لم نكن نعرف، ونحن نلتقط هذه الصورة في كلية التربية 1968، أن المصوّر كان يقتطع من الزمن لحظةً ستغدو، بعد أكثر من نصف قرن، وثيقةً للحنين والفقد والمنفى والنجاة.
كنا طلاباً، نطلّ على الحياة بوجوه لم تتعلم بعدُ معنى الغياب. خلفنا جدار من الآجر، وشجرة كالبتوس تمدّ ظلها فوق الرؤوس، ومقعد خشبي بسيط جمعنا، لكل واحد منهم حلمه وطريقه الذي لم يكن قد انكشف بعد. ربما هنا على هذه المصطبة جلس قبلنا: مصطفى جواد، علي جواد الطاهر، السياب، البياتي، نازك الملائكة، سعدي يوسف، لميعة عباس عمارة، عاتكة الخزرجي، يوسف الصائغ، عزيز الحاج، عناد غزوان، عبد الرزاق عبد الواحد، عبد الجبار عبد الله، نوري جعفر، فاضل العزاوي، وغيرهم من طلبة دار المعلمين العالية في خمسينيات وأربعينيات القرن الماضي.
كانت المصطبة شاهداً صامتاً على أجيال الثقافة العراقية، كنا غير مدركين أننا بدورنا نضيف إلى ذاكرتها حكاية أخرى.
من اليسار يقف جبار الكواز، الطالب الذي مضى إلى الشعر، كأن القصيدة كانت تنتظره منذ تلك الوقفة البعيدة. وإلى جانبه حميد الخاقاني، الذي ستأخذه الغربة بعيداً عن العراق منذ أواسط السبعينيات، ليصبح أستاذاً جامعياً في جامعة هاله، حاملاً معه أسئلة الوطن وهموم التنوير، ليواصل اليوم حضوره عبر "منبر حوار التنوير". ثم منهل نعمة العارضي، طالب الحقوق يومها، الشاعر والمحامي والمثقف اللامع، ذلك الوجه الشاب الذي لا توحي ابتسامته بشيء مما كان يخبئه له الزمن. لم يكن يعرف أن يداً غاشمة ستنتزعه من الحياة، وأن سلطة صدام ستغيّبه في أوائل الثمانينيات، فلا يبقى منه لأصدقائه سوى الذكرى، وبعض الكلمات، وهذا الوجه الذي ما زال في الصورة شاباً إلى الأبد.
في أقصى اليمين أجلس أنا "كاتب المنشور"، لا أعرف يومها أنني سأعود بعد كل هذه العقود لأتأمل ذلك الشاب. أنظر إليه الآن وأسأله في سرّي: ماذا كنت تفكر يا ...؟ وأي مستقبل كنت تراه وراء عدسة المصوّر؟ هل خطر لك أن المقعد الذي يجمعكم سيتفرق أهله بين الشعر والمنفى والغياب والذاكرة؟
ما أقسى الصور القديمة وما أعذبها.
إنها لا تشيخ معنا. نحن الذين تتبدل ملامحنا، وتنحني السنوات على أكتافنا، ونفقد الأصدقاء واحداً بعد آخر.
أتوقف عند منهل.. أراه شاباً ممتلئاً بالحياة، لم تستطع يد الجلاد أن تمحو ابتسامته. فيما تحمل ذاكرتي يوم غاب عن مقهانا ثلاثة أيام، عاد وهو يحمل رواية "الدون الهادئ"، كان لزاماً عليه أن يفي بوعده في إعادتها لصاحبها رياض، بعد أن انصرف كلياً لقراءتها خلال تلك الفترة.
أما حميد، فقد حملته المسالك إلى البلاد الباردة، بقيت بينه وبين بغداد مسافات لا تقاس بوحدات الطول وحدها.. وفيّاً لأسئلة الفكر والتنوير، حتى غدا اليوم يدير "منبر حوار التنوير". وحين أتأمله في الصورة الآن، أراه كما كان قبل أن تثقل الغربة كتفيه: فتى وسيماً، أسمر، يصفف شَعرَه بعناية. يكتب الشعر ويتغزّل بجميلات الكلية، غير أن واحدة منهن خرجت من القصيدة لتدخل حياته وتبقى فيها: زميلته في الصف فائزة، أو "فوز" كما كان يسميها. كتب فيها يوماً: "يقطر العراق من عيون فوز". لم تكن فوز عابرةً في قصيدته، فقد صارت رفيقة العمر وزوجته. ثم حملتهما الحياة إلى الشواطئ البعيدة.
حين غادر العراق منذ أواسط السبعينيات، بقي ذلك الشاعر الشاب، على الرغم من المسافات والسنين، يحمل شيئاً من بغداد في لغته ووجدانه. وما أبلغ مفارقة الزمن: كان يرى العراق يومذاك يقطر من عيني فوز، والرصاص ينهمر في الوطن كالمطر.
أربعة طلاب في باحة كلية التربية بجامعة بغداد، في صباح عراقي بعيد، لا يعرفون ما الذي تعدّه لهم البلاد. واحد أخذته الوظيفة، غير منقطع عن الشعر، وآخر حمله المنفى، وثالث ابتلعته ظلمة الاستبداد، ورابع بقي ليروي الحكاية.
***
جمال العتّابي








