عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

أحمد فاتح: دولة القانون أم دولة الشركات؟

تبدو الفكرة التقليدية عن "دولة القانون" في فتراتنا الراهنة أشبه بأثر متحفي، فكرة رومانسية صاغها فلاسفة التنوير مثل إيمانويل كانط وجان جاك روسو حين حلموا بعقد اجتماعي يضمن كرامة الإنسان ويحمي الضعيف من تغول القوي. غير أن تتبع مسارات القوانين اليوم، ومنهج تفكيكها سوسيولوجياً، يكشف عن تحول بنيوي خطير يعيد صياغة مفهوم الدولة من أساسه. لم نعد أمام قوانين تهدف إلى تنظيم العيش المشترك وتحقيق العدالة الاجتماعية، بل أمام ترسانة من التشريعات المصممة بدقة لتأمين مصالح الشركات عابرة القارات، وتحويل الدولة إلى مجرد حارس قضائي يحمي التدفقات المالية العولمية. إنها النيوليبرالية في أقصى تجلياتها القانونية، حيث تزيح "دولة القانون" لتفسح المجال أمام "دولة الشركات". في كتابه الرائد "نظام التفاهة" يضعنا الفيلسوف الكندي ألان دينو أمام حقيقة أن النظام الرأسمالي المتأخر لم يعد يكتفي بالسيطرة على الاقتصاد، بل تغلغل في صياغة لغة القانون وجوهره. يوضح دينو كيف استبدل مصطلح "السياسة" بمفهوم "الحوكمة"، وكيف أُزيح "القانون العام" لصالح "القوانين المرنة" ومدونات السلوك الأخلاقية المفصلة على مقاس مجالس إدارة الشركات الكبرى. هذا التحول ليس مجرد تغيير في المفردات الأكاديمية، بل هو عملية تزييف ممنهجة للوعي الجمعي، حيث يعاد تعريف العدالة لتصبح مرادفة للاستقرار المالي، ويتحول القاضي من حام للحقوق الإنسانية إلى ميسر للعقود الاستثمارية ومراقب للالتزام المالي.

تفكيك البنية الاجتماعية لهذه التشريعات النيوليبرالية يكشف عن آليات لشرعنة ما كان يعتبر سابقاً جرائم اقتصادية أو تعديات على الملكية العامة. فالتهرب الضريبي، مثلاً، لم يعد سلوكاً خارجاً عن القانون، بل بات علماً قائماً بذاته يطلق عليه التخطيط الضريبي القانوني، يدرسه خبراء في كبرى كليات الحقوق التي تمولها المصارف والشركات الاحتكارية. ومن هذا المنطلق يتجلى نقد دينو الحاد لدور "الخبير القانوني" الذي حل محل الفقيه الدستوري. الخبير لا يسأل عن أخلاقية القانون أو عدالته، بل يبحث عن الثغرات لتمكين رأس المال من التهرب من مسؤولياته المجتمعية تجاه الصحة والتعليم والبيئة، مما يؤدي إلى تاكل مفهوم الفضاء العام وخصخصة مقدرات الشعوب تحت مسميات "المرونة الاقتصادية" و"جذب الاستثمارات". إن هذه التشريعات لا تصاغ في غرف برلمانية تمثل إرادة الشعوب، بل في مكاتب جماعات الضغط والمؤسسات والشركات المالية الدولية التي تفرض شروطها كحزم إصلاحية ملزمة للدول النامية والمتقدمة على حد سواء. ونتيجة لذلك، يغترب المواطن عن قانونه إذ يكتشف أن هذا القانون الذي يطالبه بالالتزام والانضباط والتقشف، هو نفسه الذي يعفي الشركات الكبرى من الضرائب ويمنحها حصانة ضد المساءلة عن الكوارث البيئية أو استغلال العمالة. يتحول المواطن تدريجياً من شريك في العقد الاجتماعي إلى مجرد زبون مستهلك، تقاس قيمته بمدى ملاءته المالية وقدرته الشرائية، بينما تجرد الفئات الهشة من أية حماية قانونية حقيقية.

كتب الروائي الروسي فيودور دوستويفسكي يوماً أن درجة حضارة المجتمع يمكن قياسها بالدخول إلى سجونه. ولو كان بيننا اليوم، وبتأمل عميق للمنظومة النيوليبرالية، لربما أضاف أن حضارة المجتمع تقاس بمدى قدرة قوانينه على حماية الإنسان البسيط من جشع الكيانات الكبرى. إن مواجهة هذا التغول المؤسساتي والتشريعي تقتضي منا، قبل كل شيء، نزع القداسة المزيفة عن هذه المنظومة القانونية المعاصرة وتفكيك وظيفتها الطبقية بوعي وجرأة. إن استعادة "دولة القانون" بمعناها الحقيقي والنبيل لا تبدأ من ردهات المحاكم الإدارية، بل تبدأ من إعادة الاعتبار للسياسة بوصفها شأناً عاماً وحواراً مجتمعياً مفتوحاً، وتخليص القوانين من هيمنة الاحتكارات المالية والشركات العابرة للقارات. يجب أن نعيد طرح التساؤل الفلسفي الأبرز الذي طالما نادت به العقول الحرة عبر التاريخ: هل وُجد القانون لخدمة كرامة الإنسان وحريته، أم لضمان تراكم الثروات في جيوب فئة ضيقة من المتنفذين؟ إنها معركة وعي كبرى معركة لاسترداد المعنى الأخلاقي والاجتماعي للعدالة، بعيداً عن أوراق العقود الجافة ولغة الأرقام الصامتة التي تحاول جاهدة إلغاء إنسانيتنا وتطلعاتنا المشروعة نحو مستقبل أكثر إنصافاً.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

في المثقف اليوم