العِراك: الخصام، القتال
مصطفى صادق الرافعي الأصم (1887 - 1937) ميلادية، وطه حسين الأعمى (1889 - 1973) ميلادية، إحتدمت المعارك بينهما، فكيف نفسر ذلك السلوك القاضي بالنيل من بعضهما. إنهما يعتركان وفي اللهجة المحلية (يتعاركان).
وفي التأريخ ما جرى بين جرير والفرزدق، وقبلهما وبعدهما الكثير من المواجهات بين نخب الأمة بأنواعهم، وبلغت ذروتها في الصراعات الحزبية والسلطوية بين أعضاء الحزب الواحد، والعقيدة الواحدة، وكم اكلت الحركات والثورات من رجالها، وكم إجتث لاحقها سابقها.
ويبقى القول "وما إجتمعت بأذوادٍ فحول" هو القاسم المشترك بين الحالات العاصفة في كيانات الأمة.
والعجيب أن الرافعي وعباس محمود العقاد (1889 - 1964) ميلادية، على علاقة ما بمي زيادة، التي كانت تطعمهما حليب الأوهام، وسلاف خيالات وردية، وقد إشتدت المعارك بينهما إلى حدٍّ غريب، العقاد كان يكتب ردوده والرافعي يتكلم متشاجرا معه، في بعض الأحيان
وأعود إلى الصراع بين شخص أصم وآخر أعمى، وهما يتفاعلان على صفحات الجرائد والكتب ويسلطان أقصى طاقاتهما الإبداعية للنيل من بعضهما، والحط من إبداع كلٍ منهما، وهو ليس بالنقد بل أشبه بالمصارعة الحرة على حلبات السطور.
أبحث عن تفسيرات لهذه السلوكيات الماضية في كيان الأمة، مما جعلها تتقهقر وتلوذ بماضٍ تجهله، وتغادر حاضرا تنكره، ومستقبلا تخشاه.
لماذا يشتد التناحر بين المبدعين ولا يتحقق التفاعل الإيجابي المتآلف الرفيع الرؤى والمنطلقات؟
ترى كيف ستكون أحوالنا لو تفاعلت عقول الأمة بدلا من تخاصمها، ودخولها أتون حروب بينية إستنزافية مبددة للطاقات الإيجابية؟
تمَعْركَتِ العقولُ بما اعْتراها
إذا قتلتْ نوابغُها أخاها
بأفكارٍ مُعارضةٍ لفِكْرٍ
توطّنتِ المساوئُ مُحْتواها
لسَمعٍ فاقدٌ وبها أديبٌ
يُقارعُ أكْمهاً يَرقى عُلاها
***
د. صادق السامرائي








