الحياة لا تتسع لكل شيء
الحياة مليئة بالمغريات والخيارات والأشياء التي يرغب الإنسان في امتلاكها أو تجربتها أو الاستمتاع بها، لكن من غير المعقول أن نستطيع الحصول على كل شيء في الوقت نفسه. ومن هنا تأتي أهمية أن يتعلم أبناؤنا منذ الصغر فن ترتيب الأولويات؛ أن يعرفوا ما الذي يجب أن يأتي أولًا، وما الذي يمكن تأجيله، وما الذي ينبغي الاستغناء عنه كلياً. فالإنسان الناجح هو الذي يعرف ماذا يفعل أولًا، ومتى يفعله، وكيف ينظم حياته من حوله.
تختلف الأولويات باختلاف العمر والمرحلة التي يمر بها الإنسان؛ فما يكون أولوية للطفل قد لا يكون كذلك للشاب، وما يناسب الطالب قد يختلف عن احتياجات الموظف أو رب الأسرة. لكن هناك مبادئ أساسية ينبغي أن ترافق الإنسان في مختلف مراحل حياته، وفي مقدمتها احترام الوقت، والجدية في العمل، والنظام، وتحمل المسؤولية.
ومن الأخطاء التي تقع فيها بعض الأسر أنها تمنح الخادمات دورًا كبيرًا في تحمل مسؤوليات الأبناء اليومية؛ فتقوم الخادمة بترتيب غرفهم، وتجهيز ملابسهم، وتنظيم حاجياتهم، بل وأحيانًا إنجاز أمور يستطيع الأبناء القيام بها بأنفسهم. ومع مرور الوقت، يتحول الاعتماد على الآخرين إلى عادة، ويصبح الابن عاجزًا عن إدارة أبسط شؤون حياته. وقد لا ندرك حجم هذه المشكلة إلا عندما تغيب الخادمة أو تمرض؛ فعندها قد يتحول البيت إلى فوضى، ويفقد الأبناء بوصلتهم، ولا يعرفون ما الذي ينبغي عليهم فعله، لأنهم لم يتعلموا أصلًا القيام بهذه المسؤوليات بأنفسهم. لا تتركوا الخادمات يحددن لأبنائكم أولوياتهم، ولا تحرموهم من فرصة أن يتعلموا بأنفسهم كيف يرتبون غرفهم، ويحافظون على ممتلكاتهم، وينظمون أوقاتهم، ويتحملون مسؤولياتهم. فالمساعدة ينبغي أن تكون عونًا للإنسان، لا بديلًا عن قدرته على الاعتماد على نفسه. نريد لأبنائنا أن يكبروا ليكونوا رجالًا ونساءً ناجحين في دراستهم وعملهم، كما في حياتهم الأسرية؛ أن يكونوا أزواجًا وزوجات ناجحين، وآباء وأمهات قادرين على تحمل مسؤولياتهم، وأن يكونوا شركاء حقيقيين في بناء بيوتهم، لا أشخاصًا ينتظرون من يقوم عنهم بكل شيء.
إن تعليم الطفل ترتيب غرفته، وجمع حاجياته، والمشاركة في أعمال المنزل، وتنظيم وقته، والاعتناء بنفسه وبمن حوله، ليس تكليفًا زائدًا عليه، بل هو جزء أساسي من تربيته. وعلينا أن نعلّمه أن مسؤولياته الشخصية لا ينبغي أن يحملها عنه الآخرون. كذلك، علينا أن ندرّبه على الاستقلالية؛ فمن الخطأ أن ننتظر حتى يغادر أبناؤنا منزل والديهم لنعلّمهم كيف يعتمدون على أنفسهم ويديرون شؤون حياتهم. فالاستقلالية تبدأ منذ الصغر، ومنذ اللحظة التي نمنحهم فيها الفرصة للقيام بما يستطيعون القيام به بأنفسهم.
علّموهم احترام الوقت، فالوقت هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن استعادته. ومن يتعلم منذ صغره أن للوقت قيمة، وأن لكل عمل موعدًا، ولكل مهمة وقتًا محددًا، سيكون أكثر قدرة على إدارة حياته عندما يكبر. للدراسة وقت، وللعمل له وقت، وللراحة والترفيه وقت أيضًا، وليس من الحكمة أن يطغى جانب على آخر.
علّموهم أن العمل الجاد ليس مرتبطًا بالوظيفة فقط. فالدراسة بالنسبة للطالب عمل ومسؤولية، وترتيب الغرفة عمل، ومساعدة الأسرة عمل، ثم يأتي العمل المهني والإنتاجي في مراحل لاحقة. المهم أن يتعلم الابن أن ما يُوكَل إليه من مسؤوليات ينبغي أن يؤديه بجدية وإتقان، لا أن ينتظر دائمًا من يراقبه أو يذكّره بما عليه أن يفعل.
ثم يأتي النظام والترتيب، النظام يبدأ من الأشياء الصغيرة وهو درس يبدأ من أبسط الأشياء. فالطفل الذي يتعلم أن يرتب سريره، ويعيد كتبه وألعابه إلى أماكنها، ويحافظ على نظافة غرفته، ويتعامل مع ممتلكاته بعناية، يتعلم في الحقيقة مهارة أعمق من مجرد الترتيب؛ إنه يتعلم احترام المكان، وتحمل المسؤولية، والانضباط. ومن الغرفة ينتقل النظام إلى البيت، ثم إلى المدرسة، فالجامعة، فالمكتب ومكان العمل. وليس المقصود بالنظام أن يعيش الإنسان في بيئة جامدة تخلو من العفوية وتملؤها الرتابة والملل، وإنما أن يعرف أين يضع الأشياء، وكيف ينظم أعماله، وكيف يصل إلى ما يحتاج إليه دون إضاعة الوقت والجهد. فالنظام هو وسيلة لجعل الحياة أكثر سهولة ووضوحًا وانسيابية وليس تقييدًا لها.
والأهم من ذلك كله أن نعلّم أبناءنا تحديد أولوياتهم بأنفسهم. لا ينبغي أن نبقى نقرر عنهم طوال حياتهم: متى يدرسون، ومتى ينامون، ومتى يعملون، ومتى يتركون هواتفهم. دورنا أن نعلمهم كيف يقررون، ثم نمنحهم تدريجيًا مساحة لتحمل نتائج قراراتهم. فالابن الذي يتعلم أن يقول: «هذا واجبي أولًا، وبعد أن أنجزه أستطيع أن أستمتع بوقتي»، يكون قد قطع خطوة مهمة نحو الاستقلالية والنضج.
الترفيه والراحة جزء طبيعي وأساسي من الحياة، حين يكون في مكانه الصحيح ويجب ألا يتحول إلى أولوية على حساب الدراسة، أو العمل، أو الأسرة، أو حتى النوم. فالهاتف، والألعاب، ووسائل التواصل الاجتماعي، والخروج مع الأصدقاء، كلها يمكن أن تكون جزءًا جميلًا من الحياة إذا وُضعت في مكانها الصحيح، لكنها تصبح مشكلة عندما تستولي على الوقت كله.
التربية الحقيقية لا تعني أن نملأ يوم أبنائنا بالأوامر والتعليمات، نمليها عليهم ليل نهار؛ فهذا غير منطقي وغير صحيح. وإنما أن نساعدهم على بناء وعي ذاتي بالمسؤولية يجعلهم يعرفون ما ينبغي فعله حتى عندما لا يكون أحد إلى جانبهم. فالنجاح يبدأ من أشياء تبدو صغيرة: غرفة مرتبة، مكتب منظم، موعد لا يتأخر عنه، مهمة ينجزها في وقتها، كتاب يقرأه، ووقت يخصصه للراحة دون أن يسمح للراحة بأن تبتلع واجباته.
وفي النهاية، علّموا أبناءكم الأولويات قبل أن تعلموهم المنافسة، وعلّموهم النظام قبل أن تطلبوا منهم النجاح. فالشخص الذي يستطيع أن ينظم غرفته، وبيته، ووقته، وواجباته، وعمله وترفيهه، يكون قد تعلم واحدة من أهم مهارات الحياة: أن يدير نفسه بنفسه. ومن يُحسن إدارة نفسه، يكون أكثر قدرة على إدارة مستقبله، وهذا هو النجاح.
لا بد من كلمة أخيرة. أنا لا أدّعي، لا سامح الله، أنني بلغت من الكمال ما يؤهلني لأن أكون مصلحًا اجتماعيًا، أو أن أقدّم نفسي نموذجًا يُحتذى به. فما أكتبه هنا ليس سوى خلاصة تجربة طويلة في الحياة، حملت من الإيجابيات ما حملت، ولعل سلبياتها وأخطاءها كانت أكثر من إيجابياتها، لكنها علّمتني الكثير، وأكدت لي أن الإنسان كثيرًا ما تكون أخطاؤه وعثراته هي معلمه الأكبر.
ومن هذا المنطلق، ارتأيت أن أشارك أحبتي وأبنائي وأصدقائي بعض ما تعلمته من هذه الرحلة الطويلة، لا على سبيل الوعظ، ولا تقديم النصائح من موقع من بلغ الكمال، وإنما أملًا في أن يجد أحدهم في تجربة عاشها غيره ما قد يجنّبه خطأً، أو يرشده إلى طريق أفضل، أو ينفعه في تربية أبنائه وبناء حياته.
فإن أصابت هذه الكلمات شيئًا من الصواب، وانتفع بها أحد، فذلك هو المقصود والغاية، والله من وراء القصد.
***
سعد عبد المجيد ابراهيم








