حاولنا ولكن لن نكره
في التدافع اليومي للعلاقات والمواقف، كثيراً ما نواجَه بعباراتٍ محملة بالتناقض التي قد يرميها أحدهم في وجهك" أريدكِ أن تكرهيني" للوهلة الأولى، تبدو هذه العبارة سبيلاً مريحاً لقطع الالتزام، أو رغبة في التحرر من عبء الذنب، أو محاولة لإحداث قطيعة حاسمة تُعفي الطرف الآخر من تأنيب الضمير. لكن السؤال الأخلاقي والفلسفي الذي يفرض نفسه هنا ليس عن دوافع الطلب، بل عن قدرة الذات ذاتها: هل الكراهية عاطفة نملك تشغيلها بقرار، أم إنها خيارٌ يُخالف طبائع بعض النفوس مهما حاولَت؟
حين يطلب منك شخصٌ أن تكرهه، فهو يقول لك أن تستثمر جزءاً من طاقاتك النفسية والذهنية في أذيته أو نفيه. فالكراهية ليست فراغاً أو مجرد غيابٍ للحب، بل هي فعلٌ نَشِط يحتاج إلى تغذية مستمرة، واستحضارٍ دائم لصورة الآخر بوصفه خصماً أو مذنباً. ومن هنا ينشأ ما يمكن تسميته " العجز النبيل" ؛ فحتى عندما حاولنا أن نكره كاستجابةٍ لرغبة الآخر أو تحت ضغط الخيبة، وجدنا أن الامتناع عن الكراهية ليس ضعفاً ولا عجزاً عن مواجهة الجفاء، بل هو رفضٌ واعٍ لدفع هذه التكلفة الوجودية. الروح التي لا تستطيع الكره هي روحٌ ترفض ببساطة أن تبني في داخلها سِجناً مظلماً لمجرد أن الآخر يحتاج إلى هذا السجن كي يستريح من عقدة ذنبه.
إننا نعيش في عالمٍ تتراكم فيه الضغائن، وتتبدل فيه المواقف بسرعة، لكن تغير الود لا يعني بالضرورة. التحول الى النقيض. أن نقول حاولنا ولكن لن نكره، يعني أننا اختبرنا مساحة الوجع، وربما حاولنا الانزلاق إلى نفس منطق البغض، لكننا أدركنا أن الضد الحقيقي للانقطاع أو التخلي ليس البغض، بل الاستغناء والحياد الشفاف. أن تُجيب بأنك لن تكره، يعني أنك تُعلن استقلالك الأخلاقي؛ فأنت لا تسمح لأخطاء الآخرين أو رغباتهم أن تُملي عليك كيف تشعر أو كيف تتشكل روحك.
إن إغلاق الأبواب بوقار، وترك المسافات تتسع بنبل، دون تشويهٍ للماضي أو حقدٍ على الحاضر، هو أسمى صور الوعي بالذات. قد نبتعد، قد ننسحب، وقد يحلّ الصمت والحياد التام محلّ الدفء القديم؛ لكننا لن نكره... لا لأننا نعجز عن التعبير، بل لأننا نختار دائماً ...
***
بقلم: ندى صباح أسد الله








