عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

قاسم المحبشي: حياة الإنسان بين فلسفة الحق وعقيدة الابتلاء

دفعني تخصصي في فلسفة التاريخ والحضارة من حواء وآدم حتى ترانب والخميني الى تأمل الفارق بين التجارب الحضارية والثقافات السياسية المختلفة، أن ثمة سؤالًا عميقًا يستحق أن نعيد طرحه بلا خوف ولا مجاملة: كيف تنظر الثقافة المختلف إلى حياة الإنسان وحقوقه؟ وما الذي تعتبره جديرًا بالحماية والرعاية والاحترام؟

من التأكيد بنسبية الوقائع المشخصة فليست الدولة العلمانية كتلة واحدة، كما أن المجتمعات العربية والإسلامية ليست كتلة واحدة، فهذه التعميمات لا تفسر التاريخ ولا الواقع . لكن يمكن ملاحظة اختلاف في البراديغم الثقافي والسياسي المهيمن في بعض التجارب

المتاحة للرؤية والمقارنة ففي الثقافة التي لا تكف عن تذكير الإنسان بعجزه وقلة شأنه وعدم كفاية عقله وخيبة مسعاه في هذه الدنيا الفانية التي يكرس فيها الاعتقاد بإنها (لا تساوي جناح بعوضة) لا يمكنها أن تكون دافعا وحافزا للأمل والعمل والنمو والتنمية والمستقبل والازدهار بل ستفضي مع مرور الزمان الى نتائج كارثية لم تكن بالحسبان وسيدفع جميع الناس أثمانها الباهظة، افرادا وشعوبا ودولا من دمهم ولحمهم وكرامتهم وتاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم كما يتنضد المشهد الآن أمام البصر والأبصار في مشهد تراجيدي سوريالي في اليمن التي يعاد تسويتها وتشكيلها أمامية حوثية طائفية من (انصار الله) أو الشباب المؤمن أو المسيرة القرآنية وقد سبق وحذرت من مخاطر تجنيد النساء والأطفال في الحرب الاهلية اليمنية الكارثية منذ بدايتها إذا كانت الحروب تُدمِّر الجسور والطرق والمباني، فإن أخطر ما تدمره هو الإنسان وهو في طور التكوين. فالطفل الذي يولد في زمن الحرب لا يرث الخراب المادي فحسب، بل يرث أيضًا عالمًا مضطربًا من الخوف والحرمان والقلق وانعدام اليقين. وهنا تبدأ الحرب في ممارسة تأثيرها الأعمق؛ إذ تنتقل من ساحات القتال إلى ساحات التربية، لتعيد تشكيل الوعي قبل أن تعيد تشكيل الواقع.

لقد أثبت علم الاجتماع التربوي أن الإنسان لا يتعلم من المناهج الدراسية وحدها، بل يتعلم من البيئة التي يعيش فيها، ومن الرموز التي تحيط به، ومن الصور التي تتكرر أمام عينيه، ومن الألعاب التي يلهو بها، ومن اللغة التي يسمعها كل يوم. فالطفولة ليست مرحلة عمرية فحسب، بل هي المصنع الذي تُصاغ فيه الشخصية، وتُبنى فيه منظومة القيم، ويُرسم فيه أفق المستقبل.

ولهذا فإن الحرب لا تكتفي بتدمير المدارس، وإنما تمتد إلى إعادة تعريف معنى المدرسة نفسها. فحين تغيب الدولة، ويضعف القانون، ويصبح السلاح جزءًا من المشهد اليومي، تتحول التربية من صناعة للمواطنة إلى عملية تكيف مع العنف، ويغدو البقاء أهم من المعرفة، والقوة أهم من الحوار.

وأتذكر هنا مشهدًا ما يزال حيًا في ذاكرتي، التقطته بعد سنوات قليلة من اندلاع الحرب في اليمن. كنت في طريقي إلى منزلي في مدينة خور مكسر، إحدى أكثر أحياء عدن مدنية وانفتاحًا، حين استوقفتني مجموعة من الأطفال، في عمر الزهور، يسيرون في صفوف منتظمة، يؤدون ما يشبه المارش العسكري بدقة لافتة. طلبت من سائق سيارة الأجرة أن يتوقف، وظننت في البداية أنها لعبة مدرسية عابرة أو نشاط احتفالي.

لكنني عندما اقتربت، كانت المفاجأة أكبر مما توقعت. فقد كان جميع الأطفال تقريبًا يرفعون في أيديهم بنادق ومسدسات وآليات عسكرية بلاستيكية، ويهتفون بشعارات حربية، ويحاكون حركات المقاتلين بكل براءة، وكأنهم يعيدون تمثيل مشاهد اعتادوها في حياتهم اليومية.

وهذا هو معنى العبارة التي طالما ورددتها (حينما يتكرر السلوك يصير عادة وحينما تترسخ العادة وتستبطن بفعل التطبع تصير ثقافة

وهكذا تمخضت نتائج هيمنة البرالديغم الثقافي في (يمن الحكمة والإيمان) اقصد هيمنة الثقافة التي تجعل الدنيا هامشًا، والإنسان عاجزًا، والعقل قاصرًا، والسعي الدنيوي قليل القيمة، والموت أسمى من الحياة، والنجاة الأخروية أهم من تحسين شروط الحياة الجديرة بالعيش والكرامة وكلما ضاقت فرصة الحياة الكريمة زادت ثقافة الموت الذميمة. لاحظت مشاهد مروعة من المعارك المشتعلة هذا الأيام في الجبال المطلة على باب المندب، جثث أطفال بعمر الزهور متناثرة في الشعاب والوديان وصور متوحشة في تمثيل المقاتلين من الأطراف المتحاربة بجثث بعضهم بصورة لا تنم عن قيم الشرف والبطولة أبدا. وليس هناك ما هو افضع من مؤمن لتعذيب مؤمن آخر من ذات الدين، إذ إن كلا منهم يعتبر ذاته ملاكا والأخر شيطانا ! وحينما تحضر الملائكة والشياطين يختفي آدم وحواء الانسان أبن أديم الأرض والنفحة الربانية وقيمه الإنسانية الدنيوية المتواضعة الشفوقة القنوعة النسبية المتغيرة المرنة الواقعية الممكنة العقلانية، إلا تكفي هذه النتائج الفاجعة كل من يدعي الأنتماء الى دين الإسلام الحنيف الذي أنزله الله رحمة بالعالمين لإعادة التفكير الحصيف بالنتائج والأسباب؟! والفكرة الآتية من خارج الحياة لا تستطيع أن تنتج حتى فكرة موتها وفي هذه الحلقة الجهنمية تكمن خطورتها !

وحينما ننظر إلى الدول المدنية التي قننت الحياة الحياة المشتركة لمواطنيها سياسيا نجدها تأخذ حياة الإنسان وحقوقه الطبيعية والمدنية وسعادته ورفاهه بكل صارمة وجدية بوصفها غاية الغايات.

ليست المشكلة في الدين بوصفه تجربة روحية وأخلاقية، ولا في الإيمان بوصفه بحثًا عن المعنى والرحمة والعدل، وإنما في اللحظة التي تتحول فيها بعض التأويلات الدينية إلى ثقافة تقلل من قيمة الحياة الدنيوية، أو تجعل الألم قدرًا لا ينبغي مقاومته، أو تحول الفقر والمرض والجهل والقهر إلى امتحان ينبغي احتماله بدل أن يكون سؤالًا ينبغي العمل على تغييره.

وليس هناك ما يمنع الإنسان من أن يؤمن بأن الحياة ابتلاء، وأن فيها الألم والمرض والفقد والخسارة، فالإيمان بالابتلاء قد يكون مصدرًا للصبر والقوة والتكافل والعمل من أجل تجاوز المحنة. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول هذا الإيمان إلى فلسفة للاستسلام، فيُطلب من الإنسان أن يتعايش مع الفقر والقهر والجهل والمرض وكأنها أقدار لا يجوز مقاومتها أو تغييرها. هناك فرق كبير بين أن أقول للإنسان: اصبر على ما لا تستطيع تغييره، واعمل على تغيير ما تستطيع، وبين أن أقول له: اصبر لأن الدنيا فانية، ولا تنشغل بحقوقك فيها لأن الجزاء الحقيقي في الآخرة. فالإيمان بالآخرة لا ينبغي أن يكون سببًا لإهمال الدنيا، بل حافزًا لجعلها أكثر عدلًا ورحمة وكرامة. وإذا كان الإنسان مكرمًا، فإن حياته وحقوقه وصحته وحريته وأمنه ليست أمورًا هامشية. فالحياة ليست ضد الآخرة، والابتلاء ليس دعوة إلى الاستسلام، والصبر لا يعني قبول الظلم.

ونحن نعلم إن الإنسان يسلك وفقًا لما يعتقد؛ فالمعتقد ليس فكرة تسكن الرأس فحسب، بل قوة تتسلل إلى السلوك وتعيد تشكيل علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين وبالعالم. فإذا اعتقدت أن بيتي مسكون بالخوف خفت منه، وإذا اعتقدت أن جيراني يتربصون بي توترت علاقتي بهم، وإذا اعتقدت أنني لا أستحق مستقبلًا أفضل فقدت الدافع إلى البحث عنه. وهكذا يمكن للمعتقد أن يكون قوة للتحرر والتقدم، كما يمكن أن يتحول إلى قيد يعيد إنتاج العجز والاستسلام.

وحين تتحول بعض المعتقدات إلى يقين مغلق، ثم تتكفل المؤسسات والتعليم والخطابات الاجتماعية بتثبيتها، فإنها لا تعود مجرد أفكار فردية، بل تصبح ثقافة كاملة تحدد ما نراه ممكنًا وما نراه مستحيلًا.

وهنا تكمن الخطورة الأكبر: حين يتعلم الإنسان أن الفقر قدر، والمرض ابتلاء لا ينبغي مقاومته، والجهل أمرًا محتومًا، والسؤال خروجًا، والحرية فتنة، والدنيا شيئًا لا يستحق كثيرًا من الاهتمام، تبدأ ثقافة احتقار الحياة.

أما حين يرى الإنسان الدنيا مجالًا للعمل والعمران والمسؤولية، يصبح العلم ضرورة، والصحة حقًا، والكرامة أساسًا، والحرية مسؤولية، ورعاية الإنسان واجبًا.

فالمشكلة ليست في أن نؤمن، بل في ماذا يفعل إيماننا بنا ومجتمعاتنا والعالم الذي نتشاركه مع أشباهنا من البشر.

فحين ننظر إلى تاريخ العنف باسم الدين، من الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش وحروب الطوائف الدينية في اوروبا ما قبل الحديثة ، إلى حروب الطوائف الإسلامية التي شهدتها ولاتزال تشهدها عدد من الدول العربية منها؛ اليمن وأفغانستان والصومال وسوريا والعراق وليبيا والجزائر وغيرها، ينبغي ألا نختزل هذه المآسي في الدين وحده؛ فالعنف تصنعه أيضًا صراعات السلطة والموارد، والاستبداد، والاحتلال، والفقر، وانهيار الدولة، والصراعات الطائفية والتدخلات الخارجية. لكن يبقى السؤال الأخلاقي قائمًا: كيف يستطيع الإنسان أن يقتل إنسانًا آخر لأنه يعتقد أنه وحده يمتلك الحقيقة؟ وكيف يتحول المختلف من إنسان إلى شيطان؟ عندما ينقسم العالم في الوعي المتطرف إلى ملائكة وشياطين، يختفي آدم، ويختفي الإنسان ابن آدم، ذلك الكائن الضعيف المحتاج إلى الرحمة، القابل للخطأ والصواب، والذي لا يملك الحقيقة كاملة. وهنا تبدأ المأساة؛ إذ يصبح القتل تطهيرًا، والتعذيب عقوبة، والإقصاء فضيلة، والكراهية دفاعًا عن المقدس. لذلك لا يكفي أن نسأل: من يملك الحقيقة؟ بل علينا أن نسأل: أي إنسان تنتج الحقيقة التي نؤمن بها؟ هل تجعلنا أكثر رحمة وعلمًا وحرية واحترامًا للحياة، أم تجعلنا أكثر خوفًا من السؤال، واحتقارًا للدنيا، وعداءً للمختلف، واستعدادًا للتضحية بحياة الآخرين باسم خلاصنا؟ إن الفكرة التي لا ترى الإنسان في الآخر، مهما كان اسمها، لن تستطيع أن تبني عالمًا إنسانيًا.

وهنا ينبغي أن نعيد التفكير: ليس في الإيمان بوصفه إيمانًا، ولا في الدين بوصفه دينًا، وإنما في الطريقة التي تتحول بها معتقداتنا إلى سلوك، وسلوكنا إلى مؤسسات، ومؤسساتنا إلى ثقافة، وثقافتنا إلى مصير تاريخي.

ففي عالم انكمش فيه الزمان والمكان، ولم يعد الإنسان يستطيع أن يعيش منعزلًا عن الآخر، لم يعد التعايش ترفًا أخلاقيًا، بل أصبح شرطًا لبقاء الإنسان. ومن هنا تبرز الحاجة إلى ما يمكن أن نسميه «لاهوت التعايش»: قراءة للإيمان تجعل اختلاف الأديان والثقافات مجالًا للتعارف لا للصراع، وللتكامل لا للإلغاء، ولحماية الحياة لا لتبرير إهدارها.

إننا بحاجة إلى إيمان يرى في الإنسان إنسانًا قبل أن يراه منتميًا إلى عقيدة أو طائفة أو قومية؛ إيمان يحرر الرحمة من حدود الجماعة، والكرامة من حدود الهوية، والحق من احتكار الحقيقة.

فإذا كانت الحياة ابتلاءً، فإن أول واجب في هذا الابتلاء هو حماية الحياة. وإذا كان الإنسان مكرمًا، فإن أول علامات تكريمه أن نحفظ كرامته. وإذا كان العقل نعمة، فإن شكره يكون باستخدامه في السؤال والنقد والمراجعة.

وعندها فقط تتحول العقيدة من جدار يفصل الإنسان عن أخيه الإنسان إلى جسر يعبر به الجميع نحو عالم أكثر رحمة وعدلًا وحرية.

وهنا تتجاوز مفارقة المعتقد حدودها، لتصبح دعوة إلى مصالحة الإنسان مع الحياة، ومع العقل، ومع الآخر.

***

د. قاسم المحبشي

 

في المثقف اليوم