قضايا
صائب المختار: المجتمع العربي والعبودية المختارة
يشعر الجميع وبألم وحسرة، بما وصل إليه المجتمع العربي من تخلّف وانحطاط، ومكانة سياسية شديدة التدنّي بين دول العالم. وهذه المكانة تميّزت بالتبعية المطلقة للغرب لِما وصلت به لِحدّ الخنوع، مصحوبة بالخوف والمذلّة من تحدي الدول الكبرى. ومازالت عملية الانحدار والتشظّي في المجتمع العربي مستمرة وبنفس الوتيرة التي سار عليها المجتمع العربي منذ سقوط الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى وسيطرة الاستعمار الأوروبي على دول المنطقة. إنه واقع مرير ومؤلم لا يمكن نكرانه. الكلّ يتساءل لماذا هذا التدهور والانحطاط الذي يسود المجتمع العربي؟ وما هو السبيل للتخلص من هذا الواقع المُذل؟
نظرة متفحّصة للعالم الإسلامي
لو نظرنا إلى مجموعة الدول الإسلامية في العالم لوجدناها تنقسم إلى مجموعتين: الأولى هي مجموعة الدول الإسلامية العربية، والثانية هي مجموعة الدول الإسلامية غير العربية مثل تركيا، إيران، ماليزيا، اندونيسيا، كازاخستان والبوسنة والهرسك، وأخرى غيرها من الدول الإسلامية غير العربية. ولو نظرنا إلى الدول الإسلامية غير العربية، لوجدناها تتمتع بحالة جيدة من الاستقرار السياسي، وانتهاج سياسات اقتصادية مفيدة للبلد وللشعب. كما إن شعبها يسودهم التلاحم والتآخي والانسجام، بعكس الدول الإسلامية العربية التي يعمّها الفشل والفوضى في مختلف مجالات الحياة، ويسود شعوبها التفّرقة والانقسام والطائفية المقيتة.
ولو ألقينا نظرة متفحّصة على حال الدول الإسلامية في العالم، لوجدنا أن الدول العربية فقط هي التي توصف وتتصف بالتخلّف والجهل والعنف والإرهاب. وبينما تحصل الدول الإسلامية غير العربية على منزلة مقبولة أو جيدة بين دول العالم، نرى أن منزلة الدول الإسلامية العربية في العالم هي بدرجة متدنية جداً بحيث لا تُرضي أحد. وهذا بحدّ ذاته ينفي صحة الفكرة التي تدّعي أن الدين الإسلامي أو الاجتهاد الإسلامي هما اللذان يدعوان إلى التخلّف والجهل والعنف والإرهاب. من كل ذلك يمكننا أن نستنتج إن السبب في تدهور مكانة العرب والدول العربية في المجتمع الدولي والعالمي هو بسبب العرب أنفسهم، وليس بسبب الإسلام كدين أو بسبب الاجتهاد الديني أو تدهور الحضارة الإسلامية. ولذلك ينبغي على العرب نبذ فكرة إن الدين أو أيّ من أصوله هو السبب في تخلّف العرب، والبحث عن الأسباب الحقيقية للتخلّف عسى أن يعود التلاحم بينهم.
وعموماً فإن مجموعة الدول الإسلامية غير العربية تشكل المجموعة الأكبر من الدول الإسلامية في العالم، وتشكل الدول العربية الإسلامية المجموعة الأصغر من الدول الإسلامية في العالم، من حيث عدد الدول التي تتشكل منها كل مجموعة، وعدد النفوس (المسلمين) الموجودين في كل مجموعة. وعلى الرغم من قلة عدد الدول العربية وعدد نفوس المسلمين فيها بالنسبة إلى مجموعة الدول الإسلامية، وبالمقارنة مع نظيرتها في الدول الإسلامية غير العربية، إلاّ أنه إذا ذُكر الإسلام أو الحضارة الإسلامية فإنه غالباً ما يقترن ذكره بالدول العربية دون الدول الإسلامية غير العربية. ويعزى ذلك إلى أن الإسلام ظهر في جزيرة العرب، وانتشرت الحضارة الإسلامية ونهضت بهمّة وعزيمة العرب، حتى إن الحضارة الإسلامية يُشار لها أحياناً بالحضارة العربية.
ولو ألقينا نظرة متفحصة على هذا الوضع المزرى للمجتمع العربي، لعرفنا أن السبب الجوهري في تردي المجتمع العربي هو الانحطاط الأخلاقي الذي ساد وما زال يسود المجتمع العربي، وانتشار الفقر والجهل بالإضافة إلى العوامل الأخرى المعروفة. كل هذه العوامل أدت إلى تحطيم شخصية الفرد في المجتمع العربي وجعلها شخصية ضعيفة مترددة، خانعة وذليلة، لا تشعر بأن لها قيمة أو وجود أو كيان نافع بين مجتمعات العالم الأخرى. وقد يستاء البعض من هذا التوصيف لكن واقع الأمة العربية يؤيد ذلك.
تدهور شخصية الفرد العربي
لو نظرنا إلى شخصيات المجتمع العربي التي قادت المجتمع في منتصف القرن الماضي في مختلف مجالات الحياة سواء السياسية أو الفكرية والأدبية والفنية وغيرها، وقارنّاها بشخصيات مماثلة لها في الوقت الحاضر في نفس مجال اختصاصها، لتبين لنا البون الشاسع والفرق الهائل بين رجال العصرين. ذلك أن رجال العهد الماضي تميّزوا بالكفاءة والقيم الأخلاقية والثقافة والاحترام. بينما نجد اليوم صعوبة أن نلقى شخص يضاهي رجال العهد الماضي بالكفاءة والأخلاق والاحترام. فعلى سبيل المثال، لو قارنّا المثقفين والمفكرين العرب من الجيل الأول من روّاد النهضة الثقافية، قبل قرن من الآن، فسنلاحظ إننا لا نستطيع أن نجد لهم مماثل أو منافس في الزمن الحديث من حيث الكفاءة والاحترام والتقدير. ولا ننسى القيادات السياسية السابقة للمجتمع العربي وما تمتعت به من شخصيات كاريزمية وطنية مخلصة وشجاعة، وإذا ما قارنّاها بقيادات العصر الحالي، فيمكننا أيضاً أن نلاحظ الفرق الشاسع بين الجيلين من حيث الكفاءة والاحترام. وما زال فنانوا الزمن القديم (الزمن الجميل) يقفون كقامات شامخة لا مثيل لها في الزمن المعاصر. فتغريدة فيروز وأم كلثوم، وعبد الوهاب وعبد الحليم كانت تهز المشاعر وتوقظ النفوس، بعكس ما يفتقده فنانوا اليوم وشعراءه من حضور في الساحة الفنية، وما نسمعه منهم من ازدراء وانتقاص وتهميش للدولة والشعب والأمة العربية، وهذا يمثل قمة الانحطاط الأخلاقي.
لماذا تدهورت شخصية الفرد العربي على هذا النحو؟
يمكن اعتبار تدهوّر شخصية الفرد العربي كجزء من التدهّور الذي أصاب شخصيات الأفراد في عموم العالم. وبصورة عامة، يمكننا أن نقول إن الانحطاط في الأخلاق يمثل ظاهرة عامة انتشرت في كل مجتمعات العالم، مثال ذلك انتشار ظاهرة الإباحية والمثلية الجنسية والفساد بمختلف انواعه. وقد ظهرت مظاهر الانحطاط الأخلاقي في مجتمعات العالم بصورة متدرجة منذ بداية النصف الثاني من القرن الماضي، وما زالت مستمرة حتى الآن. لكن هذه الظاهرة حدثت بصورة متفاوتة بين المجتمعات في العالم أجمع. ويمكننا أن نلاحظ أنها ظهرت بدرجات متقدمة في المجتمع العربي تحديداً. وأيضاً يمكننا أن نلاحظ إن الشخصيات القيادية في كل مجالات الحياة السياسية والثقافية والفنية وغيرها، في الوقت الحاضر وفي معظم أنحاء العالم، تتصف بأنها أضعف وأقل كفاءةً بكثير من مثيلاتها في القرن الماضي. وكذلك يمكننا أن نقول إنها وجدت بدرجات متفاوتة بين مختلف مجتمعات العالم، لكنها مع الأسف ظهرت بصورة أوضح وبدرجة أكبر في المجتمعات العربية.
عوامل تاريخية
تاريخياً، تكوّن الوطن العربي بعد الحرب العالمية الأولى، بعد أن وقع تحت الاحتلال الفرنسي البريطاني ومن ثمّ تقسيمه إلى دول متعددة، أو قُل مستعمرات، خضعت للاستعمار الأوروبي بحسب معاهدة سايكس بيكو. وتمّ تشكيل ما يسمى بمجموعة الدول العربية. وكان هذا أول إطلالة للفرد العربي لمفهوم الوطن والمواطنة. لكنها كانت مفاهيم منقوصة وغير واضحة المعالم بالنسبة للفرد العربي، ذلك لأن المشكلة الكبيرة التي واجهها الشعب العربي في تلك الحقبة من الزمن هي التخلص من الاستعمار. انشغل الشعب العربي في النصف الأول من القرن الماضي بالحصول على الاستقلال. وتمّ الحصولَ على الاستقلال، وبدأ بناء الأوطان كلٌ حسب اجتهاده. ثمّ حصلت النكسة في عام 1967، ويا لها من نكسة. لقد كانت النكسة وما زالت بلاءً مدمراً لشخصية وثقافة وفكر أفراد المجتمع العربي. فقد صرّح الكثير من المفكرين والسياسيين العرب أن النكسة هزّت مشاعرهم وغيّرت مفاهيمهم وأفكارهم التي كانوا يؤمنون بها. ويبدو أنهم تعاملوا معها وكأن النكسة كانت زلزال عاتياً أحرق الأخضر واليابس في العقل العربي، علماً أن النكسة (حرب عام 1967) كانت مجرد معركة خسرها العرب مثل الكثير من الدول والجيوش التي خسرت معارك كبيرة ومدمرة لكنهم نهضوا ثانية وتغلبوا على الخسارة والإحباط، وذلك لأنهم لم يتعاملوا معها كخسارة مأساوية لا يمكن التغاضي عنها، بل اعتبروها معركة خاسرة يمكن ويجب تجاوزها وتعويضها بأحسن منها. وهنا يبرز تساؤلاً مهماً وهو لماذا سميّت بالنكسة، ولماذا لم يعمل قادة البلدان على التعامل معها كمعركة خاسرة يمكن تجاوزها، بدلاً من تهويل الخسارة وتعظيم تأثيرها على أفراد المجتمع عامةً، وبالنتيجة أدت إلى حالة من الإحباط وانكسار الشخصية العربية. وما زال أفراد المجتمع العربي، حتى الآن، يندبون حظهم في النكسة ولا يستطيعون تجاوزها على الرغم من مرور أكثر من خمسين عاماً على ذكراها. فمتى سيتخلص العرب من عقدة النكسة وتبعاتها المذلّة؟
ثم بدأت مرحلة الحروب التي عصفت بالدول العربية وعانى منها الشعب العربي. بدأت هذه المرحلة بالحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي. ولا تهمنا نتيجة الحرب أو سببها لأن البلدين كانا خاسرين. لقد فقدوا الكثير من أبنائهم، ودمّر اقتصادهم وبلدهم، وبدأ الفقر والعوَز ينخران المجتمع العراقي. ولم تتعظ الدول العربية، فاحتل العراق الكويت، فتسبب الغزو في أضرار شديدة على العالم أجمع. وعانت الدول العربية الكثير من المآسي والأضرار جرّاء هذا الاحتلال. ففُقدت الثقة بين الأشقاء العرب، وانتهى حلم الوحدة بينهم وحلّ محلها روح العداء والانتقام، وكلنا نعرف ذلك.
وفي بداية القرن الحالي (عام 2001) حدث الهجوم على برجيّ التجارة العالمية في الولايات المتحدة، وكان ذلك ذريعة للغرب لإعلان الحرب على الإرهاب وتوصيف الإسلام كدين إرهابي. وبدأت الحرب الخفيّة على الإسلام والمسلمين العرب. بعدها بعامين (في عام 2003) احتلت القوات الأمريكية العراق. وانتهت الدولة العراقية، وحُلّ الجيش العراقي والقوات الأمنية وكل المؤسسات الحكومية في العراق. وفتحت حدود البلد بدون رقيب لدخول الإرهابيين من السلفيين الأصوليين المتشددين المدعومين من دول كبرى غنيّة لتفتيت العراق، ليكون عبرة لمن لا ينصاع للغرب، وأيضاً لترسيخ مبدأ الإسلام الإرهابي. وأخيراً وليس آخراً (إذ أننا لا نعرف أي حرب ستنشأ من جديد) حدثت ثورات الربيع العربي عام 2011 فدمّرت ليبيا واليمن وسوريا، وتبعهم السودان بدمار طوعي، بإشعال حرب داخلية مدمرة من قبل أبناء البلد البررة.
وما زال الانحطاط الأخلاقي للشعب العربي مستمراً.
رؤية تحليلية
إذا ما عانى أيّ شعب من شعوب العالم من القهر والظلم والفقر والمذلّة لسنين طويلة فأنه بالتأكيد سيكون عدوانياً وجاهلاً، متخلّفاً وفاسد أخلاقياً. وفي التاريخ أمثلة على ذلك، فأوروبا قبل أن تنهض في القرن الخامس عشر كانت قد عانت من سلسلة طويلة من الحروب المدمرة، التي أدّت إلى الفقر والجهل والظلم والمذلّة لشعوبها. لكن الأوروبيون لم يستسلموا لواقعهم السيء، ولم تُصبهم حالة الإحباط التي أصابتنا وسيطرت علينا وجعلتنا مستسلمين لها. بل هم أصّروا أن يُحسِّنوا واقعهم السيء وينهضوا بمجتمعاتهم نحوا الأفضل. فجاهَدَ العقلاء منهم من القادة السياسيين والمثقفين لينهضوا بمجتمعهم ويتطوروا. وقد نجحوا في ذلك.
فما الذي يمنع أفراد المجتمع العربي، خصوصاً العقلاء منهم من القادة والمثقفين المخلصين للوطن من أن يرسموا طريق النهضة؟
العبودية المختارة
في الكتاب المسمى "العبودية المختارة" لمؤلفه "إتيان دولا بوَيسي"، وهو فرنسي الأصل عاش في القرن السادس عشر، يتساءل المؤلف في كتابه هذا ويقول "كيف يمكن لإنسان ولد بالفطرة حراً أن يقبل بالعيش عبداً لغيره دون أن ينتفض ويثور ليستعيد حريته". ثم يذكر مؤلف الكتاب عاملين من الممكن أن يجعلا الإنسان يخضع لطغيان سيّده، وهما، الخوف والقبول الطوعي للتسلّط والعبودية. وبالنسبة لعامل الخوف فهناك البعض من الناس يخافون بطش وشدّة السيّد الطاغي فيرضَون بالتسلّط والعبودية ليتجنبوا الأذى. وإذا استمر الوضع على ذلك لسنين طويلة فقد يتعوّد الإنسان على هذه الحالة، ويصبح الخضوع للسيد الطاغي هو الشيء الطبيعي في حياته اليومية، وينسى مبدأ الحرية ومعنى العبودية والخنوع، فتصبح العبودية مختارة وطوعية يقبل بها الإنسان ويقنع بها. ثم تنشأ الأجيال بعده على هذا النمط، لا يشعرون بظلم أو مذلّة ولا ينشدون الحرية، ويعيشونها بقناعة، فهم قد تعوّدوا عليها ورضوا بها.
لكن المؤلف يتساءل أيضاً ويقول؛ إن الخوف عادة يصيب شخص واحد أو عشرة أشخاص أو مائة فرد من أفراد المجتمع، لكن أن يخضع المجتمع كلًه لطاغية واحد، بينما الشعوب يعدون بالآلاف أو بالملايين، وينتشرون في عشرات المدن مقابل حصن واحد يسكنه الطاغية فهذا لا يكون بسبب الخوف، ذلك لأن هذا العدد الكبير من الناس يستطيع أن يتخلص من الطاغية مهما كان قوياً. وكذلك أيضاً، فإن قوة الطغاة تَعّظُم بمساعدة المئات أو الآلاف من أبناء الشعب الفاسدين والمستفيدين من طغيان السيد المتسلط، على حساب مصلحة الشعب. وهذا سبب آخر من اسباب قوة وطغيان الطغاة المستبدين.
ومن استخلاص العبر من هذا التحليل، يمكننا القول: إن المجتمع العربي الآن يمر بحالة من الاختيار الطوعي والرضا بالعيش في ضلّ مجتمع متخلًف مغلوب على أمره، ومُطيع لمن يُصدر الأوامر له. وما يؤيد هذا التحليل، حالة ألّ لا مبالاة التي يُظهرها أفراد المجتمع وقادتهم إذا ما وصفوا بالتخلّف، وكأن حالة التخلّف لا تعنيهم. وكذلك عدم شعورهم بالخيبة أو تأنيب الضمير من استخفاف دول العالم بمكانتهم بين دول العالم. وهذا ما يجب علينا أن نعرفه لغرض محاربته والتخلص منه لنستعيد ثقتنا بنفسنا وبقدرتنا على النهوض والتقدم.
من الملاحظ إن الفرد أو المثقف العربي يؤمن ويعترف بالواقع المتخلّف لمجتمعه العربي. لكنه في نفس الوقت، في قرارة نفسه، يستثني نفسه من حالة التخلّف التي يصف بها مجتمعه العربي على الرغم من كونه عربي الأصل والنشأة، وهو بذلك يتعيّن عليه أن يكون متخلّفاً أيضاً أسوة بأفراد مجتمعه. فنراه لا يخجل ولا يستحي من وصف مجتمعه العربي بالمتخلّف الجاهل، لأنه يعتقد أنه هو المثقف حامل شهادة الدكتوراه وصاحب مركز وظيفي رفيع، فلا يمكن وصفه بالمتخلّف. وهذا يُظهر حالة الانفصام والتناقض الفكري أو قل حالة الازدواجية الفكرية التي يعاني منها الفرد العربي. وقد تُمثل هذه الحالة حالة من سبات العقل التي يوصف بها العقل العربي.
يقول جلال الدين الرومي " إذا كان كل شيء من حولك يبدوا مظلماً، أنظر مجدداً فقد تكون أنت النور"
فهل هنالك أمل في أن يَعيَ الشعب العربي حالة التدنّي الأخلاقي والفكري والسياسي التي يعيشونها فيعملون بجد لإصلاح حالهم.
***
د. صائب المختار






