وتجاوبا وتعاطفا غير مسبوق، لأنه يذاع ويبث وينشر ويفشو في بيئات اجتماعية حاضنة للتطرف، خاصة لدى المهمشيّن اجتماعيا، مثل سكان العشوائيات في القاهرة ومدن الصفيح في الدار البيضاء في المغرب والأحياء القصديرية في الجزائر العاصمة.

***

مصطفى دحماني

أستاذ الفكر العربي– الإسلامي/جامعة بشار /الجزائر

 ......................

مصادر ومراجع

1)  رفعت السعيد: الإسلام السياسي.. من التطرف إلى مزيد من التطرف. ضمن كتاب " الإسلام والسياسة " الجزائر، موفم للنشر 1995 ص 21.

2)  رضوان السيد: مفاهيم الجماعات في الإسلام. بيروت، دار التنوير للطباعة والنشر ط1 1984 ص47.

3)  نصر حامد أبو زيد: نقد الخطاب الديني. سينا للنشر ط 1 القاهرة 1994 ص

4)  محرر جريدة المسَّاء 09/12/1992. الجزائر

5)  فرج فودة: قبل السقوط- الجزائر، دار الاجتهاد، بدون تاريخ ص11

الديمقراطية والعلاقة الجدلية بين اليمين واليسار "أوروبا إنموذجا"

مما دفع كاتب السطور إلى الكتابة هو ظاهرة اندفاع جمهور من الناخبين كانوا بالأمس لا تعنيهم من يفوز في الأنتخابات البرلمانية السويدية بل وكانوا معتكفين في بيوتهم ولا يكترثون بمن يفوز ولكنهم اندفعوا افواجا صوب صناديق الأقتراع لنصرة حزب اليسار السويدي والذي يشار له بالحرف V واغلب هؤلاء من المهاجرين وفي مقدمتهم من القارة السمراء.

وفي دورات انتخابية سابقة لم يكن هناك نصير لحزب اليسار V كما هو الآن، فهل أدرك هؤلاء قيمة اليسار ام انهم استجابوا انفعاليا وخوفا من توجهات اليمين في قضايا الهجرة وتشديد القيود حول الحصول على الأقامة وشروطها وغيرها من اشتراطات العيش في السويد وفي مقدمتها شرط اللغة والأندماج والعمل.

فهل أنصار حزب اليسار السويدي اليوم في الأنتخابات يدركون ماذا يفعلون بعقل يساري ام انها موجة من التمرد على قيم الديمقراطية ستزول حال زوال المصالح الآنية وتترك اليسار يتيما في الدورات الأنتخابية القادمة؟.

يشتد الصراع بين قوى اليمين واليسار في أوربا ليست على خلفيات أيديولوجية فكرية بحتة بل على خلفية برامج انتخابية وليست بالضرورة تعكس تفاوت واختلاف في الأفكار بل على خلفية ردود أفعال لسياسات سابقة، حيث أنتماء المواطن الأوربي للأفكار هو أنتماء نسبي قياسا بأنتماء المواطن في العالم الآخر " الشرقي أو العالم الثالث " حيث يقترب انتماء الأخير من القدسية في الأنتماء للأفكار والعقائد مما يحجب عنه مرونة تطبيق الأفكار مع الواقع المتغير.

لم تعد الخريطة السياسية في العالم كما كانت في القرن العشرين. فاليسار التقليدي، الذي استند إلى الطبقة العاملة والصراع الطبقي والعدالة الاجتماعية، يواجه تحديات جديدة فرضتها العولمة، وتراجع بعض أشكال التنظيم النقابي، وتحولات سوق العمل، وصعود الفردانية.

وفي المقابل، لم يعد اليمين المتطرف يعتمد حصراً على الخطاب القومي التقليدي، بل باتت بعض تياراته توظف المخاوف الاقتصادية والهواجس الثقافية وقضايا الهوية والهجرة لتوسيع قاعدتها الاجتماعية والسياسية.

لكن التحول لا يقتصر على اليسار واليمين؛ فالمجتمعات نفسها تغيرت، وتغيرت معها أولويات الناخبين ومصادر قلقهم وتصوراتهم عن الدولة والحرية والعدالة والأمن.

المشكلة ليست في أن اليسار أصبح قديماً أو أن اليمين أصبح جديداً، بل في قدرة القوى السياسية على فهم الإنسان المتغير ومشكلاته الجديدة.

فاليسار الذي يكتفي باستعادة شعارات الماضي قد يفقد صلته بجزء من المجتمع، واليمين الذي يستثمر الخوف والقلق قد يجد فيهما وسيلة للتعبئة السياسية. وبينهما تتشكل اتجاهات جديدة لا يمكن فهمها بالتصنيفات التقليدية وحدها.

إن السياسة اليوم تحتاج إلى مراجعة فكرية تتجاوز الجمود الأيديولوجي، من دون التخلي عن المبادئ الإنسانية الأساسية، مثل العدالة الاجتماعية والحرية والمساواة والكرامة الإنسانية.

فليس المطلوب أن يتخلى اليسار عن العدالة، ولا أن تتحول القوى المحافظة إلى تطرف، بل أن تُختبر الأفكار والمشروعات السياسية بقدرتها على فهم الواقع والاستجابة لمشكلاته، واحترام حقوق الإنسان والتعددية الديمقراطية.

لقد تغير العالم، وتغير الإنسان، وتغيرت السياسة؛ والسؤال الحقيقي هو: هل تستطيع الأيديولوجيات أن تتجدد من دون أن تفقد هويتها، أم أنها ستبقى أسيرة صراعات الماضي؟

ومن زاوية علم النفس السياسي يمكن تعميق هذه الفكرة من خلال ثلاثة أسئلة:

سيكولوجيا اليسار: لماذا قد يفقد حزب يدافع عن العدالة الاجتماعية قدرته على التواصل مع فئات اجتماعية كانت قريبة منه؟

سيكولوجيا اليمين المتطرف: كيف تتحول مشاعر الخوف من المستقبل والقلق على الهوية إلى مواقف سياسية؟

سيكولوجيا الناخب المعاصر: هل أصبح الناخب أقل ارتباطاً بالانتماء الطبقي والأيديولوجي، وأكثر تأثراً بالأمن الاقتصادي والهوية والثقة بالسياسيين؟

والأهم أن هذه التحولات لا تعني اختفاء اليسار أو اليمين، بل تعني أن الحدود بينهما قد أصبحت أكثر تعقيداً، وأن بعض الأحزاب تجمع بين مواقف اقتصادية واجتماعية لا تنسجم تماماً مع التصنيفات التقليدية.

فاليسار ليس مقدساً لمجرد أنه يرفع شعار العدالة الاجتماعية، واليمين ليس متطرفاً لمجرد أنه محافظ؛ وإنما ينبغي التمييز بين المبادئ والممارسات، وبين الاختلاف الفكري والتعصب الأيديولوجي.

وربما يمكن اختصار ذلك في عبارة فلسفية:

«حين يتغير المجتمع، تصبح مراجعة الأفكار ضرورة، ويصبح التمسك بالمسميات القديمة من دون نقد نوعاً من الجمود الفكري». اليسار لم يدعي القدسية مطلقا بل من اضفى القدسية عليه هم من أنتموا أليه على نسق الأنتماء او اعتناق الأديان وقد رأوا فيه عقيدة وليست فكرا يستجيب لظروف الحياة المتغيرة.

أن الفوارق التقليدية بين اليسار واليمين في أوربا بدأت تتآكل تدريجياً وتتداخل او يمكن القول هنا" لا اليمين يمينا ولا اليسار يسارا "، وتحولت الأيديولوجيات إلى مساحات أكثر مرونة أو ضبابية.

وأن ​ملامح التغير في المشهد السياسي الحديث هي:

​براغماتية المصالح بدل الأيديولوجيا الصلبة: التخلي عن المبادئ الحزبية الكلاسيكية لصالح الاستجابة السريعة للشارع وتحقيق المكاسب الانتخابية القصيرة الأجل.

​تقاطع المواقف: تبني أحزاب اليسار لسياسات أمنية وهجرة صارمة كانت حكراً على اليمين سابقاً، وفي المقابل، تَبَنِّي اليمين لخطابات دعم الدولة الاجتماعية لحماية الطبقات العاملة.

​صعود التيارات الشعبوية: ظهور حركات سياسية تتجاوز التصنيفات التقليدية وتعتمد على ثنائية "الشعب في مواجهة النخبة" بغض النظر عن الجذور اليسارية أو اليمينية.

​تآكل الثقة في المؤسسات: تراجع الانتماء الحزبي التقليدي لصالح ولاءات متغيرة مرتبطة بقضايا محددة مثل المناخ، الاقتصاد، أو الهوية الوطنية.

أن جوهر التحول الحالي؛ فكرة "الذوبان"  أو التقارب التكتيكي بين المعسكرين أصبحت سمة بارزة في السياسات الأوربية المعاصرة. ​فعندما تتلاشى الحدود الفاصلة، نرى انعكاسات واضحة على المشهد العام:

​ضبابية الاختيار للناخب: لم يعد المواطن قادراً على تمييز ما يمثله حزبه المفضل بوضوح، لأن البرامج الانتخابية أصبحت متشابهة إلى حد كبير في جوهرها التنفيذي وإن اختلف الشكل والخطاب.

​البراغماتية المطلقة: الأحزاب باتت تتبنى سياسات الطرف الآخر متى ما شعرت أنها ستجلب لها أصواتاً إضافية، بغض النظر عن تاريخها أو مبادئها المؤسسة.

​غياب الرؤى الجذرية: بدل تقديم بدائل حقيقية ومختلفة للمستقبل، أصبحت السياسة تدور حول "إدارة الأزمات" بشكل متطابق تقريباً، مما يخلق شعوراً بأن التغيير عبر صناديق الاقتراع لم يعد يحدث فرقاً جوهرياً.​

أن الانتقال من "الكلاسيكية" (بأدلجتها الصارمة وحدودها الواضحة) إلى "الواقعية" (أو البراغماتية العملية) يفسر لماذا تبدو السياسة اليوم وكأنها إدارية بحتة أكثر من كونها صراع رؤى ومشاريع مجتمعية.

​يمكن تلخيص هذا الانتقال في عدة نقاط أساسية:

​من العقيدة إلى إدارة الأمر الواقع: الكلاسيكية السياسية كانت تقوم على مبادئ كبرى وثابتة (اشتراكية مطلقة، ليبرالية مطلقة)، بينما الواقعية تتعامل مع الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية بمنطق "ما ينجح الآن" بغض النظر عن لونه الحزبي.

​التكيف مع تعقيدات العصر: العولمة، الأزمات المالية، والتحولات الرقمية السريعة جعلت الأيديولوجيات القديمة عاجزة عن تقديم حلول جاهزة، مما فرض لغة الأرقام والمصالح والحلول المؤقتة.

​البراغماتية كضرورة بقاء: الأحزاب التي ترفض هذا الانتقال وتتمسك بالنقاوة الأيديولوجية الكلاسيكية غالباً ما تُعزل انتخابياً، لأن الناخب المعاصر بات يميل للنتائج الملموسة لا للشعارات النظرية.

​لكن، رغم واقعية هذا الطرح، يبرز السؤال الأزلي: هل تفقد السياسة روحها وجاذبيتها عندما تحبَس نفسها في إطار الواقعية البحتة دون أفق مستقبلي أو حلم كبير؟

هذا التوصيف بـ "إلغاء المسافات بين الألوان السياسية" يلخص النتيجة الحتمية لتحول السياسة نحو الواقعية؛ حيث تتحول اللوحة السياسية من ألوان صريحة ومتباينة (أحمر، أزرق، أسود) إلى درجة واحدة غائمة من اللون الرمادي.

​إلغاء هذه المسافات يترتب عليه واقع جديد يتميز بالآتي:​

​هيمنة "المركز السياسي" الموحد: تصبح السياسات والاقتصادات محكومة بمنطق واحد لا يختلف كثيراً باختلاف الحزب الحاكم، وتتحول الخلافات إلى مجرد اختلافات في "طريقة الإدارة" لا في "الرؤية والهدف".

​انتقال الصراع إلى الهوية والثقافة: عندما تختفي الفروق الاقتصادية والاجتماعية الجوهرية بين الأحزاب، تتحول المعارك السياسية إلى قضايا الهوية، الثقافة، والشعارات الأخلاقية لتعويض غياب التمايز الحقيقي.​

​هذا التوصيف بـ "إلغاء المسافات بين الألوان السياسية" يلخص النتيجة الحتمية لتحول السياسة نحو الواقعية؛ حيث تتحول اللوحة السياسية من ألوان صريحة ومتباينة (أحمر، أزرق، أسود) إلى درجة واحدة غائمة من اللون الرمادي.

​إلغاء هذه المسافات يترتب عليه واقع جديد يتميز بالآتي:

​

​صعود "غير المحزّبين" والمستقلين: يشعر الناخب أن الأحزاب التقليدية أصبحت وجوهاً لعملة واحدة، مما يدفع الشارع نحو البحث عن حركات من خارج المنظومة أو شخصيات مستقلة لا تنتمي لأي من الألوان المألوفة.

​تراجع المشاركة السياسية: قد يؤدي الشعور بغياب البديل الحقيقي إلى عزوف قطاعات واسعة من الناس عن الاقتراع، لشعورهم أن النتيجة ستكون واحدة بغض النظر عن الفائز.

​إلغاء المسافات قد يمنح النظام السياسي مرونة واستقراراً ظاهرياً في إدارة الأزمات، لكنه على المدى الطويل يفرغ الديمقراطية من معناها القائم على وجود أفكار ورؤى متنافسة تُتاح للناس المفاضلة بينها.

أصبح فهم السلوك الانتخابي يتطلب النظر إلى عوامل متعددة، منها:

الأوضاع الاقتصادية ومستوى المعيشة.

الشعور بالأمان والاستقرار.

الهوية الثقافية والوطنية.

الثقة بالأحزاب والمؤسسات.

الفجوة بين الوعود السياسية والنتائج الفعلية.

وقد ينتقل الناخب من حزب إلى آخر، ليس لأنه غيّر جميع قناعاته، بل لأن قضية معينة أصبحت أكثر أهمية بالنسبة إليه، أو لأنه فقد الثقة بقدرة حزبه السابق على تحقيق وعوده.

إن التحول السياسي لا يعني بالضرورة موت الأيديولوجيات، بل قد يعني إعادة تشكيلها. وربما يكون التحدي الأكبر أمام الأحزاب المعاصرة هو قدرتها على التوفيق بين هويتها الفكرية المتوارثة والواقع الاجتماعي المتغير.

السؤال الذي يستحق أن نختم به هو:

هل نحتاج اليوم إلى يسار جديد ويمين جديد، أم نحتاج إلى طريقة جديدة في التفكير السياسي تتجاوز التعصب الأيديولوجي، من دون أن تتخلى عن العدالة الاجتماعية والحريات الديمقراطية؟

يواجه اليسار الأوروبي أسئلة تتعلق بكيفية الجمع بين العدالة الاجتماعية، وحماية دولة الرفاه، والتحولات الاقتصادية والتكنولوجية، وقضايا الهجرة والهوية الوطنية.

ومن منظور علم النفس السياسي، يمكن فهم بعض أزماته من خلال التوتر بين الهوية التاريخية للحزب وتوقعات الناخب المعاصر. فالناخب الذي يبحث عن الأمان الاقتصادي قد لا يكتفي بخطاب نظري عن المساواة، بل يريد أن يرى أثر السياسات في الأجور والسكن والعمل والخدمات العامة.

وهنا يصبح تجديد اليسار مسألة فكرية وتنظيمية، لا مجرد تغيير في الشعارات.

أما بالنسبة "لجاذبية اليمين " فلا يمكن تفسير دعم اليمين والمتطرف منه بشكل خاص بعامل واحد. فقد تتداخل المخاوف الاقتصادية، والهواجس المتعلقة بالهجرة، والشعور بفقدان السيطرة، وعدم الثقة بالمؤسسات السياسية. ويستطيع الخطاب الذي يقدم إجابات بسيطة عن مشكلات معقدة أن يمنح بعض الناخبين شعوراً بالوضوح والانتماء. لكن هذا لا يعني أن جميع مؤيديه يتصرفون بدافع نفسي واحد، أو أن كل موقف محافظ يمثل تطرفاً.

يمكن أن نفهم التحولات الأوروبية من خلال ثلاثة أنماط:

أزمة التمثيل: شعور بعض المواطنين بأن الأحزاب لا تعبّر عن احتياجاتهم اليومية.

أزمة الثقة: اتساع المسافة بين الوعود الانتخابية والنتائج التي يلمسها المواطن.

أزمة الهوية: التوتر بين الانتماءات الوطنية والثقافية والاجتماعية في مجتمعات متغيرة.

هذه الأزمات لا تخص اليسار وحده ولا اليمين وحده؛ بل قد تواجهها أحزاب من اتجاهات مختلفة، وإن اختلفت أسبابها ونتائجها من بلد إلى آخر.

ومع كل هذا فأن الأنسان يحتاج إلى الانتماء الأيديولوجي أذ لا يعيش الإنسان في فراغ فكري واجتماعي. فهو يبحث عن تفسير للعالم، وعن منظومة قيم تساعده على التمييز بين العدل والظلم، وعن جماعة يتقاسم معها تطلعاته ومخاوفه، وأهم وظائف الأنتماء هي:

وظيفة معرفية: توفير إطار لتفسير الأحداث السياسية والاجتماعية.

وظيفة هوياتية: منح الفرد شعوراً بأنه يعرف من هو، وإلى أي جماعة ينتمي.

وظيفة اجتماعية: بناء روابط الصداقة والتضامن والتعاون.

وظيفة أخلاقية: ربط النشاط السياسي بقيم مثل العدالة والمساواة والحرية.

وظيفة نفسية: تخفيف الشعور بالعزلة والعجز أمام تعقيدات الواقع.

هذه الوظائف ليست سلبية في ذاتها. فالانتماء قد يشجع المشاركة السياسية والتضامن والعمل من أجل الصالح العام. لكن المشكلة تبدأ عندما يتوقف الفرد عن التعامل مع أيديولوجيته باعتبارها مجموعة أفكار قابلة للفحص والمراجعة، ويبدأ في التعامل معها بوصفها حقيقة مكتملة لا يجوز التشكيك فيها.

***

د. عامر صالح

القراءة في وقائع وأحداث ثورة أكتوبر 1917 وما أعقبها لها خصوصية متفردة تتجدد كل عام بمرور ذكرى اندلاعها. فتلك الحركة الثورية جاءت في سياق نضال شعبي طويل قدم الشعب الروسي خلاله ضحايا كثيرين. واستطاعت تلك الثورة، بعد حدوثها، تغيير الكثير من ملامح وتراتبية الأوضاع، ليس فقط بين أوساط الروس أو شعوب الاتحاد السوفيتي لاحقاً، وإنما أثارت وأدارت على مدى عقود طويلة من الزمن الكثير من المتغيرات والصراعات في العالم.

دائماً ما تتجدد البحوث والدراسات، وأيضاً الرؤى حول طبيعة تلك الثورة، ومن ثم آثارها، وأخيراً المآل الذي ذهبت إليه مخرجاتها؛ لتستعرض تلك البحوث والدراسات في منهجيتها مستويات عديدة ومختلفة لطبيعة وأسباب الثورة، ومن ثم نتائجها ومآلها. ومن أجل أن تكون تلك البحوث منصفة في طرحها واستنتاجاتها، فعليها ألا تبتئس أو تلتبس حين تحاكم تلك التجربة ببعديها السوفيتي والعالمي، وكذلك عليها الأخذ بمقاييس ورؤى عقلانية بعيدة عن الحذر والاحتكام للتابوهات والموانع المعيقة؛ لأجل إظهار الحقائق والوقائع مهما كانت طبيعتها أو الاختلاف حول مخرجاتها، ومن ثم إخفاقها، وأخيراً غيابها عن المشهد البانورامي العالمي واختفاء تأثيرها في أحداث اليوم، ووضعها في متحف التاريخ الإنساني كذكرى لحدث هزت وقائعه أركان العالم الأربعة.

حسب تعريف الموسوعات والأبحاث والتوصيفات التاريخية السوفيتية عن ثورة أكتوبر، فهي ملحمة شعبية كبرى والحدث الأنبل في التاريخ البشري، وجاءت كضرورة حتمية لتقدم البشرية واستعداداً لها واستشرافاً لمستقبل روسيا؛ لذا يقال إن فلاديمير إيليتش أوليانوف (لينين) أعاد قراءة الماركسية عبر البحث في الواقع الروسي، مؤكداً على ضرورة الإسراع في التغيير لصالح الشعب، لكون الإمبراطورية الروسية كانت الحلقة الأضعف في النظام الرأسمالي العالمي. وتظهر كذلك آثار هذه القراءة في العمق الفلسفي التنظيري الذي قدمه لينين على شكل بحوث ومقالات مطولة ورؤى عن الثورة والحراك الجماهيري والقيادة؛ إذ أبحر بعمق في وقائع الحركات الاجتماعية والاشتراكية التي ظهرت ونشأت في أوروبا، وبحث بعقل راجح وفطنة كبيرين في طبيعة ومتبنيات الحزب الثوري وشكل الدولة المبتغاة، وخاض بحيوية في العديد من المسائل الشائكة، وأبدع في تحليل مسارات الكثير من القضايا الحياتية اليومية وصيرورتها، وبالذات في الواقع الروسي قبل وبعد ثورة أكتوبر. ولهذا يقول مشايعوه بأنه طور في الماركسية وقدم ما يغني منهجيتها وتطبيقها على أرض الواقع. هكذا تحدثت الدراسات السوفيتية عن ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى وشخصية قائدها فلاديمير لينين.

كانت المشاكل التي ورثتها الثورة عن عهد القيصرية كبيرة ومتشعبة ومتجذرة، ولها تأثير ضاغط بقوة، وتركت تداعياتها آثاراً مؤذية على العديد من قطاعات الشعب. فحين البحث في حيثيات ما وصل إليه حال المجتمع الروسي من تناقضات وإشكالات مجتمعية واقتصادية وسياسية آنذاك، تظهر تناقضات عديدة باتت تصعد من حدة الصراعات المجتمعية؛ فالتخلف والأزمات الاقتصادية، وتكدس الثروة بيد فئة قليلة من المقربين للقيصر، ومشاكل واضطرابات الفلاحين وتدهور نتاجهم الزراعي الذي انعكس على مستوى معيشتهم، وهم غالبية السكان الذين ما كانت السلطة القيصرية تسمح لهم ببيع ورهن أراضيهم بعد أن حصلوا حديثاً على حريتهم إثر انعتاقهم من نير القنانة، وأيضاً هناك استياء عام بين أوساط الأقليات العرقية والقومية تجاه ما سُمي بـ "روسية الدولة" والممارسات القمعية ضدهم، وبالذات منعهم من المشاركة والتصويت في الانتخابات أو السماح لهم بالانخراط في البحرية والحرس القيصري. كذلك حظرت الحكومة التنظيم في النقابات العمالية ومنعت العمال من حق الإضراب، وقبل كل هذا، السخط المتولد جراء عودة الجنود بعد الهزيمة المنكرة في الحرب مع اليابان 1905، وكذلك الخسائر البشرية في الحرب العالمية الأولى، مع رواتب غير مجزية وبطالة كبيرة وأزمة زراعية خطيرة وارتفاع في أسعار المواد الغذائية وزيادة سكانية مضطردة.

كان لينين، وفي سياق الإعداد للثورة، يرى أن التعددية الحزبية يجب أن تكون قائمة، ودافع عن حرية التنظيم السياسي والصحافة؛ ولذا قال في مقال له بعنوان «دروس الثورة»، المنشور في شهر سبتمبر عام 1917، وبعد وصفه لروسيا بالحرة، كتب: «في البلدان الحرة إذن، يحكم الشعب من خلال صراع مفتوح بين الأحزاب، ومن خلال اتفاق حر بين الأحزاب»، و«في الانتخابات ينقسم الشعب إلى أحزاب، وكقاعدة عامة تؤسس كل طبقة من السكان حزبها الخاص». ومن ثم اقترح قيام حكومة تضم المناشفة والاشتراكيين الثوريين على أن تكون مسؤولة أمام السوفييتات، مشيراً إلى أن «هذه الأحزاب تملك الحرية الكاملة للدعاية الحزبية»، ومستطرداً في القول بأن «هذه الصيغة تسمح بتطور الثورة بصورة سلمية ووجود إمكانية بناء ديمقراطية حقيقية وكاملة». وفي مقاله عن التحول الطبقي، يصف لينين روسيا بأنها جمهورية ديمقراطية تحكم باتفاق حر بين الأحزاب السياسية التي تدافع عن آرائها أمام الشعب.

ولكنه لم يتبنَّ مقولاته تلك على مدى زمن الثورة؛ أي بعد أشهرها الأولى، ولم يتخذ التعددية الحزبية قاعدة دستورية، ولذا يشير لاحقاً إلى كون حزبه -شأنه شأن أي حزب سياسي آخر- يسعى إلى الهيمنة السياسية لنفسه. وفي مجمل ما قدمه، كان يسعى لأن يكون نظام السوفييتات الطبقي هو البوتقة التي تتصارع فيها الأحزاب والتيارات سلمياً وصولاً إلى دكتاتورية البروليتاريا. وفكرة لينين عن نظام السوفييتات كانت في بدايتها مبنية على خلق مؤسسة عليا تأتي عبر مجالس منتخبة من قبل قطاعات العمال والجنود والفلاحين، وتكون سلطة تشريعية وتنفيذية مع إمكانية وجود صراع حزبي داخل تلك المؤسسة التي أسماها «السوفييتات»، وبهذا تكون السوفييتات مؤسسة فوق حزبية، ووفق ما تسفر عنه الانتخابات، فإن السوفييتات تحوي المناشفة والاشتراكيين الثوريين والبلاشفة أيضاً، وهناك يتم التنافس.

ولكن مثل هذا المسار العام والطريق لا يفضي إلى تطبيق ناجز يؤهل السوفييتات لتكون الصيغة المكتملة للقيادة؛ ففي صلب مفهوم السوفييتات ظهر التصدع الذي أفصح عن الهوة الواسعة بين النظرية الدستورية المعلنة والمصرح بها قبل الثورة وبين الممارسة السياسية التي تطورت لاحقاً إلى صراع فكري بين فصيلين داخل حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي، اختلفا في بداية عام 1905 على طبيعة العضوية في الحزب، وبعدها اندلع خلاف حاد على العديد من الأفكار، في مقدمتها من يقود الثورة وما غاياتها، وانتهى بانشطار الحزب إلى كتلتين متضادتين متصارعتين هما البلاشفة والمناشفة، وتُوِّج هذا الصراع بانقسام سياسي شعبي حاد واصطفاف طبقي معلن لتتشكل جبهتا القتال: جبهة البلاشفة وأنصارهم وسميت الجبهة الحمراء، تقابلها الجبهة البيضاء المؤلفة من المناشفة وبقايا الإقطاع والملكية والبرجوازيين.

في سياق تتبع الأحداث، تسجل الوقائع بدء انطلاق الانتفاضة الشعبية في شهر فبراير 1917 التي قادها العمال وباقي فئات الشعب بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية، وانضم الجنود لهذه الانتفاضة بعد أن امتنعوا عن استخدام السلاح ضد المتظاهرين، وشاركت في الانتفاضة فعاليات حزبية عديدة مثل المناشفة والاشتراكيين المعتدلين والبلاشفة والبرجوازيين. وإثر نجاحها تنحى القيصر الروسي نيكولاي الثاني عن العرش، وشكلت حكومة مؤقتة برئاسة السياسي الاشتراكي ألكسندر كيرينسكي، وخلال فترة حكم هذه المجموعة البرجوازية التي امتدت لثمانية أشهر، استمرت روسيا في المشاركة بالحرب العالمية الأولى، وكان ذلك خطأً قاتلاً تسبب في استمرار التدهور الاقتصادي والنقمة الشعبية.

سبق لفلاديمير إيليتش لينين أن دعا إلى تشكيل مجالس السوفييت المنتخبة التي تمثل العمال والفلاحين والجنود، وقد شُكّلت تلك المجالس بمؤازرة البلاشفة في بعض المدن الروسية، وكانت النواة لانطلاق ثورة جديدة بعد ثمانية أشهر. وبعودة لينين إلى روسيا وطرح أفكاره عن السلطة بما سُمي «أطروحات أبريل»، التي بدت أكثر راديكالية من مواقف العديد من قادة البلاشفة، رفض أيضاً دعم الحكومة المؤقتة ونعتها بالسلطة البرجوازية، وأصر على أن تكون السلطة بالكامل للسوفيتات. ثم قام البلاشفة بحركة سريعة منظمة لمظاهرات تقدمها جنود الحرس الأحمر وبحارة السفن، حيث سيطروا على المراكز الحيوية ومحطات المواصلات في العاصمة بتروغراد، ومن ثم اقتحموا قصر الشتاء، وهو مقر الحكومة، واعتقلوا أعضاءها، وأُعلن عن قيام سلطة جديدة تُدار بحكومة من مجالس السوفيتات.

أصدر قادة الثورة بياناتهم الأولى مؤكدين فيها على الحريات العامة وانتخاب الجمعية التأسيسية، لذا جرت الانتخابات في 25 نوفمبر 1917 وكانت هي الأحدث في حياة الشعب الروسي، وشارك فيها ما يقارب الأربعة وأربعين مليوناً من النساء والرجال، ولم يستطع البلاشفة الحصول فيها على الأغلبية؛ إذ تقدم الصفوف حزب الاشتراكيين الثوريين الممثل للأغلبية الفلاحية، وجاء البلاشفة ثانياً، وتراجعت حظوظ الأحزاب البرجوازية وبالذات المناشفة.

قامت السلطة الجديدة بتوقيع معاهدة برست ليتوفسك التي أنهت مشاركة روسيا في الحرب العالمية الأولى، ثم أصدرت قرارات سياسية عديدة لصالح تكريس سلطة مجالس السوفيتات. لم تستمر الجمعية التأسيسية في أعمالها ولم يكتمل من عمرها غير أشهر قليلة امتدت من نوفمبر 1917 حتى 19 كانون الثاني عام 1918 وهو اليوم الأخير في عمر تلك الجمعية؛ فقد وجّه البلاشفة ضربة قاصمة للتنوع الذي انطوى عليه المشهد السياسي بعد الثورة، عندما تخلى لينين عن طروحاته حول الحياة الحزبية وحرية الرأي، وانفرد البلاشفة بالسلطة وأعلنوا أنهم الممثل الوحيد للشعب الروسي، وهم وحدهم من يستطيع إنجاز مهام التحولات التاريخية. وعند تلك اللحظة التاريخية الفارقة، منح البلاشفة مقولة إنجلز وفهمه الفلسفي لعملية الحراك المجتمعي آنف الذكر بعداً مثالياً، تمثل بتفسير النص الوارد في كتابه «أصل العائلة»، الذي جاء فيه: "الدولة هي نتاج للمجتمع عندما يصل إلى درجة معينة من التطور، والدولة هي إفصاح عن واقع أن هذا المجتمع قد وقع في تناقض مع ذاته فانقسم إلى قوى متناحرة. ولكي لا تقوم هذه القوى المتناحرة بالتهام بعضها البعض، فقد اقتضى الأمر إيجاد قوة تقف في الظاهر فوق الجميع"، بما يعني بالضرورة وجود تلك القوة ممثلة بالحزب الثوري المنفرد بقيادة المجتمع. لذا أعلنوا أنهم الفصيل الحزبي الوحيد القادر على تمثيل مصالح المجتمع والمتمكن من إنجاز المهام التاريخية لإقامة علاقات الإنتاج الاشتراكي والسيطرة على ظواهر التناقض والانقسام في المجتمع الروسي، فكانت تلك الاستعارة - وحسب ادعاء أصحابها- قراءة لينينية معمقة وتطبيقاً فعلياً للماركسية وليس تبريراً للسيطرة على السلطة.

في المجمل، يعني ذلك في المنظور الفلسفي البحث في كيف يمكن للمجتمع المتطور والناضج أن يصنع من رحمه نخبة يمكن لها السيطرة على إيقاع حراكه، تنضج وتنبثق من داخله لضبط تناحر قواه وفعالياته، ويعني هذا ظهور تشكيلة لسلطة نافذة وقوية بمؤسساتها القمعية (الشرطة والجيش والقضاء) تقوم بواجب ضبط إيقاع وحراك المجتمع. وقد بلغت القناعة عند البلاشفة بقيادة لينين النقطة الحاسمة التي اعتبروها مرتكزاً للإجابة عن مأزق القيادة الذي يسعى الحزب لحله.

إثر سيطرة البلاشفة على الجمعية، بدأت الحرب الأهلية لتنتهي عام 1922 بنجاح البلاشفة ومجالس السوفيت في القضاء على الجيش الأبيض المؤلف من المناشفة وحلفائهم الداخليين من البرجوازية وملاك الأراضي المتضررين والاشتراكيين المعتدلين وبقايا قادة جيش القيصر، وكذلك المرتزقة الذين أرسلتهم كل من بريطانيا وفرنسا واليابان وأمريكا لمنع انتصار الشيوعيين بقيادة لينين.

لذا سارع البلاشفة إلى حسم الأمور، وعدّوا خيار الارتكان لمقولة إنجلز أعلاه الخيار الأرجح والحل الناجز، ليس فقط لإنهاء التناقض والتناحر الحزبي الداخلي، وإنما حلاً للخلافات المجتمعية بمختلف تشعباتها التي كانت معضلة كبيرة وسبباً للاحتقان في الشارع الروسي.

ولكن هذا الخيار في التحول الفجائي شكل عند فلاديمير لينين والبلاشفة نزوعاً حاداً للانعتاق من المبادئ المعلنة قبل الثورة وبعدها، وفضلوا الذهاب بعيداً عن روحها والمهام التي انبثقت لأجلها، بخلاف ما أُعلن عنه من متبنيات الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة وحقوق المواطنة والحريات العامة والعدالة في توزيع الثروات قبل انبثاقها. وبخلاف كل تلك الأهداف، خلق البلاشفة متبنيات جديدة غلبت عليها روح التفرد في إدارة الدولة، وولدت سلطة جديدة بميزات فريدة لجهاز حزبي يفكر نيابة عن الجميع ويعتمد كلياً على ثقافة التعبئة الأيديولوجية.

كان حل الجمعية في عرف قادة البلاشفة حلاً نهائياً لا رجعة فيه، رغم معرفتهم اليقينية بأن هذا بالضبط هو بداية لتكريس مركزية قسرية شمولية، بعيداً جداً وخلافاً بيناً عن سياق ما جاء في مقولة ماركس التي طرحها في نقده للاقتصاد السياسي حين قال: "أسلوب إنتاج الحياة المادية يعيّن عملية الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية عامة، ولا تضمحل أية تشكيلة اجتماعية أبداً ما لم تُتَمَّ كل القوى الإنتاجية التي لها من الاتساع ما يمكنها من استيعابها. ولا يمكن أن تحتل مكانها علاقات إنتاجية جديدة أرقى قبل أن تنضج الظروف المادية لوجود هذه العلاقات في صلب المجتمع القديم بالذات. لذلك لا تطرح البشرية أبداً من المشاكل إلا ما تقدر على حلّه، ما دامت المشكلة - إذا تفحصنا الأمر عن كثب - لا تبرز إلا إذا وجدت بالفعل الظروف المادية الضرورية لحلها، أو على الأقل كانت في طريقها للتكوين". ففي هذا الشأن نلاحظ الافتراق الكامل لسياق أحداث الثورة عن الفهم الماركسي لتطور الظروف المادية للمجتمع.

فلم تكن شروط الوجود المادي متوفرة في روسيا، بل كانت الحياة المادية في أوج انحدارها وتهالكها وقتذاك، ولم تكن قوى الإنتاج بالنضوج الذي يُعتد بنموها واتساعها. وهناك العديد من التشكيلات المجتمعية المحافظة والمتخلفة في تكويناتها وحياتها الاقتصادية الاجتماعية. وحتى الحياة الحزبية بما فيها كتلة البلاشفة نفسها، لم تكن قد اكتمل نضجها، ولم تنل حرية عملها بما يفي بتشكيلها والمكنة للقيادة، بما يجعلها قادرة على بلورة برامج تستوفي من خلالها شروط العمل الفكري السياسي الناضج.

استعرض البلاشفة قوتهم وقدراتهم بعد هذا الإقصاء للحياة البرلمانية بالكثير من الشعارات والرطانة السياسية، التي ما كانت في مجملها سوى تبرير للاستئثار بالسلطة. ولم يكن كل ذلك إلا سعياً لتثبيت سلطة الاستبداد الحزبي المطلق، ثم تطورت الأمور لاحقاً لتبتدع سطوة الحزب الواحد سلطات عديدة، تتكيف مع ضرورة القبض بيد من حديد على مفاصل الدولة، وقبلها عصب ومفاصل حراك الناس. وتمثلت أشرس تلك الهيئات، والأكثر ضراوة في عملها، في سلطة اللجنة المركزية للحزب ثم سكرتيرها العام.

وفي سياق الاستحواذ الكلي على السلطة، أُسس في نوفمبر 1917 جهاز الأمن الرسمي (Cheka) - اللجنة الاستثنائية لعموم روسيا - لمكافحة الثورة المضادة والتخريب، وكانت مهام الجهاز مكافحة الخصوم والتخريب والتجسس واعتقال المعارضين لسلطة البلاشفة، وتطور الجهاز وأعيد تنظيمه لعدة مرات ليصبح في الأخير وبشكل ناجز في عام 1954 جهاز الكي جي بي (KGB) القابض على مفاتيح السلطة.

بعد خمس سنوات من قيام الثورة، وإثر تعرض فلاديمير إليتش لينين للمرض وتكرار السكتات الدماغية التي أصيب بها، والتي أصبح بسببها غير قادر على القيادة، انتخب جوزيف ستالين عام 1922 أميناً عاماً للجنة المركزية للحزب الشيوعي (الحزب البلشفي). ومن خلال هذا المنصب، استطاع أن يحشد لنفسه شبكة واسعة من الأعوان داخل اللجنة المركزية وعموم لجان الحزب، ومنحهم صلاحيات لتنظيم ومتابعة أعمال الحزب في عموم الاتحاد السوفيتي. وبعد وفاة لينين عام 1924، خاض ستالين صراعاً حاداً للحصول على السلطة، وقد استطاع في النهاية تحييد خصومه ومنافسيه ليسيطر على رئاسة الحكومة السوفيتية في 6 مايو 1941، ويطلق له ومناصروه العنان في شؤون عموم الاتحاد السوفيتي.

في عهده، وقعت الثورة في مأزق الديكتاتورية الفردية وعبادة الشخصية، ولم يكن عمر الثورة قد تجاوز في ذلك الوقت سبع سنين عند وفاة قائدها. ، وبسبب شخصية ستالين القاسية وطموحه غير العادي، أهمل الحزب ولجنته المركزية رسالة فلاديمير إليتش لينين الموجهة إلى اللجنة المركزية، والتي أملاها على سكرتيرته الخاصة في فترة كان يعاني فيها من ظروف صحية حرجة، مما جعل تدوينها يستغرق وقتاً طويلاً. كان لينين يريد أن تكون رسالته هذه وثيقة يقدمها ويقرؤها علناً أمام المؤتمر الثاني عشر للحزب الشيوعي في عام 1923، ولكنه توفى قبل  ان يحقق هذا،وقد اتفق القادة الكبار بعد وفاته على عدم مناقشتها أونشرها، بل التكتم عليها، ولكن تلك الوثيقة سُرِّبت للصحافة العالمية. وقد ركزت على ضرورة إصلاح هيكل الدولة، وحذرت من انشقاق الحزب، وجاء فيها تقييم صريح لأبرز القادة، وفي مقدمتهم ليف كامينيف وليون تروتسكي وبياتاكوف، وأوصى لينين فيها بعزل ستالين بسبب طبيعته الصارمة ورغباته في الهيمنة بعد أن أصبح أميناً عاماً للحزب، ووصفه بالوقح والعنيف وشديد الفظاظة وذوي الشخصية العدوانية.

وبالرغم من توقيع حكومة جوزيف ستالين في موسكو معاهدة عدم اعتداء مع ألمانيا النازية في 23 أغسطس 1939، ومن ثم شروعهما سوياً -حسب الاتفاق- في احتلال وتقاسم أراضي بولندا، إلا أنه لم يمضِ سوى عام واحد حتى ألغى هتلر تلك المعاهدة وهاجم الاتحاد السوفيتي في يونيو 1941، وقام بغزو أراضيه ليصل إلى الضواحي الخارجية للعاصمة موسكو. وقد استطاع السوفيت طرد الجيش النازي وإبعاده عن حدود العاصمة، إلا أن هتلر أمر بالاندفاع مرة أخرى لغزو روسيا، فشنّت القوات الألمانية وشركاؤها في المحور، ومن بينهم فنلندا، هجوماً جديداً، واستطاعت محاصرة مدينة فولغوغراد التي سُميت لاحقاً (ستالينغراد). ثم استطاع الجيش السوفيتي استعادة زمام الأمور وبدأ هجومه المضاد في نوفمبر 1942، واستمر حتى اختراق تحصينات العدو واستسلام جحافل الجيش النازي، واجتاز مساحات واسعة ليصل في النهاية إلى ألمانيا ويحاصر العاصمة برلين في 16 أبريل 1945.

كانت الحرب العالمية الثانية الفرصة المثالية لتشديد قبضة الحزب وسكرتيره العام وجهاز الرقابة والأمن على مجريات الحياة في عموم الاتحاد السوفيتي، وللوقوف بوجه أي خرق أمني سياسي، سواء كان داخلياً أو قادماً من الخارج. وخضعت الدولة بجميع مفاصلها لقرارات الأجهزة الحزبية والأمنية، وساد القمع المنظم، حيث تم اعتقال وإعدام الآلاف، ومنهم أعضاء في الحزب، كما مُنع الحديث حول وقائع الحرب وتأثيرها في حياة الناس.

كانت شخصية ستالين تمثل القسوة والرعب والسطوة المطلقة، فالروايات عن يوم وفاته تشير إلى الهاجس الذي كان مسيطراً ليس فقط على حراسه الشخصيين وإنما على رفاقه في الأمانة العامة للحزب الشيوعي. ففي يوم وفاته، وبعد مضي ساعات طوال من الصباح دون خروجه من الغرفة، كان الحراس خائفين يترددون في محاولة الدخول إلى مضجعه؛ فقد كانوا شديدي الحساسية في هذا الأمر، فالدخول إلى غرفته دون إذنه يعني - بالمطلق- أمراً خطيراً لا تكون عواقبه غير عقوبة الإعدام؛ لذا لم يجرؤ الحراس على اقتحام الغرفة لساعات، وفي المساء اضطر أحد العاملين أخيراً إلى الدخول ليجده ملقى على الأرض بجانب سريره وكان واعياً، وبعد أن أبلغ رفاقه في القيادة تم استدعاء الأطباء لفحص حالته الصحية، وكان هؤلاء الأطباء مذعورين خوفاً من اتهامهم بالتهاون أو التآمر. وقد شخّصوا حالته بنزيف دماغي حاد، وظل ستالين في حالة حرجة لثلاثة أيام، وفي مساء 5 مارس 1953 فارق الحياة.

شكلت الفترة ما بعد وفاته صراعاً محموماً خفياً، وملمحاً لتفكيك سلطة الرعب الستالينية، وتحولاً غير عادي في السياسة الخارجية. وإثرها تشكلت قيادة جماعية تمثلت في ثلاث شخصيات: لافرينتي بيريا رئيس جهاز الأمن السري، وجورج مالينكوف رئيس الوزراء، ونيكيتا خروشوف سكرتير اللجنة المركزية للحزب. وما كانت الخلافات لتهدأ بعد هذا التشكيل؛ فكل واحد منهم كان يعمل في الخفاء لتعزيز سلطته وسطوته داخل الحزب، وكسب المناصرين، وتضييق الخناق على رفاقه. وبسبب شخصية بيريا وتحكمه بمؤسسة الأمن ووجود الملف النووي بيده، وخوفاً من سطوته وتطلعاته للزعامة، تحالف خروشوف ومالينكوف للتخلص منه؛ لذا تم اعتقاله أثناء اجتماع المكتب السياسي عبر اقتحام عسكري من قبل جماعة مالينكوف، واتهم بالتجسس وأُعدم في ديسمبر عام 1953.

وفي سبتمبر عام 1953، انتُخب نيكيتا خروشوف أميناً أول للجنة الحزب الشيوعي المركزية، وفي عام 1955 نجح في إقصاء منافسه مالينكوف عن رئاسة الوزراء وجاء بحليف له ليحل محله، وأصبح خروشوف عندها الحاكم الفعلي دون منازع. وفي العام نفسه شُكلت لجان تحقيقية للبحث في ملفات القمع والتطهير في عهد ستالين، وأصبحت تلك الملفات المادة التي اعتمدها نيكيتا خروشوف في تقريره السري الذي قدمه إلى المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي عام 1956.

أثر كل تلك المتتاليات السياسية الاحترازية الغريبة والقاسية، بات إثرها وعبرها عضو الحزب الشيوعي مالك الامتيازات والكلمة العليا. ثم توالت صناعة التابوهات الثقافية والاجتماعية والسياسية لتصبح مؤسسات الدولة محافظة جداً حين يتعلق الأمر بوجود أي نوع من الأفكار التي تهدد سلطات وامتيازات قادتها، وباتت تعمل بآليات قائمة على مقاومة ضغوط المتغيرات وباسم وشعار مخادع لا يمت للحقيقة بشيء، هو دكتاتورية البروليتاريا في حين هي دكتاتورية السكرتير ولجنته المركزية وجهاز أمن الدولة. فلم يمض وقت طويل حتى وضع الشيوعيون الأيديولوجية والسلطة في سلة واحدة، وعندها حدث الافتراق والتناقض بين الدولة والمجتمع، وأُشيعت ظواهر التعصب الحزبي والرياء والرشوة والبيروقراطية بأعلى صورها، خاصة بعد أن تحولت الدولة -التي أراد لينين إزالتها بعد اضمحلال الرأسمالية وإنجاز مهام الثورة- إلى دولة المؤسسة الحزبية القابضة على مفاصل وروح الحياة، ولتكون معها وسائل وقوى الإنتاج ملكاً صرفاً للحزب الشيوعي دون منازع، ورُمي بعيداً وإلى الأبد الفهم السياسي للتنظير الذي تُرَدِّد قبل وأثناء الثورة، عن كون التعددية السياسية هي واحدة من أكبر المداخل لإنجاح رهان الثورة. وبمتواليات ووتائر متسارعة وقيادات متهافتة، وكناتج حتمي للسياسات القسرية، آل الأمر برمته في نهاية المطاف لتصبح الدولة بقضها وقضيبها، وقبلها الحزب، بيد الكي جي بي، أي جهاز الأمن والمخابرات لعموم الاتحاد السوفيتي، الذي بات القوة العليا الماسكة بخناق الدولة ومؤسساتها وكذلك حركة البشر وأرواحهم. وأضحت هناك توليفة حزبية مخابراتية لمؤسسة حديدية خفية تعمل للمحافظة - بدقة ويقظة عاليتين وقسوة مفرطة- على هيكلية السلطة وتراتيبيتها، وتكون الضابط لتابوهات وعقد الحراك الحزبي، ولحركة الجماهير وفعالياتها اليومية، والمسيطر على دهاليز الدولة ومسالكها وأغوارها، وأصبحت في النهاية، ودون غيرها، المنفذ الرسمي لرؤية وتحليل حركة التاريخ والتطورات الفكرية السياسية والعلمية الجارية في العالم. وبات من شبه المستحيل تمرير أي رأي بعيداً عن دائرة المؤسسة المزدوجة لسكرتير اللجنة المركزية وبعض قيادييها ومنهم قادة الكي جي بي، وبواسطة هذا الخليط الكابوسي الثقيل، ومن رحمه خرج سيناريو التفتيت، ومن ثم مقتل حلم ثورة أكتوبر ذات الوشاح الماركسي اللينيني.

***

فرات المحسن

يكشف التقرير الخاص الذي أعدّته سارة نبيل، مراسلة هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في العراق، بعنوان "تهديدات بالقتل تلاحق ناشطات عراقيات يتحدثن عن العنف الجنسي"، والمنشور في 13 أكتوبر، عن واقع مؤلم تعيشه نساء عراقيات يجدن أنفسهن في مواجهة مزدوجة: عنف ينتهك أجسادهن وكرامتهن، ومنظومة اجتماعية ومؤسسية لا توفر لهن دائماً الحماية والعدالة التي يحتجن إليها.

لا تكمن خطورة هذا الواقع في حوادث التحرش والاعتداء الجنسي وحدها، بل في الظروف التي تسمح بتكرارها، وفي الخوف الذي يدفع الضحايا إلى الصمت، وفي التهديدات التي تلاحق كل من تحاول كسر هذه الحلقة. وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن للمرأة أن تطالب بحقها في الأمان، إذا كان الحديث عما تعرضت له قد يجعلها هدفاً للتهديد والتشهير، وربما للعنف المميت؟

تقدم تجربة الناشطة النسوية العراقية سارة جاسم مثالاً واضحاً على التحول الذي أحدثته وسائل التواصل الاجتماعي في طريقة تعامل النساء مع العنف والتحرش. فقد أتاحت صفحتها على إنستغرام مساحة تنشر فيها النساء مقاطع مصورة توثق ما يتعرضن له من اعتداءات ومضايقات، في محاولة لكشف الانتهاكات وإيصال أصواتهن إلى الرأي العام.

وعندما تقول سارة إن "الكاميرا هي السلاح"، فإنها تختصر أهمية التوثيق في مجتمع قد تواجه فيه الضحية صعوبة في إثبات ما تعرضت له. فالصورة أو الفيديو يمكن أن يلفتا الانتباه إلى حادثة كان من الممكن أن تمر من دون مساءلة، وأن يسهما في حفظ الأدلة إذا تقررت ملاحقة المعتدي قانونياً.

لكن المفارقة المؤلمة أن الأداة التي تمنح النساء وسيلة للدفاع عن أنفسهن قد تتحول إلى سبب لاستهدافهن. فالتهديد بالقتل، والتهديد باستخدام مواد حارقة لتشويه الوجه، وحملات التشهير الإلكتروني التي تحدثت عنها سارة، ليست مجرد محاولات لإسكات ناشطة بعينها؛ بل إنها تثير مخاوف أوسع بشأن حرية النساء في التعبير عن تجاربهن والمطالبة بحقوقهن.

إن استهداف من يوثق الانتهاكات يبعث برسالة تخويف إلى أخريات مفادها أن الكلام قد يكون مكلفاً، وأن الصمت ربما يبدو الخيار الأكثر أماناً. ومن هنا، لا ينبغي أن تقتصر الاستجابة على إدانة التهديدات، بل يجب أن تشمل توفير حماية فعلية للناشطات والضحايا، ومحاسبة المسؤولين عن الترهيب والتشهير.

كما تكشف قصة أمل، التي اتهمت زوجها السابق بالاعتداء الجنسي على ابنتهما القاصر، عن جانب بالغ القسوة من معاناة الضحايا وأسرهن. فبحسب روايتها الواردة في التقرير، لا تزال القضية مفتوحة بعد سنوات من بدء الإجراءات، بينما تعيش الأم وابنتها في ظل الخوف والقلق وعدم اليقين.

ولا تقتصر معاناة أمل على ما تقول إن ابنتها تعرضت له، بل تمتد إلى الصعوبات المادية وغياب الدعم الأسري، في وقت استعان فيه الطرف الآخر بفريق قانوني. وتلخص عبارتها "لقد حاربت وحدي. لقد تخلت الدنيا كلها عني" شعوراً بالعزلة قد يرافق من يخوض معركة قانونية طويلة في ظل موارد محدودة.

إن اللجوء إلى القضاء يفترض أن يكون خطوة نحو الحماية واستعادة الحقوق، لا بداية لمعاناة إضافية تستنزف الضحية نفسياً ومادياً. ولذلك، فإن ضمان العدالة لا يتحقق بمجرد السماح بتقديم الشكاوى، بل يتطلب إجراءات واضحة وفعالة، وتحقيقات مهنية، ودعماً قانونياً ونفسياً واجتماعياً، وحماية من التهديد والانتقام.

وتزداد أهمية ذلك عندما يتعلق الأمر بالأطفال. فالأطفال الذين يتعرضون للعنف الجنسي يحتاجون إلى منظومة حماية تراعي سلامتهم وخصوصيتهم، وتمنع تعريضهم للضغط أو التخويف، وتضمن التعامل مع ادعاءاتهم بجدية ومهنية. كما ينبغي ألا تتحول الظروف المادية للأسرة إلى عائق أمام الوصول إلى العدالة.

يشير التقرير إلى أن قانون العقوبات العراقي لا يستخدم مصطلح التحرش الجنسي بصورة صريحة، بل يتضمن تعبيرات قانونية أخرى، مثل "التعرض لأنثى" و"ارتكاب فعل فاضح أو مخل بالحياء". وتثير هذه المسألة تساؤلات مهمة بشأن مدى وضوح النصوص القانونية وقدرتها على التعامل مع صور التحرش المختلفة، وحاجة الضحايا إلى معرفة حقوقهن والإجراءات المتاحة لحمايتهن.

إن وجود نص قانوني لا يعني بالضرورة أن الضحية ستشعر بالأمان عند الإبلاغ، أو أن شكواها ستُعامل بالجدية المطلوبة. ففاعلية القانون ترتبط أيضاً بطريقة تطبيقه، وكفاءة الجهات المسؤولة عن إنفاذه، ومدى توافر آليات مستقلة وموثوقة لتلقي الشكاوى والتحقيق فيها.

ويبرز التقرير، في هذا السياق، ما نقلته نساء عن شعورهن بخيبة الأمل من بعض المؤسسات الأمنية، بما في ذلك رواية سميرة عن رفض أحد أفراد الأمن التعامل مع واقعة ملاحقة تعرضت لها في الشارع. وفي المقابل، قال المتحدث باسم وزارة الداخلية العراقية إن حالات تورط رجال الأمن في مثل هذه الوقائع محدودة، وإن الوزارة تفرض رقابة وعقوبات قد تصل إلى السجن والطرد من الخدمة.

وبين روايات النساء ورد الوزارة، تبرز ضرورة وجود آليات واضحة لتلقي الشكاوى والتحقق منها ومحاسبة المخالفين، بصرف النظر عن مواقعهم الوظيفية. فالثقة بالمؤسسات لا تُبنى بالتصريحات وحدها، وإنما بتجربة ملموسة تشعر فيها الضحية بأن شكواها مسموعة وأن سلامتها أولوية.

كما أن غياب الإحصاءات الدقيقة عن حجم العنف الجنسي يجعل من الصعب رسم صورة شاملة للمشكلة أو تقييم السياسات المتبعة لمواجهتها. وأشار التقرير إلى تلقي وزارة الداخلية نحو 300 بلاغ تحرش جنسي منذ بداية العام، مع إقرار المتحدث باسمها بأن عدداً من الحوادث لا يصل إلى الشرطة بسبب العادات والتقاليد. وهذا الرقم، في غياب بيانات أشمل عن طرق الإبلاغ وتعريفات الجرائم والفئات المتضررة، لا يمكن اعتباره قياساً دقيقاً لمدى انتشار الظاهرة.

من أكثر الجوانب إيلاماً في التقرير أن بعض النساء لا يخشين المعتدي وحده، بل يخشين أيضاً رد فعل أسرهن والمجتمع المحيط بهن. فبالنسبة إلى بعضهن، قد يؤدي الإبلاغ عن التحرش إلى فرض قيود على حركتهن، أو التشكيك في سلوكهن، أو تحميلهن مسؤولية ما تعرضن له.

وتجسد قصة سميرة هذا التناقض بوضوح؛ فهي لا تشعر بالأمان في الشارع، لكنها تخشى أيضاً أن يؤدي إخبار أسرتها بما يحدث إلى منعها من الخروج، بدلاً من معالجة المشكلة التي تهدد سلامتها.

وهكذا تصبح حرية المرأة في التنقل مشروطة بالخوف، ويصبح الصمت وسيلة لتجنب القيود الاجتماعية، حتى لو كان ذلك يعني ترك الانتهاكات من دون مواجهة.

إن تحميل الضحية مسؤولية التحرش أو مطالبتها بالتزام الصمت لا يحميها، بل ينقل عبء المشكلة من مرتكب الفعل إلى من تعرضت له. أما حماية المرأة فلا ينبغي أن تعني حبسها في المنزل أو التضييق على حركتها، وإنما ضمان قدرتها على الدراسة والعمل والتنقل والمشاركة في الحياة العامة دون خوف من الاعتداء.

ولا يمكن إغفال دور التربية والإعلام والمؤسسات التعليمية والدينية والمجتمعية في ترسيخ مفهوم واضح للمسؤولية والموافقة واحترام الجسد والكرامة الإنسانية. فالقوانين ضرورية، لكنها لن تحقق أثرها الكامل إذا ظلت بعض الممارسات الاجتماعية تقلل من خطورة التحرش أو تتعامل معه باعتباره أمراً عادياً في حياة النساء.

تكتسب قضية العنف ضد الناشطات بُعداً أكثر خطورة في ضوء مقتل الناشطة النسوية العراقية ينار محمد في هجوم مسلح أمام منزلها في بغداد، وفق ما أورده التقرير، وعدم العثور على مرتكبي الجريمة حتى وقت نشره.

ويذكر التقرير أن خبراء أمميين أشاروا إلى تعرض ينار لتهديدات بالقتل ومضايقات إلكترونية مرتبطة بعملها، ورجحوا احتمال تورط ميليشيا دينية متطرفة في تلك المضايقات. وتظل هذه التقديرات منسوبة إلى أصحابها، فيما تبقى معرفة المسؤولين عن الجريمة ومحاسبتهم أمراً يتطلب تحقيقاً موثوقاً.

إن اغتيال ناشطة تعمل في مجال حقوق المرأة، إلى جانب التهديدات التي تتعرض لها ناشطات أخريات، يثير مخاوف بشأن قدرة المدافعات عن الحقوق على أداء عملهن بحرية وأمان. وعندما تبقى الاعتداءات والتهديدات بلا مساءلة واضحة، يتسع الشعور بأن التعبير عن الرأي والمطالبة بالتغيير قد يعرضان أصحابهما للخطر.

ولهذا، فإن حماية الناشطات ليست شأناً فردياً يخص كل واحدة منهن، بل هي جزء من مسؤولية الدولة عن حماية الحق في الحياة والأمان وحرية التعبير والعمل المدني. كما أن التحقيق الجاد في الاعتداءات والاغتيالات، وتقديم المسؤولين عنها إلى العدالة، يمثلان خطوة ضرورية لمنع تكرارها وتعزيز ثقة المجتمع بالمؤسسات.

يلفت التقرير الانتباه أيضاً إلى محدودية الملاجئ المتاحة للنساء المعنفات في العراق. وهذه المشكلة لا تقل أهمية عن ضعف الاستجابة القانونية، لأن المرأة التي تتعرض للعنف داخل منزلها قد تجد نفسها أمام خيارين قاسيين: البقاء في بيئة غير آمنة، أو المغادرة من دون مأوى أو دخل مستقل أو شبكة دعم.

وفي مثل هذه الظروف، قد لا يكون الإبلاغ عن العنف كافياً لحماية الضحية، خصوصاً إذا كان المعتدي من أفراد الأسرة أو إذا كانت المرأة تعتمد عليه اقتصادياً. لذلك، ينبغي أن تترافق الإجراءات القانونية مع توفير أماكن آمنة، ومساعدة مالية مؤقتة، وخدمات نفسية واجتماعية، ودعم قانوني يتيح للنساء بناء حياة مستقلة بعيداً عن العنف.

كما أن حماية النساء تتطلب تنسيقاً بين الجهات الحكومية والمنظمات الحقوقية ومؤسسات المجتمع المدني، مع ضمان أن تعمل هذه الجهات في بيئة آمنة تسمح لها بتقديم خدماتها من دون تهديد أو تضييق.

إن مواجهة العنف الجنسي ليست مسؤولية النساء وحدهن، ولا ينبغي أن تتحول إلى معركة تخوضها الناجيات والناشطات كلٌّ بمفردها. إنها مسؤولية قانونية ومؤسسية واجتماعية مشتركة، تبدأ من رفض تبرير الاعتداء، ولا تنتهي عند محاسبة مرتكبيه.

وتشمل هذه المسؤولية تطوير التشريعات بما يضمن وضوح تجريم التحرش والاعتداء الجنسي، وتحسين إجراءات الإبلاغ والتحقيق، وتوفير المساعدة القانونية للضحايا، وحماية الشهود والناجيات من الانتقام، وتوسيع خدمات الإيواء والدعم. كما تتطلب نشر بيانات موثوقة تساعد على فهم حجم المشكلة وتقييم الاستجابة لها، مع احترام خصوصية الضحايا وكرامتهن.

ومن الضروري كذلك ألا تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى البديل الوحيد الذي تلجأ إليه النساء طلباً للإنصاف. فالتوثيق والنشر قد يساهمان في لفت الانتباه إلى الانتهاكات، لكنهما لا يعوضان عن التحقيق المستقل والمحاكمة العادلة والحماية المستدامة. وينبغي أيضاً مراعاة سلامة النساء وخصوصيتهن عند نشر المقاطع المصورة، وتجنب كشف هوياتهن أو تفاصيل قد تعرضهن لمزيد من الضرر.

خاتمة: كسر الصمت مسؤولية المجتمع

تكشف قصص سارة جاسم وأمل وسميرة، إلى جانب تجربة ينار محمد، أن معاناة النساء في العراق لا تتعلق بالعنف وحده، بل بالخوف من التبليغ، وصعوبة الوصول إلى العدالة، والضغوط الاجتماعية، ومحدودية الحماية المتاحة.

ومع ذلك، فإن استمرار هؤلاء النساء في الحديث عن تجاربهن، رغم ما يواجهنه من تهديدات وعقبات، يؤكد أن الصمت ليس قدراً محتوماً، وأن المطالبة بالأمان والكرامة ليست خروجاً على المجتمع، بل حق أساسي لكل إنسان.

وحين تقول سارة جاسم: "إذا أصبح الكل خائفاً، فلن نغير شيئاً"، فإنها تضع المجتمع أمام سؤال يتجاوز تجربتها الشخصية: هل سيُترك الخوف ليحدد حدود حياة النساء، أم ستتحول هذه القصص إلى دافع لإصلاح القانون والمؤسسات والممارسات الاجتماعية؟

إن التغيير الحقيقي لا يتحقق بمطالبة النساء بأن يكن أكثر شجاعة فحسب، بل ببناء واقع لا يُعاقبن فيه على شجاعتهن، ولا يُتركن فيه وحدهن عندما يطلبن الحماية. فالعدالة لا تُقاس بعدد القوانين المكتوبة فقط، وإنما بقدرة كل امرأة على أن تقول ما تعرضت له، وأن تطالب بحقها، وأن تعيش بعد ذلك بأمان وكرامة، من دون أن تخشى أن يكون صوتها سبباً في تعريض حياتها للخطر.

***

جورج منصور

من هو بانهوفر ولماذا كتب هذا النص؟

ديتريش بانهوفر: (1906–1945) لاهوتي وقس ألماني لوثري كان من أبرز الأصوات المعارضة للنظام النازي منذ وصول هتلر إلى السلطة عام 1933. انخرط في المقاومة وشارك في دائرة الضباط المتآمرين على هتلر فاعتُقل على يد الغيستابو عام 1943 وأُعدم في معتقل فلنسبورغ في 9 أبريل 1945 أي قبل أسابيع قليلة من انتهاء الحرب. حدث ذلك في أكثر فترات ألمانيا ظلامية بعد الحرب العالمية الأولى وببداية عقد الثلاثينات حين انتشرت الفوضى والفقر وفي الوقت الذي ألقى به الغوغاء المُحرضون الحجارة على المحلات التجارية واعتدوا على النساء والأطفال الأبرياء أمام الملأ بدأ ديتريش بانهوفر القس الألماني الشاب الكلام ضد هذه الفظائع.

بعد سنوات من النضال لتغيير آراء الناس عاد بانهوفر ذات مساء إلى بيته ليخبره أباه أن شخصين ينتظرانه. لقد كانا من الغستابو الألماني الذراع البوليسية الحديدية لنظام النازية في ذلك الوقت. فتم اعتقال بانهوفر عام 1943.

في السجن بدأ بانهوفر يفكر كيف تحول بلده من بلد المفكرين والشعراء إلى مجموعة من الغوغاء والمحتالين والمجرمين. وقد خلص بالنهاية إلى أن الجذر الحقيقي للمشكلة لم يكن الرغبة بممارسة الشر بل كان الغباء.

وهذا النص الذي نتحدث عنه ليس كتابا مستقلا بالمعنى الدقيق بل هو مقطع من مقال أوسع عنوانه "بعد عشر سنوات: حساب عند المنعطف العام". كتبه بانهوفر في أواخر عام 1942 ومطلع 1943 أي في الذكرى العاشرة لتولي هتلر منصب المستشار في (30 يناير 1933) وكان في الأصل رسالة دورية موجهة إلى ثلاثة من أصدقائه ورفاقه في المقاومة وقد نُشر لاحقا ضمن مجموعته الشهيرة "مقاومة واستسلام رسائل وأوراق من السجن".

المقطع الذي يُشتهر اليوم باسم "نظرية الغباء" عنوانه الأصلي في الألمانية "Von der Dummheit" (في الغباء) وتتألف النسخة الكاملة منه نحو أربع فقرات.

جوهر المقال: الغباء أخطر من الشر:

يفتتح بانهوفر مقاله بجملة صادمة صارت أشهر ما كُتب عنه:

"الغباء عدو للخير وأخطر من (الشر)". وبرهانه على ذلك يقوم على قابلية المقاومة.

فالشر يمكن مقاومته والاحتجاج عليه وفضحه ومنعه بالقوة عند الضرورة لأن الشر يحمل في داخله "قابلية تفكيك ذاته" فالشر يترك على الأقل قدرا من عدم الارتياح في نفس صاحبه أي أن فاعل الشر يبقى على صلة ما بالضمير.

أما الغباء فإننا عُزل أمامه بلا سلاح".

لا الاحتجاجات ولا استخدام القوة يجديان نفعا هنا الحجج لا تنفع والوقائع التي تخالف الأحكام المسبقة لا تُصدق وحين تكون الوقائع قاطعة لا يُمكن دحضها فإنها تُدفع جانبا باعتبارها حالات فردية لا معنى لها.

والفارق الحاسم عند بانهوفر إن الشخص الغبي بخلاف الشرير راض عن نفسه تمام الرضا وأنه سريع الاستفزاز وينتقل إلى الهجوم عليك بمجرد أن تنتقد أصنامه وهذا يستدعي منا مزيدا من الحذر منه أكثر مما يستدعيه الشرير.

وينتهي بانهوفر إلى قاعدة عملية قاطعة: "لن نحاول مرة أخرى أن نُقنع الشخص الغبي بالحجج فهو عبث وخطر".

الغباء ليس نقصا في الذكاء بل عيب أخلاقي إنساني:

ينتقل بانهوفر من الوصف إلى التشخيص ويقرر أن الغباء في جوهره ليس عيبا فكريا بل عيب أخلاقي إنساني ويقدم دليلا تجريبيا بسيطا: "هناك من يمتلك ذهنا شديد الحركة والذكاء ومع ذلك هو غبي وآخرون بطيؤ الفهم لكنهم أبعد ما يكونون عن الغباء. والاستنتاج أن الغباء ليس عيبا وُلد مع الإنسان أي (خلقيا) بل يحصل في ظروف معينة حين يُصنع الناس أغبياء أو بالأحرى يسمحون هم بذلك".

هنا نقطة دقيقة بانهوفر يوزع المسؤولية بين الطرفين القوة التي تُخضِع والقبول الذي يمنحه الفرد لنفسه بالاستسلام. فالغباء عنده ليس دائما مفروضا من الأعلى فقط بل هو أيضا فعل استسلام من الأسفل.

الغباء مشكلة اجتماعية - نفسية لا نفسية فردية:

يلاحظ بانهوفر أن المنعزلين والمنفردين أقل عرضة لهذا العيب من الأفراد والجماعات المندفعة إلى الاجتماع. ومن هنا عبارته الشهيرة:

"لذلك يبدو أن الغباء ربما مشكلة اجتماعية أكثر منها مشكلة نفسية".

فهو ضرب خاص من تأثير الظروف التاريخية على الإنسان ومصاحب نفسي لظروف خارجية معينة. أي أن الغباء حالة عارضة ترتبط بالبيئة أكثر مما ترتبط ببنية العقل وهنا ينتقل بانهوفر إلى العلاقة بين السلطة والغباء:

هذه لب النظرية يقول بانهوفر: "إن كل انبعاث قوي للسلطة في المجال العام - سياسيا كان أو دينيا - يُصيب جزءا كبيرا من البشرية بالغباء حتى ليكاد يكون ذلك قانونا اجتماعيا-نفسيا".

وهذا هو معنى العبارة "سلطة البعض تحتاج إلى غباء الآخرين".

والمهم أنه يُصر على أن الآلية ليست تعطيلا مفاجئا في الملكات العقلية أي ليست العملية أن قدرات معينة كالفكر تضمر أو تسقط فجأة بل هي سَلب للاستقلال الداخلي خاصة تحت التأثير الساحق لتصاعد السلطة يُسلب من الإنسان استقلاله الداخلي فيتخلى بوعي أو بغير وعي عن أن يبني موقفا مستقلا تجاه الظروف الناشئة.

ومن هنا قاعدته الحاسمة: "العناد ليس دليلا على الاستقلال فالغبي كثيرا ما يكون عنيدا لكنه في الحقيقة غير مستقل". ويصف بانهوفر الإحساس في الحديث مع الغبي العنيد "لا تشعر أنك تتعامل معه هو كشخص بل مع شعارات وقوالب استولت عليه فيكون مأخوذا بسحر معمىً مُستغَلا ومُساءً إليه في أعماق ذاته".

ثم تأتي أخطر جملة في المقال وهي الجملة التي تربط الغباء بالشر مباشرة:

"وهكذا وقد صار أداةً بلا إرادة يكون الغبي قادرا على كل شر وعاجزا في الوقت نفسه عن أن يرى أنه شر".

وهنا يحدد "خطر الاستغلال الشيطاني" الذي يُدمر البشر إلى الأبد فتكون المعادلة: الشر يحتاج إلى الغباء ليعمل لأن الشرير وحده لا يستطيع الوصول إلى السلطة والاستمرار فيها إلا بأيدي من لا يرون الشر شرا.

والحل هو: التحرير لا التلقين:

ينفي بانهوفر أن يكون التعليم أو الوعظ أو الإقناع قادرا على شفاء الغباء يقول:

"ليس فعل التلقين هو العلاج بل وحده فعل التحرير هو الذي يستطيع تجاوز الغباء".

ويضيف شرطا واقعيا صارما: "إن التحرر الداخلي الحقيقي لا يصير ممكنا في الغالب الأعم إلا بعد أن يسبقه تحرر خارجي".

أي بعد سقوط القوة الضاغطة أو زوال الظرف القاهر. وإلى أن يقع ذلك فإن الواجب العملي أن نتوقف عن محاولة إقناع الغبي لأن الجدال معه لا ينتج شيئا بل ربما يزيده تصلبا وعنادا.

وتظل كل محاولات معرفة ما يفكر فيه الغبي فعلا عبثيا في ظروف ضغط السلطة والسؤال نفسه عديم الجدوى للمفكر ما دامت ظروف التسلط قائمة.

الأساس اللاهوتي:

 ولأن بانهوفر (قس)

لا يمكن فصل "نظرية الغباء" عنده عن لاهوت بانهوفر. فالحل النهائي عنده ليس نفسيا أو سياسيا فحسب بل دينيا أيضا.

يستشهد بآية الكتاب المقدس 'مخافة الله بدءُ الحكمة" ويستنتج:

"التحرر الداخلي للإنسان نحو الحياة المسؤولة أمام الله هو التجاوز الحقيقي الوحيد للغباء".

فالحكمة عنده ليست وفرة معلومات بل الوقوف مسؤولا أمام الله وهو موقف وجودي أخلاقي يعصم الإنسان من الانصياع الأعمى للسلطة. وهذا هو المعنى الذي يربط الفكرة كلها: الغباء في نظر بانهوفر مرض أخلاقي-روحي لا عيب ذهني.

يُنهي بانهوفر مقاله بجملة تعزية مهمة:

"هذه الأفكار تمتنع تماما عن اعتبار أكثرية الناس أغبياء في كل الظروف". فالأمر يتوقف فعلا على ما إذا كان أصحاب السلطة ينتظرون من الناس غباءهم أم ينتظرون منهم استقلالهم الداخلي وحكمتهم.

أي أن الغباء ليس قدرا ثابتا للشعب بل متغير يتوقف على ما تطلبه السلطة وتستثمره فإن كان الطاغية يريد أتباعا عميا صنع منهم ذلك وإن كان المجتمع يستنفر استقلاله وحكمته انتصر عليه.

يريد منا (بانهوفر) اليوم أن نتسامح مع "الغباء" حين يكون بسيطا وغير ضار كما يحدث مع جاهل لا يعرف شيئا بسيطا.

لكن حين يستولي الغباء على السلطة فإن الأمر يصير خطرا يجب أن ننتقده ونقاومه لأن الشرير يحول الشعب إلى دمية تتحرك وأدمغة خاوية تمكنه من الوصول إلى مراده.

***

سليم جواد الفهد

...................................

نظرية الغباء عند ديترش بانهوفر، ترجمة وأعداد علاء الخطيب.

تعددت النصوص والمواثيق الدولية والإقليمية، التي توضح حقوق الانسان، وتتالت الاعلانات من مختلف المواقع الأيدلوجية والثقافية والسياسية، التي تبرز رؤيتها وتصورها لشرعنة حقوق الانسان، ولكن في مقابل هذا التعدد والتالي، ازدادت طرق انتهاك حقوق الإنسان، وتنوعت صور تجاوز هذه الحقوق سواء من قبل الأفراد أو المؤسسات.

وأضحت مجتمعاتنا من جراء ذلك، تعيش مفارقة مذهلة على هذا الصعيد، نصوص راقية ورائعة وجميلة توضح حقوق الإنسان، ووقائع وصور سياسية واجتماعية يندى لها الجبين، تنتهك فيها كل المواثيق والاعلانات المنادية بصيانة حقوق الإنسان، ولجوئنا إلى جمال النصوص وروعة المواثيق، لا يغير من الواقع السيئ على هذا الصعيد.

لذلك فإن المؤسسة الكبرى التي تتوجه إلينا جميعا هي كيف نردم الهوة والفجوة بين النص والواقع، بين المواثيق والوقائع، بين الأقوال والأفعال، بين المقولات الأيدلوجية والثقافية، والممارسات السياسية والإدارية.

وبإمكاننا أن نحدد الخطوات التي تساهم في ردم الفجوة في النقاط التالية:    

1- طالب بحقوقك: فلا يمكن أن تردم الفجوة، إلا بأن يتحرك أبناء المجتمع للمطالبة بحقوقهم.. فلو عمل كل إنسان على المطالبة الدائمة والملحة بحقوقه، فإن قدرة المجتمع على ردم الفجوة ستكون أقوى وأكثر فعالية... لذلك نجد أن المسافة تكون طويلة بين القول والفعل على مستوى حقوق الإنسان، فب تلك المجتمعات التي لا تطالب بحقوقها، أو لا تسعى لتطوير آليات حفظ مكاسبها وحقوقها.

.

 إننا نعتقد ان المجتمعات مع الذي يطالب بحقوقه، ويلح عبر الوسائل المدنية والمشروعة للمطالبة بها، هو الذي يقبض على حقوقه، ويعيش في رحابها وبركاتها، أما المجتمع الصامت والخامل والذي لا يطالب بحقوقه، فهو سيعيش القهقرى، ولن يتمكن من القبض على حقوقه.

فالحقوق بكل مستوياتها، بحاجة إلى وعي دائم بها، ويقظة مستمرة للحفاظ عليها وتطويرها.. من هنا أهمية نشر الوعي الحقوقي بين أفراد المجتمع بكل فئاتهم وشرائحهم، حتى تتوفر لديهم امكانية المطالبة بحقوقهم العامة، ويحافظوا على كل مكاسبهم على هذا الصعيد.

فالمجتمعات الحية والفاعلة، هي القادرة على نيل حقوقها أو الحفاظ عليها. أما المجتمعات الميتة والراكدة فإنها لن تتمكن من الحفاظ على حقوقها فضلا عن المطالبة بها وتذليل العقبات أمام امتلاكها.. فالمجتمعات التي نالت حقوقها العامة، هي تلك المجتمعات التي طالبت بحقوقها وعملت من أجلها، ونشرت الوعي الحقوقي بين أفرادها للحفاظ عليها.

فالوعي بالحقوق هو الذي يقود الى نصرة هذه الحقوق.. وبالوعي والنصرة تتطور مفاهيم وحقائق حقوق الإنسان في المجتمعات الإنسانية. وينقل التاريخ أنه قبل البعثة النبوية الشريفة بعشرين عاما دخل رجل من قبيلة زبيد مكة، وعرض بضاعته للبيع فاشتراها منه العاص بن وائل، وحبس عنه حقه فاستعدي عليه الزبيدي بعض بطون قريش فأبوا أن يعينوه، فأوفى على جبل أبي قبيس المشرف على الكعبة، فصاح بأعلى صوته:

يا آل فهر لمظلوم بضاعته * ببطن مكة نائي الدار والنفر ومحرم أشعث لم يقض عمرته * يا للرجال وبين الحجر والحجر

إن الحرام لمن تمت كرامته * ولا حرام لثوب العاجز القذر

فأثارت هذه الأبيات حمية رجال قريش، فقام الزبير بن عبد المطلب، وعزم على نصرته، وأيده في ذلك آخرون، فاجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان فتعاقدوا، وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم، ممن دخلها من سائر الناس، إلا قاموا معه وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته. ثم مشوا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه سلعة الزبيدي وردوها إليه.

وسميت قريش هذا الحلف بحلف الفضول، وشارك النبي الأكرم (ص) فيه وروي عنه قوله { لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت}.

فلو صمت الزبيدي لضاعت حقوقه، ولو تخلف الواعون عن نصرته لتعمم الظلم والاضطهاد.. لهذا فإن المطالبة الدائمة بالحقوق، هي طريق نيلها والقبض عليها.

"ولاشك في أن مشاركة الرسول (ص) في هذا الحلف، وقوله المأثور في مدحه، يعبران عن تأييد الاسلام لكل سلوك قوي يمارسه البشر انطلاقا من فطرتهم التي فطرهم الله عليها، ونبنيه لكل قيمة خيرة تكتشفها عقولهم وتتمخض عنها تجربتهم، لأن الإسلام في الواقع، لم يأت إلا لتدعيم كرامة الانسان التي أودعها الله فيه ولوكان حقوقه، ودعوته الى ممارستها، وحمايتها من تجاوز الغاشمين وظلم المستكبرين الذين يريدون العلو على الناس والفساد في الأرض ". ( راجع كتاب المنهاج، حقوق الإنسان في الإسلام، تأصيل ومقارنة، ص 45، مجموعة من الباحثين ).

والتجارب التاريخية لكل الأمم والشعوب، تثبت لنا، أن صيانة حقوق الإنسان، وبناء المجال العام وفق مقتضياته، لم يبن أو تصل إليه المجتمعات المتقدمة، إلا بالتأصيل والوعي والمطالبة المستديمة، ومحاصرة كل بؤر التعدي على الحقوق، وتحفيز الناس للدفاع عن حقوقهم وتجسيدها في المجالين الخاص والعام.

2- التربية الديمقراطية: فسيادة حقوق الإنسان في المجال العام، ليس ادعاء يدعى، وإنما هي مرحلة تبلغها الأمم والمجتمعات بعملها وكفاحها وسعيها الحثيث في هذا السياق. 

ولا ريب أن التربية الديمقراطية، وإشاعة ثقافة الحرية والحقوق، من الروافد الأساسية لبلوغ مرحلة سيادة قيم حقوق الإنسان في المجال العام. من هنا تنبع أهمية أن تسود هذه التربية وآلياتها كل مؤسسات وأنشطة المجتمع، وذلك حتى يتشبع أبناء المجتمع بهذه القيم، ويتدرب الجميع على أسس الحوار والتعددية وصيانة حقوق الإنسان. 

والتربية على الديمقراطية بحاجة إلى جهود متراكمة، حتى تفضي في المحصلة النهائية، إلى أن تصبح هذه القيمة جزءا من النسيج الاجتماعي والثقافي، وذلك لأنه على حد تعبير (عمانوئيل كانت): ثمة اكتشافان إنسانيان يحق لنا اعتبارهما أصعب الاكتشافات: فن حكم الناس، وفن تربيتهم.

 فالطريق مليء بالصعوبات والعقبات والمشاكل. وإصرار أبناء المجتمع على هذا الخيار ويعم الحثيث لتجاوز كل الصعاب، هو السبيل لإنجاز هذا المفهوم في الفضاء الاجتماعي. وعليه فإن كل واحد فينا، يتحمل ق إلى التربية الديمقراطية، ليس معبدا أو سهلا، وإنما هو مسؤولية مباشرة في هذا المشروع، بحيث يثقف نفسه ثقافة ديمقراطية، ويتعامل ف كل دوائر محيطه وفق مقتضيات ثقافة الحرية

والحقوق، ويشيع أجواءهما في دوائر حركته المتعددة. 

***

محمد محفوظ

   

مقدمة: يُمثل فكر عمانويل ليفيناس لحظة انعطاف حاسمة في مسار الفلسفة الغربية المعاصرة. فهو لا يكتفي بنقد النزعة الأنطولوجية التي هيمنت على التفكير الفلسفي منذ بواكيره، بل يعلن انتهاء صلاحيتها بوصفها أفقاً أولياً للفهم، ويفتح في المقابل أفقاً جديداً يجعل الإيتيقا هي الفلسفة الأولى. هذا الأفق الجديد لا يقوم على تأسيس نسقي مغلق، بل على اعتراف جذري باللانهائي الذي يتجلى في وجه الآخر. المقاربة التأسيسية ما بعد الحديثة هنا لا تعني بناء نظام بديل يدّعي الشمولية، بل تعني الكشف عن شرط أولي سابق على كل أنطولوجيا وكل إبستمولوجيا: شرط المسؤولية اللامتناهية تجاه الآخر بوصفه ما لا يمكن اختزاله في أي كلية. فكيف أعلن ليفيناس نهاية النزعة الأنطولوجية؟ وماهي العوامل التي استعملها لكي يبشر بميلاد الايتقا اللانهائي؟ وما قيمة هذا التبشير وصداه في الفلسفة مابعد الحديثة؟

 النزعة الأنطولوجية بوصفها أفقاً مغلقاً

النزعة الأنطولوجية، في صورتها العميقة، ليست مجرد اهتمام بمسألة الوجود، بل هي ميل إلى جعل الوجود أو الكلي أو النظام هو الأفق الذي يُفهم داخله كل شيء. منذ اللحظة التي بدأ فيها الفكر الغربي يتساءل عن الوجود بما هو وجود، ارتبط هذا التساؤل بمسعى خفي أو صريح إلى الإحاطة والشمول. الوجود يُفهم بوصفه ما يمكن أن يُقال، وما يمكن أن يُعرف، وما يمكن أن يُدرج ضمن كلية معقولة. حتى عندما بلغت الأنطولوجيا أعلى درجات الرهافة في التفكير في الفرق الأنطولوجي أو في الزمانية أو في الحدث، فإنها ظلت في جوهرها تفكيراً من داخل الأفق الكلي. هذا الأفق الكلي يمارس عنفاً خفياً. فهو يحول الآخر إلى موضوع ضمن نظام، أو إلى لحظة في جدل، أو إلى إمكانية ضمن مشروع وجودي. الآخر يُفهم انطلاقاً من الذات أو من الوجود المشترك أو من البنية العامة. حتى العلاقة بين الذوات تُختزل في تشارك في الوجود أو في تواصل داخل فضاء مشترك. النتيجة هي طمس ما يجعل الآخر آخر حقاً: ألا وهو كونه يتجاوز كل إحاطة، وكل تمثل، وكل إدراج في كلية. نهاية النزعة الأنطولوجية عند ليفيناس ليست نهاية التفكير في الوجود، بل نهاية أولويته. الوجود لم يعد الأفق الأول، ولم تعد مسألة «ما الوجود؟» هي السؤال الجذري. السؤال الجذري يصبح: كيف يمكن أن أكون مسؤولاً عن آخر لا يندرج في وجودي ولا في فهمي؟ هذا التحول يعادل انقلاباً في ترتيب الأولويات الفلسفية.

 الوجه بوصفه انكشاف اللانهائي

ينبثق البديل من تجربة أصيلة لا يمكن اختزالها في أي وصف أنطولوجي: تجربة الوجه. الوجه ليس موضوع إدراك، ولا صورة مرئية ضمن العالم، ولا تعبيراً عن حالة نفسية داخلية. الوجه هو ما يقاوم التمثل من حيث هو تمثل. عندما يواجهني الوجه، فإنه لا يعطيني معلومات عن كائن موجود أمامي فحسب، بل يأمرني ويمنعني ويطالبني في آن واحد. الأمر الأساسي الذي ينطق به الوجه هو «لا تقتل». هذا الأمر ليس قاعدة أخلاقية مستمدة من عقل عملي أو من مصلحة مشتركة، بل هو اندلاع اللانهائي داخل التجربة المتناهية. اللانهائي هنا ليس مفهوماً رياضياً ولا فكرة عن كائن أعظم. هو ما يأتي من خارج كل أفق، وما يفيض عن كل قدرة على الاحتواء. الوجه يكشف هذا اللانهائي لأنه يعرض ضعفاً مطلقاً وفي الوقت نفسه يفرض سلطة مطلقة. الضعف يظهر في عري الوجه وانكشافه وقابليته للأذى. والسلطة تظهر في أن هذا الضعف نفسه يمنعني من التصرف بحرية تامة، ويجعل حريتي مسؤولة قبل أن تكون حرة. هذه البنية المفارقة هي ما يجعل الإيتيقا تسبق الحرية والأنطولوجيا معاً.

 المسؤولية بوصفها بنية سابقة على الذاتية

المسؤولية عند ليفيناس ليست اختياراً أخلاقياً يأتي بعد تشكل الذات. هي ما يشكل الذات أصلاً. الذات لا توجد أولاً ثم تقرر أن تكون مسؤولة. بل هي تستيقظ على نفسها بوصفها مسؤولة سلفاً، وفي موقع المساءلة قبل أي قرار. هذه المسؤولية غير متماثلة جذرياً: أنا مسؤول عن الآخر أكثر مما هو مسؤول عني، ومسؤوليتي لا تنتظر المعاملة بالمثل. بل إن مسؤوليتي تمتد إلى ما يتجاوز قدرتي، فتصبح مسؤولية عن مسؤولية الآخر نفسه. هذا السبق للمسؤولية يعيد تعريف الذاتية. الذات لم تعد مركزاً مؤسساً ولا مشروعاً وجودياً يسعى إلى تحقيق إمكاناته. الذات هي الاستضافة، وهي الاستبدال، وهي الوقوف في موقع الـ«هنا ذا أنا» استجابة لنداء يأتي من الخارج. هذه البنية تجعل الإيتيقا تأسيسية بمعنى جديد: فهي لا تؤسس نظاماً من القواعد، بل تكشف الشرط الذي يجعل أي نظام وأي معرفة وأي وجود مشترك ممكنين أصلاً. بدون الانفتاح الأخلاقي الأولي على الآخر، ينهار حتى أفق المعنى نفسه.

من الكلية إلى اللانهائي – القطيعة مع منطق النظام

تتميز النزعة الأنطولوجية بميلها إلى الكلية: السعي إلى إدراج التعدد داخل وحدة معقولة، وتحويل الزمن إلى تاريخ يمكن سرده ضمن نهاية، وتحويل العلاقات إلى بنى يمكن السيطرة عليها مفاهيمياً. إيتيقا اللانهائي تقطع مع هذا الميل. اللانهائي لا يندرج في كلية، ولا يمكن أن يكون لحظة في جدل يعود إلى ذاته. هو دائماً فائض، دائماً خارج، دائماً ما يأتي من جهة لا يمكن توقعها. هذه القطيعة لها نتائج حاسمة. أولاً، تمنع تحويل الإيتيقا إلى مجرد فرع من الأنطولوجيا أو من فلسفة الروح. ثانياً، تحرر العلاقة بالآخر من منطق التبادل والحساب والمصلحة المشتركة. ثالثاً، تفتح أفقاً سياسياً واجتماعياً مختلفاً: أفقاً لا يقوم على اندماج الجميع في هوية واحدة، بل على العدالة بوصفها اعترافاً دائماً بتعدد لا يُختزل. العدالة نفسها تصبح ضرورية لأن المسؤولية تجاه الآخر المفرد تصطدم بوجود الآخرين الكثيرين، فتحتاج إلى مؤسسات ومعايير، لكنها تظل محكومة بالنداء الأخلاقي الأولي الذي يمنعها من التحول إلى نظام مغلق.

 البعد ما بعد الحديث في التأسيس الإيتيقي

المقاربة التأسيسية ما بعد الحديثة لفكر ليفيناس تكمن في أنه يؤسس دون أن يبني أساساً ثابتاً بالمعنى التقليدي. التأسيس هنا أناركي بمعنى أنه بلا مبدأ أول يمكن الإمساك به داخل نظام. المبدأ «الأول» هو ذاته ما يرفض أن يكون مبدأ داخل كلية. الوجه يؤسس لأنه يزعزع كل تأسيس سابق، ويفتح المسؤولية بوصفها حدثاً يتكرر ولا يستقر. هذا النوع من التأسيس يتناسب مع الحساسية ما بعد الحديثة التي فقدت الثقة في السرديات الكبرى والأنساق الشاملة، لكنه يختلف عنها في نقطة جوهرية: فهو لا ينتهي إلى تعددية نسبية أو إلى لعبة اختلافات بلا أفق معياري. اللانهائي يفرض إلزاماً مطلقاً رغم أنه لا يندرج في أي مطلق يمكن تملكه. الإلزام أشد صرامة من أي قاعدة عقلية، لأنه ينبع من ضعف الآخر لا من قوة المفهوم. بذلك يقدم ليفيناس إمكانية تأسيس إيتيقي بعد انهيار الأسس التقليدية، دون السقوط في العدمية أو في النسبية الأخلاقية.

 الإيتيقا بوصفها فلسفة أولى والوجود بوصفه ثانوياً

عندما تصبح الإيتيقا فلسفة أولى، فإن كل الأسئلة الأخرى تُعاد صياغتها انطلاقاً منها. السؤال عن الوجود يصبح سؤالاً عن كيفية وجودي بوصفي مسؤولاً. السؤال عن المعرفة يصبح سؤالاً عن حدود التمثل أمام ما لا يُتمثل. السؤال عن السياسة يصبح سؤالاً عن كيفية ترجمة المسؤولية اللامتناهية تجاه الوجه المفرد إلى عدالة تجاه الكثرة. حتى السؤال عن الله نفسه يتحول: الإلهي يُفهم بوصفه أثر اللانهائي في العلاقة الأخلاقية، لا بوصفه كائناً أعلى داخل أنطولوجيا. هذا القلب الجذري لا يلغي الأنطولوجيا بل يضعها في مقام ثانوي. الوجود والعالم والتاريخ تظل قائمة، لكنها لم تعد الأفق الذي يُفسر كل شيء داخله. الأفق الأول هو الإيتيقا، والوجود يُفهم في ضوئها بوصفه ما يمكن أن يكون مكاناً للمسؤولية أو مكاناً للتنكر لها.

في عالم يتسم بتزايد العنف البنيوي، وبتحول الآخر إلى رقم أو إلى صورة أو إلى تهديد أمني أو إلى مورد بشري، تستعيد إيتيقا اللانهائي راهنيتها القصوى. هي تذكر بأن كل نظام، مهما بدا عقلانياً أو تقدمياً، يظل مهدداً بنسيان الوجه. وتذكر بأن التقدم التقني والمعرفي لا يحل مسألة المسؤولية بل قد يزيد من تعقيدها. كما تذكر بأن الحوار الحقيقي ليس تبادلاً متناظراً بين ذوات متساوية داخل فضاء محايد، بل هو استجابة غير متماثلة لنداء يأتي من خارج أي تماثل.فكر ليفيناس، بهذا المعنى، لا يقدم وصفة سياسية جاهزة ولا نظاماً أخلاقياً مكتملاً. هو يقدم تحويلاً في النظرة: من نظرة تبحث عن الأساس في الوجود أو في العقل أو في التاريخ، إلى نظرة تكتشف أن الأساس الوحيد الممكن بعد نهاية النزعات الكلية هو الاعتراف بما يفيض عن كل أساس. هذا الاعتراف ليس نهاية الفلسفة، بل هو ميلادها من جديد بوصفها إيتيقا للانهائي. فماهي راهنية الإيتيقا اللانهائية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

قراءة فلسفية في ذكرى انتصار أكتوبر العظيم

ليست كل الانتصارات انتصارا، كما أن كل الهزائم ليست هزيمة، فقد يخسر الإنسان معركة ثم ينهض منها أكثر قوة، وقد يربح معركة ثم يكتشف أنه لم يربح شيئا يتصل بجوهر وجوده. فالانتصار الحقيقي ليس مجرد نتيجة تقع في نهاية صراع، وإنما هو قبل ذلك تحول يحدث في وعي الإنسان بذاته، حين يستعيد قدرته على الفعل بعد أن كاد يقتنع بأن العجز قدر، وحين يسترد ثقته بنفسه بعد أن حاولت الهزيمة أن تقنعه بأن التاريخ قد أغلق أبوابه في وجهه.

ومن هذه الزاوية يبدو السادس من أكتوبر 1973 أكثر من تاريخ عسكري مجيد في الذاكرة المصرية والعربية؛ إنه لحظة فارقة في علاقة الإنسان المصري بذاته وبالتاريخ. ففي ذلك اليوم لم تعبر القوات المصرية قناة السويس فحسب، وإنما عبر الإنسان المصري نفسه من حالة نفسية ثقيلة خلفتها هزيمة يونيو 1967 إلى فضاء جديد من الإرادة والقدرة والثقة.

كان العبور في أحد معانيه العميقة عبورا من سؤال الإمكان إلى ممارسة الإمكان، ومن الإحساس بأن الآخر يمتلك زمام التاريخ إلى اكتشاف أن الإنسان يستطيع، حين يمتلك الإرادة والمعرفة والتنظيم، أن يستعيد موقعه فاعلا في صناعة ذلك التاريخ.

ولعل هذا هو المعنى الذي يجعل انتصار أكتوبر جديرا بقراءة فلسفية، فالحروب في ظاهرها صراع بين جيوش، لكنها في عمقها صراع بين إرادات، والسلاح مهما بلغت قوته لا يعمل من تلقاء نفسه؛ وراءه عقل يخطط، وإرادة تصمم، وإنسان يتحمل الخوف والألم والمسؤولية، ويحول المعرفة إلى فعل، والفعل إلى إنجاز. ولذلك فإن أعظم ما يمكن أن نتأمله في أكتوبر ليس عدد الدبابات التي عبرت، ولا طبيعة التحصينات التي تم تجاوزها، ولا التفاصيل العسكرية التي حفظتها كتب التاريخ، وإنما ذلك التحول العميق الذي جعل الإنسان المصري ينتقل من موقع المتلقي للهزيمة إلى موقع الفاعل في استعادة حقه في المبادرة.

فالإنسان لا يهزم عندما يتراجع أمام قوة أكبر منه فحسب، وإنما يهزم حقا عندما يستبطن الهزيمة ويحولها إلى صورة ثابتة عن ذاته. وحين تصبح الهزيمة جزءا من تعريف الإنسان لنفسه، يتحول الماضي من واقعة تاريخية إلى سجن نفسي. عندئذ لا يعود السؤال: ماذا حدث لنا؟ وإنما يصبح: هل نحن قادرون على أن نفعل شيئا؟ وهنا تكمن خطورة الهزيمة الحقيقية؛ لأنها لا تستولي على الأرض وحدها، وإنما قد تحاول الاستيلاء على الخيال، وعلى القدرة على تصور المستقبل.

ومن هنا كان أكتوبر استعادة لشيء أعمق من الأرض. كان استعادة لفكرة القدرة نفسها، لقد اكتشف الإنسان المصري أن الهزيمة ليست هوية، وأن الانكسار ليس مصيرا، وأن التاريخ لا يمنح الشعوب أدوارا ثابتة إلى الأبد. فما يبدو مستحيلا في لحظة تاريخية قد يصبح ممكنا حين تتغير شروط الفعل، وحين تتوافر الإرادة والعلم والانضباط والصبر وحسن التخطيط. وهذه واحدة من أهم الحقائق الفلسفية التي يمكن أن نتعلمها من أكتوبر، وهي أن الإمكان الإنساني لا يقاس بما يبدو لنا في لحظة معينة، وإنما بما يستطيع الإنسان أن يصنعه حين يحشد طاقاته في اتجاه واحد.

ولذلك فإن الحديث عن إرادة الإنسان المصري ليس حديثا عن نزعة عاطفية عابرة، وإنما عن مفهوم فلسفي عميق، فالإرادة هي قدرة الإنسان على ألا يكون مجرد نتيجة للظروف، وأن يتحول من كائن تحدده الأحداث إلى كائن يشارك في تحديدها. وحين تستعيد الجماعة إرادتها فإنها تستعيد حقها في أن تكون فاعلا في التاريخ، لا مجرد موضوع تتناوبه القوى والظروف. ولهذا لم يكن أكتوبر مجرد انتصار على خط دفاعي، وإنما كان استردادا للفاعلية التاريخية التي تحتاجها كل أمة لكي تستمر في الوجود.

أما الكرامة، فهي الوجه الآخر لهذه الإرادة. فالكرامة ليست شعورا بالزهو، ولا ادعاء للتفوق على الآخرين، وإنما هي وعي الإنسان بقيمته ورفضه أن يتحول إلى كائن مستسلم للإهانة أو العجز أو التبعية. وحين يدافع الإنسان عن كرامته فإنه لا يدافع فقط عن شيء خارجي يمكن أن يفقده ويسترده، وإنما يدافع عن صورته الداخلية عن نفسه. ومن هنا يمكن فهم أحد أعمق أبعاد أكتوبر، وهو أن الإنسان المصري لم يكن يبحث عن نصر عسكري مجرد، وإنما كان يبحث أيضا عن استعادة حقه في أن ينظر إلى ذاته بعين الثقة، وأن يعرف أن ما حدث بالأمس ليس بالضرورة ما سيحدث غدا.

وليس معنى ذلك أن الإنسان المصري لم يعرف الخوف، فالخوف جزء أصيل من الطبيعة الإنسانية، والشجاعة لا تعني غياب الخوف، وإنما تعني ألا يمنح الإنسان خوفه الحق في تقرير مصيره. وربما كانت قيمة أكتوبر الإنسانية الكبرى في أن الخوف لم يتحول إلى عجز، وأن الإحساس بخطورة المواجهة لم يمنع إرادة المواجهة، وهنا تتحول الشجاعة من فضيلة عسكرية إلى فضيلة إنسانية عامة، وهي أن تعرف حجم المخاطر، ومع ذلك لا تتنازل عن حقك في الفعل.

غير أن الإرادة وحدها لا تكفي. وهذه نقطة مهمة كثيرا ما تحجبها اللغة الاحتفالية عن معنى الانتصار، فالإرادة التي لا تستند إلى المعرفة قد تتحول إلى اندفاع، والشجاعة التي لا يحكمها العقل قد تتحول إلى تهور، والحلم الذي لا تصاحبه قدرة على التخطيط يظل مجرد رغبة. وما يجعل أكتوبر تجربة جديرة بالتأمل هو أن الإرادة المصرية لم تكن إرادة عمياء، وإنما ارتبطت بالتخطيط والعلم والانضباط والصبر وإعادة بناء القدرة. وهنا يصبح أكتوبر درسا في أن الأمم لا تنتصر بالأماني، وإنما حين تتحول الإرادة إلى مشروع، والمعرفة إلى قدرة، والقدرة إلى فعل منظم.

وربما كان هذا من أعمق ما ينبغي أن نستعيده ونحن ننظر إلى أكتوبر من مسافة أكثر من نصف قرن، فالتاريخ لا يعيد نفسه بالطريقة نفسها، لكنه يترك للإنسان إمكان أن يتعلم من منطقه، وما صنع النصر في الماضي لا يمكن استنساخه حرفيا في الحاضر، لأن لكل عصر شروطه وأسئلته وتحدياته، لكن الروح التي جعلت النصر ممكنا يمكن أن تعود في صورة جديدة، تتمثل في إرادة لا تستسلم، وعقل يعرف كيف يخطط، ومؤسسة تحسن تحويل الإمكان إلى واقع، وإنسان يؤمن بأن المستقبل ليس شيئا ينتظرنا في نهاية الطريق، وإنما شيء نصنعه بما نفعله اليوم.

ومن هنا تصبح ذاكرة أكتوبر سؤالا عن الزمن نفسه: هل الماضي مجرد شيء مضى وانقضى، أم أنه يمكن أن يتحول إلى طاقة توجه الحاضر؟ إن الأمم التي تتعامل مع تاريخها بوصفه متحفا للأمجاد قد تظل عالقة في الماضي، أما الأمم التي تقرأ تاريخها بوصفه خبرة إنسانية قابلة للفهم والنقد والاستلهام فإنها تحول الماضي إلى قوة للمستقبل. ولذلك فإن الوفاء الحقيقي لأكتوبر لا يكون بتكرار مشاهد النصر كل عام، وإنما بإعادة اكتشاف المعنى الذي جعل ذلك النصر ممكنا.

فالذكرى التي لا تغير شيئا في وعينا تتحول مع الزمن إلى طقس، والاحتفال الذي لا ينتج سؤالا عن مسؤوليتنا الراهنة يفقد جزءا من قيمته... أن نتذكر أكتوبر لا يعني أن نبقى أسرى لأكتوبر، وإنما أن نفهم كيف استطاع الإنسان المصري في لحظة تاريخية حاسمة أن يتجاوز حدود ما بدا ممكنا، ثم نسأل أنفسنا ما الحدود التي تبدو اليوم عصية على التجاوز، ولماذا؟ وما الذي نحتاجه لكي نحول المستحيل الظاهر إلى ممكن تاريخي جديد؟

وهنا ينتقل معنى الانتصار من ميدان الحرب إلى ميدان الحضارة، فإذا كان جيل أكتوبر قد واجه في ذلك اليوم عائقا ماديا وعسكريا تمثل في قناة السويس والتحصينات المقامة خلفها، فإن الإنسان المصري اليوم يواجه عوائق من نوع آخر، فهناك عوائق تقف بينه وبين المستقبل، من بينها ضعف التعليم، وتراجع قيمة المعرفة، والبيروقراطية، وضعف الإنتاج، واليأس، وفقدان الثقة بالقدرة على التغيير، وهذه العوائق، وإن اختلفت طبيعتها، تحتاج إلى الإرادة نفسها التي عرفها جيل أكتوبر، إرادة ترى في الصعوبة تحديا لا قدرا، وفي العجز حالة قابلة للتجاوز، وفي المستقبل مجالا للفعل لا مجرد انتظار لما تأتي به الظروف. فإذا كان عبور القناة في أكتوبر قد استعاد للإنسان المصري ثقته بقدرته على تجاوز أصعب الحواجز، فإن الوفاء الحقيقي لذلك الانتصار هو أن نستعيد هذه القدرة اليوم في معارك البناء والعلم والعمل.

وهنا تتجاوز ذكرى أكتوبر حدود التاريخ لتدخل في فلسفة بناء الإنسان، فالأوطان لا تستعيد مكانتها مرة واحدة وإلى الأبد؛ إنها تحتاج في كل جيل إلى أن تعيد اكتشاف قدرتها على النهوض. والانتصار الذي يتحول إلى مجرد حكاية عن الماضي قد يتحول، من حيث لا نشعر، إلى نوع من التعويض النفسي عن عجز الحاضر. أما الانتصار الذي يتحول إلى قيمة فاعلة في الوعي، فإنه يصبح قوة تدفع الإنسان إلى العمل، وتجعله يرى في تاريخه دليلا على القدرة لا بديلا عن القدرة.

ولعلنا هنا نصل إلى سؤال أكثر عمقا، وهو ما الذي يجعل أمة ما قادرة على النهوض بعد الانكسار؟ ليست الإجابة في القوة المادية وحدها، لأن القوة المادية نفسها تحتاج إلى إرادة توجهها، وعقل يحسن استخدامها، ومؤسسات تحولها إلى إنجاز. كما أن النهوض لا يبدأ حين تتغير الظروف من حولنا، وإنما يبدأ في اللحظة التي يتغير فيها موقف الإنسان من الظروف. فالإنسان الذي يرى نفسه أسيرا للواقع لن يصنع واقعا جديدا، أما الذي يرى في الواقع مادة قابلة للتغيير فإنه يبدأ، منذ اللحظة الأولى، في استعادة حريته.

ومن هنا تبدو الحرية أحد المعاني الخفية في تجربة أكتوبر، فالحرية ليست فقط أن يتحرر الإنسان من قوة خارجية، وإنما أن يتحرر أيضا من الصورة التي تفرضها الهزيمة عليه. إن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يعيش داخل تعريف الآخرين له، وأن يقبل أن تكون قدرته محددة بما يراه الآخرون ممكنا له. أما حين يستعيد الإنسان حقه في تعريف نفسه، فإنه يبدأ في استعادة تاريخه أيضا. ولعل أكتوبر كان لحظة من هذه اللحظات التي استعادت فيها مصر حقها في أن ترى نفسها من داخل قدرتها، لا من خلال صورة الهزيمة التي حاولت أن تفرضها عليها.

ومن هذه الزاوية يمكن أن نفهم العلاقة العميقة بين الإرادة والكرامة، فالإرادة تمنح الإنسان القدرة على الفعل، والكرامة تمنحه المعنى الذي يستحق من أجله أن يفعل. وحين تنفصل الإرادة عن الكرامة يصبح الفعل مجرد قوة، وحين تنفصل الكرامة عن الإرادة تتحول إلى شعور جميل عاجز عن صناعة الواقع. أما اجتماعهما فيصنع الإنسان الذي يعرف قيمة نفسه، ويعرف في الوقت ذاته أن قيمة الإنسان لا تكتمل إلا بقدرته على تحويل وعيه بقيمته إلى مسؤولية وعمل وإنجاز.

ولهذا فإن مستقبل مصر لا ينبغي أن يقرأ فقط من خلال ما حققته في الماضي، وإنما من خلال قدرتها على تحويل دروس الماضي إلى شروط جديدة للمستقبل. وإذا كان أكتوبر قد أثبت أن الإنسان يستطيع أن يغير معادلة بدت لسنوات عصية على التغيير، فإن عالم اليوم يضع أمام الإنسان المصري معادلات أكثر تعقيدا، كالمعرفة المتسارعة، والذكاء الاصطناعي، والتحولات الاقتصادية، وأمن المياه والغذاء، والتنافس الحضاري، وتغير طبيعة العمل، وأسئلة الهوية والحرية والمسؤولية. وهذه التحديات لن تواجهها الذاكرة وحدها، مهما كان مجدها، وإنما سيواجهها عقل متعلم، وإنسان واثق، ومؤسسات قوية كفؤة، ومجتمع يؤمن بأن المستقبل يصنع ولا ينتظر.

إن الأجيال الجديدة لا تحتاج منا أن نطلب منها أن تعيش في ظل أكتوبر، وإنما أن تتعلم منه كيف تصنع أكتوبرها الخاص. ليس المطلوب أن تعيد تجربة الحرب، وإنما أن تستعيد منطق الإرادة الذي جعل الانتصار ممكنا. فلكل جيل معركته، ولكل زمن تحدياته، ولكل أمة لحظة يتعين عليها فيها أن تقرر هل ستكتفي بما كان، أم ستملك الشجاعة لكي تصنع ما ينبغي أن يكون.

ومن هنا تصبح ذكرى أكتوبر امتحانا للحاضر أكثر مما هي احتفال بالماضي، فهي تضع أمامنا مرآة نسأل فيها أنفسنا هل ما زلنا نمتلك القدرة على تحويل المحنة إلى طاقة، والهزيمة إلى درس، والخوف إلى شجاعة، والمعرفة إلى فعل، والإرادة إلى مشروع؟ وإذا كان الجواب نعم، فإن أكتوبر لا يكون مجرد صفحة مضيئة في كتاب التاريخ، وإنما يصبح جزءا من الشخصية المصرية القادرة على التجدد.

لقد عبر الجنود المصريون قناة السويس في السادس من أكتوبر 1973، وكان ذلك العبور واحدا من أكثر مشاهد التاريخ المصري دلالة على قدرة الإنسان حين يستعيد ثقته بنفسه. لكن السؤال الذي يبقى بعد أكثر من نصف قرن ليس كيف عبروا القناة، وإنما كيف يستطيع الإنسان المصري اليوم أن يعبر كل حاجز يقف بينه وبين مستقبله.

تلك هي القراءة الأعمق لأكتوبر- فيما أرى- أن النصر لم يكن فقط استردادا لأرض، وإنما استردادا للإنسان لقدرته على أن يريد، وأن يخطط، وأن يواجه، وأن يعمل، وأن ينتصر. وإذا كان التاريخ قد حفظ لنا السادس من أكتوبر بوصفه يوما استعادت فيه مصر جزءا من أرضها وكرامتها، فإن مسؤوليتنا أن نجعل من ذلك اليوم بداية مستمرة لاستعادة الإنسان المصري لإرادته في كل مجال من مجالات الحياة.

فالأوطان لا تحيا بما تتذكره فقط، وإنما بما تستطيع أن تبنيه مما تتذكره، والتاريخ لا يمنحنا المستقبل، وإنما يمنحنا القدرة على فهم الطريق إليه. وربما كان أعظم ما يمكن أن نهديه إلى الذين صنعوا أكتوبر ألا نكتفي بأن نقول إنهم انتصروا، وإنما أن نثبت أن إرادة الإنسان التي صنعت ذلك الانتصار ما زالت قادرة على أن تصنع انتصارات جديدة، في العلم والعمل والعدل والمعرفة والبناء.

لقد كان السادس من أكتوبر يوما عبر فيه الإنسان المصري حاجزا عسكريا، لكنه ترك لنا معنى يتجاوز ذلك الحاجز، وهو أن الإنسان لا يكون عظيما لأنه لم يسقط، وإنما لأنه حين يسقط يرفض أن يجعل من سقوطه قدرا نهائيا. وأن الأمم لا تستحق مستقبلها لأنها تملك ماضيا عظيما، وإنما لأنها تعرف كيف تحول ذلك الماضي إلى إرادة حية.

ومن هنا يبقى السؤال الذي ينبغي أن تضعه ذكرى أكتوبر أمام كل جيل: هل ما زلنا نملك الإنسان الذي استطاع أن ينتصر؟ فإذا كانت الإجابة نعم، فإن أكتوبر لم ينته بعد.

***

بقلم: أ.د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

في عام 1981، صدرت ترجمة الناقد السوري الدكتور كمال أبو ديب (وُلد 1942) لكتاب الاستشراق للمفكر الفِلَسطيني الأمريكي إدوارد سعيد (1935- 2003). وظلَّت لعقود الترجمة الأشهر للكتاب، معَ إعادة طبعها مرات متعددة. وفي المقابل، ظهرت دراسات أكاديمية خصَّصت عملها لفحص الترجمة من مستويات متعددة: الكتابة، والمعجم، والنحو، والدلالة، والتداولية، واتساق المنهج.

المشكلة ليست أن شخصًا ما لَم يستسغ أسلوبَ كمال أبو ديب. المشكلة أن هناك مادة نقدية تراكمت حول هذه الترجمة، وبعضها أكاديمي منهجي، تتناول أخطاء يمكن مناقشتها على مستوى اللغة والدلالة وطريقة نقل المفاهيم، وليس على مستوى الذوق وحده.

الخطأ الأول: المترجم لم يكتفِ بنقل الكتاب، بل أعاد بناء لغته

أكبر ثغرة في ترجمة كمال أبو ديب هي أن مشروعه الترجمي لم يتعامل معَ اللغة العربية باعتبارها وسيلة شفافة لنقل كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد إلى القارئ العربي، وإنما تعامل معها باعتبارها ميدانًا لتجربة لغوية واسعة. وهُنا تبدأ المشكلة.

ليس المطلوب من المترجم أن يكون آلة تنقل الكلمات من لغة إلى أخرى. الترجمة الجيدة تحتاج إلى فهم السياق، وإعادة بناء الجملة، واختيار المصطلح المناسب، ومراعاة الفروق الثقافية، لكن كُل هذا شيء، وتحويل النص إلى مناسبة لاختبار إمكانات اللغة العربية شيء آخر.

الدراسات التي تناولت ترجمة كمال أبو ديب تشير بوضوح إلى كثرة المصطلحات والتراكيب التي جعلت النص العربي أكثر غرابة وتعقيدًا من النص الإنجليزي الذي يُفْتَرَض أن يَنقله. وهذا الاتجاه نوعٌ من التغريب الشديد للنص، إلى حد تَحَوَّلَ معه التغريب من وسيلة للحفاظ على خصوصية النص الإنجليزي إلى مصدر إضافي للغموض.

المترجم ليس مؤلفًا ثانيًا للكتاب. مهمته ليست أن يثبت للقارئ مقدارَ قدرته على ابتكار المفردات، وإنما أن يجعل القارئ العربي قادرًا على الوصول إلى الأفكار التي صاغها المؤلف.

إذا احتاج القارئ إلى المرور في كل صفحة عبر متاهة من المصطلحات المُستحدَثة والتراكيب الثقيلة حتى يفهم الفكرةَ الأساسية، فثمَّة خلل في الوساطة الترجمية، حتى لو أمكن الدفاع عن كل مفردة منفردة من الناحية المعجمية.

الخطأ الثاني: التعقيد أصبح جزءًا من المشكلة.

كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد ليس كتابًا سهلًا. هذه حقيقة ينبغي الاعتراف بها حتى يكون النقد منصفًا. سعيد يناقش تاريخًا طويلًا من المعرفة الغربية عن الشرق، ويجمع بين التاريخ والأدب والفكر السياسي والنقد الأدبي وتحليل الخطاب. كما أن أسلوبه الإنجليزي يحمل كثافة مفاهيمية واضحة. لكن صعوبة الأصل لا تمنح المترجم رخصة لإنتاج صعوبة إضافية. وقد وُصفت ترجمة كمال أبو ديب بأنها شديدة التعقيد والغموض، وأن خياراتها اللغوية جعلت الوصولَ إلى حُجَّة سعيد أصعب مما ينبغي.

قد يكون النص الأصلي كثيفًا، لكن على المترجم أن يحافظ على كثافته الفكرية من دون أن يضيف إليها كثافة لغوية مصطنعة. وإذا كان إدوارد سعيد صعبًا لأن أفكاره مُركَّبة، فلا ينبغي أن يصبح صعبًا أيضًا لأن الجملة العربية مُركَّبة بطريقة غير مألوفة، أو لأن المصطلح الذي اختاره المترجم لا يفتح للقارئ طريقًا واضحًا إلى المفهوم.

الخطأ الثالث: الإفراط في نحت المصطلحات

كمال أبو ديب اتَّجه في ترجمته إلى تجنُّب قَدْر كبير من الألفاظ الغربية المُعرَّبة، وحاولَ أن يستخرج مقابلاته من موارد اللغة العربية وبلاغتها وتراثها. هذه الطريقة يمكن من حيث المبدأ الدفاع عنها، وهي ليست خطأ تلقائيًّا. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح المصطلح المقترح أقل وضوحًا من المصطلح الذي يُفْتَرَض أن يترجمه. والمصطلح العلمي لا ينجح لمجرد أنه عربي الجذر أو فصيح البناء. نجاحه مرتبط أيضًا بقدرته على تثبيت مفهوم محدد في ذهن القارئ. فإذا كان المصطلح يحتاج في كل مرة إلى أن يفككه القارئ، ثم يعيد ربطه بالسياق، ثم يُخمِّن المقصودَ منه، فإن عملية الترجمة تكون قد نقلت العبء من المؤلف إلى القارئ. وهذا بالضبط أحد الانتقادات الأساسية المُوجَّهة إلى كمال أبو ديب. إنَّ التجريب المصطلحي لَم يُؤَدِّ دائمًا إلى توضيح المفاهيم، بل أدى في حالات متعددة إلى تعقيدها. واختياراتُ المترجم المعجمية بدت بعيدة، أو مربكة، أو شديدة الحَرْفية مقارنة بالمقصود في السياق.

الخطأ الرابع: الحَرْفية في مواضع لا تحتمل الحَرْفية

المفارقة أن ترجمة كمال أبو ديب تعرَّضت للنقد من جهتين تبدوان متناقضتين: الإفراط في الابتكار من ناحية، والالتزام الحَرْفي ببنية الأصل من ناحية أخرى. لكن لا تناقض هُنا. يمكن للمترجم أن يكون شديد الابتكار في اختيار المصطلحات، وشديد الحَرْفية في تركيب الجملة في الوقت نفسه. بعضُ الصياغات نَقلت البنية الأجنبية بصورة ميكانيكية، فبدت عربية من حيث المفردات، لكنها لم تصبح عربية بالقَدْرِ الكافي من حيث الحركة الطبيعية للجملة. والترجمة ليست عملية استبدال كلمات، واللغة لا تعمل بهذه الطريقة.

الجملة الإنجليزية قد تسمح ببنية مُعيَّنة، بينما تحتاج العربية إلى إعادة ترتيب كاملة حتى تؤدي الوظيفة نفسها. وقد يكون نقل ترتيب الكلمات أو العلاقات النحوية كما هي سببًا في إنتاج جملة ثقيلة أو ملتبسة. والمترجم الجيد لا يسأل فقط: ما الكلمة التي تقابل هذه الكلمة؟، وإنما يسأل أيضًا: ماذا يفعل هذا الجزء من الجملة داخل الفكرة كُلِّها؟، وكيف سيؤدي الوظيفة نفسها في العربية؟. وهذه المسافة بين الكلمة والوظيفة هي التي تكشف كثيرًا من مشكلات الترجمة.

الخطأ الخامس: المشكلات المعجمية واللغوية ليست مجرد اختلاف أسلوبي

إنَّ عبارة "الترجمة صعبة" يمكن أن تكون حُكمًا ذَوقيًّا، بينما القول بوجود أخطاء معجمية أو نحوية أو دلالية يستلزم شيئًا مختلفًا، فلا بد من مقارنة العبارة بسياقها، اعتمادًا على المعنى المقصود، وقواعد اللغة، والمصطلح المُستخدَم في المجال.

وهُنا يجب الانتباه إلى أمرَيْن: ليس كُلُّ اختيار مختلف عن المعجم الشائع خطأ، وليس كُلُّ اختيار غريب يصبح صحيحًا لمجرد أنه مُبتكَر.المعيارُ الحقيقي هو النجاح في نقل المعنى، والمحافظة على العلاقة بين المصطلح وسياقه، وقدرة القارئ العربي أن يتعرف إلى المفهوم بسهولة.

الخطأ السادس: الترجمة لَم تُراعِ طبيعة الكتاب بوصفه كتابًا معرفيًّا

كتاب الاستشراق ليس رواية تجريبية، ولا قصيدة حداثية. هذه نقطة تبدو بديهية، لكنها مهمة جدًّا في تقييم خيارات كمال أبو ديب. النص المعرفي يحتاج إلى درجة عالية من الوضوح الاصطلاحي والاستقرار الدلالي. والقارئ لا يريد فقط أن يشعر بجمال اللغة، يريد أن يعرف ما المفهوم الذي يناقشه الكاتب، وما علاقته بالمفهوم السابق، وما الذي يثبته أو ينفيه. ومن أكبر الأخطاء المنهجية التعاملُ مع النص المعرفي كما لو أن غرابته اللغوية قيمة في ذاتها. في الأدب قد يكون الغموض مقصودًا، أمَّا في الكتاب الفكري، فالغموض يصبح عائقًا معرفيًّا.

الخطأ السابع: المترجم ينافس النص

إن شخصية كمال أبو ديب اللغوية قوية جدًّا داخل الترجمة. والمترجم يستطيع أن يترك بصمته في اختياراته، لكن عليه في النهاية أن يحافظ على هوية النص الذي بين يديه. أمَّا حين تصبح المصطلحات الخاصة بالمترجم، وإيقاعه الخاص، وطريقته الخاصة في بناء الجملة، جزءًا ظاهرًا من التجربة القرائية، فإن القارئ يبدأ في مواجهة سؤال آخر: أين ينتهي إدوارد سعيد وأين يبدأ كمال أبو ديب؟. وهذا السؤال يكشف مشكلة الترجمة.

الخطأ الثامن: عدم مراجعة الترجمة مراجعة جذرية رغم تراكم الملاحظات

ظلَّت الترجمة تُعاد طباعتها عبر سنوات طويلة من دون مراجعة جوهرية وتعديلات على أصلها تستجيب للملاحظات المتراكمة عليها. والترجمة الطويلة، خصوصًا لكتاب مُعقَّد بهذا الحجم، يمكن أن تحتوي على أخطاء، هذا طبيعي. لكن الترجمة التي تبقى عقودًا من دون مراجعة جادة تُفَوِّت فرصةً ثمينة لتصحيح الأخطاء، وتثبيت المصطلحات، وتخفيف الغموض، ومعالجة ما يظهر من مشكلات أثناء تداولها بين القُرَّاء والباحثين. وكان يمكن لمراجعة علمية شاملة أن تفصل بين ما هو اختيار أسلوبي مشروع، وما هو خطأ لغوي، وما هو خطأ دلالي، وما هو مصطلح يحتاج إلى إعادة نظر.

الخطأ التاسع: المشكلة لا تتعلق باللغة وحدها، بل بالتَّلَقِّي

كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد كان يُفْتَرَض أن يدخل المجالَ العربي بوصفه كتابًا معرفيًّا يناقش علاقة المعرفة بالسلطة، وتمثيل الشرق في الفكر الغربي. لكن الصعوبة الشديدة للترجمة أثَّرت في الطريقة التي تلقَّى بها القراء العرب الكتاب، وجعلت الوصولَ إلى حُجَّته أكثر تعقيدًا.

الخطأ العاشر: الخلط بين إغناء العربية وإرباك القارئ

يمكن الدفاع نظريًّا عن مشروع كمال أبو ديب باعتباره محاولة لإثبات قدرة اللغة العربية على استيعاب المفاهيم الحديثة من داخل مواردها الخاصة، وليس من خلال استيراد المصطلحات الأجنبية الجاهزة. وقد حاولَ جاهدًا تجنُّبَ التعابير الغربية المُعرَّبة، وتقديمَ المصطلحات ضمن إطار البلاغة والتقاليد العربية.

لكن هذا لا يلغي السؤالَ الأساسي: هل نجح الأمر وتحقَّقت النتيجة المرجوة؟. قد تكون نيَّة المترجم تطوير اللغة العربية مشروعة، لكن الترجمة تُقَاس أيضًا بما فعلته بالنص والقارئِ. إذا أدى تطوير المصطلح إلى زيادة وضوح المفهوم، فهذا مكسب. أمَّا إذا أدى إلى زيادة الغموض، فهو مشكلة، مهما كانت الفكرة النظرية وراءه.

والأخطر أن القارئ قد ينسب إلى إدوارد سعيد ما صنعته الترجمة. والقارئ الذي لا يستطيع العودةَ إلى الأصل قد يفترض أن كل غرابة في الترجمة العربية موجودة في الكتاب الإنجليزي الأصلي. وهُنا تصبح الترجمة أكثر من مجرد وسيط، تصبح صورةَ المؤلف. وإذا بدا سعيد في العربية شديد التعقيد أو التقعر، أو غامضًا في مواضع لا تستدعي الغموضَ، فقد يُكوِّن القارئ حُكمًا على أسلوب سعيد نفسه، بينما تكون المشكلة ناتجة عن الطريقة التي نُقِلَ بها.

في حالة كتاب الاستشراق تحديدًا، كان الأمر أكثر حساسية، لأن الكتاب ليس مجرد عمل أدبي، إنَّه عمل فكري تركَ أثرًا واسعًا في الدراسات الإنسانية والاجتماعية. وأي تشويش في المصطلح يمكن أن يتحوَّل إلى تشويش في الفكرة. وأي غموض في العلاقة بين مفهومَيْن يمكن أن يتحوَّل إلى سوء فهم للحُجَّة. وأي اختيار دلالي غير موفق قد ينتقل من مستوى اللغة إلى مستوى تفسير النظرية نفسها.

كتاب الاستشراق صعب بالفعل، باعتراف النقاد. كما أن نقل المصطلحات النظرية بين الإنجليزية والعربية في تلك الفترة كان يواجه مشكلة حقيقية في استقرار الجهاز الاصطلاحي العربي. والدراسات المقارنة الحديثة لا تتعامل ببساطة معَ مسألة "ترجمة صحيحة" مقابل " ترجمة خاطئة"، بل تشير إلى اختلاف الإستراتيجيات الترجمية، وتأثيرها في تلقِّي النص.

صعوبة ترجمة كتاب حديث لا تعني عجزَ اللغة العربية عن استيعاب الفكر الحديث. العربية لغة واسعة، ولها تاريخ طويل في استيعاب العلوم والفلسفات والمفاهيم الوافدة وإعادة صياغتها. المشكلة ليست في "عجز العربية"، وإنما في الطريقة التي يسخدم بها المترجمُ العربيةَ. إذا اختارَ المترجم تركيبًا غير مألوف، أو اضْطُرَّ إلى نحت مصطلح جديد، فهذا لا يعني أن العربية عاجزة.

لكن عندما تتراكم المصطلحات الغريبة، والتراكيب الثقيلة، والاختيارات المعجمية غير المستقرة، والتعقيدات النحوية، يصبح مِن المشروع أن نسأل عن إستراتيجية المترجم، وليس عن قدرة اللغة. وهذا بالضبط ما يجعل نقد ترجمة كمال أبو ديب مهمًّا، لأنه ينقل النقاشَ من السؤال السهل: هل العربية تستطيع؟، إلى السؤال الصعب: كيف ينبغي أن نستخدم العربيةَ حين نترجم الفكرَ الحديث؟.

يمكن تلخيص أخطاء ترجمة كمال أبو ديب في مجموعة مترابطة:

1- الإفراط في ابتكار المصطلحات.

2- تحميل اللغة العربية تراكيب غير مألوفة وثقيلة.

3- اللجوء أحيانًا إلى نقل بنية الجملة الأجنبية بصورة حَرْفية.

4- وجود مشكلات معجمية وصرفية ونحوية رصدتها دراسات أكاديمية.

5- إنتاج غموض إضافي فوق الغموض الموجود في النص الأصلي.

6- عدم الحفاظ على التوازن بين الدقة والوضوح.

7- التعامل معَ النص الفكري بمساحة تجريب لغوي أكثر مما يحتمل.

8- جعل حضور المترجم اللغوي قويًّا إلى درجة تؤثِّر في حضور المؤلف.

9- عدم مراجعة الترجمة مراجعةً جذرية تستجيب للملاحظات المتراكمة.

10- التأثير في تلقِّي إدوارد سعيد عربيًّا، أو على الأقل المساهمة في جعل الوصول إلى أفكاره أكثر صعوبة وتعقيدًا.

الترجمة أخفقت في أن تكون وسيطًا واضحًا بين إدوارد سعيد والقارئ العربي، لأن مشروعها اللغوي الخاص طغى على وظيفتها الأساسية، وهي نقل المعنى بدقة ووضوح. وهذا هو لُب القضية.

حين يضطر القارئ إلى أن يتساءل في كل صفحة عن معنى المصطلح، وتركيبِ الجملة، والعلاقةِ بين العبارة وما قبلها وما بعدها، فإنه لا يعود منشغلًا بفكرة إدوارد سعيد عن الاستشراق بِقَدْرِ انشغاله بفك لغز الترجمة. وهُنا تحديدًا تتحوَّل الترجمة من جسر إلى عائق.

إن كتاب الاستشراق ليس نصًّا عاديًّا يمكن نقل ألفاظه من لغة إلى أخرى، ثم الاطمئنان إلى سلامة النتيجة، إنَّه نص شديد الكثافة، تتداخل فيه النظرية بالتاريخ، والفلسفة بالنقد الأدبي، والسياسة بالتحليل الثقافي، وتعمل فيه المصطلحات والأفكار داخل شبكة دقيقة من العلاقات. لهذا فإن أي انزياح في المصطلح أو المعنى أو النبرة، قد لا يبقى مجرد خطأ لغوي محدود، بل يمكن أن يمتد أثره إلى الفكرة التي يريد النص أن يقيمها.

ولا تكمن مشكلة الترجمة في ضعف العربية أو عدم مطابقة كلمة لأخرى، وإنما في الابتعاد عن الدلالة التي يكتسبها التعبير داخل سياقه الفكري. وهذه نقطة جوهرية، لأن الترجمة النقدية لا تُقَاس بمدى سلاسة الجملة وحدها، ولا بقدرة المترجم على إنتاج نص عربي جميل، وإنما بقدرته على المحافظة على حركة المعنى، وهو ينتقل من ثقافة إلى أخرى.

ومِن هُنا تصبح مراجعة الترجمات المُؤسِّسة للأعمال الفكرية الكبرى ضرورة علمية، ليس من أجل تسجيل الأخطاء، أو اصطياد الهفوات، أو فضح الثغرات. فالترجمة التي تدخل إلى المجال الأكاديمي وتصبح مرجعًا لأجيال من القراء تكتسب معَ مرور الوقت سُلطةً تجعل القارئ يقرأ المؤلف من خلالها، وليس من خلال نَصِّه الأصلي.

وإذا كان إدوارد سعيد قد جعل من السؤال عن كيفية تمثيل الآخَر سؤالًا مركزيًّا في كتابه، فإن فحص ترجمته إلى العربية يضعنا أمام سؤال لا يقلُّ أهمية: ماذا يحدث لأفكار النص حين تنتقل إلى لغة وثقافة كانتا في الأصل جزءًا من المجال الذي يناقشه سعيد وينقد آلياته؟.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

في العام ١٩٩٦م، وعلى إثْر الضجةِ التي حدثتْ حول بعض كتاباتِ الدكتور نصر حامد أبو زيد -رحمه الله-، واتهامه بالرِّدَّة، والتفريق بينه وبين زوجه الدكتورة ابتهال يونس، حَدَثَتْ مناظرةٌ نظَّمتْها قناةُ الجزيرةِ بين الدكتور محمد عمارة، والدكتور نصر حامد أبو زيد، وذلك في برنامج «الاتجاه المعاكِس»، الذي يقدمه الإعلامي فيصل القاسم.

هذه المناظرة، على أهميتها، حَوَتْ مادةً فكريةً وجدليةً يجب التوقفُ عندها، وذلك للمآلات الخطيرة التي ترتبتْ، وتترتبُ، على مثل هذه المواجهات، وأثرها في عقلية الجماهير، بل والمثقفين، ولا ننسى المناظرةَ الشهيرةَ التي أُقِيمت في معرض القاهرة للكتاب، في العام ١٩٩٢م، والتي كانت بعنوان: «مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية»، والتي كانت بين فرج فودة ومحمد أحمد خلف الله من ناحية، والشيخ محمد الغزالي ومحمد عمارة ومأمون الهضيبي من ناحيةٍ أخرى، ونلاحظ أن محمد عمارة طرفٌ مشتركٌ في المناظرتيْن اللتيْن تسَبَّبَتا في إحداث جدلٍ عارِمٍ في الأوساط الثقافية، وهذه الملاحظة لها مدلولها، الذي سنأتي عليه فيما هو قادمٌ.

ونعود إلى الكلام عن مناظرة محمد عمارة ونصر أبو زيد، وستكون زاويةُ التناولِ مِن حيث تتبُّع المغالطاتِ المنطقية التي حدثت في هذه المناظرة.

وسنبدأ بمغالطة: «المصطلحات المفخخة أو المشحونة».

مغالطة «المصطلحات المفخخة» تعني أن يَعْمدَ الشخصُ إلى استخدام بعض الألفاظ التي لها مدلولات انفعالية عاطفية معينة عند المتلقي، وذلك مِن أجل التأثير عليه وجَعْله يتقبل ما يريد إيصاله إليه من أفكار ومعانٍ(١).

وإذا عرفنا معنى هذه المغالطة، فلنتتبَّع مدى وجودها في المناظرة التي نتحدث عنها.

عند سماع المناظرة، نجد أنه بعد تقديمها من الإعلامي فيصل القاسم، وبدء الكلام والتعليق العام من الدكتور نصر أبو زيد على الأحداث التي أثارت الجدل، بدأ محمد عمارة أول كلماته في هذه المناظرة، عندما سأله الإعلامي فيصل القاسم عن رأيه في هذه الأحداث وما وقع لنصر أبو زيد، ليرد قائلًا:

أنا أريد أن أدخل في صلب الموضوع، أنا أنظر إلى ما يُوجَّه إلى الإسلام مِن مطاعن في السنوات الأخيرة على أنه حملة ضد الإسلام... وأن ما كتبه الدكتور نصر نقضَ العقائد الأساسية للإسلام(٢).

نجد في النص السابق عددًا مِن المصطلحات المشحونة بدلالات خطيرة لدى المتلقي، على الرغم من أن الأسئلة الفكرية لم تُطرح بعدُ، ولم تُعرض بعض الإشكالات الفكرية التي يُهاجَم عليها نصر أبو زيد تمهيدًا لتفكيكها، ولكن لأن ألفاظ من قبيل: «ما يُوجَّه إلى الإسلام مِن مطاعن» و «ما كتبه الدكتور نصر نقضَ العقائد الأساسية للإسلام» لها تأثير انفعالي يشحن الجماهير؛ فلذلك بدأ بها محمد عمارة قبل أي حوار فكري؛ حتى يتكون انطباعٌ لدى المتلقي بأن نصر أبو زيد هذا الذي يجلس أمامكم يفعل هذه الأشياء التي تنقض أسسَ الدين؛ وبذلك يصبح المتلقي، غير المدرِك لهذه المغالطة، أسيرًا لهذه المصطلحات التي قدمها محمد عمارة، ويتعامل معها على أنها مُسلَّمٌ بها، وعلى هذا يصبح ذهن المتلقي والسامع -على أقل تقدير- متحفزًا ضد نصر أبو زيد ومرتابًا منه، وبهذا يكون محمد عمارة قد نجح، منذ البداية، في وضْع ضغط جماهيري وإدانة مُسبَقة لنصر أبو زيد في أذهان كثيرين، وذلك لِمَا لعباراته من شحنٍ عالٍ لنفسية الجماهير، بسبب مدلول هذه المصطلحات المصادمة للدين في نظرهم.

وإذا نظرنا في الألفاظ التي عرضناها في بداية كلام محمد عمارة، سنجدها أيضًا تحوي مغالطة أخرى بجانب مغالطة المصطلحات المفخخة، هذه المغالطة هي: «المصادرة على المطلوب»، وهذه المغالطة تعني أن صاحبها يلجأ إلى افتراض صحة القضية التي يتكلم عنها، ويجعلها في إحدى مقدمات الاستدلال، فبذلك تصبح النتيجة مقدِّمة، والدعوى دليلًا(٣).

وهذا لاحظناه بوضوح، عندما بدأ محمد عمارة كلامه بدعوى فحواها أن كلام نصر أبو زيد ينقض عقائد الإسلام، قبل أية مناقشة مُسبقة لنصوصه وتحليلها؛ فيكون بذلك قد صادر على المطلوب؛ وأعطانا نتيجةً سريعة قبل أي نقاش.

مغالطة «الاحتكام إلى عامة الناس»

وتشيرُ هذه المغالطةُ إلى أن الشخص الذي يستخدمها يقوم باللجوء إلى الجماهير، ومحاولة إثارة مشاعرهم وعواطفهم؛ لكي يتخذ منهم دليلًا على صحة رأيه، وذلك بدلًا من الاحتكام إلى العقل وتقديم حجج منطقية(٤)، وتجلَّتْ هذه المغالطة واضحة في مناظرة محمد عمارة ونصر أبو زيد، وذلك مِن قِبَلِ محمد عمارة، عندما قال: «أنا أحتكمُ للمشاهدين»(٥).

قال محمد عمارة هذه العبارة في سياق اختلافه مع نصر أبو زيد حول معنى كلامه في بعض المواضع، وهذه المغالطة من أوضح ما ارتكبه محمد عمارة من مغالطات في هذه المناظرة المثيرة، ونلاحظ تدرج محمد عمارة في استخدام المغالطات واحدة تلو الأخرى؛ حتى يحشد أكبر قدر من الجماهير، ويستقوي بهم في مواجهة نصر أبو زيد.

مغالطة «رجل القش».

ومعناها، ومِن صُوَرها، أن يأتي الشخصُ بحجةٍ هشَّةٍ، ثم ينسبها إلى خصمه، ويبدأ في مهاجمتها بدلًا من حجة الخصم وقضيته الحقيقية(٦)، وتحققت هذه المغالطة في المناظرة التي نتحدث عنها، وذلك عندما كان محمد عمارة يقرأ بعضَ النصوص التي في كتب نصر أبو زيد، فقال:

«إن نص القرآن تشكَّلَ من خلال ثقافة شفاهية، والوقائع هي التي أنتجتْ هذه النصوصَ، ففي مرحلة تشكل النص في الثقافة، تكون الثقافة فاعلًا والنص مفعولًا، والواقع الذي تشكَّلَ النص من خلاله يشمل الأبنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، ويشمل المتلقي الأول للنص ومُبَلِّغه». إلى هنا كان كلام نصر أبو زيد يُقرأ من محمد عمارة، ثم أكمل محمد عمارة قائًلًا: «أي أن الرسول هو مخترِع هذا النص»(٧). بهذه الجملة يتحول محمد عمارة من قراءة كلام نصر أبو زيد، إلى مُفسِّرًا لكلامه بنسبة جملة «أي أن الرسول هو مخترِع هذا النص» إلى نصر أبو زيد، مع أنه لم يقلها أبدًا، ولم يلتزم بها، وقام بالاعتراض بشدة عليها، وهذه المغالطة استكمال لِما يسعى إليه محمد عمارة؛ حيث نجده يخترع «رجلًا من القش»، أي أنه يخترع حجةً لا وجود لها، ولم يقل بها خصمُه، وذلك لكي يصب عليها انتقاداته، وكأنها حجة خصمه الرئيسة، مع أن نصر أبو زيد كان يناقش أمرًا مختلفًا تمامًا في كتاباته التي يستشهد بها محمد عمارة، ولم يقل أبدًا عبارة: «إن الرسول هو مخترع نص القرآن» كما اتهمه محمد عمارة، بل أكد في غير مرة من كتاباته ولقاءاته على أن نص القرآن هو نص إلهي التنزيل بشري التأويل(٨)، وأن الوحي بالقرآن يتضمن طرفيْن: الله، عز وجل، مِن جانب، والنبي، صلى الله عليه وآله وسلَّمَ، مِن جانبٍ آخَر، فالقرآن إذًا موحَى به مِن الله إلى رسوله(٩).

وهذه نصوص وتصريحات صريحة مِن نصر أبو زيد، تكشف عن مغالطة رجل القش، الذي اتبعها محمد عمارة في ادعاء مقولة لم ينطق بها صاحبها، ثم بدأ في مهاجمتها، فيكون بذلك أعطانا مثالًا واضحًا تطبيقيًّا على مغالطة رجل القش.

وقد يتطرق إلى ذهن القارئ سؤال، وهو: هل محمد عمارة هو فقط الذي قام بارتكاب المغالطات دون الطرق الآخر: نصر أبو زيد؟ الإجابة بوضوح: نعم، كان محمد عمارة هو الطرف الأبرز في هذه المناظرة، الذي لجأ إلى مثل هذه المغالطات والألاعيب، ويبدو أن المناظرة كانت مُعدَّة باتفاق معين بين محمد عمارة وأصحاب برنامج «الاتجاه المعاكس» ومُقدِّمه، لكي يُظهروا الدكتور نصر -رحمه الله- بصورة المتهم، ويستجلبوا الدهماء ويحرضوهم ضده، بدليل أن نصر أبو زيد عندما وجد محمد عمارة يقرأ نصوصه ويضع أوراقًا أمامه، قال أنا لم أكن أعلمُ أن المناظرة ستكون عبارة عن قراءة نصوص، فقد ظننتها حوارًا به قدر من المشاركة والتبادل، ولو كنت أعلمُ ذلك لأحضرتُ نصوصي وكتاباتي التي رددتُ فيها على هذا الكلام.

وهذا يدل على أن المناظرة رُتِّبت من طرفٍ واحد، من حيث عدمُ إخبار الدكتور نصر بالمنهجية التي ستسير عليها، لوضعه في موقف المتهَم، ومِن الشواهد على ذلك أيضًا: أن الإعلامي فيصل القاسم، مقدِّم برنامج «الاتجاه المعاكس»، والذي أدار المناظرة بين محمد عمارة ونصر أبو زيد، قدَّمَ اعتذارًا رسميًّا للدكتور نصر في عام ٢٠١٤م، وذلك في الذكرى الحادية والسبعين لميلاده الدكتور نصر، حيث قال:

«بمناسبة الذكرى ال 71 لميلاد المفكر المصري الراحل نصر حامد أبو زيد، أود أن أسجل الملاحظة الخاصة التالية: قبل حوالي 17 عامًا، أي في بدايات برنامج الاتجاه المعاكس، استضفتُ الراحل أبو زيد في حلقة من البرنامج مقابل الدكتور محمد عمارة، وأريد أن أعتذر للدكتور أبو زيد الآن، لأنني لم أفهم فكره في ذلك الوقت، فكم كان سابقنا، وكم كنا مسجونين في أقفاص فكرية صدئة، أتذكر وقتها أنني هاجمته بطريقة غبية سخيفة تافهة، فقط لأن الشارع كان ضده، وقد استوعبني الرجل بطريقة دمثة، عذرًا أبا زيد»(١٠).

وهذا الاعتذار يؤكد عدم الإنصاف وقتها تجاه الدكتور نصر، وكما أشرنا في بداية المقالة، أن محمد عمارة ارتبط اسمه بمناظرتيْن، هما: مناظرته مع فرج فودة، والتي تم اغتياله بعدها، والمناظر الثانية مع نصر حامد أبو زيد، والتي تسببت أيضًا في تصفية معنوية وتشويه له على يد محمد عمارة ومغالطاته التي ارتكبها، والتي عرضنا لها في هذه المقالة.

محمد عمارة والدكتاتورية الفكرية.

مِن أشدِّ ما يلفتُ نظري في كتابات محمد عمارة -وأسلوبه بوجهٍ عام، وقد عَرَضنا فيما سبقَ جزءٌ مِن هذا الأسلوب- هو التناقضُ بين الفكرِ والتطبيقِ؛ إذ لا يكادُ يَدَعُ كتابًا مِن كتبِهِ إلا وينوِّهُ على حريةِ الفكرِ وحقِّ الإنسانِ فيها.

ولكن عند النزولِ إلى ميدانِ محمد عمارة «التطبيقي»؛ نجده مِن أشدِّ الناسِ عنفًا مع مخالفِهِ، ويحملُ أيضًا قدرًا ليس بالقليلِ مِن «الإقصاءِ» لمخالفيه، فمِن أشدِّ الصفاتِ وضوحًا في شخصيته، أنه إذا أحبَّ أحدَ المفكرين؛ رَفَعَهُ إلى عنان السماءِ، ولو بـ «لَوْي» عنقِ كتاباتِه؛ لينسبَه إلى الاتجاهِ الذي يحبُّ أن يرى هذا المفكرَ فيه، وإذا أبغَضَ أحدَ المفكرين؛ حَشَدَ له كلَّ الاتهاماتِ والمغالطاتِ المنطقيَّةِ في مواجهتِهِ؛ مِن أجلِ تصفيتِهِ معنويًّا أمام الجمهور، وقد تتحول التصفيةُ المعنويةُ إلى تصفيةٍ جسديةٍ تَتْبَعُها.

محمد عمارة إذا عارضَ أحدَ المفكرين الكبار، وواجهه في مناظرةٍ، أو رد عليه في كتابٍ؛ فإنه -عمارة- يَدْفَعُ خصمَهُ دَفْعًا إلى التكفير، فمثلًا، يذكرُ في مواجهتِهِ للدكتور نصر، في هذه المناظرةِ التي نتحدثُ عنها في هذه المقالةِ، ويقول له: «أنا مع حريةِ الرأي إلى أبعد الحدود، بل أنا أقول إنني مع حرية الكفر، وليس فقط حرية الفكر»(١١)، ثم يقول محمد عمارة موجهًا كلامه لنصر أبو زيد: ولكن ما تقوله ضد «الإسلام»، فلْتَقُلْ كلامَك هذا مِن خارج النَّسَق الإسلامي ونَردُّ عليك ونحترم وجهة نظرك، ولن تكون حينها مُلْزَمًا بالثوابت الإسلامية(١٢).

هنا لا نجدُ في خطابِ عمارة إلا سَيْلًا مِن المغالطاتِ؛ إذ يقول كلامَه وكأن مَن أمامه سلَّمَ له بأن ما يقوله هو ضد الإسلام، ويقول عمارة كلامه هذا ويُصدِّرُه بجملة «شيك» برَّاقة خادعة، وهي: «أنا مع حرية الفكر بل مع حرية الكفر»؛ ليُحدِثَ تهيئةً لذهنِ المتلقي بأنه لا يمارسُ الدكتاتورية الفكرية، بينما كلامه مُلَغَّمٌ بالإقصاءِ والتكفير الضمني؛ إذ ماذا يعني تصدير كلامِه بأنه مع حرية الفكر بل مع حرية الكفر، ثم نجده يدفعُ خصمَه دفعًا إلى الخروج مِن الإسلام، وأنْ يقول آراءَه هذه وهو خارج الإسلام، لأنها -في نظر عمارة- تنقض (بالضاد) أصول الدين؟ إذًا فهذه ليست «حرية فكر»؛ ولكنها «فَرْض» لـ «رؤيتِه» للإسلامِ، وأن مَن خالفها فسيحترمُ فكرَه ولكن بشرط أن يقولَه وهو خارج الإسلام! فمحمد عمارة هنا «يساوي» بين «رؤيته/اجتهاده/فهمه» للإسلام، وبين «الإسلام» ذاته.

أعجِبَ محمد عمارة بالدكتور طه حسين؛ فحاولَ «تلفيق» كثير مِن الأدلةِ لكي يُقَدِّمَ طه حسين في نسخةٍ جديدة (يريدها محمد عمارة) قد لا يعرفها طه حسين نفسه في بعض نواحيها، ومثال ذلك: نقلَ محمد عمارة أن طه حسين ذهب في نهايات حياته في رحلة إلى الحج، وعندما سُئل -أي طه حسين- هناك عن انطباعاته الروحية عن هذه الرحلة الحجازية؟ قال: إن أول ما شعرتُ به، وما زلت أشعر به إلى الآن، هو هذا الذي يجده الغريبُ حين يؤوبُ بعد غيبة طويلة جدًّا إلى موطنِ عقله وقلبه وروحه بمعنى عام. وعندما سأل أحدُهم طه حسين: أي مؤلفاتك أحب إليك؟ قال -طه حسين-: لا أحِبُّ منها شيئًا(١٣). فهل أحَالنا محمد عمارة في هذه المعلومات المفصلية الجوهرية إلى مصدر لطه حسين؟ الإجابة: لا؛ وإنما أحالَ إلى مرجع لـ حسين محمد بافقيه، بعنوان: «طه حسين والمثقفون السعوديون»، فهل هذا احتجاج؟ إن مِن أول قواعد المنهجية العلمية أن تَنقل «مِن» لا «عن»(١٤)، بمعنى أنك إذا نسبتَ شيئًا لشخص ما؛ فلتأخذه مِن فَمِهِ ومِن كتاباته، لا مِن كتابات غيره، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا خطيرة محورية، يترتب عليها إبطال أكثر ما كان عليه الشخص مِن فكر قبل ذلك.

 وأنا هنا لا أتعرضُ بالنقد للدكتور طه حسين؛ بل لتهافت محمد عمارة في تقديمِ صورةٍ لا تمثلُ -في كثير مِن أجزائها- صاحبها، وفعلَ مثل هذا الأمر مع محمد عبده، ومع الطهطاوي، وعلي عبد الرازق، فهو هنا «يَجُرُّ» المفكرين جَرًّا إلى حيث «يتمنى» لا إلى حيث يُقدمون أنفسهم، وهذه اللمحة عن محمد عمارة وطريقته في التعامل الفكري، تؤكد أنه غير مستعد للاقتناع إلا بما يقول، مهما كانت أدلته يتخللها الوهن وعدم المنهجية.

محمد عمارة يجيدُ اللعبَ على وترِ «الجمهور» في كتاباتِهِ ومناظراتِه، فأغلبُ عباراتِه مشحونة باستدعاءِ الجمهور، كما عَرَضنا مثالًا لذلك فيما تقدَّمَ، وأن هذا الأمر يُسمى: «مغالطة الاحتكام إلى العامة»، ودغدغة عواطفهم الدينية بعباراتٍ ملتهبةٍ مطاطةٍ خاوية مِن الثِّقَلِ العلمي؛ تزيدُ مِن تحريضِ الدهماءِ على خصومِهِ، وهذا كله يعطينا درسًا قويًّا في أن الأمر ليس «بالكلام»، وإنما «بالتطبيق»، فلا نتعجل الحُكْم على شخص ما، أو اتجاه ما، بأنه يؤيد الحرية أو غيرها إلا عندما نرى مواقفَهُ في ميدان التطبيق، فكما قيل قديمًا:

وكُلٌّ يَدَّعِي وَصْلًا بِلَيْلَى

ولَيْلى لا تُقِرُّ لهم بِذَاكَا

*

إذا انْبَجَسَتْ دموعٌ مِن عيونٍ

 تَبَيَّنَ مَن بَكَا مِمَّن تَبَاكَا.

***

بِقَلَم: محمد خليفة أحمد ـ باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم.

......................

(١) عادل مصطفى، «المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري»، (ط١، مؤسسة هنداوي، القاهرة، ٢٠١٩م)، ص ١٠٩.

(٢) مناظرة الدكتور نصر حامد أبو زيد والدكتور محمد عمارة، الدقيقة: ٦: ٩:

https://youtu.be/xwDAbogg90k?si=nKEopf4kMc58ZmxP

(٣) عادل مصطفى، «المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري»، ص ٢٥.

(٤) المصدر السابق، ص ٨٨.

(٥) مناظرة الدكتور نصر حامد أبو زيد والدكتور محمد عمارة، الدقيقة: ٤١.

https://youtu.be/xwDAbogg90k?si=nKEopf4kMc58ZmxP

(٦) عادل مصطفى، «المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري»، ص ١٤٤.

(٧) مناظرة الدكتور نصر حامد أبو زيد والدكتور محمد عمارة، الدقيقة: ١٤.

https://youtu.be/xwDAbogg90k?si=nKEopf4kMc58ZmxP

(٨) الدكتور نصر حامد أبو زيد ضيف برنامج البيت بيتك، تقديم الإعلامي محمود سعد، الدقيقة ٢١:

https://youtu.be/ug7CH7i4b1k?si=0nZJ5sH50tP-9wYi

(٩) د. نصر حامد أبو زيد، «مفهوم النص»، (ط١، المركز الثقافي العربي، المغرب، ٢٠١٤م)، ص ٤٠.

(١٠)https://www.dotmsr.com/news/204/593694/%D9%81%D8%B5%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%B3%D9%85-%D9%8A%D8%B9%D8%AA%D8%B0%D8%B1-%D9%84%D9%80-%D9%86%D8%B5%D8%B1-%D8%AD%D8%A7%D9%85%D8%AF-%D9%81%D9%8A-%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%89-%D9%85%D9%8A%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%87

(١١) مناظرة الدكتور محمد عمارة والدكتور نصر حامد أبو زيد، الدقيقة: ٨:

https://youtu.be/xwDAbogg90k?si=nKEopf4kMc58ZmxP

(١٢) مناظرة الدكتور محمد عمارة والدكتور نصر حامد أبو زيد، الدقيقة: ٤٨: ٤٩:

https://youtu.be/xwDAbogg90k?si=nKEopf4kMc58ZmxP

(١٣) د. محمد عمارة، «طه حسين: مِن الانبهار بالغربِ إلى الانتصار للإسلام»، هدية مجلة الأزهر، عدد ذي القعدة ١٤٣٥ه‍ـ - ٢٠١٤م، ص ١٥١.

(١٤) هذه العبارة مِن أمالي الأستاذ الدكتور/ سيد ميهوب، أستاذ الفلسفة ورئيس القسم بكلية دار العلوم، وكان دائمًا ما يؤكد عليها، بحيث لا يصح، من الناحية المنهجية، أن نأخذ معلومة محورية عن شخص ما أو مذهب مِن فَمِ غيره مع توفر كتاباته وإمكانية الرجوع إليها.

روزا لوكسمبورغ: "الحرية هي دائما وحصرا حرية من يفكر على نحو مختلف".

كيف ندير الحزب اليوم يعكس كيف سندير المجتمع غدا

أنطلق في هذا النص من قناعة بأن الحزب اليساري صورة مصغرة للمجتمع الذي يسعى إلى بنائه وإدارته، وأن نظامه الداخلي يعكس بصورة مبكرة شكل الإدارة التي سيقدمها إذا تولى القيادة في الدولة. فالطريقة التي تتخذ بها القرارات داخل الحزب، وموقع القاعدة فيها، وحدود صلاحيات القيادة وشكل انتخابها، ومدى احترام الرأي المختلف، كلها تقدم للجماهير إجابة عملية عن سؤال جوهري: هل تكون السلطة في المجتمع الذي ننشده بيد الجماهير نفسها وتحت رقابتها المستمرة، أم تتركز في يد هيئات محدودة مهما حسنت نواياها؟ وعلى سبيل المثال، فإن الحزب الذي تنتخب قاعدته قيادته وتحاسبها، وتتداول فيه المواقع، ويصان فيه حق الأقلية في التعبير بشكل علني، يقدم صورة عملية لدولة ينتخب فيها الشعب من يحكمه ويحاسبه، وتتداول فيها السلطة، وتصان فيها حقوق المعارضة. ومن هنا تأتي أهمية أن يجسد النظام الداخلي منذ اليوم قيم الديمقراطية والمشاركة والشفافية والتداول التي نعد بها المجتمع غدا.

أكتب هذا النص بمناسبة طرح الحزب الشيوعي العراقي مسودة نظامه الداخلي للنقاش ضمن وثائق مؤتمره الوطني الثاني عشر، وما أطرحه فيه رأي في التنظيم اليساري عموما، يتصل بأحزاب اليسار وتنظيماته كافة. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في العالم العربي وبلدان الجنوب العالمي، حيث ما زال كثير من تنظيمات اليسار يعيد إنتاج آليات تنظيمية صيغت في ظروف العمل السري والمطاردة تحت الأنظمة الديكتاتورية. وقد خدمت تلك الآليات قوى اليسار في زمنها، وقد تبقى بعض عناصرها ضرورية حيث ما زال القمع قائما، غير أن كثيرا منها أصبح متقادما وعاجزا عن مواكبة عصره. وفي المقابل تجدد الرأسمالية آليات عملها على مدار الدقيقة، وقد يكون من الصعب أن نواجهها ببنى تنظيمية لم تتطور بالشكل المناسب منذ عقود.

ويقوم التجديد الذي أدعو إليه على أربعة مرتكزات:

1. الأفكار والتجارب الاشتراكية المختلفة، السابقة منها والحالية، عبر قراءة نقدية منفتحة لها، تستفيد من إيجابياتها وإنجازاتها وتتعلم من نواقصها وإخفاقاتها، على الصعيدين الفكري والتنظيمي معا.

2. المعرفة، التي صارت متاحة ومفتوحة ولم تعد حكرا على مجموعة معينة تحتكر تفسير الواقع.

3. الوعي الحقوقي، الذي تقدم كثيرا في مسائل حرية التعبير والمساواة الكاملة للمرأة وحقوق الإنسان والأقليات والبيئة والحريات الشخصية.

4. الثورة الرقمية، التي أعادت تشكيل طريقة تواصل الناس وتنظيمهم وتعبيرهم عن آرائهم.

ويستند النص إلى مفاهيم اليسار الرقمي التي أعني بها تطوير اليسار فكريا وتجديد آلياته التنظيمية على أساس هذه المرتكزات. وأبدأ بتقدير مبادرة طرح الوثائق الحزبية للحوار الجماهيري العلني، وهي ممارسة ديمقراطية إيجابية أتمنى أن تصبح منهجا لكل أحزاب اليسار في المنطقة. وتقتصر قراءتي على الجانب التنظيمي، ولا تتناول السياسات والبرامج الحزبية، التي يمكن أن نتفق أو نختلف معها في هذه النقطة أو تلك، فالظرف المعقد الذي تمر به بلداننا يفسح المجال لاجتهادات يسارية متعددة.

وأعتقد أن كثيرا من القواعد الموروثة عن النموذج التنظيمي الذي تشكل في أعقاب ثورة أكتوبر الاشتراكية، وساد إلى حد كبير في القرن العشرين، بحاجة اليوم إلى تطوير من داخلها من دون قطيعة معها. وقد نبهت روزا لوكسمبورغ مبكرا، في كتابها "الثورة الروسية" عام 1918، إلى أن الحياة في المؤسسات تخبو حين تغيب الانتخابات الحرة والصراع الحر بين الآراء، وأن "الحرية هي دائما وحصرا حرية من يفكر على نحو مختلف".

القاعدة الحزبية مصدرا للسلطات

كما ينادي اليسار بأن الشعب مصدر السلطات في المجتمع، ينبغي أن تكون القاعدة الحزبية المصدر الأساسي للسلطات داخل تنظيماته. غير أن أدوات المبادرة الأساسية، من الاستفتاء إلى المؤتمر الاستثنائي إلى التحالفات وغيرها، تبقى في كثير من تنظيمات اليسار بيد الهيئات القيادية. ولذلك أرى أن من حق نسبة محددة من الأعضاء والعضوات، عشرة بالمائة مثلا، أو ثلث المنظمات المحلية، الدعوة إلى مؤتمر استثنائي أو استفتاء داخلي ملزم. ولهذا المبدأ نظائر في تجارب يسارية معاصرة، فحزب اليسار الألماني يتيح للتنظيمات المحلية الدعوة إلى استفتاء عام للأعضاء تكون نتيجته في مرتبة قرار المؤتمر.

عضوية مرنة وتعدد المنابر وحرية التعبير

أرى أن العضوية تكسب كثيرا حين تنفتح من مفهوم الانتماء الصارم نحو مفهوم تحالفي، عبر أشكال متدرجة تستوعب تنوع ظروف الناس، منها العضوية الفاعلة والمؤازرة والوقتية والجزئية والإلكترونية، انطلاقا من أن كل عضو وعضوة كنز للتنظيم. وتقدم الجبهة العريضة في الأوروغواي نموذجا لافتا، إذ جمعت أحزابا متعددة وأفرادا مستقلين في إطار مرن استمر أكثر من خمسة عقود ووصل إلى الحكم.

وأعتقد أن الاعتراف المنظم بتعدد المنابر والاتجاهات الفكرية من أقوى ضمانات الوحدة، لأن الرأي الذي يجد قناة شرعية داخل البيت يبقى في البيت، وهو حق أصبح طبيعيا في أحزاب يسارية عديدة، منها حزب العمال البرازيلي وحزب اليسار الألماني. كما أن حصر حق التعبير بالمنابر الحزبية كان منطقيا حين كانت الجريدة الحزبية المنبر الوحيد، أما اليوم فلكل عضو وعضوة صفحات عدة في شبكات التواصل الاجتماعي تصل إلى آلاف القراء، والأجدى أن تعترف الأنظمة الداخلية لتنظيمات اليسار بهذا الواقع وتنظمه، شرط تقديم الآراء بوصفها شخصية ومن دون إفشاء ما هو داخلي بطبيعته. فالحوار العلني البناء يترك انطباعا إيجابيا لدى الجماهير، ويشركها في تطوير سياسات اليسار من خلال التفاعل والتغذية الراجعة.

عدالة داخلية وإصلاح بدل العقاب

تكسب العدالة التي ينادي بها اليسار مصداقية مضاعفة حين تجد انعكاسها داخل التنظيم. ولذلك يحتاج التنظيم اليساري في تقديري إلى هيئة قضائية منتخبة ومستقلة عن القيادة، تنشر قراراتها وأسبابها، وتكون قراراتها ملزمة لكافة الهيئات بما فيها القيادية، ولها درجة استئناف مستقلة. ويقدم حزب اليسار الألماني تجربة مفيدة هنا، إذ يملك نظام تحكيم داخلي مستقلا تماما عن قيادته، وينشر قراراته بصيغة علنية تحفظ في الوقت نفسه خصوصية الأشخاص.

وأرى أن الغاية من أي نظام عقوبات هي إصلاح السلوك والحفاظ على الأعضاء داخل التنظيم، وخاصة في مرحلة يواجه فيها اليسار تراجعا في حضوره، تستدعي أن تكون تنظيماته جاذبة للأعضاء والعضوات. ولذلك أدعو إلى أدوات وسيطة كالحوار والوساطة الرفاقية، وضمانات إجرائية كحق الدفاع وقرينة البراءة، وإعادة النظر في عقوبة الفصل التي أراها نوعا من الإعدام السياسي والتنظيمي، ومراجعة قرارات الفصل السابقة التي ارتبطت بخلافات فكرية أو سياسية.

القيادة الجماعية وتداول المواقع

أعتقد أن مبدأ التجديد القيادي يتحقق بسقف لا يتجاوز دورتين انتخابيتين لأي موقع قيادي، وبالاتجاه التدريجي نحو القيادة الجماعية بمنسقين ومنسقات لكل مجال تخصصي. وتجربة حزب القائمة الموحدة اليساري الدنماركي مثال عملي هنا، فهو يدار بهيئة قيادية جماعية من دون رئيس أو أمين عام، وله ناطق باسمه فقط، ويطبق مبدأ التناوب في مواقعه، وقد رافقت هذه القواعد فترة من أفضل نتائجه الانتخابية.

وفي المؤتمرات الحزبية، أرى أن تسمية القيادة المنتهية ولايتها نسبة من أعضاء المؤتمر ممارسة تستحق المراجعة من الناحيتين الديمقراطية والحقوقية، وأنها تتعارض مع مبدأ المساواة في الحقوق بين الأعضاء والعضوات، وأن الأنسب أن يحضر أعضاء القيادة الذين لم تنتخبهم منظماتهم مندوبين بصفة ضيوف يقدمون تقييمهم للمرحلة السابقة.

المرأة والشباب، من المبدأ إلى النسبة

تتطلب المساواة داخل التنظيم اليساري في رأيي نسبة لا تقل عن أربعين بالمائة لكل من الجنسين في الهيئات القيادية كافة الآن، تتصاعد نحو المناصفة، وقيادة مشتركة لكل هيئة من منسق ومنسقة. ومن الضروري كذلك تخصيص كوتا عمرية للشباب في الهيئات القيادية، فالجيل الجديد أكثر مرونة في التعامل مع التطورات المتسارعة وأقرب إلى أدوات العصر، ويمكن لكبار العمر وذوي الخبرة الطويلة أن يسهموا بصفة مستشارين له، بما يحقق التواصل بين الأجيال. وضمانا لأن يتحول الحضور العددي إلى دور حقيقي في صنع القرار، ينبغي أن ترافق الكوتا خطة تمكين وبناء قدرات واضحة ومستمرة، تشمل برامج التأهيل القيادي والمرافقة الميدانية وإسناد المهام بصورة متدرجة.

النزاهة المالية

يقاس اليسار عادة بمعيار أشد صرامة من غيره، وهذا في تقديري امتياز يعلي من مكانته. ولذلك تقتضي النزاهة، حسب إمكانيات العلنية ومستوى الديمقراطية والنشاط السياسي في كل بلد، نشر تقرير مالي سنوي مدقق، وإقرار ذمة مالية لمن يتولى المواقع القيادية والتمثيلية، واقتطاع نسبة من دخل الوظائف العامة المستحصلة باسم الحزب لصالح ماليته، على غرار حزب القائمة الموحدة اليساري الدنماركي الذي يتقاضى نوابه ما يعادل متوسط أجر عامل الصناعة، والنص على أن العمل الحزبي تطوعي في الأساس، تقتصر فيه الرواتب على حالات الضرورة والتفرغ التام.

التحالفات

قرارات التحالف والمشاركة في السلطة من أشد القرارات حساسية داخل أحزاب اليسار وأكثرها أثرا في علاقتها بجمهورها، وكثيرا ما كانت مصدر تراجع وانقسامات عميقة دفع اليسار ثمنها من رصيده الجماهيري، ولدينا تجارب كثيرة في العراق وعموم المنطقة. ولذلك فالأسلم أن تطرح هذه القرارات للحوار التنظيمي والعلني، ثم لاستفتاء داخلي عام، بما يمنحها شرعية أوسع، ويحمي الحزب من الاستقطاب حولها، ويخفف العبء عن القيادة نفسها. ومن الضروري أن ينص النظام الداخلي على عدم التحالف مع قوى استبدادية أو فاسدة أو لها دور مباشر في انتهاكات حقوق الإنسان، حرصا على استقلالية الحزب ونزاهته وثقة الجماهير الكادحة به، وعلى أولوية التحالف والعمل المشترك مع القوى اليسارية والتقدمية.

الرقمنة والمؤتمر الدائم

يستحق نظام داخلي يكتب في عصر الثورة الرقمية بابا مستقلا للعمل الرقمي، ينظم الاجتماعات عن بعد والتصويت الإلكتروني بضمانات السرية والنزاهة، ويحمي بيانات الأعضاء والعضوات في بيئة تنشط فيها أجهزة استخبارات وشركات مراقبة، ويعتمد البرمجيات الحرة قدر الإمكان تجنبا للارتهان للشركات الاحتكارية. وتتيح الرقمنة ومجموعات التواصل الاجتماعي كذلك أن تتحول المسافة بين مؤتمرين من فراغ إلى حالة أشبه بمؤتمر دائم، تطرح فيه السياسات والوثائق للحوار الجماعي في كافة المستويات الحزبية قبل إقرارها، فيبقى العقل الجماعي للتنظيم نشطا ومشاركا في صنع القرار على مدار العام بدلا من أن يحصر في هيئات محددة أو أشخاص محددين.

خلاصة

لا يخفى أن اليسار في المنطقة شهد تراجعا في السنوات الأخيرة، ولهذا التراجع أسباب كثيرة موضوعية وذاتية، غير أن للبناء التنظيمي وأشكال العمل والقيادة أثرا كبيرا فيه. ومن هنا أرى أن المرحلة تتطلب تحولا تدريجيا من البناء الهرمي إلى بناء أفقي، يكون فيه للقاعدة والأجيال الجديدة الدور الأكبر في رسم السياسات واختيار القيادات، وتكون القيادة فيه مؤازرة للقاعدة وداعمة لها ومنسقة لعملها.

وتبقى التجارب التي استندت إليها، من دول مختلفة، مفيدة ومضيئة، غير أنها تعمل في بيئات قد تختلف عن واقع مجتمعاتنا، ولذلك تحتاج الاستفادة منها إلى تكييف مدروس يراعي خصوصية واقعنا وظروفه المعقدة، بعيدا عن النقل المباشر. ومع ذلك تبقى قوى اليسار في أي مجتمع انعكاسا لمستوى تطوره المعرفي والحقوقي والديمقراطي، ويفترض بها أن تكون في طليعة هذا التطور ومحركا له، وهو ما يجعل تجديد آلياتها التنظيمية ضرورة ملحة في مجتمعاتنا أيضا.

وأختم بما بدأت به: الحزب الذي يمارس الديمقراطية والعدالة والشفافية داخل بنيته يقدم لشغيلة وشغيلات اليد والفكر دليلا عمليا على قدرته على ممارستها في إدارة الدولة والمجتمع.

***

رزكار عقراوي

كان من الصعب تخيّل القرن العشرين من دون ماركس، فقد دخل اسمه في صميم تحولات كبرى مست الاقتصاد والسياسة والحركات العمالية والفكر الاجتماعي. وأصبحت أفكاره جزءًا من اللغة التي حاول بها عصر كامل أن يفهم الفقر والتفاوت والصراع الاجتماعي. وكان غيابه الافتراضي يفتح التاريخ أمام احتمالات أخرى، حيث كان يمكن لأفكار مختلفة ومفكرين آخرين أن يحتلوا المكان الذي شغله، وأن يمنحوا تلك التحولات مسارات ومفردات مغايرة.

كان العالم سيعرف الفقر والاستغلال والتفاوت والصراع بين العمال وأصحاب رأس المال في غياب ماركس، فهذه الظواهر كانت سابقة على ظهوره ومرتبطة بالتحولات العميقة التي أحدثها التصنيع ونشوء الاقتصاد الرأسمالي الحديث. وكانت الاشتراكية نفسها قد بدأت في أوروبا قبل ماركس، كما ظهرت حركات عمالية وتعاونية وإصلاحية حاولت مواجهة ظروف العمل القاسية واتساع الفوارق الاجتماعية. وكان من الممكن أن يستمر نقد الرأسمالية وأن تتطور المطالبة بحقوق العمال عبر طرق أخرى، وربما كان الفكر الإصلاحي والنقابي والتعاوني قد اكتسب حضورًا أكبر. وكان القرن التاسع عشر سيواصل إنتاج مفكريه وحركاته، لكن اللغة التي صاغ بها ماركس علاقة الاقتصاد بالسلطة والطبقة والتاريخ كانت ستغيب، أو تظهر بصياغات أخرى.3308 marx

وهنا كان غياب ماركس سيغيّر طريقة تفسير الصراع الاجتماعي أكثر مما كان سيغيّر وجوده نفسه. وكان يمكن لمفكرين آخرين أن يقدموا تفسيرات مختلفة للرأسمالية والتحولات الاجتماعية، فيما كانت الحركات العمالية ستجد لنفسها مفردات أخرى. وكان التاريخ سيواصل إنتاج أزماته وصراعاته، لكن قاموسه الفكري كان سيبدو مختلفًا.

وفي روسيا، كان الاحتمال أكثر تعقيدًا. فقد جاءت الثورة البلشفية عام 1917 في سياق من الأزمات السياسية والاجتماعية والحرب العالمية الأولى، وكانت لها أسبابها الخاصة وشخصياتها وقراراتها. ومع ذلك، كان غياب ماركس سيترك فراغًا كبيرًا في الإطار النظري الذي استندت إليه البلشفية لاحقًا. فقد وجد لينين في الماركسية لغة لتفسير التاريخ والرأسمالية والطبقات والثورة، ثم طوّر قراءة خاصة بها في ظروف روسيا. ومن دون هذا التراث، كان من الممكن أن تتخذ الثورة الروسية، إذا وقعت في صورة قريبة من صورتها التاريخية، لغة أخرى ومسارًا آخر، كما كان من الممكن أن تختلف طبيعة التجارب التي جاءت بعدها تحت اسم الشيوعية.

وكان القرن العشرون سيبدو مختلفًا أيضًا في علاقته بالرأسمالية. فقد جاءت قوانين العمل والنقابات والضمانات الاجتماعية ودولة الرفاه نتيجة مسارات طويلة تشابكت فيها نضالات العمال والتحولات الاقتصادية وتوسع الديمقراطية والحروب وتغير بنية المجتمعات. وكان من الصعب رد هذه التحولات إلى ماركس وحده. ومع ذلك، فإن صعود الحركات الاشتراكية والشيوعية التي استند جزء أساسي من خطابها إلى الماركسية أصبح عاملًا حاضرًا في البيئة السياسية التي تحركت داخلها الدول الغربية. وكان الضغط على الرأسمالية سيبقى قائمًا في عالم بلا ماركس، لكن القوى التي حملته والأفكار التي صاغته كانت ستختلف.

وربما كان الأثر الأبعد لغياب ماركس سيظهر في الفكر والعلوم الإنسانية. فقد أصبحت الطبقة الاجتماعية والصراع الطبقي والاغتراب وعلاقة الاقتصاد بالبنية الاجتماعية أدوات مؤثرة في قراءة التاريخ والمجتمع والثقافة والأدب. وحتى الذين اختلفوا معه وجدوا أنفسهم في حوار مع الأسئلة التي أثارها. وهكذا تجاوز تأثيره عدد الذين تبنوا أفكاره، فقد ترك أثرًا أيضًا في خصومه ونقاده وفي الذين حاولوا إعادة بناء الفكر الاجتماعي بعيدًا عنه.

لكن خلف هذه الصورة الفكرية والسياسية كان هناك رجل آخر، أقل حضورًا في الذاكرة العامة. عاش ماركس في لندن سنوات مثقلة بضيق المال والمرض ومشكلات الأسرة، واعتمد في جانب من حياته على مساعدة فريدريك إنجلز، فيما ظل غارقًا في القراءة والبحث والكتابة. ولم يكن هذا الجانب من سيرته تفصيلًا هامشيًا، فقد أظهر مفكرًا عاش بنفسه بعض التناقضات التي انشغل بتحليلها في المجتمع والعمل والاقتصاد.

ومن هنا يمكن الاقتراب من ماركس من زاوية مختلفة: «ماركس خارج القفص: ماذا بقي من الرجل بعد سقوط صورته التقليدية؟» فالصورة التي اختزلته في منظّر للثورة والصراع الطبقي حجبت جوانب أخرى من مشروعه، وخصوصًا اهتمامه بالإنسان وبالشروط التي تجعل العمل والحياة الاجتماعية مجالًا لتحقيق الذات أو مصدرًا للاغتراب.

ويقدم إريك فروم في كتابه الصادر عام 1961 «مفهوم الإنسان عند ماركس» قراءة تعيد النظر في هذه الصورة، إذ يبيّن أن ماركس كان أوسع من مجرد منظّر للاقتصاد والطبقة والثورة. وقد وجّه فروم نظره إلى الإنسان خلف المفكر السياسي، وجعل مفهوم الاغتراب مدخلًا أساسيًا لفهم علاقة ماركس بالعمل والمجتمع والإنسان. ففي قراءته، كان الإنسان يفقد جزءًا من ذاته حين تتحول منتجات عمله والقوى التي صنعها إلى قوى مستقلة عنه، وحين يصبح العمل وسيلة للبقاء أكثر مما يكون تعبيرًا عن قدراته وفعلِه الخلاق.

وتكمن أهمية فروم في أنه أعاد ماركس إلى نصوصه وأسئلته الإنسانية، بعيدًا عن الصورة التي صنعتها الصراعات السياسية اللاحقة. ولم يكن هدفه تقديم ماركس بوصفه مفكرًا منزّهًا عن التناقضات، وإنما إظهار أن مشروعه كان أوسع من الصورة الجامدة التي استقرت حول اسمه. وكانت إعادة النظر في ماركس الإنسان والمفكر تعني توسيع صورته، لا استبدال صورة أيديولوجية بصورة مثالية جديدة.

وظل ماركس في الوقت نفسه مفكرًا سياسيًا صاحب مشروع ثوري واضح، وكانت أفكاره عن الطبقة والصراع والتغيير الاجتماعي جزءًا أساسيًا من أعماله. كما أن تاريخ الماركسية بعده حمل تأويلات متعددة لم تكن متطابقة مع كتاباته. ولهذا كان من المهم التمييز بين ماركس نفسه وبين الإرث السياسي المتنوع الذي نشأ لاحقًا باسمه.

وفي العالم الذي لم يولد فيه ماركس، كان يمكن أن تظهر أفكار كثيرة تشغل المساحات التي شغلتها الماركسية. وكان يمكن لمفكر آخر أن يقدم تفسيرًا مختلفًا للرأسمالية أو لحركة التاريخ أو لعلاقة العمل بالمجتمع. وربما كانت الاشتراكية ستسلك مسارًا إصلاحيًا أوسع، وربما كانت الثورة الروسية ستجد لغة سياسية أخرى، وربما كان الفكر الاجتماعي سيكتشف مفاهيم مختلفة لفهم الطبقة والسلطة والاقتصاد. وكان التاريخ سيستمر في إنتاج أزماته وحركاته وصراعاته، فيما كانت أسماء أخرى ستتقدم إلى الواجهة.

لكن غياب ماركس كان سيترك فراغًا يتجاوز غياب منظّر واحد. فقد كان سيغيب معه نوع كامل من الأسئلة التي أعادت تعريف علاقة الاقتصاد بالمجتمع، والعمل بالإنسان، والثروة بالسلطة، والتاريخ بالصراع الاجتماعي. وكان يمكن لآخرين أن يملؤوا هذا الفراغ، لكنهم كانوا سيملؤونه بلغتهم وتجاربهم ومفاهيمهم الخاصة.

وفي النهاية، كان السؤال عن عالم بلا ماركس سيقودنا، على نحو غير متوقع، إلى ماركس نفسه. فكلما تخيلنا القرن العشرين من دونه، اكتشفنا حجم المساحة التي احتلها في الفكر السياسي والنظرية الاجتماعية والعلوم الإنسانية. وكلما أخرجناه من صورته التقليدية، كما حاول إريك فروم، ظهر أمامنا مفكر أكثر تعقيدًا من الرمز الذي أصبح عليه، ورجلًا كان مشغولًا، خلف أسئلته السياسية والاقتصادية، بمصير الإنسان داخل العالم الذي يصنعه.

وهكذا كان العالم سيستمر من دون ماركس، لكنه كان سيبدو مختلفًا في كثير من لغاته وأسئلته ومساراته. أما ماركس خارج القفص، فكان سيبقى مفكرًا يصعب اختزاله في إرث سياسي واحد. فلم يكن أثره قد توقف عند الأفكار التي تبناها أتباعه، وإنما امتد أيضًا إلى الأسئلة التي تركها مفتوحة أمام خصومه وقرائه والأجيال التي جاءت بعده.

***

بولص آدم

 

ليس السؤال في هذه المقالة من ساعد العراق عسكريًا في حربه على داعش هل هي جمهورية إيران الإسلامية أم التحالف الدولي بقيادة أمريكا؟ فهذا سؤال واقعي لا يمكن لأحد أن ينكر ما قدمته إيران من دعم ومساندة ولا ما قدمه التحالف الدولي من إسناد جوي. إنما السؤال الذي يعنينا أكثر هو كيف مثّلت المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف حرب داعش في خطابها لصياغة سردية النصر؟ ومن جعلته فاعلًا في الدفاع والتحرير والنصر؟ ومن سمّته حين وزّعت أدوار البطولة والتضحية؟ ومن غاب اسمه عن النص، على الرغم من حضوره في الواقع الميداني والعسكري؟

هذا السؤال يكتسب أهميته من كثافة الخطاب المرجعي خلال سنوات الحرب؛ فنحن لسنا أمام بيان عابر يمكن أن يكون الغياب فيه سهوًا أو اختصارًا، بل أمام سلسلة ممتدة من الخطب والبيانات والتوجيهات، بدأت مع سقوط الموصل سنة 2014، ورافقت التعبئة والقتال والتحرير، وانتهت بخطبة النصر ثم بنصوص استذكار ذلك النصر بعد سنوات. ومع كل هذا الامتداد ظل البناء الخطابي ثابتًا بصورة لافتة.

العراقي هو مركز الفعل، والقوات العراقية هي أداة الدفاع والتحرير، والشعب العراقي هو صاحب التضحية، أما الخارج فلا يظهر إلا في دائرة المساندة العامة تحت عبارة يتيمة واحدة (الأشقاء والأصدقاء). من دون ذكر حتى اسم جمهورية إيران الاسلامية ولو لمرة واحدة بوصفها صاحبة فضل في التحرير، فضلا عن صاحبة الفضل الأكبر.

منذ اللحظة الأولى للأزمة، جاءت خطبة المرجعية في 13 حزيران 2014 التي صدرت فيها فتوى الدفاع الكفائي، لتبين أن التهديد لا يمثل خطرًا على مكوّن مذهبي بعينه، بل بوصفه خطرًا على العراق وشعبه. ووجّهت المرجعية الخطاب إلى أبناء القوات المسلحة وسائر الأجهزة الأمنية، وانتهت إلى دعوة القادرين على حمل السلاح إلى التطوع للانخراط في القوات الأمنية[1]. وهذا البناء واضح في جميع النصوص التي أُحصيت في هذه المقالة، مما صدر عن المرجعية العليا خلال حرب داعش وما أعقبها، على امتداد أكثر من ثلاث سنوات؛ إذ حافظ خطاب المرجعية، مع تعدد مناسباته ومراحله، على مركزية الفاعل العراقي في الدفاع والتحرير وصناعة النصر. وربطت الفعل العسكري بالمؤسسة الأمنية العراقية.

وفي خطبة 20 حزيران 2014 جاءت عملية تثبيت هذا الإطار بصورة أشد وضوحًا. فقد أكدت المرجعية أن الدعوة موجهة إلى جميع المواطنين وأنها ليست ذات منطلق طائفي، ثم صححت مبكرًا إحدى أكثر الصور التي ستصبح ملتبسة لاحقًا: (الفتوى لم تكن دعوة إلى إنشاء قوة مسلحة موازية، بل إلى الانخراط في القوات الأمنية الرسمية، مع التشديد على ضرورة حصر السلاح بالدولة)[2].

هذه نقطة مهمة في تحليل الخطاب؛ لأن المرجعية لم تصف الحرب بوصفها حرب (محور شيعي) ضد داعش، مع أن إيران وفصائل من المقاومة العراقية كانت حاضرة في سوريا منذ 2011، 2012 وكانت تقاتل بعنوان الدفاع عن مرقد السيدة زينب ع، وتم انسحابهم من سوريا إلى العراق عندما اجتاح داعش الموصل، وإنما وصفت المرجعية الحرب بوصفها دفاع دولة ومجتمع عراقي عن ذاته. وتكرر الحقل المعجمي نفسه: المواطنون، العراقيون، القوات الأمنية، الجيش، الدولة، البلد، الشعب. أما الخارج فلم يمثل مركزية التبئير -كما عند جيرار جينت- في سردية خطابها.

وفي 4 تموز 2014 ذهب المرجعية إلى (ضرورة تنظيم عملية التطوّع وإدراج المتطوّعين ضمن تشكيلات الجيش والقوات الأمنية الرسمية وعدم السماح بحمل السلاح بصورة ٍ غير قانونية، وفي هذه المناسبة نجدّد الشكر والتقدير للقوّات الأمنية ومن التحق بهم من المتطوّعين الذين يخوضون معارك ضارية ضدّ الإرهابيين الغرباء من اجل الحفاظ على بلدنا وشعبنا بجميع مكوّناته وطوائفه)[3]. ثم في 11 تموز 2014، أعادت المرجعية القول بـ(ضرورة تنظيم عملية التطوع وإدراج المتطوعين في ضمن القوات العسكرية والأمنية العراقية الرسمية وعدم السماح بوجود مجموعات مسلحة خارج الأطر القانونية تحت أي صفة وعنوان، إنّ هذا مسؤولية الحكومة وليس لها أن تتسامح في القيام بها)[4].

ليس التكرار هنا اعتباطيًا. ففي تحليل الخطاب، التكرار ليس مجرد إعادة لفظية، بل وسيلة لترسيخ إطار إدراكي: من يدافع عن العراق؟ العراقيون. أين يعملون؟ داخل المؤسسات العراقية. ولأي غرض؟ حماية العراق والعراقيين بمختلف طوائفهم. وبهذا كانت المرجعية منذ البداية تستشرف خطر الارتباط بين الحرب على داعش وبين تحويلها إلى هوية خارجية أو صراع مذهبي عابر للحدود.

وفي نصائح وتوجيهات للمقاتلين في ساحات الجهاد الصادرة عن مكتب السيد السيستاني في شباط 2015، ينتقل الخطاب من تعبئة المقاتلين إلى تقنين سلوكهم أخلاقيًا وفق الفقه الإسلامي: حرمة الدم، وحفظ أموال الناس، وحماية غير المسلمين، وعدم الغدر أو التمثيل، وعدم التكفير، وعدم البدء بالعدوان. ويصل النص إلى عبارة شديدة الدلالة في البعد الوطني: (من ظن غريبًا أنصح له من أهله وعشيرته وأهل بلده ووالاه من دونهم فقد توهم)[5].

ثم تأتي خطبة 7 آب 2015 لتنتقل من الفاعل العام (العراقيين) إلى تسمية القوى التي تتحمل الحرب ميدانيًا (أبناء العراق الميامين في القوات المسلحة بتشكيلاتها المختلفة وكذلك المتطوعون الأبطال وأبناء العشائر الغيارى)[6]. ويلاحظ هنا أن الخطاب كان قادرًا على التفصيل والتسمية. ولذلك تصبح دلالة عدم تسمية الدول الخارجية أكثر وضوحًا؛ فالأمر ليس خطابًا مقتضبًا يعجز عن تعداد الأطراف.

وتزداد هذه الدلالة قوةً في معركة تحرير نينوى سنة 2016. فالمرجعية تعدد بصورة دقيقة: (في هذه الايام الخالدة حيث يخوض رجال العراق الابطال في الجيش والشرطة الاتحادية وقوات البيشمركة وجحافل المتطوعين وابناء العشائر الغيارى .. معارك العز والشرف والكرامة دفاعاً عن الارض والعرض والمقدسات)[7]، ثم تخاطبهم: (يا من ليس لنا من نفتخر بهم غيركم)[8].

وهذه واحدة من أهم المحطات في المدوّنة؛ لأن حرب الموصل كانت في ذروتها، وكانت مساهمات دولية وإقليمية قائمة على الأرض وفي الجو، ومع ذلك ظل إسناد الخطاب للنصر متمركزًا في الداخل العراقي. بل إن الخطبة نفسها تنتهي إلى التحذير من أن يسمح العراقيون (للأجنبي باستغلال خلافاتهم للتدخل في شؤونهم الداخلية وخرق سيادة بلدهم بذرائع مختلقة)[9].

ثم تأتي خطبة النصر في 15 كانون الأول 2017 بوصفها النص الأكثر صراحة وحسمًا في تحديد صاحب النصر. تبدأ الخطبة بالنداء: (أيها العراقيون الشرفاء)، ثم يأتي الفعل مسندًا إليهم مرارًا: (انتصرتم)، (بإرادتكم)، (بعزيمتكم)، (بتضحياتكم). وعندما تنتقل إلى المقاتلين تقول المرجعية إنّها (لا ترى لأحد فضلاً يداني فضلكم ولا مجداً يرقى الى مجدكم في تحقيق هذا الانجاز التاريخي المهم)[10]، ثم تبلغ العبارة ذروتها الدلالية. (فالنصر منكم ولكم وإليكم وأنتم أهله وأصحابه، فهنيئاً لكم به، وهنيئاً لشعبكم بكم، وبوركتم وبوركت تلك السواعد الكريمة التي قاتلتم بها وبوركت تلك الحجور الطاهرة التي ربّيتم فيها. أنتم فخرنا وعزّنا ومن نباهي به سائر الامم. ما أسعد العراق وما أسعدنا بكم لقد استرخصتم أرواحكم وبذلتم مهجكم في سبيل بلدكم وشعبكم ومقدساتكم)[11].

وعندما استذكرت المرجعية العليا التضحيات ودعت لهم بمزيد من البركات وخير جزاء المحسنين، ذكرت (شهداءنا الابرار الذين روّوا ارض الوطن بفيض دمائهم الزكية)، واستذكرت عوائلهم الكريمة، واستذكرت بعزة وشموخ الجرحى ووصفتهم بـ(الشهداء الاحياء)، واستذكرت بإكبار وامتنان (جميع المواطنين الكرام الذين ساهموا في رفد ابنائهم المقاتلين في الجبهات بكل ما يعزز صمودهم)، ثم المفكرين والأطباء والإعلاميين، وأخيرًا تأتي عبارة واحدة للخارج (كما نقدم الشكر والتقدير لكل الأشقاء والأصدقاء الذين وقفوا مع العراق وشعبه... وقدموا له العون والمساعدة)[12].

والمفارقة أن المرجعية حين أرادت شكر الخارج، لم تذكر جمهورية إيران الاسلامية، ولم تذكر التحالف الدولي أو أي دولة منفردة، بل عمدت إلى التعميم المقصود (الأشقاء والأصدقاء). وهذا التعميم يمنع احتكار دولة بعينها لرأسمال النصر الرمزي، ويجعل المساعدة الخارجية جمعيّة وهامشية قياسًا إلى مركزية الفاعل العراقي.

وهنا يظهر الفارق بين الإسناد والمساندة. فالنصر يُسنَد إلى العراقيين، أما الخارج فيُسند إليه العون والمساعدة. الأول فاعل الإنجاز، والثاني فاعل مساعد. وهي ليست مسألة رتبة فحسب، بل بناء دلالي كامل يحدد مركز الثقل في سردية النصر لخطاب المرجعية.

ولا يعني هذا البناء الخطابي إغفال دور جمهورية إيران الإسلامية أو دور التحالف الدولي، بقدر ما يكشف عن إرادة واضحة في إبقاء مركز الفعل داخل الوطن نفسه؛ فالشعوب في تصور المرجعية، لا تنقذها إرادة الخارج ما لم تبدأ هي بالفعل، ولا يصنع الآخرون نصرها نيابةً عنها. إنما تأتي المساندة حين تنهض الأمة بأبنائها وتتماسك مؤسساتها، أما حين تضعف وتتفرق وتنتظر خلاصها من الخارج فإنها تصار الى التفرقة والمهلكة.

ولا يعني هذا الخطاب أن المرجعية أنكرت ما قُدِّم للعراق من إسناد خارجي في مواجهة تنظيم داعش؛ بل تكشف نصوصها اللاحقة عن إقرار واضح ببعض تلك الأدوار، ولكن في حدود الوظيفة التي أدّتها في الدفاع عن العراق. فعقب الضربة الأميركية قرب مطار بغداد في 3 كانون الثاني 2020، وصفت المرجعية ما جرى بأنه (اعتداء غاشم) و(خرق سافر للسيادة العراقية)، وقالت إنه أدّى إلى استشهاد (عدد من أبطال معارك الانتصار على الإرهابيين الدواعش)، باستعمال (من) التبعيضية، من غير أن تسمّي في هذا البيان الشهيدين قاسم سليماني أو أبا مهدي المهندس، فضلا عن قولها إنهم قادة النصر. ثم بعث سماحة السيد السيستاني (دام ظله) بعد ذلك برسالة تعزية إلى سماحة المستطاب آية الله السيد علي الخامنئي خصّ فيها اللواء العظيم قاسم سليماني بالذكر، وأشار إلى (الدور الفريد) الذي أدّاه في سنوات الحرب مع داعش في العراق، مؤكداً أن ما تحمّله في هذا المجال لا يمكن أن يُنسى. وتزداد دلالة هذا النسق وضوحاً في بيان مكتب المرجعية عند رحيل السيد حسن نصر الله سنة 2024؛ إذ لم يقتصر البيان على الإشادة بدوره في لبنان وفلسطين، بل نصّ صراحة على أنه (ساند العراقيين بكل ما تيسر له في تحرير بلادهم من الإرهابيين الدواعش).

وبذلك يبدو أن خطاب المرجعية يجمع بين مستويين لا ينبغي الخلط بينهما: الاعتراف بمن أسهم في إسناد العراق في لحظة الخطر من جهة، والإبقاء على النصر ضمن سردية عراقية وطنية قوامها فتوى الدفاع، وتضحيات العراقيين، ومؤسسات دولتهم، من جهة أخرى. فالإقرار بالمساندة لا يتحول في هذا الخطاب بمجرده، إلى تبنٍّ للمشروع السياسي أو الإقليمي للجهة المساندة، ولا يلغي مركزية الدولة والسيادة والقرار الوطني العراقي.

وبعد مرور خمس سنوات على الفتوى، عاد نص مكتب السيد السيستاني في 14 حزيران 2019 إلى الصيغة نفسها. (فهب رجال العراق الابطال شيبا وشبانا ومن مختلف الشرائح الاجتماعية واندفعوا الى ساحات القتال بحماس منقطع النظير وهمة لاتوصف، وخاضوا لأزيد من ثلاثة أعوام عشرات المعارك الضارية بكفاءة عالية تجلت فيها البطولة بأروع وأسمى معانيها وقد قدموا في هذا الطريق عشرات الالاف من الشهداء وأضعاف ذلك من الجرحى والمصابين، انقاذا للوطن الغالي وفداء للحرمات والمقدسات)[13]،  ثم أضاف في مرتبة لاحقة (بالاضافة الى تعاون الدول الشقيقة والصديقة ومساهمتهم الفاعلة في دحر الارهاب الداعشي)[14]. وكان يمكن للخطاب أن يخصّ إيران بإشادة مستقلة أو دور مميّز، لكنه آثر إبقاء المساندة الخارجية في إطارها الجمعي العام.

وفي الوقت نفسه لم تعوزها الجرأة في انتقاد بعض الأطراف التي تمسك بزمام الأمور وبحثها عن مغانم شخصية، بقولها: (ولكن بعد أن وضعت الحرب أوزارها وتحقق الانتصار المبين وتم تطهير مختلف المناطق من دنس الارهابيين دب الخلاف من جديد معلنا تارة وخفيا تارة أخرى في صفوف الأطراف التي تمسك بزمام الأمور وتفاقم الصراع بين قوى تريد الحفاظ على مواقعها السابقة وقوى أخرى برزت خلال الحرب مع داعش تسعى لتكريس حضورها والحصول على مكتسبات معينة ولايزال التكالب على المناصب والمواقع)[15].

وفي عام 2022، بعد أن ابتعد الحدث زمنيًا وأصبح قابلاً لإعادة السرد التاريخي بعيدًا عن حرارة الحرب، بقيت الصيغة نفسها. ففي بيان استقبال رئيس فريق الأمم المتحدة للتحقيق في جرائم داعش، استذكر السيد السيستاني الانتصار الكبير الذي حققه العراقيون، وأشاد بتضحيات أبنائهم من المقاتلين الأبطال بمختلف عناوينهم في إنجاز ذلك النصر[16].

وهنا تصبح القضية أكثر من مجرد غياب عرضي لاسم إيران أو التحالف الدولي. فنحن أمام انتظام خطابي يمتد من لحظة الانهيار سنة 2014 إلى لحظة التذكر سنة 2022: كلما جرى تحديد صاحب الفعل، أعادت المرجعية الخطاب إلى العراقيين؛ وكلما جرى تفصيل المقاتلين، ظهرت المؤسسات والقوى العراقية؛ وكلما حضر الخارج، ظهر بصيغة الجمع العام: الأشقاء والأصدقاء.

ومن زاوية تحليل الخطاب يمكن قراءة ذلك من خلال ثلاث استراتيجيات.

الأولى هي استراتيجية التبئير الوطني؛ إذ يوضع العراقي في مركز المشهد بوصفه صاحب الأرض والدم والتضحية والنصر. وهذه ليست وطنية لفظية فقط، بل تُبنى من خلال الإسناد النصي نفسه: انتصرتم، دافعتم، ضحيتم، حققتم.

والثانية هي استراتيجية الإدماج الداخلي؛ فالخطاب لا يجعل النصر شيعيًا، ولا حشديًا منفردًا، بل يعدد الجيش والشرطة والبيشمركة والمتطوعين والعشائر، ويصر منذ البداية على أن الخطر يستهدف جميع العراقيين. وبذلك يُنتزع الحدث من التأطير الطائفي ويعاد إلى إطار الدولة والمجتمع.

أما الثالثة فهي استراتيجية تعميم الفاعل الخارجي. فالخارج لا يُلغى؛ إذ تعترف المرجعية بأنه قدم العون والمساعدة، لكنها لا تمنحه اسمًا خاصًا ولا مركزية رمزية. وهذه نقطة ينبغي التعامل معها بحذر منهجي: لا يمكن الجزم من الصمت وحده بسبب نفسي أو سياسي محدد لدى المرجعية؛ لكن يمكن القول إن الأثر الخطابي الواضح لهذا الاختيار هو منع الخارج من أن يصبح مالكًا رمزيًا للنصر العراقي.

ومن هنا فإن غياب اسم إيران أو التحالف الدولي لا ينبغي أن يُحمّل أكثر مما يحتمل. لا يعني ذلك إنكار أن إيران ساعدت العراق، كما لا يعني نفي مساهمة التحالف الدولي أو غيره. المقالة لا تشتغل على سجل العمليات العسكرية بل على خطاب القول المرجعي. وعلى النصوص الرسمية الصادرة عن مكتب المرجعية العليا في النجف الأشرف المتعلقة بتحرير العراق من داعش، فقد ظهر أنه لم يذكر اسم الجمهورية الإسلامية الإيرانية ولا مرة واحدة بوصفها صاحبة فضل خاص في التحرير، فضلًا عن أن توصف بأنها صاحبة الفضل الأول والأكبر.

بل إن المفارقة النصية تكمن في أن المرجعية كانت تعرف تمامًا كيف تسمي إيران حين تريد الحديث عنها في سياقات أخرى. ومن ثم لا يمكن تفسير غياب الاسم في خطاب حرب داعش بعجز لغوي عن التسمية، بل نحن أمام غياب داخل حقل نصي كان قادرًا على التسمية حين يرى الحاجة إليه.

لهذا، فإن منح إيران (الفضل الأكبر) في تحرير العراق لا ينسجم مع خطاب المرجعية، ولا يجد ما يسنده بحسب النصوص الرسمية التي شملتها هذه القراءة. بل العكس هو الظاهر نصيًا: المرجعية صنعت سردية للنصر مركزها العراق، وفاعلها العراقيون، ومؤسساتها القوات العراقية، وشهداؤها عراقيون، بينما بقي الخارج - بما فيه إيران- في موقع المساند غير المسمّى.

ولعل العبارة الأكثر قدرة على اختزال هذه الرؤية هي تلك التي جاءت في خطبة النصر نفسها (لا ترى لأحد فضلاً يداني فضلكم ... فالنصر منكم ولكم وإليكم). فهذه العبارة لا تنفي عون الآخرين، ولكنها تحدد بوضوح من تمنحه المرجعية ملكية النصر الرمزية والتاريخية: العراقيون أنفسهم.

ومن هنا يمكن القول إن خطاب المرجعية في حرب داعش لم يكن مجرد خطاب تعبوي عابر، بل كان أيضًا فعلًا في إنتاج الهوية السياسية للنصر: تحرير العراق لا يُقرأ بوصفه هبةً من دولة، ولا منّةَ محور، ولا انتصارًا لطائفة، بل بوصفه ثمرة مجتمع استعاد قدرته على الدفاع عن دولته حين كادت تنهار. وفي هذه المسافة بين (النصر العراقي) وبين اختزال مساندة الآخرين بـ(مساعدة الأشقاء والأصدقاء) يمكن فهم كثير من فلسفة مرجعية النجف الأشرف في علاقتها بالدولة والسيادة والخارج.

***

د. حكيم السلطاني

........................

[1] ينظر: خطبة الجمعة لممثل المرجعية الدينية العليا في كربلاء المقدسة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في (14/ شعبان /1435هـ) الموافق (13/6/2014م)، موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله).

[2] ينظر: خطبة الجمعة التي ألقاها فضيلة العلاّمة السيد أحمد الصافي في يوم (21/شعبان/1435هـ) الموافق(2014/6/20م)، موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله).

[3] خطبة الجمعة التي ألقاها فضيلة العلاّمة السيد أحمد الصافي في يوم (5/ رمضان/1435هـ) الموافق (4/ 7/2014م)، موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله).

[4] خطبة الجمعة لممثل المرجعية الدينية العليا الشيخ عبد المهدي الكربلائي في (12/ رمضان /1435 هـ) الموافق (11/ 7/ 2014م)، موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله).

[5] نصائح وتوجيهات للمقاتلين في ساحات الجهاد(12/2/2015)، موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله).

[6] خطبة الجمعة لممثّل المرجعية الدينية العليا السيد أحمد الصافي في ( 21/ شوال /1436 هـ ) الموافق (7/8/2015)، موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله).

[7] الخطبة الثانية التي القاها ممثل المرجعية الدينية العليا فضيلة العلامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في يوم الجمعة (19/ المحرم الحرام/ 1438 هـ)، موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله).

[8] الخطبة الثانية التي القاها ممثل المرجعية الدينية العليا فضيلة العلامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في يوم الجمعة (19/ المحرم الحرام/ 1438 هـ)، موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله).

[9] الخطبة الثانية التي القاها ممثل المرجعية الدينية العليا فضيلة العلامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في يوم الجمعة (19/ المحرم الحرام/ 1438 هـ)، موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله).

[10] خطبة النصر من الصحن الحسيني الشريف لممثل المرجعية الدينية العليا في كربلاء المقدسة فضيلة العلاّمة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في (26/ربيع الأول/1439 هـ) الموافق (15/12/2017م)، موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله).

[11] خطبة النصر من الصحن الحسيني الشريف لممثل المرجعية الدينية العليا في كربلاء المقدسة فضيلة العلاّمة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في (26/ربيع الأول/1439 هـ) الموافق (15/12/2017م)، موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله).

[12]ينظر: خطبة النصر من الصحن الحسيني الشريف لممثل المرجعية الدينية العليا في كربلاء المقدسة فضيلة العلاّمة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في (26/ربيع الأول/1439 هـ) الموافق (15/12/2017م)، موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله).

[13] نص ما ورد عن مكتب المرجع الديني الاعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله الوارف) في النجف الاشرف بمناسبة ذكرى فتوى الدفاع الكفائي. ألقاها سماحة السيد احمد الصافي اليوم الجمعة (14/6/2019)، موقع العتبة الحسينية المقدسة.

[14]  نص ما ورد عن مكتب المرجع الديني الاعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله الوارف) في النجف الاشرف بمناسبة ذكرى فتوى الدفاع الكفائي. ألقاها سماحة السيد احمد الصافي اليوم الجمعة (14/6/2019)، موقع العتبة الحسينية المقدسة.

[15] نص ما ورد عن مكتب المرجع الديني الاعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله الوارف) في النجف الاشرف بمناسبة ذكرى فتوى الدفاع الكفائي. ألقاها سماحة السيد احمد الصافي اليوم الجمعة (14/6/2019)، موقع العتبة الحسينية المقدسة.

[16] بيان مكتب سماحته (دام ظله) بمناسبة استقباله رئيس فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن جرائم داعش (19/ 12/ 2022م)، موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله).

خلال فترتي استراحتي وتوقفي عن الكتابة والنشر في شهر أيلول الماضي، وصلتني رسالة كريمة من الباحث العراقي المرموق في ميدان الآثار والإناسة واللغات والتاريخ القديم د.  نائل حنون. في رسالته هذه أخبرني د.  حنون بأنه اطلع على ما كتبته قبل ثلاث سنوات عن كتابه القيِّم "حقيقة السومريين ودراسات أخرى"، وعلى المقالة الجديدة التي نشرتها في مجلة "أبجد/ العدد الثالث -أيلول 2026" وقارنت فيها تحليليا بن فرضيات الباحث البريطاني كولينز وكتاباته هو حول ما بات يعرف منذ عقود بالمشكلة السومرية.  وقد سرني بعمق في هذه الرسالة أمران؛ الأول تقييمه الإيجابي لكتاباتي عامة وهو ما أعدّه شهادة مهمة أعتز بها من باحث مرموق ورائد في ميدانه العلمي إضافة إلى تواضعه الجم، وهذه هي صفات العالم الحقيقي الفذ.  والثاني، تصوبيه لمضمون عبارة وردت في مقالتي الأخيرة حيث كتب: "نقطة واحدة في هذه المقالة استوجبت التصحيح، وهي تخص رأي جوزيف هاليفي.  فهو لم يقل بأن السومرية هي لغة وليست هوية قومية كما جاء في مقالتك، وإنما في أول اكتشاف اختلاف النصوص السومرية عن الأكادية في القرن التاسع عشر، هو خالف العلماء الذين قالوا بوجود اللغة السومرية وذهب إلى أنها ليست لغة بل شفرة سرية للكهنة وأن لا دليل على وجود أصحابها.  وأثار خلافاً طويلاً لا معنى له لأنه مبني على السؤال الخطأ.  فما كان يجدر أن يكون السؤال عما إذا كانت هي لغة أم لا.  فهي لغة ولكن بخصائص لا تجعل منها لغة خطاب قومية وإنما لغة كتابة، وهذا ما يمكن أن يعرفه من يكون قد درسها، وهاليڤي لم يدرس اللغة السومرية، ولم يعرفها وأخطأ في نكران وجودها.  هذا ما تمنيت وروده في مقالتك... ".  وفي ردي الجوابي على الرسالة عبَّرت عن شكري للأستاذ حنون على كلماته الطيبة وعلى التصحيح الذي تفضل به حول فرضية هاليفي.  ووعدته بأنني وسوف آخذه بنظر الاعتبار في كتاباتي القادمة حول هذا الموضوع وها أنا ذا أفعل.  وأضفت في رسالتي الجوابية: "ويبدو أن عرض بول كولينز للموضوع وكان هو أيضاً موضوع مقالتي ساهم في تكريس فهمي غير الدقيق لموقف جوزيف هاليفي.  لا اقول هذا كتبرير بل كتوضيح وأنا أتحمل بالتالي مسؤولية عدم الدِّقة... ". ولوضع هذه العبارة الواردة في مقالتي وكذلك تصويبها من قبل الأستاذ حنون في سياقهما أضيف الآتي لفائدة القارئ الكريم.  وقبل ذلك سأسمح لنفسي بأن أكرر هنا ما سبق لي وأعلنته في أكثر من مناسبة.  فأنا لم أزعم يوما أنني باحث متخصص في الآثار "الإركيولوجيا" أو الإناسة "الأنثروبولوجيا" أو اللغات القديمة وتاريخ الحضارات.  لا أقول هذا تواضعاً ورياءً بل تسجيلاً لواقع أنني أكتب في هذه الميادين كإعلامي متخصص أو مهتم في بعض هذه الميادين.  فمثلما يوجد إعلامي متخصص في فن السينما وآخر متخصص في الفضاء وغيره في الرياضة وثالث متخصص بالأسلحة والشؤون الأمنية... إلخ، ثمة إعلاميون متخصصون في علوم الآثار واللغات والحضارات القديمة، ولا أزعم أنني باحث متخصص لأن صفة الباحث تفرض على مدَّعيها توفر تحقق عدة شروط منها:-الشهادة العلمية الأكاديمية الرفيعة كالدكتوراة في التخصص المعني،- وتجربة في التنقيب الفعلي وليس في أرشيف الانترنيت وحيازته إنجازات "حقلية" مسجلة باسمه،-وإجادته لغة أو لغتين قديمتين إضافة إلى لغة أو أكثر من اللغات الحية.  وأغلب هذه الشروط لا تنطبق على حالتي:وأقول؛ ربما يكمن سبب انعدام الدقة في عبارتي التي تحفظ عليها د.  حنون في أنني اعتمدت على العرض التحليلي الذي قدمه بول كولنز لفرضيات جوزيف هاليفي ولم أذهب مباشرة إلى المتوفر من كتابات هاليفي المترجمة إلى العربية.  وللأسف، فكتاب هاليفي الوحيد المترجم إلى العربية بعيد من الموضوع السومري، ويتعلق بتاريخ اليمن ورحلات ونشاطات هاليفي فيه في القرن التاسع عشر (1872)، ويحتوي على "تقرير حول بعثة أثرية إلى اليمن".  ومع أن عدم وجود الترجمة العربية ليس مانعاً من البحث عن مؤلفاته باللغة الأصلية الصادرة قبل أكثر من قرن، لكن الأمر لم يكن يتعلق بقضية مركزية كما بدا لي بل بتفصيل فيها يتعلق بعلاقة اللغة السومرية بوجود أو عدم وجود شعب سومري ناطق بها.  لنلقِ نظرة على الكيفية التي طرح فيها كولينر فرضيات هاليفي:عَنْوَنَ كولينز الفصل الثاني من كتابه بعبارة "المشكلة السومرية" بدءا من ص 49 حتى ص 52.  وبدأ هذا الفصل بتوضيح السياق التاريخي لتناول مفهوم العرق الذي أصبح كما قال "أمراً مسلماً به في الغرب عند حلول منتصف القرن التاسع عشر بوصفه وسيلة لتفسير هويات شعوب العالم وتاريخها".  لخص جول أوبيرت علاقة الانتماء العرقي باللغة حين سُئل عن أول من استعمل الكتابة المسمارية في جنوب بلاد الرافدين بقوله "إنه بحث إثنولوجي مثير للاهتمام".  ويوضح كولينز ذلك بقوله: "وبما ان الانتماء اللغوي كان يفهم على أنه مرادف للانتماء العرقي فقد بدا من الممكن الإجابة عليه" وبالتالي كان العمل جاريا لشرح تاريخ بلاد الرافدين بواسطة عرقين متنافسين "الآري" و"السامي".  ولكن بعض البحثين - يضيف كولينز - رفضوا هذا الاستنتاج وأشاروا إلى أن السومرية لم تكن لغة منطوقة قط.  وعلى ذلك لم يكن هناك شعب سومري.  وكان من أبرز المعارضين للسومرية جوزيف هاليفي المتخصص باللغات السامية، الذي قال إنَّ السومرية لغة مصطنعة واداة دراسية اخترعها الساميون/ ص 52".  وفي هذه الفقرة يبدو من الصعب الفصل بين ما عبَّر عنه كولينز في هذه الفقرة وما عبرت عنه أنا في مقالتي بقولي إن هاليفي رفض وجود شعب سومري أو قومية سومرية وقال بوجود لغة سومرية. ثم ينتقل كولينز إلى الاستنتاج الاخر لهاليفي حول الموضوع.  وهنا نفهم أن الأمر يتعلق باستنتاجين تقدم الكلام حول الأول الوارد في سياق صعود التفسيرات العرقية آنذاك للغات القديمة، أما الثاني فخلاصته هو إن السومرية عند هاليفي هي شفرة باطنية "كهنوتية".  ص52.  وهذا هو الأمر الذي تركز تصويب الأستاذ حنون عليه وهو محق فيه على الرغم من أننا قد لا نجد فصلا كبيرا بينه وبين الاستنتاج الأول.  والواقع فإن الفرق بين القولين ليس كبيرا وتناقضيا كما يبدو ولكن الضرورة العلمية كانت تقتضي الانتباه إلى ما أشار إليه الأستاذ حنون حول السؤال الخطأ الذي وجهه هاليفي وهل السومرية لغة أم لا.  فهي كما يرى د.  حنون لغة وليست شفرة باطنية كهنوتية، ولكنها لغة إنما بخصائص لا تجعل منها لغة خطاب قومية وإنما لغة كتابة.  وسوف أعلق على العبارة الأخيرة الخاصة "بلغة الكتابة فقط" في الأسطر التالية. إنَّ الباحث الفرنسي هاليفي ينفي وبشكل قاطع كما ينقل لنا كولينز أن تكون اللغة السومرية لغة تخاطب "لسان" بين الناس بل هي شفرة كهنوتية سرية.  والأستاذ نائل حنون يتبنى جوهر هذه الفكرة أيضا ولكنه يعترف بأن السومرية لغة وليست شفرة سرية ولكنها لغة كتابة ويدلل على ذلك بشروحات تقنية لغوية وهو العارف بأمور هذه اللغة وطريقة كتابتها في القلم المسماري. غير أن نصوصاُ سومرية أخرى يمكن أن يُفهم منها أن هذه اللغة كانت لغة تخاطب بين أيضا وربما بشكل محدود وفي نطاق المدارس.  هذا الاستنتاج لا ينفي بأي شكل من الأشكال كونها لغة مكتوبة "قلم" وليست هوية عرقية لشعب حتى لو كانت في مراحل تأريخية معينة قد تحولت إلى لغة تخاطب.  ولكنني توصلت شخصيا إلى هذا الاستنتاج خلال تمعني في موضوع المدارس السومرية القديمة "الأيدوبا" قبل بضعة أسابيع.  واللافت أنني توصلت إلى استنتاج آخر ربما يعضد بشكل ما فرضيات المنكرين لكون السومرية لغة كتابة بل هي أقرب إلى اللغة الفصحى قبال اللغة المحكية "الأكدية". وسأدرج أدناه بعض الفقرات ذات الدلالة من مقالتي حول مدارس الأيدوبا مع نشر رابط يحيل على نصها الكامل في نهاية هذا المنشور:- إن هذه الفرضية التي دافع عنها الباحث العراقي د.  نائل حنون والبريطاني بول كولينز وقبلهما بقرن الفرنسي جوزيف هاليفي (1827 - 1917)، تعاني من نقطة ضعف قوية.  تتمثل في العثور على ما يشبه النص الحواري باللغة السومرية بين الطالبين سالف الذكر.  لنبدأ بمناقشة هذا الدليل السومري الحواري المكتوب في سياق فرضية السومرية لغة لا هوية قومية وهل هو لمصلحة هذه الفرضية أم ضدها:-على الرغم من قوة أسس الفرضية التي تذهب إلى أن السومرية ليست هوية قومية لشعب معين، بل هي لغة مبتكرة من قبل شعوب جنوب وادي الرافدين قبل العهد الأكدي، وأن هذه اللغة هي لغة كتابة (قلم) وليست لغة حوار (لسان) نظرا لصعوبتها وشبهها القوي باللغة الرقمية "اللوغارتمية" في عصرنا، ولكن هذه الفرضية تعاني من نقطة ضعف قوية.  تتمثل في العثور على ما يشبه النص الحواري باللغة السومرية بين طالبين في مدرسة الأيدوبا لتعليم اللغة السومرية.  لنبدأ بمناقشة هذا الدليل السومري الحواري المكتوب في سياق فرضية السومرية لغة لا هوية قومية وهل هو لمصلحة هذه الفرضية أم ضدها: إن هذا الدليل قد لا ينفي تماما تلك الفرضية، ولكنه يمكن أن يضعِفَها كثيراً وربما يعدلها جوهريا لتكون معترفة بصعوبة استعمال السومرية كلغة حوار ومحادثة أكثر منها كلغة كتابة، ولكن ليس باستحالة استعمالها كلغة حوار.  النص الحواري بحد ذاته طريف، ودقيق، ويرقى ليكون شهادة حميمة على الأجواء التعليمية والعلمية في مجال اللغة في العراق القديم قبل أكثر من أربعة آلاف سنة.  لنقرأ ما نقلته ألواح الخط المسماري باللغة السومرية ونرى كيف ترجمت هذه اللغة المعقدة شتائم ومماحكات في حوار عفوي وبسيط بين الطالبين إنكي مانسي وجير نيشغ. إنكي مانسي: "أنت لست طالباً، أنت مجرد مدّعٍ! خطك رديء كأنه خربشة دجاجة، وعقلك فارغ". جير نيشغ: "اصمت! أنت من يضيع الوقت في الأزقة.  عندما تمسك القلم، تبدو يداك مرتعشتين ولا تعرف كيف تصنع لوحاً طينياً ناعماً". إنكي مانسي: "أنا أصنع الألواح وأكتب أفضل منك بقرون، أما أنت فتتوسل بالمعلم ليغفر لك كسلك اليومي". -نلاحظ هنا أنَّ هذا الأسلوب السلس في التراشق اللفظي يوضح أن التعقيد الخطي في اللغة السومرية لم يمنع الطالبين من تدوين لغة الشارع بدقة. *هناك نماذج أخرى من هذه الحوارات نقرأ فيها العبارات التالية على سبيل العلم بها:-يدك لا تمسك قلم القصب بشكل صحيح، وحروفك المسمارية تبدو كجثة مشوهة!- أنت مجرد متبجح، تتظاهر بمعرفة السومرية بينما لسانك لا يقوى إلا على لغة الشارع! نلاحظ هنا التفريق الواضح بين اللغة التعليمية ولغة الشارع التي سيرد اسمها "الأكدية" في موضع آخر فهل هي بمنزلة اللغة المحكية "العامية" فعلا؟- وعن مراقب السلوك اللائق في مدارس الأيدوبا نقرأ الآتي عن واجباته ومهماته: يراقب جودة ملابس الطلاب وهندامهم، ويمنع التحدث باللغة المحكية (الأكدية) داخل الحرم المدرسي حيث كانت السومرية هي اللغة الإجبارية. أعتقد أن هذه الوظيفة مهمة جداً.  وفيها اعتراف بحقيقة غاية في الوضوح نفهم منها أن اللغة المحكية "العامية" في المجتمع آنذاك هي اللغة الأكدية أما السومرية فهي بمنزلة لغة أكاديمية بحثية وربما تعد كاللغة اللاتينية في الفاتيكان وفي الجامعات الغربية قبل قرنين، أو ربما هي أشبه باللغة العربية الفصحى المعتمدة رسميا في دول العالم العربي الإسلامي القديم والمعاصر بعد ان انتقلت السيادة الثقافية من الآرامية إليها. أختم بما قيل عن اتهام جوزيف هاليفي بالدفاع عن الصهيونية واتهامه هو لخصومه بأنهم معادون للسامية. لقد اتُهِمَ جوزيف هاليفي من قبل زملائه الباحثين، وخصوصاً من قبل خصمه اللدود جول أوبيرت بأنه عنصري منحاز إلى أصله اليهودي ولهذا ينفي الأصل المستقل لشعب غير سامي هو الشعب السومري.  وإنه كان مدفوعاً بـ "تَعصّب قَبَلي سامي" لذلك يرى أن البابليين والآشوريين الساميين هم أصحاب الفضل الأول والوحيد في ابتكار الكتابة والحضارة في العراق القديم، ورفض فكرة أن يكون هناك شعب "غير سامي" (السومريون) قد سبقهم وعلّمهم الكتابة. يرى بعض الباحثين الغربيين أن السومريين الذين أبدعوا هذه اللغة وتلك الإنجازات الحضارية تعود جذورهم إلى العرق الآري (الهندوأوروبي) بطرق مختلفة.  ومن هؤلاء الباحثين سأكتفي بذكر أشهرهم؛ لورانس واديل (Laurence Waddell) وغوردون ويتاكر (Gordon Whittaker) وغوستاف كوسينّا (Gustaf Kossinna) والمدرسة القومية الألمانية ذات النزعة النازية العرقية والفرنسي لوسيان بونوكور (Lucien Bounotcour). الأمر الغريب، وقد يكون طريفاً بعض الشيء، هو أن بعض الباحثين العرب المعاصرين أخذتهم الحماسة أكثر مما ينبغي دفاعاً عن وجود ذلك الشعب "السومري" العجيب ومجهول المصدر الجغرافي فاصطفوا إلى جانب هؤلاء الباحثين الغربيين ذوي النزعة العرقية ضد هاليفي.  فهذا الأخير "كان يرى أن البابليين والآشوريين الساميين هم أصحاب الفضل الأول والوحيد في ابتكار الكتابة والحضارة في العراق القديم، ورفض فكرة أن يكون هناك شعب "غير سامي" قد سبقهم وعلّمهم الكتابة"!يمكن أن نستوعب أن الباحثين الغربيين اتهموا هاليفي بأنه كان مدفوعاً بـ "تَعصّب قَبَلي سامي" نظرا ربما لأصوله اليهودية، ولكن ما لا نستطيع استيعابه بسهولة هو انحياز بعض الباحثين والكتاب العرب (الساميين كما يُفتَرَض) إلى هذا الاتهام وتبريره بل وتمادى بعضهم واتهم هاليفي بأنه "صهيوني" علما أنه مات قبل 31 عاما من قيام الكيان الصهيوني، وعلماً بأن هاليفي حين ينحاز للساميين فهو لا ينحاز لليهود بل للأكديين والآشوريين والبابليين فاليهود لم يكن لهم وجود في العصر الأكدي القديم لذي امتد تقريباً بين عامي 2334 و2154 ق. م وبدأ على يد سرجون الأكدي.  وبين هذا العصر وتأريخ أول ظهور أو ذكر لليهود أو العبرانيين أو بني إسرائيل مع أخذ الفرق بين هذه التسميات المختلفة جدا بنظر الاعتبار فرق هائل ويصل إلى أكثر من ألف سنة.  فهل يعقل أن هاليفي كان يجهل هذه المعطيات؟ وبلغة التفاصيل نذكر أن أقدم ذكر أثري مسجل أكاديمياً ولم تحسم صحته تماما وردت فيه كلمة قريبة لفظا من كلمة "إسرائيل" يعود إلى سنة 1208ق. م.  في لوحة أو نصب يعود إلى الملك المصري ميرنبتاح (ابن رمسيس الثاني) وكان اسمها السابق "لوحة إسرائيل" قد أطلق هذا الاسم عليها عالم الآثار البريطاني فلندرز بيتري بعد اكتشافه لها عام 1896.  غير أن اللجان الأثرية في المتحف المصري أكدت قبل سنوات قليلة أن هذه "تسمية مضلِّلة وخاطئة أثرياً لأنها تختزل محتوى النصب الأثري التاريخي بالكامل في كلمة واحدة عابرة وردت في نهاية النص".  لذلك قررت إدارة المتحف سنة 2017، بناء على اعتراضات وتحفظات العلماء والباحثين المتخصصين تغيير اسمها إلى "لوحة انتصارات مرنبتاح"! فعن أية صهيونية يتحدث متهمو هاليفي وهو الذي أعاد لغة وإنجازات سكان جنوب بلاد الرافدين إلى أهلها الحقيقيين المستمرين في الوجود إلى يوم الناس هذا؟هوامش:1-رابط يحيل إلى النصل الكامل لمقالتي: " مدارس "أيدوبا" في العراق القديم وفرضية السومرية لغة وليست هوية:

https://www. ahewar. org/debat/show. art. asp?aid=9298402-

للمزيد من التعريف بأستاذ حنون مع إنه غني عن التعريف في الميدان الأكاديمي خارج مواقع التواصل، أدناه نبذة معلوماتية عنه:هو الدكتور نائل حنون عليوي العبودي من مواليد محافظة ميسان قضاء كميت جنوب العراق حيث ولد بتاريخ 18 اذار من عام 1952. -عالم آثار حاصل على شهادة الدكتوراه في فلسفة اللغة الأكّدية وآدابها من جامعة تورنتو الكندية. -يجيد اللغات الانجليزية الألمانية الاكادية اللغة السومرية الآرامية إلى جانب لغته الأم العربية. -تتلمذ د.  حنون على يد رائد علم الآثار والحضارات القديمة في العراق العلامة طه باقر الذي أشرف على رسالته لنيل الماجستير في سبعينات القرن الماضي.  حاصل على شهادة بكالوريوس في الآثار القديمة من جامعة بغداد في العام 1972م، وشهادة ماجستير في الآثار القديمة من جامعة بغداد 1976م، وفي عام 1982م حصل على شهادة ماجستير آداب في اللغات المسمارية من جامعة تورنتو الكندية ودكتوراه فلسفة في اللغة الأكادية من جامعة تورنتو في كندا أيضا عام 1986م.  عمل كأستاذ ودرَّس النصوص الأكدية الآشورية في جامعة تورونتو لمدة ست سنوات رفقة البروفسور ألبرت كيرك غريسون أستاذ اللغة الأكدية، والدكتور رونالد سويت، وكايلر يونغ في علم الآثار والتنقيب الأثري. -يقيم منذ أيلول من عام 2018 في سلطنة عمان بدعوة من السلطنة ليكلف بمهمة تأسيس متحف هناك، وبعد إتمامه تلك المهمة عُيِّنَ مديرا للمتحف سنة2021. -له العديد من الإنجازات المهمة في ميان التنقيب الآثاري الفعلي "الحقلي" وليس الافتراضي ومن إنجازاته نذكر:-تنقيبه في موقع مدينة بابل خلال العــام 1978.  حيث أجرى د.  حنون مع الأستاذ عبد القادر حسن والدكتور صباح عبود عمليات البحث والاكتشاف في التل الشرقي من موقع مدينة بابل الأثرية على امتداد شارع الموكب إلى الشرق من السور الداخلـي في بابل حيث اكتشف جملة قبور من العصور المتأخرة. -في مدينة كالح "نمرود" العاصمـة الآشورية: بدأ هذا الاكتشاف على يد د.  حنون في شهر نيسان من عـام 1988، حين أمكنه بنجاح تحديد موضع القبور الملكية المخصصة لأعضاء الأسـرة الملكيـة الآشورية في جناح المعيشة في قصر آشور ناصر بـال الثـاني (883-859ق. م) واكتشف القبر الأول وأنجزت عملية التنقيب فيه. - قام د.  نائل حنون بالتنقيب في تل السيب وتل حداد /محافظة ديالى، في عام 1978 م لغاية شهر كانون الثاني من عام 1981 م وقد أدت أعمال التنقيب إلى اكتشاف مدينة «ميتران» القديمة في تلي السيب وحداد، وكان موقعها يعد مجهولاً قبل ذلك. -في سوريا ساهم د.  حنون في التنقيب في تل جنديرس في وادي نهر عفرين، شمال- غربي سوريا. -ألف 17 كتابا تخصصيا في ميادين عمله وعلمه إلى جانب تأليفه المعجم المسماري (معجم اللغات الأكدية والسومرية والعربية). -نال وسام المؤرخ العربي من اتحاد المؤرخين العرب 2014.

***

علاء اللامي

ثمة وهمٌ شائع في فهم الاستقلال، يقوم على الاعتقاد بأن خروج المستعمر من الأرض يعني، بالضرورة، خروج الاستعمار من حياة الناس. كأن الاستعمار جندي يحمل بندقيته، فإذا غادر الجندي انصرف الاستعمار معه، وانتهى الأمر. غير أن قراءة عميقة لتجارب الشعوب التي تحررت من الاستعمار تكشف أن المسألة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير؛ فالمستعمر قد يغادر الأرض، لكن البنية التي أقامها، والثقافة التي أنتجها، وطريقة توزيع القوة والثروة التي رسّخها، قد تبقى حاضرة بأشكال أخرى، وربما يعاد إنتاجها بأيدي أبناء البلد أنفسهم.

وهنا تكمن أهمية قراءة فرانتز فانون في (المعذّبون في الأرض). فالرجل لم يكن منشغلاً فقط بسؤال: كيف نطرد المستعمر؟ وإنما كان مشغولاً، على نحو أكثر عمقاً، بالسؤال الذي يأتي بعد ذلك: ماذا سنفعل بالبلد بعد أن يرحل المستعمر؟ وهل ستكون القوى التي ورثت السلطة قادرة على تحويل الاستقلال السياسي إلى تحرر حقيقي، أم أنها ستكتفي بوراثة موقع المستعمر والاستمتاع بمغانم السلطة التي كانت في يده؟ فالاستعمار لا يترك وراءه فراغاً سياسياً فحسب، وإنما يترك مجتمعاً أعيد تشكيله وفق علاقة غير متكافئة بين حاكم ومحكوم، ومركز وهامش، وأقلية تمتلك القرار والثروة وأغلبية يجري التعامل معها بوصفها موضوعاً للحكم لا شريكاً فيه. وحين ترحل القوة الاستعمارية، لا تختفي هذه العلاقات تلقائياً. وقد يحدث الأسوأ: أن تستولي نخبة وطنية على الجهاز الذي تركه المستعمر، لكنها لا تهدم منطقه، وإنما تستبدل الوجوه بالوجوه، والأسماء بالأسماء، ويبقى جوهر العلاقة على حاله. وهنا يصبح الاستقلال السياسي شيئاً، والتحرر شيئاً آخر.

وقد يرفع الشعب علمه الوطني، ويستعيد نشيده، ويعلن سيادته، وتجلس في مكاتب الدولة وجوه وطنية تتحدث باسم الثورة والتحرر، لكن المواطن البسيط قد لا يجد في حياته اليومية ما يخبره بأن شيئاً جوهرياً قد تغير. فالسلطة ما زالت بعيدة عنه، والثروة ما زالت محصورة في أيدي قلة، والفرص العامة يجري توزيعها وفق الولاء والانتماء، والمؤسسات تتحول إلى أدوات لخدمة أصحاب النفوذ، والدولة التي كان يفترض أن تكون ملكاً للمجتمع تصبح ملكاً لمن تمكنوا من الوصول إليها. وفي هذه اللحظة يبدأ السؤال الأكثر إيلاماً: ماذا لو كان الذين جاءوا بعد المستعمر أسوأ من حيث استئثارهم بمغانم الدولة من المستعمر نفسه؟ وهذا لا يعني أن المستعمر يصبح عادلاً بأثر رجعي، ولا أن الاستعمار يتحول إلى تجربة مرغوبة؛ فالاستعمار في جوهره علاقة هيمنة واستغلال. لكن التاريخ الاجتماعي يعلمنا أن الإنسان لا يقارن دائماً بين الخير والشر في صورتهما المجردة، وإنما يقارن بين تجربتين عاشهما. فإذا خرج من استعمار كان فيه القهر واضحاً، ثم وجد نفسه تحت سلطة وطنية تستولي على الدولة، وتحتكر ثرواتها، وتغلق أبوابها أمام أبناء الشعب، وتنهب المال العام باسم الوطنية أو غيرها من شعارات فئوية ضيقة مثل المناداة بالمكوّن المذهبي أو الديني أو القومي، فقد يبدأ بعض الناس في استعادة الماضي بصورة انتقائية، لا حباً بالمستعمر، وإنما لأن الحاضر جعلهم يفقدون ثقتهم في البديل الوطني. وهنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات قسوة في تاريخ ما بعد الاستعمار، وذلك حين يفقد الشعب حماسه للاستقلال لا لأن الاستعمار كان جميلاً، وإنما لأن الذين ورثوا الاستقلال جعلوا الوطن أقل عدلاً من الوعود التي أطلقت باسمه.

إن أخطر ما يمكن أن تفعله النخبة الوطنية ليس فقط أن تسرق المال العام، وإنما أن تسرق المعنى الأخلاقي للاستقلال. فعندما تتحول الوطنية إلى امتياز، والثورة إلى وظيفة، والسلطة إلى غنيمة، يصبح المواطن أمام طبقة جديدة لا تختلف في علاقتها بالسلطة عن الطبقة التي ثار عليها، سوى أن الأولى ترتدي هذه المرة ثياباً وطنية. ولذلك فإن التحرر الحقيقي لا ينبغي أن يُقاس فقط برحيل المحتل، وإنما بما يحدث بعد رحيله، وذلك حين يصبح المواطن أكثر حرية؟ وهل ستكون الدولة أكثر عدلاً في توزيعها العادل للثروات لكل أبناء المجتمع؟ بحيث تصبح السلطة خادمة للناس وليس العكس. وهل ستتحول مؤسسات الدولة إلى فضاء مشترك، أم إلى غنائم تتقاسمها النخب المنتصرة؟ مثل هذه الأسئلة هي التي تجعل فرانتز فانون راهناً إلى اليوم. فهو لا يدعونا إلى الحنين إلى المستعمر، وإنما يحذرنا من إنتاج مستعمر داخلي بملامح وطنية. فالمشكلة ليست في لون بشرة من يحكم، ولا في اللغة التي يتحدث بها، ولا في الشعارات التي يرفعها؛ المشكلة في طبيعة العلاقة التي يقيمها مع الشعب. فإذا كان الحاكم الوطني يتعامل مع الدولة باعتبارها ملكاً لجماعته، ومع الثروة العامة باعتبارها غنيمة، ومع المواطنين باعتبارهم تابعين، فإنه يعيد إنتاج جانب أساسي من المنطق الذي قامت عليه العلاقة الاستعمارية، حتى لو كان هو نفسه من أبناء البلد.

ولعل أخطر ما في هذا كله أن الشعب قد يصل، بعد سنوات من الخيبة، إلى مرحلة لا يعود فيها يسأل: هل تحررنا من الاستعمار؟ وإنما يسأل سؤالاً أكثر مرارة: هل كان الذين جاؤوا بعده أفضل منه؟ وحين يصل المجتمع إلى هذه النقطة، تكون الكارثة قد تجاوزت فساد السلطة إلى فساد المعنى؛ إذ يصبح الاستقلال نفسه موضع شك، والوطنية موضع ريبة، والشعارات التي كانت ذات يوم باعثة على الأمل مثاراً للسخرية. وعندها لا يعود الحنين إلى الماضي حنيناً إلى المستعمر بقدر ما يصبح احتجاجاً على حاضر عجز عن إثبات أنه أفضل.

وهنا لا يكون الاستقلال لحظةً عابرةً يخرج فيها المستعمر من الباب، وإنما مسار طويل تتحرر فيه الدولة والمجتمع والإنسان من كل أشكال الهيمنة. وقد يكون أصعب أشكال الهيمنة ذلك الذي يأتي من الداخل؛ لأنه لا يدخل البلاد بجندي أجنبي، وإنما يدخلها بشعار وطني أو ديني، ويتحدث بلسان أهلها، ويطلب من الناس أن يصمتوا بحجة الدفاع عن الوطن أو عن المذهب..!

***

د. وسام حسين العبيدي

عندما تتحول الهوية إلى جرح والانتماء إلى سؤال

شهدت أوروبا خلال العقود الأخيرة تحولات ديموغرافية وثقافية عميقة بفعل موجات الهجرة المتعاقبة القادمة من الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وقد أسهم المهاجرون في بناء الاقتصادات الأوروبية الحديثة، وساهموا في سد النقص في سوق العمل، وأصبحوا جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والثقافي للعديد من الدول الأوروبية. غير أن الاندماج القانوني والاقتصادي لا يعني بالضرورة الاندماج الاجتماعي والنفسي الكامل، إذ لا يزال عدد كبير من المهاجرين وأبنائهم يواجهون أشكالاً مختلفة من التمييز والإقصاء والتهميش، تتراوح بين العنصرية المباشرة وأشكال أكثر خفاءً وتعقيداً من الاستبعاد الاجتماعي والثقافي.

إن العنصرية ضد المهاجرين لم تعد تقتصر على الشعارات العدائية أو الاعتداءات اللفظية والجسدية التي تتصدر وسائل الإعلام بين الحين والآخر، بل أصبحت في كثير من الأحيان ظاهرة بنيوية تتجسد في فرص العمل والتعليم، والسكن، والتمثيل السياسي، والإعلامي. فالمهاجر قد يحصل على حق الإقامة أو الجنسية، لكنه قد يجد نفسه أمام حواجز غير مرئية تمنعه من التمتع الفعلي بمبدأ تكافؤ الفرص الذي تقوم عليه الديمقراطيات الحديثة. وهنا يتحول الإقصاء من فعل فردي إلى تجربة يومية متكررة تعيد إنتاج الشعور بالاغتراب وعدم الانتماء.

وتزداد خطورة هذه الظاهرة حين تنتقل من المجال الاجتماعي إلى المجال النفسي، إذ تشير العديد من الدراسات إلى أن التعرض المتكرر للتمييز العنصري يترك آثاراً عميقة على الصحة النفسية للأفراد. فالمهاجر الذي يغادر وطنه بحثاً عن الأمن أو الاستقرار أو مستقبل أفضل، يجد نفسه أحياناً في مواجهة واقع مغاير لتوقعاته، حيث يتعرض للتشكيك في هويته، أو ثقافته، أو دينه، أو لون بشرته. ومع تكرار هذه التجارب تتولد حالة من القلق المزمن والشعور بالعزلة وفقدان الثقة بالمؤسسات والمحيط الاجتماعي، وهو ما يمكن وصفه بـ"الصدمة العنصرية"، أي ذلك الجرح النفسي الناتج عن التعرض المستمر أو المتكرر للتمييز والإقصاء بسبب الأصل أو الانتماء العرقي أو الديني.

وتتجاوز آثار هذه الصدمة حدود الفرد لتطال الأسرة والأجيال اللاحقة. فأبناء المهاجرين الذين ولدوا في أوروبا ونشأوا داخل مدارسها ومؤسساتها قد يجدون أنفسهم أيضاً في مواجهة سؤال الهوية والانتماء. فهم لا يُنظر إليهم أحياناً باعتبارهم مواطنين كاملي العضوية في المجتمع رغم حملهم الجنسية وإجادتهم اللغة ومشاركتهم في الحياة العامة. وهكذا ينشأ شعور مؤلم بالوقوف بين عالمين: عالم الآباء الذي لا ينتمون إليه بالكامل، وعالم المجتمع الذي يعيشون فيه لكنه لا يعترف بهم دائماً باعتبارهم جزءاً أصيلاً منه.

لقد أصبح السؤال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بحق المهاجر في الإقامة أو العمل، بل بحقّه في الكرامة والاعتراف والانتماء. فالمجتمعات الحديثة لا تُقاس بقدرتها على إدارة الحدود فحسب، بل بقدرتها أيضاً على ضمان المساواة بين أفرادها وصون إنسانية الجميع دون تمييز. ومن هنا تبرز أهمية دراسة الإقصاء والصدمة العنصرية بوصفهما من أخطر التحديات التي تواجه التعايش الاجتماعي في أوروبا المعاصرة، لأنها تمس جوهر العلاقة بين الفرد والدولة، وبين الهوية والمواطنة، وبين المبادئ المعلنة والواقع المعيش.

إن فهم هذه الظاهرة لا يقتصر على رصد مظاهر التمييز، بل يتطلب التعمق في آثارها النفسية والاجتماعية والسياسية، والبحث في الكيفية التي يمكن من خلالها بناء مجتمعات أكثر عدالة وقدرة على احتضان التنوع الإنساني باعتباره مصدر قوة وإثراء لا سبباً للإقصاء والانقسام.

الإقصاء والعنصرية في أوروبا.. بين المبادئ المعلنة والواقع المعيش

تُقدِّم أوروبا نفسها منذ عقود بوصفها فضاءً سياسياً وأخلاقياً يقوم على قيم الحرية والمساواة وحقوق الإنسان واحترام الكرامة الإنسانية. وقد أصبحت هذه المبادئ جزءاً من الهوية السياسية الحديثة للقارة الأوروبية، التي بنت بعد الحرب العالمية الثانية منظومة قانونية متقدمة تهدف إلى حماية الأفراد من التمييز والعنصرية والإقصاء. غير أن الواقع الاجتماعي الذي يعيشه ملايين المهاجرين يكشف عن فجوة آخذة في الاتساع بين المثال المعلن والتجربة اليومية، وبين النصوص القانونية التي تجرّم التمييز وبين الممارسات الفعلية التي تواجه الأفراد داخل المجتمع.

ففي الوقت الذي تؤكد فيه المؤسسات الأوروبية التزامها بمبدأ المساواة، يعيش في الاتحاد الأوروبي اليوم نحو 46.7 مليون شخص وُلدوا خارج الاتحاد الأوروبي، أي ما يعادل 10.4% من مجموع السكان، إضافة إلى ملايين آخرين من أبناء المهاجرين الذين وُلدوا في الدول الأوروبية نفسها.

هذه الأرقام لا تعكس مجرد ظاهرة ديموغرافية، بل تكشف عن تحول تاريخي جعل الهجرة جزءاً من الواقع البنيوي للقارة. فالمهاجرون لم يعودوا جماعات هامشية أو مؤقتة، بل أصبحوا جزءاً من أسواق العمل، والجامعات، والمستشفيات، والمدارس، والمؤسسات الاقتصادية، والثقافية.

ورغم ذلك، لا يزال كثير من هؤلاء يشعرون بأنهم يعيشون في هامش الاعتراف الاجتماعي، حتى عندما ينجحون اقتصادياً أو يحصلون على الجنسية الأوروبية.

إن المشكلة لا تكمن دائماً في وجود قوانين عنصرية، بل في أشكال أكثر تعقيداً من الاستبعاد الاجتماعي. فالعنصرية المعاصرة نادراً ما تظهر في صورتها التقليدية الفجّة التي عرفها القرن العشرون، بل أصبحت أكثر مرونة وخفاء. إنها تتسلل أحياناً عبر الأحكام المسبقة، والصور النمطية، والخطابات الإعلامية، وآليات التوظيف، والعلاقات الاجتماعية اليومية.

فقد يجد المهاجر نفسه مؤهلاً لوظيفة ما، لكنه يُستبعَد بصورة غير مباشرة لأن اسمه "أجنبي". وقد يمتلك المؤهلات الأكاديمية والخبرة المهنية ذاتها التي يمتلكها مواطن أوروبي، لكنه يضطر إلى بذل جهد مضاعف للحصول على الاعتراف نفسه. وهنا لا يكون التمييز معلناً، بل يمارس بصور رمزية وإجرائية يصعب إثباتها قانونياً، لكنها تُشعر الضحية بوجودها بشكل يومي.

وتشير استطلاعات الرأي الأوروبية إلى أن الشعور بوجود العنصرية ليس مجرد انطباع شخصي لدى المهاجرين. فقد أظهر استطلاع "يوروباروميتر" أن أكثر من نصف الأوروبيين يرون أن التمييز بسبب لون البشرة أو الأصل العرقي منتشر في بلدانهم، حيث اعتبر 61% من المشاركين أن التمييز المرتبط بلون البشرة واسع الانتشار، بينما رأى 60% أن التمييز على أساس الأصل العرقي يمثل ظاهرة موجودة داخل مجتمعاتهم.

هذه المؤشرات تكشف أن العنصرية ليست مجرد مشكلة تخص الأقليات وحدها، بل هي واقع تعترف المجتمعات الأوروبية نفسها بوجوده.

وفي السنوات الأخيرة، ازدادت حدة هذا التناقض مع صعود الحركات الشعبوية والقومية المتشددة في عدد من الدول الأوروبية. فقد تحولت قضية الهجرة من قضية اجتماعية وإنسانية إلى موضوع للصراع السياسي والانتخابي، وأصبح المهاجر في كثير من الأحيان مادة للجدل والاستقطاب. وبدلاً من النظر إليه بصفته فرداً يحمل قصة إنسانية وطموحات مشروعة، يجري أحياناً اختزاله في صورة نمطية تربطه بالبطالة أو الجريمة أو تهديد الهوية الوطنية.

إن أخطر ما في الإقصاء العنصري أنه لا يتمثل فقط في حرمان الفرد من فرصة عمل أو مسكن أو وظيفة، بل في زرع شعور داخلي دائم بأنه غير مرغوب فيه بالكامل. فالمهاجر قد يتقن اللغة، ويحمل الجنسية، ويدفع الضرائب، ويشارك في الحياة العامة، لكنه يظل يشعر في بعض اللحظات بأنه مطالب باستمرار بإثبات أحقيته في الانتماء إلى المجتمع الذي يعيش فيه.

ومن هنا تتولد واحدة من أكثر المفارقات إيلاماً في التجربة الأوروبية المعاصرة: فبينما تُعد أوروبا من أكثر مناطق العالم تقدماً في مجال حماية الحقوق والحريات، لا يزال ملايين المهاجرين يعيشون صراعاً يومياً بين المواطنة القانونية والقبول الاجتماعي، وبين الانتماء الرسمي والشعور الفعلي بالاندماج. وهذه الفجوة هي التي تجعل الإقصاء والعنصرية ليسا مجرد قضية حقوقية، بل قضية إنسانية عميقة تمس جوهر الكرامة والهوية والانتماء.

المهاجر بين حلم الاندماج وصدمة الواقع

يصل كثير من المهاجرين إلى أوروبا وهم يحملون في حقائبهم أكثر من الوثائق والأمتعة. إنهم يحملون تصورات كاملة عن الحياة التي تنتظرهم، وأحلاماً تراكمت عبر سنوات من المعاناة أو الانتظار أو السعي إلى مستقبل أفضل. فبالنسبة إلى ملايين البشر، لم تكن أوروبا مجرد وجهة جغرافية، بل فكرة ذهنية ارتبطت بالعدالة الاجتماعية وسيادة القانون وتكافؤ الفرص واحترام الكرامة الإنسانية. ولهذا كان قرار الهجرة في كثير من الأحيان استثماراً وجودياً يراهن فيه الإنسان على إعادة بناء حياته من جديد.

غير أن المسافة بين الحلم والواقع كثيراً ما تكون أطول مما يتخيله القادمون الجدد.

فالمهاجر الذي غادر بلده هرباً من الحرب، أو الفقر، أو الاضطهاد، أو محدودية الفرص، يتصور أنه بمجرد وصوله إلى المجتمع الجديد سيبدأ مساراً طبيعياً للاندماج والتقدم الاجتماعي. لكن الأشهر والسنوات الأولى تكشف له أن الاندماج ليس مجرد تعلم لغة جديدة أو الحصول على إقامة قانونية أو وظيفة مستقرة، بل هو عملية معقدة تتداخل فيها العوامل الثقافية والاجتماعية والنفسية والسياسية.

هنا تبدأ أولى لحظات الصدمة.

فالكثير من المهاجرين يكتشفون أن الاعتراف القانوني بهم لا يعني دائماً الاعتراف الاجتماعي الكامل. فالحصول على تصريح إقامة أو حتى جنسية أوروبية لا يمحو تلقائياً الفوارق التي يضعها المجتمع بين "نحن" و"هم". وقد يجد المهاجر نفسه أمام مفارقة قاسية؛ فهو يعيش داخل المجتمع ويشارك في اقتصاده ويدفع الضرائب ويلتزم بالقوانين، لكنه يشعر في الوقت نفسه بأنه ما زال يُنظر إليه باعتباره شخصاً قادماً من الخارج.

وتزداد هذه الصدمة حين يواجه المهاجر الفجوة بين مؤهلاته وفرصه الفعلية في سوق العمل. فكثير من المهاجرين، بمن فيهم أصحاب الشهادات الجامعية والخبرات المهنية العالية، يضطرون إلى قبول وظائف أدنى بكثير من مؤهلاتهم. الطبيب قد يعمل في مهنة بسيطة لسنوات قبل معادلة شهادته، والمهندس قد يبدأ من الصفر في سوق عمل لا يعترف بسهولة بخبراته السابقة، والأكاديمي قد يجد نفسه عاجزاً عن اختراق الحواجز الإدارية والثقافية التي تفصل بينه وبين تخصصه.

وتتحول هذه التجارب مع مرور الوقت إلى مصدر إحباط عميق، ليس بسبب صعوبة العمل ذاته، بل بسبب الشعور بأن الجهد والكفاءة لا يكفيان دائماً لتحقيق الاعتراف والاستحقاق.

ولا تقتصر صدمة الواقع على المجال المهني، بل تمتد إلى المجال الاجتماعي والثقافي. فالمهاجر الذي كان يتوقع أن يُعامل باعتباره فرداً مستقلاً، قد يكتشف أنه يُختزل أحياناً في دينه أو لون بشرته أو أصله القومي أو اسمه. وفي بعض الحالات يصبح مطالباً بشكل غير مباشر بتبرير انتمائه أو إثبات ولائه أو إظهار امتثاله المستمر للقيم السائدة.

إن هذا النوع من التفاعل اليومي يولد شعوراً ثقيلاً بالاغتراب. فالمهاجر لا يشعر بأنه غريب تماماً، لكنه لا يشعر أيضاً بأنه جزء كامل من المجتمع. إنه يقف في منطقة رمادية بين الانتماء والاستبعاد، وبين القبول والتحفظ، وبين الاعتراف والتشكيك.

وتكمن قسوة هذه التجربة في أنها لا تحطم فقط توقعات الفرد عن المجتمع الجديد، بل تمس أيضاً تصوره عن ذاته. فالشخص الذي كان يعتقد أن العمل الجاد والالتزام بالقانون كافيان لتحقيق القبول الاجتماعي، يكتشف أحياناً أن هناك عوامل أخرى خارجة عن إرادته ما زالت تؤثر في طريقة النظر إليه.

ومن هنا تنشأ ما يمكن تسميته بـ"صدمة الاندماج"، وهي حالة نفسية تنتج عندما يصطدم تصور المهاجر عن المجتمع المضيف بحقائق أكثر تعقيداً مما كان يتخيل. إنها لحظة إدراك أن الاندماج ليس طريقاً مستقيماً، وأن الاعتراف الاجتماعي لا يتحقق دائماً بالسرعة أو العدالة المتوقعة.

ومع ذلك، فإن هذه الصدمة ليست نهاية القصة. فالكثير من المهاجرين ينجحون مع مرور الزمن في تجاوز خيباتهم الأولية وبناء مساحات جديدة للانتماء والمشاركة والإبداع. لكن آثار التجربة الأولى تبقى حاضرة في الذاكرة الفردية والجمعية، وتشكل أحد أهم العوامل التي تفسر مشاعر الاغتراب وعدم الثقة والإقصاء التي يعبر عنها كثير من المهاجرين في أوروبا اليوم.

المهاجر ليس رقماً.. بل إنسان يحمل قصة

حين تُطرح قضية الهجرة في النقاشات السياسية والإعلامية، غالباً ما تتحول إلى أرقام، وإحصاءات، ومعادلات اقتصادية، وأمنية. فتتحدث التقارير عن أعداد الوافدين، ونسب اللجوء، ومعدلات الاندماج، وحجم الإنفاق الحكومي. غير أن هذه الأرقام، على أهميتها، كثيراً ما تحجب الحقيقة الأعمق: فخلف كل رقم هناك إنسان يحمل اسماً وذاكرة وتاريخاً شخصياً وحلماً مشروعاً بحياة أكثر أمناً وكرامة.

إن المهاجر لا يترك وطنه عادة بدافع المغامرة العابرة، بل نتيجة قرارات صعبة ومؤلمة في كثير من الأحيان. بعضهم ترك بلداً مزقته الحروب، وبعضهم هرب من الاضطهاد أو الاستبداد، وآخرون غادروا أوطانهم بحثاً عن فرصة عمل تحفظ لهم ولأسرهم حياة كريمة. وفي جميع الحالات تقريباً، يكون قرار الرحيل مصحوباً بتضحيات هائلة وبتكاليف نفسية واجتماعية لا تظهر في السجلات الرسمية.

ورغم اختلاف القصص والمسارات، فإن كثيراً من المهاجرين يتقاسمون شعوراً مشتركاً يتمثل في البحث عن الاعتراف الإنساني. فهم لا يطالبون بامتيازات استثنائية، بل بمعاملة عادلة تضمن لهم الحق في العمل والتعلم والمشاركة الاجتماعية بعيداً عن الأحكام المسبقة والصور النمطية. غير أن هذا المطلب البسيط يتحول أحياناً إلى معركة يومية عندما يواجه الإنسان نظرات الشك، أو الرفض، أو التمييز بسبب اسمه، أو لغته، أو لون بشرته، أو خلفيته الثقافية.

وتكشف الشهادات الإنسانية المتداولة في العديد من الدراسات والمقابلات الميدانية عن أن أكثر ما يؤلم ضحايا العنصرية ليس الشتيمة أو الإهانة العابرة فحسب، بل الشعور المتكرر بأن المجتمع لا يراهم أفراداً متساوين في القيمة والحقوق. فكثير من المهاجرين يصفون تجاربهم بعبارات متشابهة: "عملت واجتهدت لكنني بقيت أشعر أنني غريب"، أو "أحمل الجنسية منذ سنوات ومع ذلك ما زلت أُسأل من أين أتيت حقاً"، أو "أشعر أحياناً أن عليّ أن أثبت باستمرار أنني أستحق أن أكون هنا".

وتصبح معاناة الإقصاء أكثر تعقيداً عندما يعيش المهاجر حالة من الانقسام الداخلي بين عالمين. فهو يحمل ذاكرة الوطن الأصلي بكل ما فيها من مشاعر وانتماءات، وفي الوقت نفسه يحاول بناء علاقة مستقرة مع المجتمع الجديد. لكن عندما يتعرض للرفض أو التمييز، يجد نفسه عالقاً بين هويتين؛ لا هو قادر على العودة إلى الماضي كما كان، ولا هو يشعر أحياناً بأنه مقبول بالكامل في الحاضر الذي يعيش فيه.

ولعل أكثر الفئات تأثراً بهذه الازدواجية هم أبناء المهاجرين الذين وُلدوا في أوروبا ونشأوا داخل مؤسساتها التعليمية والاجتماعية. فهؤلاء لا يعرفون وطناً غير الذي وُلدوا فيه، ومع ذلك قد يواجهون بين الحين والآخر أسئلة أو مواقف توحي لهم بأن انتماءهم ما زال محل اختبار. وهنا تتشكل جراح صامتة يصعب قياسها بالأرقام، لكنها تترك آثارها في الثقة بالنفس والشعور بالمواطنة والارتباط بالمجتمع.

إن ما يحتاجه المهاجر في نهاية المطاف ليس مجرد وثيقة إقامة أو عقد عمل أو جنسية رسمية، بل يحتاج قبل كل شيء إلى الشعور بأنه إنسان كامل القيمة في نظر الآخرين. فالقوانين تستطيع أن تمنح الحقوق، لكن المجتمعات وحدها تستطيع أن تمنح الإحساس الحقيقي بالانتماء. وبين الحق القانوني والقبول الاجتماعي تكمن المسافة التي تحدد ما إذا كان الإنسان سيشعر بأنه مواطن أم مجرد مقيم.

ولهذا فإن التعامل مع قضية الهجرة من منظور إنساني يقتضي تجاوز لغة الأرقام والأحكام المسبقة، والنظر إلى المهاجر باعتباره شريكاً في المجتمع لا عبئاً عليه، وباعتباره قصة إنسانية فريدة لا مجرد ملف إداري أو إحصائية ديموغرافية. فكل مهاجر يحمل في داخله حكاية من الأمل والخوف والخسارة والصمود، وكل تجربة إقصاء أو اعتراف تترك أثراً عميقاً في تلك الحكاية.

جراح لا تراها الإحصاءات

لا تُقاس حضارة المجتمعات بما تمتلكه من ناطحات سحاب أو مؤشرات نمو اقتصادي أو تفوق تكنولوجي فحسب، بل بقدرتها على حماية كرامة الإنسان عندما يكون ضعيفاً، مختلفاً، أو قادماً من مكان آخر. ومن هذا المنظور، فإن قضية الإقصاء والعنصرية ضد المهاجرين في أوروبا ليست مجرد ملف اجتماعي أو إشكالية مرتبطة بالهجرة، بل هي اختبار أخلاقي وإنساني حقيقي للقيم التي قامت عليها الديمقراطيات الأوروبية الحديثة.

لقد أثبتت التجارب أن القوانين وحدها لا تكفي للقضاء على العنصرية، وأن المساواة المكتوبة في الدساتير لا تتحول تلقائياً إلى مساواة في الواقع. فما بين النص القانوني والحياة اليومية تتشكل مواقف البشر وأحكامهم المسبقة ومخاوفهم وصورهم النمطية. وهناك، في تلك المسافة الفاصلة بين المبادئ والممارسات، يولد الإقصاء وتنمو مشاعر الاغتراب وتتعمق جراح الانتماء.

إن أخطر آثار العنصرية لا تكمن في الإهانة العابرة أو الفرصة الضائعة فحسب، بل في قدرتها على انتزاع شعور الإنسان بقيمته وبمكانه في المجتمع. فالإنسان يستطيع أن يتحمل الفقر وأن يواجه مشقة العمل وأن يبدأ حياته من الصفر، لكنه يجد صعوبة بالغة في أن يعيش وهو يشعر بأن إنسانيته موضع شك، أو أن انتماءه سيظل معلقاً مهما بذل من جهد ومهما قدم من مساهمات.

ولعل السؤال الأهم الذي تطرحه تجربة المهاجرين اليوم ليس: كيف يمكن دمج المهاجرين في المجتمعات الأوروبية؟ بل كيف يمكن للمجتمعات الأوروبية أن تظل وفية للقيم التي تعلن الدفاع عنها في عالم يزداد تنوعاً وتعقيداً؟ فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في إدارة الحدود، وإنما في بناء مجتمعات تتسع لجميع أبنائها دون خوف أو تمييز أو استبعاد.

إن المهاجر الذي عبر البحار والقارات بحثاً عن الأمان والكرامة لا يطلب أكثر من فرصة عادلة ليعيش كإنسان كامل الحقوق. لا يريد امتيازاً على أحد، ولا مكانة فوق أحد، بل يريد فقط أن يُنظر إليه بوصفه إنساناً قبل أي شيء آخر. وعندما يتحقق هذا الاعتراف، تتحول الهجرة من قصة ألم إلى قصة إثراء متبادل، ومن مصدر للتوتر إلى مصدر للقوة والتجدد.

وفي النهاية، ستبقى المجتمعات التي تنجح في تحويل التنوع إلى شراكة، والاختلاف إلى قوة، والكرامة الإنسانية إلى قيمة غير قابلة للتجزئة، هي المجتمعات الأقدر على مواجهة المستقبل. أما المجتمعات التي تسمح للخوف والكراهية والإقصاء بأن تحدد علاقتها بالآخر، فإنها لا تفقد المهاجرين فحسب، بل تفقد جزءاً من روحها الإنسانية أيضاً. فالمعركة الحقيقية ضد العنصرية ليست دفاعاً عن المهاجر وحده، بل دفاع عن الإنسان أينما كان، وعن المعنى العميق للعدالة والحرية والكرامة التي لا وطن لها ولا لون ولا عرق.

هل تكمن أزمة الهجرة في اختلاف القادمين الجدد، أم في عجز بعض المجتمعات عن تقبل التنوع الإنساني؟ فالمهاجر لا يبحث فقط عن فرصة عمل أو إقامة قانونية، بل يبحث أيضاً عن الاعتراف بإنسانيته وحقه في العيش بكرامة بعيداً عن الخوف والإقصاء والتمييز. وبينما تواصل أوروبا الدفاع عن قيم الحرية والمساواة، يبقى التحدي الحقيقي هو تحويل هذه القيم من شعارات سياسية إلى واقع يومي يلمسه كل من يعيش على أرضها، بغض النظر عن أصله أو دينه أو لون بشرته.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي متخصص بالأنثروبولوجيا

ظاهرة ثقافية أم سلاح في معركة الروايات؟!

هذه الأيام، كما تعرفون، زمن الروايات. كل واحد عنده رواية، وكل جماعة عندها تاريخ تحكي، وكل أقلية تبحث عن صوت وسط الضجيج. ومن كم سنة ظهرت موجة لافتة؛ مذكرات وحكايات وقصص عن اليهود العرب. كانت هذه القصص محبوسة في المكتبات المتخصصة وبحوث المؤرخين، وصارت فجأة على الفضائيات، وفي عناوين الصحف، وفي الندوات والمقاهي الثقافية. يعني سوق جديدة فتحت لهذا النوع من البضاعة الفكرية.

طبعاً، لازم نسأل لماذا الآن؟ وبعد كل هذه العقود؟ ولماذا تتسابق دور النشر العربية والعالمية على هذه الحكايات؟ هل نحن أمام ظاهرة ثقافية بريئة، أم أمام معركة على الرواية التاريخية نفسها؟ معركة يريد فيها طرف أن يكتب تاريخ المنطقة من جديد، لكن من زاويته هو فقط؟

وأنا أتأمل هذه الموجة، لا أستطيع أن أتجاهل جانبها الإنساني. في هذه المذكرات حكايات ناس عاشوا بيننا، شاركونا حياتنا، وكانوا جزءاً من مجتمعاتنا في مصر والعراق وسوريا واليمن والمغرب. ما كانوا أرقاماً ولا رموزاً، كانوا بشراً عاشوا وضحكوا وبكوا بيننا. وهذا جانب صادق، وما يصح لقارئ منصف أن ينكره. تعبير عن حنين إلى زمن كان التعايش فيه ممكناً، رغم كل الصعوبات.

ولكن… وهنا (ولكن) كبيرة!… هناك دائماً (ولكن) في تاريخنا!. خلف هذا الجانب الإنساني، هناك بعد آخر يثير الريبة. بعد سياسي وأيديولوجي واضح. الأمر ليس مجرد استعادة ذاكرة، بل محاولة لاستغلال المشاعر الإنسانية وتحويلها إلى سلاح في معركة الروايات. سردية جديدة تصور تاريخ اليهود في البلاد العربية ليس كتاريخ طبيعي لطائفة عاشت بيننا بتناغم وتوتر، بل كتاريخ اضطهاد متصل ومزمن، وصل ذروته في التهجير أو الرحيل القسري. يعني رواية مضادة للرواية الوطنية!!.

والأخطر أن هذه السردية لا تكتفي باستعادة الذاكرة، لكنها تريد إعادة تقييم التاريخ كله. ترفع من شأن الفترة التي وصلت فيها بعض الجماعات اليهودية- ومثلها أقليات أخرى- إلى قمة نفوذها الاقتصادي والاجتماعي، وتصورها على أنها (العصر الذهبي) لتلك البلاد. وكأن ازدهار المجتمع كان مرهوناً بتلك المرحلة بالذات. وهذا قلب للحقائق، وهو ما حذر منه الكاتب محمد الدخاخني بحكمة نادرة حين كتب عن الأرمن في مصر، وكلامه يسري على الحالة كلها.

الدخاخني كتب في مقاله "إحنا المصريين الأرمن: الرواية المضادة": "حين تدعي أقلية أن العصر الذهبي لبلد ما يقع حصرًا في الفترة التي تمكنت فيها هذه الأقلية اقتصاديًا واجتماعيًا، فإن ذلك يتأسس على منظور نرجسي للمسألة برمتها". ويضيف: "فالأرمني الذي يرى أن أزهى أيام مصر كانت تحت الاستعمار والملك… يصر أن يكون أرمنيًا فقط وليس أرمنيًا مصريًا، يصر أن يضع الجالية ضد الأمة".

وهذا كلام في الصميم. تاريخ مصر الحديث، بكل إنجازاته وإخفاقاته، وبكل كفاح شعبه من أجل الاستقلال والحرية والعدالة الاجتماعية، لا يمكن أن يختزل في ازدهار فئة محدودة ارتبطت مصلحتها ببقاء الأوضاع تحت الحماية الأجنبية أو سلطة القصر.

ويلفت الدخاخني إلى ظاهرة أوسع: "يلاحظ كل متابع للوثائقيات المنتجة حديثًا حول الأقليات غير العربية و«غير المسلمة» في العالم العربي أنها، بشكل صريح أو ضمني، تقدم نفسها كطرح بديل لما تعتقد أنه الطرح القومي العربي".

وهذا هو لب الموضوع. معركة روايات. صراع بين رواية وطنية جامعة، ربما قصرت أحياناً أو بالغت في تبسيطها، ورواية مضادة تريد أن تقتلع الأولى من جذورها، لتحل محلها رواية طائفية أو أيديولوجية ضيقة، تضع تاريخ الأقلية في مواجهة تاريخ الأمة. وفي خضم هذا الصراع تضيع الحقيقة المركبة.

في دهاليز التاريخ

لكن، قبل أن نذهب بعيداً، من المهم أن نتوقف وقفة صادقة مع أنفسنا. أليس في رفضنا لهذه الرواية المضادة خطر أن نرتكب خطأ من الناحية الأخرى؟ خطأ إنكار التجربة الإنسانية لآلاف اليهود الذين كانوا جزءاً منا؟ وخطأ إلصاق تهمة الخيانة بالجميع دون تمييز؟!

الحقيقة أن اليهودي المصري أو العراقي أو السوري كان قبل كل شيء مواطناً عربياً. كان يتكلم لغتنا، ويشارك في أفراحنا وأتراحنا، وينتمي إلى وطنه بانتماء لا يقل عن انتماء أي جار له. كان له دور في الاقتصاد والثقافة والفن. وتاريخهم صفحة من صفحات تاريخنا، وتجاهلها جريمة في حق الذاكرة الجماعية.

وهنا تأتي قيمة الشهادات الإنسانية النادرة. أتذكر ما كتبته صافي ناز كاظم في فصل مؤثر من كتابها "رؤى وذات"، حين استعرضت سيرة الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي في "رأيت رام الله". نقلت الكاتبة صورة حميمة لحياة اليهود العرب من خلال ذكريات سيدة مصرية عاشت بينهم. ما كانت تتحدث عن سياسة أو صراع، بل عن جيران وأصدقاء، عن تفاصيل الحياة الصغيرة التي تنسج أواصر القربى بين البشر، قبل أن تقطعها مقصات السياسة الكبيرة. ومثل هذه الشهادات لا تضعف الرواية الوطنية، بل تقويها وتجعلها أكثر إنسانية.

وفي المقابل، ما يجوز لنا، ونحن ننصف هذه التجربة، أن نغض الطرف عن حقائق تاريخية مريرة. عندما قامت دولة إسرائيل عام 1948، وجد يهود البلاد العربية أنفسهم في مأزق لم يخلقوه. حشرتهم الصهيونية العالمية، بدعم من قوى الاستعمار الغربي، في زاوية ضيقة؛ إما الولاء الكامل للدولة الجديدة، وإما البقاء تحت الشك والريبة في أوطانهم. وأنظمتنا العربية في تلك الفترة الحرجة كانت تفتقر إلى الحكمة والرؤية البعيدة. بدلاً من أن تميز بين الصهيونية كحركة استعمارية استيطانية، وبين الانتماء الديني لليهودية، سقطت في فخ رد الفعل الأمني العشوائي.

عومل اليهود في مصر والعراق وسوريا أحياناً ككتلة مشبوهة. وفرضت عليهم قيود، وصودرت أملاك، ووجهت إليهم تهم جاهزة، وحدثت اعتقالات وطرد لجماعات بكاملها. وكانت هذه الإجراءات خطأ تاريخياً فادحاً. ليس فقط لأنها انتهكت حقوق أبرياء، إنما لأنها خدمت الرواية الصهيونية على طبق من ذهب. وقدمت المبرر الذي كانوا يبحثون عنه، ودفعت ببعض يهود العرب إلى اليأس والخوف، مما سهل استقطابهم أو دفعهم إلى الهجرة.

ولكن… ومرة أخرى (ولكن)!.. لا يمكن أن نغفل حقيقة أخرى مؤلمة. لم يكن جميع يهود العرب أبطالاً سلبيين في هذه المأساة. كانت هناك نخب يهودية بارزة، في أكثر من قطر عربي، تعاونت مع المشروع الصهيوني عن قناعة. سخرت أموالها ونفوذها لخدمة هذا المشروع، ورأت في قيام إسرائيل تحقيقاً لحلم قومي، حتى لو كان على حساب الوطن الذي عاشت فيه. نقدنا للأخطاء العربية الفادحة لا يجب أن يتحول إلى تبرئة كاملة لهؤلاء. الحقائق يجب أن تقال كلها.

الوجه الآخر للمأساة!!

وتبقى المفارقة الأكثر إيلاماً في هذه القصة كلها، هي ما حدث على الأرض الأخرى، أرض إسرائيل نفسها. الصورة الوردية التي روجت لها الدعاية الصهيونية عن العودة إلى الوطن التاريخي، ما هي إلا أكذوبة كبرى. من ذهب من يهود العرب إلى إسرائيل لم يجد أرض الميعاد، بل وجد مجتمعاً عنصرياً بامتياز، يهيمن عليه اليهود الأشكناز، أصحاب الأصول الأوروبية.

استقبلت النخبة الأشكنازية الحاكمة إخوتهم القادمين من الشرق، لا كأبناء عمومة عادوا من الشتات، لكن بنظرة استعلاء واحتقار. نظروا إليهم كمتخلفين، جلبوا معهم ثقافة شرقية دونية تهدد طهر المشروع الصهيوني الأوروبي. وبن جوريون نفسه شبههم بـ"الزنوج الذين أحضروا إلى أمريكا كعبيد"، ورأى أن من واجب الدولة "مقاتلة روح الشرق التي تفسد الأفراد والمجتمعات".

وانتقلت هذه النظرة من الخطاب إلى السياسات العملية:

أولاً: سياسة "الأسرلة" القسرية ومحو الهوية. حيث شنت الدولة حملة منهجية لاجتثاث كل ما هو عربي في هؤلاء المهاجرين. حوربت اللغة العربية، فرضت أسماء عبرية، وقمعت تقاليدهم الدينية الشرقية. الهدف كان خلع هويتهم القديمة وفرض هوية جديدة مصنوعة في أوروبا.

ثانياً: التمييز الاقتصادي والاجتماعي. لم يسمح لهم بالاستقرار في المراكز الحضرية المتطورة. أُسكنوا في مستوطنات حدودية خطرة ("معبروت")، ليكونوا درعاً بشرياً، أو في أحياء فقيرة على أطراف المدن. حُصر معظمهم في أعمال هامشية وزراعية، بينما احتفظ الأشكناز بمراكز القوة في الدولة والجيش والاقتصاد. وخلق هذا، كما يشرح عالم الاجتماع الإسرائيلي إيهودا شينهاف، "مجتمعاً أشكنازياً ذا ثقافة غربية"، وفتح هوة سحيقة ما زالت تعرف بـ"الفجوة الإثنية".

ثالثاً: المفارقة المأساوية - الاستغلال الأمني للهوية الممحوة. وهذه أقسى مفارقة. بينما كانت الدولة تمحو "عروبة" هؤلاء اليهود، كانت تستغل هذه العروبة الواقعية لأغراضها الأمنية. بسبب ملامحهم ومعرفتهم باللغة والعادات، جُند آلاف منهم في الموساد والشاباك ووحدات خاصة في الجيش، ليتم استخدامهم للتسلل والتجسس على الدول العربية. استُخدمت هويتهم الأصلية، التي أُهينت وحوربت، كسلاح ضد أوطانهم الأصلية.

وهكذا تحولت الرحلة إلى الوطن المزعوم، لكثيرين، إلى رحلة إلى جحيم التمييز. عانوا معاناة مزدوجة؛ حرموا من أوطانهم الأصلية بفعل ظروف قاهرة، ثم واجهوا الاضطهاد في الوطن البديل. كانوا ضحايا مرتين: ضحايا لسياسات عربية خرقاء وخائفة، وضحايا لمشروع صهيوني رأى فيهم وقوداً بشرياً أو عنصراً دخيلاً يجب إعادة صياغته بالقوة.

نحو طريق ثالث

فماذا نصنع أمام هذا الإرث الثقيل؟ كيف نقرأ تاريخ يهود العرب قراءة تليق بجدية الموضوع؟

الطريق الوحيد، في رأيي، هو طريق ثالث. يرفض أن يسجن في ثنائيات بسيطة تفرض الاختيار بين رواية وأخرى. طريق يبني رواية جديدة، أكثر إنسانية وشمولاً، تتسع لجميع أطراف المعادلة بكل ما فيها من ألم وتناقض.

وهذا الطريق له شروط: أولاً: التمييز الحاسم. يجب أن نفرق بوضوح بين اليهودي العربي المواطن المتجذر في تربته، والصهيوني الحامل لأيديولوجيا استعمارية معادية. وبين معاناة الأبرياء الذين دفعوا ثمن هويتهم الدينية فقط، والمسئولية السياسية للنخب التي تعاونت بوعي مع المشروع المعادي. وبين نقد الأخطاء الجسيمة للأنظمة العربية، ورفض الرواية الصهيونية التي تريد توظيف هذي الأخطاء لتبرير جرائمها.

ثانياً: مقاومة الحنين المزور. لا يجوز أن ننجرف وراء موجة الحنين الرومانسية إلى زمن اليهود العرب، إذا كان هذا الحنين يعني الحنين إلى عصر الهيمنة الأجنبية والامتيازات الطبقية. الذاكرة الحقيقية هي الذاكرة الشاملة، التي تتذكر جمال التعايش في الحارة القديمة، ولا تنسى قسوة المحاكم المختلطة التي سلبت أراضي الفلاحين.

ثالثاً: استعادة البعد الإنساني الفردي. يجب أن نكف عن النظر إلى يهود العرب ككتلة مجهولة أو كرمز سياسي مجرد. كانوا بشراً، لكل منهم اسمه وقصته ووجهه. عاشوا حياة كاملة، فيها الحب والخوف والفرح والحزن. واتخذوا خيارات في ظل ظروف بالغة القسوة. بعضها كان شريفاً، وبعضها خاطئاً، وبعضها محض صراع من أجل البقاء. وفهم هذا التعقيد هو بداية أي مصالحة حقيقية مع الذاكرة.

فالتاريخ الذي ننشده ليس تاريخاً أسطورياً نقياً، ولا تاريخاً بلا عيوب. إنه تاريخ البشر كما هم ضعفاء وأقوياء، شجعان وخائفون، مخطئون ومصيبون. والقراءة النقدية الصادقة لتجربة اليهود العرب هي اختبار لمدى نضجنا الفكري والأخلاقي. اختبار لقدرتنا على كتابة تاريخ لا يهدف إلى الانتقام أو التبرير، بل إلى الفهم. تاريخ يعيد بناء الذاكرة الجماعية على أساس من الحقيقة والعدالة، ليكون أساساً لمستقبل نصنعه معاً، لا لماضي نتحارب عليه إلى الأبد.

***

د. عبد السلام فاروق

 

"محكمةٌ تصل متأخرة دائمًا"

من «مجد إسرائيل لا يكذب» إلى «مجد القانون لا يستطيع أن يفعل شيئًا»

ثمة لحظات في التاريخ يصبح فيها السخرية من الواقع أكثر جدية من وصفه. فماذا نفعل أمام عالم يجتمع فيه ممثلو الدول في قاعة فخمة، تحت شعار الأمم المتحدة، ثم يتحدث أحدهم عن الحرب والوجود والبقاء، ويستدعي نصًا توراتيًا من قصة أماليق، في حين تجلس العدالة الدولية في مكان آخر تقلب أوراقها بعناية شديدة، كأنها موظف أرشيف يخشى أن يخطئ في رقم الصفحة؟

هنا لا تعود المشكلة أن القانون الدولي لا يعرف ما يحدث. المشكلة الأكثر سخرية أن القانون يعرف، ويكتب، ويصدر الأوامر، ويعلن أن بعض الحقوق «قابلة للتصديق»، ويطلب اتخاذ تدابير مؤقتة، ثم يعود إلى مكتبه ليضع الملف فوق ملف آخر.

وكأن العدالة الدولية اخترعت نظامًا عبقريًا:

أن تكون حاضرًا قانونيًا، وغائبًا فعليًا.

وقد أصدرت محكمة العدل الدولية بالفعل تدابير مؤقتة في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، واعتبرت أن بعض الحقوق التي طلبت جنوب أفريقيا حمايتها بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية قابلة للتصديق، ثم أصدرت لاحقًا تدابير إضافية وأكدت الطبيعة الملزمة لأوامرها.

يا لها من عدالة دقيقة! هي لا تقول لك: «أنا عاجزة». بل تقول: «أنا مختصة.»

وهذه كلمة محترمة جدًا. فـ«العجز» كلمة سياسية محرجة، أما «الاختصاص» فهو عجز يرتدي بدلة قانونية.

المحكمة التي تصل بعد الجريمة لتشرح لنا معنى الجريمة

من غرائب العدالة الدولية أنها تملك فضيلة عظيمة: إنها لا تتسرع. والتسرع، كما نعرف، عيب خطير. خصوصًا عندما تكون الجثث مستعجلة. القانون الدولي يحتاج إلى وقت.

وقت لدراسة الأدلة. وقت لسماع الأطراف. وقت لتشكيل اللجان. وقت لترجمة الوثائق. وقت للتأكد من الاختصاص. وقت للتأكد من الصياغة. وقت للتأكد من أن العبارة لا تحتوي على معنى يمكن أن يغضب أحدًا.

أما الضحية؟ فهي، للأسف، لا تحتاج إلى كل هذا الوقت. لأنها تكون قد أصبحت جزءًا من الأدلة. وهنا تكمن إحدى أكثر المفارقات قسوة في النظام الدولي:

الإنسان يموت في الزمن الحقيقي، بينما العدالة تتحرك في الزمن الإجرائي.

وقد يكون هذا منطقيًا من الناحية القانونية. لكنه يصبح عبثيًا عندما تتسع المسافة بين سرعة الموت وسرعة الحكم إلى درجة يصبح فيها الضحية شاهدًا على قضية لم يعد موجودًا ليشهد نتيجتها.

العدالة الدولية: «لقد أمرناهم»

وهنا تصل الكوميديا السوداء إلى ذروتها. المحكمة تقول: اتخذوا الإجراءات. احموا المدنيين. امنعوا الأفعال المحظورة. اسمحوا بالمساعدات. حافظوا على الأدلة. وتصدر الأوامر بصيغة قانونية رصينة. ثم يبدأ السؤال الصغير جدًا:

ومن سينفذ؟ وهذا سؤال غير مريح. لأنه يفسد هيبة الجلسة. فالمحكمة تستطيع أن تقول للدولة: «افعل». لكنها لا تملك بالضرورة شرطة عالمية تطرق باب الدولة في الصباح وتقول: «صباح الخير، المحكمة طلبت منكم تنفيذ الحكم.»

ولا تستطيع أن ترسل سيارة شرطة دولية مع ضابط يحمل ملفًا أحمر. ولا تستطيع أن تقول: «إما التنفيذ أو سأصادر دبابتكم.» فالعدالة الدولية، في نهاية الأمر، ليست دولة عالمية.

وهنا تصبح المأساة أكثر وضوحًا: القانون الدولي يستطيع أن يحدد الحد، لكنه لا يستطيع دائمًا أن يمنع السلطة من عبوره. الأمم المتحدة: بيتٌ كبير للجميع... بشرط ألا يزعج أحدٌ أحدًا

ثم يأتي منبر الأمم المتحدة. يا له من مكان جميل للعدالة! مكان تجتمع فيه الدول لتقول إنها تؤمن بالقانون والسلام وحقوق الإنسان. وفي القاعة نفسها يستطيع ممثل دولة أن يعلن أن بلاده تخوض حربًا وجودية، وأنها «لا تملك خيارًا آخر»، بينما يغادر بعض الدبلوماسيين القاعة احتجاجًا.

أما الأمم المتحدة فتظل واقفة في مكانها.لا تغادر. فهي المؤسسة الوحيدة التي لا تستطيع حتى أن تنسحب من نفسها. لقد صُممت الأمم المتحدة لتكون فوق منطق القوة، لكنها تعمل في عالم ما تزال فيه القوة هي التي تحدد مقدار ما تستطيع المؤسسة الدولية فعله.

وهذه ليست مفارقة صغيرة. إنها المفارقة المؤسسة للنظام الدولي كله: أنشأنا مؤسسة لتقييد القوة، لكننا أعطينا القوة حق الاعتراض على المؤسسة. ثم جلسنا ننتظر النتائج.

«مجد إسرائيل لا يكذب»... ومجد القانون ماذا يفعل؟

في خطاب نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 سبتمبر/أيلول 2026، استُدعيت العبارة التوراتية المرتبطة بصموئيل الأول 15:29، في سياق خطاب أوسع يضع الحرب ضمن سردية بقاء وصراع وجودي. وقد عرض الخطاب الحرب باعتبارها جزءًا من معركة مستمرة من أجل بقاء إسرائيل، مع تكرار فكرة أن إسرائيل «لا تملك خيارًا آخر».

والعبارة، من الناحية الرمزية، تستحق التوقف. لكن السخرية هنا لا تتجه إلى النص الديني ذاته. إنها تتجه إلى المشهد كله. ففي جهة هناك نص مقدس يحمل ذاكرة ابادة اعداء إسرائيل . وفي جهة أخرى هناك دولة حديثة تتحدث بلغة الأمن والوجود.

وفي الجهة الثالثة محكمة دولية تتحدث بلغة «التدابير المؤقتة». وفي الجهة الرابعة شعوب تسأل سؤالًا بسيطًا للغاية: هل يمكن للقانون أن يوقف الحرب؟ والجواب الذي يبدو أن النظام الدولي يفضله هو: «نعم... من حيث المبدأ.» أما من حيث الواقع، فهذه قصة أخرى.

العدالة الدولية تحب كلمة «مؤقت»

ربما أجمل كلمة في قاموس العدالة الدولية هي: مؤقت. الإجراء مؤقت. الحماية مؤقتة. التدبير مؤقت. الانتظار مؤقت. المعاناة، في الخطاب السياسي، مؤقتة. أما الموت، فله مشكلة صغيرة مع كلمة «مؤقت». إنه لا يفهمها.

حين يموت الإنسان، لا تستطيع المحكمة أن تعيد له حياته في القرار النهائي وتقول: «نعتذر عن التأخير الإجرائي.» القانون يعرف هذه المشكلة بالطبع. ولهذا يتحدث عن «الضرر غير القابل للإصلاح». تعبير رائع. فالضرر غير القابل للإصلاح هو، ببساطة، الضرر الذي لا تستطيع المحكمة إصلاحه. ويا لها من دقة قانونية! لقد اخترعنا اسمًا قانونيًا للمأساة التي لا يمكن علاجها.

من «الإبادة» إلى «قابلة للتصديق»

وهنا تظهر اللغة القانونية في أجمل صورها البيروقراطية. لا تقول المحكمة: «نحن متأكدون أن الإبادة وقعت.» ولا تقول: «لم يحدث شيء.» بل تقول: بعض الحقوق التي تطالب بها جنوب أفريقيا قابلة للتصديق.

وهذا منطقي في مرحلة التدابير المؤقتة. لكن تخيل الإنسان العادي وهو يسمع العبارة: «حقك في ألا تُباد قابل للتصديق.» ربما يسأل: وهل توجد حقوق غير قابلة للتصديق؟ نعم، ربما في عالم القانون. لكن الضحية لا تعيش في عالم «الحقوق القابلة للتصديق».

إنها تعيش في عالم: الماء موجود أو غير موجود. الدواء موجود أو غير موجود. البيت قائم أو مدمر. الطفل حي أو ميت. الممر مفتوح أو مغلق. وهنا يظهر التفاوت الهائل بين لغتين: لغة القانون التي تحتاج إلى تعريف دقيق للجريمة، ولغة الحياة التي تعرف الجريمة قبل أن تعرف اسمها القانوني.

المحكمة لا تحكم على النوايا... ممتاز!

ثم هناك مشكلة النية. فالقانون الدولي الجنائي، خصوصًا في جريمة الإبادة، لا يكتفي بمشهد الدم. إنه يريد أن يعرف القصد. وهذا أمر قانوني مفهوم. لكن السخرية تبدأ عندما نكتشف أن القصد شيء يعيش في الرأس، بينما الجريمة تقع في الأرض.

نحن نريد أن نعرف: ماذا كان يقصد الفاعل؟ وماذا قال؟ وماذا فعل؟ وما السياق؟ وما علاقة القول بالفعل؟ وهذا ضروري. لكن المشكلة أن الضحية لا تستطيع أن تقول: «سأنتظر حتى تنتهوا من إثبات القصد.» إنها لا تملك هذا الامتياز الزمني.

نتنياهو يقول: نحن الضحية

وهنا يدخل الخطاب السياسي إلى المسرح. فالخطاب الذي يعتمد على التهديد الوجودي يعيد ترتيب العالم إلى ثنائية بسيطة: نحن الذين نواجه الخطر، وهم مصدر الخطر. وكلما أصبح الخطر وجوديًا، أصبح الدفاع عن الذات أكثر اتساعًا. وكلما اتسع مفهوم الدفاع، أصبح السؤال: أين تنتهي حدود الدفاع؟ وهذا هو السؤال الذي يجب أن يشغل العدالة الدولية.

ليس فقط: هل قيلت كلمة «إبادة»؟ بل ما الأفعال التي حدثت؟ ما السياسات التي اتُّخذت؟ ما التعليمات؟ ما القرارات؟ ما النتائج؟ ما العلاقة بين الخطاب والفعل؟ لأن الخطاب وحده لا يكفي لإثبات النية القانونية. لكن الخطاب أيضًا ليس بريئًا بالضرورة. إنه جزء من البيئة التي تُنتج السياسة وتمنحها معنى.

أماليق يدخل الأمم المتحدة

هنا تبلغ السخرية السياسية ذروتها. تخيل المشهد: الأمم المتحدة، المؤسسة التي أنشئت بعد حرب عالمية رهيبة، تحاول أن تتحدث عن القانون الدولي. وفي خطاب أمامها يظهر أماليق.

أماليق، القادم من طبقات الذاكرة القديمة، يدخل قاعة حديثة مزودة بالميكروفونات والشاشات والترجمة الفورية. إنه مشهد يستحق لوحة سريالية. القديم يدخل إلى الحديث، والحديث يكتشف أنه لم يتخلص من القديم. وهنا تصبح المشكلة أن العدو التاريخي يمكن أن يتحول إلى قالب. لا يعود السؤال: «من هو هذا الخصم سياسيًا؟» بل: «أي عدو من الماضي يشبهه؟» وهذه أخطر لحظات السياسة. لأنك عندما تجعل خصمك نسخة من عدو مقدس أو تاريخي، فإنك لا تعود تتفاوض معه بوصفه إنسانًا سياسيًا. لقد نقلته إلى عالم آخر. عالم تصبح فيه التسوية أقل وضوحًا.

فلسفة العبور أمام العدالة التي تحب الجدران

ومن داخل فلسفة العبور تظهر المفارقة بصورة أكثر عمقًا. فالحد في فلسفة العبور ليس جدارًا بالضرورة. إنه يمكن أن يكون معبرًا. أما السياسة حين يحكمها الخوف، فإنها تفعل العكس. تحول الحد إلى جدار. ثم تحول الجدار إلى هوية. ثم تحول الهوية إلى خوف. ثم تحول الخوف إلى عدو. ثم تحول العدو إلى مبرر للسلطة. ثم تعود السلطة لتبني جدارًا جديدًا. وبذلك: (الخوف، الحد، الهوية، العدو، السلطة، إعادة إنتاج الحد).

والعدالة الدولية تقع أحيانًا أمام هذا الجدار. فتقول: «هذا الجدار مخالف للقانون.» ثم تكتب تقريرًا. ثم تصدر قرارًا. ثم تشرح حيثيات القرار. ثم تنتظر. والجدار، من جانبه، لا يقرأ التقارير.

العدالة الدولية والكرسي الفارغ

ربما تكمن إحدى أكبر مشكلات العدالة الدولية في أن القانون لا يملك دائمًا ما يكفي من القوة السياسية لتحويل حكمه إلى واقع. وهذا لا يعني أن القانون بلا قيمة. على العكس.

إن مجرد وجود المحكمة، وإصدار أوامر ملزمة، وتوثيق الوقائع، وخلق سجل قانوني، يمكن أن يكون له أثر سياسي وتاريخي طويل. لكن هذا الأثر لا ينبغي أن يجعلنا نخلط بين: وجود القانون وقدرة القانون على التنفيذ الفوري.

فالقرار القضائي قد يصبح وثيقة تاريخية. وقد يصبح أساسًا للمساءلة. وقد يؤثر في الدول والمؤسسات. لكن بالنسبة إلى إنسان تحت القصف، هناك سؤال أكثر استعجالًا: متى يبدأ مفعول القرار؟

العدالة التي تصل دائمًا بعد «التحقق»

هناك شيء شديد السخرية في علاقة القانون الدولي بالزمن. في السياسة، قد يستغرق تبرير الحرب دقائق. في الحرب، قد يستغرق تدمير حي ساعات. في الخطاب، قد تستغرق صناعة العدو جملة.

أما في المحكمة، فقد تستغرق الإجابة سنوات. وبذلك نكتشف أن الزمن نفسه غير عادل. الفاعل يملك زمن القرار. والضحية لا تملك إلا زمن النجاة. أما المحكمة فلها زمن الإجراءات. والتاريخ له زمنه الخاص. ومن هنا تصبح العدالة الدولية مثل قطار محترم جدًا: لا يتأخر لأنه لا يملك جدولًا زمنيًا للضحايا.

المفارقة الكبرى: القانون أقوى في الذاكرة منه في اللحظة

ومع ذلك، سيكون من السهل جدًا أن نقع في السخرية الكاملة ونقول إن العدالة الدولية لا قيمة لها. لكن هذا أيضًا تبسيط. فالقانون يستطيع أن يفعل شيئًا مهمًا: أن يمنع السلطة من كتابة التاريخ وحدها.

قد تخسر المحكمة معركة اللحظة، لكنها تستطيع أن تحفظ الأدلة. قد لا تستطيع إيقاف الرصاصة، لكنها تستطيع أن تسأل لاحقًا: من أطلقها؟ ولماذا؟ وبأي أمر؟ وبأي قانون؟ وبأي تبرير؟ ولهذا فإن العدالة الدولية ليست مجرد شرطي فاشل. إنها أيضًا ذاكرة قانونية. والمشكلة أن الذاكرة لا تستطيع دائمًا إنقاذ الميت. لكنها تستطيع أن تمنع القاتل من احتكار رواية الموت.

المشكلة ليست أن العدالة الدولية عمياء

بل ربما المشكلة أنها ترى أكثر مما تستطيع فعله. وهذه مفارقة أشد قسوة. المحكمة ترى. المنظمات ترى. الصحافة ترى. الصور ترى. الأقمار الصناعية ترى. الهواتف ترى. والعالم كله تقريبًا يرى. ثم يأتي السؤال: ومن يملك القدرة على تحويل الرؤية إلى فعل؟ هنا يظهر الحد الحقيقي للنظام الدولي. ليس حد المعرفة. بل حد القدرة. نحن لا نعيش في عالم يجهل الجريمة. نعيش في عالم قد يعرفها، ويوثقها، ويصفها، ويصدر بشأنها بيانًا، ثم يكتشف أن المعرفة وحدها ليست سلطة.

الأمم المتحدة بوصفها مسرحًا للعدالة

ربما ينبغي أن ننظر إلى الأمم المتحدة بطريقة أقل رومانسية. إنها ليست محكمة العالم. وليست حكومة العالم. وليست شرطة العالم. إنها ساحة تتصارع فيها الدول، والمصالح، والذاكرة، والقوة، والقانون، والصورة الإعلامية، والشرعية. وهذا يفسر المفارقة: نتنياهو يستخدم المنبر لتقديم رواية إسرائيل. خصومه يستخدمون المنبر لتقديم الرواية الفلسطينية. الدول تستخدمه لإظهار مواقفها. الإعلام يستخدمه لصناعة الصور. والمحكمة تعمل في مكان آخر. أما الضحية، فغالبًا ما تظهر في الخطاب باعتبارها موضوعًا. وهنا تقع المأساة الأنثروبولوجية الكبرى: الجميع يتحدث عن الإنسان. والإنسان نفسه قليلًا ما يكون هو المتحدث.

العدالة الدولية كموظف استقبال للتاريخ

لو أردنا أن نمنح العدالة الدولية شخصية ساخرة، لربما كانت موظف استقبال مهذبًا جدًا. تدخل إليها وتقول: «لقد حدثت كارثة.» فتجيب: «هل لديك رقم القضية؟» تقول: «هناك قتلى.» فتقول: «نحتاج إلى أدلة.» تقول: «هناك أدلة.» فتقول: «نحتاج إلى التحقق منها.» تقول: «تحققوا منها.» فتقول: «الإجراء يحتاج إلى وقت.» تقول: «لكن الناس يموتون الآن.» فتجيب: «نفهم قلقكم.» وهذه العبارة الأخيرة ربما تكون أكثر العبارات دبلوماسية في التاريخ: «نفهم قلقكم.» فالعدالة الدولية قد تفهم القلق. لكن القلق، للأسف، لا يوقف الدبابة.

منطق العبور: ماذا تفعل العدالة عندما يصبح الحد جدارًا؟

هنا يعود سؤال فلسفة العبور. إذا كان العبور حركة في مواجهة الحد، فإن السياسة العادلة ينبغي أن تعمل على إبقاء الحدود قابلة للعبور السياسي: الحدود بين الجماعات. الحدود بين الذاكرة والحاضر. الحدود بين الأمن والحق. الحدود بين السيادة والقانون. الحدود بين الخوف والتسوية. لكن خطاب الحرب الوجودية يفعل العكس. إنه يغلق الحدود. والعدالة الدولية، عندما تعجز عن فرض قراراتها، تجد نفسها أمام جدار مزدوج: جدار القوة من جهة، وجدار الهوية من جهة أخرى.

وهنا لا يكفي أن نقول: «نحتاج إلى قانون أقوى.» بل ينبغي أن نسأل: كيف يتحول القانون نفسه إلى قوة سياسية قابلة للتنفيذ؟ فالقانون الذي لا يستطيع عبور الحد الذي وضعه لنفسه، يصبح هو الآخر أسيرًا للحد.

خاتمة:

ربما تكون المأساة الكبرى في العدالة الدولية أنها تعلمنا الفرق بين أن تكون العدالة موجودة وأن تصل العدالة. الأولى يمكن أن تتحقق في النص. الثانية تحتاج إلى قوة سياسية. ولهذا يمكن أن تكون المحكمة على حق قانونيًا، بينما يظل الواقع على حاله. ويمكن أن تكون الأوامر ملزمة، بينما تظل الضحية تنتظر. ويمكن أن تكون الحقوق «قابلة للتصديق»، بينما يكون الموت يقينيًا. وهنا تصبح السخرية من العدالة الدولية ليست سخرية من القانون نفسه.

بل من المسافة بين القانون والعالم.

إنها السخرية من نظام يستطيع أن يقول للسلطة: «لا تفعل.» لكنه لا يستطيع دائمًا أن يمنعها من الفعل. ويستطيع أن يقول للضحية: «نعترف بحقك.» لكنه لا يستطيع دائمًا أن يحميها في اللحظة التي تحتاج فيها إلى الحماية. ويستطيع أن يكتب التاريخ بدقة شديدة بعد سنوات، لكنه لا يستطيع أن يكتب للميت حياة جديدة. وفي هذا المعنى، فإن العدالة الدولية ليست غائبة تمامًا.

وهذه هي المشكلة. إنها حاضرة بما يكفي كي نراها، وعاجزة بما يكفي كي نسخر منها. أما السخرية الأخيرة، وربما الأكثر مرارة، فهي أن العالم لا يزال يملك محاكم وقوانين واتفاقيات وأختامًا رسمية وعبارات مثل «التدابير المؤقتة» و«الحقوق القابلة للتصديق». وكل هذا بينما يسأل الإنسان، في الطرف الآخر من العالم: متى يصبح الحق قابلًا للتنفيذ؟ وربما كان هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يُكتب على باب كل محكمة دولية: ليس: هل العدالة موجودة؟ بل كم يستغرق وصولها؟ لأن العدالة التي تصل بعد أن ينتهي كل شيء تستطيع أن تكتب التاريخ. لكنها لا تستطيع دائمًا أن تنقذ الإنسان من أن يصبح جزءًا منه.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

من الرعوية إلى المواطنة في الوطن العربي

لم يعد السؤال الاجتماعي بكل ابعاده  وتجلياته سؤالًا هامشيًا يمكن تأجيله إلى ما بعد الاستقرار السياسي أو النمو الاقتصادي، بل أصبح في قلب السؤال المتعلق بمستقبل الدولة ذاتها. فالدولة التي لا تستطيع أن توفر لمواطنيها قدرًا معقولًا من العدالة والكرامة وتكافؤ الفرص، تجد نفسها عاجزة عن بناء ثقة مستدامة بينها وبين المجتمع، مهما امتلكت من مؤسسات وأجهزة وقوانين. وحين تتسع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي للناس، تتحول السياسة تدريجيًا من مجال لصناعة المستقبل إلى مساحة لإدارة الأزمات وتأجيل الانفجارات الاجتماعية.

وليس المقصود هنا وضع البلدان العربية جميعًا في سلة واحدة. فالفوارق الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والمؤسسية بينها كبيرة، كما تختلف تجارب الدول التي تمتلك موارد نفطية وطاقية واسعة عن الدول ذات الموارد المحدودة، وتختلف كذلك أوضاع البلدان المستقرة عن البلدان التي أنهكتها الحروب والصراعات والنزوح. غير أن هناك قاسمًا مشتركًا يتمثل في الحاجة إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، على أساس الحقوق والواجبات والمصلحة العامة، لا على أساس المنح والمكرمات والولاءات.

لقد أظهرت السنوات الماضية أن النمو الاقتصادي، عندما لا يرافقه توزيع أكثر عدالة للفرص والثروة والخدمات، لا يكفي وحده لإنتاج الاستقرار الاجتماعي. كما أن الإصلاح السياسي، عندما يبقى منفصلًا عن الأسئلة اليومية المتعلقة بالعمل والتعليم والصحة والسكن والنقل والقدرة الشرائية، يظل عاجزًا عن تأسيس مواطنة كاملة. ولذلك فإن الرهان العربي الجديد ينبغي أن يتجه نحو بناء دولة اجتماعية عادلة، لا تعني دولة الإنفاق غير المحسوب، ولا دولة الوصاية على المجتمع، وإنما دولة تجعل الإنسان محورًا للسياسات العامة، وتربط الحرية بالعدالة، والتنمية بالكرامة، والسيادة الوطنية بالقدرة على الإنتاج والمعرفة.

الدولة العربية وأزمة العقد الاجتماعي

تكمن إحدى أعمق مشكلات الدولة العربية الحديثة في أن العلاقة بينها وبين المواطن ظلت، في تجارب عديدة، محكومة بدرجات متفاوتة من عدم التوازن. فالدولة تقدم خدمات أو مساعدات أو امتيازات، والمواطن ينتظر منها الحماية أو التشغيل أو الدعم، بينما تتراجع تدريجيًا فكرة المواطن بوصفه شريكًا كاملًا في صياغة السياسات ومراقبة المؤسسات ومساءلة أصحاب القرار.

وقد أسهمت هذه العلاقة في إنتاج ما يمكن تسميته منطق الرعوية السياسية والاجتماعية؛ أي النظر إلى المواطن باعتباره متلقيًا لما تمنحه الدولة، بدل النظر إليه بوصفه صاحب حقوق ثابتة تلتزم المؤسسات العامة بحمايتها. ولا يعني ذلك أن كل برامج الدعم الاجتماعي ذات طبيعة رعوية، فالحماية الاجتماعية حق وأداة ضرورية للحد من الفقر والهشاشة. المشكلة تبدأ عندما تتحول الحقوق إلى امتيازات مرتبطة بالقرب من السلطة أو بالولاء السياسي أو بالموقع الاجتماعي.

وتزداد خطورة هذا الوضع عندما تصبح الخدمات العامة متفاوتة الجودة بين المركز والأطراف، وبين المدن والمناطق الريفية، أو عندما يشعر الشاب المتعلم بأن الشهادة العلمية لا تفتح أمامه بالضرورة طريقًا إلى العمل الكريم. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن البطالة في الدول العربية ظلت من أعلى المستويات عالميًا، وأن بطالة الشباب أعلى بكثير من بطالة البالغين، في وقت لا تتجاوز فيه نسبة الشباب المشاركين في سوق العمل نحو ربع هذه الفئة. كما أن الحماية الاجتماعية لا تغطي سوى نحو ثلث السكان وفق المعطيات الإقليمية التي عرضها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

وهنا تصبح المسألة الاجتماعية جزءًا من مسألة الشرعية نفسها. فالمواطن لا يقيس الدولة فقط بما تقوله في الخطب والبرامج، وإنما بما يراه في المدرسة والمستشفى والإدارة ووسائل النقل وسوق العمل. ويقيسها أيضًا بمدى تكافؤ الفرص بين أبناء المناطق والفئات الاجتماعية المختلفة.

إنً تجديد العقد الاجتماعي العربي لا ينبغي أن يبدأ من سؤال: ماذا تستطيع الدولة أن تمنح المواطن؟ بل من سؤال أكثر عمقًا: ما الحقوق التي تلتزم الدولة بضمانها، وما الواجبات التي يتحملها المواطن، وما القواعد التي تجعل العلاقة بين الطرفين قائمة على المساواة والمساءلة؟

إن الدولة الاجتماعية التي يحتاج إليها العالم العربي ليست دولة بيروقراطية ضخمة، ولا دولة توزع المنافع من أعلى إلى أسفل، وإنما دولة ذات مؤسسات فعالة، تعرف أين تنفق، وكيف تجمع الموارد، وكيف تحمي الفئات الهشة، وكيف تخلق بيئة تسمح للقطاع الخاص المنتج بأن يستثمر ويبتكر ويوفر فرص العمل. فالعدالة الاجتماعية لا تعني إلغاء السوق، كما أن اقتصاد السوق لا ينبغي أن يعني إطلاق يد الريع والاحتكار.

والتحدي الأكبر يتمثل في الانتقال من اقتصاد يقوم، في بعض البيئات، على الامتيازات والوساطة وحماية الأسواق المغلقة، إلى اقتصاد أكثر انفتاحًا وتنافسية وقدرة على خلق القيمة. وقد أشار البنك الدولي إلى أن البيئة التنظيمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ساهمت في حماية بعض الأسواق والفاعلين الداخلين فيها، بما حدّ من دينامية القطاع الخاص وخلق فرص العمل.

إنً إصلاح الدولة الاجتماعية لا يمكن أن ينفصل عن إصلاح الاقتصاد نفسه. لا عدالة اجتماعية مستدامة من دون إنتاج، ولا إنتاج مستدامًا من دون تعليم جيد، ولا تعليم جيدًا من دون مؤسسات قادرة على التخطيط، ولا مؤسسات فعالة من دون قانون ومساءلة.

من اقتصاد الامتياز إلى اقتصاد المواطنة

إذا كان العقد الاجتماعي يمثل الوجه السياسي للعلاقة بين الدولة والمجتمع، فإن الاقتصاد يمثل اختبارها اليومي. فالمواطن الذي يجد نفسه خارج سوق العمل، أو عاجزًا عن الوصول إلى تعليم جيد، أو مضطرًا إلى الانتظار طويلًا للحصول على خدمة صحية أو إدارية أساسية، لا يتعامل مع الدولة بوصفها مفهومًا مجردًا، بل بوصفها تجربة يومية.

ومن هنا فإن الانتقال إلى اقتصاد المواطنة يتطلب إعادة ترتيب الأولويات. فلا يكفي أن نتحدث عن النمو في أرقام الناتج الداخلي، بل ينبغي أن نسأل: ما نوع النمو؟ ومن يستفيد منه؟ وأين تتولد فرص العمل؟ وما موقع المناطق المهمشة؟ وما نصيب الشباب والنساء من الاقتصاد الجديد؟

إن المنطقة العربية أمام تحولات ديمغرافية واقتصادية كبرى. ويشير البنك الدولي إلى أن نحو 300 مليون شاب يُتوقع أن يدخلوا سوق العمل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال السنوات الخمس والعشرين المقبلة، وهو ما يجعل قضية التشغيل واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في مستقبل المنطقة.

وهنا لا بد من تجاوز الوصفة التقليدية التي تختزل الحل في التوظيف العمومي. فالدولة لا تستطيع أن تكون المشغّل الأكبر إلى ما لا نهاية، كما أن القطاع الخاص لا يستطيع وحده حل المشكلة في ظل ضعف الاستثمار وارتفاع كلفة التمويل واختلال منظومات التعليم والتكوين. المطلوب هو بناء منظومة إنتاجية جديدة تشترك فيها الدولة والقطاع الخاص والجامعات ومراكز البحث والمجتمع المدني.

يبدأ ذلك بإصلاح التعليم، لا باعتباره قطاعًا خدميًا فقط، بل باعتباره البنية التحتية الحقيقية للاقتصاد العربي المقبل. فالتعليم الذي لا يمنح الناشئة القدرة على التفكير النقدي والمهارات الرقمية واللغات والعلوم التطبيقية، سيظل عاجزًا عن مواكبة اقتصاد سريع التحول.

ويأتي بعد ذلك الاستثمار في المعرفة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة والزراعة الحديثة والصناعات ذات القيمة المضافة والاقتصاد الرقمي. فالدولة العادلة ليست التي توزع الفقر بالتساوي، وإنما التي توسع قاعدة الإنتاج وتمنح أكبر عدد ممكن من المواطنين فرصة المشاركة في خلق الثروة.

هنا تبرز قضية النساء والشباب بصورة خاصة. فضعف مشاركة النساء اقتصاديًا، واستمرار معدلات البطالة المرتفعة لدى الشباب، لا يمثلان مجرد مشكلتين اجتماعيتين، وإنما يعنيان أن جزءًا مهمًا من رأس المال البشري العربي لا يزال خارج دائرة الإنتاج الكامل. وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أن الفجوة الاقتصادية بين النساء والرجال لا تزال من أبرز تحديات التنمية في المنطقة العربية.

أما العدالة الجبائية، فهي الوجه الآخر للدولة الاجتماعية. لا يمكن مطالبة المواطن بالثقة في الدولة إذا كان يشعر بأن العبء الضريبي موزع بصورة غير عادلة، أو إذا كان الاقتصاد الموازي والتهرب والاحتكار يحرمون الخزينة من موارد ضرورية. وفي المقابل، لا يمكن أن تتحول الضرائب إلى عقوبة على العمل والإنتاج والاستثمار.

المطلوب إذن هو تعاقد ضريبي جديد يقوم على توسيع القاعدة، ومحاربة التهرب، ومكافحة الريع والاحتكار، وتبسيط الإجراءات، وربط الجباية بالخدمات العامة. المواطن الذي يدفع الضرائب ينبغي أن يرى أثرها في المدرسة والمستشفى والطريق والنقل والفضاء العام.

وفي هذه النقطة بالذات تلتقي الديمقراطية الاجتماعية مع التنمية الاقتصادية: الدولة القوية ليست الدولة التي تتدخل في كل شيء، وإنما الدولة التي تضع القواعد، وتضمن المنافسة، وتحمي الحقوق، وتمنع الاحتكار، وتستثمر في القطاعات التي لا يستطيع السوق وحده توفيرها بكفاءة وعدالة.

نحو مواطنة عربية تتجاوز حدود الدولة

لا يمكن بناء الدولة الاجتماعية العادلة من دون بناء ثقافة سياسية جديدة. فالعدالة ليست مجرد برامج دعم، والمواطنة ليست مجرد وثيقة هوية، والديمقراطية ليست انتخابات دورية فقط. إنها منظومة كاملة من الحقوق والمؤسسات والقيم والممارسات.

يصبح السؤال العربي أوسع من حدود كل دولة على حدة. فالحروب الممتدة، والنزوح، وأزمات الغذاء والطاقة والمياه، والتحولات المناخية، والاضطرابات الاقتصادية، كلها جعلت من الصعب التعامل مع التنمية باعتبارها شأنًا وطنيًا مغلقًا. وقد أشار برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن التعاون الإقليمي العربي يركز بصورة متزايدة على الحد من الفقر وعدم المساواة، والنمو الشامل، والحوكمة، والعمل المناخي، وتمكين الشباب والنساء.

بالامكان أن تستعيد فكرة التكامل العربي معناها العملي، لا بوصفها شعارًا سياسيًا عامًا، وإنما باعتبارها شبكة مصالح مشتركة: ربط الأسواق، وتطوير سلاسل إنتاج إقليمية، وتبادل الخبرات في التعليم والصحة، والاستثمار في الطاقة والمياه، وتسهيل حركة الباحثين وأصحاب الكفاءات، وتطوير مشاريع مشتركة في التكنولوجيا والغذاء والصناعة.

إن الدولة الوطنية العربية لن تفقد سيادتها عندما تتعاون مع محيطها، بل يمكن أن تعزز قدرتها على حماية مصالح مواطنيها من خلال التعاون. والسيادة في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس فقط بامتلاك الحدود والمؤسسات، وإنما بامتلاك القدرة على إنتاج الغذاء والمعرفة والتكنولوجيا والطاقة، وعلى حماية المجتمع من الصدمات الاقتصادية والمناخية والجيوسياسية.

لكن هذه الرؤية لا يمكن أن تنجح إذا ظلت المواطنة ناقصة. فالمواطن العربي يحتاج إلى دولة تحمي حقوقه بصرف النظر عن منطقته أو طبقته أو انتمائه الاجتماعي، وإلى مؤسسات يستطيع مساءلتها، وإلى إعلام مهني يتيح له الوصول إلى المعلومات، وإلى قضاء مستقل وفعال، وإلى إدارة تعتبر الخدمة العامة وظيفة لا امتيازًا.

في هذا السياق ٫ تصبح مكافحة الفساد جزءًا من مشروع الدولة العادلة، لا مجرد حملة ظرفية. فالفساد يضرب الثقة، ويشوّه المنافسة، ويحول الموارد العامة إلى امتيازات خاصة، ويجعل المواطن يشعر بأن القانون لا يعمل بالطريقة نفسها على الجميع. ولذلك فإن مكافحة الفساد تحتاج إلى مؤسسات رقابة مستقلة، وشفافية في الصفقات العمومية، ورقمنة الخدمات، ووضوح في تضارب المصالح، وقواعد صارمة للنفاذ إلى المال العام.

والرقمنة، في هذا المجال، ليست مجرد تحديث تقني. إنها يمكن أن تكون أداة لإعادة صياغة العلاقة بين المواطن والإدارة، عندما تُستخدم لتقليص الوساطة، وتبسيط الإجراءات، وتوفير المعلومات، وتسريع الخدمات، وتعزيز قابلية تتبع القرار الإداري. لكنها لا تصبح إصلاحًا حقيقيًا إلا إذا رافقتها حماية للمعطيات، ومساواة في النفاذ، ومؤسسات رقابية قادرة على منع تحول التكنولوجيا إلى أداة جديدة للإقصاء.

إن العالم العربي يحتاج اليوم إلى الانتقال من دولة الرعاية إلى دولة الحقوق، ومن اقتصاد الامتياز إلى اقتصاد الفرص، ومن المواطن المتلقي إلى المواطن الشريك. وهذه التحولات ليست سهلة، لأنها تمس مصالح راسخة وأنماطًا سياسية واقتصادية وثقافية تراكمت لعقود. لكنها تظل ضرورية إذا كان الهدف هو بناء استقرار لا يقوم على الخوف أو الاعتماد أو الانتظار، وإنما على الثقة والعدالة والمشاركة.

ولا تعني الدولة العادلة أن تختفي الفوارق بين الناس، ولا أن تتحول المجتمعات إلى كتلة واحدة بلا اختلاف. العدل يعني أن تكون قواعد اللعبة واضحة، وأن تكون الفرص الأساسية متاحة، وأن تكون الحماية الاجتماعية حقًا، وأن يكون القانون فوق الامتيازات، وأن يعرف المواطن لماذا يدفع وما الذي يحصل عليه في المقابل.

لقد دخل العالم العربي مرحلة لا يمكن فيها الفصل بين التنمية والكرامة، ولا بين الاستقرار والعدالة الاجتماعية، ولا بين السيادة الوطنية وقوة الاقتصاد والمعرفة. ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست فقط حول شكل الحكومة أو هوية الحزب الحاكم، بل حول طبيعة الدولة التي نريدها للأجيال المقبلة.

الدولة العادلة هي التي لا تطلب من المواطن أن يكون تابعًا حتى يحصل على حقه، ولا تجعل الفقر قدرًا، ولا تحول الوظيفة العامة إلى مكافأة سياسية، ولا تجعل التعليم الجيد امتيازًا طبقيًا، ولا تجعل الصحة مرتبطة بمكان الميلاد أو القدرة على الدفع. وهي، في الوقت نفسه، دولة تعرف أن العدالة لا تعني إلغاء المسؤولية الفردية، وأن الحرية الاقتصادية لا تعني إطلاق يد الاحتكار، وأن حماية الفئات الضعيفة لا تعني تكريس العجز، بل فتح الطريق أمام الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي.

لا مفرً من أن يتشكل أفق عربي جديد: دولة اجتماعية حديثة، واقتصاد منتج، ومؤسسات خاضعة للمساءلة، و مواطنون لا رعايا. أفق لا يلغي الاختلافات بين الدول والمجتمعات، ولا يتجاهل تعقيدات الواقع العربي، لكنه يضع معيارًا مشتركًا يمكن أن تقاس به السياسات: هل توسع دائرة الحقوق أم تضيقها؟ هل تخلق فرصًا أم تعيد إنتاج الامتيازات؟ هل تقوي المجتمع أم تجعله أكثر تبعية؟

إن المستقبل العربي لن يُبنى بالشعارات وحدها، كما لن تصنعه المؤشرات الاقتصادية منفصلة عن الإنسان. المستقبل يبدأ عندما تصبح العدالة الاجتماعية جزءًا من تعريف الدولة نفسها، وعندما تتحول المواطنة من فكرة قانونية إلى ممارسة يومية، وعندما يشعر المواطن بأن الدولة ليست سلطة فوقه، وإنما مؤسسات تعمل من أجله وبمشاركته وتحت رقابته.

عندها فقط يصبح الحديث عن الدولة العادلة أكثر من أمنية سياسية؛ يصبح مشروعًا تاريخيًا قابلًا للبناء، يبدأ من المدرسة والإدارة والمستشفى ومكان العمل، ويمتد إلى الاقتصاد والقانون والمؤسسات، وصولًا إلى علاقة جديدة بين المواطن والدولة. وفي هذه العلاقة الجديدة يكمن أحد أهم شروط استعادة الثقة العربية في المستقبل: أن تكون الدولة عادلة في توزيع الفرص، اجتماعية في حماية الإنسان، قوية بالمؤسسات، ومفتوحة على مواطنيها لا مغلقة عليهم.

***

البشير عبيد - تونس

كاتب صحفي وباحث

 

في واحد من التقارير الوثائقية المهمة التي عرضتها قناة (ناشيونال جغرافي) تقرير يتناول الحرب الأهلية في كولمبيا ودور المافيا وأطراف دولية عديدة في إدامة الصراع الأهلي وإدارته لأسباب كثيرة، لعل من أهمها ضمان ديمومة انسياب تجارة المخدرات، فهي البلد الممول للعالم لكونه ساحة رخوة لتصفية الحسابات بين بلدان متصارعة تحاول إدارة حرب بالوكالة، ويظهر التقرير مشاهد حوارية كثيرة مع رجال الأمن وبعض من مجرمي الحرب التقوهم في السجون، وحاول أحدهم أن يتهرب من سؤال محاوره الإعلامي: كم قتلت من الناس في تلك الحرب الأهلية ؟ فأجاب كنت مضطراً للقتل للدفاع عني نفسي، وبدهاء مُغلَّف بدعابة أعاد محاوره صياغة السؤال: لأجل الدفاع عن نفسك كم قتلت من الأفراد؟ فأجاب: ليس الأمر كما تظن، فقد كانت أفكارنا المقيتة تتقاتل وتتراشق بالكلمات فعبأتنا تلك الألفاظ البغيضة لذلك الصدام الموحش. كما أظهر التقرير ضابطاً من المخابرات يتحدث عن تجارة المخدرات وعملهم الشاق في اختراق تلك الشبكات بسبب سريتها وغموض الشفرة اللغوية التي يتواصل فيها تجار المخدرات وموزعوها، فهم يعمدون إلى إضافة مقاطع لبعض كلمات لغتهم أو حذف مقاطع واللجوء إلى معميات من الرموز والألفاظ حول الأماكن والأشخاص إلى درجة كبيرة في التمويه في مفردات كثيرة جداً وصلت كما يؤكد رجل الأمن إلى وضع قاموس من قبل المخابرات يفك شفرة تلك اللغة السرية. فثمة (عنف باللغة) يوقظ الفتنة النائمة ويوقد نار الحرب الأهلية، وعنف آخر هو (عنف على اللغة) نفسها بانتهاك قواعدها اللغوية لخلق لغة سرية تتداول في الظل. وهذا العنف الأخير يُسمَى في اللسانيات بـ (المتبقي) فهو أحد مصاديقه. فالمتبقي من اللسان هو مصطلح انبثق على يد (جان جاك لوسركل) في كتابه المهم (عنف اللغة)، وهو لا يريد بعنوانه(عنف اللغة) ما قد يتبادر إلى الذهن من الوسائل اللفظية التي تمثل آليات للسجال والسباب والإيذاء بالكلمة الجارحة بل يريد من مصطلح (المتبقي) ما يهمله عالم اللسانيات من المتن اللغوي المدروس من ألفاظ وتراكيب ودلالات لا تحقق الشروط الموضوعية من الانتظام والانسجام والاطراد على وفق مبادئ اللسان فتُنعَت بالشذوذ اللغوي وتمثل أداء لغوياً خاطئاً يستدعي أن يقصيه البحث اللساني عن دائرة اهتمامه، وكأنَّ هذا (المتبقي) بخروجه على النظام اللغوي يمارس عنفاً تقع تحت طائلته اللغة بانتهاك قواعدها الصارمة، فمن هنا انبثق عنوان كتابه (عنف اللغة)، فلا يمكن الإغضاء عن(المتبقي) وإهماله بسبب تفشيه، صحيح أنه لا يكتسب حيزاً في التدوين والكتابة، ففي الكتابة ينتقل الأداء العفوي الدارج إلى الالتزام بالمستوى الرسمي القياسي الفصيح نقول على الرغم من عدم امتلاكه لذلك ولكن تفشيه في الاستعمال والتواصل وارتباطه بقبليات ومحركات اجتماعية ونفسية مسؤولة عن توليده يحتم مقاربته وإيلاءه أهمية في النظر، فهذا (المتبقي) يمثل مجسَّاً لتحولات الأمم وفحص المحركات النفسية والاجتماعية المسؤولة عن التلفظ به. وهو قبل هذا وذاك يمثل عاملاً مهماً في تطور اللغة إذا ما تمكن ذلك (المتبقي) من الذيوع والانتشار في التواصل. إن النزعة المثالية للسان في انتظامه ونسقيته وصوريته الرمزية الاجتماعية أملت على (سوسير) أن يهمل الكلام ويقصيه عن اهتمامه لكونه فردياً وآنياً وابن لحظته وقد يشوبه الخطأ والتلكؤ. صحيح أن هذا الصنيع هو الذي حدد موضوعاً للسانيات ومنحها الاستقلالية العلمية وانتشلها من تبعيتها لمباحث بقية العلوم إلا أن ذلك كان النواة المؤسسة لنفي (المتبقي) عن دائرة البحث. وينضوي تحت (المتبقي) ما يُسمَى بـ (المحظور اللغوي) من الألفاظ المحرم استعمالها، كالألفاظ الدالة على قضاء حاجة الإنسان وألفاظ الجنس الخادشة للحياء والألفاظ التي يتشاءم الناس من ذكرها، فعلى الرغم من أن مباحث علم الدلالة اهتمت بهذا الحقل الدلالي الخاص إلا أن اهتمامها هذا لا يعدو أن يكون نمذجة تصنيفية للحقول الدلالية وتمييز هذا الحقل من بين بقية الحقول الأخرى، فلم يمتد نظرها إلى إخضاع تلك المفردات المحظورة إلى التحليل اللغوي والقيمي بسبب ارتباط تلك الألفاظ بالتابوات الاجتماعية. فالحديث عن تلك المفردات بعيداً عن إحالتها الواقعية للأشخاص وفي سياقاتها الانفعالية والنظر إليها من خلال التجزئة المعجمية في مباحث الدلالة كان يكتنفه الحرج الاجتماعي والإغضاء عن المقاربة العلمية.

وتذكر الباحثة التونسية (ألفة يؤسف) في مقدمة كتابها (أحلى كلام... قراءة ذاتية جداً في الشتائم التونسية الفيسبوكية) بأن بعضاً من أصدقائها ومتابعيها طلب منها جمع ما تدونه في صفحتها من تعليقات على الأحداث السياسية والاجتماعية التي حصلت في تونس بعد عام 2011، لأن ما تدونه يرتبط بحقبة مهمة من تاريخ تونس الحديث وتحولاته السياسية والاجتماعية، بيد أنها لم تجد لهذا الاقتراح صدى في نفسها يدفعها نحوه، فهي آثرت أن تجمع الشتائم التي كانت تُكال إليها بنحو مخصوص ولمجموعة من النساء والكُتاب والمدونين الذين كانوا يناهضون (حركة النهضة) ويعارضون نهجها في (أخونة) المجتمع التونسي، فقد واجهت سيلاً كبيراً من الشتائم النابية والمخجلة، وهي تصرح بأن كثيراً من مناصريها ومن مناوئيها الشتامين كانوا يعجبون لصبرها على هذه الشتائم وتحملها لهذه العبارات المؤلمة والجارحة لشخصها والخادشة للحياء العام في الوقت نفسه، فقد كانت حريصة على جمع تلك الشتائم التي تنال منها شخصياً وعكفت على تحليلها من منظور لساني واجتماعي بعيداً من ذوات الشتامين وشخصياتهم الواقعية الاعتبارية،فـ(ألفة يوسف) تؤكد أن الشتيمة ما كنت لتزعجها البتة بسبب تصورها حول اللغة وكونها لا ترتبط كثيراً في خطابات المديح والثناء أو الهجاء والشتيمة بالموضوع الذي تحيل إليه وتستهدفه، فعلى حد تعبيرها فالشتيمة ما هي إلا تعبير لتلك الذات الموتورة ورؤيتها للعالم، فهي تشعر بعطف خاص وغريب تجاه من يشتمها لا تدرك كنهه، فهي تؤكد أنها في استعمالها لفظ (الشتامين) للإحالة عليهم ليس تلخيصاً لذواتهم في هذه الصفة بل لأنَّ اللغة في منطقها الاستعمالي تحتاج إلى دوال لتمييز الأشياء في نظام تسميتها، فهي تقدم لهم الاعتذار لأنها لجأت إلى تسميتهم بـ (الشتامين) لا بل أهدت كتابها الى أصدقائها الفايسبوكيين من الشتامين إلى جنب المساندين لها والناقدين على حد سواء. وتذكر أنها في البدء كانت تجمع تلك الشتائم وتخزنها في مدونة اسمتها (مدونة الشتائم) من دون تخطيط أو هدف من وراء جمعها ولكنها بعد حين عمدت إلى النظر فيها وتحليلها، فتلك الشتائم كما ترى (ألفة يوسف) هي مرآة لمجتمعها التونسي ولخصائصه النفسية وتركيبته الذهنية، فقد جمعت تلك الشتائم بأساليبها الركيكة وبأخطائها الإملائية الفادحة، فهي ترى أن الفرار من الحقيقة لا يلغي مشكلتها ولا يسهم في معالجتها أو حلها. إنَّ صرامة التقاليد البحثية المهتمة بالمستوى الأدبي الفصيح وتعاليها عن دراسة اللهجات العامية وأساليبها وألفاظها المتداولة يفوّت الفرصة على قياس التحولات الاجتماعية الكبيرة من خلال التوظيف الدلالي للألفاظ، فمن بين الوسائل العلمية والمنهجية العديدة يبرز التحليل اللساني الاجتماعي في قياس مدى اتساع الفجوة الاجتماعية بين المكونات والتعرف على الانقسام الحاد الذي يعيشه المجتمع العراقي، فثمة مفردات من الشتائم والسباب البذيء هي من الألفاظ المولدة التي لم يعهدها من قبل معجم اللغة العامية العراقية قبل احتلال أمريكا للعراق، فالانقسام الطائفي والسياسي يلقي بظلاله على اللغة وتوليد مفردات كثيرة ومن بينها ألفاظ السب والشتيمة. إن النظر الوصفي لآليات التوليد الدلالي لتلك المفردات وكيفية اشتقاقها ورصد الحقول الدلالية الموردة لتلك الألفاظ يشف عن تردي الحس الأخلاقي وتفتت اللحمة الاجتماعية والوطنية بين مكوناته، فالخطاب الطائفي والخطاب السياسي العنصري يلجأ إلى توظيف مجازات صادمة ومخيفة ومحرضة على الكراهية في تمثلها ورؤيتها للآخر المختلف في المذهب أو الرؤى السياسية أو الانحدار الاجتماعي. ومما يُعجَب منه ويُؤسَف له أن تتحول (الوطنية) إلى سبة وشتيمة بسبب تراجع الإحساس بالهوية الوطنية وغلبة الحس المذهبي والطائفي، فمن الشتائم المولدة في العامية العراقية (وطنچي) فالدلالة المستهجنة التي تتضمن ازدراء لا تكتفي بإلحاق ياء النسبة وإضافتها إلى المفردة بل تضيف صوت(چ) قبل ياء النسبة، فـ (وطنچي) لا يكافئ (وطني) في الدلالة. وكثير من أسماء السياسيين يطالها عنف من خلال إبدال بعض أصواتها لتوليد دلالة استهجان وتحقير مع الحرص على الإبقاء على البنية الصرفية للمفردة لضمان الحفاظ على قصدية الإحالة وللإيحاء والدلالة على الشخص نفسه الذي أُبدِلت بعض أصوات اسمه الحقيقي. وتُقلَب الميم لاماً في مفردة (المقاومة) فتُسمَى بـ (المقاولة) للاتهام بالأطماع الشخصية والفساد والحصول على العقود والاستثمارات (المقاولة) لمن يدعي الوطنية والجهاد بينما الوقائع العملية تكشف زيف ادعائه، كما أن (ثورة تشرين) تُقلَب فيها النون تاء للتهكم فتسمى (ثورة تشريب)، وقد تبدل مفردة (الثورة)بأكملها بمفردة أخرى (عورة تشرين) أو (فتنة تشرين) في شيطنة هذا الحراك والانتقاص منه. ويطال العنف المصاحبة المعجمية بين المفردات المتلازمة في أسماء الائتلافات الانتخابية الحزبية، فينُتهَك التلازم بإبدال بعض المفردات لأجل السخرية (ائتلاف دولة الفافون) بدلاً من ائتلاف (دولة القانون)، ويقال(تحالف هدم) بدلاً من (تحالف عزم). فثمة رغبة نفسية وراء هذا العنف اللغوي لا يمكن اختصارها بالتهكم والسخرية، تتعلق هذه الرغبة بالتنفيس عن الكراهية، فالمتحدث يأنف من تسمية من يبغضه حقداً واحتقاراً، إذ يتواتر كثيراً في أغلب اللهجات العربية المحكية لفظ (اللي ما يسمى) ملحقاً باسم شخص يبغضه المتحدث ولا يريد أن ينوه بذكره ولكنه يضطر إلى تسميته. وثمة ضمائم نفسية غير التهكم والسخرية والاحتقار في الشتيمة بنحو عام والشتيمة السياسية بنحو خاص تتلخص بكون الشتيمة تحقق فعل (التعيير) والتذكير بأصل متواضع أو مشين وغالباً ما يرتبط هذا النوع من الشتيمة بالتذكير بمهن متدنية قي قيمتها الاجتماعية، فيُسمَى أحدهم بـ (أبو الثلج) وآخر (أبو السبح) وآخر غيره (أبو دهن الحر). ويُطلَق على السياسيين الطارئين بـ (العتاكة). وتحرص الماكنة الإعلامية للأحزاب السياسية بما تمتلك من قنوات فضائية ومنصات رقمية وجيوش إلكترونية تنشط في الظل تحرص على بث الكراهية والتسقيط لمن يهاجم رموزها، فهي تدافع عن سياستهم وتعمد إلى خلع الألقاب التي تبالغ في تمجيدهم وإزاء هذا تتمثل استجابة الجمهور في توليد أسماء ساخرة نحو: (راس تريلة) في كناية عن الرأس الحزبي المهيمن الصلب والمتعنت غير المرن في خطاباته مثلما هي مقدمة الشاحنة ورأسها، فعلى الرغم من قوة رأس الشاحنة في جر جسد الشاحنة إلا أنه لا يمتلك مرونة الاستدارة وتغيير الاتجاه مثلما يحصل في مقدمة السيارة الصغيرة. وهناك بعض المفردات في اللهجة العراقية مقترضة من الانكليزية(cover) بمعنى (الغطاء)، فيسمى اتباع الأحزاب الدينية المتظاهرون بالالتزام فيبالغون بإطالة اللحى والمظهر الشكلي الديني فيُسمون (بالكفرات) في استعارة تدل على النفاق والرياء. ومن استعارات التبعية الدالة على التملق والروح الوصولية(لواحيك) جمع (لاحوك) بمعنى لاحق وتابع، وتطلق مفردة (زبوك) وجمعها(زبابيك) في الإشارة إلى الواجهات الإعلامية من المطبلين للأحزاب والمدافعين بشدة عن سياستهم وفسادهم بنحو ينتهج المغالطة الحوارية ومهاجمة الخصم والتشويش على كلامه، فالمفردة العامية يمكن ردها إلى أصول فصيحة للفعل (زبق)، فمن معانيه كما يذكر ابن منظور في معجمه لسان العرب الدخول في الشيء بسرعة والتخفي، وقد أُبدِلت القاف كافاً، ومناسبة الاستعارة أنهم يبالغون بالظهور في منصات إعلامية كثيرة جداً ويفتقدون اللياقة في الحوار إذ لا يدعون خصمهم يكمل حديثه فهم مجندون للتشويش على الخصوم. ومفردات (بواقة)، و(مطبلجية)، و(مهاويل) تستلهم القصد نفسه في إدانة الواجهات الإعلامية من ممثلي الأحزاب الملمعين لسياستهم والمتملقين لهم. ومن ألفاظ الشتيمة التي ترتبط بفعل التخوين واتهام الآخر بالتبعية والعمالة للأجنبي والارتزاق مفردة (الذيل) (والذيول)، وهي من المجازات المولدة وينحصر استعمالها على فئة معينة يرتبط ولاؤها لجهة خارجية، وهي ترتبط بإحدى المجازات الميتة في الاستعمال الفصيح وهي مفردة (الأَذناب) جمع (ذنب) القديمة الاستعمال ومرادفها العامي هو (الذيل) وهو من الأصول الفصيحة أيضاً، واستعارة (الذنب) ترتبط بالعمالة، ففي الخطابات الوطنية المرتبطة بتخوين العملاء والتشكيك بنواياهم الوطنية يُقال عنهم أنهم (أذناب المستعمر) أو (أذناب المحتل)، فهي مجاز واستعارة تصورية مجالها المصدر هو الحقل المُدَنَس عند الإنسان وهو حقل الحيوان، فهي لا ترمز إلى تبعية الجزء للرأس المفكر والجسد الكلي فحسب، ففيها أيضاً ضمائم دلالية من التحقير والازدراء والكراهية. فثمة استعارات جسدية كثيرة تدل على التبعية غير المشينة والحضور الفاعل والمؤثر في الجسد، مثل فلان يد فلان، وفلان عين فلان، وفلان العقل المفكر لهذه الجهة، وهؤلاء هم (أذرع) الجهة الفلانية في المنطقة، بيد أن مفردة (الذيل) تمثل غاية في العنف والتحقير. وتبلغ الشتيمة ذروتها من السقوط الأخلاقي المشين مما يندى له الجبين في تناول أعراض الأشخاص واتهامهم بشرفهم في سيل نابٍ من الألفاظ المخجلة في خطابات تتقابل فيها الشتائم في ثنائيات طائفية مريضة ومقيتة ترسم صوراً فاضحة لمن يُشتَم نحو (أبناء المتعة..أبناء الرفيقات)،(أبناء أم حازم.. أبناء الأفغان والشيشانيين). أو قد يكون التقابل في الشتائم منطلقاً من التخوين والتسقيط والإحالة للعمالة للأجنبي (ذيول..جوكرية) (ولائيون... تشارنة)، (طائفية... وطنجية)، وثمة تقابلات لفظية تكفيرية توغل في وحل الكره الطائفي ومستنقعه الآسن نحو: (رافضي.. ناصبي)، (صفوي.. وهابي)، فالشتيمة لا تضطلع بوظيفة نفسية في التفريغ عن الأحقاد المكبوتة والرغبة بإيذاء الآخر وإلحاق الألم به تشفياً فحسب، فهي بتكرارها وشيوعها وتعميها في خطابات الكراهية وفضاء البغضاء الرقمي ترسم صورة نمطية للشخص غير صورته الحقيقة يحتاج الشاتم أن يتمثلها هو نفسه للتشفي، وأن يعمل على تكريسها عند الآخرين لا لأجل التسقيط الاجتماعي فحسب بل هي سلاح ردع لا يهاب خطوطاً حمراء ويسدد ضرباته تحت الحزام، يُلجَأ إليه حين تتكبد الأفكار المؤدلجة خسائر في الدفاع عن مسلماتها العقائدية بعد أن مُنيت بهزائم فكرية على يد آليات النقد المتطورة في حوارها الموضوعي الهادئ والرصين، فلم تجدِ نفعاً تلك المعاقل الدوغماتية، المتمترسة خلف الوهم والبروبركاندا الحزبية أو الطائفية المريضة في خطاباتها المضللة.

ويصل برم الجمهور ذروته من المؤسسة الدينية التي لا تهتم إلا بالحفاظ على طقوسها الشكلية المفرغة من مضمونها الروحي وحرصها على ضمان منافعها الخاصة وضمان استمرار رمزيتها الشعبوية، فلا تكترث لهموم الناس وتفشي الفساد الذي يفتك بجسد الدولة ويفت من النسيج الاجتماعي فيُسمَون بـ (كهنة معبد آمون)، فالتسمية لا تتضمن الإدانة والتحقير وحدهما بل تحقق التكثيف وتختصر كثيراً من المعاني التي توحي بها هذه المفردة من تفريغ الدين من محتواه القيمي فيتحول وسيلة للارتزاق ومؤسسة كهنوتية فاقدة للقيم الروحية وتستثمر في مخاوف الناس وجهلهم وتتواطأ مع فساد السلطة.

وترتبط ألفاظ الشتيمة في ضوء خطاطة (ياكوبسن) بالوظيفة التعبيرية للخطاب والتركيز على طرف المُرسِل في أحيان لتفريغ مشاعر الكراهية والتشفي، وفي أحيان أخرى ترتبط بالوظيفة التأثيرية (بالتركيز على المُرسَل إليه) في جرح الآخر وإسكاته وتعييره، وترتبط أيضاً بوظيفه التركيز على قنوات التواصل، فهذه الوظيفة تأذن بنهاية الحوار وغلقه، ففيها ينتبه المنخرط في المحادثة للوسائل التي من شأنها أن تجعل الانتباه قائماً بين الطرفين أو تخلق بداية الحوار أو تؤذن بانتهائه مثل عبارات التحية والوداع، فالشتيمة تتكفل بغلق الحوار بطريقة بعيدة عن الأدب واللياقة. إن فكرة ارتباط الاستعارة بمحور الاختيار المفرداتي لا بمحور التوزيع خضعت للتطور في اللسانيات الإدراكية فأضحت الاستعارة متضمنة في المعجم الذهني لا في عمليات الإبداع التوليدي التركيبي، فهي ترسم قبليات تصورية حول الأشخاص، فتنوب الشتائم الاستعارية مناب اسم العلم للأشخاص في خطابات الفتنة، وقد تمخضت الفكرة ونضجت في التحليل اللساني في نظريات الحجاج، فالاستعارة والمجاز تُعَد خزاناً ومستودعاً للمواضع الحجاجية، فالعبور من المسلمة إلى النتيجة في مسار الخطاب الإقناعي ينقدح زناده من تلك المواضع (القيم الحجاجية)، وهي قيم نسبية تختلف بين جماعة وأخرى، فيستغني منشئ الخطاب عن التصريح بتلك القيم لأنها حاضرة في الاقتضاء المعجمي لتلك المسلمات بل إن القوة الحجاجية لتلك القيم المضمرة في بنية الخطاب تمكن المتحدث من أن يستغني عن التصريح بالنتيجة تعويلاً على الكفاية التخاطبية للمتلقي وقبلياته التصورية والمعاني الهامشية الحافة للألفاظ.

فالشتيمة في المنظور اللساني الإدراكي تمثل في بنية خطاب الفتنة (مقولة تصنيفية) للفئات والأفراد المختلفين، فمفردة (صعيدي) في العامية المصرية ــ مثلاً ــ تغادر حياديتها في الدلالة على المكان إلى ضمائم عنصرية فوقية متعالية من التهكم والاحتقار والوسم بالسخرية والسذاجة وعدم المرونة في الرأي إلى حد البلادة فتمثل مدلولاً تصورياً ومتخيلاً مفارقاً عن المدلول التصوري عند إنسان الريف المصري في الصعيد، فهي تحمل عند الأخير قيم الرجولة والشهامة المفرطة والشجاعة وذروة الكرم. فالمفردة تمثل عند أولئك شتيمة وعند هؤلاء ثناء ومديحاً. فالناطقون بلغة واحدة لا يشتركون في معجم لغوي ذهني واحد على الرغم من اشتراكهم في أنساق صرفية ونحوية وصوتية وكثير من الدلالات المركزية للكلمات. فللمفردات أطر ذهنية مختلفة بين الهويات الفرعية والجماعات المذهبية. وفي إنتاج الخطابات وتأويلها يتم تنشيط تلك الأطر لتنظيم الخطاب وضمان سيرورته الخطية ومساره الحجاجي من قبل منشئه ويتم تفعيلها من قبل جمهوره المؤدلج في تأويل تلك الخطابات. وتكون الملاءمة التأويلية لتلك المجازات عالية جداً، فلا يكاد المتلقون يبذلون جهداً في فهم قصديتها الدلالية، فينطبق خطاب الفتنة وأفق المتحدث(المُحرض على الكراهية) مع أفق المتلقي والجمهور المؤدلج بسبب دوغما الكراهية العمياء ومركباتها المزمنة وتماهيهم في الرؤى العنصرية الواحدة، حتى من يراقب الشتيمة التي لا تمثل له مشتركاً تصورياً عن الآخر المختلف سوف يستدل بنحو ضمني على الهوية الفرعية لمنشئ الخطاب ولأي جماعة ينتمي بسبب تلك المفردات النابية، فلكل طائفة قاموسها من ألفاظ الشتيمة والكراهية يشكل متخيلها القيمي ويرسم صورة نمطية سلبية عن الآخر المختلف. وإذا كانت اللسانيات الاجتماعية في دراستها للتحول اللغوي أثناء الخطاب قد رصدت أثر (أفعال الهوية اللغوية) التي تشف عن الاستعمالات اللغوية الخاصة التي ينتمي إليها الفرد وحرصه على تأكيد انتمائه لجهة ما في تحوله من النسق الفصيح إلى لهجته الخاصة، فألفاظ الشتيمة هي الأخرى يمكن عدها من أفعال الهوية اللغوية.

ومفردة (الاجتثاث) لعناصر النظام السابق ومؤيديه من أكثر المفردات المحرضة على الكراهية في دلالتها الرمزية فهي متضمنة لاستعارة قرآنية (ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار)، ولوطأتها وحساسيتها الشديدة فقد أُبدِلت تسمية إحدى المؤسسات الحكومية التي تتعقب من انتمى للنظام السابق (هيئة اجتثاث البعث) أُبدِلت بمفردة(هيئة المساءلة والعدالة) لتفادي تأويلات الثأر والانتقام والتشفي. ونظير هذا التغيير في التسمية ما عمد إليه من قبل نظام صدام إزاء انتفاضة محافظات الوسط والجنوب بعد خروجه من الكويت، ففي فورة غضبه أسماهم بـ (الغوغاء)، وهي وإن كانت في دلالتها تتضمن الفوقية والاحتقار لأبناء شعبه ولكن معانيها المعجمية في أصولها الفصيحة تشير إلى عفوية الحراك الشعبي الثائر وصدقه، وسرعان ما أبدل التسمية بتسمية ثانية هي (صفحة الغدر والخيانة)، فمفردة (الغوغاء) في ضوء المعاجم العربية القديمة هي مأخوذة من كثرة حركة (حشرات الجراد) وتجمعه وتشتته وعشوائيته وكأَنَّ النظام الدكتاتوري قد اعترف ــ من حيث لا يدري ــ بعفوية وصدق الانتفاضة وبعدها عن العمالة ويعترف بكثرة من خرج على نظامه وإن كانوا من بسطاء الناس، فهم صادقون لإحساسهم بالظلم ؛ بينما التسمية الجديدة(صفحة الغدر والخيانة) تناغم غرور النظام الذي يفلسف الهزيمة بالنصر مثلما تصنع دائماً الأنظمة الشمولية التي لا تقر بهزائمها البتة. وكأَنَّ الأحداث فيما يريد أن يوحي به النظام السابق هي صفحة طُوِيت بسهولة كطي ورقة من سفر طويل من الانتصارات والتحديات وهي توحي باستتباب الأمن وبسط نفوذه، فما حصل هو صفحة من الماضي. بينما حرصت التسمية الشعبية أن تطلق عليها بـ (الانتفاضة)، وبعد تطور أحداثها وركوب الجماعات الإسلامية موجتها أُضيفت إليها مفردة (الشعبانية) فسميت(الانتفاضة الشعبانية) لإضفاء الصبغة العقائدية عليها فقد انطلقت شرارتها في شهر هجري من الأشهر المقدسة (شعبان) ولم تسمَ باسم الشهر الميلادي مثلما هو التقليد في تسمية معظم الثورات. فالتسمية للأحداث السياسية ليست اعتباطية بل هي تعكس رؤية خطاب التسمية وموقفه منها، والاختلاف بالتسمية يعكس المسافة النفسية وأيديولوجية الخطاب.

وفي الإبادة الجماعية التي ألحقها نظام صدام بكرد العراق عام 1988حرص على تسمية عملياته العسكرية الوحشية والعنصرية بـ (الأنفال) في اقتباس من سورة الأنفال في القرآن الكريم في توظيف براغماتي للدين على الرغم من علمانية النظام، فالمفردة غاية في القسوة والعنف إذ توحي بكونهم مارقين وتستبيح منهم الحرمات والدماء كأنهم كافرون وإن حملته العسكرية هي حملة مشروعة ومقدسة. وبقيت هذه المفردة غائرة كجرح عميق في الذات الكردية، والغريب أن الكرد أنفسهم يشيرون لضحاياها إلى لحظتنا هذه فيسموهم بـ (المؤنفلين)، بسبب سطوة النظام السابق الذي رسَّخ هذه المفردة في الاستعمال.

وثمة تقابل في الشتيمة بين الفرقاء السياسيين والجماعات الطائفية في سجالاتها الكلامية، ومن بين تلك المجازات المتقابلة بين الأحزاب التي انخرطت بمشروع (بريمر) والحزب الحاكم قبل احتلال أمريكيا للعراق (جاؤوا على دبابة أمريكية) هذه الشتيمة تُرد بشتيمة (جاؤوا بقطار أمريكي)، والمجاز الأخير في أصله لم يكن شتيمة بل اعترافاً بتبعية انقلاب البعث وعمالته وتخابره مع أمريكا واستيلائه على السلطة عام 1963 فقد وردت على لسان أحد قيادات البعث (علي صالح السعدي) (جئنا إلى السلطة بقطار أمريكي) في واحدة من لحظات البوح والندم والاعتراف بالخطأ، وجرى تلقف هذه الكلمة من خصومهم لتحقق التقابل بين خطابات التخوين والعمالة للأجنبي والانخراط بمشروعه التوسعي. ومن بين تلك المجازات المتقابلة بين الخطابين (أيتام صدام) للمنتفعين من عهده ومجاز (أيتام بريمر)، فالمجاز الأخير يرتبط بالتعيير والاتهام بالعمالة والتسقيط والتبعية لمشروع أمريكا وحاكمها الأول في العراق (بريمر) الذي أسس لنظام المحاصصة في الحكم وبذر فتنة الانقسام السياسي الطائفي. ويُسنَد فعل الرسم إلى الدم في مجاز عقلي (الحدود يرسمها الدم) على لسان أحد الزعماء الكرد مهدداً في ذروة الشد السياسي حول الأراضي المتنازع عليها بين قوميات عراقية مختلفة، فهذا المجاز يختصر كلاماً كثيراً من التهديد بإراقة الدماء وفرض الأمر الواقع تحت سطوة السلاح وينذر بالحرب الأهلية. كما يرد مجاز (سنصعد الجبل إن لم يستجب المركز) في سياق التهديد نفسه في الكناية عن الانشقاق وعصيان المركز وحمل السلاح في حرب العصابات التي تستمد مقوماتها من الجغرافيا القاسية وتتخذها ملاذاً آمناً في الاختباء والقنص. وثمة مجازات تلقي تبعات الإرهاب الوافد من خارج الحدود والتكفير والقتل على الهوية على بيئة اجتماعية ومنطقة داخلية معينة من خلال التلويح بالتخوين بالقول: (تعزز الجهد الاستخباراتي في حواضن الإرهاب ومناطقه) ولا يخفى ما في دلالة (حواضن) من إدانة واتهام بالرعاية والتنشئة للإرهاب مما يمكن عده إجحافاً بحق سكان تلك المناطق الذين قد اكتووا بنيران الإرهاب قبل غيرهم. ومن مجازات التخوين والاتهام بالتبعية والعمالة والمشحونة الاحتقار والطائفية: (كلاب العجم)، فدلالة الكلب تستبطن النجاسة والخسة والتبعية الذليلة، ويرسم هذا المجاز في عنفه اللغوي الشديد اتساع الشرخ وحجم الكراهية بين الفرقاء السياسيين. وفي سياق الإحالة إلى قسم من الناشطين المدنيين الذين انضموا للعملية السياسية وكانوا جزءاً من حراك تشرين ووصلوا إلى البرلمان وانخرطوا في لعبة السياسة وتفاهمهم النفعي مع الكتل الكبيرة في البرلمان وتخليهم عن مطالب جمهورهم يُشار إليهم في واحد من المجازات (صاروا خردة بجيب الإطار). وإذا كانت الألفاظ لا تدل بنفسها وإنما تدل بإرادة المتلفظ كما يشير ابن سينا في كتابه (الشفاء) فإن هذا المجاز الأخير يُوظَف في خطابين متقابلين على الرغم من وحدة الملفوظ، ففي خطاب جمهور تشرين يُوظَف للدلالة على آسفهم وخيبة أملهم ؛ بينما ثمة دلالة مغايرة يُوظَف فيها هذا المجاز من جمهور أحزاب السلطة في دلالة على الإغاظة والتشفي وفشل حراك تشرين، على الرغم من وحدة المشترك التصوري فيما يخص ضخامة الإطار التنسيقي وهيمنته السياسية، فهو الجسد الرئيس وهم شيء ضئيل في البرلمان مثلما هي الفئات القليلة من العملة النقدية التي يسهل السيطرة عليها ودسها في الجيب.

ويمكن تصنيف الشتائم إلى شتائم دينية وأخرى مذهبية وثالثة سياسية ورابعة شتائم مناطقية وخامسة عشائرية وسادسة شتائم أيديولوجية (فكروية) نحو: (لبرالي، يساري، أصولي، علماني، إسلامي، قومي، حداثوي، رجعي، متطرف، ذكوري، جندري) فهذه المفردات توظف في فضاء دلالي مغاير غير فضائها وتتحول إلى نقيصة وسبة تلحق بمن يتصف بها في الخطابات السجالية الايديولوجية المتشنجة. بل حتى خطاب المثقف نفسه الذي يفترض أن يكون خطاباً نخبوياً بعيداً عن العنف ويتسم بالموضوعية ويحمل قيم التنوير نجده يقع هو الآخر في شراك النرجسية ومركبات الغرور والفوقية في حس متعال على الجمهور، فتشيع لديه مفردات (القطيع، والأوباش، والرعاع، ذكوري، رجعي، أبوي بطريركي...) فيوزع التهم وتبعات المسؤولية على الجمهور في خطاب يمعن في جلد الذات.

وتتفاوت الشتائم في شدة آثارها النفسية ودرجة الكره وتحقير الآخر ولعل أشدها وقعاً في عنفها الرمزي في إثارة حفيظة الآخر هي الشتيمة المناطقية لأنها تمثل متخيلاً مشتركاً بين الانتماءات المتنوعة والهويات الفرعية، فالمختلفون دينياً ومذهبياً وسياسياً وفكرياً قد يتوافقون جميعاً في تمثل صورة سلبية نمطية تحمل دلالات سلبية عنصرية في احتقار منطقة جغرافية ما، فينظرون نظرة احتقار وفوقية لمن تنحدر أصوله الأسرية منها. وقد ترد تلك المفردة على لسان المختلف عنهم ولكن بسياق حيادي إشاري غير مغرض في الإحالة لنسبة الجماعة للمكان ولكنها على الرغم من ذلك الحياد تثير حساسيتهم لأنهم يدركون معانيها السلبية الحافة وتمثلاتها لدى الآخر المختلف جغرافياً عنهم.

والشتيمة نفسها تتعرض بسبب تفشيها على الألسنة إلى تطور وانزياح في دلالتها المركزية وتغادر مجالها الديني إلى الفضاء الاجتماعي العام، فمفردة (حنبلي) في سياق الذم لم تعد تحيل في معناها إلى المذهب الفقهي بل تحيل إلى التزمت في الرأي أي رأي كان، وفي اللهجة المصرية مفردة (ابن الرافضي) تحيل في قصدية استعمالها إلى خبث السريرة وسوء المنبت ولا تحيل إلى دلالتها العقائدية في سياق الكراهية، وكذلك (أيوة يا عمر)، فهذه المفردة الأخيرة لعلها من بقايا الحقبة الفاطمية وعقائدها المذهبية كما يشير عالم اللغة المصري (رمضان عبد التواب) في مقدمة ترجمة كتاب تشومسكي (اللغة والمسؤولية)، فهذه المفردة في الاستعمال اللهجي المصري المعاصر تشير في قصديتها إلى قوة الشكيمة والسطوة في الرأي ولا تحيل في دلالتها إلى تمثلاتها التاريخية، فالصحابي عمر رمز موقر في عقيدة من يستعمل (يا عمر) في التهكم، فهو لا يستحضر رمزيته البتة. وكذلك مفردة (يهودي) في العامية العراقية في دلالتها الاجتماعية المعروفة في الإحالة على قسوة القلب والخبث تخلت عن إحالتها الدينية فهي تشير إلى قسوة القلب. وبانتقال تلك المفردات وهجرتها الدلالية الى الفضاء الاجتماعي سوف يتضخم قاموس الشتيمة اليومي بسبب رواسب الكراهية الطائفية والدينية. وهذا هو الأمر الذي ينذر بالخطر الكبير إذ يمكن أن تُطوَى وتُنسَى صفحات الطائفية والصراعات السياسية ولكن ألفاظ الشتيمة سوف تهاجر دلالياً إلى الفضاء التداولي الاجتماعي اليومي فيتضخم قاموس الشتائم مما ينعكس سلباً على قيم المجتمع ومنظومته القيمية.

وفي المقاربة اللسانية للغة البشرية مع الإشارات الحيوانية المحدودة للوقوف على تفوق اللغة الإنسانية وإيفائها بحاجات الإنسان التعبيرية وقدراتها غير المحدودة في التواصل موازنة بالأصوات الغريزية اليسيرة المحدودة التي تتفاهم بها الحيوانات جرت البرهنة على أن اللغة هي ميزة ترتبط بالكينونة الإنسانية، ففيها من الخصائص التواصلية مما تفتقر له أصوات الحيوانات، منها قابلية اللغة للإزاحة والحديث عن أشياء مستقبلية وفي الماضي ؛ بينما إشارة الحيوان ترتبط بموقف معين، وقدرة اللغة على التفصيل والبيان في حين إشارات الحيوان مجملة غريزية محدودة، وشخصوا أن الإنسان وحده من يستعمل لغته للخداع والتضليل، ويمكن التفريع على ذلك بأنه الكائن الوحيد الذي يستعمل نظامه الإشهاري للعنف وإيذاء الآخر لمجرد الإيذاء أحياناً من دون اضطرار للعنف، مثلما هو الكائن الوحيد الذي يقتل في أحيان رغبة في القتل لا لأجل للدفاع عن نفسه بينما تضطر الحيوانات للافتراس لتوفير متطلبات البقاء من الحماية والطعام، فهي لا تقتل لأجل القتل. فإذا كانت اللغة ارتقت بكينونة الانسان من خلال تفاعلها مع ملكة الاستنتاج والتحليل وامتلاكها سمة التجريد والتعميم في نظامها اللساني بما يجعله متفوقاً في التفكير على سائر الكائنات الحية، فإن الإنسان ــ ومما يُؤسَف له ــ انحدر في استعماله للغة إلى مستويات من العنف والبذاءة وسوء الأدب بنحو لم تصل إليها الحيوانات البدائية في وحشيتها.

ومن الجدير بالذكر أن اللبنانيين بعد أن اكتووا بنيران الحرب الاهلية ودفعوا الثمن باهضاً لتشرذمهم المرير حرصوا أن يحتفظوا ببعض رمزيات الفتنة التي أوقدت نيران الحرب الأهلية وتحديداً الحافلة التي تم اطلاق الرصاص عليها في منطقة (عين الرمانة) في إحدى ضواحي بيروت في منتصف سبعينيات القرن الماضي التي كانت النواة التي أشعلت الحرب الأهلية بين مكونات البلاد، فقد عُرِضَت في إحدى الساحات العامة وهي تحمل آثار الرصاص في هيكلها، ثم نقلت إلى حديقة احد المتاحف في بيروت حرصاً على التذكير برموز الفتنة لاستلهام الدرس المرير واتخاذه عضة وعبرة وتفادياً لكل ما من شأنه أن يوقظ الفتن ويحرِّض عليها في المستقبل. ولعل خطابات الكراهية وألفاظها في الفضاء الرقمي العراقي هي أولى من أيقونات الشر والفتن بشواخصها المادية (المتحفية) بالمراجعة والنقد والتذكير بكونها هي المحرك الأول للفتنة والانقسام، فمن قبل وضع نزار القباني يده على الجرح في قصيدته (هوامش على دفتر النكسة) بعد حرب حزيران وهزيمة العرب المرة أمام إسرائيل:

أنعى لكم يا أصدقائي اللغة القديمة

والكتب القديمة..

أنعى لكم.. كلامنا المثقوب كالاحذية القديمة..

ومفردات العهر والهجاء والشتيمة

أنعى لكم.. أنعى لكم

نهاية الفكر الذي قاد إلى الهزيمة.

فنعيه الحزين لا يتعلق باللغة بوصفها نظاماً بل نعيه هو نعي للعقل اللغوي العربي وآليات تفكيره ونزعته القبلية الطائفية، فهذا العقل هو من أنتج هذه الهزيمة لتشرذمه وانشطاره إلى هويات فرعية تتصارع وتتقاتل بالكلمة والسباب، فهو نعي لعقل لا يمكن أن ينتج الوئام والسلام، ولا يمتلك مقومات الصمود إزاء التحديات التي تواجهه.

وبعد فقد لا تستريح نفس القارئ الكريم ويثقل عليه حديث الفتنة الطويل والمسهب، ويمج ألفاظ الشتيمة ومجازاتها، وقبل ذلك ثقل هذا الحديث على القلم نفسه وناء بهذه السطور الثقيلة التي لا تبعث أريحية في القراءة، فانقبضت منها نفسه أولاً قبل أن تنقبض منها نفس القارئ الكريم، ولكن لابد مما ليس من دونه بد، فلا يمكن للمجتمعات التي تعيش انقسامات حادة أن تتعافى من أمراضها الطائفية والعنصرية والقبلية وتستأنف عقداً اجتماعياً جديداً يرسّخ الوئام ما لم تفكك تلك الخطابات وتضعها على منضدة التحليل والنقد.

***

كريم عبيد علوي

وبعض تصورات الإسلام السياسي للدولة

ليس من السهل أن تجد مساحة مشتركة بين حسن البنا وأبراهام إسحاق كوك. الأول جاء من مصر في عشرينيات القرن الماضي، في زمن الاستعمار وسقوط الخلافة والقلق على موقع الإسلام في المجتمع والدولة. والثاني خرج من سياق يهودي مختلف تماماً، يحاول أن يجد معنى دينياً لمشروع صهيوني كان كثير من رواده علمانيين.

لا يجمع بين الرجلين تاريخ واحد ولا قضية واحدة، وربما كان كل منهما سيرى في مشروع الآخر نقيضاً لما يؤمن به. ومع ذلك، حين نترك العقائد جانباً وننظر إلى السؤال الذي طرحه كل منهما على الدولة، تبدأ مسافة الاختلاف الهائلة بينهما في كشف شيء آخر يستحق التأمل: ماذا يحدث حين لا تبقى العقيدة شأناً يخص إيمان الفرد والجماعة، وتدخل إلى الدولة لتصبح جزءاً من تعريف السلطة والقانون؟

عندما أسس حسن البنا جماعة الإخوان المسلمين في الإسماعيلية سنة ١٩٢٨، لم يكن الإسلام الذي يتحدث عنه ديناً يمكن أن يظل داخل حدود المسجد. كان الإسلام عنده ديناً ودولةً، ومجتمعاً ونظاماً للحياة. غير أن الفكرة التي ستصبح لاحقاً أكثر حساسية في الإسلام السياسي تبلورت بصورة أوضح عند أبي الأعلى المودودي، الذي أسس الجماعة الإسلامية في لاهور، التي أصبحت لاحقاً ضمن باكستان، سنة ١٩٤١. المودودي هو الذي أعاد بناء مفهوم “الحاكمية” داخل لغة الدولة الحديثة، ثم تلقف سيد قطب جانباً مهماً منه، ودفع به في كتاباته الأخيرة إلى صياغة أكثر حدة، حيث صار السؤال في النهاية يتجاوز صلاح الحاكم وفساده إلى أصل السلطة نفسها: من يملك الحق في أن يقول هذا حلال وهذا حرام، هذا قانون وهذا باطل؟ الله أم البشر؟

ولعل من المهم هنا ألا نحمّل حسن البنا ما جاء بعده. فالبنا لم يصغ مفهوم “الحاكمية” بالصورة التي نجدها لاحقاً عند المودودي وقطب، ولم تكن جماعة الإخوان في سنواتها الأولى نسخة مكتملة من المشروع الذي سيظهر لاحقاً في تجارب الحكم الإسلامي المختلفة. غير أن فكرة شمول الإسلام، ورفض حصره في العبادة الخاصة، وضعت منذ وقت مبكر السؤال الذي سيظل يلاحق هذه التيارات: إذا كان الإسلام ديناً ودولة ونظام حياة، فأين تنتهي العقيدة وتبدأ سلطة الدولة؟

قد يبدو الجواب بديهياً للمؤمن: الله.

لكن السياسة تبدأ بالضبط بعد هذه الإجابة، لا قبلها.

فالله لن يجلس في البرلمان ليشرح المادة المختلف عليها، ولن يكتب قانون العقوبات، ولن يحدد النظام الضريبي، ولن يقرر إن كان هذا النص الديني قطعياً أو قابلاً للاجتهاد. سيقوم بذلك بشر: فقيه أو حزب أو مجلس شورى أو محكمة أو مرشد أو رئيس. وهنا يظهر سؤال ظل الإسلام السياسي، في تجاربه المختلفة، يتعثر فيه: إذا كانت الحاكمية لله، فمن يملك على الأرض سلطة تفسير ما يريده الله؟

المشكلة إذن ليست في الاعتقاد بأن لله حكماً. ملايين المؤمنين يعتقدون ذلك ولا يريدون إقامة دولة دينية. المشكلة تبدأ حين تتحول المسافة بين الله والبشر إلى مساحة سياسية يحتلها بشر يملكون السلطة، ثم يقدمون اجتهادهم باعتباره أقرب من اجتهاد خصومهم إلى إرادة الله.

وهذه ليست مسألة نظرية تماماً. في باكستان، بعد عامين فقط من قيام الدولة، أقرت الجمعية التأسيسية “قرار الأهداف” في ١٢ مارس ١٩٤٩، وفيه أن السيادة على الكون لله، مع إسناد ممارسة السلطة إلى الشعب ضمن الحدود التي رسمها الله. ومنذ ذلك الوقت ظل السؤال الباكستاني مفتوحاً: كيف تجتمع سيادة الشعب مع سيادة سابقة لها ومتعالية عليها؟ فمفهوم الحاكمية بصيغته السياسية الحديثة نشأ في اشتباك مباشر مع مفاهيم السيادة والتشريع في الدولة الحديثة، حتى وإن كانت له جذور في التراث الفقهي الإسلامي.

ولم يبق هذا التوتر بين “سيادة الله” و”سيادة الشعب” مجرد مسألة يختلف حولها الفقهاء والمفكرون.

في إيران، بعد ثورة ١٩٧٩، دخل السؤال إلى صلب الدستور نفسه، ولا سيما في صيغته المعدلة سنة ١٩٨٩. فالدستور الإيراني يقرر أن السيادة المطلقة على العالم والإنسان لله، ويقرر في الوقت نفسه أن الإنسان يمارس حقه في تقرير مصيره الاجتماعي، ثم يضع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية تحت إشراف القيادة وفق مبدأ ولاية الأمر. وحين تكون هناك مؤسسات منتخبة ومرجعية دينية أعلى منها في الوقت نفسه، يبرز السؤال من جديد: أين ينتهي اختيار الناخب وأين تبدأ الحدود التي لا يستطيع هذا الاختيار تجاوزها؟

على الطرف الآخر كان يحدث شيء مختلف، لكنه يثير سؤالاً قريباً.

الصهيونية لم تبدأ حركة دينية خالصة. هذه حقيقة مهمة، لأن أي مقارنة تتجاهلها ستصبح ضعيفة منذ سطرها الأول. تيودور هرتزل لم يكن حسن البنا اليهودي، والحركة الصهيونية المبكرة ضمت تيارات علمانية واشتراكية وقومية، وكان لكثير من المتدينين اليهود أنفسهم تحفظات على الصهيونية.

التحول الذي يعنيني هنا نجده بصورة أوضح عند الحاخام أبراهام إسحاق كوك، ثم، بصورة أشد، عند ابنه تسفي يهودا كوك وتلامذته. أعطى كوك الأب المشروع الصهيوني معنى خلاصياً؛ فأمكن أن يصبح بناء الوطن اليهودي جزءاً من مسار ديني حتى حين يقوم بالبناء يهود علمانيون لا يرون أنفسهم أدوات لخطة إلهية.

ثم جاءت حرب يونيو ١٩٦٧، أو ما عُرف بحرب الأيام الستة. خلال أيام قليلة هزمت إسرائيل القوات المصرية والأردنية والسورية، وسيطرت على سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية وهضبة الجولان. ولم تكن النتيجة مجرد توسع عسكري كبير في الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل؛ فقد وضعت الحرب القدس الشرقية والضفة الغربية، بما تحملانه من رمزية دينية وتاريخية يهودية، تحت السيطرة الإسرائيلية، ومنحت أفكار مدرسة كوك قوة جديدة.

كانت الحرب ستة أيام في التقويم العسكري، لكنها كانت أطول بكثير في المخيال الديني. ما حدث لم يُقرأ لدى هذا التيار باعتباره نصراً عسكرياً أو تحولاً جغرافياً فقط. دخلت القدس الشرقية والضفة الغربية، التي يسميها الخطاب القومي الديني “يهودا والسامرة”، في سردية الخلاص نفسها. بدا لبعض أتباع مدرسة كوك أن التاريخ الديني الذي قرأوه في النصوص يتحرك أمامهم على الأرض، وأن السيطرة على هذه المناطق ليست حدثاً سياسياً عادياً، وإنما خطوة في مسار أوسع للخلاص. ومن هذه البيئة خرجت سنة ١٩٧٤ حركة “غوش إيمونيم”، وأصبح بناء المستوطنة فعلاً سياسياً ودينياً في آن واحد؛ خطوة على الأرض وخطوة داخل تصور أوسع للتاريخ والخلاص.

وعبر عقود طويلة تحرك بعض هذه الأفكار من المدارس الدينية والحركة الاستيطانية إلى الأحزاب والكنيست ثم إلى قلب السلطة التنفيذية. ويمكن متابعة هذا المسار، مع اختلاف كبير بين حلقاته، من مدرسة كوك وغوش إيمونيم إلى مائير كاهانا، ثم إلى تيارات الصهيونية الدينية الجديدة التي أصبح من أبرز وجوهها بتسلئيل سموتريتش.

كاهانا حالة متطرفة لا يجوز تقديمها وكأنها تمثل الصهيونية الدينية كلها، لكنها مهمة لأنها تكشف إلى أين يمكن أن يصل منطق الامتياز الديني والقومي عندما يُدفع إلى نهاياته. دخل الكنيست سنة ١٩٨٤، وطرح أفكاراً صريحة تدعو إلى ترسيخ التفوق اليهودي في الدولة، ونقل السكان العرب، وبسط السيادة الإسرائيلية على كامل أرض إسرائيل غرب نهر الأردن، وربط تصور الدولة بالهوية اليهودية وبالقانون الديني اليهودي. والمفارقة أن النظام السياسي الإسرائيلي نفسه تحرك لاحقاً لوضع حدود أمام هذا الاتجاه؛ عُدلت القوانين بما يسمح باستبعاد القوائم المحرضة على العنصرية، ومُنع حزب “كاخ” من المشاركة في انتخابات ١٩٨٨، ثم حُظر لاحقاً.

وفي سنة ٢٠١٧ طرح بتسلئيل سموتريتش ما عُرف بـ”خطة الحسم”، وهي وثيقة تنقلنا من اللاهوت إلى السياسة العملية. تقوم فكرتها الأساسية على رفض قيام دولة فلسطينية مستقلة غرب نهر الأردن، وعلى توسيع الاستيطان وترسيخ السيادة الإسرائيلية بحيث يصبح مشروع الدولة الفلسطينية غير قابل للتحقق عملياً. ويضع سموتريتش أمام الفلسطيني خيارات تبدأ بالقبول بالحياة الفردية تحت السيادة الإسرائيلية من دون تحقيق مشروع قومي مستقل، وتمتد إلى الهجرة لمن يرفض هذا الواقع، بينما تواجه المقاومة المسلحة بالقوة. هنا لا تعود الأرض مجرد موضوع إيمان؛ تصبح العقيدة وقد حصلت على خريطة وخطة وإدارة وميزانية.

وفي ١٩ يوليو ٢٠١٨ أقر الكنيست “القانون الأساسي: إسرائيل – الدولة القومية للشعب اليهودي”. النص يعرّف إسرائيل بوصفها الدولة القومية للشعب اليهودي، ويقصر ممارسة حق تقرير المصير القومي في الدولة على الشعب اليهودي، ويصف تطوير الاستيطان اليهودي بأنه قيمة قومية. هذه ليست قراءة خصوم إسرائيل للقانون؛ هذا هو جوهر ما يقوله النص نفسه.

عند هذه النقطة تبدأ المسألة في الظهور بصورة مختلفة.

قد يختلف الإسلامي والصهيوني الديني حتى على وجود الآخر، لكن كليهما يستطيع، في لحظة معينة، أن يسحب شيئاً من مجال السياسة ويضعه في منطقة يصعب على السياسة الوصول إليها.

إذا كانت الأرض وعداً إلهياً، فإن التنازل عنها لا يعود مجرد قرار سياسي يمكن أن يصيب أو يخطئ. وإذا كانت الأرض وقفاً إسلامياً لا يجوز التفريط فيه، فإن المفاوض الذي يتنازل عن جزء منها يمكن أن يصبح مفرطاً في حق يتجاوز سلطته الشخصية. عند هذه النقطة يصبح التفاوض معقداً بصورة مختلفة؛ لأن السياسي يستطيع أن يتفاوض على الحدود والمياه والأمن، لكنه يجد نفسه أمام حق استمد حصانته من السماء.

وهنا يصبح التحديد ضرورياً حتى لا تتحول المقارنة إلى تعميم.

فكرة فلسطين بوصفها وقفاً إسلامياً ظهرت بوضوح في ميثاق حماس الصادر سنة ١٩٨٨. لكنها لم تبق بالصياغة نفسها من دون تغير؛ ففي الوثيقة السياسية التي أصدرتها حماس سنة ٢٠١٧ أصبحت اللغة أكثر قومية وسياسية في مواضع مهمة، وميّزت الحركة بصورة أوضح بين اليهودية والصهيونية، وقبلت إقامة دولة فلسطينية على حدود ٤ يونيو ١٩٦٧ بوصفها صيغة توافق وطني، من دون الاعتراف بشرعية إسرائيل أو التخلي عن تصورها الأوسع لفلسطين. وهذه المراجعة تذكرنا بأن الحركات العقائدية ليست كيانات جامدة، وأن لغتها نفسها قد تتغير عندما تصطدم بالسياسة أو تحت ضغط الواقع.

ولا يعني هذا أن موقف الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال يساوي موقف الدولة التي تحتله، أو أن حماس وغوش إيمونيم صورتان متطابقتان. هناك احتلال واستيطان وتهجير وتفاوت هائل في القوة، وحذف هذه الوقائع باسم “المقارنة الفكرية” نوع من تشويه الحقيقة التاريخية.

الذي يعنيني هنا شيء آخر: أن خصمين غير متساويين يمكن، رغم ذلك، أن يستدعيا المقدس إلى تعريف علاقتهما بالأرض، ثم يصبح حل النزاع السياسي مطالباً بالتفاوض أيضاً مع حقيقة دينية لا ترى نفسها موضوعاً للتفاوض.

وتصبح المسألة أخطر عندما نغادر الأرض وندخل إلى تعريف الدولة نفسها.

من الممكن أن يكون للإنسان حقوق مدنية وأن يصوت في الانتخابات، ومع ذلك يبقى السؤال قائماً حول موقعه من الهوية المؤسسة للدولة. والمشكلة نفسها، مع اختلاف كبير في بنيتها، تظهر عندما تعرّف الدولة الإسلامية نفسها ابتداءً من عقيدة الأغلبية ثم تحاول أن تجد مكاناً متساوياً لمن لا ينتمي إلى تلك العقيدة، أو حتى للمسلم الذي لا يقبل تفسير السلطة لها.

وهنا يصبح السودان بالنسبة لي أكثر من مثال جانبي.

حسن الترابي لم يكن مفكراً يكتب عن الإسلام والدولة من خارج أسوار السلطة، والحركة الإسلامية السودانية لم تكن أيضاً جماعة دعوية تناقش المجتمع في رؤيتها. بعد ٣٠ يونيو ١٩٨٩ أصبحت تمتلك نفوذاً حاسماً داخل جهاز الدولة، واستطاعت في السنوات الأولى إعادة تشكيل قطاعات واسعة منه.

والأمر لم يكن انتقالاً بسيطاً من فكرة إلى حكومة. انقلاب ٣٠ يونيو أطاح حكومة منتخبة، وكان للحركة الإسلامية والجبهة الإسلامية القومية بقيادة الترابي دور مركزي في المشروع السياسي الذي تبلور عقب الانقلاب. ثم بدأت عملية واسعة لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع: الخدمة المدنية، والقوات النظامية، والقانون، والتعليم، والإعلام، والاقتصاد.

وليس من العدل هنا اختصار النظام كله في شخص الترابي، خصوصاً بعد المفاصلة سنة ١٩٩٩، لكن السنوات الأولى تكشف بوضوح ماذا يحدث عندما تنتقل جماعة تحمل مشروعاً عقائدياً من المنافسة على السلطة إلى امتلاك نفوذ حاسم داخل أدوات الدولة.

قبل السلطة تستطيع الحركة الإسلامية أن تقول إن الإسلام هو الحل، وأن تطالب الدولة بأن تكون أكثر أخلاقاً وعدلاً. بعد السلطة يظهر السؤال الذي لا تحله الشعارات: إسلام من؟ وأي تفسير؟ ومن يملك حق الاعتراض عليه؟

والمواطن الجنوبي غير المسلم لم يكن وحده أمام هذا السؤال. المسلم السوداني نفسه أصبح معنياً به. الصوفي، والجمهوري، والشيوعي المسلم، والمسلمة التي تختلف مع قانون النظام العام، والفقيه الذي يرى رأياً آخر، وحتى الإسلامي الذي يختلف مع التنظيم؛ كل هؤلاء يكتشفون أن عبارة “حكم الإسلام” لا تنهي الخلاف، لأن الخلاف الحقيقي يبدأ عندما يحاول بشر تحويلها إلى قانون.

وتكشف تجربة السودان مشكلة أخرى كثيراً ما تضيع في الحديث المجرد عن الدولة الإسلامية. فحين تصبح الدولة وسيلة لإعادة تشكيل المجتمع على صورة جماعة سياسية بعينها، لا يعود السؤال متعلقاً بالشريعة وحدها. يصبح متعلقاً بمن يحصل على الوظيفة، ومن يدخل المؤسسة، ومن يعرّف الولاء، ومن يملك حق الكلام باسم الدين والدولة معاً. عند هذه النقطة يمكن للتمكين السياسي أن يتخفى داخل لغة دينية، ويصبح الخلاف مع الحزب قابلاً لأن يُقدَّم باعتباره خلافاً مع المشروع الحضاري أو مع الإسلام نفسه.

وحين تصبح الجماعة صاحبة حقيقة مقدسة وصاحبة دولة في الوقت نفسه، يصبح من السهل أن يكتسب الخلاف معها معنى إضافياً. لم تعد تختلف مع حكومة فقط؛ قد تبدو كأنك تختلف مع الأمة أو الدين أو المصير التاريخي نفسه. وفي هذه اللحظة يمكن أن ينتقل الخصم من مواطن له تصور آخر للدولة إلى شخص يقف في طريق مشروع أكبر منه.

لكن الاعتراف بالاختلاف لا يلغي السؤال البنيوي.

الديمقراطية ليست أن تجري انتخابات فقط. الديمقراطية في جوهرها شيء أكثر تواضعاً وصعوبة، في آن واحد: أن تدخل السياسة وأنت تعرف أن رأيك، مهما كان عزيزاً عليك، يمكن أن يخسر؛ وأن خصمك، مهما اختلفت معه، يملك الحق نفسه في الدولة؛ وأن الأغلبية الحالية ليست مالكة الوطن؛ وأنك لا تستطيع تحويل هزيمتك الانتخابية إلى هزيمة لله أو للأمة أو للتاريخ.

لهذا تبدو لي “الحاكمية” مشكلة سياسية حين تتحول من إيمان إلى هندسة للدولة.

ليست المشكلة أن المؤمن يقول إن الله فوق الجميع؛ المشكلة في الشخص الذي يقف بيننا ويقول إنه يعرف، بسلطة الدولة، ماذا يريد الله من الجميع.

وفي الصهيونية الدينية الخلاصية تظهر المسألة من باب آخر. عندما يصبح استيطان أرض بعينها جزءاً من عملية خلاص، ماذا يحدث إذا قررت أغلبية سياسية الانسحاب منها؟ هل تملك الحكومة هذا الحق أصلاً؟ وهل قرار البرلمان أعلى من الواجب الديني أم أدنى منه؟

بعد ١٩٦٧ لم تعد هذه الأسئلة افتراضية داخل إسرائيل، وصعود غوش إيمونيم جعلها جزءاً من الصراع الفعلي حول الأرض والدولة.

وكلنا يعرف انه حين تدخل الفكرة إلى الدولة لا تبقى الفكرة نفسها؛ تحصل على ميزانية وشرطة وقانون وجرافة وخريطة.

ربما لهذا لم تعد تقنعني العبارة الشائعة التي تقول إن الإسلاميين “أعادونا إلى القرون الوسطى”. فيها شيء من الراحة الفكرية أكثر مما فيها من الدقة. الإنقاذ لم تكن دولة من القرون الوسطى. كانت حديثة جداً في كثير من أدواتها: جهاز أمني مركزي، تنظيم حزبي، إعلام، جامعات، بنوك، قوانين، ملفات، شبكات اقتصادية، مؤسسات تعبئة، وإدارة حديثة للمجتمع. القديم كان في المرجعية التي استدعتها؛ أما الآلة التي استخدمتها لفرض رؤيتها وترسيخ هيمنتها، فكانت آلة الدولة الحديثة.

وهذا ينطبق، بطريقة مختلفة، على الصهيونية الدينية أيضاً. نصوص قديمة، وذاكرة دينية ضاربة في التاريخ، ووعد وخلاص، ثم تأتي في النهاية الخريطة الحديثة والسجل العقاري والوزارة والميزانية، والجيش بما يملكه من سلاح وتكنولوجيا متقدمة.

وهنا تكمن المفارقة التي أظن أنها تستحق التأمل أكثر من كل التشابهات المعروفة بين الأديان: المقدس قديم، لكن قدرته الحديثة على السيطرة على حياة ملايين البشر تأتي، في جانب كبير منها، من الدولة الحديثة. الدولة هي التي تستطيع أن تجعل الفكرة منهجاً مدرسياً، أو قانوناً، أو حدوداً، أو مستوطنة، أو شرطاً في المواطنة. ومن دون هذه الآلة تبقى عقائد كثيرة في الكتب والمساجد والكنس والضمائر. المشكلة تبدأ عندما تحصل إحدى القراءات الدينية على مفاتيح الآلة.

لهذا لا أحب عبارة “الصهيونية الإسلامية”، رغم إغراء الاسم. الإخوان المسلمون ليسوا صهاينة، والصهيونية الدينية ليست إسلاماً يهودياً. التاريخان مختلفان، والمشروعان مختلفان، وعلاقتهما بالأرض والجماعة والدولة ليست واحدة، وفوق ذلك كله هناك واقع فلسطيني لا يجوز إذابته داخل تمرين فلسفي أنيق.

والاختلاف في مفهوم الجماعة نفسه مهم. الصهيونية، حتى في صيغتها الدينية، تقوم في جوهرها على مشروع قومي يهودي، بينما يحمل جزء كبير من الإسلام السياسي الكلاسيكي تصوراً للأمة يتجاوز حدود القومية والدولة الوطنية. الأول يسأل، في جانب أساسي منه، من ينتمي إلى الشعب الذي تقوم الدولة باسمه؛ والثاني يسأل كيف ينبغي أن يُحكم المجتمع وفق المرجعية الإسلامية. قد يلتقي المساران عند مشكلة المساواة والمواطنة، لكنهما لا يصلان إليها بالطريق نفسه.

لذلك لا يعنيني أن أبحث عن اسم يجمعهما بقدر ما يعنيني السؤال الذي يكشفه التشابه بينهما: ماذا يحدث حين تبدأ جماعة سياسية من حقيقة تراها أعلى من التصويت، ثم تصل إلى السلطة وتملك أدوات الدولة كي تحول تلك الحقيقة إلى قانون عام؟ عندها لا يعود الخلاف حول مقدار التدين أو صدق الإيمان، وإنما حول الحد الفاصل بين حق الإنسان في أن يؤمن بما يشاء، وحق الآخرين في ألا تتحول عقيدته إلى شرط لمواطنتهم.

فإذا احتاج المواطن إلى المرور عبر عقيدة الآخر كي يصل إلى مواطنته، حينها لا تعد المشكلة في مقدار تدين الآخر أو صدق إيمان المواطن.

المشكلة أن الآخر الذي في يده السلطة وضع نفسه بين المواطن وبين الدولة.

***

إبراهيم برسي

في المثقف اليوم