عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

مصطفى غلمان: من المدرسة إلى المنصة

التحول الخفي في صناعة الوعي التربوي

في اللحظة التي أصبح فيها الهاتف الذكي جزءاً من الحياة اليومية للطفل، دخلت المجتمعات الإنسانية مرحلة جديدة من تاريخ التنشئة. فقد انتقلت مساحات واسعة من تشكيل الوعي والذوق والخيال إلى فضاءات رقمية مفتوحة، تتحكم فيها منصات عالمية صُممت وفق منطق جذب الانتباه وتعظيم التفاعل.

وبينما كانت الأسرة والمدرسة تمثلان تاريخيا الإطارين الأكثر تأثيرا في بناء شخصية الطفل، ظهرت بيئة جديدة تحمل معها أنماطا مختلفة من التعلم والتواصل واكتساب القيم.  هذه التحولات دفعت عددا من الدول إلى مراجعة علاقتها بثقافة المنصات الرقمية، بعدما كشفت التجربة اليومية عن تعقيدات نفسية وتربوية واجتماعية مرتبطة بالاستخدام المبكر والمكثف لشبكات التواصل الاجتماعي. فقد أصبحت الطفولة موضوعاً مركزيا في النقاش العمومي حول حدود المسؤولية الرقمية، وحول قدرة المجتمعات على حماية أجيالها الصاعدة من التأثيرات العميقة التي تنتجها البيئات الافتراضية.

وفي هذا السياق، صادق البرلمان الفرنسي على قانون يمنع القاصرين دون سن الخامسة عشرة من الولوج إلى شبكات التواصل الاجتماعي، في خطوة تأتي ضمن مسار دولي متنامٍ تقوده تجارب متعددة في اليابان ودول شمال أوروبا، حيث يجري البحث عن صيغ قانونية وتربوية تحقق توازنا بين الاستفادة من الثورة الرقمية والحفاظ على شروط النمو النفسي والثقافي السليم للأطفال.

وتفتح هذه التحولات باباً واسعا أمام سؤال سوسيولوجي جوهري: كيف تتغير علاقة الإنسان بالمعرفة والهوية والآخر، عندما تصبح الخوارزمية طرفا فاعلا في تشكيل الوعي منذ المراحل الأولى من العمر؟

تكتسب مصادقة البرلمان الفرنسي على القانون إياه، القاضي بمنع امتلاك الأطفال القاصرين لحسابات على منصات التواصل الاجتماعي دلالة تتجاوز بعدها التشريعي، لتتحول إلى إعلان فلسفي مفاده أن المجتمع لم يعد يعتبر الفضاء الرقمي مجرد وسيلة للتواصل، بل بيئة اجتماعية تحتاج إلى الضبط والحماية مثلها مثل المدرسة والشارع والأسرة.  إن فرنسا بهذا التشريع، لا تنفصل عن تجارب دول سبقتها إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الطفولة والتكنولوجيا، فقد تبنت اليابان منذ سنوات سياسات صارمة للحد من الاستخدام المفرط للهواتف الذكية داخل المؤسسات التعليمية، بينما اتجهت دول الشمال الأوروبي، مثل السويد والدنمارك والنرويج، إلى مراجعة سياساتها الرقمية داخل المدارس، بعد أن أظهرت الدراسات أن الإفراط في الرقمنة لم يكن دائماً مرادفاً لتحسن التعلمات، بل أدى في حالات عديدة إلى تراجع التركيز والقراءة العميقة، وارتفاع معدلات القلق والعزلة الاجتماعية.

هذا التحول العالمي يكشف عن تغير جذري في النظرة إلى التكنولوجيا؛ فلم تعد المشكلة تكمن في وجود الوسائط الرقمية، وإنما في طبيعة السلطة التي تمارسها الخوارزميات على العقول الناشئة.  لقد كان ميشيل فوكو يرى أن السلطة الحديثة لا تفرض نفسها بالقوة المباشرة، بل تعمل من خلال آليات دقيقة لإنتاج السلوك وتوجيهه. واليوم تبدو الخوارزميات تجسيدا متقدما لهذا التصور؛ فهي لا تأمر الطفل، لكنها تصوغ رغباته، ولا تمنعه من الاختيار، لكنها تحدد له ما سيختاره لاحقاً. إنها سلطة ناعمة، غير مرئية، لكنها شديدة الفاعلية في تشكيل أنماط التفكير والانتباه والانفعال.

ومن زاوية أخرى، يقدم بيير بورديو مفهوما بالغ الأهمية لفهم هذه الظاهرة، وهو مفهوم "إعادة إنتاج الهيمنة". فالطفل الذي يقضي ساعات طويلة داخل منصات التواصل لا يستهلك محتوى محايدا، بل يخضع لعملية متواصلة لإعادة إنتاج الذوق والقيم وأنماط الاستهلاك والنجاح والجمال واللغة. ومع مرور الوقت، تتحول هذه المضامين إلى ما يسميه بورديو "الهابيتوس"، أي منظومة داخلية من الميولات التي توجه الفرد دون أن يشعر بها.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي؛ إذ لم تعد المدرسة المصدر الوحيد للمعرفة، ولم تعد الأسرة الفضاء الأول للتنشئة، بل أصبحت المنصة الرقمية فاعلاً اجتماعياً ينافس المؤسسات التقليدية جميعها، ويملك من أدوات التأثير ما لم تمتلكه أي مؤسسة تربوية في التاريخ.  أما شوشانا زوبوف، في تحليلها للرأسمالية القائمة على المراقبة، فتذهب إلى أن البيانات الشخصية لم تعد مجرد معلومات، بل أصبحت مادة أولية لصناعة السلوك الإنساني. فكل نقرة، وكل ثانية يقضيها الطفل أمام الشاشة، تتحول إلى بيانات تُستثمر اقتصادياً لإطالة زمن بقائه داخل المنصة.

وعلى هذه الوضعية يصبح الطفل، مستهلكا ومنتجا للثروة الرقمية، دون أن يدرك أنه موضوع لاستثمار اقتصادي ضخم.  وتشير الدراسات الحديثة في علم النفس التربوي إلى أن الاندماج الكلي مع ثقافة المنصات يترك آثاراً تتجاوز الإدمان التقني، ليؤثر في البنية النفسية للطفل والمراهق. فالمقارنة المستمرة بالآخرين تولد الشعور بالنقص، والسعي الدائم إلى نيل الإعجابات يربط تقدير الذات باعتراف رقمي متقلب، بينما يؤدي التدفق اللامتناهي للمحتوى إلى تراجع القدرة على التركيز والتأمل والقراءة العميقة.

ولعل ما يسميه عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان بـ"الحداثة السائلة" يجد اليوم أحد أوضح تجلياته داخل شبكات التواصل الاجتماعي؛ حيث تصبح العلاقات الإنسانية سريعة الزوال، والهوية قابلة للتغيير في كل لحظة، والقيم خاضعة لمنطق الانتشار لا لمنطق الحقيقة. فينشأ الطفل داخل فضاء يربط النجاح بعدد المتابعين، ويقيس القيمة الإنسانية بحجم التفاعل، ويختزل الاعتراف الاجتماعي في مؤشرات رقمية.

أما من الناحية التربوية، فإن أخطر ما تفرزه هذه الثقافة هو انتقال مركز السلطة التعليمية من المعلم إلى الخوارزمية. فالمعلم يقدم معرفة تتطلب الصبر والتدرج والنقد، بينما تقدم المنصة معرفة مجزأة وسريعة ومشحونة بالإثارة والانفعال. وهكذا يصبح التعلم عملية استهلاك بصري أكثر منه بناءً معرفياً، ويتحول التفكير النقدي إلى ردود فعل آنية تحكمها سرعة التفاعل.

وقد نبه الفيلسوف الكندي مارشال ماكلوهان، منذ عقود إلى أن الوسيلة ليست مجرد ناقل للرسالة، بل هي الرسالة نفسها. واليوم تبدو هذه الفكرة أكثر صدقا من أي وقت مضى؛ لأن المنصة لا تغير فقط مضمون المعرفة، بل تغير طريقة التفكير، وإيقاع الإدراك، وأسلوب التواصل، وحدود الانتباه.

إن التشريع الفرنسي لا ينبغي فهمه باعتباره حربا على التكنولوجيا، بل باعتباره محاولة لإعادة التوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين الحق في الولوج إلى المعرفة والحق في حماية النمو النفسي والعقلي للأطفال. فالمجتمعات التي راكمت خبرة في الاقتصاد الرقمي بدأت تدرك أن ترك الطفولة تحت رحمة الخوارزميات يمثل مخاطرة حضارية قبل أن يكون مجرد قضية تقنية.

ويبقى السؤال مطروحاً في المجتمعات العربية، ومنها المغرب: هل ننتظر حتى تتحول المنصات إلى المرجع الأول في التنشئة الاجتماعية، أم نبادر إلى بناء سياسة وطنية متكاملة لحماية الطفولة الرقمية؟

إن المطلوب لم يعد مجرد إصدار قوانين تحدد السن القانونية لولوج المنصات، بل صياغة مشروع ثقافي وتربوي شامل يشارك فيه المشرع، والمدرسة والأسرة والإعلام وعلماء النفس والاجتماع، من أجل إعادة الاعتبار للتنشئة الإنسانية في زمن الذكاء الاصطناعي.  فالرهان الحقيقي ليس حماية الأطفال من الشاشات في حد ذاتها، وإنما حماية قدرتهم على التفكير الحر، وعلى بناء شخصية مستقلة، وعلى امتلاك وعي لا تصنعه الخوارزمية ولا توجهه اقتصاديات الانتباه.

إن المجتمعات التي تحمي طفولتها الرقمية اليوم، إنما تؤسس لسيادتها الثقافية غداً؛ لأن معركة المستقبل لن تكون فقط حول امتلاك التكنولوجيا، بل حول امتلاك الإنسان القادر على استخدامها دون أن يصبح أسيراً لها.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

في المثقف اليوم