عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

شهادات ومذكرات

قاسم المحبشي: في معنى الإرهاب الفكري ونتائجه التدميرية

حين أسأل نفسي بعد مرور 34 عاما على تلك (المناظرة اليتيمة بين الفيلسوف أبو بكر السقاف والفقيه الزنداني) ماذا فعلت القوى الظلامية والتكفيرية باليمن؟ لا أجد الجواب في عدد الحروب المتناسلة وحدها، ولا في الخراب الذي أصاب الجمهورية ومؤسساتها، ولا في أعداد القتلى والجرحى، ولا في المدن والمباني التي تهدمت، وإنما أجد الجواب الأعمق في شيء أكثر خفاءً من كل ذلك: ماذا فعلت بالعقل اليمني؟

فالأوطان لا تُدمَّر بالحرب وحدها، وإنما يمكن أن تُدمَّر قبل ذلك حين يُقتل السؤال، ويُخاف من التفكير، ويُهمَّش العلم، وتُغلق نوافذ الفلسفة، ويُدفع المثقف إلى الصمت أو الهجرة أو العزلة. وحين يحدث ذلك، يصبح الخراب المادي مجرد النتيجة المرئية لخراب بدأ في مكان آخر: في الوعي.

في عام 1988، كنا مجموعة من خريجي قسم الفلسفة والعلوم الاجتماعية والمهتمين بالفكر والثقافة، قد خرجنا لتونا من الجامعة، نحمل في رؤوسنا أسئلة أكبر من أعمارنا، وأحلامًا أكبر من إمكاناتنا. وبعد مناقشات ومداولات امتدت نحو ستة أشهر، وبرعاية أساتذة أجلاء، في مقدمتهم الدكتور أبوبكر السقاف، والدكتور نمير العاني، والدكتور حمود العودي، اجتمعنا، في منزل الزميل عدنان عبده علي في محطة الهاشمي بالشيخ عثمان، يوم 22 سبتمبر 1988، وأسسنا جمعيتنا الفلسفية وكنا قرابة عشرين من الخريجين والمهتمين منهم الزملاء عمر عباد وتوفيق مجاهد وغسان زيدان واحمد سعيد وغيرهم.

أقررنا الرؤية والرسالة والنظام الداخلي، وانتخبنا الهيئة الإدارية اتذكر بأن رئاسة الجمعية جعلناها اختيارية لمن يجد في ذاته القدرة والكفاءة لتحمل المسؤولية فضلاً عن كونها دورية. في ذلك اليوم انتخبت أمينا عاما للجمعية، وبدأنا نعقد ندوة فكرية كل أسبوع تقريبًا باسم ندوة الجيرش الواقع في الشيخ عثمان قريب من محطة الهاشمي

لم تكن ندواتنا مجرد لقاءات اجتماعية لشباب متحمسين؛ كان لكل ندوة موضوع وكتاب ومسؤولية فكرية. يكلف أحدنا بقراءة كتاب لفيلسوف أو مفكر قراءة نقدية جادة، ثم يتولى ثلاثة من الزملاء التعقيب عليه بمداخلات مكتوبة. قرأنا جمهورية أفلاطون، ومقدمة ابن خلدون، والثامن عشر من برومير لويس بونابرت لماركس، وتاريخ الجنون، والتنوير عند كانط، والإنسان ذو البعد الواحد لهربرت ماركوز، والأمير لميكافيللي، وغيرها من الكتب التي كانت تفتح أمامنا أبوابًا جديدة للتفكير.

كانت الفلسفة عندنا فعلًا تنويريا ، لا ترفًا ذهنيًا.

وكنا نقرأ لكي نختلف، ونختلف لكي نفهم، ونفهم لكي نعيد بناء أسئلتنا. وكانت عدن، المدنية في تلك اللحظة، تبدو لنا مدينة قادرة على احتضان هذا الحلم.

ثم جاءت الوحدة اليمنية، وانتقلنا من فضاء عدن إلى فضاء صنعاء. وكان علينا أن نوحد جمعيتنا مع جمعية علم الاجتماع هناك، فدمجنا الجمعيتين تحت اسم جمعية الفلسفة وعلم الاجتماع، واتخذت الجمعية مقرًا لها في شقة مستأجرة في شارع هائل بصنعاء. وكنا حين نذهب إلى صنعاء نقيم في ذلك المكان. وأتذكر الزميل منصور الصلوي، سكرتير الجمعية، بوصفه واحدًا من أروع الأشخاص الذين عرفتهم في حياتي.

لم نكن نعرف يومها أن المسافة بين مدينة وأخرى ستكون اوسع وأكثر من المسافة بين زمنين؛ زمن كانت فيه الفلسفة تنمو، وزمن سيصبح فيه الفلسفة في قفص الأتهام ويصبح مجرد الدفاع عن حقها في الوجود فعل مقاومة.

وهذا هو ما حدث في صنعاء التي هيمنت فيها القوى التقليدية ففي عام 1992 كنت في جامعة صنعاء لمتابعة إجراءات تعييني معيدًا في كلية الآداب، بناءً على رسالة من رئيس جامعة عدن آنذاك محمد العمودي إلى رئيس جامعة صنعاء عبدالعزيز المقالح. وفي صباح ذلك اليوم، وبينما كنت متجهًا إلى الكلية، فوجئت بجمع غفير بالقرب من قاعة جمال عبدالناصر. رجال بالزي اليمني التقليدي، وآخرون يحملون أسلحة نارية.

سألت أحدهم:

ماذا يوجد هنا؟

قال:

مناظرة فكرية بين الشيخ عبدالمجيد الزنداني والدكتور أبوبكر السقاف.

توجهت مباشرة إلى القاعة.

كانت القاعة مزدحمة، لكنني لم أرَ الطلاب الذين كنت أتوقع أن أراهم في مناسبة أكاديمية كهذه. أخذت مكاني في الصف الثاني، قريبًا من المنصة، وانتظرت.

بعد دقائق دخل الأستاذ الدكتور أبوبكر السقاف منفردًا، يحمل حقيبته على كتفه. نهضت لاستقباله وعرفته بنفسي؛ كنت من المعجبين بكتاباته الرصينة، وبموقفه النقدي، وبذلك النوع من المثقفين الذين لا يتكلمون لأن الكلام مطلوب منهم، وإنما لأن لديهم ما يستحق أن يُقال.

جلس السقاف.

وبعد دقائق أخرى اكتظ مدخل القاعة بمسلحين رسميين وقبليين برفقة الشيخ عبدالمجيد الزنداني. ارتفعت الأصوات والهتافات، وتحول المشهد شيئًا فشيئًا من مناسبة فكرية إلى استعراض للقوة.

ثم أخذ أحدهم الميكروفون، وبدأ بمقدمة طويلة، ثم قال بلهجة ساخرة:

أين الفيلسوف أبوبكر السقاف؟

رد السقاف بصوت هادئ:

أنا هنا.

قيل له:

تعال إلى المنصة لنبدأ المناظرة الفكرية.

فأجاب بما بقي عالقًا في ذاكرتي حتى اليوم:

أي مناظرة فكرية في ثكنة عسكرية؟

ثم أوضح أنه لن يصعد إلى المنصة قبل أن تختفي المظاهر المسلحة، ليس خوفًا منها، وإنما احترامًا للمؤسسة الأكاديمية وللفكر ذاته.

كانت تلك اللحظة بالنسبة إليّ درسًا كاملًا في معنى الحرية الأكاديمية.

فالحرية لا تعني أن تسمح لشخصين بالكلام فقط؛ وإنما تعني أن تهيئ لهما الشروط التي تجعل كلامهما حرًا.

لا يمكن أن تقول للإنسان: تحدث بحرية، بينما تقف البنادق خلفه.

ولا يمكن أن تسمي اللقاء مناظرة فكرية إذا كان أحد أطرافها يدخل محاطًا بالسلطة والأنصار والسلاح، بينما يدخل الطرف الآخر حاملاً حقيبته وعقله فقط.

كان السقاف يعرف أن القضية ليست في شجاعته الشخصية، وإنما في معنى المؤسسة التي يقف فيها.

وحين لم تتغير شروط المشهد، حمل حقيبته وانصرف بهدوء.

خرج الدكتور ابوبكر السقاف غاضبا لوحده

وبقيت أنا في تلك القاعة المكتظة بالزنداني واتباعه . كانت تلك بالنسبة إليّ لحظة كاشفة؛ لأنني رأيت بأم عيني كيف يمكن أن تتحول المؤسسة الأكاديمية من فضاء للحوار إلى فضاء لإظهار القوة، وكيف يمكن أن يتحول الاختلاف الفكري إلى مواجهة بين رأسمال رمزي -بحسب تعبير بيير بورديو- متراكم من جهة، وفرد يحمل عقله وحده من جهة أخرى فالفقيه الذي تقف وراءه مؤسسة دينية واجتماعية وسياسية وثقافية عريقة لا يدخل النقاش بوصفه فردًا مجردًا؛ إنه يدخل ومعه تاريخ طويل من الرموز والاعتراف الاجتماعي وشبكات النفوذ والسلطة. أما الفيلسوف المستقل، فلا يملك في نهاية الأمر إلا ما راكمه بنفسه من معرفة وتعليم وقراءة وتجربة وقدرة على البرهان.

وهذا هو التفاوت الكبير في الوضع الأصلي بحسب جون رولز في كتابه المهم العدالة كإنصاف إذ أن التفكير الحر في البيئات المغلقة مغامرة غير مأمونة العواقب.

كنت يومها شابًا، لكنني شعرت بأن شيئًا خطيرًا يتشكل أمامنا في الجمهورية الثالثة ولم يكن خوفي على الفلسفة بوصفها تخصصًا جامعيًا فحسب؛ كان خوفي على الجمهورية الدولة التي آخذت تسير نحو الهاوية بخطى متسارعة

لأنني كنت أعرف أن قمع الفكر النقدي وترهيب الفلاسفة وإغلاق أقسام الفلسفة ليس قرارًا إداريًا عابرًا مثله مثل بقية القرارات السياسية بل يعد

إعلانا رمزيا بأن الشك والسؤال الباحث عن المعنى أصبح غير مرغوب فيه في (اليمن السعيدة بالجهل والظلام) وحين يُصبح التفكير والشك والسؤال خطرًا، تصبح الإجابة الجاهزة هي الحاكمة وحين تسود الإجابة الجاهزة، يتراجع العقل النقدي وحين يتراجع العقل النقدي، يصبح المجتمع أكثر قابلية للتعبئة والخوف والتكفير والعنف. وهكذا سارت الأمور

اختفت التفكير النقدي من الفضاء العالم وهيمنت الخرافات والخزعبلات المقدسة وفي عالم القدسيات لا اسئلة بل اجابات جاهزة وحمد وشكر وتطرف وعنف وتفكير وكذب وخداع وتجارة بالدين وهكذا أزهرت (جامعة الايمان) وانتشر الخوف والرعب والجريمة في عموم اليمن وأصبحنا واصبح الملك لله!

وهنا تكمن الصلة العميقة بين الإرهاب الفكري والإرهاب المادي.

فالإرهاب الفكري لا يبدأ دائمًا بقنبلة.

قد يبدأ بجملة.

وقد يبدأ بمنع كتاب.

وقد يبدأ بتخويف أستاذ.

وقد يبدأ بإغلاق قسم جامعي.

وقد يبدأ بإقناع الناس بأن المختلف عدو.

ثم يأتي السلاح في مرحلة لاحقة ليحرس ما صنعه الخطاب.

ولهذا فإنني لا أرى في الإرهاب الفكري ظاهرة هامشية؛ إنه أحد الشروط الثقافية التي يمكن أن تجعل الإرهاب المادي ممكنًا.

إن العلم والمعرفة لا تزدهر إلا في فضاء حر، لأن جوهر العلم هو السؤال والشك والمراجعة والاختبار. والعلم لا يقدس نتائجه، وإنما يضعها باستمرار أمام إمكان النقد والتصحيح. ولذلك فإن حرية البحث العلمي ليست مطلبًا سياسيًا إضافيًا، وإنما هي شرط من شروط إنتاج المعرفة نفسها.

لقد تفرقت بنا السبل بعد حرب 1994، ولم تتفرق صدفة. تغيرت البيئة التي كانت تسمح لنا بالحلم. تبدلت ملامح عدن، وتراجع حضور الفكر، واتسعت مساحات الخطابات المتطرفة، وحل الخوف في النفس والمجتمع.

كنت أعرف أناسًا كانوا مشاريع كتّاب ومفكرين. بعضهم كان يكتب مقالات الرأي، وبعضهم كان يفكر في استكمال دراساته العليا في الفلسفة، وبعضهم كان مشغولًا بالفلسفة الهيجلية، وبعضهم كان يحاول نقد الماركسية وإعادة التفكير فيها.

ثم اختفى كثيرون.

بعضهم هاجر.

بعضهم صمت.

بعضهم غيّر خطابه.

بعضهم حاول التكيف مع الواقع الجديد.

وبعضهم لم يستطع التكيف أصلًا

فصابه الجنون وبعضهم انتحر

وهنا فهمت شيئًا من طبيعة الإرهاب الفكري: إنه لا يحتاج إلى قتل الجميع كي ينتصر؛ يكفيه أن يجعل الجميع يخافون.

فالخوف أكثر كفاءة من الرصاصة أحيانًا.

الرصاصة تقتل شخصًا واحدًا، أما الخوف فيستطيع أن يُسكت مجتمعا بأسره .

ولهذا فإن السؤال الذي ظل يطاردني منذ تلك السنوات هو:

ما الذي حدث لذلك الجيل الذي كان يقرأ أفلاطون وابن خلدون وكانط وماركس وميكافيللي وماركيز؟

أين ذهب أولئك الشباب الذين كانوا يحلمون بتأسيس مجتمع للمعرفة؟

وأين ذهبت جمعية الفلسفة وعلم الاجتماع اليمن بعد رحيل رئيسها الأخير الاستاذ عبده علي عثمان؟

وأين ذهبت الندوات؟

وأين ذهبت الفلسفة من الجامعة؟

وأين ذهبت عدن التي كانت تفتح نوافذها على البحر والعالم؟

لقد كان الأمر أكبر من خسارة جمعية أو قسم جامعي.

لقد كان تراجعًا في رأس المال الثقافي والعقلي للمجتمع.

وحين يخسر المجتمع مفكريه، لا يخسر أشخاصًا فقط؛ يخسر جزءًا من قدرته على فهم نفسه.

ثم جاءت مراحل الإرهاب المسلح لتكشف الوجه الآخر لذلك التحول. شهدت عدن، خلال سنوات مختلفة، عمليات عنف وإرهاب خلفت قتلى وجرحى ودمارًا في الممتلكات والمنشآت. ووفق دراسة نشرتها مؤسسة «اليوم الثامن» عام 2023 عن الفترة 2011–2022، فقد أحصت الدراسة 276 عملية إرهابية في العاصمة عدن، وذكرت سقوط 800 قتيل و1079 جريحًا، فضلًا عن أضرار طالت مركبات ومبانٍ ومنشآت اقتصادية.

وهكذا يجب أن نضع السؤال اليوم:

ماذا فعلت القوى الظلامية باليمن؟

والجواب لا يحتاج إلى ذكاء إضافي

لقد ساهمت في تدمير المجال الذي يسمح للمجتمع بأن ينتج عقله الخاص.

أضعفت المدرسة.

وأرعبت الجامعة.

وحاصرت المثقف.

ووسعت مساحة الخطاب المغلق.

وحولت الاختلاف من فرصة للتفكير والحوار والفهم والتفاهم إلى العنف والتعصب والتطرف والصرخة والقتل والإرهاب

وعندما يصبح المجتمع غير قادر على إدارة اختلافاته بالكلمة والحجة والقانون، يصبح السلاح هو اللغة البديلة وهكذا أثمرت عبارة

هيمنت قوى الجهل والظلام فيما نحن فيه الآن

كتب منصور هائل يصف حال فيلسوف اليمن الأول ومآله بالكلمات التالية" لقد غادر صنعاء بعد مشوارٍ طويل من العطاء المثمر والعناء والآلام والدماء، وبعد أن تعرض لحملات التنكيل والاعتداءات الوحشية ومحاولات الاختطاف والاغتيال التي نجا منها بأعجوبة أكثر من مرة. فقد تعرض للاعتداء الهمجي الأول في 10 مايو 1995، لأنه كان يدافع عن الصحفيين الشباب الذين تعرضوا للسجن والتعذيب، وكان ما ناله من بشاعة أفظع بما لا يقاس من معاناة الصحفيين، وقد نشرت صحيفة “يمن تايمز” في اليوم التالي، صورته بعد الاعتداء عليه، بالألوان، وتوزعت الصورة على نطاق واسع، وصممت حينها بطاقة بريدية تحمل صورته، وزعتها المعارضة في الخارج نقلًا عن الصحيفة.

وتعرض للاعتداء الهمجي الثاني في 22 ديسمبر 1996، بعد أن شارك في فعاليات المنتدى الإقليمي حول ترقية واستقلالية الإعلام في المنطقة العربية، وقد وزع فيه رسالة حول الاعتداء الذي تعرض له، وأدانه الرأي العام المحلي والعربي والدولي، وعلى ذلك كان الاعتداء الثاني أكثر بشاعة وهمجية، حيث قامت عصابة مسلحة تابعة للدائرة الأمنية برئاسة الجمهورية، باختطافه وتكبيله، وانهالت عليه بالعصي الكهربائية، ورمت بجسده النازف في قرية “بيت بوس”، غير أنه نجا للمرة الثانية، وكانت تلك أكثر من أعجوبة، فقد تهشم وتكسر في أكثر من موضع وضلع، وفقد إحدى عينيه، وساعدته بنيته الجسدية القوية وإرادته الأقوى على النهوض مرة ثانية، ليخوض معركته الكبرى دونما كلل. كانت صورته التي نشرت حينها فاجعة مروعة، وقاطعة على انحدار “النظام” إلى ما دون الحضيض، وإلى الاستنقاع في الدم الذي غرق في بركة -في وقت لاحق وسريع- على نحو ما تنبأ به السقاف العظيم. لقد اتسمت الاعتداءات على العملاق أبو بكر بالهمجية والوحشية، بناءً على تعليمات من رأس النظام الذي استفزته سلسلة مقالاته حول “غزو الجنوب والاستعمار الداخلي”، التي نشرت حينها في صحيفة “الأيام” العدنية.. وكان الرد بـ”اللبج”، حسب التعبير الفج لشيخ القبيلة والرئيس عبدالله بن حسين الأحمر" (ينظر، منصور هائل، في البدء كان السقاف: بورترية متجدد، صحيفة الندأ، 5 نوفمبر2022).

ولعل القيمة الرمزية للجمعية الفلسفية التي أسسناها في عدن عام 1988 لا تكمن في عدد أعضائها ولا في عمرها القصير، وإنما في الفكرة التي كانت تجسدها: أن الإنسان يستطيع أن يجتمع حول السؤال بدل أن يجتمع حول الخوف، وحول الكتاب بدل البندقية، وحول الحجة بدل القوة. كانت تلك الجمعية، في معناها العميق، محاولة صغيرة لفتح نافذة في جدار مغلق، وإعادة الفلسفة إلى مكانها الطبيعي بوصفها ممارسة للحرية، وحقًا في الشك والسؤال والاختلاف. ولعل ما يجعل استعادتها الرمزية اليوم أكثر إلحاحًا هو أن هيمنة القوى الظلامية لا تبدأ دائمًا بالاستيلاء على المؤسسات، وإنما تبدأ من العقل؛ حين يصبح السؤال موضع ريبة، والاختلاف تهمة، والنقد خيانة، والفلسفة خطرًا، وحين يُمنح السلاح حق حماية الحقيقة وفرضها على الآخرين. عندها لا يعود الخطر متمثلًا في تدمير الجامعة أو المدرسة فحسب، بل في تدمير الإنسان القادر على التفكير، لأن أخطر ما يمكن أن يصيب وطنًا هو أن يفقد أبناؤه الثقة في حقهم في السؤال. ولهذا لا أرى الجمعية الفلسفية مجرد ذكرى من الماضي، بل أراها رمزًا لإمكان لم يمت بعد: إمكان أن يستعيد اليمن الجامعة، والمدرسة، والكتاب، والحوار، والقانون، وأن يستعيد الإنسان اليمني حقه الطبيعي في أن يفكر دون خوف. فإعادة بناء الوطن لا تبدأ من الحجر وحده، وإنما من تحرير العقل الذي سيعيد بناء الحجر والمؤسسة والدولة. وإذا كان التاريخ قد علّمنا أن الظلام يمكن أن يطول، فإنه علّمنا أيضًا أنه لا يستطيع إلغاء الفكرة ما دامت هناك ذاكرة تحفظها، وعقل يسأل عنها، وإنسان يؤمن بأن المواطنة لا تقوم إلا على الحرية والكرامة والاختلاف. لذلك، حين أتذكر أبوبكر السقاف وهو يغادر قاعة جمال عبدالناصر، لا أتذكر رجلًا انسحب من مناظرة، بل أتذكر معنى أعمق: أن الفيلسوف قد يخسر منصة، لكنه يستطيع أن يحمي مبدأ؛ وأن الجمعية قد تنتهي، لكن فكرتها تستطيع أن تبقى حيّة، تنتظر جيلًا جديدًا يفتح الكتاب، ويرفع يده، ويسأل من جديد: أي يمن نريد؟.

***

ا. د. قاسم المحبشي 

 

في المثقف اليوم