عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

عبد السلام فاروق: مدحت الجيار.. ثلاثون كتابا ولا تكريم!

ثلاثون عاما من الصحبة الثقافية، لا أحسبها إلا كما يحسب الشيخ خطواته في محراب منذ أن عرف الطريق. ثلاثون عاما لم أر فيها الدكتور مدحت الجيار إلا كما ترى النخلات بعضها في واحة نائية ظلالا وارفة لا تضطرب، وجذوعا مشدودة إلى عنان السماء لا تنحني للريح. لم أسمع له صوتا يعلو، لأن من امتلك جوهر الحقيقة أغناه بريقها عن ضجيج الحناجر. لم يسع إلى منصب زائل، لأنه تبوأ منذ البدء منصب الكلمة الصادقة، وهو أشرف المناصب وأبقاها. ولم يلهث وراء ضوء عابر، لأنه صار بذاته نبراسا، والنبراس يهدي السائرين في العتمة.

كان يبني.. في ذلك الصمت العميق الذي لا يعرفه إلا أرباب الأسرار، أولئك الذين أيقنوا أن البناء الحق يبقي شامخا بعد رحيل بانيه. كان يبني أجيالا من الباحثين، يغرس في تربة أرواحهم حب المنهج قبل حب النتائج، إيمانا منه بأن النتائج عرض زائل، أما المنهج فهو الناموس الذي يخلد.

وهنا – وأرجو من القارئ الكريم أن يسعني كما يسع النهر ضفتيه، وأن يلتمس لي العذر فيما يخالجني من وجد – هنا مكمن الوجع الذي يلدغ القلب. فنحن في ثقافتنا العربية اعتدنا جفاء مقيتا، نتربص فيه بعلمائنا ونقادنا حتى يرحلوا، فإذا ما أزف الرحيل وانطوت صفحتهم، سكبنا الدموع، وأقمنا الندوات، وكتبنا المراثي التي لا تمس جلد الراحل ولا تدفئ وحشة قبره. أما الأحياء من قبل، فقد تركناهم عطشي إلى كلمة حق تقال في حضرتهم، وإلى يد حانية تمسح على كتف أنهكه السير، وإلى وميض من شعور يبعث فيهم الطمأنينة بأن تعب العمر لم يذهب هباء.

والآن، ولتكن الصراحة شجاعة لا مفر منها: النقد الأدبي في بلادنا ليس بضاعة تروق الجمهور. فلا القارئ يشتري كتب النقد في المطارات، ولا يتسابق المثقفون لاقتناء دراسة في الصورة الشعرية أو تحليل عروضي معمق. الجمهور يبغي ما يلهيه عن ذاته، أما النقد فلا يلهي، فهو إيقاظ من سبات، وتنبيه لضمير غاف، هو جرح نافذ في رتابة التلقي أحيانا. لكن هذا، ولا بد من تأكيده، لا يخدش في قدر علماء حملوا هذه الرسالة على أكتافهم، في زمن قل فيه من يحمل غير جيوبه الفارغة.

الدكتور مدحت الجيار واحد من القلة الذين أدركوا بعمق أن النقد منهج يبنى بحكمة المهندس، وعلم يتقن بخشوع العابد. بدأ مشواره العلمي عام 1984 بكتاب رائد عن الصورة الشعرية عند الشابي، ومنذ تلك اللحظة لم يتوقف نبض قلمه. أهدى المكتبة العربية نحو ثلاثين كتابا في أربعة عقود، توزعت بين تحقيق المخطوطات المغمورة، وتنظير القضايا الشائكة، واختراق حقول الشعر والمسرح والرواية.

وهذه سمة لا يمتلكها إلا من ولد وفي فمه مسبار الناقد، إنها سمة التكامل. لأنه يأبى التخصص الضيق الذي يتحول عند غيره إلى ذريعة للجهل بما يقع خارج دائرته الصغرى. يقرأ في كل شيء، ويكتب في كل شيء، ويتحدث عن كل فن وكأنه من أهله. وكأنه يعلم بيقين العارفين أن الأدب وطن واحد كبير، ومن قسمه على نفسه فقد تاهت به السبل.

وأحب أن أقف هنا وقفة من يعرف قيمة ما يورد. الدكتور مدحت الجيار – حفظه الله، ورده إلينا صحيحا معافى – ليس أستاذا جامعيا يؤدي واجبه الوظيفي وينصرف. كلا.. إنه أب روحاني لتلاميذه، ومعلم بذلك المعنى الذي نشتاقه. معلم كمن يزرع نخلة في جوف الصحراء، يعلم علم اليقين أنها لن تظله، ولكنه يوقن أنها ستظل من يجيء بعده. وما زلت أذكر أيام أتيليه القاهرة، كنا نلج جلسته بأسئلة صغيرة محدودة، فنخرج بأسئلة أكبر وأعمق، كنا ندخل كالأرض العطشى المتصدعة، فنخرج كالسحاب الممتلئ بالماء، وهذه فيما أرى، هي الغاية القصوى من التعليم أن يخرج الأستاذ من تلميذه إنسانا يسأل ويقلق، لا حافظا يردد، فالأول يبقى أثره في العقول، والثاني يموت أثره بانتهاء الامتحان.

ومن عجيب أمر الدكتور مدحت أنه خاض غمار المخطوطات، تلك البحار الموحلة التي لا يقتحمها إلا جسور. فحقق "ديوان ابن إياس الحنفي" و"أراجيز رفاعة الطهطاوي المجهولة"، وهذا عمل من آمن برسالته إيمانا لا تشوبه شائبة المصلحة، لا عمل من يبحث عن ترقية أو مجد زائل. هذا عمل من يعرف أن المخطوطات جذورنا المدفونة، ومن قطع جذوره هوى، وما هوى ساقط لا محالة.

ونحن نخط هذه السطور، يخالجني تفكير عميق في أمر جلل؛ نحن في مصر وسائر البلاد العربية نملك ثروة فكرية لا تقدر بمال، لكننا لا نحسن استثمارها. نترك مفكرينا وكبار نقادنا يعانون الأمرين، فإذا رحلوا عنا أقمنا المآتم وأطلقنا الأسماء على الشوارع! وكأن التكريم لا يستحقه المرء إلا بعد الرحيل! متى نتعلم؟ متى نكرم الأحياء قبل أن يرحلوا، فنطيب خواطرهم ونحن نرى وميض الامتنان في أعينهم؟

لماذا لا تخصص الحكومات ميزانية لدعم هؤلاء الأعلام؟ لماذا لا تعيد المؤسسات الثقافية طبع كتبهم في طبعات أنيقة محققة؟ لماذا لا تدرس مناهجهم في الجامعات وهم بيننا، فيسمع الطلاب من أفواه أصحابها، ويغترفوا من النبع قبل أن ينضب؟

الدكتور مدحت الجيار قدم للمكتبة العربية ما يزيد على ثلاثين كتابا في أربعين عاما. وهذا المنجز، في تقديري، جدير بتقدير لا يكون بالكلمات المرسلة وحدها، بل بالأفعال الموازية.

ودعوني أتأمل في أسلوبه قليلا، في سر صنعته النقدية. حين تقرأ للدكتور الجيار لا تجده يتعامل مع النص الأدبي كما يتعامل الطبيب الشارح مع جثمان، يقطع ويشرح، إنما يتعامل معه ككائن حي يمتلئ بالروح، يحترمه، يحاول أن يفهم أسراره. لا يقطع الطريق على تأويل، ولا يصدر أحكاما مطلقة، كأنه يهمس للنص: أنت حر، وأنا هنا لأفهم حريتك. في كتابه "علم النص الأدبي" (2008) يقدم خلاصة تجربته، يعلمك كيف تقرأ، كيف تحلل، كيف تنتقل من الانطباع الأولي إلى المنهج الرصين دون أن تفرط في روح الأدب. وهذا – وأرجو أن يسمعني القارئ – نادر في نقدنا المعاصر، نادر كالمطر في الصيف، وكالظل في منتصف النهار.

وكتبه عن جماعة الديوان – المازني وشكري والعقاد – هي توثيق تاريخي دقيق، تعيد بناء لحظة فارقة في مسيرتنا الثقافية الحديثة، لحظة كان فيها النقد أشبه بمعركة، والمعركة أشبه بولادة.

لعل أهم ما يميز الدكتور مدحت الجيار عن غيره من النقاد المعاصرين أنه استطاع أن يؤسس لمنهج نقدي خاص به، منهج يقوم على التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، وبين الانضباط الأكاديمي والذائقة الأدبية الرفيعة. وهو في هذا يشبه كبار نقاد العربية الأوائل الذين كانوا يجمعون بين الدراية باللغة والدراية بالذوق. لا يقرأ النص الأدبي قراءة عمياء، ولا يخضعه لنظرية مسبقة يحاول أن يطبقها تطبيقا آليا، إنما ينطلق من النص نفسه، يستمع إليه، يتأمله، ثم يستخرج منه أدوات تحليله.

وهذه – في نظري – من أصعب المهارات النقدية وأندرها، لأنها تحتاج إلى شجاعة، وشجاعة الناقد أن يثق بذائقته قبل أن يثق بنظريات غيره.

وإذا تأملنا كتبه عن الشعر المصري الحديث، أو دراساته عن المسرح الشعري، أو تحقيقاته للمخطوطات النادرة، نلحظ أنه يمتلك بصرا نافذا في التاريخ الأدبي، وقدرة فائقة على الربط بين الظواهر الأدبية وظروفها التاريخية والاجتماعية. لا يكتب النقد بمعزل عن التاريخ، ولا يكتب التاريخ بمعزل عن النقد، يجمعهما في وحدة عضوية لا تنفصم، كمن يعرف أن الأدب ليس طائرا يحلق في السماء، وأنه نبت يخرج من الأرض، من ترابها ومن مائها ومن دمها أحيانا. وهذا ما يجعل قراءة كتبه متعة فكرية وفنية، متعة كمن يرى البحر أول مرة، وفنية كمن يستمع إلى قصيدة لم تقل بعد.

لا يمكن لأي باحث منصف أن يتحدث عن النقد الأدبي في مصر خلال العقود الأربعة الماضية دون أن يذكر الدكتور مدحت الجيار في مقدمة الصف. ذلك أن منجزه لم يقتصر على الكتب التي ألفها، إنما تعداه إلى الأجيال التي رباها، والمناهج التي أسس لها، والمخطوطات التي أنقذها من النسيان. إن تحقيقاته لـ"ديوان ابن إياس الحنفي" و"أراجيز رفاعة الطهطاوي المجهولة" وحدها كافية لأن تخلد اسمه في تاريخ الثقافة العربية، لأنها أعادت إلى الذاكرة نصوصا كانت في حكم المفقود، وأتاحت للباحثين فرصة الاطلاع عليها في طبعة علمية محققة، كأنه قال للموت: لا، لن تأخذ هذا كله.

أضف إلى ذلك أن مدحت الجيار استطاع أن يمد جسرا بين النقد العربي القديم والنقد الغربي الحديث، لا من خلال الاستيراد الأعمى للنظريات، لكن من خلال الوعي الناقد الذي يختار ما يناسب تراثنا ويطرح ما لا يناسبه. وهو بهذا يقدم نموذجا يحتذى به للأجيال القادمة من الباحثين، نموذجا للاجتهاد العلمي الجاد، والتواضع الجم، والإخلاص للرسالة قبل أي اعتبار آخر، نموذجا يذكرنا بأن الناقد الحقيقي هو من يكتب كما يتنفس، لا من يكتب كما يتزلف.

وخير ما أختم به أن أتوجه إلى المولى – وهو أقرب إلينا من حبل الوريد – أن يمن على الدكتور مدحت الجيار بالشفاء العاجل، وأن يعيده إلى محبيه وتلاميذه وقرائه، لأننا ما زلنا نحتاجه، وما زالت المكتبة العربية تنتظر منه المزيد.

وأدعو وزارة الثقافة وجامعة الزقازيق وجميع المؤسسات المعنية، أدعوها بصوت لا يعلو لكنه لا يخفت انتبهوا إلى هذا الأستاذ العلامة وإلى أمثاله، فليس في مصر ولا في العالم العربي من هو أغنى من علماء كهذا، ومن لا يعرف كنزه فهو الفقير، لا الكنز.

لقد آن الأوان لنكرم أحياءنا.

آن الأوان لنقول لمن يستحق: شكرا لك، نحن نرى تعبك، نحن نقدر عطاءك، نحن نعرف أنك من الذين يضيئون الطريق لمن بعدهم، دون أن يطلبوا من المارة أجرا.

فانهض أيها الناقد الجليل، فما زلنا نتعلم منك، وما زال في العمر بقية، وما زالت الكلمات تنتظرك، والكتب تشتاق إليك، وتلاميذك يصلون من أجلك.

قم، فالصباح قريب، والشمس لم تغب بعد.

***

عبد السلام فاروق