عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

فالح الحمراني: صحيفة "المدى" العراقية في عيدها

ريادة الكلمة الحرة وأيقونة التنوير في مسيرة بناء الوطن

 يعد الاحتفاء بالعيد السنوي لجريدة "المدى" العراقية في الخامس من آب احتفاءً بنقطة تحول جوهرية في تاريخ الفكر والصحافة المستقلة. فلم تكن هذه الجريدة منذ انطلاقتها الأولى عام 2003 مجرد وسيلة لنقل الأخبار اليومية، بل ولدت كأطروحة تنويرية متكاملة قادها مؤسسها الأستاذ فخري كريم رئيس مجلس الإدارة، والكاتب الصحفي علي حسين رئيس التحرير التنفيذي، لبناء فضاء مدني ديمقراطي بديل للإعلام الشمولي

 شهد العراق عام 2003 زلزالاً سياسياً واجتماعياً كبيراً تمثل في انهيار النظام الديكتاتوري الشمولي الذي هيمن على مقدرات البلاد لعقود. في هذا المخاض العسير والبيئة المفعمة بالاضطراب الفكري والأمني معاً، وفي تاريخ 5 آب 2003، أصدرت مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون العدد الأول من الصحيفة ليؤشر مرحلة جديدة]

لم يكن ظهور الصحيفة مجرد إضافة رقمية عابرة؛ بل كان إعلاناً صريحاً عن ولادة "الصحافة البديلة" والمستقلة لإنهاء عقود من إرث الصوت الواحد الموجه. ورغم خطورة المشهد الأمني في تلك الحقبة والانقسام الحاد في الشارع، تحولت "المدى" سريعاً إلى فضاء حر تنفس من خلاله المثقفون والمواطنون العراقيون على حد سواء. نجحت الجريدة في تقديم خط تحريري رصين يرفض التبعية السياسية، ممهدة الطريق لتأسيس مجتمع مدني يؤمن بالتعددية وحرية التعبير كحقوق أصيلة لا مكرمة من سلطة. [1]

 سرعان ما تجاوزت الصحيفة مرحلة إثبات الوجود لتبسط نفوذها الفكري وتحتل مكانة محورية مرموقة بالداخل العراقي والعالم العربي. وتأتت هذه الصدارة من تفرد الطرح وموضوعية المعالجة واستقطاب كبار الكتاب، حيث أصبحت مصدراً موثوقاً تقتبس منه كبريات الوكالات العالمية مثل "فرانس برس" وهيئة الإذاعة البريطانية "BBC" ومعهد بروكنغز الأميركي. [1, 2]

تنوعت الموضوعات التي تناولتها الجريدة لتغطي كافة مفاصل الحياة العراقية، ويمكن رصد أبرزها في المحاور التالية:

- فتح الملفات الساخنة والجرأة الاستثنائية: خاضت الصحيفة معارك إعلامية شرسة ضد الفساد المالي والإداري؛ وأبرزها العاصفة الدولية التي أثارتها في 25 كانون الثاني 2004 حين فجرت قضية وثائق "كوبونات النفط" ونشرت قوائم الجهات المستفيدة من هبات النظام السابق، كاشفة عن أطنان من الوثائق المحصنة التي أثبتت تورط شخصيات وأحزاب عربية ودولية. [1, 2, 3]

- محاربة التطرف الطائفي: وقفت الجريدة بحزم ضد خطابات الكراهية والانقسام المجتمعي، مستعيضة عنها بخطاب عقلاني وطني يدعو إلى التسامح والتعايش السلمي.

- النهضة والريادة الثقافية: شكل العمل الثقافي العمود الفقري لهوية المؤسسة. تميزت الصحيفة بإطلاق ملاحق تخصصية رائدة شكلت ذاكرة الوطن، أبرزها ملحق "عراقيون"، ملحق "منارات"، وملحق "ذاكرة عراقية"، بالإضافة إلى جريدة "تاتو" الثقافية الشهرية التي توزع مجاناً. ولم يقتصر دورها على الورق، بل امتد لتأسيس "بيت المدى" وتنظيم معارض كتاب دولية (مثل معرض العراق الدولي للكتاب) نجحت في إعادة ربط المواطن بنوافذ الفكر الإنساني. 

- الدفاع عن الحريات المدنية: تشير استطلاعات الرأي المحايدة إلى أن "المدى" تقع في مقدمة الصحف المستقلة الأكثر انتشاراً ومبيعاً واهتماماً بالحريات، حيث أفردت مساحات واسعة لمناصرة قضايا المرأة، وحقوق الأقليات، وحرية التعبير كركائز أساسية للديمقراطية. [1, 2]

ثالثاً: نداء المستقبل والدعوة لبناء العراق الجديد

إن القيمة الحقيقية لجريدة "المدى" لا تكمن فقط في رصدها الذكي للواقع وتفكيك أزماته، بل في دورها الاستشرافي كرافعة وطنية تدعو بلا كلل لبناء العراق الجديد. تتبنى الجريدة رؤية إنقاذية واضحة ترى أن الخروج من نفق الأزمات الحالية يمر عبر مسارات إستراتيجية محددة.

تأتي في مقدمة هذه المسارات الدعوة الراسخة لبناء دولة المواطنة والمؤسسات، حيث لا تميز الدولة بين مواطنيها على أساس عرق أو طائفة، بل يكون القانون المرجعية العليا والوحيدة. كما تؤكد "المدى" عبر طروحاتها على تلازم مساري الإعمار؛ فلا يمكن تحقيق إعمار مادي وتطوير البنى التحتية والاقتصاد الوطني دون العمل بالتوازي على إعادة إعمار الإنسان العراقي فكرياً وثقافياً، وتحصينه ضد الأفكار الظلامية والهدامة. وتظل الجريدة نداءً مستمراً لتعزيز السلم الأهلي والتلاحم المجتمعي، كونهما الضمانة الأساسية لحفظ سيادة الوطن واستقراره.

 في العيد السنوي لجريدة "المدى"، وبعد مسيرة طويلة من العطاء، يتضح للمتابع المنصف أن هذه المؤسسة لم تكن يوماً مجرد حبر على ورق، بل كانت وما زالت مشروعاً وطنياً تنويرياً، وصوتاً للعقل في زمن الصخب. ستبقى "المدى" علامة فارقة في سجل الصحافة الحرة، ومنارة تهتدي بها الأجيال نحو مستقبل عراقي ديمقراطي، ومزدهر، ومتصالح مع تاريخه الإبداعي والإنساني

***

د. فالح الحمراني

في المثقف اليوم