عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

علي عمرون: الإنجليزية أداة للتحرر أم لغة للهيمنة؟

من الجسر المعرفي إلى معيار الشرعية

فرش اشكالي: في مطلع القرن العشرين، كانت أهم أطروحة في الفيزياء ونقصد بها نظرية النسبية قد كتبت بالألمانية، وقبلها في القرن الثامن عشر، كتب القانون الثالث للحركة لنيوتن باللاتينية. وقبلهما بقرون، كانت أعظم كتب الطب والرياضيات والفلك من "القانون في الطب" لابن سينا إلى "الجبر والمقابلة" للخوارزمي تدرس بالعربية في جامعات أوروبا، فتاريخيا لغة العلم لم تكن دائماً الإنجليزية، فكيف تحولت الإنجليزية إلى اللغة الطبيعية للعلم، وكيف صار من البديهي أن نعتقد أن العلم لا يمكن أن يكون إلا بالإنجليزية؟

الإنجليزية لم تصبح لغة العلم لأنها أكثر دقة أو أكثر قدرة على التعبير عن المفاهيم العلمية من العربية أو الألمانية بل القوة هي التي جعلتها كذلك، فالإمبراطورية البريطانية أولاً، ثم الهيمنة الأمريكية ثانياً، فرضتا الإنجليزية كلغة للقوة الاقتصادية والعسكرية فتبعها العلم.

لكن السؤال الذي يهمنا هنا في مقالنا ليس تاريخياً بحتاً بل ماذا يحدث حين نصدق أن الإنجليزية هي لغة العلم بشكل طبيعي وبديهي؟ ماذا يحدث حين ننسى أنها لغة لحظة، ونعتقد أنها لغة الأبد؟

هنا ولا شك يبدأ الاستلاب، ففي نقاشات التعليم في العالم العربي، ثمّة جملة تتكرّر كتعويذة: "المستقبل هو الإنجليزية عبارة تقال في قاعات الوزراء ومجالس الآباء ونشرات الأخبار. تُقال كحقيقة بديهية لا تحتاج إلى برهان. وحين تُتخذ قرارات سياسية كفرض الإنجليزية في المراحل المبكرة، أو ربط الترقيات الأكاديمية بالنشر بالإنجليزية يُحتفى بها كـ"إصلاحات شجاعة ونصر على التخلف وعلى الاستعمار، لكن هل حقاً اللغة الانجليزية هي ما ينقصنا؟

صحيح أن الإنجليزية يمكن أن تكون جسراً نعبر به إلى المعرفة. لكنها قد تصبح أيضاً بوابة تتحكم في شروط الاعتراف بالمعرفة. يمكن أن تكون أداة للتحرر من العزلة، لكنها قد تتحول إلى آلية لإعادة إنتاج التبعية. والسؤال إذن ليس: هل الإنجليزية لغة استعمارية أم لغة تحرر؟ بل سؤال أكثر تركيباً:

متى تتحول اللغة العالمية من وسيلة للانفتاح إلى معيار للشرعية، ومن أداة للتحرر إلى آلية لإعادة إنتاج التبعية؟

غرضنا من هذا المقال ليس محاكمة الإنجليزية، ولا الدفاع عن اللغات الوطنية بدافع الحنين. فتعلم لغة أخرى لا يعني خيانة اللغة الأولى، والانفتاح على المعرفة العالمية لا يعني فقدان الذات. المشكلة تبدأ في اللحظة التي لا تعود فيها اللغة وسيلة للوصول إلى المعرفة، بل تصبح هي نفسها شرطاً للاعتراف بأن ما ننتجه معرفة، عند هذه النقطة ينبغي أن نغادر سؤال اللغة بمعناه الضيق، لندخل إلى سؤال أوسع:

من يضع المعايير التي نقيس بها أنفسنا؟

من قوة الغالب إلى سلطة المعيار

لاحظ ابن خلدون، في تحليله لعلاقة المغلوب بالغالب، أن المغلوب يميل إلى الاقتداء بالغالب في شعاره وزيه وعاداته وأحواله، لأن النفس ترى في الغالب صورة للكمال الذي تفتقده ، وهذه الملاحظة لا تكمن أهميها في أنها تفسر كل أشكال التقليد، وإنما في أنها تكشف آلية تتجاوز الإكراه المباشر، حيث هيبة القوة تستطيع أن تجعل نموذج الغالب مرغوبًا لدى المغلوب نفسه، وهنا تبدأ الهيمنة في الانتقال من الخارج إلى الداخل، وهذا ما يجعل مفهوم «القابلية للاستعمار» عند مالك بن نبي قابلًا للاستثمار في سياقنا، بشرط ألا نفهمه بوصفه اتهامًا للمجتمع المستعمَر، ولا بوصفه إعفاءً للمستعمِر من مسؤوليته التاريخية، وإنما باعتباره سؤالًا عن الشروط الداخلية التي تسمح لعلاقة الهيمنة بأن تستمر بعد زوال صورتها المباشرة. فالاستعمار يستطيع أن يرحل عن الأرض، لكن بعض شروطه قد تبقى في طريقة النظر إلى الذات وإلى الآخر. وقد يتحول المحتل من شخص يحتل المكان إلى نموذج يحتل في مخيلتنا ولا شعورنا معيار التقدم، و هنا يبدأ الاستعمار الجديد في اتخاذ صورة أكثر تعقيدًا حيث لم يعد المطلوب أن تحتل الأرض، بل أن يصبح معيارك هو المعيار الذي يقيس به الآخر نفسه.

هنا يساعدنا أنطونيو غرامشي على فهم شيء بالغ الأهمية: السلطة لا تستمر بالقوة وحدها. فهي تصبح أكثر استقرارًا عندما تتحول إلى هيمنة ثقافية، أي عندما تنجح في جعل تصور معين للعالم يبدو طبيعيًا وبديهيًا، بحيث لا يحتاج إلى فرض نفسه بالقسر المستمر. وهذا يغير طبيعة السؤال. لو قيل للباحث: " استخدم الإنجليزية لأنني أفرضها عليك" لكان الأمر واضحًا بوصفه إكراهًا. لكن ماذا يحدث عندما يصبح الاعتقاد السائد هو أن الباحث الجاد يجب أن ينشر بالإنجليزية، وأن المجلة المرموقة هي المجلة التي تنتمي إلى منظومة نشر دولية معينة، وأن البحث الذي لا يدخل هذه المنظومة يظل في مرتبة أدنى مهما كانت قيمته؟ هنا لا تظهر السلطة في صورة أمر مباشر. إنها تظهر في صورة بديهة، ولا يعود الباحث بحاجة إلى أن يُجبر على اختيار المعيار؛ فهو يتعلم أن يختاره بنفسه. وهنا تكمن إحدى أكثر صور الهيمنة تعقيدًا: أن يختفي الفاعل الذي يفرض المعيار، ويبقى المعيار نفسه.

من الضروري هنا ان نفتح زاوية أخرى للتفكر وهي اللغة بوصفها رأس رمزي، هنا يصبح مفهوم " الرأسمال اللغوي" عند بيير بورديو مفيدًا لفهم البعد الاجتماعي للمسألة،  فاللغة ليست مجرد مجموعة من الكلمات والقواعد بل هي تمثل رصيدا  داخل الحقول الاجتماعية المختلفة، حيث تمتلك بعض طرق الكلام قيمة أكبر من غيرها. وقد يتحول إتقان لغة معينة إلى مورد يفتح أبواب التعليم والعمل والبحث والنشر والاعتراف. وهذا يعني أن انتشار الإنجليزية في المجال الأكاديمي لا ينتج أثرًا معرفيًا فقط؛ بل يمكن أن ينتج أيضًا تفاوتًا اجتماعيًا،  فالقدرة على تعلم الإنجليزية بمستوى عالٍ ليست موزعة بالتساوي، فهناك من يولد في بيئة مدرسية وثقافية واقتصادية تمنحه وصولًا مبكرًا إلى اللغة، وهناك من لا يحصل على هذا الرصيد إلا بعد جهد مضاعف، وربما لا يحصل عليه أصلًا. وعندما تصبح اللغة شرطًا متزايد الأهمية للترقي والاعتراف، فإن ما يبدو في الظاهر معيارًا محايدًا قد يخفي وراءه تفاوتًا في الموارد. هنا تظهر مفارقة أخرى: اللغة التي يفترض أنها تفتح العالم أمام الجميع قد تصبح، إذا تحولت إلى شرط حصري للمرور، أداة لإعادة توزيع فرص الوصول إلى العالم بصورة غير متساوية. ولا يعني ذلك أن الإنجليزية هي التي تنتج التفاوت من العدم، وإنما يعني أن النظام المؤسسي يمكن أن يحول الكفاءة اللغوية إلى رأس مال اجتماعي، وأن يجعل امتلاك هذا الرأس المال شرطًا للوصول إلى مواقع معينة.

من لغة التواصل إلى لغة الشرعية

هنا نصل إلى النقطة المركزية في الإشكالية التي نشتغل عليها، وهي ان هناك فرق هائل بين أن أحتاج الإنجليزية لكي أصل إلى المعرفة، وبين أن أحتاجها لكي يعترف بأن ما أنتجه معرفة ذات قيمة، في الحالة الأولى تكون اللغة وسيلة، وفي الثانية تصبح معيارًا.

يمكن للباحث أن يتعلم الإنجليزية لكي يقرأ أحدث الأبحاث، ويتواصل مع زملائه في العالم، وينشر أفكاره خارج مجتمعه، كل ذلك يدخل في معنى الانفتاح المعرفي، لكن الوضع يتغير حين تصبح العلاقة على النحو الآتي (الإنجليزية جسر للنشر الدولي ،وشرط الاعتراف الأكاديمي وسبب مهم للترقية والحصول على التمويل ومن ثمة  المكانة، وهنا لا تصبح اللغة مجرد أداة اتصال؛ لقد أصبحت جزءًا من بنية الشرعية، لذلك ينبغي أن نميز بين أمرين كثيرًا ما يختلطان: العالمية بوصفها انتشارًا، والعالمية بوصفها قيمة، وكون لغة ما منتشرة عالميًا لا يعني في ذاته أن كل ما ينتج خارجها أقل قيمة. وكون مجلة ما واسعة الانتشار لا يعني تلقائيًا أن كل بحث منشور خارجها فاقد للقيمة. المشكلة تبدأ عندما يتحول الانتشار إلى معيار للقيمة، وحين يصبح الاعتراف الخارجي شرطًا شبه حصري للاعتراف الداخلي. وهنا يمكن أن نصوغ لحظة التحول في جملة واحدة: لا تبدأ الهيمنة حين نتعلم لغة الآخر، بل حين يصبح الاعتراف بنا مشروطًا بأن نتكلم وفق معاييره.

من يملك حق تعريف المعرفة؟

المسألة لا تتوقف عند اللغة، فاللغة لا تعمل منفردة، إنها تدخل في شبكة من المؤسسات التي تحدد ما الذي يُنشر، وما الذي يُفهرس، وما الذي يُدرّس، وما الذي يُمول، وما الذي يمنح صاحبه مكانة علمية، وهنا يصبح سؤال ميشيل فوكو عن العلاقة بين المعرفة والسلطة ذا صلة مباشرة بمشكلتنا، فالسؤال ليس فقط: من يتكلم؟ بل من يملك المؤسسات التي تحدد شروط سماع الكلام بوصفه معرفة؟ فالجامعة، المجلة العلمية، هيئة التقييم، قاعدة البيانات، التصنيف، لجنة التحكيم، المؤسسة المانحة... جميعها ليست مجرد قنوات محايدة لنقل المعرفة؛ فهي تشارك في تحديد ما الذي يظهر في المجال المعرفي، وما الذي يبقى خارجه، ومن هنا فإن السيطرة الأكثر تعقيدًا ليست السيطرة على الأفكار نفسها، وإنما السيطرة على شروط ظهور الأفكار واعتراف المؤسسات بها، و إذا كان الباحث يستطيع أن يكتب ما يشاء، لكنه لا يستطيع أن يدخل إلى المجال الذي تُمنح فيه الشرعية إلا إذا استجاب لمعايير محددة، فإن السؤال عن حرية الكلام وحدها يصبح ناقصًا. فالحرية لا تتعلق فقط بإمكانية أن تقول شيئًا، بل أيضًا بإمكانية أن يجد ما تقوله مجالًا للاعتراف والنقاش.

هنا يأخذ إدوارد سعيد المسألة إلى مستوى آخر، ففي نقده للاستشراق، لم تكن القضية مجرد أن الغرب كتب عن الشرق، بل أن إنتاج المعرفة عن الشرق ارتبط تاريخيًا بعلاقات قوة وتمثيلات ومؤسسات جعلت الشرق موضوعًا للمعرفة من موقع يملك سلطة تعريفه. وهذا يفتح أمامنا سؤالًا يتجاوز اللغة: هل نملك فقط حق الكلام عن أنفسنا، أم نملك أيضًا القدرة على تحديد المفاهيم التي نصف بها أنفسنا؟

قد يكتب الباحث عن مجتمعه بلغة أجنبية، وهذا في ذاته ليس مشكلة. لكن السؤال يصبح أكثر عمقًا عندما يجد نفسه مضطرًا إلى ترجمة واقعه إلى المفاهيم التي يحددها مركز معرفي خارجي قبل أن يصبح هذا الواقع مرئيًا أو قابلًا للاعتراف، وهنا لا تكون التبعية في اللغة وحدها. إنها في إطار النظر، فقد ننتقل من استعارة لغة الآخر إلى استعارة أسئلته، ثم إلى استعارة مفاهيمه، ثم إلى استعارة أولوياته، حتى نبدأ في النظر إلى واقعنا بعين ليست عيننا. وهذا هو المستوى الأعمق من الاستلاب المعرفي.

ماذا يحدث للذات حين تصبح لغة القوة معيارًا للقيمة؟

إذا كان سعيد قد كشف علاقة المعرفة بالتمثيل، فإن فرانز فانون يتيح لنا الاقتراب من التجربة النفسية للغة، فاللغة يمكن أن تكون أكثر من وسيلة للتواصل؛ يمكن أن تكون وسيلة للارتقاء الاجتماعي، ولطلب الاعتراف، وللاقتراب من عالم القوة، وهنا يظهر السؤال: ماذا يحدث للإنسان حين يشعر أن لغته الأصلية لا تمنحه المكانة نفسها التي تمنحه إياها لغة القوة؟

لا تكمن المشكلة في أن يتعلم لغة أخرى، بل في أن يبدأ الإنسان في النظر إلى لغته الأولى بوصفها علامة نقص، وإلى لغة الآخر بوصفها علامة اكتمال. عند هذه النقطة ينتقل الأمر من التعلم إلى الاستبطان، حيث لم يعد الآخر هو الذي يقول لي إن لغتي أقل قيمة. فأنا الذي بدأت أقول ذلك عن نفسي، وهنا تبلغ الهيمنة مرحلة شديدة العمق، حين يصبح صوت السلطة جزءًا من صوت الفرد عن نفسه، وهنا يمكن أن نصل إلى روبرت فيليبسون ومفهوم الإمبريالية اللغوية، أهمية هذا المفهوم أنه ينقل النقاش من الحكم الأخلاقي على لغة بعينها إلى تحليل الظروف التاريخية والمؤسسية التي تجعل لغة ما أكثر قدرة على التوسع من غيرها، وعلى الحصول على موارد ومواقع ومؤسسات تدعم انتشارها. ومن هذه الزاوية، لا ينبغي أن نتعامل مع انتشار الإنجليزية كظاهرة بسيطة يمكن تفسيرها بسبب واحد. فهي ترتبط بتاريخ الاستعمار، وبالقوة الاقتصادية، وبالمؤسسات الدولية، وبالتكنولوجيا، وبالمجال العلمي، وبشبكات الاتصال العالمية، و لكن يجب في الوقت نفسه ألا نقع في اختزال معاكس ، فليس كل استخدام للإنجليزية إمبريالية لغوية،  فالطالب الذي يتعلم الإنجليزية للوصول إلى كتاب أو محاضرة، والباحث الذي يستخدمها للتواصل مع زملائه، والمجتمع الذي يترجم إليها إنتاجه، لا يمارس بالضرورة علاقة تبعية، المشكلة تبدأ عندما تصبح اللغة شرطًا حصريًا أو شبه حصري للاعتراف، وعندما يؤدي هذا الشرط إلى إضعاف القدرة على إنتاج المعرفة في اللغات الأخرى. هنا تنتقل الإنجليزية من كونها أداة اتصال إلى كونها بنية للشرعية.

من الجسر إلى البوابة

وهنا يمكننا أن نعيد صياغة المسألة كلها في صورة استعارة واحدة. اللغة العالمية يمكن أن تكون جسرًا، والجسر يتيح لي أن أعبر من عالمي إلى عالم آخر، ثم أعود إلى عالمي بخبرة جديدة. لكن الجسر يمكن أن يتحول إلى بوابة، والبوابة لا تكتفي بتسهيل العبور؛ إنها تحدد من يدخل، وبأي شروط، وبأي لغة، وبأي معايير، هذه هي اللحظة التي يتحول فيها الانفتاح إلى هيمنة. فاللغة لا تصبح مشكلة لأنها عالمية، بل لأنها تصبح حارسة على العالمية، ولا تكمن المشكلة في أن تكون الإنجليزية لغة مشتركة للعلم، بل في أن يتحول هذا الواقع إلى اعتقاد بأن العلم الذي لا يتكلم الإنجليزية أقل علمية، أو أن المعرفة التي لا تحصل على اعتراف مؤسساتها أقل قيمة. وهنا يتضح الفرق بين: اللغة بوصفها وسيلة، واللغة بوصفها معيارًا.

إذا كان الأمر كذلك، فهل يكون التحرر المعرفي في رفض الإنجليزية والعودة إلى اللغة الوطنية؟ سيكون هذا الاستنتاج سهلًا، لكنه خاطئ، فاللغة الوطنية التي لا تستطيع استيعاب العلوم الحديثة ولا إنتاج مصطلحاتها ولا ترجمة المعارف إليها قد تتحول هي نفسها إلى حاجز. والانغلاق على لغة واحدة يمكن أن يكون شكلًا آخر من أشكال العزلة. لذلك لا ينبغي أن يكون البديل هو استبدال لغة مهيمنة بلغة منغلقة، وإنما بناء علاقة مختلفة باللغات، ان المطلوب ليس الإنجليزية بدل الفرنسية، ولا العربية ضد الفرنسية، فاللغة الأجنبية ينبغي أن تكون نافذة لا جدارًا، وجسرًا لا بوابة، وأداة للوصول إلى المعرفة لا معيارًا وحيدًا لقيمتها. وهنا تصبح الترجمة مشروعًا معرفيًا لا نشاطًا ثانويًا. فالمجتمع الذي يستقبل المعرفة فقط يظل مستهلكًا لها، أما المجتمع الذي يترجم ويعيد إنتاجها بلغته ثم يترجم إنتاجه إلى الآخرين، فإنه يدخل في الدورة العالمية للمعرفة بوصفه فاعلًا.

يمكن لغادامير أن يمنحنا مخرجًا فلسفيًا من الثنائية الزائفة بين الانغلاق والانفتاح. فالإنسان لا يقف خارج اللغة لكي يختارها كما يختار أداة محايدة؛ اللغة هي أحد الأوساط التي يفهم من خلالها العالم. لكن هذا لا يعني أن الإنسان محكوم بلغة واحدة أو أفق واحد. فالحوار مع لغة أخرى يمكن أن يوسع أفق الفهم، وأن يجعل الإنسان يرى في لغته الخاصة إمكانات لم يكن يراها قبل الاحتكاك بالآخر. وهنا يصبح تعلم الإنجليزية، أو أي لغة أخرى، فعلًا تحرريًا بالمعنى العميق إذا أدى إلى توسيع الأفق لا إلى إلغاء الأفق الأصلي. فالتحرر اللغوي لا يعني أن نتوقف عن استخدام لغة الآخر. بل يعني أن نستطيع استخدامها دون أن نضطر إلى فقدان حقنا في الكلام من موقعنا الخاص.

الاستقلال المعرفي خرافة، والاكتفاء الذاتي الكامل وهم في عالم تتشابك فيه المعارف، لا توجد أمة تعرف كل شيء، ولا لغة تستوعب وحدها كل ما ينتجه العقل البشري، ان الاستقلال الحقيقي هو امتلاك القدرة على الاستقبال دون التبعية، والتعلم دون المحاكاة، والترجمة دون الذوبان، والإنتاج دون الانغلاق، والحوار دون فقدان الصوت الخاص. وهذا يعني أن السؤال عن الإنجليزية لا ينبغي أن يكون هل نستخدمها أم لا؟ بل ما موقعها داخل مشروعنا المعرفي؟ هل نستخدمها لكي نصل إلى العالم؟ أم لكي نستبدل أنفسنا بالعالم؟ هل نكتب بها لكي يسمعنا الآخر؟ أم لأننا لم نعد نعتقد أن ما نكتبه بلغتنا يستحق أن يُسمع؟ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين الانفتاح والتبعية.

خاتمة

أن نتكلم بلغة العالم دون أن نصبح صدى له ليست المشكلة في أن يتعلم الإنسان لغة الآخر، بل في أن يفقد القدرة على الكلام بلغته الخاصة. وليست المشكلة في أن ينشر الباحث بالإنجليزية، بل في أن يصبح النشر بالإنجليزية الطريق الوحيد الذي يمر عبره الاعتراف بقيمة ما ينتجه. اللغة العالمية تصبح أداة للتحرر عندما توسع قدرتنا على المعرفة والتواصل، وتتحول إلى أداة للهيمنة عندما تصبح معيارًا وحيدًا أو شبه وحيد لتحديد من يملك حق الدخول إلى مجال المعرفة. لهذا لا يبدأ الاستلاب حين نتكلم بلغة الآخر، بل حين نبدأ في قياس أنفسنا بالمعيار الذي جاءت به لغته، فالهيمنة الأكثر اكتمالًا ليست أن يمنعك الآخر من الكلام، وإنما أن يجعلك تعتقد أن الكلام لا قيمة له إلا إذا صيغ بالطريقة التي يعترف بها هو. لكن التحرر لا يكون برفض اللغة العالمية، كما لا يكون بالاستسلام لها. إنه في امتلاكها. أن نتعلم الإنجليزية لكي نقرأ العالم، لا لكي ننسى كيف نقرأ أنفسنا. أن نستخدمها لكي نُسمع صوتنا، لا لكي نستبدل صوتنا بصوتها. أن نجعلها جسرًا نعبر عليه، لا بوابة تقرر لنا من نحن. فالمجتمع المستقل معرفيًا ليس هو المجتمع الذي لا يحتاج إلى الآخر، وإنما الذي لا يحتاج إلى أن يتخلى عن نفسه لكي يدخل العالم. وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل الإنجليزية لغة التحرر أم لغة الهيمنة؟ بل هل نستطيع أن نتكلم بلغة العالم دون أن نصبح صدى له؟

***

عمرون علي

 

في المثقف اليوم