عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

الداودي الخالدي: من عتبات جينيت إلى قارئ إيكو

كلنا نعلم أن النص بنيان يشدّ بعضه بعضاً؛ شبكة من العلاقات المتضامة بين لبناته، لا تستمد دلالتها من عناصرها منفردة ومستقلة، بقدر ما تستمدها من طريقة انتظامها وتفاعلها وتموقعها داخل الكل. وهذا ما يفرض على القارئ والدارس معاً أن يبتعد عن النص قليلاً، مسافة بانورامية تسمح برؤية معماره ككل؛ من العنوان إلى المتن، ومن المتوزعات النصية إلى الإحالات، ومن البياضات إلى الهوامش وما يحيط بالنص من عناصر مشاركة في إنتاج دلالته. حيث لا ينتظم الجزء إلا داخل الكل ولا يلتئم الكل إلا بانتظام اجزائه.

ومن هنا تكتسب العتبات النصية، في تصور جيرار جينيت، أهميتها بوصفها عناصر مرافقة للنص وموجة له، لا مجرد إضافات تقع على هامشه. فالعنوان، واسم الكاتب، والصورة، والتصنيف النوعي، والمقدمة، والهامش، والبياضات وغيرها من العناصر التي تنتظم حول النص أو داخله، تشكل جزءاً من جهاز تواصلي ودلالي يشارك في توجيه القراءة، ويهيئ القارئ للدخول إلى النص من زاوية دون أخرى.

إن هذه المشيرات تتوزع على جغرافيا النص بوعي أو بغير وعي، وقد تؤسس، إذا دُرست بحذر، لقراءة أولية كاشفة عن بعض ما يضمره النص، لا بمعنى أنها تقدم مفاتيح نهائية لمعناه، وإنما لأنها تفتح منافذ أولى إلى عالمه، وتلفت الانتباه إلى ما قد يكون مستتراً خلف بنيته الظاهرة.

فالقراءة الحذرة لهذه العتبات يمكن أن تكون بمنزلة مفاتيح لمغاليق لا تصرح بها اللغة صراحة، بل تتوارى خلف تيمات قد تبدو راكدة في ظاهرها. غير أن خلخلة هذه التيمات، عبر التفكيك والمساءلة، تكشف أحياناً أنها تمارس لعبة الظهور والتخفي، وأنها تدخل، بصورة أو بأخرى، في علاقة توتر وممانعة مع القارئ؛ فتمنحه بعض الإشارات، وتحجب عنه بعضها الآخر، وتترك له مساحات يتعين عليه أن يملأها بالقراءة والتأويل.

إن قراءة من هذا النوع هي، بحق، خطوة أثرية أو أركيولوجية؛ تنقب في تربة النص بهدوء وصبر، دون إغفال الجزئيات المكتشفة. فقد تكون الجزئية الصغيرة سرّ الاكتشاف، أو على الأقل سبيلاً خفياً، كالرمز الذي يقود إلى كنز لا يظهر من الوهلة الأولى. وخصوصاً إذا أحسنّا التأويل الذي يمحص في العلاقات المتوارية والمتخفية بين العتبات، وفي الصلات التي تجمع بينها وبين المتن؛ إذ لا تبدو هذه العناصر، في النصوص المحكمة، جزرًا منفصلة، وإنما تنتظم في شبكة علائقية قد يكون لكل خيط فيها وظيفة دلالية أو إجرائية.

ولعل العتبات، بهذا المعنى، تشبه جهازاً عصبياً يشد الهيكل النصي بعضه إلى بعض، ويسمح للنص بأن يمارس لعبته؛ فيختبر قارئه قبل أن يهمس له بأسراره، أو يتكشف له شيئاً فشيئاً أثناء جذبته وشطحاته، إن جاز القول.

وهذا كله يعود، في جانب منه، إلى حنكة الدارس في استمالة النص وسحبه إلى ساحة مكشوفة الأبعاد، حتى يشعره بحريته، لا إلى مخفر شرطة ويرغمه على الاستنطاق. ومن هنا جاءت القراءات مختلفة ومتعددة؛ ذلك أننا لا نملك الرؤية نفسها، ولا الآليات نفسها في الاشتغال على النص، ولا الدرجة نفسها من الخبرة أو الصبر أو رحابة الأفق. وربما لا نملك المنهج نفسه ولا أدوات القراءة والتحليل، ناهيك عن سلطة المنهج!

وهذا بالذات ما يجعل النص، مهما اعترف وأسرّ وأقرّ، يبقى مراوغاً وصامتاً عن أشياء أخرى لم يبح بها؛ أشياء تنتظر قارئاً آخر، ربما كان أكثر تجربة وحنكة وصبراً، وأقل ثقة بحيل النصوص وقدرتها على إظهار كل ما تخفيه.

وإذا كانت العتبات تشكل، عند جينيت، مناطق تماس بين النص وما يحيط به، فإن أهميتها لا تكمن في وصفها أو تصنيف وظائفها؛ إذ إن قيمتها أعمق من ذلك بكثير. وجب أن ننظر إليها من حيث أثرها في فعل القراءة.

فالقارئ لا يدخل النص دائماً من بابه الداخلي المباشر، وإنما قد يسبقه العنوان، أو الصورة، أو التصنيف النوعي، أو اسم الكاتب، أو مقدمة، أو إهداء، أو هامش، فتتكون لديه، قبل أن يقرأ المتن، مجموعة من الفرضيات والانتظارات.

غير أن هذه الفرضيات ليست أحكاماً نهائية؛ فقد يأتي النص ليؤكدها، وقد يخذلها، وقد يقلبها رأساً على عقب. ومن هنا لا تكون العتبة سلطة تفرض معنى على القارئ، بقدر ما تكون اقتراحاً أولياً لمسار من مسارات الدخول. (هي مؤشر فقط يوجهك لمسار الدخول لكنه يترك لك حرية التوجه والتحرك داخل هذا المسار..)

وهنا تبرز أهمية التمييز الذي أقامه جينيت بين أشكال النص الموازي، ولا سيما بين ما يوجد داخل المحيط المادي للنص، وما يوجد خارجه من خطابات وتصريحات ومراسلات وإعلانات وغيرها. فليس كل ما يحيط بالعمل الأدبي يؤدي الوظيفة نفسها، ولا يجوز اختزال مفهوم العتبة في مجرد العناصر المرئية على الصفحة.

إن العتبة، بهذا المعنى، ليست مكاناً جغرافياً فحسب؛ إنها وضعية تواصلية. إنها المنطقة التي يلتقي فيها النص بقارئه قبل أن يدخل هذا الأخير إلى عمق المتن. (مساحة حرة- عذرا إن أسميتها - "منطقة التفاوض")

ولعل هذه النقطة (المنطقة) هي التي تسمح بالانتقال من جينيت إلى إيكو دون افتعال وصلة بين مشروعين نظريين مختلفين. فإذا كانت العتبة تسهم في إعداد القارئ للدخول إلى النص، فإن النص نفسه يبني، من خلال استراتيجيته، صورة القارئ الذي يستطيع أن يتعامل مع إشاراته وفراغاته وكفاءاته. (يتفاوض!)

ومن ثم يصبح السؤال: كيف يدخل القارئ النص؟ مكملاً لسؤال آخر: أي قارئ يفترضه ويرتضيه النص أصلاً؟

لقد أولت نظرية التلقي فعل القراءة أهمية مركزية، وأعادت النظر في العلاقة التقليدية بين الكاتب والنص والقارئ، بحيث لم يعد المعنى بلغة الإقتصاد (واردات - صادرات) ينتقل جاهزاً من ذهن الكاتب إلى ذهن المتلقي، بل صار فعل القراءة جزءاً أساسياً من عملية إنتاج الدلالة.

غير أن اختزال هذا التحول في القول إن القارئ «حل محل الكاتب» قد يكون تبسيطاً مخلّاً؛ فالأدق أن الاهتمام انتقل إلى العلاقة التفاعلية التي تنشأ بين النص وقارئه، وإلى الكيفية التي تتشكل بها الدلالة أثناء فعل القراءة. (لا وصية للكاتب على النص)

وهنا تظهر أهمية مفهوم «القارئ النموذجي» عند أمبرتو إيكو؛ إذ لا يتعلق الأمر بقارئ تاريخي محدد له مواصفاته، ولا بقارئ متفوق على غيره، وإنما بوظيفة نصية تستدعي مجموعة من الكفاءات التي تمكن المتلقي من التعاون مع استراتيجية النص.

فالنص، بهذا المعنى، لا يكتفي بأن يكون موضوعاً للقراءة؛ إنه يبني، في أثناء تشكله، شروطاً معينة لكي يُقرأ.

ومن هنا لا يعود القارئ النموذجي شخصاً نبحث عنه خارج النص، بل وظيفة يستدعيها النص من خلال لغته، ونوعه، وإشاراته، وفراغاته، واستراتيجياته. وقد يستطيع قارئ فعلي أن يقترب من هذه الوظيفة بدرجات متفاوتة، بحسب ما يمتلكه من كفاءات وخبرات ومعارف.

وهكذا يمكن النظر إلى العتبة والقارئ النموذجي بوصفهما لحظتين متكاملتين في استراتيجية التواصل النصي: العتبة تهيئ أفق الدخول، والنص يستدعي الكفاءة التي تسمح باستمرار الرحلة داخله.

لكن الإشكالية تظهر فوراً حين نتسأل: أي قارئ نقصد؟

فنحن لا نملك قارئاً واحداً، وإنما قراء متعددين، لكل واحد منهم تكوينه الثقافي، وخبرته، وحساسيته، وأدواته، وأفق انتظاره. وقد يقرأ القارئ نفسه النص ذاته في أزمنة مختلفة، فيخرج منه في كل مرة بمعنى أو بإمكان دلالي جديد. (خصوصا إذا اعترفنا أن النص طبقات معاني)

إذن: من أين لنا بمعنى موحد في ظل تعدد القراء؟ ومن أين لنا بمعيار يفصل بين القراءة الممكنة والقراءة المتعسفة؟ وإذا كان النص قابلاً لأن يُقرأ بوجوه متعددة، فهل يعني ذلك أن كل تأويل يصبح مشروعاً بمجرد أن يستطيع القارئ الدفاع عنه؟

هنا تتعمق الإشكالية أكثر مما تتبسط، وتتراءى لنا، للحظة، صورة ما يمكن أن نسميه مجازاً «فوضى القارئ».

هذه التسمية لا يجب أن تُفهم بوصفها حكماً على التعدد، وإنما بوصفها سؤالاً عن الحد الفاصل بين حرية التأويل واعتباطيته.

فالتعدد ليس بالضرورة فوضى!

بل إن النصوص الكبرى كثيراً ما تستمد جزءاً من حيويتها من قدرتها على إنتاج قراءات متباينة. والمشكلة لا تبدأ من اختلاف القراءات، وإنما من اللحظة التي تبتعد فيها القراءة عن العلامات التي يقدمها النص، ويتحول التأويل إلى إسقاطات وتهم القارئ عليه بدلاً من أن تكون حواراً معه.

 فتعدد القراءة لا ينفي بالضرورة وحدة النص بل تعدد التأويلات (الارتجالية) قد يفضي إلى انهيار المعنى...

فالقراءة يمكن أن تتعدد، لكن تعددها يظل مطالباً بأن يدخل في حوار مع النص نفسه؛ مع بنيته، وإشاراته، وتكراراته الدلالية، وعتباته، وهوامشه، وإحالاته، وشبكة العلاقات التي تنتظم عناصره.

إذا كان النص يستدعي قارئاً قادراً على التعاون معه، فإن هذا التعاون لا يعني أن القارئ يمتلك النص امتلاكاً مطلقاً (سلطة القارئ) . فثمة دائماً فرق بين أن يكون القارئ شريكاً في إنتاج الدلالة وأن يصبح صاحب السيادة الوحيدة عليها. اذا لابد من حد للتأويل.

فالحد ليس حصنا يغلق النص (سياج دوغمائي بمفهوم أركون)، ولا قانوناً يمنع تعدد القراءات(سكولاستيكي)، وإنما هو مجموعة من القيود أو نقول بلغة أخف " عقود للقراءة" التي يشترطها النص نفسه: لغته، وبنيته، وسياقه، وعلاقاته الداخلية، وإشاراته المتكررة، ونوعه الأدبي، وعتباته، وما يتيحه من إمكانات وما يستبعده من احتمالات.

بهذا المعنى، لا يكون التأويل بحثاً عن معنى وحيد مخبأ في مكان ما داخل النص، كما لا يكون إنتاجاً حراً لمعنى لا علاقة له به. إنه حركة بين ما يقوله النص وما يسمح به، وبين ما يقترحه وما يتركه مفتوحاً.

وقد يكون النص الجيد هو النص الذي يعرف كيف يترك لقارئه مساحة للحركة دون أن يفقده الطريق.

وهنا تحديداً تتضح قيمة العتبات: فهي لا تقول للقارئ دائماً ماذا يعني النص، لكنها قد تلمح "تشير" إلى كيفية الدخول إليه. كما تتضح قيمة القارئ النموذجي: فهو لا يختار أي معنى يشاء، وإنما يحاول أن يلتقط ما تفترضه استراتيجية النص من كفاءات ومسالك وطرائق للتعاون.

وعليه يمكن القول إن حرية التأويل لا تُقاس بغياب الشروط، وإنما بقدرة القارئ على التحرك داخل هذه الشروط التي يمنحها النص.

ولكي لا تغرق القراءة في العشوائية وارتجالية التأويل، ينبغي ألا يناقض التأويل بنية النص ودلالاته المتكررة، وألا ينفصل عن معطياته اللغوية والثقافية والنوعية، وألا يحول العتبات والهوامش والإشارات إلى مجرد زخارف يمكن استعمالها كيفما اتفق.

فهذه العناصر، حين تنتظم داخل شبكة علائقية غير اعتباطية، تصبح قابلة للتأويل والاختبار والمناقشة أمام معطيات النص نفسها.

وهنا ينتقل القارئ من مجرد الانطباع إلى القراءة، ومن القراءة إلى التأويل، ومن التأويل إلى مساءلة حدود هذا التأويل.

إن القراءة المنتجة ليست تلك التي تقول كل شيء عن النص، وإنما تلك التي تستطيع أن تبرهن على ما تقول.

خاتمة

  يختبر فرضياته كلما تقدم في القراءة.

ومن هنا لا تبدو العتبات مجرد مقدمات للنص، ولا يبدو القارئ مجرد مستقبل لمعناه. إنهما يدخلان في علاقة تفاوض مستمرة، تبدأ قبل المتن، وتستمر داخله، وقد لا تنتهي تماماً بعد إغلاق الكتاب.

***

الداودي الخالدي - المغرب

في المثقف اليوم