عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

نايف عبوش: عصرنة صاخبة.. قلق الإنسان وضياع الذات

لاريب أن العصرنة باتت اليوم، ظاهرة عصر شاملة، تتفاعل مع كل تفاصيل مفرادت الحياة، لتعيد صياغة علاقة الإنسان بالزمن، والمكان، والمعرفة، والآخر، بل وحتى بذاته أيضاً. فبينما فاضت في بداياتها وعوداً بحياة أكثر رفاهية، وانفتاحاً، إلا أن تداعياتها الصاخبة أفرزت، في الوقت نفسه، مظاهر سلبية من القلق، والضياع، والاستلاب، ومن ثم فإن صخب العصرنة، لم يعد يتجسد في مجرد ضجيج الآلة، والتقنيات وحدها، وحسب، وإنما تمظهر في إيقاع متسارع، فرض نفسه على الإنسان المعاصر، بحيث أصبح لا يكاد يلتقط أنفاسه، حتى يجد نفسه أمام معطى جديد، يتطلب منه، التكيف معه، وملاحقته، وبالتالي أصبح الإنسان يعيش تحت وطأة ضغط دائم، يحتم عليه مواكبة المتغيرات، دون أن بمنحه فرصة للتأمل، والمراجعة.

ولعل من بين أبرز التداعيات السلبية لهذا الصخب، هو أن الإنسان المعاصر، بدأ يفقد الكثير من طمأنينته الداخلية، بحيث أن وفرة المعلومات، لم تعد تمنحه مزيداً من المعرفة، وأن كثرة وسائل التواصل، لم تضمن له دفء العلاقات، كما أن تعدد الخيارات، لم يمنحه مزيدا من الحرية، وانما وجد الإنسان نفسه، وسط هذا الفيض الهائل من التطورات المتتالية، أكثر حيرة، واشد قلقاً، واعمق شعوراً بالضياع.

على ان أبرز ما افرزته العصرنة الصاخبة من تداعيات سلبية، هو الاستلاب، حيث اصبح الإنسان مستهلكاً، لما يتاح له من أفكار، وصور، وأنماط سلوك، دون أن يمنح نفسه فرصة كافية للتفكير، والنقد، والاختيار، حتى باتت خصوصية الفرد، تتراجع تدريجياً، ويصبح التماثل مع الآخرين، معياراً للقبول، والانتماء، مع هيمنة احادية النموذج، في المظهر، والسلوك، والاستهلاك.

وتجدر الاشارة إلى أن الأمر لم يقف عند حدود الفرد، بل امتد ليطال المجتمع أيضاً، حيث أن تسارع تدفق معطيات الحياة الحديثة، أسهم في إضعاف الروابط الاجتماعية، بعد أن أصبح التواصل الافتراضي بديلاً عن اللقاء الإنساني الحي المباشر في حالات كثيرة، إذ قد يجتمع أفراد الأسرة في مكان واحد، في حين ينصرف كل واحد منهم إلى عالمه الخاص، خلف شاشة صغيرة، فتغيب الأجساد عندئذ عن الحوار، وتتحول المشاركة العائلية، إلى مجرد حضور شكلي جاف.

على إن كل هذا القلق الذي تثيره العصرنة، لا يبرر رفض التقدم، ولا العودة الآلية إلى الماضي، وإنما يبنغي أن يكون قلقا نابعا من خشية أن يتحول التطور من أداة لخدمة الإنسان، إلى أداة تعيد تشكيله وفق مقتضيات السوق، والتقنية، والاستهلاك، ليكون أكثر افتقاراً إلى السكينة، وأكثر حاجة إلى المعنى، الذي يمنح حياته اتزاناً كافيا، ووضوحاً أكبر.

ومن هنا فإن مواجهة تداعيات العصرنة السلبية، لا تكون بالانغلاق، أو رفض الحداثة، وإنما ببناء وعي قادر على التمييز بين ما يضيف من معنى إلى إنسانية الإنسان، وما ينتقص منها، وبذلك فاننا نحتاج عصرنة، تحفظ للإنسان حقه في التطور، دون أن تسلبه حقه في التأمل، وتمنحه أدوات التواصل، دون أن تحرمه دفء اللقاء الحي، وتفتح أمامه آفاق المستقبل، دون أن تقطع صلته بجذوره.

فالعصرنة ليست قدراً ينبغي الاستسلام لكل تداعياته، وإنما يبنغي أن تكون مشروعا إنسانيا، يكون الإنسان غايته بالدرجة الأولى، حتى لا يصبح صخبها بالمحصلة، أكبر من قدرتنا على الإصغاء إلى ذواتنا، ويتحول التقدم عندئذ، من وعد بالتحرر، إلى حالة من القلق، والضياع، والاستلاب.

***

نايف عبوش

في المثقف اليوم