عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

بين الطموح والحسد

اليوم تذكرت حديثًا دار بيني وبين الأخ الدكتور عبد الجبار الرفاعي عن «الغيرة». قال لي خلال حديثه، الشيق دائمًا، إنه من النوع الذي يغار من الآخرين، وإن الغيرة شيء طبيعي وغريزي في الإنسان، وقد تكون محركًا ودافعاً للتطور والتقدم.

كان ردي عليه، وكان ردًا متسرعًا بعض الشيء، أنني لم أشعر يومًا أنني أغار من أحد. لكن عندما أمعنت في التفكير واستعرضت بعض المواقف، وجدت نفسي أنني لا أختلف عنه، ولا عن أي إنسان طبيعي؛ أغار من كثير من الناس. ولكن يبقى السؤال: أي نوع من الغيرة نشعر به؟

نعم، أنا أغار ممن هم أفضل مني، ولكن ليس ممن هم أفضل مني ماديًا أو في أمور من هذا القبيل. وبصراحة مطلقة أقول إنني، على سبيل المثال لا الحصر، أغار ممن نشروا أبحاثًا وكتبًا علمية، أو حققوا إنجازات متميزة، واحتلوا مكانة علمية مرموقة لم أتمكن من تحقيقها. وأنا أحمد الله أنني حققت نجاحات في مجالات أخرى كثيرة، ربما يغار منها الآخرون، لكن تبقى عيني شاخصة إلى مجال عملي الأساسي: العلم والمعرفة. كما أغار كثيرًا من الشعراء، وكم كنت أتمنى أن أكتب قصيدة واحدة تحقق نجاحًا بين الناس!

دفعني هذا الشعور إلى البحث عن معنى الغيرة، وهل هناك نوع طبيعي وغريزي منها، كما وصفها الدكتور عبد الجبار الرفاعي، ونوع آخر غير صحي قد يتحول إلى حسد، ويدفع إلى الحقد وعدم تمني الخير للآخرين؟

بحثت أولًا في معاجم اللغة عن كلمة «غيرة» ومعانيها المختلفة، فوجدت أن كلمة «غَيْرَة» في اللغة العربية مشتقة من الفعل «غارَ يَغارُ»، وهي تدل في أصلها على الحرص الشديد على الشيء، والخوف من أن يشاركه فيه أو ينافسه غيره. ومن الناحية اللغوية، هناك فرق مهم بين «الغيرة على» و«الغيرة من»؛ فالغيرة على تحمل معنى الحب والحرص والحماية، أما الغيرة من فتتصل بالمنافسة أو الشعور بالضيق من تفوق الآخر، وقد تقترب من معنى الحسد.

وللغيرة معانٍ متقاربة بحسب السياق؛ فالغيرة على الأهل تعني الحمية والحرص عليهم، والخوف من أن يمسهم سوء. والغيرة في الحب هي الشعور بالقلق أو الانزعاج عندما يخشى الإنسان أن يفقد من يحب، أو أن ينافسه فيه شخص آخر. كما تأتي الغيرة بمعنى الحمية والدفاع عن الكرامة أو العرض أو الحق، وهي أقرب إلى معنى النخوة والشهامة.

أما الغيرة التي أتحدث عنها فهي الغيرة من الآخرين، وقد تأخذ صورة المنافسة عندما يرى الإنسان نجاح شخص آخر فيتمنى أن يصل إلى مستواه أو يتجاوزه بجهده. وقد تتحول، في صورتها السلبية، إلى حسد عندما يتمنى الإنسان زوال ما لدى الآخر من نعمة أو نجاح.

الغيرة في حقيقتها ليست مذمومة دائمًا؛ فقد تكون تعبيرًا عن الحب والحرص، وقد تكون دافعًا إلى المنافسة والتطور. لكنها تصبح سلبية عندما تتحول إلى حسد، أو إلى عدم حب الخير للآخرين، أو إلى رغبة في زوال ما لديهم من نعم، عافانا الله منها.

وهناك، إذن، غيرة طبيعية وسليمة، وهناك غيرة قد تتحول إلى حالة غير صحية عندما تتجاوز حدودها الطبيعية، وتصبح مصدرًا لمعاناة الشخص أو للعداء تجاه الآخرين. ومن أمثلة الغيرة غير السليمة الغيرة الحاقدة، عندما يتمنى الإنسان زوال النعمة عن شخص آخر، لمجرد أنه لا يحتمل أن يراه أفضل منه. وهناك الغيرة التنافسية المفرطة، عندما يتحول نجاح الآخرين إلى تهديد دائم للذات، فيشعر الشخص بأنه يجب أن يتفوق عليهم في كل شيء. ومن أمثلة ذلك أن يشتري صديقه أو قريبه، أو حتى أخوه، سيارة جديدة، فيشعر بأنه مضطر إلى شراء سيارة أغلى منها حتى لا يكون أقل منه شأنًا.

كما أن هناك الغيرة التي تقود إلى التقليل من الآخرين؛ فبدلًا من الاعتراف بتميز شخص ما، يبدأ الغيور بالبحث عن عيوبه والتقليل من إنجازاته. فإذا حصل شخص يغار منه على شهادة الدكتوراه، حاول أن يقلل من شأنها ويصفها بأنها غير مهمة. وهذا النوع من الغيرة يصبح غير صحي عندما يعجز الإنسان عن الشعور بالفرح لنجاح الآخرين، حتى لو كانوا من أقرب الناس إليه.   ومن أخطر أنواع الغيرة تلك التي تتحول إلى إيذاء الآخرين، عندما تدفع الشخص إلى تشويه سمعة الآخر، أو إفشال عمله، أو وضع العراقيل أمام تقدمه. وقد تصبح الغيرة أحيانًا قائمة على أوهام، عندما يشعر الشخص بأن الآخرين يتعمدون التفوق عليه، أو الاستحواذ على ما يعتقد أنه «حقه»، من دون وجود سبب حقيقي لذلك.

والفارق المهم بين الغيرة السليمة والغيرة غير السليمة هو أن الغيرة السليمة قد تدفعك إلى أن تتمنى أن تصل إلى ما وصل إليه غيرك، بينما تدفعك الغيرة غير السليمة إلى أن تتمنى ألّا يصل غيرك إلى ما وصل إليه.

كما قد توجد فروق بين الرجال والنساء في بعض صور الغيرة، لكن ليس من الدقة القول إن أحد الجنسين أكثر غيرة من الآخر بصورة عامة. فقد أظهرت بعض الدراسات فروقًا في الاستجابة للخيانة الجنسية والعاطفية، إذ يميل الرجال في بعض العينات إلى إظهار حساسية أكبر تجاه الخيانة الجنسية، بينما تميل النساء في بعض الدراسات إلى إظهار حساسية أكبر تجاه الخيانة العاطفية. إلا أن هذه الفروق ليست قاعدة مطلقة، وتتداخل معها عوامل كثيرة، منها الشخصية، والخبرات السابقة، والثقافة، وطبيعة العلاقة، ومستوى الثقة بالنفس ونمط التعلق.

وقد تكون الغيرة دافعًا إيجابيًا للتطور إذا تحولت إلى طموح ومنافسة شريفة، لكنها تصبح مؤذية عندما تتحول إلى حسد وحقد ومقارنة دائمة، أو إلى رغبة في إسقاط الآخرين. وقد تكون الغيرة الشديدة في العلاقات العاطفية، في بعض الحالات، مرتبطة بسلوكيات مؤذية أو مسيطرة، ولذلك فإن التعامل معها يحتاج إلى الوعي والثقة والحوار، لا إلى الاستسلام لها.

ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله عندما نرى شخصًا يتفوق علينا هو ألا ننظر إلى نجاحه بعين الحسد، بل بعين التعلم؛ فنحاول أن نعرف كيف وصل إلى ما وصل إليه، وما الذي يمكن أن نتعلمه منه لنصبح مثله، أو على الأقل أفضل مما نحن عليه. الشعور بالغيرة ليس عيبًا، وإنما العيب فيما نفعله بهذا الشعور؛ فإما أن نحوله إلى حسد، بتمني زوال نعمة الآخرين، وإما أن نحوله إلى طموح يدفعنا إلى أن نصبح أفضل. ولعل أجمل أنواع الغيرة هي تلك التي تجعلنا ننظر إلى نجاح الآخرين بوصفه دليلًا ومرشدًا لنا في طريق تحقيق آمالنا وطموحاتنا، فنحوّل ما نشعر به من غيرة إلى دافع للتعلم والتطور والنجاح.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

ثمة أشخاص لا يتركون في الذاكرة صورة منحولة/مضطربة، وإنما يتركون طريقة جديدة للنظر إلى العالم. كان المؤرخ والأديب المغربي الذي رحل عن دنيانا قبل أيام حميد التريكي واحدا من هؤلاء. حين زرته في منزله بحي جليز بمراكش في صيف عام 2023، لم أكن أدرك أن الساعات التي سنقضيها بين رفوف الكتب ستتحول مع مرور الزمن، إلى إحدى أكثر محطاتي الإعلامية والإنسانية رسوخا. كانت المعرفة في حضوره تمتلك إيقاعا مختلفا؛ لا تستعرض نفسها، بل تتسرب بهدوء إلى العقل، حتى يخيل إلى محاورها أنه يعيد اكتشاف ما كان يظنه معروفا.

جلسنا لساعات في مساء قائظ، قبل التربص بأسئلة تتجاور وتتقاطع في رؤى الراهن والزمن. لم يكن الحوار بين سائل ومجيب ، وإنما بين هاجس يبحث عن أفق، ورجلٍ عاش عمره يفتش عن الحياة في الخرائط المنسية، وفي المخطوطات الصامتة، وفي المدن التي تخفي ذاكرتها خلف جدرانها العتيقة. فهمت بعد ذلك، كما يقول بول ريكور، أن "الذاكرة ليست مستودعا للماضي، بل فعلٌ لتأويله". كان التريكي رحمه الله يمارس هذا التأويل بصفاء العالم، لا بحماسة المؤرخ الذي يريد أن ينتصر لرواية بعينها.

كلما امتد الحديث اكتشفت أن موسوعية الرجل لم تكن حصيلة كثرة القراءة فحسب، بل ثمرة علاقة أخلاقية مع المعرفة. كان ينتقل من ابن خلدون إلى "طوق الحمامة"، ومن أرسطو إلى طه حسين، ومن عمارة مراكش إلى رمزية قصر الحمراء، دون أن يشعر محاوره بأنه يقف أمام استعراض ثقافي. لقد كان يجسد ما يسميه إدوارد سعيد بـ"المثقف الذي يعبر الحدود"، لا الحدود الجغرافية فقط، وإنما الحدود الفاصلة بين التخصصات واللغات والحقول المعرفية.

وحين كان يتحدث عن الأندلس، لم يكن يستدعيها باعتبارها فردوسا مفقودا، بل باعتبارها مختبرا لفهم تاريخ المتوسط، ومساحةً تفاعلت فيها الحضارات، وتبادلت فيها الثقافات أثرها الإنساني. ولذلك لم يكن غريبا أن يكون عضوا في اللجنة العلمية لمؤسسة الإرث الأندلسي بالأندلس، وعقلا مدبرا لفعاليات معهد سرفانتس بمراكش، وأن يكرس سنوات طويلة لدراسة المسارات الثقافية للمرابطين والموحدين، ومدرسة مراكش، وقصر الحمراء بوصفه ذاكرةً مشتركة تتجاوز الحدود السياسية الضيقة.

كان يؤمن من خلال حديثه، بأن المدن لا تُبنى بتعاويذ المخططات الهاوية، وإنما بما تختزنه من سرديات وعقول جبارة. ولعل ذلك ما يفسر انخراطه في الدفاع عن ذاكرة مراكش وآسفي، لأن المدينة التي تفقد ذاكرتها، كما يذهب بيير نورا، تتحول إلى مجرد فضاء جغرافي بعد أن كانت فضاءً للمعنى. أما الذاكرة، فهي التي تمنح المكان روحه، وتمنح الإنسان شعوره بالاستمرار.

لقد تذكرت بعد رحيله ما كتبه فالتر بنيامين حين قال: "ليس من واجب المؤرخ أن يخبرنا بما وقع، بل أن ينقذ ما كاد يضيع." . لقد كان حميد التريكي، في جوهر مشروعه العلمي، يسعى إلى إنقاذ ما يتسرب من الذاكرة المغربية والأندلسية، لا عبر الحنين، بل عبر البحث الرصين، والتحقيق الوثائقي، وإعادة تركيب العلاقات الثقافية التي نسجت هوية هذا الغرب المتوسطي.

وحين غادر الدنيا في يوليوز 2026، عن اثنين وثمانين عاماً، شعرت أن المغرب لم يفقد مؤرخا فقط، بل فقد واحدا من أولئك الذين كانوا يحرسون الذاكرة من التبسيط، والتاريخ من الابتذال، والتراث من الاستهلاك السياحي. فهناك فرق كبير بين من يجمع الوثائق، ومن يمنحها القدرة على الكلام.

ما بقي في ذاكرتي من ذلك المساء ليس فقط ما قاله، بل الكيفية التي كان يصغي بها. كان يصغي كما لو أن المعرفة تبدأ بالإنصات، لا بالكلام. وربما لهذا السبب بدا لي قريباً مما يقوله هانس-غيورغ غادامير: "كل فهم حقيقي يبدأ بحوار." لم يكن الحوار عنده تبادلاً للمعلومات، وإنما لقاءً بين أفقين، يخرج منه كل طرف أكثر تواضعا، وأكثر إدراكا لاتساع المجهول.

لقد علمتني تلك الجلسة أن بعض الشخصيات لا تُقاس بعدد كتبها أو أوسمتها، على أهميتها، وإنما بالأثر الهادئ الذي تتركه في وعي من يقترب منها. فالمعرفة، في صورتها الأرقى، ليست امتلاكا للحقيقة، وإنما قدرة دائمة على طرح الأسئلة الصحيحة. وهذا ما كان يفعله حميد التريكي؛ كان يفتح الأبواب أكثر مما يقدم الأجوبة، ويجعل التاريخ، كما أراده مارك بلوخ، علما لفهم الإنسان قبل أن يكون علما لحفظ الماضي.

لهذا، كلما استعدت ذلك الحوار، لا أشعر أنني أسترجع مقابلة إعلامية، بل أستعيد درسا نادرا في معنى الثقافة؛ الثقافة التي لا تتباهى بمكتبتها، بل بقدرتها على أن تجعل الإنسان أكثر إنسانية، وأكثر وفاءً لذاكرته، وأكثر تواضعا أمام الزمن. وربما لهذا السبب تبقى بعض اللقاءات عصية على النسيان، لأنها لا تنتهي بانطفاء الكاميرا، بل تبدأ لحظة يغيب أصحابها، ويبقى أثرهم حياً في ضمير من حاورهم.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

يعتبر الرفاه النفسي للموظف من الركائز الأساسية والمهمة لنجاح المنظمات واستدامة أدائها بإتقان وجودة عالية؛ فهو لا يقتصر على شعور الفرد بالراحة والسعادة، بل يمتد ليشمل قدرته على تحقيق التكيف النفسي والتوافق الاجتماعي، وبناء علاقات إيجابية مع زملاء العمل والقادة، والتعامل بكفاءة مع ضغوط العمل وتحدياته. لذا، يصبح الاهتمام بالرفاه النفسي ضرورة حتمية، وليس مجرد خيار يمكن للمؤسسات الاستغناء عنه أو استبعاده من رسالتها وأهدافها.

وتتركز أهمية الرفاه النفسي في توفير بيئة عمل يشعر فيها الموظف بالأمان والطمأنينة والتقدير، بحيث تكون قادرة على استيعاب احتياجاته الإنسانية والنفسية والاجتماعية والمالية والمهنية، وتعطيه مساحة مناسبة للتعبير عن آرائه والمشكلات التي يعاني منها، والاستفادة من الفرص المتاحة للتطور والنمو. فالموظف الذي يعمل في بيئة داعمة يشعر بقيمته ودوره، ويكون أكثر قدرة على بناء علاقات مهنية واجتماعية إيجابية، الأمر الذي ينعكس على مستوى رضاه الوظيفي وانتمائه للمنظمة التي يعمل بها.

كما يسهم الرفاه النفسي في تعزيز الانتماء والولاء المؤسسي؛ فعندما يشعر الموظف بأن المؤسسة تهتم براحته، وتقدر جهوده، وتراعي احتياجاته ومتطلباته الشخصية والأسرية والوظيفية، فإنه يصبح أكثر ارتباطاً بها وأكثر استعداداً لبذل الجهد وتحمل المسؤولية بإخلاص وثقة عالية. ولا شك أن هذا الشعور بالانتماء يمثل عنصراً مهماً في المحافظة على الكفاءات والطاقات، والحد من المشكلات المرتبطة بالإرهاق والتوتر الوظيفي وضعف الرضا.

ممارسات سلبية تهدم الرفاه النفسي

ينظر لبعض الممارسات الإدارية والسلوكية التي قد تؤدي إلى إضعاف الرفاه النفسي للموظف، حتى وإن كانت المنظمة التي توفر له راتباً ملائماً له ولظروفه المعيشية أو مزايا إضافية أخرى. فمثلاً، عندما يمر الموظف بظروف عائلية أو شخصية طارئة، ثم يجد أن الإدارة تهمشه وتتجاهل وضعه وحاجاته، أو يتم التعامل معه وكأن ظروفه الإنسانية لا تعني المؤسسة شيئاً مهماً وذا شأن، فإن ذلك قد يترك أثراً نفسياً عميقاً ومؤلماً له. وقد يشعر بأن المؤسسة تنظر إليه باعتباره مجرد أداة ورقم لإنجاز العمل دون أن تولي الاهتمام به كإنسانً له حقوق ومشاعر واحتياجات شخصية وأسرة يعيلها ومسؤوليات تقع على كاهله.

ومن المماراست السلبية كذلك أن يتطلب منه الاستمرار في العمل تحت ضغوط شديدة وقاسية، رغم علم الإدارة بوجود ظروف شخصية أو أسرية صعبة يمر بها، دون تقديم الدعم أو المرونة التي تتطلبها المواقف كلها. وقد يحدث أن يتم توجيه اللوم للموظف بسبب انخفاض وتراجع الأداء والإنتاجية، بدلاً من السؤال عن الأسباب والدوفع لذلك ومحاولة فهم الظروف التي أدت لذلك. مثل هذه السلوكيات قد تشعر الموظف بالتهميش وضعف التقدير، وتدفعه تدريجياً إلى فقدان الثقة بالمؤسسة، وضعف الانتماء والولاء لها.

كما أن تجاهل الجهود، وعدم الاعتراف بالإنجازات التي قدمها وقام بها، وضعف الاستماع إلى الموظف، واستبعاده من المشاركة في اتخاذ القرارات الملائمة التي تمس عمله، أو التعامل معه بأسلوب غير لائق  مجرد من البعد الإنساني، كلها ممارسات يمكن أن تؤثر سلباً في حالته النفسية. فالموظف قد يتحمل ضغط العمل، لكنه يجد صعوبة أكبر في تحمل الشعور بأنه غير مرئي أو غير محترم ومقدر أو أن ظروفه لا تحظى بأي اهتمام داخل منظمته.

وقد يظهر غياب الرفاه النفسي كذلك في بيئة يسودها الخوف من الخطأ، أو التهديد المستمر، أو المقارنة السلبية بين الموظفين دون تحقيق العدالة والإنصاف بينهم، أو ضعف وجود الظلم في توزيع الأعباء والفرص، أو غياب التواصل الفعال بين الإدارة والعاملين. وفي مثل هذه البئات الطاردة، قد يحضر الموظف جسدياً إلى مكان العمل، لكنه يكون فاقداً للدافعية والشغف والحماس، ويؤدي مهامه بالحد الأدنى المطلوب، وهو ما ينعكس في النهاية على جودة العمل والإنتاجية.

ممارسات إيجابية تعزز الرفاه النفسي

وعلى الموقف الآخر، يمكن للمنظمة أن تصنع فارقاً كبيراً في حياة موظفيها من خلال الاهتمام بإنسانيتهم فتترك أثراً عميقاً وعظيماً لديهم. فعندما يمر أحد الموظفين بظروف عائلية صعبة ومؤلمة، وتبادر الإدارة إلى الاهتمام به والاطمئنان عليه، وتمنحه قدراً من المرونة في ساعات العمل أو الإجازة، وتتفهم احتياجاته ورغباته، فإنها تسهم في بناء قواعد الإنسان قبل أن يكون موظفاً، وأن ظروفه محل اهتمام وتقدير لديها.

وعندما يكون الموظف مسؤولاً عن رعاية أحد أفراد أسرته، أو يواجه التزامات أسرية استثنائية، فتسعى المنظمة إلى إيجاد حلول عملية تساعده على التوفيق والتوازن ما بين مسؤولياته الأسرية والمهنية، بدلاً من النظر إلى ظروفه باعتبارها عائقاً ومهدداً أمام العمل. هذه المرونة لا تعني التهاون في المسؤوليات أو التقصير في المتابعة أو خفض معايير الأداء والجودة، ونما تعني إيجاد التوازن الذي يمكن الموظف من الاستمرار في أداء دوره بكفاءة عند الشعور بأن أسرته أو ظروفه الخاصة أصبحت محل اهتمام ودعم من قبل إدارته ومسؤوليه.

وعندما يجد الموظف قائداً يستمع وبصغي إليه عندما يواجه مشكلة، ويمنحه الثقة، ويشجعه على تجاوزها، ويثني على جهوده وإنجازاته. فكلمة تقدير صادقة وملخصه، أو موقف إنساني في الوقت الملائم، أو إشادة بجهد بذله الموظف في ظروف صعبة وقاهرة، قد يكون لها أثر يفوق في كثير من الأحيان أثر الحوافز المادية؛ ذلك لأنها تشبع لدى الإنسان حاجته التقدير والاعتراف بقيمته.

كما أن اهتمام المؤسسة بعائلة الموظف بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وتوفير بيئة عمل ملائمة تراعي التوازن بين الحياة المهنية والشخصية، وتنظيم برامج اجتماعية وأسرية، وتقديم الدعم في الظروف الاستثنائية، كلها ممارسات تعزز الشعور بالأمان والانتماء. وعندما يشعر الموظف أن المؤسسة تحترم أسرته ومسؤولياته، فإنه غالباً ما يكون أكثر قدرة على الاستقرار النفسي والتركيز في عمله، وأكثر استعداداً للعطا والبذل بسخاء.

 الرفاه النفسي مسؤولية مؤسسية

يسهم الرفاه النفسي في مساعدة الموظف على مواجهة الضغوط والتوترات التي قد تفرضها طبيعة العمل. فالضغوط المهنية جزء من الحياة الوظيفية، إلا أن التعامل معها بطريقة صحية يتطلب وجود بيئة عمل متوازنة، ودعماً إدارياً، وتواصلاً إيجابياً، إلى جانب منح الموظف فرصاً للراحة واستعادة طاقته. وكلما ارتفعت قدرة الموظف على إدارة الضغوط، أصبح أكثر تركيزاً ومرونة وقدرة على اتخاذ القرارات وحل المشكلات بإيجابية وفكر واع ومتوقد.

ولا يتوقف أثر الرفاه النفسي عند الموظف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة بأكملها؛ إذ يرتبط الشعور بالرضا والاستقرار النفسي بارتفاع الدافعية وتحسن الأداء وجودة العمل وزيادة الإنتاجية. فالموظف المستقر نفسياً يكون أكثر قدرة على الإبداع والمبادرة والتعاون، بينما قد يؤدي الضغط المستمر والإجهاد النفسي إلى انخفاض التركيز، وتراجع الأداء، وزيادة الأخطاء والغياب والتدوير الوظيفي.

لذا، فإن بناء بيئة عمل داعمة للرفاه النفسي مسؤولية مشتركة بين الإدارة والموظفين، وتتطلب تبني سياسات وممارسات تعزز التوازن بين الحياة المهنية والشخصية والاجتماعية، وتدعم التواصل الفعال، وتثيب الإنجاز وتقدره وتعزز استمراره، وتوفر فرصاً للنمو والتطوير، وتراعي الجوانب الإنسانية للموظف.

كما ينبغي أن تكون هناك ثقافة مؤسسية تشجع على طلب المساعدة والدعم، والتعبير عن التحديات النفسية والاجتماعية والمهنية دون خوف من الوصمة أو ضعف الثقة أو الانتقاص من الكفاءة. فطلب الموظف للمساعدة في ظرف معين لا ينبغي أن يُفسر على أنه ضعف، بل يمكن أن يكون مؤشراً على وعيه وحرصه على المحافظة على توازنه وقدرته على الاستمرار في أداء عمله.

لذا، فإن الفرق بين المؤسسة التي تهتم بالرفاه النفسي والمؤسسة التي تهمله لا يظهر فقط في البرامج والشعارات، وإنما يظهر في المواقف اليومية: كيف تتعامل الإدارة مع موظف يمر بظرف عائلي؟ كيف تستمع إلى موظف يشعر بالضغط؟ كيف تتعامل مع الخطأ؟ كيف تقدر الإنجاز؟ وكيف تنظر إلى الموظف: هل هو مجرد رقم في كشف الرواتب، أم إنسان يمثل رأس مالها الحقيقي؟

الرفاه النفسي رأس مال إنساني

يمكن الإشارة إلى أن الرفاه النفسي يمثل رأس المال الحقيقي للإنسان والمؤسسة معاً. فكلما نجحت المؤسسة في توفير بيئة يشعر فيها الموظف بالأمان والطمأنينة والاحترام والتقدير والثناء على جهوده وتعبه، وتعزز فيها الانتماء والولاء، ازدادت قدرته على مواجهة ضغوط العمل وتحقيق الأداء والجودة المتميزة.

إن المؤسسة التي تتجاهل الإنسان وظروفه الشخصية والعائلية قد تحقق نتائج مؤقتة، لكنها تخاطر على المدى البعيد بفقدان الولاء والدافعية والكفاءات. أما المؤسسة التي ترى في موظفيها بشراً لهم احتياجات ومشاعر وأسر ومسؤوليات، وتعمل على توفير بيئة عمل ملائمة وداعمة، فإنها لا تقدم خدمة إنسانية فحسب، بل تستثمر في استقرارها ونجاحها وإنتاجيتها.

ومن هنا، فإن الاهتمام بالرفاه النفسي ليس رفاهية أو ترفاً، بل مهمة وضرورة أساسية لبناء بيئة عمل صحية ومستدامة، وتحقيق جودة العمل والإنتاجية، والوصول إلى مؤسسة أكثر تقدماً واحتراماً للإنسان، باعتباره رأس مالها الحقيقي وقوتها الأساسية، وأكثر نجاحاً وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل وتقلباته.

فالاهتمام بالموظف لا يعني أن نخفف عنه مسؤولياته، وإنما أن نساعده على حملها بإنسانية وكرامة وتوازن؛ لأن الموظف الذي يجد من يهتم به في أوقات ضعفه، سيكون أكثر استعداداً للعطاء في أوقات قوته.

***

د. أكرم عثمان

14-8-2026

الحب والموسيقى في صراع الوجود ضد عصر المادة

الحب العذري في الأزمنة الغابرة كان امتناعاً مقدساً يرتقي بالروح نحو المطلق، بينما تحول في عالمنا الحديث إلى صرخة وجودية صارخة تبحث عن دفء يستنقذ الإنسان من برد الآلة وجحيم المادة. وحين نتأمل هذا التحول، تتراءى لنا أساطير العشق الخالدة في القرن العشرين؛ كشجن محمود درويش وحبيبته (ريتا) حين أنشد مترنماً:

بَيْنَ رِيتَا وَعُيُونِي. رَصَاصَةٌ وَرِيتَا نَامَتْ عَلَى رَكْبَتِي عَشَقْتُ رِيتَا حَجْمَ السَّمَاءِ وَتُبَاعُ العُيُونُ وَتُشْتَرَى

أو لوعة الوجدان الشعري عند الشاعرة الرائدة نازك الملائكة (التي ولدت في عشرينات القرن العشرين)، حين جعلت من العاطفة مرآةً لليل المدينة وأسئلة الوجود الحزينة قائلة:

لَمْ أَعُدْ أَعْرِفُ مِصْبَاحِي. وَلَا نَارِي وَمَاقِي آهِ يَا لَيْلُ، أَكَادُ أَنْسَى

معبرةً بذلك عن حالة ضياع كلي تفقد فيها الروح بوصلتها؛ فلا مصباح يهديها في عتمة العزلة، ولا نار تمنحها دفء الشغف والحياة، ولا مآقٍ قادرة على البكاء ورؤية الحقيقة وسط صقيع المدينة المتسارع، لتتحول العاطفة من مجرد شعور فردي إلى ملحمة وجودية حية. وفي هذا المعنى، يصدق قول الفيلسوف أرسطو حين رأى أن «الحب مؤلف من روح واحدة تسكن جسدين»، وهو ذات الشجن العذب الذي ترجمه الشاعر أحمد رامي شريك أم كلثوم حين غرق في مناجاة روحه صائحاً بأبياته الخالدة:

يَا فُؤَادِي رَحِمَ اللَّهَ الهَوَى كَانَ صَرْحاً مِنْ خَيَالٍ فَهَوَى اِسْقِني واشْرَبْ عَلَى أَطْلَالِهِ

ليظل الحب المعقل الأخير الذي نقاوم به عبث الوجود وقسوة العالم.

الفنون كـ "مختبر روحي" وملاذ عاطفي مشترك

لم تقتصر صحوة الحب على التأمل الفلسفي الفردي، بل وجدت متنفسها الأكبر في الفنون والآداب والموسيقى التي غدت "المختبر الروحي" للبشرية؛ فعلى مستوى العالم استطاعت السيمفونيات الرومانسية كأعمال شوبان وتشايكوفسكي، والروايات الكبرى، واللوحات التشكيلية أن تروّض صدمة الآلية الحديثة، ومعها كانت أصوات كـ إلفيس بريسلي وفرق مثل البيتلز وآبا، والأغاني الإيطالية الحزينة، تمثل صرخة جيل يبحث عن دفء إنساني، فتحولت الفنون برمتها إلى لغة مشتركة تعبر عن لوعة الفراق وعذابات الشوق وتمرد الفرد الباحث عن ذاته وسط زحام العالم المادي. وفي ذات السياق، مر الحب وتحولات التعبير عنه في العالم العربي برحلة فريدة وموازية؛ فبينما كانت جذورنا الأدبية تزخر بالغزل العذري والصوفي الرصين، جاءت تحولات القرن العشرين مع صعود السينما والإذاعة والأغنية الحديثة لتنقل الحب من القوالب التراثية والنخبوية إلى رحاب الوجدان اليومي الشعبي. وحين نتأمل رموزاً كبرى مثل أم كلثوم في سهرات الانتظار الطويلة، وعبد الحليم حافظ ببّحته النابضة بالانكسار عبر الأفلام والساحات، وفريد الأطرش بلوعة فراقه، نجد أن الأغنية العاطفية لم تكن ترفاً طربياً عابراً، بل أصبحت المساحة الحية والطقس الجمعي المقدس الذي ترجم أشواق المجتمع وانكساراته وحزنه النبيل، ليؤكد السامع وسط كل هذا التسارع أنه لا يزال يحمل قلباً ينبض بالحب والإنسانية.

الحب في مواجهة جحيم الحروب والأزمات طوق نجاة أم درع وقائي؟

لم يعد الحب مجرد عاطفة فردية تهذب الروح، بل ارتقى في محطات الأزمات الكبرى والصراعات الدامية ليصبح "طوق النجاة" الأخير والدرع الوقائي الذي تلجأ إليه البشرية حمايةً لآدميتها. فحين تشتعل الحروب وتتوالى المآسي التي تفكك الأوصال وتجرد العالم من إنسانيته، يبرز الحب كقوة مقاومة خفية لا تقل ضراوة عن أدوات الدمار، ولكنه دمار عكسي يهدد الفناء بالبقاء. إنه الملاذ الذي يعيد ترميم ما تهدم في النفس البشرية، واللغة الوحيدة القادرة على الانتصار للدفء الإنساني في وجه جحيم الآلية والخراب.

الصراع بين العاطفة والتفاهة. هل الحب مستحيل في زمن الرداءة؟

في عالم تسوده المادية الصارمة، ويحكمه المنطق العلمي البارد الذي يختزل الوجود في معادلات وتفاعلات، يبرز الحب باعتباره الحدث الأوحد الذي يستعصي على القياس. لقد انتصر الحب في القرن التاسع عشر كنزعة إنسانية تمردت على جمود الآلة، لكنه حمل هذا "العبء العاطفي" وانتقل به إلى القرن العشرين، ليواجه مصيراً مجهولاً وسط صراع الإنسان مع أخيه الإنسان.

اليوم، يتساءل المفكرون، وعلى رأسهم آلان دونو في نقده اللاذع لـ "نظام التفاهة"، عما إذا كان هذا القرن، بضجيجه وسطحيته، لا يزال يمتلك الأهلية الأخلاقية والروحية لاحتضان الحب؟ إن "التفاهة" هنا لا تعني الفراغ فحسب، بل هي محاولة ممنهجة لاختزال كل ما هو عميق ومقدس – كالحب والوجدان – إلى منتج استهلاكي خاوٍ. في ظل هذا النظام، تحول الحب من "صرح من خيال" إلى مجرد علاقة عابرة تفتقر إلى العمق، ليصبح السؤال الوجودي الكبير: هل لا يزال للحب مستقبل، أم أننا نعيش زمن "تلاشي العاطفة" في مهب الابتذال؟

حتى وإن بدا المشهد معقداً، فإن الحب الحقيقي يظل هو التعبير الأسمى عن الوعي بالآخر، وهو ما يمنح الحياة معناها في مواجهة العدم. إن الحب لا يمر بمرحلة نهاية، بل يمر بمرحلة "تنقية" قاسية؛ ففي زمن التفاهة حيث يسهل الوصول إلى كل شيء، يصبح الحب الحقيقي فعلاً ثورياً ومقاومة أبدية. المستقبل ليس للحب السهل أو العابر، بل للحب الذي يمتلك شجاعة أن يكون عميقاً، وشجاعة أن يتمرد على معايير الاستهلاك والسطحية التي تفرضها الآلة وعالم الرداءة، ليظل المعقل الأخير الذي نقاوم به عبث الوجود وقسوة العالم.

***

ئاريان علي

 

ظل عالم الحيوان لسنوات طويلة حقلا للفروض العلمية، والتجارب المخبرية، وفي غالب الأحيان لحماقات البشر التي أتلفت النظام البيئي برمته. لكن ليندا وريتشارد إير، في كتابهما (بناء شخصية الأطفال)، قررا أن يشكل السلوك الحيواني مدخلا لتربية أسرية مثلى، ومناخ عاطفي تفتقر إليه جماعة العقلاء !

يثير المؤلفان في مقدمة الكتاب أسئلة حارقة، تهم خطأ التمثلات السائدة حول التربية، والتي صارت في وعي الأسرة الحديثة منحصرة في التنظيم والتوجيه، والتحكم المسبق في الوجهة التي ينبغي أن يسلكها الطفل ليكون مُرَحبًا به في عالم الراشدين. فهناك مبادئ أساسية تُمهد الطريق لتعلم القيم، وتُهَيء الأرضية الملائمة لتربية نؤديها بالعقل والقلب، كي نتعرف على أبنائنا ونُمَكنهم من الوصول إلى درجات أفضل.

إن الأطفال شتلات نبات، ومهمتنا أن نكتشف ماهيتها ونُمدها باحتياجاتها، ثم نتركها تنمو على النحو الذي جُبلت عليه. أما محاولة تشكيلهم كامتداد لذواتنا ورغباتنا فلن يؤدي سوى لإلحاق الأذى بهم. وأول ما ينبغي أن يشعر به الأطفال هو أن وجودهم يُمثل أولوية داخل الأسرة. ويمنحنا الإوز الكندي مثالا رائعا من خلال سلوك الأبوين الذي يعكس الالتزام الفائق تجاه الصغار، فالذكر يترك أي شيء كان يفعله ليلبي نداء استغاثة من الأنثى، ويعبر كلاهما عن الالتزام العائلي من خلال رعاية متواصلة للصغار. ولعل أجمل منظر يمكن أن يصادفه المسافر في طريقه هو ذكر الإوز الذي يبسط جناحيه وسط الطريق محذرا السائق من مغبة السير حتى تعبر الأم وصغارها.

مبدأ ثان يستوحيه المؤلفان من سلوك السرطان حين يحاول تسلق جدار الوعاء للخروج منه، فيمد رفيقُه مخلَبه ليسحبه إلى الأسفل بدل أن يعزز جهده للإفلات. وهذا السلوك جزء من طبيعتنا البشرية التي يمثلها الحاسدون، والإخوة المتنافسون باحتدام شديد.

إن المطلوب أن نفعل العكس تماما مع صغارنا، فنبحث عن الطرق الكفيلة بتعزيز ثقتهم بأنفسهم، ونمدح جهودهم المتواصلة لبلوغ مستوى أفضل، والأهم من ذلك أن نكف عن محاولة ضبطهم متلبسينَ بارتكاب أخطاء.

قد يبدو قانون السرطان سهلا، لكنه صعب التطبيق في الحياة، لأن غريزتنا الأبوية تتضمن دوما عبارات النقد والتصحيح والتهذيب. وهذا يتطلب جهدا واعيا للتغلب على ميول شبيهة بالسرطانات.

وتُقَدم الحيتان ذات السنام درسا مهما في التواصل العاطفي المستمر، والتآزر والتآلف الجماعي بين أفراد الأسرة. حيث استطاع العلماء من خلال رصد أسلوب الحيتان في جمع الطعام، أن هذه الأخيرة تُحدث شبكة من الفقاعات التي تُمكنها من احتجاز الأسماك الصغيرة بداخلها، إلا أنها عملية تتطلب وجود حوت آخر على قدر كبير من التفاهم والتآلف، حيث يتم التواصل عن طريق أغنية. وأسرنا بحاجة إلى أغنية مماثلة للتواصل مع الصغار؛ أغنية مفادها الثقة والتعاون، والإصغاء المستمر والعميق.

ورغم المشية المتثاقلة للسلحفاة إلا أن لديها ميزة يمكن أن نسميها (سرعة المسير البطيء)، فهمي تملك خطة مسبقة، وقواعد مدروسة وراسخة. وفي السباق الشهير بين السلحفاة والأرنب نكتشف أن قانون السلحفاة قانون هادئ، يؤمن بالتماسك والصلابة لا بالسرعة والذكاء. فلا يجب أن يكون صغارنا على عجلة من أمرهم، لأن المهم هو الصمود والمحاولة المستمرة، وتحديد الأهداف بشكل يساعدهم على الاسترخاء والمرونة، والهدوء المفضي إلى تحقيق نتائج طيبة.

وفي عالم الأفيال يثير الخرطوم كأداة معقدة ومبهمة، دهشتنا بفعل التوازن الدقيق الذي يحققه بين الحزم والمرونة، والقوة والحساسية. فهو في غاية اللطف حين تعانق أنثى الفيل صغيرها، وقوي جدا حين تلتقط بدون جهد قطعة خشب يصل وزنها إلى ربع طن. والأسرة في علاقتها بأبنائها، تحتاج إلى توازن مماثل بين الحب والحزم. فالحب دون انضباط يفسد الأبناء، كما أن القواعد الصارمة تنتزع الفرح من العلاقات الأسرية. ويجدر بنا أن نوضح للصغار أن القواعد التي نسطرها لها علاقة بالأمان وليس بالثقة، وأن أفعال الآخرين هي التي تعرضهم للأذى وليس بالضرورة أفعالهم.

ومن الخواص الفريدة التي تتمتع بها أشجار السِيكُويا ذات الخشب الأحمر، أنها أضخم مخلوق في مملكة الطبيعة، إذ يتجاوز ارتفاعها مئة متر ووزنها ألفي طن. لكن ما يتيح لها الثبات أمام التعرض المستمر للرياح العاتية والصمود لسنوات طويلة هي شبكة الجذور الممتدة، والتي تلتحق بها كل شجيرة صغيرة حتى تنغرس عميقا، وتشعر بالتوازن والرسوخ.

قانون الغابات الحمراء يحيل على الهوية والجذور المشتركة، وآلية الربط التي تعبر عن الانسجام العاطفي والروح المعنوية. ومثل أشجار السيكويا فنحن بحاجة لننقل إلى أطفالنا هويتنا المشتركة وميراثنا الحميم، وحين يشعرون بالارتباط الوثيق من خلال المنظومة الأسرية، يسهل عليهم مساعدة الآخرين والتجاوب معهم.

ويُحكى أن اثنين من متسلقي الجبال اعترضَ سبيلَهما دب شرس، فأقبل أحدهما على حذائه يُمتن رباطه، فقال رفيقه مستغربا: هل تنوي أن تسبق الدب؟ أجاب : بل أنوي أن أسبقك أنت ! وفي حياتنا اليومية عادة ما ننظر للأمور بمنظار هذا المتسلق: أي الهرب ومحاولة إبعاد أنفسنا عن المواقف الصعبة، وحرصنا على تجاوز الآخرين ليكونوا هم ضحايا المواقف الخطرة.

لكن الحياة الأسرية تُلزمنا بألا نسمح لأطفالنا باجتناب المسؤولية، وألا نُدعم الطرق الخاصة بالهرب وتجاوز المهمات، وبالتالي تفضيل راحتهم الخاصة مقابل ترك الأعباء الخطرة للآخرين. إن المسؤوليات مثل الدب في هذا الموقف، ستمسك بك مهما حاولت الهرب منها، لذا من الأفضل لك مواجهتها !

ومن طريقة طهي الضفادع، يستلهم المؤلفان مبدأ المسؤولية. إذ تعتمد هذه الطريقة على وضع الضفدع في بيئة مائية باردة، شبيهة بالتي كان يعيش فيها. فيسترخي الضفدع ويستكين، ويفقد إحساسه بالقلق والخطر إلى أن يغلي الإناء! ونحن بدورنا حين ننغمس في عملنا الرتيب ونشعر بالراحة، فإننا نفقد إحساسنا وتيقظنا، وفشلنا في ملاحظة الخطر المحدق بصغارنا، أو رصد طاقاتهم الفريدة واستغلال الفرص للقيام بعمل إيجابي.

بعكس الضفدع علينا أن نتابع ما يدور حولنا، وأن نبحث عن علامات الإنذار التي نراها ولا نشعر بها، وأن نخرج من منطقة راحتنا وافتراضاتنا التي توهمنا أن كل شيء على ما يرام.

وإذا كان حجم البراغيث ضئيلا، إلا أنها تستطيع أن تقفز لأكثر من مئتي ضِعف طولها، وأن تؤدي أكثر من ألف وثبة خلال ساعة من الزمن، لذا اشتهر في أوربا خلال القرن التاسع عشر سيركُ البراغيث كشكل من أشكال الفرجة الشعبية.

كان يتم وضع البراغيث داخل علبة سجائر مغلقة، فتقفز لتصطدم بغطاء العلبة. وبعد مدة يتم نزع الغطاء فتستمر البراغيث بالقفز إلى الحد السابق دون أن تتجاوزه. وبعكس البراغيث ينبغي أن نحرر أطفالنا ونجعلهم ينطلقون إلى ما فوق الغطاء. فالحصول على السلطة والحرية يتيح للصغار أن يكشفوا عن إمكانياتهم الفريدة. 

 تابع المؤلفان عن كثب سلوك نماذج من عالم النبات والحيوان، ليستخلصا بالتالي تسعة من المبادئ التي يجب أن تسبق عملية التربية وتشكيل قيم الطفل وهويته. ومن خلال المتابعة للنماذج المقترحة، يتلمس المرء السبيل إلى اتخاذ قرارات واعية، يكون لها أكبر الأثر في تلبية حاجة الطفل للأمان والحرية، والشعور بالانتماء.

***

حميد بن خيبش

من الأديبات التونسيات اللواتي برزن بتواتر إصداراتهن وتميزها نذكر الأديبة مسعودة بوبكر فقد ظهرت في الساحة الأدبية التونسية منذ مطلع الثمانينيات من القرن العشرين وهي أديبة شاملة لأنها شاعرة وكاتبة قصة قصيرة ورواية ولها في فنون الكتابة الأخرى مساهمات متنوعة كالرحلة والنقد وأدب الأطفال والمسرحية وقد صدر لها أخيرا كتاب يوميات بعنوان ـ غزة يوميات نبض مكلوم ـ واليوميات من يوم 7 أكتوبر2023 إلى يوم 20 أكتوبر 2025 لكنها ليست بصفة مستمرة فقد تتخلف يوما أو يومين في الأسبوع3133 masod

هذا كتاب شهادة لأديبة عاشت الحرب على غزة وهي في تونس ولكنها كانت كأنها في غزة تتحمل أوجاعها وأوزارها لهذا أعتبر هذا الكتاب إضافة متميزة في المكتبة العربية خاصة في جنس اليوميات وهو فنّ نادر في أدبنا

 بهذه المناسبة نعرّف بالمسيرة الأدبية لأاديبة التونسية مسعودة بوبكر

مسعودة بوبكر: من مواليد19 فيفري 1954 ولدت بمدينة صفاقس ـ تونس

 - عضو اتّحاد الكتاب التونسيين - وانتخبت عضوا ضمن هيئته المديرة لمدة 3 سنوات: 2009/2011

 - عضو اتحاد الكتاب العرب-

 - عضو نادي القصة أبو القاسم الشابي-

 - عضو رابطة كاتبات إفريقيا/المغرب (فرع تونس)

 - عضو جمعية الكتاب الأحرار بنزرت-

 - عضو جمعية ابن عرفة

اختصاص شؤون إدارة وسكريتاريّة (اشتغلت سكرتيرة لمدّة 30 سنة في شركة حرّة)

كتبت القصة القصيرة والرواية والشعر وقصص الأطفال. والمقال والبطاقة الأسبوعية

 - في الصّحف المحليّة التّالية: صحيفة الشروق / هي وهو 1985صحيفة الأنوار/ تحية الصباح جريدة الصحافة 1992/ عقد المرجان الملحق الثقافي جريدة الحرية من 1993/2008

 - شاركت في ندوات أدبية محلية وعربية. ولقاءات في كل من: المغرب/ سوريا/ ليبيا/ جنييف.

 - نشطت عديد المنتديات الأدبية أهمّها

 - -منتدى القصّاصين في اتحاد الكتاب (1992/1993و 1997)

 - نادي مطارحات أدبية في نادي القصة بالوردية/ 2003/2006--

 - وصالون السرديات في النادي الثقافي الطاهر الحدّاد:2012/2014

 - شاركت في لجان تحكيم لمسابقات أدبية أهمّها: مسابقة الكومار للرواية/ مسابقة البنك التونسي في السرد/ مسابقة القصة القصيرة معرض تونس الدولي للكتاب 2016/مسابقة نادي الطاهر الحداد في القصة/ مهرجان الأدباء الشبان الذي أسسته صحيفة الصدى/ مهرجانات أدبية محلية داخل البلاد.

 - قامت بعديد اللقاءات المباشرة مع تلاميذ الأقسام الإعدادية في عديد المدارس عبر البلاد حول نصوصها المبرمجة في حصّة العربية. من سنة 2000 حتى سنة 2025

 - أحرزت رواياتها على جوائز أدبية وشكلت مواضيع رسائل بحث جامعية.

 - ترجمت بعض نصوصها إلى كلّ من الفرنسية والألمانية والإنجليزية.

 - قدمت برنامج "مجلات عربية" في إذاعة تونس الثقافية وأسهمت في برنامج صباحي في الإذاعة الوطنية.

 - شاركت في هيئة تحرير كل من:

 - مجلة قصص ( إصدار نادي القصة)

 - مجلة المسار (إصدار اتحاد الكتاب التونسيين)

 - مجلة الإتحاف (مستقلة) .

 - مجلة الحياة الثقافية (وزارة الشؤون الثقافية)

 - مجلة الكلمة / سوسة

 - تكريمات

 - وسام رئاسي للاستحقاق الثقافي، الصنف الرابع، سنة 1997

 - وسام رئاسي للاستحقاق الثقافي، الصنف الثالث، سنة 2005

 - تكريم من وزارة الثقافة والمعرض الوطني للكتاب التونسيّ الدورة الأولى

 - تكريم من منظمّة التربية والأسرة، الإقليم الرّابع بقابس

 - تكريم من ولاية بن عروس.

 - تكريم من ولاية صفاقس.

 - تكريم من الأسرة التربوية ولاية باجة

 - تكريم من ديوان العرب، جمهورية مصر العربية

 - تكريم من ملتقى توجان للروائيات التونسيات

 - تكريم من مهرجان دوز الدولي

 - تكريم من كلية الآداب صفاقس

 - تكريم من ملتقى تونس للرواية العربية الدورة 2

 - تكريم من تأمينات كومار في عشرينية الكومار الذّهبي

 - تكريم من الملتقى الطلابي للخط العربي

 - تكريم نادي الحوار/ المكتبة الجهويّة بنابل

 - تكريم ملتقى القصّة القصيرة بمساكن

 - تكريم منتدى الفكر التنويري التونسي

 - تكريم إدارة المطالعة /وزارة الثقافة "مبدعات بلادي" 2022

 - تكريم من كلية منوبة نادي العربية

 - تكريم من كلية الآداب بني مسيك الدار البيضاء بالمغرب

 - تكريم من نادي القصة الوردية ومختبر السرديات كلية الآداب والعلوم والإنسانيات بمنوبة

إصدارات الأديبة

في القصّة

 - طعم الأناناس مجموعة قصصية سنة 1994 الأطلسية للنشر.

- وليمة خاصّة جدّا مجموعة قصصية سنة 2004 دار سحر للنشر

- أظلّ أحكي مجموعة قصصية سنة 2012 دار سحر للنشر

- الرّحيل إلى تسنيم مجموعة قصصية سنة 2017 عن دار البدوي

- مختارات قصصية

في الرّواية

- ليلة الغياب رواية سنة 1997عن دار سحر للنّشر طبعة أولى

- ليلة الغياب طبعة ثانية عن دار سوتيميديا للنشر 2022 (جائزة بلدية مدينة قابس للرواية)

- طرشقانة رواية سنة 1999 عن دار سحر للنشر، (طبعة ثانية سنة 2006)

- وداعا حمورابي رواية سنة 2003 دار سيراس للنشر (حازت جائزة الكومار الذهبي)

- جُمان وعنبر رواية سنة 2006 دار سحر للنشر (حازت جائـزة زبيـدة بشيـر للسـرد من الكريديف)

- الألف والنّون رواية سنة 2009 عن دار سحر للنشر،

 الألف والنّون طبعة ثانية 2012 (حازت جائزة زبيدة بشير في السرد من الكريديف)

- ريح الصبّار رواية سنة طبعة أولى. 2019 دار سوتيميديا للنشر والتوزيع.

 ريح الصبّار طبعة ثانية سنة 2021 دار سوتيميديا للنشر

في الشّعر

- لؤلؤ لِجِيدِ الكلام سنة 2002 عن دار الاتحاف للنشر

- مزاج قزحيّ 2013 دار سوتيميديا

في الترجمة

- إنّما العمر زفرة .. رواية مترجمة عن كتاب آن فيليب:

- Le temps d’un soupir 2015 عن دار البدوي للنّشر والتوزيع.

كتب متفرقة:

- شهامة نميل قصة للأطفال سنة1999 عن دار الاتحاف

- عقد المرجان نصوص سنة 2000 ط/1 ـ المطبعة السريعة بقابس

 عقد المرجان طبعة ثانية سنة 2015دار سحر للنشر

- أزمنة وأمكنة ـ نصوص سنة 2013 الدار التونسية للكتاب

- نزْرٌ ممّا... نص/شهادة 2014 عن الدار التونسية للكتاب.

- ياسمين أحمر. نصوص 2019 عن دار ابن عربي.

- شهادات – نصوص سنة 2019 عن دارالاتّحاد للنّشر والتوزيع.

- يوميات : حقيبة وذاكرة ارتسامات عن زيارة لباريس عن دار سوتيميدياسنة 2023

- يوميات: بين الأطلسين ارتسامات عن زيارة للمغرب عن دار سوتيميديا سنة 2025

-يوميات : غزة ... نبض مكلوم عن دار الكتاب 2026

في المسرح

- اسمع يا سيزيف - مسرحية باللهجة العامية التونسية

- خلّي النسمة ادّور.. - مسرحية باللهجة العامية.

كتاب بالاشتراك

- ولهنّ الكلمة ـ مقالات ـ كتاب بالاشتراك سنة 2012، دار سحر للنّشر.

في انتظار الطبع

- شهادات الجزء الثاني

- رواية

- نثار الخاطر نصوص أدبية

***

 سُوف عبيد ـ تونس

لم يكن هناك شيءٌ عندي محدودًا أو معقدًا…كان كل شيءٍ عابرًا، حديثًا يتنقّل بيننا كالريح، لا يستقرّ طويلًا، وكأننا كنّا نلعب لعبةً لا نعرف إلى أين ستأخذنا.

لم أكن أعرف أن كلماتك، ومتابعتك لي، واهتمامك بالتفاصيل الصغيرة، ستكون بذورًا ستنمو في داخلي طوال العمر، وبشكلٍ يفوق تصوّري وأحلامي.

في البداية كنت أظن أن كل شيءٍ بسيط…حديثٌ ينتهي، وضحكةٌ تمرّ، وكلماتٌ تُقال ثم تمضي كما تمضي الأشياء العابرة. لكن مع مرور الوقت، أصبح اللعب والحديث معك ركيزةً في أيامي، شيئًا أبحث عنه دون أن أشعر، وأنتظره دون أن أعترف لنفسي بانتظاره.

ثم بدأت الكلمات تتغيّر…لم تعد مجرد كلمات، والضحكات لم تعد مجرد ضحكات. كان هناك شيءٌ آخر يتسلل بهدوء، يكبر بين السطور، ويتسلل إلى القلب دون استئذان.

شيئًا فشيئًا، أصبحت تلك الأحاديث تملأ قلبي فرحًا، وأصبحت أراها جزءًا من يومي، ثم جزءًا من حياتي… جزءًا يصعب عليّ أن أفكّ نفسي منه أو أبتعد عنه.

ولم أدرك متى حدث كل ذلك.

متى تحوّل العابر إلى باقٍ؟ومتى أصبح الحديث ذكرى؟ومتى أصبحت الضحكة التي كانت تمرّ سريعًا، شيئًا أعود إليه كلما اشتقت إلى زمنٍ كان فيه للقلب حديثٌ آخر؟

مرّ بي الوقت…أو لعلني أنا التي أمرّ به من خلال ذكرياتي.

فبعض الذكريات لا تسكن الماضي، بل تسكننا نحن.نحملها معنا أينما ذهبنا، وتعود إلينا أحيانًا دون موعد، في كلمة، أو أغنية، أو مكان، أو حتى في لحظة صمت طويلة.

وأصبح الكلام يكبر بيننا، أحيانًا على الأفواه، وأحيانًا أخرى في الصمت…فليس كل ما نشعر به يحتاج إلى أن يُقال، وليس كل ما يُقال يستطيع أن يشرح ما في القلب.

كانت هناك أشياء كثيرة نفهمها دون أن نتحدث عنها، ونشعر بها دون أن نمنحها اسمًا.

وربما كانت أجمل الأشياء هي تلك التي بدأت بلا موعد، وبلا وعد، وبلا نية لأن تصبح شيئًا كبيرًا…

ثم كبرت.

كبرت حتى أصبحت ذاكرة لا تمضي، وحكاية كلما حاول الزمن أن يطوي صفحاتها، أعاد القلب فتحها من جديد.

وعرفت متأخرةً أن بعض الأشياء لا تدخل حياتنا لتبقى فيها إلى الأبد، لكنها تترك في أرواحنا أثرًا… يبقى معنا إلى الأبد.

وهكذا كان كل شيء في البداية عابرًا…

إلا الأثر.

***

ذكرى البياتي

 

ما أكثر كلماتنا وكتاباتنا، ومنشوراتنا ومواقعنا وصحفنا وأحزابنا، وكل منا يغني على ليلاه، وواقعنا مشتت، وعقولنا متنافرة، وحالنا شذر مذر، ولا إشراق في أفقٍ مبين.

ما يُسمى بالحداثة تستعبدنا، ونحسب التعبير عن الرأي خلاصة الفعل ومنتهاه، وما غيّرت كلماتنا ولا تبدلت أحوالنا، والقطار بما يحمله من الوجيع يسير بأقصى سرعته، ولا يشتري ما يُنشر بأبخس الأثمان، بل يحسب وسائل التعبير عن الرأي كسلال المهملات، ُيرمى فيها ما لاينفع، و"السبع مَن يضع في السلة رقي"!!

والتنفيس هو إخراج ما يختلج في النفس من مشاعر وأفكار وضغوط، بطريقة تساعد الإنسان على إستعادة توازنه والشعور بالراحة النفسية.

والتنفيس بالكتابة سلوك يطغى في مجتمعاتنا، ذلك أن العمل فقد قيمته، وتحول الكلام إلى فعل، والكتابة كلام مدوّن يحسبه صاحبه فعلا ومشاركة فعّالة في صناعة هدف ما، والحقيقة أن القرار للقوة القابضة على مصير أصحاب الكلمات، فلتقل ما تقل، ما دمت خارج منظومة القوة فما تقوله هباء، وكتباتك محض هراء، والناس على دين ملوكها، وربما لا يعنيها كلام لا يمت بصلة للكرسي.

العواصف النارية والتكنولوجية تهب علينا من كل حدب وصوب، ونواجهها بالكلام شعرا ونصوصا متنوعة، وبخطابات تضليلية مفبركة، وبأوهام ذات مواصفات دينية، ونتعامل مع واقعنا كأننا لا صلة لنا به، ونحسب التنفيس ممارسة ديمقراطية، لأننا أمضينا العصور في قمقم السمع والطاعة، وتقديس الجاثمين في كراسي قهرنا وإبادة أحلامنا وحرق طموحاتنا، ولاوعينا بأمارة السوء التي فيه يقنعنا بأن الرب في الكرسي، أو أن الكرسي يمثل إرادة إلهية.

صاحبي رؤاه ثاقبة ومعبرة عن حقائق دامغة، لكنها لاتمنع من خوف ولا تطعم من جوع، لأنه يغرد على هامش الأحداث، ولا يمتلك أي دور في تقرير مصيرها.

قلت له: ألا يكفينا هذربة ومطاردات سراب، وتعبير عن أوهام إعتقادية بائرة؟

غضب صاحبي، وأنكر قولي، ومضى يداعب ما ترسخ في دنياه من معتقدات يراها ثورية، ويؤمن بأن الصبر مفتاح الفرج، وأن غدا لناظره قريب.

كلامٌ من أفانينِ الهراءِ

ندوّنهُ وننشرهُ كداءِ

سَرابُ وجودِنا أضْحى مُنانا

وإنّا في متاهاتِ الخَواءِ

أحاديثٌ مُضللةٌ لديْنا

بها صَدحَتْ منابرُ إبْتلاءِ

***

د. صادق السامرائي

ثمانون سنة من العطاء الثقافي

تأسّست - جمعية ابن عرفة الثقافية - سنة 1946 وكان اِسمها جمعية - شباب اِبن عرفة بغمراسن –

ثم وعلى إثر الحرب العالمية الثانية انتقلت إلى العاصمة بالمدرسة السليمانية بهدف إعانة الطلبة والتلاميذ المقيمين بها بعد أن تشتتوا بسبب الحرب وتعرض العاصمة للقصف والاحتلال من طرف مختلف الجيوش فرجعوا إلى ديارهم.

وتنادى الوطنيون وقتذاك من مختلف جهات البلاد إلى تأسيس الجمعيات الاجتماعية والثقافية للإحاطة بالتلاميذ والطلبة ودعمهم ومن بين تلك الجمعيات- جمعية ابن عرفة الثقافية التي احتضنت ودعمت العشرات من طلبة وتلاميذ تلك الفترة وقد أوتهم غرف المدرسة السليمانية حتى نُسبت إليها.

وقد حاضر على منبرها أفذاذ الشيوخ والأدباء مثل الشيخ محمد الفاضل بن عاشور والأديب العربي الكبادي والشعراء محمد المرزوقي ومنور صمادح والحبيب المستاوي وغيرهم.

بعد الاستقلال وبداية الستينات اهتمت الدولة التونسيّة الناشئة بالتعليم في مختلف مراحله وشؤونه فتقلّص دور تلك الجمعيات .3131 benarafa

في سنة 1976 أعاد تحيينها القانوني وتجديدها جمع من المثقفين خاصة من قدامى الجمعية وأبناء المؤسسين فبرز نشاطها وانتشر إشعاعها ووجهوا نشاطها إلى المجال الثقافي خاصة من ذلك أنها ساهمت في تنظيم مشروع الملتقيات الثقافية الذي اعتمدته وزارة الثقافة على مدى سنوات السبعينيات وأوائل الثمانينيات والذي شمل عديد الولايات على غرار ملتقى ابن رشيق في القيروان وملتقى ابن منظور في قفصة وغيرهما فاِختصت الجمعية بتنظيم ملتقى ابن عرفة أكثر من عشر دورات في ولايتي تطاوين ومدنين حول مواضيع حضارية وتنموية وساهم فيها نخبة من المختصين وكان ذلك بإشراف اللجنة الثقافية الوطنية وقد منحتها وزارة الثقافة لغزارة نشاطها مقرا في حي الشباب بشارع محمد الخامس بالعاصمة وهو في الأصل فضاء شاسع لمعرض تونس الدولي فنشطت به الجمعية في مقرها المستقل مثل بقية الجمعيات الثقافية والشبابية هناك.

بعد ترميم - المدرسة السليمانية - بالمدينة العتيقة سنة 1985جعلتها وزارة الثقافة خاصة بالجمعيات الثقافية والجمعيات الطبية مثل جمعية أخصائِيِي الأشعة وجمعية أخصائيي التغذية وغيرهما وصار اسم المدرسة السليمانية - دار الجمعيات الطبيّة –

وعينت لها مديرة قديرة هي السيدة صلوحة الإنوبلي نذكرها بكل خير فنشطت بها تلك الجمعيات وأقامت فيها حتى المعارض والندوات المختصة من بينها معرض الأدوات الجراحية عبر التاريخ.

وقد خصّصت وزارة الثقافة لــ "جمعية ابن عرفة الثقافية" الطابق العلوي فصارت تنشط فيه إلى اليوم ضمن أنديتها ومكتبتها وندواتها وملتقياتها ومؤتمراتها وفتحت الرواق العلوي للفنانين التشكيليين لعرض أعمالهم وجعلت قاعته الصغيرة لتعليم أعضائها وروادها الكتابة على الحاسوب .

في السنوات الأخيرة أحدثت وزارة الثقافة في دار الجمعيات الطبية بالمدرسة السليمانية دار ثقافة جديدة تسمّى "دار الثقافة بالسليمانية" وظلت جمعية ابن عرفة الثقافية تواصل نشاطها من خلال أنديتها ومكتبتها المفتوحة للأدباء والباحثين وبالتالي فليس لجمعية ابن عرفة الثقافية أي صلة إدارية بدار الثقافة إلا صلة الجوار والتعاون في إنجاز بعض التظاهرات الثقافية أحيانا حرصا منها على دعم الثقافة الوطنية.

إن جمعية ابن عرفة الثقافية تمثل علامة راسخة ضمن الذاكرة الوطنية وتعتبر أن مرجع نظرها القانوني والإداري هو رئاسة الحكومة ومرجع نظرها الثقافي هو وزارة الشؤون الثقافية مباشرة.

وجيلا بعد جيل ومن أجل ثقافة تونسية المنطلق إنسانية الأفق تواصل جمعية ابن عرفة الثقافية دربها بعزم وثبات وهي تستعد للاحتفاء بالذكرى الثمانين لتأسيسها فتحية شكر وتقدير لكل من ساهم في مسيرتها وإعلاء شأنها

***

سُوف عبيد ـ تونس

 

حين تبدي شريحة واسعة من المواطنين عزوفها عن المشاركة السياسية، فهي لا تكف عن ممارسة السياسة من خلال منافذ أخرى، لعل أهمها إبداع أشكال جديدة للسخرية من سلوك النخبة السياسية. سخرية تغذيها رحابة الأنترنيت في توفير برامج وأدوات، لتصميم وإبداع ردود أفعال تمزج بين الطرافة والمرارة! وضع كهذا يفرض طبعا بذل جهد كثيف لاستعادة ثقة المواطن، والتصدي لمجمل الاختلالات التي تعيق إشراكه في تطوير الأداء السياسي.

 يأتي الالتباس القيمي الذي يطبع مواقف النخبة السياسية وتصريحاتها في مقدمة هذه الاختلالات.  فالسماح للأكاذيب بالتسلل إلى ثنايا القول السياسي، أنتج خطابا مشوشا وساذجا، وحوّل المشهد السياسي إلى فضاء للغو وتبادل الاتهامات، ودعوات للإقصاء والتخوين ورمي الآخر في البحر!

لماذا يكذب السياسي؟

إن الكذب في الحياة اليومية انحراف عن النسق الأخلاقي، لكنه في السياسة جريمة. هذا ما عبر عنه خبير الشفافية الدولي الأمريكي مايكل هيرشمان في معرض رده عن سؤال حول كيفية محاسبة المسؤول الفاسد. إن الكذب من قبل السياسي أخطر من جريمة الفساد التي يحاسب عليها القانون، إذ أن السياسي عندما يكذب يحاول تحقيق مصالح خاصة بطرق غير مشروعة.

يكذب السياسي حين تتعارض الحقائق والوقائع مع قائمة الوعود التي وزعها، حتى يتمكن من الإنابة عن المواطنين في تدبير شؤون حياتهم. وما تكشفه المواقف المتضاربة بشأن تحليل علمي وموضوعي للحالة الاقتصادية والاجتماعية على سبيل المثال، يكفي لأن يثير لدى المواطن العادي شعورا بالتقزز من سياسيين يغيرون مواقفهم كما يغيرون معاطفهم، فقط ليثبتوا أنهم دائما إلى جانب الصواب.

 لذا لم يعد مستغربا أن يوزع السياسي مدائحه على نفس الهيئة أو المنظمة التي كال لها الشتائم والتهم منذ زمن يسير، معتمدا على براعته في التلون القيمي، وعلى تدني مستوى التفكير والتحليل لدى الشريحة التي اختارته.

  ويكذب السياسي حين يزعم أن ميله للعنف الخطابي، واعتماده لغة الشارع دليل على انحيازه للبسطاء، وانبعاث خطابه من أغوار الفقر والجهل والآلام الإنسانية. فالسياسة ظاهرة ثقافية في جوهرها، بل إنها مستحيلة بغير ثقافة، مادامت القوة السياسية ترتكز إلى حد كبير على التوقعات والاتصالات، والقيم المشتركة. بينما الحقيقة أن هذا النزوع يأتي كتعبير عن ضعف الموقف السياسي، ومستوى التكوين المعرفي. بل إن دحرجة القول السياسي إلى أسوأ مراتبه، تمنح صاحبه مشتلا لبذر الأحكام الانطباعية المغلوطة، والاتكاء على أسانيد واهية لشرعنة الفوضى.

ويكذب السياسي حين يغذي الكسل الداخلي للمواطنين بأجندة تبيح خلودهم إلى الراحة، في الوقت الذي يتولى هو إدارة معارك الديموقراطية والشفافية والعدالة الاجتماعية. فليس مطلوبا، برأيه، من المواطن سوى أن يمنح ولاءه السياسي وصوته الانتخابي، ثم يعود إلى فراشه الوثير مترقبا موعد هبوب الخيرات وجمع الغلال.

ولعل ما يحمل الناس على التصديق، اعتقادهم أن الفرق بين السياسي والمواطن العادي من حيث القوة والدهاء والمناورة غير قابل للمناقشة؛ في حين أن هذه الفروق هامشية جدا، ولا توجد إلا بسبب التصورات المشتركة حول القدرات العجيبة للسلطة. إذ أن الطابع المراوغ للسياسة ناشئ عن المفهوم المتعلق بالسلطة، وقدرته على تحريض الخيال البشري، فمنذ التنشئة الاجتماعية للطفل، تتشكل خيالات متعلقة بالأفعال السحرية للسلطة. 

ويكذب السياسي حين يُنشئ روابط غير واقعية بين تحسين الدخل الفردي والوضع الاجتماعي، وبين مطامح الأمن والسكينة والتوازن الروحي. بل إنه لا يُضمن خطابه السياسي أسانيد وأطروحات يُمكن أن يُعتد بها، لتأكيد أو نفي المزاعم بشأن قدرة السياسة، إلى جانب الاقتصاد، على تجسيد يوتوبيا حالمة لم تغادر بعد رفوف المكتبات.

في تشريح حاد ومؤلم لأعطاب المجتمع الأمريكي في القرن الحادي والعشرين، يعزو دون إيبرلي معظم المشاكل الأمريكية إلى فشل الرهان على السياسي في مواجهة ظواهر تتطلب القوة الروحية، واستعادة دور المجال الثقافي والأخلاقي. لا بد من وضع إطار عمل جديد، يقول إيبرلي، لحل المشاكل يسقط الصبغة السياسية عنها. إن أمريكا بحاجة إلى حوار مدني جديد، واستعداد لتجنب المناقشات العقيمة بين اليمين واليسار حيث أمكن، وإقامة بيئة ثقافية جديدة، وإحياء عادات المجتمع الإنساني المتمدن.

ويكذب السياسي حين يعمد إلى إثارة المخاوف لمواجهة غريمه، وإقصائه من معترك حيازة الثقة؛ فالخوف كما يؤكد عالم الاجتماع فرانك فوريدي، أصبح قوة مهمة في التأثير على الخيال العام في العالم. وإذا انضاف إليه الاستئثار المنظم بالمعلومات والحقائق من لدن السلطة الحاكمة، تبين لنا حجم الضرر الذي تلحقه الشائعة السياسية، وما يترتب عن بث الذعر بين المواطنين من اضطراب وبلبلة، وفي أحيان كثيرة قيام صراعات اجتماعية. هنا لا يُعتبر الكذب ذريعة لغرض نبيل، كما يزعم حواريوه في المجال السياسي، بقدر ما يكون له مفعول العبوة الناسفة.

وأخيرا يكذب السياسي حين تداهمه متغيرات ومنعطفات كبرى، يشعر معها بتداعي شرعيته السياسية، وبأن أوراق اللعب كلها تتناثر من بين أصابعه؛ فلا يجد من وسيلة لإثبات حضوره واستمراريته سوى العودة إلى العصبية الضيقة، وتغذية الميول العنصرية والطائفية والمذهبية.

يعقد يوسف أسعد في كتابه الممتع (الكذب وأثره في الإنسان) فصلا طريفا عن الكذب والحضارة، يكشف من خلاله أثر التطورات الحضارية المتسارعة على كافة جوانب الحياة الإنسانية. ومما استنتجه المؤلف، بعد معالجة سيكولوجية للكذب في مختلف مراحل النمو الإنساني، أن هذه التغيرات الشديدة والمتلاحقة، عززت تغلب القيم النسبية على القيم المطلقة؛ إذ لم يعد هناك صدق مطلق في كل ومكان وزمان، بل هناك كلام يُصاغ في ضوء المتطلبات الملحة، ولخدمة المصالح وجلب المنافع. بمعنى أن الحنكة السياسية مرتبطة بمدى ما يترتب عن الخطاب من نتائج مصلحية، بغض النظر عن صدقه أو كذبه!

إنهما روحان تسريان في ثنايا القول السياسي، وتزينان له تقويض أركان الثقة التي بدونها لا يقوم لأي نظام ديموقراطي قائمة: روح ميكيافللي الذي همس بخبث في أذن أميره، سليل أسرة آل ميدتشي قائلا:

 "إذا نظرنا للأمور نظرة صحيحة لوجدنا أن بعض ما يبدو فضائل قد يهلكنا لو طبقناه، والبعض الآخر الذي يبدو من الرذائل، قد يسبب سلامة الإنسان وسعادته".

 والأخرى روح جوزيف غوبلز، وزير الدعاية السياسية في حكومة هتلر النازية، ومبدع الكذب المبرمج والرمادي، وصاحب المقولة الأكثر شيطنة في عالم السياسة "اكذب واكذب واكذب حتى يصدقك الناس ". روحان تغذيان هيمنة المنفعة على النبل الإنساني، وتدفعان بالعمل السياسي إلى الحضيض.

هل يجب على السياسي أن يتحرك داخل حدود المفاهيم الأخلاقية؟ سؤال يصنفه غلين تيندر ضمن الأسئلة الأبدية للفكر السياسي؛ فالسياسة هي أظلم منطقة في وجودنا الجماعي والتاريخي. والقيادة السياسية لاهم لها سوى تشكيل العقول، والتأثير على السلوك لتحقيق أفكار متصورة سابقا.

 قد يكون للسياسي ذرائعه في تحطيم البناء القيمي باسم المصلحة تارة، وتحديث الممارسة السياسية تارة أخرى؛ لكن ما نخشاه حقا هو أن يؤدي انهيار الثقة إلى انبعاث جيل من رحم اللاسياسة؛ جيل يتأرجح بين اللامبالاة والتقويض المجنون لدعائم المجتمع الإنساني.

فهل يكف السياسي عن الكذب؟

***

حميد بن خيبش

معكوس: مقلوب

نعيش في عالم المعكوسات، أي إنقلاب الحالات، فالظالم مظلوم، والفاسد نزيه، والحق باطل، والصدق كذب، المتأسد مُستضعف، وهلم جرا...!!

العدوانية مظلومية، القتل طقس عقائدي يقرّب إلى الرب زلفى، تغييب الأبرياء شطارة وشجاعة، والخطف فعل يُثاب عليه الفاعل، فلا حدود ولا تقاليد ولا قيم ولا أخلاق، فشريعة الغاب تبرمجنا وتساهم في تحفيز شرورنا.

هذه المعكوسات تمثل الصراع الأزلي بين الخير والشر، ويبدو أن للشر صولة في زمننا المكبل بالمساوئ الدهماء.

أجواء تفاعلية تعبر عن إختلاط الحابل بالنابل، وضياع قيمة كل شيئ، وما عاد للأدب والأخلاق والقيم معنى ودور، فلا بد من أنياب مكشرة تفترس ما حولها وتملأ سلال رغباتها بما تشتهيه من حقوق الآخرين، فالأنانية المدرعة بالتوحش والإنقضاض على فرائسها لا حدود لها، ولا قدرة على ردع نواياها ولجم حصان أهوائها.

الأحداث تخبرنا بأن الأقوياء يأكلون الضعفاء، والناطق بالحق مذنب، والصادح بالباطل ذو شأن وسلطان، وكل مَن عليها مُدان، وشتان بين أدعياء الأديان وحماة الأوطان، والذين يصونون كرامة الإنسان، ويحافظون على حقوقه من الأباطيل والبهتان.

الأرض تدور في عالم حيران، ودنيا ذات أحزان، وضياع وإمتهان، والقائد الشيطان، يحث على العدوان، ويرسم خرائط تمزيق الشعوب وهدم العمران.

التكنولوجيا تدمرنا، وما أتى به العلم يسحقنا، فإبداعات الشرور تعني القوة وبسطوتها تحاصرنا، وتصادر مصيرنا، وتبعدنا عن أوطاننا، وتستفيد من طاقاتنا وتستثمر قدراتنا، وتستحوذ على ثرواتنا، وتمنحنا التباغض والتلاحي لتمحقنا.

وكأننا نمشي على رؤوسِنا، ونصفق بأقدامنا، وعيوننا تحجبها الرمال، وتعميها سرابات غفلتنا، فهل إستيقظ رشدنا، وما عدنا نرى الدنيا مقلوبة في صندوق أوهامنا الأسود؟!!

تآزرتِ الحوادثُ واسْتدامَتْ

ومِنْ وَجَعٍ إلى وَجَعٍ تَوالتْ

تُعللنا النوازلُ بانْفراجٍ

وحالكةٍ بدنيانا تواصَتْ

لماذا رأسُنا فقدَتْ حَجاها

ومِنْ غفلٍ وتجْهيلٍ تعامَتْ

***

د. صادق السامرائي

صوتُ المثقف العراقي في داخل العراق وخارجه ضعف ثم تآكل ثم ضاع باستثناء أصوات فردية نادرة هنا وهناك قاوم أصحابها بكل ما يمتلكون من قوّة حتى يستمر وهجُ قناديلِ أرواحِهم وسط غابة من الظلام فتعرضوا الى كل أنواع المظالم والاِنكار والتهميش والتسفيه داخل العراق وخارجه ومايزالون، ولم يكن مسيرُهم ضد التيّار الجارف مشاكسةً أو رغبةً في الظهور وانما حباً لوطنهم، وصدقَ انتماءٍ له، وتعزيزاً لصوت الضمير الانساني ..

ما عدا هؤلاء تاه المثقف العراقي وضاع بين وكالات الخارج ودكاكين الداخل رغم ان الهامش المُتاح له كبير اِنْ كانت ارادته كبيرة ..

تمرُّ الأحداثُ المؤلمة والمثقفون العراقيون على الأعم الأغلب غائبون، غائبون على الصعيد الفردي وعلى الصعيد الجمعي ..

قسمٌ منهم قبل بالرشاوى الصغيرة، الصغيرة مهما كبرت: دعوة الى مهرجان شعري أو أدبي أو ثقافي أو أكاديمي، اقامة على مدى اسبوع في فندق خمس نجوم مع الطعام والشراب، اشراك في انطولوجيا شعرية أو أدبية تصدر بالعربية أو مترجمة الى لغة أجنبية، مقابلة تلفزيونية في فضائية من فضائيات الخداع والانبطاح والتملق والتهريج والتزوير، أو مكافأة مالية من صحيفة أو مجلة تصدر من بلد ثري بالمال.

انَّه أمرٌ مؤسف ان يبتعد المثقف العراقي عن روحه ومهجته وضميره، ويركن الأمر الى الآخر الذي لا يدري متى سيأتي ..

***

كريم الأسدي - العراق

نشرتُ قبل سنوات مقالة مطولة نسبياً عن الفساد واقتصاديات الفساد وحسابات الفاسدين الاقتصادية.. ونظراً لحمى محاربة الفساد السائدة في الوقت الحاضر، وجدت ان من المناسب اعادة نشرها.

الاقتصاد السياسي للفساد:

تعتبر مشكلة الفساد واحدة من اكبر المشاكل التي تواجه التنمية والتقدم في مختلف دول العالم.

والفساد. كما يعرفه معجم أوكسفورد الإنكليزي: انحراف أو تدمير النزاهة في أداء الوظائف العامة من خلال الرشوة والمحاباة.

وتختلف اساليب مواجهة هذه الظاهرة الاجرامية بين الدول من حيث الطبيعة والشدة. ولايكاد يخلو بلد من بلدان العالم من نوع معين من الفساد. وكذلك تختلف البلدان في درجة انتشار الفساد في جسد الدولة.

بطبيعة الحال، فان موضوع الفساد . بموجب قراءاتي حول الموضوع. يحتوي على الكثير من النقاط التي تستحق الاشارة اليها ولكن المقام لايتحمل الكثير من الشرح والاطالة . لذلك سوف اكون انتقائيا في استعراض بعض النقاط التي اعتقدت بانها تستحق العرض.

الاساليب الوعظية والتوجيهية في مكافحة الفساد:

يتم التعويل في التعامل مع الفساد في بعض الاحيان من خلال الوعظ والتوسل الى الفاسدين بالكف عن فسادهم رحمة ببلدانهم وابناء شعوبهم الفقراء وتذكيرهم بالعذاب في الآخرة او بالقيم الاخلاقية والاجتماعية. وهم يتناسون ان الفاسدين هم مجرمين بلا ضمائر وفي كثير من الاحيان يكون هؤلاء اعضاء في منظمات تستعمل كل الاساليب لحماية مصالحها.

ولم يثبت في التاريخ الحديث ان دولة نجحت في مكافحة الفساد عن طريق هذه الاساليب.

الاساليب العلمية التحليلية في مكافحة الفساد:

في اوائل التسعينيات من القرن الماضي عثرت في مكتبة وزارة التخطيط العراقية على كتاب للاستاذة: روز ايكرمان، عنوانه: الفساد: دراسة في الاقتصاد السياسي (باللغة الانجليزية).

Corruption: a study in political economy (By Rose-Ackerman)

الكتاب ناقش مظاهر مختلفة للفساد لعل اكثرها اهمية وملائمة لاوضاع العراق الحالية، هي تلك الفصول التي تناقش الفساد في الاقتصاد السياسي*(سوف يأتي شرح لمعناه في حاشية هذه المقالة) والتفشي الوظيفي للرشوة.( ويكون تفشي الفساد وظيفيا functional عندما يرسي لنفسه فعاليات خاصة واهداف ومهام خاصة ترتبط كلها بطريقة تنفيذ عمليات الفساد في نشاط مؤسسي الى حد كبير.)

كذلك تناقش العلاقة الاساسية بين المصوّتين والمشرّعين وجماعات المصالح اضافة الى دور البيروقراطية الحكومية في تشكيل الخيارات التشريعية.

وهنالك فساد في القطاع الخاص ايضا ولكن مهمة مكافحته اساسا تقع على اصحاب الاعمال ومن خلال تفعيل حوكمة الشركات. اضافة الى المساندة التي تقدمها التشريعات العامة التي تعاقب وتردع الفاسدين حتى في القطاع الخاص.

الفساد كنشاط اقتصادي:

كما ذكرنا فيما تقدم. ينبغي الفصل الواضح بين الفساد كسلوك اقتصادي وبين الروادع الاخلاقية والدينية وضرورة التعامل معه كسلوك اقتصادي ينظر القائمون به الى اعتبارات الربح والخسارة كأي مشروع آخر. بمعنى ان معالجته يجب ان لاتكون عن طريق الوعظ والإرشاد (مع انها قد تكون مفيدة في بعض الاحيان) بل عن طريق جعل الإقدام على ممارسة الفساد عملية غير مجدية وتسبب خسارة كبيرة لمن يرتكبها.

ولإيضاح طبيعة الفساد من وجهة نظر اقتصادية صرفة:

تعتبر بعض الممارسات اقتصادية تماما طالما كان من يقوم بها عاقلا رشيدا حتى لو كانت ممارسة مثل القمار وفقدان الراتب الشهري في جلسة قمار واحدة. السبب هو ان الشخص العاقل الذي لعب القمار وخسر راتبه في جلسة واحدة لابد وانه كان يتوقع منفعة (لذة) تستحق ان يفقد راتبه من اجلها وبذلك فهو لم يخسر بل حقق واشبع رغبة.

نفس المنطق اعلاه يطبقه الباحثون في موضوع الفساد على الفاسدين وقراراتهم بالاقدام على عملية فساد او الاشتراك فيها ودراسة النتائج المحتملة لتلك العملية سلبا وايجاباً.

فالفاسد يقارن بين العوائد التي يحصل عليها من العملية وبين الخسائر المحتملة في حالة فضحه وتعرضه للمحاسبة.

الاستاذة ايكرمان تستخدم معادلات رياضية للحساب، مثلا:

اذا كان العائد من العملية مليون دولار ولكن العقوبة عند القبض عليه ثلاث سنوات، فانه يقارن مجموع رواتبه لثلاث سنوات مع العائد وكذلك يأخذ في الاعتبار اذا ما كان بامكانه العودة لمزاولة عمله او اي عمل آخر او لا بعد خروجه من السجن.

وكانت تستخدم الرسوم البيانية والبيانات الاحصائية والمعادلات الرياضية في شرح وجهات نظرها بعيدا عن الانشاء الوعظي الفارغ.

فترات السجن الطويلة تضيع على الفاسد فرصة التمتع باموال الفساد وتجعله يتردد عندما يعرف انه قد يسجن مدى الحياة.

كذلك فهو ينظر فيما اذا تعتبر جريمة الفساد مدمرة للسمعة والشرف ام هنالك تساهل نسبي في النظر الى الفاسد اجتماعيا وقانونياً؟

وهنا يصبح تغليظ العقوبات واحدة من الادوات التي تجعل الفاسد يتردد في القيام بعملية فاسدة.

الجدية في استرداد المبالغ التي حصل عليها الفاسد وايقاع غرامات كبيرة وسد كل الثغرات وملاحقة كل المستفيدين بشكل مباشر وغير مباشر وتطوير التشريعات بما يتلائم مع تطور آليات الفساد واشكاله مهمة جدا في هذا الصدد.

ان مستوى رواتب موظفي الحكومة يجب ان يكون حاضرا عند تحديد عقوبات وغرامات الفاسدين لان فترات السجن البسيطة والفصل من الوظيفة قد لاتردع الفاسدين لان رواتبهم متواضعة وعوائد الفساد تعوضهم عن عمل سنين.

بعض الدول المتقدمة يسود فيها نوع خطير من الفساد وهو العلاقات بين جماعات المصالح والشركات وبين المشرعين الذي يصدرون او يعيقون صدور تشريعات بما يتلائم مع مصالح تلك الجماعات لقاء منافع يحصلون عليها.

وهنالك ارتباط بين الفساد وبين هيكل مؤسسات الدولة وطبيعة الترابط فيما بينها وطبيعة الصلاحيات والتفويض وآليات اتخاذ القرارات.

وقد لوحظ تفشي الفساد في البلدان التي انتقلت من النظام الاقتصادي الاشتراكي الى نظام السوق الحرة (البلدان التي تمر في مرحلة الانتقال) نتيجة سقوط الهياكل القديمة ونشوء هياكل جديدة لم تكن واضحة ومعروفة سابقا ولم تكن العلاقات واضحة ومتقنة بين مختلف المستويات وكذلك غموض وعدم شفافية تفويض السلطات واتخاذ القرارات.

عدم قبول الثقافة السائدة لفكرة ان الفساد نشاط اقتصادي:

من خلال تجربتي في تدريس كوادر الدولة المتقدمة في الثمانينيات والتسعينيات (مدراء عموم ومحافظين ووكلاء وزارات) في مركز التخطيط والتطوير الاداري في وزارة التخطيط، كنت اواجه اعتراضات من قبل بعض المشاركين في تلك البرامج التدريبية على الفصل بين الروادع الاخلاقية والوعظية وبين التشريعات والعقوبات وسد الثغرات امام الفاسدين.

كما كانوا يعترضون على اعتبار الفساد ممارسة اقتصادية تحكمها قواعد ويمكن الحد منها عن طريق استخدام تلك القواعد.

يعتقدون ان تصنيفها كممارسة اقتصادية يعد بمثابة مدح او شرعنة لها، في حين انها هي كذلك شئنا ام ابينا. كما يعتقد البعض ان المقاربة الدينية هي الافضل من حيث أثرها الردعي مع ان الكثير من الناس لا يكترثون بالوعظ الديني وقد يكونون

ملحدين او من ديانات مختلفة. فاي شريعة سوف تستخدم لردعهم واخافتهم؟؟ بطبيعة الحال فان القانون المدني هو الكفيل بذلك لانه لديه قوة ردع  لكن الدين ليس فيه اكراه بل وعظ.

ليس من السهل اقناع هؤلاء الناس بمفهوم التجريد في البحث العلمي وفصل المؤثرات عن بعضها افتراضيا ليسهل التعامل معها بشكل سليم وواقعي.

العقل الاختزالي المتخلف يرفض القبول بوجود علم اقتصاد وعلم سياسة وعلم فقه وشريعة وعلم قانون وتشريع. ويرغب في تناول هذه القضايا الخطيرة بخطاب انشائي شامل ليست له قيمة تطبيقية.

***

د. صلاح حزام

......................

- يعتبر انتونيودي مونت كريتين اول من اخترع تعبير الاقتصاد السياسي في عام 1615 عندما وضع كتابه المعنون: مقالة في الاقتصاد السياسي. ويعتقد آخرون ان مصطلح الاقتصاد السياسي قد استخدم في وقت سابق من قبل لويس دي ميرنيه عام 1611 وكان يناقش العلاقة بين علم الاقتصاد والدولة.كما انه استخدم المصطلح عندما كان يبحث واجبات السلطة السيادية تجاه مواطني الدولة. وكانت الضرائب هي القضية الاساسية التي حاول هؤلاء المفكرون تنظيم اسس تحديدها وفرضها وجبايتها وبيان مخاطر سوء استخدامها كحق سيادي للدولة على الرعايا. ومن هنا تأتي العلاقة بين الاقتصاد والسياسة . فالسياسة تأتي من الكلمة اليونانية(polis) التي تعني المدينة واصبحت دلالة رمزية للدولة او الحكم خاصة وان اليونان القديمة كانت تحكم من قبل عدد من مما يسمى (الدولة - المدينة) City-state

 

المسؤول الفاسد لا يخون المبادئ الحسينية فقط التي تلبّس بها للوصول إلى السلطة، إنما يخون الإسلام برمته، وقيم المواطنة الحقة.... وسينال لعنة الله والشعب والأولين والآخرين بتاريخ أسود ملوث بخيانة الأمانة وعار أبدي.

سؤالٌ إلى الفاسد:

ألم تسأل نفسك يوماً: كيف فضّلتَ منافعك الشخصية، ومصالح أسرتك، ودائرتك المقربة والمشبوهة، على مبادئ الشريعة الإسلامية وقيم الثورة الحسينية التي طالما ادعيت الانتماء إليها؟

الا تستحي، مع مَن تعبث حين ترهن أمانة أمّة وأجيال كاملة من أجل مكاسب زائلة، وتظن أن التاريخ أو الشعب أو الحقّ الإلهي سيغفر لك هذه الخيانة؟

كيف نردع الخائن؟

لا شك ان الوعي الشعبي هو الخط الدفاعي الأول والأهم في مواجهة استغلال المبادئ، والضمانة الحقيقية لتحويل الشعارات إلى مسار عملي من المساءلة والتغيير.

فعندما ينضج وعي المجتمع، يتغير الفهم العام للعمل السياسي والخدمي من الانبهار بالخطابات إلى تقييم الأفعال والنتائج.

يتشكل الوعي الشعبي الفاعل عبر عدة محاور رئيسية:

معيار النتائج لا الخطابات: التحول من نقد الأشخاص إلى نقد الأداء والمخرجات.

الوعي الحقيقي يجعل المواطن يسأل عن مدى نزاهة إدارة الأمانة العامة، وجودة الخدمات، وكفاءة المؤسسات، بدلاً من التأثر بالإدعاءات المزيفة المغلفة بالعبارات البلاغية.

التمييز بين المبدأ ومُدعيه:

من حسن الوعي إدراك أن السلوكيات الفردية للمسؤولين، مهما تغطت بشعارات سامية، لا تعبر عن المبادئ ذاتها، بل تعبر عن نزاهة الفرد أو عدمها.

ان مثل هذا الفصل يحمي القيم من التشويه، ويسقط الشرعية الأخلاقية عمن يتخذها ستاراً لمصالح ذاتية.

الرقابة المجتمعية المستمرة:

من حسن المواطنة ينبغي عدم اختزال المشاركة في المواسم الانتخابية فقط، بل متابعة القرارات العامة، والدفاع عن شفافية المؤسسات، ودعم الصحافة والإعلام المستقل، والحرص على تقصي الحقائق والمعلومات الموثوقة.

بناء ثقافة المساءلة القانونية:

من حسن الالتزام بالقانون إدراك أن الحفاظ على المال العام ومكافحة الفساد يمثلان نصاً دستورياً وواجباً قانونياً وأخلاقياً، وأن حماية أمانة الدولة تبدأ من تفعيل أجهزة الرقابة والالتزام بسيادة القانون فوق الجميع.

حسن الديمومة: الوعي الشعبي ليس مجرد غضب مؤقت أو انفعال مع الأحداث، بل هو سلوك مدني وبناء مستدام يفرض على المشهد السياسي معايير عالية من النزاهة والمسؤولية.

كيف ينشأ الوعي الشعبي؟

تؤدي المؤسسات التعليمية والإعلامية أدواراً متكاملة في بناء النزاهة وتشكيل الوعي الجمعي؛ فالتعليم يؤسس للمفاهيم والقيم الأخلاقية في مراحل التنشئة الأولى، بينما يقود الإعلام الرأي العام ويُمارس الدور الرقابي على الواقع اليومي.

أولاً: دور المؤسسات التعليمية (التأسيس التربوي والفكري)

تحويل النزاهة من مفهوم نظري مجرد إلى سلوك يومي وممارسة واعية يتطلب العمل عبر أربعة محاور أساسية:

تطوير المناهج الدراسية:

تضمين مفاهيم المواطنة، وأهمية حماية المال العام، وأبعاد خيانة الأمانة في مناهج التربية الوطنية والأخلاقية، مع تدريس فلسفة القانون وسيادة أحكامه لبيان أن المؤسسات هي الحامي للحقوق وليست الأهواء الفردية.

اعتماد أسلوب التفكير النقدي:

انتقال التعليم من التلقين والحفظ إلى التحليل والنقد؛ لتمكين الطالب من تفكيك الخطابات، وتمييز الشعارات البلاغية عن الحقائق الرقمية والنتائج الملموسة، وتدريب الطلبة على تقييم الأفكار بناءً على منطقيتها وأدلتها.

البيئة المدرسية والمجاميع الطلابية:

تطبيق قيم الشفافية والعدالة داخل البيئة التعليمية نفسها (في الامتحانات، والأنشطة، والانتخابات الطلابية)، وممارسة تجارب الديمقراطية المصغرة والمساءلة الإيجابية داخل الفصل لترسيخ شعور المسؤولية الفردية تجاه المصلحة العامة.

ربط التاريخ بالقيم الإنسانية:

تقديم الشخصيات التاريخية والرموز الوطنية من خلال أفعالهم وإنجازاتهم وسلوكهم الأخلاقي، لترسيخ نموذج القدوة الذي يربط القول بالعمل.

ثانياً: دور الإعلام التنويري والرقابي

يمثل الإعلام الشريك المكمل للمؤسسة التعليمية من خلال نقل الحقائق بشفافية، وكشف مغالطات الخطاب السياسي، والتوعية بالحقوق الدستورية وآليات الحفاظ على المال العام، وممارسة الصحافة الاستقصائية التي تقيّم السياسات والخدمات بعيداً عن الإثارة والتسييس.

إن بناء جيل قادر على حماية أمانة الدولة ومكافحة الفساد يتطلب إيجاد بيئة تتكامل فيها المدرسة التي تزرع العقل النقدي، مع الإعلام الذي يوفر المعلومة الشفافة والرقابة المستمرة؛ وبذلك تتحول "المساءلة" من مجرد شعار إلى ثقافة مجتمعية راسخة.

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الاتحادية

2026/8/7

يقول ابن عبد ربه الأندلسي في (العقد الفريد): "بلغني أن صديقا لكلثوم العتابي أتاه يوما فقال له: اصنع لي رسالة. فاستمد مدة ثم علق القلم؛ فقال له صاحبه: ما أرى بلاغتك إلا شاردة عنك. فقال له العتابي: إني لما تناولتُ القلم تداعت عليّ المعاني من كل جهة، فأحببت أن أترك المعنى حتى يرجع إلى موضعه، ثم أجتني لك أحسنَها.

***

شهد العصر الأموي، كما هو معلوم، اتساع الفتوحات، وتفرق الولاة والعمال في أنحاء الدولة الإسلامية. فتزايدت الحاجة إلى التدوين وتبليغ الأمور الإدارية والسياسية، لذا أنشأ الخلفاء ديوان الرسائل، واعتمدوا بشكل متزايد على الكُتاب في تصريف شؤون الدولة.

وسرعان ما ازدهرت حركة الخط والكتابة، واكتست أهمية لدى مختلف فئات المجتمع، فاحتلت الرسائل مكانة الصدارة، باعتبارها أهم أشكال الخطاب الأدبي. وتنوعت موضوعاتها لتشمل بالإضافة إلى أمور الإدارة والسياسة، قضايا مجتمعية، واقتصادية، وحصيلة التداول اليومي في شؤون الحياة الخاصة والعامة.

كانت لغة الرسائل بسيطة وصريحة، تحقق مجرد الإفهام فحسب. كما كانت خاضعة لنظام الإملاء، فالخليفة يُملي والكاتب يَنسخ. غير أن انفتاح الدولة الأموية على شعوب غير عربية، تختلف عنها في المزاج والتفكير، عزّز الحاجة إلى التفاهم والتواصل، وتطوير أسلوب الكتابة بما يتناسب مع الوضع الجديد. فظهر على الساحة كُتاب أسهموا في توجيه مضامين الكتابة وأساليبها، وعلى رأسهم عبد الحميد بن يحيى .

يقول الدكتور عمر فروخ" ولا شك في أن عبد الحميد أول من أطال الرسائل، واستعمل التحميدات، في فصول الكتب. وعنه أخذ المترسلون، ولطريقته لزموا. وهو الذي سهّل البلاغة في الترسل، وجعل الكتابة صناعة كسائر الصناعات."

مثّلت الرسائل التي ألفها عبد الحميد الكاتب أوائل القرن الثاني الهجري، نموذجا حيا لتطور الكتابة العربية من خلال فن الترسل. وهي تبرز جهوده في التحرر من التقاليد الأدبية القديمة، واستقلال شخصية الكاتب، حيث إنه:

- جدّد مواضيع الرسالة، فبعد أن كانت مجرد خواطر سياسية ووعظية تفتقر إلى التحليل، أصبحت تشمل مواضيع الشكر، والنصيحة، والتهديد، والعتاب.

- تفنّن في التعبير على مستوى الفكرة والجملة والتركيب، فحرّر أسلوب الكتابة من بداوة اللغة، ولهجة الخطابة والإيجاز.

- هذّب اللغة وجمّلها لترتقي إلى صنف الكتابة الفنية، إضافة إلى مزجه بين الأسلوب العربي وروافد الثقافتين الفارسية واليونانية.

اتخذت الكتابة مع عبد الحميد الكاتب صفة النص الأدبي المتكامل شكلا ومضمونا. فكان لرسائله بناء داخلي يستوعب القضية أو الرأي، ثم يوزعها على فقرات مستقلة، لكل فقرة وحدتها المعنوية التي تخدم الفكرة، مع استخدامه تنبيهات لفظية تعين على التمييز وتجديد الاهتمام.

يقول في رسالته إلى الكُتاب:" إن الكاتبَ يحتاج من نفسه، ويحتاج منه صاحبه الذي يثق به في مهمات أموره أن يكون حليما في موضع الحِلم، فقيها في موضع الحكم، مِقداما في موضع الإِقدام، مِحجاما في موضع الإحجام، ليّنا في موضع اللّين، شديدا في موضع الشّدة، مُؤْثِرا للعفاف والعدل والإنصاف، كَتوما للأسرار، وفيا عند الشدائد.. قد نظر في كل فن من فنون العلم فأحكَمَه، وإن لم يُحكِمه شدا منه شدوا يكتفي به".

امتازت صنعة الكتابة لدى عبد الحميد باستغلال الإمكانات المختلفة للغة العربية، لتغيير الصورة الذهنية السائدة حول كاتب الديوان. وتكشف رسائله عن شعور عميق بضرورة التخلص من القيود المهنية للكتابة، لبلوغ التحرر الذي يسمح له بالإبداع. من هنا كان حرصه على تبني أسلوب يجمع بين النثر في هيكلة النص وبناء الفقرات، وبين الشعر في اعتماد الصور الفنية، والمحاكاة، والنغم، والإيقاع.

تُظهر لنا رسائل عبد الحميد خصائص جديدة تميزت بها صنعة الكتابة عنده، وهيأت السبيل أمام تقاليد فنية يتبناها جيل الكتابة بعده، وفي مقدمتها:

- تسلسل الأفكار وترابطها في فقرات منفصلة، مما يكشف عن عقل منطقي ومنتظم. يقول الدكتور طه حسين:" إن قارئه يستطيع أن يقرأ الفقرة، ثم يقف ويستريح عند آخرها. بل يستطيع ان يطوي الكتاب يوما أو أكثر، ثم يعود إلى القراءة دون أن يشعر بانقطاع المعنى".

- الدقة في اختيار الألفاظ والعبارات لتوضيح ما يقصد من معان، فكان يُكثر من استعمال صيغ التفضيل والحال، والطباق والمقابلة لتقريب الفكرة وإيضاحها.

- الموازنة والسجع، حيث اقتبس عبد الحميد من القرآن الكريم أسلوب الكلمات المتقابلة على صيغ متشابهة، كقوله" اعلم أن الظَّفر ظفران، أحدهما أعمُّ منفعة، وأبلغُ في حسن الذكر قالةً، وأحوطُ سلامةً، وأتمّه عاقبة، وأحسن في الأمور موردا، وأصحه في الرواية حزما.." 

 - الإسهاب في التعبير، فكان يُعبر عن المعنى الواحد بتراكيب مختلفة، لزيادة التوضيح، أو لمقتضى البلاغة، فيقول مثلا: "واعلم أن كل أهوائك لك عدو يحاول هلكتك، ويعترض غفلتك، لأنها خُدع إبليس، وحبائل مكره، ومصايد مكيدته، فاحذرها مجانبا لها."

- غلبة الجمل الإنشائية، بحيث لا تخلو مكاتباته من الأمر والنهي، والدعوة إلى الاتصاف بأخلاق وسلوكيات معينة. ولعل السبب في ذلك هو الطبيعية التعليمية لأسلوبه، بحكم موقعه في ديوان الخلافة.

أصبحت الكتابة عملا معقدا يتطلب ثقافة واسعة، واطلاعا على الأدب بتنوع روافده. فالنهضة التي أحدثها عبد الحميد في عالم الكتابة آنذاك، ألزمت من يأتي بعده من الكُتاب بخصائص جديدة للصنعة، يتوجب فيها على الكاتب أن يمتلك اللغة، ليتصرف في المعاني كما يشاء، وينظم أسلوبه تنظيما موسيقيا دقيقا، حتى تروقَ الكتابة العين والأذن، كما تروق العقل والقلب، يقول الدكتور شوقي ضيف.

في رسالته للكُتاب يُسطر عبد الحميد ما يمكن أن نسميه بدستور الكتابة. فطبقة الكُتاب التي أصبحت جماعة بارزة في مفاصل الدولة، تدين بشرف الصنعة لمجموعة مبادئ من ضمنها قوله: " فنافسوا معشرَ الكتاب في صنوف العلم والأدب، وتفقهوا في الدين، وابدؤوا بعلم كتاب الله عز وجل والفرائض، ثم العربية فإنها ثِقاف ألسنتكم، وأجيدوا الخط فإنه حِلية كتبكم، وارووا الأشعار واعرفوا غريبها ومعانيها، وأيام العرب والعجم وأحاديثها وسيَرها، فإن ذلك معين على ما تسمون إليه بهِممكم.."

***

حميد بن خيبش

................

- عمر فروخ: الرسائل والمقامات

- حسين نصار: نشأة الكتابة الفنية في الأدب العربي

- محمد كرد علي: رسائل البلغاء.

الحياة لا تتسع لكل شيء

الحياة مليئة بالمغريات والخيارات والأشياء التي يرغب الإنسان في امتلاكها أو تجربتها أو الاستمتاع بها، لكن من غير المعقول أن نستطيع الحصول على كل شيء في الوقت نفسه. ومن هنا تأتي أهمية أن يتعلم أبناؤنا منذ الصغر فن ترتيب الأولويات؛ أن يعرفوا ما الذي يجب أن يأتي أولًا، وما الذي يمكن تأجيله، وما الذي ينبغي الاستغناء عنه كلياً. فالإنسان الناجح هو الذي يعرف ماذا يفعل أولًا، ومتى يفعله، وكيف ينظم حياته من حوله.

تختلف الأولويات باختلاف العمر والمرحلة التي يمر بها الإنسان؛ فما يكون أولوية للطفل قد لا يكون كذلك للشاب، وما يناسب الطالب قد يختلف عن احتياجات الموظف أو رب الأسرة. لكن هناك مبادئ أساسية ينبغي أن ترافق الإنسان في مختلف مراحل حياته، وفي مقدمتها احترام الوقت، والجدية في العمل، والنظام، وتحمل المسؤولية.

ومن الأخطاء التي تقع فيها بعض الأسر أنها تمنح الخادمات دورًا كبيرًا في تحمل مسؤوليات الأبناء اليومية؛ فتقوم الخادمة بترتيب غرفهم، وتجهيز ملابسهم، وتنظيم حاجياتهم، بل وأحيانًا إنجاز أمور يستطيع الأبناء القيام بها بأنفسهم. ومع مرور الوقت، يتحول الاعتماد على الآخرين إلى عادة، ويصبح الابن عاجزًا عن إدارة أبسط شؤون حياته. وقد لا ندرك حجم هذه المشكلة إلا عندما تغيب الخادمة أو تمرض؛ فعندها قد يتحول البيت إلى فوضى، ويفقد الأبناء بوصلتهم، ولا يعرفون ما الذي ينبغي عليهم فعله، لأنهم لم يتعلموا أصلًا القيام بهذه المسؤوليات بأنفسهم. لا تتركوا الخادمات يحددن لأبنائكم أولوياتهم، ولا تحرموهم من فرصة أن يتعلموا بأنفسهم كيف يرتبون غرفهم، ويحافظون على ممتلكاتهم، وينظمون أوقاتهم، ويتحملون مسؤولياتهم. فالمساعدة ينبغي أن تكون عونًا للإنسان، لا بديلًا عن قدرته على الاعتماد على نفسه. نريد لأبنائنا أن يكبروا ليكونوا رجالًا ونساءً ناجحين في دراستهم وعملهم، كما في حياتهم الأسرية؛ أن يكونوا أزواجًا وزوجات ناجحين، وآباء وأمهات قادرين على تحمل مسؤولياتهم، وأن يكونوا شركاء حقيقيين في بناء بيوتهم، لا أشخاصًا ينتظرون من يقوم عنهم بكل شيء.

إن تعليم الطفل ترتيب غرفته، وجمع حاجياته، والمشاركة في أعمال المنزل، وتنظيم وقته، والاعتناء بنفسه وبمن حوله، ليس تكليفًا زائدًا عليه، بل هو جزء أساسي من تربيته. وعلينا أن نعلّمه أن مسؤولياته الشخصية لا ينبغي أن يحملها عنه الآخرون. كذلك، علينا أن ندرّبه على الاستقلالية؛ فمن الخطأ أن ننتظر حتى يغادر أبناؤنا منزل والديهم لنعلّمهم كيف يعتمدون على أنفسهم ويديرون شؤون حياتهم. فالاستقلالية تبدأ منذ الصغر، ومنذ اللحظة التي نمنحهم فيها الفرصة للقيام بما يستطيعون القيام به بأنفسهم.

علّموهم احترام الوقت، فالوقت هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن استعادته. ومن يتعلم منذ صغره أن للوقت قيمة، وأن لكل عمل موعدًا، ولكل مهمة وقتًا محددًا، سيكون أكثر قدرة على إدارة حياته عندما يكبر. للدراسة وقت، وللعمل له وقت، وللراحة والترفيه وقت أيضًا، وليس من الحكمة أن يطغى جانب على آخر.

علّموهم أن العمل الجاد ليس مرتبطًا بالوظيفة فقط. فالدراسة بالنسبة للطالب عمل ومسؤولية، وترتيب الغرفة عمل، ومساعدة الأسرة عمل، ثم يأتي العمل المهني والإنتاجي في مراحل لاحقة. المهم أن يتعلم الابن أن ما يُوكَل إليه من مسؤوليات ينبغي أن يؤديه بجدية وإتقان، لا أن ينتظر دائمًا من يراقبه أو يذكّره بما عليه أن يفعل.

ثم يأتي النظام والترتيب، النظام يبدأ من الأشياء الصغيرة وهو درس يبدأ من أبسط الأشياء. فالطفل الذي يتعلم أن يرتب سريره، ويعيد كتبه وألعابه إلى أماكنها، ويحافظ على نظافة غرفته، ويتعامل مع ممتلكاته بعناية، يتعلم في الحقيقة مهارة أعمق من مجرد الترتيب؛ إنه يتعلم احترام المكان، وتحمل المسؤولية، والانضباط. ومن الغرفة ينتقل النظام إلى البيت، ثم إلى المدرسة، فالجامعة، فالمكتب ومكان العمل. وليس المقصود بالنظام أن يعيش الإنسان في بيئة جامدة تخلو من العفوية وتملؤها الرتابة والملل، وإنما أن يعرف أين يضع الأشياء، وكيف ينظم أعماله، وكيف يصل إلى ما يحتاج إليه دون إضاعة الوقت والجهد. فالنظام هو وسيلة لجعل الحياة أكثر سهولة ووضوحًا وانسيابية وليس تقييدًا لها.

والأهم من ذلك كله أن نعلّم أبناءنا تحديد أولوياتهم بأنفسهم. لا ينبغي أن نبقى نقرر عنهم طوال حياتهم: متى يدرسون، ومتى ينامون، ومتى يعملون، ومتى يتركون هواتفهم. دورنا أن نعلمهم كيف يقررون، ثم نمنحهم تدريجيًا مساحة لتحمل نتائج قراراتهم. فالابن الذي يتعلم أن يقول: «هذا واجبي أولًا، وبعد أن أنجزه أستطيع أن أستمتع بوقتي»، يكون قد قطع خطوة مهمة نحو الاستقلالية والنضج.

الترفيه والراحة جزء طبيعي وأساسي من الحياة، حين يكون في مكانه الصحيح ويجب ألا يتحول إلى أولوية على حساب الدراسة، أو العمل، أو الأسرة، أو حتى النوم. فالهاتف، والألعاب، ووسائل التواصل الاجتماعي، والخروج مع الأصدقاء، كلها يمكن أن تكون جزءًا جميلًا من الحياة إذا وُضعت في مكانها الصحيح، لكنها تصبح مشكلة عندما تستولي على الوقت كله.

التربية الحقيقية لا تعني أن نملأ يوم أبنائنا بالأوامر والتعليمات، نمليها عليهم ليل نهار؛ فهذا غير منطقي وغير صحيح. وإنما أن نساعدهم على بناء وعي ذاتي بالمسؤولية يجعلهم يعرفون ما ينبغي فعله حتى عندما لا يكون أحد إلى جانبهم. فالنجاح يبدأ من أشياء تبدو صغيرة: غرفة مرتبة، مكتب منظم، موعد لا يتأخر عنه، مهمة ينجزها في وقتها، كتاب يقرأه، ووقت يخصصه للراحة دون أن يسمح للراحة بأن تبتلع واجباته.

وفي النهاية، علّموا أبناءكم الأولويات قبل أن تعلموهم المنافسة، وعلّموهم النظام قبل أن تطلبوا منهم النجاح. فالشخص الذي يستطيع أن ينظم غرفته، وبيته، ووقته، وواجباته، وعمله وترفيهه، يكون قد تعلم واحدة من أهم مهارات الحياة: أن يدير نفسه بنفسه. ومن يُحسن إدارة نفسه، يكون أكثر قدرة على إدارة مستقبله، وهذا هو النجاح.

لا بد من كلمة أخيرة. أنا لا أدّعي، لا سامح الله، أنني بلغت من الكمال ما يؤهلني لأن أكون مصلحًا اجتماعيًا، أو أن أقدّم نفسي نموذجًا يُحتذى به. فما أكتبه هنا ليس سوى خلاصة تجربة طويلة في الحياة، حملت من الإيجابيات ما حملت، ولعل سلبياتها وأخطاءها كانت أكثر من إيجابياتها، لكنها علّمتني الكثير، وأكدت لي أن الإنسان كثيرًا ما تكون أخطاؤه وعثراته هي معلمه الأكبر.

ومن هذا المنطلق، ارتأيت أن أشارك أحبتي وأبنائي وأصدقائي بعض ما تعلمته من هذه الرحلة الطويلة، لا على سبيل الوعظ، ولا تقديم النصائح من موقع من بلغ الكمال، وإنما أملًا في أن يجد أحدهم في تجربة عاشها غيره ما قد يجنّبه خطأً، أو يرشده إلى طريق أفضل، أو ينفعه في تربية أبنائه وبناء حياته.

فإن أصابت هذه الكلمات شيئًا من الصواب، وانتفع بها أحد، فذلك هو المقصود والغاية، والله من وراء القصد.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

أن يعبر أهل الدار بألوان الطرب عن حال البهجة والسرور التي تصحب حفل زفاف أو عقيقة، فتلك عادة سائرة، سواء روعيت فيها توجيهات الإسلام أو ضجّت بالمخالفات الشرعية. لكن أن يتحول الصيف العربي برمته إلى ملحمة من الأهازيج والطرب المتواصل، برغم ما نعاينه ونعيشه من مآس وأزمات، فذلك وضع لا يحتمله عاقل، وشرود يلهي عن المخاطر الواردة والمحتملة.

تتناسل مهرجانات الطرب والرقص كالفطر في شتى أنحاء الوطن العربي، حتى صار كل شبر أرضا للبهجة، والفنانون جزءا من العائلة. ويتم تسويق الأمر تحت مسمى الحدث الثقافي، وتعزيز الانفتاح، وتأكيد سلمية شعوب تحمل وصمة الإرهاب، إلى غير ذلك من التبريرات. وإذا كانت الفكرة الأساسية هي الترويح وملء ساعات من الفراغ، والابتعاد عن الهموم التي تولدها القضايا الجادة للعالم، فإن الحقيقة غير ذلك، يصرح إيريك بارنو مؤرخ التلفزيون الأمريكي، إذ أن هناك إيديولوجيا مضمرة لتشكيل آراء الناس، والترويج للوضع الراهن فضلا عن الإفلاس القيمي .

عاش المجتمع العباسي خلال منتصف القرن الثاني الهجري وضعا مماثلا نتيجة الخلطة الإثنية التي أعقبت الفتوحات الإسلامية، والتمركز الشديد لمختلف الأجناس في حواضر الإمبراطورية خاصة بغداد. بالإضافة إلى حالة اليسر التي عرفتها الطبقة الحاكمة ومختلف الفئات المرتبطة بها، مما عزز الإقبال على الملذات الحسية، وتشكُّل ظواهر اجتماعية غير مألوفة بتلك الحدة لدى العنصر العربي. وكانت مجالس الغناء والرقص من بين الظواهر المميزة التي عكست المزاج النفسي والثقافي العام، واكتست بعدا إيديولوجيا يُسهم عبر جملة من السلوكيات والتعبيرات في تثبيت الوضع الراهن، وإلهاء الشعوب عما يجري حولها من اضطراب وتقلبات.

هيمنت طقوس الغناء على كل فئات المجتمع فبرز اهتمام ملحوظ بالصنعة الغنائية. ونشطت سوق الجواري المغنيات فانكمشت الآداب العامة مقابل تطبيع شعبي مع المجون ،ومفردات اللهو وتحريك الغرائز، حيث صار من قواعد الصنعة ألا تكتفي القينة- الجارية المغنية- بالصوت الحسن، بل عليها أن تنكب على دراسة مكملات الغناء من مطارحة ومراودة. وفي كتاب (القيان) أسهب الجاحظ في وصف ألاعيبهن وطرق غوايتهن، ليختم بالقول:" وكيف تسلم القينة من الفتنة أو يمكنها أن تكون عفيفة، وإنما تُكتسب الأهواء وتُتعلم الألسن والأخلاق بالمنشأ، وهي تنشأ من لدن مولدها إلى وفاتها بما يصد عن ذكر الله من لهو الحديث، وصنوف اللعب و الأخانيث، وبين الخُلعاء والمُجّان، ومن لا يُسمَع منه كلمة جد ولا يُرجع منه إلى ثقة ولادين ولا صيانة مروءة".

  ما يود الجاحظ قوله بلغة عصرنا أن الحالة الإبداعية التي سايرت الركب الحضاري آنذاك لم تعتمد فقط على الموهبة والتمكن، بل احتاجت إلى التحلل من قيد الأخلاق حتى تصل رسالة الفن كاملة ! وهي الصورة التي نعاينها اليوم لدى جل أهل الطرب والفن الذين باتت أجسادهم وأقوالهم وأفعالهم رسائل تصدم الحس العام، بدفاعها عن العري والشذوذ والاستهزاء بتعاليم الدين.

سايرت الحالة الغنائية ركب بني العباس إلى أن طار سهم من جيوش التتار المحاصرة لبغداد، فأصاب جارية ترقص بين يدي الخليفة المستعصم. حينها أغلقت دار العرس أبوابها إلى أجل مسمى، مفسحة المجال لنكبة جرت خلالها الدماء في الأزقة والجوامع، وأعادت ترتيب أوراق الأمة من جديد.

ليس العيب في الفن تحديدا وإنما في حالة الإسهال الفني التي تتجاوز مطلب الترويح إلى تغليب منطق الكم، وتبديد الوقت والمال بإغراق الفضاء العام بعدد هائل من الفعاليات الطربية، والأمسيات الغنائية. وإذا كانت وظيفة الفن هي تقديم التنوع وغير المتوقع لجذب الانتباه والحفاظ عليه، فإن للتنوع ضوابطه التي لا تخرج به عن نطاق الذوق السليم، ولا تلحق الضرر بعقل المسلم ووجدانه. أما ما يجري التسويق له اليوم في أغلب التظاهرات الفنية فلا يحيد عن دائرة الإسفاف، والهبوط المشين بالذوق العام، والتأسيس لبعد شهواني يقرن الفن بالرذيلة وتعاطي الممنوعات، وإشباع المتع على حساب مستقبل غير منظور.

إن الطرب والغناء شأنهما اليوم شأن أية سلعة أخرى في المجتمع المعاصر، وبالتالي ينجم عن استهلاكهما المفرط  فقدان القدرة على الإحساس بالمتعة، وربما تضخم مشاعر السخط والحرمان، خاصة حين يغفل الواقفون خلف الكواليس عن تبعات قانون غريشام الشهير: العملة الرديئة تطرد نظيرتها الجيدة من السوق.

يُؤثر عن الشيخ حسن العطار، أحد أعلام الأزهر في القرن الثالث عشر الهجري، أنه كان مولعا بالسماع، واشتهر قوله في أحد مصنفاته: "من لم يتأثر برقيق الأشعار، تُتلى بلسان الأوتار، على شطوط الأنهار، في ظلال الأشجار، فذلك جلف الطبع حمار." وأغلب الظن أن الإمام لم يعاين رداءة الحناجر في زماننا، والصخب الذي تلوث به أغلب المهرجانات أسماع الخلق، ولو فَعل لكان له رأي آخر في الحمار الذي يثير الغبار، ويهدم بالكلام النابي رقيق الأشعار، فلا يَسعُ سليمَ الذوق إلا الفرار!

***

حميد بن خيبش

................

* دار العرس: كناية مغربية عن الموضع الذي لا يكف أهله عن الطرب والغناء صباحَ مساء.

بين دقة العلم وأوهام التشكيك

منذ تلك اللحظة التاريخية في العشرين من يوليو عام 1969، حين وضع نيل آرمسترونغ قدمه على أديم القمر معلناً قفزة عملاقة للبشرية، لم يتوقف الجدل. أين النجوم في الخلفية؟، لماذا يرفرف العلم ولا هواء هناك؟، هل هي مجرد مسرحية أخرجتها هوليوود لتهزم بها أميركا السوفييت في الحرب الباردة؟. إننا أمام أكثر من خمسين عاماً من التشكيك، لكن حين نغوص في أعماق العملية العلمية والبيانات التاريخية، نكتشف أن القضية لا تتعلق بقدرة البشر على الوصول للقمر بقدر ما تتعلق بمدى فهمنا للطريقة التي يعمل بها العلم والتكنولوجيا.

 العلم: دقة تفوق الخيال

لفهم كيف وصلنا إلى القمر، يجب أن ندرك أولاً حاجز الدقة الذي بلغه العلم في الستينيات. يعتقد البعض أن المهمة كانت معقدة لدرجة الاستحالة، لكن الحقيقة أن العلم في تلك الفترة كان قد حقق إنجازات مذهلة؛ ففي عام 1965، استطاع ريتشارد فاينمان عبر "الإلكتروديناميكا الكمية" حساب العزم المغناطيسي للإلكترون بدقة تصل إلى واحد في التريليون! وإذا كان العلم قادراً على كشف التركيب الكيميائي للحمض النووي (DNA) في خلايانا، وتحديد أماكن البروتونات داخل الذرة، فإن حساب مدار القمر وتوجيه مركبة فضائية إليه يُعد -نسبياً- أمراً قابلاً للتنفيذ بدقة رياضية شديدة.

إن المشكلة في وعينا البديهي هي أننا نرى النتائج النهائية (الهبوط) ونظن أنها حدثت في خطوة واحدة. الواقع أن برنامج (أبولو) لم يكن وليد الصدفة، بل كان تتويجاً لجهود مضنية تكلفت بمعايير اليوم نحو 200 مليار دولار. لقد سبقت (أبولو 11) عشرات المهمات التجريبية: برنامج (ميركوري) لاختبار رجل واحد في الفضاء، ثم (جيمناي) لاختبار التحام المركبات، ثم برامج (لونار أوربيتار) و(سورفيور) التي قامت بمسح فوتوغرافي شامل لسطح القمر وهبطت بمركبات غير مأهولة للتأكد من صلابة التربة. كل برغي في مركبة القمر كان نتيجة آلاف الساعات من الاختبار والفشل والتعلم.

الرد على ادعاءات التزييف

يتمسك المشككون بتفاصيل بصرية يظنون أنها أخطاء إخراجية، لكن العلم لديه ردود قاطعة عليها:

-  رفرفة العلم: العلم لم يرفرف بسبب الرياح (فلا غلاف جوي للقمر)، بل بسبب اهتزاز السارية المعدنية عند غرسها، وبما أنه لا يوجد هواء ليخمد هذا الاهتزاز، استمر القماش في التحرك لفترة بفعل القصور الذاتي.

-  غياب النجوم: التقط الرواد صورهم في نهار القمر؛ حيث تكون الشمس ساطعة جداً وسطح القمر عاكساً للضوء. لضبط الكاميرا على الأجسام الساطعة (الرواد والمركبة)، كان من المستحيل تقنياً أن تظهر نقاط الضوء الخافتة (النجوم) في الخلفية.

-  تعدد اتجاهات الظلال: يزعم البعض أن هذا دليل على وجود إضاءة استوديو، لكن الحقيقة أن تضاريس القمر المتعرجة، من مرتفعات ومنخفضات، هي التي تجعل الظلال تبدو مشوهة أو بأطوال وزوايا مختلفة، تماماً كما يحدث حين تسير في منطقة جبلية وقت الغروب.

-  حزام "فان ألين" الإشعاعي: قيل إن الإشعاع كان سيقتل الرواد، لكن ناسا صممت مسار الرحلة ليمر الرواد عبر المناطق الأقل كثافة إشعاعية وبسرعة كبيرة، فضلاً عن حماية غلاف الألومنيوم للكبسولة، مما جعل جرعة الإشعاع ضمن الحدود الآمنة.

 سيكولوجيا المؤامرة: البحث عن عدو

لماذا يصر البعض على التكذيب رغم كل الأدلة؟ يرى الفلاسفة وعلماء النفس أن نظرية المؤامرة تعطي الإنسان شعوراً زائفاً بالمعرفة والسيطرة. في عالم معقد ومحبط أحياناً، يسهل تصديق أن هناك كياناً شريراً (ناسا أو الحكومة) يخدع الجميع، بدلاً من الاعتراف بأننا ربما لا نفهم تعقيدات الفيزياء. إن المشككين يقعون في تناقض عجيب: يصفون المتآمر بأنه عبقري لدرجة خداع العالم بأسره، ثم يصفونه بالغباء لأنه نسي إخفاء أخطاء بدائية في الصور!

علاوة على ذلك، فإن أقوى دليل تاريخي على صدق الهبوط هو صمت الاتحاد السوفييتي. في عز الحرب الباردة، كان السوفييت يراقبون كل إشارة راديو صادرة من أبولو. لو كانت هناك ذرة شك واحدة في أن الرحلة مفبركة، لكان الروس أول من فضحوها أمام العالم ليهدموا الهيبة الأميركية، لكنهم لم يفعلوا، لأنهم ببساطة كانوا يعرفون يقيناً أن الأميركان وصلوا هناك.

 الدليل المادي الملموس

بعيداً عن الصور والنقاشات، ترك الرواد خلفهم أدلة مادية لا تزال موجودة حتى اليوم:

-   عاكسات الليزر: وضع الرواد مرايا خاصة على سطح القمر، واليوم يقوم العلماء من مختلف دول العالم بتوجيه نبضات ليزر إليها لترتد للأرض، مما يسمح بحساب المسافة بيننا وبين القمر بدقة السنتيمترات.

-   صخور القمر: عاد الرواد بـ 382 كيلوغراماً من الصخور القمرية. هذه الصخور تختلف كيميائياً وفيزيائياً عن أي صخور أرضية، فهي تحمل آثار ارتطامات نيزكية مجهرية وتفتقر تماماً للماء والأكسجين الحر، وهي متاحة للعلماء حول العالم للدراسة.

-   صور مسبار(LRO): في السنوات الأخيرة، قام مسبار (مستكشف القمر المداري) بالتقاط صور عالية الدقة لمواقع هبوط أبولو، حيث لا تزال منصات الهبوط، وعربة القمر، وحتى آثار أقدام الرواد واضحة للعيان في بيئة لا تعرف الرياح التي تمحو الأثر.

ختاماً، إن الهبوط على القمر لم يكن مجرد انتصار سياسي لأمة، بل كان شهادة على عظمة العقل البشري وقدرته على تجاوز المستحيل بالمنهج العلمي. التشكيك في هذا الإنجاز هو تشكيك في آلاف العلماء والمهندسين الذين أفنوا حياتهم في الحسابات والتجارب. لقد وصل الإنسان إلى القمر، ليس بالصدفة، بل بخطوات واثقة بُنيت فوق أكتاف عمالقة العلم، وما زالت آثار أقدامهم هناك شاهدة على أن حدودنا هي السماء.. وما وراءها.

***

رمزي ميركاني

 

العقائد رافقت البشرية منذ الأزل، ولا ضير فيها، والعيب الفادح في الإقتراب التطرفي، الذي يطوّعها لرؤيته النابعة من رغبات النفس الأمّارة بالسوء.

التطرف: المغالاة والتشدد في الرأي والفكر

 والتطرف يعني، تبني أفكار أو معتقدات أو مواقف تتسم بالمبالغة والتشدد، مع رفض الآراء الأخرى وعدم قبول الحوار أو التعددية، ويدفع إلى تبرير العنف أو الإقصاء لتحقيق أهدافه.

ويكون دينيا، سياسيا، فكريا أو قوميا وإجتماعيا، ومن أسباببه، الجهل وضعف الوعي، والفقر والبطالة والتهميش، والظلم والشعور بالإقصاء، وسوء فهم النصوص بأنواعها، وتأثير الجماعات المتشددة والدعاية، والأزمات النفسية والإجتماعية.

ويؤدي إلى نشر العنف والإرهاب، وزعزعة الأمن والإستقرار، وتمزيق النسيج الإجتماعي وإثارة الكراهية، وتعطيل التنمية الإقتصادية والإجتماعية، وتشويه صورة الدين والفكر.

وللوقاية منه لابد من تعزيز التعليم والتفكير النقدي، ونشر ثقافة الحوار والتسامح، وترسيخ قيم المواطنة وإحترام التنوع، ومعالجة المشاكل الإقتصادية والإجتماعية، ونشر الإعتدال.

وفي مجتمعات تتربع في مراكز التسلط عليها، شخوص ممعنة بالتطرف وغارقة في المغالاة والعدوانية على الذات والموضوع، وتغطي سلوكياتها المنافية لبديهيات الأمور، بشعارات دينية وتفاعلات مخادعة، لتمرير رغباتها المسعورة، تتنامى التداعيات ويعم الفساد والإفساد، وتغيب الفضيلة وتتسيد الرذيلة.

إن المجتمعات الساعية لصناعة الحياة لا تسمح بالتطرف وتحسبه جريمة ضد القيم الإنسانية، وأداة لتخريب المجتمع وتدمير الوطن، ولهذا نرى العديد من المجتمعات لا تسمح بالميول المتطرفة الفردية والجماعية، والأحزاب المتطرفة ذات تأثيرات دامية كما جرى في النصف الأول من القرن العشرين، عندما هيمن التطرف على السلوك بين الدول فتحاربت وأدت إلى موت الملايين.

والعجيب في أمر مجتمعاتنا أن الإسلام ضد التطرف وهو دين رحمة وأخوة إنسانية منذ بداياته، لكن التأويلات المتطرفة جعلته أشتاتا، وصار قتل المسلم للمسلم من طقوس الدين، لأن المتطرفين يكفرون الآخرين ويقررون محقهم وإقتلاع جذورهم، فالذي لا يوافقهم الرأي عدوهم اللدود، وعليه يقع قصاص الموت.

إن إقحام أي دين في كرسي السلطة يدفعه إلى التطرف والإمعان بالنيل من الآخرين، وبهذا يقضي على نفسه ويشوّه الدين الذي يدّعيه، والأمثلة الغابرة والمعاصرة تقدم الأدلة الدامغة على معطيات الدين في الكرسي، والحقيقة لا توجد دولة دينية بل دولة ذات نظام مبرقع بدين.

قهل سنتمكن من التحرر من مقصلة التطرف ومشنقة الغلو والإقصاء؟!!

طفحَ الكيلُ وحانَ الفشلُ

وتَوارى في ثَراها الأمَلُ

أمّةُ الرحمان تاهتْ وانْطوَتْ

وتَولاها خَشيلٌ عَضِلُ

لغلوٍّ مُسْتهانٍ نهْجُهمْ

وبها ربٌّ عَظيمٌ جَهلوا

***

د. صادق السامرائي

 

لماذا لا نحلم، ولو مرة واحدة، بحزبٍ تصنعه الثقافة قبل أن تصنعه الحسابات الانتخابية؟ حزبٍ يولد من رحم الفكرة، لا من رحم التوازنات؛ من أسئلة الإنسان، لا من خرائط النفوذ؛ من أخلاق المسؤولية، لا من هندسة المصالح.

قد يبدو ذلك حلماً، بل ضرباً من المثالية في زمنٍ صارت فيه السياسة تُقاس بعدد المقاعد لا بعمق الأفكار. نعم، هو حلم، لكنه من الأحلام القليلة التي تستحق أن تُدافع عنها. وهو، في تقديري، ليس أمنية فردية، بل توق دفين لدى كثير من أبناء هذا الوطن الذين أنهكتهم الرداءة، وأرهقهم مشهد سياسي استهلك اللغة حتى أفقدها معناها، واستنزف الثقة حتى لم يعد الناس يصدقون حتى الوعود الصادقة.

لقد تحول المثقف، في الحياة الحزبية المغربية، إلى كائن فائض عن الحاجة. يُستدعى أحياناً لتزيين الندوات، أو لتجميل الخطاب، لكنه يُستبعد كلما تعلق الأمر بصناعة القرار أو رسم الاختيارات الكبرى. والإعلامي المستقل، والباحث، والفنان، والمفكر، جميعهم يقفون خارج أسوار السياسة، لا لأنهم اختاروا العزلة دائماً، بل لأن السياسة، في كثير من تجلياتها، هي التي أعلنت استغناءها عن الفكر.

يكفي أن نتأمل لوائح المرشحين، أو أن نقرأ البرامج الانتخابية المتعاقبة، لنكتشف أن الأفكار أصبحت آخر ما تحتاج إليه الأحزاب. تتكرر الشعارات، وتتناسخ الوعود، وتتبدل الوجوه، بينما تغيب الرؤية. كأن السياسة لم تعد إنتاجاً للمعنى، بل إدارةً للمصالح، ولم يعد الحزب فضاءً لتكوين الوعي، بل آلةً انتخابية تتحرك كلما اقترب موعد الاقتراع ثم تعود إلى صمتها الطويل.

وهنا تكمن المأساة. فالأمم لا تنهض عندما تكثر الأحزاب، وإنما عندما تستعيد السياسة علاقتها بالأخلاق، وبالمعرفة، وبالخيال الخلاق. فالثقافة ليست قطاعاً من قطاعات الدولة، بل هي البنية العميقة التي تمنح المجتمع قدرته على التمييز بين الحقيقة والوهم، وبين المصلحة العامة والغنيمة، وبين رجل الدولة وتاجر الانتخابات.

ربما لهذا السبب يبدو الحديث عن "حزب ثقافي شعبي" أقل ارتباطاً بتأسيس تنظيم سياسي جديد، وأكثر اتصالاً بتأسيس وعي جديد. وعي يجعل الثقافة سلطة أخلاقية تراقب السياسة، لا تابعاً يطلب رضاها. وعي يعيد الاعتبار للمفكر باعتباره منتجاً للأفق، لا مجرد شاهد على انهياره. وعي يؤمن بأن تغيير المجتمع يبدأ بتغيير اللغة التي يفكر بها، والقيم التي يحتكم إليها، قبل أن يبدأ بتغيير الحكومات.

إن أخطر ما أصاب الحياة العامة ليس الفساد وحده، ولا الريع وحده، ولا ضعف النخب وحده؛ بل ذلك الانفصال العميق بين السياسة والثقافة. فمنذ أن فقدت السياسة ضميرها الثقافي، أصبحت أكثر قابلية لأن تتحول إلى إدارة للقوة بدل أن تكون بحثاً عن العدالة، وإلى سباق على المواقع بدل أن تكون مشروعاً لبناء الإنسان.

فما الذي يمنع إذن من أن نحلم؟ ليس بحزب ينافس الأحزاب، بل بثقافة تنافس الرداءة، وبضمير جماعي يعيد الاعتبار للفكرة، ويحرر المواطن من وهم المنقذ الفرد، ويزرع فيه يقيناً بسيطاً وعميقاً في آن واحد: أن المجتمعات لا تنقذها كثرة السياسيين، وإنما تنقذها كثرة العقول الحرة.  ولعل السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا لم يعد: أي حزب سنختار؟ بل: أي ثقافة قادرة على أن تلد سياسة لا تخجل منها الأجيال القادمة؟

***

د مصطفـــى غَلْمـــان

حين تستعيد الدولة بوصلتها الوطنية

تُبنى الأوطان بأبنائها وبقدرتها على بناء شعور وطني جامع، يجعل المواطن يرى في وطنه مرجعيته الأولى، وفي دولته الإطار الذي يحمي حقوقه، ويصون كرامته ومستقبله. ويعزز ذلك ما تمتلكه الدولة من موارد طبيعية، وثروة بشرية، ومؤسسات تشريعية وقضائية وتنفيذية قادرة على أداء مسؤولياتها.

وقد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه في جوهره بالغ الأهمية: من هو وطنك الأول؟ فالإجابة عن هذا السؤال تكشف الكثير عن مفهوم الإنسان للمواطنة، وعن موقع الوطن في منظومة قيمه وولاءاته. إن صلابة المجتمعات واستقرار الدول يرتبطان بترسيخ مفهوم المواطنة بوصفها المظلة الجامعة التي تتسع لجميع أبنائها، مهما اختلفت انتماءاتهم الدينية، أو المذهبية، أو القومية، أو السياسية. فهذه الانتماءات قد تكون جزءًا من هوية الإنسان وخصوصيته، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا عن الانتماء الوطني، ولا ينبغي أن يتقدم أي ولاء على الولاء للوطن وسيادته.

فالوطن ليس قطعة أرض ذات حدود مرسومة على الخريطة نعيش عليها؛ إنه ذاكرة مشتركة، وتاريخ، ومصالح، ومستقبل، ومسؤولية يتقاسمها أبناؤه. ومن هنا تصبح المواطنة الحقيقية وعيًا وسلوكًا وشعورًا بالمسؤولية تجاه الدولة والمجتمع.

والدولة، في المقابل، هي الإطار الذي تتجسد فيه إرادة المجتمع، وتُحمى فيه الحقوق والحريات، وتُصان فيه السيادة، ويُطبَّق فيه القانون على الجميع دون تمييز. وكلما كانت الدولة عادلة وقوية بمؤسساتها، ازدادت قدرة المجتمع على الالتفاف حولها والثقة بها.

وحين يتراجع الشعور بالمواطنة، أو تتقدم الولاءات الفرعية والعابرة للحدود على الولاء الوطني، فإن المشكلة تصبح مؤشرًا على خلل أعمق في مفهوم الدولة وفي قدرتها على ترسيخ الهوية الجامعة. ولا يعني الانتماء الوطني إلغاء الانتماءات الأخرى أو مصادرتها؛ فالتنوع يمكن أن يكون مصدر قوة وثراء للمجتمع. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى انقسام، والانتماء إلى تعصب، والولاء إلى تبعية، بحيث يصبح الوطن في مرتبة لاحقة أمام مرجعيات أو مصالح أخرى.

كلنا يعلم أن الدولة تضعف عندما تواجه أخطارًا خارجية، لكن الخطر قد لا يكون خارجيًا دائمًا؛ فقد يكون الخطر الأكبر في الداخل، عندما تتشظى الهوية الجامعة، وتتراجع الثقة بالمؤسسات، ويصبح المواطن ينظر إلى الدولة بوصفها طرفًا في الصراع، بدل أن تكون الإطار الذي يجمع الجميع.

ومن هنا، فإن استعادة البوصلة الوطنية تبدأ بإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وتعزيز سيادة القانون، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، وتقديم الكفاءة والنزاهة على الولاءات الضيقة، وتربية الأجيال على أن اختلافها لا ينتقص من وحدتها، وأن التنوع لا يتعارض مع المواطنة.

وفي وطننا العراق، حيث تتداخل الانتماءات الاجتماعية، والدينية، والقومية، والسياسية، وتتعدد مصادر التأثير، تصبح الحاجة إلى ترسيخ المواطنة أكثر إلحاحًا. فالعراق وطن يتسع للجميع، ولا يمكن أن يستعيد عافيته إلا عندما يشعر كل مواطن بأن انتماءه الوطني هو المساحة المشتركة التي تجمعه بالآخر، وأن الدولة هي دولة الجميع، وليست ملكًا لفئة أو جماعة أو اتجاه.

إن جعل العراق أولًا يعني، ببساطة، أن تكون مصلحة العراق وسيادته وكرامة مواطنيه هي المرجعية الأولى عند اتخاذ المواقف والقرارات. وهذا لا يعني الانغلاق عن العالم، أو رفض العلاقات والمصالح الدولية. وليس من الضروري أن يكون الإنسان متشابهًا مع الآخرين في وطنه؛ فمن الطبيعي أن يكون الجميع مختلفين، ولكن، رغم الاختلاف، يجب أن يبقوا في إطار وطني واحد.

وعندما تصبح المواطنة فوق الانتماءات الضيقة، والقانون فوق الأشخاص، والدولة فوق المصالح الفئوية، والسيادة فوق التجاذبات، عندها فقط نستعيد البوصلة الوطنية، ونبدأ ببناء دولة قوية، لا بقوة السلطة، وإنما بقوة المؤسسات وثقة المواطن. العراق أولًا… مسؤولية ووعي وانتماء.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

لاريب ان الفضاء الرقمي لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، أو نافذة للمعرفة، بل تحول في حياة الكثيرين من الناس المتلقين، إلى واقع موازٍ لواقعهم الحقيقي، حيث بات يستهلك معظم وقتهم، ويستحوذ على جل اهتماماتهم، ويعيد تشكيل أنماط تفكيرهم، وسلوكهم، وعلاقاتهم الاجتماعية.

فلقد أصبح الإنسان اليوم، ومع تسارع التطور التقني، واتساع حضور الهواتف الذكية، ومنصات التواصل الاجتماعي في الاستخدام، ، يعيش حالة من الانغماس شبه الدائم بالشاشة الزرقاء، حتى غدا الانفصال عنها، ولو لساعات قليلة، أمرا يكاد يكون عصيا على البعض.

ومع أن الفضاء الرقمي قدم خدمات جليلة في ميادين المعرفة، والتعليم، والعمل، والتواصل، إلا أن إفراط البعض في استخدامه، أفرز آثارا جانبية سلبية، لم تعد خافية على أحد. فالساعات الطويلة التي يقضيها المتلقي أمام الشاشة، أصبحت تختزل رصيد لقاء الأسرة المباشر، والصداقة، والقراءة، والنشاط البدني، والتأمل الوجداني.

ولعل من بين ما افرزه الانغماس المفرط في الفضاء الرقمي من تداعيات سلبية، هو حالة الاستلاب، حيث بدأ المتلقي يفقد سيطرته تدريجيا على وقته، واهتماماته، بعد أن اصبح أسيرًا للتنبيهات، وملاحقة سيل لا يكاد ينتهي من الأخبار، والمقاطع، والمنشورات، لتغدو أولوياته من الحضور في الفضاء المعلوماتي، مرهونة بما تفرضه الخوارزميات، لا بما تمليه حاجاته الحقيقية.

وهكذا افضت وسائل التواصل الرقمي إلى اتساع فجوة العزلة بين الناس، مع ان من المفترض، انها صممت لتقريب المسافات بينهم.ففي الوقت الذي نجد فيه أفراد الأسرة يتواجدون في مكان واحد، لكننا نلاحظ أن كل واحد منهم، يعيش في عالمه الرقمي الخاص، حيث تتراجع لغة الحوار المباشر ببنهم، ويغيب التفاعل الوجداني الحي، وتفقد المجالس شيئًا من دفئها، الذي طالما كان ركيزة العلاقات الإنسانية.

كما تجدر الاشارة إلى أن التدفق الهائل للمعلومات، دون تمحيص أو تحقق، قد يسهم في تشكيل آراء سطحية، وثقافة مشوشة، ويضعف القدرة على التفكير النقدي، الأمر الذي يجعل المتلقي أكثر عرضة للتأثر بالشائعات، والانجرار وراء المحتوى الهابط، على حساب المحتوى النافع، بعد أن دخل الفضاء الرقمي كل بيت، وأصبح جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية.

ولذلك فإن الأمر بات يتطلب إعادة تعميق الحوار الأسري الحي، والزيارة، والتأمل، وممارسة الهوايات، بهدف استعادة التوازن الذي بات يحتاجه الإنسان، في زمن تتزاحم فيه المؤثرات الرقمية على عقله، ووقته.

ولذلك فان السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرا هو: هل نحن الآن، من يستخدم التكنولوجيا الرقمية، أم أنها أصبحت هي التي تستخدمنا، بعد هذا الانغماس المفرط، والعزلة المتفاقمة، التي تعكس حالة الضياع والاستلاب، التي بات يعيشها أغلب مستخدمي الفضاء الرقمي، والذين لم يعودوا يجدون أنفسهم، إلا في واقعه الافتراضي.

***

نايف عبوش

في سبعينيات القرن الماضي كنت أكتب مقالات علمية في مجلة جامعة الموصل، وكانت هناك مكافأة ما بين (15 و 25) دينار للمقالة، وعندما أصبحت طبيبا كنت أنشر مقالات علمية في الصحف المحلية، وكان المحاسبون لا يعطوني المكافأة، ولا زلت أذكر قولهم عند مطالبتي بها: "شتسوي بيها دكتور"!!

وكان بعض المحررين والمسؤولين على الصفحات، يقتربون مني ويحثوني على إعطائهم مقالة لنشرها، وما كنت أعلم أنهم يفعلون ذلك من أجل غنيمة المكافأة، وأنا في غفلة عنها.

الكاتب في مجتمعات الدنيا يعيش في بحبوحة فكتاباته تدر عليه أكثر من حاجته.

فالكتابة صنعة وحرفة وما ينتجه الكاتب بضاعة، ولا توجد بضاعة بالمجان إلا في مجتمعاتنا، التي جرّدت الكلمة من قيمتها والكتابة من دورها ومعناها.

لا يوجد كاتب في الدنيا ينشر بالمجان إلا عندنا، وهذه ظاهرة مخالفة لبديهيات الأمور.

المطلوب من المواقع إعتماد الإعلانات كمصدر مالي، ودفع نسبة منها للكاتب حسب مقروئيته.

قد يتعجب البعض من هذه الفكرة، لكنها تعبّر عن واقع مواقعنا وصحافتنا، فهي لم تتطور وتعاصر منذ إنطلاقها في بداية القرن الحادي والعشرين .

ويجب أن يدرك أصحابها إنها نشاط ثقافي وإقتصادي معا، فالإقتصاد عماد الحياة، والدافع الأول لما يدور في الدنيا من أحداث وصراعات.

الكتابة تتطلب جهدا ووقتا، وبحثا وقراءات متنوعة، وتكلف الكاتب كثيرا، ومن الغريب أن يتواصل الكاتب في هدر وقته ونشر إنتاجه، وكأنه يطارد خيط دخان.

لابد من القول بأن الدوافع الوطنية والإنسانية والثقافية التنويرية هي التي تقود مسيرة الأقلام في ديارنا، ومعظم الكُتّاب يتواصلون في عطاءاتهم دون مقابل، وهذه ميزة أصيلة لا مثيل لها في مجتمعات الدنيا الأخرى، ويبدو أن الغيرة والحمية ومنطلقات العز والكرامة، وما أنجزته الأمة في مسيراتها الغابرة لها فعلها في شحذ همم الأجيال لإستعادة جوهرها الوهاج المنير.

ويمكن الإتيان بتفسيرات أخرى، لكن ما يحصل عندنا لا يوجد كمثله في مجتمعات الدنيا.

فالكاتب كاتب ويجب أن يجني ربحا من كتاباته !!

كتاباتٌ نُبخّسها لجَهلِ

ونَمضي دونَ حاديةٍ لفِعْلِ

وكتّابٌ بلا أمَلٍ بكَسبٍ

وأكداسٌ مِنَ الأفكارِ تَغلي

أفاعيلٌ مُفعّلةٌ بقهرٍ

وعدوانٌ يُباركُها بعَضْلِ

***

د. صادق السامرائي

لماذا يقتل بعض الخطاب خطيباتهم بعد فسخ الخطوبة؟

في السنوات الأخيرة، شهدت بعض المجتمعات العربية جرائم مروعة راحت ضحيتها فتيات على يد خطابهن عند التقدم لهن للزواج أو بعد فسخ الخطوبة أو رفض إتمام الزواج، وربما بعد الزواج بفترة قد تطول أو تقصر. وهي جرائم تهز الضمير الإنساني والأخلاقي، وتفرض على المجتمع والمؤسسات التربوية والنفسية والاجتماعية والقانونية وقفة جادة لفهم أسبابها الحقيقية ودوافعها الكامنة والمخفية أو المعلنة، والعمل على تفاديها والحد والوقاية منه والتعامل معها بإيجابية ومرونة عقلية.

وبالرغم من أن البعض قد يفسر هذه الجرائم بأنها نتاج "حب شديد" أو تعلق سلبي مبالغ فيه، فإن الحقيقة العلمية والنفسية تؤكد أن الحب الحقيقي لا يقود إلى التهديد وأذية الطرف الآخر أو الشروع بقتله وإنهاء حياته، ولا يبرر التهديد أو الابتزاز أو الانتقام. فالحب يقوم على الاحترام، والحرية، والقبول بكل النتائج التي تتمخض عن علاقات عاطفية أو ارتباط خطوبة أو زواج، بينما تقوم هذه الجرائم على السلطوية والنرجسية وحب التملك والسيطرة السلبية والعنف ورفض الاعتراف بحق الآخر في اتخاذ قراره.

التملك وليس الحب

الشخص الذي يهدد خطيبته أو يبتزها أو يلاحقها أو يعتدي عليها بعد فسخ الخطوبة لا يعاني من زيادة في الحب أو التقرب واللطافة والملاينة لشريكه، بل من خلل في طريقة التفكير وإدارة المشاعر والتصرف في المواقف الانفعالية والتوترات العاصفة والمزمنة. فهو يرى الطرف الآخر ملكاً له، وكأننا في عصور خلت يعتبره ملك يمين تحت تصرفه وسيطرته، ويعتبر رفضه إهانة شخصية أو انتقاصاً من رؤيته لنفسه وتشويه صورته وحضوره الشخصي والتقليل من مكانته الاجتماعية، فيلجأ إلى الانتقام بدل العمل على حل خلافاته ومشاكله أو تقبل الواقع.  التي الآلت له المواقف والأحداث.

إن عدم القدرة على تقبل الرفض يمثل أحد أهم العوامل النفسية المرتبطة بهذه الجرائم، خاصة عندما يقترن بضعف السيطرة على الغضب والانفعالات، وانخفاض المرونة النفسية، والتفكير الاندفاعي، وغياب مهارات حل المشكلات.

عوامل نفسية واجتماعية متداخلة

لا يمكن تفسير هذه الجرائم بسبب واحد، وإنما هي نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل، منها:

- تنشئة أسرية قائمة على العنف والتسلط وضعف الحوار.

- معتقدات اجتماعية خاطئة تمنح الرجل سلطة مطلقة على المرأة.

- اعتبار فسخ الخطوبة فشلًا أو إهانة تمس الكرامة الشخصية أو العائلية.

- ضعف مهارات إدارة الضغوط والانفعالات.

- الغيرة المرضية والخوف المبالغ فيه من فقدان الشريك.

- الضغوط الاقتصادية والبطالة والأزمات الاجتماعية التي تزيد من مستويات الإحباط واليأس لدى بعض الشباب.

هذه العوامل لا تبرر الجريمة بأي حال من الأحوال، لكنها تساعد على فهم الظروف التي قد تزيد من احتمالية وقوعها، بما يسهم في تطوير برامج الوقاية والتوعية.

فسخ الخطوبة ليس نهاية الحياة

الخطوبة مرحلة للتعارف واكتشاف مدى التوافق، وليست التزامًا نهائيًا بالزواج. ومن الطبيعي أن يكتشف أحد الطرفين أو كلاهما عدم الانسجام، فيختار الانفصال باحترام. وهذا القرار لا ينتقص من قيمة أي منهما، بل قد يجنبهما زواجًا غير ناجح ومستقبلًا مليئًا بالمشكلات.

إن تقبل مشاعر الحزن والغضب وخيبة الأمل أمر طبيعي، لكن الأهم هو كيفية التعامل معها. فالتعبير الصحي عن المشاعر، واللجوء إلى الأسرة أو الأصدقاء أو المختصين، والانشغال بتطوير الذات والعمل وتحقيق الأهداف، كلها وسائل تساعد على تجاوز الأزمة بطريقة إيجابية.

الوقاية مسؤولية مجتمعية

الوقاية من هذه الجرائم لا تقتصر على العقوبات القانونية، بل تبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام والمؤسسات الدينية والمجتمعية، من خلال نشر ثقافة الاحترام المتبادل، وقبول الرفض، وإدارة الانفعالات، وتعزيز قيم الحوار والمسؤولية.

كما أن من الضروري إدراج برامج تأهيل المقبلين على الزواج، بحيث تتناول مهارات التواصل، وحل النزاعات، وإدارة الغضب، والذكاء العاطفي، والاختيار الواعي لشريك الحياة، بما يسهم في بناء علاقات صحية قائمة على التفاهم والاحترام.

لا تتجاهلوا إشارات الخطر

هناك مؤشرات تستدعي التعامل معها بجدية، مثل التهديد بالقتل، أو الملاحقة المستمرة، أو الابتزاز، أو تدمير الممتلكات، أو العنف اللفظي والجسدي، أو محاولات فرض السيطرة والعزل عن الأسرة والأصدقاء. وعند ظهور مثل هذه السلوكيات، ينبغي عدم التقليل من خطورتها، بل طلب المساعدة من الأسرة والجهات المختصة وأجهزة إنفاذ القانون والمتخصصين في الصحة النفسية، حفاظًا على السلامة ومنعًا لتصاعد العنف.

رسالة أخيرة

إن قوة الإنسان لا تظهر في الانتقام، بل في قدرته على تقبل الواقع، واحترام قرار الآخر، وتحويل التجارب المؤلمة إلى فرص للنضج والنمو. فالعلاقات الإنسانية لا تُبنى بالإكراه، ولا تُحفظ بالتهديد، ولا تستمر بالعنف، وإنما تقوم على الاحترام والثقة والاختيار الحر.

وكلما ترسخت هذه القيم في مجتمعاتنا، أصبح الاختلاف أو الانفصال تجربة إنسانية يمكن تجاوزها بكرامة، بدل أن تتحول إلى مأساة تدفع ثمنها الأسر والمجتمع بأكمله.

***

بقلم: د. أكرم عثمان

7/8/2026

في عالمنا الرقمي اليوم، أصبحت الحقيقة الوحيدة الملموسة على أرض الواقع هي القيم والمبادئ، أما في ذاك العالم الافتراضي فالقيم تحكمها خوارزميات لا تعرف عنك شيئاً أو عن دينك وهويتك، غير أنها سجلت وقتك المستهلك في مشاهدة عابرة؛ فجعلت كل ما يشابهها من اهتماماتك وأولوياتك بدون وجه حق. هذا العالم مليء بالعلوم والمعارف، لكنه بخيل بعرض كل ما يحتاجه العقل ليفهم الإنسان نفسه وحياته ودنياه وآخرته.

فخ المعرفة السريعة: تجربة في التيه الرقمي

عندما فتحتُ حساباً لأول مرة على منصة "إنستغرام"، أغرتني المعلومات السهلة والجاهزة في البداية، فظننت أنني وجدت منصة علمية تشكل كنزاً بالنسبة لي، لأنها وفرت عليّ عناء البحث عن المقالات والمعلومات في الكتب، ولأنني أعشق البحث في علم النفس والعلوم الدينية وكل ما يثير الفضول المعرفي؛ فالإنسان بطبيعته يحب الطريق السهل والمختصر. قمت بمتابعة عشرات الصفحات وكلها ذات قيمة عالية، ثم اكتشفت أنني ضعت بين تلك الكمية الهائلة من المعلومات السريعة، وشعرت أن عقلي يتشوش وفكري لم يعد منتظماً.

بعد فترة لاحظت أن هذه المنصة تسرق وقتي ونصف نهاري، فقمت بحذف الحساب قبل أن يسرق مني أغلى لحظات عمري. ولحظت أن الخوارزميات تظلم المواهب وتظهر المحتوى التافه لمجرد توافقه مع آلياتها، وتتجاهل المحتوى الهادف. وربما ليس العيب في الخوارزميات وحدها بل فينا نحن؛ لأننا قبلنا أن نجعلها تحدد لنا ما يجب علينا متابعته واهتماماتنا لمجرد وقفة عابرة.

هذا العالم الرقمي يقوم بتخدير عقولنا ويعرض علينا كميات هائلة من المعلومات ونحن في حالة استهلاك عابر، لنخرج بعدها دون فهم راسخ. وهنا يتجلى دور "التزكية" بمفهومها القرآني العميق؛ فالخوارزميات الصماء لا تملك سلطاناً علينا إلا إذا غابت رقابتنا الذاتية. التحصين الحقيقي لا يبدأ بحظر التطبيقات فحسب، بل بيقظة القلب ورعاية الإيمان، وبمجاهدة النفس على التلقي الواعي، وإحياء مقام عبادة الإحسان في الخلوات ليصبح وجداننا عصياً على الاختراق الرقمي.

من الاستهلاك إلى الإنتاج: كيف نسترد إنسانيتنا؟

إن هذه التكنولوجيا تحاول جعل الفرد نسخة مقلدة تقايضه بأخذ تميزه واختلافه مقابل إعطائه مكانة وشهرة في عالمها الآلي، فتسلب منه إنسانيته ليصبح آلة تحاكي الخوارزميات وتقلد الترند الجديد. لماذا نسير مع القطيع ونتبعهم حتى في غبائهم لمجرد أن صورة ذاك الغباء أصبحت مُحسنة ومُطورة؟!

إذا رأيت الجاهلين يتفوقون في الانتشار على المثقفين والمتعلمين، فقد ينتابك الشك أيهما على حق، بعد أن أصبح التمسك بالمبادئ في نظر البعض رجعية، والتخلي عنها انفتاحاً وتطوراً. قال تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الأنعام: 116].

ولأننا نرفض أن نكون من الهالكين في هذا البحر، فإن النجاة تبدأ باسترداد سيادتنا على عقولنا وألا نترك تلك الآليات الصماء تقود شغفنا. قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 28].

خطوات عملية لحماية الهوية:

استعادة السيادة على العقول: بألا نترك الخوارزمية تختار لنا، بل نبحث نحن عما ينفعنا بوعي وقصد.

الهجرة نحو المنابع الجادة: بالعودة للكتاب المقروء والدرس المنظم، والابتعاد عن "سندوتشات المعرفة السريعة" التي تشوش الفكر.

صناعة الثغور: أن يدخل أصحاب المواهب والأقلام الواعية إلى هذا الفضاء لا بنية العيش فيه، بل بنية إصلاحه وتقديم البديل الطاهر النقي للجيل الحائر.

إن الحفاظ على هويتنا اليوم يتطلب منا وقفة حازمة ننتقل فيها من مقاعد المستهلكين المخدرين إلى ثغور المنتجين الواعين؛ لنصنع محتوى يحيي العقول ويزكي الأرواح، ونعيد للكتاب الجاد مكانته وللفكر الرصين هيبته. لا تكونوا مجرد أرقام عابرة في حسابات الآخرين، بل كونوا ذوي أثرٍ ممتد في صناعة الوعي.

***

بقلم الحرية: فاطمة محمد الدفعي

 

بين يدي كتاب للمرحوم عباس محمود العقاد بهذا العنوان، ولا أدري كم مرة قرأته وتصفحته وتأملت ما فيه من رؤى وأدلة وبراهين، وآيات ذات صلة قوية بالحث على إعمال العقل وشحذ همة التفكير.

وكما يقول العقاد: "أن العقل الذي يخاطبه الإسلام، هو العقل الذي يعصم الضمير، ويدرك الحقائق، ويميز بين الأمور، ويتبصر ويتدبر"، " والعمل بالعقل أمر من أوامر الخالق"

والدعوة إلى التفكير تعني الإقبال على العلم والمعارف " إطلب العلم من المهد إلى اللحد"، و "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة"، فالتفكير وطلب العلم صنوان لا يفترقان.

والإسلام "لا ينها عن شيء يجمّل الحياة".

والتفكير يفرض الإجتهاد في مواجهة تحديات المكان والزمان وعلى المجتهد الإعتماد على "القياس، الإستحسان، والمصالح المرسلة"، فالإجتهاد فريضة التفكير السليم كما يرى الكاتب.

ويقول" أن المسلم أحق بالديمقراطية من أتباعها المحدثين والأقدمين، لأنه منذ أكثر من أربعة عشر قرنا يدين بالتبعة الفردية، والحكم بالشورى، والمساواة بين الحقوق، والمحاسبة بالقانون"

ومن مزايا القرآن "التنويه بالعقل والتعويل عليه في أمر العقيدة وأمر التبعة والتكليف"

والقرآن يذكر العقل "في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل والرجوع إليه"

تكررت كلمة يتفكرون بلفظها المباشر في القرآن الكريم (10) مرات، وبمعانيها (18) مرة.

وكلمة يعقلون تكررت (22) مرة، وبمشتقاتها (49) مرة.

وكلمة أولي الألباب (16) مرة ووهي تدعو للتفكر والتدبر والتقوى.

ومن الأمثلة:

"كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون"

"...وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون"

"لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب"

"....كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون"

وغيرها العديد من الآيات التي تحث على التذكر والتدبر والتبصر، ويمكن الإتيان بأدلة وبراهين واضحة من الآيات المعبرة عن فريضة التفكير وإعمال العقل وتفاعل العقول، لتكون الحياة الدنيا أفضل، ويتمكن البشر من تحقيق إنسانيته والسمو إلى مرتقى كينونته الكونية.

عقولُ الناسٍ إبْتدَعَتْ رؤانا

وإنّ العقلَ في خَلقٍ سِوانا

إذا ذهبتْ عقولٌ نحوَ شرٍّ

فلا تعْجَبْ إذا تاهتْ خُطانا

يقودُ وجيْعًنا عَقلٌ سَقيمٌ

يُخادِعُنا ويَسْحَقُنا أسانا

***

د. صادق السامرائي

ريادة الكلمة الحرة وأيقونة التنوير في مسيرة بناء الوطن

 يعد الاحتفاء بالعيد السنوي لجريدة "المدى" العراقية في الخامس من آب احتفاءً بنقطة تحول جوهرية في تاريخ الفكر والصحافة المستقلة. فلم تكن هذه الجريدة منذ انطلاقتها الأولى عام 2003 مجرد وسيلة لنقل الأخبار اليومية، بل ولدت كأطروحة تنويرية متكاملة قادها مؤسسها الأستاذ فخري كريم رئيس مجلس الإدارة، والكاتب الصحفي علي حسين رئيس التحرير التنفيذي، لبناء فضاء مدني ديمقراطي بديل للإعلام الشمولي

 شهد العراق عام 2003 زلزالاً سياسياً واجتماعياً كبيراً تمثل في انهيار النظام الديكتاتوري الشمولي الذي هيمن على مقدرات البلاد لعقود. في هذا المخاض العسير والبيئة المفعمة بالاضطراب الفكري والأمني معاً، وفي تاريخ 5 آب 2003، أصدرت مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون العدد الأول من الصحيفة ليؤشر مرحلة جديدة]

لم يكن ظهور الصحيفة مجرد إضافة رقمية عابرة؛ بل كان إعلاناً صريحاً عن ولادة "الصحافة البديلة" والمستقلة لإنهاء عقود من إرث الصوت الواحد الموجه. ورغم خطورة المشهد الأمني في تلك الحقبة والانقسام الحاد في الشارع، تحولت "المدى" سريعاً إلى فضاء حر تنفس من خلاله المثقفون والمواطنون العراقيون على حد سواء. نجحت الجريدة في تقديم خط تحريري رصين يرفض التبعية السياسية، ممهدة الطريق لتأسيس مجتمع مدني يؤمن بالتعددية وحرية التعبير كحقوق أصيلة لا مكرمة من سلطة. [1]

 سرعان ما تجاوزت الصحيفة مرحلة إثبات الوجود لتبسط نفوذها الفكري وتحتل مكانة محورية مرموقة بالداخل العراقي والعالم العربي. وتأتت هذه الصدارة من تفرد الطرح وموضوعية المعالجة واستقطاب كبار الكتاب، حيث أصبحت مصدراً موثوقاً تقتبس منه كبريات الوكالات العالمية مثل "فرانس برس" وهيئة الإذاعة البريطانية "BBC" ومعهد بروكنغز الأميركي. [1, 2]

تنوعت الموضوعات التي تناولتها الجريدة لتغطي كافة مفاصل الحياة العراقية، ويمكن رصد أبرزها في المحاور التالية:

- فتح الملفات الساخنة والجرأة الاستثنائية: خاضت الصحيفة معارك إعلامية شرسة ضد الفساد المالي والإداري؛ وأبرزها العاصفة الدولية التي أثارتها في 25 كانون الثاني 2004 حين فجرت قضية وثائق "كوبونات النفط" ونشرت قوائم الجهات المستفيدة من هبات النظام السابق، كاشفة عن أطنان من الوثائق المحصنة التي أثبتت تورط شخصيات وأحزاب عربية ودولية. [1, 2, 3]

- محاربة التطرف الطائفي: وقفت الجريدة بحزم ضد خطابات الكراهية والانقسام المجتمعي، مستعيضة عنها بخطاب عقلاني وطني يدعو إلى التسامح والتعايش السلمي.

- النهضة والريادة الثقافية: شكل العمل الثقافي العمود الفقري لهوية المؤسسة. تميزت الصحيفة بإطلاق ملاحق تخصصية رائدة شكلت ذاكرة الوطن، أبرزها ملحق "عراقيون"، ملحق "منارات"، وملحق "ذاكرة عراقية"، بالإضافة إلى جريدة "تاتو" الثقافية الشهرية التي توزع مجاناً. ولم يقتصر دورها على الورق، بل امتد لتأسيس "بيت المدى" وتنظيم معارض كتاب دولية (مثل معرض العراق الدولي للكتاب) نجحت في إعادة ربط المواطن بنوافذ الفكر الإنساني. 

- الدفاع عن الحريات المدنية: تشير استطلاعات الرأي المحايدة إلى أن "المدى" تقع في مقدمة الصحف المستقلة الأكثر انتشاراً ومبيعاً واهتماماً بالحريات، حيث أفردت مساحات واسعة لمناصرة قضايا المرأة، وحقوق الأقليات، وحرية التعبير كركائز أساسية للديمقراطية. [1, 2]

ثالثاً: نداء المستقبل والدعوة لبناء العراق الجديد

إن القيمة الحقيقية لجريدة "المدى" لا تكمن فقط في رصدها الذكي للواقع وتفكيك أزماته، بل في دورها الاستشرافي كرافعة وطنية تدعو بلا كلل لبناء العراق الجديد. تتبنى الجريدة رؤية إنقاذية واضحة ترى أن الخروج من نفق الأزمات الحالية يمر عبر مسارات إستراتيجية محددة.

تأتي في مقدمة هذه المسارات الدعوة الراسخة لبناء دولة المواطنة والمؤسسات، حيث لا تميز الدولة بين مواطنيها على أساس عرق أو طائفة، بل يكون القانون المرجعية العليا والوحيدة. كما تؤكد "المدى" عبر طروحاتها على تلازم مساري الإعمار؛ فلا يمكن تحقيق إعمار مادي وتطوير البنى التحتية والاقتصاد الوطني دون العمل بالتوازي على إعادة إعمار الإنسان العراقي فكرياً وثقافياً، وتحصينه ضد الأفكار الظلامية والهدامة. وتظل الجريدة نداءً مستمراً لتعزيز السلم الأهلي والتلاحم المجتمعي، كونهما الضمانة الأساسية لحفظ سيادة الوطن واستقراره.

 في العيد السنوي لجريدة "المدى"، وبعد مسيرة طويلة من العطاء، يتضح للمتابع المنصف أن هذه المؤسسة لم تكن يوماً مجرد حبر على ورق، بل كانت وما زالت مشروعاً وطنياً تنويرياً، وصوتاً للعقل في زمن الصخب. ستبقى "المدى" علامة فارقة في سجل الصحافة الحرة، ومنارة تهتدي بها الأجيال نحو مستقبل عراقي ديمقراطي، ومزدهر، ومتصالح مع تاريخه الإبداعي والإنساني

***

د. فالح الحمراني

اولا: الرحيل

ينفصل البعض عن ذواتهم ويندمج البعض الآخر ولا يفترق، ليشكل من ثم الإنسان القائم على الثبات في الموقف وهو الموقف الراسخ الذي يرى كل أظلع الهرم حتى قاعدته.

وليس من الضرورة ان يكون الاندماج إختلاطا بينا، بين ما هو كائن في المحيط الخارجي، إنما قد يكون عن طريق الفكر والتقارب الذهني القائم على المشتركات.. والمصطلح، قد يعني إنشغالات ذاتية أو إهتمامات آنية تلتقي لتصب في بوتقة الفعل المادي والجمالي، حيث تذوب

الخصوصية بين أمواج المحيط التي تجعل منها متأرجحة مع النسائم والعواصف وحسب اضطرابات اليم ومزاجه المتقلب.. وان الاعتداد بالذات الخاصة، له مزايا تجعل هذا الكائن يتمتع بمكانة التأثير في المحيط الخارجي، كلما أمكن ذلك، فيما تظل الذات تراقب ساحة الفوضى التي تجتاح الخارج دون توقف.

 الذات القوية الواثقة ترى الخارج دائرة هائلة من الفوضى الصاخبة، وعن كثب تراقب تلك الحركة الغارقة في عدمية اللامعنى.. حركة الخارج تتسع ويزداد اللامعنى فيها كلما اتسعت ويمتزج المعنى في اللامعنى عندئذ يمسي الخارج طافحا بالغثيان.!!

ثانيا: النسيان

العالم مصاب بالنسيان.. فهو يحفل بالآمعنى ويراقب من ثقب الباب.. يتسلق جدران العتمة.. في زاوية الغرفة يرقب جسدا مسجيا فوق رخام الأرض بلا معنى.. ومن غير مبالآة يتسمر مذعورا يسمع قلبا ينبض في خارج ساحات الموتى الأحياء في الطرقات..

التصق في زاوية الغرفة الخاوية إلا من شباك وباب وأركان أربع لا يدخلها نور الشمس عدا ضوء خافت يتسلل عبر الاغصان لتمنع دفؤ الشمس وتسمح للضوء بالانسياح نحو فضاء اللآمعنى الطافح بالفوضى*.

***

د. جودت صالج

5 / حزيران- 2026

.....................

(*) من وحي فلسفة افلاطون وهيدجر وسبينوزا وديستويفسكي وسارتر وسيمون دي بوفوا وفرانز فانون وفرانز كافكا.

كانت المرّات التي جمعتني به في مجلس أو أمسية أدبية، او محفل ادبي تمّ مُصادفة، كانت قليلة جدا، غير انها كانت كافية لان يفهم كلٌّ منّا الآخر، وأن يقدّره تمام التقدير، هذا ما حصل خارجيا، أما داخليًا، فقد اختلف الامر، وهو ما شكل دافعًا لما ذكرته انفا، ممثلا في ان كلًا منا، على ما هو متوقع، قد قرأ للآخر بعضًا مما نشره في هذه الصحيفة او تلك المجلة، من قصص، ولمس ما حفلت به من اهتمامات فنية، وتقاربات حياتية وروحية.

ناجي فرح ابن مدينة شفاعمرو، التي تُصادف هذه الأيام ذكراه الرابعة، اسم ليس عابرا في حياتنا الأدبية والثقافية بصورة عامة، فقد عرفته هذه الحياة مثقفًا عصاميًا مجتهدًا، عمل طوال أيام حياته وسنواتها على تثقيف نفسه، وكان له ما أراد وأكثر،  في مجالات ثقافية محتفلة، فعلى الصعيد الاجتماعي كانت له محاولات تنظيمية سياسية واجتماعية ملموسة، وكان لها مشاركاتها الحقيقية في احداث ليست قليلة مثل الاحتفالات المتتالية بيوم الأرض الخالد بعد حدوثه الانفجاريّ الأول في الثلاثين من اذار عام 1976، وقد تواصلت مشاركاته التنظيمية هذه بعد مغادرته البلاد للإقامة في المنفى، شبه الاختياري، في كندا، وكان في كلّ ما يقوم به ويساهم فيه من اعمال وفعاليات، يهدف الى خدمة القضية الوطنية الفلسطينية، موشاة بفكر سياسي يساري مُحبّ لكلّ ما هو انساني جميل، ووضاح المحيا.

لم يكتب ناجي فرح الكثير من القصص، لكنه كتب ما يستحق أن يُقرأ وحتى أن يُدرّس للطلاب في بلادنا، وأذكر في هذا السياق، انه كتب ونشر ما يساوي مجموعةً قصصية كاملة متكاملة، وتم نشره انتاجه الجميل الثرّ الغنيّ هذا، في صحافة الحزب الشيوعي، ابتداء من مجلة "الغد" انتهاء بصحيفة "الاتحاد" الحيفاوية مرورا بمجلة "الجديد" العريقة وطيبة الذكر.

اتصف ما نشره كاتبنا الجميل من قصص قليلة بوعي سياسي عميق، وقد كان من شأن هذا ان يوقعه في دائرة، وربما متاهة، الأدب المؤدلج الذي يرسف في قيود الفكر المُحدّد المُربّع، غير أن ما تمتّع به ناجي فرح من ثقافة أدبية عصامية ضاربة في عمقها، عفاه من هذه الصفة القتّالة في جوهرها لكلّ ما هو فنّي وجميل في القصة وفي الادب عامة.

النزعة الاجتماعية الإنسانية أيضًا، بدت واضحةً فيما خلّفه هذا الكاتب الذي يبدو مجهولًا على الدراسات البحثية الاكاديمية وحتى الصحفية، فقد امتاز ما قرأناه له من قصص، بأجواء شفاعمروية حيّة تتدفق بالحياة وما تحتويه من دفء الحاضر مستمدًا دفقه من الماضي، ومتطلّعًا إلى المستقبل، بكلّ ما اختزنه على ما بدا من حلم بغدٍ جميل وأمل اصيل.

إلى هذا حفلَ المنشورُ من هذه القصص بنماذج من واقعنا اليومي المعيش، ولم يخلُ من إشارات، تنبيهات وحتى نقدات مبطّنة، تجاه هذه الشخصيات، بمعنى أن هذه القصص حَفلت بنماذج إنسانية حيّة، لها كينونتُها ووجودها، الفني بصورة خاصة، فهي ليست شخصيات أو نماذج مسطحة وفق تعبير الباحث الناقد المصري عبد المحسن طه بدر، صاحب الكتاب اللافت عن الرواية المصرية*، وانما هي شخصيات مستديرة تكشف عن لحظات ضعفها قبل ان تكشف عن لحظات قوتها وهذا ما يقرّبها بالطبع، من الشخصيات الفنّية، النابضة بالحياة، كما سلف.

صحيح أن كاتبنا كتب القصة القصيرة، ومعروف أن هذا النوع الادبي، لا يحتمل الوصف المتعمق للشخصية التي يدور الحدث عنها وحولها، كما يحدث في الرواية الطويلة الممتدة، المتشعبة الاحداث، غير أنه تمكّن من بعث الحياة في شخصيات قصصه تلك، الامر الذي جذب القراء/ انا مثلًا، لها ومكّنها من أن تعيش في الذاكرة/ ذاكرتي.. رغم ما مضى على نشر تلك القصص من سنوات بعيدة وعقود مديدة.

تُرى ماذا بإمكاننا أن نقول، في الذكرى الرابعة لرحيل هذا الكاتب المُقلّ، لكن الجميل؟.. هل ندعو ورثته، إلى جمع ما نشره متناثرًا في الصحف المذكورة، علما أنه نشر يعضًا من قِصصه في صحيفة "فصل المقال" أيضًا، وإصدارها في كتاب يضم مجموعة قصصية، تُضيف وتُثري ديواننا النثري القصصي؟.. وهل ندعو بعد هذا، دارسًا أكاديميا مجتهدًا، لإجراء دراسة أو بحث نقدي، يعيد إلى هذا الكاتب ما كاد يفتقده من اعتبار؟..أرجو ان يتحقق هذا وذاك.

***

ناجي ظاهر

........................

* المقصود كتاب "تطوّر الرواية العربية المصري بين عامي 1870 و1937"، للدكتور عبد المحسن طه بدر. أما فيما يتعلّق بالشخصيات المسطحة والمستديرة او النامية، فقد أبدع في الحديث عنها أيضًا، الكاتب الناقد الإنجليزي ا. م. فورستر في كتابه الدراسي التنظيري المشهور "اركان القصة".

* الكاتب ناجي سليم فرح من مواليد مدينة شفاعمرو بتاريخ 17/ 5/ 1933نشط سياسيًا واجتماعيًا منذ مطالع السبعينيات الأولى. هاجر البلاد الى كندا عام 1976 وذلك جراء ظروف قاهرة. اصدر عام 2010 كتاب سيري مذكراتي، وهو الكتاب الوحيد له، محمّلًا إياه عنوانًا دالًا هو "ذكريات مهاجر- زمن يتكسر"، سرد فيه بأسلوب ادبي رائق وجميل، العديد من القصص والحكايات الشخصية التي عاشها وأحب أن يرويها. توفى في مثل هذا التاريخ، في  4/8/ 2020، قبل أربعة أعوام في تورنتو- كندا.

"الإكثار من إنتاج الأشياء المفيدة ينتج أشخاصًا غير مفيدين"

تبدو مقولة كارل ماركس: "الإكثار من إنتاج الأشياء المفيدة ينتج أشخاصًا غير مفيدين" صادمة عند قراءتها لأول مرة، لأنها توحي بوجود تناقض بين ازدياد المنجزات المادية وتراجع قيمة الإنسان. لكن هذه العبارة لم تكن هجومًا على التقدم أو على الإنتاج بحد ذاته، وإنما كانت نقدًا لطريقة تنظيم المجتمع والاقتصاد، حيث قد يتحول الإنسان من غاية إلى مجرد وسيلة في عملية الإنتاج.

إذا نظرنا إلى عالم اليوم، نجد أن هذه المقولة لا تزال تحمل قدرًا كبيرًا من الحقيقة، وإن كانت تحتاج إلى فهمها في سياقها. فقد شهد القرن الحادي والعشرون طفرة غير مسبوقة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأتمتة. أصبحت الآلات تؤدي أعمالًا كان يحتاج إنجازها إلى آلاف العمال، وأصبحت البرامج قادرة على كتابة النصوص، وتحليل البيانات، وتصميم الصور، وحتى المساعدة في اتخاذ القرارات. ولا شك أن هذه الإنجازات مفيدة للمجتمع، إذ رفعت الإنتاجية وخفضت التكاليف وسهّلت حياة الناس.

لكن الوجه الآخر لهذه الصورة يتمثل في أن بعض الوظائف أصبحت تختفي تدريجيًا، وأن عددًا من العاملين يجدون أنفسهم غير قادرين على منافسة الآلات أو مواكبة التطور التقني. وهنا يشعر الإنسان أحيانًا بأنه أصبح "غير مفيد" اقتصاديًا، ليس لأنه فقد قدراته، بل لأن السوق لم تعد بحاجة إلى المهارات التي يمتلكها. ومن هنا تستعيد مقولة ماركس شيئًا من قوتها، إذ يبدو أن كثرة الإنتاج قد ترافقها زيادة في تهميش بعض الأفراد.

ولا يقتصر الأمر على سوق العمل. فثقافة الاستهلاك الحديثة تدفع الإنسان إلى قياس قيمته بما ينتجه أو يملكه. فإذا فقد وظيفته أو انخفض دخله، قد يشعر بأنه فقد قيمته أيضًا، مع أن قيمة الإنسان لا ينبغي أن تُختزل في إنتاجيته الاقتصادية. وهكذا يصبح الإنسان نفسه سلعة تخضع لمعايير العرض والطلب، وهو ما كان ماركس يحذر منه في نقده للرأسمالية الصناعية.

مع ذلك، فإن الواقع المعاصر يقدم جانبًا آخر لا تؤيده المقولة بشكل كامل. فالتكنولوجيا نفسها خلقت مجالات جديدة لم تكن موجودة من قبل، مثل تطوير البرمجيات، والأمن السيبراني، وصناعة المحتوى، وتحليل البيانات، والهندسة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. كما أتاحت فرصًا للتعلم والعمل عن بعد والوصول إلى أسواق عالمية. وهذا يعني أن الإنتاج المتزايد لا يؤدي حتمًا إلى وجود أشخاص "غير مفيدين"، بل قد يفتح أبوابًا جديدة لمن يستطيع التكيف واكتساب مهارات جديدة.

لهذا يمكن القول إن المشكلة ليست في كثرة إنتاج الأشياء المفيدة، وإنما في كيفية توزيع ثمار هذا الإنتاج، وفي قدرة المجتمع على تأهيل أفراده لمواكبة التحولات. فإذا استُثمر التقدم العلمي في تحسين التعليم، وإعادة تدريب العاملين، وتوفير فرص عادلة، فإن التكنولوجيا تصبح وسيلة لرفع قيمة الإنسان لا لتقليلها. أما إذا اقتصر الاهتمام على زيادة الأرباح والإنتاج دون مراعاة الآثار الاجتماعية، فإن عددًا متزايدًا من الناس قد يشعرون بأنهم مهمشون أو غير ذوي قيمة.

إن ما يجعل مقولة ماركس حية حتى اليوم ليس أنها تصف واقعًا ثابتًا، بل لأنها تطرح سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا لا يزال قائمًا: هل يُقاس نجاح المجتمع بحجم ما ينتجه، أم بقدرته على صون كرامة الإنسان وإشراكه في ثمار هذا الإنتاج؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد ما إذا كانت كثرة الأشياء المفيدة ستقود إلى مجتمع أكثر إنسانية، أم إلى مجتمع تزداد فيه الفجوة بين التقدم التقني والقيمة الإنسانية.

وفي النهاية، يمكن القول إن المقولة ليست قانونًا حتميًا، بل تحذير من مسار محتمل. فالتقدم العلمي والتقني ليس عدوًا للإنسان، وإنما يعتمد أثره على الطريقة التي يدير بها المجتمع هذا التقدم. وإذا بقي الإنسان هو الغاية الأولى للتنمية، فإن كثرة الإنتاج ستزيد من رفاهيته. أما إذا أصبح مجرد رقم في معادلة اقتصادية، فقد تبدو مقولة ماركس أقرب إلى وصف دقيق لبعض جوانب عالمنا المعاصر.

***

حيدر كرار عدنان

 

في المثقف اليوم