عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

بشرى الهلالي: هم يعرفون.. ونحن نعرف كل شيء

هم يعرفون ما يريدون، ونحن ندور حول ما نريد. يقولون ما يؤمنون به، بينما نتشدق أحيانًا بكلمات قد نحفظها أو نسمعها أو نقولها لإرضاء طرف ما. وفي أغلب الأحيان، يتغير لون الكلمات وطعمها لتتبدل الآراء تبعًا للظروف.

حالفني الحظ، قبل سنوات، بحضور إحدى الورش حول فن الكتابة، قدّمها كاتبان أميركيان في أواسط العمر لطلبة اللغة الإنكليزية في إحدى الجامعات. استمرت الورشة أكثر من ساعتين، وكان بعض الطلبة قد أُجبروا على حضورها، لكن أكثر ما شدني إليها لم يكن موضوعها بقدر ما كان أسلوب الرجلين في إدارتها.

كانا يتناوبان الحديث، وتترابط أفكارهما حتى ليبدو أحدهما وكأنه يكمل الآخر. ينتقلان من فكرة إلى أخرى بسلاسة، ويمهد كل منهما للآخر، ويضعان خطة واضحة للانتقال بين الموضوعات، من دون استعراض أو تعقيد. كانت لغتهما بسيطة وأفكارهما واضحة، ومع مرور الوقت خيّم الصمت على القاعة، وأخذ الجميع يصغي إليهما، حتى أولئك الذين لم يأتوا إلى الورشة طوعًا.

ظللت أفكر في هذا المشهد وأنا أتذكر أغلب التجمعات الثقافية التي حضرتها. في كثير منها، يدب الملل في نفوس الحاضرين، وهم ليسوا طلبة أُجبروا على الحضور، بل نخبة مثقفة جاءت لتستمع إلى تجربة "فلان الفلاني" الإبداعية. فإذا به يغوص في استعراض عضلاته، ويستخدم مفردات ومصطلحات "مفخمة"، ويستطرد، ثم ينتقل بين الأفكار من دون ترتيب أو نظام.

أما إذا اجتمع اثنان أو أكثر، فقد تتحول الجلسة إما إلى تبادل للإطراء والمديح، أو إلى "عركة" مبطنة تحت شعار "الجرأة في الطرح".

ولعل المشكلة الأكبر تظهر حين يتعلق الأمر بتبادل وجهات النظر. فمن لا يتفق مع وجهة نظر فلان يصبح، في بعض الأحيان، عدوًا له. وكأن الاختلاف في الرأي إساءة شخصية. لا بأس أن تسعى إلى إقناعي بوجهة نظرك، وأن أحاول أنا أيضًا إقناعك بوجهة نظري. لكن لا بأس، في المقابل، أن يظل كل منا محتفظًا برأيه، من دون أن نسمع: "مو إنت متفهم الوضع؟ لازم تعرف."

ربما كان أحد الفروق بيننا وبينهم أن ثقافة العمل الجماعي، أو "التيم وورك"، جزء أساسي من طريقة تفكيرهم في كثير من البيئات. كل شخص يكمل الآخر، ويتعلم منه، ويضيف إلى ما لديه من خبرة. أما عندنا، فكثيرًا ما تتحول المبادرة إلى مساحة للسيطرة، وكأن نجاح العمل لا يكتمل إلا إذا كان شخص واحد هو الذي يعرف ويقرر ويدير كل شيء.

والأمر الآخر أنهم، في كثير من الأحيان، لا يجدون حرجًا في التعلم من الآخرين، أو في قول "لا أعرف". أما نحن، فننظر إلى عدم المعرفة أحيانًا بوصفها نقيصة، وكأن على الجميع أن يعرفوا كل شيء. وحتى إذا لم نعرف، يصعب علينا الاعتراف بأن الآخر يعرف أكثر منا. وعوضًا عن أن نستفيد مما يعرفه، قد نصر على آرائنا، وربما نتجنب الحديث أو العمل معه.

ومن منظور علم الاجتماع، فإن صفات أي مجتمع تنعكس على أفراده، كما أنها تتشكل من خلالهم. والعراقي، في جزء من ثقافته الاجتماعية، اتصف وما زال يتصف بالأنفة، وحب السيطرة والقيادة، وصعوبة تقبل فكرة تفوق الآخر، وعدم الاعتراف بالجهل في أمر ما وكأنها نقيصة.

ومع أن الإنسان، مهما تعلم، يظل عاجزًا عن معرفة كل شيء، فإن الاعتراف بأن الآخر يعرف أكثر منا ليس هزيمة، كما أن قول "لا أعرف" ليس عيبًا. ربما يكون العيب الحقيقي أن نعرف أننا لا نعرف، ثم نصر على التظاهر بأننا نعرف.

لكن الغريب...

أن العراقي لا يطبق صفاته هذه في التعامل مع السياسيين والوضع السياسي!

*** 

بشرى الهلالي

في المثقف اليوم