آراء

آراء

الرئيس خوسيه موخيكا إنموذجاً

في زمن تتكاثر فيه صور الحاكم المتعالي، المتشبث بالسلطة، المنفصل عن واقع شعبه، تبرز شخصية الرئيس الأوروغواياني خوسيه (بيبي) موخيكا بوصفها استثناءً أخلاقيا وسياسيا نادرا، لا لأنه امتلك كاريزما خطابية صاخبة أو قوة عسكرية، بل لأنه قدّم نموذجا مختلفا لمعنى السلطة نفسها. لقد تحوّل موخيكا، الذي لُقّب بـ (الرئيس الفقير)، إلى رمز عالمي للإنسان المعتدل، غير الدكتاتور، وغير السارق لبلده وشعبه، في عالم باتت فيه السلطة مرادفا للثراء الفاحش والقمع والفساد.

لم يكن موخيكا سياسيا تقليديا جاء من أروقة النخب المغلقة، بل ابن تجربة إنسانية قاسية ومعقدة. عاش سنوات طويلة من النضال، والسجن، والعزلة، وتعرّض لأقسى أشكال القمع في بلده خلال فترات الحكم العسكري. هذه التجربة لم تحوّله إلى حاكم انتقامي أو متعطش للسلطة، بل صقلت لديه وعيا عميقا بقيمة الحرية، وبحدود القوة، وبأن الإنسان يمكن أن يربح الكثير حين يتخفف من وهم الامتلاك والسيطرة.

حين وصل موخيكا إلى رئاسة الأوروغواي، لم يتعامل مع المنصب بوصفه امتيازا، بل مسؤولية أخلاقية. رفض الإقامة في القصر الرئاسي، وفضّل أن يعيش في منزله الريفي المتواضع، ويقود سيارته القديمة، ويتبرع بمعظم راتبه الرئاسي لمشاريع اجتماعية. لم يكن هذا السلوك استعراضا إعلاميا، بل امتدادا طبيعيا لقناعة راسخة لديه بأن الحاكم الذي ينفصل عن حياة الناس اليومية يفقد تلقائيا قدرته على فهمهم وخدمتهم.

في عالمنا اليوم، حيث يقاس (نجاح) القادة بعدد القصور التي يملكونها، والحسابات البنكية التي يكدسونها، والتحالفات العسكرية التي يبرمونها، يبدو نموذج موخيكا صادما ومربكا. فهو لم يقد بلاده عبر التخويف أو عسكرة المجتمع، ولم يحتج إلى صناعة عدو دائم ليبرر بقاءه في السلطة. بل على العكس، آمن بأن الاستقرار الحقيقي ينبع من العدالة الاجتماعية، ومن بناء الثقة بين الدولة والمواطن، لا من القمع ولا من تكميم الأفواه.

لم يكن موخيكا معصوما من الخطأ، ولم تكن تجربته مثالية أو خالية من التحديات، لكنه قدّم نموذجا نادرا لرئيس لا يرى في الشعب وسيلة للبقاء في الحكم، بل غاية للحكم نفسه. لقد حكم بلاده وهو يدرك أن السلطة مؤقتة، وأن ما يبقى في النهاية هو الأثر الأخلاقي والإنساني، لا عدد السنوات في الكرسي. لذلك غادر الحكم بهدوء، دون أن يورّث السلطة، أو يغيّر الدستور، أو يزرع الألغام السياسية لمن يأتي بعده.

إن لقب (الرئيس الفقير) الذي أُطلق على موخيكا لا يعكس فقرا ماديا بقدر ما يعكس غنى أخلاقيا نادرا. ففي زمن تُنهب فيه ثروات الدول باسم الوطنية، ويُدفع فيه الشباب إلى الهجرة، وتُترك الشعوب في الجوع واليأس، اختار موخيكا أن يكون رئيسا يعيش مثل مواطنيه، لا فوقهم. لم تتراكم الثروات في عهده، ولم تُستنزف البلاد في مغامرات عسكرية أو صراعات عبثية، بل ساد منطق الدولة التي تسعى إلى تحسين حياة الناس، لا استعراض القوة عليهم.

وإذا قارنّا هذا النموذج بما تشهده كثير من الدول اليوم، نرى الفارق الأخلاقي الهائل. رؤساء وحكام يتحدثون باسم الوطنية، بينما يهرّبون الأموال، ويتركون بلدانهم غارقة في الديون، والحروب، والانقسامات، ويحوّلون السلطة إلى وسيلة للإثراء الشخصي أو العائلي. في مقابل ذلك، يقدّم موخيكا صورة الرئيس الوطني الحقيقي، الذي يفهم الوطنية بوصفها التزاما بخدمة الإنسان، لا شعارا يُرفع لتبرير الفشل أو القمع.

لقد كان موخيكا ناقدا شرسا للنزعة الاستهلاكية التي تحكم العالم المعاصر، وكان يرى أن كثيراً من أزمات البشر ناتجة عن الجشع، لا عن نقص الموارد. هذا الوعي لم يكن خطابا فلسفيا مجردا، بل ممارسة سياسية انعكست في سياساته الاجتماعية، وفي طريقته البسيطة في العيش. كان يؤمن بأن الدولة لا يمكن أن تطلب من الناس التقشف بينما يعيش حكامها في ترف فاحش، وأن العدالة تبدأ من القمة.

ما يجعل تجربة موخيكا ملهمة ليس فقط سياساته، بل لغته الصادقة، غير المتعالية. كان يتحدث كبشر يخاطب بشرا، لا كزعيم يعتلي منصة. لم يُقسّم شعبه إلى خونة وموالين، ولم يُشيطن معارضيه، بل اعتبر الاختلاف جزءا طبيعيا من الحياة السياسية. وهذا بحد ذاته درس عميق في زمن تحوّلت فيه السياسة إلى ساحة كراهية وتخوين.

إن الحديث عن خوسيه موخيكا اليوم ليس مجرد استعادة لسيرة رئيس سابق، بل هو تذكير بأن السياسة يمكن أن تكون أخلاقية، وأن السلطة لا يجب أن تعني الفساد، وأن الوطنية لا تُقاس بعدد الشعارات، بل بمدى حماية كرامة الإنسان. فموخيكا لم يترك بلدا غارقا في الحروب، ولا شعبا هاربا عبر البحار، بل ترك تجربة تقول إن الحكم يمكن أن يكون خدمة، لا غنيمة.

في عالم عربي وعالمي مثقل بخيبات الأمل، تبدو سيرة موخيكا كمرآة مؤلمة، لكنها ضرورية. مرآة تطرح سؤالا بسيطا وعميقا في آن واحد: هل المشكلة في شعوبنا، أم في نماذج الحكم التي فُرضت علينا؟ لقد أثبت (الرئيس الفقير) أن الفقر الحقيقي ليس قلة المال، بل غياب الضمير، وأن أغنى الرؤساء هم أولئك الذين يخرجون من السلطة وأيديهم نظيفة، وبلدانهم أقل وجعا، وشعوبهم أكثر أملا.

ويمكن إضافة بُعد آخر لتجربة خوسيه موخيكا يجعلها أكثر راهنية اليوم، وهو قدرته على الفصل بين الزهد الشخصي والشعبوية الزائفة. فموخيكا لم يستخدم بساطته لاستدرار العاطفة أو لتلميع صورته، ولم يحوّل فقره الشخصي إلى أداة دعائية، بل ظل حريصا على التأكيد أن جوهر التجربة ليس في نمط العيش بحد ذاته، وإنما في معنى السلطة وحدودها. كان يقول بوضوح إن المشكلة ليست في المال، بل في أن يتحول المال إلى هدف للحكم، وأن يُختزل الإنسان في كونه وسيلة للربح أو البقاء السياسي.

كما أن تجربة موخيكا تكشف أن الاعتدال لا يعني الضعف، وأن التواضع لا يتناقض مع الحزم في اتخاذ القرار. فقد استطاع أن يقود بلاده ضمن مؤسسات ديمقراطية مستقرة، وأن يمرر إصلاحات اجتماعية واقتصادية دون اللجوء إلى القمع أو التخويف. وهذا ما ينسف الفكرة السائدة لدى كثير من الحكام بأن الاستبداد شرط للاستقرار، وأن القسوة ضرورة للحكم.

إن استحضار موخيكا اليوم ليس نوعا من الحنين الرومانسي، بل دعوة لإعادة التفكير في معايير القيادة السياسية. ففي عالم تزداد فيه الفجوة بين الحاكم والمحكوم، يذكّرنا هذا الرجل بأن أبسط أشكال النزاهة قد تكون أكثر ثورية من أعنف الخطب، وأن أخطر ما يهدد الأوطان ليس الفقر وحده، بل حكام لا يشبهون شعوبهم، ولا يشعرون بآلامهم، ولا يرون في الوطن سوى مورد يُستنزف لا أمانة تُصان.

***

د. عصام البرّام

بين القومية والمواطنة.. رؤية يسارية لبدائل التحرر

المقدمة: يشهد الشرق الأوسط صراعات قومية دموية خلفت ملايين الضحايا والمشردين. تمثل القضية الكردية أحد أهم هذه الصراعات، حيث يتوزع الأكراد على أربع دول: تركيا، إيران، العراق، وسوريا. السؤال الجوهري: ما الحل الممكن الآن للقضية الكردية؟ هل في بناء دول قومية منفصلة، أم في النضال من أجل دولة المواطنة والحقوق المتساوية؟

كان هناك ولا يزال اضطهاد قومي صارخ ضد الأكراد. في العراق، بلغت الوحشية ذروتها في حملات الأنفال وقصف حلبجة بالأسلحة الكيماوية وسياسات "التعريب". في سوريا، الحزام العربي وإحصاء 1962 الذي جرد مئات الآلاف من جنسيتهم، واليوم في كانون الثاني 2026، يتجدد هذا المسار عبر الهجوم العسكري على مناطق سيطرة قسد. في تركيا، تصنيف الأكراد كـ"أتراك الجبال" وتدمير آلاف القرى. في إيران، القمع المركب تحت النظام الثيوقراطي والإعدامات والتهميش الاقتصادي.

لكن هذه السياسات لم تستهدف الأكراد وحدهم، فالدكتاتورية التي تسحق الهوية الكردية هي ذاتها التي تقمع كافة المواطنين. النضال ضد الاضطهاد القومي جزء من النضال العام ضد الاستبداد الطبقي والسياسي. مواجهة الاضطهاد الحقيقي لا تتحقق عبر استبدال قومية مهيمنة بأخرى، وإنما عبر تفكيك أسس الدولة القومية الإقصائية نفسها، وبناء دولة ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية.

من ''القومية المظلومة'' إلى سلطة حاكمة

في إقليم كردستان العراق، تحولت ''القومية المظلومة'' إلى سلطة حاكمة تواجه اتهامات بممارسات قمعية وفساد منظم. الحزبان الرئيسيان كرسا بنية حكم عائلية عشائرية. اندلعت حرب أهلية دموية بينهما (1994-1998) راح ضحيتها آلاف الأكراد، سببها الصراع على النفوذ والموارد وليس التحرر القومي. الفساد مستشر، والرواتب منقطعة لأشهر، والتظاهرات الشعبية ضد البطالة والفساد تُقمع، فيما يستمر الحزبان في احتكار ثروات الإقليم.

في سوريا، تحولت قسد إلى سلطة تتركز بيدها القرارات السياسية والعسكرية، مع هامش محدود للتعددية. رغم إصلاحات تقدمية في الجوانب الاجتماعية ومشاركة المرأة، لكنها بقيت محكومة بسقف طبقي وسياسي، ولم تمس جوهر بنية السلطة القائمة على الاحتكار السياسي. سُجلت انتهاكات لحقوق الإنسان، منها تجنيد الأطفال والاعتقال وقمع وتعذيب المعارضين.

الخطاب القومي خرج من كونه أداة تحرر، وتحول إلى غطاء أيديولوجي لتبرير الاستبداد وقمع المعارضين، وإعادة إنتاج علاقات السيطرة نفسها. المظلومية القومية التاريخية لا تمنح صك غفران لأي سلطة لتمارس القمع. تحول ''القومية المظلومة'' إلى ''أداة قمع واستبداد'' يمثل الهزيمة الأخلاقية الكبرى للمشروع التحرري، ويثبت أن الخلل في بنية الدولة القومية الإقصائية ذاتها.

تهميش النضال الطبقي وخطر الحروب الأهلية

الصراعات القومية تحمل خطر دفع المجتمعات نحو التعصب وحروب أهلية، تكون فيها الجماهير الكادحة وقوداً لصراعات لا تخدم مصالحها. الخطاب القومي الإقصائي يحول الصراع من صراع طبقي بين الجماهير الكادحة والطبقات الحاكمة، إلى صراع قومي وهوياتي زائف. الصراعات القومية أداة فعالة لإضعاف النضال الطبقي وتفكيك الوعي الاجتماعي للجماهير، وإلهائها عن قضاياها اليومية المرتبطة بالحقوق والعمل والرواتب والخدمات والعدالة الاجتماعية.

تحت غطاء الدفاع عن القومية، يتم تهميش الصراع الطبقي، وتبرير الاستغلال، وتحصين السلطات من المساءلة. تتحول الأزمات الاقتصادية والفساد والاستبداد من نتاج سياسات طبقة ملموسة إلى نتائج ثانوية لصراع قومي مفتعل. هكذا تؤدي الصراعات القومية إلى تصاعد خطاب الحرب والكراهية، وتفريغ النضال الاجتماعي من مضمونه، وقطع الطريق أمام بناء حركة طبقية يسارية موحدة عابرة للقوميات. مهمة اليسار هي الاستناد إلى الهوية الإنسانية والأممية، والتضامن مع معاناة جميع المدنيين ضحايا الدكتاتورية والحروب، بغض النظر عن العرق أو الدين أو الطائفة. التضامن الانتقائي، الذي يحصر التعاطف في عرق أو طائفة معينة، تفكير لا إنساني زائف، يساهم في تكريس التعصب، وتعميق الانقسام، وإضعاف أي مشروع تحرري قائم على العدالة والمساواة.

هل الدولة القومية ممكنة الآن؟

الظروف الموضوعية غير مناسبة لمشروع الدولة القومية الكردية. المناطق الكردية محاطة بقوى إقليمية معادية (تركيا، إيران، والدول العربية)، ولا تملك الحركات القومية دعماً دولياً حقيقياً. الدعم الأمريكي ظرفي ومرتبط بمصالح آنية. حتى لو تحققت دولة كردية، ما الذي يضمن بقاءها في ظل إحاطتها بدول استبدادية، أو يضمن عدم تحولها إلى نموذج دكتاتوري جديد؟ التجربة في إقليم كردستان العراق وسوريا شاخصة: حكم عشائري-حزبي، ممارسات استبدادية، فساد واسع، وانتهاكات لحقوق الإنسان.

من الضروري التحدث بوضوح عن حقيقة ديموغرافية: كثير من المناطق ليست ذات أغلبية قومية واحدة. كيف يمكن بناء مشروع قومي على أراض جزء من سكانها من قوميات أخرى؟ هذه المشكلة تخلق توترات حادة، وتفتح الباب لاتهامات بممارسة "التعريب" و"التكريد" و"التتريك". من الصعب بناء دولة قومية في مناطق متعددة القوميات دون خلق ظلم قومي جديد.

المراهنة على الدول الكبرى وبالأخص أمريكا

بعض الحركات القومية الكردية بنت ومازالت كثيرا من مشاريعها على الدعم الامريكي. امريكا، كأكبر قوة رأسمالية في العالم، تدعم معظم الانظمة الرجعية، ولم تكن يوما في صف الشعوب المضطهدة. وجودها في المنطقة يهدف اساسا الى ضمان مصالحها الاستراتيجية وتعزيز هيمنتها. تحالف امريكا مع القوى الكردية في سوريا والعراق جاء لسد فراغ ناتج عن غياب قوات برية امريكية كبيرة.

في الآونة الاخيرة، شهد هذا التحالف في سوريا تحولا واضحا باتجاه احمد الشرع والحكومة المركزية، علما ان الشرع لم ينتخب ديمقراطيا، وكان حتى وقت قريب على قائمة الارهاب العالمي، وهو ما يكشف بوضوح ان امريكا لا تهتم الا بمصالحها الاستراتيجية، ولا علاقة لها بالديمقراطية او القيم الانسانية التي تدعيها. هذا التحالف وقتي وهش، تحكمه المصالح الامريكية، ويضفي شرعية على التدخل الامريكي.

السياسة الأمريكية تنطلق من مصالحها الاستراتيجية، وليس من التزام أخلاقي تجاه الشعوب. لدينا أمثلة كثيرة على تخليها عن حلفائها: الأكراد في العراق عام 1975، والأفغان بعد انسحاب السوفييت. المراهنة على القوى الرأسمالية الكبرى مراهنة على ''سراب سياسي''. هذه القوى لا ترى في الحركات القومية ''حلفاء''، وإنما ''بيادق'' في رقعة شطرنج جيوسياسية، تباع وتشترى في صفقات الغرف المظلمة.

دولة المواطنة والحقوق بهوية إنسانية

يجب التمييز بين المطالبة بالحقوق الثقافية واللغوية والإدارية للأكراد وبقية الأقليات، وبين المطالبة بدولة قومية منفصلة. هذه الحقوق مطالب مشروعة يجب أن يدعمها كل يساري، من الاعتراف الدستوري بالتعددية إلى اللامركزية الإدارية. النضال من أجلها في ظل التوازنات الجيوسياسية القائمة من الأنسب أن يكون في إطار دولة مواطنة متساوية عابرة للقوميات والأديان. البديل الممكن اليوم ليس في بناء دول قومية جديدة تعيد إنتاج الانقسامات، وإنما في دولة المواطنة التي تحيد القومية والدين عن السلطة، وتقيد تشكيل الأحزاب على أسس قومية أو دينية، ليكون محور النضال هو سيادة القانون والمساواة والعدالة الاجتماعية.

هذا الانتقال مسار تدريجي يتطلب آليات دستورية واضحة تضمن عدم عودة المركزية. من هنا يبرز نموذج الفيدرالية الجغرافية (الإدارية) كبديل للفيدرالية القومية؛ بحيث تمنح الأقاليم سلطات واسعة في إدارة شؤونها، مما يفرغ الصراع من شحنته العرقية ويحوله إلى تنافس على الرفاه. ويجب أن يقترن ذلك بـ"الدسترة الشاملة للهويات" لضمان الحقوق الثقافية لكل المكونات، وبناء مؤسسات رقابية وقضاء مستقل.

التجارب الدولية تثبت إمكانية بناء هذا النموذج؛ فسويسرا نجحت عبر اللامركزية في استيعاب أربع لغات رسمية، وجنوب أفريقيا اختارت المواطنة، وفي الهند وبوليفيا وإسبانيا، نجد محاولات لإدارة التنوع عبر الحكم الذاتي والاعتراف بالتعددية دون تفكيك الدولة. هذه الأمثلة ليست مثالية، لكنها تؤكد أن البديل عن الدولة القومية الإقصائية ليس حلماً طوباوياً، وهو مشروع قابل للتحقيق.

قد يُطرح أن دولة المواطنة حلم طوباوي في ظل الواقع الحالي. لكن هذا الاعتراض يتجاهل حقيقة أساسية: مشروع الدولة القومية المنفصلة هو الأكثر طوباوية في الظروف الراهنة. الحديث عن دولة كردية مستقلة ومستقرة ومحاطة بدول معادية، دون دعم دولي حقيقي، وفي مناطق متعددة القوميات، حلم بعيد المنال. أما دولة المواطنة فمشروع تدريجي واقعي يبدأ بخطوات ملموسة: دسترة الحقوق القومية، بناء مؤسسات ديمقراطية، تطبيق اللامركزية، وتعزيز سيادة القانون.

لا يعني هذا التقليل من أهمية الهوية القومية أو معاداة الحقوق القومية المشروعة. ليست هنا المطالبة بإلغاء الهوية القومية، وإنما الدعوة إلى عدم تحويلها إلى أساس لبناء السلطة وإلى أداة للتمييز والإقصاء. الهوية القومية حق ثقافي ولغوي يجب حمايته، لكن الدولة يجب أن تُبنى على أساس المواطنة المتساوية لا على أساس الانتماء العرقي. المسألة في رفض استخدام الهوية القومية كغطاء لتبرير الاستبداد أو لتحويل الصراع الاجتماعي إلى صراع قومي يخدم مصالح النخب الحاكمة.

حق تقرير المصير والعقلانية الواقعية

مع تأييدي الكامل للحق الشرعي للشعب الكردي وكل الشعوب لتقرير المصير بما فيه الانفصال، إلا أنني لا أرى أن الظروف العالمية والإقليمية مناسبة الآن للانفصال وإعلان دول قومية جديدة. علينا أن ننبذ الوحدة القسرية وأن ندعم التعايش والوحدة الطوعية على أساس المواطنة المتساوية، وفي نفس الوقت نؤيد حق تقرير المصير، إذا كان سيعطي حقوقاً ومساواة أكثر وحياة وأماناً أفضل وصراعات أقل.

هذا الموقف ليس معاداة للتحرر القومي الكردي أو تقليلاً من عدالة قضيته التاريخية، وإنما دفاع عن جوهر التحرر نفسه من التشويه الذي تلحقه به المشاريع البرجوازية القومية حين تحول النضال التحرري إلى سلطة واستبداد وفساد. في الظروف الراهنة، الجماهير الكادحة تُجر إلى حروب وصراعات قومية، وستتعرض لأزمات اقتصادية وسياسية أعمق من أجل كيانات قومية قد تواجه خطر التحول إلى نموذج استبدادي آخر.

كماركسيين ويساريين، علينا أن نتعامل بعقلانية علمية وندرس الظروف المحلية والإقليمية والدولية، وموازين القوى الطبقية وقدراتنا وقدرات "أعدائنا"، والإمكانيات الواقعية لتحقيق الحلول. يجب تجنب جر الجماهير إلى حروب قومية خاسرة ومدمرة، حيث إنها لن تخلق غير المآسي الكبيرة للمدنيين وخسائر بشرياً واقتصادياً وسياسياً وعسكرياً لكل الأطراف. الاستناد إلى العقلانية والواقعية ضروري، وليس إلى "البطولات القومية" و"العزة القومية" و"مواجهة العدو القومي بكل السبل". هذا الخطاب لا يحقق النصر، وإنما يجر الجماهير إلى مزيد من الحروب والدمار.

مهمات اليسار وبناء البديل داخل دولة المواطنة

مهمتنا كيسار اليوم هي فصل خطنا عن كل أطراف الصراع القومي، والنضال من أجل دولة تقوم على المواطنة والحقوق المتساوية والعدالة الاجتماعية واحترام حقوق الإنسان، لا على أساس قومي أو طائفي. الطريق طويل وصعب، لكنه الطريق الوحيد القادر على الوصول إلى حل حقيقي ومستدام للمسألة القومية، بعيداً عن الحروب والصراعات التي لا تنتج سوى المآسي للجماهير.

يمكن لليسار أن ينظم نفسه عملياً عبر بناء تنظيمات سياسية ونقابية وجماهيرية عابرة للقوميات والطوائف، تنطلق من المصالح المادية المشتركة لشغيلات وشغيلة اليد والفكر، وتربط النضال من أجل الحقوق القومية بالمعركة الاجتماعية ضد الاستغلال والفساد والاستبداد وتحقيق البديل الاشتراكي. هذا المسار يتطلب استقلالاً سياسياً وتنظيمياً كاملاً لليسار عن كل أشكال القوى البرجوازية ذات الخطاب القومي، والعمل اليومي على توحيد الجماهير الكادحة حول برنامج ملموس للمساواة والعدالة الاجتماعية واللامركزية الديمقراطية والحريات.

الشعوب في منطقتنا ليست في حالة صراع فطري، ولم تولد محكومة بالكراهية والانقسام، وإنما هي ضحية لعمليات تجييش وتعبئة قومية منظمة، حيث تُدفع الجماهير الكادحة من مختلف القوميات إلى صراعات قومية دموية، لتتحول التضحيات الشعبية إلى وقود لتثبيت كراسي طغم برجوازية تتخذ من الخطاب القومي ستاراً لحماية مصالحها الطبقية. معركتنا الرئيسية ليست لتغيير الرموز القومية، ولا لون العلم، ولا لغة الحاكم، وإنما لتفكيك قيود الاستبداد والاستغلال والتعصب من جذورها، وبناء فضاء ديمقراطي اشتراكي إنساني يتسع للجميع. الطريق إلى حقوق الكردي وحريته يمر حتماً عبر حقوق وحريات جاره العربي والتركي والسرياني والإيراني، في ظل دولة لا تسأل المواطن عن أصله، وتضمن له خبزه وحريته، وتحترم كرامته الإنسانية.

***

رزكار عقراوي (يساري كردي من كردستان العراق)

أخذ الإسلام السّياسي، في أكثر مِن بلاد، وقته ودوره في السُّلطة، بعد تقديم شعاراته في المعارضة، أنه سيحقق العدل الإلهيّ على الأرض، ويثبّت الدِّين في قلوب الزائغين، لكن لو حقق العدالة، مثلما قدّمها، وهو في المعارضة، لا يأتي اليوم الذي يثور عليه الذين جذبتهم شعاراته، فأخيراً النَّاس لا تعلك الأفكار أو العقائد، المقدسة أو غير المقدسة، بل ينتظرون التنمية، وعدم جعلهم مشاريع استشهاد، لأجل العقيدة.

مارست ذلك الأحزاب، مِن خارج الإسلام السياسيّ، أيضاً، لكنَّ الأخير مسؤوليته أكبر وأخطر، لأنه ربط عقيدته السّياسية بالله والدين، إذا انتصر فهو بانتصار الدِّين وتأثيره في النَّاس، وإذا فشل حُسبَ فشله على الدّين أيضاً، وهنا يظهر الفصل عنده بين المؤمن والملحد، وفق القُرب منه والبُعد عنه، حتّى لو كان البعيد، المخالف له، حجةً مِن حجج الإسلام وفقهاءه الكبار، فالقيمة ليست المنزلة في الدين إنما المنزلة في السياسة، والمعارض أو المختلف السياسيّ، مهما كان متديناً يغدو متآمراً كافراً، لأنه اختلف مع العقيدة الدينية السياسية، والشّواهد كثيرة.

روي لما «أفضى الأمر إلى عبد الملك بن مروان، والمصحف في حجره يقرأه، فأطبقه، وقال: هذا آخر عهد بك»(البغدادي، تاريخ مدينة السَّلام)، وهي إشارة واضحة أنه سيحكم النَّاس بأسس دنيوية، فالسّياسة والحُكم لهما شأنهما، والروايات تذكر أن عبد الملك كان مشروع فقيه، قبل أن يتولى الخلافة بقليل (المصدر نفسه). وربّما معترض يشكك في الرواية، مع أنَّ الخطيب البغدادي (463هج) نقل الرواية بأسانيد ومِن وجوه مختلفة، لكنه يكفي أن المعلومة بُحثت ودوِّنت في القرن الخامس الهجري.

كذلك ينقل عن الصَّحابي ثُمامة بن عَدِي(بعد 35هج)، أمير صنعاء في عهد عثمان بن عفان(23-35هج)، لما بلغه قتل الخليفة، بعد الانحراف عن بساطة الحكم والمشورة: «طال بكاؤه، ثم قال: هذا حين انتزعت خلافة النَّبوة، من أمة محمَّد (ص) وصارت مُلكاً وجبرية! مَن غلب على شيء أكله»(ابن عبد البر، الاستيعاب)، يغلب على الظَّن أن الوصف ينطبق على الإسلام السياسي، فما السُّلطة في كلِّ صنوفها إلا مغالبة، وحتى الانتخابات التي تريد الأحزاب الدينية النفاذ عبرها إلى السُّلطة هي مغالبة ومفاضلة، وصرف مال وتقديم هذا على ذاك، واستخدام الشّعارات الدّينية فيها لإغراء النّاخبين.

لم يُقدم الإسلام السياسيّ، وقد نال السّلطة لعقود في أكثر مِن مكان وعلى اختلاف المذاهب، النموذج المتكافئ مع العقيدة الدّينية، لأنه سيحكم بالسّياسة لا بالدين، مثلما أشار إلى ذلك ما نُقل عن عبد الملك بن مروان. قد تبيح السِّياسة ما يمنعه الدِّين، في شأن تطبيق العدالة، وهي - أي السُّلطة - بيدها القوة التي تتفرد بها، لتحمي نفسها بشتى السُّبل، وهي تُصيب وتخطئ.

ولأبي العلاء المعري(449هج) ما يُعبر عن الحال: «جَهولٌ بالمَناسِكِ ليس يَدري/أغَيّاً باتَ يَفْعَلُ أم رَشادا/ طَموحُ السّيفِ لا يخْشَى إلهاً/ ولا يَرجو القِيامَةَ والمَعادا»(لزوم ما لايلزم)، والسَّيف هو السُّلطة، سواء كان صاحبها متديناً أو غير متدين، هذه حقيقة مارسها فقهاء كبار عندما تسلموا الزِمام، أباحوا وحرّموا حسب ما اقتضته الّسياسة لا الدّين.

لا نعتبر الجميع، مِن الأحزاب الإسلاميّة، اتخذوا مِن الدّين ستراً، فمنهم مَن اعتقد صادقاً أن السياسة والدّين متلازمان، هذا في المعارضة، لكن عندما جاءت السُّلطة واجهوا الوهم، ولم يفعلوا ما فعله عبد الملك بن مروان، فتعدوا خشية الله لضرورة الحُكم، وكم قُتل مِن رجال الدّين بسيف السلطة الدينية نفسها.

بيد أنَّ الجماهير نفسها، التي صدّقت بالشعارات الدّينية، عادت وثارت عليها، لأنَّ ما طُبق سياسة لا دين، فالأحزاب العقائديَّة جميعاً عندما تقرأ نظرياتها قد تجد فيها مثالية «جمهورية أفلاطون»، لكن عند مواجهة الواقع، تباح «الفرعنة» مِن أجل حماية النّظام، وعندها تخسر هذه القوى السُّلطة والدِّين معاً.

***

رشيد الخيّون - كاتب عراقي

المثقف بين الصمت والمقاومة

حين يتحالف الجهل مع القوة لا يعود الظلم حادثة عابرة بل يتحول الى نظام مستقر والى منطق يفرض نفسه بوصفه قدرا لا يسال.  فالقوة في ذاتها ليست شرا ولا خيرا انها طاقة محايدة لا تكتسب معناها الا بما يسكنها من وعي او بما يفرغها منه الجهل.  وحين تمنح هذه الطاقة لمن لا يرى ابعد من حدود مصلحته الضيقة تصبح سيفا اعمى يضرب في كل اتجاه بلا بوصلة اخلاقية ولا حس بالمسؤولية

اخطر اشكال الجهل ليس ذلك الذي يجهل فحسب بل ذاك الذي يرفض ان يتعلم ويخاصم المعرفة ويستبدل السؤال باليقين الزائف.  انه جهل نشيط عدواني يتسلح بالقوة ليحمي اوهامه ويستخدم النفوذ ليسكت العقل ويستعين بالضجيج ليخفي خواءه وحين يمتلك هذا الجهل سلطة سياسية او نفوذا تقنيا او منبرا جماهيريا فانه لا يكتفي بتشويه الحقيقة بل يعيد تشكيل الواقع نفسه على صورة الوهم.

في هذا السياق تنهار العدالة لا لان الاقوياء ظلموا فقط بل لان العارفين صمتوا. فالصمت حين يطول يتحول من حياد مفترض الى تواطؤ غير معلن. وعندما ينسحب المثقف من المجال العام يترك فراغا لا تملؤه الحكمة بل تملؤه الاصوات الاعلى والاكثر تبسيطا والاشد تطرفا

 هكذا لا تهزم العدالة بضربة واحدة بل تتآكل تدريجيا تحت وطأة القوة العمياء والجهل الواثق من نفسه

القوة بلا وعي اخلاقي لا تعرف الرحمة لانها لا تعرف الانسان انها ترى الافراد ارقاما والاختلاف تهديدا والسؤال جريمة اما المعرفة فهي النقيض العميق لهذا العمى ليست ترفا ذهنيا ولا زخرفة ثقافية بل فعل مقاومة انها القادرة على نزع الشرعية عن الوهم وكشف زيف الادعاء واعادة الاعتبار للحق والانصاف

ان مواجهة تحالف الجهل والقوة لا تكون بالعنف بل باصرار العقل على الحضور وبشجاعة السؤال وبمسؤولية الكلمة. فالمعرفة حين تقترن بالوعي الاخلاقي تصبح قوة مضادة لا تهدم بل تصلح ولا تقصي بل تنقذ وفي عالم يتكاثر فيه النفوذ اسرع من الحكمة يبقى الرهان الحقيقي على ان يستعيد العقل مكانه وان يرفض المثقف الصمت لان العدالة لا تحمى الا حين تجد من يدافع عنها باسم الانسان لا باسم القوة

وفي النهاية يبقى الخطر الحقيقي ليس في ان يمتلك الجاهل قوة بل في ان تترك هذه القوة بلا مساءلة وبلا عقل يواجهها فالتاريخ لا يصنع فقط بايدي الطغاة بل ايضا بتخاذل من كانوا قادرين على الفهم ولم يفعلوا وعلى الكلام فاثروا الصمت ان العدالة لا تموت فجاة بل تختنق ببطء حين يسلم مصيرها للقوة العمياء ويقصى عنها الوعي

لهذا فان الدفاع عن المعرفة ليس ترفا فكريا بل واجبا اخلاقيا وموقفا وجوديا في وجه الفوضى فحين يتقدم العقل تتراجع الوحشية وحين يرفع السؤال يسقط الوهم وحين يتكلم المثقف تفقد القوة الجاهلة قدرتها على الادعاء

 ان انقاذ العدالة يبدا من هنا.. من كسر الصمت ومن تحويل المعرفة الى فعل والوعي الى مقاومة حتى لا يظل الجهل سيدا ولا تبقى القوة بلا روح

وفي قلب هذا الصراع بين الجهل والقوة ينهض دور المثقف الحقيقي بوصفه ضمير المجتمع لا زينته ولا صوته الدعائي. فالمثقف ليس شاهدا محايدا على الخراب ولا مراقبا باردا لتاريخ يصنعه غيره بل هو فاعل اخلاقي يحمل مسؤولية الكلمة حين تصبح الكلمة فعلا وموقفا. انه من يرفض ترويض عقله او تأجيره للسلطة او تدجينه بالشهرة ويصر على ان يبقى وفيا للحقيقة حتى حين تكون مكلفة.

المثقف الحقيقي هو من يقف في المسافة الصعبة بين القوة والجماهير لا ليغازل هذه ولا ليخضع لتلك بل ليكشف الاوهام ويفضح التبسيط ويدافع عن حق السؤال في عالم يقدس الاجوبة الجاهزة. انه من يحول المعرفة الى وعي عام ومن يجعل التفكير حقا مشاعا لا امتيازا نخبويا ومن يدرك ان اخطر اشكال الخيانة ليست في الخطا بل في الصمت.

وحين يقوم المثقف بدوره لا تعود القوة مطلقة ولا الجهل مسيطرا فالكلمة الواعية تضع حدودا للبطش وتكسر هيبة الزيف وتعيد للعدالة معناها الانساني. هكذا لا يكون المثقف مكملا للمشهد بل شرطا لاصلاحه ولا يصبح وجوده ترفا ثقافيا بل ضرورة تاريخية لان المجتمعات لا تنقذها القوة وحدها ولا تحميها النوايا بل يحررها عقل شجاع يرفض ان يصمت حين يجب ان يتكلم.

***

ابتهال عبد الوهاب

توضيحات مهمة جدًا عن مفهومين حساسين، قد أسيء فهمهما في عالمنا العربي؟

للأسف، قامت نخبنا السياسية والثقافية بالتعامل مع مفهومي (حق تقرير المصير والنظام الاتحادي) بسطحية، ما جعلهما عرضة للتوظيف الخارجي من أجل تفكيك مجتمعاتنا ودولنا. هنا إعادة صياغة مركزة للمعلومات الأساسية التي جرى تجاهلها أو التعتيم عليها:

أولًا، (مبدأ حق تقرير المصير): هنالك خطأ كبير سائد عن هذا المبدأ، أنه: (من حق أية جماعة متميزة بلغتها، دينها أو عموم ثقافتها، أن تطالب بحق الانفصال أو كيان خاص بها)!

بالحقيقة أن هذا المبدأ قد تم طرحه من قبل (الرئيس الأمريكي ويلسون) عام 1918 ضمن مبادئه الأربعة عشر، والمقصود به هو التالي: (أنه من حق بلدان اوربا الوسطى والشرقية تكوين دولها المستقلة، وذلك بعد سقوط الإمبراطوريات العثمانية والنمساوية المجرية والروسية). ثم بعدها تم تطبيقه على البلدان المستعمرة من قبل الإمبراطوريات الأوروبية المتحاربة، مثل فرنسا وإنكلترا وغيرها. وهذا الذي حصل باستقلال عشرات المستعمرات، حربًا وسلمًا، ومنها بلداننا العربية.

الجميع يدرك بأنه من المستحيل تطبيق هذا المبدأ على جميع بلدان الأرض، لأنه سيؤدي إلى انفجار عشرات الحروب الداخلية والعالمية بسبب استحالة الاتفاق السلمي بين الجماعات المختلفة. يكفي أن نعرف أنه حاليًا هنالك (195) دولة في الأمم المتحدة، ولكن هنالك (7000) لغة حية، و(5000) مجموعة أقوامية قديمة موزعة في 90 بلدًا. (لمزيد من المعلومات، ابحث عن: لغات وأعراق العالم).

علمًا بأن (الولايات المتحدة) نفسها، رغم وجود عشرات الجماعات العرقية واللغوية والدينية المختلفة، فإنها لم تمنح لها (حق تقرير المصير)، لأن (النظام الاتحادي) لم يقم على أساس هذه الجماعات المختلفة، بل على أساس تقسيمات إدارية بريطانية قديمة. ثم إن (الحرب الأهلية أعوام 1861 - 1865) قد قامت بسبب رفض الدولة المركزية لمحاولة انفصال الولايات الجنوبية. وهنالك أمثلة عالمية كثيرة سوف نذكرها.

ثانيًا، النظام الاتحادي (الحكم الذاتي الفدرالي والكونفدرالي)

وهذا المفهوم، أيضًا قد شاع تفسيره بصورة خاطئة وخطيرة: من حق أي جماعة متميزة لغويًا ودينيًا أن تطالب بتكوين كيانها الخاص شبه المستقل، أي (حكم ذاتي: فدرالي أو كونفدرالي).

ولكن الحقيقة أن هذا التفسير ليس هو المقصود بسبب استحالة تطبيقه، لنفس السبب السابق. بل إن المقصود والمعمول به تقريبًا في عدة دول منها في أوروبا وأمريكا هو التالي:

أنه من حق الجماعات التي كانت مستقلة سابقًا، ولكن قد تم ضمها، سلمًا أو حربًا، إلى الدولة الأكبر. وهذه بعض الأمثلة:

- (مملكة بريطانيا) التي تكونت من اتحاد طوعي عام 1707 بين (مملكة اسكتلندا) و(مملكة إنكلترا). ولهذا كان يحق ل-(اسكتلندا) المطالبة بالاستفتاء عام 2014 على الاستقلال الذي انتهى بالفشل.

- لنا مثل آخر قريب جدًا: (اتحاد سوريا ومصر: 1958 - 1961) الذي انتهى بالانفصال.

- اتحاد مملكتي (الدنمارك والنرويج: 1814 - 1905) الذي انتهى بالانفصال.

- (الاتحاد السويسري 1848) الذي تكون حربًا وسلمًا بين (دويلات) منفصلة.

- الاتحاد الألماني، الذي تكون من ممالك وإمارات ألمانية مختلفة اتحدت بالتدريج سلمًا وحربًا، بين (1815 و1871).

- الاتحاد الهندي: بالحقيقة أن الهند قبل الاستعمار البريطاني (1858 - 1947)، لم تكن دولة واحدة، بل من عدة ممالك وإمارات مختلفة مثل (مملكتي المغول ودلهي)، بل حتى أثناء الاحتلال البريطاني كانت هناك 500 مملكة مستقلة، ولكنها تدفع (الجزية) إلى التاج البريطاني.

(نظام الدولة الواحدة المركزية) هو السائد في العالم

غالبية دول العالم، رغم وجود التنوعات الأقوامية فيها، ومنها بلدان أوروبية مثل: رومانيا، وإيطاليا، وهنغاريا، لم تعمل بالنظام الاتحادي. كذلك إيران وأفغانستان وتركيا وعشرات غيرها في قارات العالم. كلها تتبع (النظام المركزي: الدولة الواحدة بوزارات واحدة)، ولكن مع اختلاف درجة الحقوق الإدارية والثقافية الممنوحة للمحافظات، وهذه بعض الأمثلة:

- فرنسا، رغم التعدد اللغوي التاريخي كالبريتونية والأوكسيتانية والباسكية والكورسية، تأسست الدولة الحديثة منذ ثورة 1789 على مبدأ السيادة الواحدة، والأمة الواحدة، واللغة الواحدة، مع رفض صريح لأي صيغة اتحادية.

- إسبانيا ليست دولة اتحادية بالمعنى الدستوري، بل دولة موحدة تعتمد (لامركزية واسعة) عبر نظام الأقاليم ذات الحكم الذاتي المحدود، منذ دستور 1978، مع بقاء السيادة واحدة وغير قابلة للتجزئة.

- السويد، دولة موحدة مركزية، اعترفت بأقليات لغوية مثل الفنلنديين والساميين بحقوق ثقافية محدودة، دون أي تقاسم للسيادة أو بنية اتحادية.

- الصين، رغم وجود عدة قوميات بلغات مختلفة، تتراوح أعداد بعضها بين 7 ملايين مثل (التبت)، و(20) مليون مثل (الزووانغ)، لكن الدولة مركزية مع بعض الحقوق الإدارية واللغوية المختلفة.

***

سليم مطر - جنيف

https://selimmatar.com/

 

السحابة الإلكترونية، الانترنيت، رأس المال السحابي، الذكاء الاصطناعي، الذكاء التوليدي

في هذه المقالة سأدرج لكم أدناه عددا من التعريفات المهمة في هذا الميدان. وقد أخذتها عن مصادر رصينة وشائعة وحاولت تبسيطها إلى الدرجة الممكنة والتي لا تخل بجوهرها العلمي فيتحول التبسيط إلى تسطيح. وفي هذا الجزء سنتوقف عند تعاريف: الإقطاع التقليدي الزراعي، ثم الإقطاع التكنولوجي - الرقمي، والسحابة الإلكترونية:

1-الإقطاع "feudalism": هو نظام اجتماعي واقتصادي وسياسي ساد في أوروبا خلال العصور الوسطى، يقوم على علاقة هرمية بين طبقات المجتمع (الملوك، النبلاء، رجال الدين، والفلاحون) يرتكز على تملك وحيازة الأراضي للإقطاعي وخدمات الولاء والعمل العسكري، حيث يمتلك النبيل (الإقطاعي) الأرض ويسمح للفلاحين بزراعتها مقابل الحماية وتقديم جزء من المحصول والعمل، ما يؤدي إلى تبعية الفلاحين للأرض وللإقطاعي.  هو إذن نظام اقتصادي اجتماعي تاريخي يقوم على ملكية السادة للأراضي الواسعة وعمل الفلاحين أو الأقنان فيها مقابل الحماية والمأوى، مع تبعية الفلاح للأرض، وهو نظام هرمي يتسم بالاستغلال واللامساواة،

الخصائص الأساسية للإقطاع الزراعي:

-هيكله الهرمي: الملك في القمة يمنح الأراضي (الإقطاعيات) للنبلاء، الذين بدورهم يقسمونها لطبقات أدنى، وصولاً إلى الفلاحين والعبيد.

-علاقة الولاء: أساس النظام الإقطاعي هو الولاء الشخصي؛ فالتابع يقسم بالولاء لسيده مقابل الأرض والخدمة.

-اقتصاد زراعي: يعتمد بشكل رئيسي على الزراعة والإنتاج الريفي، مع وجود حرف وصناعات بسيطة.

-الخدمات مقابل الأرض: يحصل الفلاحون على "حماية" من السيد الإقطاعي مقابل العمل في الأرض وتقديم جزء كبير من الإنتاج للسيد.

-الضيعة الإقطاعية: وهي الوحدة الاجتماعية الأساسية للنظام، وتتكون من أرض الإقطاعي، الأراضي المزروعة، مساكن الفلاحين، والمرافق الأخرى.

أطراف نظام الإقطاع وأدوارهم:

1-الملك (السيّد الأعلى): في قمة الهرم، يملك كل الأرض ويمنحها للنبلاء (البارونات).

2-النبلاء (السادة الكبار/البارونات -اللوردات): يتلقون أراضٍ من الملك ويصبحون تابعين له، ثم يمنحون أجزاء منها لفرسان أو تابعين أقل، ويفرضون سلطتهم على هذه الأراضي.

3-الفرسان (السادة الصغار/التابعين): يتلقون أراضي (إقطاعات) من النبلاء ويقدمون لهم الخدمة العسكرية، ويحكمون الأقنان العاملين في أراضيهم.

4-الفلاحون (الأقنان/العبيد): يعملون في الأرض مقابل الحماية والسكن، لا يملكون الأرض بل عملهم وعبء التبعية، ويعتمدون على النبلاء الذين يستغلونهم في تأمين الإنتاج.

5-رجال الدين (الكنيسة): يمتلكون نفوذًا روحيًا وسياسيًا، ويؤثرون في العلاقات بين الطبقات، حسب السياق الأوروبي.

أهمية مصطلح الإقطاعية: يشير مصطلح "الإقطاعية" غالبا إلى هذا النظام في أوروبا واليابان. أما في الشرق الإسلامي وحتى ما قبل الإسلام فلا تسود الحالة الإقطاعية الصريحة بل هناك ما سماه ماركس "نمط الإنتاج الآسيوي"، وسماه سمير أمين "نمط الإنتاج الخراجي" وتسمية أمين أدق وفي هذا النمط لا تعود ملكية أو رقبة الأرض للإنسان بل لله، والإنسان مستخلف فيها يستغلها فإن توقف عن استغلالها خرجت من يده. وظهرت في العهد العباسي والعثماني ظاهرة الإقطاع – ويمكن ان نسميه الاستقطاع حيث يستقطع الخليفة ضباطه وقادته المهمين أراض معينة لتكون ملكا لهم يستغلونها في الزراعة أو غيرها، ولكن هذه الظاهرة ظلت محدودة.

2-الإقطاع التكنولوجي "Technological feudalism": هو مصطلح يصف نظاماً اقتصادياً حديثاً معاصراً تتحكم فيه شركات التكنولوجيا الكبرى (مثل أمازون ، ميتا –غوغل - ميكروسوفت ) بالبنية التحتية الرقمية (المنصات والبيانات والشبكات)، وتستخلص "ريعاً" (إيجارا) من ملايين الأفراد وآلاف الشركات التي تستخدم هذه البنية، بدلاً من الاعتماد على الربح الرأسمالي التقليدي، مما يخلق علاقة تبعية وولاء تشبه علاقة الإقطاعيين التقليديين "الزراعيين" بالفلاحين، حيث يسيطر "الإقطاعيون الرقميون" على "الأرض الرقمية/ فضاء الانترنيت" ويستغلون بيانات ملايين الناس لصنع نفوذهم وثرواتهم، كما يوضح الاقتصاديان اليوناني يانيس فاروفاكيس والفرنسي سيدريك دوران.

مفاهيم أساسية في الإقطاع الرقمي:

* أسياد المنصات الرقمية: شركات مثل أمازون وجوجل وفيسبوك، التي تسيطر على مساحات حيوية على الإنترنت، بحسب دار الساقي.

* التبعية (القنانة الرقمية): المستخدمون والشركات يعتمدون بشكل كبير على هذه المنصات، ويصبحون "أقنانًا" مضطرين لدفع "إيجارات" (ببياناتهم وسلوكهم) مقابل الوصول إليها، كما يشير موقع 0.

* الريع الرقمي: الثروة التي تأتي من استخراج البيانات والتحكم في تدفق المعلومات بدلاً من الإنتاج المباشر، حيث تدفع الشركات جزءًا من إيراداتها لـ "أصحاب السحابة".

* السلطة الهيمنية الجديدة: هذه الشركات تمتلك قوة تتجاوز سلطة الدول أحيانًا، وتتحكم في مصائر الأفراد والأسواق، مما يعيد إنتاج منطق السيادة الإقطاعية.

 3- السحابة الإلكترونية "Cloud Computing" هي سحابة افتراضية مجازية وكناية عن شبكة إلكترونية معقدة تنشأ في فضاء الانترنيت لتقديم خدمات حوسبة – مثل الخوادم، التخزين، قواعد البيانات، الشبكات، والبرمجيات. وتكون بدلاً رخيصا وبكفاءة جيدة لأجهزتك المحلية، مما يتيح الوصول إليها من أي مكان وفي أي وقت باستخدام نموذج الدفع حسب سعة الاستخدام، وهي تسمح بالتخزين، النسخ الاحتياطي، وتشغيل التطبيقات دون الحاجة لامتلاك البنية التحتية نفسها.

تعمل هذه السحابة من خلال الخوادم والمراكز: الشركات الكبرى مثل Amazon Web Services (AWS) وGoogle التي تدير مراكز بيانات ضخمة تحتوي على خوادم قوية. يمكن للمستعمل لها الوصول إليها عبر الإنترنت "شبكة الويب" بدلاً من خادمك المحلي.

وتقد السحابات الخدمات حسب الطلب: تحصل على الموارد التي تحتاجها (مساحة تخزين، قوة معالجة) عند الطلب، وتدفع فقط مقابل ما تستخدمه.

فمثلا، حين تكون بحاجة إلى تخرين أرشيفك الصوري والوثائقي، ولا تكفيك المساحة المجانية التي يمنحونها في العادة كطُعم تلجأ إلى شركات مثل غوغل درايف ودروبوكس...إلخ لتستأجر مساحة في خوادمهم وحين تكون بحاجة إلى تطبيقات مثل Gmail, Office 365" لتشغيل البرامج عبر المتصفح.

أنواع السحابة:

1- السحابة الشعبية أو العام: موارد هذه السحابة مشتركة تقدم من قبل مزودي الخدمة مثل " AWS, Google Cloud"

2- السحابة الخاصة: وتكون ذات بنية تحتية إلكترونية مخصصة لمؤسسة واحدة، توفر أماناً أكبر.

3- السحابة المختلطة من العامة والخاصة: وهي مزيج من السحابة العامة والخاصة.

وترى جينيفر والتر إن "السحابة الإلكترونية كما نعرفُها الآن لم تكن مألوفة حتى أواخر القرن الواحد والعشرين إلا أن تسميتها كانت مُتداولة منذ التسعينيات إلا أنه لم يُعرف صاغ هذا الاسم أولاً! يكمن الغرضُ الأساسي من السحابة الإلكترونية وبالنسبةِ لأغلب المستهلكين في تخزين البيانات وبشكلٍ آمن نسبياً في موقع بعيد يمكنُ الدخول إليه عند الحاجة.

حيثُ أن مبدأ عمل هذه السحابة مشابهٌ إلى فكرة تخزين الممتلكات الثمينة في خزنات البنوك إلا أن الشخص ليس مضطراً لقصدِ مبنى مُعين لاسترداد ملفاته، بل بدلاً من ذلك، يُمكنه الوصول إلى البيانات المُخزنة على خادم مُعتمد على السحابة الإلكترونية من خلال أي جهاز مُتصل بالإنترنت ومن أي مكان في العالم". وتضيف: "أن السحابة الإلكترونية تتمتع بكونِها أفضل من حيث السعة وسهولة الوصول وخصوصاً بعد توفيرِ خدمة إمكانية الاشتراك برسوم إضافية لتوفير مساحة تصلِ إلى عدة تيرابايت (وهي وحدة قياس السعة التخزينية في الكومبيوتر.. إلا أنه وبالرُغم من ذلك قد شهِد العقد الماضي وقوع بعضِ الأحداث ومن أبرزِها انقطاع خدمات شبكة أمازون في عام 2013، بالإضافة إلى حوادث السرقة للصور الشخصية التي شهدتها سنة 2014، للعديد من المشاهير/ ترجمة صفحة "باحثون عراقيون".

***

علاء اللامي

 

يوم زار الشيخ محمد مهدي شمس الدين رئيس المجلس الشيعي الأعلى لندن في العام 1995 لمقابلة الأمين العام للأمم المتحدة بطرس غالي، أقام له صديقه الحميم السيد محمد بحر العلوم رئيس مركز آل البيت الإسلامي، لقاءً مصغّرًا حضره عددًا من الشخصيات، عرض خلاله الأوضاع الصعبة التي يعيشها لبنان، وخصوصًا الجنوب المبتلى، ولعلّ الاقدار الغاشمة جعلته إلى اليوم يعيش ظروفًا أشدّ قسوةً.

خلال حديثه البالغ الثراء طرح شمس الدين فكرة استعادة الدولة في لبنان، ولاسيّما بتشديده على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، طبقًا للقرار 425 الصادر في العام 1978، دون أن ينسى حق المقاومة المشروع في الدفاع عن الأرض والمقدّسات، وصولًا لبلوغ هدف التحرير، وهو الامر الذي ما يزال النقاش حوله دائرًا إلى يومنا الحالي.

وما لفت انتباهي في حديث شمس الدين هو ما سمعته منه عن فكرة المقاومة المدنية الشاملة كاستراتيجية لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وهي فكرة سبق له أن روّج لها خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان ومحاصرة العاصمة بيروت في العام 1982، وقد ردّد أكثر من مرّة هذه الفكرة لوضعها في سياقها الوطني الجامع.

وعن دور الشيعة، كان رأيه، الذي عاد وبلوره على نحو واضح قبل رحيله بكتيّب صدر عن دار النهار، قدّم له الصحافي والدبلوماسي الكبير غسان تويني، ومثّل رؤية استشرافية لإشكالية المواطنة والتمييز، ضرورة اندماجهم في مجتمعاتهم، مؤكدًا أن هويّة شيعة لبنان ينبغي أن تكون لبنانية، وكذلك هويّة شيعة العراق عراقية، وكذا الحال شيعة البحرين والمملكة العربية السعودية والكويت وغيرها.

لقد استبعد شمس الدين فكرة مشروع خاص للشيعة، سواء كان سياسيًا أم أمنيًا أم عسكريًا، مشددًا عليهم التماهي مع الدولة، وحين تتحقّق الدولة العادلة يكون الشيعة أسوةً بغيرهم قد أخذوا حقوقهم في المواطنة وعدم التمييز.

هكذا يمكن أن نقرأ مشروع شمس الدين، مثلما كان "دولة الإنسان" هو مشروع السيد محمد حسين فضل الله، بدلًا من "دولة الإسلام"، ولعلّ مثل هذا التطوّر الفقهي، سواء في مشروع شمس الدين أو في مشروع فضل الله، إنما يقوم على الإيمان بالدولة وقوانينها وآليات عملها العصرية وتطورها، وهي دولة مدنية أي لا دينية، وإن كانت بمرجعية إسلامية.

تقوم فكرة شمس الدين الجوهرية على الدولة وقد اشتغل عليها كاستراتيجية فكرية وحركية وعملانية لأنه أدرك وعلى نحو شديد العمق أن التمترسات الطائفية ستكون خطرًا على الشيعة قبل غيرهم ويمكن أن تستثمر من جانب قوى إقليمية ودولية، لاسيّما بخروجها عن الإجماع الوطني الذي سيلحق الضرر بالجميع.

لقد توصّل شمس الدين إلى هذا الاستنتاج المهم عبر قراءة دقيقة للوضع الإقليمي، ولاسيّما مساعي إيران بعد ثورتها في العام 1979 الاستحواذ على قرار الشيعة بما تملكه من إمكانات بشرية ومادية ومعنوية.

وإذا كان تحرير الجنوب في العام 2000 لحظة تاريخية فارقة، فإن شمس الدين أراد استثمارها في الاتجاه الصحيح والبناء عليها بالدعوة إلى المزيد من التمسّك بالدولة على أساس اتفاق الطائف العام 1989 والاندماج والشراكة والمشاركة، بدلًا من الانعزال والانغلاق بحجة التمايز والمظلومية، وتلك كانت رسالته إلى شيعة العالم.

عقب انتهاء دعوة السيد بحر العلوم وحين هممنا بالمغادرة فاجأني شمس الدين وباقتراب السيد بحر العلوم بالسؤال: أين تضع الشيعة في الصراع الراهن؟

قلت باختصار وبما يسمح به المقام: كلّما تمكّنت مجتمعاتنا من إقامة دولة القانون وعلى أساس المواطنة الكاملة والمتساوية وكفالة احترام الحريّات العامة والخاصة، وفي إطار مبادئ المساواة والعدالة والشراكة والمشاركة، وهي جميعها أركان للمواطنة، فإن الطائفية ستفقد تأثيرها بالتدرّج، وأشرت إلى الفرق بين الانتماء إلى طائفة، وهي تكوين تاريخي واجتماعي واجتهادات فقهية، وبين الطائفية التي اختلطت فيها عادات وتقاليد وطقوس وشعائر بعيدة عن الدين أحيانًا بل مثّلت قشوره وعمّقت الشرخ والتباعد مع الطوائف الأخرى في الدين الواحد، سواء ادّعت المظلومية أو زعمها بالأفضليات وامتلاكها للحقيقة.

لقد تابعت تطوّر مدرسة النجف وحوزتها الفقهية منذ خمسينيات القرن المنصرم، وأستطيع القول إن أهم المجددين على صعيد المنهج والرؤية والدراسة والتطوّر هو الشيخ محمد رضا المظفر وتلامذته النجباء: السيد محمد بحر العلوم والشاعر مصطفى جمال الدين والشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله والسيد محمد باقر الصدر، وخلال الفترة ذاتها برز السيد موسى الصدر المختفي قسريًا في ليبيا منذ العام 1978 والذي أسس "حركة المحرومين" في لبنان وكأنه امتداد لمدرسة الانفتاح والتجديد لما امتاز به من مواصفات شخصية ورؤية مستقبلية ومرونة عالية، لاسيما بتفاعله مع محيطه اللبناني والعربي  بتياراته المختلفة.

لعلّ خير وفاء للشيخ محمد مهدي شمس الدين بعد مرور ربع قرن على رحيله (10 كانون الثاني / يناير 2001) هو استذكار وصاياه، ولاسيما درس المواطنة والمساواة وعدم التمييز في إطار دولة العدل التي أرادها بمنظوره المستقبلي.

***

عبد الحسين شعبان - مفكّر وأكاديمي

قراءة في مذكرات وحكايات اليهود العرب.. الوعد والوعيد

المتابع للمشهد الثقافي والإعلامي العربي في العقدين الأخيرين، لا يمكنه أن يتجاهل الموجة المتصاعدة من الاهتمام بنشر مذكرات وحكايات وقصص ما يصطلح على تسميتهم بـ "اليهود العرب"، أو يهود البلاد العربية. هذا الاهتمام لم يعد مقتصرًا على الهوامش الأكاديمية أو الأبحاث المتخصصة، وقد امتد ليشمل وسائل الإعلام الرئيسية، وطرح بقوة في المنتديات الفكرية، وتسابقت دور النشر العربية والأجنبية على استقطاب هذه النصوص ونشرها.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، ويثير أكثر من علامة استفهام، هو ما الذي يدفع هذه الموجة الآن؟ وما هي الروايات التي تريد أن تكرسها؟ وما هي الروايات التي تعارضها وتحاول محوها؟

الواقع أن القراءة الفاحصة المتأنية لهذه الموجة تظهر أنها لا تسير في اتجاه واحد، بل تتحرك على مستويين متوازيين، وإن بدا أنهما أحيانًا متقاطعين أو حتى متعارضين. فهناك، من ناحية، المستوى الإنساني والوجداني الذي يحاول استعادة صورة حياة جماعات إثنية ودينية عاشت لقرون طويلة كجزء عضوي من نسيج المجتمعات العربية، في مصر والعراق وسوريا واليمن والمغرب وتونس وليبيا وغيرها.

وهذه الصورة، التي تتحدث عن علاقات الجوار، وعن الحياة اليومية، وعن التبادل الثقافي واللغوي، هي صورة صادقة وواقعية ولا يمكن نكرانها. لكن هناك، من ناحية أخرى، مستوى آخر أعمق وأكثر خطورة، وهو المستوى السياسي والأيديولوجي الذي يحاول توظيف هذه الذكريات والحكايات الإنسانية لتقديم سردية تاريخية مغايرة تمامًا. سردية تهدف إلى إعادة كتابة فصل كامل من فصول تاريخ المنطقة، فتصوغه ليس كتاريخ تعايش أحيانًا وتوتر أحيانًا أخرى، لكن كتاريخ اضطهاد مستمر ومزمن، تنتهي حلقته الأخيرة بـ "التهجير" أو "الرحيل" عن الأوطان العربية.

هذه السردية، في جوهرها، تريد أن تصور العصر الذي بلغت فيه بعض الجماعات اليهودية - وكذا أقليات أخرى - ذروة نفوذها الاقتصادي والاجتماعي في البلاد العربية، على أنه (العصر الذهبي) لتلك البلاد نفسها! وهي بذلك لا تقدم فقط حنينًا رومانسيًا إلى ماض مثالي، بل تذهب إلى أبعد من ذلك، فتربط ازدهار تلك المجتمعات بشكل مباشر بوجود هذه الجماعات ونفوذها، وكأن النسيج الوطني كان ناقصًا أو معيبًا قبل أن تمنحه هذه المكونات شرعيته وكماله! هذا الربط الخطير هو ما يفتح الباب واسعًا أمام قراءة سياسية مغرضة لتاريخ المنطقة، وهي القراءة التي حذر منها الناقد المصري محمد الدخاخني بحدة ووضوح نادرين، حين تناول تاريخ الأرمن في مصر نموذجًا.

يقول الدخاخني في مقاله البارز المعنون "إحنا المصريين الأرمن: الرواية المضادة": "حين تدعي أقلية أن العصر الذهبي لبلد ما يقع حصرًا في الفترة التي تمكنت فيها هذه الأقلية اقتصاديًا واجتماعيًا، فإن ذلك يتأسس على منظور نرجسي للمسألة برمتها". ويضيف مقدمًا أمثلة دامغة: "فالأرمني الذي يرى أن أزهى أيام مصر كانت تحت الاستعمار والملك، أو لا يزال يتفاخر بشخصية من نمط نوبار باشا، الذي عرف بممالأته (وهذا تعبير مخفف) للاستعمار البريطاني ولعب دورًا حازمًا في تأسيس المحاكم المختلطة في مصر عام 1875، وهي المحاكم التي كانت تفصل في النزاعات المدنية بين المصريين والأجانب وبين الأجانب وبعضهم البعض، واشتهر عنها تمكينها للأجانب وانتزاعها الأراضي من فقراء الفلاحين المصريين، أو الذي يشيد بيعقوب أرتين الخادم المطيع للملك والعدو الحاقد للحركة الوطنية المصرية… إن الأرمني الذي يفعل ذلك يصر أن يكون أرمنيًا فقط وليس أرمنيًا مصريًا، يصر أن يضع الجالية ضد الأمة".

كلمات "الدخاخني" هذه، رغم أنها تتحدث عن الأرمن، فإنها تشكل مفتاحًا حاسمًا لفهم الخطر الكامن وراء موجة حنين معينة لتاريخ اليهود العرب. إنه تحذير من قراءة انتقائية ومصلحية للتاريخ، تختار من الماضي ما يعزز سردية ضيقة وتتجاهل عمدًا السياق الأوسع. فمن غير المقبول - والخطير تاريخيًا - أن يختزل تاريخ مصر في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، بكل تعقيداته وصراعاته من أجل الاستقلال والعدالة الاجتماعية، في ازدهار جماعة بعينها كانت في كثير من الأحيان، ولأسباب موضوعية تتعلق بطبيعة علاقات القوة آنذاك، أقرب إلى السلطات الاستعمارية منها إلى الجماهير الشعبية.

ويتابع الدخاخني ملاحظته لتشمل نمطًا أوسع من الإنتاج الثقافي المعاصر، فيقول: "يلاحظ كل متابع للوثائقيات المنتجة حديثًا حول الأقليات غير العربية و«غير المسلمة» في العالم العربي أنها، بشكل صريح أو ضمني، تقدم نفسها كطرح بديل لما تعتقد أنه الطرح القومي العربي. فالأخير بنظرها قد همش دور هذه الأقليات، إن لم يكن قد اختصره تمامًا إلى صورة سلبية".

هنا تكمن النقطة المركزية، إن ما نشهده ليس مجرد استعادة للذاكرة، لكنه معركة على الرواية. إنه صراع بين رواية وطنية قومية، اتهمت- بحق أو بغير حق - بالتجاهل أو التبسيط، ورواية مضادة تريد أن تقيم نفسها على أنقاض الأولى، فتحول تاريخ الأقليات من جزء من التاريخ الوطني إلى تاريخ بديل يناقضه وينفيه في بعض الأحيان. وفي خضم هذه المعركة، تضيع الحقيقة المتعددة الأوجه، وتغتال تعقيدات التاريخ لصالح خطابات إيديولوجية متحجرة.

اليهودي بين عروبته وإسرائيليته

لكن، هل يعني رفضنا لهذه الرواية المضادة المغرضة أن نقع في الخطأ المعاكس؟ أي أن ننكر التجربة الإنسانية الفعلية لليهود العرب، أو أن نلصق بهم جميعًا تهمة الخيانة والتعاون مع الاستعمار أو مع المشروع الصهيوني لاحقًا؟ بالتأكيد لا. هنا يتجلى التعقيد الحقيقي للقضية، وهو تعقيد يرفض الثنائيات السهلة مع أو ضد، ضحية أو جلاد، وطني أو عميل.

إن اليهودي المصري أو العراقي أو السوري، قبل أي شيء آخر، كان مواطنًا عربيًا ينتمي إلى وطنه بكل جوارحه. كان يتكلم اللهجة المحلية بطلاقة، ويشارك في الحياة الثقافية والاجتماعية، ويمارس طقوسه الدينية في كنيس قديم بناه أجداده منذ قرون. تاريخ هذه الجماعات هو جزء لا يتجزأ من تاريخ المنطقة، وتجاهل هذا التاريخ هو خطيئة كبرى ترتكب في حق الذاكرة الجماعية للأمة.

وهنا تبرز أهمية النماذج الثقافية التي تحاول أن تلتقط هذا الجانب الإنساني المتجذر في المكان. ففي فصل مؤثر من كتابها النقدي "رؤى وذات"، تقدم الكاتبة المصرية صافي ناز كاظم قراءة لسيرة الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي كما وردت في عمله المؤثر "رأيت رام الله". وفي خضم هذا الاستعراض، تنقل كاظم صورة حية وموجعة لحياة اليهود العرب من خلال عيون سيدة مصرية عاشت بينهم، تذكرهم ليس كأرقام في صراع سياسي، بل كجيران وأصدقاء وزملاء في العمل، شاركوها تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تجرفهم رياح السياسة العاتية. هذه الشهادة، وهذا المنظور، لا يقفان ضد رواية وطنية، بل يغنيانها ويعيدان لها بعدها الإنساني المفقود أحيانًا في لهيب الخطاب السياسي. إنهما يذكراننا بأن التاريخ يصنع من حيوات بشرية فردية، قبل أن يختزل في خطابات جماعية جارفة.

بالمقابل، فإن القراءة النقدية الموضوعية تتطلب أيضًا مواجهة الحقائق التاريخية غير المريحة. فمع صعود المشروع الصهيوني وقيام دولة إسرائيل عام 1948، وجد يهود البلاد العربية أنفسهم في موقف وجودي بالغ الحرج والتعقيد. لقد وضعتهم الصهيونية العالمية، ومن خلفها الدول الاستعمارية، أمام اختيار مستحيل: إما الولاء الكامل للدولة القومية الناشئة (إسرائيل)، وإما البقاء في أوطانهم الأصلية تحت شبهة الخيانة الدائمة. وكانت الأنظمة العربية، في غالبيتها، تفتقر إلى الحكمة والنضج السياسي اللذين يمكناها من التعامل مع هذا الملف الشائك بمسئولية. فبدلاً من العمل على استيعاب المواطنين اليهود وتأمينهم، والتمييز بوضوح بين الصهيونية كأيديولوجيا استعمارية استيطانية وبين الانتماء الديني اليهودي، سقطت الكثير من هذه الأنظمة في فخ "الحل الأمني" السريع والعنيف.

لقد عومل يهود مصر والعراق وسوريا، في كثير من الأحيان، كطابور خامس جماعي، فرضت عليهم قيود مهينة، وصودرت أملاكهم، وتعرض بعضهم للاعتقال والاضطهاد، وتم طرد جماعات كاملة في بعض الحالات. هذه الإجراءات، التي اتخذت ردًا على العدوان الإسرائيلي وحروب 1948 و1956 و1967، كانت خطأً استراتيجيًا فادحًا، ليس فقط لأنها انتهكت حقوق مواطنين أبرياء، لأنها خدمت، عن قصد أو غير قصد، الرواية الصهيونية التي كانت تريد إفراغ البلاد العربية من يهودها لتوطينهم في إسرائيل، ولتقدم دليلاً على ادعاءاتها بالعداء العربي الأزلي لليهود. لقد حول هذا التسرع الأمني والخطاب القومي المتعصب، بعض اليهود العرب من مواطنين يشعرون بالانتماء إلى أوطانهم، إلى لاجئين يشعرون بالمرارة والخوف، مما سهل عملية استقطابهم أو تهجيرهم.

لكن، وحتى في خضم نقد هذه السياسات العربية الخاطئة، لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن نتجاهل حقيقة بالغة الأهمية، وهي الموقف السياسي لنخب يهودية عربية بارزة من المشروع الصهيوني نفسه. فمن السذاجة، أو من الخيانة الفكرية، أن نتصور أن جميع يهود البلاد العربية كانوا ضحايا سلبيين للظروف. لقد كان هناك من بينهم من دعم الصهيونية بشكل علني وسري، ومن سخر مواقعه الاقتصادية والتجارية لخدمة هذا المشروع، ومن رأى في قيام إسرائيل خلاصًا شخصيًا وقوميًا، حتى لو كان ذلك على حساب وطنه العربي الذي عاش فيه أجيالاً. وهنا لا يجوز الخلط بين الأمرين: انتقاد سياسات الأنظمة العربية الظالمة لا يعني تبرئة أو تناسي أدوار هؤلاء الأفراد وتلك الجماعات التي ساهمت بوعي وإرادة في تعزيز المشروع المعادي لأمتهم.

معاناة مزدوجة

ربما تكون المفارقة الأكثر قسوة ومأساوية في قصة يهود البلاد العربية، هي تلك التي عاشها من هاجر منهم بالفعل إلى إسرائيل. فالصورة النمطية التي روجتها الدعاية الصهيونية، والتي تصوّر هذه الهجرة كـ"عودة" تاريخية إلى الوطن، وإنقاذ من براثن الاضطهاد العربي، تتحطم تمامًا عند أول احتكاك بالوقائع التاريخية والاجتماعية داخل إسرائيل نفسها.

وصل يهود العراق ومصر واليمن والمغرب وغيرهم إلى دولة كان يهيمن عليها تمامًا، ثقافيًا وسياسيًا واقتصاديًا، اليهود الأشكناز (ذوو الأصول الأوروبية). واستقبلتهم النخبة الأشكنازية المؤسسة للدولة، لا بوصفهم إخوة عائدين، إنما بنظرة فيها الكثير من الاستعلاء العرقي والثقافي. لقد نظروا إليهم على أنهم متخلفون، همج، يحملون ثقافة شرقية دونية يجب محوها لصالح الثقافة الأوروبية المتفوقة. وهذا لم يكن مجرد شعور عابر، لقد كان سياسة دولة ممنهجة.

وصف بن جوريون، المهندس الرئيسي لدولة إسرائيل وأول رئيس وزرائها، يهود البلاد العربية بأوصاف عنصرية صارخة، فشبههم بـ "الزنوج الذين أحضروا إلى أميركا كعبيد". وكان يرى أن مهمة الدولة هي مقاتلة روح الشرق التي تفسد الأفراد والمجتمعات. وترجمت هذه النظرة إلى سلسلة من الإجراءات القاسية:

  • سياسة "محو الذاكرة" أو "الأسرلة" القسرية، سعت الدولة بشكل منهجي إلى اجتثاث الهوية العربية لليهود الشرقيين. تم تثبيط استخدام اللغة العربية بشدة، حتى داخل المنازل. فرضت عليهم أسماء عبرية، وحوربت تقاليدهم وطقوسهم الدينية الشرقية لصالح النسخة الأشكنازية من اليهودية. كان الهدف واضحًا، وهو خلق إسرائيلي جديد منقوع في الثقافة الأوروبية، مقطوع الجذور عن عالمه العربي السابق.
  • التمييز الاجتماعي والاقتصادي الممنهج: لم يرسل المهاجرون الشرقيون إلى المراكز الحضرية المتطورة، تم توطين الغالبية العظمى منهم في بلدات عشوائية على أطراف المدن، أو في مستوطنات حدودية خطرة ليكونوا "دروعًا بشرية". حصر الكثيرون منهم في وظائف هامشية وزراعية وصناعات دنيا، بينما احتفظ الأشكناز بمواقع السلطة والثروة في الجيش والدولة والاقتصاد. يقول عالم الاجتماع الإسرائيلي البارز إيهودا شينهاف إن المجتمع الإسرائيلي في عقوده الأولى كان "مجتمعًا أشكنازيًا ذا ثقافة غربية"، وهو ما خلق فجوة اقتصادية واجتماعية عميقة ما زالت قائمة حتى اليوم وتعرف بـ"الفجوة الإثنية".
  • المفارقة الأمنية الصارخة: في تناقض صارخ يلخص الازدواجية الإسرائيلية، بينما كانت الدولة تحارب عروبة هؤلاء اليهود ثقافيًا واجتماعيًا، كانت في الوقت نفسه تستغل هذه العروبة وتوظفها على المستوى الأمني والعسكري. فبسبب ملامحهم العربية ومعرفتهم باللغة والثقافة العربية، تم تجنيد أعداد كبيرة من اليهود الشرقيين في أجهزة الاستخبارات (الموساد والشاباك) والوحدات الخاصة في الجيش، لاستخدامهم في عمليات التخفي والتسلل إلى الدول العربية. لقد استخدمت هويتهم الممحوة كأداة لضرب أوطانهم الأصلية.

وهكذا، تحولت "أرض الميعاد" لكثير من يهود العرب إلى ساحة لمعاناة مزدوجة، معاناة من التهجير وفقدان الوطن الأصلي، ومعاناة من الاضطهاد والتمييز داخل الوطن المزعوم الجديد. لقد أصبحوا ضحايا مأساة مضاعفة ضحايا لسياسات عربية قصيرة النظر وخائفة، وضحايا لأيديولوجيا صهيونية عنصرية في جوهرها، نظرت إليهم دومًا كأدوات ووسائل لتحقيق غاياتها، وليس كبشر لهم كرامتهم وهويتهم الخاصة.

مطلوب قراءة نقدية لا تنسى، ولا تبرر، ولا تنكر

في ضوء كل هذا التعقيد، كيف يمكننا، كمثقفين وقراء للتاريخ، أن نتعامل مع قضية اليهود العرب؟

الإجابة لا تكمن في الانحياز لرواية ضد أخرى، لكن في السعي الدؤوب لبناء رواية ثالثة، أكثر اكتمالاً وعمقًا وإنسانية. رواية ترفض أن تكون أسيرة الثنائيات الجارفة، وتتسع لاحتواء التناقضات والألم والظلم من جميع الجهات. وهي مهمة شاقة، لكنها ضرورية إذا كنا نريد استخراج الدروس الحقيقية من الماضي، لا تكرار جراحه.

أول شروط هذه الرواية هو القراءة النقدية التي تميز بوضوح لا لبس فيه بين عدة مستويات:

1. بين اليهودي العربي كمواطن متجذر في وطنه، والصهيوني الذي يتبنى أيديولوجيا استعمارية استيطانية معادية لهذا الوطن.

2. بين معاناة أبرياء تعرضوا للظلم بسبب هويتهم الدينية فقط، وأدوار سياسية لنخب يهودية اختارت بوعي أن تكون جزءًا من آلة استعمارية أو صهيونية.

3. بين نقد سياسات الأنظمة العربية القمعية والخاطئة، وبين رفض الرواية الصهيونية التي تريد توظيف هذه الأخطاء لتبرير مشروعها وتاريخها من التطهير العرقي ضد الفلسطينيين.

ثاني شروطها هو رفض الحنين الرومانسي المسلح. الحنين إلى زمن اليهود العرب لا يجب أن يكون أبدًا حنينًا إلى عصر الاستعمار أو التبعية أو الهيمنة الأجنبية. ولا يجب أن يكون أبدًا أداة لضرب الرواية الوطنية أو التشكيك في نضال الشعوب العربية من أجل الاستقلال والعدالة الاجتماعية. الذاكرة الحقيقية هي التي تتذكر كل شيء، تتذكر التعايش في حارة اليهود، وتتذكر أيضًا دور المحاكم المختلطة في استغلال الفلاحين. تتذكر صداقات شخصية عميقة، وتتذكر أيضًا خيانات سياسية كبرى.

ثالث شروطها، وهو الأهم، هو استعادة البعد الإنساني الفردي. بحيث يجب أن ننظر إلى يهود البلاد العربية، ليس ككتلة واحدة أو كرمز سياسي، إنما كبشر عاشوا، أحبوا، تألموا، واتخذوا خيارات في ظل ظروف تاريخية قاسية ومعقدة للغاية. خيارات بعضها كان نبيلاً، وبعضها كان خاطئًا، وبعضها كان مدفوعًا بالخوف والرغبة في البقاء.

إن التاريخ الذي نريده للمنطقة ليس تاريخًا من النقاء الأيديولوجي، ولا تاريخًا من الضحية الدائمة أو الجلاد الدائم. إنه تاريخ البشر بضعفهم وقوتهم، بتعقيداتهم وتناقضاتهم. والقراءة النقدية لتجربة اليهود العرب هي اختبار حقيقي لقدرتنا على كتابة مثل هذا التاريخ، تاريخ لا ينسى، ولا يبرر، ولا ينكر. تاريخ يعيد بناء الذاكرة من أجل مستقبل أكثر عدلاً وإنسانية، لا من أجل حروب هويات جديدة تدفن الجميع تحت ركام الماضي.

***

عبد السلام فاروق

درس فنزويلا وصراع الرأسمالية في طورها الأكثر شراسة

1.  درس فنزويلا: في فجر يوم عادي من بداية يناير هذا العام 2026، استيقظ العالم على خبر صادم لم تكن تداعياته واضحة للوهلة الأولى: اعتداء عسكري أمريكي غاشم، واختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس في عملية معقدة نفذت بدقة عسكرية واستخباراتية فائقة. وعلى الرغم من أن العملية تضمنت هجوما عسكريا مباشرا وقصفا مكثفا وتدميرا ممنهجا لمخازن الأسلحة ومنصات الدفاع، إلا أنها استندت بشكل كبير إلى توظيف هائل للتكنولوجيا الرقمية، وهذا هو المحور الذي سنركز على تحليله هنا. التغطية الإعلامية الرئيسية ركزت على الجوانب السياسية والدبلوماسية للحدث، دون التفات حقيقي - سواء كان ذلك عفويا أو مقصودا - الى الدور المحوري الذي لعبته التكنولوجيا المتقدمة في هذه العملية. لم تكن مجرد تدخل عسكري تقليدي كما حاولت بعض وسائل الإعلام الغربية تصويره، إنما كانت حربا رقمية شاملة ومنظمة سبقت الاعتقال بأشهر طويلة، إن لم يكن بسنوات من التخطيط والرصد والاستعداد.

وقبل الاستمرار، أود هنا الإشارة إلى تحفظي على سياسات نظام حكم مادورو في قمع المخالفين وتقييد الحريات والتضييق على اليساريين والنقابات العمالية. فنقدنا للتدخل الرأسمالي الأمريكي وانتهاك القانون الدولي واستخدام التكنولوجيا كسلاح للهيمنة لا يعني بأي حال تبرير الممارسات القمعية لنظام مادورو ضد القوى التقدمية والحركة العمالية في فنزويلا وبالأخص الحزب الشيوعي الفنزويلي. إن الوقوف ضد العسكرتارية العدوانية للرأسمالية الأمريكية لا يتناقض مع نقد الاستبداد الداخلي، إنما هو موقف متسق مع القيم اليسارية. ما نسلط الضوء عليه هنا هو الدرس التكنولوجي والاستراتيجي الذي تقدمه هذه الحادثة لجميع الحركات اليسارية والتقدمية، بغض النظر عن تقييمنا لنظام مادورو نفسه.

حسب ما تم تداوله في وسائل الإعلام، استخدمت في هذه العملية أنظمة المراقبة الفضائية الأمريكية الأكثر تطورا في العالم لتتبع تحركات القيادة الفنزويلية عبر الأقمار الصناعية الأمريكية التي تدور حول الأرض على مدار الساعة. تحليل البيانات الضخمة لم يقتصر على رصد التحركات الجسدية فحسب، وإنما امتد ليشمل رسم خرائط دقيقة ومفصلة لشبكات الاتصالات الحكومية الفنزويلية بكل تعقيداتها وتفرعاتها. اختراق الأنظمة الإلكترونية لم يكن عملية عشوائية، وإنما كان مخططا له بدقة لتعطيلها وكذلك الاتصالات في اللحظة الحاسمة، مما جعل القيادة الفنزويلية معزولة تماما عن قواعدها وأنصارها، ضمن نمط عمليات أصبح معروفا في الأدبيات العسكرية الغربية باسم شل مراكز القرار قبل المواجهة المباشرة.

توظيف الذكاء الاصطناعي في تحليل ملايين المكالمات الهاتفية والرسائل النصية والإلكترونية لم يكن مجرد عملية تجسس تقليدية، وإنما كان عملية معقدة لتحديد مواقع القادة بدقة متناهية، والتنبؤ بنواياهم وتحركاتهم القادمة قبل أن يتخذوها. خوارزميات التعلم الآلي قامت بتحليل الأنماط السلوكية، ورصد التغيرات في طرق التواصل، واستخلاص المعلومات الاستخباراتية من كميات هائلة من البيانات غير المنظمة. التلاعب المبرمج والممنهج بوسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي كان حملة منظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتشكيل رأي عام محلي ودولي مؤيد للتدخل، وتصوير العملية على أنها "تحرير من دكتاتورية وتجارة مخدرات"، وليس اعتداء على سيادة دولة مستقلة وخرقا فاضحا للقوانين الدولية؛ كل ذلك التمهيد الاعلامي والرقمي لم يكن غاية في حد ذاته، بل وسيلة لإحكام القبضة على مقدرات البلد ونهب موارده الهائلة، وتعبيد الطريق لتنصيب نظام "كارتوني" سليب الإرادة، يدور في الفلك الأمريكي وينفذ أجنداتها.

هذه ليست سيناريوهات من أفلام الخيال العلمي، إنما واقع موثق وملموس نعيشه اليوم. وكالة الأمن القومي الأمريكية NSA تملك برنامج PRISM الذي كشف عنه إدوارد سنودن، الموظف السابق في المخابرات الأمريكية، والذي يراقب الاتصالات العالمية دون تمييز أو حدود. شركات مثل Palantir Technologies، التي تأسست بتمويل من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، تقدم أنظمة تحليل بيانات فائقة التطور للمؤسسة الاستخباراتية الأمريكية، تستخدم تحت مسميات مثل الحروب على الإرهاب وتعقب الأهداف الاستراتيجية، بينما هي في جوهرها حروب موجهة ضد الحركات اليسارية والتقدمية والأنظمة المناهضة للهيمنة الأمريكية.

المنظومة التكنولوجية الرأسمالية اليوم أصبحت قادرة إلى حد كبير على المراقبة الشاملة، والرصد الدقيق، والتتبع المنهجي للحركات السياسية والتنظيمات والفاعلين السياسيين. والأخطر من ذلك أنه من الممكن أن تكون هناك الكثير من التقنيات والأسلحة الرقمية التي ما تزال ضمن نطاق الخيال العلمي أو الدراسات الافتراضية، أو لم يعلن عنها بعد، كما هو الحال مع العديد من التطورات التكنولوجية التي يجري تطويرها واستخدامها سرا قبل أن تصبح متاحة للجمهور. فالتاريخ يشهد أن الإنترنت نفسه، والعديد من التقنيات المتقدمة الأخرى، لم تكشف للعامة إلا بعد سنوات طويلة من استخدامها داخل الأوساط العسكرية والاستخباراتية والأمنية والصناعية المغلقة.

2. التكنولوجيا كأداة للسيطرة والهيمنة الرأسمالية

ما حدث في فنزويلا ليس حادثة معزولة أو استثنائية في مسار التاريخ المعاصر. إنه جزء أساسي من استراتيجية رأسمالية رقمية شاملة ومتكاملة شهدناها تتطور وتتكرر في أماكن متعددة من العالم، تستخدم في صراع رقمي موازٍ للصراع في الشوارع والميادين. الدرس الأكثر قسوة والأكثر وضوحا من حادثة اعتقال مادورو هو أن الرأسمالية في مرحلتها الراهنة لم تعد تعتمد فقط على القوة العسكرية الصلبة التقليدية، على الرغم من أنها لا تزال تحتفظ بها وتستخدمها عند الضرورة. لقد طورت منظومة رقمية معقدة ومتشابكة قادرة على اختراق الحدود الجغرافية والسياسية، ومراقبة الأفراد والجماعات بدقة مذهلة، والتلاعب بالمعلومات وتشكيل الوعي العام بطرق لم تكن ممكنة في أي عصر سابق، وتقييد وشل الحركات اليسارية والتقدمية قبل أن تصل إلى مرحلة الخطر الحقيقي على مصالحها. إنها حرب غير مرئية للعين المجردة، تدور الكثير من معاركها في الفضاء السيبراني الرقمي وفي خوادم البيانات وفي الخوارزميات والشبكات العصبية الاصطناعية، لكنها أكثر فعالية وأقل تكلفة سياسية ومادية من القنابل والطائرات والدبابات والجنود والأجهزة القمعية. الذكاء الاصطناعي أصبح العمود الفقري لهذه الحرب الرقمية، يوفر قدرات غير مسبوقة في التحليل التنبؤي، والمراقبة الشاملة، والحرب النفسية الموجهة بدقة.

هذا الواقع الجديد يطرح سؤالا مصيريا ووجوديا على قوى اليسار والحركات التقدمية في كل أنحاء العالم، سؤالا لا يمكن تأجيل الإجابة عنه: كيف يمكن لحركات تحررية لا تزال تعتمد في تنظيمها على الاجتماعات التقليدية، وعلى توزيع المنشورات الورقية في الشوارع، وعلى استخدام الهواتف غير المشفرة لتنسيق أنشطتها، وتستخدم الإنترنت بشكل تقليدي بدائي، وعلى حلقات نقاش محدودة يسهل رصدها، أن تواجه منظومة رأسمالية رقمية بهذا المستوى المذهل من التطور والتعقيد؟ الإجابة واضحة ومؤلمة في آن واحد: لا يمكنها ذلك إلى حد كبير، إلا إذا قررت الدخول بشكل جدي وعميق واستراتيجي في المجال التكنولوجي، ليس كمستهلكين سلبيين للتكنولوجيا الرأسمالية كما هو حاصل الآن، ولكن كمطورين ومبتكرين ومنتجين لبدائل رقمية مستقلة تطور النضال وتحميه من الاختراق والقمع، وتعززه بأدوات فعالة تتناسب مع روح العصر ومتطلباته.

 الذكاء الاصطناعي: سلاح الهيمنة الرأسمالية الجديد

لقد أصبح واضحا اليوم بما لا يدع مجالا للشك أن الذكاء الاصطناعي، رغم إمكاناته الهائلة والواعدة في خدمة البشرية جمعاء، لم يعد مجرد تقدم علمي محايد ينتظر من يوجهه نحو الخير أو الشر. إنه في واقع الحال سلاح متطور ومعقد للغاية في يد الرأسمالية العالمية، يستخدم بشكل منهجي ومدروس لتعميق سيطرتها على العمل البشري، وعلى الوعي الجماعي، وعلى البيانات الضخمة التي أصبحت النفط الجديد في العصر الرقمي، وعلى المجتمع برمته في كل جوانبه الاقتصادية والسياسية والثقافية والفكرية.

الشركات الرأسمالية الاحتكارية الكبرى تحتكر اليوم تطوير وتشغيل أقوى أنظمة الذكاء الاصطناعي في العالم. هذه الشركات ليست كيانات تقنية محايدة تعمل في فراغ سياسي واقتصادي كما تحاول أن تصور نفسها، هي في الحقيقة أدوات مباشرة في يد رأس المال العالمي، وتربطها علاقات وثيقة ومتشابكة مع البنتاغون والوكالات الاستخباراتية الأمريكية ومؤسسات الدولة الرأسمالية العميقة.

إعادة إنتاج الاستغلال الطبقي بوسائل رقمية

ما نشهده اليوم في كل مكان حولنا هو إعادة إنتاج الاستغلال الطبقي التاريخي نفسه، لكن بوسائل أكثر علمية وتطورا وتعقيدا وخفاء. لم يعد هذا الاستغلال محصورا في جدران المصانع حيث يعمل العمال على خطوط الإنتاج، أو في المزارع حيث يكدح الفلاحون تحت أشعة الشمس، لقد امتد هذا الاستغلال ليشمل الفضاء الرقمي ذاته الذي يتخيله الكثيرون فضاء حرا ومفتوحا. ونرى اليوم كيف تستخدم خوارزميات في الشركات الرقمية لاستغلال شغيلات وشغيلة اليد والفكر بطرق أكثر دقة وقسوة من أي مدير-ة بشريين في التاريخ. هذه الخوارزميات تحدد الأجور بناء على العرض والطلب في كل لحظة، تفرض ساعات العمل المرهقة دون أي اعتبار لحالة العامل الصحية أو الأسرية، تصدر العقوبات التلقائية لأي تأخير أو خطأ دون أي إمكانية للطعن أو التفاوض. شغيلات وشغيلة اليد والفكر هنا لا يواجه رب عمل يمكن التفاوض معه أو الاحتجاج أمامه، وإنما يواجه خوارزمية لا تعرف الرحمة ولا تفهم الظروف الإنسانية.

في مجال الوعي والأيديولوجيا: تستخدم خوارزميات المنصات العملاقة مثل فيسبوك وتويتر (X) ويوتيوب وتيك توك وغيرها لتشكيل وعي المليارات من البشر حول العالم. هذه الخوارزميات لا تعمل بحياد كما تدعي الشركات، وإنما تروج بشكل منهجي لأيديولوجية الاستهلاك الرأسمالي وثقافة الفردانية والمنافسة وأزلية النظام الرأسمالي، بينما تحارب المحتوى اليساري والتقدمي عبر تقنيات "تقليل المدى" و"الحظر الظلي" الذي يجعل المحتوى غير مرئي تقريبا دون حذفه رسميا. الملايين من الأجيال الشابة يتشكل وعيهم اليوم ليس عبر القراءة والتفكير النقدي، وإنما عبر خوارزميات تقرر ما يرونه وما لا يرونه، ما يعرفونه وما يجهلونه.

في مجال المراقبة والسيطرة الأمنية والحروب المعاصرة: تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي اليوم كأداة مركزية لتعميق السيطرة السياسية والاجتماعية بطرق لم تكن ممكنة في أي مرحلة سابقة. أنظمة التعرف والتحليل الخوارزمي تتيح تتبع الناشطات والناشطين السياسيين، مراقبة سلوكهم، شبكاتهم، وتحركاتهم بدقة عالية، ولا تبقى هذه التقنيات محصورة بالدول التي طورتها، وإنما يجري تسويقها وتصديرها على نطاق واسع للأنظمة الاستبدادية والقمعية، بما يحول الفضاء الرقمي والعام معا إلى مجال مراقبة دائم. وفي السياق نفسه، يجري توظيف الذكاء الاصطناعي في إدارة العنف والحروب بشكل منهجي، حيث تسند قرارات مصيرية تتعلق بالحياة والموت إلى أنظمة حسابية تقوم بالتصنيف والتقدير واتخاذ القرار وفق منطق تقني بارد، منفصل عن أي اعتبار إنساني أو أخلاقي. هكذا تتحول التكنولوجيا، التي يفترض أن تكون نتاجا للتقدم البشري، إلى أداة لإعادة إنتاج القتل والقمع بكفاءة أعلى، في خدمة منطق الهيمنة الرأسمالية والعسكرتارية، وليس في خدمة البشر وحقهم في الحياة والحرية.

3. الرهان التاريخي لليسار

إن العامل التكنولوجي لم يعد مجرد إضافة ثانوية أو كمالية في معركة اليسار ضد الرأسمالية محليا وعالميا. لقد أصبح شرطا أساسيا وحيويا للبقاء والفعالية والتأثير. مواجهة هذا الواقع لا يمكن أن تقتصر على النقد والتشخيص، وإنما تتطلب مواقف وسياسات محددة وملموسة، تتجاوز مجرد فضح الهيمنة الرأسمالية إلى العمل على تفكيكها وإعادة توجيه التكنولوجيا عموما والذكاء الاصطناعي خصوصا نحو خدمة عموم الجماهير بدلا من استعبادها.

الحاجة لبدائل تقدمية

بدلا من ترك التكنولوجيا في أيدي حفنة من الشركات الرأسمالية والدول، يجب دفع تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي يسارية تقدمية. لكن التحول لا يمكن أن يحدث دون تغيير جوهري في البنية السياسية والفكرية والتنظيمية للقوى اليسارية نفسها، وفي نظرتها ومقاربتها للتكنولوجيا. لا يكفي التعامل السلبي مع التكنولوجيا بحجة أنها أداة رأسمالية متخصصة، أو استخدامها بشكل محدود وسطحي، وإنما يجب إتقانها وفهمها بعمق، واختراق حصونها، وإعادة توجيهها لخدمة مصالح شغيلات وشغيلة اليد والفكر وعموم الجماهير.

تطوير القدرات اليسارية في المجال التقني ضرورة حياتية لا تقل أهمية عن تطوير القدرات في المجالات السياسية والفكرية والتنظيمية والإعلامية والعمل الجماهيري. فكما أن قوى اليسار لا يمكنها الاعتماد على وسائل الإعلام الرأسمالية وتسعى لبناء إعلامها المستقل، وكما تطور فكرها وسياستها وأدواتها التنظيمية بشكل مستقل بعيدا عن قوالب الهيمنة الرأسمالية، يجب عليها أيضا العمل على بناء بدائلها التكنولوجية المستقلة، سواء كان في شبكات التواصل أو الذكاء الاصطناعي وغيرها، لخدمة مشروعها التحرري الشامل.

الحلول الممكنة والجذرية

الحل الممكن الآن هو تطوير أنظمة مفتوحة المصدر، شفافة، محايدة التوجه، تدار بشكل ديمقراطي مع ضوابط مجتمعية، بالإضافة إلى الدفع نحو سن قوانين دولية تضبط عمل الذكاء الاصطناعي وتضمن خدمته للمجتمع ككل، وليس مصالح الدول الكبرى والشركات الرأسمالية.

لكن هذا لا يكفي. الحل المطلوب والجذري هو بناء بدائل تكنولوجية يسارية حقيقية ذات توجهات تقدمية وملكية مجتمعية، يتم من خلالها انتزاع هذه التكنولوجيا من قبضة السوق، وتوظيفها في تفكيك علاقات الاستغلال، والمساهمة في بناء مجتمع جديد أكثر عدلا وإنسانية، قائم على المساواة والتعاون والإشباع العادل للاحتياجات.

الاستخدام الحذر والواعي للذكاء الاصطناعي

يجب أن يكون استخدام اليسار للذكاء الاصطناعي الحالي دقيقا ومتعمدا وحذرا. لا يمكن الوثوق بالتطبيقات المطورة ضمن بيئة رأسمالية ومن قبل الاحتكارات والشركات دون وعي نقدي عميق بآلية عملها. فبينما تتيح العديد من هذه الأدوات تحليل البيانات بدقة، والتخطيط، ومراقبة اتجاهات الرأي العام، وتحسين سياسات وأساليب التنظيم والحشد والتواصل، إلا أنها قد تحمل في بنيتها انحيازات خفية تعيد إنتاج الهيمنة الرأسمالية داخل عمل التنظيمات اليسارية نفسها. يجب توخي الحذر الشديد عند التعامل مع البيانات والمعلومات الحساسة، فالاستغلال غير المدروس لهذه الأدوات قد يؤدي إلى اختراق أمني أو تسريب معلومات يعرض التنظيمات اليسارية للخطر، خاصة في الدول الاستبدادية. لذلك، من الضروري تطوير بروتوكولات أمن رقمي متقدمة، واعتماد تطبيقات مفتوحة المصدر أكثر استقلالية، وتدريب الأعضاء على ممارسات الأمن الرقمي، لضمان أن يكون استخدام الذكاء الاصطناعي في خدمة النضال، وليس أداة قمعية واستخباراتية تستخدم ضده.

نحو ثورة رقمية تحررية

ما تكشفه الثورة الرقمية الحالية، وتطور الذكاء الاصطناعي على وجه الخصوص، هو أننا نعيش في لحظة تاريخية تتضح فيها التناقضات بين التطور الهائل للقوى الإنتاجية والعلاقات الاجتماعية الرأسمالية التي لم تعد قادرة على احتواء هذا التطور أو توجيهه لصالح الجماهير. فعلى الرغم من الإمكانات الهائلة التي تقدمها هذه الثورة الرقمية لتحرير الإنسان من العمل المرهق وضرورات العيش، إلا أنها مقيدة ومعاد هندستها ضمن منطق الهيمنة والربح الرأسمالي.

النضال في هذا الفضاء الرقمي يجب أن يتحول إلى امتداد عضوي للنضال الاشتراكي على الأرض، وليس مجرد ساحة عمل ونقاش منفصلة عن الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي. هذا النضال ضد الهيمنة الرقمية لا يمكن أن يقتصر على الفضاء الافتراضي فقط، وإنما يجب أن يكون امتدادا لحركة ونضال شغيلات وشغيلة اليد والفكر والحركة الجماهيرية الميدانية. الربط بين النضال التكنولوجي والنضال الطبقي على الأرض أمر أساسي، لأن الهيمنة الرقمية هي مجرد امتداد لهيمنة رأس المال على الإنتاج والسيطرة على قوة العمل.

4. اللحظة التاريخية الحاسمة لليسار

ما حدث مع الرئيس الفنزويلي مادورو ليس حادثة معزولة ولا استثناء عابرا في صراع القوى العالمي، وإنما هو إنذار حاد وصارخ لكل الأنظمة التقدمية والحركات اليسارية في العالم. إنه إعلان عملي بأن المعركة الرقمية تحولت إلى ساحة صراع طبقي مركزية ومهمة، تدور هنا والآن، وتهدد الوجود السياسي والتنظيمي لكل مشروع تحرري خارج الطاعة الرأسمالية وبالأخص الأمريكية في عهد ترامب. ما جرى في فنزويلا يكشف أن الرأسمالية الرقمية باتت تعتمد على ثغرات تقنية تمنحها إمكانية التأثير في استقرار الأنظمة التقدمية، ومحاولة شل قياداتها أو إرباك حركاتها، والمراهنة على هندسة وعي مجتمعاتها رقميا؛ وهو ما يمنحها خيارات هجومية تتجاوز في فعاليتها أحيانا أساليب التدخل العسكري التقليدي أو الاحتلال المباشر.

الخطر لا يطال فنزويلا وحدها، إنما من الممكن أن يمتد ليهدد كل تجربة يسارية وتقدمية، وكل حكومة تحاول الخروج عن منطق السوق والهيمنة الرأسمالية، وكل حركة عمالية أو جماهيرية تسعى إلى تغيير جذري. نحن أمام مرحلة جديدة من الصراع الطبقي، تستخدم فيها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كسلاح استراتيجي لضرب الحركات اليسارية والتقدمية في مهدها، ومحاصرة أي إمكانية لبناء بدائل تقدمية مستقلة. إن النضال الاشتراكي العالمي اليوم مستهدف بشكل مباشر، لا فقط بالقمع العسكري والاقتصادي، إنما بالاختراق الرقمي، والمراقبة الشاملة، والتجفيف المسبق لأي فعل ثوري محتمل.

السؤال الأساسي وهو وجودي ومصيري: هل نحن، كقوى يسارية وتقدمية، مستعدون فعلا لخوض هذه الحرب الرقمية المعقدة والطويلة والمتعددة الجبهات؟ بعد كل ما خسرناه من مواقع، وبعد كل التراجعات والانقسامات، هل نملك الجرأة لإعادة بناء اليسار فكريا وتنظيميا وتقنيا، لمواجهة الرأسمالية في أقصى درجات تطورها العلمية والتكنولوجية الرقمية؟ هل نحن مستعدون لتجاوز التشتت المحلي والانقسام العالمي والصراعات بين القوى اليسارية، وفهم أن مصير كل تجربة تقدمية بات مترابطا عضويا مع مصير غيرها؟

اللحظة التاريخية لا ترحم، والرأسمالية الرقمية المسلحة بالتكنولوجيا المتطورة والذكاء الاصطناعي لا تنتظر ترددنا ولا بطئنا. إما أن ننخرط بوعي ونضال وتنظيم في هذه المعركة، ونعيد صياغة مشروع بديل اشتراكي قادر على مواجهة العصر الرقمي، أو نترك على هامش التاريخ، خاضعين لأشكال جديدة من الاستغلال والقمع أكثر نعومة وأشد فاعلية. إن قبول هذا المصير الأخير هو بعينه الاندثار المحتوم. وبناء عليه، فإن الرهان التاريخي الحقيقي والأوحد لمشروع التحرر، على الرغم من كل تعقيد المسارات، هو أن يتحول إلى مشروع رقمي بوعي وتنظيم؛ فليس له من خيار ثالث سوى أن يصبح رقميا حتى يبقى.

يجب أن تصبح المعرفة التقنية الرقمية وفهم آليات عمل الذكاء الاصطناعي جزءا لا يتجزأ من الثقافة اليسارية المعاصرة، وهنا يبرز الدور الحيوي للشباب كطليعة لهذا التحول؛ فهم الأقدر على تطويع هذه الأدوات وقيادة الابتكار الرقمي داخل الحركات التقدمية. يجب أن نبني كوادر تقنية يسارية، تستثمر طاقات الأجيال الشابة في تطوير أدوات رقمية بديلة، وأنظمة ذكاء اصطناعي خدماتية لا استغلالية، وشبكات تواصل لا تخضع لخوارزميات رأس المال. يجب أن نفهم الكود البرمجي كما نفهم النص السياسي، وأن نتقن الخوارزميات كما نتقن التحليل الطبقي، وأن ننظر إلى البيانات الضخمة كساحة صراع لا كمجرد أرقام محايدة.

وهذا الجهد يتطلب التنسيق والعمل المشترك عالميا من خلال بناء تحالفات وأمميات رقمية هدفها تطوير النضال الرقمي لليسار في العالم أجمع. وكما كانت الأممية الأولى والثانية والثالثة استجابات تاريخية لمراحل تطور الرأسمالية، فإن الأممية الرقمية اليوم ضرورة استراتيجية لمواجهة الرأسمالية في طورها الرقمي الأكثر شراسة.

بيد أن بناء هذه البدائل التكنولوجية المستقلة محفوف بمعضلات جسيمة: معضلة الاعتماد على المعرفة والأدوات المطورة في كنف النظام الرأسمالي ذاته، ومعضلة الموارد الهائلة المطلوبة للمنافسة، ومعضلة التنسيق بين قوى يسارية متناحرة. لذلك، لا يمكن لهذا المشروع أن يكون طوباويا منفصلا؛ بل يجب أن يكون تكتيكا استراتيجيا يبدأ من الاستخدام النقدي والحذر للأدوات المتاحة، وبناء شبكات تضامن تقنية على أساس القضايا العملية المشتركة، والسعي لتطوير نواة بديلة في المساحات التي تتيحها التكنولوجيا مفتوحة المصدر والشبكات اللامركزية، مع الإقرار بأنه مشروع تراكمي طويل الأمد وليس حلا سحريا فوريا، وهي المهمة التاريخية التي تقع على عاتق شبابنا لدمج قيم اليسار والعدالة بآفاق التكنولوجيا.

إن اليسار الذي كان له الدور المشهود في تعزيز الحريات والمساواة والعدالة يمكنه تجاوز هذه الحالة الراهنة؛ وكما طورت الرأسمالية نفسها بشكل هائل، فلتكن هذه المعركة الرقمية لحظة تطوير نوعي لليسار الراهن نحو يسار إلكتروني - رقمي مدموج بالنضال الميداني على الارض وأكثر جرأة، أكثر جذرية، أكثر علمية، وأكثر قدرة على التجدد وقيادة نضال عصره، والدفاع عن مستقبل البديل الاشتراكي في وجه أخطر هجوم تتعرض له في تاريخها الحديث. إن المعركة من أجل السيطرة على التكنولوجيا الرقمية ليست معركة تقنية فحسب، وإنما هي معركة من أجل مستقبل الإنسانية ذاته.

إن الاشتراكية الرقمية، بهذا المعنى، ليست خيارا بين خيارات. إنها الشرط الوجودي لبقاء المشروع الاشتراكي ذاته في القرن الحادي والعشرين.

***

رزكار عقراوي

والرأسمال السحابي والهيمنة الخوارزمية

ماذا نعرف عن العالم المعاصر الذي نعيش فيه، عالم الإقطاع الرقمي التكنولوجي والرأسمال السحابي والهيمنة الخوارزمية والذكاء التوليدي "الاصطناعي" والصراع على الرقائق والشرائح الفائقة ووادي السليكون في ولاية كاليفورنيا. ماذا نعرف عن صعود الصين السريع واختراعها لشريحة (LightGen) الخارقة والمعتمدة على الضوء وليس على الطاقة الكهربائية؟

هل فعلا قُتلت الرأسمالية التقليدية بسيف الرقمنة التكنولوجي كما يقول يانيس فارفاكيس، أم أنها غيرت جلدها و"وعدة شغلها" لا غير؟ هل أن ما يعتبره فاروفاكيس إقطاع تكنولوجي هو نقلة نوعية داخل الرأسمالية المعاصرة أم هو خروج من الرأسمالية إلى شيء آخر جديد تماما؟

لماذا تراجعت الرأسمالية الصناعية تراجعا مذهلا أمام الرأسمالية المالية أولا وسيطرت هذه الأخيرة على جزء مهم من الاقتصاد العالمي بعد أن تضخيم دور البنوك والشركات المالية (مثل صندوق النقد الدولي ورأسماله ترليون دولار والبنك الدولي - ورأسماله غير محدد -المهيمن عليهما أميركيا)، مما يؤدي إلى هيمنة عالمية للمؤسسات المالية الكبرى التي تسعى لتحقيق أقصى ربح من خلال المضاربة والديون والأسواق المالية؟ ماذا نعرف عن تقدم الإقطاع التكنولوجي أو إقطاع الرقمنة والخوارزميات حيث نجد؛

رأس المال السوقي لشركة مكروسوفت 4 ترليون دولار.

شركة أبل لصناعة هواتف الآي فون وغيره- أكثر من 3 تريليون دولار

ويبلغ رأس المال السوقي لشركة أمازون للبيع على الانترنيت = 2 ترليون

ولشركة ميتا فيسبوك: ترليون و400 مليار تقريبا

غوغل 1.961 تريليون دولار أمريكي

قارنوا هذه الأرقام الصادمة (خمس شركات تكنولوجية يبلغ رأسمالها أكثر من اثني عشرة ترليون دولار) مع رأسمال عدد من الشركات الصناعية الضخمة قد لا يصل مجموع رؤوس أموالها تريليوني دولار) مثل:

شركة مرسيدس ورأسمالها السوقي قرابة 60 مليار دولار.

شركة شوفرليت: 70 مليار دولار

شركة ليلي الأميركية لصناعة الأدوية: 818 مليار دولار.

شركة سيمنز للصناعات الكهربائية فقيمتها السوقية: حوالي 219.17 مليار دولار

رأس مال شركة جنرال موتورز (GM) القيمة السوقية حوالي 58.05 مليار دولار.

وتجد أن رأسمال أشهر شركات صناعة السلاح الأميركية والبريطانية يبلغ 213 مليار دولار فقط لاغير وهذه هي التفاصيل:

لوكهيد مارتن الأميركية 64.65 مليار دولار.

آر تي إكس الأميركية 43.6 مليار دولار.

نوركورب غرومان الأميركية 37.85 مليار دولار.

بي إي إيه سيستيمز البريطانية 33.79 مليار دولار.

جنرال داينامكس الأميركية 33.63 مليار دولار.

فماذا تقول لنا مقولات الماركسية القديمة في تفسير هذا الواقع الذي لا سبق له وعن الصراع الطبقي والسوق والربح والملكية الخاصة الاستغلالية والبنية الفوقية والتحتية في هذا الطور من أطوار الرأسمالية ومرحلتها الإمبريالية؟

ماذا نعرف، وعلى الأخص ماذا يعرف اليساريون الماركسيون وغير الماركسيين، العراقيون والعرب منهم عن هذا العالم المعاصر؟  ماذا نعرف عن هذا العالم الجديد والخطير والمعقد الذي نعيش فيه والذي برزت ملامحه الأولى قبل أقل من عشرين عاما وصرنا أدواته ومادته في وقت واحد ورغماً عنا وأحيانا بإرادتنا التي صودرت فصرنا مجرد براغي صغيرة في عملاق تكنولوجي افتراضي هائل هو المواقع التواصلية أو مشتقاتها وتفرعاتها؟

لماذا لا نشهد شيئا ولو كان ضئيلا من السجالات الفكرية بين أحزاب ومنظمات اليسار الأوروبي والآسيوي واللاتيني ودوائر الاقتصاد والمال في العالم حول هذه المواضيع حتى أن بعض الأحزاب والجامعات الشعبية تخصص دورات مجانية أو مدفوعة ثلاثية "تريمسترات" لثلاثة أشهر، أو سداسية "سميسترات لعامة الناس الراغبين في دراسة هذا العالم الجديد والتعرف على تفاصيله؟

لن أكتفي هنا بطرح الأسئلة الاستنكارية بل سأحاول أن أقدم بديلا متواضعا عبر سلسلة من المقالات الخفيفة التعريفية بتفاصيل ومفردات هذا العالم الجديد علينا قريباً. سلسلة من المقالات الخفيفة التبسيطية ومن قراءات في بعض كتب فاروفاكيس وآخرين. كما سنتوقف عند بعض النقود التي وجهت من جهة اليسار الاشتراكي الذي ما يزال اشتراكيا فلا يخجل أو يجبن عن ذكر اشتراكيته بل يضعها في رأس برنامجه السياسي والاجتماعي إلى نظرية أو -إن شئنا الدقة - لفرضيات فاركوفاكيس. ومع أنني ومن خلال تجربتي في النشر على صفحتي هذه أعرف أن القراء يملون سريعا من المقالات المتسلسلة حول موضوع واحد وسرعات ما ينخفض تفاعلهم معه ولكن هذا الأمر لا يهمني في كثير أو قليل وسأواصل نشر أجزاء السلسلة حتى نهايتها لأنني أفكر جديدا بتحويلها لاحقا إلى كتيب صغير موجه إلى الشباب وعياً وروحاً ليكون بمثابة تمهيد تعريفي يطلون بواسطته على هذا العالم الغريب والسريع التحول الذي نعيشه ويعيش فينا.

وقبل الدخول في مفردات سلسلة المقالات التعريفية والتوضيحية حول الإقطاع الرقمي، وعلى سبيل التمهيد، أقول؛ ربما يكون الكسل العقلي والتعود على خطاب ومقولات الجمهور العقائدي والأيديولوجي هو السبب وراء الجهل المدقع الذي يسود المشهد الثقافي العربي بهذه العناوين. ولكنه جهل يتسع باستمرار نتيجة استمرار اتساع الفجوة بين تطورات العالم المعاصر ووعينا العام السائر وفق باردايمات (Paradigms) أي تلك النماذج والمقولات الفكرية التي تنظم الخطاب السائد، وتشمل مجموعة متكاملة من المعتقدات، والخبرات، والقواعد، والافتراضات، وهذه الباردايمات غدت تقليدية، ولم تعد قادرة على تلبية الحاجة لتفسير التطورات الحاصلة في عالم اليوم.

بكلمات أخرى ثمة فجوة تتسع بين حصيلتنا العلمية المتراكمة والتي تجمدت عند حدود العقد الأول من القرن الحالي وانفصلت بدرجات متفاوتة عن واقع الحال العالمي المعاصر بسبب التغييرات الهائلة التي لم يسبق لها مثيل في كل العصور.

والغريب إن هذه التطورات لم تلمس بشكل جدي ومنتج عقول وقواعد بيانات البعض وخصوصا أولئك الذين ربطوا أنفسهم بقواعد السكونية والجمود الفكري والعلمي أو الذين حاولوا التحرر مما يسمونه الجمود العقائدي الستاليني القديم فهرعوا الى خنادق الفكر الليبرالي اليميني وصارت كلمة اشتراكية من الممنوعات في خطابهم وسادت كلمات وقناعات ومقولات إنشائية من قبيل؛ "التداول السلمي للسلطة" و"التصالح مع العالم المعاصر" و"حصر السلاح بيد الدولة"، "ونبذ التنمر والعنف والكراهية والفكر الذكوري" وغير ذلك من مقولات كان حتى زمن قريب من عتاد المنظمات الإنسانية والخيرية عديمة الهوية الطبقية.

ولا عبرة هنا في النقد الذي يوجهه اليمين الليبرالي أو القومي أو الإسلامي لهذا اليسار المرتد على مثله ومبادئه لأنه نقد يقوم على الشماتة والتشفي ومن مواقع العداء الطبقي، لا عبرة فيه لأن أول من بادر لنقد هذا اليسار بعلمية ومنهجية هي الأقلام اليسارية التي لم تسكت طوال السنوات الماضية عن توجيه النقد العميق والمعلل لهذه التوجهات الانتهازية والارتدادية.

إن هؤلاء اليساريين المتحولين الذين توقفوا طوعا وكسلا عند حدود مقولات التطور الديموقراطي السلمي والتداول السلمي والسلس للسلطة بين أجنحة الإقطاع السياسي الزبائني والكومبرادوري التابع للأجنبي وكأنه إنجاز الإنجازات، تناسوا وتنازلوا عن شعاراتهم وبرامجهم الاشتراكية والشيوعية المساواتية المناهضة للإمبريالات الغربية وأمسوا كأي حزب أو دكان سياسي ديموقراطي الاسم، عشائري المحتوى والتركيبة. وراحوا يخلطون بين الديموقراطية والعملية الانتخابية وكأنهما شيء واحد حتى لو كانت انتخابات بائسة وقائمة على التزوير والمحاصصة المسبقة للنتائج.

هدف هؤلاء هو الحفاظ على التداول السلمي للسلطة ومواجهة مظاهر الاستبداد والمطالبة بالعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان وتحسين أداء الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي والهياكل الحكومية الرثة الميتة والرقص على إيقاع حصر سلاح ونزعه ممن يدافعون عن أنفسهم ضد الضواري الإمبريالية بيد الدولة الفاسدة شكلا ومضمونا. إنها أحزاب تسمي نفسها اشتراكية وحتى شيوعية، ولكنها لا تجرؤ على رفع شعار أو مطلب اشتراكي واحد بل هي أشبه بالمنظمات المدنية الخيرية للتبرع بالدم والبطانيات على ما في هذه الجمعيات من نزاهة وإخلاص قد لا نجده في بعض الأحزاب المعاصرة!

ولكن لماذا لا تغير هذه الأحزاب أسمائها القديمة وتتخذ أسماء تتناسب مع محتواها الجديد؟ يبدو أن الأمر يتعلق بحرصها على ما يشبه "الماركة المسجلة" القديمة ولا تريد التفريط بها وتخشى أن يسطوا عليها المنافسون فيبنون حزبا آخر بهذا الاسم ينزع عنها شرعيتها التي لا قيمة لها أصلا.

لقد تمادت بعض جهات وشخصيات هذا اليسار المزيف والانتهازي حتى بلغت درجة تبرير الاحتلال الأميركي للعراق وأفغانستان والدفاع علنا عن البرجوازية الأميركية ضد البرجوازية الروسية، ورغم ذلك فهم يصرون على وصف أنفسهم باليساريين بل وحتى بـ "البلاشفة الجدد" الذين ينتقدهم كاتب المقالة الأولى ماجد علاوي بحدة وعمق.

إن هؤلاء اليساريين المتحولين لا يجدون حرجا في إطراء الإمبرياليات وخاصة الإمبريالية الأميركية فيمتدحونها صراحة ويبررون جرائمها وحروبها العدوانية ضد شعوب العالم فيقول أحدهم "فؤاد النمري"، إن الولايات المتحدة "ذهبت مرغمة إلى أفغانستان لإنقاذ كرامتها كدولة عظمى بعد أن رفضت حكومة طالبان تسليمها بن لادن للولايات المتحدة لتحاكمه محاكمة عادلة". أو كما يضيف النمري نفسه مبررا حرب احتلال العراق: "في العراق اُستُجلِبت - كاد يقول اختطفت - القوات الأميركية من قبل المعارضة العراقية... فكان أن حررت القوات الأميركية الشعب العراقي ... حتى أخذ يشكل حكوماته وفقاً لإرادته من خلال الانتخابات النزيهة ... ولا يفوتنا هنا أن نؤكد على أن حكومة الاحتلال الأميركي برئاسة بول بريمر كانت أفضل حكومة في تاريخ العراق حيث رفض بريمر أن يشكل حكومة ليس فيها وزير شيوعي"!

وهكذا تحول استيزار الشيوعيين من قبل الحكومات البرجوازية من عار وإهانة مقذعة في عهد لينين ومجايليه إلى شيء يتفاخر به أمثال النمري! ولا عجب هنا، فثمة زملاء للنمري ممن يصفون أنفسهم باليساريين والديموقراطيين العراقيين اشتغلوا في بعض جمعيات وأجهزة التخطيط الاستراتيجي التابعة للاحتلال وجلسوا جنبا إلى جنب جنرالات وسفراء وقادة مخابرات المحتلين الأميركيين كما هي الحال في مجموعة "مستقبل العراق" بقيادة السفير الأميركي رايان كروكر بمشاركة سفير فرق الموت في أميركا اللاتينية المعروف نيغرابونتي!

ليخرج السيد النمري، من ثم، بالحكم الباتر التالي: "لسنا بدون سبب نؤكد أن البورجوازية الوضيعة الأمريكية أرفع شرفاً من البورجوازية الوضيعة السوفياتية والروسية اليوم التي تقترف جرائم الإبادة الفظيعة بحق الشعب السوري". تصوروا هذا الحكم؛ "برجوازية أميركية وضيعة" ولكنها أرفع شرفا من "البرجوازية السوفيتية والروسية"! فهل هذا كلام في السياسية أيا كان نوعها، أم هذيان خال من المضمون الجاد؟! يتبع.

***

علاء اللامي

تكاد تكون المهمة الأولى للثورة والثورة المضادة (لا نقصد معناه المستخدم سلباً) تبادل الانتقام ما بينهما، وأمامنا نماذج كثيرة في التَّاريخ، قتل المغلوبين ومطاردتهم، ثم يصبح المنتصرون، ولو بعد حين، مغلوبين، ويُطبق فيهم ما طبقته الثَّورة في خصومها، عندما تأخذهم على الشُّبهة، ولمحمد مهدي الجواهريّ في الثّورة وضدها، وهو يحذر مِن انقلاب على انقلاب بكر صُدقيّ: «تَصوَّرِ الأمرَ معكوساً وخُذْ مَثَلاً/ مما يَجرُّونه لو أنهم نُصِروا/ أكانَ للرِفِقِ ذِكرٌ في مَعاجِمهمْ/ أم كانَ عن حِكمةٍ أو صحبِهَا خَبَر/ واللهِ لاقتِيدَ زيدٌ باسم زائدةٍ/ ولاصطلى عامرٌ والمبتغى عُمَر(الدِّيوان، تحرك اللّحد 1936).

وربَّما لا توجد نماذج مختلفة في التاريخ، لا ترى الانتقام المتبادل بعد الانتصار، وهي ممارسات شخصية، انتهت في لحظتها ولم تصبح سلوكاً بين الغالب والمغلوب، ولكن على ندرتها من المهم التذكير بها، لِما فيها مِن عِبرة للأنظمة الجديدة، خصوصاً الأنظمة الغارقة في الماضي ومناكفاته. يُذكر لعبد الملك بن مروان(65- 86 هج) تصرفه ضد خصومه الزّبيريين بعد انتصاره، وهو يُذكر بالرؤوس المعروضة أمامه على منبر قصر إمارة الكوفة، بين منتصر ومغلوب، ويُذكر تصرف الوزير العباسيّ علي بن الفرات، مع المنقلبين على خليفته، وما سلكه الخليفة العباسيّ الظاهر بالله(622هج) بخصوم أبيه. قال كاتب مصعب بن الزُّبير (قُتل/ 72هج) المضاء بن علون، أمير العراق لأخيه الخليفة بالحجاز، عندما عُرضت على عبد الملك صحائف فيها أسماء المؤيدين لابن الزّبير لقتلهم، وهو يجلس مستعرضاً انتصاراته، قال: «دعاني عبد الملك بعدما قَتل مصعباً، فقال لي: علمت أنه لم يبق من أصحاب مصعب وخاصته أحد، إلا كتب إليَّ يطلب الأمان، والجوائز والصِّلات والقطاعات؟ قلت: قد علمت يا أمير المؤمنين أنه لم يبق مِن أصحابك أحد إلا وقد كتب إلى مصعب بمثل ذلك، وهذه كتبهم عندي! قال: فجئني بها، فجئته بإضبارة عظيمة، فلما رآها قال: ما حاجتي أنْ أنظر فيها، فأفسد قلوبهم عليَّ! يا غلام!

احرقها بالنَّار، فأُحرقت»(اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي). بعد حين طويل روى المؤرخ والفيلسوف أحمد بن محمَّد مسكويه (412 هج)، الإجراء الذي اتخذه الوزير عليّ بن محمّد بن الفرات، بعد فشل انقلاب الأمير الشّاعر عبد الله بن المعتز(قُتل: 296هج) على ابن عمّه الخليفة المقتدر بالله(قُتل: 320هج)، وعندها صار خليفة لنصف يوم فقط، فبدل الانتقام والملاحقة للمكاتبين للثورة على الخليفة: جُمعت «جميع الجرائد، التي وجد فيها أسماء المتابعين لابن المعتز... وأمر ابن الفرات بتغريق الجرائد في دجلة، ففعل ذلك، وسكن النَّاس، وكثر الشَّاكرون»(مسكويه، تجارب الأُمم وتعاقب الهمم).

أما ثالثة التَّجارب، التي يُعنى بها مِن النوادر، ما مارسه الظَّاهر بالله عندما تولى الخلافة، ووجد نفسه أمام خلق كثير ممن كان ضد سياسة أبيه، ومن عادة أبيه النَّاصر لدين الله «أن يرفع إليه حراس الدروب في كل صباح بما كان عندهم في المحال من الاجتماعات الصالحة والطالحة، وهذا ما يعرف بالمخابرات اليوم، فلما ولى ابنه الظاهر أمر بتبطيل ذلك كله، وقال: أي فائدة في كشف أحوال الناس وهتك أستارهم؟ فقيل له: إن ترك ذلك يفسد الرعية، فقال نحن ندعو الله لهم أن يصلحهم»، وأطلق من كان منهم في السجون (ابن كثير، البداية والنهاية).

أما إطلاق مَن في السجون مِن المخالفين، غير الخطيرين، فقد مارسه ولاة العهود بعد تولي الأمر، لكنه لأيام محدودة، ولم تكن سياسة راسخة. لقد قضت الألوف مِن البشر، مِن السلطة السابقة وأعوانها، ولم يتم الاكتفاء بهؤلاء، بل تعدى الانتقام إلى الطائفة والعِرق، مذابحُ تولد مذابحَ، والشّعار: إزهاق الباطل وإحقاق الحقّ، فما زالت المنطقة تغلي، في أكثر مِن مكان، حروب داخليّة، وقودها ما حصل قبل قرون، فبها تُحرك عواطف الانتقام، وتصور الأمر معكوساً، والجميع يحسبونها حقوقاً مقدسة.

***

د. رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

من نظرية الفوضى إلى الوجودية

بقلم: كريستوفر لينكويتش

ترجمة: علي حمدان

***

طبيعة المعرفة: بحسب مصطلحات كانط، يمكننا أن نفترض أن العلوم الطبيعية تسعى إلى ما يسميه "المعرفة التجريبية" وتوظفه، بينما أي محاولة لفهم الفوضى في حد ذاتها تُعدّ محاولة للوصول إلى "المعرفة الخالصة" (نقد العقل الخالص، مقدمة، الجزء الأول، ص 41). ويُظهر النظر إلى الفوضى من منظور فلسفي أنه مكمل ضروري لا غنى عنه للنظر في الفوضى الذي تقوم به الرياضيات (مثل نظرية الفوضى) والعلوم.

“تُخبرنا التجربة، في الواقع، بما هو كائن، لكنها لا تُؤكد بالضرورة أنه كذلك، ولا تُؤكد خلاف ذلك. ولذلك، فهي لا تُعطينا شمولية حقيقية؛ والعقل، الذي يُصرّ على هذا النوع من المعرفة، يُصبح أكثر تحفيزًا بها من كونه مُكتفيًا. يجب أن تكون هذه الأنماط الشاملة للمعرفة، التي تتسم في الوقت نفسه بطابع الضرورة الداخلية، واضحة ويقينية في حد ذاتها، بصرف النظر عن التجربة. ولذلك، تُسمى هذه الأنماط بالمعرفة القبلية، بينما ما يُستقى من التجربة وحدها، كما نقول، يُعرف فقط بالمعرفة البعدية، أو التجريبية. “(نقد العقل الخالص، مقدمة، الجزء الأول، A2، ص 42)

تتخذ العلوم موضوعات محددة كموضوعات لها، أي بشكل تجريبي؛ فالرياضيات تصوغ قوانين ونظريات معينة حول طبيعة الفوضى، ساعيةً إلى فهم بنيتها الداخلية؛ أما الفلسفة فتتناول موضوعاتها (بما فيها الفوضى بالنسبة لنا) من منظور فريد وغير مسبوق، متخذةً صفاتها "غير المحددة" شكلاً أولياً لها، وموفرةً إطاراً لفهم طبيعتها بشكل مجرد. لا يمكن للمعرفة التجريبية أن تتناول الفوضى؛ فهذا من اختصاص الرياضيات، والآن الفلسفة. لا تسمح لنا العلوم الطبيعية بأساس نظري لفهم الفوضى. هذا من اختصاص الرياضيات، التي تُمكّننا من رسم خريطة لبنيتها الداخلية وسلوكها، والفلسفة، التي تُمكّننا من دراسة الفوضى في ذاتها. ومع ذلك، يمكننا أن نقر بأن دراسة الرياضيات للفوضى تقودنا إلى الفلسفة، والفلسفة بدورها تعود إلى الرياضيات

الوجودية والمسؤولية

"مقارنةً بالداخلي، يصبح الخارجي ضئيلاً وغير ذي أهمية." - سورين كيركغارد، إما/أو، الجزء الأول، ديابسالماتا: صور الظلال".

تكمن مفارقة تقدم العلوم والرياضيات في أنه، عند تجاوز المسافة بيننا وبين الظاهرة، يجب علينا تعليق تجربتنا الملموسة للواقع. إن مهمة تعليق علاقتنا بالواقع المعيش هي شرط أساسي لفهمه. قد تُلقي هذه المفارقة بعض الضوء على إصرار كيركغارد على أن "الداخلي ليس الخارجي" في كتابه "إما/أو" - مع أن نية كيركغارد قد لا تكون ابتكار المعرفة؛ ففلسفته تُعزز تحديدًا صحة التجربة الذاتية المتجسدة.

“الظاهر حقيقة، والباطن حقيقة. لا يكفي مجرد امتلاك الظاهر، أي رؤيته موضوعيًا، بل يجب امتلاكه باطنًا أيضًا. ففي باطن الروح فقط يصبح الظاهر ملكًا حقيقيًا. الباطن هو الأصل، والظاهر ثانوي؛ ولا يُبرر الظاهر إلا بالباطن. (إما/أو، "ديابسالماتا"،” القسم 4 ("العار")

إذ يتوقع كيركغارد بعض عواقب التجريبية والمنهج العلمي والتقدم في الرياضيات والعلوم والتكنولوجيا، فإن اهتمامه ينصب تحديدًا على خطر الخطأ والمغالطة (المتأصلة) في التبسيط والاختزال والتجريد. بالنسبة لكيركغارد:

“الذاتية هي الحقيقة. الذاتية هي الواقع. الحقيقة هي الذاتية. لكن هذه الذاتية ليست مجرد رأي شخصي، بل هي شغف داخلي عميق يربط الفرد بالأبدي، واللامتناهي، والمطلق.” (الخاتمة غير العلمية، الجزء الأول، القسم 2، الصفحات 15-16)

ليس ما هو خارج ذواتنا وحقيقي هو ما نفكر فيه. ما نفكر فيه هو أسلوبنا في التعامل مع العالم الخارجي. وهذا يذكرنا بمشكلة ديكارت عن الدماغ في الوعاء. فإذا بنينا بنية ذاتيتنا على ما هو موجود في الخارج، فإننا نبقى في علاقة سلبية مع العالم الخارجي، حتى ونحن، كما لو كنا، نخضعه لإرادتنا.

الخلاصة

في صياغة جان بول سارتر في كتابه "الوجود والعدم"، نحن "محكوم علينا بأن نكون أحراراً": لا يمكننا المضي قدماً بدون تقدم العلوم الطبيعية والتكنولوجيا والرياضيات والطب الحديث، ولكن لا يمكن للواقع الإنساني أن يصبح حقاً كلياً موحداً.

"الإنسان محكوم عليه بالحرية؛ لأنه بمجرد أن يُلقى في هذا العالم، يصبح مسؤولاً عن كل ما يفعله." - جان بول سارتر، الوجود والعدم، الجزء الأول، الفصل الثاني.

إذا أردنا مواجهة حقائق الحياة القاسية بواقعية، فعلينا أن نتقبل وجود عدد من العوامل الخارجية: مساعدة الرياضيات والعلوم والتكنولوجيا والطب، ولكن أيضًا حقيقة بسيطة (بتعبير بولس) وهي أننا في آنٍ واحد جسد - حياة موضوعية ومتجسدة - وروح - إنسانية ذاتية واعية. بالنسبة لنظرية الفوضى، لا يمكن أن تكون الحياة مجرد رياضة مشاهدة، أو انعكاسات لمراقب مجتهد، ولا يمكن أن تكون مزيجًا خصبًا من ملاحظات عابرة تؤدي إلى تصادم دائم لقيم أو نماذج أو أنماط وجود متناقضة (تُنسى حتمًا). وكما قال كيركغارد: "الإنسان روح. ولكن ما هي الروح؟ الروح هي الذات" (المرض حتى الموت، الجزء الأول، الفصل الأول، أ). إذا كانت "الذاتية هي الحقيقة، والحقيقة هي الذاتية"، فإن الطريقة التي نتعامل بها مع العالم مشروطة مباشرة بكوننا ذاتيين، ومتجسدين، وواعيين، "توليفة من اللانهائي والمحدود، ومن الزمني والأبدي، ومن الحرية والضرورة، باختصار إنها توليفة" (المرجع نفسه) - بعبارة أخرى، ليست محدودة فحسب ولا لانهائية بشكل محض، بل هي في الوقت نفسه لانهائية ومشروطة بالعيش والوجود الموضعي والمتجسد، في مكان واحد وفي وقت واحد.

إن مجرد إدراك الفوضى لا يعفينا من الانخراط فيها. بل يجب مواجهتها، كموضوع متخصص، من زوايا متعددة: رياضية، وعلمية، وفلسفية. قد نفترض أن غالبية البشر يشعرون بنوع من الحساسية تجاهها. بعضنا أكثر انخراطًا فيها من غيره. عدد منا منشغل بها، أو، بشكل لا لبس فيه، منزعج منها. وقد يكون عدد أكبر منا مشتتًا أو منزعجًا. يبدو أن الفوضى تحمل في طياتها منظورًا جديدًا لتجربة كامو مع العبث. في النهاية، قد تكون أكثر اعتيادية مما يتصوره معظمنا، أو أكثر تعقيدًا، أو ببساطة غير محددة. يبدو جليًا أن علينا مسؤولية التعامل معها بحذر، وتجنب فرض إرادتنا على بعضنا البعض، مع الحفاظ على قدر من الفضول الحقيقي والانفتاح.

المثابرة هي الارتقاء.

***

.................

المصادر في الأصل باللغة الانكليزية

-    Aristotle. The Basic Works of Aristotle. Edited by Richard McKeon, 1941. New York: The Modern Library Classics.

-    Bishop, Robert, “Chaos”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2025 Edition), Edward N. Zalta & Uri Nodelman (eds.).

-    Camus, Albert, 2004. The Plague, The Fall, Exile and the Kingdom, and Selected Essays. Translated by Stuart Gilbert, Justin O’Brien, Hamish Hamilton. New York, Alfred A. Knopf.

الإبداع بمنطق السوق

في المشهد الثقافي العربي، تتجلى أزمة عميقة تكاد تكون مزمنة: أزمة الكتّاب وعلاقتهم بدور النشر. فبينما يكدّ المبدعون في صياغة نصوصهم، ويجتهدون في تقديم رؤى جديدة وأساليب مبتكرة، يجد كثير منهم أنفسهم أمام جدار صلب من اللامبالاة أو الحسابات التجارية البحتة. إن دور النشر، التي يُفترض أن تكون جسورًا بين الإبداع والقراء، تحولت في معظمها إلى مؤسسات ربحية لا ترى في الكتاب سوى سلعة قابلة للتسويق، تُقاس قيمتها بعدد النسخ المباعة لا بعمق الفكرة أو أصالة التجربة.

هذه الأزمة ليست مجرد خلاف مالي أو إداري، بل هي انعكاس لخلل بنيوي في الثقافة العربية المعاصرة، حيث يغيب المشروع الثقافي الجامع، وتُستبدل الرسالة الفكرية بمنطق السوق. الكاتب العربي، الذي يسعى إلى أن يكون صوتًا لمجتمعه وذاكرةً لأمته، يجد نفسه في مواجهة واقع قاسٍ: نصوصه قد تُهمّش أو تُرفض لأنها لا تضمن الربح السريع، بينما تُفتح الأبواب واسعة أمام كتب سطحية أو تجارية تفتقر إلى القيمة الفكرية.

إن العلاقة المتوترة بين الكاتب ودور النشر تكشف عن أزمة أعمق من مجرد عقود أو نسب أرباح؛ إنها أزمة هوية ثقافية، حيث يُترك الإبداع بلا حاضنة، ويُختزل دور النشر في وظيفة تسويقية باردة، بعيدًا عن رسالتها الأصلية كحاضنة للفكر ورافعة للوعي. هذه المفارقة تطرح سؤالًا جوهريًا حول مستقبل الكتاب العربي: هل سيظل أسيرًا لقيود السوق، أم سيجد طريقًا جديدًا يضمن له مكانته كأداة للتنوير والتغيير؟

واقع دور النشر العربية وتحولها إلى مؤسسات تجارية بحتة

في قلب الأزمة الثقافية العربية، تقف دور النشر بوصفها الحلقة الأكثر تأثيرًا في مسار الكتاب، لكنها في الوقت ذاته الحلقة الأكثر إثارة للجدل. فبدلًا من أن تكون مؤسسات تحمل رسالة معرفية وتنهض بدور ريادي في رعاية الإبداع، تحولت في معظمها إلى شركات تجارية لا ترى في الكتاب سوى سلعة تُقاس قيمتها بميزان الربح والخسارة. لقد فقدت كثير من هذه الدور البوصلة الثقافية، وأصبح معيارها الأول هو حجم المبيعات لا نوعية الأفكار، وانتشرت عقلية السوق التي تُقصي النصوص الجادة وتُفسح المجال أمام الأعمال السطحية أو تلك التي تضمن رواجًا سريعًا.

هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج تراكمات اقتصادية واجتماعية وسياسية جعلت الثقافة في الهامش، وأضعفت مكانة الكتاب في الوعي الجمعي. فبينما يُفترض أن تكون دور النشر حاضنة للفكر، ورافعة للوعي، ووسيطًا بين الكاتب والقارئ، نجدها اليوم تُمارس دور الوسيط التجاري البارد، تُفاوض الكاتب على نسب الأرباح، وتُحمله تكاليف الطباعة والتوزيع، ثم تتركه يواجه مصيره في سوقٍ لا يرحم.

إن هذا الواقع يُنتج مفارقة مؤلمة: الكاتب العربي، الذي يسعى إلى أن يكون صوتًا لمجتمعه وذاكرةً لأمته، يجد نفسه بلا سند، بينما تتحول دور النشر إلى مؤسسات تُدار بعقلية المقاولات، لا بعقلية الرسالة. وهكذا، يصبح الإبداع رهينة حسابات مالية ضيقة، ويُختزل الكتاب في مجرد منتج استهلاكي، في حين يُهمّش دوره كأداة للتنوير والتغيير.

هذه الصورة القاتمة تطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن للثقافة أن تزدهر في ظل مؤسسات لا تحمل أي مشروع فكري، بل تكتفي بمطاردة الربح؟ أم أن على الكتاب العرب البحث عن بدائل جديدة، خارج الإطار التقليدي لدور النشر، لضمان وصول أصواتهم إلى القارئ؟

معاناة الكاتب العربي بين التهميش والبحث عن الاعتراف

الكاتب العربي اليوم يعيش مأساة مزدوجة: مأساة الإبداع الذي لا يجد من يتبناه، ومأساة السوق الذي لا يعترف إلا بما يدرّ الربح السريع. فبينما يكتب الكاتب نصوصه بعرق الروح، ويصوغ أفكاره كمن ينحت في الصخر، يجد نفسه أمام أبواب مغلقة، أو أمام عقود مجحفة تُفرغ الكتاب من قيمته وتحوله إلى مجرد سلعة. إن كثيرًا من دور النشر لا ترى في الكاتب شريكًا، بل زبونًا يُدفع إلى تحمل تكاليف الطباعة والتوزيع، ثم يُترك وحيدًا في مواجهة سوق لا يرحم، بلا دعم إعلامي أو تسويقي حقيقي.

هذه المعاناة ليست مجرد تفاصيل إدارية، بل هي جرح عميق في جسد الثقافة العربية. الكاتب الذي يُفترض أن يكون ضمير الأمة، يجد نفسه مهمشًا، يُعاني من عزلة قاسية، ويُدفع أحيانًا إلى التوقف عن الكتابة أو البحث عن منافذ بديلة خارج وطنه. إن غياب الدعم المؤسسي، سواء من دور النشر أو من المؤسسات الثقافية الرسمية، جعل الكتاب العربي يعيش حالة من الاغتراب داخل مجتمعه، وكأن الإبداع أصبح عبئًا لا قيمة له في زمن تُقاس فيه الأشياء بمردودها المالي لا بعمقها الفكري.

ولعل الأكثر إيلامًا أن كثيرًا من الأصوات المبدعة تُدفن قبل أن ترى النور، لأن دور النشر لا تملك الجرأة على تبني نصوص لا تضمن لها مبيعات واسعة. وهكذا، يُقصى الأدب الجاد، وتُهمّش الكتابات الفكرية العميقة، بينما تُفتح الأبواب أمام نصوص سطحية أو تجارية تُرضي السوق ولا تُضيف شيئًا إلى الوعي الجمعي. إن الكاتب العربي، في ظل هذا الواقع، يُشبه من يصرخ في صحراء بلا صدى، يبحث عن الاعتراف، عن قارئ يلتقط صوته، وعن مؤسسة تؤمن بأن الكتاب ليس مجرد سلعة، بل رسالة.

هذه الأزمة تُعيدنا إلى سؤال جوهري: كيف يمكن للكاتب أن يستمر في الإبداع إذا كان محاصرًا بين تهميش المؤسسات الثقافية وجشع دور النشر؟ وكيف يمكن للثقافة العربية أن تنهض إذا كان صوتها الأصيل يُقصى لصالح نصوص تجارية لا تحمل أي مشروع فكري؟ إن معاناة الكاتب العربي ليست شأنًا فرديًا، بل هي قضية وجودية تخص مستقبل الثقافة العربية بأسره، لأنها تُحدد ما إذا كان الإبداع سيظل حيًا، أم سيُدفن تحت ركام السوق والربح السريع.

انعكاسات الأزمة على المشهد الثقافي العربي ومستقبل الكتابة والإبداع

إن أزمة العلاقة بين الكتّاب العرب ودور النشر لا تتوقف عند حدود العقود والتوزيع؛ إنها تضرب قلب الثقافة العربية وتعيد تشكيل المشهد برمته. حين تُهيمن عقلية الربح على صناعة الكتاب، يتراجع الاستثمار في المشاريع الفكرية طويلة النفس، ويُستبدل البناء الثقافي المتراكم بإنتاج سريع يلهث وراء الترند. النتيجة هي فضاء عام مُشوَّش، تُسيطر عليه كتب خفيفة وعناوين براقة، بينما تُهمَّش النصوص الجادة التي تُزعج بنقدها وتُحرّك المياه الراكدة بأسئلتها. هكذا يتكوّن وعي جمعي هش، يُطهَّر من القلق المعرفي، ويُغذَّى بمنتجات ثقافية مريحة لا تُربك، ولا تُفتح أفقًا جديدًا.

هذا الانحراف يُنتج سلسلة آثار متراكبة:

- تجفيف منابع التنوع الأدبي والفكري: إذ يختفي الصوت المختلف لصالح القوالب السهلة القابلة للتسويق، فتفقد الثقافة إحدى أهم وظائفها: التعدد والجدل.

- تآكل الثقة بين الكاتب والقارئ: حين يرى القارئ أن الساحة تتخم بأعمال متوسطة أو رديئة، يتراجع إيمانه بجدوى القراءة، ويصبح عزوفه خيارًا منطقيًا، فتضعف سوق الكتاب أكثر، وتستحكم الحلقة المفرغة.

- هجرة العقول إلى منصات خارجية: يبحث الكتاب الجادون عن منافذ للنشر خارج المنطقة أو عبر اللغات الأجنبية، فتخسر الثقافة العربية أصواتها القوية، ويتعمق شعور الانفصال بين المبدع والجمهور المحلي.

- تراجع الدور التنويري للمؤسسات الثقافية: تتحول الجوائز، المعارض، والملاحق الثقافية إلى مشهد استعراضي تسويقي، يغيب عنه التقويم النقدي الصارم، وتُستبدل المعايير الفكرية بمعايير القابلية للانتشار.

لكن وسط هذا المشهد القاتم، توجد فرص لإعادة البناء إن وُجدت الإرادة:

- نماذج نشر بديلة يقودها الكتاب: منصات مستقلة، تعاونيات نشر، وتمويل جماعي يضع الكاتب في مركز القرار ويمنح النص فرصة الوصول دون ابتزاز تجاري.

- محررون ونقاد كقوة موازنة: استعادة دور التحرير الجاد والتقويم النقدي يرفع جودة النصوص ويخلق حوارًا معرفيًا يربط الكتاب بالقارئ على أسس الفكرة لا ضجيج السوق.

- مكتبات عامة وبرامج قراءة وطنية: حين تتحول الدولة والمجتمع المدني إلى حاضنة للقراءة، تتسع قاعدة القراء، فيخف الضغط التجاري عن دور النشر، وتُفتح نافذة للنصوص ذات القيمة العالية.

- تحالفات بين الجامعات ودور النشر المستقلة: مشاريع بحثية–نشرية تتبنى إنتاجًا نوعيًا في مجالات الفلسفة، العلوم الإنسانية، السرد التجريبي، وتوفر مسارات توزيع ورقية ورقمية خارج منطق الربح القصير.

في الجوهر، الأزمة الراهنة تُحتم علينا إعادة تعريف وظيفة الكتاب في حياتنا: ليس مجرد منتج يُباع، بل فعل مقاومة معرفية يزعزع السائد ويقترح احتمالات جديدة للمعنى. إن مستقبل الكتابة العربية يتوقف على قدرتنا في بناء بيئة ثقافية تُكافئ الجرأة الفكرية، وتربط الإبداع بكرامة الكاتب وذكاء القارئ. ولن يتحقق ذلك إلا بتحويل العلاقة بين الكاتب ودور النشر من صفقة تجارية إلى شراكة رسالية، تُقاس بالأسئلة التي تطرحها الكتب وبالتحولات التي تصنعها في وعي الناس، لا بأرقام المبيعات وحدها.

خارطة حلول عملية لإعادة بناء العلاقة بين الكاتب ودور النشر

إن تجاوز الأزمة الراهنة لا يمكن أن يتم عبر النقد وحده، بل يحتاج إلى تصور عملي يعيد الاعتبار للكتاب العربي ويمنح دور النشر فرصة لاستعادة رسالتها الثقافية. فالمشهد الحالي، الذي تحكمه عقلية السوق، يمكن أن يُعاد تشكيله إذا ما توفرت إرادة جماعية من الكتّاب، ودور النشر، والمؤسسات الثقافية، والدولة، والقارئ نفسه.

أولاً- بدائل نشر مستقلة يقودها الكتّاب: مثل إنشاء منصات نشر رقمية وتعاونية، حيث يتشارك الكتّاب في إدارة عملية النشر والتوزيع بعيدًا عن هيمنة الدور التجارية. وكذلك اعتماد نماذج التمويل الجماعي (Crowdfunding) التي تسمح للقارئ بأن يكون شريكًا في إنتاج الكتاب، مما يعزز العلاقة بين الكاتب وجمهوره. وتأسيس اتحادات أو جمعيات للكتّاب تتولى التفاوض الجماعي مع دور النشر، وتضع معايير عادلة للعقود والحقوق الفكرية.

ثانياً- إصلاح دور النشر نفسها: إعادة تعريف وظيفة الناشر من مجرد وسيط تجاري إلى شريك ثقافي، عبر تبني مشاريع طويلة الأمد تقوم على الجودة الفكرية لا على الربح السريع. وتخصيص أقسام تحرير وتقييم نقدي داخل الدور، تضمن فرز النصوص الجادة وتقديم الدعم التحريري للكتاب الشباب. وبناء شبكات توزيع أكثر عدالة، تتيح للكتب الجادة الوصول إلى القراء في مختلف المدن والقرى، بدلًا من تركيزها في معارض محدودة أو مكتبات نخبوية.

ثالثاً - دور الدولة والمؤسسات الثقافية: إطلاق برامج دعم مباشر للكتاب الجادين، عبر صناديق تمويل للنشر أو منح للإبداع، تُدار بشفافية وتُمنح وفق معايير فكرية لا سياسية. وتعزيز المكتبات العامة والجامعية لتكون منصات توزيع حقيقية للكتاب العربي، مما يخفف الضغط التجاري عن دور النشر. وتنظيم معارض كتاب وطنية وإقليمية تُعطي الأولوية للأعمال الفكرية والأدبية العميقة، بدلًا من تحويلها إلى مهرجانات تسويقية.

رابعاً- القارئ كفاعل أساسي: نشر ثقافة القراءة الواعية التي تُميز بين الكتاب التجاري والكتاب الجاد، وتُكافئ الكاتب الذي يغامر بفكر جديد. ودعم المبادرات المجتمعية مثل نوادي القراءة، والمراجعات النقدية على المنصات الرقمية، لتوسيع قاعدة القراء وتوجيه السوق نحو الجودة.

إن الحل لا يكمن في إقصاء دور النشر، بل في إعادة صياغة العلاقة بينها وبين الكاتب على أساس الشراكة الفكرية لا الاستغلال التجاري. الكاتب يحتاج إلى مؤسسة تؤمن برسالته، والناشر يحتاج إلى نصوص تُضيف قيمة إلى الثقافة، والدولة والمجتمع بحاجة إلى بيئة تُكافئ الإبداع وتُعيد للكتاب مكانته كأداة للتنوير والتغيير. إن خارطة الحلول هذه ليست مجرد اقتراحات نظرية، بل هي دعوة إلى ثورة ثقافية هادئة، تُعيد الاعتبار للكتاب العربي وتضعه في موقعه الطبيعي: قلب الوعي الجمعي وذاكرة الأمة.

الكتاب العربي بين قيود السوق وضرورة الثورة الثقافية

إن أزمة الكتاب العربي وعلاقتهم بدور النشر ليست مجرد إشكال إداري أو خلاف مالي، بل هي أزمة هوية ثقافية تهدد مكانة الإبداع في الوعي الجمعي. حين يتحول الكتاب إلى سلعة بلا رسالة، وحين تُدار دور النشر بعقلية المقاولات لا بعقلية الحاضنة الفكرية، فإننا أمام خطر حقيقي يتمثل في تهميش العقول المبدعة ودفن النصوص الجادة قبل أن ترى النور. هذه الأزمة تكشف عن خلل عميق في البنية الثقافية العربية، حيث يغيب المشروع التنويري الجامع، وتُستبدل الرسالة الفكرية بمنطق السوق السريع.

لكن في المقابل، فإن هذه الأزمة تحمل في طياتها فرصة لإعادة البناء. فالإبداع لا يموت، والكاتب العربي سيظل يبحث عن منافذ جديدة، سواء عبر منصات مستقلة أو مبادرات جماعية أو بدائل رقمية، ليصل صوته إلى القارئ. إن إعادة الاعتبار للكتاب العربي تتطلب ثورة ثقافية هادئة، تُعيد صياغة العلاقة بين الكاتب والناشر على أساس الشراكة الفكرية لا الاستغلال التجاري، وتضع القارئ في قلب العملية بوصفه شريكًا في صناعة الوعي لا مجرد مستهلك.

الخلاصة أن مستقبل الثقافة العربية مرهون بقدرتنا على تحرير الكتاب من أسر السوق، وإعادة الاعتبار لدور النشر كحاضنة للفكر لا مجرد مؤسسة ربحية. فإذا نجحنا في ذلك، سنضمن أن يظل الكتاب العربي أداة للتنوير والتغيير، وصوتًا حيًا يعكس تطلعات الأمة ويصوغ ملامح مستقبلها. أما إذا استسلمنا لمنطق البلطجة التجارية، فإننا سنخسر ليس فقط الكتاب، بل سنخسر الوعي ذاته.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

 

البحث عن الأمان في أقفاص الهوية

في عصر يرفع شعارات الحرية والتعددية، تشهد مجتمعاتنا تحولاً خطيراً نحو الانكفاء داخل جماعات هوياتية مغلقة، سواء أكانت عرقية أم طائفية أم سياسية أم ثقافية. يُقدَّم هذا السلوك على أنه ممارسة شرعية للحرية والدفاع عن الذات، بينما يؤدي في الواقع إلى إضعاف النقد الذاتي وتعطيل الحوار البناء. النتيجة ليست سوى ديمقراطية انتقائية، تُرفع فيها الشعارات البراقة بينما يُعاد إنتاج الانقسام بأساليب أكثر تهذيباً وأقل وضوحاً.

التحول اللغوي والأخلاقي: من "العصبية" إلى "الهوية"

لم تعد الغرائز القبلية تُسمى عصبيات يُدان حاملها أخلاقياً، بل صارت تُعرف باسم "الهويات" و"الانتماءات". هذا الانزياح اللغوي ليس بريئاً؛ فهو يُغير الحكم الأخلاقي على السلوكيات الإقصائية، ويحوّلها من خطيئة اجتماعية إلى حق مشروع في التعبير عن الذات. فكلمة "هوية" تحمل في طياتها شرعية وجودية، تجعل من الدفاع عنها – حتى بأساليب انعزالية – عملاً مبرراً. وهكذا، تُلبس النزعات الانفصالية ثوب الحداثة، وتُقدّم بوصفها إعادة اكتشاف للذات الجمعية.

الظاهرة الشاملة: جميع الأطراف تمتلك قاموسها الأخلاقي

لم تعد هذه الظاهرة حكراً على طرف ضد آخر. فكل جماعة – أغلبية كانت أم أقلية – باتت تمتلك قاموسها الخاص لتبرير موقفها، مستندة إلى تاريخها وآلامها الخاصة لصنع "درع أخلاقي" يحميها من النقد. الأكثرية تتحدث عن الحفاظ على الهوية والتراث، بينما تتحدث الأقلية عن الحق في الاختلاف والحماية من التهميش. الجميع يمتلك سرديته، وجميعهم يرفعون راية الدفاع المشروع، مما يُنتج حالة من الحوار بين صم، لا يسمع فيها أحدٌ الآخر.

تأثير التحصن على الفرد والمجتمع: فقدان الاستقلالية الفكرية

داخل الجماعة الهوياتية، يفقد الفرد جزءاً كبيراً من استقلاليته الفكرية. فالسؤال الداخلي يُعتبر خيانة، والنقد الخارجي يوصف عدواناً. يجد الفرد نفسه مرغماً على تبني المواقف الجاهزة، والانصياع للخطاب الجماعي الموحد. هذه "التبعية المريحة" تمنح الفرد شعوراً زائفاً بالقوة والانتماء، بينما تعفيه من مواجهة الأسئلة الصعبة بمفرده، وتحميه من عبء المساءلة الفردية.

الديمقراطية الانتقائية: خطاب بلا حوار

لا تُلغى الديمقراطية في هذا السياق، بل تُستخدم بانتقائية واضحة. تُستدعى عندما تخدم مصالح الجماعة، وتُهمش عندما تهدد تماسكها الداخلي. وهكذا يُنتج فضاء عاماً مليئاً بالخطاب، لكنه فقير في الحوار الحقيقي. تُرفع شعارات الحرية والتعددية، لكن ضمن حدود لا تتجاوز أسوار الجماعة. تُمارس الديمقراطية كطقس شكلي، بينما يتم تعطيل جوهرها القائم على التسامح مع الاختلاف والاعتراف بالآخر.

النتيجة: المجتمع الرمادي والمسؤولية المشتتة

النتيجة النهائية ليست نظاماً استبدادياً واضح المعالم، بل حالة مجتمعية مراوغة وغامضة. مجتمع "رمادي" تذوب فيه المسؤوليات، ويتوزع الذنب على نطاق واسع، فلا يشعر أحد بأنه المخطئ الوحيد أو المسؤول الرئيس. هذه التشظي في المسؤولية يلغي أي حافز للمراجعة والمحاسبة، ويجعل من الصعب تحديد نقطة الخلل، فالأخطاء تُرتكب جماعياً، وتُغفر جماعياً.

المواطنة الفاعلة: الخروج من القطيع

في مواجهة هذا التحصن الهوياتي، تبرز المواطنة الفاعلة كبديل جذري وحيد. ليست المواطنة مجرد شعار أو وثيقة قانونية، بل هي ممارسة عملية تعيد توزيع الحقوق والواجبات خارج منطق العصبية والانتماءات الضيقة. المواطنة الحقيقية تتطلب شجاعة الخروج من القطيع، والتحلي بمسؤولية المشاركة الفردية في الشأن العام. هي الخيار الأصعب، لأنها تفرض على الفرد أن يواجه الأسئلة الشائكة بمفرده، وأن يتحمل عبء المساءلة الشخصية.

المواطنة هي الإطار الجامع الوحيد القادر على كسر دائرة التحصن، لأنها تتعامل مع الأفراد ككائنات عاقلة وحرة، وليس كأعضاء في جماعة مغلقة. هي العقد الاجتماعي الذي يسمح بالاختلاف ضمن إطار الوحدة، ويحول التنوع من مصدر تهديد إلى مصدر ثراء.

خاتمة: نحو شجاعة الفردانية المسؤولة

إن الخطر الأكبر في التحصن الهوياتي ليس في انقسام المجتمع فحسب، بل في تحويل الأفراد إلى كائنات تابعة، تفقد القدرة على التفكير النقدي المستقل. المواطنة الفاعلة تمثل تحدياً أمام هذه الموجة العاتية من الجماعاتية الحديثة، فهي تدعو إلى استعادة الفرد كفاعل أخلاقي وعاقل. إنها دعوة إلى شجاعة جديدة: شجاعة الوقوف بمفردك، والتفكير بمفردك، وتحمل المسؤولية بمفردك – ليس من أجل الانعزال، بل من أجل المشاركة الحقيقية في بناء مجتمع حر يتسع للجميع.

***

بهيج حسن مسعود

 

من نظرية الفوضى إلى الوجودية

كريستوفر لينكيوينش

ترجمة: علي حمدان

***

رسالة منطقية فلسفية لودفيغ فيتغنشتاين

يقدم لنا لودفيغ فيتغنشتاين (1889-1951) زاويةً محتملةً في كتابه "رسالة منطقية فلسفية"، وهو عملٌ يُفصّل فيه الصلة بين خلفيته في الرياضيات ومجال الميتافيزيقا الفلسفي التأملي. يتألف العمل من سلسلة من العبارات مُرتبةً عدديًا، للدلالة على أهميتها المنطقية، مع تزايد التعقيد، حول بنية الكون والمنهج الفلسفي الأمثل لتفسيرها. تبدأ الرسالة، كما هو معروف:

1. العالم هو كل ما هو كائن.

1.1 العالم هو مجموع الحقائق، لا مجموع الأشياء.

1.11 العالم مُحدَّد بالحقائق، وبكونها جميع الحقائق.

1.12 لأن مجموع الحقائق يُحدِّد ما هو كائن، وكل ما ليس كائنًا.

1.13 الحقائق في الفضاء المنطقي هي العالم.

1.2 العالم ينقسم إلى حقائق.

1.21 أيٌّ منها إما أن يكون كائنًا أو لا يكون، ويبقى كل شيء آخر على حاله. (رسالة منطقية فلسفية، ص 25)

قد لا تُجنّبنا ميتافيزيقا فيتغنشتاين تعقيد الفوضى الهائل، لكنها تُقدّم لنا رؤية ثاقبة لكيفية إجراء تأملاتنا الفلسفية في العالم. إنّ تسمية "العالم" بـ"العالم" قد تُثير لدينا بعض التساؤلات؛ فمن الواضح أنّ "العالم" يُشير، بشكلٍ مفتوح، إلى "ما هو كائن"، أو بالأحرى، إلى "كل ما هو كائن أو قد يكون"، وليس إلى أيّ كائن مُحدّد فحسب، بل إلى مجموع كلّ الكائنات وعلاقاتها. ولعلّنا نُذكّر أنفسنا بأنّ الأحداث، في مجملها، قابلة للتحليل الرياضي، بينما لا يُمكن بسهولة تبرئة أحداث العالم نفسها من غموضها.

بالنسبة لأنصار نظرية الفوضى، قد يكون من المغري فصل أحداث العالم عن الأدوات الرياضية التي تجعلها "قانونية": فالمعادلات قد تسمح لنا بتصوير حدث ما، وتجميده في الزمن، وتحليل جميع جوانبه. لكن هذا المسعى، كما قد يذكرنا منظّر الفوضى، هو عبثٌ لا طائل منه. هل قرّبتنا حساباتنا حقًا من الحدث الموصوف؟ أم أنها أظهرت لنا فقط مدى بُعد هذا الحدث عنا؟ ففي النهاية، لا يوجد شكل هندسي مثالي - كالمثلث مثلاً - مؤلف من خطوط مستقيمة، ومُجبر، بفعل حساباتنا، على التوافق - في مخيلتنا - مع حقائق محددة ومستنتجة منطقيًا.

حول الخطأ

من طبيعة التفكير أننا لا نملك جميع المعلومات. وكما قال فيتغنشتاين: "العالم محكوم بالحقائق، وهذه هي جميع الحقائق" (رسالة منطقية فلسفية، 1.11). ومع ذلك، نادرًا ما نملك حتى جوهر الموضوع الكافي لنقول بثقة: "هذا علم كامل، لم يُغفل عنه شيء، ولم يُتجاهل، ولم يُهمل". علاوة على ذلك، قد نتساءل: "ما هي المعرفة الكاملة؟ هل الاستدلال ناقص، لأن الاستنتاج ملموس ومحدد، بينما الاستدلال أقل وضوحًا؟"

في حالة النظام أو الظرف الفوضوي، ولأن الفوضى حتمية وتخضع لقوانين محددة، إلا أن هناك العديد من العناصر ومستويات التعقيد التي تحول دون تكوين صورة شاملة بثقة تامة، على الرغم من معرفتنا بأن النظام حتمي. يشير مصطلح "الفوضى"، في اللغة الدارجة، غالبًا إلى الظروف المعقدة وغير المتمايزة. بعبارة أخرى، يُوصف السيناريو، بحكم التعريف، بأنه "فوضوي" لأن منظورنا - للبيانات المحدودة - محدود بتعقيد هذه البيانات. أما من الناحية النظرية، فيُوصف السيناريو بأنه "فوضوي" لكونه حتميًا وغير قابل للتنبؤ ومعقدًا؛ ليس لأنه مشروط بأي خصائص استثنائية، بل لأننا لا نستطيع أو لا نمتلك القدرة على رسم صورة كاملة لجميع المتغيرات والفروق الدقيقة والأجزاء المتحركة والتفاصيل التي تحدد حدود وتفاصيل ذلك السيناريو.

إنّ أكثر ما يُثير الاستياء في مفهوم "الفوضى" هو انتشاره الشامل والقاطع، أي أننا نادرًا ما نصل إلى صورة كاملة لأي شيء. فعندما نتناول موضوعًا ما، نسعى إلى استكشاف أكثر المواضيع، والعناصر، والتعبيرات عموميةً، وتوحيدًا. فعلى سبيل المثال، قد يُحرز بحثٌ في نظرية الموسيقى تقدمًا ملحوظًا فيما يتعلق بموسيقى شونبيرغ الكروماتية "اللا نغمية"، دون الحاجة بالضرورة إلى التطرق إلى الميكروتونالية. أما فيما يخص تاريخ الموسيقى الكلاسيكية، فربما لم تكن الميكروتونالية قد ظهرت بعدُ بشكلٍ يستدعي فهمًا متقدمًا للموسيقى الكلاسيكية أو اللا نغمية.

بمعنى آخر، الفوضى أمر طبيعي تمامًا من بعض النواحي. فالهدف ليس الوصول إلى الصواب المطلق، بل أن يعمل الفكر ضمن حدود معقولة من عدم الخطأ. وفقًا لمعادلة فيتغنشتاين، فإن "العالم" الذي يُفهم على أنه "جميع الحقائق"، أي ككل متجانس تمامًا أو مجموعة من مكونات متجانسة، هو في جوهره غير متاح لنا. قد نتعامل مع الحقائق كأجزاء من "العالم"، لكن من الصعب علينا جعلها ملكًا لنا. مع ذلك، في حالة علماء الفيزياء الفلكية، على سبيل المثال، قد نأمل ونتوقع أن يكونوا قادرين على إجراء جميع الحسابات اللازمة لوضع رواد الفضاء بأمان على سطح القمر وإعادتهم إلى الأرض سالمين. هذا هو جوهر العلوم الطبيعية ونطاقها. أما مهمة علماء الرياضيات والعلوم فهي الوصول إلى "الصواب المطلق".

سيكولوجية الاختلاف

كما يسعى علم التفاضل والتكامل والفيزياء، بنجاحٍ كبير، إلى إضفاء طابع رياضي على الواقع الملموس، فإن أفكارنا، لكي تكون مفيدة، يجب أن تُقدّم لنا واقعًا مفهومًا ظاهريًا - مفيدًا، مهما كان بناؤه فوضويًا. ومن مصلحتنا قطعًا أن نبذل هذه المحاولة، مهما بدت شاقة؛ لأنه لا خيار لنا؛ فعلى هذا يتوقف مدى فعالية تصورنا للواقع. لا يمكن لأي قدر من العلم والرياضيات والتجريد أن يُحيط بالعالم إحاطة كاملة. يمكن أن تحدث أخطاء، وستحدث، ويجب أن تحدث في حساباتنا. وكذلك الأمر بالنسبة لتجربتنا للوعي. بلغة فلسفة العبث لألبير كامو، لا يوجد، ولا يمكن أن يكون هناك، أي تبرير ميتافيزيقي لوجود الإنسان؛ فأسلوبه في التعامل مع العالم وهمي لا محالة؛ وإذا كان العالم بطريقة ما كليًا "موسيقيًا"، فإن مصير الإنسان المحتوم هو أن تصوراته ستعجز دائمًا تقريبًا عن تفسير ذلك الواقع تفسيرًا ذا معنى. في علم الكونيات عند كامو، الواقع عديم المعنى تماماً، بينما مصير الإنسان هو أن يمنحه معنى، وأن يكافح من أجل القيام بذلك.

من الناحية الفلسفية، ما يثير الانتباه في نظرية الفوضى، وميكانيكا الكم، وحتى الرياضيات والفيزياء عمومًا، هو أنه لكي ندرك هذه الأنظمة المعقدة، علينا أيضًا أن نتخلى عن حقنا في المشاركة في حقيقة الفوضى الوجودية البسيطة، وأن نستبدلها بفهم مجرد. بعبارة أخرى، ثمة مسافة لا نهائية، لا يمكن تجاوزها نظريًا، بين تصورنا للواقع - قابليته للفهم وتصوراتنا عنه - وقدرتنا على إدراك تجربتنا المحدودة للوجود في العالم. وبشكل أعم، يمكن أن تنعكس هذه المفارقة على موضوع الفوضى برمته. ما الحق الذي نملكه للتفاعل مع الفوضى نفسها، في عالم فوضوي حيث يشكل مجرد الانخراط في الفوضى - وهو شرط أساسي للوعي - نوعًا من التكلف؟ أليس الانخراط في الفوضى بشكل مباشر، ولكن غير مكتمل، ضربًا من الغرور؟ بالنسبة لنا غريزيًا، تمثل أسطورة بروميثيوس تحذيرًا ودعوة في آن واحد. لكن القدرة على جعل العالم مفهوماً ("الرؤية بعد فوات الأوان سهلة") لا تعفينا من الحقيقة البسيطة المتمثلة في أن أنظمتنا الكبرى تشكل تشتيتاً مطلقاً عن "الحياة الحقيقية".

***

حول فرضيات المستشرق الأندلسي إيميليو غونزاليس فيرين ونفيه لحدوث الفتح العسكري العربي الإسلامي للأندلس: عطفا على مقالتي ليوم أمس حول سلسلة مقابلات الإعلامي المغربي ياسين عدنان حول الاستشراق، وتحديدا، أود التعقيب على ما ورد في حديث أحد ضيوفه وهو الباحث إيمليو فيرين - من فرضيات قد تبدو مفاجئة إنْ لم أقل صادمة لبعض القراء الذين استفسروا مني حولها وحول مدى صحتها تأريخيا. من تلك الفرضيات واحدة تفيد نفيه لحدوث فتح عربي إسلامي حربي للأندلس، وترجيحه حدوث ما يسميه "ثورة ثقافية سلمية" امتدت من بلاد المغرب إلى شبه الجزيرة الإيبيرية. أود التذكير هنا بأن هذا الموضوع ليس جديدا، وسبق لي أن ناقشت هذه الفرضيات في مقالة نشرت قبل خمس سنوات بعنوان "هوية الأندلس اليوم كما يراها مثقّفوها". وقد طوَّرتُ لاحقا هذه المقالة إلى دراسة نشرتها رفقة دراستين أخريين في كتابي "الأندلس قوة المثال وانبعاث الهوية ودراسات أخرى في التاريخ والتراث" الصدر عن دار فضاءات الأردنية سنة 2024.

أدرج هنا بعض ما كتبته من ملاحظات نقدية حول فرضيات الأستاذ فيرين في مقالتي ومن كتابي المذكورَين:

* "إنّ أحد المؤرّخين في هذه المجموعة، وهو إيميلو فيرين، يبالغ في إنكار حدوث غزو أو فتح عربي إسلامي لجنوب شبه الجزيرة الإيبيرية، ويعتقد بدلاً من ذلك بحدوث ما يسمّيها «ثورة ثقافية» جاءت أو تمدّدت من الشرق، وأثمرت عن قيام الحضارة الأندلسية ذات التعدّدية الدينية واللغوية والثقافية بعامة، ولكن الخطّ العام لكلامه وكلام زملائه مهمّ وجديد وجدير بالتأمل والدراسة بهدف وضعه في سياقه التاريخي واستجلاء معالمه ومضامينه واستشراف آفاقه.

* تأريخياً، لا تُعتبر فكرة "عدم حدوث غزو عربي إسلامي لشبه الجزيرة الإيبيرية" جديدة تماماً. وهناك روايات وردت حتى في المصادر العربية تحدثت عن حالة تخلخل في الحكم واضطراب في بلاد الأندلس قبل قدوم العرب. فهناك مَن تحدث عن اضطرابات سياسية كبيرة وقعت آنذاك، حين حاول بعض المُلوك القوط الخروج على طبيعة التنظيم القبلي لمجتمع المملكة القوطيَّة بجعل نظام الحُكم وراثيًاً، ما أدَى إلى إثارة التنافُس بين الطامعين في العرش. حتَى أضحى تاريخ الملكيَة القوطيَة، في أواخر عهد المملكة، سلسلة من المُؤامرات والاغتيالات والحروب الداخليّة.

* ولم يلبث هذا الصراع الداخلي أن دخل مرحلته الأخيرة في عهد الملك إخيلا الثاني، وكان إخيلا الأول قد قُتل في واحدة من ثورات شعبه سنة 554م، واستمرّ الصراع والاضطرابات في عهد خُلفائه، وأدّى إلى ضعف المملكة وسُقوطها بيُسر في أيدي المُسلمين. وهناك من تحدث عن تواطؤ حدث بين حاكم طنجة وسبتة القوطي يليان والعرب المسلمين وسهّل دخولهم الأندلس بسبب خلافاته مع الملك القوطي لذريق "رودريك". وهذه الرواية توردها كُل المصادر العربيّة والإسلاميّة القديمة من دون استثناء. وتفيد رواياتٌ أُخرى بـ"أنَّ يُليان لم يكن يتوقّع، حين طلب المُساعدة من المُسلمين، أن يستقر هؤلاء في الأندلُس، ويبدو أنّه خطّط فقط للاستعانة بهم لخلع لذريق وإعادة أولاد غيطشة (بالإسبانية: Witiza) إلى الحُكم". والخلاصة، حتى هذه الروايات لا تنفي حقيقة وقوع الغزو العربي لشبه الجزيرة والسيطرة عليها بالسلاح، خلافاً لما يقوله المؤرّخ الأندلسي المعاصر إيميلو فيرين".

* ومن كتابي سالف الذكر، ومن دراسة بعنوان "حضارة الأندلس والثقافات الثلاث" أقتبس لكم الفقرات التالية وعذرا لطول المقتبس:

* "يذهب الباحث إيميلو فيرين في الوثائقي التلفزيوني "ثلاثية الأندلس: حكاية الشاطئين"، إلى أن: "الحديث عن الاحتلال العربي لشبه الجزيرة الإيبيرية أمر مصطنع، ومجرد بروباغندا (دعاية كاذبة موجهة) وحكاية عُدَّتْ كتاريخ حقيقي لتبرير سقوط الحكم القوطي، ويصبح هذا الحديث ضرورة ملحة عندما يرتبط بالفترة اللاحقة فترة الاستعادة "حروب الاسترداد".

لا يمكن أن نتفق بسهولة مع فيرين في ما ذهب إليه، فحقائق التاريخ أكثر صلابة وثقلاً مما نتصور، ولا يمكن نفي الفتح العسكري العربي لشبه الجزيرة الإيبيرية أو ما يسميه "الاحتلال العربي".

يقول فيرين في معرض تفنيده للحدث العربي إنَّ "تاريخ فتح العرب لشبه الجزيرة الإيبيرية كتب بعد مائة وخمسين سنة بعد سنة 711م، وهناك رواية عربية وأخرى لاتينية للأمر، وهي مجرد حكايات تاريخية عربية ولاتينية وليست مصدراً موثوقاً للتاريخ. هناك عملات وأختام ونقوش، لكن لا توجد وثيقة يعتد بها تقول كان هناك غزو عربي، بل كان هناك تعريب، ثورة ثقافية ودينية وسياسية جاءت من الشرق إلى الغرب. وإذا درس تاريخ الأندلس بترتيب وروية فلن يمكن القول حينها أن العرب غزوا الأندلس".

* تفنيد آراء فيرين: ويمكننا القول إنَّ اعتراضات فيرين هنا على واقعة الغزو العربي لا يعتد بها علميا، فحتى مقولة "التعريب القادم من الشرق" يمكن وضعها في السياق التاريخي لما بعد حدث الفتح الحربي دون أن تتغير الصورة كثيرا، إذ إنَّ الفرادة لم تكن في حدث الفتح الحربي بحدِّ ذاته، بل في ما تمخض عنه لاحقاً من اكتمال تجربة فريدة في البناء والتكون الحضاري الإنساني المثقفي الجديد والذي لا عهد للقارة الأوروبية الكالحة والجرداء حضارياً به عصر ذاك. هذا أولاً، وثانياً فالرقم الذي يؤرخ به فيرين لأول الكتابات التأريخية العربية واللاتينية لفتح الأندلس وهو مائة وخمسون عاما - بعد الفتح -غير دقيق تماما، ولدينا "تأرخات" ووثائق مكتوبة أبكر من هذا التاريخ بكثير؛ منها مثلا، كتاب أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الحكم. وهو مؤرخ مصري ولد في القرن الثاني للهجرة وبالتحديد سنة 187 هـ أي بعد ثمانين عاما من سنة 107 هـ التي اكتمل بها الفتح العربي الإسلامي للأندلس. وقد أفرد ابن عبد الحكم فصلاً خاصاً هو الخامس ذكر فيه كيفية وتفاصيل الفتح العربي لشمال إفريقية والأندلس والنوبة.

والأهم من هذا الدليل التأريخي - وفي المناسبة فالعملات والأختام والنقوش هي بحد ذاتها وثائق تأريخية ولا نرى موجباً لأن يفصل الباحث فيرين في كلامه بينها وبين الوثائق - هو أن لدينا وثائق مهمة عن مجريات الفتح ومنها وثيقة الصلح المؤرخة في سنة 94 هـ، والتي استسلم بموجبها حاكم إحدى المقاطعات القوطية لجيوش المسلمين بقيادة عبد العزيز بن مُوسى بن نُصير. والحاكم المقصود هو نبيلٌ قوطيّ عرفهُ المُسلمون باسم "تُدمير" ويُلفظ في لُغته الأُم "ثيوديمير". وكان ثيوديمير يعيشُ شبهَ مستقلٍ في تلك المنطقة مُنذ أيَّام لُذريق "رودريك"، الذي قيل بأنَّهُ استخلفهُ على الأندلُس قُبيل اندلاع معركة وادي لكة الشهيرة. ونقرأ في هذه الوثيقة: "كتابٌ من عبدُ العزيز بن مُوسى بن نُصير لِتُدمير بن عبدوس أنَّهُ نزل على الصُلح، وأنَّ لهُ عهد الله وذمَّة نبيِّه "ص" ألَّا يُقدَّم لهُ ولا لِأحدٍ من أصحابه ولا يُؤخَّر، ولا يُنزع من مُلكه، وأنَّهُم لا يُقتلون ولا يُسبون ولا يُفرَّق بينهم وبين أولادهم ولا نسائهم، ولا يُكرهوا على دينهم ولا تُحرق كنائسهم ولا يُنزع من كنائسهم ما يُعبد. وأنَّهُ صالح على سبع مدائن: أوريولة وبلتنة ولقنت ومولُه وبلَّانة ولورقة وألُه، لا يُؤوي لنا آبقاً ولا يُؤوي لنا عدُوّاً ولا يُخيفُ لنا آمناً ولا يكتُمُ خبرَ عدوٍّ علمه/ الإمامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري ص 136 –ج1".

وقد تم الاتفاق على هذه الوثيقة بعد معارك عنيفة كبرى من أهمها معركة "لكة" الدامية سنة 92 هـ، وكانت هذه الاتفاقية التي عقدت بعدها بأقل من عامين نتيجة لها بشكل من الأشكال. والتزم العرب بهذه المعاهدة على الرغم من أنها انطوت يومها على خدعة حربية من قبل ثيوديمير، ولكن العرب المسلمين التزموا بما عاهدوا القوطي عليه. أما مصير ملك الأندلس القوطي لذريق الذي هزمه العرب المسلمون فقد بقي مجهولا لفترة طويلة، حتى كشفت إحدى المخطوطات القوطيَّة العائدة إلى القرن التاسع الميلاديّ عنه وورد فيها "أنَّهُ عُثر في قرية "إقطانية"، الكائنة في الپُرتُغال اليوم، على شاهد قبرٍ نُقش عليه عبارة "هُنا يرقُد لُذريق، ملك القوط".  

***

علاء اللامي

...................

* رابط يحيل إلى مقالة "الأندلس قوة المثال هوية الأندلس اليوم كما يراها مثقّفوها"

https://www.al-akhbar.com/Opinion/295762

* رابط آخر يحيل إلى مقالة "الأندلس قوة المثال هوية الأندلس اليوم كما يراها مثقّفوها" لمن لا يظهر لديهم الرابط الأول

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=697174

* رابط يحيل إلى خبر صدور كتاب "الأندلس قوة المثال وانبعاث الهوية" وتعريف بالكتاب:

https://www.facebook.com/share/p/17kVRhiwyp/

" التوترات الأساسية تحدث بين كفاءة السوق والإنسانية، والاستغلال، والسعي لتحقيق العدالة الاجتماعية، وقوة المال."

المقدمة: في عصرنا الحالي، حيث يتشابك الاقتصاد مع السياسة الدولية بشكل لا يمكن فصله، أصبحت العديد من السياسات العالمية تتجاوز حدود المنطق والمعقول، مدفوعة بعوامل اقتصادية قوية. هذه الظاهرة ليست جديدة، لكنها بلغت ذروتها في السنوات الأخيرة، خاصة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية والأزمات الاقتصادية العالمية. على سبيل المثال، يمكن ملاحظة كيف أدت الرغبة في السيطرة على الموارد الطبيعية، مثل النفط، إلى تدخلات عسكرية وفرض عقوبات اقتصادية تبدو غير منطقية في سياق القانون الدولي والأخلاقيات. في هذه الدراسة الأكاديمية الموسعة، سنستعرض العوامل الاقتصادية الرئيسية التي تقف وراء هذا التجاوز، مستندين إلى تحليلات تاريخية ومعاصرة، مع التركيز على أمثلة من الفترة 2020-2026. سنناقش كيف تحول الاقتصاد من أداة للتنمية إلى محرك للسياسات المتطرفة، مستلهمين نظريات اقتصادية مثل الاقتصاد السلوكي والرأسمالية المتأخرة.

جذور العلاقة بين الاقتصاد النيوليبرالي والسياسة غير الرشيدة

تعود جذور تجاوز السياسة العالمية حدود المعقول إلى العصور الاستعمارية، حيث كانت الدول الأوروبية تشن حروباً للسيطرة على الموارد الاقتصادية، مثل التوابل والذهب، دون مراعاة للعواقب الإنسانية. في القرن العشرين، أدت الأزمات الاقتصادية، مثل الكساد الكبير في 1929، إلى صعود أنظمة شمولية مثل النازية، التي اعتمدت سياسات توسعية غير منطقية لتعزيز الاقتصاد الوطني. وفقاً لنظرية الاقتصاد السلوكي، فإن القرارات الاقتصادية غالباً ما تكون غير رشيدة بسبب التحيزات النفسية والضغوط الاجتماعية، كما أوضحت دراسات في علم الاقتصاد السلوكي.  في العصر الحديث، أصبحت العولمة عاملاً رئيسياً، حيث أدت إلى عدم توازن اقتصادي يدفع الدول إلى اتخاذ قرارات متطرفة للحفاظ على هيمنتها الاقتصادية. مع انتشار الرأسمالية النيوليبرالية في الثمانينيات، تحول الاقتصاد إلى محرك للسياسات الدولية، حيث فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سياسات تجارية تبدو منطقية على السطح، لكنها في الواقع تخفي دوافع توسعية. على سبيل المثال، أدت التعريفات التجارية تحت إدارة دونالد ترامب إلى حرب تجارية مع الصين، وصفت بأنها "غير منطقية ومتناقضة"، مما زاد من عدم المساواة الاقتصادية في الولايات المتحدة.  هذه الخلفية تكشف أن العوامل الاقتصادية، مثل المنافسة على الأسواق والموارد، غالباً ما تؤدي إلى سياسات تتجاوز الحدود المعقولة.

العوامل الاقتصادية الرئيسية: المنافسة على الموارد والأسواق

أحد أبرز العوامل الاقتصادية هو المنافسة على الموارد الطبيعية، خاصة الطاقة. في ظل انخفاض الاحتياطيات العالمية، أصبحت الدول مستعدة لاتخاذ إجراءات متطرفة لضمان إمداداتها. على سبيل المثال، في فنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في العالم (حوالي 18% من الاحتياطيات العالمية)، أدت السياسات الأمريكية إلى تدخل عسكري في يناير 2026، مدفوعاً بالرغبة في السيطرة على هذه الموارد.

 هذا التدخل، الذي شمل خطف الرئيس نيكولاس مادورو، يعكس كيف يمكن للعوامل الاقتصادية أن تبرر سياسات تبدو غير معقولة، مثل انتهاك السيادة الدولية، لتعزيز المصالح الاقتصادية الأمريكية، خاصة مع انخفاض إنتاج النفط الفنزويلي بأكثر من 1.5 مليون برميل يومياً بسبب سوء الإدارة والعقوبات.

عامل آخر هو عدم المساواة الاقتصادية العالمية، التي تدفع النخب السياسية إلى اتخاذ قرارات غير رشيدة للحفاظ على سلطتها. دراسات تشير إلى أن النخب ترى الفقراء كـ"جاهلين وغير كفؤين سياسياً"، مما يبرر سياسات قمعية أو توسعية للحفاظ على الوضع الاقتصادي القائم.  كما أن الأزمات الاقتصادية، مثل جائحة كوفيد-19 في 2020، أدت إلى سياسات حماية وطنية متطرفة، مثل فرض حظر تصدير على السلع الطبية، مما زاد من التوترات الدولية دون فائدة اقتصادية واضحة طويلة الأمد.

أخيراً، يلعب الاقتصاد السلوكي دوراً حاسماً، حيث يفسر كيف تكون القرارات الاقتصادية غير رشيدة بسبب "السلوكيات غير المنطقية"، كما في نماذج اقتصادية حديثة.  هذا ينطبق على السياسات العالمية، حيث يؤدي الخوف من الانهيار الاقتصادي إلى قرارات متسرعة، مثل التعريفات التجارية التي وصفت بأنها "نواة عقلانية في قشرة حماوية"، لكنها في الواقع تزيد من التكاليف الاقتصادية.

أمثلة معاصرة: من 2020 إلى 2026

في الفترة من 2020 إلى 2026، شهد العالم أمثلة عديدة على كيف تؤدي العوامل الاقتصادية إلى سياسات متجاوزة. أولاً، حرب التجارة الأمريكية-الصينية تحت ترامب، التي استمرت حتى 2025، أدت إلى تعريفات غير منطقية أثرت سلباً على الاقتصاد الأمريكي نفسه، مما زاد من عدم المساواة.

 ثانياً، الغزو الروسي لأوكرانيا في 2022، الذي كان مدفوعاً جزئياً بالسيطرة على موارد الغاز الطبيعي، أدى إلى عقوبات دولية أثرت على الاقتصاد العالمي، مما يظهر كيف تتجاوز السياسة الحدود بسبب الاقتصاد.

ثالثا أزمة فنزويلا من الانهيار الاقتصادي إلى التدخل العسكري الأمريكي

في 2026، فإن العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا تمثل نموذجاً صارخاً. أعلن ترامب السيطرة على احتياطيات النفط الفنزويلية، مدعياً أنها ضرورية لمكافحة الأزمة الاقتصادية، رغم أن هذا ينتهك القانون الدولي ويؤدي إلى تفكك جيوسياسي أكبر.  هذا التدخل يهدف إلى إعادة بناء صناعة النفط الفنزويلية، التي تحتاج إلى استثمارات بمئات المليارات، لكن تحت سيطرة أمريكية، مما يعكس الدافع الاقتصادي الرئيسي.  كما أن الحصار الاقتصادي الأمريكي على فنزويلا قد يؤدي إلى انهيار اقتصادي كامل، مع خسارة إيرادات النفط، مما يبرز الجانب غير الرشيد لهذه السياسات. لذلك تشكل أزمة فنزويلا واحداً من أبرز التحديات الجيوسياسية في العالم المعاصر، حيث تتشابك فيها عوامل اقتصادية، سياسية، وإنسانية بشكل معقد. منذ صعود هوغو تشافيز في 1999، مروراً بعهد نيكولاس مادورو، شهدت البلاد تحولات جذرية أدت إلى انهيار اقتصادي غير مسبوق، هجرة جماعية، وتوترات دولية متصاعدة. بلغت الأزمة ذروتها في 3 يناير 2026، مع عملية عسكرية أمريكية أدت إلى خطف الرئيس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، وتدمير بعض المنشآت العسكرية، في عملية وصفتها الولايات المتحدة بـ"عملية خاصة لمكافحة الإرهاب والمخدرات".  هذا التدخل، الذي يُعتبر انتهاكاً للسيادة الدولية، يعكس كيف تحولت الأزمة من قضية داخلية إلى صراع جيوسياسي عالمي. في هذا التحليل الأكاديمي العميق، سنستعرض الجذور التاريخية، التطورات الحديثة، العوامل الاقتصادية والسياسية، التأثيرات الإنسانية، والردود الدولية، مستندين إلى بيانات حديثة حتى يناير 2026، لفهم كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد. كما تعود جذور أزمة فنزويلا إلى الاعتماد الشديد على النفط، الذي يشكل 95% من صادرات البلاد. في عهد تشافيز (1999-2013)، استخدمت إيرادات النفط لتمويل برامج اجتماعية، مما خفض الفقر من 50% إلى 25%، لكن ذلك أدى إلى تضخم وفساد. بعد وفاة تشافيز، ورث مادورو (منذ 2013) اقتصاداً هشاً، تفاقم بسبب انخفاض أسعار النفط العالمية في 2014، مما أدى إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 75% بحلول 2020.  أدت السياسات الاشتراكية، مثل التحكم في الأسعار والتأميم، إلى نقص في السلع الأساسية، وتضخم تجاوز 1,000,000% في 2018.سياسياً، أثار انتخاب مادورو في 2018 شكوكاً في النزاهة، مما دفع خوان غوايدو إلى إعلان نفسه رئيساً مؤقتاً في 2019 بدعم أمريكي. ردت الولايات المتحدة بعقوبات اقتصادية منذ 2017، شملت حظر تصدير النفط، مما أدى إلى خسائر تقدر بـ100 مليار دولار.  هذه العقوبات، المبررة بـ"مكافحة الفساد والمخدرات"، ساهمت في تفاقم الأزمة الإنسانية، مع هجرة أكثر من 8 ملايين شخص. في 2024، أثارت الانتخابات جدلاً آخر، حيث فاز مادورو رسمياً لكن المعارضة ادعت التزوير، مما زاد من التوترات الداخلية. في السنوات الأخيرة، شهدت فنزويلا نمواً اقتصادياً جزئياً بنسبة 4-8% في 2025، مدعوماً بتحالفات مع روسيا، الصين، وإيران، لكن ذلك لم يمنع الانهيار الإنساني. في ديسمبر 2025، زاد التراكم العسكري الأمريكي في الكاريبي، مع ضربات على سفن مخدرات مزعومة. بلغ الذروة في 3 يناير 2026، مع عملية عسكرية أمريكية شملت هجمات جوية وأرضية، أدت إلى خطف مادورو وتدمير مواقع عسكرية، بما في ذلك ضريح تشافيز. لقد وصف الرئيس ترامب العملية بأنها "ضربة ضد الإرهاب"، لكنها أثارت انتقادات دولية كونها انتهاكاً للقانون الدولي. في أعقاب العملية، أعلنت نوبل السلام ماريا كورينا ماتشادو، المعارضة الرئيسية، نيتها العودة إلى فنزويلا، محذرة من حملة قمع داخلية شملت اعتقال 14 صحفياً على الأقل.  كما أن 16 ناقلة نفط من دول بريكس (بما في ذلك البرازيل، روسيا، الصين، الهند، والمكسيك) تحدت الحصار الأمريكي لتحميل النفط الفنزويلي، مما يشير إلى تصعيد جيوسياسي محتمل.  هذه التطورات تحولت الأزمة إلى صراع عالمي، مع مخاوف من حرب أهلية أو احتلال طويل الأمد. على هذا النحو يُعتبر الاقتصاد العامل الرئيسي في تعميق الأزمة. تمتلك فنزويلا 18% من الاحتياطيات النفطية العالمية، لكن إنتاجها انخفض من 3 ملايين برميل يومياً في 2013 إلى أقل من 800 ألف في 2025 بسبب سوء الإدارة والعقوبات.  أدت العقوبات الأمريكية إلى عزل فنزويلا عن الأسواق العالمية، مما دفعها إلى الاعتماد على روسيا والصين، التي أصبحت أكبر مستوردين للنفط الفنزويلي. هذا الاعتماد أثار غضب واشنطن، التي ترى فيه تهديداً لمصالحها الطاقية، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة العالمية بعد الحرب الروسية الأوكرانية. من منظور اقتصادي، يُفسر التدخل الأمريكي بالرغبة في السيطرة على هذه الاحتياطيات لتعزيز الاقتصاد الأمريكي وتقليل الاعتماد على الشرق الأوسط. دراسات تشير إلى أن إعادة بناء صناعة النفط الفنزويلية تحت سيطرة أمريكية قد تتطلب استثمارات بمئات المليارات، لكنها ستعود بالفائدة على الشركات الأمريكية مثل إكسون موبيل.  ومع ذلك، يرى محللون أن هذا التدخل غير مدروس طويل الأمد، مشابه لتدخلات سابقة في العراق وأفغانستان، حيث أدى إلى فوضى اقتصادية. من وجهة نظر التحليل السياسي والجيوسياسي يمكن الحديث عن احتدام الصراع على السلطة والنفوذ:

سياسياً، تعكس الأزمة صراعاً بين النموذج الاشتراكي البوليفاري والرأسمالية الغربية. أدى رفض مادورو للإصلاحات الديمقراطية إلى عزله دولياً، لكن التدخل الأمريكي يُرى كمحاولة لتغيير النظام، مشابهة لعملية باناما في 1989.

 جيوسياسياً، يهدد التدخل مصالح الصين وروسيا، اللتين استثمرتا مليارات في فنزويلا، مما قد يؤدي إلى تصعيد عالمي، خاصة مع تحدي ناقلات بريكس للحصار.  كما أن الردود على منصات مثل إكس تكشف عن انقسام: بعضها يدعم التدخل كـ"تحرير"، بينما آخرون يراه "اختطافاً إمبريالياً".

أما عن التأثيرات الاجتماعية والإنسانية فيمكن رصد الأزمة الإنسانية العميقة. لقد أدت الأزمة إلى كارثة إنسانية، مع 80% من السكان تحت خط الفقر، ونقص في الغذاء والدواء. الهجرة الجماعية أثرت على دول الجوار، مع مخاوف من حملات قمع جديدة بعد خطف مادورو.  اجتماعياً، زادت الاحتجاجات، لكن التدخل قد يؤدي إلى حرب أهلية، مع مخاوف من احتلال أمريكي طويل. أما عن الردود الدولية فقد انقسمت بين الانتقادات والتحالفات. لقد أدانت الأمم المتحدة والحلفاء الأمريكيون مثل فرنسا التدخل كانتهاك للقانون الدولي.  روسيا وكوريا الشمالية طالبتا بإطلاق مادورو، محذرتين من حرب عالمية، بينما ترى الصين ذلك تهديداً لمصالحها.  في كولومبيا، رأى الرئيس بيترو أن الخطف يهدف إلى الاستيلاء على النفط. من هذا المنطلق ينظر الى الاقتصاد كمحرك للإمبريالية الحديثة. من منظور نظري، يمكن تفسير هذه الظاهرة من خلال نظرية الإمبريالية لفلاديمير لينين، التي ترى أن الرأسمالية المتأخرة تدفع إلى التوسع الخارجي لاستغلال الأسواق الجديدة. في العصر الحديث، تحولت هذه النظرية إلى "الإمبريالية الاقتصادية"، حيث تستخدم الدول العقوبات والتدخلات كأدوات للهيمنة. كما أن مفهوم "التوقعات غير الرشيدة" في الاقتصاد يفسر كيف يؤدي الخوف من الانهيار إلى قرارات متطرفة.  في فنزويلا، يظهر هذا بوضوح، حيث يؤدي التدخل الأمريكي إلى فرص اقتصادية للزراعة الأمريكية، لكنه يهدد باحتلال طويل الأمد.  هذا التحليل يؤكد أن العوامل الاقتصادية تحول السياسة من منطقية إلى متطرفة، مما يزيد من التوترات العالمية.

خاتمة

"الاقتصاد قضية سياسية وأخلاقية واجتماعية، تؤثر على رفاهية المجتمعات وحرية الأفراد."

العوامل الاقتصادية، مثل المنافسة على الموارد وعدم المساواة، هي السبب الرئيسي وراء تجاوز السياسة العالمية حدود المعقول، كما في أمثلة فنزويلا وغيرها. يجب على المجتمع الدولي تبني منهجاً أكثر توازناً لتجنب التصعيد، مستلهماً دروس التاريخ لضمان مستقبل اقتصادي مستدام. هذه الدراسة تؤكد أن الاقتصاد، إذا لم يُدار بحكمة، يمكن أن يكون مصدراً للكوارث السياسية. أزمة فنزويلا تعكس فشل النموذج الاقتصادي الاشتراكي والتدخلات الإمبريالية، مع تدخل 2026 كدليل على تجاوز السياسة حدود المعقول. يتطلب الحل حواراً دولياً لإعادة بناء الاقتصاد والديمقراطية، مع احترام السيادة. بدون ذلك، قد تؤدي إلى صراع عالمي أوسع، مما يؤكد حاجة العالم إلى نظام دولي أكثر عدلاً. تؤدي هذه السياسات إلى آثار اقتصادية سلبية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة وتفاقم الفقر العالمي. في فنزويلا، قد يؤدي الاحتلال إلى إعادة بناء القطاع النفطي، لكنه يثير مخاوف من احتلال دائم.  مستقبلاً، يتطلب الأمر إعادة صياغة السياسات الدولية لتركيزها على التعاون بدلاً من المنافسة، مع الاستفادة من نماذج اقتصادية أكثر رشادة.

***

د. زهير الخويلدي

والحلول الحضارية للاستمرارية التاريخية والبقاء الوجودي بين العوامل الداخلية والخارجية

مقدمة: تشكل الأمة العربية، بتاريخها العريق وتراثها الحضاري الغني، محورًا أساسيًا في التاريخ الإنساني. منذ العصور القديمة، ساهمت في بناء الحضارات، من خلال الإنجازات العلمية، الثقافية، والفلسفية، كما في عصر الدولة الأموية والعباسية. ومع ذلك، تواجه الأمة العربية اليوم صراعًا وجوديًا يهدد استمراريتها التاريخية وبقاءها ككيان حضاري متماسك. هذا الصراع ينبع من تفاعل معقد بين عوامل داخلية، مثل التقسيمات الطائفية والاقتصادية، وعوامل خارجية، مثل التدخلات الاستعمارية والضغوط الجيوسياسية. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل هذا الصراع من منظور حضاري، مستندة إلى مقاربة تجمع بين التحليل التاريخي والثقافي، مع اقتراح حلول تعزز الاستمرارية والحيوية. المقاربة الحضارية هنا تعتمد على فكرة أن الحضارة ليست مجرد تراكم مادي، بل نظام متكامل يشمل الجوانب الفكرية، الاجتماعية، والاقتصادية، كما أكد عليه ابن خلدون في نظريته عن العمران.  سنقسم الدراسة إلى أقسام رئيسية: العوامل الداخلية، الخارجية، التحليل الحضاري، والحلول المقترحة ونظرية ابن خلدون في الموضوع.

العوامل الداخلية المؤدية إلى الصراع

تعاني الأمة العربية من عوامل داخلية تؤدي إلى تحللها الحضاري، مما يهدد استمراريتها التاريخية. من أبرز هذه العوامل:

الفكرية والمفاهيمية: يشمل ذلك تشويه المفاهيم الأساسية مثل الجهاد، والجمود الفكري، والابتعاد عن العلم التجريبي. هذا الجمود يؤدي إلى تقزيم التصورات وفقدان هوية المشروع الحضاري، كما في حالة الاعتماد على الفكر القدري السلبي الذي يعيق الابتكار. الاجتماعية والأخلاقية: تتمثل في أزمة الأمة بالاعتماد على الغير، والطبقية، وغياب الكرامة الإنسانية، بالإضافة إلى فساد العلاقات الاجتماعية بالعنصرية والطائفية. هذه العوامل تؤدي إلى ضعف أخلاق الحامية والترف، مما يعمق التقسيمات الداخلية كما في الصراعات الطائفية في العراق وسوريا.

السياسية والاقتصادية: تدهور النظم السياسية، ضعف المؤسسات، والاعتماد على الموارد العارضة مثل النفط، يؤدي إلى اختلال الهيكل الاقتصادي. في الدول العربية، يظهر ذلك في البطالة العالية (14.5% في 2012)، والفقر (أكثر من 1/5 السكان)، والفساد الذي يعيق التنمية.  كما أن غياب النظرة الاستراتيجية يعمق التبعية الداخلية، مما يهدد البقاء الوجودي. هذه العوامل الداخلية تؤدي إلى انهيار بنيوي، لكنها لا تنفي استمرار الحيوية الحضارية، كما في الإبداعات الثقافية مثل الشعر والأدب.

العوامل الخارجية المؤدية إلى الصراع

تكمل العوامل الخارجية التحديات الداخلية، حيث تؤدي إلى تحلل الحضارات من خلال الهيمنة والاستعمار:

الاستعمار والهيمنة: فرض السيطرة الخارجية، كما في اتفاقية سايكس-بيكو، يحول المناطق إلى أسواق استهلاكية، مما يعيق النهضة العربية. هذا يظهر في الخضوع لدول المركز والشركات العابرة للقارات، والفجوة المعرفية مع الغرب.

التغيرات الجيوسياسية: تغير ميزان القوى العالمي، والمشاريع الأجنبية مثل المشروع الصهيوني المدعوم غربيًا، يعمق الصراع. في السياق العربي، يؤدي ذلك إلى احتلال أراضٍ مثل فلسطين والجولان، وفوضى في اليمن والسودان. العولمة والصراع الحضاري: في عصر العولمة، تبرز التوتر بين الاعتماد الاقتصادي والحفاظ على الهوية الثقافية. الحضارة العربية تواجه تهديدات من الغرب، مما يؤدي إلى مقاومة هوياتية، لكن دون تكامل يؤدي إلى عدم استقرار أمني. هذه العوامل الخارجية تحول الصراع إلى صراع حضارات، كما في أطروحة هنتنغتون، التي أصبحت أداة سياسية لتبرير التدخلات الغربية.

التحليل الحضاري: التأثير على الاستمرارية التاريخية والبقاء الوجودي

من منظور حضاري، يُعرّف الصراع كأزمة في الهوية الأخلاقية، حيث يؤدي تفكك الأنظمة القيمية التقليدية إلى تعدد أخلاقي يضع الأفراد في مواجهة مستمرة مع مصادر قيم متعارضة.  الاستمرارية التاريخية تعتمد على أربعة أنظمة كما عند ابن خلدون: الاقتصادي (الاحتياجات المادية)، الثقافي (الأخلاقي)، السياسي (الحكم)، والتربوي (التنشئة). العوامل الداخلية تؤدي إلى تدهور داخلي، بينما الخارجية تعزز التبعية، مما يهدد البقاء الوجودي. ومع ذلك، تظل الحيوية الحضارية موجودة من خلال التراث المشترك (اللغة، الدين، التاريخ)، والإبداعات الثقافية.  في العولمة، يبرز الصراع كتوتر بين الاعتمادية والحفاظ على الهوية، مما يستدعي تكاملًا حضاريًا لتحقيق الأمن المستدام.

الحلول المقترحة: مقاربة حضارية

لحل الصراع، يجب اعتماد مقاربة حضارية تركز على الوحدة والإحياء:

التكامل الاقتصادي والسياسي: إكمال GAFTA، وإنشاء اتحاد جمركي، يؤدي إلى نمو الناتج المحلي بنسبة تصل إلى 3.1%، وتقليل البطالة والفقر.

 يشمل ذلك تعزيز الحريات الثلاث: حماية الحقوق، تحرير الإنتاج، وفك قيود الثقافة.

الإحياء الثقافي والتعليمي: إعادة إحياء التراث العربي-الإسلامي، مع التبادل العالمي، وتعزيز اللغة العربية عبر الإعلام الرقمي والتعليم. يتطلب ذلك إصلاح التعليم ليشمل التفكير النقدي والابتكار.

الإصلاح السياسي والاجتماعي: مواجهة الاستبداد من خلال ثورات سلمية، وتشكيل حرس ثوري لحماية الثورة، مع تسليح السكان وطرد السفارات الغربية.  يجب تجاوز الحدود الاستعمارية، والتركيز على الوحدة الأممية فوق القومية.

المواجهة الخارجية: بناء مواقف موحدة ضد التهديدات، مثل الاحتلال الإسرائيلي، وتعزيز الاعتماد الذاتي لمواجهة العولمة.

نظرية ابن خلدون: مقاربة في علم العمران البشري والعصبية

يُعد عبد الرحمن بن خلدون (1332-1406م) أحد أبرز المفكرين في التاريخ الإسلامي والإنساني، ويُعتبر مؤسس علم الاجتماع الحديث قبل ظهور أوجست كونت بقرون. في كتابه الشهير "المقدمة"، الذي يشكل الجزء الأول من "كتاب العبر"، يقدم ابن خلدون نظرية شاملة لفهم تطور المجتمعات البشرية، مستنداً إلى الملاحظة التاريخية والتحليل العقلي. يركز على مفهوم "العمران البشري" كعلم جديد يدرس أحوال الناس في أوضاعهم الاجتماعية، الاقتصادية، والسياسية، مع الابتعاد عن الروايات الخرافية والتحيزات الشخصية.  تهدف هذه الدراسة إلى توسيع في نظريته، مع التركيز على المفاهيم الأساسية مثل العصبية، دورة الحضارات، والعوامل المتداخلة، مستندة إلى تحليل أكاديمي يربط بين النظرية والواقع التاريخي. سنقسم الدراسة إلى أقسام رئيسية: مفهوم العمران، العصبية، دورة الدول، العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتطبيقات معاصرة.

مفهوم العمران البشري

يشكل "العمران البشري" النواة النظرية لفكر ابن خلدون، وهو علم مستحدث يهدف إلى دراسة تطور المجتمعات من البداوة إلى الحضارة. يقسم ابن خلدون العمران إلى نوعين رئيسيين: العمران البدوي (الذي يعتمد على التنقل والحياة القاسية) والعمران الحضري (الذي يتسم بالاستقرار والتطور المدني). يرى أن نشأة العمران تبدأ بالحاجة الإنسانية الأساسية للتعاون، حيث يقول: "الإنسان مدني بالطبع"، مستلهماً أفكار أرسطو لكنه يطورها في سياق إسلامي.  العمران ليس مجرد بناء مادي، بل نظام متكامل يشمل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية، ويؤثر فيه البيئة الجغرافية والمناخ. على سبيل المثال، يؤكد أن المناطق القاسية تولد مجتمعات قوية، بينما المناطق الخصبة تؤدي إلى الترف والضعف. في "المقدمة"، يقسم ابن خلدون دراسته إلى ستة فصول تغطي العمران على الجملة، البداوة، الدول والملك، الحضر، المعاش والصنائع، والعلوم. هذا التقسيم يعكس منهجاً علمياً يهدف إلى تمحيص الأخبار التاريخية واستخراج القوانين العامة، مثل قانون العرض والطلب في الاقتصاد، الذي سبق به الاقتصاديين الحديثين.  العمران، إذن، هو عملية ديناميكية تتطور مع زيادة الكثافة السكانية، مما يؤدي إلى تخصص العمل وزيادة الإنتاج، لكنه يحمل بذور انحلاله الداخلي.

مفهوم العصبية

العصبية هي المحرك الأساسي لنشوء الدول والحضارات في نظرية ابن خلدون، وتعني الروابط الاجتماعية القوية التي تربط أفراد المجموعة، سواء بالنسب أو الولاء أو الفكر المشترك. تكون العصبية أقوى في المجتمعات البدوية، حيث يفرض الواقع القاسي التعاون والدفاع المشترك، مما يمنحها القدرة على الغلبة على المجتمعات الحضرية الضعيفة.  يقول ابن خلدون: "العصبية هي الوازع الذي يردع العدوان"، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بالقبيلة كوحدة أساسية. مع انتقال المجتمع إلى الحضر، تضعف العصبية بسبب الترف والانقسامات الداخلية، حيث يفقد الأفراد الشعور بالانتماء الجماعي. ومع ذلك، يمكن تعزيز العصبية بدعوة دينية، كما في حالة الفتوحات الإسلامية الأولى، حيث التحمت العصبية القبلية مع الدعوة الإسلامية لتشكل إمبراطورية واسعة.  العصبية ليست مجرد قوة عسكرية، بل عامل اجتماعي يفسر صعود وسقوط الدول، ويُقارن بمفهوم "التماسك الاجتماعي" في علم الاجتماع الحديث.

دورة الحضارات والدول

تصف نظرية ابن خلدون دورة الحضارات كعملية دورية تشبه مراحل حياة الإنسان: النشأة، الازدهار، والانحطاط. تبدأ الدولة بالعصبية القوية في الهامش (البداوة)، حيث تغلب على المركز الضعيف، ثم تنتقل إلى مرحلة الاستقرار والترف، وتنتهي بالفساد والانهيار بعد ثلاثة أجيال تقريباً.

 يقسم الأجيال إلى: الجيل الأول (البناة، قوي العصبية)، الثاني (المحافظون، يعتمدون على التراث)، والثالث (المفسدون، يغرقون في الترف).

هذه الدورة تتأثر بالعوامل الداخلية مثل الظلم والضرائب الثقيلة، والخارجية مثل الغزوات. يحذر ابن خلدون من أن الدولة تفقد شرعيتها عندما تتحول إلى استبداد، مما يدعو عصبيات جديدة للظهور.

 هذه النظرية تطبق على سقوط الدول الإسلامية مثل المرابطين والموحدين، وتمتد إلى حضارات أخرى، مما يجعلها نظرية عالمية.

العوامل الاجتماعية، الاقتصادية، والسياسية

العوامل الاجتماعية

تركز على التفاعل بين البدو والحضر، حيث يؤدي انتقال البدو إلى الحضر إلى ضعف العصبية وانتشار الترف. يرى ابن خلدون الدين كعامل اجتماعي يعزز العصبية إذا كان صحيحاً، لكنه يحذر من التحزب والانقسامات الطائفية.

 كما يدرس تأثير البيئة في تشكيل الشخصية الاجتماعية.

العوامل الاقتصادية

يُعد ابن خلدون رائداً في الاقتصاد السياسي، حيث يرى العمل مصدر القيمة، والعرض والطلب يحددان الأسعار. يحذر من الضرائب الثقيلة التي تقلل الإنتاج، مشابهاً لمنحنى لافر الحديث. يربط النمو الاقتصادي بالكثافة السكانية، لكنه يرى الترف يؤدي إلى الانهيار الاقتصادي.

العوامل السياسية

ترتبط السلطة بالعصبية والشرعية الدينية، حيث الخلافة المثالية تقوم على الشريعة. يسبق ابن خلدون ميكافيللي في تحليل السلطة، محذراً من الاستبداد الذي يؤدي إلى الثورات.

التطبيقات المعاصرة

تظل نظرية ابن خلدون ذات صلة في تفسير الصراعات المعاصرة، مثل سقوط الدول في العالم العربي بسبب ضعف العصبية وانتشار الترف. يمكن تطبيقها على العولمة كدورة حضارية جديدة، حيث تتحدى العصبيات المحلية الهيمنة العالمية.

خاتمة

يظل الصراع في الأمة العربية تحديًا وجوديًا، لكنه فرصة للنهضة الحضارية. من خلال التكامل والإحياء الثقافي، يمكن تحقيق الاستمرارية التاريخية والبقاء الوجودي. كما قال ابن خلدون، "الأمم لا تنهض إلا بالعصبية"، وهنا تكمن العصبية في الوحدة الحضارية. في الختام، تقدم نظرية ابن خلدون إطاراً حضارياً لفهم الاستمرارية التاريخية، مؤكدة أن "الأمم لا تنهض إلا بالعصبية"، وداعية إلى إحياء الروابط الاجتماعية لمواجهة التحديات الوجودية.

***

د زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

حملت مرحلة الربيع العربي - للأمة العربية والدولة الوطنية فيها - موجات فكرية وسياسية، أخرجت المبادئ العربية الوحدوية والوطنية من التداول في الساحة الفكرية والسياسية العربية، ونصبت ونشرت مصطلحات وأوصاف وسرديات وأفكار وبرامج أخرى، مغايرة تماماً لتلك الأفكار والأوصاف التي كانت محتوى المجال الفكري والسياسي للإعلام والتنظيمات السياسية والرأي العام العربي منذ بدايات القرن الماضي، تلك الأفكار والشعارات التي كانت قد تصاعدت مع الدولة الوطنية والإستقلال الوطني حتى العشرية الأولى من القرن الحالي، حيث أشعل فيها عود ثقاب "محمد البوعزيزي" نهاية عام 2010م اللحظة التي أعلنت على بروز الموجة الفكرية والسياسية العارمة، التي جرفت كل تلك الأفكار والسياسيات السابقة، بفعل ضخ إعلامي عربي داخلي قادته دول الخليج وآلتها الإعلامية ومراكز البحث التي تمولها، مسنودة بآلة الإعلام الغربية الضخمة الناطقة بالعربية، وبإدارة عمليات إعلامية ونفسية وإجتماعية وسياسية، أدارت محتوى مواقع التواصل الإجتماعي، التي فتحت وكسرت طوق الحماية العربي والوطني، وأخرجت من ثناياها "الأثاث اللغوي" الذي به تم ترتيب سلم أولويات إهتمام الرأي العام العربي، ولقنته مصطلحات وأوصاف، صار يرددها، ويصرخ بها، وأدمن على ترديدها وإجترارها، حتى صار لها مجتمع يلهج ويصيح ويصرخ بها، دون أي تفكير عميق، أو محاولات تصويب من النخب التي تراجعت وضعفت وتلاشت وتخلت، والتي تم حشرها في زاوية مغلقة على نفسها متقوقعة، لا فعل ولا تأثير ولو نسبي لها على الواقع الوطني والعربي، وما جد عليه وما يجري فيه وحوله.

لقد طال هذا التغير حتى مسألة (الوحدة الوطنية)، ووجود الدولة، وبنية النظام السياسي (للوطن)، فالرأي العربي العام (خاصة الرأي العام الوطني)، تقسم وتم تفتيته على الأحداث اليومية ومجريات التجاذبات (هذا يتم بفعل فاعل متمكن من علم إدارة الجماعات بإستخدام تقنية إدارة الشعوب المستطرقة: التسخين الطرق التشكيل، وبإستخدام عمليات التحيين، والتسارع، والتسكين[1]) في إدارة توجهات الرأي العام، حيث تم دفع الجماعات القبلية والمناطقية والشعوبية لصنع تمظهرات سياسية، تم – في زحمة وبفعل ما يجري – توفير الظروف لظهورها وإنتعاشها، وتم فتح المجال الإعلامي والسياسي لظهورها والتعبير عن إنفعالها، هذا لم يكن فقط بفعل فاعل خارجي، لكنه تم كنتيجة لسقوط جهاز الدولة، أو بفعل توفير حالة ضعف المركزية الوطنية للدولة الوطنية، مما سمح طبيعيا بظهور الأمراض الداخلية في صور الإقليمية الداخلية، مثل: (الفدرالية، الحكم الذاتي، مجالس سياسية عليا لقبائل والمناطق والشعوبيات)، والتي صارت تساوم الوضع الوطني، بعدما تم بناء أطر سياسية لها، وتم تركها تبني قوتها القتالية والعسكرية جهاراً نهاراً، وتم فتح المجال الإعلامي لها، وصارت مرتبطة  بسفراء الدول الأوروبية يزورونها ويلتقونها ويساعدونها، بما فيهم سفراء الدول النووية الأعضاء في مجلس الأمن الدولي.

في هذا الخضم الوطني الداخلي والعربي المتوتر والمنفلت، إنخفض تماماً لدرجة التلاشي، العمل على وحدة الأوطان، وإختفى تماماً أي حديث عن الوحدة العربية، بل صار الحديث عنها أشبه بنكتة، فقد تم تحفيز إنفعال الرأي العام الوطني والعربي على تجريم وتتفيه الحديث عن الوطنية سياسياً، ويتم وصف الوحدة العربية بالأحلام والقومجية، وتم إلصاق تهم الدكتاتورية والطغيان بقادتها وأحزابها ومفكريها، وهكذا بالمحصلة أزيح من الفضاء العام الحديث عن الوحدة الوطنية، تماماً، وإختفى الحديث عن الوحدة العربية - حتى كمصطلح أو جملة - لم يعد ترديدها وحتى كتابتها أو قولها له أي معنى، بل وصل الأمر الى خجل الكثير من النخب من الحديث عنها او ترديدها او التنظير لها.

لقد تم دفع الأوضاع العامة في السودان، واليمن وليبيا، وسوريا، لبناء سلطات الواقع الجديد المتقسم، سلطة هنا، وسلطة هناك، وللتعمية على خطورة ما يجري يسمونها مرحلياً (أطراف النزاع)، فبناء السلطة هو الذي يصنع الأطار السياسي للدولة الجديدة، ففي ليبيا بفعل فاعل قاصد وبفعل قصور داخلي عن فهم ما يجري، تم بناء سلطة لكلا (الدولتين) على جسد ليبيا، (سلطة بنغازي)، و(سلطة طرابلس)، كلاً بكل تفاصيل بناء السلطة صنع أطار سياسي، وزارتي خارجية، مؤسستين تشريعيتين، حكومتين، وأخيراً محكمة عليا لكلاً منهما، ولم يبقى ما يجمع الدولتين (ليبيا الشرقية، وليبيا الغربية) سوى العملة، والعلم والنشيد، ومركز الاتصالات، وبعضاً من قصائد الشعر الشعبي عن ليبيا الواحدة،

وفي السودان، يتم بناء سلطتين واحدة في  (الخرطوم)، والثانية في (دار فور)، تشكلان على اليوم مجالاً حيويا يمنع قيام سلطة مركزية لدولة السودان، موحدة القرار والسيادة، أما في (اليمن)، فقد تم رهن القرار الوطني اليمن بــ(الوعد السعودي) دون أي وجود على الأرض لما يسمونها الشرعية - سلطة - لا تملك فعلها على الأرض دون القرار السعودي، الذي ربما من المهم أن يساعد، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن الفعل الوطني – هذه السلطة والشرعية – كما يسمونها - بقت تراوح مكانها خارج الحدود تسكن فنادق الرياض، حتى تم بناء سلطة في صنعاء بكل أركانها، وفي الجنوب، تدريجيا من بين ثنائا (مجلس القيادة اليمني) نفسه، إنتعش (المجلس الإنتقالي الجنوبي في عدن)، الذي ضل يعمل على تظهير سلطة أخرى محلية داخلية، سرعان ما أطلت برأسها تنادي بالإنفصال وإعلان دولة، تحت مسمى إستعادة دولة الجنوب ولا زالت التجاذبات لم تهدأ بعد فما يجري من قصف سعودي سيزيد الطين بلة، فالقصف الخارجي لم يزيح سلطة صنعاء بل زادها قوة.

 وفي سوريا يتم على نار هادئة وتعمية إعلامي، بناء سلط متنوعة: مثل (الدروز) في السويدا، ويتم دفع (العلويين) لبناء سلطة في الساحل الغربي، وسيتم دفع (السنة) تدريجاً غصباً عنهم لبناء تصور سلطة خاصة بهم (يلاحظ الحديث عن ضم لبنان لسوريا، وهو في عمقه ما يعني دمج السنة في سوريا ولبنان في إطار واحد)، وهذا كله يتم تدريجياً بعدما تم إسقاط الأنظمة الوطنية، التي مهما تم توجيه النقد لها، فهي كانت في أقل تقدير تعبير عن الحالة الوطنية، تدير مركزيتها السياسية والقانونية والفعلية بقوتها المركزية (الجيش) الوطني، الذي تم بفعل فاعل قاصد، حله وتفتيته وتجريمه ومطاردته مراتبه بالإغتيال والسجن وبتنويع التهم لقادته.

وهكذا تعرف المنطقة العربية اليوم أضخم حالة حل وتخريد للمركزية الوطنية، وتفتيت لمراتبها، وإزاحتها تماماً من التداول العام، وفتح المجال الواسع للإنفعالات (المناطقية والمذهبية والقبلية والشعوبية)، ونسج فكرة مظلوميتها، ورعايتها وتقديمها وتصعيدها، وصنع فكرة أحقيتها، وفي بعض الأحيان فتح المجال لتجاذبات محلية في شكل حروب داخلية عصبية، تسمح في النهاية لتظهير فكرة الدفاع عن النفس من الأخر، مما يوفر حجية ومنطق للتقوقع، وتظهير الشكل السياسي المطلوب ظهوره مثل: فكرة الدروز والسنة والعلويين في سوريا، ومثل فكرة دارفور في السودان، ومثل فكرة (أقاليم بيفن سيفورزا في ليبيا)، ومثل فكرة الجنوب العربي، وحضرموت في اليمن.

وهكذا صارت الأمة - التي تنشد منذ منتصف القرن الماضي وحدتها العربية – تتفتت حتى وطنياً، وصارت تلك الأوطان الكبرى بكل قوتها السابقة، تتفتت على الجهات الأربعة، وصارت تلك الأوطان التي لطالما كانت سبة (الأقليمية – الوطنية الضيقة، التجزئة)، صارت اليوم حلم البقاء نتمنى بقائها (رضينا بالهم والهم لم يرضى بنا)، يالها من مفارقة عجيب غريبة، إنخفض فيها حلم (تحقيق الوحدة العربية)، و(هزيمة الأقليمية والتجزئة)، إلى أمنية البقاء على هذه (الأقليمية والتجزئة) بالوطنيات العربية، أمام التجريف الواضح الذي يطال اليوم حتى وحدة هذه الأقليمية (الوطن)، وها هي أمامنا اليوم تتلاشي هي أيضاً وتتفتت، وتنقسم، ففعليا (لم يضعف وينتهي تقريبا الحديث عن الوحدة العربية) فقط، بل ضعف جدا وفعليا الحديث والعمل على وحدة الوطن نفسه، الوطن الدولة الإقليمية في المنطقة العربية، فهي اليوم تتحول لدويلات مستجدة غير معلنة، تأخذ مداها وتبني سلطتها الخاصة في كلاً من:  (ليبيا)، وفي (اليمن)، وفي (سوريا)، وفي (السودان)، تدريجياً وعلى مهل، والراي العام الوطني والعربي والنخب التقليدية، جلها تقريباً تتفرج بل وإنغمست في ثنايا وتفاصيل التجاذبات تاهت في الهوامش والتفاصيل، دون أي إنتباه للسياق العام الذي يحدث ويجري ويتحقق، بل وصعب جداً تحقيق إجماع  عربي او وطني، أو حتى مستوى عالي ومعقول من الإنتباه لعمليات التفتيت والتقسيم التي تجري، حيث تاه حتى المفكر العربي بين إشكاليات أيهما أسبق بناء الدولة أو تحقيق الديموقراطية، أو بناء القوة المركزية ام إخضاع الأوطان لإنفعالات الجهات والقبائل والمناطق والمذاهب والشعوبيات، وهكذا دخلت النخب التقليدية نفق وإشكالية من أسبق، (البيضة ام الدجاجة) سياسياً، وسادت عليها النخب الجديدة والمستجدة بافكارها ومصطلحاتها والأوصاف التي تطلقها وسردياتها، في عالم العولمة وتحول الخطاب الإعلامي للشعبوية عبر مواقع التواصل الإجتماعي، والتي يسود عليها الإنفعال، وتدار منهجياً عبر تمكن وتحكم تحالف (المال، والإعلام، والفتوى، واللعبة الدولية القذرة) وبرامج برمجة الأفكار، وإدارة الرأي العام، وقيادة الجموع، بإستخدام التمكن من العلوم الإنساني من علم الإجتماع وعلم النفس، وعلم التاريخ، وعلم الإحصاء، والذي جعل منها أخيرا الذكاء الإصطناعي، سلاح فتاك لتحقيق المخططات، وتتويه الشعوب، وتمكين الأيادي الخطيرة من النهب والإستيلاء على الأموال والنفط والغاز والأرصدة، وتمكنها من تتويه الشعوب ومنع وعرقة ومحاربة وقمع أي محاولة لإيقاظها، أو تنبيهها لما يجري من عمليات تقسيم المقسم، وتفتيت الدول.

وفي هذا كله، غاب حتى في خطاب النخب - السياسية والتعليمية والفكرية والأدبية والثقافية العربية  سوى على مستوى الوطن العربي او على المستوى الوطني في بلداننا - وإنتهى تقريباً عن الفضاء العام (أي حديث عن الوحدة العربية) - وحتى التعاون والتكامل العربي، وسياقها من الأوصاف والمصطلحات والمفاهيم - عن السيادة والمقاومة والتحرر، بل أن الحديث والدفاع عن (الوحدة الوطنية) نفسها غاب اليوم في (ليبيا واليمن والسودان وسوريا) لمصلحة التقسيم والتفتيت التدريجي - والحبل على الجرار لباقي الدول العربية تباعاً - وظهر بقوة في بلداننا الحديث عن (الحقوق الثقافية والشعوب الأصلية) الغريب العجيب، وظهرت المجالس العليا، وظهرت أوصاف ومصطلحات حقوق المناطق والمطالبات بـــ(الكوتا) الخاص المخصصة سياسياً، وظهر وهم (التوزيع العادل للثروة) ككلمة حق يراد بها باطل، بحجتها يتم  تقسيم الأوطان، وبعثرة مركزيتها السياسية والعسكرية والأمنية، يحدث هذا أمام سمع وأبصار النخب والقطاعات العريضة من المتعلمين والسياسيين، والنقابات، والكتاب والأدباء، وتراخت وتراجعت حالة الدفاع الذاتي للأوطان، بل ونرى إستسلام شبه تام لما يجري، وضعف بائن في مستوى ردة الفعل الوطني (الدفاع الذاتي للأوطان) تجاه ما يحدث، فالسيطرة على فضاء الإعلام العربي والوطني منجرفة تماما مع تعلية ما يجري وتصويره حقوق وحق ونصر وثورة وحرية وديموقراطية، يتم ضخها في العقل الفردي والجمعي للرأي العام، وللأسف حتى للكثير من النخب الوطنية والعربية، التي صار لها أيضا أولوياتها الخاصة المنجرفة، او الخائفة، او المتقية لشرور المواجهة، والكثير منها صارت مبحوحة الصوت، لا تمارس حتى أضعف الإيمان في ا لدفاع باللسان والفكر، كلمة مكتوبة أو مسموعة أو مرئية، ولو في أضيق نطاق، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

 ***

بقلم: محمد عمر غرس الله

...................................

[1] أنظر كتابي: المشهد العربي تجليات وأبعاد 2011 – 2020م – وكتابي: مقدمات في جيوبولتيك النهوض الليبي.

 

من نظرية الفوضى إلى الوجودية

بقلم: كريستوفر لينكيويتش

ترجمة: علي حمدان

***

ظاهريًا، يبدو "العالم"، عند النظر إليه ككل، فوضى عارمة، وفوضى عارمة، وتصادمات لا تنتهي لأجسام تبدو غير مترابطة أو عشوائية، مع أنها قد تخضع بلا قيد أو شرط لقوانين طبيعية محددة. تبدو التأثيرات المتناقضة في العالم الحقيقي، والتي تُحددها هذه القوانين الطبيعية، بلا معنى، خليطًا عشوائيًا، بلا شكل - وغالبًا ما تكون كذلك: انهيار جليدي، حادث سيارة، توزيع وتغيرات الرطوبة ودرجة الحرارة داخل نظام جوي. لكل ندفة ثلج بنية بلورية فريدة - تشبه بصمة الإصبع - ومتناظرة شعاعيًا. لا يمكن لمعادلة بسيطة واحدة أن تصف أيًا من هذه الأحداث بدقة تامة، بل يمكنها أن تعطينا فكرة عامة، مع أننا قد نتصور، بصياغات أكثر تعقيدًا، أنها قابلة (بعد وقوعها) لدقة حساب التفاضل والتكامل.

يبدو من غير المرجح أن يجد بحث أينشتاين عن "نظرية موحدة لكل شيء" أي أساس في الواقع، تمامًا كما لا يمكننا التنبؤ بالبنية البلورية أو التحكم بها...

تعريف الفوضى

قد تكمن الصعوبة في بنية مفهوم الفوضى نفسه. فما هي الفوضى؟ إنها مفهوم غامض وغير محدد. على سبيل المثال، التصادم حدثٌ يتضمن تفاعل أجسام معينة: باختصار، هو مجموعة قابلة للقياس ومميزة من الظروف والتغيرات التي تؤثر على كل جسم من الأجسام المعنية، وذلك من خلال مجموعة من التغيرات وإعادة توزيع المادة والطاقة، وما إلى ذلك، قابلة للتحديد والقياس والفهم. أما النفي - كمثال مفاهيمي آخر - فهو أكثر تجريدًا من التصادم. النفي نوع من أنواع التفسير، لكنه يُعدِّل، بطريقة نظرية بحتة ونوعية، موضوعًا فكريًا، أو إطارًا، أو نزعة، أو ميلًا. على سبيل المثال، يشير مصطلح "ليس-أ" إلى كائن أو حالة منفصلة ومحددة بوضوح، أ، بصورة معاكسة واستبعادية، دون التأثير على أي شيء خارج أو بجانب أ - باستثناء الكائنات والحالات المشروطة التي تعتمد على أ في تعريفها ووظيفتها ونمطها، وما إلى ذلك. لا يشير مصطلح "ليس-أ" إلى الكائنات أو الحالات المتأثرة بـ أ، ولكنه قد يعدلها بشكل غير مباشر من خلال نفي مجموعة الأمور الأساسية أ فقط. وبالتالي، إذا كان أ موجودًا ضمن سياق معين، فإن هذا السياق يظل دون تغيير بسبب "ليس-أ" ما لم يكن أ يحتوي على هذا السياق أو يشمله أو يستلزم تأثيرًا عليه؛ ولكي يؤثر "ليس-أ" على السياق الذي يوجد فيه أ، بهذا القدر تحديدًا وليس أكثر، يجب أن يكون سياق أ مشروطًا بـ أ.

الفوضى تختلف. إذا اعتُبر نظام ما فوضويًا، فإننا نفهم ونتوقع أن ما نراه ينطوي على عدم انتظام وعدم قدرة على التنبؤ. ولإزالة أي لبس حول التعريفات، فإن الظروف الفوضوية تستلزم شروطًا قانونية محددة يصعب حصرها. قد يُفترض أن أمثلة البطاقات والنرد تشير إلى حالات غير محددة، ولذلك قد نشك في وجود حالات كمومية(الكم)، لكن عملية الخلط ورمي النرد التي نحاكيها ليست، في الواقع، غير محددة أو غير قابلة للتحديد. يتطلب تنفيذ العمليات الكمومية الحوسبة الكمومية. يُظهر بحث سريع على جوجل أن خلط أو رمي النرد في الحاسوب عملية حتمية، وليست كمومية. وفقًا لتعريفنا للفوضى، فإن خلط أو رمي النرد في الحاسوب هو عملية فوضوية. على سبيل المثال، قد يقوم برنامج حاسوبي "بخلط" مجموعة من البطاقات، أو "برمي" مجموعة من النرد، وما إلى ذلك - وهي أحداث عشوائية نظريًا، ولكنها حتمية في الواقع. لو أن برنامجنا كرر تلك العملية نفسها تمامًا، دون "إعادة ضبط" لإجراء خلط أو رمي نرد "جديد"، لكانت النتيجة هي نفسها. أما إذا طُلب من البرنامج إجراء عمليات خلط أو رمي نرد متعددة ومتشابهة، فلن تكون النتائج متطابقة. في كلتا الحالتين، حدد البرنامج النتيجة (بشكل خفي)، دون أن يكشفها لنا كمشاهدين، "قبل" اكتمالها.

نظرية الفوضى وميكانيكا الكم

تُعدّ نظرية الفوضى، في جوهرها، فرعًا من الرياضيات طُوّر في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، على يد جيمس كلارك ماكسويل، لنمذجة الأحداث المعقدة وغير المستقرة. ومن أبرز المساهمين الآخرين في هذه النظريات هنري بوانكاريه (الأساليب الجديدة للميكانيكا السماوية، 1892-1899؛ "حول مسألة الأجسام الثلاثة ومعادلات الديناميكا"، 1890)، وأندريه كولموغوروف ("حول حفظ الحركات الدورية المشروطة"، 1954)، وإدوارد لورنز ("التدفق الحتمي غير الدوري"، 1963). بحسب موسوعة ستانفورد للفلسفة:

تُستخدم نماذج الفوضى لاستخلاص معلومات متنوعة حول نقاط التشعب، وتسلسلات مضاعفة الدورات، وبداية الديناميكيات الفوضوية، والمُستقطِبات الغريبة، وغيرها من عناصر الفوضى. ويتطلب فهم المفهوم الدلالي لهذه النماذج بشكل كامل وضع فرضيات تربطها بأنظمة العالم الواقعي (على سبيل المثال، كيف ترتبط المُستقطِبات الغريبة المُعاد بناؤها من البيانات الفيزيائية بالنظام الفيزيائي الذي سُجّلت منه البيانات أصلاً). (موسوعة ستانفورد للفلسفة، "الفوضى")

يشترك تطور نظرية الفوضى في بعض السمات والمواضيع مع ميكانيكا الكم، على الرغم من كونهما فرعين متميزين يهتمان بموضوعات دراسة مختلفة. لا يهدف هذا المقال إلى وضع نظرية لميكانيكا الكم في مقابل نظرية الفوضى، بل يكفي في الوقت الراهن التمييز بين الظواهر الفوضوية والظواهر الكمومية.

سد الفجوة

اليوم، نعتبر أن المعادلات الجبرية تتطابق تمامًا مع التمثيلات الهندسية. ويُعدّ اختراع (أو اكتشاف) المستوى الديكارتي (انظر: الهندسة، 1637، ملحق مقالة في المنهج) أمرًا لافتًا للنظر تحديدًا لقدرته على إثبات الصلة بين الجبر والهندسة، مُظهرًا لنا أن التجريد الخالص للجبر يتطابق تمامًا مع التمثيل الخالص للهندسة؛ فهما مرتبطان ارتباطًا وثيقًا لا ينفصم. استطاع إقليدس، باستخدام التعريفات والمسلمات فقط، وانطلاقًا من أساس قضايا هندسية متزايدة التعقيد، أن يبني عالمًا كاملًا من الرياضيات البحتة. بيّن ديكارت أنه يمكن جعل هذه الحسابات مجردة تمامًا باستخدام الأرقام والمتغيرات وعمليات دقيقة محددة.

مع نيوتن وليبنيز - اللذين اكتشفا حساب التفاضل والتكامل في الوقت نفسه، مما أدى إلى منافسة شديدة بينهما - تبيّن أن العلاقة التبادلية بين الجبر والهندسة معقدة للغاية، مما مهّد الطريق لجعل الرياضيات أكثر ارتباطًا بالواقع؛ إذ اعتمدت آلاف التطبيقات العملية على اكتشافات حساب التفاضل والتكامل. باختصار، يُمثّل حساب التفاضل والتكامل الفهم الأساسي لعالم يتسم ظاهريًا بالفوضى العارمة.

يسعى علم الفيزياء، وبنجاحٍ كبير، إلى سد الفجوة بين الرياضيات البحتة كالجبر والهندسة وحساب المثلثات والتفاضل والتكامل، وبين حالات العالم الواقعي الناجمة عن الكيانات غير الكاملة. فبينما يحاول منظّرو الفوضى فصل المثالية (أي الرياضيات وقابلية تمثيلها رياضياً) عن الأحداث الملموسة، يقربنا علم الفيزياء أكثر فأكثر من الرياضيات؛ ويتقلص هامش الخطأ لدينا باستمرار، دون أن يختفي تماماً.

تُستخدم نماذج الفوضى لاستخلاص معلومات متنوعة حول نقاط التشعب، وتسلسلات مضاعفة الدورات، وبداية الديناميكيات الفوضوية، والمُستقطِبات الغريبة، وغيرها من عناصر الفوضى. ويتطلب فهم المفهوم الدلالي لهذه النماذج بشكل كامل وضع فرضيات تربطها بأنظمة العالم الواقعي (على سبيل المثال، كيف ترتبط المُستقطِبات الغريبة المُعاد بناؤها من البيانات الفيزيائية بالنظام الفيزيائي الذي سُجّلت منه البيانات أصلاً). (موسوعة ستانفورد للفلسفة، "الفوضى")

يشترك تطور نظرية الفوضى في بعض السمات والمواضيع مع ميكانيكا الكم، على الرغم من كونهما فرعين متميزين يهتمان بموضوعات دراسة مختلفة. لا يهدف هذا المقال إلى وضع نظرية لميكانيكا الكم في مقابل نظرية الفوضى، بل يكفي في الوقت الراهن التمييز بين الظواهر الفوضوية والظواهر الكمومية.

سد الفجوة

اليوم، نعتبر أن المعادلات الجبرية تتطابق تمامًا مع التمثيلات الهندسية. ويُعدّ اختراع (أو اكتشاف) المستوى الديكارتي (انظر: الهندسة، 1637، ملحق مقالة في المنهج) أمرًا لافتًا للنظر تحديدًا لقدرته على إثبات الصلة بين الجبر والهندسة، مُظهرًا لنا أن التجريد الخالص للجبر يتطابق تمامًا مع التمثيل الخالص للهندسة؛ فهما مرتبطان ارتباطًا وثيقًا لا ينفصم. استطاع إقليدس، باستخدام التعريفات والمسلمات فقط، وانطلاقًا من أساس قضايا هندسية متزايدة التعقيد، أن يبني عالمًا كاملًا من الرياضيات البحتة. بيّن ديكارت أنه يمكن جعل هذه الحسابات مجردة تمامًا باستخدام الأرقام والمتغيرات وعمليات دقيقة محددة.

مع نيوتن وليبنيز - اللذين اكتشفا حساب التفاضل والتكامل في الوقت نفسه، مما أدى إلى منافسة شديدة بينهما - تبيّن أن العلاقة التبادلية بين الجبر والهندسة معقدة للغاية، مما مهّد الطريق لجعل الرياضيات أكثر ارتباطًا بالواقع؛ إذ اعتمدت آلاف التطبيقات العملية على اكتشافات حساب التفاضل والتكامل. باختصار، يُمثّل حساب التفاضل والتكامل الفهم الأساسي لعالم يتسم ظاهريًا بالفوضى العارمة.

يسعى علم الفيزياء، وبنجاحٍ كبير، إلى سد الفجوة بين الرياضيات البحتة كالجبر والهندسة وحساب المثلثات والتفاضل والتكامل، وبين حالات العالم الواقعي الناجمة عن الكيانات غير الكاملة. فبينما يحاول منظّرو الفوضى فصل المثالية (أي الرياضيات وقابلية تمثيلها رياضياً) عن الأحداث الملموسة، يقربنا علم الفيزياء أكثر فأكثر من الرياضيات؛ ويتقلص هامش الخطأ لدينا باستمرار، دون أن يختفي تماماً.

***

منهجية التجويع والعظمة، هي استراتيجية سياسية تستخدمها الحكومات عبر التاريخ لإخضاع الشعوب لسلطتهم وتحقيق الغاية الكبرى في تحويل الفرد إلى كلب جائع يطيع سيّده ليلقمه. من مظاهرها: شح الوظائف، غَلبة الدّين على الفرد، إتساع نفوذ المؤسسات المالية في القطاع المصرفي، غلاء المعيشة، إقتصاد هزيل ومشاريع آيلة للإنهيار. قابلية إنهيار الطبقة المتوسطة إلى ما دونها. وإرتفاع نسبة الفقر. كل هذا يصنع مجتمعا له وجهان متناقضان. وجه يمثّل الفرد الجائع الذي يصفّق ويسجد سجود الشكر ما إن يرى العظمة طوّحت له من بعيد. والوجه الآخر هو الذي قرر أن لا ينتظر العظمة ولكن يستهدف مانح العظمة! إما غدرا أو إحتيالا. كل ذلك يساهم في تفكيك النسيج الاجتماعي وولادة توترات أمنيّة ثم اتساع المسافة بين السلطة والمواطن حتى يتقازم المواطن ويصبح لا يُرى بالعين المجردة!.

تعد سياسة التجويع، بالمعنى المباشر والحقيقي للتجويع، من الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني، التي تؤدي إلى محاسبة المسؤولين عنها في المحاكم الدولية. كما حدث مؤخرا مع سكان قطاع غزة والعدو المحتل.

أما التعبير المجازي عن التجويع في سياق الحكومة والمواطن، فهو الذي يشير إلى الاستراتيجيات التي تستخدمها بعض الحكومات اليوم لإبقاء المواطنين راضين وممتنين تماما في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. إعتمادا على مبدأ "جوّع عدوك يركع". فهي لا تعتمد الجوع وقطع إمدادات الغذاء. ولكنها تتخذ شح العطاء لها طريقا لتمارس السيادة بشكلها التقليدي القديم الذي يتمثّل في تقرّب الشاعر المدّاح للأمير حتى يأمر له بكيسا من دنانير الذهب.

أما من لا يملك لسانا ماكرا. ولا من التملق والتقرب والمدح شيئا، فيترك لتلتهمه معاناة احتياجه اليومي من الأساسيات التي تمنّعت عنه ونفرت منه بمغالاتها في سعرها. هذا الذي لا لسان له، يرى من الفتات كرما عظيما قد جاد به العظام عليه. ومن هو ليُمنح من مكارم وعطايا الأمراء؟!

يأتي هذا الفتات في صور عدة: كالوعود الصغيرة، والمشاريع قصيرة الأمد، والمساعدات المحدودة التي تأتي على شكل عطايا كريمة من يد سخيّة. أيضا قد تكون على شكل إنجازات صغيرة أو تحسينات بسيطة في بعض القطاعات، يتم تسليط الضوء عليها بدلاً من معالجة القضايا الأساسية الكبرى مثل الفقر والبطالة.

كل هذا ما هو إلا فتات كما ذكرتُ سابقا. الفتات الذي يؤمّل متلقّيه أكثر مما يشبعه. وقد لا يزده إلا رهقا! لأنه غير كاف لحل المشاكل الأساسية، مما يجعل المواطن يشعر بالامتنان حتى وإن كانت العطايا لا تسد له حاجة.

ضمن إحدى حيل تطويع المواطن أيضا، هي أن يتم التعامل مع المواطن كطفل وجب إلهاؤه. وذلك باستخدام الإعلام أو الفعاليات الثقافية والترفيهية كوسيلة لإبعاد الانتباه عن القضايا الجوهرية التي تهم المواطنين. إضافة إلى تعزيز الشعور الوطني أو الهوية الثقافية، عن طريق خلق شعور بالانتماء السامي والفخر تجاه الوطن وقاداته رغم الظروف المعيشية الصعبة. وهذا بالطبع ما يساهم في إخماد أي نية للتذمر والشكوى. وقد يتجاوز شعور الوطنية والانتماء حتى يصل إلى عليا مقاماته. فيبدأ برفض أي شخص منتقِد واستنكار كل معارض لبعض الممارسات التي تساهم في توسيع رقعة الفقر ومعاناة المواطن. وأكثر ما يؤجج شعور الرضا والصمت، هو ممارسة الحكومات لأنواع مختلفة من تقنيات القمع. باستخدام القوانين أو السياسات التي تقيد حرية التعبير أو الاحتجاج، مما يمنع المواطنين من الإعراب عن تذمرهم.

تؤدي هذه الاستراتيجيات إلى خلق بيئة يشعر فيها المواطنون بالشكر والامتنان، بينما تُخفي الحقائق الصعبة التي يعيشونها. في النهاية، قد يؤدي هذا إلى استمرار السياسات غير العادلة، حيث يظل المواطنون غير قادرين على التعبير عن مطالبهم الحقيقية.

***

آية السيابي - كاتبة وروائية عُمانية

 

شهدت فنزويلا، الدولة الغنية بالموارد النفطية والواقعة في قلب أمريكا اللاتينية، واحدة من أعقد الأزمات السياسية والاقتصادية في العقود الأخيرة. ومع تصاعد التوترات الداخلية بين الحكومة والمعارضة، برز الدور الأمريكي كعامل خارجي مؤثر في مسار الأحداث. فمنذ بدايات القرن العشرين، ارتبطت السياسة الأمريكية في المنطقة بالسعي إلى حماية مصالحها الاستراتيجية وضمان تدفق الطاقة، وهو ما جعل فنزويلا ساحةً للصراع الجيوسياسي بين واشنطن وحلفائها من جهة، والقوى المناهضة لها من جهة أخرى.

لقد اتخذ التدخل الأمريكي في فنزويلا أشكالًا متعددة، تراوحت بين العقوبات الاقتصادية القاسية، والدعم السياسي والإعلامي للمعارضة، وصولًا إلى محاولات عزل النظام الفنزويلي على الساحة الدولية. هذه السياسات أثارت جدلًا واسعًا حول مفهوم السيادة الوطنية، وحدود النفوذ الخارجي، وتأثيرها المباشر على حياة الشعب الفنزويلي الذي وجد نفسه عالقًا بين أزمة داخلية خانقة وضغوط خارجية متزايدة.

إن دراسة هذا الموضوع لا تقتصر على تحليل العلاقة الثنائية بين واشنطن وكاراكاس، بل تمتد إلى فهم أعمق لطبيعة النظام الدولي، وصراع القوى الكبرى على الموارد، وكيفية انعكاس ذلك على استقرار الدول النامية. ومن هنا تأتي أهمية تناول التدخل الأمريكي في فنزويلا باعتباره نموذجًا حيًا لتشابك السياسة والاقتصاد والجغرافيا في عالمنا المعاصر.

وفي عصر يُفترض أن تكون فيه قيم "العالم المتحضر" مرادفًا للعدالة والحرية واحترام السيادة، يطلّ علينا مشهد التدخل العسكري الأمريكي لفنزويلا كواحد من أكثر الأمثلة فجاجة على التناقض بين الشعارات والممارسات. فما يُسمّى بالتدخل لحماية الديمقراطية أو الدفاع عن حقوق الإنسان سرعان ما ينكشف عن وجهه الحقيقي: التوحش السياسي والاقتصادي، حيث تُستباح سيادة الدول، وتُنهب ثرواتها، ويُفرض عليها حصار خانق يطال المواطن البسيط قبل أن يطال السلطة. إن هذا التوحش لا يقتصر على استخدام القوة العسكرية أو الاقتصادية، بل يمتد إلى فرض سرديات إعلامية مهيمنة تُشيطن الآخر وتُبرر التدخل، في مشهد يعكس أزمة أخلاقية عميقة في النظام الدولي المعاصر.

لقد تحوّل التدخل العسكري إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة، حيث تُستبدل لغة الحوار بلغة الإكراه، ويُستبدل منطق القانون الدولي بمنطق القوة العارية. وهنا تبرز مصطلحات مثل "التوحش الإمبراطوري"، "الهيمنة العارية"، و"الاستعمار الجديد" لتصف واقعًا يُعيد إلى الأذهان أكثر اللحظات قتامة في التاريخ الحديث. فبدل أن يكون العالم المتحضر نموذجًا للتعايش والعدالة، أصبح انعكاسًا لانهيار تلك القيم أمام جشع المصالح الاستراتيجية والاقتصادية.

إن تناول هذه قضية لفنزويلا لا يعني فقط الحديث عن بلد بعينه، بل هو حديث عن أزمة القيم العالمية، عن التناقض بين الخطاب الليبرالي الذي يرفع شعار الحرية والديمقراطية، وبين الممارسة الواقعية التي تُعيد إنتاج التوحش بأشكال جديدة. ومن هنا، يصبح السؤال الجوهري: كيف يمكن للعالم أن يدّعي التحضر وهو يمارس أبشع صور العدوان؟ وكيف يمكن أن تُبنى قيم إنسانية جامعة في ظل استمرار منطق القوة على حساب منطق العدالة؟

خلفيات التدخل العسكري الأمريكي لفنزويلا

لا يمكن فهم الغزو الأمريكي لفنزويلا دون العودة إلى الخلفيات السياسية والاقتصادية التي شكّلت أرضيته. فمنذ عقود، كانت فنزويلا واحدة من أهم الدول المنتجة للنفط في العالم، حيث تمتلك احتياطيًا يُعد الأكبر عالميًا، وهو ما جعلها دائمًا في قلب الصراع الدولي على الطاقة. ومع صعود التيارات اليسارية في الحكم، خصوصًا في عهد هوغو تشافيز ومن بعده نيكولاس مادورو، تبنّت فنزويلا خطابًا مناهضًا للهيمنة الأمريكية، قائمًا على فكرة الاستقلال الوطني، وتوزيع الثروة لصالح الفئات الشعبية، ودعم قضايا الجنوب العالمي وعلى رأسها القضية الفلسطينية. هذا التوجه مثّل تحديًا مباشرًا للمصالح الأمريكية التي اعتادت أن ترى أمريكا اللاتينية "حديقتها الخلفية".

الولايات المتحدة، التي ترفع شعار حماية الديمقراطية وحقوق الإنسان، سرعان ما وظّفت هذه الشعارات كغطاء لتبرير تدخلها في الشأن الفنزويلي. فكلما اشتدت الأزمة الاقتصادية الداخلية بفعل العقوبات والحصار، كانت واشنطن تُقدّم ذلك على أنه "دليل فشل النظام"، متجاهلة أن هذا الفشل هو نتيجة مباشرة لسياسات الخنق الاقتصادي التي فرضتها هي نفسها. وهكذا، تحوّل الخطاب المعلن إلى أداة لتشويه صورة فنزويلا أمام الرأي العام العالمي، بينما ظل الهدف الحقيقي هو السيطرة على مواردها النفطية وإعادة إدماجها في منظومة الهيمنة الأمريكية.

إن خلفيات الغزو تكشف عن مفارقة صارخة: فبينما يُقدَّم التدخل على أنه دفاع عن الديمقراطية، فإن الواقع يُظهر أنه دفاع عن مصالح استراتيجية واقتصادية بحتة. ففنزويلا لم تكن مجرد دولة "مارقة" في نظر واشنطن، بل كانت نموذجًا مقلقًا لإمكانية بناء مشروع مستقل في الجنوب العالمي، مشروع يرفض الخضوع للهيمنة ويبحث عن بدائل في التعاون مع قوى أخرى مثل روسيا والصين. وهذا ما جعلها هدفًا دائمًا لمحاولات الإطاحة بالنظام، سواء عبر العقوبات الاقتصادية، أو عبر دعم المعارضة الداخلية، أو عبر التهديد المباشر بالتدخل العسكري.

إن هذا المحور يوضح أن الغزو الأمريكي لفنزويلا ليس وليد لحظة، بل هو امتداد لتاريخ طويل من التدخلات في أمريكا اللاتينية، حيث تتكرر ذات السيناريوهات: شيطنة الأنظمة المستقلة، حصار اقتصادي، دعم حركات معارضة، ثم محاولة فرض واقع جديد يخدم مصالح واشنطن. ومن هنا، يصبح الغزو الفنزويلي حلقة جديدة في سلسلة التوحش الإمبراطوري الذي يعيد إنتاج الاستعمار بأدوات حديثة، ويكشف عن أزمة أخلاقية عميقة في النظام الدولي.

مفهوم التوحش الإمبراطوري والمصطلحات المرتبطة به

حين نتأمل التدخل العسكري الأمريكي لفنزويلا، لا يمكننا أن نكتفي بوصفه مجرد تدخل سياسي أو اقتصادي، بل هو تجسيد حيّ لما يمكن أن نسميه التوحش الإمبراطوري. هذا المفهوم لا يقتصر على استخدام القوة العسكرية المباشرة، بل يشمل منظومة كاملة من السياسات التي تُعيد إنتاج الاستعمار بأدوات جديدة: العقوبات الاقتصادية، الحصار المالي، الحرب الإعلامية، والدعم الخفي للمعارضة الداخلية. إن التوحش هنا ليس مجرد فعل عدواني، بل هو استراتيجية ممنهجة تهدف إلى إخضاع الدول المستقلة وإعادة دمجها في منظومة الهيمنة العالمية.

ولعل أبرز المصطلحات التي تساعدنا على فهم هذا الواقع:

ـ التوحش الإمبراطوري: يعكس استخدام القوة العارية دون اعتبار للقانون الدولي أو القيم الإنسانية، حيث تصبح مصالح القوى الكبرى هي المعيار الوحيد.

ـ الاستعمار الجديد: يصف آليات السيطرة الحديثة التي لا تعتمد على الاحتلال المباشر، بل على أدوات اقتصادية وإعلامية وسياسية تُحقق نفس الهدف: إخضاع الشعوب ونهب الموارد.

ـ الهيمنة العارية: تعبير عن لحظة سقوط الأقنعة، حين تُكشف الشعارات الديمقراطية والإنسانية عن حقيقتها كغطاء لمصالح استراتيجية واقتصادية.

ـ الشرعية المفقودة: مصطلح يصف حالة النظام الدولي حين يفقد قدرته على إقناع الشعوب بشرعيته، لأنه يمارس التوحش باسم القيم التي يدّعي الدفاع عنها.

إن هذه المصطلحات ليست مجرد أدوات لغوية، بل هي مفاتيح لفهم طبيعة النظام العالمي الراهن، الذي يُعيد إنتاج التوحش بأشكال أكثر تعقيدًا ودهاء. فالغزو الأمريكي لفنزويلا يكشف أن العالم المتحضر لم يعد قادرًا على إخفاء تناقضاته، وأن القيم التي يرفعها باتت مجرد شعارات تُستخدم لتبرير العدوان.

إن الحديث عن التوحش الإمبراطوري هو في جوهره حديث عن أزمة أخلاقية عالمية، حيث يُستبدل منطق العدالة بمنطق القوة، ويُستبدل القانون الدولي بمصالح الشركات الكبرى والدول المهيمنة. وهنا يصبح السؤال: هل يمكن للعالم أن يستمر في ادعاء التحضر بينما يمارس أبشع صور التوحش؟

انعكاسات الغزو على فنزويلا داخليًا

التدخل العسكري الأمريكي لفنزويلا لم يكن مجرد حدث سياسي على مستوى العلاقات الدولية، بل ترك بصماته العميقة على الداخل الفنزويلي، حيث تحوّل البلد إلى ساحة اختبار قاسية لسياسات الحصار والتجويع. فالعقوبات الاقتصادية التي فُرضت على الدولة لم تستهدف النظام وحده، بل أصابت المواطن البسيط في صميم حياته اليومية: نقص في الغذاء، ندرة في الأدوية، انهيار في قيمة العملة، وتراجع في القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة. وهكذا، أصبح الشعب الفنزويلي يعيش تحت ضغط مزدوج: أزمة داخلية خانقة، وتدخل خارجي يضاعف من معاناته.

على المستوى السياسي، أدّى التدخل الأمريكي إلى إضعاف المؤسسات الديمقراطية، حيث تحوّل الصراع الداخلي إلى ساحة مفتوحة للتجاذبات بين السلطة والمعارضة، مدعومة من الخارج. هذا الانقسام أضعف الثقة في العملية السياسية، وأدخل البلاد في حالة من الاستقطاب الحاد الذي جعل أي مشروع إصلاحي أو حوار وطني شبه مستحيل. إن الديمقراطية التي يُفترض أن تُبنى على الحوار والشرعية الشعبية، تحولت إلى أداة ضغط تُستخدم لتبرير التدخل الخارجي، ما أفقدها معناها الحقيقي.

أما على المستوى الاجتماعي، فقد انعكس الغزو في شكل تفكك النسيج المجتمعي، حيث ارتفعت معدلات الهجرة واللجوء، وازدادت الفوارق الطبقية بشكل صارخ. المواطن الفنزويلي، الذي كان يحلم بمشروع وطني مستقل قائم على العدالة الاجتماعية، وجد نفسه أمام واقع قاسٍ يفرض عليه الاختيار بين البقاء في وطن ينهكه الحصار، أو الهجرة بحثًا عن حياة أكثر استقرارًا. هذا الواقع خلق حالة من الإحباط الجماعي، وأضعف الروح الوطنية التي كانت تشكّل ركيزة أساسية في مشروع فنزويلا المستقلة.

إن انعكاسات الغزو داخليًا تكشف أن التوحش الإمبراطوري لا يكتفي بإضعاف الدولة، بل يستهدف المجتمع نفسه، عبر ضرب مقومات الحياة اليومية، وإضعاف الثقة في المؤسسات، وتفكيك الروابط الاجتماعية. وهكذا، يصبح المواطن البسيط هو الضحية الأولى والأخيرة، في مشهد يعكس بوضوح أن الغزو ليس مجرد صراع على السلطة، بل هو حرب على الإنسان ذاته.

انعكاسات الغزو على النظام الدولي

هذا التدخل الأمريكي لم يكن مجرد حدث محلي يخص دولة واحدة، بل شكّل صدمة للنظام الدولي بأسره، لأنه كشف عن هشاشة القيم التي يُفترض أن تحكم العلاقات بين الدول. فحين تُستباح سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وتُفرض عليها عقوبات خانقة، ويُهدَّد نظامها السياسي بالتفكيك، فإن ذلك يعني أن القانون الدولي لم يعد المرجعية العليا، بل أصبح مجرد أداة تُستخدم حين تخدم مصالح القوى الكبرى، وتُهمل حين تتعارض معها.

لقد أدى هذا الغزو إلى تآكل الثقة في المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن، حيث بدا واضحًا أن هذه المؤسسات عاجزة عن حماية الدول الضعيفة أمام تغوّل القوى العظمى. وهكذا، تحوّل النظام الدولي من فضاء يُفترض أن يقوم على العدالة والتوازن، إلى ساحة مفتوحة لمنطق القوة، حيث يُملى على الشعوب مصيرها وفقًا لمصالح الشركات الكبرى والدول المهيمنة.

كما أن الغزو الأمريكي لفنزويلا عزّز منطق الاستقطاب العالمي، حيث وجدت قوى مثل روسيا والصين نفسها مضطرة إلى التدخل لدعم فنزويلا، ليس فقط دفاعًا عن حليف، بل أيضًا لمواجهة التمدد الأمريكي الذي يهدد مصالحها الاستراتيجية. هذا الاستقطاب أعاد إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة، لكنه هذه المرة يتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل القوة العسكرية مع الاقتصاد والإعلام والتكنولوجيا.

الأخطر من ذلك أن الغزو كشف عن أزمة أخلاقية عالمية: كيف يمكن للعالم أن يدّعي التحضر وهو يمارس أبشع صور التوحش؟ كيف يمكن أن تُبنى قيم إنسانية جامعة في ظل استمرار هذا الانهيار الأخلاقي؟ إن ما حدث في فنزويلا يطرح سؤالًا وجوديًا حول مستقبل النظام الدولي: هل نحن أمام عالم متعدد الأقطاب قادر على إعادة التوازن، أم أمام استمرار هيمنة إمبراطورية تُعيد إنتاج الاستعمار بأدوات جديدة؟

انعكاسات الغزو على العالم العربي والعالم الثالث

لا يمكن عزل التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا عن السياق الأوسع لتجارب العالم العربي والعالم الثالث، حيث تتكرر ذات السيناريوهات وإن اختلفت الجغرافيا. فالمشهد الفنزويلي يعيد إلى الأذهان ما حدث في العراق وليبيا، حين تحولت شعارات "حماية الديمقراطية" و"إنقاذ الشعوب" إلى أدوات لتبرير التدخل العسكري والاقتصادي، وانتهت إلى تدمير البنية التحتية، وتفكيك الدولة، وإغراق المجتمعات في الفوضى. هذه التجارب تكشف أن التوحش الإمبراطوري ليس استثناءً، بل هو قاعدة تُمارس كلما حاولت دولة أن تخرج من دائرة الهيمنة وتبني مشروعًا مستقلًا.

في العالم العربي، انعكست هذه السياسات في شكل أزمات متلاحقة: انهيار دول، تفكك مجتمعات، وتراجع الوعي الجمعي أمام سطوة الإعلام المهيمن الذي يُعيد إنتاج الرواية الغربية. وهكذا، يصبح الغزو الأمريكي لفنزويلا رسالة واضحة إلى كل دول الجنوب العالمي: أي محاولة للاستقلال السياسي أو الاقتصادي ستُواجه بالقوة، سواء عبر العقوبات أو عبر التدخل المباشر.

أما في العالم الثالث عمومًا، فقد عزّز هذا الغزو منطق المقاومة والرفض، حيث باتت الشعوب ترى في فنزويلا نموذجًا لصمود الدولة المستقلة أمام التوحش الإمبراطوري، تمامًا كما رأت في العراق وليبيا وسوريا نماذج لأثمان الاستقلال حين يُواجه بالقوة. هذا الوعي الجديد يُعيد إنتاج خطاب عالمي مضاد للهيمنة، خطاب يربط بين قضايا الجنوب من فلسطين إلى فنزويلا، ويؤكد أن المعركة ليست محلية، بل هي معركة إنسانية ضد نظام دولي فقد شرعيته الأخلاقية.

إن انعكاسات الغزو على العالم العربي والعالم الثالث تكشف أن القضية ليست مجرد صراع على النفط أو الموارد، بل هي صراع على الحق في الوجود المستقل، على حق الشعوب في أن تختار مصيرها دون وصاية أو إكراه. وهكذا، يصبح الغزو الفنزويلي جزءًا من معركة كبرى تُخاض في الجنوب العالمي ضد التوحش الإمبراطوري، معركة تُعيد طرح السؤال الجوهري: هل يمكن للعالم أن يبني نظامًا دوليًا قائمًا على العدالة، أم أن منطق القوة سيظل هو الحاكم الأوحد؟

البعد الأخلاقي والقيمي

إن أخطر ما يكشفه التدخل الأمريكي في فنزويلا ليس فقط حجم التدمير الاقتصادي والاجتماعي الذي خلّفه، بل انهيار صورة "العالم المتحضر" أمام أعين الشعوب. فحين تُرفع شعارات الحرية والديمقراطية لتبرير التوحش، وحين يُستبدل القانون الدولي بمنطق القوة العارية، يصبح السؤال الأخلاقي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: ما جدوى القيم إذا كانت تُستخدم كغطاء للعدوان؟

لقد أظهر هذا التدخل أن القيم العالمية التي يُفترض أن تكون مرجعية إنسانية مشتركة – كالعدالة، المساواة، احترام السيادة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها – قد تحولت إلى أدوات انتقائية تُستخدم حين تخدم مصالح القوى الكبرى، وتُهمل حين تتعارض معها. وهكذا، فقد النظام الدولي شرعيته الأخلاقية، لأن الشعوب باتت ترى في هذه القيم مجرد شعارات فارغة تُخفي وراءها أطماعًا اقتصادية واستراتيجية.

إن البعد الأخلاقي في هذه القضية يتجاوز فنزويلا ليطال صورة العالم بأسره. فحين يُمارس التوحش باسم التحضر، وحين يُستباح الإنسان باسم حقوق الإنسان، فإن ذلك يعني أن الإنسانية نفسها باتت في أزمة. لقد أصبحنا أمام مفارقة صارخة: عالم يملك كل أدوات القوة والتكنولوجيا، لكنه يفقد القدرة على بناء منظومة قيمية جامعة. وهذا الانهيار الأخلاقي هو ما يهدد مستقبل البشرية أكثر من أي أزمة اقتصادية أو سياسية.

إن التدخل الأمريكي لفنزويلا يعيد طرح سؤال وجودي: هل يمكن للعالم أن يستمر في ادعاء التحضر بينما يمارس أبشع صور التوحش؟ وهل يمكن أن تُبنى قيم إنسانية جامعة في ظل استمرار هذا الانهيار الأخلاقي؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تخص فنزويلا وحدها، بل تخص كل شعوب الجنوب العالمي، وكل من يؤمن أن العدالة لا يمكن أن تُختزل في مصالح القوى الكبرى.

الاختبار الأخلاقي للنظام الدولي

إن الغزو الأمريكي لفنزويلا ليس مجرد حدث سياسي عابر، بل هو علامة فارقة تكشف عن طبيعة النظام الدولي في لحظته الراهنة، حيث تتعرّى الشعارات البراقة وتنكشف خلفها حقيقة التوحش الإمبراطوري. لقد رأينا كيف تحوّلت قيم الحرية والديمقراطية إلى أدوات لتبرير العدوان، وكيف استُبدل القانون الدولي بمنطق القوة العارية، وكيف أصبح المواطن البسيط هو الضحية الأولى والأخيرة في معركة لا تخصه، لكنها تُفرض عليه باسم حماية حقوقه.

إن انعكاسات هذا الغزو داخليًا على فنزويلا كانت كارثية: حصار اقتصادي خانق، انهيار اجتماعي، تفكك سياسي، وهجرة جماعية. وخارجيًا، كشف الغزو عن أزمة أخلاقية عالمية، حيث فقدت المؤسسات الدولية شرعيتها، وتحوّل العالم المتحضر إلى صورة مشوهة لانهيار القيم أمام جشع المصالح. لقد أصبحنا أمام نظام دولي يُدار بمنطق الاستعمار الجديد، حيث تُستباح الدول المستقلة، وتُنهب مواردها، وتُفرض عليها وصاية لا تختلف في جوهرها عن وصاية القرون الماضية.

أما بالنسبة للعالم العربي والعالم الثالث، فإن الغزو الفنزويلي يعيد إلى الأذهان تجارب العراق وليبيا وسوريا، ويؤكد أن أي محاولة للاستقلال السياسي أو الاقتصادي ستُواجه بالتوحش ذاته. وهكذا، يصبح المشهد الفنزويلي جزءًا من معركة كبرى يخوضها الجنوب العالمي ضد الهيمنة، معركة لا تخص دولة بعينها، بل تخص حق الشعوب في تقرير مصيرها، وفي بناء مشروع حضاري مستقل بعيدًا عن وصاية القوى الكبرى.

إن البعد الأخلاقي لهذه القضية هو الأكثر خطورة، لأنه يكشف أن الإنسانية نفسها باتت في أزمة. فحين يُمارس التوحش باسم التحضر، وحين يُستباح الإنسان باسم حقوق الإنسان، فإن ذلك يعني أن القيم العالمية لم تعد قادرة على حماية الشعوب، بل تحولت إلى أدوات لتبرير العدوان. ومن هنا، يصبح السؤال الجوهري: هل يمكن للعالم أن يستمر في ادعاء التحضر بينما يمارس أبشع صور التوحش؟ وهل يمكن أن تُبنى قيم إنسانية جامعة في ظل استمرار هذا الانهيار الأخلاقي؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا تخص فنزويلا وحدها، بل تخص مستقبل البشرية بأسره. فالتدخل في فنزويلا ليس مجرد صراع على النفط أو السلطة، بل هو اختبار حقيقي للقيم العالمية، اختبار يكشف أن العالم المتحضر يقف اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يُعيد بناء نظام دولي قائم على العدالة والإنصاف، وإما أن يستمر في إنتاج التوحش الإمبراطوري الذي يهدد وجود الإنسانية نفسها.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

التقييم الإجتماعي: تابع الجميع وبكل اسف جريمة هتك عرض وحشية هزت الضمير العراقي اثناء احتفالات اعياد الميلاد نالت من صبية مستورة من بنات العراق، وأثارت الرأي العام في عموم العراق، حيث تعد من الجرائم النادرة بالصيغة التي وقعت فيها من حيث العدد وظروف الزمان والمكان.

وجندت الأجهزة الأمنية كل طاقاتها لكشف الجناة والذي اسفر على اعتقال عدد كبير منهم قبل مرور 24 ساعة على ارتكاب الفعل وهي جهود مشكورة تؤكد تصاعد القدرات الأمنية وخبرتها في كشف الجرائم. ومع ذلكِ تبقى الوقايةِ خير من العلاج.

ورغم ان جريمة هتك العرض تقع في كل انحاء العالم، لذلك نصت عليها جميع القوانين المقارنة في شرق المعمورة وغربها، ومع اجراء التحديثات والتعديلات التي تلائم التطور التكنلوجي وخاصةً جرائم الانترنيت.

إلا أنه وكما يقال (عدوك قبال عينك) حاول بعض المغرضين استغلالها للنيل من كرامة اهلنا في البصرة الفيحاء، الذين عرفوا منذ القدم بتمسكهم بالقيم الخلقية والإسلامية، كما وحاول بعض المرتزقين من الطائفية تجيرها ضد طائفة معينة وكأن الجريمة تقع لاول مرة ولم يسمعوا بها من قبل.

الا ان تكرارها يدعونا الى اتخاذ المزيد من الإجراءات الاحترازية في أماكن التجمعات العامة من الناحية الأمنية والإجتماعية ولاشك ان للتوعية الأسرية والتعليمية والدينية اثر بالغ على نمو ثقافة التعايش الآمن والسلمي بين المواطنين، خاصة وإن جريمة هتك العرض محرمة دينياً واجتماعياً وإنسانياً قبل ان يجرمها القانون الوضعي.

هتك العرض فقهاً

تعريف جريمة هتك العرض

هتك العرض هو فعل مادي منافٍ للآداب يقع مباشرة على جسم المجني عليه (ذكر أو أنثى) دون أن يصل إلى حد المواقعة (الاغتصاب)، ولاينزل الى مجرد التحرش اللفظي وخدش الحياء. اذا يتضمن مثلاً لمس العورات أو تمزيق ملابس الضحية وإجباره على التعري، ويتم بالإكراه (سواء كان الاكراه مادياً، او معنوياً) أو باستخدام الحيلة والابتزاز، وهو ما يجعل السلوك جناية أخطر من جريمتي التحرش والفعل الفاضح.

أركان جريمة هتك العرض:

الركن المادي: هو أي فعل مادي يخدش الحياء الشخصي والعام ويمس جسم المجني عليه مثل لمس المناطق الحساسة، التقبيل او الحضن باستخدام القوة، وكذلك تمزيق الملابس، وكشف العورات الجسدية ولكن لا يشترط لمس العورة بالضرورة، بل يكفي فعل فاضح يمس جسم الضحية.

ركن الإكراه: يجب ان الفعل اكراهاً لا رضائيا لأن الرضا يخرج الفعل من نطاق جريمة هتك العرض إلى نطاق جريمة الفعل الفاضح.

فيجب يجب أن يقع الفعل بالإكراه المادي (استخدام العنف من فرد او جماعة)، أو المعنوي (التهديد والابتزاز)، أو بإستخدام الحيلة والخداع، سواء بشكل مباشر او من خلال الانترنيت ومواقع التواصل الإجتماعي.

القصد الجنائي: يجب أن يقصد الجاني ارتكاب الفعل مع علمه بأنه مخل بالحياء ومجرم قانوناً، وأركان القصد الجنائي (الركن المعنوي) هما العلم والإرادة، حيث يجب أن يعلم الجاني بجميع عناصر الجريمة (الفعل المادي المكون لها ومخالفتها للقانون) وأن تتجه إرادته إلى ارتكاب هذا الفعل وتحقيق نتيجته الضارة، وهو أساس الجرائم العمدية التي تختلف عن الجرائم غير العمدية (التي تقوم على الخطأ) ولا عقاب إلا بفعل مقصود. وتنتفي النية في حالات التلامس غير المقصود في حالات الازدحام أو الخطأ.

وينص قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 على عقوبات صارمة لجريمة هتك العرض كما هو الحال في قوانين الدول الأخرى.

وتختلف العقوبات المترتبة على الفعل الجرمي بإختلاف ظروف الجريمة، مثل عمر الضحية، واستخدام القوة أو التهديد، ووجود أي علاقة سلطة بين الجاني والضحية.

2. الظروف المشددة

أ- اذا كان الضحية قاصراً.

ب- اذا كان الجاني من اقارب المجنى عليه الى الدرجة الثالثة او كان من المتولين تربيته او ملاحظته او ممن له سلطة عليه او كان خادما عنده او عند احد ممن تقدم ذكرهم.

ج- اذا كان الفاعل من الموظفين او المكلفين بخدمة عامة او من رجال الدين او الاطباء واستغل مركزه او مهنته او الثقة به.

د- اذا ساهم في ارتكاب الفعل شخصان فاكثر تعاونوا في التغلب على مقاومة المجنى عليه او تعاقبوا على ارتكاب الفعل.

ه- اذا كانت المعتدى عليها انثى وازيلت بكارتها.

و- اذا اصيب المجني عليه بمرض نتيجة الفعل.

ز- اذا افضى الفعل الى موت المجني عليه.

الحد الأقصى والحد الأدنى للعقوبة

قد تصل العقوبة إلى السجن المؤبد إذا اقترنت الجريمة بظروف مشددة.

في الحالات الأقل خطورة، قد تتراوح العقوبة بين السجن لعدة سنوات والغرامة.

مقارنات ببن جربمة هتك العرض وجرائم لااخلاقية اقل خطورة:

1- الفعل الفاضح المخل بالحياء

ويشمل كل سلوك يسيء إلى الشعور العام بالحياء كتقبيل امرأة او احتضانها في الطريق العام، علماً ان الفعل الفاضح المخل بالحياء قد يقع على جسم غيره ومن الممكن ايضاً ان يقع على جسمه نفسه ومثال الاخير عرض اجزاء من الجسم تعد عورة في دلالتها الاجتماعية.

ويعاقب القانون العراقي على هذه الجريمة وفق المادة (400) من قانون العقوبات العراقي، وتُعتبر من جرائم الجنح.

2- التحرش اللفظي او السلوكي

التحرش هو كل سلوك أو قول أو فعل مخل بالحياء، يصدر من شخص تجاه آخر، يؤدي إلى شعور الضحية بالخجل والإهانة أو الخوف. كالألفاظ القبيحة والمسيئة والإشارات المستفزة او الملاحقة المضايقة، او اللمس.

وقد يحصل من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والرسائل النصية او التحرش في مواقع العمل*

وقد نصت عليها المادة (402) عقوبات عراقي

والمادة (10) من قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015.

3- اللواط

أن هتك العرض يتفق مع اللواط بأنه يقع على الذكر أو الأنثى، ولكن يختلفان أن الفاعل في جريمة اللواط يكون ذكرا، بينما في جريمة هتك العرض قد يكون الفاعل ذكـرا أو أنثى وعلى ذلك يمكـن أن تقع جريمة هتك العـرض مـن ذكر على ذكر أو من أنثى على أنثى أو من ذكر على أنثى، أو من أنثى على ذكر .

فضـلا عـن ذلك أن فعل هتك العرض يقع مباشرة على جسم الغير ويشمل اعتداءاً جسيماً ولكن لا يصل إلى دوجة الوقاع أو اللواط المواد (493 -394) عقوبات عراقي.

هتك العرض قانوناً

(النصوص المعاقبة على جريمة هتك العرض)

لقد أورد قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 الاعتداء على العرض أو هتك العرض في الفصل الأول من الباب التاسع (الجرائم المخلة بالأخلاق والآداب العامة) حيث جاء عنوان الفصل (الاغتصاب واللواط وهتك العرض في المواد من 393 - 398)

وقدنصت المادة (396) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل على انه:

‏ (1 - يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سبع سنوات او بالحبس من اعتدى بالقوة او التهديد او بالحيلة او بأي وجه آخر من اوجه عدم الرضا على عرض شخص ذكرا او انثى او شرع في ذلك.

2 - فاذا كان من وقعت عليه الجريمة لم يبلغ من العمر ثماني عشرة سنة او كان مرتكبها ممن اشير اليهم في الفقرة (2) من المادة 393 تكون العقوبة السجن مدة لا تزيد على عشر سنين)

(شددت العقوبة المنصوص عليها في المادة 396 الى السجن لمدة خمس عشرة سنة بموجب الأمر رقم 31 القسم 3 الفقرة 2 المؤرخ في 13 ايلول 2003 الصادر عن المدير الاداري لسلطة الائتلاف المؤقتة).

علماً ان المادة 393 منه قد نصت على انه:

1 – يعاقب بالسجن المؤبد او المؤقت كل من واقع انثى بغير رضاها او لاط بذكر او انثى بغير رضاه او رضاها.

2 – يعتبر ظرفا مشددا اذا وقع الفعل في احدى الحالات التالية:

ا – اذا كان من وقعت عليه الجريمة لم يبلغ الثامنة عشرة سنة كاملة.

ب – اذا كان الجاني من اقارب المجنى عليه الى الدرجة الثالثة او كان من المتولين تربيته او ملاحظته او ممن له سلطة عليه او كان خادما عنده او عند احد ممن تقدم ذكرهم.

ج – اذا كان الفاعل من الموظفين او المكلفين بخدمة عامة او من رجال الدين او الاطباء واستغل مركزه او مهنته او الثقة به.

د – اذا ساهم في ارتكاب الفعل شخصان فاكثر تعاونوا في التغلب على مقاومة المجنى عليه او تعاقبوا على ارتكاب الفعل.

هـ - اذا اصيب المجنى عليه بمرض تناسلي نتيجة ارتكاب الفعل.

و – اذا حملت المجنى عليها او ازالت بكارتها نتيجة الفعل.

3 – واذا افضى الفعل الى موت المجنى عليه كانت العقوبة السجن المؤبد.

4 – واذا كانت المجنى عليها بكرا فعلى المحكمة ان تحكم لها بتعويض مناسب.

ملاحظة: راجع امر سلطة الائتلاف رقم 31 القسم 3 الفقرة 2 المؤرخ في 13 ايلول 2003 والذي نص على (1- تعدل العقوبات المفروضة على مرتكبي جرائم الاغتصاب والاعتداء الجنسي المنصوص عليها في المادة 393 من قانون العقوبات بغية فرض العقوبة القصوى بالسجن مدى الحياة على المدانين بارتكان تلك الجرائم. لا يطبق التقييد على فرض العقوبة القصوى المنصوص عليها في المادة 87 من قانون العقوبات على الجرائم المحددة في المادة رقم 393. ويعني الحكم بالسجن مدى الحياة. لاغراض هذا التعديل، بقاء الشخص المعني في السجن طوال سنوات حياته الطبيعية التي تنتهي بوفاته.)

اما المادة 397 منه فقد نصت على انه؛

(يعاقب بالحبس من اعتدى بغير قوة او تهديد او حيلة على عرض شخص ذكرا او انثى ولم يتم الثامنة عشرة من عمره.

فاذا كان مرتكب الجريمة ممن اشير اليهم في الفقرة 2 من المادة 393 تكون العقوبة السجن مدة لا تزيد على سبع سنوات او الحبس).

*وفي قانون العقوبات العراقي نصت المادة (402) (يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة اشهر وبغرامة لا تزيد على ثلاثين دينارا او باحدى هاتين العقوبتين:

ا – من طلب امورا مخالفة للآداب من اخر ذكرا كان او انثى.

ب – من تعرض لانثى في محل عام باقوال او افعال او اشارات على وجه يخدش حياءها.

2 – وتكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على ستة اشهر والغرامة التي لا تزيد على مائة دينار اذا عاد الجاني الى ارتكاب جريمة اخرى من نفس نوع الجريمة التي حكم من اجلها خلال سنة من تاريخ الحكم السابق).

وفي قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015 نص على تجريم أي سلوك مهين أو مسيء في بيئة العمل، حيث نصت المادة (10) منه على انه:

(اولا: يحظر هذا القانون التحرش الجنسي في الاستخدام والمهنة سواء كان على صعيد البحث عن العمل او التدريب المهني او التشغيل او شروط وظروف العمل

ثانيا: يحظر هذا القانون اي سلوك اخر يؤدي الى انشاء بيئة عمل ترهيبية او معادية او مهينة لمن يوجه اليه هذا السلوك

ثالثا: يقصد بالتحرش الجنسي وفق احكام هذا القانون اي سلوك جسدي او شفهي ذو طبيعة جنسية او اي سلوك اخر يستند الى الجنس ويمس كرامة النساء والرجال ويكون غير مرغوب وغير معقول ومهينا لمن يتلقاه. ويؤدي الى رفض اي شخص او شخص او عدم خضوعه لهذا السلوك، صراحة او ضمنا، لاتخاذ قرار يؤثر على وظيفته).

اقتراحات

نقترح ان تكون محاكمة هؤلاء الشباب علنية او تقديم موجز فديوي عنها ليشعر الجميع بوقع القانون والقضاء على هذه السلوكيات المنحرفة كما هو متبع في اغلب دول العالم وخاصة القضاء المصري.

***

فارس حامد عبد الكريم

كتبتُ أكثر مِن مقال عن تمثيل التاريخ، وكتابته أدباً، مما يفرض على كاتب السيناريو أو مؤلف العمل الأدبيّ، التشويق لجذب المشاهدين والقراء، وهذا ليس عملاً مرفوضاً في السينما والأدب، لكن لا يصلح مصدراً يُحتج به، فهناك أمهات التَّاريخ والمؤلفات فيه، وهي مِن الكثرة قد لا تُعد ولا تحصى، وليس كلّ ما جاء فيها صحيحاً، وتبقى أمانة المؤرخ أو المؤلف في التَّاريخ المقابلة بين الروايات لترجيح واحدة منها، بعد مقابلتها، وهذا ما فعله محمّد بن جرير الطَّبريّ (310 هـ)، يأتي بالروايات مِن عدة رواة ومظان. كان لهذا المقال سبب، ليس الرغبة في الإعادة والتَّذكير، إنما للردود التي تناولته، أحدها كان مقال «سَيْف ذو الفَقَار.. هدايا ونُصب»، بعد أنَّ صار هذا السَّيف مادة للحديث والمناقشة، عندما قُدم هدية لوزير الدِّفاع الأميركي رامسفيلد، وبصورته، التي تخالف ما جاء عند المؤرخين سُنَّة وشيعة.

جاء ذِكر هذا السّيف، في كتب التَّاريخ كافة، كان غنيمة مِن معركة «بدر» (2هـ)، فصار للنبي، ثم أهدي للإمام عليٍّ بن أبي طالب، وظل يتداول بين أجيال العلويين، امتلكه حفيد الحسن بن عليٍّ محمَّد النَّفس الزَّكية (145هـ)، ثم استأثر به الخلفاء العباسيون، ونعثر على آخر أخباره عند هارون الرَّشيد (193هـ) (الطَّبري، تاريخ الرّسل والملوك)، بعدها غاب ذكره تماماً، ليظهر مرسوماً برأسين أو شفرتين.

أما محمَّد باقر المجلسيّ (1111هـ)، فقال انتهى السّيف عند المهدي المنتظر، ولم يزد في وصفه بأكثر مما رواه الطبريّ وبقية المؤرخين، سمي بذي الفقار لفقرات فيه لا شفرتان (بحار الأنوار).

فصورةَ السَّيف المنتشرة في تماثيل ومصورات ومداليات، تُخالف الوصف الذي اِتَّفق عليه المؤرخون الأوائل، فقد كان محلى بثماني عشرة فقرة، ولم يتحدث أحدٌ عن شفرتين في طرفه، ومعلوم أنَّ النزاعات الطّائفيّة استغلت ورتبت وقائع وأحداثاً فيها الغلو والتَّطرف، ليظهر رأس «ذو الفقار» بخنجر أبي لؤلؤة (قُتل 23هـ)، ليظهر عمر بن الخطاب مقتولاً بسيف عليّ! كان هذا العمل (المحترف) مِن قِبل أسرة ادعت أنها تنتسب إلى أبي لؤلؤة، فجعلوا له مزاراً، وسموه «بابا شِجاع الدِّين»، حتّى ألغي مِن قِبل السلطات الإيرانيَّة بعد الثَّورة.

غير أنَّ الغاضبين على ما كتبته، ظنوا أن المقال يلغي وجود «سيف ذي الفقار»، وعلاقته بعلي، فاحتجوا بمخرج فيلم الرّسالة مصطفى العقاد، فقد أظهر السيف، الذي بيد عليّ بشفرتين، فكيف يكون مزوراً برأسي خنجر أبي لؤلؤة؟

وبالعبارة ذكر أكثر مِن واحد: «هل أنت تعلم في التاريخ أكثر مِن العقاد»؟ نعم، فالعقاد ليس مؤرخاً لا باحثاً يهمه تحقيق الرواية، ومقابلتها، بقدر ما يهمه عمله الفني، وقد أسهم في تداول الخطأ، وقيل «خطأ شائع خير مِن صواب ضائع». فلو اطلع على الرواية التّاريخيَّة، وترك عنصر التشويق، لأظهر «ذو الفقار» بفقراته التي على ظهره، وأخذ منها الاسم، لا بشفرتي «خنجر أبي لؤلؤة»، ولطابق النص مع رواية التاريخ المعتمدة، التي جاءت في معركة أُحد (3هـ)، وما قيل وقتها: «لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي» (ابن هشام، السيرة)، وهناك مَن يعتبرها رواية موضوعة، لكنها كانت معركة حاسمة، خسر فيها المسلمون، ولا يستبعد مثل هذا النداء لإثارة الحماس.

ما يعنينا مِن هذا التصويب، ما قصد إليه مَن ألبس رسمة سيف عليّ رسمة خنجر قاتل عمر، وكم كان مِن الحذاقة في إشاعة هذا الوهم، فتراه أعاد كتابة التَّاريخ، ليحقق مقولة «خطأ شائع خير مِن صواب ضائع»، حتَّى صار الخطأ الضار جداً، يتداول هدايا وأوسمة، وهنا أقر أنّ العقاد غلبني، فهو أخذ بالخطأ الشائع، وأنا أخذتُ بالصواب الضائع أو المهجور.

***

د. رشيد الخيّون - كاتب عراقي

في السنوات الأخيرة، لم تعد قضية اللجوء مجرّد ملف إنساني يطفو على سطح نشرات الأخبار كلما تجددت الحرب أو اشتدّت الأزمات، بل غدت مساحةً ثقافية وسياسية معقدة، يتداخل فيها البُعد الرمزي مع اليومي، ويقترن فيها الألم بالتخييل، وتنهض فيها أسئلة الهوية والاندماج والتمثيل جنباً إلى جنب مع أسئلة السلطة والمشاركة والفاعلية. فقد تحوّل اللاجئ، في كثير من الخطابات السائدة، إلى رمزٍ للعجز، وإلى مرآة تعكس هشاشة العالم الحديث وعدم قدرته على منع الانهيارات، غير أنّ هذه المرآة تحمل أيضاً قدرة على إعادة تشكيل العلاقة بين الثقافة والسياسة، بين من يروي الحكاية ومن يُروى عنه، بين مركزية الصوت وغربته. هنا تحديداً يتبدّى التحوّل: من سردية المعاناة التقليدية إلى مساحات تتفتح فيها الفاعلية السياسية، ويستعيد فيها اللاجئ دوره بوصفه فاعلاً لا موضوعاً، وصاحب خطاب لا مجرد ضحية.

اللاجيء خارج الزمان والمكان

إن الثقافة، سواء كانت في صورة الأدب أو السينما أو الفن أو الإعلام، لعبت دوراً مركزياً في صياغة الصورة الأولى عن اللاجئ. في البداية، كانت الصورة تميل إلى التشييء؛ جسدٌ متعبٌ على الحدود، أمّ تحمل أطفالها في الطين، رجلٌ يعبر البحر كمن يعبر قبره المؤجل. هذه الصور، رغم صدقها وقسوتها، أسهمت في تكريس اللاجئ ككائن خارج الزمان والمكان، وكأن وجوده مؤقت، ناتج عن خلل استثنائي في النظام العالمي. هكذا صار اللاجئ معطى بصرياً وأخلاقياً يثير التعاطف لكنه يُفرغه من القدرة على الفعل. كانت هذه المرحلة الأولى: مرحلة سردية المعاناة، حيث تُختزل التجربة الإنسانية الهائلة إلى لحظة عبور، أو نظرة خوف، أو استعطاف يطلب النجاة.

لكن الثقافة نفسها، بتعدد أصواتها وقدرتها على إعادة إنتاج الرموز، كانت أيضاً الجسر الذي عبر عليه اللاجئون نحو استعادة صوتهم. فحين بدأ كتّاب وشعراء وفنانون من خلفيات لجوء يروون قصصهم بلغاتهم الخاصة، تغيّر المشهد جذرياً. لم تعد الحكاية تروى من الخارج، بل من الداخل، من رحم التجربة ذاتها، بكل ما فيها من تناقضات: الحنين والغضب، الضعف والقوة، الفقد والرغبة في بناء مستقبل جديد. هذه النصوص والفنون لم تكتف بكسر الصورة النمطية، بل فتحت باباً واسعاً لتفكيك العلاقة بين الهوية والسلطة، وبين الذاكرة والمكان، وبين الإنسان وحدوده.

في هذا السياق، تصبح الثقافة ساحة صراع، لكنها أيضاً ساحة تَخَلُّق. فالصوت الذي كان غائباً أو مُغيّباً، يصبح جزءاً من المشهد العام، ويتحوّل اللاجئ من متلقٍّ إلى منتج، من موضوع للخطاب إلى صاحب خطاب قادر على مساءلة العالم الذي لفظه أو احتضنه. إنها لحظة تحرر رمزية، لكنها ذات أثر سياسي يتجاوز الرمز، لأن الخطاب هو الخطوة الأولى نحو الفعل، والنص الذي يكتبه اللاجئ ليس مجرد اعتراف، بل هو إعلان حضور، وكتابة وجود، وتأسيس لمجال مشترك بين الذات والعالم.

اللاجئون منتجون في عالم الثقافة

على المستوى المجتمعي، تكشف الثقافة عن قدرة اللاجئين على إدخال عناصر جديدة إلى فضاء الحياة اليومية في البلدان المضيفة. ليس الأمر مجرد أطعمة جديدة أو احتفالات شعبية، بل هو تفاعل ثقافي يعيد تشكيل المفاهيم، ويسهم في خلق مساحات مشتركة. فالفنون التي يقدمها اللاجئون، سواء عبر المعارض أو المسرح أو السينما، لا تحمل خطاب الألم فقط، بل تقدم رؤى جديدة للعالم، وتطرح أسئلة تتجاوز حدود الجغرافيا التي انطلقوا منها. وهنا تتجلى الفاعلية السياسية بأحد أشكالها: فحين يتحول اللاجئ إلى مشاركٍ في إنتاج الثقافة، يصبح مشاركاً في إنتاج المعنى، وهذا شكل من أشكال القوة؛ لأن من ينتج المعنى يمتلك القدرة على تغيير النظرة وإعادة توزيع الأدوار داخل الحياة العامة.

لكنّ هذا التحول لا يحدث في فراغ. فالمؤسسات الإعلامية والسياسية ما زالت تميل إلى استخدام سردية المعاناة لتثبيت أنماط معينة من التمثيل. فهي سردية سهلة، مفهومة، قابلة للاستهلاك السريع، لكنها في الوقت نفسه تقود إلى تهميش التجربة اللاجئة، وتثبتها داخل إطار لا يسمح لها بالتطور. إنها سردية تجعل اللاجئ "آخر" دائماً، وتمنع عنه اكتساب شرعية سياسية أو اجتماعية. وفي المقابل، تعمل الثقافة النقدية، في الأدب والفن والخطاب الأكاديمي، على تفكيك هذا النمط، وتقديم اللاجئ كذات معقدة، لها تاريخ وذاكرة وصوت وخيارات.

وفي قلب هذا كله، تظهر مسألة الهوية بوصفها إحدى أكثر القضايا إلحاحاً في تجربة اللجوء. فاللاجئ يعيش حالة ازدواجية: ليس ابناً كاملاً للوطن الذي غادره، ولا مواطناً كاملاً للوطن الذي وصل إليه. يعيش بين لغتين، بين اسمين، بين سرديتين. وهذا التوتر، رغم قسوته، ينتج طاقة إبداعية هائلة، لأن الذات تستكشف مناطق جديدة من المعنى، وتعيد تعريف نفسها من خلال ما فقدته وما اكتسبته. هنا يصبح الأدب، مثلاً، مجالاً لإعادة كتابة الذات، لتحويل الفقد إلى معرفة، والرحيل إلى احتمال جديد للوجود. ومن هذه النقطة تحديداً تنطلق الفاعلية السياسية: من الاعتراف بالذات ومن القدرة على التعبير عنها علناً.

ذاكرة اللاجيء ونتاجه الثقافي

يتطور الوعي السياسي للاجئين كرد فعل على محاولة تغيير مصيرهم من الخارج. فالسياسات التي تنتج خطاب الخوف أو خطاب الرحمة لا تمنح اللاجئ أي سلطة، بينما يمنحه الفعل الثقافي سلطة تشكيل صورته. إذ يستطيع الفنان أو الكاتب أو المخرج أن يقلب الصورة رأساً على عقب، أن يُظهر التعقيد في موضع كانت السردية السائدة تريد التبسيط، وأن يكشف عن القدرة في موضع أراد الخطاب الرسمي إظهار العجز. هذا التغيير في التمثيل ينعكس لاحقاً في الفضاء العام، في النقاشات السياسية، في نظرة المجتمع، وفي قدرة اللاجئين أنفسهم على المطالبة بحقوقهم.

ولا تقل أهمية الذاكرة في هذا السياق، فاللاجئ يعيش في علاقة معقدة مع ماضيه؛ فهو محتفظ بذاكرة وطنٍ غالباً ما يحمله معه كأنّه حقيبة لا يمكن تركها، لكنه في الوقت نفسه مضطر لبناء ذاكرة جديدة تتناسب مع مكان جديد. هذا التشابك بين الذاكرتين يجعل منه كائناً يعيش على حدود الأزمنة والأمكنة، والمفارقة هنا أن هذه الحدود التي أرادتها القوى السياسية خطوط فصل، تتحول بفعل الثقافة إلى جسور وصل. فمن خلال الذاكرة، يستطيع اللاجئ أن يربط المكان القديم بالجديد، وأن يبني سردية شخصية تتحدى السردية السائدة عن أنه كائن بلا جذور.

من الأزمة الإنسانية الى قضية سياسية

وعلى الجانب الأوسع، تُسهم الثقافة في تحويل قضية اللجوء من مجرد أزمة إنسانية إلى قضية سياسية بامتياز. فهي تكشف أسباب اللجوء، وتحلل البنى التي تسببت به، وتربطه بالاقتصاد والسياسة والهيمنة. كما تُظهر أن اللاجئ ليس فرداً معزولاً، بل جزء من حركة عالمية تعكس اختلال النظام الدولي. وفي هذا السياق، تصبح الفاعلية السياسية للاجئين جزءاً من فاعلية أكبر، تتعلق بما يمكن أن تسهم به المجتمعات في مقاومة الحروب، وفي إعادة التفكير في معنى الحدود، وفي نقد الأنظمة التي تنتج النزوح والتهجير.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن الطريق نحو الاعتراف الكامل بفاعلية اللاجئين ما يزال طويلاً. فالعالم، رغم انفتاحه الظاهري، ما زال يضع عوائق قانونية وثقافية تحول دون مشاركتهم الفعّالة. لكن الثقافة، بفعلها المستمر والمتعدد الأشكال، تبقى قادرة على خرق هذه الحواجز، وعلى إبقاء السؤال حيّاً: من يملك حق الكلام؟ من يملك حق الظهور؟ ومن يملك حق تعريف ذاته؟

أخيراً، يمكن القول إن التحول من سردية المعاناة إلى الفاعلية السياسية ليس تحولاً بسيطاً أو خطياً. إنه فعل مقاومة، وممارسة يومية، وتجربة طويلة من التفاوض بين الذات والعالم. لكنه يحدث، وتحدث معه إعادة تشكيل جذرية للخطاب حول اللجوء. ففي اللحظة التي يصبح فيها اللاجئ قادراً على قول "أنا" بصوت واضح، ويستطيع فيها أن يروي حكايته كما يريد، لا كما يُراد له، تبدأ السردية الجديدة بالظهور؛ سردية لا تُنكر الألم، لكنها لا تُسلم له بالمطلق، وتمنح اللاجئ حقاً أساسياً: حق أن يكون ذاتاً، لا موضوعاً؛ فاعلاً، لا تابعاً؛ مواطناً في العالم، لا رقماً على قوائم النزوح.

وهكذا تتقاطع الثقافة والسياسة عند نقطة واحدة: إستعادة الإنسان، ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

***

د. عصام البرّام

قراءة نقدية في مذكرات «الرواية المفقودة» لفاروق الشرع

مقدمة: تُعد مذكرات الفاعلين السياسيين مصدراً أساسياً من مصادر التاريخ المعاصر، ليس فقط لما تكشفه من وقائع، بل لما تعكسه من "تمثلات" السلطة لذاتها. يبرز كتاب «الرواية المفقودة»1 لفاروق الشرع كشهادة استثنائية من داخل هرم السلطة السورية، إلا أنها تثير إشكاليات منهجية تتعلق بحدود الشهادة التاريخية حين تصدر عن فاعل مركزي.

تهدف هذه القراءة إلى تحليل الخلل البنيوي في الكتاب، والمتمثل في الفصل التعسفي بين السياسة الخارجية -باعتبارها مجالاً للعقلانية والدبلوماسية- والسياسة الداخلية التي غُيبت بمفاهيمها الاستبدادية والأمنية.

أولاً: الانتقائية الموضوعية واختزال الدولة

تقوم المنهجية السردية في «الرواية المفقودة» على فرضية ضمنية تُعلي من شأن السياسة الخارجية بوصفها المجال "الشرعي" الوحيد للتأريخ، في مقابل تهميش السياسة الداخلية وتحويلها إلى شأن تقني أو هامشي. إن هذا الفصل يُنتج "حقيقة مجتزأة"؛ فالدولة في المذكرات تظهر كفاعل دولي دون أن تُكشف ملامحها كفاعل داخلي. إن إدارة المفاوضات وحدود المناورة الدبلوماسية لم تكن معزولة عن البنية السلطوية للدولة؛ بل كانت مشروطة بتعطيل المجال العام وإحكام الضبط الأمني، وهو ما لم يقاربه النص، مما أضعف قدرته على تقديم تفسير شمولي لآلية صنع القرار.

ثانياً: الدبلوماسية كأداة للتبرئة غير المباشرة

يعمد الشرع إلى تصوير السياسة الخارجية في عهد حافظ الأسد بوصفها نموذجاً للبراغماتية و"النفس الطويل". هذا العرض، رغم دقة وقائعه الدبلوماسية، يمارس وظيفة "تبريرية" غير مباشرة؛ فهو يدفع القارئ لتبني رؤية للنظام كفاعل عقلاني محاصر بضغوط دولية وإقليمية، متجاهلاً الكلفة الداخلية لهذا الاستقرار. إن الصمود الذي يظهره النص كإنجاز استراتيجي لم يكن نتاج إجماع وطني أو عقد اجتماعي، بل كان ثمرة ضبط أمني صارم، مما يجعل من "العقلانية الخارجية" وجهاً آخر لـ "الإكراه الداخلي" الذي سكت عنه المؤلف.

ثالثاً: غياب الدولة الأمنية والشرط السوسيولوجي

يظهر في الكتاب اختيار سردي واعٍ بتغييب "الدولة الأمنية". فمن خلال إغفال دور الأجهزة الاستخباراتية، وحالة الطوارئ، وآليات القمع السياسي، يحاول النص ترسيخ صورة "دولة القانون والمفاوضات" بدلاً من "دولة الضبط". إن هذا الغياب ليس مجرد سهو مهني، بل هو ضرورة بنيوية لحماية السردية؛ إذ إن الاعتراف بالبنية الأمنية كان سيفكك صورة التفاوض العقلاني ويُظهر السياسة الخارجية كأداة لحماية بقاء النظام وتأمين شرعيته الدولية في ظل أزماته الداخلية.

رابعاً: اختزال الشخصية السياسية (نموذج حافظ الأسد)

يقدم النص قراءة أحادية لشخصية حافظ الأسد، مختزلاً إياه في أدوار "رجل الدولة" و"المفاوض الصلب" و"الاستراتيجي الإقليمي". وفي المقابل، يتم استبعاد وجهه الآخر كمهندس لنظام سلطوي مغلق ومسؤول عن سحق التعددية السياسية. هذا التجزؤ في التقييم يخل بالتوازن التاريخي؛ فالشخصية السياسية في البحث الأكاديمي لا يمكن تفكيكها وظيفياً دون تشويه صورتها الكلية، إذ إن نجاحات الخارج وإخفاقات الداخل (بمعايير الديمقراطية وحقوق الإنسان) هي وحدة واحدة لا تتجزأ.

خامساً: موقع الشاهد وإشكالية القراءة من الداخل

ينطلق فاروق الشرع من موقع الشريك في القرار والمنتج المباشر للنظام، مما يمنح شهادته قيمة وثائقية عالية في كواليس الدبلوماسية، ولكنه يضع قيوداً صارمة على قدرته النقدية. ومن الناحية المنهجية، تظل هذه الشهادة "رؤية من الأعلى" تحتاج بالضرورة إلى قراءة تقابلية "من الأسفل" (رؤية المجتمع، الضحايا، والمعارضة). فالمجتمع السوري في «الرواية المفقودة» يبدو غائباً تماماً، وكأن الدولة كيان ميتافيزيقي يشتغل في فراغ اجتماعي، وهو تصور إداري-أمني يبتعد عن جوهر التاريخ الصراعي.

الإيجابيات التي لا يجوز تجاوزها

رغم هذا الخلل البنيوي، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن «الرواية المفقودة» واحد من أكثر كتب المذكرات العربية وجدية، في ثلاثة أبعاد رئيسية:

1. المصداقية التأريخية: مذكرات قائمة على الوثيقة. الشرع لا يكتب من الذاكرة فقط، بل من الوثيقة أيضاً. هو يستعيد تفاصيل لقاءات مغلقة ومحاضر جلسات كان يشرف بنفسه على تدوينها.

هذا ما جعل الكتاب مرجعاً لا غنى عنه لكل من يدرس مفاوضات السلام العربية–الإسرائيلية، وخصوصاً ما عُرف بـ«وديعة رابين»، حيث يضع الشرع «النقاط على الحروف» في ملف ظل محاطاً بالغموض لسنوات، ويذهب إلى حد الحديث بلغة الأمتار والبوصات على ضفاف بحيرة طبريا، لا بلغة الشعارات.

2. التوثيق السياسي: كشف آليات القرار من الداخل. تكمن قوة الكتاب أيضاً في قدرته على تشريح ماكينة القرار في عهد حافظ الأسد. نرى رئيساً يدير التفاصيل الصغيرة والكبيرة بدقة لافتة، ونرى كيف كانت الملفات العربية والفلسطينية تُدار في ظل شُح الثقة بين العواصم. هذه الشهادة ضرورية لفهم طبيعة النظام، حتى وإن ظلّت صامتة عن الجانب الأمني المباشر.

3. البعد الأخلاقي في الكتابة: بين الوفاء والتوازن. أخلاقياً، يقدّم الشرع نموذجاً نادراً في كتابة المذكرات السياسية العربية. هو وفيّ لرئيسه، لكنه لا ينزلق إلى لغة التأليه. يصف الخصوم السياسيين—من رابين إلى بيريز إلى ياسر عرفات—بلغة سياسية موضوعية، بلا شتائم أو تخوين. والأهم أنه يرى نفسه مسؤولاً عن تقديم «الرواية السورية» لا عن تبرئة نفسه شخصياً، وهو ما يمنح الكتاب طابعاً مؤسساتياً لا فردياً.

هذه العناصر مجتمعة تجعل من «الرواية المفقودة» مرجعاً توثيقياً محترماً، حتى لدى من يختلف جذرياً مع النظام الذي ينتمي إليه الشرع.

مقارنة مع رواية بيل كلينتون: «راشومون»2 الشرق الأوسط

تزداد أهمية «الرواية المفقودة» حين تُقرأ إلى جانب مذكرات بيل كلينتون «حياتي – My Life»3.

فكلا الرجلين يروي الأحداث ذاتها، لكن من زاويتين متناقضتين:

* الشرع يرى الأسد قائداً استراتيجياً صلباً.

* كلينتون يراه رجلاً يعيش في الماضي ويضيّع الفرص.

* الشرع يعتبر «وديعة رابين» تعهداً كاملاً.

* كلينتون يصفها بأنها تعهّد مشروط.

* الشرع يرى قمة جنيف محاولة لفرض شروط مجحفة.

* كلينتون يراها فرصة تاريخية ضاعت بسبب تمسّك الأسد بأمتار قليلة على شاطئ طبريا.

هذه التناقضات تكشف أن التاريخ ليس رواية واحدة، بل مجموعة روايات تتصارع على المعنى والذاكرة.

خاتمة: نصف الحقيقة… ونصف السؤال

«الرواية المفقودة» ليس تزويراً للتاريخ، بل هو إعادة ترتيب له من زاوية السلطة. ليست كتاب فضائح، ولا تصفية حسابات، ولا مديحاً رخيصاً.

إنها محاولة متماسكة من رجل دولة محترف لتقديم رواية رسمية رصينة، تُنصف الدبلوماسية السورية في كثير من التفاصيل، لكنها تترك فراغاً كبيراً حين يتعلق الأمر بالدولة الأمنية والمجتمع.

قيمة الكتاب تكمن في ما يقدّمه، لكنه يكتسب أهميته القصوى إذا قُرئ إلى جانب ما لم يقله: أصوات المسكوت عنهم، ضحايا الداخل، والمعارضات التي لا تجد مكاناً في سردية الدولة عن نفسها.

بهذا المعنى، لا يمكن رفض «الرواية المفقودة»، ولا يمكن الاكتفاء بها. إنها خطوة ضرورية في فهم «عقل النظام»، لكنها ليست الرواية التي تُغلق النقاش؛ بل الرواية التي تفتحه.

***

منذر فالح الغزالي

فاختبيرغ 29.12.2025

..........................

1- الرواية المفقودة، مذكرات فاروق الشرع، إصدار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2015

2- كلمة "راشومون" مأخوذة من فيلم ياباني شهير يحمل الاسم نفسه، حيث يروي كل شخص قصة مختلفة لنفس الحادثة، ويصعب الوصول إلى حقيقة واحدة نهائية.

3- سيرة ذاتية للرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون - دار نشر راندوم هاوس، 2004. تعريب د. محمد توفيق البجيرمي، عن دار  الحوار الثقافي بيروت 2004

في أكتوبر (تشرين الأول) 2017 نُشرت على الإنترنت قصةٌ، قيل إنَّها مُستَمدَّةٌ من وثائقَ سريةٍ للحكومة الأميركية، فحواها أنَّ وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون وشخصيات أخرى يتزعَّمون منظمة سرية تتحكم في مسار المال والسياسة في الولايات المتحدة. وقّع الكاتب منشوراته باسم كيو - أنون QAnon، وادَّعى أنَّ لديه رخصة أمنية، تتيح له الاطلاع على وثائق سرية جداً. خلال بضعة أسابيع أمست منشورات كيو - أنون مداراً لمئات القصص الواقعية والمتخيلة، عن حوادث تُنسب لجهات حكومية، بينها عمليات مراقبة، واستيلاء على أموال، واعتداء على أشخاص، تحت شعار المصلحة العليا للبلاد. لكن المستفيد الحقيقي - وفقاً لادعاء الناشرين - هم أعضاء تلك المنظمة السرية، الذين يراقبون جميع الناس ولا يراهم أحد.

في منتصف 2020 أغلقتِ الدوائر الحكومية والشركات أبوابَها، بسبب وباء «كورونا»، وبقي ملايين الأميركيين في منازلهم، دون أنيس سوى الإنترنت. شهدت هذه الفترة بروزَ مئات القصَّاصين الذين كرّسوا وقتهم لتصنيف قصص لا تنتهي عن أهل السياسة والفن والمال، وما يفعلونه في بيوتهم ومكاتبهم وحفلاتهم الفاخرة. كأنَّ شهرزاد بُعثت من جديد كي تعيد رواية «ألف ليلة وليلة» في ثوب عصري، ليس لشخص بعينه، بل لملايين الناس، ليلاً ونهاراً.

القاسم المشترك بين قصص «ألف ليلة وليلة» الجديدة، هو الإشارة الدائمة إلى المجموعة الصغيرة التي تُمسك بخيوط اللعبة السياسية: تُقرر من يكسب الانتخابات ومن يخيب، ومن يحصل على البراءة في المحاكم ومن يُدان، ومن يربح في سوق الأسهم ومن يخسر.

منذ أوائل 2017 استعمل مؤيدو دونالد ترمب صفة «الدولة العميقة» في الإشارة إلى معارضيه. وفي وقت لاحق، في مارس (آذار) 2023، قال ترمب لأنصاره في مدينة واكو بتكساس، إنه - مثلهم - يؤمن بهذه القصة: «الدولة العميقة ستدمر أميركا إن لم ندمرها نحن». وفي الشهور التالية، استخدم هذا التعبير بكثافة في منشوراته الانتخابية، كما نشر خططاً مُحددة لتدمير «الدولة العميقة» إذا وصل إلى البيت الأبيض.

مصطلح «الدولة العميقة» ليس صناعة أميركية، فقد ظهر في تركيا، كي يشير إلى مُخطط لحماية الجمهورية من انحراف محتمل عن الأتاتوركية. لكن الفكرة ذاتها تعود لمنتصف القرن العشرين، وظهرت باسم «الحكومة الخفية» أو «الحكومة البديلة».

لا أعلم إن كان دونالد ترمب مؤمناً حقاً بالفكرة التي روجها كيو - أنون. وهذا ليس بعيداً على أي حال. لكن لو تتبعت الخيوط الأولى لقصة كيو - أنون بالتحديد، لوجدتَها محاولة لإنشاء لعبة إلكترونية، تتيح فرصة لمئات الناس كي يتقمصوا أدوار شخصيات واقعية، ليختبروا من خلالها قدرتهم على أن يكونوا أبطالاً خارقين، أو جنوداً أو جواسيسَ أو رجالَ سياسة أو نجومَ سينما أو زعماءَ عصابات أو أعضاء في الكونغرس. الذي حصل أنَّ اللعبة خرجت من يد مبدعها، وأمست تحت سيطرة آخرين، كما يقول آدم كورتيس، وهو صانع أفلام وثائقية، ثم أخذت في التوسع والانتشار، وباتت جزءاً من قنوات الدعاية السياسية، ولم يعد ممكناً أن تقول بضرس قاطع، إنها بقيت على حالها كأنها منظومة واحدة، أو باتت منظومات عدة، تدعي الاسمَ نفسه والسمات وطريقة العمل. وقد ادعى كثيرٌ من الناس أنهم أسهموا في تأسيس «كيو - أنون» لكن من يهتم؟

أعتقد أنَّه يوجد تداخل بين الواقعي والمتخيل. وهو ليس غريباً على الحياة السياسية المليئة بالغموض. في كل بلد، بل وفي المنظمات التجارية والأحزاب وأمثالها، ثمة مجموعة ترى نفسها حارسة للنظام وأمينة على التقاليد التي تكفل استمراره. هذه المجموعة لا تدير المشهد من وراء الستار، ولا تتدخل في تعيين أو عزل الرؤساء، لكنَّها - ببساطة - تراقب المشهد، وتسعى إلى تصحيح المسار إذا انحرف السائرون. لعلكم تعرفتم على أمثال هؤلاء في جمعيات عمومية للشركات، أو في مؤتمرات حزبية أو في الأكاديميات أو لقاءات النخبة أو غيرها. فكروا في المسألة، وسوف تتعرَّفون على بعضهم.

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

 

ليست العادات والتقاليد في المجتمعات الشرقية عموما والإسلامية والعربية بشكل خاص تفصيلًا فولكلوريًا على هامش الحياة، بل هي "قواعد غير مكتوبة" تراكمت عبر قرون حتى صارت تحدد معايير الصواب والخطأ، وحدود المسموح والممنوع، من البيت إلى المجال العام، ومن هنا يبدأ امتحان الديمقراطية الحقيقي؛ فهي ليست صناديق اقتراع فقط، بل منظومة قيم: مساواة أمام القانون، ومسؤولية فردية، وحق نقد السلطة دون خوف أو وصاية، لذلك تبدو التقاليد سلاحًا ذا حدّين: قد تمنح المجتمع تماسكًا حين تعمل كشبكة تضامن، وقد تتحول إلى قيدٍ ثقيل حين تُقدَّم باعتبارها مصدر شرعية ينافس الدولة، أو حين تُستعمل لتبرير احتكار النفوذ وإدامة الامتيازات.

في وجهها الإيجابي، حفظت تقاليد كثيرة قيم الكرم والنخوة وصون الجار واحترام الكبير، وقدمت آليات أهلية لاحتواء النزاعات عبر الصلح والوساطة ودفع الضرر قبل اتساعه، هذه القيم، إذا أُعيد توجيهها من "هيبة العصبية" إلى "هيبة القانون"، يمكن أن تصبح رصيدًا للديمقراطية: تُخفّف التوتر بين المختلفين، وتُعزّز التسامح، وتُرسّخ فكرة التعايش بدل منطق الغلبة، بل إن البنى العشائرية نفسها لعبت أحيانًا دور صمام أمان في لحظات هشاشة الدولة، إذ حدّت من الانفلات ووفّرت مرجعيات اجتماعية لوقف الثأر واحتواء الصدام، لكن الوجه الآخر أكثر حساسية لأنه يمس جوهر التمثيل والشرعية، فجزء معتبر من الموروث كرّس هيمنة الذكور، والتراتبية الاجتماعية، وإقصاء النساء والشباب عن مواقع القرار، وأعلى الطاعة على النقد، والقرابة على الكفاءة، وعندما تتغلب الولاءات العشائرية والطائفية على مفهوم المواطنة، تتحول الانتخابات إلى تعداد للعصبيات لا منافسة برامج، ويغدو البرلمان انعكاسًا لخريطة النفوذ لا مؤسسة تشريع ورقابة، لذلك رأينا في العراق وليبيا وسوريا واليمن أن سقوط رأس الاستبداد لا يعني ولادة دولة مدنية؛ إذ تبقى الشبكات التقليدية قادرة على ابتلاع الدولة وإعادة إنتاج الاستبداد بصيغ جديدة: زعامات مقنّعة، ومحاصصات، وشرعيات تُقايض الحقوق بالخدمات.

المخرج ليس في استيراد نموذج جاهز، ولا في الرهان على فكرة "المستبد العادل" التي تعد بإنقاذ سريع ثم تفتح الباب لاحتكار أطول، بل في بناء جسور انتقالية بين المجتمع والدولة: قواعد صارمة للترشح والتمويل والشفافية، واستقلال القضاء، وتحييد السلاح خارج المؤسسات، وتعليم مدني يعيد تعريف الشرف بوصفه احترام القانون لا خرقه، ومع اللامركزية الرشيدة أو الفيدرالية الدستورية، تُخفَّف قبضة العصبيات على القرار الوطني وتُفتح منافذ مشاركة أوسع، ويمكن الاستفادة من مجالس خبرة بصفة استشارية تضبط الإيقاع دون أن تصادر الإرادة الشعبية.

وخلاصة القول: الموروث ليس خصمًا للديمقراطية ولا حليفًا لها تلقائيًا؛ إنه مادة خام-إما أن تُصاغ لبناء مواطنة حديثة، أو تُترك لتُبقي السياسة أسيرة الماضي.

***

كفاح محمود

أليكسي فينينكو*

ترجمة رقمية ومراجعة علاء اللامي

***

"البيريسترويكا تبدأ اليوم!"

لم يكن الأمر يعني أن القيادة السوفيتية لم تلاحظ تراكم العمليات السلبية في المجتمع. فبينما كان التركيز خلال فترة التصنيع على المؤسسات الصناعية الكبيرة، بات من الواضح في ستينيات القرن الماضي أن الاقتصاد بحاجة إلى مزيد من المرونة والتنويع. وقد كانت محاولات إصلاح الاقتصاد السوفيتي في الستينيات (ما يُعرف بـ"إصلاح كوسيجين"، وهو في جوهره نسخة من النموذج الاشتراكي المجري) تهدفُ إلى زيادة كفاءة الإنتاج وتحفيز المبادرات المحلية. إلا أن هذه الإصلاحات لم تُستكمل، ويعود ذلك في معظمه إلى مقاومة بعض أعضاء النخبة الحاكمة للإصلاحات، وتجمدت فعلياً بعد الأزمة التشيكوسلوفاكية عام 1968. ونتيجة لذلك، استمر الاقتصاد السوفيتي في مواجهة صعوبات في تطبيق التقنيات الجديدة، وإنتاج السلع الاستهلاكية، وتوفير الخدمات الأساسية للسكان.

ثمة نموذج اقتصادي آخر أثبت نجاحاً أكبر، ألا وهو الانتشار الواسع لمفهوم "الداتشا"، وهو مفهوم فريد من نوعه في العالم. ولم يُلاحظ هذا المفهوم أيضاً في الاتحاد السوفيتي في بداياته. من خلال قراءة مؤلفات ك. باوستوفسكي، وأ. غايدار، وك. سيمونوف، نكتشف أن بيوت "الداتشا" كانت تُستأجر من قِبل شريحة صغيرة من المثقفين السوفييت لقضاء عطلاتهم الصيفية. في ستينيات القرن العشرين، تغيّر الوضع، إذ انتشرت ملكية "الداتشا" على نطاق واسع. وبرزت طبقة اجتماعية واسعة من سكان المدن في الاتحاد السوفيتي، يمتلكون أراضي خاصة ويمارسون العمل الزراعي بانتظام. وقد أدى ذلك إلى ظهور طبقة اجتماعية جديدة من صغار المزارعين الذين استمتعوا بمزارعهم الخاصة، لكن قدرتهم على إدارة عمليات تجارية متكاملة كانت محدودة.

شجعت الدولة بنشاط تطوير المزارع الخاصة، معتبرةً إياها وسيلة لضمان الأمن الغذائي، ووسيلة للتخفيف من وطأة النقص. وقد أيّد الشعب هذه المبادرة الحكومية بحماس. كان سكان المدن في الاتحاد السوفيتي إما من الريف أصلاً أو من نسلهم، وأصبحت "الداتشا" بمثابة تعويض عن فقدان الصلة بالأرض، وفرصة لإعادة التواصل مع المهارات التي اكتسبوها سابقاً. وليس من قبيل المصادفة أن العديد من تجمعات "الداتشا" بدأت تُشبه القرى المجهزة تجهيزاً جيداً. وفرت "الداتشا" أيضًا وسيلة لتأمين الإمدادات الغذائية جزئيًا، وأصبحت وجهةً لقضاء العطلات للمواطنين السوفييت، مما خفف الضغط على المنتجعات الساحلية.

لكن في الوقت نفسه، أدى نظام "الداتشا" إلى تقويض الأيديولوجية الجماعية التي كانت أساسية لاستقرار النظام السوفييتي. فعلى عكس سكان المدن في ثلاثينيات القرن العشرين، لم يسعَ المواطن السوفييتي في سبعينيات القرن العشرين إلى حضور مظاهرات عيد العمال والاحتفالات الجماعية في المدينة، بل إلى "الذهاب إلى الداتشا"، أي العمل في أرضه. وبحلول سبعينيات القرن العشرين، بدأت رموز التصنيع الستاليني، مثل نوادي المصانع والحدائق الثقافية، بالتداعي، متحولةً إلى آثارٍ من حقبةٍ ولّت.

وأدى ذلك إلى تزايد اللامبالاة السياسية بين المواطنين السوفييت: فقد أصبح حفر البطاطا أو طهي الشاشليك (Shashlik) " طبق تقليدي شهير في روسيا يتضمن كباب لحم "تكة عراقية" مع بعض الخضار كالبصل والطماطم والفطر والفلفل"، طار أكثر أهميةً لمعظم السكان من المشاركة في الأنشطة الشيوعية. وكان امتلاك منزل ريفي (داتشا) يعيق الحراك الاجتماعي، إذ صعّب الانتقال إلى مدينة أخرى أو بدء وظيفة جديدة، وكان التخلي عن ملكية المنزل الريفي أمراً بالغ الصعوبة.

أصبحت المنازل الريفية نوعاً من الاقتصاد الخفي، حيث تُنتج سلعاً للاستهلاك الشخصي لا تخضع للضرائب ولا تُسجل في الإحصاءات. وأصبح التنافس على قطع أراضٍ أكثر ربحية والمشاركة في تعاونيات المنازل الريفية والمرائب جزءاً من الحياة اليومية للمواطنين السوفييت، مما خلق عقلية مختلفة - ليست عقلية "المناضل الأيديولوجي"، بل عقلية رائد الأعمال الصغير. كان صغار الملاك يحلمون بأن يصبحوا ملاكاً كاملين، وأن يحصلوا على حق إدارة ممتلكاتهم الشخصية.

إلى جانب ظاهرة المنازل الريفية، لعب تطور الاقتصاد الخفي في المدن دوراً هاماً في تغيير المشهد الاقتصادي للاتحاد السوفيتي. غالباً ما يُخلط بين هذه الظاهرة والفساد والمحسوبية، على الرغم من اختلافهما الكبير. الاقتصاد الخفي هو إنتاج وتوزيع سلع غير مسجلة رسمياً. لم يكن بالإمكان حساب حجمها إلا باستخدام مؤشرات غير مباشرة: استهلاك الطاقة الزائد، وحجم الأوراق النقدية غير المُعادة إلى البنك المركزي، والقضايا الجنائية، وما إلى ذلك. تغاضت السلطات جزئيًا عن وجود الاقتصاد الخفي، معتبرةً إياه وسيلةً لمعالجة مشكلة نقص السلع. لكن ظهور الاقتصاد الخفي أدى إلى تغييرات جذرية داخل النظام السوفيتي نفسه.

أصبحت المدن الساحلية، المرتبطة ارتباطًا وثيقًا باستيراد البضائع والتهريب، بؤرًا للاقتصاد الخفي. ونشأ اقتصاد خفي أكثر قوة في الجمهوريات المتخصصة في زراعة محاصيل نادرة في الاتحاد السوفيتي (القطن، والشاي، والحمضيات). إضافةً إلى ذلك، ظهرت شبكة من المتاجر المغلقة، تُعرف باسم "بيريوزكا" و"ألباتروس"، حيث كان بالإمكان شراء السلع النادرة (بما فيها المستوردة) بشهادات خاصة. ولجأ سكان المدن بشكل متزايد إلى خدمات "اليساريين" المقربين وتجار السوق السوداء. أنتجت ورش العمل السرية السلع النادرة، وأعاد المضاربون بيع المنتجات المستوردة. "المزيد من الاشتراكية!"

"المزيد من الاشتراكية!"

كثيراً ما يُصوَّر فريق غورباتشوف على أنهم حفاري قبور أو خونة للأيديولوجية الشيوعية. إلا أن هذه الصورة بعيدة كل البعد عن الواقع. فبحلول منتصف ثمانينيات القرن العشرين، كانت الأيديولوجية السوفيتية تعاني من ركود عميق، ولم تعد تعمل كوحدة متماسكة. في المؤتمر التاسع عشر عام ١٩٥٢، أُعيد تسمية الحزب الشيوعي لعموم الاتحاد (البلاشفة) إلى الحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي، وهو حدث تاريخي: إذ أعلن الحزب نفسه صراحةً: "لم نعد بلاشفة". قبل ذلك، في الاتحاد السوفيتي، كان مصطلح "البلشفي اللينيني" أكثر دلالة من مجرد "الشيوعي": فهناك العديد من الشيوعيين في العالم، لكن الشيوعيين الحقيقيين هم البلاشفة. في عام 1956، أدان الحزب الشيوعي السوفيتي عهد ستالين، وفي عام 1964، أدان نهج خروتشوف التطوعي، وفي عام 1983، أدان جمود بريجنيف. لم يبقَ من الشرعية سوى الحقبة اللينينية، وحتى حينها، عُرضت دون ذكر تروتسكي. نشأت مفارقةٌ مفادها أن تاريخ الحزب الشيوعي السوفيتي أصبح غير شرعي من وجهة نظر الحزب نفسه، لا من وجهة نظر خصومه. أثار هذا حتمًا التساؤل: "أي حزبٍ هذا الذي لدينا إذا كان تاريخه برمته معيبًا وغير شرعي؟"

أدت هذه الأزمة الأيديولوجية أيضًا إلى ظهور نخبة سوفيتية متميزة. كان المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفيتي قد أثبت بالفعل أنه لا يوجد عمليًا أي ستاليني متعصب ومتعصب داخله. بعد عام 1956، ولا سيما عام 1964، أدركت نخبة الحزب أن زعيمًا جديدًا سيصل إلى السلطة غدًا، زعيمًا سيدين الحقبة الحالية بالطريقة نفسها. (وهذا ما حدث بالفعل عام 1982). لم يعد المتعصبون في عشرينيات القرن الماضي، المستعدون للموت في سبيل الشيوعية، جزءًا من قيادة الحزب بعد عام 1964. كان النهج السائد هو "يجب أن نحافظ على وظائفنا تحت أي زعيم" أو "سنصفق ثم نمضي في أعمالنا". وقد أدى ذلك إلى ظهور السخرية والبراغماتية بين نخبة الحزب: فبدلاً من الإيمان الراسخ بمبادئ الشيوعية، سادت النزعة الانتهازية والرغبة في الحفاظ على المنصب تحت أي زعيم.

لم تقع الأحداث الرئيسية عام 1985، بل عام 1964. لم يكن استبدال نيكولاي خروتشوف بليوس بريجنيف حدثًا عاديًا في الصراع على السلطة. فقد انسحب جيل من القادة السوفييت الذين شاركوا شخصيًا في ثورة أكتوبر أو الحرب الأهلية من الحياة السياسية النشطة. بالنسبة لهم، لم تكن الفكرة الشيوعية مجرد كلمات جوفاء، بل ناضلوا من أجل تطبيقها في روسيا (بغض النظر عن كون هذه الأيديولوجية جيدة أم سيئة، فإن مجرد إيمانهم الصادق بها هو المهم بالنسبة لنا اليوم). أما بالنسبة للجيل الجديد، فقد أصبحت أحداث عام 1917 والحرب الأهلية جزءًا من التاريخ، لا تربطهم بها أي صلة شخصية. ولذلك، كان موقفهم من الفكرة الشيوعية أكثر هدوءًا وعمليةً وأقل تعصبًا، وهذا أمر طبيعي.

كما شهدت التركيبة الاجتماعية للنخبة السوفيتية تغيرًا. فابتداءً من أواخر الخمسينيات، بدأ المشاركون في الحرب الأهلية والشيوعيون الأيديولوجيون في عشرينيات القرن الماضي بالتلاشي تدريجيًا. وبدأ أبناء الريف، بخلفياتهم الاجتماعية المختلفة تمامًا، وتفضيلاتهم الاجتماعية، ونفسيتهم الاجتماعية، يلعبون دورًا متزايد الأهمية. ولم يكن المكتب السياسي لبريجنيف وغورباتشوف يتألف بأي حال من الأحوال من أبناء وأحفاد الثوار أو "القادة الحمر". لم ينشأ سياسيو السبعينيات والثمانينيات عمومًا في أسرٍ حافظت على التقاليد الثورية. فالفلاح، بطبيعته، غريبٌ عن أي تعصب أيديولوجي، بل يسترشد بحكمة الحياة: "الأفضل عدو الجيد"، "طالما لا حرب"، "هل أنت أحوج إلى هذا من غيرك؟". كان موقفه من الأيديولوجية الشيوعية (وغيرها) دائمًا عمليًا، متشككًا، بل وساخرًا بعض الشيء.

تعزز هذا التوجه بتغير نمط الأعياد السوفيتية، وأهمها منذ عام 1965، التاسع من مايو - يوم النصر في الحرب الوطنية العظمى - الذي خلا من أي دلالات شيوعية واضحة. في الأول من مايو 1968، أُقيم آخر عرض عسكري في عيد العمال في الساحة الحمراء. بدا أن السابع من نوفمبر لا يزال يحتفظ بمظاهره الخارجية، بما في ذلك العروض العسكرية، لكن الاتحاد السوفيتي لم يكن لديه تقريبًا أي متاحف مخصصة لثورة أكتوبر، ناهيك عن الحرب الأهلية. كانت هناك متاحف مجسمة ونصب تذكارية عديدة مخصصة للحرب الوطنية العظمى؛ أما الحرب الأهلية، رغم كونها الحدث الأبرز في التاريخ السوفيتي، فلم تحظَ بمثل هذا الاهتمام الجماهيري. كل هذا يشير إلى تراجع تدريجي عن الأيديولوجية الشيوعية.

وبحسب روايات حذرة، فإنه في سبعينيات القرن الماضي، كانت المشاعر المؤيدة للحد من صلاحيات الحزب الشيوعي السوفيتي تتنامى بين ممثلي النخبة الحاكمة[4].

كان مجلس الوزراء، وهيئة التخطيط الحكومية (Gosplan)، وهيئة الأمن القومي (Gossnab)، والوزارات القطاعية، مستائين باستمرار من سيطرة الحزب الصارمة. رسميًا، لم يكن بإمكان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي إصدار أوامر للقادة السوفيت، ولكن كان من الممكن استدعاء أي وزير سوفيتي للاستجواب بشأن "ضميره الحزبي وانضباطه". (يتذكر أ. إ. لوكيانوف أن الاقتصاد الوطني، والإمدادات العامة، والعلاقات الدولية الرئيسية - كل هذا كان تحت إشراف المكتب السياسي وأمانة اللجنة المركزية في ذلك الوقت).

ازدادت المشاعر المؤيدة للحد من صلاحيات الحزب بعد اعتماد دستور الاتحاد السوفيتي الجديد عام 1977. فقد نصت المادة السادسة سيئة السمعة على أن الحزب الشيوعي السوفيتي "القوة الرائدة والموجهة للمجتمع السوفيتي"، مما قلل بشكل حاد من دور مؤسسات الدولة، وحصر آلية حكم البلاد في المكتب السياسي. لكن المادة السادسة قوضت الحزب الشيوعي السوفيتي نفسه: فإذا أصبح الحزب القوة الرائدة والموجهة للمجتمع، فإنه يتحمل مسؤولية جميع المشاكل والإخفاقات. سابقًا، كان الحزب يحكم البلاد فعليًا، ويقود الشعب السوفيتي رسميًا إلى الانتصارات، بينما كانت النخبة الحاكمة تتولى معالجة المشاكل الاقتصادية. أما الآن، فقد تحمل الحزب مسؤولية جميع المشاكل، مما جعله هدفًا للسخط الشعبي. وكما أشار عالم السياسة الروسي ن. أ. كوسولابوف [5]، فإن مشروع البيريسترويكا كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بفكرة تقليص صلاحيات الحزب الشيوعي السوفيتي، أي أنه لبّى مطالب النخبة الحاكمة.

وتعاظمت المشاعر المؤيدة للحد من صلاحيات الحزب بعد اعتماد دستور الاتحاد السوفيتي الجديد عام 1977. فقد نصت المادة السادسة سيئة السمعة على أن الحزب الشيوعي السوفيتي هو «القوة الرائدة والموجهة للمجتمع السوفيتي»، وقلّصت بشكل حاد دور سلطة الدولة.

كانت الضربة القاضية للنظام الحزبي، دون قصد، من نصيب يوري أندروبوف، الذي أعلن جهارًا في الجلسة العامة للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي في 15 يونيو/حزيران 1983، أننا نفتقر إلى فهم المجتمع الذي نعيش فيه. وقد أثار هذا في حد ذاته سلسلة من التساؤلات: "كيف يعقل أنه بعد مرور ما يقرب من 70 عامًا على ثورة أكتوبر، ما زلنا لا نفهم مجتمعنا؟" "من منع مؤسسات الحزب وعلماء الاجتماع من فهم مجتمعنا؟ ما الذي كانوا يفعلونه تحديدًا طوال هذه العقود؟" كل هذا أدى إلى تراجع حاد في مكانة أجهزة الحزب المتدنية أصلًا بين الشعب.

"ابدأ بنفسك!"

في بدايات عهد بريجنيف، تجاوز تحرير الحياة العامة ما يُعرف بـ"انفراج خروتشوف". كانت المعاهد العلمية السوفيتية متعاطفة مع نظرية التقارب الغربية، التي نصّت على أن الرأسمالية والاشتراكية، من خلال الاستفادة من بعضهما البعض، ستندمجان في كيان واحد. وبحسب مذكرات الأكاديمي جي. إم. غفيشياني، حتى رئيس مجلس وزراء الاتحاد السوفيتي، أ. ن. كوسيجين، كان متعاطفًا مع نظرية التقارب. في أواخر الستينيات، تفاوض مع ممثلين أمريكيين بشأن إنشاء معهد علمي دولي يُعنى بنمذجة المشكلات العالمية [6].  تحقق هذا المشروع جزئيًا لاحقًا بإنشاء المعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية  (IIASA)، الذي يقع مركزه في لاكسنبورغ (إحدى ضواحي فيينا). لاحقا، الاتحاد السوفيتي بدأ الاتحاد السوفيتي بالتفاعل الفعال مع نادي روما، مُتبنياً موضوعات الدراسات العالمية. وأدت سياسة الانفراج الدولي إلى رحلات عديدة قام بها باحثون سوفييت إلى الدول الغربية لحضور مؤتمرات وندوات متنوعة.

جسّد نشر "مكتبة الأدب العالمي" المكونة من 200 مجلد، بين عامي 1967 و1977، هذه التوجهات الجديدة في الثقافة السوفيتية. تمحورت فكرة هذه السلسلة حول دمج الأدب السوفيتي في الأدب العالمي، وكأن الأدب السوفيتي يذوب في الأدب العالمي، وهو ما يتوافق مع نظرية التقارب الغربية. وفي إطار هذا المشروع، نُشرت أعمال عدد من المؤلفين الذين اعتُبرت آراؤهم "مُثيرة للجدل" من منظور الأيديولوجية السوفيتية.

في الوقت نفسه، قلّصت القيادة السوفيتية الجديدة من قدرة النظام السوفيتي على القمع: فلم تعد تُمارس التعصب إلا عندما تتحالف المعارضة مع قوى أجنبية، لكنها أبدت استعدادها للتسامح مع وجود "معارضة منهجية". لفت عالم السياسة أ. د. بوغاتوروف الانتباه إلى حقيقة مهمة: خلال فترة بريجنيف، ظهرت موجة من الكتب والمقالات الحذرة، ولكنها في الوقت نفسه تنقيحية، حول الأدب السوفيتي. الأيديولوجيا. اتخذ شكل هذه المعارضة المنهجية "الماركسية الخالصة"، المعارضة ضمنيًا للماركسية اللينينية الرسمية. كان بالإمكان تبرير أي أطروحة مثيرة للجدل بالاستشهاد بماركس أو إنجلز، بحجة أنهما رأيا المشكلة بشكل أقل وضوحًا وأكثر قابلية للنقاش. ومن خلال ماركس وإنجلز، أصبح من الممكن الوصول قانونيًا إلى الديمقراطية الاجتماعية الأوروبية، ومن خلالها إلى مؤلفين غربيين شبه محظورين. ونشأ وضع مفاجئ، حيث بدأت الماركسية تُنظر إليها كشكل من أشكال "الاحتجاج الخفي".

وقد أدى هذا إلى تكثيف العمليات داخل أوساط المعارضة. بالنسبة لمعظم المعارضين السوفييت (باستثناء قلة من الأفراد مثل ف. أ. سولوخين، وإ. ر. شافاريفيتش، وأ. إ. سولجينيتسين)، لم يكن المثال الأعلى هو الإمبراطورية الروسية أو الحركة البيضاء، بل مزيج من الليبرالية والتروتسكية. تميزت هذه الأوساط بإدانة شديدة لقمع ستالين في ثلاثينيات القرن العشرين، وبالتالي، كان المعارضون السوفييت يتعاطفون مع "الحرس اللينيني". فقد تعاطفوا عادةً مع ثورة أكتوبر، ورأوا الشر في ستالين الذي زُعم أنه شوّه الاشتراكية اللينينية. نتج عن ذلك موقف مختلف تجاه الفترة المبكرة من التاريخ السوفيتي: إذ نُظر إلى اللينينية والبلشفية المبكرة على أنهما شكلان من أشكال الاحتجاج على الأيديولوجية السائدة في الاتحاد السوفيتي. ولعل هذا هو السبب في أن سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي، م. أ. سوسلوف، أوصى المؤرخين وعلماء الاجتماع باستخدام أكثر الصيغ حيادية عند وصف تاريخ الاتحاد السوفيتي: "الحزب الشيوعي"، "الشعب السوفيتي"، "الحركة الحزبية"، وما إلى ذلك.

ظهر شكل آخر من أشكال "المعارضة المنهجية" في نمط خاص: منشوراتٌ تتناول مراجعاتٍ للأبحاث الأجنبية تحت عنوان "نقد المفاهيم البرجوازية". عادةً ما كانت تُخصَّص صفحة أو صفحتان للنقد والعبارات الإيديولوجية المبتذلة، بينما احتوى باقي الكتاب على سردٍ مفصَّلٍ للأبحاث الغربية، كُتب في الغالب بتعاطفٍ واضح، بل وإعجابٍ مُحدَّدٍ بالتقاليد الغربية (الأمريكية بالدرجة الأولى). في الوقت نفسه، فضَّل الباحثون السوفييت الأعمال الأمريكية التي كُتبت في الأصل من منظورٍ ليبرالي أو ليبرالي معتدل، كما يتضح، على سبيل المثال، من أعمال مدرسة الواقعية السياسية، التي حظيت بدعم معهد الدراسات الأمريكية والكندية التابع لأكاديمية العلوم في الاتحاد السوفيتي. وقد تطوَّر البديل للماركسية في الاتحاد السوفيتي في المقام الأول كمفهومٍ ليبرالي بأشكاله المختلفة، مما يعني وجود صلة بين العلم السوفيتي والعلم الأمريكي.

في هذا السياق، نشأت ثقافة "شبه احتجاجية" مميزة في الاتحاد السوفيتي. في ستينيات القرن العشرين، ظهرت في الأدب السوفيتي، ولاحقًا في السينما، عدة أشكال من النقد المشروع للنظام: 1) "نثر الملازم"، الذي يصف عدم كفاءة القيادة السوفيتية وأخطائها خلال الحرب الوطنية العظمى؛

2) "نثر القرية"، الذي يتسم بالحنين إلى نمط الحياة الريفية القديم، الذي دمرته سياسة التجميع الزراعي، ومقارنة "الفلاح الحكيم" بسكان المدينة؛

3) إعادة النظر في صورة الحرس الأبيض: ظهور سلسلة من الأفلام التي بدأ فيها يُنظر إلى الحرس الأبيض أيضًا على أنهم وطنيون روس اتخذوا ببساطة الخيار الخاطئ؛

4) الخيال العلمي الساخر، مثل أعمال الأخوين ستروغاتسكي، الذي يصور الاتحاد السوفيتي والاشتراكية بشكل هزلي. كل هذا لم يؤدِ فقط إلى تآكل الأيديولوجية الشيوعية، بل إلى اعتبارها شيئًا بعيدًا ومنقرضًا، تمامًا مثل اللينينية.

مع تشديد الرقابة الأيديولوجية بعد المؤتمر الخامس والعشرين للحزب الشيوعي السوفيتي (1976)، بالتزامن مع بداية أزمة الانفراج الدولي، بدأ السخط يتصاعد بين المثقفين السوفيت. لم يعد المثقفون السوفيت في أواخر عهدهم ركيزة أساسية للشيوعية. ورغم ترديد الشعارات بشكل روتيني، إلا أن المواقف تجاه الأيديولوجية الشيوعية والقادة السوفيت كانت تتسم بقدر كبير من الشك. كانت روح الدعابة في أوديسا - وهي ثقافة فرعية فوضوية مميزة تتحدى أي مظاهر للدولة أو سلطتها - رائجة. وقد رافق ذلك نكات عن المكتب السياسي لبريجنيف، مما يدل على مدى تراجع مكانة قيادة الحزب الشيوعي السوفيتي في أوائل الثمانينيات. ومن بين الاتجاهات الأخرى، كان الاستماع الواسع النطاق لمحطات الإذاعة الغربية، مما عزز النظرة النقدية تجاه النظام السوفيتي والواقع. أصبح "المعارض المنهجي" نمطًا شائعًا بين المثقفين: شخص يُظهر ظاهريًا ولاءه للحزب الشيوعي السوفيتي، لكنه في قرارة نفسه يتعاطف مع المعارضين ونمط الحياة الغربي.

في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، كان شعار "البيريسترويكا تبدأ اليوم!" يُكمَّل عادةً بشعار آخر: "ابدأ بنفسك!". لكن المفارقة تكمن في أن المثقفين السوفييت أنفسهم كانوا قد لبّوا رغبة السلطات هذه منذ زمن، وكانوا على أتم الاستعداد لتبني أفكار البيريسترويكا وتطبيقها.

"لقد بدأت العملية!"

كثيرًا ما يتجادل علماء السياسة حول ما إذا كان الاتحاد السوفيتي قد سلك مسار جمهورية الصين الشعبية وأنشأ ما يشبه "الاشتراكية الصينية". يتجاهل هذا النقاش، إلى حد ما، الفرق الجوهري بين جمهورية الصين الشعبية والاتحاد السوفيتي، حيث كانت الوحدة الأساسية هي الجمهوريات الاتحادية، التي تمتلك كل منها سمات الدولة. رسميًا، منذ تأسيس الاتحاد السوفيتي، كان لكل جمهورية من الجمهوريات الاتحادية دساتيرها الخاصة، وعواصمها الجمهورية، ولغاتها، وأحزابها الشيوعية (باستثناء جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفيتية)، وهيئاتها ذاتية الحكم، بل وحتى الحق في إدارة سياساتها الخارجية الخاصة، بما في ذلك وزارات خارجية جمهورية (حتى أن جمهوريتي بيلاروسيا وأوكرانيا الاشتراكيتين السوفيتيتين انضمتا إلى الأمم المتحدة بشكل منفصل عن الاتحاد السوفيتي). نصت معاهدة الاتحاد لعام 1922 على حق الجمهوريات في الانفصال عن الاتحاد السوفيتي، لكن لم يتم تحديد الشروط أو الإجراءات.

لعبت السلطات الاتحادية دورًا محوريًا، بينما اقتصر دور السلطات الجمهورية على مهام رمزية. مع ذلك، وفي الوقت نفسه، استمر بناء الدولة. في جميع الجمهوريات، وصلت النخب الوطنية إلى السلطة، وأُجري التعليم المدرسي باللغات الوطنية. أنشأت كل جمهورية مدارسها التاريخية الوطنية الخاصة بها، متتبعةً نشأتها العرقية ودولتها إلى ما يقارب العصور الوسطى المبكرة، على الرغم من أن هذا لم يكن متوافقًا مع الواقع. لم تنشأ فكرة جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفيتية المستقلة من فراغ، فقد شعرت نخبتها باستمرار بالدونية بسبب افتقارها إلى عاصمة وحزب شيوعي خاص بها. ليس من قبيل المصادفة أنه خلال عهد ستالين، دارت عدة جولات من النقاش حول فكرة جعل لينينغراد عاصمة لجمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفيتية وإنشاء حزب شيوعي مستقل لها. بعد بعض التردد، قمع ستالين هذه المشاعر، خشية ظهور عاصمة ثانية في الاتحاد السوفيتي، لكنها استمرت. حظيت فكرة "روسيا المستقلة"، التي ظُلمت داخل الاتحاد السوفيتي، بدعم حذر من قيادة جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفيتية، ورُوّج لها من خلال المعارضة المحافظة.

بدأ الوضع بالتغير في منتصف سبعينيات القرن العشرين. في ذلك الوقت، شرعت عدة جمهوريات اتحادية (بشكل رئيسي جمهوريات أوكرانيا وأوزبكستان الاشتراكية السوفيتية، وجمهوريات البلطيق) في توسيع صلاحياتها بشكل غير رسمي. في عام 1976، تحولت لجنة أمن الدولة إلى هيئة ذات أهمية جمهورية اتحادية. وفي عام 1978، تم اعتماد دساتير الجمهوريات الاتحادية، مما وسّع صلاحيات أجهزة الحزب الجمهوري من خلال تكرار المادة السادسة من دستور الاتحاد السوفيتي. لم يكن يفصل النخب الجمهورية سوى خطوة واحدة عن إعلان السيادة.

إلا أن اعتماد الدساتير الجمهورية كان مصحوبًا بالفعل بصراعات عرقية. ففي ربيع عام 1978، تظاهر الشباب القومي في جورجيا ضد مسودة دستور جمهورية جورجيا الاشتراكية السوفيتية. منحت الوثيقة صفة الجمهورية لثلاث لغات: الجورجية والأبخازية والروسية، بينما طالب القوميون بالاعتراف باللغة الجورجية فقط كلغة جمهورية. وعلى الرغم من الاحتجاجات، تم اعتماد دستور جمهورية جورجيا الاشتراكية السوفيتية بصيغته لعام 1977.

بعد وصول ميخائيل غورباتشوف إلى السلطة عام 1985، ازدادت العلاقات توترًا بين المركز الاتحادي والجمهوريات. وبحسب المعلومات المتاحة للعموم، كان قادة هذه الجمهوريات يخشون استمرار سياسات يوري أندروبوف الصارمة لمكافحة الفساد، إذ جعل انتشار الاقتصاد الخفي النخب الجمهورية عرضةً للخطر الشديد في هذا الصدد. ولم تكن خلافاتهم مع الأمين العام الجديد أقل أهميةً، لا سيما بعد أحداث مارس 1985، حين عارض عدد من قادة الأحزاب الشيوعية الجمهورية ترشيح غورباتشوف.

وقد اندلع الصراع نتيجةً لأحداث في جمهورية كازاخستان الاشتراكية السوفيتية. فقد عارض د. أ. كوناييف، السكرتير الأول للجنة المركزية للحزب الشيوعي الكازاخستاني، غورباتشوف خلال انتخابات الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي. ومنذ منتصف عام ١٩٨٥، بدأت حركة نزوح للألمان الذين تم ترحيلهم من منطقة الفولغا خلال الحرب العالمية الثانية في كازاخستان. طالب الشعب الألماني بإعادة التأهيل والحق في إقامة جمهورية اشتراكية سوفيتية ألمانية ذاتية الحكم في كازاخستان. وكان رد الفعل تصاعدًا في النزعة القومية بين شباب كازاخستان. في 11 ديسمبر/كانون الأول 1986، أُقيل د. أ. كوناييف من منصبه، وعُيّن إ. ف. كولبين، السكرتير الأول للجنة أوليانوفسك الإقليمية للحزب الشيوعي السوفيتي، مكانه. أثار هذا التعيين مظاهراتٍ نظمتها حركة "جيلتوزغان" القومية في عاصمة الجمهورية، ألما آتا، في الفترة من 16 إلى 18 ديسمبر/كانون الأول 1986، ونُشرت القوات المسلحة في المدينة. عززت تسوية النزاع موقف ن. نزارباييف، رئيس مجلس وزراء جمهورية كازاخستان الاشتراكية السوفيتية.

أثارت أحداث ألما آتا قلق قادة الجمهوريات السوفيتية الأخرى، الذين خافوا من أن يُطبّق م. س. غورباتشوف "سيناريو كازاخستان" في بلدانهم أيضًا. لكن تبين لاحقًا أن هذه المخاوف لا أساس لها من الصحة. أدت "عملية اجتثاث الستالينية" إلى اشتباكات عرقية في مولدوفا وجورجيا وناغورنو كاراباخ. وفي جمهوريات البلطيق، اتخذ انتقاد اتفاقية مولوتوف-ريبنتروب ذريعةً لتشكيل "جبهات شعبية" - حركات جماهيرية تدعو إلى الانفصال عن الاتحاد السوفيتي. وقد حظيت هذه الحركات بدعم شريحة كبيرة من النخب الجمهورية. وفي الفترة 1988-1989، تبنت المجالس العليا لجمهوريات إستونيا وجورجيا وأرمينيا وأذربيجان الاشتراكية السوفيتية إعلانات سيادتها. وفي عام 1990، حذت جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفيتية ومعظم جمهوريات الاتحاد الأخرى حذوها. وفي 12 يونيو/حزيران 1990، قرر ممثلو جميع جمهوريات الاتحاد، باستثناء جمهوريات البلطيق، توقيع معاهدة اتحاد جديدة تحل محل معاهدة تأسيس الاتحاد السوفيتي المؤرخة 30 ديسمبر/كانون الأول 1922.

وانصب النقاش حينها على إصلاح معاهدة الاتحاد، بدلاً من الحفاظ على حرمتها. مهما كانت النتيجة، فإن الحفاظ على الاتحاد السوفيتي ضمن حدوده لعام 1986 كان شبه مستحيل. وهكذا، بدأ الانهيار الفعلي للاتحاد السوفيتي قبل توقيع اتفاقيات بيلوفيج: لم تكن هذه الاتفاقيات سوى المرحلة الأخيرة من عمليات كانت جارية منذ عام 1978.

***

لم تكن البيريسترويكا وليدة الصدفة أو نتيجة خيانة فردية، بل كانت نتيجة منطقية لنظام بريجنيف، وأزمة كانت تتفاقم داخله لسنوات طويلة. وقد وحّد السخط من "الركود" والإقرار بضرورة التغيير جميع شرائح المجتمع السوفيتي تقريبًا، من نخبة الحزب إلى المواطنين العاديين. لم يختلف سوى التصورات حول حجم هذه التغييرات واتجاهها. كان هدف البيريسترويكا تقليص صلاحيات الحزب الشيوعي السوفيتي، وإرساء اقتصاد السوق (بما في ذلك إخراج الاقتصاد من دائرة السرية)، وتقليص التزامات الدولة الاجتماعية. إلا أنه في سعيها لتحقيق هذه الأهداف، انقسم فريق الإصلاح إلى سلسلة من الفصائل المتناحرة.

يقدم تاريخ البيريسترويكا دروسًا قيّمة للمستقبل. فغالبًا ما يؤدي انهيار الدول، حتى القوى العظمى منها، إلى أحداث أقل دراماتيكية من العمليات الغامضة التي تبدو غير ملحوظة. يؤدي عدم إدراك هذه المشكلات ومعالجتها فورًا إلى تراكم ما يُسمى بالإخفاقات النظامية، والتي بدورها تُفضي إلى ظواهر سلبية واسعة النطاق لا رجعة فيها. شكّل انهيار الاتحاد السوفيتي انهيارًا لنظام بيروقراطي قوي كان قد بدأ بالتداعي خلال عهد بريجنيف. سمح جمود هذا النظام للاتحاد السوفيتي بالبقاء لمدة تتراوح بين 10 و15 عامًا أخرى، لكن الحفاظ على مظهر من مظاهر الاستقرار لم يعد ممكنًا. لقد أظهرت عملية البيريسترويكا، كيف يمكن لهذه المفاهيم السياسية المجردة أن تصبح واقعاً سياسياً بسهولة.

***

.....................

هوامش:

* ملاحظتان على الجزء الأول من المقالة: لم أتدخل في نص دراسة الأكاديمي الروسي فينينكو من الناحية المعلوماتية تعديلا أو تصحيحا أو حذفاً، واكتفيت بتعديلات ومراجعة لغوية وأسلوبية بسيطة على الترجمة الرقمية، وقد سجل أحد الرفاق المتابعين ملاحظتين على نص المقالة المترجَم وسأنقلهما كما هما لفائدة القراء:

الملاحظة الأولى ما ورد في المقالة عن: [... الصراع الشهير الذي دار في المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي السوفيتي صيف عام ١٩٨٨ بين "المحافظين" و"الإصلاحيين"]. الصحيح هو أن المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي السوفييتي عقد عام 1952 في أواخر حياة ستالين، في حين مؤتمر 1988 هو مؤتمر خاص، وهو تحديدا كما ورد في ترجمة د. زياد: كونفرنس الحزب التاسع عشر عام 1988 (المؤتمر الحزبي التاسع عشر لكل الاتحاد، وهو مؤتمر استثنائي وليس مؤتمراً عاديًا، عُقد في 28 حزيران – 1 تموز 1988.

الملاحظة الثانية، وهي سهو بالتأكيد، حيث ورد في المقطع التالي: (كانت الدول الأوروبية في وضعٍ أفضل من الاتحاد السوفيتي في هذا الصدد. لقد تجاوزوا فترة التوسع الحضري الهائل ونقص السلع، على غرار حقبة بريجنيف في الاتحاد السوفيتي في عشرينيات القرن الماضي. ولكن في ذلك الوقت، لم تكن هناك دول أخرى في العالم أكثر نجاحاً في إنتاج سلع أفضل وأعلى جودة. لم يكن لدى الألماني أو الفرنسي، على سبيل المثال في عام 1927) وواضح من خلال سياق النص أن المقصود حقبة ستالين وليس برجينيف". انتهت الملاحظتان. وشكرا جزيلا للرفيق على هاتين اللتين وردتا في المقالة الأصلية بقلم الكاتب فينينكو.

4-انظر، على سبيل المثال: بروتنتس ك. ن. غير المحققين. ملاحظات عن البيريسترويكا. موسكو: العلاقات الدولية، 2005.

5-ف. كوسولابوف، ن.أ. "ما كان؟" (تأملات في البيريسترويكا في ضوء نتائجها المعرفية) // العلوم الاجتماعية والحداثة. العدد 1، 2005.

6- و.غفيشياني، ج.م. "جسور إلى المستقبل". موسكو: الاتحاد السوفيتي، 2004. ص 89.

*أليكسي فينينكو: دكتور في العلوم السياسية، أستاذ، كلية السياسة العالمية، جامعة موسكو الحكومية (لومونوسوف).

** رابط يحيل إلى النص باللغة الروسية في المصدر:

https://russiancouncil.ru/analytics-and-comments/analytics/perestroyka-sorok-let-spustya/

بقلم الأكاديمي الروسي أليكسي فينينكو*

الترجمة رقمية بمراجعة علاء اللامي

***

"نظرا لطول المقالة ولكونها تتألف من أكثر من ستة آلاف وسبعمائة كلمة فقد قسمتها إلى جزأين. ع.ل"

يصادف هذا العام، 2025، مرور أربعين عاماً على تولي ميخائيل غورباتشوف السلطة وإطلاقه "استراتيجية التسريع"، التي تطورت لاحقا إلى "إعادة الهيكلة" البيريسترويكا. ويصادف العام التالي، 2026، مرور أربعين عاما على انعقاد المؤتمر السابع والعشرين للحزب الشيوعي السوفيتي وإعلان مفهوم "الفكر السياسي الجديد". من المنطقي توقع نقاشات مستفيضة بين المؤرخين وعلماء السياسة، ونشر مؤلفات واسعة النطاق مخصصة لهذه الأحداث. مع ذلك، لا تزال النقاشات حول الأحداث المفصلية التي وقعت قبل أربعين عاما هامشية في العلوم السياسية.

ومع ذلك، من الضروري العودة إلى تحليل سياسة البيريسترويكا لاستخلاص العبر من أحداث تلك الفترة. تنظر الأدبيات السائدة إلى أحداث النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي على أنها عارضة واستثنائية، ناجمة بالدرجة الأولى عن آراء شخصية إما لميخائيل غورباتشوف نفسه أو لدائرته المقربة منه. إلا أن هذا النهج يعجز عن تحديد الأسباب الموضوعية للبيريسترويكا التي كانت تتخمر داخل الاتحاد السوفيتي على مدى الثلاثين عاما السابقة لها. إلى حد ما، لم تكن بيرسترويكا غورباتشوف إنكارا لفترة بريجنيف، بل استمرارا لها، ونتيجتها الطبيعية. لذا، لفهم أصول البيريسترويكا، من الضروري تحديد اتجاهات الفترة السابقة التي أدت إلى التحول السريع للنظام السوفيتي في النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين.

صراع الإصلاحيين

غالبا ما تُصوَّر فترة البيريسترويكا على أنها صراع بين المحافظين والإصلاحيين في القيادة السوفيتية. لكن هذه النظرة لأحداث الثمانينيات تبدو بعيدة كل البعد عن الواقع. لم يكن هناك سياسي واحد في القيادة السوفيتية يدعو إلى إعادة نظام بريجنيف. فعلى الرغم من كل صعوبات البيريسترويكا وانهيار الاتحاد السوفيتي، لم يرفع أحد شعار: "العودة إلى بريجنيف!" أو "لنعد إلى عام 1982 الذهبي ولننسَ كل شيء كما لو كان كابوسا!" لقد وحَّد استياء جميع السياسيين من "ركود" بريجنيف، من مؤيدي البيريسترويكا المعتدلة إلى دعاة الإصلاح الجذري.

ومن الأمثلة الجيدة على ذلك: الصراع الشهير الذي دار في المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي السوفيتي صيف عام ١٩٨٨ بين "المحافظين" و"الإصلاحيين". كان ما يُسمى بـ"المحافظين"، الذين كان يُعتبر سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي، إ. ك. ليغاتشيف، زعيمهم، هم مَن أطلقوا مبادرة التسريع والبيريسترويكا، أي أنهم، وفقًا لمعايير عامي 1985-1986، كانوا إصلاحيين جذريين. أما خصومهم الجذريون، الذين توحدوا حول ب. ن. يلتسين، فقد طالبوا بتعميق وتوسيع نطاق الإصلاحات التي بدأها "فريق أندروبوف"، الذي انتمى إليه كل من غورباتشوف وليغاتشيف. لم يكن هذا صراعا بين المحافظين والإصلاحيين، بل بين مجموعات من الإصلاحيين. كان الجميع يؤيد إصلاح النظام السوفيتي، وكان السؤال الوحيد هو إلى أي مدى يجب تغييره.

مثال آخر هو أحداث – انقلاب - أغسطس/آب 1991. عند قراءة وثائق لجنة الطوارئ الحكومية، نستغرب أن أعضاءها لم يتطرقوا إطلاقا إلى ضرورة إحياء الأيديولوجية الشيوعية، أو إعادة العمل بالمادة السادسة من دستور الاتحاد السوفيتي (التي تنص على أن الحزب الشيوعي السوفيتي هو "القوة الرائدة والموجهة للمجتمع السوفيتي")، أو إلغاء قانون التعاون، أو حتى إلغاء إعلانات سيادة جمهوريات الاتحاد. بعبارة أخرى، لم تكن لجنة الطوارئ الحكومية تتوقع حتى العودة إلى الاتحاد السوفيتي عام 1988، فضلًا عما كان قبل ذلك. علاوة على ذلك، لم يكن أعضاء لجنة الطوارئ الحكومية من "شيوخ بريجنيف"، بل من فريق غورباتشوف: أولئك الذين أيدوا سياسة البيريسترويكا حتى خريف عام 1990 تقريبًا. بل كانت هذه الأحداث حلقة من حلقات الصراع داخل معسكر الإصلاح، تعكس الخلافات حول وتيرة الإصلاحات ونطاقها.

دعا الإصلاحيون الراديكاليون في أواخر ثمانينيات القرن الماضي باستمرار إلى التغلب على المقاومة الستالينية، لكن هوية هؤلاء "الستالينيين" الغامضين لا تزال لغزا حتى يومنا هذا. وقد أثبت المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفيتي بالفعل عدم وجود ستالينيين حقيقيين في القيادة السوفيتية. وعلى الرغم من التوقعات الأمريكية، لم يتمرد أي ستاليني على سياسات ن. س. خروتشوف في المؤتمرين الحادي والعشرين والثاني والعشرين. وعلى مدى الثلاثين عامًا الماضية، لم يبذل "الستالينيون" أي محاولة لإعادة الاعتبار لستالين، أي إلغاء قرارات المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي. كما أن الرغبة في وصف المشاركين في لجنة الطوارئ الحكومية بالستالينيين لا أساس لها من الصحة: فقد كانوا جميعا أعضاءً في فريق م. س. غورباتشوف، مما يعني أنهم دعموا وساعدوا في تنفيذ سياسة اجتثاث الستالينية في الفترة 1987-1988. وبالطبع، كان هناك مواطنون عاديون ومسؤولون حزبيون في الاتحاد السوفيتي تعاطفوا مع ستالين وعصره. مع ذلك، لم يكونوا في طليعة الحكومة، ولم يحددوا المسار السياسي للبلاد.

لم يكن هناك أي صدام بين الليبراليين والمحافظين في صياغة استراتيجية السياسة الخارجية للاتحاد السوفيتي. ويمكن العثور على العديد من المنشورات التي تزعم أن قادة بريطانيا العظمى والولايات المتحدة راهنوا على ميخائيل غورباتشوف كزعيم "مؤيد للغرب". في الوقت نفسه، لم يدعُ أي سياسي في القيادة السوفيتية عام 1985 إلى المواجهة مع الولايات المتحدة أو إلى سباق تسلح؛ ولم يفترض أحد أن الحرب قاعدة في العلاقات الدولية بروح المدرسة الأمريكية للواقعية السياسية؛ ولم يدعُ أحد إلى إلغاء قانون هلسنكي والانسحاب من مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا. استعار غورباتشوف فكرة "الوطن الأوروبي المشترك" من ليونيل بريجنيف وألكسندر غروميكو، وفكرة "بقاء البشرية" من نادي روما والمعهد السوفيتي للبحوث العلمية لدراسات النظم. بحسب السفير السوفيتي لدى الولايات المتحدة، أ. ف.، ووفقًا لدوبرينين، فإنه منذ أوائل عام 1984، كانت القيادة السوفيتية قد التزمت باستئناف الحوار مع واشنطن، و"لم تكن هناك خلافات بين غروميكو وأندروبوف. وبحلول أوائل عام 1984، كان كلاهما مقتنعًا بضرورة إيجاد مخرج من المأزق العميق في العلاقات السوفيتية الأمريكية، ولا سيما مفاوضات الحد من التسلح النوو.[1] وقد تشكل مسار السياسة الخارجية الجديد الذي ورثه م. س. غورباتشوف قبل نحو عام من وصوله إلى السلطة. وركزت المناقشات داخل القيادة السوفيتية على حدود الحوار والتنازلات المحتملة للولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية، وليس على ما إذا كان ينبغي مواصلة المواجهة أم لا.

وقد انخرطت فلول نخبة بريجنيف في جمهوريات الاتحاد بنشاط في عملية "ترسيخ السيادة" بدلًا من أن تصبح حصنًا للمحافظة. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، لم تنتقل السلطة في الدول الجديدة، بما فيها روسيا، إلى المعارضين، بل إلى نفس كوادر الحزب الذين بنوا مسيرتهم المهنية خلال عهد بريجنيف. الاستثناء الوحيد كان جمهورية جورجيا الاشتراكية السوفيتية، حيث وصل المعارض الراديكالي زفياد غامساخورديا إلى السلطة في خريف عام 1990. إلا أنه فقد السلطة هو الآخر بعد عام، تاركا وراءه حربا في أوسيتيا الجنوبية وحربا أهلية في جورجيا نفسها.

من الخطأ أيضاً الحديث عن انقسام في المجتمع السوفيتي خلال فترة البيريسترويكا. ففي أواخر عهد الاتحاد السوفيتي، لم تشهد البلاد حركات نخبوية أو جماهيرية معارضة للإصلاح. لم تكن هناك مظاهرات أو جماعات حزبية احتجاجاً على إلغاء المادة السادسة من الدستور وتقليص صلاحيات الحزب الشيوعي السوفيتي. ولم تكن هناك احتجاجات تحت شعارات مثل "ألغوا مؤتمر نواب الشعب، وأعيدوا السلطة كاملةً إلى المكتب السياسي!" أو "أعيدوا استراتيجية التسريع ونظام التخطيط!". طالبت المعارضة بإصلاحات أعمق، لكن لم يطالب أحد بإلغاء التغييرات التي طرأت في السنوات الأولى من البيريسترويكا. لم تكن هناك مقاومة للإصلاحات بحد ذاتها؛ لذا، لم تكن النخب ولا الشعب راضيين عن نظام السلطة القائم في ثمانينيات القرن العشرين.

وهذا الأمر الأخير، الذي يُثير استياء مُنظّري المؤامرة، يُفنّد النظرية الشائعة القائلة بأن أجهزة استخبارات أجنبية قدّمت رشاوى لأعضاء في المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي. لو أن بعض القيادات خانت، لكان الجناح "الوطني" من النخبة الحاكمة قد خاض معركة شرسة معهم، وربما خسرها، في صراع مرير. لكن لم يُرصد شيء من هذا القبيل في النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين. فقد كانت جميع جماعات الإصلاح عازمة على تفكيك نظام بريجنيف: كان السؤال هو ما الذي سيحل محله، لا كيفية الحفاظ عليه. وإذا ما توافقت مصالح غالبية الطبقة السياسية السوفيتية، كما يُفترض، مع مصالح دول أجنبية، فإن هذا لم يكن خيانة، بل تحولا جذريا في نظام البلاد.

كثيرًا ما يكتب الصحفيون عن تلاعب واسع النطاق بالوعي الجمعي للمواطنين السوفيت خلال فترة البيريسترويكا. ومع ذلك، عند التدقيق في أحداث تلك السنوات، يصعب العثور على آثار لهذا التلاعب المعلوماتي غير المسبوق. لم يكن النقد اللاذع لستالين والستالينية سوى إحياء لنهج خروتشوف في الانفتاح وشعارات المؤتمر الثاني والعشرين للحزب الشيوعي السوفيتي عام 1961، حين انكشفت للجمهور فظائع قمع ستالين. (جدير بالذكر أنه لم تُجرَ أي عملية تبرئة رسمية لستالين خلال فترة بريجنيف). وكانت أيديولوجية "لينين ضد ستالين" بدورها إحياءً لنهج المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي. بدأ النقد الموجه للينين وثورة أكتوبر مع نهاية البيريسترويكا، مطلع عام 1991 تقريبا. أما قبل ذلك، فسادت شعارات تدعو إلى العودة إلى "المعايير اللينينية" والتعاطف مع "الحرس اللينيني". وقد أيدت النخبة المثقفة إلى حد كبير إصلاحات البيريسترويكا، بينما نظر عامة الشعب إلى المؤتمرات والندوات التي لا تنتهي على أنها عرض ترفيهي أو قصة بوليسية سياسية.

... لم تقع الأحداث الرئيسية في الاتحاد السوفيتي عام 1985، بل في أواخر عام 1982، أي بعد وفاة بريجنيف. وخلال فترة حكم يوري أندروبوف القصيرة (نوفمبر 1982 - فبراير 1984)، تم دحر العناصر الأكثر تشدداً من "حرس بريجنيف" إلى حد كبير، وبدأت عملية إصلاح النظام. صرّح أندروبوف قائلاً: "إننا لا نعرف المجتمع الذي نعيش فيه"، وأعلن في أغسطس 1983 عن استراتيجية لتسريع التقدم العلمي والتكنولوجي، وبدأ مناقشات حول الإصلاح الاقتصادي - توسيع استقلالية المؤسسات. «أعتقد»، كما يتذكر ن. إ. ريشكوف، رئيس مجلس وزراء الاتحاد السوفيتي، «أن جذور البيريسترويكا تعود إلى أوائل عام 1983، حين كلفنا أندروبوف - مجموعة من المسؤولين في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي، بمن فيهم غورباتشوف وأنا - بإعداد مقترحات جوهرية للإصلاح الاقتصادي [2]. وقد حالت قضايا الفساد البارزة والانتقادات العامة لـ«الركود» دون عودة البريجنيفية - إذ كان النظام قد فقد مصداقيته بالفعل عام 1983.

- بعد وفاة أندروبوف، برزت ثلاث مجموعات من الإصلاحيين في منتصف ثمانينيات القرن العشرين:

1) أنصار الاشتراكية السوقية (الذين سيُطلق عليهم لاحقًا، خطأً، اسم المحافظين)؛

2) أنصار التقارب بين الاتحاد السوفيتي والديمقراطية الاجتماعية في أوروبا الغربية؛ ٣) أنصار الإصلاحات السوقية الجذرية التي تهدف إلى إرساء الملكية الخاصة على نطاق واسع.

مع ذلك، اتفقت المجموعات الثلاث على ضرورة إرساء نظام الملكية الخاصة (أي تقنين جزء من الاقتصاد الخفي)، وتقليص صلاحيات الحزب الشيوعي السوفيتي، وإعادة هيكلة نظام الدولة. وشكّلت الجلسة العامة للجنة المركزية في يناير/كانون الثاني 1987 نقطة تحول في الصراع بين الإصلاحيين، مما حدّد مسار الأحداث اللاحقة.

يجب أن يكون الاقتصاد اقتصادياً

خلال فترة البيريسترويكا، شاعت فكرة أن الاقتصاد السوفيتي كان غير كفؤ وأن موارد التحديث قد استُنفدت. ولا يزال المقصود بذلك غامضا حتى اليوم. في تسعينيات القرن الماضي، نُسب هذا "القصور الاقتصادي" بأثر رجعي إلى اعتماد الاتحاد السوفيتي على صادرات المحروقات. وظهرت نظرية مفادها أنه بعد صدمة النفط الأولى في الفترة 1973-1974، بدأت الدول الغربية بالتحول إلى الإنتاج كثيف الاستهلاك للطاقة، بينما اختار الاتحاد السوفيتي بيع المحروقات وتخلف عن الغرب تكنولوجيا. وأدت "صدمة النفط العكسية" (أي انخفاض أسعار النفط) عام 1986 إلى تقليل تدفق عائدات النفط إلى الاتحاد السوفيتي، مما جعل الانهيار الاقتصادي للنظام السوفيتي أمرا لا مفر منه.

إلا أن هذه النظرية لا تصمد أمام التدقيق. وقد أشار المشككون، بحق، إلى العديد من عيوبها الجوهرية. لا تُعيق صادرات المواد الهيدروكربونية بأي حال من الأحوال إنشاء الصناعات التحويلية المتقدمة: فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، أصبحت القوة الصناعية الرائدة في العالم خلال الفترة نفسها التي كانت فيها المُصدِّر الرئيسي للنفط. انخفضت أسعار النفط في عام 1986 إلى مستويات عام 1977 (أي أنها عادت إلى مستواها قبل "صدمة النفط الثانية")، لكن الاقتصاد السوفيتي استمر في العمل بسلاسة في أعوام 1977 و1976 و1975. علاوة على ذلك، بدءًا من عام 1987، بدأت أسعار النفط العالمية في الارتفاع، واستمرت في النمو حتى أوائل عام 1991. في عام 1987، استورد الاتحاد السوفيتي 16.16 مليون طن من النفط ومشتقاته، ما يعني أنه كان يعمل كمستورد للمواد الهيدروكربونية [3].

لعبت التغيرات الاجتماعية والاقتصادية العميقة التي حوّلت الاتحاد السوفيتي في النصف الثاني من القرن العشرين دورا أكبر بكثير. شهدت الفترة بين عامي 1961 و1962 أحداثًا مفصلية غيّرت وجه البلاد، حين تجاوز عدد سكان المدن في الاتحاد السوفيتي عدد سكان الريف لأول مرة. ففي ستينيات القرن العشرين، ولا سيما في سبعينياته، تحوّل الاتحاد السوفيتي إلى بلدٍ يغلب عليه طابع سكان المدن. وقد أدى ذلك إلى ظهور شعبٍ ذي متطلبات اجتماعية وآليات اقتصادية مختلفة عن تلك التي سادت خلال فترة التصنيع في عهد ستالين، والتي تزامنت مع الهجرة الجماعية من القرى إلى المدن. ففي ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، وحتى في ستينياته، كان الناس الذين ينتقلون من القرى إلى المدن مستعدين للعيش في ظروف معيشية صعبة والعمل في وظائف متدنية الأجر، وهم يحلمون بالاستقرار في المدينة. ولم يكن الحماس للخطط الخمسية الأولى وحده هو ما دفع الجماهير إلى المشاركة في مشاريع البناء الضخمة على مستوى الاتحاد، أو إلى السكن في الشقق السكنية الجماعية والمساكن الطلابية والثكنات العسكرية. أما الآن، فقد تغيّر الوضع. لم يكن سكان المدن من الجيل الثاني، الذين نشأوا في شقق فردية (حتى في مبانٍ تعود إلى عهد خروتشوف)، مستعدين لتحمل هذه المصاعب. وبحلول منتصف سبعينيات القرن العشرين، كان مخزون العمالة الرخيصة والواسعة قد نفد تقريبا.

لم تكن تجربة الاتحاد السوفيتي فريدة من نوعها. فقد تركت لنا جميع الأعمال الأدبية الأوروبية الكلاسيكية - من بلزاك إلى ريمارك - صورا لأبطال مستعدين لتحمل مشاق الحياة اليومية من أجل بناء أنفسهم في المدينة، وخاصة في العاصمة. ومثل سكان الاتحاد السوفيتي في عهد ستالين، كانوا على استعداد للعيش في الحانات، وبيوت الضيافة المتواضعة، والغرف المستأجرة ذات الأثاث المتهالك، أملًا في مستقبل أفضل. كان ظهور ما يُسمى بـ"مجتمع الاستهلاك" في منتصف القرن العشرين مرحلة حتمية في تشكيل الدول الحضرية. ولم يسلم الاتحاد السوفيتي أيضًا من هذه العملية، إذ انضم إليها في ستينيات القرن العشرين، متأخرا نسبيا مقارنة بالدول الأوروبية.

لم يعد سكان المدن راضين عن شققهم المشتركة، بل سعوا إلى تحسين ظروفهم المعيشية (باستبدال شققهم التي تعود إلى عهد خروتشوف بشقق أكثر راحة من عهد بريجنيف)، وشراء سيارة خاصة، وتوفير تعليم لأبنائهم يفتح لهم آفاقًا لمهن مرموقة. كانت مطالب الشعب من حكومته تتزايد باستمرار. فقد استُبدل السؤال القديم "كيف أنتقل إلى المدينة؟" بـ"كيف أحصل على شقة؟"، "أين أشتري أثاثًا جيدًا؟"، "كيف أجد مرآبًا لسيارتي؟". كان يُنظر إلى الحكومة التي تعجز عن تلبية الاحتياجات المتزايدة على أنها "غير كافية" أو "خاطئة". ونشأت مجموعة من المشاكل التي غذّت السخط المستمر بين المواطنين السوفيت.

أولًا، تراجعت حرية التنقل الأفقي. ففي الاتحاد السوفيتي في عهد بريجنيف، أصبح الانتقال إلى مدينة أخرى صعبا بشكل متزايد بسبب نظام التسجيل، وقلة عدد الفنادق ودور الضيافة، وصعوبة تغيير الوظائف. وكان الحصول على تصريح إقامة في مدينة أخرى أمرًا صعبًا، لا سيما في المراكز الصناعية الكبرى حيث كان السكن نادرًا. كان سوق الإيجار السكني شبه معدوم، وكانت المساكن الحكومية تُخصص بناءً على قوائم انتظار قد تمتد لسنوات. كما لعب تقليد الزواج المبكر وتكوين الأسرة في المجتمعات الريفية دورًا هامًا. كانت الأسر الشابة أقل قدرة على التنقل، إذ لم يكن الانتقال يعني تغيير الوظيفة والمنزل فحسب، بل كان يعني أيضا الحاجة إلى إيجاد رعاية للأطفال وتسجيلهم في المدارس.

أدى هذا الوضع إلى نقص في سوق العمل، وهو عامل أعاق التنمية الاقتصادية. لم يعمل الناس في الأماكن التي يكونون فيها أكثر فائدة، بل في الأماكن التي تسمح بها الظروف (التسجيل، السكن، الوضع العائلي). لم تتمكن المصانع والمؤسسات من استقطاب المتخصصين المؤهلين بسرعة من مناطق أخرى قد يكون فيها فائض في العمالة، مما أدى إلى نقص في العمالة، وتأخير في الإنتاج، وتراجع في جودة المنتجات. كان العمال أقل رغبة في تحسين مؤهلاتهم ومهاراتهم، لأنهم كانوا يدركون محدودية فرصهم في إيجاد عمل أفضل. في أواخر سبعينيات القرن الماضي، دقّت مراكز الأبحاث ناقوس الخطر بشأن تباطؤ التنمية الاقتصادية بسبب غياب سوق عمل مرن، كما هو الحال في الولايات المتحدة على سبيل المثال.

ثانيًا، أصبحت قضية السكن مصدرا دائما للاستياء الشعبي. مع أن بولغاكوف كتب في روايته "المعلم ومارغريتا" (1935) أن مشكلة السكن قد أفسدت سكان موسكو، إلا أن جيل ستالين لم يكن يدرك بعد حجم هذه المشكلة. كان الآباء يسكنون عادةً في القرى، بينما يسكن الأبناء في المدن، مما أدى، بطبيعة الحال، إلى انقطاع التواصل بين الأجيال. وخلال الفترة المضطربة من عشرينيات إلى أربعينيات القرن العشرين، كان الناس يغيرون أماكن إقامتهم باستمرار، بل وحتى ألقابهم في كثير من الأحيان. ولكن ابتداءً من أواخر ستينيات القرن العشرين، ظهرت ظاهرة جديدة: أجيال عديدة من المواطنين السوفييت يعيشون في شقة صغيرة واحدة، مما أصبح مصدر توتر دائم، وخلق استياءً مستمراً من الحكومة على جميع المستويات.

ثالثاً، تغيرت مواقف المواطنين تجاه الخدمة العسكرية. فبالنسبة لشاب من قرية أو من الطبقة العاملة في ثلاثينيات القرن العشرين، كانت الخدمة العسكرية بمثابة ارتقاء اجتماعي هائل. أما بالنسبة لسكان المدن في ثمانينيات القرن العشرين، فقد نُظر إلى الخدمة العسكرية الإلزامية على أنها التزام مرهق يعيق الحصول على تعليم جيد وبناء مستقبل مهني. كانت مكانة الضابط عالية جداً (ويرجع ذلك جزئياً إلى حزمة المزايا الواسعة)، لكن الخدمة كجندي لمدة عامين في الجيش كانت تُعتبر من قِبل الكثيرين "شراً لا مفر منه".

أدى ذلك إلى تذمر خافت من الجيش و"المحاربين"، الذين كانوا يعيشون حياة رغيدة لكنهم أهملوا الجنود. وكما أوضح عالم السياسة بوريس ميزويف، كان أعضاء النخبة المثقفة السوفيتية يحلمون بالتحرر من الخدمة العسكرية، وينظرون بحسد إلى الولايات المتحدة التي كانت تنتقل آنذاك إلى جيش يعتمد على التعاقدات.

رابعًا: تطور ثقافة الاستهلاك. مع بداية "عصر الركود"، ركز الاقتصاد السوفيتي بشكل متزايد على تلبية الاحتياجات الاستهلاكية للسكان. ومع ذلك، بالمقارنة بالمعايير الغربية، ظل الاستهلاك السوفيتي متواضعًا نسبيا. تعرف المواطنون السوفيت بشكل متزايد على مزايا الحضارة، التي كانت بعيدة المنال عنهم، من خلال السينما والسفر إلى الخارج (وخاصة إلى دول أوروبا الشرقية) والاستماع إلى محطات الإذاعة الأجنبية. وقد عزز ذلك شعورًا بالاستياء وعدم الرضا عن جودة الحياة، لا سيما بين الشباب، الذين رأوا في قيود النظام السوفيتي عائقا أمام النجاح الشخصي وتحقيق الذات.

نتج عن ذلك ولعٌ شديدٌ بالواردات والسلع المستوردة إلى الاتحاد السوفيتي. كان المواطنون السوفيت يبحثون بشغف عن السلع المستوردة، التي لم تكن متوفرة في كثير من الأحيان إلا من خلال معارفهم "1" أو عن طريق شرائها من تجار السوق السوداء. "الآن، يردد الشباب السوفيت، وكبار السن منهم، بحماسٍ شديدٍ أسماء شركات ومنتجات غربية مختلفة، لا شعارات ثورية. كلمات مثل "تشيسترفيلد" و"باناسونيك" و"مرسيدس" تخاطب قلوبهم أكثر بكثير من شعارات "الحرية والمساواة والإخاء". لم يعد تفضيل الملابس الأجنبية مقتصراً على جودتها فحسب." كتب الكاتب فلاديمير فوينوفيتش عن هذه الظاهرة: "يرتفع سعر الجينز بشكلٍ كبيرٍ إذا كان يحمل علامةً بارزةً على الجيب الخلفي مكتوب عليها "موستانج" أو "لي"، وينخفض بشكلٍ حادٍ إذا لم يكن كذلك". وقد ساهم هذا بحد ذاته في تنامي السخط الشعبي على النظام السوفيتي.

كانت الدول الأوروبية في وضعٍ أفضل من الاتحاد السوفيتي في هذا الصدد. لقد تجاوزوا فترة التوسع الحضري الهائل ونقص السلع، على غرار حقبة بريجنيف في الاتحاد السوفيتي في عشرينيات القرن الماضي. ولكن في ذلك الوقت، لم تكن هناك دول أخرى في العالم أكثر نجاحًا في إنتاج سلع أفضل وأعلى جودة. لم يكن لدى الألماني أو الفرنسي، على سبيل المثال في عام 1927، ما يقارن به أنظمتهم الاقتصادية: كان كل شيء متشابهًا تقريبًا في جميع أنحاء العالم. الاستثناء الوحيد كان الولايات المتحدة، ولكن في ذلك الوقت، كان التفاوت الاجتماعي فيها كبيرًا وصارخًا للغاية، مما أدى إلى اختلال التوازن في ازدهار السلع. كان المواطنون السوفييت يرون أمام أعينهم مثال "العالم الخارجي الجميل" بوفرة تلك السلع المستوردة التي كانت موضع أحلامهم. هذا في حد ذاته قوّض الثقة في النظام السوفيتي، مما أدى إلى ظهور السؤال الأزلي: "لماذا لا يستطيع شعبنا فعل ذلك؟"

وقد زاد الوضع تعقيدا وجود قوانين عمل متساهلة في الاتحاد السوفيتي مقارنة ببقية العالم، ومستوى عالٍ من الضمانات الاجتماعية. التعليم الثانوي المجاني الشامل، والرعاية الصحية، والعلاج في المنتجعات الصحية، والإجازات المدفوعة الأجر شهريًا أو حتى لمدة أربعين يومًا، وسن تقاعد منخفض، وحقوق مكفولة.

شكّلت هذه العمليات، التي بدت غير ملحوظة، الأجندة الاجتماعية والاقتصادية للبيريسترويكا. فمنذ أواخر سبعينيات القرن الماضي على الأقل، سعت القيادة السوفيتية إلى إيجاد سبل لإعادة تنشيط الاقتصاد، بما في ذلك تخفيف الالتزامات الاجتماعية وخلق سوق عمل مرن. رحّب الشعب بسقوط الحزب الشيوعي السوفيتي، الذي أصبح مصدرا للسخط الدائم، غالبًا دون أن يدركوا أن العديد من الضمانات الاجتماعية ستختفي معه. وهذا يُفسّر إلى حد كبير حقيقة أن إزاحة الحزب الشيوعي السوفيتي من السلطة تزامنت مع لامبالاة الشعب شبه التامة تجاه هذه العملية... يتبع في الجزء الثاني والأخير.

***

..........................

هوامش هذا الجزء:

*أليكسي فينينكو: دكتور في العلوم السياسية، أستاذ، كلية السياسة العالمية، جامعة موسكو الحكومية (لومونوسوف).

"1" تعبير شائع من عهد بريجنيف، يُشير إلى فرصة الحصول على سلعة نادرة عن طريق العلاقات - ملاحظة من المؤلف.

1- دوبرينين، أ. ف.، "سري للغاية". سفير الولايات المتحدة في واشنطن في عهد ستة رؤساء أمريكيين (1962-1986). الطبعة الثالثة. موسكو: العلاقات الدولية، 2023. ص 591.

2- نيناشيف، م. ف.، "الحكومة الأخيرة للاتحاد السوفيتي: شهادات شخصية. حوارات". موسكو، 1993. ص23.

3- فولكوف، ف. ف.، "أسطورة اعتماد الاتحاد السوفيتي على مبيعات النفط". سفوبودنايا ميسل. 2023. العدد 1. ص 25-32.

** رابط يحيل إلى النص باللغة الروسية في المصدر:

https://russiancouncil.ru/analytics-and-comments/analytics/perestroyka-sorok-let-spustya/

حالة المغرب وإعادة مساءلة النموذج النيوليبرالي

في سياق العولمة المعاصرة، أضحى الاستهلاك أحد الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها الاقتصادات الوطنية، باعتباره محركًا رئيسًا للنمو الاقتصادي، ومحددًا لاتجاهات الإنتاج، ومؤثرًا مباشرًا في اختيارات السياسات العمومية. غير أن هذه الدينامية الاستهلاكية لا يمكن مقاربتها بمعزل عن متغيرين بنيويين حاسمين، هما التشغيل ودخل الأسر، باعتبارهما الشرط الموضوعي للقدرة الفعلية على الاستهلاك وضمان استدامته.

وتُعدّ التجربة المغربية، في ظل اندماجها المتزايد في الاقتصاد العالمي، نموذجًا دالًا على ما تتيحه العولمة من فرص، كما تكشف في الآن ذاته حدود النموذج النيوليبرالي المهيمن، خاصة حين يتعلق الأمر بتوزيع ثمار النمو، وضمان الشغل اللائق، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية.

العولمة، الدولة، وتحولات النموذج الليبرالي

لم يعد النقاش الإيديولوجي حول الملكية العامة لوسائل الإنتاج يحتل الصدارة كما كان عليه إبّان الحرب الباردة، غير أن اشتداد صراعات القوى الدولية وسعيها المحموم للحفاظ على مواقع الريادة في قيادة الاقتصاد العالمي، دفع عمليًا المنظومة الليبرالية إلى التخلي الجزئي عن بعض مسلّماتها. فقد عادت الدولة بقوة، اقتصاديًا وعسكريًا، عبر تدخلات مباشرة لدعم تنافسية الاقتصادات الكبرى، وتأمين سلاسل التوريد، وحماية الصناعات الاستراتيجية.

وقد فتح منطق التدافع الجيو-استراتيجي الباب واسعًا أمام مفاوضات معقدة بين الشرق والغرب، في سياقات استُخدمت فيها الحروب والنزاعات كوسائل ضغط، حيث لم يعد السلم غاية إنسانية خالصة، بل أداة للتفاوض حول المصالح الاقتصادية والسياسية، وإعادة توزيع موازين القوة عالميًا.

المغرب: إصلاحات سياسية ونمو اقتصادي دون أثر اجتماعي كافٍ

استثمر المغرب، بوعي مبكر بتحولات النظام الدولي، إمكانياته المؤسساتية للحسم النسبي في عدد من المعضلات السياسية منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، مما أتاح له هامشًا أوسع للتركيز على الإصلاحات الاقتصادية وجعل الدولة فاعلًا مركزيًا في قيادة التغيير. غير أن النتائج المتراكمة، رغم أهميتها على مستوى المؤشرات الماكرو-اقتصادية، ظلت دون انتظارات الفئات العريضة من المجتمع.

فالشباب، على وجه الخصوص، لم يعد يرى في السوق الوطنية أفقًا حقيقيًا للإدماج الاجتماعي، إذ أضحى حلم الهجرة نحو الغرب خيارًا شبه جماعي. كما أن فرص الشغل التي يتيحها القطاع الخاص، في كثير من الحالات، تظل ضعيفة الجاذبية، وغير مشجعة على الاستقرار المهني، في ظل مستويات أجور لا تتناسب مع المؤهلات التكوينية ولا مع متطلبات العيش الكريم.

وفي هذا السياق، يبرز في المغرب سؤال مركزي: إلى أي حد يستطيع نموذج التنمية القائم، في ظل العولمة، ضمان توازن فعلي بين الاستهلاك، التشغيل، والعدالة الاجتماعية والمجالية؟

أولًا: الاستهلاك في الاقتصاد المغربي المنفتح على العولمة

يشكل استهلاك الأسر في المغرب، كما هو الحال في معظم دول العالم، مكوّنًا رئيسًا من مكونات الطلب الكلي، ومحركًا أساسيًا للنمو الاقتصادي. وقد ساهم الانفتاح التدريجي للاقتصاد المغربي، منذ برامج التقويم الهيكلي في ثمانينيات القرن الماضي، وتعزيزه لاحقًا عبر اتفاقيات التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والدول الإفريقية، في:

- توسيع عرض السلع والخدمات،

- الانخفاض النسبي لأسعار بعض المنتجات،

- إدماج المغرب في سلاسل القيمة العالمية.

كما أفرز هذا الانفتاح قطاعات إنتاجية موجهة نحو التصدير، مثل صناعة السيارات والطيران والفلاحة والنسيج، ما ساهم في خلق الثروة وتحسين بعض المؤشرات الاقتصادية. غير أن هذه الدينامية ظلت محدودة الأثر اجتماعيًا، بسبب ضعف آليات إعادة التوزيع، واستمرار إقصاء فئات واسعة، خاصة من الشباب، من الاندماج الفعلي في سوق الشغل.

ثانيًا: التشغيل ودخل الأسر والإكراهات البنيوية

رغم التحسن النسبي لبعض المؤشرات الاقتصادية الكلية، لا يزال المغرب يواجه اختلالات عميقة في مجال التشغيل ومستوى الدخل. فمعدلات البطالة، خصوصًا في صفوف الشباب وحاملي الشهادات وفي الوسط الحضري، تظل مرتفعة، في حين يستوعب القطاع غير المهيكل نسبة كبيرة من الساكنة النشيطة، في ظروف تتسم بالهشاشة وانعدام الحماية الاجتماعية.

وقد أفرز مسار العولمة بالمغرب مجموعة من الإكراهات، من أبرزها:

- هشاشة مناصب الشغل المرتبطة بالقطاعات التصديرية،

- الضغط على الأجور باسم التنافسية،

- ضعف تطور القدرة الشرائية لشريحة واسعة من الأسر،

- محدودية انفتاح مؤسسات التكوين العمومي على متطلبات الشعب العلمية والتكنولوجية الواعدة،

- ارتفاع كلفة التكوين الجيد، خاصة في المهن الذكية،

- ضعف أداء بنيات التنشئة الترابية في ترسيخ ثقافة الابتكار والميولات الفنية والتكنولوجية،

- البطء في الانتقال نحو وسائل الأداء الرقمية والتجارة الإلكترونية.

وبفعل هذه الاختلالات، أصبح الاستهلاك الداخلي يعتمد بشكل متزايد على آليات تعويضية، كالدعم الاجتماعي، أو المديونية، أو التضامن العائلي، ما يعكس هشاشة النموذج الاقتصادي المعتمد.

ثالثًا: العلاقات الاقتصادية الدولية بين الانفتاح والتبعية

اختار المغرب الانفتاح الاقتصادي كخيار استراتيجي لتعزيز جاذبيته للاستثمار الأجنبي المباشر وتحسين تنافسيته. وقد مكّنته شراكاته الاقتصادية، خاصة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والدول الإفريقية، من:

- استقطاب الشركات متعددة الجنسيات،

- تحقيق نقل جزئي للتكنولوجيا، غالبًا في بعدها التطبيقي دون تمكين فعلي من تطويرها محليًا،

- رفع حجم الصادرات وجلب العملة الصعبة،

غير أن الاستفادة من هذه الفرص ظلت محكومة بمنطق فئوي. في المقابل، تعمقت تبعية الاقتصاد المغربي للأسواق الخارجية، مما جعله أكثر عرضة للتقلبات الدولية، كما فرضت المنافسة العالمية ضغطًا كبيرًا على المقاولات الوطنية، وحدّت من قدرتها على توفير شغل مستقر ولائق.

رابعًا: تشبع المبادئ النيوليبرالية وبوادر التحول

شكّل النموذج النيوليبرالي، القائم على تحرير الأسواق والخصخصة وتقليص دور الدولة بدون تنمية قدرة القطاع الخاص بشكل كاف على تعويض انسحابها من المجالات الحيوية، الإطار المرجعي للسياسات الاقتصادية بالمغرب لعقود. غير أن مؤشرات متعددة تدل اليوم على بداية مراجعة تدريجية لهذا النموذج، من خلال:

- عودة الدولة بقوة عبر مشاريع كبرى للبنيات التحتية،

- تدخلات مؤسساتية لحماية الاقتصاد الوطني،

- تبني سياسات صناعية موجهة،

- رفع شعار تعميم الحماية الاجتماعية والصحية،

- تنامي الشعور بنوع من الإحباط واليأس لدى الفئات النشيطة،

- تفشي اختلالات في برامج الإدماج المهني والتكوين بالتناوب.

وتعكس هذه التحولات إدراكًا متزايدًا بأن آليات السوق وحدها غير كافية لتحقيق التنمية الشاملة والعدالة الاجتماعية.

خاتمة

تُبرز التجربة المغربية أن العولمة، رغم ما تتيحه من فرص للنمو والاندماج الاقتصادي، تكشف في الوقت نفسه حدود النموذج النيوليبرالي، خاصة في ما يتعلق بالتشغيل ومستوى دخل الأسر. فرغم مركزية الاستهلاك في الاقتصاد الوطني، تظل قدرته محدودة بفعل هشاشة الشغل وضعف القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المجتمع.

وعليه، يمكن القول إن العولمة في صيغتها النيوليبرالية الكلاسيكية بلغت درجة من التشبع، ما يفرض إعادة التفكير في نموذج تنموي أكثر توازنًا، يزاوج بين الانفتاح الاقتصادي ودور الدولة في التنظيم والتوزيع العادل للثروة، ويضع الإنسان في صلب المشروع التنموي.

***

الحسين بوخرطة

الصراعات الداخلية والنزاعات الإقليمية تقود لحروب واسعة النطاق ملاذا للأزمات العالمية

تشير تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومراكز الأبحاث الدولية إلى؛ أن العالم يشهد في العقود الأخيرة تصاعدًا حادًّا في الضغوط البنيوية التي تقود إلى اضطرابات وصراعات داخلية لم تعد محصورة داخل حدود الدولة الوطنية، انما امتدت لتتشابك مع مصالح قوى إقليمية ودولية، وقد أسهم ذلك في تدويل النزاعات وتحويل بعضها إلى حروب إقليمية واسعة النطاق.

ترتبط هذه التوترات بعوامل بنيوية متجذّرة تتطور عبر الزمن، بهدف الاستحواذ على الموارد الاقتصادية حيثما ترسمها السياسة وتنفذها القوه، إضافة إلى الديناميات العالمية المعقدة التي تعمّق هشاشة الدول وتزيد مستويات الاستقطاب الاجتماعي، خاصة عند اقترانها بتدخلات خارجية مباشرة أو غير مباشرة.

أبرز العوامل البنيوية التي تؤدي إلى تصاعد التوترات) داخل الدول)، وتحول الصراعات الداخلية إلى نزاعات إقليمية وحروب واسعة ذات آثار عالمية:

1. ضعف الدولة الذي يتمظهر بضعف مؤسسات الحكم والعدالة والأمن، وبالتالي حدوث الفراغ الذي تستغله القوى الأخرى.

2. اقتصاد الريع؛ الذي يولّد أعتماد الدول على الموارد الطبيعية خصوصًا النفط والغاز، صراعات السيطرة على العائدات مما يزيد احتمالات النزاعات الداخلية.

3. الهويات المتصارعة تزيد من التوترات العرقية والدينية وتختصر العدو بالأوطان، مما يسهم في تفكك الدولة وظهور الفاعلين غير الحكوميين.

.4الضغوط البيئية، اذ ان تغير المناخ ونقص المياه يرفعان حدّة التنافس على الموارد.

.5 التدخلات الخارجية في تشكيل بيئات قابلة للانفجار وذلك؛ بتهريب وانتشار السلاح، وتدفق موجات اللاجئين، والتحالفات الإقليمية من خلال توازنات القوى التي تولد سباقًا للتدخل والسيطرة، وبالتالي تدويل الأزمات الإنسانية، وهذا ما يؤدي إلى تحويل الصراعات المحلية إلى نزاعات إقليمية متداخلة.

اما أبرز التحولات العالمية التي تُعد محركات عميقة لعدم الاستقرار الدولي، والمولّدة (للحروب الإقليمية) الواسعة النطاق:

أولًا: الانفجار السكاني والضغوط الديموغرافية

تشير تقديرات إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة (2023) إلى أن عدد سكان العالم بلغ 8.1 مليار نسمة، مع توقعات ببلوغ 9.7 مليار في 2025، وتتركز هذه الزيادة في قارة إفريقيا وجنوب قارة آسيا ما يولد ضغطًا متناميًا على الغذاء والمياه والبنى التحتية، وتُظهر تقارير البنك الدولي (2024) أن الدول ذات النمو السكاني المرتفع تعاني غالبًا من هشاشة اقتصادية وارتفاع في مستوى الفقر، مما يجعلها أكثر عرضة لنزاعات داخلية كما في دول منطقة الساحل الأفريقي الغربي .

ثانيًا: البطالة عامل محفّز للصراع

بلغ عدد العاطلين عالميًا أكثر من 205 ملايين عاطل، ويصل معدل بطالة الشباب إلى أكثر من 20% في مناطق اسيوية وإفريقية وفي أمريكا اللاتينية، وهذا ما يُوفر بيئة خصبة للاحتجاجات والتمردات المسلحة.

ثالثًا: سباق التسلح وتغير ميزان القوى العالمي

في (2024) بلغ الإنفاق العسكري العالمي 204 تريليون دولار، وهو الإنفاق العسكري الأعلى تاريخيًا. ورافق ذلك صعود قوى إقليمية تتبنى استراتيجيات توسعية مثل؛ الهند، الصين في بحر الصين الجنوبي، باكستان، روسيا، وتتنافس جميعها على امتلاك أسلحة دقيقة، وتطوير تكنولوجيا الطائرات المسيّرة، وهذه البيئة تزيد هشاشة الاستقرار وتحوّل العديد من المناطق حول العالم إلى ساحات صراع بالوكالة.

رابعًا: ضعف التعليم وتفكك رأس المال البشري

تظهر تقرير اليونسكو أن 244 مليون طفل لا يذهبون للمدرسة، وأن 770 مليون بالغ يعانون من الأمية الوظيفية/ الحرفية، إضافة لسعة مستوى الامية الالكترونية/ الرقمية المعاصرة. ان انخفاض مستوى وجودة التعليم يُضعف الهوية الوطنية ويزيد من انتشار خطاب الكراهية، مما يجعل المجتمعات عرضة للاختراق الداخلي وللنزاعات الأثنية والطائفية كما في ميانمار وإثيوبيا.

خامسًا: صعود الهويات التقليدية ما قبل الحديثة

تشهد مجتمعات العديد من الدول عودة قوية للهويات التقليدية؛ القبلية منها والدينية والعرقية نتيجة فشل الدولة الوطنية في تقديم نموذج مجتمعي اندماجي فعال، وهذا الفشل يتعارض مع قيم الدولة المدنية الحديثة ويفضي الى عودة الهويات التقليدية، وبالتالي توالّد النزعات التي تغذي صراعات داخلية تستغلها القوى الخارجية لتعميق الانقسام.

سادسًا: احتكار التكنولوجيا وأشباه الموصلات

أنّ 80% من الرقائق الألكترونية المنتَجة عالميًا تُصنع في ثلاثة دول؛ تايوان، كوريا الجنوبية، الولايات المتحدة، مع توسّعها في الصين، وأن هذا الاحتكار يغذي التنافس الاستراتيجي الأميركي– الصيني، خاصة مع اعتماد صناعة الرقائق الألكترونية على معادن نادرة.

سابعًا: المعادن النادرة

تُعد المعادن النادرة من أهم أسباب الصراعات الجيوسياسية عالميا، لدورها الحاسم في الصناعات العسكرية والتكنولوجية والطاقة المتجددة، وأبرز هذه المعادن:

1. الليثيوم ويدخل في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية والهواتف، ومثلث إنتاجه الأرجنتين، بوليفيا وتشيلي.

2. الكوبالت ويدخل في صناعة بطاريات أيونات الليثيوم، ويأتي إنتاج أكثر من 70% منه من الكونغو وهي منطقة نزاع مستمر على المناجم، وتتداخل فيه شركات صينية وأمريكية.

3. العناصر الفلزية النادرة وتشمل (17) عنصرا مثل النيوديميوم، الديسبروسيوم، اللانثانوم، وهي عناصر ضرورية لصناعة الرقائق الإلكترونية، الأقمار الصناعية والأسلحة الذكية، وتسيطر الصين على أكثر من 70% من الإنتاج العالمي لها، مما يجعلها محور التنافس الدولي.

4. النيكل وهو مهم لصناعة بطاريات السيارات الكهربائية والفولاذ المقاوم للصدأ، ويتركز إنتاجه في روسيا واندونيسيا، وقد رفعت العقوبات الاوربية والأمريكية على روسيا مستوى تعثر إمداداتها.

5. التيتانيوم ويستخدم في صناعة الطائرات الحربية والمركبات الفضائية، وتعد روسيا وأوكرانيا من أكبر المنتجين له، مما جعل الحرب بينهما ذات أثر مباشر على سلاسل إمداده.

6. البلاتين والبلاديوم ويستخدمان في؛ صناعة محولات تقليل الانبعاثات الضارة من السيارات، وصناعة الوقود النظيف. وعالميا تنتج  روسيا40 % من البلاديوم، اما دولة جنوب إفريقيا فنتتج 70 % من البلاتين، مما يجعلهما محور التنافس الدولي الجيوسياسي.

ثامنًا: ان التنافس على مصادر الطاقة، والمياه، والموارد الاستراتيجية يضع هذه مناطق أنتاجها تحت ضغط صراعات داخلية وإقليمية متعددة وكبيرة، اذ يتركّز 48% من احتياط النفط العالمي في الشرق الأوسط. كما تشير تقارير البنك الدولي(2024)  إلى؛ أن ندرة المياه تُعتبر العامل الأول للنزاعات المستقبلية في دول آسيا الوسطى، ومناطق حوض النيل. وتشهد العديد من المناطق في جميع القارات تحولها إلى ساحات صراع بين القوى الإقليمية والدولية على الموارد الاستراتيجية/ الذهب، النحاس، المعادن النادرة، واحتياطات النفط والغاز.

تاسعًا: زعزعة الأمن الداخلي للدول عبر التدخلات الخارجية

شهد العالم في (2023) و (2024)استخدام أدوات جديدة لإضعاف دول عديدة، بتدخلات القوى الكبرى من خلال تكثيف أساليب (الحرب الرمادية) التي تشمل؛ دعم جماعات معارضة أو انفصالية، حروب سيبرانية، حملات تضليل اعلامية، واستغلال للأزمات الاقتصادية، وذلك لافتعال الاضطرابات. وتنفذ الحرب الرمادية دون إعلان حرب تقليدية، خصوصا بعد أعتماد تقنيات منخفضة الكلفة وبفعّالية عالية جدًا، كاستخدامات أسراب الدرونز الجوية والبحرية والبرية وبمنظومات ذاتية/ شبه ذاتية التشغيل والمدعومة بالذكاء الاصطناعي لضرب منشآت حيوية، وهذا ما يكشف هشاشة الأمن الإقليمي ويزيد من تعقيد النزاعات المعاصرة.

تتفق تقارير الأمم المتحدة، والبنك الدولي، ومراكز الفكر الدولية/ معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام على أن؛ النزاعات المعاصرة ليست حوادث منعزلة، أنما نتاج تفاعل عوامل ديموغرافية واقتصادية وتعليمية وتكنولوجية وجيوسياسية متشابكة، وإن فهم العوامل البنيوية للتوترات والصراعات يمثل شرطًا أساسيًا لصياغة سياسات فعّالة للحد من النزاعات الإقليمية والحروب واسعة النطاق. فالنزاعات ذات الأسباب البنيوية العميقة تميل إلى الاستمرار والتمدد، ويعد ضعف الدولة هو العامل الأخطر في ذلك لأنه يسمح للعوامل الأخرى بالتفاعل بحرية. اما التدخلات الخارجية فتحوّل النزاعات إلى حروب بالوكالة. وتظهر المنعكسات العالمية لما تقدم في كل من؛ موجات اللجوء، واضطرابات توريد مصادر الطاقة، وتعثر سلاسل التوريد وبالتالي انكماش التجارة الدولية.

تتمثل الأدوات الضرورية لتجنب الأزمات العالمية، وتمدد الصراعات التي تقود لحروب واسعة النطاق بكل من؛ تعزيز قوة الدولة، تبني أنظمة تعليمية قوية، تحقيق العدالة الاقتصادية، اتباع سياسات سكانية عاقلة. والسعي لتقوية التعاون الإقليمي، ضبط سباق التسلح، تشكيل إطار دولي حقيقي لتنظيم التعاون التكنولوجي، واستثمار المعادن النادرة والموارد الاستراتيجية

***

د. مجيد ملوك السامرائي – كاتب اكاديمي

......................

المراجع:

1.UNDP 2024. Global Trends of Conflict.

2.UN DESA Population Division. 2023. World Population Prospects.

3.Brookings Institution. 2023. 3.Global Economic and Conflict Drivers.

4.SIPRI IEA. 2024. SIPRI Yearbook 2024

في الشرق الأوسط المعاصر.. مقاربة فلسفية نقدية

تحولات السلطة والجسد في الشرق الأوسط

شهد الشرق الأوسط المعاصر تحولاً جذرياً في طبيعة ممارسة السلطة، بعيداً عن النموذج الويستفالي التقليدي للسيادة القائمة على احتكار العنف ضمن حدود إقليمية واضحة. تتمثل الإشكالية المركزية التي تواجه المنطقة اليوم في الانتقال من السيادة الويستفالية التقليدية إلى سلطات بيوبوليتيكية ونيكروبوليتيكية متداخلة. لا تقتصر وظيفة هذه السلطات على حماية الحدود، بل تتعداها إلى إدارة الحياة (البيوبوليتيك) وتحديد شروط الموت (النيكرو-بوليتيك) داخل وخارج الأجساد السياسية والاجتماعية.

استناداً إلى التأسيس النظري لميشيل فوكو حول السلطة الحيوية، وإلى المفهوم النقدي لأشيل مبيمبي عن سياسة الموت [1, 2]، تركز البيوبوليتيك، أو السلطة الحيوية، على إدارة السكان، والإحصاءات، والصحة، والتحكم في الكثافة السكانية، بهدف جعل الأفراد والمجموعات "يعيشون" بأقصى قدر من الكفاءة [1]. وعلى النقيض، تأتي النيكرو-بوليتيك، وهي سلطة تفرض حالة من الاستثناء لتحديد من يجب أن يموت ومن يُسمح له بالبقاء على قيد الحياة. يمثل الشرق الأوسط، بتاريخه الكولونيالي الطويل وتشظي سيادته، مختبراً جوهرياً لدراسة هذه التحولات الثلاثية المعقدة في تداخلها وتعارضها.

الجذور الفلسفية العربية للسلطة وإدارة السكان

شكلت إسهامات المفكرين العرب في العصور الوسطى أسساً منهجية سابقة لأوانها لتحليل الديناميكيات الاجتماعية والسياسية. لقد وضع ابن خلدون، من خلال تأسيسه لعلم الاجتماع، منهجية جديدة لدراسة بناء المجتمعات والحضارات ونشأة الدول [3]. يمثل هذا التحليل نقطة انطلاق إقليمية لتحليل الديناميكيات الاجتماعية والسياسية التي تحكم السيطرة على الأفراد والمجتمعات.

وفي سياق آخر، يمكن ملاحظة وعي مبكر بضرورة إدارة الأجساد والسكان على أسس وضعية وعقلانية. فعندما اجتاح الطاعون أوروبا في القرن الرابع عشر، رآه الكثيرون نتيجة لإرادة إلهية أو لوصم جماعات معينة، مما أدى إلى استجابات غيبية غير فاعلة. على النقيض من ذلك، أكد لسان الدين بن الخطيب، صديق ابن خلدون، الذي عايش الوباء في الأندلس، على أن انتشار المرض سببه "العدوى"، وأن وجودها "أمر ثابت بالتجربة والبحث واليقين الحسي والأخبار الموثوقة" [4]. يمثل هذا المنهج وعياً مبكراً لضرورة إدارة الحياة (ما يمكن تسميته بالبيوبوليتيك الأولية)، حيث اعترف ابن الخطيب بالعلة "الوضعية" للمرض، مما يستلزم انتصاراً بشرياً مستنداً إلى البحث والتجربة [4]. يشير هذا الاستبصار التاريخي إلى أن المنطقة تمتلك جذوراً فكرية في المقاربات العقلانية لإدارة الحياة، وهي مقاربات تعرضت للتهميش لاحقاً في ظل أنظمة الحكم الحديثة.

الخطاب ما بعد الكولونيالي وإعادة تعريف السيادة

تعود الهشاشة البنيوية للسيادات الوطنية في الشرق الأوسط بجذورها إلى الحقبة الكولونيالية، حيث أصبح الجسم السياسي خاضعاً دائماً لخطابات السيطرة الغربية. استخدم إدوارد سعيد، في نقده لتفكيك الخطاب الكولونيالي القديم والجديد، مفاهيم مستمدة من فوكو وغرامشي، مثل "الخطاب والجسد والتمثيل والجغرافيا التخيلية".

إن النيكرو-بوليتيك والبيوبوليتيك لا يعملان فقط على الأجساد المادية للسكان، بل يعملان أيضاً عبر "الجغرافيا التخيلية" [5]. من خلال هذا التصور، يتم تصنيف مناطق معينة كأماكن مخصصة إما للإدارة الحيوية السلبية أو للموت المباشر. يبرر هذا التصنيف الجغرافي ممارسات الاستثناء والسيطرة، ويعمق من الشعور بالاستلاب الذي تحدث عنه فرانز فانون، وهو شعور متنامٍ لدى الشعوب المستعمرة تاريخياً.

 الانتقال النظري من البيوبوليتيك إلى النيكرو-بوليتيك

تفترض المقاربة النقدية أن السلطة تتخذ أشكالاً مختلفة للسيطرة. تبدأ السيادة التقليدية بممارسة الاستثناء لتعليق القانون وتحديد العدو. تتطور هذه السيادة إلى البيوبوليتيك، التي تركز على جعل الناس يعيشون من خلال الإحصاءات وإدارة الصحة والرعاية. [1]

لكن في سياقات الأزمات والحروب، يتحول النظام. عندما تفشل البيوبوليتيك في "جعل الناس يعيشون" بكفاءة، يظهر مفهوم النيكرو-بوليتيك. تمثل هذه السياسة سلطة تحديد من يجب أن يُهمل أو يُقتل، ومن يجب أن يعيش تحت ظروف مهينة. هذا التحول ليس انفصالاً، بل هو نقطة سببية، فالنيكرو-بوليتيك تنشأ في الفضاءات التي تفشل فيها البيوبوليتيك في تأدية وظيفتها الحمائية والتحسينية.

تآكل السيادة وفضاء "العصور الوسطى الجديدة"

تتعرض السيادة في الشرق الأوسط لضغوط متزايدة بسبب التغيرات الجيوسياسية الداخلية والخارجية، مما أدى إلى تشظي السلطة وظهور ما يُعرف بمنظور "العصور الوسطى الجديدة."

تُشكل التدخلات الدولية والجيوسياسية ضغطاً هائلاً على الدول الإقليمية، خاصة الصغيرة منها، ما يرغمها على تبني مواقف تتعارض في كثير من الأحيان مع مصالحها الوطنية العليا [6]. هذا التنازل هو في جوهره عمل بيوبوليتيكي من قبل الدولة. فالدولة تختار التخلي عن جزء من سيادتها لضمان بقاء الجسم السياسي والحصول على الموارد اللازمة لمنع الانهيار الاقتصادي أو الأمني. إنها تختار "العيش" في حالة منقوصة للهروب من خطر "الموت" (الفشل الكلي)، وهو ما يمثل تحدياً جوهرياً لمفهوم الاستقلال. وفي هذا السياق، تظهر الدعوات لتبني مفهوم السيادة المرنة، الذي يركز على استراتيجيات تمكن الدولة من التكيف مع المتغيرات الدولية دون التفريط الكامل بالاستقلال. [6]

آليات صناعة الموت والتحكم فيه

تُعد النيكرو-بوليتيك أداة استراتيجية في الشرق الأوسط، لا تقتصر على القتل المباشر، بل تشمل هندسة للهشاشة وتدمير البنى التحتية للمجتمعات المُستهدفة.

تُستخدم النيكروبوليتيكس، أو "سياسة الموت"، كأداة أساسية في تنفيذ الأجندات الجيوسياسية للولايات المتحدة وإسرائيل في الشرق الأوسط [2]. والهدف ليس مجرد القتل، بل هندسة للهشاشة، فمن خلال زعزعة استقرار المجتمعات، وتدمير قدرتها على المقاومة، يتم تدمير قدرة السكان على "التكاثر" (بالمنظور الفوكوي) أو على تحقيق "الحياة" المستدامة [2]. هذا التدمير الممنهج يجعل السيطرة الجيوسياسية على المنطقة أسهل، ويحافظ على قدرة تفوق الردع للقوى المهيمنة. [2]

إن تدمير البنى التحتية الحيوية هو شكل من أشكال النيكرو-سلطة، حيث يتم التحكم في البقاء على قيد الحياة، وتُفرض شروط الموت أو الحياة في حالة إنهاك دائم.

 المقاومة الفلسفية للنيكرو-سلطة

تتطلب مواجهة آليات النيكرو-سلطة تفكيكاً ملحاً للخطاب السائد. تلعب الأكاديميات ومراكز الأبحاث، مثل أكاديمية دراسات اللاجئين، دوراً محورياً في تقديم دراسات نقدية تهدف إلى فضح آليات السيطرة وتوفير رؤى بديلة تتجاوز الإطار السياسي الضيق الذي تفرضه الدولة القومية والفاعلون المهيمنون.

النتائج الرئيسية

لقد أثبت التحليل أن السيادة في الشرق الأوسط المعاصر هي سيادة مُحاصَرة وهشة، تُدار بشكل متزايد عبر آليات بيوبوليتيكية ونيكروبوليتيكية متكاملة.

تتخلى الدول عن جزء من استقلالها (التنازل السيادي المشروط) كآلية بيوبوليتيكية لضمان البقاء ومنع الفشل الكامل [6]. هذا الخيار ينتج سيادة منقوصة، ولكنه يمثل محاولة عقلانية لتجنب خطر الانهيار النيكروبوليتيكي.

أدى ظهور الفاعلين من غير الدول، خاصة في سياق الدول الفاشلة، إلى تفكيك احتكار الدولة للسلطة. إن منظور "القرون الوسطى الجديدة" يفسر كيف أن هذه الجهات تتقاسم ممارسة السلطة الحيوية والقاتلة، مما يخلق فضاءات سيطرة متداخلة.

تحول البيوبوليتيك إلى نيكرو-بوليتيك: في أزمات النزوح واللجوء، تتحول سياسات الإدارة (البيوبوليتيك) إلى سياسات إهمال (النيكرو-بوليتيك)، حيث يُترك السكان الضعفاء ليواجهوا الموت البطيء الاجتماعي والاقتصادي نتيجة لتدهور الدعم الإنساني والظروف المعيشية.

هندسة الهشاشة: يتم استخدام سياسة الموت بشكل ممنهج كأداة للهيمنة، بهدف زعزعة الاستقرار وتدمير قدرة المجتمعات المستهدفة على المقاومة، مما يمثل "هندسة للهشاشة" تخدم الأجندات الإقليمية والدولية.

يجب العودة إلى الجذور الفكرية العقلانية في المنطقة، مثل منهج ابن الخطيب في التعامل مع الأوبئة، لاستلهام نهج وضعي وإنساني في إدارة الصحة والخدمات، ورفض تسيس الحياة الإنسانية وتحويلها إلى مجرد أداة في يد السلطة البيوبوليتيكية.

 ***

غالب المسعودي

......................

المراجع

ابن خلدون، عبد الرحمن. مقدمة ابن خلدون. مراجعة وتعليق علي عبد الواحد وافي. القاهرة: دار نهضة مصر للطباعة والنشر

ابن الخطيب، لسان الدين. مقالة في الطاعون. في تاريخ الأندلس ونكباتها

أغامبين، جورجيو. الإنسان الحافي: السلطة والسيادة والحياة العارية. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2011

فوكو، ميشيل. تاريخ الجنسانية، الجزء الأول: إرادة المعرفة. ترجمة محمد صبح. بيروت: المركز الثقافي العربي، 2003

كابلان، روبرت ف. انتقام الجغرافيا: ما تقوله الخرائط عن الصراعات القادمة وعن معركة ضد القدر

[ليبر، روبرت أو.] السيادة المرنة: التكيف مع المتغيرات العالمية

مبيمبي، أشيل. "النيكرو-بوليتيكس." ترجمة لعدد من المترجمين. فصلية Public Culture 15، العدد 1 (2003): 11–40.

[منشور من أكاديمية دراسات اللاجئين]

سعيد، إدوارد. الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق. ترجمة كمال أبو ديب. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1981.

 

مقدمة: ثمة ألم خفي يسري في عروق المجتمعات العربية المعاصرة، ألم لا تلتقطه الكاميرات ولا تُحصيه الإحصاءات، لكنه يسكن في قلب كل شاب عربي يقف على عتبة المستقبل فلا يرى إلا ضبابًا كثيفًا. هذا الألم ليس وليد اليوم، بل هو تراكم عقود من التآكل البطيء لمنظومة القيم، ومن الانهيار التدريجي لعقد اجتماعي كان يومًا يربط الفرد بالأسرة، والأسرة بالمجتمع، والمجتمع بالدولة، والجميع بمنظومة أخلاقية تتجاوز الكلمات إلى الأفعال. حين نتحدث عن الفساد في العالم العربي، فإننا لا نتحدث فقط عن ملفات رشوة أو قضايا اختلاس تملأ صفحات الأخبار، بل نتحدث عن شيء أعمق وأخطر: عن "فساد الروح" الحضارية نفسها، عن تحول المجتمعات إلى فضاءات باردة يحكمها منطق المصلحة الضيقة، حيث تتآكل الثقة وتتفكك العلاقات وتنهار المعاني.

تخيّل معي شابًا جزائريًا أو مصريًا أو عراقيًا يقف في طابور طويل أمام مؤسسة حكومية، ينتظر منذ الفجر للحصول على ورقة إدارية بسيطة. يرى أمامه من يدخلون مباشرة دون انتظار، ليس لأنهم أولى بالحق، بل لأنهم يمتلكون "واسطة". يعود إلى بيته محبطًا، يفتح هاتفه فيجد فيضًا من المحتوى التافه يملأ شاشته، يحاول أن يتحدث مع والده عن أحلامه فيجد جدارًا من الصمت، يُفكر في الزواج فيصطدم بمتطلبات مالية تفوق قدرته. يذهب إلى المسجد فيسمع خطبة عن "الصبر" و"الرضا بالقدر"، لكنه لا يرى في الواقع أي تطبيق لقيم العدل والنزاهة التي يُفترض أن يُمثلها الدين. تدريجيًا، تتسرب إليه مشاعر اليأس، يبدأ في التساؤل عن جدوى الجهد والأمانة والأخلاق في عالم يكافئ الفساد ويُعاقب النزاهة. هذا الشاب ليس حالة فردية، بل هو مرآة لجيل كامل يعيش أزمة وجودية عميقة.

حين تُخبرنا الأرقام أن المنطقة العربية حافظت على متوسط درجة 39 من 100 في مؤشر مدركات الفساد لعام 2024، أدنى من المتوسط العالمي البالغ 43 نقطة، فإنها لا تُخبرنا فقط عن فشل إداري أو ضعف مؤسسي، بل تُخبرنا عن مأساة حضارية1 ، هذه الأرقام تُترجم إلى أحلام محطّمة، وطموحات مُجهَضة، وعائلات متفككة، ونفوس مكتئبة، وعقول هاربة إلى عوالم التفاهة الافتراضية. خلف كل نقطة في هذا المؤشر، هناك آلاف القصص الإنسانية عن ظلم وقع، أو فرصة ضاعت، أو كرامة هُدِرَت، أو حق سُلِبَ.

والمفارقة الصادمة، التي تُشبه سكينًا تطعن القلب، هي أن هذا كله يحدث في مجتمعات تعتبر نفسها متدينة بامتياز، حيث يرى 62% من العرب أن الدين هو البوصلة الأخلاقية لمجتمعاتهم2 . كيف يُمكن لمجتمعات تمتلئ مساجدها بالمصلين، وتتصدر فيها الخطب الدينية وسائل الإعلام، وتُنفق الملايين على البرامج الدينية، أن تكون في الوقت نفسه من بين الأكثر فسادًا في العالم؟ الإجابة تكمن في انفصام خطير بين الشعار والممارسة، بين الكلمة والفعل، بين الإيمان والأخلاق. لقد تحول الدين في كثير من السياقات العربية إلى "طقوس بلا روح"، و"شعائر بلا جوهر"، ينفصل فيها الإنسان عن مضمون رسالته الأخلاقية والإنسانية.

هذه الدراسة هي محاولة لفهم هذه الأزمة الحضارية المركّبة، لكنها أيضًا – وهذا الأهم – محاولة لإيقاظ الوعي النقدي، لتحريك المياه الراكدة، لزرع بذور الأمل في نفوس قد تكون يئست. لأننا نؤمن أن الفساد ليس قدرًا محتومًا، وأن التغيير ممكن، وأن الشعوب العربية تستحق أفضل مما هي عليه، وأن المستقبل لا يُبنى بالبكاء على الماضي بل بالعمل الجاد لتغيير الحاضر. هذه الدراسة دعوة إلى "ثورة حضارية" شاملة، تبدأ من الذات وتمتد إلى المجتمع والدولة، ثورة تُعيد للقيم معناها، وللأخلاق قوتها، وللإنسان كرامته.

الفساد سرطان الإقلاع الحضاري

إذا تأملنا في خريطة الفساد العربية لعام 2024، نجد مشهدًا يُشبه جسدًا بشريًا أصابه مرض خبيث بعض أعضائه تعاني من فشل شبه كامل (سوريا بـ12 نقطة، اليمن وليبيا بـ13 نقطة، الصومال بـ9 نقاط)3 ، هذا التباين ليس مجرد أرقام جافة، بل هو انعكاس لتفاوت حاد في مستويات الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية. فحيث ينخفض الفساد، يرتفع الأمل؛ وحيث يستشري الفساد، يتعمق اليأس.

لكن ما يجمع معظم الدول العربية – رغم اختلافها الكمي – هو طبيعة الفساد البنيوية. فالفساد في العالم العربي ليس مجرد "تفاحات فاسدة" في سلة سليمة، بل هو فساد "منظومي" متجذر في البنى الهرمية التي تقيد المجتمعات، وتُحيط ممارساتها الفاسدة بستائر كثيفة من المحسوبية والولاءات. هذه ليست انحرافات عابرة، بل هي "الطبيعة" نفسها للواقع العام، البنية التي تُعيد إنتاج نفسها يوميًا عبر شبكات معقدة من المصالح والولاءات.

والأخطر من الفساد المؤسسي هو تسربه إلى النسيج الاجتماعي اليومي، حتى أصبح جزءًا من "ثقافة" المجتمع. الوساطة والمحسوبية والشبكات العائلية والقبلية لم تعد ممارسات استثنائية، بل أصبحت القاعدة التي يعمل بها الجميع. في كل مؤسسة، في كل مدرسة، في كل مستشفى، في كل مصلحة إدارية، تسمع الجملة الشهيرة: "هل لديك واسطة؟" هذا السؤال البسيط يختزل مأساة كاملة: مأساة مجتمع فقد الثقة في العدالة، وتخلى عن مبدأ الجدارة، وقبل بالفساد كـ"ضرورة" للبقاء. حين يُضطر المواطن الشريف إلى البحث عن "واسطة" للحصول على حقه، فإن شيئًا ما يموت في داخله، شيئًا من كرامته، من إيمانه بالعدالة، من ثقته في المجتمع.

التكلفة الاقتصادية لهذا الفساد المنظومي فادحة: تريليونات الدولارات تُهدَر سنويًا، 5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، 1.26 تريليون دولار في البلدان النامية وحدها4، لكن الأرقام لا تُخبرنا الحقيقة الكاملة. التكلفة الحقيقية للفساد ليست في الأموال المسروقة، بل في الأحلام المقتولة، في الطاقات المُهدَرة، في الثقة المفقودة، في الكرامة المُداس عليها. حين يرى الطالب المجتهد أن زميله الأقل كفاءة حصل على المنحة لأن لديه "واسطة"، يتعلم درسًا قاسيًا: العمل الجاد لا يكفي، الأخلاق رفاهية لا يستطيعها إلا الأغبياء، الفساد هو "الواقعية". هذا الدرس المُرّ يُعيد تشكيل وعيه، ويُحوّله تدريجيًا من مواطن يؤمن بالقيم إلى فرد يؤمن بالمصلحة فقط.

الإنهيار الممنهج للأسرة: تفشي الاكتئاب وصدارة التفاهة

في قلب هذه المنظومة الفاسدة، تعاني المؤسسة الأسرية – التي كانت يومًا الملاذ الأخير، الحصن الدافئ الذي يحتضن الفرد في مواجهة قسوة العالم – من انهيار متسارع ومؤلم. الشاب العربي اليوم يقف أمام معادلة مستحيلة: الضغوط الاقتصادية تجعل الزواج حلمًا بعيد المنال، والضغوط الاجتماعية تُحوّل الزواج إلى "صفقة اقتصادية" بدلاً من رابطة إنسانية، والقيم التقليدية تتآكل دون أن تحل محلها قيم جديدة واضحة. في دول مثل سوريا ولبنان والعراق، يُجبر الشباب على التخلي عن فكرة الزواج والأسرة، أو يختارون الهجرة بكل مخاطرها بحثًا عن حياة أفضل. ليست المشكلة اقتصادية فحسب، بل هي أزمة معنى: ما معنى بناء أسرة في مجتمع لا يُوفر لها الأمان؟ ما معنى إنجاب أطفال في عالم لا نرى لهم فيه مستقبلًا؟

والأسرة التي تنجح في التكوّن رغم كل العقبات، تجد نفسها في مواجهة تحديات جديدة: ضعف أسسها، تدهور العلاقات بين أفرادها، اختلال الأدوار، ونمو رغبة في التحرر من قيودها. الأدبيات المعاصرة تُظهر خيطًا مأساويًا يربط بين تفكك الأسرة والأزمات النفسية. فالأسرة المفككة لا توفر الدعم النفسي والعاطفي اللازم، مما يجعل أفرادها – وخاصة الشباب – أكثر عرضة للاكتئاب والقلق واضطرابات الهوية.

والأرقام تصرخ بصوت عالٍ: 29% من العرب يُعانون من الاكتئاب، وهي نسبة أعلى بكثير من المعدل العالمي، وترتفع النسبة بشكل صادم بين العراقيين والتونسيين والفلسطينيين5، في مصر، 5.7% من السكان يعانون من الاكتئاب، متجاوزة المعدل العالمي البالغ 4.4%.6 لكن هذه الأرقام لا تُخبرنا عن المعاناة الحقيقية: عن الشاب الذي يستيقظ كل صباح دون أي رغبة في مواصلة الحياة، عن الفتاة التي تُخفي دموعها خلف ابتسامة مصطنعة، عن الأب الذي فقد معنى وجوده، عن الأم التي تحمل أعباء الجميع دون أن يسألها أحد عن حالها.

المنطقة العربية تزخر بأسباب الاضطرابات النفسية، وهذه الأسباب ذات طبيعة سياسية واجتماعية عميقة: الحروب والنزاعات، عدم الاستقرار السياسي، القمع، الفساد، البطالة، غياب العدالة الاجتماعية، وانسداد الأفق. لكن وصمة العار المرتبطة بالمرض النفسي تمنع الكثيرين من طلب المساعدة. في كثير من المجتمعات العربية، يُنظر إلى الاكتئاب على أنه "ضعف إيماني"، وكأن الله خلق الإنسان آلة لا تحزن ولا تتألم. هذه النظرة القاسية تُضاعف معاناة المريض، وتدفعه إلى العزلة أو إلى البحث عن ملاذات وهمية.

أحد هذه الملاذات الوهمية هو عالم "التفاهة" الذي غزا حياتنا اليومية كالطاعون. ثقافة التفاهة استولت على الجهد العقلي للشباب، معظمهم يقضون ساعات طويلة في استهلاك محتوى لا يُنمّي وعيًا ولا يُثري فكرًا. مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت أفيونًا جديدًا يُخدّر العقول ويُشتت الانتباه عن القضايا الحقيقية. هذا الاستهلاك الثقافي التافه ليس مجرد ترفيه بريء، بل هو آلية هروب من واقع قاسٍ، لكنه هروب يُعمّق الأزمة بدلاً من حلها.

والحلقة المفرغة تكتمل بقسوة: الفساد المؤسسي يُنتج ضغوطًا تُفكك الأسرة، والأسرة المفككة تفشل في دعم أفرادها، والأفراد يقعون فريسة للاكتئاب أو ينسحبون إلى عالم التفاهة، والاكتئاب والتفاهة يُعمّقان الانسحاب من المشاركة الاجتماعية، وهذا الانسحاب يُعزز استمرار الفساد. هكذا تُعيد الدائرة إنتاج نفسها، وتتعمق الأزمة جيلًا بعد جيل، ما لم نتدخل بوعي وإرادة لكسر هذه الحلقة المشؤومة.

تدين بلا أخلاق، وأخلاق إشهارية:

في خضم هذا الظلام الحالك، تبرز مفارقة تُشبه الجرح النازف: كيف يُمكن لمجتمعات تعتبر نفسها متدينة أن تكون في الوقت نفسه الأكثر فسادًا؟ حيث يعتبر 62% من العرب أن الدين هو البوصلة الأخلاقية لمجتمعاتهم، بينما تُظهر مؤشرات الفساد صورة مناقضة تمامًا7.هذا التناقض ليس صدفة، بل هو نتاج تحول خطير: تحول الدين من منظومة قيمية متكاملة تُنظّم الحياة بكل تفاصيلها، إلى مجرد "طقوس شكلية" و"مظاهر خارجية" تفتقر إلى الجوهر الأخلاقي.

التحولات في المواقف تجاه التدين تُظهر أن هناك اهتمامًا متزايدًا بالأخلاق الفردية وتركيزًا أقل على الممارسات الدينية الإشهارية، بعبارة أخرى، هناك انفصال متزايد – وربما وعي متزايد بهذا الانفصال – بين الشعائر والسلوك. يمكن لشخص أن يكون في الصف الأول في المسجد، لكنه في عمله يمارس الفساد والرشوة والمحسوبية دون أن يشعر بأي تناقض. هذا الانفصام ليس فرديًا فحسب، بل هو بنيوي: المؤسسات الدينية الرسمية في كثير من البلدان العربية أصبحت في الغالب الأعم لا تخرج عن نطاق القرارات الوضعية كأنها مُسخّرة لخدمة المصالح الأيديولوجية و ليس الصالح العام الذي لا يرتبط سوى بالعدالة و الكرامة الإنسانية.

النتيجة هي تدين منفصل عن الأخلاق، وأخلاق منفصلة عن السلوك، وسلوك منفصل عن القيم. في هذا الفراغ الأخلاقي الرهيب، يستفحل الفساد ويصبح جزءًا من "الطبيعة"، يُمارَس دون شعور بالذنب، بل أحيانًا بتبريرات دينية ("الرزق من عند الله"، "كل الناس تفعل ذلك"، "لا بد من ذلك للبقاء"). هذا الانفصام بين الظاهر والباطن، بين القول والفعل، بين الإيمان والأخلاق، هو قلب المأزق الحضاري الذي نعيشه.

الإصلاح كمشروع حضاري

لكن رغم كل هذا الظلام، فإن الأمل لا يموت. التاريخ يُعلّمنا أن الحضارات لا تموت إلا حين تستسلم شعوبها لليأس. والشعوب العربية لم تستسلم بعد. في كل بقعة من العالم العربي، هناك أفراد ومجموعات يقاومون الفساد، يُدافعون عن النزاهة، يحلمون بمستقبل أفضل، ويعملون بصمت وإخلاص من أجل التغيير. التجارب الناجحة – رغم محدوديتها – تُثبت أن التغيير ممكن حين تتوفر الإرادة السياسية الحقيقية والمشاركة المجتمعية الواسعة.

التجربة الخليجية، خاصة في قطر والسعودية، تُثبت أن الرقمنة والحوكمة الإلكترونية يمكن أن تُقلل من فرص الفساد بشكل كبير، السعودية اعتقلت حوالي 1,708 فردًا في عام 2024 وحده بتهم الفساد، مما يُشير إلى إرادة سياسية للمحاسبة8.لكن المكافحة الأمنية وحدها لا تكفي؛ يجب أن تترافق مع إصلاح ثقافي واجتماعي عميق.

مكافحة الممارسات غير الرسمية مثل المحسوبية والوساطة تتطلب إصلاحًا ثقافيًا يُعيد بناء المنظومة القيمية. تصميم تدابير مكافحة الفساد يجب أن يأخذ في الاعتبار السياقات الثقافية المحلية. يجب تضمين قيم النزاهة والشفافية في المناهج التعليمية، وإطلاق حملات توعية، وتعزيز ثقافة الاستحقاق والجدارة. على المستوى الأسري، يتوجب معالجة جذور التفكك: توفير فرص عمل لائقة، إسكان ميسور، خدمات صحية وتعليمية عالية الجودة، وأنظمة حماية اجتماعية فعّالة. كما يجب مواجهة ثقافة التفاهة بتعزيز المحتوى الثقافي النوعي، ودعم الإبداع الفكري والفني.

فيما يتعلق بالصحة النفسية، يجب إزالة وصمة العار، وتوفير خدمات ميسورة ومتاحة. يجب أن يُنظر إلى الصحة النفسية كحق أساسي. أما المفارقة بين التدين الشكلي وتآكل الأخلاق، فتتطلب إصلاحًا دينيًا يُعيد الاعتبار للبعد الأخلاقي للدين: تحرير الخطاب الديني من السيطرة السياسية، وتطوير خطاب يُركّز على القيم الجوهرية: العدل، النزاهة، الأمانة، الصدق، المساواة، والكرامة الإنسانية.

خاتمة: الطريق نحو المستقبل

الفساد المجتمعي في العالم العربي ليس قدرًا محتومًا، بل هو نتاج اختيارات بشرية، وبالتالي يمكن تغييره باختيارات بشرية مختلفة. التقارير الحديثة تُظهر أن التقدم ممكن حين تتوفر الإرادة الحقيقية. لكن التحدي الأكبر يبقى في الدول التي تعاني من صراعات والدول التي تُعاني من فساد مستشرٍ. في هذه البلدان، مكافحة الفساد تتطلب إعادة بناء العقد الاجتماعي بالكامل.

الطريق طويل وشاق، لكن البدائل أسوأ بكثير. العالم العربي يستحق حوكمة نزيهة، مؤسسات شفافة، مجتمعات متماسكة، أسر مستقرة، أجيال سليمة نفسيًا، ثقافة عميقة ترفض التفاهة، ومنظومات قيمية حقيقية تُترجم إلى سلوك أخلاقي يومي. المستقبل ممكن، لكنه يتطلب شجاعة لمواجهة المصالح الضيقة، وإرادة جماعية لبناء مجتمعات قائمة على العدل والنزاهة والكرامة.

ولنتذكر دائمًا: التغيير يبدأ من الذات. كل واحد منا يمكن أن يكون نقطة ضوء في هذا الظلام، كل فعل نزيه، كل كلمة حق، كل رفض للفساد، هو لبنة في بناء المستقبل الذي نحلم به. الحضارات لا تُبنى بالخطب الرنانة، بل بالأفعال اليومية الصغيرة التي تتراكم لتُصبح تغييرًا كبيرًا. الفجر قادم، لكنه لن يأتي إلا بأيدينا، بوعينا، بإصرارنا، بإيماننا بأن الإنسان العربي يستحق أفضل مما هو عليه، وبأن المستقبل ملك لمن يعمل من أجله اليوم.

***

مراد غريبي

......................

الهوامش:

1.  Transparency International, "CPI 2024 for the Middle East & North Africa: Corruption Linked Authoritarianism Calls Reform Emerging," 10 Feb. 2025.

2.  Arab News, "Study Sees Religion as the Moral Compass of Arab Societies

3.  AMAN-Palestine, "Transparency International Releases the 2024 Corruption Perceptions Index Findings Including the Results from the Arab World," 12 Feb. 2025.

4.  Alatawi, Omar D., "Combating Corruption and Promoting Economic Resilience," Nature, vol. 41599, 14 Oct. 2025.

5.  Orient XXI, "Arab World: Mental Health, a Political Issue," 30 Sept. 2024.

6.  Infomine Research, "Major Depressive Disorder in Egypt and the Middle East," 18 July 2024.

7.  Arab News, "Study Sees Religion as the Moral Compass of Arab Societies."

8.  Alatawi, "Combating Corruption and Promoting Economic Resilience."

 

قراءة قانونية جديدة في ضوء الثقافة الرقمية

مع توسع استخدام التكنولوجيا الحديثة وانتشار الإنترنت في كل جوانب الحياة اليومية، برزت ظاهرة التحرش الإلكتروني كأحد أبرز التحديات القانونية والاجتماعية المعاصرة فقد أصبح الفضاء الرقمي مساحة تتيح للأفراد التواصل بحرية، وفي الوقت نفسه، أصبح مرتعًا لممارسات سلبية تمس الحقوق والحريات الشخصية ومن هذا المنطلق، تزداد الحاجة إلى قراءة قانونية جديدة تُعيد صياغة مفهوم التجريم التقليدي لتتناسب مع خصوصية الثقافة الرقمية.

أولاً: مفهوم التحرش الإلكتروني وأشكاله

التحرش الإلكتروني هو كل سلوك ينطوي على مضايقة أو تهديد أو استغلال شخص عبر الوسائل الرقمية، سواء كان ذلك عبر الرسائل النصية، البريد الإلكتروني وسائل التواصل الاجتماعي أو أي منصة رقمية أخرى ويتجلى التحرش الإلكتروني في عدة أشكال منها:

1. الإساءات اللفظية: مثل السب، التهديد أو الإهانات المباشرة عبر الفضاء الرقمي.

2. المضايقات المستمرة: إرسال رسائل متكررة مزعجة أو غير مرغوب فيها.

3. التشهير الإلكتروني: نشر معلومات أو صور شخصية دون إذن بقصد الإضرار بالسمعة.

4. التحرش الجنسي الرقمي:

إرسال محتوى جنسي غير مرغوب فيه أو طلب إيصالات رقمية ذات طبيعة جنسية وتتضح هنا الحاجة إلى تعريف قانوني دقيق يراعي طبيعة هذه الأفعال الرقمية، بعيدًا عن التصنيفات التقليدية للتحرش الواقعي.

ثانيًا: الإطار القانوني الحالي

تعتمد معظم التشريعات الوطنية على قوانين حماية الشخصية والخصوصية وبعض القوانين الجنائية التي تجرم السب والقذف إلا أن هذه التشريعات غالبًا ما تواجه صعوبة في التطبيق على الجرائم الإلكترونية لأسباب أبرزها:

- عبور الحدود: فالمتحرش قد يكون في دولة أخرى، مما يعقد تطبيق القانون المحلي.

- طبيعة الأدلة الرقمية: البيانات الرقمية يمكن تعديلها أو حذفها بسرعة مما يعرقل جمع الأدلة القانونية.

- غياب التعريف الموحد: لا يوجد حتى الآن تعريف موحد للتحرش الإلكتروني في معظم التشريعات، مما يفتح ثغرات أمام المتهمين

على سبيل المثال، في العراق والدول العربية، هناك بعض المواد التي تجرم الإهانة أو السب الإلكتروني، لكنها لا تغطي جميع أشكال التحرش الإلكتروني، وخاصة المضايقات المستمرة أو التحرش الجنسي الرقمي.

ثالثًا: الثقافة الرقمية والتحرش الإلكتروني

فالثقافة الرقمية هي مجموع الممارسات والقيم التي تنشأ نتيجة استخدام الأفراد للتقنيات الرقمية وفي هذا السياق، يتحقق التحرش الإلكتروني نتيجة عدة عوامل:

1. الانفلات الرقمي:

شعور المتحرش بالحرية والانفصال عن العقوبة المباشرة في الفضاء الرقمي

2. غياب الرقابة الذاتية: ان نقص الوعي القانوني أو الأخلاقي لدى بعض المستخدمين.

3. سهولة الوصول والتخفي:

القدرة على التواصل مجهول الهوية أو عبر حسابات مزيفة تسهّل ممارسة التحرش دون الخوف من المسؤولية

وهذا يوضح أن الثقافة الرقمية نفسها قد تسهم في تكوين بيئة مواتية للتحرش ما يستدعي استجابة قانونية وقائية أكثر فاعلية.

رابعًا: مقاربة قانونية جديدة لتجريم التحرش الإلكتروني

لغرض تطوير منظومة قانونية فعّالة، يجب أن تشمل المقاربة الجديدة عدة محاور:

1. تعريف شامل للتحرش الإلكتروني:

يشمل المضايقات التهديدات، الإيذاء النفسي والنشر غير القانوني للبيانات.

2. تجريم خاص بالتحرش الرقمي:

إضافة مواد قانونية مستقلة تجرم الأفعال الرقمية بغض النظر عن وجود العنصر الجنسي أو المادي.

3. آليات حماية الضحايا: مثل فرض حظر تواصل مؤقت، حذف المحتوى المسيء، وتعويضات مدنية للضرر النفسي والمادي.

4. تعاون دولي:

لأن الفضاء الرقمي لا يعرف حدودًا، فإن الاتفاقيات الدولية ومبادرات تبادل المعلومات بين الدول ضرورية لتطبيق القانون.

5. التوعية القانونية:

نشر الثقافة القانونية الرقمية بين المستخدمين خصوصًا الفئات الأكثر عرضة للتحرش مثل الشباب والنساء.

خامسًا: الأمثلة العملية والتحديات.

لقد شهدت عدة دول تجارب مختلفة في مواجهة التحرش الإلكتروني، على سبيل المثال:

- الاتحاد الأوروبي:

اعتمد قوانين صارمة لحماية البيانات الشخصية وجرم نشر المحتوى الجنسي غير المرخص.

- الولايات المتحدة الأمريكية:

أدخلت بعض الولايات قوانين متخصصة للتحرش عبر الإنترنت، مع توفير حماية للضحايا من المضايقات المستمرة.

- الدول العربية:

معظم التشريعات لا تزال تعتمد على القوانين التقليدية، ما يستدعي تحديث النصوص القانونية لمواكبة التطورات الرقمية.

ان التحدي الأساسي يكمن في تحقيق توازن بين حماية الحقوق الفردية وحرية التعبير على الإنترنت، دون أن تصبح العقوبات مبالغًا فيها أو غير قابلة للتطبيق.

سادسًا: التوصيات

من أجل تجريم التحرش الإلكتروني بفعالية يجب التركيز على:

1. تحديث القوانين المحلية لتشمل أشكال التحرش الرقمي المختلفة.

2. إدراج برامج توعية قانونية وأخلاقية للمستخدمين في المدارس والجامعات.

3. تعزيز التعاون الدولي لمواجهة الجرائم الإلكترونية العابرة للحدود.

4. تطوير أدوات قانونية وتقنية لجمع الأدلة الرقمية بشكل آمن وقانوني.

5. تشجيع المجتمع المدني على المشاركة في رصد ومكافحة التحرش الإلكتروني.

ختاما ان التحرش الإلكتروني يمثل تحديًا قانونيًا واجتماعيًا حديثًا يتطلب قراءة قانونية جديدة تتجاوز التعريفات التقليدية للتحرش الواقعي فالتجريم الفعال يعتمد على مزيج من التشريعات الحديثة، التوعية الرقمية والتعاون الدولي، بما يضمن حماية الضحايا وصون الحقوق والحريات في الفضاء الرقمي ومع تطور التكنولوجيا بسرعة، يبقى تحديث القوانين ومواكبة الثقافة الرقمية أمرًا ضروريًا لمواجهة هذه الظاهرة المتنامية.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

لنبدأ من بلجيكا، يتألف المجتمع البلجيكي قوميا ولغويا من مجموعتين سكانيتين رئيستين هما الفلمنكيين الشماليين الناطقين بالفلمنكية والوالنيين "الفالونيين" الناطقين بالفرنسية. وهناك أقلية ناطقة بالألمانية، وأقليات أخرى أصغر منها. أما دينياً فغالبية البلجيكيين مسيحيون كاثوليك بنسبة تصل إلى 31، ونسبة البروتستانت والأرثوذوكس بحدود 3%. الإسلام هو الدين الثاني فيها بنسبة تتراوح بين 6% و7.6%. وغالبية المسلمين من العمال المهاجرين. وهناك 59% من السكان لا ينتمون إلى أي دين في عام 2023.

* بلجيكا إذن، دولة اتحادية ذات نظام سياسي متعدد الأحزاب، وفي الحقيقة لا يمكن لأي حزب من هذه الأحزاب أن يحصل على السلطة بمفرده نظرا للتنوع اللغوي وتشتت الكتلة الناخبة، ومن ثم يجب أن يعمل بعض الأحزاب مع بعض لتشكيل حكومات ائتلافية، وتبقى هناك أحزاب في المعارضة.

تنقسم جميع الأحزاب السياسية البلجيكية تقريبا إلى مجموعات لغوية، فهي إما أحزاب ناطقة باللغة الهولندية، أو أحزاب ناطقة بالفرنسية (أحزاب فرانكوفونية)، أو أحزاب ناطقة بالألمانية (أحزاب جيرمانوفونية).

والحال فإن الحكم في بلجيكا أقرب إلى صيغة الحكم السويسري فهو ليس توافقيا إلا بحدود تشكيل الائتلافات الحاكمة بين الأحزاب الكبيرة المنقسمة على الأساس التعددي اللغوي وليس الطائفي أو الديني أولاً، ثم على أساس أيديولوجي وطبقي تنقسم إلى ثلاثة أحزاب هي:

الحزب الديموقراطي المسيحي "للدينيين المحافظين الكاثوليك" والحزب الاشتراكي لليبراليين التحررين والحزب الثالث هو حزب العمل البلجيكي ذو توجهات يسارية ماركسية (تأسس سنة 1885) إضافة إلى حركة الإصلاح الليبرالية. أي أن هناك انقسامين الأول لغوي، والثاني أيديولوجي طبقي. أما الانقسام العراقي واللبناني فهو انقسام مفتعل على أساس الهويات الفرعية الطائفية أي أنه انقسام بدائي يعود إلى عصر ما قبل الدولة!

* في هولندا الأمر قريب من بلجيكا وسويسرا أيضا، فالحكم ديموقراطي تعددي تجبر شروطه الخاصة على تشكيل حكومات ائتلافية بين الأحزاب الكبيرة ضمن تقاليد تسامحية ورثتها هولندا منذ القرن الثامن عشر. ولكن الوضع السياسي في هولندا دائم التقلب وخصوصا بعد انهيار هيمنة حزب النداء الديموقراطي المسيحي وصعود ائتلاف اليسار والليبراليين الى الحكم. ثم سقط هذا الائتلاف هو الآخر بحجب الثقة وصعد ائتلاف آخر من عدة أحزاب إلى الحكم. وماتزال حالة عدم الاستقرار مستمرة. ولكن من غير الممكن تشبيه الحكم والعملية السياسية في هولندا بالديموقراطية التوافقية بنسختها الطائفية العراقية واللبنانية لأن الأحزاب الهولندية ذات وجود وامتداد وطني وليس طائفي أو عرقي وهويتها هي الهوية الهولندية الرئيسية. أما مكونات المجتمع الهولندي فهم هولنديون أصليون بنسبة عالية تصل إلى 80% وتشمل مجموعات عرقية أصلية مثل الفريزيين. وما تبقى هم من أوروبا أو مهاجرون من العالم الثالث. أما دينيا ففي هولندا نسبة عالية من اللادينيين وتصل إلى 58% والمسيحيون الكاثوليك يشكلون حوالي 20% إلى 23.7% من السكان. والبروتستانت حوالي 14% إلى 15.5% من السكان. والمسلمون 5%. إضافة الى مجموعات دينية أخرى صغيرة.

أما تجربة السويد فمختلفة وهي أبعد ما تكون عن الديموقراطية التوافقية لعصر ما قبل الدولة، مع أن المجتمع السويدي أكثر المجتمعات تعقيدا في تركيبته القومية. قوميا يتكون المجتمع بشكل أساسي من السويديين، وهم مجموعة عرقية جرمانية شمالية، بالإضافة إلى خمس أقليات قومية رسمية معترف بها. وتشمل هذه الأقليات اليهود، والغجر (الروما)، والشعب السامي (Sámi) فهو شعب أصلي في شمال أوروبا من منطقة سايمي أصلا وهم السكان الشماليون الاسكندنافيون الأصليون)، والفنلنديين السويديين، والتورنيداليين.

أما دينياً، فأكبر ديانة هي المسيحيةويشكل أتباعها نسبة %41.2، وأغلب المسيحيين هم من أتباع المذهب اللوثري"البروتستانتي" بنسبة %32.8، ونسبة %8.4 طوائف مسيحية أخرى. بينما تبلغ نسبة اللادينيين %55.4 من مجمل السكان. وتجربتها أقرب ما تكون إلى التجربة السويسرية ولكن بلا استفتاءات شعبية. فخلال معظم فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حكم السويد كلها حزب العمل الاجتماعي الديمقراطي، الذي فرض سياسات "نقابوية" مفضلاً الشركات الرأسمالية الكبرى والنقابات الكبرى، وخاصة اتحاد نقابات العمال السويدية، المشترك مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي. أما في عصرنا الحاضر فالبرلمان السويدي يتكون دستورياً من 349 نائبا وله السلطة السيادية المطلقة في السويد الحديثة. فالبرلمان هو المسؤول عن اختيار رئيس الوزراء، وهذا الرئيس هو الذي يقوم بتعيين وزراء حكومته وهو مسؤول عن تنفيذ برنامج حكومته أمام البرلمان. في حين تتمتع السلطة القضائية بالاستقلال.

وبمراجعة التجربة السويدية نجد أنها ذات سمات ديموقراطية ليبرالية تنافسية وائتلافية واضحة وليست توافقية مستنقعية "غير قابلة للتطور" كالتجربة العراقية واللبنانية فرغم كل هذا التعقيد الديني والإثني القومي لشعب مجموعه عشرة ملايين ونصف المليون نسمة نقرأ المعلومات التالية في تاريخ السويد السياسي الحديث:

في سنة 1917، لعب الحزب الديمقراطي الاجتماعي السويدي دوراً قيادياً سياسياً، بعدما أكد الإصلاحيون قوتهم وغادر الثوريون الحزب. وبعد عام 1932، هيمن الحزب الاشتراكي الديمقراطي على الحكومات. بينما أعطت خمسة انتخابات عامة فقط (1976 و1979 و1991 و2006 و2010) يمين الوسط مقاعد في كافية في البرلمان ليشكلوا حكومة. في الانتخابات العامة عام 2006 نال الحزب المعتدل المتحالف مع حزب الوسط وحزب الشعب الليبرالي والحزب الديمقراطي المسيحي أغلبية الأصوات. شكلوا معاً حكومة أغلبية في ظل قيادة الحزب المعتدل. شهدت انتخابات سبتمبر 2010 أول اختراق للديمقراطيين السويديين للبرلمان. رفضت كل من الكتلة البرجوازية والكتلة الاشتراكية تشكيل تحالف يضم الديمقراطيين السويديين. وهناك اقتراب من المساواة بين الجنسين في عضوية البرلمان من دون كوتا مفروضة كما في العراق ففي البرلمان السويدي بلغ عدد الرجال 188 عضوا ومن النساء 161 عضوة. وفي آخر انتخابات سويدية سنة 2022، أكدت النتائج أن ائتلاف اليمين انتزع الأغلبية بحصوله على 176 مقعدا، مقابل 173 مقعدا للائتلاف الحاكم حاليا (من يسار الوسط). وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات 84% لأن التصويت إجباري في السويد.

عدد المقاعد حسب الأحزاب:

الاشتراكيون الديمقراطيون 107 مقعدا ولم ينجحوا في تشكيل الحكومة!

الحزب المعتدل 68 مقعدا / شكل الحكومة

الديمقراطيون في السويد 73 مقعدا / داعم للحكومة

حزب الوسط 31 مقعدا /معارضة

حزب اليسار 24 مقعدا/ معارضة

الديمقراطيون المسيحيون 19 مقعدا/ في الائتلاف الحكومي.

الليبراليون 16 مقعدا/في الائتلاف الحكومي

حزب الخضر 18 مقعدا/معارضة

* الحكومة الحالية حكومة ائتلافية التي شُكلت بعد الانتخابات جاءت يمينية دفعت بالسويد إلى عضوية الحلف الأطلسي ويقودها أولف كريسترسون من الحزب المعتدل وشارك فيها الديموقراطيون المسيحيون والليبراليون بدعم من حزب الديموقراطيين، أما الاشتراكي الديموقراطي والأحزاب الأخرى ففي المعارضة! فهل هذا النظام من النوع الديموقراطي التوافقي؟

إن هذه الخلاصات تؤكد أن الحكم في السويد ديموقراطي ليبرالي عادي وليس توافقيا، تتشكل فيه ائتلافات حاكمة من عدة أحزاب عابرة للمكونات، وقريبة برنامجيا أو أيديولوجيا من بعضها، وتبقى في مقابلها معارضة فعالة من عدة احزاب، ولا علاقة للتجربة السويدية بالتجربتين التوافقيتين الطائفيتين في العراق ولبنان!

ماذا تبقى لدينا من تجارب حكم "الديموقراطية التوافقية" بعد هذا الجرد؟ لم يتبق لدينا إلا التجربة اللبنانية وهي الأقدم ثم التجربة العراقية منذ سنة 2005 وهما التجربتان اللتان حُشرا حَشرا في منظومة دول الديموقراطية التوافقية كنوع من الاحتيال أو التزوير. وقبل أن نجرد السمات العامة للتجربتين العراقية واللبنانية دعونا نلخص القواسم المشتركة للتجارب التي استعرضناها في سويسرا وبلجيكا وهولندا والسويد وهذا ما سنفعله في الجزء القادم من هذه السلسلة.

***

علاء اللامي

دراسة مقارنة بين القانون العراقي والقوانين الأوروبية

في ظل الثورة الرقمية وانتشار الإنترنت والتكنولوجيا الحديثة أصبحت البيانات الشخصية أحد أهم الموارد التي تتداول يوميًا بين الأفراد والمؤسسات فالأفراد يتركون وراءهم آثارًا رقمية متنامية تشمل معلوماتهم الشخصية الصحية، المالية والاجتماعية ومن هنا برزت الحاجة إلى حماية هذه البيانات، ليس فقط كجزء من الحقوق الفردية الأساسية، بل أيضًا كأحد معايير الأمان السيبراني والثقة في التعاملات الرقمية.

وتعد قضية حماية البيانات الشخصية تحديًا عالميًا نظرًا لتدفق المعلومات عبر الحدود وتعدد الجهات التي تجمعها وتعالجها وفي هذا السياق يمكن ملاحظة تباين واضح بين التشريعات الوطنية حيث تمثل قوانين الاتحاد الأوروبي معيارًا عالميًا في حماية البيانات، بينما يواجه العراق تحديات قانونية كبيرة في هذا المجال بسبب غياب إطار تشريعي شامل وتهدف هذه الدراسة إلى تقديم قراءة مقارنة بين التشريع العراقي والقوانين الأوروبية، مع تسليط الضوء على التحديات والفرص لتطوير منظومة حماية فعّالة في العراق.

أولًا: مفهوم البيانات الشخصية وأهميتها

تشير البيانات الشخصية إلى كل المعلومات التي تحدد هوية الفرد بشكل مباشر أو غير مباشر، بما في ذلك الاسم، العنوان، رقم الهوية البيانات الصحية، والعادات الرقمية. وتركز أهميتها على ثلاثة محاور رئيسية:

1. حماية الخصوصية:

إذ تُعد البيانات الشخصية جزءًا من حقوق الإنسان الأساسية وحرية الفرد واستقلاله.

2. تعزيز الأمان الرقمي: حماية البيانات تقلل من مخاطر الاحتيال الرقمي والاختراقات الإلكترونية.

3. بناء الثقة في التعاملات الرقمية:

حيث يصبح الأفراد أكثر استعدادًا للتفاعل مع المؤسسات والخدمات عند ضمان حماية بياناتهم.

مع العولمة، تتدفق البيانات بسرعة بين الدول، مما يجعل الحاجة إلى إطار قانوني متين أمراً ملحًا لضمان حماية الأفراد من سوء استخدام هذه البيانات.

ثانيًا: الإطار القانوني لحماية البيانات الشخصية في العراق

تعاني التشريعات العراقية من قصور واضح في مجال حماية البيانات الشخصية، إذ لا يوجد قانون مستقل شامل يتناول جمع البيانات ومعالجتها ونقلها ويمكن تلخيص الوضع القانوني العراقي في النقاط التالية:

1. قوانين حماية الخصوصية الجزئية: تحمي الأسرار المهنية، مثل بيانات المرضى أو موظفي الدولة، لكنها لا تغطي الاستخدام الرقمي الحديث للبيانات.

2. قوانين الجرائم المعلوماتية (قانون رقم 63 لسنة 2015): تحتوي على نصوص جزئية تتعلق بالاعتداء على البيانات الرقمية لكنها محدودة ولا تشمل كل أشكال انتهاك الخصوصية الرقمية.

3. غياب التشريع الشامل: عدم وجود نصوص واضحة تحدد حقوق الأفراد وواجبات المؤسسات، مما يترك ثغرات كبيرة أمام سوء استخدام البيانات.

وبالتالي، فإن الإطار العراقي الحالي يفتقر إلى شمولية المعايير اللازمة لمواجهة تحديات العولمة الرقمية وحماية البيانات الشخصية بفعالية.

ثالثًا: الإطار القانوني لحماية البيانات الشخصية في الاتحاد الأوروبي.

يشكل الاتحاد الأوروبي نموذجًا متقدمًا في حماية البيانات الشخصية من خلال اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) لعام 2018، التي أعادت تعريف العلاقة بين الأفراد والمؤسسات في الفضاء الرقمي. ومن أبرز ملامح اللائحة:

1. تعريف شامل للبيانات الشخصية:

يشمل كل ما يمكن أن يحدد هويةه الفرد مباشرة أو ضمنيًا، بما في ذلك البيانات البيومترية والسلوكية.

2. حقوق الأفراد:

تشمل الحق في الوصول إلى البيانات الحق في التصحيح، الحق في مسح البيانات ("حق النسيان") والحق في نقل البيانات بين مقدمي الخدمة.

3. واجبات المؤسسات: ضرورة الحصول على موافقة واضحة، حماية البيانات بتقنيات تشفير متقدمة، والإبلاغ عن أي خرق للبيانات خلال فترة زمنية محددة.

4. العقوبات:

فرض غرامات مالية ضخمة تصل إلى 4% من إجمالي الإيرادات السنوية للشركة في حال مخالفة القانون.

5. الرقابة المستقلة: إنشاء هيئات وطنية مستقلة لمراقبة تنفيذ القانون والتأكد من التزام المؤسسات والمعنيين.

تُعد GDPR معيارًا عالميًا وقد أثر على العديد من التشريعات خارج الاتحاد الأوروبي بسبب صرامته وشموليته.

رابعًا: التحديات في حماية البيانات الشخصية

رغم وجود تشريعات لحماية البيانات يواجه العراق وأوروبا على حد سواء تحديات مشتركة نتيجة التطور السريع للتكنولوجيا أبرزها:

1. تطور التكنولوجيا الرقمية بسرعة:

مثل الذكاء الاصطناعي إنترنت الأشياء وتقنيات الحوسبة السحابية، ما يصعب مواكبة التشريعات لهذه التطورات.

2. تبادل البيانات عبر الحدود:

صعوبة تطبيق القوانين الوطنية عند نقل البيانات بين دول مختلفة.

3. ضعف الوعي الرقمي: نقص الوعي القانوني لدى المواطنين والمؤسسات بأهمية حماية البيانات الشخصية.

4. تهديدات الأمن السيبراني:

مثل الاختراقات الإلكترونية، الاحتيال الرقمي، وتسريب البيانات الحساسة.

خامسًا: مقارنة بين العراق والاتحاد الأوروبي

محور العراق والاتحاد الأوروبي (GDPR)

- وجود قانون مستقل

-  قانون شامل ومحدد

- تعريف البيانات الشخصية

- حقوق الأفراد محدودة كاملة، تشمل الحق في المسح والنقل

- العقوبات ضعيفة أو غير محددة صارمة تصل إلى 4% من الإيرادات

- الرقابة محدودة هيئات مستقلة للرقابة

- التعامل مع البيانات العابرة للحدود لا يوجد إطار محدد تنظيم دقيق لعمليات نقل البيانات خارج الاتحاد.

تشير المقارنة إلى فجوة كبيرة بين التشريع العراقي والمعايير الأوروبية، ما يجعل الأفراد العراقيين أكثر عرضة للمخاطر الرقمية.

سادسًا: التوصيات

لتطوير منظومة فعّالة لحماية البيانات الشخصية في العراق، يُوصى بما يلي:

1. سن قانون مستقل لحماية البيانات الشخصية:

يشمل جميع مراحل التعامل مع البيانات من الجمع والمعالجة إلى التخزين والنقل.

2. تعزيز التوعية الرقمية والقانونية:

إدراج برامج تدريبية في المدارس والجامعات لرفع وعي الأفراد بحقوقهم الرقمية.

3. تأسيس هيئة رقابية مستقلة:

لمراقبة تطبيق القوانين وضمان الالتزام بالمعايير الدولية.

4. تحديث التشريعات بشكل دوري:

لمواكبة التطورات التقنية مثل الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة.

5. تفعيل التعاون الدولي: توقيع اتفاقيات لحماية البيانات عند نقلها عبر الحدود وضمان تطبيق أفضل الممارسات العالمية.

ختاما في زمن العولمة أصبحت حماية البيانات الشخصية ضرورة قانونية وأخلاقية على حد سواء وتظهر الدراسة المقارنة بين العراق والاتحاد الأوروبي أن هناك فجوة تشريعية واضحة في العراق الأمر الذي يجعل الأفراد والمؤسسات أكثر عرضة للمخاطر الرقمية ومن ثم، فإن تطوير إطار قانوني شامل، تعزيز الوعي القانوني إقامة هيئة رقابية مستقلة، وتفعيل التعاون الدولي، تعد خطوات أساسية لضمان حماية الحقوق الرقمية للأفراد ومواكبة المعايير العالمية المتقدمة في هذا المجال.

***

د. رافد القاضي

البنية النفسية للمجتمع العراقي هي ليست بنية السبعينات والثمانينيات حيث الفرز الطبقي على أشده وما يصاحب ذلك من مصداقية للفكر والممارسة الحزبية، اننا اليوم أمام انهيار للطبقة الوسطى صاحبة القول الفصل في مجمل التغيرات الأجتماعية والأقتصادية إلى جانب انهيار الطبقة العاملة وتردي اوضاعها بما لا يسمح لها الأنخراط في تنظيمات حزب الطبقة العاملة وبالتالي فأن رداءة ظروف العيش والتقهقر إلى سلم الحاجات الأساسية البيولوجية يحجب الوعي ويجعله متمترسا في الأشباعات الأساسية مما يجعله ضحية لمختلف الميول ومغريات اللحظة بعيدا عن فهم آليات الصراع الطبقي مما يشكل غيبوبة مؤقتة لاختيار بدائل الخلاص فالجوع أب الكفار وان الأنتماء الصحيح يحتاج الى حد معقول من إشباع  الحاجات بعيدا عن مغريات اللحظة فالوعي لا يتشكل في لحظة عابرة بل يمر في حالات من الأختمار صوب الخيارات الصحيحة . ليست الفقر هو المحرك لأنتماء الفرد بل الوعي بأسباب الفقر ومسبباته هو من يدفع الفقراء والمسحوقين إلى الأنتماء وفي الحالة العراقية فهناك عمليات غسيل ادمغة لحرف الناس عن فهم الفقر واسبابه واعتباره قدر من قوى غيبية ولا دخل للسياسة فيه !!!.

ان عقود من الحرمان والضحايا والتنكيل والقتل والبؤس والحروب العبثية قبل وبعد سقوط النظام الدكتاتوري في العام 2003 رافقها ونتج عنها انهيار سقف التوقعات والأمنيات بعراق ديمقراطي يضمن العدالة الاجتماعية والمساواة، انها حقبة عقود من الأحباط والكبت والحرمان في دولة غنية بمواردها التي تغطي ميزانيات دول عدة في العالم الثالث وقد أهدر رصيد أجيال قادمة جراء الفساد وسرقة المال العام.

وقد ألقت ثقافة القدرية بظلالها على وعي الغالبية العظمى من الناس جراء خطابات تشويه العقل الفردي والمجتمعي من خلال اضفاء الشرعية على الأفعال الدنيئة واعتبار ان ما يصيب الناس هو قدر محكوم وليست بفعل فاعل على الأرض.

وقد كانت التأثيرات النفسية للقدرية:

الشعور بالعجز: يمكن أن يؤدي الاعتقاد بأن كل شيء مقدّر إلى شعور بالعجز وعدم القدرة على التأثير في مجرى الحياة، وأن الأفراد لا يمتلكون سيطرة حقيقية على أفعالهم أو مستقبلهم.

تأثير على الدافعية: ربما تؤثر الأفكار حول القدر على الدافعية، حيث قد يُفقد الفرد الدافع للسعي نحو أهدافه إذا اعتقد أن النتائج محددة سلفًا بغض النظر عن جهوده.

الاستسلام والتكيف: يمكن للقدرية أن تؤدي إلى الاستسلام للظروف الصعبة بدلًا من محاولة تغييرها، حيث يرى الفرد أن هذه الظروف جزء من مسار حياته المحدد.

الهروب الى الماضي: في بعض السياقات، قد يُستخدم مفهوم القدر كأداة نفسية للهروب إلى الماضي، حيث يعيش أفراد المجتمع في حنين إلى أوقات سابقة، وهو ما يمكن استغلاله لتجنب مواجهة الواقع.

لقد استطاعت احزاب السلطة عبر زج "المقدس" في السياسة إلى جانب الترهيب واستخدام المال والسلاح إلى إعادة إنتاج القدرية في الوعي الجمعي واعتبار ما يصيب الناس هو قدر محكوم خارج ارادة النطام والسلطات الحاكمة وبالتالي يجب قبوله والتعايش معه في دورات مغلقة غير قابلة على الأختراق.

الأنتماء إلى قوى التغير" بغض النظر عن تقيم أدائها والأخطاء المرتكبة في مسار عملها" ليست ترفا او تسلية ألعاب حزبية بل هو مسؤولية تستدعي من الفرد الواعي لأسباب فقره واضطهاده ان يكون على قدر من المسؤولية في التخلي عن مغريات السلطة ومنافع اللحظة التي تروج لها السلطات الحاكمة. ان الأنتماء إلى اليسار العراقي بمختلف تنوعاته واطيافه هو ببساطة تحمل وزر من المعاناة والتضحيات في مقارعة الظلم والأستبداد وفي تلك الأجواء والبيئة السياسية الصعبة فأن قوى اليسار مطالبة بالمزيد من ممارسة النقد الذاتي لأدائها والكشف عن مواطن الخلل والضعف في ثنايا التنظيم ورسم أهداف واقعية مرحلية قابلة على التنفيذ والحد من الخسائر وإقامة تحالفات مستديمة وليست موسمية قوامها مشتركات في الفكر والسلوك والمنهج.

***

د. عامر صالح

نظراً لِسعة علمها وعمق بلاغتها وجمال صورها وتنوع دلالاتها ومرونة إستخدامها وو و، فقد قال أحد أعمدتها وبلغائها في وصفه للغة العربية، وذلك بعد أن لاقى على ما أكاد أجزم صعوبة في إدراكها حتى نهايتها: سأموت وفيَّ شيء من حتى. وذلك في تعقيبه على عمل كلمة حتى من الجملة، فكيف به لو ذهب أبعد وراح يقلب كلمات أخرى لا تقل شأنا وعملاً عمّا إستشهد وجاء به مثالاً. امّا أنا فاقول وبملئ فمي، بأني واحد من بين أولئك الذين صَعُبَ عليه بلوغ نصف اللغة، بقواعدها وإشتراطاتها، لكني ورغم ذلك سأظل مغرماً بجمالها وأفخر بصداقتي الدائمة والراسخة معها، فهي معيني ومرجعي الذي لا ينضب.

ظن البعض والظن هنا ليس بمعنى الإثم وما سيلحق به من تفسير، بل سنذهب الى ما يدلٌ على الشك أو الإعتقاد. غير انا سنستحضر هنا ونستعين بما جاء في كتب التأريخ التي دونت تلك المرحلة، ولنسقط هذه الاستعارة على ما خرج به الرسول الكريم محمد وما كان قد حمله من رسالة ووجوب تبليغ، لنقول: إن الرجلَ وعلى ما جرى التثبت منه فيما بعد لم يكن أميا، وان أمته لم تكن كذلك. هذا الرأي وعلى وفق المصادر الراصدة لتلك الحقبة من الزمن، لم تأخذ نصيبها بشكل عادل ومنصف، ولو كان قد أخِذَ به، لجاء على الضد مما رُوِّجَ له، حين عدّوا محمداً وأمته أميان.

 النتيجة التي توصل اليها البعض وعلى وفق الرأي الآنف الذكر، سيأتي منسجما ومستجيباً لمستوى التطور الحضاري والمعرفي الذي بلغته الأمة في تلك الحقبة من الزمن. أو قد يكونوا إعتمدوا وتعمدَوا في تفسيرهم على تصريف لغوي مختلف، وذلك من أجل تعزيز ما ذهبوا اليه، حين أعادوا مفردة الأمة الى جذر آخر ولينسبوها الى القوم بدلا من ان تلحق بالجاهل أو الأمي. ولنسلم أمرنا لكلا الإفتراضين ولنبني عليهما ما خلصنا وتوصلنا اليه، لنقول التالي: بأنها (أي ما جاء به محمد) رسالة وعي ومقدرة، موجهة لأمة مهيئة سلفاً وذات أرضية خصبة، لاستقبال واستيعاب والإستجابة كذلك لما جاء به حاملها ومبشّرها.

 هذا الرأي الذي أتينا على ذكره في السطور السابقة، قد وفَّرَ من القناعة والرضا لأن يؤدي الى أن يُفتح الباب رحباً أمام فكرة القبول به والتعاطي معه، حيث بني على أساس لا يخلو من المنطق. وهناك أيضاً الكثير من الكتابات التي ذهبت في تفسيرها الى ذات الوجهة. وتدعيما لذلك وإذا ماعدنا على سبيل المثال الى مدونات وكتابات الكاتب المصري وعميد الأدب العربي، الغني عن التعريف، طه حسين، طيب الثرى والذكر، فكان له رأي جدير بالتوقف عنده وبتأنٍ، حيث جاء متفقاً تماماً مع ما فات ذكره، والذي يُستنتجُ منه بما يفيد: الى أنَّ أمة استطاعت ان تكتب وتورث للذين جاءوا من بعدها، ذلك النوع من الأدب، الا وهو الشعر وليس أي شعر بل ذاك الذي قِيستْ قوافيه وتفعيلاته بميزان الذهب، والذي درج المؤرخون لتلك الحقبة على تسميته مجازاً بالشعر الجاهلي.

 الاّ أنَّ للرجل أي لطه حسين، وإستكمالا لما ذهب اليه، ولكي يوضح فكرته وموقفه بشكل أدق وأوضح، فسيتوقف هنا عند موضوع بعينه، وهو على ما أظن يكتسب أهمية كبيرة بل وكبيرة جداً. فالرجل لم ينفِ أو يقلل من قدرات تلك الأمة فيما بلغته من مكانة ومنزلة شعرية، جعلته يتبوأ وبجدارة موقعاً متميزاً بين الأمم وتحديداً في المجال الذي هو حديث ساعتنا. غير أنه في ذات الوقت وهنا بيت القصيد، كان قد شكك وبنى إعتراضه على الحقبة الزمنية التي أرَّخت لميلاد هذا الشعر وبهذه الكفاءة والمقدرة.

 وفي ذات السياق وبالعودة ثانية الى رأي عميد الأدب العربي طه حسين عن هذه الجزئية تحديداً، فكاد كتابه الأهم (في الشعر الجاهلي) الذي أصدره في عام 1926 أن يسبب له إشكالاً كبيرا، وذلك على إثر تشكيكه في الحقبة التي وُلِدَ فيها، والتي أسماها المؤرخون بالعصر الجاهلي. بل حتى راح أبعد من ذلك حين إعتبر (أنَّ معظمه أي شعر تلك الحقبة، منحول ومدسوس بعد ظهور الإسلام). المشكلة لم تتوقف عند هذا الحد بل وصلت تداعياتها الجامع الأزهر، حيث جوبه الرجل بمعارضة شديدة من قبل طلبة الأزهر أولاً ومن ثم شيخه، حيث راحوا متهمينه بما هو أقسى من ذلك، حين وضعوه في خانة  الملحدين، داعين في ذات الوقت الى فصله من تلك المؤسسة العلمية والدينية، غير أنَّ الأمور ومن محاسن الصدف أن أخذت منحاً آخر حيث جرت تبرأته من تلك التُهم فيما بعد. لكنه ورغم ذلك وفي سياق ذات القضية، وإستكمالاً لتلك الحملة التي شُنَّت ضده، فقد إستمر العديد من الكتاب في التصدي له، بعد أن  دخلت هي الأخرى في معمعة الصراع الدائر إياه.

 وكي لا تأخذ القصة بعدا أكثر، وإستجابة لتلك الدعوات الصادرة من أكبر تجمع ديني يخص المسلمين والمقصود به هنا الأزهر الشريف، الذي كان قد لعب ولا زال دوراً مهماً في تصويب وتصحيح أي من المسارات المقلقة وما يمكن أن يخرج به من إجتهاد، وبشكل خاص على المستويين الديني والفقهي، فقد إضطر طه حسين الى تدارك الأمر وبسرعة، حيث أقدم على إعادة طباعة الكتاب إياه، ولكن سيحمل هذه المرة عنواناً آخر، الا وهو (في الأدب الجاهلي)، بعد أن وجد نفسه مضطراً على إجراء بعض التعديلات المهمة عليه، كإن حذفه لبضعة فصول منه، والتي كانت سبباً في حصول ما دار من جدل.

 وفي السؤال عن بعض العوامل المساعدة التي وقفت وراء ذهاب طه حسين الى التشكيك بالفترة التأريخية التي وُلِدَ فيها هذا الشعر، فلا بأس من التوقف عند بعض ظروفها ومقدماتها. ففضلاً عما يمتلكه من سعة أفق ومن ثقافة عالية، كانت قد نمت معه وتطورت ومنذ نعومة أظفاره، فالرجل في ذلك الوقت، أي منتصف العشرينات من القرن المنصرم، كان يدرس في باريس وأتيحت له حينذاك فرصة الإطلاع على عالم الفلسفة، لكنه وبعد أن استهواه هذا العلم أي الفلسفة، فسيجد نفسه غير مكتفٍ بهذا القدر الذي تيسَّرَ له منه، لذا راح مزيدا عليها وليتعمَّق أكثر في دراستها. وكان من نتائجها أن توقَّفَ طويلاً عند مبدأ الشك، متأثراً على ما يبدو بكتاب رينيه ديكارت في هذا الصدد، فضلا عمّا كان يملكه شخصياً من خزين معرفي، وما كان قد قرأه عن عثمان بن عمر بن محبوب البصري والملقب بالجاحظ، والذي لا يبتعد كثيرا في آراءه وفي بعض من محطاتها تحديداً عن مبدأ الشك، والذي كان قد خرج به ديكارت، وليمسي إهتمامه بها لصيقاً وحتى مغادرته الدنيا. 

 وإرتباطا بفكرة التشكيك بالحقبة الزمنية التي أنتجت ما جرى تسميته من قبل المؤرخين بالشعر الجاهلي، فقد حاول البعض إسقاط تلك الإشكالية وبشكل من الأشكال على رسالة الإسلام، وصولاً الى النيل من شخصية محمد وما كان قد جاء بالكتاب الذي بُلِّغَ به من تعاليم وافكار ورؤى، وذلك من خلال إثارة السؤال المهم على ما رأوه والمتمثل: بكيفية وقوف رجل أمي، بحمل تلك الرسالة السامية، العالية القدرة والكفاءة والتبشير بها كذلك. وموضوع كهذا قد جرى الخوض فيه كثيراً جداً من قبل أهل الشأن وبعميق رؤيا حتى أشبِع أو يكاد. وعلى اثر ذلك فقد إنقسم المحققون فيه الى فريقين، فمنهم مَنْ بات على قناعة راسخة بتلك الرسالة، داحضاً فكرة التشكيك بها. وفريق آخر وقف على الضد منها، رافضاً كل ما جاء فيها.

 وإتساقا مع ما تقدم وبصرف النظر عن الإحتمالات التي كنّا قد سقناها عن تلك الرسالة، والتي توقفنا خلالها عند فكرة التشكيك بمصدرها وتأريخها، فقد حملت بين ثناياها وفي مواقع كثيرة منها، أبعاداً ورؤى إنسانية، كانت صريحة في تعاليمها وفي توجهاتها وبما ينسجم ويستجيب للغة العصر آنذاك أو ربما تفوق عليها.

 أمّا ما يتعلق بنا، فقد إرتأينا التوقف في هذا المقال على ما حمله الكتاب إياه من أبعاد جمالية ومن عمق بلاغة وخزين معرفة، والأهم من ذلك ما سيقوم به من دور متميز، يتمثل في رفد اللغة العربية،  مضيفاً على جمالها جمالاً. وفي ذات الوجهة فلكم كان التلاقح واضحاً صريحاً بين جزالة الشعر وحكمته الذي كان قد كُتبَ في تلك الحقبة من الزمن، وبين دلالات القرآن الكريم وسحر البيان الذي أتى به، ليمضيا سوية في بناء لغة شديدة الإحكام، ولتشغل مكانا علياً بين شقيقاتها من اللغات الأخرى، ثابتة في منزلتها ومقامها، متمكنة من البقاء والإستمرار، على الرغم من مرور ما يزيد على الألفي عام على نطق اول حروفها وكلماتها.

 لكن وعلى الطرف الآخر وعلى الرغم من تمتع اللغة العربية من قوة حضور ورشاقة إستخدام وقدرتها كذلك على نحت وإدخال عددا ليس بالقليل من المفردات الجديدة وإدخالها الى محرابها، وهذا ما تّحقق فعلاً مع تطور مسيرتها، الاّ ان هناك أعداداً لا بأس بها، لا زالت تلاقي صعوبة في إستخدامها (العربية) وبما يتفق  وقواعدها وشروطها التي جاءت بها. لذا سعى المختصون وذوي العلاقة الى العمل من أجل تبسيطها وتروضيها، جهد ما يستطيعون وبما يستجيب لمنطق العصر ومقتضياته. محافظين في ذات الوقت والى حد بعيد على قيمتها وأساسياتها وسمو منزلتها. لذا شرعت بإتخاذ العديد من الخطوات العملية، هادفة الى إزاحة بعض من عقدها وتراكيبها وصولا الى أن تكون في متناول اليد واللسان وعلى نحو أرحب.

 وإذا ما أردنا سياق بعض الأمثلة عن الإجراءات التي قام بها البعض وكذلك جملة من الأفكار التي جرى تداولها والتي تصب في ذات الإتجاه، فقد إقترح الأستاذ الراحل هادي العلوي إعتماد الحرف الساكن في نهايات كل كلمة، غايته التخفيف من ذلك الثقل الذي حمًله اللغويون القدامى للغة العربية وما جاءوا به من إشتراطات. فكما هو معروف فتحريك الكلمة، لم يأتِ بعفو خاطر أو تحت تأثير رغبة طارئة، بل هي مرتبطة بقواعد لغوية شديدة الدقة والتعبير، فمن خلالها ستميز على سبيل المثال الفاعل من المفعول به والمضاف من المضاف اليه والصفة من الموصوف وبذا سيكون لكل منهم أحكامه وطبيعة عمله وموقعه من الجملة. 

 ومن بين الأفكار التي طُرحت من قبل بعض اللغويين المهتمين بالعربية، وبهدف التخفيف أيضاً من شروطها، وصولاً الى تسهيل استخدامها ومن قِبل أوسع قاعدة من الناطقين بها، فقد جرت محاولات عديدة، تتمثل في تبني فكرة إحلال اللهجة المحكية أو العامية، كبديل لغوي عن العربية الفصحى وفي بعض المواقع. غير أنَّ هذا الإقتراح كان قد إصطدم بالكثير من الحواجز والمعوقات، مما اضطر دعاتها الى التخلي عن تلك الفكرة، أو لنقل وعلى نحو أدق بأَّن تلك الدعوات كانت قد تلاشت لعدم وجود آذان صاغية لها، بل وحتى قوبلت من قبل البعض ولنسميهم بالمتشددين للغة العربية بالرفض القاطع، لأنطوائها وحسب رأيهم على انعكاسات ونتائج سلبية، قد تؤدي في نهاية المطاف الى اضعاف مكانتها بين شقيقاتها من اللغات، وكذلك الى تراجع دورها الانساني والحضاري، وفي رفد الشعوب الاخرى بما تكتنزته من معارف وعلوم، كانت قد كتبت بلغة الضاد.

  وفي ذات السياق، فلا بأس من الإشارة هنا الى أنَّ أحد أبرز المتشددين للكتابة باللهجة المحكية أو العامية إن شئتم تسميتها، والحديث هنا عن الشاعر اللبناني الراحل سعيد عقل. فعلى الرغم من أنَّ الرجل بدأ حياته السياسية مبكراً وبحماس شديد، وليعلن عن إنتماءه الى الحزب القومي السوري، العروبي التوجه والواسع الإنتشار آنذاك في بلاد الشام، وكذلك بإعتباره الأقرب الى طريقة تفكيره بل ويشتركان بذات الأهداف، الاّ أنه وللأسف وقد تستغرب عزيزي القارئ لما آل اليه مصيره، حيث إنتهت حياته السياسية في أن يغادر حزبه، وليتحول في وجهته الى الطرف الآخر المعادي لقوميته، إذ بات أحد مؤيدي الحركة الصهيونية والأقرب الى أفكارهم.

 وعلى أثر هذا الإنقلاب والتحول الذي أحدثه سعيد عقل في حياته السياسية وولاءه، والذي كنا قد توقفنا عنده، فلم يدعو وبسبب تعصبه وتطرفه هذا الى الكتابة باللهجة المحكية اللبنانية فحسب، وانما بلغ به الأمر أن يبشّر ويحثٌ على إستخدام الحرف اللاتيني كبديل عن الحرف العربي في الكتابة. وأمر كهذا سيذكرنا بالرئيس التركي مصطفى أتاتورك وبعيد إستلامه السلطة مباشرة، والذي كان قد إستبقه في دعوته تلك، إذ أقدم وعلى نحو سريع وبمجرد أن تمكن من السلطة واستحكمها بإستبدال الحرف العربي باللاتيني. غير انه أي سعيد عقل، لاقى وبسرعة فائقة رفضا قاطعاً وإستهجانا منقطع النظير لدعوته تلك، ومن قبل أوسع الأوساط وفي مقدمتها مثقفو لبنان ووطنيّه، فضلاً عن مجاميع اللغة في أهم العواصم العربية ذات الشأن كالقاهرة وبغداد ودمشق.

 وبالعودة من جديد الى العربية، فلأنها لغة تفكير وتعبير وتواصل وقادرة كذلك على الاشتقاق والتطور، فقد كانت مركز جذب وإستقطاب لأعداد كبيرة جداً من المثقفين، ممن يعودون في خلفياتهم القومية الى شعوب وقبائل أخرى. والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، فما إنفك هؤلاء، وجلّهم من الفرس والأتراك وغيرهم من شعوب آسيا الوسطى بما فيهم الروس على سبيل المثال، يتفاخرون بإجادتهم للغة العربية، بل وقد سجَّل لهم التأريخ سبقاً في ذلك، لما لديهم من مساهمات ملفتة في هذا المجال.

 وإذا ما أردنا التوقف عند بعض الأسماء فهي كثيرة، فهذا سيبويه، الفارسي القومية على سبيل المثال والذي يعتبر شيخ النحاة. وذاك إبن جني الرومي. وآخر فارسي الأصل أيضاً وهو الزمخشري، ومن أشهر كتبه، المفصل في النحو، وعنه نقول بأنه إمام النحو والبلاغة والتفسير اللغوي. وهناك الملقب بالجوهري وهو تركي الأصل ومن أشهر كتبه الصحاح. وإذا ما ذهبنا أبعد من ذلك فهناك من اللغويين ومن غير العرب أيضاً إبن مضاء القرطبي الأندلسي، ومن أشهر ما خطَّته يداه وجاد به عقله، كتاب الرد على النحاة. وكذلك هناك لسان الدين بن الخطيب الأندلسي. والأسماء كثيرة جداً ولكننا سنكتفي بهذا القدر، فليس في المجال متسع للتوقف عندها جميعاً.  

 ولعلهم في اجادتهم للغة العربية والتحدث بها، لم يروا فيها مدخلاً لفهم الاسلام وحسب، بل لما حوته من حلو كلام وجمال بلاغة وسحر صياغة، مما دفعهم ليس بتبنيها وانما بالدفاع والذود عنها كذلك، وفي محافل ارادت لها أن تنقرض أو يضيقوا عليها في أضعف الاحوال. غير أن ذلك كلّه لم يعفِ المختصين باللغة العربية ومجاميعها، بوجوب النظر اليها بعين من الجدية، لجعلها أكثر مطاوعة وانسجاما مع العصر ومقتضياته، لذا فلابد من تليينها وإجتناب التشدد في شروطها مخافة انكسارها أو أفول دورها ونجمها. لا سيما وأن هناك رهط من اللغويين لا زال متمسكا بثوابتها كما جاءت به أول مرة وأستقرت عليه. إذ تراهم حذرين قلقين من فكرة التغيير والتطوير وبذرائع شتى كانفراط عقدها. ومع التقدير الكبير لحرصهم الشديد على لغتهم، الاً انه ينبغي النظر اليها (اللغة العربية) باعتبارها عِلماً كسائر العلوم، وبمعنى آخر فقد بات عليه أن يخضع ويستجيب لمنطق التطور والتغيير، مراعياً ومسايراً لغة العصر، لذا لابد من وللتأكيد مرة أخرى من العمل على تبسيطها، لتصبح في متناول جميع الناطقين بها أولاً، وكذلك للراغبين في دخول محرابها من القوميات والشعوب الأخرى، ومن دون المساس بثوابتها.

***

حاتم جعفر - السويد ــ مالمو

 

لماذا نجحت اليابان في نهضتها الحضارية، ولماذا فشلت النهضة الحضارية في مصر وما تبعها من الدول العربية؟ هو تساؤل مشروع يشغل بال كل فرد من أفراد المجتمع العربي، وغالباً ما يكون مصحوباً بالألم والحسرة. ليس غريباً أن تقارَن النهضة في هذين البلدين في كثير من المؤلفات والسرديات والحوارات، ذلك أن النهضة الحضارية في هذين البلدين حدثت في زمن متقارب (القرن التاسع عشر) وعاصرت مسيرة كل منهما الآخر.

من المعلوم أن اليابان نجحت نجاحاً باهراً في تحديث مجتمعها الذي كان متخلفاً بكل المقاييس الحضارية، واستطاعت أن تنهض نهضة حضارية شاملة وسريعة. وفي الوقت الذي احتاجت فيه أوروبا إلى ستة قرون لتصل إلى قمة نهضتها، احتاجت اليابان إلى سبعين عاماً فقط لتصل إلى نهضة شهد لها الجميع بالتفوّق والتقدم، حيث بدأت النهضة في اليابان عام 1868 ونضجت في زمن الحرب العالمية الثانية، حتى أن البعض أطلق عليها مصطلح " المعجزة اليابانية". وفي وقت مقارب بدأت مصر نهضتها الحضارية لتحديث مجتمعها وسارت في مسيرتها في القرن التاسع عشر، إلاّ أن هذه المسيرة تعثرت كثيراً وفشلت في بعض النواحي وانكفأت على نفسها. فما الذي حدث، وما سبب فشل النهضة في مصر والبلدان العربية؟ وما هي مقومات النهضة اليابانية التي جعلتها تنجح وبأسلوب متميّز؟

في كتابه "تأملات في التاريخ العربي" كتب شارل عيساوي مقالاً عن نهضة اليابان، قارن فيه بين النهضة المصرية واليابانية، حيث ذكر المؤشرات التي تعطي انطباعاً عاماً عن احتمالات قيام النهضة في البلدين في أواخر القرن التاسع عشر.

فعن اليابان على سبيل المثال، في عام 1881 كانت فكرة الغربيين عن اليابان هي "لا نعتقد أن اليابان سوف تصبح غنية ابداً. فالمزايا التي منحتها الطبيعة لهم، باستثناء المناخ وحب الكسل ورغبات الناس أنفسهم، تنفي ذلك، فاليابانيون جنس سعيد ويقتنعون بالقليل، فإنه ليس من المرجح أن يحققوا الكثير" وفي عام 1900م قال الغرب أيضاً "الياباني لا يمتلك أي ذكاء في مجال الأعمال".

أمّا بالنسبة لمصر فقد كانت هناك مؤشرات في التنمية الاقتصادية لعام 1913م تشير إلى إن معدل متوسط دخل المصري أعلى بقليل من الياباني، وكان نصيب الفرد المصري من التجارة الخارجية يساوي ضعف نصيب الياباني، وشبكة سكك الحديد المصرية أكثر شمولاً من اليابان. وعلى الرغم من أن المؤشرات كانت تشير إلى احتمالية قيام النهضة في مصر ولا توحي بقدرة اليابان على النهضة إلاّ أن الواقع يرينا عكس ذلك، فقد نهضت اليابان بشكل مدهش فيما تدهورت الأحوال في مصر وباقي الدول العربية من سيء إلى أسوء. فلماذا حدث ذلك وكيف حدث ذلك.

في هذا المقال، سنبحث العوامل والأسباب التي عملت على إنجاح النهضة في اليابان، ومحاولة معرفة ما كان ينقص النهضة العربية من عوامل أدت إلى فشلها وذلك من خلال مقارنة عوامل النهضة بين البلدين والمجتمعين.

نبذة تاريخية عن النهضة اليابانية

بدأت النهضة في اليابان عام 1868م عندما اعتلى العرش الإمبراطور موتسوهيتو، وسميّ "بعصر الميجي" وكلمة الميجي تعني الحاكم المستنير. كان هذا الإمبراطور من المتنورين الذي سعى لنهضة الأمة، فبدأ النهضة واستمر بها لغاية وفاته عام 1912م. قبل استلامه العرش كانت اليابان دولة متخلّفة ومنعزلة عن العالم. بدأ الإمبراطور الميجي بتحديث الجيش (كتاب استراتيجية الإدارة اليابانية د. إبراهيم عبد الله منيف) واستطاع أن يبني جيشاً قوياً يضاهي الجيوش الأوروبية من حيث التطور والبناء، بحيث أنه استطاع أن يغزو ويحتل الدول المجاورة لليابان مثل كوريا والصين وأجزاء من روسيا، وأصبحت اليابان في عهده اقوى دولة في الشرق الآسيوي. من ناحية أخرى قام الإمبراطور الميجي بإرسال ما لا يقل عن مائتي ياباني في بعثات دراسية إلى فرنسا في وقت تزامن مع البعثات الدراسية التي أرسلها والي مصر محمد علي باشا إلى فرنسا. وقد أسهمت بعثات الميجي هذه في ارتقاء النهضة والتنمية والتطور في اليابان. وظهرت أيضاً في هذا العهد صناعة البنوك كأول صناعة في اليابان، وقد سبقت صناعة النقل وسكك الحديد، وكانت الأساس والمصدر الرئيسي للتطور الصناعي.  وقد ارتفع الإنتاج الصناعي لليابان خمسة أضعاف ما كان عليه قبل الحرب العالمية الأولى. بحلول الحرب العالمية الثانية أصبحت اليابان تشكل أقوى إمبراطورية في شرق آسيا واحتلت معظم دول شرق آسيا، لكنها كانت دولة قاسية ظالمة تمارس العقيدة العسكرية "أقتل احرق دمر". ثم، خسرت اليابان الحرب العالمية الثانية فاحتلتها أمريكا وفرضت عليها شروط قاسية ومهينة قبلتها القيادة اليابانية على مضض. من هذه الشروط نزع سلطة الإمبراطور، الذي كان بمثابة إله عند اليابانيين، وتجريده من كل السلطات التي كان يمتلكها ليصبح رمزاً فقط بدون أيّ صلاحيات عسكرية أو إدارية. ومُنع التسليح عن اليابان بكل أنواعه. وقد عملت أمريكا بجهدٍ وجدٍ كبير على القضاء على الفكرة القتالية "الساموراي" ونزعها من العقيدة اليابانية، ونجحت في ذلك. نتيجة لذلك، اتجه اليابانيون في هذه الحقبة إلى نهضتهم الثانية التي تميّزت بالدعوة للسلام ونبذ الحروب والتركيز على تطوير الاقتصاد والعلوم والصناعات.

مقومات وعوامل النهضة اليابانية

من المنطقي والمعقول القول بأن هنالك عوامل وأسباب ساعدت في نهضة الشعب الياباني، وأن هنالك عوامل وأسباب أدت إلى فشل أو تعثر النهضة في البلدان العربية. ولأن المقال هنا لا يسمح بالغوص في التفاصيل العميقة لكلا الطرفين لذلك سيتم التركيز على عوامل نجاح النهضة اليابانية ومقارنتها بظروف المنطقة العربية لاستخلاص العبر من التجارب والأسباب، وندرج العوامل التالية:

العامل الجغرافي

جغرافياً، اليابان هي جزيرة تقع في أقصى شرق قارة آسيا، وهي بذلك تقع في أقصى الطرف الشرقي من العالم وبعيدة جداً عن مركز العالم. وكما هو معلوم فإن مركز العالم يتمثل بمنطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، ولذلك فليس لليابان أي أهمية سياسية قد تشكل حافزاً للدول الأوروبية بالسعي لاحتلالها. بالإضافة إلى ذلك، فاليابان لا تمتلك ثروات طبيعية أو موارد أخرى يمكن أن تستفيد منها الدول الاستعمارية وتسعى لاستغلالها. ولهذه الأسباب فاليابان لم تكن هدفاً مهماً ومباشراً للتدخل الأجنبي الاستعماري مما جعلها بمنأى عن الحروب المدمرة. وبناء على ذلك فإن موقع اليابان الجغرافي عمل على حمايتها من التدخلات الخارجية والتقليل من خطر تعرضها للحروب الخارجية ذات التأثير المخرّب للبلد.

أما بالنسبة لمصر والعالم العربي، فهم يتمتعون بموقع إستراتيجي في غاية الأهمية، يتمثل بحوض البحر الأبيض المتوسط الذي يعتبر مركز العالم. بالإضافة إلى ذلك، تعتبر المنطقة العربية ممراً حيوياً لخطوط التجارة العالمية. وأيضاً، امتلاكها لكثير من الثروات الطبيعية التي يحتاجها العالم وأهمها النفط. كل ذلك جعل المنطقة العربية هدفاً مباشراً حيوياً ومهماً للدول الاستعمارية لغزو المنطقة واحتلالها، مما جعلها تدخل في حروب طاحنة على مدى التاريخ. والحروب كما هو معروف تؤدي إلى دمار شامل للبلد وخسائر بشرية كبيرة وانهيار اقتصادي وأخلاقي.

العامل البشري

يتميز أفراد المجتمع الياباني بدرجة عالية من التماسك والانسجام الاجتماعي. فالشعب الياباني يتصرف وفق معايير عالية من التجانس القومي والديني واللغوي. منذ قديم الزمان وحتى اليوم حافظ الشعب الياباني على تماسكه بتراثه وعاداته وتقاليده، وغالباً ما نأى بنفسه عن تقاليد الغرب المشينة، وابتعد عن منهج التغريب الذي يعتمد الأفكار الغربية كأساس له، فاليابانيون كانوا دائماً يرفضون التدخل الأجنبي لبلادهم.

 في القرن السادس عشر، على سبيل المثال، وصل البرتغاليون إلى اليابان وبدأت حملات التبشير المسيحية الملازمة للغزو الأوروبي، حيث أن التبشير بالديانة كان وما زال يعتبر ركيزة مهمة في العقيدة المسيحية. وكانت نتيجة ذلك أن اعتنق قرابة 300 ألف ياباني الديانة المسيحية، ووصلت الأخبار إلى الإمبراطور الذي سارع لإصدار الأوامر الإمبراطورية بطرد الأوروبيين من البلاد وغَلق الحدود ومَنع التعامل مع الأوربيين، وحَظر الديانة المسيحية، فتم القضاء على الديانة المسيحية والمحافظة على الدين الرسمي للبلد (الشنتو)، والمحافظة على التراث والهوية الثقافية. دخلت اليابان بعدها في عزلة طوعية عن العالم الخارجي استمرت قرابة قرنين ونصف. في عام 1853 حاصر الأسطول الأمريكي اليابان، وأجبر اليابان على فتح التعامل التجاري وإعادة العلاقات مع دول العالم. اضطر اليابانيون تحت ضغط الحصار العسكري البحري، على قبول الشروط الأمريكية لعدم قدرتهم على مجابهة الأمريكيون عسكرياً فانتهت العزلة اليابانية، لكنهم مع ذلك ظلوا حذرين من التأثير الغربي على شعبهم.

في مقولة لبرتراند رسل "كانت اليابان دولة متخلفة اقتصادياً، لكنها لم تكن متخلفة ثقافياً". لقد حافظ اليابانيون على تعليم أفراد شعبهم، واهتموا بتعليم المرأة وتشغيلها من قبل بداية عصر النهضة (الميجي) بحيث كان ما يقرب من 40% من الذكور و10% من الاناث، متعلمين عند بداية عصر الميجي.

وفي عام 1907م، كان 97% من أطفال اليابان منخرطون في الدراسة الابتدائية، وتم القضاء على الأمية. بينما كان 93% من المصريين أميين في تلك السنة.

ولابد من التذكير أن اليابانيون مشهورين بالولاء والتفاني في خدمة الإمبراطور والوطن والشعب. فالفرد الياباني يتربى في مجتمعه على تبني أخلاقيات الصدق والأمانة والإخلاص في العمل والتفاني في حب الوطن، فالأرض عند اليابانيين مقدسة لا يجوز أن يدنسها الأجنبي. وخير مثال على ذلك سلوكهم وتفانيهم في أداء الواجب للوطن وفي وظائف الدولة العامة وشركات الصناعات والتصنيع الخاصة.

العامل الاقتصادي

اتبعت اليابان سياسات اقتصادية حكيمة وخطوات اقتصادية سريعة، أدت إلى نشؤ ثورة صناعية حقيقية وبنية اقتصادية حديثة ومتطورة ساعدت على بناء النهضة اليابانية. من مميزات النهضة الصناعية أنها تأسست بفكرة الاستفادة من السلع الأجنبية، ليس لغرض الاستهلاك فقط وإنما بهدف تفكيك السلعة المستوردة ودراسة كيفية تصنيعها ليتم فعلا انتاجها داخلياً بدلاً من استيرادها، فكانت هذه استراتيجية اقتصادية خلاّقة. وقد نجحت اليابان في مسعاها للتصنيع وتطوير الاقتصاد باعتماد الرأسمالية ودعم الخصخصة مع البقاء على سيطرة الدولة للمؤسسات الحيوية، فبُنيَت المصانع وأنشأت الصناعات الثقيلة والخفيفة والعسكرية والحديد والصلب، وتطورت صناعة البنوك العصرية، وتم إنشاء خطوط السكك الحديدية على نطاق واسع. ومما ساعد في اتخاذ هذا المسار الصناعي هو طلاب البعثات الذين أرسلوا إلى أوروبا للدراسة، فاهتموا بدراسة العلوم والتكنولوجيا أكثر من اهتمامهم بالعلوم الإنسانية والاجتماعية.

بالنسبة للدول العربية، كانت سياساتها الاقتصادية تنعكس سلباً على الاقتصاد الوطني. فهي كانت وما زالت دول مستهلكة، لم تتعلم ثقافة التصنيع والإنتاج الصناعي، ولم تهتم لها، فبقيت دول مستهلكة غير منتجة مما أدى إلى تباطؤ اقتصاد هذه الدول وضعفه. واتخذ المجتمع العربي في نهضته مسارات الثقافة الفكرية والاعتماد على الثقافة الغربية والتغريب بدلاً من التركيز على العلم والعلوم والتكنولوجيا فبقيت متخلفة علمياً وتكنولوجياً. لم تكن لدى الدول العربية خطط أو استراتيجيات اقتصادية واضحة أو ناجحة، لذلك بقيت هذه الدول تعاني من ضعف الاقتصاد وتراكم الديون وانتشار الفقر.

القيادة الحكيمة 

 مما لا شك فيه إن القيادة الحكيمة تعتبر من أهم العوامل التي تؤثر وتعمل على تقدم البلد ونهضته، فهي الجهة التنفيذية وصاحبة السلطة القادرة على وضع الخطط وتنفيذها لنهضة المجتمع. وهناك أمثلة كثيرة في التاريخ توضح دور القيادة السياسية في تطوير أو تدمير البلد.

بالنسبة لليابان، على الرغم من أن الإمبراطور الميجي كان رائد النهضة في اليابان ولقّب بالحاكم المستنير وأعتُبر عصره عصر النهضة، إلاّ إن حكمة القيادة لم تقتصر على حكم الإمبراطور الميجي فقط، وإنما كان معظم الحكام الذين حكموا البلاد مخلصين لوطنهم غير فاسدين ولا يسعون لمكاسب خاصة على حساب الوطن. فقد عمل الحكام، منذ قرون عديدة من قبل عصر النهضة، على إصلاح البلد. فقد حاربوا التدخلات الخارجية وحافظوا على ثقافة وتراث البلد من التأثير الغربي. كما عملوا على التخلص من الأمية، واهتمّوا بتعليم المرأة ورفع شأنها وجعلها عنصر فعّال في المجتمع، ولم يظهر أي تأثير سلبي أو معارضة من قبل حُكّام اليابان على تطور المجتمع ونهضته. ولا ننسى تبنيهم للسياسات الاقتصادية الصحيحة التي انتجت اقتصاداً قوياً متماسكاُ وأعتُبر اقتصادهم من اقوى اقتصادات العالم.  

أما في مصر، فلا أحد ينكر أن والي مصر محمد على باشا أقام نهضة وطنية وثقافية في مختلف مجالات التطور، لكن مَن خلفه من أبناءه وأحفاده لم يكونوا من دعاة تطور البلدان وتقدمها بقدر ما كانوا يسعون للحفاظ على حكمهم وترفهم. فلم يُعرف في تاريخنا الحديث حاكم نادى وسعى لنهضة البلدان.

في عام 1954م، كتب شارل عيساوي مقال عن نهضة مصر قال فيه "لو قدّر لمصر أن تُحكَم في ذلك الوقت على يد حكومة وطنية ومستنيرة لكانت قد بزغت في القرن العشرين كصورة مصغرة لليابان".

الخلاصة

من المعلوم أن الثروة البشرية هي أقوى وأفضل عامل على الإطلاق في بناء المجتمع. فالإنسان الجّاد المتعلم الحكيم يستطيع أن يوجد كل ما يحتاجه لبناء بيئته إذا ما قرّر ذلك. والمجتمع الجيد ينتج قيادة جيدة.

فالإنسان هو أساس المجتمع، فإذا صَلُح المجتمع صَلح أفراده وصَلُحت السلطة، وإذا فسد المجتمع فسد أفراد المجتمع وفسدت السلطة. يقول القول الحكيم "كيف ما تكونوا يولّى عليكم".

وصلاح المجتمع يبدأ بصلاح الإنسان لنفسه، " إن الله لا يغيّرٌ ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم".

***

صائب المختار

 

في المثقف اليوم