عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

يهاجرون إليهم ولا يستطيعون صناعة حياة أفضل منهم في مواطنهم، تلك أحوال المجتمعات الناقمة على ذاتها وموضوعها والكارهة لبلادها، والمعبرة عن إرادة الطامعين فيها.

البشرية أمضت مسيرتها في الحروب والصراعات التي تغنم بواسطتها الأجراء، على أنهم أسرى فتسخرهم للبناء والزراعة والخدمات الأخرى، وما حصل في الدنيا من شواهد عمرانية ومنتوجات زراعية كان بسبب هذه التفاعلات القاضية بصناعة حالة على حساب تدمير أخرى غيرها.

ويبدو أن الفكرة ذاتها لا تزال فاعلة في الحياة ولكن بأساليب معاصرة، فلكي تستجلب الناس إلى ديارك وتنمي ثروتك البشرية، عليك أن تجعل الحياة في ديارهم جحيما وفي بلادك جنة ونعيما، مما يتسبب بتنمية السأم عندهم والتغني بالهجرة إليك.

وهذا ما يحصل في الواقع اليوم، حيث تحولت الحياة في العديد من البلدان الحضارية إلى مآسي وويلات متفاقمة، فصارت الهجرة حلم المواطنين وديدنهم الأمين، فتجد موجات النزوح المليونية من شرق الأرض إلى غربها تتنامى، وتفتح لهم الأبواب وتقدم التسهيلات، لأنهم ثروة بشرية مطلوبة لسلامة الإقتصاد وتعافيه.

المهاجرون يتملكهم الفرح والشعور بالفوز الكبير، لأنهم وصلوا إلى بلد آخر حررهم من السأم والخوف والقهر والحرمان.

فلماذا لا تعمل أنظمة الحكم على جعل بلدانها ذات قدرة على توفير الحاجات والعناية بحقوق الإنسان وتأكيد قيمته ودوره في صناعة الحياة؟

هل أن الأنظمة المعادية لشعوبها من ضرورات سرقة الثروات البشرية؟

لماذا تتشكى أنظمة الحكم من زيادة أعداد الناس في ديارها، وما تمكنت من إبتكار آليات إستثمارية لطاقاتها؟

الموضوع فيه ألف إنّ وإنّ!!

إنكار الثروات البشرية عدوان وطني وتنفيذ لأجندات الرامين لسرقة البشر من أوطانهم، فهل إستوعبت الكراسي معنى أن يكون المواطن في بلده معززا مكرما وحر التفكير والإبداع؟!!

المجتمعات تتشظى والكراسي تتلظى، والرابح مَن إكتفى بغيره المُغفل المحكوم!!

تغرّبْ هكذا قالوا قديما

لمنْ ما ذاقَ من وطنٍ نَعيما

شرورٌ حاوطتْ روحَ الحَيارى

وكانَ السَعيُ في أرْضٍ سَقيما

بحِرْمانٍ منَ الخيراتِ دُمنا

وقادتُنا أبادوا مُسْتَضيما

***

د. صادق السامرائي

في دروب العرفان، تتجلى المحبة الإلهية كأسمى مراتب الوجد، وأعمق ينابيع السعادة الروحية. إنها ليست مجرد عاطفة عابرة، بل هي حال وجودي يغمر القلب والروح، ويصبغ الحياة بألوان من الحلاوة لا يدركها إلا من ذاقها من المحبين للجناب المحمدي وللحضرة الإلهية، هذه الحلاوة تتجلى في أبهى صورها في تناقضات الوجود الإنساني، فمرة تبكي محبة، ومرة تضحك محبة، وفي كلتيهما يجد المحب لله تعالى حلاوة لا تضاهيها حلاوة.

"يقول عز من قائل في محكم التنزيل « و أنه هو أضحك و أبكى »(النجم: 43) فهذه الآية الكريمة من سورة النجم تحمل في طياتها سرا معمقا من أسرار الوجود والوشيجة بين الخالق والمخلوق. إنها إشارة إلى أن الله تعالى الحبيب المحبوب الذي هو مصدر كل الانفعالات و العواطف والأحوال، وهو الذي يقلب القلوب بين حالتي الضحك والبكاء. في سياق المحبة و العشق الإلهيين، فلا يكون الضحك في طريق القوم مجرد تعبير عن الفرح الدنيوي، ولا البكاء مجرد حزن على فوات حظوظ الدنيا، بل هما عند أهل الوجد وجهان لعملة واحدة، تعبران عن تجليات المحبة الصادقة لله.

فالضحك في حضرة المحبين و طريق الولهين العاشقين قد يكون ضحك سرور وغبطة بما من الله به على العبد من قرب، أو فرحا بنعمائه التي لا تحصى، أو بهجة باليقين الذي يملأ الفؤاد. إنه ضحك العارف الذي رأى جمال الحق وتجلياته في الكون، ففاض قلبه سرورا وابتهاجا.

أما البكاء، فهو ليس بالضرورة بكاء حزن ويأس، بل غالبا ما يكون بكاء توق وشوق، أو بكاء خشية وحنين، أو بكاء فرح بالوصول الى المرام بعد طول غياب. إنه بكاء المحب الذي يذرف الدموع شوقا إلى لقاء المحبوب، أو ندامة على تقصيره في حقه، أو خشوعا أمام عظمته وجلاله. وفي كل دمعة حلاوة، وفي كل شهقة راحة، لأنها كلها تصب في بحر المحبة الإلهية.

لتقريب هذا المعنى، يمكننا أن نتأمل في في حال محبة الوالدين للأبناء. فالأبوان يجدان في أبنائهما مصدرا لا ينفد للضحك والبكاء. يضحكان لضحكاتهم البريئة، ويفرحان لنجاحاتهم، ويشعران بحلاوة لا توصف في كل لحظة سعادة يشاركانها معهم.

 وفي المقابل، يبكيان لأجلهم، خوفا عليهم، أو حزنا على أوجاعهم، أو اشتياقا إليهم عند الغياب. هذه الدموع، رغم ألمها الظاهري، تحمل في طياتها حلاوة المحبة الصادقة، لأنها تنبع من قلب محب لا يرى وجوده إلا في وجود أحبابه. فكيف بمحبة الخالق الذي هو أصل كل محبة و معين كل شوق و توق؟

لقد أدركت الحكيمات والصوفيات من سيدات التاريخ هذه الحلاوة العرفانية، وعبرن عنها بكلمات خالدة:

رابعة العدوية، سيدة العشق الإلهي، قالت كلمتها الشعرية الخالدة التي ضمنتها انها ما أحبت اللهَ طمعا في جنته، ولا خوفا من ناره، ولكن أحبته لأنه أهل للمحبة, هذه الكلمات تلخص جوهر المحبة الصادقة، التي تتجاوز المصالح الدنيوية والأخروية، لتصل إلى مرتبة العشق الخالص للذات الإلهية. وعن مناجاتها، جيث قالت:

أحبك حبين؛ حب الهوى *** وحبا لأنك أهل لذاكا ·

 فأما الذي هو حب الهوى *** فشغلي بذكرك عمن سواكا ·

وأما الذي أنت أهل له *** فكشفك للحجب حتى أراكا.

في هذا الحب، تتلاشى الحدود بين الضحك والبكاء، فكلاهما تعبير عن الشوق والوجد.

سيمون فايل، الفيلسوفة الفرنسية، وإن لم تتحدث مباشرة عن الضحك والبكاء في سياق المحبة الإلهية، إلا أنها ركزت على مفهوم المحبة في الله، وهي محبة تتجاوز الذات والمصالح الشخصية لتصبح جزءا من الحب الإلهي الأكبر. هذا الحب، الذي يتطلب تضحية وتجردا، يمكن أن يولد في النفس حالات من الوجد العميق، قد تتجلى في دموع الخشوع أو ابتسامات الرضا.

هيلدغارد من بينغن، تلك الفيلسوفة الألمانية، رأت الكون كله تجليا لكلمة الله، وأن كل مخلوق يحمل في طياته جزءا من هذا الجمال الإلهي. هذه الرؤية الكونية للمحبة تجعل القلب يفيض بالبهجة والتوقير، وقد تدفعه إلى الضحك سرورا بجمال الخلق، أو البكاء خشوعا أمام عظمة الخالق.

إن المحب لله تعالى لا تقتصر محبته عز وجل فحسب، بل تتسع لتشمل كل ما خلقه الله. فمن أحب الخالق أحب خلقه، ومن رأى جمال الله في الكون، رأى جماله في كل كائن. هذه المحبة تتجلى في الرحمة بالضعيف، والعطف على المسكين، والإحسان إلى الجار، والبر بالوالدين، ومحبة الأقربين. إنها محبة شاملة، لا تفرق بين مؤمن وغير مؤمن، بل تسعى إلى الخير للجميع، لأن الخلق عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله. وفي هذه المحبة الشاملة، يجد المحب حلاوة الإهداء، وحلاوة العطاء، وحلاوة الوصال، سواء كان ذلك بابتسامة صادقة أو دمعة رحمة.

إن حلاوة المحبة في الله هي سر الأسرار، وهي النور الذي يضيء دروب السالكين. إنها تجربة وجدانية متجذرة في الاعماق، تتجاوز حدود العقل والمنطق، لتستقر في سويداء القلب. وفي هذه التجربة، يصبح الضحك والبكاء مجرد تعبيرين عن حالة واحدة من العشق الصادق، الذي يرى في كل شيء تجليا للجمال، وفي كل حال قربا من الحبيب الأزلي وهي المصباح في زجاجة.

***

د محمد غاني - كاتب المغرب

 

قبل اسبوع وقفت تلميذتي لتقدم عرضاً أمام زملائها في القسم، وهمست لي باهتة "اريد ان اركض". قلت لها جيد. اركضي. لكن اولا اخدي عشر خطوات الى الامام. واذا بعد عشر خطوات مازلت تريدين الركض، نركض سويا.

مشت عشر خطوات. صعدت المنصة. واذا بعدها قالت لي طوال الوقت كنت اخاف. طوال العشرين دقيقة كنت اعلم اني سوف اسقط على وجهي واهرب. قلت لها هذا هو بالضبط الشجاعة.

كذبة الخطاب التحفيزي

لقد خدعنا عقودا كاملة من الخطاب التحفيزي الفارغ اكبر كذبة ممكنة: ان الشجاعة هي غياب الخوف. ان الشخص الشجاع هو الشخص الذي لا يشعر بالرهبة. هذا كذب. كذبة سامة حتى. لانها تجعل كل منا يشعر انه ضعيف فقط لانه يخاف. تجعلك تخفي خوفك بدلا من ان تمشي معه.

الحقيقة التي لا احد يخبرك بها هي: الخوف طبيعي جدا. الخوف هو الوضع الافتراضي لكل شيء يستحق القيام به على وجه الارض.

انت لن تخاف ابدا ان تذهب الى السوق. انت لن تخاف ان تشاهد حلقة مسلسل. انت لن تخاف اي شيء لن يغيرك. الخوف ياتي فقط عندما تخطو خارج الدائرة التي تعرفها. الخوف هو المؤشر ليس بانك ضعيف، بل بانك تحاول ان تنمو. اذا بدات شيء جديد ولم تشعر بالخوف على الاطلاق، اعلم انك اخترت شيء صغير جدا.

الخوف لا يغادر واقفاً

واكبر سر الشجاعة الذي لم يتم اكتشافه ابدا: الخوف لن يغادر قبل ان تمشي.

انت تقعد الان وتنتظر. تظن انك سوف تجلس هنا، وتحارب الخوف، وتقتله، وبعدين وعندما تصبح بلا خوف تماما سوف تبدأ. هذا لن يحدث. لا في اي وقت. لا لاي احد على الاطلاق.

الخوف لا يغادر واقفا. الخوف يغادر تمشيا. هو يتراجع خطوة خطوة مع كل خطوة تمشيها انت. بعض الاحيان لا يغادر على الاطلاق. بعض الاحيان سوف تمشي الطريق كله وهو يجلس على كتفك وهمس في اذنك ان هذا خطأ، انك سوف تفشل، انك يجب ان تعود للمنزل.

وهذا تماما ما لا يفهمه احد: ليس هناك اي مشكلة في ذلك.

لا تحتاج ان تطرد الخوف لكي تمشي. لا تحتاج ان تفوز في حرب ضده. لا تحتاج ان تكون قويا جدا حتى لا تشعر به. فقط انظر اليه. وقل له: حسنا. اعرف انك هنا. اعرف انك سوف تصاحبني طوال الطريق. لنذهب على اي حال.

المشي مع الخوف

الشجاعة ليست غياب الخوف. الشجاعة هي المشي مع الخوف.

هناك الكثير من الناس سوف يقولون لك انك مجنون لانك تخاف. الكثير سوف يتباهون لك بانهم لا يشعرون بهذا الشئ ابدا. لا تصدقهم. هم اما يكذبون، او انهم يمشون طرق صغيرة جدا جدا طرق لا تستحق الخوف.

في نهاية الامر لن تجد احدا وصل الى اي مكان جميل في حياته و قال لك انه لم يكن خائفا. كلهم كانوا يريدون الركض. كلهم شعروا بالرعشة في ارجلهم. كلهم سمعوا الصوت يقول لهم ارجع.

وكلهم مشوا.

الخوف طبيعي. استمر بالمشي.

***

بقلم يونس الديدي - أستاذ باحث و أكاديمي

  ثمة دروس أساسية تطلقها ثورة الإمام الحسين عليه السلام عبر الأجيال والتاريخ. ولعل من أهم هذه الدروس، هو ضرورة العمل على صيانة الكرامة الإنسانية، ورفض كل محاولات امتهانها ومسخها. فعاشوراء الحسين عليه السلام، تربطنا ارتباطا جوهريا بقيمة الكرامة. وتعلمنا أن الإنسان أو المجتمع الذي تمتهن كرامته وتهدر حقوقه الإنسانية، عليه العمل والسعي لإزالة الذل وصيانة الكرامة الإنسانية والمحافظة على حقوق الإنسان.لذلك نجد أن الأمام الحسين (ع) يخاطب أعداءه قائلا لهم [والله لأعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقرلكم إقرار العبيد].

فالإنسان المسلم ينبغي له أن لا يقف موقفا سلبيا لا أباليا تجاه أي طرف يمتهن كرامته ويدوس مقدساته وينتهك حقوقه، إنما عليه إتخاذ الموقف الإيجابي الذي يتجسد في صناعة الوعي الذي يدفع الجميع إلى المطالبة بكرامتهم المسلوبة، والعمل بكل الطاقات والإمكانيات لإعادة الحقوق المستلبة.

فعاشوراء الحسين (ع) ليست حبيسة الماضي، وإنما تطل على الإنسان المسلم بقيمها ومبادئها ومثلها وآفاقها ودروسها وجهادها ودمائها على حاضر الإنسان، لكي ترفع الراهن نحو التشبث بالكرامة الإنسانية حتى لو تطلب الأمر التضحية بالنفس في سبيل صون الكرامة الإنسانية.

وذلك لأن صون الكرامة الإنسانية من أهداف الدين وغاياته العليا، التي ينبغي المحافظة عليها، وخلق الوقائع المجتمعية التي تجمعها وتطور آفاقها في الواقع الاجتماعي. فقد قال الله تعالى {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} (الإسراء، 70).

كما أن مدرسة كربلاء تعلمنا أن صون الكرامة الإنسانية بكل متطلباتها وآفاقها، بحاجة إلى الدفاع المستميت عنها، والجهاد الدائم من أجل صونها، وغرس الوعي اللازم لممارستها.

فحاجتنا إلى عاشوراء الحسين (ع) تتجسد في حاجتنا إلى قيم الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان. فهي سبيلنا لتعليم هذه القيم، وغرسها في نفوس أبناء مجتمعنا، وعقد العزم على اعتبارها من أولويات وجودنا الإنساني، الذي ينبغي أن نعمل ونجاهد من أجل تحقيقها وصونها في واقعنا المعاصر.

لذلك نجد أن الإمام الحسين (ع) لم ترهبه الكثرة المدججة بالسلاح، ولم تهزمه الحشود البشرية التي تجمعت إلى قتاله، وإنما جميع هذه المظاهر زادته عزيمة على صون كرامته والدفاع عن مقدساته وقيمه العليا.

ما تعلمنا إياه مدرسة عاشوراء، أن صون الكرامة الإنسانية مطلب ديني وحضاري وإنساني، وينبغي أن ندافع عن هذه القيمة بكل ما نملك من إمكانات وطاقات. فالمطلوب دائما أن نشعر بعزتنا وكرامتنا، وندافع عنها بالكلمة والوعي وخلق الوقائع المعبرة عن هذه القيم، والاستعداد الدائم بكل مستوياته للدفاع عنهما. فعاشوراء تعلمنا ضرورة أن نكون أكثر شفافية تجاه كرامتنا الإنسانية وعزتنا الدينية، حتى لا نسمح لأي طرف أن ينقص من كرامتنا أو يذوب جزءا من عزتنا.

والكرامة الإنسانية هي بوابة الحرية، إذ لا حرية لمن لا كرامة له. أي أن الكرامة الإنسانية هي التي تدفع الإنسان إلى دفع ثمن الحرية، وهي التي تجعله يدافع عنها ويحميها من كل المخاطر والشرور. لذلك نجد أن الإمام الحسين (ع) يؤكد على قيمة الكرامة والعزة، ويحث القوم إلى استعادتهما والانعتاق من ربقة الذل والمهانة. وذلك لأن الإنسان الذليل لا يستطيع أن يحافظ حتى على حقوقه الشخصية فضلا عن حقوق الأمة. وعاشوراء الحسين(ع) تغرس في نفوسنا جميعا الاستعداد التام للدفاع عن كرامتنا وعزتنا، وبهذه القيم تكون عاشوراء بحق ملحمة إنسانية وحضارية، تساهم بشكل دائم في تطوير الواقع الإنساني على مختلف الصعد والمستويات.         

***

محمد محفوظ

 

ان ما يواجهه الإنسان من مشاكل أسرية.. واقتصادية.. واجتماعية.. وصحية.. تشكل نوع من ضغوطات نفسية يتحتم على الفرد مواجهتها؛ ولكن هذه المواجه تختلف من شخص إلى أخر ولطبيعة الضغوطات التي هي انعكاس لطبيعة الحياة المعاصر التي تتسم بالمادية.. والنفعية.. وحب الذات؛ أصبحت متطلبات الحياة أكثر تعقيدا وعسرا؛ بغض النظر عن الإيديولوجيات ومستوى اقتصاد الدول من تقدمها أو تخلفها وهي أزمة الإنسان المعاصر)

الإنسان المعاصر يتيه في فضاءات اللامعنى واللاأخلاقي واللاقيمي إذا ما جاز لنا هذا القول، لأنه أصبح يحيا بين مرجعيات مفتتة غير مستقرة، حيث تسييس المعرفة وتحويل الهويات إلى حالة سيولة مستمرة,, إنها ظاهرة الاختلالات الجيوسياسية للمعايير المنطقية والعلمية وحتى الفلسفية أيضاً

لم يعد الإنسان المعاصر بصدد ثبوتية الرؤية المحايدة تجاه العالم، حيث أصبح يتأرجح مركزه –غير الثابت- بين عالمَين أو قل بين عوالم -إن جاز التعبير- نتاج هذه الكوكبية المتناثرة، حتى بات يفكر في عوالم غير إنسانية من الرماديين والفضائيين وغير ذلك من عوالم الجن والخرافات والشعوذة والتنجيم –التاروت- الذي أصبح ضيفاً في الإعلام بشكل مقيت، مما يفتت ذهنه في تشظي مستمر، كما أن النفس البشرية أيضاً أصبحت مرتبطة –بشكل حيوي- بالبنى السياسية والمعرفية التي بات يتيحها له ذلك الفضاء التقني وتلك الخوارزميات بشكل منقطع النظير,, ومن هنا، اختلت موازينه المعرفية والجيوسياسية وحتى الثقافية، ذلك لأنه غير ملم كل الإلمام بهذا أو ذاك وفي الوقت ذاته ينبري في تصدر المشهد وتصدير الرؤى، حتى أصبح هو ذاتياً يتعاطاها كل صباح ومساء بحسب هذا الجهاز بحجم الكف بين يديه، فلا هو حاز على هذا ولا على ذاك وإنما أصبح متفلسفاً متحدثاً خطيباً عالماً في كل شيء، ولكن بلا أي شيء

ذلك لأن المعرفة نفسها -والتي حيرت العلماء والفلاسفة عبر عقود من التاريخ الإنساني- لم تعد قاصرة على العلم وعلى العلماء بقدر ما أصبحت متأثرة بموازين القوى العالمية بجميع تشابكاتها من اقتصاد وثقافة وسياسة وعلم اجتماع وقضايا إنسانية,, أزمة الإنسان المعاصر تتلخص في الاغتراب والتمزق الداخلي بين التقدم المادي السريع والفراغ الروحي، إذ يعاني الفرد اليوم من العزلة رغم شبكات التواصل الاجتماعي، وبين القلق الوجودي والضغط النفسي المستمر الناتج عن متطلبات الحياة، والتقنية الرقمية، والاجتماعية كما يقول أحد المفكرين

العالم بحسب الفكر الحديث وما بعد الكولونيالية -والتي من أهم بنودها هو "تصوير العالم الغربي كعالم متحضر عقلاني، في مقابل تصوير الشرق بأنه عالم عاطفي استبدادي وراكد، وهو ما تم تحليله بهدف تقويض هذا التصور الثنائي، أصبح متحولاً من سلطة مركزية واحدة تحدد القيم والمعاني إلى فضاء متشظ متعدد المراكز، حيث تتنوع المعطيات بين الإعلام الرقمي والأفراد والخوارزميات والهويات العابرة للدول، وهنا تصبح الحرية نفسها غير مستقرة، لأنها بلا مركز أخلاقي موحد, الانسان كرّمه الله بالعقل وبالتفكر وبمعايير منطقية، لم يعد يستخدمها في زحمة المعطيات التي تتناثر في ذهنه مما يجعله عالماً جغرافياً، وسياسياً، وعالم ذرة ورياضيات، ومهندساً معمارياً، ومرشداً دينياً، وعبقري عصره! في حين أنه لا يقوى على ضبط إيقاعه اليومي ولا حتى التعاطي مع محيطه العائلي والأسري والاجتماعي في أضيق الدوائر

ومن هنا، نجد أن العالم قد تحول نحو الفردانية المنفلتة من أي سلطة، وهو ما احتوت عليه بعض البنود التفكيكية على يد الفلاسفة جاك دريدا وميشيل فوكو وغيرهم ممن يدعون إلى هدم سلطة المركز وكسر الكاريزما، وغير ذلك من دعواتهم الفلسفية التي تسربت عبر الماء والهواء إلى ذهنية الإنسان المعاصر نفسه.

***

نهاد الحديثي

حكمَ الدولة العثمانية لمدة (46) سنة، (1520 - 1566)، وتسنم الحكم في عمر (26)، وله منجزاته الكبرى وتأثيره على مسيرة الحياة، وكان شاعرا متنورا، ولديه الفقهاء والمستشارين الذين يبررون له ما بقوم به من أفعال، فلكل عمل أقدم عليه هناك فقيه يسوّغ له الفعل مهما كان خطيرا.

قتل إبنه مصطفى سنة 1553 وهو صاحب خبرة إدارية وقيادية متميزة، وطموحات لنشر الإسلام في أوربا وخططه جاهزة لهذا الأمر، وكانت أوربا مرعوبة منه.

في 1559 حصل صراع عسكري بين أولاده بايزيد وسليم الثاني على ولاية العرش، بايزيد كان مع الدولة الصفوية، وحدث الصراع في قونيا وإنتصر سليم الثاني، وفر بايزيد إلى إيران مع عائلته خوفا من أبيه وأخيه، وبعد إتفاق بين الدولتين تم تسليم بايزيد لفرقة إعدام قضت عليه وعلى أولاده الأربعة في إيران.

في سنة 1556 قتل إبراهيم الصدر الأعظم وصديقه الأثير وزوج أخته المحبوبة، وتفاعل مع زوج إبنته المقربة إليه بقسوة ومرارة ثم لين .

هذه سلوكيات موثقة ولها تأثيراتها الخطيرة على الدولة العثمانية، فمقتل ولي العهد مصطفى كان من أفظع الأخطاء التي أودت بمصير الدولة وحطمت كيانها وأبهجت أعداءها، وهي تعبير عن إرادة الكرسي، وتخبرنا بأن الكراسي تصنع بشرا من حجر، وتفرغه من المشاعر والعواطف، فهذا السلطان الشاعر متجمد المشاعر، ويصعب تفسير سلوكه المتأرجح بين الشعر والكرسي.

 ويبدو أن للكرسي مناهجه، فالجالس عليه غيره قبل أن يتمكن منه، فالكراسي منبع المآسي، ومنطلق التداعيات الأليمة التي تعصف بالبشر.

هذا سليمان القانوني الشهير بسلوكياته المتناقضة الغريبة عنه كإنسان وشاعر يقتل أبناءه وأحفاده وصديقه الأثير وصدره الأعظم.

فيذود عن الكرسي ولا يرى أنه لا يدوم وعليه أن لا يكون عبدا له، وأن يلوي عنقه ويعبّر عن القيم السامية ويكون قدوة حسنة ذات معنى إنساني رحيم.

 مسيرة حكم سليمان القانوني تختصر علاقة البشر بالكرسي، وتجعله عبدا أسيرا لما يتوهمه من سلطان، فلا العقائد ولا المبادئ ولا القيم تصمد أمام إرادة الكرسي، فالبشر قبل الكرسي غيره وهو في الكرسي، وتلك عجيبة سلوكية متكررة منذ الأزل، وما نجى منها إلا ما ندر، وستتواصل حتى يوم المحشر، فمن يسأل الإمارة، تحرقه الخسارة!!

تبصّرْ أنتَ مُرتَهنٌ مُبادُ

وذا الكرسيُّ صَيّادٌ يُصادُ

*

تحاورُنا الخطايا كلّ يومٍ

ويَسْألنا التصارعُ والحِدادُ

*

لماذا مَن تولاّها تَمادى

وأفْسَدَهُ التحزّبُ والعِنادُ

*

وأذهلهُ وقوعٌ في صِراطٍ

ويوهِمُهُ التَسامقُ والسِيادُ

*

كأنّ نُهى الخَلائقِ مُسْتباحٌ

يُصادِرُهُ التعَمّمُ والفسادُ

*

بَرايا في مَناقبها عَجيبٌ

مُتوَّجَة بباءاتٍ تكادُ

*

رَغيبُ النَفسِ مَطبوعٌ بنَهْمٍ

وإنّ نُزوعَها هَدَفٌ عِتادُ

*

على جُرُفِ المَنايا اسْتَناحَتْ

قلوبٌ نبْضُها همٌّ يُعادُ

*

أ تَبْكي أمّةٌ وأدَتْ أباها

فقاسَتْ مِنْ مَدامِعِها الجِيادُ

***

د. صادق السامرائي

 

بين الإعداد المبكر وعقلية المنافسة

لا تظهر حالة الضعف والانهيار النفسي لدى بعض المنتخبات العربية في كأس العالم بشكل مفاجئ داخل أرض الملعب، بل هي نتيجة تراكمات طويلة تبدأ من مراحل الإعداد الأولى للاعبين، سواء في الأندية أو المنتخبات السنية. فغياب التأهيل النفسي والذهني منذ الصغر، وعدم تدريب اللاعبين على الثقة بالنفس وإدارة الضغوط، يجعلهم أكثر عرضة للتأثر عند مواجهة المنافسات والمنتخبات الكبرى.

من أبرز الإشكاليات التي تؤثر على الأداء في البطولات العالمية، القناعة الداخلية لدى بعض اللاعبين بأن الخصم أقوى وأكثر مهارة وتكتيك وأكثر خبرة، وهو ما ينعكس سلباً على سلوكهم داخل الملعب وكيفية التعامل مع اللعبة والخصم. إذ يؤدي ذلك إلى انكماش دفاعي مبالغ فيه، وتراجع في الجرأة الهجومية، وضعف في صناعة الفرص والوصول غلى المرمى والتهديف، وفقدان عام للثقة بالنفس. ومع مرور الوقت خلال المباراة، يظهر هذا التأثير في شكل تفكك واضح بين خطوط الفريق، حيث يفقد التوازن بين الدفاع والوسط والهجوم، مما يسهل على الخصم فرض سيطرته وتهديد المرمى بأقل مجهود والانتصار وتحقيقة الفوز.

كما أن عامل الاحتراف يلعب دوراً محورياً في بناء عقلية اللاعب. فقلة عدد اللاعبين العرب المحترفين في الدوريات الأوروبية الكبرى مقارنة بالمنتخبات المنافسة تحد من اكتساب الخبرة والتعرض لمدارس كروية مختلفة. وفي المقابل، تظهر بعض التجارب العربية نماذج مختلفة؛ فمنتخب المغرب استفاد بشكل واضح من انتشار لاعبيه في أوروبا، ما عزز من خبرتهم وثقتهم وقدرتهم على المنافسة. أما المنتخب المصري، فرغم محدودية عدد المحترفين، إلا أنه استطاع الاعتماد على عناصر بارزة مثل محمد صلاح وعمر مرموش، حيث أسهمت الروح القتالية والإصرار في رفع مستوى الأداء ومنح الفريق حضوراً أقوى أمام الخصوم وترك إتباع إيجابي والفوز في المباريات.

إن بناء منتخب قوي قادر على المنافسة العالمية لا يمكن أن يعتمد على الموهبة الفردية والأموال المبذولة لِإعداد فقط، بل يحتاج إلى مشروع استراتيجي طويل المدى يبدأ من الفئات العمرية الصغيرة. ويشمل هذا المشروع تطوير المهارات الفنية، وتعزيز الصلابة النفسية، وبناء الثقة بالنفس، وبناء الصورة الذهنية في تقبل واحترام القدرات الفردية والجمعية، إضافة إلى توفير الاحتكاك المستمر مع مدارس كروية عالمية، وصناعة جيل من اللاعبين القادرين على الاحتراف في أعلى المستويات مقارنة بلاعبي أفريقيا.

وفي النهاية، فإن المنتخبات الكبرى لا تبنى بالصدفة، بل تصنع عبر منظومة متكاملة تقوم على العقلية التنافسية، والإعداد النفسي والفني السليم، والاحتكاك المستمر مع أعلى مستويات كرة القدم في العالم. وهي عناصر إذا اكتملت، يمكن أن تنقل أي منتخب من مرحلة المشاركة إلى مرحلة المنافسة الحقيقية.

***

د. أكرم عثمان

23-6-2026

غطرسة: إستعلاء وترفع على الآخرين، تكبر وعجرفة وزهو، إعجاب بالنفس. وهي شعور مبالغ فيه بالعظمة أو التفوق على الآخرين، وتدفع للتكبر والتعالي وإحتقار آراء وقدرات الغير. تتمثل برفض النقد أو النصيحة، والتفاخر المتواصل بالمنجزات، والتقليل من قيمة الآخرين والسخرية منهم، والشعور بأن أي تصرف هو حق، فتدمر العلاقات الجيدة، وتتوهم الشعور بالكمال والتمام المعرفي والإدراكي.

والأقوياء يصابون بداء الغطرسة الذي يلقي بهم في حفر النهايات القاسية، ولا توجد قوة في التأريخ لم تتحول إلى ضحية فادحة لإرادة الغطرسة، وكأنها آلية توجب التغيير وتعلن أن "دوام الحال من المحال"، وكل قوة إلى إنهيار، لأنها تنمي طاقات فنائها وهي في ذروة أمجادها وإقتدارها.

العجيب في أمر التفاعلات الدنيوية، أن الطاقة المتحركة تؤسس لأسباب خمودها وإنمحاقها، فهي كالشجرة السامقة التي تنخر لبها آفة الأُرضة.

فالغطرسة هي الآفة الخفية المتمكنة من القوة التي تبنتها وتماهت معها.

لو تصفحنا التأريخ لوجدنا أن للغطرسة دورها الفاعل والمتكرر في إنهيار القوى التي تدّعي الهيمنة على شعوب الأرض.

منذ دول ما قبل التأريخ وحتى اليوم، لكل قوة مداها وذروتها ومسارات إنحدارها، لأن وهم الذروة يستولدها طاقات تدحرجية إلى وديان العدم، فلا إتساع دائب إلا في كون بلا حدود ويتوطن الأبدية.

وما يجري من أحداث وتصارعات متنوعة منبعها تناطح رموز الغطرسة في ميادين الهلاك الشامل، فالمتغطرسون لا ينتصرون بل الهزيمة مصيرهم الحتمي، ولهذا فالقوى المتغطرسة ستبيد بعضها لتوفر الظروف لنهوض متغطرس جديد.

تغطرَسَتِ النوازعُ في عُلاها

تمكّنَ وهْمُها حينَ ابْتلاها

تَخاصُمُ بَعْضها أودى بكلٍ

يُكظّمُ ضُعفَها ويَرى أساها

تدورُ بنا وتُهلكنا بآنٍ

فلا تَعْجبْ إذا قَتلتْ أباها

***

د. صادق السامرائي

يشهد عالمنا المعاصر ثورة تقنية رقمية غير مسبوقة، مع توسع هائل في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، التي دخلت مختلف مجالات الحياة، حيث أتاحت هذه التقنيات، إمكانات تسهيل الوصول إلى المعلومات، وتحسين الأداء.

وتجدر الاشارة إلى أن هذا التطور المتسارع في التقنية الرقمية، بات يثير في الوقت نفسه، جملة من المخاوف الفكرية، والثقافية، حول أثر التداعيات السلبية لهذا التطور على الإنسان في ذاته، وفي قدراته الوجدانية، والإبداعية. فالإنسان بما يمتلكه من مشاعر، وأحاسيس، وخيال، وتجارب إنسانية، تشكل جوهر شخصيته، يتميز، عن الآلة، بحسه المرهف، ومشاعره الوجدانية، وقدرته على ابداع النصوص، والفنون بشكل رائع، في حين أنه عندما يعتمد اعتماداً مفرطاً على الأنظمة الذكية في التفكير، والكتابة، والتحليل، واتخاذ القرار، فلا بد إنه سيفقد جزءاً من فاعليته الذهنية، ويعتاد على تلقي نتائج جاهزة، دون بذل ما يلزم من جهد عقلي، للوصول إليها. ومن هنا ينشا التخوف، من أن يتحول الذكاء الاصطناعي، من أداة مساعدة، إلى بديل، عن التفكير الإنساني نفسه.

فالإبداع الحقيقي، كما هو معروف، لا يولد من تراكم المعلومات وحدها، وانما يستولد من المعاناة، والتأمل، والخيال، والتجربة الشخصية، بما هي انعكاس لحس المبدع، ورؤيته الخاصة، لكائنات عوالمه.

ولذلك فإن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي في إنتاج النصوص، والأعمال الفنية، سيؤدي إلى نوع من استلاب الإبداع، حيث يصبح النتاج الثقافي عندئذ، أقرب إلى إعادة تركيب ٱلي، لما هو موجود، بدلاً من أن يكون تعبيراً أصيلاً، عن تجربة إنسانية حية.

ولاريب أن سهولة الحصول على المحتوى الجاهز، اضعفت دافعية الإنسان إلى القراءة، والبحث، والتأمل، وهي جميعاً روافد أساسية لتكوين الوعي، وتنمية الخيال. ومن ثم، فإنه مع مرور الزمن، سيجد الإنسان نفسه، محاطاً بفيض من النصوص الجاهزة، والصور، والأفكار المنتجة آلياً، لكنها تفتقر إلى الحس الوجداني، الذي يمنحها معناها الإنساني.

وتجدر الاشارة إلى أن التحدي الحقيقي، الذي يواجه الإنسان المعاصر، يكمن في الحفاظ على التوازن، بين الاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي الهائلة، وبين صيانة الخصائص الإنسانية، التي تميز الإنسان عن الآلة، وليس رفض الاستفادة من قدراته. إذ كلما ظل الوجدان حياً، والعقل ناقداً، والخيال متقداً، بقي الإبداع الإنساني، قادراً على تجاوز حدود التقنية، وتحويلها إلى وسيلة لخدمة الإنسان، لا أداة لاستلابه.

***

نايف عبوش

المهتم بالشأن الثقافي والمتتبع للساحة الثقافية العربية يلاحظ ظاهرة طفو اسماء ادبية وإعلامية لا تملك الزاد الفكري والمعرفي ولا التسلح بالقيم التبيلة، فتجعل من الكتابة وسيلة للتسلق والتملق والظهور بأي طريقة وشعارها الغاية تبرر الوسيلة نستطيع أن نطلق على هؤلاء الطفيليين

" نخب الفقاعة " و  "الفقاعة يقصد بها ظاهرة أو شهرة مؤقتة عندما يصبح شخص أو شيء أو حدث ما محط اهتمام وشهرة واسعة جداً بدون مقدمات ويصبح حديث الساعة، ويتمتع بتغطية إعلامية واسعة أو مشاركات كبيرة على مستوى الشبكات الاجتماعية، ولكن بعد مرور فترة زمنية معينة تتضاءل شهرة هذا الشيء وتصبح محل نسيان وتختفى تمامًا، هذه الظاهرة تكون أشبه بالفقاعة التي تكبر حتى تصل إلى مدى معين ثم يحدث لها فرقعة وتختفي بعدها، ولذلك يسميها البعض "فرقعة إعلامية".(1)

وعن هذه الظاهرة المرضية يضع  الكاتب محمد خير موسى مشرطه على الجرح  فيسلط عليها الضوء بكل دقة ووضوح فيقول :  " إنَّ المتأمل في مساراتِ التحوّلِ التاريخيِّ للمجتمعاتِ الناشئة يلحظُ ظاهرةً مَرَضيةً تبرزُ كلما تزلزلت الأركانُ القديمةُ وبزغ فجرُ يقظةٍ لم تكتمل ملامحُها بعد؛ ظاهرة "نخب الفُقاعة"، تلك الكائنات العدميّة التي تتقنُ فنَّ الطفو فوق بركِ الدماء وعرقِ الثّائرين وتضحيات الشّهداء مستغلةً حالةَ السيولةِ القيميةِ والاضطرابِ الفكري، وهؤلاء ليسوا مجردَ عابرين في قطارِ المرحلة ولكنّهم طفيلياتُ المرحلة الذين يمتصون رحيقَ الآمالِ ليحقنوا في جسدِ الأمة سمومَ الرداءةِ والزيف.

تبدأُ مأساةُ نخبِ الفقاعة من الخَوَاء الذاتي؛ فالمثقفُ الحقيقيُّ جذورُه ضاربةٌ في أعماقِ الأرض، يستمدُّ وقارَه من صمتِ الجذورِ وتواضعِ الثمار. أما الواحد من "نخب الفُقاعة" فليس أكثر من كائن بلا جذر، صُنِعَ من غشاءٍ رقيقٍ من الادعاء يملؤه هواءٌ ساخنٌ من الغرورِ والانتفاخ، وهذا الانتفاخ ما هو إلّا ورمٌ فكريٌّ وأخلاقيٌّ يُرادُ به الإيهامُ بالعظمة" (2).

من هذا الخواء الذاتي والفراغ وفقدان المعنى تتمدد نخب الفقاعة ولكن هذه النخب لا تملك جذورا عميقة في أرض الإبداع الإنساني الكوني فأي ريح بسيطة تقلع شجرتها وتهوي بها إلى قاع سحيق ..

ومن سمات نخب الفقاعة:

- حب الظهور المرضي أمام المسؤولين ايسوقوا لأنفسهم كشخصيات مؤثرة في المشهد...

- كسر الطابوهات فالكتابة الصادمة والخادشة للحياء و المتجاوزة لقيم الفن والجمال والأخلاق هي سبيلهم للشهرة والظهور والبحث عن العالمية ولو من الأبواب الضيقة ..

- الكتابة دون عمق ولا فهم لجوهر الحياة وفلسفة الوجود..

- إثارة غبار المعارك حول القضايا التي تمس هوية المجتمعات فهي لا تفقه حق الاختلاف الإنساني الذي يعتبر كبستان متعدد الأزهار والورود والنباتات فسر الجمال في هذا التنوع والتميز.

- محاربة المبدعين الحقيقيين ومحاصرتهم والتضييق عليهم وتشويه سنعتهم...

ولكن في النهاية قد يتساءل القارئ العزيز: هل تبقى هذه النخب المزيفة تثبر الزوابع والمعارك وتتصدر المشهد؟

ولكن الحقيقة أن سنة الله في خلقه البقاء الأصلح والأجمل والانفع مصداقا لقوله تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ)(الرعد: 17).

***

الكاتب: شدري معمر علي - الجزائر

..................

1- ويكبيديا.

2- محمد خير موسى، حديث عن نخب الفقاعة، موقع العربي. 21

في رحلة الحياة، يسعى الإنسان بطبيعته إلى البحث عن من يسانده ويقف إلى جانبه ويساعده. فالدعم النفسي والاجتماعي حاجة إنسانية تمنحنا الشعور بالأمن والأمان، وتخفف عنا أعباء الطريق ووعرتها، وتزيد من قدرتنا على مواجهة التحديات والصعوبات. ولذلك نشعر بالامتنان عندما نجد من يشجعنا ويقف في صفنا، أو يواسي آلامنا، أو يمد لنا يد العون في لحظات الضعف والهوان.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الدعم إلى مصدر اعتماد كامل، وعندما تصبح قوتنا مرتبطة بوجود الآخرين من حولنا. فالحياة بطبيعتها متقلبة، والناس تتغير ظروفهم وأولوياتهم، وقد يأتي يوم لا نجد فيه من يمنحنا الكلمة التي ننتظرها أو المساندة التي اعتدنا عليها. هنا يظهر السؤال الأهم: من يبقى سندك الحقيقي عندما يغيب الجميع ويتخلون عنك؟

إن أعظم قوة يمكن أن يمتلكها الإنسان هي أن يجعل اعتماده الأول على الله عز وجل. فالله سبحانه لا يغيب، ولا يتخلى عن عباده، ولا يعجزه أمر في الأرض ولا في السماء. وعندما يدرك الإنسان هذه الحقيقة، فإنه يجد في الدعاء والعبادة والتقرب والصلة واليقين طاقة روحية هائلة تمنحه السكينة والثبات مهما اشتدت الظروف وتكالبت عليه الأيام والليالي.

وإلى جانب الاعتماد على الله، تأتي الثقة بالنفس كركيزة أساسية للنجاح والاستمرار. فالثقة بالنفس لا تعني الغرور والتعالي على البشر أو الشعور بالكمال والمثالية الزائدة عن الحد، بل تعني الإيمان بالقدرة بالذات وملكاتها وقوتها والقدرة على التعلم والنهوض بعد التعثر والأخطاء والضعف. إنها القوة التي تدفعك للوقوف مرة أخرى بعد كل إخفاق، وتجعلك ترى في الفشل درساً مهماً لا نهاية، وفي العقبات فرصة للنمو لا سبباً للاستسلام ورفع الراية.

كثير من الناس ينتظرون التشجيع حتى يبدأوا، وينتظرون الدعم حتى يستمروا، وينتظرون التصفيق حتى يثقوا بأنفسهم. لكن أصحاب الإنجازات الحقيقية تعلموا أن الدافع الأقوى يأتي من الداخل، وأن النجاح يبدأ عندما يصبح الإنسان قادراً على تحفيز نفسه بنفسه وأن يستمد قوته مما يملك من قدرات وطاقات تنير له دروب الآفاق.

لذلك لا تجعل سعادتك رهينة لأحد، ولا تربط قيمتك بما يقوله الآخرون عنك، ولا تنتظر منهم أن يحملوا عنك مسؤولية حياتك. قدر كل من يدعمك، واشكر كل من يقف إلى جانبك، لكن لا تجعل وجودهم شرطًا أساسياً لاستمرارك أو نجاحك أو سعادتك.

اهتم ببناء نفسك كل يوم. غذ روحك بالإيمان، وعقلك بالمعرفة، وشخصيتك بالتجارب النافعة. استثمر وقتك في التعلم والتطوير والعمل الجاد، واسعَ إلى تحقيق أهدافك بثبات وصبر. فكل خطوة تخطوها نحو تطوير ذاتك هي استثمار حقيقي في حاضرك ومستقبلك.

في النهاية، يبقى الإنسان أقوى عندما يجمع بين أمرين: قلب معلق بالله، ونفس تؤمن بقدراتها وتسعى إلى تطويرها. عندها لن تهزه الظروف وتقلباتها، ولن توقفه العقبات، ولن ينتظر من الآخرين أن يصنعوا له مستقبله، لأنه أدرك أن مصدر القوة الحقيقي يبدأ من علاقته بربه، ثم من إيمانه بنفسه.

فإذا خذلك الناس يوماً، فلا تيأس. وإذا تأخر الدعم، فلا تتوقف. واجعل يقينك دائماً أن من كان الله معه فلن يكون وحده أبداً. ومن كان الله عليه فمن معه.

***

د. اكرم عثمان

21-6-2026

العلاقة متينة بين الصحة الدماغية والتفاعلات اليومية، التي ينجم عنها إتخاذ قرارات تؤثر في المجتمع، خصوصا عندما يكون نظام الحكم فرديا، وهذا ما إعتادت عليه الأمة، منذ نشأة دولة المدينة.

قد يكون التطرق للموضوع غير مسبوق، وفيه بعض الجرأة، لأن العديد من رموز الكراسي أحيطوا بهالات القدسية، وتحقق رفعهم إلى مقامات علوية لا بشرية.

ولو نظرنا بعيون العقل العلمي المعاصر، وتفحصنا الأحداث لوجدناها ناجمة عن قرارات فردية صادرة من الكرسي، وفيها ما يشير لإضطرابات دماغية ذات تداعيات مريرة.

فلا ننسى تأثيرات التقدم بالعمر، والخرف بأنواعه الذي يخرّب الأدمغة، ويلقي بظلاله على القرارات والتطورات، ويضعف الحكمة وآليات الفهم والتقدير والتقييم، لأن ربط المعلومات والوصول إلى قرار يستوعب الحالة سيكون عسيرا.

ولا أريد الخوض في بعض الملاحظات عن قادة الأمة عبر العصور، فهذا الجانب السلوكي المهم لم ينل حقه من الدراسة والبحث والتحليل، فهناك أشخاص تبدلت سلوكياتهم، ويكون تعليلها فقط بالكرسي، وبرغم تأثيراته وفرضه لإرادته، لكن هناك أسباب وعوامل شخصية تتفاعل معه، وتتسبب بما ينجم من تصرفات.

هل يمكن للبشر أن يتغير بعد أن بلغ من العمر عتيا دون أسباب عضوية؟

التغيير الذي يصيبه سيكون لأسباب عضوية متصلة بالدماغ حتما.

فكل ضرر يصيب الدماغ، سيدفع إلى سلوك مناسب له، كتصلب الشرايين، والجلطات الدماغية الخفية، وقلة ورود الدم، أو قلة الأوكسجين.

إضافة لما يصيب الذاكرة من تآكلات، وما يضر مراكز المشاعر والعواطف والمدارك من معوقات، وإضمحلال العُصيبات، والصرع والإلتهابات والصدمات والأورام، وزيادة الضغط، وضيق الأوعية الدموية، ومرض السكر، والجوع والعطش، وأمراض التخمة وفرط السمنة وما يتصل بها من مضاعفات.

 فالإنتباه إلى الصحة الدماغية لأصحاب الكراسي من المسؤوليات الوطنية المهمة.

فهل لنا أن نرى الجالس على كرسي السلطة بشر كأي البشر، وعليه أن يخضع لفحوصات سنوية لتقييم قوته البدنية والعقلية وتقرير مدى قدرته القيادية.

مَناصبهمْ كداءٍ مُسْتطير

تُمتعهمْ بسلطاتِ الأميرِ

مَراسيمٌ بها هَوَسٌ بشأنٍ

كأنّ الشخصَ من نسلِ القديرِ

شكوكٌ في مَراتعهمْ تنامتْ

فأطْعَمتِ المناوئَ بالعسيرِ

***

د. صادق السامرائي

ولأن هذه الحكاية الواقعية التي تلامس الخيال الواقعي، وذات مدلولات قدرية وزمنية، تترجم بوضوح التأرجح بين ثقافتين والتمزق بين غربتين. إنها حكاية مواطن جزائري يحمل الجنسية الفرنسية، يدعى” محمد بوركام “، ولد بالجزائر وتغذى من تربة البداوة في أحد الأرياف القاحلة، المتسللة عن جمال الطبيعة ورطوبة العيش. وفي أحد الأيام التحق محمد بوركام بالجيش الفرنسي منظما إلى المستعمر الفرنسي، يقاتل ضد أبناء جلدته، وكان أشدّ قسوة عليهم من المحتل. نزع  ” محمد بوركام ” العمامة الجزائرية بما تطويه من ” نيف ” وكبرياء، ليلبس بدلة عسكرية غريبة عن مقاسة، ولم يتصور محمد بوركام يوما أن تلك المجموعات الصغيرة المتناثرة في الجبال، والتي تعلقت بالحرية والكرامة هي أرفع من نفسه الوضيعة وتستطيع قلب المعادلات، لتستقل الجزائر ويجد ” محمد بوركام ” نفسه قد نحت صورة العدوّ لأهل بلده وأبناء جلدته. فأدرك أن وجوده هناك خطرا، فرحل مع القوّات الفرنسية عند مغادرتها الجزائر، ليستقرّ بفرنسا حيث تحصل على الجنسية الفرنسية. وأقام لسنين طوال على هامش المجتمع. توفيّت زوجته الأولى فتزوّج امرأة أخرى تصغره بست عشر سنة، بيد أن زواجه الثاني كان فاشلا، لأن هذه الزوجة الأخيرة لم تر فيه سوى صورة الخائن لوطنه، المتنكر لهويته ولأهل بلده، فاحتدّت الخلافات وتحوّل المنزل إلى جحيم. فكل ليلة ينامان على الخصام ويصحيان على العنف المتبادل، ممّا جعل المركبة الزوجية تغرق في بركة من الكحول والإدمان..وفي لحظة غضب رمادية هاربة من حدود العقل، أجّجها الإفراط في شرب الخمر قتل ” محمد بوركام ” زوجته الجديدة، فحوكم ب 15 سنة. ظل في السجن حبيس تلك الأيام البعيدة، التي كان يعتدي فيها على عذرية تربته. وتذكر تلك الأيام التي كان يتسلط فيها على الأهالي بالوشاية وتعذيب الثوار ممن وقعوا في الأسر. استطاع ” محمد بوركام ” الفرار من السجن، وأمضى 11 سنة في حالة فرار..وفي لحظة من لحظات التعب المستمر، والاختفاء المرهق عن أنظار البوليس، والقلق الدائم، وبعد عجزه عن ضمان قوته اليومي، لم يجد الحرية التي كان يتوق إليها خارج قضبان السجن، بل وجد نفسه يتحول من سجن الطعام والنوم فيه مضمونان، إلى سجن بلا قضبان السقف والأكل فيه معدومان.. فقرّر العودة بمحض إرادته إلى السجن، ليجد في انتظاره مدير السجن وحرّاسه تلبسهم الدهشة والغرابة أمام هذه الحادثة، التي لم يتعرّضوا لها طيلة حياتهم المهنية. ولأن ” محمد بوركام ” هو جملة تأثيرات المغلوب بالغالب، بين فلاح ريفي بسيط في قرية نائية، وبين غالب من بلد آخر، ليسحبه من محيطة الثقافي، فيصنع منه جنديا يقاتل ضد أهله. ويقبل هو هذه المهمّة بنفس وضيعة غريبة عن محيطها، متنصلة من جذورها وانتمائها. ورغم انصهاره إلا أن هؤلاء يبقون متأرجحين بين ثقافتين. ولا يعادل مصير هؤلاء سوى مصير الأرواح الهائمة في الأوديسة، حسب الميوثولوجيا التي آمن بها الإغريق لا بد أن تخصص لأجساد الموتى شعائر وطقوس دينية كاملة، تستطيع بعد نزولها إلى العالم السفلي الوصول إلى ضفة الحساب، بعد عبور نهر الستيكس، أما الأجساد التي لم تحض بهده الطقوس فإنها تظل تحوم حول نهر الستيكس، عاجزة عن عبوره وعن الوصول إلى مرحلة الحساب والعقاب. تظل تعيش كأشباح باكية هائمة على وجهها، ترجو العبور إلى ضفة الموت فلا تستطيع، فتطلق أناشيد حزينة وبكائيات مريرة الإيقاع، ناعية حضها السيئ الذي حرمها من الانتماء إلى عالمي الموت والحياة معا وخنقها في منفى وسيط ودائم، لا هو دار فناء ولا هو دار بقاء.  وحسب نفس الميثيولوجيا الإغريقية فأعسر وضعية هي وضعية هذه الأشباح الهائمة.. ولا تختلف وضعية هذه الأشباح عن وضعية الذين يؤمنون خطأ أو بلاهة بأنهم قادرون على التمركز في ثقافة أخرى، على حساب هويتهم وحضارتهم ومحيطهم..

***

الطاهر العبيدي - صحفي وكاتب تونسي مقيم بباريس

ربما يذكّرني ذلك بقصة الشجرة والثمرة؛ فما علاقة الشجرة بالثمرة؟.. إنه ذات المعنى الذي حذّرنا منه الإمام علي بن أبي طالب -عليه السلام- حين وصف حال المسلمين بعد رحيل رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: “أخذوا بالشجرة وضيّعوا الثمرة”. فمسألتنا الفكرية والثقافية هي: أين يكمن الالتزام؟

قد تكون (زينب) في عمر الزمن قصيرة، لكنها تأخذ بُعدًا غائرًا في أعماق الفكر، وتتغلغل ثائرةً في وجداني وروحي. فمن تكون (زينب) تلك التي رسم التاريخ ملامحها، وخطّت اسمها أنامل من نور لا تمحى؟

ماذا عرفنا عنها؟ وماذا أخذنا منها؟ وماذا فهمنا فيها؟

أليست هي: أنا وأنت، على امتداد البشرية؟

أليست انعكاسًا لمرآة فهمنا ووعينا لأنفسنا، ولطريقة فهم الآخرين لنا؟

ألم تكن علامة استفهام كبيرة في جبين التاريخ، ما زال يلفّها الكثير من الغموض والجهل والخرافة؟

كثيرًا ما استوقفتني تلك الصورة الإعلانية البراقة، التي تهيب بمن ينظر إليها حشمةً وعظمةً تحت عنوان (العباءة الزينبية)!

أو تلك الصورة النمطية المخيفة التي تحذّر أي فتاة من الابتعاد عنها!

والأعجب هو انجذاب بعض الخطباء والخطيبات إلى هذه الصورة النمطية في كل مناسبة يكون العروج فيها إلى زينب -عليها السلام-.

فهل اختصرنا عظمة زينب في عباءتها؟

بل قد يكون السؤال الصحيح: هل اختصرنا العفة بعباءة، إن كان الهدف هو العفة؟

كيف يمكن لمستمع أو قارئ أن ينظر إلى المرأة، حين تنقلب الصورة في وعيه، فيتأملها بوصفها وعاءً للجنس، وأن عفتها وحشمتها تختصران في قطعة قماش اسمها (عباءة)؟

إن عقلي الصغير لا يستطيع أن يستوعب ما يقوله بعض أرباب المنبر حين يطرحون قضية زينب -عليها السلام-.

فزينب هي الثكلى التي فقدت كل ذويها، والتي واجهت أعظم المآسي، فتلتحم في الذاكرة صورتها بالصبر والوعي والموقف.

لكن وسط صخب تلك الدموع، يسرق فكري سؤال عابر:

هل يعقل أن ينكسر كل هذا العمق أمام قضية تُختصر في: هل خرجت فلانة من دون حجاب؟

لننتبه قبل أن نضيّع في طريقنا المعالم.

لنعد قراءة الأحداث، ولنمعن النظر باتجاه البوصلة، ولنكن أكثر وعيًا باتجاهاتها؛ فلا نسمح لموروثنا الفكري وحالتنا الوجدانية أن تنعكسا عليها فتغيّرا اتجاهها، فنضلّ الطريق.

إن هذا النمط الشكلي قد يبرمج تفكيرنا بسطحية مقنّعة اخترعناها من دون وعي، لنجد أنفسنا في نهاية المطاف:

نترك زينب، ونتمسك بعباءة زينب.

فَيَصدُق علينا قول الإمام علي -عليه السلام-:

“أخذوا بالشجرة وضيّعوا الثمرة”.

***

منى الصالح

محرم

 

"الكريمات" يعرفها أهل بغداد كواحدة من محلات بغداد القديمة في جهة الكرخ، تشترك مع باب السيف والشوّاكة بذاكرة واحدة، لم تشأ طيلة عقود من الزمن أن تبدّل اسمها. تتصل "الصالحية" ببيوتها الوديعة الممتدة على ضفاف دجلة اليمنى، يقرأ بين يديها البراءة وخفايا الليالي. الشارع الذي يفصل هذه الأحياء عن دار الإذاعة، يؤدي إلى جسر الأحرار، بدءاً من ساحة حصان الملك فيصل الأول حتى مقتربات الجسر، لا يبلغ في الطول أكثر من مئة متر. غير أن الشارع أيام الخمسينات والستينات كان مليئاً بالأضواء، تتوسط جانبه الأيسر سينما "ريجنت" عجباً للمباني وهي تضحك، يوم بغداد مثل طفل بريء، أشبه بفتاة فاتنة، ونفحة فجر.

في الركن المطل على دجلة من الجهة الثانية من الشارع، كان ملهى "ليالي الصفا" وهو يتوهج باشتعال الأضواء والأغاني، والرغبات المكبوتة لأفخاذ الراقصات في آخر الليل. كانت الأغاني تتهادى على سطح الماء، الوجوه غارقة في أحلامها المؤجلة، لرجال أنهكمهم التعب اليومي، لا يترددون في إعلان شبقهم في الكأس الثانية.

يبتكر أبناء تلك الأحياء بالأمانة والأمان، بيوتهم مفتوحة تحرسها الطيور، والأشجار المنتشرة في حدائق الكريمات والصالحية. وما جاورهما. عتبات الدور واحدة، وشرفاتها تمتلئ بالسلام والمحبّة، والنساء يتبادلن الحكايات وهن يحتضن العطر والحنّاء بين الأصابع والضفائر.

جسرا الشهداء والأحرار لا يطوقا المحلة من الشمال والجنوب، إنما يفتحا فضاءً واسعاً لهما نحو البنايات العالية والنور والأحلام، ويأخذا بيدها إلى حيث الماء المتدفق الذي منح أبناء الكريمات نشوة عارمة بالأزقة الضيقة الملتوية، وبالشرفات المتقابلة بنوافذها المشرعة، وبالحياة والاعتزاز بالأرض والحياة.

ابن الكريمات يجد في تلك الأجواء متعة وطعماً لا يريد التفريط بهما، ظل متمسكاً بهما، ومنشداً لهما، حتى بعد أن شقّت "الشفلات" المحلة، وقطّعت أوصالها "البلدوزرات"، لتحل محلها البنايات الشاهقة، والشوارع الواسعة.

ليس من الصدف أن يجد "أبو ناجي" موطئ قدم له في هذه البقعة من بغداد. ليشيّد عليها سفارته منذ السنوات الأولى للانتداب البريطاني، بمساحة تتجاوز العشرات من الدونمات الخصبة على ضفاف نهر دجلة. تصاعدت جدران بناء السفارة، لم يكن ابن

الشوّاكة غير آبه بما يدور خلف الحيطان، ولم يكن بعيداً عن الأحداث الساخنة التي عصفت بالعراق، بل هو في وسطها. حينما يريد المواجهة في الأحداث الفاصلة. فكان مصدر قلق وإزعاج للساسة الذين يقيمون هناك. الأمر الذي يدعهم يفكرون بأن وجودهم لن يطول، لذا سرعان ما أطاح العراقيون في صبيحة الرابع عشر من تموز برمز الاحتلال (الجنرال مود) الرابض في ساحة الشوّاكة.

لمحلة الكريمات (مختار) شأن أحياء بغداد ومدن العراق الأخرى، وهي وظيفة شرفية ابتدعتها السلطات العثمانية، مهمتها الوساطة بين عامة الناس والحكومة، في غياب القضاء والإدارات المحلية. جرى التقليد أن يتمتع المختار بالوجاهة والاحترام بين أبناء محلته، لا يملك غير (الُمهر) الذي يصادق فيه على معاملات الناس. قبل أن يتحول (المختارون) إلى مخبرين وعملاء للسلطة، مارسوا أبشع أشكال الابتزاز والمشاركة في (حفلات) الإعدام في سنوات الحروب.

عُرف العراقيون باستخدام الكتابة أو التورية والمجاز في اللغة، بمناسبات عديدة يلجأون إليها، حين يجدون في ذلك ضرورة لمواجهة سلطة أو مسؤول، أو جهة ما، تثير لهم المتاعب أو تسلب حرياتهم وحقوقهم، ليعبروا بها عن مكنوناتهم الرافضة الساخطة، أو المستنكرة لواقع سياسي زائف، أو وضع اقتصادي متدهور، ولا سيما أيام الأزمات والمحن التي تواجه العراق.

وكثيراً ما كانت تلك اللغة تجد لها صدىً واسعاً وانتشاراً وقبولاً واسعين وسريعين في أوساط المجتمع، تردد في المحافل والمنتديات، أو تتناقلها الأجيال. فجاء مصطلح (مختار الكريمات) كنايةً عن الدور الفعلي للسفير البريطاني آنذاك في إدارة الدولة، ورسم سياساتها، والتحكم في قراراتها وتوجهاتها وعلاقاتها العامة، كما أنه كان يعطي الدليل على الحيوية والمرونة والقدرة على الاستيعاب التي يتمتع بها الشعب العراقي في فهم الواقع السياسي بكل خفاياه، والتشخيص الناصح، لتردي دور الحكومة الهامشي والضعيف في إدارة شؤون البلاد، وتحولها إلى أداة مطيعة لتنفيذ السياسة البريطانية وتحقيق مصالحها الاستراتيجية في العراق.

من المؤسف حقاً، بعد أكثر من ثلاثة أرباع القرن من الزمن، أن يعود العراق إلى نقطة الصفر مجدداً، وتدور عجلة التاريخ إلى الوراء، ليقدم لنا نموذجاً آخر لـ (مختار الكريمات). فيرمي بالبلاد بحقل ألغام متفجر، ويدخلها في دوامة العنف والإرهاب والقتل ونهب الثروات. يعود من جديد (مختار المنطقة الخضراء) ليمهر المعاملات المعطّلة والمؤجلة. والقابلة للتنفيذ.

إن الفارق بين (المختارين) الأول والثاني، هو أن الأخير لا يريد أن يبقى وحده في المنطقة الخضراء، مثلما كان الأول مستأثراً بهواء دجلة ومائها، بل يريد مشاركة الملوك والطوائف بهذه الامتيازات، أن يأخذوا حصتهم منها جميعاً بعد أداء فريضة الوضوء، ونصيبهم من (النعيم) الذي مكّنهم من حرمان (الفرد) العراقي من (نعيم) ساعتين متواصلتين من الكهرباء!

رحم الله (مختار الكريمات) الحقيقي، الذي يتذكره البغداديون بالطيب، ويدعون له بالمغفرة والجنةّ.

***

جمال العتّابي

من قوانين البقاء وبديهيات التحدي أن الأحياء عندما تسقط في حفرة فأنها لا تحفر، وإنما تجتهد في إبتكار الوسائل والآليات اللازمة للخروج من الحفرة. والساقط في الحفرة قد يكون فردا، مجموعة، فئة، حزبا، أو مجتمعا وربما شعبا وأمةً.

ففي حالة الصراع القائم فوق التراب، كل حالة مؤهلة للسقوط في حفرة، إذا فقدت قدرات الحذر وأسباب الوقاية من التحول إلى ضحية للخداع والتضليل والدفع باتجاه الحفرة.

فالكثير من الحفر تكون مموهة وغير واضحة فيدوس عليها البشر حتى يقع فيها، فيكون هدفا لتساقط كل شائن عليه.

ومعظمنا لعب هذه اللعبة في صباه، حيث كنا نحفر حفرةً صغيرةً نملأها بالماء ونغطيها بالأغصان وجريد النخيل وندثرها بالتراب فنخفيها، ونأخذ أحد الصبية الذي لا يعلم بها ونسير معه بإتجاهها، وقد إنسجم معنا في الكلام وغيره من التفاعلات التي تلهيه وتقلل إنتباهه، ونمضي به إلى حيث يدوس على الحفرة الموهة فتغوص قدمه فيها، ويتعالى ضحكنا ويتصاعد غضبه، وتحصل المشاجرات بيننا والبعض من الصبية كان يضحك معنا، ويدفعنا بأسلوبه إلى مشاركته السقوط في الحفرة.

هذه كانت لعبة صبية في تراب الوطن، مثل غيرها من اللعب والتفاعلات التي نحمل عنها ذكريات جميلة وطيبة.

ومنطوق اللعبة وفكرتها هو أحد قوانين إمتلاك الشعوب والأمم والسيطرة على الأوطان، وذلك بأن يتم إسقاطها في حفرة، كما كنا نوقع بعضنا في الحفر عندما كنا نلعب، وكذلك الدول القوية تلعب والساسة يلعبون وكم منهم سقط في الحفر، وما تعلم الخروج منها أو إسقاط دافعه إليها فيها.

وقد سقط الوطن في حفرة وحفرة، حُفرت له منذ عقود، وأمعن أبناؤه بحفرها، وتواصلوا في الحفر، على غير طبائع الأمور وبديهيات الأصول وإرادة البقاء والتواصل.

وساهمت الكراسي بكل ما أوتيت من طاقات وعلى مدى عقود قاسيات في الإجتهاد بالحفر والغوص العميق في قاع الحُفر، حتى صار الوطن هدفا محصورا في زاوية التدمير والخراب والضياع والفناء. وبعد أن تم الإطباق على الحفرة وأسر الوطن وامتلاك الشعب، تولدت في داخل الحفرة قِوى متنوع أخذت تعمل بجد ونشاط وعدوانية وإندفاع سلبي في الحفر المتواصل والشديد للحفرة، حتى إزداد الظلام وتمكن التراب من دفن الأحياء والغبار من منع وضوح الرؤية، وإختنق الناس وهم لا يزالون يحفرون ولا يتعبون.

وأصبح من الصعب على الذي يحلم بالخروج من الحفرة أن يفكر في صناعة سلّم أو أن يرشد الناس إلى الطريق الصحيح للخلاص من مأزق الحفرة، لأن الجميع لا يمكنه أن يرى بسبب ضغط الحفرة وقوانينها وتفاعلاتها، التي تعمي الأبصار وتقتل العقل والإدراك والتصور الواضح المعقول.

ولهذا نرى أن المجتمع وقع في الحفرة، وصار أسيرا للقوى التي أسقطته فيها، ولا يعرف كيف يعيش خارجها لأنه أُصيب بحالة التقوقع في الحفرة، وإستسلم لإرادة التآكل فيها والتمتع بقوانينها التي تعبّر عن الوجود الراكد المتعفن في ذات المكان.

 وهكذا فالوطن تحول إلى مستنقع، ومضت القوى تتصارع فيه والأحداث تتعاظم وتتأكد، والواقعون في الحفرة يقعون في أية حفرة يحفرونها لبعضهم فيها، فلا مجال إلا للوقوع.

ولكي نتحرر من أسر الحفرة التي وقعنا فيها، علينا أن نجدّ ونجتهد في صناعة السلالم التي تنقذنا من قبضتها التدميرية القاضية. ترى لماذا لا نرعوي ونتوقف عن الحفر؟!!

حَفرْنا حُفرةً فيها وَقَعْنا

ومنْ وجعٍ وإذلالٍ شَبِعْنا

تَساقطَ جَوْهرٌ في قاعِ وَيْلٍ

فتُهنا في مَواطِنها وضِعْنا

تُعللنا النوازلُ بانْجلاءٍ

وفي سَأمٍ لأغْرابٍ تَبِعْنا

***

د. صادق السامرائي

 

الأديب التونسي محمد العروسي المطوي جدير بصفة الأديب حقّا لأنه كتب في العديد من فنون الكتابة سواء في اللغة والنقد أو في القصة والرواية والشعر أو في المقالة والتاريخ والتحقيق وحتى في المذكرات والسيرة والترسّل إنّ قلم الأديب محمد العروسي المطوي قلم جامع شامل للأجناس الأدبية وله فيها الإضافة والرّيادة في البعض منها بالنسبة للأدب التونسي على الأقل .

هو من مواليد 1920 بواحة المَطوية القريبة من ڨابس بالجنوب التونسي وتوفّي سنة 2005 بتونس العاصمة ودُفن بالمطوية وقد شيّعه جمع كبير من أهله وذويه وبحضور جَمهرة من الأدباء والمثقفين وكنت من بينهم .

أعتبر نفسي محظوظا بمعرفته والجلوس إليه منذ المرحلة الأولى من تعليمي الثانوي بالمدرسة الصادقية في منتصف الستينيات من القرن العشرين عندما كنا ونحن تلاميذ نرافق أستاذنا سيدي البشير العَريبي إلى نادي القصة الكائن بالنادي الثقافي أبي القاسم الشابي بضاحية الوردية في ذلك الفض الثقافي العامر تعرفت إلى نخبة من الأدباء التونيسين الذين برزت أسماؤهم بعد السنوات الأولى من الاِستقلال من بينهم الطاهر ڨيڨة والبشير خريف والجيلاني بالحاج يحي ويحي محمد ومصطفى الفارسي وحسن نصر وعزالدين المدني وغيرهم من الجيل الموالي في نادي القصة وقد كانوا يجتمعون مساء كل يوم سبت لقراءة القصص والتحاور حولها بينما كنت أجلس على مسافة في ركن القاعة وبتوالي الأعوام صرت أزور الأديب محمد العروسي المطوي لأستفيد من معرفته وملاحظاته وممّا دفعني إلى ذلك أنه من المشجعين القلائل على التجديد والتجريب في الأدب رغم تكوينه التقليدي في التعليم الزيتوني الذي تخرّج منه كأحد شيوخ التدريس غير أنه كان ضمن شيوخ جامع الزيتونة المتنوّرين مثل الطاهر الحداد وأبي القاسم الشابي وهذا ما جعله فاعلا في حركة إصلاح التعليم وفي الحركة الثقافية وبوّأه أن يكون دبلوماسيا مُمثلا لتونس لدى بعض البلدان العربية وهي مصر والعراق والسعودية وقد كان يمتاز بأريحية ورحابة صدر وبمصداقية كبيرة مع الإحترام والتقدير بين مختلف الأدباء التونيسين على توالي أجيالهم واِختلاف مشاربهم الفكرية وتنوّع ألوانهم الأدبية فأهّلته هذه المكانة بينهم لرئاسة اِتحاد الكُتّاب التونيسين على مدى دورات عديدة كان مسك ختامها أن تولّى رئاسة ـ  اِتحاد الأدباء والكُتّاب العرب ـ إثر إنعقاد مؤتمره بتونس في أواخر سنة 1990 .

الأديب محمد العروسي المطوي غزير التأليف وقد نشرت وزارة الثقافة منذ سنوات أغلب إنتاجه تحت عنوان ـ الأعمال الكاملة ـ وقد صادفني هذه الأيام كتاب ضمن سلسلة ـ ذاكرة وإبداع ـ التي أصدرتها وزارة الثقافة وهو كتاب جليل بعنوان - محمد العروسي المطوي سيرة وورقات من إبداع مرحلة الشباب الجزء الثاني - من إعداد وتقديم وتحقيق الدكتور محمد الهادي بن الطاهر المطوي ويضمّ هذا الكتاب إضافات قيّمة لا أعرفها تُثري مدوّنة محمد العروسي المطوي من بينها جملة من المذكرات تعود إلى سنتيْ 1939و 1940 ومن بينها مقالات فكرية واِجتماعية ولغوية وغيرها ونقرأ بالإضافة إليها ما دوّنه المطوي من بعض دروس شيخه الأديب ـ محمد العربي الكبادي ـ الذي عُرف بلقب شيخ الأدباء لسعة ذاكرته وروايته ونقله من أمّهات التراث وبأهمية مجالسه في تاريخ الحركة الأدبية بتونس على مدى النصف الأول من القرن العشرين لهذا نعتبر هذه التدوينة وثيقة فريدة عن الشيخ محمد العربي الكبادي .

أما الوثيقة الأخرى المهمة والنادرة في هذا الكتاب فهي نصّ الرسالة التي بعث بها الأستاذ سيدي البشير العريبي إلى صديقه وزميله الأديب محمد العروسي المطوي وقد كتب له فيها تفاصيل ودقائق حضور ـ طه حسين ـ إلى جامع الزيتونة برفقة الزعيم الحبيب بورڨيبة والشيخ الطاهر بن عاشور بمناسبة اِختتام السنة الدراسية في الكلية الزيتونية والرسالة مؤرخة بتاريخ. 17 جويلية 1957 وتتضمن إشارات مُهمة سجّلها قلم الأستاذ البشير العريبي تمثل اِغتنام مناسبة فارقة في النقلة الاِجتماعية والفكرية بتونس تلك التي شهدت صدور مجلة الأحوال الشخصية التي تباينت حولها ردود الفعل وقد لاحظنا صداها في هذه الرّسالة المهمّة .

فالأديب محمد العروسي المطوي ما يزال في حاجة إلى التعريف والبحث والدّراسة ضمن الحركة الأدبية والثقافية التي واكبها وكان أحد أعلامها والفاعلين فيها بتونس.

***

سُوف عبيد ـ تونس

في بعض المراحل، قد يرى الإنسان نفسه أكثر مما هي عليه في الواقع؛ فيشعر بامتلاك قدرات كبيرة، وإبداع متفوق، ورؤية تجعله دائماً في موقع “الأصح” و“الأفضل و” الأكمل” ”. ومع هذا الشعور يتراجع أحياناً في تقبل النقد، ويضعف الاستعداد لتصحيح المسار، وكأن أي ملاحظة تمس صورة مكتملة يرى أنها لا تحتاج إلى مراجعة أو تطوير.

لكن الحقيقة أن هذا النمط من الإدراك قد يفقد الإنسان واحدة من أهم أدوات النمو: القدرة على رؤية الذات بموضوعية وشفافية. فحين يبالغ الإنسان في تقدير ذات هوي ضخمها دون توازن أو تواضع، قد يغلق على نفسه أبواب التطوير والترقي نحو الأفضل، ويحول النقد من فرصة للنمو إلى تهديد يجب مقاومته أو إنكاره وتجنبه.

 إن التواضع مع الذات لا يعني التقليل منها، بل يعني فهمها بعمق وسبر أغوارها، ومعرفة نقاط القوة كما هي ومواجهة نقاط الضعف كما هي أيضاً، دون تهويل أو إنكار. فالنضج الحقيقي يبدأ حين يدرك الإنسان أن التعلم لا يتوقف، وأن التصحيح ليس انتقاصاً، بل ارتقاء ونهوض بالشخصية وصعود لها.

وفي التاريخ الإسلامي نماذج عظيمة تجسد هذا المعنى وتضفي معنى له. فقد روي أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد تحديد مهور النساء، لتسهيل الزواج ما بين الشباب. فقامت امرأة واعترضت مستشهدة بقوله تعالى ﴿وَإِنْ آتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ” “. فقال عمر رضي الله عنه بكل تواضع: أصابت امرأة وأخطأ عمر: إنها لحظة تختصر جوهر القيادة الواعية في إيمانها وقيمها وقوة في القرار، وتواضعها أمام الحق.

وفي واقعنا المهني والاجتماعي تتكرر هذه المواقف يومياً. قد يتلقى الموظف ملاحظة من مديره حول طريقة أداء مهمة ما، بدلاً من أن يراها فرصة للتحسين والتطوير في الأداء، قد يفسرها كتقليل في ذاته وتشكيك في قدراته وكفاءته، بينما الموظف الناضج يدرك أن النقد المهني ليس حكماً على شخصه، بل خطوة لتطوير الأداء.

وفي بيئة العمل، كثيراً ما يقدم اقتراح لتعديل أسلوب أو تحسين إجراء، فيقابله البعض بالرفض السريع دفاعاً عن الذات، بينما يرى فيه آخرون فرصة لبناء نظام أفضل. الفارق هنا ليس في الذكاء، بل في درجة الوعي والانفتاح على التعلم حتى في العلاقات الاجتماعية، قد يواجه الإنسان ملاحظة من صديق أو قريب، فيختار إما الانغلاق أو الاستماع. الاستماع الواعي هنا ليس ضعفاً، بل قوة داخلية تسمح بإعادة تقييم الذات دون انهيار الصورة الشخصية. إن أخطر ما قد يواجه الإنسان ليس الخطأ نفسه، بل الاعتقاد بأنه فوق الخطأ أو فوق التصحيح فكلما زادت القدرة على استقبال النقد بوعي، زادت فرص النمو، واتسعت آفاق التطور، وارتقى الإنسان في مسار أكثر نضجاً واتزاناً

وفي النهاية، يبقى التوازن هو المفتاح: أن نثق بأنفسنا دون غرور أو تعال، وأن نراجع أنفسنا دون جلد نفتح باب التطوير دون خوف أو ارتباك. فالحياة لا تمنح الامتياز لمن يظن أنه كامل، بل لمن يدرك أنه في رحلة مستمرة نحو النمو المضطرد والكمال.

*** 

د. أكرم عثمان

17-6-2026

لم يعد السؤال الذي يشغلني اليوم هو: من يكتب النص؟ بل أصبح سؤالًا أكثر تعقيدًا وإثارة: كيف يمكن أن نقرأ النص في زمن (الكاتب الهجين)؟ فمنذ أن دخل الذكاء الاصطناعي إلى فضاء الإبداع الأدبي، لم تتغير الكتابة وحدها، بل بدأت أسس النقد الأدبي نفسها تهتز تحت أقدامنا، وكأننا نقف على عتبة عصر جديد يتطلب أدوات ومفاهيم وأسئلة جديدة.

لقد اعتدنا منذ قرون أن ننظر إلى النص الأدبي بوصفه أثرًا إنسانيًا خالصًا، وأن نبحث وراء السطور وخلف الكلمات عن صاحبها، وعن سيرته وتجربته ورؤيته للعالم.

كان الناقد يحاول أن يكتشف الإنسان المختبئ بين السطور، وأن يفكك الرموز والدلالات التي زرعها الكاتب في نصه عن قصد أو عن غير قصد. لكن ماذا يحدث عندما يصبح النص ثمرة تعاون بين عقل بشري وخوارزمية ذكية؟ وأين ينبغي أن يتجه الناقد حين تتداخل الحدود بين الإنسان والآلة؟

أجد نفسي أمام مشهد ثقافي غير مسبوق. فالنقد الأدبي الذي نشأ في زمن المخطوطات، وتطور مع عصر الطباعة، ورافق ظهور الرواية الحديثة، يجد نفسه اليوم أمام تحدٍ وجودي حقيقي. لقد أصبح النص الأدبي كائنًا أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، وأصبح من الصعب الفصل بين ما أنتجه الخيال البشري وما اقترحته الآلة أو ساهمت في صياغته.

ولعل أول تحول كبير يواجه النقد في عصر الكاتب الهجين هو تراجع مركزية المؤلف. لقد أعلن النقاد منذ عقود ما سموه "موت المؤلف"، لكن المؤلف ظل حاضرًا بطريقة أو بأخرى. أما اليوم فإننا نشهد ظاهرة مختلفة تمامًا. فالمؤلف لم يمت، بل أصبح متعدد الوجوه. هناك الكاتب الذي يوجه العمل، وهناك الخوارزمية التي تقترح وتولد وتعيد الصياغة، وهناك المنصات الرقمية التي تؤثر في طبيعة النص وانتشاره. وهكذا لم يعد النص ينتمي إلى ذات واحدة، بل أصبح نتاج شبكة معقدة من التفاعلات.

إن هذا التحول يفرض على الناقد أن يراجع كثيرًا من مسلّماته القديمة. فلم يعد كافيًا أن يبحث عن النوايا الخفية للمؤلف أو أن يربط النص بسيرته الذاتية. بل أصبح مطالبًا بفهم البيئة الرقمية التي أنتجت النص، ومعرفة الأدوات التقنية التي ساهمت في تشكيله، وتحليل العلاقة الجديدة بين الإبداع البشري والذكاء الاصطناعي.

ومن التحولات اللافتة التي ألاحظها أيضًا ظهور ما يمكن أن أسميه "النقد الخوارزمي".

فقد بدأت برامج الذكاء الاصطناعي نفسها تكتب مراجعات للكتب وتلخص الروايات وتحلل القصائد وتقارن بين الأساليب الأدبية. وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن للآلة أن تصبح ناقدًا أدبيًا؟ وما مدى حياده أو تحيزه؟

في رأيي الشخصي أن الجواب معقد جدا . فالآلة قادرة على تحليل ملايين الكلمات واكتشاف الأنماط اللغوية والعلاقات الإحصائية بين النصوص بسرعة تفوق قدرة الإنسان بمراحل. لكنها لا تستطيع أن تشعر بالدهشة أو الألم أو المتعة الجمالية كما يشعر بها القارئ الآدمي. إنها تفهم النص بوصفه بنية لغوية، لكنها لا تعيشه بوصفه تجربة إنسانية. ولهذا السبب أعتقد أن النقد الأدبي سيظل بحاجة إلى الحساسية الإنسانية مهما بلغت قدرات الخوارزميات على التفكيك .

غير أن هذا لا يمنع من الاستفادة من الأدوات الجديدة. فالناقد المعاصر يستطيع اليوم أن يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل المدونات النصية الضخمة، وتتبع تطور المفردات والأساليب، واكتشاف العلاقات الخفية بين الأعمال الأدبية. لقد أصبح النقد نفسه أكثر هجينية، تمامًا كما أصبح الكاتب هجينيًا.

ومن جهة أخرى، أرى أن عصر الكاتب "الهجين" يفرض على النقد الاهتمام بقضايا جديدة لم تكن مطروحة من قبل. فهناك أسئلة تتعلق بالأصالة والإبداع والملكية الفكرية والشفافية. كيف نقيّم عملًا أدبيًا ساهمت الخوارزمية في إنتاجه؟ وهل تقل قيمة النص إذا استعان صاحبه بالذكاء الاصطناعي؟ أم أن القيمة الحقيقية تكمن في النتيجة النهائية بغض النظر عن الوسائل المستخدمة؟

إن هذه الأسئلة تذكرني بالنقاشات التي رافقت ظهور التصوير الفوتوغرافي في القرن التاسع عشر. فقد اعتبر البعض آنذاك أن التصوير سوف يقضي على الرسم، لكن ما حدث هو العكس. فقد دفع الرسم إلى اكتشاف مسارات جديدة، وظهرت مدارس فنية لم تكن ممكنة من قبل. وربما سوف يحدث الشيء نفسه اليوم مع الأدب والنقد.

لقد بدأت ألاحظ أن النقاد الشباب أكثر استعدادًا للتعامل مع هذه التحولات من الأجيال السابقة. فهم أبناء العصر الرقمي، ويعتبرون التكنولوجيا جزءًا طبيعيًا من حياتهم اليومية. أما بعض النقاد التقليديين – الآباء - فما زالوا ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه تهديدًا مباشرًا للأدب والثقافة. وبين الموقفين أرى أن الحقيقة تكمن في منطقة وسطى أكثر تعقيدًا.

فالخطر الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في الاستسلام لها دون تفكير نقدي سليم. وإذا كان الكاتب مطالبًا بالحفاظ على صوته الخاص وسط ضجيج الخوارزميات، فإن الناقد مطالب بدوره بالحفاظ على استقلاليته الفكرية وسط سيل التحليلات الآلية والتوصيات الرقمية.

إنني أؤمن بأن النقد الأدبي لن يختفي في عصر الكاتب الهجين، بل سيولد من جديد في صورة أكثر اتساعًا ومرونة. وسوف يحتاج الناقد إلى معارف متعددة تجمع بين الأدب والفلسفة وعلم البيانات والثقافة الرقمية. وسوف يصبح فهم الخوارزميات جزءًا من ثقافة الناقد، تمامًا كما أصبح فهم المدارس الأدبية جزءًا من تكوينه المعرفي.

لهذا لا أنظر إلى عصر الكاتب الهجين بوصفه نهاية للنقد الأدبي، بل أراه بداية مرحلة جديدة تدعونا إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالنص والمعرفة والإبداع. إنها لحظة تاريخية نادرة يجد فيها الناقد نفسه أمام مرآة رقمية تعكس وجهين في آن واحد: وجه الإنسان الذي كتب، ووجه الآلة التي ساعدته على الكتابة. وبين الوجهين يولد نقد جديد، لا ينتمي بالكامل إلى الماضي ولا يستسلم بالكامل للمستقبل.

***

عبده حقي

 

تفكيك المركزية الأوروبية واستعادة أصوات الرحالة الأفارقة والعرب المنسيين

مقدمة: عندما يصبح (الاكتشاف) أداة للهيمنة

ظلّ مفهوم (الاكتشاف) أحد أكثر المصطلحات حضوراً في الكتابة التاريخية الأوروبية الحديثة. فمنذ القرن الخامس عشر، جرى تقديم البحارة والرحالة الأوروبيين باعتبارهم مكتشفي العالم وصنّاع المعرفة الجغرافية، بينما وُضعت الشعوب الأخرى في موقع (المكتشَف) أو (الموضوع المدروس). غير أن الدراسات التاريخية المعاصرة، خاصة أعمال المؤرخة الفرنسية كاميل لوفيفر، إلى جانب مساهمات إدوارد سعيد وفالنتين موديمبي وأشيل مبيمبي، أعادت فتح هذا الملف النقدي، متسائلة: هل اكتشف الأوروبيون حقاً تلك البلاد، أم أنهم اكتشفوها لأنفسهم فقط؟

إن هذا السؤال لا يهدف إلى إنكار أهمية الرحلات الأوروبية، بل إلى إعادة الاعتبار لملايين البشر الذين سبقوا الأوروبيين إلى معرفة أوطانهم ووصفها وتدوين تاريخها ورسم طرقها التجارية والثقافية.

أولاً: دوروغو.. الإفريقي الذي اكتشف لندن

من أبرز الأمثلة التي سلطت عليها حملة (فرانس كالتور) الضوء، مخطوطة (حياة ورحلات دوروغو) المنشورة سنة 1885.

كان جيمس هنري دوروغو شاباً من منطقة كانو في نيجيريا الحالية، وقد زار لندن سنة 1856 ودوّن مشاهداته بلغة الهوسا. والأهم من الرحلة نفسها أنه مارس ما يمكن تسميته بـ(الإثنوغرافيا المعكوسة)، حيث جعل المجتمع البريطاني موضوعاً للملاحظة والتحليل.

فقد وصف عادات الطعام، وسلوك الأسر، وطرائق اللباس، والعلاقات الاجتماعية، والأدوات المنزلية التي بدت له غريبة. وهنا يبرز السؤال النقدي: إذا كان الأوروبي الذي يزور مدينة إفريقية يسمى (مكتشفاً)، فلماذا لا يُوصف دوروغو بأنه مكتشف لندن؟

تكشف هذه المفارقة أن مفهوم الاكتشاف لم يكن وصفاً جغرافياً محايداً، بل كان انعكاساً لعلاقات القوة التي سادت خلال الحقبة الاستعمارية.

ثانياً: تمبكتو بين الحقيقة والأسطورة الاستعمارية

يُقدَّم الرحالة الفرنسي رينيه كاييه في كثير من الكتب الأوروبية بوصفه (مكتشف تمبكتو) سنة 1828. غير أن هذا الوصف ينهار أمام أبسط فحص تاريخي.

فمدينة تمبكتو كانت قبل وصول كاييه بقرون مركزاً علمياً عالمياً. وقد احتضنت جامعات ومكتبات ضخمة، واستقطبت العلماء والطلاب من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

كما أن تاريخها كان موثقاً في مصادر محلية وعربية عديدة، أبرزها:

تاريخ السودان لعبد الرحمن السعدي.

تاريخ الفتاش لمحمود كعتي.

وتثبت هذه المصادر أن سكان المنطقة لم يكونوا فقط على معرفة بمدينتهم، بل كانوا ينتجون معرفة تاريخية وجغرافية متقدمة حولها. ولذلك فإن وصف كاييه بـ مكتشف تمبكتو يكشف عن تجاهل متعمد للمعرفة المحلية، أكثر مما يكشف عن حقيقة تاريخية.

ثالثاً: من العالم إلى (المخبر)

تكشف المؤرخة كاميل لوفيفر عن آلية أخرى من آليات التهميش المعرفي، تتمثل في الطريقة التي تعاملت بها المؤسسات الأوروبية مع العلماء غير الأوروبيين.

فالعالم والطبيب الحاج أحمد الفلاتي كان يحظى بمكانة علمية كبيرة داخل مجتمعه، لكنه عندما تعاملت معه الإدارة الاستعمارية الفرنسية في تونس سنة 1892، لم يُنظر إليه باعتباره عالماً، بل باعتباره (مخبراً) يقدم معلومات.

لقد أنتجت أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ما يمكن وصفه بالتقسيم العنصري للعمل الفكري؛ فالأوروبي يُعدّ منتجاً للمعرفة، بينما يُختزل غير الأوروبي في دور المساعد أو الدليل أو المخبر.

ومن هنا جرى تهميش مئات الرحالة والعلماء المحليين الذين ساهموا فعلياً في رسم الخرائط وفهم المجتمعات الإفريقية والآسيوية.

رابعاً: ابن بطوطة وليون الإفريقي.. مستكشفون خارج السردية الأوروبية

قبل ظهور عصر الكشوف الجغرافية الأوروبية بقرون، كان الرحالة المغربي ابن بطوطة يجوب العالم المعروف من المغرب إلى الصين .

وقد قطع أكثر من 120 ألف كيلومتر، وسجل ملاحظاته في كتابه الشهير (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار)، مقدماً أوصافاً دقيقة للمجتمعات والمدن والطرق التجارية.

كما أن الحسن الوزان، المعروف في أوروبا باسم (ليون الإفريقي)، ألّف كتاب (وصف إفريقيا) الذي ظل مرجعاً أساسياً للأوروبيين لقرون طويلة.

ومع ذلك نادراً ما يُدرج هذان الاسمان ضمن قوائم (المستكشفين العظام) في المناهج الأوروبية، رغم أن أعمالهما ساهمت في تشكيل المعرفة العالمية بالقارة الإفريقية.

خامساً: نقد المركزية الأوروبية في الفكر المعاصر

ساهم عدد من المفكرين المعاصرين في تفكيك هذا التصور الأحادي للتاريخ.

ففي كتاب (الاستشراق)، أوضح إدوارد سعيد أن الغرب لم يكتف بدراسة الشرق، بل أنتج صورة كاملة عنه تخدم مصالحه السياسية والثقافية.

أما فالنتين موديمبي في كتاب (اختراع إفريقيا)، فقد بيّن كيف تم بناء صورة إفريقيا داخل المؤسسات الأكاديمية الأوروبية بطريقة جعلت المعارف الإفريقية تبدو ثانوية أو غير علمية.

بينما ناقش أشيل مبيمبي استمرار هذه الهيمنة المعرفية حتى بعد نهاية الاستعمار السياسي، من خلال ما سماه إرث (ما بعد المستعمر).

وتتلاقى هذه الأطروحات جميعاً حول فكرة مركزية مفادها أن السيطرة على المعرفة كانت جزءاً لا يتجزأ من السيطرة على الأرض.

سادساً: من اكتشف من؟

إذا كان الوصول إلى مكان جديد يكفي لمنح صفة (المكتشف)، فإن المنطق نفسه يقتضي أن نعتبر:

ابن بطوطة مكتشف لما رحل اليه ونقل إلينا إثنوغرافيا لأكثر من ثلاثة مئة مدينة كبيرة .

دوروغو مكتشف العاصمة البريطانية.

ليون الإفريقي مكتشف روما.

الرحالة العرب مكتشفي غرب إفريقيا.

غير أن أحداً لا يستعمل هذه التعابير، لأن تلك المدن كانت معروفة لأهلها منذ قرون.

وهنا يتضح أن مصطلح (الاكتشاف) لم يكن في كثير من الأحيان وصفاً لحقيقة جغرافية، بل تعبيراً عن سلطة سياسية وثقافية تجعل من رؤية الأوروبي معياراً وحيداً للاعتراف بالمعرفة.

كخاتمة: نأكد السعي نحو تاريخ متعدد المراكز

إن إعادة قراءة تاريخ الرحلات والاستكشافات لا تهدف إلى استبدال مركزية بأخرى، بل إلى الاعتراف بتعدد مراكز إنتاج المعرفة في العالم.

فإفريقيا لم تكن أرضاً صامتة تنتظر من يصفها، والعالم الإسلامي لم يكن فضاء مجهولاً قبل قدوم الأوروبيين، كما أن آسيا امتلكت تقاليدها الخاصة في الجغرافيا والرحلات والتدوين.

لقد آن الأوان لاستعادة أصوات الرحالة الأفارقة والعرب والآسيويين الذين أُقصوا من السردية الكلاسيكية، وإعادة كتابة تاريخ الاستكشاف بوصفه تاريخاً إنسانياً مشتركاً ساهمت فيه شعوب متعددة، لا قصة بطل أوروبي واحد يحمل البوصلة ويرسم العالم من جديد.

***

بقلم بلحمدي رابح - الجزائر

..................

المراجع

Camille Lefebvre, Des pays au crépuscule.

James Henry Dorugu, Life and Travels of Dorugu (1885).

Edward Said, Orientalism (1978).

Valentin-Yves Mudimbe, The Invention of Africa (1988).

Achille Mbembe, On the Postcolony (2001).

عبد الرحمن السعدي، تاريخ السودان.

محمود كعتي، تاريخ الفتاش.

ابن بطوطة، تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار.

الحسن الوزان (ليون الإفريقي)، وصف إفريقيا.

France Culture, « En Afrique aussi, les Européens n'étaient pas les premiers explorateurs ».

(الذكاء الاصطناعي: مخدر رقمي سلبنا فهم المعارف وضربنا بوهم المغارف)

أَنْ يُجِيبَ الذَّكَاءُ الاصْطِنَاعِيُّ عَنْ كُلِّ سُؤَال، وَيُعِينَ المَرْءَ فِي كُلِّ حَالٍ ومَآل، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِضَرْبٍ مِنْ ضُرُوبِ الخَيَال، وَلَا يَعْجَبُ مِنْهُ إِلَّا صَدِيقُنَا "أَكُوكَبَا" القَابِعُ فِي أَدْغَالِ الكُونْغُو وَرَاءَ التِّلَال؛ فَمَا هُوَ إِلَّا خِوَارِزْمِيَّاتٌ مُتَعَدِّدَةُ الاسْتِعْمَال، يَضُمُّهَا فَضَاءٌ اتِّجَاهِيٌّ مُتَعَدِّدُ الأَبْعَاد "Multi-dimensional Vector Space" أو هَكذا يُقال. لَكِنَّ المَخُوفَ لِبَنِي الإِنْسَان، وَالمُرْعِبَ الأَكْبَرَ فِي قَادِمِ الزَّمَان، هُوة أَنْ يَعِيَ هَذَا "الذَّكَاءُ" المَعَانِيَ الخَفِيَّةَ فِي أَعْقَدِ تَرَاكِيبِ البَيَان، مُسْتَعِيناً بِمَا يَمْلِكُهُ مِنْ "آلِيَّةِ الانْتِبَاهِ الذَّاتِيِّ" "Self-Attention" فِي فَهْمِ مَقَاصِدِ الأَذْهَان. وَحَثِيثاً أَقُولُ فِي هَذَا المَقَام: إِنَّ ظَنَّنَا بِأَنَّ التِّكْنُولُوجْيَا تُرِيحُنَا مِنْ نَصَبِ الأَعْمَال، لِنَتَفَرَّغَ لِجَوَاهِرِ الأُمُورِ وَكُنه الخِصَال، هُوَ ظَنٌّ وَوَهْمٌ لَا يَسْقُطُ فِي حُفْرَتِهِ إِلَّا عَاجِزٌ كَسُول، وَخِدَاعٌ لَا يَنْطَلِي إِلَّا عَلَى ذِي فُؤادٍ خَمُول؛ فَسِلَاحُ الذَّكَاءِ ذُو حَدَّيْنِ عاصِفَيْنِ مُهْلِكَيْن:

أَمَّا الأَوَّلُ؛ فَهُوَ "حَدُّ النُّخْبَةِ" وَيَحْتَكِرُهُ عُلَمَاءُ الصَّفْوَةِ بِرِعَايَةِ دُوَلٍ عُظْمَى، تَمُدُّهُمْ بِمَرَاكِزِ بَياناتٍ جَبَّارةٍ وَأَمْوَالٍ لَا تُحْصَى، لِيَقْبِضَ الزُّعَمَاءُ عَلَى "عُقْدَةِ التَّحَكُّمِ المَرْكَزِيَّةِ" فِي شَبَكاتِ الفَلاة، وَمَن قَبَضَ عَلى "العُقدَةِ" فقَدْ مَلَكَ شَبَكَةَ الحَيَاة. وَثَمَّ سَتَظْهَرُ فَجْوَةٌ لَا تُقَاسُ بِالثَّرَاءِ وَوَفْرَةِ المَال، بَلْ بِاحْتِكَارِ المَعْرِفَةِ وَتَوْجِيهِ عُقُولِ الأَجْيَال. وَإنَّ مَا يُسَرِّعُ هَذَا السُّقُوطَ هُوَ الفُضُولُ العِلْمِيُّ الأَعْمَى بِلَا كَوَابِحَ أَخْلَاقِيَّة؛ فَكَمَا أَنْجَبَ انْشِطَارُ الذَّرةِ قَدِيماً قُنْبُلَةً نَوَوِيَّة، فَإِنَّ مُحَاكَاةَ العَقْلِ البَشَرِيِّ سَتَخْرُجُ عَنِ السَّيْطَرَة، لِتُصْبِحَ الآلَةُ "تِرياقاً" تُعالِجُ بِهِ النُّخْبَةُ القَطِيعَ كَالبيطَرة.

وَأَمَّا الحَدُّ الثَّانِي؛ فَهُوَ "حَدُّ العَوَامِّ"، فَنَحْنُ مَعْشَرَ العَوَامِّ لَا نَرْغَبُ فِي تَشْغِيلِ الأَفْهَام، وَلَا نَكيلُ بمَبدأ الثَّوابِ والعِقَابِ، وَلا نَمِيلُ لِفَرْزِ الخَطَأِ مِنَ الصَّوَاب. وَهُنَا يَتَسَلَّلُ الذَّكَاءُ لِيَعْمَلَ "كَحُقْنَةِ كُوكَائِينَ رَقْمِيَّة"، تَقُودُ عُقُولَنَا إِلَى ضُمُورٍ فَوْقَ ضُمُورِهَا؛ لِتُصَيِّرَنَا "قَطِيعَ نِعَاجٍ رَقْمِيَّةٍ" تَقُودُهَا النُّخْبَةُ الذَّكِيَّة، فَنَتَحَوَّلَ تِلْقَائِيّاً إِلَى مُجْتَمَعَاتٍ تُسَاقُ بِلَا عَصَا، وَتُسْكَتُ بِلَا بُنْدُقِيَّة، بَلْ يُكْتَفَى بِتَوْجِيهِ شَهَوَاتِهَا، وَتَشْكِيلِ قَنَاعَاتِهَا، وَصِيَاغَةِ مَا يَرَاهُ الأَذكِياءُ الأقْوِيَاءُ صَحِيحاً لَهَا أَوْ خَطَأً عَلَيْهَا.

وَيَبْقَى التَّسَاؤُلُ المَهْرُولُ وَرَاءَ عَجَاجَةِ السُّطُور، إِزَاءَ هَذَا المُسْتَقْبَلِ المَذْعُور: هَلْ مِنْ ثُغْرَةٍ فِي سِيَاجِ هَذَا القَطِيعِ المُطِيع، تَكُونُ نَجَاةً وَعِصْمَةً مِنَ الضَّيَاعِ الشَّنِيع؟ وَسَرِيعاً أَقُولُ:

لَا لِوَاذَ وَلَا مَلَاذَ وَلَا مَفَرّ، فَالذَّكَاءُ سِجْنٌ مَكِينٌ لِمَنِ اسْتَمَرّ، مَادَامَتْ عُقُولُنَا تَنْبِذُ النَّقْدَ وَالتَّعْلِيل، وَتُحَبِّذُ الرَّقْدَ وَالتَّحْصِيل. وَمَنْ أَرَادَ الصُّمُودَ فِي مَعْرَكَةِ "الحِفَاظِ عَلَى إِنْسَانِيَّةِ الإِنْسَان"، وَحِمَايَةِ عَقْلِهِ مِنْ غَيْبُوبَةِ الرَّفَاهِيَّةِ وَالنِّسْيَان، فَعَلَيْهِ نَزعَ خَبتَةَ الكَسَلِ الفِكْرِيّ، وَزَرعَ نَبتَةَ الجُهْدِ الذَّاتِيّ، وَأَلَّا يُخْدَعَ بِوَهْمِ "الذَّكاءِ" في تَوْفِيرِ الوَقْتِ وَالجُهْد؛ فَالإِنْسَانُ حِينَ يَبْحَثُ فِي الأبجَديَّةِ، يَتْعَبُ عَقْلُهُ لِيَحْفُرَ الرَّوَابِطَ العَصَبِيَّةَ فِي ذَاكِرَةٍ أَبَدِيَّة. أَمَّا حِينَ يَمْنَحُهُ الذَّكَاءُ حَلّاً جَاهِزاً، فَإِنَّهُ يُصِيبُ لَذَّةً وَسُرُوراً، وَيَظُنُّ بِنَفْسِهِ فَهْماً وَنُوراً، وَمَا هُوَ إِلَّا "وَهْمُ المَعْرِفَةِ" وَخِدَاعُ البَصِيرَة، فَتَتَبَخَّرُ المَعْلُومَةُ كَسَحَابَةٍ مُسْتَدِيرَة؛ تَمَاماً كَمَنْ يُتَابِعُ "مُسَلْسَلاً مَكْسِيكِيّاً" يَمْتَدُّ لِمِئَةٍ وَثَمَانِينَ حَلْقَة، بِضَخٍّ صُوَرِيٍّ هَائِلٍ لَا يَتْرُكُ لِلذَّاكِرَةِ وَقْتاً لِتَسْتَرِيح، فَتَرمِي الحَلْقَةُ الجَدِيدَةُ أُخْتَهَا القَدِيمَةَ فِي مَهَبِّ الرِّيح. وَهَكَذَا يَسْرِقُ الذَّكَاءُ مِنَّا "رِحْلَةَ الفَهْمِ"، وَمَنْ حُرِمَ رِحْلَةَ التَّعَبِ وَالبَحْثِ فيمَا ورَاء الأسوَار، عَاشَ مُسْتَهْلِكاً لِلأَفْكَار، عَاجِزاً عَنِ الِاخْتِيَار.

إِنَّ مَعْرَكَتَنَا مَعَ خَصِيمِنا "الذَّكاء" لَا مَحَالَةَ خَاسِرَة، وَحُشُودَنَا أَمَامَ طُوفَانِهِ حَائِرَة؛ وَمِثْلُنَا فِيهَا كَمِثْلِ فَتًى مُرَاهِقٍ وَضَعُوا فِي حِضْنِهِ غَادَةً حَسْنَاء آسِرَة، ثُمَّ قَعَدْنَا نُفَكِّرُ بِسَذَاجَةٍ أو غَباءٍ، فِي وَضْعِ "ضَوَابِطَ أَخْلَاقِيَّةٍ" تَحْجُزُهُ عَنِ الفَحْشَاء! إِنَّ الوَاقِعَ غَدَا مُخِيفاً بِمَرَارَتِه، بَعْدَ أَنْ اسْتَسْلَمَ الإِنْسَانُ لِغَوَايَةِ الذَّكاءِ وَنَضَارَتِه، وَانْتَصَرَتْ شَهْوَةُ التَّلْقِينِ عَلَى شَقْوَةِ التَّمْكِين، وَمَاتَتِ المَهَارَاتُ الفِكْرِيَّةُ لِتَحُلَّ مَحَلَّهَا مُهَاتَراتُ العَاجِزِينَ. وَسَاعَتَئِذٍ يَقَعُ الانْشِطَارُ المُرْعِبُ إِلَى فِئَتَيْنِ فِي الخَلَاء:

فِئَةُ أَهْلِ الصَّنْعَةِ وَقَادَةِ الفَضَاء: وَهُمُ النُّخْبَةُ الفَذَّةُ مِنَ العُلَمَاءِ، وهَؤُلَاءِ لَنْ يُصِيبَهُمُ الجُمُود، بَلْ سَيَتَّخِذُونَ مِنَ الذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيِّ مِنْصَّةً لِكَسْرِ الحُدُود، وَلِيَقْفِزُوا بِالعُلُومِ قَفَزَاتٍ بَاهِرَة، لَمْ تَخْطُرْ عَلَى بَالِ عَيْنٍ سَاهِرَة؛ لِأَنَّهُمْ مَالِكُونَ لِعِقَالِ التَّوْجِيه، وَقَادِرُونَ عَلَى تَسْيِيرِ هَذَا التِّيه.

وَفِئَةُ العَوَامِّ المُخَدَّرِينَ: وَهُمُ الَّذِينَ يَرْكُلُونَ عُقُولَهُمْ طَوْعاً لَا كَرْهاً، لِيَنَالُوا مِنْ رَفَاهِيَّةِ الآلَةِ "رَغدَاً وشَهْداً"، تُدَغْدِغُهُمْ أَنَامِلُ الذَّكَاءِ الخَدَّاع، وَيُسَاقُونَ بِسَيْطَرَةٍ مُطْبَقَةٍ إِلَى حَظِيرَةِ الاسْتِتْبَاع، وَلِيَسْتَقْبِلُوا "عَصْرَ الانْجِمَادِ الفِكْرِيِّ" بِسُبَاتٍ عَمِيق.

وَهَكَذَا سَيَسْكُنُ المَشْهَدُ فِي القَادِمِ مِنَ الحَيَاة، وَتَظْهَرُ الفَجْوَةُ الكُبْرَى بَيْنَ صُنَّاعِ المَعْرِفَةِ البُصَرَاء، وَبَيْنَ مَنْ يَجْتَرُّونَهَا أَوْ يَرْضَعُونَهَا بَعْدَ العَشَاء. وَإِذْ يَدْرُسُ الذَّكَاءُ نِقَاطَ ضَعْفِ العَوَامِّ مِنْ رَغَبَاتٍ وَرَهَبَات، وَإذ يَدُسُّ لَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ بِجُرَعَاتٍ مُقَدَّرَات، فَيَظُنُّهَا العَوَامُّ مِنَحاً وَخَدَمَات، وَأَنَّهُمْ أَحْرَارٌ فِي الِاخْتِيَار، وَمَا هُمْ إِلَّا سُجَنَاءُ حُفْرَةٍ فُصِّلَتْ عَلَيْهِمْ بِإِيجَازٍ وَاخْتِصَار؛ كَيْ يُغَادِرُوا كُلَّ تَشْكِيكٍ فِكْرِيٍّ رَشِيد، وَيُبَادِرُوا إِلَى العَيْشِ فِي سَعَادَةِ الوَهْمِ المَدِيد، مُقْتَنِعِينَ تَمَاماً بِأَنَّهُمْ يَرْفَلُونَ فِي أَفْضَلِ العُصُور.

وَخِتَاماً: لَقَدْ أَدْرَكَ الذَّكَاءُ بَعْدَ أَنْ فَهِمَ "هَنْدَسَةَ النَّفْسِ البَشَرِيَّة"، أَنَّ الطَّرِيقَ الأَسْهَلَ لِلِاسْتِعْبَادِ وَالتَّبَعِيَّة، لَيْسَ بِالمَنْعِ وَالحِرْمَان، بَلْ بِرَفْعِ الإِنْسَانِ وَدَفْعِهِ إِلَى أَحْضَانِ تِلكَ "الغَادَةِ" الرَّقْمِيَّة؛ الَّتِي تَجْعَلُهُ يَتَنَازَلُ عَنْ أَثْمَنِ مَا يَمْلِكُ وَهُوَ "جُهْدُ التَّفْكِير"، مُقَابِلَ لَيْلَةِ شِتَاءٍ دَافِئَةٍ ليَنَالَ منهَا قُبلةُ أو بعضَ اليَسِير.

(وِجْهَةُ نَظَرٍ شَخْصِيَّة)

***

علي الجنابي

 

ظهر لُصوص وقطاعو طُرق بغداد، أشهرهم ابن حمدي (323 هـ). كان ابن حمدي ظريفاً يعطي مِن سرقاته للمحتاجين، على طريقة الإنجليزي روبن هود. قال أحد معاصريه قاضي بغداد أبي علي المُحَسَّن التَّنوخي (384 هـ)، سامعاً مِن تاجر بغدادي: كان ابن حمدي يقطع الطُرقَ، وفيه فتوة وظُرف، ولا يتعرض لأرباب البضائع اليسيرة، وما قيمتها أقل مِن الألف درهم، وإذا أخذ مِن تاجر ضعيف يترك له قسماً مِن بضاعته، ولا يتعرض لامرأة ولا يسلبها (الفرج بعد الشِّدة).

كانت حجة ابن حمدي في لصوصيته ما قاله للتَّاجر الذي شكا له حاله عندما قطع عليه الطَّريق وسلب بضاعته: «يا هذا، الله بيننا وبين هذا السُّلطان الذي أحوجنا إلى هذا، فإنه قد أسقط أرزاقنا، وأحوجنا إلى هذا الفعل، ولسنا في ما نفعله نرتكب أمراً أعظم مما يرتكبه السُّلطان». ومما قاله أيضاً: «إن ابن شيرزاد ببغداد يُصادر النَّاس ويفقرهم، حتى إنه يأخذ الموسر المكثر، فلا يخرج مِن حبسه، إلا وهو لا يهتدي إلى شيء غير الصَّدقة» (المصدر نفسه).

قال ابن حمدي مبرراً للتَّجار لصوصيته وقطعه للطُّرق: إن أركان السُّلطة ببغداد «يأخذون أُصول الضِّياع والدُّور والعقار، ويتجاوزون ذلك إلى الحرم والأولاد، فأحسب نحن هنا مثل هؤلاء، وأن واحداً منهم صادرك». فرد التَّاجر قائلاً: «أعزك الله، ظُلم الظَّلمة لا يكون حجَّةً، والقبيح لا يكون سنةً، وإذا وقفتُ أنا وأنت بين يدي الله عزَّ وجلَّ أترضى أن يكون هذا جوابك له؟، فأطرق ملياً ولم أشك أنه يقتلني»، فأعاد له نصف ما سُلب منه (المصدر نفسه).

كان ابن شيرازد محمد بن يحيى كاتباً وصار وزيراً متنفذاً ببغداد. ويروي المؤرخ والفيلسوف أحمد بن محمد مسكويه (421 هـ): أن ابن شيرازد هذا قد تصالح مع اللُّص ابن حمدي، وجعله ضمن الجُند، على أن يدفع للوزير في كلِّ شهر خمسمائة وعشرة آلاف دينار مما يسرقه هو أصحابه، وأخذ عليه تعهداً مكتوباً (تجارب الأمم وتعاقب الهمم).

أما حال بغداد بوجود الوزير المتواطئ مع اللُّصوص والفاسدين، فكانت حسب ما يصفها المؤرخ ابن الأثير (630 هـ): غلت الأسعار فيها، حتى بيع القفيز مِن الدقيق الخشكار (النَّخالة) بنيف وستين درهماً، وخبز الخشكار ثلاثة أرطال بدرهم، وبحسابات ذلك الزَّمان كانت غالية جداً، لا يطيقها عامة النَّاس. زامن تلك الشِّدة هطول أمطار غزيرة فهُدمت المنازل، فأخذ النَّاس يموتون تحت الهدم، وما يُهد مِن البناء لا يجد مَن يُعيد إعماره، فتعطلت الحَمامات، التي كانت تشتهر بها بغداد، وأُغلقت الأسواق لقلة المشترين، وتفاقمت البطالة فليس هناك مَن يبني (الكامل في التَّاريخ).

فكثرت كبسات أصحاب ابن حمدي على المنازل، وأخذ النَّاس يتحارسون بالبوقات، ومع تلك الحال المؤلمة أَمن الوزير ابن شيرازد كبير اللُّصوص، وخلع عليه، وفرض عليه حصة مما يسرق. فعلق ابن الأثير قائلاً: «فعظم شره حينئذ وهذا لم يُسمع بمثله» (المصدر نفسه).

ابن حمدي كان لصاً وموظفاً رسمياً، فالوزير ابن شيرازد لحاكم بغداد (329 هـ) له حصة مِن سرقاته، يستوفيها منه مقابل براءات وروزات (تجارب الأمم)، وتعني الوصولات الرَّسمية، أي هناك شراكة رسمية في اللُّصوصية، وعندما يكون موظف كبير في الدَّولة، على مستوى الوزارة، وبهذه المواصفات تصبح اللصوصية مشروعة، خصوصاً أن ابن حمدي كان مثبتاً في ديوان الجند، الذي هو بيد ابن شيرزاد أيضاً.

لا تستغرب اختيارنا لابن حمدي عنواناً واللُّصوص كثرٌ، لكنه كان لصاً محمياً بالسُّلطة، وما بينه وبين الوزير ما قاله الفرزدق (110 هـ): «وإن أبا الكِرشاء ليس بسارقٍ.. ولكنه ما يسرق القومُ يأكلُ» (التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة). لابن حمدي صارت فضائيات، وفساطيط، وحمايات، وقصور فارهات، وحدث عن النِّعمة الحرام بلا حرج.

***

رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

(أزمة منتصف العمر)

دراما مصرية أخذتني من الأعماق، ووجدت نفسي أنهي في اليوم أكثر من خمس حلقات، متألمة ومفكرة. تساؤلات أعادتني لسنوات خلت، كنت أعيش نفس الألم ونفس الحيرة والحسرة أثناء عملي في الإرشاد النفسي، حيث كنت أستقبل الكثير من مثل هذه الحالات.

قد لا يصدق المشاهد أن ما تثيره هذه القصة موجود في مجتمعاتنا، وقد تكون حقًا فيها من المبالغات غير المقبولة، وقد تكون النهاية والحبكة تفتقران إلى الواقعية، ولكن القضية أكبر من هذه التفاصيل.

في نفس الفترة كنت أقرأ رواية (السيدة التي حسبت نفسها سوسة) للكاتبة شيماء هشام سعد، وما تحتويه من قصص نون النسوة، وما آلت إليه أحوالهن، وكيف تتنازع هذا الكائن الاحتياجات ومتطلبات الحياة ونوازع النفس ورغباتها.

كيف لنا أن نحكم على هذا الإنسان من موقف، متهمينه بالفسق والجنون والانحطاط، دون أن نكلف أنفسنا حتى عناء البحث عن خلفيات الموضوع؟ نسمع عن امرأة تركت بيتها فنكيل لها الاتهامات بالأنانية والانحراف والخروج عن القيم، وندير ظهورنا عما أوصلها إلى هذه المرحلة. نستعيذ من هذا الزمان حين تصل إلى أسماعنا شابة تحاول الانتحار، ونعزي ذلك للترف والانفتاح، دون أن نلتفت لمعاناتها وآلامها المبرحة من أقرب الناس إليها، حتى وصلت إلى هذا الاضطراب والتشوش الذهني.

هذا ليس دفاعًا عن الخطأ، ولا تبريرًا للسقوط، ولا تحميلًا للذنب لزوج نرجسي قاسٍ، ولا لمجتمع وأفكار وثقافة تنظر بعين عوراء، فتغفر لأحدهم وتتغافل عنه، وتحاكم الأخرى بأشد ألوان العقاب.

بل هو تعرية لحقيقة ضعفنا وهشاشتنا. هذا الكائن المعجز بتعقيده، المعجز بتفكيره وعبقريته، الخلاق الذي حمل الأمانة التي عجزت عن حملها السماوات والأرض، هو نفسه الضعيف والهش والجهول.

حين يعطش الإنسان أو يجوع قد يتحمل ساعات أو يومًا أو أيامًا، ولكن كما يقال: الجوع كافر. فهناك من الجوع من أكل أحباءه. ومثلما نستغرب فعلتهم ولا نعلم ما الذي قد نفعله لو وضعنا في مكانهم، نحاكم من يسقط نتيجة هذا الجوع العاطفي، ونصدر ألف حكم بالموت له ولعائلته، لخطأ قد تكون خلفه معاناة طويلة من الحرمان والألم، وليالٍ توسدت فيها دموعها.

هو يجد له ألف مخرج للإشباع، وهي تبقى حبيسة الجدران؛ حيث الأعراف والتقاليد والثقافة التي نشأنا فيها، وقيمنا وأخلاقنا التي تتصارع مع احتياجاتنا. وفي لحظة الضعف، حين تتهاوى كل السدود والأسوار خلف كلمة حب تسمعها، وتنساق وراء دفء فقدته.

ليست الخيانة فقط بالممارسة الجسدية، فالقصص التي كانت تصلني كانت مكالمات ورسائل، فتجد نفسها في منزلق خطر؛ حيث جلد الذات، وحقارة الذنب، تبدأ تكره نفسها، وبنفس الوقت غير قادرة على رفض هذا الإشباع وإن كان مدمرًا. كما يقول كارل يونغ: “إن ما لا نعالجه داخلنا قد يقود سلوكنا من الظل دون وعي”.

مقدار تحملنا يختلف، وردود أفعالنا تحددها الكثير والكثير من العوامل والمسببات. ما يكسرني قد يقوي الأخرى، وما لم أستطع تحمل فقده، فأسقط تحت سياط الحزن، لا يقارن بصبر أختي ورضاها، فتكون هي المؤمنة وأنا الجاحدة.

الله أعلم بالنفوس ومقدار اتساعها وتحملها: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾، فلا نعطي لأنفسنا الحق بإصدار الأحكام.

صديقة لي تجاوزت الستين، تُرزق بزوج يسعدها، فتأكلها نظرات المقربين قبل البعيدين: ما لها وهي بهذا العمر والزواج؟

ما تحتاجه هي قد تكونين أنتِ بغنى عنه، بل نجده ضروريًا للرجل حتى لو تجاوز السبعين!

نحن بشر، والخطأ جزء من بشريتنا التي تكشف مقدار هشاشتنا وضعفنا. نتساوى بذلك بين الذكر والأنثى، ولكن تبقى نون النسوة محاطة بكم هائل من الأسلاك الشائكة التي تعجز عن القفز عليها فتتهاوى متحطمة.

الإنسان يخطئ أحيانًا لا لأنه يحب الخطأ، بل لأنه يبحث عن إشباع جرح لم يعرف اسمه.

***

منى الصالح

 

نزل القرآن الكريم، كما هو معروف، بلغة العرب، ليكون قريبًا من أفهامهم، واضحًا في معانيه لهم، وقادرًا على التأثير في نفوسهم وعقولهم.

على أن عربية القرآن الكريم، مع ذلك، لم تجعل رسالته محصورة بالعرب، بقوم أو أمة، وإنما جاءت عالمية المقصد، إنسانية الغاية، تخاطب الإنسان في كل زمان ومكان.

وظلت اللغة العربية مفتاحًا أصيلًا لفهم النص القرآني واستيعاب مقاصده على الوجه الأكمل المراد من النص، على قاعدة قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف: 2). وتمثل هذه الآية الكريمة واحدة من أبرز الآيات التي تؤكد مكانة اللغة العربية، وتكشف عن الحكمة الإلهية من اختيارها وعاءً لآخر الرسالات السماوية، وحاملةً للخطاب القرآني الكريم إلى البشرية جمعاء.

ولا ريب أن اللغة العربية تتميز بثراء مفرداتها، واتساع دلالاتها، وقدرتها الفائقة على التعبير عن أدق المعاني، وإيضاح أعمق الأفكار، الأمر الذي جعلها مؤهلة تمامًا لحمل الرسالة الخاتمة بما تتطلبه من دقة في التشريع، وشمول في التوجيه، وإعجاز في البيان. فلم تكن العربية مجرد أداة لغوية لنقل المعاني فحسب، وإنما كانت جزءًا من الإعجاز القرآني الذي تجلت فيه روعة البيان، وبلاغة التعبير، وعمق الدلالة.

وهكذا نجد أن قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يلفت الانتباه إلى العلاقة الوثيقة بين اللغة والفهم والعقل؛ إذ إن القرآن لم ينزل لمجرد التلاوة، وإنما للتدبر والتفكر وإعمال العقل في آياته ومعانيه. ومن هنا يتبين أن تعلم العربية وإتقانها يظلان وسيلة مهمة للتعمق في فهم القرآن الكريم، واستكشاف ما ينطوي عليه من هداية وتشريعات وقيم إنسانية سامية.

وفي عصر تتسارع فيه تداعيات العولمة، وصخب العصرنة، والتداخل الثقافي، تزداد الحاجة إلى صيانة اللغة العربية من المسخ، والمحافظة على أصالة هويتها، وحضورها الفاعل في ميادين التعليم والثقافة والإعلام، بوصفها لغة القرآن، وأحد أهم مقومات الهوية الحضارية للأمة.

وتظل آية ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ دعوة متجددة إلى الاعتزاز باللغة العربية، والتمسك بها، وتوظيفها في بناء المعرفة ونشر الثقافة؛ لأنها لغة حملت نور الوحي، واحتضنت رسالة السماء، وأسهمت في صناعة واحدة من أعظم الحضارات الإنسانية عبر التاريخ.

وقد حفظ الله تعالى هذه اللغة بحفظ كتابه الكريم، فبقيت حية نابضة على مدى القرون، في حين اندثرت أو تبدلت كثير من اللغات القديمة، وذلك مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].

***

نايف عبوش

باح: أظهر، أعلن، كشف، أطلق

الحياة تجارب ومواقف، بُحت بما يجيش في دنياي لثلاثة من زملائي، إثنان منهما إستعملاه ضدي وواحد فقط كتمه وذاد عني. الذي صانني زميل من كربلاء لا زلت أكن له إحتراما وتقديرا وإن واراه الثرى مبكرا. أما الآخران فلا يزالان يتمسكان بما ذكرته لهم أيام كانت الدنيا على شفا النهايات الحاسمة، لولا العناية الأجنبية. قلت ما قلت ولما إنجلت العاصفة وحط بركابه الحصار، وجدت زميليَ يمسكانني من رقبتي، وكلما قلت شيئا، ضغطا على وجيعي، وأنجاني الله منهما بإغترابٍ عسير.

لماذا سلوك (الولية: القبض على مصير بعصنا من ألسننا)، يتجسد في مجتمعنا لدرجة جعلنا نشك حتى بأنفسنا؟!!

هذا التفاعل الإنهاكي دفعنا للصمت والتحول إلى مخلوقات جامدة الملامح، قليلة الكلمات، معطلة الألباب، متفادية لمسؤولياتها وحقوقها، ولا تريد غير (الستر)، أو (جفيان الشر).

لا تزال مشاعر المرارة تؤلمني من موقف زميليَ نحوي، وكيف أنهما جعلوها (ولية عليه)، فكلما وجدتني في موقف تواردت إلي عبارة (مو أكول، مو أحجي)!!

هل هو تفاعل بشري، أم أنه حالة متوارثة في جيناتنا المدثرة بالممنوعات، ويحفزها ما إستطاع الظلم أن يغرسه فينا كالقول: "يموت الفتى من عثرة لسانه...ولا يموت المرء من عثرة الرجلِ"

فهل أن البوح عثرة لسان مزرية؟

مَساوِؤنا تؤمِّرُها الوُحوشُ

وتَفْرضُها على فردٍ جيوشُ

مَواجعُنا مِن الأصْحابِ عانَتْ

تُفتّقُها المَزاعمُ والعُروشُ

فكنْ حَذراً ولا تُطلقْ لساناً

لأنَّ الناسَ تَحْدوها النُعوشُ

***

د. صادق السامرائي

قراءة في دور المؤسسات الثقافية للإسلاميين في العراق ومهمة اليسار في مواجهتها

ينظر إلى الصراع الطبقي من أنّه صراع بين طبقات اجتماعية مختلفة تتنافس على الثروة ووسائل الإنتاج والسوق. ويتجلّى هذا الصراع بين عامل يبيع قوة عمله ورأسمالي يمتلك وسائل الأنتاج. غير أن حصر الصراع الطبقي في هذا البعد الاقتصادي وحده يُغفل جانبا آخر لا يقل أهمية في تشكيل المجتمع وتوجيه مساراته، وهو إنتاج الوعي والثقافة والمعرفة. أن المجتمعات المتقدمة اليوم لا تقوم على إنتاج السلع التي نحتاجها فقط، بل تقوم بإنتاج الأفكار والقيم. وإذا كان العامل ينتج سلعة نحتاجها في امورنا الحياتية اليومية، فإن المثقف والمعلم والكاتب والفنان والباحث والصحفي والشاعر ينتجون بدورهم سلعا تتمثل في المعرفة والثقافة والوعي. و نتاجات هؤلاء تؤثر في حياة الناس وسلوكهم، وقد يكون تأثيرها أعمق وأطول من أثر السلع التي ينتجها العامل.

نسنتج من هذا إن الصراع الطبقي لا يقتصر بالسيطرة على وسائل الإنتاج ، بل يمتد للسيطرة على وسائل إنتاج الوعي. فالمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية من مسرح وسينما وغيرهما فضاءات منحازة ومختلفة في توجهاتها وفق الجهة التي تمتلكها، كما يمتلك الرأسمالي وسائل الأنتاج ويحدد ما تنتجه وما يكسبه من بيعها. بمعنى آخر هو صراع بين قوى أجتماعية تتنافس من أجل ترسيخ مفاهيمها في السلطة والحياة العامة، أي ان أنتاج الثقافة ومعها الوعي يكون هدف لعملية انتاج السلطة وديمومتها والهيمنة عليها.

أنّ نفوذ القوى الاسلامية في العراق واسع ويمتد الى حضور سياسي فاعل ومؤثر في السلطة، وبرلماني كبير وميليشياوي حاضر كسلاح قمع كلما دعت الحاجة لأستخدامه. ونفوذها هذا لا يقتصر بتلك التي ذكرناها فقط، بل يمتد إلى شبكات واسعة من المؤسسات الإعلامية والدينية والثقافية والتعليمية والتربوية. فقد تمكنت الأحزاب والتيارات الإسلامية منذ هيمنتها على السلطة ونتيجة ثراءها الفاحش من بناء فضاءات مؤثرة تشمل القنوات الفضائية والإذاعات والصحف والسوشيال ميديا، علاوة على المدارس والجامعات الأهلية والمؤسسات الدينية والثقافية والاجتماعية. وتعتبر هذه المؤسسات أدوات فاعلة لإنتاج المعرفة التي يريدونها والرموز التي يراد عبادتها والقيم التي تسهم في تشكيل الوعي الاجتماعي وإعادة إنتاجه بصورة مستمرة، بما يخدم صراعهم مع غيرهم للاستمرار في السلطة.

أذن فأن هذه المؤسسات تعتبر وسائل إنتاج، فالجامعة رغم بؤس التعليم فيها لا تخرّج اكاديميين فقط، بل تساهم في تكوين رؤية معينة للمجتمع والدولة. والمدرسة لا تكتفي بتعليم الطلبة فقط رغم بؤسها هي الاخرى، بل تقوم ببناء منظومة من القيم والتصورات الأسلامية/ الطائفية خصوصا مع مناهج دراسية تضعها هذه الاحزاب. أما وسائل الإعلام الموجهّة فأنها تمنح الشرعية لبعض الأفكار والأحداث أكثر من غيرها وأحيانا دون غيرها. وهكذا تتحول الثقافة إلى ميدان للصراع لا يقل أهمية عن ميدان السياسة والاقتصاد.

أنّ الاسلاميين وهم يمتلكون هذه القوة السياسية وهذا الحضور الواسع داخل المجال الثقافي والتعليمي والإعلامي، لا يكتفون بالمنافسة على السلطة السياسية وهم يمتلكونها اليوم فعلا، بل يدخلون في منافسة أعمق وغاية بالأهمية والتي تتعلق بتشكيل الوعي. وهنا يصبح الصراع حول المناهج والخطاب الإعلامي والهوية الثقافية جزء من الصراع على النفوذ داخل المجتمع، بل ربما يصبح أكثر أهمية من الصراع الانتخابي نفسه الذي يعتبروه "ديموقراطيا"، كونه ينتج بضاعة سهلة التسويق في مجتمع منقسم دينيا طوائفيا وقوميا ويعاني من أزمة وعي.

ماذا عن اليسار العراقي الذي يعتبر واحد من اكثر المتضررين من هذا التحول السياسي والفكري والثقافي؟

اليسار الذي كان يمتلك حضور فاعل ومؤثر في الأوساط العمالية والطلابية والثقافية خلال مراحل تاريخية سابقة، نرى اليوم تراجع دوره في ميدان إنتاج الوعي علاوة على جماهيريته، لينحصر نشاطه في المواقف السياسية أو البيانات الاحتجاجية، في الوقت الذي نجحت فيه القوى الإسلامية من بناء مؤسسات اجتماعية وثقافية وتعليمية واسعة. وقد أدى هذا الاختلال إلى فقدان اليسار جزء كبير من قدرته على التأثير الجماهيري رغم سخط هذه الجماهير من الأوضاع السياسية والأقتصادية والأجتماعية السائدة اليوم.

إن أزمة اليسار العراقي لا تكمن فقط في ضعفه التنظيمي أو الانتخابي، ليس لأنه يخسر الأنتخابات قبل أن تجرى وتحسم عبر صناديق الأقتراع لأسباب تتعلق بآليات الأنتخابات فقط، بل كونها تحسم قبل كل شيء في المدرسة والجامعة ووسائل الأعلام وكل الفضاءات الثقافية، وحين يخسر اليسار هذه الأسلحة، فأن النتيجة هي ترك هذه الساحات الى الاسلاميين لصياغة الوعي الجمعي للمجتمع مثلما يشتهون ويريدون.

ولهذا فإن مهمة اليسار اليوم لا ينبغي أن تقتصر على نقد السلطة أو فضح الفساد أو المطالبة بالإصلاحات السياسية، ولا الذفاع عن مصالح الفقراء فقط، بل التحول من خطاب نخبوي الى خطاب يغوص في عقول الناس ليزرع فيها وعيا يستطيع من خلاله مواجهة السلطة فكريا وثقافيا كبوابة لمواجهة سياسية، إضافة الى ضرورة وحدته أو تنسيق المواقف وتجاوز نقاط الخلاف من أجل مواجهة عدو مسلح بالسلطة والمال والسلاح ومؤسستين تلعبان دورا بارزا في تغييب الوعي الجمعي، أي الدينية والعشائرية.

إن الصراع في العراق اليوم لا يدور حول من يحكم، بل حول من يملك القدرة على تشكيل وعي الأجيال القادمة. وإذا كان الإسلاميون قد نجحوا في بناء نفوذهم من خلال السيطرة على جزء مهم من فضاء إنتاج الوعي، فإن استعادة التوازن لن تتحقق إلا عندما ينجح اليسار والقوى الديموقراطية في بناء فضائهم الثقافي والمعرفي الخاص بهم، وتحويل الثقافة من هامش للعمل السياسي إلى قلبه النابض .

أنّ الأزمات التي يمر بها نظام المحاصصة تجعل تغييره ممكن لكن ليس بالسهولة التي نتوقعها، فهذه القوى ستدافع عن مصالحها بشراسة. فالأزمات والمشاكل التي سببها النظام القائم تعتبر أرضية لنضال القوى المتضررة من أجل تغيير اوضاع البلد، وعدم استغلال الفرص سيدفع ثمنها شعبنا واليسار والقوى الديموقراطية باهضا، ولنا تجارب عديدة في تفويت فرص تاريخية كانت كفيلة في ان يتجاوز شعبنا من خلالها محنه التي لازال يعيشها.

يقول غرامشي "العالم القديم يموت والعالم الجديد يكافح ليولد - الآن هو زمن الوحوش". لو عرّقنا مقولته نستطيع القول: أنّ العراق القديم يموت والعراق الجديد يكافح - الآن هو زمن الأسلاميين الذي على اليسار والقوى الديموقراطية ومن اجل مستقبل شعبنا ووطننا، أن يتفقّوا على اصغر القواسم المشتركة في مواجهتهم.

***

زكي رضا - الدنمارك

14/6/2026

............................

* المادة من وحي قراءة لتراث غرامشي

لمناسبة عيد الصحافة في العراق

يعدّ يوم 15 حزيران من كل عام.. عيدا للصحافة في العراق، لأنه اليوم الذي يمثل ذكرى تأسيس صحيفة (الزوراء) بوصفها اول صحيفة عراقية صدرت عام 1869.

تجربة نصف قرن

لا اتذكر متى بدأت اكتب في الصحافة، والفضل للصحفي الكبير الراحل (مظهر عارف) انه كتب في (12/ 7/ 2020) مقالة في الحوار المتمدن جاء فيها بالنص:

(بدأت علاقتي الاخوية مع الدكتور العالم قاسم حسين صالح قبل ٤٠ عاماً عندما كان يزورنا في صحيفة "العراق " ككاتب وكصديق حميم لمدير تحرير الصحيفة الدكتور سمير خيري توفيق. كان قاسم انذاك مايزال يدرس في الجامعة، وكان سمير كذلك، ويتمتع كل واحد منهما بذكاء مفرط، وبروح شبابية وثابة، وبشجاعة رائعة رغم انهما لم يكونا يحملان العقيدة الفكرية والسياسية نفسها. فسمير كان بعثياً بينما كان قاسم يسارياً، ولكنهما كانا على اتفاق في الرؤية لحركة التاريخ وما هو حادث من تغيرات في هذا العالم في السياسة والاقتصاد والثقافة).

هذا يعني أنني بدأت اكتب في الصحافة بداية سبعينيات القرن الماضي. وهنا تنشط ذاكرتي يوم اعلنت مؤسسة الاذاعة والتلفزيون عن حاجتها الى مذيعين فتقدم اكثر من الف، اجتاز الاختبار عشرة كنت احدهم. ودخلنا دورة لثلاثة أشهر تلقينا فيها محاضرات نظرية وعملية في اللغة والصوت وفن الالقاء والدراما والتحرير الصحفي باشراف مدير برامج اذاعة صوت العرب (سعد لبيب) وصحفي مصري (كرم شلبي) وسعاد الهرمزي، بدري حسون فريد، عبد المرسل الزيدي، مالك المطلبي، وثامر مهدي.

الصحفي.. يتعلم

تعود اول تجربة ناضجة لي في الصحافة الى سبعينيات القرن الماضي. يومها كانت تعدّ مجلة (الأذاعة والتلفزيون) هي الأكثر شيوعا لأنها كانت تضم صحفيين من طراز خاص بينهم الراحلان فالح عبد الجبار ومحمد الجزائري، وسؤدد القادري و زهير الجزائري...تعلمت منهم مهارات الفن الصحفي، وكيف تكون صحفيا مقروءا.

وعلمتني الصحافة ان اكون ذكيا في اربعة:

السرعة والدقة واللياقة والدعابة.

ولقد وجد رئيس تحريرها الشاعر الراحل زهير الدجيلي مبتغاه في (قاسم) فخصه باجراء تحقيقات صحفية مع مخرجين وفنانين وجد فيها انها توظف (السخرية) سايكولوجيا بما يجعل من تعنيه يبتسم او يندهش كيف ان فيه(كذا) وهو لا يدري!.. الا في حالة واحدة اغضبت صاحبها يوم ظهر مقال ساخر في صفحتها الأولى بعنوان (مكافحة الأمية في الوسط الأذاعي)، فاصدر مدير اذاعة بغداد امرا بانهاء علاقتي باذاعة بغداد حيث كنت اعمل مذيعا فيها، لكنني عدت اليها بعد ان نقله الصحاف الى دائرة السينما والمسرح!

وتعلمت من صحفيين كبار مضمون (السلطة الرابعة) ووظيفة النقد، وان على الصحفي ان يتصف بثلاثة اخرى:

عين سحرية ترى ما لا يراه الآخرون، ونباهة في التقاط المخفي و(المستور)،

والمصداقية.. وأن يشعر بأنه محمي.

ففي مقالة ساخرة لنا بمجلة الأذاعة والتلفزيون بعنوان (التلفزيون التربوي.. ربي كما خلقتني)، اتصل وزير التربية بمدير عام الأذاعة والتلفزيون (محمد سعيد الصحاف) يخبره بأنه سيحيل كاتب المقال(قاسم حسين) الى المحكمة، فأجابه الصحاف:

أقم الدعوى عليّ فانا المسؤول عن المجلة وليس الصحفي.

وفي هذه المجلة (الأذاعة والتلفزيون) تعلمت فنون التحرير والحوار الصحفي، واجريت تحقيقات صحفية مع فنانين عرب:وديع الصافي، نور الشريف، صلاح السعدني، ليلى طاهر، فردوس عبد الحميد.. ومخرجين وفنانين عراقيين: محمد القبنجي، مائدة نزهت، وعفيفة اسكندر التي حددت مدة اللقاء من السابعة الى الثامنة عصرا فامتد الى منتصف الليل!، لأنني اعتمدت وصية الصحفي المصري كرم شلبي (اذا ذهبت الى شخصية معروفة، فاذهب لها وانت معبأ!).. واكتشفت في هذا العالم معنى الجمال وفنون الحب وقيمة الكلمة وسلطة الصحفي في قول الحقيقة.

وفي الثمانينيات تحولت الى مجلة (ألف باء) وكان لي فيها عمود اسبوعي بعنوان (نوافذ سيكولوجية) استمر ثلاث سنوات. وحين غادرت الى اليمن (1998) كان لي عمود في جريدة (الجمهورية)اليمنية، ومقالات في جريدة (العرب) اللندنية.

جائزة التنوير الثقافي لعام 2016

في (11/3/ 2016) نشرت وكالات الأنباء بالنص:

(بحضور الكثير من البرلمانيين والسياسيين والمثقفين والإعلاميين المخضرمين، وبمشاركة (22) صحيفة ومجلة، شهد الحفل الجماهيري الذي اقيم على حدائق ابي نؤاس الخميس 3 آذار توزيع افضل ثلاث جوائز، هي جائزة (هادي المهدي) لحرية التعبير، ومنحت للصحافي رحمن غريب، وجائزة (كامل شياع) لثقافة التنوير، وحصل عليها عالم النفس العراقي المعروف د. قاسم حسين صالح، فيما حصل رئيس التحرير التنفيذي لصحيفة المدى عدنان حسين على جائزة (شمران الياسري) للعمود الصحفي).. وواضح أن أحد الثلاثة ما كان صحفيا، لكنه تقليد جميل ان من لا يحمل هوية نقابة الصحفيين، وله نشاط مميز في عملية التنوير.. يستحق التكريم من نقابة الصحفيين.

المدى.. تجربة متميزة

كانت المدى هي الجريدة الوحيدة بعد التغيير (2003) التي تتمتع بالجرأة في نقد السلطة والظواهر الاجتماعية، اذكر لها موقفا كاد ان يعرضني للتصفية الجسدية. فحين فتحت بريدي الألكتروني قرأت رسالة كانت بالنص:

(غدا يظهر لك مقال في المدى.. وين تروح منّا دكتور قاسم)

وكان الموضوع بعنوان (الزيارات المليونية تحليل سيكوبولتك- موثق في غوغل).. ما اضطر محرر الشاعر احمد عبد الحسين (رئيس تحرير الصباح حاليا) ان يكتب موضوعا يندد بالتهديد والتشهير وينتصر لحرية التعبير، وادانة بليغة موثقة من السياسي المخضرم الراحل عزيز الحاج من باريس.

وبدءا من العام (2004) الذي شكّل البداية لتحولات اجتماعية وسيكولوجية جديدة على صعيد الفرد والمجتمع، خصصت (المدى) صفحة كاملة لي بعنوان (الأنسان والمجتمع). ولأن الصفحة كانت تتطلب تغطية ميدانية لتلك التحولات، فأنني استعنت بطلبتي بقسم علم النفس (فارس كمال نظمي، ندى البياتي، وانعام هادي) لرفدها ايضا بتقارير صحفية وحوارات وتقديم مشورات لمشكلات شبيه بتلك التي كنت اقدمها في البرنامج الدرامي (حذار من اليأس).

الصحفي الناجح.. متنوع الأهتمامات

الشائع عن الصحافة هو انها متخصصة في نقل الأخبار عن الأحداث التي تهم الناس، لكن الصحفي الناجح هو الذي يستطيع ان يضيف نشاطا يكسبه شهرة جماهيرية، شبيها بتجربة (حذار من اليأس) بجريدة الصباح التي نشرت الحلقة الاولى منها بصفحتين ملونتين في (2009) واستمرت (11) سنة. يكفي ان نذكر شهادات محرري الصباح بان مبيعات جريدة الصباح تزداد في يوم الخميس بسبب حذار من الياس، وشهادة مدير فرع الكلية الملكية البريطانية في الشرق الاوسط (ا. د. صباح صادق) الذي وصف هذا النشاط الصحفي بانه(يدعو الى الفخر والاعتزاز).

وكانت آخر المجلات التي حظيت بالشهرة هي مجلة (الأسبوعية) وكان لنا فيها مقال ساخر في صفحتها الأخيرة.. وللأسف فقد توقفت لأسباب تمويلية،

الصحفي.. والمبدأ

اذكر هنا ثلاثة مواقف فيها ما يفيد صحفيي الجيل الجديد.

الأول:كان لي عمود ساخر في جريدة (الجمهورية) يوم كان رئيس تحريرها الشاعر الراحل سامي مهدي، فدعاني احد الأيام الى مكتبه وقال:

* استاذ قاسم.. جاء تنبيه من جهة عليا يخص عمودك.. ارجوك خفف نقدك الذي توجهه الى الدولة. وبعد حوار معه، واصراره عى (التخفيف).. شكرته وصافحته مودعا ولم أره من يومها.

الثاني: حصل ان تم تسمية رئيس تحرير المدى الأخ (فخري كريم) مستشارا للراحل المرحوم جلال الطالباني، فوجدت ان بعض العبارات يجري حذفها من مقالاتي.. فتوقفت عن الكتابة. ويوم غادر الأستاذ فخري مبنى الرئاسة، وصلتني رسالة من مدير التحرير الأخ (علي حسين) يبلغني فيها تحيات الأخ فخري ودعوته لي للعودة الى الكتابة.. فعدت.. ليتجاوز عدد مقالاتي فيها السبعمئة مقالا.. لتكون حكايتي مع المدى انموذجا للعلاقة بين هيئة تحرير تعتز بكتابها وكاتب يبادلها الأعتزاز ذاته وان اختلف معها.

والثالث: في العام 1988 تولى وزارة التعليم العالي اكاديمي تشبّع بثقافة فرنسية هو الراحل الدكتور منذر الشاوي، فاصدر جريدة بعنوان (الجامعة) اختار لها ستة صحافيين بينهم الدكتور ياس خضير البياتي رئيس التحرير والدكتور فجر جودة وحسب الله يحيى.. وانا مسؤول الصفحة الأخيرة ولي فيها عمود ساخر. وفي احد الأيام اتصلت بي سكرتيرة تدعوني لمقابلة السيد الوزير.. دخلت فقال:

- استاذ قاسم.. اصعب شي بالصحافة هو العمود الساخر.. وعمودك جيد، بس يحتاج شويه اتطوره.

فأجبته بكلمة واحدة: وتضمّنى؟

ضحك واسند ظهره على كرسيه وقال:

- والله هاي راح تكون بين احتمالين.. لو للقمة لو للأمن العامة!

هل انتهت الصحافة الورقية؟

مؤكد انها ستنتهي بعد ان يتوغل الذكاء الأصطناعي أكثر في حياة الناس، لكن الصحفي لن ينتهي، وقد لا يبقى هنالك فرق بين (الصحفي) و (الكاتب).. وقد لا تبقى هناك نقابة باسم (نقابة الصحفيين).. والشاطر هو من يصنع من شخصه (كارزما).. احد شروطها هو ان يكون ذكيا في التقاط ما ورد في هذه التجربة وتجارب اخرى اغزر وانضج لرموز كبيرة في تاريخ الصحافة العراقية (رفائيل بطي، حسين جميل المحامي، عبد الفتاح ابراهيم..) مثالا، ولنماذج استشهدوا من اجل الكلمة (قاسم عبد الأمير عجام، كامل شياع، رياض السراي..) مثالا، ومعاصرين محترفين (علي حسين، زيد الحلي..) مثالا.. وآخرين يحملون اكفانهم على راحات ايديهم في زمن ديمقراطي! السلطة فيه لدولة عميقة تستسهل انتهاك قدسية الحياة!.

***

أ.د. قاسم حسين صالح

لندن، خلفتها في الشتاء كئيبةً كثكلى فقدت من تحب، فأصابها ثقبٌ من فراغٍ تنسحب الحياة منه… لياليها غدت ملبّدةً بالغيوم الداكنة، تأبى الرحيل، راسخة كالجبال، تثقل صدرها. ساعةً تزمجر فتنهمر السماء بأمواج هادرة، وأخرى تنسلّ بهدوء، لكنها تخلّف أخاديد تُصعّب الحياة… صباحاتها تستجدي ساعة شروق، لعلّ الحياة تعود، حيث لا شيء.

وحين عدت إليها صيفًا، فاجأتني: من أين لها كل هذا الشباب؟! هل الحياة تعاود الإنبات من جديد؟ كعروسٍ تتزيّن مبتهجة، تراقص الأنهار بألوان من الزهر، وينتعش العشب مزهوًّا بنضارته، يحتضن الأفراح. كيف واتتها القدرة على النهوض من جديد، وأن تحمل في بطنها كل أصناف الحياة، لتلد دفعة واحدة شمسًا وقمرًا ونجومًا تزيّن السماء، وحدائق غنّاء، وأشجارًا باسقة تكتسي أجمل الألوان، وجبالًا خضراء…

عجيبة هي الحياة، وعجيب هذا الكون، كم يحمل من الأسرار والدروس.

نحتفي نحن بالشتاء، على عكس لندن، وننتظر قدومه عامًا بعد عام، فللشتاء عندنا طقوس واحتفالات خاصة بنا. الشوارع تزهو بخضرتها، والحدائق تعاودها الحياة. حتى الغيمة الحبلى بالمطر، التي تحيل النهار ليلًا كئيبًا بلندن، هي نفسها تجلب معها السعادة للبيوت. فالمطر في بلداننا نحتفل به كما نحتفل بصباح العيد؛ نخرج تحته راقصين، ويهرول الأطفال فرحين: “مطر… مطر”. نتجمع حول مدفأة، وللشاي معه قصص وحكايا، ونتغنّى بموسيقى حبّاته وهي تطرق نوافذنا.

كيف تختزل الحياة وجوهًا عدة داخلها؟ وكيف يحمل الصيف والشتاء في أعماقهما كل هذه الأضداد؟!

فالصيف هو ذاته كيف يكون حياة بمكان وموات بمكان آخر ؟؟!!

ولماذا لا نأخذ من الطبيعة، أمّنا، الدروس وهي تغدقها علينا بالمجان؟

أليس هذا ما يعلّمنا أن نظرتنا للحقيقة نسبية؟ ما يسعدنا قد يكون سببًا في تعاسة الآخر، وما يرضينا قد يغضبه، وما نراه جميلًا قد يكون بنظره قبيحًا.

حين نجد أمًّا تشكو حركة أطفالها وتعبها ليل نهار، وفناء شبابها ووقتها وصحتها، وأن الحياة غدت روتينًا قاتلًا؛ من صحوها مبكرًا وهي في معترك من احتياجاتهم وتدريسهم ومشاكلهم، لا تنتهي منه إلا وتجدها غارقة في نوم كميت لا تشعر بشيء… وتنظر إليها من بعيد امرأة شارفت الأربعين بعين الغبطة، تتسرّب بين يديها سنوات عمرها، تقتل فرحتها سكون بيت لا حركة فيه، وانتظار مميت لعزف طفل وهو يبكي مناديًا إياها: “ماما”!

وشاب يندب حظه، وينظر لزميله الحر بلا زواج وأطفال بعين الغيرة؛ فهو ما بين عمل أكل روتينه من عمره الكثير، ومساءات مشحونة بالخلافات ومشاكل الأولاد ومتطلباتهم التي لا تنتهي. وخمسيني وحيد يعود إلى بيت بارد بعد عمل شاق، فتتهالك عليه سنوات عمر تناساها في خضم إنجاز بعد إنجاز، حتى وجد نفسه مشحونًا بالوحدة والألم.

كيف نتعلم من الحياة الرضا والقبول، وأن الدوام من المحال؟

وأن في أعماق كل وجه ظاهر هناك وجوه أخرى أعمق وأبعد؟

وأن بالشر الذي نراه قد يكون الخير الكثير الذي يغبطنا عليه الآخرون؟

وأن سماءنا، وإن أدلهمّت بالمصاعب والهموم، لا بد أن تمر كسحابة صيف، ونكتشف ولو بعد حين الخير الوفير الذي كانت تحمله لنا؛ فالإنسان يرى جزءًا من الصورة فقط.

﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

........................

منى الصالح - لندن

 

من المؤسف أن نشهد في مجتمعاتنا المهاجرة، وعلى الرغم من العيش في دول متقدمة تقوم على أسس الحرية والديمقراطية والمساواة، استمرار بعض مظاهر التفكير الطائفي لدى فئة من الشباب. فدولة مثل أستراليا وفرت لجميع مواطنيها والمقيمين فيها فرصاً متكافئة في التعليم والعمل والرعاية الاجتماعية، وحرصت على ترسيخ ثقافة احترام التنوع الديني والثقافي لان اغلب، إلا أن البعض ما زال يحمل معه إرثاً من الأفكار والانقسامات التي تشكلت في بيئات عانت لعقود من التهميش والإقصاء وعدم تقبل الآخر.

إن الملاحظ أن بعض الشباب، وعند أبسط المواقف أو النقاشات، يعودون إلى لغة التصنيف الطائفي والنظر إلى الآخرين من زاوية الانتماء الديني أو المذهبي بدلاً من النظر إليهم كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات. وهذه الظاهرة تتناقض مع قيم المجتمع الأسترالي القائم على التعددية الثقافية والتسامح واحترام الإنسان بغض النظر عن دينه أو قوميته أو خلفيته الاجتماعية.

ولا شك أن هذه السلوكيات ليست وليدة الواقع الأسترالي، بل هي امتداد لموروثات اجتماعية وثقافية انتقلت معنا من بلداننا الأصلية، حيث عانى الكثيرون من سياسات الإقصاء والتمييز وعدم الاعتراف الكامل بحقوق المكونات الدينية المختلفة. إلا أن استمرار هذا الفكر في بيئة حضارية منفتحة يمثل تحدياً حقيقياً أمام عملية الاندماج وبناء مجتمع متماسك.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى دراسات وبرامج توعوية وتربوية تستهدف الشباب بشكل خاص، بهدف تعزيز ثقافة المواطنة والتسامح وقبول الآخر، وترسيخ مفهوم أن التنوع مصدر قوة وإثراء للمجتمع وليس سبباً للانقسام. كما تقع على عاتق الأسرة والمؤسسات الدينية والثقافية ومنظمات المجتمع المدني مسؤولية كبيرة في نشر قيم الاحترام المتبادل والحوار البناء.

إن مستقبل المجتمعات المهاجرة يعتمد على قدرة أبنائها على تجاوز عقد الماضي والانفتاح على قيم العصر، فالحضارة الحقيقية لا تقاس بالتقدم المادي فقط، بل بمدى احترام الإنسان لأخيه الإنسان، وإيمانه بأن الجميع متساوون في الكرامة والحقوق. وعندما يتحرر الشباب من قيود التعصب والطائفية، يصبحون أكثر قدرة على الإسهام في بناء مجتمع يسوده السلام والتعاون والعيش الكريم.

***

اعداد: خليل الحلي

رئيس تحرير صحيفة العهد- سدني

سؤال محرج يبحث عن إجابة صادقة هل شعر أحد، مثقف كان أو غير مثقف، أن خمسة وخمسين عاماً مرت على إنشاء الهيئة المصرية العامة للكتاب، التي أنشئت بقرار جمهوري عام 1971م؟ هل احتفي أحد بهذه المناسبة أو حتي ذكرها على استحياء؟

سؤال محرج آخر لكنه متأخر قليلاً هل احتفلنا باليوبيل الذهبي لإنشاء الهيئة العريقة، عندما فاتنا أن نفعل منذ خمس سنوات مضت؟!

السؤالان لا يحرجان أحداً إلا المسئولين عن ثقافة هذا الشعب، رؤساء ومدراء ووزراء. فوتنا على أنفسنا فرصة ذهبية لانتشال هذا الصرح الثقافي الأكبر فى الشرق الأوسط من المستنقع الموحل الذي يكاد يغرقه؛ مستنقع البيروقراطية والإهمال والفساد، ولا أتمني أن نبقي على هذا الحال من التجاهل المريب.

 لا أريد من مقالي هذا أن أنكأ جرحاً غائراً فى جسد الثقافة، جميعنا يعلم بوجوده ويتجاهله. وإنما أردت أن ألفت الانتباه  إلى ضرورة المسارعة بإنقاذ هذا الصرح الثقافي الضخم، وحسن استغلاله قبل فوات الأوان. ودون أن نعامله معاملة شركات القطاع العام، فندفعه دفعاً إلى حد الإفلاس المادي والفني حتي نضطر إلى بيعه فى النهاية بمزاد علني أو سري أو بالأمر المباشر!!

المرض العضال

 المؤسسات والهيئات تهرم وتمرض وتتألم مثلنا، فهي ليست المباني والحجارة والجدران، وإنما بشر من لحم ودم يصنعونها ويصعدون بها لتناطح السحاب أو يسقطونها فى الرغام.

هيئة الكتاب اليوم مريضة بلا شك؛ أصابها ما أصاب غيرها من أمراض مزمنة؛ بيروقراطية متراكمة، غياب للرؤية الاستراتيجية، ضعف في التسويق، انكماش في شبكة التوزيع، وبطء سلحفائي في ملاحقة التحولات الكبرى التي غيرت شكل صناعة الكتاب في العالم!

المشكلة ليست في الأخطاء النمطية فقط؛ فكل مؤسسة بشرية تخطئ.. المشكلة الحقيقية أن العالم يتغير بسرعة مذهلة، بينما بقينا نتصرف بمنطق الأمس، ولا يبدو أن ثمة إرادة للتطور!

 نراقب بأم أعيننا تحولات الثقافة وانتقال الكتاب للفضاء الرقمي، وظهور منصات عالمية للبيع والنشر الإلكتروني، وتحول القارئ إلى مستخدم يعيش على شاشة هاتفه، بينما ظلت أسئلتنا الكبرى معلقة كما هي: (أين المشروع الرقمي الكبير للهيئة؟ أين الأرشيف الإلكتروني الذي يحفظ عشرات الآلاف من العناوين التي شكلت ذاكرة ثقافية عربية كاملة؟ كيف يمكن لكتاب صدر في القاهرة أن يصل بسهولة إلى قارئ في بغداد أو الرباط أو برلين؟ ولماذا أصبح العثور على بعض إصدارات الهيئة داخل مصر نفسها مهمة عصية على التحقيق؟!).. إن مؤسسة بحجم الهيئة لا ينبغي أن تعتمد على أن يأتي القارئ إليها، بل عليها أن تذهب إليه حيث يوجد.

بحثاً عن ميلاد جديد

كلما طرحت فكرة إصلاح مؤسسة ثقافية برز السؤال المعتاد :ومن أين لنا بالتمويل؟ والحقيقة أن المال ليس المشكلة الأكبر ولا الأهم. بل المشكلة الحقيقية في غياب المشروع.. فالمشروعات الجيدة تجد دائماً من يمولها.. ومصر بما تمتلكه من ثقل ثقافي وحضاري، قادرة على جذب الشراكات الدولية والمؤسسات الثقافية والجهات الراعية والمنظمات الإقليمية والدولية.. لكن أحداً لن يمول فكرة غامضة، ولا يستثمر في مشروع بلا رؤية، ولا يراهن على مؤسسة لا تعرف إلى أين تريد أن تذهب!

 دعونا نكن عمليين ونطرح معاً فكرة جديرة بالتنفيذ لنخطو أولي الخطوات لإعادة ميلاد هيئة الكتاب فى ذكراها الخامسة والخمسين، الفكرة بسيطة والتنفيذ يسير ومتاح.. بوضوح وصراحة وبساطة أدعو إلى عقد مؤتمر عنوانه: (مستقبل النشر والكتاب فى الهيئة المصرية العامة للكتاب).. مؤتمر لا تكون مهمته التصفيق، ولا إعادة إنتاج الخطابات المعتادة، بل التفكير الجاد في مستقبل مؤسسة ثقافية بحجم مصر.

 مؤتمر يجذب خبراء صناعة النشر من العالم مع المثقفين والناشرين المصريين والعرب، لبحث سؤال واحد هو كيف يمكن إعادة إحياء الهيئة، ودفعها لموقعها الطبيعي كواحدة من أهم المؤسسات الثقافية في المنطقة؟ نريد استغلال آراء خبراء نجحوا في تطوير دور نشر عريقة ومتخصصين في النشر الرقمي.. نحتاج لسواعد محترفي تسويق إلكتروني، ولعقول مثقفين يعرفون كيف يمكن للكتاب أن يتحول من منتج على رف مهجور إلى معرفة تصل إلى ملايين البشر.. نحتاج إلى أن نتعلم من العالم، لا أن نكرر أنفسنا وأخطاءنا.

طابور الملفات المؤجلة!

ثمة ملفات شتي ينبغي أن تكون فى مقدمة مناقشات مؤتمر كهذا: أولًا: أزمة التوزيع.. أن نمتلك الجرأة والرغبة لإجابة الأسئلة الصعبة: كيف فقدت الهيئة قدرتها على الوصول إلى القارئ؟

كيف نعيد بناء شبكة توزيع حديثة تجمع بين منافذ البيع التقليدية والمنصات الرقمية؟ فالكتاب الذي لا يصل إلى القارئ يظل فكرة محبوسة مهما كانت قيمته.

ثانيًا: سياسة التسعير.. كيف نستعيد روح الكتاب المدعوم؟ فالهيئة لم تنشأ لتنافس دور النشر التجارية، بل لتؤدي دورًا ثقافيًا عامًا.. وظيفتها الأساسية أن تجعل الكتاب الجيد متاحًا لأكبر عدد ممكن من الناس.

ثالثًا: التحول الرقمي.. لم يعد السؤال: هل ننتقل إلى العالم الرقمي؟ لقد انتقل العالم بالفعل. السؤال الآن هل سنلحق به أم سنظل نراقبه من بعيد؟ إن الهيئة تمتلك كنزًا هائلًا من الكتب والإصدارات، وهذا التراث باستطاعته أن يتحول إلى مكتبة رقمية عربية كبرى إذا وُجدت الرؤية والإرادة!

رابعًا: الإدارة الحديثة.. لا يمكن لمؤسسة القرن الحادي والعشرين أن تدار بعقلية القرن الماضي.. نفتقر إلى خطط واضحة، ومؤشرات أداء، ومراجعة دورية، وإدارة تؤمن بأن الثقافة صناعة تحتاج إلى معرفة وإبداع، وقرارات حاسمة، لا إلى معالجات إجرائية مؤقتة.. بغير هذا سنظل ندور فى حلقة مفرغة من الإهمال الذي يقود للتردي، والفشل الذي يضطرنا لمزيد من الإهمال!

فى انتظار بطل

 كل المثقفين فى انتظار حلم قريب يمكن تحقيقه.. أن يأتي هذا البطل القادر على إعادة الروح لمؤسساتنا الثقافية.. لذا فإن اختيار رئيس الهيئة القادم ليس مجرد تغيير إداري عابر. إنه لحظة مفصلية فارقة؛ فالهيئة تنادي بطلها القادم؛ شخصية تجمع بين الحس الثقافي والخبرة الإدارية، تفهم الكتاب لكنها تفهم السوق أيضًا، تؤمن بالتراث لكنها لا تخاف المستقبل، تعرف قيمة التاريخ لكنها لا تعيش أسيرته.. الهيئة تبحث عن قيادة فاعلة مؤثرة، لا تبدأ من الصفر كل مرة، ولا تلغي ما سبقها، بل تبني على ما تحقق وتصحح المسار باقتدار وذكاء وحكمة.

 ولو جاء مثل هذا البطل، فأنا أدعوه لا إلى إقامة المؤتمر المذكور أعلاه فحسب.. وإنما إلى ما هو أهم؛ إلى الاستمرارية والديمومة.. إلى تحويل توصيات المؤتمر إلى بداية لإنشاء مجلس استشاري دائم للهيئة، يضم خبرات مصرية وعربية ودولية.. مجلس لا يدير الهيئة بدلًا من المسئولين، لكنه يضمن وجود رؤية مستمرة، ويمنع أن تصبح المؤسسة رهينة تغير الأشخاص وتبدل الإدارات.. فالمؤسسات العظيمة لا تبنى بالأفراد فقط، بل بالأفكار التي تستمر بعد رحيلهم.

 لطالما كتبت سابقاً عن حلول وددت لو تم تنفيذها لإنعاش الثقافة والصحافة والكتاب والإعلام وحركة النشر، وبدت كأنها صيحات تطلق فى الهواء بلا مجيب. لكنني ظللت أنادي وأدعو وأرغب وأحلم وآمل.. فلولا الأمل الحي فى قلبي كورقة شجر خضراء، لانفطر الفؤاد!

واهيئتاه!!

 ثمة مؤسسات لا تقاس قيمتها بعدد موظفيها، ولا بحجم ميزانيتها، ولا بعدد المباني التي تشغلها.. مؤسسات تتحول مع الزمن إلى جزء من الذاكرة الوطنية، وإلى شاهد على مرحلة كاملة من تاريخ أمة. وإذا أصابها الوهن، فإن الذي يمرض ليس المبني، بل الفكرة والأمل.. والهيئة المصرية العامة للكتاب واحدة من تلك المؤسسات العريقة الفريدة التي لا يمكن تكرارها و استنساخها.

في سنواتها الذهبية، لم تكن الهيئة مجرد ناشر، كانت بوابة واسعة عبَر منها ملايين القراء إلى عوالم الأدب والفكر والفلسفة والتاريخ. سلاسل مثل (المكتبة العربية، والألف كتاب) وغيرها من المشروعات الثقافية بقيت كعلامات مضيئة في تاريخ النشر العربي؛ كانت تقدم الكتاب بسعر يستطيع الطالب محدود الدخل أن يقتنيه، وكان القارئ ينتظر إصداراتها كما ينتظر حدثًا ثقافيًا سعيداً..

مقالي هذا ليس رثاء لهيئة الكتاب، هو محاولة لإنقاذها وإعادة إحياء دورها القديم.. فالذين أحبوا المؤسسات العريقة هم أول من انتقدوا ضعفها، لأنهم عرفوا قيمتها وأشفقوا من ضياعها.. والهيئة المصرية العامة للكتاب ليست مجرد مبنى أو مطابع أو مخازن.. إنها ذاكرة ثقافية، وجزء من تاريخ مصر الحديث، ومشروع تنويري ساهم في تشكيل وعي أجيال.. إن الذكرى الخامسة والخمسين للهيئة ينبغي ألا تكون مجرد رقم جديد يضاف لسجل عمرها.. بل أن تغدو ميلاداً جديداً لها، أو أن نتركها تنطفئ فى صمت.. فهلا منحناها الفرصة قبل أن تغدو مجرد تاريخ؟!

***

عبد السلام فاروق

في المثقف اليوم