عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

نجلاء نصير: سردية الرعب النفسي وتحولات الهوية بين الباب والمرآة

قراءة في قصة "العتمة" لأماني عز الدين 

تعد قصة "العتمة "تجربة سردية تنتمي إلى أدب الرعب النفسي، حيث لا يتولد الخوف من ظهور كائن مرعب بصورة مباشرة، بل من اختلال العلاقة بين الإنسان والمكان، وبين الذات وصورتها، وبين الواقع وما يتسلل إليه من عناصر غامضة. فالظلام في القصة ليس مجرد ظرف مكاني أو غياب للضوء، وإنما يتحول تدريجيًا إلى قوة فاعلة، لها حضورها وتأثيرها في وعي الراوي وفي الأشياء المحيطة به.

يبدأ النص من موقف بسيط ظاهريًا: شخص وحيد في غرفة مظلمة يسمع همسات وخدوشًا وخطوات غامضة. غير أن هذا الموقف يتطور بسرعة إلى أزمة وجودية تتعلق بحقيقة الراوي نفسه. فالسؤال لم يعد: ما الذي يتحرك في الظلام؟ بل أصبح: من هو الراوي؟ وهل لا يزال حيًا؟ وهل الكائن الذي يطارده موجود خارج ذاته أم أنه يتخذ من صورته مدخلًا إلى العالم؟

تنبني القصة على تصاعد متدرج يجمع بين الرعب الحسي، والرعب النفسي، والرعب الوجودي. كما تعتمد على عدد من الرموز المركزية، أبرزها الظلام، والضوء، والمرآة، والباب، والبيت، والاختيار. ومن خلال هذه الرموز تقدم القصة رؤية قاتمة إلى هشاشة الإنسان أمام المجهول، وإلى قابلية هويته للانقسام والاستبدال.

العنوان

يحمل عنوان القصة، "العتمة"، دلالة مباشرة ترتبط بغياب النور، لكنه يكتسب داخل النص معاني تتجاوز هذا المعنى الحسي. فالعتمة تصبح فضاءً نفسيًا ووجوديًا، وتمثل حالة من فقدان اليقين، واضطراب الإدراك، وانهيار الحدود الفاصلة بين الحقيقة والوهم.

ويختلف اختيار كلمة «العتمة» عن اختيار كلمة «الظلام» وحدها؛ فالعتمة توحي بدرجة كثيفة من الغموض، كما تحمل إحساسًا بالانغلاق والثقل. وهذا ما تعبّر عنه الجملة الافتتاحية:

"لم يكن مجرد غياب للنور، بل كان كثيفًا، كأن له وزنًا، يخنق الأنفاس ويبتلع الأصوات."

منذ البداية يحرر السرد الظلام من طبيعته المجردة، ويمنحه صفات مادية. فهو «كثيف»، وله «وزن»، ويستطيع أن «يخنق» و«يبتلع». وبذلك يتحول العنوان إلى مفتاح دلالي للنص كله، لأن العتمة ليست خلفية للأحداث، بل هي الكائن الأكبر الذي يحتوي المكان والشخصية والأصوات.

كما يمكن تأويل العتمة كرمز لجزء المجهول من النفس الإنسانية. فالراوي يخشى ما لا يراه، لكنه يكتشف في النهاية أن الخطر الحقيقي لا يوجد في الظلام الخارجي وحده، بل في صورته المنفصلة عنه، وفي احتمالية أن يحل كائن آخر مكانه.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن

هل العتمة حسية فقط أم هي عتمة الروح؟!

البنية السردية وتصاعد الرعب

تقوم القصة على بناء تصاعدي واضح، ويمكن تقسيم مسارها السردي إلى خمس مراحل رئيسية:

 التمهيد الحسي

تبدأ القصة بوصف الظلام والسكون والأنفاس المرتجفة. ولا يقع في هذه المرحلة حدث خارق بصورة صريحة، بل يجري إعداد المتلقي نفسيًا لتوقع الخطر. ويؤدي وصف الظلام  كمادة ثقيلة إلى خلق شعور بالاختناق والعجز.

وتتجلى أهمية هذه البداية في أنها تجعل القارئ يدخل إلى التجربة من خلال الحواس. فلا يرى شيئًا، لكنه يسمع الأنفاس والهمسات والخدوش، ويشعر بالبرد وثقل الهواء. وبذلك يعتمد النص على الحرمان البصري من أجل تنشيط الخيال.

ظهور العلامات الغامضة

تبدأ الظواهر الخارقة من خلال: الهمسات داخل الأذن/الخدوش على الجدران/الباب الذي ينفتح وحده/الخطوات المبللة/الصمت الذي يحل عند إضاءة المصباح.

وتتحرك هذه العلامات من البعيد إلى القريب. فالخدوش تكون على الجدران، ثم ينفتح الباب، ثم تدخل الخطوات إلى الغرفة، ثم يصبح التنفس بجوار الراوي، وأخيرًا تأتي الهمسة مباشرة عند أذنه:"لقد رأيناك".

هذا الانتقال من المحيط الخارجي إلى المجال الجسدي الخاص بالشخصية يرفع درجة التوتر. لم يعد الخطر يسكن المكان فحسب، بل أصبح قادرًا على اختراق المسافة الفاصلة بين الذات والعالم.

 انكشاف العالم المرعب

بعد إضاءة الهاتف يرى الراوي آثار الخطوات الموحلة، ثم يواجه اضطراب المرآة، والجدران التي تنز دمًا، والساعة التي تدق بثوان لا تنتهي. وفي هذه المرحلة تنتقل القصة من الرعب الإيحائي إلى الرعب المشهدي.

ويؤدي هذا التحول إلى تغيير طبيعة المكان. فالبيت الذي يفترض أن يكون مجالًا للأمان يتحول إلى عالم لا يخضع لقوانين الحياة أو الزمن:

"هذا المكان لم يعد بيتي. لقد انتقلت إلى عالم لا يعترف بالزمن أو الضوء"

يفقد المكان هويته الواقعية، كما يفقد الراوي قدرته على تفسير ما يحدث. ومن هنا يبدأ الرعب الوجودي، لأن الشخصية لم تعد تخاف الموت وحده، بل تخاف البقاء في حالة لا يمكن وصفها بالحياة أو الموت.

الاختيار

تظهر العبارة المحفورة على الحائط: "الباب أو المرآة."

تمثل هذه العبارة مركز التحول في القصة. فالراوي يُمنح اختيارًا ظاهريًا بين طريقين، لكن القصة توحي بأن الاختيار نفسه جزء من الفخ. الباب يقود إلى ظلام مجهول، أما المرآة فتقود إلى مواجهة صورة انفصلت عن صاحبها.

وعندما يرى الراوي انعكاسه يبتسم من دون أن يبتسم هو، يدرك أنه لم يكن المحتجز، وإنما كان «البديل». هذه الفكرة تنقل القصة من مطاردة كائن غامض إلى صراع على الهوية والمكان.

مرحلة النجاة الزائفة

يختار الراوي الباب، ويسقط في الظلام، ثم يستيقظ في سريره وسط ضوء الصباح وأصوات العصافير. يوهم هذا المشهد القارئ بانتهاء الكابوس، لكن العبارة المكتوبة على المرآة تعيد فتح دائرة الخوف: "سنراك مجددًا عندما تطفئ النور. "

لا تقدم النهاية نجاة حقيقية، بل هدنة مؤقتة. فالضوء لا يهزم الكائن، وإنما يؤجل ظهوره. كما أن استعمال الفعل «سنراك» يدل على أن التهديد صادر عن جماعة أو كائن متعدد الصور، لا عن مخلوق منفرد.

الراوي العليم

اعتمد النص على ضمير المتكلم، وهو اختيار مناسب لطبيعة الرعب النفسي. فالقارئ لا يعرف أكثر مما يعرفه الراوي، ولا يشاهد إلا ما تسمح به حواسه المضطربة. وهذا المنظور يخلق حالة من الالتباس، لأن الراوي قد يكون شاهدًا موثوقًا على أحداث خارقة، وقد يكون واقعًا تحت تأثير الخوف أو الهذيان.

وتتكرر في النص أفعال الإدراك الحسي مثل: أسمع/ رأيت/ نظرت/ أدركت/ عرفت/ حاولت.

تكشف هذه الأفعال أن التجربة تمر عبر وعي الشخصية، ولا تُقدَّم من مصدر موضوعي محايد. ولذلك يظل القارئ غير قادر على الفصل اليقيني بين ما حدث فعلًا وما يمكن أن يكون انعكاسًا لانهيار نفسي.

غير أن السرد يتجاوز حدود الشك النفسي عندما تظهر الكتابة على المرآة بعد الاستيقاظ. فهذه العلامة الأخيرة تمنح الخطر امتدادًا في العالم الطبيعي، أو توحي بأن الراوي لم يستيقظ أصلًا، وإنما انتقل إلى مستوى آخر من الوهم.

ويتميز الراوي بأنه شخصية بلا اسم ولا تاريخ شخصي واضح. وهذا التجريد يسمح للقارئ بأن يحل محله بسهولة. فالقصة لا تتحدث عن إنسان محدد بقدر ما تقدم تجربة خوف إنسانية عامة، أساسها العجز أمام ما لا يمكن رؤيته أو تفسيره.

 المكان وتحول البيت إلى فضاء معادٍ

المكان الرئيس في القصة هو الغرفة أو البيت، لكنه لا يُوصف من خلال تفاصيل واقعية كثيرة. فلا نعرف شكل الأثاث أو موقع البيت أو المدينة التي يوجد فيها. ويؤدي غياب التفاصيل إلى تحويل المكان إلى فضاء نفسي مغلق، يمكن أن يوجد في أي مكان.

يمر المكان بثلاث حالات:

البيت الواقعي: في البداية يبدو المكان بيتًا مألوفًا، وإن غمره الظلام. لا يزال الراوي قادرًا على تشغيل المصباح والهاتف، ويظن أن ما يسمعه قد يكون وهمًا.

البيت المسكون: مع انفتاح الباب وظهور الخطوات والهمسات، يفقد البيت وظيفته بوصفه ملاذًا. تصبح الجدران مصدرًا للخدوش، والأرض موضعًا للآثار الموحلة، والمرآة منفذًا لظهور الكائن.

العالم البديل: عندما تنز الجدران دمًا وتتوقف الساعة عن أداء وظيفتها الطبيعية، يتحول البيت إلى عالم مستقل لا يعترف بالزمن أو الضوء. وهنا لا يعود المكان وعاءً للأحداث، بل يصبح سلطة تحاصر الشخصية وتفرض عليها قوانينها.

يتفق هذا التحول مع خصائص المكان في أدب الرعب، حيث تنقلب الأشياء المنزلية المألوفة إلى مصادر تهديد. فالباب لا يحمي، والمرآة لا تعكس، والساعة لا تقيس الزمن، والضوء لا يكشف الحقيقة كاملة. وبذلك تنهار الوظائف المعتادة للأشياء، فينهار معها إحساس الراوي بالأمان.

 الزمن ودلالة الانتظار: يظهر الزمن في القصة يعد عنصرًا مضطربًا. ففي البداية يقول الراوي:

"في هذا السكون لم يكن الزمن يتحرك."

ثم تظهر الساعة لاحقًا وهي «تدق بثوان لا تنتهي». والتعبيران يقدمان صورتين متكاملتين للزمن المرعب: زمن متوقف، وزمن متكرر بلا نهاية.

إن الزمن هنا لا يقود إلى خلاص أو تغيير، بل إلى انتظار دائم. وتتضح هذه الفكرة في قول الراوي:

"لا جوع، لا عطش، فقط انتظار. "

فغياب الجوع والعطش يعني أن الشخصية خرجت من النظام الطبيعي للجسد، لكنها لم تحصل على الموت بوصفه نهاية. لقد دخلت في حالة معلقة، لا حياة فيها ولا فناء. ومن ثم يصبح الانتظار شكلًا من أشكال العذاب.

أما العودة إلى الصباح في نهاية القصة فتوحي باستعادة الزمن الطبيعي، لكن الرسالة المكتوبة على المرآة تجعل هذه الاستعادة مشكوكًا فيها. وربما يكون الصباح نفسه جزءًا من دورة زمنية ستنتهي عند حلول الليل وإطفاء النور.

 رمزية الضوء والظلام

تبني القصة في بدايتها تقابلًا مألوفًا بين الضوء والظلام. فالضوء يمثل الأمان والكشف، بينما يمثل الظلام الخطر والإخفاء. غير أن هذا التقابل يتعقد مع تطور الأحداث.

يقول الراوي: "في كل مرة أشعل المصباح، يصمت كل شيء. كأن الظلام وحده من يمنحها الحياة."

توحي هذه العبارة بأن الضوء قادر على إيقاف الظواهر المرعبة. لكن الراوي يكتشف لاحقًا:

"ما يسكن هذا المكان لا يخشى الضوء، بل يتغذى على خوف من يحمله."

تغيّر هذه الجملة طبيعة الصراع. فالضوء لا يملك قوة حقيقية، وإنما يمنح الشخصية شعورًا مؤقتًا بالأمان. والكائن لا يعتمد على الظلام نفسه، بل على الخوف الذي يولده احتمال انطفاء الضوء.

وهنا تصبح العلاقة بين النور والظلام نفسية أكثر منها مادية. فالظلام يتيح للمخيلة أن تنتج صور الخطر، أما الضوء فيكشف بعض الآثار لكنه لا يفسرها. وحين يضيء الراوي هاتفه، لا يختفي الرعب، بل يرى آثار الأقدام والكائن في المرآة. لذلك يؤدي الضوء دورًا مزدوجًا: يحمي من المجهول، لكنه يكشف ما قد يكون أشد رعبًا من المجهول.

وتحتوي العبارة:

"الظلام لم يكن العدو، بل كان المأوى الوحيد لشيء أسوأ."

على قلب دلالي مهم. فالظلام ليس الشر نفسه، وإنما الغطاء الذي يختبئ تحته الشر. وهكذا تنتقل القصة من الخوف من الظلام إلى الخوف مما يستخدم الظلام وسيلةً للعبور.

المرآة وانقسام الذات:

تمثل المرآة أهم رموز القصة وأكثرها ارتباطًا بأزمة الهوية. ووظيفة المرآة الطبيعية هي إعادة صورة الناظر إليها، لكنها في النص تخون هذه الوظيفة. فهي لا تعكس وجه الراوي أولًا، بل تكشف كائنًا خلفه:

"المرآة المقابلة لي لم تعكس وجهي، بل عكست شيئًا طويلًا خلفي، نحيفًا، بلا ملامح، يحدق بي."

ثم تنتقل المرآة من كشف الكائن إلى إنتاج نسخة أخرى من الراوي:

"وفيها رأيت ما يشبهني، يبتسم لي. لكنني لم أبتسم. هو فعل."

في هذه اللحظة تنفصل الصورة عن الأصل وتصبح ذاتًا مستقلة. ولا يعود السؤال متعلقًا بالكائن الذي يقف خلف الراوي، بل بالصورة التي تستعد للحلول مكانه.

ويمكن قراءة المرآة من خلال ثلاث دلالات:

المرآة كبوابة: ليست المرآة سطحًا عاكسًا فقط، بل حد فاصل بين عالمين. وقد يكون الكائن محتجزًا وراءها وينتظر من يمنحه فرصة العبور.

المرآة رمز للذات الخفية: يمثل الانعكاس الجانب المكبوت أو المظلم من شخصية الراوي. ابتسامته المستقلة تعني أن داخل الذات رغبة أو وعيًا لا يخضع للإرادة الظاهرة.

المرآة أداة للاستبدال عندما يقول الراوي إنه «البديل»، يصبح انعكاس المرآة نسخة مرشحة لأخذ مكانه. ويشير ذلك إلى رعب فقدان الهوية، وهو أعمق من الخوف من الموت؛ لأن الموت ينهي وجود الإنسان، أما الاستبدال فيسمح لنسخة غريبة بأن تواصل حياته باسمه ووجهه.

رمزية الباب والاختيار الزائف: يرمز الباب عادة إلى الانتقال والخروج والنجاة، لكنه في القصة يفتح على «ظلام بلا قرار». ومن ثم يحمل معنيين متعارضين: الأمل في الهروب والخوف من المجهول.

أما المرآة، فتوحي بالبقاء والمواجهة، في حين يوحي الباب بالحركة والمغامرة. وعندما يُطلب من الراوي أن يختار بينهما، يبدو أنه يمتلك حرية القرار. لكنه يدرك أن الكائن كان «ينتظر فقط أن أختار»، وهو ما يكشف أن الاختيار قد لا يكون حرًا، بل شرطًا لإتمام الفخ.

يمكن فهم الخيارين على النحو الآتي:

الباب: الهرب من مواجهة الذات، والدخول في المجهول.

المرآة: مواجهة النسخة الأخرى أو(القرين )، مع خطر فقدان الهوية.

الاختيار نفسه: إعلان قبول قواعد العالم المرعب.

وقد اختار الراوي الباب، لكن النهاية لا تثبت أنه نجا. بل ربما أدى اختياره إلى فتح الطريق للكائن، أو إلى نقله إلى واقع آخر يعتقد أنه واقعه الأصلي. لذلك يظل الباب رمزًا لاحتمال الخلاص واحتمال السقوط في آن واحد.

الشخصية الغامضة ودالة "هم"

لا يمنح النص الكائن المرعب اسمًا أو ملامح محددة. إنه «شيء طويل، نحيف، بلا ملامح». ويخدم هذا الغموض طبيعة الرعب؛ لأن الكائن المحدد يمكن فهمه وتصنيفه، أما الكائن بلا ملامح فيظل مفتوحًا على أكثر الاحتمالات إثارة للخوف.

وتتنوع الإشارات إلى القوة الغامضة بين المفرد والجمع. فالراوي يتحدث أحيانًا عن «شيء»، ثم تأتي الهمسة:

"لقد رأيناك."

كما يقول:

"كانوا يهمسون لي: اختر."

ثم تنتهي القصة بعبارة:

"سنراك مجددًا."

يخلق هذا التردد بين المفرد والجمع احتمالين: إما أن هناك مجموعة من الكائنات، أو أن الكائن الواحد قادر على الظهور في صور وأصوات متعددة. وقد يكون استعمال الجمع وسيلة للإيحاء بأن الراوي محاصر من كل الجهات، وأن الخطر أكبر من إمكانية مواجهته.

وعدم تحديد طبيعة هذه الكائنات يمنع النص من التحول إلى قصة وحوش تقليدية. فالرعب لا ينبع من شكل المخلوق، بل من أفعاله وقدرته على التسلل إلى المكان والمرآة والوعي.وربما يكون الراوي مصابًا بالذهان 

اللغة والأسلوب

تعتمد لغة القصة على عدد من التقنيات التي تسهم في بناء أجواء الرعب:

التشخيص: يمنح النص الظلام والمكان صفات الكائن الحي:

"يخنق الأنفاس ويبتلع الأصوات."

بهذا التشخيص يصبح المحيط كله معاديًا، فلا يقتصر التهديد على كائن بعينه.

الصور الحسية: يستثمر النص أكثر من حاسة: السمع: الهمسات والخدوش والخطوات ودقات الساعة/البصر: الدم وآثار الطين والمرآة والضوء الخافت/اللمس: البرد وثقل الهواء/الإحساس الجسدي: ارتجاف الأنفاس واختفاء الصوت.

ويساعد هذا التنوع على إشراك القارئ في التجربة بدلًا من الاكتفاء بوصفها من الخارج.

الجمل القصيرة

تزداد الجمل قصرًا في لحظات الذروة:

"اخترت الباب. قفزت في الظلام. سقطت."

تمنح هذه الجمل السرد إيقاعًا سريعًا، وتحاكي تتابع الأفعال في لحظة الهرب.

التكرار:

يتكرر في النص ذكر الظلام، والأصوات، والخطوات، والضوء. ويؤدي هذا التكرار إلى تثبيت العناصر المرعبة في وعي القارئ، كما يعكس حالة الراوي الذي يدور داخل دائرة من الخوف نفسه.

المفارقة:

من أبرز مفارقات القصة أن الضوء، الذي يُفترض أنه مصدر للأمان، يكشف المشهد الأكثر رعبًا. كما أن الاستيقاظ، الذي يُفترض أن ينهي الكابوس، يصبح بداية تهديد جديد.

الحذف والصمت

يستخدم النص الوقفات والجمل المقتضبة مثل:

"ثم

لا شيء سوى الظلام".

ورغم أن الفصل بين «ثم» وما بعدها يمكن تهذيبه لغويًا، فإنه يؤدي وظيفة نفسية، إذ يصنع فراغًا يشبه لحظة انطفاء الضوء وانقطاع الإدراك.

 الرعب النفسي والرعب الوجودي

لا يقتصر النص على إثارة الخوف من الأشباح أو الأماكن المسكونة، بل يتجاوز ذلك إلى رعب أعمق يرتبط بعدة أسئلة:

- هل يمكن للإنسان الوثوق بحواسه؟

- ماذا يبقى من الذات إذا انفصلت صورتها عنها؟

- هل الموت نهاية، أم يمكن أن يوجد عذاب خارج الحياة والموت؟

- هل الاختيار حر، أم أن الخيارات المطروحة كلها تؤدي إلى الفخ؟

- هل العودة إلى الواقع ممكنة، أم أن الواقع نفسه قد يكون طبقة أخرى من الوهم؟

تمنح هذه الأسئلة القصة بعدها الوجودي. فالراوي لا يواجه خطرًا جسديًا محددًا، وإنما يواجه انهيار معنى الحياة والهوية والزمن. ويظهر ذلك بوضوح في قوله:

"كنت أعتقد أنني ما زلت حيًا، لكن هذا المكان لا يسمح بتلك الفكرة."

تحتوي العبارة على شك في الحالة الوجودية للشخصية. فالراوي لا يستطيع إثبات حياته، كما لا يستطيع إعلان موته. إنه موجود، لكنه محروم من العلامات التي تجعل الوجود حياةً إنسانية.

 النهاية المفتوحة

تستند النهاية إلى تقنية الاطمئنان الكاذب. فبعد المشاهد المتوترة يستيقظ الراوي في سريره، ويملأ الضوء الغرفة، وتزقزق العصافير. تمثل هذه العناصر عودة إلى النظام الطبيعي، وتقابل الظلام والصمت والأصوات المرعبة.

لكن الكلمات المكتوبة على المرآة تقوض هذا النظام:

"سنراك مجددًا عندما تطفئ النور."

وتحمل النهاية عدة تأويلات

- تؤكد أن التجربة لم تكن حلمًا عابرًا، أو على الأقل تجعل هذا التفسير غير كافٍ.

- تربط عودة الرعب بفعل يومي لا يمكن تجنبه، وهو إطفاء النور.

- تجعل القارئ شريكًا في الخوف؛ لأن كل قارئ سيضطر إلى مواجهة الظلام.

- تفتح احتمال تكرار الحكاية في دورة جديدة.

- تثير الشك في حقيقة الشخص الذي استيقظ، وهل هو الراوي الأصلي أم نسخته.

وتزداد فعالية النهاية بسبب تحول التهديد من الماضي إلى المستقبل. فالأحداث السابقة انتهت ظاهريًا، لكن عبارة «سنراك مجددًا» تجعل الرعب وعدًا مؤجلًا لا ذكرى منتهية.

ومجمل القول إنَّ:

 قصة "العتمة “تقدم تجربة ناجحة في بناء الرعب النفسي من خلال فضاء مغلق، وراوٍ وحيد مضطرب مصابا بالذهان ، وعناصر محدودة تتكرر وتتطور: الظلام، الضوء، الأصوات، الباب، والمرآة. وقد نجح النص في الانتقال من خوف حسي ناتج عن الأصوات والخطوات إلى خوف وجودي يرتبط بفقدان الهوية، وتوقف الزمن، واحتمال استبدال الإنسان بنسخة غريبة منه.

تكمن أقوى عناصر القصة في صورة المرآة التي تستقل عن صاحبها، وفي الاختيار بين الباب والمرآة، وفي النهاية التي تحول الاستيقاظ من نجاة إلى هدنة مؤقتة. كما أن عدم تحديد طبيعة الكائن يجعل الرعب أكثر اتساعًا، لأن المجهول يحتفظ بقوته ما دام بلا اسم ولا ملامح.

ومن ثم يقود الرعب لسؤال: هل يخاف الإنسان ما يختبئ في الظلام، أم يخاف أن يكتشف في الظلام صورة أخرى لنفسه تستعد لأخذ مكانه؟

***

د. نجلاء نصير

................

العتمة

الظلام دامس هنا. لم يكن مجرد غياب للنور، بل كان كثيفًا، كأن له وزنا، يخنق الأنفاس ويبتلع الأصوات.

في هذا السكون لم يكن الزمن يتحرك. وحدها أنفاسي المرتجفة تفضح وجودي.

ثمة أشياء لا تتحرك إلا في الظلام. لم أكن أصدق هذا الكلام، حتى تلك الليلة حين بدأت أسمع الهمسات كأنها داخل أذني، ثم الخدوش على الجدران، كأن شيئًا يزحف بخبث، يقترب لكنه لا يرى. في كل مرة أشعل المصباح، يصمت كل شيء. كأن الظلام وحده من يمنحها الحياة.

الرعب يسيطر على المشهد من حولي. حاولت أن أتجاهله، أن أقنع نفسي بأنه وهم، لكن الباب انفتح وحده وتسلل البرد إلى عظامي. خطوات بطيئة، مبللة، تتردد على أرض الغرفة. ولم يكن هناك أحد.

أدركت الحقيقة متأخرًا: ما يسكن هذا المكان لا يخشى الضوء، بل يتغذى على خوف من يحمله.

وها أنا الآن وحدي، والضوء ينطفئ.

ثم.

لا شيء سوى الظلام، لكني ما زلت أسمعهم. الخطوات لم تتوقف، بل اقتربت أكثر، هذه المرة كانت بجانبي تماما. حاولت الصراخ، لكن صوتي اختفى كما اختفى النور. الهواء صار أثقل، كأن أحدهم يتنفس معي في نفس المكان.

سمعت همسة قريبة من أذني:

«لقد رأيناك.»

أضأت هاتفي بسرعة.

 الضوء خافت يرتعش كما أرتعش أنا، لكنه كان كافيًا لأرى أثر خطوات موحلة على الأرض. وكانت تبدأ من حيث أقف، ولا تنتهي في أي مكان.

المرآة المقابلة لي لم تعكس وجهي، بل عكست شيئًا طويلا خلفي، نحيفا، بلا ملامح، يُحدق بي.

أغمضت عيني حاولت أن أفتحهما لأكتشف أنني ما زلت في نفس الغرفة، لكن كل شيء تغير الجدران تَنزُّ دَمًا، والساعة تدق بثوان لا تنتهي.

هذا المكان لم يعد بيتي. لقد انتقلت إلى عالم لا يعترف بالزمن أو الضوء. وعرفت حينها ، أنَّ الظلام لم يكن العدو، بل كان المأوى الوحيد لشيء أسوأ.

كنت أعتقد أنني ما زلت حيا، لكن هذا المكان لا يسمح بتلك

الفكرة. لا جوع، لا عطش، فقط انتظار.

والأصوات دائما تلك الأصوات.

في كل زاوية، في كل صمت، كانوا يهمسون لي:

«اختر.»

لم أفهم. اختر ماذا؟ الموت؟ الجنون؟

ثم ظهرت العلامة على الحائط، بخط محفور كأنما بأظافر:

الباب أو المرآة.

نظرت إليهما. الباب القديم، الذي يفتح على ظلام بلا قرار والمرآة التي تعكس وجها لم يعد يشبهني.

اقتربت من الباب أولا . وضعته على المحك. خلفه أصوات بكاء، خطوات، ثم صمت مفاجئ.

عدت للمرآة، وفيها رأيت ما يُشبهني، يبتسم لي. لكنني لم أبتسم. هو فعل.

فهمت متأخرًا: أنا لم أكن المحتجز ، بل البديل. الشيء الذي

يطاردني كان ينتظر فقط أن أختار.

اخترت الباب. قفزت في الظلام. سقطت.

واستيقظت في سريري الضوء يملأ الغرفة، العصافير تزقزق.

كل شيء طبيعي.

لكن على المرآة، بخط مائل ومرسوم ببطء، ظهرت الكلمات "سنراك مجددًا عندما تطفئ النور"

***

أماني عزالدين

في المثقف اليوم