عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ابتهال عبد الوهاب: ما بين المظهر والجوهر.. مأساة الإنسان المعاصر

نعيش في زمن أتقن فيه الإنسان إصلاح كل شيء تقريبا خارج ذاته، لكنه عجز عن إصلاح ذاته.. المؤلم أن كثيرا من البشر يعيشون في عناية دائمة بمظهرهم، بينما يتركون دواخلهم بلا صيانة؛ حتى يصبح الإنسان من الخارج أكثر أناقة، ومن الداخل أكثر خرابا

كم أتمنى أن يكون في محلات بيع النظارات عدسات للعناية بالبصائر المظلمة، تعيد إلى العين قدرتها على رؤية الإنسان قبل أن ترى ملامحه، والجوهر قبل المظهر، والحقيقة قبل أن تغويها الأقنعة.

كم أتمنى أن يكون في محلات التجميل مستحضرات للاهتمام بالأرواح المشوهة، تعيد إليها شيئا من نقائها الذي أفسدته القسوة، وشيئا من جمالها الذي أطفأته الأنانية.

كم أتمنى أن يكون في محلات التنظيف مواد لتنظيف وتطهير العقول الصدئة، تزيل عنها غبار الموروث، ورواسب التعصب، وبقايا الأفكار التي ماتت منذ زمن وما زالت تسكن رؤوسا ترفض أن تدفنها.

كم أتمنى أن تكون هناك صيدليات تبيع دواء للقلوب التي أدمنت الكراهية، وحقنا للضمائر التي فقدت الإحساس، وعقاقير للنفوس التي أصابها تضخم الأنا حتى لم تعد ترى في الكون إلا صورتها.

كم أتمنى أن نجد في المكتبات فرشاة لتنظيف الذاكرة، نمسح بها آثار الإهانات القديمة، ومرارة الخيبات، وأسماء الذين عبروا حياتنا وتركوا فيها ندوبا أكثر مما تركوا من حب وجمال

كم أتمنى أن يكون هناك ميزان لقياس إنسانيتنا، لا يقيس الوزن ولا الطول، بل مقدار الرحمة فينا، وقدرتنا على الاختلاف دون كراهية، وعلى القوة دون استعلاء، وعلى امتلاك الحقيقة دون أن نتحول إلى أوصياء عليها.

كم أتمنى أن توجد مرايا لا تعكس وجوهنا، بل تكشف لنا ما أخفته الوجوه طويلا: كم من القسوة يسكن ملامحنا، وكم من الزيف نرتديه كل صباح، وكم مرة ظلمنا إنسانا ثم أقنعنا أنفسنا أننا كنا على حق.

كم أتمنى أن يكون هناك مركز لإعادة تأهيل الأرواح، نستطيع أن نودع فيه نفوسنا المنهكة لبعض الوقت، فتخرج منه أقل غضبا، وأكثر تسامحا، وأشد قدرة على الحب وتقبل الآخر المختلف

لكنني كلما بحثت عن هذه الأشياء، اكتشفت أنها لا تباع في الأسواق، ولا تصنعها المصانع، ولا توصف في الوصفات الطبية.

فالبصيرة لا تحتاج إلى عدسة بقدر ما تحتاج إلى وعي، والروح لا تحتاج إلى مستحضر تجميل بقدر ما تحتاج إلى صدق، والعقل لا يحتاج إلى منظف بقدر ما يحتاج إلى شجاعة السؤال،

والقلب لا يحتاج إلى دواء بقدر ما يحتاج إلى أن يتعلم ألا يؤذي.

ربما كان أعظم ما ينقص الإنسان في هذا العصر ليس ما يملكه، وإنما ما لم يتعلم كيف يراه في نفسه.

نحن ننفق الكثير على تجميل الجسد، والقليل على تهذيب الروح. نعتني بنظافة البيوت، ونترك عقولنا تمتلئ بالغبار. نخشى تجاعيد الوجه، ولا نخشى تجاعيد الضمير. نبحث عن عيون جميلة، ولا نسأل إن كانت ترى بعدل ونخاف أن يفسد مظهرنا أمام الآخرين، بينما لا يؤرقنا كثيرا أن يفسد جوهرنا أمام أنفسنا.

ولعل المأساة الحقيقية ليست أن يكون للإنسان وجه قبيح، وإنما أن يصبح القبح أخلاقا، وأن يتحول الجهل إلى يقين، والتعصب إلى فضيلة، والقسوة إلى قوة، والوصاية إلى حق، والكراهية إلى عقيدة.

فما أحوجنا إلى ثورة لا تبدأ من الشوارع، بل من الداخل؛ ثورة على كل فكرة ورثناها دون أن نفكر، وكل حكم أصدرناه دون أن نعرف، وكل كراهية تعلمناها قبل أن نلتقي بالآخر.

 ربما لا يحتاج العالم إلى مزيد من مستحضرات التجميل، بقدر ما يحتاج إلى شيء يعيد للإنسان إنسانيته، فالإنسان لا يصبح جميلا حين يتغير وجهه، بل حين تصبح روحه أكثر رحمة، وعقله أكثر تواضعا، وقلبه أكثر اتساعا، وضميره أكثر يقظة.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في المثقف اليوم