نحن المتمردون لم نؤذ أحدا. لم نحمل سيفا في وجه أحد. ولم نقتحم على أحد بيته. ولم نطلب من أحد أن يتخلى عن يقينه من أجل يقيننا. كل ما فعلناه أننا احتفظنا بحقنا في أن نسأل قبل أن نصدق، وأن نفكر قبل أن نكرر، وأن نبحث قبل أن نطمئن إلى الإجابة الجاهزة.
نحن المتمردون لم نؤذ أحدا.
كنا فقط نريد أن نعرف: لماذا؟
لماذا هذا صحيح؟ ومن قال إن هذا لا يحتمل الشك؟ ولماذا يصبح السؤال وقاحة حين يقترب من الأشياء التي اعتدنا أن نسميها مقدسة؟
ولماذا ينبغي للإنسان أن يرث أفكاره كما يرث اسمه ونسبه، دون أن يمنح نفسه فرصة واحدة ليمتحنها بعقله؟
نحن المتمردون لم نؤذ أحدا.
لكننا أزعجنا الذين اعتادوا أن يروا العالم من نافذة واحدة، حين قلنا لهم إن النوافذ كثيرة، وإن الحقيقة لا تخاف من الضوء، وإن الفكرة التي تحتاج إلى السجن كي تبقى، ربما كانت تحتاج إلى مراجعة أكثر مما تحتاج إلى حراس.
نحن المتمردون لم نطلب من أحد أن يفكر مثلنا.
كنا فقط نطالب بأن يكون التفكير حقا لنا كما هو حق لغيرنا.
لم نرد أن نهدم إيمان أحد، وإنما رفضنا أن يتحول إيمان الآخرين إلى سلطة على عقولنا. لم نطلب إلغاء المقدس من حياة الناس، وإنما رفضنا أن يصبح المقدس حصانة تمنع السؤال، أو ذريعة لمصادرة العقل، أو مبررا لإقصاء المختلف.
نحن المتمردون لم نكره الناس.
نحن نكره فقط ذلك الخوف الذي يجعل الإنسان يدافع عن فكرة لم يفكر فيها، ويعادي سؤالا لم يحاول فهمه، ويغلق الأبواب في وجه الحقيقة خوفا من أن يجد وراءها عالما مختلفا عما اعتاد.
نحن المتمردون لم نكن نبحث عن الفوضى.
كنا نبحث عن مساحة صغيرة داخل هذا العالم نستطيع فيها أن نكون أنفسنا دون أن نقدم اعتذارا عن عقولنا.
ولهذا قالوا عنا: متمردون.
وكأن التمرد جريمة.
وكأن الإنسان مطالب بأن يقضي عمره كله داخل الحدود التي رسمها له الآخرون، وألا يسأل من رسمها، ولماذا رسمها، وهل ما زالت صالحة لحياته أم أنها مجرد آثار قديمة لسلطة قديمة.
نحن المتمردون لم نطلب أكثر من حق الإنسان في أن يمتلك عقله.
وهذا الحق، على بساطته، كان دائما مكلفا.
فلا أحد يحب من يوقظه من نومه، ولا أحد يرحب دائما بمن يرفع الستارة عن نافذة اعتاد أن يعيش خلفها في الظلام. الناس لا تخاف من الحقيقة وحدها؛ أحيانا تخاف من سقوط الوهم الذي منحها شعورا بالأمان.
نحن المتمردون عرفنا ذلك.
وعرفنا أن اليقين المغلق أكثر راحة من السؤال المفتوح، وأن الإجابة الجاهزة أقل إيلاما من رحلة البحث، وأن الإنسان قد يفضل أحيانا سجنا يعرف حدوده على حرية لا يعرف إلى أين تقوده.
ومع ذلك...
نحن المتمردون لم نتراجع.
ليس لأننا نملك الحقيقة كاملة، بل لأننا نعرف أننا لا نملكها كاملة.
وهذه ربما كانت فضيلتنا الوحيدة.
أن نقول: لا نعرف.
أن نملك شجاعة الاعتراف بالجهل، بدل أن نحوله إلى يقين، وأن نترك الباب مفتوحا للمراجعة، لأن العقل الذي لا يستطيع مراجعة نفسه يتحول بمرور الوقت إلى عقيدة مغلقة، حتى لو بدأ حياته بحثا عن الحقيقة.
نحن المتمردون لم نؤذ أحدا.
كنا فقط نحاول أن ننقذ الإنسان من النسخة التي أراد الآخرون أن يصنعوها منه.
كنا نحاول أن نقول له: لك عقل، فاستخدمه.
لك سؤال، فلا تخجل منه.
لك حق في أن تشك، وأن تبحث، وأن تغير رأيك حين تجد ما هو أصدق.
ولك، قبل كل شيء، أن تكون إنسانا لا مجرد نسخة مكررة من الجماعة.
نحن المتمردون لم نؤذ أحدا.
كل ما فعلناه أننا أضأنا مصباحا في غرفة اعتادت العتمة.
ولأن الضوء يكشف الأشياء كما هي، اتهمونا بأننا نكره الغرفة.
لكننا لم نفعل.
كنا فقط نريد أن نراها.
نحن المتمردون...
لسنا أعداء العالم، نحن فقط أولئك الذين رفضوا أن نعيش فيه بأعين مستعارة وعقول مؤجرة ويقين لم نختره بأنفسنا.
نحن المتمردون...
لم نأت لنحرق المقدسات، ولا لنقتلع الإيمان من قلوب الناس، ولا لنفرض على أحد طريقا يشبه طريقنا. جئنا فقط لنقول إن للإنسان عقلا، وإن العقل ليس عورة ينبغي سترها، ولا خطيئة تستحق العقاب، وإن السؤال ليس جريمة، وإن الاختلاف ليس خيانة.
نحن المتمردون...
دفعنا ثمن السؤال، لأن السؤال حين يولد في مجتمع اعتاد الإجابات الجاهزة يصبح فعلا من أفعال الشجاعة. عرفنا الوحدة، وسوء الفهم، والاتهام، ونظرات الذين رأوا في حريتنا تهديدا لطمأنينتهم. ومع ذلك لم نندم.
فما قيمة حياة نعيشها آمنين داخل قفص، إذا كان ثمن الأمان أن نتخلى عن عقولنا؟
نحن المتمردون...
لا ندعي أننا نملك الحقيقة، ولهذا تحديدا لا نخاف منها. نعرف أن الحقيقة أكبر من أن يحتكرها فرد، وأوسع من أن تسكن كتابا واحدا أو جماعة واحدة أو زمنا واحدا. ولذلك نترك نوافذنا مفتوحة، وقلوبنا قابلة للمراجعة، وعقولنا مستعدة لأن تقول في شجاعة: كنت مخطئا.
نحن المتمردون...
لم نطلب من العالم أن يحبنا.
يكفينا أننا لم نخن عقولنا كي يحبنا.
لم نصمت كي ننجو، ولم نتراجع كي ننتمي، ولم ندفن أسئلتنا تحت ركام الخوف. اخترنا أن ندفع ثمن الوعي، لأننا عرفنا أن أسوأ أنواع الموت ليس أن يتوقف القلب، بل أن يعيش الإنسان طويلا بعد أن يتوقف عقله عن السؤال.
نحن المتمردون...
وسنبقى كذلك.
لا لأننا نحب التمرد، بل لأننا نحب الإنسان حرا.
ولأننا نؤمن أن العقل الذي لا يجرؤ على السؤال، يتحول إلى قبر جميل؛ وأن المجتمع الذي يخاف من أبنائه حين يفكرون، لا يحمي الحقيقة، بل يحمي خوفه منها.
نحن المتمردون...
لم نؤذ أحدا.
كنا فقط نوقظ الذين أقنعهم الصمت أنهم أحياء.
نحن المتمردون...
نعرف أن الحرية ليست أن تقول ما نشاء، بل أن نمتلك الشجاعة لنفكر فيما قيل لنا إنه لا ينبغي التفكير فيه. وأن الوعي ليس كثرة ما نعرف، بل قدرتنا على أن نراجع ما نظن أننا نعرفه.
ولهذا لم تكن معركتنا يوما مع الأشخاص، بل مع تلك القوة الخفية التي تجعل الإنسان يخاف من سؤاله، ويخجل من شكه، ويعتذر عن عقله.
نحن المتمردون...
اخترنا الطريق الأصعب: أن نعيش بلا يقين مستعار
نحن أبناء السؤال؛ والسؤال بالنسبة إلينا ليس طريقا إلى الفوضى، بل الطريق الوحيد الذي يمنع الحقيقة من أن تتحول إلى سلطة، والإيمان إلى وصاية، والفكرة إلى سجن، والإنسان إلى نسخة
نحن المتمردون...
لسنا ضد العالم.
نحن ضد العالم حين يطلب منا أن نخسر أنفسنا كي نقبله.
ولسنا ضد الحقيقة.
نحن فقط نرفض أن نصل إليها مغمضي الأعين
نحن المتمردون...
نحمل سؤالنا لا سلاحا.
ونحمل وعينا لا سلطة.
ونمضي في هذا العالم دون أن نطلب منه أن يصفق لنا؛ يكفينا أننا حين وقفنا أمام المرآة، لم نجد في أعيننا شخصا صنعته الجماعة، بل إنسانا اختار أن يكون نفسه.
وهذه، في النهاية، هي خلاصة تمردنا:
اخترنا القلق على الطمأنينة، والبحث على اليقين، والوعي على راحة الوهم.
ليس لأننا نحب العذاب، بل لأن الحياة لا تكون حياة عندما يعيش الإنسان خارج نفسه.
أن نعيش حياتنا بأصواتنا، وأن نموت دون أن نكون قد سلمنا عقولنا لأحد
ربما لا نملك إجابات كثيرة، لكننا نملك شيئا أثمن:
أننا لم نسمح لأحد أن يغلق السؤال في داخلنا
نحن أبناء السؤال،
وأبناء الشك،
وأبناء الدهشة
وأبناء الحرية وأبناء القلق
وأبناء العقل الذي لم يرض أن يكون صدى لأحد.
نحن أبناء المسافة التي تفصل ما ورثناه عما اخترناه،
وأبناء اللحظة التي اكتشفنا فيها أن اليقين ليس دائما حقيقة، وأن الصمت ليس دائما حكمة
لا تحكموا علينا من اختلافنا،
ولا من الأسئلة التي أقلقت يقينكم،
ولا من الطريق الذي اخترنا أن نمشيه خارج خرائطكم
لا نطلب منكم أن تحبوا أسئلتنا.
فقط لا تعاقبونا لأننا امتلكنا الشجاعة لطرحها.
احكموا علينا فقط من إنسانيتنا...
من قدرتنا على أن نختلف دون أن نتحول إلى أعداء،
وأن نفكر دون أن نصادر،
وأن نشك دون أن نهدم،
وأن نتحرر دون أن نسلب الآخرين حريتهم.
احكموا علينا من مقدار الرحمة التي تركناها في الطريق،
ومن العدالة التي دافعنا عنها،
ومن الكرامة التي رفضنا أن ننتقص منها،
ومن قدرتنا على أن نرى الإنسان قبل الفكرة، والإنسان قبل المعتقد
لقد دفعنا فاتورة هذا التمرد...
دفعناها من وحدتنا، ومن طمأنينتنا، ومن قدرتنا على أن ننتمي بسهولة إلى الأشياء كما هي. دفعناها كل مرة اخترنا فيها السؤال حين كان الصمت أكثر أمانا، وكل مرة قلنا «لا نعرف» حين كان ادعاء اليقين أكثر راحة، وكل مرة انحزنا إلى عقولنا حين كان الانحياز إلى الجماعة أقل كلفة.
دفعنا ثمن أن نرى ما لا يريد الآخرون رؤيته، وأن نقول ما يخشى الآخرون قوله
لقد دفعنا فاتورة هذا التمرد، نعم...
لكننا في المقابل امتلكنا شيئا لا يمكن شراؤه ولا توريثه:
امتلكنا أنفسنا
نحن المتمردون
***
ابتهال عبد الوهاب








