عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

زكريا نمر: المثقف الحقيقي هو الذي يصنع الاسئلة

في عالم يستهلك المعرفة بسرعة، ويقدس المظهر اكثر من الجوهر، اصبح من السهل تمييز المثقف الحقيقي عن مثقف المظاهر. فالمجتمع اليوم يخلط بين من يمتلك شهادات، او كتب، او حضور اعلامي، وبين من يمتلك القدرة على التفكير النقدي واثارة الاسئلة التي تحرك الفكر. كثير من الذين يسمون بالمثقفين يعيشون في فقاعة ظاهرية، يكررون الافكار الجاهزة، ويكرسون الوقت للجدل العقيم بدل مساءلة الواقع. ويظهر الفرق الجوهري المثقف الحقيقي هو من يصنع الاسئلة، بينما المثقف المزيف يكتفي بتكرار الاجوبة الجاهزة.

صناعة السؤال ليست مجرد مهارة ذهنية، بل موقف وجداني وفكري. انها شجاعة مزدوجة: شجاعة تجاه الذات، للاعتراف بالجهل والتواضع امام المجهول، وشجاعة تجاه المجتمع، لمواجهة المألوف وكسر الثوابت الاجتماعية والفكرية. المثقف الحقيقي يعرف ان السؤال احيانا اقوى من الجواب، لان الجواب يقف عند حدود المعرفة، بينما السؤال يفتح افقا جديدا للتفكير، يهدد الثوابت، ويحرر الفكر من القيود المفروضة عليه. المثقف المزيف غالبا ما يظهر في وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، يكرر شعارات جاهزة عن الحرية والعلم والفكر، لكنه يتجنب مواجهة الواقع الحقيقي. يتحدث عن العدالة لكنه يخاف مساءلة السلطة، يتحدث عن التغيير لكنه يخاف التحدي. دوره يقتصر على نقل الاسئلة القديمة والاجوبة المتكررة، بينما العالم يتغير من حوله، وتتسرب الفرص للتفكير الحر من بين يديه.

المثقف الحقيقي لا يكتفي بالاسئلة التقليدية، بل يخلق اسئلة جديدة، يزعج بها المجتمع، ويكشف التناقضات التي يفضل الناس تجاهلها. يسأل لماذا يستمر التعليم في تكريس افكار قديمة، لماذا السياسة تدور في حلقة مفرغة، ولماذا يقبل المجتمع بقيود على الفكر وكأنها قوانين طبيعية. السؤال بالنسبة له ليس تمرينا عقليا، بل اداة للمواجهة، وللتغيير، ولتحريك الفكر من الجمود. صناعة السؤال ايضا تعني مواجهة المخاطر. كل سؤال جريء قد يزعج جماعة، قد يحرج السلطة، وقد يفضح المظاهر الزائفة للمجتمع. المثقف الحقيقي يختار الطريق الصعب، ويستمر في طرح اسئلته رغم كل التهديدات، لان الصمت او تكرار الاجوبة الجاهزة هو الموت الحقيقي للفكر. بينما المثقف المزيف يبحث عن الامان الاجتماعي، ويتجنب اي سؤال قد يجرح صورته او مكانته.

اليوم، كثير من المثقفين الزائفين يروجون لفكر سطحي، يتحدثون عن حقوق الانسان والحرية والعلم، لكنهم لا يجرؤون على طرح اسئلة عن الفساد، التمييز الاجتماعي، او دورهم في مواجهة القهر. اسئلتهم دائما مأمونة، اسئلتهم تخدم الشهرة اكثر من الحقيقة. اما المثقف الحقيقي، فكل سؤال يطرحه يهدف الى كشف الحقيقة، دفع المجتمع للتفكير النقدي، واحداث اثر مستدام.

المثقف الحقيقي هو من يترك اثر طويل المدى. اسئلته لا تختفي مع رحيله، بل تستمر في ايقاظ العقول، تحفيز النقاشات، واجبار الاخرين على البحث والمساءلة. السؤال بالنسبة له اداة للحرية، للفكر، وللتحرر من القيود الفكرية والاجتماعية. في النهاية، المثقف الحقيقي ليس من يعرف كل شيء، ولا من يمتلك اجوبة لكل استفسار، بل من يجرؤ على طرح اسئلة لم يجرؤ احد على طرحها، ويستمر في ذلك رغم كل الصعاب، لان تقدم الفكر يعتمد على الجرأة في السؤال والمثابرة في البحث.

***

زكريا نمر