لا تُعدّ ظاهرة التطبيع نتاجاً طارئاً للمرحلة المعاصرة، ولا اختراعاً سياسياً حديثاً، بل هي سلوك تاريخي عميق الجذور، ارتبط، في سياقاته الأولى، بمحاولات التكيّف القسري مع حضارات متفوّقة. فقد عرف اليهود أشكالاً مبكرة من التطبيع كلّما وجدوا أنفسهم إزاء قوة حضارية غالبة، كما حدث إبّان السبي البابلي، حيث جرى امتصاص الصدمة عبر إعادة إنتاج الهوية داخل منظومة الغالب. غير أنّ التطبيع الذي طالما تمنّته الصهيونية، ولم يتحقق تاريخياً، بدأ يتبلور فعلياً مع نهاية القرن الثامن عشر، في ظل التحولات البنيوية الكبرى التي أفرزها الانقلاب الصناعي الرأسمالي في الغرب، وما رافقه من صعود الدولة القومية الحديثة، وتفكك البنى التقليدية.
ومن هنا، لا يُعدّ التطبيع مفهوماً سياسياً فحسب، بل يشكّل أحد الأعمدة المركزية في الفـكر الصهيوني، فهو العملية التي يُفترض أن يتخلّص اليهودي من خلالها من أمراض المنفى وعُقدة الشتات، عبر السيطرة على المصيرين السياسي والاقتصادي، والانتقال من موقع الضحية التاريخيّة إلى موقع الفاعل المهيمن. وبهذا المعنى، يصبح التطبيع مرادفاً للتغريب؛ أي إعادة إدماج الكيان الصهيوني في الفضاء الغربي بوصفه امتداداً طبيعياً له داخل الشرق.
ومع توقيع اتفاقية "كامب ديفيد"، شاعت كلمة التطبيع في الخطاب السياسي العربي، ولا سيما في مصر، للدلالة على جعل العلاقات مع الكيان الصهيوني علاقات طبيعية، شبيهة بالعلاقات بين أي دولتين متجاورتين. غير أنّ هذا الفهم العربي للمصطلح يختلف جذرياً عن دلالاته في الأدبيات الصهيونية، حيث لا يشير التطبيع إلى تسوية سياسية، بل إلى إعادة تشكيل الـوعي، وجعل التعامل مع اليهود، بوصفهم كياناً استيطانياً، أمراً اعتيادياً، منزوع الحساسية الأخلاقية والتاريخيّة.
وعندما أشرف الرئيس الأمريكي الأسبق (جيمي كارتر) على توقيع اتفاقيات "كامب ديفيد" (1978–1979) بين (أنور السادات) و(مناحيم بيغن)، لم يخفِ الطابع اللاهوتي للخطاب السياسي المصاحب للاتفاق، حين قال: "دعونا نترك الحرب جانباً… دعونا نكافئ كل أبناء إبـراهيم المتعطشين إلى اتفاق سلام شامل في الشرق الأوسط… دعونا نستمتع بتجربة أن نكون آدميين بالكامل، وجيراناً بالكامل، وحتى إخوة وأخوات". لم تكن هذه اللغة تعبيراً عن نزعة إنسانية بريئة، بل كانت تدشيناً مبكراً لاستخدام الرمز الإبـراهيمي بوصفه جسراً رمزياً لتطبيع الاحتلال.
وتتكرّس هذه الاستراتيجية في الخطاب الأمريكي اللاحق، ففي تقرير "بروكينغز" الصادر في الدوحة عام 2013، أشار الرئيس الأمريكي السابق (باراك أوباما) إلى وجود حوافز سلبية تدفع المنطقة نحو القبول بالمشترك الإبـراهيمي، وفي مقدمتها الصراع السني–الشيعي. وهو ما أكده لاحقاً تقرير مركز "راند" عام 2017 حول مستقبل الطائفية في الشرق الأوسط، حين اعتبر أن تفاقم الانقسامات الطائفية يفتح الباب أمام هيمنة الهويات المحلية الضيقة، أو القبول بالمشترك الإبـراهيمي بوصفه مخرجاً من الانسداد الداخلي.
فالمنطق هنا واضح: تعميق الصراع داخل الدين الواحد لإنتاج حالة من النفور الوجودي، تمهيداً لقبول قيم مشتركة مجرّدة، كالتسامح والمحبة والإخاء، بوصفها بديلاً عن العقيدة، ومدخلاً ناعماً لتمرير الفـكر الإبـراهيمي الجديد، الذي يُقدَّم كحل إنساني شامل، بينما يخفي في جوهره إعادة ترتيب للولاءات.
وفي عام 1993، ومع توقيع اتفاقيات "أوسلو" بين (ياسر عرفات) و(إسحاق رابين)، عاد الرمز الإبـراهيمي بقوة إلى الخطاب السياسي الأمريكي، فقد قال الرئيس (بيل كلينتون)، أثناء إشرافه على مراسم التوقيع في البيت الأبيض: "لأجل هؤلاء يجب أن نحقق نبوءة إشعياء… إن أبناء إبـراهيم، أي نسل إسحاق وإسماعيل، انخرطوا معاً في رحلة جريئة". وهنا، يُستدعى النبي مرة أخرى لا بوصفه رمزاً للعدل، بل بوصفه مظلّة لغوية لتسوية غير عادلة.
وعند توقيع اتفاقية التطبيع بين إسرائيل والأردن عام 1994، خفّف (كلينتون) من الإشارة المباشرة إلى إبـراهيم، لكنه لم يتخلّ عن البعد الديني، إذ استشهد بنصوص من القرآن والكتب اليهودية المقدّسة، تاركاً للملك (حسين) مهمة استحضار الرمز الإبـراهيمي صراحة، حين قال: "سوف نتذكر هذا اليوم… لأجل أجيال المستقبل، كل أبناء إبـراهيم". وهكذا، تتكامل الأدوار بين الراعي الدولي والطرف المحلي في إعادة إنتاج الخطاب ذاته.
***
د. حيدر عبد السادة جودة








