قراءات نقدية

فؤاد بنبشينة: الشِّعر.. ألَمٌ وتألّمٌ وحُلمٌ مع الآخر

لذة وقلق: وأنا أقرأ قصائد الديوان الشعري «النوم على سرير الله»، بدا لي أن السرير؛ «سرير الله» هو علامة سيميائية كبرى تتقابل والعلامة السيميائية الصغرى «سرير الناس»، في الاختلاف التناظري يتوالد المعنى وفق مسارات القصائد، هل هي أمكنة السماء تتقابل وأمكنة الأرض من منظور الذات الشاعرة لتؤسس لدينامية حوارية شعرية جديدة تخدش المعنى وتُقشِّره قصيدة قصيدة.

إنتاجية شعرية: تكتيك طفل مُحبّ

صدر مؤخرا عن دار الدّراويش للنشر والترجمة بجمهورية بلغاريا الديوان الشعري «النوم على سرير الله» في طبعته الأولى، 2026، للشاعر المغربي «المصطفى حناني»*  المقيم ببلجيكا، وجاءت هذه الإنتاجية الإبداعية الشعرية في ثمان وثلاثين قصيدةً رامت تمثيل فنّ المخاطبة الشعرية المعاصرة للظرفية الاجتماعية العالمية الآنية وأيضا الظرفية المحلية المغربية، باعتبار أن الشّذرة الشعرية عند الشاعر أفضت إلى إنطاق الذات الشاعرة والناقدة في الوقت ذاته، هذه الذات التي أخذتنا في جولة داخل بعض المدن المغربية من خلال ضمير القصيدة وهو ضمير نقد النقد السوسيو-ثقافي، باعتبار أن المدينة «نصّاً مُركبا» (رولان بارث)، ليستضيح لنا الشاعر عن فضاءات كل من (مازاغان، آسفي، مراكش وموغادور)؛ في قصيدة «هنا المازاغان»، يقول:

«حيث نحت البرتغاليون القدامى أيامنا القادمة

الوقت الحاتل داخل جيوب الفقراء..» (ص، 26).

في قصيدة «آسفي»، يقول:

«في آسفي آسف قديم

يحمله قطار الفوسوفور الشاحب

(...) تحيا مواجع الحياة..» (ص، 27-28).

أيضا، في قصيدة «في الموغادور»، يُقاوِم الشاعر طفولته ليستحضر الذاكرة العادية، ويُقلّب في تحوّلات رمزية المدينة:

«في الموغادور تذكرتني نوارس الله

(...) ومن الجدران القديمة فقر واقف» (ص، 29).

حبّ الأمكنة عطر يستذكره الشاعر كلّما أحسّ بالعطش وحضرته الرغبة في الارتواء من حبّ الوطن، إنها محاورة الظمأ وشدّة الحنين الطفولي المشبع بالماء الأمومي للوطن، هل فقدنا ماء وطننا؟ أم هي كتابة تقابل الفراغ بالعطش لتعيد شيئا إلى المعنىالشعري، يقول في أول قصيدة:

"لم يسألني الفراغ

ولا غيره

لماذا تعود إلي...؟" (ص، 5).

في البدء يكشف لنا الشاعر عن حيرة عودته إلى حقل الكتابة الشعرية بعد إصداره للديوان الأوّل الموسوم ب: «آخر رقصات الطين» عن دار النشر سليكي أخوين، طنجة، 2021. وهي عودة تحمل قلق السؤال والتجديد في القصيدة الشعرية الحديثة ارتباطا بالحداثة لا بالزمنية التاريخية الآنية أي أنها تستمد قوتها من ماضي التجديد الشعري المنبثق من المشرق العربي وخصوصا العراق مع كل من الملائكة نازك وبدر شاكر السياب مرورا بالتطور والتبلور الحداثي مع أمل دنقل ومحمود درويش وأدونيس وأحمد المجاطي وشعراء من أقطار مختلفة، إذن هي الحداثة الشعرية أعتقد أنها قول تحديث في حقل سياسات المجتمعات التي أفقدتها الهزائم والحركات الاستعمارية قوتها وتوهجها، والقصيدة هنا هي محكي ظلال الله في مقابل ظلال الشيطان، وعليه الصراع داخل القصائد يتخذ شكل الحقيقة الورقية.

القصيدة الشعرية والحق في الحياة

مَسرَح الشاعر قصائده في علاقة بالبحث عن مُقوّم الماء، وهو بحث عن الحياة، في قصيدة «ذاكرة الظمإ» حيث تتمثل القصيدة عند الشاعر صوت المدينة المغربية الجريح صيفها/ شدّة حرّها مجازيا، وهي القصيدة التي تنظر وتصف وتصنّف الفضاء المديني صيفا، حيث تحضر كل مدينة باعتبارها علامات دالّة على شكل حياة تحوّل من الحسن إلى الأسوأ، وأن :«الصيف أسد الفصول/ والمطر معجزة يرتلها الغياب» (ص، 38). ومن منظور الشاعر، إن الظمأ هو اللا-حياة إنه شكل موت آخر، حيث إن الماء في القصيدة يغيب ليحضر «العطش السياسي» وهو شكل ظمأ أفسد الفضاءات الحميمية التي ذكرها الشاعر، وخصوصا فضاء «قصر الشوق» بواحاته التي تقاوم الموت بكبرياء النخل وصمود الراعي الذي شرّده شح المرعى/ شح تدبير الفضاء وسمّ السياسة المجالية التي أفضت إلى عقم شجرة الطلح، فهل هو إذن عقم «سرير الناس» الذي قطع مع استمرارية الحياة داخل المدينة المغربية في اختلاف جغرافيتها وهُوياتها، هي خمسة  فضاءات مغربية أفضت إلى تمثيل حيوات متشابهة تشكو الحرمان والفقر وبهذا تموت المدينة على سرير الناس وتستعيد ذاكرتها وتاريخها على سرير الله، فالشاعر يُصوّر الأمكنة بسخرية قاتمة وكأنها ركاما عمرانيا إسمنتيا فقدت روحها وكذلك فقدت القيم الإنسانية التي كانت تتشبع بها، هذه الأمكنة هي: (مراكش وسلا والرباط وفاس وقصر السوق (الرشيدية)، وتحضر مدينة الرباط من خلال رمزية «أسوار شالة» و «باب الحد» باعتبارها فضاءً للاحتجاج وصوت من ظلمتهم السياسة الفاسدة و«مكر قطط الخريف» وكأن الشاعر يؤسس القصيدة على قانون المقارنة الواقعية بين المدينة المغربية والمدينة الغربية المضمرة داخل القصيدة حيث أبقى الشاعر على تمثيل المدينة المغربية وحدها بشكليها العريق والحديث أي المدينة التي أنتجتها سياقات الاستعمار الفرنسي والغزو البرتغالي، وأن العلامة «القطط» تؤشر على التشرّد خارج مركزية الأمكنة، بمعنى اللا-نظام داخل النسق المديني والنسق القروي وخصوصا فضاء الواحات.

شعرية السرير: طفلٌ شاعِرٌ، شاعِرٌ طِفلٌ

بدءا من عتبة العنوان «النوم على سرير الله» يتبادر إلى الذهن شكل الاستعارات الجديدة التي تنفصل عن الاستعارات القديمة وعن الخرافة والفانتستيك والشعرية المُحبطة التي تستسلم إلى أطلال الذات، وجراحات اللا-قيمة الحياتية؛ في المقام الأوّل يتخذ العنوان التحاما قويا بالقصيدة الموسومة بنفس العنوان، حيث تنصهر جميع العلامات المادية في علامة واحدة وهي: "استحضار غياب روح البلد" وكأننا أمام غياب "الطفل"، يستبين الشاعر هذه الروح الغائبة وهي ظلال تُلهِم القصائد صدقية القول حين تحضر الأم والأب نكون أمام شفافية الاستعارات، يقول:

«أتعرفين يا أمّي!

حين كبرنا

كبر الليل معنا

وغابت شمس الصباحات

(..) يطرد الحلم من عيوننا». (ص، 13-14).

وفي قصيدة «مات أبي» (ص، 49)، يقول:

«مات أبي

ولم يعرف أحد منّا أين دُفن عشقه للوطن؟»

يصوّر الشاعر روايتين لموت الأب، الرواية الأولى يقول إنها رصاصة أصابت صدره في صباح خريفي، والرواية الثانية تقول، إنه مات شهيدا يدافع عن تراب وطنه، إذن هل هي قطط الخريف من أطلقت الرصاصة أم أن العدو كان متفوقا وهنا تقول الحكاية التاريخية أن العدوّ كان ضعيفا وأن أحصنة المغاربة كانت تعشق عطر البارود وتُحبّ نسائم أعلى قمم الجبال، تتناسل الرواية لتفضي إلى قول الشاعر: «مات أبي ولم يدر أنه مات» (ص،49). هل علامات الموت انقلبت إلى نوم في حضن سماء الله بعيدا عن سرير الناس؟ أم هي القصيدة اختزلت القضية العربية في صورة الأب، حيث إن الشاعر استحضر في بعض قصائده القضية الفلسطينية.

 في روح الأب/ روح الأرض:

النوم هنا هو نوم طويل استحضره الشاعر ليوقظ لدى القارئ الذاكرة المثقلة بالإحباطات والجهل وتمظهرات الحياة المزيّفة ومكر السياسة الجاهلة بقوانين التدبير والتسيير الجيد، أيضا القصائد تتوالد بفعل قوّة الذاكرة الحسيّة مرة ومرات أخرى من خلال ذاكرة الفضاءات التي وقف عليها الشاعر وهي فضاءات مُدمجة ضمن فضاء شامل وهو المغرب حيث تحضر الفضاءات الغربية الأوروبية لتمنح للقصيدة قوة المقارنة، باعتبار أن الذات تقيم بهذه الفضاءات أكثر من ربع قرن من الزمن، وهي إقامة دفعت بالاستعارات الجديدة أن تتخذ شكل حرية نسبية وقول خطاب مَحبّة مُوّجه للقارئ باعتبار أن القصيدة هي نقدا لواقع مثقل بالأحزان، في المقام الثاني بعدما تتزيّن بالجمالية الحداثية وهي «شعرية موت الرومانسية وانبعاث شعرية الموت»، البوح المقلق والمُزعج الذي يدفع باللغة إلى استيضاح الأخطاء وترهين الخوف بسبب محو الأمنيات والأحلام وملاحقات الذئاب. إن الخوف هو خوف طفولة، الشاعر استدعى زمنية الطفل الذي كان، وهنا يحضر ضمير الديوان أو ضمير «السرير» كعلامة دالّة على الفتوحات الاستعارية الحديثة للقصائد في مُجملها، كلّ سرير فهو ذلك الضمير الحيّ للأسرار التي نلتقيها نهارا بعدما كان ليل الشاعر منصهرا في الحياة الداخلية والخارجية واحتراق اللغة داخل اللغة وأيضا احتراق الجسد داخل الجسد واحتراق الطفولة داخل القصيدة لينبعث شاعر جديدٌ ويولد وعي تاريخي جديد.

المنفعة الشعرية الحديثة:

المنفعة هي مواضيع-قيمة طرحها الشاعر ضمن كونية مُصغرة تستضيح العلاقات العدوانية ارتكازا على الملفوظات الجيهية (شمال/ شرق/ جنوب/ غرب) حيث تتناسل القصائد وفق سخرية سياسية واقعية، لكن تحملها لغة راقية لتكشف لنا عن لغة ماكِرة وهي لعبة الخبث السياسي. وقد لعبت السخرية الشعرية دروا وظيفيا في ترهين حالات الفضاءات الممزقة مثل: هنا المزاغان/ آسفي/ مراكش/ موغادور/ فاس.. وفلسطين، يقول في قصيدته «أغنيتان للظلال الحمراء»:

«... لا تموت العزة

هنا غزة تتدوّر جوعا ولا تأكل من ثدييها

أبدا

يا أولاد القحبة أين منكم البشر؟» (ص، 34).

أيضا المنفعة طرحها الديوان وفق قصائد تكشف حالات الظلال باعتبار أن الظل معنى يحمل التأويل للذات الصانعة للظل/ الطفل، هنا يحضر ضوء الصدمة السريرية وكأن متخيل السرير يصنع وميضا أو برقا يتجه من الأعلى نحو الأسفل، فالشاعر العالِم بأسرار من وُلِدوا ومن ماتوا ومن دفنوا ومن لم يُدفنوا.. ومن هاجروا ومن رحلوا ومن كذبوا شعرا ومن صدقوا شعرهم، هي الظلال تتكرر أمامنا لتمثيل مشاهد جريئة في رحلة حياة القصيدة الورقية، وهنا الجرأة هي جرأة لغة تتسلل في هدوء فكري لتكشف حيوات ظلال في علاقة بتاريخ المجتمع المغربي.

الظلال جليد ورقي يشترط مغامرة نقدية علنية جريئة لتلج بقوّة عوالم الذوات والفضاءات الممزقة داخل هذا التاريخ، إنه احتراق الكاتب والقارئ معا ليتشكل الجليد لغة واضحة صافية.

كبرياء السرير:

نقول أرض الله، دنيا الناس، أرض الناس، سرير الله، سرير الناس؛ تتغير العلامات فتتغير الدلالات، الشاعر هنا أسلم الكتابة للضمير الحيّ ليُفَصِّلَ تَفصيلاً في الأحاسيس والانفعالات وفق حالات التوّتر والشدة والامتداد في الزمن والذاكرة، إن الضمير الحيّ يبتعد عن سرير الناس بمعنى هو ابتعاد عن كلام الناس ولو أنه كلام مقفى موزون له إيقاع موسيقي لكن لا يرقى لدرجة كلام الضمير الحيّ الذي هو كلام سرير الله، والنوم هنا ما إن تنتهي كل قصيدة من قصائد الديوان يحضر الاستقاظ ولو للحظة، وهي حالة الصحو والعودة العادية المؤقتة، ثم تعود حالة النوم وهي أحلام القصيدة الواقعية ذات الفكر المنفعي. سرير لا يصنع الحياة الجيّدة فهو سرير مُزوّر ومزيّف وعاهر بالمعنى التام للأخلاقية الإنتاجية الإبداعية، السرير الجيّد هو أمكنة الغزوات والحروب العادِلة إنه مجاز أمكنة أبطال اللغة الواضحة، أو كما يقول المثل المغربي: تولدنا فوق الخيل نموتو فوق الخيل، أي تولدنا  فوق سرير الله نموتو فوق سرير الله. القصيدة سرير الخيل الجامحة، القصيدة سرير العقل والقلب، القصيدة في ديوان النوم على سرير الله هي سرّ ضمير الشاعر المصطفى حناني.

إجمالا، رام الشاعر تجديد حبّه للهوية والأرض والإنسان المغربي والأمكنة بأسلوب مقلوب حيث النوم هو صحو واستفاقة طفل، طفل الله، أيضا القصائد هي يقظة لغة تمنح للروح الطفولية فسحة تمثيل أثر حقيقة، ومن منظور الظلال المتماسكة داخل القصائد فالشاعر يُمسرِح أشكال حيوات تتقاسم الفضاء المغربي في علاقة بحياة الآخر الغربي وكأن القصيدة إيديولوجية بريئة تحاور العقلين معاً العقل المغربي والآخر الأوروربي، وهذا ما يستدعي آلية التأويل للإمساك ببعض من المعنى الذي يشترط استحضار التاريخي في المقام الأوّل، إن النوم على سرير الله هي مطالبة بإعادة قراءة تاريخنا وتسريع طرائق إصلاح مواضيع-قيمة على هذه الأرض المغربية وعليه فالبدايات هي منح الإصلاح للطفل أولا وحفظ حياته من ملاحاقات الذئاب، يقول الشاعر في اقتباس متناغم مع الموروث الشعبي المغربي ليستضيح حالات خيانات الأرض وكيف أن مأساة موت الطفل هي مأساة جميع أطفال البسطاء الفقراء المحبّين بإخلاص أرضهم التي خذلتهم من خلال نسج علاقات سرية لا-عادلة اقتصاديا وسياسيا وتعليميا، أيضا خذلهم الشّعر المزيّف، يقول اقتباسا:

«ميلودة فينْ كُنتي قولِ لي فينْ دَرتِ لوليد

لحبيبة كِسْرا لِك كيفْ دَرْتِ حتى نْسيتي سعيد...؟»

وكأننا أمام نداء استعاري يستحضر الأرض –الحبيبة- وكيف لهذا الوطن أن ينسى أبناءه/ أطفاله الذين قال فيهم الشاعر: «فقراء هذا الوطن، أيتام عراة حفاة... شرّدتهم شعارات الزيف في نواميس الساسة» (ص، 50). ميلودة هي الأرض هي القصيدة التي تقول الحقيقة وتبحث عن ماء كتابة الحياة الجيّدة.

***

فؤاد بنبشينة

دكتوراه في الأدب، جامعة محمد الخامس بالرباط- المغرب.

..........................

* المصطفى حناني، شاعر مغربي من مواليد 1969، حاصل على إجازة في اللغة العربية وآدابها، تخصص أدب عربي حديث، من جامعة المولى إسماعيل بمكناس سنة 1992، مقيم حاليا ببلجيكا في إطار البعثة التعليمية المغربية بالمهجر.

في المثقف اليوم