الدكتور جودت هوشيار كاتب وقاص ومترجم، ارتبط منذ دراسته وإقامته في موسكو بالثقافة الروسية والأدب الروسي، حتى غدا هذا الأدب أحد المحاور الأساسية في تجربته الكتابية والترجمية والنقدية. وقد أفاد من علاقة امتدت عقودًا بالأدب، فلم يكن قارئًا عابرًا يمر على النصوص، وإنما قارئًا أقام معها طويلًا، وتعمق في طرائق اشتغالها وفنونها وحيلها السردية. وبالمعنى الذي يمكن استحضاره من مفهوم غادامر عن «اللعب» في الفن، لم تعد القراءة عنده تلقيًا سلبيًا، بل مشاركة في حركة النص وإمكاناته، وفيما يتيحه من احتمالات للتأويل والتشكيل. لقد قرأ بعمق، وهذه القراءة الطويلة تبدو في كتابته؛ فالحكاية عنده ليست منفصلة عن طريقة روايتها، والتفصيل اليومي يمكن أن يتحول إلى أداة في بناء التوتر، وترتيب المعلومات يمكن أن يصبح جزءًا من صناعة المعنى. لذلك حين يكتب هوشيار القصة يبدو أثر القارئ القديم حاضرًا في الكاتب: قارئ خبر النصوص من الداخل، وتابع ألعاب السرد وتحولاته، ثم أخذ يختبر بعض هذه الإمكانات في قصته.
ومن هذه المقدمة يمكن الاقتراب من قصته «البرد والقهوة والكتاب»، فهي تبدو للوهلة الأولى حكاية بسيطة عن رجل يعود إلى شقته في موسكو بعد يوم متعب، في البرد والثلج، متطلعًا إلى فنجان قهوة وكتاب، قبل أن يفاجئه صوت آمر: «قف! ولا تتحرك!». غير أن بساطة الحكاية تخفي وراءها بناءً أكثر إحكامًا؛ إذ يترك هوشيار مصدر الصوت مجهولًا لبعض الوقت، ويضع شخصيته، ومعها القارئ، داخل مساحة من الاحتمال والقلق. فجأة لا تعود الشقة مكانًا مألوفًا، ولا يعود الصوت مجرد صوت، بل يتحول إلى علامة خطر تستدعي سلسلة من التخمينات.
هنا تبدأ لعبة السرد الفعلية. فالكاتب لا يؤخر المعلومة لمجرد صناعة مفاجأة، وإنما يستثمر تأخيرها في تغيير علاقتنا بالمشهد. إننا نعرف ما تعرفه الشخصية، ونجهل ما تجهله، ولذلك يصبح الخوف تجربة مشتركة بين الراوي والقارئ. ثم يأتي الكشف متأخرًا: الصوت صادر عن التلفزيون الذي ظل مفتوحًا. تنحل العقدة الخارجية في لحظة، لكن القصة لا تنتهي عند هذا الحد، لأن انكشاف مصدر الصوت يفتح على سؤال آخر: لماذا استطاع صوت عابر من جهاز تلفزيون أن يتحول إلى تهديد حقيقي في وعي رجل متعب ووحيد؟
هنا تحديدًا يمكن أن نرى أن هوشيار لا يؤخر «المعلومة» وحدها، وإنما يؤخر «الدلالة» التي ستكتسبها هذه المعلومة. وهذا فرق مهم في قراءة القصة؛ فمعرفة أن التلفزيون هو مصدر الصوت تحل اللغز، لكنها لا تلغي الخوف الذي حدث قبلها. بالعكس، تجعلنا نعود إلى تفاصيل البرد والليل والتعب والغربة والشقة لنكتشف أنها لم تكن مجرد خلفية للمشهد، وإنما كانت تشارك في إنتاجه النفسي.
ومن المفيد في هذا السياق استحضار ريكاردو بيليا، الكاتب والناقد الأرجنتيني، الذي نظر إلى القصة القصيرة بوصفها قادرة على رواية حكايتين في وقت واحد: حكاية ظاهرة تتحرك أمام القارئ، وحكاية خفية تعمل تحت سطحها. في قصة هوشيار، الحكاية الظاهرة هي قصة الصوت الغامض والخوف من وجود شخص داخل الشقة، أما الحكاية الخفية فهي قصة الوحدة والغربة والإرهاق، وما يمكن أن يفعله ذلك كله بوعي الإنسان حين يواجه صوتًا لا يعرف مصدره.
ومن هنا يصبح تأخير كشف التلفزيون أكثر من حيلة تشويقية. إنه الوسيلة التي تجعلنا نعيش الخوف قبل أن نعرف سببه، ثم نكتشف أن مصدره كان حاضرًا طوال الوقت. وهذه مفارقة سردية دقيقة: الحقيقة كانت موجودة في المكان، لكن الشخصية لم تكن مستعدة لرؤيتها على حقيقتها.
وهذا يقرب القصة، من جهة، من تقاليد القصة التي عرفناها عند تشيخوف، حيث يمكن لحادثة عابرة أن تكشف حالة إنسانية أعمق من الحدث نفسه، ومن جهة أخرى يذكّرنا بجويس، حين تأتي المعرفة المتأخرة لتغير دلالة ما سبقها. لكن هوشيار يحتفظ ببنية أكثر وضوحًا: صوت غامض، خوف، احتمالات، كشف، ثم انتقال من الحادثة إلى معناها النفسي. ولذلك فإن أهمية القصة لا تكمن في ابتكار تقنية تأخير الكشف، فالتأخير في ذاته ليس جديدًا في تاريخ القصة القصيرة، وإنما في الطريقة التي يوظف بها الكاتب هذا التأخير للانتقال من سؤال «من أين جاء الصوت؟» إلى سؤال «لماذا كان الصوت مخيفًا؟».
حتى عنوان القصة «البرد والقهوة والكتاب» يدخل في هذه اللعبة. فالبرد يحيل إلى الخارج، والقهوة إلى الدفء، والكتاب إلى الملاذ الداخلي. إنها ثلاثة أشياء يرسم بها الكاتب عالم الشخصية قبل أن يقتحمه الصوت. وحين يأتي الصوت، يختل هذا التوازن كله، وتتحول الشقة من مأوى إلى مكان مريب. ثم حين ينكشف مصدر الصوت، يعود كل شيء إلى مكانه الظاهري، لكن شيئًا في وعي الشخصية يكون قد تغير.
هكذا تتجاوز القصة حكاية رجل أخطأ في تفسير صوت تلفزيوني لتصبح حكاية عن قابلية الإنسان، تحت وطأة التعب والوحدة والغربة، لأن يمنح الأشياء العادية معاني استثنائية. التلفزيون لم يصنع الخوف، وإنما أطلق شرارته؛ أما الخوف الحقيقي فقد صنعته النفس وهي تبحث عن تفسير. ومن هنا تأتي قوة الحكاية: ما نطارده طوال القصة بوصفه خطرًا خارجيًا، ينتهي بنا إلى اكتشاف أنه كان، في جانب منه، يسكن الداخل.
إن «حكايتان خلف صوت واحد» ليستا إذن حكايتين منفصلتين، وإنما مستويان لحكاية واحدة: ما حدث أمام الشخصية، وما حدث داخلها. وبين المستويين تتحرك كتابة هوشيار، مستفيدة من خبرة قارئ عاش طويلًا مع الأدب، وتأمل كيف تتحول التفاصيل الصغيرة إلى أدوات سردية، وكيف يمكن لصوت واحد أن يفتح، في قصة قصيرة، بابًا على الخوف والوحدة والذاكرة والغربة.
***
بولص آدم








