قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: دراسة نقدية لقصيدة الشاعرة اللبنانية كوثر فقيه "عامٌ انقضى"
تُعدّ القصيدة الحديثة فضاءً مركّباً تتقاطع فيه اللغة بالفكر، والجمال بالمعرفة، والتجربة الفردية بالسياق الجمعي، بحيث يغدو النصّ الشعري وثيقةً جماليةً تكشف عن أنماط الوعي الإنساني في لحظة تاريخية محدّدة. وفي هذا الإطار، تبرز قصيدة «عامٌ انقضى» للشاعرة اللبنانية كوثر فقيه بوصفها نصّاً تأمّلياً كثيف الدلالة، يُعيد مساءلة الزمن لا باعتباره تعاقباً حسابياً للأيام، بل بوصفه تجربةً وجوديةً مثقلة بالألم، والبحث، والمقاومة، والرجاء.
لا تتعامل الشاعرة مع العام المنصرم كذكرى عابرة أو سجلّ أحداث، بل تُحوّله إلى بنية رمزية تُجسّد علاقة الإنسان المعاصر بذاته وبالعالم؛ علاقة يشوبها القلق والاغتراب، لكنها لا تخلو من إرادة الصمود والانبعاث. ومن هنا، فإنّ النصّ يتجاوز حدود البوح الشخصي ليؤسّس خطاباً إنسانياً عاماً، تتداخل فيه الأسئلة الوجودية بالأبعاد النفسية والاجتماعية والثقافية، ضمن معمار لغوي مشدود إلى التكثيف والانزياح الدلالي.
وانطلاقًا من هذا التصوّر، تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة القصيدة مقاربةً نقديةً شاملة، تعتمد تعدّد المناهج وتكاملها، من التحليل اللغوي والبلاغي، إلى القراءة الجمالية والفنية، فالتأويل الفكري والفلسفي، وصولًا إلى الأبعاد النفسية والسوسيولوجية والسيميائية. وتهدف هذه المقاربة إلى الكشف عن البنية العميقة للنص، واستجلاء آليات اشتغاله اللغوي والدلالي، وبيان موقعه ضمن سياق الشعر العربي المعاصر، بوصفه نصًّا يُعبّر عن كينونة الإنسان في زمنٍ مأزوم، ويؤكّد، في الآن ذاته، قدرة الشعر على تحويل الألم إلى وعي، والزمن المنقضي إلى معنى قابل للاستمرار.
أولًا: الأسس اللغوية والبلاغية:
1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:
تنهض القصيدة على لغة عربية فصيحة سليمة في عمومها، تخلو من الكسور النحوية الجسيمة، وتعتمد جُمَلًا خبرية قصيرة ومتوسطة الطول، ما يمنح النص إيقاعاً متدرّجاً متماسكًا.
الأسلوب يقوم على التراكم الدلالي عبر جمل متعاطفة، دون انقطاع فجائي أو قفز غير مبرّر، وهو ما ينسجم مع فكرة الزمن المتراكم (عامٌ كامل).
تُلاحظ انزياحات لغوية واعية، مثل:
١- لياليه المحشوّة بالأرق
٢- أسرّة الأسى
٣-جدار الوعي
٤-أنفاق الروح
وهي انزياحات لا تُثقِل اللغة، بل ترفعها من المباشر إلى المجازي دون غموض مُفرِط.
2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير
الألفاظ المختارة ذات حمولة شعورية مناسبة للموضوع (الأرق، الصخب، الأسى، المواجع، العطش، الكبد)، ويظهر توازن دقيق بين اللفظ والمعنى؛ فلا إسراف في البلاغة ولا فقر في التعبير.
اللغة هنا ملائمة تمامًا لموضوع الزمن الوجودي القاسي، إذ تتجنّب المفردات المضيئة الساذجة لصالح قاموس الألم والصبر والمقاومة.
3. الإيقاع والمعمار الصوتي
القصيدة تنتمي إلى قصيدة النثر ذات الإيقاع الداخلي، حيث:
يتولّد الإيقاع من:
١- التكرار (مرّ… مرّ، لهثنا، انتفضنا)
٢-:التضاد (خفيفة/ثقيلة – أجساد/نفس)
٣-الجرس الصوتي للألفاظ (الأرق، الصخب، الأسى، الوجع)
لا تعتمد القصيدة وزناً خليلياً ولا قافية ثابتة، لكنها تحقق موسيقى داخلية هادئة، تتناسب مع نبرة التأمّل لا الانفعال الصاخب.
ثانيًا: الأسس الجمالية والفنية
1. البنية الفنية للنص:
البنية قائمة على سرد شعري تأمّلي:
١-الزمن: عام كامل (زمن دائري، ٢- ٢- مغلق، لكنه قابل للتجاوز)
٣- الشخصية: ذات جماعية (أرواحنا، هزمناه، لهثنا)
٤- الحدث: صراع الإنسان مع الزمن والألم والمعنى
المعمار الشعري يتقدّم من:
١- توصيف الزمن
٢- توصيف الألم
٣- مقاومة الألم
تجاوز الألم (النور – الروح)
وهو بناء تصاعدي منطقي متماسك.
2. الرؤية الفنية:
تنظر الشاعرة كوثر فقيه إلى العالم من منظور إنساني وجودي، لا عدمي ولا استسلامي.
فالعالم قاسٍ، نعم، لكن الإنسان:
عرف كيف يروّض شراهة الحياة للوجع
وهنا يتحقق انسجام واضح بين الشكل الهادئ والمضمون الصبور.
3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي :
لا تقوم القصيدة على مفاجآت لغوية صادمة، بل على دهشة هادئة نابعة من صدق التجربة.
الانزياح الجمالي يتمثّل في تحويل المعاني المجرّدة (الزمن، الألم، الوعي) إلى صور حسّية قابلة للتخييل.
ثالثًا: الأسس الفكرية والفلسفية
1. الموقف الفكري للنص
النص يطرح أسئلة وجودية واضحة:
معنى العيش وسط الألم
جدوى البحث عن المعنى
قدرة الإنسان على الصمود
وهو موقف يقترب من الفلسفة الوجودية الإنسانية (كامو – مارسيل)، دون تبنٍّ صريح.
2. الأفق المعرفي
تتداخل في النص:
مرجعية دينية: «الروح من أمر خالقها»
مرجعية إنسانية كونية: فكرة الكبد، الصبر، المقاومة
وهذا التداخل يمنح النص أفقًا حداثيًا غير قاطع مع التراث.
3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)
على المستوى التأويلي، يمكن قراءة القصيدة بوصفها:
نصًا عن الإنسان العربي المعاصر
أو عن الذات الأنثوية الصابرة
أو عن الزمن السوري الجريح (قراءة غير مباشرة)
طبقات المعنى مفتوحة، غير مغلقة على تأويل واحد.
رابعًا: الأسس التاريخية والثقافية
1. سياق النص
القصيدة تُكتب في زمن عربي مثقل:
١- بالحروب
٢- بالاغتراب
٣- بالقلق الوجودي
لكن الشاعرة لا تُسمّي السياق صراحة، بل تشفّره شعريًا.
2. تطوّر النوع الأدبي
النص ينتمي إلى قصيدة النثر التأملية، ضمن مسار تطورها العربي، مع نبرة أنثوية هادئة.
3. الارتباط بالتراث
يحضر التراث:
قرآنيًا (خُلق في كبد)
بلاغيًا (التشبيه، الاستعارة)
دون استدعاء مباشر للأسطورة أو الشعر القديم.
خامسًا: الأسس النفسية
1. البنية الشعورية
القصيدة مشبعة بمشاعر:
١- القلق
٢- التعب
٣- البحث
٤- الأمل الحذر
وهي مشاعر تتكامل ولا تتنافر.
2. تحليل الشخصية:
الذات هنا ذات جمعية متعبة لكنها واعية، لا ضحية سلبية ولا بطلة متعالية.
3. النبرة النفسية:
النبرة الأساسية: صبر وجودي هادئ، يخلو من الصراخ أو الشكوى المباشرة.
سادسًا: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية
1. علاقة النص بالواقع الاجتماعي
النص يلامس:
١- اغتراب الإنسان
٢- استنزاف العمر
٣- البحث عن مأوى نفسي
2. الخطاب الاجتماعي
يحضر نقد ضمني لقسوة الواقع، دون خطاب أيديولوجي مباشر.
3. الشاعرة فاعل اجتماعي
تؤدي الشاعرة دور الشاهد الإنساني لا المُنظِّر.
سابعًا: الأسس السيميائية
1. الرموز والعلامات
١- العام: الزمن
٢- العطش: الحرمان الوجودي
٣- النور: الأمل/الوعي
٤- الروح: الثبات
2. شبكات التقابل
١- العطش / الإشباع
٢- الظلام / النور
٣- الكبد / الروح
3. النظام الرمزي
النص ينتظم حول رمزية الصمود.
ثامنًا: الأسس المنهجية
القراءة اعتمدت:
١- المنهج الأسلوبي
٢- التحليل النفسي
٣- التأويل الهيرمينوطيقي
٤- المقارنة الضمنية مع شعر التأمل الحديث
والنص يحتمل هذه المناهج دون مقاومة.
الخلاصة النقدية
قصيدة «عامٌ انقضى» نصّ ناضج، متوازن، يمتلك:
١- لغة سليمة
٢- رؤية إنسانية
٣- بنية فنية واضحة
٤- عمقًا تأويليًا مفتوحًا
وهي قصيدة لا تصرخ، بل تضيء، ولا تُعلن البطولة، بل تؤكد الاستمرار.
نصّ يؤشّر إلى صوت شعري صادق، قابل لمزيد من التوهّج والتجذّر في التجربة الإنسانية.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين
..........................
عامٌ انقضى
الشاعرة السورية كوثر فقيه
انتهى عامٌ كامل
بلياليه المحشوّة بالأرق
ونهاراته المسكونة بالصّخب
مرّت بعض أيّامه خفيفةً كضوء
ومرّ بعضها الآخر ثقيلاً كوهم
تمرّدت فيه أرواحنا ضدّ الألم
هزمناه مراراً
وأسقَطَنا مرّاتٍ أخرى على أسرّة الأسى
نلعق مرّ المواجع
تشاغلنا عن داخلنا
كي لا نصطدم بحائطٍ أجوف
معلّق بين سمائنا وأرض الواقع
خضنا حروباً مع الأسئلة
المسدلة كصنّارة صيّاد
تتوق لالتقاط فتات معنى
من معاني الوجود الّتي أرهقت بواطننا
أنفقنا السّاعات الثمينة من حصاد أعمارنا
ونحن نفتّش لنا على هذه الأرض
من فيء تستظلّ فيه أرواحنا المتعبة
لهثنا لنُشبِع أجسادنا والنّفس عطشى
استرسل الوقت في كيّنا
وكلّما لجمتنا أعقاب الآلام
انتفضنا أكثر
لأنّ الإنسان الذي خُلق في كبد
عرف كيف يروّض شراهة الحياة للوجع
وقفز من فوق جدار الوعي
استطاع أن يلتقط النّور
ووصل إلى أعماق أنفاق الرّوح
والرّوح من أمر خالقها
لا تنطفئ.
كوثر فقيه







