ان ما يواجهه الإنسان من مشاكل أسرية.. واقتصادية.. واجتماعية.. وصحية.. تشكل نوع من ضغوطات نفسية يتحتم على الفرد مواجهتها؛ ولكن هذه المواجه تختلف من شخص إلى أخر ولطبيعة الضغوطات التي هي انعكاس لطبيعة الحياة المعاصر التي تتسم بالمادية.. والنفعية.. وحب الذات؛ أصبحت متطلبات الحياة أكثر تعقيدا وعسرا؛ بغض النظر عن الإيديولوجيات ومستوى اقتصاد الدول من تقدمها أو تخلفها وهي أزمة الإنسان المعاصر)
الإنسان المعاصر يتيه في فضاءات اللامعنى واللاأخلاقي واللاقيمي إذا ما جاز لنا هذا القول، لأنه أصبح يحيا بين مرجعيات مفتتة غير مستقرة، حيث تسييس المعرفة وتحويل الهويات إلى حالة سيولة مستمرة,, إنها ظاهرة الاختلالات الجيوسياسية للمعايير المنطقية والعلمية وحتى الفلسفية أيضاً
لم يعد الإنسان المعاصر بصدد ثبوتية الرؤية المحايدة تجاه العالم، حيث أصبح يتأرجح مركزه –غير الثابت- بين عالمَين أو قل بين عوالم -إن جاز التعبير- نتاج هذه الكوكبية المتناثرة، حتى بات يفكر في عوالم غير إنسانية من الرماديين والفضائيين وغير ذلك من عوالم الجن والخرافات والشعوذة والتنجيم –التاروت- الذي أصبح ضيفاً في الإعلام بشكل مقيت، مما يفتت ذهنه في تشظي مستمر، كما أن النفس البشرية أيضاً أصبحت مرتبطة –بشكل حيوي- بالبنى السياسية والمعرفية التي بات يتيحها له ذلك الفضاء التقني وتلك الخوارزميات بشكل منقطع النظير,, ومن هنا، اختلت موازينه المعرفية والجيوسياسية وحتى الثقافية، ذلك لأنه غير ملم كل الإلمام بهذا أو ذاك وفي الوقت ذاته ينبري في تصدر المشهد وتصدير الرؤى، حتى أصبح هو ذاتياً يتعاطاها كل صباح ومساء بحسب هذا الجهاز بحجم الكف بين يديه، فلا هو حاز على هذا ولا على ذاك وإنما أصبح متفلسفاً متحدثاً خطيباً عالماً في كل شيء، ولكن بلا أي شيء
ذلك لأن المعرفة نفسها -والتي حيرت العلماء والفلاسفة عبر عقود من التاريخ الإنساني- لم تعد قاصرة على العلم وعلى العلماء بقدر ما أصبحت متأثرة بموازين القوى العالمية بجميع تشابكاتها من اقتصاد وثقافة وسياسة وعلم اجتماع وقضايا إنسانية,, أزمة الإنسان المعاصر تتلخص في الاغتراب والتمزق الداخلي بين التقدم المادي السريع والفراغ الروحي، إذ يعاني الفرد اليوم من العزلة رغم شبكات التواصل الاجتماعي، وبين القلق الوجودي والضغط النفسي المستمر الناتج عن متطلبات الحياة، والتقنية الرقمية، والاجتماعية كما يقول أحد المفكرين
العالم بحسب الفكر الحديث وما بعد الكولونيالية -والتي من أهم بنودها هو "تصوير العالم الغربي كعالم متحضر عقلاني، في مقابل تصوير الشرق بأنه عالم عاطفي استبدادي وراكد، وهو ما تم تحليله بهدف تقويض هذا التصور الثنائي، أصبح متحولاً من سلطة مركزية واحدة تحدد القيم والمعاني إلى فضاء متشظ متعدد المراكز، حيث تتنوع المعطيات بين الإعلام الرقمي والأفراد والخوارزميات والهويات العابرة للدول، وهنا تصبح الحرية نفسها غير مستقرة، لأنها بلا مركز أخلاقي موحد, الانسان كرّمه الله بالعقل وبالتفكر وبمعايير منطقية، لم يعد يستخدمها في زحمة المعطيات التي تتناثر في ذهنه مما يجعله عالماً جغرافياً، وسياسياً، وعالم ذرة ورياضيات، ومهندساً معمارياً، ومرشداً دينياً، وعبقري عصره! في حين أنه لا يقوى على ضبط إيقاعه اليومي ولا حتى التعاطي مع محيطه العائلي والأسري والاجتماعي في أضيق الدوائر
ومن هنا، نجد أن العالم قد تحول نحو الفردانية المنفلتة من أي سلطة، وهو ما احتوت عليه بعض البنود التفكيكية على يد الفلاسفة جاك دريدا وميشيل فوكو وغيرهم ممن يدعون إلى هدم سلطة المركز وكسر الكاريزما، وغير ذلك من دعواتهم الفلسفية التي تسربت عبر الماء والهواء إلى ذهنية الإنسان المعاصر نفسه.
***
نهاد الحديثي







