قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: دراسة نقدية موسَّعة لقصيدة الشاعر السوري توفيق أحمد
بعنوان: "أسئلة"
تأتي قصيدة «أسئلة» لتوفيق أحمد بوصفها نصاً قلقاً يتخذ من السؤال جوهره، ومن الشك أفقه الجمالي والفكري، حيث يُعيد الشاعر مساءلة اللغة، والتراث، ووظيفة الشعر في عالم مأزوم بالمعنى. وتسعى هذه الدراسة إلى مقاربة القصيدة نقدياً، كاشفةً بنيتها اللغوية والجمالية والفكرية، ومبيّنةً موقعها ضمن سياقها الثقافي بوصفها فعل مقاومة جمالية واستعادة لدور الشعر بوصفه سؤالًا مفتوحاً.
القصيدة بوصفها بياناً شعرياً، لا تُقرأ قصيدة «أسئلة» بوصفها نصاً وجدانياً أو تأملياً فحسب، بل يمكن عدّها بياناً شعرياً نقدياً يعلن موقف الشاعر من: اللغة، البلاغة، التراث، الحداثة.
- وظيفة الشعر ذاتها.
إنها قصيدة تسائل الشعر بالشعر، وتضع الشاعر داخل محرقة الوعي الجمالي، حيث لا يقين إلا السؤال، ولا خلاص إلا بالكتابة.
أولًا: الأسس اللغوية والبلاغية
1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:
اللغة في القصيدة سليمة نحوياً وصرفياً، لكنها ليست حيادية؛ بل لغة مشدودة إلى أقصى طاقتها الدلالية.
يعتمد الشاعر توفيق أحمد على:
جُمل فعلية متوترة («أنا لا أقول»، «عندي كلام»، «هذا الفراغ يقودني»)
ضمير المتكلم بوصفه مركزاً للخطاب (أنا/عندي/أريد)
الانزياح اللغوي يتجلّى في:
تشخيص المجرّد («الفراغ يصوغ قيد الهلوسات»)
قلب الوظائف البلاغية («أحبّ الجراح»، «عرس الأغنيات لمأتمي»)
وهنا تتحوّل اللغة من أداة وصف إلى ساحة صراع معرفي.
2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:
فصاحة النص ليست زخرفية، بل احتجاجية:
الألفاظ مألوفة، لكن علاقاتها غير مألوفة
لا انفصال بين اللفظ والمعنى؛ إذ إن التوتر الدلالي هو المعنى ذاته
اللغة ملائمة تماماً لموضوع القصيدة:
قصيدة تسائل البلاغة لا يمكن أن تُكتب بلغة مطمئنة.
3. الإيقاع والمعمار الصوتي:
القصيدة موزونة على بحر الكامل في أغلب مقاطعها، مع انزياحات إيقاعية مقصودة.
القافية متحرّكة وغير رتيبة.
الجرس الصوتي قائم على:
١- تكرار الصوامت القاسية (ق، ك، ص، ض)
٢- مقابلة بين أصوات الاحتقان والانفجار.
٣- الموسيقى الداخلية تتولّد من:
التكرار («أنا لا أريد…»، «عندي…»)
٤- الاستفهام العائد («هل غادر الشعراء…»)
٥- الإيقاع هنا فكري بقدر ما هو سمعي.
ثانياً: الأسس الجمالية والفنية
1. البنية الفنية للنص:
القصيدة ليست سرداً، لكنها تمتلك سردية فكرية:
١- بداية: إعلان القلق.
٢- وسط: تفكيك اللغة والبلاغة.
٣- نهاية: الدعوة إلى تجاوز إبداعي.
المنهج الوصفي يتداخل مع التحليل، لكن الغالب هو:
المنهج التحليلي الجدلي مع أسلوب مقارن ضمني (القصيدة الحديثة - البلاغة القديمة).
2. الرؤية الفنية.
رؤية الشاعر للعالم:
١- العالم مأزوم لغوياً
٢- البلاغة التقليدية عاجزة.
٣- الشعر الحقيقي فعل مقاومة معرفية.
٤- الشكل (قصيدة تساؤلية، متكسّرة، احتجاجية) منسجم كلياً مع المضمون (رفض الجاهز).
3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي.
الإبداع لا يكمن في الصورة فقط، بل في:
١- تفكيك مفهوم البلاغة.
٢- رفض القوالب («أنا لا أريد على البلاغة قيّمًا»).
٣- إنتاج دهشة فكرية لا حسّية.
القصيدة تتجاوز المألوف لأنها تجعل السؤال مادة شعرية.
ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية
1. الموقف الفكري:
القصيدة تطرح أسئلة وجودية وفكرية:
١- ما الشعر؟
٢- ما دور الشاعر؟
٣- هل اللغة قادرة على قول الحقيقة؟
وترفض:
١- العنف باسم الجمال
٢- القتل باسم العقيدة أو اللغة
السلطة الجمالية الجاهزة
2. الأفق المعرفي
النص يتقاطع مع:
التراث (الاقتباس الواعي من زهير: هل غادر الشعراء…)
الحداثة الشعرية
الفكر الصوفي (الأسئلة، القلق، الكشف)
لكن دون انتماء أيديولوجي صريح.
3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)
في العمق، القصيدة تقول:
اللغة مأزومة، لكن الصمت ليس حلًّا،
والسؤال هو النجاة.
السؤال هنا ليس نقصاً، بل شرط المعرفة.
رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية
1. سياق النص:
القصيدة تُكتب في سياق:
١- أزمة عربية عامة.
٢- عنف رمزي ومادي.
٣- تآكل المعنى في الخطاب العام.
2. تطور النوع الأدبي
تنتمي إلى:
١- الشعر العربي الحديث
٢- مرحلة ما بعد الحداثة النقدية حيث القصيدة تُراجع ذاتها
3. علاقتها بالتراث
التراث حاضر:
لا بوصفه قداسة، بل بوصفه مادة مساءلة.
الاقتباس من زهير بن أبي سلمى تفكيكي لا استدعائي.
خامساً: الأسس النفسية
1. البنية الشعورية
النص مشحون بـ:
١- قلق معرفي.
٢- غضب واعٍ.
٣- توتر إبداعي.
2. تحليل الشخصية
الذات الشعرية:
ناقدة، غير منكسرة، ترفض الامتثال
3. النبرة النفسية.
النبرة الغالبة:
احتجاج تأملي لا صراخ فيه.
سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية
1. علاقة النص بالواقع
القصيدة تُدين: تزييف الخطا، السلطة الرمزية. تحويل الجمال إلى أداة قمع
2. الخطاب الاجتماعي.
رفض صريح:
١- للطاعة العمياء
٢- للأخلاق المصطنعة
٣- للبلاغة السلطوية
3. الشاعر كفاعل اجتماعي
توفيق أحمد يظهر:
مثقفًا نقدياً، لا شاعر عزلة، بل صاحب موقف
سابعاً: الأسس السيميائية
1. الرموز
١- النار: القلق/الوعي
٢- الفراغ: ضياع المعنى
٣- القيد: اللغة المؤدلجة
2. الثنائيات
١- المعنى / الهراء
٢- اللغة / الصدأ
٣- الجمال / العنف
3. النظام الرمزي
نظام يقوم على:
تفكيك اللغة بوصفها سلطة
ثامناً: الأسس المنهجية
الدراسة اعتمدت:
١- المنهج الأسلوبي
٢- المنهج التفكيكي
٣- التحليل النفسي غير الاختزالي
٤- التأويل الهيرمينوطيقي
بصرامة وتكامل.
- خاتمة:
قصيدة «أسئلة» ليست نصاً يُقرأ، بل موقفاً يُفكَّر فيه.
إنها قصيدة تعلن أن:
الشعر الحقيقي لا يطمئن، ولا يجيب،
بل يُبقي السؤال مفتوحاً كي يبقى الإنسان حيّاً.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين
..........................
أســـئلة
شعر: توفيق أحمد
أنا لا أقولُ و«ألفُ نارٍ في دمي»
هل غادر الشعراء من متردَّم
*
عندي كلام لم يزل يحتلني
ويضيفُ أسئلة الجنون إلى دمي
*
عندي جراحٌ ما أزال أحبُها
لأضيف عرس الأغنيات لمأتمي
*
أنا لست أحتقر النجوم لبعدها
عنّي وأكره قرب كلّ منجّم
*
الاستعاراتُ القديمةُ أَخْفَقَتْ
في حلِّ بعض توحُّشي وتأزُّمي
*
وَهَوَتْ بِيَ اللغةُ العجوزُ لشرفةٍ
أُخرى وأسلمني الصراخُ إلى فمي
*
هذا سؤالُ أَستعينُ بكم على
ما فيه من صوفيّةٍ وتكلُّمِ
*
أنا لا أريد القتلَ ضَرْبَ هوايةٍ
لكنْ أريد الآن كشف المجرم
*
هذا الفراغ إلى الفراغ يقودني
ويصوغ قيد الهلوسات لمعصمي
*
لا وقت للمعنى فما هذا الذي
يجري بقاموس الهراء المظلم
*
هي حكمتي أُفضي بها لجميعِ مَنْ
ستُثيرُهُمْ عفويتي وتهكُّمي
*
شُقُّوا ثيابَ الأمس إني تائبٌ
عما به من زائفٍ ومنمنم
*
شقوا العصا عن طاعةٍ لم تعطنا
وقتاً به قلقُ القصيدة يحتمي
*
أنا ضدُّ تدمير الجمال حماقةً
بيدٍ تحدّدُ جنتي وجهنمي
*
لغةٌ بلا لغةٍ وأكسَدةٌ بها
صَدِئَ الكلامُ وصار مَحْضَ توهُّمِ
*
سبحان هذا الشعر إبداعاً بلا
فوضى وطيشٍ عابرٍ وتشرذم
*
أنا لا أريد على البلاغة قيِّماً
فالشعرُ لا يَعنيه شَكْلُ القَيِّمِ
*
إنَّا نُريدُ قصيدةً لم نَكْتَشِفْ
بحراً لها ووليدةً لم تُفْطَمِ
*
الشعرُ خارطةُ الجمال وكيفما
صَحَّتْ لك الأمداءُ فيه فَحَوِّمِ
*
جاوزْ إذا كان التجاوُزُ مُبْدِعاً
هل غادر الشعراء من مُتَرَدَّمِ
***







