عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

سليمان بن تملّيست: حين ينتصر التصفيق على الشعر

في نقد المجاملة داخل المنتديات الأدبيّة

لم تعد المشكلة في المنتديات الأدبيّة افتقار النصوص الشعريّة إلى القرّاء، بل ربّما في أنّ كثيرًا منها يفتقر إلى القارئ الذي يقرأ حقّا.

فبمجرّد أن يُنشر نصّ شعريّ، تنهال عبارات الإعجاب: رائع، مبدع، أبدعت، سلمت أناملك، نصّ يلامس الروح...إلخ وكأنّ وظيفة القارئ قد اختُزلت في التصفيق، وكأنّ النصّ لا يحتمل سؤالًا ولا ملاحظة ولا اعتراضًا.

ولا شكّ أنّ التشجيع قيمة إنسانيّة وأدبيّة جميلة، خصوصًا في فضاء المنتديات الذي يجمع الهواة والمحترفين، ويحتاج فيه الكاتب إلى من يساند تجربته.

لكن حين تتحوّل المجاملة إلى موقف نقدي دائم، فإنّها لا تخدم الشاعر، بل تضرّه؛ لأنّها تمنحه شهادة جودة مجانيّة، وتحجبه عن رؤية ما في نصّه من ضعف أو ترهّل أو اضطراب.

الشعر ليس جميلًا لأنّه كُتب بحماسة، ولا لأنّ صاحبه عزيز على قلوبنا، ولا لأنّ اسمه معروف بين الأعضاء.

الشعر جميل حين ينجح في تحويل التجربة إلى لغة، واللغة إلى صورة، والصورة إلى معنى، والمعنى إلى أثر. ومن هنا يصبح من حقّ القارئ أن يسأل: هل الصورة جديدة؟ هل العبارة ضروريّة؟ هل الوزن منضبط؟ هل القافية جاءت طبيعيّة أم جرّت المعنى إليها؟ هل هناك انسجام بين الألفاظ والفكرة؟ وهل يقول النصّ شيئًا يستحقّ أن يُقال، أم أنّه يعيد المألوف بعبارات مزخرفة؟

النقد الحقيقي لا يعني البحث عن العيوب لمجرّد إثبات المعرفة، كما أنّه لا يعني إعدام النصّ تحت سيف المصطلحات.

النقد حوار مع النصّ؛ يبدأ من الاعتراف بما فيه من جمال، ثمّ يتوقّف عندما يحتاج إلى إصلاح.

لذلك يمكن أن نقول للشاعر: هنا صورة موفّقة، وهنا بيت جميل، لكن هذا التركيب غامض، وهذه الكلمة تبدو مقحمة لخدمة القافية، وهذا المعنى يحتاج إلى بناء أعمق.

تلك ليست إساءة إلى الشاعر، بل احترام له وللنصّ الذي بذل فيه من روحه ووقته.

والأخطر من المجاملة أن يتواطأ أعضاء المنتدى، من حيث لا يشعرون، على صناعة وهم أدبيّ جماعيّ: يصفّق الجميع، فيظنّ الشاعر أنّ النصّ مكتمل؛ ثمّ يكرّر الأسلوب نفسه في نصوص لاحقة، وتتحوّل الأخطاء إلى سمات ثابتة في تجربته، وهنا تصبح المجاملة عائقًا أمام التطور؛ لأنّ الكاتب لا يتطوّر بما يسمعه من المديح، وإنّما بما يفهمه من الملاحظات الصادقة.

وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحوّل النقد إلى قسوة أو استعراض.

فهناك فرق بين أن تقول: هذا البيت ضعيف البناء الدلالي، وأن تقول: لا تعرف كيف تكتب.

الأول نقد للنصّ، والثاني حكم على صاحبه.

نحن ننقد ما كُتب، لا من كتب.

وهذه قاعدة أخلاقيّة ينبغي أن تظلّ حاضرة في كلّ نقاش أدبيّ.

كما أنّ القارئ نفسه مسؤول عن الارتقاء بالمشهد وليس مطلوبًا منه أن يكون ناقدًا أكاديميّا حتّى يقدّم قراءة نافعة. يكفي أحيانًا أن يقول: استوقفتني هذه الصورة لأنّها موحية، بينما لم أفهم المقصود من هذا البيت؛ فحتّى هذه الملاحظة البسيطة قد تكون أكثر قيمة من عشر عبارات مديح جاهزة.

إنّ المنتديات الأدبيّة ليست قاعات احتفال بالشعراء، بل يمكن أن تكون مختبرًا حقيقيّا للنصوص، فيها يتعلّم الكاتب من قارئه، ويتعلّم القارئ من النصّ، ويتعلّم الجميع من اختلاف الرؤى. وإذا كان الهدف هو الانتصار للجمال والمعنى، فعلينا أن ننتصر أوّلًا للحقيقة الأدبيّة: ليس كلّ ما نحبّه جميلًا، وليس كلّ ما نختلف معه ضعيفًا، وليس كلّ مديح تقديرًا، وليس كلّ نقد تجريحًا.

ولعلّ أجمل خدمة نقدّمها للشاعر أن نقرأ نصّه كما لو أنّنا لا نعرف صاحبه، عندها فقط سنرى النصّ لا الاسم، والقصيدة لا صاحبها، والجمال لا المجاملة.

فالشاعر لا يحتاج دائمًا إلى من يصفّق له؛ أحيانًا يحتاج إلى قارئ يقول له بصدق: هنا أبدعت، وهنا كان يمكن أن تكون أجمل.

وحين يصبح هذا النوع من الحوار هو السائد، تنتقل المنتديات من فضاء لتبادل المجاملات إلى فضاء يصنع الذائقة، ويهذّب التجربة، وينتصر فعلًا للجمال والمعنى.

***

بقلم:️ سليمان بن تملّيست

جربة في 2026/08/17

في المثقف اليوم