عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

سعاد بسناسي: تأويلُ الإضمار البيانيّ وسردُ المجاز في الرّواية العربيّة المعاصرة

الملخًّص: يرومُ هذا البحث الكشفَ عن التَّفاعلات الجماليَّة والتّواصليّة بين الرّؤيا السّرديّة والخطاب البيانيّ في البناء النصّيّ الرّوائيّ، من خلال التّركيز على تقنيّات الإضمار والمجاز بوصفهما وسيلتين لخلق طبقات من المعنى تتجاوز المباشر إلى التّأويليّ. يتمّ استقراء نماذج أدبيّة روائيّة عربيّة معاصرة مختارة تُظهر كيف يُوظّف الإضمار كاستراتيجيّة لخلق فراغات دلاليّة تنفتح على تعدّد التّأويلات، وكيف يتكامل المجاز مع الرّؤيا السّرديّة ليمنح النّص بعدًا رمزيًّا يُثري التّواصل بين المبدع والمتلقّي.

يناقشُ البحثُ أيضًا كيف يُسهِم هذا التَّداخل بين السَّرد والبيان في تفعيل آليَّة الإقناع والتَّأثير، ويطرح رؤية نقديَّة تحليليّة حول التّوازن الفنّيّ بين الوضوح والإبهام، والظّاهر والخفيّ، في الكتابة الأدبيّة الحديثة. كما يُفكّك البنية البلاغيّة للنّصوص محلّ الدّراسة باعتماد منهج تحليليّ تركيبيّ، يجمعُ بين المقاربة السّيميائيّة والبلاغية والنّقد السّرديّ، لبيان كيفيّة اشتغال الخطاب داخل النّصوص كبنية متعدّدة الأصوات والدّلالات.

الخطاب البيانيّ التّواصليّ

تقومُ الرّؤية التّواصليّة الدّلاليّة على الخطاب المباشر البيانيّ، وما يجسّده الحوار البيانيّ التّواصليّ بين الشّخصيّات؛ وذلك بهدف توصيل الغاية من الرّسالة بطريقة فنيّة جماليّة، مقوّماتها الرّؤى السّرديّة القائمة على مؤشّرات تواصليّة واضحة ومباشرة ودلالات مفهومة لا غموض فيها. ويقوم تحليل الأنماط السّرديّة وتشكيلاتها اللّغويّة على حوار نصّيّ واصف بين الشّخصيّات، ويمكن توضيح ذلك من خلال العلاقة بين التّأريخ والسّرد في الخطاب التّاريخيّ، حيث تتجاوز تحديد عناصر القصّة والفرق بينها وعناصر الحبكة في الخطاب التّاريخيّ إلى التّركيز على فهم الأحداث، وتتبّع دلالاتها التّواصليّة (وذلك بأن تكشف في النّهاية عن بنية كانت محايثة immanence للأحداث في جميع المراحل... مع محاولة ترسيخ طبيعة هذه المحايثة في أيّ عرض سرديّ للأحداث الواقعيّة، الأحداث التّي تقدّم على أنّها المحتوى الصّحيح للخطاب التّاريخيّ. هذه الأحداث واقعيّة، ليس لأنّها حدثت بل في المقام الأوّل لأنّه يتمّ تذكّرها، وثانيًا لأنّها قادرة على العثور على مكان في تتابع مرتّب زمنيًّا)[1] وهذا الخطاب المسمّى بخطاب الواقع، يقابله خطاب الخيال، أو خطاب الرّغبة، وفي خطاب الواقع رؤية تواصليّة تعبّر عن واقع مجتمع معيّن في فترة محدّدة، كما هو في روايات الطّاهر وطّار، ورواية نيران وادي عيزر لمحمّد ساري، ورواية اللّص والكلاب لنجيب محفوظ، ورواية عناق الأفاعي لعزّ الدّين جلاوجي وغيرها من الرّوايات التّي تعبّر عن واقع إنسانيّ عربيّ مشترك من حيث الظّلم والمعاناة والاستغلال والاستعمار.

أداء الإضمار البيانيّ والمجازيّ

إذا كان الأداء البيانيّ التّواصليّ يؤدّي دلالته السّرديّة بشكل مباشر وواضح، بعيدًا عن التّعقيد والغموض؛ فإنّ كلاّ من الأداء الإضماريّ البيانيّ والجازيّ يقومان على كيفيّة تأدية النّص رسالته من حيث التّوصيف البلاغيّ، دون أن يفصح عنها؛ فالكاتب يعبّر عن المقصود بدلالات إيحائيّة يترك للقارئ مجال استخلاصها بطريقته، مستعينًا بإشارات سيميائيّة، ورموز، وعلامات، تتضمّن مضمرات وبيانات مجازيّة بلغة واصفة، ومواراة للمعاني بدل الإفصاح عنها. ويمكن تلخيص أشكال الصّمت في أنّها (تتحقّق من خلال الالتماس إليها بالمضمر الرّمزيّ، أو الإيحائيّ، أو الإشاريّ، أو الاستعاريّ، خاصّة الصّمت الاختياريّ؛ فتلك الشّيفرات ظاهرة تتّجه للغياب المسمّى صمتًا مضمرًا خفيًّا؛ بل هو ضرب من ضروب الوجود، وقد يكون الصّمت اللاّمقصود في بعض المواضع، مغامرة من الكاتب، خاصّة إذا أغرق في الغموض؛ ممّا يصعّب تأويله وفهمه والاستدلال عليه نتيجة الغرابة والالتباس. مع أنّ الأهمّ في موضوع الصّمت بأصنافه وأنواعه وأمثلته هو متى يوظّفه الكاتب؟ وكيف؟ ولماذا؟ لأنّ الصّمت حينما يحقّق وظائفه، يُعدُّ مطلبًا مهمًّا ينبغي مراعاته؛ إذ قد يؤدّي وظيفة إبلاغيّة أو تعبيريّة. ومن بلاغات الصّمت تحفيز القارئ على التّمعّن لاستخلاص المتخفّي، وهي براعة من الكاتب لإشراك المتلقّي، بوصف الصّمت خطابًا تعبيريًّا وشكلاً سرديًّا مضمرَ الملفوظات، يهدفُ إلى تعميق الفهم لدى المتلقّي. وتقنيّات توظيف الصّمت في النّصوص السّرديّة وخاصّة منها الرّواية تتفاوت أشكالها وخصوصيّاتها من كاتب لكاتب حسب طبيعة الموضوع والأهداف المراد تبليغها، وحسب شخصيّات النّص وأحداثه ووقائعه، كما يختلف فهمها وتأويلها من قارئ لآخر حسب درجة الوعي، وحسب طبيعة العلاقات بين البنى اللّغويّة ودلالة العلامات والشّيفرات المعبّرة عن ملفوظات صموتة مضمرة)[2]. ولعلّ الأداءات الإضماريّة البيانيّة والمجازيّة في رواية الإسفنجة للأزهر الزّنّاد تصوغ تصوّرات تراوحت بين الأداءات المتخفيّة واللاّمرئيّة والمجهولة، وذلك للدّلالات المضمَّنة لتحوّلات العالم وعلاقة الغالب بالمغلوب بين الغرب والشّرق، والدّلالة الرّمزيّة للإسفنجة التّي تتعدّد وظائفها، وما تحمله الذّاكرة المثقلة بالهموم والتّوقّعات والتّأملات، وفي فصل الرّواية حول (ميلاد الإسفنجة)[3] تسردُ الشّخصيّة الرّئيسيّة مجريات المناقشة العلميّة وتفاصيلها في جملة من التّمثيلات السّرديّة لمجموعة من الأحداث التّي تلخّص رؤى سرديّة متباينة للشّخصيّات، وهذا ملمح من ملامح الخطاب السّرديّ الذّي لا يتكوّن (من شيفرة واحدة تُستَخدَم بشكل أحاديّ، بل من مجموعة معقّدة من الشّيفرات التّي يشهد نسجها من المؤلّف لإنتاج قصّة غنيّة بشكل لا نهائيّ بالإيحاء وتنوّع العواطف، ناهيك بموقفها وتقويمها المتسامي لمادّتها، بمواهبه كفنّان وليس كخادم للشّيفرات المتوافرة لاستخدامه)[4] ويُحيلنا هذا النّص إلى ربط موضوع الشّيفرات المعقّدة والإيحاء اللاّمتناهي، وتنوّع العواطف والمواقف المتسامية بما ورد من رؤى سرديّة في رواية الإسفنجة والتّي تقوم على تعدّد طبقات الخطاب السّرديّ وأداءاتها المجازيّة المعقّدة، وما يترتّب عنها من نماذج أدائيّة تتحوّل في عديد المقامات إلى جهاز لإنتاج المعاني، وتتجاوز نقل المعلومات حول أيّ مرجع خارجيّ، وذلك ما يندرج تحت مسمّى اللّغة الضّمنيّة التّي تهتمّ بالمسكوت عنه، ممّا يتوجّب البحث والاستبصار فيما خفي من دلالات خارجة عن متن النّص بين الدّال ومدلوله (والكلمات ليست إلاّ علامة على شيء أدركناه من قبل، الكلمة بطاقة توضع على أصناف المرئيّات، وقد أدّى هذا الفهم للنّص الأدبيّ إلى العناية بمدلولات الشّعر دون دوّاله؛ بمقول القول لا بالأداة التّي تصنع القول)[5]، والواضح من هذا أنّ المسكوت عنه هو الدّلالة الضّمنيّة المضمرة التّي تتجاوز ظاهر النّص ومتنه، لتحقّق جملة من الاحتمالات والفرضيّات، ويكون بهذا (المعنى الضّمنيّ حصيلة الفؤاد (المضمر) في اللاّمقول في النّص، في مقابل لَبُوس النّص الملفوظ بما يلائمه من استحكام التّوابع البلاغيّة، والتّمكّن منها، وهو ما يميّز الخطابين، من حيث إنّهما نمطان من اللّغة، لغة الإضمار ولغة الخطاب، وهما لغتان مترادفتان، مشتركتان في الوظيفة، مختلفتان في الأداء الإجرائيّ، وإذا كانت لغة الخطاب/التّخاطب – بما في ذلك اللّغة الجسديّة - يحميها نظام التّواضع بالقواعد واستعمالات معيّنة، فإنّ الثّانية متفلّتة من أيّ نظام، قد يقودها إلى نسيج من الخصوصيّة المنكفئة عن الجادّة، وقد تتقاطع إحداهما مع الأخرى)[6]، ورواية الإسفنجة تعكس رؤيتها السّرديّة دلالات ضمنيّة، تمثّل المخزون الذّهنيّ للكاتب وتصوّراته المضمرة الوجدانيّة، وذلك ما يجعل الوصول لمكامن المعاني في النّص وتشتّتها، وفي ذلك تعبير بليغ عن خلجات الضّمير، وتوسيع دائرة المدلول.

ونجدُ في رواية حكاية العربيّ الأخير لواسيني الأعرج العديد من المقاطع، التّي تشكّلت من ملفوظات أسهمت في تركيبها بهدف إنتاج رؤى متباينة من حيث عمقُها وخلفيّتها ومرجعيّتها وأبعادها الدّلاليّة؛ لأنّ موضوع الرّواية يرتبطُ أساسًا بموضوع الهويّة، وشخصيّة آدم التّي جسّدت "المهانة والخيانة" حينما احتقر رموز الحضارة، وتجاهل مكوّنات الشّخصيّة والموروث، ودخلت الشّخصيّة في صراع عبثيّ واهن لإرضاء الآخر؛ والانتقال إلى (قلعة آرابيا) لسرد أحداثها التّي شابها الخداع والمكر والطّمع؛ إذ نجد شخصيّات الرّواية بارعة في تدبير المكائد، وخاصّة استغلال ضعاف العقول والجاهلين، وهذه دلالة على ضرب الحضارة والثّقافة، واندحار الأخلاق، وفشل الدّفاع عن ذلك ينجم عنه الارتهان بالاستعمار القائم على الاستغلال ونهب الخيرات والثّروات وحتّى العقول[7] فقلعة آرابيا فقدت موقعها الحضاريّ، ولم تعرف يومًا انتظامًا يليقُ بالقيادة الرَّشيدة؛ إذ سيطرَ عليها التّشرذم والاضطراب، فكان الانقسام والتّبدُّد نتيجة حتميّة. تفتّتت الهويّة، وانهارت الرّموز الموحية، إمّا عبر تغلغل الآخر في إرادة ضعيفة يسهل انتزاعها، أو بسبب غياب الانسجام والتَّكافل، أو نتيجة تغليب نزعة الفرد على حساب قوَّة الضّمير الجمعيّ. وإلى ذلك، برز التّخلّي عن روح المسؤوليّة التّاريخيّة، التي كان يفترضُ أن تصون الذَّاكرة الجماعيّة وتحميها من التَّلاشي.

وإذا طال التّأثير على الذّاكرة التّاريخيّة والجمعيّة؛ فإنّ آليّات التّأثير قد أدّت دورها السّلبيّ بنجاح على الأفراد؛ ولأنّ تلك الذّاكرة هي شكل من أشكال الثّقافة المؤديّة إلى تماسك الأفراد والمجتمعات، ومعلم من معالم رقيّها وحضارتها. والضّمير الجمعيّ النّاتج عن تجمّع عقول الأفراد والتحامها كما حدّده إميل دوركايم David Émile Durkheim، إذا تخلّى عن خصوصيّاته ووظائفه وأدواره؛ فإنّ معتقدات المجتمع كلّها تتأثّر، فضلاً عن تأثر أنماط التّفكير والشّعور والسّلوك الجماعيّ للأفراد، وهذا أسلوب سرديّ جديد يتلخّص في صراع "الهويّات المتباينة" ومناهضة الآخر، وما يسمّى كذلك القوى الاستعماريّة النّاعمة، والمدّ الثّاقفويّ Culturalisme، الذّي يخلق الفتن لأيّة ثقافة أخرى، ويسهم في نشر الصّراعات والأوهام والأكاذيب والتّضليل، وكلّ ذلك يقود إلى هدم العلاقات الإنسانيّة، وتشتيت المجتمعات، وضياع الأفراد، فضلاً عن ضياع الهويّة، وهذا ما ينعكس على النّصوص السّرديّة على وجه التحديد، وهو ما يعني إدراك الوعي، وتنشيط حركة الفكر، وبذلك يتمّ (فهم الواقع النّهائيّ الذّي يمثّله الحاضر المستمرّ، فلابدّ من دمج الإدراك والخلق في وحدة آنيّة تستبعد جميع الوعي، الذّي لا علاقة له بالحاضر. وهذه البداهة، بالنّسبة إلى الفيلسوف الفرنسيّ هنري برجسون Henri Bergson ليست مُتاحة إلاّ نظريّا؛ لأنّ الإدراك كلّه يجنّد لمساعدة الذّاكرة، ونحن لا ندرك إلاّ بتعابير تَمَّ تعلّمها في الماضي، أمّا الحاضر البحت، فليس أكثر من مجرّد، الاستمرار غير المرئيّ للماضي الذّي يتلاشى في المستقبل...)[8].

وفي ضوء ذلك يقومُ فهم الواقع النّهائيّ في الرّواية على فهم الزّمن وأبعاده ودلالاته، التّي تحدّد مسارات الخطاب السّرديّ في مسارات متنوّعة، وصور تكثيفيّة في خطّين متوازيين ينتجان دلالتين دلالة الأداء البيانيّ التّواصليّ في مقابل دلالة الأداء البيانيّ المجازيّ، وفق علاقات تماثليّة أفقيّة وعموديّة، تحدّدها الوحدات السّردية ومتواليّات الرّؤى العامّة، التّي توحي بطبيعة الأداءات، وتسِمُ كيان الذّات المشحونة بالرّؤية الكليّة للوجود بتجاوز الواقعيّ في الأداء البيانيّ المجازيّ، لاتّسامه بالرّتابة والملل والرّكود؛ ممّا لا يسعف الذّات لتحقيق ما تصبو إليه، ومنه تسعى إلى احتضان العوالم الممكنة التّي تخضع لاحتمالات متنوّعة ولا نهائيّة. وتلك هي الطّبيعة الإنسانيّة الرّامية إلى التّذكّر، والنّسيان، والتّوقّع، وتجسيد تحويل الواقع المادّي إلى مثاليّ مجازيّ، قد يرقى بالحياة إلى السّمو، ممّا يستوعب آفاق الحياة الرّحبة، ويسبر أعماق الذّات الإنسانيّة.

انزياح التّبئير في السّرد

يشهدُ الخطابُ الرّوائيّ تبدّلات سرديّة متنوعة، تبرزها مجمل الرّؤى، ثابتة كانت أو متحوّلة أو متعدّدة، وقد تكون صيغ الخطاب المسرود في توازٍ مع صيغ الخطاب المعروض على المستوى الكمّي، وتظهر العلاقة بين هذه الصّيغ والرِّؤى السّرديّة، التّي تنتج عنها على المستوى الأفقيّ، الذّي يتحقّق على طول الخطاب، وعلى المستوى العموديّ حينما نتعامل مع الصّيغة الواحدة في وحدة مستقلّة، وتتشاكل نتيجة هذه العلاقة بين المستويين الأفقيّ والعموديّ ما يسمَّى بأشكال الرّؤية السّرديّة، وهو ما سنقف عنده بشيء من التّفصيل والتّحليل والتّمثيل، ولعل مجمل الانزياحات تتحقّق في الرّؤية السّرديّة:

أوّلا: الرّؤية السّرديّة الصّفريّة

من المعلوم أنّ الرؤّية السّرديّة تتعلّقُ بالكيفيّات التّي يتمُّ إدراك العمليّة السّرديّة من خلالها، وتشخيص السّارد لجملة من الأحداث لتقديمها عبر تبئير سرديّ، ويغلبُ توظيف الرّؤية من الخلف (Vision par derriére)؛ لأنّها تحيطُ بالسّرد من حيث الأزمنة والأمكنة، وفي رواية (الديوان الإسبرطيّ) لعبد الوهّاب العيساوي نجد أنّ الزّمن تحكّم في سرد الأحداث، وتبيين العلاقة بين الذّات والهويّة في ظلّ فترة الوجود العثمانيّ، وفترة تقهقره التّي شهدت تضييع المحروسة (الجزائر). وفي الحوار الذي جرى بين ابن ميّار والقنصل جاء الحديث عن الباشا على لسان القنصل بضمير الغائب، حينما بيّن تفريطه في المحروسة بسبب بعض الحماقات الصّغيرة[9] وحتّى في الحديث عن مقاومة الأمير عبد القادر لم يذكر اسمه؛ لأنّه لم يُصرّح بمعرفته له وذكر ذلك ابن ميار في مناجاته ملفوظ (الأمير الشّابّ): (يزعم أنّ هناك عيونا للأمير بالمدينة. لم أؤمن بالأمير يوما، وما اعتقدت فيه الإمارة، كيف يفقه هؤلاء البدو تقاليدها، أيمكن أن تجتمع حفنة من النّاس ويعلنون رجلا من بينهم أميرا؟)[10] وفي ذلك إشارة إلى كشف لحقيقة الهويّة، ونقد وعي المجتمع في تلك الفترة؛ حيث كان الانشغال بالملذّات والاهتمام بالهوى على حساب الضّمير الواعي المسؤول، والخيانة المضمرة بسبب بيع القيم والتّخلّي عن المبادئ، التّي تُسهم في تشكيل الوعي الاجتماعيّ والسّياسيّ والثّقافيّ، واستبدالها بانتهاك الحرمات، وخيانة العهود، وتفكّك المشاعر والغواية والأذى والإهمال، وهو إهمال طال المحروسة من أهلها الذين غيّبوا عقولهم، وكانوا سببًا في سقوطها وتراجعها.

ثانيًا: الرّؤية السّرديّة الدّاخليّة:

إنّ التّأكيد على الفعل السّرديّ كما وضّحه رولان بارت يقوم على القراءة السّرديّة، بوصفها تطبيقًا منهجيًّا، يعتمدُ على نظام توالي الأحداث، وتتابعها، ويكون بذلك النّص السّرديّ محمّلا بالعناصر الدّلاليّة وتقابلاتها الثّنائيّة؛ بهدف إعادة صياغة الممكن القرائيّ، ومعرفة طبيعة الأحداث وتنوّعاتها عبر مستويات متعدّدة؛ للكشف عن البنيات المتشابكة للنّص السّرديّ، وهذه الشّيفرات تتعالق مع مستوى الملفوظات الصّموتة في النّص الذّي يصبح شبكة من التّفاعلات العلائقيّة المفتوحة على القراءة والتّأويل، ويُرجعنا ذلك إلى البحث عن بؤر الانطلاق للمعاني (Les départs de sens) التّي ينتجها النّص السّرديّ، والنّظر في تآلفها مع نصوص ومقاطع سرديّة وشيفرات أخرى. ويضاف إلى ذلك التّبئير الدّاخليّ، الذّي يقوم على السّرد بالصّيغة الشّخصيّة أو العاكسة (Figuralor reflector mode) ويعرف بقراءة أذهان النّاس (Reading people minds)، ويندرج هذا ضمن ملفوظ الصّمت بشكل واضح؛ بالنّظر إلى العالم التّخييليّ للنّص السّرديّ، وما ينتجُ عنه من إدراكات حسيّة لشخصيّة ما، أو أكثر، أو الاقتراب إلى أذهانها خارجيًّا وداخليًّا، وخاصّة استخلاص التّبئير الدّاخليّ الغامض، وكذلك السّرد غير الطّبيعيّ الذّي يندرج ضمن السّرد التّأليفيّ (Authorial narrative)؛ لأنّه يتلاءم وسرد الأوضاع غير الطّبيعيّة ومعانيه الدّاخليّة الغامضة المضمرة، التي من شأنها أن  تكون أكثر تأثيرا ممّا هي عليه في السّرد الطّبيعيّ الواضح[11].

وتحدثُ الرّؤية السّرديّة الدّاخليّة عندما يتمّ تقديم الأحداث من وجهة نظر شخصيّة واحدة داخل القصّة. وتكون المعرفة محدودة بما تعرفه هذه الشّخصيّة فقط، ممّا يسمح للقارئ بفهم أفكار هذه الشّخصيّة، ومشاعرها، على نحو ما ورد في رواية (مدام بوفاري) لغوستاف فلوبير Gustave Flaubert الذّي يستخدم التّبئير الدّاخليّ؛ لتقديم الأحداث من وجهة نظر إيما بوفاري. والقارئ يتّبع أفكار إيما، ومشاعرها، ويعيش تجربتها العاطفيّة والدّاخليّة بشكل مكثّف. ولعل هذا النّوع من التّبئير يسمحُ للقارئ بفهم دوافع إيما ورغباتها وأحزانها بشكل عميق، فحينما تشعر إيما بالملل من حياتها اليومّية، وتجدُ في القراءة ملاذًا لها، كانت تتخيّل عوالم بعيدة، مليئة بالرّومانسيّة والمغامرة، ممّا زاد من إحباطها من واقعها البسيط.

ونجدُ في رواية عناق الأفاعي للرّوائيّ عزّ الدّين جلاوجي تواتر السّرد وتكاثف الدّلالات الوصفيّة من خلال شخصيّة شامخة التّي عبّرت عن ذاتها ومشاعرها قرائن دلاليّة، وهو تعبير داخليّ ورؤية سرديّة داخليّة، يحسّها كلّ محبّ لوطنه؛ لأنّ شامخة تمثّل شموخ الوطن والهويّة، ومقاومة كلّ من تسوّل له نفسه بأن يستغلّ خيرات الوطن ويحاول طمس هويّته ومعالمه، وقد انعكس صراعها الدّاخليّ على تحدّيها للأعداء الثّلاثة (اليهوديّ، والأشقر الفرنسيّ، ومدبّب الأنف) ومواجهتها لهم، ومع تغلّبها على اليهوديّ والأشقر فقد ضربها مباغتا ومخادعا مدبّب الأنف[12]، فتحوّلت إلى نجمة مضيئة في السّماء ليهتدي بها الآخرون، ويقتدي بها من ينتهج سبيلها. ولعلّ هذه الرّؤية تجعل من التّاريخ سردًا فنيّا من خلال وصف مجمل الأحداث التّاريخيّة لتُسهمَ في تنامي الأنساق الثّقافيّة وتكاثف دلالاتها القيميّة لتعزيز الهويّة الوطنيّة، وكانت (ثلاثيّة الأرض والرّيح) لعزّ الدّين جلاوجيّ تنمُّ عن تجربته واهتمامه بالتّراث الزّاخر، وترسيخ الوعي التّاريخيّ في نسق وصفيّ سرديّ، يجعل القارئ يتفاعل مع الأحداث التّي تمزج بين الماضي، وتنتقل إلى الواقع؛ لإيصال مختلف الرّؤى السّرديّة.

أ - الرّؤية السّرديّة الثّابتة

يقومُ الخطاب الرّوائيّ على تبدّلات سرديّة تبرز الرّؤى المتنوّعة، ويقدّم الكاتب رؤية ثابتة، وقد يركّز في عرضه للشّخصيّات على حدث بعينه، بوصفه حدثا مركزيّا ومحوريّا، ومنه تتفاعل الأحداث وتنسجم لتتطوّر اتّجاهاتها وتتنوّع دلالاتها؛ لتحقيق غايات فنيّة وجماليّة وسمات أسلوبيّة تضبط تمفصلات الرّؤية السّرديّة، ومؤشّراتها الصّيغيّة، وهذا ما يتيح لنا التّمييز بين الخطابات الرّوائيّة المستعملة، وما ينتج عنها من رؤية سرديّة. ونجد في رواية مدام بوفاري (Madame Bovary) للرّوائيّ الفرنسيّ غوستاف فلوبير Gustave Flaubert أنّه يتمّ تقديم الأحداث غالباً من وجهة نظر إيما بوفاري، وهي الشّخصيّة الرّئيسيّة، ووجهة رؤيتها للحياة واحدة قبل زواجها وبعده؛ فهي دوما تنظر إلى الحياة بيأس وملل، وتحسّ بضرورة التّغيير في كلّ مرحلة من مراحل حياتها؛ فكانت رؤيتها هذه قبل زواجها بالطّبيب شارل الذي كان يعالج والدها بسبب كسر في رجله، وبعد سفرها لتلقّي الدّروس من طرف ليون في البيانو لأنّها محبّة للفنون وقراءة الرّوايات، وتعيش حالمة في عالم رومانسيّ، وحتّى بعد إنجابها لابنتها تشعر بخيبة الأمومة، ودوما تسعى إلى الهروب من الواقع، وتدخل في ملل متجدّد، ورتابة وجمود، ولوضعها المادّي البورجوازيّ تلجأ إلى صرف الأموال بشكل جنونيّ حتّي توصل عائلتها للإفلاس والدّيون، ولم تجد من يساندها ويقف معها لتخرج من أزمتها؛ فقرّرت الانتحار بعد تسميم نفسها، وعبّرت شخصيّة إيما من خلال تصرّفاتها، وطريقة تفكيرها عن هجاء الواقع والمجتمع، وأتقن الكاتب في تفاصيل السّرد بدقّة وعناية لتقديم رؤية الشّخصيّات، وخاصّة شخصيّة إيما، فعندما تشعر بالملل يستغرق في العمليّة الوصفيّة، ويكثّف أحداثها حتّى يشعر القارئ بذلك الملل، والرّؤية السّرديّة التّي تتكرّر دلالاتها في رواية "مدام بوفاري" توحي بواقع طبقيّ، وتعب وجوديّ إنسانيّ، ينمّ عن تأزّم الواقع النّفسيّ الإنسانيّ؛ الرّامي إلى تحقيق عوالم خاصّة، متجاوزًا مظاهر المدنيّة ورتابة البورجوازيّة الجامدة.

ب - الرّؤية السّرديّة التّحويليّة

غالبًا ما تعيش الطّبيعة الإنسانيّة في صراعات مستمرّة، وإذا مارست مجمل الإمكانيّات السّلبيّة فإنّها ستؤثّر على مجرى الأحداث والرّؤية السّرديّة، وتحدّد ضوابط تفاعل الشّخصيّات، ومعايير ظهورها في مختلف الحالات والوضعيّات، ويكون تركيز المتلقّي حينها لا على ما تمثّله معاييرها؛ وإنّما على ما تقصيه تمثيلاتها، ومقدار التّجارب الإنسانيّة التّي تتلقّى قمعا من أنظمة فكريّة، وقد تحدث تلك التّحويلات للرّؤية السّرديّة (حينما تكون المعايير هي الموضوعة الأماميّة، ويبقى منظور البطل يمثّل الخلفيّة التّي تشترط بوجهة نظر القارئ. ولكن حينما يصبح البطل هو الموضوعة، وتشكّل معايير الشّخصيّات الثّانويّة وجهة النّظر، فإنّ تلقائيّته حسنة القصد تنحلُّ إلى فساد طبيعة متهوّرة. وهكذا، فإنّ موقع البطل يتحوّل أيضًا لأنّه لم يعد نقطة الارتكاز التّي سنحكم، من خلالها، على المعايير، وبدلاً من ذلك، فنحن نرى أنّ أفضل التّأويلات تصبحُ بلاَ قيمة إذا لم يوجِّهها الاحتراس، ويجب أن يتحكّم الحذر)[13]، وفي رواية عناق الأفاعي لعزّ الدّين جلاوجي انتصار للقيم الإنسانيّة، وحياة الحبّ والحريّة بمرجعيّة تاريخيّة، يتمّ استخلاصها بناء على وقائع الرّواية وأحداثها وتحوّلاتها؛ لاكتشاف الثّنائيّات الضّديّة، وهي رواية تبحثُ عن الانزياح، وتصوّر الواقع المعاش في علاقته بالماضي، وتسردُ أحداثًا تاريخيّةً مصيريّةً من المقاومة الجزائريّة لإثبات الهويّة الوطنيّة بكلّ مقاييسها، وتنطلقُ من الواقع إلى التّخييل، وهذا في حدّ ذاته تحوّل مهمٌّ في تاريخ الكتابة الإبداعيّة السردية، وكيف يُحوّل الكاتبُ تقنيّات السّرد للتّفريق بين الرّواية التّاريخيّة ورواية التّخييل التّاريخيّ، وعلى الشّاكلة ذاتها قامت كتابات إبداعيّة سرديّة - روائيّة وقصصيّة - لكتَّاب جزائريّين أمثال: الطّاهر وطّار، ومرزاق بقطاش،  وأحلام مستغانميّ، ومحمّد ساري ومحمّد مفلاح، وغيرهم كثير. وهذه الرّؤية التّحويليّة تقوم على مهارات القارئ ومدى مشاركته الفعّالة؛ ولعلّ مجمل التّحويلات السّرديّة التّي تحدثها الذّات الفاعلة؛ مرتبطة بالأوضاع المتغيّرة، والأحداث المتبدّلة، ضمن حقل مرجعيّ معيّن يقوم على الاسترجاع فيؤثّر ذلك بشكل رجعيّ على وجهة نظر القارئ، ويتحوّل التّحويل المتبادل إلى تحويل تأويليّ بشكل تلقائيّ حتّى وإن لم يدرك القارئ العمليّة التّأويليّة وأنّه يمارسها من خلال استخلاص وجهات نظره؛ فإنّ عدم الإدراك يحوّل الحقول المرجعيّة إلى وجهات نظر منتقلة إلى بنيات سرديّة منتظمة تكشف مدى تفاعل القارئ بالنّص.

ج - الرّؤية السّرديّة المتعدّدة

يؤدي التّبئير دورًا مهمًا في تشكيل تجربة القراءة وفهم النّص، حيث يؤثّر على كيفيّة تقديم الشّخصيّات والأحداث والمعلومات، وهو ما يمكن أن يخلق تأثيرات دراميّة، أو توتّر، أو تعاطف معيّن لدى القارئ. ولعلّ تعدّد الرّؤية السّرديّة يتَّضح في واحدة من روائع الأدب العالميّ رواية (مائة عام من العزلة) لغابرييل غارسيا ماركيز (Gabriel Garcia Marquez) والمكتوبة باللّغة الإسبانيّة، حيث يتمّ السّرد من وجهات نظر متعدّدة؛ ممّا يعطي القارئَ صورةً شاملةً عن الأحداث والشّخصيّات، ويرجع هذا التّعدّد السّرديّ إلى طبيعة موضوع الرّواية، التّي يسرد من خلالها الكاتب أحداث المدينة الخياليّة ماكوندو من خلال سيرة عائلة (بوينديا)، طيلة ستّة أجيال كاملة، وهذه العائلة قامت بتأسيس تلك القرية، ومن الطّبيعيّ أن يعتري أحداث هذه الفترة - الممتدّة إلى عشرة قرون - صراعات كثيرة، خاصّة بين المحافظين والأحرار، وما تخلّل أمريكا الجنوبيّة من عزلة تضمَّنتها روابط مثّلها الغجر، وكان التّركيز على السّياق التّاريخيّ الكولمبيّ عقب خروج الاستعمار الإسبانيّ، ومجمل الإصلاحات السّياسيّة التّي نهجت نهجًا ليبيراليّا، ويُضاف إليها أحداث حرب الألف يوم التّي امتدّت من 1899م إلى 1902م، وسجّل ماركيز من خلال روايته حدث تشييد أوّل خطّ للسّكّة الحديديّة في كولومبيا سنة 1854.

وبما أنّ رواية مائة عام من العزلة تجمع بين الواقعيّة السّحريّة والسّرد؛ فإنّ تحليل أحداثها، وفهمها، يرجع للمتلقي؛ كلّ يفسّرها بحسب نظرته الخاصّة، ورؤيته للأحداث المتعدّدة، التّي تبدأ بجريمة قتل (خوسيه أركاديو بوينديا) لأحد أصدقائه حينما وصفه بأنّه عاجز جنسيّا؛ لأنّه لم ينجب، وكان ذلك بسبب حوف زوجته (أورسولا) من إنجاب طفل مشوّه بسبب زواجها من ابن خالتها، وهذه الجريمة دفعت بخوسيه إلى مغادرة قريته مع زوجته وبعض أفرادها، وحينما استقرّ في مكان حلم بقرية يستقرّ فيها مع مرافقيه، ولمّا أفاق وجد أنّ المكان يشبه المكان الذّي حلم به؛ فشيّد قريته فيه، وسمّاها ماكوندو، وكانت منعزلة عن العالم الخارجيّ حتّى يبقى مجتمعه مثاليّا، ولكن رؤية القارئ لهذه العزلة تخضع لعدّة احتمالات منها أنّ خوسيه لم ينعزل لتحقيق المثاليّة في قريته، بدليل أنّه سمح لزعيم الغجر (ملكياديس) أن يزور القرية كلّ موسم، ويعلّم سكّان القرية كلّ ما كانوا يجهلونه، مثل المغناطيس والمنظار، وبعض الألعاب السّحريّة وغيرها، وحتّى خوسيه تعلّم عن زعيم الغجر نفسه علوما كثيرة، مثل الفلسفة والفلك وغيرها، ورؤية أخرى للعزلة هي خشية خوسيه ممّا تركه ملكياديس في آخر زيارة له للقرية، حيث ترك له رقائق وأوراق وهي بمثابة نبوءة تتعلّق بمثير القرية بأن ستلحقهم لعنة تهلكهم، وتهلك السّلالات اللاّحقة؛ بسبب ما يرتكبونه من خطايا، وكانت الأحداث تتعاقب وفي غالبها اتّسمت بالمأساويّة.

تعدُّ رواية "الطّلب الأخير" للكاتب الإنجليزيّ غراهام سويفت Graham Swift، من الأعمال الأدبيّة البارزة كونها تتمحور حول جاك بويس، وهو خادم مُهمل يعمل لدى الفنّان المشهور على مدى 30 عامًا، ويتعرّض لهزّة في حياته عندما يُفاجأ بأنّه سيتمّ تقاعده، ويجد نفسه يستعرض حياته، وأحداثها المهمّة خلال هذه السّنوات. تنقل الرّواية ببراعة بين الزّمن الحاضر والماضي، وتركّز على العلاقات الإنسانيّة والتّأمّلات الفلسفيّة حول الحياة والموت. وقد تميّزت الرّواية بأسلوب عميق، ومعقّد، كما تعدّ "الطّلب الأخير" من الأعمال التي تترك أثرًا عميقًا في القارئ بفضل تعقيد شخصيّاتها وعمق ما تناولته من مواضيع.

ويشيعُ في هذه الرّواية استخدام التّبئير المتعدّد؛ حيث تتناوبُ وجهات النّظر بين الشّخصيّات المختلفة، ممّا يمنح القارئ رؤية متعدّدة الأبعاد للأحداث، حيث ترسم كلّ شخصيّة طرق حياتها التّي سلكتها من خلال المونولوج واسترجاع الذّكريات، وخاصّة الرّجال الأربعة الذّين فقدوا صديقهم المقرّب جاك الجزّار اللّندنيّ، واجتمعوا لتحقيق أمنيته الأخيرة، والمتمثّلة في نثر رماده في البحر، وهم يستقلّون سيّارة المرسيدس، ذات اللّون الأزرق الملكيّ، تستحضر كلّ شخصيّة أحداث الحرب العالميّة الثّانية وتبعاتها، ومآسي العائلات، وجعل سويفت كلّ شخصيّة تتحدّث عن نفسها بطريقتها وأسلوبها، ممّا جعل الأصوات تتعدّد ووجهات النّظر تجاه الحياة، وعبّر عن ذلك بتقنيّة سرديّة تبيّن موقف كلّ شخصيّة وطريقة تفكيرها ورؤيتها للحياة، وكيفيّة تقديم المبرّرات. ونجد ما يعبّر عن تعدّد الرّؤية السّرديّة في رواية دون كيخوتي دي لا مانتشا (Don Quijote de la Mancha) للرّوائيّ الإسبانيّ ميغيل دي ثيربانتس سابيدا Miguel de Cervantes Saavedra‏، الذّي قدّم روايته في قالب سرديّ وموضوع واقعيّ أدبيّ، وتعدّ بداية الرّوايات متعدّدة الألحان، كما تميّزت بثراء معلوماتيّ لا ينضب، يغلب عليه طابع السّخريّة والفكاهة التي تعبّر عن مجتمعات القرون الوسطى، والأفكار الفلسفيّة والأخلاقيّة، التي كانت سائدة في ذلك الوقت. يتخيّل دون كيشوت، البطل الرّئيسيّ، نفسه فارسًا من العصور الوسطى، وينطلق في مغامرات غير عادية، تكشف عن تناقضات المجتمع وتحدّياته. وفضلاً عن ذلك، تُظهر الرّواية شخصيّات معقّدة ومتناقضة، خاصّة دون كيشوت وصديقه سانشو بانزا. حيث يتقاطع الخيال بالواقع في شخصيّة دون كيشوت، الذي يراه المجتمع كمجنون، لكنّه يحمل طموحات نبيلة، ويتعامل مع الواقع بطريقة مختلفة تمامًا، مستندًا في ذلك إلى تأمّلات فلسفيّة؛ إذ تناول الكاتب في الرّواية مجموعة من القضايا الفلسفيّة والأخلاقيّة، مثل الحقيقة والخيال، والتّضحية والشّجاعة، والبحث عن الهويّة والغاية الحقيقيّة في الحياة؛ بأسلوب سرديّ مبتكر ومتميّز، حيث تنسجم الأحداث الكوميديّة مع التّأمّلات العميقة، وتنسجم اللّغة الأدبيّة بشكل لافت مع الأحداث والشّخصيّات؛ وبما تتضمّنه من عمق فلسفيّ، ودهشة أسلوبها السّرديّ، وتعقيد شخصيّاتها التي تعكس التّناقضات الإنسانيّة بشكل لافت، ممّا يجعلها أحد أعظم الأعمال الأدبيّة في التّاريخ، التي تتعدّد فيها الرّؤية السّرديّة، بالنّظر إلى ميغيل ركّز فيها على إمكانيّة إيجاد المُثُل في العالم الواقعيّ كمثاليّة الأدب، ومثاليّة الحبّ والسّياسة وغيرها، والانطلاق من موضوع العمل المرتبط بالمبدأ الأخلاقيّ، وصلته بالحريّة في الحياة البشريّة، وبذلك يكون ميغيل قد وظف تقنيّات سرديّة في مثل تلخيص الأحداث، وإبراز التّناقض بين الشّخصيّات المتصارعة، حيث جمع الشّخصيّات المفضّلة في ثنائيّات لمساعدة بعضها من خلال الحوار القائم على التّفهمّ، وتقبّل الرّأي الآخر لمناقشته، وإبداء وجهات النّظر لكلّ شخصيّة.

ثالثًا: الرّؤية السّرديّة الخارجيّة

يتمُّ تقديم الأحداث من منظور شخص خارج القصّة، مثل الرّاوي العليم الذي يعرف كلّ شيء عن الشّخصيّات والأحداث، ولكنّه لا يشارك في القصّة بنفسه. ويمكن التّمثيل للرّؤية السّرديّة الخارجيّة برواية (الحرب والسّلم) لتولستوي الذي يتحدّث عن غزو نابيلون لروسيا سنة 1812، ويستخدم الرّاوي العليم الذي يعرف كلّ شيء عن الشّخصيّات وتفاصيل الأحداث التّاريخيّة، وتمرّ الأحداث مركّزة على ثلاث شخصيّات رئيسيّة هي بيير بيزوخوف، والأمير أندريه بولكونسكي الذي ترك عائلته والتحق بصفوف القتال ضدّ نابليون، وناتاشا روستوف وهي شابّة جميلة ابنة أحد النّبلاء، وأثناء سرد عمليّة الغزو تلك يقدّم تولستوي شخصيّات روايته بشكل دقيق ووصف بارع، يعرّف بخلفيّاتهم الاجتماعيّة على اختلاف مهامّهم ووضعيّاتهم من نبلاء وفلاّحين وجنود ومدنيّين وغيرهم، وكيفيّة مجابهتهم لمشاغل الحياة ومشاكل مجتمعهم، وكلّما تتقدّم أحداث الرّواية يحسّ القارئ بأنّ شخصيّاتها أصبحت مألوفة وأكثر تأثيرا، وهذا لأنّ الكاتب يسرد أحداث حرب واقعيّة لأنّه كان حاضرا في ساحة الحرب، ولديه معلومات عن الحروب النّابولينيّة، لذلك وظّف كلّ ما يعرفه من أحداث تاريخيّة ببراعة، ومجمل الأسماء والعائلات المذكورة معروفة وحقيقيّة إلاّ تعديلات بسيطة ممّا جعل الأحداث مألوفة، وتلك الحقائق ساعدت تولستوي على تقديم التّفاصيل بشكل فنيّ يستوفي شروط الوصف السّرديّ وعناصره. ويشيرُ التّبئير الخارجيّ إلى السّرد الذّي لا يقتصر على وجهة نظر محدّدة واحدة، بحيث يمكن للرّاوي أن ينقل الأحداث من وجهة نظر عدّة شخصيّات، ممّا يوفّر رؤيةً شاملةً للقصّة.

الرّؤية السّرديّة التّبادليّة

تتمثّل ظاهرة التّبئير في رواية "الغريب" لألبير كامو Albert Camus في البحث الدّائم عن معنى الحياة والقيم الإنسانيّة دون أن يجد جواباً شافيًا. كما تُعدّ من الأعمال الأدبيّة البارزة في الأدب الفرنسيّ الحديث والفلسفة الوجوديّة. تمّ نشرها في عام 1942 وقد أثارت جدلاً واسعًا؛ بسبب موضوعاتها وأسلوبها الفريد، وبالنّظر إلى أنّها تعكسُ عدّة دلالات: من خلال المكوّنات التي يمكن تبئيرها وترتيبها في سياق تأويل الأحداث التي يسوقها البطل الرّئيس للرّواية (ميرسو)، الذي يشعر بالغربة والعزلة في العالم الذي يعيش فيه. بخاصّة حين يفتقد القدرة على التّعبير عن مشاعره بشكل طبيعيّ، ممّا يجعله يبدو "غريبًا" على الآخرين، وغير مبالٍ في حياته الفارغة من العواطف، ومن دون هدف في الحياة.

وفي ضوء ذلك تتمثّل ظاهرة التّبئير في رواية "الغريب" في عدّة جوانب متداخلة تعكس تجربة الشّخصيّة الرّئيسيّة، ميرسو، وكيفيّة تفاعله مع العالم من حوله ومع ذاته. بطريقة يبدو فيها البطل غير مكترث على الرّغم من أنّه يحاول أن يُحسّ بمتعة الحياة والمشاعر، لكنّه يعجز عن التّعبير عنها، أو الشّعور بها بشكل عميق؛ لذل يبدو متجاهلاً للعواطف البشريّة التّقليديّة كالحبّ والحزن، ويعبّر عن ذلك بلغة مباشرة وخالية من العواطف، فضلاً عن البنيات المبأرة التي ينبني على السّرد تقوم على دعامتين، أوّلهما تشتمل على تجربة حياة، وثانيهما تكمن في ترصُّد حياة الشّخصيّة الرّئيسة بطريقة تسرد تجربة يغلب عليها طابع اللامبالاة تجاه الموت، وهي واحدة من أبرز جوانب التّبئير في الرّواية، التي عكست عدم اكتراث ميرسو لموت والدته. وحين تواجهه هذه الفاجعة، لا يظهر أيّ نوع من الحزن أو الأسى العميق، بل يتجاوزها كأمر طبيعيّ، ولا يعبّر عن أيّ شعور قويّ تجاه فقدانها، ما يعني ميرسو يعيش حياة تخلو من الهدف، أو المعنى الواضح، رغم أنّه يسعى باستمرار إلى البحث عن معنى الحياة، ولكنّه لا يجد إجابات مرضية. ولعلّ هذا البحث الدّائم يساهم في شعوره بالتّبئير والفراغ الدّاخليّ، الذي يعكس الغياب الحقيقيّ للقيمة الإنسانيّة، ومن هنا تتجلّى ظاهرة التّبئير في العلاقات السّطحيّة التي يملكها ميرسو مع النّاس من حوله، حيث لا يظهر أيّ تواصل حقيقيّ أو تأثير عاطفيّ بينه وبين الآخرين.

ومع تقدّم الرّواية، يبدأ القارئ بفهم دوافعه الدّاخليّة ومشاعره العميقة. وتتنامى الأحداث حينما يتلقّى ميرسو رسالة من دار المسنّين تبلغه بوفاة والدته التّي أودعها هناك بسبب عدم قدرته على إعالتها ورعايتها، ويصوّر الكاتب سفره الشّاق وهو متّجه للدّار لإجراء مراسيم الدّفن، حيث استغرق في النّوم طيلة الطّريق، وحتّى حينما وصل واطّلع على جثمان والدته يبقى غارقا في التّدخين والتّفكير، وحتّى في أثناء الدّفن لم تظهر عليه مشاعر الحزن والتّأثّر؛ بل لا يذكر متى توفيت أمّه (اليوم ماتت أمّي. أو لعلّها ماتت أمس. لست أدري...)[14]، والمدهش كان في أثناء خروجه في اليوم ذاته مع صديقته للسّينما، ثمّ كيف يتحوّل فجأة إلى قاتل بالخطأ ودخوله المحكمة لاحقا بتهمة القتل، وفي كلّ المقاطع كانت تبدو على ميرسو العبثيّة واللاّمبالاة والإهمال، وقد عبّرت الشخصية الرئيسة من خلال هذه الصّفات عن الإنسان الذي يتجرد من مشاعره الإنسانيّة، ويتبع خطوات عبثيّة أوصلته للهاوية، فعاش غريبًا في بلدته وغربته عن النّاس والعالم، ومن مقاطع الرّواية (عشت بهذه الطّريقة، وكان بالإمكان أن أعيش بطريقة أخرى. قمت بهذا، ولم أقم بذاك. لم أفعل أشياء، في حين فعلت أشياء أخرى. وماذا بعد؟ كأنّي انتظرت طيلة عمري كي أبلغ تلك الدّقيقة، ذاك الفجر الذّي سأنال فيه جزائي. لا شيء كان ذا أهمّيّة)[15]، يحملُ هذا النّص مبالغة في فهم الحياة، ويكون ذلك نتيجة الجهل بالأمور؛ لأنّ الإنسان حينما يكوّن نمطًا متطاولاً فيه على نفسه، ومتماديًا فيما يجهله من الأشياء، فإنه يضيّعُ فرصَ الحياة لدرجة النّهاية المأساويّة، كما هو الشّأن لميرسو حينما وقف أمام المحكمة، وكان يبدو غير مهتمّ بالدّفاع عن نفسه. لكن في أعماقه، كان يمرّ ببحر من الأفكار والمشاعر التي لم يكن قادرًا على التّعبير عنها.

الصّيغة السّرديّة الاحتماليّة

لقد عُرفت صيغ الملفوظات السّرديّة بفعاليّة الإنجاز التّواصليّ أو التّداوليّ، وبمختلف تحوّلات المحمول والموضوع بوصفها رؤيا، وموقفًا، فغدت أحد أهمّ الأشكال السّرديّة، والأكثر تأثيرًا وهيمنة في الرّؤيا الدّالّة على العلاقة بين السّارد والمتلقي، وبما تتضمّنه مـــن حمـــولات دلاليـــّة، تُعدُّ أكثرها حيويّة، من وظائف العوامل والعلاقة المترتّبة عن الفواعل، نتيجة التّطوّر الحاصل بين الذّات والموضوع، تحكمها تحوّلات الأنساق المختلفة، والسّياقات الممكنة؛ لبناء الملفوظ السّرديّ؛ على وفق الرّؤية المفوَّضة للشخصيّات في علاقتها بأنماط الخطاب السّرديّ في مختلف مجالاته؛ لأنّ بنية الرّواية تنفتح على جميع الاحتمالات، وهي بذلك تطوّع الألفاظ المؤثّرة فيما بين العوامل، كالعلاقة التّي تجمع بين الذّات والموضوع، بما في ذلك تأثيرها في وعي المتلقي بالألفاظ اللّسانيّة، أو بالقدر الذي أصبحَ فيه المضمر في المسكوت عنه، يأخذُ حيّزا ملحوظًا في مسار فعل التّلفّظ، سواء من السّارد المتكلِّم، أم من السّارد الصّامت، المتعلّق بما يمكن أن نُطلق عليه (ملفوظ الصّمت)، الذي من شأنه أن يكشف عن سريرته إخفاءً وإضمارًا، فالصّمت القرائنيّ الذي يتضمّنه النّص، يُجسّد لغة ما في طويّة الشّخصيّة بجدليّة حاضنة لدلالات المسكوت عنه، ويقدّم نسقًا فنيًّا، يجعلُ القارئ جزءًا من فعل التّلفّظ، الذي تتضمّنه الرّؤية السّرديّة، وواقعها المأزوم، وصراعات شخصيّاتها بين واقعين الأوّل فعليّ والثّاني فنيّ؛ ممّا تجسّده العمليّة السّرديّة في مجمل علاقاتها التّفاعليّة فيما أرساه غريماس Algirdas Julien Greimas بخصوص علاقة السّيميائيّات السّرديّة البنيويّة مع اللّغة والنّحو، من خلال مجمل التّمظهرات اللّسانيّة، وغير اللّسانيّة، ومن بعده بروب Propp  Vladimir  في ضبط الوظائف السّرديّة المنمذجة، والمصّنافات العامليّة المنتدبة لأداء البرنامج السّرديّ، سواء تعلّق الأمر بالوظيفة التّواصليّة، أم التّفسيريّة، التي تستدعي الوقوف على العمليّة التّأويليّة؛ ليتحقّق ما تصبو إليه تلك الوظائف، ضمن سياقات تراعي السّمات الملازمة، وغير الملازمة، وكذا الأبعاد التّي ترمي إليها الرّؤية السّرديّة من اجتماعيّة، ومعرفيّة، وإيديولوجيّة، وتاريخيّة، وثقافيّة، وغيرها[16].

ونجدُ في رواية (موسم الهجرة للشّمال) للكاتب الطّيب صالح شخصيّة مصطفى سعيد، الطّالب العربيّ الذّي يسافر إلى الغرب، وهو لا يعرف شيئًا عن الثّقافة الغربيّة، ومع ذلك يحصل على وظيفة في جامعة بريطانيّة، ويتبنّى قيم المجتمع البريطانيّ، ويتعرّف إلى (جين موريس) التّي تصبح زوجته، وترفض املاءاته، ويحاول استرجاع هويّته من خلال غزوه للأنوثة البريطانيّة، وفي ملفوظ (الاغتراب)، دلالات الهجرة الثّقافيّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة. ولعلّ عودة مصطفى سعيد إلى بلده وزواجه مجدّدا، وتغيّر طباعه وحياته، فيها دلالة الهجر لكلّ ما هو سلبيّ، وهي دلالات احتماليّة تتّضح من إثارة أسئلة كيفيّة تغيّر الهويّة الفرديّة والجماعيّة في ظلّ مختلف التّحوّلات التّاريخيّة والثّقافيّة، ومنه فإنّ الرّواية هي بمثابة تلخيص لأبعاد تسريد الهويّة، وإشارة إلى مختلف التّفاعلات الثّقافيّة بين الشّرق والغرب والانبهار الحضاريّ، والعلاقة بينهما التّي تبدو دوما ناقصة، بسبب الإيديولوجيات الاستعماريّة، وتدعو تلك الظّروف إلى الهجرة، وبعد تجربة الهجرة ومغامراتها تكون العودة، وفي الرّواية عودة البطل مصطفى سعيد الرّجل النّرجسيّ اللّعوب من غربة أكاديميّة علميّة عمليّة في البلاد الأوروبيّة إلى قريته في بلده السّودان.

واعتبارا لذلك، فإنّ صراع الهويّة، وأزمة الانتماء نجم عنهما تأثير على الفكر والحياة الإنسانيّة. كما أن الصّيغ الاحتماليّة السّرديّة تبحث عن اللاّمقول في النّص، وهي ذات صلة بمقدار نسبة الحقيقة في الخطاب السّرديّ، التّي ترتبطُ بالمُضّمَّن، بوصفه يمثّل الحقيقة المقصودة. وقد يكون الإبهام في الحوار التّواصليّ من أهمّ معالم الغموض السّرديّ؛ لصرف النّظر عن الحقيقة المباشرة؛ لأنّ الرّؤية السّرديّة  تنبني أساسًا (على اللّغة التّي تقوم على ارتباط البنى العميقة بالبنى الدّلاليّة، وتفاعلها بمستويات محايثة، وخاصّة مستويات السّياق الذي يمارس على الملفوظات، ويتحقّق من خلال عمليّات تلفّظيّة متباينة، وعلى الرّغم من ذلك فإنّ الاهتمام بالملفوظات لا ينفي أهميّة  ملفوظات الحالة وملفوظات الأفعال؛ لأنّ تحليل مجمل الإرجاعات النّصيّة يستند إلى المستوى التّلفّظيّ بشكل كبير، ضمن توالي الوحدات السّرديّة وما تحمله من قيم ودلالات ترمي إلى تحقيق العمليّة التّواصليّة، التّي تتّخذ عدّة أشكال ومظاهر يحدّدها السّياق، كما تتحدّد من خلال إرغامات داخليّة أو خارجيّة للملفوظات، وما يتّصل بالذّات في جوانبها التّفكيريّة والعاطفيّة والاجتماعيّة، وغيرها من الدّوافع والأفكار التّي تفتح مجالات متنوّعة في النّص السّرديّ، وما يعتريه من تحوّلات وتقاطعات للأمكنة والأزمنة ومجمل الفضاءات الدّالّة وهو ما يرمي إلى تحقيق الوظائف التّواصليّة في الملفوظات. ونشيرُ إلى أنَّ الوظائف التّواصليّة تتّخذُ أسلوب التّفاعل بوصفه نتاجًا للتّأثير من خلال عدّة أنماط في الملفوظات، ولكلّ عمليّة تواصليّة وظيفة تستخلص من دلالاتها السّياقيّة، وما يُسَند إليها من علاقات في تزامنها مع الشّخصيّات والأحداث ومساراتها، وما يمكن تحليله من تمظهرات وتحوّلات تتولّد من ملفوظات صيغيّة ووصفيّة، تحقّق برنامجا احتماليّا، يحقّق رغبات متنوّعة، وقد يحمل هذا البرنامج رغبات الذّات وأفكارها وتفاعلها في الرّؤية السّرديّة)[17] ونشيرُ في هذا السياق أيضا إلى  ظهور الذّات الاستهوائيّة في رواية (حكاية العربيّ الأخير)[18] لواسيني الأعرج تشكّل ديناميّة الإنجاز لتحقيق الموضوع، حينما شعرت شخصيّة آدم بهوى بعد التقائه بصديق الدّراسة الذّي ساعده في الأبحاث النّوويّة المسمّى (سميث غوردن)، الذّي تكفّل بعمليّة الشّرح والتّوضيح لكلّ ما هو غامض، كما أجابه عن جميع أسئلته واستفساراته، وأنّه موجود لحمايته وليس لتقييده، كما أكّد له أنّه مازال اسمه ضمن قائمة المرشّحين لنيل جائزة نوبل للفيزياء، ومن بعد التّكوّن يأتي عنصر (التّأهّب) ويتلخّص في الرّواية ضمن المقطع السّرديّ الذّي يعبّر عن مؤهّلات الذّات في الرّواية، فتعبّر عن هوى معيّن، وذلك عندما تمّ تقديم جملة من الامتيازات لآدم؛ حيث تمّ توفير مكان للعمل؛ المتمثّل في المختبر، وكذلك فريق العمل والبحث، وقبول كلّ شروطه التّي فرضها، وإقناعه بتوفير القنبلة بهدف حماية البشريّة من خطر التّنظيم؛ فعاد آدم إلى بحوثه لتنفيذ المشروع، بعد قناعة ذات اتّصال قيميّ بالموضوع. ويتّضح "الصّوغ الاستهلاليّ" في الرّواية، حينما دخل آدم في حالة تردّد بين قبوله إنجاز المشروع وتحقيقه، وبين حالته القلقة والمضطربة، نتيجة خوفه من النّتيجة، وما كان يتعرّض له من ضغوطات نفسيّة داخل القلعة وخارجها. ومن خلال تلك المواقف ظهرت انفعالات شخصيّة آدم في الرّواية بعد بقائه خمس سنوات في القلعة، حيث مقرّ المختبر، وعاطفته التّي استيقظت لمّا علم أنّ [أمايا] مازالت على قيد الحياة، ورجع لحياته الطّبيعيّة مع زوجته وابنته، ليبدأ في تنفيذ مشروعه الذّي ما إن أكمله يكتشف أنّ أمايا قتلت وصديقه سميث توفي، وأنّه كان ضحيّة مخطّط استغلاليّ قذر.

***

أ. د. سعاد بسناسي - جامعة وهران1

عضو المجلس الأعلى للّغة العربيّة/ الجزائر

....................

[1] - ينظر، هايدن وايت، محتوى الشّكل، الخطاب السّرديّ والتّمثيل التّاريخيّ، تر، نايف الياسين، هيئة البحرين للثّقافة والآثار، ط2، 2019، ص64.

[2] - ينظر، سعاد بسناسي، مضمرات الملفوظ في السّرد، ط1، دار كنوز المعرفة، الأردن، ص80.

[3] - الأزهر الزّنّاد، الإسفنجة، ص 40 وما بعدها.

[4] - هايدن وايت، محتوى الشّكل، الخطاب السّرديّ والتّمثيل التّارخيّ، ص 113.

[5] - ينظر، محمّد الغزّيّ، وجوه النّورس..مرايا، دراسة في الخطاب الواصف في الشّعر العربيّ الحديث، كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، القيروان، تونس، ط1، 2008، ص 08.

[6] - ينظر، عبد القادر فيدوح، بلاغة التّأويل في الشّعر الواصف، دائرة الثّقافة، الشّارقة، الإمارات العربيّة المتّحدة، ط1، 2022، ص 25/26.

[7] - ينظر تفصيل ذلك، سعاد بسناسي، مضمرات الملفوظ في السّرد، ص 132.

[8] - جاكوب كورك، اللّغة في الأدب الحديث الحداثة والتّجريب، تر، ليون يوسف وعزيز عمانونيل، ص 63.

[9] - ينظر عبد الوهّاب العيساوي، الدّيوان الإسبرطيّ، دار ميم للنّشر، 2018، ص 282.

[10] - عبد الوهّاب العيساوي، الدّيوان الإسبرطيّ، ص 347.

[11] - سعاد بسناسي، مضمرات الملفوظ في السّرد، ص 75/ 76.

[12] - عزّ الدّين جلاوجي، عناق الأفاعي، ص 683/ 685.

[13] - Henry Fielding. Tom Johns. III. 7 and XVIII. Chapter the Last (London. 1962. Pp. 92. 427.

[14] - ألبير كامو، الغريب، تر، محمّد آيت حنّا، منشورات الجمل، ط1، 2014، بيروت، لبنان،  ص07.

[15] - ألبير كامو، الغريب، تر، محمّد آيت حنّا، منشورات الجمل، ط1، 2014، بيروت، لبنان.

[16] - سعاد بسناسي، سيمياء ملفوظات السّرد، دار كنوز المعرفة، ط1، الأردن، 2024، ص09/10.

[17] - ينظر، سعاد بسناسي، سيمياء ملفوظات السّرد، دار العلا للنّشر والتّوزيع، القاهرة، ط1، 2024، ص 47.

[18] - ينظر، سعاد بسناسي، سيمياء ملفوظات السّرد، ص84.