عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

جودت العاني: الوعي بالذات.. وقهرية الوعي الذاتي!

هي متلازمة قد تنتهي الى الانفجار نتيجة تضخم الشعور بالقهرية وتراكماتها.. والإنفجار القهري الذي تحدث عنه المفكر والفيلسوف الفرنسي "فرانز فانون، قد يودي إلى تضخيم الشعور بالقهرية لتعود الحلقة المفرغة عند صياغة الإشكالية على نحو يتسم بالتكرار ليعاد مناخ التضخيم من جديد.

كيف يتبلور الشعور بالقهرية، وكيف يتكثف الوعي الذاتي بها ؟ إن مرد القهرية، إما جراء الإغتصاب الخارجي أو الاغتصاب عن طريق التسلط الداخلي حيث ينشأ.

يرى " فرانس فانون " ان الأحتلال لا يسلم مفاتيحه بسهولة ويرحل، وإذا ما رحل سيترك شبكة معقدة من البنى والادارات التي تحول الشعوب الى مستهلكين.. فضلا عن أثرياء يتحكمون برأسمال البلاد بدون وطنية..!!

المقاومة العامة الصامتة، لا تنفجر تلقائيا إنما تفجرها قيادة واعية بصوت قد يكون خافتا، ولا ينتظر احدا.. والمشكل ليس في الهيكل الهرمي لها، إنما يكمن في قمة الهرم.. إذ لا تشفى عقود من النهب والسلب والاذلال (بضمادات) الاعلان عن الاستقلال الوطني، إنما تشفى من خلال زوال القهرية عن طريق تكريس الحرية.. وهل تستمر القهرية في مخاضاتها حتى تتحقق الحرية؟ نعم.. وهل تنتهي القهرية حين تتحقق الحرية؟ نعم..

وللحرية أبعاد وتشعبات ومسارات مادية خيالية (ميتافيزيقيا) في معناها الإصطلاحي، كما يراها "فرانز فانون"، فهي لا يجب ان تكون سائبة متحللة أو عشوائية إنما واقعية.. والأكثر أهمية، يكمن في "الذي يجب أن يكون لا في الذي هو كائن"، والمعنى واضح في الكينونة القادرة على خلق البديل.

فالقهرية الناجمة عن التسلط، والأخرى التي تتقبل التسلط القسري بدواعي الهرمية، هما مفتاحان للبديل المغاير الذي يفتح باب التمرد من اجل الحرية..

القسرية الفاضحة تعلن وفاتها في اللحظة التي تتسلق فيها القمة، قمة التسلط القسري. وإن فك التشابك ينحى صوب السلام الذي يقوم على القلق الوجودي (ما دام الأنسان موجود، فوجوده يتسم بالقلق الوجودي)، وهذا ما اشار اليه الفلاسفة كل من هيدجر وسيبنوزا وسورين كريغجورد وسارتر وسيمون دي بفوا وأخرون من علماء الفلسفة.

والقلق الوجودي ناجم عن الشعور بالحتمية النهائية.. ولكن هذه الحتمية لا تساور الكائن البشري دائما

إلا في حالة التركيز الذهني الحاد حيث يرى انه منفصل عن جسده يراقبه من فوق، جثة هامدة مسجية راكدة تنبض بدون حراك..

تحدث "فانون" الى نفسه:

ما الذي سيفعله وهو يراقب جثته من الأعلى، من زاوية الباب ربما من السقف، ليس مهما من أين، المهم حين يستيقظ ماذا سيفعل؟ يدخل الحمام رغما عنه وسيأكل رغما عنه ويشرب رغما عنه ويستمر في الأكل ويتغوط رغما عنه ويضاجع رغما عنه.. وماذا بعد؟ يستهلك الكائن نفسه ويستهلكه الزمان، فهو مستهلك في زمان لا بداية له ولا نهاية، وهو بينهما مشترط ومؤقت، يعكس قلقا وجوديا كلما كان تركيزه الذهني حادا يميل الى الواقعية الصارمة.. فهو جزء من دورة التكرار التي لا تنتهي إلا في حالة إسمها الصمت الأزلي..!!

***

د. جودت صالح

24/ 5 /2026