عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

وليد الحيالي: فاخر جاسم أبو سلام.. نصف قرن من الوفاء والنضال والصداقة

هناك أصدقاء تمنحنا الحياة فرصة التعرف إليهم، وهناك آخرون يصبحون جزءًا من ذاكرتنا ووجداننا، فتغدو صداقتهم تاريخًا يمتد مع الزمن، لا تنال منه المسافات ولا تغيره تقلبات الحياة. ومن هؤلاء الصديق والرفيق العزيز الدكتور فاخر جاسم (أبو سلام)، الذي عرفته قبل أكثر من خمسين عامًا، وما زالت تربطني به علاقة تقوم على المودة والاحترام والوفاء.

كان لقاؤنا الأول في بغداد عام 1975، في مرحلة كانت البلاد تعيش مخاضًا سياسيًا عسيرًا، حيث جمعنا العمل الوطني السري والنضال من أجل عراق حر، تسوده قيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. كانت تلك السنوات مدرسةً في التضحية، صنعت صداقات لا تقوم على المصالح العابرة، بل على الإيمان بالمبادئ والالتزام بقضايا الوطن.

لكن رياح السياسة كثيرًا ما تعصف بأحلام المناضلين. فقد جاءت الحملة الشرسة التي تعرضت لها القوى اليسارية عام 1977 لتفرق الرفاق، وينقطع التواصل بين كثير منهم، وكان فاخر واحدًا ممن غيبتهم ظروف تلك المرحلة القاسية عن الأنظار.

غير أن للأقدار طرائقها العجيبة في جمع الأحبة. ففي عام 1979، وبينما كنت أقيم في الجزائر، التقيت فاخر مصادفة في أحد شوارع العاصمة، وكان برفقة زوجته الفاضلة أم سلام. كان لقاءً استثنائيًا أعاد إلينا دفء الرفقة، وكأن السنوات الفاصلة لم تكن سوى أيام قليلة. ومنذ ذلك اللقاء، تشاركنا هموم الغربة، وتقاسمنا تفاصيل الحياة في المنفى، حتى اضطررت إلى مغادرة الجزائر متوجهًا إلى موسكو لإكمال دراستي العليا، لتنقطع بيننا الاتصالات مرة أخرى.

وتوالت السنوات، حاملة معها الكثير من المحطات المؤلمة. فقد انتقلت للإقامة في الأردن، حيث عملت أستاذًا في جامعاتها، قبل أن أحصل على اللجوء السياسي في الدنمارك عبر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين. وكانت تلك المرحلة من أصعب مراحل حياتي، إذ فقدت ابنتي الوسطى الحبيبة لينا إثر حادث اعتداء مدبر، وهو جرح ما زال يسكن القلب ولا يندمل بمرور الزمن.

وبعد استقراري في الدنمارك بعام تقريبًا، أخبرني الصديق الراحل عدنان أبو علي أن فاخر يقيم في مدينة قريبة من مالمو السويدية. فبادرت، برفقة الصديق الراحل عدنان فارس، إلى زيارته، وكانت زيارة لا تُنسى، استعدنا خلالها ذكريات بغداد والجزائر، واستحضرنا أسماء الرفاق الذين فرقتهم المنافي، وتحدثنا عن سنوات النضال بما حملته من أفراح وأحزان، وانتصارات وانكسارات.

وفي عام 2007، وبعد تأسيس الأكاديمية، التحق الدكتور فاخر بمنحة دراسية لإكمال الدكتوراه، ليحصل لاحقًا على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية، وينضم إلى الهيئة الأكاديمية، حيث عملنا معًا لسنوات طويلة، تجمعنا المسؤولية العلمية والاحترام المتبادل، إلى جانب صداقة رسختها عقود من التجارب المشتركة.

وأستطيع، بعد أكثر من نصف قرن من المعرفة، أن أقول بثقة إن فاخر لم يتغير. بقي الإنسان نفسه؛ المثقف الهادئ، والرفيق الوفي، والصديق الصادق، الذي يحمل في قلبه محبةً للناس، وإخلاصًا لرفاق دربه، وتواضعًا يزداد عمقًا كلما ازدادت مكانته العلمية.

واليوم، ونحن نحتفل بترقيته إلى مرتبة الأستاذية (Professor)، فإننا لا نحتفي بمنجز أكاديمي فحسب، بل بمسيرة إنسان كرّس حياته للعلم والفكر، وظل وفيًا لقيمه وأصدقائه، رغم كل ما واجهه من تحديات وتحولات.

أخي العزيز، ورفيق الدرب، الأستاذ الدكتور فاخر جاسم (أبو سلام).. ألف مبارك هذا الاستحقاق العلمي الرفيع. لقد جاءت الأستاذية تتويجًا لمسيرة حافلة بالعطاء والبحث والالتزام، وهي شهادة يستحقها عن جدارة. أسأل الله أن يمنّ عليك بموفور الصحة والعافية، وأن يمد في عطائك العلمي والإنساني، لتبقى كما عرفناك دائمًا: عالمًا متميزًا، وإنسانًا نبيلًا، وصديقًا وفيًا.

***

البروفيسور وليد الحيالي

 

في المثقف اليوم