عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مدارات حوارية

المثقف تحاور الأديبة المبدعة الأستاذة سعاد الراعي في مدارات حوارية (3)

خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة مع الأديبة المبدعة الأستاذة سعاد الراعي، ضمن مدارات حوارية، وحوار شامل أجراه معها الأستاذ مراد غريبي، حول تجربتها الإبداعية وأعمالها الأدبية وآفاقها الفكرية، فأهلاً وسهلاً بهما:

***

س12: أ. مراد غريبي: حين تصفين الكتابة السيرية بأنها فعل تحرر لا مجرد تسجيل لما مضى، فأي معنى للتحرر تقصدين تحديدًا: التحرر من الألم، أم من الصمت، أم من سلطة الذاكرة نفسها؟

ج12: أ. سعاد الراعي: حين أصف الكتابة السيرية بأنها فعل تحرر، فإنني أقصد انتقال الذات من الخضوع لأثر التجربة إلى امتلاك وعيها وتأملها. فالكتابة لا تمحو الألم، إذ يظل جزءًا من التكوين الإنساني، لكنها تعيد ترتيب حضوره داخل الوعي، فيتحول من أثر ضاغط إلى خبرة تحمل معنى قابلًا للتأمل.

ويتحدد هذا التحرر عندي في مستويين متلازمين: كسر سلطة الصمت، وإعادة النظر في سلطة الذاكرة. فالصمت يحاصر التجربة داخل عزلة مغلقة، بينما تمنح الكتابة الذات حق القول، وتنقل ما كان مكبوتًا إلى مجال التأمل والمساءلة.

وفي المجتمعات التي تثقلها التقاليد والقيود الأبوية، يصبح البوح فعلًا رمزيًا لاستعادة الصوت وإعادة بناء العلاقة بالتجربة.

أما الذاكرة، فتواجهها الكتابة بمسافة تسمح للذات بأن ترى ماضيها من موقع جديد. تستحضر ما حاولت الأعراف طمسه، وتعيد إدخاله في المجال العام، فتتصل التجربة الفردية بالذاكرة الجمعية، ويتحول الألم الخاص إلى معرفة ذات أبعاد إنسانية. ولعل أدلّ شاهد على ذلك تجلّى في مجموعتي القصصية "من مذكرات أستاذة"، حيث تناولت بوضوح تخوم القضايا الحسّاسة التي يتحاشى كثيرون الاقتراب منها، فمسّت الموروث الاجتماعي والديني في مواضع اعتاد الصمت أن يحرسها: الحجاب بوصفه سؤالًا، وحرية الاختلاط في مجتمع يراها خرقًا لحدوده، وتعقيدات الحب حين يصطدم بجدران العرف والمقدّس وغيرها. وحين تغلغلت الكتابة في عمقها، منحت المسكوت عنه صوتًا ولغةً، في مجتمع اعتاد أن يصنّف كل ذلك ضمن دائرة المحظور.

كما أجد في نماذج من السيرة العربية تجسيدًا لهذا المعنى. ففي "مذكراتي في سجن النساء" تحولت الكتابة عند نوال السعداوي إلى مواجهة مع الصمت المفروض على تجربة إنسانية تتجاوز حدود الفرد. أما فدوى طوقان، فقد حوّلت تجربتها الشخصية، في "رحلة جبلية، رحلة صعبة" إلى فعل تحرّر من القيود الاجتماعية والوجودية، لتصبح السيرة فضاءً لإعادة اكتشاف الذات وصياغة علاقتها بالعالم. وفي "أثقل من رضوى" تدمج رضوى عاشور بين البُعد الشخصي والبُعد الوطني: فهي تروي مرحلة من حياتها تحكي فيها بطريقة خاصة عن مرضها ومعاناتها، جسدها المريض ووطنها المضطرب، فتتحول الكتابة إلى فعل مقاومة موازٍ لمقاومتها للمرض. لذلك أرى أن التحرر في الكتابة السيرية لا يعني التخلص من الماضي، وإنما تغيير العلاقة به.2968 soad

س13: أ. مراد غريبي: أستاذة سعاد، لعل الدقة تقتضي أن نتساءل: هل تكتب الذات سيرتها كي تستعيد ماضيها، أم لكي تعيد اختراع علاقتها به؟ وإلى أي حد تكون السيرة اعترافًا بالحقيقة، وإلى أي حد تكون تأليفًا جديدًا لها؟

ج13: أ. سعاد الراعي: حين تكتب الذات سيرتها، فإنها تعود إلى الماضي كي تعيد النظر في علاقتها به. فالسيرة تتجاوز تسجيل الوقائع إلى إعادة بناء معناها من موقع الذات التي عاشت التجربة ثم عادت إليها بعين أخرى. ومن هنا يصبح فعل الكتابة اختبارًا للصدق مع الماضي، وفي الوقت نفسه حقًا في تأويله وفق الوعي الذي تشكل لاحقًا.

لهذا لا أتعامل مع السيرة بوصفها نسخة نهائية من الماضي، فالذاكرة ذاتها انتقائية، واللغة تعيد ترتيب التجربة وفق منظوري الخاص وشروط الكتابة. حين تقول الذات: هذا أنا كما أراني، وهذا تاريخي كما أراه، فهي تستعيد حقها في تعريف نفسها بعيدًا عن الصور التي رسمها الآخرون لها.

وتتجسد هذه الرؤية في تجارب الاديبات اللاتي ذكرتهن في الإجابة السابقة، حيث تحولت التجربة الشخصية إلى مادة لمواجهة القهر والصمت وإعادة تعريف الذات والكرامة.

من هنا يغدو البوح في السيرة فعل اعتراف وتأليف في الوقت نفسه. لان الكاتب او الكاتبة تستعيد حقيقة عاشتها، ثم تمنحها عبر اللغة ترتيبًا ومعنى جديدين. وهكذا تتجاوز السيرة حدود التوثيق إلى إعادة تعريف التجربة والكرامة والذات من الداخل، وتتحول التجربة الفردية إلى مساحة للتفكير في الإنسان وعلاقته بالمجتمع والسلطة والذاكرة.

***

س14: أ. مراد غريبي: هل تستطيع الكتابة أن تحرر الذات فعلًا، أم أنها تمنح جراحها شكلًا قابلًا للتأمل فقط؟

ج14: أ. سعاد الراعي: أرى أن الكتابة السيرية تمنح الذات شكلًا جديدًا لعلاقتها بجراحها، ومن هنا يأتي بعدها التحرري. فالجرح حين يظل حبيس الصمت يحتفظ بسلطته على الوعي، بينما تمنحه الكتابة لغة تسمح بالنظر إليه ومساءلته وإعادة إدراجه في سياق أوسع.

حين تواجه الكاتبة ذاكرتها، تستعيد حقها في النظر إلى ماضيها من موقعها الخاص، وتعيد ترتيب ما تركته التجربة من هشاشة وصلابة. وفي المجتمعات التي تثقلها التقاليد والقيود الأبوية، يكتسب البوح دلالة تتجاوز الفرد، إذ يصبح مواجهة رمزية مع الصمت المفروض واستعادة لمساحة القول.

وتؤكد التجارب التي ذكرتها لبعض الكاتبات فيما تقدم هذا المعنى، كيف تحولت التجارب الشخصية في كتاباتهن إلى صيغ لمواجهة القهر والنسيان، وإلى مساحات يتصل فيها الخاص بالعام.

لهذا أرى أن الكتابة لا تكتفي بمنح الجرح شكلًا قابلًا للتأمل، وإنما تغيّر موقعه داخل الوعي. فعندما تتحول المعاناة إلى لغة، يصبح الألم مادة لإنتاج المعنى، وتستعيد الذات قدرتها على النظر إلى تاريخها من موقع أكثر حرية. ومن هنا تتصل الكتابة بالشفاء والمصالحة مع الذات، ويغدو خلق المعنى جوهرًا للتحرر.2967 soad

س15: أ. مراد غريبي: هل ترين أن الرواية أقدر من السيرة على قول الحقيقة، لأنها تتيح للكاتب أن يتخفى خلف الخيال؟ أم أن السيرة، بما تنطوي عليه من اعتراف، تمتلك شجاعة لا يوفرها الخيال؟

ج15: أ. سعاد الراعي: أرى أن الرواية والسيرة لا تتنافسان على حقيقةٍ واحدة، بل تتقاسمانها، كل بأدواتها. فالسيرة تقول حقيقة الواقعة: ما جرى فعلًا، بشخوصها وتواريخه، وهذا يستلزم شجاعةً حقيقية، لأن الكاتب يقف عاريًا أمام قارئه دون قناعٍ يحميه من مساءلته. أما الرواية فتقول حقيقة التجربة الإنسانية في اتساعها، معناها وأثرها، حتى حين لا تكون هذه التجربة، تجربة الكاتب الشخصية على الإطلاق.

حين كتبتُ، في الفصل الثالث من "بين غربتين"، تحت عنوان "نوايا مريبة"، عن ذلك الضيف الذي حاول تدنيس حرمة بيت مضيفه بخطوٍ خفيّ في عتمة الليل، غادرًا بثقة رفيقه الذي فتح له بابه، لم أذكر اسمًا صريحًا له، ولم أُسمِّ الحادثة بأكثر من دلالتها الرمزية. كانت الكتابة أقرب إلى التوثيق منها إلى الفضح، توثيقٌ لحدثٍ مؤلم، احتفظتُ فيه بمسافةٍ أخلاقية تحفظ لمن رحل كرامة غيابه، فقد أصبح، بموته، جزءًا من ماضٍ لا طائل من نبشه بأكثر مما تستدعيه الحقيقة نفسها.

ولو أردتُ أن أقترب من العمق النفسي لذلك الرجل الذي راودته فكرة الخيانة كسلوك، لأبنيَ من موقعي كراوية شخصيةً افتراضيةً مقنَّعة أُسقط عليها ملامح تلك التجربة بتناقضاتها وذرائعها المفتعلة، لكانت الرواية هي الأداة الأنسب لبلوغ هذا العمق. فهي وحدها تتيح لي أن أصوغ هذه التجربة في هيئة شخصية متخيَّلة، أراقب اضطرابها وأقترب من دخائلها من موقع الراوي لا من موقع الشاهد الموثق للتجربة نفسها، وهنا تفتح الرواية بابًا أرحب لمقاربة هذه الزاوية النفسية الحسّاسة، من مسافةٍ فنية اوسع، وتمنحني ككاتبة في الوقت ذاته حرية النفاذ إلى أعماقها ومعايشتها.

هذا التوتر بين صدق التجربة ولبس القناع ليس بجديد على عالم الأدب، وقد عبّر عنه الروائي الأمريكي فيليب روث بوضوح حين اعترف بلجوئه في عدة رواياتٍ إلى شخصية "ناثان زوكرمان"، ليس كبطلٍ روائي فحسب، بل كأداةٍ تتيح له البوح بحقائق نفسية وعائلية موجعة، كان يستحيل عليه ذكرها في سيرةٍ ذاتيةٍ صريحة تحمل اسمه بلا وسيط، تجنبًا لجرح من لا يزالون أحياء ممّن عرفهم. وتُبرز تجربته كيف يصبح الخيال أحيانًا الطريق الأكثر أمانًا لقول الحقيقة الأشد إيلامًا.

أما مارغريت يورسنار، في "مذكرات هادريان"، فقد اختارت أن تكتب سيرةً متخيَّلة للإمبراطور الروماني هادريان، متحدثة بصوته هو لا بصوتها، لتقول من خلاله حقائق عميقة عن السلطة والفناء والحب لم تكن لتصل إليها بالسيرة الذاتية المباشرة عن نفسها. ويجسّد عملها إمكانية ثالثة يطرحها هذا السؤال ضمنًا: أن يستعير الكاتب قناعًا روائيًا كاملًا ليقول عبره حقيقته العميقة، فيتحول الخيال إلى أصدق أشكال الاعتراف غير المباشر.

وهكذا، بين شجاعة روسو التي كشفت وجهها بلا حجاب في اعترافاته، وقناع روث الذي احتمى بالخيال ليقول ما لا يُقال صراحة، ومسافة يورسنار التي استعارت صوت إمبراطورٍ ميت لتبوح بحقيقتها، أجد نفسي، في "نوايا مريبة، أقرب إلى موقعٍ وسيط:

سيرةٌ لم تُسمِّ، ورواية لم تكذب، بل توثيقٌ اختار الصمت عن الاسم ليقول الحقيقة كاملة عن الفعل.

***

س16: أ. مراد غريبي: كيف تنظرين إلى الصمت داخل النص؟ هل هو فراغ بين الكلمات، أم لغة أخرى تكشف ما تعجز العبارة عن قوله؟

ج16: أ. سعاد الراعي: لا أرى الصمت داخل النص فراغًا ينتظر أن تسدّه كلماتٌ لاحقة، بل لغةً موازية تحمل من الدلالة ما تعجز العبارة الصريحة عن حمله، وتقول بغيابها ما كان حضورها المباشر سيُفرغه من عمقه.

وأميّز فيه بين نوعين لا يتشابهان في جوهرهما وإن تشابها في مظهرهما. صمتٌ يُفرض على الكاتب حين تخونه الكلمة أمام هول التجربة، فيتراجع القلم عاجزًا، تاركًا فجوةً يستدرج بها القارئ إلى استكمال المعنى بتأمله الخاص، كأن العجز نفسه يتحول إلى دعوة للمشاركة. وصمتٌ آخر يختاره الكاتب بوعيٍ تام، لا لأن الكلمة تخذله، بل لأنه يُدرك أن غياب الكلمة هنا أبلغ من حضورها، فيقول عبر سكوته ما كان القول المباشر سيُفسده أو يُبتذله. في هذا الصمت المختار، يصبح السكوت شريكًا في إنتاج المعنى، لا غيابًا عنه، بل ركنًا من أركان البناء الفني ذاته.

وتتجلى هذه اللغة الصامتة في أدواتٍ فنية دقيقة:

النقاط المعلقة التي تترك الجملة معلّقة بين قصدين،

والعبارة المبتورة التي توقظ في القارئ رغبة إكمالها بمخيلته،

والحوار الذي يُقطع فجأة وكأن شخصياته أدركت أن ما بقي غير قابل للنطق.

هذه الأدوات لا تخدم النص من خارجه، بل تنبض في صميم بنيته، وتغدو أحيانًا أصدق تعبيرٍ عن الحدث من أي وصفٍ مسهب له.

ولعل أوضح ما عشته من هذا الصمت المختار تجلّى حين كتبتُ عن ذلك الضيف الذي دنّس ثقة مضيفه، إذ اخترتُ ألا أُسمّيه، لا عجزًا عن التسمية، بل لأن صمتي عن اسمه كان جزءًا من الحكاية نفسها، لا هامشًا عليها: احترامًا لغيابه بالموت، وحمايةً لمن تبقّى من أثر ذلك الجرح. لم يكن ذلك الصمت نقصًا في النص، بل كان أكثر جمله دلالة، إذ قال ما كانت التسمية الصريحة ستُفسده بابتذال الفضح.

فالصمت، إذن، لا يُقاس بكونه فراغًا أو امتلاءً، بل بموقعه من إرادة الكاتب. حين يُفرض عليه قسرًا، يبقى عجزًا يتيمًا. وحين يختاره بوعيٍ، بوصفه أداةً بلاغية وأخلاقية معًا، يتحول إلى أصدق ما في النص، لأنه، حينها، صمتٌ يعرف تمامًا لماذا يصمت.

(يتبع)

***

حاورها الأستاذ مراد غريبي - صحيفة المثقف

16/8/2026

في المثقف اليوم