قضايا
عبد الله الجنابي: المفكر د.عبد الامير زاهد ومنهج الاعتدال والوسطية

في بيئة فقهية ذات لون طائفي واحد، كان صوتًا موسومًا بالوسطية والاعتدال؛ فلم يُسمع عنه تطرف في خطاب، ولا ميل بلا دليل إلى طرف، يدافع عن الآخر دون تملق، ويدافع عن عقيدته دون عصبية، حتى إن بعضًا اتهمه بالتسنن، في حين اتهمه آخرون بالدفاع عن التشيع بطريقة ذكية. وحين يتهم المتطرفون أحدًا، فهي شهادة له بالاعتدال؛ إذ إن منهم من أراد تصويره كعرّاب لمذهبه مهاجمًا الآخر، فكان رده على الطرفين: نحن أصحاب الدليل، حيثما مال نميل.
وفي كلمة العدد الخامس والعشرين من مجلة مركز دراسات الكوفة دعا زاهد إلى: الانتقال من ممارسة الأيديولوجيا إلى البرهان، ومن التمجيد إلى النقدية، ومن الطقوسية إلى النزعة العقلانية...، وربما تكون دراسته للفقه المقارن قد قادته إلى ما أورده في كتابه قراءات في الفكر السياسي المعاصر: يتوهم البعض أنه يمتلك الحقيقة كلها... ، وكان يريد القول إن كل طرف يملك جزءًا منها، وإن مجموع تلك الآراء ربما يكون الحقيقة.
وبذلك كان الدكتور زاهد مختلفًا عن أقرانه ومجايليه من «الأحاديين» الذين يفتخرون بإطلاق رصاص قناعتهم على رؤوس طلبتهم في الدراسات العليا خصوصًا، بينما كان هو يتجول معهم حرًّا، وأحيانًا بلا حذر، في بساتين الاجتهادات والآراء والمختلفات، حتى كأنه يعرف عن المذاهب الأربعة تمامًا كما يعرف عن مذهبه بالولادة، بل ويعرف أيضًا عن مذاهب أخرى، كي لا يكون الرأي الفقهي حكرًا على خمسة فحسب.
ولا أدل على اعتداله من دعوته في إحدى منشوراته إلى بناء العقل الإسلامي الوسطي المعتدل المتوازن والهادف إلى قطع الطريق على استنساخ العنف الفكري... ؛ فالتطرف عند زاهد هو أحد أشكال العنف الفكري، لذلك كتب يدعو إلى: «اعتماد مواجهة التطرف مواجهة رسالية موضوعية فكرية وفلسفية طويلة الأجل».
وقد بدأ بنفسه وبأبناء الطائفة التي ينتمي إليها، ناصحًا بـ: عدم التركيز الحصري على ضرورة الحفاظ على مصالح الطائفة؛ فلا يصح مثلًا أن نسمع لقبًا للشيخ الطوسي بأنه شيخ الطائفة وليس شيخ الإسلام... ، وفي الوقت نفسه يلفت أنظار أبناء الطوائف الأخرى إلى أن أسلافهم وأئمتهم كانوا يوادّون أهل البيت... الذين يُعَدّون مرجعية الشيعة عقائديًا وفقهيًا.
ويخلص إلى قاعدة رصينة، أظن أنه لم يصادفها مصادفة في تجواله في كتب الفكر والفقه والعقيدة، بل هي نتاج حفريات لعقود، مفادها أن: القطيعة ليست أصيلة في سلوك أهل التقوى... .
ولتخفيف غلواء الاعتقاد بالأفضلية والجزم بوجود فرقة واحدة ناجية، دعا زاهد إلى تطوير وتنقية ما وُصف تاريخيًا بأنه من التشيع أو أدب الشيعة، وإلى توفير فرص النقد والمراجعة والتطوير ، وفي الوقت ذاته دعا الآخر إلى «مغادرة الضغائن التاريخية والعقل الإقصائي الذي يتبعه رجال الدين من على منابرهم التي تصرخ من مراكش إلى إندونيسيا...»، وكذلك إلى التوقف عن «توظيف الافتراءات المقصودة عن التشيع وتربية الأجيال المتلاحقة على ذلك النهج.. ، و تصوير الشيعة على أنهم فئة خارجة عن السنة والجماعة ومنحرفة عن الدين، وأن الحكم فيهم هو وجوب الإقصاء والاستئصال... .
إنه لا يترك لدعوته نهايات مفتوحة ومتاهات، بل وضع شروطًا لتأسيس استراتيجية معرفية معاصرة، ينبه فيها إلى الوظيفة الأساسية النقدية للعقل المكوِّن، على أنه عقل «استحداث أزمات كما يقول الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار (1884 – 1962). وقد يتصور البعض أن الانتصار ممكن في صراع له وجهان من الخسارات: الأول تدمير طاقات الطرفين، أو أنه على الأقل يشكل عائقًا أمام توثب ضروري لاستعادة دور الأمة الإسلامية في الحضارة الإنسانية. ولذلك دعا زاهد إلى تخليص المعرفة من ثقافة الهيمنة والتعصب التي تميز فعاليات السلطة والقوى الاجتماعية، وما ينتج عن هذا من قيم تبريرية وتمجيدية مناقبية غير نقدية ذات نزعة عنفية... .
لقد حَقَب زاهد جميع الداعين إلى التمجيد الأجوف على أنهم: أحياء يحملون أفكارًا ميتة، لا تصلح إلا كمادة يمكن الاستفادة منها في مختبرات الكشف عن تصورات الماضي ونهاياته. ورغم أنه لم يصل بعد – بفعل عوامل لم تكن العوامل الموضوعية من ضمنها – إلى العالمية، فإنه، فضلًا عن قراءاته للتراث، درس نتاج المفكرين العالميين المعتدلين والمتطرفين، ومن تلك الدراسات ولدت أفكاره المعتدلة والوسطية التي شكّلت مشروعًا أُسِّس على إسلامية مستنيرة بنتاج الحضارة الإنسانية وما وصلت إليه من فتوح في مجال الفكر.
إذن، لم يكن زاهد غنوصيًا (Gnostic) في دعوته إلى إحياء التراث، ولم يكن علمانيًا (Secular) بشقي مفهوم العلمانية (إما في الفصل بين الدولة والدين، أو في حياد الدولة في الشأن الديني)، بل كان أمرًا بين أمرين؛ فالتراث المُنقّى هو الأساس في رسم استراتيجية النهوض والإحياء للمجتمعات الإسلامية. وكان لا يرى خدشًا في إيمانه أن يعتقد ويدعو إلى تشذيب شجرة الإسلام مما تيبّس واصفر من أوراقها، فهي قادرة على أن تورق من جديد أوراقًا خضراء يانعة.
وكان يرنو ببصره بفخر إلى أعمدة إنتاج المسلمين، كما أورد أسماء بعضهم في إحدى مقالاته: ابن رشد (الفقيه والمفكر والفيلسوف)، وصدر الدين الشيرازي (الفيلسوف والمفكر)، وابن العربي (المتصوف والرائد للمدرسة العرفانية الضخمة)، وابن الهيثم (العالم التطبيقي)، والخوارزمي (عالم الرياضيات الرائد).
***
د. عبد الله الجنابي
a