أقلام حرة
محسن الأكرمين: الاختلاف.. من التشظي نحو التجميع
تفاجئني السماء بالمطر الندي، ولكني كنت أحلم بندف من الثلج الرقيق، واللهو في بياضه في فناء بيت جدي (رحمه الله) مثل الأطفال. أهرول هربا خيفة من ابتلال ذاكرتي المتعرية، وذلك لأني أحمل ذاكرة من ورق أبيض شفاف، ولن يصمد أمام قطرات مياه السماء الهاطلة بالامتداد. فقد كان خوفي المتفرغ من آهاتي الملتوية في هذه الصبحية المطيرة، لن يصمد قوة أمام قدوم سيولة طوفان وادي النسيان. إنها قسط من هشاشة ذاكرتي التي تمنح النسيان سلطة السلطان الحاكم بالاستبداد والتحكم، ولا تمتلك حلول الحرية في الاختيارات والمسارات وتسجيل التاريخ المسكوت عنه.
حين أقلع مطر السماء، رأيت الحذر يتبدد عند المارة، وباتوا يسرعون الهرولة والهروب من الأمكنة الآمنة من زمن ماء الممطر. وجدت أن ذاكرتي اقتلعت ورقة مبللة وتالفة الكتابة، ثم رمت بها في سلة مهملات النسيان الراسبة. رأيت أن العابرين أمامي قد توقفوا عند حاجز ستار الماضي الذي يضيء لهم المستقبل من الخلف، وهم في نشوة من أمرهم الجدي.
كنت أحاول معاودة تأويل قضايا العالم الممكنة بما يليق مع رقة رحمة سماء المطر، لكني سقطت في المزيد من التشتت الذهني، والانقسام في أفكاري، وحتى كسلا في استدعاء ذاكرتي الرزينة. كنت عقلانيا حين آمنت بتشظي ذاكرتي بعد أن أضاع المطر صفحة غلاف ذاكرتي الواقية لي من سلطة النسيان والتناسي، وشؤم هشاشة أفكاري داخل تفكير علبة الصندوق.
أحسست أني دخلت مساحة لا تزال باردة وبلا مكيفات هوائية حديثة، وكنت أرى أن باب المستقبل يفتح بالمهل والتأني من الخلف المظلم، هنا تيقنت أن ذاكرتي لن تقدر على ضبط الاختلاف في الرأي وتعيش منطق الشتات، وتنأى بعدا عن منطق التجميع والمصادقة على استعراضات أحداث المستقبل التي تستنير ضوء من خلفية الماضي والصورة المعلقة عندنا في الأذهان اليقظة.
قد يبقى حلمي شامخا حتى في هشاشة ذاكرتي بالنسيان، لأني أداوم فعل إشعال نجمتي الزهرية البرية. فيا لهول المفارقة العجيبة بين مطر السماء والناس في هرولة من أمرهم للاختباء!!! وبين الذهاب مشيا لصلاة الاستسقاء، وطلب الرحمة من السماء. من فرط نكسي أن ذاكرتي الهشة يغيب عنها الاعتدال في مواقفنا التجميعية، لأن النسيان يفضح مستويات ذاكرتي في الخمول، وهذه مهزلة قد تصيبنا بالتشظي وبلعنة السماء.
نكذب على ذواتنا، ونعامل الوهم بمساحيق التجميل البسيطة، والحلم بمساواة الماضي بالمستقبل، لكني افتراضا كنت أعمل على تأجيل الحقيقة قليلا من الصدمة القاتلة. من مشكلاتنا أننا نقتات من الوهم نهما، ونمارس مرونة سياسة الكذب والمراوغة، وبه نمارس حياتنا بكل أُبهة، لحظتها قد نفقد الثقة فيما تبقى من ذاكرتنا الماضية، ونتخلى عن حلم المستقبل.
سادتي الكرام: من المعادلة الخاوية الوفاض سؤال: ماذا تريد سماعة الآن؟ فقد يكون الجواب المنطقي: لو كنت أعلم، لما تخلصت ذاكرتي من تلك الورقة المبللة بالمطر، وأصبحت أعيش أجزاء متقطعة من هشاشة ذاكرة النسيان في الماضي والحاضر!!!
***
محسن الأكرمين







