أقلام فكرية
رائد عبيس: نظرية التبرير الأخلاقي
أكثر تساؤل يرد في نظرية التبرير الأخلاقية هو السؤال: ما الذي يجعل بعض الأحكام الأخلاق، معيارية؟ واذا تساءلنا مع أمبرتو إيكو مع سؤاله "فهل نحن امام شعور قوي قادر على تبرير أخلاق محددة وثابتة ومبنية كالتي يؤمن بها المؤمنون بالوحي وخلود الروح وفي الثواب والعقاب؟"
نقول في إجابة هذا السؤال هو أن الفعل الذي ينشأ عن قيمية صادقة وعقلانية ومنطقية سوف يكسب كل المعايير التي تم السؤال عنها، ويحقق الهدف الأساس وهو الخير، فالقيمة الجوهرية في أي فعل يبرهن عن تلك المعايير يعد مكتمل المعايير وفقا لقواعد العقل.
فلا يمكننا إثبات الأحكام الأساسية المتعلقة بالقيمة الجوهرية بالمعنى الدقيق للكلمة، لكن هذا لا يعني أننا لا نستطيع تبريرها أو الادعاء بشكل معقول بتبريرها، وأن كانت تحمل مصداق الفعل وقبوله؛ لأن معايير الاستحسان مختلفة بين بني البشر.
ولكن كيف يمكننا توحيد القواعد الأخلاقية بقدر معين؟ من خلال تبني معيار التقييم، ومن دون أي قيد أو وصف، مثل معيار الأخلاقي، ثم محاولة معرفة الحكم الذي نتوصل إليه عند القيام بهذا التقييم، مع الأخذ بنظر الاعتبار الأمر المطروح كليًا وبناءً على طبيعته الجوهرية، وليس على نتائجه أو شروطه، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن يكون معيار التقييم صارماً ومستندا الى تلك القواعد التي وصفنا بها مفاهيم المعيارية الثلاثة، وإن يتمتع المقيم برؤية واضحة، ومحايدة، وموضوعية.
فإذا تقيد أي شخص بهذه المعايير فأنه ينتهي إلى أحكام أقرب للصواب إن لم تكن كذلك، حتى لو لم يستطع إثبات أحكامه، وبذلك، يدعي المرء أن كل من يفعل الشيء نفسه سيوافقه الرأي بالنتيجة ؛ ويكون حكمه مُبررًا بالفعل إذا كان هذا الادعاء صحيحًا، وهو أمر، لا يمكن للمرء التأكد منه أبدًا إذا لم يوافقه الآخرون الذين يدّعون أيضًا الهدوء والاتزان، ويجب على المرء إعادة النظر لمعرفة ما إذا كان كلا الجانبين يتخذان بالفعل وجهة النظر التقييمية، مع مراعاة السمات الجوهرية فقط، وفهم بعضهما بعض بوضوح، ولا يمكن للمرء فعل أكثر من ذلك، وإذا استمر الخلاف، فقد يظل بإمكان المرء الادعاء بأنه على صواب، لكن يجب أن يكون المرء منفتح الذهن ومتسامحًا.
ومتبنيا للمنظور الأخلاقي على الدوام، لا منظور حب الذات، أو المنظور الجمالي، ولا المنظور الأكثر عمومية، أو المنظر المتضمن في أحكام القيمة الجوهرية الذي يجب أن نكون أيضًا أحرارًا، محايدين، مستعدين للتعميم، واضحين مفاهيميًا، ومطلعين على جميع الحقائق ذات الصلة المحتملة فيه، وإن كانت تتخلل ذلك المنظور نزعة نفعية تصب في مصلحة القيمة الاخلاقية.
حينها يكون لنا الحق في الحكم على أن فعلًا معينًا أو نوعًا معينًا من الأفعال صحيح، أو خاطئ، أو واجب، وفي الادعاء بأن حكمنا صحيح موضوعيًا، على الأقل طالما لا يخالفه أحد ممن يفعلون الشيء نفسه، يكون حكمنا أو مبدأنا مبررًا حقًا إذا صمد تحت التدقيق المستمر على هذا النوع من المنظور الأخلاقي من جانب الجميع. لنفترض أننا صادفنا شخصًا يدعي أنه يفعل هذا ولكنه يتوصل إلى استنتاج مختلف، إذن علينا أن نبذل قصارى جهدنا، من خلال إعادة النظر والنقاش، لنرى ما إذا كان أحدنا يُقصّر في استيفاء الشروط بطريقة ما إذا لم نجد أي تقصير من أيٍّ منا، ومع ذلك نختلف، فقد ندّعي، بل أعتقد أنه لا بدّ لكلٍّ منا، أنه على صواب؛ لأن الشروط لا تُستوفى تمامًا من قِبَلنا معًا، وقد يتبين أن أحدنا مُخطئ في نهاية المطاف. إذا كان ما قيل عن النسبية صحيحًا، فلا يُمكننا أن نكون على صواب معًا. لكن يجب أن نكون منفتحين ومتسامحين إذا أردنا الاستمرار في العيش ضمن إطار النظم الاخلاقية العامة، وعدم اللجوء إلى القوة أو غيرها من الوسائل غير الاخلاقية، وهذا يتطابق مع القاعدة الأخلاقية التي يقدمها سبينوزا : " عندما نحب شيئا مماثلا لنا، فنحن نبذل قصارى جهدنا كي نجعله يحبنا بدوره ".
إذا كان هذا المنطق مقبولاً، فيمكننا القول إن الحكم الأخلاقي الأساسي، أو المبدأ، أو القانون، يكون مبرراً أو صحيحاً إذا كان متفقاً عليه، أو سيُتفق عليه، من قِبل كل من يتخذ وجهة النظر الأخلاقية، ويتسم بالوضوح والمنطق، ويعرف كل ما له صلة بنفسه وبالآخرين، وهنا تكون عندها القاعدة الأخلاقية متسامية ومتعالية.
إن حقيقة الأحكام الأخلاقية تدعي وجود إجماع بين الآخرين، فلا تعني أن الفرد يخضع بالضرورة لحكم الأغلبية في مجتمعه. فهو لا يدعي وجود إجماع فعلي، بل يدعي أنه في النهاية هناك تقييم لصالح القيم الحقيقية، وهو أمر لا يحدث أبداً، أو يحدث فقط بالفرضيات المثالية والأفكار الطوباوية – وربما سيوافق على موقفه أولئك الذين يراجعون الحقائق ذات الصلة بحرية ووضوح من وجهة النظر الأخلاقية المفترضة، وعلى حد تعبير أريك فروم " الناس... يختلفون في أنواع المثل التي يعتقدون بها ".
بعبارة أخرى، هو يدعي وجود إجماع مثالي يتجاوز غالبية الافراد والمجتمعات الفعلية، وقد يكون مجتمعه، وقانونه، ومؤسساته على خطأ، وهنا تبرز استقلالية الفاعل الأخلاقي، وعليه أن يتخذ وجهة النظر الأخلاقية، وأن يسعى في نهاية المطاف إلى التوصل إلى إجماع مع الآخرين الذين يفعلون ذلك، لكن عليه أن يحكم بنفسه، ووفقا لقانون الأخلاق وقواعدها المنطقية.
***
د. رائد عبيس






