آراء

آراء

تُعَدُّ النَّكبة الفِلَسْطينية التي وقعت عام 1948 واحدة من أكثر الأحداث تأثيرًا في التاريخ العربي المُعاصر، إذْ أدَّتْ إلى اقتلاع مئات الآلاف من الفلسطينيين من أرضهم، وتدمير مئات القُرى، وتحويل المُجتمع الفلسطيني إلى شعب مُشتَّت بين اللجوء والاحتلال.

وقدْ أصبحت النَّكبة مِحْوَرًا أساسيًّا في الدراسات التاريخية والسياسية، وبرز عدد من الباحثين الذين حاولوا تفسيرها، وتحليل أسبابها ونتائجها.

مِن أبرز هؤلاء الباحثين: المُؤرِّخ الفلسطيني وليد الخالدي (1925 - 2026)، والمُؤرِّخ الإسرائيلي إيلان بابيه (وُلد 1954)، حيث قدَّما تفسيرين مهمين ومتقاربين في بعض الجوانب، ومُختلفين في جوانب أُخرى لطبيعة النَّكبة الفلسطينية وأسبابها.

يُعتبَر وليد الخالدي من أبرز المُؤرِّخين الفلسطينيين الذين دَرَسُوا النكبة دراسة مُوثَّقة تعتمد على الوثائق التاريخية والشهادات الميدانية والخرائط. وهو يَرى أن النكبة لم تكن حادثة عشوائية أوْ نتيجة عرضية للحرب، بل كانت نتيجة مشروع استعماري استيطاني مُنظَّم سعى إلى إقامة دَولة يهودية في فلسطين على حساب الشعب الفلسطيني.

في تفسيره للنكبة، يؤكِّد الخالدي أن الحركة الصهيونية منذ نشأتها وضعتْ هدفًا واضحًا يتمثل في السيطرة على الأرض، وإقامة كِيان سياسي خاص بها، وهو ما تطلَّب تقليل الوجود العربي إلى الحد الأدنى المُمكن. وقدْ تجسَّد هذا التوجُّه في السياسات التي اتُّبِعت خلال الحرب عام 1948، والتي أدَّتْ إلى تهجير السكان الفلسطينيين، وتدمير قُراهم.

ويُركِّز الخالدي في أبحاثه على توثيق القُرى الفلسطينية التي دُمِّرت أوْ أُخْلِيَت خلال النكبة، مُبَيِّنًا أنَّ ما جرى لم يكن مُجرَّد نزوح طبيعي للسكان بسبب المعارك، بل كان نتيجة عمليات عسكرية مُنظَّمة استهدفتْ إخراجَ السكان ومنع عَودتهم. كما يُوضِّح أن تدمير القُرى وإعادة توطين مُهاجرين يهود مكانها كان جُزءًا من عملية تغيير ديمغرافي واسعة النطاق.

ويَرى الخالدي أيضًا أن القوى الدولية كان لها دَور في صناعة الظروف التي أدَّتْ إلى النكبة، سواءٌ مِن خِلال السياسات الاستعمارية السابقة، أوْ مِن خلال المواقف السياسية التي سمحتْ بقيام دولة إسرائيل دون ضمان حقوق الشعب الفلسطيني.

وبذلك فإنَّ تفسير الخالدي للنكبة يقوم على ثلاثة عناصر أساسية:

1- المشروع الصهيوني الاستيطاني.

2- السياسات العسكرية التي أدَّتْ إلى التهجير.

3- الدَّور الدولي في تمكين هذا التحوُّل التاريخي.

يُعَدُّ إيلان بابيه أحد أبرز المُؤرِّخين الإسرائيليين الذين أعادوا قراءة تاريخ قيام دولة إسرائيل من منظور نَقْدي يعتمد على الوثائق الإسرائيلية نَفْسِها. وقدْ قدَّم بابيه تفسيرًا يَرى فيه أن النكبة لم تكن نتيجة جانبية للحرب، بل كانت عملية تطهير عِرْقي مُخطَّطة.

في تحليله، يؤكِّد بابيه أن القيادات الصهيونية وضعتْ خُطَّة تهدف إلى السيطرة على أكبر مساحة مُمكنة من فِلَسْطين مع أقل عدد مُمكن من السكان العرب. ويُشير إلى أن هذه السياسة تجسَّدتْ في خُطَّة عسكرية هدفتْ إلى احتلال القُرى والمُدن الفلسطينية وطرد سُكانها.

ويَرى بابيه أن عمليات الطرد الجَمَاعي التي حدثتْ في العديد من المناطق لم تكن تصرفات فردية لقادة عسكريين، بل كانت جُزءًا من إستراتيجية متكاملة هدفتْ إلى صناعة واقع ديمغرافي جديد يَسمح بقيام دولة ذات أغلبية يهودية.

ويعتمد بابيه في تحليله على وثائق أرشيفية وشهادات تاريخية تُشير إلى أن العديد من القُرى دُمِّرت بعد احتلالها، وأن سكانها مُنعوا من العودة إليها. كما يؤكِّد أن هذه السياسات استمرَّتْ حتى بعد انتهاء الحرب، حيث تَمَّ سَنُّ قوانين تمنع اللاجئين الفلسطينيين من العودة إلى ديارهم.

وبذلك يُفَسِّر بابيه النكبة باعتبارها عملية مُنظَّمة لإعادة تشكيل الجُغرافيا السكانية في فلسطين، وهي عملية يَرى أنها تُمثِّل أحد أشكال التطهير العِرقي في التاريخ الحديث.

رغم اختلاف الخلفية الوطنية للمُؤرِّخَيْن: الخالدي وبابيه، إلا أنَّ هُناك نقاط اتفاق مُهمة بين تفسيريهما للنكبة:

1- النكبة لم تكن مُجرَّد نتيجة عفوية للحرب، بل كانت مرتبطة بسياسات وخُطَط هدفتْ إلى تغيير الواقع الديمغرافي في فلسطين. وكِلاهما يؤكِّد أن عمليات التهجير لم تكن حوادث فردية معزولة، بل كانتْ جُزءًا من نمط عام تكرَّر في مناطق مختلفة.

2- تدمير القرى الفلسطينية كان عُنصرًا أساسيًّا في تثبيت نتائج الحرب، ومنع عَودة السكان الأصليين. وإزالةُ القرى أو إعادة استخدامها لأغراض أُخرى ساهمتْ في تغيير معالم الجُغرافيا الفلسطينية.

3- النكبة شكَّلتْ تحوُّلًا جذريًّا في تاريخ الشعب الفلسطيني، إذْ أدَّتْ إلى تفكيك المجتمع الفلسطيني، وتحويل جُزء كبير من السكان إلى لاجئين.

رغم التقاطعات الكبيرة بين تفسيريهما، إلا أنَّ هناك اختلافات في بعض الجوانب المنهجية والتحليلية:

1- الخالدي يُركِّز أساسًا على توثيق القُرى المُدمَّرة، وتحليل البُنية التاريخية للمجتمع الفلسطيني قبل النكبة، في حين يُركِّز بابيه أكثر على تحليل الوثائق العسكرية والسياسية التي تكشف طبيعة القرارات التي اتخذتها القيادات الصهيونية خلال الحرب.

2- الخالدي ينطلق من منظور تاريخي فلسطيني يسعى إلى حفظ الذاكرة الوطنية، وتوثيقِ ما حدث، بَينما ينطلق بابيه من إطار نَقْدي داخل المجتمع الإسرائيلي يسعى إلى إعادة تقييم الرواية التاريخية الإسرائيلية.

3- الخالدي يُركِّز على مفهوم التهجير القَسْري والاقتلاع الجَمَاعي، في حين أنَّ بابيه يستخدم مصطلح التطهير العِرقي لوصف ما حدث عام 1948 بشكل صريح.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

لم يعرف الأدب الشّيعيّ الإماميّ، مِن قَبل، مصطلح المرشد، مثلما ظهر في الأدب الصُّوفيّ السُّنيّ، وعناوين لكتب مثل «مرشد الطالبيين» للإمام أبي حامد الغزاليّ (505هج) وغيرها، واستخدمه «الإخوان» لمن يتولى الإرشاد للفرع الأم بمصر، أما الفروع الأخرى فيشار إلى مسؤول كل فرع بالمراقب، وربما دخل المصطلح إلى السياسية عند «الإخوان»، وجماعات دينية- سياسية أخرى.

أما في الوسط الشّيعيّ، فظهر لقب «المرشد» مع الثورة الإسلاميَّة (1979)، ومِن قَبل عُرف رجل الدين الأول، وهو بمثابة «المرشد»، بشيخ الإسلام، وكان أول المعينين بهذا المنصب، الذي يُحاكي اللقب العثماني «شيخ الإسلام»، هو الشيخ عليّ عبد العال الكركي (940هج) الذي نصبه طهماسب الأول الصفوي، أن تخضع الدولة لأوامر وأحكام الشَّيخ، فهو نائب الإمام المهدي المنتظر (التَّنكابي، قصص العلماء). وبهذا حصل الفصل بين نيابة الإمام، التي كانت لإِسماعيل الصفوي، وسلطة الدَّولة، أي بين السُّلطة المدنية والسُّلطة الدِّينية. ولدوره في نشر المذهب الشِّيعي الإمامي في العهد الصَّفوي أُرخ له بعِبارة «مقتدى الشِّيعة»(المصدر نفسه).

إذن نحن أمام منصبين: المرشد والمرجع، الأول سياسيّ وله مرجعيّة دينية بما يتعلق بالأحزاب والمنظمات الولائية، وإلى جانبه يوجد مراجع لا يتعارضون، على الأقل، علانيةً مع العقيدة السياسيَّة، التي يمثلها المرشد. وكان أول المرشدين روح الله الخميني (1989)، ولم يحتج إلى انتخاب أو توافق، وكذلك المرشد خامنئي، قد حصل تكليفه بمباركة الخميني نفسه، لكن مع المرجع المعين مجتبى خامنئي، نجل المرشد السابق، فجري انتخابه داخل مجلس الخبراء، وهنا لا يتم التقيّد بالشروط المفروضة في «الولي الفقيه»، فخامنئي نفسه لم يكن أكبر المجتهدين، ولا نجله المرشد الثالث، كان مِن المجتهدين الكبار، أو مِن رجالات الثورة، فالأمر يتعلق بشرط الإخلاص للعقيدة، وكونه نجل خامنئي، وكان اسمه يتداول بقوة خليفةً لأبيه وهو على قيد الحياة.

أما اختيار المرجع الدينيّ للولاية الشرعيَّة، خارج الولاية السياسية، مثلما هو الحال مع مراجع النجف، وهذا لا يُعين ولا يُنتخب، فالمرجعية الدينية الشيعية لا تعرف التقليد الفاتيكاني بانتخاب «البابا» والإعلان عنه بظهور الدخان الأبيض، إنما يبرز المرجع الشيعي تلقائياً، لاجتهاده وكثرة المقلدين له، وتلعب الدعاية التي يفعلها «الحواشي» دوراً، وقد يوجد في الوقت نفسه أكثر مِن مرجع، ولا يُشخص الأعلى في هذه الحال، إلا أن يصفى له المنصب، مثلما حصل بعد وفاة حسين البروجردي (1961)، وصعود آية الله محسن الحكيم (1970).

في التقليد الشيعيّ، وكذلك الحال لا يُوَّرث منصب شيخ الإسلام، وإن حصل ذلك فيقرر ذلك الاجتهاد والشرائط، وليس صلة القرابة، وهذا ما تسمح به المرجعيَّة السِّياسيَّة، في حالة أن يكون مجتبي خامنئي مرشداً محل أبيه، وهذا ليس تقليداً متفقاً عليه، ولكن الابن يعرف أكثر عن مهمة أبيه، في هذه الظروف المهددة لوجود «ولاية الفقيه» بالكامل.

حصل توارث في المرجعية الدينية، يوم حُصرت بـ«كاشف الغطاء»، فقد خلف الشيخ جعفر الكبير-في القرن التاسع عشر-أولاده الثلاثة: موسى، وعلي، وحسن، لكن ذلك لم يحصل بتنصيب من الموروث إلى الوارث، إنما حصلوا عليها بالشروط المعتادة، الاجتهاد والمقلدين، وإن تدخل السياسة فلا تتدخل إلا كعامل مساعد، مثلما أبرق شاه إيران إلى محسن الحكيم معزياً بوفاة المرجع البروجردي، كإعلان لمرجعية الأول، كي لا يصل غيره، وهذا ليس عاملاً حاسماً، كذلك ما رغب به موسى الصدر عندما أبرق إلى أبي القاسم الخوئي معزياً بوفاة الحكيم، كي لا يصل الخميني حينها للمرجعية، وكانت حاشية الأخير تروّج لذلك.

أما مرشد الثورة أو مرجعها فمن غير مجلس الخبراء، يُقرر ذلك الحرس الثّوري، والقوى الفاعلة بإيران.

***

رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

حدثَ أنْ كشفت وثائق الويكليكس" العقل الأمريكي الحربي" متلبساً بالتجسس وحياكة المؤامرات التي مُورست في أغلب أرجاء المعمورة. حاول أنْ يُبقي ثروات العالم تحت سيطرته متطلعاً إلى المصالح والصفقات الاقتصادية. وإذا كانت للعالم خريطة جيوسياسية، فهناك خريطة أخرى لأعمال النهب. وتلك الخريطة هي الأساس في توازن القوى الدولية وهي المتحكمة في صراعاتها القريبة والبعيدة. ليست هناك قوةٌ عولمية مقارنة بالأخرى دون أنْ تكون هادفةً إلى الاستيلاءعلى ثروات الدول. ولذلك تمثل المصالح بالنسبة لأمريكا أهم من السياسة. تُوجد هناك سياسات أمريكية حيث توجد مصالح أمريكية محتملة ويصح العكس.

عقل الكاوبوي "عقل قنّاص" للفرص مصوّباً حيلّه لخطف الأرباح وإنْ لم تكن من حقه. لا توجد أمريكا في مكانٍ ما من العالم إلاَّ بسبب فرص استغلال تترقبها طوال الوقت. حقيقي هناك بعض الدول الكبرى التي تتعاون لانجاز مشروعات قومية عملاقة في دول أخرى، ولكن أمريكا نمط مختلف تماماً، لا تقوم إلاَّ بمشروعات مدفوعة مقدماً من السيادة والاقتصاد والسياسة. وعقل الكاوبوي هو ما يُحرّك أمريكا للسيطرة على المشاهد الدولية، أي نحن نشهد مرحلة " تدويل الكاوبوي " ليصبح هو المتحكم في العلاقات والصراعات الدولية أيا كان الثمن.

التاريخ لا يكذب ولا يتجمّل، ولكنه قد يتواطّأ إلى حد اللعنةِ بحكم غلبة المرويات المنتصرة وتزييف الأحبار السرية التي يُكتب بها. ومن جانبٍ آخر، حين يريد التاريخ الافضاء والتداعي، فقد يمثلُّ أزمنةً حادةً من التعرية المتواصلة. التاريخ كتابٌ مفتوح على مصراعيه ليقرأ المتابعُ ما يشاء من خفايا، وكيف يكون التراث الحربي للقوى الكبرى فاضحاً.

أسلوب الهيمنة الأمريكية واحدٌ رغم مرور العصور السياسية المتعاقبة، حتى باتت أمريكا نموذجاً للقوى المنتهكة للقوانين والعلاقات الدولية. ولم يعد أمام العالم إلاَّ التكتل في محاور تحفظ عليه بقايا سيادته. أخطر ما في النموذج الأمريكي هو البحث المتواصل عن الاستقطاب، لم يترك دولةً وشأنّها الحُر، فهو يرسم خرائط النفوذ طوال الوقت. يضع الكرة الأرضية تحت مجساته العسكرية وأسلحته بعيدة المدى. فلا يوجد حدث عالمي خارج اهتماماته، لأنّه يعتني بكل صغيرةٍ و كبيرةٍ على الكوكب طبقاً لمؤشرات قوته القصوى. وأعطى لنفسه حق التدخل بحسب مصالحه دون إذن الهيئات الدولية. لم تخطئ له مصلحةٌ يوماً ما في تحريك الاحداث كما يُريد.

أمريكا سياسياً هي الذروة التي وصل إليها الغرب الكولونيالي بكل عتادّه المعرفي والحربي. ليس هذا وحسب على امتداد الخط، ولكنها لم ترضَّ بما يُشبع الاستعمار من ابتلاع مناطق النفوذ والسيطرة، إنما وصل بها " نهم الهيمنة " إلى الهوس بصناعة الحروب والصراعات. المؤشر على ذلك أنَّ ترامب قد غيّر اسم " وزارة الدفاع " الأمريكية إلى" وزارة الحرب" وكأنَّه جاءَ لهذا الهدف تحديداً. وحيدٌ هو الرئيس ترامب الذي وضع الاسم على المسمى بدلاً من فوضى الاصطلاح. وضع النقاط على الحروف قولاً وعملاً. وبهذا الاسم تحول العالم تلقائياً من خانة دول الأصدقاء والجوار إلى أعداء فعليين.

التغيير يقول إنَّ الحرب ليست احتمالاً من بين احتمالات الصراع، ولكنها ستمثل واقعاً لا محالة. كأن الدولة الامريكية في حالة حروب مستمرة لا توقف. وفي كل مرة سيتم جر كرة الاحداث إلى درجة الانفجار العسكري. أي من النهاية ستكُون الحروب محتومةً من جانب القوة الأمريكية وما يرافقها من سياسات واستراتيجيات. منذ نقطة البداية، سيصبح كلُّ صراعٍ أو كل تنافس حربياً.

ليس بعيداً عن ذلك ما جرى من" ميتافزيقا الخراب البشري " في جزيرة جيفري إبستين، حيث عرّت مجتمعاً للنُخب الدولية مازال يعيش مع الاساطير والأشباح ويقدّس الشيطان ويأكل لحوم البشر. جزيرة إبستين ليست أرضاً مترامية الأطراف بين أمواج البحر، ولكنها "عقل دموي " يعيش في ظلام السياسة ممسكاً بيده خيوط "عرائس الماريونيت" فوق منصات السلطة هنا أو هناك. كلُّ موقفٍ، وكلُّ رئيسٍ، وكلُّ مسئولٍ زار جزيرة إبستين كان لمهمة سياسيةٍ معينةٍ. وتصب المهام في النهاية لخدمة المصالح الاسرائيلية- الامريكية. جزيرة ابستين جزء من" عقل الكاوبوي المتصهين " والذي يجيد نصب الفخاخ وإدارة الاحداث بالفضائح وتدبير المكائد والدسائس. لا انفصال بين تاريخ الصهيونية وتاريخ الكهوف الدموية على غرار جزيرة إبستين.

لم تكُّن مشاهد جيفري إبستين خبط عشواء، لقد جمعت بين رموز السياسة ولصوص الاقتصاد وهياكل الدين وخدّام الآلهة وتجّار الموت ومصاصي الدماء. كلُّ ذلك نقل الممارسات الشاذة التي تطايرت أخبارها إلى جميع أصقاع الأرض. وتبين أنها ممارسات أخذت شكل الطقوس والأعمال المقدسة لأغراض وقحةٍ. طبقاً للوثائق التي زادت عن ثلاث ملايين وثيقة تركها جيفري إبستين، بدت الجزيرة معبداً لتقديس الشرور في العالم. لا قانون، لا اخلاقيات، لا حدود بين الواقع والخيال، الأسرار فضائحية أكثر من الوقائع. جاءت الجزيرة عنواناً للغموض بدءاً من وجودها المجهول ومروراً بالطقوس التي يمارسها رواد الجزيرة وليس انتهاءً بصاحبها الذي صعد نجمه كأنَّه جاء من سماوات سحرية!!

أما خلال الأوقات الراهنة، فالحرب "الأمريكية – الاسرائيلية " على ايران دليل أنَّ كل ما سبق ليس مصادفةً، ولكنه عمل مقصود للحفاظ على اسرائيل. هذه " المحمية الصهيونية الأمريكية " وسط الرمال السياسية العاصفة بالشرق الأوسط. مشهد الحرب بين الغرب الصهيوني وبلاد فارس بعثَ الروح في خريطة العالم السياسي اللاهوتي مرة أخرى. كان ترامب الاسرائيلي يرى في نظام الحكم الايراني القائم على عقائد التشيُّع أخطر أصناف الأنظمة السياسية. لأنه جعل من الحروب عقيدةً غير قابلة للانفكاك.

كان ترامب يدرك أنَّ حروب العقائد المسيّسة لا يوازيها إلاَّ عقائد مسيسة بالمثل. فلم يستطع ترامب اختراق جدار امبراطورية فارس العازل، ولم يتمكن من فرض سطوته عليها. لكونه يعلم استحالة أنْ يناطح الايديولوجيات المقدسة لدى اصحابها. حيث كانت الايديولوجيات نموذجاً للارهاب الدموي في المنطقة العربية. وبخاصة أنَّ أمريكا ليست ساذجة، إذْ شكلت بعض أنظمتها السياسية معامل لتفريخ بعض" فيروسات الارهاب " في أرجاء الكرة الأرضية تخليقاً ورعايةً وانتشاراً.

كل حروب آتية إلى حتفِ اصحابها إذا كانت لاهوتيةً بهذه الطريقة. الحروب في أساسها لاهوت ضّل طريقه إلى السياسة وهي سياسة استقرت في أضابير اللاهوت. إراد ترامب أنْ يضيف لاهوتاً حربياً أمريكياً مقابل لاهوت فارس الحربي. أمّا اسرائيل، فلا ينقصها لاهوت حربي، فهي مستعمرة لاهوتية حتى النخاع، جميع تفاصيل وجودها غارقة ومنقوعة في قاع لاهوت الحروب منذ عقود طويلة. الدولة الوحيدة التي تطاول أمريكا في لاهوت الصراع هي اسرائيل رغم المؤسسات السياسية الحداثية التي تتحصن فيها. جميع رؤساء اسرائيل عبارة عن أشباح لملوك بني اسرائيل. الطقوس الحربية والسياسية ذاتها هي ما يقفون تحت ظلها الخفي طوال الوقت، حتى الخطابات السياسية وشكل المشاهد للكيان الصهيوني إنما هي موروثات لاهوتية فاتَ أوانها. وليست الصراعات الحربية التي ينغمس فيها العالم العربي بسبب اسرائيل إلاَّ حفريات يهودية وصهونية قديمة.

ليس صحيحاً أنَّ العلمانية مازالت تحمل الأنظمة الحربية الراهنة في عصر مُعلمن حتى النخاع. لكن الحروب لاهوتية بالضرورة بصرف النظر عن القُوى التي تنخرط فيها. الحرب عقيدة تحمل من يقوم بها على أسطّرة وجوده إزاء الأغيار. على الأقل بينه وبين نفسه وتجاه مناصريه، لكون الحرب تحتاج إلى مركزية القرار وإلى قدرة على الاعتقاد فيما تملك تجاه الأعداء. واللاهوت صبغة حربية تحتوي كل صراع داخلها لتعيد انتاجه بصورة شرسة. من هنا كان على أمريكا وقائدها الراهن دونالد ترامب أنْ يعلنا عن لاهوت الحرب تجاه إيران. أليست ايران تتحصن داخل لاهوت التشيع السياسي والثورة التي تصدّرها للدول المجاورة وتحمل لواء محاربة الاستعمار. فلتكن أمريكا هي " عقل الكاوبوي " الذي يوازي لاهوتاً من نوع معاصر.

المشهد لم يكن يعوزه أي شيء للتدليل على لا هوت الحروب إلاّ قساوسة انجيليون في البيت الأبيض لاقامة صلاة وقداس من أجل ترامب للانتصار الحربي على ايران. حيث تجلى المشهد بوصفه" شعيرة ميتافيزيقية" و" خليطاً لزجاً " بين السياسة والدين، كأنّه أحد المشاهد المتأخرة من العصور الوسطى. دونالد ترامب يجلس إلى مكتبه الفخم في البيت الأبيض، مكتب قيادة العالم وادارة الصراعات ومناورات الحروب وعقد الصفقات على نطاقٍ واسع. ترامب ينظر إلى المكتب الماثل أمامه كأنّه ينتظر نزول الرب في المكان بينما يضع القساوسة العشرون أيديهم على كتفه. ومنْ لم يطل جسم ترامب يضع يده على كتف أقرب قسيس إليه. حتى تكون المعتقدات الدينية ساريةً في خضم تواصل الأجساد والأرواح.

وفي صوت واحد يرددون مع سماع صوت كبير القساوسة مناشداً الرب: " أُصلي من أجل أنْ تحيط الرئيس بنعمتك وحمايتك. وأصلي من أجل أنْ تشمل نعمتك وحمايتك كل قواتنا ورجالنا ونسائنا الذين يخدمون في قواتنا المسلحة. يا آبانا نصلي من أجل أن تواصل منح رئيسنا القوة التي يحتاجها لقيادة أمتنا العظيمة وأنْ نعود أمةً واحدةً تحت راية الله، أمة غير قابلة للانقسام تنعم بالحرية والعدالة للجميع، ونصلي من أجل أنْ تفيض علينا من بركاتك".

السؤال المنطقي: في إطار الصراع الطاحن، أيُّ رب يصلون إليه هؤلاء القساوسة بالبيت الأبيض؟ هل هو رب خاص يطلبون منه النعمة والبركة للرئيس ترامب؟ ولاسيما أنَّ الحرب بين فارس وأمريكا واسرائيل على أشدها عبر شاشات الاحداث في كل انحاء العالم. والأدق كيف وبأية ثقةٍ يضعون كلَّ آمالهم السياسية في سلة الرب الذي يناشدونه الاستجابه؟ هل الرب هو رب حربي يوزع هباته على قوات أمريكا فقط؟

مشهد القساوسة يُعمِد الرئيس ترامب كامبراطور لاهوتي حضر من حفلة تنكرية خلال أكثر العصور تطوراً. وليس هناك من معنى لكون الرئيس في مؤسسة علمانية تمسح عليه الأيادي المقدسة طلباً للبركة والنعمة أكثر من معنى هذا المشهد. إنّ شرور أمريكا الحربية قتلت آلاف البشر، حتى وإنْ واجهها تواجد عسكري لاهوتي فارسي أو غيره. والحماية والصيانة اللتان يطلبهما القساوسة لترامب ورجاله ونسائه إنما يحلان باللعنات على بشر آخرين. فهل قساوسة ترامب يطلبون اللعنات المقدّسة لغيرهم؟ ربما ليس الرب سوى الطائرات المسيرة التي تحلق بالموت في أجواء الشرق الأوسط. وجديدةٌ هي مناشدة الرب الانجيلي مع الرب اليهودي فوق سماء ايران الاسلامية. تداخل غريب بين الأديان الإبراهيمية رغم أن السياقات علمانية.

أية رايةٍ لله تلك التي يطلب القساوسة أنْ تكون تحتها أمريكا أمةً واحدةً؟ أمريكا كقوى عظمى لم تحمل إلاَّ راية الاستعمار الغربي المبكر، ولم ترفع راية إلاَّ وبجانبها راية اسرائيل، يبدو أنَّ رايات الرب توحدت عند خطوط الموروثات الحربية اللاهوتية الراهنة. والجديد أن الرب الانجيلي والرب التوراتي قد إجتمعا تحت سقف البيت الأبيض، وإلاَّ ما الذي يفسّر الحروب الأمريكية الاسرائيلية التي تعصف بكافة القيم والحقوق؟!

وبالطبع إذا كانت سياساتُ أمريكا واسرائيل الدينية فاعلةً في ساحة الحرب، فإنها ستستثير السياسات اللاهوتية عند ايران وسواها ( حزب الله والحوثيين وجماعات العنف في العراق). بل بدا الاسلاميون الآخرون يطلون برأسهم من قلب الرماد بعثاً لخطابات الكراهية بين الشرق والغرب مرة أخرى. ألم يكن هناك تحالف صهيوني غربي في شكل هذا الصراع، فليكن لهم( أي الاسلاميون المتطرفون) قصب السبق حين جاهروا بتكفير الغرب ... هكذا قد يُقال في الخطابات التكفيرية!!

مما يعيد ضبط مؤشر الصراع ليس بين أمريكا وايران فقط، ولكنه يحرك تربة التطرف ويخرج بذوره إلى الهواء والضوء في بلاد الشرق الأوسط، ولعلَّ المناخ المواتي سيجددُ الفرصة لنمو البذور مرةً أخرى. الناس كانوا يتصوروا أنَّ التطرف الذي أدمى المجتمعات العربية قد ذهبَ إلى حيث لا يُعود الموتى، غير أنّ حرباً كهذه كانت عصا تحرث تربة التشدد الديني من جديدٍ. الثقافة التي يجيدها الإرهابيون هي ثقافة الحروب والصراعات. هي يواصلون الظهور فوق جثث الموتى وعلى إيقاع التفجيرات. وتلك كانت ظاهرةً في بعض العصور العربية الاسلامية، يعثرون على ذواتهم في حالة جهاد أبدي لا يُبقي ولا يذر. أمّا في حالة دوران عجلة الحضارة، فلايجد الارهابيون لهم مكاناً مؤثراً.

***

سامي عبد العال

لم يعد العراق مجرد بلد يواجه أزمة سياسية داخلية أو خلافات بين قواه المتنافسة على السلطة، بل أصبح مرة أخرى ساحة مفتوحة لصراع إقليمي ودولي يتصاعد على أرضه. فمنذ اندلاع الحرب بين محور المقاومة والكيان الاسرائيلي، وتوالي الهجمات الضروس بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وايران والفصائل المسلحة المرتبطة بها من جهة أخرى، صرنا امام مشهد فوضوي معقد تتداخل فيه الاستراتيجيات وردود الافعال بما ينذر بمخاطر جسيمة تلحق بالعراق رغم انه عنصر منفعل بالحرب وليس فاعلا فيها ، أن العراق يقف اليوم في قلب مواجهة تتجاوز حدوده بكثير، في لحظة تستفحل فيها الازمة السياسية و المالية ويتعطل انتخاب رئيس للجمهورية وتتفاقم فيها الخلافات حول تشكيل الحكومة، و تتعرض منشآته العسكرية وحقول النفط و الطاقة لضغوط أمنية واقتصادية مكشوفة، يبدو البلد وكأنه يدخل مرحلة شديدة الحساسية وربما مصيرية قد تعيد رسم موقعه في معادلات الشرق الأوسط حين تضع الحرب اوزارها ويبدأ حساب الخسائر والفرص المهدورة والحكمة الناقصة.

فالحرب الدائرة حالياً في المنطقة بين إيران ومحورها من جهة، وبين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم تعد محصورة في جغرافية محددة. فقد امتدت آثارها من غزة ولبنان إلى سوريا والعراق والخليج وعموم الشرق الاوسط، وبدأت تدفع المنطقة بأكملها نحو حالة من السيولة السياسية وعدم الاستقرار الواسع، كما أن تداعياتها لم تتوقف عند حدود ساحات القتال، بل بدأت تمس الاقتصاد الإقليمي وأمن الطاقة، بما في ذلك دول الخليج التي تتأثر بشكل مباشر بأي اضطراب في الاستقرار الإقليمي أو في حركة التجارة والطاقة.

وفي خضم هذه المواجهة الواسعة أصبح العراق أحد أكثر البلدان عرضة لتداعياتها، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي، بل أيضاً بسبب طبيعة التوازنات السياسية والأمنية الهشة داخله.

لماذا يدور الصراع حول العراق الآن؟

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا عاد العراق ليكون أحد مراكز الصراع الإقليمي والدولي؟

الجواب يكمن في عدة عوامل متداخلة. فالعراق يحتل موقعاً جيوسياسياً بالغ الأهمية في قلب الشرق الأوسط، حيث يشكل نقطة التقاء بين الخليج وإيران وتركيا وسوريا. كما أنه يمثل حلقة أساسية في شبكة النفوذ الإقليمي التي بنتها إيران خلال العقدين الماضيين.

إلى جانب ذلك، فإن النظام السياسي الذي نشأ بعد عام 2003 أفرز واقعاً معقداً من التوازنات الداخلية، حيث تتداخل القوى السياسية مع قوى مسلحة متعددة الارتباطات الإقليمية. وهذا الوضع جعل العراق عرضة للتحول إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين القوى المتصارعة على النفوذ.

كما أن الأهمية الاقتصادية للعراق، بوصفه أحد أكبر البلدان النفطية في العالم، تضيف بعداً آخر للصراع، إذ إن استقرار إنتاج النفط العراقي أو اضطرابه يؤثر بشكل مباشر في أسواق الطاقة العالمية.

هل يدور الصراع حول التشيع السياسي؟

لكن ما يجري في المنطقة اليوم لا يمكن تفسيره فقط من خلال الصراع العسكري أو التنافس الجيوسياسي، بل يرتبط أيضاً بسؤال أعمق يتعلق بطبيعة النظام السياسي والنفوذ الإقليمي في الشرق الأوسط.

فخلال العقدين الماضيين برز ما يمكن تسميته بنموذج “التشيع السياسي”، أي توظيف الهوية المذهبية في بناء شبكة نفوذ سياسية وعسكرية تقودها إيران في عدد من دول المنطقة. وقد اتخذ هذا النموذج أشكالاً مختلفة في العراق وسوريا ولبنان واليمن. فمن نموذج ثنائية الدولة -المقاومة بعد عام 2003

الى نموذج المقاومة الذكية بعد عام 2016 تحول العراق الى مختبر لصراع نفوذ متعدد المحاور ولم تعد الدولة قادرة على التحرر من شبكات المصالح المتضاربة.

غير أن التحولات الجارية اليوم تشير إلى أن هذا النموذج يواجه تحديات متزايدة ونهاية قريبة نتيجة الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية التي تتعرض لها إيران ومحورها. وهذا لا يعني بالضرورة نهاية هذا النفوذ، لكنه يشير إلى أن المرحلة التي تمكنت فيها إيران من توسيع نفوذها الإقليمي بسهولة نسبية قد دخلت مرحلة مختلفة وأكثر تعقيداً.

في هذا السياق يبدو العراق وكأنه يقف في قلب هذه التحولات، حيث يدور جزء من الصراع حول مستقبل العلاقة بين الدولة الوطنية من جهة، ومشاريع النفوذ الإقليمي من جهة أخرى.

تكمن المشكلة الأساسية في أن العراق يواجه هذه التحولات الكبرى في ظل وضع داخلي هش. فالأزمة السياسية المستمرة، وتعطل انتخاب رئيس للجمهورية، والانقسامات الحادة حول تشكيل الحكومة، كلها تعكس عمق الاختلالات في النظام السياسي. كما أن استمرار تعدد القوى المسلحة خارج إطار الدولة يضعف سيادة المؤسسات الرسمية ويجعل البلاد أكثر عرضة للضغوط والتدخلات الخارجية.

وفي ظل هذا الواقع يصبح العراق أكثر عرضة للتأثر بالصراعات الإقليمية، حيث يمكن لأي تصعيد في المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل أن ينعكس مباشرة على الوضع الأمني والاقتصادي، توقف صادرات النفط مثالها الاوضح.

في اجواء هذا المشهد المعقد، تبدو الحاجة ملحّة إلى تبني سياسات عقلانية تحمي العراق من الانزلاق إلى صراعات أكبر لايتحملها، رغم الاجواء العاطفية والحماسية التي يعيشها صنف من العراقيين.

أولى هذه السياسات هي العمل على تحييد العراق عن صراعات المحاور الإقليمية، بحيث لا تتحول أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المختلفة. أما السياسة الثانية فتتمثل في تعزيز سلطة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، وهو شرط أساسي لبناء دولة قادرة على حماية سيادتها. كما أن العراق بحاجة إلى تسوية سياسية داخلية واسعة تعيد الاستقرار إلى النظام السياسي وتمنع استمرار حالة الانقسام التي تضعف الدولة.

إلى جانب ذلك، يجب حماية قطاع النفط والطاقة من الاضطرابات الأمنية والسياسية، لأن استقرار هذا القطاع يمثل حجر الأساس في الاقتصاد العراقي.

في مثل هذه اللحظات الحرجة يعود الدور المعنوي والسياسي المهم الذي تمارسه مرجعية النجف، وعلى رأسها المرجع الأعلى السيد علي السيستاني.

فقد أسهمت المرجعية في محطات سابقة بجهود فاعلة وحاسمة في حماية الدولة العراقية وتوجيه العملية السياسية نحو الاستقرار. كما أن مواقفها التي تؤكد على أولوية الدولة العراقية ورفض تحويل البلاد إلى ساحة للصراعات الخارجية يمكن أن تسهم في تهدئة التوترات وإعادة توجيه المسار السياسي.

يقف العراق اليوم أمام لحظة تاريخية دقيقة، حيث تتقاطع على أرضه صراعات إقليمية ودولية تعكس تحولات أعمق في بنية الشرق الأوسط. وفي عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة، لا يمكن للعراق أن يحمي نفسه بالانخراط في صراعات الآخرين، بل بقدرته على بناء توازناته الداخلية وتعزيز دولته الوطنية. فإما أن يبقى العراق ساحة مفتوحة للصراع، أو أن يتمكن من تحويل موقعه الجغرافي والسياسي إلى عنصر قوة واستقرار في منطقة مضطربة، هذا الامر يتوقف على نمط من القيادات السياسية وخطابات وسردية واضحة غير التي جربناها حتى الان.

***

ابراهيم العبادي

مدخل استراتيجي للشرعية التاريخية وحفظ الذاكرة الوطنية

على سبيل البداية: يشكل تراث المسيرة الخضراء أحد أبرز مكونات الذاكرة الوطنية المغربية، إذ يجسد حدثاً تاريخياً مفصلياً في مسار استكمال الوحدة الترابية للمملكة المغربية. فقد مثلت المسيرة الخضراء التي انطلقت سنة 1975 لحظة استثنائية في التاريخ السياسي المغربي، حيث تجلت فيها وحدة العرش والشعب حول قضية استرجاع الأقاليم الجنوبية. غير أن هذا التراث المرتبط بالمسيرة الخضراء لا يقتصر على الحدث السياسي في حد ذاته، بل يمتد ليشمل مجموعة من العناصر الرمزية والثقافية، مثل الخطب الملكية، والأغاني الوطنية، والصور والوثائق التاريخية، والشهادات الحية التي تعكس أجواء التعبئة الوطنية التي رافقت هذا الحدث التاريخي. وفي ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر، أصبح من الضروري التفكير في آليات حديثة لحفظ هذا التراث الوطني وضمان استمراريته، ومن أبرز هذه الآليات رقمنة التراث الثقافي.

أولاً: مفهوم الرقمنة

تشير الرقمنة (Digitization) إلى عملية تحويل المعلومات والوثائق والمواد الثقافية من صيغتها التقليدية المادية إلى صيغ رقمية قابلة للحفظ والمعالجة والنشر عبر الوسائط الإلكترونية. وتتيح هذه العملية إمكانية تخزين كميات كبيرة من البيانات والوثائق في قواعد بيانات رقمية، مما يسهل الوصول إليها واسترجاعها واستثمارها في البحث العلمي وفي نشر المعرفة (شلغوم، 2020).

كما تُعرّف الرقمنة أيضاً بأنها توظيف التكنولوجيات الحديثة من أجل تحويل المحتوى الثقافي والمعرفي إلى موارد رقمية قابلة للتداول عبر الشبكات الرقمية، الأمر الذي يساهم في حماية التراث من الضياع أو التلف، خاصة في ظل التحديات التي تواجه العديد من الموروثات الثقافية نتيجة عوامل الزمن أو ضعف التوثيق التقليدي (يوسف، 2021).

وفي هذا السياق، أصبحت الرقمنة أداة مركزية في سياسات الحفاظ على التراث الثقافي في العديد من الدول، حيث تسمح بتوثيق الموروث الثقافي بمختلف أشكاله، سواء كان مادياً مثل المعالم التاريخية والوثائق الأرشيفية، أو لامادياً مثل الفنون الشعبية والأغاني التراثية والتقاليد الاجتماعية.

ثانياً: العلاقة بين الرقمنة والحفاظ على التراث الثقافي

أصبحت العلاقة بين الرقمنة والحفاظ على التراث الثقافي علاقة تكاملية، إذ تسهم التقنيات الرقمية في توفير وسائل فعالة لحفظ التراث وتوثيقه ونقله إلى الأجيال القادمة. فمع التطور الكبير في تقنيات التصوير الرقمي والمسح ثلاثي الأبعاد والأرشفة الإلكترونية، أصبح من الممكن توثيق أدق تفاصيل الموروث الثقافي وإتاحته للباحثين والمهتمين عبر منصات رقمية متخصصة (رزق العين، 2023).

وتكمن أهمية الرقمنة في كونها تتيح حماية التراث الثقافي من مختلف التهديدات التي قد يتعرض لها، سواء كانت ناتجة عن عوامل طبيعية أو بشرية، كما تسهم في تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية هذا التراث من خلال نشره عبر الوسائط الرقمية المختلفة. كما أن إتاحة التراث الثقافي عبر الإنترنت تتيح فرصاً أكبر للبحث العلمي والدراسات الأكاديمية، حيث يمكن للباحثين الوصول إلى المصادر التراثية بسهولة أكبر مقارنة بالطرق التقليدية (بوشيبي وديبون، 2023).

وقد أصبحت رقمنة التراث الثقافي جزءاً من السياسات الثقافية الحديثة التي تسعى إلى تحقيق التوازن بين الحفاظ على الهوية الثقافية الوطنية والانخراط في التحولات الرقمية التي يشهدها العالم المعاصر.

ثالثاً: أهمية رقمنة التراث في السياق المغربي

يتميز المغرب بغنى وتنوع تراثه الثقافي، الذي يعكس تفاعلات تاريخية وحضارية متعددة أسهمت في تشكيل الهوية الثقافية المغربية. ويشمل هذا التراث مجموعة واسعة من المكونات، من بينها المعالم التاريخية، والحرف التقليدية، والفنون الشعبية، والأغاني الوطنية، إضافة إلى الموروث الشفهي الذي يعكس الذاكرة الجماعية للمجتمع المغربي.

وفي هذا السياق، أصبحت رقمنة التراث الثقافي المغربي ضرورة ملحة للحفاظ على هذا الموروث الحضاري وضمان استمراريته. فقد أكدت العديد من الدراسات أن الرقمنة تمثل وسيلة فعالة لحماية التراث الثقافي وتوثيقه وإتاحته للباحثين والجمهور، كما تسهم في تعزيز إشعاع الثقافة الوطنية على الصعيد الدولي (محمد، 2021).

كما أن رقمنة التراث الثقافي تتيح إمكانية إنشاء قواعد بيانات رقمية متخصصة تمكن من توثيق مختلف عناصر التراث المادي واللامادي، وتوفر منصات إلكترونية تتيح للجمهور الاطلاع على هذا التراث من خلال الزيارات الافتراضية أو الوسائط التفاعلية، الأمر الذي يعزز حضور الثقافة الوطنية في الفضاء الرقمي العالمي.

رابعاً: رقمنة تراث المسيرة الخضراء

في إطار الحديث عن أهمية رقمنة التراث الثقافي، يبرز تراث المسيرة الخضراء باعتباره أحد أهم المكونات الرمزية للذاكرة الوطنية المغربية. فالمسيرة الخضراء لم تكن مجرد حدث سياسي عابر، بل شكلت لحظة تاريخية جسدت وحدة الشعب المغربي حول قضية استرجاع الأقاليم الجنوبية.

ويشمل تراث المسيرة الخضراء مجموعة من العناصر التاريخية والثقافية التي تستحق التوثيق الرقمي، من بينها:

الخطب الملكية المرتبطة بإعلان المسيرة الخضراء.

الصور التاريخية التي وثقت مشاركة مئات الآلاف من المغاربة في هذا الحدث.

الوثائق الرسمية المتعلقة بتنظيم المسيرة.

الأغاني الوطنية التي رافقت التعبئة الشعبية.

ومن أبرز هذه الأغاني الأغنية الوطنية "صوت الحسن ينادي" التي أصبحت رمزاً فنياً للمسيرة الخضراء، حيث ساهمت في تعزيز روح التعبئة الوطنية وترسيخ الشعور بالانتماء الجماعي لدى المغاربة. وقد لعبت هذه الأغنية دوراً مهماً في التعبير عن التلاحم الشعبي حول القيادة الملكية في تلك المرحلة التاريخية.

إن رقمنة هذا النوع من التراث الفني والوثائقي يتيح الحفاظ عليه من الضياع، كما يتيح إعادة توظيفه في الإنتاجات الثقافية والتربوية، إضافة إلى تمكين الباحثين من دراسة أبعاده الرمزية والسياسية في سياق تحليل الذاكرة الوطنية المغربية.

خامساً: الرقمنة كآلية لتعزيز الذاكرة الوطنية

لا تقتصر أهمية رقمنة تراث المسيرة الخضراء على الجانب التقني المتعلق بحفظ الوثائق والمواد التاريخية، بل تمتد أيضاً إلى البعد الاستراتيجي المرتبط بالحفاظ على الذاكرة الوطنية وتعزيزها. فالذاكرة الجماعية للشعوب تشكل أحد أهم عناصر الهوية الوطنية، كما تمثل مرجعاً أساسياً لفهم التحولات التاريخية والسياسية التي مرت بها المجتمعات.

وفي هذا الإطار، تسهم الرقمنة في تحويل التراث المرتبط بالمسيرة الخضراء إلى أرشيف رقمي متكامل يمكن الاستفادة منه في مجالات متعددة، مثل البحث العلمي والتعليم والإعلام الثقافي. كما تتيح هذه العملية تعزيز حضور هذا التراث في الفضاء الرقمي العالمي، الأمر الذي يسهم في التعريف بالقضية الوطنية المغربية وبالأبعاد التاريخية والسياسية للمسيرة الخضراء.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن رقمنة تراث المسيرة الخضراء تمثل خطوة أساسية نحو بناء ذاكرة رقمية وطنية قادرة على حفظ هذا الحدث التاريخي المفصلي، وضمان انتقاله إلى الأجيال القادمة باعتباره جزءاً من التاريخ المعاصر للمغرب.

خاتمة

إن التحولات الرقمية التي يشهدها العالم المعاصر تفرض على الدول تبني استراتيجيات جديدة للحفاظ على تراثها الثقافي وتثمينه. وفي الحالة المغربية، يمثل تراث المسيرة الخضراء أحد أهم المكونات الرمزية للذاكرة الوطنية، الأمر الذي يجعل رقمنته ضرورة علمية واستراتيجية في آن واحد. فبفضل الرقمنة يمكن حفظ هذا التراث من الضياع، وإتاحته للباحثين والمهتمين، وتعزيز حضوره في الفضاء الرقمي العالمي، بما يسهم في ترسيخ الوعي التاريخي بالقضية الوطنية وتعزيز الهوية الوطنية المغربية.

***

الدكتور منير محقق كاتب وناقد وباحث جامعي (مغربي).

.....................

المراجع

(وفق أسلوب APA)

ابن خلدون. (2004). المقدمة: مقدمة في التاريخ. بيروت: دار الكتب.

العروي، ع. (1996). الدولة والمجتمع في المغرب الحديث. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

بوشيبي، عبد الإله، & ديبون، التهامي. (2023). دور المنظمات الدولية والإقليمية في حماية التراث الثقافي والحفاظ عليه. مجلة العلوم الإنسانية والطبيعة.

رزق العين، نوال. (2023). أهمية الرقمنة والتكنولوجيات الحديثة في إدارة التراث الثقافي والتعريف به. مجلة منبر التراث الأثري، 12.

شلغوم، سمير. (2020). الرقمنة كآلية لضمان جودة العملية التعليمية. المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والسياسية والاقتصادية، 57.

محمد، رحاب عصام حسنى. (2021). استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للحفاظ على التراث الثقافي. المجلة الدولية للدراسات متعددة التخصصات في أبحاث التراث، 4.

يوسف، سيد إدريس. (2021). دور الرقمنة والتكنولوجيات الحديثة في التعريف بالتراث الثقافي وتثمينه. مجلة منبر التراث الأثري، 10.

المراجع الأجنبية

Al-Bayanouni, N. (1999). The intellectual heritage of Morocco. Rabat: Moroccan Academic Press.

Al-Jabri, M. A. (1991). Takamun al-‘aql al-‘arabi [Formation of the Arab Mind]. Beirut: Center for Arab Unity Studies.

Al-Jabri, M. A. (1993). Bunyat al-‘aql al-‘arabi [Structure of the Arab Mind]. Beirut: Center for Arab Unity Studies.

Al-Jabri, M. A. (1996). Al-‘aql al-siyasi al-‘arabi [The Arab Political Mind]. Beirut: Center for Arab Unity Studies.

Al-Jabri, M. A. (2000). Religion, state, and application of Sharia. Beirut: Center for Arab Unity Studies.

Al-Jabri, M. A. (2006). Introduction to the Holy Quran. Beirut: Center for Arab Unity Studies.

لا أكتب هذه الكلمات اليوم وأنا مستسلم لنوبة تشاؤم عابرة، فمن يعرفني عن كثب يدرك أن نفسي طواعة للأمل العامل، نابذة بالطبع للبكاء على الأطلال. لكن التاريخ، في بعض لحظاته الفارقة، يفرض علينا صراحة قد تبدو قاسية، لأنها وليدة وقائع أقسى. ذلك أن ما نشهده اليوم على مسرح العالم الكبير لا يمكن وصفه بكلمة أدق ولا أصدق من أنه الجنازة الرسمية للنظام الدولي الذي عرفناه وعشنا في ظلاله، أو في ظلال أوهامه، على مدى ثمانية عقود كاملة.

نحن، أبناء العالم الثالث تحديدًا، الذين تعلقنا طويلاً بفكرة العدالة الدولية كملاذ أخير، نقف اليوم لنشيع هذه الفكرة إلى مثواها الأخير. لقد دفن النظام الذي نشأ على أنقاض حربين عالميتين، ليس تحت أتربة النظريات السياسية، إنما تحت أنقاض المدن التي تقصف في غزة ولبنان واليمن وطهران، وفوق جثث الأطفال الذين يموتون بالجوع والحصار، وسط صمت مهيب لمجلس الأمن، المجلس الذي لم يعد يخرج عن تمتمة بكلمات إدانة عاجزة، بينما الدماء العربية الإسلامية كجداول لا تتوقف. العزاء اليوم، كل العزاء، في الأمم المتحدة. والعزاء في مجلس الأمن الدولي، الذي تحول من حارس للسلام إلى شاهد على موته.

لقد انتهى العصر الذي كنا نعتقد فيه - بسذاجة أو برغبة في التصديق - أن هناك قوة أعلى من قوة الدولة، وأن هناك قانونًا يعلو فوق قانون الغاب، وأن هناك ضميرًا دوليًا يمكن استنفاره لحماية الضعيف. ما نشهده اليوم هو الإعلان الرسمي عن نهاية هذا الوهم الطويل. وهم أن المجتمع الدولي، بمنظماته وقوانينه، قادر على أن يكون مظلة حقيقية للدول الصغيرة حين تتعرض للخطر. الوهم نفسه الذي سرقه الواقع منا بكل وقاحة.

هذا التحول الجذري لم يحدث بين عشية وضحاها، ولم يأت نتيجة خطأ عابر في التقدير. لقد بدأ التحول بطيئًا خفيًا، ثم تسارع بشكل هستيري في العقدين الأخيرين. الدروس التي كنا نقرأها في كتب العلاقات الدولية عن توازن القوى والمصلحة الوطنية كانت في الماضي مجرد نظريات أكاديمية. أما اليوم، فقد تحولت إلى واقع نعيشه بكل تفاصيله المريرة. القوة وحدها، وبكل تجريدية، هي التي تحكم وتتحكم. مجلس الأمن الدولي، الذي أُنشئ بالأساس لحفظ السلم والأمن الدولي، لم يعد أكثر من خشبة مسرح تستخدم فيها آلة "الفيتو" لحماية المتهم لا لمحاكمة المجرم. في هذا المسرح، الدم الفلسطيني هو مجرد ديكور، والمأساة الإنسانية هي مشهد جانبي لا يدخل في صلب النص.

لنتأمل معًا ما حدث في العاصفة الأخيرة التي اجتاحت منطقتنا. حين أغلقت المعابر، وتوقفت المساعدات، وقطعت سبل الحياة عن مليوني إنسان، حين أصبح تجويع المدنيين ورقة ضغط مشروعة فعالة، في إدارة الصراع. ماذا كان رد فعل العالم؟ بعض بيانات الشجب والاستنكار التي تخرج من هنا وهناك. بعض التوصيات بوقف إطلاق النار التي لم يلتزم بها أحد، لأنها لم تكن مصحوبة بآلية إلزام أو إرادة ضاغطة. ثم العودة إلى النوم العميق، إلى متابعة الشأن الخاص. هذه ليست هفوة مؤقتة أو تقصيرًا يمكن تداركه. إنها طبيعة العصر الجديد. العصر الذي أصبح فيه ميزان القوة هو صاحب الكلمة الأخيرة. هو الكلمة الوحيدة التي تسمع في نهاية المطاف.

منذ سنوات، وأنا أتابع بإمعان تقارير ارتفاع الإنفاق العسكري العالمي إلى أرقام فلكية. قبل أيام فقط، قرأت تقريرًا موثوقًا يفيد بأن هذا الإنفاق قفز إلى 2.7 تريليون دولار. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية باردة تضاف إلى سجلات البنك الدولي. إنه تعبير مكثف عن حقيقة عميقة هي أن العالم لم يعد يثق إلا في العضلات. الدول الكبرى، وهي تنفق هذا المبلغ الخيالي على التسلح، إنما تستعد لعصر جديد عنوانه الوحيد هو البقاء للأقوى. إنها شريعة الغاب التي رفعنا شعارًا منذ خمسين عامًا أننا نخرج منها، لكننا اليوم نرتد إليها بسرعة مذهلة، وكأننا ندور في حلقة مفرغة لا نهاية لها.

وهنا، يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا بكل صدق ماذا يعني هذا كله بالنسبة لنا في العالم العربي؟ بالنسبة لأوطاننا التي لم تزل تخوض معركة بناء الدولة الحديثة؟ بالنسبة لشعوبنا التي تتوق إلى العدالة والتنمية والكرامة الإنسانية؟

المعنى الأول، وهو الأكثر وضوحًا وقسوة، هو أن أيدينا أصبحت على قلوبنا. لا حامي لنا إلا أنفسنا، ولا ظهير لنا إلا قوتنا الذاتية. فكرة أن الأمم المتحدة سترسل قوات زرقاء لحمايتنا إذا تعرضنا لعدوان أصبحت من طرائف التاريخ. وفكرة أن القانون الدولي سينصفنا في نزاع مع قوة كبرى باتت ضربًا من الخيال، أو من الأدب الرومانسي. علينا أن ندرك هذه الحقيقة بكل أبعادها، مهما كانت مرة، لأن إدراكها هو الخطوة الأولى نحو التعامل الصحيح مع الواقع، وهو نصف الطريق إلى النجاة.

المعنى الثاني، وهو الأكثر إيلامًا ووجعًا، أن هذه الحقيقة لا تطبق بالتساوي على جميع الدول. الدول الصغيرة والفقيرة، التي لا تملك نفوذًا ولا قدرة على الردع، هي التي تدفع الثمن الأكبر. عندما ينهار النظام الدولي، يكون الفقراء والضعفاء هم أول الضحايا. في هذا العالم الجديد، تستطيع دولة كبرى أو قوة إقليمية طموحة أن تغزو جارتها، وأن تحتل أرضها، وأن تفرض عليها شروطها، ولا أحد قادر على ردعها سوى قوة أكبر منها. الموازين الدولية التي كانت تمنع هذا السيناريو، أو على الأقل تضع له ثمنًا باهظًا، قد سقطت تمامًا. لقد تحول العالم إلى غابة كبرى.

نحن في عالمنا العربي، ندفع الآن فاتورة هذا التحول العالمي، وندفعها من دمنا ومن مستقبل أولادنا. صحيح أن لنا أخطاءنا الكثيرة، صحيح أننا لم نبنِ بعد الاتحاد القوي الذي يحمينا، صحيح أن خلافاتنا الداخلية وغياب المشروع القومي الموحد يضعف موقفنا ويمزق صفنا. لكن علينا أيضًا أن نرى الصورة كاملة، ما يحدث لنا ليس مجرد نتيجة حتمية لأخطائنا فقط، لكنه أيضًا جزء لا يتجزأ من تحول عالمي خطير، يضع منطقتنا الثرية والمعقدة في مرمى النيران بشكل دائم.

وهنا تبرز المفارقة الكبرى، التي ربما تكون أكثر ما يثير التفكير في هذه اللحظة التاريخية الدقيقة. إنها مفارقة تستحق التأمل. ففي الوقت الذي نرثي فيه النظام العالمي المنهار، ونتحسر على العدالة الدولية المحتضرة، يبدو أن الاستثمار الوحيد الذي لم نختبره قط في عالمنا العربي، أو لم نوله الأهمية التي يستحقها، هو الاستثمار في القوة الذاتية الشاملة. الاستثمار في القدرة التي تجعل منا فاعلين في التاريخ، لا مجرد مفعول به.

نعم، أعرف أن كلامي هذا قد يبدو صادمًا لمن عرفوني على مدى سنوات طويلة. فطوال حياتي، ناديت بالعقل والحوار والانفتاح على العالم، وبأن التنمية والثقافة هما سلاحا الأمم في العصر الحديث. لكن التنوير ليس سذاجة، والعقلانية ليست جهلاً بواقع القوة. الرجل الحكيم في النهاية هو الذي يرى الأشياء كما هي، لا كما يتمنى أن تكون. وما هو واضح للعيان في عالم اليوم هو أن الدول التي أنفقت بسخاء على تحديث جيوشها، وطورت صناعاتها العسكرية، واعتمدت على قدراتها الذاتية في الدفاع عن نفسها، هي وحدها التي تستطيع أن تنام مطمئنة في ليل هذه العاصفة الهوجاء. هي وحدها التي يمكنها التفاوض من موقع ندية، والدفاع عن مصالحها من موقع قوة.

الإنفاق على الجيوش، في عالمنا المعاصر، لم يعد ترفًا تمارسه النزعات العسكرية، ولم يعد خيارًا أيديولوجيًا. لقد أصبح، بكل بساطة، ضرورة من ضرورات البقاء البيولوجي للأمة. إنه مثل شراء وثيقة تأمين على الحياة لمن يسكن في منطقة كلها أخطار وبراكين. هو، في تقديري المتواضع، أفضل إنفاق يمكن لدولة نامية، وخاصة عربية، أن تقوم به في هذه المرحلة، لأنه يشتري لها الوقت والأمان لتنمو وتتطور في الداخل. الجيش القوي لا يعني بالضرورة الحرب، بل يعني غالبًا منعها.

لكن هذا الكلام لا يعني أبدًا أن نختزل القوة في البعد العسكري فقط، أو أن نحول مجتمعاتنا إلى ثكنات عسكرية، أو أن نستهلك مواردنا في سباقات تسلح عقيمة. التوازن هو الأساس، وهو لب الحكمة. الجيش القوي ضروري، إنه شرط أساسي، لكنه ليس كافيًا بمفرده. المجتمعات المتعلمة القادرة على الإنتاج والابتكار، والاقتصادات المنتجة المتنوعة التي لا تعتمد على الريع، والأنظمة السياسية المستقرة العادلة القادرة على احتواء مواطنيها، والمواطنون الواثقون في دولتهم والمعتزون بهويتهم، كلها عناصر لا تقل أهمية عن الدبابات والطائرات. إنها في الحقيقة الوقود الذي يحرك هذه الدبابات، والعقل الذي يوجه هذه الطائرات. القوة الحقيقية هي مزيج مركب وعضوي من القدرة العسكرية والصلابة الاقتصادية والتماسك الاجتماعي والإرادة السياسية.

ما أريد قوله، في ختام هذه الكلمات التي أتمنى أن تصل إلى القلب قبل العقل، هو أن علينا جميعًا، نخبًا وشعوبًا، أن نستيقظ من أحلام اليقظة التي عشناها طويلاً. علينا أن ندرك أن عالم ما بعد الحرب الباردة، الذي كنا نظن بسذاجة أنه سيكون عالم سلام وعولمة وتقدم وازدهار للجميع، قد انتهى إلى غير رجعة. العالم الجديد الذي يولد أمام أعيننا هو عالم القوة المجردة، والتحالفات المؤقتة القابلة للكسر، والمصالح المتغيرة بسرعة الصاروخ.

دعونا إذن لا نندب حظنا طويلاً، ولا نضيع الوقت في البكاء على الأطلال. فشعوبنا العربية التي عاشت على هذه الأرض منذ فجر التاريخ، وواجهت غزوات واحتلالات وأزمات لا تحصى، والتي خرجت منها في النهاية أقوى وأصلب، قادرة بلا شك على تخطي هذه المرحلة العصيبة أيضًا. لكن هذا يتطلب منا وعيًا جديدًا بالواقع، وإرادة صلبة لبناء الذات أولاً، واتحادًا حقيقيًا فاعلاً بين أقطار أمتنا، لا مجرد شعارات نرفعها في المناسبات وخطب رنانة تذروها الرياح. الوطن العربي واحد، ومصيره واحد، وتحدياته واحدة، ولا سبيل لمواجهتها إلا بيد واحدة متماسكة.

أما نحن في هذا الركن من العالم، المثقلين بالتاريخ والموعودين بالمستقبل، فلنا دعاؤنا الذي لا يتغير في ختام كل مقال وفي مفتتح كل عمل: حفظ الله بلادنا وشعوبنا من كل سوء، وألهمنا رشدنا، وأعاننا على بناء قوتنا.

***

د. عبد السلام فاروق

السخرية من شعوب مغفلة تستمتع بمشاهد الاهانة والتعذيب.. حتى في الكوميديا!

تعود فكرة برامج المقالب الى أكثر من ثمانين سنة، ويعدّ برنامج الكاميرا الخفية لمقدمه ألن فونت الذي بث عام 1948 على شاشة CBS هو الأقدم عالمياً، فيما بدأت أول برامج مقالب عربية في التلفزيون المصري في ثمانينيات القرن الماضي مع الفنان فؤاد المهندس الذي حصل على شهرة واسعة لكنه تراجع فيما بعد بسبب (استهلاكها) وسوء إدارة بعض المقالب واكتشاف حقيقة إن عدداً منها يتم بالاتفاق بين مقدم البرنامج و(الضحية) في خطة تستهدف اللعب على عواطف المشاهد الذي يستهجن استغفاله.

ولهذا السبب تحديداً عمدت برامج المقالب في التلفزيون الفرنسي الى تنفيذ مقالب عفوية تحظى بالمصداقية يستمتع فيها المشاهد والضحية أيضاً، فيما اعتمدت برامج المقالب اللبنانية فكرة خداع الناس في الايقاع بهم وهم يمشون في الطريق.وتحقق برامج المقالب هذه ثلاثة أهداف:

- مالي بحصول الفضائية على إيرادات كبيرة من خلال الإعلانات،

- وشهرة واسعة لمقدم البرنامج وكادره والمحطة ايضاً،

- ومتعة وترفيه وتسلية للمشاهد.

رامز تحت الصفر

في رمضان (2018) قدّم رامز جلال مقلبا بعنوان (رامز تحت الصفر) حظي بمشاهدة عربية واسعة دفعتنا الى استطلاع المشاهدين لهدفين:

-  الأول معرفة آرائهم بالبرنامج، وبنوعية شخصية رامز جلال، وما إذا كانوا يستمتعون بمشاهدة حلقاته التي جرى تصويرها في ثلوج روسيا مستغلاً مشاركة الفريق المصري لكرة القدم في المونديال،

- والثاني ضمني يستهدف معرفة سيكولوجيا المشاهدين من خلال إجاباتهم.. على هذا السؤال:

تقوم فكرة برنامج "رامز تحت الصفر" على وضع الضيف في مقلب بهدف إمتاع المشاهدين، فهل امتعك ذلك؟ أم إنك ترى فيه إهانة ومزاحاً ثقيلاً ؟

كانت اجاباتهم بخصوص البرنامج بأنه:

 (تافه، مفبرك، سخيف، مهين لشخصيات فنية واجتماعية محترمة، إسفاف ومسخرة، تهريج وعياط وصراخ، عديم اللون والطعم والرائحة، مقرف جداً، مضيعة للوقت، ابتذال يفسد الذائقة الفنية، مقالب مؤذية أكثر منها مسلية، معظم ما يقوم به مزيف يحاول التغطية عليه بالصراخ والنكات البايخة، انتهاك صارخ لحقوق الانسان، شكل من أشكال العنف قد يعرّض أحدهم لسكتة قلبية).

واتفقت غالبية العينه وعددها (2023) بينهم اكاديميون بأن شخصية رامز عدائية، لأن الاستهزاء بالآخرين والضحك على متاعبهم من سمات الشخصية العدائية، وأنه يحاول القيام بما لايستطيع تحقيقه على أرض الواقع وهي أحد اضطرابات الشخصية العدائية( hostile personality )، فيما وصفه آكاديميون سيكولوجيون عرب خصونا باجاباتهم بأنه سيكوباثي، يعاني من مرض نفسي يستهوي ايلام الآخرين وتعريضهم للخطر، وأنه شخص يشعر بالنقص فيعوضه بالانتقام من النجوم، ويسدّ فشله بالوصول الى النجومية بتعذيب ضيوفه ليشفي غليله، وأنه مجرم خطير مكانه السجن بين القتلة والمنحرفين أخلاقياً وانسانياً، اعطته التكنولوجيا الاعلامية فرصة تحويل ميوله الاجرامية عبر الإعلاء والتسامي بها بصورة مغلفة بالكوميديا والكاريزما وهو في حقيقته ينهش في صحة وعقل وجسد ضحاياه بوحشية ودموية، واوصى آخرون بأنه يحتاج لكورسات من العلاج النفسي لأنه معتوه.

وكان لآخرين الرأي النقيض مستشهدين بأن بدايات رامز الفنية وأدواره كلها كانت في لعب الولد المحبوب صديق البطل الفكاهي وهذه بعيده كل البعد عّن شخصية السيكوباثي، وأن البرنامج لايعدو كونه مزاحاً ثقيلاً، وأن تصنيفه ضمن المجرمين والمرضى العقليين.. تهمة ظالمة.

رامز مجنون رسمي

بين رامز تحت الصفر 2018 و رامز مجنون رسمي 2020، ورامز ليفل الوحش 2026 ما الذي تغير؟.

استخدمنا نفس المنهج باستطلاع عينة مشاهدين، فوجدنا أن اجاباتهم لا تختلف عن سابقاتها: فالبرنامج تافه تخطى حدود المعقول، ورامز شخصية سادية يتلذذ بتعذيب الاخرين رغم كل السب والشتم، وهو مريض نفسيا ومجرم يفترض ان يقدم للمحاكم، فيما برر آخرون بأن رامز شخص يبحث عن رزقه، وأن المال اعمى في وسط قائم على الفلوس.

ورأى كثيرون بأن مقالب رامز هذه متفق لقاء (شيكات بارقام صعبة). واكد بعضهم انه تم فعلا ادانته لكنه عند فتح التحقيق تبين ان لديه ما يثبت موافقة الطرف الاخر للحضور الى البرنامج ويعرف ما سيحدث له بالضبط. واستشهد آخرون بتصريح المخرجة ايناس الدغيدي بانهم (كلهم وافقوا على المشاركة ولكن لا يعلمون اي مقلب سيقعون فيه)، وأن الشخصية التي تقع في الفخ سرعان ما ترضى لحظة تستلم مبلغا يسيل له اللعاب.

اعادة الشخصية الشرق اوسطية

قدّم بعضهم تحليلا ذكيا بقولهم ان الشعوب العربية تحب العنف وتستمع به، وانها تهوى السيطرة والتحكم بالاخرين لتمارس عليها انواع التعذيب او التلهي بها خصوصا تلك الضعيفة .. ما يعني ان الخطر السيكولوجي فيه يتمثل بتطبيع افكار السادية عند جيل الألفية الثالثة بجعل الضيف اضحوكة وخاضع للأهانة.

واللافت أن مفكرين ذهبوا أبعد بقولهم ان هذه البرامج وما شاكلها هي لاعادة صياغة الشخصية الشرق اوسطية حسب مقاييس مفروضة سلفا تستهدف تفريغ المحتوى الاخلاقي واستبداله بنموذج تافه لا قيمة له ولا اصالة فيه، وتعويم القيم وتقديم مسألة الاستهتار بمشاعر الناس.

شخصيات الضيوف

يستضيف البرنامج افرادا من الوسطين الفني والرياضي غالبيتهم من الخط الثاني ويتجنب استضافة شعراء وادباء ومفكرين مشهورين لأنه يعرف انهم يحترمون انفسهم، ويعرف ان الذين يستضيفهم يرتضون لأنفسهم أن يكونوا موضوع سخرية لسببين رئيسين:المال .. الذي يذلّ من لا يحترم قدر نفسه، والشهرة التي تحقق جمهورا جديدا اوسع.

ورامز والشيخ تركي ومدير قناة أم بي سي، لديهم فكرة مسبقة عن كل شخصية تستضاف، فاذا كانت سعودية او امارتية فانه يتعامل معها باحترام ولطافة (حلقة عبد الله ابو الخير مثالا)، واذا كانت مصرية فانه يتعامل مع القلة بلطف، ويبهذل ضعاف الشخصية ويتجاوز عليهم بمفردات: سافل، تافه.. مع ملاحظة انه (في رامز مجنون رسمي) حذفت (في المونتاج) مفردات المسبة والاهانة التي وجهها له بعض الضيوف.

تحليل سيكولوجي

هدفان يسعى فنان برامج المقالب التلفزيونية الى تحقيقهما، هما: المال والشهرة.. وكلاهما بلغهما الشاب رامز جلال بزمن قياسي. ففي أقل من خمس سنوات حقق من الشهرة ما لم يبلغه فنان عربي آخر بضمنهم شقيقه الفنان الملتزم ياسر جلال بطل مسلسل (ظل الريس).. وصار يعدّ من أصحاب الملايين بين قلة من الفنانين.

ورامز يمتلك موهبة عالية في تقديم برامج المقالب لا يمتلكها في فن التمثيل برغم انه أسندت إليه بطولة وأدوار رئيسة في عدد من الأفلام. وله قدرة على تحمل الاهانات والضرب والشتيمة التي يجد فيها نوعين من المتع المتضادة:

 تعاطف مشاهدين معه،

 وتشّفى آخرون بما يحصل له!.

 فضلاً عن متعة شخصية له في ترضيته للضحية بعد اكتشاف المقلب.

وسيكولوجياً، تقوم فكرة المقلب على تصنيف البشر الى نوعين: شرير يمثله رامز جلال، وخيّر يمثله الضحية.. وأن ما يشغل الشرير هو نصب فخ للايقاع بالضحية التي تمثل الانسان الطيب (وعلى نياته).

ونرى أن من وصفوا رامز بانه شخصية (عدوانية، سيكوباثية، مريضه نفسيا.. )، فيها مبالغة.. ما لم تكن تصرفات رامز وسلوكه العام مع أفراد عائلته والناس الآخرين.. عدوانية وسيكوباثية فعلاً.. وليس لدينا ما يثبت ذلك.

والمفارقة..

إن معظم الذين وصفوا البرنامج بـ(التافه، السخيف..) ووصفوا رامز بـ(المريض نفسياً، والمعتوه، والسيكوباثي..) كانوا قد تابعوه ويتابعونه الآن!، ما يعني إننا جميعاً لدينا دافع غريزي للعدوان، وإن بيننا من يستمتع بالتنفيس عن عدوانه المكبوت بمشاهدة ما يقع للضحية من أذى نفسي أو جسمي. والسبب السيكولوجي الرئيس لشيوع البرنامج هو ان المزاج العربي يتقبل ذلك، فالشخصية العربية اعتادت على سلطة مارست ضدها العنف والأذلال والأهانة، ولأن البرنامج تتجسد فيه معادلة السادية مقابل المازوشية التي هي واقع حال الشخصية العربية لأكثر من الف واربعمائة سنة!.

الأهم من هذا كلّه هو أن الخطورة في هذه المقالب، ليس علينا نحن الكبار بل على الاطفال والمراهقين، لأنهم ينفردون بصفتين: تقليد الفنانين، وأخذهم فكرة أن الواقع الاجتماعي هو هكذا( أشرار وأخيار، أذكياء وأغبياء، شطّار وغشمة..) وإن على الطفل أو المراهق أن يكون شريراً وذكياً وشاطراً ليعيش وإلا فإنه سيكون مغفلاً وفاشلاً واضحوكة للآخرين.. وتلك مسؤولية تتحملها وزارات الثقافة والآعلام الصامتة من سبع سنوات!

ما الذي يفشل البرنامج؟

كل ما يكتبه النقاد والمثقفون ونحن السيكولوجيين لن يوقف البرنامج.. ولن توقفه شكوى رئيس نادي الزمالك لوزير الداخلية المصري للسخرية التي تعرض له لاعبه (كهربا)، ولا طلبه لوزير الصحة ايداع رامز مستشفى الأمراض العقلية. ولن يثني رامز طلب نقيب الاعلاميين الدكتور طارق سعده الموجه لرئيس قناة ام بي سي المستند لتقرير نقابة الاعلاميين بشأن التجاوزات التي يرتكبها رامز، وقرار النقابة منع ظهور رامز على اية وسيلة اعلامية تبث داخل مصر.فالبرنامج (لا نية لوقفه) وفقا للمتحدث الرسمي لقنوات (أم بي سي) السيد مازن حايك، لأنه (حقق خلال أول يومين فقط من بدء عرضه 120 مليون مشاهدة)، معربا عن احترامه للأشخاص الذين لا يحظى العمل بإعجابهم، لافتا إلى أنه لا يمكن لهؤلاء حرمان الآخرين من مشاهدته.

الذي يفشل البرنامج ويسقطه هو حين يصل المشاهد الى يقين بان المقلب متفق عليه مع الضيوف لقاء مكافأة مالية، ويدرك انه هو (الضحية).. وانه هو المستغفل، وان رامز والضيف كلاهما يضحكان عليه.. عندها سيتوقف البرنامج ويخسر رامز شهرة استثنائية، مكتفيا بما حصل عليه من ملايين الدولارات كسبها من سخريته على شعوب مغفله تستمتع بمشاهد الأهانة والتعذيب.. حتى في الكوميديا!.

***

بروفيسور دكتور قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

يبدو من سمات الليبيين الفريدة، إنهم – في الكثير من القضايا - ملكيين أكثر من الملكيين أنفسهم، فنحن حينما نشجع نكون أكثر صدقاً وجهداً وتطرفاً ومغالاة من اللاعبين الأساسيين، ففي هذا نشبه المشجع الذي يشجع مشارك ما في سباق المارثون، فيجري ورائه وبجانبه بل ويسبقه بمسافة كبيرة لخط النهاية ويصل قبله، دون أن ينال أي تكريم أو جائزة أو يهتم لذلك، هذا ينطبق علينا حتى في الطرب الشعبي، فالجمهور الشعبي في ليبيا يغني أفضل وأكثر إنسجام وأداء من المطرب نفسه، وهذا السلوك نمارسه أيضاً في السياسية ومسألة المبادئ والأفكار، وهو أمر ليس جديداً أو غريباً عن طباعنا وسماتنا، بل هو قديم ويعد سمة ليبية خالصة وفريدة، فتعاملنا مع قضية (الوحدة العربية) سبقنا فيها العرب أجمعين منذ الردود العميقة للشيخ (سليمان الباروني) على (الأمير شكيب أرسلان) ودفاعه عن (وحدة المغرب والمشرق العربي) عام 1937م، وقد جربنا وعشنا - في النصف الأخير من القرن الماضي - خصومات سياسية متنوعة ومتعددة الإتجاهات مع دول وأنظمة عربية، بسبب مبدأيتنا السياسية في طرح قضية الوحدة العربية والإصرار على تحقيقها أكثر من أي عربي أخر، وهو ما جر علينا أغلب المشاكل والخصومات السياسية العربية، وسترى أيضاً هذه السمة الليبية في القضية الفلسطينية، فنحن من اليوم الأول لها نهاية أربعينيات القرن الماضي، كنا أول كتيبة تتوجه للمعركة قبل العرب الأخرين، وذكر "ياسر عرفات" أن أول بندقية إستلمتها منظمة التحرير الفلسطينية كانت من ليبيا، وفي القضية القومية وما أسميناه (قومية المعركة) منذ بداية سبعينيات القرن الماضي، قومننا المعركة والخطاب السياسي، وإنعكس ذلك على الموقف السياسي العلاقات الثنائية مع بقية الأنظمة والبلدان العربية، ودفعنا فيها الثمن من علاقاتنا الثنائية مع أغلب الأنظمة العربية تقريباً، وفي مسألة الوحدة الأفريقية وإنشاء الإتحاد الإفريقي عام 1999م، تحول الليبيون سياسياً لأفارقة أكثر من أي أفريقي أخر، فالليبي في هذا يتعامل على إنه الأفريقي الأول والأفريقي الأخير، وأخذ الليبيون على عاتقهم قضية القارة بأكملها – رغم قلة عدد سكان ليبيا – بالمقارنة بدول أفريقية أخرى، وبذل الليبيون بمصداقية عالية كل ما يملكون في سبيلها بكل مصداقية، وتحملوا كل العداوات مع دول كبرى في ذلك، حتى تم غزو ليبيا عام 2011م جهاراً نهاراً.

وفي الإنتماء السياسي، الليبيون يتبنون الأفكار السياسية ويصبحون أصحابها أكثر من أصحابها الأساسيين، ففي العمل القومي تقومن الليبيون حتى لم يعد يروا ليبيا واقعاً ولا حتى وجود، وأذكر إني شاركت نهاية ثمانينات القرن الماضي في الهتاف بكل صدق (طز في ليبيا الإقليمية فلتحياء الأمة العربية) وكنا في ذلك صادقين للعظم قيادة وحركة وجماهير، حتى إن أستاذ فاضل من كبار القوميين العرب حدثني قبل أسابيع بالملاحظة ونبهني لصورة الليبيين بعيون القوميين العرب، حين قال لي "أنتم الليبيون مغاليين في مسألة القومية العربية" وأظاف فيما بعد بقوله "أنتم أعطيتم العروبة في شتى الأرجاء من دمائكم وقوتكم"، ففي الحقيقة كنا قد فقنا في ذلك حتى "جمال عبد الناصر، وميشيل عفلق، والشيخ عبد الحميد بن باديس" والعرب أجمعين، وسبقناهم وأستمرينا فيها طوال 40 عاماً، كذلك في مسألة (الإشتراكية) تطرفنا حتى ألغينا التجارة تماماً وجففنا حتى المصانع البسيطة، بحجة الحرص على عدالة توزيع عناصر الإنتاج إشتراكياً دون أي إلتفات لمسألة "حساب التكاليف"، فالمهم عندنا هي الفكرة والمبداء كعادتنا وطبيعتنا، وسبقنا في ذلك كل إشتراكيي العالم المعتقين بمن فيهم "كارل ماركس وإنجلز وحتى ماو"، وفي الإنتماء لتنظيمات الإسلام السياسي - منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي - يأتي الليبيون في مراتب متقدمة من حيث التطرف وفي مسألة الإنتماء والمحافظة على سياق الفكرة، فالليبيون المنتمين لتنظيم (الإخوان المسلمين) بعد عام 2011م أخذوا البلاد كلها بأموالها لتكون" كنز التنظيم العالمي" ولا يعني لهم الوطن الليبي في هذا أي إعتبار - فالإعتبار دائماً للفكرة والمبداء - أكثر مما فعل المرشد العام في مصر أو تركيا، وفي "التيار السلفي" القادم من المملكة العربية السعودية، يكفي أن تلاحظ ان الليبيون السلفيين، سلفيون أكثر من المركز في المملكة السعودية، فهم (مداخلة) أكثر من "ربيع المدخلي" نفسه، بل وصاروا يزايدون حتى عليه، وترى الليبيون متوزعين ومنقسمين حتى على الخلافات النسبية بين مشائخ السلفية في السعودية، صادقين في إنتمائهم ومبدأيين في المحافظة على الفكرة ونقلها لمجتمع مالكي وصوفي حتى العظم تاريخياً، وأنشأوا في ذلك ما يزيد عن 40 محطة راديو يديرونها من أجل "سلفنة" المجتمع الليبي بأسرع وقت، وحتى فيما جد على المجتمع العربي الليبي من مُستجد (المازيغية)، التي لم تعرفها ليبيا في تاريخها، يسبق ويتطرف ويعمل اليوم عليها بعض الليبيون المتبنين لفكرتها، أكثر وأوسع وأسبق حتى من المغاربة والجزائريين أين ولدت الفكرة، وحققوا لها ما لم يتحقق هناك حيثما ظهرت وبرزت وتخمرت فكرتها، صادقين فيها ومصدقين لها أكثر من الجزائريين "مولود معمري" و"فرحات مهنى"، و" كاتب ياسين"، وأكثر حتى من المغربي "أحمد عصيد"، نفسه.

إنهم الليبيون حتى في الفن، فالجمهور الليبي يغني بعمق وإحساس بشكل رائع وجميل، يطرب المستمع والمشاهد أكثر من المطرب نفسه، وهي ظاهرة ليبية بإمتياز، حتى في مجال الطرب الشعبي والأهلي خاصة في الأفراح، ويكفيك لتعرف - وتحس بذلك - أن تستمع لأغاني الأفراح الليبية، ففي الجبل الغربي والجبل الأخضر وفي الجفرة، أو مرزق، أو درنة أو حارات بنغازي وطرابلس، ستجد الجمهور الحاضر يبدع أكثر من أي "كورال" تدرب على أداء الإغنية، وفي أعماق الجنوب سبها وأوباري - على سبيل المثال - الحضور من النسوة في حفلات الأعراس يبدعن في المشاركة في الأغاني أكثر من (الفنانة حسنة) التي تتربع على عرش الطرب الشعبي في أفراح سبها والجنوب، وسترى ذلك في جمهور (الغيطة) في شوارع بنغازي، وفي حفلات (الزمارة) في درنة، وفي حفلات (الزكرة) في الجبل الغربي، وفي حفلات (الكشك والمجرودة) في الوسط والشرق الليبي، وستراه بوضوح في حلقات الطرب الجماعي في أفراح الجفرة في واحتي "سوكنة و هون و ودان"، وستراه في الأعراس حيث يتحول الأهل للطرب الجماعي الممتع المبدع الرأئع، ويقدم هذا الجمهور الإبداع والإحساس العميق أكثر وأجمل مما يقدمه المغني أو المطرب نفسه، بهيام وإتقان وإنسجام عالي، هذه السمة والطبع ستراه أيضاً في تشجيع الأندية الأوروبية، فالمشجعين الليبيين للأندية الأُوروبية أكثر تطرفاً ومغالاة ومتابعة وإنفعال وصراخ من الأوروبيين أنفسهم، حيث تسمع غالباً نقاشاً محتدماً بين مجموعة حول فرق "ريال مدريد و برشلونة وميلانو"، أكثر وأشد شراسة من "الطليان والأسبان" أنفسهم، وفي تشجيعهم للأندية الليبية نفسها، الجمهور الرياضي الليبي، أكثر تطرفاً من لاعبي الأندية الليبية المتنافسة مثل "الأهلي والإتحاد، والنصر وأهلي بنغازي"، فغالباً يخرج اللاعبين متصافحين، بينما يبقى جمهور المشجعين لأشهر طويلة منفعلاً يكيل السباب لبعضه البعض، ويحتفل بالفوز على بعضه البعض، يجتر المعارك الكروية والخصومات بكل إنفعال وصدق وهيام وصراخ.

إنهم الليبيون، شعب له سمة وخاصية الهيام والغرق والإبداع فيما يتبنون، حد العمى وحد الثمالة، يسكرون بما يتبنون من توجهات، إنهم نفسهم الليبيون في تصديقهم للأمم المتحدة أكثر من العاملين في هذه المنظمة الظالمة، وفي تصديقهم لحلف الناتو وقادة الدول الغربية، وفرق المخابرات الغربية المتسترين كصحافيين وإعلاميين أوروبيين، أكثر حتى من أعضاء هذا الحلف، يبررون له قصف ليبيا وتدميرها بحجة الديموقراطية وحماية المدنيين، رغم ما يتم قوله ونشره وإعلانه عن الأسباب الحقيقية لغزو حلف الناتو لليبيا عام 2011م، فمغالاة الليبيون في تغطية ما حصل بتصور تحقيق الديموقراطية، يفوق حتى تصور الأوروبيين والأمريكان فيما فعلوه بليبيا (القادة الأوروبيون والأمريكان ينشرون بعض الأحيان الأسباب الحقيقية للهجوم على ليبيا عام 2011م)، هذا السلوك الليبي هو نفسه حتى في الحرب الأهلية، التي إندلعت عقب تدخل حلف الناتو وإسقاط النظام عام 2011م، حيث تبنى ودخل الليبيون مرحلة من الإنتقام والقتل والإسراف فيه، حد لا يمكن تصوره - ولا أحد يعرف لماذا إنفجر كل هذا الحقد الأعمى، الذي عم البلاد على كل شيئ فجأة – وفيما بعد بنفس السمة والخاصية، تبنى الليبيون وجنحوا للسلم والأمان والأُخوة كما لو لم يحدث شيئاً، وإنحسرت الضغائن والمأسي والأحزان بشكل فردي وأُسري، وتمت محاصرتها بطبيعة المجتمع الذي رتق الفتق، وسرعان ما تبنوا وداووا جراحههم ولملموها، وكأن شيئاً لم يحدث، بإسم مبداء المصالحة الوطنية.

 هؤلاء هم الليبيون طبيعتهم في هذا، تحتار أن تصفها، هل هي غريبة من غرائب الشعوب، أم سمة وإيجابية من سماتها، فحينما يحدثك الليبي عن (الإسلام) هو يتحدث معك على أنه (المسلم الأول والأخير والوحيد)، وحينما يحدثك عن (الأُمة العربية) يحدث على أنه العربي الأول الصميم، وحينما يتحدث عن الجهاد ضد الإستعمار فهو يضحي بنفسه وماله كما فعل في فلسطين ولبنان، وفي تشاد إبان الإستعمار الفرنسي، أكثر حتى من أهل البلاد أنفسهم، وهو نفسه سلوك الليبيين في مرحلة (جهاد بريجنسكي) في إفغانستان، حينما ذهب بعض الليبيون جماعات ليشاركوا فيه بكل رضى وإقدام، إنه الليبي يعمل على الفكرة كصاحبها ومسؤولها الأول حينما يتبنى قضيتها أياً كانت القضية أو الفكرة، وهو مستعد أن يقرر الدعم المالي السخي لدولة أخرى، دون أي إعتبار لحاجة البلاد والأسر الليبية لأموالها، ودون أي بُخل أو تراجع.

يالها من مفارقة، ملفتة، يمكن وصفها بالمصداقية والمبدأية والوضوح والجسارة والإقدام والصفاء من جهة، ويمكن من جهة أخرى وصفها بأنها تصديق أعمى وإنجراف وتطرف طبعي (من الطباع)، وسهول الإنسياق مع الجو العام والموجة، وعجينة يمكن أن تتشكل بسهولة، في الهيام بالفكرة والسباحة والغرق فيه، دون أي تراجع أو تفكير و دون أي حسابات أو وسطية، صادقين يبذلون الغالي والنفيس، والروح والوطن، والبلاد والعباد في سبيله، وهي ظاهرة وسمة تحتاج لسبر غورها الإجتماعي والنفسي، بحثياً، في تفاصيل هذه البلاد، وهذا المجتمع الخام الذي سرعان ما يتشكل ويندمج ويدخل ويتبنى ويمول ويدافع عن الفكرة والقضية، التي تستولي عليه، فيصبح هذا المجتمع - أو على الأقل أفراد كُثر وجماعات منه - أصحابها أكثر من أصحابها ومُنظريها انفسهم، يهيمون بها وفيها، ويتحولون لأداتها ولسانها وسلاحها وأهلها، إنهم الليبيون يهمون في الإغنية يؤدونها أكثر وأجمل حتى من مطربها، يغنونها بأكثر إحساس وأبداع وعمق وهيام وإتقان، من كاتب كلماتها وأكثر إتقاناً من ملحنها، وأكثر وأجمل بكثير حتى من مغنيها ومطربها ومؤديها الأول، نفسه، هؤلاء هم الليبيون الذين لا تعرفون.

***

د. محمد عمر غرس الله

 

أثارت فضيحة جزيرة إبستين (اسمها الأصلي ليتل سانت جيمس، وهي إحدى الجزر الأمريكية العذراء في البحر الكاريبي)، تداعيات كثيرة بخصوص دور القوّة الناعمة في الإطاحة بزعماء كبار واستدراج شخصيات مشهورة والإيقاع بجهات رسمية وغير رسمية. وكشفت الصحافة الاستقصائية العديد من الخفايا والخبايا والفضائح التي تزكّم الأنوف. والأمر لا يتعلّق بخوارق شخصية سوبرمانية مخابراتية شيطانية مثل جيفري إبستين، بل إن الأمر مدعاة للتساؤل: من يقف خلفه؟ وما هي أهدافه؟ وكيف تمكّن من الوصول إلى مبتغاه؟ ولماذا لم يتم كشف أسراره إلى اليوم؟ فالرجل توفّي في ظروف غامضة في سجنه العام 2019، ثم ماذا يعني نشر وتسريب هذه الوثائق في هذا الوقت بالذات؟ ومن تخدم؟ ومن هي الجهات المتضرّرة والمستفيدة منها، سواءً كانت شخصيات عامة أم جهات رسمية؟

لعلّ ما حصل من كوموتراجيديا، خلال الأسابيع المنصرمة، أعادني إلى دور القوّة الناعمة في الصراع الأيديولوجي بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، وخصوصًا خلال فترة الحرب الباردة (1946 – 1989)، وكيف استُخدمت لإسقاط منظومة أيديولوجية وأحزاب عريقة ومناضلين كبار، كان يشار إليهم بالبنان، سواء في الدول الاشتراكية أو في الدول النامية دون الدخول في حرب عسكرية ذات أكلاف فلكية.

الصراع الأيديولوجي

كنت قد نشرت كتابًا في العام 1985 بعنوان "الصراع الأيديولوجي في العلاقات الدولية"(دار الحوار، اللّاذقية)، تناولت فيه أساليب الدعاية السوداء ووسائلها، إضافة إلى دور المعاهد ومراكز الأبحاث والدراسات المتخصصة في التأثير على العقول وكسب القلوب، في معركة ضارية، علنية وسريّة، استُخدمت فيها جميع الوسائل، من أكثرها شرعيّةً إلى أشدّها لا إنسانية، وخصّصت فقرة كاملة لممارسات إسرائيل العنصرية وأجهزتها الدعائية والأمنية وحربها النفسية.

منذ قيامها في العام 1947، أولت وكالة الاستخبارات المركزية CIA اهتمامات كبيرة بالثقافة، وعملت على جعلها وسيلة وأداة في الدعاية والصراع الأيديولوجي، وخصّصت لها موارد ضخمة وبرامج سريّة واسعة ومتنوّعة، ليس ضدّ المعسكر الآخر كجزء من أذرع الحرب الباردة، بل لاستقطاب كفاءات وشخصيات يسارية من الدول الغربية، وسعت للاستثمار فيها كرأسمال أساسي، فضلًا عن النُخب كرأسمال بشري يمتلك طاقةً هائلةً للتأثير، لذلك أصبحت الحرب الثقافية جزءًا لا يتجزّأ من الصراع الدولي، ولا تقلّ ثقلًا عن السلاح النووي أو الكيميائي، وليست أقل أهمية من الصواريخ، ووسائلها ناعمة وأدواتها ماكرة وأساليبها مشوّقة ومغرياتها تبدو بريئة.

سؤال مستعاد

ثمة سؤال قديم بقيت أستعيده بين الحين والآخر، وهو ما ورد على لسان الشاعر الأمريكي كارل ساندبيرغ في ستينيات القرن المنصرم: أيهما أكثر تأثيرًا في سياسة الولايات المتحدة، هل جامعة هارفارد أم سينما هوليوود؟ وكان جوابه مثيرًا: هارفرد أنظف من هوليوود، لكن هوليوود أكثر تأثيرًا من هارفارد في الوصول إلى أمد بعيد.

وفي ذلك أكثر من مغزى ودليل على دور القوّة الثقافية الناعمة وأدواتها المختلفة في نشر القيم وطريقة الحياة وفي التأثير على الآخر، وإذا كانت جامعة هارفرد صرحًا علميًا كبيرًا مؤثرًا بلا أدنى شك، إلّا أنها أقل تأثيرًا من هوليوود في نشر القيم الأمريكية، وذلك يعود إلى انتاجها يصل إلى جمهرة واسعة وعريضة من البشر، خصوصًا وأن ما يحدثه الفن السابع يكاد يهيمن على القلوب والعقول معًا، في حين أن المنتوج الأكاديمي يبقى محصورًا بنخبة محدودة وخاصة، لذلك سعى جهاز الاستخبارات الأمريكي إلى استخدام الفنون والآداب في صراعه الأيديولوجي ودعايته.

كاشف الغطاء ومؤتمر بحمدون

كان "مؤتمر حريّة الثقافة" الأمريكي، إحدى واجهات العمليات الثقافية، يموّل مجلّات أدبية وفكرية، ويقيم معارض فنية وفعاليات موسيقية ومؤتمرات ثقافية تحت زعم الحريّة والإبداع في مواجهة ما يُطلق عليه "الواقعية الاشتراكية"، التي كانت اليافطة المرفوعة من جانب المدرسة السوفيتية فيما يتعلّق بالأدب، ليس هذا فحسب، بل إن وسائل الدعاية والتضليل امتدّت إلى الدين وإلى العاملين في الحقل الديني أيضًا لما فيه من تأثير، ففي العام 1954، انعقد في مصيف بحمدون (لبنان) مؤتمر بدعوة من جمعية أصدقاء الشرق الأوسط الأمريكية وبتنظيم غير مباشر من اﻟ CIA وتمويلها، كما اتّضح لاحقًا، تحت عنوان مكافحة الأفكار المادية الإلحادية، شارك فيه رجال دين من مختلف الطوائف والأديان، وإن كانت ثمة ارتيابات بعضها جاء على لسان الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، الذي كتب ردًّا على دعوته لحضور المؤتمر بعنوان "المُثل العُليا في الإسلام لا في بحمدون"، وقام الحزب الشيوعي العراقي حينها بطبع مداخلته ووزعها ضمن أدبياته السريّة لفضح توجّه الأجهزة الثقافية الأمريكية المموّلة من جهاز المخابرات المركزية، لكن للأسف أخذت الحدود تُمحى والممانعات تُلغى والتحفّظات تتبخّر، بل ثمة سباقات وهرولات نحو المعسكر الرابح، بعد انهيار الكتلة الاشتراكية، بغضّ النظر عن أخطاء وخطايا المعسكر الخاسر.

وقد انكشفت بعض تأثيرات وسائل الصراع الناعمة لاحقاً لشراء ذمم مثقفين وكتّاب وإعلاميين، تلك التي اتّخذت في وقت لاحق توقيع عقود مع البنتاغون ومؤسسات وأجهزة أمريكية بصفة خبراء أو استشاريين، وذلك عشية احتلال العراق وتدمير الدولة العراقية (2003)، وعلى هذا المنوال سار عدد من المثقفين من بلدان عربية وأفريقية وأمريكية لاتينية.

وحتى قبل انهيار أنظمة أوروبا الشرقية التوتاليتارية انخرط في هذه الأنشطة مثقفون كبار، بعضهم على علم ودراية بمن يقف خلفها ومن يموّلها، والبعض الآخر برّر مشاركته لأنه يريد نشر وجهات نظره المخالفة، طالما توفّرت الفرصة للتعبير عنها ضدّ ما هو سائد من تيار اشتراكي وشيوعي رسمي، وهو ما شجّعت عليه السياسة الخارجية الأمريكية، تحت عناوين برّاقة مثل "الحريّة الأكاديمية" و "حريّة التعبير"، وهو ما يرد تفصيلاته في كتاب ف. س. سوندرز "من يدفع للزمّار؟ الحرب الباردة الثقافية". (ترجمة طلعت الشايب وتقديم عاصم الدسوقي، القاهرة، 2009).

واستُخدمت في الحرب الثقافية مؤسسات خيرية عديدة أمريكية وأوروبية بعضها ما زال عاملًا نشيطًا، وخصوصًا منذ مطلع التسعينيات وحتى مع بدايات ما أُطلق عليه "الربيع العربي" (2011) لتمويل عدد من منظمات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان، بزعم أن مصادر تمويل هذه الجهات معفيّة من الضرائب، وبعض هذه المنظمات تعيش إلى الآن على فتات دعم المؤسسات الدولية، ولو توقّفت هذه عن تقديم التمويل السنوي لها لتوقّفت هي الأخرى عن العمل، كما حصل مع العديد من المنظمات، لاسيّما بعد أن استنفذت أغراضها.

سؤال الأخلاق

وتطرح مؤلفة الكتاب سوندرز سؤال الأخلاق، وهو سؤال شك وليس سؤال يقين، مثلما هو سؤال قلق وليس سؤال طمأنينة، أي كيف يمكن أن يكون المثقّف حرًّا إذا كان من يموّله جهاز استخبارات أجنبية لأجندات سياسية؟ وهو سؤال ما يزال مطروحًا، فقد اعتمدت العديد من المنظمات ومراكز الأبحاث على تمويلات غامضة من جهات غريبة، بل إن بعضها تمّ تأسيسه لهذا الغرض، وظلّ يعلّق يافطة اليسار فوق رأسه، وإن كانت روحه مطفأة ورؤيته قاتمة، وحتى وإن فقد دوره وموقعه وقيمته الفكرية، لكنه استُبقيَ كجزء من الجنود في المعركة.

ويقول بول بريمر في كتابه "عام قضيته في العراق" الصادر عن دار الكتاب العربي في بيروت في العام 2006، أنه أنفق 880 مليون دولار على مؤسسات وشخصيات صحافية ومدنية وحقوقية في العراق خلال العام الذي تولّى فيه إدارة الحكم (13 أيار / مايو 2003 – 28 حزيران / يونيو 2004).

كانت الفكرة التي اعتمدتها الولايات المتحدة في الصراع الأيديولوجي ضدّ العدو الاشتراكي، أن العالم بحاجة إلى عصر تنوير جديد وسلام أمريكي وقرن أمريكي. وحسب هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، أن الهدف هو تحصين العالم ضدّ وباء الشيوعية وتمهيد الطريق أمام مصالح الولايات المتحدة.

وبعد سقوط جدار برلين (9 تشرين الثاني / نوفمبر 1989)، انكشفت هشاشة أنظمة أوروبا الشرقية، بالرغم من أنها كانت تبدو حصونًا منيعةً عالية من الخارج لا يمكن اقتحامها، لكنها كانت خاوية ورخوة من الداخل، حسب المفكّر الفرنسي جان بول سارتر، بفعل الدعاية الطويلة الأمد ووسائلها المؤثّرة وقواها الناعمة، كما انكشف معها جوانب من الفساد والبيروقراطية والتسلّط والاستبداد، فضلًا عن الاختراقات الأمنية والثقافية الكبيرة.

وإذا كان في موت الضمير إجابة على سؤال الأخلاق والقيم الإنسانية، فإن ما هو خاف حتى الآن: كيف تمكّن شخص واحد (بدأ حياته العملية مدرسًا، 1976) من امتلاك إمكانات غير محدودة وحصانات متعدّدة، وحصل على الدعم الخفي والعلني وتصرّف دون حسيب أو رقيب، فأوقع في فخاخه المئات من الشخصيات المعروفة وكبار المسؤولين، إن لم يكن قد حصل على دعم أصحاب السلطة والنفوذ والمال والأجهزة الأمنية؟

***

عبد الحسين شعبان - أكاديمي ومفكر

تعدّدت الولايات: الولايَّة التَّكوينيَّة، والولاية العامّة، وتخصُّ إدارة الدولة (ولاية الفقيه)، والولاية التشريعيَّة وتسمى الصُّغرى، وهناك مَنْ أضاف الولاية الوسطى، التي تتدخل في السِّياسة بشكل جزئي كإشراف ونُصح (الصَّغير، أساطين المرجعية)، مثل ما تقوم به المرجعيَّة الشِّيعيَّة اليوم بالعراق.

ما يهمّنا هنا الولاية التَّكوينيَّة الخالصة، اشتُهر بها أئمة وصالحون يتدخلون في ظواهر الكون، بتفويض إلهيٍّ، كتأخير غروب الشَّمس مثلاً، ومِن هنا جاءت التّسمية «تكوينيَّة»، اشتُقّ الاسم مِن «مادة الكون، ومعنى الكون لغةً هو الحدث (الخلق)» (الحيدريّ، الولاية التَّكوينيَّة)، وقلّما يخلو مذهب بما يدل على معناها، لكنّها تظهر واضحة في التَّشيع والتَّصوف، فعند الأول الأئمة ومَنْ ينوب عنهم، وعند الثاني المشايخ أو الأقطاب، ومن الأوّل تظهر الإمامة، وعند الثاني الكرامات والخوارق، يؤثّرون في النّاس بما يؤثّر فيهم الله، مِن صحة وسُقم ورزق، ومِن غير التأثير في النّاس تخضع لهم الطّبيعة، كادعاء المشي على الماء (العطار، منطق الطَّير).

 أما الأئمة فتأتي ولايتهم على الكون، والتَّصرف في المخلوقات، وما عُبّر عنه بـ«التَّصرف التَّكوينيّ بالمخلوقات إنساناً كان أو غيره، ويدلّ عليها آيات... اقتضت أنْ تكون الولاية التَّكوينية بأيديهم، حتَّى يتمكّنوا من إبطال مَنْ يدعي النُّبوة بعد النَّبيّ...» (الخوئيّ، صراط النَّجاة أجوبة الاستفتاءات).

وفي هذا المعنى لا فرق بين التَّكوينيّة والتَّفويض، أي أنَّ الله فوّض الأئمة بما لا يستطيع البشر فعله لكراماتهم، بما عُرف بـ «التفويض بإذن الله» (الحيدريّ، الولاية التَّكوينيَّة)، وبهذا تكون المعجزات وكرامات الأئمة، والصَّالحون، كأقطاب الصّوفيَّة، كلُّها تدخل في الولاية التّكوينيَّة، وهو مصطلح جديد، لم يُذكر في المصادر القديمة، إنما ذُكر «التَّفويض»، وهو ما ينوب عنه في المعنى.

 بهذا تكون الأديان وجُلُّ الفرق الإسلاميَّة تعتقد بهذه الولاية (التَّكوينيَّة)، وهو وجود بشر يفعلون الخوارق بتمكين وتفويض مِن الله، وبالسيَّطرة على ظواهر الكون، لكنّ بقدرة مكتسبة مِن الله، ولم يفوّض لبشر قدرته في خلق الأكوان، وبهذا المعنى عدَّ علماء الشِّيعة القائلين بالقدرة الإلهية للأئمة مِن الغلاة الكفرة (المفيد، تصحيح الاعتقاد).

مع أنَّ «لا جبر ولا تفويض، بل أمرٌ بين أمرين» (الصَّدوق، عيون أخبار الرّضا) مقالة شيعية مشهورة، وتعدّى حدودها «المُفوِّضة (وهم) صنف مِن الغلاة، وقولهم الذي فارقوا به سواهم مِن الغُلاة اعترافهم بحدوث الأئمة، وخلقهم، ونفي القِدم عنهم، وإضافة الخلق والرِّزق مع ذلك إليهم، ودعواهم أنَّ الله سبحانه وتعالى فوّض إليهم خلق العالم» (الشّيخ المفيد، نفسه)، هنا يأتي الاختلاف بين التفويض المكتسب والتَّفويض بالقدرة على الخلق والرِّزق. لقد تصاعد هذا القول قديماً، واتّسع مؤخراً بين العوام بتوجيه رجال دِين، وحسب المفيد (413هج)، الذَّاهبين إلى القول بالخوارق هم الغلاة.

ما يهمّنا هنا هي الولاية السّياسيَّة، فالكون أو«العالم» يتضمن السّياسة، والإنسان الخارق المكتسب للولاية يكون صاحب السُّلطة، ومِنها تظهر«ولاية الفقيه»، كونه نائب المهدي المنتظر، والأخير صاحب ولاية تكوينيَّة، صحيح هناك شروط في هذا الفقيه، لكنه يبقى نائباً لصاحب الولاية التكوينيّة، المفوَّض مِن الله بالحُكم.

خلاف ما تقدّم يبدو أن جماعة «إخوان الصَّفا» (نخبة فكرية ظهرت بالعراق/ القرن الرابع الهجري)، والفلاسفة، لا يقرّون بالولاية التّكوينية للبشر، بل الولاية للطبيعة بما جبلها الله، فقالوا: «نسبت الفلاسفة والحكماء هذه المصنوعات إلى القوى الطّبيعية» (الرسالة السَّابعة من الجسمانيات الطّبيعيات)، وهذا عين ما ذهب إليه المعتزلة، مثل أبي القاسم البلخيّ (319هج): «إنّ في الحنطة خاصية، وإنه لا يجوز أنَّ ينبت عنها الشَّعير، ما دامت الطَّبيعة والخاصية فيها...»(النِّيسابوري، المسائل في الخلاف)، ومَنْ قال بالولاية السياسية للأُمة، وهذا يقع عندهم على السياسة أيضاً، لم يولِ الله أحداً بإدارتها، ولا يهب الخوارق بتفويض، وهؤلاء يتحدثون بالعقل، وبينهم فقهاء شّيعة، مثل آية الله فضل الله وغيره، ينفون الولاية التّكوينية بهذا المعنى، بينما الآخرون يتحدثون بالرِّوايات والأخبار، وتجد البونَ شاسعاً، في هذه القضية، بين العقل والقول.

***

د. رشيد الخيون - كاتب عراقي

 

الدكتاتورية كلمة أجنبية مستعربة وهي شكل من أشكال الحكم تكون فيه السلطة مطلقة في يد فرد واحد يسمى الدكتاتور أو جماعة أو فئة دكتاتورية. ويتم بواسطتها قمع الشعب وإبقاء الجهل والتخلف وتطويره

ووضع الناس في قوالب وتدجينهم وفقا لعقيدة السلطة، ومحاربة العقل والمنطق وتكفير العقول المنورة بالعلم والمعرفة وتهجيرها أو وضعها في المعتقلات، وإشغال الناس بالويلات والحاجات والعوز، واستغلال الدين لتثبيت الحكم، وكذلك نشر الفساد والرذيلة وتفكيك المجتمع وتدمير قيمه وأخلاقه، واستحداث أجهزة إستخبارية ذات وحشية عالية لتأمين مقومات إنتهاك الحرمات والفتك بالعباد.

وفي اللغة توجد كلمة طاغية وطغيان وهي من طَغى يَطْغى ويَطْغو طغيانا أي جاوَز الحدّ.

وكلُّ مجاوزٍ حدَّه فهو طاغيٍ، وطَغِيَ يَطْغى مثله.

وأطْغاهُ المال، أي جعلَه طاغِياً.

وطَغا البحر: هاجت أمواجُه.

وطغا السيل، إذا جاء بماءٍ كثير.

والطَغْيَةُ: أعلى الجبل. وكل مكانٍ مرتفع طَغْوَةٌ.

والطَغْيَةُ من كلِّ شيء: نبذة منه.

والطاغِيَةُ ملك الروم.

والطاغِيةُ: الصاعقةُ.

وقوله تعالى: "فأمَّا ثَمْودُ فأُهْلِكوا بالطاغِيَة" يعني صيحةَ العذاب.

وكذلك نستعمل كلمة مستبد أو إستبداد بذات المعنى، والمستبد هو الذي لا يشاور الناس ولا يخالطهم والإستبداد بالشيئ يعني إحتكاره ويسمى المستبد برأيه المستوزي.

لو أخذنا العراق مثلا في العصر الحديث فهو لم يعرف الدكتاتور منذ تأسيس دولته في الربع الأول من القرن العشرين وحتى قيام الجمهورية التي جلبت الدكتاتورية والصراعات الحزبية المدمرة. والملاحظ أنها أطلقت على أول زعيم في الجمهورية، وهو من عائلة بسيطة ومن عامة الناس، ويقال أنه صار كذلك بتفويض من نقابة المحامين في إجتماعها الذي حضره وانطلقت فيه أول مقومات صناعة الدكتاتور.

حيث وضعت الأسس الكفيلة بإخراجه من كونه من البشر وإضفاء الصفات الخيالية والفنتازية عليه، وبتكرارها مرارا صار يصدقها المعني بها، وبسببها أزرى بحاله وأحوال بلاده، مثلما فعل كل مَن جاء من بعده.

والدكتاتور الثاني في الجمهورية هو من عائلة بسيطة أيضا ومن عامة الناس، ولم يكن ذو تاريخ عائلي مهم في مسيرة البلاد، والصفات المشتركة بين الدكتاتورين الأساسيين في تأريخ البلاد السياسي المعاصر أنهما من عامة الناس.

وقد يتفق البعض أو لا يتفق على أن الزعيم الأول للجمهورية كان دكتاتورا أم لا، فهذا ليس موضع رأي وإنما نحن بصدد النظر في ظاهرة تستحق الدراسة والتحليل.

ففي العهد الملكي لم يكن هناك دكتاتورا بل حكومات متعاقبة ورؤساء وزراء متعددين ولم يكونوا متعنتين، فمنذ عام 1921 وحتى عام 1958 تبدلت الحكومات وجاء عدد من رؤوساء الوزراء وأكثرهم بقاءا في منصبه لدورات متكررة هو آخر رئيس وزراء في المملكة .

ويبدو أن الزمن الجمهوري قد أطلق العنان للنوازع الدفينة والتفاعلات اللاواعية المشينة في المجتمع، مما أدى إلى التعبير عنها بالنشاطات (السياسية) التي أدت إلى إنهيار الوجود المجتمعي كحالة ثقافية حضارية وقوة فاعلة في محيطها الجغرافي.

وبنظرة فاحصة مركزة ومختصرة، يتبين أن هناك عوامل مرضية فاعلة في ديناميكية الصيرورات الإجتماعية ساهمت في تأجيج نيران الإحتدام وديمومة أسباب الصراع والتفاعل المناهض للحياة وقيمتها ودور الإنسان فيها. ومن أهم هذه العوامل:

أولا: الإذعانية

ففي أعماق لاوعينا إندفاع لصياغة حالة يكون فيها الإذعان سائدا لأن الإنسان لا يمكنه أن يتفاعل بأساليب مطمئنة، وقادرة على تحقيق الرضى الإجتماعي العام، فلا يمكن للناس أن يبتكروا وسائل إتفاق وتفاعل مشترك تحقق مصالح الجميع، وإنما عندهم ميل لتحقيق (المصلحة) الذاتية أو المحصورة في عدد من الناس دون غيرهم، وهذا يؤدي إلى صراعات مدمرة، ولكي يتم تفادي هذه المرارة والقسوة الناشئة، يكون من واجب قوى اللاوعي أن تدفع بإتجاه إبتكار قوة تذعن لها جميع القوى، ولهذا فأن المجتمع بكافة ما فيه، يمضي إلى صناعة القوة الكفيلة بلجم دوافع الصراع المنطلق من أعماقه، فيكون الدكتاتور هو الدواء الدفين لمرض عضال وسرطان نفسي شرس ووقح التعبير عن وجوده الفتاك.

فترى الناس لا يعرفون إلا الركض العاطفي المنفعل خلف أي شخص يمكن تأكيد معالم الإستبداد والطغيان فيه، والخضوع له وإتباعه بلا تفكير أو سؤال، ويتحول الناس إلى وجود يهتف بإسمه ويموتون من أجله ويفدونه بكل شيئ ويضفون عليه صفات أكثر من إلهية ويقدسونه تقديسا عجيبا وغريبا.

والإذعانية المفرطة العمياء، تحرر الناس من المسؤولية وتلقيها على الآخر الذي يتبعون ويرقصون أمامه، ويهتفون بحياته وعظيم أمجاده، وما تغير هذا السلوك بتغير الوجوه والأحزاب والأنظمة، وكأن الناس لا تعرف كيف تتحمل المسؤولية ولا تريدها، وإنما أن تكون أدوات منفذة لشخص يعبر عما فيها من النوازع والتطلعات التي تخشاها.

ثانيا: السادة

وهذه الحالة السلوكية المهيمنة على المجتمع قد دمرت وجوده وأنهكت قدراته الإيجابية، وحولته إلى قطيع من الذئاب والأغنام، أو إلى ديكة تطغى ودجاج يسبط وينيخ ولا وسط بين الحالتين. وظاهرة الذئاب المفترسة والأغنام التي لا يمكنها أن تثاغي هي سمة متميزة، ففي كل مرحلة هناك ذئاب وأغنام، كما يتم تبادل الأدوار.

ذئاب تقتل وتعذب وتشرّد وتحتكر وتفترس بعنفوان وشراهة مفلوتة لا تعرف الحدود .

وهناك أغنام يتم جزرها وسلخها والتمثيل بأبدانها، ووضعها في المزابل أو في مقابر جماعية، وما إلى غير ذلك من السلوكيات التي لا يتجرأ على القيام بها أكثر الحيوانات وحشية وفتكا. والسادة بمفهومها تكون مرتبطة بالكرسي وبالمال، فما أن يمتلك الشخص المال والقوة، حتى راح يبحث عن لقب السيد، أي الإنتماء إلى النبي بصلة الدم، وتراه قد وضع شجرة العائلة ورفع راية نسبه وقال بأنه السيد، والآخرون من حوله عبيد وعليهم أن يقبّلوا يديه ويسجدوا أمامه، أو أنه الذئب ومَن حوله قطيع أغنام.

و (السيد) من أخطر العوامل التي مزقت المجتمع، وهي غير موجودة في المجتمعات العربية والإسلامية بهذه القوة والكثافة والفاعلية مثلما هي عندنا.

ولا توجد أدلة عملية وإثباتات رسمية تؤكد الإرتباط ما بين النبي والمدعي بأنه (سيّد) لأن ذلك قد خضع لإرادة الكراسي عبر العصور، ولا ندري إذا سوف يستطيع التقدم العلمي إثبات ذلك الإرتباط من خلال تحليل الحامض الأميني، ولا بد من البحث في رميم الأموات عن مادة الحامض الأميني الأساسية للمقارنة بها.

فظاهرة السادة في المجتمع قد تكون وهمية وتنافي معظم الأدلة والبراهين والمنطق.

ولا يمكن التصديق بأن هذا العدد من البشر السيد أو المتسيّد في الوقت الذي قضت الوقائع والصراعات السياسية على معظم ذلك النسل، كما أن الأمراض الوبائية كالطاعون كانت تقضي على عشرات الآلاف في وقت قصير، وتمحق عوائل بكاملها، وهناك مَن صار عدد أبنائه أكثر من أربعين لكنهم ماتوا في ظرف أيام بموجة طاعون واحدة.

وهذا يعني أن ظاهرة السادة نظرة لا تتوافق مع بديهيات الأمور، لكنها يبدو قد تم إستخدامها كوسيلة للسيطرة على الآخرين، وبسببها فأن الجالس على الكرسي يسمي نفسه سيدا وكل مَن حوله عليه أن يخضع ويتبع.

بينما حقيقة السلوك النبوي وآله وأصحابه، كان سلوكا ساميا وترجمة عملية للقرآن الكريم، وما كانت فيه الفوقية والإستعبادية والإستخواذية والإستهتار بحقوق الناس ومصائرهم، فالذي يدّعي بالسادة عليه أن يقدم سلوكا إنسانيا ساميا رحيما عفيفا نزيها، فكيف تفسر الفساد في بلدٍ كل مَن فيه يقول أنا سيّد؟!!

ثالثا: المعصومية

هذه أيضا من الأمراض الخطيرة المنافية للعقل والأصول في الحياة البشرية، حيث تعطى صفة عدم الخطأ لبشر مخلوق من الطين وسيعود إليه حتما.

ولا توجد أي نصوص قرآنية أو إثباتات عبر مسيرة البشرية تؤكد بأن البشر لا يخطيء.

وبسبب ذلك إتجهت المجتمعات القديمة إلى صناعة البشر الإله، وهذا واضح في الحضارات القديمة، وهي لا تقضي بأنه لا يخطيء وإنما لأنه إله يجب أن يطاع فهو الأدرى والأعرف، ومنها جاءت مفاهيم الكراسي أدرى وأعرف لأنها ذات مواصفات إلهية.

والمعصومية قد أجهزت على العقل وصادرت ما عنده من آليات الإبداع والتفاعل الإيجابي مع الحياة، فصار الكرسي معصوما وكل ذي قوة معصوم، كما أن الحاكم معصوم فهو لا ينطق إلا صحيحا ولا يمكن أن يقول خطأً.

ولهذا تميز الدكتاتور بأنه لا يخطيئ ويذعن له الجميع وأنه فوق القانون، وهو الذئب والناس من حوله خراف، وعليه أن يجزر منهم ما يشاء ولا مَن يحاسب أو يقول له قد أخطأت لأن ذلك يعد كفرا، ومن المحرمات والموبقات والإخلال بشرف الأخلاق والدين، أو خروجا عن شرع الذئاب المصيبة أبدا.

والمعصومية ليست مرتبطة بفئة أو مذهب، إنها تشمل جميع أطياف المجتمع وهي ظاهرة مجتمعية وليست مذهبية كما يتوهم البعض.

فكل سيد معصوم، هذا ما يدور في دياجير الأعماق الجمعية، وما دام الجميع سادة فأنهم لا يخطئون، وهذا يدفع إلى عدم الإتفاق ما بين المواطنين أينما كانوا، وفقدان قدرات الحوار والتوافق والإنسجام بينهم.

ومن هنا فأن المجتمع يساهم بتفاعلاته اللاواعية والغير مباشرة في صناعة الدكتاتور الذي يفترسه ويعذيه ويسومه سوء الويلات.

وهكذا نرى لكل حزب دكتاتور، ولكل فئة دكتاتور، ولكل تجمع مهما كان حجمه دكتاتور، لأنها حاجات نفسية منحرفة، وتفاعلات مرضية مزمنة ولها مضاعفات متطورة يصعب الإقتراب منها وعلاجها، لأن الداء قد أعيا مَن يداويه، ذلك أن الطبيب المداوي يعاني من نفس الداء، ولهذا لا يمكنه أن يشخصه ويصف أعراضه ويكتشف العلاج المناسب له.

رابعا: الشعور القاسي بالذنب

الفاعل الأليم في النفس المجتمعية شعور مروع بالإثم والذنب الكبير، الذي عمقته وجسدته الأيام والتفاعلات المتنوعة، التي تجنح للندب وقهر الذات والتلذذ بتعذيبها، ولذلك فأن الغناء والشعر والإبداع يصطبغ بالحزن والتوجع، والتلذذ بالألم وإستلطاف الظلم والإمعان بالتشكي.

ويبدو أن هذا السلوك إمتداد للعنة أكد التي فعلت فعلها في حضارات البلاد القديمة، وقد أججتها وفتقت جروحها مأساة كربلاء، التي اثرت على نفوس الناس أجمعين بلا إستثناء، وولدت عندهم شعورا عنيفا بالذنب، وكأنهم وبدون شعور منهم يتوجهون لتوفير الأسباب الكفيلة بعقابهم، وقد إزداد هذا الشعور مرارةً بعد ما جرى للعائلة المالكة والتي هي من سلالة هاشمية.

والملاحظ أن بعد مجزرة قصر الرحاب تواصلت المجازر والتفاعلات الدامية المريرة النتائج والتداعيات.

ولكي يستريح الناس من نيران الشعور بالذنب لا بد لهم من توفير القوة التي تساعد على إخمادها، ويكون الحاكم الجائر هو الدواء الذي يعالج أجيج هذا الشعور القاسي، ومعنى ذلك أن المواطن لن يعيش بسلام في زمن الديمقراطية والحرية، لأنها ستفتق جراحه وتطلق نواعير الشعور بالذنب المعتق في جيناته، والمؤزر بما يتحقق في محيطه الدامع الحزين.

وفي الختام، إن وعي هذه العوامل الجوهرية التي هي أعمدة الدكتاتورية وإدراك أن البشر من نفس واحدة وأمة واحدة، وأن هذه التوصيفات المجردة من التعبير المؤكد لها والإنجازات اللائقة بها، إنما هي أوهام على المجتمع أن يتحرر من قيودها .

فالناس سواسية ولا فرق بينهم إلا بالعمل (كلكم من آدم وآدم من تراب) وما قيمة الفرد إن لم يصنع قيمته بنفسه، وما قيمة الفرد الذي هو من نسل فلان، وما هو إلا دون كل إنسان في قوله وفعله وما عنده سوى العظام.

ووفقا لما تقدم فأن المجتمع اليوم رغم كل ما فيه من الشدائد يسعى بجد وإنفعال لصناعة الدكتاتور الذي يذعن له لبناء جمهورية التدمير الأشمل، التي توّجت عهد الجمهوريات الخائبة.

والدكتاتور القادم لا يختلف عن سابقيه، فهو من عامة الناس وزاول جميع الحرف البسيطة، وفجأة صار سيدا وذو حسب ونسب وصاحب قوة ومال وجاه ولا يمكنه أن يخطأ، وأسس فريق ذئاب من حوله تفترس الناس المقيدة بالحاجات اليومية وبلا رحمة.

وأرجو أن لا نصنع طاغية مستبدا لكي نرضي حاجاتنا الدفينة الفاعلة فينا والمتحكمة يسلوكنا وآليات تفكيرنا ونرفع رايات المظلومية!

فتحرروا من عاهات (السادة والمعصومية والإذعانية والشعور بالذنب) لكي تعاصروا الأمم وتساووا الأوطان، وارفعوا رايات العقل، فإن العقل إمام وسيد وسلطان!!

***

د. صادق السامرائي

فرضية الدراسة: تنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية مفادها: أن المسئول الأول عن ظاهرة العنف والغلو وغياب التسامح في مجتمعاتنا العربية، هو الاستبداد السياسي والأنظمة الشمولية والدولة التسلطية، التي تزيد من الاحتقانات والتناقضات، ولا توفر مجالا ومناخا للتنافس السلمي أو ممارسة السياسة بعيدا عن المشاحنات واستخدام العنف.

لهذا فهي أنظمة قمعية وتمارس الإقصاء بكل صنوفه. ولا ريب أن من متواليات هذه الحالة هو زيادة وتيرة العنف وحالات اللاتسامح بين أبناء ومكونات المجتمع العربي.

لهذا فإننا نعتقد أن إزالة هذه العقبة الكأداء (أي الأنظمة التسلطية) سيكون له تأثيره العميق على حالة التسامح في العالم العربي. فرياح التغيير التي هبت على أكثر من منطقة عربية قبل عقد من الزمن وزيادة، هي رياح داعمة لخيار الاعتدال والتسامح، لأنها وببساطة شديدة تعمل على توسيع القاعدة الاجتماعية للسلطة وتطوير مفهوم المشاركة السياسية، وتزيد من تمثيل قوى المجتمع المختلفة في مؤسسات الدولة والسلطة. وسنناقش هذه الفرضية من خلال المحاور التالية:

-  البيئة السياسية لمفهوم التسامح.

-  الإصلاح السياسي، جسر العبور إلى التسامح.

-  نحو حركة مدنية عربية.

مفتتح:

لا ريب أن الذي جرى في بعض البلدان العربية، مذهل وحيوي ومؤثر على عموم المنطقة خلال الفترة القادمة. ف (قد تمر عقود لا يقع فيها شيء يذكر، وقد تأتي أسابيع تقع فيها عقود).. إذ ساد في الفكر السياسي العربي خلال العقود الثلاثة الماضية، قناعة مفادها: أنه لا يمكن الاعتماد على الثورات الشعبية كوسيلة للإصلاح والتغيير السياسي في المنطقة. حتى اعتبر الكاتب المعروف محمد حسنين هيكل أن الثورة الإسلامية في إيران هي آخر الثورات الشعبية.

فجاءت أحداث وتطورات تونس ومصر وليبيا والبحرين واليمن لتعيد الاعتبار والدور للشعب والجمهور في عملية التغيير السياسي. ولا ريب أن هذه الحقيقة ستعيد النظر في الكثير من البديهيات السياسية التي سادت خلال السنين الماضية. وهذه الحقيقة بطبيعة الحال، بحاجة إلى تفاكر عميق وتداول للرأي متواصل لفهم ما جرى، وأخذ العبر والدروس منه.  

فعلى المستوى الواقعي لا توجد آلية وطريقة واحدة، لإحداث التحول والتغيير في المجتمع. لهذا فإن نزعة النمذجة والاستنساخ، لا تساعد على إنضاج شروط التغيير والإصلاح في الواقع السياسي والاجتماعي.

ولعل من أهم تأثيرات كل هذه التحولات والتطورات المذهلة، هو تعزيز ثقة الناس بذاتها، وقدرتها على اجتراح عملية التغيير والإصلاح، مهما كانت الظروف والصعاب. وتحريك عجلة الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في كل بلدان المنطقة. وبمقدار ما تكون هناك قوى مجتمعية محلية فاعلة وقادرة على الضغط والفعل والتأثير، ستكون هناك تأثيرات فعلية في كل الساحات والمناطق العربية. فما جرى في تونس ومصر وبقية البلاد العربية، بمثابة الزلزال العميق والذي ستعيش المنطقة بأسرها تحت تأثير ارتداداته في الحقبة القادمة. ولكن مقدار هذا التأثير وفعاليته، مرهون على قدرة القوى المحلية في كل بلد من توظيف هذه الأحداث لصالح عملية الإصلاح السياسي. ودائما نحن بحاجة أن ندرك أن الحكومات لا تمارس التغيير ولا تقوم بإصلاح الأوضاع من تلقاء نفسها، وإنما يتحقق الإصلاح والتغيير حينما تتشكل كتلة وطنية واسعة تطالب بالإصلاح وتعمل وتكافح من أجله. وإن سرعة انهيار أنظمة الدولة التسلطية يعلمنا أن حكم الشعب بالإكراه والقمع والاستبداد وبغير رضا ومشاركة قد يطول، لكنه لا يمكنه أن يستمر ويدوم. ووجود جماعات فاعلة تطالب بالإصلاح وتعمل من أجله، يقلل من سنوات الظلم والاستبداد، وينهي ظاهرة العنف السياسي، ويفكك الحوامل التي تنتج هذه الآفة الخطيرة.

من هنا ينبغي أن ندرك أنه مهما كانت الصعوبات والمشاكل، فإن حركة التاريخ تثبت أن حكم الناس والشعب بالقهر وتكميم الأفواه لا يدوم، والمستقبل يصنعه فعل الإصلاح والمطالبة بالحقوق والحريات العامة. وما نود أن نتحدث عنه في هذه الدراسة وعلى ضوء تطورات وتحولات العالم العربي الحالية، هو قراءة في التحولات العربية، التي فاجأتنا جميعا، وأدخلتنا في مرحلة جديدة على مختلف الصعد والمستويات.

وأعتقد إن ما جرى في العالم العربي من ثورات ومطالبة بالحقوق والإصلاح السياسي، هي أهم ظاهرة سياسية عرفوها العرب منذ الاستقلال الأول للعديد من الدول والشعوب العربية.. فالاستقلال الأول للعرب كان عنوانه العريض هو التخلص من الاستعمار الذي جثم على صدر الشعوب العربية ونهب خيراتها وتحكم بمصائرها حقبا طويلة..

أما الاستقلال الثاني الذي دشنته الثورة التونسية فعنوانه العريض هو التخلص من الاستبداد السياسي ودمقرطة الحياة العربية..

المحور الأول: البيئة السياسية لمفهوم التسامح:

ثمة علاقة عميقة وعلى أكثر من مستوى تربط قيمة الاستقرار السياسي والاجتماعي في أي تجربة إنسانية وقيمة العدالة. بمعنى أن كل المجتمعات الإنسانية، تنشد الاستقرار وتعمل إليه وتطمح إلى حقائقه في واقعها، إلا أن هذه المجتمعات الإنسانية، تتباين وتختلف في الطرق التي تسلكها، والسبل التي تنتهجها للوصول إلى حقيقة الاستقرار السياسي والاجتماعي.

فالمجتمعات الإنسانية المتقدمة حضاريا، تعتمد في بناء استقرارها الداخلي، السياسي والاجتماعي على وسائل الرضا والمشاركة والديمقراطية والعلاقة الايجابية والمفتوحة بين مؤسسات الدولة والسلطة والمجتمع بكل مؤسساته المدنية والأهلية وشرائحه الاجتماعية وفئاته الشعبية. لذلك يكون الاستقرار، هو بمثابة النتاج الطبيعي لعملية الانسجام والتناغم بين خيارات الدولة وخيارات المجتمع.

بحيث يصبح الجميع في مركب واحد ويعمل وفق أجندة مشتركة لصالح أهداف وغايات واحدة ومشتركة.

لذلك غالبا ما تغيب القلاقل السياسية والاضطرابات الاجتماعية في هذه الدول والتجارب الإنسانية، وإن وجدت اضطرابات اجتماعية أو مشاكل سياسية وأمنية، فإن حيوية نظامها السياسي ومرونة إجراءاتها الأمنية وفعالية مؤسساتها وأطرها المدنية، هي العناصر القادرة على إيجاد معالجات حقيقية وواعية للأسباب الموجبة لتلك الاضطرابات أو المشاكل.

وإذا تحقق الاستقرار العميق والمبني على أسس صلبة في أي تجربة إنسانية، فإنه يوفر الأرضية المناسبة لانطلاق هذا المجتمع أو تلك التجربة في مشروع البناء والعمران والتقدم.

فالتقدم لا يحصل في مجتمعات تعيش الفوضى والاضطرابات المتنقلة، وإنما يحصل في المجتمعات المستقرة، والتي لا تعاني من مشكلات بنيوية في طبيعة خياراتها، أو شكل العلاقة التي تربط الدولة بالمجتمع والعكس.

فالمقدمة الضرورية لعمليات التقدم الاقتصادي والعلمي والصناعي، هي الاستقرار السياسي والاجتماعي وكل التجارب الإنسانية، تثبت هذه الحقيقة. ومن يبحث عن التقدم بعيدا عن مقدمته الحقيقية والضرورية، فإنه لن يحصل إلا على المزيد من المشاكل والمآزق، التي تعقد العلاقة بين الدولة والمجتمع وتربكها وتدخلها في دهاليز اللاتفاهم واللاثقة.

وفي مقابل هذه المجتمعات الحضارية - المتقدمة، التي تحصل على استقرارها السياسي والاجتماعي، من خلال وسائل المشاركة والديمقراطية والتوسيع الدائم للقاعدة الاجتماعية للسلطة، هناك مجتمعات إنسانية تتبنى وسائل قسرية وتنتهج سبل قهرية للحصول على استقرارها السياسي والاجتماعي.

فالقوة المادية الغاشمة، هي وسيلة العديد من الأمم والشعوب، لنيل استقرارها ومنع أي اضطراب أو فوضى اجتماعية وسياسية. وهي وسيلة على المستوى الحضاري والتاريخي، تثبت عدم جدوائيتها وعدم قدرتها على إنجاز مفهوم الاستقرار السياسي والاجتماعي بمتطلباته الحقيقية وعناصره الجوهرية.

لأن استخدام وسائل القهر والعنف يفضي اجتماعيا وسياسيا إلى تأسيس عميق لكل الأسباب المفضية إلى التباعد بين الدولة والمجتمع وإلى بناء الاستقرار السياسي على أسس هشة وضعيفة، سرعان ما تزول عند أية محنة اجتماعية أو سياسية.

وتجارب الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا والعراق، كلها تثبت بشكل لا مجال فيه للشك، أن العنف لا يبني استقرارا، وإن القوة الغاشمة لا توفر الأرضية المناسبة لبناء منجزات حضارية وتقدمية لدى أي شعب أو أمة.

فلا استقرار بلا عدالة، ومن يبحث عن الاستقرار بعيدا عن قيمة العدالة ومتطلباتها الأخلاقية والمؤسسية، فإنه لن يحصد إلا المزيد من الضعف والهوان.

فتجارب الأمم والشعوب جميعها تثبت أن العلاقة بين الاستقرار والعدالة هي علاقة عميقة وحيوية بحيث أن الاستقرار العميق هو الوليد الشرعي للعدالة بكل مستوياتها. وحين يتأسس الاستقرار السياسي والاجتماعي، لى أسس صلبة وعميقة، تتوفر الإمكانية اللازمة لمواجهة أي تحد داخلي أو خطر خارجي.

فالتحديات الداخلية لا يمكن مواجهتها على نحو فعال، بدون انسجام عميق بين الدولة والمجتمع. كما أن المخاطر الخارجية لا يمكن إفشالها بدون التناغم العميق بين خيارات الدولة والمجتمع. وكل هذا لن يتأتى بدون بناء الاستقرار السياسي والاجتماعي على أسس العدالة الأخلاقية والمؤسسية.

وإن الإنسان أو المجتمع، حينما يشعر بالرضا عن أحواله وأوضاعه، فإنه يدافع عنها بكل ما يملك، ويضحي في سبيل ذلك حتى بنفسه. وأي مجتمع يصل إلى هذه الحالة، فإن أكبر قوة مادية، لن تتمكن من النيل منه أو هزيمته.

فالاستقرار السياسي والاجتماعي المبني على العدالة، هو الذي يصنع القوة الحقيقية لدى أي شعب أو مجتمع.

لهذا فإن المجتمعات التي تعيش الاستقرار وفق هذه الرؤية والنمط، هي مجتمعات قوية وقادرة على مواجهة كل التحديات الداخلية والخارجية.

ونحن كمجتمعات عربية وإسلامية اليوم، وفي ظل التحديات الكثيرة، التي تواجهنا على أكثر من صعيد ومستوى، بحاجة إلى هذه النوعية من الاستقرار حتى نتمكن من مجابهة تحدياتنا والتغلب على مشاكلنا والتخلص من كل الثغرات الداخلية التي لا تنسجم ومقتضيات الاستقرار العميق. وخلاصة القول: أن البيئة السياسية لمفهوم التسامح وحقائقه المجتمعية، هي الاستقرار السياسي والاجتماعي المستند على قاعدة العدالة بكل تجلياتها ومجالاتها. والمجتمع الذي تغيب عن فضائه السياسي والاجتماعي والثقافي، حقائق العدالة تبرز فيه مظاهر ونزعات الغلظة والعنف والتشدد وكل حقائق اللا تسامح.

فالطريق الى التسامح هو انجاز مفهوم العدالة والذي يؤسس لاستقرار عميق بين الدولة والمجتمع، وبين المجتمع بمختلف مكوناته وتعبيراته.

وللاستقرار السياسي المبني على قاعدة العدالة الكثير من الثمار والآثار الإيجابية من أبرزها سيادة قيم وحقائق التسامح في الفضاء الاجتماعي

المحور الثاني: الإصلاح السياسي جسر العبور إلى التسامح:

لعل من أهم الآثار التي وضحتها رياح التغيير التي اجتاحت بعض دول العالم العربي، أن المنطقة العربية بأسرها، تحتاج إلى إصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية. وإن الأمن الحقيقي لهذه الدول والمجتمعات، لا يتأتى بالمزيد من الكبت والقمع، بل بالانخراط الحقيقي في عملية الإصلاح السياسي.

وإن عملية الإصلاح السياسي بكل مجالاته وآفاقه، هو الخيار الأمثل لإنجاز مفهوم وحقائق التسامح في العالم العربي. وتتضح هذه الحقيقة من خلال بيان العناوين التالية:

-  الإصلاح السياسي حاجة عربية.

-  العالم العربي ودولة المواطنة.

-  العالم العربي والحكم الرشيد.

الإصلاح السياسي .. حاجة عربية:

  إن إصلاح الأوضاع العربية وتطوير أحوالها، هو حاجة عربية أصيلة، قبل أن تكون رغبة أمريكية وأوروبية، تبلورت وفق أجندة وأهداف خاصة واستراتيجية.

وهي شوق عربي تاريخي ومتراكم وعميق، إذ لا تخلو حقبة من حقب التاريخ العربي الحديث والمعاصر من هذا الشوق والصوت والفعل الذي يطالب بالإصلاح وسد الثغرات وتطوير الأوضاع.

لذلك فإن المطالبة بالإصلاح في الحياة العامة العربية، هو شوق أصيل، قبل أن يكون مشروعاً أميركياً يحتضن في أحشائه الكثير من المصالح الاستراتيجية والاستهدافات التي لا تنسجم ومصالحنا ورؤيتنا لموقعنا الخاص والعام. لذلك من الظلم لعالمنا العربي حينما نتعامل مع مقولة ومشروع الإصلاح، بوصفها مقولة أميركية - غربية. وذلك لأن العديد من الشخصيات والنخب العربية كانت تطالب بالإصلاح وتدفع ثمنه. في الوقت الذي كانت الإرادة الأميركية مغايرة ومناقضة لهذا المشروع.

بل كانت آليات وأدوات السياسة الأميركية في المنطقة معرقلة ومجهضة لكل خطوات ومبادرات الإصلاح.

من هنا فإننا من الأهمية بمكان أن لانقبل أو لا تنطلي علينا لعبة الإصلاح الأميركي في العالم العربي والشرق الأوسط الكبير.

فالإصلاح بكل بنوده وآفاقه، هو حاجة عربية أصيلة، ودفعنا كشعوب ومجتمعات تضحيات ودماء غزيرة لتثبيت هذا الخيار في الفضاء العربي.

ومن المغالطات التاريخية الكبرى أن نتعامل مع هذه المقولة بوصفها طارئة على عالمنا العربي، أو هي خاصة بالمشروع الأميركي للإصلاح، مما يحول على المستوى الفعلي من تنفيذ خطوات إصلاحية في العالم العربي.

وعليه فإن الإصلاح السياسي والثقافي والاقتصادي في العالم العربي، هو حاجة عربية أصيلة وملحة وبعيداً عن كل الإسقاطات الخارجية التي لا تستهدف سوى مصالحها وأجندتها الاستراتيجية.

وإن هذه الحاجة العربية الملحة والمتعاظمة باستمرار، لا تلغيها شعارات ومشروعات الولايات المتحدة الأميركية للإصلاح. ولعلنا نجد وبوضوح في الأفق السياسي للمشهد العربي مقولات التأجيل ومشروعات التسويف ويافطات التعليق بدعوى المشروعات والضغوطات الأميركية والأوروبية.

وإننا نعتقد أن هذه المقولات والمشروعات العربية التي تبرر الجمود والتوقف عن مشروعات الإصلاح وفق الأجندة والإرادة العربية، هي ليست مؤمنة بشكل عميق وحقيقي بضرورات الإصلاح في العالم العربي، وتبحث باستمرار عن حجج لترحيل الإصلاح أو تأجيله أو تعليقه وربطه بقضايا ومسائل، نحن نعتقد بشكل جازم أن الإصلاح هو طريقنا لنيل حقوقنا في تلك القضايا والمسائل.

وما نود أن نؤكد عليه ف هذا السياق، هو أن إصلاح الأوضاع في العالم العربي وفي حقول الحياة المختلفة، هو حاجة عربية أصيلة وشوق تاريخي لكل نخب الأمة. لذلك لا يجوز إغفال هذه الحقيقة أو تشويهها، لأنها تستند إلى عمق تاريخي وشواهد معاصرة، بدعوى أن الولايات المتحدة الأميركية هي صاحبة مشروع الإصلاح في المنطقة.

إن المجتمعات العربية بكل فئاتها وشرائحها، طالبت وتطالب بإصلاح أوضاعها وتطوير أحوالها، وفي الوقت الذي كانت السياسة الأميركية في المنطقة تحارب كل دعوات الإصلاح، وتجهض كل خطواته ومبادراته.

لذلك لا يصح بأي شكل من الأشكال، أن نزور حقائق التاريخ، وندعي ادعاءات تكذبها وقائع الراهن وأشواق الأمة العميقة للإصلاح والتطوير والتقدم. كما أننا نعتقد وبشكل عميق، أننا لا نتمكن على الصعيد العملي من مجابهة مخططات الولايات المتحدة الأميركية تجاه منطقتنا إلا بالانخراط في مشروع الإصلاح وفق الأجندة والإرادة العربية.

ووجود مشروعات أميركية وغربية للإصلاح في منطقتنا هو مدعاة للتفكير في مشروع عربي للإصلاح نبدأ بتنفيذ خطواته وبرنامجه.

فمن الخطأ أن نواجه مخططات أميركا في المنطقة، بالنكوص من حاجاتنا ومتطلباتنا الحقيقية.

إننا بحاجة أن ننصت إلى حاجاتنا ومتطلباتنا، بعيداً عن مخططات الآخرين وشعاراتهم ومشروعاتهم.

ونرتكب جريمة كبرى بحق أنفسنا وتاريخنا، حينما نتوقف عن مشروعات تلبي حاجاتنا وتفي بمتطلباتنا بدعوى أن الآخرين قد حملوا ذات الشعار أو المشروع.

كما أننا نعتقد وبشكل جازم أن الإصلاح الحقيقي لأوضاعنا وأحوالنا، لا يمكن أن يستورد أو نجلبه من الخارج، وإنما هو نابع من داخلنا وحاجاتنا الذاتية. ونحن الذين ينبغي أن نبلور لأنفسنا خطة للإصلاح ومشروعاً للتغيير والتطوير.

وبطبيعة الحال لا يمكن أن نمنع الآخرين عن التفكير فأوضاعنا وأحوالنا، ولكن تفكيرهم ليس مشروعنا، وإرادتهم ليست إرادتنا. والمطلوب دائماً هو بلورة إرادة عربية ذاتية، تتجه صوب الإصلاح والتطوير، بعيداً عن مخططات الآخرين وأجندتهم الخاصة والاستراتيجية.

ونحن هنا لا ندعو إلى عدم إدراك تطورات اللحظة الراهنة وتحولاتها، ولكننا نريد أن نقول أن حجر الأساس في مشروعات الإصلاح في العالم العربي ليس مشروعات الآخرين واستهدافاتهم، وإنما هو إرادتنا وحاجتنا الفعلية إلى الإصلاح.

لذلك فإن المطلوب ليس التحايل على مشروعات الآخرين أو تزويرها، وإنما الإنصات الدقيق لحاجاتنا ومتطلباتنا الذاتية والداخلية بعيداً عن كل ضغوطات الخارج وإملاءاته. فقوتنا الحقيقية ليست في الانصياع لمشروعات الخارج أو تمرير أجندته، وإنما في المزيد من التلاحم الداخلي وتطوير مستوى الرضا بين السلطة والمجتمع في المجال العربي.

فقوة دولنا في استنادها على مجتمعاتها وشعوبها، وهذا يتطلب باستمرار تطوير مستوى الانسجام والمشاركة بين الطرفين.

فصم الآذان تجاه إيقاع المجتمع ومتطلباته وحاجاته، هو الذي يخلق الظروف والمناخ المناسب للخضوع لإملاءات الخارج وأجندته. ولابد أن ندرك أن إصلاح الأوضاع وتطوير الأحوال على الصعد كافة، هو من السنن الاجتماعية الرئيسية، لأن التوقف عن التطوير والجمود على الحال، سيكلفنا خسائر أكبر بكثير من الخسائر المتوقعة لمشروع التطوير والإصلاح.

حيث إننا نعيش في ظل ظروف وتطورات تطال العالم بأسره، وتؤكد وتلح في التأكيد، على أن إصلاح الأوضاع هو أسهل الخيارات وأقلها كلفة.

وإن تلكؤ أي مجتمع عن هذا، سيفقده استقلاله وسيدخله في أتون الضغوطات والإكراهات التي ستكلف هذا المجتمع الكثير من الخسائر والأثمان.

إننا مع الإصلاح الذي ينطلق من ذاتنا ويلبي حاجاتنا ومتطلباتنا، ولكننا نعيش في ظل أوضاع إقليمية ودولية تدفعنا إلى الاعتقاد أن تراخينا أو تراجعنا عن مشروع الإصلاح وفق رغبتنا وحاجاتنا ومتطلباتنا، سيدفع المتربصين بنا إلى الضغط علينا وتحميلنا أجندتهم ومشروعاتهم.

لذلك فإن التأخير أو التوقف عن مشروعات الإصلاح في العالم العربي، ليس في مصلحة استقرار واستقلال عالمنا العربي.

وأود في إطار التأكيد على أن الإصلاح حاجة عربية، قبل أن يكون أي شيء آخر، أن أركز على النقاط التالية:

1- إن إصلاح الأوضاع في العالم العربي، ليس تطلعاً اجتماعياً وشعبياً فحسب، بل هو ضرورة قصوى للاستقرار السياسي في العديد من البلدان العربية.

إذ أن هذه الدول تعيش أوضاعاً وأحوالاً، تستلزم الانخراط الحقيقي في مشروعات الإصلاح حتى يتسنى لها الخروج من مأزق الفتن والتحولات العشوائية غير المدروسة.

فالإصلاح حاجة اجتماعية وشعبية، كما هو ضرورة للاستقرار السياسي. لذلك من الخطأ أن يتم التعامل مع مقولة ومشروع الإصلاح بوصفه مهدداً للمكاسب أو محرضاً على الحكومات.

إن الإصلاح السياسي في العالم العربي، حاجة ماسة للجميع وبدون استثناء، والفوائد والأرباح المتوقعة منه أيضاً شاملة للجميع. فإن الظروف السياسية والاجتماعية في العالم العربي، وصلت إلى مستوى صعوبة بقاء الأمور والأوضاع على حالها، وإن الإصلاح وتطوير الأوضاع هو أقل الطرق خسائر سياسية واجتماعية وإنسانية.

وإن الإصرار على إبقاء الأمور على حالها، ينذر بكوارث خطيرة على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

لهذا فإن الإصلاح هو ضرورة للحكومات والمؤسسات الرسمية، كما هو يلبي طموحات وتطلعات المجتمعات العربية.

2- بدون إغفال دور العوامل الخارجية وتأثيراتها السلبية على مستقبل القضية الفلسطينية، فإننا نستطيع القول : إن إصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العالم العربي، هو من العوامل والحقائق المساندة لنضال وجهاد الشعب الفلسطيني.

ونخطئ حينما نتصور أن إبقاء الأمور على حالها، سيوفر لنا إمكانية الدعم والإسناد للقضية الفلسطينية. إن إصلاح أوضاعنا وتطوير أحوالنا الاقتصادية والاجتماعية والقبض على أسباب الاستقرار السياسي العميق وتمتين أواصر العلاقة بين السلطة والمجتمع في الفضاء العربي، كل هذا يصب في المحصلة النهائية لصالح القضية الفلسطينية. وذلك لأن هيمنة المشروع الصهيوني في المنطقة، هو وعبر التسلسل المنطقي هو من جراء اهتراء حياتنا السياسية وتراجع أدائنا الاقتصادي. وإن جمود الأوضاع سيشجع العدو الصهيوني على المزيد من الغطرسة والهيمنة.

وفي تقديري أن الرد الاستراتيجي على المشروع الصهيوني وهيمنته وغطرسته وذبحه اليومي لأبناء الشعب الفلسطيني، هو في إصلاح أوضاع العالم العربي وإنهاء نقاط التوتر ومجالات الضعف، وذلك حتى يتسنى لعالمنا العربي ومن موقع القدرة والتميز دعم الشعب الفلسطيني وصولاً لتأسيس دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

وجماع القول: إن الإصلاح في العالم العربي غير قابل للتأجيل والترحيل، لأنه خيارنا الحيوي الوحيد، الذي نتمكن من خلاله تطوير مستوى الاستقرار وتعزيز البناء الداخلي الوطني والقومي ومجابهة مخاطر الخارج وتحدياته المتعددة والمتشعبة.

  وثمة حقيقة أساسية في هذا السياق ينبغي البوح بها وهي: أن العالم العربي بكل دوله وشعوبه وبعيداً عن المشاريع الإصلاحية المطروحة من قبل جهات دولية عديدة، التي وصل عددها إلى (21 مبادرة) هو بحاجة إلى عملية إصلاح تنبثق من إرادته الذاتية، وتجيب بشكل حضاري على تحدياته ومآزقه. ولم يعد مجدياً التحجج بوجود مشروعات دولية للإصلاح في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط، لأن بعض النخب العربية تنظر إلى وجود مبادرات دولية على الصعيد، يلزمنا بتأجيل هذا المشروع، والانخراط في مشروع مقاومة التدخلات الأجنبية في مناطقنا ودولنا. بينما القراءة السليمة والواعية لهذه المبادرات، ينبغي أن تدفعنا إلى الإسراع في مشروع الإصلاحات السياسية والثقافية والاقتصادية في العالم العربي ووفق أجندتنا الذاتية، وحتى نتمكن من إفشال كل المخططات التي تستهدف فرض أنماط معينة للإصلاح، أو تسعى إلى التدخل في شؤوننا.

لا يمكننا اليوم ووفق التطورات الكبرى التي تجري في المشهد الإقليمي والدولي والمحلي، وكذلك حجم التحديات التي تواجهنا من الوقوف سلبيين أمام حاجتنا الملحة إلى الإصلاح على الصعد السياسية والثقافية والاقتصادية.

فحاجتنا إلى الإصلاح، نابعة من أوضاعنا وأحوالنا التي تتراجع وتعيش القهقرى، وإصرارنا على أن خيار الإصلاح هو جسر الجميع للخروج من مآزق الراهن، هو بسبب إدراكنا العميق أن التأخر عن الاستجابة الحقيقية لتحديات اللحظة الراهنة ومتطلباتها، سيكلفنا الكثير وسيدخلنا في ظروف وأوضاع لا تنسجم وتطلعاتنا لواقعنا العربي.

كما أننا كدول وشعوب عربية، لا يمكن أن نواجه تحديات الخارج ومخططاته ومشاريعه ومبادراته، إلا بسحب البساط منها، وسد ثغرات واقعنا الداخلي. وكل هذا لا يتم إلا بالانخراط في مشروع الإصلاح، الذي يزيل الاحتقانات، وينهي التوترات، ويجيب إجابة فعلية على تحديات المرحلة.

ولمعطيات ومؤشرات وحقائق سياسية ومجتمعية قائمة في الفضاء العربي، نستطيع القول: إن تأخير مشروع الإصلاح سيكلف العالم العربي الكثير من الخسائر البشرية والمادية وسيفاقم من التوترات والتهديدات على المستويين الداخلي والخارجي.

فاللحظة الزمنية الحالية، هي لحظة الانخراط في مشروع الاصلاحات ووفق أجندة وأولويات عربية، وأي تأخير لأي سبب من الأسباب، يعني ضياع الفرصة والمزيد من الأزمات والتوترات والمخاطر.

لذلك فإننا نعتقد أن خيار الإصلاح السياسي في اللحظة الراهنة، هو الخيار القادر على إخراج مؤسسة الدولة في العالم العربي من الكثير من نقاط ضعفها وقصورها البنيوي والوظيفي.

كما أن هذا الخيار، هو القادر على ضبط المجتمع وإنهاء توتراته بعيداً عن خيارات العنف والعنف المضاد. لذلك فإن الإصلاح السياسي حاجة عربية أكيدة وضرورة مشتركة للدولة والمجتمع.

وإن العلاقة جد قريبة بين مفهوم الأمن ومفهوم الإصلاح، إذ في ظل الأوضاع الإقليمية المتوترة، لا يمكن صيانة الأمن الوطني لكل دولة عربية، إلا بمشروع الإصلاح، الذي ينهي الكثير من العوامل والأسباب التي تفضي أو تؤدي في محصلتها النهائية إلى الإخلال بالأمن والاستقرار.

فالأمن الشامل اليوم، أضحى ضرورة لكل شيء. فلا تنمية بلا أمن ولا استقرار بلا أمن ولا علاقات طبيعية بلا أمن. ولكن السؤال الذي يطرح دائماً: هل يمكن أن نحقق الأمن الشامل بدون الإصلاح السياسي؟

إننا نرى ومن خلال تجارب العديد من الأمم والشعوب، أن الإصلاح وما يخلق من ظروف وأوضاع جديدة، من المداخل الأساسية والضرورية لإنجاز مفهوم الأمن.

فالإصلاح السياسي حاجة عربية، لأنه سبيلنا لتحقيق أمننا الشامل ولا يمكننا بأية حال من الأحوال، أن ننهي عوامل الإخلال بالأمن في الفضاء العربي، إلا بالانخراط الحقيقي في مشروع الإصلاحات السياسية والثقافية والاقتصادية.

وجماع القول: إن العالم العربي بكل دوله وشعوبه، بحاجة أن يخطو خطوات عملية وحقيقية في مشروع الإصلاح. وذلك من أجل إنهاء الاحتقانات والتوترات الداخلية، وحتى يتمكن هذا الفضاء السياسي من امتلاك القدرة الحقيقية على مجابهة تحديات الخارج ومشروعاته ومبادراته.

العالم العربي ودولة المواطنة:

لعلنا لا نأت بجديد حي القول: أن أغلب المجال العربي بكل دوله وشعوبه، يعاني من تحديات خطية وأزمات بنيوية، ترهق كاهل الجميع وتدخلهم في أتون مآزق كارثية.

فبعض دول هذا المجال العربي، دخلت في نطاق الدول الفاشلة، التي لا تتمكن من تسيير شؤون مجتمعها، مما أفضى إلى استفحال أزماتها ومآزقها على كل الصعد سواء الاقتصادية أو الأمنية أو السياسية. والبعض الآخر من الدول والمجتمعات، مهدد في وحدته الاجتماعية والسياسية، حيث قاب قوسين أو أدنى من اندلاع بعض أشكال وصور الحرب الأهلية.

ودول أخرى تعاني من غياب النظام السياسي المستقر، ولا زالت أطرافه ومكوناته السياسية والمذهبية، تتصارع على شكل النظام السياسي، وطبيعة التمثيل لمكونات وتعبيرات مجتمعها.

إضافة إلى هذه الصور، هناك انفجار للهويات الفرعية في المجال العربي بشكل عمودي وأفقي، مما يجعل النسيج الاجتماعي مهددا بحروب وصراعات مذهبية وطائفية وقومية وجهوية. ونحن نعتقد أن اللحظة العربية الراهنة، مليئة بتحديات خطيرة، تهدد استقرار الكثير من الدول والمجتمعات العربية وتدخل الجميع في أتون نزاعات عبثية، تستنزف الجميع وتضعفهم وتعمق الفجوة بين جميع الأطراف والمكونات.

وفي تقديرنا أن المشكلة الجوهرية، التي ساهمت بشكل أو بآخر في بروز هذه المآزق والتوترات في المجال العربي، هي غياب علاقة المواطنة بين مكونات وتعبيرات المجتمع العربي الواحد.

فالمجتمعات العربية تعيش التنوع الديني والمذهبي والقومي وغياب نظام المواطنة كنظام متجاوز للتعبيرات التقليدية، جعل بعض هذه المكونات تعيش التوتر في علاقتها وبرزت في الأفق توترات طائفية ومذهبية وقومية. فالعلاقات الإسلامية – المسيحية في المجال العربي، شابها بعض التوتر وحدثت بعض الصدامات والتوترات في بعض البلدان العربية التي يتواجد فيها مسيحيون عرب.

وفي دول عربية أخرى، ساءت العلاقة بين مكوناتها القومية، بحيث برزت توترات وأزمات قومية في المجال العربي. وليس بعيدا عنا المشكلة الأمازيغية والكردية والأفريقية.

وإضافة إلى هذه التوترات الدينية والقومية، هناك توترات مذهبية بين السنة والشيعة، وعاشت بعض الدول والمجتمعات العربية توترات مذهبية خطيرة تهدد استقرارها السياسي والاجتماعي.

فحينما تتراجع قيم المواطنة في العلاقات بين مكونات المجتمعات العربية، تزداد فرص التوترات الداخلية في هذه المجتمعات. لهذا فإننا نعتقد أن العالم العربي يعيش مآزق خطيرة على أكثر من صعيد، وهي بالدرجة الأولى تعود إلى خياراته السياسية والثقافية. فحينما يغيب المشروع الوطني والعربي والذي يستهدف استيعاب أطياف المجتمع العربي وإخراجه من دائرة انحباسه في الأطر والتعبيرات التقليدية إلى رحاب المواطنة.

فإن هذا الغياب سيدخل المجتمعات العربية في تناقضات أفقية وعمودية، تهدد استقرارها السياسي والاجتماعي.

وإن نزعات الاستئصال أو تعميم النماذج، لا تفضي إلى معالجة هذه الفتنة والمحنة، بل توفر لها المزيد من المبررات والمسوغات. فدول المجال العربي معنية اليوم وبالدرجة الأولى بإنهاء مشاكلها الداخلية الخطيرة، التي أدخلت بعض هذه الدول في خانة الدول الفاشلة والبعض الآخر على حافة الحرب الداخلية التي تنذر بالمزيد من التشظي والانقسام.

فما تعانيه بعض دول المجال العربي على هذا الصعيد خطير وإذا استمرت الأحوال على حالها فإن المجال العربي سيخرج من حركة التاريخ وسيخضع لظروف وتحديات قاسية على كل الصعد والمستويات.

وإن حالة التداعي والتآكل في الأوضاع الداخلية العربية، لا يمكن إيقافها أو الحد من تأثيراتها الكارثية، إلا بصياغة العلاقة بين أطياف المجتمع على قاعدة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات.

وإن غياب مقتضيات وحقائق المواطنة في الاجتماع السياسي العربي، سيقوي من اندفاع المواطنين العرب نحو انتماءاتهم التقليدية، وعودة الصراعات المذهبية والقومية والدينية بينهم، وسيوفر لخصوم المجال العربي الخارجي إمكانية التدخل والتأثير في راهن هذا المجال ومستقبله.

فالمجتمعات العربية كغيرها من المجتمعات الإنسانية، التي تحتضن تعدديات وتنوعات مختلفة، لا يمكن إدارة هذه التعدديات على نحو إيجابي إلا بالقاعدة الدستورية الحديثة [المواطنة] كما فعلت تلك المجتمعات الإنسانية التي حافظت على أمنها واستقرارها.

فالاستقرار الاجتماعي والسياسي العميق في المجتمعات العربية، هو وليد المواطنة بكل حمولتها القانونية والحقوقية والسياسية.

وأي مجتمع عربي لا يفي بمقتضيات هذه المواطنة، فإن تباينات واقعه ستنفجر وسيعمل كل طرف للاحتماء بانتماءه التقليدي والتاريخي. مما يصنع الحواجز النفسية والاجتماعية والثقافية والسياسية بين مكونات المجتمع الواحد.

وفي غالب الأحيان فإن هذه الحواجز، لا تصنع إلا بمبررات ومسوغات صراعية وعنفية بين جميع الأطراف. فتنتهي موجبات الاستقرار ويدخل الجميع في نفق التوترات والمآزق المفتوحة على كل الاحتمالات.

لهذا فإن دولة المواطنة هي الحل الناجح لخروج العالم العربي من مآزقه وتوتراته الراهنة.

فدولة المواطنة هي التي تصنع الاستقرار وتحافظ عليه، وهي التي تستوعب جميع التعدديات وتجعلها شريكة فعلية في الشأن العام وهي التي تجعل خيارات المجتمع العليا منسجمة مع خيارات الدولة العليا والعكس وهي التي تشعر الجميع بأهمية العمل على بناء تجربة جديدة على كل المستويات وهي التي تصنع الأمن الحقيقي لكل المواطنين في ظل الظروف والتحديات الخطيرة التي تمر بها المنطقة .

والمجتمعات لا تحيا حق الحياة، إلا بشعور الجميع بالأمن والاستقرار. لهذا فإن الأمن والاستقرار لا يبنى بإبعاد طرف أو تهميشه وإنما بإشراكه والعمل على دمجه وفق رؤية ومشروع متكامل في الحياة العامة.

وهذا لا تقوم به إلا دولة المواطنة، التي تعلي من شأن هذه القيمة، ولا تفرق بين مواطنيها لاعتبارات دينية أو مذهبية أو قومية.

فهي دولة الجميع وهي التمثيل الأمين لكل تعبيرات وحراك المجتمع.

فالمجال العربي اليوم من أقصاه إلى أقصاه، أمام مفترق طرق. فإما المزيد من التداعي والتآكل أو وقف الانحدار عبر إصلاح أوضاعه وتطوير أحواله والانخراط في مشروع استيعاب جميع أطرافه ومكوناته في الحياة السياسية العامة. فالخطوة الأولى المطلوبة للخروج من كل مآزق الراهن وتوتراته في المجال العربي، هي أن تتحول الدولة في المجال العربي إلى دولة استيعابية للجميع، بحيث لا يشعر أحد بالبعد والاستبعاد. دولة المواطن بصرف النظر عن دينه أو مذهبه أو قومه، بحيث تكون المواطنة هي العقد الذي ينظم العلاقة بين جميع الأطراف. فالمواطنة هي الجامع المشترك، وهي حصن الجميع الذي يحول دون افتئات أحد على أحد.

وخلاصة القول: أن دولة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، هي خشبة الخلاص من الكثير من المآزق والأزمات. 

 العالم العربي والحكم الرشيد:

يعيش العالم العربي بكل دوله وشعوبه اليوم، الكثير من التحولات والتطورات المتسارعة. حيث دشنت لحظة سقوط نظام بن علي في تونس عملية التغييرات والتحولات التي لا زال تأثيرها ممتدا ومتواصلا في كل أرجاء العالم العربي بمستويات وأشكال متفاوتة ومختلفة. ولا ريب أن ما يجري من أحداث وتطورات في بعض البلدان العربية، هو مذهل وغير متوقع وكل المعطيات السابقة، لا تؤشر أن ما حدث سيكون قريبا.

لهذا فإن كل هذه التطورات والتحولات هي بمستوى من المستويات مفاجئة للجميع.

لذلك فإن النخب السياسية في العالم العربي بكل أيديولوجياتها وخلفياتها الفكرية، كانت تعيش حالة من اليأس تجاه قدرة الشعب أو الشعوب العربية من إحداث تحولات دراماتيكية ف واقعها السياسي وواقع المنطقة بشكل عام. ولكن جاءت أحداث وتطورات وتحولات تونس ومن بعدها مصر، لكي تثبت عكس ما كانت تروجه بعض الأيديولوجيات والنخب تجاه الجماهير وقدرتها على إحداث تغيير سياسي في واقعها العام. والملفت للنظر والذي يحتاج إلى الكثير من التأمل العميق هو أن جيل الشباب، أي جيل الإعلام الجديد من الفيسبوك وتويتر ويوتيوب، هو الذي قاد عملية التغيير، وهو الذي تمكن من تحريك الشارع العام في تونس ومصر. فالجيل الجديد الذي كانت تصفه بعض النخب والجماعات، بأنه جيل ترعرع بدون قضية عامة يسعى من أجلها ويناضل في الدفاع عنها عكس أجيال الخمسينيات والستينيات، هو الذي قاد عملية التغيير، وبوسائله السلمية استطاع أن يحرك كل النخب وكل شرائح وفئات المجتمع الأخرى.

لهذا فإن ما حدث ويحدث في العالم العربي اليوم هو مذهل وقد أنهى حقبة وتداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر حيث كان الغرب ينظر إلى شرائح المجتمعات العربية المختلفة بوصفها مشروع قائم أو محتمل للإنسان الإرهابي الذي يفجر نفسه ويقوم بأعمال عنفية لا تنسجم وقيم الدين وأعراف العالم العربي وتقاليده الراسخة.

فما جرى في تونس ومصر، حيث حضر الشباب، ومارسوا حقهم بالتعبير عن الرأي، أنهى على المستوى الاستراتيجي حقبة بقاء الشباب العربي تحت تهمة وتداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

فالنموذج الجديد الذي قدمه الشباب العربي في تونس ومصر وغيرها من الدول العربية التي تشهد حراكا اجتماعيا وسياسيا ومطلبيا هو أنه جيل يستحق أن يعيش حياة كريمة وأن تعاطيه الشأن العام عبر عنه خارج الأطر والأحزاب الأيدلوجية، وإنما مارسه بطريقته الخاصة، والمذهل في الأمر أن هذه الطريقة غير المتوقعة هي التي أتت أكلها، ونجحت في إحداث تغييرات وتحولات سياسية واجتماعية كبرى في أكثر من بلد عربي. لهذا فإننا نعتقد أن المنطقة العربية بأسرها، تعيش مرحلة جديدة على أكثر من صعيد. وما نود أن نؤكد عليه في هذا السياق هي النقاط التالية:

– إن المجتمعات والشعوب العربية تستحق حكومات وأنظمة سياسية متطورة ومدنية وتفسح المجال للكفاءات الوطنية المختلفة للمشاركة في تنمية الأوطان العربية وتطويرها على مختلف الصعد والمستويات.

والذي يلاحظ أن الدول العربية التي كانت أو لا زالت في منأى من موجة المطالبة بالإصلاحات والتغييرات، هي تلك الدول التي تعيش ف ظل أنظمة وحكومات فيها بعض اللمسات أو الحقائق الديمقراطية أو تمكنت من حل بعض مشاكل شعبها الاقتصادية والاجتماعية. ومع ذلك فإننا نعتقد أن هذه الموجة ستطال بشكل أو بآخر كل الدول والشعوب العربية.

ونحن نعتقد أن مسارعة الدول العربية في القيام بإصلاحات سياسية ودستورية واقتصادية، سيقلل من فرص خروج الناس إلى الشارع إلى المطالبة بحقوقهم. وما جرى في تونس ومصر، يوضح بشكل لا لبس فيه أن المجتمعات العربية تستحق أوضاعا سياسية واقتصادية وقانونية أفضل مما تعيشه الآن.

- إن التحولات السياسية الكبرى التي تحققت في تونس ومصر وموجاتهما الارتدادية في أكثر من بلد عربي، تجعلنا نعتقد وبعمق أن المشاكل الكبرى وبالذات على الصعيد السياسي متشابهة في أغلب الدول العربية. فالحكومات والأنظمة السياسية في هذه الدول، هي أنظمة ذات قاعدة اجتماعية ضيقة، مع تضخم في أجهزتها الأمنية التي تمارس الإرهاب والقمع بكل صوره وأشكاله، مما زاد من الاحتقانات، وراكم من المشكلات البنيوية التي يعيشها المجتمع والدولة في هذا البلد العربي أو ذاك.

وبفعل هذه الحقيقة تمكنت هذه الدول التسلطية من إفراغ كل الأشكال والحقائق الديمقراطية الموجودة في أكثر من بلد عربي من مضمونها الحقيقي، حتى أضحت نموذجا صارخا للمقولة التي أطلقها المفكر المصري (عصمت سيف الدولة) بالاستبداد الديمقراطي. فالأشكال الديمقراطية أصبحت عبئا حقيقيا على المجتمعات العربية ونخبها السياسية والاجتماعية والثقافية، لأنه باسم الديمقراطية يتم تأييد السلطة واحتكار عناصر القوة وتستفحل من جراء هذا كل أمراض الاستبداد والديكتاتورية.

– إن الإصلاح السياسي الذي نراه أنه جسر عبور لكل الدول العربية إلى مرحلة جديدة، تؤهلها لتجاوز بعض مشكلاتها ومعالجة أزماتها الداخلية ويحصنها من خلال تطوير علاقة الدولة بمجتمعها تجاه كل التحديات والمخاطر. أقول أن هذا الإصلاح السياسي هو ضرورة حكومية – رسمية، كما هو حاجة وضرورة مجتمعية.

فهو (الإصلاح) ضرورة للحكومات العربية لتجديد شرعيتها الوطنية وتوسيع قاعدتها الاجتماعية ولكي تتمكن من مواجهة التحديات المختلفة. كما هو (أي الإصلاح) ضرورة وحاجة للمجتمعات العربية، لأنه هو الذي يخرج الجميع من أتون التناقضات الأفقية والعمودية الكامنة في قاع المجتمعات العربية، وهو الذي يصيغ العلاقة بين مختلف المكونات على أسس الاحترام المتبادل والمواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات.

ومن المعلوم أن الانغلاق في السلطة سمة من سمات الدولة التسلطية (على حد تعبير خلدون النقيب في كتابه: الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر – دراسة بنائية مقارنة). وهو يعبر عن حالة غير طبيعية في مسيرة الدولة الحديثة، هي حالة التماهي بين السلطة والدولة. لهذا فإن العالم العربي بحاجة إلى أنظمة سياسية حديثة تستجيب لشروط العصر وتتناسب والدينامية الاجتماعية المتدفقة.

– إن التجارب والتحولات السياسية الكبرى، تجعلنا نعتقد أن الشيء الأساسي الذي يجعل عمر الدول طويلا وممتدا عبر التاريخ، ليس هو ترسانتها العسكرية وموقعها الجغرافي والاستراتيجي وإنما هو قبول ورضا الناس بها. إذ أن كل تجارب الدول عبر التاريخ الطويل تثبت بشكل لا لبس فيه أن حكم الناس بالإكراه قد يطول، إلا أنه لا يدوم. وإن عمر الدول واستمرارها مرهون بقدرة هذه الدول على تحقيق رضا وقبول الناس بها. بمعنى أن الدول حتى ولو كانت إمكاناتها البشرية محدودة وثرواتها الطبيعية والاقتصادية متواضعة، إلا أن رضا الناس بها، وقبول الشعب بأدائها وخياراتها، فإن هذا الرضا والقبول يجبر الكثير من نواقص الدولة الذاتية أو الموضوعية، ويمدها بأسباب الاستمرار والديمومة.

فالذي يديم الدول ويوفر لها إمكانية الاستمرار، هو مشاركة الناس في شؤونها المختلفة واحتضانهم إلى مشروعها وشعورهم بأنها (أي الدولة) هي التعبير الأمثل لآمالهم وطموحاتهم المختلفة.

وما جرى في تونس ومصر من أحداث وتحولات سياسية سريعة، يؤكد هذه الحقيقة. فكل المؤسسات والأجهزة العسكرية، لم تستطع أن تدافع عن مؤسسة السلطة التي يرفضها الناس ويعتبرونها معادية لهم في حياتهم اليومية وتصوراتهم لذاتهم الجمعية والمستقبلية. لهذا فإننا نعتقد إن إسراع الدول في إصلاح أوضاعها وتطوير أنظمتها القانونية والدستورية وتوسيع قاعدتها الاجتماعية وتجديد شرعيتها السياسية، كل هذه العناصر تساهم ف إعطاء عمر جديد لهذه الدول.

فتحريك عجلة الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي في دولنا العربية، أضحى اليوم من الضرورات والأولويات، التي تحول دون دخول دولنا العربية في أتون المشكلات والأزمات التي تعوق من مسيرتها ودورها في الحياة الوطنية والقومية والدولية.

ومن المؤكد أن اقتراب الدول العربية من قيم ومعايير الحكم الرشيد، هو الذي سيعيد الاعتبار إلى المنطقة العربية وهو السبيل المتاح والممكن اليوم للخروج من العديد من الأزمات والمآزق على الصعيدين الداخلي والخارجي.

وحده الحكم الرشيد بكل قيمه ومضامينه ومقتضياته، هو الذي سيعيد العالم العربي إلى حركة التاريخ ودون ذلك ستبقى المنطقة بكل ثرواتها البشرية والاقتصادية بعيدا عن القبض على أسباب التقدم والاستمرار الحضاري.

المحور الثالث: نحو حركة عربية مدنية:

لقد أبانت التطورات والتحولات الكبرى، التي جرت في أكثر من بلد عربي، هو أن مشاكل البلاد العربية متشابهة مع بعضها البعض، وإن الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج تتفاعل وتتعاطف مع بعضها البعض، كما أن آمال هذه الشعوب وطموحاتها السياسية والمدنية متطابقة إلى حد كبير. فالجميع يشعر أنهم يستحقون أنظمة سياسية أفضل مما عليه اليوم، سواء من ناحية نوعية النخب السائدة، أو في طبيعة خياراتها السياسية والاقتصادية أو تمثيلها لتعبيرات ومكونات المجتمع المختلفة. فهي (أي الشعوب العربية) تنشد بمستويات مختلفة أنظمة سياسية جديدة تنسجم ومعايير الحكم الرشيد وهي تتطلع إلى تحسين نوعية الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية فيها.

لهذا فإن الشعوب العربية – مع اختلاف في المستوى والدرجة – تعيش مشاكل واحدة وتتطلع إلى أهداف وغايات متشابهة. كما أن التحولات الأخيرة التي جرت في البلاد العربية تجاوزت بعض المشكلات التي كانت تهدد بعض البلدان في وحدتها الداخلية والوطنية. فجميع الأطياف الدينية والمذهبية والاجتماعية والجهوية، ساهمت في عملية التغيير السياسي وإنها تكاتفت وتضامنت مع بعضها البعض من أجل تفكيك حوامل الاستبداد السياسي الجاثم على صدور الجميع.

فهذه التحولات أخرجت الجميع من سجون الطائفية والمذهبية والجهوية وأعلت من شأن الشخصية الوطنية الجامعة. فالملايين التي خرجت في البلدان العربية وتطالب بتغيير أنظمتها السياسية، كانت من جميع الأطياف والمكونات. فالإصلاح السياسي ليس مهمة طرف دون آخر وإنما هو مهمة الجميع. وإن الاستبداد السياسي بكل متوالياته، هو المسئول الأول عن نزعات التشظي التي سادت في أكثر من بلد عربي تحت عناوين ويافطات دينية أو مذهبية أو قومية أو جهوية.

فالأنظمة السياسية الشمولية هي التي تعمل على تنمية الفوارق الأفقية والعمودية بين المواطنين. وهي التي تعمل عبر ممارساتها وبرامجها المختلفة إلى توتير العلاقة وتأزيمها بين أهل الأديان والطوائف والقوميات.

فالتعددية الدينية والمذهبية والقومية الموجودة في العالم العربي، ليست هي المسئولة عن نزعات الاستئصال والتشظي وإنما المسئول هو النظام السياسي العربي الذي يحتكر القوة والقرار باعتبارات وعناوين عصبوية ضيقة، فتمنح جميع المناصب والامتيازات لفئة قليلة من المجتمع وتعمل على طرد وتهميش بقية المكونات والتعبيرات. لهذا فإننا نعتقد أن اللحظة العربية الراهنة، من اللحظات الحيوية القادرة على إخراج الكثير من الشعوب العربية من أتون ودهاليز الطائفية والمذهبية وتدخلها في مرحلة بناء الدولة المدنية والمواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات. وإن هذه الغاية تتطلب العمل على بناء حركة مدنية عربية، تتجاوز الأطر والعناوين الضيقة وتعمل على نسج العلاقة بين مختلف المكونات على أسس ومعايير جديدة، تساهم في تعزيز مرجعية الوطن والمواطنة الجامعة. وإن بناء الحركة المدنية العربية هو الذي يديم لحظة الإصلاح بكل أبعادها في العالم العربي وهو الذي يوفر الإمكانية الحقيقية لمواجهة مخاطر الاستبداد بكل صنوفه.

وكما أن الاستبداد العربي يتعاون مع بعضه البعض وينسق في مواقفه وخطواته المختلفة ويتبادل الرأي والخبرة، فإن القوى والمؤسسات المدنية العربية معنية أيضا بهذا الأمر. فهي مطالبة بالتنسيق والتعاون مع بعضها البعض وبزيادة وتيرة التلاقي وتبادل الرأي والخبرة.

ولعلنا لا نجانب الصواب حين القول: أن بزوغ الهويات الفرعية في العالم العربي وتعلق المواطنين بها يعود إلى سببين أساسيين وهما: طبيعة علاقة السلطة بمجتمعها ومواطنيها وهي علاقة غير محايدة تجاه عقائد وقناعات مواطنيها. فتتحول الدولة بمؤسساتها المختلفة إلى سلطة قامعة ونابذة لبعض مكونات مجتمعها. فتضمحل علاقة المواطنة لصالح العناوين الفرعية. والسبب الآخر هو غياب المؤسسات والأطر المدنية التي تتجاوز الانتماءات الفرعية لصالح قضايا ومفاهيم جامعة للمواطنين بعيدا عن انتماءاتهم التقليدية.

وحينما تغيب المؤسسات الجامعة والحاضنة لجميع المواطنين مع احترام تام لعقائدهم وانتماءاتهم التاريخية، حينذاك يبحث المواطن عن مؤسسات أهلية تحميه من تغول الدولة ومؤسساتها، فلا يجد إلا الانتماء التقليدي أو التاريخي كعنوان لحمايته والدفاع عن مصالحه.

لهذا فإن تأسيس وبناء حركة مدنية عربية فاعلة وحيوية، يساهم في الحد من تغول السلطة والدولة في العالم العربي ومن جهة أخرى تكون رافعة للمواطنين للخروج من آسار انتماءاتهم التاريخية لصالح الانتماء إلى المواطنة التي هي قاعدة الحقوق والواجبات.

فالمطلوب هو إخراج المجتمعات العربية من مستنقع الطائفية والقبلية والعشائرية وهذا لن يتأتى إلا بحركة مجتمعية نشطة تتجاوز هذه العناوين وتوفر البدائل والأطر المتجاوزة لها.

الخلاصة:

إننا ننظر ونتعامل مع التغيرات السياسية الراهنة في العالم العربي، بوصفها تحولات إيجابية، وهي الخطوة الأولى في مشروع التحول نحو الديمقراطية والتخلص من براثن الاستبداد والديكتاتورية ومتوالياتهما. وإن بناء الأنظمة السياسية في عالمنا العربي على أسس الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والتداول السلمي للسلطة، سيعزز من حقائق التسامح في المجتمعات العربية، وسيطرد كل الحوامل والثقافات والنزعات المضادة لذلك.

فما يجري اليوم من إصلاحات وتحولات في العديد من الدول العربية، هو بإرادة شعبية عربية بعيدا عن إملاءات الخارج ومؤامراته المختلفة.

لهذا فإننا نستطيع القول: أن العالم العربي اليوم، دخل فعلا وممارسة مرحلة جديدة نتجاوز فيها إحن الماضي ومعوقات الواقع الهيكلية. وإن تهاوي بعض الأنظمة المستبدة بشكل سريع، يبشر بهذه المرحلة، ويؤكد أن الإرادة الشعبية هي حجر الزاوية في مشروع الإصلاح والتغيير في العالم العربي.

وإن أمام العالم العربي بكل دوله وشعوبه، فرصة تاريخية لإعادة بناء أنظمته السياسية على أسس جديدة تنسجم ومنطق العصر وحقائق الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.

***

محمد محفوظ – باحث سعودي

 

ذكرت، في الأسبوع الماضي، أن الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند رد على الهجمات الإرهابية بتذكير الفرنسيين بوحدتهم الوطنية وقِيم الجمهورية: الحرية والمساواة والإخاء، فعلّق أحد الزملاء قائلاً: «معنى هذا أن الإرهاب علاجه الخُطب...»، وكِدت أرد قائلاً: نعم، فهذا ما أعتقده فعلاً، لكنني ترددت ثم فضلت السكوت؛ خشية أن يُفهم خارج السياق المقصود.

ثم سألت نفسي: هل يمكن حقاً للخطب أن تعالج ظاهرة خطيرة كظاهرة الإرهاب، وسألت نفسي أيضاً: لماذا لا يتحدث المحللون والمفكرون عن الخطابة كأداة في السياسة، هل يشكّون في جدواها أم يخشون أن يفعلوا ذلك فتزدهر سوق الكلام، ويتحول السياسيون إلى فن القول بدل إحسان الفعل.

حسناً... لم يكن غرضي الحديث عن الظواهر العنيفة، نظير الإرهاب أو الجريمة، ومعالجتها، بل عن علاقة الدولة بالمجتمع، وأريد التركيز على ضرورة أن تكون هذه العلاقة منفتحة وإيجابية وصريحة. هذه هي العوامل التي - في رأيي - تَحرم أرباب العنف، سواء أكان سياسياً أم اجتماعياً، من البيئة الداعمة له أو المتساهلة معه.

أميل إلى الظن بأن الميول الإرهابية تتبلور في المجتمعات التي اعتادت التساهل مع الممارسات العنيفة، نظير الدعوة لأخذ الثأر في حالات القتل أو في حالات إهانة العِرض والشرف، وهي ممارسات معروفة في المجتمعات التي تسودها الروح العشائرية، كما نعرف. وأذكر قصة شهدتُ بعض تفاصيلها، خلاصتها أن عائلة كبيرة في قرية بشمال باكستان حاصرت عائلة أخرى، وهددت باقتحام بيتها وقتْل مَن فيه، إن لم يأتِ ابنهم ويتزوج بنت العائلة الأولى. أما السبب فهو أن هذا الابن تحدّث مع البنت، ووعدها بالزواج، لكنه سافر للعمل في الخليج، فلما عرف أهل البنت، اعتبروا أن شرفهم قد أُهين، وأن الإهانة لا يغسلها إلا الدم. وقد اضطر الشاب فعلاً لترك عمله، والزواج من دون تحضير، حفاظاً على حياة أهله. وأخبرني أن حوادث مماثلة قد جرت في قريتهم سابقاً، وقُتل فيها نساء ورجال، للأسباب نفسها.

إن مجتمعاً كهذا يمثل بيئة مناسبة لتبلور الإرهاب؛ أي العنف الذي تُحركه دوافع آيديولوجية. إن العنف بمختلف أشكاله ليس من الطبائع الأصيلة في البشر، بل هو من منتجات البيئة الاجتماعية التي تتسرب لعقل الفرد في مراحل التربية المبكرة أو فترة النضج، ويظهر على شكل عقائد، نظير «من لم يكن ذئباً أكلته الذئاب»، ونظير «ما حكَّ جِلدك غير ظفرك»، وغيرها من المعتقدات التي تنفي قيمة «رأس المال الاجتماعي» الذي يدعم الفرد عند الحاجة، كما تنفي قيمة القانون وكونه سيداً وملجأ للضعفاء والمظلومين.

مجتمعٌ كهذا، يكون في الغالب منغلقاً - ثقافياً - على نفسه، يتعامل مع الغير بارتياب، ويشعر على الدوام بأنه مهدَّد في معيشته أو هويته.

إذا ظهر العنف في المجتمع، سياسياً أو اجتماعياً أو جنائياً، فإن الرد الفوري هو «إطفاء الحريق»، كما قال لي أحد قادة الأمن في بلادنا، في مناسبة قديمة. لكن العلاج الطويل الأمد يكمن في إقناع هذه الجماعة بكسر جدار العزلة الثقافية من حولها، والانفتاح على المحيط الأوسع. هذا لا يستوي بالكلام، بل بفتح الأبواب أمامهم، والاستماع إليهم ومناقشتهم في مطالبهم، كي يقتنعوا بأنهم يمكن أن يتمتعوا بالمساواة التامة مع بقية المواطنين، إذا كانوا متواصلين فعلاً معهم ومع الإدارة الرسمية، ثم إثبات أن القانون أداة فعالة في الحصول على حقوقهم، وأنه خير من ممارسة العنف أو البكاء على الأطلال.

ينبغي لرجال الدولة أن يتحدثوا للناس، ليس فقط عن بطولاتهم ونجاحاتهم، بل في المقام الأول عما يريدون فعله، والصعوبات التي يواجهونها، والدعم الشعبي الذي يتطلعون إليه.

سيكون المجتمع معارضاً للعنف، رافضاً لأربابه ودُعاته، إذا آمن بأن الحكومة حكومته وتعمل لصالحه.

***

د. توفيق السيف

 

اجرى معظم علماء النفس الكبار تجاربهم على الحيوانات والطيور وخرجوا بنتائج عمموها على البشر، يتصدرهم بافلوف الذي اجراها على الكلاب وخرج باكثر من قانون بينها.. حين يتم اشتراط الاستجابة لمثير معين فان المثيرات الاخرى المشابهة للمثير الاصلي تصبح قادرة على استدعاء نفس الاستجابة وصارت تعرف بنظرية الاشتراط الكلاسيكي. ظهر بعده في اميركا مؤسس المدرسة السلوكية عالم النفس (سكينر) مستخدما الحمام والفئران لاظهار مدى سهولة تشكيل البيئة لمخ الحيوانات الثدية، ورفض تفسير التعلم بالربط المكيانيكي البسيط بين الاستجابة والمثير وقدم مصطلح الاشتراط الاجرائي.

 واجرى (هاري هارلو) تجاربه على القرود معتقدا انها ستمنحه افكارا اكثر دقة عن السلوك الانساني.. تبعهم صاحب نظرية العجز المتعلم (مارتن سليجمان) الذي اجرى تجاربه على الكلاب.

 وكان فرويد قد وضع نظرياته من خلال تحليل اشخاص معدودين معظمهم نساء برجوازيات وخلص الى ان سلوكيات الفرد لا يحددها عامل واحد بل ثلاثة عوامل (الانا، والهو، والانا الاعلى).. وقل الكثير عن كثيرين.

 وليس النقد هنا على ما توصلت تجارب علماء النفس على الحيوانات والطيور من نظريات اصبحت كلاسيكية.. ولكن الفرق يكون كبيرا فيما يخص سلوك الأنسان بين ان يكون البشر هم موضوع الدراسة وبين ان تكون الحيوانات والطيور موضوعها.

 وما حصل ان العراق صار مختبرا حقيقيا لعلم النفس تعرض ملايينه عبر اربعين سنة ( 1980- 2020) الى حروب كارثية، بدءا من الحرب العراقية الايرانية التي استمرت ثمان سنوات، الى حرب العراق على الكويت، الى ثلاث عشرة سنة من حصار اكل فيها العراقيون خبز النخالة المعجون بفضلات الصراصر، فالحرب الأمريكية على العراق (2003)، فالحرب الطائفية (2006- 2008) الذي بلغ عدد القتلى فيها في احد ايام شهر تموز.. مائة قتيلا، لسبب في منتهى السخافة (ما اذا كان الآخر اسمه عمر او حيدر او رزكار!).. الى حرب داعش وسقوط الموصل.. ووصولهم الى مشارف بغداد.. الى تناقضات ومفارقات في علاقات السلطة بالناس بعد 2003 ما حدثت في تاريخ العراق السياسي وما احدثته من تغييرات في الشخصية العراقية.

 ولقد شغلت هذه الاحداث عددا من علماء النفس العراقيين وحظيت بدراسات علمية في اطاريح دكتوراه، يفترض ان يصار الى توحيد مفاهيمها في تنظير جديد خاص بعلم نفس عراقي يقدم اضافات معرفية لعلم النفس على الصعيدين العربي والعالمي وتكون له هوية مميزة على الصعيد الأنساني.

وعراقيا ايضا، اجرى كاتب هذه التوطئة دراسات ميدانية على سجناء في سجن ابو غريب بينهم قتلة محكومون بالاعدام ولواطيون وزناة محارم، ودراسة تعد الاولى عراقيا وعربيا وعالميا شملت 270 بغيا وسمسيرة، واشرف على اطروحة دكتوراه شملت اكثر من 300 ارهابيا من جنسيات مختلفة في سجون العراق.. ودراسة في مستشفى الشماعية شملت قتلة مصابون بالفصام (شيزوفرينيا).. وعايش سجناء سياسيين وعاديين لسنتين ونصف في سجن بغداد المركزي وسجن البصرة وسجن الحلة، توصل فيها الى مفاهيم جديدة في علم النفس تضمنها كتابه (امراض النفس والعقل - تنظير جديد في الأسباب والمعالجات) اعتبرته شبكة العلوم التربوية والنفسية في تونس، افضل مرجع للصحة النفسية في العالم العربي.. واسس في 2003 الجمعية النفسية العراقية وانتخب من بين 15 مرشحا.. رئيسا لها.

 ان ما تقدم من انجازات علمية لعلماء النفس العراقيين وطلبة دكتوراه، الذين درسوا فيها عينات بشرية، وليس حيوانات او طيور، تعرضت لكوارث وفواجع واحزان وفقدان احبة.. في بلد صار مختبرا حقيقيا لعلم النفس.. يقدم اضافات معرفية عراقية خالصة لعلم النفس العالمي صيغت بتنظير وقوانين اجتماعية.. نأمل ان يشكل كتابنا الموسوم (نحو علم نفس عربي جديد) باكورة لعلم نفس عراقي بجهود علماء نفس قادرين على ان يخرجوا من جلباب فرويد وسكنر.. وآخرين يعدّون افكارهم حقائق ابدية.

***

أ.د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

لم يكن مصطلح «الجماهير» مألوفاً عربياً، مع وجود «الجمهور»، وهو الإشارة إلى جماعة الفقهاء، فيقال ما اتفق عليه الجمهور، أما «الجماهير» فجاءت عنواناً بديلاً عن «العوام»، فربَّما عرفه قراء العربيّة بعد ترجمة كتاب «سيكولوجية الجماهير» لغستاف لوبون، الصَّادر في نهاية القرن التاسع عشر، وكثيراً ما أشير للعامة والعوام مقابل الخاصة والخواص، ولا ننسى استخدام الأحزاب والحركات الثّورية له في خطابها، على أنها الشَّعب، وكذلك الجمهوريات الثّوريَّة، وقلما نجد الأنظمة الملكيّة استخدمت المصطلح. أتينا على مصطلح «الجماهير» بعد المشاركة في ندوة كان عنوانها «كسر الحواجز حين تخاطب المعرفة جمهورها» ضمن ندوات المنتدى الإعلاميّ السُّعوديّ، والمطلوب كسر الحواجز بين النُّخبة والجماهير.

كانت الثقافة والمعارف مِن حصة الخواص قديماً، لأن المعارف تحتاج إلى عقول لإدراكها، تبدأ بالتأهيل من الطُّفولة، والسّواد الأعظم لا يحصل على التعليم، ومع تطور وسائل التواصل صارت المعارف مشاعة، لكن مع ذلك تجد نسبة الجهل طاغيَّة، وكان السؤال كيف يوصل أهل المعرفة نتاجهم إلى الجماهير؟ فالقدماء كانوا يخشون مِن وضع المعارف في غير محلها، فيكون مردودها سلبياً، لذا ارتأوا أن تبقى متداولة بين النّخب، فإذا بسطوها انتهت قيمتها، فمثلاً سلامة موسى (1958) اقترح الكتابة باللهجة المحكية، كأسلوب لـ«كسر الحواجز» بين النخب والجماهير، لكن العربيّة محكية في عشرات اللهجات، والفكر ليس الرواية أو القصة، كتابتها باللهجة تعظم قوتها.

 إخوان الصَّفا، وهم نُخبة فكرية، (أو مجموعةٌ من الفلاسفة العرب المسلمين، عاشوا في القرن العاشر الميلادي في مدينة البصرة بالعراق، واتفقوا على توحيد المذاهب الإسلامية، والنظريات الفلسفية)، طرحوا إشكالية إيصال رسائلهم إلى الجماهير، بما عبّروا عنه بالعوام، صيانة للأفكار، وكان ذلك السبب الأول في سريتهم. قالوا: «إنّا لا نكتم أسرارنا عن النّاس خوفاً من سطوة ملوك ذوي السّلطنة الأرضية، ولا حذراً من شغب جمهور العوام، ولكن صيانة لمواهب الله عز وجل لنا، كما أوصى المسيح فقال: لا تضعوا الحكمة عند غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم» (الرسالة السابعة من العلوم النّاموسية والشرعية).

فالرّسائل صنّفت للعلماء والحكماء، وإذا ما صارت بيد العوام قل قدرها، فلا يطّلع عليها إلا الإنسان العارف، الذّي له صحبة كصحبة «إخوان الصّفا»، وهم بهذا لا يقدمون أنفسهم أعداء للسلطة، إنما قصدوا إشاعة المعرفة والثّقافة لأجل قيام المدينة الفاضلة بعد تهيئة العقول لقيامها، وهذا يشمل الملوك وأبناءهم، وأبناء الدّهاقين (رؤساء القرى)، وأرباب الضّياع، وسواهم (الرسالة الأولى، القسم الرياضي). لكنهم لم يحرموا الجماهير مِن المعرفة، إذا تم ذلك تحت إشرافهم، فمجالسهم مفتوحة لمن لم يفهم ما في الرّسائل، أو من لم يستطع قراءتها، إذا طلبها، له سماعها ممن فهمها واستوعبها، وليس المقصود بالمجلس هنا مصنفي الرّسائل أنفسهم، إنما من تبنى أفكاره. فقالوا: «إن كنت لا تُحسن كيف تقرأ هذا الكتاب، وكيف تحسب هذا الحساب، وكيف تزن هذا الميزان، وكيف تجوز هذا الصّراط، فهلم مجلس إخوان لك نصحاء، أو أصدقاء لك كرماء، فضلاء أخياراً علماء، محبين لك، متوددين إليك، فيعرفونك ما لا تنكره، ويعلمونك ما تتيقنه، ولا تشك فيه بشواهد من نفسك، وبراهين من ذاتك...» (الرسالة الثانية عشرة من الجسميات الطّبيعيات).

بمعنى اللجوء إلى التعليم المباشر، ومَن يطلب معرفة ما في الرسائل حُسب على النّخبة، لأنَّ الطَّلب بحد ذاته شأن نخبويّ، فالجاهل لا يطلب ولا يسأل عن المعرفة. كان ذلك أسلوب محدود لكسر الحاجز بين أهل المعرفة والجماهير، أو العوام بلغة الأقدمين. كان الوليد بن عبيد البُحتُريِّ (280هج) قاسياً غرو الكثير مِن أصحاب الأفكار والمعارف، الذين حال لسانهم يقول: «على مَن لا يفهم شعره حين قال: «عليَّ نحتُ القوافي مِن معادنها/ وما عليّ إنْ لم تفهم البقرُ» (كتاب الموازنة)، وإن تواضع «إخوان الصفا» وهم فلاسفة، ووجدوا طريقاً لإفهام العاميّ، فغيرهم قد تعصب لنخبويته، ولا يتردد مِن رمي الجماهير ببيت البُحتُريِّ.

***

د. رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

إن استمرار العرب يتحركون ويخضعون لمقتضيات التحولات السياسية دون وجود رؤية استراتيجية هو المعني بتضييع البوصلة وغياب القدرة الفعلية على مواجهة التحديات.. الممارسة السياسية سواء التي تقوم بها دولة كبرى لها أنظمتها وقوانينها، أو التي تقوم بها جماعة سياسية تعمل على تحرير أرضها من قوى الاستعمار القديم أو الحديث، فإن هذه الممارسة السياسية خاضعة لقوانين وأنظمة لا يمكن تجاوزها أو اختراقها مع غياب المصلحة الواضحة لها..

أقول إن هذه الممارسة السياسية لها جانبان أساسيان وهما:

الجانب الأول الذي يتعلق بالممارسة السياسية اليومية أو التي تقوم بها الدولة كرد فعل على ممارسة سياسية سابقة.. وهذا الجانب يسمى التكتيك السياسي. وهو الذي يعنى بإدارة وتدبير الشأن اليومي أو الروتيني وفي غالب الأحيان هذه الممارسة السياسية لا تتعدى التكتيك السياسي..

والجانب الآخر هو الممارسة الاستراتيجية، وهي الممارسة التي تتعدى التكتيك السياسي والممارسة اليومية وهي المتعلقة بالمصالح الاستراتيجية والأهداف العليا التي تسعى الدولة لتحقيقها في الواقع الخارجي.. والدول والجماعات السياسية الفاعلة تنقسم على هذا الصعيد والمستوى..

فثمة دول وجماعات سياسية قادرة على التميز والتفوق السياسي انطلاقاً من طبيعة التكتيكات السياسية المتبعة.. إلا أنها لا تمتلك القدرة على ربط هذه التكتيكات بالرؤية الاستراتيجية التي تحملها.. فهي ناجحة تكتيكيا وغير ناجحة أو بليدة على المستوى الاستراتيجي.. وهناك دول وجماعات سياسية على عكس ذلك. فهي مترهلة على مستوى التكتيك السياسي، إلا أنها حيوية وفاعلة على مستوى الرؤية والممارسة الاستراتيجية..

والصورة المثالية للممارسة، هي تلك الصورة التي تقوم بكل الخطوات السياسية التكتيكية، دون إغفال البعد والرؤية الاستراتيجية..

ولعل الكثير من الإخفاقات السياسية العربية، تعود في أحد جوانبها إلى هذه المسألة..

فغالبية العرب ينفعلون ويتفاعلون على مستوى التكتيك السياسي، إلا أنهم يغفلون عن الرؤية الاستراتيجية.. لذلك هم على الصعيد العملي يكتفون بالممارسة التكتيكية ولا يعملون على ربط هذه الممارسة التكتيكية بالنطاق الاستراتيجي. والمطلوب هو القيام بكل ما تتطلبه الممارسة السياسية من جهد تكتيكي أو استراتيجي..

وإن استمرار العرب يتحركون ويخضعون لمقتضيات التحولات السياسية دون وجود رؤية استراتيجية هو المعني بتضييع البوصلة وغياب القدرة الفعلية على مواجهة التحديات..

ولو تأملنا في واقع الممارسة السياسية العربية تجاه القضية الفلسطينية لرأينا طبيعة الفصام النكد الذي يتحكم في الممارسة السياسية العربية.. حيث تغيب الرؤية الاستراتيجية ولا يحضر عربياً إلا البعد التكتيكي.. لذلك نجد أن العرب على هذا الصعيد يراكمون من إخفاقاتهم.. والسبب في تقديرنا يعود إلى أن الجهود الكثيرة التي يقوم بها العرب ليست متوازنة بين التكتيك والاستراتيجية.. لذلك هم في الغالب يتحركون بدون رؤية استراتيجية.. والوفاء بمقتضيات التكتيك السياسي لا يعني البتة الوصول إلى بناء رؤية استراتيجية للعرب تجاه قضيتهم المركزية وفي قضية فلسطين..

فأغلب الإخفاقات تعود في تقديرنا إلى هذه المسألة.. فحينما تغيب الرؤية الاستراتيجية، تغيب البوصلة النظرية التي تحدد الأولويات وسبل تحقيقها، وتغيب القدرة على الموازنة بين القدرات والطموحات..

لذلك نجد أن العرب في أغلبهم يرفعون الشعارات الفضفاضة دون أن يمتلكوا القدرة الفعلية على تحويل هذه الشعارات إلى واقع عملي..

والبشر الذين يكتفون برفع الشعارات واليافطات الكبرى، دون امتلاك القدرة الفعلية على تحقيقها هم الذين يؤدون الى ضياع القدرة على الوصول إلى الغاية والهدف..

ومن جانب آخر فإن الجمود السياسي والترهل الإداري سواء على المستوى الاستراتيجي أو التكتيكي، يفضي إلى غياب الفعالية السياسية والقدرة على المبادرة ويحول السياسة كممارسة لضيف ثقيل على المستويات كافة..

لذلك فإن الفعالية السياسية سواء على المستوى الاستراتيجي أو التكتيكي، هي التي توفر القدرة على الاستفادة من كل الممكنات والفعاليات البشرية..

ويبدو لنا أن الخلط المنهجي بين الاستراتيجي والتكتيكي، هو الذي يفضي إلى ضياع القدرة على التكامل، ويجعل الممارسة السياسية بدون قدرة على تنظيم كل الفعاليات للحصول على كل النتائج المتوقعة.. ولعل هذا الفرق هو أحد الفروقات الأساسية بين المجتمعات المتقدمة والمجتمعات المتخلفة.

فالمجتمعات المتقدمة قادرة على ممارسة السياسة سواء في بعدها الاستراتيجي أو في بعدها التكتيكي، لذلك فهي تحصل على كل النتائج بالجهود السياسية القليلة..

أما المجتمعات المتخلفة لغياب القدرة على التمييز بين الممارسة السياسية الاستراتيجية والتكتيكية، فإنها تبذل الكثير من الجهود دون الحصول على النتائج المرجوة بمستوى الجهود المبذولة..

وعليه فإن المطلوب للخروج من هذا المأزق السياسي هو الاهتمام بصناعة الرؤية الاستراتيجية والتفكير العميق في سبل إنجاز هذه الرؤية دون التغافل عن الممارسة السياسية اليومية والتي في أغلبها تتعلق بالتكتيك السياسي..

فالمطلوب رؤية استراتيجية واضحة وصريحة، وتكتيك سياسي فاعل وقادر على ملاحقة الشأن اليومي دون الاستغراق فيه..

فالجمود السياسي الاستراتيجي يضيع الكثير من الفرص والممكنات السياسية..

كما أن الاستغراق بالممارسة السياسية التكتيكية مع غياب الرؤية الاستراتيجية يضيع الكثير من القدرات والفعاليات التي تخدم هذه المسألة..

ومن المؤكد أن معالجة هذه الإشكالية هو أحد السبل الأساسية لممارسة السياسة بعيداً عن الأعباء أو ردود الفعل، التي قد نستجيب لها بدون رؤية أو خطة حقيقية..

أحسب أن الاهتمام بهذه المسألة، يوفر على المستويين الاستراتيجي والتكتيكي القدرات البشرية القادرة على الاستجابة المطلوبة لكلا المستويين.

***

محمد محفوظ

من إسلام آباد إلى الأنبار 

تزامن اليوم الجمعة الموافق بتاريخ 6/2/2026 تفجيران إنتحاريان، كان الأول في باكستان تحديدا في ترلاي إسلام آباد والثاني في العراق تحديداً مضافة في صحراء الأنبار، كان الهدف منه هو التهديد الأمني ذات الطابع المتطرف العنيف الذي تركتبه نفس الجماعة، وضد نفس الجماعة الهدف في إيديولوجيتها، فوحدة الهدف الإرهابي الذي يسعى له هذا الخط الإرهابي الممتد من أقصى الشرق مرورا بباكستان حتى يأخذ بالتوسع في جغرافية اقليم الشرق الأوسط ويمتد حتى جنوب أفريقيا، ليس بالضرورة أن يكون تنفيذا في هذا الأقليم وإن كان يقع، بل ممكن أن يكون تخطيطاً ودعماً، وأقصد بذلك الجذور التمويلية لتلك الجماعات المتطرفة التي تدفع بتنفيذها الأرهابي نحو هدف واحد وهو "الشيعة" حيثما كانوا أو من ينالهم تكفيرهم وإتهامهم وتخوينهم .

وبما أن التطرف ينمو في البيئات الهشة فكرياً، وعقائدياً، واقتصادياً، وسياسياً، فتتكالب على تمويله دول كثيرة، وبدوافع كثيرة أيضاً، مرة يكون بهدف زعزعة الأمن من دون أن يكون الهدف المحدد مهما في حد ذاته، ومرة بدوافع مقصودة لهدف مقصود، ومرة لإحداث توترات أمنية يسوغ عمليات أمنية أوسع، كالتي تدعيها أميركا حين تريد التدخل في أمن الدول، ومرة تكون دوافع سياسية تنشأ عبر الاستهداف، والإقصاء، والتهميش، لأحداث اضطرابات سياسية وانقلابات واسقاط أنظمة .

لعل الخوض في تاريخ هذا العنف الطائفيٍ يبعدنا نسبيا عن حادثة اليوم وهو التزامني الأمني لنفس التفجير الإرهابي ولنفس الوسيلة وهو (الجسد) عندما يكون أداة قتل وإبادة يقصد بها النيل من الهدف عن قرب وملاصقة، في لحظة تفجير تستهدف نفس العينة، حين يكون مصلياً، بريئاً، وغافلاً، ومطمئناً، كالذي حدث في باكستان، أو يكون في وضع الدفاع، أو الهجوم، كالذي حدث في الأنبار – العراق.

لم يتبنى الهجوم الإنتحاري الناتج عن التطرف الطائفي العنيف في باكستان اليوم من أي جهة متشددة أو متطرفة عنيفة أو إرهابية، وهو في الغالب حدث ينتج عن جماعات معروفة بعدائيتها للشيعة في باكستان مثل جماعة منظمة لشكر جهنكوي، وجند الله، وتنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش)، وسباه صحابه، هذه التنظيمات المتطرف العنيفة نفذت أغلب عملياتها وأوسعها ضد الشيعة، فهي تعدهم العدو الدود لها. كما أنها لم تستثن السنة والصوفية والمسيح من هذا الاستهداف بقدر تعاونهم مع الشيعة أو قربهم منهم أو بدوافع تكفيرية ضد الجميع . وبالفعل نفذت عمليات موسعة ضد الشيعة بين قتل على الهوية، وبين تهميش سياسي، وبين صراع اجتماعي، أو بين المحاصرة والتضييق أو بين الهجوم العلني على أبناء الطائفة الشيعية، أو استهدافهم بالتفجيرات الانتحارية، أو الانجرار الى الحرب الطائفية بين الطرفين .

نتج عن ذلك أرقام كبيرة تقدر بعشرات الالاف من القتلى من هذه الطائفة، طالما احصتها منظمات دولية، مثل: منظمة العفو الدولية، ومنظمة حقوق الإنسان الدولية، ومنظمات أوربية معنية بمتابعة الصراع الطائفي بين الإرهاب المتنامي في باكستان والضحايا الشيعة الأثنى عشرية. إذ سجلت هذه المنظمات احداث التطرف العنيف في باكستان بشكل لافت منذ أسامة بن لادن وحتى داعش من أنه جاء نتيجة تمويل خليجي ويساعد ويدفع ويحث على إبادة هذه الطائفة الشيعية الأثنى عشرية.

وقد تمثلت مثل هذه الدوافع المعلنة في العراق منذ حكم صدام حسين حين قال: (لا شيعة بعد اليوم) ابان الانتفاضة الشعبانية في عام 1991 وكررها الزرقاوي والظواهري وأبو بكر البغدادي ونهج على سبيلها تنظيم داعش الذي يتنامى نشاطه الإنتحاري هذه الإيام لا سيما بعد ما أعلن عن أختيار المالكي مرشحا للأطار التنسيقي الشيعي لرئاسة الوزراء ومحاولات اختراق أمني عبر إنتحاريين تم القبض على أحدهم وهو مرتدي حزاماً ناسفاً في 27 يناير 2026 واليوم تكرر المشهد بعد تعقب مضافات داعش في صحراء الأنبار ليفجر منهم إنتحاريان نفسيهما على قوة أمنية تلاحقهم هناك.

فالرابط بين هذه الأحداث هو وحد الهدف الإرهابي الذي يجعل التنظيمات الارهابية تتخذ وضع الإنتحار في جميع المناسبات وفي كل الأوقات، لا سيما في مناسبات تخص الشيعة، مثل: شهر محرم وشهر صفر، وفي أيام عامة تخص المسلمين، مثل شهر رمضان الذي تزاد فيه العمليات الإرهابية ضد الطائفة الشيعية وكأنهم يتخذوها طاعة وعبادة ! والتقرب بقتل الشيعة حيثما وجدوهم .

بينما القواعد الشرعية والأخلاقية في هذه الأشهر الحرم هو إيقاف القتال والتسامح والوئام بين المسلمين عبر وحدة الهدف العبادي وهو طاعة الله ووحدة المسلمين المفترضة بين طوائفه ! ولكن لإجندات السياسة والتطرف والإرهاب وداعميه قولاً آخر .

***

د. رائد عبيس

مشهد دموي وقع اليوم في باكستان وتحديدا في منطقة ترلاي في إسلام آباد في تاريخ 6/2/2026، هو في الحقيقة حدث يمتد عبر سلسلة إجرامية غير منقطعة من العنف الطائفي، والكراهية، والتحريض الطائفي، وإعلان العداء، وإبداء دوافع الإبادة بشكل واضح في خطاب هذه الجماعات المتطرفة، أو عبر الشحذ الطائفي الديني العنيف، أو التكفير، والتفسيق، وأحكام الخروج من الملة الذي يستوجب في أحكامهم حد الرفض والقتل، كما هو جار في باكستان اليوم وأمس ومنذ زمن طويل.

فالخلفيات التأريخية والعقدية لهذا التطرف تبرهن على أن الدين عندما يتحول إلى موروث شعبي يكتسب خطورة استثنائية  يصعب السيطرة عليها، ويضفي تعقيدا على الدين والسياسية على السواء، بل وعلى كل ما يرتبط بالحياة. مما يحول أتباعه إلى عصبة مغلقة متعجرفة لا تمنح للعقل دور ولا للمعرفة أهمية بقدر ذلك الموروث الذي غذي بنزعة من العدائية المفرطة اتجاه الآخر المختلف عنها بالتوجه العقدي والفكري والرأي وحتى تقاليد الحياة العبادية .

لو سألنا لماذا هذا العنف الطائفي ضد الشيعة في باكستان؟

سنضطر حينها إلى الخوض في بطون التأريخ لنبحث عن أول رأي متصلب اتجاه التشيع وأئمته في حياة المسلمين منذ الأيام الأولى لتولي الإمام علي عليه السلام لقب أمير المؤمنين وهو الأمام الأول لدى الشيعة في العالم .

وإذا سألنا نفس السؤال في التاريخ القريب فسنجد أن العداء تصاعد منذ الثمانينات من القرن الماضي، حينما تدخلت عوامل كثيرة خارجية، ومنها الاستعمار ودخول الوهابية الى باكستان وداخلية منها تنامي الحركات المتطرفة بفعل الشحذ الطائفي نتيجة للعامل الخارجي، وما رافقه من العزل السياسي لطائفة والتهميش الطائفي على حساب طائفة اخرى، لمحاولة الإستفادة من الشرخ المذهبي بين السنة والشيعة المتحقق بفعل هذه العوامل وغيرها، لتحقيق اجندات ذات دوافع متعددة، لا سيما في البلدان التي لم يكن بينهما تعايش سلمي أو تزعزع هذا التعايش نتيجة ظروف سياسية طارئة كالتي حدثت في العراق، وفي سوريا، ولبنان، واليمن، وباكستان، والهند، والسعودية، والبحرين .

تزايدت هجمات الجماعات المتطرفة ضد الشيعة في باكستان

منذ ذلك العقد، ولكن عمليات القتل بلغت مستويات غير مسبوقة في عام 2013، حيث قُتل نحو 700 شيعي. وكان أغلب القتلى هم من الهزارة الشيعة في إقليم بلوشستان والذي وصفته منظمة هيومن رايتس ووتش بأنه "أكثر الأعوام دموية للشيعة في الذاكرة الحديثة" في باكستان وأن معظم الهجمات المنفذة ضد الشيعة في باكستان كان من قبل ثلاث جماعات مسلحة: وهم جماعة سباه صحابة باكستان، وجماعة لشكر جهنكوي، وحركة طالبان باكستان. وهي جماعات سنية متطرفة، تُصنّف الشيعة على إنهم كفارًا ومرتدين، ويجب أن يُعاقبون بالإعدام. كما تُمارس هذه الجماعات دعاية معادية للشيعة، وخطاب كراهية على جميع مستويات المجتمع الباكستاني. ونتيجة لذلك، يعيش الشيعة الباكستانيون في جميع أنحاء البلاد في خوف دائم.

ومع ذلك، فقد أسفرت السجلات التفصيلية للهجمات على الشيعة، التي جمعتها شبكات منظمات المجتمع المدني الشيعية، عن أرقام إجمالية أعلى بكثير. ويعود ذلك إلى أنها تسجل حوادث فردية لم تتناولها التقارير الإعلامية العامة، وإلى أن العدد النهائي للضحايا في الهجمات الجماعية غالبًا ما يكون أكبر من العدد الوارد في التقارير الأولية. وبذلك، ويسجل المجلس الدولي للإمام الحسين عليه السلام لا تتأثر الطائفة الشيعية فقط بموجات القتل والتفجيرات الانتحارية، بل بتعرضهم أيضًا لأشكال مختلفة من خطاب الكراهية، وأكثرها شيوعًا حملات تشويه عقيدة الشيعة والتحريض عليهم في المساجد، والمدارس، والأماكن العامة، وبشكل متزايد على وسائل التواصل الاجتماعي. يُشوهون عقيدة الطائفة الشيعة بسبب معتقداتهم الدينية، ويتم استهداف أفراد منهم بالانتقاد. وتصفهم هذه الحملات علنًا بالمرتدين، أو الزنادقة، وتدعو السنة إلى قتلهم.

على سبيل المثال، تزعم جماعة لشكر جهنكوي أن:

"جميع الشيعة يستحقون القتل، سنطهر باكستان من النجاسة. باكستان تعني أرض الأطهار، وليس للشيعة الحق في العيش في هذا البلد. لدينا الفتوى وتوقيعات..." علماءٌ مُبجَّلون، يُعلنون الشيعة كفارًا. تمامًا كما يفعل مقاتلونا بعد أن شننا جهادًا ناجحًا ضد الشيعة الهزارة في أفغانستان، فإن مهمتنا في باكستان هي القضاء على هذه الطائفة النجسة وأتباعها من كل مدينة، وكل قرية، وكل ركن من أركان باكستان " .

في يناير 2013، رُفعت دعوى قضائية في محاكم ملتان ضد جماعة سباه صحابة بتهمة التحريض على العنف ضد الشيعة. وشملت الأدلة المقدمة في هذه القضية اقتباسات من خطابات قادة الجماعة في اجتماع للصلاة في المنطقة، حيث دُعي الناس إلى قتل الشيعة.

كما طالبت قضية أخرى باتخاذ إجراءات ضد ثمانية أفراد مسؤولين عن كتابة خطاب كراهية على جدران المنطقة. وأفاد ناشطون بأن الكتابة على الجدران التي تحرض على العنف ضد الشيعة أصبحت شائعة ونادرًا ما تُزال، لأن الشرطة وعامة الناس يخشون القيام بذلك. لقد نشأ جيل جديد في باكستان يقرأ هذه المواد التحريضية. ويذكر ناشط شيعي، من إسلام آباد، لم يكن هذا النوع من الكراهية موجودًا، قبل سبعينيات القرن العشرين.

اذ أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك، منصةً لخطاب الكراهية والتحريض. ولدى جماعة سباه صحابة (SSP) وداعش والقاعدة وغيرها من الجماعات الدينية المتطرفة مواقعها الإلكترونية وصفحاتها الشخصية التي تعرض حملات عنيفة ضد الشيعة.

وتتضمن هذه الصفحات دعوات علنية لقتل الشيعة وتمجيد الهجمات ضدهم. وفي إحدى الحالات، دعت جماعة "سباه صحابة" وجماعات مسلحة أخرى، بما في ذلك حركة "تي بي بي"، إلى الانخراط بشكل أكثر فعالية في أعمال العنف ضد الشيعة.

ويؤكد بعض النشطاء الشيعة على أن تشويه سمعة الشيعة يقتصر على تفسير متشدد للمدرسة الديوبندية من الإسلام السني، والتي يشكل أتباعها أقلية في باكستان فضلا عن الوهابية الدخيلة على باكستان.

مع ذلك، يتزايد التعصب الطائفي في باكستان، وقد أدلى بعض رجال الدين البريلويين بتصريحات معادية للشيعة، أصبح وضع الهزارة في كويتا الآن خطيرًا للغاية، بسبب ملامحهم المميزة، يُعدّ السفر خارج أحيائهم أمرًا بالغ الخطورة. إضافةً إلى الهجمات البارزة التي تتصدر عناوين الأخبار، تتكرر حوادث إطلاق النار وغيرها من الهجمات ضد أفراد أو مجموعات صغيرة من الشيعة في كويتا وفي إسلام آباد، كان آخرها التفجير الذي وقع اليوم في 6/2/2026 والذي تبناه تنظيم داعش والقاعدة، اذ أوقع عشرات القتلى وأكثر من مئة جريح، وخلف استياء شعبي من تكرار هذه الحوادث التي أفقدتهم شعورهم الحاد بانعدام الأمن.

***

د. رائد عبيس

....................

المصادر:

1-  موقع الجزيرة نت، عشرات القتلى "بتفجير انتحاري" استهدف حسينية في إسلام

  https://www.aljazeera.net/news/2026/2/6

2-  Farah Mihlar ,Everything has shattered’– rising levels of violence against Shi’a in Pakistan www.minorityrights.org

اسمهم: منذ الالف الثاني ق.م، ورد في النصوص المسمارية في العراق القديم (السومرية والأكدية) ألفاظًا مثل (كوردو، وكاردو، وكرتو) بوصفها أسماء سكان (جبال زاغروس) الفاصلة بين العراق وايران، كجماعات جبلية وليس قومية او لغة محددة. وطيلة التاريخ وحتى العصر الحديث، ظلت هذه الجماعات الجبلية تهبط الى (وادي النهرين: العراقي السوري) وتمتزج بالسكان وتشكل جزءا من تكوين السومريين والبابليين ثم العرب. وايضا طيلة التاريخ ظل سكان وادي النهرين ينتقلون الى هذه الجبال لاسباب مختلفة، ولنا مثال (العوائل العباسية) التي استقبلها الاكراد بعد اجتياح بغداد من قبل المغول.

ـ ديانتهم: الأكراد مسلمون عمومًا، ونحو 70 إلى 80 بالمئة منهم (سنّة شافعيّة). منذ القرن التاسع عشر انتشرت بينهم الطرق الصوفية بقوة، خصوصًا (النقشبندية) في شمال العراق و(القادرية) في شمال شرق العراق. كذلك توجد طوائف غير سنّية، مثل (الشيعة) و(الكاكائية) في جبال ايران والعراق، و(العلويون: أكراد وأتراك) في تركيا، إضافة إلى (الإيزيديين) وهم (مزيج كردي عربي: اسلامي صوفي مع معتقدات قديمة) في شمال غرب الموصل. وقبل سنوات بدأت تتكون في (كردستان العراق) لـ(طائفة مجوسية) تدعي انها تمثل ديانة الاكراد الاصلية، رغم ان جميع الاثار المعروفة في المناطق الكردية العراقية مرتبطة بحضارة العراق القديم البابلية الاشورية ثم الاسلامية، وليس هناك أي آثار مجوسية.

لغتهم: الكردية الحالية تتكون من (لغات او لهجات متميزة ثلاث: الهورامية والسورانية والكرمانجية) وتنتمي إلى (العائلة الهندوأوروبية) ولها علاقة بـ(الفارسية) ولكنها من حيث البعد أشبه ببعد(العربية) عن اللغات السامية الإثيوبية. هنالك تقديرات بأن الكلمات العربية في الكردية اكثر من الكلمات الآرية الإيرانية. اما عن تاريخ هذه اللغة فحتى الآن لم يتم العثور على أي آثار تاريخية مكتوبة تساعد على معرفة التاريخ اللغوي والثقافي للسكان الاوائل في جبال زاغروس. لكن في كل الاحوال، الكردية الحالية مثل غالبية لغات العالم، قد تم فرضها في القرون الآخيرة على سكان الجبال من قبل (قبائل آرية) مهاجرة من ناحية ايران.

الكتابة: طيلة قرون ظلت الكردية مثل غالبية لغات الارض (لغة شفاهية) لم تترك لنا تراثًا مكتوبًا قبل بضعة قرون. بدأ انتقالها البطيئ المتقطع الى (التدوين الكتابي) حوالي عام 1500 م، ثم في القرن التاسع عشر دخلت مرحلة (اللغة القومية) بالمعنى الحديث.

ـ أقدم نص كردي تراثي معروف هو (شعر منسوب شفهيًا لعلي حريري) في تركيا الحالية، حوالي القرن الخامس الهجري دون أي مخطوط محفوظ.

ـ أقدم (تدوين كردي) فعلي كان بـ(الكردية الهورامية) حوالي 1500م في نصوص دينية مكتوبة بالحرف العربي في جبال زاغروس الإيرانية العراقية.

ـ عام 1597 م ظهر كتاب (شرفنامه( بالفارسية، لـ(الأمير والمؤرخ الكردي شرف الدين البدليسي) وهو من ايران الصفوية ثم انتقل الى السلطان العثماني. وهو اول كتاب مفصل عن اصول قبائل وامارات الاكراد، وفيه ذكر بأن اغلبية هؤلاء الامراء من (اصول عباسية عربية عراقية).

ـ حوالي 1600 ظهر (أول أدب كردي) مكتوب موثّق بـ(الكردية الكرمانجية) وهو شعر (ملا جزيري (تركيا الحالية) ومخطوطاته محفوظةٌ.

ـ حوالي 1800 بدأت(الكردية السورانية) تظهر كلغة كتابة بالحرف العربي في العراق مع شعر (ملا مولوي التاوگوزيّ) وانتقال المركز الثقافي إلى مدن شهرزور والسليمانية العراقية.

ـ بين 1820 و1860 ظهرت أول (نصوص كردية مطبوعة) بالحرف العربي عبر بعثات أوروبية مسيحية بـ(الكرمانجية) لأغراض تبشيرية، لكنها لم تؤثر وتستمر لتمسك الاكراد بالاسلام.

ـ 1898 صدرت (صحيفة كردستان) بالحرف العربي في القاهرة كأول صحيفة كردية بـ(الكرمانجية) بجانب (التركية)، وقد اصدرها لاجئون من أكراد تركيا، وهي بداية التعبير السياسي الحديث بالكردية.

ـ بعد 1928 فرضت تركيا الأبجدية اللاتينية ومنعت الحرف العربي، فظهرت (أبجدية كردية لاتينية تركية) خاصة باكراد تركيا، سنة 1932 عبر (مجلة هاوار) الموجّهة لأكراد تركيا، وصدرت في دمشق من قبل لاجئين من أكراد تركيا.

ـ في العراق وإيران استمرت (الكردية السورانية) بالحرف العربي المعدل، بينما استقرت الكرمانجية في تركيا وسوريا على الحرف اللاتيني التركي.

ـ العراق كان البلد الاول الذي سمح وشجع رسميا وشعبيا النشاط الثقافي لـ(أكراده): عام 1914 صدرت في بغداد مجلة "بانكي كردي" ثم تلتها صحف عديدة وحتى الآن. في عام 1931 اقر تعليم الكردية في مناطق الاكراد، وفي عام 1939 خصص اذاعة ناطقة بالكردية. وهكذا استمر توسّع الحقوق الثقافية الكردية بعد اتفاقية آذار 1970.

علما بأن (دولة فرنسا)، تعاملت مع لغاتها القومية (البروتون والباسك والكورس والأوكسيتان والالزاس)، كالتالي:

1881–1882 قوانين جول فيري: تعليم إلزامي بالفرنسية فقط.

1951 قانون ديكسون: سماح محدود بتدريس لغات إقليمية.

1981 عهد فرانسوا ميتران: توسع ثقافي بلا ترسيم.

1992 الدستور: «لغة الجمهورية هي الفرنسية».

النتيجة: اعتراف ثقافي جزئي، دون حقوق لغوية كاملة.

***

سليم مطر ـ جنيف

...........................

مصادر اساسية عن الثقافة الكردية:

ـ لتسهيل ايجاد المصادر اكتب في المبحث العناوين التي ترغبها. مثلا عن ثقافة اكراد العراق، اكتب:

ـ الكلمات العربية في الكردية

ـ تاريخ الاذاعة الكردية في العراق

ـ تاريخ تعليم الكردية في العراق

ـ تاريخ الصحف الكردية في العراق

ـ مصادر اساسية بالعربية:

ـ شرف خان البدليسي، شرفنامه، قسم ذكر أمراء كردستان وأنسابهم، فصول بهدينان والعمادية وبوتان وحكاري وسوران..

ـ عبد الكريم المدرس: المعجم الكردي

ـ محمد أمين زكي، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان، فصل مشايخ برزان.

ـ عباس العزاوي، عشائر العراق، الأجزاء الخاصة بعشائر شمال العراق.

مصادر اجنبية:

- MacKenzie, D. N : “Kurdish Dialect Studies

- Ferdinand Hennerbichler: “The Origin of the Kurds.” Advances in Anthropology, Vol. 2, No. 2, 2012, pp. 64–79. Published by Scientific Research Publishing.

.Gernot Windfuhr: Kurds, Kurdish Language.” Encyclopaedia Iranica, online edition, New York, Columbia University, dernière mise à jour continue.

في ملف "جيفري إبستين" الذي لم يبق أحدٌ ممن له علاقة بالسياسة وممن لا علاقة له بها من الحديث عنه، لا أريد إعادة ما قيل، لكن ما لفتني حقًّا وجود شخصية عظيمة كان لها الدور الفاعل في فتح ملفّات هذه القضية الحسّاسة المحميّة من جهات سياسية عليا في الولايات المتّحدة الأمريكية، وفي محاولة واضحة لانزعاج الرئيس الأمريكي "ترامب" من خطورة هذه الملفات على مستقبله السياسي وأنه أحد أبرز المتّهمين مع "ابستين" والمتستّرين على جرائمه، بل لا يبعد أنْ يكون مشتركًا معه في هذه الجرائم الفضيعة التي يندى لها جبين الإنسانية، جدد دعوته إلى تجاوز الجدل المثار حول قضية إبستين، مؤكدًا أن "الوثائق التي تم الكشف عنها مؤخرًا لا تتضمن ما يدينه، تثبت تعرضه لاستهداف سياسي. وخلال حديثه للصحفيين في البيت الأبيض، أوضح ترامب أنه لم يظهر في الوثائق أي دليل ضده، معتبرًا أن ما أُثير سابقًا كان جزءًا من مؤامرة حيكت ضده من قبل أطراف عدة، من بينهم إبستين. وأضاف أن الوقت حان لترك هذه القضية والتركيز على ملفات تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، مثل الرعاية الصحية وقضايا المعيشة اليومية". وهذه الشخصية العظيمة تجلّت لنا بالصحفية الاستقصائية جولي ك. براون وهي مراسلة صحيفة ميامي هيرالد، إذ لم يكن سقوط جيفري إبستين، المحاط بالمال والنفوذ والعلاقات السياسية الرفيعة، نتيجة تحرك قضائي مفاجئ أو صحوة ضمير متأخرة لدى المؤسسات، فكان لثمرة جهود عامٍ كامل من العمل الصحفي الاستقصائي المضني قادته هذه الصحفية "البطلة" أن تكشف للعالم أجمع ملفّات هذه الجرائم البشعة، فقد تحولت إلى رمز عالمي للصحافة الاستقصائية، بفتحها إحدى أكثر القضايا التي حاولت النخبة المالية والسياسية في الولايات المتحدة دفنها، وكشفت كيف انحرفت العدالة عن مسارها لصالح رجل محمي بشبكة نفوذ غير مسبوقة، رغم التهديدات غير المباشرة، ومحاولات الترهيب، تقول براون إنها لم تشعر يومًا بأنها مستهدفة مباشرة، ربما لأن محيط إبستين استهان بها، واعتبرها "مجرد صحفية من صحيفة محلية تكتب عن قصة قديمة"؛ لكن هذا "الاستخفاف" كان أحد أسباب نجاحها.

ورغم كل ما حققته، تصر براون على أن الأبطال الحقيقيين هم الضحايا؛ حيث تقول: "الفضل يعود للنساء اللواتي تجرأن على الكلام بعد سنوات من الخوف والصمت".

وحمل تحقيق براون اسم "انحراف العدالة"، ونشر بالكامل في موقع ميامي هيرالد. ولقاء عملها التحقيقي، فازت الصحفية الأمريكية عام 2018، على جائزة جورج بولك، عن فئة التقارير المتعلقة بالعدالة عام 2018، حول فضيحة إبستين ودور الدعي الفيدرالي ألكسندر أكوستا، في محاولة إخفاء جرائمه.

كما حصلت على جائزة نيل وسوزان شيهان لعام 2019، من معهد الصحافة الوطني الأمريكي، تقديرا لتحقيقها الاستقصائي في ملفات إبستين.

وحازت براون على جائزة هليمان للصحافة، من مؤسسة سيدني هيلمان، تقديرا لتحقيقها المكون من 5 أجزاء بعنوان "انحراف العدالة"، والذي نبش جرائم إبستين وأظهرها للعلن.

أصبحت جولي ك. براون أيقونة للصحافة الاستقصائية، وحصلت على جوائز مرموقة، أبرزها جائزة جورج بولك، وأصدرت كتابها "عدالة منحرفة: قصة جيفري إبستين" - "Perversion of Justice: The Jeffrey Epstein Story".

وهنا أقول: إنَّ من دواعي الإنصاف أن ننظر إلى الغرب بأنه غربان، غربٌ مُجرم يؤيّد الظلم ويرتكب المجازر البشعة بحق شعوب الأرض المستضعفة ويُملي أرادته عليها، ويستنزف خيراتها، ويحاول أنْ يجعلها خاضعةً خانعةً لإرادته محتاجةً إليه في كلِّ شيء؛ ليبقى سيِّدًا عليها، ولا يكتفي بذلك بل في مجتمعه يُمارس أقذر الجرائم تحت غطاء قانوني، وما جريمة "جيفري ابستين" إلا واحدة من هذه الجرائم الكثيرة على مرِّ تاريخه، وهنالك غربٌ آخر يقف بالضدِّ من تلك الممارسات الظالمة والاعتداءات الإجرامية بحق مجتمعه أولاً وبحقِّ الشعوب الأخرى، وليس بعيدًا عنّا ما حصل من مظاهرات عارمة في مختلف دول أوربا وفي أمريكا، واحتجاجات شعبية واسعة تدين اعتداء الكيان الغاصب على غزة، وتطالب بمحاكمة مرتكبي تلك الجرائم، فيما لم نشهد مثيلاً لتلك المظاهرات الشعبية العارمة في دولنا العربية الإسلامية، كلُّ هذا ينبغي أنْ لا نغضّ عنه الطرف، ونعمِّم بالحكم: إن الغرب كلّه مدان بالظلم والإجرام وارتكاب المحرّمات والموبقات، فهنالك شعوبٌ مظلومة تئنُّ من وقع سياط حكومات مستبدّة، وتدفع بشعوبها إلى مزيد من الاحتقان، وهذه الصحفية لو لم يكن لديها ضميرٌ حيّ، ورسالة إنسانية سامية في عملها الصحفي، لما دفعها إلى تخطّي الممنوع في كشف ملابسات قضية مسوّرة بحماية أعتى حكومة على وجه الأرض، فكان لها الفضل في تعرية الإجرام بحق الإنسانية في وقت تحاول أمريكا أنْ تظهر بوجهٍ ناعم بزعمها أنّها تدافع عن حقوق الإنسان وتحارب بالنيابة عن دول العالم لكلِّ من يقف بوجهها..!

وأخيرًا أرى لو كان لدينا في العراق، مثل هذه الصحفيّة، وكشفت ملفّات فساد مالي وإداري وغيره لدى سياسيين، أيًّا كان انتماؤهم، لكان أوّل من وقف بوجهها أبناء جلدتها، ورموها بتُهم جاهزة مثل: "الدونية"، "بنت سفارة"، "سيداو"، أو إشاعة أنها كانت "رفيقة بعثية" في سابق عهدها، أو أنّها غير شريفة.. إلخ وليس بعيدًا مثل هذه الاتّهامات التي نسمعها كل يوم لكلِّ من يختلف مع هذه الجهة أو تلك، في حين نرى الكثير من المحسوبين على الصحافة يأخذ موقف الحياد – غير المُبرر- الذي يُمارسه لأجل أنْ يحافظ على مكانته في هذه المؤسسة أو ذلك الحزب الذي ينتمي إليه آملاً بالحصول على مكاسب كثيرة، ما جعلهم أبعد ما يكونوا عن أداء مهمّتهم الصحفية التي تتمثّل بكشف الحقيقة لا غير والوقوف مع الحق أيًّا كان انتماؤه وتوجّهه، الأمر الذي أدّى إلى استفحال الظلم وتفشّيه، من دون رادعٍ يحمي الصحفيّ الذي يحمل مبادئه بيد وخشبته على رقبته ينتظر من يصلبه عليها..!

***

وسام حسين العبيدي

تثير محاولات "التوأمة الجديدة" بين بعض الجامعات العراقية الاهلية والجامعات البريطانية اسئلة جوهرية حول فلسفة ادارة التعليم العالي اليوم. نحن امام مشهد يكرس سياسة القطيعة مع الماضي، حيث تجمد المشاريع الناجحة عمدا ليعاد طرحها لاحقا كانجازات مستحدثة، في تجاهل تام لارث جامعتي بغداد وبابل الحكومية اللتين وضعتا اللبنات الاولى لهذه البرامج دون تحميل الطلبة اعباء مالية اضافية. هكذا ينتقل المشهد إلى الجامعات الأهلية، لكن هذه المرة وقد فقد جوهره المعرفي، ليتحول من مشروع رائد الى شراكة تجارية تفاقم أزمة التعليم العالي.

لقد عرف العراق في الماضي تجارب رصينة في مجال التوامة العلمية مع جامعات عالمية، كان ابرزها برنامج التعاون بين جامعة بغداد وجامعة سوينبرن للتكنولوجيا في استراليا، الذي مثل نموذجا متقدما للتبادل الاكاديمي، حيث اتاح للطلبة فرصة اكمال جزء من دراستهم في جامعة سوينبرن مع الاستمرار في ارتباطهم بجامعة بغداد، وهو ما منحهم شهادات ذات بعد عالمي دون ان يفقدوا صلتهم بالجامعة الوطنية. كما شهدت جامعة بابل برامج توأمة مع جامعات بريطانية مثل ليفربول ونورثمبتون وجون موريس، اتاحت للطلبة ايضا اكمال جزء من دراستهم في تلك الجامعات البريطانية مع الحفاظ على انتمائهم لجامعة بابل، الامر الذي عزز جودة المناهج واكسبهم خبرات دولية حقيقية دون تحميلهم اي اعباء مالية.

والى جانب ذلك، شاركت جامعة بغداد في مشاريع اوروبية مثل مشروع  WALADU لتطوير برامج البكالوريوس في علم الاثار، ومشروع  EDUU لتعزيز التعليم والتراث الثقافي، فضلا عن تعاونها مع جامعة ريغنسبورغ الالمانية في التعليم الرقمي للعلوم التاريخية، ومع جامعة ارتوا الفرنسية في تبادل الطلبة والاساتذة وتنظيم المؤتمرات المشتركة.

هذه التجارب، على اختلاف اشكالها، كانت تؤكد ان التوأمة المنتجة معرفيا تقوم على بناء القدرات وتراكم الخبرة وتطوير المناهج، وانها حين تبنى على اسس مؤسسية راسخة تفتح امام الطالب افاقا جديدة وتمنح الجامعة مكانة علمية حقيقية، بخلاف ما نشهده اليوم من توأمات شكلية تختزل التعاون الدولي في بعد تسويقي او دعائي، وتتركز في الجامعات الأهلية حيث تكتنفها حمولات مالية، فتتحول من أداة للنهوض العلمي إلى عبء يكرّس التراجع وفقدان الثقة.

ان التوأمة العلمية الرصينة لا تختزل في تبادل الشعارات او شراء العلامات التجارية، بل تقوم على التبادل البحثي والمعرفي الحقيقي، وعلى بناء القدرات المؤسسية التي تضمن تطوير المناهج وتدريب الكوادر، وعلى الاستدامة التي تجعل هذه البرامج جزءا من هوية الجامعة الوطنية، وعلى وضع الطالب في قلب العملية التعليمية عبر توفير فرص دراسية وبحثية ومنح وتسهيلات تفتح امامه افاقا جديدة.

اما التوامة الشكلية او التسويقية فهي التي تكتفي بالاستعراض وتغفل المضمون، حيث تحول الاتفاقيات الى صفقات ورقية تحمل تكاليفها على الطلبة، وتقدم كوسيلة لجذبهم عبر الدعاية والوجاهة الاجتماعية، فيما تغيب عنها اي تراكم مؤسسي او انتاج معرفي حقيقي. انها توأمة تستخدم كاداة لانقاذ ارباح الجامعات الاهلية المتراجعة، لا كجسر لنقل المعرفة او تطوير البحث العلمي.

ان خطورة هذا الاختزال تكمن في تحويل المؤسسة التعليمية من محراب للعلم الى ماكينة للربحية والاستقواء بالمال، وفي افراغ مفهوم التعاون الدولي من محتواه الحقيقي، بحيث يصبح مجرد وسيلة للتباهي لا اكثر. وهنا يبرز التحدي الاكبر: كيف يمكن اعادة الاعتبار الى التوأمة العلمية بوصفها مشروعا وطنيا ينهض بالجامعة والطالب معا، لا مجرد صفقة تجارية تسوق على حساب المعرفة؟

ما نحتاجه اليوم هو استعادة روح المبادرة الوطنية التي تدعم الطالب وتبني المؤسسة، لا تلك التي تستخدمه كاداة لتمويل صفقات التوأمة التجارية. فالتوأمة الرصينة يجب ان تكون جسرا لنقل المعرفة وتطوير البحث، وان تعيد الاعتبار الى التراكم المؤسسي الذي يشكل اساسا لاي نهضة تعليمية حقيقية.

***

ا. د. محمد الربيعي

يبدو، ومنذ اليوم الأول لظهور الحياة على هذا الكوكب، درج نظام الوجود على إرسال مسيح ما (مخلص أو قائد) على رأس كل حقبة زمنية من عمر هذه الحياة. لكن ورغم استخدامي لكلمة أو توصيف مسيح (وهي بمعنى مُخلص)، فإن هذا لا يعني، أن هدية نظام الوجود هذه تكون صالحة بالضرورة في كل مرة أو كل حقبة.

وإذا ما استعرضنا تاريخ الحياة في هذا الجانب، ومنذ ظهور أول الميثولوجيين أو مخترعيّ أساطير تفسير الوجود، نجد أن الكثير من هؤلاء (المُخلصين) لم يكونوا سوى زعماء سياسيين (أباطرة، ملوك، صانعي أمجاد بطولية بهدف السيطرة على المُلك) وقادة عسكريين يتمتعون بطموح أسطوري وخارق لحدود المألوف يؤهلهم ويمكنهم من السيطرة وحكم الآخرين، ومنذ عهد الاسكندر الأكبر، الذي كان يصرخ باكياً، عندما لا يجد بلاداً يغزوها ويبسط سيطرته عليها.

ولكن، ولأن الأمر (عجلة التأريخ في هذا الجانب) تناوب على دورته الكثير من مدبجي الأساطير الميثولوجية والأنبياء والفلاسفة والمفكرين، إلى جانب القادة الفاتحين والزعماء السياسيين، جوزت لنفسي استخدام توصيف (مُخلصين) لهذا الصنف من البشر، لأن أغلب القادة والملوك والأباطرة، كان لحروبهم وغزوات احتلالهم للدول الأخرى، منجزات تحسب لهم، رغم وحشية تلك الحروب وتنكيلات تلك الغزوات، وهي – تلك المنجزات – ما يمكن أن نطلق عليه الانعطافات والانقلابات التاريخية الكبيرة التي غيرت وجه الحياة البشرية ككل، مثل حرب الكنيسة على غاليلو وكوبر نيكوس ونيوتن وغيرهم. تلك الحرب التي قادت خلفاء أولئك العلماء إلى عصر الاختراعات والاكتشافات العلمية، التي كانت أساس الحضارة البشرية القائمة. وكذلك، وهذا على سبيل المثال فقط، كغزو نابليون بونابرت لمصر، ذلك الغزو الذي مثل نقلة كبيرة في حياة المجتمع المصري، بما حمله من تكنولوجيا حديثة، كدخول المطبعة، وكذلك بما مثله اكتشاف حجر رشيد من تعريف بالحضارة والتاريخ المصريين القديمين.

ورغم أن لا أحد يستطيع أن يقطع، في أن يمثل هذا أحد قوانين الوجود، إلا أنه بالقطع يمثل أحد اشتراطات سريان العملية التاريخية وقوانين حركيتها، كإطار عام لعملية الحياة الإنسانية ككل، في دورتها الفيزيقية.. ولادة، نضوج وفعل، وموت كنهاية للوجود والفاعلية الفردية، على أقل تقدير.

ورغم أن أشكال ومواصفات وأدوار (المُخلصين) قد تتغير وتغيرت بالفعل، على مر وطبيعة المراحل التاريخية، إلا أنها لطالما توافقت على وحدة هدف فعلها وهو إحداث نقلة جديدة (خضة فاعلة) في (روح العالم) وتجديد مسار فعله الحضاري والتاريخي. وبحسب طبيعة المرحلة التاريخية وتوجه حاجاتها (الفواعل الأكثر إلحاحاً وتمظهراً)، يتغير شكل ومظهر المُخلص. فمرة يأخذ شكل القائد العسكري ومرة يأخذ شكل المصلح الاجتماعي، وأخرى يأخذ دور النبي، ورابعة يأخذ دور الفيلسوف، وخامسة دور المُنظر الاقتصادي، وهكذا بحسب حاجة وتوجه الفعل التاريخي الذي يتولى عملية تغيير وإعادة تشكيل أوجه الحياة على الأرض وأشكال فعلها الحضاري، وهو ما نسميه الدول القوية أو امبراطوريات صناعة الحضارة، كالامبراطورية الأشورية والسومرية والرومانية والامبراطورية البريطانية والفرنسية و.. إلخ.

ومعروف لنا الآن أن أكبر وأقوى الامبراطوريات، قديمها وحديثها، هي تلك الامبراطوريات التي توفرت على سلسلة من المُخلصين وفي فروع متعددة من الفعل الحضاري والتاريخي والمعرفي، وخاصة في حقول العلم والتكنولوجيا، في حال الامبراطوريات الحديثة، أي امبراطوريات الثورة الصناعية وما تلاها.

وبظهور أدولف هتلر وتقديمه لنفسه كمُخلص لألمانيا وشعبها، في عصرهما الحديث، تغيرت عملية الفهم لمفهوم المُخلص، إذ تحولت على يده ويد موسليني، ومن شاكلهما في نزعة القوة، إلى ايديولوجية مقدسة، تقوم على تقديس فعل القوة والبطش، كفاعل رئيس للحفاظ على الهوية العرقية وقدسيتها وسيادتها على الهويات والأعراق الأخرى.

ورغم أن (المُخلص) هتلر كان قد لاقى أقسى هزيمة، على يد الحلفاء، في الحرب العالمية الثانية، إلا أنه كان أرسى، بحربه الشعواء للسيطرة على دول أوربا، مبدأ تقديس القوة، لمن انتصروا عليه، من بقايا الامبراطوريات الأوربية القديمة، انجلترا وفرنسا، وروسيا الاتحادية، إضافة إلى امبراطورية الولايات المتحدة (حديثة النشأة حينها) باعتبارهما القوتين الكبيرتين اللتين دحرتا حلم هتلر وانتصرتا عليه وحررتا دول أوربا من هيمنته، قبل أن يتمكن (المُخلص) الأمريكي من تصفية (المُخلص) الروسي، مع نهاية عقد ثمانينيات القرن الماضي وإزاحته من طريقه، ليتحول إلى مُخلص عالمي وحيد، استناداً إلى قوتيه العسكرية والاقتصادية الكبيرتين.

ورغم أن (المُخلص) الأمريكي، ومنذ روزفلت، كان قد نجح في فرض هيمنته على العالم بكامله، بايديولوجية القوة المقدسة (كان من بين أهم المروجين الممجدين لها كعقيدة مقدسة هو الروائي الأمريكي، ارنست همنغواي، وعبر سلسلة من أعماله الروائية التي حولتها مؤسسة الدعاية الأمريكية "هوليود" إلى أفلام سينمائية) إلا أن تلك الأطروحة، سرعان ما أنتجت أطروحتها المضادة (بحسب نظرية الفيلسوف هيجل القائلة بأن كل أطروحة تنتج أطروحة مضادة)، تلك الأطروحة التي نبذت ايديولوجية (قوة الامبراطورية الأمريكية الحديثة) وخاصة من قبل الدول الضعيفة والفقيرة التي تحولت إلى حقل تجارب لصنوف قوة البطش الأمريكية، سواء كانت عسكرية حربية أو اقتصادية استحواذية أو هيمنة ثقافية.

ورغم أن عقود الحرب الباردة (الحرب غير المعلنة بين مُخلصيّ عقود حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، الاتحاد السوفيتي السابق والولايات المتحدة الأمريكية) لم تخلوا من ظهور وجوه مُخلصين (فاقعين)، يتصدرون الساحة السياسية العالمية، إلا أن النصيب الأبرز كان لوجوه بعينها بالذات، كوجه لينين وستالين وخروشوف وغورباتشوف، في الاتحاد السوفيتي السابق. ووجوه روزفلت وايزنهاور ونيكسون.. ونهاية بالرئيس جورج دبليو بوش، الذي طرح نفسه كمُخلص، عبر حربيّ احتلال أفغانستان والعراق، في بداية الألفية الثالثة التي نعيشها حالياُ.

وعليه، وكما نرى عبر هذا الاستعراض المقتضب، لم تمر حقبة تاريخية دون أن يطرح شخص ما، يتوفر على وعي وإدراك خاصين ومؤهلات استثنائية، كمُخلص أو نبي أو قائد كبير، بيده مفاتيح وإمكانيات إنقاذ البشرية مما تتخبط فيه من مشاكل  سواء كانت روحية أو تنظيمية أو اقتصادية أو سياسية أو ايديولوجية أو.. حتى ثقافية.

وجدير بالذكر، ورغم أن الولايات المتحدة الأمريكية (برؤسائها المتعاقبين) لم تتوقف لحظة واحدة عن طرح نفسها على إنها المُخلص الوحيد لكوكب الأرض، منذ انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، إلا أن ساحة الكوكب – السياسية على وجه الخصوص – لم تخلوا ممن يطرح نفسه كمُخلص عالمي، كالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الصيني (شي جين بينغ)، الذين، ولسوء طالعهما، تصادفت دعواتهما وتزامن طفوها على سطح (الحسابات السياسية – الاستراتيجية) مع وجود الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) في البيت الأبيض (مقر حكم دولة الولايات المتحدة و"معبد" ترسيم مُخلصيها الكونيين) والذي لم يتوقف لحظة واحدة، منذ لحظة ترسيمه لنفسه كمُخلص لهذه الحقبة، عن الصراخ وبكل ضجيج إمكانيات بلاده الاقتصادية والعسكرية والتكنلوجية، عن كونه المُخلص الأوحد لهذه الحقبة، فهل هو كذلك، ووفق أية معايير؟

واقع الحال، وقياساً على أغلب نماذج المُخلصين أمثاله، قادة سياسيين يستندون لقواعد عسكرية وجيوش مدججة بأسلحة فتاكة، فالرئيس ترامب يستند لأكبر ترسانة عسكرية في العالم ولأكبر جيش مدرب ويمتلك وسائل حماية لأفراده، قبل أن يملك وسائل تدمير الجيوش الأخرى عن بعد، لامتلاكه لأحدث تكنلوجيا صناعة الأسلحة في العالم كله. وهذا ما يدفعه، وبكل الغرور الذي يستبيح أمثاله، ليس لاقتراح أنظمة سياسية وسياسات اقتصادية على العالم أجمع فقط، بل وبممارسة أعمال الغزو والتحرش العدواني بأغلب دول العالم. فمن التهديد بالاستحواذ على قناة بنما إلى التهديد بالسيطرة على جزيرة جرينلاند ودولة كندا.. وحتى اقتحام قواته لغرفة نوم الرئيس الفنزويلي مادورو واختطافه مخفوراً مع زوجته، وكل هذا طبعاً من أجل الأمن القومي الأمريكي، المرهون بسلامته أمن كوكب الأرض بكامله، نظراً لأطماع منافسيه العملاقين، المُخلص الروسي (فيلاديمير بوتين) المتوفر على ترسانة نووية منافسة لترسانة ترامب، والمخُلص الصيني (شي جين بينغ) الذي يتربع على أكبر امبراطورية صناعية – اقتصادية  وتكنلوجية – عسكرية، على وشك الانفجار (تعمل بصمت ودأب وحقد النملة!) لتبتلع العالم، ومن رأسه الأمريكي طبعاً.

هل من مسيح تحت بدلة ترامب الزرقاء؟

وإذا كانت حوادث ما أو كان البعض قد وقع تحت تأثير هلاوس أو تخيلات ما، أقنعتهم بأن فلان أو علان من بعض البشر، قد توفر على مؤثرات أو كاريزما أو أية أمتيازات شخصية براقة أخرى، تمكنهم من أن يكونوا مُخلصين أو قادة استثنائيين قادرين على صناعة معجزات ما أو تغيير مسيرة العالم من اتجاه إلى اتجاه مضاد، فهذا لطالما حدث للبعض فعلاً وطوال التاريخ البشري. ففي تاريخ إيطاليا، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، يورد لنا كاتب السيرة الذاتية لإمبراطور روما المقدس، فريدريك الثاني، الذي حكم الامراطورية الرومانية لما يقرب من خمسين عاماُ (مات عام 1250 ميلادية) الكثير من الأعمال والمنجزات الخارقة، بداية من بنائه بزوجته الأولى (في ليلة عرسهما، وبشهادة البابا وبعض كرادلته حينها) لثلاثة عشر مرة، رغم أنه كان ما يزال في الثالثة عشر من عمره فقط وزوجته، وهي ملكة ألمانيا حينها، كانت في الخامسة والثلاثين! بل ويورد كاتب سيرته، وهو مؤرخ وروائي أمريكي يدعى (جاي ديس) أن ذلك الامبراطور كان أول ملوك روما الذي نازع أربعة أو خمسة من البابوات الذين عاصروه، على تدخلهم في سلطاته الزمنية، وحتى قبل أن يبلغ العشرين من عمره، رغم أن عهده كان عهد هيمنة الكنيسة الكاثوليكية على أغلب دول أوربا وليس شؤون ملوكها وشؤون رعاياهم وحسب. بل إن ذلك الكاتب، يذكر الكثير من المعجزات التي تحققت لذلك الامبراطور، ويدعم ذلك بسجلات ديوانه الملكي وبعض كتب مؤرخي عصره، بل وحتى حوليات الكنيسة ومراسلات البابوات السرية ذاتها.

وأيضاً، وفي إيطاليا ذاتها، ذكرت إحدى الإيطاليات أنها أحست أنها قد حبلت، يوم مرور موكب موسليني بها، لعظم هيبته وشدة سطوة حضوره، وكأنه كان يقبض على العالم كله بيده وحوافر حصانه إنما تطأ النجوم.

والغريب أن يكون رد فعل فيلسوف كبير مثل هيجل، بذات هذا الوطء، وكما يذكر هو ذاته، يوم رأى موكب الامبراطور الفرنسي نابليون، يدخل ألمانيا غازياً. فقد ذكر هيجل، في رسالة لأحد أصدقائه (لقد رأيت روح العالم تمتطي حصاناً). والمشكلة التي تدعونا للتوقف وإعادة التفكير هنا، هي أن هذا الكلام لا يصدر عن إنسان عادي، أبهرته رؤية شيء غير عادي، بل يصدر عن فيلسوف كبير يعرف ما يقول وبوعي كامل ودقيق، ورغم الخراب والعبث الذي حدث بعد ذلك في بلد الفيلسوف، لأن نابليون كان قد دخل ألمانيا غازياً مدمراً وليس مصلحاً معمراً.

إذن فيلسوفنا، ومن سبقوه من أمثلة هذه العجالة، كانوا بالفعل تحت سطوة الشخصيات الاستثنائية، ذات التأثير العميق الذي لا يملكه غير من يولدون ليكونوا مطارق بيد القدر، كما قال (جاي ديس) بحق فريدريك الثاني، امبراطور روما المقدس، الذي سبق ذكره. والذي تزيد إحدى حوليات الكنيسة، نقلاً عن الراهب الذي كان يراقبه، عندما كان صبياً مشرداُ في الشوارع، وتقدم أحد الرجال المشردين للعبث معه واستغلاله، فتوقف عندها بشموخ ملكي أصيل ليصرخ بصوت ثابت وثقة عميقة (توقف لأنك تكلم ملكاُ حقيقياً وبالحق الإلهي)، رغم أنه لم يكن حينها قد أتم العاشرة حتى. وهذا يعني أن أمثال هذا الملك إنما يولدون بالفعل ليكونوا مًخلصين أو قادة منقذين،يقبضون على روح التاريخ، بل ويملكون كلمته التي تمكنهم من صناعته ورسم وقائع أسراره.

والآن نصل إلى سؤالنا المُحير (هل تحت بدلة ترامب الزرقاء مسيحاً مُخلصاً لهذه الحقبة، وبالمقصد المجازي للعبارة طبعاً)؟

الجواب بالتأكيد نعم، ولكن ليس لأن ترامب يرغب بهذا (كرغبته في مكافئة نفسه بجائزة نوبل للسلام، لأنه يرى أنه صانع سلام وتمكن من إنهاء ثمانية حروب خلال السنة الأولى من ولاية حكمه الثانية!) بل لأنه بالفعل أحد مطارق القدر (المختارة بعناية!) ولأنه (كرئيس لأكبر دولة صناعية وتكنلوجية في العالم وتتربع قوات بلاده على أكبر ترسانة أسلحة متطورة وفتاكة) قادر على غزو الكثير من بلاد العالم وتغيير حكامها، بل وفرض ما يشاء عليها من قرارات وسياسات، بل وحتى أتاوات! هل يكفي مثال خطف الرئيس الفنزويلي وزوجته من غرفة نومهما، قبل أسبوعين فقط من لحظة كتابة هذه السطور، على كونه (مسيحاً ومخلصاً)؟ يكفي ويزيد، رغم بؤس قيمته في الميزان الأخلاقي.. ولكن متى كان مُخلصو لعبة الحياة على الأرض، يقاس حجم منجزهم وفق ميزان الأخلاق؟

لا تاريخ لهذا في كامل أجندة أيام الأرض، منذ يوم الحياة الأول إلى لحظة دخول عناصر قوات الدلتا لغرفة نوم الرئيس الفنزويلي (نيكولاس مادورو).. وحتى توقيع ترامب لميثاق مجلس سلام غزة!

هل هكذا يعمل نظام إزاحة الامبراطوريات؟ نعم ولا!

فالامبراطورية القيصرية في روسيا مثلاً، سقطت بالثورة البلشفية وهي ثورة شعبية بقيادة حزب سياسي. أما امبراطورية الاتحاد السوفيتي التي أنشأتها الثورة البلشفية فقد سقطت من الداخل، أي بطريقة تآكل هيكل أفكارها، الذي أدى بدوره لتآكل هيكلها السياسي. أما أعتى امبراطوريتين رافقتا قيام الثورة الصناعية، البريطانية والفرنسية، فقد ذهبتا ضحية انهاك حروبها واستنزاف ثروتهما البشرية قبل الاقتصادية، وعلى نفس الطريق لحقت بهما الامبراطورية العثمانية.

وكما يبدو لي، ورغم قصر عمر الامبراطورية الصينية الحديثة، فإن الصين حذرة جداً في طرح نفسها كقوة امبراطورية مهيمنة، رغم توفرها على أكبر ثروة بشرية واقتصادية حالياً.. هل يأتي هذا الحذر كنتيجة إدراك وفهم عميق لنهاية القوة الامبراطورية، أم هو بسبب عدم ولادة المُخلص الصيني لحد الآن؟ وماذا عن الوحش الصامت (شي جين بينغ) يا ترى؟ ألا يرى في نفسه يسوعاُ مُخلصاُ؟

ما أعرفه هو أن المُخلص يولد ليتكلم.. ليقول.. ليصرخ.. المُخلص يولد ليفصح عن نفسه بالكلام.. ثم يأتي الفعل.. وقلبوا صفحات تاريخ المخلصين، منذ سقراط إلى افلاطون... الاسكندر.. إلى نابليون... إلى آدم سميث.. إلى كارل ماركس.. إلى أتاتورك.. وإلى دونالد ترامب.. إنهم يتكلمون ويتكلمون وكأنهم محصنون ضد مقولة المثل الانجليزي (كلما كثر كلامك كثرت أخطاؤك).. لا يخطؤون!

***

سامي البدري

فصل منسي من التاريخ اليهودي

خلال عهد الملكة زنوبيا في القرن الثالث الميلادي، كان المجتمع اليهودي في سوريا يعتبر أحد أهم المجتمعات في المنطقة، كما يتضح من المعابد اليهودية القديمة التي تم اكتشافها في جميع أنحاء البلاد أما فيما يتعلق بهوية زنوبيا الدينية، يوجد تباين واضح بين المصادر: فالنصوص المسيحية تصفها بأنها اعتنقت اليهودية، بينما تلتزم المصادر الحاخامية الصمت حيال ذلك. ويرى الباحثون أن زنوبيا ربما سعت إلى نشر اليهودية من تدمر في أرجاء الإمبراطورية الرومانية وفقًا لتقليد يهودي سوري مميز، والذي اختلف عن اليهودية الحاخامية وعارضها.

تستكشف دراسة جديدة للدكتور حغاي أولشنيتسكي من جامعة وارسو مصدر الصراع بين زنوبيا والحاخامات. ووفقًا لأولشنيتسكي، فإن الملكة، التي مثلت مجتمعًا يهوديًا سوريًا مؤيدًا للتحول إلى اليهودية ومنتقدًا للقيادة الحاخامية، سجنت العديد من الحاخامات. ويجادل بأن العداء الشديد تجاهها أدى إلى حذف قصة تحولها من الأدبيات الحاخامية. ويخلص إلى أن قصتها توضح عالمًا يهوديًا مختلفًا تمامًا عن كل من التصورات الحديثة والافتراضات التاريخية السائدة

كانت زنوبيا، واسمها الرسمي سيبتيما زنوبيا، ملكة تدمر في القرن الثالث الميلادي. من عام 267 إلى عام 272 ميلادي، حكمت أجزاءً كبيرة من الإمبراطورية الرومانية الشرقية نيابةً عن ابنها الصغير، فابالاثوس - وهب اللات. تُعتبر زنوبيا واحدة من أقوى النساء وأكثرهن إثارة للإعجاب في العصور القديمة، وأصبحت صورتها رمزًا للمقاومة ضد الحكم الروماني وُلدت زنوبيا لعائلة سريانية نبيلة مرموقة في تدمر، واشتهرت بجمالها وذكائها وثقافتها الواسعة وإتقانها للغات متعددة. كما برعت في ركوب الخيل والصيد، وهما نشاطان كانا يُعتبران تقليديًا من اختصاص الرجال. تزوجت من سيبتيموس أوديناتوس - أذينة، حاكم تدمر، الذي برز في معاركه ضد الإمبراطورية الساسانية (بلاد فارس قبل الإسلام)، مما عزز مكانة تدمر في علاقتها مع روما. بعد اغتيال أوديناتوس وابنهما البكر، أعلنت زنوبيا نفسها وصية على ابنها الصغير وتولت زمام الأمور بالكامل. مستغلةً ضعف الإمبراطورية الرومانية وفوضويتها خلال ما يُعرف بأزمة القرن الثالث. عززت سلطتها، وقوت موقع تدمر، وقادت جيوشها بنفسها. غزت قواتها سوريا، ثم شنت حملات ضمت مصر وأجزاءً كبيرة من آسيا الصغرى (تركيا الحالية). وبحلول عام 268 ميلادي، حكمت زنوبيا ووابالاثوس الإمبراطورية الرومانية الشرقية بشكل مستقل، حتى أنهما أصدرا عملاتهما الخاصة.

مصادر متضاربة

تزعم العديد من المصادر المسيحية أن زنوبيا كانت يهودية أو اعتنقت اليهودية. وتُعد العلاقة بين الملكة واليهودية موضوعًا لتقارير مختلفة ومتناقضة في بعض الأحيان. على سبيل المثال، وصفها أثناسيوس الإسكندري، أحد آباء الكنيسة في القرن الرابع، بأنها يهودية دعمت بولس السمسياطي، البطريرك المسيحي لأنطاكية. تزعم نصوص أخرى أن بولس تبنى معتقدات الأرتمونيين - وهي طائفة مسيحية وُصفت بالهرطقة - لاسترضاء الملكة المتحولة، أو أنها اعتنقت اليهودية بتأثيره. ويشير التلمود المقدسي (مسلك تيروموت، الفصل 8، هالاخا 4) إلى أن زنوبيا كانت قاسية على حاخامات أرض إسرائيل، وأن جنودها احتجزوا عدداً منهم في أوقات متفرقة. أبدى الحاخام يوحانان، الذي ترأس البلاط الحاخامي في تلك الحقبة، عداءً شديدًا تجاه تدمر وحكمها، ولا سيما تجاه اليهود والمهتدين إليها. وفي التلمود المقدسي (تانيت 18ب)، وُصفت الملكة زنوبيا بأنها اضطهدت اليهود. هذه الإشارات وغيرها، إلى جانب غياب أي ذكر لاعتناقها اليهودية، دفعت الباحثين إلى القول بأن الادعاءات المسيحية بشأن يهوديتها تفتقر إلى أساس تاريخي. ومع ذلك، من الواضح أن زنوبيا كانت شخصية مثقفة وعالمة استقطبت المفكرين والعلماء ورجال الدين إلى بلاطها، مما يشير إلى انفتاحها على الثقافات والأديان المتنوعة، بما في ذلك اليهودية. تُشكك دراسة الدكتور أولشنيتسكي، المنشورة في المجلة الأكاديمية "كليو: مساهمات في التاريخ القديم"، في الأقوال الأكاديمية الراسخة حول موثوقية النصوص المسيحية. ويؤكد أن هذه المصادر تجمع بوضوح بين روايتين قديمتين متمايزتين.

يبدو أن إحدى الروايات تعود إلى أحد معاصري زنوبيا الذي وثّق اعتناقها المسيحية، بمعزل عن الشخصيات المسيحية اللاحقة أو الجدالات اللاهوتية التي أُضيفت إلى القصص. يقول أولشنيتسكي: "تشير التناقضات الداخلية في النصوص المسيحية إلى توليف بين تقاليد منفصلة. فنص فوتيوس الأول القسطنطيني، رغم كتابته لاحقًا، يُظهر بوضوح أن تقليد يهودية زنوبيا قديم، ويعود إلى عهد الملكة، وهو مستقل عن قصة ارتداد البطريرك بولس السمسياطي. علاوة على ذلك، استخدم فوتيوس نصوصًا تاريخية في عمله، لم ينجُ الكثير منها إلا بفضله، وتدعم روايته عدة روايات تاريخية أخرى غير كنسية".

تجليات متعددة لليهودية

كما تُفنّد الدراسة الافتراض الشائع بأن اعتناق زنوبيا لليهودية أمرٌ غير معقول لمجرد عدم ذكره في الأدبيات الحاخامية. ووفقًا لأولشنيتسكي، فإن هذا الافتراض يعكس سوء فهم للسياق التاريخي، وطبيعة الكتابات الحاخامية، وتنوع المجتمعات اليهودية في تلك الفترة. قال أولشنيتسكي: "عندما ننظر إلى عالم زنوبيا ويهودية تلك الحقبة من منظور اليهودية الحاخامية أو اليهودية الأرثوذكسية الحديثة، ونطبق هذا المنظور على فترات سابقة، فإننا نسيء فهم اليهودية القديمة والشعب اليهودي". وأضاف: "في ذلك الوقت، لم يكن التقليد الحاخامي يمثل كل اليهودية، لأن معظم اليهود كانوا من اليهود الهلنستيين. وكلمة "هلنستي" مصطلح ازدرائي يجب أن نتوقف عن استخدامه فورًا". وتابع: "مع أن هذا الشكل من اليهودية قد اندثر في نهاية المطاف عبر القرون، إلا أن ذلك لا يعني أنه كان أدنى شأنًا". وأضاف أولشنيتسكي: "يجب أن نتذكر أن اليهودية الهلنستية، في تلك الفترة، عكست نمط حياة الغالبية العظمى من اليهود، ولذا ينبغي اعتبارها "اليهودية السائدة" والإشارة إليها على هذا الأساس. علاوة على ذلك، فإن العديد من الأفكار والمعتقدات التي تضمنتها أقدم بكثير من العصر الهلنستي". وتُظهر أبحاثه وجودًا يهوديًا كبيرًا في سوريا خلال عهد زنوبيا، وخاصة في تدمر. "هذه هي المرة الأولى التي نتمكن فيها من فهم نطاق هذا المجتمع وأهميته وخصائصه الفريدة فهمًا كاملًا، وعرضه من خلال مجموعة شاملة من الأدلة الأدبية والنقوش والأثار". لم يكن هذا المركز اليهودي البارز، الذي يُرجّح أنه الأهم في ذلك الوقت، متوافقًا مع اليهودية الربانية - وهي التيار اليهودي القائم على التوراة الشفوية والمشنا والتلمود - وأحكامها. عارض القادة الربانيون يهود تدمر، واعترضوا على ممارسات التحوّل الديني، واعتبروا زنوبيا - وهي امرأة غيّرت دينها - تهديدًا. ووفقًا للروايات التاريخية، سجنت زنوبيا عددًا من الحاخامات الذين رأوا فيها خطرًا وجوديًا. فقد خافوا من أنها إذا هزمت الإمبراطورية الرومانية، ستنشر نمطًا غير رباني من اليهودية في أراضيها - وهو نموذج رُفض لاحقًا ووُصف بأنه "اليهودية الهلنستية". كان اعتناق زنوبيا للتوحيد انعكاسًا لاتجاه أوسع في الشرق. وربما تعمّدت تجنّب إعلان ولاءاتها الدينية المحددة لحشد دعم أوسع. وكجزء من هذه الاستراتيجية، يُحتمل أنها اعتنقت اليهودية سرًا، منتظرةً الكشف عن التزامها الديني بعد تحقيق النصر. كان هذا الخيار عمليًا، نظرًا للأعداد الكبيرة من اليهود والمؤمنين في جميع أنحاء الشرق، بما في ذلك داخل الوحدات العسكرية الرومانية التي كانت زنوبيا تأمل في استمالتها. يقول أولشنيتسكي: "لم تكن زنوبيا أول ملكة قديمة، ولن تكون الأخيرة، التي تعتنق اليهودية. الآن، يمكننا أن نرى بوضوح فطنتها السياسية ورؤيتها الدينية - وهو فهم يساعد في تفسير كيف اقتربت إلى هذا الحد من إعادة تشكيل العالم الروماني".

أثار صعود زنوبيا قلق السلطات الرومانية. في عام ٢٧٢ ميلادي، تحرك الإمبراطور أوريليان لإعادة النظام والقضاء على مملكة تدمر. هزمت قواته جيش زنوبيا قرب حمص، وحاصرت تدمر واستولت عليها. أُلقي القبض على زنوبيا أثناء محاولتها الفرار إلى بلاد فارس، وقُدِّمت أمام أوريليان. ولا يزال مصيرها محل جدل: فبعض المصادر تزعم أنها أُعدمت، بينما تقول مصادر أخرى إن أوريليان عفا عنها، وزوّجها من عضو في مجلس الشيوخ الروماني، وسمح لها بالعيش بقية حياتها في فيلا قرب مدينة تيفولي الحالية. بعد أسرها، ثارت تدمر مجددًا، مما دفع أوريليان إلى العودة وتدمير المدينة تدميرًا كاملًا. وعلى الرغم من أن مملكتها لم تدم سوى بضع سنوات، إلا أن زنوبيا تبقى شخصية تاريخية بارزة وقوية. يقول أولشنيتسكي: "يبدو أن زنوبيا كانت من أكفأ قادة العصور القديمة. كادت أن تنجح في غزو الإمبراطورية الرومانية الشرقية، رغم أنها كانت من مدينة ذات نفوذ محدود. لا شك أن مجرد احتمال تفكيكها للإمبراطورية، وسيطرتها على أجزاء منها، وربما تأسيسها ليهودية منفتحة على التحول الديني، قد أثار رعب حاخامات عصرها. لقد أدركوا أن مثل هذا النجاح سيجعل كل يهودي ينظر إليها كملكة مختارة من الله، ويرى في اليهودية السورية ونهجها اليهودية الحقيقية، ويرفض تمامًا سلطة الحاخامات المحلية ونفوذهم".

تعقيب: يرى أسد للأشقر أن الثقافة اليونانية ولدت خارج اليونان. في آسيا الغربية. وهي موضع بزوغ اليهودية السورية وبعدها المسيحية السورية. وقد نقل الغرب عن شرق المتوسط هذا الكنز الروحي ليدعم بها كيانات سياسية بدون أديان. ويعزو ضعف الاديان في الغرب لقبضة الكهانة فقد أخرت انفجار الدين والفلسفة. حتى أن أول فيلسوف كان طاليس وهو من مواليد ملطية في آسيا الصغري. حيث أن البيئة كانت تمثل المجتمع السوري بامتياز (غرب العراق وجنوب تركيا وشمال شبه الجزيرة العربية فضلا عن بلاد الشام). وفي هذه الرقعة تمددت زنوبيا حاكمة تدمر بالوكالة. وضمت إليها أجزاء من وادي النيل لتشكل أول دولة ثورية في المنطقة. ويعتقد أنها كانت تخطط لتوحيد سوريا الطبيعية التي أسسها السلوقيون في أنطاكية، قبل أن يهزمهم الرومان. وبخصوص يهودية زنوبيا. على الأرجح أنها تأثرت بفكرة المبدع الأول والتي بشر بها طاليس على أساس أن الله هو العقل نفسه، وتبناها سقراط وأفلاطون والمعلم الأول أرسطو. ويعتقد أنهم جميعا كانوا بشكل من الأشكال من بين الموحدين.

***

......................

* يوجيف إسرائيلي Yogev Israeli صحافي لم أجد معلومات واضحة عنه.

الترجمة بواسطة برامج الذكاء الصناعي.

- إعداد صالح الرزوق

مستقبل النموذج الاسكندنافي

الشعبوية كاختبار لهوية الدول الاسكندنافية

شهدت الدول الاسكندنافية، التي لطالما ارتبطت في المخيال الجمعي العالمي بصورة "الملاذ الآمن" و"نموذج الرفاه الاجتماعي"، تحولات سياسية واجتماعية عميقة خلال العقد الأخير. هذه التحولات تجسدت في صعود الخطاب اليميني والشعبوي الذي يربط بين الهجرة والجريمة، ويصور المهاجرين باعتبارهم تهديداً للنظام الاجتماعي والاقتصادي القائم. لم يعد هذا الخطاب مجرد هامش سياسي، بل أصبح جزءاً من التيار الرئيسي، مدعوماً بأحزاب تحقق مكاسب انتخابية غير مسبوقة، وبإجراءات حكومية تعكس تغير المزاج الشعبي.

في السويد، على سبيل المثال، دخلت البلاد مرحلة جديدة مع تشكيل حكومة يمينية مدعومة من حزب "سفاريا ديموكراتنا"، الذي بنى خطابه على الربط المباشر بين فشل الاندماج وارتفاع معدلات الجريمة. هذه الحكومة أعلنت منذ 2022 عن سياسات تستهدف المهاجرين بشكل مباشر، من خلال تشديد العقوبات وتقييد المساعدات الاجتماعية، في محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين "المواطن الأصلي" و"الوافد الجديد".

أما في الدنمارك، فقد اتخذت السياسات منحى أكثر صرامة عبر قوانين "الغيتوهات"، التي تفرض قيوداً على مناطق ذات كثافة مهاجرين، وتربط بين الهوية الوطنية والأمن الداخلي. هذه القوانين لم تقتصر على الجانب القانوني، بل حملت دلالات رمزية قوية، إذ تعكس رؤية رسمية تعتبر المهاجرين "كتلة منفصلة" ينبغي ضبطها وإعادة تشكيلها.

النرويج بدورها لم تكن بمنأى عن هذه التحولات، حيث شهدت تشديداً في شروط اللجوء والاندماج، مدفوعة بضغط الأحزاب الشعبوية التي تزايد نفوذها في البرلمان. الأرقام هنا تكشف الكثير: استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت أن أكثر من 40% من المواطنين يعتبرون الهجرة "أكبر تحدٍ اجتماعي"، فيما ارتفعت نسبة التأييد للأحزاب اليمينية إلى مستويات غير مسبوقة.

إن تصاعد هذا الخطاب لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوروبي الأوسع، حيث تتزايد النزعات الشعبوية كرد فعل على الأزمات الاقتصادية، وتنامي المخاوف الأمنية، وتراجع الثقة في المؤسسات التقليدية. لكن خصوصية الحالة الاسكندنافية تكمن في المفارقة بين الصورة التاريخية لهذه الدول كحاضنة للإنسانية والرفاه، وبين الواقع الجديد الذي يعكس انغلاقاً متزايداً واستقطاباً مجتمعياً حاداً.

جذور الخطاب اليميني والشعبوي في الدول الاسكندنافية

حين نتأمل التحولات التي شهدتها الدول الاسكندنافية خلال العقد الأخير، نجد أن صعود الخطاب اليميني والشعبوي لم يكن وليد لحظة عابرة، بل نتيجة تراكمات متشابكة بين المخاوف الأمنية، الضغوط الاقتصادية، والتغيرات الثقافية. هذه العوامل تفاعلت معاً لتنتج خطاباً جديداً، يضع المهاجر في قلب النقاش السياسي والاجتماعي، ويحوّله من "ضيف مرحّب به" إلى "مشكلة ينبغي حلّها".

في السويد، التي كانت تُعرف بسياسة الباب المفتوح، بدأ المزاج الشعبي يتغير مع تصاعد جرائم العصابات. تقارير الشرطة لعام 2023 أشارت إلى أن ما يقارب 30% من هذه الجرائم ارتبطت بشباب من خلفيات مهاجرة. هذه الأرقام، وإن كانت لا تعكس الصورة الكاملة، استُخدمت بكثافة في الخطاب السياسي لتأكيد فكرة أن الهجرة غير المنضبطة تهدد الأمن الداخلي. ومع انتخابات 2022، ترجم هذا المزاج نفسه في صناديق الاقتراع، حيث حصل حزب "سفاريا ديموكراتنا" الشعبوي على أكثر من 20% من الأصوات، ليصبح ثاني أكبر قوة سياسية في البلاد. هنا يظهر كيف تتحول المخاوف الأمنية إلى رأسمال سياسي، يُستثمر في بناء سردية شعبوية قوية.

أما في الدنمارك، فقد اتخذت الحكومة مساراً أكثر صرامة عبر ما يُعرف بـ"قوانين الغيتوهات"، التي تستهدف مناطق ذات كثافة مهاجرين. هذه القوانين لم تكن مجرد تشريعات إدارية، بل حملت دلالات رمزية عميقة: تقسيم المجتمع إلى "نحن" و"هم". الأرقام الرسمية دعمت هذا التوجه، إذ أظهرت أن معدلات البطالة والجريمة في تلك المناطق أعلى بمرتين أو ثلاث من المعدل الوطني. لكن الأهم أن هذه الأرقام لم تُستخدم فقط لوصف الواقع، بل لتبرير سياسات تعيد إنتاج صورة المهاجر باعتباره عبئاً على النظام الاجتماعي، وتُرسّخ فكرة أن الحل يكمن في "الحد من وجوده" أو "إعادة تشكيله".

النرويج بدورها لم تكن بمنأى عن هذه الموجة. حزب التقدم الشعبوي، الذي حصل على أكثر من 11% من الأصوات في انتخابات 2021، واصل الضغط لتشديد قوانين اللجوء والاندماج. استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت أن 42% من المواطنين يعتبرون الهجرة "أكبر تحدٍ اجتماعي"، وهو رقم يعكس حجم القلق الشعبي، ويمنح الأحزاب الشعبوية أرضية صلبة لتوسيع نفوذها. هنا نرى كيف تتحول المخاوف الاقتصادية والاجتماعية إلى قناعات سياسية، تُترجم في دعم متزايد للأحزاب التي تقدم حلولاً بسيطة ومباشرة: "أوقفوا الهجرة، ستنتهي المشكلة".

الإعلام لعب دوراً محورياً في تغذية هذه المخاوف. دراسة دنماركية عام 2022 أظهرت أن 70% من الأخبار المتعلقة بالهجرة ركزت على الجريمة والفشل في الاندماج، مقابل أقل من 20% تناولت قصص النجاح والمساهمات الإيجابية. هذا الانحياز الإعلامي لم يكن بريئاً، بل ساهم في تكوين صورة ذهنية سلبية عن المهاجر، وجعل من السهل على الخطاب الشعبوي أن يجد صدى واسعاً في المجتمع.

هكذا، يتضح أن تصاعد الخطاب اليميني والشعبوي في الدول الاسكندنافية ليس مجرد انعكاس لأزمة سياسية، بل هو نتاج تفاعل معقد بين الأرقام والوقائع من جهة، واللغة السياسية والإعلامية من جهة أخرى. الأرقام تُستخدم كأدوات لإقناع الجمهور، لكنها في الوقت نفسه تُختزل وتُوظّف لتغذية سردية تبسيطية: "المهاجر هو المشكلة". وهذا ما يجعل الخطاب الشعبوي قادراً على الانتشار، لأنه يقدم إجابات سهلة على أسئلة معقدة، ويحوّل المخاوف الفردية إلى مشروع سياسي جماعي.

دور وسائل الإعلام في تكريس خطاب التشدد ضد المهاجرين

وسائل الإعلام في الدول الاسكندنافية لعبت دوراً محورياً في تشكيل المزاج العام تجاه المهاجرين، ليس فقط عبر نقل الأخبار، بل من خلال الطريقة التي تُبنى بها السرديات وتُختزل فيها الحقائق. فالإعلام، بصفته وسيطاً بين الواقع والجمهور، لم يكن محايداً في كثير من الأحيان، بل ساهم في تكريس صورة نمطية تربط بين الهجرة والجريمة أو بين الهجرة والفشل في الاندماج.

في الدنمارك مثلاً، أظهرت دراسة أكاديمية أن ما يقارب 70% من التغطيات الإعلامية المتعلقة بالهجرة ركزت على الجريمة والمشكلات الاجتماعية، مقابل أقل من 20% تناولت قصص النجاح والمساهمات الإيجابية. هذا الانحياز في التغطية خلق صورة ذهنية سلبية، جعلت من السهل على الخطاب الشعبوي أن يجد صدى واسعاً، لأنه يقدّم للجمهور "أدلة إعلامية" تدعم مخاوفه.

الصحف الشعبية والقنوات التلفزيونية كثيراً ما تلجأ إلى العناوين المثيرة التي تربط بين جنسية المهاجر والجريمة المرتكبة، حتى لو لم يكن لذلك علاقة مباشرة بالحادث. هذه الممارسة الإعلامية تُحوّل الفرد إلى ممثل لجماعة بأكملها، وتُرسّخ فكرة أن المهاجرين كتلة متجانسة مرتبطة بالمشكلات. في المقابل، قصص النجاح – مثل مساهمة المهاجرين في الاقتصاد أو في البحث العلمي – غالباً ما تُهمَّش أو تُعرض في صفحات داخلية دون أن تحظى بالاهتمام نفسه.

وسائل التواصل الاجتماعي زادت من حدة هذه الظاهرة، إذ أصبحت منصات مثل فيسبوك وتويتر فضاءً لتداول الأخبار المقتطعة والمبالغ فيها، ما يضاعف من انتشار الصور النمطية. هنا يتقاطع الإعلام التقليدي مع الإعلام الجديد في إنتاج خطاب متشدد، يختزل المهاجر في صورة "الخطر" أو "العبء".

إن دور الإعلام في هذا السياق لا يمكن اعتباره مجرد انعكاس للواقع، بل هو جزء من صناعة الواقع نفسه. فحين تُكرر وسائل الإعلام سردية معينة، وتُضخّم الأرقام المرتبطة بالجريمة، وتتجاهل قصص النجاح، فإنها لا تنقل الحقيقة، بل تُعيد تشكيلها بما يخدم خطاباً سياسياً محدداً. وهذا ما يجعل الإعلام أحد أهم أدوات الشعبوية في الدول الاسكندنافية، لأنه يوفّر لها الشرعية الشعبية ويمنحها القدرة على الانتشار.

دور الأحزاب والتنافس الشعبوي على أصوات الناخبين

الأحزاب السياسية في الدول الاسكندنافية لم تكتفِ بتبني خطاب شعبوي تجاه المهاجرين، بل دخلت في سباق محموم لتوظيف هذا الخطاب كأداة انتخابية لكسب الأصوات. فالمشهد الحزبي هناك يشهد تنافساً واضحاً بين القوى اليمينية التقليدية والأحزاب الشعبوية الصاعدة، حيث يسعى كل طرف إلى إثبات أنه الأكثر قدرة على "حماية الهوية الوطنية" و"ضبط الهجرة".

في السويد، على سبيل المثال، لم يعد حزب "سفاريا ديموكراتنا" الشعبوي وحده من يتحدث عن الهجرة والجريمة، بل تبنّت أحزاب يمينية أخرى أجزاء من خطابه لتجنب خسارة الناخبين لصالحه. هذا التنافس خلق ما يشبه "مزاداً سياسياً" على التشدد، حيث تتسابق الأحزاب في تقديم مقترحات أكثر صرامة، من تشديد العقوبات إلى تقليص المساعدات الاجتماعية للمهاجرين. النتيجة أن الخطاب الشعبوي لم يعد حكراً على حزب واحد، بل أصبح لغة مشتركة تتقاطع فيها عدة قوى سياسية.

في الدنمارك، المشهد أكثر وضوحاً. حزب الشعب الدنماركي (DF)، رغم تراجع نسبته الانتخابية، نجح في دفع الأحزاب الكبرى إلى تبني سياسات أكثر تشدداً، مثل قوانين "الغيتوهات". هنا يظهر كيف يمكن لحزب صغير نسبياً أن يفرض أجندته على الساحة السياسية عبر الضغط المستمر، مما يجبر الأحزاب المنافسة على تبني خطاب مشابه حتى لا تبدو "متساهلة" أمام الناخبين.

النرويج بدورها شهدت تنافساً بين حزب التقدم الشعبوي (FrP) والأحزاب التقليدية، حيث يواصل الأول الضغط لتشديد قوانين اللجوء والاندماج، بينما تحاول الأحزاب الأخرى موازنة خطابها بين الحفاظ على صورة الدولة الإنسانية وبين الاستجابة لمخاوف الناخبين. هذا التوازن الهش يعكس طبيعة التنافس الشعبوي: إما أن تنخرط الأحزاب في خطاب التشدد لتجنب خسارة الأصوات، أو أن تخاطر بالظهور بمظهر "الضعف" أمام الرأي العام.

إن هذا التنافس بين الأحزاب على خطاب الشعبوية يعكس دينامية خطيرة: فبدلاً من أن يكون الخطاب الشعبوي هامشياً، أصبح معياراً يُقاس به مدى "جدية" الأحزاب في التعامل مع قضية الهجرة. ومع كل دورة انتخابية، يتزايد الضغط على الأحزاب لتقديم سياسات أكثر صرامة، مما يعمّق الاستقطاب ويجعل من المهاجرين محوراً دائماً للصراع السياسي.

إن ما نشهده اليوم هو إعادة تعريف للهوية الاسكندنافية نفسها. من نموذج يُحتفى به عالمياً كرمز للإنسانية والرفاه، إلى واقع جديد يتسم بالانغلاق والاستقطاب. الأرقام والوقائع تؤكد أن الخطاب الشعبوي لم يعد على الهامش، بل أصبح في صميم السياسات العامة، يحدد اتجاهاتها ويعيد رسم صورة المهاجر في الوعي الجمعي.

السياسات الملموسة وتجليات الخطاب الشعبوي في الدول الاسكندنافية

إذا كان المحور الأول قد كشف عن جذور الخطاب اليميني والشعبوي، فإن المحور الثاني يضعنا أمام السياسات الملموسة التي جسّدت هذا الخطاب وحوّلته من مجرد شعارات انتخابية إلى واقع يومي يعيشه المهاجرون في السويد والدنمارك والنرويج. هنا يصبح التحليل أكثر وضوحاً، لأننا لا نتحدث عن مخاوف أو تصورات، بل عن قوانين وتشريعات وإجراءات حكومية تعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمهاجر.

في السويد، التحول كان دراماتيكياً. فبعد انتخابات 2022، دخل حزب "سفاريا ديموكراتنا" الشعبوي إلى قلب السلطة عبر دعم الحكومة اليمينية. هذا الحزب، الذي كان يُنظر إليه قبل عقدين كتيار هامشي، أصبح اليوم ثاني أكبر قوة سياسية بحصوله على أكثر من 20% من الأصوات. السياسات الجديدة ركزت على تشديد العقوبات وربطها بالمهاجرين، مع خطاب رسمي يربط بين فشل الاندماج وارتفاع معدلات الجريمة. تقارير الشرطة لعام 2023 أشارت إلى أن نحو 30% من جرائم العصابات ارتبطت بشباب من خلفيات مهاجرة، وهو رقم استُخدم بكثافة لتبرير سياسات أكثر صرامة في منح الإقامات، وتشديد الرقابة على الأحياء ذات الكثافة المهاجرة. بهذا الشكل، تحولت السويد من نموذج "الانفتاح" إلى نموذج "الضبط"، في انعكاس مباشر لتأثير الشعبوية على السياسات العامة.

أما الدنمارك، فقد سبقت جاراتها في تبني سياسات صارمة منذ سنوات، لكنها واصلت تشديدها بشكل لافت. قوانين "الغيتوهات" التي أُقرت عام 2018 مثّلت نقطة تحول، إذ صنّفت الحكومة مناطق معينة ذات كثافة مهاجرين باعتبارها "مشكلة اجتماعية"، وفرضت عليها قيوداً خاصة: تخفيضات في المساعدات، تشديد العقوبات، وإجراءات تهدف إلى "تفكيك التجمعات المهاجرة". الأرقام الرسمية دعمت هذا التوجه، حيث أظهرت أن معدلات البطالة والجريمة في تلك المناطق أعلى بمرتين أو ثلاث من المعدل الوطني. لكن الأهم أن هذه السياسات لم تكن مجرد استجابة للأرقام، بل كانت انعكاساً لرؤية سياسية ترى أن "الاندماج القسري" هو الحل، حتى لو كان على حساب حقوق الأفراد. هنا يظهر كيف تتحول الشعبوية إلى سياسة مؤسسية، تُترجم في قوانين تحمل طابعاً تمييزياً واضحاً.

في النرويج، المشهد أقل حدة لكنه يسير في الاتجاه نفسه. حزب التقدم الشعبوي، الذي حصل على أكثر من 11% من الأصوات في انتخابات 2021، واصل الضغط لتشديد قوانين اللجوء والاندماج. استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت أن 42% من المواطنين يعتبرون الهجرة "أكبر تحدٍ اجتماعي"، وهو رقم يعكس حجم القلق الشعبي ويمنح الأحزاب الشعبوية أرضية صلبة لتوسيع نفوذها. السياسات هنا ركزت على تقليص عدد اللاجئين المقبولين، وتشديد شروط الحصول على الجنسية، وربط المساعدات الاجتماعية بمستوى الاندماج. هذه الإجراءات، وإن كانت أقل صرامة من النموذج الدنماركي، إلا أنها تعكس الاتجاه العام نحو تضييق مساحة "الترحيب" التقليدي الذي عُرفت به النرويج.

ما يجمع هذه التجارب الثلاث هو أن الخطاب الشعبوي لم يعد مجرد لغة انتخابية، بل أصبح سياسة رسمية تُترجم في قوانين وتشريعات. الأرقام تُستخدم لتبرير هذه السياسات، لكن طريقة توظيفها تكشف عن انتقائية واضحة: التركيز على معدلات الجريمة والبطالة في صفوف المهاجرين، وتجاهل قصص النجاح والمساهمات الإيجابية. الإعلام بدوره يعزز هذه الصورة، إذ أظهرت دراسة دنماركية أن 70% من الأخبار المتعلقة بالهجرة ركزت على الفشل والجريمة، مقابل أقل من 20% تناولت قصص النجاح. هذا الانحياز الإعلامي يجعل من السهل على الخطاب الشعبوي أن يجد صدى واسعاً، ويحوّل السياسات الصارمة إلى "ضرورة وطنية" في نظر الجمهور.

بهذا الشكل، يصبح المحور الثاني شاهداً على كيف تحولت الشعبوية من مجرد خطاب إلى واقع ملموس، يعيد تشكيل السياسات العامة ويغيّر صورة الدول الاسكندنافية في الداخل والخارج. من نموذج يُحتفى به عالمياً كرمز للإنسانية والرفاه، إلى واقع جديد يتسم بالانغلاق والاستقطاب، حيث يُنظر إلى المهاجر باعتباره "تحدياً" لا "إضافة".

الآثار الاجتماعية والسياسية لتصاعد الخطاب الشعبوي

حين تتحول الشعبوية من مجرد خطاب انتخابي إلى سياسات ملموسة، فإن انعكاساتها لا تقتصر على المجال السياسي وحده، بل تمتد لتعيد تشكيل النسيج الاجتماعي نفسه. في الدول الاسكندنافية، التي لطالما ارتبطت بصورة "المجتمع المنفتح والمتسامح"، نشهد اليوم تحولات عميقة تُعيد تعريف العلاقة بين المواطن والمهاجر، وتطرح أسئلة جديدة حول الهوية والاندماج والعدالة.

أول هذه الآثار يتمثل في الاستقطاب المجتمعي. فالمهاجرون، الذين كانوا يُنظر إليهم سابقاً كجزء من مشروع إنساني أوسع، أصبحوا اليوم في قلب جدل سياسي محتدم. الخطاب الشعبوي، الذي يربط بين الهجرة والجريمة أو بين الهجرة وتراجع أنظمة الرفاه، خلق حالة من الانقسام الحاد داخل المجتمع: بين من يرى أن المهاجرين يشكلون تهديداً، ومن يصرّ على أنهم إضافة ضرورية للتنوع والاقتصاد. هذا الانقسام لم يعد مجرد نقاش فكري، بل أصبح واقعاً يومياً ينعكس في المدارس، أماكن العمل، وحتى في الأحياء السكنية.

ثاني الآثار هو إعادة إنتاج الصور النمطية. الإعلام، الذي يركز بنسبة تصل إلى 70% على الجريمة والفشل في الاندماج عند الحديث عن المهاجرين، ساهم في ترسيخ صورة ذهنية سلبية. هذه الصورة تجعل من السهل على الخطاب الشعبوي أن يجد صدى واسعاً، لأنها تقدم للمواطن "دليلاً بصرياً" على أن المهاجر هو المشكلة. النتيجة هي أن قصص النجاح، مثل مساهمة المهاجرين في الاقتصاد أو في البحث العلمي، تُهمَّش، بينما تُضخَّم قصص الفشل لتصبح هي القاعدة.

ثالثاً، هناك انعكاسات سياسية مباشرة. الأحزاب الشعبوية، التي كانت هامشية قبل عقدين، أصبحت اليوم جزءاً من التيار الرئيسي. في السويد، حزب "سفاريا ديموكراتنا" أصبح ثاني أكبر قوة سياسية. في الدنمارك، قوانين "الغيتوهات" أصبحت سياسة رسمية. وفي النرويج، حزب التقدم يواصل الضغط لتشديد قوانين اللجوء. هذه التحولات تعني أن الخطاب الشعبوي لم يعد مجرد لغة احتجاج، بل أصبح أداة لصياغة السياسات العامة، وهو ما يغيّر صورة الدول الاسكندنافية في الداخل والخارج.

أخيراً، لا يمكن تجاهل الأثر الرمزي. الدول الاسكندنافية لطالما قُدمت كنموذج عالمي للإنسانية والرفاه، لكن السياسات الجديدة تعكس صورة مختلفة: صورة دول منغلقة، تخشى الآخر، وتتعامل معه باعتباره تهديداً لا فرصة. هذا التحول الرمزي له تبعات على مكانة هذه الدول في النقاش الدولي حول حقوق الإنسان والهجرة، ويطرح سؤالاً عميقاً: هل يمكن أن تستمر هذه الدول في تقديم نفسها كنموذج عالمي، بينما سياساتها الداخلية تعكس انغلاقاً متزايداً؟

الأرقام والإحصاءات كأداة لتغذية الشعبوية

الأرقام في الخطاب السياسي ليست مجرد بيانات محايدة، بل تتحول إلى أدوات لإقناع الجمهور وتوجيه المزاج العام. في الدول الاسكندنافية، لعبت الإحصاءات دوراً محورياً في ترسيخ الخطاب الشعبوي، إذ جرى توظيفها بشكل انتقائي لتأكيد السردية التي تربط بين الهجرة والجريمة أو بين الهجرة وتراجع أنظمة الرفاه.

في السويد، نتائج انتخابات 2022 أظهرت أن حزب "سفاريا ديموكراتنا" الشعبوي حصل على 20.5% من الأصوات، وهو أعلى رقم في تاريخه، مما جعله ثاني أكبر حزب في البرلمان. هذا الرقم لم يكن مجرد إحصاء انتخابي، بل أصبح دليلاً على أن الشعبوية لم تعد هامشية، بل جزء من التيار الرئيسي.

في الدنمارك، رغم تراجع حزب الشعب الدنماركي (DF) إلى نحو 8% في انتخابات 2022، إلا أن أثره السياسي ظل أكبر من حجمه العددي، إذ نجح في دفع الحكومات المتعاقبة إلى تبني سياسات أكثر صرامة تجاه المهاجرين. هنا يظهر كيف يمكن لنسبة صغيرة انتخابياً أن تُحدث أثراً كبيراً سياسياً.

أما في النرويج، فقد حصل حزب التقدم الشعبوي (FrP) على 11.6% في انتخابات 2021، ليصبح ثالث أكبر حزب في البرلمان. استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت أن 42% من المواطنين يعتبرون الهجرة "أكبر تحدٍ اجتماعي"، وهو رقم يعكس حجم القلق الشعبي ويمنح الأحزاب الشعبوية أرضية صلبة لتوسيع نفوذها.

إلى جانب هذه الأرقام، تُستخدم معدلات الجريمة بشكل مكثف في الخطاب السياسي. ففي السويد، تقارير الشرطة لعام 2023 أشارت إلى أن نحو  30% من جرائم العصابات ارتبطت بشباب من خلفيات مهاجرة. هذه النسبة، رغم أنها لا تعكس الصورة الكاملة، أصبحت محوراً أساسياً في خطاب الأحزاب اليمينية، لتأكيد فكرة أن الهجرة تهدد الأمن الداخلي.

بهذا الشكل، تتحول الأرقام إلى "لغة مقنعة" تُستخدم لتغذية الشعبوية، لكنها في الوقت نفسه تُختزل وتُوظّف بشكل انتقائي، مما يجعلها جزءاً من المشكلة لا مجرد وصف للواقع.

مستقبل النموذج الاسكندنافي بين الانفتاح والانغلاق

إن تصاعد الخطاب اليميني والشعبوي في الدول الاسكندنافية ليس مجرد ظاهرة سياسية عابرة، بل هو انعكاس لتحولات عميقة في البنية الاجتماعية والثقافية لهذه المجتمعات. لقد انتقلت هذه الدول، التي كانت تُقدَّم لعقود كنموذج عالمي للانفتاح والرفاه والعدالة الاجتماعية، إلى واقع جديد يتسم بالانغلاق، وإعادة تعريف الهوية الوطنية على أسس أكثر صرامة وأقل تسامحاً. الأرقام والوقائع تؤكد أن الشعبوية لم تعد على الهامش، بل أصبحت في قلب السياسات العامة، تُعيد صياغة صورة المهاجر في الوعي الجمعي، وتحوّله من عنصر مساهم في التنوع والاقتصاد إلى "تحدٍ" أو "تهديد" ينبغي ضبطه.

لكن هذا التحول، رغم قوته، ليس قدراً محتوماً. فالمجتمع المدني، والأحزاب التقدمية، والفاعلون الثقافيون، ما زالوا يمتلكون القدرة على صياغة سرديات بديلة، تُبرز قصص النجاح وتعيد الاعتبار لقيم التعددية والانفتاح التي شكّلت جوهر التجربة الاسكندنافية. إن مواجهة الشعبوية لا تتم فقط عبر الأرقام أو السياسات، بل عبر إعادة بناء الثقة بين المواطن والمهاجر، وتأكيد أن التحديات الاقتصادية والأمنية لا تُحلّ بالانغلاق، بل بالاندماج والتعاون.

المستقبل هنا مفتوح على احتمالات متعددة: إما أن تستمر موجة الشعبوية في إعادة تشكيل هذه المجتمعات، لتصبح أكثر انعزالاً وأقل قدرة على التفاعل مع العالم، أو أن تنجح القوى الديمقراطية والمدنية في استعادة التوازن، وإعادة تعريف الهوية الاسكندنافية بما يتناسب مع قيمها التاريخية. السؤال المطروح ليس فقط عن حجم تأثير الشعبوية، بل عن قدرة هذه الدول على مواجهة نفسها، والاعتراف بأن الهجرة ليست أزمة، بل فرصة لإعادة بناء مجتمع أكثر تنوعاً وصلابة في مواجهة التحديات العالمية.

إن ما يجري اليوم في السويد والدنمارك والنرويج هو اختبار حقيقي لمستقبل النموذج الاسكندنافي: هل سيظل رمزاً للإنسانية والرفاه، أم سيتحوّل إلى نسخة جديدة من الانغلاق الأوروبي؟ الإجابة ستحدد ليس فقط مصير المهاجرين، بل أيضاً صورة هذه الدول في العالم، ومكانتها في النقاش الدولي حول العدالة والحقوق والإنسانية.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

يعتبر مبدأ الفصل بين السلطات من أهم الاعمدة التي تستند عليها الديمقراطية الحديثة، ومن جملة الآثار المترتبة عليه تحقق عوامل الإستقرار السياسي والإداري للدولة مما يؤدي الى التطور الحتمي في كافة مجالات الحياة، فالعلاقة بين المبدأ والتطور الحضاري والإقتصادي والتكنلوجي كالعلاقة بين العلة والمعلول والسبب ونتيجته.

حيث يقضي هذا المبدأ بتوزيع السلطة على هيئات متعددة والغرض من ذلك، يختلف بإختلاف جهة الخطاب:

1- بالنسبة لسلطات الدولة الثلاث:

الغرض من ذلك هو الضبط والتوازن والرقابة المتبادلة بين سلطات الدولة الثلاث (التشريعية، التنفيذية، والقضائية) لمنع الإنحراف بالسلطة والتعسف، ولمنع نشوء نفس دكتاتوري في كل سلطة من هذه السلطات، ومن ثم تعزيز دولة القانون والمؤسسات عبر تقسيم المهام والإختصاصات لضمان حسن سير وأداء المرافق العامة.

2- بالنسبة للأفراد: يهدف المبدأ الى حماية الحريات العامة ومنع الاستبداد، والتأكيد على ان جميع السلطات في الدولة وجدت لحمايته وتحقيق امانيه وتطلعاته المشروعة المقررة في الدستور والقوانين ، فالهدف النهائي للمبدأ هو ضمان حماية المواطن من تعسف السلطات العامة وتأكيد استيفاء حقوقه، بناءاً على (نظرية دولة المواطنة) في الدولة الحديثة القائمة على أساس أن الدولة ملك لجميع مواطنيها، وتضمن المساواة المطلقة* في الحقوق والواجبات على "المراكز القانونية المتماثلة"، وتكافؤ الفرص، وسيادة القانون دون تمييز على أساس الدين، العرق، الجنس، أو المذهب، وتبنى على «عقد مواطنة» يربط الفرد بالدولة، محققةً قيم العدالة، الحرية، والعيش المشترك.

التطور التاريخي:

تطور هذا المبدأ تاريخياً في العصور القديمة عند اليونان والرومان كأداة لمنع الاستبداد.

اولاً- مبدأ الفصل بين السلطات عند اليونان:

بالنسبة الى افلاطون: فقد أشار في كتاب "القوانين" إلى ضرورة توزيع وظائف الدولة على هيئات متعددة، مؤكداً على أهمية التوازن والتعاون بينها لتحقيق المصلحة العامة ومنع الاستبداد.

اما ارسطو: فقد طور الفكرة في كتابه "السياسة"من خلال تقسيم وظائف الدولة إلى ثلاثة أقسام: الوظيفة التداولية (التشريعية)، ووظيفة الحكام (التنفيذية)، ووظيفة القضاء.

ثانياً- مبدأ الفصل بين السلطات عند الرومان:

تم تطبيق المبدأ من خلال الإجراءات التالية:

1- الحكومة المختلطة:

تبنت الجمهوريةالرومانية نظاماً يدمج عناصر الملكية (القناصل)، والأرستقراطية (مجلس الشيوخ)، والديمقراطية (المجالس الشعبية).

2- الرقابة المتبادلة:سعى النظام الروماني إلى توزيع السلطات لضمان عدم استئثار فرد أو هيئة واحدة بزمام الحكم، حيث يراقب كل جزء الآخرين.

الهدف المشترك:

تمثل الهدف الرئيسي المشترك لدى الحضارتين اليونانية والرومانية في منع استبداد الحكام، وحماية الحريات،وضمان حسن سير الإدارة من خلال توزيع السلطة بدلاً من تركيزها، فنتج عن ذلك حضارات عظيمة وتطور في الفكر والفقه والحياة العامة، لايزال تاثيره قائماً الى اليوم.

ثالثاً- الفصل بين السلطات عند مفكري النهضة:

1- جون لوك (القرن 17): اقترح ضرورةفصل السلطة التنفيذية عن السلطة التشريعية لتجنب إساءة استخدام السلطة.

2- مونتسكيو (القرن 18): يعود الفضل في احياء هذا المبدأ في العصور الحديثة إلى الفيلسوف مونتيسكو، في كتابه الشهير (روح القوانين)، فهو صاحب مقولة أن "السلطة توقف السلطة"

إذ يرى مونتسكيو وجوب أن توقف كل سلطة عند حدها بواسطة غيرها بحيث لا تستطيع أي سلطة أن تسئ استعمال سلطتها أو تستبد بتلك السلطة ".

حيث طور المبدأ في كتابه (روح القوانين) محدداً ثلاث سلطات: التشريعية (سن القوانين)، التنفيذية (تطبيق القوانين وإدارة الدولة)، والقضائية (فصل النزاعات).

الهدف الجوهري: صيانة الحرية السياسية ومنع تركيز السلطات في يد فرد أو هيئة واحدة، مما يؤدي للاستبداد.

طبيعة الفصل: دعا مونتسكيو إلى "فصل مرن" يسمح بتعاون وتوازن السلطات لمنع تغول إحداها على الأخرى، وليس فصلاً مطلقاً، لضمان عمل الدولة بشكل معتدل.

رابعاً- المبدأ والثورة الفرنسية:

تبني المبدأ من قبل رجال الثورة الفرنسية سنة 1789م.

وتم تضمينه في إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي لعام 1789 بشكل صريح ، حيث نصت المادة 16 منه على أنه لا دستور لأي أمة لا تضمن فيها الحقوق أو لا يُفصل فيها بين السلطات.

ويُعد هذا الإعلان وثيقة أساسية أرست قيم الثورة الفرنسية، مستلهماً أفكار فلاسفة التنوير ومونتسكيو.

وأخذت به الدساتير الفرنسية كدستور 1791م ودستور 1848م إذ اشتملت على مبدأ الفصل بين السلطات وكذلك معظم الدساتير العربية والغربية سواء بصورة صريحة أم ضمنية.

الهدف الجوهري:

إن الهدف الجوهري لمبدأ الفصل بين السلطات هو منع الاستبداد وتركيز سلطات الدولة (التشريعية، التنفيذية، القضائية) في يد فرد أو هيئة واحدة.

1- منع الاستبداد والتعسف: يعد الهدف الأساسي، حيث إن جمع السلطات يؤدي إلى سوء استعمالها، لذا فإن توزيعها يحد من تغول سلطة على أخرى.

2- حماية الحريات العامة: من خلال استقلال القضاء وتوزيع المسؤوليات، يتم حماية حقوق المواطنين وحرياتهم من أي تعدي.

3- نظام الضوابط والتوازنات (Checks and Balances): يضمن المبدأ أن تراقب كل سلطة الأخرى وتمنعها من تجاوز حدودها، وهو ما يوفر مرونة في اتخاذ القرارات لصالح الدولة.

4- حسن أداء الوظائف (التخصص):

يؤدي تقسيم العمل إلى تخصص كل هيئة في وظيفتها (التشريع، التنفيذ، القضاء)، مما يزيد من كفاءة وإتقان العمل الحكومي.

5- سيادة القانون: يضمن خضوع السلطات الحاكمة للدستور والقانون وليس العكس.

6- نشوء دولة المؤسسات: يضمن المبدأ نشوء دولة المؤسسات، عبر منع الاستفراد بالحكم، وتوزيع الوظائف تخصصياً، وبذلك يتحول الحكم من "حكم أشخاص" إلى "حكم مؤسسات" تعمل وفق نصوص دستورية واضحة.

فتتفتق العبقريات عن مكنوناتها وتبرز الإبتكارات وتتفتح مهارات القيادة، وتنمو روح المبادرة بين الأفراد. ويُكتسب فن إلهام الآخرين وتّنظيم العمل.

وعلى هذا النحو تبقى قواعد عمل مؤسسات الدولة راسخة  لاتتغير بتغيير الرؤوساء الا بنسبة محدودة، فقد أورد الباحثين في الشؤون السياسية، ان نسبة تأثير تغيير الرئيس الامريكي على السياسات العامة لا تتعدى 20 %‎

من مجمل نشاطات الدولة، وتختلف نسبة هذا التأثير باختلاف الملفات. بينما يمتلك الرئيس تأثيرًا كبيرًا ومباشرًا في مجالات مثل السياسة الخارجية، الهجرة، والرسوم الجمركية، ومن جانب آخر تُحدّ المؤسسات الفيدرالية، والكونغرس، والقضاء من قدرته على تغيير هيكلية الدولة بالكامل، مما يجعل "الدولة العميقة" وسياساتها مستقرة نسبيًا.

حتمية التطور:

ان تبني هذا المبدأ عبر التاريخ ادى الى تطور حضاري مذهل، كما هو الحال في الحضارة الرومانية بشكل خاص حيث تطورت المؤسسات في الحضارة الرومانية عبر ثلاث مراحل رئيسية (ملكية، جمهورية، إمبراطورية)، متحولة من إدارة قبلية بسيطة إلى نظام إداري وقانوني معقد. تميزت ببروز مجلس الشيوخ (Senatus) كأعلى سلطة، وتطور المجالس الشعبية والقناصل، وصولاً إلى نظام الإمبراطورية المركزية، مع تركيز شديد على القانون وتدوينه (الألواح الاثني عشر) لضمان الاستقرار، ومن ثم انشاء ما يعرف بقانون الشعوب لترسيخ العلاقات بين الشعوب وهو نتيجة من نتائج استقلال القضاء

فقد ظهر "قانون الشعوب" (Jus Gentium) في الحضارة الرومانية القديمة (حوالي 242 ق.م) كاستجابة عملية لتوسع الإمبراطورية وزيادة الأجانب المتعاملين مع الامبراطورية، مما جعل قانون الألواح الإثني عشر الصارم غير صالح للتطبيق.

فأنشأ الرومان منصب "البريتور" (منصب قضائي) للفصل في منازعات الأجانب، مستمدين مبادئ هذا القانون من قواعد عامة وعادلة خالية من الشكليات، دمجت بين القانون الروماني واليوناني ومبادئ القانون الطبيعي، فتشكل من احكام البريتور ما عرف بقانون الشعوب.

خامساً- وفي العصر الحديث:

أدى التطبيق الموضوعي لمبدأ الفصل بين السلطات وحمايته للحريات العامة والإقتصادية الى تطور هائل في كافة مجالات الحياة والعلم البحثي النظري والتكنلوجي، وهذا هو نفسل ماحصل في دول الغرب وشرق اسيا ومنها اليابان وكوريا الحنوبية، تبعاً لمبدأ  الحتمية الذي يعني "أن توفر مجموعة من الشروط ضمن مجموعة من الظروف يؤدي إلى نتائج معينة.

وتكرار نفس الشروط ضمن نفس الظروف سوف يؤدي إلى نفس النتائج حتما مما يتيح فرصة التنبؤ بحدوث الظواهر قبل وقوعها "

فلكل ظاهرة علمية علة (سبب) أدت إلى وجودها، حيث تربط علاقة مباشرة بين السبب والأثر، هذا يعد قانونا علمياً ورفضه يعني إلغاء العقل والعلم.

إن رفض الحتمية يؤدي مباشرة إلى الوقوع في الصدفة التي تعد تبريرا للجهل (التفكير الساذج).

إن ترسيخ هذا المبدأ بحماية قضائية ودستورية يكفل التطور المنشود في بلادنا، ويضع الأمور في نصابها المحدد.

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب السابق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية.

.........................

The principle of separation of powers and the inevitability of evolution.

رقمنة الدولار؛ أخطر انقلاب مالي احتيالي منذ نصف قرن تديره إدارة ترامب لإنقاذ الدولار بتوزيع ديون أميركا الهائلة "37 ترليون دولار" على شعوب العالم: هل ينقذ قانونُ جينيس آكت"GENIUS Act» الدولارَ من مصيره المحتوم؟

قبل أسابيع، صوّت مجلس الشيوخ الأميركي، لمصلحة تمرير هذا القانون لتنظيم العملات الرقمية المستقرة. هذه الحروف"GENIUS" هي اختصار لعبارة إنكليزية ترجمتها هي "توجيه وترسيخ الابتكار الوطني للعملات المستقرة الأميركية". وهذا يمثل أول انتصار تشريعي كبير لصناعة الأصول الرقمية في الولايات المتحدة وتحديدا لقطاع الكريبتو المشبوه بالفساد ومع ترامب شخصيا كما سنوضح. وهذا الأخير - كريبتو- هو سوق مالي رقمي لا مركزي يعتمد على تقنية «البلوكتشين» والتشفير لتأمين المعاملات وإصدار العملات الرقمية مثل البيتكوين والإيثيريوم، بعيداً عن سيطرة الحكومات.

عن هذا الموضوع الذي يعادل الانقلاب المالي الذي حدث في زمن الرئيس الأميركي نكسون والذي جعل الدولار بلا غطاء ذهبي. أعددت لكم هذا التقرير مما اطلعت عليه من معلومات وأخبار:

* عن علاقة الولايات المتحدة بالغطاء الذهبي للعملات نعلم الآتي: في ظل إدارة الرئيس "فرانكلين روزفلت الذي حكم لفترات متتالية من 4 آذار - مارس 1933 حتى وفاته في 12 نيسان - أبريل 1945" انسحبت البلاد من نظام "معيار الذهب" في عام 1933 في محاولة أخيرة لإنعاش النمو الاقتصادي شبه المنهار آنذاك. ولكن في نهاية الحرب العالمية الثانية انضمت الولايات المتحدة مجدداً إلى "معيار الذهب" كجزء من موافقتها على اتفاقية "بريتونوودز". هذه الاتفاقية ربطت العملات بالدولار الأمريكي، الذي كان مدعوماً بالذهب، وأسفرت عن إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ولكنها انهارت في 1971 بسبب ما سمّي «صدمة نيكسون» وإلغاء الغطاء الذهبي للدولار.

* صدمة نيكسون: بتاريخ 13 من أغسطس/آب عام 1971، عقد الرئيس نيكسون اجتماعاً سرياً في كامب ديفيد مع رئيس الاحتياطي الفيدرالي "آرثر بيرنز" ووزير الخزانة "جونكونالي" جنباً إلى جنب مع مستشارين رفيعي المستوى في البيت الأبيض. وبعد ذلك التاريخ بيومين، وتحديداً مساء الأحد الموافق 15 أغسطس/آب 1971، وافق "نيكسون" على سلسلة من التدابير الاقتصادية، أهمها كان إلغاء التحويل الدولي المباشر من الدولار الأمريكي إلى الذهب واعتبار القوة العسكرية والاقتصادية الأميركية العامة هي الضامن للدولار ينهار بانهيارها. وقد تسببت هذه الصدمة ببدأ ارتفاع ديون الولايات المتحدة بشكل جنوني ومعها ارتفعت نسب التضخم المرضي حتى بلغت الديون رقما فلكيا يتراوح بين 35 و37 تريليون دولار وهي ترتفع سنويا بمقدار 2 ترليون و250 مليار دولار تقريبا.

* القانون الجديد لرقمنة الدولار الذي حظي بموافقة 68 عضواً مقابل 30، يضع لأول مرة إطاراً اتحادياً يحاول تنظيم العملات المرتبطة بالدولار الأميركي، ويفتح الباب أمام شركات خاصة لإصدار "دولارات رقمية" تحت إشراف حكومي مباشر. هذه الخطوة شكلت صدمة كبيرة للجمهور، وهو ما دفع البعض لاحقاً لتسميتها "صدمة نيكسون". وعلى الفور، ارتفع مؤشر "داو جونز" الصناعي يوم الإثنين بنحو 4 % لأول مرة في تاريخه، وسجل حجم التداولات بالبورصة الأمريكية رقماً قياساً بلغ 31.7 مليون سهم.

* تم تمرير القانون بعد حملة ضغط مكثفة من قطاع الكريبتو، الذي ضخ نحو 250 مليون دولار في دورة انتخابات 2024 لدعم ما يُعتبر الآن أكثر كونغرس مؤيد للعملات الرقمية في تاريخ البلاد. ورغم فشل الديمقراطيين في منع الرئيس السابق دونالد ترامب من الاستفادة من الأصول الرقمية، إلا أن القانون النهائي يمنع فقط أعضاء الكونغرس وأسرهم من ذلك (ولا يمنع الرئيس. ع.ل). وكشفت إفصاحات مالية أن ترامب حقق أكثر من 57 مليون دولار في 2024 من مبيعات رموز رقمية مرتبطة بمنصة "وورلد ليبرتي فاينانشال"، ويملك ما يقارب 16 مليار رمز حوكمة قد تصل قيمتها إلى مليار دولار. وتشمل إمبراطورية ترامب الرقمية أيضاً عملة  $TRUMP، وخزينة بيتكوين بقيمة 2.5 مليار دولار، وصناديق (ETF ) مقترحة، وشركة تعدين جديدة باسم "أميركان بيتكوين".

ما الذي يتضمنه القانون؟ يفرض متطلبات صارمة في الظاهر وتشمل:

- دعم كامل بالاحتياطات النقدية

- تدقيقات مالية شهرية

- التزام صارم بقوانين مكافحة غسل الأموال

كما يتيح القانون لمجموعة واسعة من الجهات، من البنوك إلى شركات التكنولوجيا المالية وتجار التجزئة الكبار، إصدار عملات مستقرة أو دمجها في أنظمة الدفع الخاصة بهم.

* انقسام سياسي حاد حول القرار: أثار القانون جدلاً سياسياً حاداً، حيث اتهم السيناتور الديمقراطي جيف ميركلي الجمهوريين بـ"إضفاء الشرعية على فساد ترامب في الكريبتو"، بعد فشل محاولاته لتمرير تعديل يمنع المسؤولين المنتخبين من الاستفادة الشخصية من الأصول الرقمية.

وقدم الديمقراطيون في مايو مشروع قانون مضاد بعنوان "إنهاء فساد الكريبتو"، يهدف إلى حظر تعامل المسؤولين الحكوميين وأسرهم مع العملات الرقمية.

* ثورة في أنظمة الدفع: العملات المستقرة، التي تمثل 99% منها عملات مربوطة بالدولار، أصبحت تهدد أنظمة الدفع التقليدية بفضل قدرتها على تسوية المعاملات فورياً وبكلفة منخفضة. وقد تجاوزت قيمة المعاملات باستخدام العملات المستقرة 28 تريليون دولار العام الماضي، متفوقة على "فيزا" و"ماستركارد" مجتمعتين.

وقد ذكر متخصصون أن هذه العملات تختلف عن التي تصدرها البنوك المركزية. وتوقعوا أن تصدر مؤسسات كبرى مثل أمازون ومكروسوفت وغيرهما لإصدار عملاتها الخاصة، والخاسر الأكبر سيكون البنوك التي لا تتوافق مع هذه التطورات.

* يكتب الخبير المالي محمد موسى في صحيفة "صوت لبنان": قانون "جنيس آكت"، تقني مالي في ظاهره… وتحول عالمي في جوهره إلا أن القراءة المتأنية لمضمونه وسياقه التاريخي والجيوسياسي تكشف أنه يحمل أبعادًا أعمق بكثير. فهذا القانون لا يعالج قطاعًا ماليًا ناشئًا فحسب، بل يؤشر إلى تحوّل جذري في بنية النظام النقدي والمالي العالمي، وقد يكون من أخطر التحولات منذ فك ارتباط الدولار بالذهب عام 1971في ذلك العام، اتخذ الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون قرارًا تاريخيًا عُرف بصدمة نيكسون، أنهى فيه العلاقة بين الدولار والذهب، وأسّس لنظام العملات الورقية الإلزامية.

* اليوم، وبعد أكثر من خمسين عامًا، لا يبدو أن واشنطن تتراجع عن هذا النموذج، بل تقوم بتحديثه وتطويره عبر أدوات رقمية أكثر كفاءة وانتشارًا. في هذا الإطار، يأتي قانون جينيوس ليمنح العملات المستقرة شرعية قانونية كاملة، بشرط أن تكون مدعومة باحتياطيات قائمة أساسًا على سندات الخزانة الأميركية قصيرة الأجل.

* هذا الشرط هو جوهر التحول الجديد، إذ يحوّل الطلب العالمي على الدولار الرقمي إلى طلب مباشر ومنهجي على الديون الحكومية الأميركية. وبهذه الآلية، لم يعد تمويل العجز الأميركي يعتمد فقط على الدول الكبرى أو المصارف المركزية، بل أصبح مرتبطًا بملايين الأفراد والشركات حول العالم.

* وهكذا، تنتقل الولايات المتحدة من مرحلة طباعة الدولار داخل نظامها المصرفي، إلى مرحلة تصنيع الطلب العالمي عليه عبر الفضاء الرقمي. (بدلا من طبع المزيد من دلارات ورقية لا غطاء ذهبيا لها يتم إنتاج دولارات رقمية لا قيمة ولا ورق لها.ع.ل)

* إن هذا النموذج يسمح لواشنطن بتخفيف الاعتماد على طباعة النقود التقليدية، وما يرافقها من ضغوط تضخمية داخلية، لكنه في المقابل يوزّع كلفة هذا التوسع النقدي على مستخدمي الدولار الرقمي في مختلف دول العالم. وبذلك، تتحول السياسة النقدية الأميركية من سياسة وطنية ذات آثار عالمية غير مقصودة، إلى سياسة عالمية تُمارَس بشكل غير مباشر عبر الأدوات الرقمية.

* من هنا جاءت التحذيرات التي صدرت عن مسؤولين روس، ومن بينهم مستشارين للرئيس فلاديمير بوتين، والحقيقة انها لم تأتِ من فراغ. فقد جرى التحذير من دفع العالم نحو ما يشبه السحابة المالية الخاضعة للإدارة الأميركية.

* ففي النظام المالي التقليدي، تمر الأموال عبر مصارف وطنية تخضع لقوانين محلية، وتعتمد على شبكات دولية لتحويل الأموال، ما يترك هامشًا من السيادة والقدرة على المناورة. أما في النظام الجديد القائم على العملات المستقرة، فإن الأموال تتحول إلى وحدات رقمية تعمل على شبكات سلسلة الكتل وتُدار عبر شركات مُصدِرة ملزمة بالقانون الأميركي.

* وهكذا، لا يعود الدولار مجرد أداة تبادل أو مخزن للقيمة، بل يتحول إلى أداة نفوذ سياسي واقتصادي مباشر. فأي تراجع في قيمة الدولار أو توسع في كتلته النقدية لن تتحمل نتائجه الولايات المتحدة وحدها، بل سيتوزع على كل من يحتفظ بهذه العملات في الخارج، فيما يمكن وصفه بأنه تدويل للتضخم (Globalized inflation).

* في المقابل، لا تشير هذه التحولات إلى انهيار وشيك للدولار، بل إلى إعادة تشكيل دوره. فالدولار لا يفقد مكانته، بل يتحول إلى صيغة رقمية أكثر مرونة وانتشارا، خصوصًا في الدول التي تعاني من ضعف عملاتها الوطنية..

* أما الدول النامية، فتواجه في هذا السياق مخاطر مضاعفة. فسهولة الوصول إلى الدولار الرقمي قد تؤدي إلى تسارع ظاهرة الدولرة بصيغة رقمية، ما يضعف قدرة الدول على إدارة سياساتها النقدية، ويزيد من هشاشة اقتصاداتها، ويفتح الباب أمام أزمات مالية واجتماعية حادة. وفي المقابل، تستفيد الولايات المتحدة من هذا الانتشار الواسع للدولار الرقمي في تثبيت الطلب على ديونها العامة وتأجيل معالجة أزمتها البنيوية.

* خلاصة القول إن قانون جينيوس لا يمكن فهمه كتشريع مالي معزول، بل كجزء من إعادة هندسة شاملة للنظام الدولي. نحن أمام تشكّل نظام سياسي ومالي ونقدي واقتصادي جديد، تُعاد فيه صياغة أدوات القوة، وتُستبدل فيه البوارج العسكرية بالخوارزميات، والعملات الورقية بالسيولة الرقمية القابلة للبرمجة.

* وعليه نحن لا نعيش مجرد تحديث تقني مالي، إنه انتقالُ تاريخيٌ في معنى المال والسلطة والسيادة. وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون المعرفة ترفًا فكريًا، بل شرطًا أساسيًا للبقاء في عالم تتغيّر قواعده بسرعة هائلة نحو حافة الهاوية.

* وقد حاولت إحدى المدونات "كوثر كوكي" على مواقع التواصل الاجتماعي أن تبسط المعلومات السالفة في عبارات سهلة وواضحة فكتبت: "إن هذا القرار هو أخطر حدث مالي في التاريخ الحديث تحاول الولايات المتحدة من خلاله إذابة دين مقداره 36 تريليون دولار، وإعادة إحكام السيطرة على الاقتصاد العالمي، من خلال قانون GINEUS Act

* قانون يبدو تقنيًا في ظاهره، لكنه في الحقيقة قد يكون أكبر تحول نقدي منذ 1971 "صدمة نيكسون". لأن هذا القانون يفتح الباب أمام أمريكا لتمويل عجزها التجاري والمالي عبر Stable- coins مدعومة بسندات الخزانة — بطريقة أذكى وأهدأ من طباعة الدولار التقليدية.

* في السابق، كانت هذه العملات تعمل في منطقة رمادية. لكن القانون الجديد يضفي عليها الشرعية الكاملة، بشرط واحد جوهري: أن تكون احتياطيات هذه العملات مدعومة بشكل أساسي بسندات الخزانة الأمريكية قصيرة الأجل والديون الحكومية.

هنا تكمن المعجزة المالية لواشنطن: فالولايات المتحدة تعاني من عجز ديون هائل يتجاوز 35 تريليون دولار. لتمويل هذا العجز، تحتاج الحكومة دائمًا إلى مشترين لسنداتها. في الماضي، كانت الصين واليابان والسعودية هم المشترين الكبار. لكن مع تراجع شهية هذه الدول للديون الأمريكية، ظهرت فجوة خطيرة.

* قانون جنيس آكت يخلق "مشتريًا جديدًا ومصطنعًا" لا يشبع: مستخدمو الإنترنت حول العالم. مثلا: مواطن في الأرجنتين يريد حماية مدخراته من التضخم، فيشتري دولارات رقمية ستابلكوان. أو شركة في فيتنام تستخدم هذه العملات للدفع لمورد في نيجيريا لتسريع التسوية. كل دولار رقمي يتم إصداره لتلبية هذا الطلب العالمي، يجب أن يُقابل بشراء سندات خزانة أمريكية من قبل الشركة المصدرة. النتيجة؟ كلما زاد اعتماد العالم على الدولار الرقمي، زاد الطلب التلقائي على الديون الأمريكية. هذا يعني أن واشنطن وجدت طريقة لتمويل عجزها المالي ليس عبر طباعة النقود (التي تسبب تضخمًا محليًا مباشرًا)، بل عبر توسيع قاعدة مستخدمي الدولار ليشمل كل شخص لديه هاتف ذكي وإنترنت، دون الحاجة لفتح حساب بنكي تقليدي.

* الرسالة واضحة: عصر "الاحتفاظ بالكاش" تحت البلاطة أو في حسابات بنكية راكدة قد انتهى. نحن في عصر تتصارع فيه القوى العظمى على "قيمة ما في جيبك". الدولار يعيد تسليح نفسه تقنيا، والذهب يتمسك ببريق آلاف السنين، والبيتكوين يبني سفينة نوح رقمية. في هذا المشهد المعقد، المعرفة ليست ترفًا، بل هي درعك الوحيد. لا تكن مجرد متفرج بينما تُعاد صياغة قواعد المال العالمي". انتهى الاقتباس.

* أختم بالقول؛ إن العديد من المتخصصين الماليين والاقتصاديين يشكون في أن هذا التطور أو الانقلاب المالي على الصعيد العالمي سينقذ الدولار وبالتالي الاقتصاد الدولاري من أمراضه وأزماته المستعصية ولن يشفيه من الهشاشة التي يعاني منها فهذا النظام المسمى "جينيس آكت" سينقل الدولار الورقي عديم الغطاء الذهبي بأمراضه وازماته وديونه وتضخمه إلى دولار إلكتروني رقمي أكثر هشاشة وأكثر عرضة للانهيار ولكن على المستوى العالمي هذه المرة. والمرجح أن الدول الكبرى الصاعدة اقتصاديا وخصوصا في مجموعة البريكس لن تتفرج على هذا التطور الخطير والذي تقوم الولايات المتحدة من خلاله بتحميل وتوزيع ديونها على دول العالم أجمع دون وجه حق أو مبرر غير القوة المسلحة والسلاح النووي بحوزتها، وستلجأ دول العالم المتضررة بكل تأكيد للقيام بفك ارتباطها بالعملات الرقمية الدولارية الأميركية وتصنع هي ذاتها عملات رقمية محلية خاصة بها وقابلة للتحويل عن طريق النظام الصيني "بريكس بي" وغيره.

***

علاء اللامي - كاتب عراقي

توجهات الذكاء الاصطناعي وتحدياته كانت محوراً بارزاً في نقاشات «المنتدى الاقتصادي العالمي»، خلافاً للاعتقاد الذي ساد قبيل انعقاده، وفحواه أن سخونة الأجواء السياسية لن تفسح مجال نقاش لغيرها.

ومنذ إنشاء المنتدى الذي ينعقد سنوياً في مدينة دافوس السويسرية، كان الاقتصاد هو الموضوع الرئيس لأعماله. لكن السياسة الدولية تأخذ هي الأخرى اهتماماً غير قليل، بالنظر لكثافة حضور السياسيين وقادة الدول، فضلاً عن رؤساء الشركات الكبرى، الذين يهمهم معرفة اتجاه السياسة الدولية، من فم صناعها، وليس نقلاً عنهم.

يتأثر الاتجاه العام للمنتدى بالهموم الكبرى التي تشغل بال النخبة. ومن هنا، فإن بروز الذكاء الاصطناعي على أجندة المنتدى في السنوات الثلاث الأخيرة، يوضح أن شريحة مؤثرة من نخبة العالم، لا سيما بين رجال الأعمال والأكاديميين والمفكرين، تتعامل معه كتحدٍ جدي لنظم الاقتصاد والثقافة السائدة في العالم كله.

تتخذ نقاشات الذكاء الاصطناعي مسارات متنوعة، فبعضها يركز على معنى أن تكون الآلة ذكية، وإمكانية أن تتجاوز ذكاء البشر، أو حتى أن تتحول من أداة تنفذ إرادة صانعيها، إلى قوة مستقلة عنهم. وثمة نقاشات تهتم بالوظائف التي ستزول أو تتقلص مع توسع الأجهزة الذكية وقيامها بالكثير من الأعمال التي ما زالت تعتمد على الجهد البشري، الفكري والبدني. إضافة بالطبع إلى النقاشات الخاصة بالجبروت الذي يمكن أن ينشأ عن تمركز الأنظمة الفائقة الذكاء في عدد قليل من الدول، واحتمال أن تستثمرها في إخضاع المجتمعات الأخرى.

أسهمت تلك النقاشات في تشكيل فهم متقارب، لأبرز التحديات والتحولات التي يتوقع أن يشهدها العالم، في ظل النفوذ المتفاقم لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في تفاصيل حياتنا اليومية، من التجارة إلى التعليم والطب والهندسة والبحث العلمي، وغيرها. ومع تبلور فهم توافقي، تتجه النقاشات الأحدث إلى مسائل أكثر عمقاً، لا سيما تلك المتعلقة بتأثيره المحتمل على أنماط العيش وعلاقة الناس ببعضهم، واتجاهات الثقافة.

تسهِم الأنظمة الفائقة الذكاء في تقليص المسافة بين الفكر والعمل، بل إلغائها في حالات كثيرة؛ ما يتيح وقتاً أوسع لعمل الإنسان ويزيد من تطلعاته. لكن هذه الإضافة بالذات تجعل الوسيلة، أي الآلة، مؤثرة في تحديد موضوع العمل ومنتجاته، وبالتالي فهي تسهِم بعمق أكبر في إعادة تعيين المسار الاقتصادي وطرق التعامل بين الناس.

لتوضيح هذه المسألة، انظر كيف أن دخول السيارة في سوق العمل أثر على اتجاهات العمل وقيمته، وعلاقة العاملين مع بعضهم ومع أرباب عملهم. ويقال الشيء نفسه عن تأثير الهاتف النقال على العلاقات بين الناس، فقد زاد التعاملات التجارية، حين اختصر المسافة الزمنية بين الفكرة والعمل والناتج، لكنه – في الوقت نفسه - غيّر إلى حد كبير مضمون وكيفية علاقة الناس ببعضهم، بل أثر أيضاً على مواضيع العلاقة بين الناس.

هذا النوع من التأثير يثير أسئلة جدية حول قدرة الإنسان على التحكم في حياته، بما فيها القيم الناظمة لعلاقته مع جيرانه وأصدقائه وشركائه، والقضايا التي تدور حولها هذه العلاقة. لا ينبغي أن يقتصر النقاش في أمر كهذا على الجانب التقني، كما لا ينبغي أن نقتصر على إظهار القلق أو تخويف بعضنا بعضاً. نحن في حاجة إلى تكرار التأكيد على المبادئ الجوهرية التي تدور حولها حياة الإنسان، وكفاحه اليومي من أجل حياة أفضل. ولا شك أن أبرز تلك المبادئ وأعلاها أهمية هي بقاء الإنسان مسيطراً على مصيره، ساعياً إلى تعزيز كرامته، محافظاً على استقلال إرادته.

التأكيد على هذه المبادئ ضروري جداً في عالم تديره الآلات، أو تشكل القوة الحاسمة في تلبية احتياجاته. نحن في حاجة إلى التساؤل دائماً عما إذا كنا نسعى للتطور المادي؛ لأنه هدف بذاته، أو من أجل زيادة المال، أم لأنه يخدم هدفاً أعلى، يتعلق مباشرة بالوجود الإنساني، أي تعزيز كرامة الإنسان وبقائه في مركز الوجود.

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

 

الرئيس خوسيه موخيكا إنموذجاً

في زمن تتكاثر فيه صور الحاكم المتعالي، المتشبث بالسلطة، المنفصل عن واقع شعبه، تبرز شخصية الرئيس الأوروغواياني خوسيه (بيبي) موخيكا بوصفها استثناءً أخلاقيا وسياسيا نادرا، لا لأنه امتلك كاريزما خطابية صاخبة أو قوة عسكرية، بل لأنه قدّم نموذجا مختلفا لمعنى السلطة نفسها. لقد تحوّل موخيكا، الذي لُقّب بـ (الرئيس الفقير)، إلى رمز عالمي للإنسان المعتدل، غير الدكتاتور، وغير السارق لبلده وشعبه، في عالم باتت فيه السلطة مرادفا للثراء الفاحش والقمع والفساد.

لم يكن موخيكا سياسيا تقليديا جاء من أروقة النخب المغلقة، بل ابن تجربة إنسانية قاسية ومعقدة. عاش سنوات طويلة من النضال، والسجن، والعزلة، وتعرّض لأقسى أشكال القمع في بلده خلال فترات الحكم العسكري. هذه التجربة لم تحوّله إلى حاكم انتقامي أو متعطش للسلطة، بل صقلت لديه وعيا عميقا بقيمة الحرية، وبحدود القوة، وبأن الإنسان يمكن أن يربح الكثير حين يتخفف من وهم الامتلاك والسيطرة.

حين وصل موخيكا إلى رئاسة الأوروغواي، لم يتعامل مع المنصب بوصفه امتيازا، بل مسؤولية أخلاقية. رفض الإقامة في القصر الرئاسي، وفضّل أن يعيش في منزله الريفي المتواضع، ويقود سيارته القديمة، ويتبرع بمعظم راتبه الرئاسي لمشاريع اجتماعية. لم يكن هذا السلوك استعراضا إعلاميا، بل امتدادا طبيعيا لقناعة راسخة لديه بأن الحاكم الذي ينفصل عن حياة الناس اليومية يفقد تلقائيا قدرته على فهمهم وخدمتهم.

في عالمنا اليوم، حيث يقاس (نجاح) القادة بعدد القصور التي يملكونها، والحسابات البنكية التي يكدسونها، والتحالفات العسكرية التي يبرمونها، يبدو نموذج موخيكا صادما ومربكا. فهو لم يقد بلاده عبر التخويف أو عسكرة المجتمع، ولم يحتج إلى صناعة عدو دائم ليبرر بقاءه في السلطة. بل على العكس، آمن بأن الاستقرار الحقيقي ينبع من العدالة الاجتماعية، ومن بناء الثقة بين الدولة والمواطن، لا من القمع ولا من تكميم الأفواه.

لم يكن موخيكا معصوما من الخطأ، ولم تكن تجربته مثالية أو خالية من التحديات، لكنه قدّم نموذجا نادرا لرئيس لا يرى في الشعب وسيلة للبقاء في الحكم، بل غاية للحكم نفسه. لقد حكم بلاده وهو يدرك أن السلطة مؤقتة، وأن ما يبقى في النهاية هو الأثر الأخلاقي والإنساني، لا عدد السنوات في الكرسي. لذلك غادر الحكم بهدوء، دون أن يورّث السلطة، أو يغيّر الدستور، أو يزرع الألغام السياسية لمن يأتي بعده.

إن لقب (الرئيس الفقير) الذي أُطلق على موخيكا لا يعكس فقرا ماديا بقدر ما يعكس غنى أخلاقيا نادرا. ففي زمن تُنهب فيه ثروات الدول باسم الوطنية، ويُدفع فيه الشباب إلى الهجرة، وتُترك الشعوب في الجوع واليأس، اختار موخيكا أن يكون رئيسا يعيش مثل مواطنيه، لا فوقهم. لم تتراكم الثروات في عهده، ولم تُستنزف البلاد في مغامرات عسكرية أو صراعات عبثية، بل ساد منطق الدولة التي تسعى إلى تحسين حياة الناس، لا استعراض القوة عليهم.

وإذا قارنّا هذا النموذج بما تشهده كثير من الدول اليوم، نرى الفارق الأخلاقي الهائل. رؤساء وحكام يتحدثون باسم الوطنية، بينما يهرّبون الأموال، ويتركون بلدانهم غارقة في الديون، والحروب، والانقسامات، ويحوّلون السلطة إلى وسيلة للإثراء الشخصي أو العائلي. في مقابل ذلك، يقدّم موخيكا صورة الرئيس الوطني الحقيقي، الذي يفهم الوطنية بوصفها التزاما بخدمة الإنسان، لا شعارا يُرفع لتبرير الفشل أو القمع.

لقد كان موخيكا ناقدا شرسا للنزعة الاستهلاكية التي تحكم العالم المعاصر، وكان يرى أن كثيراً من أزمات البشر ناتجة عن الجشع، لا عن نقص الموارد. هذا الوعي لم يكن خطابا فلسفيا مجردا، بل ممارسة سياسية انعكست في سياساته الاجتماعية، وفي طريقته البسيطة في العيش. كان يؤمن بأن الدولة لا يمكن أن تطلب من الناس التقشف بينما يعيش حكامها في ترف فاحش، وأن العدالة تبدأ من القمة.

ما يجعل تجربة موخيكا ملهمة ليس فقط سياساته، بل لغته الصادقة، غير المتعالية. كان يتحدث كبشر يخاطب بشرا، لا كزعيم يعتلي منصة. لم يُقسّم شعبه إلى خونة وموالين، ولم يُشيطن معارضيه، بل اعتبر الاختلاف جزءا طبيعيا من الحياة السياسية. وهذا بحد ذاته درس عميق في زمن تحوّلت فيه السياسة إلى ساحة كراهية وتخوين.

إن الحديث عن خوسيه موخيكا اليوم ليس مجرد استعادة لسيرة رئيس سابق، بل هو تذكير بأن السياسة يمكن أن تكون أخلاقية، وأن السلطة لا يجب أن تعني الفساد، وأن الوطنية لا تُقاس بعدد الشعارات، بل بمدى حماية كرامة الإنسان. فموخيكا لم يترك بلدا غارقا في الحروب، ولا شعبا هاربا عبر البحار، بل ترك تجربة تقول إن الحكم يمكن أن يكون خدمة، لا غنيمة.

في عالم عربي وعالمي مثقل بخيبات الأمل، تبدو سيرة موخيكا كمرآة مؤلمة، لكنها ضرورية. مرآة تطرح سؤالا بسيطا وعميقا في آن واحد: هل المشكلة في شعوبنا، أم في نماذج الحكم التي فُرضت علينا؟ لقد أثبت (الرئيس الفقير) أن الفقر الحقيقي ليس قلة المال، بل غياب الضمير، وأن أغنى الرؤساء هم أولئك الذين يخرجون من السلطة وأيديهم نظيفة، وبلدانهم أقل وجعا، وشعوبهم أكثر أملا.

ويمكن إضافة بُعد آخر لتجربة خوسيه موخيكا يجعلها أكثر راهنية اليوم، وهو قدرته على الفصل بين الزهد الشخصي والشعبوية الزائفة. فموخيكا لم يستخدم بساطته لاستدرار العاطفة أو لتلميع صورته، ولم يحوّل فقره الشخصي إلى أداة دعائية، بل ظل حريصا على التأكيد أن جوهر التجربة ليس في نمط العيش بحد ذاته، وإنما في معنى السلطة وحدودها. كان يقول بوضوح إن المشكلة ليست في المال، بل في أن يتحول المال إلى هدف للحكم، وأن يُختزل الإنسان في كونه وسيلة للربح أو البقاء السياسي.

كما أن تجربة موخيكا تكشف أن الاعتدال لا يعني الضعف، وأن التواضع لا يتناقض مع الحزم في اتخاذ القرار. فقد استطاع أن يقود بلاده ضمن مؤسسات ديمقراطية مستقرة، وأن يمرر إصلاحات اجتماعية واقتصادية دون اللجوء إلى القمع أو التخويف. وهذا ما ينسف الفكرة السائدة لدى كثير من الحكام بأن الاستبداد شرط للاستقرار، وأن القسوة ضرورة للحكم.

إن استحضار موخيكا اليوم ليس نوعا من الحنين الرومانسي، بل دعوة لإعادة التفكير في معايير القيادة السياسية. ففي عالم تزداد فيه الفجوة بين الحاكم والمحكوم، يذكّرنا هذا الرجل بأن أبسط أشكال النزاهة قد تكون أكثر ثورية من أعنف الخطب، وأن أخطر ما يهدد الأوطان ليس الفقر وحده، بل حكام لا يشبهون شعوبهم، ولا يشعرون بآلامهم، ولا يرون في الوطن سوى مورد يُستنزف لا أمانة تُصان.

***

د. عصام البرّام

بين القومية والمواطنة.. رؤية يسارية لبدائل التحرر

المقدمة: يشهد الشرق الأوسط صراعات قومية دموية خلفت ملايين الضحايا والمشردين. تمثل القضية الكردية أحد أهم هذه الصراعات، حيث يتوزع الأكراد على أربع دول: تركيا، إيران، العراق، وسوريا. السؤال الجوهري: ما الحل الممكن الآن للقضية الكردية؟ هل في بناء دول قومية منفصلة، أم في النضال من أجل دولة المواطنة والحقوق المتساوية؟

كان هناك ولا يزال اضطهاد قومي صارخ ضد الأكراد. في العراق، بلغت الوحشية ذروتها في حملات الأنفال وقصف حلبجة بالأسلحة الكيماوية وسياسات "التعريب". في سوريا، الحزام العربي وإحصاء 1962 الذي جرد مئات الآلاف من جنسيتهم، واليوم في كانون الثاني 2026، يتجدد هذا المسار عبر الهجوم العسكري على مناطق سيطرة قسد. في تركيا، تصنيف الأكراد كـ"أتراك الجبال" وتدمير آلاف القرى. في إيران، القمع المركب تحت النظام الثيوقراطي والإعدامات والتهميش الاقتصادي.

لكن هذه السياسات لم تستهدف الأكراد وحدهم، فالدكتاتورية التي تسحق الهوية الكردية هي ذاتها التي تقمع كافة المواطنين. النضال ضد الاضطهاد القومي جزء من النضال العام ضد الاستبداد الطبقي والسياسي. مواجهة الاضطهاد الحقيقي لا تتحقق عبر استبدال قومية مهيمنة بأخرى، وإنما عبر تفكيك أسس الدولة القومية الإقصائية نفسها، وبناء دولة ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية.

من ''القومية المظلومة'' إلى سلطة حاكمة

في إقليم كردستان العراق، تحولت ''القومية المظلومة'' إلى سلطة حاكمة تواجه اتهامات بممارسات قمعية وفساد منظم. الحزبان الرئيسيان كرسا بنية حكم عائلية عشائرية. اندلعت حرب أهلية دموية بينهما (1994-1998) راح ضحيتها آلاف الأكراد، سببها الصراع على النفوذ والموارد وليس التحرر القومي. الفساد مستشر، والرواتب منقطعة لأشهر، والتظاهرات الشعبية ضد البطالة والفساد تُقمع، فيما يستمر الحزبان في احتكار ثروات الإقليم.

في سوريا، تحولت قسد إلى سلطة تتركز بيدها القرارات السياسية والعسكرية، مع هامش محدود للتعددية. رغم إصلاحات تقدمية في الجوانب الاجتماعية ومشاركة المرأة، لكنها بقيت محكومة بسقف طبقي وسياسي، ولم تمس جوهر بنية السلطة القائمة على الاحتكار السياسي. سُجلت انتهاكات لحقوق الإنسان، منها تجنيد الأطفال والاعتقال وقمع وتعذيب المعارضين.

الخطاب القومي خرج من كونه أداة تحرر، وتحول إلى غطاء أيديولوجي لتبرير الاستبداد وقمع المعارضين، وإعادة إنتاج علاقات السيطرة نفسها. المظلومية القومية التاريخية لا تمنح صك غفران لأي سلطة لتمارس القمع. تحول ''القومية المظلومة'' إلى ''أداة قمع واستبداد'' يمثل الهزيمة الأخلاقية الكبرى للمشروع التحرري، ويثبت أن الخلل في بنية الدولة القومية الإقصائية ذاتها.

تهميش النضال الطبقي وخطر الحروب الأهلية

الصراعات القومية تحمل خطر دفع المجتمعات نحو التعصب وحروب أهلية، تكون فيها الجماهير الكادحة وقوداً لصراعات لا تخدم مصالحها. الخطاب القومي الإقصائي يحول الصراع من صراع طبقي بين الجماهير الكادحة والطبقات الحاكمة، إلى صراع قومي وهوياتي زائف. الصراعات القومية أداة فعالة لإضعاف النضال الطبقي وتفكيك الوعي الاجتماعي للجماهير، وإلهائها عن قضاياها اليومية المرتبطة بالحقوق والعمل والرواتب والخدمات والعدالة الاجتماعية.

تحت غطاء الدفاع عن القومية، يتم تهميش الصراع الطبقي، وتبرير الاستغلال، وتحصين السلطات من المساءلة. تتحول الأزمات الاقتصادية والفساد والاستبداد من نتاج سياسات طبقة ملموسة إلى نتائج ثانوية لصراع قومي مفتعل. هكذا تؤدي الصراعات القومية إلى تصاعد خطاب الحرب والكراهية، وتفريغ النضال الاجتماعي من مضمونه، وقطع الطريق أمام بناء حركة طبقية يسارية موحدة عابرة للقوميات. مهمة اليسار هي الاستناد إلى الهوية الإنسانية والأممية، والتضامن مع معاناة جميع المدنيين ضحايا الدكتاتورية والحروب، بغض النظر عن العرق أو الدين أو الطائفة. التضامن الانتقائي، الذي يحصر التعاطف في عرق أو طائفة معينة، تفكير لا إنساني زائف، يساهم في تكريس التعصب، وتعميق الانقسام، وإضعاف أي مشروع تحرري قائم على العدالة والمساواة.

هل الدولة القومية ممكنة الآن؟

الظروف الموضوعية غير مناسبة لمشروع الدولة القومية الكردية. المناطق الكردية محاطة بقوى إقليمية معادية (تركيا، إيران، والدول العربية)، ولا تملك الحركات القومية دعماً دولياً حقيقياً. الدعم الأمريكي ظرفي ومرتبط بمصالح آنية. حتى لو تحققت دولة كردية، ما الذي يضمن بقاءها في ظل إحاطتها بدول استبدادية، أو يضمن عدم تحولها إلى نموذج دكتاتوري جديد؟ التجربة في إقليم كردستان العراق وسوريا شاخصة: حكم عشائري-حزبي، ممارسات استبدادية، فساد واسع، وانتهاكات لحقوق الإنسان.

من الضروري التحدث بوضوح عن حقيقة ديموغرافية: كثير من المناطق ليست ذات أغلبية قومية واحدة. كيف يمكن بناء مشروع قومي على أراض جزء من سكانها من قوميات أخرى؟ هذه المشكلة تخلق توترات حادة، وتفتح الباب لاتهامات بممارسة "التعريب" و"التكريد" و"التتريك". من الصعب بناء دولة قومية في مناطق متعددة القوميات دون خلق ظلم قومي جديد.

المراهنة على الدول الكبرى وبالأخص أمريكا

بعض الحركات القومية الكردية بنت ومازالت كثيرا من مشاريعها على الدعم الامريكي. امريكا، كأكبر قوة رأسمالية في العالم، تدعم معظم الانظمة الرجعية، ولم تكن يوما في صف الشعوب المضطهدة. وجودها في المنطقة يهدف اساسا الى ضمان مصالحها الاستراتيجية وتعزيز هيمنتها. تحالف امريكا مع القوى الكردية في سوريا والعراق جاء لسد فراغ ناتج عن غياب قوات برية امريكية كبيرة.

في الآونة الاخيرة، شهد هذا التحالف في سوريا تحولا واضحا باتجاه احمد الشرع والحكومة المركزية، علما ان الشرع لم ينتخب ديمقراطيا، وكان حتى وقت قريب على قائمة الارهاب العالمي، وهو ما يكشف بوضوح ان امريكا لا تهتم الا بمصالحها الاستراتيجية، ولا علاقة لها بالديمقراطية او القيم الانسانية التي تدعيها. هذا التحالف وقتي وهش، تحكمه المصالح الامريكية، ويضفي شرعية على التدخل الامريكي.

السياسة الأمريكية تنطلق من مصالحها الاستراتيجية، وليس من التزام أخلاقي تجاه الشعوب. لدينا أمثلة كثيرة على تخليها عن حلفائها: الأكراد في العراق عام 1975، والأفغان بعد انسحاب السوفييت. المراهنة على القوى الرأسمالية الكبرى مراهنة على ''سراب سياسي''. هذه القوى لا ترى في الحركات القومية ''حلفاء''، وإنما ''بيادق'' في رقعة شطرنج جيوسياسية، تباع وتشترى في صفقات الغرف المظلمة.

دولة المواطنة والحقوق بهوية إنسانية

يجب التمييز بين المطالبة بالحقوق الثقافية واللغوية والإدارية للأكراد وبقية الأقليات، وبين المطالبة بدولة قومية منفصلة. هذه الحقوق مطالب مشروعة يجب أن يدعمها كل يساري، من الاعتراف الدستوري بالتعددية إلى اللامركزية الإدارية. النضال من أجلها في ظل التوازنات الجيوسياسية القائمة من الأنسب أن يكون في إطار دولة مواطنة متساوية عابرة للقوميات والأديان. البديل الممكن اليوم ليس في بناء دول قومية جديدة تعيد إنتاج الانقسامات، وإنما في دولة المواطنة التي تحيد القومية والدين عن السلطة، وتقيد تشكيل الأحزاب على أسس قومية أو دينية، ليكون محور النضال هو سيادة القانون والمساواة والعدالة الاجتماعية.

هذا الانتقال مسار تدريجي يتطلب آليات دستورية واضحة تضمن عدم عودة المركزية. من هنا يبرز نموذج الفيدرالية الجغرافية (الإدارية) كبديل للفيدرالية القومية؛ بحيث تمنح الأقاليم سلطات واسعة في إدارة شؤونها، مما يفرغ الصراع من شحنته العرقية ويحوله إلى تنافس على الرفاه. ويجب أن يقترن ذلك بـ"الدسترة الشاملة للهويات" لضمان الحقوق الثقافية لكل المكونات، وبناء مؤسسات رقابية وقضاء مستقل.

التجارب الدولية تثبت إمكانية بناء هذا النموذج؛ فسويسرا نجحت عبر اللامركزية في استيعاب أربع لغات رسمية، وجنوب أفريقيا اختارت المواطنة، وفي الهند وبوليفيا وإسبانيا، نجد محاولات لإدارة التنوع عبر الحكم الذاتي والاعتراف بالتعددية دون تفكيك الدولة. هذه الأمثلة ليست مثالية، لكنها تؤكد أن البديل عن الدولة القومية الإقصائية ليس حلماً طوباوياً، وهو مشروع قابل للتحقيق.

قد يُطرح أن دولة المواطنة حلم طوباوي في ظل الواقع الحالي. لكن هذا الاعتراض يتجاهل حقيقة أساسية: مشروع الدولة القومية المنفصلة هو الأكثر طوباوية في الظروف الراهنة. الحديث عن دولة كردية مستقلة ومستقرة ومحاطة بدول معادية، دون دعم دولي حقيقي، وفي مناطق متعددة القوميات، حلم بعيد المنال. أما دولة المواطنة فمشروع تدريجي واقعي يبدأ بخطوات ملموسة: دسترة الحقوق القومية، بناء مؤسسات ديمقراطية، تطبيق اللامركزية، وتعزيز سيادة القانون.

لا يعني هذا التقليل من أهمية الهوية القومية أو معاداة الحقوق القومية المشروعة. ليست هنا المطالبة بإلغاء الهوية القومية، وإنما الدعوة إلى عدم تحويلها إلى أساس لبناء السلطة وإلى أداة للتمييز والإقصاء. الهوية القومية حق ثقافي ولغوي يجب حمايته، لكن الدولة يجب أن تُبنى على أساس المواطنة المتساوية لا على أساس الانتماء العرقي. المسألة في رفض استخدام الهوية القومية كغطاء لتبرير الاستبداد أو لتحويل الصراع الاجتماعي إلى صراع قومي يخدم مصالح النخب الحاكمة.

حق تقرير المصير والعقلانية الواقعية

مع تأييدي الكامل للحق الشرعي للشعب الكردي وكل الشعوب لتقرير المصير بما فيه الانفصال، إلا أنني لا أرى أن الظروف العالمية والإقليمية مناسبة الآن للانفصال وإعلان دول قومية جديدة. علينا أن ننبذ الوحدة القسرية وأن ندعم التعايش والوحدة الطوعية على أساس المواطنة المتساوية، وفي نفس الوقت نؤيد حق تقرير المصير، إذا كان سيعطي حقوقاً ومساواة أكثر وحياة وأماناً أفضل وصراعات أقل.

هذا الموقف ليس معاداة للتحرر القومي الكردي أو تقليلاً من عدالة قضيته التاريخية، وإنما دفاع عن جوهر التحرر نفسه من التشويه الذي تلحقه به المشاريع البرجوازية القومية حين تحول النضال التحرري إلى سلطة واستبداد وفساد. في الظروف الراهنة، الجماهير الكادحة تُجر إلى حروب وصراعات قومية، وستتعرض لأزمات اقتصادية وسياسية أعمق من أجل كيانات قومية قد تواجه خطر التحول إلى نموذج استبدادي آخر.

كماركسيين ويساريين، علينا أن نتعامل بعقلانية علمية وندرس الظروف المحلية والإقليمية والدولية، وموازين القوى الطبقية وقدراتنا وقدرات "أعدائنا"، والإمكانيات الواقعية لتحقيق الحلول. يجب تجنب جر الجماهير إلى حروب قومية خاسرة ومدمرة، حيث إنها لن تخلق غير المآسي الكبيرة للمدنيين وخسائر بشرياً واقتصادياً وسياسياً وعسكرياً لكل الأطراف. الاستناد إلى العقلانية والواقعية ضروري، وليس إلى "البطولات القومية" و"العزة القومية" و"مواجهة العدو القومي بكل السبل". هذا الخطاب لا يحقق النصر، وإنما يجر الجماهير إلى مزيد من الحروب والدمار.

مهمات اليسار وبناء البديل داخل دولة المواطنة

مهمتنا كيسار اليوم هي فصل خطنا عن كل أطراف الصراع القومي، والنضال من أجل دولة تقوم على المواطنة والحقوق المتساوية والعدالة الاجتماعية واحترام حقوق الإنسان، لا على أساس قومي أو طائفي. الطريق طويل وصعب، لكنه الطريق الوحيد القادر على الوصول إلى حل حقيقي ومستدام للمسألة القومية، بعيداً عن الحروب والصراعات التي لا تنتج سوى المآسي للجماهير.

يمكن لليسار أن ينظم نفسه عملياً عبر بناء تنظيمات سياسية ونقابية وجماهيرية عابرة للقوميات والطوائف، تنطلق من المصالح المادية المشتركة لشغيلات وشغيلة اليد والفكر، وتربط النضال من أجل الحقوق القومية بالمعركة الاجتماعية ضد الاستغلال والفساد والاستبداد وتحقيق البديل الاشتراكي. هذا المسار يتطلب استقلالاً سياسياً وتنظيمياً كاملاً لليسار عن كل أشكال القوى البرجوازية ذات الخطاب القومي، والعمل اليومي على توحيد الجماهير الكادحة حول برنامج ملموس للمساواة والعدالة الاجتماعية واللامركزية الديمقراطية والحريات.

الشعوب في منطقتنا ليست في حالة صراع فطري، ولم تولد محكومة بالكراهية والانقسام، وإنما هي ضحية لعمليات تجييش وتعبئة قومية منظمة، حيث تُدفع الجماهير الكادحة من مختلف القوميات إلى صراعات قومية دموية، لتتحول التضحيات الشعبية إلى وقود لتثبيت كراسي طغم برجوازية تتخذ من الخطاب القومي ستاراً لحماية مصالحها الطبقية. معركتنا الرئيسية ليست لتغيير الرموز القومية، ولا لون العلم، ولا لغة الحاكم، وإنما لتفكيك قيود الاستبداد والاستغلال والتعصب من جذورها، وبناء فضاء ديمقراطي اشتراكي إنساني يتسع للجميع. الطريق إلى حقوق الكردي وحريته يمر حتماً عبر حقوق وحريات جاره العربي والتركي والسرياني والإيراني، في ظل دولة لا تسأل المواطن عن أصله، وتضمن له خبزه وحريته، وتحترم كرامته الإنسانية.

***

رزكار عقراوي (يساري كردي من كردستان العراق)

أخذ الإسلام السّياسي، في أكثر مِن بلاد، وقته ودوره في السُّلطة، بعد تقديم شعاراته في المعارضة، أنه سيحقق العدل الإلهيّ على الأرض، ويثبّت الدِّين في قلوب الزائغين، لكن لو حقق العدالة، مثلما قدّمها، وهو في المعارضة، لا يأتي اليوم الذي يثور عليه الذين جذبتهم شعاراته، فأخيراً النَّاس لا تعلك الأفكار أو العقائد، المقدسة أو غير المقدسة، بل ينتظرون التنمية، وعدم جعلهم مشاريع استشهاد، لأجل العقيدة.

مارست ذلك الأحزاب، مِن خارج الإسلام السياسيّ، أيضاً، لكنَّ الأخير مسؤوليته أكبر وأخطر، لأنه ربط عقيدته السّياسية بالله والدين، إذا انتصر فهو بانتصار الدِّين وتأثيره في النَّاس، وإذا فشل حُسبَ فشله على الدّين أيضاً، وهنا يظهر الفصل عنده بين المؤمن والملحد، وفق القُرب منه والبُعد عنه، حتّى لو كان البعيد، المخالف له، حجةً مِن حجج الإسلام وفقهاءه الكبار، فالقيمة ليست المنزلة في الدين إنما المنزلة في السياسة، والمعارض أو المختلف السياسيّ، مهما كان متديناً يغدو متآمراً كافراً، لأنه اختلف مع العقيدة الدينية السياسية، والشّواهد كثيرة.

روي لما «أفضى الأمر إلى عبد الملك بن مروان، والمصحف في حجره يقرأه، فأطبقه، وقال: هذا آخر عهد بك»(البغدادي، تاريخ مدينة السَّلام)، وهي إشارة واضحة أنه سيحكم النَّاس بأسس دنيوية، فالسّياسة والحُكم لهما شأنهما، والروايات تذكر أن عبد الملك كان مشروع فقيه، قبل أن يتولى الخلافة بقليل (المصدر نفسه). وربّما معترض يشكك في الرواية، مع أنَّ الخطيب البغدادي (463هج) نقل الرواية بأسانيد ومِن وجوه مختلفة، لكنه يكفي أن المعلومة بُحثت ودوِّنت في القرن الخامس الهجري.

كذلك ينقل عن الصَّحابي ثُمامة بن عَدِي(بعد 35هج)، أمير صنعاء في عهد عثمان بن عفان(23-35هج)، لما بلغه قتل الخليفة، بعد الانحراف عن بساطة الحكم والمشورة: «طال بكاؤه، ثم قال: هذا حين انتزعت خلافة النَّبوة، من أمة محمَّد (ص) وصارت مُلكاً وجبرية! مَن غلب على شيء أكله»(ابن عبد البر، الاستيعاب)، يغلب على الظَّن أن الوصف ينطبق على الإسلام السياسي، فما السُّلطة في كلِّ صنوفها إلا مغالبة، وحتى الانتخابات التي تريد الأحزاب الدينية النفاذ عبرها إلى السُّلطة هي مغالبة ومفاضلة، وصرف مال وتقديم هذا على ذاك، واستخدام الشّعارات الدّينية فيها لإغراء النّاخبين.

لم يُقدم الإسلام السياسيّ، وقد نال السّلطة لعقود في أكثر مِن مكان وعلى اختلاف المذاهب، النموذج المتكافئ مع العقيدة الدّينية، لأنه سيحكم بالسّياسة لا بالدين، مثلما أشار إلى ذلك ما نُقل عن عبد الملك بن مروان. قد تبيح السِّياسة ما يمنعه الدِّين، في شأن تطبيق العدالة، وهي - أي السُّلطة - بيدها القوة التي تتفرد بها، لتحمي نفسها بشتى السُّبل، وهي تُصيب وتخطئ.

ولأبي العلاء المعري(449هج) ما يُعبر عن الحال: «جَهولٌ بالمَناسِكِ ليس يَدري/أغَيّاً باتَ يَفْعَلُ أم رَشادا/ طَموحُ السّيفِ لا يخْشَى إلهاً/ ولا يَرجو القِيامَةَ والمَعادا»(لزوم ما لايلزم)، والسَّيف هو السُّلطة، سواء كان صاحبها متديناً أو غير متدين، هذه حقيقة مارسها فقهاء كبار عندما تسلموا الزِمام، أباحوا وحرّموا حسب ما اقتضته الّسياسة لا الدّين.

لا نعتبر الجميع، مِن الأحزاب الإسلاميّة، اتخذوا مِن الدّين ستراً، فمنهم مَن اعتقد صادقاً أن السياسة والدّين متلازمان، هذا في المعارضة، لكن عندما جاءت السُّلطة واجهوا الوهم، ولم يفعلوا ما فعله عبد الملك بن مروان، فتعدوا خشية الله لضرورة الحُكم، وكم قُتل مِن رجال الدّين بسيف السلطة الدينية نفسها.

بيد أنَّ الجماهير نفسها، التي صدّقت بالشعارات الدّينية، عادت وثارت عليها، لأنَّ ما طُبق سياسة لا دين، فالأحزاب العقائديَّة جميعاً عندما تقرأ نظرياتها قد تجد فيها مثالية «جمهورية أفلاطون»، لكن عند مواجهة الواقع، تباح «الفرعنة» مِن أجل حماية النّظام، وعندها تخسر هذه القوى السُّلطة والدِّين معاً.

***

رشيد الخيّون - كاتب عراقي

المثقف بين الصمت والمقاومة

حين يتحالف الجهل مع القوة لا يعود الظلم حادثة عابرة بل يتحول الى نظام مستقر والى منطق يفرض نفسه بوصفه قدرا لا يسال.  فالقوة في ذاتها ليست شرا ولا خيرا انها طاقة محايدة لا تكتسب معناها الا بما يسكنها من وعي او بما يفرغها منه الجهل.  وحين تمنح هذه الطاقة لمن لا يرى ابعد من حدود مصلحته الضيقة تصبح سيفا اعمى يضرب في كل اتجاه بلا بوصلة اخلاقية ولا حس بالمسؤولية

اخطر اشكال الجهل ليس ذلك الذي يجهل فحسب بل ذاك الذي يرفض ان يتعلم ويخاصم المعرفة ويستبدل السؤال باليقين الزائف.  انه جهل نشيط عدواني يتسلح بالقوة ليحمي اوهامه ويستخدم النفوذ ليسكت العقل ويستعين بالضجيج ليخفي خواءه وحين يمتلك هذا الجهل سلطة سياسية او نفوذا تقنيا او منبرا جماهيريا فانه لا يكتفي بتشويه الحقيقة بل يعيد تشكيل الواقع نفسه على صورة الوهم.

في هذا السياق تنهار العدالة لا لان الاقوياء ظلموا فقط بل لان العارفين صمتوا. فالصمت حين يطول يتحول من حياد مفترض الى تواطؤ غير معلن. وعندما ينسحب المثقف من المجال العام يترك فراغا لا تملؤه الحكمة بل تملؤه الاصوات الاعلى والاكثر تبسيطا والاشد تطرفا

 هكذا لا تهزم العدالة بضربة واحدة بل تتآكل تدريجيا تحت وطأة القوة العمياء والجهل الواثق من نفسه

القوة بلا وعي اخلاقي لا تعرف الرحمة لانها لا تعرف الانسان انها ترى الافراد ارقاما والاختلاف تهديدا والسؤال جريمة اما المعرفة فهي النقيض العميق لهذا العمى ليست ترفا ذهنيا ولا زخرفة ثقافية بل فعل مقاومة انها القادرة على نزع الشرعية عن الوهم وكشف زيف الادعاء واعادة الاعتبار للحق والانصاف

ان مواجهة تحالف الجهل والقوة لا تكون بالعنف بل باصرار العقل على الحضور وبشجاعة السؤال وبمسؤولية الكلمة. فالمعرفة حين تقترن بالوعي الاخلاقي تصبح قوة مضادة لا تهدم بل تصلح ولا تقصي بل تنقذ وفي عالم يتكاثر فيه النفوذ اسرع من الحكمة يبقى الرهان الحقيقي على ان يستعيد العقل مكانه وان يرفض المثقف الصمت لان العدالة لا تحمى الا حين تجد من يدافع عنها باسم الانسان لا باسم القوة

وفي النهاية يبقى الخطر الحقيقي ليس في ان يمتلك الجاهل قوة بل في ان تترك هذه القوة بلا مساءلة وبلا عقل يواجهها فالتاريخ لا يصنع فقط بايدي الطغاة بل ايضا بتخاذل من كانوا قادرين على الفهم ولم يفعلوا وعلى الكلام فاثروا الصمت ان العدالة لا تموت فجاة بل تختنق ببطء حين يسلم مصيرها للقوة العمياء ويقصى عنها الوعي

لهذا فان الدفاع عن المعرفة ليس ترفا فكريا بل واجبا اخلاقيا وموقفا وجوديا في وجه الفوضى فحين يتقدم العقل تتراجع الوحشية وحين يرفع السؤال يسقط الوهم وحين يتكلم المثقف تفقد القوة الجاهلة قدرتها على الادعاء

 ان انقاذ العدالة يبدا من هنا.. من كسر الصمت ومن تحويل المعرفة الى فعل والوعي الى مقاومة حتى لا يظل الجهل سيدا ولا تبقى القوة بلا روح

وفي قلب هذا الصراع بين الجهل والقوة ينهض دور المثقف الحقيقي بوصفه ضمير المجتمع لا زينته ولا صوته الدعائي. فالمثقف ليس شاهدا محايدا على الخراب ولا مراقبا باردا لتاريخ يصنعه غيره بل هو فاعل اخلاقي يحمل مسؤولية الكلمة حين تصبح الكلمة فعلا وموقفا. انه من يرفض ترويض عقله او تأجيره للسلطة او تدجينه بالشهرة ويصر على ان يبقى وفيا للحقيقة حتى حين تكون مكلفة.

المثقف الحقيقي هو من يقف في المسافة الصعبة بين القوة والجماهير لا ليغازل هذه ولا ليخضع لتلك بل ليكشف الاوهام ويفضح التبسيط ويدافع عن حق السؤال في عالم يقدس الاجوبة الجاهزة. انه من يحول المعرفة الى وعي عام ومن يجعل التفكير حقا مشاعا لا امتيازا نخبويا ومن يدرك ان اخطر اشكال الخيانة ليست في الخطا بل في الصمت.

وحين يقوم المثقف بدوره لا تعود القوة مطلقة ولا الجهل مسيطرا فالكلمة الواعية تضع حدودا للبطش وتكسر هيبة الزيف وتعيد للعدالة معناها الانساني. هكذا لا يكون المثقف مكملا للمشهد بل شرطا لاصلاحه ولا يصبح وجوده ترفا ثقافيا بل ضرورة تاريخية لان المجتمعات لا تنقذها القوة وحدها ولا تحميها النوايا بل يحررها عقل شجاع يرفض ان يصمت حين يجب ان يتكلم.

***

ابتهال عبد الوهاب

توضيحات مهمة جدًا عن مفهومين حساسين، قد أسيء فهمهما في عالمنا العربي؟

للأسف، قامت نخبنا السياسية والثقافية بالتعامل مع مفهومي (حق تقرير المصير والنظام الاتحادي) بسطحية، ما جعلهما عرضة للتوظيف الخارجي من أجل تفكيك مجتمعاتنا ودولنا. هنا إعادة صياغة مركزة للمعلومات الأساسية التي جرى تجاهلها أو التعتيم عليها:

أولًا، (مبدأ حق تقرير المصير): هنالك خطأ كبير سائد عن هذا المبدأ، أنه: (من حق أية جماعة متميزة بلغتها، دينها أو عموم ثقافتها، أن تطالب بحق الانفصال أو كيان خاص بها)!

بالحقيقة أن هذا المبدأ قد تم طرحه من قبل (الرئيس الأمريكي ويلسون) عام 1918 ضمن مبادئه الأربعة عشر، والمقصود به هو التالي: (أنه من حق بلدان اوربا الوسطى والشرقية تكوين دولها المستقلة، وذلك بعد سقوط الإمبراطوريات العثمانية والنمساوية المجرية والروسية). ثم بعدها تم تطبيقه على البلدان المستعمرة من قبل الإمبراطوريات الأوروبية المتحاربة، مثل فرنسا وإنكلترا وغيرها. وهذا الذي حصل باستقلال عشرات المستعمرات، حربًا وسلمًا، ومنها بلداننا العربية.

الجميع يدرك بأنه من المستحيل تطبيق هذا المبدأ على جميع بلدان الأرض، لأنه سيؤدي إلى انفجار عشرات الحروب الداخلية والعالمية بسبب استحالة الاتفاق السلمي بين الجماعات المختلفة. يكفي أن نعرف أنه حاليًا هنالك (195) دولة في الأمم المتحدة، ولكن هنالك (7000) لغة حية، و(5000) مجموعة أقوامية قديمة موزعة في 90 بلدًا. (لمزيد من المعلومات، ابحث عن: لغات وأعراق العالم).

علمًا بأن (الولايات المتحدة) نفسها، رغم وجود عشرات الجماعات العرقية واللغوية والدينية المختلفة، فإنها لم تمنح لها (حق تقرير المصير)، لأن (النظام الاتحادي) لم يقم على أساس هذه الجماعات المختلفة، بل على أساس تقسيمات إدارية بريطانية قديمة. ثم إن (الحرب الأهلية أعوام 1861 - 1865) قد قامت بسبب رفض الدولة المركزية لمحاولة انفصال الولايات الجنوبية. وهنالك أمثلة عالمية كثيرة سوف نذكرها.

ثانيًا، النظام الاتحادي (الحكم الذاتي الفدرالي والكونفدرالي)

وهذا المفهوم، أيضًا قد شاع تفسيره بصورة خاطئة وخطيرة: من حق أي جماعة متميزة لغويًا ودينيًا أن تطالب بتكوين كيانها الخاص شبه المستقل، أي (حكم ذاتي: فدرالي أو كونفدرالي).

ولكن الحقيقة أن هذا التفسير ليس هو المقصود بسبب استحالة تطبيقه، لنفس السبب السابق. بل إن المقصود والمعمول به تقريبًا في عدة دول منها في أوروبا وأمريكا هو التالي:

أنه من حق الجماعات التي كانت مستقلة سابقًا، ولكن قد تم ضمها، سلمًا أو حربًا، إلى الدولة الأكبر. وهذه بعض الأمثلة:

- (مملكة بريطانيا) التي تكونت من اتحاد طوعي عام 1707 بين (مملكة اسكتلندا) و(مملكة إنكلترا). ولهذا كان يحق ل-(اسكتلندا) المطالبة بالاستفتاء عام 2014 على الاستقلال الذي انتهى بالفشل.

- لنا مثل آخر قريب جدًا: (اتحاد سوريا ومصر: 1958 - 1961) الذي انتهى بالانفصال.

- اتحاد مملكتي (الدنمارك والنرويج: 1814 - 1905) الذي انتهى بالانفصال.

- (الاتحاد السويسري 1848) الذي تكون حربًا وسلمًا بين (دويلات) منفصلة.

- الاتحاد الألماني، الذي تكون من ممالك وإمارات ألمانية مختلفة اتحدت بالتدريج سلمًا وحربًا، بين (1815 و1871).

- الاتحاد الهندي: بالحقيقة أن الهند قبل الاستعمار البريطاني (1858 - 1947)، لم تكن دولة واحدة، بل من عدة ممالك وإمارات مختلفة مثل (مملكتي المغول ودلهي)، بل حتى أثناء الاحتلال البريطاني كانت هناك 500 مملكة مستقلة، ولكنها تدفع (الجزية) إلى التاج البريطاني.

(نظام الدولة الواحدة المركزية) هو السائد في العالم

غالبية دول العالم، رغم وجود التنوعات الأقوامية فيها، ومنها بلدان أوروبية مثل: رومانيا، وإيطاليا، وهنغاريا، لم تعمل بالنظام الاتحادي. كذلك إيران وأفغانستان وتركيا وعشرات غيرها في قارات العالم. كلها تتبع (النظام المركزي: الدولة الواحدة بوزارات واحدة)، ولكن مع اختلاف درجة الحقوق الإدارية والثقافية الممنوحة للمحافظات، وهذه بعض الأمثلة:

- فرنسا، رغم التعدد اللغوي التاريخي كالبريتونية والأوكسيتانية والباسكية والكورسية، تأسست الدولة الحديثة منذ ثورة 1789 على مبدأ السيادة الواحدة، والأمة الواحدة، واللغة الواحدة، مع رفض صريح لأي صيغة اتحادية.

- إسبانيا ليست دولة اتحادية بالمعنى الدستوري، بل دولة موحدة تعتمد (لامركزية واسعة) عبر نظام الأقاليم ذات الحكم الذاتي المحدود، منذ دستور 1978، مع بقاء السيادة واحدة وغير قابلة للتجزئة.

- السويد، دولة موحدة مركزية، اعترفت بأقليات لغوية مثل الفنلنديين والساميين بحقوق ثقافية محدودة، دون أي تقاسم للسيادة أو بنية اتحادية.

- الصين، رغم وجود عدة قوميات بلغات مختلفة، تتراوح أعداد بعضها بين 7 ملايين مثل (التبت)، و(20) مليون مثل (الزووانغ)، لكن الدولة مركزية مع بعض الحقوق الإدارية واللغوية المختلفة.

***

سليم مطر - جنيف

https://selimmatar.com/

 

السحابة الإلكترونية، الانترنيت، رأس المال السحابي، الذكاء الاصطناعي، الذكاء التوليدي

في هذه المقالة سأدرج لكم أدناه عددا من التعريفات المهمة في هذا الميدان. وقد أخذتها عن مصادر رصينة وشائعة وحاولت تبسيطها إلى الدرجة الممكنة والتي لا تخل بجوهرها العلمي فيتحول التبسيط إلى تسطيح. وفي هذا الجزء سنتوقف عند تعاريف: الإقطاع التقليدي الزراعي، ثم الإقطاع التكنولوجي - الرقمي، والسحابة الإلكترونية:

1-الإقطاع "feudalism": هو نظام اجتماعي واقتصادي وسياسي ساد في أوروبا خلال العصور الوسطى، يقوم على علاقة هرمية بين طبقات المجتمع (الملوك، النبلاء، رجال الدين، والفلاحون) يرتكز على تملك وحيازة الأراضي للإقطاعي وخدمات الولاء والعمل العسكري، حيث يمتلك النبيل (الإقطاعي) الأرض ويسمح للفلاحين بزراعتها مقابل الحماية وتقديم جزء من المحصول والعمل، ما يؤدي إلى تبعية الفلاحين للأرض وللإقطاعي.  هو إذن نظام اقتصادي اجتماعي تاريخي يقوم على ملكية السادة للأراضي الواسعة وعمل الفلاحين أو الأقنان فيها مقابل الحماية والمأوى، مع تبعية الفلاح للأرض، وهو نظام هرمي يتسم بالاستغلال واللامساواة،

الخصائص الأساسية للإقطاع الزراعي:

-هيكله الهرمي: الملك في القمة يمنح الأراضي (الإقطاعيات) للنبلاء، الذين بدورهم يقسمونها لطبقات أدنى، وصولاً إلى الفلاحين والعبيد.

-علاقة الولاء: أساس النظام الإقطاعي هو الولاء الشخصي؛ فالتابع يقسم بالولاء لسيده مقابل الأرض والخدمة.

-اقتصاد زراعي: يعتمد بشكل رئيسي على الزراعة والإنتاج الريفي، مع وجود حرف وصناعات بسيطة.

-الخدمات مقابل الأرض: يحصل الفلاحون على "حماية" من السيد الإقطاعي مقابل العمل في الأرض وتقديم جزء كبير من الإنتاج للسيد.

-الضيعة الإقطاعية: وهي الوحدة الاجتماعية الأساسية للنظام، وتتكون من أرض الإقطاعي، الأراضي المزروعة، مساكن الفلاحين، والمرافق الأخرى.

أطراف نظام الإقطاع وأدوارهم:

1-الملك (السيّد الأعلى): في قمة الهرم، يملك كل الأرض ويمنحها للنبلاء (البارونات).

2-النبلاء (السادة الكبار/البارونات -اللوردات): يتلقون أراضٍ من الملك ويصبحون تابعين له، ثم يمنحون أجزاء منها لفرسان أو تابعين أقل، ويفرضون سلطتهم على هذه الأراضي.

3-الفرسان (السادة الصغار/التابعين): يتلقون أراضي (إقطاعات) من النبلاء ويقدمون لهم الخدمة العسكرية، ويحكمون الأقنان العاملين في أراضيهم.

4-الفلاحون (الأقنان/العبيد): يعملون في الأرض مقابل الحماية والسكن، لا يملكون الأرض بل عملهم وعبء التبعية، ويعتمدون على النبلاء الذين يستغلونهم في تأمين الإنتاج.

5-رجال الدين (الكنيسة): يمتلكون نفوذًا روحيًا وسياسيًا، ويؤثرون في العلاقات بين الطبقات، حسب السياق الأوروبي.

أهمية مصطلح الإقطاعية: يشير مصطلح "الإقطاعية" غالبا إلى هذا النظام في أوروبا واليابان. أما في الشرق الإسلامي وحتى ما قبل الإسلام فلا تسود الحالة الإقطاعية الصريحة بل هناك ما سماه ماركس "نمط الإنتاج الآسيوي"، وسماه سمير أمين "نمط الإنتاج الخراجي" وتسمية أمين أدق وفي هذا النمط لا تعود ملكية أو رقبة الأرض للإنسان بل لله، والإنسان مستخلف فيها يستغلها فإن توقف عن استغلالها خرجت من يده. وظهرت في العهد العباسي والعثماني ظاهرة الإقطاع – ويمكن ان نسميه الاستقطاع حيث يستقطع الخليفة ضباطه وقادته المهمين أراض معينة لتكون ملكا لهم يستغلونها في الزراعة أو غيرها، ولكن هذه الظاهرة ظلت محدودة.

2-الإقطاع التكنولوجي "Technological feudalism": هو مصطلح يصف نظاماً اقتصادياً حديثاً معاصراً تتحكم فيه شركات التكنولوجيا الكبرى (مثل أمازون ، ميتا –غوغل - ميكروسوفت ) بالبنية التحتية الرقمية (المنصات والبيانات والشبكات)، وتستخلص "ريعاً" (إيجارا) من ملايين الأفراد وآلاف الشركات التي تستخدم هذه البنية، بدلاً من الاعتماد على الربح الرأسمالي التقليدي، مما يخلق علاقة تبعية وولاء تشبه علاقة الإقطاعيين التقليديين "الزراعيين" بالفلاحين، حيث يسيطر "الإقطاعيون الرقميون" على "الأرض الرقمية/ فضاء الانترنيت" ويستغلون بيانات ملايين الناس لصنع نفوذهم وثرواتهم، كما يوضح الاقتصاديان اليوناني يانيس فاروفاكيس والفرنسي سيدريك دوران.

مفاهيم أساسية في الإقطاع الرقمي:

* أسياد المنصات الرقمية: شركات مثل أمازون وجوجل وفيسبوك، التي تسيطر على مساحات حيوية على الإنترنت، بحسب دار الساقي.

* التبعية (القنانة الرقمية): المستخدمون والشركات يعتمدون بشكل كبير على هذه المنصات، ويصبحون "أقنانًا" مضطرين لدفع "إيجارات" (ببياناتهم وسلوكهم) مقابل الوصول إليها، كما يشير موقع 0.

* الريع الرقمي: الثروة التي تأتي من استخراج البيانات والتحكم في تدفق المعلومات بدلاً من الإنتاج المباشر، حيث تدفع الشركات جزءًا من إيراداتها لـ "أصحاب السحابة".

* السلطة الهيمنية الجديدة: هذه الشركات تمتلك قوة تتجاوز سلطة الدول أحيانًا، وتتحكم في مصائر الأفراد والأسواق، مما يعيد إنتاج منطق السيادة الإقطاعية.

 3- السحابة الإلكترونية "Cloud Computing" هي سحابة افتراضية مجازية وكناية عن شبكة إلكترونية معقدة تنشأ في فضاء الانترنيت لتقديم خدمات حوسبة – مثل الخوادم، التخزين، قواعد البيانات، الشبكات، والبرمجيات. وتكون بدلاً رخيصا وبكفاءة جيدة لأجهزتك المحلية، مما يتيح الوصول إليها من أي مكان وفي أي وقت باستخدام نموذج الدفع حسب سعة الاستخدام، وهي تسمح بالتخزين، النسخ الاحتياطي، وتشغيل التطبيقات دون الحاجة لامتلاك البنية التحتية نفسها.

تعمل هذه السحابة من خلال الخوادم والمراكز: الشركات الكبرى مثل Amazon Web Services (AWS) وGoogle التي تدير مراكز بيانات ضخمة تحتوي على خوادم قوية. يمكن للمستعمل لها الوصول إليها عبر الإنترنت "شبكة الويب" بدلاً من خادمك المحلي.

وتقد السحابات الخدمات حسب الطلب: تحصل على الموارد التي تحتاجها (مساحة تخزين، قوة معالجة) عند الطلب، وتدفع فقط مقابل ما تستخدمه.

فمثلا، حين تكون بحاجة إلى تخرين أرشيفك الصوري والوثائقي، ولا تكفيك المساحة المجانية التي يمنحونها في العادة كطُعم تلجأ إلى شركات مثل غوغل درايف ودروبوكس...إلخ لتستأجر مساحة في خوادمهم وحين تكون بحاجة إلى تطبيقات مثل Gmail, Office 365" لتشغيل البرامج عبر المتصفح.

أنواع السحابة:

1- السحابة الشعبية أو العام: موارد هذه السحابة مشتركة تقدم من قبل مزودي الخدمة مثل " AWS, Google Cloud"

2- السحابة الخاصة: وتكون ذات بنية تحتية إلكترونية مخصصة لمؤسسة واحدة، توفر أماناً أكبر.

3- السحابة المختلطة من العامة والخاصة: وهي مزيج من السحابة العامة والخاصة.

وترى جينيفر والتر إن "السحابة الإلكترونية كما نعرفُها الآن لم تكن مألوفة حتى أواخر القرن الواحد والعشرين إلا أن تسميتها كانت مُتداولة منذ التسعينيات إلا أنه لم يُعرف صاغ هذا الاسم أولاً! يكمن الغرضُ الأساسي من السحابة الإلكترونية وبالنسبةِ لأغلب المستهلكين في تخزين البيانات وبشكلٍ آمن نسبياً في موقع بعيد يمكنُ الدخول إليه عند الحاجة.

حيثُ أن مبدأ عمل هذه السحابة مشابهٌ إلى فكرة تخزين الممتلكات الثمينة في خزنات البنوك إلا أن الشخص ليس مضطراً لقصدِ مبنى مُعين لاسترداد ملفاته، بل بدلاً من ذلك، يُمكنه الوصول إلى البيانات المُخزنة على خادم مُعتمد على السحابة الإلكترونية من خلال أي جهاز مُتصل بالإنترنت ومن أي مكان في العالم". وتضيف: "أن السحابة الإلكترونية تتمتع بكونِها أفضل من حيث السعة وسهولة الوصول وخصوصاً بعد توفيرِ خدمة إمكانية الاشتراك برسوم إضافية لتوفير مساحة تصلِ إلى عدة تيرابايت (وهي وحدة قياس السعة التخزينية في الكومبيوتر.. إلا أنه وبالرُغم من ذلك قد شهِد العقد الماضي وقوع بعضِ الأحداث ومن أبرزِها انقطاع خدمات شبكة أمازون في عام 2013، بالإضافة إلى حوادث السرقة للصور الشخصية التي شهدتها سنة 2014، للعديد من المشاهير/ ترجمة صفحة "باحثون عراقيون".

***

علاء اللامي

 

يوم زار الشيخ محمد مهدي شمس الدين رئيس المجلس الشيعي الأعلى لندن في العام 1995 لمقابلة الأمين العام للأمم المتحدة بطرس غالي، أقام له صديقه الحميم السيد محمد بحر العلوم رئيس مركز آل البيت الإسلامي، لقاءً مصغّرًا حضره عددًا من الشخصيات، عرض خلاله الأوضاع الصعبة التي يعيشها لبنان، وخصوصًا الجنوب المبتلى، ولعلّ الاقدار الغاشمة جعلته إلى اليوم يعيش ظروفًا أشدّ قسوةً.

خلال حديثه البالغ الثراء طرح شمس الدين فكرة استعادة الدولة في لبنان، ولاسيّما بتشديده على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، طبقًا للقرار 425 الصادر في العام 1978، دون أن ينسى حق المقاومة المشروع في الدفاع عن الأرض والمقدّسات، وصولًا لبلوغ هدف التحرير، وهو الامر الذي ما يزال النقاش حوله دائرًا إلى يومنا الحالي.

وما لفت انتباهي في حديث شمس الدين هو ما سمعته منه عن فكرة المقاومة المدنية الشاملة كاستراتيجية لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وهي فكرة سبق له أن روّج لها خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان ومحاصرة العاصمة بيروت في العام 1982، وقد ردّد أكثر من مرّة هذه الفكرة لوضعها في سياقها الوطني الجامع.

وعن دور الشيعة، كان رأيه، الذي عاد وبلوره على نحو واضح قبل رحيله بكتيّب صدر عن دار النهار، قدّم له الصحافي والدبلوماسي الكبير غسان تويني، ومثّل رؤية استشرافية لإشكالية المواطنة والتمييز، ضرورة اندماجهم في مجتمعاتهم، مؤكدًا أن هويّة شيعة لبنان ينبغي أن تكون لبنانية، وكذلك هويّة شيعة العراق عراقية، وكذا الحال شيعة البحرين والمملكة العربية السعودية والكويت وغيرها.

لقد استبعد شمس الدين فكرة مشروع خاص للشيعة، سواء كان سياسيًا أم أمنيًا أم عسكريًا، مشددًا عليهم التماهي مع الدولة، وحين تتحقّق الدولة العادلة يكون الشيعة أسوةً بغيرهم قد أخذوا حقوقهم في المواطنة وعدم التمييز.

هكذا يمكن أن نقرأ مشروع شمس الدين، مثلما كان "دولة الإنسان" هو مشروع السيد محمد حسين فضل الله، بدلًا من "دولة الإسلام"، ولعلّ مثل هذا التطوّر الفقهي، سواء في مشروع شمس الدين أو في مشروع فضل الله، إنما يقوم على الإيمان بالدولة وقوانينها وآليات عملها العصرية وتطورها، وهي دولة مدنية أي لا دينية، وإن كانت بمرجعية إسلامية.

تقوم فكرة شمس الدين الجوهرية على الدولة وقد اشتغل عليها كاستراتيجية فكرية وحركية وعملانية لأنه أدرك وعلى نحو شديد العمق أن التمترسات الطائفية ستكون خطرًا على الشيعة قبل غيرهم ويمكن أن تستثمر من جانب قوى إقليمية ودولية، لاسيّما بخروجها عن الإجماع الوطني الذي سيلحق الضرر بالجميع.

لقد توصّل شمس الدين إلى هذا الاستنتاج المهم عبر قراءة دقيقة للوضع الإقليمي، ولاسيّما مساعي إيران بعد ثورتها في العام 1979 الاستحواذ على قرار الشيعة بما تملكه من إمكانات بشرية ومادية ومعنوية.

وإذا كان تحرير الجنوب في العام 2000 لحظة تاريخية فارقة، فإن شمس الدين أراد استثمارها في الاتجاه الصحيح والبناء عليها بالدعوة إلى المزيد من التمسّك بالدولة على أساس اتفاق الطائف العام 1989 والاندماج والشراكة والمشاركة، بدلًا من الانعزال والانغلاق بحجة التمايز والمظلومية، وتلك كانت رسالته إلى شيعة العالم.

عقب انتهاء دعوة السيد بحر العلوم وحين هممنا بالمغادرة فاجأني شمس الدين وباقتراب السيد بحر العلوم بالسؤال: أين تضع الشيعة في الصراع الراهن؟

قلت باختصار وبما يسمح به المقام: كلّما تمكّنت مجتمعاتنا من إقامة دولة القانون وعلى أساس المواطنة الكاملة والمتساوية وكفالة احترام الحريّات العامة والخاصة، وفي إطار مبادئ المساواة والعدالة والشراكة والمشاركة، وهي جميعها أركان للمواطنة، فإن الطائفية ستفقد تأثيرها بالتدرّج، وأشرت إلى الفرق بين الانتماء إلى طائفة، وهي تكوين تاريخي واجتماعي واجتهادات فقهية، وبين الطائفية التي اختلطت فيها عادات وتقاليد وطقوس وشعائر بعيدة عن الدين أحيانًا بل مثّلت قشوره وعمّقت الشرخ والتباعد مع الطوائف الأخرى في الدين الواحد، سواء ادّعت المظلومية أو زعمها بالأفضليات وامتلاكها للحقيقة.

لقد تابعت تطوّر مدرسة النجف وحوزتها الفقهية منذ خمسينيات القرن المنصرم، وأستطيع القول إن أهم المجددين على صعيد المنهج والرؤية والدراسة والتطوّر هو الشيخ محمد رضا المظفر وتلامذته النجباء: السيد محمد بحر العلوم والشاعر مصطفى جمال الدين والشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله والسيد محمد باقر الصدر، وخلال الفترة ذاتها برز السيد موسى الصدر المختفي قسريًا في ليبيا منذ العام 1978 والذي أسس "حركة المحرومين" في لبنان وكأنه امتداد لمدرسة الانفتاح والتجديد لما امتاز به من مواصفات شخصية ورؤية مستقبلية ومرونة عالية، لاسيما بتفاعله مع محيطه اللبناني والعربي  بتياراته المختلفة.

لعلّ خير وفاء للشيخ محمد مهدي شمس الدين بعد مرور ربع قرن على رحيله (10 كانون الثاني / يناير 2001) هو استذكار وصاياه، ولاسيما درس المواطنة والمساواة وعدم التمييز في إطار دولة العدل التي أرادها بمنظوره المستقبلي.

***

عبد الحسين شعبان - مفكّر وأكاديمي

قراءة في مذكرات وحكايات اليهود العرب.. الوعد والوعيد

المتابع للمشهد الثقافي والإعلامي العربي في العقدين الأخيرين، لا يمكنه أن يتجاهل الموجة المتصاعدة من الاهتمام بنشر مذكرات وحكايات وقصص ما يصطلح على تسميتهم بـ "اليهود العرب"، أو يهود البلاد العربية. هذا الاهتمام لم يعد مقتصرًا على الهوامش الأكاديمية أو الأبحاث المتخصصة، وقد امتد ليشمل وسائل الإعلام الرئيسية، وطرح بقوة في المنتديات الفكرية، وتسابقت دور النشر العربية والأجنبية على استقطاب هذه النصوص ونشرها.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، ويثير أكثر من علامة استفهام، هو ما الذي يدفع هذه الموجة الآن؟ وما هي الروايات التي تريد أن تكرسها؟ وما هي الروايات التي تعارضها وتحاول محوها؟

الواقع أن القراءة الفاحصة المتأنية لهذه الموجة تظهر أنها لا تسير في اتجاه واحد، بل تتحرك على مستويين متوازيين، وإن بدا أنهما أحيانًا متقاطعين أو حتى متعارضين. فهناك، من ناحية، المستوى الإنساني والوجداني الذي يحاول استعادة صورة حياة جماعات إثنية ودينية عاشت لقرون طويلة كجزء عضوي من نسيج المجتمعات العربية، في مصر والعراق وسوريا واليمن والمغرب وتونس وليبيا وغيرها.

وهذه الصورة، التي تتحدث عن علاقات الجوار، وعن الحياة اليومية، وعن التبادل الثقافي واللغوي، هي صورة صادقة وواقعية ولا يمكن نكرانها. لكن هناك، من ناحية أخرى، مستوى آخر أعمق وأكثر خطورة، وهو المستوى السياسي والأيديولوجي الذي يحاول توظيف هذه الذكريات والحكايات الإنسانية لتقديم سردية تاريخية مغايرة تمامًا. سردية تهدف إلى إعادة كتابة فصل كامل من فصول تاريخ المنطقة، فتصوغه ليس كتاريخ تعايش أحيانًا وتوتر أحيانًا أخرى، لكن كتاريخ اضطهاد مستمر ومزمن، تنتهي حلقته الأخيرة بـ "التهجير" أو "الرحيل" عن الأوطان العربية.

هذه السردية، في جوهرها، تريد أن تصور العصر الذي بلغت فيه بعض الجماعات اليهودية - وكذا أقليات أخرى - ذروة نفوذها الاقتصادي والاجتماعي في البلاد العربية، على أنه (العصر الذهبي) لتلك البلاد نفسها! وهي بذلك لا تقدم فقط حنينًا رومانسيًا إلى ماض مثالي، بل تذهب إلى أبعد من ذلك، فتربط ازدهار تلك المجتمعات بشكل مباشر بوجود هذه الجماعات ونفوذها، وكأن النسيج الوطني كان ناقصًا أو معيبًا قبل أن تمنحه هذه المكونات شرعيته وكماله! هذا الربط الخطير هو ما يفتح الباب واسعًا أمام قراءة سياسية مغرضة لتاريخ المنطقة، وهي القراءة التي حذر منها الناقد المصري محمد الدخاخني بحدة ووضوح نادرين، حين تناول تاريخ الأرمن في مصر نموذجًا.

يقول الدخاخني في مقاله البارز المعنون "إحنا المصريين الأرمن: الرواية المضادة": "حين تدعي أقلية أن العصر الذهبي لبلد ما يقع حصرًا في الفترة التي تمكنت فيها هذه الأقلية اقتصاديًا واجتماعيًا، فإن ذلك يتأسس على منظور نرجسي للمسألة برمتها". ويضيف مقدمًا أمثلة دامغة: "فالأرمني الذي يرى أن أزهى أيام مصر كانت تحت الاستعمار والملك، أو لا يزال يتفاخر بشخصية من نمط نوبار باشا، الذي عرف بممالأته (وهذا تعبير مخفف) للاستعمار البريطاني ولعب دورًا حازمًا في تأسيس المحاكم المختلطة في مصر عام 1875، وهي المحاكم التي كانت تفصل في النزاعات المدنية بين المصريين والأجانب وبين الأجانب وبعضهم البعض، واشتهر عنها تمكينها للأجانب وانتزاعها الأراضي من فقراء الفلاحين المصريين، أو الذي يشيد بيعقوب أرتين الخادم المطيع للملك والعدو الحاقد للحركة الوطنية المصرية… إن الأرمني الذي يفعل ذلك يصر أن يكون أرمنيًا فقط وليس أرمنيًا مصريًا، يصر أن يضع الجالية ضد الأمة".

كلمات "الدخاخني" هذه، رغم أنها تتحدث عن الأرمن، فإنها تشكل مفتاحًا حاسمًا لفهم الخطر الكامن وراء موجة حنين معينة لتاريخ اليهود العرب. إنه تحذير من قراءة انتقائية ومصلحية للتاريخ، تختار من الماضي ما يعزز سردية ضيقة وتتجاهل عمدًا السياق الأوسع. فمن غير المقبول - والخطير تاريخيًا - أن يختزل تاريخ مصر في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، بكل تعقيداته وصراعاته من أجل الاستقلال والعدالة الاجتماعية، في ازدهار جماعة بعينها كانت في كثير من الأحيان، ولأسباب موضوعية تتعلق بطبيعة علاقات القوة آنذاك، أقرب إلى السلطات الاستعمارية منها إلى الجماهير الشعبية.

ويتابع الدخاخني ملاحظته لتشمل نمطًا أوسع من الإنتاج الثقافي المعاصر، فيقول: "يلاحظ كل متابع للوثائقيات المنتجة حديثًا حول الأقليات غير العربية و«غير المسلمة» في العالم العربي أنها، بشكل صريح أو ضمني، تقدم نفسها كطرح بديل لما تعتقد أنه الطرح القومي العربي. فالأخير بنظرها قد همش دور هذه الأقليات، إن لم يكن قد اختصره تمامًا إلى صورة سلبية".

هنا تكمن النقطة المركزية، إن ما نشهده ليس مجرد استعادة للذاكرة، لكنه معركة على الرواية. إنه صراع بين رواية وطنية قومية، اتهمت- بحق أو بغير حق - بالتجاهل أو التبسيط، ورواية مضادة تريد أن تقيم نفسها على أنقاض الأولى، فتحول تاريخ الأقليات من جزء من التاريخ الوطني إلى تاريخ بديل يناقضه وينفيه في بعض الأحيان. وفي خضم هذه المعركة، تضيع الحقيقة المتعددة الأوجه، وتغتال تعقيدات التاريخ لصالح خطابات إيديولوجية متحجرة.

اليهودي بين عروبته وإسرائيليته

لكن، هل يعني رفضنا لهذه الرواية المضادة المغرضة أن نقع في الخطأ المعاكس؟ أي أن ننكر التجربة الإنسانية الفعلية لليهود العرب، أو أن نلصق بهم جميعًا تهمة الخيانة والتعاون مع الاستعمار أو مع المشروع الصهيوني لاحقًا؟ بالتأكيد لا. هنا يتجلى التعقيد الحقيقي للقضية، وهو تعقيد يرفض الثنائيات السهلة مع أو ضد، ضحية أو جلاد، وطني أو عميل.

إن اليهودي المصري أو العراقي أو السوري، قبل أي شيء آخر، كان مواطنًا عربيًا ينتمي إلى وطنه بكل جوارحه. كان يتكلم اللهجة المحلية بطلاقة، ويشارك في الحياة الثقافية والاجتماعية، ويمارس طقوسه الدينية في كنيس قديم بناه أجداده منذ قرون. تاريخ هذه الجماعات هو جزء لا يتجزأ من تاريخ المنطقة، وتجاهل هذا التاريخ هو خطيئة كبرى ترتكب في حق الذاكرة الجماعية للأمة.

وهنا تبرز أهمية النماذج الثقافية التي تحاول أن تلتقط هذا الجانب الإنساني المتجذر في المكان. ففي فصل مؤثر من كتابها النقدي "رؤى وذات"، تقدم الكاتبة المصرية صافي ناز كاظم قراءة لسيرة الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي كما وردت في عمله المؤثر "رأيت رام الله". وفي خضم هذا الاستعراض، تنقل كاظم صورة حية وموجعة لحياة اليهود العرب من خلال عيون سيدة مصرية عاشت بينهم، تذكرهم ليس كأرقام في صراع سياسي، بل كجيران وأصدقاء وزملاء في العمل، شاركوها تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تجرفهم رياح السياسة العاتية. هذه الشهادة، وهذا المنظور، لا يقفان ضد رواية وطنية، بل يغنيانها ويعيدان لها بعدها الإنساني المفقود أحيانًا في لهيب الخطاب السياسي. إنهما يذكراننا بأن التاريخ يصنع من حيوات بشرية فردية، قبل أن يختزل في خطابات جماعية جارفة.

بالمقابل، فإن القراءة النقدية الموضوعية تتطلب أيضًا مواجهة الحقائق التاريخية غير المريحة. فمع صعود المشروع الصهيوني وقيام دولة إسرائيل عام 1948، وجد يهود البلاد العربية أنفسهم في موقف وجودي بالغ الحرج والتعقيد. لقد وضعتهم الصهيونية العالمية، ومن خلفها الدول الاستعمارية، أمام اختيار مستحيل: إما الولاء الكامل للدولة القومية الناشئة (إسرائيل)، وإما البقاء في أوطانهم الأصلية تحت شبهة الخيانة الدائمة. وكانت الأنظمة العربية، في غالبيتها، تفتقر إلى الحكمة والنضج السياسي اللذين يمكناها من التعامل مع هذا الملف الشائك بمسئولية. فبدلاً من العمل على استيعاب المواطنين اليهود وتأمينهم، والتمييز بوضوح بين الصهيونية كأيديولوجيا استعمارية استيطانية وبين الانتماء الديني اليهودي، سقطت الكثير من هذه الأنظمة في فخ "الحل الأمني" السريع والعنيف.

لقد عومل يهود مصر والعراق وسوريا، في كثير من الأحيان، كطابور خامس جماعي، فرضت عليهم قيود مهينة، وصودرت أملاكهم، وتعرض بعضهم للاعتقال والاضطهاد، وتم طرد جماعات كاملة في بعض الحالات. هذه الإجراءات، التي اتخذت ردًا على العدوان الإسرائيلي وحروب 1948 و1956 و1967، كانت خطأً استراتيجيًا فادحًا، ليس فقط لأنها انتهكت حقوق مواطنين أبرياء، لأنها خدمت، عن قصد أو غير قصد، الرواية الصهيونية التي كانت تريد إفراغ البلاد العربية من يهودها لتوطينهم في إسرائيل، ولتقدم دليلاً على ادعاءاتها بالعداء العربي الأزلي لليهود. لقد حول هذا التسرع الأمني والخطاب القومي المتعصب، بعض اليهود العرب من مواطنين يشعرون بالانتماء إلى أوطانهم، إلى لاجئين يشعرون بالمرارة والخوف، مما سهل عملية استقطابهم أو تهجيرهم.

لكن، وحتى في خضم نقد هذه السياسات العربية الخاطئة، لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن نتجاهل حقيقة بالغة الأهمية، وهي الموقف السياسي لنخب يهودية عربية بارزة من المشروع الصهيوني نفسه. فمن السذاجة، أو من الخيانة الفكرية، أن نتصور أن جميع يهود البلاد العربية كانوا ضحايا سلبيين للظروف. لقد كان هناك من بينهم من دعم الصهيونية بشكل علني وسري، ومن سخر مواقعه الاقتصادية والتجارية لخدمة هذا المشروع، ومن رأى في قيام إسرائيل خلاصًا شخصيًا وقوميًا، حتى لو كان ذلك على حساب وطنه العربي الذي عاش فيه أجيالاً. وهنا لا يجوز الخلط بين الأمرين: انتقاد سياسات الأنظمة العربية الظالمة لا يعني تبرئة أو تناسي أدوار هؤلاء الأفراد وتلك الجماعات التي ساهمت بوعي وإرادة في تعزيز المشروع المعادي لأمتهم.

معاناة مزدوجة

ربما تكون المفارقة الأكثر قسوة ومأساوية في قصة يهود البلاد العربية، هي تلك التي عاشها من هاجر منهم بالفعل إلى إسرائيل. فالصورة النمطية التي روجتها الدعاية الصهيونية، والتي تصوّر هذه الهجرة كـ"عودة" تاريخية إلى الوطن، وإنقاذ من براثن الاضطهاد العربي، تتحطم تمامًا عند أول احتكاك بالوقائع التاريخية والاجتماعية داخل إسرائيل نفسها.

وصل يهود العراق ومصر واليمن والمغرب وغيرهم إلى دولة كان يهيمن عليها تمامًا، ثقافيًا وسياسيًا واقتصاديًا، اليهود الأشكناز (ذوو الأصول الأوروبية). واستقبلتهم النخبة الأشكنازية المؤسسة للدولة، لا بوصفهم إخوة عائدين، إنما بنظرة فيها الكثير من الاستعلاء العرقي والثقافي. لقد نظروا إليهم على أنهم متخلفون، همج، يحملون ثقافة شرقية دونية يجب محوها لصالح الثقافة الأوروبية المتفوقة. وهذا لم يكن مجرد شعور عابر، لقد كان سياسة دولة ممنهجة.

وصف بن جوريون، المهندس الرئيسي لدولة إسرائيل وأول رئيس وزرائها، يهود البلاد العربية بأوصاف عنصرية صارخة، فشبههم بـ "الزنوج الذين أحضروا إلى أميركا كعبيد". وكان يرى أن مهمة الدولة هي مقاتلة روح الشرق التي تفسد الأفراد والمجتمعات. وترجمت هذه النظرة إلى سلسلة من الإجراءات القاسية:

  • سياسة "محو الذاكرة" أو "الأسرلة" القسرية، سعت الدولة بشكل منهجي إلى اجتثاث الهوية العربية لليهود الشرقيين. تم تثبيط استخدام اللغة العربية بشدة، حتى داخل المنازل. فرضت عليهم أسماء عبرية، وحوربت تقاليدهم وطقوسهم الدينية الشرقية لصالح النسخة الأشكنازية من اليهودية. كان الهدف واضحًا، وهو خلق إسرائيلي جديد منقوع في الثقافة الأوروبية، مقطوع الجذور عن عالمه العربي السابق.
  • التمييز الاجتماعي والاقتصادي الممنهج: لم يرسل المهاجرون الشرقيون إلى المراكز الحضرية المتطورة، تم توطين الغالبية العظمى منهم في بلدات عشوائية على أطراف المدن، أو في مستوطنات حدودية خطرة ليكونوا "دروعًا بشرية". حصر الكثيرون منهم في وظائف هامشية وزراعية وصناعات دنيا، بينما احتفظ الأشكناز بمواقع السلطة والثروة في الجيش والدولة والاقتصاد. يقول عالم الاجتماع الإسرائيلي البارز إيهودا شينهاف إن المجتمع الإسرائيلي في عقوده الأولى كان "مجتمعًا أشكنازيًا ذا ثقافة غربية"، وهو ما خلق فجوة اقتصادية واجتماعية عميقة ما زالت قائمة حتى اليوم وتعرف بـ"الفجوة الإثنية".
  • المفارقة الأمنية الصارخة: في تناقض صارخ يلخص الازدواجية الإسرائيلية، بينما كانت الدولة تحارب عروبة هؤلاء اليهود ثقافيًا واجتماعيًا، كانت في الوقت نفسه تستغل هذه العروبة وتوظفها على المستوى الأمني والعسكري. فبسبب ملامحهم العربية ومعرفتهم باللغة والثقافة العربية، تم تجنيد أعداد كبيرة من اليهود الشرقيين في أجهزة الاستخبارات (الموساد والشاباك) والوحدات الخاصة في الجيش، لاستخدامهم في عمليات التخفي والتسلل إلى الدول العربية. لقد استخدمت هويتهم الممحوة كأداة لضرب أوطانهم الأصلية.

وهكذا، تحولت "أرض الميعاد" لكثير من يهود العرب إلى ساحة لمعاناة مزدوجة، معاناة من التهجير وفقدان الوطن الأصلي، ومعاناة من الاضطهاد والتمييز داخل الوطن المزعوم الجديد. لقد أصبحوا ضحايا مأساة مضاعفة ضحايا لسياسات عربية قصيرة النظر وخائفة، وضحايا لأيديولوجيا صهيونية عنصرية في جوهرها، نظرت إليهم دومًا كأدوات ووسائل لتحقيق غاياتها، وليس كبشر لهم كرامتهم وهويتهم الخاصة.

مطلوب قراءة نقدية لا تنسى، ولا تبرر، ولا تنكر

في ضوء كل هذا التعقيد، كيف يمكننا، كمثقفين وقراء للتاريخ، أن نتعامل مع قضية اليهود العرب؟

الإجابة لا تكمن في الانحياز لرواية ضد أخرى، لكن في السعي الدؤوب لبناء رواية ثالثة، أكثر اكتمالاً وعمقًا وإنسانية. رواية ترفض أن تكون أسيرة الثنائيات الجارفة، وتتسع لاحتواء التناقضات والألم والظلم من جميع الجهات. وهي مهمة شاقة، لكنها ضرورية إذا كنا نريد استخراج الدروس الحقيقية من الماضي، لا تكرار جراحه.

أول شروط هذه الرواية هو القراءة النقدية التي تميز بوضوح لا لبس فيه بين عدة مستويات:

1. بين اليهودي العربي كمواطن متجذر في وطنه، والصهيوني الذي يتبنى أيديولوجيا استعمارية استيطانية معادية لهذا الوطن.

2. بين معاناة أبرياء تعرضوا للظلم بسبب هويتهم الدينية فقط، وأدوار سياسية لنخب يهودية اختارت بوعي أن تكون جزءًا من آلة استعمارية أو صهيونية.

3. بين نقد سياسات الأنظمة العربية القمعية والخاطئة، وبين رفض الرواية الصهيونية التي تريد توظيف هذه الأخطاء لتبرير مشروعها وتاريخها من التطهير العرقي ضد الفلسطينيين.

ثاني شروطها هو رفض الحنين الرومانسي المسلح. الحنين إلى زمن اليهود العرب لا يجب أن يكون أبدًا حنينًا إلى عصر الاستعمار أو التبعية أو الهيمنة الأجنبية. ولا يجب أن يكون أبدًا أداة لضرب الرواية الوطنية أو التشكيك في نضال الشعوب العربية من أجل الاستقلال والعدالة الاجتماعية. الذاكرة الحقيقية هي التي تتذكر كل شيء، تتذكر التعايش في حارة اليهود، وتتذكر أيضًا دور المحاكم المختلطة في استغلال الفلاحين. تتذكر صداقات شخصية عميقة، وتتذكر أيضًا خيانات سياسية كبرى.

ثالث شروطها، وهو الأهم، هو استعادة البعد الإنساني الفردي. بحيث يجب أن ننظر إلى يهود البلاد العربية، ليس ككتلة واحدة أو كرمز سياسي، إنما كبشر عاشوا، أحبوا، تألموا، واتخذوا خيارات في ظل ظروف تاريخية قاسية ومعقدة للغاية. خيارات بعضها كان نبيلاً، وبعضها كان خاطئًا، وبعضها كان مدفوعًا بالخوف والرغبة في البقاء.

إن التاريخ الذي نريده للمنطقة ليس تاريخًا من النقاء الأيديولوجي، ولا تاريخًا من الضحية الدائمة أو الجلاد الدائم. إنه تاريخ البشر بضعفهم وقوتهم، بتعقيداتهم وتناقضاتهم. والقراءة النقدية لتجربة اليهود العرب هي اختبار حقيقي لقدرتنا على كتابة مثل هذا التاريخ، تاريخ لا ينسى، ولا يبرر، ولا ينكر. تاريخ يعيد بناء الذاكرة من أجل مستقبل أكثر عدلاً وإنسانية، لا من أجل حروب هويات جديدة تدفن الجميع تحت ركام الماضي.

***

عبد السلام فاروق

درس فنزويلا وصراع الرأسمالية في طورها الأكثر شراسة

1.  درس فنزويلا: في فجر يوم عادي من بداية يناير هذا العام 2026، استيقظ العالم على خبر صادم لم تكن تداعياته واضحة للوهلة الأولى: اعتداء عسكري أمريكي غاشم، واختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس في عملية معقدة نفذت بدقة عسكرية واستخباراتية فائقة. وعلى الرغم من أن العملية تضمنت هجوما عسكريا مباشرا وقصفا مكثفا وتدميرا ممنهجا لمخازن الأسلحة ومنصات الدفاع، إلا أنها استندت بشكل كبير إلى توظيف هائل للتكنولوجيا الرقمية، وهذا هو المحور الذي سنركز على تحليله هنا. التغطية الإعلامية الرئيسية ركزت على الجوانب السياسية والدبلوماسية للحدث، دون التفات حقيقي - سواء كان ذلك عفويا أو مقصودا - الى الدور المحوري الذي لعبته التكنولوجيا المتقدمة في هذه العملية. لم تكن مجرد تدخل عسكري تقليدي كما حاولت بعض وسائل الإعلام الغربية تصويره، إنما كانت حربا رقمية شاملة ومنظمة سبقت الاعتقال بأشهر طويلة، إن لم يكن بسنوات من التخطيط والرصد والاستعداد.

وقبل الاستمرار، أود هنا الإشارة إلى تحفظي على سياسات نظام حكم مادورو في قمع المخالفين وتقييد الحريات والتضييق على اليساريين والنقابات العمالية. فنقدنا للتدخل الرأسمالي الأمريكي وانتهاك القانون الدولي واستخدام التكنولوجيا كسلاح للهيمنة لا يعني بأي حال تبرير الممارسات القمعية لنظام مادورو ضد القوى التقدمية والحركة العمالية في فنزويلا وبالأخص الحزب الشيوعي الفنزويلي. إن الوقوف ضد العسكرتارية العدوانية للرأسمالية الأمريكية لا يتناقض مع نقد الاستبداد الداخلي، إنما هو موقف متسق مع القيم اليسارية. ما نسلط الضوء عليه هنا هو الدرس التكنولوجي والاستراتيجي الذي تقدمه هذه الحادثة لجميع الحركات اليسارية والتقدمية، بغض النظر عن تقييمنا لنظام مادورو نفسه.

حسب ما تم تداوله في وسائل الإعلام، استخدمت في هذه العملية أنظمة المراقبة الفضائية الأمريكية الأكثر تطورا في العالم لتتبع تحركات القيادة الفنزويلية عبر الأقمار الصناعية الأمريكية التي تدور حول الأرض على مدار الساعة. تحليل البيانات الضخمة لم يقتصر على رصد التحركات الجسدية فحسب، وإنما امتد ليشمل رسم خرائط دقيقة ومفصلة لشبكات الاتصالات الحكومية الفنزويلية بكل تعقيداتها وتفرعاتها. اختراق الأنظمة الإلكترونية لم يكن عملية عشوائية، وإنما كان مخططا له بدقة لتعطيلها وكذلك الاتصالات في اللحظة الحاسمة، مما جعل القيادة الفنزويلية معزولة تماما عن قواعدها وأنصارها، ضمن نمط عمليات أصبح معروفا في الأدبيات العسكرية الغربية باسم شل مراكز القرار قبل المواجهة المباشرة.

توظيف الذكاء الاصطناعي في تحليل ملايين المكالمات الهاتفية والرسائل النصية والإلكترونية لم يكن مجرد عملية تجسس تقليدية، وإنما كان عملية معقدة لتحديد مواقع القادة بدقة متناهية، والتنبؤ بنواياهم وتحركاتهم القادمة قبل أن يتخذوها. خوارزميات التعلم الآلي قامت بتحليل الأنماط السلوكية، ورصد التغيرات في طرق التواصل، واستخلاص المعلومات الاستخباراتية من كميات هائلة من البيانات غير المنظمة. التلاعب المبرمج والممنهج بوسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي كان حملة منظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتشكيل رأي عام محلي ودولي مؤيد للتدخل، وتصوير العملية على أنها "تحرير من دكتاتورية وتجارة مخدرات"، وليس اعتداء على سيادة دولة مستقلة وخرقا فاضحا للقوانين الدولية؛ كل ذلك التمهيد الاعلامي والرقمي لم يكن غاية في حد ذاته، بل وسيلة لإحكام القبضة على مقدرات البلد ونهب موارده الهائلة، وتعبيد الطريق لتنصيب نظام "كارتوني" سليب الإرادة، يدور في الفلك الأمريكي وينفذ أجنداتها.

هذه ليست سيناريوهات من أفلام الخيال العلمي، إنما واقع موثق وملموس نعيشه اليوم. وكالة الأمن القومي الأمريكية NSA تملك برنامج PRISM الذي كشف عنه إدوارد سنودن، الموظف السابق في المخابرات الأمريكية، والذي يراقب الاتصالات العالمية دون تمييز أو حدود. شركات مثل Palantir Technologies، التي تأسست بتمويل من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، تقدم أنظمة تحليل بيانات فائقة التطور للمؤسسة الاستخباراتية الأمريكية، تستخدم تحت مسميات مثل الحروب على الإرهاب وتعقب الأهداف الاستراتيجية، بينما هي في جوهرها حروب موجهة ضد الحركات اليسارية والتقدمية والأنظمة المناهضة للهيمنة الأمريكية.

المنظومة التكنولوجية الرأسمالية اليوم أصبحت قادرة إلى حد كبير على المراقبة الشاملة، والرصد الدقيق، والتتبع المنهجي للحركات السياسية والتنظيمات والفاعلين السياسيين. والأخطر من ذلك أنه من الممكن أن تكون هناك الكثير من التقنيات والأسلحة الرقمية التي ما تزال ضمن نطاق الخيال العلمي أو الدراسات الافتراضية، أو لم يعلن عنها بعد، كما هو الحال مع العديد من التطورات التكنولوجية التي يجري تطويرها واستخدامها سرا قبل أن تصبح متاحة للجمهور. فالتاريخ يشهد أن الإنترنت نفسه، والعديد من التقنيات المتقدمة الأخرى، لم تكشف للعامة إلا بعد سنوات طويلة من استخدامها داخل الأوساط العسكرية والاستخباراتية والأمنية والصناعية المغلقة.

2. التكنولوجيا كأداة للسيطرة والهيمنة الرأسمالية

ما حدث في فنزويلا ليس حادثة معزولة أو استثنائية في مسار التاريخ المعاصر. إنه جزء أساسي من استراتيجية رأسمالية رقمية شاملة ومتكاملة شهدناها تتطور وتتكرر في أماكن متعددة من العالم، تستخدم في صراع رقمي موازٍ للصراع في الشوارع والميادين. الدرس الأكثر قسوة والأكثر وضوحا من حادثة اعتقال مادورو هو أن الرأسمالية في مرحلتها الراهنة لم تعد تعتمد فقط على القوة العسكرية الصلبة التقليدية، على الرغم من أنها لا تزال تحتفظ بها وتستخدمها عند الضرورة. لقد طورت منظومة رقمية معقدة ومتشابكة قادرة على اختراق الحدود الجغرافية والسياسية، ومراقبة الأفراد والجماعات بدقة مذهلة، والتلاعب بالمعلومات وتشكيل الوعي العام بطرق لم تكن ممكنة في أي عصر سابق، وتقييد وشل الحركات اليسارية والتقدمية قبل أن تصل إلى مرحلة الخطر الحقيقي على مصالحها. إنها حرب غير مرئية للعين المجردة، تدور الكثير من معاركها في الفضاء السيبراني الرقمي وفي خوادم البيانات وفي الخوارزميات والشبكات العصبية الاصطناعية، لكنها أكثر فعالية وأقل تكلفة سياسية ومادية من القنابل والطائرات والدبابات والجنود والأجهزة القمعية. الذكاء الاصطناعي أصبح العمود الفقري لهذه الحرب الرقمية، يوفر قدرات غير مسبوقة في التحليل التنبؤي، والمراقبة الشاملة، والحرب النفسية الموجهة بدقة.

هذا الواقع الجديد يطرح سؤالا مصيريا ووجوديا على قوى اليسار والحركات التقدمية في كل أنحاء العالم، سؤالا لا يمكن تأجيل الإجابة عنه: كيف يمكن لحركات تحررية لا تزال تعتمد في تنظيمها على الاجتماعات التقليدية، وعلى توزيع المنشورات الورقية في الشوارع، وعلى استخدام الهواتف غير المشفرة لتنسيق أنشطتها، وتستخدم الإنترنت بشكل تقليدي بدائي، وعلى حلقات نقاش محدودة يسهل رصدها، أن تواجه منظومة رأسمالية رقمية بهذا المستوى المذهل من التطور والتعقيد؟ الإجابة واضحة ومؤلمة في آن واحد: لا يمكنها ذلك إلى حد كبير، إلا إذا قررت الدخول بشكل جدي وعميق واستراتيجي في المجال التكنولوجي، ليس كمستهلكين سلبيين للتكنولوجيا الرأسمالية كما هو حاصل الآن، ولكن كمطورين ومبتكرين ومنتجين لبدائل رقمية مستقلة تطور النضال وتحميه من الاختراق والقمع، وتعززه بأدوات فعالة تتناسب مع روح العصر ومتطلباته.

 الذكاء الاصطناعي: سلاح الهيمنة الرأسمالية الجديد

لقد أصبح واضحا اليوم بما لا يدع مجالا للشك أن الذكاء الاصطناعي، رغم إمكاناته الهائلة والواعدة في خدمة البشرية جمعاء، لم يعد مجرد تقدم علمي محايد ينتظر من يوجهه نحو الخير أو الشر. إنه في واقع الحال سلاح متطور ومعقد للغاية في يد الرأسمالية العالمية، يستخدم بشكل منهجي ومدروس لتعميق سيطرتها على العمل البشري، وعلى الوعي الجماعي، وعلى البيانات الضخمة التي أصبحت النفط الجديد في العصر الرقمي، وعلى المجتمع برمته في كل جوانبه الاقتصادية والسياسية والثقافية والفكرية.

الشركات الرأسمالية الاحتكارية الكبرى تحتكر اليوم تطوير وتشغيل أقوى أنظمة الذكاء الاصطناعي في العالم. هذه الشركات ليست كيانات تقنية محايدة تعمل في فراغ سياسي واقتصادي كما تحاول أن تصور نفسها، هي في الحقيقة أدوات مباشرة في يد رأس المال العالمي، وتربطها علاقات وثيقة ومتشابكة مع البنتاغون والوكالات الاستخباراتية الأمريكية ومؤسسات الدولة الرأسمالية العميقة.

إعادة إنتاج الاستغلال الطبقي بوسائل رقمية

ما نشهده اليوم في كل مكان حولنا هو إعادة إنتاج الاستغلال الطبقي التاريخي نفسه، لكن بوسائل أكثر علمية وتطورا وتعقيدا وخفاء. لم يعد هذا الاستغلال محصورا في جدران المصانع حيث يعمل العمال على خطوط الإنتاج، أو في المزارع حيث يكدح الفلاحون تحت أشعة الشمس، لقد امتد هذا الاستغلال ليشمل الفضاء الرقمي ذاته الذي يتخيله الكثيرون فضاء حرا ومفتوحا. ونرى اليوم كيف تستخدم خوارزميات في الشركات الرقمية لاستغلال شغيلات وشغيلة اليد والفكر بطرق أكثر دقة وقسوة من أي مدير-ة بشريين في التاريخ. هذه الخوارزميات تحدد الأجور بناء على العرض والطلب في كل لحظة، تفرض ساعات العمل المرهقة دون أي اعتبار لحالة العامل الصحية أو الأسرية، تصدر العقوبات التلقائية لأي تأخير أو خطأ دون أي إمكانية للطعن أو التفاوض. شغيلات وشغيلة اليد والفكر هنا لا يواجه رب عمل يمكن التفاوض معه أو الاحتجاج أمامه، وإنما يواجه خوارزمية لا تعرف الرحمة ولا تفهم الظروف الإنسانية.

في مجال الوعي والأيديولوجيا: تستخدم خوارزميات المنصات العملاقة مثل فيسبوك وتويتر (X) ويوتيوب وتيك توك وغيرها لتشكيل وعي المليارات من البشر حول العالم. هذه الخوارزميات لا تعمل بحياد كما تدعي الشركات، وإنما تروج بشكل منهجي لأيديولوجية الاستهلاك الرأسمالي وثقافة الفردانية والمنافسة وأزلية النظام الرأسمالي، بينما تحارب المحتوى اليساري والتقدمي عبر تقنيات "تقليل المدى" و"الحظر الظلي" الذي يجعل المحتوى غير مرئي تقريبا دون حذفه رسميا. الملايين من الأجيال الشابة يتشكل وعيهم اليوم ليس عبر القراءة والتفكير النقدي، وإنما عبر خوارزميات تقرر ما يرونه وما لا يرونه، ما يعرفونه وما يجهلونه.

في مجال المراقبة والسيطرة الأمنية والحروب المعاصرة: تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي اليوم كأداة مركزية لتعميق السيطرة السياسية والاجتماعية بطرق لم تكن ممكنة في أي مرحلة سابقة. أنظمة التعرف والتحليل الخوارزمي تتيح تتبع الناشطات والناشطين السياسيين، مراقبة سلوكهم، شبكاتهم، وتحركاتهم بدقة عالية، ولا تبقى هذه التقنيات محصورة بالدول التي طورتها، وإنما يجري تسويقها وتصديرها على نطاق واسع للأنظمة الاستبدادية والقمعية، بما يحول الفضاء الرقمي والعام معا إلى مجال مراقبة دائم. وفي السياق نفسه، يجري توظيف الذكاء الاصطناعي في إدارة العنف والحروب بشكل منهجي، حيث تسند قرارات مصيرية تتعلق بالحياة والموت إلى أنظمة حسابية تقوم بالتصنيف والتقدير واتخاذ القرار وفق منطق تقني بارد، منفصل عن أي اعتبار إنساني أو أخلاقي. هكذا تتحول التكنولوجيا، التي يفترض أن تكون نتاجا للتقدم البشري، إلى أداة لإعادة إنتاج القتل والقمع بكفاءة أعلى، في خدمة منطق الهيمنة الرأسمالية والعسكرتارية، وليس في خدمة البشر وحقهم في الحياة والحرية.

3. الرهان التاريخي لليسار

إن العامل التكنولوجي لم يعد مجرد إضافة ثانوية أو كمالية في معركة اليسار ضد الرأسمالية محليا وعالميا. لقد أصبح شرطا أساسيا وحيويا للبقاء والفعالية والتأثير. مواجهة هذا الواقع لا يمكن أن تقتصر على النقد والتشخيص، وإنما تتطلب مواقف وسياسات محددة وملموسة، تتجاوز مجرد فضح الهيمنة الرأسمالية إلى العمل على تفكيكها وإعادة توجيه التكنولوجيا عموما والذكاء الاصطناعي خصوصا نحو خدمة عموم الجماهير بدلا من استعبادها.

الحاجة لبدائل تقدمية

بدلا من ترك التكنولوجيا في أيدي حفنة من الشركات الرأسمالية والدول، يجب دفع تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي يسارية تقدمية. لكن التحول لا يمكن أن يحدث دون تغيير جوهري في البنية السياسية والفكرية والتنظيمية للقوى اليسارية نفسها، وفي نظرتها ومقاربتها للتكنولوجيا. لا يكفي التعامل السلبي مع التكنولوجيا بحجة أنها أداة رأسمالية متخصصة، أو استخدامها بشكل محدود وسطحي، وإنما يجب إتقانها وفهمها بعمق، واختراق حصونها، وإعادة توجيهها لخدمة مصالح شغيلات وشغيلة اليد والفكر وعموم الجماهير.

تطوير القدرات اليسارية في المجال التقني ضرورة حياتية لا تقل أهمية عن تطوير القدرات في المجالات السياسية والفكرية والتنظيمية والإعلامية والعمل الجماهيري. فكما أن قوى اليسار لا يمكنها الاعتماد على وسائل الإعلام الرأسمالية وتسعى لبناء إعلامها المستقل، وكما تطور فكرها وسياستها وأدواتها التنظيمية بشكل مستقل بعيدا عن قوالب الهيمنة الرأسمالية، يجب عليها أيضا العمل على بناء بدائلها التكنولوجية المستقلة، سواء كان في شبكات التواصل أو الذكاء الاصطناعي وغيرها، لخدمة مشروعها التحرري الشامل.

الحلول الممكنة والجذرية

الحل الممكن الآن هو تطوير أنظمة مفتوحة المصدر، شفافة، محايدة التوجه، تدار بشكل ديمقراطي مع ضوابط مجتمعية، بالإضافة إلى الدفع نحو سن قوانين دولية تضبط عمل الذكاء الاصطناعي وتضمن خدمته للمجتمع ككل، وليس مصالح الدول الكبرى والشركات الرأسمالية.

لكن هذا لا يكفي. الحل المطلوب والجذري هو بناء بدائل تكنولوجية يسارية حقيقية ذات توجهات تقدمية وملكية مجتمعية، يتم من خلالها انتزاع هذه التكنولوجيا من قبضة السوق، وتوظيفها في تفكيك علاقات الاستغلال، والمساهمة في بناء مجتمع جديد أكثر عدلا وإنسانية، قائم على المساواة والتعاون والإشباع العادل للاحتياجات.

الاستخدام الحذر والواعي للذكاء الاصطناعي

يجب أن يكون استخدام اليسار للذكاء الاصطناعي الحالي دقيقا ومتعمدا وحذرا. لا يمكن الوثوق بالتطبيقات المطورة ضمن بيئة رأسمالية ومن قبل الاحتكارات والشركات دون وعي نقدي عميق بآلية عملها. فبينما تتيح العديد من هذه الأدوات تحليل البيانات بدقة، والتخطيط، ومراقبة اتجاهات الرأي العام، وتحسين سياسات وأساليب التنظيم والحشد والتواصل، إلا أنها قد تحمل في بنيتها انحيازات خفية تعيد إنتاج الهيمنة الرأسمالية داخل عمل التنظيمات اليسارية نفسها. يجب توخي الحذر الشديد عند التعامل مع البيانات والمعلومات الحساسة، فالاستغلال غير المدروس لهذه الأدوات قد يؤدي إلى اختراق أمني أو تسريب معلومات يعرض التنظيمات اليسارية للخطر، خاصة في الدول الاستبدادية. لذلك، من الضروري تطوير بروتوكولات أمن رقمي متقدمة، واعتماد تطبيقات مفتوحة المصدر أكثر استقلالية، وتدريب الأعضاء على ممارسات الأمن الرقمي، لضمان أن يكون استخدام الذكاء الاصطناعي في خدمة النضال، وليس أداة قمعية واستخباراتية تستخدم ضده.

نحو ثورة رقمية تحررية

ما تكشفه الثورة الرقمية الحالية، وتطور الذكاء الاصطناعي على وجه الخصوص، هو أننا نعيش في لحظة تاريخية تتضح فيها التناقضات بين التطور الهائل للقوى الإنتاجية والعلاقات الاجتماعية الرأسمالية التي لم تعد قادرة على احتواء هذا التطور أو توجيهه لصالح الجماهير. فعلى الرغم من الإمكانات الهائلة التي تقدمها هذه الثورة الرقمية لتحرير الإنسان من العمل المرهق وضرورات العيش، إلا أنها مقيدة ومعاد هندستها ضمن منطق الهيمنة والربح الرأسمالي.

النضال في هذا الفضاء الرقمي يجب أن يتحول إلى امتداد عضوي للنضال الاشتراكي على الأرض، وليس مجرد ساحة عمل ونقاش منفصلة عن الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي. هذا النضال ضد الهيمنة الرقمية لا يمكن أن يقتصر على الفضاء الافتراضي فقط، وإنما يجب أن يكون امتدادا لحركة ونضال شغيلات وشغيلة اليد والفكر والحركة الجماهيرية الميدانية. الربط بين النضال التكنولوجي والنضال الطبقي على الأرض أمر أساسي، لأن الهيمنة الرقمية هي مجرد امتداد لهيمنة رأس المال على الإنتاج والسيطرة على قوة العمل.

4. اللحظة التاريخية الحاسمة لليسار

ما حدث مع الرئيس الفنزويلي مادورو ليس حادثة معزولة ولا استثناء عابرا في صراع القوى العالمي، وإنما هو إنذار حاد وصارخ لكل الأنظمة التقدمية والحركات اليسارية في العالم. إنه إعلان عملي بأن المعركة الرقمية تحولت إلى ساحة صراع طبقي مركزية ومهمة، تدور هنا والآن، وتهدد الوجود السياسي والتنظيمي لكل مشروع تحرري خارج الطاعة الرأسمالية وبالأخص الأمريكية في عهد ترامب. ما جرى في فنزويلا يكشف أن الرأسمالية الرقمية باتت تعتمد على ثغرات تقنية تمنحها إمكانية التأثير في استقرار الأنظمة التقدمية، ومحاولة شل قياداتها أو إرباك حركاتها، والمراهنة على هندسة وعي مجتمعاتها رقميا؛ وهو ما يمنحها خيارات هجومية تتجاوز في فعاليتها أحيانا أساليب التدخل العسكري التقليدي أو الاحتلال المباشر.

الخطر لا يطال فنزويلا وحدها، إنما من الممكن أن يمتد ليهدد كل تجربة يسارية وتقدمية، وكل حكومة تحاول الخروج عن منطق السوق والهيمنة الرأسمالية، وكل حركة عمالية أو جماهيرية تسعى إلى تغيير جذري. نحن أمام مرحلة جديدة من الصراع الطبقي، تستخدم فيها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كسلاح استراتيجي لضرب الحركات اليسارية والتقدمية في مهدها، ومحاصرة أي إمكانية لبناء بدائل تقدمية مستقلة. إن النضال الاشتراكي العالمي اليوم مستهدف بشكل مباشر، لا فقط بالقمع العسكري والاقتصادي، إنما بالاختراق الرقمي، والمراقبة الشاملة، والتجفيف المسبق لأي فعل ثوري محتمل.

السؤال الأساسي وهو وجودي ومصيري: هل نحن، كقوى يسارية وتقدمية، مستعدون فعلا لخوض هذه الحرب الرقمية المعقدة والطويلة والمتعددة الجبهات؟ بعد كل ما خسرناه من مواقع، وبعد كل التراجعات والانقسامات، هل نملك الجرأة لإعادة بناء اليسار فكريا وتنظيميا وتقنيا، لمواجهة الرأسمالية في أقصى درجات تطورها العلمية والتكنولوجية الرقمية؟ هل نحن مستعدون لتجاوز التشتت المحلي والانقسام العالمي والصراعات بين القوى اليسارية، وفهم أن مصير كل تجربة تقدمية بات مترابطا عضويا مع مصير غيرها؟

اللحظة التاريخية لا ترحم، والرأسمالية الرقمية المسلحة بالتكنولوجيا المتطورة والذكاء الاصطناعي لا تنتظر ترددنا ولا بطئنا. إما أن ننخرط بوعي ونضال وتنظيم في هذه المعركة، ونعيد صياغة مشروع بديل اشتراكي قادر على مواجهة العصر الرقمي، أو نترك على هامش التاريخ، خاضعين لأشكال جديدة من الاستغلال والقمع أكثر نعومة وأشد فاعلية. إن قبول هذا المصير الأخير هو بعينه الاندثار المحتوم. وبناء عليه، فإن الرهان التاريخي الحقيقي والأوحد لمشروع التحرر، على الرغم من كل تعقيد المسارات، هو أن يتحول إلى مشروع رقمي بوعي وتنظيم؛ فليس له من خيار ثالث سوى أن يصبح رقميا حتى يبقى.

يجب أن تصبح المعرفة التقنية الرقمية وفهم آليات عمل الذكاء الاصطناعي جزءا لا يتجزأ من الثقافة اليسارية المعاصرة، وهنا يبرز الدور الحيوي للشباب كطليعة لهذا التحول؛ فهم الأقدر على تطويع هذه الأدوات وقيادة الابتكار الرقمي داخل الحركات التقدمية. يجب أن نبني كوادر تقنية يسارية، تستثمر طاقات الأجيال الشابة في تطوير أدوات رقمية بديلة، وأنظمة ذكاء اصطناعي خدماتية لا استغلالية، وشبكات تواصل لا تخضع لخوارزميات رأس المال. يجب أن نفهم الكود البرمجي كما نفهم النص السياسي، وأن نتقن الخوارزميات كما نتقن التحليل الطبقي، وأن ننظر إلى البيانات الضخمة كساحة صراع لا كمجرد أرقام محايدة.

وهذا الجهد يتطلب التنسيق والعمل المشترك عالميا من خلال بناء تحالفات وأمميات رقمية هدفها تطوير النضال الرقمي لليسار في العالم أجمع. وكما كانت الأممية الأولى والثانية والثالثة استجابات تاريخية لمراحل تطور الرأسمالية، فإن الأممية الرقمية اليوم ضرورة استراتيجية لمواجهة الرأسمالية في طورها الرقمي الأكثر شراسة.

بيد أن بناء هذه البدائل التكنولوجية المستقلة محفوف بمعضلات جسيمة: معضلة الاعتماد على المعرفة والأدوات المطورة في كنف النظام الرأسمالي ذاته، ومعضلة الموارد الهائلة المطلوبة للمنافسة، ومعضلة التنسيق بين قوى يسارية متناحرة. لذلك، لا يمكن لهذا المشروع أن يكون طوباويا منفصلا؛ بل يجب أن يكون تكتيكا استراتيجيا يبدأ من الاستخدام النقدي والحذر للأدوات المتاحة، وبناء شبكات تضامن تقنية على أساس القضايا العملية المشتركة، والسعي لتطوير نواة بديلة في المساحات التي تتيحها التكنولوجيا مفتوحة المصدر والشبكات اللامركزية، مع الإقرار بأنه مشروع تراكمي طويل الأمد وليس حلا سحريا فوريا، وهي المهمة التاريخية التي تقع على عاتق شبابنا لدمج قيم اليسار والعدالة بآفاق التكنولوجيا.

إن اليسار الذي كان له الدور المشهود في تعزيز الحريات والمساواة والعدالة يمكنه تجاوز هذه الحالة الراهنة؛ وكما طورت الرأسمالية نفسها بشكل هائل، فلتكن هذه المعركة الرقمية لحظة تطوير نوعي لليسار الراهن نحو يسار إلكتروني - رقمي مدموج بالنضال الميداني على الارض وأكثر جرأة، أكثر جذرية، أكثر علمية، وأكثر قدرة على التجدد وقيادة نضال عصره، والدفاع عن مستقبل البديل الاشتراكي في وجه أخطر هجوم تتعرض له في تاريخها الحديث. إن المعركة من أجل السيطرة على التكنولوجيا الرقمية ليست معركة تقنية فحسب، وإنما هي معركة من أجل مستقبل الإنسانية ذاته.

إن الاشتراكية الرقمية، بهذا المعنى، ليست خيارا بين خيارات. إنها الشرط الوجودي لبقاء المشروع الاشتراكي ذاته في القرن الحادي والعشرين.

***

رزكار عقراوي

والرأسمال السحابي والهيمنة الخوارزمية

ماذا نعرف عن العالم المعاصر الذي نعيش فيه، عالم الإقطاع الرقمي التكنولوجي والرأسمال السحابي والهيمنة الخوارزمية والذكاء التوليدي "الاصطناعي" والصراع على الرقائق والشرائح الفائقة ووادي السليكون في ولاية كاليفورنيا. ماذا نعرف عن صعود الصين السريع واختراعها لشريحة (LightGen) الخارقة والمعتمدة على الضوء وليس على الطاقة الكهربائية؟

هل فعلا قُتلت الرأسمالية التقليدية بسيف الرقمنة التكنولوجي كما يقول يانيس فارفاكيس، أم أنها غيرت جلدها و"وعدة شغلها" لا غير؟ هل أن ما يعتبره فاروفاكيس إقطاع تكنولوجي هو نقلة نوعية داخل الرأسمالية المعاصرة أم هو خروج من الرأسمالية إلى شيء آخر جديد تماما؟

لماذا تراجعت الرأسمالية الصناعية تراجعا مذهلا أمام الرأسمالية المالية أولا وسيطرت هذه الأخيرة على جزء مهم من الاقتصاد العالمي بعد أن تضخيم دور البنوك والشركات المالية (مثل صندوق النقد الدولي ورأسماله ترليون دولار والبنك الدولي - ورأسماله غير محدد -المهيمن عليهما أميركيا)، مما يؤدي إلى هيمنة عالمية للمؤسسات المالية الكبرى التي تسعى لتحقيق أقصى ربح من خلال المضاربة والديون والأسواق المالية؟ ماذا نعرف عن تقدم الإقطاع التكنولوجي أو إقطاع الرقمنة والخوارزميات حيث نجد؛

رأس المال السوقي لشركة مكروسوفت 4 ترليون دولار.

شركة أبل لصناعة هواتف الآي فون وغيره- أكثر من 3 تريليون دولار

ويبلغ رأس المال السوقي لشركة أمازون للبيع على الانترنيت = 2 ترليون

ولشركة ميتا فيسبوك: ترليون و400 مليار تقريبا

غوغل 1.961 تريليون دولار أمريكي

قارنوا هذه الأرقام الصادمة (خمس شركات تكنولوجية يبلغ رأسمالها أكثر من اثني عشرة ترليون دولار) مع رأسمال عدد من الشركات الصناعية الضخمة قد لا يصل مجموع رؤوس أموالها تريليوني دولار) مثل:

شركة مرسيدس ورأسمالها السوقي قرابة 60 مليار دولار.

شركة شوفرليت: 70 مليار دولار

شركة ليلي الأميركية لصناعة الأدوية: 818 مليار دولار.

شركة سيمنز للصناعات الكهربائية فقيمتها السوقية: حوالي 219.17 مليار دولار

رأس مال شركة جنرال موتورز (GM) القيمة السوقية حوالي 58.05 مليار دولار.

وتجد أن رأسمال أشهر شركات صناعة السلاح الأميركية والبريطانية يبلغ 213 مليار دولار فقط لاغير وهذه هي التفاصيل:

لوكهيد مارتن الأميركية 64.65 مليار دولار.

آر تي إكس الأميركية 43.6 مليار دولار.

نوركورب غرومان الأميركية 37.85 مليار دولار.

بي إي إيه سيستيمز البريطانية 33.79 مليار دولار.

جنرال داينامكس الأميركية 33.63 مليار دولار.

فماذا تقول لنا مقولات الماركسية القديمة في تفسير هذا الواقع الذي لا سبق له وعن الصراع الطبقي والسوق والربح والملكية الخاصة الاستغلالية والبنية الفوقية والتحتية في هذا الطور من أطوار الرأسمالية ومرحلتها الإمبريالية؟

ماذا نعرف، وعلى الأخص ماذا يعرف اليساريون الماركسيون وغير الماركسيين، العراقيون والعرب منهم عن هذا العالم المعاصر؟  ماذا نعرف عن هذا العالم الجديد والخطير والمعقد الذي نعيش فيه والذي برزت ملامحه الأولى قبل أقل من عشرين عاما وصرنا أدواته ومادته في وقت واحد ورغماً عنا وأحيانا بإرادتنا التي صودرت فصرنا مجرد براغي صغيرة في عملاق تكنولوجي افتراضي هائل هو المواقع التواصلية أو مشتقاتها وتفرعاتها؟

لماذا لا نشهد شيئا ولو كان ضئيلا من السجالات الفكرية بين أحزاب ومنظمات اليسار الأوروبي والآسيوي واللاتيني ودوائر الاقتصاد والمال في العالم حول هذه المواضيع حتى أن بعض الأحزاب والجامعات الشعبية تخصص دورات مجانية أو مدفوعة ثلاثية "تريمسترات" لثلاثة أشهر، أو سداسية "سميسترات لعامة الناس الراغبين في دراسة هذا العالم الجديد والتعرف على تفاصيله؟

لن أكتفي هنا بطرح الأسئلة الاستنكارية بل سأحاول أن أقدم بديلا متواضعا عبر سلسلة من المقالات الخفيفة التعريفية بتفاصيل ومفردات هذا العالم الجديد علينا قريباً. سلسلة من المقالات الخفيفة التبسيطية ومن قراءات في بعض كتب فاروفاكيس وآخرين. كما سنتوقف عند بعض النقود التي وجهت من جهة اليسار الاشتراكي الذي ما يزال اشتراكيا فلا يخجل أو يجبن عن ذكر اشتراكيته بل يضعها في رأس برنامجه السياسي والاجتماعي إلى نظرية أو -إن شئنا الدقة - لفرضيات فاركوفاكيس. ومع أنني ومن خلال تجربتي في النشر على صفحتي هذه أعرف أن القراء يملون سريعا من المقالات المتسلسلة حول موضوع واحد وسرعات ما ينخفض تفاعلهم معه ولكن هذا الأمر لا يهمني في كثير أو قليل وسأواصل نشر أجزاء السلسلة حتى نهايتها لأنني أفكر جديدا بتحويلها لاحقا إلى كتيب صغير موجه إلى الشباب وعياً وروحاً ليكون بمثابة تمهيد تعريفي يطلون بواسطته على هذا العالم الغريب والسريع التحول الذي نعيشه ويعيش فينا.

وقبل الدخول في مفردات سلسلة المقالات التعريفية والتوضيحية حول الإقطاع الرقمي، وعلى سبيل التمهيد، أقول؛ ربما يكون الكسل العقلي والتعود على خطاب ومقولات الجمهور العقائدي والأيديولوجي هو السبب وراء الجهل المدقع الذي يسود المشهد الثقافي العربي بهذه العناوين. ولكنه جهل يتسع باستمرار نتيجة استمرار اتساع الفجوة بين تطورات العالم المعاصر ووعينا العام السائر وفق باردايمات (Paradigms) أي تلك النماذج والمقولات الفكرية التي تنظم الخطاب السائد، وتشمل مجموعة متكاملة من المعتقدات، والخبرات، والقواعد، والافتراضات، وهذه الباردايمات غدت تقليدية، ولم تعد قادرة على تلبية الحاجة لتفسير التطورات الحاصلة في عالم اليوم.

بكلمات أخرى ثمة فجوة تتسع بين حصيلتنا العلمية المتراكمة والتي تجمدت عند حدود العقد الأول من القرن الحالي وانفصلت بدرجات متفاوتة عن واقع الحال العالمي المعاصر بسبب التغييرات الهائلة التي لم يسبق لها مثيل في كل العصور.

والغريب إن هذه التطورات لم تلمس بشكل جدي ومنتج عقول وقواعد بيانات البعض وخصوصا أولئك الذين ربطوا أنفسهم بقواعد السكونية والجمود الفكري والعلمي أو الذين حاولوا التحرر مما يسمونه الجمود العقائدي الستاليني القديم فهرعوا الى خنادق الفكر الليبرالي اليميني وصارت كلمة اشتراكية من الممنوعات في خطابهم وسادت كلمات وقناعات ومقولات إنشائية من قبيل؛ "التداول السلمي للسلطة" و"التصالح مع العالم المعاصر" و"حصر السلاح بيد الدولة"، "ونبذ التنمر والعنف والكراهية والفكر الذكوري" وغير ذلك من مقولات كان حتى زمن قريب من عتاد المنظمات الإنسانية والخيرية عديمة الهوية الطبقية.

ولا عبرة هنا في النقد الذي يوجهه اليمين الليبرالي أو القومي أو الإسلامي لهذا اليسار المرتد على مثله ومبادئه لأنه نقد يقوم على الشماتة والتشفي ومن مواقع العداء الطبقي، لا عبرة فيه لأن أول من بادر لنقد هذا اليسار بعلمية ومنهجية هي الأقلام اليسارية التي لم تسكت طوال السنوات الماضية عن توجيه النقد العميق والمعلل لهذه التوجهات الانتهازية والارتدادية.

إن هؤلاء اليساريين المتحولين الذين توقفوا طوعا وكسلا عند حدود مقولات التطور الديموقراطي السلمي والتداول السلمي والسلس للسلطة بين أجنحة الإقطاع السياسي الزبائني والكومبرادوري التابع للأجنبي وكأنه إنجاز الإنجازات، تناسوا وتنازلوا عن شعاراتهم وبرامجهم الاشتراكية والشيوعية المساواتية المناهضة للإمبريالات الغربية وأمسوا كأي حزب أو دكان سياسي ديموقراطي الاسم، عشائري المحتوى والتركيبة. وراحوا يخلطون بين الديموقراطية والعملية الانتخابية وكأنهما شيء واحد حتى لو كانت انتخابات بائسة وقائمة على التزوير والمحاصصة المسبقة للنتائج.

هدف هؤلاء هو الحفاظ على التداول السلمي للسلطة ومواجهة مظاهر الاستبداد والمطالبة بالعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان وتحسين أداء الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي والهياكل الحكومية الرثة الميتة والرقص على إيقاع حصر سلاح ونزعه ممن يدافعون عن أنفسهم ضد الضواري الإمبريالية بيد الدولة الفاسدة شكلا ومضمونا. إنها أحزاب تسمي نفسها اشتراكية وحتى شيوعية، ولكنها لا تجرؤ على رفع شعار أو مطلب اشتراكي واحد بل هي أشبه بالمنظمات المدنية الخيرية للتبرع بالدم والبطانيات على ما في هذه الجمعيات من نزاهة وإخلاص قد لا نجده في بعض الأحزاب المعاصرة!

ولكن لماذا لا تغير هذه الأحزاب أسمائها القديمة وتتخذ أسماء تتناسب مع محتواها الجديد؟ يبدو أن الأمر يتعلق بحرصها على ما يشبه "الماركة المسجلة" القديمة ولا تريد التفريط بها وتخشى أن يسطوا عليها المنافسون فيبنون حزبا آخر بهذا الاسم ينزع عنها شرعيتها التي لا قيمة لها أصلا.

لقد تمادت بعض جهات وشخصيات هذا اليسار المزيف والانتهازي حتى بلغت درجة تبرير الاحتلال الأميركي للعراق وأفغانستان والدفاع علنا عن البرجوازية الأميركية ضد البرجوازية الروسية، ورغم ذلك فهم يصرون على وصف أنفسهم باليساريين بل وحتى بـ "البلاشفة الجدد" الذين ينتقدهم كاتب المقالة الأولى ماجد علاوي بحدة وعمق.

إن هؤلاء اليساريين المتحولين لا يجدون حرجا في إطراء الإمبرياليات وخاصة الإمبريالية الأميركية فيمتدحونها صراحة ويبررون جرائمها وحروبها العدوانية ضد شعوب العالم فيقول أحدهم "فؤاد النمري"، إن الولايات المتحدة "ذهبت مرغمة إلى أفغانستان لإنقاذ كرامتها كدولة عظمى بعد أن رفضت حكومة طالبان تسليمها بن لادن للولايات المتحدة لتحاكمه محاكمة عادلة". أو كما يضيف النمري نفسه مبررا حرب احتلال العراق: "في العراق اُستُجلِبت - كاد يقول اختطفت - القوات الأميركية من قبل المعارضة العراقية... فكان أن حررت القوات الأميركية الشعب العراقي ... حتى أخذ يشكل حكوماته وفقاً لإرادته من خلال الانتخابات النزيهة ... ولا يفوتنا هنا أن نؤكد على أن حكومة الاحتلال الأميركي برئاسة بول بريمر كانت أفضل حكومة في تاريخ العراق حيث رفض بريمر أن يشكل حكومة ليس فيها وزير شيوعي"!

وهكذا تحول استيزار الشيوعيين من قبل الحكومات البرجوازية من عار وإهانة مقذعة في عهد لينين ومجايليه إلى شيء يتفاخر به أمثال النمري! ولا عجب هنا، فثمة زملاء للنمري ممن يصفون أنفسهم باليساريين والديموقراطيين العراقيين اشتغلوا في بعض جمعيات وأجهزة التخطيط الاستراتيجي التابعة للاحتلال وجلسوا جنبا إلى جنب جنرالات وسفراء وقادة مخابرات المحتلين الأميركيين كما هي الحال في مجموعة "مستقبل العراق" بقيادة السفير الأميركي رايان كروكر بمشاركة سفير فرق الموت في أميركا اللاتينية المعروف نيغرابونتي!

ليخرج السيد النمري، من ثم، بالحكم الباتر التالي: "لسنا بدون سبب نؤكد أن البورجوازية الوضيعة الأمريكية أرفع شرفاً من البورجوازية الوضيعة السوفياتية والروسية اليوم التي تقترف جرائم الإبادة الفظيعة بحق الشعب السوري". تصوروا هذا الحكم؛ "برجوازية أميركية وضيعة" ولكنها أرفع شرفا من "البرجوازية السوفيتية والروسية"! فهل هذا كلام في السياسية أيا كان نوعها، أم هذيان خال من المضمون الجاد؟! يتبع.

***

علاء اللامي

تكاد تكون المهمة الأولى للثورة والثورة المضادة (لا نقصد معناه المستخدم سلباً) تبادل الانتقام ما بينهما، وأمامنا نماذج كثيرة في التَّاريخ، قتل المغلوبين ومطاردتهم، ثم يصبح المنتصرون، ولو بعد حين، مغلوبين، ويُطبق فيهم ما طبقته الثَّورة في خصومها، عندما تأخذهم على الشُّبهة، ولمحمد مهدي الجواهريّ في الثّورة وضدها، وهو يحذر مِن انقلاب على انقلاب بكر صُدقيّ: «تَصوَّرِ الأمرَ معكوساً وخُذْ مَثَلاً/ مما يَجرُّونه لو أنهم نُصِروا/ أكانَ للرِفِقِ ذِكرٌ في مَعاجِمهمْ/ أم كانَ عن حِكمةٍ أو صحبِهَا خَبَر/ واللهِ لاقتِيدَ زيدٌ باسم زائدةٍ/ ولاصطلى عامرٌ والمبتغى عُمَر(الدِّيوان، تحرك اللّحد 1936).

وربَّما لا توجد نماذج مختلفة في التاريخ، لا ترى الانتقام المتبادل بعد الانتصار، وهي ممارسات شخصية، انتهت في لحظتها ولم تصبح سلوكاً بين الغالب والمغلوب، ولكن على ندرتها من المهم التذكير بها، لِما فيها مِن عِبرة للأنظمة الجديدة، خصوصاً الأنظمة الغارقة في الماضي ومناكفاته. يُذكر لعبد الملك بن مروان(65- 86 هج) تصرفه ضد خصومه الزّبيريين بعد انتصاره، وهو يُذكر بالرؤوس المعروضة أمامه على منبر قصر إمارة الكوفة، بين منتصر ومغلوب، ويُذكر تصرف الوزير العباسيّ علي بن الفرات، مع المنقلبين على خليفته، وما سلكه الخليفة العباسيّ الظاهر بالله(622هج) بخصوم أبيه. قال كاتب مصعب بن الزُّبير (قُتل/ 72هج) المضاء بن علون، أمير العراق لأخيه الخليفة بالحجاز، عندما عُرضت على عبد الملك صحائف فيها أسماء المؤيدين لابن الزّبير لقتلهم، وهو يجلس مستعرضاً انتصاراته، قال: «دعاني عبد الملك بعدما قَتل مصعباً، فقال لي: علمت أنه لم يبق من أصحاب مصعب وخاصته أحد، إلا كتب إليَّ يطلب الأمان، والجوائز والصِّلات والقطاعات؟ قلت: قد علمت يا أمير المؤمنين أنه لم يبق مِن أصحابك أحد إلا وقد كتب إلى مصعب بمثل ذلك، وهذه كتبهم عندي! قال: فجئني بها، فجئته بإضبارة عظيمة، فلما رآها قال: ما حاجتي أنْ أنظر فيها، فأفسد قلوبهم عليَّ! يا غلام!

احرقها بالنَّار، فأُحرقت»(اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي). بعد حين طويل روى المؤرخ والفيلسوف أحمد بن محمَّد مسكويه (412 هج)، الإجراء الذي اتخذه الوزير عليّ بن محمّد بن الفرات، بعد فشل انقلاب الأمير الشّاعر عبد الله بن المعتز(قُتل: 296هج) على ابن عمّه الخليفة المقتدر بالله(قُتل: 320هج)، وعندها صار خليفة لنصف يوم فقط، فبدل الانتقام والملاحقة للمكاتبين للثورة على الخليفة: جُمعت «جميع الجرائد، التي وجد فيها أسماء المتابعين لابن المعتز... وأمر ابن الفرات بتغريق الجرائد في دجلة، ففعل ذلك، وسكن النَّاس، وكثر الشَّاكرون»(مسكويه، تجارب الأُمم وتعاقب الهمم).

أما ثالثة التَّجارب، التي يُعنى بها مِن النوادر، ما مارسه الظَّاهر بالله عندما تولى الخلافة، ووجد نفسه أمام خلق كثير ممن كان ضد سياسة أبيه، ومن عادة أبيه النَّاصر لدين الله «أن يرفع إليه حراس الدروب في كل صباح بما كان عندهم في المحال من الاجتماعات الصالحة والطالحة، وهذا ما يعرف بالمخابرات اليوم، فلما ولى ابنه الظاهر أمر بتبطيل ذلك كله، وقال: أي فائدة في كشف أحوال الناس وهتك أستارهم؟ فقيل له: إن ترك ذلك يفسد الرعية، فقال نحن ندعو الله لهم أن يصلحهم»، وأطلق من كان منهم في السجون (ابن كثير، البداية والنهاية).

أما إطلاق مَن في السجون مِن المخالفين، غير الخطيرين، فقد مارسه ولاة العهود بعد تولي الأمر، لكنه لأيام محدودة، ولم تكن سياسة راسخة. لقد قضت الألوف مِن البشر، مِن السلطة السابقة وأعوانها، ولم يتم الاكتفاء بهؤلاء، بل تعدى الانتقام إلى الطائفة والعِرق، مذابحُ تولد مذابحَ، والشّعار: إزهاق الباطل وإحقاق الحقّ، فما زالت المنطقة تغلي، في أكثر مِن مكان، حروب داخليّة، وقودها ما حصل قبل قرون، فبها تُحرك عواطف الانتقام، وتصور الأمر معكوساً، والجميع يحسبونها حقوقاً مقدسة.

***

د. رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

من نظرية الفوضى إلى الوجودية

بقلم: كريستوفر لينكويتش

ترجمة: علي حمدان

***

طبيعة المعرفة: بحسب مصطلحات كانط، يمكننا أن نفترض أن العلوم الطبيعية تسعى إلى ما يسميه "المعرفة التجريبية" وتوظفه، بينما أي محاولة لفهم الفوضى في حد ذاتها تُعدّ محاولة للوصول إلى "المعرفة الخالصة" (نقد العقل الخالص، مقدمة، الجزء الأول، ص 41). ويُظهر النظر إلى الفوضى من منظور فلسفي أنه مكمل ضروري لا غنى عنه للنظر في الفوضى الذي تقوم به الرياضيات (مثل نظرية الفوضى) والعلوم.

“تُخبرنا التجربة، في الواقع، بما هو كائن، لكنها لا تُؤكد بالضرورة أنه كذلك، ولا تُؤكد خلاف ذلك. ولذلك، فهي لا تُعطينا شمولية حقيقية؛ والعقل، الذي يُصرّ على هذا النوع من المعرفة، يُصبح أكثر تحفيزًا بها من كونه مُكتفيًا. يجب أن تكون هذه الأنماط الشاملة للمعرفة، التي تتسم في الوقت نفسه بطابع الضرورة الداخلية، واضحة ويقينية في حد ذاتها، بصرف النظر عن التجربة. ولذلك، تُسمى هذه الأنماط بالمعرفة القبلية، بينما ما يُستقى من التجربة وحدها، كما نقول، يُعرف فقط بالمعرفة البعدية، أو التجريبية. “(نقد العقل الخالص، مقدمة، الجزء الأول، A2، ص 42)

تتخذ العلوم موضوعات محددة كموضوعات لها، أي بشكل تجريبي؛ فالرياضيات تصوغ قوانين ونظريات معينة حول طبيعة الفوضى، ساعيةً إلى فهم بنيتها الداخلية؛ أما الفلسفة فتتناول موضوعاتها (بما فيها الفوضى بالنسبة لنا) من منظور فريد وغير مسبوق، متخذةً صفاتها "غير المحددة" شكلاً أولياً لها، وموفرةً إطاراً لفهم طبيعتها بشكل مجرد. لا يمكن للمعرفة التجريبية أن تتناول الفوضى؛ فهذا من اختصاص الرياضيات، والآن الفلسفة. لا تسمح لنا العلوم الطبيعية بأساس نظري لفهم الفوضى. هذا من اختصاص الرياضيات، التي تُمكّننا من رسم خريطة لبنيتها الداخلية وسلوكها، والفلسفة، التي تُمكّننا من دراسة الفوضى في ذاتها. ومع ذلك، يمكننا أن نقر بأن دراسة الرياضيات للفوضى تقودنا إلى الفلسفة، والفلسفة بدورها تعود إلى الرياضيات

الوجودية والمسؤولية

"مقارنةً بالداخلي، يصبح الخارجي ضئيلاً وغير ذي أهمية." - سورين كيركغارد، إما/أو، الجزء الأول، ديابسالماتا: صور الظلال".

تكمن مفارقة تقدم العلوم والرياضيات في أنه، عند تجاوز المسافة بيننا وبين الظاهرة، يجب علينا تعليق تجربتنا الملموسة للواقع. إن مهمة تعليق علاقتنا بالواقع المعيش هي شرط أساسي لفهمه. قد تُلقي هذه المفارقة بعض الضوء على إصرار كيركغارد على أن "الداخلي ليس الخارجي" في كتابه "إما/أو" - مع أن نية كيركغارد قد لا تكون ابتكار المعرفة؛ ففلسفته تُعزز تحديدًا صحة التجربة الذاتية المتجسدة.

“الظاهر حقيقة، والباطن حقيقة. لا يكفي مجرد امتلاك الظاهر، أي رؤيته موضوعيًا، بل يجب امتلاكه باطنًا أيضًا. ففي باطن الروح فقط يصبح الظاهر ملكًا حقيقيًا. الباطن هو الأصل، والظاهر ثانوي؛ ولا يُبرر الظاهر إلا بالباطن. (إما/أو، "ديابسالماتا"،” القسم 4 ("العار")

إذ يتوقع كيركغارد بعض عواقب التجريبية والمنهج العلمي والتقدم في الرياضيات والعلوم والتكنولوجيا، فإن اهتمامه ينصب تحديدًا على خطر الخطأ والمغالطة (المتأصلة) في التبسيط والاختزال والتجريد. بالنسبة لكيركغارد:

“الذاتية هي الحقيقة. الذاتية هي الواقع. الحقيقة هي الذاتية. لكن هذه الذاتية ليست مجرد رأي شخصي، بل هي شغف داخلي عميق يربط الفرد بالأبدي، واللامتناهي، والمطلق.” (الخاتمة غير العلمية، الجزء الأول، القسم 2، الصفحات 15-16)

ليس ما هو خارج ذواتنا وحقيقي هو ما نفكر فيه. ما نفكر فيه هو أسلوبنا في التعامل مع العالم الخارجي. وهذا يذكرنا بمشكلة ديكارت عن الدماغ في الوعاء. فإذا بنينا بنية ذاتيتنا على ما هو موجود في الخارج، فإننا نبقى في علاقة سلبية مع العالم الخارجي، حتى ونحن، كما لو كنا، نخضعه لإرادتنا.

الخلاصة

في صياغة جان بول سارتر في كتابه "الوجود والعدم"، نحن "محكوم علينا بأن نكون أحراراً": لا يمكننا المضي قدماً بدون تقدم العلوم الطبيعية والتكنولوجيا والرياضيات والطب الحديث، ولكن لا يمكن للواقع الإنساني أن يصبح حقاً كلياً موحداً.

"الإنسان محكوم عليه بالحرية؛ لأنه بمجرد أن يُلقى في هذا العالم، يصبح مسؤولاً عن كل ما يفعله." - جان بول سارتر، الوجود والعدم، الجزء الأول، الفصل الثاني.

إذا أردنا مواجهة حقائق الحياة القاسية بواقعية، فعلينا أن نتقبل وجود عدد من العوامل الخارجية: مساعدة الرياضيات والعلوم والتكنولوجيا والطب، ولكن أيضًا حقيقة بسيطة (بتعبير بولس) وهي أننا في آنٍ واحد جسد - حياة موضوعية ومتجسدة - وروح - إنسانية ذاتية واعية. بالنسبة لنظرية الفوضى، لا يمكن أن تكون الحياة مجرد رياضة مشاهدة، أو انعكاسات لمراقب مجتهد، ولا يمكن أن تكون مزيجًا خصبًا من ملاحظات عابرة تؤدي إلى تصادم دائم لقيم أو نماذج أو أنماط وجود متناقضة (تُنسى حتمًا). وكما قال كيركغارد: "الإنسان روح. ولكن ما هي الروح؟ الروح هي الذات" (المرض حتى الموت، الجزء الأول، الفصل الأول، أ). إذا كانت "الذاتية هي الحقيقة، والحقيقة هي الذاتية"، فإن الطريقة التي نتعامل بها مع العالم مشروطة مباشرة بكوننا ذاتيين، ومتجسدين، وواعيين، "توليفة من اللانهائي والمحدود، ومن الزمني والأبدي، ومن الحرية والضرورة، باختصار إنها توليفة" (المرجع نفسه) - بعبارة أخرى، ليست محدودة فحسب ولا لانهائية بشكل محض، بل هي في الوقت نفسه لانهائية ومشروطة بالعيش والوجود الموضعي والمتجسد، في مكان واحد وفي وقت واحد.

إن مجرد إدراك الفوضى لا يعفينا من الانخراط فيها. بل يجب مواجهتها، كموضوع متخصص، من زوايا متعددة: رياضية، وعلمية، وفلسفية. قد نفترض أن غالبية البشر يشعرون بنوع من الحساسية تجاهها. بعضنا أكثر انخراطًا فيها من غيره. عدد منا منشغل بها، أو، بشكل لا لبس فيه، منزعج منها. وقد يكون عدد أكبر منا مشتتًا أو منزعجًا. يبدو أن الفوضى تحمل في طياتها منظورًا جديدًا لتجربة كامو مع العبث. في النهاية، قد تكون أكثر اعتيادية مما يتصوره معظمنا، أو أكثر تعقيدًا، أو ببساطة غير محددة. يبدو جليًا أن علينا مسؤولية التعامل معها بحذر، وتجنب فرض إرادتنا على بعضنا البعض، مع الحفاظ على قدر من الفضول الحقيقي والانفتاح.

المثابرة هي الارتقاء.

***

.................

المصادر في الأصل باللغة الانكليزية

-    Aristotle. The Basic Works of Aristotle. Edited by Richard McKeon, 1941. New York: The Modern Library Classics.

-    Bishop, Robert, “Chaos”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2025 Edition), Edward N. Zalta & Uri Nodelman (eds.).

-    Camus, Albert, 2004. The Plague, The Fall, Exile and the Kingdom, and Selected Essays. Translated by Stuart Gilbert, Justin O’Brien, Hamish Hamilton. New York, Alfred A. Knopf.

الإبداع بمنطق السوق

في المشهد الثقافي العربي، تتجلى أزمة عميقة تكاد تكون مزمنة: أزمة الكتّاب وعلاقتهم بدور النشر. فبينما يكدّ المبدعون في صياغة نصوصهم، ويجتهدون في تقديم رؤى جديدة وأساليب مبتكرة، يجد كثير منهم أنفسهم أمام جدار صلب من اللامبالاة أو الحسابات التجارية البحتة. إن دور النشر، التي يُفترض أن تكون جسورًا بين الإبداع والقراء، تحولت في معظمها إلى مؤسسات ربحية لا ترى في الكتاب سوى سلعة قابلة للتسويق، تُقاس قيمتها بعدد النسخ المباعة لا بعمق الفكرة أو أصالة التجربة.

هذه الأزمة ليست مجرد خلاف مالي أو إداري، بل هي انعكاس لخلل بنيوي في الثقافة العربية المعاصرة، حيث يغيب المشروع الثقافي الجامع، وتُستبدل الرسالة الفكرية بمنطق السوق. الكاتب العربي، الذي يسعى إلى أن يكون صوتًا لمجتمعه وذاكرةً لأمته، يجد نفسه في مواجهة واقع قاسٍ: نصوصه قد تُهمّش أو تُرفض لأنها لا تضمن الربح السريع، بينما تُفتح الأبواب واسعة أمام كتب سطحية أو تجارية تفتقر إلى القيمة الفكرية.

إن العلاقة المتوترة بين الكاتب ودور النشر تكشف عن أزمة أعمق من مجرد عقود أو نسب أرباح؛ إنها أزمة هوية ثقافية، حيث يُترك الإبداع بلا حاضنة، ويُختزل دور النشر في وظيفة تسويقية باردة، بعيدًا عن رسالتها الأصلية كحاضنة للفكر ورافعة للوعي. هذه المفارقة تطرح سؤالًا جوهريًا حول مستقبل الكتاب العربي: هل سيظل أسيرًا لقيود السوق، أم سيجد طريقًا جديدًا يضمن له مكانته كأداة للتنوير والتغيير؟

واقع دور النشر العربية وتحولها إلى مؤسسات تجارية بحتة

في قلب الأزمة الثقافية العربية، تقف دور النشر بوصفها الحلقة الأكثر تأثيرًا في مسار الكتاب، لكنها في الوقت ذاته الحلقة الأكثر إثارة للجدل. فبدلًا من أن تكون مؤسسات تحمل رسالة معرفية وتنهض بدور ريادي في رعاية الإبداع، تحولت في معظمها إلى شركات تجارية لا ترى في الكتاب سوى سلعة تُقاس قيمتها بميزان الربح والخسارة. لقد فقدت كثير من هذه الدور البوصلة الثقافية، وأصبح معيارها الأول هو حجم المبيعات لا نوعية الأفكار، وانتشرت عقلية السوق التي تُقصي النصوص الجادة وتُفسح المجال أمام الأعمال السطحية أو تلك التي تضمن رواجًا سريعًا.

هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج تراكمات اقتصادية واجتماعية وسياسية جعلت الثقافة في الهامش، وأضعفت مكانة الكتاب في الوعي الجمعي. فبينما يُفترض أن تكون دور النشر حاضنة للفكر، ورافعة للوعي، ووسيطًا بين الكاتب والقارئ، نجدها اليوم تُمارس دور الوسيط التجاري البارد، تُفاوض الكاتب على نسب الأرباح، وتُحمله تكاليف الطباعة والتوزيع، ثم تتركه يواجه مصيره في سوقٍ لا يرحم.

إن هذا الواقع يُنتج مفارقة مؤلمة: الكاتب العربي، الذي يسعى إلى أن يكون صوتًا لمجتمعه وذاكرةً لأمته، يجد نفسه بلا سند، بينما تتحول دور النشر إلى مؤسسات تُدار بعقلية المقاولات، لا بعقلية الرسالة. وهكذا، يصبح الإبداع رهينة حسابات مالية ضيقة، ويُختزل الكتاب في مجرد منتج استهلاكي، في حين يُهمّش دوره كأداة للتنوير والتغيير.

هذه الصورة القاتمة تطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن للثقافة أن تزدهر في ظل مؤسسات لا تحمل أي مشروع فكري، بل تكتفي بمطاردة الربح؟ أم أن على الكتاب العرب البحث عن بدائل جديدة، خارج الإطار التقليدي لدور النشر، لضمان وصول أصواتهم إلى القارئ؟

معاناة الكاتب العربي بين التهميش والبحث عن الاعتراف

الكاتب العربي اليوم يعيش مأساة مزدوجة: مأساة الإبداع الذي لا يجد من يتبناه، ومأساة السوق الذي لا يعترف إلا بما يدرّ الربح السريع. فبينما يكتب الكاتب نصوصه بعرق الروح، ويصوغ أفكاره كمن ينحت في الصخر، يجد نفسه أمام أبواب مغلقة، أو أمام عقود مجحفة تُفرغ الكتاب من قيمته وتحوله إلى مجرد سلعة. إن كثيرًا من دور النشر لا ترى في الكاتب شريكًا، بل زبونًا يُدفع إلى تحمل تكاليف الطباعة والتوزيع، ثم يُترك وحيدًا في مواجهة سوق لا يرحم، بلا دعم إعلامي أو تسويقي حقيقي.

هذه المعاناة ليست مجرد تفاصيل إدارية، بل هي جرح عميق في جسد الثقافة العربية. الكاتب الذي يُفترض أن يكون ضمير الأمة، يجد نفسه مهمشًا، يُعاني من عزلة قاسية، ويُدفع أحيانًا إلى التوقف عن الكتابة أو البحث عن منافذ بديلة خارج وطنه. إن غياب الدعم المؤسسي، سواء من دور النشر أو من المؤسسات الثقافية الرسمية، جعل الكتاب العربي يعيش حالة من الاغتراب داخل مجتمعه، وكأن الإبداع أصبح عبئًا لا قيمة له في زمن تُقاس فيه الأشياء بمردودها المالي لا بعمقها الفكري.

ولعل الأكثر إيلامًا أن كثيرًا من الأصوات المبدعة تُدفن قبل أن ترى النور، لأن دور النشر لا تملك الجرأة على تبني نصوص لا تضمن لها مبيعات واسعة. وهكذا، يُقصى الأدب الجاد، وتُهمّش الكتابات الفكرية العميقة، بينما تُفتح الأبواب أمام نصوص سطحية أو تجارية تُرضي السوق ولا تُضيف شيئًا إلى الوعي الجمعي. إن الكاتب العربي، في ظل هذا الواقع، يُشبه من يصرخ في صحراء بلا صدى، يبحث عن الاعتراف، عن قارئ يلتقط صوته، وعن مؤسسة تؤمن بأن الكتاب ليس مجرد سلعة، بل رسالة.

هذه الأزمة تُعيدنا إلى سؤال جوهري: كيف يمكن للكاتب أن يستمر في الإبداع إذا كان محاصرًا بين تهميش المؤسسات الثقافية وجشع دور النشر؟ وكيف يمكن للثقافة العربية أن تنهض إذا كان صوتها الأصيل يُقصى لصالح نصوص تجارية لا تحمل أي مشروع فكري؟ إن معاناة الكاتب العربي ليست شأنًا فرديًا، بل هي قضية وجودية تخص مستقبل الثقافة العربية بأسره، لأنها تُحدد ما إذا كان الإبداع سيظل حيًا، أم سيُدفن تحت ركام السوق والربح السريع.

انعكاسات الأزمة على المشهد الثقافي العربي ومستقبل الكتابة والإبداع

إن أزمة العلاقة بين الكتّاب العرب ودور النشر لا تتوقف عند حدود العقود والتوزيع؛ إنها تضرب قلب الثقافة العربية وتعيد تشكيل المشهد برمته. حين تُهيمن عقلية الربح على صناعة الكتاب، يتراجع الاستثمار في المشاريع الفكرية طويلة النفس، ويُستبدل البناء الثقافي المتراكم بإنتاج سريع يلهث وراء الترند. النتيجة هي فضاء عام مُشوَّش، تُسيطر عليه كتب خفيفة وعناوين براقة، بينما تُهمَّش النصوص الجادة التي تُزعج بنقدها وتُحرّك المياه الراكدة بأسئلتها. هكذا يتكوّن وعي جمعي هش، يُطهَّر من القلق المعرفي، ويُغذَّى بمنتجات ثقافية مريحة لا تُربك، ولا تُفتح أفقًا جديدًا.

هذا الانحراف يُنتج سلسلة آثار متراكبة:

- تجفيف منابع التنوع الأدبي والفكري: إذ يختفي الصوت المختلف لصالح القوالب السهلة القابلة للتسويق، فتفقد الثقافة إحدى أهم وظائفها: التعدد والجدل.

- تآكل الثقة بين الكاتب والقارئ: حين يرى القارئ أن الساحة تتخم بأعمال متوسطة أو رديئة، يتراجع إيمانه بجدوى القراءة، ويصبح عزوفه خيارًا منطقيًا، فتضعف سوق الكتاب أكثر، وتستحكم الحلقة المفرغة.

- هجرة العقول إلى منصات خارجية: يبحث الكتاب الجادون عن منافذ للنشر خارج المنطقة أو عبر اللغات الأجنبية، فتخسر الثقافة العربية أصواتها القوية، ويتعمق شعور الانفصال بين المبدع والجمهور المحلي.

- تراجع الدور التنويري للمؤسسات الثقافية: تتحول الجوائز، المعارض، والملاحق الثقافية إلى مشهد استعراضي تسويقي، يغيب عنه التقويم النقدي الصارم، وتُستبدل المعايير الفكرية بمعايير القابلية للانتشار.

لكن وسط هذا المشهد القاتم، توجد فرص لإعادة البناء إن وُجدت الإرادة:

- نماذج نشر بديلة يقودها الكتاب: منصات مستقلة، تعاونيات نشر، وتمويل جماعي يضع الكاتب في مركز القرار ويمنح النص فرصة الوصول دون ابتزاز تجاري.

- محررون ونقاد كقوة موازنة: استعادة دور التحرير الجاد والتقويم النقدي يرفع جودة النصوص ويخلق حوارًا معرفيًا يربط الكتاب بالقارئ على أسس الفكرة لا ضجيج السوق.

- مكتبات عامة وبرامج قراءة وطنية: حين تتحول الدولة والمجتمع المدني إلى حاضنة للقراءة، تتسع قاعدة القراء، فيخف الضغط التجاري عن دور النشر، وتُفتح نافذة للنصوص ذات القيمة العالية.

- تحالفات بين الجامعات ودور النشر المستقلة: مشاريع بحثية–نشرية تتبنى إنتاجًا نوعيًا في مجالات الفلسفة، العلوم الإنسانية، السرد التجريبي، وتوفر مسارات توزيع ورقية ورقمية خارج منطق الربح القصير.

في الجوهر، الأزمة الراهنة تُحتم علينا إعادة تعريف وظيفة الكتاب في حياتنا: ليس مجرد منتج يُباع، بل فعل مقاومة معرفية يزعزع السائد ويقترح احتمالات جديدة للمعنى. إن مستقبل الكتابة العربية يتوقف على قدرتنا في بناء بيئة ثقافية تُكافئ الجرأة الفكرية، وتربط الإبداع بكرامة الكاتب وذكاء القارئ. ولن يتحقق ذلك إلا بتحويل العلاقة بين الكاتب ودور النشر من صفقة تجارية إلى شراكة رسالية، تُقاس بالأسئلة التي تطرحها الكتب وبالتحولات التي تصنعها في وعي الناس، لا بأرقام المبيعات وحدها.

خارطة حلول عملية لإعادة بناء العلاقة بين الكاتب ودور النشر

إن تجاوز الأزمة الراهنة لا يمكن أن يتم عبر النقد وحده، بل يحتاج إلى تصور عملي يعيد الاعتبار للكتاب العربي ويمنح دور النشر فرصة لاستعادة رسالتها الثقافية. فالمشهد الحالي، الذي تحكمه عقلية السوق، يمكن أن يُعاد تشكيله إذا ما توفرت إرادة جماعية من الكتّاب، ودور النشر، والمؤسسات الثقافية، والدولة، والقارئ نفسه.

أولاً- بدائل نشر مستقلة يقودها الكتّاب: مثل إنشاء منصات نشر رقمية وتعاونية، حيث يتشارك الكتّاب في إدارة عملية النشر والتوزيع بعيدًا عن هيمنة الدور التجارية. وكذلك اعتماد نماذج التمويل الجماعي (Crowdfunding) التي تسمح للقارئ بأن يكون شريكًا في إنتاج الكتاب، مما يعزز العلاقة بين الكاتب وجمهوره. وتأسيس اتحادات أو جمعيات للكتّاب تتولى التفاوض الجماعي مع دور النشر، وتضع معايير عادلة للعقود والحقوق الفكرية.

ثانياً- إصلاح دور النشر نفسها: إعادة تعريف وظيفة الناشر من مجرد وسيط تجاري إلى شريك ثقافي، عبر تبني مشاريع طويلة الأمد تقوم على الجودة الفكرية لا على الربح السريع. وتخصيص أقسام تحرير وتقييم نقدي داخل الدور، تضمن فرز النصوص الجادة وتقديم الدعم التحريري للكتاب الشباب. وبناء شبكات توزيع أكثر عدالة، تتيح للكتب الجادة الوصول إلى القراء في مختلف المدن والقرى، بدلًا من تركيزها في معارض محدودة أو مكتبات نخبوية.

ثالثاً - دور الدولة والمؤسسات الثقافية: إطلاق برامج دعم مباشر للكتاب الجادين، عبر صناديق تمويل للنشر أو منح للإبداع، تُدار بشفافية وتُمنح وفق معايير فكرية لا سياسية. وتعزيز المكتبات العامة والجامعية لتكون منصات توزيع حقيقية للكتاب العربي، مما يخفف الضغط التجاري عن دور النشر. وتنظيم معارض كتاب وطنية وإقليمية تُعطي الأولوية للأعمال الفكرية والأدبية العميقة، بدلًا من تحويلها إلى مهرجانات تسويقية.

رابعاً- القارئ كفاعل أساسي: نشر ثقافة القراءة الواعية التي تُميز بين الكتاب التجاري والكتاب الجاد، وتُكافئ الكاتب الذي يغامر بفكر جديد. ودعم المبادرات المجتمعية مثل نوادي القراءة، والمراجعات النقدية على المنصات الرقمية، لتوسيع قاعدة القراء وتوجيه السوق نحو الجودة.

إن الحل لا يكمن في إقصاء دور النشر، بل في إعادة صياغة العلاقة بينها وبين الكاتب على أساس الشراكة الفكرية لا الاستغلال التجاري. الكاتب يحتاج إلى مؤسسة تؤمن برسالته، والناشر يحتاج إلى نصوص تُضيف قيمة إلى الثقافة، والدولة والمجتمع بحاجة إلى بيئة تُكافئ الإبداع وتُعيد للكتاب مكانته كأداة للتنوير والتغيير. إن خارطة الحلول هذه ليست مجرد اقتراحات نظرية، بل هي دعوة إلى ثورة ثقافية هادئة، تُعيد الاعتبار للكتاب العربي وتضعه في موقعه الطبيعي: قلب الوعي الجمعي وذاكرة الأمة.

الكتاب العربي بين قيود السوق وضرورة الثورة الثقافية

إن أزمة الكتاب العربي وعلاقتهم بدور النشر ليست مجرد إشكال إداري أو خلاف مالي، بل هي أزمة هوية ثقافية تهدد مكانة الإبداع في الوعي الجمعي. حين يتحول الكتاب إلى سلعة بلا رسالة، وحين تُدار دور النشر بعقلية المقاولات لا بعقلية الحاضنة الفكرية، فإننا أمام خطر حقيقي يتمثل في تهميش العقول المبدعة ودفن النصوص الجادة قبل أن ترى النور. هذه الأزمة تكشف عن خلل عميق في البنية الثقافية العربية، حيث يغيب المشروع التنويري الجامع، وتُستبدل الرسالة الفكرية بمنطق السوق السريع.

لكن في المقابل، فإن هذه الأزمة تحمل في طياتها فرصة لإعادة البناء. فالإبداع لا يموت، والكاتب العربي سيظل يبحث عن منافذ جديدة، سواء عبر منصات مستقلة أو مبادرات جماعية أو بدائل رقمية، ليصل صوته إلى القارئ. إن إعادة الاعتبار للكتاب العربي تتطلب ثورة ثقافية هادئة، تُعيد صياغة العلاقة بين الكاتب والناشر على أساس الشراكة الفكرية لا الاستغلال التجاري، وتضع القارئ في قلب العملية بوصفه شريكًا في صناعة الوعي لا مجرد مستهلك.

الخلاصة أن مستقبل الثقافة العربية مرهون بقدرتنا على تحرير الكتاب من أسر السوق، وإعادة الاعتبار لدور النشر كحاضنة للفكر لا مجرد مؤسسة ربحية. فإذا نجحنا في ذلك، سنضمن أن يظل الكتاب العربي أداة للتنوير والتغيير، وصوتًا حيًا يعكس تطلعات الأمة ويصوغ ملامح مستقبلها. أما إذا استسلمنا لمنطق البلطجة التجارية، فإننا سنخسر ليس فقط الكتاب، بل سنخسر الوعي ذاته.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

 

في المثقف اليوم