عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

سعد عبد المجيد: الغيرة من الآخرين

بين الطموح والحسد

اليوم تذكرت حديثًا دار بيني وبين الأخ الدكتور عبد الجبار الرفاعي عن «الغيرة». قال لي خلال حديثه، الشيق دائمًا، إنه من النوع الذي يغار من الآخرين، وإن الغيرة شيء طبيعي وغريزي في الإنسان، وقد تكون محركًا ودافعاً للتطور والتقدم.

كان ردي عليه، وكان ردًا متسرعًا بعض الشيء، أنني لم أشعر يومًا أنني أغار من أحد. لكن عندما أمعنت في التفكير واستعرضت بعض المواقف، وجدت نفسي أنني لا أختلف عنه، ولا عن أي إنسان طبيعي؛ أغار من كثير من الناس. ولكن يبقى السؤال: أي نوع من الغيرة نشعر به؟

نعم، أنا أغار ممن هم أفضل مني، ولكن ليس ممن هم أفضل مني ماديًا أو في أمور من هذا القبيل. وبصراحة مطلقة أقول إنني، على سبيل المثال لا الحصر، أغار ممن نشروا أبحاثًا وكتبًا علمية، أو حققوا إنجازات متميزة، واحتلوا مكانة علمية مرموقة لم أتمكن من تحقيقها. وأنا أحمد الله أنني حققت نجاحات في مجالات أخرى كثيرة، ربما يغار منها الآخرون، لكن تبقى عيني شاخصة إلى مجال عملي الأساسي: العلم والمعرفة. كما أغار كثيرًا من الشعراء، وكم كنت أتمنى أن أكتب قصيدة واحدة تحقق نجاحًا بين الناس!

دفعني هذا الشعور إلى البحث عن معنى الغيرة، وهل هناك نوع طبيعي وغريزي منها، كما وصفها الدكتور عبد الجبار الرفاعي، ونوع آخر غير صحي قد يتحول إلى حسد، ويدفع إلى الحقد وعدم تمني الخير للآخرين؟

بحثت أولًا في معاجم اللغة عن كلمة «غيرة» ومعانيها المختلفة، فوجدت أن كلمة «غَيْرَة» في اللغة العربية مشتقة من الفعل «غارَ يَغارُ»، وهي تدل في أصلها على الحرص الشديد على الشيء، والخوف من أن يشاركه فيه أو ينافسه غيره. ومن الناحية اللغوية، هناك فرق مهم بين «الغيرة على» و«الغيرة من»؛ فالغيرة على تحمل معنى الحب والحرص والحماية، أما الغيرة من فتتصل بالمنافسة أو الشعور بالضيق من تفوق الآخر، وقد تقترب من معنى الحسد.

وللغيرة معانٍ متقاربة بحسب السياق؛ فالغيرة على الأهل تعني الحمية والحرص عليهم، والخوف من أن يمسهم سوء. والغيرة في الحب هي الشعور بالقلق أو الانزعاج عندما يخشى الإنسان أن يفقد من يحب، أو أن ينافسه فيه شخص آخر. كما تأتي الغيرة بمعنى الحمية والدفاع عن الكرامة أو العرض أو الحق، وهي أقرب إلى معنى النخوة والشهامة.

أما الغيرة التي أتحدث عنها فهي الغيرة من الآخرين، وقد تأخذ صورة المنافسة عندما يرى الإنسان نجاح شخص آخر فيتمنى أن يصل إلى مستواه أو يتجاوزه بجهده. وقد تتحول، في صورتها السلبية، إلى حسد عندما يتمنى الإنسان زوال ما لدى الآخر من نعمة أو نجاح.

الغيرة في حقيقتها ليست مذمومة دائمًا؛ فقد تكون تعبيرًا عن الحب والحرص، وقد تكون دافعًا إلى المنافسة والتطور. لكنها تصبح سلبية عندما تتحول إلى حسد، أو إلى عدم حب الخير للآخرين، أو إلى رغبة في زوال ما لديهم من نعم، عافانا الله منها.

وهناك، إذن، غيرة طبيعية وسليمة، وهناك غيرة قد تتحول إلى حالة غير صحية عندما تتجاوز حدودها الطبيعية، وتصبح مصدرًا لمعاناة الشخص أو للعداء تجاه الآخرين. ومن أمثلة الغيرة غير السليمة الغيرة الحاقدة، عندما يتمنى الإنسان زوال النعمة عن شخص آخر، لمجرد أنه لا يحتمل أن يراه أفضل منه. وهناك الغيرة التنافسية المفرطة، عندما يتحول نجاح الآخرين إلى تهديد دائم للذات، فيشعر الشخص بأنه يجب أن يتفوق عليهم في كل شيء. ومن أمثلة ذلك أن يشتري صديقه أو قريبه، أو حتى أخوه، سيارة جديدة، فيشعر بأنه مضطر إلى شراء سيارة أغلى منها حتى لا يكون أقل منه شأنًا.

كما أن هناك الغيرة التي تقود إلى التقليل من الآخرين؛ فبدلًا من الاعتراف بتميز شخص ما، يبدأ الغيور بالبحث عن عيوبه والتقليل من إنجازاته. فإذا حصل شخص يغار منه على شهادة الدكتوراه، حاول أن يقلل من شأنها ويصفها بأنها غير مهمة. وهذا النوع من الغيرة يصبح غير صحي عندما يعجز الإنسان عن الشعور بالفرح لنجاح الآخرين، حتى لو كانوا من أقرب الناس إليه.   ومن أخطر أنواع الغيرة تلك التي تتحول إلى إيذاء الآخرين، عندما تدفع الشخص إلى تشويه سمعة الآخر، أو إفشال عمله، أو وضع العراقيل أمام تقدمه. وقد تصبح الغيرة أحيانًا قائمة على أوهام، عندما يشعر الشخص بأن الآخرين يتعمدون التفوق عليه، أو الاستحواذ على ما يعتقد أنه «حقه»، من دون وجود سبب حقيقي لذلك.

والفارق المهم بين الغيرة السليمة والغيرة غير السليمة هو أن الغيرة السليمة قد تدفعك إلى أن تتمنى أن تصل إلى ما وصل إليه غيرك، بينما تدفعك الغيرة غير السليمة إلى أن تتمنى ألّا يصل غيرك إلى ما وصل إليه.

كما قد توجد فروق بين الرجال والنساء في بعض صور الغيرة، لكن ليس من الدقة القول إن أحد الجنسين أكثر غيرة من الآخر بصورة عامة. فقد أظهرت بعض الدراسات فروقًا في الاستجابة للخيانة الجنسية والعاطفية، إذ يميل الرجال في بعض العينات إلى إظهار حساسية أكبر تجاه الخيانة الجنسية، بينما تميل النساء في بعض الدراسات إلى إظهار حساسية أكبر تجاه الخيانة العاطفية. إلا أن هذه الفروق ليست قاعدة مطلقة، وتتداخل معها عوامل كثيرة، منها الشخصية، والخبرات السابقة، والثقافة، وطبيعة العلاقة، ومستوى الثقة بالنفس ونمط التعلق.

وقد تكون الغيرة دافعًا إيجابيًا للتطور إذا تحولت إلى طموح ومنافسة شريفة، لكنها تصبح مؤذية عندما تتحول إلى حسد وحقد ومقارنة دائمة، أو إلى رغبة في إسقاط الآخرين. وقد تكون الغيرة الشديدة في العلاقات العاطفية، في بعض الحالات، مرتبطة بسلوكيات مؤذية أو مسيطرة، ولذلك فإن التعامل معها يحتاج إلى الوعي والثقة والحوار، لا إلى الاستسلام لها.

ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله عندما نرى شخصًا يتفوق علينا هو ألا ننظر إلى نجاحه بعين الحسد، بل بعين التعلم؛ فنحاول أن نعرف كيف وصل إلى ما وصل إليه، وما الذي يمكن أن نتعلمه منه لنصبح مثله، أو على الأقل أفضل مما نحن عليه. الشعور بالغيرة ليس عيبًا، وإنما العيب فيما نفعله بهذا الشعور؛ فإما أن نحوله إلى حسد، بتمني زوال نعمة الآخرين، وإما أن نحوله إلى طموح يدفعنا إلى أن نصبح أفضل. ولعل أجمل أنواع الغيرة هي تلك التي تجعلنا ننظر إلى نجاح الآخرين بوصفه دليلًا ومرشدًا لنا في طريق تحقيق آمالنا وطموحاتنا، فنحوّل ما نشعر به من غيرة إلى دافع للتعلم والتطور والنجاح.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

في المثقف اليوم