أقلام حرة

علي الطائي: حين يولد الإنسانُ مُذنبًا لأنَّه وُلِدَ مختلفًا

لا يولد الإنسانُ حاملًا خطيئة، ولا يخرج إلى العالم متلبّسًا بذنبٍ سابق، ومع ذلك سرعان ما يُطالَب، في كثيرٍ من المجتمعات، بتقديم اعتذارٍ غير معلن عن كونه مختلفًا: مختلفًا في الدين، أو المذهب، أو العِرق، أو اللغة، أو حتى في طريقة التفكير. كأنّ الولادة ذاتها تصبح جريمةً إذا لم تطابق هويةَ الجماعة الغالبة، وكأنّ الاختلاف لم يعد سِمةً إنسانية، بل انحرافًا يستوجب الشكّ، وربما العقاب.

المفارقة أن هذا المنطق يتناقض مع أبسط بديهيات الأديان والفلسفات الأخلاقية. فالاختلاف ليس طارئًا على الوجود الإنساني، بل هو شرطه الأول. ولو كان التطابق هو الأصل، لما احتاج البشر إلى لغة، ولا إلى تعارف، ولا إلى قيم تضبط العلاقة بينهم. ومع ذلك، تحوّل الاختلاف في تاريخ طويل من الصراعات إلى وصمة، ثم إلى تهمة، ثم إلى مبرّر للإقصاء. لا يُسأل المختلف عمّا يفعل، بل عمّا هو، وكأنّ الهوية باتت حكمًا أخلاقيًا جاهزًا.

في مجتمعاتٍ مشحونة دينيًا وطائفيًا، يُعاد تعريف الإنسان لا بوصفه إنسانًا، بل بوصفه تابعًا. يُختزل الفرد في انتمائه، ويُلغى تاريخه الشخصي، وأخلاقه، ونواياه، ويُستبدل ذلك كلّه ببطاقة تعريف غير مرئية: هذا منّا، وهذا ليس منّا. عند هذه اللحظة، لا يعود السؤال: هل هو عادل؟ هل هو صادق؟ هل هو مسالم؟ بل يصبح: إلى أيّ صفّ ينتمي؟ وهنا يبدأ الانحدار الأخلاقي الحقيقي، لأن القيمة لم تعد في الفعل، بل في الهوية.

 الدين، في جوهره، لم يأتِ ليُحمّل الإنسان ذنبًا لم يرتكبه، بل ليحرّره من منطق الوراثة الأخلاقية. النصوص الدينية الكبرى، وفي مقدّمتها القرآن، لم تتعامل مع البشر على أساس أصولهم أو انتماءاتهم، بل على أساس أفعالهم. «إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى» ليست جملة تعريفية فحسب، بل إعلان مبدئي بأن الأصل واحد، وأن التنوّع لاحق، وأن الغاية من هذا التنوّع هي التعارف لا التناحر. لكن المشكلة لم تكن يومًا في النص، بل في القراءة التي نزعت عنه روحه الأخلاقية، وحوّلته إلى أداة فرزٍ اجتماعي.

حين يُربّى الإنسان على أن المختلف خطر، ينشأ الخوف قبل الفهم، والكراهية قبل السؤال. وحين يُقنَع بأن الحقّ حكرٌ على جماعته، يصبح العنف مبرّرًا، لا لأنه شرّ، بل لأنه «دفاع عن المقدّس». عندها لا يُقتل الإنسان لأنه أخطأ، بل لأنه وُجد في المكان الخطأ، أو حمل الاسم الخطأ، أو ورث العقيدة الخطأ. وهكذا تتحوّل الهوية من إطارٍ ثقافي إلى سكينٍ رمزية، تسبق الفعل وتُسقط عنه أيّة مساءلة.

الأخطر من ذلك أن هذا المنطق لا يدمّر الضحية فقط، بل يدمّر المجتمع نفسه. فالمجتمع الذي يصنّف أبناءه على أساس الاختلاف، لا يستطيع أن يبني ثقة، ولا أن يراكم خبرة مشتركة، ولا أن ينتج أخلاقًا عامة. يصبح كلّ فرد مراقَبًا، وكلّ رأي مشكوكًا فيه، وكلّ اجتهاد مهدَّدًا. وفي ظلّ هذا المناخ، تزدهر الخرافة، ويتراجع العقل، لأن التفكير نفسه يصبح مغامرة غير مأمونة العواقب.

لسنا بحاجة إلى دينٍ جديد، ولا إلى فلسفات مستوردة، بقدر حاجتنا إلى استعادة المعنى الأول: أن الإنسان ليس متهمًا حتى يثبت العكس، وأن الاختلاف ليس جريمة تحتاج إلى تبرير. الأخلاق لا تبدأ من الهوية، بل من السلوك، ولا تُقاس بالانتماء، بل بالقدرة على احترام الآخر. وكلّ خطاب ديني أو ثقافي لا ينطلق من هذه القاعدة، مهما ادّعى القداسة، يساهم — عن قصد أو غير قصد — في تكريس الظلم.

حين يولد الإنسان مذنبًا لأنه وُلد مختلفًا، نكون قد خسرنا الدين، وخسرنا الفلسفة، وخسرنا الإنسان معًا. وما لم نكسر هذا المنطق، سيبقى السؤال الأخلاقي معلقًا: كيف نطالب بالسلام، ونحن نعلّم أبناءنا أن وجود الآخر خطأ؟

***

بقلم: د. علي الطائي

6-1-2026

في المثقف اليوم