حين تستعيد الدولة بوصلتها الوطنية
تُبنى الأوطان بأبنائها وبقدرتها على بناء شعور وطني جامع، يجعل المواطن يرى في وطنه مرجعيته الأولى، وفي دولته الإطار الذي يحمي حقوقه، ويصون كرامته ومستقبله. ويعزز ذلك ما تمتلكه الدولة من موارد طبيعية، وثروة بشرية، ومؤسسات تشريعية وقضائية وتنفيذية قادرة على أداء مسؤولياتها.
وقد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه في جوهره بالغ الأهمية: من هو وطنك الأول؟ فالإجابة عن هذا السؤال تكشف الكثير عن مفهوم الإنسان للمواطنة، وعن موقع الوطن في منظومة قيمه وولاءاته. إن صلابة المجتمعات واستقرار الدول يرتبطان بترسيخ مفهوم المواطنة بوصفها المظلة الجامعة التي تتسع لجميع أبنائها، مهما اختلفت انتماءاتهم الدينية، أو المذهبية، أو القومية، أو السياسية. فهذه الانتماءات قد تكون جزءًا من هوية الإنسان وخصوصيته، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا عن الانتماء الوطني، ولا ينبغي أن يتقدم أي ولاء على الولاء للوطن وسيادته.
فالوطن ليس قطعة أرض ذات حدود مرسومة على الخريطة نعيش عليها؛ إنه ذاكرة مشتركة، وتاريخ، ومصالح، ومستقبل، ومسؤولية يتقاسمها أبناؤه. ومن هنا تصبح المواطنة الحقيقية وعيًا وسلوكًا وشعورًا بالمسؤولية تجاه الدولة والمجتمع.
والدولة، في المقابل، هي الإطار الذي تتجسد فيه إرادة المجتمع، وتُحمى فيه الحقوق والحريات، وتُصان فيه السيادة، ويُطبَّق فيه القانون على الجميع دون تمييز. وكلما كانت الدولة عادلة وقوية بمؤسساتها، ازدادت قدرة المجتمع على الالتفاف حولها والثقة بها.
وحين يتراجع الشعور بالمواطنة، أو تتقدم الولاءات الفرعية والعابرة للحدود على الولاء الوطني، فإن المشكلة تصبح مؤشرًا على خلل أعمق في مفهوم الدولة وفي قدرتها على ترسيخ الهوية الجامعة. ولا يعني الانتماء الوطني إلغاء الانتماءات الأخرى أو مصادرتها؛ فالتنوع يمكن أن يكون مصدر قوة وثراء للمجتمع. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى انقسام، والانتماء إلى تعصب، والولاء إلى تبعية، بحيث يصبح الوطن في مرتبة لاحقة أمام مرجعيات أو مصالح أخرى.
كلنا يعلم أن الدولة تضعف عندما تواجه أخطارًا خارجية، لكن الخطر قد لا يكون خارجيًا دائمًا؛ فقد يكون الخطر الأكبر في الداخل، عندما تتشظى الهوية الجامعة، وتتراجع الثقة بالمؤسسات، ويصبح المواطن ينظر إلى الدولة بوصفها طرفًا في الصراع، بدل أن تكون الإطار الذي يجمع الجميع.
ومن هنا، فإن استعادة البوصلة الوطنية تبدأ بإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وتعزيز سيادة القانون، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، وتقديم الكفاءة والنزاهة على الولاءات الضيقة، وتربية الأجيال على أن اختلافها لا ينتقص من وحدتها، وأن التنوع لا يتعارض مع المواطنة.
وفي وطننا العراق، حيث تتداخل الانتماءات الاجتماعية، والدينية، والقومية، والسياسية، وتتعدد مصادر التأثير، تصبح الحاجة إلى ترسيخ المواطنة أكثر إلحاحًا. فالعراق وطن يتسع للجميع، ولا يمكن أن يستعيد عافيته إلا عندما يشعر كل مواطن بأن انتماءه الوطني هو المساحة المشتركة التي تجمعه بالآخر، وأن الدولة هي دولة الجميع، وليست ملكًا لفئة أو جماعة أو اتجاه.
إن جعل العراق أولًا يعني، ببساطة، أن تكون مصلحة العراق وسيادته وكرامة مواطنيه هي المرجعية الأولى عند اتخاذ المواقف والقرارات. وهذا لا يعني الانغلاق عن العالم، أو رفض العلاقات والمصالح الدولية. وليس من الضروري أن يكون الإنسان متشابهًا مع الآخرين في وطنه؛ فمن الطبيعي أن يكون الجميع مختلفين، ولكن، رغم الاختلاف، يجب أن يبقوا في إطار وطني واحد.
وعندما تصبح المواطنة فوق الانتماءات الضيقة، والقانون فوق الأشخاص، والدولة فوق المصالح الفئوية، والسيادة فوق التجاذبات، عندها فقط نستعيد البوصلة الوطنية، ونبدأ ببناء دولة قوية، لا بقوة السلطة، وإنما بقوة المؤسسات وثقة المواطن. العراق أولًا… مسؤولية ووعي وانتماء.
***
سعد عبد المجيد ابراهيم








