عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

آراء

يرى كثير من علماء الشيعة ان مراسيم وطقوس عاشوراء جزءا اصيلا من الهوية الشيعية، ويؤكدون على ضرورة ممارساتهم تحت كل الظروف، ولو تضرر الشيعي من اقامتها كمن يكون مواطنا في ظل دولة غير شيعية

وأورد هنا فتوى الميرزا النائيني مطلوبية العزاء الحسيني فهو يرى ان لا شبهة في العزاء العلني بل هو راجح شرعا ولا اشكال – عنده – في جواز اللطم والضرب بالسلاسل وان تأذي الضارب لان ذلك من اظهر مصاديق عزاء المظلوم وايسر الوسائل لتبليغ دعوى الحسين (ع)، مع ضرورة التنزيه (1) ولكن المتاخرين اختلفوا هل مراسيم عاشوراء سنه دينية ام فعل اجتماعي؟ فالذي اعتبرها سنه دينية قال ان عاشوراء جزء من هوية الشيعة ووسيلة لترسيخ عقائدهم، مقابل من يراها ممارسة اجتماعية مقبولة لكنها خاضعة للتحديث والتنزيه (2) بيد ان اللافت ان عزاء عاشوراء انطلقت دوافعه من وجهة عاطفية ففي القرن الرابع أدخلت طقوس عاشوراء في السياسة

فالغالب في العزاء العاطفي، كان في حدود التراجيديا لكن بعد دخول العزاء معترك السياسة صارت النظرة الى الامام الحسين (ع) انه رمز للحرية والخلاص وداعية تاريخي للمطالبة بحق الأمم في حكومة عادلة لكن مع بقاء ممارسة البكاء كاحدى مفرداته

ومن المعلوم ان غالبية الشيعة تقيم المراسيم كعمل تطوعي دون اسناد من السلطة بل كانت السلطات تراقب هذه الفعاليات حذرة وقد حدث متغير مهم ان السلطان عباس الصفوي قد أقامها بنفسه وتبعه بعض الحكام كان بعضهم يقيمها واستغلال اقامتها لتضليل الناس، فنبه العلماء جماهيرهم الى ذلك

وقد قدم دارسون افكارا عن دور مجالس العزاء في تعزيز الهوية واعتبروها وسيلة اعلام سياسية، وفعاليات جماهيرية لصناعة القدوة في التضحية، ووسيلة لترسيخ الاعتقادات وقد وصفت ملحمة عاشوراء بانها احدى اكبر الثورات لمقارعة الظلم وانها تلبي الحاجة الى استحضار البعد المعنوي عند الشيعة

وقد خشي منها المتطرفون من غير الشيعة فمنعوها قسرا وتحسبوا انها مقدمة لخلاص الشيعة من محنة الاقصاء والتهميش فادخلوا اجهزتهم الأمنية بالإنذار لمنع ظهورها واذا سمحوا فباقل قدر ممكن مما شجع العاشورائيين على التمرد ودخلوا في صراع مع السلطات المانعة وغابت عن الحكام الحاقدين على عاشوراء انها تقليد حاضر بقوة لدى عموم الناس، وانها تعبئ الناس وتجندهم فاذا منعوا ازدادوا صلابة وعنادا، ولا سيما ان قصة الحسين تلعب دورا مهما في طهرانية التشيع وتركيز هويته .

بيد ان المانعين للشعائر تلك وصفوها بانها محاولة لأدلجه الدين، وانها تحفز اهل العزاء على العمل للاستيلاء على السلطات تأسيا بالحسين (ع) لا سيما وان نداء الصبر ونداء الحرية والمقاومة نداء جذابا للناس وكحقيقة تاريخية لقد ذاق الشيعة عذابات كثيره من جراء التدافع بين اقامتها كواجب ديني، وبين منعها – من السلطات والمتطرفين لانها وسيلة للتحرر من قبضتهم، وقد دخ وكل ذلك في تشكيل عناصر الهوية الشيعية وفي صلب العلاقة بين هوية التشيع وملحمة كربلاء .

ان الملحمة الحسينية لم تكن فقط حدثا تاريخيا وقع قبل ما يقارب (1385سنه) لان الشيعة يستحضروها طول كل تلك السنين سنة بعد اخرى فهي حاضرة في وجدانهم، وقد عمقوا مكانتها في القلوب والنفوس والوجدان فصارت مدرسه إنسانية النطاق وعالمية الافاق تتوهج فيها قيم الدفاع الصلب عن كرامة الانسان وحريته وتدعو الى عدالة الدولة وعدالة القضاء وعدالة الكفالة الأساسية للمواطن وتؤكد في كل مفاصلها على حقوق الانسان حتى جعلت الدساتير في الكثير من الدول ان اهم هدف توثقه في بنودها حماية كرامة الشخص وتحقيق المجتمع الحر المتضامن الذي يعطي أولوية لحقوق الانسان.

لقد وضعت دساتير العالم بعض بنودها من معطيات ملحمة كربلاء ومنها ان جميع المواطنين متساوون امام القانون دون تمييز وان حقهم في الحرية الحياة والمساواة والامن مكفولة دستوريا وهذه القيم هي التي تطرز الهوية الإنسانية أولا وهوية التشيع التي ولدت من رحم معاناة الفجيعة الكربلائية، كما ولدت عندهم قيمة قداسة الصراع ضد الاستبداد و ومكافحة انتهاكات الحقوق الإنسانية لان الناس جميعا يولدون احرارا ومتساوين وان الدولة عبارة عن مؤسسة وظيفتها خدمة المواطن فهي ليست غاية بذاتها بل اداة لرفع نمط الحياة الفاضلة الى الأفضل، فقولة (ع) انه لم يخرج اشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما انما خرج لطلب الإصلاح، مما دل على ان الإصلاح واجب ومقاومة الفساد مسؤولية اخلاقية وشرعية وان شرعية الدولة مرتبطة بالقيم لا بالقوة والبطش واهدار المكانة الاستخلاقية للإنسان وقد وضع الامام الحسين (ع) وضع قاعدة معيارية اذ يقول (من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله فلم يغير ما عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله ان يدخله مدخله) وهذه القاعدة تعد اعلانا أخلاقيا وسياسيا لمقاومة الاستبداد والفساد والظلم لكي لا تتحول سلطه الحكومة الى قوه فوق القانون ووسلطة فوق الاخلاق لذلك رفض الامام الحسين ان يمنح الشرعية لسلطه حكومة فاسدة وهي ترنو ان تكون قوه فوق القانون وفوق الاخلاق فرفض الامام الحسين منح الشرعية لسلطة فقدت شروط الشرعية ومعاييرها فقال (ع) (مثلي لا يبايع مثله)

وفي هوية التشيع تجاوزت كربلاء حدود الدين والجغرافية والثقافات لتصبح رمزا إنسانيا للثبات على القيم النبيلة فكانت نموذجا فريدا للدفاع عن الحقوق والحريات والكرامة الإنسانية من خلال البطولات التاريخية الخالدة، التي انتصرت بها كل الأمم بانتصار المبدأ على القوة المادية فاستذكار كربلاء السنوي يستمد هذه المبادئ والقيم العظيمة مباشرة من واقعة كربلاء ومن تراث التشيع وينشيء سياقات تاريخية وقانونية ولوائح عالمية لحقوق الانسان ونلخص من ذلك الى ان القيم المتلازمة في هوية التشيع.

1- ان السلطة ليست غاية وليست مقدمة على القيم الانسانية وهي بحاجة دائما الى ديمومة الشرعية والمشروعية معا

2- وان الإصلاح واجب ديني واجتماعي واخلاقي على قادة المجتمع وعلى افراده 3- ان مقاومة الفساد - بكل اشكاله - واجب شرعي واخلاقي وقانوني

4- وان شرعية النظم والنظريات والأفكار كلها مرتبطة بالقيم وليست بالقوة

5- وان اداره المجتمع يجب عليها ان تعمل لتحقيق المصلحة العامة له ويجب عليها فعل الافضل

6- ان مواجهة اشكال الاستبداد فعل ضروري لئلا يسحق الانسان وتستبعده السلطة (التي ستعلو على القانون والأخلاق ولكي تبقى السلطة دائما تحت المساءلة)

7- لاحظنا ان الهوية كما تصنعها العقيدة ومنهاج التكليف تصوغها احداث التاريخ واستجابات الناس لمختلف التحديات وأنها ثابته ثبوت بصمة الابهام الجماعية.

8- ان الشيعة في التاريخ وبسبب (اضطهادهم) كان يلزم ان يتوسلوا بالعنف العشوائي انتقاما من صناع تاريخهم لكنهم تمسكوا – خلال 14 قرن – بالحكمة والسلام والحوار والنزعة الإنسانية

9- لقد عوض الشيعة (اقصائهم) عن الحكم والسلطة بان تعمقوا علميا بفلسفة عقيدتهم وبضروب الحكمة والآداب الرفيعة

10- ولابد ان نشير هنا الى احتياجات هذه الهوية لاسيما ما يسد ثغراتها مثل: احتواء الاخر المذهبي والديني فكريا وادارة المجتمع – من قبلهم كاداره عالية الجودة وبقيم مستقرة

***

ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد

.....................

(1) حيدر حب الله: جدل ومواقف في الشعائر الحسينية ص 68

(2) مطهري، فضل الله، شريعتي، نعمة الله صالحي

في كتابه "كشف الشبهات" كفّر زعيم الوهابية جميع المسلمين الغير محسوبين على مذهبه

إن ظاهرة تكفير الآخر تعد من أخطار الظواهر التي يعيشها العصر الحالي، بسبب الصراع بين المجددين والمحافظين (الأصوليين والحداثيين) وهي فكر متطرف يقوم على اتهام المسلمين الذين يطالبون بالتحديث وإعادة قراءة التراث وتجديده وإجراء له قراءة معاصرة بالكفر وإلصاق بهم تهمة الإلحاد والخروج عن ملة الإسلام​

الأصوليون هم جماعة لهم قناعات دينية مطلقة، نظموا أنفسهم في حركات اجتماعية، ويتعاملون مع قضايا معينة لها أهميتها بالنسبة لهم، ويسعون إلى إخضاع الحياة الخاصة والعامة لإملاءات قناعتهم الدينية، وتشكل "الحداثة" بالنسبة لهم المشكلة الأساسية التي وجب محاربتها، وقد ذهب مفكرون في اتجاهات مختلفة لتحديد مفهوم الأصولية وما جاءت به الكتب المقدسة، غير أن الأغلبية تجمع على أن الأصوليون جماعات منغلقة، تريد أن تفرض مفاهيم مطلقة على الرأي العام، وقد تستخدم العنف لتحقيق غرضها، وهو الترويج لمرشح رئاسة ديني، يتميز الأصوليون بآراء جامدة، ويقدم الباحثون أحسن مثال على حركتين دينيتين هما "الحركة الخمسينية" في أمريكا، و"الإسلام الوهابي"، الذي يرى أنه لا يجب انتظار قدوم المهدي، في الوقت الذي كان وهابيون متحمسون احتلوا الحرم المكي عام 1979 وأعلن أحدهم ليكون ببساطة المهدي، وتاريخ الأصولية تجسد في تصعيد الصراعات من خلال التسويق لها على أنها صراعات "هوية"، فيما يذهب البعض إلى الحديث عن "الإسلاموية" وانقسم المحللون إلى فرق

pakistani-islamists-torch-an-effigy-of-us-pastor-terry-jones-during-a-protest-in-lahore-on.jpg

ففيما يذهب الفريق الأول إلى القول أن "مصر" كانت الدولة الأولى التي نشأ فيها التيار الإسلاموي عن طريق أبو الأعلى المودودي الذي أسس الجماعة الإسلامية، وهي تعتبر واحدة من أكبر منظمات الإسلام السياسي، وذلك بهدف إعادة إحياء الإسلام بهدف تحقيق سيادة الشعوب، ورغم محاولات الأفغاني ومحمد عبده إلا أنها باءت بالفشل وعجزت عن مواجهة العلماء التراثيين الذين قاموا بتعطيل الإصلاح الإسلامي، كما فشلت أمام النخب العلمانية التي عملت على تعظيم التكنوقراطية، وظلت حركتهما عبارة عن حركة ثقافية، كما فشل الإخوان المسلمون بقيادة حسن البنا في تحقيق الإشتراكية الإسلامية، والإصلاح الإسلامي رغم أنها تعد أكبر منظمة للإسلام السياسي، أما الفريق الثاني يرى أن الأمر يختلف عند " الوهابية " التي تمثل ثالث حركة نبعت منها الأصولية الحديثة، والوهابية ترجع إلى محمد بن عبد الوهاب، الذي عمل على القضاء على ايّ فهم آخر للإسلام، وقد حددت الوهابية لنفسها عدوا قريبا وسجلت عزمها على محاربته من خلال أعمال عسكرية ضد العثمانيين والشيعة، في ذلك الوقت عقد محمد بن عبد الوهاب اتفاقا مع محمد بن سعود، حسب الكتابات كان الاتفاق أن يقوم محمد بن سعود بالجهاد ويصبح مقابل ذلك قائدا للمسلمين، على أن يكون محمد بن عبد الوهاب المسؤول عن شؤونهم الدينية، والوهابية اليوم هي مذهب الدولة في المملكة العربية السعودية وتعمل من خلال شرطة دينية، حيث تدعو الى اتباع تعاليم القرآن والسنة بصورة ضيقة جدا، ولا تفتح مجالا لي حوار (ثقافي، ديني، سياسي)، أي أنها تمارس ثقافة الإنغلاق، وتعمل على عزل المسلمين عن العالم الخارجي مع الالتزام بزيّ موحد (شوارب مقصوصة ولحى مطلقة وجلاليب تصل إلى الكاحل.

تقول التقارير أن الوهابية استفادت من أموال السعوديين ومن تأسيس رابطة العالم الإسلامي عام 1962، وسعت للسيطرة والتأثير على الحركات الإسلامية والجماعات في باكستان وحماس والجهاد الإسلامي وصولا إلى القاعدة، باستخدام إحدى الوسائل الخاصة بالحداثة فيما يسمى بالتحويل اليوتوبي الثوري، هي حقائق مثيرة كشفها الشيخ عبد القادر الاسكندراني الذي وصف زعيم المذهب الوهابي بالطاغية، وهذا في كتاب له من الحجم الصغير تحت عنوان: "النفحة الزكية في الرد على شبه الفرقة الوهابية" عن المكتبة الفلسفية الصوفية، وحسبما جاء في مخطوطة الإسكندراني، فقد كان شيخ الوهابية يكفر كل من لا يتبعه، حتى وإن كان من أتقى الناس، وكان يبيح دمهم، كما أن محمد بن عبد الوهاب ابتدع دينا جديدا وصنف رسالة سماها " كشف الشبهات" وقدمها لإبن مسعود وكفّر فيها جميع المسلمين، وقد أعانه ابن مسعود على ضلاله لدرجة أن بن عبد الوهاب كان يأمر بحلق رؤوس النساء، يذكر الإسكندراني في كتابه السالف الذكر أن العقيدة الوهابية شملت عشرة أشياء، أهمها تقديم النقل على العقل، إنكار الإجماع، عدم تقليد المجتهدين وغيرذلك، وبداية من 1979 احتل وهابيون متطرفون المسجد الحرام في مكة، وقامت الحكومة السعودية بتحريره، في هذه الفترة ظهر ابن لادن، وقد استفاد هذا الأخير من مساعدات عسكرية قدمتها له الولايات المتحدة الأمريكية، لقد ساهمت الصراعات والانقسامات بين الحركات الإسلامية في تدمير وحدة الأمة، وظهر ما أطلق عليهم اسم "المتأسلمون"، وهو تيار استخدم الإسلام غطاءً أو وسيلة لتحقيق مآرب سياسية، شخصية، أو مادية، دون الالتزام الحقيقي بجوهر الدين وقيمه الأخلاقية، وذلك بغية الوصول إلى الحك.

 فالتيار السلطوي السلبي يؤوّل الدّين تأويلا يضعه في شكل مباشر، في خدمة الدولة لا هي دولة الإسلام، بل هي دولة الطبقات المسيطرة في بلاد الإسلام، أي بالتحديد دولة الإستبداد المطلق الذي سيطرت عليه الطبقات الأرستقراطية على امتداد أربعة عشر قرنا، لأن هذه الطبقات تسيطر باسم الإسلام ولا تعمل به منذ دولة الخلافة حتى الدولة العثمانية حيث ظلت تيارات الإسلام تتصارع فيما بينها ولذا وجبت الثورة عليها، لأن الإسلام انقسم بين إسلام المستبدين وإسلام المسحوقين، و"المتأسلمون" يقول مهدي عامل وهو مفكر لبناني، يتنبى التيار الإشتراكي يرون الدين وسيلة للوصول إلى السلطة، كما يزعمون احتكار الحقيقة الدينية والهيمنة على معاني النص الديني، وهم إمّا أن تكون معه وإلا أنت عدوه لكنه لا يظهر عداوته لك، ولذا ذهب بعض المتكلمين إلى وجوب التوفيق بين العقل والدين، لأن وظيفة الدين اختلفت بسبب الصراعات بين التيارات الإسلامية رغم أن الدين واحد، فما تراه المعتزلة ليس ما تراه الظاهرية ولا ما تراه الباطنية ولا حتى التيار الإشراقي الذي أسسه شهاب الدين السهروردي الملقب بشيخ الإشراق، يقول عامرمهدي (اسمه الحقيقي حسن حمدان) ليس كل فكر عقلاني فكرا تقدميا، وليس كل فكر مناهض للعقل بالضرورة فكرا رجعيا، لكن يمكن أن يكون العقل عقل الإستبداد ونظامه (إسلام الدولة) وهذا هو الذي وجب محاربته، فالفرق بين المسلمون والمتأسلمون هو أن المسلمون هم الذين يمارسون دينهم من أجل التقرب إلى الله ويرون فيه وسيلة للروحانية والاتزان النفسي، ويرون في الدين وسيلة للارتقاء الروحي، أما المتأسلمون يرون في الدين وسيلة للتقرب من السلطة ويرون في الدين سُلَّمًا للارتقاء السياسي، أي أنهم يمارسون سياسة النفاق، أو يعملون بالفكر الباطني، فلا يُظهون حقيقتهم ولا يكشفون عن اسمائهم الحقيقية وأسرارهم.

مساعي الوهابية في "وهبنة" التراث السنّي

إن هذه الصراعات بين المسلمون استفادت منه الدول الغربية بزعامة إسرائيل وأمريكا، خاصة وأن إسرائيل كما تقول التقارير أصبحت تزداد توسعا يوما بعد يوم في ظل قانون العودة الإسرائيلي، في وقت ظل الفكر الوهابي جامدا فكريا ولم ينزع عنه عباءته القديمة، فما تزال السلفية الحالية المنحدرة من التراث الوهابي تدّعي محاولة إحياء العصر الذهبي للنبيّ والخلفاء الراشدين، إلا أنها انقسمت بدورها إلى جناحين، المحافظ مرتبط بالعائلة المالكة في السعودية والجناح الثوري، له تأثير دولي بعدما أعلن الحرب المقدسة على قوى الإلحاد والغطرسة التي تقوم بحملة صليبية ضد الأمة، حيث عادت إلى الساحة نظرية "الولاء والبراء" وهي نظرية ترجع جذورها إلى التراث الوهّابي، تم تطويرها في القرن التاسع عشر، إثر الصراع مع العثمانيين، بحيث يتم التبرؤ من الكفار ليس لغير المسلمين فحسب، بل حتى المسلمين الذين في نظر الوهابية كفار، وكل من يتعامل مع الكفار من غير المسلمين وبشكل متطرف .

كانت النتيجة خروج فرق إسلامية جديدة من سقف السلفية، وتشكيل سلفيات تختلف كلية عن السلفية الأمّ التي تعتبر المنبع، لقد حاولت الوهابية منذ نشأتها "وهبنة" التراث السنّي بطريقة لا تستجيب للتطورات الإجتماعية والسياسية، بحيث تبنت الفكر التكفيري، عكس ما جاء في متن العقيدة الطحاوية، التي تدعوا إلى عدم تكفير أحد من أهل القِبلة (بكسر القاف)، وتؤكد التقارير ان السلفية اليوم تعيش صراعات وهي في حرب فتاوى وأحكام على منابر إعلامية ومواقع إلكترونية، كمسألة التعاون مع السلطة والجهاد ومن تجاهد، كذلك موقفها من قضايا الإرجاء والتكفير، وقضية الإستعانة بالكفار، وهو ما ذهبت إليه "الجامية"، وهي حركة تنسب إلى الشيخ محمد أمان الجامي، فكانت النتيجة أن انقسم الإسلام في دار الإسلام إلى إسلام سني وإسلام شيعي، الذي يقوم على الطقس وليس المعتقد، يقوم فيها الشيعة بنوع من المحاكاة الفردية لمقتل الحسين في موقعة كربلاء، كانت حربا مسلحة بين صدام حسين وإيران بعدما زودته أمريكا بالأسلحة.

ما يلاحظ هنا أن الولايات المتحدة دائما تكون طرفا في النزاعات العربية الإسلامية، رغم الحصار الذي يلقاه الشيعة والعدائية ضد أنصار الحسين ابن علي، ما زال الشيعة يعيشون على أمل عودة الإمام محمد المهدي لينتقم لهزيمة كربلاء ويشيد مملكة العدل، لقد تطرق العديد من الباحثين في كتاباتهم حول الحركات الإسلامية ومنهم الدكتور بومدين بوزيد، حيث أشار إلى أن السلفية الوهابية كانت في الأصل اجتهادا نهضويا عربيا وإسلاميا في الحجاز والجزيرة العربية، ثم انتهت عندنا اليوم إلى تكفير وسفك للدماء، وتحولت إلى سلفيات تنويعية، ومنها السلفية الجهادية التي لها اتباع كثر اليوم في الجزائر، وحتى السلفيات الوهابية المسماة علمية في الجزائر قد تقول بالجهاد مستقبلا مادامت تقول اليوم بالتكفير والتبديع للمجتمع الجزائري، لقد كانت السلفية الجهادية التطور الفكري الجديد الحاصل في تاريخ الإيديولوجية التكفيرية المعاصرة، بفضل الوهابية الجديدة التي تجسدت عسكريا في القاعدة وخلاياها عبر العالم، لأنها مشحونة للعالم ضمن ثنائية "الكفر والإيمان، وبالتالي فهي تعلن الجهاد على الكل، خلاصة القول نرى أن ما يؤسف له هو أنَّ ظاهرة تمزيق الدين إلى فرق ومذاهب تكرَّرت ضمن تاريخ الأمَّة الإسلاميَّة، وما تبعها من تفرقة ومعاداة يمثِّل مخالفة صريحة وخطيرة عبر التاريخ الإسلامي.

***

علجية عيش ​

 

في الثقافة الحزبية والممارسة السياسية العربية، هناك أحزاب سياسية تريد نوعا معينا من المثقفين في صفوفها، وبتعبير أكثر دقة تريد مثقفا تابعا يضفي المشروعية على خطاب السياسي وممارساته، وفي أحسن الأحوال خطباء ومناضلون وادعون يجتهدون بأقصى قدر ممكن من الأمانة والمحافظة على شعرة معاوية التي تشدهم إلى المتكآت الإيديولوجية والإلتزام الإيديولوجي الذي يؤطر خطاب ومسارات بعض التشكيلات السياسية.

الامر الذي يؤدي بطبيعة الحال إلى تحول وتغير في الوظيفة المناط بها المثقف، وفقدان طبيعته كمنتج للقيم الرمزية والفكرية على ضوء ما يسميه المفكر المغربي عبد الكبير الخطيبي "السلم الألسني ".

وشتان بالطبع بين المثقف الحر وبين الخطيب وبين الصوت والصدى وبين المثقف وحارس الإيديولوجيا.

وعندما ينتقد المثقف الحر غير المدجن وضعا أو يعبر عن رأي بكل لباقة يقال له هذا من نتائج انسحابك من الشأن السياسي.

لقد كان الناقد والمفكر إدوارد سعيد يرى أنه على المثقف النقدي أن يكون منهمكا في نزاع مدى الحياة مع كل حراس الرؤية والحياة الذين يدهم الغليظة لا تتحمل عدم التوافق ولا التنوع.

وقبله كان الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر قد بشر بميلاد (المثقف المزعج الذي يدس أنفه).

لكن للأسف الشديد هذا النوع من المثقفين نادرا ما يستمر في الذودعن قناعاته الذاتية والوجودية وسرعان ما يستسلم للإغراء الإجتماعي ولنداء الجماعة ولآليات العقل الوثوقي العربي الممنوع من التفكير خارج ماتراه الجماعة أو الخلية أو الأسرة الإيديولوجية والسياسية إلى درجة الوقوع تحت طائلة ما وصفه المفكرالفرنسي جوليان بندا (خيانة المثقفين).

وهذا مأزق يحد من امكانية البعد الذي وضعه السوسيولوجي المرحوم عمار بلحسن وهو (تثقيف السياسة) بدلا من (تسييس الثقافة) وتدجين المثقف والتعامل مع بوصفه تابعا للسياسي وليس شريكا له في التخطيط للمستقبل المنظور.

ولذلك يختار السياسي نوعا خاصا من " المثقفين " وتحديدا يريد مثقفا و(ديعا) وتابعا يضفي المشروعية على الخطاب السياسي الرسمي وممارساته.

وأن ماينتجه هذا المثقف / التابع ينبغي أيضا أن لا يغرق في الغموض، وأن يتجنب اللغة التي لا تفهمها حتى النخبة المثقفة.

وأن يظل محافظا على شعرة معاوية التي تشده إلى وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية القائمة كي لا يزعج ليس فقط السلطة الفعلية بل أيضا (السلطة المرئية) بتعبير ميشيل فوكو أو (السلطة الرمزية) بمفهوم بيار بورديو التي تتشكل من كتاب ومثقفين تسكنهم "عقيدة " الإلغاء المتجذرة في مخيالات المثقف الشمولي الإبن البار للأب السياسي الذي سيرث عنه أنساق الهيمنة أو " الطغيان الميتافيزيقي " وفقا لأطروحة نيتشة محولا إياها من المجال السياسي إلى المجال الثقافي.

بما يعني الإقتراب من السقوط المذل في وحل (العبودية المختارة) كما وقف عليها ايتيان دي لا بويسيه أو (الزواج النسقي) بتعبيرعبد الله الغذامي.

وفي كل زواج كما هو معروف عقد وهذا العقد كما يقول الغذامي هو " العقد الثقافي القائم على المصلحة المتبادلة بين الطرفين مع تسليم المؤسسة الثقافية بذلك "، إن أراد أن يكون تحت تصرف السلطة أو رهينة لها يجسد في مساره وعي (المثقف المقاول) حسب عبارة السوسيولوجي التونسي الطاهر لبيب يتحدث إلى وسائل الإعلام ويكتب قصائدا عصماء وقصصا موجهة يتقاضى مقابلها جوائزا موسمية في مناسبات معينة وضمن الحدود المرسومة له.

هذا هو (الإبداع العظيم) الذي تكرس له المؤسسات الحزبية مثلما تكرس له أيضا المؤسسات الثقافية الرسمية القائمة ومشتقاتها الجمعوية والمدنية انطلاقا من الدعم المالي والإعلامي القائم على أسس براغماتية تديرها أجهزة بيروقراطية وإدارية هي ثابت من ثوابت استقطاب المثقف وتدجينه والذي هو في الأساس تعبيرعن سلوك هيمني يبرز اسما على آخر ويضاعف من مفعول (الطبقية الثقافية) بنص العبارة التي أوردها الغذامي في أطروحته عن النقد الثقافي من خلال إعادة فرز طبقات المثقفين حسب درجة الولاء والتناغم كمجرد رجع صدى للخطاب السياسي الإيديولوجي السائد لا غير.

الأمر الذي جعل السوسيولوجي الجزائري عمار بلحسن في كتابه الذي نشر بعد رحيله (كشف الغمة في ثقافة الأمة) يتحسر على ضعف الأنتلجانسيا، الضعف الذي يتمظهر في العنوان المثير الذي يضعه لأحد مقالات كتابه المذكور وهو (صعلكة الأنتلجانسيا) على الرغم من أن للسوسيولوجي الجزائري علي الكنز رأي آخر فهو عندما يحلل ظاهرة (الهامشية والذيلية) على حد قوله ذيلية المثقف وتبعيته للسياسي.

فهو يردها لأصولها التاريخية وبالضبط إلى لحظة تشكل الوعي الوطني المقاوم للكولونيالية الفرنسية التي تخلف فيها المثقفون عن الإلتحاق بصفوف الحركة الوطنية أو التحقوا متأخرين جدا.

فيسجل علي الكنز أن الحركة الوطنية "عمليا نشأت وترعرعت بدون مشاركة المثقفين وبعد التحاقهم بها لم يتمكنوا من التأثير فيها لا من حيث المحتوى ولا من حيث التطور فأصبحوا عبارة عن بيادق بين أيدي رجال الحركة الوطنية الرافضين لقواعد اللعبة ".

وهذا لا يعني التقليل من الأدوار النضالية للنخب المثقفة الملتحقة بصفوف الحركة الوطنية الجزائرية ولو متأخرين على غرار فرحات عباس وعبان رمضان ومصطفى الأشرف والدكتور لمين دباغين الذي يخصص له الروائي الجزائري حميد عبد القادر كتابا بعنوان " الدكتور لمين دباغين المثقف والثورة " رابطا فيه علاقة المثقف بالثورة من خلال نموذج لمين دباغين الذي يعتبره المؤرخ الجزائري محفوظ قداش (منظر حزب الشعب) كما جاء ذلك في كتاب حميد عبد القادر السالف الذكر.

ومن الشواهد الدالة على هذا التنازع بين السياسي والثقافي أيضا أن التراث السياسي الإيديولوجي الذي تشكل في أفق النضال الجزائري المحموم للرد على الهيمنة الكولونيالية الفرنسية التي تطلبتها المصلحة الوطنية وآفاق الحرية والإنعتاق من نير العبودية والإستيطان الفرنسي لبلد عربي هو الجزائر يعج بحالات رهيبة من الإقصاء والإلغاء المتعمد بين الأب والإبن وبين السياسي والثقافي وبين المثقف الثوري والسياسي البراغماتي وبين النخب السياسية المدنية أو البرجوازية الثورية وبين النخب العسكرية الريفية.

وهذا بالطبع مأزق آخر يتطلب علاجا وتناولا علميا لهذه الظاهرة التاريخية من منظور الدراسات الثقافية والنقد الثقافي والنقد ما بعد الكولونيالي بالعودة إلى النصوص التأسيسية لأدبيات الحركة الوطنية الجزائرية التي ميزت مسارات النخب السياسية الجزائرية التي انخرطت في معركة التحرير تحرير الأرض والإنسان كل من موقعه الخاص ومنظوره الذاتي لمحاصرة المآخذ التي تنطوي عليها الأنساق الثقافية والإجتماعية وأنظمة الخطاب السياسي الذي يؤطر مسألة البناء النفسي والثقافي للإيديولوجيا الوطنية التي تجد تجذرها وأفقها الأعلى في الوعي بالحرية والقيم الإنسانية والإجتماعية والسياسية كتجل يسكن حاملها بوصفه فرد من مجتمع كان يقع تحت طائلة السيطرة والإستبداد من (ليل الإستعمار) بمفهوم فرحات عباس بكل ما يترتب عن ذلك من محاولات للخروج عن الأنساق الثقافية والمعرفية المضمرة للإستبداد أو المطمورة بين طيات التاريخ، تاريخ الذات العربية المجبولة على التفرد والغطرسة والتضخم النرجسي بأشكالها القديمة والجديدة.

والقطع مع رواسب القهر التي ميزت المجتمعات العربية الهشة أو (القابلة للإستعمار) بتعبير مالك بن نبي للحد من هذه الظاهرة أو الحيلولة بينها وبين من أن تمتد للأجيال الجديدة إن لم تكن قد امتدت إليها فعلا.

وعندئذ لا نملك سوى أن نردد مع عبد الله العروي " هذا خطأ وذاك خطأ وهل كتب علينا أن نعالج خطأ بخطأ... ؟ ".

***

قلولي بن ساعد - كاتب وناقد من الجزائر

لابدّ من الإشارة إلى المفهوم العام للموسم الديني، فهو شمولًا يشير إلى فترة زمنية محددة من العام ترتبط بشعائر، أو عبادات، أو إحياء لمناسبات تاريخية ومحورية في عقيدة أو ثقافة مجتمع. تكتسب هذه الفترات طابعاً جماعياً وتؤثر بشكل مباشر على السلوك الاجتماعي والاقتصادي والثقافي في المناطق التي تحتضنها.

تتوزع المواسم الدينية الكبرى على مدار السنة القمرية وتختلف طقوسها ووظائفها الاجتماعية، مثل موسم الحج (شهر ذي الحجة)، يركز على الطقوس الجغرافية والعبادية في مكة ومحيطها، ويرتبط تاريخياً بالتجارة واِلتقاء الثقافات والتنظيم الإداري السنوي، وينتهي بعيد الأضحى.

أو موسم شهر رمضان وعيد الفطر، ذلك الموسم العباديّ والاجتماعي الذي يقوم على الصيام والامتناع عن الطعام والشراب والفواحش مما ينطلقُ من اللسان، كما له أبعاد اقتصادية ملموسة تتعلق بنمط الاستهلاك، يليه عيد الفطر كإعلان لاِنتهاء هذه الفترة.

كذلك مواسم الزيارات المخصوصة والوفيات، فترات قصيرة ومكثفة ترتبط بوفاة أو ولادة شخصيات محورية في التاريخ الإسلامي (مثل ذكرى المولد النبوي، أو ذكرى وفاة علي بن أبي طالب، أو الزيارة الشعبانية).

ونشهد في هذه الأيام واحدا من أهمّ المواسم الدينيّة وهو شهر محرّم الحرام، يرتبط هذا الموسم بإحياء ذكرى واقعة الطف أو معركة كربلاء، التي قُتل فيها الحسين بن علي وأصحابه في صراع سياسي وعسكري مع جيش الدولة الأموية بطلب من يزيد بن معاوية وأصحابه.

يمتد الزخم الاجتماعي لهذا الموسم طوال الأيام العشرة الأولى من محرم، وصولاً إلى يوم عاشوراء (10 محرم)، ويتجسد في مجالس العزاء، والمواكب، والتمثيليات التاريخية (التشابيه)، وتوزيع الأطعمة ثوابًا. يمتد هذا الموسم رمزياً ليشمل شهر صفر أيضاً، لينتهي بزيارة الأربعين.

وعند تفكيك هذه الظاهرة من منظور بنيوي نجد أن لإحياء هذه الطقوس أبعاداً ووظائف ملموسة.

فعلى المستوى الانثروبولوجي والثقافي، إحياء المواسم الدينيّة هو حفظ للذاكرة الجماعية من الاندثار، وهو الآلية التي تحمي ثقافة الأفراد من الانغماس في الثقافات الأخرى.

كذلك يسهم في إعادة إنتاج الأنشطة الثفافية كالشعر، والخطابة، واللحن القصائديّ، وهو ما يخلق أرشيفاً ثقافياً متجدداً باستمرار يعطي الجماعة بصمة تميزها عن غيرها.

أما على المستوى الاجتماعي فظاهرة إحياء المواسم بالطقوس تسهم في تذويب الفوارق الطبقية، فغالبا يرتدي الجميع زياً موحداً (كالأسود في عاشوراء أو الأبيض في الحج)، ويجلس الغني والفقير على مائدة واحدة (المضائف والطبخ الجماعي). هذا الدمج المؤقت يقلل من حدة الاحتقان الطبقي داخل المجتمع ويوفر شعوراً بالمساواة المطلقة. وكذلك على أصعدة كثيرة لا يسعنا ذكرها لضيق المقام.

لو توغّلنا بين السطور وغادرنا الطبيعة الظاهرية للطقس الجماعي، -والتي ربّما تظهر بأبعاد واضحة وأقرب للمنطق المقبول- لوجدنا أن هناك ما هو أشبه بالنسق المضمر على مستوى الفرد والجماعة لتلك الطقوس، فهذا التأثير الإيجابيّ قد ينقلب لما هو عكس ذلك، بدل أن يحقق أبعاده المتعددة.

في إحياء التراث المقدّس تتداخل عوامل كثيرة جدا، حيث كلّ عامل ينفرد بشاكلته، ومادام عامل القداسة حاضرا صَعُبَ الفصل بين عوامل تعريف التراث المقدّس. فمن بين الغايات الواضحة التي يحقّقها نشاط إحياء التراث قد ينحرف بعضها عن الغاية المجرّدة، لتصبح غاية مقرونة بشكل ظاهري، ثم تتطوّر لتصبح شكلا بلا غاية، وبهذه الحالة فقد عامل إحياء التراث غايته وصار إسقاطا روتينيّا كأنّه فايروس ينتشر من جيل إلى جيل.

تعريفًا لغاية إحياء الموروث بالطقوس يجب الفصل بين مفهومين أساسيّين، أولا غاية إحياء الموروث نفسه، ثانيا الأبعاد الأخلاقيّة التي يقوم عليها هذا الموروث.

أمّا عن غاية إحياء التراث فلا شكّ أنها غاية فرديّة لا جماعية، إضافة للأبعاد الملموسة على مستوى الجماعة والمتأتّية من تطبيق تلك الطقوس إلا أنها تبقى ذات غاية فرديّة فحركة الجماعة نتيجة حركة فرد. وقد تتداخل بعض المفاهيم في طبيعة إحياء التراث بسبب طبيعة الطقوس التي تعتبر وسيلة أساسيّة.

أما عن الأبعاد الأخلاقية فالمشكلة الكبرى هي عدم الأخذ بالغايات الأخلاقية بشكل عام في كلّ زمان ومكان (مع مراعاة تغيّر الطبيعية السوسيولوجيّة).

فإحياء الموروث يجب أن نتخذه وسيلة تذكّرنا بالنظر إلى البعد الأخلاقي المحض، وليس وسيلة لتحقيق الأبعاد الأخلاقية في فترة إحياء الموسم.

بمعنى أننا بتلك النظرة التي تجعل من غاية الموروث الأخلاقية غايةً مقرونة بمدّة زمنيّة، وبهذه المدة نسعى لتطبيق الأبعاد الأخلاقيّة التي جاء بها الموروث وعليه قد اِقترنت الأخلاق بمدّة زمنية والنتيجة = تجزئة الأخلاق، والأخلاق مفهوم عام لا يمكن تجزئته مطلقًا.

بقطع النظر عن المبدأ الذي تقوم عليه طبيعة الأخلاق فهذا ليس موضوعي ولكن تطبيق الأخلاق يجب أن يكون عامّا لا مقرونا بزمان أو مكان!

فالغاية الأخلاقية واحدة سواءً قبل أو بعد أو في فترة المواسم الدينيّة التي من المفترض أن تحمل رسالةً أخلاقيّة للجميع.

وهذا ليس من تهذيب النفس بشيء بل هو تحوّل لإسقاط فرض خاوٍ، فتُرسم صورة نمطيّة في مستوى اللاوعي بأنّ هذه المواسم لها سلوكيّاتها الخاصة وفي سواها يخفّ العقاب. كأنّما المحاسبة مقصورة بمدّة زمنيّة والأخلاق متباينة التطبيق متناسبة مع طبيعة المدّة الزمنية.

يجب أن نتّخذ من تلك المواسم محطّة مراجعة لا سيطرة صارمة بمجرد عبورها نعود كما كنّا. فالأخلاق عامة والمواسم خاصة، ولا يمكن أن يكون العام جزءًا من الخاص، ففهي هذه الحالة لم تعد الأخلاق تمت للأخلاق بأي صلة بل صارت عادةً موروثة نخدع أنفسنا بها وماهي إلا ابتعاد عن الغايات التي قامت عليها حوادث تلك المواسم.

وفي واقع الأمر لا يخفى علينا عدم تطبيق المبدأ الأخلاقي حتى في فترة إحياء المواسم الدينية، فهذه كارثة كبرى، وهو ما جعل الأفراد يركّزون على طبيعة الطقوس ويتفنّنون بتلفيق ما أنزل الله من شكليات لا نعرفها قبل كذا سنة.

فمن جانب سيكولوجي فإن الفرد يشعر بنشوة الاِنتصار بمجرد الاِنغماس بتلك الطقوس فهو يعيشها بكل مايملك من مشاعر، وبقدر ما يركّز على الطقوسيات فهو يصرف نظره عن واقعه المرير، وهو مايخلق ضعف المواجهة واليأس والإحباط بعدما سلّم نفسه لتلك الطقوس.

فإنّ فصل الغاية عن التطبيق يخلق شكلا من أشكال غضّ البصر عن الواقع، وهو ما يزداد يوما بعد يوم، فالحسين صار رمزا للدماء والسواد والبكاء، بدلا من أن يكون بالدرجة الأولى رمزا للقوة والتفاني والعنفوان. وبذلك يمكن أن نراه رمزًا للبياض والحياة والارتقاء، فالبياض هو بياض القلوب والنقاء وروح السلام والمحبّة، والحياة هي العيش بكرامة وتمرّد ولو كان على حساب البقاء، فليس عيش هذا إن كان بلا كرامة، فالأولى أن ننتزع كرامتنا قبل أن نحيي تلك المواسم وقبل أن نتفنّن بالطقوس التي لا تمت للقضيّة الحسينيّة بشيء. أما الارتقاء فهو ارتقاء الذات في سماء الكلمة القوية السامقة.

***

عباس القسام

 

نحيا في عصر السوبر تخلف المعرفي القائم على التسليم بمعارف مُحدَّدة سلفاً بدلاً من إنتاج معارف جديدة ومفيدة نظرياً وعملياً. السوبر تخلف المعرفي = اعتبار المعرفة مُحدَّدة سلفاً ÷   إنتاج كلّ الأفكار والنظريات الممكنة والمنطقية في الميادين الإبداعية كافة والحائزة على قدرات تفسيرية وعملية ناجحة. فكلما اعتبرنا أنَّ المعارف مُحدَّدة مُسبَقاً ولم نشارك في بناء كلّ الأفكار والنظريات المنطقية الممكنة في الميادين الإبداعية كافة (كالميادين العلمية والفلسفية) والحائزة على قدرات تفسيرية وعملية ناجحة، تطوَّر التخلف المعرفي وساد وأصبح بذلك سوبر تخلفاً معرفياً. السوبر تخلف المعرفي هو تطوير التخلف من خلال اعتبار أنَّ المعرفة مُحدَّدة سلفاً وعدم إنتاج معارف جديدة مغايرة للمعارف الماضوية والسائدة.

يسيطر السوبر تخلف المعرفي على الشرق والغرب معاً. يتمثل السوبر تخلف المعرفي في اعتبار أنَّ تراث الفقهاء والفلاسفة والعلماء حاو ٍ على المعارف الحقيقية والحقة بدلاً من اعتبار أنَّ المعرفة مشروع مستقبلي لم يكتمل بل يحتاج إلى إنتاجه بشكل مستمر وجديد ومغاير للمعارف الماضوية والسائدة حالياً. مثل تفصيلي على ذلك هو التأكيد على أنَّ التراث العلمي القائل بوجود أعراق بشرية مختلفة هو الصادق بينما البحث العلمي البيولوجي الأكثر تطوّراً يرينا بأنَّ كلّ البشر يشكِّلون كينونة واحدة غير متجزئة لأنهم يتشاركون في امتلاك الجينات البيولوجية ذاتها. أما مثل آخر فهو الإصرار على أنَّ تراثاً دينياً معيّناً دون سواه هو الصادق أو الأصدق بينما البحث المعرفي الأدق يرينا بأنَّ كلّ الأديان تتشابه إن لم تكن تتطابق كالتشابه في الإيمان بقوى ما ورائية غير منظورة تتحكّم بالكون ومصيره.

بالإضافة إلى ذلك، كلّ تراث ديني تتنوّع مذاهبه كالاعتقاد بحرية الإنسان المطلقة والاعتقاد بعدم امتلاك الإنسان لأيّة حرية (بل الاعتقاد بأنه مجبور بقضاء وقدر) والاعتقاد بأنه في منزلة بين منزلتيْن منزلة الجبر ومنزلة الحرية. وبذلك كلّ تراث ديني حاو ٍ على تنوّع فكري مشابه إن لم يكن مطابقاً للتنوّع الفكري في أيّ تراث ديني آخر. من هنا، يستحيل الاعتماد على التراث الديني للحصول على أيّة معرفة. أيّ تراث يحتوي على معلومات بدلاً من احتوائه على المعرفة. فالمعلومات إما صادقة وإما كاذبة بينما المعرفة مشروع مستقبلي لم يكتمل. كلّ تراث (بما في ذلك التراث الديني والفلسفي والعلمي) غير مُحدَّد من جراء تنوّعه وإمكانية تفسيره وتأويله بتفاسير وتآويل مختلفة. وبما أنَّ التراث غير مُحدَّد، إذن نحن مَن نحدِّده بما ننتج من تآويل وتفاسير جديدة. من هنا، المعرفة الحقة هي مشروع يطالبنا بتحقيقه بشكل مستمر. ولذلك السوبر تخلف المعرفي (المناقض للمعرفة الحقة) كامن في اعتبار أنَّ المعارف مُحدَّدة سلفاً (بدلاً من أن تكون مشاريع مستقبلية) مما يدفعنا إلى عدم إنتاج أيّة معارف جديدة فيحتِّم بذلك انهيار الحضارة الإنسانية لكونها قائمة على تطوير المعارف والارتقاء بها.

السوبر تخلف المعرفي هو اسغلال التراث الديني والفلسفي والعلمي من أجل نشر الجهل والتجهيل والتعصب من خلال اعتبار أنَّ تراثاً معيّناً هو الصادق دون سواه مما يؤدي إلى رفض الآخرين ويقضي على حرية الفرد في إنتاج إبداعه الخاص والفريد. ومثل ذلك الإصرار على أنَّ نظرية علمية واحدة فقط كنظرية النسبية لأينشتاين هي النظرية الصادقة في الفيزياء دون سواها مما يدفع بنا نحو رفض الآراء العلمية المخالفة لها ويؤدي بنا إلى عدم إنتاج أيّة نظريات علمية جديدة بسبب قناعتنا بصدق تلك النظرية المتاحة لنا في التراث العلمي. أما الحقيقة الحقة فهي أنَّ كلّ الميادين المعرفية والإبداعية والتي من ضمنها العلوم الطبيعية كالفيزياء ليست سوى مشاريع فكرية تطالبنا بإنجازها بشكل مستمر. فلا يقينيات في العِلم مما يفسِّر تغيّر المعارف العلمية وتطوّرها. وبما أنه لا توجد يقينيات في العِلم، إذن العِلم مجرد مشروع مستقبلي يُبنَى على ضوء ما نبني ونصوغ من فكر ونماذج معرفية. وبهذا نستنتج بحق بأنَّ العِلم غير مُحدَّد لأنه مشروع مستقبلي ولذا يحتاج إلينا لكي نحدِّده باستمرار مما يفسِّر تغيّر العلوم المستمر واستدامة الإبداع العلمي.

من المنطلق السابق، السوبر تخلف المعرفي = اعتبار المعرفة مُحدَّدة سلفاً ÷   إنتاج كلّ الأفكار والنظريات الممكنة والمنطقية في الميادين الإبداعية كافة والحائزة على قدرات تفسيرية وعملية ناجحة. وبذلك السوبر تخلف المعرفي يقضي على الحرية الفكرية والإبداع من جراء اعتبار أنَّ المعرفة مُحدَّدة سلفاً فيقضي أيضاً على إنسانية الإنسان الكامنة في الحرية والإبداع. على أساس هذه الاعتبارات، السوبر تخلف المعرفي يؤدي لا محالة إلى انهيار الحضارة القائمة على الإنجازات الإبداعية. فعندما نعتبر أنَّ المعارف مُحدَّدة سلفاً، حينئذٍ سوف نُسجَن بتلك المعارف المُحدَّدة مما يقضي على الحرية الفكرية والإبداع فيحتِّم زوال إنسانيتنا القائمة على الإبداع والحرية.

أما إذا اعتبرنا أنَّ المعرفة غير مُحدَّدة سلفاً على النقيض من السوبر تخلف المعرفي، فحينها سوف تطالبنا المعرفة بتحديدها المستمر مما يضمن استمرارية البحث المعرفي. وفي هذا فضيلة معرفية كبرى. وإذا سعينا في إنتاج كلّ الأفكار والنظريات الممكنة في الميادين الإبداعية كافة (كميادين العلوم الطبيعية والاجتماعية والفلسفية) على النقيض من السوبر تخلف المعرفي، وعلماً بأنَّ كلّ الأفكار والنظريات الممكنة تتضمن الأفكار والنظريات التي لم تُكتشَف بعد، فحينئذٍ نضمن إنتاج أفكار ونظريات جديدة مختلفة عن الأفكار والنظريات الماضوية والسائدة. وفي هذا أيضاً فضيلة معرفية كبرى. هكذا التحرّر من السوبر تخلف المعرفي ضمان استمرارية البحوث المعرفية وضمان إبداع نماذج فكرية ومعرفية جديدة مما يضمن بدوره استدامة تطوّر الحضارة الإنسانية.

لا يكتفي السوبر تخلف المعرفي برفض العِلم والمنطق وسجننا بمعتقدات ماضوية بل أيضاً يستغل المعرفة من أجل نشر الجهل والتعصب. مثل ذلك استغلال معرفتنا بوجود ثقافات مختلفة للاستنتاج بأنَّ الصراع قائم لا محالة بين تلك الثقافات بسبب اختلافها مما يبرِّر سيادة الصراع بين المنتمين إلى ثقافات مختلفة. هكذا في عصور السوبر تخلف المعرفي يتم استغلال المعرفة لنشر التعصب والجهل معاً. فالاستنتاج الحق هو أنَّ الاختلاف الثقافي دليل على غنى الحضارة الإنسانية التي ينتمي إليها كلّ البشر من جراء أنهم يتشاركون في امتلاك الجينات البيولوجية والقدرات العقلية والأخلاقية ذاتها رغم إنتاجهم لثقافات متنوّعة. مثل آخر على استغلال المعرفة لنشر الجهل هو استغلال معرفتنا بأنَّ النظريات العلمية متغيّرة وتُستبدَل بنظريات علمية أخرى مختلفة للاستنتاج بأنَّ العِلم باطل وبذلك لا بدّ من رفضه بدلاً من الاستنتاج بأنَّ تغيّر العلوم دليل على أنَّ العِلم عملية تصحيح مستمرة وفي ذلك فضيلة كبرى تشير إلى مصداقية العلوم.

***

حسن عجمي

الطائفيّة لغةً: مشتقة من كلمة "طائفة"، والتي تعني في معاجم اللغة (مثل لسان العرب والمعجم الوسيط)، الجزء أو القطعة من الشيء، وتُطلق أيضاً على الفرقة أو الجماعة من الناس الذين يجمعهم مذهب، أو رأي، أو رابط مشترك. وهي تدل كذلك على الحركة الدائريّة المغلقة إذ يقال: أطاف فلان بالأمر أي أحاط به، وفي التنزيل: (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا) [الإنسان، آية 15]. وتأتي أيضاً: جماعة من الناس أو الحيوان أو الأشياء. وعند الناس تعني كلمة طائفة، جماعة أو فرقة منهم، قال تعالى: (وإنْ طَائِفَتَاِن مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) [الحجرات، آية 9]. والطائفة من الشيء جزء منه، وفي حديث عمران بن حصين وغلامه الآبق: لأقطعنّ منه طائفاً، أي بعض أطرافه. (1).

والطائفيّة اصطلاحاً: هي "كيان اجتماعي قائم بذاته، متماسك بلحمته الداخليّة، عميق الجذور في وجوده". وبناءً عليه تُعتبر الطائفة، هي الوحدة الاجتماعية الأولى (دينيّة كانت، أو مذهبيّة، أو عرقيّة، أو سياسيّة). وهي مدخل الفرد ومعبره باتّجاه المجتمع والدولة. وهذا ما يساهم في تجذير وبلورة التعصب الأعمى والانغلاق الفكري، ورفض الآخر المختلف، والسعي لإقصائه. ففي الطائفيّة يُغلّب الأفراد في الطائفة مصلحة طائفتهم على مصلحة الوطن والمجتمع الأكبر. وقد نجد الطائفة الواحدة قائمة في عدّة مجموعة عرقيّة أو دينيّة في مناطق وبلاد مختلفة في لغاتها وانتماءاتها.

من خلال النظر في العوامل الأساسيّة لتشكل وظهور (الطائفيّة)، نجد أنها ليست من إنتاج (الطائفة) بل العكس. فالطائفية هي التي تستدعي الطائفة من وعي الناس، وتعيد إنتاجها ككيان مشخص له مصالحه المشتركة في شروط تاريخيّة وسياسيّة يفرضها الزمن المعيش، أهمها فشل الدولة الوطنيّة من خلال عجز مؤسساتها السياسيّة والثقافيّة والاقتصاديّة، عن دمج الجماعات أو مكونات المجتمع في هذه الدولة على أساس المواطنة، وغالباً ما نجد  في أي محيط اجتماعي يتسم بالتعدديّة الدينيّة والطائفيّة والمذهبيّة بروز تناقضات وصراعات  سياسيّة أو طبقيّة، تؤدي إلى استثمار الهويّة الطائفيّة في الصراع على الدولة من أجل الوصول إلى السلطة وإثبات الذات أمام الآخر المختلف الذي يتحول إلى عدو ضمناً، ليتطور هذا الاختلاف لاحقًا ويتحول إلى صراع على تاريخ البلاد ومشكلة "نحن" مقابل "هم". وغالباً ما تتدخل أو تستدعى قوى خارجيّة لدعم هذا الطرف أو ذاك في صراعها الداخلي.

إذاً في مثل هذه الدول البعيدة في تكوينها عن أسس الدولة المدنيّة، أي عن دولة المواطنة والمؤسسات... الدولة التي يُحترم فيها الدستور، ويُقاضا أو يُحاكم الحاكم والمحكوم معاً عند الخروج عن قواعدها، نجد في مثل هذه الدولة (الما قبل دولة)، بروز المرجعيات التقليديّة لقيادة الدولة وفق مصالها الأنانيّة الضيقة، وليس وفقاً لمصلحة (مجموع مكونات الدولة) الدينيّة والعرقيّة والقبيليّة والعشائريّة، وتأتي الطائفيّة موضوع بحثنا أنموذجاً لذلك.

نعم.. ففي بنية الدولة الطائفيّة، لا مجال لتكافئ الفرص في قيادة الدولة والمجتمع، فالولاء لسلطة الطائفة الحاكمة يأتي قبل الكفاءة، ومن يوالي هذه السلطة الطائفيّة ويعمل وفق أجندتها، هو بالضرورة شخصيّة مهزوزة ومهزومة في داخلها وانتهازيّة، تبحث عن الجاه والسلطة، وتحقيق مصالحها الماديّة الأنانيّة الضيقة.

وفي الدولة الطائفيّة تغيب سلطة القانون، وتفرض سلطة المسؤول. فالمسؤول هنا هو ومن يحتمي به، هما فوق القانون في الغالب، وهذا ما يؤدي إلى غياب عمليّة فصل السلطات الدستوريّة والتنفيذيّة والقضائيّة عن بعضها، بحيث تصبح كلها تحت أمرة السلطة الحاكمة المتفردة بالسلطة، وعليه تغيب العدالة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة وحتى الثقافيّة.

فعلى المستوى الاجتماعي: يأتي أبناء الطائفة الحاكمة في مقدمة الترتيب الاجتماعي، بل نجد هناك الكثير من مكونات المجتمع الأخرى تبدأ بمحاباتها والتزلف لها، ومحاولة الالتصاق بها طائفيّاً.

وعلى المستوى الاقتصادي، تبدأ الثروات تتراكم عند أبناء الطائفة الحاكمة والموالين لها من أبناء مكونات المجتمع الأخرى، إما بسبب السيطرة على البنية الاقتصاديّة، أو بسبب استغلال مناصب الدولة ونهب ثرواتها بطرق غير قانونيّة، كالرشاوى والطرق المختلفة للفساد.

وعلى المستوى السياسي: تغيب دولة المؤسسات والمواطنة كما بينا في موقع سابق، وتتفرد الطائفة بالسلطة من خلال سيطرتها على المفاصل الحساسة في الدولة وخاصة (الجيش). بحيث تصبح الطائفة الحاكمة فوق القانون والدستور من الناحية العمليّة، ولا يمكن لأي قوى سياسيّة أخرى أن تمارسها حقها الدستوري في قيادة الدولة والمجتمع إلا بعد أخذ رضا السلطة الطائفيّة.

وعلى المستوى الثقافي: تغيب الثقافة العقلانيّة التنويريّة، وتُفلتر الثقافة بشقيها الوضعي والديني وفق ما يخدم طبيعة السلطة الطائفيّة الحاكمة، ويبدأ العمل على الانتقاء من (التراث) ما يخدم تجسيد البنيّة الدينيّة المعبرة عن أصول الطائفة الحاكمة، بشكل مباشر أو غير مباشر، وهذا ما يدفع أبناء الطوائف الأخرى للاشتغال على فكر طوائفهم أيضا، وهنا مع غياب الثقافة الوطنيّة والقوميّة، وثقافة المواطنة ودولة القانون، تتجسد ثقافة الأساطير والخرافات المشبعة بالحقد والكراهية تجاه المختلف، وهذا ما يدخل الدولة والمجتمع في نهاية المطاف في حالات من الصراع المباشر وغير المباشر، بل الدخول بحروب أهليّة تأكل الأخضر واليابس معا.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

....................

الهوامش:

1- الطّائفيّةُ في اللّغة والاصطلاحِ: بحثٌ في الجذور والمرتكزات وآفاق التّجاوز. موقع. مؤمنون بلا حدود  للبحوث والدراسات).

دروس وتحديات بناء إطار يساري واسع

المدخل: كتب هذا النص في شباط 2026 للنشر في دورية يسارية عراقية، غير أن تأخر النشر جاء بسبب الظروف الإقليمية المتقلبة التي تعصف بالمنطقة. وعلى الرغم من أن النص يتخذ من التجربة العراقية مدخلاً تحليلياً، فإن ما يطرحه يتجاوز الحالة العراقية وحدها، إذ تشترك كثير من دول الشرق الأوسط ودول الجنوب العالمي في وقائع متقاربة: حركات احتجاجية جماهيرية واسعة واجهت صعوبات جدية في التحول إلى قوة سياسية منظمة، ويسار أثبت حضوراً ميدانياً لافتاً في الشارع رغم تشتته، في حين تظل التحديات التنظيمية والانتخابية وضعف العمل المشترك قائمة وتستدعي المعالجة. العراق هنا نموذج للتأمل والاستفادة، والسؤال المطروح أوسع بكثير من حدوده الجغرافية.

وفي هذا السياق، تستحق التجربة المغربية الراهنة الإشارة والتأمل، إذ تقدم نموذجاً حياً ومتجدداً في مسار الحوار والعمل المشترك بين القوى اليسارية. فقد جاء تأسيس "تحالف اليسار" بين مجموعة من القوى اليسارية المغربية تتويجاً لمسار طويل من التنسيق والعمل المشترك، معبراً عن إرادة سياسية واضحة لتجاوز حالة التشتت التي عرفها اليسار خلال السنوات الأخيرة، ومستنداً إلى رصيد نضالي وتاريخي مشترك. وقد أكدت الأحزاب المشاركة أن طبيعة المرحلة وما تطرحه من تحديات سياسية وحقوقية واجتماعية تفرض تعزيز العمل الوحدوي، وإطلاق مبادرات مشتركة ونفَس نضالي موحد دفاعاً عن الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وتدرك القوى المشكِلة لهذا التحالف أن المرحلة المقبلة تستوجب التجديد الفكري والسياسي وتطوير أساليب النضال، وصياغة برنامج عملي موحد يجيب عن أسئلة العمل والصحة والتعليم والسكن والعدالة وغيرها من متطلبات الجماهير الكادحة.

هذا النموذج المغربي، رغم خصوصية سياقه، يحمل دلالة رمزية ورفاقية مهمة لكل قوى اليسار في المنطقة: التوحد ممكن حين تتقدم الإرادة السياسية على حسابات الحزبية الضيقة. وفي هذا الإطار تحديداً، تجدر الإشارة إلى أن قوى وشخصيات يسارية عراقية عقدت قبل أيام اجتماعاً موسعاً، في خطوة تسير في الاتجاه ذاته، وتعبر عن إدراك متنامٍ بأن لحظة المراجعة والعمل المشترك والتوحد باتت ضرورة لا تحتمل التأجيل. التجربتان، المغربية والعراقية، وإن اختلفتا في سياقهما وأدواتهما، تلتقيان في جوهر واحد: الوحدة والإرادة الرفاقية المشتركة هي وحدها القادرة على تحويل الغضب الاجتماعي وعدالة القضية إلى قوة سياسية منظمة وفاعلة.

وتتناول هذه المساهمة تجربة اليسار العراقي والكردستاني، انخراطاً في الحوار الرفاقي الجاري حول إمكانيات بناء إطار يساري موحد قادر على استعادة دوره التاريخي وتجديد حضوره الفاعل.

السياق والإشكالية المحورية

ثمة جملة من النقاط التي تستحق النقاش المعمق، وتسهم في فهم الفجوة بين الزخم الجماهيري والتنظيمات اليسارية:

- مسألة الحضور والتأثير: أسهم اليسار بفاعلية ملموسة في الساحات أفراداً وكوادر، وتبقى مسألة تطوير هذا الحضور نحو قوة سياسية موحدة ذات استراتيجية معلنة محوراً جديراً بالبحث والتداول.

- إدارة الاختلاف الداخلي: الخلافات الداخلية بين تيارات اليسار، حين تدار خارج أطر جماعية بناءة واضحة، ويضخَم التركيز عليها في مقابل تقزيم نقاط الالتقاء الكثيرة، تفضي إلى استنزاف الطاقات في لحظات تستوجب التوحد والتنسيق.

- تطوير الخطاب السياسي: واليات التنظيم: ثمة فرصة حقيقية لتطوير اليات التنظيم والخطاب اليساري كي ينطلق من المعاناة اليومية الملموسة للجماهير، بما يجعله أكثر اتصالاً بالواقع وأقدر على الإقناع والتأثير.

- التنسيق الانتخابي: توزع اليسار على قوائم متعددة ببرامج متقاربة لم ينتج في الغالب التنوع الخلاق المأمول، وتعزيز التنسيق بين هذه القوى يظل ضرورة عملية ملحة.

- بناء المنظمات الجماهيرية: النموذج السائد في بناء المنظمات الجماهيرية يستدعي مراجعة هادئة، إذ يبدو أن دعم النقابات والاتحادات المستقلة الحقيقية يوفر قاعدة أوسع وأكثر استدامة من نماذج "منظمات الواجهة" الحزبية.

- تمكين الشباب والنساء: الدور المحوري الذي اضطلع به الشباب والنساء في الحركات الاحتجاجية يستوجب تعزيز تمثيلهم في هيئات القيادة اليسارية بما يعكس هذا الدور الفعلي.

- الاستثمار في الفضاء الرقمي: المرحلة الراهنة تقدم فرصة سانحة لتطوير الأدوات الرقمية وتوظيفها بفاعلية في معارك الوعي والتواصل مع الأجيال الجديدة.

الأفق العملي المقترح

الحوار والعمل من أجل بناء إطار يساري موحد متعدد المنابر، يقوم على برنامج حد أدنى مشترك يخاطب الجماهير بلغتها اليومية، وبنية تنظيمية مرنة ولامركزية تحترم خصوصية كل مكون، وتمثيل فعلي للشباب والنساء في مواقع القرار، وسياسة رقمية فاعلة تواكب العصر، فضلاً عن ربط مستدام بين العمل الاحتجاجي والمشاركة الانتخابية والنضال النقابي والجماهيري اليومي. والاستفادة من تجارب عالمية من أميركا اللاتينية وأوروبا، تثبت أن الجمع الخلاق بين التوحد والشارع والتنظيم والصندوق هو ما أتاح لقوى يسارية في سياقات صعبة أن تحول الغضب الاجتماعي إلى تغيير سياسي فاعل.

يبقى التوحد في إطار يساري واسع الطريق الأجدى نحو استعادة الدور والتأثير، شريطة أن يقترن بتجديد فكري وتنظيمي عميق يستوعب التحولات الاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة، ويستجيب لتطلعات الأجيال الجديدة، ويرسي اليسار فكرياً وتنظيمياً على أسس متجددة قادرة على مخاطبة أسئلة الحاضر وتحديات المستقبل.

مقدمة: الحركات الاحتجاجية والمطلبية وتحدي التحول، من الشارع إلى التنظيم

شهد العراق واقليم كردستان خلال العقدين الأخيرين موجات احتجاجية متعددة عبرت عن غضب جماهيري عميق ضد الفساد والمحاصصة وتدهور الخدمات. لكن انتفاضة تشرين 2019 شكلت اللحظة الأبرز والأكثر تأثيراً، إذ لم تكن مجرد موجة احتجاج عابرة، وانما تحولاً نوعياً في وعي قطاعات واسعة من المجتمع، خاصة الشباب، تجاه طبيعة السلطة وإمكانيات التغيير. لأول مرة منذ عقود، استعادت الشوارع والساحات دورها كفضاء سياسي حقيقي ومركز لإنتاج الخطاب والتنظيم والمبادرة.

خرجت الجماهير في هذه الاحتجاجات من موقع المتلقي السلبي إلى موقع الفاعل المباشر. كانت المطالب واضحة: الخبز، الكرامة، العدالة الاجتماعية، العمل، الخدمات، وإنهاء منظومة المحاصصة والفساد والاستبداد. مطالب نابعة من التجربة اليومية القاسية لجماهير دفعت ثمن عقود من الحروب والحصار والنهب المنظم. في قلب الاحتجاجات والمظاهرات، كان اليسار العراقي بكل تياراته حاضراً بشكل فاعل.

ومع كل هذه الاحتجاجات، وما رافقها من رفض واسع من قطاعات كبيرة من الجماهير للسلطات الحاكمة في بغداد واربيل، ومع نتائج انتخابات نوفمبر 2025 التي لم تحصل فيها القوائم اليسارية على اي مقعد برلماني، يبرز السؤال الجوهري بوصفه ضرورة سياسية لا يمكن تأجيلها: لماذا لم يتمكن اليسار، رغم عدالة خطابه وعمق حضوره في الشارع، من تحويل هذا الزخم الجماهيري الى قوة سياسية منظمة؟ ولماذا بقي عالقاً في الدفاع والانقسام، بدل الانتقال الى موقع المبادرة والتوحد؟

الإجابة لا تختزل بعوامل خارجية فقط، رغم أهميتها. نعم، النظام السياسي معادٍ للتغيير، قائم على المحاصصة الطائفية، محمي بالسلاح والميليشيات والمال السياسي، ومسنود بشبكات إقليمية ودولية. نعم، القمع كان دموياً وممنهج، واستهدف بشكل مباشر النشطاء والناشطات وقوى التغيير واليسار بشكل خاص. لكن هذا، على فداحته، لا يعفي اليسار من مسؤولية مراجعة أدواته وأشكال عمله ومنهجه في قراءة الواقع والتعامل معه.

الحركات الاحتجاجية والمطلبية كشفت إمكانات جماهيرية هائلة للتغيير الاجتماعي، لكنها كشفت أيضاً نقاط الضعف في البنى التنظيمية القائمة، والفجوة بين الخطاب اليساري كما ينتج داخل التنظيمات وبين وعي الجماهير كما يتشكل في الشارع. كشفت أن عدالة القضية وحدها لا تكفي إذا لم تقترن بأدوات تنظيمية مرنة ومعاصرة، وتوحيد للطاقات، وخطاب مفهوم، واستخدام فاعل للأدوات الرقمية، واستراتيجية واضحة تربط بين الاحتجاج والعمل السياسي والنضال اليومي في المجتمع.

هذه الورقة لا تسعى إلى تقديم أجوبة جاهزة أو وصفات سحرية، وإنما تحاول المشاركة في الحوار الجاري حول تجربة اليسار العراقي في تعامله مع آليتي التغيير الأساسيتين: الانتخابات والحركة الاحتجاجية، ومحاولة طرح أفق عمل والمساهمة في بناء استراتيجية يسارية قادرة على التجديد والتوحد واستعادة الثقة والتأثير والدور التاريخي.

أولاً: الحركات الاحتجاجية واليسار، فرصة تاريخية وتحديات تنظيمية

1. اليسار في قلب الحركات الاحتجاجية

لا يمكن قراءة الحركات الاحتجاجية والمطلبية التي شهدها العراق وإقليم كردستان خلال العقدين الأخيرين، بمعزل عن الدور الذي لعبه اليسار العراقي والكردستاني فيها. فبعيداً عن المبالغة أو التقليل، كان اليسار جزءاً فاعلاً من البنية الحقيقية لهذه الاحتجاجات. كان في الساحات منذ الأيام الأولى، شارك في التنظيم، وفي إدارة الفضاء الاحتجاجي، وفي الدفاع عن سلمية الحراك، وفي مواجهة محاولات الاختراق، سواء من قبل السلطة أو من قوى تريد حرف المسار.

في ساحات بغداد، والناصرية، والبصرة، والنجف، والديوانية، وأربيل والسليمانية ومدن أخرى، لعب اليسار دوراً مهماً في بناء أشكال تنظيم أفقي غير هرمية، اعتمدت المبادرة الذاتية والتنسيق اليومي والعمل التطوعي. ظهرت خبرة تراكمت عبر سنوات من النضال السري والعلني، في كيفية إدارة التظاهرات، وتنظيم الصفوف، والتعامل مع القمع، وصياغة الشعارات. كما كان لليسار حضور واضح في اللجان الإعلامية، في نقل صورة ما يجري، وفي كسر احتكار الرواية الرسمية، وفي ربط ما يحدث محلياً بسياقه الإقليمي والدولي.

لكن، ورغم هذا الحضور الكثيف والمؤثر عبر موجات الاحتجاج المتعاقبة، بقي اليسار حاضراً كأفراد وكوادر وناشطين، أكثر مما كان حاضراً كقوة سياسية منظمة موحدة ذات قيادة واضحة واستراتيجية معلنة. هذا التناقض بين الحضور الفعلي والضعف التنظيمي الموحد لم يكن تفصيلاً ثانوياً، وإنما شكل أحد مفاتيح الفهم الأساسية. فاليسار كان في قلب الحدث، لكنه لم يكن في موقع قيادته السياسية الشاملة، ولم يتمكن من تحويل حضوره الميداني إلى مرجعية تنظيمية قادرة على توحيد المسار، أو على الأقل طرح أفق تقدمي واضح له.

برأيي ان هذا الوضع لم يكن نتيجة صدفة، وإنما نتاج تراكم طويل من إشكاليات التنظيم، والتردد في التعامل مع أشكال الحراك الجديدة، والخوف من اتهامات الهيمنة أو الوصاية على الشارع. كثير من قوى اليسار فضلت البقاء في موقع الدعم الخلفي، أو الاندماج الكامل في الفعل الاحتجاجي دون إظهار هوية سياسية واضحة، اعتقاداً منها أن ذلك يحمي الاحتجاجات من التشويه، أو يحافظ على طابعها الجماهيري. لكن هذا الخيار، رغم نواياه الحسنة، قد ساهم عملياً في ترك فراغ سياسي وتنظيمي، سرعان ما ملأته قوى أخرى، أو تحول إلى حالة من التشتت واللاقرار.

2. لماذا لم يتحول زخم الحركات الاحتجاجية إلى قوة سياسية يسارية؟

إن السؤال المركزي الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا لم يتمكن اليسار من تحويل هذا الزخم الهائل وهذه التضحيات الجسيمة عبر موجات الاحتجاج المتعاقبة إلى قوة سياسية منظمة قادرة على الاستمرار والتأثير؟ لماذا ضعفت الحركات الاحتجاجية على مستوى النتائج السياسية دون أن تنتج إطاراً يسارياً أو تقدمياً موحداً، أو حتى قوة انتخابية قادرة على اختراق المشهد؟

دخل اليسار العراقي والكردستاني الحركات الاحتجاجية وهو يحمل في داخله انقسامات عميقة وغير محسومة حول طبيعة الحراك نفسه وآلياته. هذه الانقسامات لم تظهر فجأة، لكنها انفجرت بوضوح في سياق هذه الاحتجاجات. الخلاف لم يكن فقط حول التكتيك، وإنما حول الرؤية الاستراتيجية للحراك ذاته. هل يجب الاستمرار في الاحتجاج حتى إسقاط النظام؟ أم الانتقال تدريجياً نحو أشكال تنظيمية أكثر استقراراً؟ وما هي العلاقة بين الساحات والتنظيمات القائمة؟

من خلال متابعاتي لاحظت ثلاثة اتجاهات داخل اليسار. اتجاه رأى ضرورة تحويل زخم الاحتجاج إلى بنية تنظيمية مستدامة، قادرة على حماية المكتسبات والاستمرار بالنضال والمشاركة من خلالها في الانتخابات. اتجاه آخر دعا إلى البقاء في الشارع حتى تحقيق التغيير الجذري، معتبراً أن أي انتقال مبكر نحو التنظيم قد يفرغ الحراك من مضمونه الثوري. واتجاه ثالث تردد بين الخيارين، دون حسم واضح، ما أدى إلى خطاب ملتبس، ومواقف متغيرة، وفقدان البوصلة.

هذا الانقسام لم يدَر بوصفه اختلافاً صحياً داخل إطار موحد، وإنما تحول إلى صراع علني استنزف طاقات كبيرة، وخلق حالة من الارتباك لدى الجماهير المحتجة.

عدم القدرة على بناء تحالفات اجتماعية واسعة

من أبرز نقاط الضعف في تجربة اليسار خلال الحركات الاحتجاجية، وفي تشرين كمثل مهم وحي، عدم قدرته على بناء تحالفات اجتماعية واسعة ومستقرة. صحيح أن الحراك كان متنوعاً بطبيعته، وضم فئات مختلفة، لكن هذا التنوع لم يتحول إلى تحالف منظم. اليسار لم ينجح في مد جسور دائمة وقوية مع الحركات الجماهيرية والمدنية المستقلة، ولا مع النقابات العمالية و المهنية، ولا مع قطاعات اجتماعية واسعة مثل النساء، والعاطلات والعاطلين عن العمل، وسكان الأحياء الفقيرة، والطلبة.

كان لطبيعة الحراك ذاتها دور في هذه الصعوبة. فقد سادت في ساحات الاحتجاج نظرة "اللاتحزب" بقوة، حيث تحفظ كثير من المحتجين والمحتجات من العمل السياسي الحزبي بأشكاله كافة، نتيجة تجارب سلبية متراكمة مع الأحزاب التقليدية. هذا الموقف، وإن كان مفهوماً في سياقه، خلق حاجزاً نفسياً أمام أي محاولة لبناء أطر تنظيمية، حتى لو كانت مستقلة ومرنة. اليسار لم يتمكن من تقديم نموذج تنظيمي بديل يكسر هذا التحفظ، ويقنع المحتجين بأن التنظيم ليس بالضرورة هيمنة حزبية، وإنما أداة ضرورية لحماية الحراك واستدامته.

جزء من هذه النتائج يعود إلى القمع والقيود المفروضة، لكن جزءاً آخر يعود إلى ضعف العمل القاعدي طويل النفس، وإلى الميل للاكتفاء بالحضور في لحظة الانفجار، دون بناء تنظيم مستدام قبلها وبعدها. على عكس تجارب عالمية عديدة، حيث شكلت النقابات والحركات الاجتماعية العمود الفقري للتحالفات اليسارية، بقيت هذه القوى في العراق إما محاصرة، أو مهمشة وضعيفة، أو خارج الحسابات الفعلية.

النتيجة أن الحركات الاحتجاجية والمطلبية، رغم عظمتها، بقيت إلى حد كبير حركة بلا امتداد تنظيمي موحد على صعيد البلد، وبلا ذراع قادر على حمايتها، واستثمار زخمها، والدفاع عن مكتسباتها. وهذا ما سهل على السلطات، مع مرور الوقت، تفكيكها بالقمع، والاغتيالات، والاختراقات، والارهاق النفسي والاجتماعي، وإعادة ترتيب أوراقها.

3. هل يمكن للحركة الاحتجاجية وحدها أن تحقق التغيير؟

التجارب التاريخية تؤكد أن الاحتجاج شرط ضروري للتغيير، لكنه غير كافٍ. الاحتجاج يفتح النافذة، لكنه لا يضمن عبور الضوء. بدون تنظيم سياسي قادر على استثمار اللحظة، تتحول الاحتجاجات إما إلى انفجارات متكررة بلا نتائج، أو إلى حركات يتم احتواؤها أو قمعها.

في الربيع العربي، سقطت أنظمة واهتزت سلطويات راسخة، لكن غياب البديل المنظم حول لحظة الشارع إلى فراغ سياسي، ففتحت الطريق أمام الفوضى أو عودة الاستبداد بصيغ جديدة. المشكلة لم تكن في الجماهير، بل في ترك الانتفاضات بلا أفق طبقي وتنظيمي. في المغرب، كشفت انتفاضة جيل Z في المغرب 2025 هذا التناقض، جيل احتج على الغلاء والتهميش مستخدماً أدوات رقمية وخطاباً اجتماعياً مباشراً، لكنه اصطدم بحدود الفعل غير المؤطر سياسياً، فتم تفريغ الغضب دون تحول بنيوي. في أميركا اللاتينية، نجحت الحركات حين جمعت بين الشارع وصناديق الاقتراع، وحافظت على الضغط الجماهيري والتنظيم القاعدي. في أوروبا، خرجت أشكال تنظيم جديدة من رحم الاحتجاجات، أعادت تعريف العلاقة بين الشارع والمؤسسات، وخلقت توازنات جديدة داخل النظام القائم. هذه التجارب تؤكد أن الاحتجاج وحده لحظة ناقصة ما لم يتحول إلى قوة منظمة ذات أفق اجتماعي تحرري.

الدرس واضح من التجربة العراقية والتجارب الإقليمية والعالمية: الاحتجاج يخلق الفرصة، لكن التنظيم السياسي هو من يحولها إلى تغيير فاعل ومؤثر وجذري.

ثانياً: الانتخابات كآلية للتغيير، قراءة في التجربة

1.  قراءة نقدية في نتائج انتخابات 2025

لم يكن عدم حصول القوائم اليسارية والتقدمية على أي مقعد برلماني في انتخابات نوفمبر 2025 مجرد نتيجة انتخابية سلبية، وإنما كان تعبيراً مكثفاً عن إشكاليات بنيوية تتطلب المعالجة في العلاقة بين اليسار والمجتمع، وفي أدوات العمل السياسي المستخدمة. هذه النتيجة لا يمكن تفسيرها فقط بالقانون الانتخابي المجحف، ولا بسيادة المال السياسي، ولا بالتزوير والتلاعب، رغم أن كل هذه العوامل حقيقية ومؤثرة جدا. ما حدث هو نتيجة تفاعل هذه العوامل مع إشكاليات تنظيمية داخلية، لم يتمكن اليسار من خلاله تحويل عدالة مشروعه إلى خيار جماهيري مقنع.

إشكاليات الموارد

الاهم كان الفارق الهائل في الموارد والإمكانيات. فمقابل الإمكانيات المحدودة جداً لليسار، كانت القوى المتنفذة تمتلك موارد مالية ضخمة، وماكينات انتخابية متطورة، وشبكات واسعة من المحسوبية والمنافع. ضعف التمويل لدى اليسار، وضعف البنية التحتية الانتخابية من مكاتب محلية ومندوبين وحملات إعلامية وميدانية منظمة، جعل المنافسة غير متكافئة إلى حد بعيد. في مواجهة قوى تمتلك المال السياسي والنفوذ الإداري والإعلامي، بدت الإمكانيات اليسارية المتواضعة عاجزة عن خلق توازن حقيقي في المعركة الانتخابية.

هذا الواقع ساهم في استمرار الحضور الهامشي لليسار مقارنة بالقوى المتنفذة، وأضعف العملية الانتخابية ذاتها، وعزز الشعور بالعجز حتى لدى المؤيدين والمؤيدات أنفسهم.

تحديات الخطاب والتواصل: من النظرية إلى الواقع

كانت تحديات الخطاب والتواصل واضحة وكاشفة. استمر الخطاب الانتخابي لقوى اليسار في معظم الاحيان في استخدام لغة نظرية نخبوية، غير متجذرة في الواقع اليومي الملموس للجماهير. بدت كثير من البرامج الانتخابية أقرب إلى بيانات فكرية مطولة منها إلى خطط عمل سياسية واضحة. لكن المشكلة الأعمق لم تكن في اللغة فحسب، وإنما في المنهج نفسه: الانطلاق من النظريات نحو الواقع، بدلاً من الانطلاق من الواقع الملموس نحو فهمه وتغييره. فبدلاً من الاستماع لمعاناة الناس اليومية وبناء البرنامج انطلاقاً منها، جاءت البرامج محملة بتصورات جاهزة عما "يجب" أن يكون، دون اعتبار كافٍ لما هو ممكن في ظل موازين القوى الطبقية والسياسية القائمة.

لم يتم تبسيط الرسالة، ولم تترجَم الشعارات الكبرى إلى إجابات مباشرة على أسئلة الناس اليومية حول العمل، والراتب، والكهرباء، والصحة، والتعليم، والسكن. والأخطر من ذلك أن اليسار استمر في طرح "الحلول المطلوبة"، دون تقديم "الحلول الممكنة" العملية والتدريجية التي يمكن تحقيقها في المدى القريب. فالجماهير لا تبحث فقط عن رؤية مثالية للمستقبل، وإنما عن خطوات واضحة قابلة للتطبيق تحسن حياتها اليوم، وتمنحها الأمل بأن التغيير ممكن فعلاً. في سوق سياسي يعتمد على الصورة والرسالة السريعة والتواصل المباشر، بدا اليسار وكأنه يخاطب نفسه أو يخاطب تياراً يسارياً آخر يختلف معه، أكثر مما يخاطب شغيلات وشغيلة اليد والفكر بلغتهم البسيطة وبحلول تلامس واقعهم المعاش.

التشتت والارتباك: مظاهر الأزمة في انتخابات 2025

في انتخابات 2025، لم يكن الفشل ناتجاً فقط عن ضعف الأصوات، وإنما عن تشتتها وعن حالة التشوش التي رافقت المشهد اليساري. قاطع جزء من اليسار الانتخابات، وهو خيار مفهوم في ظل فقدان الثقة بالعملية السياسية وحدودها، لكنه عملياً ساهم في زيادة الارتباك الجماهيري بدلاً من أن يتحول إلى موقف تعبوي منظم.

 لكن التشوش لم يأتِ من الخارج فقط؛ فحتى داخل الأحزاب اليسارية المشاركة نفسها، قاطعت نسبة كبيرة من أعضائها وعضواتها الانتخابات، ما عكس عمق الأزمة التنظيمية والسياسية وفجوة الثقة بين القواعد والقيادات. في المقابل، القوى اليسارية المشاركة كانت موزعة على قوائم متعددة، ببرامج متقاربة وخطابات متشابهة. هذا التشتت لم ينتج تنوعاً خلاقاً، وإنما ارباكاً جماهيرياً. فالجماهير لا تبحث عن تعدد صيغ متشابهة للمشروع اليساري، وإنما عن بديل واحد واضح يمكن الوثوق به وفهمه والدفاع عنه. وحين تقدَم لها نسخ متعددة من المشروع نفسه دون إطار جامع أو أفق مشترك، تتحول العدالة ذاتها من وعد تحرري إلى مصدر ارتباك.

فجوة الثقة الجماهيرية

أما فجوة الثقة الجماهيرية، فهي الأكثر خطورة. الجماهير لم تصوت لخصوم اليسار بالضرورة، لكنها في الغالب لم تر في اليسار بديلاً واضحاً ومتماسكاً. كثير من الناس شاركوا في الاحتجاجات الجماهيرية، وقدموا تضحيات جسيمة، لكنهم لم يجدوا في الانتخابات تعبيراً سياسياً عن تلك التجربة. لم يجدوا من يقول لهم بوضوح: نحن امتداد لذلك، وهذه هي خطتنا، وهذه هي أولوياتنا، وهذه هي أدواتنا.

يضاف إلى ذلك أن مشاركة بعض القوى اليسارية في حكومات ما بعد 2003، رغم محدودية تأثيرها الفعلي في صنع القرار، خلقت لدى قطاعات من الجماهير انطباعاً بارتباط جزء من اليسار بالمنظومة السياسية القائمة. هذا الانطباع، وإن كان لا يعكس حقيقة الدور الفعلي أو النوايا، ساهم في إضعاف صورة اليسار كبديل جذري معارض خارج السلطة. الجماهير المحتجة، التي خرجت ضد المنظومة بأكملها، كانت تبحث عن قوة سياسية لا لبس في موقعها من السلطة، قوة لم تتلوث بأي شكل من أشكال المشاركة في نظام المحاصصة والفشل الحكومي المتراكم. هذا الفراغ لم يملأه أحد، فبقيت صناديق الاقتراع شبه خالية من الصوت اليساري.

التحدي الرقمي والضعف في استثمار الثورة التكنولوجية

ربما كانت إحدى أخطر نقاط الضعف في التجربة الانتخابية لليسار في العراق واقليم كردستان هي لم يستثمر في الثورة الرقمية واستخدامها بفعالية. في عصر تدار فيه جزء كبير من المعارك السياسية عبر الفضاءات الرقمية، وتصاغ فيه الرأي العام من خلال المنصات الاجتماعية، بقي اليسار يعمل بأدوات تقليدية تحتاج تطوير. صحيح أن بعض القوى اليسارية امتلكت مواقع الكترونية وحسابات على وسائل التواصل، لكن الحضور الرقمي لم يكن فاعلا بالمستوى المطلوب، ولا منظماً، ولا قادراً على المنافسة. لم تبنَ فرق محتوى متخصصة، ولا أدوات لتحليل التفاعل وقياس الأثر، ولا خطط لمواجهة الحملات المضادة أو التشويه الممنهج. في الوقت الذي كانت فيه القوى المنافسة تستثمر بشكل فاعل في الإعلانات الموجهة، والبيانات الضخمة، وتقنيات التأثير النفسي، كان اليسار يكتفي بمنشورات وبيانات نصية طويلة، لا تصل إلى الجمهور المستهدف. هذا التأخر لم يكن تقنياً فحسب، وقد عكس فجوة في فهم طبيعة الصراع المعاصر، حيث لم يعد كافياً امتلاك الحق، بل يجب امتلاك القدرة على إيصاله بلغة العصر وأدواته.

إشكالية تمثيل النساء في القيادات اليسارية

هنا تبرز إشكالية عميقة في تمثيل النساء ضمن الهيئات القيادية لليسار في كافة التنظيمات، رغم أنهن يشكلن أكثر من نصف المجتمع، ورغم حضورهن الفاعل والمؤثر في القواعد التنظيمية والعمل الميداني. النساء كن جزءاً أساسياً من البنية الاحتجاجية، ودفعن ثمناً باهظاً من التضحيات. وفي التنظيمات اليسارية نفسها، تشكل النساء نسبة لا بأس بها من الكوادر الفاعلة، ومن القيادات الفعلية على مستوى القواعد والمحافظات. لكن هذا الحضور الميداني الكثيف لم ينعكس بشكل عادل على مستوى الهيئات القيادية العليا، حيث يبقى تمثيل النساء محدوداً، وأحياناً رمزياً، دون صلاحيات حقيقية في صنع القرارات المهمة التي تبقى في الغالب بيد الرجال. هذا التناقض بين الدور الفعلي والتمثيل الرسمي لا يضعف اليسار تنظيمياً فحسب، وإنما يفقده جزءاً كبيراً من مصداقيته في الحديث عن العدالة والمساواة. القضية ليست أخلاقية فقط، وإنما سياسية وفكرية: كيف يمكن لليسار أن يطالب بتغيير المجتمع وهو لم يحقق المساواة داخل بناه؟ وكيف يمكنه أن يكسب ثقة النساء في المجتمع وهن يرين أنفسهن مغيبات عن مراكز القرار الفعلي داخل تنظيماته؟

إشكالية تمثيل الشباب وضعف القيادات الشابة عن مراكز القرار

 تعاني قوى اليسار من تحد كبير في تمثيل الشباب داخل بنيتها القيادية. رغم ان معظم الاحتجاجات الجماهيرية هي في جوهرها انتفاضات شبابية، قادها جيل جديد بأدوات جديدة ووعي مختلف، الا ان هذا الواقع لم ينعكس على بنية القيادات اليسارية وصنع القرار فيها. معدل اعمار القيادات المعلنة في معظم التنظيمات اليسارية يتجاوز الستين عاما، وحتى في الحالات التي يشارك فيها الشباب في مواقع تنظيمية، فان حضورهم يبقى غالبا خارج الواجهة السياسية، ودون دور مركزي وحاسم في رسم الاستراتيجيات او اتخاذ القرار.

هذا الخلل لم يكن مسألة اعمار فقط، وانما انفصال في اللغة، والادوات، وفهم التحولات الاجتماعية العميقة. الشباب الذين خاضوا الاحتجاجات والمظاهرات المطلبية بأجسادهم، وصنعوا خطابها بأصواتهم، وجدوا أنفسهم غالباً في ادوار التنفيذ والعمل الميداني، دون مشاركة فعلية في التخطيط وتحديد الاتجاه العام. هذا التهميش البنيوي، حتى عندما لم يكن مقصودا، دفع كثيرين منهم الى العزوف عن الاطر التقليدية، والبحث عن اشكال تنظيم بديلة أكثر افقية ومرونة. النتيجة ان اليسار لم يستثمر جزءا كبيرا ومهما من طاقته التجديدية، وبقي محبوسا في دائرة اعادة انتاج نفس الانماط القيادية، بينما الجيل الذي كان يفترض ان يكون في القلب، ظل على الهامش او خارج اطر اليسار.

2. هل الانتخابات آلية غير صالحة للتغيير؟

يميل جزء من اليسار إلى اعتبار الانتخابات في العراق اداة عقيمة، او مسرحية محسومة النتائج سلفا. هذا التقييم يستند الى وقائع حقيقية، لكنه يصبح اشكاليا عندما يتحول الى موقف مبدئي ثابت، غير قابل للنقاش او المراجعة. الانتخابات، بوصفها الية، ليست تقدمية ولا رجعية بحد ذاتها. هي ساحة صراع، يمكن استخدامها لتعزيز الهيمنة، كما يمكن استخدامها لاختراقها، بدرجات متفاوتة.

التجارب العالمية تثبت ان اليسار نجح في اختراق انظمة انتخابية أكثر قسوة، عندما امتلك استراتيجية واضحة. في اميركا اللاتينية، وفي اماكن اخرى من الجنوب العالمي، لم تكن الانظمة اقل تعقيدا او هيمنة، لكن اليسار تمكن من تحويل الانتخابات الى اداة من بين ادوات اخرى، لا بديلا عن النضال الاجتماعي، ولا نقيضا له. المشكلة في العراق لم تكن في الانتخابات وحدها، وانما في كيفية دخولها، وباي ادوات، وباي خطاب، وباي تحالفات، وعند الحصول على المقاعد كيف تكون اليات العمل داخل البرلمان.

الانتخابات لا تصنع التغيير الجذري بمفردها، لكنها يمكن ان تكون احدى ساحاته. رفضها المطلق قد يكون موقفا اخلاقيا، لكنه سياسيا قد يؤدي الى العزلة. المشاركة غير المدروسة قد تؤدي الى الاحتواء. التحدي الحقيقي هو بناء قدرة على استخدام هذه الالية دون الوقوع في فخها، اي ربطها بحركة جماهيرية اجتماعية حية، وبرنامج واضح، وتنظيم قوي، يحول كل مكسب صغير الى رافعة أكبر.

ثالثاً: تشتت النقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية وضعف الاستقلالية

من اهم الاشكاليات البنيوية العميقة التي اثرت على قدرة اليسار العراقي في بناء قاعدة اجتماعية واسعة ومستقرة، التشتت الحاد في المنظمات الجماهيرية، وخاصة النسوية والطلابية والنقابات والاتحادات العمالية والمهنية. هذا التشتت كان جزء مهم منه نتيجة مباشرة لمنهج عمل سائد لدى معظم قوى اليسار، يقوم على بناء نقابات ومنظمات جماهيرية كواجهات سياسية مباشرة لها، وليس كمنظمات مستقلة حقيقية تعبر عن مصالح قطاعاتها الاجتماعية.

كان من المفترض الحذر من هذا النهج، خاصة في بلد له تجربة مريرة مع النقابات المسيَسة إبان الحقب الدكتاتورية السابقة، حيث تحولت إلى أدوات للسيطرة بدلاً من تمثيل مصالح الجماهير. الموقف السلبي من النقابات المسيَسة ما زال حاضراً في الذاكرة الشعبية، وما زالت السلطة في بغداد والإقليم تتبع النهج نفسه. لكن الحل لم يكن أن يقوم اليسار بالمثل، وإنما أن يكسر هذا النمط ويقدم نموذجاً مختلفاً يقوم على الاستقلالية الحقيقية والديمقراطية والتعددية.

منظمات الواجهة والبديل المستقل

ركزت معظم التنظيمات اليسارية على إنشاء نقاباتها واتحاداتها ومنظماتها الخاصة، وأحياناً أنشأ الحزب الواحد أكثر من منظمة في القطاع نفسه لأسباب تتعلق بالصراعات الداخلية. النتيجة كانت مشهداً مفككاً من عشرات المنظمات الصغيرة، كل منها تدعي تمثيل نفس القطاع، لكن دورها يبقى محدوداً ومرتبطاً بقوة الحزب الذي يقف خلفها. هذا النهج أضعف المنظمات من مضمونها الحقيقي: النقابة التي تبنى لخدمة حزب معين تفقد قدرتها على تمثيل العمال بتنوعهم، والمنظمة النسوية تفقد قدرتها على جذب نساء من خارج دائرة الحزب، والاتحاد الطلابي يصبح ساحة للصراعات الحزبية.

إن بناء نقابة مستقلة واحدة قوية تضم عشرات الآلاف، أفضل ألف مرة من بناء مجموعة نقابات صغيرة تابعة لأحزاب يسارية مختلفة. النقابة المستقلة ستدافع عن الحقوق بفعالية أكبر، وستكسب ثقة أوسع، وستخلق مناخاً أكثر تقدمية، وهذا يصب في صالح المشروع اليساري، حتى لو لم تكن لليسار سيطرة مباشرة على قيادتها وعلى عملها.

الاتفاقيات الدولية كقاعدة عملية لبناء نقابات واتحادات ديمقراطية مستقلة

كان الاجدى توجيه الجهود نحو بناء نقابات واتحادات عمالية ومهنية مستقلة حقيقيا، الى جانب منظمات جماهيرية ونسوية مستقلة، تستند في عملها الى المواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الانسان والعمال والمرأة. من بينها الاعلان العالمي لحقوق الانسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقيات منظمة العمل الدولية الاساسية المتعلقة بالحرية النقابية وحق التنظيم، فضلا عن اتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة، وما يرتبط بها من معايير ملزمة لحماية حقوق النساء وضمان مساواتهن الكاملة. كما تشكل هذه الاتفاقيات مرجعية اساسية لعمل المنظمات النسوية المستقلة، بوصفها اطرا قانونية دولية تعترف بحقوق النساء السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتمنح نضالهن بعدا شرعيا يتجاوز السياقات المحلية الضيقة.

ما يرد في هذه الاتفاقيات والمعايير الدولية يتجاوز في كثير من الاحيان ما تطرحه قوى اليسار نفسها من مطالب متقدمة، سواء على صعيد الحقوق العمالية والجماهيرية وحقوق النساء. الاستناد الى هذه المرجعيات لا يوفر اطارا قانونيا واخلاقيا قويا للنضال النقابي والنسوي فحسب، وانما يساهم ايضا في تقليص حساسية واتهامات التسييس الحزبي داخل النقابات والاتحادات والمنظمات الجماهيرية، لان المطالب تتحول من شعارات ايديولوجية عامة الى حقوق معترف بها دوليا، وقابلة للدفاع عنها امام المجتمع والسلطات على حد سواء.

الوعي الجديد وضرورة إعادة النظر

غياب النقابات والاتحادات والمنظمات القوية والمستقلة أضعف اليسار بشكل كبير. فعندما جاءت اللحظات الحاسمة، وجد نفسه في فراغ تنظيمي: لا نقابات قادرة على تحويل التظاهرات والاحتجاجات إلى إضرابات تشل الاقتصاد، ولا حركة طلابية موحدة، ولا منظمات نسوية واسعة النفوذ. بدلاً من ذلك، عشرات المنظمات الصغيرة المتنافسة.

الجماهير، خاصة الشباب والشابات في ساحات الاحتجاج، لم تعد تثق بنقابات ومنظمات "الواجهة"، وفضلت أشكال التنظيم الأفقية والمبادرات المستقلة. بل أن جزءاً كبيراً بات ينفر من التنظيمات الحزبية عموماً، وهي ظاهرة تستحق الدراسة بدلاً من مواجهتها بالرفض. الزمن تغير، والجماهير اليوم تتجه نحو المنظمات المستقلة المتعددة المنابر والتي تحترم استقلاليتها ولا تفرض خطوطاً حزبية جاهزة. هذا يفرض إعادة نظر جذرية. الخيار لم يعد بين بناء واجهة تابعة أو عدم العمل الجماهيري، بل بين الاستمرار في التشتت أو الانتقال لدعم نقابات واتحادات مستقلة قوية، يعمل فيها اليساريون كأفراد ملتزمين بقضايا قطاعاتهم.

المفارقة المؤلمة هي أن اليسار يدعو لوحدة الجماهير الكادحة، لكن هذه السياسة أدت من غير قصد إلى تشتت الجهود. الطريق إلى الوحدة لا يمر عبر تعدد المنظمات التابعة، بل عبر بناء نقابات واتحادات ومنظمات مستقلة قوية تجمع الجميع، بغض النظر عن انتماءاتهم الفكرية والقومية والدينية، حول مصالحهم المشتركة.

رابعاً: نحو استراتيجية متكاملة، الجمع بين المسارات، وتوحيد اليسار

1. تجاوز الاختزال: الاحتجاج والانتخابات والتنظيم النقابي

من أبرز التحديات التي واجهت اليسار العراقي خلال الحركات الاحتجاجية الأخيرة، التعامل مع سؤال: هل الأولوية للانتخابات أم للاحتجاج؟ هذا السؤال، بصيغته هذه، يمكن أن يعكس قصوراً في التفكير الجدلي، وفي فهم التغيير بوصفه عملية مركبة متعددة المستويات والأدوات. فالتاريخ لا يقدم أمثلة على تغيير اجتماعي عميق تحقق عبر آليات نقية ومعزولة، وإنما عبر تداخل مستمر بين الشارع، والتنظيم، والمؤسسات، والنضال اليومي.

الاحتجاج، مهما بلغ حجمه، يحتاج إلى أدوات أخرى لتفكيك منظومة معقدة تمتلك الدولة، والسلاح، والمال، والإعلام. وفي المقابل، الانتخابات، مهما كانت نوايا المشاركين فيها، تحتاج إلى ضغط اجتماعي منظم ومستمر لتكون أداة تغيير فعلية. السؤال الأهم ليس أيهما نختار، وإنما كيف نبني استراتيجية تستخدم كل أداة في موقعها، وتربط بينها ضمن رؤية واحدة.

الاستراتيجية المتكاملة تعني وجود حركة احتجاجية مستمرة، غير موسمية، ذات مطالب واضحة، وقادرة على التنظيم الذاتي من خلال نقابات واتحادات جماهيرية مستقلة حقيقياً (وهو ما يتطلب تجاوز نهج "منظمات الواجهة" الحزبية، والتوجه نحو بناء تنظيمات نقابية ديمقراطية تمثل قواعدها فعلياً وليس أجندات حزبية)، وفي الوقت نفسه وجود مشروع يساري سياسي انتخابي موحد، لا بوصفه بديلاً عن الشارع، وإنما امتداداً له. وتعني أيضاً العمل داخل المجتمع، في النقابات، والاتحادات، والأحياء، والجامعات، ومواقع العمل، بوصفها ساحات نضال يومي، لا تقل أهمية عن الساحات العامة أو البرلمان. هذا الدرس يحتاج إلى مزيد من الاستيعاب من التجربة العراقية عبر موجات الاحتجاج المتعاقبة، لتجنب تكرار نفس الإشكاليات في كل لحظة احتجاجية جديدة.

2. دروس من التجارب العالمية للعمل المشترك

التجارب العالمية خلال العقود الأخيرة تقدم دروساً واضحة حول جدوى الجمع بين الاحتجاج والتنظيم والعمل الانتخابي، لا كمسارات متناقضة، وإنما كحلقات في مسار واحد.

في أميركا اللاتينية، لم تصل قوى اليسار إلى السلطة أو إلى مواقع مؤثرة إلا بعد مسار طويل من الاحتجاجات الاجتماعية، التي أنتجت وعياً جديداً، ثم جرى تنظيمه سياسياً.

في كولومبيا، واجه اليسار تاريخاً طويلاً من القمع والعنف. ومع ذلك، لم يتراجع إلى عزلة احتجاجية دائمة، وإنما عمل على بناء تحالف واسع ضم قوى يسارية، ونسوية، وبيئية، ونقابات عمالية وحركات اجتماعية. هذا العمل المشترك، القائم على برنامج حد أدنى واضح، سمح بتحويل الغضب الاجتماعي إلى قوة انتخابية، أوصلت اليسار إلى الرئاسة للمرة الأولى في تاريخ البلاد. الدرس هنا أن الوحدة، حتى بين قوى مختلفة أيديولوجياً، تصبح ممكنة عندما يتم الاتفاق على أولويات ملموسة تمس حياة الجماهير.

في البرازيل، لم يكن إسقاط اليمين المتطرف ممكناً دون تحالف واسع تجاوز الحدود التقليدية لليسار. حزب العمال، رغم قوته التاريخية، أدرك أن العودة إلى السلطة لا تمر فقط عبر قاعدته التقليدية، وإنما عبر بناء جبهة تقدمية واسعة، تستند إلى النقابات، والحركات الاجتماعية، وقطاعات من الطبقة الوسطى. هذا الجمع بين العمل الجماهيري والتنظيم الانتخابي أعاد التوازن السياسي، وأثبت أن البراغماتية النضالية لا تعني التخلي عن المبادئ، وإنما حماية جوهر المشروع.

في تشيلي، ومع الفشل في الانتخابات الاخيرة عام 2025، لم يختف اليسار من المشهد، بل ما زال يحتفظ بحضور اجتماعي ملموس، مستندا الى تحالفاته الواسعة، ودور النقابات والاتحادات، وشبكات العمل الاجتماعي. هذا الحضور يجد جذوره في انتفاضة 2019 ضد النيوليبرالية، التي فتحت الطريق امام اعادة تشكيل المشهد السياسي. غير ان ما حسم المسار لم يكن الشارع وحده، بل القدرة على تحويل هذا الزخم الاجتماعي الى تحالف انتخابي منظم، قاد الى فوز بوريك بالرئاسة. ورغم الانتكاسات اللاحقة وحدود التجربة داخل مؤسسات الدولة، بقي التحالف قائما كقوة سياسية، لان الشارع لم يكن معزولا عن التنظيم، ولان الاحتجاج ارتبط بدور النقابات والاتحادات والعمل الاجتماعي المنظم، ما سمح بالحفاظ على حضور اجتماعي فعلي حتى في لحظات التراجع الانتخابي.

في أوروبا، تظهر تجربة القائمة الموحدة في الدنمارك كنموذج دال. ثلاثة أحزاب يسارية صغيرة، عاجزة منفردة عن اختراق البرلمان، قررت الاندماج في إطار واحد. لم تلغِ اختلافاتها، لكنها أدارتها ضمن بنية مرنة، سمحت بتوحيد الجهد الانتخابي، وبناء حضور جماهيري مستدام. النتيجة كانت انتقال اليسار من الهامش إلى موقع مؤثر، دون أن يتخلى عن جذريته الاجتماعية.

ما يجمع هذه التجارب هو إدراكها أن التغيير لا ينتج من أداة واحدة، ولا من لحظة واحدة، وإنما من تراكم وعمل موحد ومنظم، يجمع بين الغضب الاجتماعي، والتنظيم السياسي، والعمل اليومي داخل المجتمع. كما أن جميعها واجهت انتكاسات وإخفاقات، لكنها لم تعد إلى نقطة الصفر، لأنها بنت أطراً تنظيمية قادرة على التعلم والتكيف.

2. ما الذي يعنيه هذا لليسار العراقي؟؟ ضرورة التقييم العلمي والتجديد الشامل

اليسار العراقي ليس استثناءً من قوانين الصراع الاجتماعي. ما لم ينجح هنا نجح في أماكن أخرى، ليس لأن تلك المجتمعات أفضل أو أسهل، وإنما لأن قوى اليسار فيها امتلكت الشجاعة لإجراء تقييم علمي نقدي لتجاربها، واستثمار التطور المعرفي والأدوات الرقمية الحديثة في فهم الواقع وقياس الأثر، وامتلكت المرونة الكافية لتجديد أدواتها وتطوير خطابها وأشكالها التنظيمية بما يتناسب مع التحولات الاجتماعية. العراق يمتلك طاقات هائلة، ووعياً متقدماً، وتجربة احتجاجية عميقة. ما ينقصه ليس الغضب، وإنما التنظيم، وليس الشجاعة، وإنما المنهج العلمي في التقييم والاستعداد للتجديد الجذري.

ما هو مطلوب اليوم هو تقييم علمي شامل لتجربة اليسار العراقي، يستند إلى تحليل معمق للبيانات المتاحة، وإلى استطلاعات حقيقية لآراء الجماهير وتوجهاتها، وإلى دراسة دقيقة لموازين القوى الطبقية والسياسية. التقييم العلمي لا يعني الاكتفاء بالانطباعات أو التفسيرات الجاهزة، وإنما يتطلب استخدام أدوات التحليل الحديثة، من علوم البيانات إلى الدراسات الاجتماعية الميدانية، لفهم لماذا فشلنا أين نجحنا، وأين أخطأنا، وما الذي يمكن تصحيحه. هذا التقييم يجب أن يقود إلى تجديد فكري وسياسي وتنظيمي عميق، لا يخشى من مراجعة المسلمات القديمة، ولا يتردد في اقتراح حلول جديدة تتسم بالمرونة والقدرة على التكيف مع الواقع المتغير.

المطلوب ليس النقل الميكانيكي لتجارب الآخرين، وإنما الاستفادة منها بما يتناسب مع واقعنا الخاص، وموازين القوى الطبقية والسياسية في العراق وإقليم كردستان، وخصوصية التركيبة الاجتماعية والتاريخ النضالي المحلي. كل تجربة لها سياقها، لكن القوانين العامة للنضال الاجتماعي تبقى صالحة: التوحد، التنظيم، الجمع بين أدوات النضال المختلفة، والارتباط العضوي بالجماهير. والأهم من ذلك، القدرة على التعلم المستمر، والتقييم الدوري، والتطوير الذاتي بناءً على الخبرة المتراكمة والمعطيات الجديدة.

إن الجمع بين الاحتجاج والانتخابات، بين الشارع والمؤسسات، هو ضرورة عملية ملحة مستمدة من قراءة الواقع وموازين القوى. بدون هذا الجمع، سيبقى اليسار يدور في حلقة مفرغة: انفجارات احتجاجية قوية في الشارع لكن محدودة الأثر السياسي المستدام، ومشاركات انتخابية ضعيفة لأنها منفصلة عن قاعدة اجتماعية منظمة.

خامساً: بناء إطار يساري موحد، الضرورة والإمكانيات

لم تعد مسألة بناء إطار يساري موحد في العراق مسألة نظرية أو ترف سياسي نخبوي، وإنما تحولت إلى ضرورة تاريخية انية تفرضها موازين القوى، ونتائج التجارب، وحدود الاستمرار بالصيغة الراهنة. فالتشتت لم يعد مجرد ضعف، وقد أصبح عائقاً فعلياً أمام أي إمكانية للتأثير، ومصدراً دائماً لفقدان الثقة الجماهيرية. التجربة أثبتت أن اليسار، وهو يعمل كجزر منفصلة متصارعة، لم يتمكن من تحويل حضوره الاجتماعي والفكري إلى قوة سياسية منظمة، مهما بلغت عدالة خطابه أو عمق تضحياته.

الإطار الموحد لا يعني إلغاء الاختلافات الفكرية والتنظيمية، ولا صهر الجميع في حزب واحد مغلق. التجارب العالمية تثبت أن الأطر الواسعة الناجحة هي تلك التي أدارت التعدد داخلها، لا تلك التي قمعت الاختلاف. المطلوب هو إطار يقوم على برنامج حد أدنى مشترك، يحدد الأولويات العاجلة، ويترك المسائل النظرية الخلافية للنقاش الديمقراطي، دون أن تتحول إلى سبب للشلل.

هذا الإطار يجب أن يكون مفتوحاً أمام الأحزاب والتنظيمات، كما أمام الأفراد من الناشطين والناشطات غير المنتمين تنظيمياً. نسبة كبيرة من اليساريين واليساريات اليوم يعملون خارج الأطر الحزبية التقليدية، إما بسبب سياسات تنظيمية خاطئة، أو بسبب رفضهم للأشكال التنظيمية الموجودة حاليا أو لأسباب اخرى.

خارطة طريق، أسس عملية لإطار يساري موحد

من يضم التحالف؟ الاتحاد على اساس العمل الاجتماعي لا على الهوية الايديولوجية

الإطار الموحد المنشود يجب أن يكون مفتوحاً وجامعاً، يضم كل القوى اليسارية والتقدمية في العراق وإقليم كردستان، دون استثناء أو إقصاء. هذا يعني الأحزاب والتنظيمات اليسارية بمختلف تياراتها، الشيوعية والاشتراكية والتقدمية والمدنية. كما يضم المنظمات الجماهيرية، من نقابات عمالية ومهنية، واتحادات طلابية، ومنظمات نسوية، وجمعيات حقوقية وبيئية ومدنية، التي تشترك في الرؤية التقدمية والنضال من أجل أكبر قدر ممكن من العدالة الاجتماعية والمساواة. والأهم، أن يكون الإطار مفتوحاً أمام المستقلين والمستقلات، الناشطين والناشطات الذين لا ينتمون لأي تنظيم حزبي، لكنهم يؤمنون بالمشروع ويعملون من أجله.

المعيار هنا ليس الانتماء الأيديولوجي، وإنما الممارسة الفعلية: كل من يعمل ويساهم في تغيير حياة الجماهير نحو الأفضل، ويناضل من أجل المساواة والعدالة الاجتماعية والحقوق والكرامة الإنسانية، هو جزء من معسكر اليسار، بغض النظر عن التسمية التي يحملها أو الخلفية الفكرية التي ينطلق منها. اليسار ليس هوية أيديولوجية مغلقة، وإنما موقف عملي من الواقع، وخيار واضح في الانحياز للجماهير الكادحة. ولابد من إدارة هذا التحالف الواسع ضمن بنية ديمقراطية واضحة، تحترم الخصوصيات، وتبني على المشترك، وتوجه الجميع نحو هدف واحد: تغيير موازين القوى لصالح شغيلات وشغيلة اليد والفكر في كل أنحاء العراق وإقليم كردستان.

اسم بسيط وهوية جامعة

الإطار الموحد يحتاج إلى اسم بسيط، مفهوم، يعبر عن جوهر المشروع دون أن يحمل أعباء المسميات التقليدية التي باتت محملة بتاريخ من الانقسامات والتأويلات المتضاربة. اسم بسيط قريب من الجماهير مثل (تحالف الخبز والحرية) أو غيره من الأسماء الجامعة، يحمل مباشرة معنى المشروع، ويخاطب الجماهير بلغتها اليومية. الهدف ليس إخفاء الهوية اليسارية، وإنما تقديمها من خلال مضمونها العملي، لا من خلال تسمياتها التاريخية. تجارب عالمية عديدة أثبتت أن الأسماء البسيطة، التي تنطلق من المطالب الملموسة، تنجح في بناء جسور أوسع مع المجتمع، وتتجاوز الحواجز النفسية التي خلقتها عقود من الاستقطاب والتشويه الممنهج لكل ما يحمل اسم "اليسار" أو "الشيوعية" أو "الاشتراكية".

برنامج حد أدنى واضح ومباشر

برنامج يركز على ما هو ممكن التحقيق في المدى القريب، دون التخلي عن الأفق الاستراتيجي. خدمات أساسية، عمل، ضمان اجتماعي، حقوق النساء كاملة، تحييد الدين عن الدولة، حماية الحريات، وأكبر قدر ممكن من العدالة الاجتماعية. برنامج قصير، مفهوم، قابل للشرح في الشارع، لا وثيقة نظرية مفصلة. برنامج يبنى من الواقع، ويطور ويعدل باستمرار من خلال الحوار المفتوح مع القواعد الجماهيرية والاستماع لتجاربها اليومية.

بنية تنظيمية مرنة

قيادة جماعية تداولية، لا تتركز فيها السلطة بيد أشخاص أو تنظيمات بعينها. أشكال عضوية متعددة، تتيح الانتماء الفردي والتنظيمي في الوقت نفسه. لامركزية واسعة، تسمح لكل محافظة، وكل قطاع اجتماعي، بإدارة نضاله اليومي ضمن الخط العام. بنية مفتوحة على التجريب، تسمح بأشكال تنظيم جديدة تستجيب لخصوصيات المناطق والفئات الاجتماعية المختلفة، دون أن تفرض نموذجاً واحداً جامداً على الجميع. كل جهة مشاركة تحتفظ باستقلاليتها التنظيمية الكاملة، وبرامجها الخاصة، وعملها التنظيمي خارج الإطار، فيما يبقى الإطار الموحد مساحة للعمل المشترك حول النقاط والأولويات المتفق عليها.

تمكين حقيقي للشباب والنساء

لا عبر الخطاب، وإنما عبر قواعد تنظيمية ملزمة. نسب تمثيل واضحة في الهيئات القيادية، وصلاحيات فعلية في اتخاذ القرار. التجديد لا يحدث تلقائياً، وإنما يفرض تنظيمياً. الشباب والنساء ليسوا فئات مساعدة أو رمزية، وإنما قوة التغيير الفعلية. هذا يعني اعتماد آليات ملزمة مثل القيادة التداولية بين النساء والرجال، ونظام المناصب المزدوجة في الهيئات القيادية حيث يشغل كل منصب قيادي رجل وامرأة معاً بصلاحيات متساوية. وبالمثل، يجب تخصيص نسب إلزامية لتمثيل الشباب تحت سن الأربعين في كل المستويات القيادية، مع منحهم صلاحيات حقيقية في اتخاذ القرارات. التمكين الحقيقي يعني أن يكون للشباب والنساء دور فعلي في رسم السياسات وتحديد الأولويات، وليس مجرد حضور شكلي او بدور محدود.

سياسة إعلامية ورقمية حديثة

الفضاء الرقمي اليوم ساحة صراع طبقي مركزية. الإطار الموحد يجب أن يمتلك منصاته، وفرق محتواه، وقدرته على تحليل التفاعل، وقياس الأثر، واستخدام الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي لفهم الجمهور. الخطاب يجب أن يكون بسيطاً، مباشراً، مرتبطاً بالواقع اليومي، دون التخلي عن العمق السياسي. الاستثمار الفاعل في التطوير الرقمي ضرورة وجودية الان، والتأخر فيه يعني الغياب الفعلي عن ساحة المعركة السياسية المعاصرة.

ربط الاحتجاج بالعمل اليومي

بناء لجان شعبية في الأحياء، والعمل داخل النقابات والاتحادات مع مراعاة استقلاليتها، وربط القضايا المحلية بالمشروع السياسي العام. بهذا فقط يتحول الإطار من كيان انتخابي موسمي إلى قوة اجتماعية دائمة. العمل اليومي في حل مشاكل الناس الملموسة، من انقطاع الماء إلى البطالة إلى التمييز، هو ما يبني الثقة الحقيقية ويحول الشعارات إلى خبرة حية.

آليات حل الخلافات وإدارة الاختلاف

الإطار الموحد لن يكون خالياً من الخلافات، وهذا أمر طبيعي وصحي. المشكلة ليست في وجود الاختلاف، وإنما في ضعف آليات ديمقراطية واضحة لإدارته. يجب أن يتضمن الإطار قواعد ديمقراطية لحل النزاعات الداخلية، تمنع تحولها إلى صراعات علنية تؤثر على الوحدة وتشوش العمل السياسي والجماهيري.

سادساً: الخاتمة، التوحد والتجديد - طريق استعادة الدور التاريخي

بالتأكيد بناء إطار موحد لليسار لن يكون مساراً سهلاً، وهو أمر يدركه كل من تابع تاريخه ونضالاته الطويلة في مواجهة الاستبداد والاستغلال، وكذلك اشكالاته ونقاط ضعفه. فالتحديات الموضوعية حاضرة بقوة، من قمع سياسي، ومال انتخابي طاغٍ، وإعلام مهيمن، وانقسام مجتمعي عميق. إلى جانب ذلك، توجد تحديات ذاتية لا تقل أهمية، تتجلى في صعوبة التجديد والتغيير داخل بعض التنظيمات اليسارية، والحذر من فقدان المواقع، وتضخيم الخلافات الثانوية، والتمسك بالأشكال القديمة التي تحتاج إلى تطوير لمواكبة الواقع الجديد.

مواجهة هذه التحديات تتطلب وعياً عميقاً بطبيعة الأزمة، وإرادة سياسية حقيقية، واستعداداً للتجربة والتطور. لا توجد وصفة جاهزة أو حلول سحرية. ما يوجد هو مسار طويل، يحتاج صبراً، وشجاعة تنظيمية، وقدرة صادقة على النقد الذاتي، وهي صفات طالما ميزت اليسار في لحظات صعوده التاريخي.

بعد سنوات من الاحتجاجات الجماهيرية والمطلبية ونتائج انتخابات 2025، يقف اليسار العراقي والكردستاني أمام مفترق طرق حاسم. إما الاستمرار في المسار نفسه بنتائج معروفة، أو خوض مشروع التجديد والتوحد بكل ما تحمله من مخاطر وإمكانيات. الحركات الاحتجاجية أعادت التذكير بالدور التاريخي لليسار كضمير اجتماعي وقوة دفع للتغيير، وأثبتت أن الجماهير مستعدة للنضال، وأن الخوف ليس قدراً. وفي الوقت نفسه، كشفت أن الغضب وحده لا يكفي، وأن العدالة من دون تنظيم تبقى طاقة غير مستثمرة.

المطلوب اليوم يسار موحد يمتلك شجاعة مراجعة نفسه دون التخلي عن جوهره الطبقي والإنساني. يسار يدرك أن الصراع تغيرت أدواته، وأن السياسة لم تعد تدار في الميادين فقط، وإنما أيضاً في الفضاءات الرقمية، وفي معارك الوعي المختلفة. يسار يجمع بين الاحتجاج والعمل الانتخابي، بين خبرة التاريخ وضرورات التجديد.

في هذا السياق، لا بد من الإشادة بالدور النضالي والتاريخي لقوى اليسار العراقي والكردستاني على امتداد عقود طويلة. هذه القوى، التي كان لي الفخر والشرف أن أناضل في صفوف الكثير منها، هي بدون استثناء من أنزه القوى السياسية في العراق وإقليم كردستان. قدمت تضحيات جسيمة، ودفعت أثماناً باهظة من دماء كوادرها وقياداتها، وظلت على الدوام في موقع الدفاع عن شغيلات وشغيلة اليد والفكر، ضد كل أشكال الاستبداد والاستغلال والطائفية والفساد. مهما كانت الاختلافات التكتيكية أو النظرية، يبقى هذا التاريخ النضالي رصيداً جماهيرياً وإنسانياً لا يمكن إنكاره أو التقليل من قيمته.

لكن الوفاء لهذا التاريخ لا يكون فقط بالحنين إليه، وإنما بالبناء عليه. النقد الذي تطرحه هذه الورقة ليس انتقاصاً من هذه القوى، وإنما دعوة رفاقية لها كي تستعيد دورها التاريخي في صيغة معاصرة. فالسؤال اليوم لم يعد هل نملك الفكرة الصحيحة، فاليسار لطالما امتلكها، بل كيف نحولها إلى أدوات فعالة قادرة على التأثير وتحسين حياة الجماهير. التاريخ يكافئ من استطاع تحويل الأفكار العادلة إلى قوة مادية منظمة.

التوحد ليس خياراً بين خيارات، وإنما طريق أساسي لاستعادة الدور والتأثير. لكن التوحد وحده لا يكفي، إذا لم يقترن بتجديد فكري وتنظيمي عميق. المطلوب ليس فقط جمع القوى المتشتتة تحت سقف واحد، وإنما إعادة بناء اليسار على أسس جديدة، تستوعب التحولات الاجتماعية والتكنولوجية، وتستجيب لوعي الأجيال الجديدة، وتتجاوز الأشكال التنظيمية التي تحتاج إلى تطوير للإجابة عن أسئلة العصر. التجديد يعني مراجعة الخطاب، وتحديث الأدوات، وإعادة التفكير في العلاقة بين تنظيمات اليسار والمجتمع، وفي أشكال القيادة، وفي آليات اتخاذ القرار، وغيرها.

هذا المشروع التوحيدي التجديدي لا يلغي الخصوصيات، ولا يفرض الذوبان، وإنما يبني على المشترك، ويحترم التعدد، ويوجه الطاقات نحو الهدف الأساسي المشترك الان: بناء العراق بما فيه إقليم كردستان القائم على الديمقراطية ودولة المؤسسات والمواطنة والمساواة، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، والحرية الحقيقية لكل مواطناتها ومواطنيها. هنا يكمن التحدي الحقيقي أمام اليسار العراقي والكردستاني اليوم، وهنا أيضاً يفتح أفق الحركات الاحتجاجية معناه العميق، إذا امتلكنا الشجاعة للسير فيه معاً، متحدين في التنوع، مجددين في الفكر والتنظيم، وأقوياء في الوحدة.

***

رزكار عقراوي

من أشدّ المآسي التي يمكن أن يتعرض لها الإنسان أن يُعاقَب في انتمائه قبل أن يُعاقَب في جسده أو رزقه. فالسجن قد يسلبه حريته زمناً، والمنفى قد يبعده عن أرضه مسافة، لكن سحب الجنسية يحاول أن يسلبه شيئاً أعمق من ذلك كله، وهو حقه في أن يكون ابناً لوطنه. ولعلّ أكثر ما يثير الألم في هذه الظاهرة أنها كثيراً ما تُمارَس بحق أشخاص لم يكونوا عالةً على أوطانهم، بل كانوا من أبرز صُنّاع صورتها الثقافية والروحية. فالتاريخ يذكر كيف جُرِّد الشاعر التركي "ناظم حكمت" من جنسيته في ظل السياسات الكمالية في تركيا، كما شهد العراق في مراحل من تاريخه الحديث تهديدات وإجراءات مشابهة طالت أو كادت تطال أسماء كبيرة في المشهد الثقافي، ومن بينها الشاعر الراحل "محمد مهدي الجواهري". وفي العقود الأخيرة شهدت بعض الدول العربية حالات سحب جنسية من شخصيات سياسية وثقافية وفنية معروفة، كما حدث في البحرين والكويت وغيرهما، وصولاً إلى حالات أثارت جدلاً واسعاً بسبب استهدافها شخصيات أدبية وفكرية تركت بصمتها الواضحة في الحياة الثقافية. وآخرها ما تناقلته وسائل الإعلام عن سحب الجنسية عن القاص والروائي "طالب الرفاعي".

غير أن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن في آثارها القانونية والإدارية وحدها، بل في النسق الفكري العميق الذي ينتجها ويمنحها شرعيتها. فالدولة الحديثة، من حيث المبدأ، تقوم على فكرة المواطنة؛ أي على اعتبار الانتماء الوطني حقاً أصيلاً يعلو على الحكومات ويتجاوز الأشخاص والأنظمة. أما حين تلجأ السلطة إلى سحب الجنسية من مواطنيها بسبب آرائهم أو مواقفهم أو اختلافهم معها، فإنها تكشف عن بقاء تصورات أقدم من الدولة الحديثة نفسها، تصورات تنتمي إلى عقلية الرعية أكثر مما تنتمي إلى عقلية المواطنة.

وفي ظل هذه العقلية لا يُنظر إلى المواطن بوصفه شريكاً في الوطن، بل تابعاً للسلطة. ولا يُنظر إلى الجنسية بوصفها رابطة قانونية وتاريخية وإنسانية، بل امتيازاً تمنحه الدولة لمن تشاء وتسحبه ممن تشاء. وهنا يتحول الوطن، في الوعي السياسي للسلطة، من كونه فضاءً مشتركاً لجميع أبنائه إلى ما يشبه الملكية الخاصة التي تحتكر تعريف الانتماء إليها وتوزيع صكوك الاعتراف بأبنائها.  وهنا يكون سحب الجنسية ليس مجرد إجراءٍ قانونيٍّ، بل هو فعلٌ رمزيٌّ شديدُ القسوة. فالسلطة التي تلجأ إليه لا تكتفي بمعاقبة الفرد على موقف أو رأي، وإنما تحاول نفيه من الجماعة الوطنية ذاتها، وكأنها تحتكر تعريف الوطن وتحتكر حق توزيع الانتماء وسحبه. ولذلك فإن هذه العقوبة تبدو أقرب إلى محو الهوية منها إلى إنفاذ القانون، وأقرب إلى الانتقام الرمزي منها إلى تحقيق العدالة.

واللافت للنظر أن بعض الدول التي تتوسع في منح الجنسية لأسباب سياسية أو ديموغرافية أو اقتصادية، هي نفسها التي لا تتردد أحياناً في سحبها من مواطنين أصليين بسبب خلاف سياسي أو موقف فكري أو نشاط ثقافي معارض. وهنا تتكشف مفارقة أخلاقية مؤلمة؛ إذ تصبح الجنسية التي تُمنح للغريب بقرار إداري قابلة للانتزاع من ابن البلد الذي ولد على أرضه وأسهم في بناء ثقافته وذاكرته الوطنية. وكأن المشكلة ليست في الجنسية ذاتها، بل في مقدار القرب أو البعد من السلطة.

ولأن المثقف يمثل ضمير المجتمع وذاكرته النقدية، فإنه كثيراً ما يكون هدفاً لهذه السياسات. فالأنظمة القلقة من النقد لا تنظر إلى الشاعر أو الروائي أو المفكر بوصفه ثروة وطنية، بل بوصفه مصدراً محتملاً للإزعاج. ولهذا لم يكن غريباً أن يكون كثير من ضحايا هذه السياسات من أصحاب الأقلام الحرة والكلمات المستقلة. فالكلمة التي تعجز السلطة عن إسكاتها بالسجال الفكري قد تحاول إسكاتها بوسائل أخرى، من بينها التشكيك بحق صاحبها في الانتماء إلى وطنه.

أما الأثر الأخطر لهذه السياسة فلا يقع على الفرد وحده، بل يمتد إلى المجتمع كله. فحين يرى الكاتب أو الفنان أو الباحث أن رأياً مختلفاً قد يعرّضه لفقدان أبسط حقوقه الوطنية، تتسع دوائر الخوف وتضيق مساحات الحرية، وتترسخ الرقابة الذاتية، ويغدو الصمت أكثر أمناً من التفكير، والمجاملة أكثر ربحاً من الصراحة. وهكذا تخسر الأوطان أهم مصادر حيويتها وتجددها، لأنها تدفع بعقولها الحرة إلى العزلة أو المنفى أو الصمت؛ لأنَّ الدول الواثقة من نفسها لا تخشى الكلمة، ولا تنافس مواطنيها على ملكية الوطن، لأنها تدرك أن الانتماء الوطني أوسع من الولاء السياسي، وأن الاختلاف مع السلطة لا يعني الخروج من الجماعة الوطنية. أما الأنظمة المرتابة فإنها كثيراً ما تخلط بين الدولة والحكومة، وبين الوطن والسلطة، وبين المواطنة والطاعة، فتجعل من الانتماء الوطني أداة للمكافأة والعقاب. ومن هنا فإن سحب الجنسية لا يكشف عن قوة الدولة كما قد يتوهم البعض، بل يكشف عن هشاشتها العميقة. فالدولة القوية لا تحتاج إلى نفي أبنائها من السجل الوطني كي تثبت حضورها، ولا تحتاج إلى معاقبة الانتماء كي تفرض هيبتها. أما الدولة التي تخشى مواطنيها إلى هذا الحد، فإنها تعلن من حيث لا تشعر أزمة ثقة بينها وبين مجتمعها.

فالوطن ليس منحة من حاكم، ولا هبة من حكومة، ولا جائزة تُمنح للمصفقين وتُنتزع من المعترضين. وقد تستطيع سلطة ما أن تصادر جواز سفر أو تلغي وثيقة جنسية، لكنها تعجز عن مصادرة ذلك الانتماء العميق الذي يتكون عبر العمر كله في الوجدان والذاكرة واللغة والثقافة. ولهذا تبقى الجنسية في جوهرها اعترافاً قانونياً بحقيقة أعمق منها، هي حقيقة الانتماء الوطني. فإذا تحولت إلى أداة هيمنة سياسية، فإن المتضرر الحقيقي لا يكون الفرد وحده، بل فكرة الوطن نفسها. وعندما يُعاد تعريف الوطن على مقاس السلطة، وتُختزل هويته في إرادتها، يصبح الجميع مُهدَّدين بفقدان حقوقهم متى ما تغيرت موازين القوة. وحينذاك لا يعود الوطن بيتاً لجميع أبنائه، بل يتحول إلى مساحة امتيازات تديرها السلطة وفق ما تراه مناسباً، وهو أخطر ما يمكن أن تصاب به فكرة المواطنة في أي مجتمع.

***

د. وسام حسين العبيدي

................

* طالب الرفاعي يُعد من أبرز كتّاب الرواية والقصة القصيرة في الكويت والخليج العربي. درس الهندسة المدنية في جامعة الكويت، ثم حصل لاحقًا على دراسات عليا في الكتابة الإبداعية، وصدرت له روايات ومجموعات قصصية عديدة تُرجمت بعض أعماله إلى لغات أجنبية. كما تولّى رئاسة لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية) في دورتها الثالثة، وأسّس «جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية» وأسهم في تنشيط الحركة الثقافية الكويتية والعربية.

الانخلاع السيادي وتفكيك الميتا-ديناميكية الوظيفية بالفضاء الرافديني

دراسة تفكيكية نقدية في سيكولوجية الاستلاب الولائي، تزييف الوعي التاريخي، وحتمية التعامل البراغماتي الندّي في أتون الصراع الإقليمي الراهن (2026)

مُقَدِّمَة كَوْنِيَّة: فِي أَنطُولُوجْيَا الكِيَانِ وَالارْتِدَادِ الوَظِيفِيِّ

يخضع الكيان الجيوسياسي للدول ذات العمق التاريخي الممتد لحتمية الوجود في الذات وللذات، حيث تُعد السيادة المطلقة جوهراً ثابتاً لا يقبل التجزئة، أو التفويض، أو الإنابة الوظيفية. بيد أن المشهد الرافديني المعاصر يشهد مأزقاً استعصائياً بالوجدان السياسي المتمثل في الانخلاع السيادي؛ وهو ارتداد بنيوي تمارسه طبقة من النفعيين ووكلاء الهيمنة الإقليمية — ما يُصطلح عليه في الأدبيات الشعبية بـالذيول والوطجية — الذين استبدلوا المركزية الوطنية بالعواطف الميتافيزيقية الساذجة، مقدمين المصالح الاستراتيجية العليا لطهران على حساب النخاع الشوكي للأمن القومي العراقي.

إن هذا التفكيك الفلسفي لا يقترب مطلقاً من بيضة العقيدة الشيعية، التي تمثل ركناً ركيناً وجزءاً أصيلاً ومحترماً من الهوية الرافدينية المتجذرة، بل يشرّح بدقة جراحية الأدلجة النفعية التي توظف المقدس الديني لتمرير التبعية الجيوسياسية العمياء.

يقول الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه في تفكيك سيكولوجية الخنوع:

إن العبيد دائماً ما يبتكرون أخلاقاً تبرر مأزقهم الوجودي، فيسمون التبعية وفاءً، ويدعون الانقياد عرفاناً، ليتجنبوا مشقة مواجهة الحرية والكبرياء الذاتي.

المِحْوَرُ الأَوَّل: سردية 2014 ومغالطة الائتمان الأخلاقي (تفكيك الجيوسياسة الأمامية)

تتكئ المنظومة التبريرية لهؤلاء الوكلاء على حدث مفصلي يتلخص في اجتياح تنظيم داعش الإرهابي لمدن عراقية عام 2014، حيث يجري تصوير التدخل الإيراني آنذاك كأنه منحة إيثارية مبرأة من المصالح. إن الفحص الإبستمولوجي والجيوسياسي الصارم لهذا الادعاء يسحق هذه البروباغندا. ففي عقيدة الدول الكبرى والإقليمية، لا تتحرك الجيوش بناءً على المواجد العاطفية، بل تنفيذاً لنظرية الدفاع الاستباقي الأمامي (Forward Pre-emptive Defense). لقد أدركت طهران أن سقوط بغداد يعني وصول النيران إلى تخومها الغربية، فحاربت في العمق الجغرافي العراقي لحماية أمنها القومي الذاتي، مستخدمة الجغرافيا الرافدينية كمصد استراتيجي بشري وعسكري لحروبها بالوكالة.

ولم يكن هذا التدخل مجانياً؛ إذ تشير وثائق ومقارنات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) إلى أن طهران استنزفت مليارات الدولارات سُحبت نقداً من الخزينة العراقية المنهكة لقاء ذخائر وعتاد تقليدي متهالك من مخلفات العهد السوفيتي، وبأسعار مضاعفة فرضتها حاجة بغداد الحرجة.

في المقابل، قدمت منظومة دولية واسعة وغربية (تضم بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وأستراليا، وإيطاليا، وكندا، وبلجيكا) غطاءً جوياً كثيفاً، ومعلومات استخباراتية لحظية عبر الأقمار الصناعية، ومنظومات عسكرية متطورة بالمجان بالكامل، دون مطالبة باقتطاع السيادة أو رهن القرار السياسي، لكونهم استوعبوا الخطر الإرهابي كمهدد عالمي يتطلب تدميره دون استثمار تجاري.

يقول الحق تبارك وتعالى في محكم تنزيله حاسماً مآل الركون لبطانات المصالح الخارجية التي تبتغي إعنات الأمة:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118]

تؤكد الآية الكريمة بلغة قاطعة أن التخلي عن البطانة الداخلية المستقلة والارتهان للآخر يورث الخبال واستنزاف المقدرات.

المِحْوَرُ الثَّانِي: سيكولوجية التمجيد المعكوس وانشراخ الذاكرة الوطنية

تبلغ السريالية السياسية ذروتها الفلسفية عندما يعمد الوطجية ووكلاء التبعية إلى رفع رموز وقادة عسكريين أجانب إلى مصاف التقديس والتبجيل والتمجيد المطلق. إن هذه الظاهرة تمثل تجسيداً حاداً لما يُعرف في الفلسفة السياسية بـالمازوخية السياسية (Political Masochism)؛ إذ بالعودة إلى الأرشيف التاريخي والتوثيقي لحرب الثمانينات (1980-1988)، يجد الباحث الصارم أن هؤلاء القادة والموجهين الأجانب أنفسهم كانوا فاعلين أساسيين ومشاركين مباشرين في قيادة الآلة العسكرية التي استهدفت الدولة العراقية وسفكت دماء الجنود العراقيين على السواتر.

إن تبجيل الخصم التاريخي وتحويله إلى أيقونة وطنية هو تزييف متعمد وممنهج لوعي الأجيال، وانشراخ حاد في الذاكرة الجماعية للأمة، حيث يُراد للتابع أن ينسى دماء آبائه ليرسخ التبعية كأصل وجودي والسيادة كفرع طارئ.

وفي هذا الصدد، يضع علي بن أبي طالب في عهده الخالد لمالك الأشتر دستوراً صارماً للاعتماد على الذات ورفض التبعية الحليفة المستنزفة، حيث يقول:

مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ طَالَ جُوعُهُ، وَمَنِ اسْتَعَانَ بِبَاطِلِ خَصْمِهِ ضَاعَ حَقُّهُ، وَلَا تَأْمَنَنَّ عَدُوَّاً قَارَبْتَهُ لِحَاجَةٍ، فَإِنَّ العَدُوَّ يَنْظُرُ السُّوءَ وَيُبْطِنُ الغَدْرَ.

المِحْوَرُ الثَّالِث: معادلة الانتحار الاستراتيجي وحرب المحاور في عام 2026

يتكشف العوار البنيوي والتهديد المباشر للأمن القومي العراقي اليوم، في ظل اشتعال الصراع والمواجهة الإقليمية الشاملة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. فبينما تقف طهران موقفاً براغماتياً حذراً يحمي أراضيها وبنيتها التحتية، يندفع التابعون في الداخل العراقي لرهن مقدرات البلاد وزج الفضاء الرافديني في أتون هذه المحرقة المدمرة.

إنهم يقدمون الدعم اللوجستي، والعسكري، والجغرافي، والاقتصادي لخدمة هذا المحور الإقليمي بالمجان وبلا مقابل استراتيجي، معرضين البنى التحتية، والمنشآت النفطية، والسيادة الجوية العراقية لضربات انتقامية ساحقة لا تخدم سوى أمن طهران.

وهنا يبرز السؤال الفلسفي والجيوسياسي الحارق: لماذا لا نُعاملهم بالمِثل نداً بندّ؟ لماذا يُطلب من العراق أن يكون ساحة التضحية المجانية والوقود المستعر لحروب الآخرين، بينما تُباع له أبسط وسائل الدفاع بأثمان باهظة؟ إننا العراق؛ مهد الحضارات الأولى، ومركز الثقل الجغرافي والسياسي في الشرق الأوسط، ولسنا ملحقاً جغرافياً أو صدى صوت لعاصمة أخرى. إن مقتضيات السيادة والواقعية السياسية الصارمة تحتم على بغداد النأي الكامل بالنفس عن صراع المحاور، وإدراك أن الدم العراقي والمقدرات الوطنية ليست أوراق تفاوض تُمنح مجاناً على طاولة الصراعات الإقليمية.

يقول الفيلسوف الإيطالي نيكولو مكيافيللي في أطروحته السياسية الأمير:

إن الحاكم الذي يعتمد على قوات أجنبية أو يربط مصير دولته بحروب حلفائه الخارجيين، يضع عنقه في حبل مشنقة لا يملك طرفه الآخر، لأن هؤلاء الحلفاء يبحثون عن مغانمهم في السلم ويجعلون من أرضك درعاً لهم في الحرب.

إن هذا التحليل الصارم يمثل وثيقة تحليلية خطيرة تضرب في عمق شبكات المصالح الوظيفية التي تقتات على تغييب السيادة الوطنية. إن علم الجيوسياسة علم بارد وصارم، لا يحمي المغفلين، ولا يعترف بدموع الوفاء الأخلاقي المزيف بين الدول. إن استعادة مركزية الدولة العراقية وتفكيك منصات التبعية يمثلان ممرّاً إجبارياً للحفاظ على الوجود السيادي. سيبقى هذا المقال صرخة معرفية وفلسفية في وجه الوطجية والتابعين، ليؤكد أن الكبرياء الرافديني عصي على التذويب، وأن قرار بغداد يجب أن يُصنع في بغداد وحسب، رعايةً لمصالح شعبها وحمايةً لمستقبل أجيالها.

المِحْوَرُ الرَّابِعُ: بِدْعَةُ وِلَايَةِ الْفَقِيهِ وَالْجَائِحَةُ الْجِيُوسِيَاسِيَّةُ (تَفْكِيكُ الْهَيْكَلَةِ الثِّيُوقْرَاطِيَّةِ)

لا يكتمل التوصيف الإبستمولوجي للانخلاع السيادي العراقي دون الولوج إلى الجَذْر الأيديولوجي الذي يغُذّي هذا الارتكاس، والمتمثل في نظرية ولاية الفقيه المطلقة (حكومت إسلامي). إن هذه النظرية، عند إخضاعها للمشرحة الفقهية والتاريخية، لم تكن يوماً أصلاً عقائدياً إجماعياً، بل هي بدعة سياسية مُستحدثة صاغها آية الله الخميني في سياق حركي خاص لشرعنة الدولة الثيوقراطية في إيران. إنها تفريغ فج للمفهوم التقليدي للانتظار الشيعي، وتحويل الغيبة إلى سلطة زمنية مطلقة تُركّز الصلاحيات الإلهية والبشرية في يد فرد واحد خارج الحدود الجغرافية والقومية للأمم.

لقد أنتج تمدد هذه البدعة في الفضاء الرافديني دماراً استراتيجياً ومجتمعياً شاملاً، يمكن رصده عبر المستويات البنيوية التالية:

مَحْوُ النِّطَاقِ السِّيَادِيِّ (The Sovereignty Erasure): تقوم عقيدة ولاية الفقيه على إلغاء مفهوم الدولة-الأمة (Nation-State) والحدود المعترف بها دولياً. فبموجب هذه الأدلجة، يصبح الحاكم في طهران هو ولي أمر المسلمين، مما يعني تلقائياً تحويل الحكام والمسؤولين والجيوش في الدول المجاورة، كالعراق، إلى مجرد رعايا ومأمورين يأتمرون بأمر المرشد الأعلى. هذا التداخل يضرب المادة الأولى من الدستور العراقي التي تؤكد على السيادة المطلقة، ويجعل القرار الوطني رهيناً لمشيئة الولي الفقيه ومصالحه القومية الفارسية المغلّفة برداء مذهبي عابر للحدود.

الانْشِقَاقُ الْفِقْهِيُّ وَتَقْوِيضُ حَوْزَةِ النَّجَفِ الأَثَرِيَّةِ: يمثل فرض نموذج ولاية الفقيه محاولة قسرية لإلغاء وإزاحة المرجعية الدينية التقليدية التاريخية في النجف الأشرف. فبينما تتبنى النجف، عبر تاريخها الممتد لألف عام، نظرية ولاية الفقيه المقيدة أو الولاية الحسبية التي تنأى بالمؤسسة الدينية عن الانغماس في السلطة التنفيذية المباشرة وتحترم خصوصية الدولة والقرارات السيادية لشعبها، تسعى بدعة الولاية المطلقة القادمة من قُم إلى ابتلاع حوزة النجف، وتجير رمزيتها التاريخية لصالح مشروع الهلال الجيوسياسي الإيراني. إن هذا المسعى قد خلّف انقساماً حاداً ودماراً في الوحدة المجتمعية والروحية للعراق.

تَشْظِيَةُ الْهُوِيَّةِ الْقَوْمِيَّةِ وَإِنْتَاجُ الْكَانْتُونَاتِ الْوَظِيفِيَّةِ: إن الكارثة الأشد فتكاً التي أحدثتها هذه البدعة هي تفتيت العُروة الوطنية الرافدينية. فقد نجحت طهران، عبر أدواتها النفعية والـوطجية، في غرس عقيدة تقدّم الرابط المذهبي والولاء للفقيه الأجنبي على الرابط القومي والوطني العراقي. ونتيجة لذلك، تحول جزء من القرار الأمني والعسكري إلى فصائل وتشكيلات موازية لا تدين بالولاء للقائد العام للقوات المسلحة العراقية، بل تتحرك كـكانتونات وظيفية تنفذ استراتيجيات الدفاع الأمامي لطهران؛ مما جعل الاقتصاد والأمن القومي العراقي يدفعان ثمن حروب ومغامرات إقليمية مجانية أعادت العراق عقوداً إلى الوراء على مستويات التنمية، والتعليم، والاستقرار البنيوي.

يقول الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في تحليله لآليات السلطة الثيوقراطية:

عندما ترتدي السلطة السياسية عباءة الحق الإلهي المطلق، فإنها لا تعود تبحث عن المصالح الحيوية لشعبها، بل تحول الأفراد والأمم إلى قرابين تُذبح باستمرار على مذبح الإيديولوجيا المقدسة لحماية الإمبراطورية.

إن بدعة ولاية الفقيه المطلقة قد دمّرت كل فضاء وطني دخلت إليه، وحوّلت مراكز الحضارة التاريخية إلى أراضٍ مستباحة ومستنزفة مالياً وسيادياً. إن استنقاذ العراق يتطلب حتماً تحصين الوعي الوطني ضد هذه البدعة المستوردة، والتمسك بالهوية الوطنية الرافدينية المستقلة التي ترى في بغداد متبوعاً لا تابعاً

 المِحْوَرُ الخَامِسُ: جِيُوسِيَاسَةُ مَضِيقِ هُرْمُزَ وَالاسْتِنْزَافِ الهَيْكَلِيِّ (العِرَاقُ كَضَحِيَّةٍ مُجَانِيَّةٍ فِي حَرْبِ الآخَرِينَ)

تتبدّى ذروة العَبث الاستراتيجي والانتحار الجيوسياسي الذي تقاد إليه الدولة العراقية اليوم (2026) عند قراءة الخارطة الاقتصادية والجيومائية لآثار المواجهة المستعرة بين طهران والمجتمع الدولي. فالقراءة الباردة للمشهد تكشف عن مفارقة وجودية صارخة: أن الطرف الأكثر تضرراً ونزيفاً من هذه الحرب هو العراق — الذي لم تخترق جيوغرافيته رصاصة واحدة من أطراف النزاع المباشرة — بينما تلوذ طهران بحساباتها البراغماتية لحماية بنيتها التحتية.

إن هذا التدمير الممنهج للاقتصاد العراقي وسقوط أسواقه المحلية يتفكك عبر آليتين جيواستراتيجيتين بالغتي الخطورة:

الارْتِهَانُ المَائِيُّ القَاتِلُ (عُقْدَةُ مَضِيقِ هُرْمُزَ): يخضع العراق لحتمية جغرافية قاسية تجعله شبه دولة مغلقة (Semi-Landlocked State)؛ إذ تعتمد 90% من صادراته النفطية — التي تشكل شريان الحياة الوحيد للموازنة العامة والرواتب والأمن الغذائي — على الممر المائي الضيق عبر الخليج العربي صعوداً من موانئ البصرة مروراً بمضيق هرمز. في المقابل، تمتلك إيران سواحل شاسعة تمتد على بحر العرب والمحيط الهندي خارج الخليج (مثل ميناء جاسك)، مما يتيح لها تصدير نفطها بعيداً عن كابوس الحصار المائي. وعليه، فإن إقدام طهران أو حلفائها على تهديد أو إغلاق مضيق هرمز تحت ذريعة الصراع مع إسرائيل وأمريكا، لا يعني خنق الغرب، بل يعني قطع النخاع الشوكي للاقتصاد العراقي حصراً، وسحق الدينار، وشل الأسواق، وإدخال ملايين العراقيين في مجاعة محققة، في حين يتفرج الوكلاء الوطجية ويباركون هذا الانتحار الاقتصادي العراقي بالمجان خدمةً للولي الفقيه.

عَقِيدَةُ التَّضْحِيَةِ المَجَّانِيَّةِ وَتَزْيِيفِ الحَقِّ الشِّيعِيِّ: هنا يثور السؤال الفلسفي والقومي الحارق الذي يضرب قاع هذه التبعية: لماذا يُطلب من العراق تقديم هذا الدعم الأعمى وتَحمُّل دمار اقتصاده بالمجان لإنقاذ طهران، بينما لم تقدم الأخيرة رصاصة واحدة عام 2014 إلا بقبض أثمانها مضاعفة من أموال الشعب العراقي؟ إن هذا الاستنزاف لا يمت بصلة إلى حماية المذهب الشيعي أو الذود عن حقوق التشيع؛ بل هو استغلال أيديولوجي فج لبدعة ولاية الفقيه المطلقة التي سيطرت على عقول هؤلاء الوكلاء، فجعلتهم يسلّمون مقاليد بلد بحجم العراق ليكون مجرد درع بشري واقتصادي تتلقى بغداد الصدمات والفقر نيابة عنه، لتظل طهران آمنة. إن التشيع العلوي الأصيل هو تشيع العزة، والكرامة، والسيادة، ورفض الظلم، وليس تشيع الخنوع والتبعية التي تفقر شعب العراق وتهدم أسواقه من أجل حسابات دولة أخرى.

يقول الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز في أطروحته الليفياتان:

إن العقد الاجتماعي الذي يربط المحكوم بالحاكم ينهار تماماً عندما تعجز السلطة عن حماية الوجود البيولوجي والاقتصادي لرعاياها، وتصبح أداة لتسليم مقدرات الأمة لقوى خارجية تقتات على بؤسها.

بناءً على هذه المعطيات الصارمة لعام 2026، يتضح أن استعادة العراق لكرامته الاقتصادية تقتضي لزاماً تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل نداً بندّ؛ فالدول لا تدار بنوايا العرفان الصوفي بل بلغة المصالح القومية الباردة. إذا كانت طهران تبحث عن أمنها، فإن أمن أسواق البصرة وبغداد ولقمة عيش المواطن العراقي هي الأقدس والأولى بالرعاية، وكل ارتهان خارج هذا الإطار هو خيانة موصوفة للهوية الرافدينية.

المِحْوَرُ السَّادِسُ: مَآلَاتُ الصِّرَاعِ وَتَكْتِيكُ التَّخَنُّدُقِ الطُّفَيْلِيِّ (عَلَى حِسَابِ مَنْ تَنْتَصِرُ طِهْرَان؟)

حين يبلغ الاستشراف الجيوسياسي مداه الأقصى في قراءة مشهد المواجهة الكبرى اليوم، تتبدى أمام الفحص البنيوي الصارم حقيقة بالغة القتامة؛ فإذا كانت طهران قد أثبتت تموضعها كقوة عظمى إقليمية، واستطاعت مجابهة الإرادة الأمريكية والإسرائيلية وبناء جدار صد استراتيجي صلب، فإن السؤال الفلسفي والتاريخي الحارق الذي يسحق بروبغاندَا النصر هو: على حساب مَنْ تَحقق هذا الصمود؟ ومن الذي دفع الفاتورة الوجودية الدموية والاقتصادية من نخاعه الشوكي لتقف طهران على قدميها؟

إن القراءة الفاحصة لطبيعة الانتصارات الإيرانية تكشف أنها لم تُصنع بفعل تفوق ذاتي خالص داخل حدودها الجغرافية، بل عبر تكتيك يُعرف في العلوم السياسية بـالتخندق الطفيلي (Parasitic Entrenchment)؛ وهو إلقاء عبء المواجهة، وتلقي الضربات الارتدادية الساحقة، وتجريف المقدرات البنيوية، فوق جغرافيا الدول التابعة — وعلى رأسها العراق — لكي تظل البنية التحتية والمرافق الحيوية في أصفهان وطهران وشيراز مبرأة من الهدم والخراب.

إن مآلات هذه الحرب على الفضاء الرافديني تتلخص في حتميتين كارثيتين:

الاسْتِهْلَاكُ البَشَرِيُّ وَالجُغْرَافِيُّ المُمَنْهَج: لقد حوّلت بدعة ولاية الفقيه وأدواتها الوظيفية (الوطجية والتبعية) جغرافيا العراق من كيان سيادي مستقل إلى مجرد منطقة عازلة (Buffer Zone) ومصد صدمات يتلقى حمم الصواريخ والردود العسكرية الدولية. إن انتصار طهران الجيوسياسي مبني أساساً على بقاء بغداد في حالة استنزاف دائم؛ إذ يُطلب من العراقيين أن يكونوا حطب الموقدة ووقود الحرب المستعرة، لكي تجلس القيادة الإيرانية في نهاية المطاف على طاولة المفاوضات الدولية لتقايض بدمائهم وسيادتهم نفوذها الخاص وبقاء نظامها.

الانْتِحَارُ التَّنْمَوِيُّ وَتَأْبِيدُ التَّبَعِيَّة: في الوقت الذي تحمي فيه إيران صناعاتها وتطور منظوماتها الذاتية، يمرق الاقتصاد العراقي في نفق مظلم من الانهيار والتبديد. إن أسواق البصرة وبغداد والموصل تدفع ضريبة الحصار الحظر المالي المترتب على زج العراق غير المتكافئ في هذا المحور. إنه ارتداد تاريخي مرعب؛ حيث يُصنع المجد الخارجي لطهران بمداميك من فقر الشعب العراقي، وضياع مستقبله التنموي، وتدمير عملته الوطنية، وتحويل طاقات شبابه من البناء والإعمار إلى ساحات التضحية المجانية بلا طائل وطني واحد.

يقول الفيلسوف الفرنسي رايموند آرون في كتابه السلام والحرب بين الأمم:

إن أخطر أنواع التبعية في العلاقات الدولية هي تلك التي تقبل فيها النخبة المحلية المحكومة بأن ترهن دماء أمتها وثروات بلدها لتكون مجرد دروع واقية لحماية أمن إمبراطورية أجنبية، دون أن تحصل أمتهم في مقابل ذلك سوى على حق الموت المجاني وخراب الديار.

بناءً على هذه المعطيات الصارمة لعام، فإن حقيقة الأمر التي يجب أن يواجه بها الفصحاء وأصحاب البصائر الوجدان العام هي: أن صمود إيران لم يكن مكرمة للعراق، بل كان استنزافاً وجودياً له. إن الوطجية الذين يطبلون لهذا الانتصارات الإقليمية يمارسون خيانة معرفية وأخلاقية موصوفة؛ لأنهم يدركون أن ثمن كل خطوة تتقدم بها طهران إلى الأمام هو تراجع العراق خطوة نحو الخلف. إن استرداد الذات العراقية يبدأ من رفض هذا الانتصار المزعوم الذي يُبنى على أنقاض السيادة الرافدينية ولقمة عيش شعبها.

 الخَاتِمَةُ العُلْيَا: المَنِيفِيسْتُو الرَّافِدِينِيِّ الأَخِيرِ – حَتْمِيَّةُ الِانْقِلَابِ الجِيُوسِيَاسِيِّ وَهَنْدَسَةُ الخَلَاصِ

إنَّ إدراكَ الكارثةِ هُوَ أوَّلُ مَرَاحِلِ الانعِتَاقِ؛ وحِينَمَا بَلَغَ الفَحْصُ الجِيُوسِيَاسِيُّ قَاعَ المأزَقِ الرَّافِدِينِيِّ، تَبَدَّى لَنَا بِاليَقِينِ الصَّارِمِ أنَّ بَغْدَادَ لَا تُعَانِي مِنْ أَزْمَةِ حُكْمٍ عَابِرَةٍ، بَلْ مِنْ انْخِلَاعٍ سِيَادِيٍّ أُنْطُولُوجِيِّ جَعَلَ ثَرْوَةَ العِرَاقِ وَدِمَاءَ بَنِيهِ قُرْبَانًا مَجَّانِيًّا يُذْبَحُ عَلَى مَذْبَحِ التَّخَنْدُقِ الطُّفَيْلِيِّ لِصَالِحِ طِهْرَانَ. إنَّ بَقَاءَ العِرَاقِ فِي مَوْقِعِ مَصَدِّ الصَّدَمَاتِ لِحَرْبِ الآخَرِينَ هُوَ انْتِحَارٌ تَنْمَوِيٌّ حَتْمِيٌّ.

لِذَا، فَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الخَاتِمَةُ لِتَكُونَ المَنِيفِيسْتُو الأَخِيرَ وَالأَخْطَرَ، لَا لِتَشْخِيصِ الدَّاءِ فَحَسْبُ، بَلْ لِفَرْضِ هَنْدَسَةِ خَلَاصٍ جِرَاحِيَّةٍ تُعِيدُ فَلَكَ بَغْدَادَ إلَى مَرْكَزِ الكَوْنِ.

إنَّ نَزْعَ قِنَاعِ التَّبَعِيَّةِ المُمَوَّهِ بِبِدْعَةِ وِلَايَةِ الفَقِيهِ المَسْؤُولَةِ عَنْ دَمَارِ البِنْيَةِ الهَيْكَلِيَّةِ لِلشِّيعَةِ قَبْلَ غَيْرِهِمْ، يَسْتَوْجِبُ الاسْتِشْهَادَ بِأَعْلَى المَرَاجِعِ الرُّوحِيَّةِ الأَصِيلَةِ دَحْضًا لِلْوَهَمِ النَّفْعِيِّ.

يَقُولُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ الإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع) فِي مَوْعِظَةٍ تَدُكُّ أَرْكَانَ الخُنُوعِ وَالتَّسْلِيمِ لِلأَجْنَبِيِّ:

لَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللهُ حُرًّا، وَمَا خَيْرُ خَيْرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِشَرٍّ، وَيُسْرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِعُسْرٍ.

كَمَا يَقُولُ رَيْحَانَةُ رَسُولِ اللهِ الإِمَامُ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (ع) فِيمَا خَلَّدَهُ التَّارِيخُ عَقِيدَةً لِلْعِزَّةِ وَرَفْضِ الِارْتِهَانِ:

هَيْهَاتَ مِنَّا الذِّلَّةُ، يَأْبَى اللهُ لَنَا ذَلِكَ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ، وَجُدُودٌ طَابَتْ، وَحُجُورٌ طَهُرَتْ، وَأُنُوفٌ حَمِيَّةٌ، وَنُفُوسٌ أَبِيَّةٌ مِنْ أَنْ نُؤْثِرَ طَاعَةَ اللِّئَامِ عَلَى مَصَارِعِ الكِرَامِ.

فَأَيْنَ هَذِهِ السِّيَادَةُ العَلَوِيَّةُ الحُسَيْنِيَّةُ الأَصِيلَةُ مِنْ طَاعَةِ الوَطْجِيَّةِ لِفَقِيهٍ خَارِجِ الحُدُودِ يُفْقِرُ أَسْوَاقَ العِرَاقِ وَيُرْهِنُ مَضِيقَ هُرْمُزَ لِحِمَايَةِ أَمْنِهِ القَوْمِيِّ الخَاصِّ؟

دَكْتَرِينُ الخَلَاصِ: آِلِيَّاتُ الِانْقِلَابِ الجِيُوسِيَاسِيِّ النِّدِّيِّ

لِتَفْكِيكِ هَذِهِ المَأْزَقِ الخَطِيرِ وَاسْتِعَادَةِ المَرْكَزِيَّةِ الرَّافِدِينِيَّةِ، يَجِبُ تَنْفِيذُ خُطَّةِ اسْتِجَابَةٍ صَارِمَةٍ تَقُومُ عَلَى خَمْسَةِ مَحَاوِرَ إجْرَائِيَّةٍ عَمِيقَةٍ:

تَأْمِيمُ قَرَارِ الحَرْبِ وَالسِّلْمِ لِلدَّوْلَةِ حَصْرًا: نَزْعُ السِّلَاحِ الخَارِجِ عَنِ الإِطَارِ الشَّرْعِيِّ وَتَجْرِيمُ أَيِّ فَعَالِيَّةٍ عَسْكَرِيَّةٍ عَابِرَةٍ لِلْحُدُودِ.

تَفْعِيلُ دَكْتَرِينِ المُعَامَلَةِ بِالمِثْلِ (Reciprocity Doctrine): كَفُّ الدَّعْمِ المَجَّانِيِّ عَنْ طِهْرَانَ وَاشْتِرَاطُ أَيِّ تَعَاوُنٍ بِتَعْوِيضَاتٍ اسْتِرَاتِيجِيَّةٍ وَإِعَادَةِ جَدْوَلَةِ أَمْوَالِ السِّلَاحِ السَّابِقَةِ.

الهَنْدَسَةُ البَدِيلَةُ لِتَصْدِيرِ النَّفْطِ (بَعِيدًا عَنْ عُقْدَةِ هُرْمُزَ): التَّعْجِيلُ الفَوْرِيُّ فِي إتْمَامِ مَشْرُوعِ طَرِيقِ التَّنْمِيَةِ وَإحْيَاءِ خُطُوطِ النَّقْلِ البَرِّيَّةِ وَبِنَاءِ أَنَابِيبَ عَبْرَ العُمْقِ العَرَبِيِّ وَالدَّوْلِيِّ لِكَسْرِ الحِصَارِ المَائِيِّ المُرْتَقَبِ.

تَحْصِينُ هُوِيَّةِ حَوْزَةِ النَّجَفِ الأَثَرِيَّةِ: دَعْمُ اسْتِقْلَالِ النَّجَفِ الأَشْرَفِ مَالِيًّا وَمَعْنَوِيًّا كَمَرْجَعِيَّةٍ عُلْيَا عَرَبِيَّةٍ رافِدِينِيَّةٍ تَرْفُضُ مَحْوَ الهُوِيَّةِ الوَطَنِيَّةِ وَتَقِفُ حَائِلًا دُونَ التَّغَلْغُلِ الأَيْدِيُولُوجِيِّ لِـ قُم.

فَكُّ الِارْتِهَانِ الطَّاقَوِيِّ وَالاقْتِصَادِيِّ حَالًا: تَنْوِيعُ مَصَادِرِ الطَّاقَةِ وَالاسْتِيرَادِ بِرَبْطِ الشَّبَكَاتِ العِرَاقِيَّةِ بِالمَنْظُومَاتِ العَرَبِيَّةِ وَالعَالَمِيَّةِ لِمَنْعِ اسْتِخْدَامِ المِلَفِّ الاقْتِصَادِيِّ كَأَدَاةِ لِلِابْتِزَازِ السِّيَاسِيِّ.

إنَّ العِرَاقَ لَيْسَ جَزِيرَةً هَامِشِيَّةً فِي بَحْرِ نُفُوذِ الآخَرِينَ، بَلْ هُوَ الرَّقْمُ الصَّعْبُ الَّذِي لَا تَسْتَقِيمُ جِيُوسِيَاسَةُ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ دُونَ مِحْوَرِيَّتِهِ. فَلْتَكُنْ هَذِهِ الأُطْرُوحَةُ البَيَانَ التَّارِيخِيَّ الأَخِيرَ لِصَحْوَةِ البَصَائِرِ: إمَّا عِرَاقٌ سَيِّدٌ يَصْنَعُ مَصِيرَهُ فِي بَغْدَادَ، أَوْ رُكَامٌ تَذْرُوهُ رِيَاحُ المَحَاوِرِ

نَخْتِمُ هَذِهِ الأُطْرُوحَةَ العُلْيَا بِقَوَافٍ تَدُكُّ مَضَاجِعَ التَّبَعِيَّةِ، وَتَبْقَى شَاهِدَةً عَلَى كِبْرِيَاءِ بَغْدَادَ المَسْلُوبِ عَبْثًا فِي أَتُونِ حُرُوبِ الآخَرِينَ:

«إِنْ لَمْ تَكُنْ نِدَّ مَنْ تَرْجُو مَوَدَّتَهُ

فَأَنْتَ عَبْدٌ وَإِنْ سَمَّوْكَ قَوَّادُ»

***

سجاد مصطفى

تعد ملحمة جلجامش إحدى أقدم الملاحم التي نقشها الشعب السومري على الواح الطين المفخور في النار او المجفف تحت أشعة الشمس، وهي الملحمة التي خلدت الابطال والالهة ومعتقدات شعب عاش في وادي الرافدين منذ الاف السنين.

تكشف الرقم الطينية التي نقشت عليها ملحمة جلجامش، والاساطير الرافدينية الاخرى، جوانب تاريخية هامة عن سكان وادي الرافدين القدماء والشعوب المحيطة بهم، فالسومريون الذين عاشوا في بلاد ما بين النهرين اسسوا حضارة هامة اقتبست منها واضافت اليها مختلف الاقوام والقبائل والشعوب التي كانت تحيط بهم وتختلط معهم ولكن الاسس التي ارساها الشعب السومري ظلت المنار الذي يهتدي به الاخرون.

كانت للسومريين لغتهم وابجديتهم لكن العصور اللاحقة التي شهدت تطور الزراعة والتجارة والصناعة في بلاد الرافدين – مصطلح بلاد الرافدين يمتد من الاناضول الى الخليج الفارسي جنوبا والى وادي السند شرقا – شجعت هجرة القبائل والاقوام الى بلاد مابين النهرين - ان تسمية بلاد مابين النهرين لم تطلق على البلاد الواقعة بين دجلة والفرات فقط، وانما اطلقت ايضا على المنطقة الواقعة جنوب بحيرة اورمية في كوردستان وتسمى (ميان دو آب) اي ما بين النهرين، وهما نهرا اوزون ودجلة، وقد جاء نهر اوزون في التوراة باسم بيشون نتيجة قلب بعض الحروف الى العبرية، راجع مقالنا المعنون رحلة من سومر الى جنة عدن المنشور في عدة مواقع على الانترنيت - وبسبب هذه الهجرة شاعت الحروب والغزوات، مما اضطر السومريين الى الدفاع عن انفسهم، ولكنهم فشلوا وخسروا المعركة لان المهاجمين كانوا أقوى وأشرس وأكثر قسوة وهمجية. ورغم انتصار الاقوام الاخرى عليهم وذهاب ملكهم وزوال لغتهم من بعض المناطق التي اكتسحتها الاقوام والشعوب الاخرى، الا ان اختراعهم العظيم للكتابة المسمارية وتطويرها واستخدامها، وشيوعها بين شعوب المنطقة، جعلها شاهدا حيا على تاريخ الشعب السومري الذي دالت دولته، او على الاصح دوله، فقد كانت لهم اكثر من إمارة ومملكة ومدينة عظيمة. وقد ظلت الكتابة المسمارية، وسيلة بيد الشعوب الاخرى للتعبير بها، ولذلك ظلت الكثير من الاسماء والمفردات السومرية محفورة على الالواح والرقم والجدران والاواني والمنحوتات، خاصة ما جاء في القصص والاحداث التاريخية التي دونوها.2880 Gilgamesh

كما نجد بعض الاسماء ما زالت معروفة ومستخدمة كما هي في اللغة الكوردية، مما يدلل على وجود علاقة وثيقة بين اللغة السومرية والكوردية. ومن المؤسف ان بعض الدارسين اهملوا النظر في هذه العلاقة بشكل مقصود، ففي النص البابلي المعتمد لملحمة جلجامش نقرأ في اللوح الاول:

(ارفع اللوح اللازوردي واقرأ

قصة ذلك الرجل، جلجامش، الذي تكبد

شتى انواع المشقات

كان متفوقا على جميع الملوك، سيد محارب ذو قوام عظيم

بطل ولد من اوروك، ثور بري نطاح) ص 76 اساطير

نجد في هذا النص تشبيه جلجامش بالثور البري النطاح، وهوالجاموس او الثور ومما له دلالة ان كلمة غامش تعني باللغة الكوردية: الجاموس، وكلمة غا تعني بقر، وكلمة مانغا – تدغم النون مع الغين – تعنى البقرة، وربما كانت تركيبا - وهو شائع في الكوردية والسومرية - بين كلمتين هما ما + غا، لتصبح الام البقرة، او البقرة الام، ومن الطريف ان الهنود مازالوا يعدون البقرة اما ويحترمونها حد التقديس وتسمى (غائي) ايضا في الهندية، وربما كانت كلمة (ما) الجذر الاول لكلمة الام = ماما، وتعني في الاساس الطعام اي هي الكلمة التي يرددها الطفل طالبا الحليب من مرضعته.

اما كلمة (كَه ل) وتلفظ بالكاف الفارسية او الجيم المصرية فما زالت مستخدمة في اللغة الكوردية وتعني كبير، ومن معاني (كبير) المقدس فهو كبير مثلما نقول الله اكبر، ولذلك تعني جلجامش الثور الكبير او الثور المقدس، والتقديس في الحضارة السومرية لا يشبه التقديس الذي نعرفه اليوم، فما يترجم عن السومرية بالمقدس يعني احيانا القوى الذي يضرب فيه المثل، مثل الثور البري.

اما انكيدو، فتصفه ملحمة جلجامش بانه الرجل القوي الآتي من الجبل، ولما كانت اوروك من المدن القريبة لجبال بيشتكوه، فالمرجح ان انكيدو من تلك المناطق، اي من بلاد عيلام، موطن الكورد الفيليين، والبعض يعتقد ان بلاد عيلام هي المناطق الواقعة اليوم في بلاد ايران فقط، ان بلاد عيلام كانت تمتد الى وسط وجنوب العراق وشمالا الى كركوك، ولكن الهجرات والغزوات والفتوح الاسلامية وعوامل اخرى كثيرة سياسية وتاريخية قلصت مساحة مملكة عيلام اليوم، واقتصرت على المناطق الواقعة داخل الحدود الايرانية وبعض المدن الحدودية الشرقية للعراق والتي ظلت محل خلاف وصراع في معاهدات عديدة بين العراق وايران.

جاء في ملحمة جلجامش:

(قال صياد رأى انكيدو لابيه

ابتاه كان هناك رجل أتى من الجبل

قوته كانت شديدة جدا، كشهاب آنو السماوي

يجوب الجبال دوما

يرعى العشب مع القطعان دوما) اساطير ص 78*

فانكيدو رجل الجبال القوي يرعى قطعان الماشية، تلفت قوته الانظار، ولكي يستدرجوا هذا الرجل القوي الى المدينة، ويكسبوه اليهم، قدموا له المرأة الحسناء، السلاح الذي لايقاوم، غانية لها مقدرة على الاغراء والاغواء. فمن هي التي تمتلك الصفات التي تؤهلها لاغراء انكيدو واغوائه، هذا الراعي الجبلي القوي، انها الفنانة شمخات، فنانة اوروك الشهيرة. وعندما ذهب الصياد الى جلجامش وأخبره عن انكيدو، قال له جلجامش:

(اذهب ايها الصياد واصطحب الباغية شمخات

وعندما يقترب من القطعان عند المشرب

يجب عليها ان تخلع ثيابها وتظهر مفاتنها

سوف يراها ويتقرب منها...) اساطير ص 80

ومثلما انتزعت حواء آدم من جنته وهبطت به الى الارض، كذلك انتزعت شمخات الفاتنة انكيدو من جباله وقطعان ماشيته، واصطحبته الى المدينة، فاصبحت الاغنام غريبة عنه، لانه تركها وهجرها وانتقل الى المدينة.

تصف الملحمة كيفية اغراء شمخات لانكيدو، وكيف شجعته على ممارسة الحب معها:

(فاسفرت البغي عن صدرها وكشفت عن عورتها

فتمتع بمفاتن جسمها

نضت ثيابها فوقع عليها

وعلمت الوحش الغر فن المرأة، فانجذب اليها وتعلق بها

ولبث انكيدو يتصل بالبغي ستة ايام وسبع ليال

وبعد ان قضى وطره منها

وجه وجهه الى الفه من حيوان البر

فما ان رأت الضباء انكيدو حتى ولت عنه هاربة......) ملحمة جلجامش، طه باقر، ص 42

 لاحظ ايضا علاقة هذه الايام الستة مع قصة خلق الكون كما وردت في الكتب المقدسة والايام السبعة – سبعة العروس - التي يحتفل بها في العراق حتى اليوم.

كما ورد في اللوح الثاني من الواح ملحمة جلجامش وصف لانكيدو بعد ان تغويه شمخات ويذهب معها الى اوروك:

(هذا الشاب – كم يشبه جلجامش في بنيته

ناضج البنية، منيع كاسوار الحصون

لماذا ولد في الجبال؟

ان قدرته الجسدية تضاهي تماما قوة

شهاب آنو السماوي) اساطير ص 85

إن ملحمة جلجامش إحدى أقدم وأشهر الملاحم في العالم نعرف منها كيف قتل انكيدو في المعركة التي دارت مع خمبابا حارس الغابة، وحين يموت انكيدو بعد جرحه بتلك المعركة يبكيه جلجامش مر البكاء، وقد جاء في اللوح الثامن:

(سوف تبكيك الممرضة الرطبة

التي كانت تمسح بالزبدة اعضاءك السفلى

وسوف يبكيك المسن

الذي كان يضع الشراب في فمك

وسوف تبكيك المومس

التي كانت تمسح جسدك بالزيت العطر) اساطير 119

نلاحظ في هذه القطعة، كما في غيرها، بعض الاوصاف غير المعروفة لنا، مثل (الممرضة الرطبة)، وربما كانت بسبب الترجمة غير الدقيقة للملحمة، فقد تكون الممرضة اللدنة او الممرضة الدافئة على سبيل المثال، وكذلك (المسن) قد يكون الرجل الكبير او المحترم، وقد تكون هذه الصفات معروفة للسومريين يومذاك وغير معروفة لنا في الوقت الحاضر. وبسبب الترجمة الحرفية من السومرية الى اللغات الانجليزية والالمانية تعرضت العبارات المترجمة الى الغموض فمثلا حين يرد في النص السومري تعبير (فتح فاه) فانه بمعنى تكلم. ولكنه لم يترجم بكلمة تكلم وانما بعبارة مقابلة للنص السومري او الاكدي. وهذا قد ينطبق ايضا على التعبير الذي ورد اعلاه: المسن الذي كان يضع الشراب في فمك، ومن الواضح انه المقصود الساقي الذي يسقيك الشراب. وقس على ذلك.

خمبابا / همبابا

ومن المفيد أن أشير الى ان اسم خمبابا، يرد في بعض المصادر الانجليزية الصادرة عن المتحف البريطاني باسم هواوا HAWAWA وهو الاسم السومري لحارس الغابة الذي شاعت تسميته خمبابا **، والاسم هواوا اقرب الى الصحة لان السومرية باعتبارها ام اللغات الارية لا تشتمل على لفظ حرف العين، وربما تحول هواوا فيما بعد بسبب اللغة الاكدية الى عواوا وهو اسم معروف في بعض مناطق وسط العراق، وكان يطلق في محافظة واسط / الكوت مثلا على بعض الاشخاص، كما تذكر المصادر البريطانية اسم HUMBABA كصيغة اكدية، واذا امعنا النظر في هذه التسمية سنجد انها تتركب من كلمتين هي عم وبابا وربما بسبب عدم امكان ترجمة لفظ العين في الانجليزية استخدموا الهاء بدلا منها، ولذلك قد تكون هواوا السومرية تحولت في الاكدية الى عمو بابا، ومعروف ان الاكديين الذين استقروا وسط وجنوب العراق بعد انحسار نفوذ السومريين كانوا يقدسون الالهة السومرية بمن فيهم حارس الغابة هواوا، مثلما تقدس الشعوب الهندية الالهة كالي التي تصيب الاطفال بالامراض، كي تبتعد عن اطفالهم.

وارى ان صيغة همبابا، عمو بابا، مشابهة لصيغة حمو رابي ايضا اذا فسرنا حمورابي بانه حمو ربي او عمو ربي...

يصور خمبابا على شكل انسان له مخالب اسد، ووجه مرعب وشارب مسبل، وفي المعركة التي دارت بينه وبين جلجامش وانكيدو يسيطران عليه ويقطع انكيدو راسه بسيفه او خنجره، وهي الاداة التي نجح سكان ايلام في صنعها من الحديد او المعدن، لاحظ السكين بيد انكيدو في التخطيط المرفق مع المقال – كما تستطيع مراجعة مقالنا عن الفاس التي تعود الى 2000 عام قبل الميلاد والمحفوظة في المتحف البريطاني والذي نشرناه مع صورة الفاس التي عثروا عليها في سوسة / ايلام في جريدة الاتحاد / بغداد ومواقع انترنيت عديدة – ولربما بسبب امتلاك انكيدو للفأس بالاضافة الى قوته احتاجت اليه اوروك، وهي القوة التي عرف بها سكان ايلام، الكورد الفيليون ابناء جبال زاغروس، فقدموا له الفنانة شمخات عربونا للبقاء في اوروك، والاستفادة من قوته وفأسه.

ومن الضروري أن نبين ان خمبابا او همبابا، يمثل بمنحوتات اخرى ويوجد قناع لوجهه في متحف اللوفر نرفق صورته ايضا مع هذا المقال عثر عليه في سوسة عاصمة عيلام / كوردستان ايران – ارتفاعه حوالي 6 سم وعرضه 4 سم ويعود الى الفي عام قبل الميلاد 2000 ق. م - وقد عثر على نسخ اخرى منه جنوب العراق وايلام ايضا، ويوصف فمه من نار وانفاسه الموت، ويعتقد ان الاله انليل ارسله ليحرس الغابة، وان هذا المجسم – الوجه الاليف – يستخدم للحظ السعيد، وان خمبابا يصور في بلاد مابين النهرين بصورة مرعبة جدا – لاحظ التمثال المرفق مع المقال – بينما يصور في عيلام عكس ذلك، ويحتمل ان هذا المجسم – قناع الوجه – من صناعة ايلام وليس من صناعة بلاد مابين النهرين، لانه يصور بشكل اليف وهادئ بينما يصور عكس ذلك في وسط وجنوب العراق.

ومن المؤسف ان باحثا نعتز به هو العلامة طه باقر يحاول ابعاد انكيدو عن بلاد الكورد الفيليين، عن جبال بيشتكوه، فيقول في ترجمته للملحمة ص 40 عن انكيدو:

(جاء الصياد الى ابيه ففتح فاه وقال له:

يا أبي، رأيت رجلا عجيبا قد انحدر من المرتفعات

إنه اقوى من في البلاد، وذو بأس شديد)

ويعلق العلامة طه باقر في هامش الصفحة على استخدامه كلمة المرتفعات، الواردة في ترجمته بقوله: (في بعض الترجمات، الجبال، ومهما كان، فالمقصود بالجبال، ان صحت الترجمة، المرتفعات والتلال) انظر هامش رقم 17 ص 40، طه باقر، ملحمة جلجامش.***

ولا ادري لماذا يكون المقصود بالجبال التي ترد في الملحمة (التلال او المرتفعات) وهل جبال عيلام – وجبال بشتكوه – بعيدة عن اور أو لم تكن هناك علاقات تجارية بين وسط وجنوب العراق وعيلام، ام انه امر اضطر عليه الباحث الفاضل طه باقر، كي لا تكون هناك علاقة بين انكيدو والكورد.

***

د. مؤيد عبد الستار

...................

* ينظر كتاب: اساطير من بلاد ما بين النهرين، ستيفان دالي ترجمة نجوى نصر، دار بيسان بيروت ط1، 1977.

** ينظر كتاب:

- Jeremy Black and Anthony Green

Gods, Demons and Symbols of Ancient Mesopotamia, London 1992.

*** ينظر كتاب: ملحمة جلجامش، طه باقر

ملاحظة 1: التخطيط المرفق مع المقال منقول عن ختم اسطواني، يمثل جلجامش وانكيدو يهاجمان ويقتلان الثور السماوي، لاحظ السكين بيد انكيدو، اذ كانت السكين احدى اهم الصناعات التي ظهرت في سوسة / عاصمة العيلاميين نتيجة تطور سباكة المعادن منذ اكثر من الفي عام قبل الميلاد.

ملاحظة 2: نشرت هذه الدراسة مع تفاصيل اخرى في كتابي: (الكلام المباح.. مقالات في السياسة والادب) الصادر في السويد عام 2001، وما يؤسف له ان بعض الكتاب نقل وتبنى الاراء الواردة في هذه الدراسة ودراسات اخرى مشابهة صدرت لي حول الموضوع دون الاشارة الى المصدر.

ملاحظة 3: للاطلاع على الفأس المحفوظ في المتحف البريطاني افتح الرابط التالي:

https://altaakhi.net/2024/07/104421/

من يملأ الحوض ومن ينسب إليه الفضل؟*

تتناقل بعض الحكايات الفلكلورية قصةً عن أميرة فقدت حبيبها، فغرقت في حزن عميق. وكان في قصرها حوض مرصود تقول الأسطورة إنه لا يمتلئ إلا بدموع الوفاء والحب الصادق. تقول الاسطورة ان الأميرة المكلومة بفقد حبيبها قد توسلت آلهة الحب ان تعيد لها حبيبها المفقود فأشترطت الألهة عليها ان تملأ الحوض المرصود بدموع الحب والوفاء والاشتياق حتى يعود الحبيب وتعود الحياة جميلة كسابق عهدها. جلست الأميرة تبكي عند الحوض أياماً وليالي طويلة، تذرف الدموع وتستنزف قواها أملاً في أن يمتلئ الحوض. ومع مرور الزمن أنهكها التعب، ولم يبقَ على امتلاء الحوض إلا القليل. وحين أنهكها السهر والتعب وغلبها النعاس، طلبت من خادمتها أن تجلس مكانها ريثما تستعيد بعض قوتها. وجلست الخادمة عند الحوض، ولسببٍ ما أخذت تبكي هي الأخرى حتى فاض الحوض أخيراً.

وتضيف الأسطورة أن الحبيب عاد بالفعل، لكنه وقع في حب الخادمة هذه المرة، لأنها كانت حاضرة عند لحظة اكتمال الحوض وفيضانه. غير أن المفارقة في القصة ان الحبيب المفقود وباقي الناس وهم يرون الخادمة وهي تضع اللمسة الأخيرة، ظنوا  أنها صاحبة الفضل في امتلاء الحوض، متناسين أن الحوض لم يمتلئ بدموعها وحدها، بل بسنوات من الألم والدموع التي سبقتها.

هذه الحكاية، بصرف النظر عن اسطوريتها وخيالها الواسع، تحمل دلالة رمزية عميقة يمكن إسقاطها على كثير من جوانب الحياة، ولا سيما في مجال الإدارة والقيادة المؤسسية.

ففي الإدارة كثيراً ما نشهد ما يمكن تسميته بـ”ظاهرة الحوض المرصود”.

إذ قد يتولى مسؤول أو مدير وضع الخطط، وبناء الأنظمة، وإعداد الكوادر، ومعالجة المشكلات المتراكمة، وتحمل النقد والصعوبات خلال سنوات طويلة. ثم يغادر موقعه بسبب النقل أو التقاعد أو انتهاء المدة القانونية، قبل أن تظهر نتائج جهوده إلى العلن.

ويأتي بعده مسؤول آخر يجد المؤسسة وقد اكتملت فيها معظم مقومات النجاح، فتظهر النتائج الإيجابية خلال فترة إدارته، فينسب إليه الناس الفضل كله، ويحصل على الثناء والتكريم والمكافآت، رغم أن جانباً كبيراً من ذلك النجاح هو ثمرة جهود من سبقوه.

وقد عايشت بنفسي مثالاً واضحاً لهذه الظاهرة. فقد تولت إدارة إحدى المدارس الثانوية مديرة كفوءة وضعت برنامجاً تعليمياً متكاملاً بدأ منذ الصف الرابع الإعدادي، شمل المتابعة الدقيقة والدروس التقوية ورفع مستوى الطالبات العلمي. واستمرت هذه الجهود لسنوات حتى أصبحت المدرسة تمتلك قاعدة علمية رصينة. إلا أن المديرة نُقلت من المدرسة قبل ظهور النتائج النهائية، وجاءت مديرة أخرى تولت الإدارة في المرحلة الأخيرة.

وعندما أعلنت نتائج الدراسة الإعدادية (البكالوريا)، حققت المدرسة تفوقاً استثنائياً، وقُبل عدد كبير من الطالبات في كليات الطب والصيدلة والهندسة وغيرها من التخصصات المرموقة، وهو إنجاز لم تشهده المدينة من قبل بهذا الحجم. فحظيت المديرة الجديدة بالتكريم والإشادة الرسمية، في حين أن جانباً كبيراً من أسباب النجاح كان قد صُنع في عهد سابقتها.

إن هذه الظاهرة لا تقتصر على قطاع التعليم، بل نجدها في مؤسسات الدولة كافة، وفي المشاريع الاقتصادية والإصلاحية والإدارية والتعليمية. فكم من شخص زرع ولم يحصد، وكم من شخص حصد ما لم يزرعه وحده.

ومن هنا فإن العدالة في تقييم الأداء الإداري تقتضي عدم الاكتفاء بالنظر إلى النتائج النهائية فقط، بل دراسة المراحل التي سبقتها، ومعرفة من وضع الأسس، ومن هيأ الظروف، ومن تحمل أعباء البناء الأول. فالإنجاز الحقيقي لا تصنعه اللحظة الأخيرة وحدها، وإنما تصنعه سلسلة طويلة من الجهود المتراكمة.

ولعل الحكمة التي يمكن استخلاصها من قصة الحوض المرصود هي أن القطرة الأخيرة التي جعلت الحوض يفيض ليست أهم من آلاف القطرات التي سبقتها. وكذلك في الإدارة، فإن ظهور النتيجة في عهد مسؤول معين لا يعني بالضرورة أنه صاحب الفضل الوحيد فيها.

خاتمة

التاريخ ينصف أحياناً من حصد، لكنه لا ينصف دائماً من زرع إن الإنصاف لا يقتضي أن نبحث فقط عمّن أعلن النجاح، بل عمّن صنع أسبابه. فكم من يدٍ غرست الشجرة ولم تجلس في ظلها، وكم من عقلٍ وضع الخطة ولم يشهد ثمارها، وكم من قائدٍ ملأ الحوض قطرةً قطرة حتى إذا أوشك أن يفيض غادر المكان، فجاء غيره فنُسب إليه الفضل كله.

لذلك فإن الحكمة تقتضي أن ننظر إلى الإنجازات بعين التاريخ لا بعين اللحظة، وأن نمنح كل ذي فضلٍ فضله، فالأمم والمؤسسات لا تُبنى بالقطرة الأخيرة وحدها، بل بمجموع القطرات التي سبقتها.

***

فارس حامد عبد الكريم

نائب رئيس هيئة النزاهة الإتحادية الأسبق.

بغداد في 2026/6/6

.......................

ملاحظة: مقالي هذا هو اقتراح لنظرية جديدة في علم الإدارة والقانون يمكن تسميتها بنظرية "الحوض المرصود"، مستمداً فكرتها من اسطورة فلكلورية تحمل ذات الأسم.

حين تكشف بعض التفاصيل اليومية مدى الاتساق بين القيم والسلوك

لنتأمل بعض الأمثلة: قائد يساري يدافع عن الصحة العامة وتمويل الخدمات الصحية الجماعية، لكنه يتجاهل بشكل متكرر إجراءات وقائية أساسية تقلل من مخاطر الإصابات والحوادث. أو قائد يطالب بتطوير التعليم الحكومي بوصفه ركيزة للعدالة الاجتماعية، لكنه يحرص على إلحاق أبنائه حصراً بمدارس خاصة أو أجنبية. أو قائد يرفع شعار محاربة الفساد والشفافية المالية، ثم يتهرب من الإفصاح عن ممتلكاته أو يستغل نفوذه وعلاقاته لتحقيق منافع شخصية.

في جميع هذه الحالات يطرح السؤال نفسه: هل نحن أمام خيارات فردية واستثناءات شخصية يمكن تجاوزها، أم أمام تناقضات تكشف فجوة حقيقية بين الخطاب والممارسة وتضعف المصداقية التي يقوم عليها العمل السياسي؟

فالقضية لا تتعلق بخطأ فردي معزول بقدر ما تتعلق بمدى انسجام القادة مع القيم التي يدافعون عنها علناً. هل تنعكس هذه القيم في سلوكهم اليومي حين يكونون تحت أنظار الجمهور؟ وهل يطبقون على أنفسهم ما يطالبون به الآخرين؟

هذه الأسئلة لا تخص الدنمارك وحدها، ولا تقتصر على اليسار الدنماركي، إذ تمتد إلى كل تيار سياسي في أي بلد يجعل من المسؤولية الاجتماعية والالتزام المبدئي جزءاً من خطابه العام.

في الـ27 من مايو 2026، نشرت صحيفة داغبلاديت إنفورماسيون اليسارية (Dagbladet Information) مقالاً مختصراً لي بعنوان: "بيله دراغستيد لا يتحمل مسؤوليته حين يركب دراجته بلا خوذة". ¹

بيله دراغستيد (Pelle Dragsted) هو المتحدث السياسي الأول لحزب إنهيدسليستن (Enhedslisten)، القائمة الموحدة، أحد أبرز الأحزاب اليسارية في الدنمارك، ² وكان المقال نقداً لعدم التزامه بأبسط قواعد السلامة المرورية، إذ اعتاد قيادة دراجته دون ارتداء خوذة الحماية، رغم أن حزبه يجعل من الصحة العامة والسلامة المجتمعية ركيزة أساسية في برنامجه السياسي. وقد علمت من أحاديث ونقاشات مع عدد من المهتمين أن هذه المسألة سبق أن أثيرت من داخل الحزب وخارجه قبل نشر مقالي، من دون أن ينعكس ذلك على سلوكه في الفضاء العام.

ولفهم القضية لابد من النظر إليها وفق السياق الدنماركي، فالدراجة في الدنمارك جزء أساسي من الحياة اليومية. وتشير بيانات رسمية ودراسات متخصصة إلى أن تسعة من كل عشرة دنماركيين يمتلكون دراجة، فيما تعد كوبنهاغن العاصمة من أكثر مدن العالم اعتماداً على الدراجة. ³ ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الدنمارك لا تلزم قانوناً بارتداء الخوذة، واكتفت بالتوصية بها بشدة دون إلزام قانوني، في حين أن دولاً كأستراليا ونيوزيلندا والأرجنتين وقبرص وناميبيا اختارت جعل ارتداءها إلزامياً مع فرض غرامات على المخالفين. ⁴

أما بالنسبة لي، فمنذ وصولي إلى الدنمارك اعتمدت الدراجة وسيلة رئيسية للتنقل، لأسباب بيئية وصحية وعملية. وقد مررت شخصياً بحوادث كانت الخوذة فيها عاملاً مهماً في الحد من عواقب الإصابة، مما يجعل هذا الموضوع بالنسبة لي أقرب إلى معايشة شخصية منه إلى نقد مجرد.

للقارئات والقراء من خارج الدنمارك، وبالأخص في الشرق الأوسط ودول الجنوب العالمي حيث تتصدر قضايا الحروب والقمع والفقر والفساد المشهد، قد يبدو هذا الموضوع تفصيلاً هامشياً. غير أن ما يبدو هامشياً أحياناً يكشف أسئلة سياسية ومبدئية أعمق. فهذا المقال لا يتعلق في جوهره بخوذة دراجة، وانما بالنقد والحوار العلني داخل اليسار، ودور الصحافة وشبكات التواصل الاجتماعي في عصر الثورة الرقمية، والاتساق بين القيم والممارسة لدى القادة السياسيين، وقدرتهم على التفاعل مع النقد والاعتراف بالأخطاء وتصحيحها.

وينطلق المقال من تجربة شخصية في ممارسة النقد الذاتي داخل اليسار الدنماركي، وكيف يمكن لتفصيل يومي بسيط أن يفتح نقاشاً عاماً أوسع حول هذه القضايا. وبالتأكيد تختلف السياقات والظروف بين المجتمعات، لكن الاطلاع على تجارب الآخرين والاستفادة من دروسها يظل وسيلة مهمة لتطوير ثقافة المساءلة والنقد الذاتي في أي مكان. فالمساءلة لا تبدأ بالقضايا الكبرى وحدها، إنما تتشكل أيضاً من خلال التفاصيل الصغيرة التي تتراكم مع الزمن.

التناقض في صلب الموضوع، لماذا النقد الذاتي ضرورة يسارية؟

في الدنمارك، لا تقاس مصداقية السياسي بما يقوله فقط، وإنما أيضاً بما يجسده في حياته اليومية. وحين يتعلق الأمر بقيادات اليسار، يكتسب هذا المعيار أهمية خاصة، لأن الاتساق بين القيم والممارسة يشكل جزءاً أساسياً من الخطاب اليساري نفسه. ومن هنا تحولت مسألة تبدو بسيطة، كارتداء خوذة دراجة، إلى نقاش أوسع حول المسؤولية العامة والقدوة السياسية.

حزب القائمة الموحدة لا يكتفي بالحديث والنضال من أجل العدالة الاجتماعية والحقوق العمالية ومناهضة العنصرية، وانما يعد أيضاً من أبرز الأحزاب الدنماركية في قضايا حماية البيئة والمناخ. ويتضمن برنامجه السياسي التشديد على السلامة في أماكن العمل، وحماية الصحة العامة، والوقاية المجتمعية، ودور الدولة في تعزيز سلامة المواطنين وتطوير القطاع الصحي. كما يربط بين السياسات الاجتماعية والسياسات البيئية في إطار رؤية يسارية تعتبر ذلك جزءاً أساسياً من العدالة الاجتماعية.

والجدير بالإشارة أن قيادات الحزب تجسد هذه القيم البيئية في سلوكها اليومي بشكل لافت. فقد رأينا كيف يحضر وفد الحزب المتكون من بيله دراغستيد (Pelle Dragsted) ورفيقاته ورفاقه اجتماعات تشكيل الحكومة الجديدة على دراجاتهم، في مشهد يعكس التزاماً حقيقياً بقيم الاستدامة والبيئة والصحة، في حين تتوقف أمام المداخل سيارات فارهة لقيادات أحزاب اليمين.

في هذا السياق تحديداً، لا يتعلق الأمر بصورة عابرة أو لقطة معزولة. فقد رصد بيله دراغستيد في مناسبات عدة وهو يصل على دراجته دون خوذة، وقد وثقت ذلك كاميرات المصورين الصحفيين مراراً. ما نحن أمامه ليس زلة عابرة أو نسياناً استثنائياً، إنما نمط سلوكي يومي متكرر ومرئي يكشف تناقضاً موثقاً بين ما يدعو إليه الحزب وما يجسده قائده في الفضاء العام.

وثمة بعد آخر يستحق التأمل في هذا السياق. دولة الرفاه الدنماركية تتكفل بتغطية تكاليف العلاج وإعادة التأهيل وحتى معاش العجز في حال وقوع أي حادث. وهذا يعني أن الخيار الفردي بعدم ارتداء الخوذة لا يبقى في النطاق الشخصي، إنما يمتد ليطال المنظومة الجماعية التي يمولها جميع دافعي الضرائب. ومن هذا المنطلق تحديداً يصبح النقاش حول الخوذة نقاشاً حول المسؤولية الجماعية التي ينادي بها اليسار.

كتبت مقالي بوصفي كاتباً يسارياً صوت لحزب القائمة الموحدة في آخر الانتخابات البرلمانية لكونها القائمة الأقرب فكرياً، رغم خلافاتي مع الحزب حول ملفات التسلح والناتو والحرب في أوكرانيا والسياسات التنظيمية الداخلية وأمور أخرى، وهي تتقبل اجتهادات يسارية مختلفة وفق الوضع المحلي والإقليمي والعالمي. لم يكن الهدف الإساءة لدراغستيد أو للحزب، الهدف كان عكس ذلك تماماً. النقد الصادق والبناء هو أحد أشكال المسؤولية الحقيقية تجاه مشروع يساري وإن اختلفت في هذه النقطة أو تلك. الأخطاء لا تعالج بالتجاهل، إنما تعالج بالتشخيص والاعتراف والتصحيح. وهذا ما حاولت أن أفعله.

من المنابر الكبرى إلى الفضاء الرقمي

في غضون أيام من نشر المقال، انتقل النقاش إلى عدد من أبرز الصحف والمنابر الإعلامية الدنماركية. فقد اقتبس الصحفي أندرس ريدر (Anders Redder) في صحيفة يولاند بوستن (Jyllands-Posten) من المقال في نشرته البرلمانية بعنوان "اربط خوذتك يا بيله دراغستيد"، متوقفاً عند فكرة السياسي بوصفه قدوة عامة.⁵ كما تناولت الكاتبة والصحفية ليني مالاسينسكي (Leny Malacinski) الموضوع في نشرتها الأسبوعية "بصراحة" ("Ærligt talt") في صحيفة ويكيندافيسن (Weekendavisen)، مضيفةً قراءة تحليلية للنقاش.⁶ وفي موقع ألتينيت (Altinget) أشار الصحفي يبه هويبيرغ سورينسن (Jeppe Højberg Sørensen) إلى المقال ضمن أبرز موضوعات النقاش السياسي الأسبوعي، مستشهداً بأجزاء منه.⁷

لكن أهمية هذه التغطية ليست في حجمها، وانما في انتقال نقاش من صحيفة يسارية إلى منابر متعددة التوجهات، ليكشف هاجساً مجتمعياً أوسع: مسؤولية الشخصية العامة وتأثيرها في السلوك الجماعي.

وامتد الصدى إلى شبكات التواصل الاجتماعي حين نشرت ويكيندافيسن مقتطفات من المقال عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك، ليتحول المنشور إلى مساحة حوار شارك فيها أكثر من ألف شخص.⁸ وشارك في النقاش أطباء ومتخصصون في الصحة العامة وسلامة المرور، أكدوا الأدلة العلمية التي تدعم ارتداء خوذة الدراجة ودور الشخصيات العامة في ترسيخ ثقافة السلامة.

كما تشير الدراسات المتخصصة إلى أن الخوذة تقلل بشكل ملحوظ من مخاطر إصابات الرأس الخطيرة،⁹ فيما تظهر إحصاءات السلامة المرورية الدنماركية أن آلاف الدراجين يتعرضون سنوياً لإصابات في الرأس والرقبة، بما ينعكس على الأفراد والأسر والمنظومة الصحية على حد سواء.¹⁰

النقد لا يؤجل خشية التوظيف

لم يفتني أن بعض من تفاعل مع المقال وظف نقده للهجوم على حزب القائمة الموحدة وعلى اليسار الدنماركي عموماً. وهو أمر متوقع ومفهوم في ديناميكيات النقاش السياسي العام، إذ لا يخلو أي فضاء نقدي من أصوات تستخدم الحجج لخدمة أجندات سياسية تختلف عن أجندة صاحبها، سواء من اليمين أو من أطراف أخرى. غير أن هذا لا يشكل مسوغاً لتأجيل النقد أو التراجع عنه.

فاليسار الذي يتوقف عن مراجعة نفسه خشية أن يستثمر خصومه تلك المراجعة يقع في فخ أشد خطورة من الخطأ الذي يتحاشى الاعتراف به. إن النقد الذاتي ليس هدية للخصوم، وانما شرط أساسي للحفاظ على المصداقية والقدرة على التجدد والتأثير. تشخيص الأخطاء والاعتراف بها ليس ضعفاً، إنما هو أحد أشكال النضج السياسي الذي يميز يساراً واثقاً من قيمه وسياساته.

وإذا كان النقد الذاتي شرطاً سياسياً في كل زمان، فإن الثورة الرقمية جعلته شرطاً وجودياً لا مفر منه. باتت المعلومة تنتشر في لحظتها وتصل إلى الجماهير قبل أن تتاح الفرصة لأي جهة لاحتواء النقاش أو توجيهه، ويشارك الآلاف في أي نقاش بسرعة غير مسبوقة، وتتشعب الآراء عبر المنصات المختلفة في غضون ساعات. ما يجعل الاتساق بين القيم والسلوك اليومي شرطاً لا مناص منه لأي شخصية عامة تسعى إلى الحفاظ على مصداقيتها.

دراغستيد يتفاعل مع النقد عبر صورة مرتدياً الخوذة

ما لم يكن متوقعاً هو أن يكون الرد سريعاً وبليغاً في آنٍ واحد. فقد نشر دراغستيد على حسابه في إنستغرام صورة شخصية وهو يرتدي خوذة الدراجة متوجهاً إلى مقر اجتماعات تشكيل الحكومة، مرفقةً بعبارة دنماركية خفيفة الظل: "هكذا ينطلق الطريق نحو مارينبورغ. بالخوذة بالطبع️" كما شارك في الحوار الدائر على صفحة ويكيندافيسن على فيسبوك كأي مشاركة ومشارك عادي دون أن يتعالى على الجمهور أو يتجاهل النقاش، ونشر صورة شخصية مرفقة بعبارة إنجليزية مقتضبة: "By popular demand ️" أي "بناءً على الطلب الشعبي".

لم يكن الرد دفاعياً ولا اعتذارياً، إنما جاء خفيف الظل وواثقاً. وهذا في حد ذاته موقف يستحق الإشادة، إذ يكشف عن سياسي متواضع قادر على الاستماع والتفاعل مع النقد العام بروح منفتحة بدلاً من الانكفاء أو التجاهل. القدرة على قبول النقد بهذا الأسلوب هي بحد ذاتها صفة ضرورية لقيادات اليسار. الرسالة وصلت، والمقال والنقاش العام أثّر في سلوك شخصية سياسية بارزة. وهذا بالضبط ما يفترض أن يفعله النقد اليساري البناء.

ملاحظة ختامية للقارئات والقراء العرب

المجتمعات التي تحاسب قادتها على الأخطاء والتفاصيل الصغيرة قبل انتظار الأزمات الكبرى هي مجتمعات راكمت ثقافة مساءلة حقيقية عبر عقود. والديمقراطية الصحية لا تبدأ من المحطات الكبرى وحدها، إنما تتشكل أيضاً في الممارسة اليومية وفي اللحظات التي يكون فيها القائد، أياً كان، تحت أنظار الجماهير.

السياقات مختلفة بالتأكيد. فما يطرح في الدنمارك لا يطرح بالضرورة في بغداد أو بيروت أو القاهرة. لكن السؤال الجوهري واحد في كل مكان: هل نطالب قادتنا، سواء في السلطة أو في المعارضة، بما في ذلك تنظيمات اليسار، بأن يكونوا على قدر القيم التي يدافعون عنها وأن يعكسوا ذلك في حياتهم اليومية؟ وهل نملك الأدوات والفضاء اللازمين لطرح هذا السؤال بحرية؟

والأهم من ذلك: كيف يمكن بناء ثقافة مساءلة حقيقية في مجتمعات تفتقر إلى أبسط مقوماتها، من حرية التعبير والإعلام المستقل إلى المؤسسات الرقابية الفاعلة؟ وكيف يمكن تطوير وترسيخ ثقافة النقد الذاتي داخل القوى اليسارية والتقدمية بوصفها شرطاً ضرورياً للمصداقية والتجدد والتأثير المجتمعي، مع الاستفادة من التجارب العالمية في هذا المجال؟

***

رزكار عقراوي

.................

هوامش ومصادر

1- المقال الأصلي في داغبلاديت إنفورماسيون — رزكار عقراوي، "بيله دراغستيد لا يتحمل مسؤوليته حين يركب دراجته بلا خوذة"، 27 مايو 2026

https://www.information.dk/debat/2026/05/pelle-dragsted-ansvar-bevidst-naar-cykler-uden-cykelhjelm

2 - حول حزب إنهيدسليستن (القائمة الموحدة) — تأسس حزب إنهيدسليستن (Enhedslisten) عام 1989 من اندماج ثلاثة أحزاب يسارية وماركسية دنماركية: الحزب الشيوعي الدنماركي، وحزب اليسار الاشتراكي، وحزب العمال الاشتراكي. في انتخابات مارس 2026 حصل الحزب على 11 مقعداً بنسبة تقارب 6.4 بالمئة من الأصوات في برلمان يضم 179 مقعداً.

3- إحصاءات ركوب الدراجة في الدنمارك

https://denmark.dk/people-and-culture/biking/

4- قوانين خوذة الدراجة حول العالم

https://worldpopulationreview.com/country-rankings/bicycle-helmet-laws-by-country

5- نشرة يلاندز بوستن البرلمانية — أندرس ريدر (Anders Redder)، "اربط خوذتك يا بيله دراغستيد"، مايو 2026

https://jyllands-posten.dk/nyhedsbreve/brevfraborgen/ECE19334636/spaend-hjelmen-pelle-dragsted/

6- نشرة ويكيندافيسن الأسبوعية — ليني مالاسينسكي (Leny Malacinski)، "بيله دراغستيد مصور بلا خوذة"، مايو 2026

https://www.weekendavisen.dk/samfund/pelle-dragsted-taget-uden-cykelhjelm

7- المراجعة الأسبوعية في ألتينيت — يبه هويبيرغ سورينسن (Jeppe Højberg Sørensen)، 30 مايو 2026

https://www.altinget.dk/artikel/saadan-skal-en-ny-regering-saettes-sammen-ifoelge-ugens-debattoerer

8-النقاش على فيسبوك — صفحة ويكيندافيسن الرسمية، مايو 2026

https://www.facebook.com/Weekendavisen/posts/1652549700204292

9- الدراسة العلمية حول فاعلية خوذة الدراجة

https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC7291179/

10- إحصاءات السلامة المرورية الدنماركية

https://www.sikkertrafik.dk/rad-og-viden/cykel/cykelhjelm/fakta-om-cykelhjelm

هنالك مثل أفريقي يقول: "أحمق القرية لن يصبح حكيماً في المدينة"، إنه مثل قصير في ألفاظه، عميق في معناه، يختصر تجربة إنسانية قديمة تتجدد في كل زمان ومكان. فالمكان وحده لا يصنع الإنسان، والانتقال من بيئة متواضعة إلى أخرى أكثر اتساعاً لا يمنح الحكمة تلقائياً، كما أن تبديل الثياب لا يغيّر حقيقة العقل.

يختصر المثل حقيقة إنسانية كبرى: فالمدن لا تمنح الحكمةَ لمن لا يسعى إليها بعقلٍ متفتح وتجربةٍ واعية. الانتقال من القرية إلى المدينة قد يبدّل المظهر، لكنه لا يبدّل الجوهر ما لم تتغير طريقة التفكير.

كثيرون يظنون أن الاقتراب من مظاهر الحداثة كافٍ لصناعة الإنسان المثقف أو الحكيم، غير أن الحكمة ليست في اتساع الشوارع ولا في أضواء المدن، بل في القدرة على التعلم والتأمل وفهم الحياة والناس. قد يعيش الإنسان في قلب مدينة عظيمة، ويبقى أسير الجهل والتعصب والسطحية، بينما قد يمتلك فلاح بسيط في قرية نائية بصيرةً أعمق وفهماً أنقى للحياة.

ويحمل المثل نقداً خفياً لأولئك الذين يغيّرون أماكنهم ويحتفظون بعاداتهم السلبية وأفكارهم الضيقة، ثم يظنون أن مجرد انتقالهم قد منحهم قيمةً جديدة. فالمدينة لا تصنع العقول، بل تكشفها. إنها تمنح الفرص، لكن استثمارها يحتاج إلى وعي وإرادة.

في النهاية، الحكمة رحلة داخل الإنسان قبل أن تكون رحلةً إلى مكان آخر. ومن لا يطوّر نفسه، يظل كما هو، سواء عاش في قرية صغيرة أو في أكبر مدن العالم.

في القرى الصغيرة، يعرف الناس بعضهم بعضاً، وتظهر الصفات بلا أقنعة طويلة. الأحمق هناك معروف بخفة رأيه وتسرعه وعجزه عن التعلم من أخطائه. وعندما ينتقل إلى المدينة، قد يظن أنه يستطيع أن يبدأ حياة جديدة بعيداً عن صورته القديمة، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في داخله. فالمدينة لا تمنح الحكمة لمن لا يريد التعلم، بل قد تزيده ضياعاً، لأن الحياة فيها أكثر تعقيداً، والخداع أكثر تنوعاً، والفرص تحتاج إلى وعي ومسؤولية.

 هذا المثل لا يدعو إلى احتقار الإنسان أو الحكم الأبدي عليه، بل يلفت النظر إلى حقيقة مهمة: التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل. فالحكمة ليست عنواناً بريدياً، ولا شهادة معلقة على الجدار، ولا مظهراً اجتماعياً، بل هي القدرة على الفهم والتأمل وضبط النفس والتعلم من التجارب. ومن يرفض مراجعة نفسه سيحمل أخطاءه معه أينما ذهب.

في عصرنا الحديث، تتكرر صورة هذا المثل بأشكال مختلفة. فكثيرون يظنون أن السفر إلى الدول الكبرى، أو الانتقال إلى المدن الحديثة، أو الحصول على المال والشهرة، كفيل بأن يجعلهم أكثر نضجاً وثقافة. لكن الواقع يثبت أن الإنسان قد ينتقل جغرافياً ويبقى ثابتاً فكرياً. بل إن بعض الناس حين ينتقلون إلى بيئات أكبر، تتضخم عيوبهم بدلاً من أن تتراجع، لأنهم يحصلون على أدوات أوسع لنشر الجهل والغرور.

ومع ذلك، يحمل المثل تحذيراً وأملاً معاً: التحذير هو أن الهروب من الذات لا يصنع إنساناً جديداً، والأمل هو أن الإنسان قادر على التغيير متى امتلك الشجاعة للاعتراف بنقائصه. فالأحمق ليس من يخطئ، بل من يصر على الخطأ ويرفض التعلم. والمدينة قد تكون مدرسة عظيمة لمن يدخلها بعقل متواضع وروح راغبة في المعرفة.

لقد أدركت الشعوب الأفريقية، عبر تجاربها الطويلة، أن الحكمة ليست مرتبطة بالبقعة الجغرافية بل بنضج الإنسان الداخلي. لذلك بقي هذا المثل حياً ومتداولاً، لأنه يعبّر عن حقيقة إنسانية لا تتغير: من لا يغيّر عقله، لن تغيّره الأمكنة.

هذا المثل لا يخص الأفراد وحدهم، بل ينطبق على المجتمعات والدول والأنظمة السياسية حين تنتقل من مرحلة إلى أخرى دون أن تغيّر طريقة تفكيرها أو تعالج عللها العميقة. وإذا أردنا أن نقرأه في ضوء الحالة العراقية، فسنجده يختصر جانباً كبيراً من المأساة التي عاشها العراق خلال العقود الأخيرة، حيث تغيّرت الواجهات والأسماء والشعارات، لكن كثيراً من الأزمات بقيت كما هي، بل ازدادت تعقيداً واتساعاً.

 مرّ العراق بتحولات سياسية هائلة: انتقل من نظام إلى آخر، ومن شعارات قومية إلى شعارات دينية، ومن مركزية الدولة الصارمة إلى تعددية حزبية واسعة، ومن العزلة إلى الانفتاح على العالم. غير أن هذه الانتقالات الكبرى لم تنتج دائماً تغييراً حقيقياً في بنية العقل السياسي أو الثقافة الاجتماعية أو مفهوم الدولة. فالمشكلة لم تكن في "القرية" القديمة وحدها، بل في العقل الذي حمل أمراضه معه إلى "المدينة" الجديدة.

بعد عام 2003، اعتقد كثيرون أن سقوط النظام السابق وفتح أبواب العراق على العالم سيقودان تلقائياً إلى بناء دولة حديثة مزدهرة. سافر السياسيون، وتعلم بعضهم في الخارج، وامتلأت الخطابات بكلمات الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والتنمية. لكن الواقع كشف أن تغيير العناوين لا يكفي إذا بقيت الذهنية نفسها تحكم السلوك. فالفاسد قد يرتدي ربطة عنق حديثة ويتحدث بلغة الديمقراطية، لكنه يبقى فاسداً. والطائفي قد يجلس في برلمان منتخب بدل أن يحمل بندقية، لكنه يظل أسير العقلية ذاتها التي ترى الوطن غنيمة لا مسؤولية.

انتقل العراق شكلياً من "القرية" المغلقة إلى "مدينة" سياسية وإعلامية مفتوحة، لكن كثيراً من القوى التي دخلت هذه المدينة لم تدخلها بعقل الدولة، بل بعقل الجماعة والطائفة والعشيرة والحزب. وهنا تتجلى حكمة المثل الأفريقي بوضوح مؤلم: فالأمكنة الجديدة لا تصنع وعياً جديداً لمن يرفض مراجعة ذاته. ولذا رأينا كيف تحولت الديمقراطية أحياناً إلى وسيلة لتوزيع النفوذ، والحرية إلى فوضى خطابية، والانفتاح الإعلامي إلى ساحات للتضليل والكراهية وتسطيح الوعي.

المشكلة الأعمق أن العراق لم يعانِ فقط من فشل النخب السياسية، بل من أزمة ثقافية واجتماعية ممتدة. فكثيرون توقعوا أن الثروة النفطية والانفتاح على العالم ووسائل التواصل الحديثة كفيلة بصناعة مجتمع أكثر وعياً وتسامحاً. لكن التكنولوجيا لا تصنع العقل النقدي تلقائياً، كما أن امتلاك الهاتف الذكي لا يعني امتلاك فكر ناضج. ولهذا انتشرت الخرافة والشائعات والانفعالات الجماعية بسرعة مخيفة، حتى بدا أحياناً أن أدوات العصر الحديث تُستخدم بعقلية قديمة لا تؤمن بالمعرفة بقدر ما تؤمن بالغريزة والانفعال.

إن أخطر ما يواجه العراق اليوم ليس نقص الموارد ولا قلة الفرص، بل العجز عن إحداث تحول داخلي حقيقي في مفهوم المواطن والدولة والقانون. فما جدوى الجامعات إذا بقي التعليم قائماً على التلقين؟ وما جدوى الانتخابات إذا كان الناخب يصوّت على أساس الخوف أو العصبية أو المنفعة المؤقتة؟ وما جدوى الشعارات الوطنية إذا ظل الولاء الحقيقي للطائفة أو الحزب أو الزعيم؟

لقد أثبتت التجربة العراقية أن الإنسان، مثل الدولة، قد يغيّر مظهره ويبقى أسير عاداته القديمة. فالفساد أن يغيّر لغته فقط، فيتحدث باسم الدين تارة، وباسم الوطنية تارة أخرى، وباسم الديمقراطية في مناسبة ثالثة، بينما يبقى جوهره واحداً: استغلال الدولة وتحويلها إلى غنيمة.

ومع ذلك، فإن هذا التشخيص القاسي لا يعني انعدام الأمل. فالمثل الأفريقي نفسه لا يحكم على الإنسان بالغباء الأبدي، بل يذكّر بأن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل. والعراق، رغم كل جراحه، ما يزال يمتلك طاقات بشرية وثقافية هائلة. ففي كل أزمة يظهر شباب يطالبون بدولة مدنية عادلة، ومثقفون يدافعون عن العقل، وأصوات ترفض الطائفية والخرافة والفساد. وهذه البذور، مهما بدت صغيرة، هي الطريق الوحيد لبناء تحول حقيقي.

إن نهضة العراق لن تأتي فقط من بناء الجسور والطرق والمباني، بل من إعادة بناء الإنسان العراقي نفسه: إنسان يؤمن بالقانون لا بالزعيم، وبالعلم لا بالخرافة، وبالمواطنة لا بالعصبية، وبالعمل لا بالشعارات. فالأوطان لا تتغير حين تنتقل من مرحلة سياسية إلى أخرى فحسب، بل حين يتغير وعي أبنائها وطريقة تفكيرهم.

وهنا يعود صدى الحكمة الأفريقية ليبدو وكأنه كُتب للعراق أيضاً: من لا يغيّر عقله، لن تغيّره الأنظمة، ولا المدن، ولا الثروات، ولا الشعارات. فالتغيير الحقيقي ليس رحلة في الجغرافيا، بل رحلة شاقة في أعماق الوعي الإنساني.

***

جورج منصور 

 

تأملات في مأزق الدولة والمجتمع

لا يكاد ينهار جسر أو تغرق مدينة في عتمتها الأبدية أو يقف شاب على حافة العدم باحثاً عن لقمة تحفظ له ما تبقى من كرامة، حتى ينبعث من بين الأنقاض ذلك الجدل الأزلي كأنه محكوم بأن يتجدد كلما تجدد الخراب، جدل يلوك الكلمات الكبرى - الدين، التراث، الهوية والعقل الجمعي - بينما يترك الإنسان وحيدا أمام يومه المهشّم. وهكذا يتحول الجوع إلى نقاش في الميتافيزيقيا والعطش إلى سجال أيديولوجي وانهيار الدولة إلى معركة مقدسة بين روحين لا تلتقيان كأن الشعوب لم تُخلق لتحيا، بل لتكون مادة أبدية لتجارب المثقفين ومتاحف النظريات.

غير أن ثمة سؤالاً أكثر صدقا وأشد بساطة يظل معلقا فوق هذا الصخب كله، لا يجرؤ أحد على الإجابة عنه بوضوح: ما العلاقة بين عقيدة الإنسان الشخصية وبين محطة كهرباء لا تعمل؟ وما الصلة الحقيقية بين تدين موظف وبين شبكة مياه ملوثة؟ وما شأن النصوص كلها - مقدسة كانت أم تنويرية - بطابور البطالة الذي يمتد كجرح مفتوح عبر أعمار الشباب؟

وليست المأساة الكبرى في فشل الدولة وحده - فالفشل قدر تعرفه الأمم وتتجاوزه - بل في أن يظل هذا الفشل بلا تشخيص دقيق يُسمّي جذوره ويواجه أسبابه. فبدلا من أن تُقرأ الأزمة بوصفها أزمة مؤسسات وحوكمة وعدالة توزيع، جرى تحويلها إلى قضية هوية وثقافة وعقيدة، كأن تغيير ما في النفوس كفيل وحده بإضاءة المدن وإجراء الماء وفتح أبواب العمل. وقد أُهدرت في هذه المقاربة القاصرة عقود كاملة، بينما كان الواقع المادي ينهار بصمت تحت أقدام الجميع لا يسمعه أحد لأن الجميع مشغولون بالكلام. لقد خرج العراقي إلى الشارع حاملاً وجعه المعيشي لا أطروحاته الفلسفية.

الحقيقة التي أدركها علي الوردي باكرا وجاهد في إثباتها بصبر العالِم وجرأة المفكر هي أن الإنسان ليس كائنا نظريا يعيش داخل مبادئه المجردة، بل كائن تُشكّله شروط حياته اليومية تشكيلا أعمق مما تُشكّله أي عقيدة أو فلسفة. فالروح تضيق حين يُهان الجسد، والعقل يفقد توازنه حين يعيش تحت إرهاب الخوف والعوز واللايقين.  وليس أشد إغراء على العقل المفكر من الاعتقاد بأن الأخلاق تُنتج الواقع - وهو اعتقاد نبيل في جوهره - غير أن الحقيقة الأكثر قسوة تقول إن الواقع يُعيد تشكيل الأخلاق كل يوم في هدوء لا يُرى وبسرعة لا يُحس بها.

فالإنسان الذي يعيش في دولة لا تحميه ولا تكافئ كفاءته ولا تمنحه حقه سيتحول تدريجيا إلى كائن يبحث عن النجاة لا عن الفضيلة. وحين يغيب القانون تصبح الواسطة قانونا بديلا أكثر فاعلية وأسرع إنجازا. وحين تنهار العدالة تتحول الطائفة والعشيرة إلى ملجأ نفسي واجتماعي، لا لأن الناس أحبوا الانغلاق بل لأنهم لم يجدوا ما هو أرحب وأوثق. وحين يشعر الفرد بالعجز أمام قسوة الحياة يبدأ العقل في البحث عن الخلاص في الغيب أو في القوة أو في الانتماء المغلق. وليست هذه ”طبيعة شرقية“ كما يتوهم بعض المتعجلين في أحكامهم، بل هي استجابات بشرية تتكرر في كل مكان يفشل فيه العمران، من أحياء المدن الأوروبية المهمّشة إلى أطراف أمريكا المنسية. الجغرافيا تتغير والظاهرة واحدة لأن الطبيعة الإنسانية لا تتغير حين تتغير العناوين.

والفقر - هذا الكائن الخفي الذي لا يُرى كاملا إلا من داخله - لا ينتج الجوع وحده. إنه ينتج طريقة في التفكير وبنية في الرؤية وأفقا محدود المدى لا يتجاوز الغد القريب. فحين تستقر الفوضى زمنا طويلا فإنها لا تدمر الشوارع وحدها، بل تتسلل إلى بنية العقل ذاتها، فينكمش التفكير بعيد المدى ويتراجع الإيمان بالمؤسسات ويصبح الولاء للقوي أكثر منطقية وأكثر أمانا من الولاء للقانون الغائب. هناك لا يعود العقل معنيا بالحقيقة بقدر ما يصبح معنيا بالحماية، ولا يعود السؤال الجوهري ”ما الصحيح؟ “ بل ”ما الذي يُبقيني حيا؟ “ وهو سؤال مشروع تماما، بل هو أصدق الأسئلة وأكثرها إنسانية في لحظة الخطر.

ولهذا فإن كثيرا مما يُسمى” ثقافة متخلفة“ ليس سوى تكيف ذكي مع واقع مختل. فالواسطة ليست قيمة أخلاقية متجذرة في الروح، بل آلية بقاء في مجتمع فقد ثقته بالعدالة منذ أمد بعيد. والفساد الصغير الذي يمارسه الموظف البسيط ليس دائما نزوعا شريرا، بل هو أحيانا محاولة يائسة للتكيف مع نظام كامل قائم على النهب المنظّم. وأخطر ما يفعله البؤس أنه لا يسرق المال وحده، بل يسرق المعنى أيضا، وحين يفقد الإنسان ثقته بجدوى الجهد الشريف يبدأ الانهيار الداخلي للأخلاق من حيث لا يُحس في صمت أشد هولا من كل ضجيج.

بيد أن ثمة ما هو أعمق من الفقر الاقتصادي، إذ يتحول الفساد في المجتمعات المأزومة - حين يُترك بلا محاسبة - من انحراف عارض إلى عالَم قائم بذاته له طبقاته ومصالحه وشبكاته وأدوات دفاعه المتطورة. ثمة دائماً سياسيٌّ يحتاج إلى مقاول ومقاول يحتاج إلى موظف وموظف يحتاج إلى غطاء حزبي وحزب يحتاج إلى خطاب هوياتي يحميه من المساءلة. وهكذا تنشأ دولة خفية داخل الدولة لا يحكمها دستور ولا قانون، بل شبكة من المصالح المتبادلة المحكمة.

وهنا تحديدا تصبح الهوية أخطر أسلحة الفساد وأمضاها. فالسياسي الفاشل لا يريدك أن تسأله: أين ذهبت الأموال؟ لماذا تعطلت المشاريع؟ ولماذا يرزح الناس في الظلام؟ بل يريدك أن تسأله: من أي طائفة أنت؟ ومع أي معسكر تقف؟ لأن معركة الهوية هي المعركة الوحيدة التي يستطيع الفاسد الانتصار فيها دائما، بينما يخسر في أي نقاش عن الأداء والإنجاز. إنه يحتمي بالمقدس أو بالقومية أو بالمظلومية التاريخية ليهرب من سؤال الكفاءة والنتائج. وهكذا تتحول الشعوب شيئا فشيئا من مجتمعات تطالب بحقوقها إلى جماعات تدافع عن رموزها، حتى وهي تغرق معها في نفس الخراب.

وقد أثبت التاريخ - بلغته الصارمة التي لا تحتمل التأويل - أن الدين لا يبني حضارة ولا يهدمها وحده، تماما كما أن العلمانية لا تصنع تقدما تلقائيا بمجرد رفعها شعارا. فكم من مجتمعات متدينة استطاعت بناء مؤسسات راسخة ودولة رشيدة، وكم من أنظمة رفعت رايات التحرر والحداثة ثم غرقت في أشد صور الاستبداد والفساد قتامة. إن المعضلة الحقيقية ليست في طبيعة العقائد التي يحملها الناس، بل في قدرة المجتمع على بناء دولة تتجاوز الأهواء والهويات نحو القانون والمؤسسة والكفاءة.

وحين يغيب هذا المعنى للدولة - الدولة بوصفها كيانا أخلاقيا لا مجرد جهاز قمع وتوزيع غنائم - تتحول السياسة إلى غنيمة والإدارة إلى محاصصة والوطن إلى ساحة صراع بين شبكات المصالح. لهذا فإن السؤال الجوهري لم يكن يوما: ”هل الحاكم متدين أم علماني؟“ بل: هل توجد مؤسسات تستطيع محاسبته أصلا، بصرف النظر عن عقيدته ورايته وخطابه؟ الدول الحديثة الراسخة لم تُبنَ لأن البشر فيها ملائكة، بل لأنها أقامت أنظمة تجعل كلفة الفساد أعلى من منافعه. فيها لا يعتمد النظام على طهارة النفوس، بل على صرامة القوانين واستقلال القضاء وشفافية الحوكمة. فالعدالة ليست وعظا، بل هندسة مؤسسات وهذا الفرق بين المفهومين هو الفرق بين حضارة وأطلال.

وكل نهضة حقيقية في التاريخ - سواء انطلقت من قرار سياسي حاسم في القمة أو من ضغط شعبي متراكم في القاعدة - لم تتجذّر إلا حين ترجمت نفسها إلى تغيير ملموس في شروط الحياة اليومية للناس، فعلا لا وعدا. فالقرار السياسي مِعوَل لا بناء وإنما البناء الحقيقي هو ما يذوقه الناس في مسكنهم وعملهم وأمان غدهم. الثورة الصناعية لم تغيّر الاقتصاد الأوروبي وحده، بل غيّرت العقل الأوروبي نفسه وأعادت تشكيل ما يطلبه الناس ويتصورونه ممكنا. وحين نشأت الطبقة الوسطى - بمهندسيها وأطبائها ومعلميها وأصحاب المشاريع - بدأت تنشأ ثقافة جديدة تطالب بالدولة الحديثة لأن مصالحها اليومية باتت مرتبطة بالنظام والاستقرار والعقلانية. ارتبطت مصلحتها بالقانون فصارت تطالب بالقانون، وارتبط مستقبلها بالمؤسسة فصارت تبني المؤسسة. هكذا تنشأ الثقافة من الشروط لا الشروط من الثقافة.

فالإنسان الذي يمتلك عملا كريما وأمانا اجتماعيا ومستقبلا واضحا لأطفاله يصبح أكثر قدرة على التفكير الحر والنقد والمشاركة المدنية. أما الإنسان المحاصر بالخوف والحاجة، فإنه يبحث عن النجاة قبل الحرية وعن الخبز قبل الكرامة لا لأنه لا يستحق الكرامة، بل لأن الجائع لا يستطيع أن يفكر في شيء غير الجوع. ومن هنا وحده يُفهم لماذا لا يمكن إصلاح العقل في بيئة مدمّرة: لأن العقل نفسه يصبح أسير شروط البقاء يعمل بأدواته كلها في خدمة غاية واحدة هي الاستمرار.

وهكذا نصل إلى الحقيقة التي طالما هرب منها الجدل الأيديولوجي بكل فصائله، الحقيقة البسيطة التي لا تحتمل الزخرفة ولا تقبل الالتفاف: إن أخطر ما أصاب المجتمعات العربية ليس الفقر وحده، بل تحويل الأنظار بعيدا عن جذور الفشل الحقيقية، باستنزاف الوعي في معارك الهوية والرموز والعقائد بينما كانت الدولة تتآكل والمؤسسات تنهار والفساد يتحول إلى قدر يومي مقبول. وما لم يتحول النقد من مطاردة العقائد إلى مساءلة الأداء ومحاسبة الأنظمة وبناء المؤسسات، فإن هذه الحلقة ستستمر إلى ما لا نهاية جيلا يرث من الجيل الذي قبله نفس الخراب ونفس الجدل ونفس العجز.

معركة النهضة ليست معركة ضد دين أو طائفة أو تراث أو حداثة. إنها معركة ضد كل ما يحول دون قيام الدولة الحقيقية، الفساد الذي ينهب والاستبداد الذي يُعطّل والمحاصصة التي تُفرغ المؤسسات والهوياتية التي تحمي الفاشلين من المساءلة. كلها وجوه لظاهرة واحدة: غياب العمران الذي يصون الإنسان ويُتيح له أن ينمو. والحضارة لا تبدأ حين يتفق المثقفون على عقيدة مشتركة، بل حين تبدأ الأمم في بناء الإنسان عبر بناء شروط حياته الكريمة.  لأن الإنسان لا يزدهر بالشعارات، بل بالعدالة. ولا يتحرر بالخطب، بل بالأمان. ولا يصبح عقلانيا لأن أحدا طلب منه ذلك، بل لأن الحياة الكريمة نفسها - حين تتحقق - تعيد تشكيل عقله وروحه ووعيه من الداخل في صمت لا يُسمع وبعمق لا يُقاس.

***

حميد القحطاني

 

قراءة تاريخية في استمرارية كوردستان الكبرى

كثيرا ما يقع الخلط بين الاسم والهوية عند قراءة التاريخ؛ فالتسمية التي تظهر في مصدر معين لا تعني بالضرورة أن الجماعة أو المجتمع بدأ عند تلك اللحظة، كما أن تغير الاسم لا يعني بالضرورة انقطاع الاستمرارية بين الماضي والحاضر، ومن هنا تأتي أهمية النظر إلى تاريخ كوردستان الكبرى بوصفه تاريخا طويلا من التراكم والتحول، لا مجرد سلسلة من الأسماء السياسية أو الإثنية المتعاقبة.

إذا نظرنا إلى كوردستان الكبرى من زاوية تاريخية واسعة، نجد أنها لم تكن يوما أرضا خالية أو هامشا ساكنا، بل مجالا بشريا استقر فيه الإنسان منذ عصور بعيدة جدا، وتشير دراسات أثرية عديدة إلى أن مناطق واسعة من زاغروس وشمال بلاد الرافدين شهدت استيطانا بشريا متواصلا منذ عصور ما قبل التاريخ؛ فالتنقيبات الأثرية في مواقع مثل قلعة أربيل، التي يعود أقدم مستواها الاستيطاني إلى الألف السادس قبل الميلاد، وتل براك في غرب كوردستان، وتل باقرتا في اربيل، كلها تظهر طبقات سكنية متعاقبة دون انقطاع كامل؛ وقد تعاقبت على هذه الجغرافيا جماعات وقوى متعددة، لكن ما يلفت النظر هو أن السكان المحليين لم يختفوا في كل مرة تتبدل فيها السلطة أو تتغير التسمية؛ بل ظلت هناك نواة سكانية متصلة، تتفاعل مع الوافدين، وتعيد تشكيل نفسها، وتحافظ في الوقت نفسه على قدر من الاستمرار.

وهكذا يصبح السؤال الأهم ليس: متى ظهر الاسم؟ بل: هل انقطعت الحياة السكانية والثقافية تماما أم استمرت عبر التحول؟ وفي حالة كوردستان، تميل كثير من الدراسات الأثرية والأنثروبولوجية الحديثة إلى دعم فكرة الاستمرارية المتحولة، أي بقاء نواة بشرية وثقافية عبر تغير الأزمنة واللغات والسلطات؛ فدراسات أنماط المسكن الجبلي، واستمرار أسماء قرى قديمة أو نسبيا قديمة في جبال زاغروس (مثل بعض القرى في نطاق جنوب وشرق كوردستان)، وتطابق الممارسات الزراعية والرعوية على المدرجات الجبلية عبر قرون طويلة، كلها تشير إلى وجود تراكم تاريخي لا إلى قطيعة كاملة، مع الإشارة إلى أن توثيق استمرار الأسماء القديمة نفسها – خصوصا القديمة من عصر الميدين أو الأكدية – في شكل مباشر يبقى محدودا وغير مكتمل.

ومن الأخطاء الشائعة في دراسة التاريخ الاعتماد على الأسماء التي أطلقتها الإمبراطوريات أو الجوار السياسي باعتبارها الحقيقة الوحيدة؛ فغالبا ما يكون الاسم الوارد في النصوص القديمة تصنيفا خارجيا أكثر من كونه الاسم الذاتي الدقيق للجماعة نفسها؛ وقد عرفت مناطق وجماعات سكان زاغروس وشمال الرافدين عبر عصور مختلفة بأسماء متعددة؛ فالآشوريون تحدثوا عن الكوتيين واللولوبيين، والفرس القدماء أشاروا إلى الكادوسيين، وذكر زينوفون في كتاباته جماعات الكاردوخ، بينما استخدمت بعض المصادر السريانية تسميات أخرى لسكان المناطق الجبلية، ثم جاءت المصادر العربية الإسلامية لاحقا باستخدام مصطلح "الكورد" بوصفه توصيفا لسكان الجبال والمناطق المرتفعة.

ولا يعني هذا التنوع في الأسماء أن كل اسم يشير بالضرورة إلى شعب جديد منفصل تماما، بل قد يعكس اختلاف الزاوية التي ينظر منها المؤرخ أو الدولة إلى السكان؛ فالمركز السياسي كثيرا ما يطلق أسماء على الأطراف تبعا لوظيفتها أو موقعها أو علاقتها به، بينما تبقى هوية السكان الحقيقية أكثر تعقيدا من هذا التصنيف؛ ولهذا يرى عدد من الباحثين في تاريخ الشعوب الجبلية أن التسميات القديمة لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات السياسية واللغوية التي مرت بها المنطقة.

والهوية لا تفهم فقط من خلال الاسم، بل من خلال الاستمرار السكاني، واللغة، والعادات، وأنماط العيش، والذاكرة الجماعية. وفي كوردستان الكبرى، نرى أن الأقاليم الجبلية والسهول المحيطة بها شهدت تراكبا طويلا بين جماعات محلية قديمة، وقوى سياسية جاءت لاحقا، وأديان ولغات جديدة، دون أن يؤدي ذلك إلى محو كامل للسكان الأوائل؛ وخذ مثلا طقوس نوروز، ذلك الاحتفال الربيعي الذي يرى عدد من الباحثين أن جذوره تعود إلى عصور ما قبل الزرادشتية، وربما إلى مراحل أقدم ارتبطت بالدورات الزراعية والاحتفالات الموسمية في مجتمعات الجبال؛ هذا الطقس لا يزال حيا في كوردستان الكبرى حتى اليوم، رغم تعاقب الزرادشتية والمسيحية والإسلام على المنطقة، ورغم محاولات بعض السلطات منعه أو تهميشه في فترات مختلفة؛ واستمرار مثل هذه الطقوس عبر قرون طويلة، رغم تغير الأديان الرسمية واللغات السياسية، يمثل دليلا ثقافيا مهما على وجود نواة حضارية أعمق من التسميات العابرة.

وما يجعل الحديث عن استمرارية سكانية أمرا مقنعا في حالة كوردستان الكبرى هو الحجم السكاني والكثافة الاستيطانية التي يصعب اختزالها أو إنكارها؛ فكوردستان الكبرى لم تكن أبدا منطقة صحراوية أو جرداء يمر عليها الغزاة وكأنها طريق عبور خال؛ لقد كانت وما زالت موطنا لملايين البشر عبر التاريخ، يعيشون في الكثير من القرى والبلدات والمدن، ويمارسون الزراعة على المدرجات الجبلية، ويرعون قطعانهم في المرتفعات صيفا وينزلون بها إلى السهول شتاء؛ وهذا النمط المعيشي، المعروف بالترحال الرعوي العمودي، يعد من أقدم الأنماط الاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات الجبلية، وقد استمر بأشكال مختلفة حتى الزمن المعاصر في أجزاء واسعة من كوردستان؛ ومثل هذه الكتلة البشرية الكبيرة والمستقرة لا يمكن أن تختفي أو تتبدل جذريا بمجرد تغير الاسم الذي يطلقه عليها المؤرخون أو الدول – المسيطرة – المتعاقبة.

وعندما نقول إن الهوية أسبق من التسميات، فنحن لا نزعم أن الأسماء بلا أهمية، بل نقول إن الاسم هو مرحلة في مسار أطول، وليس بداية التاريخ كله؛ فالتسمية قد تتأخر في الظهور، أو تتبدل بتبدل اللغة المسيطرة، أو تختزل في كتابة المؤرخين، بينما تكون الجماعة نفسها قد عاشت قرونا طويلة قبل تثبيت الاسم بصيغته المعروفة.

ومن هنا يمكن فهم أن مصطلحي " كوردوئين" و" كورد"، أو غيرهما من التسميات، ليست سوى محطات في تاريخ هوية أوسع تشكلت في بيئة جغرافية متقاربة، وتغذت من ذاكرة مكانية وسكانية ممتدة؛ فالاسم لا يصنع التاريخ وحده، بل يصفه في مرحلة معينة من مراحله، ولهذا فإن البحث عن " أول اسم" لكوردستان أو لسكانها هو بحث مشروع في سياقه، لكنه لا يكفي وحده لفهم التاريخ، لأنه قد يخفي أكثر مما يكشف.

ومن المهم أيضا ألا نقع في الطرف المقابل، أي أن نتصور الهوية بوصفها شيئا ثابتا لا يتغير؛ فالتاريخ لا يعرف الجمود الكامل؛ لقد حدثت تحولات لغوية ودينية وثقافية وسياسية عميقة في كوردستان الكبرى عبر آلاف السنين، واختلط السكان بجماعات وافدة، وتأثروا بإمبراطوريات متعاقبة فرضت سلطتها على المنطقة، وتبدلت أشكال التنظيم الاجتماعي والقبلي؛ والسكان الذين نعرفهم اليوم لا يطابقون تماما سكان العصر الحجري أو العصر البرونزي، وهذا أمر طبيعي في كل شعوب العالم؛ لكن هذه التغيرات لا تعني بالضرورة انقطاعا؛ فالأصح أن نقول إن الهوية هنا تشبه النهر القديم: يتجدد ماؤه، لكن مجراه العام يبقى ممتدا؛ وبهذا المعنى تكون كوردستان الكبرى قد شهدت تراكما تاريخيا طويلا حافظ على نواة سكانية وثقافية، حتى وإن تبدلت الأسماء واللغات والأنظمة السياسية.

كما تكشف دراسات الأسماء الجغرافية في كوردستان أن العديد من القرى والجبال والأنهار تحمل أسماء لا تعود إلى العربية أو التركية أو الفارسية الحديثة، بل إلى طبقات لغوية أقدم، وهو ما يراه بعض الباحثين مؤشرا على عمق الاستمرارية السكانية والثقافية في المنطقة؛ فالاسم الجغرافي لم يكن دائما انعكاسا محايدا لهوية السكان، بل كان أحيانا جزءا من أدوات السلطة الرمزية؛ إذ عمدت قوى سياسية وإمبراطوريات متعاقبة إلى إعادة تشكيل المجال اللغوي للمكان عبر فرض تسميات جديدة أو تكييف الأسماء القديمة بما ينسجم مع بنيتها الثقافية والإدارية، بينما ظلت الذاكرة المحلية تحتفظ، بدرجات متفاوتة، بطبقات أقدم من الهوية المكانية.

إن قراءة تاريخ كوردستان الكبرى قراءة عادلة تقتضي التحرر من أسر الاسم وحده، ومن وهم القطيعة المطلقة أيضا؛ فالمكان أقدم من التسميات، والسكان أسبق من التصنيفات، والهوية أعمق من اللفظ الذي يظهر في سجل أو نقش؛ لذلك يمكن القول إن الهوية أسبق من التسميات، وإن التسميات ليست سوى طبقات تاريخية لا تلغي الاستمرارية الثقافية والسكانية؛ كما يمكن القول بصياغة أكثر وضوحا: إن المنطقة لم تكن يوما حكرا على اسم واحد، بل كانت فضاء تاريخيا لهويات متداخلة ومتراكمة، وإن الاسم الطارئ أو المفروض لا يلغي الأصل الأعمق.

وهذا ليس نقاشا أكاديميا فقط، بل له انعكاس مباشر على فهم كيفية تشكل الشعوب في التاريخ الطويل، بعيدا عن الاختزالات التي تجعل من النص الواحد أو التسمية الواحدة مفتاحا لكل شيء؛ وهذه القراءة لا تنفي التغير، لكنها ترفض اختزال التاريخ في لحظة اسمية واحدة، وهي بذلك تفتح الباب أمام فهم أكثر إنصافا، يرى في كوردستان الكبرى فضاء تاريخيا حيا تشكل عبر التراكم، لا عبر الانقطاع.

***

د. جوتيار تمر - إقليم كوردستان

25-5-2026

العلاقات بين الممالك والدول التي ظهرت في بلاد الرافدين كانت كالمد والجزر، حروب وسلام، وتعلمت الكثير من هذه العلاقة المتباينة وسادت بينها روابط تاريخية ازدهرت حتى بلغت اوج الذرى وعرفت بحضارة بلاد مابين النهرين، الميسوبوتاميا.

من بين تلك الحضارات الاشورية والعلامية، يذكر هنري ساغس في كتابه جبروت أشور ما يلي (كانت القوة المهيمنة على مجرى الاحداث في اواسط القرن الثاني عشر ليست هي بلاد آشور ولا بلاد بابل، بل قوة ثالثة في منطقة الرافدين، ألا وهي دولة عيلام الواقعة جنوب -غرب ايران..... وكانت على تواصل وثيق مع ثقافة وتاريخ بلاد الرافدين) ص88،.(1)

سبق لي أن ذكرت إن الكورد كانوا يؤلفون فرقة حراسة للملك الاشوري، فسألني قارئ كريمٌ عن المصدر.

جاء في كتاب الاستاذ ابراهيم الداقوقي، أكراد تركيا، ص62، دار المدى، ط 1 سنة 2003 ما يلي: " اتخذ الملوك الاشوريون من شجعان الاكراد ورماة السهم الحاذقين حراسا لهم في فرقة خاصة أسموها (كوردو).

وفي ص 61 من الكتاب نفسه يقول (اقليم كوردا كان مهد الاكراد، اولئك الرجال الاقوياء والمحاربين الاشداء، على وصف المصادر التاريخية المختلفة، الذين قد يكونون - على الارجح - هم الذين استعان بهم الاشوريون في تأسيس تنظيمهم العسكري المسمى كوردو Qurrdu وهي الوحدة العسكرية المؤلفة من المحاربين الاقوياء المسؤولين عن سلامة الملك الاشوري الشخصية، حيث كانوا يسيرون الى جانب الملك عندما كان الجيش الاشوري يتحرك للقتال) 2

وفي ضوء العديد من المصادر التاريخية التي بحثت في تاريخ بلاد الرافدين نجد ان الدولة الاشورية وصلت اوج عظمتها حوالي عام 700 قبل الميلاد. وان ظهورها جاء بعد بلاد سومر بخمسمائة عام، فاول ملك آشوري هو شمشي أدد الاول (1813-1781) وهو الذي عاصر حمورابي.2799 mouayad

إيل لا تعني إله

كان من البديهيات لدينا أن كلمة إيل (اللاحقة بعدة أسماء) تعني إله، مثل بابل – باب ايل - تعني باب الاله، اربيل تعني اربا ايل وهكذا، ولكن المعلومات التي تتوالى نتيجة الابحاث والاكتشافات تدل عل ان لمدينة آشور اسما آخر، هو (بالتيل)

وتعود هذه التسمية للغة قديمة كانت تتكلمها شريحة سكانية كانت تستخدم وصلة إيل في نهاية بعض اسماء الاماكن، وهي أقدم من السومرية (3). لذلك لا ينطبق تفسير كلمة ايل بمعنى الاله بواسطة لغة تالية.

القناة السرية

روما مدينة عريقة عمرها الاف السنوات اشتهرت بقنواتها المائية المدفونة تحت الارض، تصل الى حيث يريدون ويحتاجون الماء. هذه القنوات تسمى القنوات الايرانية أحيانا وأخرى تسمى القنوات الرومانية.

 سندع القنوات الاروائية الإيرانية. فقد نشرت عنها مقالا فيما سبق، بالامكان الرجوع اليه في المواقع الالكترونية وهو بعنوان: القنوات الاروائية تحت الارض من ابتكارات الميديين. أما تسميتها بالقنوات الرومانية فحقيقة الامر انها نقلت عن بلاد آشور، لان الملك الاشوري سرجون الثاني في حربه مع الميديين اكتشف شبكة القنوات الاروائية تحت الارض قرب بحيرة اورمية، وان ابنه سنحاريب حصل على اسرار تشييد القنوات الاروائية فاقام شبكة مشابهة لها حول نينوى ليروي مدينة اربيلا ويعتقد أن احتلال روما لبلاد آشور مكنها من اكتشاف تلك القنوات فنقلوا نظامها الاروائي الى روما*.

استيراد الخيول

بسبب الحروب التي كانت تشنها آشور على الممالك الاخرى، كانت بحاجة الى العربات المتينة والخيول المدربة لجر العربات، فكانت تستورد العربات من بلاد عيلام لمتانتها وتستورد الخيول من بلاد اورارتو (عاصمتها مدينة وان قرب بحيرة اورمية)، كما كانت بلاد آشور معروفة بتجارة القصدير، ولكنها لاتنتجه وانما كانت تحصل عليه من بلاد عيلام (جبال زاغروس).

جاء في كتاب جبروت آشورما يلي: (أما الحصان الذي تم إدخاله الى بلاد آشور من الشمال ثم أو الشمال الشرقي خلال الالف الثالثة فقد كان – كما بقي دائما في العصور اللاحقة – حيوانا رفيع المقام.. كان يجري استيراد دائم لقطعان الخيل من الشمال والشمال الشرقي (4). الشمال هي بلاد الميديين والشمال الشرقي بلاد عيلام.

***

مؤيد عبد الستار

...................

1-  جبروت آشور الذي كان، هنري ساغس، ترجمة د. آحو يوسف، ط1 دمشق 1995، ص88

2 - براهيم الداقوقي، أكراد تركيا، ص62، دار المدى، ط 1 سنة 2003

3- جبروت آشور، ص38

4- جبروت آشور.ص246

* راجع مقالنا الموسوم: القنوات الاروائية تحت الارض من ابتكارات الميديين على الرابط التالي:

https://www.ssrcaw.org/ar/show.art.asp?aid=809218

آفاق تجديد وتوحيد الحركة النقابية والجماهيرية في دول الجنوب العالمي، العراق نموذجاً

 موجز، أبرز ما تطرحه هذه الورقة: بلدان الشرق الأوسط والجنوب العالمي ذات الأنظمة الاستبدادية في أزمة بنيوية واحدة، قوامها ضعف حاد ومزمن يصيب المنظمات الجماهيرية والنقابية والنسوية والطلابية، ويمتد ليطال التنسيق بين قوى اليسار ذاتها. وتتناول هذه الورقة هذه الإشكالية من خلال التجربة العراقية بوصفها تجربة معاشة وحية، مستخلصةً منها دروساً وأسئلة ذات صلة بسياقات مشابهة في المنطقة والجنوب العالمي. وتستند الورقة في جزء منها إلى تجربة ميدانية مباشرة تعود إلى صيف 1992، حين واجه بناء اتحاد للعاطلين في إقليم كردستان سؤالاً جوهرياً لا يزال راهناً حتى اليوم: هل نبني منظمة جماهيرية واسعة تعبر عن مصالح الجميع، أم واجهة أيديولوجية تضيق قاعدتها قبل أن تنطلق؟

فقد أفضى نهج بناء نقابات ومنظمات جماهيرية مرتبطة بالتنظيمات الحزبية ارتباطاً وثيقاً إلى مشهد يتسم بتعدد المنظمات الصغيرة وتشتت الطاقات وتضاؤل الفاعلية الجماهيرية الفعلية. وقد كان هذا النهج مبرراً تاريخياً في مراحل الاستبداد الشديد حين فرض الواقع القمعي المركزيةَ التنظيمية ضرورةً قصوى. غير أن الثورة الرقمية والمتغيرات الجديدة في طريقة تفكير الجماهير وأساليب تنظيمها، ولا سيما الأجيال الشابة التي نشأت على ثقافة التنظيم الأفقي والمشاركة المباشرة، باتت تستدعي مراجعة جوهرية لهذا النهج.

وتضاف إلى ذلك تحديات هيكلية أعمق، أبرزها الطبيعة الريعية للاقتصاد التي تقيد هامش التنظيم النقابي المستقل، ودور بعض الجهات الدولية المانحة في تعزيز نماذج من "المجتمع المدني" تتحاشى المساس بالبنى الاقتصادية الجوهرية وتضعف النقابات ذات التوجه الطبقي الواضح.

وفي مقابل هذا التشخيص، تستند الورقة إلى تجارب نقابية فاعلة من تونس والبرازيل وجنوب أفريقيا والهند والدنمارك، تثبت جميعها أن النقابات والمنظمات الجماهيرية المستقلة حين تتجذر في قواعدها الجماهيرية وتتجاوز الارتباط الحزبي الضيق، تستطيع أن تكون رافعةً حقيقية للتغيير الاجتماعي والسياسي في اللحظات الحاسمة.

وترى هذه الورقة أن تجديد اليسار وبناء قوته الجماهيرية الحقيقية يستلزم مراجعة جوهرية تقوم على ثلاثة مرتكزات متكاملة: أولها بناء نقابات واتحادات ومنظمات جماهيرية تقدمية مستقلة تستند إلى المواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان والعمال والمرأة لا إلى البرامج الحزبية، وثانيها مشاركة اليساريين واليساريات داخل هذه المنظمات كأفراد ملتزمين بقضايا قطاعاتهم لا كممثلين لأحزابهم، وثالثها بناء أطر تنسيق وتحالف واسعة بين قوى اليسار المختلفة تتجاوز الخلافات الأيديولوجية الثانوية نحو مشروع تغييري موحد يضم الأحزاب والتنظيمات اليسارية والتقدمية والنقابات والمنظمات الجماهيرية.

وهذه الورقة ليست وصفة جاهزة ولا خارطة طريق مكتملة، إذ إن تفاصيل التطبيق وآليات البدء تستوجب حواراً جماعياً صريحاً بين قوى اليسار والحركة النقابية والجماهيرية ذاتها. هي في جوهرها دعوة لفتح هذا الحوار وتغذيته بأسئلة جدية.

للاطلاع على النص الكامل والمزيد من التفاصيل، تابع القراءة أدناه.

من الضرورة التاريخية إلى أسئلة المراجعة والتجديد

يعاني يسار معظم بلدان الشرق الأوسط وبلدان الجنوب العالمي ذات الأنظمة الاستبدادية من إشكالية بنيوية مشتركة، تتجلى في الضعف والتشتت الحاد والمزمن الذي يصيب المنظمات الجماهيرية، وخاصةً النقابات والاتحادات العمالية والمهنية والنسوية والطلابية. وقد أفرزت هذه الأنظمة في سياقات متشابهة ظروفاً ضاغطة دفعت قوى اليسار إلى تبني أشكال تنظيمية مركزية محكمة تحت وطأة القمع والملاحقة، بما أنتج نهجاً يقوم على بناء نقابات ومنظمات جماهيرية سرية وأحياناً شبه علنية مرتبطة بالتنظيمات السياسية ارتباطاً وثيقاً، على حساب استقلاليتها وقدرتها على احتضان قطاعات اجتماعية أوسع.

وتكشف التجارب المقارنة في هذه السياقات أن اليسار حين يحكم قبضته على منظماته الجماهيرية ويحولها إلى امتداد لتنظيمه الحزبي، يكسب ربما انسجاماً ونفوذاً أيديولوجياً داخلياً، غير أنه قد يخسر ما هو أثمن: الثقل الاجتماعي الحقيقي القادر على تحريك الجماهير في اللحظات الحاسمة. والإنصاف يقتضي الاعتراف بأن نموذج النقابة والمنظمة الجماهيرية المرتبطة بالحزب لم يكن خاطئاً في مطلق الأحوال، إذ أدى في مراحل تاريخية بعينها دوراً محورياً لا يمكن إنكاره، ولا سيما في حقب تنامي دور اليسار وصعوده الجماهيري، حين كانت المركزية التنظيمية ضرورة فرضها الواقع القمعي وحاجة النضال إلى تماسك صفوفه وحماية كوادره. وقد استطاعت النقابات والاتحادات التابعة في تلك المراحل أن تكون حاضنة فاعلة للعمل النقابي والجماهيري في ظروف بالغة القسوة.

غير أن الزمن تغير تغيراً جوهرياً، وتغيرت معه آليات التفكير والعمل الجماهيري. فالجماهير اليوم، وخاصة الأجيال الجديدة التي نشأت على ثقافة الوصول الفوري إلى المعلومات والتنظيم الأفقي والمشاركة المباشرة في صنع القرار، لم تعد تقبل بأن تكون مادة للتعبئة في خدمة أجندة حزبية محددة مهما كانت صدق نواياها. فالقوة الجماهيرية الفعلية لا تبنى اليوم بالقرار التنظيمي، وإنما بالتجذر في حياة الناس اليومية وتمثيل مصالحهم بصدق وفاعلية بصرف النظر عن انتماءاتهم الفكرية والسياسية.

وتسعى هذه القراءة إلى إثارة نقاش جاد حول ضرورة مراجعة نموذج "النقابة التابعة والمنظمة الجماهيرية الموالية"، والبحث في نموذج مغاير يقوم على ثلاثة مرتكزات متكاملة: أولها بناء نقابات واتحادات ومنظمات جماهيرية تقدمية مستقلة حقيقياً تستند إلى المواثيق الدولية لا إلى البرامج الحزبية، وثانيها المشاركة الفاعلة لليساريين واليساريات داخل هذه المنظمات كأفراد ملتزمين بقضايا قطاعاتهم لا كممثلين لأحزابهم، وثالثها بناء أطر تنسيق وتحالف واسعة بين قوى اليسار المختلفة تتجاوز الخلافات الأيديولوجية الثانوية نحو مشروع تغييري موحد.

سيتناول هذا المقال الحالة العراقية بوصفها تجربة معاشة وحية لا نموذجاً نظرياً مجرداً، مستخلصاً منها دروساً وأسئلة ذات صلة بسياقات مشابهة في المنطقة والجنوب العالمي. ففي العراق تحديداً، تتجلى هذه الإشكالية بصورة حادة، إذ اضطرت قوى اليسار في معظم مراحلها إلى العمل تحت وطأة الأنظمة الدكتاتورية المتعاقبة، أبرزها النظام البعثي الذي حكم البلاد من عام 1968 حتى عام 2003، مما أفرز إرثاً تنظيمياً لا يزال يلقي بظلاله حتى اليوم.

غير أن الظروف الجديدة التي أعقبت التحولات السياسية وسقوط النظام البعثي الدكتاتوري ووجود هامش نسبي للحريات والنشاط العلني رغم سلطة الميليشيات الدينية والقومية الحاكمة، تستدعي إعادة النظر الهادئة والبناءة في هذا النهج، والتفكير الجدي في نماذج تنظيمية أكثر انفتاحاً واستقلالية، تستطيع احتضان قطاعات اجتماعية أوسع وتعبر عن مصالحها بصدق أعمق.

وتكتسب هذه المراجعة أهميتها المضاعفة حين نستحضر التجربة المريرة مع النقابات الصفراء المسيسة، أي النقابات التي أنشأتها الأنظمة الدكتاتورية أو سيطرت عليها لخدمة أغراضها، إبان الحقب الدكتاتورية في العراق وعموم دول المنطقة، حيث تحولت إلى أدوات للسيطرة والإخضاع عوضاً عن تمثيل مصالح الجماهير.  وهذا الإرث ما زال حاضراً في الوعي الجمعي، حيث ما زالت السلطات الحاكمة في بغداد وإقليم كردستان تسير على النهج ذاته في النقابات الرسمية الموالية لها، مما يجعل تقديم نموذج مغاير قائم على الاستقلالية الحقيقية والقيادة الجماعية والديمقراطية الداخلية والتعددية الفكرية ضرورةً ملحة لاستعادة الثقة الشعبية وتوسيع دائرة التأثير.

من الارتباط العضوي إلى الاستقلالية

بعد عام 2003 حرصت معظم التنظيمات اليسارية على إدامة وإنشاء نقاباتها واتحاداتها ومنظماتها الخاصة. وقد أفضى ذلك في أحيان كثيرة إلى تعدد المنظمات والنقابات في القطاع الواحد، وفي بعض الحالات وصل الأمر إلى ازدواجية المنظمات داخل الحزب الواحد نفسه، نتيجة انقسامات داخلية أو تنافس على الأدوار الجماهيرية، مما أفرز مشهداً جماهيرياً يتسم بتشتت الطاقات وتعدد التسميات وتضاؤل الفاعلية الفعلية على ارض الواقع.

وهذا الواقع يدعو إلى تأمل هادئ وبناء في الثمن الذي دفعته المنظمات الجماهيرية من رصيدها التمثيلي جراء هذا الارتباط العضوي. فالنقابة المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتنظيم بعينه تجد صعوبة حقيقية في احتضان العاملات والعمال بكل تنوعهم الفكري والقومي والديني والحزبي، فتضيق دائرة تأثيرها وتنحصر في شريحة محددة. وكذا المنظمات النسوية التي ترتبط عضوياً بحزب معين تجد صعوبة حقيقية في استقطاب النساء من خلفيات سياسية وفكرية مختلفة، مهما كان صدق نوايا قائداتها. والاتحاد الطلابي يتحول تدريجياً إلى ساحة للتجاذبات الحزبية، يخسر فيها الطلاب والطالبات مساحتهم المستقلة، وقد يشعرون بأنهم مادة للتجنيد السياسي لا فاعلون في حركة تمثل مصالحهم الحقيقية.

والمقترح هنا ليس التخلي عن العمل الجماهيري أو الانسحاب منه، وإنما الارتقاء به نحو نماذج أكثر استقلالية وأوسع تمثيلاً. فالمشاركة في بناء نقابة تقدمية مستقلة واحدة وقوية تضم عشرات الآلاف يتفوق في قيمته الاجتماعية والحقوقية على عشرات المنظمات الصغيرة المتفرقة، لأن النقابة المستقلة الكبيرة تملك من الثقل والمصداقية ما يمكنها من الدفاع الفعال عن مصالح منتسبيها ومواجهة الانتهاكات بصوت أعلى وأثر أعمق. واليساريون واليساريات الذين يعملون في هذه النقابات كأفراد ملتزمين بقضايا قطاعاتهم يمكنهم اكتساب نفوذ اجتماعي وسياسي جماهيري أعمق مما يكتسبونه من خلال قيادة منظمات تابعة ذات أثر محدود، وهذا كله يصب في نهاية المطاف في خدمة المشروع اليساري ذاته.

وتكشف تجربة شخصية عشتها في صيف عام 1992 عمق هذه الإشكالية وجذورها. حين اجتمعنا مع عدد من رفيقات ورفاق اليسار والعاطلين عن العمل لبناء اتحاد للعاطلين في اقليم كردستان، كان الخلاف الأول الذي نشأ بيننا ليس حول الهيكل التنظيمي أو آليات العمل، وإنما حول البيان التأسيسي ذاته. اقترح بعض الرفاق بياناً مشبعاً بالعبارات الأيديولوجية اليسارية كالإمبريالية والاشتراكية وما شابهها، فاختلفت معهم في ذلك، ورأيت أن ما نسعى إليه هو بناء اتحاد للعاطلين جميعاً، من كافة الأفكار والتوجهات، لا اتحاداً لعاطلي اليسار وحدهم. كنا أمام خيار جوهري: هل نبني منظمة جماهيرية واسعة تعبر عن مصالح الجميع، أم نبني واجهة أيديولوجية تضيق قاعدتها قبل أن تنطلق؟ ذلك السؤال الذي طرح في صيف 1992 لا يزال في صميم الإشكالية التي نناقشها اليوم.

ضعف التنسيق والتشتت وانعكاسه على النضال الجماهيري والنقابات والاتحادات

لا يمكن معالجة إشكالية تشتت النقابات والمنظمات الجماهيرية بمعزل عن ظاهرة أعمق وأشد تأثيراً، وهي حالة ضعف التنسيق والعمل المشترك التي أثرت على مسيرة قوى اليسار وأثقلت كاهلها في مراحل مفصلية. فالتشتت الجماهيري الذي نراه في المشهد النقابي والمنظماتي يعكس في جانب منه تشتتاً سياسياً وتنظيميا سابقاً، تجلى في تعدد التنظيمات اليسارية وتباين مواقفها إزاء بعض القضايا، وهو تباين طبيعي ومشروع في حد ذاته، غير أنه حين يتحول إلى احتقان وصراع يضعف العمل المشترك فإنه يلقي بظلاله الثقيلة على الفضاء الجماهيري برمته.

ومنذ نهاية القرن المنصرم، واجهت قوى اليسار العراقي تحدي بلوغ حد أدنى من التنسيق المشترك في المحطات الحاسمة، وكان الاختلاف حول المواقف السياسية، من التعامل مع الاحتلال إلى الموقف من العملية السياسية إلى تقييم تجارب اليسار، يتحول أحياناً من نقاش فكري مثمر يتقبل الاختلاف إلى احتقان يصعب التعاون الميداني رغم نقاط الالتقاء الكثيرة. والأثر الجماهيري لهذا الواقع كان ملموساً، إذ كانت حالات التوتر الداخلي تضعف قدرة اليسار على تقديم نفسه بصورة موحدة أمام الجماهير التي تراهن عليه حاملاً لمشروع التغيير.

وقد انعكس هذا الواقع بصورة مباشرة على المنظمات الجماهيرية والنقابية. فحين تتباعد قوى اليسار في مواقفها، لا تسلم النقابات والاتحادات من أثر ذلك التباعد، إذ تجد نفسها أحياناً أمام تجاذبات تشتت طاقتها وتصرفها عن مهمتها الأصلية في الدفاع عن حقوق منتسبيها. وبدلاً من أن توجَه الجهود نحو مواجهة الانتهاكات والمطالبة بالحقوق، تستنزف أحياناً في صراعات داخلية بين القوى اليسارية في ما بينها، وفي خلافات قد لا تخدم العمال ولا تقدم مصالحهم.

كذلك أفرز غياب التنسيق نمطاً يقوم على التنافس داخل الدائرة الجماهيرية ذاتها عوضاً عن التوسع نحو قطاعات اجتماعية جديدة لم تصلها قوى اليسار بعد. والنتيجة أن الخريطة الجماهيرية ظلت محدودة المساحة رغم تعدد التنظيمات، لأن هذا التعدد لم يفضِ دائماً إلى توزيع العمل ومخاطبة شرائح مختلفة، وإنما أفضى إلى التداخل والتكرار في الرقعة ذاتها.

وثمة مفارقة مؤلمة جديرة بالتأمل، إذ يرفع اليسار شعار وحدة الجماهير الكادحة، في حين أن هذا النهج التنظيمي أفضى من غير قصد إلى تشتت النضال والجهود المشتركة وإضعاف الحركة النقابية والجماهيرية على أرض الواقع.

وفي هذا السياق تتضح القيمة الاستراتيجية لبناء منظمات جماهيرية ونقابات مستقلة حقيقياً، لأنها تشكل الفضاء الذي يمكن فيه لليساريين واليساريات المنتمين إلى تنظيمات مختلفة أن يعملوا جنباً إلى جنب حول نقاط التقاء و مصالح مشتركة وواضحة. فالنقابات والاتحادات المستقلة تفرض منطقها الخاص القائم على الدفاع عن الحقوق، وهذا المنطق يتجاوز الخلافات الأيديولوجية حين يتعلق الأمر بمواجهة الفصل التعسفي أو انتزاع حق مكتسب أو زيادة الأجور والمطالبة بالمزيد من الحقوق والمساواة. وتكشف تجارب الحركات النقابية والجماهيرية في سياقات مشابهة أن العمل المشترك داخل نقابات واتحادات مستقلة يرسخ تدريجياً ثقافة التعاون وبناء القوة الجماهيرية الجماعية على الأرض، مما ينعكس إيجاباً على مناخ العلاقة بين قوى اليسار ذاتها.

دروس من تجارب نقابية فاعلة

وتكشف التجارب التاريخية والمعاصرة أن النقابات التقدمية المستقلة الفاعلة كانت في أحيان كثيرة عاملاً محورياً في التغيير الاجتماعي والسياسي، وأن قوتها لم تنبع من ارتباطها بهذا الحزب أو ذاك، بل من تجذرها الحقيقي في قواعدها العمالية والجماهيرية.

ففي تونس، أدى الاتحاد العام التونسي للشغل، رغم التحفظات الموجودة، دوراً محورياً في إسقاط الدكتاتورية عام 2011، و وفر غطاءً مؤسسياً للحوار الوطني بعدها، ونجح إلى حد مناسب في تحويل الاحتجاجات الشعبية إلى مطالب منظمة. وقد كان ثقله الجماهيري المتجذر في قطاعات واسعة من العمال والمهنيين هو ما منحه تلك القدرة التفاوضية التي عجزت عنها الأحزاب السياسية مجتمعةً.

وفي جنوب أفريقيا، شكل الكونغرس الجنوب أفريقي لنقابات العمال ركيزة أساسية في النضال ضد نظام الفصل العنصري، وأثبت أن النقابات المستقلة القوية تستطيع أن تكون في آنٍ واحد جبهةً للدفاع عن الحقوق العمالية ومنصةً للنضال من أجل الكرامة الإنسانية والتحرر والمساواة، دون أن تذوب في أي حزب سياسي بعينه.

وفي البرازيل، نشأت في أواخر سبعينيات القرن الماضي حركة نقابية مستقلة في قطاع صناعة السيارات، قادها عمال مصانع ساو باولو في مواجهة الديكتاتورية العسكرية، وأثبتت أن الإضراب المنظم أداةٌ سياسية بامتياز حين تقف خلفه نقابة تقدمية متجذرة في قواعدها الجماهيرية. وقد تطورت هذه الحركة النقابية لتفرز لاحقاً حزب العمال الذي وصل إلى السلطة، في نموذج نادر على بناء قوة سياسية حقيقية انطلاقاً من العمل النقابي الميداني.

وفي الهند، ربطت نقابات عمال المناجم والنسيج تاريخياً بين النضال العمالي اليومي على الأجور وظروف العمل وبين التغيير الاجتماعي الأشمل، مثبتةً أن النقابة القادرة على احتضان الجماهير الشعبية بتنوعها الديني والإثني والطبقي تستطيع أن تتجاوز حدود المطلب الاقتصادي الضيق وتتحول إلى قوة تغيير اجتماعي عميق.

وعلى صعيد التجارب المعاصرة في الديمقراطيات الغربية، يقدم اليسار الدنماركي نموذجاً جديراً بالتأمل، وإن كان لا يخلو هو الآخر من تحفظات كثيرة. ففي الدنمارك، لم يعد أمام الأحزاب اليسارية والاشتراكية خيار بناء نقابات خاصة بها أو موالية لها، إذ إن الاتحاد النقابي الرئيسي القائم كيان مستقل وقوي، الأمر الذي جعل العمل داخل النقابات المستقلة والمشاركة الفاعلة في هياكلها السبيل العملي لتعزيز التوجهات الجذرية والتقدمية من الداخل، عبر الإقناع والممارسة والنضال الميداني في مختلف القطاعات. وقد أفرز هذا المسار نقابات ذات ثقل شعبي حقيقي، فيما تكتسب قوى اليسار داخلها نفوذاً اجتماعياً وسياسياً أعمق بكثير مما كان يمكن أن تكتسبه لو اكتفت بقيادة منظمات ونقابات صغيرة موالية لأحزابها.

وما تكشفه هذه التجارب مجتمعةً هو أن النقابات والمنظمات الجماهيرية الفاعلة المستقلة لا تكتفي بالدفاع عن الحقوق الآنية، إذ تستطيع أن تبني على مدى السنوات ثقافة تنظيمية وقدرة مؤسسية تجعلها رافعةً للتغيير في اللحظات الحاسمة. وهذا بالضبط ما افتقر إليه اليسار العراقي في لحظات احتجاجات تشرين 2019 وسواها، وما ينبغي أن يشكل بوصلة العمل الجماهيري اليساري في المرحلة القادمة.

الاتفاقيات الدولية كقاعدة عملية لبناء نقابات واتحادات ديمقراطية مستقلة

تبرز هنا فرصة مهمة لم تستثمر بالقدر الكافي، وهي توجيه الجهود نحو بناء نقابات واتحادات عمالية ومهنية مستقلة حقيقياً، إلى جانب منظمات جماهيرية وحقوقية ونسوية تستند في عملها إلى المواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان والعمال والمرأة، عوضاً عن البرامج والتوجهات السياسية لتنظيمات اليسار في هذا المجال. وتكتسب هذه المقاربة أهمية مضاعفة في دول الجنوب العالمي التي تعاني حركتها النقابية والجماهيرية من ضعف بنيوي حاد، إذ توفر هذه الاتفاقيات أرضية صلبة وشرعية أخلاقية وقانونية تتجاوز الحدود المحلية، وتمنح النضال النقابي بعداً كونياً يصعب استهدافه بتهمة التحيز السياسي أو الأيديولوجي.

في مقدمة هذه المرجعيات يأتي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يكفل في مادته الثالثة والعشرين الحق في العمل وفي اختيار العمل بحرية وفي شروط عمل عادلة ومرضية، ويقر صراحةً بحق الجميع في تأسيس النقابات والانتساب إليها. ويكمل هذا الإطار العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي صادق عليه العراق، والذي يلزم الدول صراحةً بضمان الحرية النقابية وحماية العمال من الانتهاكات.

أما اتفاقيات منظمة العمل الدولية الأساسية فتشكل الركيزة العملية الأمتن في هذا السياق. وأبرزها اتفاقية الحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي رقم 87 التي تكفل للعمال دون تمييز الحق في تأسيس المنظمات والانضمام إليها دون ترخيص مسبق من السلطة. وتضاف إليها اتفاقية حق التنظيم والمفاوضة الجماعية رقم 98 التي تحمي العمال من أي تدخل في شؤون نقاباتهم. وتثري هذه المنظومة كذلك اتفاقية العمل الجبري رقم 29 واتفاقية إلغاء العمل الجبري رقم 105 فضلاً عن اتفاقية التمييز في الاستخدام والمهنة رقم 111 التي تحظر كل أشكال التمييز في بيئة العمل.

على صعيد حقوق المرأة تحديداً، تمثل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) المرجعيةَ الأشمل والأكثر إلزاماً، إذ تقر بحقوق النساء السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كاملةً غير منقوصة. وتستكملها إعلان بيجين ومنهاج عمله الذي يعد حتى اليوم من أكثر الوثائق الدولية شمولاً في تناول قضايا المرأة ومتطلبات تمكينها.

وما تجدر الإشارة إليه أن ما يرد في هذه الاتفاقيات يتوافق في جوهره مع ما تطرحه كافة قوى اليسار من مطالب على صعيد الحقوق العمالية والجماهيرية وحقوق النساء، وهي في الوقت ذاته تعمقها ويوفر لها غطاءً قانونياً دولياً. والاستناد إلى هذه المرجعيات لا يوفر إطاراً قانونياً وأخلاقياً قوياً للنضال النقابي والجماهيري والنسوي فحسب، وإنما يسهم أيضاً في تقليص حساسية اتهامات التسييس الحزبي داخل النقابات والاتحادات والمنظمات الجماهيرية، لأن المطالب تتحول من شعارات أيديولوجية عامة إلى حقوق معترف بها دولياً وقابلة للدفاع عنها أمام المجتمع والسلطات على حدٍ سواء.

الاقتصاد الريعي وتعقيدات التنظيم النقابي

يضاف إلى ما سبق التحدي الهيكلي الذي تفرضه الطبيعة الريعية للاقتصاد في العراق وإقليم كردستان، وهي سمة مشتركة تتقاسمها معظم الدول النفطية في الشرق الأوسط، مما يجعل التنظيم النقابي المستقل مسألةً بالغة التعقيد تستدعي التفكير العلمي العميق. فحيث تعتمد نسبة كبيرة من القوى العاملة على رواتب الدولة والقطاع العام، تنشأ علاقة تبعية مباشرة مع السلطة تقيد هامش التنظيم المستقل وتضعف الدوافع الذاتية نحوه. وتكشف الأرقام الرسمية عمق هذه التبعية، إذ بلغت نسبة الإيرادات النفطية من إجمالي موازنة العراق العامة نحو 89% خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2024، فيما أشارت بيانات النصف الأول من عام 2025 إلى أن النفط شكل نحو 92% من إجمالي إيرادات البلاد، مما يجعل العراق من أكثر اقتصادات العالم اعتماداً على مورد واحد، ويضيق هامش أي استقلالية نقابية حقيقية في مواجهة دولة تمتلك أدوات العقاب والمكافأة معاً.

في الاقتصادات الإنتاجية يتحرك العمال نحو التنظيم النقابي لأن قوتهم التفاوضية مع أصحاب العمل الخاصين تستلزم عملاً جماعياً منظماً. في الاقتصاد الريعي يسود منطق مغاير، إذ تصبح العلاقة بين مواطن ودولة توزع الريع، مما يحول المطالب العمالية من نضال على حقوق تعاقدية واضحة إلى مساعٍ تحاط بمخاوف تتعلق بالأمان الوظيفي والاستقرار المعيشي.

ولعل أبلغ مثال على ذلك ما جرى إبان احتجاجات تشرين 2019 في العراق، تلك الانتفاضة الشعبية الواسعة التي هزت المنظومة السياسية برمتها، حين عجزت النقابات القائمة عن تحويل زخم الشارع إلى إضرابات عمالية منظمة توقف العملية الإنتاجية وترغم الحكومة على الاستجابة. ذلك لأن غالبية العمال المحتجين كانوا موظفين حكوميين تربطهم برواتب الدولة علاقة تبعية مباشرة، فوجدوا أنفسهم أمام معادلة مؤلمة: إما الاحتجاج وتحمل تبعاته الوظيفية، أو الصمت والإبقاء على مصدر رزقهم الوحيد.

وفي إقليم كردستان يتجلى هذا النمط بصورة أكثر حدة، إذ شهدنا موجات متكررة من الاحتجاجات بسبب تأخر صرف الرواتب، ومع ذلك ظلت هذه الاحتجاجات عفوية ومتقطعة وعاجزة عن التحول إلى حركة نقابية منظمة ومستدامة. والسبب الجوهري أن العامل-ة الكردستاني الذي يطالب بحقوقه يعرف في الوقت ذاته أنه يعتمد كلياً على الحكومة ذاتها التي يحتج عليها، مما يجعل التنظيم النقابي المستقل مجازفة شخصية يصعب على الفرد تحملها منفرداً.

وقد كشف هذا الواقع عن حاجة ماسة إلى نقابات تبني وعياً تدريجياً بأن الحق النقابي ليس تمرداً على الدولة، وإنما ضماناً لكرامة العامل في مواجهة أي جهة كانت، وتقدم الحماية الجماعية بديلاً عن الهشاشة الفردية.

هذا الواقع يستدعي من اليسار تطوير سياسات نقابية متمايزة تأخذ في اعتبارها خصوصية البيئة الريعية، عوضاً عن استنساخ نماذج ولدت في سياقات اقتصادية مختلفة. وتقتضي هذه السياسات التركيزَ على بناء وعي مجتمعي تدريجي بأن الحقوق النقابية والجماهيرية ليست منحةً تمنحها السلطة وتسترجعها، إذ هي حقٌ أصيل تكفله المواثيق الدولية وتستلزمه المواطنة الكاملة. كما تستوجب توسيع مفهوم التنظيم ليشمل المطالبة بالشفافية في توزيع الثروة الريعية ومساءلة المسؤولين عن إدارتها، وهي مطالب تمس الجميع وتستطيع تجاوز الحواجز السياسية لبناء تضامن اجتماعي أوسع.

الجهات الدولية المانحة وإشكالية الاستقلالية

لا تكتمل قراءة مشهد التشتت النقابي والجماهيري دون الإشارة إلى دور الجهات الدولية المانحة. والإنصاف يقتضي الاعتراف أولاً بأن التمويل الدولي والخبرة العالمية أسهما في دعم نشاط نقابي وحقوقي وجماهيري حقيقي في مراحل مختلفة، وأن كثيراً من المنظمات استفادت من هذا الدعم في بناء قدراتها وتوسيع حضورها. غير أن ثمة جانباً آخر من هذه الصورة يستحق التأمل النقدي الصريح، ولا سيما فيما يخص الجهات المرتبطة بحكومات رأسمالية غربية تعكس في نهاية المطاف سياسات بلدانها ومصالحها الاستراتيجية في المنطقة، وهي مصالح لا تتطابق بالضرورة مع مصالح الطبقات العاملة والجماهير الشعبية التي تدعي هذه الجهات دعمها.

فقد وجهت كثير من هذه الجهات تمويلها بما يخدم أجندة ترويج نموذج بعينه من "المجتمع المدني"، نموذج يركز على الإصلاح ضمن المنظومة الطبقية القائمة ويتحاشى المساس بالبنى الاقتصادية الجوهرية، في حين تهمش النقابات والاتحادات ذات التوجه الطبقي الواضح والمطالب العمالية والجماهيرية الجذرية. وقد أفضى ذلك إلى نشوء منظمات مصممة لخدمة متطلبات التقارير والمشاريع أكثر من خدمة احتياجات قواعدها الجماهيرية، تنتهي بانتهاء دورة التمويل ولا تترك خلفها بنية مؤسسية راسخة.

وعلى صعيد أعمق، أسهم هذا النمط التمويلي في إعادة رسم خريطة الأولويات النضالية، إذ تحولت موارد وطاقات بشرية كان يمكن توجيهها نحو بناء حركة نقابية وجماهيرية مستقلة وقوية نحو أنشطة ومشاريع وقتية. وقد رافق ذلك أحياناً تعزيز ظاهرة الشخصنة في النقابات والمنظمات، حيث باتت العلاقة تقوم بين الممول وأفراد بعينهم لا بين الممول والمنظمة كمؤسسة جماعية، مما أضعف البنى التشاركية وحول قيادة بعض المنظمات إلى امتيازات شخصية مرتبطة بالوصول إلى شبكات التمويل الخارجي، بدلاً من أن تكون تعبيراً عن ثقة القاعدة الجماهيرية.

وهذه ليست دعوةً إلى العداء المطلق لكل تعاون دولي، فثمة تضامن أممي حقيقي مع الحركات العمالية والنقابية والجماهيرية والنسوية تجسده منظمات عمالية وحقوقية دولية مستقلة كالاتحاد الدولي لنقابات العمال ومنظمات حقوقية ونسوية مختلفة. إنها دعوة إلى وعي طبقي نقدي في التعامل مع التمويل الحكومي الغربي، والتمسك بمبدأ أن أولويات الحركة النقابية والجماهيرية يجب أن تنبثق من احتياجات العمال والجماهير لا من اشتراطات الممولين، وأن استقلالية القرار شرط غير قابل للتفاوض مهما كانت قيمة التمويل المعروض.

الوعي الجديد وضرورة إعادة النظر، نحو يسار جماهيري موحد

غياب النقابات والاتحادات والمنظمات القوية والمستقلة أضعف اليسار بصورة تتجاوز ما هو مرئي على السطح. فعندما جاءت اللحظات الحاسمة في تاريخ الاحتجاجات والانتفاضات الشعبية، وجد اليسار نفسه في فراغ تنظيمي مؤلم: لا نقابات قادرة على تحويل التظاهرات إلى إضرابات منظمة ترغم السلطات الحاكمة في بغداد وأربيل على الاستجابة، ولا حركة طلابية موحدة تمتلك قوة مؤسسية حقيقية، ولا منظمات نسوية واسعة النفوذ قادرة على ترجمة الغضب الشعبي إلى مطالب مستدامة. في مكان كل ذلك، عشرات المنظمات الصغيرة المتنافسة بتنسيق محدود وصراعات تنظيمية متكررة.

وقد شهدت العقود الأخيرة تحولات جوهرية في طريقة تفكير الجماهير وأساليب تنظيمها لا يمكن لأي قوة سياسية جادة تجاهلها. فالثورة الرقمية أعادت رسم خريطة القوة والتأثير، وأتاحت للشبكات الأفقية والمبادرات المستقلة تحقيق حضور ميداني واسع في وقت قياسي. وقد كشفت حركات الاحتجاج، من ساحات العراق إلى حركات العدالة الاجتماعية في أنحاء العالم، أن التنظيم الأفقي المرن قادر على توليد طاقة تعبوية هائلة تعجز عنها الهياكل ذات المركزية المفرطة.

يضاف إلى ذلك تحول عميق في منظومة قيم الأجيال الجديدة تجاه التعددية الفكرية والشفافية ونبذ المركزية الكبيرة. فجيل الشباب اليوم نشأ على ثقافة الوصول الفوري إلى المعلومات المتعددة، ويمتلك قدرة نقدية ومقارنة عالية، ويضع الشفافية في صنع القرار والمساءلة في استخدام الموارد شرطاً أساسياً لمنح ثقته لأي تنظيم. كما شهدنا صعوداً واضحاً لنماذج القيادة الجماعية التشاركية، إذ تثبت التجارب الناجحة في الحركات الاجتماعية المعاصرة أن القيادة الموزعة المنبثقة من داخل المجموعات أكثر استدامةً وأقل هشاشةً من نموذج القيادة الفردية المحورية.

وفي ظل هذه التحولات مجتمعةً، باتت الجماهير وخاصة الشباب والشابات في ساحات الاحتجاج لا تثق بنقابات ومنظمات الواجهة التابعة للأحزاب، وتفضل أشكال التنظيم الأفقية والمبادرات المستقلة التي تحترم استقلاليتها الفكرية وتتيح المشاركة الفعلية في صنع القرار وتتعامل مع التنوع بوصفه ثروة لا عبئاً. بل ثمة شرائح متنامية، خاصة بين الشباب، تبدي انزعاجاً متزايداً من العمل الحزبي التقليدي. وهذه الظاهرة تستحق التأمل والدراسة الجادة من اجل فهم جذورها وتحليلها بجدية، بدلاً من مواجهتها بالرفض والإدانة، وهو ما يفرض على اليسار تطوير اشكال تنظيم أكثر ديمقراطية وجماعية ومرونة.

وهذا المنطق الجديد قد يفتح أمام اليسار فرصة حقيقية للتجديد الفكري والتنظيمي وتوسيع قاعدته الاجتماعية. فالخيار لم يعد بين بناء واجهة تابعة أو عدم العمل الجماهيري، وانما بين الاستمرار في التشتت أو الانتقال نحو بناء ودعم نقابات واتحادات تقدمية مستقلة وقوية يعمل فيها اليساريون واليساريات بمختلف توجهاتهم.

والطريق إلى الوحدة الحقيقية على أرض الواقع يمر عبر مسارين متكاملين لا يقوم أحدهما دون الآخر:

المسار الأول - النقابي والجماهيري: المشاركة الجماعية في بناء نقابات واتحادات ومنظمات جماهيرية تقدمية مستقلة وقوية، تجمع الجميع بصرف النظر عن انتماءاتهم الفكرية والقومية والدينية، حول مصالحهم المشتركة ومطالبهم الحيوية. وفي هذه المنظمات المستقلة يستطيع اليساريون واليساريات أن يسهموا بأفضل ما لديهم: قيم العدالة الاجتماعية والتضامن والنضال من أجل الكرامة الإنسانية والمساواة.

المسار الثاني - السياسي والتنظيمي: التنسيق والعمل المشترك على الصعيد الحزبي والسياسي عبر أطر تحالفية متنوعة، على مستوى البلد أو المحافظات أو حول مطالب بعينها، كخطوات تدريجية نحو بناء إطار يساري تقدمي واسع وموحد متعدد المنابر، يضم كافة القوى اليسارية والتقدمية إلى جانب النقابات والمنظمات العمالية والجماهيرية وفق نقاط الالتقاء الآنية. فتغيير الوضع في العراق وإقليم كردستان يتطلب تحشيد كل تلك الطاقات في مشروع واحد متماسك.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الورقة لا تدعي تقديم خارطة طريق جاهزة أو وصفة تنظيمية مكتملة، إذ إن الخطوات العملية وآليات البدء وتفاصيل التطبيق في سياقات مختلفة هي في جوهرها مسائل تستوجب حواراً جماعياً صريحاً بين قوى اليسار والحركة النقابية والجماهيرية ذاتها. والهدف الأساسي من هذه القراءة هو إثارة هذا الحوار وتغذيته بأسئلة جدية، على أمل أن يفضي إلى نقاش فكري وعملي يسهم في تطوير الرؤية وبناء الإجابات المشتركة.

ذلك هو معنى العمل الجماهيري الحقيقي في عصرنا: أن يخدم شغيلات وشغيلة اليد والفكر ويبني قوتهم ويوحدها ويشارك في تغيير حياتهم نحو الأفضل، وأن يجسد قيم اليسار في الممارسة اليومية لا في الخطاب السياسي وحده. فالقوة الحقيقية لليسار لا تكمن فقط في أطروحاته الفكرية ومواقفه السياسية، وإنما في قدرته على بناء مؤسسات تقدمية مستقلة وواسعة التأثير، متجذرة في حياة الناس اليومية وقادرة على الدفاع عن مصالحهم وحقوقهم وتحويل طاقاتهم الاجتماعية إلى قوة تغيير حقيقية تفتح الطريق نحو البديل الاشتراكي.

***

رزكار عقراوي

.........................

المصادر والمراجع

أولاً: مصادر التجارب النقابية

[1] تونس: دور الاتحاد العام التونسي للشغل في ثورة 2011 والانتقال الديمقراطي

https://internationalviewpoint.org/spip.php?article5575

[2] جنوب أفريقيا: تأسيس COSATU ودوره في النضال ضد الفصل العنصري

https://sahistory.org.za/article/congress-south-african-trade-unions-cosatu

[3] البرازيل: نشأة الحركة النقابية المستقلة وتأسيس حزب العمال

https://en.wikipedia.org/wiki/Workers%27_Party_%28Brazil%29

[4] الهند: تاريخ الحركة النقابية وارتباطها بحركة التحرر الوطني

https://thelaw.institute/introduction-to-law/india-labour-movement-historical-overview/

[5] الدنمارك: حول النقابات الدنماركية

https://en.wikipedia.org/wiki/Danish_Trade_Union_Confederation

ثانياً: المواثيق والاتفاقيات الدولية

[6] الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)

https://www.un.org/ar/about-us/universal-declaration-of-human-rights

[7] العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

https://www.ohchr.org/ar/instruments-mechanisms/instruments/international-covenant-economic-social-and-cultural-rights

[8] منظمة العمل الدولية

https://www.ilo.org/ar

[9] اتفاقية الحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي رقم 87 (1948)

https://hrlibrary.umn.edu/arabic/ilo-c087.pdf

[10] اتفاقية حق التنظيم والمفاوضة الجماعية رقم 98 (1949)

https://hrlibrary.umn.edu/arabic/ilo-c098.pdf

[11] اتفاقية العمل الجبري رقم 29 (1930)

https://hrlibrary.umn.edu/arabic/ilo-c029.pdf

[12] اتفاقية إلغاء العمل الجبري رقم 105 (1957)

https://hrlibrary.umn.edu/arabic/ilo-c105.pdf

[13] اتفاقية التمييز في الاستخدام والمهنة رقم 111 (1958)

https://hrlibrary.umn.edu/arabic/ilo-c111.pdf

[14] اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)

https://www.ohchr.org/ar/instruments-mechanisms/instruments/convention-elimination-all-forms-discrimination-against-women

[15] إعلان بيجين ومنهاج عمله (1995)

https://www.unwomen.org/ar/how-we-work/intergovernmental-support/world-conferences-on-women

ثالثاً: مصادر الاقتصاد الريعي العراقي

[16] صندوق النقد الدولي، تقرير المادة الرابعة حول العراق 2025،

https://www.imf.org/en/news/articles/2025/07/08/pr-25243-iraq-imf-executive-board-concludes-2025-article-iv-consultation

[17] صندوق النقد الدولي، تقرير العراق 2024،

https://www.imf.org/en/news/articles/2025/05/15/mcs-iraq-concluding-statement-of-the-2025-imf-article-iv-mission

* نشر المقال بالتزامن باللغة الإنكليزية في الموقع اليساري العالمي ZNetwork، وهو مترجم ومتوفر أيضاً بعشرات اللغات التي يدعمها الموقع.

https://znetwork.org/znetarticle/the-left-trade-unions-and-mass-organizations

لم تعد القضية الكردية مجرد ملف قومي مؤجل في خرائط الشرق الأوسط، بل تحولت إلى عنصر مؤثر في معادلات الأمن والطاقة والحروب وإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي، فبعد عقود من المواجهات المسلحة والقطيعة السياسية، تشهد المنطقة تحولات عميقة قد تفتح الباب أمام مقاربات مختلفة للقضية الكردية، خصوصًا مع التطورات الأخيرة في تركيا وسوريا، مقابل تعقّد المشهد في إيران والعراق، بما يجعل مستقبل الكورد مرتبطًا مباشرة بمآلات الصراعات الكبرى في الإقليم.

في تركيا، يبدو أن العلاقة بين الدولة وحزب العمال الكردستاني تدخل مرحلة مختلفة، ولو بحذر شديد. فالمناخ السياسي التركي، وضغوط الاقتصاد، وتبدل الأولويات الأمنية، دفعت أنقرة إلى إعادة النظر في جدوى الحرب المفتوحة التي استنزفت الجميع لعقود، كما أن الرسائل الأخيرة لعبد الله أوجلان، والحديث المتزايد عن مسارات تهدئة واندماج سياسي وديمقراطي، تعكس إدراكًا متبادلًا بأن الحل العسكري وحده لم يعد كافيًا، وإذا نجحت هذه المقاربة، فإنها قد تمثل أهم تحول في تاريخ القضية الكردية الحديثة، لأنها تنقلها من منطق التمرد المسلح إلى فضاء الشراكة السياسية داخل الدولة.

وفي سوريا، جاءت التفاهمات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية لتؤكد أن الكورد باتوا جزءًا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مستقبلية. فـ"قسد" التي تشكلت بدعم أمريكي لمحاربة تنظيم داعش، تحولت إلى قوة أمر واقع تمتلك نفوذًا عسكريًا وإداريًا واسعًا شرق الفرات، لكن هذه القوة ما تزال تواجه معادلة شديدة التعقيد بين الضغوط التركية، وحسابات دمشق، والموقف الأمريكي المتردد، والمخاوف الإيرانية من أي كيان كردي مستقر قرب حدودها.

أما إيران، فتبدو الساحة الأكثر حساسية واضطرابًا، فطهران تنظر إلى أي حراك كردي بوصفه تهديدًا مباشرًا لوحدة النظام والدولة، خصوصًا بعد احتجاجات مهسا أميني التي كشفت حجم الاحتقان داخل المناطق الكردية، ولهذا كثفت إيران، خلال السنوات الأخيرة، عملياتها الأمنية والعسكرية ضد الأحزاب الكردية الإيرانية الموجودة داخل إقليم كردستان العراق، بالتوازي مع محاولاتها توسيع نفوذها السياسي والعسكري داخل العراق نفسه.

وسط هذه التعقيدات، يبرز إقليم كردستان العراق بوصفه التجربة الكردية الأكثر نضجًا وواقعية في الشرق الأوسط، رغم ما يواجهه من تحديات غير مسبوقة، فالإقليم الذي نجح، منذ 1991، في بناء مؤسسات سياسية وأمنية واقتصادية مستقرة نسبيًا، أصبح اليوم هدفًا لضغوط متشابكة؛ من بغداد اقتصاديًا عبر ملفات النفط والموازنة والرواتب، ومن الفصائل الولائية عسكريًا عبر القصف المتكرر بالطائرات المسيّرة والصواريخ، خاصة خلال الحرب الأمريكية ـ الإيرانية الأخيرة، حيث تعرضت مدن الإقليم ومطاراته ومنشآته الحيوية لمئات الهجمات.

كما واجه الإقليم ضغوطًا أمريكية وإيرانية وعراقية متزامنة لتوريطه في الصراع الإقليمي، سواء عبر الاتهامات المتعلقة بتهريب أو تمرير أسلحة إلى المعارضة الكردية الإيرانية، أو عبر التصريحات الأمريكية المثيرة للجدل بشأن "فقدان" بعض تلك الأسلحة، وهي اتهامات تعكس حجم التشابك الاستخباري والسياسي الذي أصبحت تعيشه المنطقة، أكثر مما تعكس حقائق مثبتة.

ورغم ذلك، ما يزال إقليم كردستان يحتفظ بأهمية استراتيجية لدى الولايات المتحدة وأوروبا، ليس فقط بسبب دوره في الحرب ضد الإرهاب، بل لأنه يمثل نموذجًا أكثر استقرارًا مقارنة بمحيطه العراقي والسوري. فالغرب، وإن كان لا يدعم استقلال الإقليم رسميًا، إلا أنه ينظر إليه بوصفه شريكًا أمنيًا وسياسيًا موثوقًا نسبيًا، ولهذا استمرت أشكال الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي له، بالتوازي مع مواقف خليجية أكثر انفتاحًا، خاصة من الإمارات والسعودية وقطر، التي باتت ترى في استقرار الإقليم عنصر توازن اقتصادي وسياسي مهم في شمال العراق.

لكن التحدي الأكبر أمام القضية الكردية اليوم لا يكمن فقط في الضغوط الخارجية، بل أيضًا في الانقسامات الداخلية الكردية، سواء في العراق أو سوريا أو بين القوى الكردية الإقليمية نفسها، فكلما اقترب الكورد من لحظة تاريخية تسمح بتحقيق مكاسب سياسية حقيقية، عادت الانقسامات لتضعف قدرتهم على تحويل التحولات الإقليمية إلى مشروع استراتيجي مستدام.

ولهذا، فإن مستقبل القضية الكردية سيتحدد بدرجة كبيرة وفق نتائج الصراع الإقليمي الحالي: فإذا اتجه الشرق الأوسط نحو التسويات والتهدئة، قد تتحول القضية الكردية إلى جزء من حلول المنطقة، أما إذا استمرت الحروب المفتوحة وصراعات النفوذ، فقد تبقى القضية الكردية، مرة أخرى، إحدى أكثر قضايا الشرق الأوسط استخدامًا واستنزافًا في لعبة الأمم.

***

كفاح محمود

بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية ظهرت دول تضم جماعات إثنية ودينية متعددة. تأسست "عصبة الأمم" عام 1919 بموجب معاهدة فرساي، بدأت عملها الرسمي في جنيف عام 1920، بهدف تعزيز الترابط بين دول العالم لحفظ السلام. حاولت فرض معاهدات على بعض الدول الجديدة لحماية الأقليات، تضمنت بعض الحقوق التي تتعلق باستخدام اللغة وحرية التعليم الديني والثقافي، وبعض أشكال الحماية من التمييز، ولكن آليات التنفيذ كانت ضعيفة، والكثير من الدول اعتبرتها تدخلاً في السيادة الوطنية، ولذلك فشلت "عصبة الأُمم" في منع نشوب الحرب العالمية الثانية، وبالتالي تم حلها واستبدالها بمنظومة قوية لحماية التنوع الثقافي باسم "منظمة الأُمم المتحدة".

بعد تصاعد وتيرة النزاعات القائمة على الاختلافات الثقافية والدينية والعرقية بمختلف دول العالم، ولم تفلح كل المحاولات في حماية التنوع الثقافي قبل الحرب العالمية الثانية، لأنها كانت محدودة وغير فاعلة. أدرك المجتمع الدولي أهمية التنوع الثقافي بأنه من أعظم السنن الكونية التي قامت عليها الحياة الإنسانية، لأنه ليس مجرد اختلاف في الألوان أو اللغات أو الثقافات، بل كونه ثراء حضاري وفكري وأخلاقي قادر على فتح الكثير من الآفاق أمام البشرية للتفاهم والتكامل. ولهذا بادرت منظمة الأُمم المتحدة في تبني قيم جديدة عززت الحوار والتفاهم بين الشعوب، بعد أن أدركت بأن المجتمعات الغربية التي سمحت بتعدد اللغات والأفكار والعادات واعترفت بمبادىء التعددية الثقافية أصبحت أكثر استقراراً وقدرة على التكيف.

الإجراءات الحقيقية المؤثرة بدأت بعد الحرب الثانية وما رافقها من متغيرات كثيرة، احتل مفهوم التعدد الثقافي الحيز الأكبر، وبدعم من الحركات الاجتماعية الإنسانية التي نشطت في مختلف الدول الغربية بالضد من العلاقات السائدة التي لم تكن متكافئة. وظهرت اتجاهات فكرية وأنثروبولوجية أكدت قيمة الثقافات المتنوعة وتبنت مطالب حقوقية طابعها معولم، جعلت قضايا حقوق الأقليات الثقافية والدينية، التي كانت تخص الشأن الداخلي لكل بلد من اهتمام المؤسسات الدولية. ثمرة نضال تلك الحركات الاجتماعية تُوج بصدور العديد من التشريعات القانونية التي عززت من أهمية التنوع الثقافي ومفاهيم التعددية الثقافية والتعايش، وكان لها الأثر الكبير في استقرار البلدان الغربية بعد الحرب الثانية.

تحتفل اليونسكو والكثير من بلدان العالم باليوم العالمي للتنوع الثقافي في 21 مايو من كل عام منذ 2002، وتدعو الدول إلى احترام التنوع الثقافي في بلدانهم والعمل على إيجاد آليات قانونية ومؤسساتية لحماية التنوع الثقافي باعتباره قوة حقيقية لتعزيز مقومات التعايش السلمي المجتمعي. بدأت فكرة الاحتفال باليوم العالمي للتنوّع الثقافي من أجل الحوار والتنمية، بعد أن أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" اعتماد الإعلان العالمي للتنوع الثقافي في عام 2001، بعد أن نضجت فكرة الحاجة إلى نشر قيم السلام والتسامح والحوار بين مختلف دول العالم.

الهدف من الاحتفال باليوم العالمي للتنوع الثقافي هو للتأكيد على أن التنوع الثقافي تراثاً مشتركاً للإنسانية، والحوار بين الثقافات المتنوعة هو السبيل الأفضل إلى تحقيق قيم السلام والتنمية المستدامة والتقارب بين شعوب العالم. يحمل الاحتفال في جوهره أبعاداً إنسانية وحضارية راقية، لأنه لا يكتفي بإبراز اختلاف الشعوب، بل يؤكد أن هذا الاختلاف مصدر قوة وتكامل. ويُعد مناسبة إنسانية لتذكير الشعوب بأنها أكثر انفتاحاً وترابطاً بفعل الثورة التقنية والتواصل الحضاري بين البشر في أجواء تتقاطع فيها الثقافات والهُوِيات والأفكار، وفي ظل هذا الواقع المعقد، برزت الحاجة الملحّة إلى ترسيخ ثقافة قبول الآخر المختلف واحترام خصوصياته الثقافية والدينية والاجتماعية، وتمايز كل ثقافة عن غيرها.

الاحتفال باليوم العالمي للتنوع لا يقتصر على إقامة الفعاليات والشعارات الرمزية، بل يحمل رسالة عميقة مفادها بأن الإنسانية تتكامل باختلافها، والبشر مهما تباينت أعراقهم ومعتقداتهم يشتركون في قيم إنسانية عليا، أهمها الكرامة والعدل والاحترام المتبادل. فالتنوع ليس تهديداً للهُوِية، وإنما فرصة لإكتشاف الآخر وتبادل الخبرات والمعارف وبناء جسور الثقة بين الثقافات المتنوعة المختلفة. ويمثل دعوة صريحة لمواجهة مظاهر التعصب والعنصرية والكراهية التي تهدد المجتمعات وتزرع الانقسام بين أفرادها. فحين يتعلم الإنسان احترام الاختلاف، يصبح أكثر وعياً بحقوق الآخرين وأكثر استعداداً للتعايش السلمي. ومن هنا فإن المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية تتحمل المسؤولية الكبرى في غرس قيم التسامح والانفتاح، وتوعية الأجيال بأن التنوع الثقافي هو مصدر قوة للتعايش.

حققت البشرية تحولات كانت تبدو مستحيلة، ففكرة عالم أكثر إنسانية وتنوعاً ليست ضرباً من الخيال، بل مشروعاً طويلاً يعتمد على التوجهات السياسية والثقافية العامة لكل دولة. والوصول إلى عالم أفضل يحتضن التنوع الثقافي ويواجه التحديات يحتاج إلى آليات عمل متواصلة على عدة مستويات. العالم الأفضل للعيش المشترك الذي نطمح إليه لا يعني خالياً من الخلافات، بل عالماً يستطيع إدارة الخلافات دون عنف أو إقصاء، وأن يتمكن المختلفون من العيش ضمن قواعد ثابتة تحترم القيم الأخلاقية والمشتركات الإنسانية.

تصاعدت في العقود الأخيرة، في بعض الدول سياسات وخطابات الكراهية التي ترفض تبني مبدأ التعددية الثقافية بوصفه تهديداً للهوية الوطنية، معتبرةً أن التنوع العرقي أو الديني أو اللغوي يؤدي إلى التفكك الاجتماعي. هذا التصور رغم انتشاره، يحمل تناقضات عميقة ويثير أسئلة جدلية أخلاقية وسياسية حول معنى المواطنة. إن رفض التعددية الثقافية لم ينشأ من حرص حقيقي على الوحدة الوطنية، بل ارتبط بالخوف من التغيير أو باستغلال سياسي للهُوِيات الجماعية، لأنه في أوقات الأزمات الاقتصادية أو التوترات الأمنية، يصبح "الآخر المختلف"هدفاً سهلاً لتوجيه الإتهام له، سواء كان مهاجراً أو أقلية دينية أو اثنية، هنا تتحول الهُوِية الوطنية من إطار جامع إلى أداة إقصاء تُستثمر لتقسيم المجتمع والتجاوز على مكانة المواطن الذي يعيش في رحابه منذ عقود.

المشكلة الأساسية في السياسات المناهضة للتعددية الثقافية أنها تفترض وجود ثقافة نقية وثابتة يجب حمايتها من الاختلاط، بينما التاريخ الإنساني كله قائم على التفاعل والتبادل. فمعظم الحضارات الكبرى تشكلت من تداخل الشعوب واللغات والأديان، ولم تزدهر إلا حين احتضنت التعددية الفكرية والثقافية. ولهذا فإن المجتمعات التي تحتفي بالتنوع تملك قدرة أكبر على الإبداع والابتكار والتنمية وتحقيق العدالة الاجتماعية. أما الرسالة الأهم التي يجب أن تصل من خلال اليوم العالمي للتنوع الثقافي هي أن السلام الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالآخر واحترام حقه في الاختلاف، لأن العالم لا يحتاج إلى نسخ متشابهة من البشر، بل يحتاج إلى عقول متعددة وثقافات متنوعة تتكامل من أجل مستقبل أفضل. بهذا ندرك بأن قوة الإنسانية لا تكمن في التماثل، وإنما في قدرتها على تحويل الاختلاف إلى طاقة إيجابية تبني الحضارة وتحفظ الكرامة الإنسانية.

والشعوب عندما ترى أن ثقافاتها تحظى بالاحترام، يزداد شعورها بالفخر بهُوِيتها الوطنية الثقافية الجامعة لكل الأطياف، حينها تدرك بأن مجتمعاتها سوف تكون أكثر عدلاً وإنسانية، وتصبح الاختلافات مهما كانت عميقة جسوراً للمحبة والتواصل، بعيداً عن التمييز والتفرقة والكراهية والتعصب والانغلاق. حقيقة إن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا بالاعتراف بالثقافات المتنوعة ويجري تنظيمها في إطار قانوني عادل يضمن المساواة للجميع، بحيث يجعل الدولة العصرية لا تُقاس بقدرتها على إنتاج التشابه، بل بقدرتها على حماية التنوع الثقافي ضمن عقد اجتماعي رصين يحمي حقوق المواطنة.

الاحتفال باليوم العالمي للتنوع الثقافي ليس مناسبة عابرة، بل هو تأكيد مستمر على أن قيم التعايش والتسامح والاحترام هي الأسس الحقيقية لاستقرار المجتمعات البشرية وتطورها. وبالتالي ترفدنا بمختلف الفنون والآداب والموسيقى والأزياء والعادات، التي تخلق بيئة غنية بالإبداع والابتكار. هذه الفنون تجعل الحضارة الإنسانية أكثر قبولاً، لا سيما عندما يكون هناك نوعاً من التبادل الثقافي الذي يخفف من مشاعر الخوف وسوء الفهم، الذي يزيد من فرص التقارب، التي تصب في توسيع مساحة السلام العالمي وروابط الصداقة بين الثقافات المتنوعة، لا سيما إذا استطاع الناس النظر إلى التنوع الثقافي برؤية إيجابية بوصفه نعمة ولا يشكل تهديداً.

***

د. عبد الحسين الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا

لقد كان هاملتون جِب (1895-1971م) أحد أبرز المستشرقين البريطانيين المعاصرين، والذي ولد في مدينة الإسكندرية في مصر، إذ عمل أبوه آنذاك هناك كمسؤول للزراعة في شركة "أبو القير" لإستصلاح الأراضي، درس بجامعة إدنبرة في إسكتلندا وتخصص فيها باللغات السامية: العربية والعبرية والآرامية، ثم ألتحق خلال الحرب العالمية الأولى بالقوات العسكرية البريطانية كجندي في مدفعية الميدان الملكية.

كان جِب احد الكُتاب والمُشرفين على إصدار الطبعة الثانية من دائرة المعارف الإسلامية، وقدم الكثير من الإسهامات فيما يرتبط بالدراسات الإسلامية التي من أهمها (طريق الإسلام) و(الاتجاهات الحديثة في الإسلام)، و(المجتمع الإسلامي والغرب) المتكون من جزأين كتبه بالاشتراك مع هارولد براون، و(المحمدية- إستقصاء تاريخي) ، وقد سعى جِب في الكتاب الأخير إلى ان يقارب الديانة الإسلامية مقاربة تجعلها متطابقة مع الديانة المسيحية حتى في تجسيد التسميات ودور النبيين في كل منهما، الأمر الذي دفع ناقد الاستشراق الابرز إدوارد سعيد الى ان يرد عليه في كتابه (الاستشراق) بالقول "لن تجد مسلماً يدعو نفسه محمدياً"!،  إذ ان الدور الذي لعبه السيد المسيح (عليه السلام) في المخيال المسيحي لأتباع الديانة يختلف بطبيعة الحال عن الدور الذي قام به النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في عقيدة المسلمين، فقد إمتزجت المسيحية بشخص المسيح الذي إعتقدوا انه ابن الرب، وهذا ما لم يحصل في الإسلام، ولعل السبب الذي دفع جِب الى القيام بمقاربة كهذه هو لأنه كان ينظر الى الإسلام بمنظار سردية بعثات التبشير المسيحي.

ونتيجة لبروز الولايات المتحدة الأمريكية كأكبر قوة دولية بعد  الحرب العالمية الثانية، وإستشعارها بأهمية تكثيف الدراسات الاستشراقية حول الميادين التي رأى صناع القرار فيها أنهم بحاجة الى تحصيل المعرفة اللازمة بخصوصها، تم في منتصف خمسينات القرن الماضي توجيه دعوة الى هاملتون جِب للعمل في أمريكا، ليستجيب جِب لها متولياً رئاسة مركز بحوث الشرق الأوسط بجامعة هارفرد، والذي لعب من خلاله دوراً مهماً في ترسيم السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية فيما يتعلق بمواقفها تجاه الشرق الأوسط عبر الدراسات والاستشارات التي قدمها حول العالم العربي والموقف من الصراع العربي- الإسرائيلي، ساعياً الى ان تقديم الآراء التي تخدم في محصلتها النهائية مصلحة إسرائيل وتأييدها.

لقد إنطلق جِب في دراساته، مثل كثير من المستشرقين، من إفتراض وجود "عقل عربي" او"عقل إسلامي" ثابت ومميز، وغير قادر على مواكبة "العقل الغربي" في التفكير والتخطيط والارتقاء، مما يبرز ان الاختلاف  ينبع من ذات العقلية التي تظهر التفاوت في التفكير المنطقي والعمليات الإدراكية التي تقوم بها، وبالتالي يتوصل جب الى عدم إمكانية التقارب بين العقلين الشرقي والغربي ما دام الفرق بينهما جينياً، ففي إحدى محاضراته في جامعة شيكاغو عام 1945م توصل جب الى ان الدارس الغربي يجد ظاهرة بالغة الصعوبة على الفهم، ألا وهي نفور المسلمين من التفكير العقلاني، وهي تعود الى ما تتسم به مخيلتهم من تقسيم وتفتيت، فالمخيلة الإسلامية مخيلة تميل الى الغيبيات، وكلما تفاقمت مساحة الميل نحو الأخيرة كلما قلت مساحة التعقل والنزوع نحو العقلانية، وهذه نتيجة لا تتسم بالمنطقية، إذ لا مرجح عقلي لوجود تباين عقلي بين سكان الشرق والغرب، إذ ربما تؤثر الظروف المحيطة وطبيعة أحوال المجتمع من حيث درجة التقدم او التأخر في طبيعة المنجز الذي يقدمه كل مجتمع، بيد ان هذا لا يعني ان العقل الذي يعيش في مجتمع متخلف هو اقل ادراكاً من العقل في المجتمع المتقدم.

إعتقد جِب ان  هناك حاجة ماسة الى الشرق في عالم الغرب، تتمثل في انه يشكل موضوعاً للدرس، في خضم حالة الصمت والإسكات التي تفرض على الذات المبحوثة في الاستشراق، ولا تتعدى قيمة الشرق عند جب هذا الحد، أما عن أية فائدة أخرى يمكن ان يقدمها الشرق للغرب  في المجال المعرفي فهو مما لا يعتقد بإمكانية وجوده الآني او المستقبلي، فالنتيجة النهائية التي وصل إليها هي الحكم بان الإسلام ظاهرة تشغل المرتبة الثانية في مجال الفن وعلم الجمال والفلسفة والفكر الديني مادامت هذه مستقاة من الغرب، وأما في مجال العلوم الطبيعية والتكنلوجيا فلم يكُ الإسلام في رأيه سوى قناة توصيل لعناصر لا يتفرد  بها الإسلام، هكذا يتم إيصاد الباب بوجه أية إمكانية لتشخيص علمي يعطي الإسلام والمسلمين حقهم في المنجز الذي قدموه عبر تاريخهم الطويل، كما يتم وبكل بساطة تسطيح ادوار أحد أهم تمظهرات الشرق بطريقة مغرقة في التبسيط والإهمال، لقد  سعى جِب في دراساته الى ان يؤطر الخطاب الاستشراقي بعين الثوابت الغربية حول الشرق، والتي تمركزت داخل الوعي الغربي منذ زمن ليس بالقريب، محاولاً إعادة تنميطها في القرن العشرين حتى تستمر في سهولة تقبلها ويُمتّن من أواصرها بما يجعلها غير قابلة للإزاحة والتغيير.

***

د. محمد هاشم البطاط

منذ فترة زمنية ليست بالبعيدة دعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى ضرورة إعادة هيكلة التعليم العالي وربط الدراسة الجامعية بمستقبل جديد لجمهورية جديدة.

وخلال لقاءاته المستدامة مع طلبة وطالبات الأكاديمية العسكرية شدد على حتمية تطوير نظم الدراسة من ناحية، وعلى ضرورة مطابقة ما يتم تقديمه بالجامعات لسوق العمل والتغيرات والمستحدثات التكنولوجية المعاصرة . ولقد أصاب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي كبد الحقيقة عندما انتقد الأسر المصرية والطلاب الذين يضيعون سنوات من أعمارهم وأرزاقهم في دراسة علوم ومعارف لم تعد صالحة لزماننا المتسارع والمتصارع أيضا معرفيا والذي أصبحت فيه المعلومات بترول هذا العصر.

ولعل الكليات التي بات التطوير بها أمرا حتميا وضروريا كليات التربية التي من كنه طبيعتها إعداد وتأهيل معلم المستقبل، لكن راهن الإعداد التكاملي الذي يقضي ببقاء الطالب أربع سنوات لم يعد مجديا بل يمثل عبئا ثقيلاً على كاهل الدولة، ليست مصر وحدها بل كافة الدول العربية بالمنطقة.

ففكرة إبقاء الدراسة أربع سنوات بالمرحلة الجامعة الأولى بكليات التربية تعد إهدارا لموارد الدولة وميزانية الجامعات وعبئا على الأسر المصرية التي تعاني اقتصاديا ومن ثم يكون العائد والمنتج النفعي لها في المستقبل لا يقابل ما تم الإنفاق عليه.

ومن عبث التقسيم الذي أوجب حتمية التدخل السريع من فخامة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وجود شعب دراسية لم تعد على خارطة طريق وزارة التربية والتعليم وهي جهة المصب الأجدر بالعناية والاهتمام، ويبدو أن شعب الدراسة الوهمية بكليات التربية في واد وتخصصات وزارة التربية والتعليم في واد آخر، أو بالعناية أن ما يتم تطويره واستحداثه من نظم تعليمية بالتعليم قبل الجامعي لا يتوافق مع نظم تعليمية وبرامج دراسية بائدة بكليات التربية حاليا الأمر الذي يستوجب التطوير بسرعة فائقة .

وثمة ملحوظات جديرة بالذكر ومن ثم الاهتمام تعلو المشهد الدراسي بكليات التربية منها ما يتعلق بنظام الدراسة التكاملي البطئ ومنها ما يتعلق بطبيعة المعارف القديمة والتقليدية ذات الصلة بكليات أخرى غير مناظرة . ولعل أبرز هذه المشاهد مزاحمة أقسام علمية بكليات التربية أكثر قوة بكليات العلوم والآداب والخدمة الاجتماعية، ، كذلك إرهاق المدارس بطلاب التدريب الميداني مما ينعكس سلبا على تلاميذها تحصيلها ونفسيا وتعطيل الدراسة بها.

واليوم تقاس جودة مؤسسات التعليم العالي بعدد الطلاب الوافدين بها، الأمر الذي يعكس قوة وأصالة المؤسسة تعليميا ومعرفة، لكن عدد الوافدين بكليات التربية يؤكد أن مسار الدراسة وبرامج التعليم فيها بها خلل كبير وقصور شديد. وهذا يشير إلى ضرورة تعديل مسار كليات التربية إلى الدراسات العليا فقط وهذه ضرورة حتمية مع توثيق الصلة بين طبيعة الدراسات العليا للمتغيرات العصر واهتمام العالم بالتعليم ومساراته.

هذا يجعلنا نؤكد ضرورة اكتفاء كليات التربية بمنح رخصة التدريس لمن يريد أن يصبح معلما من خريجي الكليات الأخرى وفق شروط.

ومن المشاهد المدهشة والمثيرة التي تؤكد صحة حرص الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على ضرورة تعديل مسار الدراسة الجامعية وتطوير الكليات أن كليات التربية عبر تاريخها الضارب في القدم لم تنشئ حتى وقت كتابة هذه السطور مدارس موازية لمدارس وزارة التربية والتعليم وكأنها تحرث في البحر أو مثل الذي يقدم نصائح طبية ومعارف علاجية دون الكشف عن المريض. فضلا عن النقص الحاد وللأسف المزمن أيضا إن لم تكن ندرة لوجود معامل للغات أو العلوم أو التربية الخاصة المطورة بكليات التربية وكأنها مؤسسات صامتة، وأخيرا سمعت وعرفت أن ببعض كليات التربية بالخارج بها معامل للجغرافيا.

ومن أجل تشخيص الداء بقوة ودقة نسير إلى أن رسائل الماجستير والدكتوراه في التربية من وحي خيال المشرف والباحث وليست توجيهات مباشرة من وزارة التربية والتعليم وكأن كليات التربية في عالم افتراضي.

ومما أثار شجوني التعليمية وجود رحلات علمية موسمية لطلاب كليات التربية في تخصصات الجغرافيا والبيولوجية إلى متاحف أو أماكن تحديدا بالإسكندرية منذ أكثر من ربع قرن دون تطوير أو عائد مباشر سوى الفرجة والتنزه.

ومعظم المتابعين للمشهد التربوي الجامعي يدرك أن التطوير بكليات التربية منذ خمس سنوات بائدة أصاب مسمى المقررات التربوية ولم يصب الواقع بدليل تدني استخدام تكنولوجيا الاتصالات بشكل مباشر ووجود نفس المعارف التقليدية التي لا تغني ولا تسمن من جوع أيضا فتحولت كليات تبدو معاصرة معرفيا إلى متاحف أثرية تقدم تاريخ التربية أكثر من حاضرها.

وتظهر مأساة كليات التربية الغائبة عن مشهد التطوير الذي تنادي به القيادة السياسية في مصر بل والمجتمعية أيضا ماذا صنعت كليات التربية ووزارة التربية والتعليم في جديد من أمرها كل صباح وتطوير يتفق مع رؤية مصر المستقبلية .. لا شئ سوى عقد مؤتمرات وندوات وورش عمل ولجان ولوائح وهي في حقيقية الأمر إهدار للحياة برمتها.

فهل من المقنع اليوم أن شباب جيل z يريد أن يدخل كليات التربية ليصبح معلما لعلم النفس أو الجغرافيا أو التربية الخاصة وهي شعب لم تعد تجارية في سوق العمل اليوم.

أين واقع التوجه التعليمي صوب اليابان في كليات التربية وأنظمتها الدراسية؟.

ومن مزايا النظام التعليمي قبل الجامعي وجود كتيبات منظمة بدقة للأداءات المنزلية وتقييمات مستمرة للتلاميذ وقد صيغت بصورة تربوية ومنهجية دقيقة، لكن هل وجدتم كلية واحدة من كليات التربية قامت بتدريب طلابها على استخدام كتيبات التقييمات بوزارة التربية والتعليم المعاصرة.

أتمنى أن تكون كليات التربية قد سمعت منذ سنة من خلال برامج التوك شو عن ما يعرف بالبكالوريا؟.

واستنادا لتوجيهات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية هناك وجوب وطني لاقتصار كليات التربية على تدريب المعلمين أثناء الخدمة هذا أجدى وأكثر صدقا من الإعداد التقليدي.

ما اختبارات القبول الموحدة التي تجريها كليات التربية للمتقدمين من أجل التحاقهم بها؟ هل كتب مقالة، هل رسم خريطة، هل أجرى تجربة علمية واجتازها بنجاح؟ أم أن توزيعهم بناء على معايير غير منضبطة إجرائيا.

وأخيرا طمعا في جهد التبرير، وسعيا لغناء التفسير سأل العبقري ابن خلدون منذ قرون سؤالا مدهشا: "متى ستنهض هذه الأمة؟ وكان الجواب: انهض أنت أولا " .

***

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية

كلية التربية جامعة المنيا

قراءة في مشهد ما بعد نيسان 2026

لم يعد السؤال في العراق: من يشكل الحكومة؟ بل: هل ما تزال الدولة قادرة على إنتاج حكومة تمتلك قرارها الفعلي؟ فمنذ انتخابات تشرين الثاني 2025، لم يعد الانسداد السياسي مجرد تعثر إجرائي في توزيع الحقائب الوزارية، بل بات يعكس أزمة بنيوية عميقة في نموذج الحكم نفسه. لقد كشفت الأحداث أن "الديمقراطية التوافقية" التي طرحت بوصفها صيغة لإدارة التنوع، تحولت تدريجيا إلى آلية لإدارة الفراغ وتعطيل المؤسسات أكثر من كونها وسيلة لبناء الدولة.

إن وصول نزار ئاميدي إلى سدة الرئاسة، وتكليف علي الزيدي في نيسان 2026، لم يكن انتصارا لبرنامج سياسي متكامل بقدر ما كان "تسوية ضرورة" لتجنب انهيار أوسع للمنظومة أمام ضغوط داخلية وخارجية متزايدة؛ وفي ظل هذا المشهد، يبدو العراق، بكل مكوناته ومناطقه، عالقا داخل شبكة معقدة من التوازنات الإقليمية والدولية التي تحد من قدرة أي حكومة على إنتاج قرار مستقل بالكامل.

ويأتي تكليف رجل الأعمال علي الزيدي بوصفه تحولا في شكل السلطة أكثر من كونه تحولا في بنيتها؛ إذ تحاول القوى التقليدية تقديم "وجه اقتصادي" قادر على امتصاص الغضب الشعبي والتعامل مع القيود الدولية المتزايدة على حركة الأموال؛ لكن الثغرة الجوهرية تبقى قائمة: هل تملك الحكومة الجديدة صلاحيات فعلية لفك ارتباط الاقتصاد بشبكات المصالح الحزبية؟؛ فاستمرار الاعتماد على الريع النفطي لتغذية الإنفاق التشغيلي، خصوصا الرواتب، يجعل أي مشروع إصلاحي مهددا بالاصطدام المباشر مع منظومات النفوذ المالي والسياسي التي تشكلت خلال السنوات الماضية؛ كما أن الاقتصاد الموازي، المرتبط بمراكز القوى والسلاح والنفوذ الإداري، بات يشكل عبئا إضافيا على فكرة الدولة نفسها. ولذلك، فإن الأزمة العراقية لم تعد مجرد أزمة حكومة، بل أزمة نموذج اقتصادي وسياسي أنتج طبقة واسعة من المستفيدين من بقاء الدولة في حالة هشاشة دائمة.

إن استقرار "نصاب الثلثين" الذي جاء بـ نزار ئاميدي رئيسا للجمهورية، يعكس تفاهمات سياسية هشة بين بغداد وأربيل – السليمانية -، خصوصا في ما يتعلق بملفات النفط والغاز والرواتب والصلاحيات الإدارية، غير أن هذه التفاهمات تبقى رهينة التوازن الإقليمي بين طهران وواشنطن، حيث تحاول كل جهة الحفاظ على نفوذها داخل بنية النظام العراقي، وفي هذا السياق، لا تبدو أزمة العلاقة بين الحكومة الاتحادية والإقليم مجرد خلاف إداري أو مالي، بل جزءا من أزمة الدولة العراقية بعد 2003، حيث ظل مفهوم الشراكة السياسية خاضعا لمنطق التسويات المؤقتة أكثر من خضوعه لرؤية دستورية مستقرة.

ومع ذلك، فإن استمرار ضعف الدولة لا يهدد بغداد وحدها، بل يهدد مجمل الاستقرار السياسي والاجتماعي في العراق والاقليم، بما في ذلك العلاقة بين مكوناته المختلفة، في بلد ما يزال يبحث عن صيغة متوازنة لإدارة تنوعه التاريخي المعقد.

وتبقى المعضلة الأخطر أمام حكومة الزيدي هي تمدد "الدولة الموازية"؛ فالسلاح لم يعد مجرد قوة أمنية خارج مؤسسات الدولة، بل تحول تدريجيا إلى شبكة مصالح اقتصادية وإدارية وسياسية قادرة على التأثير في القرار العام، وهنا تكمن الأزمة الحقيقية؛ إذ إن أي محاولة لحصر السلاح ستصطدم بحقيقة أن كثيرا من القوى السياسية باتت تنظر إلى هذا السلاح بوصفه ضمانة للاستمرار والنفوذ داخل النظام نفسه؛ لذلك، تبدو المعادلة الحالية أقرب إلى "تأجيل الصدام" منها إلى حل جذري للمشكلة، الأمر الذي يبقي الدولة معلقة في منطقة رمادية بين سلطة القانون ومنطق الأمر الواقع.

كما أن المواطن العراقي، الذي يواجه أزمات الخدمات والبطالة وتراجع الثقة بالمؤسسات، لم يعد معنيا كثيرا بخطابات الانتصار السياسي، بقدر اهتمامه بوجود دولة قادرة على توفير الحد الأدنى من الاستقرار وفرص الحياة، فالعراقي الذي ينتظر ساعات طويلة للحصول على الكهرباء، أو يبحث عن وظيفة خارج شبكات الولاء الحزبي، لم يعد يرى في تبدل الوجوه السياسية ضمانة حقيقية للتغيير ما لم ينعكس ذلك على حياته اليومية بصورة ملموسة.

يقف العراق اليوم أمام اختبار تاريخي يتجاوز حدود تشكيل الحكومات وتوزيع المناصب، فإما أن تنجح حكومة علي الزيدي في الانتقال التدريجي من منطق المحاصصة إلى منطق الإدارة والمؤسسات، عبر إصلاحات اقتصادية وسياسية حقيقية وايجاد حل جذري مع الاقليم، أو أن يستمر التآكل البطيء لهيبة الدولة وثقة المجتمع بها.

إن الاستمرار في سياسة "ترحيل الأزمات" لن ينتج سوى انسدادات أكثر تعقيدا في المستقبل، خصوصا في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية وتراجع ثقة الشارع بالعملية السياسية، ومع ذلك، فإن إمكانية الخروج من هذا المأزق ما تزال قائمة، لكنها تتطلب إرادة سياسية تتجاوز الحسابات الفئوية الضيقة نحو إعادة تعريف فكرة الدولة بوصفها إطارا اتحاديا جامعا لجميع العراقيين، فالعراق اليوم لا يقف فقط عند حافة أزمة سياسية، بل عند حدود اختبار تاريخي بين دولة تتآكل ببطء، ومجتمع لم يفقد بعد رغبته في النجاة.

***

د. جوتيار تمر

اقليم كوردستان 16-5-2026

بعد ظهر التاسع من نيسان، من عام 2003 ، وكأن الجميع قد اندفع بصرخة موحدة (ما الذي وحدها؟).. سقطت حقبة الهيمنة على كل شيء.. إذن لنفعل كل شيء، وكان أول (الكل شيء هذا) هو صناعة طبقية أرستقراطية الهيمنة على كل شيء وبورجوازية أرصدة المليار دولار.

التاسع من نيسان الذي أتحدث عنه هو يوم دخول القوات الأمريكية إلى بغداد، العاصمة العراقية، وإعلانها إسقاط نظام صدام حسين واحتلال العراق.. وتغيير شكل الدولة والنظام معاً.

ولأن الولايات المتحدة ليست دولة مجتمعية (أي ببناء اجتماعي تاريخي أصيل)، بل دولة (طبقية المال أو أرستقراطيته)، وأيضاً لأن ساستها وصانعي قرارها السياسي والعسكري، لا يقرؤون التاريخ، فإنهم لم يهتموا، بل ولم يفكروا من الأساس، بأمر من سيسلموه السلطة ومن أي طبقة يجب أن يكون. وهذا يعني أن صانع القرار الأمريكي، لم يفكر بالتاريخ الاجتماعي لبناء المجتمع والدولة العراقية، بل كل ما فكر به هو (نحن نزيل نظام فردي دكتاتوري متخلف ومحتكر للسلطة، فكيف ما يكون البديل عنه سيكون أفضل للشعب).

الطبقية والطبقة الاجتماعية التي أسست الدولة العراقية الحديثة..

ولو كان صانع القرار الأمريكي يقرأ التاريخ لكان فهم واستوعب، أن من أسس دولة العراق الحديثة هي طبقة أرستقراطية أصيلة يقودها ملك، من أصل وتاريخ نبيلين، وليس مجموعة العسكر، ذوي الأصول الطبقية الدنيا من المجتمع، الذين انقلبوا على تلك الدولة الأصيلة وحولوا البلد إلى جمهورية موز ورعب، يتبادلون حكمها بالانقلابات الدموية وقتل كل منهم الآخر.

وهذا يعني أن حكم العسكر للعراق (بدأ بإبادة العائلة المالكة وإبعاد الطبقة الأرستقراطية وتهميشها، في انقلاب 14 تموز|يوليو عام 1958) كان خطأً وفعلاً طارئاً وغريباً على العراق ودولته، وبنيته الاجتماعية، قبل السياسية. وعليه فإن عملية إعادة شكل ونظام الحكم إلى سويته الأولى وسابق عهده المرموق، كان يجب تسليمه إلى الطبقة المؤهلة للحكم، لا لمجموعة من شذاذ الآفاق (وأتمنى أن يفهم مقصد تعبيري اللاحق في سياقه) من الطبقات الدنيا من المجتمع.

الطبقية في المجتمعات الإنسانية، ومنذ فجر التاريخ، حقيقة واقعة وبناء اجتماعي أصيل، لا ينكره إلا جاهل أو مفتون بالدعاوى والمصطلحات السياسية – المؤدلجة الجاهزة.

وبعيداً عن التوصيفات السياسية والسياسية المؤدلجة (ذات الدوافع الايديولوجية) فإن الطبقية نظام اجتماعي – ثقافي وليس نظاماً اقتصادياً (تحدده العوامل والظروف الاقتصادية للفئات الاجتماعية) كما طرحت شارلوت نيكرسون، إضافة لجميع الأطروحات التي استقت فهمها من الفهم والتصنيف الماركسي لمفاعيل العملية والبنية الاجتماعيتين. وهذا يعني أن أسباب حدوث الفوارق الاجتماعية وطبقيتها، ليس سببه الفوارق الاقتصادية بل سببها مجموعة العوامل الثقافية التي تؤسس لتاريخ وبنى أي مجموعة من المجاميع السكانية – الاجتماعية. وهذا يعني، من ضمن ما يعنيه، أن الطبقة الاجتماعية تمثل الهوية الثقافية والأخلاقية وبعدهما التاريخي (أصالة القيمة الاجتماعية الاعتبارية أو غير المادية)، للمجموعات الاجتماعية، قبل البعد أو الثقل الاقتصادي أو السياسي المكتسبين، لأن هذين البعدين مكتسبين بالعمل والرغبة.

وعلى عكس السرديات التي يروجها جزء من علماء الاجتماع والساسة المنطلقين من خلفيات مؤدلجة، فإن الطبقية ليست عارضاً (سياسياً) مفروضاً من الخارج، بل هي هوية ثقافية وأخلاقية يولد بها الناس، كجزء من البناء الفطري لشخصية الفرد والمجموعة الاجتماعية التي ينتمي إليها، قبل أن ترفدها، كمصدر تدعيم وتحصين، الثروة والقدرات الاقتصادية والنفوذ السياسي.

وخير مثال على ما نقول هي تجربة حكم الأحزاب الشيوعية، في منظومة الدول الاشتراكية السابقة، تلك الأحزاب التي حاربت الطبقية بكل جهدها، كما تردد في أدبياتها السياسية وجهدها الإعلامي التعبوي. ونتيجة ذلك الجهد المصطنع لم تزد على أكثر من تكريس روح تلك الطبقية، في أفراد الطبقات المسحوقة التي كانت تنادي بتحريرها، طبقتيّ العمال والفلاحين، عبر زيادة فقرهم وحرمانهم الاقتصادي بالذات. في مقابل تحول قيادات ومتنفذي تلك الأحزاب وعوائلهم إلى برجوازيات مصطنعة، ترتع بالرفاه المادي والسلطوي المنهوبين من حقوق الطبقتين المسحوقتين، العمال والفلاحين بالذات.

وفي مثال العراق، موضع بحثنا هنا، فإن الطبقة الأرستقراطية (وهي غير الطبقة البورجوازية التي عناها ماركس في تصنيفه للرأسمالية، من حيث كونها مالكة للثروات ووسائل الإنتاج) فهي كانت الطبقة المثقفة والمتمتعة بأصالة المحتد فعلاً، لكونها كانت تمثل البيوتات الأصيلة العروق، قبل امتلاك بعضها للثروات. ويهمني أن أؤكد هنا على أن ليس أغلب هذه البيوتات أو رجالها كانوا من أصحاب الثروات الكبيرة، بل إن أغلبهم كانوا من الموظفين المتعلمين وضباط كبار في عهد الاحتلال العثماني، قبل أن ينتظموا في عمل مؤسسات الدولة التي أسسها جلالة الملك فيصل الأول عام 1921 .

لعبة المصالح السياسية.. وصناعة الأوهام..

وكما أسلفنا، فإن الأمريكان كانوا يجهلون كل شيء عن العراق، باستثناء صدام حسين، الذي كان قد تمرد عليهم وأتعبهم وأضر بمصالحهم، وبالتالي (أجبرهم!!!) على اجتياح العراق وإزاحته عن السلطة.. ولكن ماذا بعد ذلك؟

إنشاء نظام حكم جديد.. هكذا وبكل بساطة!.. وسيكون ديمقراطياً.. للمرة الأولى!

والغريب أن (أحفاد الملكة اليزابيث وونستون تشرشل) الذين قاسموا الأمريكان في غزوهم، يتضح أنهم لم يدققوا تاريخهم الاستعماري (القديم) بعناية، لذا فإنهم لم يشيروا على الأمريكان، بأن في فترة احتلال القوات البريطانية للعراق، كان ملك العراق، فيصل الأول، قد أنشأ نظام حكم مدني وديمقراطي في العراق، على خلاف رغبة، بل رغم أنف ونستون تشرشل ومندوبه السامي برسي كوكس، مستعيناً برجالات الطبقة الأرستقراطية العراقية الأصيلة.. والآن، بل ومنذ انقلاب عبدالكريم قاسم، لم يعد هناك طبقة أرستقراطية في العراق، ببساطة لأن العسكر قتلوا من قتلوا منهم وأجبروا البقية على ترك العراق، فلمن ستسلمون الحكم يا أمريكان؟

ويبدو إن الرؤية الأمريكية كانت تقوم على فكرة (أن رفاه المال والسلطة يصنع طبقة حاكمة) أي صناعة طبقة جديدة أو طبقية وطبقة مضادة!

سلم بول بريمر (المندوب السامي الخاص لجورج دبليو بوش) مقاليد السلطة لمجموعة من شراذم المنافي، ممن نعجز عن تصنيفهم في طبقة وحتى لو كانت في قاع الحضيض، وممن عجزت وجاهة السلطة والمال الوفير، عن تعليمهم حتى آداب السلوك مع أنفسهم قبل الآخرين!

الطبقات الاجتماعية لا تصنع كي يكون بإمكان آيديولوجيا أو قرار سياسي إزالتها. الطبقية أنساق ثقافية تترسخ، كبناء لشخصية الفرد، وبالتالي المجموعة الاجتماعية التي ينتمي إليها، عبر دورات زمنية تراكم وترسخ إرثها الثقافي والمفاهيمي والأخلاقي والاعتباري والسلوكي.

إذن الوضع الطبقي للفرد أو للمجموعة التي ينتمي إليها، لا يمكن رسمه أو فرضه من الخارج، بشرطيّ المال والسلطة، وإلا لكانت الشراذم التي سلمها بول بريمر قد تحولت إلى طبقة أرستقراطية كبيرة، لكون هذه الشراذم كانت من بين أجرأ مجاميع حكم العراق، في العهد الجمهوري، على المال العام واستخدام امتيازات السلطة. بل، وعلى العكس من هذا التصور تماما، فإنهم أثبتوا أن الطبقية الاجتماعية، ومثلما يستحيل تفتيتها أو محوها بقرار سياسي أو آيديولوجي، يستحيل بنائها بقرار أيضاً.. ولكن يمكن تكوينها كبناء مضاد (طبقة أرستقراطية مضادة مثلاً) بقصد تشويه البناء الاجتماعي والنظام القيمي والسلوكي للمجتمع، بقصد تفكيكه و(قتل روحه، ثقافته وبناءه القيمي) عن طريق سيادة الرعاع فيه وفرضهم لرؤى حضيضهم على بنيته القيمية والثقافية والأخلاقية. 

وهذا ما فعلوه بمباركة من ساسة أمريكا ونجحوا في ترويج صورته للعالم، حتى ظهر العراق وكأنه (بلد لقيط) بلا تاريخ، بلا إرث حضاري وثقافي، بل وبلا رجال راشدين يجيدون إدارة الدولة ومؤسساتها.

***

د. سامي البدري

 

في لحظة صادقة وفجّة، سُئل مسؤولٌ في حزب ديني: من معكم؟ فأجاب مطمئنًا: "فقط الله"، هذه الجملة لا تفضح صاحبها وحده، بل تفضح منطقًا سياسيًا شائعًا في منطقتنا: منطق التفويض الذي يُخرج الشعب من الحساب، ثم يطالبه بدفع الفاتورة باسم الوطن مرة، وباسم الدين مرة، وباسم التاريخ مرة ثالثة، والمفارقة أن مشروعين متناقضين في الشعار، متشابهين في الجوهر، قدّما نفسيهما بوصفهما ممثلَين للشعب بالكامل: الشيوعية أو الاشتراكية ذات الصبغة الماركسية وملحقاتها، ثم الإسلام السياسي وملحقاته، فالأولى كانت تعتبر خصومها "أعداء الشعب" بالضرورة، والثانية تُلمّح أو تُصرّح بأن خصومها أعداء الدين أو أعداء "المشروع الإلهي"، وبين "الشعب كلّه معي" و"الله وحده معي"، يتقلص المواطن إلى رقمٍ في قطيع، أو ضحيةٍ في معادلة لا تعترف بالنقد ولا بالتعدد.

وعندما يُختبر ادعاء التمثيل المطلق بالأرقام ينكشف سريعًا، ففي التجارب الحزبية الكبرى، لم يكن الحزب هو المجتمع، بل أقلية منظمة تمتلك مفاتيح الدولة ثم تقول: نحن الشعب، وفي التجربة العراقية مثلًا، ادّعى حزب البعث تمثيل الأمة والدولة، لكن عضويته، حتى عند تضخمها، لم تكن مرادفًا للإجماع، فضلًا عن أن جانبًا من الانتماء كان مدفوعًا بالحاجة إلى وظيفة أو دراسة أو حماية، أي أن التمثيل المطلق هنا لم يكن حقيقة اجتماعية، بل أداة سياسية لاحتكار الشرعية وتكميم المجتمع.

لماذا فشل المشروعان؟

لأنهما قتلا السياسة نفسها، المشروع الأيديولوجي وملحقاته حوّل الدولة إلى جهاز يُدار بالعقيدة، لا بالكفاءة والمحاسبة، ومع الزمن تتضخم البيروقراطية، وتشيخ الفكرة، وتتحول حماية الشعب إلى حماية الحزب، وتصبح الشعارات بديلًا عن الإنتاج، والقبضة بديلًا عن العقد الاجتماعي، أما الإسلام السياسي وملحقاته فاستبدل "الدولة للجميع" بـ"الدولة للفضيلة"، وخلط بين الإيمان بوصفه قيمة روحية، والحكم بوصفه إدارة مصالح، وحين يُعامل النقد كأنه خروج على الدين، تُقدَّس الأخطاء وتُصادَر المؤسسات ويُختزل المجتمع إلى مؤمن ومشبوه.

وهنا تبرز إيران وأفغانستان كدليلين قاسيين على كلفة "التفويض السماوي" عندما يتحول إلى نظام حكم، ففي إيران، وبعد عقود من تسويق الحكم بوصفه حارسًا للقيم والثورة، تبدو النتيجة مجتمعًا تحت ضغط اقتصادي مزمن واحتقان اجتماعي واسع وتآكلًا في الثقة؛ أي أن "شرعية السماء" لم تنتج استقرارًا مستدامًا بقدر ما أنتجت دورة استنزاف طويلة، وفي أفغانستان، قدّم طالبان أنفسهم بوصفهم إمارة تستمد شرعيتها من الدين، فانتهى الأمر إلى عزلة وأزمة إنسانية وتقييد واسع للحريات، وصولًا إلى حرمان واسع للفتيات والنساء من التعليم الثانوي والجامعي، وتقييد مشاركتهن في المجال العام.

الخلاصة بسيطة ومؤلمة: لا حزب يملك وكالة حصرية عن الشعب، ولا حزب يملك توقيعًا حصرًا عن السماء، كل ادعاء بالتمثيل المطلق هو إعلان مبكر عن الاستبداد، حتى لو لبس قميصًا أحمر أو عباءة دينية، معيار الشرعية الوحيد هو: دستور يحدّ السلطة، انتخابات تنافسية، قضاء مستقل، تربية وتعليم حضاري مدني، إعلام حر، ومحاسبة لا تُجرَّم بوصفها خيانة للشعب أو خروجًا على الدين، وحين يقولون لك: "نحن الشعب" أو "الله معنا"، تذكّر أن الشعب غالبًا هو الذي يُقصى أولًا، ثم يُطالَب بالدفع أخيرًا.

***

كفاح محمود

 

لم يكن المنفى، في التجربة العراقية الحديثة، مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، بل تحوّل تدريجياً إلى حالة وجودية مركّبة، تكاد تضاهي الوطن في حضورها النفسي والرمزي. فالعراقي الذي غادر بلاده، منذ خمسينيات القرن العشرين وحتى اليوم، لم يغادر مكاناً فحسب، بل دخل في علاقة جديدة مع ذاته، ومع ذاكرته، ومع معنى الانتماء ذاته.

فمع تعاقب الانقلابات السياسية، بدءاً من سقوط النظام الملكي، مروراً بعقود الحكم الشمولي، ثم الحروب الطويلة التي استنزفت المجتمع، وصولاً إلى الحصار القاسي في التسعينيات، وما أعقبه من انهيار الدولة عام 2003 وما تلاه من عنف واضطراب، تشكّلت موجات متعاقبة من الهجرة القسرية والطوعية. وفي قلب هذه الموجات، كان المثقف العراقي- كاتباً أو شاعراً أو مفكراً- من أكثر الفئات عرضة للتهجير، إما هرباً من القمع، أو بحثاً عن فضاء يتيح له قول ما لا يمكن قوله في الداخل.

وهكذا، لم يعد المنفى حدثاً عارضاً في السيرة الثقافية العراقية، بل أصبح مكوّناً بنيوياً فيها. صار جزءاً من تكوين النص، ومن لغة الكتابة، ومن زاوية الرؤية ذاتها. فالكثير من النصوص العراقية الحديثة كُتبت من خارج الجغرافيا، لكنها ظلّت مشدودة، بخيوط غير مرئية، إلى الداخل.

هذا الواقع أفرز ما يبدو، للوهلة الأولى، انقساماً في المشهد الثقافي، بين "مثقفي الداخل" و"مثقفي الخارج". غير أن هذا التقسيم، رغم وضوحه الظاهري، لا يعكس حقيقة التعقيد الكامن في التجربتين. فهو تقسيم جغرافي أكثر منه معرفي، ويخفي وراءه اختلافات في نوع الخبرة، وفي أدوات الإدراك، وفي طبيعة العلاقة مع الواقع العراقي.

فعلى المستوى الوجودي، يعاني المثقف في المنفى من اغتراب مزدوج، يكاد يكون سمة تعريفية لهذه التجربة. اغتراب أول عن المكان الجديد، حيث اللغة ليست لغته، والذاكرة ليست ذاكرته، والتفاصيل اليومية لا تنتمي إلى تاريخه الشخصي. واغتراب ثانٍ، أكثر إيلاماً، عن الوطن الذي يبتعد عنه زمنياً وثقافياً، ويتحوّل شيئاً فشيئاً إلى صورة ذهنية، أو إلى سردية ناقصة.

هذا التمزق لا يبقى شعوراً عابراً، بل يتحوّل إلى حالة مستمرة من القلق الثقافي. إذ يجد المثقف نفسه معلقاً بين عالمين: لا هو قادر على الاندماج الكامل في السياق الجديد، بسبب اختلاف المرجعيات العميقة، ولا هو قادر على استعادة حضوره الفعلي في السياق القديم الذي يتغير بسرعة في غيابه. ومن هنا تنشأ تلك المنطقة الرمادية، التي يكتب منها كثير من أدباء المنفى: منطقة بين الذاكرة والواقع، بين الحنين والنقد، بين الانتماء والقطيعة.

ومع مرور الزمن، تتخذ هذه الفجوة أبعاداً أكثر تعقيداً. فاللغة، بوصفها أداة الإبداع الأولى، لا تبقى بمنأى عن التأثر. إذ تتعرض، في البيئات غير العربية، إلى نوع من الانزياح التدريجي: تضعف علاقتها بالاستخدام اليومي الحي، وتصبح أكثر ميلاً إلى التأمل أو التجريد. وقد يظهر ذلك في الكتابة من خلال مفردات أقل التصاقاً بالحياة اليومية، أو عبر بنى لغوية تتأثر بلغات أخرى.

في الوقت نفسه، تصبح متابعة التفاصيل الدقيقة للحياة العراقية أكثر صعوبة. فالتغيرات الاجتماعية والسياسية المتسارعة داخل البلاد تخلق واقعاً متجدداً يصعب الإمساك به من الخارج. وهذا قد يؤدي، أحياناً، إلى فجوة بين التمثيل الأدبي والواقع الفعلي، حيث يغدو الوطن موضوعاً للتخيّل بقدر ما هو موضوع للتوثيق.

ولا يقتصر الأمر على الفرد، بل يمتد إلى البنية الثقافية ككل. إذ يؤدي التشتت الجغرافي إلى تفكك الشبكات الثقافية التي كانت، في الداخل، تقوم على اللقاءات المباشرة، والنقاشات الحية، والتأثير المتبادل. وفي المنفى، تتحول هذه الشبكات إلى علاقات متباعدة، غالباً ما تفتقر إلى الاستمرارية والعمق، مما يفضي إلى نوع من "تفرد التجارب" أو انعزالها.

ومع ذلك، فإن اختزال المنفى في هذه الجوانب السلبية يظل رؤية ناقصة. فالمنفى، في الوقت نفسه، فتح أمام المثقف العراقي آفاقاً لم تكن متاحة في الداخل. لقد منح، في كثير من الحالات، مساحة حرية غير مسبوقة، حرية في التفكير، وفي التعبير، وفي مساءلة المسلّمات السياسية والثقافية والدينية.

في هذا الفضاء، لم يعد المثقف مضطراً إلى ممارسة الرقابة الذاتية بالشكل الذي كان سائداً في الداخل، ولم يعد الخوف من السلطة محدداً رئيسياً للخطاب. ومن هنا، ظهرت نصوص أكثر جرأة، وأكثر نقدية، وأكثر استعداداً لتفكيك البنى العميقة للمجتمع والدولة.

إلى جانب ذلك، أتاح المنفى احتكاكاً مباشراً بثقافات متعددة، وبتيارات فكرية وأدبية عالمية. هذا الاحتكاك لم يكن مجرد تلقي، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى حوار خلاق. فقد دخل المثقف العراقي في سياقات جديدة، واطلع على مناهج مختلفة في التفكير والكتابة، مما انعكس على إنتاجه، سواء من حيث الشكل أو المضمون.

ومن هذه المسافة، تتشكّل أيضاً رؤية نقدية مغايرة. فالبعد الجغرافي والزمني عن الحدث يمنح قدراً من الهدوء، يسمح بإعادة قراءة التجربة العراقية خارج ضغط اللحظة. وهنا، يمكن للمثقف أن يرى ما لا يُرى من الداخل: البنى العميقة، والأنماط المتكررة، والعلاقات الخفية بين الماضي والحاضر.

ولعل من أهم الأدوار التي اضطلع بها مثقفو المنفى، دورهم في حماية الذاكرة الثقافية العراقية. ففي ظل الحروب والاضطرابات التي أدت إلى ضياع الكثير من الأرشيفات والوثائق، قام العديد منهم بحفظ نصوص وشهادات، وتوثيق تجارب، كانت مهددة بالاندثار. وهكذا، أصبح المنفى- على نحو مفارق- أحد خزائن الذاكرة الوطنية.

غير أن العلاقة بين "الداخل" و"الخارج" لم تخلُ من التوتر. فقد نشأ، عبر السنوات، نوع من الخطاب النقدي المتبادل، الذي اتخذ أحياناً طابعاً اتهامياً. فمثقفو الداخل يُنظر إليهم، في بعض الأحيان، بوصفهم خاضعين لضرورات الواقع، مضطرين إلى التكيّف أو المهادنة، مما قد يحدّ من راديكالية خطابهم. كما أن انشغالهم بتحديات الحياة اليومية قد يقلل من فرص انخراطهم في النقاشات الفكرية الأوسع.

في المقابل، يُتّهم مثقفو الخارج بأنهم ينظرون إلى العراق من مسافة قد تُفقدهم حساسية التفاصيل. فالوطن، بالنسبة لهم، قد يتحول إلى فكرة أو ذاكرة، أكثر منه واقعاً يومياً معيشاً. وقد يُؤخذ عليهم أحياناً ميلهم إلى التنظير، أو تبني خطاب لا يلامس تماماً تعقيدات الحياة داخل البلاد.

غير أن هذه الأحكام، في جوهرها، تبسيطية. فالتجربتان، رغم اختلاف شروطهما، ليستا متعارضتين، بل متكاملتين. فمثقف الداخل يمتلك ما يمكن تسميته بـ"المعرفة الحيّة": معرفة التفاصيل، والإيقاع اليومي، والتحولات الدقيقة التي لا تُدرك إلا بالمعايشة. أما مثقف المنفى، فيمتلك "المعرفة التأملية": القدرة على الربط، والمقارنة، ورؤية الكلي في الجزئي.

ومن هنا، فإن الإبداع العراقي، إذا ما أراد أن يستعيد عافيته، يحتاج إلى تفعيل هذا التكامل، لا إلى تعميق القطيعة. يحتاج إلى جسر حي، قائم على الحوار، وعلى الاعتراف المتبادل بقيمة كل تجربة. جسر يسمح بتبادل الخبرات، وبإعادة وصل ما انقطع من علاقات.

وقد ظهرت بالفعل نماذج لهذا التكامل في الأدب العراقي الحديث. فالكثير من نصوص المنفى حملت الوطن إلى العالم، وقدّمته من خلال لغة نقدية وتأملية، بينما ظل أدب الداخل يوثق الحياة اليومية بكل تفاصيلها، مقدّماً شهادة لا يمكن تعويضها من الخارج.

الخلاصة: أن المنفى لم يعد حالة طارئة في التجربة العراقية، بل أصبح جزءاً من بنيتها العميقة. والتعامل معه بوصفه انقساماً حاداً بين داخل وخارج، هو تبسيط لا يليق بثراء هذه التجربة.

إن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا التعدد إلى مصدر قوة. فالعراق، بوصفه فكرة وثقافة وذاكرة، لا يعيش فقط داخل حدوده الجغرافية، بل يمتد حيثما وُجد أبناؤه. والمثقف العراقي- في الداخل أو الخارج- يظل حاملاً لجزء من هذه الحكاية.

ومن دون حوار حقيقي، مفتوح، وعميق، بين هذه الأصوات المتعددة، ستظل الصورة ناقصة. أما إذا تحقق هذا الحوار، فإن ما يبدو اليوم تشظياً، قد يتحول غداً إلى غنى، وما يبدو انقساماً، قد يصبح شرطاً لإعادة بناء ثقافة أكثر اتساعاً وإنسانية.

***

جورج منصور

الخيانة عند الطاغية أو الديكتاتور (1) ليست هي خيانة للوطن بالمفهوم السياسي الأكاديمي او المفهوم الدستوري والقانوني، ولا هي مجرد فعل اجرامي كما هو الأمر في القوانين العقابية او نقض للعهد أو مخالفة للأمانة بالمعنى الأخلاقي المتعارف عليه.

بل هي أداة سياسية ووجودية تُستخدم لإعادة تشكيل الوعي الجمعي وإخضاع الشعوب.

فالطاغبة يرى نفسه بأنه "الوطن" و"الرمز"،

وبعد ان يحاول ان يلصق نفسه بنسب تاريخي او ديني، فإن أي مخالفة لرأيه، أو انتقاد لسياساته، أو محاولة للإبتعاد عن مزاجه وافكاره، هي كفر ومؤامرة وخيانة عظمى.

وعلى هذا النحو فإن الخيانة من وجهة نظر الطاغية او الديكتاتور هي مفهوم سياسي واسع ومرن يخلقه جزافاً لتثبيت أركان الحكم الاستبدادي ليس إلا، ولا يعبر عن مفهوم الخيانة كمصطلح سياسي او قانوني او اجتماعي.

شخصنة الخيانة: الطاغية او الديكتاتور لا يميز بين مصلحته الشخصية ومصلحة الدولة

فهو يختزل الوطن والدولة في شخصه، وبناءً على ذلك، فإن خيانته تعني خيانة الوطن، ومعارضته تعني التواطؤ مع الأعداء.

فالمعادلة هنا؛ ان الخيانة = معارضة النظام

فتتحول الخيانة من جريمة ضد المصلحة العامة إلى جريمة شخصية ضد الحاكم نفسه. فالخائن هو من لا يُظهر الولاء المطلق لشخص الطاغية او الدكتاتور.

وبالتالي فإن تهمة الخيانة التي تجد لها صدى واسع في العقل الجماهيري الجمعي هي في الواقع أداة للإقصاء والتخلص من الخصوم.

وتُستخدم تهمة الخيانة كذلك كذريعة تحمل صفة قانونية (وغالباً ملفقة) لشرعنة تصفية المعارضين السياسيين، المفكرين، أو حتى الحلفاء السابقين الذين اضحوا يمثلون تهديداً لقبضته على السلطة.

وغالباً ما يتشدق الطاغبة بأنه يعتبر الخيانة كـ "عار أبدي" لتكميم الأفواه ولخلق حالة من الخوف الجماعي والترهيب في المجتمع وتشويه سمعة المعارضين.

شعوذة الطاغية:

وقد يصل هوس الخيانة بالطاغية الى الإستعانة بالسحرة والمشعوذين والدجالين، لكشف الخونة والمتأمرين!!!

وتفسير ذلك ان الطاغية يعيش في حالة رعب دائم من الانقلابات، المؤامرات، أو الثورات الشعبية. هذا الخوف يدفعه للبحث عن "أمان" خفي أو حماية غير منظورة توفرها له التعاويذ، (2) والسحرة، مثل اولئك السحرة الذين خدعوا الطاغية لكتابة القران بدمه، بداعي ان دمه سيحرم على النار، وكذلك ربط الشرعية السياسية بالرموز الدينية. (3)

المفهوم النسبي للخيانة:

ومع ذلك فان للخيانة لدى الطغاة مفهوم نسبي انتقائي: يتغير بحسب الحاجة والموقف، فقد يكون العمل وطنياً في وقت ما، ثم يتحول إلى خيانة إذا تغيرت موازين القوى أو المصالح أو صفة القائم بالفعل، فقد يشنق ابناء العامة عند هروبهم من المعركة مثلاً، ولكنه يتغاضى عن ذلك اذا كان الهارب من عائلته او منسوبيه ومحسوبيه

ومن المعتاد تاريخياً ان يكرم الطاغية القادة والادباء والفنانين الذين يوالونه ويدينون له بالطاعة بأرفع النياشين والهدايا القيمة والرواتب الضخمة ولكن احياناً ولأسباب تافهة يتحولون من وجهة نظره الى خونة ويعلقون على المشانق او يقتلهم قتلة بشعة وينثل بجثثهم.

فالخيانة عند الطغاة هي "أي تصرف يضعف القبضة الحديدية للنظام أو يهدد بقاء الحاكم في السلطة". ومع ذلك فإن نسبية مفهوم الخيانة تسمح بالقول ان الخونة من وجهة نظر الطاغية قد يراهم الشعب أبطالاً.

ان عدم الولاء هو الخيانة بعينها: ومن وجهة نظره بجب ان تكون الشعوب بلا إرادة، صامتة، ومنقادة، وأي محاولة للإبداع أو الحرية تعتبر خيانة لـ "النظام".

باختصار، بالنسبة للدكتاتور، الخيانة ليست فعلاً واقعياً بقدر ما هي مفهوم مرن يتشكل حسب الظروف والملابسات لإدامة السلطة وترسيخ الولاء المطلق وفرض الطاعة العمياء وقتل الفكر والثقافة عدوا الطغاة في كل زمان ومكان.

الخيانة في شعر احمد مطر

أحمد مطر، المعروف بـ"الشاعر الثائر"، يسخر من الواقع السياسي العربي، معتبراً أن الخيانة ليست مجرد فعل فردي، بل هي سياسة ممنهجة يمارسها الحكام ضد شعوبهم.

تتمحور الخيانة في شعر أحمد مطر حول خيانة الحكام والأحزاب للقضايا الوطنية والقومية، مستخدماً لغة ساخرة وجريئة في "لافتاته". يصور مطر الخيانة كصفة متأصلة في الأنظمة التي ترهن أوطانها، داعياً المواطنين إلى "خيانة" هذا الواقع المقلوب، ويعتبر السكوت عنه هو الخيانة الحقيقية.

أبرز مظاهر الخيانة في شعر أحمد مطر:

خيانة الحكام:

يصورهم كـ"رهائن" للغرب أو مراهنين على كراسيهم، ويصف أوطانهم بأنها سجون وأرضهم كمائن.

عربٌ ولكن لو نزعت جلودهم/ لوجدت أن اللب أمريكان".

خيانة القضية الفلسطينية: يسخر من "القمم العربية" التي تكتفي بالصور والتصريحات الرنانة، داعياً إياهم للصمت ورفع أقلامهم عن خيانة القضية.

نموذج "عباس": يمثل شخصية الحاكم الذي يدعي الحرص بينما هو يتقاعس ويفسح المجال للعدو، في قصيدته الشهيرة "عباس وراء المتراس".

قلب المفاهيم: يقلب مطر المعادلة، ففي ظل وطن أصبح حظيرة دواجن، تصبح الخيانة للوطن "المزيف" فضيلة، وموالاته رذيلة.

***

فارس حامد عبد الكريم 

بغداد - 2026

.............................

دعوة للخيانة

هل وطنٌ هذا الذي

حاكمهُ مراهنٌ وأهلهُ رهائنْ؟

هل وطنٌ هذا الذي

سماؤهُ مراصدٌ وأرضهُ كمائنْ؟

هذا الذي

هواؤهُ الآهاتُ والضغائنْ؟

هذا الذي

أضيقُ من حظيرة الدواجنْ؟

هل وطنٌ هذا الذي

تكونُ فيه عندما

تكونُ غير كائنْ؟!

يا أيها المُواطنْ

خنهُ وخنهُ ثم خنهُ ثم خنهُ،

بُوركت خيانةُ الجرَّاح للبراثنْ.

يا أيها المُواطنْ

إن لم تخُن

فأنت حقًّا خائنْ!

***

احمد مطر

....................

(1) الفرق الأساسي بين الديكتاتور والطاغية يكمن في طريقة ممارسة السلطة والهدف منها؛ تلديكتاتور هو حاكم مطلق يستأثر بالسلطة (غالباً سياسياً) لإدارة الدولة بقبضة حديدية.

بينما الطاغية هو من يتجاوز الحد في الاستبداد والظلم لخدمة أهوائه ومصالحه الشخصية بقسوة مطلقة. يمكن أن يكون الديكتاتور منظماً، لكن الطاغية يدمّر الفضاء المدني.

(2) ضعف الشخصية والجهل: رغم مظاهر القوة والبطش، غالبًا ما يمتلك الطاغية شخصية مهزوزة نفسيًا، ويؤدي الجهل وقلة الوعي إلى تصديق أن السحرة يمكنهم تغيير الواقع أو التحكم في مصائر الناس.

وقد يستخدم الطاغية هؤلاء المشعوذين لإضفاء هالة من "القدسية" أو "القدرات الخارقة" على شخصه، لإقناع العامة بأنه مؤيد بقوى غير طبيعية.

(3)وُصفت العملية بأنها مخالفة شرعية (كتابة القرآن بالدم) وتسببت في وضع ديني معقد، حيث يمنع تدنيس المصحف، مما جعله "شاهداً على بشاعة" الحقبة بحسب بعض الآراء.

 

لا تصحّ المقابلة بين ولاية مرشد الثورة الأول آية الله روح الله الخميني، أو خلفه علي خامنئي، وبين مجتبى خامنئي، فالزمن الإيراني في بداية الثورة، ومع الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت ثمانية أعوام، كان صعوداً وعنفواناً، أثمر شبكةً من التنظيمات والميليشيات، حتى جرى التصريح علانيةً بالسيطرة على أربع عواصم عربية، ناهيك عمّا تركه سقوط النظام العراقي عام 2003 من مجال لمشروع التوسع الثوري الإيراني.

وبينما الزمن الذي يواجهه مجتبى خامنئي اليوم تمثّل بانهيار في شتى المجالات، لهذا فقد لا يكون لولايته سوى البعد الرمزي، فبعد مقتل والده، كان الحرص منصبّاً على استمرار نظام الولاية، ولو بالرمز، وإلا سيُعدّ التخلي عنه بمثابة انقلاب شامل.

صحيح أن لمجتبى دوراً في الظل أثناء ولاية والده، لكن بعد الحرب التي أبقت إيران مكشوفةً، وبعد استئصال أذرعها، لم تعُد لولاية الفقيه الثالثة تلك المنزلة والشأن، بل ستغدو مجرد وظيفة تُذكّر بقوة الثورة وريادة العقيدة الدينية.

لقد تحوّلت الولايةُ إلى مجرد عنوان يَستحضر ذلك التاريخ، أما فعلياً فقد انتقل الثقل إلى الزعامة العسكرية المباشرة، خصوصاً بعد اغتيال العديد من رجالات الولاية الذين عملوا تحت إمرة خامنئي. لذا، لم يبقَ أمام مجتبى سوى ملء الفراغ اسماً، والرجل نزلت عليه المصائب بمقتل والده ومعظم أفراد أسرته، كما تعرّض هو نفسه لمحاولة اغتيال، وأصيب بما قد لا يمكّنه من قيادة الثورة، مع بقاء الحاجة إلى مَن يحمل لقب «مرشد الثورة» أو «الولي الفقيه»، بوصفه ضرورةً لاستمرار اسم النظام، ولو شكلياً.

 وإلا فإن الانقلاب لن يكون مجرد تعديل داخلي للمسار، بل سقوطاً كاملاً، أي ثورة على الثورة نفسها، ليتحول هذا النظام إلى «النظام السابق»، وتُطلق عليه التسميات ذاتها التي أطلقها على سلفه، النظام الشاهنشاهي. أما ذلك النظام، فهو الآخر لا يبدو أن له نصيباً في أي تحول جديد إن حدث، فالأزمنة حين تمضي لا تعود، حتى وإن ظلّ هناك مَن يطالب بها، على شاكلة ولي العهد السابق رضا بهلوي، الذي ينشط حضوره تبعاً لتطورات الوضع الإيراني والحرب القائمة. وكأن النزاع يظهر، مجازاً لا حقيقة، بعد مقتل خامنئي، بين وليَّي عهد: مجتبى وبهلوي، بما يجعل الصورةَ وكأنها صراعٌ أسريٌ. فمع اختيار مجتبى خلفاً لوالده، وفق الضرورات التي قدّرها مجلس الخبراء، أصبح الأمر يبدو أقرب إلى الملكية، حيث يرث الابنُ أباه. فهل بلغ الظرفُ مِن الخطورة درجةً لا يُؤتمن معها سوى ابن المرشد نفسه ليستمر النظام؟ النظام، بحسب تعريفه، جمهوري لا يؤمن بوراثة المناصب، لكن، ووفق منطق حراس الثورة، فإن «الضرورات تبيح المحظورات».

قد لا يُطلب من مجتبى أكثر من أداء الدور الرمزي: صورة الثورة التي أسّسها الخميني بهتاف الإيرانيين، وبما أُحيط من قداسة مفرطة وتأثير عميق في العقول والنفوس. كان الخميني رجل كاريزما، كلمته أمر وقانون في لحظتها، وكان مأمولاً من الثورة أن تحقق شعاراتِها. كما أن الحرب الإيرانية العراقية سترت كثيراً من العيوب. وبعده، تولى حفظ الثورة والنظام أحد أبرز رجالاتها، علي خامنئي، مستنداً إلى قوة الحرس الثوري وبقية المؤسسات الأمنية، في مواجهة ما هدد النظام من انتفاضات، كانت أبرزها «الثورة الخضراء»، وما تلاها من احتجاجات شعبية.

نعم، مجتبى ابن الثورة وثوارها، لكن الزمن الذي رُفع فيه إلى موقع الولي الفقيه، كان أوسع من عباءته، وكان ذلك حصيلة التطرف على مدى عقود الثورة، لم يفكر رجالاتُها في الاستقرار والتعايش مع المحيط، بقدر ما كان النّظام يستغل أيَّ فرصة للاختراق بوساطة أحزاب وتنظيمات، وهذا ما نبّه إليه حسين منتظري، ورجال غيبوا عن المشهد. فماذا سيعمل مجتبى في أفول ولاية الفقيه؟

***

رشيد الخيّون - كاتب عراقي

الشعب الفلسطيني في مرمى التشويه

من يتابع ما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي يلاحظ وجود حملة مسعورة تُشنّ اليوم ضد الفلسطيني، لا ضد فردٍ أخطأ أو تجاوز، بل ضد شعبٍ كاملٍ حمل على كتفيه وجع التاريخ وكرامة الأمة. حملة تتغذّى من الحقد، وتُدار من خلف الشاشات، وتُساق فيها الأكاذيب كحقائق، والافتراءات كوجهات نظر، والجهل كمنهجٍ إعلامي.

تتكاثر الأصوات التي تريد شيطنة الفلسطيني في العديد من الدول العربية، وكأنها وجدت في تشويه صورته وسيلة لتبرئة نفسها من عجزها، أو لتغطية على خيباتها. فجأة صار الفلسطيني متهمًا بكل شيء: بالفساد، بالأنانية، بالخذلان، وكأن تاريخه الطويل في النضال والتعليم والثقافة والتضحية قد مُسح بجملةٍ على منشورٍ تافه أو تغريدةٍ حاقدة.

لكن الحقيقة لا تُمحى. الفلسطيني ليس مجرد جنسية، بل هو ذاكرة أمة، هو جرحٌ مفتوح في ضمير العالم، هو المثقف الذي كتب، والطبيب الذي علّم، والمعلم الذي بنى، والمقاتل الذي صمد. من يهاجم الفلسطيني اليوم لا يهاجم شخصًا، بل يهاجم فكرة الكرامة نفسها، يهاجم معنى الصمود، يهاجم ذاكرة الأرض التي لم تنحنِ رغم سبعين عامًا من القهر.

هذه ليست حملة ضد الفلسطيني فقط، بل ضد الوعي العربي كله. إنها محاولة لتفكيك التضامن، لتشتيت البوصلة، لتبديل الضحية بالجلاد. ومن واجبنا أن نكتب، أن نصرخ، أن نفضح هذا الانحطاط الأخلاقي والإعلامي، لأن الصمت في وجه الظلم خيانة، ولأن الدفاع عن الفلسطيني اليوم هو دفاع عن الإنسان العربي نفسه، عن الحق في أن تبقى الكرامة حيّة رغم كل شيء.

إن أخطر ما في هذه الحملة ليس فقط أنها تستهدف الفلسطيني، بل أنها تستهدف فكرة الانتماء والهوية، وتزرع بذور الشك بين الشعوب العربية نفسها. حين يُصوَّر الفلسطيني كعدو، فإن الرسالة الخفية هي أن التضامن العربي لم يعد قائمًا، وأن كل شعبٍ يجب أن ينغلق على ذاته ويترك الآخر يواجه مصيره وحده. هذه ليست مجرد كلمات عابرة على وسائل التواصل، بل هي مشروع تفكيك ممنهج، مشروع يريد أن يحوّل الضحية إلى جلاد، وأن يبدّل صورة المثقف والمقاتل والمعلم بصورة مشوهة مليئة بالاتهامات. إننا أمام معركة أخطر من أي معركة عسكرية، لأنها معركة على الوعي، على الذاكرة، على صورة الإنسان في المخيال الجمعي. وإذا لم نواجهها بالكتابة، بالوعي، بالصوت العالي، فإننا سنترك الباب مفتوحًا أمام جيلٍ جديدٍ يتربى على الكراهية بدلًا من التضامن، وعلى التشويه بدلًا من الحقيقة، وعلى الخيانة بدلًا من الوفاء.

جذور الحملة وأدواتها

الحملة التي تستهدف الفلسطيني اليوم ليست مجرد انفعالٍ عابر أو موجة غضبٍ آنية على وسائل التواصل الاجتماعي، بل هي نتاج مشروعٍ متكامل، له جذور ممتدة وأدوات مدروسة، يُدار بعناية ليصنع صورة مشوّهة لشعبٍ كامل. نحن أمام عملية منظمة، تتكرر فيها الاتهامات نفسها، تُعاد صياغة الكلمات نفسها، وتُستعمل الصور نفسها، وكأنها تُستنسخ من غرفة مظلمة واحدة تُدير ماكينة ضخ الكراهية. هذا التكرار ليس بريئًا، بل هو مؤشر على وجود عقلٍ يدير المشهد، يضخ الرسائل السلبية بشكل ممنهج ليحوّلها إلى "رأي عام" مزيف.

منذ سنوات، بدأت بعض الأصوات في الإعلام العربي تتحدث عن الفلسطيني بصفته عبئًا لا قضية، ومع تراجع الاهتمام الرسمي بالقضية الفلسطينية، وجد البعض أن أسهل طريقة لتبرير هذا التراجع هي شيطنة الفلسطيني نفسه. بدلًا من أن يبقى رمزًا للنضال والكرامة، جرى تقديمه كرمزٍ للفوضى أو الخيانة أو الانتهازية. هذه الصورة لم تُبنى من فراغ، بل صُنعت عبر خطاب سياسي وإعلامي هدفه الأساسي إضعاف التضامن العربي، وإعادة تشكيل المخيال الجمعي بحيث يرى الفلسطيني لا كضحية، بل كمتهم.

إننا أمام حملة تتغذى من أربع روافد رئيسية:

الخطاب السياسي   الذي يبرر العجز الداخلي عبر تحميل الفلسطيني مسؤولية الفوضى. حين يتحدث مسؤول أو شخصية عامة بلهجة سلبية عن الفلسطيني، فإن ذلك يُترجم فورًا إلى آلاف التعليقات التي تكرر نفس الخطاب.

الإعلام التقليدي: الذي يلتقط هذه الموجة ويعيد إنتاجها ليمنحها شرعية. بعض القنوات والصحف تلتقط هذه الموجة وتعيد إنتاجها، لتمنحها شرعية أكبر.

وسائل التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى ساحة مفتوحة لتكرار الأكاذيب عبر جيوش إلكترونية وحسابات مجهولة. المنصات الرقمية تحولت إلى ساحة مفتوحة لتكرار الأكاذيب. حسابات مجهولة، جيوش إلكترونية، صفحات ممولة، كلها تعمل على نشر نفس الرسائل.

فالصور النمطية: يتم تضخيم سلوكيات فردية وتحويلها إلى "دليل" على طبيعة شعب كامل، في عملية ممنهجة لتعميم السلبيات.

والنتيجة هي صورة مشوهة تُبنى على التعميم، حيث يُحوَّل سلوك فردي إلى "دليل" على طبيعة شعبٍ كامل، في عملية ممنهجة لتجريد الفلسطيني من رمزيته التاريخية والثقافية وتحويله إلى عبءٍ في الوعي العربي.

الهدف ليس الفلسطيني وحده، بل هو تفكيك الوعي العربي. حين يُقدَّم الفلسطيني كعدو، فإن الرسالة الضمنية هي أن القضية لم تعد قضية الجميع، وأن كل شعب يجب أن ينغلق على ذاته. إنها محاولة لإعادة كتابة التاريخ، لتبديل الضحية بالجلاد، ولإقناع الأجيال الجديدة أن الفلسطيني ليس رمزًا للكرامة، بل عبئًا يجب التخلص منه.

التحليل الأكاديمي

من منظور علم الاجتماع السياسي، ما نشهده اليوم يدخل ضمن ما يُعرف بـ "الشيطنة الجماعية" (Collective Demonization)، وهي آلية قديمة تُستخدم في المجتمعات لتبرير السياسات القمعية أو لتغطية الفشل الداخلي عبر صناعة "عدو داخلي" أو "كبش فداء". حين يُصوَّر شعب كامل كخطر وجودي، يصبح من السهل على السلطات أو القوى الإعلامية أن تبرر أي إجراء ضده: التهميش، الإقصاء، التضييق، أو حتى القمع المباشر.

هذه الآلية لا تعمل في فراغ، بل تتغذى من عدة عناصر:

التعميم الممنهج: تحويل سلوك فردي أو حادثة معزولة إلى "دليل" على طبيعة جماعة بأكملها.

إعادة إنتاج الصور النمطية: استدعاء صور قديمة عن الفلسطيني وربطها بالحاضر، لتثبيت صورة سلبية في الوعي الجمعي.

التضخيم الإعلامي: استخدام وسائل الإعلام التقليدية والجيوش الإلكترونية لتكرار الرسائل نفسها حتى تتحول إلى "حقيقة" في نظر المتلقي.

الشرعنة السياسية: حين يتبنى مسؤول أو شخصية عامة هذا الخطاب، فإنه يمنحه غطاءً رسميًا ويحوّله من مجرد رأي إلى سياسة ضمنية.

من الناحية الأكاديمية، يمكن قراءة هذه الحملة كجزء من "هندسة اجتماعية سلبية"، حيث يتم تشكيل وعي الجماهير عبر بث رسائل متكررة تهدف إلى إعادة تعريف الفلسطيني في المخيال العربي: من رمزٍ للنضال والكرامة إلى صورةٍ مشوهة مليئة بالاتهامات. هذه العملية ليست مجرد خطاب، بل هي إعادة كتابة للهوية، محاولة لاقتلاع الفلسطيني من مكانته التاريخية والثقافية وتحويله إلى عبءٍ نفسي وسياسي.

إن أخطر ما في هذه الآلية أنها لا تكتفي بتشويه صورة الفلسطيني، بل تفتح الباب أمام تفكيك التضامن العربي. فحين يُقدَّم الفلسطيني كعدو، فإن الرسالة الضمنية هي أن القضية لم تعد قضية الجميع، وأن كل شعب يجب أن ينغلق على ذاته. وهكذا يتحول الفلسطيني من رمزٍ جامع إلى أداةٍ لتقسيم المجتمعات، ومن ضحيةٍ إلى متهم، ومن حاملٍ للذاكرة إلى عبءٍ على الوعي الجمعي.

الخلط بين الفرد والجماعة

حين نتأمل في طبيعة هذه الحملة، ندرك أن أخطر أدواتها ليست فقط الأكاذيب المكررة أو الصور المفبركة، بل هي آلية الخلط بين الفرد والجماعة، تلك الآلية التي تُحوِّل خطأً فرديًا إلى وصمة جماعية، وسلوكًا معزولًا إلى "دليل" على طبيعة شعبٍ بأكمله. إنها عملية اختزال قاسية، تُسلب فيها الجماعة حقها في التنوع والاختلاف، ويُختزل الفلسطيني في صورة واحدة مشوهة، تُقدَّم للرأي العام وكأنها الحقيقة المطلقة.

في السرد الإعلامي الذي يرافق هذه الحملة، نرى كيف تُضخَّم حادثة صغيرة، ربما خلاف شخصي أو سلوك فردي، لتتحول إلى مادة إعلامية تُعاد صياغتها وتكرارها حتى تصبح "برهانًا" على أن الفلسطينيين جميعًا هكذا. هذا التعميم الممنهج ليس بريئًا، بل هو أداة سياسية واجتماعية تُستخدم لتبرير خطاب الكراهية، ولإقناع المتلقي أن الفلسطيني ليس مجرد فرد، بل هو جماعة كاملة يجب الحذر منها، وربما معاداتها.

من الناحية النفسية، هذا الخلط يُرضي حاجة دفينة لدى بعض المجتمعات لإيجاد "عدو جماعي" يفسر إخفاقاتها. الفرد لا يكفي ليكون عدوًا، لكن الجماعة بأكملها يمكن أن تُقدَّم كتهديد وجودي. وهكذا، يصبح من السهل على المتلقي أن يختزل الفلسطيني في صورة واحدة: صورة سلبية، مشوهة، ومكررة، تُعيد إنتاج نفسها عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.

أما من منظور التحليل الأكاديمي، فإن هذه الآلية تدخل ضمن ما يُعرف بـ "التعميم السلبي" (Negative Generalization)، وهي أداة تُستخدم تاريخيًا ضد الأقليات والشعوب المستضعفة. حين يُربط الفرد بالجماعة، تُمحى الفروق الفردية، ويُختزل التنوع في صورة واحدة مشوهة. هذه الآلية تُستخدم اليوم ضد الفلسطيني لتجريده من رمزيته التاريخية والثقافية، وتحويله إلى عبءٍ في الوعي العربي. إنها ليست مجرد خطاب كراهية، بل هي عملية إعادة تشكيل للهوية الجمعية، حيث يُعاد تعريف الفلسطيني لا كرمز للنضال، بل كرمز للفوضى والانتهازية.

إن خطورة هذا الخلط تكمن في نتائجه الاجتماعية والسياسية: فهو يؤدي إلى تهميش الفلسطيني في المجتمعات التي يعيش فيها، ويُستخدم كذريعة لإقصائه سياسيًا، ويزرع بذور الشك بين الشعوب العربية، فيتحول التضامن إلى انقسام، والذاكرة المشتركة إلى صراع داخلي. وهكذا، يصبح الفلسطيني ضحية مرتين: مرةً لاحتلالٍ سلب أرضه، ومرةً لخطابٍ سلب صورته.

الفلسطيني في الوعي العربي

حين نتحدث عن صورة الفلسطيني في الوعي العربي، فإننا لا نتحدث عن مجرد صورة إعلامية عابرة، بل عن ذاكرة جمعية تشكّلت عبر عقود من النضال، التضحيات، والهزائم أيضًا. الفلسطيني كان، وما زال، رمزًا مركزيًا في المخيال العربي: رمز الأرض المسلوبة، رمز المقاومة، رمز الكرامة التي لم تنكسر رغم كل محاولات الإبادة والتهجير. لكن هذه الصورة، التي كانت يومًا ما مصدر إلهام ووحدة، تتعرض اليوم لعملية إعادة تشكيل خطيرة، حيث يُسحب منها بريقها ويُلبس الفلسطيني ثوبًا مشوّهًا مليئًا بالاتهامات.

في الستينيات والسبعينيات، كان الفلسطيني في الوعي العربي هو المقاتل الذي يواجه الاحتلال، هو الصوت الذي يذكّر الأمة بجرحها المفتوح، هو المثقف الذي يكتب عن الحرية، والمعلم الذي ينشر المعرفة في المنافي. كان الفلسطيني حاضرًا في الأغنية، في الشعر، في الخطاب السياسي، كرمزٍ جامع يوحّد العرب حول قضية واحدة. لكن مع مرور الزمن، ومع تراكم الهزائم والانقسامات، بدأ هذا الرمز يتعرض للتآكل. لم يعد الفلسطيني يُقدَّم كرمزٍ للنضال، بل صار يُختزل أحيانًا في صورة اللاجئ الفقير، أو المهاجر الباحث عن لقمة العيش، أو حتى المتهم الذي يُحمَّل مسؤولية أزمات لا علاقة له بها.

هذا التحول في الصورة ليس بريئًا، بل هو جزء من مشروع سياسي وإعلامي هدفه الأساسي تفكيك التضامن العربي. حين يُقدَّم الفلسطيني كعبء، فإن الرسالة الضمنية هي أن القضية لم تعد قضية الجميع، وأن كل شعب يجب أن ينغلق على ذاته. وهكذا، يتحول الفلسطيني من رمزٍ جامع إلى أداةٍ لتقسيم المجتمعات، ومن حاملٍ للذاكرة إلى متهمٍ يُحاكم على أخطاء لم يرتكبها.

من منظور أكاديمي، يمكن قراءة هذا التحول كجزء من عملية إعادة إنتاج الهوية الجمعية. في علم الاجتماع السياسي، يُعتبر الفلسطيني "رمزًا كثيفًا" (Dense Symbol)، أي رمزًا يحمل معاني متعددة تتجاوز الفرد لتشمل الأمة بأكملها. حين يُعاد تشكيل هذا الرمز في الإعلام، فإن ذلك يعني إعادة تشكيل الوعي العربي نفسه. الفلسطيني لم يعد فقط ضحية الاحتلال، بل صار ضحية خطابٍ عربي داخلي يسعى إلى تحميله وزر الفشل، وكأن الأمة وجدت في شيطنته وسيلة للهروب من مواجهة عجزها.

إن أخطر ما في هذا التحول أنه يزرع بذور الانقسام في الوعي الجمعي. فبدلًا من أن يكون الفلسطيني جسرًا يربط الشعوب، صار يُقدَّم كحاجزٍ يفصلها. وبدلًا من أن يكون رمزًا للكرامة، صار يُختزل في صورة مشوهة تُستخدم لتبرير التهميش والإقصاء. وهكذا، يصبح الفلسطيني ضحية مرتين: مرةً لاحتلالٍ سلب أرضه، ومرةً لخطابٍ عربي سلب صورته.

الرد الأخلاقي والثقافي

في مواجهة هذه الحملة المسعورة، لا يكفي أن نكتفي بالرفض أو الغضب، بل يجب أن نرتقي إلى مستوى الرد الأخلاقي والثقافي، لأن المعركة ليست فقط على صورة الفلسطيني، بل على معنى الإنسان نفسه في الوعي العربي. إن أخطر ما في هذه الحملة أنها تحاول أن تسلب الفلسطيني ليس أرضه فحسب، بل قيمته الرمزية، مكانته الأخلاقية، وإسهاماته الثقافية التي شكّلت جزءًا من تاريخ المنطقة.

الرد الأخلاقي يبدأ من تفكيك الأكاذيب وإعادة الاعتبار للحقيقة. الفلسطيني ليس مجرد صورة مشوهة تُبث عبر وسائل التواصل، بل هو إنسان مثقف، متعلم، طبيب، مهندس، شاعر، معلم، ومقاتل من أجل الكرامة. إن استدعاء هذه الحقائق ليس ترفًا، بل ضرورة، لأن مواجهة خطاب الكراهية لا تكون إلا بخطاب الحقيقة. حين نذكّر بتاريخ الفلسطيني في الجامعات، في الصحافة، في الأدب، في المقاومة، فإننا نعيد بناء الصورة التي يحاول الآخرون هدمها.

أما الرد الثقافي، فهو أكثر عمقًا، لأنه يتجاوز الدفاع إلى الهجوم المضاد عبر إنتاج خطاب جديد. الثقافة هنا ليست مجرد كتب أو أشعار، بل هي سلاح يُستخدم لإعادة تشكيل الوعي الجمعي. حين نكتب، حين نغني، حين نصنع فيلمًا أو رواية، فإننا نعيد الفلسطيني إلى مكانه الطبيعي: رمزًا للكرامة، للحرية، وللإنسانية. الثقافة قادرة على فضح الكراهية، لأنها تكشف هشاشتها، وتضعها أمام مرآة التاريخ.

يمكن قراءة هذا الرد كجزء من ما يُعرف بـ "المقاومة الرمزية" (Symbolic Resistance)، وهي آلية تُستخدم لمواجهة الهيمنة عبر إنتاج خطاب مضاد. الفلسطيني اليوم بحاجة إلى هذه المقاومة الرمزية بقدر حاجته إلى المقاومة السياسية، لأن المعركة على الصورة لا تقل خطورة عن المعركة على الأرض. حين يُعاد إنتاج صورة الفلسطيني في الأدب والفن والإعلام كرمزٍ للكرامة، فإن ذلك يزرع في الوعي الجمعي بذور التضامن بدلًا من بذور الكراهية.

إن الرد الأخلاقي والثقافي ليس مجرد دفاع عن الفلسطيني، بل هو دفاع عن القيم العربية نفسها. حين نقف ضد الكراهية، فإننا لا ندافع عن شعب واحد فقط، بل عن فكرة العدالة، عن معنى التضامن، عن حق الإنسان في أن يُرى كما هو، لا كما يُشوَّه. وهكذا، يصبح الدفاع عن الفلسطيني اليوم واجبًا أخلاقيًا وثقافيًا، لأنه دفاع عن الإنسان العربي نفسه، وعن الذاكرة التي لا يجب أن تُمحى مهما حاولت الحملات المسعورة أن تطمسها.

الفلسطيني كرمز إنساني

حين نحاول تفكيك صورة الفلسطيني في الوعي الجمعي، لا يمكن أن نتجاهل البعد الإنساني الذي يتجاوز حدود السياسة والجغرافيا. الفلسطيني ليس مجرد جنسية أو هوية وطنية، بل هو رمز إنساني عالمي، تجسيد لمعنى الصبر، ومعنى المقاومة، ومعنى القدرة على تحويل الألم إلى ذاكرة جماعية تحمل قيمًا تتجاوز حدود المكان والزمان.

الفلسطيني هو الإنسان الذي عاش تجربة الاقتلاع والتهجير، لكنه لم يتحول إلى مجرد ضحية صامتة، بل إلى شاهد حي على الظلم، وإلى صوت يطالب بالعدالة. في المخيال الثقافي، الفلسطيني يشبه أيقونة إنسانية كبرى: مثلما صار نيلسون مانديلا رمزًا عالميًا للحرية، صار الفلسطيني رمزًا للصمود في وجه الاحتلال، رمزًا للكرامة التي لا تنكسر مهما طال الزمن.

هذا البعد الإنساني هو ما تحاول الحملة المسعورة طمسه. حين يُقدَّم الفلسطيني كعبء أو كخطر، فإن الهدف هو تجريده من رمزيته الإنسانية، وتحويله إلى مجرد "آخر" يمكن التنمر عليه أو إقصاؤه. لكن الحقيقة أن الفلسطيني يحمل في ذاته تجربة إنسانية كثيفة: هو اللاجئ الذي بنى مدارس في المنافي، هو الطبيب الذي عالج في المخيمات، هو الكاتب الذي صاغ أدب المنفى، هو المقاتل الذي صمد في وجه آلة الحرب. كل هذه التجارب تجعل منه رمزًا يتجاوز حدود القضية الفلسطينية ليصبح جزءًا من الذاكرة الإنسانية العالمية.

يمكن قراءة الفلسطيني كـ "رمز إنساني كثيف" (Dense Human Symbol)، أي رمز يحمل معاني متعددة تتجاوز الفرد والجماعة لتشمل الإنسانية كلها. هذا الرمز يُستخدم في الأدب، في الفن، في الإعلام، كأداة لتذكير العالم بمعنى العدالة والحرية. حين يُعاد إنتاج صورة الفلسطيني في الثقافة كرمز إنساني، فإن ذلك يعيد بناء التضامن، ويزرع في الوعي الجمعي بذور الأمل بدلًا من بذور الكراهية.

إن الرد على الحملة لا يكون فقط بالدفاع عن الفلسطيني كهوية وطنية، بل بتأكيد مكانته كرمز إنساني. حين نقول إن الفلسطيني هو رمز للكرامة، فإننا لا ندافع عن شعب واحد فقط، بل عن فكرة الإنسان الحر، عن حق كل إنسان في أن يعيش بكرامة، عن معنى العدالة في عالمٍ يزداد ظلمًا. وهكذا، يصبح الدفاع عن الفلسطيني اليوم دفاعًا عن القيم الإنسانية نفسها، عن الحق في الحرية، عن الذاكرة التي لا يجب أن تُمحى، وعن الإنسان الذي يرفض أن يُختزل في صورة مشوهة مهما حاولت الحملات الإعلامية أن تطمس ملامحه.

مسؤولية الإعلام والمجتمعات

حين نتأمل في حجم الحملة التي تستهدف الفلسطيني، ندرك أن جزءًا كبيرًا من قوتها لا ينبع من الأكاذيب نفسها، بل من صمت الإعلام والمجتمعات أو من تواطئهما الضمني في إعادة إنتاج هذه الأكاذيب. الإعلام، الذي يُفترض أن يكون سلطة رابعة، تحوّل في كثير من الأحيان إلى أداة لتضخيم الصور النمطية، بدلًا من تفكيكها. والمجتمعات، التي يُفترض أن تكون حاضنة للتضامن، انجرفت أحيانًا وراء موجات الكراهية، إما بدافع الجهل أو بدافع العجز عن مواجهة الخطاب السائد.

الإعلام هنا يتحمل مسؤولية مضاعفة. فهو ليس مجرد ناقل للأخبار، بل صانع للوعي الجمعي. حين يختار الإعلام أن يلتقط حادثة فردية ويحوّلها إلى عنوان رئيسي، فإنه يشارك في عملية التعميم والشيطنة. وحين يتجاهل الإعلام تاريخ الفلسطيني في التعليم والثقافة والنضال، فإنه يساهم في محو الصورة الإيجابية التي تشكّلت عبر عقود. الإعلام الذي يرضخ لضغوط سياسية أو اقتصادية ويعيد إنتاج خطاب الكراهية، إنما يشارك في جريمة أخلاقية ضد الحقيقة وضد الإنسان.

أما المجتمعات، فهي ليست بريئة من هذه المسؤولية. حين يختار الأفراد أن يكرروا الأكاذيب على وسائل التواصل، أو أن يشاركوا منشورات مشوهة دون التحقق من صحتها، فإنهم يصبحون جزءًا من ماكينة التشويه. الصمت هنا ليس حيادًا، بل مشاركة في الجريمة. لأن مواجهة الكراهية لا تكون بالصمت، بل بالوعي، بالرفض، وبالتصدي العلني. المجتمعات التي تسمح بتحويل الفلسطيني إلى كبش فداء، إنما تسمح أيضًا بتفكيك قيمها الداخلية، لأنها تفتح الباب أمام خطابٍ يمكن أن يُستخدم غدًا ضد أي جماعة أخرى.

يمكن النظر لهذه المسؤولية ضمن إطار "الشرعنة الاجتماعية" (Social Legitimization)، أي أن الخطاب الإعلامي لا يكتسب قوته فقط من المؤسسات، بل من تكراره داخل المجتمع. حين يشارك الأفراد في إعادة إنتاج خطاب الكراهية، فإنهم يمنحونه شرعية اجتماعية، ويحوّلونه من مجرد رأي إلى "حقيقة" متداولة. وهنا تكمن الخطورة: الإعلام يضخ الرسائل، والمجتمع يعيد إنتاجها، والنتيجة هي صورة مشوهة تترسخ في الوعي الجمعي.

إن الرد على هذه الحملة لا يمكن أن يكون فرديًا، بل يجب أن يكون جماعيًا. الإعلاميون الشرفاء عليهم أن يفضحوا الأكاذيب، أن يعيدوا الاعتبار للحقيقة، أن يذكّروا بتاريخ الفلسطيني كرمز للنضال والثقافة. والمجتمعات عليها أن تتحمل مسؤوليتها في رفض الكراهية، في مواجهة التنمر، في الدفاع عن القيم الإنسانية. لأن الدفاع عن الفلسطيني اليوم ليس مجرد دفاع عن شعب، بل هو دفاع عن فكرة التضامن، عن معنى العدالة، عن حق الإنسان في أن يُرى كما هو، لا كما يُشوَّه.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

 

جذور تاريخية وتحديات راهنة.. قراءة نقدية متوازنة

في تاريخ الكورد، لم يكن تقسيم الأرض مجرد خطوط على الخريطة، بل نقطة تحول عميقة أسست لعقود من التجزئة الإداري والسياسي؛ منذ معركة جالديران عام 1514، قسمت كوردستان بين العثمانيين والصفويين، وهذه التجزئة لم تخلق حدودا سياسية فحسب، بل أعادت إنتاج أنماط قبلية وجهوية كانت موجودة سابقا، وغذت ظاهرة يمكن تسميتها "المنطقوية" أي تغليب الانتماء إلى العشيرة أو المنطقة أو الحزب على حساب الهوية القومية الجامعة، مع ملاحظة ان هذه الانماط لم تكن في اصلها سلبية بالضرورة بل كانت تؤدي وظائف اجتماعية تنظيمية في سياقها التاريخي قبل ان تتحول تدريجيا الى عائق امام تشكل الوعي القومي الحديث.

هذه الظاهرة ليست وليدة اليوم، ولا هي "خطيئة" أخلاقية يتحملها طرف دون آخر، بل هي نتاج تراكمي لعوامل تاريخية وسياسية واجتماعية، نرى آثارها في توزيع الولاءات السياسية، وفي خطاب المثقفين الذين يعرفون أنفسهم أحيانا بمدنهم أو عشائرهم قبل أن يعرفوا أنفسهم بـ"كوردستانيين"، بل وحتى في الفلكلور، حيث تتحول بعض الأغاني الشعبية من جسور للوحدة إلى أدوات تمجيد محلي، مع الاخذ بنظر الاعتبار ان هذا التمظهر لا يلغي وجود تيارات ثقافية قومية سعت تاريخيا الى بناء خطاب وحدوي جامع.

من الإنصاف القول إن الأحزاب الكوردية خاصة الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني لعبت دورا أساسيا في الحفاظ على الهوية الكوردية وتأسيس مؤسسات دولة في إقليم كوردستان لم تكن موجودة من قبل، لكن في المقابل، برزت ممارسات أخرى ساهمت في تعميق "المنطقوية" بدلا من حلها، وهذا تناقض يجب مناقشته بصراحة؛ الصراع بين هذه الأحزاب لم يكن مجرد تنافس سياسي على البرامج، بل أعاد أحيانا إنتاج المنطقوية نفسها، حيث رسخ كل حزب نفوذه في منطقة محددة، وأقام مؤسسات تعليمية وإعلامية واقتصادية مرتبطة به، مما جعل الولاء الحزبي يتجاوز الولاء الوطني؛ مع دخول حزب العمال الكوردستاني على خط الصراع في التسعينيات، تحولت بعض المناطق إلى ساحات تنافس دموي؛ هذا التداخل بين العشيرة والحزب جعل المنطقوية أكثر رسوخا، بحيث صار الانتماء الحزبي امتدادا للانتماء العشائري أحيانا، دون اغفال تأثير العوامل الاقليمية والدولية التي غذت هذا الانقسام بشكل مباشر او غير مباشر عبر الدعم او الاحتواء او الصراع بالوكالة.

ويضاف إلى ذلك البعد الاقتصادي المحرك لهذه الظاهرة؛ فالتفاوت في توزيع الموارد، ومركزية المشاريع التنموية في مناطق دون غيرها، خلق نوعا من "المنطقوية الدفاعية"؛ فحين يشعر الفرد في منطقة معينة بالتهميش الاقتصادي أو غياب العدالة في توزيع الثروة، فإنه يرتد تلقائيا نحو هويته الفرعية (المنطقية أو العشائرية) كدرع للمطالبة بالحقوق، مما يحول الصراع من صراع وطني شامل إلى نزاع جهوي على المكتسبات المادية، وهو ما يمكن تفسيره ضمن مقاربات سوسيولوجية ترى ان الهوية الفرعية تنشط في ظروف الاختلال البنيوي وغياب العدالة التوزيعية.

هذه الانقسامات لا تقتصر على جنوب كوردستان - اقليم كوردستان العراق -، بل تمتد إلى شمال كوردستان – تركيا- ، وشرق كوردستان – إيران -، وغرب كوردستان -سوريا-، حيث تتوزع الولاءات بين الأحزاب والعشائر والمكونات، مع اختلاف السياقات السياسية والقانونية في كل جزء وما تفرضه من اشكال تنظيم وتعبير مختلفة؛ النتيجة أن كوردستان تبقى فسيفساء غنية، لكن ألوانها لا تنسجم دائما لتشكل لوحة واحدة، وحتى الفلكلور لم يسلم من هذا كليا، فبعض الأغاني تمجد مدينة على حساب أخرى، بينما تهمش أعمالا قومية جامعة مثل ملحمة "مم وزين" لأحمد خاني التي دعت صراحة إلى وحدة الكورد؛ قد ينشأ الطفل الكوردي في بيئة تعظم مدينته أو منطقته أو حزبه، وقد لا يلم الصورة الكاملة لكوردستان؛ هذه ليست "خطيئة" فردية، بل فجوة تعليمية وثقافية وتربوية تحتاج إلى معالجة، خاصة في ظل غياب سردية تعليمية موحدة على مستوى كوردستان ككل.

المنطقوية ليست قدرا محتوما، بل تحد يمكن تجاوزه بالوعي والإرادة والمؤسسات؛ معالجتها تحتاج إلى خطوات عملية، وليست مجرد شعارات عاطفية؛ فإصلاح التعليم عبر مناهج دراسية تبرز تاريخا قوميا موحدا، وتعرف الطفل الكوردي بكوردستان كلها، مع نقد موضوعي للعشائرية كعائق للوحدة دون شيطنة للعشيرة ككيان اجتماعي؛ و فصل الحزب عن المنطقة بالضغط على الأحزاب لتبني آليات تداول المناطق وعدم تحويل إقليم معين إلى مملكة صغيرة تابعة لحزب واحد لعقود، مع ضرورة ترسيخ مؤسسات دولة فوق حزبية تضمن حياد الادارة العامة؛ الحزب يجب أن يخدم القومية، لا أن يحل محلها؛ فضلا عن إحياء الفولكلور الجامع عبر مهرجانات قومية مشتركة في مواقع رمزية مثل قلعة أربيل أو مهاباد، أو بحيرة وان، أو قامشلو، تتجاوز حدود العشائر والأحزاب، مع إعادة الاعتبار للرموز الجامعة كرموز وطنية لا حزبية ضيقة؛ كما ان تشجيع لقب "الكوردستاني" وتحويل الهوية من "سوراني أو بهديناني أو كرمانجي أو زازائي" إلى "كوردستاني" في الاستخدام اليومي والحكومي والإعلامي، يعد ضرورة ملحة لغرس الانتمائي القومي الوطني بدل الانتماء المنطقوي، مع التأكيد على ان هذا التحول لا يعني الغاء الخصوصيات اللغوية والثقافية بل ادماجها ضمن اطار جامع، مع الاستفادة من تجارب الآخرين، مثل دراسة النموذج الألماني في توحيد الولايات المختلفة بعد الحرب العالمية الثانية، بل وحتى تجارب مصالحة قبلية في المجتمعات العربية، مع الحذر من النقل الحرفي للتجارب دون مراعاة الخصوصية الكوردستانية.

السؤال الذي يواجه كل كوردي اليوم ليس "من أي عشيرة أنت؟" ولا "من أي حزب أنت؟"، بل "هل أنت كوردستاني أم لا؟". حين يتحول الانتماء من عشيرتي ومنطقتي وحزبي إلى "كوردستاني"، يصبح الكورد أمة قادرة على مواجهة التحديات الخارجية والداخلية معا، دون أن يفقد أحد خصوصيته المحلية أو فولكلوره المتنو؛  التنوع غنى، لكنه يتحول إلى ضعف حين لا يجمعنا شيء يعلوه، وهو ما يتطلب بناء وعي جمعي يتجاوز الانتماءات الدنيا دون ان ينفيها.

هذا المقال ليس هجوما على العشائر أو الأحزاب أو المدن؛ هو دعوة للمراجعة الذاتية داخل المجتمع الكوردي، بروح نقدية بناءة، وليس بهدف التدمير أو الإقصاء؛ الجرح التاريخي قد أغلق منذ زمن، لكن ندوب المنطقوية تحتاج إلى علاج مختلف، علاج يقوم على المعرفة والمؤسسات والعدالة قبل الشعارات.

***

د. جوتيار تمر - إقليم كوردستان

6-5-2026

لا يمكن قراءة الصراع السني-السني المعاصر بوصفه مجرد خلافات فقهية أو كلامية داخلية، لأن صورته الحالية أوسع من ذلك بكثير؛ فهو يتمحور اليوم حول من يملك حق تعريف السنة، ومن يحتكر التمثيل الديني، ومن يضبط المجال العام باسم الشرع، في سياق صار فيه المجال السني ساحة تنافس بين الدولة، والمؤسسات الدينية، والحركات الإسلامية، والاتجاهات السلفية، والشبكات الإعلامية الرقمية؛ وتزداد أهمية هذا الموضوع لأن المجال السني لم يعد محكوما بسلطة علمية واحدة، بل خضع لتحولات عميقة جعلت الشرعية نفسها موضوعا للصراع لا مجرد خلفية له.

تقوم هذه الدراسة على سؤال مركزي بسيط في صياغته، عميق في دلالته: كيف تحول الخلاف السني من اختلاف في الفقه والعقيدة إلى صراع على الشرعية الدينية والسياسية؟ والجواب المختصر هو أن المجال السني الحديث مر بتحولات كبرى، أبرزها صعود الدولة القومية، وتأميم المجال الديني، وضعف المرجعية التقليدية الجامعة، ثم اتساع الإعلام الرقمي الذي فكك احتكار العلماء والمؤسسات القديمة للخطاب؛ وبذلك لم يعد الخلاف يدور فقط حول صحة الرأي أو بطلانه، بل حول من يملك حق الكلام باسم الجماعة، ومن يحدد ما يعد سنة وما يعد خروجا عنها.

ومن المهم، منذ البداية، التنبيه إلى أن "أهل السنة والجماعة" لم يكونوا تاريخيا كيانا أحاديا مغلقا، بل تشكلوا عبر مدارس متعددة في الفقه والكلام، أهمها الحنبلية والأشعرية والماتريدية، مع فروق معتبرة في التأويل وحدود العقل ومكانة النص؛ وقد ارتبط هذا التعدد في مراحل تاريخية مختلفة بصراع على النفوذ العلمي والسياسي، بحيث لم يكن الخلاف مجرد "اختلاف علمي مشروع" بالمعنى المدرسي البسيط، بل أحيانا تنازعا على من يملك تعريف الجماعة والبدعة والحق؛ ولهذا، فإن فكرة الوحدة السنية المطلقة تبدو أقرب إلى بناء معياري متأخر منها إلى وصف دقيق لتاريخ السنة بوصفه تاريخا حيا للتنوع والتنافس في آن واحد.

أبرز ما يميز الحاضر هو تدخل الدولة في المجال الديني بصورة مباشرة أو غير مباشرة؛ فالدولة العربية الحديثة  مثلا سعت، بدرجات متفاوتة، إلى ضبط التعليم الديني والفتوى والوقف والمنابر، حتى يصبح الدين مجالا منظما يخدم الاستقرار السياسي ويحد من إمكانات المعارضة؛ وفي المقابل، ظهرت حركات دينية تسعى إلى استعادة الدين من الدولة، لكنها كثيرا ما نقلت الصراع من مستوى الفقه إلى مستوى الهيمنة، إذ أصبحت هي الأخرى تطمح إلى السيطرة على المجال العام باسم الشمولية الإسلامية، وهنا يبرز بعد إقليمي عابر للحدود، حيث لم يعد الصراع محليا بحتا، بل صار انعكاسا لتنافس مراكز دينية إقليمية كبرى تسعى كل منها لتصدير نموذجها الخاص عن "السنة " ورعاية شبكات من الفاعلين المحليين لتعزيز نفوذها الجيوسياسي تحت غطاء مذهبي.

وفي هذا السياق يمكن تحديد أهم معالم الصراع السني-السني اليوم في عدد من الظواهر المتداخلة؛ أولها تعدد المرجعيات، إذ لا توجد اليوم سلطة سنية جامعة واحدة، بل مؤسسات رسمية ومرجعيات دعوية وفاعلون إعلاميون وحركات سياسية، وكلها تتنازع حق التمثيل؛ وثانيها صراع التأويل، حيث يستمر الخلاف بين الاتجاهات التي تميل إلى الحرفية النصية وتلك التي تفتح مجالا أوسع للتأويل، سواء في العقيدة أو الفقه أو السياسة؛ وثالثها صراع المنبر والفتوى، إذ لم يعد العالم التقليدي وحده من يحدد ما هو صحيح، لأن المنصات الرقمية والإعلام الجديد صارت تنتج سلطة بديلة أو موازية، ويرتبط هذا الصراع ارتباطا وثيقا بـ "أزمة التمويل" والمال السياسي الديني؛ فحيثما وجد التمويل وجدت المنصة، مما جعل القدرة على حشد الموارد المادية عاملا حاسما في ترجيح كفة خطاب ديني على آخر، وتحويل الولاءات العلمية إلى ولائات نفعية أحيانا،  ورابعها صراع الهوية السنية ذاتها، إذ تحتكر بعض الخطابات معنى "السنة الصحيحة"، وتقصي المخالف داخل المجال السني نفسه؛  وخامسها صراع التمثيل السياسي، الذي يظهر بوضوح في بعض البيئات، ولا سيما  في دول كالعراق، حيث تحول التنافس السني إلى صراع على كتلة برلمانية موحدة أو قيادة سياسية جامعة.

وتكشف الحالة العراقية هذا التحول بصورة واضحة، لأن الخلاف السني هناك لا يظهر فقط بوصفه نقاشا عقديا أو فقهيا، بل بوصفه تنافسا مباشرا على التمثيل والموارد والزعامة والعلاقة مع الدولة؛ فالأخبار الحديثة تتحدث عن تشكيل ائتلاف سني جديد يهدف إلى توحيد التمثيل البرلماني السني بعد الانقسامات المتكررة، وهو ما يدل على أن الصراع لم يعد محصورا في المجال الرمزي، بل دخل في قلب الحسابات السياسية، كما أن الساسة الذين يتصدرون مشهد التمثيل السني باتوا يمثلون "نخبة لادينية" تعيد تأثيث وجودها من خلال تغذية النزعات الصدامية مع الخصوم، واحتكار الحقد السياسي كأداة وحيدة لتعريف هويتها في مواجهة المنافسين، وأمام هذا الصراع النخبوي، يقف "الجمهور السني البسيط" في حالة من الحيرة أو الاغتراب؛ فالتنازع المستمر بين المرجعيات قد يؤدي برجل الشارع إما إلى التدين الفردي المنعزل، أو في حالات أخطر، إلى نوع من "العلمانية النفسية" نتيجة فقدان الثقة في المؤسسة الدينية والسياسية المتصارعة.

ومن أبرز التحولات الحاسمة في الحاضر أن الشرعية لم تعد تمنح فقط عبر الإجازة العلمية أو المنصب الديني، بل عبر الانتشار الرقمي، والقدرة على صناعة الجمهور، واحتلال المجال الإعلامي، وقد جعل هذا التحول بعض الأصوات الأكثر إثارة أو حدة أكثر حضورا من العلماء المؤسسين، وخلق نوعا من المنافسة بين العالم التقليدي والداعية المؤثر،  ومن منظور سوسيولوجي يمكن القول إن الصراع السني-السني المعاصر انتقل من اختلاف المدارس إلى تنازع البنى؛ فالخلاف القديم كان في الغالب حول مسائل العقيدة أو الاستنباط، أما الحاضر فصار يدور حول من يملك المؤسسة، ومن يملك التمويل، ومن يملك المنصة، ومن يملك الشرعية أمام الدولة والجمهور.

وبغض النظر عن هذا التحليل، يبقى من الضروري استشراف الاتجاهات المقبلة؛ فالمرجح أن الصراع سيتجه إما إلى استمرار تفتت المرجعيات، أو تعاظم دور الشبكات الرقمية، أو إعادة تمركز القوى حول الدولة؛ وفي كل هذه المسارات سيبقى السؤال الحاسم هو: هل يتجه المجال السني إلى مزيد من الانقسام، أم إلى إعادة بناء مرجعية مرنة قادرة على استيعاب التعدد دون أن تتحول إلى صراع إقصائي؟.

الصراع السني-السني اليوم هو صراع على تعريف السنة، وتمثيلها، وإدارتها داخل الدولة والمجتمع والإعلام؛ وهو مؤشر على الكيفية التي تعاد بها صياغة المرجعيات الدينية في زمن تتغير فيه أدوات التأثير أسرع من تغير المؤسسات نفسها.

***

د. جوتيار تمر

إقليم كوردستان 2-5-2026

قراءة في بيان شركة  Palantir Technologies ”بالانتير”

البيان الذي نشرته شركة” بالانتير” ليس وثيقة تقنية، ولا رؤية اقتصادية. هو وثيقة سياسية صريحة تعلن عن مرحلة جديدة في مسيرة الرأسمالية الرقمية، مرحلة تخلت فيها عن ادعاء الحياد، وقررت أن تنزع قناعها وتظهر بوجهها الأيديولوجي الكامل. و”بالانتير” ليست حالة معزولة في المشهد التقني العالمي، إنها واحدة من شركات تكنولوجية كبرى تبيع تقنياتها لأنظمة القمع وانتهاك حقوق الإنسان، وقد أدانتها منظمات حقوق الإنسان الدولية، من بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، لتورطها في تمكين الترحيل القسري والمراقبة الجماعية وملاحقة المعارضين. والأكثر إدانةً أن تقارير موثقة كشفت عن شراكة مباشرة بين هذه الشركة، إلى جانب شركات تقنية غربية أخرى كغوغل وأمازون ومايكروسوفت، والجيش الإسرائيلي، حيث وفرت منظومات بيانات واستهداف استخدمت في العمليات العسكرية على غزة، مما جعلها شريكاً فعلياً في جرائم الحرب الموثقة بحق المدنيين الفلسطينيين. وهي في ذلك لا تختلف في جوهرها عن شركات رأسمالية رقمية احتكارية كبرى أخرى تمارس الأمر ذاته بأشكال مختلفة ودرجات متفاوتة من الصراحة.

إنه إعلان طبقي عن مشروع تحالف فاشي رقمي لا يستند على العنف التقليدي وحده، بل على الرقابة والقمع الرقمي وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي وتوجيه الرأي العام وقمع المعارضة بطرق غير محسوسة ولكن بالغة التأثير. تحالف لا تبقى جرائمه في دوائر النخبة ومكاتب الشركات، بل تمتد إلى ميادين الحرب وأجساد المدنيين، وتجسد اليوم بأوضح صوره في الترامبية وتحالفاتها وجرائمها وحروبها العدوانية.

1. من وادي السيليكون إلى البيت الأبيض: التحالف العضوي

لفهم بيان” بالانتير” خارج سياقه المعزول، لا بد من استحضار صورة التحالف الذي تشكل خلال السنوات الأخيرة بين قطاع من النخب التكنولوجية ومشروع اليمين القومي المتطرف. بيتر ثيل، المؤسس المشارك لـ ”بالانتير” والداعم الأكبر لمسيرة ترامب السياسية، حيث ليس مجرد رجل أعمال يدعم مرشحاً سياسياً. هو العقل الأيديولوجي الذي يمنح هذا المشروع منطقه السياسي، ويرى في الديمقراطية التقليدية النسبية الموجودة عائقاً أمام مشروع النخبة التقنية، والذي صرح علناً بأن الرأسمالية والديمقراطية الليبرالية التقليدية غير متوافقتين. هذا التحالف ليس صدفة، أو تقاطعاً عابراً، إنه تلاقٍ موضوعي بين مشروعين يشتركان في هدف واحد: تركيز السلطة في يد طغمة مالية وسياسية تعتقد بامتلاكها "حقاً طبيعياً" في إدارة مجتمعاتها والمجتمعات الأخرى.

هذا التحالف يجد اليوم ترجمته المؤسسية فيما يعرف بحركة التسارع التكنولوجي التي تضم إيلون ماسك وجيف بيزوس ومارك زوكربيرغ وغيرهم، الذين صاروا يتحركون بشكل منسق مع إدارة ترامب الثانية. لا يجمعهم تطابق أيديولوجي كامل، ما يجمعهم هو الموقع الطبقي والمصلحة المشتركة: القضاء على أي قيد تنظيمي أو ديمقراطي يحد من قدرتهم على التراكم والهيمنة وتوسيع السيطرة.

2. البيان الـ 22 نقطة: قراءة في المضمون الطبقي

نشرت” بالانتير” ما وصفته بملخص لكتاب رئيسها التنفيذي ألكسندر كارب بعنوان "الجمهورية التكنولوجية"، وسط تفاعل عالمي واسع وغضب سياسي متصاعد تجاوز عشرات ملايين المشاهدات خلال أيام. لكن الغضب يجب ألا يكتفي برد الفعل العاطفي، لأن البيان في جوهره خارطة طريق طبقية تستحق قراءة يسارية دقيقة تذهب إلى ما هو أعمق من الاستنكار.

البيان يحتوي على 22 نقطة، بنيت بوعي معماري دقيق لا بعشوائية. فثمة نقاط تبدو في ظاهرها معتدلة أو إنسانية، كالدعوة إلى التسامح مع السياسيين في حياتهم الشخصية، أو عدم الابتهاج بهزيمة الخصم. هذه النقاط ليست بريئة ولا عرضية، هي الواجهة المحسوبة التي تستمال بها القارئ-ة المتردد وتمنح البيان صورة "متوازنة" قبل أن يكشف وجهه الحقيقي. هذا ما تسميه الدراسات الأيديولوجية بنية الموافقة المصنوعة: تعطيك جرعة من الكلام المعقول لتبتلع معها الجرعة السامة. ولهذا فإن ما يبدو من البيان منطقياً ليس دليلاً على توازنه، بل دليل إضافي على مكره.

غير أن هذه النقاط توظف جميعها كغطاء لتمرير أجندة أيديولوجية متكاملة تربط كل هذه المخاوف بمشروع التسليح والهيمنة والتراتبية الحضارية. لذلك سأتوقف عند النقاط الأكثر كشفاً للمضمون الطبقي والأيديولوجي الحقيقي لهذا المشروع، وسأتعرض إلى المفاهيم الأخرى في سياق النص.

3. العسكرتارية، التجنيد الإجباري، السيطرة، العنصرية

النقطة الأولى تؤكد أن "النخبة الهندسية في وادي السيليكون ملزمة أخلاقياً بالمشاركة في الدفاع عن الأمة". هذا التأطير الأخلاقي ليس بريئاً. حين يقدم التعاقد العسكري والأمني كـ” واجب أخلاقي"، يتحول الضغط الاجتماعي إلى آلية لإلزام المهندسين والمبرمجين بخدمة منظومة الحرب والقمع، ويسكت كل صوت معارض داخل الشركات التقنية باسم "الوطنية". هذا تحويل للضمير الفردي إلى سلعة في خدمة الدولة العسكرية والأمنية ومؤسساتها القمعية والتجسسية.

النقطة الثانية تدعو إلى "التمرد على طغيان التطبيقات"، أي رفض التكنولوجيا الاستهلاكية لصالح منظومات أمنية وعسكرية أعمق. هذا ليس نقداً للرأسمالية الاستهلاكية كما قد يبدو، إنه دعوة لإعادة توجيه الكفاءة التقنية نحو آلة الحرب والمراقبة بدلاً من السوق الترفيهية.

النقطة الخامسة تقرر أن "السؤال ليس إن كانت أسلحة الذكاء الاصطناعي ستبنى، السؤال هو من سيبنيها". هذا المنطق الحتمي المغلق يهدف إلى إسقاط أي نقاش حول رفض التسليح التكنولوجي من الجذور. حين يصاغ الخيار على شكل: "نحن أو العدو"، تلغى إمكانية قول "لا للسلاح أساساً". إنه المنطق ذاته الذي استخدمته إدارات الحرب الباردة لإسكات حركات السلام وتقييد التنظيمات اليسارية، وها هو يعود في حلة رقمية.

النقطة السادسة تطالب بأن تكون "الخدمة الوطنية واجباً عاماً"، وتدعو إلى إعادة النظر في نظام الجيش المتطوع لصالح التجنيد الإلزامي. هذه الدعوة تكشف بجلاء الوجه الفاشي الكلاسيكي للبيان: حين تعجز الدولة الرأسمالية عن إنتاج رغبة طوعية في الانخراط في حروبها، تلجأ إلى الإكراه المؤسسي وتسميه "مسؤولية مشتركة". والأكثر دلالةً أن الشركة التي تطالب الشباب بتقديم أرواحهم للدفاع عن "الغرب" تجني في الوقت ذاته مليارات الدولارات من عقود الحروب التي يموت فيها هؤلاء الشباب. الواجب للجميع، والأرباح للأقلية.

النقطة السابعة عشرة تؤكد أن "وادي السيليكون يجب أن يؤدي دوراً في مواجهة الجريمة العنيفة". هذا الطرح يبدو براغماتياً في ظاهره، غير أنه في جوهره توسيع لصلاحيات الشركات الأمنية الخاصة لتتجاوز دور الدولة وتتحول إلى قوة ضبط اجتماعي مستقلة، تعمل بمنطق الربح لا بمنطق القانون والقضاء المستقل والمساءلة الديمقراطية.

النقطة العشرون تطالب بـ"مقاومة التعصب المنتشر ضد الإيمان الديني". هذه النقطة لا تنبع من دفاع حقيقي عن حرية الاعتقاد، إنها توظيف انتهازي للخطاب الديني لبناء تحالف أيديولوجي مع التيارات المحافظة والدينية الأكثر قابلية للتعبئة خلف مشاريع الحرب. التاريخ يعلمنا أن كل مشروع فاشي احتاج إلى تحالف مع المؤسسة الدينية ليضفي على العنف طابعاً مقدساً، وهذا ما تسعى إليه هذه النقطة تحت غطاء "حرية الإيمان".

النقطة الحادية والعشرون هي الأكثر إفصاحاً عن البعد الأيديولوجي العميق، حين تقرر أن "بعض الثقافات أنتجت تقدماً حيوياً بينما لا تزال أخرى معطلة ورجعية". هذه الجملة ليست رأياً ثقافياً عابراً، إنها الأساس النظري للعنصرية الاستعمارية الحضارية التي تبرر الهيمنة والاحتلال وقتل الشعوب تحت غطاء "الإدارة العقلانية للحضارة". لا يختلف هذا المنطق جوهرياً عن " الرجل الأبيض" الذي برر الاستعمار في القرون السابقة، ويعاد إنتاجه اليوم بلغة الخوارزميات والبيانات الضخمة. وما يجعله أشد خطورة من سابقه أنه لا يحتاج إلى قوات استعمارية مرئية، يكتفي بقاعدة بيانات وخوارزمية استهداف.

4. الترامبية كمنظومة، لا كشخص

الخطأ الشائع هو اختزال الترامبية في شخص دونالد ترامب. الترامبية مشروع طبقي متكامل يجمع رأس المال المالي القومي مع الوطنية الشوفينية والعداء للمهاجرين والأقليات، وأحيانا الخطاب الديني، وهي في جوهرها تعبير عن أزمة الرأسمالية حين تعجز عن إعادة إنتاج الوهم الليبرالي لجمهورها، فتلجأ إلى الخطاب القومي العدواني لصرف الأنظار عن التناقضات الطبقية الحقيقية. ما يفعله بيان” بالانتير” هو ربط رأس المال الرقمي الاحتكاري بهذا المشروع، وتزويده بالأداة التكنولوجية اللازمة لتحويله من خطاب سياسي انتخابي إلى منظومة سيطرة فعلية.

التعاون الموثق بين” بالانتير” ومؤسسات الهجرة والأجهزة الأمنية في تتبع المهاجرين وترحيلهم هو نموذج عملي لهذا التحالف. التكنولوجيا هنا لا تستخدم لخدمة "الأمن" بالمعنى المحايد، إنها تستخدم لتنفيذ سياسات قمعية وعنصرية بكفاءة تشغيلية عالية. الأداة الرقمية تجعل القمع أسرع وأدق وأقل حاجة للتبرير العلني.

5. الإقطاع والرأسمالية الرقمية والمرحلة الفاشية

كما طرحت سابقاً في تحليلاتي للرأسمالية الرقمية، نحن نعيش مرحلة الإقطاع الرقمي المتقدم حيث تحتكر الشركات الكبرى البنية التحتية الرقمية وتفرض شروطها على المستخدمين والمستخدمات، تماماً كما كان الإقطاعيون يحتكرون الأراضي ويتحكمون بالفلاحين. غير أن ما يكشفه بيان” بالانتير” هو أن هذا الإقطاع الرقمي يدخل الآن مرحلته الفاشية، أي المرحلة التي لا يكتفي فيها رأس المال بالاستغلال الاقتصادي الصامت، ويتجه نحو التعبئة والسيطرة السياسية والأيديولوجية الصريحة لحماية نظامه من أي تهديد.

في ظل الرأسمالية الرقمية، لم يعد شغيلات وشغيلة اليد والفكر التقليديون وحدهم ضحايا الاستغلال. كل مستخدم وكل مستخدمة ينتج بيانات يومية تحول إلى مادة خام لإنتاج فائض القيمة دون مقابل. الأقنان الرقميون يعملون في منظومات لا يملكونها ويخضعون لقواعدها دون قدرة حقيقية على التأثير فيها. وما يضيفه البيان إلى هذه الصورة هو التسليح: هذه المنظومات الاستغلالية ذاتها توجه الآن نحو تأطير العقل البشري، والحروب، وقمع وتقييد المعارضة، والترحيل القسري، وإدارة أنظمة السيطرة الأمنية.

6. خوارزميات الموت

لا يمكن قراءة هذا البيان بمعزل عما يجري في الحروب المعاصرة. كشفت تقارير موثقة أن” بالانتير” أسست شراكات استراتيجية مع جيوش ومؤسسات أمنية، لبناء قواعد بيانات استهداف تستخدم فعلياً في العمليات العسكرية. هذا ليس احتمالاً نظرياً، هذه ممارسة يومية موثقة: خوارزميات تحول حياة البشر إلى نقاط بيانات، ونقاط البيانات إلى أهداف عسكرية. في فلسطين، وثقت تقارير صحفية واستقصائية استخدام أنظمة ذكاء اصطناعي في بناء قوائم الاستهداف التي أسفرت عن مجازر بحق المدنيين في غزة. في فنزويلا وإيران وغيرهما من الدول التي تصنفها واشنطن "تهديداً"، تستخدم منظومات المراقبة والبيانات لدعم العسكرتارية والعدوان والحروب الخارجة عن القانون الدولي.

ما تسميه الشركة "نظام الاستهداف الذكي" هو على أرض الواقع آلة لإدارة القتل بكفاءة صناعية. القتل لا يحتاج إلى قرار بشري مسؤول، يحتاج إلى خوارزمية وبيانات كافية وضوء أخضر من جهاز لا يخضع لأي مساءلة ديمقراطية. هذا هو التطبيق الميداني لما يسميه البيان "القدرة على اتخاذ القرار في الوقت الحقيقي"، حيث تتخذ قرارات القتل بشكل فوري ضمن منظومات تقنية مغلقة.

والأهم في هذا السياق أن استخدام هذه الأنظمة لا يمكن فصله عن الخطاب الذي يبرر تصنيف مجتمعات كاملة باعتبارها متخلفة أو تهديداً. الجريمة لا تبدأ بالقنبلة، تبدأ بالتصنيف. حين تعرف مجتمعات بأكملها كخطر، تتحول عمليات قتل المدنيين واستهدافهم إلى "إدارة أمنية" لا إلى جرائم وابادة جماعية يجب مساءلة مرتكبيها.

7. وهم الحياد التكنولوجي، الرقابة الذاتية والقمع الرقمي كأداة سيطرة

خطورة النموذج الذي تبنيه” بالانتير” لا تكمن فقط في تطبيقاته العسكرية المباشرة. الأشد خطورة هو ما يمكن وصفه بـ"مجتمع المراقبة"، أي حين تصبح السيطرة داخلية لا خارجية. حين يعرف الفرد أنه مراقب في كل لحظة، ويشعر بأن كل تفاعله الرقمي يسجل ويحلل، يبدأ في فرض رقابة على نفسه. يعدِل خطابه، يتجنب الموضوعات الحساسة، يبتعد عن الأفكار المعارضة الجذرية. هذه المراقبة الذاتية الطوعية تقيد وتضعف الحركات اليسارية والتقدمية والتنظيمات العمالية والجماهيرية من الداخل دون الحاجة إلى اعتقال وقيود مباشرة.

ولهذا فإن دعوة البيان إلى "فهم عميق للسلوك البشري" كشرط للأمن هو في الواقع دعوة إلى بناء منظومة متكاملة لتعطيل الفعل السياسي الجماعي قبل نشوئه. التنبؤ بالسلوك الاحتجاجي وتفكيكه مسبقاً قبل أن يتحول إلى حركة منظمة هو الحلم الذي طالما راودت به الأجهزة الأمنية، وتكنولوجيا” بالانتير” تقترب من تحقيقه.

من أبرز آليات البيان الأيديولوجية اعتماده على منطق الحتمية المغلقة. "لن يكون هناك حياد تكنولوجي"، "أسلحة الذكاء الاصطناعي"، "الديمقراطيات لا تستطيع الاعتماد على الخطاب الأخلاقي". هذا الأسلوب يهدف إلى تحويل الخيارات السياسية إلى وقائع طبيعية لا مفر منها، وإسقاط أي تساؤل عن طبيعة النظام القائم من دائرة النقاش المشروع. إنه الأسلوب ذاته الذي استخدمه النيوليبراليون حين أعلنوا في التسعينيات أن "الرأسمالية هي نهاية التاريخ". الآن يعود المنطق ذاته بصياغة أمنية: لا خيار سوى التسليح الرقمي.

هذه الحتمية ليست وصفاً محايداً للواقع، هي تكتيك لتفريغ السياسة من محتواها. حين تقنعك بأنه لا بديل للرأسمالية، تتوقف عن البحث عن بديل. وهذا هو الهدف الأساسي من وراء هذه اللغة.

8. البديل اليساري، مسألة الملكية والرقابة الجماعية

بيان” بالانتير” جرس إنذار صاخب يجب أن تسمعه القوى اليسارية والتقدمية بكل وضوح: المعركة على مستقبل التكنولوجيا لم تعد كامنة في الكواليس، وقد خرجت إلى العلن معلنةً عن نفسها بلا خجل. من يتأخر في استيعاب هذا التحول يتأخر عن ميدان الصراع الأكثر حسماً في هذا القرن.

المسألة الجوهرية ليست في كيفية استخدام التكنولوجيا، إنها مسألة من يملكها ومن يحدد أهدافها. لن تتحول التكنولوجيا إلى أداة تحرر طالما بقيت في يد الاحتكارات الرقمية المتحالفة مع مشاريع اليمين والحرب والقمع. أي نقاش جدي يجب أن ينطلق من ضرورة الملكية الجماعية المجتمعية للبنية التحتية الرقمية، ومن إخضاع الخوارزميات والذكاء الاصطناعي لرقابة ديمقراطية حقيقية تمثل مصالح الجماهير العاملة لا النخب الاحتكارية.

هذا يتطلب من قوى اليسار والقوى التقدمية والحقوقية التعامل مع ساحة التكنولوجيا بجدية كاملة كميدان مهم للصراع طبقي. لا يكفي إنتاج النقد الفكري، مهما كان مهماً، دون بناء بدائل تكنولوجية فعلية بتنسيق وعمل مشترك من خلال أمميات رقمية: منصات تواصل لا تخضع للاحتكار والتقييد والقمع، أدوات بحث تحترم خصوصية المستخدمين والمستخدمات، أنظمة ذكاء اصطناعي تدار بشكل ديمقراطي وشفاف وغيرها من التطبيقات الرقمية. هذه ليست مشاريع ترفيهية للمستقبل، هي ضرورة استراتيجية راهنة لأي مشروع تحرري جاد.

9. إضافة ضرورية: نزع السلاح التكنولوجي كشرط مسبق

غير أن بناء البدائل وحدها لا يكفي ما لم يقرن بحملة منظمة لنزع السلاح التكنولوجي من أيدي هذه الاحتكارات. تجدر الإشارة هنا إلى أن” بالانتير” ليست حالة استثنائية أو شذوذاً في المشهد التقني، هي النموذج الأكثر صراحةً وجرأةً في التعبير عما تمارسه شركات أخرى كثيرة بصمت أكبر وخطاب أكثر ليونة. ما يجعلها نقطة تركيز في هذا التحليل هو أنها كشفت ما اعتادت غيرها إخفاءه، لا أنها تختلف عنها في الجوهر. المنظومة واحدة، والاستثناء هو درجة الصراحة فحسب.

تماماً كما ناضلت الحركات العمالية التاريخية من أجل نزع سلاح رأس المال في المصانع والمزارع، اليوم لا بد من نضال مماثل لانتزاع الخوارزميات القاتلة وأنظمة الاستهداف والمراقبة الجماعية من قبضة هذه الشركات مجتمعةً. هذا النضال يتخذ أشكالاً متعددة: مقاطعة خدماتها، كشف عقودها السرية مع الحكومات، مقاضاة مسؤوليها أمام المحاكم الدولية بتهمة التواطؤ في جرائم حرب، والضغط على المؤسسات العامة لقطع علاقاتها مع هذه الشركات. كل عقد حكومي مع هذه المنظومة هو تمويل مباشر لآلة القتل والترحيل. إيقاف هذا التدفق المالي هو خط المواجهة الأول.

ولا يكتمل هذا المسار دون العمل على المستويين التشريعي المحلي والدولي في آنٍ معاً. على الصعيد المحلي، لا بد من الضغط من أجل سن قوانين صارمة تلزم شركات التكنولوجيا الأمنية بالشفافية الكاملة في عقودها مع الحكومات، وتجرم استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في الاستهداف العسكري، والقمع، وتفرض على هذه الشركات الخضوع لمعايير المساءلة ذاتها التي تخضع لها المؤسسات العامة. على الصعيد الدولي، يجب العمل على إخضاع هذه الشركات لمواثيق حقوق الإنسان العالمية، ولا سيما اتفاقيات جنيف التي تحرم الاستهداف العشوائي للمدنيين، وميثاق الأمم المتحدة الخاص بحماية البيانات الشخصية، والمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان. شركة تبني قواعد بيانات الاستهداف في مناطق الحرب لا يجوز أن تعمل خارج هذه المنظومة القانونية، وإن فعلت فإن الحكومات التي تتعاقد معها تتحمل المسؤولية الجنائية المشتركة. هذا ليس مطلباً إصلاحياً ترفياً، هو الحد الأدنى الذي تفرضه إنسانية القانون في مواجهة لاإنسانية الخوارزمية الرأسمالية.

10. إضافة ثانية: كشف الصمت العمالي في قلب البيان

واللافت في بيان” بالانتير”، بل والمثير للريبة، أنه لا يذكر كلمة واحدة عن العمال، عن النقابات، عن حق التنظيم، عن الإضراب. في وثيقة تتحدث عن "النخبة الهندسية" و"الواجب الأخلاقي" و"الثقافات المتخلفة"، لا مكان لشغيلات وشغيلة اليد والفكر التي تبني هذه الخوارزميات وتشغلها وتعيش تحت وطأة المراقبة ذاتها. هذا الصمت ليس عابراً. إنه اعتراف ضمني بأن المشروع التكنولوجي الفاشي لا يمكنه أن يواجه سؤال العمال، لأن العمال وحدهم، إذا نظموا أنفسهم، قادرون على إيقاف خطوط إنتاج الموت بالكامل. الإضراب العام في وادي السيليكون، أو حتى في مصانع ومكاتب” بالانتير” نفسها، هو كابوس هذا المشروع. ولهذا فإن دعم نقابات عمال التكنولوجيا، وربط نضالها بنضال عالمي، هو عمل مقاومة من الدرجة الأولى.

ولا يمكن فصل هذا النضال التكنولوجي عن النضال الجماهيري الميداني. التكنولوجيا أداة داعمة للنضال لا بديل عنه. القوة الحقيقية تبقى في التنظيم السياسي والعمالي والجماهيري، في النقابات والحركات الاجتماعية، في التضامن الأممي بين الجماهير الكادحة من هذه المنظومة سواء في الحروب، وعلى الحدود، أو في أحياء العمال المراقبين بخوارزميات لا تحتاج إذن أحد.

خلاصة، الفاشية الرقمية اسمها الحقيقي

بيان” بالانتير” يكشف بوضوح أننا أمام شكل جديد من أشكال الفاشية، لا بالمعنى التاريخي الضيق فحسب، بل بمعناه الجوهري: تحالف رأس المال الاحتكاري مع السلطة السياسية القومية العدوانية وتوظيف العنف والقمع والتراتبية الحضارية لحماية هذا التحالف من أي تهديد شعبي. وما يميز هذه المرحلة ان الادوات الرئيسية لهذه الفاشية لم تعد تقليدية فقط، بل باتت تعتمد على الخوارزميات والبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي، الامر الذي يجعلها أكثر احكاما وقدرة على السيطرة، وأصعب مقاومة مقارنة بالأشكال السابقة.

حين ينتهي ألكسندر كارب من كتابة بيانه الفلسفي في مكتبه الأنيق، تواصل الخوارزميات التي بنتها شركته عملها في تحديد الأهداف، وتتبع المهاجرين على الحدود، وبناء قواعد بيانات المعارضين حول العالم، ودعم ماكنة العسكرتارية والقمع في العالم. الفلسفة والجريمة هنا وجهان لعملة واحدة.

النضال من أجل العدالة الاجتماعية والتحرر اليوم يمر حتما وبدرجة مهمة عبر النضال من أجل تحرير التكنولوجيا من هذا التحالف الطبقي العدواني. هذه ليست قضية تقنية أو قضية أخلاقية مجردة. إنها قضية سياسية طبقية بامتياز، وجزء من صراع تاريخي حول من يملك السيطرة على المستقبل والوعي البشري: الأقلية الاحتكارية المتحالفة مع مشاريع القتل والقمع، أم الجماهير الكادحة التي يجب أن تفرض سلطتها على الأدوات التي تشكل حياتها ومصيرها.

***

رزكار عقراوي

...............................

المصادر والمراجع

أولاً: المصدر الأساسي — بيان بالانتير

1.  شركة Palantir Technologies - الجمهورية التكنولوجية، في سطور (منشور رسمي على منصة X، أبريل   2026 https://x.com/PalantirTech/status/2045574398573453312

2.  كارب، ألكسندر س. وزاميسكا، نيكولاس و. — الجمهورية التكنولوجية: القوة الصلبة، والمعتقد اللين، ومستقبل الغرب. Crown Currency، نيويورك، 2025.

https://techrepublicbook.com

ثانياً: التقارير الصحفية والتحليلات حول البيان

1.  الجزيرة الإنجليزية — "التكنو-فاشية؟ لماذا أثار 'بيان' بالانتير المؤيد للغرب قلق المنتقدين"، 21 أبريل 2026.

https://www.aljazeera.com/news/2026/4/21/technofacism-why-palantirs-pro-west-manifesto-has-critics-alarmed

2.  TechCrunch — "بالانتير تنشر بياناً مصغراً يدين الشمولية والثقافات 'الرجعية'،" 19 أبريل 2026.

https://techcrunch.com/2026/04/19/palantir-posts-mini-manifesto-denouncing-regressive-and-harmful-cultures

3.  Engadget — "بالانتير نشرت بياناً يبدو كهذيان أحد أبطال الشر في قصص مصورة،" أبريل 2026.

https://www.engadget.com/big-tech/palantir-posted-a-manifesto-that-reads-like-the-ramblings-of-a-comic-book-villain-181947361.html

4.  TRT World — "الإنترنت يغلي غضباً من بيان بالانتير التقني الديستوبي،" أبريل 2026.

https://www.trtworld.com/article/e3c96555543c

5.  Reason — "البيان الجديد لبالانتير يطالب بإعادة التجنيد الإلزامي،" 20 أبريل 2026.

https://reason.com/2026/04/20/this-big-tech-firm-wants-to-reinstate-the-draft

ثالثاً: تقارير حقوق الإنسان حول بالانتير وتواطؤ شركات التكنولوجيا الكبرى في غزة

1.  منظمة العفو الدولية (Amnesty International) — تقرير حول الاقتصاد السياسي العالمي الذي يمكن الإبادة الجماعية الإسرائيلية، مع تسمية بالانتير ضمن المساهمين الرئيسيين، سبتمبر 2025.

https://www.democracynow.org/2025/9/18/amnesty_international

2.  Truthout — "منظمة العفو تدعو الدول إلى قطع الدعم عن الاقتصاد الداعم لإبادة إسرائيل الجماعية،" سبتمبر 2025.

https://truthout.org/articles/amnesty-calls-for-states-to-pull-the-plug-on-economy-backing-israels-genocide

3.  مركز الموارد المعنية بالأعمال وحقوق الإنسان — "بالانتير يزعم أنها تمكن إسرائيل من الاستهداف بالذكاء الاصطناعي في غزة، مما يثير مخاوف من جرائم حرب."

https://www.business-humanrights.org/en/latest-news/palantir-allegedly-enables-israels-ai-targeting-amid-israels-war-in-gaza-raising-concerns-over-war-crimes/

4.  مركز الموارد المعنية بالأعمال وحقوق الإنسان — "أمازون وغوغل ومايكروسوفت تغذي العدوان العسكري الإسرائيلي على غزة، كشف التحقيق،" فبراير 2025.

https://www.business-humanrights.org/en/latest-news/amazon-google-microsoft-fuel-israeli-military-aggression-in-israels-war-on-gaza-investigation-reveals/

5.  مركز الموارد المعنية بالأعمال وحقوق الإنسان — "غوغل وأمازون ومايكروسوفت متورطة بزعم في جرائم حرب في سياق الحرب الإسرائيلية على غزة."

https://www.business-humanrights.org/en/latest-news/google-amazon-microsoft-allegedly-complicit-in-war-crimes-amid-israels-war-in-gaza/

6.  مركز الموارد المعنية بالأعمال وحقوق الإنسان — "غوغل لم ترد على الاتهامات المتعلقة بتورطها في جرائم حرب في سياق الحرب الإسرائيلية على غزة،" أبريل 2025.

https://www.business-humanrights.org/en/latest-news/google-did-not-respond-to-the-allegations-over-its-complicity-in-war-crimes-amid-israels-war-in-gaza/

7.  مركز الموارد المعنية بالأعمال وحقوق الإنسان — "أمازون لم ترد على الاتهامات المتعلقة بتورطها في جرائم حرب في سياق الحرب الإسرائيلية على غزة،" أبريل 2025.

https://www.business-humanrights.org/en/latest-news/amazon-did-not-respond-to-the-allegations-over-its-complicity-in-war-crimes-amid-israels-war-in-gaza/

8.  مركز الموارد المعنية بالأعمال وحقوق الإنسان — "مايكروسوفت لم ترد على الاتهامات المتعلقة بتورطها في جرائم حرب في سياق الحرب الإسرائيلية على غزة،" أبريل 2025.

https://www.business-humanrights.org/en/latest-news/microsoft-did-not-respond-to-the-allegations-over-its-complicity-in-war-crimes-amid-israels-war-in-gaza/

 بل من أجل قواعد اللعبة الجديدة

عندما ننظر إلى الحرب الجارية في الشرق الأوسط، فإننا لا نتابع مجرد تبادل تقليدي للنيران بين خصوم معروفين، بل نعاين لحظة أعمق تتعلق بإعادة تعريف مفهوم القوة في الإقليم. لم تعد المسألة تختزل في حجم الترسانة العسكرية أو قدرة الردع المباشر، بل باتت ترتبط بقدرة الفاعلين على تحويل الفوضى إلى أداة سياسية، وعلى إدارة الزمن النفسي للصراع بقدر إدارة الميدان نفسه، الخطأ الشائع في كثير من التغطيات يكمن في التعامل مع الحرب بوصفها حدثا منفصلا، في حين أنها تمثل حلقة ضمن مسار أطول لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، هنا، تتقاطع الجغرافيا مع الطاقة، والردع مع الاقتصاد، والتحالفات مع العقوبات، والميدان العسكري مع الفضاء السيبراني؛ ومن ثم، فإن السؤال الأعمق لم يعد: من بدأ ومن رد؟ بل: من يمتلك القدرة على التأثير في شكل النظام الذي سيتشكل بعد هذه الحرب؟.

لم تعد الحرب، في صورتها الراهنة، تقليدية بالمعنى الكلاسيكي. فهي لا تدار فقط بالدبابات والطائرات، بل أيضا بالطائرات المسيرة، والهجمات السيبرانية، وأدوات الاستنزاف الاقتصادي والنفسي، وإلى جانب ذلك، يبرز عنصر غالبا ما يهمل في التحليل، هو المياه بوصفها أداة ضغط غير مباشرة، فالتوترات المرتبطة بتدفقات نهري دجلة والفرات، والسياسات المائية الإقليمية، تكشف أن التحكم بالموارد قد يوازي في تأثيره بعض أدوات القوة الصلب، اليوم، قطرة ماء قد تساوي قنبلة، وفي سياق مواز، اتجهت بعض الدول إلى الاستثمار في الأمن الغذائي خارج حدودها، في مؤشر على إدراك مبكر لطبيعة التحديات القادمة، نحن، إذا، أمام نمط من الصراع يميل إلى الإطالة لا الحسم، حيث يصبح تقليل الخسائر الداخلية هدفا لا يقل أهمية عن إلحاق الضرر بالخصم، وتتحرك القوى ضمن مساحة رمادية بين الحرب الشاملة والسلم المستقر.

لا تحسم المعارك اليوم في الجغرافيا وحدها، بل في وعي الفاعلين وإدراكهم، القدرة على خلق قدر من الغموض المقصود – سواء عبر تأخير تبني العمليات أو نفيها – أصبحت أداة لإدارة التصعيد، بعض أنماط السلوك العسكري تعكس ما يمكن وصفه بـ"الانتظار المسلح"، حيث لا يكون الرد فوريا، بل مؤجلا لتحقيق أثر نفسي مضاعف، في هذا السياق، لم يعد الضغط مقتصرا على الجيوش، بل يمتد إلى المجتمعات، حيث تتحول إدارة القلق والتعب العام إلى عنصر في الحسابات الاستراتيجية، وهذا ما يفسر جزئيا استمرار حروب لا تنتهي بانتصارات حاسمة.

بالنسبة لدول الخليج، لا تقرأ هذه الحرب من زاوية عسكرية فحسب، بل من منظور اقتصادي وسيادي معا، فالتصعيد الواسع يهدد استقرار أسواق الطاقة، وثقة المستثمرين، وأنماط الحماية الدولية، لكنه قد يفتح في الوقت ذاته نوافذ لإعادة تموضع إقليمي، لذلك يظهر سلوك مزدوج: خطاب تهدئة في العلن، يقابله استعداد محسوب لمواجهة سيناريوهات عدم الاستقرار، هذه المقاربة لا تعكس تناقضا بقدر ما تعبر عن انتقال في نمط التفكير، من ردود الفعل السياسية إلى إدارة المخاطر بمنطق أقرب إلى إدارة المحافظ الاقتصاد، الخليج اليوم لا يراهن على الفائز، بل على من لا يخسر.

أما على مستوى الفاعلين الإقليميين، فتختلف زوايا النظر دون أن تنفصل عن منطق الاستنزاف، تسعى إسرائيل إلى الحفاظ على معادلة ردع تمنع تهديد بيئتها الأمنية، مع محاولة إعادة رسم حدود هذا الردع كلما سنحت الفرصة، في المقابل، تميل إيران إلى تبني مقاربة تقوم على توزيع الضغط عبر مساحات متعددة، بما يحد من قدرة الخصوم على تحقيق إنجاز سياسي واضح وسريع،  وبين هذين المنظورين، تتحرك تركيا ضمن معادلة معقدة تمزج بين اعتبارات الأمن الحدودي، والملف الكوردي، والضغوط الاقتصادية الداخلية، ما يدفعها إلى تجنب الانفجار الشامل مع السعي إلى إعادة التموضع كلما تغيرت موازين القوى.

يعود أحد أسباب تحول الحروب في المنطقة إلى صراعات طويلة إلى إدراك متزايد لدى بعض الفاعلين بأن الحسم الكامل قد يفتح الباب أمام فراغات يصعب التحكم بها، سواء عبر صعود جماعات مسلحة أو تدخلات خارجية مباشرة، من هنا، يظهر نمط من "إدارة التوازن الهش"، حيث لا يكون الهدف تحقيق نصر نهائي بقدر ما هو منع الخصم من تحقيق نصر مماثل، هذه المقاربة لا تعني غياب الصراع، بل إعادة تعريفه ضمن حدود يمكن السيطرة عليها نسبيا.

غير أن الخطأ في النقاش العام يكمن في افتراض أن نهاية العمليات العسكرية تعني نهاية الحرب، في الواقع، غالبا ما تبدأ المرحلة الأكثر تعقيدا بعد وقف إطلاق النار: إعادة الإعمار، وضبط الترتيبات الأمنية، وإعادة توزيع النفوذ، وإعادة إنتاج الشرعية السياسية، وهذه كلها عناصر تكشف أن القيمة الحقيقية للحرب لا تتحدد فقط بنتائجها العسكرية المباشرة، بل بما تتيحه من فرص لإعادة تشكيل النظام الإقليمي.

إن ما نشهده اليوم يمكن قراءته بوصفه إحدى أبرز تجليات التحول في أنماط الصراع في الشرق الأوسط، حيث تتداخل الأدوات الصلبة والناعمة، وتتراجع فكرة الحسم لصالح إدارة الصراع، لم تعد الحدود وحدها هي محور النزاع، بل أصبحت الموارد، والتكنولوجيا، والاقتصاد، والوعي المجتمعي عناصر أساسية في معادلة القوة، لذلك، فإن فهم هذه الحرب لا يكتمل عبر تتبع خطوط النار فقط، بل عبر قراءة ما يجري تحتها: إعادة توزيع بطيئة، لكنها عميقة، لمصادر القوة، . وفي هذا المستوى تحديدا، يتحدد من سيملك القدرة على الإسهام في صياغة النظام الإقليمي القادم، في الشرق الأوسط، لا تحسم الحروب بمن يطلق النار أولا، بل بمن ينجح في كتابة قواعد ما بعد النار.

***

د. جوتيار تمر - اقليم كوردستان

 26-4-2026

الصورة، اللقطة، الشريحة البصرية، جزءٌ من فضاء السرديات. فهي تقول" للعين والعقل" ما لا يُقال صراحةً. وتدمج الاثنين في وسيط ليس قابلاً للتأثير فقط، بل يبقى قيدَ التداول. التفاصيل المرئية تهمس بأنَّ هناك معنى يحرك خيوطاً وراء المَشاهد. في حروب السرديات، الصورة تحكي، الصورة تفضح، الصورة تتلاعب بأفكارنا، الصورة تتداعى، الصورة ترسم سيناريو الأحداث، الصور لا تخرجُ من رأسِكَ، لأنَّ رأسَكَ هو الهدف والغاية رغم كثرة الأهداف الأخرى. إنّها تلحُ على ما تنقله طوال الوقت، خلال كلّ مرةٍ تنظر إليها، ستمارس الصور تجسيداً لما نراه متفاعلةً مع عالمك. الصور ضمن الحروب تؤدي دور الحكاية التي تحاول برمجة ذهنية المتلقي. لكونّها ترسم قصصاً أنت ستكملها عاجلاً أم آجلاً. الصور" شرائح بصرية " تنطلق كالرصاصات التي لن تعود إلى فوهة البندقية مرةً أخرى.

أخطر شيء أنَّ: " الصور لا تخرج من رأسك "، لا تبارح المراكز العصبية وعمليات الإدراك وذكريات الأحداث واضحةً كانت أم غير واضحةٍ. مهما تكن الصورة قديمةً أو كامنةً أو لم ترها منذ فترة، إلاَّ أنها سضرب لك وعداً بالمجئ، لا لشيء إلاّ لكون الصورة "قطعة من وجود " بالغ الدلالة. تعبر بذاتها عما تجسد. صحيح أنَّ مشهد الوجود عام لا يتجزأ، غير أنَّ بعضاً منه يدل على كله. البعض في الدلالة يمثل عناصر الصورة الاجمالية للعالم. ولا يفهم العنصر إلاَّ بجانب الكل المؤسس له، لأنَّ المعنى يربط المفقود من الصورة بالمرئي الذي يلح على انتاج الفكرة. حيث يستحضر ما خفي من جهةٍ ويترك أثراً دالاً على الجانب الأكبر من جهةٍ أخرى. وحدُها الصورة تعبر عن وجودنا مشحونةً بالممارسة أينما كانت. فلا تُوجد صورة خاملةً من زخم التفاصيل.

اتصالاً بذلك، ارتبطت مسار ات الحرب الأمريكية الايرانية بالسرد البصري. جاء البصر في أرض الدول كأبرز الأدوات الحربية المهمة لتفاعل الأحداث. والأخيرة هي مستوى قدرتنا الخاصة على إدارة الصراع. والصورة تستغل عجزنا عن مواصلة الحياة دون الرؤية. وتستثمر في عالمنا البصري المتحسب من فقدان الاتجاهات المرئية. هكذا نحن كائنات لا نعيش طويلاً إلاَّ في آفاق المعنى. الإنسان كائن قصير العيش في الزمن، حتى وإنْ تجاوز قرناً من الأعوام، ولكنه يستمر في الحياة إنْ استحال وجودُه إلى معنى.

صراع الصور

أشعلت السردية الامريكية تجاه ايران لعبة الصور واللقطات والأشكال المرئية وحركة الشخصيات وإهاب القادة والتصريحات المتلفزة وفيديوهات الأسلحة والناقلات الحربية والمدمرات العابرة للبحار ولقطات القواعد وحركة الجنود والطائرات المسيرة... كل ذلك مع وجود احداثيات إلكترونية بصرية. أي تؤسس الالكترونيات الحربية (صور أقمار صناعية – مواقع جغرافية ديجيتال– خرائط إلكترونية للمواقع – مسارات الربط الالكتروني بين القوات – توجيه الصواريخ بالإحداثيات الافتراضية...) لمسارات القوات والضربات العسكرية. بتنا واقعين في سيناريو بصري لم ينته بعد، ولكنه سيواصل، حتى يكمل مسيرته في أذهاننا. وغدا المتابع يتأهب بكل أعصابه إزاء ما سيحدث ولا يستطيع التخلص من صورةٍ واحدة. فقد رُشقت في إدراكه مثل السهم النافذ.

احتل دونالد ترامب مركز السرد البصري. أكاذيب ترامب يجسدها الإيقاع المرئي الدال. الأكاذيب لها سيناريو واخراج بصري كأنها حقائق. تهويمات ترامب ترسمها المشاهد أمام الجماهير. حركات ترامب نسيج بصري قابل للرصد لا التحقق. وعلامات وجهه مرآةٌ لما يعتمل في قلب الأحداث، لا بسبب قدرتها على العمل، بل على التجسد والتنفيذ. استباقه البصري في بعض المشاهد أمرٌ معبر عن مسارات الحرب. عندما يقول ترامب في 7 أبريل 2026 محذراً إيران: " إن هناك حضارة ستموت الليلة، ولن تعود إلى الأبد"، فملامح وجهه تعبر عن تهديد ليس جاداً. فهو كلام اسكاتولوجي (أخروي) لا يحمل واقعاً قريباً، بقدر ما يفتح وعيداً قاتلاً للطرف الآخر، ليست الكلمات اجراءَ، بل رسالة بعنوان الموت. لا تعبر عن شيء منظور في الواقع، بل عن قنبلة خطابية كجزء من السرد الأمريكي. لأن ترامب لا يملك محو حضارة وإن كانت قديمة، ولكنه يملك كلاماً قيد الهواء. ولماذا قال ترامب كلمة حضارة تحديداً؟!

كذب ترامب عبارة عن " حدث فانتازي"، كأنّه يسرد حكاية لا تتوقف عن الهذيان. المدهش أنه يستعمل كافة ألوان السرد البصري: علامات الوجه وحركة الأيادي والأكتاف وألوان الملابس وسيمياء المواقف والابتسامات وصور السخرية والمفارقات. ويحدد الموقف الحالي بتوزيع النظرات الجانبية يميناً ويساراً. وقد يرمق من هو في المقدمة، حتى يصوب النظرات تجاهه مع الكلام. ويضع سيناريو للأكاذيب حتى تبدو مثل الحقيقة. ترامب يكذب كأنّه يتنفس، بشكل سلس ودال على قدرته ككائن حي على التلون. لا سياسة أمريكية دون كذب وأوهام. وجود الامبراطوريات وجود وهمي يرقى إلى درجة الخيال. ترامب كائن مهووس بالصورة حد التعلق بها طوال الوقت. رئيس يتلاعب بالصور كأسلحة حربية على شواطئ العولمة. حتى القصص التي يحكيها عن الملوك والرؤساء قصص مصورة. يقول العبارة بشكل تمثيلي أمام الكاميرا. يرسم الكلمات في شكل صورة ويعطيها قدرة واسعة على التردد وهو يعلم أنَّ الأصداء ستكون على قدر المعاني.

وكجزءٍ من السردية الأمريكية، وضعت اسرائية جدل الصورة والحركة في مقدمة المشاهد. اسرائيل تضع وجودها في هذا المربع لاشعار المتابع بزخم الكيان الصهيوني. هناك: " نزاع بصري سردي" بين الصور الاسرائيلية والصور الأمريكية. أساسه أن اسرائيل تريد جر أمريكا إلى دائرة مخططاتها. وتستبق إلى ذلك لا تحت جنح الظلام، بل في وضح النهار. اسرائيل ظاهرة في الصور التي تسوق للحرب، أي حرب تخوضها. ورغم كونها تحتل موقع الاجرام، إلا أنها تبدو في ثياب الحمل الوديع. تلاعب نتنياهو بصياغة الصور، لأن الجيش الصهيوني تحكم في إدارة الحرب البصرية مع إيران.

لم تنشر اسرائيل صور الدمار نتيجة الضربات الايرانية، ليس من باب الاخفاء، بل من جهة ألا يخضع المتابعون لتدهور المعنى. تاريخ اسرائيل هو تاريخ الصورة الذهنية البراقة. تسويق الصور الموعودة أمام المهاجرين من كل مكان. يظن المهاجرون أنهم سيذهبون إلى المعنى اليوتوبي للحياة الحرة. ومع وجود الموروثات اليهودية، تختلط الصور بالتاريخ التوراتي والحياة المنتظرة لشعب الرب. وترى اسرائيل أن التحكم في الصور لا يقل أهمية عن التحكم في الضربات العسكرية على إيران. وعليها أن تحافظ على الصور دون أضرار في عقول مواطنيها المحتملين.

من ثمَّ تقع الصور تحت الوصاية الصهيونية. فلا تخرج الصواريخ الايرانية عن كونها ألعاباً مشتعلة في أجواء تل أبيب. تسقط فقط في المناطق المفتوحة من الشوارع والساحات. وعليها ألا تقتل ولا تصيب أحداً إلا بأرقام لا تذكر. وتأتي المشاهد من بعيد دون الاقتراب ولا إلقاء الضوء على التفاصيل. وطوال الوقت تصبح الأخبار أخباراً عن قوة القبة الحديدية (بالعبرية: כיפת ברזל) هو نظام دفاع جوي بالصواريخ ذات قواعد متحركة.

أي أن اسرائيل حولت الاخبار المتداولة حول الضربات الايرانية إلى سرد عن قوة القبة المانعة. تحول مقصود لا من قبيل الواقع، بل من جانب ألعاب الإلهاء. الواقع شيء والدفاع المضاد للصوايخ شيء آخر. الواقع الاسرائيلي مزري بينما الصورة تحاول تجميله إلى أقصى درجة. ومن وقت إلى آخر، تقطع صور نتنياهو مسار الاحداث الاسرائيلية ليعبر عن قدرته الوهمية على القيادة. وبتكلمم بملامح تبدو قوية ولكنها ذروة الانهيار الذي يتطلب التشبث بالقشة الأمريكية في المنطقة. رئيس وزراء اسرائيل ساقط سقوطاً مدوياً، ومع ذلك لا يبدو في الصورة ضعيفاً. بل يعتير الشرق الأوسط فضاء لتصريحاته.

في المقابل تدخل الكاميرا الامريكية الاسرائيلية إلى شوارع إيران استكمالاً للضربات العنيفة. تصور القصف على أنه قيامة أخروية كانت منتظرة منذ أربعين عاماً. والكاميرا تُشرّح جسد المؤسسات الايرانية. وهي في الحقيقة تنتهك حياة الإنسان كإنسان. لأن الصور الأمريكية عن إيران صور ممعنة في التدمير. مرة تأتي زواياها من الأرض وأخرى تهبط من أعلى وغيرهما ترسم مشهداً غسقياً من بعيد. وخرج دونالد ترامب قائلاً: لقد شهدت إيران تدميراً لم تشهده دولة من قبل. وتتداخل الصور مع الاسلحة لكسر الإرادة السياسية الايرانية. تنقل الصور: أن الحياة متوقفة وأن الضربات ستطال أي مكان. وأمريكا تحاول التركيزو في خطاب الصورة على المؤسسات العسكرية ومواقع الأسلحة كما تقول.

من جهة إيران، ركزت الصور على انتهاكات القصف الأمريكي – الاسرائيلي. أخذت المدرسة التي قتل فيها التلاميذ مكاناً بارزاً. مثلت مفتاحاً لتحريك أنظار العالم والمنظمات الحقوقية تجاه الحرب الدائرة. وكشفت الانتهاك الوحشي لبراءة الأطفال، ما يربو عن المائتين تعرضو ا لقصف مباشر من القوات الامريكية. وظل الايرانيون يرددون السرد البصري لتلك الواقعة. وهو ما يصف ضمنياً ما ارتكبته امريكا من تدمير لمستقبل الدولة الفارسية. ومع أن أمريكا قالت أنها ستبحث الأمر وتحقق في ضرب المدرسة الايرانية، غير أن الصور توارت واختفت في غبار الصراع. وبقت حادثة التلاميذ سردية تستحضر ها إيران من وقت لآخر.

جغرافيا الصور

تمثل الصور جغرافيا الحرب، لا الجغرفيا التي تنقل تضاريس، بل التي ترسم وقائع سردية. تهدف الصور ايجاد مشاهد ثابتة من جانب الطرفين. امريكا – سرائيل نهار استعماري طاغ على كافة سرديات المنطقة. لو تخيلنا الصور تحمل حركة، فهي تحازول استمرار ذاكرة بصرية.

لا تهدف جغرافيا الصور إلى التوثيق، ولكنها تريد الذاكرة. الذاكرة لها فعل السحر في تكوين الرأي والمعنى. وسواء أكانت الصور من هذا الطرف أو ذاك، فهو تغطي أرض الواقع. تنطوي كل صورة أمريكية إلى نزع الصور الايرانية الاحلال محلها. وتتحرش الصور الاسرائيلية بكل صور بإمكانها أن تراها بشكل غير مرغوب. لأنَّ السرد البصري الاسرائيلي سرد انتهازي إلى درجة الهوس. تختلق الصور وتقص صولاراً أخرى وتمزج صوراً مختلفة من أجل رسم سيناريو عبر أدمغة المتابعين. والصور الاسرائيلية عبارة عن جغرافيا بديلة لكيانها الكولونيالي في الواقع.

جرى سرد الضربات الاسرائيلية انتقالاً بين الخارج والداخل.، أي يتم تصوير الآثار المدمرة للقصف الصهيوني داخل العمق الايراني. لتبدو قادرة على تحويل ايران إلى جغرافيا غير آمنة، ثم تنتقل سريعاً إلى صد الضربات الايرانية. في التفاتة إلى كون اسرائيل تمتلك زمام الحرب وتقدم سرداً بصرياً يداعب رغبات مواطنيها. ولا يخفى كون الصور مجالاً للتخييل وطرح البدائل إزاء الأحداث.

عندما انتشرت أخبار مقتل نتنياهو في إحدى الضربات الايرانية، صنع السرد البصري له مقاطع بالذكاء الاصطناعي. كي يكون السرد البصري نافذاً في اتجاه آخر. الآلة السردية الصهيونية تعْلم: أنَّ خروج نتنياهو من القصف الايراني يساوي خروجه واقعياً، وأن الاخبار كاذبة لمعرفة ردود أفعال الجمهور ومواصلة القصف بوتيرة أسرع. ونتيجة هذا، استطاع الكيان الصهيوني جذب الأنظار وتعمية المنظور البصري لإحداث فجوة سردية ضخمة. كان على الأحداث تغطيتها وتسمح بضرب ايران مرات ومرات. والوضع لون من التبرير الحربي لكيفية التجاوز في الصراع القائم.

نجحت السردية الصهيونية في رفع درجة التوتر البصري للمتابعين إلى الذروة، حيث توقعوا مقتل نتنياهو، وكانت العيون تفتش في الصور واللقطات عن آثار الخبر. ولم يخرج نتنياهو أمام الكاميرات بشكل عاجل. وكان الموضوع مقصوداً. لأن زيادة التكهنات مع الأخبار الكاذبة تحدثان ارتباكاً معلوماتياً لدى الطرف الايراني. والارتباك يجيئ من التوقع الجازم بمقتل رئيس الوزراء، وعندما تأكدت اسرائيل من انتشار التوقع وارتفاع مستويات البحث عنه، ظهر نتنياهو في بعض الاجتماعات الحكومية دون تصديق ولا تكذيب للموضوع. مع أن اخراج السيناريو البصري كان معداً وصنعه خبراء الالكترونيات في الجيش الصهيوني!!

عندما ظهر نتنياهو بدت الصور ة زاهيةً كأن مجرد الظهور انتصار، لأنَّ رئيس الوزراء قد عاد لتوّه من الموت. لندقق في الصور: الصور التي اختفى منها كانت اعلاناً بمقتله وقد تم تداول بعض الصور التي تشير إلى جثته بين الركام وأن أمره بات محسوماً وعلى الكيان الصهيوني الاعلان عن اغتياله. ولكن فجأة تبدو كل تلك الصور غير حقيقية، وأنها تيمات في السردية البصرية المضادة. ليظهر نتنياهو مبتسماً وقد هزم اعداءه وأسقط دلالة الصور التي تحمل جثته. لقد كتبت له الحياة وكتبت أيضاً للكيان الصهيوني. انتصار بصري من لاشيء، خروج من بين الركام، انتصار على صعيد الخيال والذاكرة.

بينما عندما كان يُصوّر المرشد الأعلى للدولة الإيرانية (مجتبى خامنئي)، تأتي الصورة لرجل قعيد وفي حالة يرثى لها. في الصور الصهيونية انبعث ماهية رئيس الوزراء من بين الرماد كطائر الفينق، ولكن مجتبى خامنئي يأتي قعيداً ويقولون إنه لن يخرج سالماً من الضربات الامريكية. وظلت دلالة الصورة تجسد لا المرشد فقط، بل حال الدولة الايرانية القعيدة فيما يقول ترامب. أرادت الصورة تقول ذلك من زاوية الدعاية الصهيونية. ولم يخلو الشأن من استدراج المرشد الأعلى للخروج إلى الجماهير أيضاً. وفي كل الأحوال ستكون حرب الصور جزءاً من لحمة السرديات الرائجة. فهي تكتب مضمونها بلغة بالغة التشفير. وفي الوقت نفسه تتملص الصور من الأطر وتشكل مساحة للبوح والافضاء.

المفارقة أنَّ الصور تحمل هذا الازدواج: دلالة الصراع ودلالة البوُح. دلالة الحركة، دلالة السكون، دلالة الانطواء، دلالة التكشف، دلالة الصدق، دلالة الخداع. الصور يصعب الهيمنة عليها لكونها معلنة في فضاء قابل للتأويل. ليست الصورة وفيةً لموضوعها إلى نهاية الشوط، لكنها تتجلى وتتعرى. الصور تسير إلى حتفها من أقرب النقاط، رغم أن التفاصيل قد تقول عكس ذلك. الصورة دون بلاغة السرد البصري تقف عند حد الهوس بالواقع. عكس ما هو متداول من كون الصور تُجمله، الصور في حروب السرديات تفتح الآفاق لقراءات مدهشة وبالغة العمق. وبالامكان معرفة الأهداف الكامنة في التفاصيل. فالصور هي التلاعب السردي بالحقائق. لأنّها تخضع لعمليات مونتاج وقص ولصق وإعادة انتاج. حتى ولو لم يحدث في غرف مغلقة، فهناك استراتيجيات لشخوص الصور. أي تكون الاستراتيجيات جزءاً من سياسات المرئي في الصراعات الحربية.

الصور من جانبٍ آخر مرعبة بطبيعتها إلى حد الغرابة. وحدها الصورة هي الرعب الفعلي لا المجازي. المجازي يشكل المشهد تماهياً مع الواقعي. وقد لا توجد نقطة فاصلة بين الاثنين. الواقعي هو المجازي والعكس في لحظة مكثفة وقوية التأثير. ولذلك تكون الصور في حروب السرديات صوراً مضاعفة، لكونها تستعمل بمنطق الصراع. هي تبرز كما لو أنها مستوى من الحياة التي ينبغي أن تتقمص الواقع. ترامب له أسلوب في هذا الاتجاه أنّه يدخل الصورة ويخرج منها بأساليب التعليق والسخرية.

الصورة تقول كونه رئيساً ويكون التلقي على مستواه، غير أنه في أكثر الأمور صرامة، يلجأ إلى الهزل والوقاحة والكذب. وهي أشياء تخرجه من الصورة وتدخله إليها، مما يربك الأطراف الأخرى. وتجسد الصورة معنى أن كل شيء ممكن. وجود الذكاء الاصطناعي أتاح للجماهير معاملة ترامب ونتنياهو بالأسلوب نفسه. هناك صور كثيرة لترامب في أوضاع مزريةٍ أو بملابس رثة أو وهو يغني أغاني شعبية نواحاً على أحواله. والوضع يعبر عن أسلوب السخرية التي تُعري طبيعة السرد البصري الذي تلجأ إليه أمريكا في حروبها. إنَّ الصور الساخرة نوعٌ من الدفق البصري الذي يغمر صرامة الصور الحربية. مقاومة بصرية لا ترى في الواقع غير ألعاب تنكشف عن المآرب.

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

منذ أكثر من ربع قرن وأنا أقلّب مع نفسي ومع جمهور القرّاء وأستقرئ آراء علماء سياسة ومفكّرين، تراجع الديمقراطية على المستوى الكوني، وهو موضوع بالغ الحساسية في مجتمعاتنا العربية التي عانت من الأنظمة الديكتاتورية والسلطوية، وظلّت تتطلّع إلى الديمقراطية، علمًا بأن الديمقراطية ذاتها وفي معاقلها الرئيسية عانت من تحدّيات كبرى. فهل الديمقراطية هي الحل لمشاكلنا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؟ أم أن حاجة مجتمعاتنا إلى التنمية والعقلانية لها الأولوية؟

وقد أخذ يتردّد مصطلح "ما بعد الديمقراطية" Post-Democracy، في محاولة لتشخيص أزمة الديمقراطية المعاصرة، بعد أن أصبحت المؤسسات الديمقراطية شكلية في الكثير من الأحيان، وأُفرغت من محتواها الفعلي وانكمش دورها في صناعة القرار، لاسيّما بالمشاركة الشعبية التمثيلية، مقابل صعود نفوذ الشركات الكبرى وتراجع دور الأحزاب والتنظيمات المهنية والنقابية، وصارت جماعات الضغط مهيمنة على المجال العام بفضل المال السياسي، بحيث غدت الانتخابات مجرد مواسم لإعلان استمرار المؤسسات الديمقراطية مع تقليص مضمونها الحقيقي، لاسيّما بانتخاب من لا يملك الكفاءة والأهلية.

وبعد أن سُوّفت الديمقراطية في بُعدها القانوني والتمثيلي المتعلقة بالسيادة الشعبية والمساواة والشراكة والمشاركة، حلّت الإدارة التنظيمية محل القيادة السياسية، في ظل صعود تيارات "أقلوية" شعبوية عنصرية لا يربطها رابط بالديمقراطية الليبرالية التي عرفها الفكر السياسي المعاصر والتي ارتبطت بوعينا على الرغم من غيابها.

وبعد أحداث 11 أيلول / سبتمبر 2001 الإرهابية، ازدادت هواجسي بخصوص مستقبل الديمقراطية بعد احتلال العراق (2003)، وكتبت مقالة بعنوان "نهاية الديمقراطية" (2007) بعد طائفة من الإجراءات التي اتّخذتها إدارة الرئيس جورج دبليو بوش الابن والعديد من الدول الأوروبية، شملت تقليص مساحات الحريّة والحقوق المدنية والسياسية بارتفاع موجة الزينوفوبيا (الرهاب من الأجانب) وفرعها الأكثر شراسة الإسلاموفوبيا (الرهاب من الإسلام والمسلمين) وبشكل خاص من العرب.

لم تكن الديمقراطية مجرد اقتصاد السوق من حيث النظام الاقتصادي أو التعددية الفكرية والثقافية والانتخابات كآليات ضرورية، وإنما، وهذا هو الأهم، عملية تطوّر تاريخي حضاري مؤسسي يقوم على التداول السلمي للسلطة وحكم القانون واستقلال القضاء وتمثيل المجموعات الثقافية التي يطلق عليها مجازًا مصطلح "الأقليات" في إطار المشاركة السياسية.

الديمقراطية هي بحث في طبيعة الدولة، ولذلك لابد من التمييز بينها كمبادئ وحقوق وقوانين، فضلًا عن كونها آليات وأنظمة تختلف من مجتمع إلى آخر، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصيته ودرجة تطوّره ورسوخ هياكله وتراكيبه، ناهيك عن الضمانات التي توفّرها والأرضية التي تنمو فوقها.

وكنت قد تناولت في مقالة موضوع "انحسار الديمقراطية"، المؤشرات التي جاءت عليها مجلة الإيكونوميست البريطانية، وكيف تم التراجع عنها، سواء في البلدان الغربية أو في البلدان النامية، وهكذا ظهرت العديد من التجارب الديمقراطية المنقوصة أو المتصدّعة أو المشوّهة، لاسيّما ما له علاقة بالتنمية المستدامة، وذلك استنادًا إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في 4 كانون الأول / ديسمبر 2000 بخصوص الديمقراطية، الذي أكّد عدم وجود نموذج عالمي واحد للديمقراطية يمكن الاستناد إليه، وإنما ثمة معايير تتقاسمها خاصيات مشتركة. وأشرت في مقالة عن "استعصاء الديمقراطية" العام 2009 إلى ضرورة وجود دولة وقواعد سليمة للمواطنة ومؤسسات حامية وقوانين ضامنة ومساواة وعدم تمييز.

وفي مقالة عن "عبء الديمقراطية" جئت على ذكر التحدّيات أمام "الديمقراطية الموعودة"، في ظل "الديمقراطية المفقودة"، وأشرت إلى الجوانب المعيارية والإجرائية في الديمقراطية، وكنت تناولت ذلك في محاضرة لي بمؤتمر نظّمته جامعة فينسيا (إيطاليا) حول "مصادر الديمقراطية" (2019)، وقبلها شاركت في ندوة دولية في سيؤول (كوريا الجنوبية – 2002)، حول آفاق الديمقراطية، وغالبًا ما أستعيد الحوارات التي دارت في ندوة ريادية نظّمها مركز دراسات الوحدة العربية حول "أزمة الديمقراطية في الوطن العربي" في ليماسول (قبرص - 1983)، وآخرها ندوة أصيلة حول "مسار الديمقراطية" (2021).

وأصبحتُ أميل إلى اعتقاد أخذ يترسّخ عندي على مرّ الأيام، أن العرب بحاجة إلى التنمية أولًا، ربما أكثر من حاجتهم إلى الديمقراطية، والتنمية بمعناها الشامل والإنساني والدائم، هي التي تهيء الفرص لبزوغ الديمقراطية.

وتناولت في مقالة "الديمقراطية والسلطوية هل يجتمعان؟" صعود سلطوية دونالد ترامب، وفي موضوع آخر عن "عسر الديمقراطية" عربيًا توقفت عند بعض التجارب ما بعد الربيع العربي، وهو الذي خصصت له كتابًا بعنوان "الشعب يريد.. تأملات فكرية في الربيع العربي" (2012). وبحثت نشاط التيارات والأحزاب الشعبوية في الغرب في مقالة بعنوان "الأوليغارشية وروح الديمقراطية"، وفي مقالة عن "الديمقراطية والسوق" تساءلت هل تزدهر الديمقراطية بالسوق أم أن السوق يزدهر بالديمقراطية؟ وقرأت بمنظور نقدي موضوع الخصخصة في الدول الاشتراكية وبعض تجارب حركة التحرّر الوطني وأطروحات النيوليبراليين الذين دعوا لتحرير قطاعيْ التجارة والمال من تأثيرات الدولة لفشل القطاع العام، وهو ما ذهب إليه المفكّر الأمريكي نعوم تشومسكي في كتابه "الربح مقدمًا على الشعب".

خلاصة القول إن مفهوم ما بعد الديمقراطية لم يأت من فراغ، بل هو نتاج تراكم أخذ يتصاعد بعد انتهاء الحرب الباردة وشيوع نظريات "نهاية التاريخ" و"صراع الحضارات"، كما بشّر بها فرانسيس فوكوياما وصموئيل هنتنغتون، لدرجة فقدت فيه الديمقراطية روحها وتمثيلها للناس بوصفها نظامًا للمشاركة الفاعلة العميقة في إدارة شؤون الدولة.

***

عبد الحسين شعبان

أكاديمي ومفكّر

حين تصح المعلومة التأريخية ولا يصح السياق

الأستاذ د. بشار عواد معروف باحث عراقي بغدادي ومؤلف مرموق له إنجازاته القيمة في ميدان التأريخ وفروعه تأليفاً وتحقيقاً. ورغم أنني لم أتشرف بالتتلمذ علي يديه في دراستي في فرع الكلية التي تخرج هو منها ودرَّس فيها، أعني فرع التأريخ في كلية الآداب -جامعة بغداد، بل من فرع آخر. ولكني أعبر عن تمسكي بأخلاقيات وتقاليد التتلمذ والزمالة الجامعية العراقية التي تكرست أيام ازدهار التعليم والتعليم العالي في العراق وقبل أن تحطَّه الأقدار إلى المستوى المؤسف الذي وصل إليه في أيامنا ومن تلك المنظومة احترام وتبجيل الأستاذ والزميل من غير صنمية وانقياد أعمى.

والحقيقة، ما كنت أتمنى له أن يتورط في ظاهرة "البودكاستات -الحوارات" الفيديوية المنتشرة هذه الأيام وهو حر ومستقل قطعا في خيارته ولكن هذه كانت أمنيتي وقد طبقتها على نفسي قبل أن أتمناها لغيري. فالخوف على العالم المرموق حين يزج به في نقاشات وخلافات وجدالات لا قيمة لها علميا وتهدف في الدرجة الأولى إلى إحداث فرقعة إعلامية في ما يسمونه "إعلام الشو"، أو يستدرج الضيف إلى قول مرتجل قد لا يرقى إلى علمه المتجسد في مؤلفاته هو خوف حقيقي بعد تجارب كثيرة لغيره من باحثين وعلماء. والأسوأ من ذلك أن من يدير هذه المقابلات ويشرف عليها غالبا هم أناس جهلة متعطشون إلى الشهرة أو المال، وأميون معرفياً لا يعرفون أي شيء ذي طابع تخصصي في عوالم الفكر المعقدة، فيجري تشتيت فكر الضيف وانتباهه ليسرد لهم ذكريات وطرائف صغيرة من حياته الشخصية كما حدث في ثلاثة أرباع المقابلة موضوع الحديث مع د. معروف.

من الواضح أن محاولة قد جرت، بشكل مباشر أو غير مباشر، لتوريط د. معروف في خلافات ومكايدات أهل السياسة والسجالات ذات الطابع القومي والطائفي. وكان ينبغي أن يتفاداها لأنه أعلى شأنا منها وممن ختلوا وراءها وحاولوا الاستثمار في علمه ومعلوماته الغزيرة. وأشهد لوجه الحق أنه حاول جاهدا، في عدة مناسبات، أن يتفادى تلك المحاولات ويمانع في الانجرار إلى هذا النوع من المكايدات ويتملص من الإجابة على بعض أسئلة محاورِه إلا في بعض المواضع، رغم أنه بدا متحمسا إلى هذا النوع من المقابلات وأجرى عددا ملحوظا منها خلال فترة زمنية قصيرة تناول في بعضها أمورا حساسة من قبيل الإمام المهدي عند المسلمين الشيعة / بوكاست في الصورة –روتانا الخليجية.

وأيضا، حين استعاد السجالات والمناكفات السياسوية حول الظاهرة الشعوبية والشعوبيين التي راجت في العراق بعد الانقلاب القومي اليميني في 8 شباط 1963 على ثورة 14 تموز 1958، خارج سياقها التأريخي والحضاري، حين تم اعتبار اليساريين الأمميين والجماعات الرافضة للوحدة العربية الاندماجية والفورية التي نادى بها القوميون العروبيون بتياريهم الناصري والبعثي، اعتبارهم نسخة جديدة من الشعوبية القديمة. وكانت هذه الظاهرة الثقافية المحدودة بعبارة د. معروف نفسه قد ظهرت في العصر العباسي وبعد أن ترامت أطراف الدولة ودخلت طورها الإمبراطوري.

و"الشعوبية"، نسبة إلى "الشعوب" في المعجم الثقافي القديم والتي كانت تعني بمصطلحاتنا اليوم "الأقليات والمكونات القومية والإثنية"، وربما أخذها مستعملوها من مفردة وسياق شعوب في الآية القرآنية "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا". أما عند ساسة ومثقفي ذلك العهد فهي تعني "العداء للعرب" من قبل غير العرب ضمن الدولة العربية الإسلامية، وليست كماهي في واقعها تعبيرا عن تطلعات أبناء الأقليات القومية المسلمة أو غير المسلمة التي عاشت في كنف الدولة إلى العدالة والإنصاف، قبل أن تنقلب ماهيتها وتتحول إلى عداء عرقي وعنصري مضاد للقمع والاضطهاد والاستغلال الطبقي والقومي العربي لاحقا. وقد بلغت هذه النزعة ذروتها في ثورات وحروب عنيفة منها ثورة بابك الخرمي في منطقة أذربيجان بشمال غرب إيران. استمرت الانتفاضة لمدة 20 عاماً، بدأت تقريباً في عام 816 م (201 هـ) وانتهت في عام 837 م (223 هـ) بقمعها من قبل الجيش العباسي. وثورة زنج البصرة التي قادها العلوي علي بن محمد في جنوب العراق في عام 255 هـ / 869 م، واستمرت هذه الثورة العنيفة، التي قادها علي بن محمد ضد الدولة العباسية، لمدة تزيد عن 14 عاماً حتى تم إخمادها من قبل الجيش العباسي في عام 270 هـ / 883 م. وهذه ثورات وحركات ذات محتوى طبقي وتحرري أساسا خالطتها نزعات معادية للعرب كرد فعل على الاضطهاد والتمييز الذي مارسته النخب الحاكمة العربية أو المستعربة.

 لقد كانت الدولة العربية الإسلامية منذ نشوئها في العهد الراشدي ثم الأموي فالعباسي وحتى الفاطمي عبارة عن فيدرالية لامركزية شاسعة الأرجاء - بمصطلحات عصرنا - لها مركز "عاصمة اتحادية" واحدة هي دمشق في العهد الأموي القصير (تسعون عاما)، وبغداد في العصر العباسي لأكثر من خمسة قرون. إلى جانب عواصم إقليمية عديدة إنما بلا تسميات رسمية وتعاريف حضارية وجيوسياسية مستقرة وراسخة. ويمكن التحفظ أيضا على التكرار غير النقدي الذي أدلى به د. معروف لمزاعم مؤرخي السلطان "العباسي" حول أصل خلفاء الدولة الفاطمية التي تمردت على سلطان بني العباس ونفي علاقتهم بكريمة النبي العربي الكريم فاطمة الزهراء ونسبتهم إلى شخص يدعى "عبيد الله" قالت أقلام السلطات ومشايعوها إنه انتسب زورا إلى النسب الفاطمي العلوي وأسس دولة باسمهم ولقب نفسه بالمهدي وتسميتهم العبيديين. وهذا كلام أهل الحكم العباسي الخائفين على احتكارهم للقرابة من النبي عن طريق عمه وجدهم العباس بن عبد المطلب.

وهذه قصة طويلة جرى نقضها وتفنيدها في وقتها، وانحاز عنها المؤرخون المنصفون من أهل السنة من أمثال تقي الدين المقريزي وابن الأثير وابن خلدون وابن خلكان وتبناها وروَّجها شيخ التكفيريين المعاصرين ابن تيمية الذي اعتبر "العبيديين، وهم ملاحدة في الباطن، أخذوا من مذاهب الفلاسفة والمجوس ما خلطوا به أقوال الرافضة" وشاركه هذا الرأي عدد آخر من المؤرخين القدماء ولكن هذه القضية تلاشت في المؤلفات المعاصرة ولم يعد إليها للنبش في رمادها إلا قلة من المحرضين التكفيريين وأمثالهم من طائفيين موسميين. والواقع فقد كان د. معروف في غنىً عن تكرار هذه المقولات في مقابلة خفيفة وبعيدة عن الروح العلمي حتى لو كان معتقدا بها شخصيا مع أن من حقه ولا أحد يجاد في حقه في أن يتبنى ما يشاء له عقله أن يتبنى.

أما المفاضلة المقتضبة التي قام بها د. معروف بين الدولة الأموية والعباسية لمصلحة الأولى لكونها عربية بحتة على حساب الثانية التي "تحكم فيها الشعوبيون كالفرس وسائر الأعاجم"، والتي بولغ في انتقاده عليها فهي مشروعة بحثيا وليست جديدة في السردية التأريخية العربية ولكنها أيضا جاءت محشورة حشرا في استدراك سريع لا يخلو من الخفة في التناول والتحليل الذي لا يخلو من النزعة في التحشيد القومي السياسيوي. والميل إلى الأمويين بغض الطرف عن العباسيين غير معهود لدى أهل السنة والجماعة العراقيين لا قديما ولا حديثا على عكس الحال في المملكة السعودية مثلا. ويمكننا أن نسهب في ذكر أمثلة لتأكيد ذلك، بعضها طريف ولا يخلو من دلالات معبرة، ولكني سأكتفي بهذا المثال: "قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء": كان عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي وهو أحد رواة الحديث النبوي من علماء أهل السنة في العراق، وأول من صنف المسند على ترتيب الصحابة بالكوفة وهو أحد مشايخ البخاري. كان الإمام أحمد بن حنبل ينصح العلماء وطلاب العلم بزيارته وأخذ الحديث عنه وذات مرة جاءه رجل لأخذ الحديث عنه فتلقاه عبيد الله بن موسى وسأله: ما اسمك؟ فقال له اسمي معاوية بن صالح الأشعري. فقال له عبيد الله: والله لا حدثتك ولا حدثت قوما أنت فيهم"!

وقد توقفت شخصيا وباستغراب عند جزئية يمكن أن يؤاخذ عليها د. معروف، وأوردها في سرده لذكرياته الجامعية وعرَّض فيها، بزميله العالم النحوي العراقي الكبير مهدي المخزومي، وقال عنه في معرض كلامه عن ذكرياته وكيف تدخل عمه د. ناجي معروف رئيس قسم التاريخ لدى عميد كلية الآداب وفرض عليه قبول أوراق ابن أخيه وهذا العميد هو مهدي المخزومي كما يفهم من كلام د. معروف وعرَّف به بالقول "كان من المنتمين إلى الشيوعية والمسائل الأخرى، وكان يعمل عندكم في السعودية/الدقيقة 55 و33 ثانية". والمعروف في الوسط الثقافي والأكاديمي والسياسي العراقي أن الراحل المخزومي لم يكن يوما شيوعياً أو اشتراكياً بل هو رجل علم في المقام الأول والأخير، أكمل دراسته العليا في اللغة والأدب ونال شهادته في مصر سنة 1954، ولم يشارك قط في أية فعالية شيوعية أو يسارية، ولكنه عرف بفكرة العقلاني التقدمي إنما بلا انتماءات سياسية حزبية. ومؤلفاته المعروفة والمنشورة هي سبعة مؤلفات كلها في النحو العربي وأعلامه القدماء الكبار وليس فيها كتاب سياسي شيوعي أو غير شيوعي واحد. ثم لنفترض جدلا أن المخزومي كان شيوعيا فما علاقة ذلك بلغة البحث وحديث الباحث والمنهجية التي يفكر بموجبها؟ إنني - بصراحة - لم أهتدِ حتى هذه اللحظة إلى السبب الذي دفع د. معروف إلى إطلاق هذه المعلومة غير الصحيحة عن زميل متوفى وكان عميد كليته قبل نصف قرن في تسجيل مصور هو يعرف إنه سيبث ويشاهده الجمهور العام!

يتبع في الجزء القادم قريبا..

***

علاء اللامي

حقائق أرّخ لها التاريخ حول القطيعة بين السلطة والتيار الإسلامي

تعتبر جمعية القيم في الجزائر أول تنظيم إسلامي بعد الإستقلال، تأسست في التاسع من فبراير ثلاثة وستون وتسعمائة وألف ( 09 فبراير 1963)، الموافق لـ: 15 رمضان 1383 وكانت رخصة اعتمادها تحت رقم 5639 وصادرة بتاريخ 14 فبراير من نفس السنة، وقد سعى مؤسسوها الأربعة الأوائل وهم: زهير إحدادن، الشريف قصار عبد ربه والأستاذ باعلي وكانت عناصر أخرى انضمت لاحقا وهم: مختار عنيبة، مصطفى خاوي، عباس التركي، عمار طالبي وعباسي مدني، محمد الأكحل شرفاء، أحمد سحنون وعمر العرباوي، عبد اللطيف سلطاني، مختار هدام، رضا بلفقيه مستشار بوزارة التربية، الهاشمي التيجاني خريج جامعة السوربون وجامعة الجزائر، لتكون نموذجا جديدا وتطويرا لتجربة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وامتدادا لها، حيث فاق عددهم 25 عنصرا يمثلون العناصر الحية في الساحة الدعوية، الملفت للانتباه أن النسبة الغالبة لهذه العناصر كانوا أعضاء نشطين في جبهة التحرير الوطني، كما ضمت الجمعية أساتذة وأئمة وأطباء وطلبة وتجار، يقول الأستاذ سعيد عيادي أن المؤسسين الأربعة الأوائل طوروا مشروع الجمعية ليكون "براديغم إسلامي جزائري " .

كانت القيم تشرف على نشاطات عدة نوادي منها نادي الترقي وعملت على إحياء تراث جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، لم يكن الشيخ البشير الإبراهيمي ضمن هذه المجموعة وكان أول من وقف ضد التوجه الاشتراكي للنظام الجزائري في مؤتمر جبهة التحرير الوطني الأول، كما يعتبر البيان الذي أصدره أول خطاب إسلامي بعد الإستقلال، وكان هذا الموقف الذي عبّر عنه الإبراهيمي انتهى بوضعه تحت الإقامة الجبرية في بيته إلى أن توي في الثاني مايو 1965، وخطاب الإبراهيمي الإسلامي تمثل في أربعة عناصر هي: (الإسلام، اللغة والشورى والأمن الداخلي)، كادت الأمور ان تتعقد أكثر بل كادت أن تحدث صداما عنيفا بين السلطة وجمعية القيم، كانت رسالة منت السلطة ألا يتدخل التيار الإسلامي في الصراع السياسي، فكان على الشيخ سلطاني إلا أن يدخل في مواجهة مع السلطة، في حدث تاريخي استعملت فيه السلطة بنات الجزائر وهن شبه عاريات لتقديم عرض خلال الاحتفال بذكرى اندلاع الثورة.

هو الأسلوب نفسه الذي سار عليه الشيخ عمر العرباوي في مهاجمته السلطة من مسجد الحراش، وهكذا حدثت القطيعة بين السلطة في الجزائر والتيار الإسلامي، وقررت السلطة الجزائرية مواجهة التيار الإسلامي، خاصة بعد تَدَخُّلْ جمعية القيم مع الأحرار في مصر وعارضوا قرار إعدام السيد قطب رحمه الله، من خلال مراسلة الرئيس جمال عبد الناصر، وقد وثّق الأستاذ محمد بغداد نص الرّسالة كاملة التي وجهتها جمعية القيم إلى جمال عبد الناصر في كتابه بعنوان: " من الفتنة إلى المصالحة" (ص 148-149) مطالبين الرئيس المصري العفو عن سيد قطب، كانت النتيجة أنه تم حلّ الجمعية بقرار من السلطة الجزائرية سنة 1966 نظرا لإحراجها أمام الحكومة المصرية، مع قطع أيُّ تواصل مع التيار الإخواني في مصر والبناء الإسلامي في الجزائر، حول موقف جمال عبد الناصر من رسالة جمعية القيم، لم تذكر التقارير الصراع الحقيقي بين جمعية القيم وجمال عبد الناصر وإن كان هذا الأخير قد حذّر الحكومة الجزائرية بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لمصر وخاصة التيار الإسلامي بحكم أن جمال عبد الناصر كان له موقف من الإخوان المسلمين في بلاده، فهو محسوب على القومية العربية، فقد اتسمت هذه المرحلة بالصدامات، وفيها ظهر صراع آخر مع عناصر من الجيش إثر محاولتهم إحداث انقلاب ضدها (أي السلطة) سنة 1967 في ظل الانقسامات التي كانت تعيشها الجزائر بين التيار اليسار والتيار الوطني الذي كان هو الآخر منقسما على نفسه، حتى التيار الإسلامي كان منقسما، عندما عارضت جماعة من جمعية القيم بيان الشيخ الإبراهيمي سنة 1964.

اختلطت الأمور اكثر بعد انقسام تيار الجزأرة، وأمام هذا الجو المكهرب برزت تكتلات، حيث انضم الداعية سليم كلالشة الذي كان تلميذ المفكر مالك بن نبي وهو مختص في علم الاجتماع انضم إلى جماعة الإخوان في الجزائر ليرافق محفوظ نحناح وكان معه محمد بوسليماني، أما عن مالك بن نبي فهو يعتبر المنبع الأصلي لنشأة تيار الجزأرة، لم يتوقف مالك بن نبي رغم ما يحدث في الساحة عن تقديم ندوات فكرية في بيته بعيدا عن الصراع مع السلطة، حيث تحولت ندواته إلى مؤتمر سنوي تحت عنوان: التعرف على الفكر الإسلامي" وكانت هذه الندوات انطلاقة قوية لتيار الجزأرة، قادها جيل جديد من الشباب، من هنا بدأت المعارضة في الجزائر، قادها عناصر من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين يتقدمهم الشيخ أحمد سحنون والشيخ العرباوي وعبد اللطيف سلطاني وجماعة بن يوسف بن خدة، بعد أن ابعدوا جميعا عن السلطة منذ بداية الإستقلال، أما في الجانب الإعلامي، كانت جريدة "التهذيب الإسلامي" أول جريدة تصدرها جمعية القيم وكانت تُطبع في مطابع جبهة التحرير الوطني وكانت الجبهة تشعر بمسؤوليتها السياسية والإيديولوجية على الخط الذي تنتهجه الجمعية ولذا صدر قرار بحلّها في 21 سبتمبر 1966، وهذا يعني أن جمال عبد الناصر لا عقلة له بحلها، لأن القرار كان داخليا، ثم السبب الثاني لحلها هو النزاع بين قيادة جمعية القيم وحسين زهوان وهو يسار مناوئ للجمعية خاصة ما تعلق بمشروع التعريب.

***

علجية عيش

جدل الهويات القومية خارج السياق التأريخي

نعود إلى السياق الذي يتحدث عنه د. معروف وعن شخصياته العلمائية، وهو السياق التأريخي للقرون الثلاثة الأولى للحضارة العربية الإسلامية وذروتها في بغداد العباسية. فآنذاك، كان كل من يتكلم اللغة العربية ويعيش في هذه البلاد الممتدة من شواطئ المحيط الأطلسي غربا إلى مقتربات سور الصين شرقا يُعتبر بتصنيفات عصرنا عربيا -عروبة ثقافية حضارية لا عرقية جنسية دموية- بل وأحيانا لا يجد نفسه مضطرا للتعريف القومي بنفسه إلا في مناسبات محددة تتعلق بالثأر أو الإرث ...إلخ، وربما اختار أن ينسب نفسه الى حرفته أو مدينته دونما غضاضة.

سأحاول في هذه الوقفة أن أبرهن على أن المعلومات التي وردت في كلام الأستاذ عواد أغلبها صحيح ودقيق، وبعضها ربما فاجأ المشاهد غير المتخصص أو المهتم بشؤون التراث الحضاري العربي الإسلامي، ولكنها وُضعت في سياق آخر غير سياقها التاريخي الحقيقي. وعلى هذا يبطل التشكيك في غالبية معلوماته من ناحية توثيقية تأريخية إنما يصح تخطئة السياق الحضاري والثقافي التأريخي الذي وضعت فيه وهو سياق مختلف جذريا عن السياق الذي تعيشه أجيالنا بعد انتهاء عصر الحضارة العربية الإسلامية.

إن الفكرة التي يطرحها د. معروف ومفادها أن ابن خلدون مخطئ حين يقول إن غالبية علماء الإسلام من العجم وليسوا عربا لأنهم - كما يرى د. معروف وهو مصيب غالباً- كانوا عربا ولكن ولدوا أو عاشوا في أقاليم بعيدة استوطنها العرب بعد فتح تلك البلدان، ومنها خراسان وغيرها، إنَّ هذه الفكرة وفكرة ابن خلدون ذاتها كلتاهما خارج السياق التاريخي المعاصر الذي شاعت فيه مقولات القومية العربية وغير العربية السائدة في أيامنا. والسبب هو أن لهما سياقهما الخاص والذي لم يكن فيه للفكرة القومية والهوية القومية وجود مماثل لوجودها المعاصر.  ولذلك، فسنكون إذا أخذنا بفكرة د. معروف وفكرة ابن خلدون المناقضة لها، إزاء نوع من الإسقاط التاريخي المفتعل أو الذاتي وكأننا نأخذ على الخليفة عمر الفاروق عدم وجود نقابات عمالية وانتخابات برلمانية في خلافته!

وإذا كان ابن خلدون يكرر مقولته تلك لكونها كانت شائعة بين الناس في زمنه، ثم يضيف عليها حمولة الأصل العربي والهوية العربية اللذين لم يكن يهتم بهما أحد في ذلك العصر أو لنقل إن اهتمامه بهما لم يكن من نوعية اهتمام إنساننا المعاصر بهما. وربما اهتم العربي القديم -عربي القرون الهجرية الثلاثة الأولى ورجوعا إلى عصر ما قبل الإسلام - نفسه بانتمائه لقبيلته أو عشيرته أكثر من قوميته، فهو- ابن خلدون يكون خارج السياق التاريخي للمقولة. أما د. معروف فهو حين يفندها بحجج الانتماء القبلي والمنقلب عنده إلى قومي فهو إنما يضع الخلاف بينه وبين ابن خلدون في سياق معاصر أصبح فيها الانتماء القومي والهوية القومية المستوردة في القرون الثلاثة الأخيرة ذات أهمية ما في اللغة السياسية الأورومركزية وخاصة الفرنسية والألمانية ونُقلت عنهما إلى اللغة السياسية والثقافية العربية التابعة للغرب عموما مع بعض الاستثناءات.

  وعموما، فالعلماء المشهورون الذين نبغوا في بداية العهد الإسلامي كانوا كُثر ومنهم أسماء مشهورة ولها وزنها العلمي والحضاري وهم كانوا جميعاً عرباً ثقافياً وحضارياً وهوية، يكتبون ويبدعون بلغة عصرهم العربية سواء كانوا في خراسان أو في الأندلس أو أفريقيا، ولكن أصولهم القومية لم تكن ذات أهمية كبيرة في المشهد الثقافي وربما كان تهم بعضهم كهوية شخصية في التنسيب الوجاهي لا أكثر.

إن ما يفعله د. معروف هو ذاته من حيث الجوهر والمضمون السياقي ما يفعله المدافعون عن أمازيغية وبربرية عدد من علماء المغرب العربي الإسلامي بما فيه الأندلس في عصرنا. فأولئك يحاولون أيضا إثبات ما يمكنهم إثباته من أمازيغية العلماء خارج السياق التاريخي للحضارة العربية الإسلامية المنتهية، والتي لم تشهد "تعنصرا" أو ميولا هوياتية قومية بمعناها الأوروبي الألماني في التاريخ الحديث.

وكنت قد توقفت عند بعض تلك الكتابات في مقالة بعنوان "العلماء القدماء بين العروبة والأمازيغية"، ناقشت فيها بعض المزاعم والمعلومات التاريخية والأنسابية حول الأصول القومية لبعض العلماء القدماء الهادفة لنفي الأصول العربية عنهم وإثبات الأمازيغية، أو أنهم يفعلون العكس تبعاً لميولهم القومية. والواقع، فهذا خطأ فادح من أية زاوية نظرنا إلى هذا النوع من السجالات، إذ لم تكن التقسيمات والانتماءات القومية العرقية شائعة ومأخوذا بها في تلك العهود. ولقد كانت الانتماءات القبلية -كما أسلفنا - أكثر حضوراً منها، فنرى العربي يفاخر وقد يضحي بنفسه من أجل قبيلته. ولكنه لا يذكر عروبته على اعتبار أنها مسألة بديهية لا تقبل الجدل ولأن الجميع في المشهد السياقي عرب أقحاح ولكن الانتماء إلى القبيلة أمر مهم وحيوي عندهم لأسباب تتعلق بالدم والثأر والإرث وما إلى ذلك من متعلقات نمط حياة الغزو "الكر والفر".

 ودليل ذلك نجده واضحا في أن أشهر قصائد الفخر العربية القديمة تجلت في معلقة عمر بن كلثوم التي يقول فيها مفتخرا بقبيلته تغلب لا بعروبته على اعتبار يُفهم من السياق وقد يحاذي التزمت و "التعنصر" القبلي والعرقي، ومن ذلك قوله:

وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْواً

وَيَشْرَبُ غَيْرُنَا كَدِراً وَطِيْنَا

*

إِذَا بَلَغَ الفِطَامَ لَنَا صَبِيٌّ

تَخِرُّ لَهُ الجَبَابِرُ سَاجِديْنَا

فابن كلثوم هنا لا يفاخر ويمجد عرقه العربي الذي لم يكن له وجود كمقولة في السياق التاريخي في العهد الجاهلي والسردية الأدبية والاجتماعية آنذاك بل قبيلته تغلب، والتي لم يرد ذكرها هي الأخرى في نصه الشعري بل فُهِمَ وجودها من السياق.

إن هذه المعلومات التي يتداولها المدونون في عصرنا حيث انفتح ميدان النشر والتأليف لجميع القادرين على رصف الحروف والكلمات، الخاصة بالسجالات القومية والعرقية، بعضها صحيح والآخر خاطئ والدافع لنشرها هو دافع قومي أمازيغي أو عروبي قومي كلاهما خارج السياق.

ولستُ أنكر على الأصدقاء الأمازيغيين والذين هم إخوة لنا نحن العرب ماضيا وحاضرا وآمالا مستقبلية فهم - ومعهم الكرد والفرس والترك والأفارقة – شركاؤنا في صنع تاريخ منطقتنا وحضارتنا الزاهرة البائدة، لست أنكر عليهم أن يتباهوا عاطفيا بهؤلاء الأعلام من أصول أمازيغية، ولكن العلم والدقة السياقية أمران مطلوبان في تحري الحقيقة والدفاع عنها، أما التزييف السياقي وقطعهم عن عروبتهم الثقافية والحضارية فهما عدوّان لها. إن عظماء تاريخنا لم يكونوا يهتمون كثيرا بأصولهم القومية والعرقية بل بإنجازاتهم العلمية أولا، وكان بعضهم لا يذكر حتى لقبه القبلي مع أن ذلك أمر سائد ومشروع لا يشذ عنه إلا القلة ومن هذه القلة أعظم فيلسوف عقلاني انجبته الحضارة العربية الإسلامية هو الأندلسي ابن رشد.

وكنت قد استعرضت أصول بعض الأعلام الذين كُتبت عنهم بعض المعلومات بهدف تصويب المعلومة التأريخية والتنبيه إلى اختلاف السياق الحضاري والتأريخي. أما نقد السياق فكان هو الأساس لتأكيد أن المبالغات في هذا الصدد لا قيمة لها. ومن هؤلاء الأعلام، وعلى سبيل الاطلاع، كتبت عن ابن رشد الذي لا يُذكر نسبه القبلي المحدد في سيرته ولكن بعض الروايات تنص على أنه (ولد في مدينة قرطبة بالأندلس في أسرة من الوجهاء "الأشراف" العرب هي أسرة ابن رشد الجد دون ذكر لقبها أو نسبها القبلي كما هو مألوف. ومع ذلك قلت إنني لا يمكنني القطع بأنه من أصل عربي أو أمازيغي في ضوء المتوفر حتى الآن من معلومات أكيدة تماما في هذا الصدد.

أما عباس بن فرناس فيُنسب إلى قبيلة تكرانة الأمازيغية فعلا وهو من موالي "عبيد" بني أمية كما تذكر سيرته، والتكراني هو لقبه المشهور في أغلب المصادر ولم يزعم أحد من السيريين القدماء أنه من أصول عربية. وابن بطوطة من قبيلة لواتة البربرية الأمازيغية. وابن البيطار الذي ولد في الأندلس بمدينة مالقة، وتلقى علومه في إشبيلية على أيدي علمائها ولا يذكر نسبه القبلي في سيرته وانقسمت حول أصله الآراء فمنهم من قال إنه أمازيغي بربري ولد في مدينة مالقة الأندلسية ومنهم من قال بل هو عربي من عائلة عربية تعود إلى قبيلة الأنصاري وأغلب الظن أن المقصود هم الأنصار الذين يعودون إلى قبيلة الأزد القحطانية اليمنية.

وابن خلدون، عربي من أصول يمانية حضرمية ولقبه المشهور هو الإشبيلي الحضرمي. وهو حين يهجو العرب في كتاباته فإنما يعني بهم البدو العائشين على نمط الغزو "الأعراب"، وقد عاصر هو شخصيا غزوات بني هلال المدمِّرة في أفريقية "كما كانت بلاده تونس تسمى". وهو رغم عبقريته العلمية كمؤسس لعلم الاجتماع، ذو شخصية انتهازية ووصولية، كان يتملق تيمورلنك ويتوسل إليه أن يمنحه منصبا رسميا بل واتهمته بعض المصادر بتقديم خدمات ذات طابع تجسسي كرسم الخرائط للبلدان التي كان يريد - تيمورلنك - غزوها.

أما جابر بن حيان هاجرت أسرته من اليمن إلى الكوفة، وكانت ولادته فيها، وعمل في الكوفة صيدلانياً. كان والده من المناصرين للعباسيين في ثورتهم ضد الأمويين، الذين أرسلوه إلى خراسان ليدعو الناس لتأييدهم، حيث قبض عليه الأمويون وقتلوه، فهربت أسرته إلى اليمن ثم عادت إلى الكوفة، بعد أن أزاح العباسيون الأمويين، لذا ينسب أحياناً بالأزدي أو الكوفي. وهناك من شكك في أصله العربي كالمستشرق الفرنسي هنري كوربين الذي قال إن جابر بن حيان لم يكن عربياً وإنما كان من موالي قبيلة الأُزد وهذا كلام لا يعتد به كثيرا في ضوء انعدام ادلة ملموسة وموثة أخرى عليه. أما المفكر المصري زكي نجيب محمود فقد "أكد أصله الأزدي العربي الصميم" ولم يقدم بدوره دليلا أو تأصيلا لرأيه. وتوفي جابر وقد جاوز التسعين من عمره في الكوفة بعدما فرَّ إليها من العباسيين، وسجن في الكوفة وظل في السجن حتى وفاته سنة 197هـ -813 م... يتبع قريبا في الجزء الثالث والأخير وفيه نستعرض بعض الأمثلة التي ساقها د. معروف وكانت صحيحة أنسابيا وقد تفاجئ القارئ وأخرى لم يحالفه التوفيق في ذكرها مع التأكيد على نقد السياق أيضا... يتبع في الجزء الثالث والأخير قريبا.

***

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

تنسيبات قومية انتقائية من خارج زمن القوميات

تدقيق في توثيقات ومعلومات مختلفة: على الصعيد المعلوماتي التوثيقي كان الكثير من المعلومات التي أدلى بها د. معروف دقيقة كما قلت، ولكن بعضها لم يكن موفقا في عرضها أو توثيقها كما ينبغي وربما ساعدت على ذلك طبيعة الارتجال في برنامج مصور وسريع الإيقاع. ولكن المشكلة ليست هنا بل في الانتقائية المقصودة حينا وغير المقصودة أحيانا أخرى التي سادت حديثه فهو على سبيل المثال استفاض في الأدلة للرد على مقولة ابن خلدون الذاهبة إلى أن معظم علماء الإسلام ليسوا من العرب بالنفي والدحض، يذكر أن أصحاب المذاهب السنية الأربعة ثلاثة منهم عرب خُلص هم الإمام مالك من قبيلة الأصبح اليمانية القحطانية العربية، الإمام الشافعي سيد من قبيلة قريش، وتحديداً من فرع بني عبد المطلب بن عبد مناف. فهو قرشي النسب، ويلتقي نسبه مع النبي العربي الكريم في الجد الرابع "عبد مناف"، والإمام أحمد بن حنبل شيباني عدناني عربي. أما الإمام أبو حنيفة النعمان فقال إنه مختلف فيه ولكن القول السائد انه غير عربي، ليخرج من ثم باستنتاج يقول إن العرب من أصحاب المذاهب هم ثلاثة مقابل واحد مختلف فيه أو عليه.

ويبدو أ د. معروف يشكك في نسب أبي حنيفة غير العربي، أو أنَّ قوة الرواية القائلة بذلك تجبره على هذا التشكيك على مضض فلا يستطيع الجزم بعروبته. والإمام أبو حنيفة معروف النسب وجده المباشر يحمل اسما غير عربي هو في إحدى الروايات الذي ذكرها الباحث التراثي هادي العلوي "زوتي" بتاء مفخمة قريبة من الطاء، وقيل إنه كان من سبي كابل، وفي رواية أخرى ذكرها خير الدين الزركلي في كتابه "الأعلام" ورد اسم جده "مرزبان".

عبقرية وثورية الإمام أبي حنيفة

كان الإمام أبو حنيفة ثوري النزعة أيد خروج "ثورة" الإمام زيد على سلطان بني أمية وقاد ثورة ضدهم استشهد فيها، ومدَّه بمال وفير ودعم معنوي كبير حيث أفتى بتأييد ثورته. ثم أفتى بتأييد وثبة البصرة على المنصور العباسي بقيادة إبراهيم بن عبد الله الحسني ضد سلطان بني العباس. ولكنه لم يدعم الخوارج لدمويتهم مع خصومهم وكان أبو حنيفة رائد حركة مقاطعة السلطات الحاكمة فرفض التوظيف في القضاء أو الإدارة وحين أجبر بالقوة اختار أن يشتغل في عد الآجر والطابوق خلال عمليات بناء بغداد.

ومن طريف ما يروى عن هذا الإمام الشجاع هو أنه كان في جامع الكوفة حين اقتحم الخوارج المدينة وقرروا قتله على اعتباره مشتركا وفق رؤيتهم المتطرفة. فتخلص منهم بحيلة مفادها أنه "وافقهم على أنه مشرك ثم تلا عليهم الآية القرآنية التي تقول "وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ- 6 التوبة" وطلب منهم أن يسمعوه قولهم في هذه الآية ثم يبلغوه مأمنه ففعلوا وتركوه-  ص138 شخصيات غير قلقة في الإسلام -  هادي العلوي".

وعاني الإمام أبو حنيفة من حملات العداء التي شنها ضده الشيعة الاثنا عشرية من جهة، والسنة الشافعية من أخرى. وألَّفَ ضده إمام الحرمين أبو المعالي الجويني (وهو تلميذ أبي حامد الغزالي وليس الغزالي نفسه كما ذكر خطأ أستاذي الراحل العلوي) كتابا سماه "مغيث الخلق في ترجيح القول الحق" كرسه للتشنيع على الإمام أبي حنيفة ومحاولة كسب الأتراك لمذهبه الشافعي ولكن الأتراك خالفوه وتبنوا المذهب الحنفي لأنه يسمح لغير العرب القرشيين بتولي "الإمامة الكبرى" أي الخلافة.

ورغم أن المعلومات التي ذكرها د. معروف صحيحة غالبا، ولكنها وضعت في سياق انتقائي يمكن الرد عليه بسياق من النوع ذاته كأن يؤتى له بقائمة طويلة من العلماء الأجلاء ذوي النسب الفارسي أو غير العربي المؤكَد ومن هؤلاء على سبيل المثال: ابن سينا-  الخوارزمي - البيروني -  الفارابي -  الرازي -  الفلكي عمر الخيام -  غياث الدين الكاشي - ونصير الدين الطوسي -  ابن بطوطة اللواتي-  وعباس بن فرناس التكراني وسيبويه ونفطويه وغيرهم كثيرون قد لا يقلّون عن ذوي الأصل العربي.

أما الأمور التي وردت في حديث الأستاذ د. معروف وتوقفت عندها متحفظا فهي التالية:

1- سأبدأ أولا بإضافة د. معروف مدينة الموصل إلى مدن العراق الرئيسة الأربع في بداية العصر العربي الإسلامي وهي الكوفة والبصرة وبغداد وواسط.  إن هذه الإضافة التي قالها الأستاذ استدراكا وكأنه يريد رفع العتب عنه، ليست دقيقة علميا؛ فالموصل بالأمس ليست هي الموصل المزدهرة وثاني مدن العراق اليوم. إنها لم تبرز كمدينة مهمة لها شأن وموقع جيوسياسي عراقي وعربي في بدايات العهد الإسلامي.

صحيح إنها مدينة قديمة تعود جذورها الى العهد الآشوري "موصلا" وأصبحت بعد قرون مركزاً هاماً للفرع النسطوري من الكنيسة المسيحية السريانية بعد انفصالها عن مجمع أفسس عام 431، ولكنها ظلت بلدة صغيرة فيها حصنان في العهد الإسلامي. وقد فتحها الفارس الشاعر ربعي بن الأفكل العنزي (ت 639 م) وصار أميرا لحاميتها. وعرفت في المصادر الإسلامية بـ "الحصنين" آنذاك.

ومن الشهادات العلمية التي تؤكد هذا المضمون نقرأ في كتاب كاس روبنصون (Empire and elites after the Muslim conquest) "الإمبراطورية والنخب بعد الفتح الإسلامي" الصادر سنة 2000 قوله: "من المسلم به أن الموصل لم تكن سوى ثغر من ثغور الكوفة، وظلت تابعة لها طول فترة الخلفاء الراشدين، ولم تكن هناك مستوطنة ذات أهمية على الجانب الغربي من دجلة".

الإمام أحمد بن حنبل والأصفهاني

2- مثال الإمام أحمد بن حنبل الذي ضربه الأستاذ بشار عواد معروف في معرض مُحاجَته دفاعا عن فكرة مفادها أن غالبية علماء الإسلام كانوا من العرب رغم أنهم حملوا ألقابا تحيل إلى مدن أعجمية، لا يؤكد شيئاً، فالإمام أحمد معروف بأصوله عربية ومن قبيلة شيبان تحديدا ولم يتلقب بلقب غير عربي كالخراساني أو المَرْوَزي رغم أن عائلته قدمت من مرو وكانت أمه حبلى به وولدته في بغداد. ولكنه لم يشتهر أيضا بلقبه القبلي العربي "الشيباني" بل ظل اسمه الشائع "الإمام أحمد" وأحيانا "الإمام أحمد بن حنبل"، أما في الموسوعات فهو "أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ حَنْبَلِ الذهَلِيُّ الشَّيْبَانِيُّ".

ويصح ما ذكره د. معروف عن صاحب "الأغاني" أبي الفرج الأصفهاني أو الأصبهاني (284-  356 هـ / 897-  967 م) عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أحمَدَ بنِ الهَيْثَمِ المَرْوانِيُّ الأُمَوِيُّ القُرَشِيُّ فهو من أصول عربية "أموية" رغم أنه شيعي المذهب. فالأصفهاني مقطوع بعروبته وقرشيته وأمويته وشيعيته بين المؤرخين وعلماء الرجال والنسابة القدماء.

أما ما ذكره د. معروف من أن السهروردي (سأعتقد أنه يقصد شهاب الدين السهروردي لأن هناك ثلاثة أعلام يحملون هذا اللقب) عربي قريشي أيضا ومن أحفاد أبي بكر الصديق فلم يوفق فيه تماما إذ لم يذكر أي توثيق رصين ويعتد به لهذه المعلومة.

ولكنني أرجح أنه استند إلى مصدرين وردت فيها إشارة إلى أن السهروردي عربي بكري بصيغة التضعيف أو التهميش الروائي المعروفة "وقيل إنه..". والمصدر الأول هو ابن أبي أصيبعة في كتابه "عيون الأنباء". وقد ذكر سلسلة نسبه كالتالي: شهاب الدين يحيى بن حبش بن أميرك السهروردي... ويقال إنه من أولاد -  من نسل -  أبي بكر الصديق".  والثاني شمس الدين الذهبي في "سير أعلام النبلاء" حيث أورد نسبه من دون تأكيد قاطع وبصيغة عامة مع الإشارة إلى ما ينقل عنه من نسب. وسنفصل في هذا الموضوع في القسم الأخير من هذا المبحث...فإلى اللقاء غدا.

والذهبي مؤلف رصين ومعروف بالدقة وهو إذا لم يجزم بشيء فهذا يدل على هذا النسب غير ثابت أو أنه ضعيف وهامشي عنده. وهناك بعض كتب التراجم المتأخرة والتي لا تقدم أسانيد واضحة أو تحقيقا تأريخيا معتمدا أو أنه مأخوذ عن أحد هذين المصدرين لابن أبي أصيبعة والذهبي.

ومن المعروف والشائع أن الانتساب إلى العرب وقريش ومنها بنو هاشم  والخلفاء الأربعة عموما وانتحال النسبة إليهم كانت ظاهرة شائعة بهدف الوجاهة والحماية والحصول على بعض الامتيازات وخصوصا من قبل العجم وهذه ظاهرة كانت موجودة قديما مع دخول الشعوب غير العربية في الإسلام أو حديثا وقد حاول انتحال النسب النبوي الهاشمي في العصر الحديث ملك مصر، الألباني الأصل - ويقل إنه شركسي أيضا-  فاروق وطلب تدبير الأمر من وزيره للأوقاف وزير الأوقاف "حسين الجندى" الذي أقيل من منصبه لاحقا ربما لأنه لم يماشي هوى فاروق، بل وحتى من الحكام العرب هناك من حاول انتحال هذا النسب كحاكم العراق صدام حسين وقد صنع له حاشيته مشجرة نسب توصله بالإمام الحسين بن علي كما قيل.

وعندي، يبقى كون السهروردي من أصل عربي بكري قائما ولكن كاحتمال ضعيف لا يمكن الجزم به في ضوء ما قدمنا من أسانيد ضعيفة هي الأخرى وغير مقطوع بها. وأعيد وأكرر وعذرا عن التكرار بأن مناقشة أصول المشاهير القدماء القومية وتأكيد أنهم من القومية العربية هو أمر خارج السياق الحضاري والتأريخي لزمنهم ولحضارتهم العربية الإسلامية وإسقاط لا يصح لمفاهيم عصرنا وخصوصا القومية العرقية منه على ذلك العهد.

3- ومرة أخرى لا يحالف التوفيق أو الذاكرة د. معروف حين يعدد علماء الحديث من أصول عربية ويختم بقوله "والنسائي كذا". ويُفهَم من سياق كلامه أنه يعني أن النسائي -  بفتح وتشديد النون -  هو الآخر من أصول عربية. وهذا خلاف الشائع بين كتاب السير فهو عندهم أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار النَّسائي. وهو محدِثٌ وقاضٍ من أهل السنة والجماعة، وأحد أئمة الحديث، صاحب السنن الصغرى والكبرى، المعروف بسنن النَّسائي. والنسائي نسبة إلى مدينة "نَساء" في خراسان شرقي إيران الحالية. والمدينة لا تدل دائما على النسب القومي كما قال المتحدث ولكن الرجل فارسي ولم يزعم أحد أنه عربي بدلالة اسم أحد أجداده دينار وهو اسم أعجمي لم يألفه العرب في تسمية مواليدهم. وفي سير أعلام النبلاء للذهبي ذكر أنه خراساني نسائي، ولم يقل إنه عربي أو فارسي. وكذلك فعل ابن حجر العسقلاني في كتبه في علم الرجال. ولا يعتد بما ذكره الباحثون والمستشرقون الغربيون لأنهم نمطيون يعتبرون كل عالم ولد في خراسان او غيرها من أقاليم الدولة الإسلامية غير العربية فارسياً أو غير عربي. وهم في ذلك يسيرون على نهج عنصري أورومركزي فيأخذون بفكرة "أفضلية العقل الفارسي الآري على العقل العربي السامي الخامل" كما أسس لها المستشرق الفرنسي إرنست رينان صاحب النظرية الهيراركية "تراتبية الأعراق الأفضل فالأدنى فالأدنى".

لماذا قتل الأمويون الإمام السني الشافعي النسائي؟

 وللنسائي قصة معبرة عن شجاعة العالِم المنصف المنتمي إلى الحقيقة تستحق أن تُروى هنا وخلاصتها:

عُرف الإمام أحمد النَّسائي بتأليفه كتاب "خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب" في إبان عهد معاوية بن أبي سفيان. وقد مرَّ بدمشق في طريقه إلى الحج وهو شيخ مسن وضعيف. فسأله أشياع معاوية وكان حاكمها عن فضائل صاحبهم فقال لهم: "ألا يرضى معاويةُ رأساً برأسٍ حتى يفضل؟". والمعنى؛ ألا يرضى معاوية أن نسكت عليه فيُعتبر من الصحابة الآخرين المسكوت عليهم، فيريدنا ان نفضِّله على علي بن أبي طالب؟ فانهال أشياع بني أمية عليه ضربا في المسجد، "وما زالوا يدفعون في حضنيه" كما قالت الروايات، أي يطعنونه بأكواعهم في خاصرتيه حتى أخرجوه من الجامع وهو يُحتَضَر وحُمِل إلى الرملة في فلسطين حيث توفي متأثرًا بتلك الإصابات وله فيها ضريح، ووقع هذا في يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من صفر سنة ثلاثمائة وثلاث. وثمة رواية أخرى تقول إنه دفن في القدس وثالثة يقول إنه مات ودفن في مكة!

4- أسجل تحفظي أيضا على اعتبار الإمام البخاري عربيا مقطوعا بعروبته. وتحديدا كما قال د. معروف من قبيلة الجعفي مع أنه استدرك سريعا بأن هناك من يقول إنه مولى لهذا القبيلة. إن كون البخاري عربياً بالولاء نسباً أمر معروف ومقطوع به، وليس مجرد قول هامشي، لا يجوز القفز على هذه الحقيقة في علم الأنساب التقليدي واعتبارها غير موجودة. فالرجل لم يكن من أصل عربي صريح، بل هو مولى لقبيلة عربية وهذا لا ينقص من شأنه كعالم مسلم مثلما أن كونه عربياً قحاً لا يرفع من قيمته العلمية إلا عند ذوي النزوع القومي والعرقي. وأعتقد إن قولي إنه عربي حضاريا وثقافيا أفضل وأنسب سياقيا من القول إنه عربي بالولاء طالما إن الرجل لم يكن عربي أصلا ونسبا شأنه شأن الرازي والفارابي وابن سينا وغيرهم من عظماء الحضارة العربية الإسلامية البائدة، خصوصا وإن ظاهرة المَوَالي والموالاة القبلية لم تعد قائمة في عصرنا وتنتمي هي الأخرى لسياق تأريخي منتهي.

وعموما فالبخاري لم يكن الوحيد من أعلام الحضارة العربية "عربيا بالولاء" فقد كان الشاعر بشار بن برد الفارسي المقطوع بفارسيته مولى لقبيلة عقيل ولم يقل أحد إنه عربي. وكان أبوه برد من سبي "أسرى" جيش المهلب بن أبي صفرة وقد أعتقه بنو عقيل وقد قتل تحت التعذيب بأمر من الخليفة المهدي العباسي بتهمة الزندقة ولكن بعض المؤرخين قالوا إنه إنما قتله لأن بشاراً هجاه واتهمه بممارسة زنى المحارم مع عماته في أبيات مشهورة. وبشار من أعلام ما سمي عصر ذاك بالشعوبية ومعادة العرب كما يؤكد مؤرخون قدماء كثيرون. ومن هؤلاء الموالي أيضا كان البلداني "الجغرافي" ياقوت الحموي وكان غلاما روميا أسر وهو صغير وصار مولى لتاجر يدعى عسكر الحموي ويبدو أنه أعتقه حين نبغ في العلم.

والخلاصة، وفق رؤيتي ومنهجيتي السياقية، فإن هؤلاء جميعا سواء كانوا عربا أقحاحا أو عربا بالولاء أو فرسا أو روما أو بربرا أمازيغا أو كرداً هم عرب مسلمون - وأحيانا غير مسلمين -  ثقافةً ولغةً وهويةً حضاريةً، ولا يجوز لنا بحثياً أن نسقط عليهم مفاهيم عصرنا الحاضر العرقية والقومية ونحاكمهم أو نقوِّمهم وفق معايير عصرنا وزماننا الحالي.

ومما له دلالاته المضمونية القوية، أن لفظة عربي قد وردت إحدى عشرة مرة في القرآن. وكلها لوصف لغة القرآن وليس لذكر العرق العربي. ومن ذلك في الآية "إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا/ يوسف: 2"، والآية "بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ /الشعراء: 195". أما كلمة عرب فلم ترد إلا بضم العين "عُرُبًا أَتْرَابًا/ الواقعة: 37". وتصف كلمة "عُرُباً" نساء أهل الجنة المتوددات والمتحببات إلى أزواجهن بحسن الكلام واللطف. أما في الحديث النبوي ففي أشهر الأحاديث وأصحها وردت لتأكيد مبدأ المساواة التامة بين المسلمين "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى".

وهناك حديث نبوي غاية في الأهمية يؤيد ويؤسس لمفهوم العروبة الثقافية اللغوية ويرفض عروبة العرق والدم، أورده المتقي الهندي في "كنز العمال" وابن عساكر في "تاريخ دمشق"، ويقول نصه: "ليستِ العربيةُ بأحدِكم من أبٍ ولا أُمٍّ، وإنما هي اللسانُ، فمن تكلم بالعربيةِ فهو عربِيٌّ". وعلى الرغم من أنَّ الألباني ضعَّف هذا الحديث، فقد تداوله العلماء والمفكرون كقاعدة تربوية وثقافية مهمة ومفيدة.

***

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

في صباحٍ عادي، قد تفتح الباب ولا تجد ما يشير إلى أن الحرب انتهت، أو حتى أنها بدأت. كل شيء يبدو في مكانه، لكنك تشعر أن المكان نفسه لم يعد كما كان. لا شيء واضح بما يكفي ليُقال، ولا شيء غامض بما يكفي ليتم تجاهله.

هنا تبدأ المشكلة… حين يصبح ما يحدث أكبر من أن يُسمّى، وأقرب من أن يُفهم.

في الخرطوم، لا تُعرَّف الحرب. كما لا تُعرَّف في دارفور، ولا في الجزيرة، ولا في تلك القرى التي لا تصلها الأخبار إلا بعد أن تكون قد حدثت بالفعل. كأن ما يحدث أكبر من أن يُسمّى بسهولة، أو كأن اللغة، كلما اقتربت، أدركت أنها لا تقول ما يكفي.

العرب، بحساسيتهم اللغوية، لم يسمّوا الحرب اسمًا واحدًا، لكنهم تركوا لها حقلًا دلاليًا واسعًا، فقد سموها البأساء، الهيجاء، الضرّاء، وأسماء أخرى.

كان كل اسم يحاول أن يلمس طرفًا من هذا الكائن الذي يبتلع المدن وكل ما فيها من مظاهر الحياة والطمأنينة. في كل تسمية شدة ومحنة، تربط الحرب بالأذى والمعاناة، كأن اللغة نفسها ترتبك أمام هذا الانقسام بين تسمية تُدين، وتسمية تُجمّل، وتسمية تحاول أن تُخفي ما لا يمكن قوله.

“الكريهة” ليست وصفًا… هي انحياز.

اسم يجعل الحرب فعلًا مرفوضًا ومنفّرًا لما فيه من قبح ومرارة.

في السودان، لم تعد هذه التسمية مجازًا لغويًا فحسب. فقد صارت توصيفًا يوميًا لما يحدث في الشوارع، في البيوت، وفي تلك المسافة القصيرة بين صوتٍ وآخر.

هذه الأسماء ليست مترادفات فقط، كل اسم يحمل زاوية رؤية، ومن هذه الزوايا يبدأ الأدب.

أدب الحرب ليس الكتابة عن المعركة فقط، هو الكتابة عمّا تفعله الحرب بالإنسان.

تاريخيًا، بدأ منذ الملاحم القديمة مثل “الإلياذة”، حيث كانت الحرب تُروى كقدرٍ بطولي، لا كجرح. ثم ظهرت نصوص أخرى، من أساطير أقدم مثل “جلجامش”، حيث يصبح الموت أكثر حضورًا من المجد، وصولًا إلى كتابات لاحقة لم تعد قادرة على رواية الحرب دون أن تنكسر.

لقد كتب كثيرون عن الحرب قبلنا، كلٌّ بطريقته.

كتب تولستوي الفوضى التي تتجاوز القادة، وكتب كنفاني الاختناق الذي لا يحتاج إلى رصاصة، وكتب عبد الرحمن منيف وصنع الله إبراهيم وحيدر حيدر عن الذاكرة وهي تتكسر ببطء.

غير أن ما يحدث في السودان لا يمنح اللغة كل هذا الترف. يدفعها إلى حافة لا تعرف كيف تقف عليها.

في هذه المسافة بين الكتابة عن الحرب وما تشير إليه، يعيش الناس أكثر أشكال الخديعة قسوة.

يسمعون شيئًا، ويرون نقيضه. تُقال لهم حكايات عن الكرامة والنصر القريب، بينما تُغتصب النساء أمام أعين ذويهم، والمغتصبون لا يخفون أنفسهم، يرتدون بزّات عسكرية ويتحركون بثقة من يعرف أن أحدًا لن يسأله.

يتكرر ذلك تحت وقع الأحذية الخشنة… بلا استعجال، بلا ارتباك.

يُقال للناس إن الأمور تحت السيطرة، بينما تتكاثر نقاط التفتيش كأنها ندوب على جسد المدن.

في الوقت نفسه، يتناول القادة العسكريون أطباقهم المفضلة، ويهاتفون عائلاتهم في الخارج، ويتمنّون لهم نومًا هادئًا وأحلامًا سعيدة.

وهناك، في بحري وأم درمان وأطراف الخرطوم التي لم تعد أطرافًا لشيء، يتجول العسس والجلاوذة بثقل أحذيتهم التي لا تحتملها الأرض.

والناس هناك لا أحد يسأل، لا أحد يتوقف، كل شيء يستمر في صمت.

“الحرب لا تبدأ حين تُطلق الرصاصة الأولى…

الحرب تبدأ حين تُعاد صياغة اللغة التي تبررها.”

ومع الوقت، تصبح جزءًا من الإيقاع اليومي.

يتعلم الناس كيف يعيشون داخلها، كيف يوزّعون خوفهم على ساعات اليوم حتى لا ينهار دفعة واحدة.

تصير الحرب حالة من التمدد البطيء داخل تفاصيل الحياة، تتسرّب إلى الأشياء الصغيرة قبل أن تصل إلى الجثث، قبل أن تدفع الناس إلى الطرقات، وهم يفرّون نحو النزوح واللجوء، يحملون ما خفّ من حياتهم، ويتركون خلفهم ما لا يمكن حمله.

تصبح المدن التي كانت تعرف كيف تصحو على رائحة الشاي والقهوة الصباحية فاقدةً لهذه القدرة. لا يعود الاستيقاظ بداية يوم، يصبح استئنافًا لخوف جديد.

الشوارع التي كانت تحفظ خطوات الناس صارت غريبة، كأنها أُعيد رسمها بعينٍ لا تعرفهم. حتى البيوت، تلك التي كانت آخر ما يلجؤون إليه، لم تعد تقنعهم بأنها آمنة.

حتى الجنود الذين نجوا فقدوا القدرة على العودة إلى أنفسهم، كأن الحرب خرجت من الأرض لتسكن فيهم كاللعنة.

هناك لحظة يصعب تحديدها بدقة، تتحول فيها الحرب من حدث إلى عادة.

لا يعود القصف خبرًا… يصبح خلفية.

لا يعود الموت صدمة… يصبح احتمالًا حاضرًا في كل حركة.

هنا يحدث التحول.

ليس في عدد الضحايا… بل في شكل الوعي.

الإنسان الذي كان يرفض هذا كله يجد نفسه يتكيّف معه، لا حبًا فيه، لأن البديل هو الانهيار الكامل.

وهنا تتكشف فداحة الأمر. ليس فقط فيما تفعله الحرب بالأجساد، ما تفعله بالمعنى. كيف تعيد تشكيل ما نظنه بديهيًا، كيف تجعلنا نقبل بما لم نكن نتخيله، وكيف تدفعنا إلى إعادة تعريف الحياة نفسها، إلى الحد الذي يصبح فيه البقاء هو الانتصار الوحيد الممكن.

في السودان لا تجري حرب واحدة. هناك حروب متداخلة: حرب على الأرض، وأخرى على الذاكرة، وثالثة على اللغة.

كل طرف يحاول أن يكتب قصته، أن يترك أثره، وأن يفرض روايته كأنها الحقيقة الوحيدة.

وفي السماء، حرب أخرى لا تُرى دائمًا.

مسيّرات تراقب، تختار، وتضرب، بينما الذي يضغط الزر قد يكون بعيدًا عن كل هذا، لا يرى إلا شاشة بين يديه.

غير أن ما يتبقى في النهاية ليس هذه الروايات الحزينة.

يتبقى ما علق في تفاصيل الناس: في وجوههم، في صمتهم، في قدرتهم الغريبة على الاستمرار رغم كل شيء.

ربما لهذا لا يمكن كتابة هذه الحرب من الخارج، ولا يمكن اختزالها في أرقام أو تحليلات.

الحرب تجربة تُعاش بكل تناقضاتها.

أكتب هذا…

وأنا غير متأكد إن كانت اللغة قادرة على تحمّل ما أحاول قوله.

أن تكتب عن هذه الحرب يعني أن تُسائل ما تراه، لا أن تكتفي بوصفه. أن تقترب من التفاصيل التي تبدو صغيرة، لأنها تحمل الحقيقة التي لا تظهر في عناوين الصحف ونشرات الأخبار.

أن تقاوم الإغراء السهل للتفسير، وأن تترك النص مفتوحًا على القلق الذي لا يهدأ.

الحرب لا تترك إجابات جاهزة.

تترك أسئلة أثقل من أن تُحمل.

ويمتد سؤالها إلى ما بعدها:

ماذا يبقى من الإنسان حين يعبر كل هذا؟

ربما لم تعد المشكلة في ما يحدث الآن. المشكلة في قدرتنا على الاستمرار بعد أن أصبح هذا كله ممكنًا.

ليس ما نفقده هو الأخطر… الأخطر ما يبقى فينا بعد الفقد.

شيء يتغير، دون صوت، دون إعلان.

شيء لا يعود كما كان… حتى لو توقفت الحرب.

***

إبراهيم برسي

إيران " عُقدة سردية " ليست بالمألوفة في تراث الحروب الشرقية. وهذا ما لا يفهمه "الغرب الكولونيالي " العنيف، ولكن يدركه " الغرب الثقافي " جيداً في مجالات العقائد والسياسة. وبالنسبة للعرب، تمثل إيران" كوكتيل سرديات" تحيط بأرض الاسلام الأول وتتوغل عبر العالم العربي. احاطةٌ جيو سياسية ناظرةً من الفضاء الاستراتيجي المواجه لمنطقة الصراع. وهذ ما رسخته إيران طوال العقود الماضية منذ تأسيس النظام الثوري عام تسع وسبعين وتسعمائة وألف حتى اللحظة. وفي كلتا الزاويتين، لا أتصور أنْ يختلف الشأن القادم كثيراً إلاَّ بقدر ما تتخلق قوى جيوسياسية. ولكن لن تذوب التُربة الصلدة من الثقافات التي تؤسس لسرديات (الشرق الأوسط).

نظرت إيران إلى الفضاء السياسي للشعوب الاسلامية نظرةً جذريةً. أي تحصنت داخل " رؤية صفرية " - إذا صح التعبير- تشترط البدء من وجودها الخاص. لا تعترف بتراكم سياسي ولا أيديولوجي لمناطق الصراع، فهي تمتلك تراكمها الموروث ضارباً في التاريخ والحضارة. إيران تسبقها في أي مكان جيوش من الأفكار قبل الأسلحة والصراعات. ليس ذلك بسبب كونّها حالة معقُودةً على" شيء جديدٍ"، بل لأنَّ هناك " جانباً مختلفاً " تتكلم من خلاله. إنَّ أخطر أنماط الرؤى، تلك التي تعيد ترتيب العالم وفقاً لأيديولوجيتها، لا تبعاً لخريطة العالم كما هو. تمتلك ايران – فارس هذه البوصة التي ترى ما تراه الشعوب والقوى الأخرى.

الفرق هنا شاسع جداً بين الجديد والمختلف. الجديد هو موقف اتصال وانفصال في الوقت عينه للموروثات والثقافة والجغرافيا. في حين أنَّ المختلف قد يأخذ الشاطئ النقيض تماماً مع تباين المواقف. ويُشعرك بثقل وجوده الذي يلامس أنْفَكَ متجهاً إلى نقطة اللانهاية. كوكتيل تجسّد في النظام السياسي المتشيّع الذي شق تاريخ الاسلام إزاء السنة حتى اللحظة. بجانب رواسب حضارية وسياسية مع تحولات العصور والامبراطوريات منذ أزمنة بعيدة.

أمام العرب

لعلّ هذا ما كان حاضراً في الحالة الايرانية بصورة معقدة أمام العرب، كل دولة عربية تأخذ جانباً خاصاً منها دون الجوانب الأخرى. أغلب ما نتصوره من أمور غريبة نجده ممتداً إلى دولة فارس. من الدين إلى الاقتصاد إلى السياسة وصولاً إلى الأزياء وتكوين المجتمع، ومن حركة الشارع إلى العلاقات الدولية إلى المناسبات والطقوس إلى الثقافة العامة. وكأنَّ إيران تعبر عن الاسلام النقيض لا الشكل الآخر – وما أكثر تنوع الآخر – في تاريخ الأديان.

تبلور ذلك الاختلاف في آفاق الحرب الأمريكية الاسرائيلية. لتعلن حالة إيران عن دخول كلمة" كوكتيل Cocktail " الدالة على" ذيل الديك " إلى السرديات تحت عنوان: خليط من أنواع مختلفة تابعةٍ لجنسٍ واحد، مثل كُوكتيل من الأزياء أو كُوكتيل من الألوان. إنه توغل ثقافي للكلمات في شكل أساليب ومفاهيم عصرية قابلة للممارسة. وتبدو حبكة السردية الايرانية متشابكةً إزاء العالم أجمع. وظلت لسنوات وسنوات في محاولة للاعلان عنها وايجاد فراغ ايديولوجي لإمكانية نشرها والبحث لها عن تاريخ.

1-  إيران – الدولة (التواجد الجيو سياسي) على ضفاف العرب ثقافياً ومادياً.

2-  إيران – الايديولوجيا اللاهوتية التي تتقاطع مع معتقدات المنطقة العربية.

3-  إيران – الاتجاهات الروحية والأساطير والديانات والمذاهب والأديان القديمة .

4-  إيران – الصراع مع بعض الأنظمة العربية، دولة لا يُفضْ الاشتباك السياسي معها.

5-  إيران – الرمز الذي تشتبك نتاجاته الفكري مع أعماق الحضارة العربية الاسلامية.

6-  إيران – الفارسية الحاضرة في الآداب والقصص واللغة والمذاهب والسرديات العربية.

7-  إيران – الآخر المتخيل العائد بالصورة إلى الحدود القصوى لأي آخر وجوداً وتفاعلاً.

8-  إيران – النافذة عبر التراث الديني كطرف ضمن قطبي القوة القديمة : الفرس- الروم.

9-  إيران – ضباب الجوار الثقافي والحضاري حيث تتماس شبحياً مع كيانات المنطقة.

10-        إيران – المتربصة بالداخل من العالم العربي، هي سردية لمؤامرةٍ لم تتراجع قط.

11-        إيران – الدولة التي ترفع الاحراج عن السياسات العربية، فالتُهم جاهزة طوال الوقت.

12-        إيران – الشفرات والأسرار التي تشغل الصنايق السوداء لعقول الأنظمة العربية.

13-        إيران – الشيء ونقيضة، تقبل مواقف بعض الدولة وتبدل القبول إلى رفض.

14-        إيران – المناخ الغامض الذي تهب منه رياح الثورات وحركات التمرد والانحراف.

15-        إيران – الامبراطورية الآتية من تضاريس المجهول رغم معرفتنا بوجودها التاريخي.

تخصيب السرديات

أخطر من تخصيب اليورانيوم هو تخصيب السرديات بمجموعة من العلاقات والأفكار اللاهوتية المسيّسة. لتصبح سرديات قابلة للتوسُع والانفجار وحصد المزيد من المآرب. تمسك مركز يةُ السلطة الحاكمة فتيلَها القصصي. ولكنها لا تتم خبط عشواء، ثمة موروثات عالية التخصيب قابلة للظهور والنمو مرة أخرى. مثل البذور التوسعية للسياسة وعقائد الموت وهياكل الامبراطوريات القديمة القابلة للانبعاث والتجدد.. وهذا كله توافر بشكل لافت في سردية إيران.

النظام الإيراني لا يختلف عن أنظمة الحكم في العالم وحسب، بل تأسيسه وآلية عمله ممعنان في الغرابة. لا هو نظام سياسي كما نعرف السياسة شرقاً أو غرباً، ولا هو نظام معهود قبل التاريخ أو بعده. ايران دولة غير قابلة للمقايسة بفضل المعتقدات والأطر التاريخية. جميع ذلك يشكل سردية خاصةً وغامضة الاركان. لأننا عندما نخلط بين الاطراف المتناقضة، فلا مكان إلاَّ أن نسرد الحكايا والقصص فقط. نحاول اخراج ما في الذاكرة حتى نواجه الآخرين بشكل بارز.

كل ما ينتمي إلى ايران أو تنتمي إليه ايران غارق في السرديات. مرجعيات النظام سردية، أدبيات النظام سردية، المرشد الأعلى سردية، التشيع سياسياً سردية، ولاية الفقيه سردية، طقوس السياسة سردية، العلاقات الاجتماعية ومظاهر الثقافة سردية، الأزياء سردية، تاريخ الدولة سردية، الأسماء راقدة على سرديات وتواريخ. ليس ذلك مصادفة، ولكنه جزء من التكوين الايديولوجي اللاهوتي للنظام الحاكم. السرديات تحتاج دائماً إلى ماضٍ لكي تُحكى، شرط الحكاية وجود ذاكرة، تحتاج إلى موروثات وسلاسل من الحيوات الإنسانية، حتى تصح عمليات التأصيل والمراجعة. إنّ حفظ النظام لذاته يفتح كتاب السرديات طوال الوقت. كأنّه يقرأ على الاجيال المتعاقبة ما حدث لأسلافهم. حتى لو جاءت أجيال المستقبل الآن، ستكون أجيالاً قابلةً للسرد القريب.

" التكوين المتناقض" هو عنوان لنظام الحكم في إيران كجمهورية ثيوقراطية (سياسة دينية) وسط مظاهر الحداثة. تأسست نهاية السبعينات، وتعتمد على مبدأ "ولاية الفقيه"، المرشد الأعلى هو رأس الدولة وصاحب السلطة العليا في السياسة والمجتمع والحياة، يليه رئيس الجمهورية المنتخب. وتخضع مؤسسات الدولة (التنفيذية، التشريعية، القضائية) لإشراف هيئات دينية نافذة، ولكنها غير منتخبةٍ، أبرزها "مجلس صيانة الدستور". كل ذلك يشكل سلطة روحية سياسية، ظلالها كثيفة التشكيل والتأثير في الوقت نفسه.

عناصر النظام كالتالي:

- المرشد الأعلى: أعلى سلطة في البلاد، يتحكم في الجيش، الحرس الثوري، القضاء، الاعلام.

- رئيس الجمهورية: ثاني أعلى سلطة، يُنتخب شعبياً لفترتين كحد أقصى، ويدير الحكومة.

- مجلس صيانة الدستور: إثنا عشرة عضواً (ستة أعضاء يعينهم المرشد)، يقوم بفلترة المرشحين للانتخابات وضمان مطابقة القوانين للشريعة.

- مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان): يتألف من مائتي وتسعين مقعداً، مسؤول عن التشريع.

- مجلس خبراء القيادة: ثمانية وثمانين عضواً منتخبين، يتولى تعيين المرشد الأعلى ومراقبة أدائه.

- مجلس تشخيص مصلحة النظام: هيئة استشارية لحل النزاعات بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور.

السؤال المهم: كيف تمَّ هذا التهجين السياسي اللاهوتي؟ بالفعل ثمة: مصطلحات سياسية بحشو اسلامي، عناصر سياسية مؤدلجة مع أبنية حداثية، توصيفات سياسية فُرغت من مضمونها وأخذت إطاراً دينياً. الدين والسياسة والسرد أمور غير منفصلة. من هنا تاريخ ايران يضع نفسه في سياق سرديات لا تنتهي إحداها إلاَّ وتبدأ الأخرى.

منذ الأزمنة السحيقة وإيران موطن لواحدةٍ من أقدم السرديات الحضارية في العالم. أول سلالة حاكمة شُكلّت في إيران كانت المملكة العيلامية في 2800 قبل الميلاد. حيث حكم ملوك عيلام حضارة بارزة بجنوب غرب إيران (خوزستان حالياً) منذ الألف الثالث قبل الميلاد، سُرد تاريخهم من خلال الصراع الطويل والتبادل الحضاري مع بلاد الرافدين. لتغطي السردية فضاء المنطقة التي وطأتها جحافل أمريكا وأسرائيل وتعالت فيها أصوات العرب بالمخاوف والبحث عن أدوار منتظرة. وورواسب الصراع لا تموت بين يوم وليلةٍ، ولكنها تخرج مع الأجيال وتشكل رؤى الحياة.

اختلط السرد بالنصوص الدينية المؤسسة للمعتقدات الجارية، فقد جاء بعض الذكر لتاريخهم ورموزهم في سفر التكوين. أشهرهم كدر لعومر Kudur-Lagamar وهو ملك عيلامي تاريخي بارز في الألف الثاني قبل الميلاد (حوالي القرن 19-18 ق.م)، اشتهر بكونه قائداً للتحالف العسكري في معركة سديم المذكورة بسفر التكوين. اسمه بالكلمات العيلامية يتكون من مقطعين: كدر .. أي عبد ولعومر .. يعني الإله: عبد الإله/ لاجا مار ذات الأصول الدينية العيلامية. وعُرف كدر لعومر ببطشه وسطوته، إذ اكتسح كل ممالك الجنوب، وأخضع لسلطانه كل بلاد وادي الأردن، وبسط قوته على الطريق الرئيسي بين دمشق ومصر.

ورد التحالف العسكري ومشاركة كدر لعومر في سفر التكوين: " وحدث في أيام امرافل ملك شنعار، واريوك ملك الأسار، وكدر لعومر ملك عيلام، وتدعال ملك جوييم، إن هؤلاء صنعوا حرباً مع بارع ملك سدوم، وبرشاع ملك عمورة، وشناب ملك أدمة، وشمئيبر ملك صبوييم، وملك بالع التي هي صوغر. جميع هؤلاء إجتمعوا متعاهدين إلى عمق السديم الذي هو بحر الملح. اثنتي عشرة سنة استعبدوا لكدرلعومر، والسنة الثالثة عشرة عصوا عليه. وفي السنة الرابعة عشرة أتى كدرلعومر والملوك الذين معه وضربوا الرفائيين في عشتاروث قرنايم، والزوزيين في هام، والايميين في شوى قريتايم، والحوريين في جبلهم سعير إلى بطمة فاران التي عند البرية. ثم رجعوا وجاءوا إلى عين مشفاط التي هي قادش. وضربوا كل بلاد العمالقة، وأيضاً الأموريين الساكنين في حصون تاما" (سفر التكوين/ 14: 1-7).

وتباعاً جمع الميديون " القبائل الإيرانية " في سردية حضارية على خلفية إمبراطورية واسعة القوة عام 625 قبل الميلاد، أخذ الميديون الكثير من روح الشعوب الإيرانية القديمة التي استوطنت المناطق الغربية والشمالية الغربية من إيران، وشكلوا كتلة حرجة صعبة المراس للتخلص من التبعية الآشورية. كوّن الميديون كيانًا سياسياً حقيقياً في الشرق الأدنى القديم. واتسعت سرديتهم في التاريخ حوالي القرن التاسع قبل الميلاد، في المناطق الاستراتيجية بين جبال زاغروس غربًا وهمدان (أكباتانا القديمة) مركزًا لهم، وهي منطقة تقابل تقريبًا شمال غرب إيران الحالي وغربها، قرب كردستان المعاصرة. وقد تطلعوا إلى تأسيس إمبراطورية مستقلة في الشرق الأدنى القديم. كانت سرديتهم الثقافية تجوب المنطقة شرقاً وغرباً بقيادة الملك " سياخريس Cyaxares " الذي أرسى قواعد أول دولة ميدية في الهضبة الإيرانية، لتصبح عاصمتهم «إكباتانا» (همدان الحديثة) مركزاً ثقافياً وسياسياً رئيسياً وسط جغرافيا السردية.

ولكن السردية الميدية لم تدُم طويلًا. ففي منتصف القرن السادس قبل الميلاد، صعد نجمُ الفرس بقيادة كورش الكبير الذي كان تابعاً للميديين، فتمرّد عليهم وأسقطهم حوالي سنة 550 ق.م، مؤسسًا الإمبراطورية الأخمينية الفارسية التي ورثت أراضي الميديين بالكامل. ورغم زوال دولتهم، ظلت آثار السردية الميدية حاضرًا في اللغة، والعادات، والتنظيم الإداري الذي تبناه الفرس من بعدهم. وعليه فإن الميديين مثّلوا جسر اً بشرياً حمل الحضارة الإيرانية إلى شكلها الإمبراطوري الواسع.

تعد الإمبراطورية الأخمينية(550-330ق.م)، المعروفة بــ"الإمبراطورية الفارسية الأولى"، أول دولة قومية مركزية وأضخم إمبراطورية في العالم القديم، حيث امتدت من الهند شرقاً إلى مصر واليونان غرباً تحت حكم ملوك مثل كورش الكبير وداريوس الأول. أسسها كورش الكبير، وتميزت بنظام إدارة الولايات ("الساترابيات")، ونظام بريد متطور، وبرسبوليس كعاصمة احتفلت بالتنوع الثقافي. سقطت على يد الإسكندر الأكبر.

دخل الدين الاسلامي بمنظوره الكوني سردية فارس كمادة عالية التخصيب. نحى أي نظام سياسي إلى نسج السردية بهذا المنظور. وهذا التخصيب أخطر من تخصيب اليورانيوم وهي ما استوعبته الايديولوجيا اللاهوتية الشيعية. أصبحت ايران – فارس مركزًا رئيساً لسردية حضارية إسلامية ورثت الجينات الامبراطورية وغدت ديناصوراً أيديولوجيا مختلفاً. وطالبت من فورها بالأدوار السياسية على مستوى الصراعات الاقليمية. وقد استشعرت أمريكا عن طريق كيانها الاسرائيلي كم هي خطيرة هذه الدولة بتلك الخلفيات. وكانت حاضرة في كلمات ترامب ونتنياهو بصدد الحضارة التي ستُباد وإزاء أن فارس دولة متغولة.

حيث انتشرت العقائد الفارسية والآداب والأساطير وعلوم الطب والفلك والتنجيم والرياضيات والفنون ونمط العمارة في جميع أنحاء العالم الاسلامي وما بعده خلال العهد الذهبي الاسلامي. وتأصلت الهوية الإيرانية المؤدلجة على الرغم من الحكم الأجنبي في القرون التي تلت ذلك. واعتمد الغزنويون الثقافة الفارسية كغلاف حضاري قديم حديث، وصولاً إلى حكم السلالة الصفوية عام 1501، والتي عملت بتخصيب أيديولوجي في صورة "المذهب الشيعي الجعفري " المذهب الرسمي لإمبراطوريتهم. لتضع بذلك نقطة تحول مهمة في سرديات التاريخ الإيراني والإسلام.

في إطار السيولة السياسية الفارسية، أنشئ أول برلمان في عام 1906، كركن رئيس من النظام الملكي الدستوري. وبعد الانقلاب عام 1953 (الذي جرى بتحريض من بريطانيا والولايات المتحدة)، أمست سياسات الدولة الإيرانية بلدا أكثر استبدادية وتجمع الخيط السردي الامبراطزوري مع بذور الايديولوجيا المغلقة. وبلغت المعارضة المتنامية للنفوذ الأجنبي ذروتها خلال الثورة الاسلامية الايرانية التي أدت إلى إنشاء جمهورية إسلامية في الأول من أبريل عام 1979.

هكذا تشكل النظام الايراني عبر صور من التخصيب الايديولوجي السردي، فغدت حكومة ايران - غير المفهومة للعالم العربي- حكومة لاهوتية إسلامية تضم خيوطاً من ديمقراطية رئاسية أحياناً. بيد أن السلطة النهائية منوطة بـ" المرشد الأعلى للثورة الاسلامية " الأوتوقراطي. منصب كان يشغله على خامنئي منذ وفاة روح الله الخميني في عام 1989لتبرز الحكومة الإيرانية على نطاق واسع حكومة سلطوية، لأنَّ كل تخصيب أيديولوجي سردي يمتد وينتشر في جسد المجتمع طالباً المزيد وأن يتخطى حدود دولته.

ولذلك اجتذبت الحالة الايرانية انتقادات عنيفة بسبب قيودها البارزة تجاه حقوق الإنسان والحريات الاجتماعية والسياسية. الأمر الذي ظهر مع موجات القمع العنيفة للاحتجاجات الشعبية والانتخابات غير الديمقراطية وتضييق الخناق على حقوق النساء والأطفال. وهي نقطة رائجة اعلامياً عن الاسلام الشيعي في الشرق الأوسط ضمن سردية أمريكا اسرائيل. وكفائض أيديولوحي فادح لم تقف سردية ايران عند هذا الوضع، بل ظهرت سياسات مؤدلجة لمواجهة الهيمنة العربية السنية المتواجدة تاريخياً داخل المنطقة، مرة بأساليب الاحتواء والمشاركة ومرة أخرى بواسطة إثارة الثورات الاسلامية. ونتيجة هذا الدور الامبراطوري المخصب ايديولوجيا، ينظر إلى ايران - فارس على نطاق واسع بوصفها أكبر خصم لاسرائيل. وجعلها أيضًا واحدة من أكبر المتورطين في شؤون الشرق الأوسط سلباً وايجاباً، حيث تماهت حكومتها بوضوح أو بشكل خفي في الصراعات الشرق أوسطية الراهنة.

لا أقبلك ولن أترككَ

وضْع ايران إزاء وضْع العرب متشابهان، بل هما وضعان متطابقان. يسيران بدلالة العنوان "لا أقبلك ولن أتركك" وبلهجة شعبية دارجة: " لا بحبك ولا أقدر على بعدك". فإيران لا تقبل كثيراً العالم العربي إلاَّ بصورة انتقائية وفقاً لسرديتها. وتضع بعض العرب ضمن خطط الموالاة لأمريكا واسرائيل. ولكنها لا ترفض التعامل مع هذا البعض. أي تلجأ إلى اسلوب التقية تظهر ما يعبر عن المواقف المقبولة، ولا تطرح المواقف المرفوضة.

في المقابل لا يقبل العرب إيران الشيعية ويتوجسون خيفةً من وجودها. ومع ذلك لا يستطيعون الاستغناء عنها بحكم الجغرافيا والثقافة. إن الموروثات الجيوثقافية تشكل ضرورة تاريخاً ومكاناً دون انفصال. ولكن هذا الموقف المزدوج هو ما يجعل السرديتين (الايرانية والعربية) متداخلتين ومتنافرتين.

في الصراع الحربي الراهن، ضربت ايران مواقع عربية في منطقة الخليج تحت عنوان استهداف المصالح الامريكية. وهو الأمر الذي جعل العالم العربي يشتعل غضباً بين موقفين. كراهية اسرائيل وأمريكا بحكم الوجود الكولونيالي المستنزف لثروات العرب. وكراهية الخناق الإيراني الايديولوجي العسكري حول دول العرب. والمفارقة أن دول الخليج وقعت بين طرفي الكماشة الحاصلة. دول تتلقى الضربات من إيران بالانابة عن أمريكا واسرائيل، وفي الوقت عينه تتحمل الفشل الأمريكي الاسرائيلي في حمايتها.

ولم يسمع العالم صوت السردية العربية دفاعاً عن وجود العرب. لماذا لم تلتفت القوى العالمية إلى ذلك؟ لأنَّ العالم مرة يصنف العرب بكونهم يدافعوا عن سيادتهم مادام يدين الهجمات الايرانية. ومرة أخرى يصنف العرب بكونهم يفتحوا الأجواء الوطنية لدولتي أمريكا واسرائيل. أي أن الموقف العالمي تشعب هو الأخر بحسب رؤيته لخلفيات الصراع. مما يزيد تعقد السرديات أمام الفهم العام. والعالم العربي أخذ يزوي دون مبرر خلف تبادل السرديات الساخنة بين أمريكا وايران.

لم يكن العرب مستعدين لنشوب الحرب سردياً. ولذلك اكتفوا بالشجب وإثارة الاعلام الذي كشف حجم الأضرار ، ولكن ما قدرات السرد العربي؟ لا شيء تقريباً هناك بإمكانه أنْ يحرك المشهد ولو قليلاً. ولكن يوجد من عقد اتفاقاً ضمنياً مع السردية الايرانية بكونه سيمنع انطلاق صواريخ امريكية في مقابل امتناع ايران عن ضرب أراضيه. صفقة متبادلة لمنع العدوان من وإلى أرضي ايران والدول العربية. وهذه هي أقل المواقف التي تدافع عن وجود أصحابها من غير أن تؤثر. وهناك من العرب من أسرع للتواصل مع ايران لتنسيق العلاقات والتعرف على الاحداث عن قرب. والخطان مهمان بحكم استمرارية الحوار ولو بشكل مقتضب.

في حين سارعت ايران - عقب ضرب المناطق العربية - بنفي العداء تجاه الجيران العرب. وزعمت كونها لا تحمل أية نوايا غير سلمية. ولكنها فيما تقول دولة تدافع عن نفسها في مواجهة الضربات الامريكية الاسرائيلية العدائية. وجود هذا الخط في السردية الايرانية مع خطوط القوى التي تدعمها إيران في العالم العربي غير مستساغ عربياً. وبالطبع كون العرب رأياً شعبياً عاماً للتنديد بإيران واحياء المواقف الحدية إزاء ما تفعل. ثم أخذ بعض العرب القصف الايراني كأنه نهاية المطاف في العلاقة معها، ولا يرون انتهاك أمريكا للمناطق العربية في المقابل.

رغم أن ما فعلته ايران لايصح في حق الشعوب العربية، غير أن اتساع الخريطة السردية يحتم النظرة المستقبلية. فالعرب لم يستطيعوا إدارة السردية الخاصة بهم. فهم يتحدثون عن المظلومية في جانب، مع ارتفاع الاصوات بتواجدهم في مشهد القصف على ايران ودفع هجماتها دون تردد.

مشكلة العالم العربي مع ايران أنه لم يستطع فهم تكوينها الثقافي والسياسي. وهذا هو ما جعل ايران سردية لا تتعايش مع السرديات العربية. شرط التعامل مع السرديات: أن تفك شفراتها لا أن تنغلق على أصحابها. السردية تتحدى المتابعين بكيفية المعرفة في فضاء المعنى والتلقي. ولذلك يجب أن تكون هناك سردية أخرى أكثر انفتاحاً للعالم العربي، لا تطلق العنان إلى اهداف تخدم الكيان المتربص في أرض فلسطين. لأن خطورة السردية الأمريكية الاسرائيلية بالغة التأثير لدرجة أنها تحدد ماذا علينا أن نفهم وماذا علينا ألا ندرك؟ وتحدد كذلك.. كيف تتكون رؤى العرب ليس للعالم الخارجي فقط، بل لأنفسهم؟! ليس صحيحاً اعتبار العدو عدواً لمجرد أنه يناوئ السردية الأمريكية الأخرى، لكن يجب أن تكون استقلالية السردية العربية هي الأساس في التعامل مع العالم الخارجي. لأنه .. لا السردية الايرانية ستنقذ العرب، ولا السردية الامريكية ستفعل الشيء نفسه. السرديات تنبني على صناعة الحياة للأجيال المتعاقبة.

على السردية العربية ألّا تطلق العنان لعداء إيران، لأن الجغرافيا السياسية تقتضي تعايش العرب مع هذه الدولة عبر التاريخ. ايران قريبة من سيادة الدول الخليجية قرباً يجعلها شيئاً مهماً بالجوار الاستراتيجي. ولا ينبغي اعتبارها " سردية موت " باسم الشيعة. فإحياء النعرات الدينية المذهبية نهايته الدمار للطرفين. وكذلك لا ينبغي للسردية الايرانية أن تدفع بأفكار الثورة والتمرد وأحداث القلاقل في المحيط العربي. لأن الثقافات مختلطة إلى حد التماهي في هذه المساحة من الحضارة. إن تزامن " ايران – فارس" القوية كان تزامناً تاريخياً مع حضارة" عربية قوية" بالمثل. الفرس أقوياء لأن العرب أقوياء وكثيراً ما كان يحدث انصهار حضاري بين الطرفين. وتكون مناطق العبور الثقافي مناطق زخم وتلاقح.

هذا هو المعنى الدال في تاريخ المنطقة العربية: أن العرب لا يكونون على علاقة قوية واستراتيجية مع ايران إلاَّ عندما يكون الاثنان على الدرجة نفسها من القوة. علاقة صحية حضارياً وسياسياً ولم يكن لدى العرب ما يسمى بالكيان الاسرائيلي المسرطِّن الذي ينخر في عظام العرب وتراثهم. في وجود اسرائيل لن يستطيع العرب إقامة علاقات حضارية سليمة مع كيانات العالم. لأن اسرائيل سترى نفسها (مضروبة أو مطروحة أو مجموعة حسابياً) في هذه العلاقة. أي ستحسب الربح والخسارة لوجودها ناهيكم عن بحثها اللاهث عن موطء قدم فيها. وهنا يتمثل وجود اسرائيل الخطير في تشويه العلاقات العربية العالمية دون أنْ تترك الساحة للنمو الحضاري الطبيعي للعرب. بلغت اسرائيل حافة الجنون لمتابعة أحوال الدول العربية والنخر في أساسها سواء رفض بعض العرب أم وافقوا تحت مطرقة الكولونيالية.

في التوقيت الحضاري الراهن، حرصت السردية الأمريكية الاسرائيلية- قبل التغلغل في المنطقة- أن تفشل التزامن بين العرب والفرس. سواء بإخافة العرب من ايران وشيطنة الأخيرة أو بإدعاء حماية العرب واهدار الثروات. أي أنّ جزءاً من سردية أمريكا هو تباعد المسافة بين العرب وايران رغم قرابة الجغرافيا. بل أن يظل العرب بلا سردية، بلا عنوان، بلا كلام حر كشرطٍ من شروط الحماية المنتظرة. إن أبرز نتائج الحرب الايرانية الامريكية أن أثارت سؤالاً ضخماً: كيف يتم بناء قدرات عربية حقيقيةً؟ إلى متى سننتظر الآخر ليحمي الأوطان؟! أليست السيادةُ كلاً لا يتجزأ ؟!

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة   

 

في المثقف اليوم